Al-Basit — آل عمران 3:61 – آل عمران 3:141
المحتويات
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:124
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:129
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:131
- آل عمران 3:132
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:136
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
آل عمران 3:61
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى عليه السلام. وقيل [[لم أقف على القائل، وقد حكى المفسرون القولين دون بيان الذاهب إلى القول الثاني. وقد ذهب الطبري إلى الأول، وأجاز الثاني. انظر: "تفسيره" 3/ 298، "تفسير البغوي" 1/ 48، "زاد المسير" 1/ 399.]]: الهاء تعود إلى ﴿الْحَقُّ﴾، في قوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. أنَّ عيسى عبد الله ورسوله. ﴿فَقُل تَعَالَواْ﴾. أصله: (تعالَيُوا)؛ لأنه (تَفاعَلُوا)؛ من: (العُلُوِّ)، فاستُثْقِلت الضمة على الياء، فسُكِّنت، ثم حُذِفَت لاجتماع الساكِنَيْن. وأصله: العُلُوُّ والارتفاع.
فمعنى (تعالَ): ارتفع. إلاَّ أنه أكثر [[في (ب)، (د): (كثر).]] في الاستعمال حتى صار لكل مجيء، وصار بمنزلة (هَلُمَّ) [[انظر: "الزاهر" 3/ 277، "مفردات ألفاظ القرآن" 584 (علا).]].
وقوله تعالى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾. فقال المفسرون [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 423.]]: لمَّا احتجَّ الله تعالى على النصارى من طريق القياس بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ [آل عمران: 59]، الآية؛ أمر [[(أمر): ساقطة من (د).]] النبي ﷺ، أن يحتجَّ عليهم من طريق الإعجاز وهو: المباهلة.
ومعنى المباهلة: الدعاء على الظالم من الفريقين [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" 556، "الزاهر" 1/ 219، "مقاييس اللغة" 1/ 311 (بهل). وقد ذكر ابن فارس أن (بهل) أصل لثلاثة معانٍ: الابتهال، والتضرع، والدعاء، ثم قال: (والمباهلة يرجع إلى هذه، فإن المتباهِلَيْن يدعو كل واحد منهما على صاحبه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61].]]. فلما نزلت هذه الآية، دعا رسول ﷺ وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله ﷺ محتضنًا الحسينَ [[هو: أبو عبد الله، الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، حفيد رسول الله ﷺ ابن بنته فاطمة رضي الله عنها، اختلف في سنة ولادته ما بين سنة (4 هـ - 6 هـ)، وكان رحمه الله دَيِّنا فاضِلا كثيرَ الصيام والصلاة والحج، وقُتِل رضي الله عنه بكربلاء من الكوفة سنة (61 هـ)، إثر خروجه على بني أمية رضي الله عنه. انظر: "الاستيعاب" 1/ 442، "الإصابة" 1/ 332.]]، آخذًا بيد الحَسَن [[هو: أبو محمد، الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، حفيد رسول الله ﷺ، ابن بنته فاطمة رضي الله عنها وُلِد سنة (3 هـ)، كان حليمًا ورعًا فاضلًا، ترك المُلْك والدنيا حرصًا على دماء المسلمين، ورغبة فيما عند الله، اختلف في سنة وفاته ما بين (49 هـ - 51 هـ)، ودفن بالبقيع. رضي الله عنه. انظر: "الاستيعاب" 1/ 436، "الإصابة" 1/ 328.]]، وفاطمة [[هي: الزهراء، بنت رسول الله ﷺ، وزوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عم رسول الله ﷺ، وأم الحسن والحسين رضي الله عنهما. انظر: "الاستيعاب" 4/ 447، "الإصابة" 4/ 377.]] تمشي خلفه، وعَلِيٌّ خلفها، وهو يقول لهم: إذا أنا دعوت فَأَمِّنوا. فقال: أُسْقُفُّ [[الأُسقُفُّ بتشديد الفاء، وتخفيفها: لقب ديني لأحبار النصارى، فوق القسِّيس، == ودون المطران. ويقال: سُقْفٌ. والجمع: أساقفة، وأساقف. انظر (سقف) في "القاموس المحيط" ص 820، "المصباح المنير" 106، "المعجم الوسيط" ص 438. وقد سَمَّى ابنُ إسحاق هذا الأسقُفَّ، وهو: أبو حارثة بن عَلْقَمة، أحد بني بكر بن وائل، ووصفه بأنه أسقفُّهم وحَبْرُهم وإمامُهم، وصاحبُ مِدْرَاسِهم. وذكر في موضع آخر أن الذي قال ذلك هو العاقب، واسمه عبد المسيح، ووصفه بأنه أميرُهم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه. وفي "دلائل النبوة" لأبي نُعيم: أن الذي نصحهم، هو: السَّيِّد، واسمه: الأيهم، وهو صاحب رحلهم ومجتمعهم والذي يقوم بأمورهم. انظر: "السيرة" لابن هشام: 2/ 215، "دلائل النبوة" 355.]] نَجْران: يا معشر النصارى: إني لأرى وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل جبلًا عن مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. ثمَّ قبلوا الجِزْيَةَ وانصرفوا. فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، إنَّ العذاب قد تدلَّى على أهل نجران، ولو تلاعنوا، لمُسِخوا قِرَدَةً وخنازيرَ، ولا ضطَرَبَ عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجرانَ وأهلَهُ، حتى الطيرَ على الشجر، ولَمَا حالَ الحولُ على النصارى حتى هلكوا" [[وردت قصة المباهلة في كتب السنة، والتفسير بالمأثور، بروايات وألفاظ مختلفة تتفق في مضمونها مع ما ذكره المؤلف، ولكن لم أجد الرواية بهذا اللفظ الذي ساقه المؤلف إلا عند البغوي في "تفسيره" 2/ 48، وذكرها الزمخشري في "الكشاف" 1/ 434. وتتفق بعض ألفاظ رواية المؤلف مع بعض الروايات الواردة في كتب السنة، وتقرب من بعضها، كما أن بعض ألفاظها بالمعنى. انظر: "روايات المباهلة" في "صحيح البخاري" (4380) كتاب: المغازي، باب: (قصة أهل نجران). "صحيح مسلم" (2404) كتاب: فضائل الصحابة، باب (من فضائل علي)، "سنن الترمذي" (2999)، كتاب: التفسير، باب: من سورة آل عمران، وقال عنه: (حسن صحيح). "مسند أحمد" 1/ 248، "مستدرك الحاكم" 2/ 594 وصححه، ووافقه الذهبي. "مصنَّف ابن أبي شيبة" 6/ 381 رقم الحديث (32175)، "سيرة ابن هشام" 2/ 215، "تفسير الطبري" 3/ 299 - 301، "تفسير == ابن أبي حاتم" 2/ 667 - 668، "دلائل النبوة" لأبي نعيم: 353 - 354، "أسباب النزول" للواحدي: 107 - 108. وأوردها السيوطي في "الدر" 2/ 67 - 70، ونسب إخراج بعض رواياتها للبيهقي في الدلائل، وابن مردويه، وعبد بن حميد، وسعيد ابن منصور. وأوردها ابن كثير في "تفسيره" 1/ 395 من لفظ ابن إسحاق في "سيرة ابن هشام" ومن رواية البيهقي في الدلائل، ومن غيرها من كتب السنة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾. قال أهل المعاني: يعني بـ (الأنفس): بني العم. والعرب لا تستنكر أن تخبر عن ابن العم بأنه نفسُ ابن عمِّهِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [[سورة الحجرات: 11 وبعدها: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.]]؛ أراد: إخوانكم من الدين [[في (ج)، (د): (من المؤمين).]]، فأجرى [[في (ج): (وأجرى).]] الأخوَّةَ في [[في (ب): (من).]] الدين، مجرى الأخوَّةِ في [[في (ب): (من).]] القرابةِ [[وقد ذكر ابن خالويه أن من معاني (النفس): الأخ. ثم استدل له بقوله تعالى في آية 29 من النساء: ﴿وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُم﴾، وقال: (أي: إخوانكم). وقد نقل صاحب "اللسان" قوله ابن خالويه، واستدل له بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ آية: 61 سورة النور. انظر ليس في كلام العرب، لابن خالويه: 196، "لسان العرب" 6/ 234 (نفس). وكذا فسرها ابن قتيبة، فقال: (أي: إخواننا وإخوانكم). "تفسير غريب القرآن" 106.]]. وإذا [[في (ج): (إذا) بدون واو.]] وقعت النفس على البعيد في النسب، كان أجدر أن تقع على القريب في النسب والدين؛ وإنَّما قلنا هذا؛ لأن المتكلم لا يقول ادعوا فلانا وفلانا ونفسي؛ لأنه يكون حاضرًا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ الابتهال في اللغة يكون على معنيين:
أحدهما: التضرع إلى الله.
والثاني: الالتعان، والدعاء بـ (البَهْلَةِ)، وهي: اللَّعْنَةُ. يقال: (عليه بَهْلَةُ اللهِ)؛ وبَهلتهُ؛ أي: لعنته [[ما ذكره المؤلف من معاني الابتهال، ترجع إلى (البَهْل)، وهو: اللعن. والبَهْلَهُ بفتح الباء وبضمها تعني: اللغنة. و (باهَلَ القَومُ بعضهم بعضا)، و (تباهلوا، وابتهلوا)؛ أي: تلاعنوا، وذلك أن جتمعوا ويقولوا: لعنة الله على الظالم مِنَّا؛ وذلك إذا ما اختلفوا في شيء. ومن معاني (بَهَلَ): التخلية. ويقولون: (بَهَلْتُه)؛ إذا خلَّيته وإرادَته، و (أبهل الراعي إبِلَهُ): إذا تركها ترعى، أو تركها من الحلب. و (الباهل من الإبل): التي لا صِرَارَ على ضَرْعِها. و (أبْهَلَ الوالي رعيَّتَه): إذا أهملها. والمعنيان من وادٍ واحد؛ لأن اللعن في حقيقته: إهمال وإبعاد، فـ (بهَلَه اللهُ): لعنه وأبعده من رحمته. وهذا هو أصل الابتهال، ثم استعمل في كل دعاء يُجتهد فيه، وُيستَرسَل، وُيتضرع، وإن لم يكن التعانا. و (البَهْلُ) كذلك: الشيء الحقير اليسير، ومنه المال القليل، والماء القليل. و (التَّبَهُّلُ): العناء في الطلب. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 96، وغريب القرآن، لليزيدي: 42، "الزاهر" 1/ 219، "الصحاح" 4/ 1642 - 1643 (بهل)، "مقاييس اللغة" 1/ 310 - 311 (بهل)، "الفائق" للزمخشري: 1/ 140، "الكشاف" 1/ 434، "اللسان" 1/ 375 (بهل).]].
قال لَبِيد:
في قُرومٍ سادةٍ مِن قومِهم ... نَظَرَ الدهرُ إليهم فابْتَهَلْ [[البيت، في ديوانه: 197، وقد ورد منسوبًا له، في "تفسير الطبري" 3/ 298، "الزاهر" 1/ 219، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 415، "النكت والعيون" للماوردي: 1/ 398، "أساس البلاغة" 1/ 71 (بهل)، "تفسير القرطبي" 4/ 104. وقد وردت روايته في بعض المصادر السابقة: (في كهول سادة)، وورد في كل المصادر السابقة: (.. من قومه) بدلًا من: (.. من قومهم). و (قُروم) مفردها: (قَرْم)، وهو: السيِّد المقدَّم في الرأي والمعرفة وتجارب الأمور. ويقال كذلك للسيد الرئيس: (مُقرَم). انظر: "أساس البلاغة" 2/ 248 == (قرم)، "النهاية في غريب الحديث" 4/ 49، 50 (قرم). وقد فسر الزمخشري في "أساس البلاغة" (ابتهل) الواردة في البيت، فقال: فاجتهد في إهلاكهم. وفسرها د. إحسان عباس محقق الديوان: (سبح، أوقف متضرعًا؛ أي أنه وقف معجبًا وهو ينظر إليهم، أو استشعر ذلة حاله بالنسبة إليهم ..).]].
أي: دعا عليهم بالهلاك، وكلا [[في (ب): (وكان)، وفي (ج)، (د): (وكلي).]] المعنيين مروي عن ابن عباس.
قال [[(قال): ساقطة من: (ج).]] في رواية الكلبي [[أخرج هذه الرواية: أبو نعيم في "دلائل النبوة" 354، وهي في "تفسير البغوي" 2/ 48 من قول الكلبي دون أن يرفعها لابن عباس، وأوردها السيوطي في "الدر" 2/ 69 ونسب إخراجها لأبي نعيم.
وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 668 عن ابن عباس من رواية ابن جربج عنه: (﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾: نجتهد).]]: قوله ﴿نَبْتَهِلْ﴾ أي: نجتهد في الدعاء.
وقال في رواية عطاء [[أوردها السيوطي في "الدر" 2/ 69 من طريق الكلبي عن ابن عباس، وعزاها لأبي نعيم في الدلائل، ولم أجدها فيه، وقال البغوي في "تفسيره" 2/ 48 (قال إبن عباس رضي الله عنهما: أي: يتضرع في الدعاء).]]: ندعُ [[في (د): (ندعوا).]] الله باللَّعنة على الكاذبين.
آل عمران 3:62
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ الآية. أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. وهما جميعا خبر إنَّ): نقله بتصرف عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 424.]]: هذا الذي أوحيناه إليك من الآيات والحُجَجِ.
فـ ﴿هُوَ﴾ [[في (ب)، (ج): (وهو). وفي (د): (هو) بدون واو.]] ههنا يصلح أن يكون فَصْلًا وعِمادًا [[أي: ضمير زائد لا محل له من الإعراب، وضمير الفصل ويسمِّيه الكوفيُّون: == (العماد)، ويُسمَّى كذلك (الدعامة) هو: أحد ضمائر الرفع المنفصلة، يأتي لإزالة اللبس في الكلام، فيفصل بين ما أصله مبتدأ وخبر؛ ليُعلم أن ما بعده خبر عمَّا قبله، وليس نعتا له، وهو يفيد الكلام ضربًا من التوكيد، ويغلب على الاسم الواقع بعده أن يكون معرفة. انظر: "النحو الوافي" 1/ 242 - 250، "معجم الشوارد النحوية" 355، "معجم المصطلحات النحوية" 173.]]، ويكون ﴿الْقَصَصُ﴾ خَبَرَ ﴿إِنَّ﴾. ويصلح أن يكون ﴿هُوَ﴾ ابتداءً، وخَبرُه: ﴿الْقَصَصُ﴾. وهما جميعًا خبرُ إنَّ [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 339، "التبيان" للعكبري: (194)، "الفريد في إعراب القرآن" 1/ 583.]].
والقَصَصُ: مصدر قولهم: (قَصَّ فلانٌ الحديثَ، يقصُّه قَصًّا، وقَصَصًا) [[قال في "اللسان" 6/ 3650 (قصص): (والقِصَّهُ: الخبر، وهو (القَصَصُ). و (قصَّ عليَّ خبره، يقصُّهُ قَصَّا، وقصَصًا): أورده. و (القَصَص): الخبر المقصوص بالفتح وضع موضع المصدر، حتى صار أغلب عليه. و (القِصَصُ) بكسر القاف: جمع (القِصَّة) التي تكتب).]]. وأصله [[من قوله: (وأصله) إلى (سوقا): نقله بتصرف عن "تهذيب اللغة" 3/ 2977 (قصَّ).]]: اتِّباعُ الأثر؛ يقال: (خرج فلانٌ قَصَصًا في أثر فلان)، و (قَصًّا) [[في (د): (وقصصا).]]؛ وذلك إذا اقتصَّ أثَره، ومنه قوله تعالى: [﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: 11]. وقيل للقاصِّ يقصُّ [[في (د): (يقص). والمثبت من: (ج). وفي (تهذيب الغة): (يقُصُّ القَصَصَ).]] لأتباعه خبرًا بعد خبر] [[ما بين المعقوفين: زيادة لازمة لتمام المعنى، من: (ج)، (د)، "تهذيب اللغة".]]، وسَوقه الكلامَ سَوقًا.
فمعنى [[في (ب): (لمعنى).]] (القَصَص): الخبر الذي تَتَابَعُ [[في (ب): (شايع).]] فيه المعاني.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾. (مِن) [[من قوله: (من ..) إلى (.. كما زعموا): نقله باختصار وتصرف من "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 424.]] دخلت توكيدا [[في (ب): توكيد.]] لنفي جميع من ادَّعى المشركون أنَّهم آلهة [[في (د):إله.]]، أي: أن عيسى ليس بإلهٍ كما زعموا، وإنَّما اقتضت (مِن) توكيد النفي؛ لأن أصلها لابتداء الغاية، فدلت [[(فدلت على استغراق النفي لابتداء الغاية): ساقط من (د).]] على استغراق النفي لابتداء الغاية إلى انتهائها [[فـ (من) هنا جارَّةٌ، صلةٌ (أي: زائدة) تفيد استغراق نفي الجنس، أو توكيد العموم، انظر: كتاب "حروف المعاني" للزجاجي: 56، "الجنى الداني" 316317.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. معناه ههنا [[في (ب): هنا.]]: أنه لا أحد يستحقُّ إطلاق هذه الصفة [[في (ج): القصة.]] له إلا هو.
آل عمران 3:63
قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ الآية. أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. على إفساده): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 424.]]: فإن أعرضوا عمَّا أتيت به من البيان، فإنَّ الله يعلم من يُفسِد [[في "معاني القرآن": (يفسد من خلقه).]] خلقه فيجازيه على إفساده.
آل عمران 3:64
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية [[الآية: ساقطة من (د).]]. الخطاب لنصارى نجران؛ عند الحسن [[قوله في "النكت والعيون" 1/ 399، "تفسير القرطبي" 4/ 105.]]، والسُدِّي [[قوله: في "تفسير الطبري" 3/ 302، "النكت والعيون" 1/ 399، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "زاد المسير" 1/ 400، "القرطبي" 4/ 105، "الدر المنثور" 2/ 71.]]، وابن زيد [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 302، "النكت والعيون" 1/ 399، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "تفسير القرطبي" 4/ 105.]]، ومحمد بن جعفر بن الزبير [[قوله في "سيرة ابن هشام" 2/ 215 من رواية ابن إسحاق عنه، "تفسير الطبري" 3/ 302، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "الدر المنثور" 2/ 71.]].
وليهود المدينة؛ عند قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 302، "النكت والعيون" 1/ 399، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "زاد المسير" 1/ 400، "تفسير القرطبي" 4/ 105، "الدر المنثور" 2/ 71 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد.]]، والربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 302، "النكت والعيون" 1/ 399، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "زاد المسير" 1/ 400، "الدر المنثور" 2/ 71.]]، وابن جُرَيج [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 302، "ابن أبي حاتم" 2/ 669، "النكت والعيون" 1/ 399، "المحرر الوجيز" 3/ 154، "زاد المسير" 1/ 400، " الدر المنثور" 2/ 71.]]. وعند بعضهم [[ومنهم: عمر بن عبد العزيز، كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 669، ونُسِب القولُ به إلى الحسن، كما في "زاد المسير" 1/ 400، وكذلك جعلها الطبري عامَّةً لأهل الكتابين. انظر: "تفسيره" 3/ 302 - 303، وإليه ذهب المؤلف الواحدي في تفسيره (الوجيز) (مطبوع بهامش تفسير مراح لبيد): 1/ 102.]]: الخطاب لهما جميعًا [[رجح الطبري هذا الرأي، مستدلًّا بعدم مخصص من أثر صحيح لأحد الفريقين دون الآخر، وليس أحدهما أولى بأن يُقصَد دون الآخر، وقال: (فالواجب أن يكون كل كتابي معنيًا به لأن إفراد العبادة لله وحده وإخلاص التوحيد له، واجب على كل مأمور منهي من خلق الله، واسم أهل الكتاب يلزم أهل التوراة والإِنجيل، فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا). "تفسيره" 3/ 302 - 303. وإليه ذهب ابن كثير في "تفسيره" 1/ 398، والشوكاني في "فتح القدير" 1/ 525. واستظهر ابن عطية أن الآية نزلت في وفد نجران إلا أن لفظ (أهل الكتاب) == يعمهم، ويعم سواهم من النصارى واليهود. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 154.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾. معنى [[من قوله: (معنى) إلى (الكلمة): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 424.]] الكلمة: كلامٌ فيه شرح قِصَّة، وإن طال؛ ولذلك يقول [[في (ج)، (د): تقول.]] العرب للقصيدة: (الكلمة) [[وهو من باب إطلاق الجزء، ويراد به الكُلُّ، وسُمِّيت القصيدةُ بذلك؛ لأنها بمجموعها وارتباط بعضها ببعض، صارت في قوة الكلمة الواحدة. وقد تطلق الكلمة وهي واحد (الكَلِم)، ويراد بها الكلام، وذلك على سبيل المجاز. يقول ابن مالك:
كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقم ... اسمٌ وفعلٌ ثم حرف الكَلِم
واحدُه كَلِمَةٌ والقَوْلُ عَم ... وكِلْمَةٌ بها كلام قد يُؤم
فالكلمة قد يُؤَمُّ بها الكلام؛ أي: قد تطلق على الكلام، وهو اللفظ المفيد المتركب من كلمتين أو أكثر. انظر: "شرح ابن عقيل" 1/ 16، "النحو الوافي" 1/ 17. ومن ذلك قول النبي ﷺ: "أصدق كلمة قالها الشاعر؛ كلمة لَبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل". أخرجه: البخاري في "صحيحه" (3841)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: أيام الجاهلية، وأخرجه ابن ماجه في سننه: (3757)، كتاب: الأدب، باب: الشعر.]].
وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. [يريد بـ (السواء): العدل، وكذلك في قراءة عبد الله (إلى كلمة عدل بيننا وبينكم)] [[ما بين المعقوفين زيادة من (د). وانظر قراءة عبد الله بن مسعود وهي قراءة تفسيرية في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 220، "تفسير الطبري" 3/ 303، "المحرر الوجيز" 3/ 155، "البحر المحيط" 2/ 483.]].
قال ابن قتيبة [[في "تفسير غريب القرآن" له: 106، نقله عنه بتصرف واختصار.]]: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؛ أي: نَصَفٍ. يقال: (دعا إلى السواء)؛ أي: إلى النَّصَفَةِ؛ وإنَّما قيل و (النَّصَفَة): (سواءٌ)؛ لأنَّ أعدل الأمور أوساطها [[وعبارة ابن قتيبة أوضح، وهي: (وسواء كل شيء): وسطه. ومنه يقال للنَّصَفَة: (سَواء)؛ لأنها عَدْلٌ. وأعدل الأمور: أوساطها. والنَّصَفَة، والنَّصَفُ: العدل. والمصدر: الإنصاف. انظر: "القاموس" (856) (نصف).]].
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 425، نقله عنه بالمعنى.]]: ﴿سَوَاءٍ﴾: نعتٌ للكلمة، يريد: ذات سواء. وذكرنا الكلام في معنى ﴿سَوَاءٌ﴾ في ابتداء سورة البقرة.
والمعنى: إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية، إذا أتيناها نحن وأنتم كنَّا على السواء والاستقامة. ثمَّ قال: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾. موضع [[من قوله: (موضع ..) إلى (.. فقيل. هي أن لا نعبد إلا الله): نقله بنصه مع تصرف يسير عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 425.]] ﴿أَنْ﴾: خَفْضٌ على البدل من ﴿كَلِمَةٍ﴾ المعنى: تعالوا إلى أن لا نعبد إلاَّ الله. وهذا تفسير للكلمة [[قوله: (وهذا تفسير للكلمة): من قول المؤلف وليس من قول الزجاج.]].
قال الزجاج [[في المصدر السابق.]]: وجائز أن تكون في موضع (رفع)؛ كأن قائلًا قال: ما الكلمة؟ فأجيب، فقيل: هي: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [[وهناك توجيهات إعرابية أخرى لها، انظرها في "الدر المصون" 3/ 233 - 234.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾. أي: لا نعبد معه غيره. يقال: أشرك معه فلانًا: أي: جعله شريكه، وأشرك باللهِ غيره؛ أي: عبده معه عبادة الله؛ فمعنى الباء، معنى (مع) [[انظر في إتيان الباء بمعنى (مع) "رصف المباني" 222، "مغني اللبيب" 140، "تناوب حروف الجر" 94.]]، وفي الباء وجه آخر، ذكرنا [[في (د): (ذكرناه).]] عند قوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 151].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال عطاء عن ابن عباس [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.]]: يريد: كما اتخذت النصارى عيسى، واتخذت بنو إسرائيلَ عُزَيْرًا.
قال الزَّجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 426. نقله عنه بنصه.]]: أي: نرجع إلى أنَّ [[أن: ساقطة من (د).]] معبودَنا الله عز وجل، وأن عيسى بشر، كما أننا بشر، فلا نتَّخذه [[في (ج): تتخذوه.]] ربًّا.
وقال بعضهم [[ومنهم ابن جريج، كما في "تفسير الطبري" 3/ 304 وإليه ذهب الطبري، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 670، "النكت والعيون" 1/ 399، "زاد المسير" 1/ 402، "الدر المنثور" 2/ 71، وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.]]: معناه: لا نطيع في المعاصي أحدًا. والله تعالى أخبر عن اليهود والنصارى لمَّا [[في (د): (بما).]] أطاعوا في معصيته [[في (ج): (في معصية الله).]] علماءَهم، فإنهم اتخذوا [[اتخذوا: غير مقروءة في (أ)، ومثبتة من: بقية النسخ.]] من دونه آلهةً، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [[[سورة التوبة: 31] ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. انظر في تفسيرها "تفسير الطبري" 10/ 114.]]. وفي الخبر: (من أطاع مخلوقًا في معصية الله، فكأنما سجد سجدة لغير الله) [[لم أقف على مصادر هذا الخبر.]].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. أي: إنْ أعرضوا عن الإجابة [[في (أ): (عن الآية). وفي (ب): (عن الحق)، والمثبت من: (ج)، (د): "التفسير الوسيط" للمؤلف.]]، فقابلوا أنتم إعراضَهم عن الحقِّ بِخِلافِهِ؛ للإنكار عليهم، وقولوا: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. أي: مقرون بالتوحيد مستسلمون لما أتتنا به الأنبياءُ.
آل عمران 3:65
قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾. الآية [[الآية: ساقطة من (د).]].
قال ابن عباس [[قوله في "سيرة ابن هشام" 2/ 175، "تفسير الطبري" 3/ 305، "زاد المسير" 1/ 402، "تفسير ابن كثير" 1/ 399، "الدر المنثور" 2/ 72، وزاد نسبة إخراجه إلى البيهقي في الدلائل، وأورده السيوطي في "لباب النقول" 53.]]، والسدِّي [[قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 671، "زاد المسير" 1/ 402، "الدر المنثور" 2/ 72.]]، وقتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 305، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 671.]]: اجتمعت اليهود،
ونصارى نجران عند رسول الله ﷺ، فتنازعوا في إبراهيم، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيًّا، فنزلت هذه الآية.
وقوله [[(قوله): ساقطة من: (ج).]] تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. يريد: إنَّ اليهودية حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية، بعد نزول الإنجيل.
وإنما أنزلت التوراة والإنجليل بعد مهلك إبراهيم بزمان طويل، وليس في الكتابين اسمه بواحد من [دين] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] اليهود والنصارى.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أي: فساد هذه الدعوى؛ إذ العقل يزجر عن الإقامة على دعوى بغير حُجَّة، فكيف بما ظهر فساده بالمناقضة؟.
آل عمران 3:66
وقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾. اختلفوا فيه: فقرأ ابن كثير [[هو: أبو معبد، عبد الله بن كثير الداري المكي. إمام المكِّيِّين في القراءة، وأحد القُرّاء السبعة المشهورين، توفي سنة (120هـ). انظر: "الفهرست" 48، "معرفة القراء الكبار" 1/ 86، "النشر" 1/ 120.]] من طريق قُنْبُل [[في (أ): (قتيل). والمُثبَت من بقية النسخ.
وقُنْبُل، هو: أبو عمر، محمد بن عبد الرحمن، المخزومي مولاهم، المكي. ولد سنة (195هـ)، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالحجاز، أحد رواة قراءة ابن كثير، توفي سنة (291 هـ). انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 230، "النشر" 1/ 120 - 121، "البدور الزاهرة" 8.]]: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ [[في (ج)، (د): (هانتم).]]، بِوَزْنِ (هَعَنْتُم) [[انظر: "الحجة" للفارسي: 3/ 46، "الكشف" لمكي: 1/ 346.]]، أُبْدِلَ [[من قوله: (أبدل ..) إلى (.. الاستفام في أنتم تقرير): نقله عن "الحجة" للفارسي 1/ 4647، نقل بعض عباراته بالنص، وبعضها بالمعنى، وتصرف وزاد في بعضها.]] من همزة الاستفهام الهاءُ؛ أراد: أأنتم [[في (د): (أنتم).]]. والهمزة قد تُبدل هاءً [[في (ج): (نبدلها).]]، كقولهم: (أرقت الماء) و (هرقته) [[في (ج): (وأهرقته).]]، و (إبرِيَة) و (هِبرِيَة) [[(أ)، (ب): (إيريه، وهيريه). وفي (ج): (ابره وهبره)، وفي (د): (اره وهيريه). وما أثبته هو ما استصوبته، نظرًا لقربه من رسم الكلمتين في نسخة ج. أما (إيريه == وهيريه) فلم أقف عليها في كتب اللغة التي رجعت إليها، ولم ترد مثالًا فيما رجعت إليه من كتب الاختصاص في باب الإبدال، إلا ما ورد في "سر صناعة الإعراب" لابن جني: 553، من تمثيله لهذا الإبدال بـ (هيْر، وهِيْر) و (أيْر وإيْر) وهي من أسماء الصَّبا، وقيل: من أسماء ريح الشمال. ولكني استبعدتُها، وأثبتُّ ما هو أقرب إلى رسم الكلمة المثبتة، وهي: الـ (إبْرِيَة) والـ (هبْرِيَة)، وهي: ما تعلق بأسفل الشعر مثل النخالة من وسخ الرأس، أو ما طار من الريش ونحوه. وقد تكون الكلمة المرادة، هي: (أبرْتُهُ)، و (هبَرْتُهُ)، فكتب الناسخ النقط تحت التاء فكانت ياءً. ومعناها: قطعتُهُ، من (هَبر، يَهْبُرُ، هَبْرًا): قطع قِطَعا كبارا. والهَبْرُ: قطْعُ اللحم، و (هَبرتُ له من اللحم هَبْرَةً): قطعت له قِطعَةً ومنه: (هَبَره بالسيف)؛ أي: ضربه وقطعه. انظر: "اللسان" 8/ 4603 (هبر)، 8/ 4735 (هير)، "الممتع" 1/ 399، "ارتشاف الضرب" 1/ 130، "نزهة الطرف" لابن هشام: 158.]].
وهذا كإبدالهم من الباء [[في (ب)، (د): (التاء).]]، الواوَ، في قولهم: (والله)، ومن الواوِ التَّاءَ في (تالله) [[الأصل فيها (بالله) ثم أبدلت الواو من الباء، ثم أبدلت التاء من الواو، ويدل على ذلك:
أولا: أن الباء توصل القسم إلى المقسم به؛ كقولنا: (أحلف بالله).
ثانيًا: أن الباء تدخل على المُضمَر كما تدخل على المُظهَر، كقولنا: (بالله لأقومَنَّ)، و (به لأقعدنَّ). والواو لا تدخل على المضمر البتة، فقتول: (والله لأضربنَّك). فإذا رجعنا إلى المضمر قلنا: (به لأضربنَّك). وهذا هو رأي الجمهور. ونقل ابن هشام عن قطرب وغيره أن التاء غير مبدلة من الواو، وإنما هي حرف مستقل. انظر: "سر صناعة الإعراب"121، 143، 144، 645، "الممتع في التصريف" 1/ 384، "ارتشاف الضرب" 1/ 156، "نزهة الطرف" لابن هشام: 161.]]، فهذه حروف مفردة قد وقع الإبدال منها.
ولا [[في (ج): (لا) بدون واو.]] يجوز أن يكون أراد ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، و (ها) للتنبيه، ثم حَذَف الألفَ، فصار: (هأنتم)، كما حذف الألف من (ها) في (هَلُمَّ)؛ لأن الحروف لا يحذف منها إلَّا إذا كان فيها تضعيف، وليس ذلك في (ها)، وإنَّما حُذِف من (هَلُمَّ)؛ لأن الَّلام التي هي فاءٌ، في تقدير السكون، لأن (تَلُمَّ)؛ [[في (د): (لم).]] كان في الأصل: (تلْمُمْ) [[في (د): (لمم).]]، و (لَمَّ) أصله [[في (ج): (بصله).]]: (الْمُم)، فهي [[يعني: اللام. الذي هو فاءُ الكلمة (لمَّ).]] متحركة بحركة منقولة إليها، والحرف المتحرك بالحركة المنقولة، قد تكون في نيَّة السكون؛ كقولهم: (اَلَحْمَرْ) [[(الحمر): ساقطة من (د). وضبطها في "الحجة" بضم الراء.]]، فالَّلام [[في (د): (اللام) بدون واو.]] في تقدير [[(تقدير): ساقطة من (د).]] سكون؛ بدلالة تقدير الهمزة التي للوصل معها، فكذلك الَّلام في (هَلُمَّ)، وإذا كان في نية سكون، استقام حذف الألف من (ها) كما يُحذف لالتقاء الساكِنَيْنِ، وليس ذلك في (هأنتم) [[في (ب): (ها أنتم).]]؛ فإذا كان كذلك لم يستقم الحذف فيه، كما جاء في (هَلُمَّ).
ومعنى الاستفهام في (أنتم) [[هكذا وردت في جميع السنخ. وفي "الحجة": (أأنتم)، وهي الأصوب.]]: تقرير [[(أ)، (ب)، (ج): (تقدير). وفي (د): (تقديره). والمثبت من "الحجة" وهو الصواب.]].
وقرأ نافع وأبو عمرو (ها انتم) [[في (ج): (هانتم).]] استفهامًا من غير همزٍ ولا مَدٍّ [[الذي أوردته كتب القراءات من قراءة نافع وأبي عمرو: أنهما كانا يقرآنها ممدودة، من غير همز، على الاستفهام. وقول المؤلف: (بلا مدٍّ)؛ يعني: بلا مدٍّ كثير. فقد == كانا يمدان قليلًا بقدر خروج الألف الساكنة. فهذا هو توجيه قول المؤلف والله أعلم. انظر: "السبعة" 207، "الحجة" للفارسي: 3/ 46، "حجة القراءات" 165، "الكشف" لمكي: 1/ 346، "تفسير الفخر الرازي" 4/ 98.
وقال ابن مجاهد في "السبعة" 207: (وروى علي بن نصر عن أبي عمرو استفهامًا مُخفَّفًا بلا همز. وقال أحمد بن صالح عن ورش وقالون عن نافع: ممدودًا غير مهموز).]].
و (ها) [[من قوله (و (ها) ..) إلى (وكذلك في كثير من المواضع البدل يكون في حكم المبدل منه): نقله عن "الحجة" للفارسي: 1/ 47 - 50 نقل بعض عباراته بالنص وبعضها بالمعنى، وتصرف في بعضها بالاختصار والزيادة.]] في هذه القراءة للتنبيه، دخلت على (أنتم)، وخُفِّفت [[في (ج): (فخففت).]] الهمزةُ في (أنتم)؛ لوقوعها بعد أَلِفٍ، كما تقول في (هَبَاءَةٍ): (هَبَايَة) [[(هباية): مطموسة في (أ). وفي "الحجة": (هباةٌ). والمثبت من بقية النسخ. والهباءة: القطعة من الهباء. والهباء: التراب الذي تطيره الريح ويلزق على الأشياء، ويرى في ضوء الشمس. انظر: "اللسان" 8/ 4609 (هبا)، "المعجم الوسيط" 980 (هبأ).]] مليَّنة الهمزة، وفي (المسائل) [[(المسائل): ساقطة من: (ج).]]: (المسايل). ويجوز أيضًا على [[في (ج): (من).]] هذه القراءة: أن يكون [[في (د): (تكون). وفي (ج): مهملة في النقط.]] الهاءُ بدلًا من همزة الاستفهام، كما ذكرنا في قراءة ابن كثير، ودخلت الأَلِفُ التي تدخل للفصل بين الهمزتين في مثل قولك: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ [[في (د): (اانتم). وقد وردت هذه المفردة في الآية 140 من سورة البقرة، و17 من الفرقان، و59، 64، 69، 72، من الواقعة، و27 من النازعات.]]، و ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ [[في (ب): (آاالذكرين)، (د): (الذكرين). وهي مقطع من الآيتين 143، 144 من سورة الأنعام.]] [الأنعام 143] في قراءة أبي عمرو [[انظر: "حجة القراءات" 165، "الكشف" 1/ 346، "النشر" 1/ 364.]].
فإن قيل: إن الألف إنما تدخل للفصل بين المِثْلين، واجتماع المِثْلين قد زال ههنا بإبدال الهاء من الهمزة [[في (د): (الهمز).]]، فلا يُحتاج إلى الألف؛ ألا ترى أنَّ من قال: (هَراقَ)، قال: (أُهْرِيق)، ولم يحذف [[(ب)، (ج): (تحذف).]] الهاء مع الهمزة، كما يحذف [[في (ب): (تحذف).]] إذا قال: (أُرِيق)؛ لزوال اجتماع المثلين؟ قيل: إن البدل قد يكون في حكم المُبدَل عنه، ألا ترى أنَّك لو سميت رجلًا: بـ (هَرِق)، لم تصْرفْهُ كما لا تصرفُ مع الهمزة؛ لأن حكم الهاء حكم الهمزة، وكذلك في كثير من المواضع، البَدَلُ يكون في حكم المُبدَلِ عنه.
وقرأ أهل الكوفة [[يعني بهم: عاصم، وحمزة، والكسائي، وهم من أهل الكوفة، وقرأ بها كذلك ابن عامر. انظر: "السبعة" 207، "الحجة" للفارسي: 3/ 46.]]: (ها أنتم) [[في (د): (هانتم).]] بالمدِّ في (ها)، وتحقيق الهمزة في (أنتم)، ويكون [[من قوله: (ويكون ..) إلى (.. إدخال الألف بين الهمزتين): نقله مع التصرف عن "الحجة" للفارسي: 3/ 51.]] (ها) في قولهم، حرف التنبيه، ولا يكون الهاءُ بدلًا من همزة الاستفهام، كما يجوز [[في (ج): (لا يجوز).]] أن يكون بدلًا منها في قراءة أبي عمرو؛ ولأنهم [[في (ج): (لأنهم) بدون واو.]] لا يرون إدخال الألف بين الهمزتين.
فإن قيل: ما وجه التنبيه [[في (د): (التثنية).]] بـ ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ مع أنه لا يُنبَّهُ الإنسان على نفسه، وإنما يُنبَّه على ما أغفله؟. قيل: إنَّ التنبيه [[في (ج): (قيل خرج التنبيه).]] وإن كان على ما أغفله من حاله فإنه يُنبَّه بذكر ما يعلم على ما لا يعلم، فلذلك خرج التنبيه على النفس؛ والمعنى: على حال النفس.
وقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ﴾. في موضع النداء؛ يعني: يا هؤلاء [[لا يجوز عند البصريين حذف حرف النداء من أسماء الإشارة، وأجازه الكوفيون. انظر: "كتاب سيبويه" 2/ 229، "المقتضب" 1/ 258، "شرح المفصل" 2/ 15، "التبيان" (195)، في الآية وجوه أخرى من الإعراب، استوعبها السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 240 - 242، وانظر نفس المرجع: 1/ 474 - 478.]]. وقد ذكرنا زيادة بيان عند قوله ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 119].
وقوله تعالى: ﴿حَاجَجْتُمْ﴾. أي: جادلتم، وخاصمتم [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 283، "تفسير الطبري" 3/ 306.]]. ويُسَمَّى الجدال بِحُجَّةٍ أو شبهة: حِجاجًا؛ لأن صاحب الشبهة [[في (ب): (المشبهة).]] يُوهِم أن معه حُجَّة.
وقوله تعالى: ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال السدِّي [[قوله في "تفسير الطبري" 6/ 303 "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 672.]]: هو ما وجدوه في كتبهم، وأنزل عليهم [بيانه] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (خبره). والمثبت من: (ج)، (د).]] وقصته [[ونص قول السدي، كما في "تفسير الطبري" (أما الذي لهم به علم: فما حُرِّم عليهم، وما أمروا به، وأما الذي ليس لهم به علم: فشأن إبراهيم). ولعل المؤلف ساقه هنا بمعناه؛ أي: ما وجدوه محرما، وما أمروا له في كتبهم ... الخ.]].
وقال آخرون [[قد يعني بهم: قتادة، وأبي العالية، والربيع، فقد ورد عنهم في معناها: (فبما شهدتم ورأيتم وعاينتم). انظر: "تفسير الطبري" 3/ 306، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 672، والذي شهدوه ورأوه وعاينوه هو أمر النبي ﷺ ورسالته.]]: يعني: في أمر محمد عليه السلام [[في (د): (ﷺ).]]؛ لأنهم كانوا يعلمونه بما يجدون من نعته في كتابهم، وحاجُّوا [[في (ج)، (د): (فحاجوا).]] فيه بالباطل.
وقوله تعالى: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. أي: لِمَ تجادلون في شأن إبراهيم، وليس في كتابكم أنَّه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، والله يعلم شأن إبراهيم، وأنه لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وأنتم لا تعلمون. فينبغي أن [تلتمسوا] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). ومثبت من بقية النسخ.]] حقَّهُ من باطله؛ إذ لا تعلمون أنه كان يهوديًّا ونصرانيًّا. ثم بيَّن حال إبراهيم، فقال:
آل عمران 3:67
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ الآية. نزَّهه وبرأه من الدِّينَينِ، ووصفه بدين الإسلام.
واليهودية والنصرانية صفتا ذَمِّ، ما تعبَّد [[في (ج): (لم يتعبد).]] بهما قط؛ [لأنَّ موسى لم يكن يهوديا [[(لم يكن يهوديا): ساقطة من (ب).]]] [[ما بين المعقوفين: مطموس في (أ)، ومثبت من بقية النسخ.]]، وعيسى لم يكن نصرانيًا، مع قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19].
فاليهودية [[في (ج): (واليهودية).]] مِلَّةٌ محرَّفة عن شريعة موسى، والنصرانية مِلَّةٌ مُحرَّفةٌ عن شريعة عيسى عليهما السلام.
فإن قيل: الله تعالى أخبر [[في (ب): (أخبر الله تعالى).]] أن [[في (ج): (عن).]] إبراهيم كان [[في (ج): (أنه كان).]] مُسْلِمًا، فهل كان إبراهيم على جميع ما نحن عليه من شريعة الإسلام؟ قيل: إنه كان مسلما، وإن كان على بعض شريعتنا؛ لأنَّ تلاوة القرآن واجبة في صلاتنا، ولم ينزل القرآن إلاَّ على نبينا ﷺ [[يعني المؤلف بقوله هذا: أن إبراهيم عليه السلام كان مسلما، وإن لم توافق فروع شريعته جميع فروع شريعتنا، حيث لا يمكن ذلك بوجه أصلا، فَمِنْ فروع شريعتنا: وجوب تلاوة القرآن في صلاتنا، ولم يكن ذلك من فروع شريعته؛ لأن معروف بديهة أن القرآن نزل على النبي محمد ﷺ، ولم ينزل على نبي غيره.]]، والدليل على أنه كان مسلما بإقامة بعض الشريعة: أن أصحاب النبي ﷺ كانوا مسلمين في الابتداء قبل استكمال الشريعة [[انظر بيان ذلك في "روح المعاني" 3/ 196.]].
آل عمران 3:68
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. أَوْلَى: أفْعَل؛ من (الوَلْي)؛ الذي هو: القُرْبُ [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 448 (ولي)، "المجمل" 936 (ولي).]]؛ أي: أقرب الناس إلى إبراهيم، وأحقهم به: الذين [[في (ب)، (ج)، (د): (للذين).]] اتَّبعوه على دينه ومِلَّتِه. ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾. يعني: محمدًا ﷺ. ﴿وَالَّذِينَءَامَنُوا﴾ يعني: بمحمد [[في (ج)، (د): (لمحمد).]] ﷺ. من المهاجرين والأنصار والتابعين.
قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 427، نقله عنه بنصه.]]: أي: فهم الذين ينبغي أن يقولوا: إنَّا على دين إبراهيم.
وفي هذا بيان أنَّ [[أن: ساقطة من: (ج).]] الأَوْلَى بالإنسان: المُوافق له في دينه، دون ولده، ومن يرجع إليه في نسبه، ممن يخالفه في مذهبه، ولا يُعتَدُّ [[في (ج) (د): (لئلا يعتبر).]] بالولادة أو نحوها من القرابة في عقد الولاية.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [[سورة البقرة: 257. ﴿... يخرجهم من ...﴾]] الآية [[(الآية): ساقطة من (د).]].
آل عمران 3:69
قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. أي: تَمَنَّت [[انظر: "تفسير الطبري" 6/ 500، "مفردات ألفاظ القرآن" 860 (ودد).]]. وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُم﴾ [[سورة البقرة: 96. ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.]] الآية [[(الآية): ساقطة من: (ج)، (د).]].
﴿طَائِفَةٌ﴾؛ الطائفةُ، معناها في اللغة: القطعة من كل شيء. يقال: (طائفةٌ من الناس)، (وطائفة من الليل) [[انظر (مادة: طوف) في "تهذيب اللغة" 3/ 2154، "اللسان" 5/ 2722. قال الراغب: (والطائفة من الناس: جماعة منهم، ومن الشيء: القطعة منه .. وقال بعضهم: قد يقع ذلك على واحدٍ فصاعدا). "مفردات ألفاظ القرآن" 532 (طوف). وبيَّن ابن فارس (أن كل جماعة يمكن أن تحفَّ بشيء فهي عندهم طائفة. ولا يكاد هذا يكون إلا في اليسير ثم يتوسعون في ذلك من طريق المجاز، فيقولون: أخذتُ== طائفةً من الثوب؛ أي: قطعة منه. وهذا على معنى المجاز؛ لأن الطائفة من الناس، كالفرقة والقطعة منهم) "مقاييس اللغة" 3/ 433 (طوف).]].
قال بعض أهل اللغة: الطائفة: الفِرْقَة؛ سُمِّيَت بها لتصرفها في الإقبال والإدبار؛ كأنها تطوف [[لم أقف على من قال بهذا القول، ولكن معناه صحيح، قال ابن فارس: (الطاء والواو والفاء، أصلٌ واحدٌ صحيح، يدل على دوران الشيء على الشيء وأن يحفَّ به) ثم قال: (فأما الطائفة من الناس، فكأنها جماعة تطيف بالواحد أو بالشيء). "المقاييس" 3/ 432 (طرف).]]؛ كقولهم: (الإنسان [[في (ج)، (د): (للإنسان).]]، دَيُّور وديَّار)؛ لكثرة دورانه [[في (ب): (مداراته). وفي "اللسان" (.. وما بالدَّار دُوريٌّ ولا ديَّار، ولا دَيُّورٌ على إبدال الواو من الياء، أي: ما بها أحدٌ، لا يُستعمل إلا في النفي، وجمع الدَّيَّار، والدَّيُّور لو كُسِّرَ: دواويرُ) 3/ 1450 (دور). وانظر: "الزاهر" 1/ 366، "الصحاح" 2/ 660 (دور). ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [سورة نوح: 26]. وانظر: "تفسير أبي السعود" 9/ 41.]].
وقوله تعالى: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾. ولم يقل: أنْ يُضِلُّونكم، لأن (لو) [[في (ج): (أو).]] أوفق مع التمني [[في (ج): (المتمني).]]، فإنَّ [[في (ب): (وإن).]] قولك: (لو كان كذا)، تَمَنٍّ [منك] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، (د).]] تمنيته [[(تمنيته): ساقطة من: (ج)، (د).]] لِكَوْنِه [[انظر: "رصف المباني" 360، "الجنى الداني" 288.]]. ومثله: قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: 96]، وقد مرَّ.
والإضلال [[من قوله: (والإضلال ..) إلى (.. عن الطريق): نقله بنصه عن "تهذيب اللغة" 3/ 2128 (ضلل).
وقال الطبري: (والإضلال في هذا الموضع: الإهلاك)، ولم يختلف المعنى؛ لأن الإهلاك من نتائج الإضلال ولوازمه. وقد بيَّن الطبري نفسه هذا الأمر فقال في نفس الصفحة: (.. لو يصدُّونكم أيها المؤمنون عن الإسلام، ويصدونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر، فيهلونكم بذلك). "تفسيره" 3/ 304.
ولذا قال ابن عطية عن تفسير الطبري لهذه اللفظة بـ (الهلاك): (وهذا تفسير غير خاص باللفظة، وإنما اطَّرد له؛ لأن هذا الضلال في الآية اقترن به الهلاك، وأما أن تفسر لفظة الضلال بالهلاك فغير قويم). "المحرر الوجيز" 3/ 163.]] في كلام العرب ضد الهداية والإرشاد. يقال: (أضللتُ فلانا): إذا وجَّهته للضلال عن الطريق فلم ترشده.
نزلت هذه الآية في نَفَرٍ من اليهود. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.
وقد أورد ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 404، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 488 عن ابن عباس أنَّ المقصود بالطائفة هم اليهود حين دعوا معاذ بن جبل، وعمار بن ياسر إلى دينهم.]]: هم قُرَيظَة والنَّضير وبنو قَيْنُقاع؛ أرادوا أن يَسْتَنزِلوا [[في (د): (يستزلوا).]] المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر [[قيل: إن المقصود بـ ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: هم النصارى، وبه قال سفيان بن عيينة، فقد ورد عنه قوله: (كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب، فهو في النصارى).
أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 671، وأورده السيوطي في " الدر" 2/ 239، وزاد في نسبته إلى ابن المنذر.
ودفع هذا القول الشوكاني في "الفتح" 1/ 352، وقال: (ويدفع هذا أن كثيرًا من خطابات أهل الكتاب المذكورة في هذه السورة، لا يصح حملها على النصارى == البتة، ومن ذلك هذه الآيات)، ثم بين أن المقصود بالطائفة هم: اليهود خاصة. وقيل: هم اليهود كما سبق أن رُوي عن ابن عباس، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 283. وذكر هذا القول بعض المفسرين دون عزو إلى قائل، ومنهم: البغوي في "تفسيره" 2/ 50، والواحدي في "أسباب النزول" (110). وقال أبو حيان: بأن عليه إجماع المفسرين. انظر: "البحر المحيط" 2/ 488. وعلى هذين القولين تكون ﴿مِّن﴾ في الآية تبعيضية.
وقيل: هم اليهود والنصارى، ولفظ ﴿أَهْلِ الكِتَابِ﴾ يعمهم، وتكون حينها ﴿مِّن﴾ في الآية لبيان الجنس. وبه قال أبو سليمان الدمشقي، كما في "زاد المسير" 1/ 404. وإليه ذهب الطبري في "تفسيره" 3/ 304، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 419. ونقل ابن عطية عن مكي: أنهم يهود بني قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع، ونصارى نجران. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 164.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [[إلى هنا انتهى ما وقفت عليه من نسخة (د).]] لأن المؤمنين لا يقبلون فولهم، وما يدعونهم إليه فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وما يعلمون أن هذا يضرهم، وما يضر المؤمنين.
آل عمران 3:70
قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الخطاب لليهود [[وذهب الطبري: إلى أن الخطاب لليهود والنصارى. انظر: "تفسيره" 3/ 309، "المحرر الوجيز" 3/ 164.]]. وقوله: ﴿لِمَ﴾ أصلها: (لِمَا)؛ لأنها [[في (ج): (أنها).]] (ما) التي للاستفهام، دخلت عليها الَّلام فحُذِفت الألِفُ استخفافًا؛ لأن حرف الجرِّ صار عِوَضًا منها، مع وقوعها طَرَفًا [[في (ب): (ظرفا).]]، تدل [[في (ج): (يدل).]] عليها الفتحةُ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 427 - 428.== ويجب حذفُ ألف (ما) بعد دخول حرف الجر عليها، مع إبقاء الفتحة دليلا عليها، إلا في الشعر، حال الضرورة الشعرية. انظر: "المغني" لابن هشام: 393.
وذكر أبو حيَّان أن قوما يحذفون الألف من (ما) الاستفهامية في الوصل، فيقولون: (مَ صنعت؟). وذكر كذلك أن من العرب من يثبت الألف إذا دخل عليها حرف الجر، وقال: (وذلك قليل وقبيح). "ارتشاف الضرب" 1/ 544، وانظر: "شرح المفصل" 4/ 8.]]، وعلى هذا قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:1]، و {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} [الحجر: 54].
والوقف على هذه الحروفِ يكون بالهاء [[في (ج): (كأنها). انظر في هذا المعنى: "شرح المفصل" 4/ 6، "ارتشاف الضرب" 1/ 544.]]، نحو: (فِبْمَهْ)، و (لِمَهْ). ولا يجوز حذفُ الأَلِفِ [من (ما)، إذا كانت موصولة] [[ما بين المعقوفين زيادة لازمة من (ج).]]؛ لأن [الألِفَ في] [[ما بين المعقوفين زيادة لازمة من (ج).]] الموصولةِ [بِمَنْزِلَة حرفٍ في وسط الاسم؛ لأن الموصولة] [[ما بين المعقوفين زيادة لازمة من (ج).]] لا تتم [[(لا تم) ساقطة من: (ج).]] إلا بِصِلَتِها، والطَّرَف [[في (ب): (والظرف).]] أقوى على التغيير من وسط الاسم، كما قوي على التغيير بالإعراب [[بالإعراب: في (أ) غير واضحة، وفي (ب): (للإقراب). والمثبت من: (ج).]] والتنوين [[في (ب): (وللتنوين). انظر في هذا المعنى "شرح المفصل" 4/ 9.]].
وزعم الكسائيُّ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 428، "الجنى الداني" 261 ونسب هذا الرأي للكسائي والفراء.]]، أن أصل (كَمْ) [[أي: إن (كم) مركبة من: كاف التشبيه، و (ما) الاستفهامية محذوفة الألف، وسُكِّنت ميمُها لكثرة الاستعمال.]] كما، وهذا غلط منه عند البصريين؛ لمخالفة [[(لمخالفة): غير واضحة كاملًا في (أ)، وفي (ب): (لمحل أداة). والمثبت من: (ج).]] (كَمْ) (ما) في اللفظ، والمعنى؛ أما في اللفظ: فكان يجب أن تبقى الفتحة [[في (ج): (العدد الفتحة).]] لتدل على الألِفِ، كما باقيت في (لِمَ) ونحوه. وأما في المعنى: فإن (كم) سؤالٌ عن العدد، و (ما) سؤال عن الجنس، فليس بينهما مشابهة، ولا لكاف التشبيه في (كَمْ) معنًى.
وقوله تعالى: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يعني: القرآن [[ممن قال بهذا: مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 283. وفسر السدي (آيات الله) بـ (محمد ﷺ). وفسرها مقاتل بن حيان بالحجج. أما الطبري، فقد فسرها بما أنزِل عليهم من كتب الله على ألسن أنبيائه. انظر: "تفسير الطبري" 6/ 503، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 676.]].
﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، قال قتادة [[قوله في "الطبري" 3/ 309، "ابن أبي حاتم" 2/ 676.]]، والربيع [[السابق.]]، والسُّدِّي [[السابق.]]: أي: تشهدون بما يدل على صحة القرآن من كتابكم؛ لأن فيه نعت محمد وذكره.
وقيل [[لم أقف على هذا القائل. وقد أورده الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 854، ولم يعزه إلى قائل.]]: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بمثلها من آيات الأنبياء التي تقرون بها. فحذف من الكلام ما يشهدون به ويقرون؛ لأن الكلام كان توبيخًا، فَدَلَّ على: (وأنتم تشهدون بما عليكم فيه الحجة)، فحُذِف؛ للإيجاز، مع الإستغناء عنه بالتوبيخ.
والحجة عليهم: إقرارهم بالبشارة لمحمد ثم الكفر به، والإقرار بمثل آياته للأنبياء، ثم كفرهم بما جاء به محمد وجحدهم؛ فكان [[في (ج): (وكان).]] ذلك مناقَضَةً منهم.
آل عمران 3:71
قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ذكرنا معنى (اللَّبْس) فيما تقدم [[عند تفسير الآية 42 من سورة البقرة.]].
و (الحَق) ههنا: التوراة التي أنزل على موسى، و (الباطِلُ): ما كتبوه بأيديهم وغيروه وحرفوه من نعت محمد ﷺ، وخبره [[في (ب)، (ج): (وغيره).]]، في قول: الحسن [[قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 677، "النكت والعيون" 2/ 401 "زاد المسير" 1/ 405، "البحر المحيط" 1/ 491.]]، وابن زيد [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 310، "النكت والعيون" 2/ 401، "زاد المسير" 1/ 405، "البحر المحيط" 1/ 491.]].
وقال قتادة [[قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 677، "زاد المسير" 1/ 405، "البحر المحيط" 1/ 491.]]: لِمَ تخلطون [[في (ب): (تختلطون).]] الإسلام باليهودية والنصرانية؛ وذلك أنهم تداعوا إلى إظهار الإسلام في صدر النهار، والرجوع عنه في آخره؛ لتشكيك الناس فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ يعني أمر محمد ﷺ. قاله [قتادة] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج). وقوله في "تفسير الطبري" 3/ 310، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 677، "زاد المسير" 1/ 405.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 284. وهو مروي كذلك عن: الحسن والربيع ومقاتل بن حيان انظر: "تفسير الطبري" 3/ 310 "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 677.]].
وقال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله. وهو مروي كذلك عن: مجاهد والسدي، كما في "تفسير الطبري" 3/ 309، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 676، ولا أرى فرقًا بين القولين، وقد جعلهما ابن أبي حاتم في "تفسيره" بمعنًى واحدٍ.]]: يريد بـ ﴿الْحَقَّ﴾: النبي ﷺ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: تعلمون الحق، وأنه رسول الله، وأن الإسلام دين الله. ونظير هذه الآية: قوله في البقرة: ﴿وَلَا تَلبِسُواْ اَلحَقَّ بِالبَاطِلِ﴾ [[سورة البقرة: 42 ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.]] الآية.
آل عمران 3:72
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية، قال الحسنُ [[قوله في "تفسير البغوي" 2/ 53، "زاد المسير" 1/ 405 "البحر المحيط" 1/ 493.]]، والسدِّيُّ [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 311، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 678، "تفسير البغوي" 2/ 53، "زاد المسير" 1/ 405، "البحر المحيط" 1/ 493.]]: تواطأ اثنا عشرَ حَبْرًا من اليهود، وقال بعضهم لبعض: أظهروا الإيمان بمحمد ﷺ، في أول النهار، وارجعوا عنه في آخر النهار؛ فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينهم ويشكوا فيه؛ إذا قلتم: نظرنا في كتبنا فوجدنا محمدًا ليس بذاك، وقال مجاهد [[قوله في "تفسير الطبري" 2/ 313، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 679، "تفسير البغوي" 2/ 53، "البحر المحيط" 1/ 493، "الدر المنثور" 2/ 75 وزاد انسبة إخراجه لعبد بن حميد وابن المنذر.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 284، ولكن ليس فيه أن مرادهم بفعلهم هذا: التشكيك في أمر القبلة، بل جعله للتشكيك في نعت النبي ﷺ في التوراة، فقال: (وإذا كان العشى: قولوا لهم: نظرنا في التوراة فإذا النعت الذي في التوراة ليس بنعت محمد ﷺ ..). وفي "تفسير البغوي" 2/ 54، "البحر المحيط" 1/ 493 بنحو الذي عند المؤلف.]]، والكلبي [[أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 123عن قتادة والكلبي، أنهما قالا: (قال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضى بدينهم أول النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدقوكم ويعلموا أن قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم). فليس في هذا الأثر ما يتعلق بأمر القبلة، وفي "تفسير البغوي" 2/ 54، "البحر المحيط" 1/ 493، بنحو الذي عند المؤلف.]]: قال بعض اليهود لبعض: أظهروا الإيمان بالذي [[في (ب): (الذي).]] [أنزل] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من: (ب، ج).]] على محمد في أمر الكعبة، والصلاة إليها، أولَ النهار، ثم اكفروا به آخرَ النهار [[(ثم اكفروا به آخر النهار): ساقطة من: (ج).]]، وارجعوا إلى قبلتكم؛ لعلهم يَشُكُونَ فيرجعون إلى قبلتكم؛ فأطلع اللهُ نبيَّه على سرِّ اليهود ومكرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ قال ابن عباس [[أخرج قوله ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 679 بمعناه، ولفظه عنده: (قال: يكونون معهم أول النهار يمارونهم ويكلمونهم). وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 76 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر، وابن مردويه، والضياء في "المختارة".
وكذا ورد عنه في حديث آخر أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 312 حيث ورد ضمنًا تفسيره لـ (وجه النهار): بأوله، وقد فسره بذلك قتادة، والربيع، ومجاهد.]]: أول النهار. والوَجْهُ في اللغة: مُسْتَقْبَلُ كلِّ شيء؛ لأنه أول ما يُواجَهُ منه، كما يقال لأول الثَّوْبِ: (وَجْهُ الثوب) [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3842 (وجه).]].
روى [[في (ج): (وروي). ومن قوله: (روي ..) إلى نهاية بيت الشعر: نقله باختصار وتصرف عن "تهذيب اللغة" 4/ 3842 (وجه).]] ثعلب عن ابن الأعرابي: (أتيته بوجهِ نَهارٍ)، و (صدر نهار)، و (شباب نهار)؛ أي: أول النهار؛ وأنشد للربيع بن زياد [[هو: الربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان العَبْسي، شاعر جاهلي، وفارسٌ، وسيد من سادات قومه، يقال له الكامل، مات سنة (30) قبل الهجرة. انظر: "العمدة" لابن رشيق: 1/ 128، 2/ 881، 891، "الأعلام" 3/ 14.]]:
مَنْ كان مسرورًا بِمَقتَلِ مالِكٍ ... فَلْيَأتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نهارِ [[ورد البيت منسوبًا له في "مجاز القرآن" 1/ 97، "الحماسة" لأبي تمام: 1/ 494، "الفاخر" للمفضل الضبي: 223، "الطبري" 3/ 312، "الدر المصون" 3/ 248، "خزانة الأدب" 8/ 369.
وورد غير منسوب في "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 249، "مجالس العلماء" 234، "تهذيب اللغة" 4/ 3842 (وجه)، "الموضح في التفسير" 38، "تذكرة النحاة" 139، "اللسان" 13/ 556 (وجه)، "التاج" 9/ 418 (وجه).
والبيت ضمن أبيات قالها في مالك بن زهير العبسي الذي قتلته بنو فزارة، وبعده:
يَجِدِ النساءَ حواسِرًا يندُبُنَه ... يَلْطمْنَ أوجُهَهُنَّ بالأسحارِ.
ومعناه: إن من سرَّه قتل مالك، فلْيأت لنا في أول النهار، ليَجدنا قد أخذنا بثأره مباشرة، وعلامة ذلك أن يجد النساء حواسرًا يندُبنه ويلطمن وجوههن بالأسحار، وذلك أن العرب لا تندب قتلاها إلا بعد أن تأخذ ثأرها.]].
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: عن دينهم [[وهو قول قتادة، والربيع، وابن عباس ومجاهد، وغيرهم. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 313، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 680.]]. وقال الكلبي [[لم أقف على مصدره. وقد ورد في "البغوي" 2/ 54، "البحر المحيط" 1/ 493. والذي في "تفسير عبد الرزاق": 1/ 123 عنه وعن قتادة قالا: (.. وهو أن يرجعوا عن دينهم).]]: إلى القبلة الأولى.
آل عمران 3:73
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ الآية.
قتادةُ [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 313.]]، والرَّبيعُ [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 314.]]، والسُّدي [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 314، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 681 "النكت والعيون" 1/ 400.]]، والحسنُ [[لم أقف على مصدر قوله وهو في "زاد المسير" 406/ 1، "النكت والعيون" 1/ 400.]]، وابن زيد [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 314، "النكت والعيون" 1/ 401.]]، وأكثرهم: على أن هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض؛ والمعنى: لا تصدِّقوا إلا لِمَن تبع دينكم اليهودية، وقام بشرائعكم.
﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ من: العلم، والحكمة، والكتاب، والحجة، والمَنِّ والسَّلْوَى، والفضائل والكرامات. والتقدير: [[في (ج): (ولا).]] لا تُصَدِّقوا بأن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، إلا لِمَنْ تبع دينكم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراضٌ بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله تعالى.
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله، وفي "تنوير المقباس" 1/ 50 (إنَّ دينَ الله هو الإسلام، وقبلة الله هي الكعبة).]]: ومعناه: إنَّ الدينَ دينُ اللهِ. ومثله في سورة البقرة: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [[في (ج): (قل إن الهدى هدى الله).]] [البقرة: 120].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ التقدير: (بأن يُؤتى)؛ لأن الإيمان يتعدَّى بالجارِّ، فلمَّا حذفَ الجار من ﴿أَنْ﴾، كان موضع ﴿أَنْ﴾ على ما ذكرنا من الخلاف؛ في قول الخليل: يكون جَرًّا [[في (ج): (خبرا).]]، وفي قول سيبويه: يكون نصبًا [[انظر ما ذكره عند تفسير: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ آية: 39 من آل عمران.]]. وقد ذكرنا هذا الخلاف في مواضع.
فأما الَّلام في ﴿لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، فقال أكثر النحويين [[منهم: الفراء في "معاني القرآن" 1/ 222، وابن شقير في "المحلى" 238، والزجاجي، في "اللامات" 147.]]: إنها دخلت صِلَةً وتأكيدًا [[حروف الصلة، هي حروف الزيادة، وأشهرها: الباء، الكاف، اللام، مِن. وتستعمل هذه الحروف أصلية، وأحيانًا زائدة؛ وهي لا تجلب معنى جديدًا، وإنَّما تؤكد وتقوي المعنى العام في الجملة كلها، سواء أكان المعنى العام إيجابًا أم سلبًا. انظر: "النحو الوافي" 2/ 449 - 450، وانظر للتوسع في نقاش هذا الأمر في "سر صناعة الإعراب"120 وما بعدها، "شرح المفصل" 8/ 128.]]؛ كهي في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [[[سورة النمل: 72]. ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. وممن قال بزيادتها: الفراء في "معاني القرآن" 1/ 222، والطبري في "تفسيره" 3/ 314، وابن شقير في "المحلى" 238، والزجاجي في "اللامات" 147.]]؛ والمعنى: رَدِفَكم. وأنشد ابن الأنباري [[لم أقف على مصدره. وقد أورده ابنُ الجوزي في "الزاد" 1/ 407.]] على هذا:
ما كنتُ أَخدَعُ للخليلِ بِخُلَّةٍ ... حتى يكونَ ليَ الخليلُ خَدوعا [[لم أقف على قائله فيما رجعت إليه من مصادر. وقد ورد في "زاد المسير" 1/ 407، "البحر المحيط" 1/ 494.]]
قال: أراد: ما كنت أَخدَعُ الخليلَ، فزاد الَّلام.
وقال الآخر:
يَذمُّونَ للدنيا [[في (ج): (لي الدنيا).]] وهم يَحْلِبونها ... أَفَاوِيقَ [[في (أ)، (ب): فاويق. والمثبت من: (ج)، ومصادر البيت.]] حتى ما يَدُرُّ لها ثُعْلُ [[في (أ): (نَعل). وفي (ب): (حتى لا يدرها نعل)، والمثبت من: (ج) ومصادر البيت. والبيت لعبد الله بن همام السلُولي. وقد ورد منسوبًا له، في "إصلاح المنطق" 213، " الكامل" 1/ 55، "الصحاح" 1646 (ثعل)، والمخصص: 15/ 59، "اللسان" 8/ 4857 (وضع)، 6/ 3487 (فوق)، 1/ 484 (ثعل).
وورد في "المخصص" 1/ 25 ونسبه لهمام بن مرة.
وورد غير منسوب، في "مجالس ثعلب" 447، "جمهرة اللغة" 746 (وضع)، "التهذيب" 2/ 1418 (رضع)، 1/ 482 (ثعل)، "معجم المقاييس" 2/ 401 (رضع)، و"المجمل" 380 (رضع)، "زاد المسير" 1/ 407، "الدر المصون" 3/ 250.
وفي كل المصادر السابقة ما عدا "زاد المسير" ورد: (وذمُّوا لنا الدنيا وهم يرضِعُونها ..)، وفي "معجم المقاييس" (.. الثُّعْلُ)، وفي "الدر المصون" (ويروى: (بالدنيا) بالباء.
و (الثُعْل)، و (الثَّعْل)، و (الثَّعَل): زيادة في حَلَمات الناقة والشاء والبقر. وقيل: هو خِلْفٌ زائد في أخلاف الناقة وضرِع الشاة. انظر: "اللسان" 6/ 3487 (فوق)، 1/ 484 (ثعل).]]
أراد: يذمون [الدنيا. فأكَّدَ الكلامَ بالَّلام. وُيروى: (يَذُمُّونَ لِي الدنيا) بالياء.
وقال] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]] أبو علي الفارسي [[في "الحجة" له: 3/ 53. نقله عنه بالمعنى.]]: (الإيمان) لا يتعدَّى إلى مفعولين، فلا يجوز أيضًا أن يَتعَلَّقَ [[في (ج): (تعلق).]] بجارَّيْنِ، وقد تعلق بالجارِّ المحذوف من قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ فلا يتعلق بالَّلام من [[في (ج): (في).]] قوله: ﴿لَمَنْ﴾، إلا أن يُحمَل (الإيمان) على معناه، فيَتَعدَّى إلى مفعولين، ويكون المعنى: ولا تقرُّوا بأنْ يؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، إلا لِمَن تبع دينكم؛ كما تقول: (أقررت لِزيدٍ بألف)، فيكون اللامُ متعلقًا بالمعنى، ولا تكون زائدةً [[في (ج): (زيادة).
قال أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 494: (والأجود أن لا تكون اللام زائدة، بل ضُمِّن (آمَن) معنى أقَرَّ، واعترف، فتعدى باللام).]] على حَدِّ ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [[سورة النمل: 72 ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.]]، و ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [[سورة يوسف: 43. وقبلها: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
قال العكبري: في "التبيان" (472) (للرؤيا): اللام فيه زائدة، تقوية للفعل لمَّا تقدم مفعوله عليه، ويجوز حذفها في غير القرآن؛ لأنه يقال: عبَّرت الرؤيا).]].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ (أحَدٌ) [[(أحد): ساقطة من: (ج). وفي (أ)، (ب): (أحدًا بما).
ومن قوله: (أحد ..) إلى (.. لدخول النفي في أول الكلام): نقله بتصرف من "الحجة" للفارسي: 3/ 54 - 55.]] إنَّما يُستعمل [[في (ج): (استعمل).]] لتعميم النفي؛ كقولك: (ما رأيت أحدًا مِنَ الناس) [[(أحدٌ) الذي يلازم النفي، تكون همزته أصلية، وهو وإن كان لفظه مفردا، إلا أنه يدل على الجمع ويفيد العموم. أما (أحد) الذي بمعنى واحد، فهمزته بدل من واو.]]. وههنا دخل (أَحَدٌ) للنفي الواقع في أول الكلام، وهو قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾؛ كما دخلت [[(دخلت): ساقطة من: (ج).]] (مِنْ) في صِلَةِ (أنْ يُنَزَّلَ) في قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: 105]. فكما دخلت (مِنْ) في صلة (أنْ يُنَزَّلَ)؛ لأنه مفعول للنَّفي الَّلاحق لأوَّلِ الكلام [[(الكلام): ساقطة من: (ج).]]، كذلك دخل (أحدٌ) في [صِلَةِ (أنْ) في] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]] قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾؛ لدخول النفي في أول الكلام. والكلام في معنى (أحد)، قد تقدم عند قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: 102].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾؛ المعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجُّوكم عند ربكم؛ لأنكم أصح دينًا منهم، فلا يكون لهم الحجة عليكم عند الله.
قوله: ﴿يُحَاجُوكُمْ﴾، الضمير [[من قوله: (الضمير ..) إلى: (.. للمتَّقين إماما): نقله بالمعنى من "الحجة" للفارسي: 3/ 57.]] فيه ضمير الجماعة، وهو خبر عن ﴿أحدٌ﴾ في قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾، وجاز ذلك؛ لأن الأسماء المنفردة قد تقع للشياع [[يريد بالشياع: الجمع والعموم، وشمول اللفظ المفرد لأكثر من فرد.]] في المواضع التي يراد بها الكثرة؛ كقوله: ﴿يُخرِجُكم طِفْلاً﴾ [[سورة غافر: 67. وقد وردت في (أ)، (ب)، (ج): (ويخرجكم). والشاهد في الآية: أن (طفلا) بمعنى أطفال، وأفرد اللفظ وأراد به الجنس. انظر: "تفسير أبي السعود" 7/ 283، "تفسير البيضاوي" 2/ 345.]]، وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [[الشاهد هنا إفراد لفظ (إمام) ليدل على الجنس. انظر: "تفسير أبي السعود" 6/ 231، "تفسير البيضاوي" 2/ 75.]] [الفرقان: 74]، وقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [[سورة الحاقة: 47. والشاهد هنا: أن حاجزين جمع، وهو وصف لـ (أحد) الذي يدل على جماعة. انظر: "الكشاف" 4/ 55.]].
وقد مضى مثل هذا في قوله: ﴿لَا نُفَرقُ بَينَ أَحَدٍ﴾ [[مقطع من آية 136 ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، وآية 285 ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. سورة البقرة.]].
وقرأ ابن كثير: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ [[في (ج): (أن يؤتى).]] بالمدِّ [[أي على الاستفهام. انظر: "السبعة" 207، "الحجة" 3/ 52، "التيسير" 89.]]. وعلى هذه القراءة يحتاج أن يستأنف الآية في بيان المعنى والنظم. فقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾؛ معناه على هذه القراءة: ما ذكره الزجَّاجُ، قال [[في "معاني القرآن" له: 1/ 430. نقله عنه بتصرف.]]:
قالت اليهود بعضهم لبعض: لا تجعلوا تصديقكم للنبي ﷺ في شيء مما جاء به، إلا لليهود؛ أي: لا تخبروا أحدًا بصدق ما أتى به، إلا أن يكونَ منكم؛ فإنكم [[في (ج): (وإنكم).]] إن قلتم ذلك للمشركين كان [[في (ج): (كانوا).]] عونًا لهم على تصديقه، ويكون معنى (الإيمان): الإقرار، كما ذكرنا، وأحد مفعوليه محذوف، والتقدير: لا تقروا إلا لليهود [[في (ج): (اليهود).]] بصدق محمد.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ هو من كلام الله، معترض من كلام اليهود على ما ذكرنا.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ ﴿أَنْ﴾ [[من قوله: (أن في موضع ..) إلى (.. إن أحدًا ووحدا وواحدا بمعنى): نقله عن== "الحجة" للفارسي: 3/ 55 - 57، نقل بعض عباراته بالنص، وتصرف في بعضها، واختصر في بعض المواضع.]] في موضع رفع بالابتداء [[هذا التوجيه النحوي بناء على قراءة ابن كثير.]]، ولا يجوز أن يُحمل على ما قبله؛ لقطع الاستفهام بينهما، وخبره محذوف؛ والمعنى: أأنْ [[في (أ)، (ب): (آأن). وفي (ج): (ان). وما أثبتُّهُ هو الصواب.]] يُؤتَى أحَدٌ، يا معشر اليهود، مثل ما أوتيتم من الكتاب والعلم، تصدقون به، أو تعترفون، أو تذكرونه لغيركم، أو تشيعونه في الناس؟ أو نحو هذا مما دلَّ عليه قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. وهذا في قول من قال: (أزيدٌ ضربته) [[فالاسم هنا واقع بعد همزة الاستفهام، وقد قال عنه السمين الحلبي: (وهو وجه مرجوح). "الدر المصون" 3/ 257.]]؟
ومن قال: (أزيدًا ضربته؟)، كان (أنْ) عنده في موضع نصب [[فالفعل هنا مضمر بعد حرف الاستفهام، وقد استحسن هذا، وقال بوجوب اختياره، مكيُّ في "الكشف" 1/ 348 وقال: (فهو أقوى في العربية؛ لأن الاستفهام بالفعل أولى؛ لأنك عنه تستفهم، لست تستفهم عن شخص زيد، إنما تستفهم عن الفعل، هل وقع بزيد). وانظر: "الدر المصون" 3/ 257 - 258.]].
ومِثْلُ حَذْفِ خبر المبتدأ لدلالة ما قبل الاستفهام عليه: حَذْفُ الفعل في قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس: 91] التقدير [[(التقدير): ساقط م: (ج).]]: آلآن أسلمتَ حين لا ينفعك الإيمانُ من أجل المعاينة؟. فحذف الفعل لدلالة ما قبل الاستفهام عليه. ومثل هذه الآية في المعنى: قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 76]، وبَّخ بعضهم بعضًا بالحديث بما علموه من أمر النبي ﷺ، وعرفوه من صفته.
ولعل ابن كثير اعتبر هذه الآية في قراءته [[أي: اعتبر الآية السالفة 76 من البقرة، حيث إنها في معنى قراءة ابن كثير. وقد سبق أن بينت أن القراءات المتواترة، لا تقوم على مقايسات ذوقية، ولا على اعتبارات لغوية، أو نظر عقلي، إنما هي سنَّةٌ متَّبعة، متلقاة بالسند الصحيح عن النبي ﷺ. وابن كثير أحد أئمة القراء، الذين تلقت الأمة قراءتهم بالقبول، بعد أن تلقاها هو بالسند الصحيح عمن قبله من القراء المعتبرين، إلى النبي ﷺ. فهم اعتبروا السند الصحيح للقراءة قبل كل شيء؛ لأن الإسناد الصحيح في القراءات هو (الأصل الأعظم والركن الأقوم) كما قال ابن الجزري في "النشر" 1/ 10.]].
فإن قيل: فكيف وجْهُ دخول ﴿أحدٌ﴾ في هذه القراءة، وقد انقطع من النفي [بِلحاقِ] [[ما بين المعقوفين زيادة من "الحجة" للفارسي: 3/ 56 ليتم ويصح بها المعنى.]] الاستفهام [[في (ج): (والاستفهام).]]، وإذا انقطع، كان [[(كان): ساقطة من: (ج).]] الكلام إيجابًا وتقريرًا، فلا يجوز دخول ﴿أحدٌ﴾؟
قيل: يجوز أن يكون ﴿أحدٌ﴾ في هذا الموضع (أحدًا) الذي في نحو: (أحدٌ وعشرون)، وهذا يقع في الإيجاب، ألا ترى أنه بمعنى واحد؟.
وقال أبو العباس [[هو أحمد بن يحيى، ثعلب. كما في "الحجة" للفارسي: 3/ 57.]]: إن (أحدًا)، و (وَحَدًا)، و (واحدًا) بمعنىً.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُوكُمْ﴾ (أو) في هذه القراءة [[أي: في قراءة ابن كثير.]] بمعنى: حتىَّ [[قال الرماني: (وتضمر مع (أو) (أن)؛ وذلك إذا كان معناها معنى "حتى". كتاب "معاني الحروف" له: 79. وانظر: "كتاب سيبويه" 3/ 47، "المقتضب" 2/ 28، و"حروف المعاني والصفات" للزجاجي: 58.]]؛ ومعنى الكلام: أأن [[في (ج): (أن).]] يُؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم، تذكرونه لغيركم؛ حتى يحاجُّوكم عند ربكم؟.
قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 223. نقله عنه بالمعنى. وانظر نفس المصدر 2/ 70 - 71.]]: ومثله في الكلام: قولك: (تعلَّقْ به، أو يُعْطِيَكَ حقَّكَ)؛ أي: حتى. وقال امرؤ القيس:
فقلتُ له لا تَبْكِ عينُكَ إنَّما ... نُحاوِلُ [[في (ب): نجادل.]] مُلْكًا أو تَموتَ فنُعْذَرا [[البيت في ديوانه: 66. وقد نسبته إليه أكثر المصادر التالية: "كتاب سيبويه" 3/ 48، "معاني القرآن" للفراء: 2/ 71، "المقتضب" 2/ 28، "الزاهر" 2/ 183، "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 584، "القطع والائتناف" للنحاس 233، "معاني القرآن" له: 1/ 243، وكتاب "حروف المعاني" للزجاجي: 58، "اللامات" للزجاجي: 68، "معاني الحروف" للرماني: 79، "الخصائص" 1/ 263، "الموضح في التفسير" 38، "أمالي ابن الشجري" 3/ 78، "شرح المفصل" 7/ 22، 33، "تفسير القرطبي" 4/ 113، "رصف المباني" 212، "منهج السالك" 558، "الخزانة" 8/ 543. وقد ورد في كل المصادر السابقة: (.. أو نموتَ فنُعذَرا).
والبيت من قصيدة له، وقبله:
بَكَى صاحبي لمَّا رأى الدربَ دونه ... وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا
وصاحبه هو عمرو بن قميئة الذي استصحبه معه في ذهابه إلى القيصر، لاستنصاره على قتلة أبيه واستعادة ملكه، فلما توسطوا الدرب بين بلاد العرب وبلاد الروم، وأيقن صاحبه أنهما لاحقان بقيصر، حنَّ إلى بلاده فبكى، فقال له الشاعر هذا القول.
والشاهد فيه: قوله: (أو نموت ..)؛ بمعنى: حتى نموت.]]
أي: حتى تموت. ومن هذا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 128]، وسنذكره إن شاء الله.
فهذا [[في (ب): (وهذا).]] وجهٌ، وأجود منه: أن نجعله عطفًا على الاستفهام؛ والمعنى: أنْ يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أو يُحاجَّكم [[في (ب): (يحاجوكم).]] أحدٌ عند الله، تصدِّقون به؟. وهذه الآية من مشكلات القرآن، وأصعبه تفسيرًا، ولقد تدبَّرت أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية، فلم أجدْ قولًا يطرد في الآية من أولها إلى آخرها مع بيان المعنى، وصحة النظم. وقد يسر الله تعالى بفضله ههنا سوق الآية في القراءتين على تفسيرٍ بيِّن، ونظمٍ صحيحٍ، وله المِّنة في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدره وفي "زاد المسير" 1/ 408: (قال ابن عباس: يعني النبوَّة، والكتاب، والهدى). وهو بمعنى ما ذكره المؤلف عنه.]]: يريد: ما تفضَّل به عليك، وعلى أمَّتك.
آل عمران 3:74
قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ قال الحسن [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في "النكت والعيون" 2/ 857، "تفسير القرطبي" 4/ 115، "البحر المحيط" 2/ 497. والذي أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 345 عن الحسن قوله: (برحمته: الإسلام، يختص بها من يشاء).]]، ومجاهد [[قوله في "تفسيره" 129، "تفسير الطبري" 6/ 517، 518، "ابن أبي حاتم" 2/ 345، "النكت والعيون" 2/ 857، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 423، "زاد المسير" 1/ 408، "الدر المنثور" 2/ 76 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر.]]، والربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 316، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 682، "النكت والعيون" 1/ 402.]]: بنُبُوَّتِه. وقال [[في (ج): (قال).]] ابن عباس: بدينه [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه. والذي في "زاد المسير" 1/ 408، "البحر المحيط" 2/ 497 قوله: (إنها الإسلام).]].
وقال ابن جريج [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 316، "النكت والعيون" 1/ 402، "زاد المسير" 1/ 408، "تفسير القرطبي" 4/ 115، "البحر المحيط" 1/ 497.]]: بالقرآن والإسلام.
[و] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]] قال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: اختصَّك وتفضل عليك وعلى أمَّتِك، بدينه ورحمته.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ﴾. [[(والله): ليس في (ج).]] على أوليائه وأهل طاعته.
﴿الْعَظِيمِ﴾. لأنه لا شيء أعظم عند الله من الإسلام.
والفَضْلُ في اللغة: الزيادة. وأكثر ما يُستعمل في زيادة الإحسان [[انظر (فضل) في "مقاييس اللغة" 4/ 108، "اللسان" 6/ 3428.]].
والفاضل: الزائد على غيره في خصال الخير. ثم كثر استعمال الفضل حتى صار لكل نفعٍ قَصَد به فاعلُهُ أن ينفع صاحبَهُ.
آل عمران 3:75
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ الآية.
قال عُظْمُ [[(عُظْمُ الشيء، ومُعْظمهُ): جُلُهُ وأكثرُه. انظر: "اللسان" 5/ 304 (عظم).]] أهلِ التفسير: أخبر الله تعالى في هذه الآية اختلاف أحوال أهل الكتاب، في الأمانة والخيانة؛ ليكون المؤمنون على بصيرة في ترك الركون إليهم؛ لاستحلال أموالهم [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 317.]].
قال [[في (ج): (وقال).]] مقاتل [[في "تفسيره" 1/ 285 نقله عنه بالمعنى.]]: يعني بـ (الذي يُؤَدِّي): مؤمني أهل الكتاب؛ وبـ (الذي لا يُؤَدِّي): كُفَّارَهم.
وقال ابن عباس في رواية الضحاك [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه. وقد وردت في "تفسير البغوي" 2/ 56، "زاد المسير" 1/ 408، "الخازن" 1/ 309.]]: أودع رجلٌ عبدَ الله بن سَلامَ ألفًا ومائتي أوقية من ذهب، فأدَّاهُ إليه، فمدحه الله عز وجل. وأودع رجلٌ فنحاصَ [[في (ب): (فيحاص).]] بن عازورا [[وردت في المصادر التي رجعت إليها: (عازوراء) بمد وهمز. انظر: "تفسير البغوي" 2/ 56، "زاد المسير" 1/ 408، "تفسير القرطبي" 4/ 115. وفنحاص، سَيِّد بني قَيْنُقاع اليهود، ومن أحبارهم، وعلمائهم. انظر: "سيرة ابن هشام" 137، 187، 201، "تفسير الطبري" 7/ 455.]] دينارًا فخانه.
وقوله تعالى: ﴿تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾.
يقال: (أمنتهُ بكذا، وعلى كذا)، كما يقال: (مررت به، وعليه) [[انظر: "تفسير الطبري" (520).]]. فمعنى الباءِ: إلصاقُ الأمانة [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 123، "مغني اللبيب" 137.]]. ومعنى (على): استعلاء الأمانة [[انظر: كتاب "معاني الحروف" للرماني: 108، "مغني اللبيب" 190.]]. وهما يتعاقبان [[في (ج): (متعاقبان).]] ههنا لتقارب المعنى.
وفي قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ وجوه من القراءة:
تسكين الهاء [[وهي قراءة أبي عمرو من رواية عبد الوارث واليزيدي عنه، وقراعة حمزة، وعاصم من رواية أبي بكر عنه. انظر: "السبعة" 207 - 212، "التبصرة" 461، "اتحاف فضلاء البشر" ص 176. والخلاف هنا في حال الوصل، أما في حال الوقف فلا خلاف على الإسكان.]]، وهو رديء عند أهل النحو، خطأ عند الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" له: 1/ 234.]]؛ لأن الجزم [[في (ج): (الحرفر).]] ليس في الهاء وإنما هو فيما قبل الهاء، والهاء اسم [[في (ج): (الاسم).]] المَكْنِي [[(المكني): ساقطة من: (ج).]]، والأسماء لا تجزم في الوصل [[ما ذكره المؤلف من كون هذه القراءة غير مرضية عند أهل النحو، وخطَّأوها، فإنه لا يؤثر في صحة هذه القراءة، لأن القراءات المعتمدة قرآنٌ، فهي حجة على النحو واللغة، وليس النحو واللغة حجة عليها. وما النحو واللغة إلا أدوات خادمة لكتاب الله تعالى. يقول أبو عمرو الداني: (وأئمة القرَّاء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل. والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياسُ عربية ولا فشوُّ لغة؛ لأن القراءة سنَّة متَّبعة، يلزم قبولها والمصير إليها). "النشر" 1/ 10 - 11.
ويقول الفرَّاء: (والقُّرَّاء لا تقرأ بكل ما يجوز في العربية، فلا يقبحنَّ عندك تشنيعُ مشَنِّع مما لم يقرأه القراء مما يجوز). "معاني القرآن" 1/ 245.
فالقراءات (ما دام سندها الرواية، ودعامتها السماع، فهي من أجل هذا أقوى من المصادر الأخرى كالشعر وغيره؛ لأن رواة القراءات يتحرجُّون من عدم الدقة فيها، على حين لا يبالون بالحرج في غيرها؛ حينما تخون الحافظة، أو يستبد النسيان، أو يقع على الألسنة التحريف). "أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية" 58.
أما ما يتعلق بهذه القراءة، وتخطئة الزجاج لها، فقد دفع هذا أبو حيَّان، فقال: (وما ذهب إليه أبو إسحاق من أن الإسكان غلط، ليس بشيءٍ؛ إذ هي قراءة في "السبعة" وهي متواترة. وكفى أنها منقولة عن إمام البصريين أبي عمرو بن العلاء، فإنه عربي صريح، وسامع لغة، وإمام في النحو، ولم يكن ليذهب عنه جوازُ مثل هذا، وقد أجاز ذلك الفرَّاء، وهو إمام في النحو واللغة، وحكى ذلك لغةً لبعض العرب، تجزِمُ في الوصل والقطع. وقد روى الكسائي أن لغة عقيل وكلاب أنهم == يختلسون الحركة في هذه الهاء، إذا كانت بعد متحرك، وأنهم يسكنون أيضًا ..). "البحر المحيط" 2/ 499، وانظر: "الكشف" 1/ 349.
وانظر ما سبق بيانه عند التعليق على توجيه المؤلف لقراءة نافع الواردة في قوله تعالى: ﴿فيكون طائرًا بإذن الله﴾ من آية: 49، وعن تعليقي على توجيه المؤلف لقراءة ابن كثير لقوله تعالى: ﴿آن يؤتى﴾ من آية: 73، والتعليق على كلام المؤلف حول القراءة الواردة بتسكين الهاء في قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ من آية: 75.]].
وقال الفراء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 223، نقله عنه بتصرف.
وليس في هذا الموضع من كتابه بيتُ الشعر الآتي، وإنما ذكره الفراء في 1/ 388 عند قوله: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾. الأعراف: 111.]]: من العرب من يجزم الهاء، إذا تحرك ما قبلها، فيقول: (ضربتُهْ ضربًا شديدًا)، كما يسكنون ميم (أنتمْ) و (قمتمْ)، وأصلها الرفع، وأنشد:
لمَّا رَأَى أَنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ [[صدر بيت من الرجز لمنظور بن حبة الأسدي، وقبله:
يا رُبَّ أبَّازٍ مِنَ العُفْرِ صَدَعْ ... تقَبَّضَ الذِئبُ إليهِ فاجتَمعْ.
لما رأى أنْ لا دعه ولا شبع ... مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضطجعْ.
وقد ورد في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 388، "إصلاح المنطق" 95، "المحتسب" 1/ 107، "الخصائص" 1/ 63، 263، 3/ 163، "المنصف" 2/ 329، والمخصص: 8/ 24، "شرح المفصل" 9/ 82، 10/ 46، "اللسان" 1/ 6 (أبز)، 1/ 63 (أرط)، 5/ 2554 (ضجع)، 3/ 1664 (رطا)، "أوضح المسالك" 3/ 313، "المقاصد النحوية" 4/ 854، "التصريح" 2/ 367، "منهج السالك" 4/ 280، 332، "الأشباه والنظائر" للسيوطي: 2/ 340، و"شرح شواهد الشافية"، للبغدادي (مطبوع في آخر "شرح الشافية"): 4/ 274.
والأبَّاز: القفَّاز، مِنَ (القَفْزِ). و (العُفر)، جمع: (عفْراء) أو (أعْفَر)، وهي مِن الظباء: التي يعلو بياضها حُمرة.
و (الصَّدَعُ): الوسط من الوعول، ليس بالعظيم ولا الصغير. وقيل: هو الشيء بين == الشيئين من أي نوع كان.
يصف الذئب بأنَّهُ تقَبَّضَ؛ أي: جمع قوائمه ليثب على الظبي. فلمَّا رأى الذئبُ أن لا مجال لإدراك الظبي والشبع منه ولا مجال للدَّعةِ -وهي الخفض ولين العيش-، فحينها مال إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضطجع. و (الأرطاة): شجر ينبت في الرمل وجمعها: (أرْطَى). و (الحِقْف) بكسر الحاء وسكون القاف، وهو: المعوجُّ من الرمل، وجمعه: (أحقاف)، و (حُقوف)، و (حِقاف)، و (حِقَفَة).
انظر: "اللسان" 1/ 6 (أبز)، 4/ 2414 (صدع)، 2/ 939 (حقف)، "شرح شواهد الشافية" 4/ 275 - 276.
والشاهد فيه هنا: إبدال تاء التأنيث في (دعه) هاءً، ومعاملة الكلمة في الوصل كما تعامل في الوقف. واعترض السمين الحلبي على الفراء في إيراده هذا البيت شاهدًا في هذا الموضع؛ لأن الهاء في البيت هي هاء التأنيث، والكلام هنا عن هاء الضمير، وهاء التأنيث لاحظ لها من الحركة البتةَ. انظر: "الدر المصون" 3/ 264.]] وقرئ باختلاس [[اختلاس الحركة: الإسراع بها إسراعًا يحكم السامع له أن الحركة قد ذهبت، وهي كاملة في الوزن. انظر: "التمهيد" لابن الجزري: 59. فالقارئ لا يكمل الحركة، بل يأتي بثلثيها فقط.]] حركة الهاء، اكتفاءً بالكسرة من الياء [[وهي قراءة نافع برواية الحلواني عن قالون عنه، وقراءة يعقوب وأبي جعفر من العشرة. انظر: "المبسوط" لابن مهران: 145، "حجة القراءات" 167، "إتحاف فضلاء البشر" ص 176.]]، وأنشدوا على هذا:
أنا ابنُ كلابٍ [[جاءت في (أ)، (ب)، (ج): (حلاب). والمثبت من مصادر البيت.]] وابنُ أوْسٍ فمَنْ يَكُنْ ... قِنَاعُهُ مَغْطِيًا فإنِّي لَمُجْتَلِي [[لم أقف على قائله، وقد ورد في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 223، "تهذيب اللغة" 3/ 2678 (غطى)، "الصحاح" 2447 (غطا)، "الإنصاف" 407، "اللسان" == 6/ 3273 (غطى)، "الدر المصون" 3/ 264.
وقوله: (لمجتلي) وردت في "الإنصاف"، "اللسان": (مجتَلى)، وفي "معاني القرآن": (لمجتلَى) بفتح اللام وفي "الإنصاف" "اللسان" لم تضبط اللام وما بعدها بالشكل. وما في المخطوط موافق لما في "التهذيب"، "الصحاح"، "الدر المصون". وقوله: (مَغْطِيًا)؛ من: (غَطَيتُ الشيءَ): سترته، (أغْطِيهِ غَطْيًا)، فـ (هو مُغْطِيٌّ)، وهي بمعنى: (غطَّى يُغَطِّي). ويقال: (فلانٌ مَغْطيُّ القِناعِ): إذا كان خامل الذِّكرِ. وقوله: (مُجتلي)؛ أي: نابه الذكْرِ محمود الأثر. انظر: "اللسان" 6/ 3273 (غِطى). والشاهد في البيت: اختلاس ضمةِ الهاء في (قناعُهُ)، وعدم إشباعها حتى تنشأ عنها واو.]] وقُرئ بإشباع الكسرة في الهاء، وهو الأصل [[وهي قراءة عاصم برواية حفص، وقراءة ابن كثير، والكسائي، ونافع من رواية ورش عنه، ورواية الكسائي عن إسماعيل بن جعفر عنه، وقراءة ابن عامر. انظر: "السبعة" 207 - 212، "المبسوط" لابن مهران: 145.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾.
أي: بالإلحاح [[في (ج): (باالالجاج).]] والخصومة والتقاضي والمطالبة. عن ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في "تفسير البغوي" 2/ 92.]] وقتادة [[قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 123، "الطبري" 3/ 317، "ابن أبي حاتم" 2/ 683، "زاد المسير" 1/ 409.]] ومجاهد [[قوله في "تفسيره" 129، "تفسير الطبري" 3/ 317، "ابن أبي حاتم" 2/ 683، "زاد المسير" 1/ 409.]].
قال ابن قتيبة [[في "تأويل مشكل القرآن" 181. نقله عنه بتصرف واختصار.]]: أصله: أن المطالب للشيء، يقوم فيه ويتصرف، والتارك له يقعد عنه. دليله: قوله [عز وجل] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]]: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران:113]؛ أي: عاملة بأمر الله، غير تاركة. ثم قيل لكل من واظب على مطالبة أمر: (قامَ به)، وإن لم يكن ثَمَّ [[في (ج): (تم).]] قيامٌ. ومثله قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]] وأنشد [[قد يكون الضمير في (أنشد) يعود على ابن الأنباري. لأنه أقرب متَحَدَّث عنه، وقد يرجع إلى ابن قيبة؛ لأن المؤلف هنا ينقل كلامه، وابن قتيبة قد أنشد هذا البيت في هذا الموضع استدلالًا على المعنى الذي ذهب إليه، وحينها يكون قول المؤلف: (ومثله قال ابن الأنباري) جملةً معترِضَةً، وهو الذي أرَجِّحه.]] للأعشى:
يقومُ [[في (ج): (نقوم).]] على الوَغْمِ في قومِهِ ... فَيَعْفُو إذا شاءَ أوْ يَنْتَقِمْ [[البيت في ديوانه: 198، "تأويل مشكل القرآن" 181، "النكت والعيون" 2/ 859. وقد ورد في "النكت": (على الرَّغْمِ).
والشاعر يمدح قيس بن معد يكرب. و (الوَغْم): الحقد الثابت في الصدر، والثأر، والقهر. انظر (وغم) في "العين" 4/ 456، "اللسان" 8/ 4880، "القاموس" (1167).
ومعناه: يقوم مطالبًا بالثأر لقومه، ولا يقعد ولا يتوانى عن ذلك.]]
أراد: يحققه ويتمسك بالمطالبة به، وليس ثَمَّ قيامٌ على الرِّجْل.
وقال أبو علي الفارسي [[لم أقف على مصدر قوله.]]: (القيام) في اللغة بمعنى: الدوام والثبات. وذكرنا ذلك في قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 3]. ومِنْ هذا قولُه: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [[سورة الأنعام: 61. فُسِّر (قِيَما)، بمعنى: مستقيمًا. ولا منافاة بين التفسيرين. قال الآلوسي: (ولا فرق بين (القيم) و (المستقيم) في أصل المعنى، عند الكثير. وفسروا (القِيَم) بالثابت المقوم لأمر المعاش والمعاد، وجعلوا المستقيم) من:== استقام الأمر؛ بمعنى: ثبت .. وقيل: (المستقيم) مقابل (المعوج). والقِيَم: الثابت الذي لا ينسخ). "روح المعاني" 8/ 70. وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 111، "تهذيب اللغة" 3/ 2862 (قام).]]؛ أي: دائمًا ثابتًا، لا يُنسَخ كما نُسِخت الشرائعُ التي قبله. فمعنى قوله: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ أي: دائمًا ثابتًا في اقتضائك له، ومطالبتك إياه.
ومن المفسرين من يجعل القيام ههنا حقيقةً. قال السدِّي [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 117، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 683.]]: يعني: إلا ما دمت قائمًا على رأسهِ [[في (ب): (على مطالبته).]]، بالاجتماع معه، والملازمةِ له. وهو اختيار أبي رَوْق؛ قال [[لم أقف على مصدر قوله.]]: [يعترِف بما] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (بعته ما). والمثبت من (ج).]] دفعت إليه، ما دمت قائمًا على رأسه، [فإنْ أنظرته وأخَّرت] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وساقط من (ب). والمثبت من (ج).]]، أنكر وذهب به. والقول الأول: اختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" له 1/ 224.]] والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" له 1/ 433.]].
وقوله [[في (ب): (قوله).]] تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: ذلك الاستحلال والخيانة، بأنهم يقولون: ليس علينا فيما اؤتُمِنَّا [[في (ج): (أصبنا).]] من أموال العرب سبيل؛ [لأنهم مشركون. فـ (الأميُّون) على هذا القول: العرب كلهم] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وساقط من: (ب). والمثبت من: (ج).]]. وهو [[في (ب): (وهذا).]] قول قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 117، و"ابن أبي حاتم" 2/ 683، "الدر المنثور" 2/ 77 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد.]] والسدِّي [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 117، "ابن أبي حاتم" 2/ 683.]].
وكانت اليهود تستحل ظلم من خالفهم في دينهم، وتقول [[في (ب): (فتقول).]]: لا حرج علينا في جنس [[في (ب): (أخذ).]] أموال العرب، قد [[قد: ساقطة من (ب).]] أحلها الله لنا؛ لأنهم ليسوا على ديننا [[في (ب): (دين).]].
و [[في (ب): (لما).]] روي في الخبر: أنَّه [[(أنه): ساقطة من: (ج).]] لَمَّا نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ: " [كذَّب اللهُ أعداءَ اللهِ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وبياض في (ب). والمثبت من (ج). إلا أن الحديث في كل مصادره التالية، ورد بلفظ: (كذب أعداء الله).]]، ما من شيء كان في الجاهلية، إلاَّ وهو [تحت] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء تمامًا في (أ)، وبياض في (ب)، والمثبت من: (ج) ومصادر الخبر.]] قَدَمَيَّ، إلاَّ الأمانة. فإنها مُؤَدَّاةٌ إلى البَرِّ والفاجر" [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 117، وابن أبي حاتم 2/ 683، والثعلبي 3/ 60 ب، وابن كثير 1/ 401، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 77 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وقد أخرجه كلهم عن سعيد بن جبير مرسلا. وقال الشيخ أحمد شاكر عن إسناده إلى سعيد بن جبير: (وإسناده إليه إسناد جيد). هامش "تفسير الطبري" 1/ 473.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية.]]: الأمِيُّون ههنا: أصحاب النبي ﷺ، والمسلمون.
وهو قول: الحسن [[قوله في "النكت والعيون" 1/ 403، "تفسير البغوي" 2/ 56.]] ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 285.]] وابن جريج [[قوله في "الطبري" 3/ 117، "ابن أبي حاتم" 2/ 683، "النكت والعيون" 1/ 403.]]، قالوا: إن اليهود كانوا استدانوا من العرب وبايعوهم، ولزمتهم الأثمانُ، فلمَّا أسلم أصحابُ الحقوق، [قالت] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).]] اليهودُ حين تقاضوهم [[في (ب): (نقضوهم).]] ليس لكم علينا شيءٌ، لأنكم تركتم دينَكم، وتحولتم، فسقطت عنَّا ديونُكم، وادَّعوا أنَّ ذلك في التوراةِ، فكذبهم الله عز وجل، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أنهم يكذبون.
آل عمران 3:76
قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ في ﴿بَلَى﴾ وجهان: أحدهما: أنه جواب متصل بالجَحْدِ المتقدم، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، فقال الله عز وجل رادًّا عليهم [[عليهم: ساقطة من (ج).]]: ﴿بَلَى﴾، [أي: بَلَى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]] عليهم سبيل في ذلك. وهذا اختيار الزجاج؛ قال [[في "معاني القرآن" له 1/ 434. نقله عنه بالمعنى.]]: وعندي وقف التمام على ﴿بَلَى﴾. وما بعده استئناف [[في (ب): (وما بعدها مستأنف).]].
والوجه الثاني: أن ﴿بَلَى﴾ ابتداء كلامٍ، أتى به بيانا [وتصديقًا لما بعده] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وفي (ب): (وفيت لما بعده). والمثبت من (ج).]]، وهي [[في (ج): (هو).]] كلمة مصححة لحب اللهِ عز وجل، من اتَّقاهُ وعبدَه وخاف عقابه. وعلى هذا الوجه لا يحسن الوقف على ﴿بَلَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾. مضى الكلام في معنى (الوفاء)، و (العهد) [[انظر: "تفسير البسيط" البقرة: 40.]].
قال المفسرون: أي: بما [[في (ج): إنما. ومن قوله: (أي بما) إلى (.. الأمانة): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 60 ب.]] عهد [[في (أ)، (ب): (عاهد)، والمثبت من: (ج)، "تفسير الثعلبي".]] اللهُ إليه في التوراة، مِنَ الإيمان بمحمد، والقرآن، وأداء الأمانةِ [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 320.]].
والهاء [[في (ج): (والفاء).]] في (عهده)، تعود على اسم الله، في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. ويجوز أن تعود على ﴿مِّن﴾ لأن العهد مصدر يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول [[انظر: "تفسير الثعلبى" 3/ 60 ب، "الدر المصون" 3/ 270271.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاَتَّقَى﴾ أي: الكفر [[من قوله: (الكفر ..) إلى (.. هذه صفته): نقله بتصرف يسير جدًّا عن "تفسير الثعلبي" 3/ 60 ب.]]، والخيانة، ونقض العهد. ﴿فَإِنَ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلمُتَّقِينَ﴾. يريد: مَن كانت هذه صفته.
آل عمران 3:77
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية. أكثر أهل التفسير على أن هذه الآية نزلت في اليهود [[ممن قال بذلك: عكرمة كما سيأتي، ومقاتل، والكلبي، والحسن. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 285، "تفسير الثعلبي" 3/ 61 ب، "أسباب النزول" للمؤلف (112)، "النكت والعيون" 1/ 404. ولم أقف على غيرهم قال بهذا القول. وفي الآية روايات أخرى صحيحة، تخالف هذا القول ذكرها المفسرون، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 320، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 686، "ابن كثير" 1/ 401، "الدر المنثور" 2/ 77.]].
قال عكرمة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 321، 6/ 528، "تفسير الثعلبي" 3/ 61 ب، "أسباب النزول" للمؤلف (112)، "تفسير البغوي" 2/ 56، "زاد المسير" 1/ 411.]]: إن جماعة من علمائهم [[هم: أبو رافع، وكنانة بن أبي الحُقَيق، وكعب بن الأشرف، وحُيي بن أخطب. كما في المراجع السابقة.]] كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من شأن محمد ﷺ، وبدَّلُوه، وكتبوا غيره بأيديهم من عندهم، فيما ادَّعوه أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، وحلفوا أنه من عند الله؛ لئلا تفوتهم الرِّشَى [[الرِّشى بكسر الراء، وبضمها: جمع رَشْوة بفتح الراء وبضمها وبكسرها: وهي الجُعْل الذي يُتوصل به إلى الحاجة، وأصلها من الرِّشاء، وهو: الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، والمصدر: الرَّشْوُ. انظر: "النهاية في غريب الحديث" 2/ 226، "اللسان" 3/ 1648 (رشا).]] والمآكل.
ودليل هذا: قوله في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [[سورة البقرة: 174. وهذه الآية نزلت في اليهود. انظر: "تفسير الطبري" 2/ 89.]] الآية.
وقال ابن عباس في رواية باذان [[في (ب): بانوان. ولم أقف على مصدر هذه الرواية. وباذان، هو: أبو صالح، مولى أم هانئ، يقال: باذان، وباذام. وقد سبق، ورواية باذان عن ابن عباس وردت في "تفسير الثعلبي" من طرق كلها عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.]]: نزلت في رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في ضَيْعَةٍ، فَهَمَّ المدَّعَى عليه أن يحلف، فنزلت هذه الآية، فَنَكَلَ المدَّعَى عليه عن اليمين، وأقر للمدَّعِي بحقه، ودفعه إليه [[ورد عن ابن جربج أثر قريب من هذا القول أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 322: (قال [يعني أن جريج]: قال آخرون ..) ثم ذكره. وملخصه: أن الأشعث بن قيس اختصم مع رجل في أرض، فطلب الرسول ﷺ من الرجل البيِّنة، فقال: ليس يشهد لي أحدٌ على الأشعث، قال: فلك يمينه فقام الأشعث ليحلف، فأنزل الله هذه الآية، فنكل الأشعثُ، وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق. فردَّ إليه أرضه، وزاده من نفسه زيادة كثيرة .. قال الشيخ أحمد شاكر: (هذا حديث مرسل، لم يذكر ابن جريج من حدَّثه به، فهو ضعيف الإسناد). المرجع السابق. وورد في نزول هذه الآية أسباب أخرى، أصح من هذا الأثر، فقد ورد أنها نزلت في السبب التالي: (قال رسول الله ﷺ: "من حلف يمين صبر؛ ليقتطع بها مال امريء مسلم، لقيَ الله وهو عليه غضبان". فأنزل الله تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...﴾ إلى آخر الآية. قال فدخل الأشعث بن قيس، وقال: فيَّ أنزِلَت، كانت لي بئر في أرض ابن عمِّ لي، قال النبي ﷺ: "بيِّنَتك أو يمينه". فقلت إذًا يحلفُ يا رسول الله! فقال النبي ﷺ من حلف على يمين صبر ..). إلى آخره.
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾، واللفظ له، انظر: "فتح الباري" 8/ 212. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (138) كتاب الإيمان، باب: (وعيد من اقتطع حق مسلم). وأبو داود في "السنن" (3243) كتاب الأيمان والنذور، باب: (فيمن حلف يمينًا ليقتطع بها مالًا). والترمذي في "السنن" (2669) كتاب التفسير، باب: (ومن سورة آل عمران). وابن ماجه في "السنن" (2322) كتاب الأحكام، باب: (البيِّنة على المدعي). وأحمد في "المسند" 5/ 211، 212 وانظر: "المسند" شرح شاكر ==5/ 210 رقم (3597)، 6/ 58 رقم (4049). والبيهقي في "السنن" 10/ 178، وأبو داود الطيالسي في مسنده: 35 رقم (262)، 141 رقم (1050، 1051)، والطبراني في "المعجم الكبير" 1/ 234، والحميدي في مسنده: 1/ 53 رقم (95)، والنسائي في "تفسيره" 1/ 299، والطبري في "تفسيره" 3/ 220 وفيه أن الخصومة كانت بين الأشعث وبين رجل من اليهود، وأخرجه ابن أبي حاتم في 2/ 686. وأخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾ سببًا آخر عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما: (أن رجلًا أقام سلعة في السوق، فحلف فيها: لقد أعطِيَ بها ما لم يُعطَه؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلين. فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾). انظر: "فتح الباري" 8/ 213، وأخرجه كذلك الطبري 6/ 533، وابن أبي حاتم 2/ 686. وقد وردت روايات أخرى، ولكنْ هاتان الروايتان أصح ما ورد، وعليهما الاعتماد، وهما نصَّان في السببيَّة، ولا يمتنع أن يتعدد السبب والنازل واحد. وقال الكرماني: (لعل الآية لم تبلغ ابن أبي أوفى إلا عند إقامته السلعة، فظنَّ أنها نزلت في ذلك، أو أن القصتين وقعتا في وقت واحد، فنزلت الآية). "فتح الباري" 11/ 560. ولكن هذا لا يمنع أن يدخل اليهود فيها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معروف. وانظر بقية الروايات في "تفسير الطبري" 6/ 530 - 534.]].
ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ﴾: يستبدلون [[في (ب): يسترون: يستدلون.]]. وذكرنا هذا في قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [[في (ج): (واشتروا). سورة البقرة: 16.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. جاز [[في (ب): (فإما).]] أن يكون [[من قوله: (أن يكون) إلى (لم ينقض ذلك) نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 434 نقل بعض عباراته بالنص، وتصرف في بعض عباراته بالزيادة والاختصار.]] إسماع الله جلَّ وعز أولياءَهُ كلامَهُ بغير سفير، خصوصيةً يَخُصُّ بها أولياءَه، فهو لا [يكلم هؤلاء أصلا. ويكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة.
وجائز أن يكون معنى] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).]] ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: لا يكلمهم بكلامٍ يَسُرُّهم. ونفى الكلامَ أصلًا لأنه يتضمن [[في (ج): (يضمن).]] معنى الغضب؛ كما يقال: (فلان لا يكلم فلانًا)، تأويله: أنه غضبان عليه، وإنْ كلمه بكلام سوء، لم ينقض ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾. أراد: نظر الرحمة؛ كما يقال: (نظر فلان لفلان)، و (نظر الأمير لرعيته): إذا رحمهم، وبهذا فسره ابن عباس، فقال [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: لا [[في (ب): (ولا).]] يرحمهم.
وروى جعفر بن سليمان الضُّبَعِي [[هو: أبو سليمان الحرشي البصري. قال عنه ابن حجر: (صدوق زاهد، لكنه كان يَتَشيَّع)، وعَدَّه من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، توفي سنة (178 هـ). انظر الجرح والتعديل: 2/ 481، "ميزان الاعتدال" 1/ 408، "تقريب التهذيب" (942).]] عن أبي عِمْران [[في (ج): (أبي عمر).]] الجَوْني [[في (ب): الجرني. وهو: أبو عمران، عبد الملك بن حبيب، البصري، الأزدي، الجَوْني. ثقةٌ، من التابعين، توفي سنة (128هـ) وقيل: بعدها. انظر: "الأنساب" 2/ 125، "تقريب التهذيب" (4172).]]، أنه قال [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 63 أ، وقد أورده بسنده عنه.]]: ما نظر الله عز وجل إلى شيء إلاَّ رَحِمَه، ولو قضى أن ينظر إلى أهل النار لرحِمَهُم؛ ولكن قضى أن لا ينظرَ إليهم. ومضى الكلام في معنى تزكية الله.
آل عمران 3:78
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾. يعني: من اليهود [[وهذا قول ابن عباس في رواية عطية، والربيع، وقتادة، وإليه ذهب الطبري، وابن كثير. وذهب الحسن، وابن عباس في رواية الضحاك: إلى أنهم أهل الكتاب كلهم. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 323، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 688، "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "تفسير البغوي" 2/ 59، "زاد المسير" 1/ 411، "تفسير ابن كثير" 1/ 404.]]. وفي هذا دليل: أن الآية المتقدمة نازلةٌ [[في (ب): (أولا).]] في اليهود، حيث عطف عليها بهذه [الآية] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ب).]] التي هي [[في (ب): (أنها).]] نازلة فيهم بلا خلاف.
وقوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾. قال مجاهد [[قوله في "تفسيره" 129، "تفسير الطبري" 3/ 323، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 689.]]، وقتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 323، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 689.]]، والربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 324، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 689.]]، وابن جريج [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 324.]]: يحرفونه [[في (ب): (يحرفون).]] بالتغيير والتبديل.
وأصل (اللَّيِّ): [الفَتْلُ؛ من قولك: (لَوَيْتُ يدَهُ): إذا فتلتها [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 324، قال: (وأصل (الليِّ): الفَتْل، والقلب، من قول القائل: لوى فلانٌ يدَ فلان: إذا فتلها وقلبها).]]، و] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وساقط من: (ب). والمثبت من: (ج).]] تحريف الكلام [وتقليبه] [[في (ب): وتقلبه. وقد جاءت في النسخ الثلاث: (وتقلبه). وما أثبتُّه من "تفسير الخازن" 1/ 311؛ حيث نقل عبارة الواحدي، وفيها: (تقليبه) وهي الأليق بسياق الكلام.]] عن وجهه، [و] [[ما بين المعقوفين زيادة لازمة ليستقيم بها الكلام.]] لَيُّ اللِّسانِ به؛ لأن المُحرِّفَ [[في (ب): (الحرف).]] لَوَى لسانَهُ [[(لسانه): ساقطة من (ج).]] عن سَنَنِ [[في (ب): (حسن).]] الصواب، بما يأتي به من عند نفسه [[بما يأتي به من عند نفسه: ساقط من (ب).]].
ويحتمل أن يكون المعنى: يَلْوُونَ بألسنتهم الكتابَ [[(بألسنتهم الكتاب): الكتاب: غير مقروء في (أ). وفي (ب)، (ج): (السنتهم بالكتاب)، ولا يستقيم بها المعنى. وما أثبتُّه من "تفسير الخازن" 1/ 311؛ حيث نقل عبارة الواحدي هذه، وهي الأصح والأليق بسياق الكلام.]]؛ لأنهم [[في (ب): (أي).]] يحرفون الكتاب عما هو عليه، بألسنتهم، فأتى به على القلْب. والقَلْبُ سائغٌ في كلام العرب. ولهذا نظائر وأشباه.
وقوله تعالى: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾. أي: لتحسبوا ما لَوَوا ألسنتَهم به، وما حرفوه من الكتاب.
فرجعت [[في (ب): (ورجعت).]] الكناية [[الكناية، هي: الضمير؛ لأنه يكنى به أي: يرمز به عن الظاهر.]] إلى مفعول ﴿يَلْوُونَ﴾، وهو غير مذكور [[في (ج): (منكور).]] ولكن الفعل يدل عليه [[(وهو غير مذكور ولكن الفعل يدل عليه): ساقط من (ب).]].
آل عمران 3:79
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ الآية. لمَّا ادعت اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم، أخبرهم النبي ﷺ أنهم ليسوا على دينه، غضبوا، وقالوا: ما يرضيك منا يا محمد إلا أن نتخذك ربًّا ونعبدَك؟. فقال رسول الله ﷺ: "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني ربي". فأنزل الله عز وجل هذه الآية. هذا قول ابن عباس [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 325، "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "أسباب النزول" للواحدي: (116)، "تفسير ابن كثير" 1/ 404، "لباب النقول" 54، "الدر المنثور" 2/ 82 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن إسحاق، وابن المنذر، والبيهقي في "الدلائل".]].
وقال الضحاك [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "أسباب النزول" للواحدي: 116، "تفسير البغوي" 2/ 59، "زاد المسير" 1/ 413.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 286، "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "تفسير البغوي" 2/ 59 "زاد المسير" 1/ 413.]]: كانت النصارى تقول: إن عيسى إلهٌ معبودٌ، وزعموا أن عيسى قال لهم ذلك، فنزلت الآية فيهم.
فقوله [[(فقوله): ساقط من: (ج).]]: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ [[في (أ): (وما).]]؛ يعني: محمدًا عليه السلام على قول ابن عباس. وعلى قول مقاتل، يعني: عيسى.
و (الحُكْم) [[من قوله: (والحكم ..) إلى نهاية بيت الشعر: من قول الليث بن المظفر، نقله المؤلف بتصرف من "تهذيب اللغة" 4/ 111.]] في اللغة وفي التفسير: العلم والفقه؛ قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]، يعني: العلم والفقه.
و (الحُكْم): القضاء بالعدل [[في (ب): والعدل. في (ج): (بالعذاب).]] أيضًا؛ ومنه قول النابغة:
واحْكُم كحُكْمِ فتاةِ [[في (ب): قناة. في (ج): (فتادة).]] الحَيِّ. [[صدر بيت، وتمامه: == واحكم كحكم فتاةِ الحي إذْ نَظَرَتْ ... إلى حَمامٍ شِراع واردِ الثَّمَدِ
وهو في ديوانه: 34، وورد منسوبًا له، في "كتاب سيويه" 1/ 168، والحيوان، للجاحظ: 3/ 221، "تهذيب اللغة" 1/ 885 (حكم)، "الصحاح" 5/ 1902 (حكم)، "أمالي ابن الشجري" 3/ 29، "اللسان" 2/ 951 (حكم)، (1006) (حمم)، "التصريح" 1/ 225، "شرح شواهد المغني" 1/ 75.
ويروى: (.. سِراع) بدلًا من (شراع).
والشاعر هنا يخاطب النعمان بن المنذر، ويعتذر إليه، ويطلب منه أن يحكم بالعدل في أمره، كما حكمت فتاةُ الحيِّ، وهي زرقاء اليمامة، المشهورة بحدَّةِ النظر، حيث نظرت إلى سرب حمام في الجو، فأحصتها، ولم تخطيء في عددها. و (شِراع): مقبلة على شِرعةِ الماء؛ أي: مَوْرِدهِ. و (الثَّمَدِ): الماء القليل. انظر: "اللسان" 4/ 2238 (شرع)، "القاموس" 270 (ثمد)، "شرح شواهد المغني" 1/ 76 - 77. وقيل: إن معنى قوله: (احكم كحكم ..)؛ أي: كن حكيمًا كفتاة الحي؛ أي: إذا قلت فأصِبْ كما أصابت هذه المرأة في حكمها. انظر: "التهذيب" 1/ 885.]] .. البيت.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولَ للِنَّاسِ﴾. عطف على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ أي: ما كان لبشرٍ أن يجمع بين هذين: بين النُّبُوَّة، وبين دعاء الخلق إلى عبادة غير الله.
قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 435، نقله عنه بتصرف.]]: أي: الله عز وجل لا يصطفي لنبوته الكَذَبَةَ [[في (ب): (مثل ذ) ابدلا من (الكذبة).]]، ولو فعل ذلك بشَرٌ، لَسَلَبَهُ الله عز وجل آياتِ النُّبُوّة، و [[الواو ساقطة من: (أ)، (ب). والمثبت من (ج)، و"معاني القرآن".]] علاماتها. ونصب ﴿ثُمَّ يَقُولُ﴾ على الاشتراك [[في (ج): (الإشراك).]] بين أن يُؤتِيَه وبين أن يقولَ [[في "معاني القرآن": (يقول) بدون واو.]]؛ أي: لا يجتمع لنبي إتيانُ [[الأوْلى أن تكون (إيتاء النبوة) بدلًا من (إتيان)؛ لأن الإتيان: المجيء، وهو == مصدر: (أتى يأتي)، ومن مصادره أيضًا: (أتْيًا، وأُتِيَّا، وإتِياَّ، ومأتاة). أما قوله تعالى: ﴿يُؤْتِيَهُ﴾، فهو من: (آتاه، يُؤْتيه)؛ أي: أعطاه، يعطيه. والمصدر: إيتاء. انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 115 (أتى)، والسان: 1/ 21 (أتي).]] النُّبوَّةِ والقولُ للناس: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي﴾.
وقال صاحبُ النَّظْمِ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾: نفيٌ، والنفي واقع غير موقعه؛ لأن التأويل ما كان لبشر يُؤتِيَه الله الكتابَ والحكمَ والنبوةَ. وقوله تعالى [[(تعالى): ساقطة من: (ج).]]: ﴿يُؤتِيَهُ اَللَّهُ﴾ [[في (ب): ﴿يَقُولَ للِنَّاسِ﴾.]] صفة للنكرة [[(صفة للنكرة): ساقطة من (ب).]]؛ على تأويل: (ما كان لِبَشَرٍ يكون بهذه الحال، أن يقول للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله).
فالمنفي [[في (ب): (والمنفي).]]: قوله: (أن يقول الناس). فلمَّا [[في (ب): (وإنما).]] وقع ﴿أَنْ﴾ في غير موقعه، نسق [[أي: عطف. وحروف النسق، هي: حروف العطف.]] عليه بـ ﴿ثُمَّ﴾. ففي الآية تقديم حرف حقُّهُ أن يُؤَخَّرَ، ومثله من تقديم ما وجب أن يؤخر في النظم: قوله تعالى [[(تعالى): ساقطة من: (ج).]]: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ [[(أن تطؤوهم): ساقطة من: (ج).]]﴾ [الفتح: 25]، التأويلُ: ولولا أن تطؤوا رجالًا مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ لم تعلموهم؛ أي: لم تعرفوهم.
وقوله تعالى: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي﴾. قال ابن عباس [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 65 أ.]]: هذه لغة مُزَيْنَة [[قبيلة عربية مُضَرية عدنانية، كانت مساكنهم بين المدينة ووادي القرى. وقد قاتلت مُزينة مع النبي ﷺ في غزوة حنين، واشتركوا في فتح مكة مع خالد بن الوليد رضي الله عنه. انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 1083.]]، تقول للعبيد: (عِبَاد) [[فرق الراغب بينهما، فجعل (العبد) بمعنى (العابد)، وجعل (العبيد) جمع (العبد) الذي هو مسترقٌّ. أي: أن (العباد) من العبادة، و (العبيد) من العبودية، وهي لا تمتنع أن تكون لغير الله. ثم قال: (فـ (العبيد) إذا أضيف إلى الله، أعم من (العباد)؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29]، فنبه إلى أنه لا يظلم من يختص بعبادته، ومن انتسب إلى غيره من الذي تسموا بـ (عبد الشمس)، و (عبد اللات)، ونحو ذلك). "المفردات" 543 (عبد). ويرى ابن عطية أن (العباد) (جمع (عبد)؛ متى سيقت اللفظةُ في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة، دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن)، وضرب لذلك أمثلة، منها: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 27]، و ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26]. "المحرر الوجيز" 3/ 187، وانظر: "روح المعاني" 3/ 207.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. أي: ولكن تقول: كُونُوا، فحذف القول؛ لدلالة الأولى عليه.
و (الرَّبّانِي): العالم، في قول كلهم.
أخبرني العَرُوضِيُّ، عن الأزهري، قال [[قوله هذا في "تهذيب اللغة" 2/ 1336. ومن قوله: (قال ..) إلى (.. بصغار العلوم قبل كبارها): موجود مع اختلاف يسير في "التهذيب" 15/ 179.]]: أخبرني المُنْذِري، عن أبي طالب [[هو: المفضَّل بن سَلمة بن عاصم، أبو طالب الضَّبِّي، تقدمت ترجمته.]]، قال: الرَّبّاني: العالم. والجماعة [[في (ب): (للجماعة).]]: الربّانِيُّون. وقال أبو العباس [[هو ثعلب كما في "تهذيب اللغة" قوله: (الربّاني: العالم. والجماعة: الربَّانيون).]]: الربَّانِيُّون: العلماء.
وقال سيبويه: زادوا ألِفًا ونونًا في (الرَّبّاني)، إذا [[(إذا): ساقطة من (ج).]] أرادوا تخصيصًا بعلم الرَّبِّ، دون غيره من العلوم، وهذا كما قالوا: (شَعْراني)، و (لِحْيانِي)، و (رَقَباني): إذا خُصَّ بكثرة الشَّعْر، وطول اللِّحْيَة، وغِلظ الرَّقَبَة. فإذا نسبوا إلى الشَّعْر، قالوا: (شَعْرِي)، وإلى الرَّقَبَة: (رَقَبِي)، وإلى اللِّحْيَة: (لِحْيِي) [[انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 380. "المقتضب" 3/ 144.]].
وقال ابنُ الأعرابي: الرباني: العالم المُعَلِّم، الذي يَغْدُوا الناسَ [[في (ج): (للناس).]] بصِغار العلوم قبل كبارها.
وقال المبرد [[قوله بنصه، في "تفسير الثعلبي" 3/ 65 ب، "تفسير القرطبي" 4/ 122.]]: الربّانِيُّون: أرباب العلم، وأحدهما: رَبّاني، وهو: الذي يَرُبُّ العِلم، ويَرُبُّ الناسَ؛ أي: يعلمهم ويصلحهم، ويقوم بأمورهم [[انظر: "الزاهر" 1/ 576، "تهذيب اللغة" 2/ 1336 (ربَّ)، "تاج" 2/ 10 (ربب).]].
والأَلِف والنُّونُ: للمبالغة؛ كما قالوا: (رَيّان) [[في (أ)، (ب)، (ج): (ربَّان). والمثبت من "تفسير الثعلبي".]]، و (عطشان)، و (شبعان)، و (عُرْيان) [[في (ب): (وعرقان)، في (ج): (وعرثان).]]، و (نَعْسان)، و (وَسْنان) [[يقال: (وَسِنَ، يَوْسَنُ، وَسَنًا)، و (سِنَةً)، و (وَسْنَةً)، أي: أخذ في النُّعاس، فهو: (وَسِنٌ)، و (وَسْنان)، و (مِيْسان). والاسم: (الوَسَن)، وهو: النعاس. انظر (وسن) في "المجمل" 925، "القاموس" (1238)، "المعجم الوسيط" 1033.]]، ثم ضمَّت إليه ياءُ النسبة، كما قيل: (لِحياني)، و (رَقَبانِي).
فعلى قول سيبويه؛ الرَّبّاني: منسوب إلى الرَّبِّ؛ على معنى التخصيص بعلم الرَّبِّ، أي: يَعْلَم الشريعة، وصفات الرب. وعلى قول ابن الأعرابي، والمبرد؛ الرّبّانِي: من الرَّبِّ، الذي هو بمعنى: التربية، على البيان الذي ذكر.
وقال أبو عبيدة [[قوله في "مجاز القرآن" 1/ 97.]]: لم تعرف العرب (رَبّانِيِّين) [[ونص قول أبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" (لم يعرفوا ربّانيِّين). وفي "تهذيب اللغة" 2/ 1336: (قال أبو عبيدة: وأحسب الكلمة ليست بعربية، وإنما هي عبرانية أو سريانية: وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربّانيين. قال أبو عبيد: وإنما عرفها الفقهاء وأهل العلم).]]. هذا قول أهل اللغة في معنى [[(معنى): ساقطة من: (ب).]] هذا [[(هذا): مطموسة في (أ). ومثبتة من: (ب)، (ج).]] الحرف.
قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير [[الرواية في "تفسير الطبري" 3/ 325، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 691، "تفسير الثعلبي" 3/ 65 أ.]]: ربانيين؛ أي: معلِّمِين [[في (ب): (مسلمين). واختلفت ألفاظ هذه الرواية عن ابن عباس في مصادرها، فعند الطبري، ورد: (حكماء فقهاء)، وعند ابن أبي حاتم: (الفقهاء المعلمون)، ومثله عند الثعلبي. وورد عن ابن عباس من رواية عطية العوفي: (حكماء فقهاء)، هكذا عند الطبري. وعند الثعلبي: (حكماء علماء). ومن رواية الضحاك عنه: (الفقهاء العلماء). انظر المراجع السابقة.]]. وهو قول مُرَّة الهَمْداني [[هو: أبو إسماعيل، مُرَّة بن شَرَاحِيل، الكوفي، البكيلي الهَمْداني، تقدم 2/ 77]]، واختيار عبد الله بن مُسْلِم [[هو ابن قتيبة وقوله في "تفسير غريب القرآن" له: 107.]]، ويقوى هذا قول ابن الأعرابي والمبرد [[قال الطبري: (وأولى الأقوال عندي بالصواب في (الرَّبانيِّين): أنهم جمع (رَبّاني)، وأن (الرَّبّاني): المنسوب إلى (الرَّبَّان) الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، و (ويربُّها)، ويقوم بها ..). ثم قال: (يقال منه: (رَبَّ أمري فلان، فهو يُربُّه رَبًّا، وهو رَابُّه). فإذا أريد به المبالغة في مدحه، قيل: (هو ربّان) ..). ثم تابع قائلاً جامعًا بين الأقوال المختلفة: (فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا وكان (الربَّان) ما ذكرنا، و (الربّاني) هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفتُ وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين يَرُبّ أمورَ الناس، بتعليمه إياهم الخيرَ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم وكان كذلك الحكيمُ التقيُّ لله، والوالي الذي يلي أمورَ الناس على المنهاج الذي وَليَهُ المقسطون من المصلحين أمورَ الخلق، بالقيام فيهم بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدةُ النفع عليهم في دينهم، ودنياهم، كانوا جميعًا يستحقون أن [يكونوا] مِمّن دَخل في قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. فـ (الرَّبّانيُّون) إذًا، هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا. ولذلك قال مجاهد: (وهم فوق الأحبار)؛ لأن (الأحبار): هم العلماء، و (الرَّبّانِي): الجامع إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم). تفسيره: 3/ 296.]].
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [[(الكتاب): ساقطة من (ج).]]. ويُقرأ: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ [[في (أ): (تُعَلمون). وفي (ب)، (ج) مهمل، لم يضبط بالشكل. وما أثبته هو الصواب. وهذه القراءة بفتح التاء، وإسكان العين وفتح اللّام، قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بضم التاء وتشديد اللام المكسورة. انظر: "السبعة" 213، "الكشف" 1/ 351.]]، من: العلم. والباء [[من قوله: (الباء ..) إلى (.. أبلغ في هذا الوضع): نقله باختصار وتصرف من "الحجة" للفارسي: 3/ 59 - 61.]] في ﴿بِمَا﴾، متعلقة بقوله: ﴿كُونُوا﴾. و (ما) في القراءتين، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل، والتقدير: كونوا رَبَّانِيِّين، بكونكم عالمين؛ [أو: معلِّمين] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب). ومثبت من (ج). إلّا أنه ورد في (ج): (أي: معلمين)، بدلًا من: (أو معلمين)، ولم أرَ لها وجهًا. والصواب ما أثبته؛ لأن المؤلف هنا يذكر التقدير في القراءتين باعتبار أنَّ (ما) مصدرية فيهما. ففي القراءة الأولى ﴿تَعلمون﴾، يكون التقدير: (بكونكم عالمين)، أو يكون التقدير: (بكونكم مُعَلِّمين) على اعتبار القراءة الثانية ﴿تُعَلِّمُونَ﴾.
ويعزز هذا ما ورد في "التفسير الوسيط" للمؤلف؛ حيث أورد في هذا الموضع القراءتين، فقال عن قراءة: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ (أي: بكونكم عالمين). وقال عن قراءة ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بالتشديد: (بكونكم معلمين). "الوسيط" تحقيق بالطيور: 255.]].
وعلى هذا التقدير أيضًا قوله تعالى [[لفظة (تعالى): ساقطة من: (ج).]]: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. ومثل هذا مِنْ كَوْن [[في (ب): (ممن تكون فيه).]] (ما) مع الفعل بمنزلة [[في (ب): (بمعنى).]] المصدر؛ قوله [تعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: ب.]]: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: 51]؛ أي: كنسيانهم لقاء يومهم، وككونهم [[في (ج): (ولكونهم).]] بآياتنا جاحدين.
فأما قوله: ﴿تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ﴾، من قرأه [[في (ج): (قرأ).]] بالتخفيف؛ فهو من (العِلم) الذي يراد [[في (ج): (يريد).]] به: المعرفة، فيتعدى إلى مفعول واحد؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: 65]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220]، وحجته: ما رُوي عن عمرو [[هو أبو عمرو بن العلاء، ممن قرأ ﴿تَعْلَمون﴾.]] أنه احتج بقوله: ﴿تَدْرُسُونَ﴾ ولم يقل: (تُدَرِّسُون)، وأيضًا فإن التشديد يقتضي مفعولين، والمفعول ههنا واحد، فالتخفيف أولى.
ومن قرأ بالتشديد: فالمفعول الثاني محذوف، تقديره: بماكنتم تُعَلِّمونَ الناسَ الكتابَ، أو غيرَكم الكتابَ. وحُذِف؛ لأن المفعول به قد يُحذَف من الكلام كثيرًا.
وحجته في التشديد: أن التعليم [[في (ج): (العلم).]] يَدُل على العِلْم؛ لأن الذي يُعَلِّم لا يكون إلا عالمًا بما يُعَلِّم، والعِلْم لا يدل على التعليم، فالتشديد أبلغ في هذا الموضع. وأيضًا فإن الرَّبّانِيّين لا يقتصرون على أن يَعْلَموا لأنفسهم حتى يتقربوا إلى الله بالتعليم، يدل عليه: قول مُرَّة بن شَراحيل [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 65 أ، "حلية الأولياء" 2/ 98، "صفة الصفوة" 2/ 16.]]: كان عَلْقَمَةُ من الربّانيين الذي يُعَلِّمون الناسَ القرآن.
قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 435. نقله عنه بالمعنى.]]: معنى قوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾: كونوا معلِّمِي الناس بعِلْمِكم ودَرْسِكم، عَلِّموا الناسَ وبَيِّنوا لهم؛ كما تقول: انفعوهم بمالِكم. وقيل [[هذا القول يدخل ضمن معنى قول الزجاج في المصدر السابق.]]: كونوا ممن يستحق أن يُطلق [[في (ب): (تطلق).]] له صفة عالم بعلمه؛ لإخلاصه وقيامه بحقه.
وقوله تعالى: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. أي: تقرأون [[في (ج): (تقرون).]]. ومنه قوله تعالى: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: 169]. وشَرْحُ معنى الدَّرسِ والدراسة، يُذكر عند قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: 105].
آل عمران 3:80
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾. الآية. أكثر القراء على رفع ﴿ولا يأمُرُكُم﴾ [[القراءة برفع الراء، هي لابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، والكسائي، وأبي جعفر، وعاصم برواية الأعشى والبرجمي عن أبي بكر. وكان أبو عمرو يختلس حركة الراء تخفيفًا. والقراءة بالفتح، لعاصم برواية حفص وحماد ويحيى عن أبي بكر، وهي كذلك قراءة ابن عامر، وحمزة، ويعقوب، وخلف. انظر: "السبعة" 213، "المبسوط" لابن مهران: 145 - 146، "حجة القراءات" 168، "الإقناع" 621، "إتحاف فضلاء البشر" (177).]].
قال سيبويه [[في "الكتاب" 3/ 52.]]: ﴿وَلَا يَأَمُرُكم﴾: منقطعة مما قبلها؛ لأن المعنى: ولا [[من قوله: (ولا ..) إلى (.. ابن جريج وجماعة): ساقط من: (ج).]] يأمُرُكم الله.
وقال ابن جريج [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 329.]]، وجماعة [[لم أقف على المراد بهم. وقد وردت هذه العبارة بنصها في "تفسير الثعلبي" 3/ 66 أ. قال: (وقال ابن جريج وجماعة).]]: ولا يأمُرُكم محمدٌ. ومما يدل على الانقطاع من الأول: ما روي عن ابن مسعود، أنه قرأ: (ولن يأمُرَكم) [[ذكر هذه القراءة: الطبري في "تفسيره" 3/ 329، والفارسي في "الحجة" 3/ 58، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 66 أ. وقال الطبري: عن سند هذه القراءة: (فذلك خبر غير صحيح سنده). "تفسيره" 3/ 329.]].
قال الفراء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 225. نقله عنه بنصه.]]: فهذا دليل على انقطاعها من النَّسَقِ، وأنها مستأنفة؛ فلما وقعت (لا) موقع (لن) رفعت، كما قال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة: 119]، وفي قراءة عبد الله: (ولن تُسأَلَ) [[انظر هذه القراءة في "تفسير الطبري" 1/ 516، "المحرر الوجيز" 1/ 469.]].
ومَن نَصَبَ ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ كان [[من قوله: (كان ..) على (.. لبشر أن يأمركم): ساقط من: (ج).]] وجهه ما قال سيبويه: إن المعنى: وما كان لِبَشَرٍ أن يأمرَكم أن تتخذوا الملائكة. فيكون نصبًا بالنَّسَقِ على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾. ويقوي هذا الوجه ما ذكرنا: أن اليهود قالت للنبي ﷺ: أتريد يا محمدُ أن نتخذك ربًّا؟! فقال الله سبحانه: ما كان لِبَشَرٍ أن يأمر بذلك [[سبق تخريج هذا الأثر في التعليق على تفسير آية 79 من هذه السورة.]].
قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 436، نقل عنه بنصه.]]: معنى الآية [[في "معاني القرآن": أي.]]: ولا يأمركم أن تعبدوا الملائكة والنبيين؛ لأن الذي قالوا: إن عيسى إلهٌ، عبدوهُ واتخذوهُ ربًّا. وقال قوم من الكفار: إن الملائكة أربابُنا [[في (ج): (أربابا).]]؛ يقال [[في "المعاني": (ويقال).]]: إنهم الصابئون [[(الصابئ) هو الذي خرج من دينه ودخل في دين آخر. ولذا سَمَّ كفارُ قريش النبيَ ﷺ وصحابته بذلك -بزعمهم- لأنهم تركوا دينهم ودخلوا في دين آخر. و (الصابئة) هنا لفظة قديمة من لغة عرب ما بين النهرين من العراق، وهو دين قديم ظهر في بلاد الكلدانيين في العراق، واشتهر في (حرّان) من بلاد الجزيرة الفراتية، ويُسَمَّون لذلك بـ (الحرْنانِيّة) على غير قياس. ودينهم من أقدم الأديان، ولما بعث الله إبراهيم عليه السلام كان الناس على دين الصابئة. وقد ترك هؤلاء دين التوحيد وعبدوا النجوم والكواكب وعظموها، مدعين أن البشر عاجزون عن الوصول إلى جلال الخالق == فلزم التقرب إليه بواسطة مخلوقات مقربة لديه، وهي الأرواح الطاهرة المقدسة، وزعموا أن هذه الأرواح تسكن الكواكب، وأنها تنزل إلى النفوس الإنسانية بمقدار تقرب النفوس إليها، فعبدوا الكواكب بقصد الاتجاه إلى رُوحانياتها. وبنوا للكواكب هياكل وجعلوا لها تماثيل. انظر حول تفصيل معتقدهم "الملل والنحل" للشهرستاني: 2/ 5 وما بعدها، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للفخر الرازي:143، "لسان العرب" 4/ 2398 (صبأ)، "المختصر في أخبار البشر" 1/ 81، "التحرير والتنوير" لابن عاشور: 1/ 533.]].
وقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ﴾. استفهام معناه: الإنكار؛ أي: لا يفعل [[في (ج): (نفعل).]] ذلك، وإنما جاز أن يُنقَلَ إلى الإنكار؛ لأنه مما أقَرَّ بِهِ المخاطَبُ، [و] [[الواو: زيادة لازمة ليستقيم بها المعنى.]] ظهر افتضاحه، وبان سقوطه؛ لأنه مما لا يَخفى فسادُه؛ فلذلك [[في (ج): (فكذلك).]] جاء الكلام على السؤال، وإنْ لم يكن معناه تَعَرُّف الجواب.
وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. أي: بعد إسلامكم.
آل عمران 3:81
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" لم: 1/ 436. نقله عنه بنصه.]]: موضع (إذْ): نَصبٌ؛ المعنى: واذكر في أقاصيصك: إذ أخذ اللهُ ميثاقَ النَّبِيِّين.
وقوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ قرأ [[في (ج): (وقرأ).]] حمزة: ﴿لِمَا﴾ بكسر اللاَّم [[انظر: "السبعة" 213، "حجة القراءات" 3/ 62، "المبسوط" لابن مهران: 146.]]. ووجهُ [[من قوله: (ووجه ..) إلى (.. والمفعول لا يحتاج إلى عائد ذكر): نقله باختصار وتصرف عن "الحجة" للفارسي: 3/ 62.]] هذه القراءة: أنَّ اللاَّم في ﴿لِمَا﴾ متعلق بالأخذ؛ كأنَّ [[(أ)، (ب)، (ج): (كان). والمثبت من "الحجة".]] المعنى: أخذ ميثاقهم لهذا؛ لأن من يؤتَى الكتابَ والحكمة، يُؤخَذُ عليهم الميثاقُ؛ لِما أوتوهُ [[(أ)، (ب)، (ج): (أتوه). والمثبت من "الحجة".]] من الحكمة، وأنهم الأفاضل، وأماثل [[في (ب): (وأفاضل).]] الناس. و (ما) على هذه القراءة تكون موصولةً؛ بمعنى: الذي. والراجع إلى (ما) مِن صِلَتِها محذوفٌ؛ تقديره: لِما آتيتكموه. فَحُذِفَ الراجعُ، كما حُدفَ من قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41]. ونحو ذلك.
فإن قيل] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج).]]: إذا كانت (ما) موصولةً، لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة [[في (ب): (الموصولة).]] على الصلة، ذِكرٌ إلى الموصول، وإلاّ لم يَجُز. ألا ترى أنك لو قلت: (الذي قام أبوه [[في (ب): (أثره بدلًا من أبوه).]] ثم انطلق زَيْدٌ، ذاهبٌ) [[(إليك) بدلًا من (ذاهب).]]؛ لم يَجُز إذ لم يكن [راجعٌ مذكورٌ] [[ما بين المعقوفين: مطموس في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج) "الحجة".]].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).]]﴾ ليس فيه [[ليس فيه: ساقط من: (ب).]] راجعٌ إلى الموصول. قيل: يجوز [[في (ب): ورجوعه بدلا من: (قيل يجوز).]] أن يكون المُظهرُ بمنزلة المُضْمَر. فقوله: ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾، هو في المعنى: ما أُوتوهُ [[(أ)، (ب): (أتوه). والمثبت من: (ج)، و"الحجة".]] مِنَ الكتاب والحكمة؛ فكأنه [[في (ج): (وكأنه).]] قال: ثم جاءكم رسولٌ مُصدِّقٌ له؛ أي [[له أي: ساقط من: (ج).]]: لِمَا آتيتكم مِنْ كتابٍ وحِكْمَةٍ، وهو ما معكم.
والصلة المُظهَرَة تقوم مقام المُضمَرَة [[في (ج): (المضمر).]]، عند أبي الحسن الأخفش؛ ومثل هذا: قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]، المعنى: كأنه قال: لا يضيع أجرهم؛ لأن الذي يتقي [[في (ب): (يتق).]] ويصبر يكون من المحسنين، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [[من (إنا لا نضيع ..) إلى (الذين آمنوا وعملوا الصالحات): ساقط من: (ج).]] [الكهف: 30]، المعنى عنده: إنا لا نضيع أجرهم؛ لأن مَنْ أحسن عملًا، هم: الذين آمنوا وعملوا الصالحات [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 396.]].
ووجه آخر، وهو: أنَّ الراجعَ ههنا محذوفٌ، وحَسُن الحذف للطول، كما حكاه الخليل [[انظر قوله في "كتاب سيبويه" 2/ 404.]] من قولهم: (ما أنا بالذي قائل لك شيئًا)، والتقدير: بالذي هو قائل.
كذلك ههنا يكون التقدير: ثم جاءكم رسولٌ به؛ أي: بتصديقه، أي: بتصديق ما أتيتكم.
وأما من قرأ ﴿لَمَا﴾ بفتح اللام [[هم باقي القراء، ما عدا حمزة الذي قرأ بكسرها كما سبق. انظر: "السبعة" 213، "المبسوط" لابن مهران: 146، "الكشف" 1/ 351.]]؛ فـ (ما) [[في (أ)، (ب): (فيما). والمثبت من: (ج). وفي "الحجة": فإن ما.]] في هذه القراءة، يحتمل [[في (ب)، (ج)، "الحجة": (تحتمل).]] تأويلين:
أحدهما: أن تكون موصولة. والآخر: أن تكون للجزاء [[الجزاء: هو الجواب في أسلوب الشرط؛ لأنه جزاء مترتب على حصول الشرط.]]. فمن قدَّرها موصولةً: كان القول فيها كما ذكرنا في قراءة حمزة.
واللاّم في (لَمَا)، لام الابتداء، وهي المتلقية [[في (ب)، (ج): (المنقلبة).]] لِما أُجري مجْرى القَسَم، لأن قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾، بمنزلة القَسَم، كأنَّ المعنى: استحلفهم.
وموضع (ما) رفع بالابتداء. والخَبَرُ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. و ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ [[ولتؤمنن: ساقط من: (ج).]]، متعلق بِقَسَم محذوف؛ المعنى: والله لتؤمنن به. فإن قدرت (ما) للجزاء، كانت (ما) في موضع نصب بـ ﴿آتَيْتُكُمْ﴾. و ﴿جَاءَكُمْ﴾ في موضع جزمٍ بالعطف على ﴿آتَيْتُكُمْ﴾، واللاّم الداخلةُ على (ما) لا تكون المتلقية [[في (ج): (المنقلبة).]] للقسم، ولكن تكون بمنزلة اللّام في قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب: 60] [والمتلقية للقسم؛ قوله [[(قوله): ساقط من: (أ)، (ب). وفي (ج): (وقوله). والمثبت من "الحجة" للفارسي.]]: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾، كما أنها في قوله ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) ومن "الحجة" للفارسي.]]، قوله [[في (ب): (وقوله).]] ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ [الأحزاب: 60].
وهذه اللاّم الداخلة على (إنْ) في ﴿لَئِنْ﴾، لا يعتمد القَسَمُ عليها؛ فلذلك جاء حذفها تارةً، وإثباتها تارة؛ كما قال [[قال: ساقطة من (ج).]]: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [المائدة: 73]، فَتَلْحَقُ هذه اللاّم مرة [(إنْ)] [[ما بين المعقوفين زيادة من "الحجة" للفارسي؛ ليتضح بها المعنى.]]، ولا تَلْحَقُ أخرى، كما أنّ (أنْ) كذلك في قولهم: (واللهِ أَنْ لو فعلتَ لفعلتُ)، [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من "الحجة".]] (واللهِ لو فعلتَ لفعلتُ) [[(والله لو فعلت لفعلت): ساقطة من: (ج).]]. وهذه اللاّم بمنزلة (أَنْ) الواقعة مع (لو). وهذا مذهب سيبويه [[انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 107.]]، وهو يُقدِّر (ما) ههنا للجزاء [[بالرجوع إلى "كتاب سيبويه" يظهر ابتداء خلاف ما ذكره المؤلف هنا، ونص عباره سيبويه: (وسألته [يعني الخليل] عن قوله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. فقال: (ما) ههنا بمنزلة (الذي)، ودخلتها اللام؛ كما دخلت على (إنْ) حين قلت: (واللهِ لئن فعلتَ لأفعلن)، واللام التي في (ما) كهذه التي في (إنْ)، واللام التي في الفعل، كهذه التي في الفعل هنا ..). وذكر الفارسي في "الحجة" 3/ 66 أنَّ المازني قال: (زعم سيبويه أن (ما) بمنزلة (الذي)، ثم فسّر تفسير الجزاء). ثم بيَّن الفارسي وجه قول سيبويه، فقال: (والقول فيما قاله من أن (لَما) بمنزلة (الذي): أنه أراد أنه اسم، كما أن (الذي) اسم، وليس بحرف، كما كان حرفًا في قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: 111]، ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 35]، فهذا المعنى أراد بقوله: أنه بمنزلة الذي، ولم == يرد أنها موصولة كـ (الذي). وبهذا يتضح كلامَ المؤلف الذي اختصره من "الحجة" للفارسي. انظر في هذا كذلك "الإغفال" لفارسي: 1/ 579 - 586 فقد نقل هنا قول سيبويه والمازني، وناقش هذه المسألة.]]، وانما لم يحمله على أن (ما) موصولة، بمنزلة الذي؛ لأنه لو حمله على ذلك، للزم أن يكون في الجملة المعطوفة على الصلة، ذِكرٌ يعود على الموصول، فلما لم ير [[في (ج): (نر).]] ذلك، ولم ير أن يضع المُظْهَر موضع المُضْمَر كما يراه أبو الحسن عَدَلَ عن القول: بأن (ما) موصولة، إلى أنها للجزاء، ولم يحملها على الحذف من المعطوف على الصلة؛ لأنه ليس بالكثير، ولا بموضع [[في (ب): (موضع)، (ج): (لموضع).]] يليق به الحذف. و (ما) إذا كانت للجزاء، لا تحتاج إلى عائدِ ذِكرٍ، كما تحتاج إليه (ما) التي بمنزلة (الذي)؛ لأن (ما)، إذا كانت جزاءً، مفعولٌ بها، والمفعولُ لا يحتاج إلى عائدِ ذكرٍ. وهذا الوجه اختيار الزجاج؛ لأنه قال [[في "معاني القرآن" له: 1/ 436. نقله عنه بتصرف.]]: أجوَد الوجهين: أن يكون [[في (ب)، (ج): (تكون).]] (ما) للشرط والجزاء؛ لأن الشرط يوجب أن كل ما وقع من أمر الرسول [[في (ج): "معاني القرآن" الرسل. أما (الرسول) فقد وردت في كتاب "الإغفال" للفارسي: 1/ 579 حيث نقل قول الزجاج هذا. ويبدو أن المؤلف نقل العبارة عن "الإغفال" أو عن نسخة أخرى لـ "معاني القرآن" ورد فيها لفظ (الرسول).]] فهذه طريقته.
وأبو عثمان المازني أيضًا اختار هذا الوجه، فقال [[قوله في "الإغفال" 1/ 585. وقد نقله المؤلف بنصه.]]: الوجه عندي: أن يكون [[في (ب)، (ج): "الإغفال" تكون.]] (ما) للجزاء؛ لأن الفعل الماضي إنما يكون في معنى المستقبل، في الجزاء لا في غيره، والمعنى: أنه أخذ ميثاقهم على أن ينصروه ويؤمنوا بما يأتيهم فيما يستقبل من كتاب وغيره.
والدليل على أن ﴿آتَيْتُكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾، معناه مستقبل: قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، وإذا كان جزاءً كانت اللاّمُ توكيدا.
وقد قال سيبويه [[في "الكتاب" له: 3/ 108. ونص قوله: (ومثل ذلك: ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ لَأَمْلَأَنَّ﴾، إنما دخلت اللام على نِيَّة اليمين). وقول سيبويه هنا من تتمة نقل المؤلف لكلام المازني من "الإغفال".]]: ومثل هذه الآية؛ قوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: 18]، فهذا جزاء، والفعل [[من قوله (والفعل ..) إلى (.. فمعناها التقديم): نقل المؤلف هذه العبارات بالمعنى، وهي من تتمة كلامِ المازني في "الإغفال".]] الماضي في معنى المستقبل، ولام القسم التي تعتمد عليها اللاّم في ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهي وإن كانت مؤخرة فمعناها التقديم.
وقوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تقديره [[من قوله: (وتقديره ..) إلى (.. لآتينك إن أتيتني كذلك): نقله بتصرف عن "الإغفال" للفارسي: 1/ 587.]]: أول الكلام في قول من قدّر (ما) جزاء، والتمثيل: (وإذ أخذ اللهُ ميثاق النبيين لتؤمنن به)، وجواب الشرط، محذوف مستغنى عنه؛ لدلالة لتؤمنن به، الذي هو جواب القسم عليه، كما أن قولك: (لآتِيَنَّك إنْ أتيتني)، كذلك؛ والمعنى: (واللهِ، لآتِيَنَّك إنْ أتيتني). فيكفي جوابُ القسم من جواب الجزاء، وإذا كانت بمعنى الجزاء على ما [[في (ب): (كما) بدلًا من: (على ما).]] وصفنا فيكون تقدير المعنى: لأَنْ آتيتكم شيئًا من كتاب وحكمة، -ومهما آتيتكم- ثم جاءكم رسول، لتؤمنُنَّ به.
فإن قيل: ميثاق الإيمان بمحمد ﷺ، وسائر الرسل، مأخوذ على جميع النبيين ما [[في (ج): (مما).]] أوتوا الكتاب، وانما أوتي [[في (ج): (أولى).]] بعضهم؟.
قيل: هذا على التغليب؛ فالذكر ذكر الأنبياء الذين أوتوا الكتاب، والمراد: هم، وغيرهم ممن لم يُؤتَ الكتاب، ودخلوا في جملتهم؛ لأنهم بمنزلة من أوتى الكتاب بما أوتوا من الحُكْم والنبوة، وأيضًا فإن الذين لم ينزل عليهم الكتاب أمروا بأن يأخذوا بكتاب نَبِيٍّ [[(بأن يأخذوا بكتاب نبي): مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] قبلهم، ورُزِقوا علمَ ذلك الكتاب، فدخلوا تحت صفةِ أبناء الكتاب.
وقرأ [[من قوله: (وقرأ ..) إلى نهاية قوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾: نقله بتصرف عن "الحجة" للفارسي: 3/ 69.]] نافع: ﴿آتَيْنَاكُم﴾ [[في (ب): (أتيتكم).
وهذه القراءة لجعفر -كذلك-، وقرأ الباقون ﴿آتَيْتُكُم﴾. انظر: "المبسوط" لابن مهران: 146، "الكشف" لمكي 1/ 351.]]، وحجته قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:55]، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]، ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: 117].
ومن قرأ: ﴿آتَيْتُكُم﴾، فحجته قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحديد: 9]، و ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: 3]، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1].
والقراءة الأولى: أشبه بكلام البلغاء والملوك، ومن الفصاحة تغيير العبارة عن الواحد إلى الجمع، وعن الجمع إلى الواحد، كقوله: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [[كُتِبت ﴿ألّا يَتّخذوا﴾ -بضمير الغائب- وهي قراءة أبي عمرو. وقرأ الباقون: ﴿الَّا تَتَّخِذُوا﴾ -بضمير الخطاب- على الالتفات. انظر: "إتحاف فضلاء البشر": (281).]] [الإسراء: 2] ولم يقل: من دوننا، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾.
والقراءة الثانية: أشبه بما قبله مِنْ قولِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾، وبما بعده من قوله: ﴿إِصْرِى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: وإنّما خاطب، فقال: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ بعد أن ذكر النبيين وهم غيب؛ لأن في الكلام معنى قول وحكاية، يراد: واذ أخذ الله ميثاق النبيين، فقال مخاطبًا لهم: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾.
قال [[في (ج): (وقال).]]: ونظائر هذا كثيرة [[في (ج): (وتظاهر هذا كثرة).]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾.
دخلت ﴿مِنْ﴾ تبيينًا لـ (ما)؛ كقولك: (ما عندي من الوَرِقِ [[الوَرِق، والوِرْق، والوَرْق، والرِّقَة: الدراهم المضروبة وقيل: الفضة، أكانت مضروبة أم لا. وقيل: المال بعمومه. وجمع الورق: أوراق. وجمع الرِّقَة: رِقُون. انظر (ورق)، في "الصحاح" 4/ 1564، "اللسان" 8/ 4816، "التاج" 13/ 476.]] والعَيْنِ) [[في (ج): (والحبر).
و (العين): من معانيها في اللغة -مما يصلح في هذا الموضع-: المال العتيد: الحاضر، والنّقد، والدينار، والذهب عامّة. انظر (عين)، في "اللسان" 6/ 3198، "القاموس" (1218).]].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾.
يقال: ما وَجْه [[من قوله: (ما وجه ..) إلى (وهذا من جهة المعنى): نقله -بتصرف- عن "الحجة" للفارسي: 3/ 67 - 68.]] قوله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾، والنَّبِيُّون لم يأتهم الرسولُ، وإنما يُبْعَثُ الرُّسُلُ إلى الأمم، لا إلى الرُّسُلِ؟.
قيل: يجوز أن يُعْنى بذلك أهل الكتاب في المعنى [[ممن قال بذلك: طاوس، وقتادة. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 124، "تفسير الطبري" 3/ 333، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 694.]]؛ لأن الميثاق إذا أُخذ على النبيين، فقد أُخذ على الذين أوتوا [[في (ب): أتوا. والمثبت من: (ج)، "الحجة".]] كُتُبَهُمْ من أممهم.
وعامَّة ما يُشْرع للأنبياء [[في (أ)، (ب): الأنبياء. والمثبت من: (ج)، "الحجة".]]، قد [[في (ب)، (ج): (فقد).]] شُرعَ لأممهم وأتباعهم؛ يبين ذلك: أن الفروض التي تلزمنا تلزمُ نبينا [[في (ج): (نبيهم).]] عليه السلام؛ وإذا كان كذلك؛ فأخذ [[في (أ)، (ب)، (ج): (وأخذ). والمثبت من "الحجة" للفارسي؛ لأنه الأليق بالعبارة، ودخول الواو يخل بالمعنى.]] الميثاق على النبيين، كأَخْذ الميثاق على الذين أوتوا كتبهم من أممهم، ومن ثَم جاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1]، فجُمع النبي ﷺ ومن تبعه في الخطاب الواحد، وهذا من جهة المعنى.
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: إنما أخذ الله ميثاق النبيين [[في (ج): (الميثاق على النبيين).]]، بأن يؤمنوا برسل الله جل وعز بعدهم، فإذا آمنوا بهم، لزم أُمَمَهم الاقتداءُ بهم، والسلوكُ لمنهاجهم.
وجواب آخر من طريق اللفظ [[وهذا الجواب قد ذكره الفارسي في "الحجة" 3/ 68، وإنما ذكر المؤلف معناه هنا.]]، وهو: أن يكون المراد: وإذ أخذ ميثاق أممِ النَّبِيِّين وأتباع النَّبِيِّين، شَرط عليهم أنبياؤُهم أن يؤمنوا بكل نَبِيٍّ يبعثه الله عز وجل ولا يكذبوه، ولا يدخلوا في جملة أعدائه، وأخذوا بذلك عهودهم، فقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾، وهو يريد: ميثاقَ تُبّاع النَّبيين، فحَذَف المضاف.
وقال صاحب النظم: معنى النَّبِيِّين ههنا: معنى أُمَمِهم، وصار ذكرهم كالقبيلة للأمم، كما يقال: قَيْس، وتَمِيم، وبَكْر، وهي أسماء رجال بأعيانهم، نُسِب أولادهم إليهم، فصاروا قبائل.
ومنه قول الشاعر:
أتَسأَلُني السويَّةَ وَسْطَ زَيْدٍ ... ألا إنَّ السَّوِيَّةَ أنْ تُضامُوا [[البيت ورد في "اللسان" 4/ 2162 (سوا)، ونسبه إلى البراء بن عازب الضَّبِّي. و (السَّويِّة، والسواء): العدل، والنَّصفَة. وقوله: (تُضامُوا) من: (ضامَهُ حقَّهُ)، (يَضيمُه، ضَيْما)؛ أي: انتقصه حقه، وظلمه. انظر: "اللسان" 4/ 2162 (سوا)، 5/ 2629 (ضيم).]]
فـ (زيد) ههنا قبيلة لأصحابه؛ لذلك قال: (وَسْطَ زيد).
وقوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾.
إن قيل: ما معنى: أخْذَ ميثاق النبيين بِنُصْرَةِ مَن لم يَلْقَوْهُ، ولم يدركوا زمانَه؟.
قلنا: قد بَيَّنّا [[(قد بينا): ساقط من: (ج).]] أن المراد بـ ﴿النَّبِيِّينَ﴾: أتباعهم وأممهم. فعلى هذا؛ لا كلام.
وإن [[في (ج): (فإن).]] قلنا: المراد: هُم، ثم [[(ثم): ساقط من: (ج).]] تتبعهم الأُممُ؛ فمعنى النصر ههنا: أن ينصروه بتصديقه عند قومهم.
قال المفسرون في هذه الآية: إن الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء بتصديق بعضهم بعضًا. وهذا قول: سعيد بن جبير [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 331 - يرويه عن ابن عباس- وفي "الثعلبي" 3/ 67 أ.]]، وقتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 332، "تفسير الثعلبى" 3/ 67 أ، "الدر المنثور" 2/ 84، وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد.]]، وطاوس [[قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 124، "تفسير الطبري" 3/ 331، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ.]]، والحسن [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 331، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ، "تفسير ابن كثير" 1/ 405، وانظر: "تفسيره" 1/ 219.]]، والسدّي [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 332، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 694، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ.]].
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 332، "تفسير الثعلبى" 3/ 67 أ.]]: لم يبعث الله عز وجل؛ [[: ساقطة من: (ج).]] نَبِيًّا، آدَمَ ومَن بَعده، إلا أَخَذَ [[في (أ): (خذ). والمثبت من: (ب)، (ج)، و"تفسير الطبري" و"الثعلبي".]] عليه العهد في محمد وأمره [[في (ب): وإمره. وهكذا جاءت العبارة: (... وأمره، وأخذ العهد ...) عند المؤلف، والثعلبي، الذي نقل قول الإمام علي، ومن سبق من التابعين، عن كتاب "نظم القرآن" - كما أشار هو إلى ذلك. ولكن عبارة الطبري أصح في المعنى وهي: (ويأمره فيأخذ العهد على قومه).]]، وأخذ العهدَ على قومه لَيُؤمِنُنَّ به، ولَئِن بُعث وهم أحياء لَيُنْصُرُنَّهُ.
وقال ابن عباس: يريد بـ ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾: عَهْدَهُم؛ ليشهدوا بمحمد ﷺ، بأنه رسول الله.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾. يريد: محمدًا ﷺ.
﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، يريد: إن أدركتموه. فالآية [[في (أ)، (ب): بالآية. والمثبت من: (ج).]] عامة في جميع النبيين؛ على قول: سعيد بن جبير ومَن تابَعَهُ، وخاصَّة في النبي ﷺ، على قول: عَلِيٍّ، وابن عباس رضي الله عنهما. وهذا هو الأصح؛ لأن المراد بالآية: التَنْوِيه بذكر محمد ﷺ بما أُخِذ على النبيين مِن التصديق به، واعتماد النصرة له، مع الاحتجاج على أهل الكتاب باتِّبَاع سبيلِ النبيبن فيه [[وقد رجح الطبري القول الآخر؛ أن الآية عامَّة في جميع النبيين بأن يصدِّق بعضهم بعضًا، وأخذ على الأنبياء الميثاق على أممهم وأتباعهم بنحو الذي أخذ عليهم ربهم بتصديق أنبيائه ورسله. انظر: "تفسيره" 3/ 333.]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: قال الله تعالى للنبيين: أأقررتم بالإيمان به والنصرة له.
و (الإقرار) في اللغة منقول بالألف [[أي: منقول بالهمزة؛ للتعدية.]]، من: (قَرّ الشيءُ، يَقِرُّ) [[في (أ)، (ب): (يقرو). في (ج): (يفرا). وما أثبته هو ما رجحت صوابه. يقال: (قَرَّ بالمكان، يَقَرُّ، ويَقِرُّ) -بالكسر والفتح- وبالكسر أكثر. انظر المصادر التالية.]]: إذا ثبت، ولزم مكانه، و (أَقَرَّهُ غيرهُ). والمُقِرُّ بالشيء: يُقِرُّهُ على نفسه؛ أي: يُثْبِتُهُ [[انظر (مادة: قرر) في "اللسان" 6/ 3579، و"التاج" 7/ 380.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: قبلتم عهدي [[تفسير (الإصر) بـ (العهد)، قال به ابن عباس، ومحمد بن إسحاق، ومجاهد، والربيع، والسدي، وابن جريج، وقتادة. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 334، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 695.]]. والأخذ؛ بمعنى (القَبُول) [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 334.]]، كثيرٌ في الكلام؛ كقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: 48]؛ أي: لا يُقبل فِدْيَةٌ [[انظر: "تفسير البسيط" 863، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ. انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 192، 83، "تفسير الثعلبي" 3/ 76 ب.]]. وقال: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 104]، أي: يقبلها.
ومضى الكلام في معنى (الإصْر) [[انظر: "تفسير البسيط" للمؤلف: عند تفسير آية: 286 من سورة البقرة]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ أي [[من قوله: (أي: ..) إلى (عليكم وعليهم): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 76 ب.]]: قال الله عز وجل للنبيين: فاشهدوا [[(أي قال الله عز وجل للنبيين فاشهدوا): ساقط من: (ج).]] أنتم على أنفسكم، وعلى أتباعكم، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم. وهذا القول، يُروى عن عَلِي - رضي الله عنه - [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 334، "زاد المسير" 1/ 416.]].
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له، 437. نقله عنه بتصرف يسير.]]: ﴿فَاَشْهَدُوا﴾ أي: فبينوا [[في "معاني القرآن" فتبينوا. وما كتبه المؤلف أصح من ناحية المعنى، وأنسب لما بعده من كلام.]]؛ لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي، ولبينها، وشهادة الله عز وجل للنبيين: تبيينه [[في (ب)، (ج): (تبينه).]] أمر نبوتهم بالآيات المعجزات [[في (ب): (والمعجزات).]].
وحكي عن سعيد بن المُسَيّب أنه قال [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 76ب، "تفسير البغوي" 3/ 62، "زاد المسير" 1/ 416، "تفسير القرطبي" 4/ 126.]]: هذا الخطاب للملائكة، قال الله تعالى للملائكة) [[(قال الله -تعالى- للملائكة): ساقط من: (ج).]]: اشهدوا عليهم بإقرارهم؛ فيكون خطابًا لمن لم يتقدم ذِكْرُهُ [[في (ج): (لم يتقدم).]].
آل عمران 3:82
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هذا شرط [[ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ موصولة، وتكون ﴿تَوَلَّى﴾: صلة، لا محل لها. ويكون ﴿فَأُولَئِكَ﴾ -في هذه الحالة-: في محل رفع؛ لوقوعها خبرًا. انظر: "الدار المصون" 3/ 395.]]؛ وقد ذكرنا أن الفعل الماضي معناه: الاستقبال في الشرط والجزاء، وإنما جاز وقوع الماضي موقع المستقبل في الجزاء؛ لأن حرف [[في (ج): (حروف).]] الجزاء لمّا كان يعمل في الفعل، قوي على نقله من معنى المضي إلى الاسقبال، وذلك إشارة إلى أخذ الميثاق.
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: فمن أعرض عما جئت به، وأنكر ما عاهد الله عليه.
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 438. نقله عنه بتصرف]]: فمن تولى؛ أي: أعرض عن الإيمان بعد أخذ الميثاق، وظهور آيات النبي ﷺ.
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ دخلت الفاء في (أولئك)؛ لأنه جواب الشرط؛ وإنما تدخل [[في (ج): (يدخل).]] الفاءُ في جواب الشرط؛ لأن الثاني يجب بوجود الأول بلا فصل؛ كقولك: (إنْ تأتِنِي فَلَكَ درهمٌ)، فوجوب الدرهم، بالإتيان عقيبَه بلا فصل؛ فلذلك جاء بالفاء.
و ﴿أُولَئِكَ﴾: ابتداء؛ و [[(الوا) و: زيادة من (ج).]] ﴿هُمُ﴾: ابتداءً ثانٍ، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبره، و ﴿هُمُ﴾ [[من قوله: (وهم ..) إلى (والفاسقون خبره): ساقط من (ج).]] مع خبره: خَبَرُ ﴿أُولَئِكَ﴾، ويصلح أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾: ابتداء؛ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبرَهُ، و ﴿هُمُ﴾: عِمَاد وفَصْلٌ؛ لا موضع له. ومعنى (الفاسقين) ههنا؛ أي: الذين خرجوا عن القصد، وعن جملة الإيمان. قاله الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 438.]].
آل عمران 3:83
قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ دخلت الفاءُ في ﴿أَفَغَيْرَ﴾ لأنه عطف جملة على جملة [[على جملة: ساقط من: (ج).]]، وكذلك [[في (ج): (ولذلك).]] لو قيل: (أَوَغَير)، إلّا أَنَّ الفَاءَ تُرتِّبُ [[في (ج): (نزلت).]]؛ كأنه قيل: أَبَعد أَخْذِ الميثاق، غَيرَ دينِ الله يبغون؟.
واختلفوا في الياءِ والتّاءِ، من قوله: ﴿تَبغُون﴾:
فمن قرأ بالتاء [[القراءة بالتاء في ﴿تبغون﴾، لابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم -في رواية أبي بكر عنه-، وحمزة، والكسائي.== انظر: "علل القراءات" للأزهري: 1/ 122 - 123، "الحجة" للفارسي: 3/ 69، "التيسير" 89، "التبصرة" 462.]]؛ فلأن ما قبله خطاب؛ كقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ﴾.
ومن قرأ بالياء [[القراءة بالياء في ﴿يَبْغُونَ﴾، لأبي عمرو، وعاصم -برواية حفص-، ويعقوب. انظر المصادر السابقة.]]؛ فوجهه: أن الله تعالى أخبر في الآية السابقة، عن أخذ الميثاق على اليهود والنصارى وغيرهم، فلما كفروا، أخبر عنهم على جهة الاستنكار، فقال [[في (ج): (قال).]]: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾.
وقرأ أبو عمرو: ﴿يَبْغُونَ﴾ بالياء، و ﴿تُرجَعُونَ﴾ بالتاء [[قرأ عاصم -برواية حفص-: ﴿يُرجَعُونَ﴾ -بالياء المضمومة-، وقرأ الباقون: ﴿تُرجَعُونَ﴾ -بالتاء المضمومة-. انظر المصادر السابقة.]]؛ لأن الأول: خاص لليهود [[في (ب): (باليهود).]] وغيرهم [[(باليهود وغيرهم): ساقط من: (ج).]]، والثاني: عامٌّ لجميع المكلفين [[انظر توجيه هذه القراءة في "علل القراءات" للأزهري: 1/ 123، "الحجة" للفارسي: 3/ 69 - 70، "حجة القراءات" لابن زنجلة: 170، "الكشف" لمكي: 1/ 353.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.
روى [[في (ج): (وروي).]] أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ، قال في هذه الآية: "الملائكة، أطاعوه في السماء؛ وعبد القيس في الأرض" [[الحديث: أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس": 4/ 407، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 68 أ، وأورده -بدون سند- القرطبيُّ في "تفسيره" 4/ 128. وفيه زيادة عندهم "والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض". وفي سنده عند الديلمي والثعلبي: == الكُدَيْمي، وهو: محمد بن يونس القرشي.
قال عنه ابن حبان: (كان يضع على الثقات الحديث وضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث).
وقال عنه الذهبي في "الميزان": (أحد المتروكين)، وقال عنه -في "المغني في الضعفاء"-: (هالك). وعند ابن حجر -في "التقريب"-: (ضعيف).
انظر: "المجروحين" لابن حبان: 2/ 313، "ميزان الاعتدال" 5/ 199، "المغني في الضعفاء" له: 2/ 283، "تقريب التهذيب" ص 515 (6419).
وعبد القيس، قبيلة عربية كبيرة، تنسب إلى عبد القيس بن أفصى بن دُعْمي بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان. وكان موطنهم بتهامة، ثم خرجوا إلى البحرين واستوطنوها، وقدم وفدهم على النبي ﷺ عام (9 هـ)، وثبتت عبد القيس على إسلامها عندما ارتدت قبائل البحرين عام (11 هـ).
انظر: "جمهرة أنساب العرب" 295 - 296، 469، و"صبح الأعشى" 1/ 337، "معجم قبائل العرب" لكحالة: 2/ 276.]].
وبهذا [[في (ب): (وعلى هذا).]]؛ قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية.]]: قال: يريد بأهل السموات: الملائكة. وبأهل الأرض: المهاجرين والأنصار وعبد القيس، طوعًا، والناس كرهًا. وهذا قول الحسن [[قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 6961، وورد نفس المعنى عن مطر الوراق، أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 337.]].
وقال قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 337، "تفسير الثعلبي" 3/ 69 أ.]]: المؤمن، أسلم طائعًا فنفعه [[في (ب): ففقه.]] ذلك، وقبل منه، والكافر، أسلم كَرْهًا في وقت البأس والمعاينة، حين [[(حين): ساقطة من: (ج).]] لا ينفعه ذلك، ولا يُقبَل منه، يدل عليه قولُه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85].
وقال ابن كَيْسان [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 69 أ، "البحر المحيط" 2/ 515.]]، والزجاج [[في "معاني القرآن"، له: 1/ 438. وهذا النص -هنا- له، من: (أي خضعوا ..) إلى (الذي هذه صفته).]]: أي: خضعوا وانقادوا من جهة ما فطرهم عليه، ودَبَّرَهُم به، لا يمتنعُ مُمْتَنِعٌ مِن جِبِلَّةٍ جُبِلَ [[الجِبِلَّةُ: الخليقة، والطبيعة، والغريزة ويقال للخلق: (الجِبِلّة، والجِبِلّ، والجِبُلّ، والجُبُلُ، والجُبُلّ، والجِبْلُ). و (جَبَلَه الله على كذا)؛ أي: فطره عليه. انظر: "الزاهر" 1/ 321، "المجمل" 206 (جبل)، "المصباح المنير" 35 (جبل).]] عليها، ولا يَقدِرُ على تغييرها، أحب تلكَ الجِبِلَّةِ أو كرهها؛ يدل على تصديق هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لأن المعنى: أنه بدأكم على إرادته، شئتم أو أبيتم، وهو يبعثكم كما بدأكم، والتأويل: أتبغون دينا غير دين [[في "معاني القرآن": الدين.]]؛ الذي هذه صفته.
وفي قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وعيد لهم؛ أي: أتبغون غير دين الله، وتزيغون عن الله، مع أن مرجعهم إليه، فيجازيهم على رفضهم دينه، وأخذهم سواه.
وقوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الطَّوْعُ: الانقياد؛ يقال: (طاعَهُ، يَطُوعُه، طوعًا) [[(طوعا): ساقطة من: (ج).]]: إذا انقاد له، وخضع. فإذا مضى لأمره (فقد أطاعَهُ)، وإذا وافقه، (فقد طاوَعَهُ) [[انظر: (طوع) في "تهذيب اللغة" 3/ 2153، "الصحاح" 3/ 1255، "المقاييس" 3/ 431.]].
وقال ابنُ السِّكِّيت [[في "إصلاح المنطق" 257 - 258 مع اختلاف في العبارة. والعبارة -هنا- تتفق مع ما في "تهذيب اللغة" 3/ 2152 عن ابن السكيت؛ مما يدل على أن المؤلف نقل النص عن "التهذيب".]]: يقال: (طاعَ لهُ، وأطاعَهُ)، سواء، فَمَن قال: (طاعَ)، قال: (يَطَاعُ)، ومن قال: (أطاعَ)، قال: (يُطيعُ). فحصل في (الطَّوْع) لغتان: (طاعً يَطُوعُ)، و (طاعَ يَطاعُ).
وانتصب ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؛ على أنه مصدرٌ وقع موقع الحال؛ وتقديره: طائعًا [[(طائعًا): ساقطة من: (ب).]] أو كارهًا [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس: 3/ 29، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 167.]]؛ كقولك: (أتاني رَكضًا)؛ أي: راكضا؛ ولا يجوز: (أتاني كلاما)؛ أي: متكلمًا؛ لأن الكلام ليس بِضَرْبٍ للإتْيَانِ.
آل عمران 3:84
قوله تعالى ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية. في هذه الآية إنكارٌ [[في (ج): (ان كان).]] على الكفار من اليهود والنصارى، فيما ذهبوا إليه [[إليه: ساقطة من: (ب).]] من الإيمان ببعض النبيين دون بعض، وأمْرٌ للنبي ﷺ، وأمته، أن يقول: آمنا بالله وبجميع الرسل، وما أنزل عليهم: لا نفرق بين جميع الرسل في الإيمان [[في (ب): (بالإيمان).]] بهم، كما فعلت اليهود والنصارى.
وأجرى أوَّلَ الآية على التوحيد، وآخِرَها على الجمع، في قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾، ﴿وَنَحْنُ﴾ لدخول أمة محمد ﷺ في هذا الإقرار معه.
آل عمران 3:85
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ الآية.
قال ابن عباس [[من قوله: (قال ابن عباس ..) إلى نهاية (كفروا بعد إيمانهم): ساقطة من: (ج). ولم أقف على مصدر قول ابن عباس.]]: يريد: خَسِرَ [[في (ب): (حسن).]] ثوابَ الله، وصارَ إلى عذابِهِ؛ وخَسِرَ الحُورَ العِيْنِ.
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 439.]]: يعني: خَسِرَ عَمَلَهُ؛ حيث لم يُجازَ بِهِ [[في (أ)، (ب): (يجازيه). وأثبتُّ ما رأيته صوابًا.]] الجنَّة والثوابَ.
آل عمران 3:86
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.
قال ابن عباس [[ورد قوله في "تفسير الطبري" 3/ 341، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 699، "زاد المسير" 1/ 418.]]: نزلت في اليهود [[الذي وقفت عليه عنه: أنها نزلت في أهل الكتاب، ولم يجعل نزولها في اليهود فقط.]]: قَرَيظة والنَّضِير، ومَن دانَ بدينهم؛ كفروا بالنبي ﷺ بعد أن كانوا قبل مَبْعَثِهِ مؤمنين، وكانوا يَشهَدُون له بالنبوة، فلما بُعِثَ، وجاءهم بالآيات المعجزات، كفروا بغيًا وحَسَدًا [[وقد ورد في سبب نزولها -إضافة إلى ما ذكره المؤلف-: أن رجلًا من الأنصار، أسلم، ثم ارتَدَّ ولحق بالمشركين، ثم ندم فأرسل إلى قومه؛ ليسألوا رسول الله ﷺ، هل له من توبة؟ فلما سألوا الرسول ﷺ، نزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فأرسل إليه فأسلم.
وقد ورد هذا الأثر بسندٍ صحيح عن ابن عباس -من رواية عكرمة عنه-، قد أخرجه: النسائي في سننه: 7/ 107. كتاب تحريم الدم. باب: (توبة المرتد)، وأخرجه -كذلك- النسائي في "تفسيره" 1/ 308.
وأحمد في "المسند" 1/ 247، وابن حبان في "صحيحه" (انظر: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان"): 10/ 329، (4477)، "موارد الظمآن" 427،== والحاكم في "المستدرك" 2/ 142، 4/ 366، وقال: (صحيح)، ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقيُّ في "السنن" 8/ 197. والطبري في "تفسيره" 3/ 340، وابن أبي حاتم 2/ 699، والواحدي في "أسباب النزول" ص116 - 117.
وقد ذكر مجاهد والسدي أن المرتد هو الحارث بن سويد.
وعن عكرمة أنهم أثنا عشر رجلًا، منهم أبو عامر الراهب، والحارث بن سويد، وَوضحْوَح بن الأسلت.
وقيل: إنها نزلت في أهل الكتاب، عرفوا نعت النبي ﷺ في كتبهم، ثم كفروا به بعد بعثته. وقد روي هذا عن ابن عباس والحسن.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 125، "تفسير الطبري" 3/ 340، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 699، "أسباب النزول" للمؤلف (118)، "تفسير الحسن" 1/ 221، "الدر المنثور" 2/ 88.
ومما سبق تبين أن الأثر الأول في كونها نزلت في الحارث بن سويد أصح؛ ولذا يُقَدم ويُعتَمد سببًا لنزول الآية، مع عموم حكمها لكل من عَرفَ الحقَّ وارتد عنه، ثم تاب ورجع إليه، فيدخل في حكمها أهل الكتاب الذين شهدوا بأن النبي ﷺ حق، ثم كفروا به بعد بعثته؛ حسدًا منهم.]].
وأصل (كيف): أنها للاستفهام والاستخبار عن الحال. ودخلت ههنا للإنكار؛ وذلك أن المسئول يُسألُ لأغراضٍ مختلفة، فقد يُسأل للتعجيز عن إقامة البرهان، وقد يُسأل لتوبيخ، بما يظهر من معنى الجواب.
وقد ذكرنا فيما مضى [[من هذه المواضع: ما ذكره عند تفسيره لقوله -تعالى-: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آية: 80 من سورة آل عمران].]]: لِمَ جازَ أن يَقَعَ الاستفهام موقعَ الإنكار؟ ومثل هذا قول ابن الرُّقَيّات [[هو: عبيد الله بن قيس الرُّقَيَّات. أحد بني عامر بن لؤي، من الشعراء الإسلاميين، كان يوالي مصعب بن الزبير، ضد بني أمية. انظر: "الشعر والشعراء" ص 361، "خزانة الأدب" 7/ 280.]]: كيفَ نَوْمِي عَلَى الفِراشِ وَلَمّا ... يَشْمَلِ الشامَ غارَةٌ شَعْوَاءُ. [[البيت في "ديوانه" 95. وورد منسوبًا له، في أكثر المصادر التالية: "إصلاح المنطق" 211، "المنصف" 2/ 231، "العقد الفريد" 4/ 406، "الأمالي" للقالي: 1/ 95، "اللسان" 4/ 2282، "مقاييس المقاييس" 3/ 190 (شعى)، "تفسير الثعلبي" 3/ 69 أ، "أساس البلاغة" 1/ 495 (شعو)، "أمالي ابن الشجري" 2/ 163، "شرح المفصل" 9/ 36، "اللسان" 11/ 368 (شامل)، 14/ 435 (شعا)، "خزانة الأدب" 7/ 287، 11/ 377.
ونسبه في "معجم الشعراء" (تحقيق: عبد الستار فراج): 406 إلى محمد بن الجهم بن هارون السمري، صاحب الفراء.
والشعواء، الفاشية المتفرقة يقال: (أشعى القومُ الغارةَ إشعاءً): إذا أشعلوها. و (شَعِيَت الغارةُ، تَشْعَى شَعًا): إذ انتشرت. انظر: "معجم المقاييس" 3/ 190 (شعى)، "اللسان" 4/ 2282 (شعا).
والبيت من قصيدة يمدح فيها الشاعر مصعبَ بن الزبير، ويعرِّض ببني أمية أعداء ابن الزبير، ويقول بأنه لا يمكن أن ينام، ولن يأتيه النوم حتى تَعُمَّ الشامَ -وهي معقل بني أمية- غارةٌ فاشية مكتسحة. وبعد هذا البيت:
تُذهِلُ الشيخ عن بنيه وتُبْدِي ... عن بُراها العَقيلَةُ العذراءُ
و (بُراها)؛ أي: خلاخيلها. يريد: أن النساء يكشفن عن خلاخيلهن وسيقانهن، حال الهروب من شدة الفزع من الغارة.]].
أي: لا نوم لي، ولا أنام. ومثله قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 7] أي: لا يكون لهم عهد.
قال [[في (ج): (وقال).]] الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 439. نقله عنه بنصه.]]: أعلم الله عز وجل أنه لا جهة لهدايتهم؛ لأنهم قد استحقوا أن يُضلُّوا بكفرهم؛ لأنهم قد كفروا بعد البَيِّنات.
وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾.
عطف بالفعل على المصدر؛ لأنه أراد بالمصدر الفعل؛ تقديره: (كفروا بالله بعد أن آمنوا). فهو عطفٌ على المعنى؛ كما قال:
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إليَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ [[البيت لميسون بنت بحدل الكلبية. زوج معاوية بن أبي سفيان، وأم ولده يزيد. وقد ورد في "كتاب سيبويه" 3/ 45، "المقتضب" 2/ 27، "الأصول في النحو" 2/ 150، "المحتسب" 1/ 326، "سر صناعة الإعراب" 1/ 273، "الإيضاح العضدي" 321، "الصاحبي" 146، "شرح المفصل" 7/ 25، "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 1/ 233، "شرح شذور الذهب" ص 381، "شرح بن عقيل" 4/ 20، "المقاصد النحوية" 4/ 397، "منهج السالك" 3/ 313، "التصريح" 2/ 242، "شرح شواهد المغني" 653، 778، "همع الهوامع" 4/ 141، "الخزانة" 8/ 503، 574، "الدرر اللوامع" 2/ 10.
الشفوف: الثياب الرِّقاق. وسميت بذلك؛ لأنها تشف عما تحتها، وواحدها: (شَفَّ) - بفتح الشين وبكسرها.
وقد قالته ميسون ضمن أبيات، تحنُّ فيها إلى وطنها البادية، وتُفَضِّل فيها حياةَ البداوة وشَظَفَ العيش، على نعيم المدينة وعيشَةِ القصور.]]
معناه: لأن ألبس عباءة، وتَقَرَّ عيني [[ذكر النحويون البيت السابق شاهدا على انتصاب الفعل المضارع بـ (أنْ) المضمرة جوازا، بعد واو عاطفة على اسم صريح؛ أي: (وأنْ تقرَّ عيني) بمعنى: قرة عيني. فهذا المصدر، معطوف على المصدر الأول، فيكون: (ولبس عباءة وقرة عيني) وهذا خلاف ما ذكره المؤلف حيث أوَّلَ الاسم الوارد في الآية: ﴿إِيمَانِهِمْ﴾، وفي البيت: (لبس)، من أجل الفعل، فقال: (أن آمنوا)، و (أن ألبس) والأوْلَى أن نتأول الفعل باسم ليصح عطفه على الاسم الصريح قبله، فيكون التقدير في الآية: (بعد إيمانهم، وأن شهدوا ..)؛ أي: وشهادتهم. فعطف الشهادة على الإيمان. وكذا في البيت، يكون التقدير: (ولبس عباءة وأن تقر عيني) أي: وقرة عيني. انظر المصادر النحوية السابقة التي أوردت البيت، "الدر المصون" 3/ 303.]].
وزاد [[في (ج): (وأراد).]] صاحبُ النظم لهذا بيانا، فقال [[أورد هذا النص عنه السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 303.]]:
قوله: ﴿وَشَهِدُوا﴾ منسوق على ما يمكن في التقدير؛ وذلك أن قوله: ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ يمكن أن يكون: (بعد أن آمنوا)، و (أَنْ) الخفيفة مع الفعل، بمنزلة المصدر، كقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184]، أي: والصوم.
ومثل هذا ممّا حُمِلَ عَلَى الإمكان [[في "الدر المصون": (المعنى).]] قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ﴾ [[[سورة الشورى:51]. وبقيتها: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.]]، فهو [[من قوله: (فهو ..) إلى (إلا وحيا): ساقط من: (ج).]] عطف على قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾، ويمكن فيه: إلا أَنْ يوحى إليه. فلمّا كان قوله [[في (ب): ما كان يوحى. بدلًا من: (فلما كان قوله).]]: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ بمعنى: يوحى إليه، حمله على ذلك. ومثله من الشعر، قوله:
فَظَلَّ طُهاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ [[في (أ)، (ب): (ضعيف). والمثبت من: (ج)، ومصادر البيت.]] شِواءٍ أو [قَدِيرٍ مُعَجَّلِ] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وساقط من: (ب). ومثبت من: (ج)، ومصادر البيت.
والبيت لامرئ القيس، من معلقته، وقد ورد في "ديوانه" 120، "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري: 97، "شرح المعلقات السبع" للزوزني: 36، "شرح
القصائد العشر" للتبريزي: 46، "اللسان" 4/ 2463 (صفف)، 4/ 2715 (طها)، "مغني اللبيب" 600، 617، "المقاصد النحوية" 4/ 146، "منهج السالك" 3/ 107، "همع الهوامع" 5/ 278، "شرح شواهد المغني" 857.== الصفيف: هو اللحم المصفوف على الجمر على شكل شرائح مُرَقَّقَة؛ ليُشوَى. وقدير: أي: المطبوخ في القدور، فصرفه من (مفعول) إلى (فعيل). ومعنى البيت: أنه نظرًا لكثرة الصيد، فقد ظل الطبَّاخون ما بين من يقوم بإنضاج اللحم بشوائه على الجمر، وما بين من يقوم بطبخه في القدور. وقوله: (معجل)؛ لأنهم كانوا يستحبون تعجيل كل ما كان من الصيد يُستظرف.]] خَفَضَ قولَه: (قَدِيرٍ) [[(خفض قوله قدير) غير مقروء في (أ). وساقط من: (ب). ومثبت من: (ج)، و"الدر المصون".]]؛ لأنه عَطْفٌ على ما يمكن في قوله: (مُنْضِجٍ)، لأنه أمكن أن يكون مضافًا إلى الصَّفِيفِ [[في (ب): (الخفيف).]]، فحمله على ذلك [[أي: حَمَلَ (قدير) على (صفيف)؛ لأنه أمكن أن يكون (صفيف) مجرورًا بالإضافة إلى (منضج).]].
وقوله [[من قوله: (وقوله ..) إلى (الكفر بفعلهم): ساقط من: (ب).]] تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
يجوز أن يريد بـ ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾: ما بُينَ في التوراة والإنجيل. وهو قول ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]].
ويجوز أن يريد: ما أتى به [[(أتى به): غير مقروء في (أ). ومثبت من (ج).]] النبي ﷺ من الكتاب والآيات المعجزات. وفي هذا تبعيد لهم من حال الهداية، وبيان لاستحقاقهم الكفر بفعلهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]. يريد: لا يرشد من نقض عهود [[في (ج): (عهد).]] الله، وظلم نفسه.
وهذا خاص فيمن [[في (ب): (بمن).]] علم الله عز وجل منهم أنهم لا يؤمنون، وأراد ذلك منهم.
آل عمران 3:87
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: 87].
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: المؤمنين [[ورد هذا -كذلك- عن قتادة، والربيع.
وقيل: اللفظ على إطلاقه، وأن الكافرَ يلعنه الناسُ جميعًا يوم القيامة. وهو قول أبي العالية. وكذا قال مقاتل بالعموم.
وقيل: هي قول القائل: (لعنة الله على الظالم)، فتجب تلك اللعنة للكافر؛ لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه. وهو مروي عن السدي.
ورجح هذا الطبري، وجعل بمعناه قول أبي العالية السابق. واستدل له بقوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18].
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 288، "تفسير الطبري" 3/ 343، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 434، "المحرر الوجيز" 3/ 206، "الدر المنثور" 2/ 87، "روح المعاني" 2/ 29، عند تفسير آية: 161 من سورة البقرة، وهي نظير هذه الآية.]]. فعلى هذا؛ ﴿النَّاسِ﴾، خاصٌ؛ ولكنَّه لمَّا ذكر الثلاثة، قيل: ﴿أَجْمَعِينَ﴾.
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 440. نقله عنه بنصه.]]: معنى (لَعْن الناسِ أجمعين لهم): أن بعضَهم يوم القيامةِ يَلعَنُ بعضًا، ومَن خالَفَهم؛ يلعنهم في الدنيا. فقد استقرَّت عليهم لعنةُ الجميع، وإن كان على التفريق.
آل عمران 3:88
قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ نصبٌ على الحال مما قبله، وهو قوله: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [[انظر: "المشكل" لمكي 1/ 169، "التبيان" للعكبري: 200.]].
وقوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله، وقد ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 142.]]: في جهنم.
فعلى هذا؛ الكنايةُ [[الكناية؛ هي: الضمير.]] عن [[في (ج): (من).]] غيرِ مَذْكورٍ [[قال ابن عطية: (وقرائن الآية تقتضي أن هذه اللعنة مخلدة لهم في جهنم، فالضمير عائد على النار، وإن كان لم يجر لها ذكر؛ لأن المعنى يفهمها في هذا الموضع.). "المحرر الوجيز" 3/ 207.]].
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 440. نقله عنه بتصرف.]]: أي: فيما توجبه اللعنة؛ [أي: في عذاب اللعنة] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]].
وقال بعضهم [[ممن قال بذلك: مقاتل، في "تفسيره" 1/ 288.]]: الكناية راجعة إلى اللعنة.
ومعنى (خلودهم في اللعنة): استحقاقهم دائمًا لها، مع ما [[في (أ)، (ب)، (ج): (معما). وما أثبتُّه هو الموافق للرسم الإملائي؛ لأن (ما) اسمية موصولة، ولا توصل بـ (مع)، وإنما قيل: إن (ما) الحرفية الزائدة توصل بـ (مع). انظر: "كتاب الإملاء". لحسين والي: 106، 110.]] توجبه من أليم العقاب، بدوامها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ معنى (الإنظار): تأخير العبد، ليُنظَرَ في أمره [[الإنظار -لغة-: التأخير والإمهال. يقال: (أنْظَرتُه، أُنْظِرُه). وتقول: (أنْظِرْني): أمهلني. انظر: "نزهة القلوب" للسجستاني: 72، "العمدة في غريب القرآن" لمكي: 81، "اللسان" 7/ 4467 (نظر).
قال ابن عطية: (ولا يجوز أن يكون ﴿يُنْظَرون﴾ -هنا- نظر العين، إلا على توجيه غير فصيح، لا يليق بكتاب الله -تعالى-). "المحرر الوجيز" 3/ 207.]]؛ أي: لا [[في (ب): (ما).]] يُؤخرون عن وقتهم المؤقت [[في (ب): (الوقت).]] لعذابهم.
آل عمران 3:89
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ موضع ﴿الَّذِينَ﴾: نصبٌ، استثناء من قوله: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والتوبةُ لا تكون إلا بعد الذنْبِ، ولكنْ فيه دلالةٌ على معنًى تابوا منه؛ وذلك أن التوبة مِن غير الرِّدَّةِ لا ينفع [[في (ب)، (ج): (لا تنفع).]] في التَّخَلُّصِ منها [[أي: من الردة. ومن قوله: (منها ..) إلى (من ذنب آخر): ساقط من: (ج).]]، كما أن التوبةَ من ذَنْبٍ لا ينفعُ في التخلص من ذَنْب آخر [[انظر: "لوامع الأنوار" 1/ 384.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: راجعوا الإيمان بالله، والتصديق بِنَبِيِّهِ، وأَصلَحُوا أعمالَهم.
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 440. نقله عنه بتصرف.]]: معنى ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: أظهروا للناس أنهم كانوا على ضلال، وأصلحوا ما كانوا أفسدوهُ مِن تَغْرِيرِهم مَن تَبِعَهم [[(تبعهم): غير مقروء في (أ). وفي (ب): (بعدهم). وفي "معاني القرآن": (اتَّبعهم). والمثبت من: (ج).]]، مِمَّن لا علم عنده. وشَرَطَ مع [[في (ب): (شرائع). بدلًا من: (شرط مع).]] التوبةِ الإصلاحَ؛ لإزالة الإيهام أنهم إذا تابوا من الارتداد، [لم] [[زيادة لازمة من (ج).]] يضرهم غيرُهُ مِنَ الفساد؛ وعلى ذلك، قال [[(قال): ساقطة من (ب).]]: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [[مقطع من: سورة الشعراء: 227، وص: 24، والانشقاق: 25، والبروج: 11، والتين: 6، والبينة: 7، والعصر: 3.]]؛ لإزالة الإيهام: أنَّ مَن كان مؤمنًا [[(مؤمنا): غير مقروء في (ج).]]، لم [[في (ب): (لا).]] يضره ما عمل بعد ذلك مِن الجُرْمِ.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ دخلت الفاءُ في: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾؛ لِشَبَهِ الجزاء، إذ [[في (ج): (إذا).]] كان الكلامُ قد تضمن معنى: (إنْ تابوا؛ فإنَّ الله يغفر لهم).
وقوله تعالى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 440. نقله عنه بتصرف.]]: أعلم الله أنَّ مِن سَعَةِ [[في (ب): (منه).]] رحمته وتفضله، أنْ يغفرَ لِمَن اجترأ عليه هذا الاجتراء؛ وذلك أنَّ الذي [[(الذي): غير مقروء في (أ). وفي (ب): (الذين). والمثبت من: (ج).]] فعلوا، لا غايةَ وَرَاءَهُ فِي الكفر، وهو: أنَّهم كفروا بعد [[(بعد): ساقطة من: (ج).]] تبَيُّنِ الحقِّ.
آل عمران 3:90
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: نزلت في اليهود؛ كفروا بعد إيمانهم بمحمد، وتصديقِهم إيّاهُ قَبْلَ [[في (ج): (وقيل).]] بِعثتِهِ [[أورد ابن كثير عن ابن عباس -من رواية الكلبي- أن سبب نزول الآية، هو: أن== قومًا أسلموا ثم ارتدُّوا عن الإسلام، فأرسلوا إلى قومهم يسألون إن كان لهم من توبة، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فنزلت هذه الآية
ونسب ابنُ كثير إخراجَه إلى البزار -مسندا-، وقال: (هكذا رواه، واسناده جيد). "تفسيره" 1/ 408.
ولكن السيوطي قال -بعد أن أورد هذه الرواية عن البزار-: (هذا خطأ من البزار)؛ وذلك أن ابن عباس ورد عنه بنفس السند الذي عند البزار: أن هذا كان سببًا لنزول قوله -تعالى-: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ آية: 86. وقد مر بيانه عند تفسيرها.
وورد عن الحسن وأبي العالية أنها نزلت في اليهود والنصارى؛ كفروا بعد إيمانهم. ثم ازدادوا كفرًا بذنوب عملوها، ثم يتوبون من تلك الذنوب بعد كفرهم. وفي أثر لأبي العالية أضاف لهم المجوس.
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 343، "ابن أبي حاتم" 2/ 701، "أسباب النزول" للواحدي: ص 118، "الدر المنثور" 2/ 88.]].
﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بالإقامة على كفرهم حتى هلكوا عليه. قاله مجاهد [[قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 701، "الثعلبي" 3/ 70 أ، "البغوي" 2/ 65، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 88، ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد والطبري.]].
وقال الحسن [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 70 أ، "تفسير البغوي" 1/ 65، "زاد المسير" 1/ 419.]]: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ أي: كلَّما نزلت آية على محمد ﷺ، كفروا بها.
وقال قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 343، "ابن أبي حاتم" 1/ 701، "الثعلبي" 3/ 70 أ، "النكت والعيون" 1/ 408، "تفسير البغوي" 2/ 65، "زاد المسير" 1/ 419.]]: إنَّ اليهود كفروا بعيسى والإنجيل، بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفرًا، بكفرهم بمحمد والقرآن.
﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾.
قال الحسن [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 344، "ابن أبي حاتم" 1/ 702، " الثعلبي" 3/ 70 ب، "زاد المسير" 1/ 419، و"تفسير الحسن البصري" 1/ 222.]]، وقتادة [[قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 125، "تفسير الطبري" 3/ 343، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 702، "تفسير الثعلبي" 3/ 70 أ، "النكت والعيون" 1/ 408، "زاد المسير" 1/ 419.]]، وعطاء [[قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 125، "تفسير الطبري" 3/ 343، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 702، "تفسير الثعلبي" 3/ 70 ب، "زاد المسير" 1/ 419.
وعطاء -هنا- هو: أبو عثمان، عطاء بن أبي مسلم - (اسمه: مَيْسرة) -، البَلْخي الخراساني. تابعي، مشهور بالعبادة والفتوى والجهاد، والتفسير، صاحب رِحْلَة، قال ابن حجر: (صَدوق، يَهم كثيرا، ويرسل ويدلس). مات سنة (135 هـ).
انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 334، "حلية الأولياء" 5/ 193، "الميزان" 3/ 470، "تقريب التهذيب" 392 (4600).]]: لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، والله تعالى يقول: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [[[سورة النساء: 18]، وتمامها: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.]]، الآية.
وقال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: لن تُقبل توبتهم التي تقدمت في حال إيمانهم وتصديقهم محمدًا ﷺ لأن الله عز وجل لا يَقبَلُ مع الإقامة على الشرك توبَةً متقادمةً [[في (ب): (مقادمة).]]، ولا عَمَلًا حَسَنًا ماضيًا مرجوعًا عنه إلى ضدِّه.
آل عمران 3:91
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا﴾ إلى قوله: ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ (مِلْءُ [[في (ب): (بمثل).]] الشيء): قدر ما يَمْلؤه، وهو اسمٌ يُثَنَّى وُيجمع؛ يقال: (مِلْءُ القَدَح)، و (مِلآهُ)، و (ثلاثة أملائِهِ) [[انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 776 (ملأ)، "اللسان" 7/ 4252 (ملأ).]]. والفرق بين (المِلْءِ) و (المَلْءِ) [[في (ب): الملاء والملاء. وهكذا رسمت (مل) في نسخة (ب) فيما سيأتي.
المِلْءُ -بالكسر-: اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ.
والمَلْءُ -بالفتح-: المصدر. (ملأ الشيء، يملؤه مَلْأً).
انظر: (ملأ) في "اللسان" 7/ 4252، "القاموس" (1335).]]، كالفرق بين (الرِّعْي) و (الرَّعْي) [[في (ب): (والري).
الرِّعي -بالكسر-: الكلأ، والجمع: أرْعاء. والرعي -بالفتح-: المصدر. انظر: (رعى) في "اللسان" 3/ 1676 - 1677، "القاموس" (1289).]].
وانتصب ﴿ذَهَبًا﴾ على التفسير [[التفسير -هنا- بمعنى: التمييز، ويقال له - كذلك: التبيين. وكونه منصوبًا على التمييز، هو قول عامة أهل النحو. انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 225، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 442. وذهب الكسائي إلى انه منصوب بنزع الخافض. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "تفسير القرطبي" 4/ 131. وقال السمين الحلبي -عن هذا القول-: (وهذا كالأول؛ لأن التمييز مقدر بـ"مِن"). "الدر المصون" 3/ 206.]].
قال المُفضَّل [[من قوله: (قال المفضل ..) إلى (ما لا عامل فيه): نقله -بنصه- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 70 ب. وأورده القرطبي في "تفسيره" 4/ 131.]]: ومعنى التفسير: أن يكون الكلامُ تامًّا وهو مُبْهَم؛ كقولك: (عندي عشرون)؛ فالعدد [[في (ب): (العدد)، وفي (ج): (والعدد).]] معلوم، والمعدود [[في (ج): (والمعدوم).]] مبْهَم.
فإذا قلت: (درهمًا) [[في (ج): (درهم). وعند الثعلبي: (عشرون درهما).]]، فَسَّرت العددَ. وكذلك إذا قلت: (هو أَحْسَنُ الناسِ)، فقد أخبرت عن حُسْنِه، ولم يبين [[في (ب)، (ج)، "تفسير الثعلبي": (تبين).]] في أي شيء هو، فإذا قلت: (وَجْهًا)، أو [(فِعْلًا)] [[ما بين المعقوفين: غير مقروءة في (أ). وفي (ب): فضلًا. والمثبت من: (ج)، "تفسير الثعلبي".]]، فقد بينته، ونصبته [على التفسير، وإنما نصبته] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، "تفسير الثعلبي".]]، لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، فلما خلا من هذين، نُصِبَ؛ لأن النصب أخفُّ [[في (ب): (أحد).]] الحركات، فجعِل لكل ما لا عامل فيه.
وقال سيبويه [[لم أقف على موضع قوله في كتابه، وقد ذكره الزجاج في "معانيه" 1/ 442.]]: انتصب (ذهبًا)؛ لأن الاسم المخفوض قد حال بين الذهب وبين المِلْءِ أن يكون جَرًّا [[في (ب): (خبرا).]]؛ ومعنى هذا: أنَّ العاملَ [[في (ب): (الملاء).]] اشتغل بالإضافة في ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ [[أي: إننا شغلنا الإضافة بالاسم الذي قبل ﴿ذَهَبًا﴾، وهو ﴿الأَرْضِ﴾، فانجرت ﴿الأَرْضِ﴾ بالإضافة، ثم جاء ﴿ذَهَبًا﴾ فانتصب كما ينتصب الحالُ، أو المفعول إذا جاء من بعد الفاعل.]]، وبما يعاقِبُ الإضافة من النون الزائدةِ في (عشرون درهمًا)، فجرى ذلك مجرى الحالِ في اشتغال العامل بصاحبها [[في (ج): (لصاحبها). أي: بصاحب الحال، كقولنا: (جاء عبدُ الله راكبًا) فشغلنا الفعل بـ (عبد الله) وهو صاحب الحال فرفعه، فبقيت (راكبًا) ليس لها ما يرفعها ولا ما يجرها، فانتصبت.]]، ومجرى المفعول في اشتغال العامل عنه بالفاعل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾.
قال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 226.]]: الواو زائدةٌ، كهي في قوله: ﴿وَلِيَكوُنَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75]؛ المعنى: لن يُقَبلَ مِن أحَدِهم مِلْءُ الأرضِ ذهبًا، لو افتدى به.
وغَلّطَهُ الزجاجُ وغيرُه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج:1/ 441، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 437.]]، وقالوا: الواو ههنا للعطف؛ لأن المعنى: لو [[في (ب): (ولو).]] عمل مِنَ الخَيْرِ، وقَدَّمَ مِلْءَ الأرضِ ذهبًا؛ يتقرب به الله عز وجل، لم ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذابِ بِمِلْءِ الأرضِ ذهبًا، لم يُقْبَل منه. فالواو دخلت لفعلٍ مُضْمَرٍ، وهو [[هو: بياض في (ج).]]: (القَبُولُ)؛ أي: ولا يُقبل منه لو افتدى به [[انظر: "الكامل" للمبرد: 1/ 277، "تفسير الطبري" 3/ 346، "المحرر الوجيز" 3/ 211.]].
قال ابن الأنباري: وهذا آكَدُ في التغليظ عليهم، إذْ كانوا لا يُقبل منهم [مِلْء الأرضِ ذَهَبًا، على جهة الصَّدَقَةِ والتَّقْرُّبِ إلى الله جل وعز، ولا يُقبل منهم] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]] أيضًا على جهة فِدْيَةٍ [[قال رسول الله ﷺ: "يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال له: قد كنت سُئلت ما هو أيسر من ذلك". رواه البخاري في "صحيحه" (6538). كتاب الرقاق، باب: من نوقش الحساب فقد عُذب، ومسلم في "صحيحه" (2805) كتاب: صفات المنافقين، باب: طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا، رقم (2805) وفي لفظه عنده: "قد == أردت منك أهون من هذا وأنت في صُلْبِ آدم: أن لا تشركَ -وأحسبه قال- ولا أدخِلكَ النار، فأبيت إلا الشرك".]].
وقد أشار الفراء إلى هذا القول أيضًا، فقال [[في "معاني القرآن" له: 1/ 226.]]: والواو [ههنا كأنَّ لها فِعْلًا] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). ومثبت من: (ب)، (ج)، "معاني القرآن".]] مُضْمَرًا بعدها.
وقال بعض النحويين [[لم أقف عليهم.]]: الواو ههنا دخلت لتفصيل نفي القَبول بعد الإجمال؛ وذلك [[(وذلك): ساقطة من: (ج).]] أنَّ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ [قد عمَّ وجوهَ القَبول] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء تمامًا في (أ). وفي (ب): قد أجمل القبول. والمثبت من: (ج).]] بالنفي، ثم أتى بالتفصيل، لِئَلّا يتَطَرَّق عليه سوءُ التأويل [[أي: أنه نفى جميع وجوه القبول، ثم خص من تلك الوجوه: أليقها وأحراها بالقبول، وهو: الافتداء، فنفاه كذلك.]].
آل عمران 3:92
قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ قال شَمِر [[من قوله (قال شمر) إلى (في غير طاعة وخير): نقله عن "تهذيب اللغة" 1/ 307 (برر).]]: اختلف العلماء في تفسير ﴿الْبِرَّ﴾: فقال بعضهم: البِرُّ: الصلاح. وقال بعضهم: الخير، ولا أعلم تفسيرًا [أجمع منه؛ لأنه] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): أجمع سيرة لأنه. والمثبت من
(ج)، "تهذيب اللغة".]] يُحيط بجميع ما قالوا.
قال: وجعل لَبِيد [[في (ب): (لنيل).]] (البِرَّ): التُّقَى؛ حيث يقول: وما البِرُّ إلا مُضْمَراتٌ مِنَ التُّقى [[صدر بيت، وبقيته:
وما المال إلا مُعْمَراتٌ ودائِع
وهو في ديوانه: 169. وورد في "تهذيب اللغة" 1/ 307 (بر)، "اللسان" 1/ 252 (برر). والمُضْمَر: الهزيل. من: (ضَمَرَ، يضمُرُ، ضمورًا)، و (الضُمْرُ، والضُمُرُ): الهزال. والمعمرات: من قول العرب: (هذه الدار لك عُمْرَى)؛ أي: لك ما عمرت، فإذا مت، فلا شيء. (ضمر) "التهذيب" 3/ 2133، "القاموس" (429).]]
وقول الشاعر:
تُحَزُّ رُؤوسُهم في غَيْرِ بِرِّ [[صدر بيت، وبقيته:
فما يدرون ماذا يَتَّقونا
وهو لعمرو بن كلثوم، من معلقته. انظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري: 397، "شرح المعلقات السبع" للزوزني: ص 126، "شرح القصائد العشر" للتبريزي:230.
وورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" 1/ 307 (برر)، "اللسان" 1/ 252 (برر). وورد (تَحُزُّ)، و (نَجُذُّ)، و (نَحُذُّ)، و (تَخر).]]
معناه: في غير طاعة وخير. وعلى هذا دار كلام المفسرين.
قال عطاء [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "زاد المسير" 1/ 420، "تفسير القرطبي" 4/ 133. ونص قوله: (لن تنالوا شرف الدين والتقوى، حتى تتصدقوا، وأنتم أصحاء أشحَّاء، تأملون العيش، وتخشون الفقر).]] ومقاتل [[ورد هذا القول عن مقاتل بن سليمان، وهو في "تفسيره" 1/ 290. وورد عن مقاتل بن حيان، وهو في "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 703، "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "تفسير البغوي" 2/ 66، "زاد المسير" 1/ 420.]]: البِرُّ: التقوى، في هذه الآية. وقال أبو رَوْق [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "زاد المسير" 1/ 420.]]: الخير.
ورُوِيَ عن ابن عباس، ومجاهد، والسدِّي، أنهم قالوا [[قول ابن عباس، ومجاهد، في "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "تفسير البغوي" 3/ 66، "تفسير القرطبي" 4/ 133.
وقول السدي، في "تفسير الطبري" 3/ 347، "ابن أبي حاتم" 3/ 703، "الثعلبي" 3/ 71أ، "البغوي" 3/ 66، "القرطبي" 4/ 133.]]: [البِرُّ؛ المرادُ به ههنا: الجنة. وقال بعض أهل المعاني [[لم أقف عليهم.]]: معنى الآية: لَنْ تَنالوا] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] البِرَّ من الله عز وجل بالثواب في الجنة.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك [[هذه الرواية عنه، في "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "تفسير البغوي" 3/ 66، "زاد المسير" 1/ 421.]]: أراد بهذه الآية: الزكاةَ؛ يعني: حتى تُخرجوا زكاةَ أموالكم.
وقال الحسن [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "تفسير البغوي" 2/ 66.]]: كل شيء أنفقهُ المُسْلِمُ مِن مالِهِ؛ يبتغي به وجْهَ الله عز وجل، فإنّه من الذي عَنَى الله سبحانه بقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، حتى التَّمْرَةَ.
وقال مجاهد، والكلبي [[انظر المصادر السابقة.]]: هذه الآية منسوخة، نسختها آيةُ الزَّكاةِ [[آية الزكاة، هي: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [آية: 60 من سورة التوبة].
قال الفخر الرازي -رادًّا على من قال إن هذه الآية منسوخة-: (وهذا في غاية البعدة لأن إيجاب الزكاة؛ كيف ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله سبحانه وتعالى؟). "تفسيره" 8/ 148.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
[تأويلها [[من قوله: (تأويلها ..) إلى (جواب المجازاة): نقله بتصرف عن: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 443.]] تأويل الشرط والجزاء، وموضعها نَصْبٌ بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾، والفاء في ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]]، جوابُ المجازاة.
وتأويل الآية: وما تنفقوا من شيء فإنَّ اللهَ يجازيكم به قَلَّ أو كَثُرَ، فإنه عليم به، لا يخفى عليه شيء منه.
نَظِير هذه الآية [[في (ج): (وهذا) - بدلًا من: (وهذه الآية).]] في المعنى: قوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 197]، وقوله تعالى [[(تعالى): ساقطة من (ج).]]: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270] [[[سورة البقرة: 270] وبقيتها: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.]].
آل عمران 3:93
قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية.
قال أهل التفسير: لما ادَّعى النبي ﷺ أنه على مِلَّةِ إبراهيم؛ قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لُحومَ الإبِلِ وألبانها؟ فقال النبي ﷺ: "كان ذلك حلالاً [[(حلالًا): ساقطة من: (ج).]] لإبراهيم، فنحن نحله".
فقالت اليهود: كلُّ شيءٍ أصبحنا اليوم نُحرِّمُهُ، فإنه كان مُحرَّمًا على نوح وإبراهيم؛ فأنزل الله عز وجل تكذيبًا لهم: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [[ورد هذا القول عن أبي رَوْق، والكلبي -بدون سند- كما في "تفسير الثعلبي" 3/ 73 أ، "أسباب النزول" للواحدي: ص118، "زاد المسير" 1/ 326، وأورده البغوي -كذلك - دون عزوٍ لقائل-، في "تفسيره" 2/ 67.]] [الآية] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).]] و (الحِلُّ)، و (الحَلالُ)، و (المُحَلَّلُ): واحد. قال ابن عباس في زمزم [[هذه الرواية عنه، في "تهذيب اللغة" 1/ 905 (حل).]]: (هي حِلٌّ وَبِلّ) [[قال في "اللسان" 1/ 349 (بلل): (والبِلَّة: الخير والرزق. والبِلّ: الشفاء والبِلَّة: العافية والبِلّ: المباح. وقالوا: (هو لك حلٌّ وبِلٌّ)، فـ (بل): شفاء ويقال: (بِلٌّ): مباحٌ مُطلقٌ، يمانِيَّة حِميَرِيَّة).]]. رواه سُفْيَان بن عُيَيْنَة [[تقدمت ترجمته.]]، عن عَمْرو بن دينار عنه، فسُئِل سفيانُ: ما (حِلٌّ) [[في "التهذيب": ما حل وبل.]]؟ فقال: مُحَلَّلٌ.
وروى ابن عباس [[هذه رواية شهر بن حوشب عنه، أخرجها: أحمد في "المسند" 1/ 247. والطيالسي في "المسند" 4/ 450 (2854)، والطبري في "تفسيره" 1/ 431، 4/ 5، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 704، والطبراني في "المعجم الكبير" 12/ 246 برقم (13012)، وأوردها الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 242، وقال: (رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات).
وورد بنحوه من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، أخرجها: أحمد في "المسند" 1/ 274، والبخاري في "التاريخ الكبير" 2/ 114، والترمذي في "سننه" (3117) كتاب التفسير، باب: سورة الرعد، والحاكم في "المستدرك" 2/ 292، وصححه ووافقه الذهبي. والطبري 4/ 4، وابن أبي حاتم 3/ 705، وأبو نعيم في "الحلية" 4/ 304، وقال: غريب من حديث سعيد، تفرد به بكير [بن شهاب].]]: أن النبي ﷺ قال: "إنَّ يعقوبَ مرض مرضًا شديدًا [[وفي المروي عن ابن عباس في المراجع السابقة: أن الألم الشديد هو: عِرْق النَسَّا.]]، فنذر لَئِن عافاه الله؛ ليُحرِّمَنّ أحبَّ الطعام والشراب إليه. وكان أحب الطعام إليه: لُحْمان الإبل، وأحب الشراب إليه: ألبانها".
وهذا قول: أبي العالية [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 73 ب، "البغوي" 2/ 68، "زاد المسير" 1/ 422.]]، وعطاء [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 4، والمصادر السابقة.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 260، "تفسير الثعلبي" 3/ 73ب، "تفسير البغوي" 2/ 68.]]، والكلبي [[قوله في "بحر العلوم" 2/ 109، "تفسير الثعلبي" 3/ 73 ب، "البغوي" 2/ 68.]]: أن الذي حرَّم إسرائيلُ [[إسرائيل، هو: يعقوب عليه السلام.]] على نفسه كان [[من قوله: (كان ..) إلى (ذلك على نفسه): ساقط من (ج).]] لحومَ الإبلِ وألبانَها [[وورد -كذلك- أنه حرم عروق اللحم. وهذا مروي -كذلك- عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي والضحاك وأبي مجلز. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 2 - 4. وعن ابن عباس: أنه حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم، إلا ما كان على الظهر. وعن مجاهد: أنه حرم الأنعام. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 705. ورجح الطبريُ أنه حرم العروق ولحوم الإبل، وقال: (لأن اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمهما، كما كان عليه أوائلها). "تفسيره" 4/ 5.]].
قالت العلماء [[لم أقف على من قال ذلك ممن سبق المؤلف.]]: إنما حرَّمَ إسرائيلُ ذلك على نفسه بإذن الله عز وجل [[(عز وجل): ليس في (ج).]] له [[(له): ساقطة من: (ب).]] [فيه] [[ما بين المعقوفين غير مقروء تمامًا في (أ). وساقط من (ب)، (ج). والمثبت هو ما رجحته.]]، كما جاز [[(كما جاز): ساقطة من: (ب).]] الاجتهاد في الأحكام لما أَذِنَ اللهُ فيه [[يَرِدُ على كلام المؤلف -هنا- التالي: إذا كان التحريمُ بإذن الله، فأين مجال الاجتهاد هنا؟. ولذا عَرَضَ الماورديُّ تحريمَ إسرائيل ذلك على نفسه، كالتالي: (هل كان بإذن الله -تعالى- أم لا؟ على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء على قولين: أحدهما: لم يكن إلا بإذنه، وهو قول مَن زعم أنه ليس لِنَبِي أن يجتهد. == الثاني: بغير إذنٍ، بل باجتهاده، وهو قول مَن قال إنَ للنبِيِّ أن يجتهد). "النكت والعيون" 1/ 409 - 410.]].
وللنبي [[في (ج): (للنبي) بدون واو.]] أن يجتهد في الأحكام؛ لأنه إذا كان بالدين أعلم، ورأيُه أفضل، كان بالاجتهاد أحق، ولا [[في (ج): (ثم لا).]] يجوز لأمته أن يخالفوه في اجتهاده، كما لا يجوز مخالفة الإجماع [[وهذه مسألة وقع فيها خلاف بين الأصوليين: هل كان النبي ﷺ مُتَعبَّدًا بالاجتهاد فيما لا نَصَّ فيه؟ قال بذلك الإمام أحمد وأبو يوسف، وجوزه الشافعي من غير قطع، وبه قال بعضُ أصحابه، واختاره الآمديُّ.
انظر: "المحصول" للرازي: 2/ 43/ 184 وما بعدها، وأفعال الرسول ﷺ، د. محمد الأشقر: 1/ 118 وما بعدها.
وهناك مسألة أخرى، هي: هل يجوز أن يَكِلَ الله (يفوض) إلى نَبِيِّه أن يَحْكُمَ في بعض الأمور بما يَرَاه، دون نَصٍّ ولا قياسٍ على منصوص، وُيعَدُّ ذلك شَرْعَ الله، ويكون مُكَلَّفًا به؟ ترددت هذه المسألة عند الأصوليين بين المنع والجواز؛ فمنعها أكثر المعتزلة، والجَصَّاص من الحنفية. وممن أجازها الآمديُّ، وابنُ السمعاني، والشيرازي. وكانت هذه الآية من أدلتهم على الجواز. ولم يَقطَعْ بذلك الشافعيُّ. انظر: "أفعال الرسول ﷺ" 1/ 123 - 126.]].
وإن [[في (أ)، (ب): فإن "بالفاء". ولم أر لها وجهًا، ولا يستقيم بها المعنى المراد. والمثبت من: (ج)، لاستقامة المعنى وصحة السياق.]] كان من طريق الاجتهاد. فعلى هذا؛ لم تكن لحومُ الإِبِل محرمة عليهم في التوراة، وإنما لزمهم ذلك التحريم من جهة يعقوب.
وقال الحَسَنُ [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 4 بمعناه. وبنصه في "تفسير الثعلبي" 3/ 74 أ.]]: حَرَّم إسرائيلُ على نفسه لحم الجَزُور، تَعَبُّدًا لله عز وجل، فسأل ربه أن يجيز ذلك له، فحرَّمَه اللهُ على ولده.
وقال عَطِيَّةُ [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 74 أ، كما ورد في "تفسير الطبري" 4/ 2 من رواية عطية عن ابن عباس.]]: إنما كان ذلك حرامًا عليهم، بتحريم إسرائيل ذلك عليهم؛ وذلك أنَّه [[في (ب): (لأنه).]] قال: لئن عافاني الله؛ لا يأكل لي ولدٌ لحم الجزور [[نص قوله عند الثعلبي والطبري، يفيد أن يعقوب عليه السلام حرم على نفسه العروق؛ حيث قال عطيّةُ -كما عند الثعلبي-: (وذلك أن إسرائيل قال حين أصابه عرق النسا: والله! لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولدٌ، ولم يكن ذلك محرمًا عليهم في التوراة). أي: أصابه عرق النسا، والضمير في (لا يأكله) يعود على العرق.]]. ولم يكن ذلك محرمًا عليهم في التوراة.
وقال الضَّحّاك [[قوله بمعناه، في "تفسير الطبري" 4/ 2، "بحر العلوم" 2/ 110.]]: لم يكن شيءٌ من ذلك عليه [[(عليهم): ساقطة من: (ج).]] حرامًا، ولا حَرّمَهُ اللهُ عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم؛ اتِّباعًا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمَهُ إلى الله عز وجل، فكذبهم الله عز وجل، فقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾.
وقال السُدِّي [[قوله بمعناه، في "تفسير الطبري" 4/ 1. وبهذا النص في "تفسير الثعلبي" 3/ 74 أ.]]: إنَّ الله تعالى [[لفظة (تعالى): ساقطة من: (ب).]] لما أنزل التوراة، حرَّم عليهم ما كانوا يُحرِّمونه قبل نزولها؛ اقتداءً بأبيهم يعقوب عليه السلام.
فالمفسرون مختلفون كما ترى في أن هذا التحريم: هل ثبت عليهم من الله تعالى في التوراة، أم لا؟.
وكيفما [[في (أ)، (ب)، (ج): (كيف ما). وأثبتها وفق الرسم الإملائي الحديث.]] كان، ففي التوراة بيان أن ابتداء هذا التحريم من جهة يعقوب، وقبله كان حلالًا لإبراهيم عليه السلام. والنبي ﷺ كان يَدَّعي دين إبراهيم.
آل عمران 3:94
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ الافتراء: اختلاق الكذب [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 103، "غريب القرآن" لليزيدي: 40، "نزهة القلوب" للسجستاني 124، 125، "التاج" 20/ 47 (فري).]]. والفِرْيَةُ: الكذِبُ والقَذْفُ [[انظر: "الصحاح" 6/ 2454 (فرا)، "التاج" 20/ 47 (فري).]]. وأصلُهُ مِنْ: (فَرْيِ الأديم)، وهو: قَطْعُهُ [[وهو قطعة: ساقطة من: (ب). انظر هذا المعنى، في "جمهرة اللغة" 879 (فري)، "المقاييس" 496 (فرى).]]، فقيل للكَذِبِ: افتراء؛ لأن الكاذب يقطع به على التقدير، من غير تحقيق.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد ظهور الحُجَّة: بأنَّ التحريم إنما كان من جهة يعقوب، ولم يكن محرمًا قبله.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أنفسهم ومن يدعونهم إلى مذهبهم.
آل عمران 3:95
قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: في جميع ما أخبر به، وفيما أخبر [[(به وفيما أخبر): ساقط من (ج).]] مِنْ أنَّ ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. [الآية] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]].
آل عمران 3:96
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾. الآية. قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له: 1/ 445. نقله عنه بتصرف واختصار.]]: معنى (الأول) في اللغة: ابتداء الشيء. ثم جائزٌ أن يكون له ثانٍ، وجائزٌ أن لا يكون؛ كما تقول: (هذا أوَّلُ مالٍ [[في (ج): (ما).]] كَسَبْتُهُ). جائزٌ أن يكون بعده كسبٌ، وجائزٌ أن لا يكون، ولكن إرادتك: (هذا ابتداءُ كَسْبِي).
ومضى الكلامُ في معنى (الأول) واشتقاقه، عند قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: 41].
واختلفوا في تأويل قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ فقرأت على الشيخ أبي حسَّان، محمد بن أحمد بن جعفر، فقلت: أخبركم أبو سَهْل، هارون بن محمد [[في مصادر ترجمته التالية: (هارون بن أحمد) بدلا من: (محمد).]] بن هارون الإسْتَرَاباذي [[هو: أبو سهل، هارون بن أحمد بن هارون بن بندار بن حريش -أو خداش- بن الحكم، والإستراباذي. شيخ فاضل، مكثر من الحديث، ارتحل إلى العراق والحجاز، وحدث سنين في نيسابور وبخاري ونسف وسمرقند، مات سنة (364 ص). انظر: "الأنساب" 1/ 216، "تاريخ الإسلام" للذهبي: 26/ 331 وفيات (351 - 380 ص).]] أبنا [[في (ج): (أخبرنا). قال السيوطي: (ويكتبون مِن (أخبرنا): (أنا)؛ أي: الهمزة والضمير. ولا تحسن زيادة الباء قبل النون؛ وإن فعله البيهقي وغيره؛ لئلا يلتبس برمز حدَّثنا). "تدريب الراوي" 2/ 87.]] أبو محمد، إسحاق بن أحمد الخزاعي [[في (ب): أبو محمد إسحاق بن محمد بن أحمد. وهو: أبو محمد، إسحاق بن أحمد بن إسحاق بن نافع الخزاعي، شيخ الحرم، من كبار أهل القرآن، وأحد فصحاء مكة، ثقة حجة، توفى سنة (307 هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" 14/ 289، ومقدمة محقق "أخبار مكة" للأزرقي: 1/ 16 - 17.]]، أبنا [[في (ج): (أخبرنا).]] أبو الوليد، محمد بن عبد الله الأَزْرَقي [[مؤرِّخ، من أهل مكة، أصله من اليمن، له كتاب: "أخبار مكة"، اختلف في سنة وفاته، ورجح محقق "أخبار مكة" القولَ بأنه كان حَيًّا في عهد الخليفة العباسي، المنتصر، الذي حكم سنة (247 - 248 هـ). انظر: "الفهرست" (158)، ومقدمة محقق "أخبار مكة": 1/ 13 - 15، "الأعلام" 6/ 222، "معجم المؤلفين" 3/ 429.]]، حدثنى مهدي بن أبي المهدي [[هو: مهدي بن حرب العبدي، الهَجَري، قال أبو حاتم: (شيخ ليس بمنكر الحديث). وقال ابن حجر: (مقبول).
انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 335، "تقريب التهذيب" 548 (6928).]]، ثنا أبو أيوب البصري [[لم أقف على ترجمته.]]، ثنا هشام [[هو: أبو عبد الله، هشام بن حسان القُرْدُوسي البصري. ثقة، إمام كبير الشأن، توفي سنة (147 هـ)، أو (148 هـ).
انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 54، "تهذيب الكمال" 30/ 181، "ميزان الأعتدال" 5/ 420، "تقريب التهذيب" 572 (7289).]]، عن حميد [[هو: أبو صفوان، حميد بن قيس الأعرج، المكي، القارئ، تقدمت ترجمته.]]، قال: سمعت مجاهدًا يقول: (خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرضين) [[أخرجه الأزرقي، في "أخبار مكة": 1/ 31 - 32، وانظر معناه، في "تفسير الطبري" 7/ 20 - 21، "تفسير البغوي" 1/ 328، "زاد المسير" 1/ 424.]].
وبه عن الأزرقي، قال: حدثني يحيى بن سعيد [[لم أقف على ترجمته.]]، عن محمد بن عمر بن إبراهيم [[في "أخبار مكة": (محمد بن عمر بن إبراهيم الجبيري). ولم أقف على ترجمته.]]، عن عثمان بن عبد الرحمن [[لم أقف على ترجمته.]]، عن هشام، عن مجاهد، قال: (لقد خلق الله موضع هذا البيت، قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة، وإنَّ قواعده لفي الأرض السابعة السفلى) [[أخرجه الأزرقي، في "أخبار مكة" 1/ 32، والطبري في "تفسيره" 1/ 548، وأورده السيوطي في "الدر" 1/ 236، وزاد نسبة إخراجه إلى الحميدي، وعبد الرزاق - ولم أقف عليه في مُصنَّفِه، ولا في تفسيره.]].
وبه عن الأزرقي، ثنا علي بن هارون العجلي [[لم أقف على ترجمته.]]، ثنا [عن أبيه] [[ما بين المعقوفين زيادة من "أخبار مكة" 1/ 32. وهو: هارون بن مسلم بن هُرْمُز العجْلي، أبو الحسين البصري، صاحب الحِنّاء. من أتباع التابعين، قال ابن حجر: (صدوق)، وقال أبو حاتم: (فيه لين)، ووثقه الحاكم، وابن حبان، مات بعد المائتين. انظر: "ميزان الاعتدال" 5/ 411، "لسان الميزان" 7/ 241، "تقريب التهذيب" 569 (7240).]]، [قال] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]: ثنا [القَاسم] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج)، وأخبار مكة.]] بن عبد الرحمن الأنصاري [[قال عنه ابن معين: (ضعيف جدًا)، وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث، مضطرب الحديث). انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 14 - 15، "لسان الميزان" 5/ 500 - 501.]]، حدثني محمد بن علي بن علي بن أبي طالب [[هو: أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، من فقهاء المدينة، وكان يتولى الشيخين: أبا بكر وعمر، ويبرأ من عدوهما، ويقول: (فإنهما كانا إمامي هدى) وقال: (ما أدركت أحدًا من أهل بيتي، إلا وهو يتولاهما)، توفي سنة مائة وبضع عشرة. انظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 650، "التقريب" 497 (6151).]]، عن أبيه [[هو: الملقب بـ (زين العابدين)، الثقة الثبت العابد الفاضل، المتفق على جلالته. قال الزهري: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه، توفي سنة (193هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 178، "التقريب"400 (4715).]]، قال: (إنَّ الله بعث ملائكته، فقال: ابنوا لي في الأرض بيتًا بمثال البيت المعمور وقَدْرِهِ، وأمر الله مَنْ في الأرض مِنْ خَلْقِه، أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، وهذا كان قبل خَلْق آدم) [[جزء من أثر طويل، أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" 1/ 32 - 34، وورد في "تفسير البغوي" 2/ 70.]].
وقال ابن عباس [[قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 75 ب، "البغوي" 2/ 70، "زاد المسير" 1/ 424.]]: هو أول بيتٍ بناه آدمُ في الأرض.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه [[قوله: في "أخبار مكة" 1/ 61، "تفسير الطبري" 4/ 7، "الثعلبي" 3/ 75 ب، و"المطالب العالية" 14/ 539 (3556) - ونسب إخراجه لابن راهويه في مسنده.]]: هو أول بيت مبارك وهدى وُضِع [[وضع: ساقطة من: (ب).]] للناس. وهو قول الضحاك [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 75 ب، "تفسير البغوي" 2/ 70.]].
وروي عن ابن عباس أيضًا قال [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 75 ب.]]: هو أول بيت وُضِع للناس يُحَجُّ إليه. واختاره الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 446، وهو قوله: (فجائز أن يكون أول بيت، هو البيت الذي لم يكن الحج إلى غيره).]].
وأخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفَسَوي [[هو: أبو الحسين، عبد الغافر بن محمد (أبي عبد الله) بن عبد الغافر بن أحمد الفارسي، الفسوي. أحد رواة صحيح مسلم، وأحد رواة "غريب الحديث" للخطابي، يرويه عن مؤلفه. كان عَدْلا جليلَ القَدْر. قال عنه حفيدُه عبد الغافر الفارسي صاحب كتاب (السياق لتاريخ نيسابور): (الثقة الأمين الصالح الديِّن). توفي سنة (448 هـ). انظر: "المنتخب من السياق" 361، "سير أعلام النبلاء" 18/ 19، "شذرات الذهب" 3/ 277.
وقد أثبت محقق تفسير (الوسيط، من أول آل عمران- على آخر المائدة) اسمه كالتالي: (أبو الحسن الفسوي)، وأشار إلى وروده في نسخة أخرى لـ (الوسيط): (أبو الحسين القشيري)، وقد وهم المحققُ فَعَرَّف الفَسَوِيَ -هذا- بأنه: (أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله الفارسي)، وهو خطأ ظاهر. انظر: "تفسير الوسيط" من أول آل عمران إلى آخر المائدة: 275.]]، أبنا أحمد [[في (ج): (حمد). وهو الأصوب في اسم هذا الإمام؛ فقد قال -رحمه الله-:== (اسمي الذي سُمِّيت به: (حمْد) -[بتسكين الدال]-، ولكن الناس كتبوا (أحمد)، فتركته عليه). "وفيات الأعيان": 2/ 215. وهو: الإمام أبو سليمان، حمْد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُسْتي، الخَطّابي.]] بن محمد البُسْتي، ثنا [[في (ب): (أبنا).]] إسماعيل بن محمد الصفّار [[نقل الحافظ العراقي قول ابن حزم فيه: إنه (مجهول)، ودفع هذا ابن حجر، وسَمَّاه: (الثقة، الإمام النحوي المشهور)، وذكر أنه حدَّث عن الكبار، وانتهى إليه عُلُوُّ الإسناد، وأنه روى عنه الدارقطني، وابنِ مَنْدَه، والحاكم، ووثقوه، صَحب المبرِّد وأخذ عنه. قال الدارقطني: (وكان متعصبًا للسُّنَّة)، مات سنة (341 هـ)، وله 94 سنة. انظر: "تاريخ بغداد" 6/ 302، و"إنباه الرواة" 1/ 246، وذيل "ميزان الاعتدال" 140، "لسان الميزان" 1/ 666.]]،ثنا [[في (ب): (أبنا).]] سعدان [[هو: أبو عثمان، سعدان بن نصر بن منصور البغدادي، الثقفي، البزار. ثقة صدوق، توفي سنة (265 ص)، وقد جاوز التسعين. انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 290، "تاريخ بغداد" 9/ 205، "سير أعلام النبلاء" 12/ 357.]]، ثنا [[في (ب): (أبنا).]] أبو معاوية [[هو: محمد بن خازم التميمي السعدي مولاهم، الضرير، الكوفي. ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وحديثه عنه فيه اضطراب، اتهم بالإرجاء، والتدليس، مات سنة (195هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 246، "سير أعلام النبلاء" 9/ 73، "تهذيب التهذيب" 3/ 551.]]، ثنا الأعمش عن إبراهيم التَيْمي [[هو: إبراهيم بن يزيد بن شَرِيك التيمي الكوفي، أبو أسماء. ثقة عابد، ولكنه يرسل ويدلس، قتله الحجاج سنة (92 هـ)، وله أربعون سنة. انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 145، "الميزان" 1/ 74، "التقريب" 95 (269).]] عن أبيه [[هو: يزيد بن شَريك بن طارق التَيْمي الكوفي. ثقة، عَدَّه ابنُ حجر مِن طبقة كبار التابعين، وكان عريف قومه، يقال: إنه أدرك الجاهلية، مات في خلافة عبد الملك. انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 271، "التهذيب" 4/ 417، "التقريب" 602 (7729).]]، عن أبي ذر [[اختلف في اسمه، وأصح ما قيل فيه: جُنْدُب بن جُنادة، الغِفَاري. من كبار الصحابة، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة، وتوفي بـ (الرَّبَذة) سنة (31 هـ) أو (32 هـ) وليس له عقب. انظر: "المعارف" لابن قتيبة: 252، "الاستيعاب" 4/ 216، "صفة الصفوة" 1/ 298، "الإصابة" 4/ 62.]]، قال: قلت: يا رسول الله ﷺ [[(ﷺ): ليس في (ج).]]؛ايُّ مسجد وُضِعَ في الأرض أوَّلا؟ قال: "المسجد الحرام". قال: قلت [[في (ج): (ثم قلت).]]: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قال: قلت كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة". قال: "فأينما [[فأينما: كتبت في (أ)، (ب)، (ج): (فأين ما). وكذا رسمت في صحيح البخاري: 4/ 117، وأثبَتُّها وفق الرسم الإملائي الحديث.]] أدركتك الصلاةُ فَصَلِّ [[في (ب): (فصلي).]]، فهو مسجدٌ" [[أخرجه البخاري في "الصحيح" (3366)، كتاب: الأنبياء باب: (10)، ومسلم في "الصحيح" (520). كتاب: المساجد ومواضع الصلاة. وأحمد في "المسند" 5/ 150، 156، 157، 160، 161، والطبري في "تفسيره" 4/ 8 - 9، والبغوي في "تفسيره" 2/ 70، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 76 أ، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 93، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي في "الشعب".]].
وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾.
بَكّة: هي [[في (ج): (قال هي).]] مكة، في قول الضحاك [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 10، "تفسير الثعلبي" 3/ 76 أ، "زاد المسير" 3/ 425.]]، ومجاهد [[قوله في مصنف ابن أبي شيبة 3/ 262 (14125)، "تفسير الطبري" 4/ 8، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 709، "النكت والعيون" 1/ 410، "تفسير القرطبي" 4/ 318، "الدر المنثور" 2/ 94، وزاد نسبة إخراجه إلى سعيد بن منصور، والبيهقي في "الشعب" وعبد بن حميد.
وأورد السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 94 عن مجاهد، أن (بكة) هي: الكعبة، ومكة: ما حولها. ونسبة إخراجه إلى عبد بن حميد.
ونَصُّ قولِ مجاهد -كما في الطبري-: (إنما سميت (بكة)؛ لأن الناس يتباكُونَ فيها، الرجال والنساء)؛ أي: يزدحمون. إلّا أن الطبري أتى بقول مجاهد شاهدًا على أن المراد بـ (بكة) موضع مُزدَحَمِ الناس للطواف، وأن ما كان خارج المسجد فـ (مكة) لا (بكة)؛ لأن ما كان خارج المسجد لا يوجب على الناس التّباك فيه؛ أي: التزاحم.]]، والمُؤَرّج [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 76 أ.]]. فأبدِلَت الميمُ باءً، كقوله [[في (ج): (كقولك).]]: (سَبَّدَ [[في (ب): (وشهد).]] رأسَهُ)، و (سَمَّدَ رأسَه) [[(رأسه، وسمد رأسه): ساقط من: (ب).
التسبيد أو التسميد -هنا-: ترك التدهن، وغسل الرأس، وقيل: هو الحلق واستئصال الشعر حتى يلصق بالجلد، وقيل: تطويل الشعر وتكثيره. فهو حرف من الأضداد. ويقال: (سَبَدَ شعرَه وسَبَتَه) -بالتخفيف-: إذا حلقه، ويقال: (سبَّد شعرُهُ): إذا نبت بعد الحلق، أول ما يظهر.
انظر: "الأضداد" لقطرب: 144، "الأضداد" للسجستاني: 91، "غريب الحديث" لأبي عبيد: 1/ 162، "الأضداد" لابن الأنباري: 309، "تهذيب اللغة" 2/ 1612، "ذيل كتاب الأضداد" للصغاني: 232.]]، و (أَغْبَطَت الحُمَّى)، و (أَغْمَطَت) [[في (ب): (وأغطش).
ومعنى: (أغْبَطَت الحمَّى وأغْمَطَت)؛ أي: لزمته الحُمَّى ولم تفارقه. وهو مأخوذ من وَضْع (الغَبِيط) على الجَمَلِ، و (الغَبيط): ما يوطَّأ للمرأة من هودج وغيره، ويقال: (أغْبَطْتُ الرَّحْلَ على الدابة إقباطا): إذأ ألزمته إيّاه.
انظر: "غريب الحديث" لابن سلام: 1/ 99، "تهذيب اللغة" 3/ 2631 (غبط)، "الفائق" 3/ 47، "النهاية في غريب الحديث" 3/ 341.]]، و (ضَرْبة لازِمٍ)، و (لازِبٍ) [[اللُّزوب: اللصوق، والثبوت. و (طين لازب)؛ أي: لاصق وثابت. و (الَّلازب واللاتب واللاصق)، واحد. وتقول العرب: (صار الأمر ضربة لازب)؛ أي: شديدًا لازمًا ثابتًا. ويقولون: (ليس هذا بضربة لازب) و (لازم)؛ بمعنى: ما هذا بواجب لازم؛ أي: (ما هذا بضربة سيف لازب)، وهو مَثَل. انظر: "إصلاح المنطق" 288، "التاج" 2/ 402 (لزب).]]. ومَكَّة سُمِّيَت بذلك؛ لقلة مائها، وعدم الزرع والضَرْع بها، من قولهم [[(من قولهم): ساقط من: (ج).]]: (مَكَّ الفَصِيلُ ضرْعَ [[في (ج): (زرع).]] أُمِّهِ)، و (امْتَكَّهُ) [[(وامتكه): ساقطة من: (ج).]]: إذا امتص كلَّ ما فيه.
وقال [ابن الأنباري [[قوله في "الزاهر" 2/ 112. نقله عنه بالمعنى.]]: سُمِّيَت مكة، لاجتذابها الناس إليها من كل أُفُقٍ وفجٍّ، من قولهم] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]]: (وقال تَمَكَّكْتُ المُخَّ من العَظْم): إذا استقصيت عليه في جِذْيه [[في (ب): (حديه)، في (ج): (حذبه). وفي "الزاهر": (تمككت العظمَ: إذا أجديت ما عليه من اللحم). وما أثبته صواب لغة؛ لأن (جِذْي كلِّ شيءٍ، وجِذْمهُ): أصله. انظر: "اللسان" 1/ 581 (جذا).]]، وكذلك (تَمَكُّك [[في (ج): (امتكاك).== والتَّمَكُّك، مصدر (تَمَكُّك)؛ أي: امتصَّ ما في الضرع. أما (مَكَّ)، فمصدرها: (المَكُّ). انظر: "اللسان" 7/ 4248 (مك).]] الفَصِيلِ ما في الضرع) [[في (ب): (الدرع). انظر المعاني السابقة، في "غريب الحديث" لابن سلام: 1/ 432، "تهذيب اللغة" 4/ 3435 (مك)، "معجم البلدان" 5/ 181، "اللسان" 7/ 4248 - 4249 (مكك).]].
وقال الآخرون [[في (ب)، (ج)، "تفسير الثعلبي" (آخرون). ومن قوله: (وقال الآخرون ..) إلى (لا يصلح ذلك إلا هناك): نقله -بتصرف يسير- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ.
ومن هؤلاء الآخرين القائلين بهذا القول: مالك بن أنس، وعكرمة، وزيد بن أسلم، وعطية الحوفي، وضمرة بن ربيعة، وإبراهيم النخعي، ومقاتل بن حيان، والطبري.
انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 261 - 262 "تفسير الطبري" 4/ 7 - 10، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 708 - 709، "تفسير الثعلبي" 3/ 76 أ، "تفسير القرطبي" 4/ 138، "معجم البلدان" 5/ 181.]]: (مكَّة): اسم البلد كله [[في (ب): (اسم البيت).]]، و (بَكَّة): موضع البيت والمطاف. سميت بكّة؛ لازدحام الناس بها، يَبُكُّ بعضهم بعضًا، أي: يدفع ويصلي بعضهم بين يدي بعض، وَيمُرُّ بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلا هناك.
وقال الليث [[قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 377.]]: سميت مكَّةُ: بَكَّةَ [[(بكة): ساقطة من: (ج).]]؛ لأنها تَبُكُّ أعناقَ الجبابرة، إذا ألحدوا فيها؛ أي: تَدُقُّ. و (البَكُّ): دَقُّ العُنُقِ [[انظر: "مجاز القرآن" 97، "تفسير الطبري" 4/ 9، "الصحاح" 4/ 1576 (بكك)، "معجم البلدان" 1/ 475، "اللسان" 1/ 335 (بكك).]].
وقوله تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ معناه [[(معناه): ساقطة من: (ج).]]: كثير الخير؛ أنْ جعل فيه وعنده البَرَكَة، ومعنى البَرَكَةِ: الكثرة في كل خير.
وقال بعض أهل المعاني: أصل البَرَكَة: الثُّبُوت، من قولك: (بَرَكَ بَرْكًا، وبُرُوكًا): إذا ثبت على حاله [[قال ابن فارس: (الباء، والراء، والكاف، أصل واحد، وهو: ثبات الشيء ثم يتفرع فروعًا يقارب بعضها بعضا). "مقاييس اللغة" 1/ 227 (برك).]]. فالبَرَكَة: ثُبُوت الخير؛ بِنُمُوِّهِ وتَزَيُّدِه.
ومنه: (البَراكاء) في القتال [[البراكاء: الثبات في العرب، والجدّ، ويقال -كذلك- لساحة العرب، وأصله من البُرُوك. انظر: (برك) في "الصحاح" 4/ 1575، "اللسان" 1/ 267.]]، ومنه: (البِرْكة)، شِبْهُ الحوض؛ لثبوت الماء فيها. و (تبارك الله)، لثبوته، لم يزل ولا يزال [[قال ابن الأنباري: (قال قوم: معنى (تبارك): تَقَدَّس؛ أي: تطهر وقال قوم: معنى (تبارك اسمك): تفاعل من (البَرَكة)؛ أي: البركة تُكتسب وتنال بذكر اسمك). "الزاهر" 1/ 148.
وفي "تهذيب اللغة" 1/ 318 أن (تبارك): ارتفع. والمتبارك: المرتفع. وينقل عن الزجاج: أنه (تفاعل) من (البركة).
انظر المعاني السابقة لـ (البركة)، في مادة (برك) في "تهذيب اللغة" 1/ 319، "الصحاح" 4/ 1574، 1575، "اللسان" 1/ 266.]].
وقال اللِّحْياني [[قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 319.]]: (باركت على التجارة، وغيرها)، أي: داومت وواظبت عليها [[وفي "مقاييس اللغة" 1/ 229، ينقل عن ابن السكيت قوله: (بَرَك فلانٌ على الأمر، وبارك، جميعًا: إذا واظب عليه).]].
وانتصب ﴿مُبَارَكًا﴾ على الحال. قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 445.]]: المعنى: لَلَّذي [[في (ج)، "معاني القرآن" الذي.]] استقر بمكة في حال بَرَكَتِه، وقال [[هذا القول ليس في "معاني القرآن" عند الموضع السابق، وقد يكون نقله المؤلف من موضع آخر في كتاب المعاني، لم أقف عليه، وقد يكون المؤلف حكى معنى قول الزجاج.]]: هو حال مِنْ ﴿وُضِعَ﴾، أي: وُضِعَ مباركًا.
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 445. نقله عنه بتصرف قليل.]]: المعنى: وذا هُدَى [[هذه العبارة غير موجودة في "معاني القرآن" في الموضع السابق.]]. قال: ويجوز أن يكون ﴿وَهُدًى﴾ في موضع رفع، على معنى: وهو هُدَى.
ومعنى كونه ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾: أنه قِبْلةُ صلاتهم، ودلالة على الله تعالى من حيث هو المدبر له [[في (ب): (الذي) بدلًا من: (له بما).]] بما لا يقدر عليه غيره، مِن أَمْنِ الوحوش فيه، حتى يجتمع الكلبُ والظَبْي [[في (ج): (والصبي).]] فلا يعدوا عليه، وحتى يأنَسَ الطيرُ فلا يمتنع كما يمتنع في غيره، إلى غير ذلك من الآثار البينة فيه، مع البَرَكة التي يجدها من حج البيت.
آل عمران 3:97
قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ قال ابن عباس [[الذي وقفت عليه عن ابن عباس -من رواية عطية- أنه فسره بمقام إبراهيم والمشعر. إلا أنه ورد عنه -من رواية عطاء بن أبي رباح، عنه- أنه قرأ ﴿فيه آيةٌ بيِّنَةٌ﴾، وفسره بـ (مقام إبراهيم)، وفسر مقام إبراهيم بأنه الحج كله.== انظر: "الطبري" 1/ 535، 4/ 10، "ابن أبي حاتم" 3/ 710، "الدر المنثور" 2/ 96.]]: يريد: المناسك والمشاعر كلها. وقال آخرون [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 444 - 445، "النكت والعيون" 1/ 411، "تفسير البغوي" 2/ 71.]]: الآيات التي فيها: أَمْنُ الخائف، وإمحاقُ الجِمَارِ [[في (ب): الجبار.]] على كثْرةِ الرَّامي، وامتناع الطَيْرِ مِنَ العُلُوِّ عليه [[قال ابن عطية: (وهذا كله عندي ضعيف، والطير تُعايَن تعلوه). "المحرر الوجيز" 3/ 228.]]، واستشفاءُ المريض به، وتعجيلُ العقوبة لمن انتهك فيه حُرْمة [[في (ب): (حرمة فيه).]]، وإهلاكُ أصحاب الفِيل لَمَّا قصدوا [لإحْراقِه] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ)، وفي (ج): (الإحراقه)، والمثبت من: (ب).]].
فعلى [[في (ب): (وعلى).]] هذا؛ تفسير الآيات [[في (ج): (الآية).]] وبيانها [[من قوله: (وبيانها ..) إلى (الآيات مذكورة): ساقط من (ج).]]، غير مذكور [[في (أ)، (ب): (منكور). وفي (ج): ساقطة وما أثبتُّه هو الصواب.]] في الآية. ومذهب جماعة من المفسرين [[ومنهم: مجاهد، والسدي، ومقاتل، وقول ابنِ عباس على حسب القراءة المروية عنه ﴿فيه آية بيِّنة﴾؛ حيث فسرها بـ ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 11، "ابن أبي حاتم" 3/ 710، "تفسير مقاتل" 1/ 291.]]: أنَّ تفسير الآيات مذكورة، وهي قوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: هي: مقامُ إبراهيم؛ يعني: الآيات. وقال بعضهم [[منهم: مجاهد، وقتادة، والطبري. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 127، "تفسير الطبري" 4/ 11، "الدر المنثور" 2/ 96.]]: المعنى: منها مقام إبراهيم.
فإن قيل: (الآيات) جماعة، ولا يصح تفسيرُها بشيء واحد. قلنا: يجوز ذلك؛ كما يقول القائل: (في بلدة كذا، لي أصدقاء وقرابات)، ثم يقتصر على ذكر واحدٍ منهم، على معنى تخصيص له.
وعند الزجاج: أن قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، مِن تفسير الآيات؛ لأنه قال [[في "معاني القرآن" له: 1/ 446.]]: ومن الآيات [[في (ج): (ومن تفسير الآيات). وكلمة (تفسير) غير موجودة في "معاني القرآن".]] أيضًا: أَمْنُ مَنْ دَخَلَه. قال: ومعنى (أَمْن مَن دخله): أن إبراهيم عليه السلام سأل الله عز وجل أَنْ يُؤَمِّنَ سكانَ مكةَ، قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: 126]، فجعل [عز وجل] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وساقط من (ب). والمثبت من (ج)، "معاني القرآن".]] أَمْنَ مكةَ آيةً لإبراهيم، فلم يطمع في أهلها جبَّار، فكان فيما [[في (ج): (فيها).]] عطف الله تعالى من قلوب العرب في الجاهلية على مَنْ لاذَ بالحَرَمِ حتى يُؤْمَّنوا [[في (ج): (يؤمنوه).]]، آيةً بَيِّنَةً، يدل على هذه الجملة قولُ قتادة في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، قال [[قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 127، "تفسير الطبري" 4/ 11، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 712، والأزرقي، في "أخبار مكة" 2/ 139، "الدر المنثور" 2/ 93 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]: كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم، فإنْ سرقَ فيه [أحدٌ] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج). وهي موجودة في رواية الأثر في المصادر السابقة، وورد في "تفسير عبد الرزاق": (وأخذَ قطِع).]] قُطِعَ، وإن قَتَلَ فيه قُتِلَ.
وقد ذكرنا الحُكمَ في هذا عند قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125].
وقال الضحاك في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 77 ب.
وقوله: (من حجه فدخله كان آمنا): ساقط من: (ج).]]: مَن حَجَّهُ فدخله كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قَبْلَ ذلك.
وعن يحيى بن جعدة [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 14، و"ابن أبي حاتم" 3/ 712، "تفسير الثعلبي" 3/ 77 ب، "النكت والعيون" 1/ 411، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 98، وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
ويحى بن جَعْدة بن هُبَيرة، بن أبي وَهْب المخزومي القرشي. تابعي، ابن أخت علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، قال عنه أبو حاتم: (حجازي ثقة)، روى عن بعض الصحابة، وأرسل عن ابن مسعود وأبي بكر. انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 133، "المراسيل" 245، "تقريب التهذيب" ص 588 (7520).]] في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: مِنَ النَّارِ.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [ويقرأ ﴿حِج البيت﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] بالكسر [[قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: ﴿حِجَّ﴾ -بالكسر-، وقرأ الباقون: ﴿حَجَّ﴾ -بالفتح-. انظر: "علل القراءات" للأزهري 1/ 123، "الحجة" للفارسي 3/ 69، "الكشف" لمكي 1/ 353.]]. فالمَفتوح: مصدرٌ، وهو لغة أهل الحجاز. والمكسور: اسم العَمَلِ [[في (ج): (للعمل). قال أبو زرعة بن زنجلة. (الفتح، لأهل الحجاز، وبني أسد، والكسر، لغة أهل نجد وقيل: إن الفتح مصدر، والكسر اسم). "حجة القراءات" 170. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 18، "الصحاح" 1/ 303 (حجج)، "القاموس" (183) (حج).]].
قال سيبويه [[في "الكتاب" له 4/ 10، نقله عنه بمعناه. ونصُّ سيبويه: (وقالوا: حجَّ حِجَّا، كما قالوا: ذكر ذِكرا).]]: ويجوز أن يكون مصدرًا كـ (الذِكْرِ) و (العِلْم).
وقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
قال الزجّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 447، نقله عنه بنصه. وانظر: "الكامل" للمبرد 3/ 18.]]: موضع ﴿مَنِ﴾: خفض على البدل من ﴿النَّاسِ﴾؛ المعنى هو [[(هو): ساقطة من (ج). وليست في "معاني القرآن".]]: [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، "معاني القرآن".]] لله على من استطاع [إليه سبيلا] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وهي ليست في "معاني القرآن".]] مِنَ الناس، حِجُّ البيت [[من الناس حج البيت: ساقطة من: (ج). وهذا التوجيه النحوي، هو قول أكثر النحويين. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 353.]].
قال الفرّاء [[لم أقف على مصدر قوله، وقد أورده الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 166، ونصه عنده: (إن نويت الاستئناف بـ (مَنْ) كانت شرطًا، وأسقط الجزاء؛ لدلالة ما قبله عليه). وبقية العبارة كما هي عند المؤلف.]]: وإنْ نويت الاستئناف بـ ﴿مَن﴾، كان جزاء، وكان الفعل به بعدها جزمًا، واكتفيتَ بما جاء قبله من جوابه، [والتأويل] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وساقط من: (ب). والمثبت من (ج).]] فيه: [من استطاع] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وفي (ب): (كالمستطاع). والمثبت من (ج).]] إلى الحج سبيلًا، فلِلّهِ [[في (ج): (ولله).]] عليه حِجُّ البيت [[ونسب هذا الرأي للكسائي، كما في "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 353 - 254، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 169.]]. فقدم الجوابَ وهو مؤخر في المعنى، على مذهب العرب في التقديم والتأخير.
وقال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله وقد أورده الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 166.]]: ويجوز أن يكون في موضع رَفْعٍ؛ على الترجمة للناس؛ على معنى: (هُمْ [[في (أ)، (ب): (بهم). والمثبت من (ج).]]: مَن استطاع إليه سبيلا).
وأما معنى الاستطاعة في اللغة:
فالاستطاعة مأخوذة مِن: (طاع له [[(له): ساقط من (ج).]] الشيءُ يَطُوعُ)، و (طاع يُطيع): إذا انقاد له [[وردت في معاجم اللغة التي رجعت إليها: (طاعَ له يطوع طوْعًا): إذا انقاد. أما (طاع يُطيع)، فلم أجدها. وإنما الذي وقفت عليه، ما ورد في "تهذيب اللغة" عن ابن السكيت: (يقال: (طاع له وأطاع)، سواء. فمن قال: (طاع)، قال: (يَطاع). ومن قال: (أطاع)، قال: (يُطيع). "تهذيب اللغة" 3/ 2152 (طوع). وكذا نقله ابن دريد عن أبي زيد.
انظر: "الجمهرة" (طوع): 917، 1310. وانظر مادة (طوع) في "العين" 2/ 209، "الصحاح" 3/ 1255، "المقاييس" 3/ 431. وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿طَوعًا وَكَرهًا﴾ من الآية: 83 من هذه السورة.]]. يقال: (فَرَس طَوْعُ العِنَانِ) [[في (ب): (القتال).
وعِنان اللجام: السير الذي تمسك به الدابة. وجمعه: (أعِّنة). انظر: "اللسان" 5/ 3141 (عنن).
يقال: و (طَوْعة العنان). ويقال: (ناقةٌ طَوْع القِياد، وطَيِّعة القياد، وطَوْعة القياد)، أي: ليِّنة لا تنازع قائدها. انظر: (طوع)، في "تهذيب اللغة" 3/ 2153، "اللسان" 5/ 2720.]]: إذا انقاد لك. و (تطاوع لي الأمرُ)؛ أي: سهل حتى تمكنت منه. فمعنى قولهم: (استطعت): استمكنت منه ووجدت السبيلَ إلى فعله؛ لمطاوعته لي وسهولته عَلَيّ [[في (ب): (له).]]. وكلّ من تَوصَّلَ إلى مُرامِهِ، وتمكَّنَ من مطلبه، قالوا: (قد استطاعة، واسْطاعَه) [[في (ج): (وأطاعه). والعرب تحذف التاءَ مِن (استطاع)، فتقول: (اسطاع)، ومن (يستطيع)، فتقول: (يسطيع)؛ لأن التاء والطاء من مخرج واحد، فيحذفون التاء استثقالًا لها مع الطاء. وبعض العرب يقول: (استاع يَسْتيع)؛ أي: (استطاع يستطيع). وبعضهم يقول: (أسْطاع يُسْطِيع) -بهمزة قطع-، يريدون: أطاع يُطيع، فيزيدون السين. انظر: (طوع) في "التهذيب" 3/ 2153، "الصحاح" 3/ 1255.]]؛ لانقياد ذلك المطلوب له. والعرب تستعمل لفظ الاستطاعة [[في (ج): (الإطاعة).]] فيمن يصل إلى مرادهِ مِن غير مباشرة لذلك الفعل؛ كما يقولون: استطاع الأمير فتحَ بلدِ كذا، وإنْ لم يَتَوَلَّ بنفسه، وإنما توصل إليه برجاله وأمواله، فليس كل الاستطاعة بالمباشرة بالأعضاء.
وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر، هذه الرواية، وفي "المحلى" لابن حزم: 7/ 54: (قد روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، قال في الحج: (سبيله: من وجد له سعة، ولم يُحَلْ بينه وبينه).]]: يريد بـ (الاستطاعة) القوة. واختلف الناس في الاستطاعة الموجبة للحج: [فالذي عليه الجمهور أن معنى (الاستطاعة) ههنا، هو: القوة. والمستطيع للحج] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]]: هو القوي الذي لا يلحقه مشقة غير محتملة في الكَوْنِ على الراحلة، فهذا إذا ملك الزاد والراحلة، لزمه فرضُ الحج بنفسه. وإن [[في (ب): (وإذا).]] عدم الزاد والراحلة أو أحدَهما سقط فرضُ الحج عنه، فوجودُهُ [[في (ج): (فوجود).= والوجود: مصدر (وَجِدَ) -بفتح الجيم وكسرها-. ومن مصادرها -كذلك-: (جِدَة، و (وُجْد)، و (وِجْدان)، و (إجْدان). انظر: "القاموس" (324) (وجد).]] الزادَ والراحلةَ شرطٌ في وجوب الحج [[هذا مع مراعاة انتفاء عوائق أخرى من مرض مقعد، أو خوف طريق، أو غيره من الأعذار التي تُعد مانعًا من الاستطاعة ذكرها وفصَّلها الفقهاء في كتبهم. انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 149.]]. وهذا قول عمر بن الخطاب [[في (ج): (وعلى قول ابن عباس، وعمر بن الخطاب). وقول عمر -رضي الله عنه-، في "تفسير الطبري" 4/ 15، "المحلى" لابن حزم: 7/ 54، "سنن البيهقي" 4/ 331، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 99، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة.]]، وابنه [[قول ابن عمر هذا أورده ابنُ حزم في "المحلى" 7/ 54، من طريق إسرائيل عن مجاهد عن ابن عمر، قال: (﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قال: ملء بطنه، وراحلة يركبها). وقد أخرج عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 715، قوله: (من كان يَجِد -وهو موسرٌ صحيح- لم يَحج، كان سيماه بين عَيْنَيه: كافر، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 99 وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد. وفيه بيان أنَّ الغِنَى، والسَّعَة مِن موجبات الحج عنده.
كما وردت روايته المشهورة لحديث النبي ﷺ، الذي فَسَّر فيه (السبيل) بالزاد والراحلة، وسيأتي التنبيه عليها.]]، وابن عباس [[(ابن عباس): ساقط من: (ج). وقوله في "تفسير الطبري" 4/ 15، "المحلى" 7/ 54، "سنن البيهقي" 4/ 331، "تفسير ابن كثير" 1/ 414، "الدر المنثور" 2/ 100، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة.
وورد من رواية علي بن أبي طلحة عنه: (السيبل: أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به). انظر: "تفسير الطبري" 4/ 15، "سنن البيهقي" 4/ 331، "الدر المنثور" 2/ 100 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر. وفي رواية سعيد بن جبير عنه: (من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل). "الطبري" 4/ 16.]]، وسعيد بن جبير [[قوله في "تفسير سفيان الثوري" 79، "تفسير الطبري" 4/ 16، "ابن أبي حاتم" 3/ 713، "المحلى" 7/ 54، "الدر المنثور" 2/ 100 ونسب إخراجه لابن أبي شيبة.]]، ومجاهد [[قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 713، "المحلى" 7/ 54، " الدر المنثور" 2/ 100 ونسب إخراجه لابن أبي شيبة.]]، ومذهب الشافعي [[انظر: "أحكام القرآن" للشافعي (جمع البيهقي): 1/ 113، "الأم" 2/ 126، 127،132 - 133، "الرسالة" 197، "المجموع" للنووي: 7/ 63، "أحكام القرآن" للهراسي: 1/ 294، "مغني المحتاج" للشربيني: 1/ 463.]]، وابي حنيفة [[انظر: "فتح القدير" لابن الهمام: 2/ 415 وما بعدها، "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للزيلعى: 3/ 3.]]، وأحمد بن حَنْبل [[انظر: "مسائل الإمام أحمد" لأبي داود: 97، 106، "المغني" لابن قدامة: 3/ 169، "المقنع" لابن قدامة: 1/ 389، "حاشية الروض المربع" (جمع: عبد الرحمن العاصمي): 3/ 514.]]، وإسحاق [[انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 147، "المغني" لابن قدامة: 3/ 169.]].
[وروى جماعة من الصحابة] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (وروى بعض الصحابة). والمثبت من: (ج).]] عن النبي ﷺ أنه فسَّر استطاعة السبيل إلى الحَجِّ، بوجود الزاد والراحلة [[ورد في ذلك أحاديث رواها ابن عمر، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وغيرهم. فحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- وهو أشهرها-: أن رجلًا سأل النبي ﷺ، فقال: ما السبيل؟ فقال ﷺ: "الزادُ والراحلة".
أخرجه الترمذي في "السنن" (2998) كتاب: التفسير، باب: (4) من سورة آل عمران (813)، كتاب: الحج، باب: (4)، وقال فيه: (هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم، أن الرجل إذا ملك زادًا وراحلة وجب عليه الحج). وأخرجه الإمام الشافعي في "الأم" 2/ 126 - 127، وفي مسنده (بترتيب == السندي): 1/ 284، وسفيان الثوري في "تفسيره" 78، وابن ماجه في "السنن" (2896) كتاب: المناسك، باب: (6)، والدارقطني في "السنن" 2/ 218، والطبري في "تفسيره" 7/ 39، 40، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 422، والبغوي في "شرح السنة" 7/ 14، والبيهقي في "السنن" 4/ 327.
وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 99، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن عدي، وابن مردويه.
إلا أن الحديث في سنده إبراهيم بن يزيد الحوزي، وقد تكلم فيه أهل العلم. انظر سنن الترمذي في المواضع السابقة، و"نصب الراية" 8/ 3، و"التلخيص الحبير" 2/ 221، "تفسير ابن كثير" 1/ 415.
كما ورد من رواية الإمام علي - رضي الله عنه -، عن رسول الله ﷺ: (من ملك زادا وراحلة، حتى تبلغه إلى بيت الله؛ فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، إن الله يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾).
أخرجه الترمذي في "سننه" (812) كتاب المناسك، باب (3).
وفي سنده هلال بن عبد الله، والحارث الأعور. قال الترمذي: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال). وقال عن هلال: (مجهول)، وعن الحارث: (يُضَعَّف في الحديث). وانظر: "تقريب التهذيب" 1/ 345، 2/ 324. وأخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 16، وابن أبي حاتم 3/ 713، وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" 2/ 209، والسيوطي، في "الدر" 2/ 100 وزاد نسبة إخراجه للبيهقي في "الشعب" وابن مردويه.
كما ورد الحديث من رواية الحسن البصري، أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 15 - 16، والدارقطني في "السنن" 2/ 218، والبيهقي في "السنن" 4/ 330، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 99، وزاد نسبة إخراجه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
قال عنه ابن حجر: (وسنده صحيح إلى الحسن، ولا أرى الموصول إلا وهْمًا). "التلخيص الحبير" 2/ 221.
أي: أن سند الحديث إلى الحسن صحيح، إلا أنه منقطعٌ وليس موصولًا.
كما ورد الحديث من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، عند ابن ماجه في "سننه" =]].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال ابن عباس [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 19، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 715، "تفسير الثعلبي" 3/ 82 ب، "النكت والعيون" 1/ 411، "الدر المنثور" 4/ 101 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر، والبيهقي.]]، والحسن [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 19، "ابن أبي حاتم" 3/ 715، "الثعلبي" 3/ 82 ب.]]، وعطاء [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 19، "تفسير الثعلبي" 3/ 82 ب، وعنه رواية أخرى، قال: (قال: ومن كفر بالبيت). في "الطبري" 4/ 21، "الثعلبي" 3/ 83 أ.]]: جَحَد فرضَ الحَجِّ.
وقال الضحّاك [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 20، "تفسير الثعلبي" 82 ب، "الدر المنثور" 2/ 101 وزاد نسبة إخراجه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]: لمّا نزلت آية الحج، جمع رسول الله ﷺ، أهلَ الأديان كلَّهم، فخطبهم، وقال: "إن الله عز وجل كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا". فآمَنَ بِهِ المسلمون، وكفر [بِهِ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] الباقون، فأنزل الله قولَه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
آل عمران 3:98
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾.
وقال في هذه السورة: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [[(وأنتم تشهدون): ساقطة من (ب).]] [آل عمران: 70].
هناك خاطبهم تَلَطُّفًا في استدعائهم [[في (ب): (اسم تداعيهم).]] إلى الحق؛ بأن وجه الخطاب إليهم، وههنا وجَّهَ الخطابَ إلى غيرهم إهانة لهم لصدهم عن الحق.
فإن قيل: لم جاز أن يقال لليهود والنصارى (أهل الكتاب)، وهم لا يعملون [[في (أ)، (ب): (يعلمون). والمثبت من (ج).]] به، ولم يجز [[في (ج): (نجز).]] مثلُ ذلك في أهل القرآن؟
قيل: إن القرآن [اسمٌ] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (انتم). والمثبت من (ج).]] خاصٌ لِما أَنزل الله على محمد ﷺ، فأما الكِتاب فيجوز أن يذهب به إلى معنى: يا أهل الكتاب المحرف عن جهته!.
وأيضًا فإنهم نُسبوا إلى الكتاب، احتجاجًا عليهم بالكتاب لإقرارهم به كأنه قيل يا من يُقِرُّ بأنه من أهل الكتاب لم تكفرونَ بآيات الله؟.
وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ توبيخٌ [[في (ب): (توبيخًا).]] لهم، على لفظ الاستفهام، لأنه كسؤال التعجيز عن إقامة البرهان. وقد ذكرنا مثل هذا [[انظر: "تفسير البسيط" آية: 28 من سورة البقرة. وانظر تفسير الآية: 75 من سورة آل عمران: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، والآية: 80 ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، والآية: 86 ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.]].
والمراد بـ (الآيات) ههنا: الآياتُ التي أنزلها على نبيه محمد ﷺ، والمعجزات التي كانت له، والعلامات التي وافقت في صفته ما تقدمت البشارة به [[ورد عن ابن عباس، تفسيره لـ (الآيات) بأنها القرآن، ومحمد ﷺ. انظر: "زاد المسير" 1/ 429. وجعلها ابن عطية محتملة للقرائن وللعلامات الظاهرة على يدي النبي ﷺ. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 240.]] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: حاضرٌ لأعمالكم.
ومعنى الآية يؤول إلى أن [[أن: ساقطة من: (ج).]] الله وبخهم على الكفر [[في (ج): الكافرين.]]، وأخبر أنَّه لا ينفع [الاستسرارُ به] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (الأخرابية). والمثبت من: (ج).]]؛ لأن الله شهيدٌ عليه، مع أن شهادته توجب ردعهم عن الكفر.
آل عمران 3:99
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال الفرّاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: [يقال] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]]: (صَدَدْتُهُ، أصده صَدًّا)، و (أَصْدَدْتُه، إصْدادًا) [[قال الجوهري: (صدَّ عنه، يَصِدُّ، صُدُودًا): أعرض و (صده عن الأمر صدًّا): منعه وصرف عنه. و (أصَدَّهُ)، لُغة). "الصحاح" 2/ 495 (صدد)، وانظر: "اللسان" 4/ 2409 (صدد)، "البحر المحيط" 3/ 14.
وقال الزمخشري عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ القصص: 87: (وقرئ (يُصِدُّنَّك) من: أصَدَّه بمعنى: صَدَّه، وهي لُغة كلب). "الكشاف" 3/ 194.]]، وأنشد:
أُناسٌ أَصَدُّوا الناسَ بالسيف عنهمُ ... صُدُودَ السَّواقِي عن أُنُوفَ الحَوائِمِ [[البيت لذي الرُمَّة، وهو في ديوانه: 771. وورد في "الصحاح" 2/ 495 (صدد)، "الكشاف" 2/ 366، 3/ 194، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 608، "اللسان" 4/ 2410 (صدد)، "البحر المحيط" 3/ 14. وروايته في "الديوان": == أناس أصدوا الناس بالضرب عنهم ... صدودَ السواقي عن رؤوس المخارِم
ويروى: (السوافي) -بالفاء- وهي الرياح التي تسفي، التراب.
و (الحوائم)، جمع: (حائم). من: (حام حول الشيء، يَحُوم حَوْما وَحَوَمانا): دار. وكلُّ مَن رام أمرًا فقد (حام عليه حَوْمًا، وحِياما، وحُؤُوما، وحَوَمانا). وكلُّ عطشان: (حائم). و (إبِلٌ حوائم وحُوَّمٌ): عطاش جدا، وهي: التي تحوم حول الماء من شدَّة العطش. انظر: (حوم) في "اللسان" 2/ 1061، "القاموس" (1098).
وقيل: الحوائم: الإبل الغرائب، انظر: "شرح شواهد الكشاف" لمحب الدين أفندي 4/ 528. وعليه يكون معنى البيت: أنهم صدوا أعداءهم كما يصد السقاةُ الإبلَ الغرائبَ عن إبِلهم.
أما على رواية "الديوان"، فقد قال في "اللسان" 4/ 2410 (صدد): (قال ابن برِّي، وصواب إنشاده: (صدود السواقي عن رؤوس المخارم).
و (السواقي): مجاري الماء. و (المَخرِم)، منقطع أنف الجبل. يقول: صدُّوا الناسَ عنهم بالسيف، كما صُدَّت هذه الأنهار عن المخارم، فلم تستطع أن ترتفع إليها). قال الزمخشري -مبينًا الشاهد في البيت-: (والهمزة فيه داخلة على (صد صدودًا)؛ لتنقله من غير التعدِّي إلى التعدِّي). "الكشاف" 2/ 366.]] وقرأ الحَسَنُ: (تُصِدُّون) بضم التاء، مِن: أَصَدَّ [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 83 ب، "تفسير القرطبي" 4/ 154، "البحر المحيط" 3/ 14، "فتح القدير" 1/ 553.]].
قال المفسرون [[منهم: السدي، وقتادة، والربيع. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 22، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 717، "فتح القدير" 1/ 555.]]: وكان صدهم عن سبيل اللهِ بالتكذيب بالنبي ﷺ، وأنَّ صفَتَهُ ليست في كتابهم، ولا البِشَارَة به متقدِّمَةٌ عندهم.
وقوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ قال اللِّحْيانِي [[قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 367. وفيه (وبِغْيةً، وبِغًى مصدر). وقد نقله المؤلف عنه بتصرف.]]: (بَغَى الرجلُ في كل ما يطلبه من خير وشر، يَبْغِي، بُغاءً وبِغْيَة) [[ويقال: (بِغْيَة، وبُغْيَة، وبَغَى، وبُغايَة). انظر: "اللسان" 1/ 321 - 322 (بغا).]].
وقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 227. نقله عنه بتصرف واختصار.]]: العرب تقول: (ابغني كذا)؛ يريدون: ابتغه لي. فإذا أرادوا: ابْتَغ معي، وأَعِنِّي على طلبه، قالوا: (أَبْغِنِي)، ففتحوا الألف، وكذلك يقولون: (أُحْلُبْنِي وأَحْلِبني) [[فسَّرها الفراء في سوقه لهذا القول فقال: (فقوله: احلبني؛ يريد: احلب لي، أي: اكفني الحَلَب. وأحلِبني: أعني عليه. وأتبعها قائلا: (وبقيته مثل هذا). أي: بقية الكلمات التي ذكرها. "معاني القرآن" 1/ 228. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 447.]]، و (احْمِلْنِي وأَحْمِلْنِي)، و (اعْكُمْنِي وأَعْكِمْنِي) [[في (ب)، (ج): (واعلمني، وأعلمني). وقوله: اعكُمني -بضم الكاف-، ويجوز بسكرها. يقال: (عَكَم المتاعَ، يعْكِمُه عَكْمًا): وهو أن يبسط ثوبًا ويجعل فيه المتاعَ، ويشدَّه، ويسمى بعدها: (العِكْمُ)، والجمع: (أعكام) و (عُكوم). انظر: (عكم) في "المجمل" 623، "اللسان" 5/ 3060 - 3061.]]، على هذا القياس.
و (العِوَجُ) [[من قوله: (العوج ..) إلى (فهو أعوج لكل ما يرى): نقله بتصرف واختصار من "تهذيب اللغة" 3/ 2264 - 2265.]] بكسر العين، في الأَمْرِ، وفي الدين والقول: المَيْلُ عن الاستواء في الطريق، وفي كلِّ ما لا يُرى. وكلُّ قائمٍ مُنْتصِبٍ يُرَى عَوَجُهُ، يقال: (فيه عَوَج)، بالفتح؛ كالحائط، والقَنَاة [[القناة -هنا-: الرمح، وكل عصا مستوية، وقيل: ولو مُعْوَجَّة. انظر: "القاموس" 1710 (قنى).]]، والشجرة.
يقال: (عَوِجَ الشيءُ، يَعوَجُ، عَوَجًا)، فهو (أَعْوَجُ) لكل ما يُرى، [و (عِوَجًا)] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وفي (ب): وهوجًا. والمثبت من: (ج). وهذه الكلمة ليست في "تهذيب اللغة" وإنما فيه: (والأنثى: عوجاء).
وقيل: إن الكسر يقال في الأمرين: الأجسام المرئية وغير المرئية، كالرأي والقول. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 98، "النهاية" لابن الأثير: 3/ 315. "اللسان" 5/ 3154 - 3155 (عوج).
ولكن الراغب ذكر أن (العِوَج) -بالكسر- (يقال: فيما يدرك بالفكر والبصيرة كما يكون في أرضٍ بسيطٍ يُعرف تفاوتُه بالبصيرة، والدين والمعاش). انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" 592 (عوج).]] لما لا يرى.
وأما المعنى، فقال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده -كذلك- الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 172.]]: قوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، (البَغْيُ): يُقتَصَرُ [[في (ب): (يقتدر).]] له على مفعول واحد، إذا لم يكن معه اللَّام، كقولك: (بَغَيْتُ المالَ والأجرَ والثوابَ). [وأريد ههنا] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (وارى أصله). والمثبت من (ج)، و"تفسير الفخر الرازي".]]: تَبغون لها عِوَجًا. فلما سقطت اللّامُ، عمل الفعلُ فيما بعدها، كما قالوا: (وَهَبْتُك [[في (ب): (أوهبتك).]] درهمًا)، وأصله: وهبت [[في (ب): (أوهبتك.)]] لك درهما، ومثله: (صدْتُكَ ظَبْيًا)، يعنون: صدْتُ لك. وكذلك: (جئْتُكَ)، كما قد [[(قد): ساقطة من: (ج).]] (وَرَّثْتُكَ من المال جملة)، وأنشد:
فَتَولَّى غلامُهم ثُمّ نادَى [[في (ب): (الذي).]] ... [أَظَلِيمًا أَصِيدُكُم] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (أظبيا صيدكم). والمثبت من (ج).]] أم حِمَارا [[لم أقف على قائله. وقد ورد في "زاد المسير" 1/ 430، "تفسير الفخر الرازي" 8/ 172، "مغني اللبيب" 291، "شرح شواهد المغني" 596، "الدر المصون" للسمين الحلبي: 3/ 426. (الظَّليم): ذَكَرُ النَّعَام.]] أراد: أصيد لكم.
والهاء في قوله: ﴿تَبْغُونَهَا﴾ عائدةٌ على السبيل؛ لأن السبيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 319، "تفسير الطبري" 4/ 22، "الزاهر" لابن الأنباري: 2/ 108، "المذكر والمؤنث" له: 1/ 394.]]. و (العِوَجُ)، يعنى به: الزَيْغ والتحريف [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 22.]]؛ أي: تَلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي تُلَبِّسون بها، وتُوهِمون أنها تقدح فيها، وأنها مُعوَجَّة بتناقضها [[فإعراب ﴿عِوَجًا﴾ على هذا القول: مفعول به. انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 47، "تفسير الطبري" 4/ 22.]].
ويجوز أن يكون ﴿عِوَجًا﴾ في موضع الحال؛ والمعنى: تبغونها ضالِّين؛ وذلك [[في (ب): (والمعنى).]] أنهم كانوا يَدَّعون أنهم على دين اللهِ وسبيلِه، فقال الله: إنكم تبغون سبيلَ اللهِ ضالِّين عنها. وهذا قول أبي إسحاق [[في "معاني القرآن" له: 3/ 154.]]، ذكر ذلك في سورة إبراهيم، عند قوله: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [[[سورة إبراهيم: 3]. ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. وفي حالة إعرابها حالًا يكون معنى (تبغون): تتَعدَّوْن. و (البغي): التعدي. انظر: "الدر المصون" 3/ 326، "اللسان" 1/ 323.]]. وعلى هذا القول، لا يحتاج إلى إضمار اللّام في ﴿تَبْغُونَهَا﴾.
وقال بعض أهل المعاني [[لم أقف عليهم.]]: تأويل [[في (ب): (أصل).]] الآية: يطلبون أن يُعْوِجُوا [[في (ج): (تطلبون أن تعوجوا).]] سبيل الله، وأن يكون فيها عِوَج؛ لأن معنى (سبيل الله): الطريق التي هي الوُصْلَة [[في (ب): (الموصلة).]] إلى رضا الله، فهم يطلبون أن يُعْوِجوا هذا الطريق؛ حتى لا يصل إلى رضا الله من سلكها بدلالة اليهود.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 172.]]: يريد بها: في التوراة. [قال المفسرون] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ) وساقط من: (ب). والمثبت من (ج). وممن قال بهذا: قتادة، والربيع، وابو جعفر الرازي، وقريبًا منه قال مقاتل. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 24، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 718، "تفسير مقاتل" 1/ 292، "الدر المنثور" 2/ 104.]]: يعني: أنتم شُهداء أنَّ في التوراة مكتوبًا أنَّ دينَ اللهِ الذي لا يقبل غيره، هو الإسلام. وهذا معنى قول ابن عباس.
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 447. نقله عنه بنصه.]]: أي: أنتم تشهدون بما قد ثبت في نفوسكم أن أمر النبي ﷺ حقٌ.
وقيل [[لم أقف على القائل. وأورده الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 173.]]: معناه: وأنتم شهداء أن لا يجوز الصَدُّ عن سبيل الله.
آل عمران 3:100
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا﴾ الآية.
قال المفسرون: نزلت في الأوس والخزرج، حين أَغْرَى قومٌ من اليهود بينهم؛ ليفتنوهم [[في (ب): (ليغشوهم).]] عن دينهم [[ورد ذلك في روايات عدة تتفق في مضمونها، وأكثرها تفصيلًا، ما أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 24 - 25، عن زيد بن أسلم، وخلاصتها: أن شاس بن قيس اليهودي -وكان عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين والحسد لهم، وقد كبر في الجاهلية وأسَنَّ -مرَّ يومًا على نفر من المسلمين- من الأوس والخزرج-، فغاظه ما رآهم عليه من الألفة وصلاح ذات البين، فأوعز إلى شاب من اليهود أن يجلس بينهم، ويُذَكِّرهم يوم بُعاث - وقد اقتتل فيه الأوس والخزرج في الجاهلية، وكان الظفر فيه للأوس، وما كان قبله من معارك بين الحيِّيْنِ، وينشدهم بعض ما قالوا فيه من أشعار، ففعل الشاب، فتنازع الحيَّان، ووثب كلٌّ مِن أوْس بن قيظى، من الأوس، وجبَّار بن صخر من الخزرج، فتقاولا، وغضب الفريقان، وأخذتهم حميَّةُ الجاهلية، ورَبَا الأمرُ بينهم وتداعوا إلى حمل السلاح وتواعدوا للقتال، وخرجوا إلى ظاهر المدينة، وانحاز الأوس إلى بعضهم، وكذلك الخزرج، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، ووعظهم، فعرف القوم أنها نَزْغةٌ من الشيطان، وكَيْدٌ من عدوهم، فألقوا السلاح، وبكوا، وتعانقوا، وانصرفوا مع الرسول ﷺ سامعين مطيعين، فأنزل الله قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وانظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 183 - 184، "أسباب النزول" للواحدي: 119 - 120، "تفسير الثعلبي" 3/ 83 - ب، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 102 - 103 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر، وأبي الشيخ. وأورده السيوطي في لباب النقول: 55. وقد روى الواحدي بسنده إلى عكرمة نحو هذه الحادثة مع الاختصار. انظر: "أسباب النزول" له: (120)، وأوردها عنه -كذلك- السيوطي في "الدر" 2/ 103 ونسب إخراجها لابن المنذر.
كما ورد عن ابن عباس ومجاهد نحو ذلك. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 128، "تفسير الطبري" 4/ 24 - 25، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 719، "مجمع الزوائد" 6/ 326، "الدر المنثور" 2/ 103.]].
آل عمران 3:101
وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ هذا خطاب للمسلمين [[في (ب): (للمؤمنين).]]، من الأوس والخزرج، في قول ابن عباس، وأكثر المفسرين [[انظر قول ابن عباس في "تفسير الطبري" 4/ 24 - 25، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 719. وانظر أقوال بقية المفسرين في المصادر السابقة.]].
﴿وَكَيْفَ﴾ ههنا [استفهام في معنى] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وفي (ب): (استفهام بمعنى)، والمثبت من (ج).]] التعجب، وإنِّما [تَضَمَّنَت صيغةُ الاستفهام معنى] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (تضمنت كيف الاستفهام ومعنى). والمثبت من: (ج).]] التعجب؛ لأنها طلبٌ للجواب عَمَّا حَمَلَ على الفساد مما لا يصح فيه اعتذار.
قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 448. نقله عنه بتصرف.]]: أي: على أي حال يقع منكم الكفر، وآياتُ الله التي تدل على توحيده ونُبُوَّة نَبِيِّه [[(نبيه): ساقطة من: (ب).]] محمد ﷺ تتلى عليكم.
وقوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُه﴾ قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 448. نقله عنه بتصرف.]]: جائزٌ أن يقال: [فيكم رسوله، والنبي ﷺ شاهد، وهذا مختصٌّ بأيَّامه. وجائزٌ أن يقال لنا] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] الآن: فيكم رسول الله؛ لأن آثاره، ومعجزته القرآن الذي أتى به، فِينا. فعلى هذا، كونُه فينا، لا يختص بزمان دون زمان.
وقال الحسن [[لم أقف على مصدر قوله.]]: نزلت الآية في مشركي العرب.
وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ خطاب لهم، وهو توبيخٌ لهم على الكفر بعد نصب الحُجَّةِ، وبعثة الرسول.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ الاعتصام في اللغة: الاستمساك بالشيء، وأَصله مِن: (العِصمة). و (العِصْمَةُ): المَنْع في كلام العَرب. و (العاصِمُ): المانع. و (اعتصم فلانٌ بالشيء): إذا امتنع به [[(العِصْمة) الاسم. أما المصدر، فهو: (العَصْمُ). واعتصم، قد يتعدّى بالباء، فيقال: (اعتصمت به)، وهي الأفصح، وقد يقال: (اعتصمته). انظر مادة (عصم) في "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 108، "معاني القرآن" للفراء: 1/ 228، "تفسير الطبري" 4/ 26 - 27، "الزاهر" 1/ 579، "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 569، "اللسان" 5/ 2976.]].
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]] في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾، يريد [[من قوله: (يريد ..) إلى (ومن يعتصم بالله): ساقط من: (ج).]]: يمتنع بسبيل الله. وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 448. نقله عنه بنصه.]]: يستمسك بحبل الله.
وقال ابن جريج [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 26، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 720، "تفسير البغوي" 2/ 77، "الدر المنثور" 2/ 104 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.]]: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يؤمن بالله.
آل عمران 3:102
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قد ذكرنا ما في (التُقاة) عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: 28].
ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، هو: أنْ يُطاعَ فلا يُعصى، ويذكَرَ فلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر. وهذا يروى عن عبد الله مرفوعًا، ورُوي موقوفًا عليه [[أكثر الذين رووا الأثر عن عبد الله بن مسعود، رووه موقوفًا. انظر: "الزهد" لابن المبارك 8، "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد 265، "تفسير سفيان الثوري" 79، "تفسير عبد الرزاق" 1/ 129، "تفسير الطبري" 4/ 27 "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 722، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس ص 84 - 85، "المعجم الكبير" للطبراني 9/ 93 رقم (8501)، "المستدرك" للحاكم 2/ 294، وقال: (صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي.
وأورد البغويُّ طرفا منه -موقوفًا- في "تفسيره" 2/ 77، وأورده ابن كثير 1/ 416 من رواية ابن أبي حاتم موقوفًا، وقال: (وهذا إسناد صحيح موقوف).
وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 105 وزاد نسبة إخراجه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه.
أما المرفوع، فقد أخرجه: الثعلبي في "تفسيره" 3/ 86 أبسنده إلى عبد الله بن مسعود مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
كما أورده القرطبي 4/ 157 مرفوعًا، ونسب إخراجه للبخاري، وهو تصحيف؛ لأن البخاري لم يرو هذا الأثر، والصواب نسبته للنحاس، حيث ورد ذلك في نسخة أخرى لـ "تفسير القرطبي" أشار إليها محقق التفسير.
وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 431، وقال رواه ابن مسعود عن النبي ﷺ. وأورده ابن كثير في "تفسيره" 1/ 416 مرفوعًا من رواية ابن مردويه، وذكر أن الحاكم رواه مرفوعًا في "المستدرك" -كذلك-، وعَقَّب ابنُ كثير قائلًا: (والأظهر أنه موقوف. والله أعلم).
وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 105 ونسب إخراجه للحاكم، وابن مردويه. ولم أقف على المرفوع في مستدرك الحاكم.
وورد من رواية ابن عباس، أخرجها البيهقي في كتاب "الزهد الكبير" 344 رقم (873).]].
واختلفوا في هذه الآية: فقال ابن عباس في رواية الوالِبي [[هذه الرواية، في "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد: 260، "تفسير الطبري" 4/ 29، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 722، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس: (85) "الدر المنثور" 2/ 106 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.]]: لَمْ تُنسَخ هذه الآيةُ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم [[في (ج): (يأخذهم).]] في الله لومةُ لائم، ويقوموا [[في (ب): (ويفرحوا).]] بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم [[ورد في الأثر عند أبي عبيد، والطبري، وابن أبي حاتم، زيادة في آخره: (وأبنائهم). ولا توجد لفظة (أنفسهم) عند النحاس. وفي "الدر": (وأمهاتهم) بدلًا من: (أبنائهم).]].
واختار الزجاج هذا الوجه، وهو أن الآية مُحكَمَةٌ غير منسوخة؛ لأنه قال [[في "معاني القرآن" له 1/ 448. نقله بنصه.]] في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أي: اتَّقُوهُ فيما يحقُّ عليكم أن تتَّقُوهُ فيه.
وقال [[أي: ابن عباس.]] في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية. ولكن ورد عن ابن عباس بنحوه، أخرجه ابن مردويه، كما ورد عنه من طريق عكرمة، أخرجه عبد بن حميد. انظر: "الدر المنثور" 2/ 106.]]: هذا منسوخٌ؛ لانهم قالوا: يا رسولَ الله! وما حَقُّ تُقاتِهِ؟ قال: "يُذكر فلا ينسى، ويُطاع فلا يُعصى" قالوا: ومَن يَقوَى على هذا؟ وشَقَّ [[في (ب): (وحتى).]] عليهم؛ فأنزل الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
وإلى هذا القول، ذهب: قتادة [[قوله في كتاب "الناسخ والمنسوخ" له: 38، "تفسير الطبري" 4/ 29، 28/ 227، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 722 "الناسخ والمنسوخ" للنحاس: (85)، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 105، ونسب إخراجه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه.]] والرَّبِيع [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 29، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 722.]] والسُّدِّي [[قوله في المصادر السابقة.]] وابن زيد [[قوله في "الطبري" 4/ 29، "زاد المسير" 1/ 432، "المحرر الوجيز" 3/ 246.]]، وقال مقاتل [[لم أقف على نص قوله هذا في تفسيره، وقد أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 86 أ. وقد نص مقاتل في تفسيره على نسخها بآية التغابن. انظر: "تفسيره" 1/ 292.]]: ليس [[في (ب): (آيتين). بدلًا من: (ليس).]] في آل عمران من المنسوخ إلا هذا [[ممن قال بنسخها من الذين كتبوا في النسخ: هبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" له: 62، 181، وأبو عبد الله محمد بن حزم في "الناسخ والمنسوخ" له: 31، والبازري في "ناسخ القرآن ومنسوخه" له: 28، وعبد القاهر البغدادي في "الناسخ والمنسوخ" له: 92. والكرمي في "قلائد المرجان" 81.
ولكن ذهب آخرون إلى إحكام هذه الآية وعدم نسخها -وهو الراجح-؛ لأنه لا تعارض بين الآيتين؛ حيث إن آية سورة التغابن من قبيل المفسِّر والمبيِّن للمُبْهَم الوارد في آية سورة آل عمران؛ وذلك أنَّ (حقّ تُقاته) إنما هو بقدر الاستطاعة؛ لأنه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ -286 البقرة-، فمعنى الآية: أن نتَّقي اللهَ حقَّ تقاته، ما استطعنا، وُيبَين النَّحاسُ هذا بقوله:
(محال أن يقع في هذا ناسخ ولا منسوخ، إلا على حيلة؛ وذلك أن معنى (نسخ الشيء): إزالته بضدِّه، فمحال أن يقال: ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ منسوخ، ولا سيما مع قول رسول الله ﷺ، مما فيه بيان الآية) ثم ذكر رواية معاذ بن جبل عن رسول الله ﷺ: (قال لي رسول الله ﷺ: (يا معاذ أتدري ما حق الله -عز وجل- على العباد؟) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (أن يعبدوه، فلا يشركوا به شيئًا). أفلا ترى أنه محال أن يقع في هذا نسخ؟).
ثم ذكر رواية ابن عباس من طريق الوالبي التي أوردها المؤلف سابقًا، وقال: (فكل ما ذكر في الآية، واجب على المسلمين أن يستعملوه، ولا يقع فيه نسخ. وهذا هو قول النبي ﷺ: أن تعبدوه لا تشركوا به شيئًا، وكذا على المسلمين، كما قال ابن مسعود: أن تطيعوه فلا تعصوه، وتذكروه فلا تنسوه، وتشكروه ولا تكفروه، وأن تجاهدوا فيه حق جهاده فأما قول قتادة -مع محله من العلم-: إنها نسخت.== فيجوز أن يكون معناه نزلت ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ بنسخ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وأنها مثلها؛ لأنه لا يُكلَّفُ أحدٌ إلا طاقته). "الناسخ والمنسوخ" له: 282 - 284. وقال مكي بن أبي طالب -مؤكدًا القول بإحكام الآية وعدم نسخها-:
(وهذا القول حسن؛ لأن معنى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: اتَّقوه بغاية الطاقة، فهو قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ إذ لا جائز أن يكلِّفَ اللهُ أحدًا ما لا يطيق، وتقوى الله بغاية الطاقة واجب فرض لا يجوز نسخه؛ لأن في نسخه إجاة التقصير من الطاقة في التقوى، وهذا لا يجوز). "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" 171. ويؤكد هذا ما ورد عن طاوس بن كيسان في تفسير هذه الآية، وهو قوله: (وهو أن يُطاع فلا يُعصَى، فإن لم تفعلوا، ولن تستطيعوا، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، قال: على الإسلام، وعلى حرمة الإسلام). أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 30، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 723 واللفظ له.
ويرجح هذا المعنى: أن معنى النسخ عند السلف أعم وأشمل من المعنى الإصطلاحي، وهو: (رفع حكم شرعي متقدم بدليل شرعي متأخر عنه)، بل يشمله ويشمل غيره، وقد بين الشاطبي هذا الأمر فقال:
(الذي يظهر من كلام المتقدمين، أن النسخ عندهم في الإطلاق، أعم منه في كلام الأصولين: فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل متأخر نسخا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الإصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد: ما جيء به آخرًا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به). الموافقات: 3/ 108.
وبمثله قال ابن القيم في إعلام الموقعين: 1/ 35.
وممن رجح كون الآية محكمة غير منسوخة، وأن المراد بها هو: تقوى الله قدر الاستطاعة: الطبري في "تفسيره" 4/ 29، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 246، وابن الجوزي في المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم "الناسخ والمنسوخ" 122، والكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 1/ 298، والفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 167. ومن المعاصرين: د. مصطفى زيد في "النسخ في القرآن" 2/ 614 - 615.]].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله تعالى: ﴿ولَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لفظ [[من قوله: (لفظ ..) إلى (صادفكم على ذلك): نقله -بنصه- عن: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 449.]] النَّهْي واقعٌ على الموت، والمعنى واقعٌ على الأمر بالإقامة [[في (ب): (والإقامة).]] على الإسلام.
المعنى: كونوا على الإسلام فإذا أورد [[في (ب): (اود). وفي "معاني القرآن": (ورد).]] عليكم الموت، صادفكم على ذلك [[في (ب): (الإسلام): بدلًا من (ذلك).]].
وقال بعض أهل المعاني [[لم أقف عليهم. وقد نقل هذا القول، بتصرف: الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 177. ونقله -بنصه- الخازن في "تفسيره" 1/ 328 دون أن ينسباه لقائل.]]: هذا في الحقيقة، نَهْيٌ عن ترك الإسلام؛ المعنى: لا تتركوا الإسلام فإن الموت لابد منه، فمتى [[في (ب): (التي).]] صادفكم، [صادفكم] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج). و"تفسير الفخر الرازي"، و"تفسير الخازن".]] عليه، إلّا أنه وضع كلامًا موضع كلام؛ لِحُسْنِ الاستعارة؛ لأنه لَمَّا كان يمكنهم الثبات على الإسلام، حتى إذا أتاهم الموت، لاقاهم وهم على الإسلام، صار الموت على الإسلام، بمنزلة ما [[في (ب): (من).]] قد [دَخَلَ] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (دخله). ولكن لم أر لها وجهًا، وأثبتُّها من تفسير الفخر الرازي، وتفسير الخازن.]] في إمكانهم. وقد مضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّين﴾ [البقرة: 132]، الآية.
آل عمران 3:103
وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾. الآية. ذكرنا معنى (الاعتصام) [[عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾. الآية: 101 من هذه السورة.]]. وأما (الحَبْل)؛ فقال أبو عبيد [[في "غريب الحديث" له: 2/ 219 نقله عنه بتصرف. وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 730 (حبل).]]: أصل الحَبْل في كلام العرب، ينصرف على وجوهٍ منها: (العَهْدُ) وهو الأمان [[انظر: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي: 121 - 122.]]، وذلك أن العرب كانت تخفيف بعضها بعضًا في الجاهلية، فكان [[في (ج): (وكان).]] الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا مِن [[في (ب): (على).]] سيِّد القبيلة [[في (ب)، (ج): (القبيل).]]، فَيَأمَن به ما دام في تلك القبيلة، حتى ينتهي إلى الأخرى، فيأخذ مثلَ ذلك أيضًا، يريد به الأمان. وربما أعطاه حَبْلًا أو سَهْمًا [[في (ب): (أن سهل). بدلًا من: (حبلًا أو سهامًا). وقوله: (وربما أو سهما): غير موجودة في "غريب الحديث". وقال السمين الحلبي معلقًا على هذا القول: (وهذا معنى غير طائل، بل سُمِّي العهد حبلًا للتوصل به إلى الغرض). "الدر المصون" 3/ 332.]].
و [[في (ب): (في).]] هذا المعنى ذَكَرَهُ الأعشى في قوله يذكر مَسِيرا له [[في "غريب الحديث": (يذكر مسيرًا له، وأنه كان يأخذ الأمان من قبيلة إلى قبيلة، فقال لرجل يمتدحه) وذَكَرَ البيتَ.]]:
وإذا تُجَوِّزُها حِبَالُ قَبِيلةٍ ... أَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إليكَ حِبَالَها [[البيت، في ديوانه: (151). كما ورد منسوبًا له، في "غريب الحديث" لأبي عبيد:== 2/ 219، "تأويل مشكل القرآن" 465، "المعاني الكبير" 1120، "تفسير الطبري" 4/ 30، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 450، "الزاهر" 2/ 307، "تهذيب اللغة" 1/ 730 (حبل)، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 453، "مقاييس اللغة" 2/ 131، "تفسير الثعلبي" 3/ 86 ب، "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" لأبي موسى المديني: 1/ 394، "اللسان" 2/ 760 (حبل)، "التاج" 14/ 134 (حبل)، وغيرها. وورد غير منسوب في الموضع في " التفسير" 38.
وروايته في الديوان: (فإذا تجوزها ..)، وعند الزجاج: (وإذا أجوز بها ..). وهذا بيت من قصيدة يمدح فيها الشاعر قيس بن معد يكرب، ويقول فيها مخاطبًا له، وذاكرًا ناقته -أي: ناقة الشاعر-: إنها -وهي تمر في أراضي القبائل، قاصدةً إليك-، لا يُسَوِّغ لها هذا المرور، ولا يُسَهِّل لها قطعَ هذه الطرق، إلا ما تأخذه من عهود الأمان من هذه القبائل، وهكذا من قبيلة إلى قبيلة حتى تصل إليك. انظر: "المعاني الكبير" 1120، "المقاييس" 2/ 131.]] قال أبو عبيد: [[في "غريب الحديث" له 2/ 219. نقله عنه بالمعنى.]] فالاعتصام بحبل الله؛ هو: ترك الفرقة، واتباعُ القرآن؛ لأن المؤمن إذا اتبع القرآن، أَمِنَ العذابَ [[في (ب): (العرب).]]، كما أن الآخذ [عهد] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وفي (ب): (عن). والمثبت من (ج).]] سيِّد القبيلة يأمَنُ به.
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: لمَّا ذَكَرَ اللهُ عز وجل الاعتصامَ، ذكر الحبلَ، إذ كان العهد في التمسك به والتوصل، يجري مجرى الحبل، فأقامه الله تعالى مقامه، وأجراه مُجراهُ، ولم تزل العربُ تُشَبِّهُ العهودَ بالحبالِ.
قال الشاعر: مازلتُ معتَصِمًا بِحَبْلٍ منكُمُ ... مَن حَلَّ ساحَتَكم بأسبابٍ نَجَا [[لم أقف على قائله. وقد ورد في مادة (حبل) في "تهذيب اللغة" 1/ 731، "اللسان" 2/ 759.]]
أي: بعهد وذِمَّةٍ.
فَسُمَي عهدُ الله حبلًا؛ لأنه سبب النجاة، كالحبل الذي يُتمسك به للنجاة من [سبي] [[هنا كلمة غير مقروءة في (أ)، (ج). وفي (ب): (شيء)، ولم أر لها وجهًا.]]. ونحوها [[في (ب): (ونحوهما).
قال ابن الأنباري: (والحبل توقعه العرب على السبب تشبيهًا له بالحبل المعروف والسبب المذكور في القرآن هو الحبل، سمَّاه الله -عز وجل- سببًا؛ لأنه يوصل من تمسك به إلى الأمر الذي يَؤُمُّهُ. وكذلك الأسباب المعروفة هي وُصلات وأسباب تصل شيئًا بشيء ..). "الزاهر" 2/ 307، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" 464 - 469، "تفسير الطبري" 4/ 30.]].
قال ابن عباس [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 86 ب، "زاد المسير" 1/ 433.]]: أي: تمسكوا بدين الله [[وقد ورد نفى هذا المعنى عن ابن زيد، في "تفسير الطبري" 4/ 30، "النكت والعيون" 1/ 414، "زاد المسير" 1/ 433.]]. وقال قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 31، "تفسير الثعلبي" 3/ 86 - ب، "النكت والعيون" 1/ 413، "زاد المسير" 1/ 33. وفي رواية أخرى عنه، فسره بـ (عهد الله وأمره). انظر: "تفسير الطبري" 4/ 31، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 724.]]، والسدي [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 31، والمصادر السابقة.]]، والضحاك [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 31، "تفسير الثعلبي" 3/ 86 ب.]]: حبل الله، هو: القرآن [[ورد عنه ﷺ تفسير (حبل الله)، بقوله: (كتاب الله، حبل الله ممدود من السماء إلى الأرض). ورد ذلك من رواية أبي سعيد الخدري، أخرجها: أحمد، في "المسند" == 3/ 14، 17، 26، 59. والترمذي، في "السنن" 5/ 663 رقم (3788) كتاب المناقب، باب: (مناقب أهل البيت). وأورده من طريقين: الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد. والأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم. وقال: (هذا حديث حسن غريب).
وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 134 (30072)، والطبري في "تفسيره" 4/ 31، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 87 ب، وابن أبي عاصم في "السنة"630 (1554). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 163 ونسب إخراجه إلى الطبراني في "الأوسط" وقال: (وفي سنده رجال مختلف فيهم)، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 107. ومدار سنده عندهم على عطية العوفي، وهو ضعيف، ويخطئ كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلِّسًا.
انظر: "ميزان الاعتدال" 3/ 476، "تقريب التهذيب" 393 (4616).
وورد بلفظ: (إني تارك فيكم كتاب الله، هو حبل الله ..)، من رواية يزيد بن حبان، عن زيد بن أرقم. أخرجه: ابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 134 (30069)، وابن حبان في "صحيحه" 1/ 330 - 331 (123)، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 87 ب.
وورد بنفس السند وبنحو لفظه، إلا أنه ليس فيه تفسيره بأنه حبل الله، وإنما ورد فيه: (وأنا تارك فيكم ثَقَلَيْن: أولهما كتاب الله ..). أخرجه:
مسلم في "الصحيح" (2408) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب. وأحمد في "المسند" 4/ 366 - 367، وابن أبي عاصم في "السنة" 629 (1551)، والبيهقي في "السنن" 4/ 2090 (3359)، والدارمي في "السنن" 2/ 431 كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل من قرأ القرآن.
ووردت تفسيراتٌ أخرى لـ (حبل الله) عن بعض السلف، منها: أنه: طاعة الله، وقيل: إخلاص التوحيد، وقيل: الجماعة، وقيل: عهد الله.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 31، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 723، 724.
والاختلاف -هنا- من قبيل اختلاف التّنَوُّع، وليس التَّضاد، فإن من التزم القرآن فقد التزم الإسلام -أصلا-، وبالتالي، فقد أطاع الله، واستقام على عهده، وهو ما عليه جماعة المسلمين.]].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والخطاب في هذه الآية للأوس والخزرج [[ويدخل فيه المسلمون عمومًا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما هو مقرر فى أصول هذا الفن.]].
وقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ منصوب [[من قوله: (منصوب ..) إلى (الاعتصام به): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 450.]] على الحال؛ المعنى: اعتصموا بحبل الله، مجتمعين على الاعتصام به.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: أي: كما كنتم في الجاهلية مقتتلين على غير دين الله.
وقال قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 32 بنحوه، "النكت والعيون" 1/ 414.]]: لا تفرقوا عن دين الله الذي أمر فيه بلزوم الجماعة، والائتلاف على الطاعة.
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 450 نقله عنه بنصه. وقد فسره الزجاج بلازمه؛ لأن التناصر من لوازم الوحدة وعدم التفرق.]]: أي: تناصروا على دين الله، ولا تتفرقوا [[(ولا تتفرقوا): غير موجودة في "معاني القرآن".]].
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: دين الإسلام.
﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ يريد: ما كان بين الأوس والخزرج من الحرب التي [[في (ج): (الذي).]] تطاولت عشرين [[في (ج): (عشرون).]] ومائة سنة، إلى أن ألَّفَ اللهُ عز وجل بين قلوبهم بالإسلام، فزالت تلك الأحقاد، وصاروا إخوانًا في الإسلام، مُتَوادِّينَ على ذلك [[انظر حول ذلك: "تفسير الطبري" 4/ 33، "الكامل" لابن الأثير 1/ 402 - 420.]].
قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 451. نقله عنه بتصرف.]]: وأصل (الأخ) في اللغة [مِن] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). ولكنه بعد التمعن والتدقيق قد يقرأ (من) كما
أثبتُه. وقد وجدته كذلك في تفسير الفخر الرازي:8/ 179؛ حيث نقل عبارة
الزجاج كما هي عند المؤلف- هنا-.]] [(التَّوَخِّي)، وهو] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
وقوله: (من التوخي، وهو الطلب) ليس في "معاني القرآن" وإنما حكى المؤلف المعنى، ونصها عند الزجاج -في آخر كلامه-، كالتالي: (والعرب تقول: (فلان يَتَوَخَّى مَسَارَّ فلانٍ)؛ أي: يقصد ما يسره).]]: الطَّلَبُ. فالأخ [مقصده مقصد] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (مقصد فمقصد). والمثبت من (ج).]] أخيهِ، وكذلك هو في الصداقة: أن تكون إرادةُ كلِّ واحدٍ من الأَخَوَيْنِ موافقةً [[في (ج): (مفارقة).]] لِمَا يُريد صاحِبُه [[قال الأزهري: (وأصله من: (وَخَى، يَخِي): إذا قصد. فقلبت الواو همزة). "تهذيب اللغة" 1/ 128 (أخو). ونقل عن أبي عمرو: (وَخى فلان يَخي وخيْا: إذا توجه لأمر). المصدر السابق: 4/ 3856 (وخى). وانظر: "معجم مقاييس اللغة" 6/ 95 (وخى)، 1/ 70 (أخو). وجمع (أخ): (أخُون، وإخْوان، وإخْوَة، وأخْوَة، وآخاء). ويرى سيبويه أن (إخوة) اسم جمع. انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 625، "الصحاح" 6/ 2264 (أخا)، "اللسان" 1/ 40 (أخا).]].
قال أبو حاتم [[قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 128 (أخ)، نقله باختصار وتصرف يسير. وقد تقدمت ترجمته.]]: قال أهل البصرة: (الإخوَةُ؛ في النَّسَبِ، و (الإخوان)؛ في الصَّداقة. قال: وهذا غلط [[في "التهذيب"، وهذا خطأ وتخليط.]]. يقال [[في (ج): (فقال).]] للأصدقاء، و [الأنسباء] [[ما بين المعقوفين: مطموس في (أ). وفي "تهذيب اللغة" وغير الأصدقاء. والمثبت من (ب)، (ج).]]: (إخوةٌ) و (إخوانٌ). قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، ولم يعْنِ [[في (ب): (يقل).]] النَّسَبَ.
وقال عز وجل: ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ [النور: 61]، وهذا في النَّسَبِ. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ (شَفَا الشيءِ): حَرْفُهُ، مقصورٌ [[في (ج): (مقصورة).]]، مثل: شَفَا البئر. والجمع: (الأشفاء). ويقال لِمَا بين الليل والنهار، عِند غُروب الشَّمس، إذا غاب بعضها: (شَفَا).
قال الراجز:
أدركتُهُ قَبْلَ شَفًا أو بِشَفَا ... والشمسُ [[في (ج): (فالشمس).]] قدكادت تَكُونُ دَنَفَا [[البيت، للعجاج، وهو في ديوانه (تح: د. عزة حسن): 493. كما ورد في "مجاز القرآن" 1/ 388، "العين" 6/ 288، 8/ 48، "غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 427، "إصلاح المنطق" 409، "الجمهرة" 274، 679، "الخصائص" 2/ 119، "المخصص" 9/ 25، 17/ 31، "المقاييس" 2/ 304، "اللسان" 3/ 1432 - 1433 (دنف)،14/ 437 (شفى). == وورد في الديوان: (أشرفته قبل شفا). وفي "إصلاح المنطق"، "المخصص"، "اللسان": (أشرفته بلا شفى).
وقال في "اللسان" -في تفسير البيت-: (بلا شفى)؛ أي: وقد غابت الشمس، (أو بشفى)؛ أي: وقد بقيت منها بقية) 4/ 2294 (شفى).
يقال: (شَفَت الشمسُ، تشفو، وتشفي)، و (شفيت شَفًى)، فالكلمة واوية ويائية. انظر المصدر السابق: 4/ 2294 (شفى).
و (الدَّنَف): هو المرض اللازم، وقيل: مطلق المرض. ويقال: (رجلٌ دَنَفٌ، ودنِف، ومُدْنَف، ومدْنِف)؛ أي: براه المرضُ حتى أشفى على الموت. ويقال: (دِنفَت الشمس وأدْنَفَت): إذا دنت للمغيب أو أصفَّرَتْ.
وأراد في البيت: مداناة الشمس للغروب، فكأنها حينئذ كالشخص الدَّنِفِ، وهو استعارة انظر: "اللسان" 3/ 1432 - 1433 (دنف).]].
ومِن هذا، يقال: (أشفى على الشيء): إذا أشرف عليه؛ كأنه بلغ شَفَاهُ؛ أي: حَدَّهُ وَحَرْفَه [[انظر المعاني السابقة في مادة (شفا)، في "تهذيب اللغة" 2/ 1902، "تفسير الطبري" 4/ 36 - 37، "المخصص" 9/ 25، "اللسان" 4/ 2294 - 2295.]].
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد بنحوه عن السدي، في "تفسير الطبري" 4/ 38، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 726.]]: يريد: لو مُتُّمْ على ما كنتم عليه في الجاهلية، لكنتم من أهل النار.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾ قال الأزهري [[في "تهذيب اللغة" 4/ 4643 (نقذ). نقله عنه بنصه.]]: يقال: (نَقَذْتُهُ)، و (أنقَذتُه)، و (استَنْقذتُه)، و (تَنَقّذتُه)؛ أي: خلَّصته ونجَّيته. ومنه يقال [[هذا قول أبي عبيد، كما في المصدر السابق: 4/ 4643 (نقذ).]]: (النقائِذ)، للخيل التي [[في (ب): (الذي)]] تُنُقِّذَت مِن أيدي الناس [[قال ابن دريد: (وكل شيء استرجعته من عدوك من بعير أو فرس، فهو: (نقِيذ)، والجمع: (نقائذ). "الجمهرة" 700.]] وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا﴾.
الكناية [[أي: الضمير.]] راجعةٌ إلى النار، لا إلى الشَّفا؛ لأن القصد: الإنجاء مِن النَّارِ لا مِن شَفَا الحفرة. هذا قول الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 451. وهو معنى قوله.]].
وقال غيره [[ممن قال بذلك: أبو عبيد، في "مجاز القرآن" 1/ 98، والطبري، في "تفسيره" 4/ 37 - 38.]]: الكِناية تعود إلى الحفرة، فإذا أنقذهم الله من الحفرة، فقد أنقذهم من شَفَاها؛ لأن شفاها منها. على أنه يجوز أن يُذكَر المضافُ، والمضافُ إليه، ثم تعود الكنايةُ إلى المضاف إليه دون المضاف، فذكر الشفا، وعادت الكناية إلى الحفرة. كقول [[من قوله: (كقول ..) إلى (وكذلك شفا الحفرة): ساقط من: (ب).]] جرير:
[أَرَى مَرَّ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.]] السِّنِين أَخَذْنَ مِني ... كما أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ [[البيت في ديوانه: 341. وقد ورد منسوبًا له، في "مجاز القرآن" 1/ 98، 2/ 83، "الكامل" للمبرد: 2/ 141، "تفسير الطبري" 4/ 37، "الأصول في النحو" 3/ 478، "البحر المحيط" 3/ 19، "الدر المصون" 3/ 337، "الدر اللوامع" 1/ 20.
وورد غير منسوب، في "معاني القرآن" للفراء 2/ 37، "المقتضب" 4/ 200، "تهذيب اللغة" 1/ 1049، "الصاحبي" 423، "اللسان" 2/ 1187 (خضع)، "همع الهوامع" 1/ 47. == وروايته في الديوان وأكثر المصادر: (رأت مرَّ السنين ..).
والسِّرَارُ: هي آخر ليلة من الشهر. ويقال: (سَرَرُ الشهر، وسَرارُه، وسِراره)، وهو مشتق من: (استسر القمرُ)؛ أي: خفي ليلة السرار، وقد يكون ذلك ليلةً، أو ليلتين. انظر: "الصحاح" 682 (سرر).
قال الأستاذ محمود شاكر: (وأراد جرير بـ (السرار) -في هذا البيت-: نقصان القمر حتى يبلغ آخر ما يكون هلالًا، حتى يخفى في آخر ليلة، فهذا النقصان هو الذي يأخذ منه ليلة بعد ليلة، أما (السِّرَار) الذي شرحه أصحاب اللغة، فهو ليلة اختفاء القمر، وذلك لا يتفق في معنى هذا البيت). هامش "تفسير الطبري" 7/ 86 (ط. شاكر).
قال ابن السراج: (فقال (أخَذْنَ)، فردَه إلى السنين، ولم يرده إلى (مَرّ)؛ لأنه لا معنى للسنين إلّا مرُّها). "الأصول في النحو" 3/ 478.]] فَذَكَرَ (مَرَّ السِّنِين)، ثم أخبر عن السنين.
وكذلك قول العَجَّاج:
طُولُ اللَّيالي أسرعت في نَقْضِي ... طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي [[البيت من الرجز، في ملحق ديوانه (بعناية: وليم بن الورد، نشر ليبسك 1903 م): 80، مما نسب له.
وقد ورد منسوبًا له، في "كتاب سيبويه" 1/ 53، "مجاز القرآن" 1/ 99، "تفسير الطبري" 4/ 37، "المخصص" 17/ 78.
وقد نسبته بعض المصادر للأغلب العجلي، ومنها: "المُعمِّرون" لأبي حاتم السجستاني (تح: عبد المنعم عامر، ط: البابي الحلبي - مصر 1961م) 108، و"الأغاني" 21/ 28، "المقاصد النحوية" 3/ 395، "التصريح" للأزهري 2/ 31، "خزانة الأدب" 4/ 224 - 226.
وورد غير منسوب، في "البيان والتبيين" للجاحظ: 4/ 60، وقال فيه: (ورأى معاويةُ هُزالَه وهو مُتَعر، فقال: ..) وذَكَرَه. ولا يدلُّ هذا على أنه لمعاوية، بل قد يكون مما استشهد به من حفظه، وورده في "المقتضب" 4/ 199، "الخصائص" 2/ 418، "الأصول في النحو" 3/ 480، "الصاحبي" 423، "مغني اللبيب" 666== (وانظر:"شرح شواهد المغني" 881)، "منهج السالك" 2/ 284.
وقد ورد برواية: (إن الليالي ..) و (أرى الليالي ..)، ولا شاهد فيه -هنا- على هاتين الروايتين. وورد: (مرُّ الليالي ..).
وورد الشطر الثاني برواية: (نَقَّضن كلِّي ونقضن بعضي)، و (أخَذْنَ بعضي وتَرَكْنَ بعضي). والشاهد فيه: أنه تكلم عن (طول الليالي)، ولكن أخبر عن الليالي، حيث أنَّثَ (أسرعت)، و (طَوَيْنَ) مع أنه يعود على (طول) وهو مذكر؛ وذلك لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، وهو (الليالي)، وليس الطول شيئًا غيرها، فأخبر عنها، دون الطول.]] وهذا إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه [[(إليه): ساقطة من: (ج).]]. فإن (مَرَّ السنين)، هو السنون. وكذلك (شَفَا الحفرة). فَذَكَرَ الشَّفَا وعادت الكناية إلى الحفرة [[وذهب أبو حيان إلى عَوْد الضمير على (الشفا)، وعلَّلَ قائلًا: (لأن كينونتهم على الشفا، هو أحد جزئي الإسناد، فالضمير لا يعود إلا عليه، وأما ذكر الحفرة فإنما جاءت على سبيل الإضافة إليها ..) ثم أضاف: (وأما ذكر النار فإنما جيء بها لتخصيص الحفرة، وليست -ايضًا- أحد جزئي الإسناد [و] لا محَدّثا عنها، و -أيضًا- فالإنقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ منها لا يستلزم الإنقاذ من الشفا، فعَوْدهُ على الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى). "البحر المحيط" 3/ 19.]].
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكاف [[من قوله: (الكاف) إلى (هدايته): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 451.]] في موضع نصب [[وفي هذه الحالة إما أن تكون نعتًا لمصدر محذوف، أو تكون حالًا؛ أي: (يبيِّن بيانًا مثل ذلك البيان). أو: (يبيِّن لكم تبيينًا مثل تبيينه لكم الآيات الواضحة). انظر: "الفريد في إعراب القرآن" 1/ 612، "الدر المصون" 3/ 338.]]؛ أي: مِثْلَ البَيَانِ الذي يُتلى عليكم، يُبَيِّنُ اللهُ لكم آياته لعلكم تهتدون؛ أي: لتكونوا على رجاء هدايته.
آل عمران 3:104
قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾. الآية. (مِنْ) دخلت لتخص المُخاطَبِين مِن سائر الأجناس، و [ليس المُراد] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (ومن يراد). والمثبت من (ج).]] به التبعيض [[قال المالقي: (وكثيرًا ما تَقْرُب التي للتبعيض من التي لبيان الجنس، حتى لا يُفرق بينهما إلا بمعنى خفي؛ وهو: أن التي للتبعيض تُقَدَّرُ بـ (بعض)، والتي لبيان الجنس تُقدَّر بتخصيص الشيء دون غيره). "رصف المباني" 389.]]، [وهذا] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]] كما تقول: (لِفُلان من أولادِهِ جُهْدٌ)، و (للأمير مِن غِلْمانِهِ عِدَّةٌ)؛ تريد بذلك: جميعَ أولاد وغلمانه، لا بعضهم. وقد قال الله تعالى [[(تعالى): ساقطة من: (ج).]]: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30]، ليس [[من قوله: (ليس ..) إلى (اجتنبوا الأوثان): ساقط من: (ج).]] يأمرهم باجتناب بعضِ الأوثان، ولكن المعنى: اجتنبوا الأوثان، فإنها رِجْسٌ [[ذكر ابن هشام أن بعض العلماء ذهب إلى أن (من) في قوله -تعالى-: ﴿مِنَ اَلأوْثَانِ﴾ للابتداء، والمعنى: فاجتنبوا من الأوثان الرجس؛ أي: عبادتها. وقال -معقِّبًّا على هذا القول-: (وهذا تكلف). "مغني اللبيب" 420 - 421.]]. ومثله من الشعر، قولُ الأعشى [[هو: أعشى باهلة، أبو القُحفان، عامر، وقيل: عمر بن الحارث بن رياح الباهلي، من همدان، شاعر جاهلي. انظر: "المزهر" 2/ 457، "الخزانة" 1/ 187، "الأعلام" 1/ 250.]]:
أخُو رغائِبَ يُعْطِيها ويُسْأَلُها ... يأبَى الظُّلامَةَ مِنْهُ النّوْفَلُ الزُّفَرُ [[ورد البيت منسوبًا له في أكثر المصادر التالية: "الأصمعيات" 90، "الكامل" للمبرد: 1/ 57، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 452، "جمهرة أشعار العرب" ص255، "الأضداد" لابن الأنباري:252، "تهذيب اللغة" 4/ 3637 (نفل)،== "شرح الأبيات المشكلة" 521، "أمالي المرتضى" 2/ 21، "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 2/ 665، 666، "التنبيه والإيضاح" لابن بري: 2/ 192، "زاد المسير" 1/ 434، "اللسان" 3/ 1842 (زفر)، 6/ 3701 (قفر)، 8/ 4510 (نفل)، "خزانة الأدب" 1/ 185، 186، 1195 وردت روايته في "الأضداد": (يعطاها) بدلًا من: (يعطيها)، كما وردت روايته كذلك: (ويَسْلُبُها) -بالبناء للمعلوم-، من: (السلب) بدلًا من: (وُيسألُها).
والبيت من قصيدة قالها الشاعر في رثاء أخيه من أمه: المنتشر بن وهب الباهلي. والرغائب: هي العطايا الكثيرة. والمفرد: (رَغِيبة)، وهي: ما يُرغَب فيه من أشياء. والظُّلامَة: هي ما تطلبه عند الظالم، وهي: اسمٌ لما أُخِذَ من الإنسان ظلما. ويقال -كذلك-: (الظليمة)، و (المظلِمة) - بكسر اللام وضمها.
والنوفل: السيد من الرجال الكثير الإعطاء للنوافل، وهي: العطايا. وفي "اللسان" 8/ 4510 (نفل) ينقل عن ابن الأعرابي: (للنوافل: من ينفي عنه الظلم من قومه؛ أي: يدفعه)؛ من (انتفل من الشيء): انتفى وتبرأ منه، و (انتفل)، و (انتفى) بمعنى واحد، كأنه إبدال منه. انظر المرجع السابق.
والزُّفَر: السيد الذي يتحمل بالأموال في الحَمَالات من دَيْن، أو دِيَة، مطيقًا لها. وأصلها من: (ازْدَفَر)؛ أي: حَمَل. والزَّفْرُ: الحَمْل من قولك: (زفَرَ الحِمل، يزفِرُهُ، زفْرا)، و (ازدفَرَهُ) -أيضًا-؛ أي: حمله.
ويقال -كذلك- (زُفَر) للأسد، والجمل الضخم، والرجل الشجاع، والجواد. انظر: (زفر) في "تهذيب اللغة" 2/ 1538، "اللسان" 3/ 1841.]] وهو النَّوْفَلُ الزُّفَرُ لا بعضه [[قال ابن الأنباري: (ومستحيل أن تكون (مِن) -ههنا- تبعيضًا، إذ دخلت على ما لا يتبعض، والعرب تقول: قطعت من الثوب قميصًا، وهم لا ينوون أن القميص قطع من بعض الثوب دون بعض، إنما يدُلُّون بـ (مِن) على التجنيس ..). "الأضداد" 252 - 253. وانظر: "التنبيه والإيضاح" لابن بري: 2/ 192. وممن ذهب إلى ذلك: الزجاج، في "معاني القرآن" 1/ 452، ولكنه جوَّز أن تكون (مِن) في الآية تبعيضية. وممن ذهب إلى أنها لبيان الجنس: النحاس، في "معاني القرآن" 1/ 456. وانظر في هذا الموضوع: "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج 2/ 644.== وممن ذهب -كذلك- إلى أن الأمر في هذه الآية عام لكل الأمة: أبو بكر الجصاص، في "أحكام القرآن" 2/ 29 - 34، وأطال النفس في بيان ذلك والاستدلال له، وانتصر لهذا الرأي الشيخ محمد عبده، وأسهب في بيان ذلك. انظر: "تفسير المنار" 4/ 23 وما بعدها.]].
وفيه قول آخر، وهو: إنَّ المراد: تخصيص للعلماء والأمراء، والذين هم أعلامٌ، في الأمر بالمعروف، فهو أمر لجماعة من جملة المسلمين، على الكفاية؛ كأنه قيل: لِيَقُمْ بذلك بعضكم، فأيُّ بعضٍ قام به سقط عن الآخر. ولو كان الأمر للجميع على غير الكفاية لم [[في (ب): (ثم).]] [تسقط] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (تكون). والمثبت من (ج).]] الفريضةُ بقيام البعض به [[ممن قال بأن المراد -هنا- بعض الأمة، وهم العلماء: الضحاك، كما في "تفسير الطبري" 4/ 38، ومقاتل بن حيان، كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 726، وبكفائية هذا الفرض قال: الطبري، والماوردي، وأبو يعلى الفراء، والزمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن تيمية، وابن كثير، وهو رأي جمهور العلماء.
وانظر: "الأحكام السلطانية" للماوردي: 240، "الأحكام السلطانية" لأبي يعلى: 284، "الكشف" 1/ 452، "تفسير القرطبي" 4/ 165، "الحسبة في الإسلام" لابن تيمية 6، 20، "تفسير ابن كثير" 1/ 419، "البحر المحيط" 3/ 20.
قال ابن تيمية: (ويصير فرضَ عَيْن على القادرة إذا لم يقم به غيره). الحسبة: 6.]].
آل عمران 3:105
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ يعني: اليهود والنصارى في قول أكثر المفسرين [[منهم: ابن عباس، الربيع، والحسن، ومقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان، == والطبري، والزجاج.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 293، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 453، "تفسير الطبري" 7/ 92 - 93، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 728، "زاد المسير" 435.
وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه، قائلًا: قال النبي ﷺ: (افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة).
أخرجه: أبو داود كتاب: السنة (4596)، باب شرح السنة، والترمذي (2640) كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وقال: (حديث حسن صحيح). وابن ماجه (3991) كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، وقال عنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه: 2/ 364 (حسن صحيح). والحاكم في "المستدرك" 1/ 6، 1/ 128، وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد في "المسند" 2/ 332، وابن حبان في صحيحه "الإحسان" 14/ 140 رقم (6247)، والآجري في الشريعة: 15.
وأورده السخاوي في "المقاصد الحسنة" (190)، وذكره الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم الحديث (203).
وورد بنحوه بروايات أخرى فيها زيادات، أخرجها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والآجري، والحاكم، كلهم في المواضع السابقة
وانظر: "الدر المنثور" 2/ 110 - 111، "كشف الخفاء" للعجلوني: 1/ 369، "الفوائد المجموعة" للشوكاني: 502، "فتح القدير" له: 1/ 559، "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (203، 204).]]. ومعنى ﴿تَفَرَّقُوا﴾، أي: بالعداوة
وقوله تعالى: ﴿وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يعني: اختلفوا في الديانة. ولاختلافهم وجوهٌ: أحدها: أن اليهود اختلفوا مِن بعد موسى، فصاروا فِرَقًا، والنصارى اختلفوا من بعد عيسى، فصارت [[في (ب): (فصاروا).]] فِرَقًا، فأمر الله عز وجل بالاجتماع على كتابه، وأعلَمَ أنَّ التَّفَرُّقَ [[في (ب): (التفريق).]] فيه، يُفضي بأهله إلى مثل ما أفضى بأهل الكتاب إليه من الكفر.
والثاني: أن المراد بالاختلاف ههنا: اختلاف [[في (ب): (اختلفوا).]] أهل الكتاب في الإيمان [[في الإيمان: ساقطة من: (ج).]] بمحمد ﷺ [[في (ج): (عليه السلام).]]: فبعضهم آمَنَ، وبعضهم كفر.
والثالث: أنَّ الاختلاف ههنا: اختلاف اليهود والنصارى، و [[في (ب): (في).]] كتابهم جميعًا [[جميعًا: ساقطة من: (ب).]] التوراة، وهم يختلفون، كل فرقة [[في (ب): (حرفة).]] منهم ليست على شريعة الأخرى.
فإن قيل [[فإن قيل: ساقطة من: (ب).]]: إذا [[في (ب): (إذا).]] كان الاختلاف في الدِّين مذمومًا منهيًا عنه، فَلِمَ اختلفت هذه الأُمَّةُ في المذاهب والدِّيانات؟.
قلنا: ذاك اختلافٌ في المُجْتَهَدَاتِ، وجميع ذلك مدلولٌ على صحته، فيصير كاختلاف الأحكام المنصوص عليها، مثل: حُكْم المقيم والمسافر، في الصلاة والصيام، ونحو ذلك من الأحكام، في أنَّ كلًّا منها مأذون فيه بالشرع.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ولم يقل (جاءت)؛ لجوازِ حذفِ علامَةِ التأنيث من الفعل في التقديم؛ تشبيهًا بعلامة التثنية والجمع [[وقال العكبري: (إنما حذف التاء؛ لأن تأنيث البيِّنةِ غير حقيقي، ولأنها بمعنى الدليل). "التبيان" ص 203.]].
وقد فسَّرنا ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ في مواضع [[انظر تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ من الآية: 86.]].
آل عمران 3:106
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ انتصاب اليوم على الظرف، والعامل فيه معنى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: يثبت لهم العذاب يوم تبيض وجوه، و [[في (ج): (أو). بدلا من: (و). و (أو) أولى هنا من (و)؛ لما تتضمنه من معنى المغايرة.]] يعذبون يوم تبيض وجوه [[أو يكون منصوبًا بفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم ... انظر: "البيان" للأنباري 1/ 214، "التبيان" (203)، "محاسن التأويل" للقاسمي 4/ 933.]].
ومعنى ابيضاض الوجوه: إشراقها [[في (ج): (وإشراقها). ومن قوله: (إشراقها ..) إلى (عليها غبرة): موجود بمعناه في "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 452.]] واستنارتها وسرورها واستبشارها [[(سرورها واستبشارها): ساقط من (ج).]]؛ لما تصير إليه من ثواب الله ورحمته؛ كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:38 - 39].
ومعنى اسْوِدادِها: حزنها، وكآبتها، وكسوفها؛ لما تصير إليه من العذاب؛ كقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: 40]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 27].
قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية وقد أورد الثعلبي والقرطبي هذا القول وعزواه لعطاء دون رفع لابن عباس. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 96 ب، "تفسير القرطبي" 4/ 167.]]: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسود وجوه بني قريظة والنضير والذين كذبوا بمحمد ﷺ.
وقال في رواية سعيد بن جبير [[أخرجها ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 729، والثعلبي -بسنده- في "تفسيره" 3/ 96 ب. وأوردها البغوي في "تفسيره" 2/ 87، والسيوطي في "الدر" 2/ 111 - 112 ونسب إخراجها لأبي نصر في الإبانة، والخطيب في تاريخه، واللالكائي في "السنة".]]: تَبْيَضُّ وجوهُ أهل السُنَّة، وتَسْوَدُّ [[في (ج): (وتبيض).]] وجوهُ أهل البدعة.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له:1/ 228.]] والزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 454.
وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 211، "تفسير الطبري" 4/ 40، "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 1/ 38، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 457. "الصاحبي" 390، "الإكسير في علم التفسير" للطوفي 185،193، "ارتشاف الضرب" 2/ 63، 570، 3/ 151.]]: جواب (أمَّا) محذوفٌ مع القول، وهو: [الفاء] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وفي (ب): ساقط. والمثبت من: (ج).]] مع قولٍ مُضمَرٍ، فلما سقط القول، [سقط] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وفي "معاني القرآن" للفراء: سقطت.]] الفاء معه [[انظر: "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 834.]]، والمعنى:
(فيقال لهم: اكفرتم بعد إيمانكم؟)، وحَذَف القولَ؛ لأن في الكلام دليلًا عليه.
ومثله كثير في التنزيل؛ كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [[سورة الرعد: 24. وتمامها: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. والمعنى: يقولون: سلامٌ عليكم.]]، وقوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا} [[سورة البقرة: 127. وتمامها: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. والمعنى: يقولان: ربَّنا ..]]، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا﴾ [[سورة السجدة: 12. وتمامها: ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾. والمعنى: يقولون: ربنا ..]] الآية.
وقوله تعالى ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية.]]: يعني: اليهود؛ شهدوا لمحمد عليه السلام [[في (ب): (ﷺ).]] بالنُّبُوَّةِ، فَلمَّا قَدِمَ عليهم كذَّبوه وكفروا به. وهذا قول عكرمة [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 97 - ب، "تفسير القرطبي" 4/ 167، وأروده السيوطي في "الدر" 2/ 112 ونسب إخراجه للفريابي، وابن المنذر.]] واختيار الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 455.]].
وقال قتادة: هم أهل البدع كلهم [[أورده بهذا النص الثعلبي في "تفسيره" 3/ 97 ب. وهو معنى قول قتادة الذي أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 40، ونصه عنه -بعد أن قرأ الآية-: (لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول: "والذي نفس محمد بيده، لَيَرِدنَّ عليَّ الحوض ممن صحبني أقوام، حتى إذا رُفِعوا إليَّ ورأيتهم، اختُلِجوا مِن دوني، فلأقولن: ربِّ! أصحابي! أصحابي! فليقالنَّ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
وقد ذكر الثعلبي هذا النص الذي أخرجه الطبري مستدلًا به على معنى قول قتادة الذي ذكره، قائلًا: (ودليل هذه التأويلات) ثم أورد الخبر السابق.
وأورد -كذلك- قول قتادة -كما هو عند المؤلف-: البغوي في "تفسيره" 2/ 88 وابن الجوزي في الزاد: 1/ 436. وانظر هذا الخبر وأحاديث أخرى نحوه في "لوامع الأنوار" للسفاريني: 2/ 197.]].
وقد روي عن النبي ﷺ مرفوعًا في قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ أي: بعد الإقرار بالميثاق الأول [[أي المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف. آية: 172].]].
أخبرنا أبو علي ابن أبي القاسم المذكِّر [[لم أقف على ترجمته.]]، أبنا محمد بن حمدوية النيسابوري [[هو: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعَيم الضَّبِّي الطهماني، الحاكم النيسابوري، المعروف بـ (ابن البَيِّع). ولد سنة (321 هـ)، الإمام الجليل الحافظ المتفق على جلالة قدره، صاحب "المستدرك على الصحيحين"، و"معرفة علوم الحديث" وغيرها من التصانيف الكثيرة. توفي سنة (405 هـ). انظر: "تاريخ بغداد" 5/ 473، "سير أعلام النبلاء" 17/ 162، "طبقات الفقهاء الشافعية" 1/ 198، "لسان الميزان" 6/ 250.]]، [حدَّثنا علي بن حَمْشَاذ [[هو: أبو الحسن، علي بن حمشاذ بن سختويه بن نصر النيسابوري. ولد سنة (285 هـ)، إمام عدل ثقة حافظ عابد. قال عنه الحاكم: (ما رأيت في مشايخنا أثبت في الرواية والتصنيف من علي بن حمشاذ). توفي سنة (338 هـ). انظر: "تاريخ الإسلام" 25/ 165وفيات (331 - 350 هـ)، "سير أعلام النبلاء" 15/ 398، "تذكرة الحفاظ" 3/ 855، "شذرات الذهب" 2/ 348.]]، ثنا حُمَيد بن حَكيم الدقَّاق [[لم أقف له على ترجمة، إلّا ما ورد في (ذيل ميزان الاعتدال)، للحافظ العراقي، حيث قال: (حُمَيد بن حَكِيم. حديثه في سنن الدارقطني، قال ابن القطان: لا تُعرف حاله). الذيل: 203.]]، ثنا عباس بن الوليد الخلَّال [[هو: أبو الفضل، عباس بن الوليد بن صُبْح الخلال السُلَمي الدمشقي. قال ابن حجر: (صدوق)، ووثقه ابن حبان، قال أبو داود: كان عالما بالرجال والأخبار، لكنه لم يحدث عنه. توفي سنة (248 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 215، "الميزان" 3/ 100، "تهذيب التهذيب" 2/ 295،]] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]]، ثنا] [[ما بين المعقوفين ليس في (أ)، وجاء فيه: (ثنا أبو صفوان القاسم بن يزيد العامري، ثنا يحيى بن كثير أبو النضر، ثنا عاصم.]] أبو صفوان، القاسم بن [يزيد العامري] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وساقط من: (ب). ومثبت من: (ج). وقد وردت رواية القاسم -هذا- عن يحيى بن كثير، في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 77، 109 باسم أبي صفوان، القاسم بن يزيد بن عوانة. ولم أقف له على ترجمة.]]، ثنا يحيى بن كثير، أبو النضر [[في (ب): ثنا أبو النصر. في (ج): أبو النصر. عَدّه ابنُ حجر مِن الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، شيعي، قال ابن حجر: (ضعيف)، وقال أبو حاتم: (ضعيف ذاهب الحديث جدًا)، وقال الدارقطني: (متروك).
انظر: "المجروحين" لابن حبان:3/ 130، "ميزان الاعتدال" 6/ 77، "المغني في الضعفاء" 2/ 410"التقريب" ص595 (7631).]]، ثنا عاصم الأحول [[هو: أبو عبد الرحمن، عاصم بن سليمان الأحول، البصري. تابعي، ثقة حافظ، توفي بعد سنة (140 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 343، "تهذيب التهذيب" 2/ 252.]] وداود بن أبي هند [[هو: أبو بكر أو أبو محمد، داود بن أبي هند - (دينار) - القُشَيري بالولاء، البصري- تابعي، ثقة متقن، إلا أنه يهم إذا حدّث مِن حِفْظِه، توفي سنة (140هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 411، "ميزان الاعتدال" 2/ 201، "تهذيب التهذيب" 1/ 572، "التقريب" ص200 (1817).]]، عن أبي العالية الرِّيَاحِي، قال:
قال أُبَيُّ بن كعب [[هو: أبو المنذر، أبَيُّ بن كعب بن قيس، الأنصاري الخزرجي. ويكنى بـ (أبي الطفيل) -أيضًا-، من فضلاء الصحابة، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، سيد القراء، وأحد كتَّاب النبي ﷺ، توفي سنة (22 هـ)، وقيل: (30 هـ) ورجحه ابن الأثير.
انظر: "المعارف" لابن قتيبة: 261، و"أسد الغابة" 1/ 61، "صفة الصفوة" 1/ 245، "الإصابة" 1/ 19.]]: (قال) [[في (أ): (قال قال).]] النبي [[في (ج): (رسول الله).]] ﷺ في قوله، فذكره [[الأثر: أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 40، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 730، وأورده الثعلبي في "تفسيره" 2/ 88 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 340، والماوردي في "النكت والعيون" 1/ 415، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 436، والسيوطي في "الدر" 2/ 112 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.
وقد أوردوه كلهم موقوفًا على أبي بن كعب - رضي الله عنه - (ولم أر من رفعه سوى المؤلف. ونصه كما عند الطبري: (قال صاروا يوم القيامة فريقين: فقال لمن أسوَدَّ وجهُه، وعيَّرَهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، قال: هو الإيمان الذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقرُّوا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلمين. يقول: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، يقول: بعد ذلك الذي كان في زمان آدم ..). وعلى هذا فالآية عامَّةٌ في جميع الكفار، ورجَّح هذا الطبري.]].
آل عمران 3:107
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله وقد أورده ابن الجوزي في الزاد:1/ 437.]]: يريد: ففي جنة الله.
قال أهل المعاني [[ممن قال ذلك: ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 145. وانظر: "الوجوه والنظائر" لهارون بن موسى: 53، "تفسير الطبري" 4/ 40، "الأشباه والنظائر" للثعلبي: 162، "قاموس القرآن" للدامغاني: 199، "نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي: 331، "تفسير الكريم المنان" للسعدي: 1/ 194، "محاسن التأويل" 4/ 932. حيث فسروها جميعًا بالجنة.]]: وإنما قيل [لـ (الجَنَّةِ): رحمةُ] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] الله؛ إعلامًا أنً العبدَ لا يدخلها إلا برحمته [[في (ج): (رحمة الله).]]، وإنْ اجتهد في طاعته.
وقال آخرون [[ممن قال بذلك: الزجاج، في "معاني القرآن" 1/ 455، والنحاس، في "معاني القرآن" 1/ 458.]]: رحمة الله ههنا: ثوابهُ لأهل طاعته.
وقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 455. وعبارته -هنا- بالمعنى.]]: كرَّر (في)؛ للتأكيد، الذي هو تمكين المعنى في النفس.
وقال غيره [[لم أقف على هذا القائل.]]: كرَّر (في)؛ للبيان عن الصفتين [[في (ج): (البيان عن الصفين).]]؛ المعنى: أنهم في رحمة الله، وأنهم خالدون فيها، فكل واحدةٍ منهما قائمةٌ بنفسها.
آل عمران 3:108
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ أي [[من قوله: (أي ..) إلى (وعلاماته): نقله بنصه عن: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 454.]]: تلك التي جرى ذكرها، حُجَجُ اللهِ وعلاماتُه.
وصَلح ﴿تِلْكَ﴾ ههنا في موضع (هذه)؛ لانقضاء الآيات؛ فلمَّا انقضت، صارت كأنها بَعُدَت، فقيل فيها: ﴿تِلْكَ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 10، 229، "تفسير الطبري" 1/ 96.]].
وقال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وهو مذكور في (تنوير المقباس)، المنسوب له: 53. وقد قال بهذا القول: قتادة انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 468.]]: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾، يعنى: القرآن [[(القرآن): مطموسة في (ج).
وقد اختار المؤلف هذا القول في تفسيره (الوجيز) (المطبوع بهامش (مراح لبيد): 1/ 113). وذهب إليه القرطبي. انظر: "تفسيره" 4/ 169.]].
وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: نُعرِّفُك إيَّاها. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. واختاره المؤلف في تفسيره (الوجيز) (المطبوع بهامش (مراح لبيد): 1/ 113).]]: نُبَيّنها.
وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقّ﴾ أي: بأنَّها [[في (ب): (بيانها).]] حقٌ؛ كما تقول: أعامِلُك بالحَقِّ؛ أي: معاملتي حقٌّ.
ويجوز أنْ يكون المعنى: نتلوها بالمعنى الحق؛ لأن معنى المَتْلُوِّ حقٌّ.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ فيعاقبهم بلا جُرْمٍ. (قاله) [[من (أ)، وفي باقي النسخ: (قال).]] ابنُ عبَّاس. وقال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له: 1/ 455. نقله عنه بمعناه]]: أعلم الله جل وعزَّ أنَّهُ [[في (ج): (أنَّ).]] يُعذِّبُ مَن يُعذِّبُهُ باستحقاقٍ.
[وحَسُنَ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] ههنا نفيُ إرادةِ الظلم للعالمين؛ لأن ذِكْرَ العقوبةِ قد تقدم، فبيَّنَ أنَّه لا يُعاقِب أحدًا [[في (أ)، (ب): أحد. والمثبت من: (ج). وهي أليق بالعبارة -هنا- وأوجه.]] ظالمًا إيَّاهُ.
فإنْ قيل: أليس لو فعل ذلك، لم يكن ظالمًا عندكم؟ فلِمَ [[في (ج): فلما.]] قال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: 31]؟ ولو أراده لم يكن ظُلمًا؟ [[في (ب): (ظالمًا).]].
قلنا: سمَّاه ظلمًا؛ لأنه في سورة الظُّلْم [[انظر حول هذا الموضوع: "شرح العقيدة الطحاوية" 453 - 455.]]، ولو عَذَّبَ غير [[في (ج): (غيره).]] مُستَحِقٍّ [[في (ج): (مستحقًا).]] للعذاب، لم يكن منه ظلمًا حقيقيًّا، ولكنه يكون في صورة الظلم، وقد يُسمَّى الشيءُ بالشيء، إذا أشبهه، وكان في صورته؛ كجزاء السيِّئة، يُسَمَّى: (سيئةً) [[كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40].]]، وجزاء الاستهزاء، يُسمَّى [[في (ج): (سمي).]]: (استهزاءً) في التنزيل [[يعني المؤلف قولَه -تعالى-: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:14 - 15].
وقد ذكر الطبريُّ هذا المعنى في تفسيره، ورَدَّهُ، فـ (الاستهزاء) في هذه الآية صفة من صفات الله على الحقيقة، تليق بجلال الله -تعالى-، وليس المقصود بـ (الاستهزاء) هنا مجازاتهم في الآخرة على استهزائهم بأوليائه في الدنيا، فهذا صرفٌ للصفة عن حقيقتها. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 132 - 134. وانظر ما سبق من تعليق على تفسير المؤلف لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَكَرَ اَللهُ﴾ من الآية: 54.]]، ومثله كثير.
آل عمران 3:110
قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ اختلف قول أهل المعاني في هذا:
فقال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 229.]] والزجاجُ [[في "معاني القرآن" له: 1/ 456. وقد أورده الزجاج بلفظ (قيل: ..).]]، وغيرُهما [[ممن جوز هذا القول: النحاس، في "إعراب القرآن" 1/ 357.]]: كنتم خير أُمَّةٍ عند الله، في اللَّوْح المحفوظ. وقالا [[قائل هذا القول، هو: الفراء، في المرجع السابق. والعبارات التالية له نقلها == المؤلف بتصرف يسير. أما الزجاج فلم يذكر هذا المعنى في هذا الموضع.
وممن قال بهذا: ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 295. وجعله من باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه، قال: (ومنه أن يأتي الفعلُ على بِنْيَةِ الماضي وهو دائمٌ أو مُستَقبَل) وذكره. وقال به الطبري، في "تفسيره" 4/ 45 - 46، وابن فارس، في "الصاحبي" 364، ويرويه أبو العباس عن ابن الأعرابي، كما في "تهذيب اللغة" 4/ 3084 (كون)، وجوزه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 357.]] أيضًا: معنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: أنتم خير أمة؛ كقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: 86]، وقال في موضع آخر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأنفال: 26]. وإضمارُ (كان) [[في (ج): (كل).]] وإظهارُها في مثل هذا، سواءٌ، إلّا أنها إذا ذُكِرت كانت للتأكيد، ووقوع الأمرِ لا مَحالة.
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: وهذا القول ظاهرُ الاختلال؛ لأن (كان) يُلغى [[في (ب)، (ج): (تلغى).]] مُوسَّطًا ومُؤَخَّرًا، ولا يُلغَى [[في (ب)، (ج): (تلغى).]] مُقدَّما؛ تقول العرب: (عبدُ الله كان قائمٌ) و (عبدُ الله قائمٌ، كان)؛ على أنَّ (كان) مطروحة، ولا يقولون: (كانَ عبدُ الله قائمٌ)، على إلغائها، لأنَّ سبيلهم أن يبدأوا بما [تنصرف الغايةُ إليه، والمُلْغَى غير معني به، على أنَّه لا يجوز] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج).]] إلغاءُ الكَوْنِ في الآية؛ لانتصاب خبره، وإذا (أُعْمِلَ) [[في (أ): (عمل).]] الكَوْنُ في الخَبَرِ، فنصبه، لم يكن مُلغًى.
وقال بعضُ النحويين [[لم أقف عليهم.]]: إنما قال: ﴿كُنْتُمْ﴾، ولم يقل: (أنتم)؛ لتَقَدُّمِ [[في (ج): (فتقدم).]] البِشَارَةِ بهذه الأُمَّة، ولِمَا قد [[في (أ)، (ب): (قدم). والمثبت من (ج).]] كان يُسمَعُ مِنَ الخير في هذه الأمَّةِ؛ فكأنَّه [[في (ج): (وكأنه).]] قيل: كنتم خير أُمَّةٍ بُشِّرَت بها. وهذا القول، يُروى معناه عن الحَسَنِ [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 45، "النكت والعيون" 1/ 416.]].
وقال بعضهم [[منهم الطبري، كما سيأتي.]]: الكَوْنُ ههنا بمعنى: الوقوع والحُدُوث، وهي التَّامَّةُ التي لا تحتاج إلى خبر، فمعنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: حَدَثْتم خَيْرَ أُمَّةٍ، ووُجِدْتُم وخُلِقْتُم خَيرَ أمَةٍ، فيكون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ حينئذ بمعنى الحَالِ. وهذا معنى قولِ [ابن] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).]] جَرِير [[في "تفسيره" 7/ 106.]].
وحكى الزجاجُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 456. أورد هذا القول وصدَّره بلفظ (قيل ..).]] عن بعضهم: كنتم [منذ] [[في (أ)، (ب)، (ج): (قد). ولم أر لها وجهًا. وأثبتُّها من: "معاني القرآن" للزجاج. وقد تكون (مُذ) فحرِّفت إلى (قد).]] آمنتم خيرَ أُمَّةٍ [[قد يكون القائل ابن الأنباري؛ حيث أورد ابن الجوزي في الزاد نحو هذا القول، وقال: (ذكره ابن الأنباري) ونصه: (مذ كنتم). انظر: "زاد المسير" 1/ 439.]].
فأمَّا المُخاطَبون بهذا: فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير [[هذه الرواية، في "مصنف ابن أبي شيبة" 6/ 398 رقم (32349)، و"مسند أحمد" (شرح الشيخ أحمد شاكر): 4/ 153 رقم (2463)، 335 (1928)، 355 (3989)، 5/ 112 (3321)، وصححه الشيخ شاكر، وتفسير النسائي: 1/ 319، "تفسير الطبري" 4/ 45، "تفسير عبد الرزاق" 130، "تفسير ابن أبي حاتم" == 3/ 732، "المعجم الكبير" للطبراني: 12/ 6 رقم (12303)، ومستدرك الحاكم: 2/ 294. وصححه ووافقه الذهبي، "تفسير الثعلبي" 3/ 98 أ، وذكرها ابن حجر في "المطالب العالية" 3/ 315 رقم (3570) وعزاها للحارث بن أبي أسامة في مسنده عن ابن عباس، وذكرها الهيثمي في "مجمع الزوائد" 6/ 327 وقال: (رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح)، وأوردها ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 225 وعزاها لمن سبق وقال عن إسنادها: (جيد)، وأوردها السيوطي في "الدر" 2/ 113، وزاد نسبة إخراجها لعبد بن حميد، والفريابي، وابن المنذر، عن ابن عباس موقوفًا.]]: هم الذين هاجروا مع النبي ﷺ إلى المدينة. وعلى هذا [[في (ج): (ذلك).]]: عِكْرِمة [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 43، "تفسير الثعلبي" 3/ 98 أ، "أسباب النزول" للواحدي: (121)، "تفسير البغوي" 2/ 89، "زاد المسير" 1/ 438، "الدر المنثور" 2/ 113 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 295، والمصادر السابقة ما عدا الطبري.
وقد ورد قول مقاتل وعكرمة في معرض بيانهما لسبب نزول الآية، فقد قال مقاتل في تفسيره (وذلك أن مالك بن الصَّيف، ووهب بن يهوذا، قالا لعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة: إن ديننا خيرٌ مِمَّا تدعوننا إليه فأنزل الله عز وجل - فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ في زمانكم، كما فضل بني إسرائيل في زمانهم). وانظر المصادر السابقة.]]، والضَّحَّاك [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 44، "تفسير الثعلبي" 3/ 98 أ، ولكنه فيه: (عن الضحاك عن ابن عباس)، "تفسير البغوي" 2/ 89]]: أن هذا خاصة لأصحاب محمد [[في (ب): (النبي).]] ﷺ. يدل على هذا القول:
ما روي عن عمر رضي الله عنه، أنه قال في هذه الآية [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 43، وابن أبي حاتم: 3/ 732، "تفسير الثعلبي" 3/ 98 أ، "تفسير البغوي" 2/ 89.]]: هي لأوَّلِنا، ولا تكون لآخرنا.
وقال [[أي: ابن عباس - رضي الله عنه -.]] في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية.]]: يريد: أُمَّةَ محمد ﷺ. فعلى هذا: هم جميع المؤمنين من هذه الأمَّة.
قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 456، نقله عنه بتصرف يسير جدًّا.]]: هذا الخطاب، أصلُه: أنه خوطب به أصحابُ رسول الله ﷺ، وهو يَعُمُّ سائرَ أُمَّتِهِ.
وقوله تعالى: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يُحتَمَلُ أنْ يكون ﴿للِنَّاسِ﴾، مِنْ صِلَةِ ﴿أُمَّةٍ﴾، أي: كنتم خير أمةٍ للنَّاسِ أُخْرِجَت، يعني: أفهم [[في (ج): (أنتم).]] خير أمَّة للنَّاس، تجيئون بهم في السلاسل، فتُدْخِلُونَهم في الإسلام. وهذا المعنى يُروى عن أبي هريرة [[ورد هذا عنه مرفوعا وموقوفًا، أما المرفوع فقد أخرجه: البخاري في "الصحيح" (3010) في الجهاد، باب الأسارى في السلاسل، ولفظه عنده من رواية أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "عجب ربنا من قوم يدخلون الجنة في السلاسل". وأخرجه أحمد مرفوعًا بنحو لفظ البخاري. انظر: "المسند" (شرح الشيخ شاكر): 15/ 168 (8000)، 18/ 48 (9260)، 19/ 33 (9781)، 66 (9890)، وأبو داود في "السنن" (2677) كتاب الجهاد، باب: (في الأسير يوثق). وابن حبان في "صحيحه" "الإحسان" 1/ 343 رقم (134).
أما الموقوف، فقد أخرجه: البخاري (4557) في التفسير، سورة آل عمران، باب (7) ولفظه: (﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام).
وأخرجه عنه كذلك: النسائي في "تفسيره" 1/ 318، والطبري في "تفسيره" == 4/ 44، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 732، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 98ب، وأورده البغوي في "تفسيره" 2/ 90، والسيوطي في "الدر" 2/ 113 وزاد نسبة إخراجه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم. ولكنيِّ لم أجده في مستدركه.
قال ابن حبان في معناه: (والقصد في هذا الخبر: السَّبْيُ الذين يسبيهم المسلمون من دار الشرك مكتَّفِين في السلاسل يُقادون بها إلى دور الإسلام، حتى يُسْلِمُوا، فيدخلوا الجنة). "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" 1/ 343 - 344. وقد نقل ابنُ حجر أقوال أهل العلم في شرحه. انظر: "فتح الباري" 6/ 145، 8/ 225.]].
وقال قتادة [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 99 أ، "تفسير البغوي" 2/ 89.]]: لم يُؤْمَرْ نَبِيٌّ وأمَّتُهُ بالقتال، إلّا هذه الأمَّة ونَبِيها، يُقاتِلُونَ، فَيَسْبُونَ الرُّومَ والتُّرْكَ والعَجَمَ، فَيُدْخِلونهم في دينهم، فهم خير أمَّة للنَّاس.
ويُحتَمَلُ [[من قوله: (ويحتمل ..) إلى- (أخرجت للناس): نقله بتصرف يسير عن "تفسير الثعلبي" 3/ 99 أ.]] أن يكون ﴿للِنَّاسِ﴾ [[في (ج): (من الناس).]] مِن [[من: ساقطة من (ج).]] صِلَةِ ﴿أُخْرِجَتْ﴾؛ ومعناه: ما أَخرَجَ [[في (ب): (فلا تخرج).]] [اللهُ] [[ما بين المعقوفين: في في (أ)، (ب): إليه. وهي ساقطة من: (ج). وليست في "تفسير الثعلبي". ورجَّحتُ أن أصلها كما أثبتُّه، وقد حُرِّفت إلى (إليه).]] للنَّاسِ أمَّةً، خيرًا [[في (ج): (خير).]] مِنْ أمَّةِ أحمد [[في (ج): (محمد).]]؛ فهم [[(من أمة أحمد فهم): ساقطة من: (ب).]] خير أمَّةٍ أُظْهِرَت [[في (ج): (ظهرت).]] وأُخْرِجَت للنَّاس.
وقوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الظاهرُ أنَّ [[في (ج): (من).]] هذا مَدْحٌ لهذه الأمَّة بهذه الخصال، وإخبارٌ عنهم بهذه الجملة، وحُكِي عن مجاهد أنه قال [[قوله في "الطبري" 4/ 44، "الدر المنثور" 2/ 113 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.]]: الخَيْرِيَّةُ في هذه الأمَّةِ على هذه الشَّرِيطَةِ [[في (ب): (الطريقة).]]؛ يعني: كنتم خيرَ أُمَّةٍ، ما أَمَرْتُم بالمعروف، ونَهَيْتُم عن المنكر، وآمنتم بالله، وهذا أيضًا اختيار الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 456.]].
والمَعْرُوفُ: كلُّ حَسَنٍ جميل، يُعرَفُ بجلالته، وعُلُوِّ قَدْرهِ [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 44، "اللسان" 5/ 2899 - 2900 (عرف)، و"التعريفات" للجرجاني: 221، و"التوقيف على مهمات التعاريف" 666.]]. ولا يجوز إطلاق هذه الصفة على القبيح، وإنْ كان يُعرَف، لأنه بمنزلة ما لا يُعْرَف؛ لخُمُولِهِ وسُقُوطِهِ.
آل عمران 3:111
قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ هذا وعْد مِنَ الله تعالى [[تعالى: ساقطة من: (ب)، (ج).]] للمؤمنين، في أهل الكتاب، أنَّهم منصورون عليهم، وأنَّه لا ينالهم منهم غَلَبَةٌ. ومعنى ﴿إِلَّا أَذًى﴾؛ أي: أذًى باللِّسانِ، مثل [[في (ج): (ثم).]]: الوعيد، والبُهْت [[البُهْت -بضم الباء-، والبَهِيتة، والبهتان: الكذب والافتراء.
والبَهت -بفتح الباء-: أن يقول المرء في غيره ما لم يفعله. يقال: (بَهَته، يَبهَتُه، بَهْتًا، وبَهَتا، وبُهْتانًا).
والبَهْتُ: الانقطاع والحَيْرة، يقال: (بَهَتَ، وبَهِتَ، وبُهِتَ): إذا تَحيَرّ. وهو أصل== معنى الكلمة. فـ (البُهتان): هو الباطل الذي يُتحير من بطلانه. انظر: (بهت) في. "مقاييس اللغة" 1/ 308، والنهاية في "غريب الحديث" 1/ 165، "اللسان" 1/ 367 - 368.]].
وقال الحسن [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 47، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 734، "زاد المسير" 1/ 240.]] وقتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 46 ونصه عنده: (لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم). "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 734.]]: أي: دعاء إلى الضلالة.
وموضع ﴿إِلَّا أَذًى﴾ نصبٌ بالاستثناء المتصل؛ المعنى: لن يضروكم إلا ضَرَرًا يسيرًا. فـ (الأذى) وقع موقع الضَّرَر [[وقيل: هو استثناء منقطع؛ أي: لن يضروكم بقتال أو غلبة، ولكن بكلمة أذى أو نحوها. وممن قال بهذا: الأخفش، والطبري، والنحاس، ومكي، وأبو بكر الأنباري.
انظر: "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 213، "تفسير الطبري" 4/ 41، "إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 358، "البيان" للأنباري: 1/ 285، "الدر المصون" للسمين الحلبي: 3/ 352، "مشكل إعراب القرآن" لمكي: 1/ 170.]].
والأذى: مصدر (أَذِيْتُ بالشيء أذًى) [[الأذى: هو ما تسمعه من مكروه. يقال: (أذِيتُ بالشيء، آذَى أذًى وأذاة وأذِيَّة)، فـ (أنا أذٍ). أمَّا (آذى)، فمصدرها: إيذاء، وأذيّة. وتأذَّيْت به تأذِّيا.
انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 140 (أذا)، "الصحاح" 6/ 2266 (أذا)، "اللسان" 1/ 54.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ قال أبو على [[هو: الفارسي، ولم أقف على مصدر قوله فيما رجحت إليه من مؤلفاته، وقد وجدته -مع اختلاف يسير جدًا- في "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 2/ 447 في كلام طويل نقله عن أبي علي في تعليقه على قوله -تعالى-: ﴿فَلَنُوَليَنَّكَ قِبْلَة تَرضَاهَا﴾ [الآية: 144 من سورة البقرة].]]: (وَلَّى) منقول مِن (فَعل)؛ تقول: (داري تَلِي دارَهْ)، وَ (وَلِيَتْ [[في (ب): (ووليته).]] داري دارَه)، فإذا [[في (ج): (وإذا).]] نَقَلْتَ [[في "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: نقلته.]] إلى (فَعَّلَ)، قلت: (ولّاني مآخيرَهُ) [[في (أ)، (ب): (ما آخيره). والمثبت من: (ب)، (ج)، "إعراب القرآن". وفي "إعراب القرآن": (قلت: وَلِيتُ مآخيره، وولّاني مآخيره).
والمآخير: لم أقف على المراد بها في معاجم اللغة التي رجعت إليها، وقد ورد فيها (المئخار)، وهي النخلة التي يبقى حملها إلى آخر الصِّرام، أو يبقى إلى آخر الشتاء، وجمعها: مآخير.
انظر: "كتاب النخل"، لأبي حاتم السجستاني: 92، وانظر مادة (أخر) في "اللسان" 1/ 45، "التاج" 6/ 17.
ولكن هذا المعنى ليس هو - المراد هنا، وإنما يراد بها هنا -والله أعلم- جهة الخلف من الإنسان: الظهر وما يليه. ويعزز هذا قوله بعده: (وولاني ميامنه).]]، و (ولّاني مَيَامِنَه) [[ورد في "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: (ووليت ميامنه، وولاني ميامنه). والميامن: جمع (مَيمَنه)، وهي خلاف الميسرة في الإنسان. انظر: "اللسان" 8/ 4967 (يمن).]]، فهو مثل: (فَرِحَ) و (فَرّحْتُه) [[في "إعراب القرآن" السابق، أضاف بعدها: (وليس مثل: لقي وألقيته ولقَّيْته).]]، ومثل هذا: قوله: ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ [الحشر: 12]، وقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]، إلّا أنّ المفعول الثاني الزائِد في نَقل (فَعِلَ) [[في (أ): (فعِّل). وفي (ب)، (ج): (غير مشكولة). وما أثبته هو الصواب.]] إلى (فَعَلَ) محذوفٌ من الآيتين، ولو لم يُحذَفْ لكان كقوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [[فـ (الأدبار) مفعول ثانٍ. انظر: "التبيان" للعكبري: ص 204، "الدر المصون" 3/ 352.]].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ محمول [[من قوله: (محمول ..) إلى (ثم لا ينصرون): ساقط من (ج).]] على الاستئناف، لا على العطف [[انظر: "إعراب الحديث النبوي" للعكبري: 172.]]. والتقدير: ثم هم لا ينصرون.
وإنَّما لم يُحتملْ [[في (ج): (يحمل).]] على العطف؛ لأنه غير مشاكل للمعطوف عليه؛ وذلك أن سبب التولية: القتال، وليس كذلك منعُ النصر؛ لأن [[في (ج): (لأنه).]] سببه: الكفر [[أي: لو قلنا بعطفه على جواب الشرط، للزم تقييد عدم نصرهم في حالة مقاتلتهم لنا فقط. ولكن -في الحقيقة- هم غير منصورين مطلقًا؛ لكفرهم، سواءً أقاتلوا أم لم يقاتلوا.]]. وأيضًا فإنه آخر آية، فكان الرفعُ فيه أقوى؛ ليشاكل [[في (ج): (لتشاكل).]] سائرَ الفواصل بالنُّون [[في (ب): (والنون).]]، كما قال: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] [[في رفع ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ -هنا- وجهان:
أ- أنها معطوفة على ما قبلها ﴿وَلَا يُؤْذَنُ﴾ فهي نفي؛ أي: فلا يعتذرون فلم يجعل الاعتذار متسببًا عن الإذن؛ إذ لو كان كذلك لنُصب وحذف النون. وذهب الفرَّاء إلى أن الرفع فيها لمراعاة الفواصل.
ب- أنها مستأنفة؛ أي: فهم يعتذرونه ومعناها: أنهم ينطقون في مواقف دون أخرى. انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 229، 3/ 226، "التبيان" للعكبري: ص 204، "البيان" للأنباري: 2/ 488، "البحر المحيط" 8/ 408.]].
قال المفسرون: صدق الله وعْدَه بالنصر، فلم يقاتل يهودُ [[في (ب): (بعد) بدلًا من (يهود).]] المدينة رسولَ الله ﷺ والمسلمين [[(والمسلمين): ساقطة من: (ج).]]، إلّا ولَوا منهزمين، وكانت الدَّبْرَةُ [[في (ج): (الدائرة).= الدَّبْرَة: العاقبة، والهزيمة في القتال. أمَّا الدِّبْرة -بكسر الدال المشددة- فهي خلاف القِبلة. انظر: "القاموس المحيط" ص 389 (دبر).]] عليهم، ففيه أعظم دلالة على (صحة) [[زيادة من (أ).]] نبوة محمد ﷺ.
آل عمران 3:112
قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قد مضى الكلام في معنى ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ على اليهود، في سورة البقرة [[انظر: "تفسير البسيط" عند تفسير آية: 61 من سورة البقرة.]].
وقوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ أي: وُجِدوا، وصُودِفوا [[انظر: (ثقف) في "اللسان" 1/ 492، "القاموس" ص 795.]]. ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿حَيثُ ثَقفتُمُوهُم﴾ [البقرة: 191].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 230. نقله عنه بنصه.]]: يقول: (إلَّا أنْ يَعتَصموا بحبل من الله)، فأضمر ذلك، وأنشد:
رأتني بحَبْلَيْها فَصدّتْ مَخَافَةً ... وفي الحَبْلِ رْوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ [[البيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه: 35. وورد في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 230، "تفسير الطبري" (49)، "تهذيب اللغة" 1/ 731، "تفسير الثعلبي" 3/ 101 أ، "أساس البلاغة" 1/ 381، "اللسان" 2/ 761، 7/ 4410، 6/ 3401. "البحر المحيط" 3/ 32.
وروايته في الديوان:
فجئت بحبليها فردَّت مخافةً ... إلى النفس روعاءُ الجَنان فَرُوق
ووردت روايته في "اللسان" 7/ 4410
رأتني بنِسْعَيها فردت مخافتي ... إلى الصدر روْعاءُ الفؤادِ فَرُوق
وفي "اللسان" 6/ 3401:
رأتني مُجَلِّيها فصدت مخافةً ... وفي الخيل روعاء الفؤاد فروق
و (الروعاء): الناقة الحديدة الفؤاد. "القاموس" 724 (روع). و (الفَرُوق): == الشديدة الفزع. من (الفَرَق): وهو الخوف. "اللسان" 6/ 3397 (فرق). قال الأستاذ محمود شاكر في تعليقه على البيت في هامش "تفسير الطبري" 7/ 113 (ط. شاكر): (مدح ناقته بحدة الفؤاد، تفزع لكل نبأة؛ من يقظتها؛ كما قالوا: (مجنونة)، يقول ذلك في ناقته: رأتني أقبلت بالحبلين لأشد عليها راحلي، فصدَّت خائفة. يصفها بأنها كريمة لم تبتذلها الأسفار. ثم قال: فلما شددت عليها الرحل، كانت في الحبل ذكية شهمة، تتوجس لكل نبأة؛ من يقظتها وتوقدها).]] قال أراد: أقْبَلْتُ [[في (ب): (قبلت).]] بحبليها [[في (ج): (بحبلها).]].
وقد نُعي هذا عليه، فقيل: لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته [[وهي -هنا- الجار والمجرور. ففي الآية ﴿بِحَبْلٍ﴾، وفي البيت (بحبليها).]]؛ وذلك أن الموصول لمّا احتاج إلى الصِّلَةِ للبيان عنه، فالحاجة إلى ذِكْرِهِ أشدُّ [[في (ج): (ذكر ما شد).]]، وإنَّما يجوز حذفُ الشيء للاستغناء بدلالة غيره عليه، فلو دَلّ دليل عليه لحُذف مع صلته؛ لأنه معها بمنزلِةِ شيءٍ واحد. ويجوز حذف الصلة دون الموصول؛ لأن الموصول [هو المعتمد عليه، والصلة تبع له؛ لأنها للبيان عنه، فإذا حُذِفَ الموصول] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).]] وجب حذفُ الصلة معه؛ [لأنها تَبَعٌ] [[ما بين المعقوفين: في (أ)، (ب): (لا يتبع). والمثبت من (ج).]] له.
وقد أخبرني العَرُوضي رحمه الله، عن الأزهري، قال [[قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 731 - 732 (حبل) إلى نهاية: (ومعنى (ألا): (لكن). وقد نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.]]: أخبرني المُنْذِريُّ، عن ثعلب، أنه قال: هذا الذي قاله الفرّاء [[(الفراء): ساقطة من: (ج).]]، بعيدٌ [[وفي "تهذيب اللغة": (بعيد أن تحذف (أن) وتُبقِي صلتها).]]، ولكن المعنى إن شاءَ الله: ضربت عليهم الذِّلَّة أينما ثُقِفُوا؛ أي: بكلِّ مَكان إلّا بموضِع حَبْلٍ مِنَ الله، وهو استثناء مُتَّصل، كما تقول: (ضُرِبت عليهم الذِّلَّة في الأمكنة، إلّا في هذا المكان)، ثمّ حذف المضافُ [[ثم حذف المضاف: ليس في "تهذيب اللغة". وقد ذهب إلى هذا الزمخشري، وأيَّد كون الاستثناء متصلًا هنا، وقال: (وهو استثناء من أتم الأحوال؛ المعنى: ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حالة اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس ..). "الكشاف" 1/ 455.]].
قال: وقول الشاعر: (رأتني بحبليها)؛ هو كما تقول: (أنا بالله، وبك) [[وبك: ليس في "تهذيب اللغة".
بالنسبة لهذه الألفاظ مثل (أنا بالله، وبك) وأمثالها، وبغض النظر عن مجال الاستدلال النحوي بها، فإن الآثار الشرعية قد وردت بالنهي عن استعمالها بهذه الصورة. فقد قال ﷺ: "إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شئت". أخرجه ابن ماجه (2117) كتاب الكفارات، باب (13)، وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه":1/ 362.
وورد في الحديث عنه ﷺ: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان". رواه أبو داود في "السنن" (4980)، كتاب الأدب، والبيهقي في "السنن" 3/ 216، وأحمد في "المسند" 5/ 384، 394، 398.
وعن ابن عباس: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فراجعه في بعض الكلام، فقال: ما شاء الله وشئت. فقال ﷺ: "أجعلتني والله عِدْلاً، بل ما شاء الله وحده".
أخرجه البيهقي في "السنن" 3/ 217، والبخاري في الأدب المفرد: 344 رقم (783)، وغيرهما. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1/ حديث رقم (136 - 139). وقد ذكر العلماء أن قول الإنسان (ما لى غير الله وأنت)، و (توكلت على الله == وعليك)، وأنا بالله وبك) وأمثالها من عبارات، تعد من ألفاظ الشرك التي يجب أن تُجتَنَب، كما دلت على ذلك الآثار السابقة. انظر تيسير العزيز الحميد: 598 - 602]]؛ أي: مُتَمَسِّك. فتكون الباءُ مِن صِلَة (رأتني متمسكًا بحبليها) [[في (ج): (بحبلها).]]، فاكتفى بالرُّؤيَةِ [[في (ب): (بالراية).]] مِن التمسك.
قال الأزهري: والقول، ما قال أبو العباس [[هو ثعلب.]].
وقال الأخفش [[قوله في "معاني القرآن" له 1/ 213، ولكنه هنا من، تتمة قول الأزهري السابق في "التهذيب".]]: قوله: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ استثناء خارج عن [[في (ب)، "معاني القرآن"، "تهذيب اللغة": (من).]] أول الكلام [[أي إنه استثناء منقطع.]]، ومعنى (إلّا): لكِنْ [[في "معاني القرآن"، "تهذيب اللغة": (في معنى لكن).]].
واختار الزَّجَّاج هذا الوجه، فقال [[في "معاني القرآن" له 1/ 457 نقله عنه بنصه.]]: ما بعد الاستثناء [[في (ج): (الا استثناء).]] ليس من الأول؛ المعنى [[المعنى: ليست في "معاني القرآن".]]: أنهم أذلَّاءُ، إلَّا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أُعطوه.
ونَصَرَ محمدُ بن جَرِير هذه الطريقة أيضًا، فقال [[في "تفسيره" 4/ 50. نقله عنه بالمعنى.]]: إن أهل الكتاب (قد) [[زيادة من (أ).]] ضربت عليهم الذلة، سواء كانوا على عهد من الله، أو لم يكونوا على عهد، فلا يخرجون بالاستثناء [[في (ج): (بالاستغناء).]] عن الذِّلة إلى العِزَّة.
قال [[في المرجع السابق. نقله بالمعنى.]]: وتمام الكلام عند قوله: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، ثم قال: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أراد [[من قوله: (أراد ..) إلى (بحبل من الله): مكرر في (أ).]]: لكن قد يعتصمون بحبل من الله، أو قد يُثْقَفُونَ بحبل من الله، وحَبْلٍ مِنَ الناس كما قال: ﴿وَمَا كاَنَ لِمُؤمِنٍ أَن يَقتُلَ مُؤْمَنًا إِلا خَطأ﴾ [النساء:92]، فـ (الخَطَأ) وإن كان منصوبًا بما عمل فيِه ما قبل الاستثناء، فليس باستثناء مُتَّصل حتى يَدُلَّ على أنَّ قتلَه خطأ مباحٌ [[في (ج): (ماح).]]، ولكن معناه: قد يقتله خطأ [[(خطأ): ساقطة من: (ب).]].
ومَن نَصرَ طريقة أبي العباس، قال [[لم أقف على هذا القائل. وممن ذهب إلى أن الاستثناء منقطع ونصر هذا الرأي: ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 270.]]: إنَّ عِزَّ [[في (ج): (إن الله عز).]] المسلمين عِزٌّ لأهلِ الذِّمَةِ؛ لأنَّ أخْذَهم عَهْدَ المسلمين يَحقِنُ دماءَهم، ويمنع فُرُوجَهم وأموالهم عن الاغتنام بالسَّبْي، ثم هذا [العِزُّ] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).]] لا يخرجهم عن الذِّلَّة في أنفسهم، فهم على ما وصفهم الله من الذِّلَّة أينما ثقفوا، وإنْ اعتصموا بالذِّمَة [[وهو اختيار ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 270 - 271.]].
وأما التفسير: فقد ذكرنا معضى (الحبل) عند قوله: ﴿وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 103] وبعض المفسرين يذهب إلى أن حبلَ الله ههنا الإسلام [[ممن قال بذلك: ابن زيد، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 293، "تفسير الطبري" 7/ 73.]]؛ يعني [إلّا] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).]] أنْ يُسْلِمُوا. وهذا بعيدة لعطف (حبل الناس) عليه، وإذا أسلموا، استغنوا عن حَبْلِ الناس، ولو أرادَ الله تعالى بالحبلَ الأوَّل: الإسلام، وبالثاني: الذِّمَّة؛ لقالَ: (أو حبل من الناس)، ولكن الصحيح: أن كلا [[في (أ)، (ب)، (ج): كلي.]] الحبلين؛ المراد به العهد، والذِّمَّة، والأمان، كما قال ابن عباس [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 48، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 735، وأورده السيوطي في " الدر" 2/ 115 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.]] يريد: بعهد مِنَ الله، وعهد مِنَ المؤمنين، وانما ذكر الله تعالى حبلَ الله مع حبل المؤمنين؛ لأن الأمان الذي يأخذونه [[في (ج): أخذونه.]] من المؤمنين، هو بإذن الله تعالى، فهو أمانٌ مِن جهته.
وباقي الآية مشروح في سورة البقرة [[انظر: "تفسير البسيط" [البقرة: 61].]].
آل عمران 3:113
قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَآءً﴾ قال أبو الهيثم [[قوله في "تهذيب اللغة" 2/ 1794 (سوى).]]: يقال: (فلانٌ وفلانٌ سَواء) [[في "تهذيب اللغة": (سواعد) -بدلًا من: (سوى) - ويبدو أنها تصحيف.]]؛ أي: متساويان، و (قوم سَواء)؛ لأنه مصدر لا يُثَنّى ولا يُجمع. ومضى الكلام في (سواء) في أول سورة البقرة [[عند آية 6 من سورة البقرة.
انظر حول (سواء): "الوجوه والنظائر" لهارون بن موسى 36، و"تحصيل نظائر == القرآن" للحكيم الترمذي 27، "الأضداد" لابن الأنباري 40، "الحجة" للفارسي 1/ 245، "الصحاح" 6/ 2384 (سواء)، و"قاموس القرآن" للدامغاني ص 252، و"التصاريف" لمكي 111، و"نزهة الأعين النواظر" 359، "المغني" لابن هشام 187 - 189.]].
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد بعضُ قوله في "إيضاح الوقف والابتداء" له: 2/ 582.]]: يريد: ليس أهل الكتاب الذين سبق ذكرُهم وتقدم وصفُهم، سواءً؛ أي: متساوين في دينهم ومذهبهم. ثمّ ابتدأ فقال [[فقال: ساقطة من: (ب).]]:
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ إنقطع الكلامُ عند (سواءً)، ورفع (الأُمة) بـ (مِنْ) [[ممن قال بالوقف التام -هنا- أكثر أهل العلم، ومنهم: نافع، ويعقوب، والأخفش، والزجاج، وأبو حاتم.
انظر: "القطع والائتناف" للنحاس: 232، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 213، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 458، و"منار الهدى" للأشموني 68 وقال: (وهو الأصح).
وإعراب ﴿أُمَّةٌ﴾ على هذا الوجه: مبتدأ مؤخر، و ﴿مِن أَهلِ الكِتَابِ﴾ خبر مقدم. انظر: "التبيان" للعكبري: ص 205.]]، وأضمر [[في (ج): (فأضمر).]] (الأمَّة) المذمومة؛ لأن القائمة تكفي من التي ليست بقائمة، على مذهب العرب من الاكتفاء بالشيء من ضده، كما قال أبو ذؤيب [[في (ج): (ذيب). وهو: خويلد بن خالد بن مُحرِّث الهُذَلي. تقدم.]]:
عَصاني إليها القَلْبُ إِنّي لأمرها ... مطيعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها؟ [[ورد البيت منسوبًا له في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 43، "تأويل مشكل القرآن" ==215، "تفسير الثعلبي" 3/ 101 - ب، "مغني اللبيب" 18، 59، 820، وانظر: "شرح شواهد المغني" 27، 142، 672)، "الدرر اللوامع" 2/ 172.
كما ورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 230، "منهج السالك" 3/ 116، "همع الهوامع" 5/ 241.
وقد ورد في بعض المصادر: (دعاني إليها القلب) وفي معاني الفراء، وتأويل المشكل، وتفسير الثعلبي: (عصيت إليها القلب) كما ورد في جميع المصادر المذكورة: (إني لأمره * سميع ..).
قال الأصمعي: (عصاني القلب): جعل لا يقبل مني؛ أي: ذهب إليها قلبي سفها، فأنا أتبع ما يأمرني به، فما أدري أرُشدٌ الذي وقع فيه أم غيٌّ). "شرح أشعار الهذليين" 1/ 43.]] أراد: أم غيٌّ؟. فاكتفى بالرُّشد مِن غيره [[وقد تطرق المؤلف لهذا المعنى عند الآية: 6 من سورة البقرة.]].
وقال آخر:
وما أدري إذا يَمَّمْتُ أرضًا ... أُريدُ الخيرَ أيُّهُما يَلِيني [[في (ج): (أيهما أريد).
والبيت للمثقب العبدي، وهو في ديوانه: 212. وورد منسوبًا له، في "المفضليات" 574، "الشعر والشعراء" 1/ 403، و"الصناعتين" 205، و"الحماسة البصرية" 1/ 40، "شرح شواهد المغني" 191، "خزانة الأدب" 11/ 80
وورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء: 231.
وروايته في "المفضليات": (يممت أمرًا ..)، وعند الفراء: (يممت وجها ..) وفي "الحماسة البصرية" كما عند المؤلف، وفي "شرح شواهد المغني" "الخزانة": (وجهت وجهًا ..).
وبعد هذا البيت:
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
ومعنى (يميت): قصدت، و (يليني): من (الوَلْي)، وهو: القرب.]] أراد [[في (ج): (المعنى: لا يستوي أراد). ولم أثبت هذه الزيادة؛ لأنه لا وجه لها، ويبدو أنها سبق قلم من الناسخ.]]: أريد الخير والشر، فاكتفى بالخير من الشر [[انظر المصادر السابقة التي أوردت البيتين؛ حيث تطرقت إلى موضوع الحذف الوارد في الآية.]].
ويجوز أن يرتفع (الأُمَّة) [[في (ج): (الأمر).]] بـ (سواء)، ويكون المعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمَّةٌ قائمةٌ، وأخرى غيرُ قائمةٍ.
وهذا الذي ذكر [[في (ج): (ذكره).]] ابنُ الأنباري، كُلُّهُ مذهبُ الفرّاء في هذه الآية [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 230.]].
قال [أبو إسحاق] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج). وقوله في "معاني القرآن" له: 1/ 460. نقله عنه بنصه.]]: هذا الذي قاله [[في (ج): (قال).]]، خطأ فاحش في هذا المكان [[في "معاني القرآن" في مثل هذا المكان.]]؛ لأن ذِكْرَ أهلِ الكتابِ قد جرى في هذه القصة، وأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون [الأنبياء] [[ما بين المعقوفين: مطموس في (أ). ومثبت من (ب)، (ج)، "معاني القرآن".]]، فأعلمَ اللهُ عز وجل أنَّ منهم المؤمنين، الذين هم [[هم: ساقطة من (ب).]] أمةٌ قائمةٌ، فما الحاجَةُ إلى أن يقال: غير قائمة؟ وإنما [المبدوء] [[ما بين المعقوفين: في (أ): البدو. والمثبت من (ب)، (ج)، "معاني القرآن".]] به ما [[في (ب): (مما).]] كان مِن فِعْلِ أكثرِهم؛ من الكفر والمُشَاقَّةِ للنبي ﷺ.
فّذَكَرَ مَنْ كان منهم مباينًا لهؤلاء.
فعند الزجّاج: لا يحتاج إلى إضمار الأمَّةِ المذمومة؛ لأن ذِكْرَ أهلِ الكتاب قد جرى، ثُمّ أخبر الله تعالى أنهم غير متساوين، بقوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، وههنا وقف التمام. ثُمّ أنبأ بافتراقهم، فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [[في (أ)، (ب): ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. وما أثبته من: (ج)؛ لأنه الأولى والأنسب بسياق الكلام. وما ورد في (أ)، (ب) مما سبق به الفكر والقلب عادة في مثل هذه المواطن.]]
قال أبو بكر [[هو ابن الأنباري، كما سبق، ولم أقف على مصدر قوله وهو من تتمة النقل السابق عنه.]]: وقول الفرّاء هو الحق، واحتجاج الزّجاج عليه مُخْتَلٌّ [[في (ج): (محتمل).]] فاسد، لأنه لو اكتفى بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ﴾ [آل عمران: 112] من إضمار الأُمَّة الكافرة بعد ذِكْرِ الأُمَّة المؤمنة، لاكتفى بقوله عز وجل: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]، مِن ذِكْر الأُمَّتين جميعًا؛ فلما لم يكتفِ بالمؤمنين من الأُمَّة القائمة، لم يكتفِ بالفاسقين من الأُمَّة الكافرة، إذْ كان الله جل وعلا أتى بإخبار بعد إخبار، وَوَصْفٍ لهم إثْرَ وَصْفٍ؛ للزيادة [[في (ج): (الزيادة).]] في الإفهام، والمبالغة في الإيضاح والبيان. والله أعلم.
وكان أبو عبيدة يذهب مذهب الفرّاء: من إضمار الأُمَّة المذمومة، إلّا أنه لا يجعل تمامَ الوقف عند قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، ويقول [[لم أقف على مصدر قوله وليس موجودًا في "مجاز القرآن" بهذا النص؛ ونَصُّهُ == في (المجاز) هو: (العرب تُجوِّزُ في كلامهم مثل هذا أن يقولوا: (أكلوني البراغيثُ)، قال أبو عبيدة: سمعتها من أبي عمرو الهذلي في منطقه، وكان وجه الكلام أن يقول: (أكلني البراغيث). وفي القرآن: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 71]، وقد يجوز أن يجعله كلامين، فكأنك قلت: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ثم قلت: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾.) "المجاز" 1/ 101 - 102.]]: (الأُمَّة) رُفِع بـ ﴿لَيْسُوا﴾.
قال: وجُمِعت (ليس) وهي مُقَدَّمة، على لغة مَن يجمع الفعلَ وإن يقدم، كقولهم: (أكلوني البراغيثُ) [[هذا مثل وضع عَلَما على لغة (طيئ)، وقيل لغة (أزد شنوءة)، أو (بلحارث)، وكما ورد في الهامش السابق عن أبي عبيدة أنه نطق بها بعض (هذيل).
وقد ألحقوا في هذه اللغة علامة الجمع أو التثنية بالفعل، مع ظهور الفاعل، فجمع في (أكلوني البراغيث) واو الجماعة والاسم الظاهر. والأصل المتبع أن يقال: (أكلني البراغيث).
انظر الكلام عن هذه اللغة في "كتاب سيبويه" 2/ 40 - 41، "معاني القرآن" للفراء: 1/ 316، "المسائل المشكلة" للفارسي: 109، "سر صناعة الإعراب" 629، "نتائج الفكر" للسهيلي:166، "إعراب الحديث النبوي" للعكبري: 125، 137 - 138، "رصف المباني" 111، "الجنى الداني" 150، 170، "البحر المحيط" 3/ 24، "مغني اللبيب" 478، "أوضح المسالك" ص 82، "همع الهوامع" 2/ 256، "الاقتراح في علم أصول النحو" للسيوطي: 43، "معجم الشوارد النحوية" 108.]]، واحتج بقول الفرزدق:
ولكنْ دِيافِيٌّ أَبُوهُ وأُمُّهُ ... بِحَوْرانَ [[في (أ)، (ب)، (ج): (بحوزان). والمثبت من: الديوان ومصادر البيت.]] يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهُ [[البيت في ديوانه: 44. وقد ورد منسوبًا له في "كتاب سيبويه" 2/ 40 (وانظر شرح أبيات سيبويه، للنحاس: 113)، "أمالي بن الشجري" 1/ 201، "شرح المفصل" 3/ 89، 7/ 7، "معجم البلدان" 2/ 494، "خزانة الأدب" 5/ 63، 234، 7/ 346، 446، 11/ 372، "اللسان" 2/ 1193 (خطأ)، 4/ 2065 (سلط)،== 3/ 1455 (دوف)، "الدر اللوامع" 1/ 142.
وورد غير منسوب في "الحجة" للفارسي: 1/ 132، "الخصائص" 2/ 194، و"إعراب الحديث النبوي" 125، 138، "رصف المباني" 112، "الجنى الداني" 150، "همع الهوامع" 2/ 256.
والبيت من قصيدة قالها في هجاء عمرو بن عفراء الضبِّي.
و (دِيافيّ) نسبة إلى (دِياف) وهي من قرى الشام، وأهلها نَبَط، و (حوران): من قرى الشام. انظر: "معجم البلدان" 2/ 494، "الخزانة" 5/ 235.
و (السليط): الزيت. وقيل: كل دهن عصر من حب. انظر: "اللسان" 4/ 2065 (سلط). يقول الشاعر -هنا- عن المهجو: إنَّ أهله من النَّبطِ، وليسوا من العرب الخلَّص، أصحاب الانتجاع والشجاعة والحروب، بل هم من أهل (دِياف)، ممن يعيشون على عصر الزيت. وزاده هجاءً بقوله: (يعصرن) -بنون النسوة- يشبههم بالنساء ذوات الخدمة والتبذل، وليسوا كالرجال ممن شأنهم الحروب.
والشاهد فيه: قوله: (يعصرن السليط أقاربه) ولم يقل (يعصر)، على الأصل، حيث إنه فعل مقدمة، وفاعله (أقاربه)، والنون في الفعل علامة لكون الفاعل جمعًا.]] ولم يرتض هذا القولَ أحدٌ مِن النحويين، وقالوا: هذا الذي قاله، لغة رديئة في القياس والاستعمال.
أما القياس؛ فلأن الجمعَ عارِضٌ، والعارِضُ لا تُؤكَّد عَلامَتُه؛ لأنه بمنزلة ما لا يُعتَدُّ بِه، وليس كالتأنيث؛ للزومه، فَتُقَدَّم [له] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]] العَلامَةُ؛ لِتُؤذِنَ به قبل ذِكْرِهِ. ومع [[في (ج): مع.]] [هذا؛ فجائز] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وفي (ب): هذا الحيز. والمثبت من: (ج).]] تركها فيه، فكيف [[في (ج): (وكيف).]] بالعارض [[في (ب): (العارض).]]؟ ولزوم [[في (ب): ولزومه. في (ج): (ولزم).]] الفعل للفاعل يغني عن التثنية والجمع فيه، فلا يدخل جمعٌ على جمع، كما لا يدخل تعريفٌ على تعريف.
وأما الاستعمال؛ فإن أكثر العرب تَرَك هذه اللغة، وهي من لغة من لا يُرتَضى لغتُه، ولم ينزل الله عز وجل كتابَه إلا بأعرب اللغات، وأقربها من البيان. ومتى جُمع الفعلُ مُقدَّمًا [أوْهَمَ] [[في (أ)، (ب)، (ج): وهم. وما أثبته هو كما رجحت صوابه؛ لأني لم أجد في معاجم اللغة التي رجعت إليها، أن (وهم) يتعدى بدون الهمزة، أو بالتضعيف. وما يؤكد هذا أن الواو في (وهم) لصقت بالألف في (مقدما) في (أ)، (ج).]] أسماءً [[في (ب): (إنهاء).]] قبله، ولم يَقِفْ المخاطَبُ على معنى الكلام، إلّا بعد تفكر [من التَّوَهُّم] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]].
ومعنى ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: قال ابن عباس [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 54، "ابن أبي حاتم" 3/ 738، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 462، "تفسير البغوي" 2/ 93، وقد رجح هذا الطبري في تفسيره في الموضع السابق، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 427.]]: يريد: قائمة على الحَقِّ، وعلى أمر الله، لم تتركه كما تركه الآخرون.
وقال مجاهد [[قوله في "تفسيره" 133، "تفسير الطبري" 4/ 53، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 738، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 462، "تفسير البغوي" 2/ 93، "الدر المنثور" 2/ 116 وزاد نسبته لعبد بن حميد.]]: عادلة. وقال السُدِّي [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 53، "ابن أبي حاتم" 3/ 737، "البغوي" 2/ 93.]]: قائمة بطاعة الله. وقال ابن قتيبة [[في "تفسير غريب القرآن" له 108.]]: مواظبة على أمر الله.
وقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾. أي: يقرأون كتاب الله.
﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾. ساعاته. والواحد: (إنًى)، مقصورٌ؛ مثل: (مِعًى) [[في (أ)، (ب)، (ج): (معًا). والمثبت من كتب اللغة. انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 225 (أنى).]]. قال الراجز:
لله درُّ جعفرٍ أيَّ فتًى ... مُشَمِّرٍ عن ساقه كُلَّ إنًى [[في (ب): (أنى). ولم أقف على قائله، وقد أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 102 أ، ولم يعزه لقائل، ولم أقف على مصادر أخرى له.]]
ويجوز: (إنْيٌ)، مثل: (نِحْيٌ) [[في (ب): (محي).
والنِحْيُ: الزِّقُّ -وهو السقاء الذي يُتَّخذ للشراب، أو ما كان للسمن خاصة-، أو نوع من الرُّطَب، أو سهم عريض النصل. ويقال -كذلك-: (النِّحْي، والنَّحَى). والجمع: (أنحاء، ونُحِيٌّ، ونِحاءٌ).
انظر: (نحا) في "اللسان" 7/ 4372، "القاموس" ص 1337.]]، و (حِسْيٌ) [[الحِسْيُ: سهل من الأرض يستنقع فيه الماء. وقيل: غِلَظٌ فوقه رمل يجتمع فيه ماء المطر، فكلما نَزحتَ دلوا جمَّت أخرى. والجمع: أحساء.
انظر: "الصحاح" 1313 (حسا)، "المجمل" 233 (حسو)، "اللسان" 2/ 880 (حسا)، "القاموس" ص 1274 (حسا).]].
قال الأعشى:
في كلِّ إنْيٍ حَذَاهُ الليلُ يَنْتَعِلُ [[في (أ)، (ب)، (ج): ورد البيت كالتالي: (في كل إنيٌ جداه الليل شغل). وما أثبته فمن مصادر البيت.
والبيت ليس للأعشى كما ذكر المؤلف، بل هو لأبي أُثَيْلَة، المُتَنَخِّل، مالك بن عويمر بن عثمان الهُذَلي. وقد ورد منسوبًا له في "سيرة بن هشام" 2/ 186، "مجاز القرآن" 1/ 102، 2/ 33، "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1283، "الشعر والشعراء" ص 439، "الصحاح" 2273 (أنا)، "اللسان" 1/ 162 (أنى).= وورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 4/ 54، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 459، "المنتخب" لكراع النمل: 2/ 608، "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 214، وكتاب "حروف الممدود والمقصور" للكسائي: 64، "المنصف" 2/ 107، "تهذيب اللغة" 1/ 3614 (نعل)، 1/ 225 (أنى)، "تفسير الثعلبي" 3/ 102 أ.
وأول البيت:
حلْوٌ ومُرٌّ كَعَطْفِ القِدْح مِرَّتُهُ
وقد ورد في بعض المصادر: (بكل إني ..)، وورد: (قضاه الله ..)، و (قضاه الليل ..) بدلًا من: (حذاه الليل)، وفي المنتخب، لكراع النمل: (حَدَاهُ الليل)، وورد: (كعطف القدح شيمتُهُ ..).
الشاعر -هنا- يرثي ابنه أثَيْلَة، ويصفه بأنه (حلو ومر)؛ أي: حلو وسهل لمن يستحق المعاملة الحسنة، ومرٌّ وشديد على من يستحق الشدة والخشونة. وقوله: (كعطف القدح)، (القِدْح): السهم قبل أن يُراش ويُنْصل. و (المِرَّة): الشِّدّة، والقوة. يريد: أنه يُطوَى كما يُطوَى القِدح، ثم يعود إلى شدَّته واستقامته. قوله: (حذاه الليل): أي: قطعة اليل حِذاءً. و (ينتعل)، أي: يتخذه نعلًا. أي: إنه يسري في كل ساعة من ساعات الليل، لا يتأَخر ولا يهاب.
انظر: "شرح أشعار الهذليين" 2/ 1283، وتعليق الأستاذ محمود شاكر على البيت في هامش "تفسير الطبري" 7/ 125 - 126.
وفسر كراع النمل: (حداه الليل)؛ أي: ساقه وقال: (أي: ينتعل كل إنيٍ حداه؛ أي: ساقه، و (في) زائدة) المنتخب: 608.]] قال المفسرون: يعني بـ (الأُمَّة القائمة) ههنا: عبد الله بن سلام، ومن آمَنَ معه من أهل الكتاب. هذا قول ابن عباس [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 52، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 737، "الدر المنثور" 2/ 115، وزاد نسبة إخراجه لابن إسحاق، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر.]]، وقتادة [[لم أقف على مصدر قوله وقد أورده ابن الجوزي في الزاد: 1/ 442. والذي في تفسير الطبري عنه: (ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية) 4/ 52.]]، وابن جريج [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 52.]].
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 231.]]، والزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 459. المؤلف -هنا- دمج بين عبارات الفراء والزجاج، ولفَّقَ بينها.]]: أي: يُصلُّون؛ لأن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع. فالمراد بـ (السجود) (هنا) [[زيادة من (أ).]]: الصلاة، وإنَّما ذكرت بلفظ السجود؛ لأن السجود نهاية ما فيها من التواضع.
فعلى ما ذكروا [[في (أ) و (ج): (ذكر).]]؛ الواو في (وهم) واو الحال؛ أي: يقرأون القرآن مُصَلِّينَ.
وقال غيرهما [[ممن قال ذلك: الطبري في "تفسيره" 4/ 56، رادًّا على الفراء رأيَه السابق. والعبارة التالية قريبة من عبارته في تفسيره.]]: يجوز أن يكون المراد: حقيقة السجود، لا الصلاة؛ فيكون التأويل: يتلون آيات الله آناء الليل [[(آناء الليل): ساقطة من: (ج).]]، وهم مع ذلك يَسجدون. فليست الواوُ حالًا، وإنَّما هي عطف جملةٍ على جملة [[أي: أنها معطوفة على قوله تعالى ﴿يَتْلُونَ﴾، في موضع رفع نعت لـ ﴿أُمَّةٌ﴾. وقد تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب. واستحسن هذا مكِّي بن أبي طالب.]]. وعلى هذا؛ لم يعدل بالسجود عن ظاهره.
وقال ابن مسعود [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 55، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 739، "التاريخ == الكبير" للبخاري 1/ 2/ 308، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 116 وزاد نسبة إخراجه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
وقد وردت في رواية أخرى للطبري عن ابن مسعود عبارةٌ مُدرَجة، تبيِّن أن صلاة العتمة هي صلاة العشاء، ونصها: (خرج علينا رسول الله ﷺونحن ننتظر العشاء- يريد: العتمة- فقال لنا: ما على الأرض أحدٌ من أهل الأديان ينتظر هذه الصلاة في هذا الوقت غيركم. قال: فنزلت: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾). وقد يكون الإدراج من الطبري أو من أحد رواة الأثر عن ابن مسعود.
أخرج هذه الرواية: أحمد 1/ 396، والطبري في "تفسيره" 4/ 55، وابن أبي حاتم 3/ 738، والنسائي في "تفسيره" 1/ 320، وابن حبان (الإحسان) 4/ 397 رقم: 1530)، والبزار (انظر: "كشف الأستار" 1/ 190 رقم: 375)، والواحدي في "أسباب النزول" ص123، وانظر: "تفسير ابن مسعود" 1/ 176 - 178.
وقد ورد عن ابن عباس، والسُدِّي تفسير ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ بجوف الليل. وعن الثوري، عن منصور بن المعتمر السلمي: أنها بين المغرب والعشاء.
وهي معان متقاربة، لأن كلًّا منها يصدق عليه أنه من آناء الليل.
إلا أن الطبري يرى أن أَوْلاها، هو قول من قال: هي تلاوة القرآن في صلاة العشاء، لأنه صلاة لا يصليها أحد من أهل الكتاب.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 54 - 56، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 738 - 739.]]: هذه في صلاة العَتَمَة؛ يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصليها.
آل عمران 3:114
قوله تعالى ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وفي "النكت والعيون" 2/ 881 أورد عن ابن عباس، أن (المعروف: اتباع الرسول. والمنكر: عبادة الأصنام).]]: يريد: بتوحيد الله. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: يريد: عن الشرك بالله.
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 460. نقله عنه بنصه.]]: أي: يأمرون باتِّباع [[في (ب): (يأمرون بتوحيد الله باتباع النبي).]] النبي ﷺ، وينهون عن الإقامة على مُشَاقَّتِه.
وقوله تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ فيه وجهان لأصحاب المعاني:
أحدهما: أنهم يبادرونها خوف الفَوْتِ بالموت [[ممن قال بذلك: الطبري في "تفسيره" 4/ 56. وهو المتبادر من معنى الآية.]]. والآخر: [يعملونها] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (يعلمونها). والمثبت من: (ج).]] غير متثاقلين [[في (ب): (متشاقين).]] فيها [[لم أقف على من قال بهذا القول، ممن سبق المؤلف.]].
والسُّرْعة محمودةٌ، بخلاف العَجَلَة؛ وذلك أنَّ (السرعة): التقدم فيما ينبغي أن تتقدم [[في (ب): (يتقدم).]] فيه. ونقيضها مذموم، وهو: (الإبطاء) [[انظر: "اللسان" 4/ 1994 (سرع)، "بصائر ذوي التمييز" 3/ 214.]].
و (العَجَلَة) مذمومة، وهي: التقدم فيما لا ينبغي أن تتقدم [[في (ب): يتقدم.]] فيه [[قال الفيروز آبادي: (والعجلة من مقتضيات الشهوة؛ فلذلك ذُمَّت في جميع القرآن، حتى قيل: إن العجلة من الشيطان. وقوله -تعالى-: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: 84]، ذُكر أن عجلته -وإن كانت مذمومة- فالذي دعا إليها أمرٌ محمود، وهو: طلب رضا الله). "بصائر ذوي التمييز" 4/ 23.]]. ونقيضها: (الأَنَاة) [[في (ب): (الإناء).]]، وهي محمودة.
آل عمران 3:115
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ موضع ﴿يَفْعَلُوا﴾: جزم بالشرط، وجوابه: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾.
وفيهما قراءتان [[قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم بالياء في ﴿يَفعَلُوا﴾ و ﴿يُكفَرُوهُ﴾.
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبي بكر عن عاصم، وابن عامر، بالتاء فيهما. وورد عن أبي عمرو القراءة بالياء، والتاء.
انظر: "السبعة" 215، "الحجة" للفارسي: 3/ 73، "النشر" 2/ 241.]]: الياءُ؛ للكناية عن الأُمَّةِ القائمة، ثم سائر الخلق داخل في هذا الشرط.
ومن قرأ بالتَّاء؛ فلأن نظائره جاءت بالتَّاء؛ مخاطبة لجميع الخلائق، من غير تخصيص قوم دون قوم؛ كقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 197]، ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [[ورد في (أ)، (ب)، (ج): (وما تفعلوا من خير يوف غليكم) وليست هذه آية قرآنية. والصواب ما أثبته.
وقد أورد هذه الآية في هذا الموضع -في سياق بيان وجه القراءة بالتاء- الفارسيُّ في "الحجة" 3/ 73 - وهو من مصادر المؤلف في كتابه هذا-، وكذا أوردها مكيُّ في "الكشف" 1/ 354.]] [البقرة: 272].
ومعنى ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: فلن تعدموا [[في (ب): (تقدموا).
وقوله: (ولن تعدموا ثوابه ولن تجحدوا جزاءه): بنصها في "تفسير الثعلبي" 3/ 103أ.]] ثوابه، ولن تُجحَدوا جزاءَه [[في (ج): (جزاه). انظر: "تفسير الطبري" 4/ 57.]] وسُمِّيَ منعُ الجزاء على عمل الخير كفرًا؛ لأنه بمنزلة الجَحْدِ له، والسَّتْر [[أصل معنى كلمة (كفر): السَّتْر والتغطية. انظر: (كفر) في "تهذيب اللغة" 4/ 3160. "مقاييس اللغة" 5/ 191.
وعبارة الطبري في بيان معنى الآية: (فلن يغطي على ما فعلوا من خير، فيتركوا بغير مجازاة، ولكنهم يشكرون على ما فعلوا من ذلك فيجزل لهم الثواب). "تفسيره" 4/ 57، وانظر: "المحرر الوجيز" 3/ 280.]]؛ لئلا يقع الجزاء عليه. ولمَّا جعل ثواب الطاعة من الله تعالى شُكْرًا لأن معنى الشاكر في [[في (ج): (مع).]] صفته: أنَّه يُثِيب [[في (ج): (يثبت).]] على الطاعة [[قال الزجاج: (فكأن الشكر من الله -تعالى- هو: إثابتة الشاكر على شكره، وقبوله للطاعة شكرا على طريقة المقابلة؛ كما قال عز اسمه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ [البقرة: 194]). "تفسير أسماء الله الحسنى" 48. ونقل الأزهري عن الزجاج -كذلك- قوله: (والشكور من أسماء الله -جل وعز- معناه: أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم به الجزاء). "تهذيب اللغة" 2/ 1913.]] جعل منع الثواب كفرًا.
ومعنى [[ومعنى: ساقطة من: (ج).]] قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: لا يُضيع شيئًا من أعمالهم [[في (أ) و (ج): (عملهم).]]؛ لأن المُجازي به عليمٌ بهم.
آل عمران 3:116
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: قريظة والنضير [[قال الطبري: (وهذا وعيد من الله عز وجل للأمَّة الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب ... ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله ..). "تفسيره" 4/ 58.]].
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أي: لن تدفع عنهم الضَّررَ إذا نزل بهم أموالُهم ولا أولادُهم. خُصَّا بالذكر؛ لأنهما مُعتَمَد ما يقع به الاغترارُ، فإذا لم يغنيا، فغناء مَن دونهما أبعد.
وقال الزجّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 460. نقله عنه بالمعنى.]]: لأن رؤوساء اليهود مالوا إلى الأموال في معاندتهم النبي ﷺ، وإنما قامت لهم الرياسة، واكتسبوا الأموالَ بمعاندته.
والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: 79] الآية.
وخص الأولاد؛ لأنهم أقرب أنسبائهم [[في (ب)، (ج): أنسابهم.]] إليهم.
وقال بعض المفسرين [[لم أقف عليه.]]: لن تغني عنهم أموالُهم في الصدقات، ولا أولادُهم في الشفاعات، بخلاف المؤمن، فإنَّ المؤمنَ ينفعه مالُه في الكَفَّارات والصدقات؛ وأولاده في الشفاعة. والدليل على صحة هذا التفسير: ما ذكر مِن بُطلان نفقاتهم عقيب هذه الآية في:
آل عمران 3:117
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية.
قال يَمَان [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 103 ب، وقد أورد الماوردي هذا القول في "النكت والعيون" 1/ 418 ولم يعزه لقائل.]]: نزلت في إنفاق أبي سفيان والمشركين في بدر وأحد، على عداوة النبي ﷺ.
وقال مقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 296، "تفسير بحر العلوم" 2/ 135، "الثعلبي" 3/ 103 ب.]]: يعني: نفقة سَفَلَة اليهود على علمائهم [[بيَّن مقاتل أن نفقة سفلة اليهود على علمائهم، يبتغون بها الآخرة، ثم أردف مقاتل قائلًا: (فكذلك أهلك الله نفقات سفلة اليهود ومنهم كفار مكة التي أرادوا بها الآخرة، فلم تنفعهم نفقاتهم). "تفسيره" 297.]].
وقال مجاهد [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 59، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 741، وتفسير مسلم بن خالد الزنجي: 77 (ضمن الجزء الذي فيه تفسير القرآن ليحيى بن اليمان وغيره == رواية أبي جعفر الرملي). وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 117 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.]]: يعني جميع نفقات الكفار في الدنيا، وصدقاتهم.
الزجّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 461.]]: كل ما أُنفق في التظاهر على عداوة الدين.
ومعنى (المَثَل): الشَّبَهُ الذي يصير كالعَلَمِ؛ لكثرة استعماله فيما يُشَبَّه به [[انظر: (مثل) في "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 759، "اللسان" 7/ 4132. وانظر الوجوه المختلفة لكلمة (مثل) في القرآن، في "التصاريف" 253، "الوجوه والنظائر" في القرآن، د. القرعاوي: 588.]]. ولا بُدَّ من تقدير محذوفٍ من الكلام، حتى يتقابل المثلان في التشبيه [[وذلك أن الظاهر -هنا-: تشبيه الشيء المُنفَق بالريح، وفي ذلك إشكال؛ لأنه ليس هو المقصود من معنى المثل هنا، لذا لزم التقدير.]]، وهو: مَثَل إهلاك ما ينفقون، كَمَثَل إهلاك ريح. فحذف الإهلاك؛ لدلالة آخر الكلام عليه [[وقيل: هو من باب التشبيه المركب، شبَّه هيئة حاصلة من أشياء، بهيئة أخرى. وبه قال الزمخشري في "الكشاف" 1/ 457.
وقيل: هو من باب التشبيه بين شيئين وشيئين، فذكر الله أحد الشيئين المشبَّهين وترك الآخر، وذكر أحد الشيئين المشبَّه بهما -وليس هو مما يقابل المذكور الأول- وترك ذكر الآخر، ودلَّ المذكوران على المتروكَيْنِ.
وبه قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 281 وقال: (وهذا غاية البلاغة والإعجاز). وانظر: "البحر المحيط" 3/ 37، "الدر المصون" 3/ 358 - 359.
قال ناصر الدين بن المنير: (أصل الكلام-والله أعلم-: مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا، كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم، فأصابته ريح فيها صِرٌّ فأهلكته، ولكن خولف هذا النظم في المثل المذكور؛ لفائدة جليلة، وهو: تقديم ما هو أهم؛ لأن الريح التي هي مثل العذاب، ذِكْرها في سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث، فقدمت عناية بذكرها، واعتمادًا على أن الأفهام الصحيحة تستخرج المطابقة بردِّ الكلام إلى أصله على أيسر وجه ..). الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال (مطبوع مع "الكشاف" (1/ 458).]].
وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ اختلفوا في (الصّر): فقال أكثر المفسرين، وأهل اللغة [[(أهل اللغة) ساقط من: (ج).]]: الصِّرُّ: البَرْد الشديد.
وهو قول ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه من طريق عطاء، ولكن ورد عنه ذلك من طرق أخرى أخرجها الطبري 4/ 59، وابن أبي حاتم 3/ 741، وذكر هذا القول عنه الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 418، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 117 وزاد نسبة إخراجه لسعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، وقتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 59، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 741، "النكت والعيون" 1/ 418.]]، والربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 59، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 741.]]، والسدّي [[قوله في المراجع السابقة، "النكت والعيون" 1/ 418.]]، وابن زيد [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 60، ونصه: (قال: (صر): باردة، أهلكت حرثهم، وقال: والعرب تدعوها (الضريب)، تأتي الريح باردة فتصبح ضريبا قد أحرق الزرع). و (الضريب) هنا معناها: الثلج والجليد والصقيع. انظر: "القاموس" ص 107 (ضرب).
وممن فسر (الصر) بـ (الريح الباردة): أبو عبيدة، وأبو عبيد بن سلام، وابن السكيت، والمبرد، والطبري، والزجاج، والنحاس.
انظر: "مجاز القرآن" 1/ 102، "غريب الحديث" لأبي عبيد: 4/ 472، "إصلاح المنطق" 21، "الكامل" للمبرد: 1/ 25، "تفسير الطبري" 4/ 60، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 461، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 464.]].
ومعنى الآية: أن إنفاقهم في الدنيا على عداوة الدين، أفسد عليهم أعمالَهم في الآخرة، كما أفسدت هذه الريحُ -التي فيها الصِّرُّ- الزرعَ الذي وقعت به [[قال ابن القيم: (هذا مثل ضربه الله -تعالى- لمن أنفق ماله في غير طاعته == ومرضاته، فشبَّه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر، وكسب الثناء، وحسن الذكر، لا يبتغون به وجه [الآخرة]، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله -عليهم الصلاة والسلام-، بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره، فأصابه ريح شديدة البرد جدًا، يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار، فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته). أمثال القرآن: 52.]].
وقال الزّجاج [[في: "معاني القرآن"، له 1/ 461. نقله بنصه.]]: أعلم الله -تعالى-: أن ضَرَرَ نفقتهم عليهم، كضَرَرِ هذه الريح على [[في "معاني القرآن": في.]] هذا الزرع.
وقال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده البغوي 2/ 94، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 444. وذكر هذا القول عنه: ابن القيم في "أمثال القرآن": 53، وابن كثير في: "تفسيره": 1/ 427.]]: الصِّرُّ: السَّمُومُ الحارَّةُ التي تقتل [[في (ج): (تقبل).
والسَّمُوم: ريح حارَّة تكون غالبًا في النهار. والجمع: سمائم. انظر: "القاموس": ص 1124 (سمم).]].
وإلى قريبٍ من هذا القول ذهب ابنُ كيسان، وابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوليهما.
وفي تفسير الفخر الرازي: (الصِّر: هو السموم الحارة، والنار التي تغلي، وهو اختيار أبي بكر الأصم، وأبي بكر بن الأنباري) 8/ 213. ثم ذكر بقية قول ابن الأنباري الآتي.]] (فقالا) [[من (أ) وفي باقي النسخ: (فقال).]]: الصِّرُّ: النار. وهو قول مجاهد -في رواية ابن أبي نَجِيح- [[أخرج عنه ذلك ابن أبي حاتم في: "تفسيره": 3/ 741 قائلًا: (وروي عن مجاهد في إحدى الروايات نحو ذلك)؛ أي: نحو قول ابن عباس في تفسير (الصِّرِّ) == بـ (النار)، ولم يُبَيِّن ابنُ أبي حاتم السندَ إلى مجاهد.
وابنُ أبي نَجِيح، هو: أبو يَسَار، عبد الله، بن أبي نجيح - (يسار) -، المَكِّي، الثقفي بالولاء. من الأئمة الثقات، إلا أنه رُمي بالقدر والاعتزال، وربَّما دَلَّس. قال ابن تيمية: (تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد، من أصح التفاسير، وليس بأيدي أهل التفسير كتاب في التفسير، أصح من تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد، إلا أن يكون نظيره في الصحة)، مات (131 هـ)، وقيل: بعدها.
انظر: "تفسير سورة الإخلاص"، لابن تيمية: 201، و"ميزان الاعتدال": 3/ 229، و"تقريب التهذيب": ص 326 (3662).]].
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدره. وقد أورد قوله هذا ابن الجوزي في: الزاد: 1/ 445، وابن القيم في: أمثال القرآن: 53، والفخر الرازي في: "تفسيره": 8/ 213. وكذا نقل صاحب "اللسان" هذا المعنى، فقال: (وقال ابن الأنباري في قوله -تعالى-: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾، قال: فيها ثلاثة أقوال: أحدها: فيها برد، والثاني: فيها تصويت وحركة، وروي عن ابن عباس قوله آخر: ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾، قال: فيها نار) 4/ 2429 (صرر).]]: وإنما وُصِفت النارُ أنها صِرٌّ؛ لتَصْرِيَتِها [[في "زاد المسير"، و"تفسير الفخر الرازي" لتصويتها. وورد في "أمثال القرآن" لابن القيم: (لتصريتها) -كما هي عند المؤلف-.]] عند الالتهاب.
قال الزجاج [[في: "معاني القرآن"، له: 1/ 461.]]: وهذا غير ممتنع. وصوت لهيب النار يُسمَّى صِرًّا [[ونص عبارة الزجاج: (وجعل فيها صِر؛ أي: صوت، وهذا يخرج في اللغة، وإنما جعل فيها صوتًا؛ لأنه جعل فيها نارًا، كأنها نار أحرقت الزرع. فالصر -على هذا القول-: صوت لهيب النار، وهذا كله غير ممتنع).]]، ومن هذا: (صرير الباب). ويقال: (صَرْصَرَ الأخطَبُ [[الأخطب: من نوع الطيور، قيل: هو الشِّقِرَّاق، وهو طائرٌ مُرَقَّط، وقيل: هو الصُّرَد. وسُمِّيا بذلك، لأن فيهما سوادًا وبياضًا. انظر: "تاج العروس": 1/ 469 (خطب).]] صَرْصَرَةً) [[تقول العرب: (صَرَّ الجُنْدبُ صَرِيرًا)، و (صرصر الأخطبُ صَرْصَرَةً)، و (صَرَّ البابُ يَصِرُّ). (وكل صوت شِبْه ذلك فهو صرير؛ إذا امتد، فإذا كان فيه تخفيف وترجيع في إعادة ضُوعِف). "العين": 7/ 82 (صرّ)، وانظر: "الصحاح":712 (صرر).]]. و (الصَّرَّةُ): الصَّيْحة [[انظر: "اللسان": 4/ 2429 (صرر).]]، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ﴾ [[تفسير (الصرَّة) بـ (الصيحة) هو ما عليه أكثر أهل التفسير. انظر: "تفسير الطبري" 26/ 209، و"العمدة في غريب القرآن" لمكي 282، و"تفسير أبي المسعود" 8/ 140، و"الدر المنثور": 2/ 117.
وقال السمين الحلبي في تفسيرها: (قيل: جماعة من النساء. سميت صرة؛ لانضمام بعضها إلى بعض، كأنهم جُمِعوا وصُرُّوا في وعاء واحد ..). "عمدة الحفاظ" 292 (صرر)، ثم ذكر المعنى الآخر.
وما ذكره الحلبي صحيح من ناحية اللغة. انظر هذا المعنى في: "الصحاح": 2/ 170 (صرر)، و"اللسان": 4/ 2429.]] [الذاريات: 29]. وقول ابن عباس على هذا يتوجه، فإن السموم الحارة لها صوت، ألا ترى إلى قول الراعي:
فَعُجْنَا على رَبْعٍ بِرَبْعٍ تَعُودُهُ ... مِنْ الصَّيفِ جَشَّاءُ الحَنِينِ نَؤُوجُ [[البيت في: ديوانه: 22. وورد منسوبًا له في: "تهذيب اللغة": 2/ 1347 (ربع)، و"اللسان": 3/ 1563.
وروايته في الديوان:
فعجنا على رَسْمٍ بربْعٍ تَجُرُّهُ
وفي "اللسان": (تُؤَرِّجُ) بدلًا من: (نَؤُوُج).
وقوله: (فعُجْنا)، من (عاج بالمكان، وعاج عليه، عَوْجًا)؛ أي: عَطَفَ عليه، ومالَ، وألَمَّ به، ومرَّ عليه.
والرَّبْع: هو المنزل، وأهل المنزل. والرَّبع الثاني الذي ذكره في البيت، يريد به: طَرَف الجَبَل. == وقوله: (جشَّاء الحنين): (الأجش): الغليظ الصوت، والمؤنث: (جَشَّاء)؛ أي: لها صوت أجش. يقال للريح التي لها حنين يشبه حنين الإبل: (الحَنُون).
وقوله: (نؤوج) من (نَأجَ، ينأجُ، نأجًا) وهو من الإنسان أحزن ما يكون من الدعاء وأضرعه وأخشعه. و (النَّأج، والنئيج)، بمعنى: الصوت والسرعة، ويقال عن الريح: (نَأجَتْ، تَنْأجُ، نَئِيجًا): تحركت، فهي (ريح نؤوج)، و (لها نَئيج)؛ أي: مَرٌّ سريع مع صوت.
انظر: "تهذيب اللغة": 2/ 1347 (ربع)، و"اللسان": 5/ 3156 (عوج)، 7/ 4312 (نأج)، 2/ 1029 (حنن)، 2/ 628 (جشش).]] فعلى هذا، قوله: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: سَمُوم؛ كالنار أحرقت الزرع، أو نارٌ لها صوت [[قال ابن القيم: (وأقوال الثلاثة متلازمة، فهو برد شديد محرق بِيبُسْه للحرث، كما تحرق النار، وفيه صوت شديد). "أمثال القرآن": 53. وانظر: "تفسير ابن كثير": 1/ 427.]].
وروى ابن الأنباري -بإسناده- عن السُّدِّيّ، عن أبي مالك [[هو: غَزْوان الغِفاري الكوفي، مشهور بكنيته (أبي مالك). ثقة، عده ابن حجر من الطبقة الوسطى من التابعين، توفي بعد المائة.
انظر: "الجرح والتعديل": 7/ 55، و"التقريب": ص 442 (5354).]]، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾، قال: فيها نار [[وقد أخرج هذا القول عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره": 3/ 741 من رواية عنترة بن عبد الرحمن الكوفي عنه.]].
وقوله تعالى: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: جحدوا نعمة الله عندهم. وقال آخرون [[منهم السدي، وهو ما يفهم من قوله في الآية: (فكذلك أنفقوا، فأهلكهم شركهم). "تفسير الطبري": 4/ 60. و"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 742. وهو قول الطبري في "تفسيره".
وهو قول الكلبي. انظر: "بحر العلوم" 2/ 135، وقول الثعلبي في "تفسيره" 3/ 103 ب.]]: ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية.
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ لأنَّ كلَّ ما فعله بخلقه فهو منه عدلٌ، ومَن تَصَرَّف في حقيقة مُلْكِهِ، لا يُوصَفُ تصرفُهُ بأنه ظلم.
﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأنَّ الإنسان -بالكفر والعصيان- هو الذي يَظلِمُ نفْسَه.
قال أهل المعاني: وفي هذا حسرة شديدة لهؤلاء المنفقين، ومصيبة عظيمة؛ لأنهم رجوا [[في (أ)، (ب): ربحوا. ولا وجه لها. والمثبت من: ج؛ نظرًا لمناسبته لما بعده من قوله: (كما رجا أصحاب الزرع ..)، ولمناسبته للمعنى المراد. وقد وردت هذه الكلمة في: "تفسير الطبري": 4/ 60 عند تفسير هذه الآية.]] فائدة نفقاتهم، وعائدتها، فعادت عليهم بالمَضَرَّة [[في (ب): (المضرة).]]، كما رجا أصحابُ الزرع عائدةَ زرعِهم، فضربته [[في (ج): (فضربتها).]] الريحُ وأهلكته [[انظر معنى هذا القول في: "تفسير الطبري" 4/ 60.]].
آل عمران 3:118
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية. قال المفسرون: نزلت في النهي عن مداخلة اليهود والمنافقين [[ورد ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع، وغيرهم. انظر: "سيرة ابن هشام": 2/ 186، و"تفسير الطبري":4/ 61، و"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 742 - 743، و"تفسير الثعلبي": 3/ 104 أ، و"أسباب النزول" للواحدي: ص 124، و"الدر المنثور": 2/ 118.
ولا يمنع كونها نازلة في اليهود والمنافقين، أن يدخل في النهي اتِّخاذ جميع أصناف الكافرين بطانة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. [سورة الممتحنة:1]. == وقد قيل لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه -: (إن ههنا غلامًا من أهل الحيرة، حافظًا كاتبًا، فلو اتّخذته كاتبًا. قال: قد اتّخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين). أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 743، وأورده ابن كثير 1/ 428، والسيوطي في "الدر": 2/ 118، وزاد عزوه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة.
قال ابن كثير -معلقًا في هذا الموضع-: (ففي هذا الأثر مع هذه الآية [أي: آية سورة آل عمران 118] دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، وإطلاع على دواخل أمورهم، التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل العرب؛ ولهذا قال: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾). "تفسيره": 1/ 428. وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 8/ 215.]].
و (البِطَانَة): قال أبو حاتم، عن الأصمعي [[قوله، في: "تهذيب اللغة": 1/ 350 (بطن). وهو من قوله: (أبو حاتم ..) إلى (في أمره). نقله عنه بنصه.]]: (بَطَن فلانٌ بفلان، يَبْطُنُ به بُطُونًا، وبِطَانَةً) [[وبطانة: ليست في: "تهذيب اللغة". وهي في: "اللسان": 1/ 304 (بطن) حيث أورد نفس النص، ولكن دون عزو.]]: إذا كان خاصًّا به، داخلًا في أمره. فـ (البِطانة) [[في (أ): (بالبطانة). وفي (ب): (في البطانة). والمثبت من (ج).]] مصدرٌ يُسَمَّى به الواحد والجمع.
قال الشاعر:
أولئك خُلْصاني نَعَمْ وبِطانَتِي ... وهُمْ عَيْبَتِي [[في (ب): (عينتي).]] مِن دونِ كلِّ قَرِيبِ [[لم أقف على قائله. وقد ورد غير منسوب في: "تفسير الثعلبي" 3/ 104 أ، و"البحر المحيط" 3/ 33، و"الدر المصون" 3/ 363، و"فتح القدير" للشوكاني 1/ 566. وفي "فتح القدير": (وهم خلصاني كلهم وبطانتي). وقوله: (خُلْصاني)؛ أي: خُلَصائي. ويستوي فيه الواحد والجماعة. == و (عَيْبَة الرجل): موضعُ سِرِّه والجمع: (عِيَبٌ)، و (عِياب)، و (عَيْبات). انظر: "اللسان": 5/ 3184 (عيب)، 2/ 1228 (خلص).]] وبِطَانة الرجل: خاصَّتُه الذين يَسْتَبْطنون [[في (أ)، (ب): (يستنبطون). ولا وجه لها. والمثبت من (ج)، ومصادر اللغة.]] أمْرَهُ. وأصله من: (البَطْنِ) خلاف الظهر، ومنه [[منه: ساقطة من (ج).]]: (بِطانَة الثوب)، خلاف (ظهارته) [[انظر: (بطن) في: "الصحاح" 2079 - 2080، و"مقاييس اللغة" 1/ 259.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: مِن دون المسلمين، ومِن غير أهل ملَّتكم، وظاهر هذا للمخاطَبِين، وهو يريد: جميع المسلمين. يعني لا تتخذوا بطانة مِن دون [[في (ب): من دونكم من دون المسلمين.]] المسلمين [[انظر: "تفسير غريب القرآن"، لابن قتيبة 1/ 103، و"تفسير الطبري" 4/ 61، و"تفسير أبي السعود" 2/ 76، و"فتح القدير" 1/ 566.]].
وصلح أن يُعَبَرَ ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ عن هذا. كما يقول الرجل: (قد قتلتمونا [وهزمتُمُونا] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]؛ وهو يريد قتلتم إخواننا. وقد تقدم لهذا نظائر [[ومن ذلك قوله -تعالى- عن بني إسرائيل: ﴿فَأقتُلُوَا أَنفُسَكُم﴾ [من سورة البقرة: 54]. لا يعني بها أن يقتل كل واحد منهم نفسه بيده، بل يعني ليقتل بعضكم بعضًا، أو ليقتل البريء منكم المجرم.
ومنها قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [من سورة البقرة: 61]. والمعنِيِّين في الآية لم يقتلوا النبيين، وإنما الذي قتل النبيين آباؤهم، وإنما هم تولوا القتلة.
وانظر: الآية: 21 من سورة آل عمران، والآية: 61 من سورة النور. وانظر: "معاني القرآن"، للنحاس: 1/ 465، و"تفسير الفخر الرازي": 8/ 216.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يقال [[في (أ)، (ب): (لا يقال). وهو خطأ واضح. والمثبت من (ج).]]: (أَلَوْتُ في الشيء، أَلْوًا [[في (أ): (آلوا). وهي خطأ. والمثبت من: (ب)، (ج)، ومصادر اللغة.]]؛ أي: قَصَّرت.
قال امرؤ [[في (ب): (امرئ).]] القيس:
وما المَرْءُ ما دامت حُشَاشَةُ [[في (أ): (حَشاشة) -بفتح الحاء-. ولم أرها في معاجم اللغة التي رجعت إليها. وأهملت حركاتها في: (ب)، (ج). وما أثبتُّه، فمن مصادر البيت وكتب اللغة.]] نَفْسِهِ ... بِمُدْرِكِ أطرافِ الخُطُوبِ ولا آلِي [[في (ج): (ولا ألي).
والبيت في: ديوانه: ص 129. كما ورد منسوبًا له في: كتاب "المعاني الكبير": 3/ 1255، و"الزاهر": 1/ 268.
وورد غير منسوب في: "اللسان": 2/ 886 (حشش)، 1/ 176 (ألا).
والحُشاشة: الروح ورمق الحياة، وبقية الروح في المريض، وكل بَقِيَّة: (حشاشة). انظر: "اللسان": 2/ 886 (حشش).
ومعناه: إن المرء ما بقيت فيه بقية من روح، فإنه يبذل قصارى جهده في سبيل تحقيق ما يريد، ومع هذا فإنه لن يحصل على كل شيء، ولن يدر أواخر الأمور.]]
قال أبو الهيثم [[قوله، في: "تهذيب اللغة": 1/ 179، و"اللسان": 1/ 117.]]:
يقال: (أَلاَ، يَألُوا): إذا فَتَرَ [[في (أ)، (ب): (أفتر). والمثبت من: (ج)، و"تهذيب اللغة"، و"اللسان".]]، وضعُف، وقَصَّر [[وقصَّر: غير موجودة في (التهذيب)، "اللسان".]]، ومثله: (أَلَّى [[في (أ)، (ب): (آلى). وفي (ج): (الا). وقد أثبتُها (ألَّى)؛ لأنه بدا لي -والله أعلم- أن المؤلف هكذا أرادها؛ والدليل على ذلك: أنها جاءت بهذه الصورة في: "التهذيب" و"اللسان"، وبقية مصادر اللغة التي رجعت إليها. إضافة إلى أن == المؤلف أورد الشاهد الشعري بعدها دليلًا على ورودها في اللغة بهذه الصورة، وقد وردت فيه (ألَّى) كما سيأتي.
مع ملاحظة أن (آلى) صحيحةٌ لغةً، وقد أوردها ابنُ فارس في: "مقاييس اللغة": 1/ 128 (ألوى)، وأورد بعدها الشاهد الشعري الآتي دليلًا عليها، وفيه (آلى) بدلًا من (ألَّى).
ومن معاني (آلى): حَلَفَ. يقال: (آلَى، يُؤلي، إيلاءً). وتأتي: (يَتَألَّى تألِّيًا)، و (ائْتَلَى يأتَلي ائْتِلاءً). كلها بمعنى: اليمين. انظر: "مقاييس اللغة": 1/ 128 (ألوى)، و"اللسان": 1/ 117 (ألا).]]، وائْتَلَى)، وأنشد: فما أَلَّى بَنِيَّ ولا أساؤوا [[في (ب)، (ج): وردت (ألَّى) في البيت مهملة بدون همز ولا تشكيل.
وهذا شطر بيت للرَّبيع بن ضبُع الفَزَاري. وأول البيت:
وإنَّ كَنَائِني لَنِساءُ صِدْقٍ
وقد ورد منسوبًا له في: كتاب " المعاني الكبير" 1/ 532، و"تهذيب اللغة" 1/ 179 (ألى)، و"غريب الحديث"، للخطابي 1/ 58، و"الصحاح" 6/ 2270 (ألا)، و"أمالي المرتضى" 1/ 255، و"الإفصاح" للفارقي 270 و"الفائق" للزمخشري 1/ 65، و"اللسان" 1/ 117 (ألا)، و"خزانة الأدب" 7/ 381، 382.
وورد غير منسوب في: "مقاييس اللغة" 1/ 128 (ألوى).
وقد ورد في كل المصادر السابقة -إلا في: "المقاييس"، و"أمالي المرتضى" كالتالي: (وما ألَّى بَنِيَّ). أما في: "المقاييس"، و"الأمالي"، فورد: (.. آلَى ..)، وورد في بعض المصادر: (وما أساؤوا).
الكَنائن: جمع: كَنَّة. وهي امرأة الابن والأخ. انظر: "القاموس": 1585 (كنن).
و (ألَّى) فعَّلَ، من: (ألَوت)؛ أي: أبطأت. أو من: (الألُوِّ)؛ أي: التقصير.
انظر: كتاب "المعاني الكبير": 1/ 532، و"التهذيب": 1/ 179 (ألى).
ويعني الشاعر: أن كنائنه نِعْم النساء، وأن بنيه ما أبطؤوا عن فعل المكارم، وما يجب عليهم من القيام بأمره، وما قصَّروا في ذلك.]]
أي: ما قصَّروا [[نقل في "خزانة الأدب" قول أبي حاتم السجستاني، معلقًا على البيت: (والتألية: == التقصير، ومن قال: (وما آلى) بالمد؛ فمعناه ما أقسموا؛ أي لا يَبرُّوني) 7/ 382. وذكر محقق "أمالي المرتضى" 1/ 255: أنه في حاشية نسخة أخرى للأمالي، ورد التالي: (ألّى) - بتشديد اللام. قال: وهو الصحيح، ومعنى (ألّى): قصر، في قول بعضهم. واللغة الأخرى: (ألا) -مخففًا-؛ يقال: (ألا الرجلُ)، (يألوا): إذا قصر وفَتَر. فأما (آلى) في البيت، فلا وجه له؛ لأنه بمعنى: حلف، ولا معنى له -ههنا-). وانظر: "الخزانة"، في الموضع السابق.]].
قال امرؤ القيس:
أَلاَ رُبَّ خَصْمٍ فيكِ أَلْوَى رَدَدْتُهُ ... نَصِيحٍ على تَعْذالِهِ غيرِ مُؤْتَلِي [[البيت في: ديوانه: (116). و"شرح القصائد السبع"، لابن الأنباري: 73، و"شرح المعلقات السبع"، للزوزني: 25، و"شرح القصائد العشر"، للتبريزي: 35. (الألوى): الشديد الخصومة، الجَدِل. و (النصيح): الناصح. و (التَّعْذال): هو العَذْل؛ أي: اللوم. و (غير مؤتلي): غير مقصر.
ومعنى البيت: ألا رُبَّ خصم؛ شديد في خصومته؛ جَدِلٍ في كلامه، كان ينصحني، غير مقصر في نصيحته لي، ولومه إيّاي على حبي لكِ، قد رددته، ولم أرجع عن هواك بلومه ونصحه.
أي: إنه بلغ من شدة حبه لها الغاية القصوى، لدرجة أنه لا يؤثر فيه، ولا يثنيه عن ذلك نصح ناصح، ولا لومُ لائم. انظر: المراجع السابقة.]]
أي: غير مقصر.
و (الخَبَالُ) -في اللغة-: الفساد والشر. ومنه قوله تعالى: ﴿مَّا زَادُوكُم إِلَّا خَبَالًا﴾ [[[سورة التوبة: 47]، وتمامها: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.]]؛ أي [[(أي): ساقطة من (ب)، (ج).]]: يريد [[في (أ): (لا يريد).]]: [إلَّا] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ب).]] شرًّا [[انظر: "مجاز القرآن": 1/ 103، 261 و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 187،== و"نزهة القلوب" للسجستاني 217، و"بحر العلوم" لأبي الليث 1/ 294، و"تفسير الثعلبي" 3/ 104 ب، و"تحفة الأريب" لأبي حيان 113.]].
ويقال: (في قوائم الدابَّة خَبَالٌ)، و (في عَقْلِهِ خبالٌ)؛ أي: و (رجلٌ مُخَبَّلُ الرأي): فاسدُهُ، [و] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ب).]] مُضْطَرِبُهُ. و (خَبَلَهُ [[في (ج): (ختله).]] الحُبَّ)؛ أي: أفسده [[انظر: (خبل) في: "إصلاح المنطق": 52، و"تهذيب اللغة": 1/ 981، و"مقاييس اللغة": 2/ 242.]].
ومعنى قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُم خَبَالًا﴾ أي: لا يَدَعُونَ جهدَهم في مضرَّتِكم، وفسادكم [[انظر: "بحر العلوم" لأبي الليث: 1/ 294.]].
يقال: (ما أَلَوْتُهُ نُصْحًا)؛ ما قصَّرت في نصيحته [[في (ج): (نصيحة).]]، و (ما أَلَوْتُه شَرًّا)، مثله. قال الزجَّاج [[في: "معاني القرآن"، له: 1/ 462.]]: ﴿لَا يألُونَكُم خَبَالًا﴾ أي: لا يُبْقون [[في (ج): (لا يتقون).]] غايةً في إلقائكم فيما يضركم [[في "معاني القرآن": في إلقائهم فيما يضرهم.]].
ومحل قوله: ﴿لَا يأْلُونَكُمْ﴾: النَّصْبُ، لأنه صفة البطانة [[انظر: "البيان"، للأنباري 1/ 217، و"التبيان" للعكبري (206).
وقيل: هي حال من الضمير في قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ على أن يكون الجارُّ صفة لـ (بطانة). وقد جوز كونها -والجمل التي بعدها- صفة، الزمخشريُّ، ولكنه جعل الأَوْلَى من ذلك أن تكون مستأنفة على وجه التحليل للنهي عن اتِّخاذهم بطانة. وأيد ذلك ابن هشام. == انظر: "الكشف": 1/ 458، و"المغني"، لابن هشام: 503 - 504.
أما أبو حيان فلا يرى أن تكون هذه الجمل صفة للبطانة أو حالًا، ولا يجيز ذلك، ويرى لها وجهًا واحدًا فقط، هى أن تكون استئنافية، لا محل لها من الإعراب (جاءت بيانًا لحال البطانة الكافرة؛ لتنفير المؤمنين عن اتخاذهم بطانة).
ويرى أن من قال عنها أنها صفة للبطانة أو حال مما تعلقت به (مِن) (فبعيد عن فهم الكلام الفصيح؛ لأنهم نُهوا عن اتخاذ بطانة كافرة، ثم نبَّه على أشياء مما هم عليه من ابتغاء الغوائل للمؤمنين، ووداد مشقتهم، وظهور بغضهم، والتقييد بالوصف أو بالحال يؤذن بجواز الاتخاذ عند انتفائهما). "البحر المحيط": 3/ 38.]].
وانتصب [[من قوله: (وانتصب) إلى (يخبلونكم خبالًا): نقله بتصرف عن "الثعلبي" 3/ 104 ب.]] (الخَبَالُ) بـ (الأَلْوِ)؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين، كما ذكرنا [[أي هو مفعول ثانٍ.
قال الزمخشري عن تعدِّي فِعْلِ (ألا) الذي بمعنى قصَّر: (يقال: (ألاَ في الأمر، يألو): إذا قَصَّرَ فيه، ثم استعمل فعدِّيَ إلى مفعولين في قولهم: (لا آلُوكَ نُصْحًا)، و (لا آلوك جهدًا)؛ على التضمين؛ والمعنى: لا أمنعك نصحًا، ولا أنقصكه). "الكشاف": 1/ 458.]]. وإن شئت نصبته [[في (ج): (نصبت).]] على المصدر؛ لأن معنى قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾: يُخبلونكم خَبَالًا [[في (أ): لا يختلونكم خبالًا. ب: لا يخبلونكم خبالًا. والجملة ساقطة من (ج). وأثبتُّها بحذف حرف النفي (لا) كما جاءت في: "تفسير الثعلبي"، ولأنها لا وجه لها بوجود حرف النفي. وأثبتُ (يخبلونكم) من: ب، و"تفسير الثعلبي". وقد ذُكر في نصب (خبالًا) أقوالٌ أخرى، منها:
- إنها منصوبة على إسقاط حرف الجر، والتقدير: لا يألونكم في خبال؛ أي: في تخبيلكم، ويكون حينها فعل (ألاَ) يتعدى إلى مفعول واحد بغير حرف الجر.
- وقيل: إنها مصدر في موضع الحال. أي: مُتَخبلين. انظر: "التبيان" للعكبري (206)، و"الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 620.]].
وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾.
قال المفسرون [[منهم: ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن": 109، والزجاج في: "معاني القرآن" 1/ 462، والطبري في: "تفسيره": 4/ 61.]]: ودُّوا عَنَتَكم [[في (ج): (ودُّوا ما عنتم).]]. والعَنَت [[في (ج): (فالعنت).]]: دخول المشقة على الإنسان، ووقوعه فيما لا يستطيع الخروج منه. يقال: (عَنِتَ الرجل): إذا صار إلى هذه الحالة. و (عَنِتَ) -أيضًا-: إذا أثم [[انظر هذا المعنى في: كتاب "العين": 2/ 72، و"مجاز القرآن": 1/ 73،123، و"تفسير الطبري": 2/ 375، و"معاني القرآن"، للزجاج: 1/ 362، و"جمهرة اللغة": 1/ 403 (عنت)، و"الزاهر": 1/ 436، و"تهذيب اللغة": 3/ 2584، و"مقاييس اللغة" 2/ 150 (عنت).]].
و (ما) [[(ما): ساقطة من (ج).]] -ههنا- (ما) المصدر، كقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [[[سورة التوبة: 128]. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.]]؛ أي [[(عزيز عليه ما عنتم أي): ساقط من (ج).]]: عزيز عليه عنَتُكم [[انظر: "المغني" لابن هشام 399.]]، وهو: لقاء الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ [[قوله: (لقاء الشدة والمشقة): هو نص قول الأزهري في: "تهذيب اللغة" 3/ 2584 (عنت).]].
وقيل [[القائل هو ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" 109.]] في قوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾، أي: ما أعنتكم من مكروه، وضُرٍّ [[ونصه قول ابن قتيبة: (أي: ودُّوا عنتكم وهو ما نزل بكم من مكروه وضر). وبه قال مكي في: "تفسير المشكل" 51، وأبو الليث في: "بحر العلوم" 1/ 294.]]. وهو معنًى وليس بتفسير.
وقال السُّدِّي [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 62، و"تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 743 و"النكت والعيون" 1/ 419.]]: ودُّوا ضلالكم عن دينكم؛ وذلك أن الحَيْرَة بالضلال مشقة.
ومضى الكلام في (العَنَتِ)، و (الإعْنَاتِ) عند قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220].
ولا محل لقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾؛ لأنه استئنافٌ بالجملة. وقيل [[ممن قال ذلك: الأخفش في: "معاني القرآن"، له: 1/ 214، والطبري في: "تفسيره": 4/ 62.]]: إنَّه من صِفَةِ البِطَانَةِ، ولا يصح هذا؛ لأن البطانة قد وصفت بقوله: ﴿لَا يألُونَكُم خَبَالًا﴾.
فلو رجع هذا إلى البطانة، لأدخل حرف العطف؛ لأنك لا تقول في الكلام: (لا تَتَّخذ صاحبًا يَشْتِمُكَ، أحبَّ مُفارقَتَكَ) [[أورد قولَ الواحديِّ -هذا- ابنُ هشام في: "المغني": 504، وفيه: (يؤذيك) بدلًا من (يشتمك) وقد علق ابن هشام على قول الواحدي هذا بقوله: (الذي يظهر، أنَّ الصفةَ تتعدد بغير عاطف، وإن كانت جملة، كما في الخبر، نحو: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾ [الرحمن:1 - 4]).]].
وقوله تعالى: ﴿قَد بَدَتِ اَلبغضَاَءُ مِن أَفوَاهِهِم﴾ البَغْضاءُ: شِدَّةُ البُغْضِ [[انظر: "القاموس المحيط" (637) (بغض).]] قال الفراءُ [[قوله، في: "معاني القرآن" له: 1/ 231، نقله عنه بالمعنى.]]: البغضاء: مصدرٌ مؤنثٌ.
ومعنى الآية: قد ظهرت العداوةُ من أفواههم، بالشتِيمَةِ والوَقِيعَةِ في المسلمين، وإطلاع المشركين على أسرارهم [[قال القرطبي: (وخص الله -تعالى- الأفواهَ بالذكر، دون الألسنة؛ إشارة إلى تشدُّقهم، وثرثرتهم في أقوالهم هذه، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه). "تفسيره": 4/ 180.]].
وواحد (الأفواه): فَمٌ. وأصله [[من قوله: (وأصله ..) إلى (كالحات وبسل): نقله بتصرف واختصار عن: "سر صناعة الإعراب": 1/ 414.]]: (فَوْهٌ)، بوزن: (سَوْطٍ)، فحُذِفت الهاءُ تخفيفًا، كما حذفت من (سَنَةٍ)، فيمن قال:
لَيْسَتْ [[في (ب): (لست).]] بِسَنْهاء ... [[قطعة من بيت، لِسُوَيد بن الصامت الأنصاري. وتمامه:
ليست بِسَنْهاءٍ ولا رُجَبيَّةٍ ... ولكنْ عَرَايا في السِّنينَ الجَوائِح
وقد ورد منسوبًا له في: "كتاب النخل" لأبي حاتم السجستاني: 88، 93، و"اللسان": 3/ 1583 (رجب)، 6/ 3571 (قرح)، 2/ 719 (جوح)، 4/ 2127 (سنة)، (عرا). وأورده أبو عبيد بن سلام في: "غريب الحديث": 1/ 141، وابن فارس في: "المقاييس": 4/ 299، ونسباه لشاعر الأنصار، ولم يصرحا باسمه. وورد غير منسوب في: "مجالس ثعلب": 76، و"جمهرة اللغة": 1/ 266، و"الأمالي"، للقالي: 1/ 121، و"تهذيب اللغة": 6/ 129 (سنه)، و"المخصص": 16/ 54.
وقد وردت (سنهاء) في مصادر البيت بفتح الهمزة، وبكسرها مُنوُّنَةً، ووردت (رُجَبِيَّةٍ) بفتح الجيم مع التشديد فيها وبدونه.
يصف الشاعر -هنا- نخلةً بالجودة و (السنهاء): إما هي التي تحمل سنة ولا تحمل أخرى، أو تلك التي أصابتها السنة المجدبة فأضرت بها.
و (الرُّجَبِيَّة): هي النخلة التي تكون كريمة على صاحبها، فتميل، فيسندها == بِـ (رُجْبة)، أي: بخشبة ذات شعبتين، وقيل: الترجيب، هو: أن يُجعَل حولها شوكٌ حتى لا يرقى لها راقٍ فيجني ثمرها. وأرى -والله أعلم- أن القول الثاني هو المراد في البيت؛ لأنه يصفها أنها ليست من تلك التي يُمنع ثمرها من الناس، بل هي مبذولة لهم، لأنه قال بعدها: (عرايا)، أي: التي يوهب ثمرها لناس، ومفردها (عَرِيَّة). و (الجوائح): هي السنون الشداد التي تجتاح المال. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 141، و"اللسان" 3/ 1583 (رجب)، 4/ 2127 (سنه).]].
و (عملت [[في (ج): (علمت).]] معه مُسَانَهَةً) [[المسانهة: أن يعامله إلى مدَّة سنة يقال: (سانَهَهُ مسانهةً وسِناهًا). انظر (سنه) في: "اللسان":4/ 2127، و"المعجم الوسيط" 1/ 459. ويجوز أن يكون المحذوف من (سنة) واوًا أو هاءً؛ لأنها في الجمع: (سنوات)، و (سنهات). انظر حولها: "كتاب سيبويه" 3/ 360، 452، و"اللسان" 4/ 287 (سنة)، و"نزهة الطرف" 172.]]، ومن: (شاةٍ) [[أصل (شاة): (شَوْهَةٌ) ويقال في تصغيرها: (شُوَيهة)، وفي جمعها تكسيرًا: (شياه)، ويقولون: (شَوَّهتُ شاةً)، أي: اصطدتها.
انظر: "الممتع في التصريف" 2/ 626.]]، و (شَفَةٍ) [[أصل (شَفَة): (شَفَهَة) فيقال في تصغيرها: (شُفَيهة)، وفي جمعها: (شِفاه) والفعل منها: (شافهتُ فلانا)، والمصدر: (المُشافهة).
انظر: "كتاب سيبويه": 3/ 358 - 359، 451، و"الوجيز في علم التصريف" 41، و"الممتع" 2/ 625، و"نزهة الطرف" 173.]]، فصار التقدير: (فَوْ) [[في (أ)، (ب)، (ج): (فوه). والمثبت من: "سر صناعة الإعراب"، وهي الصواب.]]. فلما صار الاسم على حرفين، لا ثاني منهما [[في (ج): (منها).]] حرف لين، كرهوا حذفه للتنوين، فَيُجْحِفُوا به، فأبدلوا من الواوِ مِيْمًا لقرب الميم من الواو؛ لأنهما [[في (ب): (ولأنهما).]] شفويتان [[في: "سر صناعة الإعراب": شفهيتان.]]، وفي الميم هُوِىٌّ في الفَمِ يضارع امتداد الواو.
والدليل على أن أصله (فَوْه): جمعه على (أفواه)، نحو: (سَوْطٍ، وأسواط)، و (حَوْضٍ، وأحواض)، و (طَوْقٍ، وأطواق).
وقال أُمَيَّةُ [[تقدمت ترجمته.]]:
وما فَاهُوا بِهِ أبدًا مُقِيمُ [[شطر بيت، وتمامه - كما في الديوان:
وفيها لحم ساهرة وبَحرٍ ... وما فاهوا به لهم مقيمُ
وهو في "ديوانه" 68. وورد منسوبا له في "معاني القرآن"، للفراء 1/ 121، و"اللسان": 1/ 29 (أثم)، 6/ 3492 (فوه)، و"المقاصد النحوية" 2/ 346، و"شرح التصريح" 1/ 241، و"الدرر اللوامع" 2/ 199.
وورد غير منسوب في: "اللسان" 4/ 2132 (سهر)، 6/ 3492 (فوه)، و"شرح شذور الذهب" (123)، و"شرح ابن عقيل" 2/ 15، و"منهج السالك" للأشموني 2/ 11. وأكثر المصادر -ومنها "سر صناعة الإعراب"- تورد الشطر الأول كالتالي: (فلا لغوٌ ولا تأثيم فيها ..) وهذا إنما هو صدر بيت آخر وعجزه: (ولا غَوْلٌ ولا فيها ملُيِمُ). وهو في القصيدة بعد البيت المستشهد به بأبيات.
و (الساهرة): الأرض. و (مقيم): ثابت. انظر: "اللسان" 4/ 2132 (سهر).]].
وقالوا: (رجلٌ مُفَوَّهٌ): إذا أجادَ [[في (ب): (جاد).]] القولَ، و (أَفْوَهُ): إذا كان واسع الفَمِ. وجمعه: (فُوْهٌ) [[انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 264، 365 - 366، و"المسائل المشكلة"، للفارسي 149 - 163،504، و"المخصص" 1/ 134 - 137، و"شرح المفصل" == 10/ 33، و"الوجيز في علم التصريف" 50، و"الممتع" 391، 625، و"نزهة الطرف" 173، و"أوضح المسالك" 3/ 341.
ويرى الأخفش أن الميم في (فم) بدل من الهاء؛ حيث إن أصله عنده (فَوْه)، ثم قلب، فصار (فَهْو)، ثم حذفت الواو، وجعلت الهاء ميما. انظر "شرح الشافية" 3/ 215.]].
قال الشَّنْفَرَى [[هو: ثابت بن أوس الأزدي. شاعر جاهلي، من عَدّائي العرب المعدودين، وصعاليكهم، وأكثرهم جرأة ودهاءً، أَسَرَتْه بنو سَلامَان صغيرًا، ونشأ فيهم، فلما شبَّ وعرف بقصة أسره، قَتَل منهم كثيرًا، فقتلوه ثأرا وانتقامًا. انظر: "خزانة الأدب": 3/ 343، و"الأعلام": 3/ 177.]]:
مُهَرَّتَةٌ [[(أ)، (ب): (مبوته). وفي (ج): (مهونه). والمثبت من: سر الصناعة، ومصادر البيت.]] فُوْهٌ كأنَّ شُدُوقَها ... شُقُوقُ العِصِيِّ [[في (ب): (العصا).]] كالِحاتٌ [[(أ)، (ب): (الحاق). والمثبت من (ج)، وسر الصناعة، ومصادر البيت.]] وبُسَّلُ [[البيت من لامِيَّتِهِ المسماة بـ (لامية العرب). انظر: "بلوغ الأرب في شرح لامية العرب" 152. المُهَرَّتَة: الواسعة الأشداق. و (فُوْهٌ): جمع: (أفْوَه) و (فوهاء)، يقال للواسع الفم، أو من تخرج أسنانه من شفتيه من طولها.
و (الشدوق): جمع كثرة، وأما جمع القلة، فـ (أشداق)، والمفرد: شِدْق، وهو جانب الفم. و (الكالحات): المكشرات في عُبوس. و (بُسَّل): الكريهة المنظر، المفرد: باسل. ويقال للأسد، وللرجل الشجاع.
الشاعر -هنا- يعين بهذه الأوصاف: الذئابَ وقوله: (كالحات وبسل) نعت لـ (فُوُهٌ). انظر: المرجع السابق 152 - 154.]]
ذكر ذلك أبو الفتح الموصلي [[في "سر صناعة الإعراب" 1/ 413 - 416.]].
قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [[في (ج): (وما تخفي الصدور).]] أي: من العداوة والخيانة [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 297، و"تفسير الثعلبي" 3/ 104ب.]]. وقيل [[لم أهتد إلى القائل، ولا فرق بين القولين لأنهما متلازمان.]]: من الكفر بالله ومحمد ﷺ.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ قال عَطَاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: ما أمرهم به مِن طاعته، وما نهاهم عنه من معصيته.
وقال السُّدِّي [[لم أقف على مصدر قوله.]]: قد بيَّنَّا آياتهم؛ لتعرفوهم بها.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون﴾ قيل [[قاله -بمعناه- الطبري في "تفسيره" 4/ 64.]]: إن كنتم تعقلون موقعَ يقع [[هكذا في: (أ)، (ب). وفي (ج): مهملة من النقط وأرى أن الأصوب أن تقرأ (نفع)؛ لأنها تتناسب مع عبارة الطّبَري التالية.]] البيان، ومبلغَ عائدتِهِ عليكم [[ونص قول الطبري: (إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم، ومبلغ عائدته عليكم).]].
وقيل [[لم أهتد للقائل.]]: إن كنتم تعقلون الفَصْلَ بينَ ما يستحقه العدوُّ، والوَلِيُّ.
آل عمران 3:119
قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ الآية. مضى الكلام في (ها) مع (أنتم) عند قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران: 66].
قال الفراء [[في: "معاني القرآن"، له 1/ 231. نقله عنه بنصه.]]: العرب إذا جاءت إلى اسمٍ مَكنيٍّ قد وُصِفَ بـ (هذا) و (هذان) و (هؤلاء)، فَرَّقوا بينَ (ها) وبين (ذا)، المَكنِيَّ بينهما، وذلك في جهة التقريب [["التقريب" هو: أن تجعل (هذا)، و (هذه) بمثابة الأفعال الناقصة كـ (كان) وأخواتها التي تحتاج إلى تمام الخبر، وهذا من اصطلاحات الكوفيين، وقد بَيَّنَه السيوطي في: "همع الهوامع": 1/ 264 فقال: ذهب الكوفيون إلى أن (هذا) و (هذه)، إذا أريد بهما التقريب، كانا من أخوات (كان)، في احتياجهما إلى اسمٍ مرفوعٍ وخبر منصوب، نحو: (كيف أخاف من الظلم، وهذا الخليفة قادمًا؟)، و (كيف أخاف البرد، وهذه الشمس طالعة؟)، وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود، نحو: (هذا ابنُ صياد أشقى الناس)، فيعربون (هذا): (تَقْريبا)، والمرفوع اسم التقريب، والمنصوب خبر التقريب؛ لأن المعنى إنما هو عن الخليفة بالقدوم، وعن الشمس بالطلوع، وأتى باسم الإشارة تقريبًا للقدوم والطلوع. ألا ترى أنك لم تشر إليهم وهما حاضران؟ و-أيضا-، فالخليفة والشمس معلومان، فلا يحتاج تبيينهما بالإشارة إليهما. وتبين أن المرفوع بعد اسم الإشارة يخبر عنه بالمنصوب؛ لأنك لو أسقطت الإشارة لم يختل المعنى، كما لو أسقطت (كان) من: (كان زيدٌ قادمًا).
وانظر في هذا المعنى: "معاني القرآن" للفراء 1/ 12، و"تفسير الطبري" 4/ 64 - 66، 15/ 416، و"دراسة في النحو الكوفي" 237، و"النحو وكتب التفسير" 1/ 185.]]، فيقولون: (أين أنت؟) فيقول القائلُ:
(ها أنا ذا) [[هكذا جاء رسمها في (أ)، (ب)، وكذا وردت في "تفسير الطبري" 4/ 65، ووردت في (ج): (هاناذا). أما في الرسم الإملائي فقد اصطلح على كتابتها كالتالي: هأنذا.]]. ولا يكادون يقولون: (هذا أنا) [[في (ج): (ها أنا).]]. و-كذلك-: التثنية والجمع، ومنه [[في (ج): (منه) بدون واو.]]: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾، وربَّما أعادوا (ها) فوصلوها بـ (ذا)، و (ذان)، و (أولاء) [[في "معاني القرآن": فوصلوها بذا وهذا وهذان وهؤلاء.]]، فيقولون: (ها أنت هذا)، و (ها أنتم هؤلاء). قال الله -تعالى-: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ﴾ [النساء: 109].
قال [[من قوله: (قال ..) إلى (فيقولون هذا زيد): هو نص قول الزجاج في "معاني القرآن" له 1/ 463، يحكي به معنى قول الفراء في "معاني القرآن" له 1/ 231 - 232.]]: وإنَّما فعلوا ذلك؛ ليفصلوا بين (التقريب) وغيره. ومعنى (التقريب) عنده: أنك لا تقصد أن تخبر [[في "معاني القرآن"، للزجاج الخبر. بدلًا من: (أن تخبر).]] عن (هذا) بالاسم [[في "معاني القرآن"، للزجاج (الخبر عن هذا الاسم). وقوله: (بالاسم)؛ أي: بالاسم الظاهر، غير المكنيِّ عنه.]]، فيقولون [[في (ج) و"معاني القرآن" للزجاج: (فتقول).]]: (هذا زيد).
وإذا [[من قوله: (وإذا ..) إلى (بلا فعل): من تتمة كلام الفراء في "معاني القرآن" 1/ 232 نقله عنه ببعض التصرف.]] كان الكلام على غير تقريبٍ، وكان [[في "معاني الفراء": أو كان.]] مع اسم ظاهر، جعلوا (ها) موصولةً بـ (ذا)؛ فقالوا [[في (ب) و"معاني الفراء": (فيقولون).]]: (هذا زيد)، و (هذان الزيدان) [[في "معاني القرآن": هذا هو، وهذان هما.]]، إذا كان على خَبَرٍ يكتفي كلُّ واحدٍ بصاحبه بلا [فِعْلٍ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"معاني القرآن". وبقية عبارة الفراء: (والتقريب لابد فيه من فعل؛ لنقصانه، وأحبوا أن يفرقوا بذلك بين معنى التقريب وبين معنى الاسم الصحيح).]]. فقد [[(فقد): ساقطة من (ج).]] أنشد ابنُ الأنباري [[في: "الزاهر" 1/ 279.]] على هذا قولَ أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت:
لَبَّيْكُما لَبَّيْكُما ها [[: ساقطة من (ج).]] أنا ذا لَدَيْكُما [[بيت من الرجز، ورد منسوبًا لأمية في "طبقات فحول الشعراء" 1/ 266، و"الزاهر" 2/ 279.]] فَجَعَل (أنا) بين (ها) و (ذا)؛ لتقريبه طاعتهما، والانقياد لأمرهما.
وقال الزَّجاجُ [[في: "معاني القرآن" 1/ 463. نقله عنه بمعناه]]: (ها) -ههنا- تَنْبيهٌ [[في (ج): (ها تنبيه ههنا).]] دَخَلَ على (أنتم) و [[(و): ساقطة من (ب).]] (أولاء) في معنى: (الذين)، كأنه قيل: (ها أنتم الذين تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم). فيكون ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ صِلَةً [[وفي "البسيط في شرح جمل الزجاجي": 1/ 310 قال عن هذه الآية: (فيحتمل أن يكون الأصل: (أنتم هؤلاء)، فاعْتُني بحرف التنبيه فقُدِّم، وأن تكون (ها) التنبيه، ولا تكون المقرونة بالإشارة؛ كما تقول: (ها زيد قائمٌ) ولكون هذا بمنزلة قوله سبحانه ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ [آل عمران: 66]).]].
قال [[أي: الزجاج، في المصدر السابق. نقله عنه معناه.]]: وكُسِرت (أولاء)؛ لأن أصلها السكون، لكن الهمزة كُسِرت؛ لسكونها وسكون الألف. وإنما كان أصلُها السكون؛ لأنها بمنزلة حَرْفِ الإشارة، والحروفُ أصلها السكون.
وسنذكر الفرقَ بين (أولاء) و (أولئك) عند قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 99].
قال المفسرون: هذا خطاب للمؤمنين، أُعلِموا فيه أن منافقي أهلِ الكتابِ [[لم أقف على من خص المراد هنا بمنافقي أهل الكتاب، وإنما قيل في المراد: هم المنافقون، أو اليهود. وقد سبق أن ذكر المؤلف أن المعنِيَّ في هذه الآيات: اليهود والمنافقون معًا، وهو قول لابن عباس ومجاهد، وغيرهم. وقد سبق بيان مصادر هذا القول عند التعليق على شرح المؤلف لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آية: 118]. == وممن قال بأنهم اليهود: ابن عباس -في رواية عنه- والحسن، وقتادة، ومجاهد، وابن جريج، والنحاس، والقرطبي، وابن كثير.
انظر: "تفسير مجاهد" 134، و"تفسير مقاتل" 1/ 298، و"تفسير الطبري" 4/ 60 - 64، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 742، و"معاني القرآن"، للنحاس 1/ 466، و"تفسير الثعلبي" 3/ 105 أ، و"تفسير البغوي": 2/ 95، و"تفسير القرطبي" 4/ 181، و"تفسير ابن كثير" 1/ 428، و"الدر المنثور" 2/ 118 - 119.]] لا يُحِبُّونَهم، وأنهم يَصْحَبونَ هؤلاء المنافقين بالبِرِّ، والنصيحة التي يفعلها المُحِبُّ.
قال المُفَضَّلُ [[قوله، في: "تفسير الثعلبي": 3/ 105 ب.]]: معنى ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾: تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾؛ لأنهم يريدونكم على الكفر، وهو الهلاك.
قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بالكتب كلها، وهو اسم جنس؛ كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، أو لأن الكتاب مصدر، فيجوز أن يسمى [[في (ج): (نسمي).]] به الجمع.
قال ابن عباس [[لم أقف عليه بهذا اللفظ عنه، والذي في: "تفسير الطبري" 4/ 65 قوله: (أي: بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء منهم لكم).
وأورده السيوطي في: "الدر المنثور" 2/ 120 وزاد نسبة إخراجه لابن إسحاق،
وابن المنذر. وانظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 186.]]: يريد: الذي أُنزل على محمد، والذي أنزل على عيسى، والذي أنزل على موسى، وهم لا يؤمنون بشيء منه؛ لأنهم [[(لأنهم): ساقطة من (ب).]] يَنتحِلون [[يقال: (انتحل كذا): أي: دان به. و (انتحل فلانٌ شِعْرَ غيره): ادَّعاه ونسبه لنفسه. و (انتحل مذهبا): انتسب إليه. انظر: "لسان العرب" 7/ 4369 - 4370 (نحل).]] التوراةَ، ولم يعلموا بما [[في (ج): (ما).]] فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ يقال: عَضَّ، يَعَضُّ، عَضًّا، وعَضِيضًا) [[في (ج): (يغض غضًا وغضضا).]].
قال امرؤ القَيس:
كَفَحْلِ الهِجَانِ يَنْتَحِي لِلعَضِيض [[في (ج): (العضيض).
وهذا عجز بيت، وأوله:
له قُصْرَيا عَيْرٍ وساقا نعامةٍ
وهو في "ديوانه" 97.
والقُصْرَيان: مفردهما: (قُصْرى). وهما الضلعان اللذان يليان الخصر بين الجنب والبطن، وهما آخر الضلوع. و (العَيْر): الحمار، ويغلب إطلاقه على الوحشي منه. و (فحل الهجان)؛ أي: فَحل الإبل الكريمة البيضاء، ولا يكون فحلها إلا كريمًا مثلها. و (الانتحاء): القصد، والاعتماد، والجد، وقوله: (ينتحي للعضيض)؛ أي: يعتمد ويعترض للعض.
انظر: "تهذيب اللغة" (2974) (قصر)، و"القاموس" (1337 - 1338) (نحا).]]
والأنامِل: جمع أَنْمُلَة [[يقال: (أنْمُلَة) -بفتح الهمزة وضم الميم-، و (أنمَلَة) -بفتح الهمزة وفتح الميم-.
انظر: (نمل) في "الصحاح" 1836، و"القاموس" (1065)، و"المجمل" 886، و"اللسان" 8/ 4550.]]؛ وهي: أطراف الأصابع [[انظر المصادر السابقة]].
[والغَيْظُ: الإغضابُ [[(الإغضاب): ساقطة من (أ)، (ب). وفي (ج): (الأعصاب). وما أثبَتُّهُ هو الصواب.]]، يقال؛ (غاظَهُ الشيءُ)؛ أي: أغضبه [[يقال: (غاظه، وأغاظه، وغيَّظه): بمعنى واحد، والمصدر: الغيظ. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2622 (غيظ).
قال الراغب: (الغيظ: أشد الغضب، وهو: الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه). "مفردات ألفاظ القرآن": 619 (غيظ).]].
وعَضُّ الأصابع] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، والأنامِل، واليد [[في (ب): (ولليد).]]: مِن فِعْلِ المُغضَبِ [[في (ج): (الغضب).]]، الذي فاته ما لا يقدر [على] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] أن يتداركه، أو يرى شيئًا يكرهه، ولا يقدر على أن يُغيِّره. ثم كثر استعمال [[في (ج): (استعماله).]] [هذا] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] فيه، حتى استُعمِلَ مَثَلًا، مجازًا، فيقال للمُغضبِ: (هو يَعَضُّ يدَهُ غَضَبًا وحَنَقًا) [[قال -تعالى- عن حال من يعض على يديه ندمًا وأسفًا يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 27].]]، وإنْ لم يكن هناك عَضٌ. قال الشاعر:
قَدَ أَفْنَى أنامِلَهُ أَزْمُهُ ... فأَضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا [[البيت لصخر الغَيّ بن عبد الله الخُثَمِي الهذلي. وقد ورد منسوبًا له في: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 299، وورد في "تهذيب اللغة" 4/ 3977 (يدي)، و"اللسان" 8/ 4953 (يدي)، وقالا فيه: (قال الهذلى). وروايته في هذه المصادر: (فأمسى يَعَضُّ ..). وقوله: (أزْمُهُ): عَضُّهُ. من: (أزَمَ يأزِم أزْما) و (أُزوما)، فهو (آزم وأزُوم): إذا عَضَّ بالفم كلِّه عَضًّا شديدًا. و (الوظيفة): أصل استعمالها لذوات الأربع من الخيل والإبل، وهي ما استدَقَّ من الذراع أو الساقين، ففي البعير هي: ما بين الرسغ والذراع، أو بين الرسغ والساق، وجعلها الشاعر هنا للإنسان.
انظر: "الصحاح" 1439 (وظف)، و"الفرق" لابن فارس 61، و"زينة الفضلاء" للأنباري 91، و"القاموس المحيط" (1075) (أزم).
قال الأزهري عن معنى البيت: (أكل أصابعه حتى أفناها بالعض، فصار يعض وظيف الذراع). "تهذيب اللغة" 1/ 156 (أزم).]] وقال أبو طالب [[واسمه: عبد مَناف -بن عبد المُطَّلِب بن هاشم، عَمُّ النبي ﷺ، الذي كفله بعد موت جده عبد المطلب، وكان حدِبًا على أمر النبي ﷺ، عطوفًا عليه، منع عنه أذى قريش، إلا اْنه لم يُسْلِم، ومات على الشرك، قبل الهجرة بثلاث سنين. انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 193 - 194، 2/ 25 - 26.]]:
يَعَضُّونَ غَيْظًا خلفَنا بالأَنَامِلِ [[عجز بيت، وصدره:
وقد حالفوا قوما علينا أظنَّةً
وقد ورد منسوبًا له في: "سيرة ابن هشام" 1/ 286، و"تفسير الثعلبي" 3/ 105 ب، و"البحر المحيط" 3/ 41، و"الدر المصون" 3/ 370.
وأول البيت في: "تفسير الثعلبي"، والبحر: (وقد صالحوا قومًا عليهم أشحة)، ولكن في: "البحر المحيط": (علينا أشحة).
والبيت من قصيدة طويلة يخاطب فيها أشراف قومه لَمّا خافهم على النبي ﷺ، بعد أن علا ذِكرُه وظهر أمرُه، ووقفوا منه موقف العداء، وفيها كذلك مدح للنبي ﷺ. انظر حول هذه القصيدة: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 244.]]
قال المفسرون [[ممن قال ذلك: قتادة، والربيع، والطبري. والعبارة -هنا- عبارة الطبري. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 66 - 67، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 746.]]: وإنما ذلك لِما يَرَوْنَ من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، وصَلاح ذات بَيْنِهم.
وفي الآية تقديم وتأخير؛ لأن التقدير: وإذا خَلَوْا عَضُّوا الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ عليكم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ خرج هذا مخرج الأمر، وليس معناه الأمرَ، لكنَّه دعاء عليهم، أمر اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ بأن يَدْعُوَ عليهم بهذا [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 67.
وقال أبو الليث: (يقول: موتوا بحنقكم على وجه الدعاء والطرد واللعن، لا على وجه الأمر والإيجاب؛ لأنه لو كان على وجه الإيجاب لماتوا من ساعتهم. كما == قال في موضع آخر: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: 243]، فماتوا من ساعتهم، وههنا لم يرد به الإيجاب). "بحر العلوم": 1/ 294 - 295.
وذهب الضحاك إلى أن هذا يراد به الخبَر؛ أي: يخبر عنهم أنهم يخرجون من الدنيا بالموت وهم بهذه الحسرة والغيظ. انظر: المرجع السابق.]].
ومعنى موتِهم بِغَيْظِهم: هو أن يَدُوم غيظُهم إلى أن يموتوا، أو [[في (ب): (و).]] يصير الغيظُ قاتِلَهم، وسببَ موتهم [[أي: أن الباء -هنا- في ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾، إما للحال، أو للسببية.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما فيها من خير وشر. قال [[من قوله (قال ..) إلى (عليم بذات الصدور): مكرر مرتين في (أ).]] النحويون [[هذا قول الليث في: "تهذيب اللغة" 2/ 1299 (ذو)، نقله عنه المؤلف بتصرف يسير. وانظر: "اللسان" 3/ 1477 - 1478 (ذو).]]: (ذات) تأنيث (ذو). وإذا وقَفْتَ [[في (ب)، (ج): (وقعت).]] على (ذات): فمنهم مَن يَدَعُ التَّاء على حالها؛ لكثرة ما جرى على اللسان بالتَّاء، ومنهم من يردها إلى هاء [[في (ب): (تاء).]] التأنيث. وهو القياس.
وقال ابن الأنباري [[قوله، في: "تهذيب اللغة" 2/ 1300. نقله عنه بتصرف يسير وانظر: "المذكر والمؤنث" لابن الإنباري 2/ 367 - 368، و"اللسان" 3/ 1478 (ذو).]]: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بما فيها [[(أي بما فيها): ساقط من (ج).]] من خير وشر [[(من خير وشر): ساقط من (ج).]]. معناه: بحقيقة القلوب من المضمرات. فتأنيث (ذات) [[في (ج): (ذا).]] لهذا المعنى؛ كما قال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 7]، فَأَنَّثَ؛ لمعنى (الطائفة)؛ كما يقال: (لقيته ذات يوم)، فيؤنثون؛ لأن مقصدهم: لقيته مرَّةً في يوم. وقد ذكرنا زيادة في الشرح والبيان عند قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: 155].
آل عمران 3:120
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآية. (المَسُّ)، أصله باليد، ثم يُسَمَّى المُقارِبُ والمخالِطُ: (ماسًّا)؛ تشبيهًا بالمتناوِلِ للشيء، فيقال: (أمْرُكَ يَمَسُّنِي)؛ أي: يَكْرِثُني [[يقال: (كَرَثَه، وأكرَثَه الغَمُّ)، (يكرِثُهْ ويَكرُثه): اشتد عليه، وأقلقه، وحرَّكَه. و (الاكتراث): الاعتناء. و (لا تكترث بالأمر): لا تعبأ به، ولا تبالي. وذكر ابن الأثير أنها لا تستعمل إلا في النفي، وقد جاءت في الإثبات وهو شاذ.
انظر: (كرث) في: "أساس البلاغة" 2/ 302، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير 4/ 161، و"التاج" 3/ 252.]]، ويهمني، ويَقْرُبُ مِن قلبي. فأشبه بذلك المَسَّ بالأصابع [[يقال: (مَسَسْتُ) -بفتح السين الأولى وبكسرها-، (أمَسُّ مَسًّا ومَسِيسا، ومِسِّيسَى): وهو ما كان باليد. و (المَسُّ، والمَسِيس) يُكنى به عن النكاح -كذلك-. ويقال: (مِسْتُ) - يحذفون السين الأولى، ويحولون كسرتها إلى الميم، أو تترك الميمُ مفتوحة. انظر: "العين"، للخليل 7/ 208، 209 (مسس)، و"إصلاح المنطق" 211، و"المقاييس" 5/ 271، و"الفرق بين الحروف الخمسة" 408، 409، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 498.]].
ومعنى (الحسنة) -ههنا-: النصر [[في (ج): (النصرة).]]، والغنيمة، والخِصْب [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 103، و"تفسير الطبري" 4/ 67، و"بحر العلوم" 1/ 295، و"تفسير ابن كثير" 1/ 429.
لفظ الآية في (الحسنة) و (السيئة) عامٌّ، لم يخصص نوعًا منها دون نوع، فيدخل فيها كل ما يحسن ويسوء. وما ذكره المؤلف من النصر والغنيمة والخصب، إنما هو على سبيل التمثيل لها. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 292.]].
و (تسؤْهم)، أي: تُخْزِيْهم، يقال: (ساءَهُ، يَسُوءُهُ، مَسَاءَةً [[في (ج): (ساه يسوه مساه).]]، ومَسَائِيَةً) [[في (أ)، (ب)، (ج): مسايبة والمثبت من كتب اللغة. وفي "القاموس المحيط" 43 (سوء): قال: (ومسائية مقلوبًا، وأصله: مساوِئة).]]، فـ (استاءَ) [[في (أ): فاستَاءً، والمثبت من: (ب)، (ج)، وكتب اللغة.]]؛ أي: اهتم [[انظر: (سوء) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1795 - 1796، و"القاموس" 43.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: نالكم ضد ذلك.
ويقال: (ساء [[في (ج): (أسى).]] الشيءُ)، (يسوء [[يسوء: ساقطة من (ج).]]، فهو سيِّء)، والأنثى: (سيِّئةٌ)؛ أي: قَبُحَ [[في (ب): (قبح).]]. ومنه قوله: ﴿سَاَءَ مَا يَعمَلُونَ﴾ [المائدة: 66]. و (سَوَّأتُ على الرجل [[في (ب): (الوجه).]] فعلَهُ)؛ أي: قَبَّحْتُهُ عليه، وعِبْتُهُ به. و (السُّوْءَى) [[في (ج): (السوى).]]: ضد الحُسْنَى، و (السَّوْءاءُ) [[في (ب): (السؤا). وفي (ج): (السوا).]]: المرأةُ القبيحة [[انظر: المصادر السابقة.
قال ابن عطية: (وذكر تعالى المسَّ في (الحسنة)؛ ليُبَيِّن أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءةُ بنفوس المبغِضِين، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة، وهي: عبارة عن التمكن؛ لأن الشيء المصيب لشيء، فهو متمكن منه أو فيه، فدلَّ هذا المنزعُ البليغُ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين، وهكذا هي عداوة الحسد في الأغلب، ولا سيما في هذا الأمر الجسيم الذي هو ملاك الدنيا والآخرة). "المحرر الوجيز" 3/ 292 - 293.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾. أي: على ما تسمعون منهم، وعلى أذاهم.
﴿وَتَتَّقُوا﴾. قال ابنُ عباس [[لم أقف على مصدر قوله. والذي في: "زاد المسير" 1/ 448 من قول ابن عباس: (الشرك).]]: وتخافوا ربَّكم، في سِرِّكم وعلانِيَتِكم. وقال غيره [[لم أهتد لقائل هذا القول. وقد يفهم ذلك من عبارة الطبري في "تفسيره" 4/ 68، حيث قال: (وإن تصبروا -أيها المؤمنون- على طاعة الله، واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه: من اتخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود -الذين وصف الله صفتهم- من دون المؤمنين وغير ذلك من سائر ما نهاكم ..).]]: وتتقوا مقاربتهم في دينهم، والمحبة لهم.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ يقال: (ضارَهْ، يَضِيرُهُ، ضَيْرًا)، و (يَضُورُهْ ضَوْرا): إذا ضرَّهُ [[انظر: "الزاهر" 2/ 174، و"تهذيب اللغة" 3/ 2078 (ضور)، و"اللسان" 5/ 2619 (ضور)، 5/ 2623 (ضير).]].
وقرئ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ مُشَدَّدا [[هي قراءة عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي -بضم الصاد، وتشديد الراء المرفوعة-. انظر: "السبعة" 215، و"الحجة" للفارسي 3/ 74.]] من: الضَّرِّ [[انظر: "الحجة"، لابن خالويه 113. وورد في: "اللسان": (الضَّرُّ، والضَّرُّ): ضد النفع. و (الضَّرُّ): المصدر، و (الضُّرُّ): الاسم. وقيل: إذا جمعت بين الضَّرِّ والنفع: فتحتَ الضاد، وإذا أفردت الضُّرَّ: ضممت الضاد: إذا لم تجعله مصدرًا.
وقال: (وضَرَّه يضُرُّه ضَرًّا)، و (ضَرَّ به وأضَرَّ به)، و (ضارَّه مُضَارَّة، وضِرَارًا) والاسم: (الضَّرر). "اللسان" 5/ 2573 (ضرر)، وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 68.]]. وأصله: (يَضْرُرْكُمْ) -جَزْمًا-، وأُدغِمَت [[في (ج): (فأدغمت).]] الرَّاءُ في الرَّاءِ، ونقلت ضَمَّةُ الرَّاء الأولى إلى الضاد، وضُمَّت الرَّاءُ الأخيرةُ؛ إتْباعًا لأقرب الحركات إليها، وهي: حركة الضادُ، كقولهم: (مُدُّ يا هذا) [[انظر: "المغني" لابن هشام 717 - 718؛ حيث لم ير في إعرابها إلا أنها مجزومة، وأن الضم اتباع، كالضمة في قولك: (لم يَشُذُّ ولم يَرُدُّ).]].
واعلم أنه إذا كان قبل الحرف المُدْغم [[(المدغم): ساقطة من (ب).]]، حرفٌ مضمومٌ، فلك في تحريك الأخير ثلاثة أوجه: الضمُّ؛ للإتْباع، والكسرُ؛ على أصل ما يجب [[في (ب): (التأنيث). بدلًا من: (ما يجب).]] في التقاء الساكنين، والفتحُ؛ للخفة.
قال جرير:
فَغُضّ الطَرْفَ إنك مِن نُمَيْرٍ [[صدر بيت، وتمامه:
فلا كَعْبَا بَلَغتَ ولا كِلابا
وهو في: ديوانه: 63، وورد في: "كتاب سيبويه" 3/ 533، و"المقتضب" 1/ 158، و"المصون في الأدب" 19، و"العمدة" 126، 127، 844، 1053، و"شرح المفصل" 9/ 128، و"المقاصد النحوية" 4/ 494، و"منهج السالك" 1/ 252، و"التصريح" 2/ 401، و"همع الهوامع" 6/ 288، و"خزانة الأدب" 1/ 72، 6/ 531، 9/ 306، 542، و"شرح شواهد شرح الشافية" 4/ 163. والبيت من قصيدة طويلة له، يهجو فيها الراعي النميري، وُيعَرِّض بقومه.]]
يُنشَد باللغات الثلاث [[أي يقال: (فَغُضَّ) -بضم الضاد المشددة، وفتحها، وكسرها. انظر فيما ذكره المؤلف سابقًا: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 232، و"الطبري" 4/ 68.]]. ولا يجوز في القراءة إلّا الرفع، على ما قرأته القُرَّاءُ المُتَّبَعون [[أي: لا يجوز في قراءة: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ إلا الرفع في الراء، من ناحية القراءة القرآنية، مع صحة قراءتها بالفتح والكسر من ناحية اللغة كما ذكر المؤلف؛ لأن == الراء الثانية مُدغَمَة في الراء الأولى، مع سبقها بحرف مضموم. وقد وردت قراءة أخرى صحيحة، متواترة، وهي: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ على التخفيف -بتسكين الراء وكسر الضاد المخففة- وقد قرأ بها: ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، ويعقوب، ورواية أخرى عن حمزة. انظر: "السبعة" 215.
قال الفارسي: (فكلتا القراءتين حسنة؛ لمجيئهما جميعًا في التنزيل). "الحجة" 3/ 75. وانظر: "المحلى" لابن شغير 17.
ووردت قراءات أخرى شاذة، وهي: قراءة عاصم برواية أبي زيد عن المفضل عنه: (لا يَضُرَّكم) بضم الضاد وفتح الراء المشددة. وقرأ الضحاك: (يَضُرِّكم) -بضم الضاد، وكسر الراء المشددة-.
انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 361، و"تفسير القرطبي" 4/ 184، و"البحر المحيط" 3/ 43.]].
قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 465. نقله عنه بنصه.]]: ضمن الله -عز وجل- للمؤمنين النصرَ إن صَبَروا، وأَعلَمَهم أَنَّ عَدَاوَتَهم [[في "معاني القرآن": عدوانهم.]] وكَيْدَهُم غَيْرُ ضَارٍّ لهم.
والكَيْدُ -في اللغة-: الاحتيال بغير ما يبدي [[في (ج): (ما مدى).]]، وهو: أن يحتال ليَغْتَالَ صاحِبَهُ، ويوقِعَهُ في مكروه [[أصل (كَيَدَ) -في اللغة- يدل على معالجة شيء بشدة، ثم يتسع بابه ويدخل فيه المعنى المراد -هنا- الذي ذكره المؤلف وهو: الاحتيال لإيقاع مكروه بالغير؛ لأنه فيه معالجة وبذل وُسْع، واجتهاد للمكر والإضرار بالآخرين. انظر: "المقاييس" 5/ 149 (كيد). وعَرَّف الجرجانيُّ (الكيد)، فقال: (إرادة مضرة الغير خفية، وهو من الخلق: الحيلة السيئة). التعريفات: 189. وانظر: "اللسان": 7/ 3966 (كيد)، و"التوقيف على مهمات التعاريف" 614.]]، وابن عباس فَسَّرَ الكيْدَ بالعداوة [[لم أقف على مصدر قوله.]].
[ورُدَّ على الفرَّاء] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، وساقط من (ب)، والمثبت من (ج).]] [في هذه الآية شيئان:
أحدهما: أنه قال [[في: "معاني القرآن" له 1/ 232. نقله عنه بمعناه.]]: ولو] [[ما بين المعقوفين مطموس في: (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).]] قرئ: (لا يَضُرْكم) -بضم الضاد-، جازَ؛ فقد سمع الكسائيُّ بعضَ أهل العالِيَةِ [[العالية: اسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة إلى تهامة، وهي عالية الحجاز، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة. وقيل: هي ما جاوز الرُّمَّة -وهي أرض واسعة بنجد تنصب فيها عدَّة أودية- إلى مكة. انظر: "معجم البلدان" 4/ 71.]] يقول: [(لا ينْفَعُني ذاك [[(ذاك) مطموس في (أ). وساقط من (ب). ومثبت من (ج)، و"تهذيب اللغة": 3/ 2078. وفي "معاني القرآن": ذلك.]] ولا يَضُورُني) [[(يضورني): مطموسة في (أ). وفي (ب): (يضرني). والمثبت من (ج)، و"تهذيب اللغة" 3/ 2078، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 232، و"تفسير الطبري" 4/ 68.]].
قال الزجاج [[في: "معاني القرآن" له 1/ 465. نقله عنه بتصرف يسير.]]: وهذا غير جائز، لا يُقرأ حرفٌ من كتاب الله -عز وجل- بخلاف الإجماع، على قول رجل من أهل العالية. وهذا كما قاله؛ لأن القراءةَ بالسَّمَاع والتَّوْقِيف، لا بالجَوَازِ في اللغة.
والآخر: أنه قال [[في: "معاني القرآن" له 1/ 232. نقله عنه بمعناه]] في قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ -على قراءة من قرأ بالتشديد-: يجوز أن يكون جواب الشرط: فَاء مُضْمَرَة [[(فاء مضمرة): مطموس في (أ)، وساقط من (ب). والمثبت من (ج).]]، ويكون (لا) بمعنى (ليس) والتقدير: (فليس يَضُرُّكُمْ كيدُهم شيئا).
وأنشد [[من قوله: (وأنشد ..) إلى (من حذف الفاء): مطموس في (أ). وساقط من (ب). والمثبت من (ج).]] على هذا بيتًا [[البيت هو:
فإن كان لا يُرضيكَ حتى تَرُدُّني ... إلى قَطَريِّ لا إخالُكَ راضيا.
وقائله، هو: سوَّار بن المُضَرِّب السعدي التميمي.
وقد ورد البيت في: "النوادر" لأبي زيد 54، و"الكامل" للمبرد 2/ 102، و"الطبري" 4/ 68، و"القراءات" للأزهري 1/ 124، و"الخصائص" 2/ 433، و"المحتسب" 2/ 192، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 185، و"شرح المفصل" 1/ 80، و"المقاصد النحوية" 2/ 451، و"منهج السالك" 2/ 45، و"التصريح" 1/ 272.
والشاعر يخاطب الحجاجَ لمَّا أراد بعثَه وقومَه بني تميم لقتال الخوارج وزعيمِهم قَطَرِي بن الفجاءة. ويعبر الشاعر عن رفضه لهذا الأمر.
والشاهد في البيت قوله: (لا إخالُك)، أي: فلست إخالُك) -برفعها-.]].
قال النحويون: وهذا غلطٌ، مَن حَذَفَ الفاءَ، إنما [[في (ب): وإنما. والمثبت من (ج). وهو الصواب.]] يجوز لِضرُورة الشعر [[انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 64 - 65، و"المقتضب" 2/ 71، و"المغني" لابن هشام: 80، 133، 218، 311، 832. وذكر ابن هشام أن المبرّدَ منع حذف الفاء حتى في الشعر. انظر: "المغني" 219. إلا أن الظاهر من كلام المبرّد في كتابه "المقتضب": 2/ 72 خلاف ما ذكره ابن هشام. وانظر تعليق محقق "المقتضب" في هامش 2/ 72 - 73.
وأجاز الأخفشُ حذفَ الفاء في جواب الشرط في القرآن. انظر: "معاني القرآن" له 1/ 158 عند تفسيره لآية (180) من سورة البقرة ﴿إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ﴾. ورُدّ بأن ﴿الوَصِيَّةُ﴾ نائب فاعل لـ ﴿كُتِبَ﴾، وجواب الشرط محذوف، وهو (فَلْيُوصِ). انظر: "المغني" 133، 219.]]، والقرآن لا يُحْتَمل [[في (ج): (لا يحمل).]] على ضرورة الشعر [[في (ب): (الشاعر).]]، سِيَّما إذا كان لرفع الراء في ﴿يَضُرُّكُمْ﴾ وجهٌ حسن.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم به؛ على معنى: أنه باقتداره عليه، وعلمه به [[أنه باقتداره عليه وعلمه به: مطموس في (أ). وساقط من (ب). ومثبت من (ج).]]، قد [[في (ج): (ود). والمثبت من (ب).]] حَصَرَه مِن [[في (ج): (في). والمثبت من (ب).]] جميع جهاته، كما حَصَرَه [[في (ج): (يحصره)، والمثبت من (ب).]] المحيطُ به. هذا معناه وحقيقته؛ لأن المحيط بالشيء، هو المحيط به من حواليه، وهذا من صفة الإحكام [[في (ج): (الأجسام)، والمثبت من (ب).]]] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]].
آل عمران 3:121
قوله تعالى [[(قوله تعالى): ساقط من (ج).]]: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [[﴿مِن أَهلِكَ﴾: ليس في (ب).]] الآية. مضى [[(مضى): مطموسة في (ج).]] الكلام [في (إذ) في مواضع؛ [[منها: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: 35].]] والعامل فيه -ههنا- محذوف، وهو: اذكر. وحُذِفَ؛ لأن الحال تدل على أن [[ليست في (أ)، (ج). ومثبتة من (ب).]]] [[ما بين المعقوفين: مطموس في (أ)، ومثبت من (ب)، (ج).]] المعنى تذكير لتلك الحال.
قال ابن عباس [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 70، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 748، و"النكت والعيون" 1/ 420.]]، وقتادة [[انظر المصادر السابقة.]]، والربيع [[انظر المصادر السابقة.]]، والسدي [[انظر المصادر السابقة.]]، وأكثر المفسرين [[ممن قال بذلك: ابن مسعود - رضي الله عنه -، ومجاهد، والكلبي، والزهري، وابن إسحاق، والطبري. انظر: المراجع السابقة، و"سيرة ابن هشام" 3/ 58، و"بحر العلوم" 1/ 295، و"زاد المسير" 1/ 884 و"الدر المنثور" 2/ 120 وما بعدها.]]: هذا كان يوم أُحُد، غدا رسول الله ﷺ من منزل عائشة إلى أُحُد [[المصادر التي أشرت إليها، وقد ذكرت أقوال من سبق ذكره، ولكن لم تذكر أنه ﷺ خرج من منزل عائشة رضي الله عنها.]]، فجعل يصف أصحابَه للقتال.
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾؛ يريد: مِن [[(من): ساقطة من (ج).]] منزل عائشة [[وممن ذكر أن المنزل الذي خرج منه ﷺ هو منزل عائشة: أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 295، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 107 أ، والبغوي في "تفسيره" 4/ 96، وقد نسباه لمجاهد والكلبي والواقدي، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 449، وابن الديبع في "حدائق الأنوار" 521.]].
وقوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقال: (بَوَّأتُه مَنْزِلًا)، و (بَوَّأتُ له منزلًا)؛ أي: أنزلته إيَّاهُ [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 72، و"الصحاح" 1/ 37 (بوأ)، و"اللسان" 1/ 382.]].
قال ابن هَرْمَة [[هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن سَلَمَة بن عامر بن هَرْمَة القرشي، من الخُلْج، وهم من قيس بن الحارث بن فِهْر. سكن المدينة، وهو من آخر الشعراء الذين يُحتَجُّ بشعرهم، قال الأصمعي: (خُتِم الشعرُ بابن هَرْمة)، عاصر الدولة الأموية والعباسية، مات بعد سنة (150هـ) تقريبا. انظر: "طبقات الشعراء" لابن المعتز 20، و"تاريخ بغداد" 6/ 127، و"خزانة الأدب" 1/ 424.]]:
وبُوِّئَتْ في صَميمِ مَعْشَرِها ... فَتَمَّ في قومِها مُبَوَّؤُها [[البيت ورد منسوبًا له في: "مقاييس اللغة" 1/ 312 (بوأ)، وورد غير منسوب في: "اللسان" 1/ 382 (بوأ).]] وفي قراءة عبد الله: (تبوِّئُ للمؤمنين) [[انظر: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 233، و"تفسير الطبري" 4/ 72، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 362.]]. و (المَبَاءَة) [[في (ج): (والمباه).]]، و (البَاءَة) [[في (ج): (والمباه).]]: المنزل [[انظر: "تهذيب اللغة": 1/ 246 (بوأ).]].
قال أبو علي [[لم أقف على مصدر قوله.]]: (بَوَّأتُ فُلانًا [[في (ب): (لفلان).]] منزلًا)، تُعدِّيْهِ إلى مفعولين، وكأنه منقول من قولك: (باءَ فلانٌ منزِلَهُ)؛ أي: لَزِمَه. وإن كنّا لا نرى ذلك؛ ولكن يدل على ذلك قولهم: (المَبَاءَة) [[في (ج): (المباه).]] - وهي: المُرَاحُ [[تضبط (المُراح) بضم الميم، إذا كانت من (أراح) الرباعي، وهو: حيث تأوي الماشية بالليل. أما (المَراح) بفتح الميم، إذا كانت من (راح) الثلاثي. وقد ضبطت بالضم في: "تفسير الطبري" 4/ 72، و"التهذيب" 2/ 1309 (راح)، و"القاموس": 272 (روح)، و"اللسان" 3/ 1769 (روح)، و"المصباح المنير" 93 (روح).]] الذي تبيت فيه النَّعَم [[في (ج): (الغنم).]] -: [اسمٌ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] للمكان [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 246 (بوأ)، و"مقاييس اللغة" 1/ 312 (بوأ)، و"المصباح المنير" 93 (روح).
ولم أعثر في كتب اللغة -التي رجعت إليها- على: (باء فلان منزله) بمعنى: لزمه، وإنما تأتي (باء) بمعنى الرجوع، واللزوم، والإقرار إذا عُدِّيت بالباء أو بـ (إلى) ومنه. (باء بإثمه، يَبُوء بَوْءا) و (أبوء بذنبي)؛ أي: ألتزم وأرجع وأقر. و (باء بالشيء): رجع. ويقا- كذلك: باء فلانٌ لفلان، بَوْءا، وبَوَاءً): إذا كان مكافئًا له، يقتل به. == أما (المَباءة) فهي من: (أبَأتُ الإبلَ مَباءَةً): أنخت بعضها إلى بعض. فيتعدى الفعل هنا بالهمزة. انظر: (بوأ) في: "تهذيب اللغة" 15/ 594، و"الصحاح" 1/ 37، و"اللسان" 1/ 382.]].
وقوله تعالى: ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. مقاعد للقتال): ساقط من (ج).]]: مواطن. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: كل رجل لِمَقعَدِه الذي يصلح له.
وقد بيّنّا أن معنى القُعُود -في أصل اللغة-: الثُّبُوت، على أي حال كانت، عند قوله: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: 127].
فمعنى: ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ مراكز [[في (ج): (مراكب).]]، ومَثابِتَ، لا مَجَالِس [[قال ابن دريد: والمقاعد: موضع القعود في الحرب وغيرها. "الجمهرة" 2/ 661 (قعد).]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: سميعٌ لقولكم، عليمٌ بما في قلوبكم؛ وذلك أن رسول الله ﷺ استشار أصحابه في ذلك الحرب [[هكذا جاءت (ذلك الحرب) على التذكير. والمعروف أن الحرب مؤنثة، لكن حكى ابن الأعرابي والمبرد فيها التذكير، ولكنها نادرة، وقد تُذكَّر إذا ضُمِّنت معنى القتال. انظر: (حرب) في: "الصحاح" 1/ 108، و"اللسان" 2/ 815.]]، فمنهم من أشار عليه بأن يقيم في المدينة، ومنهم من أشار عليه بالخروج إليهم، فقال الله -تعالى-: أنا ﴿سَمِيعٌ﴾ لِمَا يقوله المُشيرون عليك [[في (ج): (عليكم).]]، ﴿عَلِيُمٌ﴾ [[(عليم): ساقطة من (ج).]] بما يُضْمِرُون.
آل عمران 3:122
قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ قال الزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 465. نقله عنه بنصه.]]: العامل في (إذ) [[في (ب): (إذا).]]: التَّبْوِئَة؛ المعنى: كانت التَّبْوِئَةُ في ذلك الوقت. و ﴿هَمَّتْ﴾؛ أي: قَصَدَت وأرادت. يقال: (هَمَمْتَ بالشيء)، (أَهَمُّ به هَمًّا) [[انظر: "اللسان": 8/ 4702 (همم).]]. والطائفتان -في قول ابن عباس وأكثر المفسرين- [[قول ابن عباس في: "تفسير الطبري": 4/ 72، و"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 749. وهو قول جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، ومجاهد، وقتادة، والربيع، والسدي، والشعبي. انظر: "صحيح البخاري": (4051)، كتاب: المغازي، باب: (إذ همت طائفتان ...)، (4558) كتاب التفسير. سورة آل عمران. باب: (إذ همت طائفتان ..)، و"تفسير الطبري" 4/ 72، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 749.]]: بَنُو سَلِمَة [[في (ب): (بنو أسلمة). و (سَلِمة) -بفتح السين وكسر اللام-، وترد في بعض المراجع بفتح اللام، وهو خطأ.
قال الأستاذ محمود شاكر: (بنو سَلِمة -بفتح السين وكسر اللام- وليس في العرب (سَلِمة) -بكسر اللام- غيرها، وسائرها بفتح اللام. وهم: بنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن سادرة بن تزيد بن جشم بن الخزرج). هامش "تفسير الطبري" 7/ 161. (ط. شاكر).
ويذكر ابن الأثير أن النسبة إلى سَلِمة بن سعد المذكور سابقًا: (السَّلَمي) عند النحويين، وينطقونها بفتح اللام، وأما المُحدِّثون فينطقونها (السَّلِمي) بكسر اللام. انظر: اللباب في "تهذيب الأنساب" 2/ 129.
وقد ورد ضبطها بالكسر في: "المغازي" للواقدي 1/ 319، و"المعارف" لابن قتيبة 109، 159، و"تاريخ الطبري" 2/ 354، 356، و"الاشتقاق"، لابن دريد 566، و"عيون الأثر" 2/ 9، و"فتح الباري" 7/ 357.]] مِن الخزرج، وبنو حَارِثَة من الأنصار [[هم بنو حارثة بن النَّبت، أو النبيت، من الأوس. انظر: "سيرة ابن هشام": 3/ 58، و"المعارف" 110، 159، و"تفسير الطبري" 4/ 72، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 469، و"التعريف والإعلام" للسهيلي 77.]].
وكان سبب ذلك أن [[أن: ساقطة من (ج).]] عبد الله بن أُبَيٍّ انْخَزَلَ [[انخزل؛ أي: انفرد وانقطع. و (الخَزْلُ، والاختزال، والانخزال): القطع والتقطع. انظر: "المجموع المغيث في غريب القرآن والحديث" 1/ 574، و"النهاية في غريب الحديث": 2/ 29 (خزل).]]، فرجع عن الطريق في ثلاثمائةٍ، وهمت الطائفتان بالانصراف معه، فعصمهم الله، فلم ينصرفوا ومضوا مع رسول الله ﷺ [[وبقي من المجاهدين مع رسول الله ﷺ سبعمائة - رضي الله عنه - أجمعين- بعد رجوع ابنِ أُبَي ومن معه من الثلاثمائة، وكان عدد المشركين: ثلاثة آلاف.
انظر خبر هذه الغزوة في "سيرة ابن هشام" 3/ 3 وما بعدها، "طبقات ابن سعد" 2/ 36، و"تاريخ الطبري" 2/ 499 وما بعدها، و"المنتظم" لابن الجوزي 3/ 161، و"الكامل في التاريخ" 2/ 103، و"عيون الأثر" 2/ 5، و"البداية والنهاية" 3/ 10، و"حدائق الأنوار" لابن الديبع: 2/ 518.]].
والفَشَل: الجُبْنُ، والخَوَرُ [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 74، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 465، و"تفسير المشكل من غريب القرآن" لمكي 51، و"تذكرة الأريب" لابن الجوزي 1/ 98، و"تحفة الأريب" لأبي حيان 247.
قال ابن عباس: ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾ يعني: أن تَجْبُنا، بلغة حِمْيَر). "اللغات في القرآن": 20.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: ناصِرُهما، ومُوَالٍ لهما على مَنْ عاداهما [[وقد فسرها ابن إسحاق بقوله: (المدافع عنهما ما همَّتا به من فشلهما؛ وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما، غير شك في دينهما، فتَولَّى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته، حتى سلمتا من وهونهما وضعفهما، ولحقتا بالنبي ﷺ). "سيرة ابن هشام": 3/ 58. وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 74، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 749.]].
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ التَوَكُّل: تَفَعُّل، مِن: (وَكَلَ أمْرَهُ إلى فلان): إذا اعتمد في كفايته عليه، ولم يَتَوَلَّهُ بنفسه [[(والتوكل: إظهار العجز، والاعتماد على الغير، والاسم: التُّكلان). "القاموس": (1069) (وكل). وانظر: "مقاييس اللغة": 6/ 136 (وكل).]]. وفي الآية إشارة إلى أنَّه ينبغي أن يستدفع [[في (ب): (يدفع).]] الإنسان ما يعرض له مِن حَرْفٍ [[في (ج): (حرب). وما في نسخة (ج) له وجاهته، ومناسبته التامة هنا؛ لأن المقام هنا مقام حديث عن الحرب، إلا أن ما أثبته وهو في نسخة الأصل (أ)، (ب)، له وجهه كذلك؛ لأن (الحرف) من (حَرَفَ الشيء، يحرف حَرْفا)، و (انحرف، وتَحرَّف): عَدَلَ. ومال عن الشيء، و (حَرَف الشيءَ عن وجهه): صرفه. فيكون معناها في هذا الموضع هو الصرف والميل والعدول عن الأمر السوي. وهو ما كان من أمر الطائفتين اللتين همَّتا بالميل والانصراف عن القتال مع النبي ﷺ، مما يستدعي أن يدفع الإنسان هذا الوهم الشيطاني عن نفسه بالتوكل.
انظر: (حرف) في: "اللسان" 2/ 839، و"القاموس" (799).]] ومكروهٍ بالتوكل على الله، وأن [[في (ج): (أن).]] يَصْرِفَ الجَزَعَ [[في (ب): (الجذع). الجَزَع: نقيض الصبر. وهو أبلغ الحزن، الذي يصرف الإنسان عما هو بصدده، ويقطعه عنه. يقال: (جَزع جَزَعًا، وجُزُوعا). انظر: (جزع) في: "مفردات ألفاظ القرآن" 194، و"القاموس" (709).]] عن نفسه بالتوكل.
آل عمران 3:123
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾. الآية [[(الآية): ساقطة من (ب).]].
النَّصْرُ: حُسْنُ المَعُونة [[انظر: (نصر) في: "المجمل" 870، و"مفردات ألفاظ القرآن" 808]]. وبَدْرٌ: بِئْرٌ [[(بئر): ساقطة من (ب)، (ج).]] لرجل [يقال] [[ما بين المعقوفين: غير واضح في (أ). وفي (ب): اسمه -بدلًا من: (يقال له) -. وأثبَتُّه من (ج). وهكذا جاءت العبارة في "تفسير الثعلبي" 3/ 108 - ب. ويبدو أن المؤلف نقلها عنه.]] له: بَدْر [[في (ب): وبدر كان رجل اسمه بدر.]]، سُمِّيَت باسم صاحبها، في قول الشعبي [[بيَّن الشعبي أن هذا الرجل من جهينة. انظر قوله في: "مصنف ابن أبي شيبة" 7/ 353 رقم (36646)، و"الطبقات الكبرى" 2/ 27، و"المعارف" 152، "تفسير الطبري" 4/ 74 - 75، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 750، و"تفسير الثعلبي" 3/ 108 ب، و"معجم ما استعجم" 1/ 231، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 123 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
وذكر ابن قتيبة والسهيلي أن بدرًا -هذا- رجل من غفار، من بطن يقال لهم: بنو النار. وقيل: إن بدرا -هذا- هو ابن قريش بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة.
انظر: "المعارف":152، و"التعريف والإعلام"، للسهيلي 77 - 78.]].
يدل على هذا قولُ حَسَّان [[تقدمت ترجمته.]]:
وبِبِئْرٍ إذْ يَرُدُّ وجوهَهُم ... جبريلُ تحت لِوائِنا ومُحَمَّدُّ [[البيت لكعب بن مالك الأنصاري، وليس لحسّان، ولم أقف عليه في ديوانه، ولم أجد من نسبه له. رضي الله عنهما.
وهو في: "ديوان كعب" 191، وورد منسوبًا له في: "العمدة" لابن رشيق 799، و"معجم ما استعجم" 232.
وفي المعجم: (.. نَرُدُّ ..) بدلًا من: (.. يَرُدُّ ..).
والبيت من قصيدة يرثي فيها حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - عم النبي ﷺ.
والضمير في (وجوههم) يعود على المشركين الذين قُتِلوا وغيِّبوا في قليب بدر بعد المعركة.]]
وقال الواقِدِيُّ [[لم أهتد إلى قوله هذا في كتابه "المغازي"، وقد ورد في: "الطبقات الكبرى" 2/ 27، و"تفسير الطبري" 4/ 75، و"تفسير الثعلبي" 3/ 108 ب، و"معجم ما استعجم" 1/ 231.
والواقدي، هو: محمد بن عمر بن واقد السَّهْمي، تقدمت ترجمته.]] -عن شيوخه- [[عن شيوخه: ساقطة من (ب).]]: (بدر) [[بدر: زيادة من (ب).]]، هو اسمٌ لِمَوضِعٍ [[وفي هذا الخبر عنه، أن الواقدي ذكر قول شيوخه -هذا- ليحيى بن النعمان == الغفاري، فقال: (سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا، وما مكه أحدٌ قطُّ يقال له بدر، وما هو من بلاد جهينة، إنما هو من بلاد غفار. قال الواقدي: وهو المعروف عندنا) "معجم ما استعجم" 1/ 231.]].
وقيل: هو ماءٌ [[(ماء): ساقط من (ب).]] لبني غِفَار [[في (ب): (لبني عفان).]]، بين مكة والمدينة [[ورد عن الربيع، والضحاك، وقتادة أنه ماء بين مكة والمدينة. وليس فيه أن هذا الماء لبني غفار. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 75، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 750، و"تفسير الثعلبي" 3/ 107 ب، و"معجم ما استعجم" 1/ 307، و"الدر المنثور" 2/ 123.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنتُم أَذِلَّةٌ﴾ في موضع الحالِ، وإنّما كانوا أذلةً؛ لقلة العَدَدِ، وضعف الحال [[وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والحسن، والربيع، وابن إسحاق. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 75، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 751.]]؛ لقلة [[في (ب): ولقلة.]] السلاح والمال عن مقاومة العدو [[بلغ عدد المسلمين في هذه المعركة: ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وهذا قول عامة السلف، كما يقول الطبري في تاريخه: 2/ 432. على اختلاف الأقوال في العدد بعد الثلاثمائة: فقيل: (305)، وقيل: (307)، وقيل: (313)، وقيل: (314)، وقيل: (318)، وقيل: (319). ومعهم: فرسان، وستون درعًا، وسبعون بعيرا. أما المشركون: فقيل: عددهم: تسعمائة وخمسون رجلًا، وقيل: ألف رجل. ومعهم: ستمائة درع، ومائتا فرس، وقيل: مائة، وقيل: ثمانون، وقيل: ستون. انظر: "صحيح البخاري": كتاب: المغازي. باب: عدة أصحاب بدر، و"صحيح مسلم": كتاب: الجهاد والسير، باب: الامداد بالملائكة في غزوة بدر، و"طبقات ابن سعد" 2/ 21 - 22، و"سيرة ابن هشام" 2/ 354، و"تاريخ الطبري" 2/ 423، 431 - 432، و"المنتظم" 3/ 98، 100، 102، و"البداية والنهاية": 3/ 259،==260، و"حدائق الأنوار" 2/ 498، 499، و"عيون الأثر" 1/ 381، 383، وانظر: تفسير المصنف لقوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ من آية 13 سورة آل عمران.]].
ومعنى الذلِّ: الضَّعْف عن المقاومة. ونقيضه: العِزُّ، وهو: القوة والغَلَبَة [[انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" (330) (ذلل)، "اللسان" 5/ 2925 (عزز) 3/ 1513 (ذلل)، "القاموس" 517 (عزز).]].
و ﴿أَذِلَّةٌ﴾ [[من قوله: (وأذلة ..) إلى (.. وأقفزة): نقله بتصرف يسير من "معاني القرآن"، للزجاج 1/ 466، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 405.]]: جمع ذليل. والأصل في (فَعِيل) إذا كان صفةً، أن يجمع على (فُعَلاَء، نحو: (ظَرِيف وظُرَفَاء)، و (شَرِيك وشُرَكَاء)، ولكن لفظ [[(لفظ): في (أ) غير واضحة وفي (ب): (لفظت)، وليست في "معاني القرآن". والمثبت من (ج).]] (فُعَلاَء) [اجتُنِبَ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (خففت). وفي "معاني القرآن" (اجتنب). والمثبت من (ج).]] في التضعيف؛ لأنه [لو قيل: (خُلَلاَء) [[في "معاني القرآن": (جللاء).]]، و (قُلَلاَء)، في جمع: خَلِيل [[في "معاني القرآن": (جليل).]] وقَلِيل، لا جتمع حرفان من جنسٍ واحد، فَعُدِل به] [[ما بين المعقوفين زيادة لازمة من (ج) ومن "معاني القرآن".]] إلى (أفْعِلَة)؛ لأن (أفْعِلَة) مِن جمْع الأسماء في (فَعِيل) [[في (ب): (فعل).]]، [نحو: جَرِيب] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وفي (ب): (نحو جريت). والمثبت من (ج) و"معاني القرآن".]] وأَجْرِبَة) [[في (ب): (أجريت).]]، و (قَفِيز [[في (ب): (وقفز).]] وأَقْفِزَة) [[الجريب: من الأرض والطعام، مقدار معلوم الذراع والمساحة. وهو عشرة == أقفزة وقيل: قدر أربعة أقفزة. وقيل: يختلف باختلاف البلدان، كالاختلاف في الرطل والمد والذراع وغير ذلك. وقيل: ثلاثمائة وستون ذراعًا.
ويطلق -كذلك- على المزرعة، والوادي. وجمعه: أجربة وجُربان.
والقفيز: مكيال، وهو ثمانية مكاكيك عند أهل العراق - والمكّوك: مكيال يسع صاعًا ونصف، وقيل: غير ذلك.
وقيل: القفيز: مقدار مساحة من الأرض. وقيل: مكيال يتواضع الناس عليه.
ويجمع على أقفزة، وقُفْزان -بكسر القاف وضمها-. انظر: "التاج": 1/ 361 (جرب)، 8/ 129 (قفز)، و"القاموس": ص 954 (مكك).]].
قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن"، له: 1/ 466. نقله عنه باختصار قليل وتصرف.]] في هذه الآية [[(في هذه الآية): ساقط من (ج).]]: أعلم الله -جَلَّ وعَزَّ- أنَّهم حين لَزِمُوا الطاعةَ، نصرهم اللهُ، وهم قليل، ويوم أُحُد نَزَلَ بهم ما نزل؛ بمخالفة أمرِ النبي ﷺ، فجعل ذلك عقوبة.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: اتقوا معاصي الله بالعمل بطاعته، أو اتَّقوا عقابَ اللهِ بالعمل بطاعته؛ لتقوموا بشكر نعمته. وهذا [[في (ج): (هذا) بدون واو.]] معنى قول محمد بن إسحاق بن يَسَار في هذه الآية [[قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 59، و"تفسير الطبري" 4/ 74، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 751.]]: اتَّقُونِي فإنَّه شكر نعمتي [[في (ب): (لنعمتي).]].
آل عمران 3:124
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. قال الشَّعْبيُّ [[قوله في: "مصنف ابن أبي شيبة" رقم (36659) كتاب: المغازي. غزوة بدر الكبرى، و"تفسير الطبري" 4/ 76، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 752، و"تفسير الثعلبي" 3/ 110 ب، و"تفسير ابن كثير" 1/ 432، و"الدر المنثور" 2/ 123، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]]: حُدِّثَ المسلمون أن كُرْز بن جابر المُحَارِبي [[هو كرز بن جابر بن حُسيل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فِهْر القُرَشي الفهري. كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم، وهو الذي أغار على سَرْح المدينة مرَّةً، وفات النبي ﷺ، ولم يدركه، وهي المسماة: (غزوة بدر الأولى)، ثم أسلم وحسن إسلامه، ولاه رسول الله ﷺ الجيش الذي بعثهم في أثر العرنيين الذين قتلوا راعيه، واستشهد يوم في فتح مكة سنة (8 هـ). انظر: "أسد الغابة" 4/ 468، و"الإصابة" 3/ 290.]] يريد أن يُمِدَّ [[في (ب): (أن هذا). بدلًا من (أن يمد).]] المشركين، فَشَقَّ ذلك عليهم، فقيل لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾.
ومعنى الكِفَايَةِ، هو: سَدُّ الخَلَّةِ [[الخَلَّةُ -هنا-: الحاجة، والفقر. انظر: "القاموس" (994) (خلل).]]، والقيام بالأمر، يقال: (كفاهُ أمْرَ كذا): إذا قامَ [[في (أ)، (ب): (أقام). والمثبت من (ج).]] بِهِ دونه، وسَدَّ خَلَّتَهُ [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 421، و"اللسان" 15/ 225 (كفي)، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 368.]].
ومعنى الإمْدَاد: إعطاء الشيء حالًا بعد حال [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3361 (مدد)، و"النكت والعيون" 1/ 421.]].
قال المُفَضَّلُ [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 111 ب.]]: ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: (أَمَدَّهُ، يُمِدُّهُ) [[في (ب): (المد مده). وفي "تفسير الثعلبي": أمدَّه يُمِدُّه إمدادًا.]]، وما كان على جهة الزيادة، قيل فيه: (مَدَّةُ، يَمُدُّهُ، مَدًّا) [[في "تفسير الثعلبي": (مدَّه يمده مدادًا).
ذكر الرَّاغبُ أن أكثر ما جاء (الإمداد) في المحبوب، و (المد) في المكروه. فمن (الإمداد) قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: 22]، و ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: 12].
ومن (المد) قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15]، وقوله: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّ﴾ [مريم: 79].
وقد نقل الطبري عن يونس الجرْمي ذلك، وبيَّن أن ما كان منها متعلقًا بالشر وبمعنى أنك تركته، فهو: (مددت)، وما كان في الخير، وبمعنى أنك أعطيته، فهو: (أمددت). ونقل عن بعض نحوي الكوفة -ولم يسم أحدا منهم-: أنَّ كل زيادة أحدثت في الشيء من نفسه، فهي: (مَدَدت)؛ كقولنا: (مدَّ النهر، ومدَّه نهرٌ آخر غيرُه) حيث يتصل به، فيصير منه.
وكل زيادة أحدثت في الشيء من غيره، فهي: (أمدَدْت)؛ كقولنا: (أمددت الجيش بمدد).
انظر: "تفسيرالطبري" 1/ 135، و"مفردات ألفاظ القرآن" 763 (مدد)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 111 ب، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 489.]]، ومنه قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ [[سورة لقمان: 27. وتمامها: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.]].
آل عمران 3:125
قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ الآية. ﴿بَلَى﴾: تصديق لوعد الله. ومضى الكلامُ فيه [[في (ج): (في).]] إذا وقع في ابتداء الآية.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا﴾ [[في (ج): ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾.]]. أي: على لقاء العدو.
﴿وَتَتَّقُوا﴾ معصية الله، ومخالفة النبي ﷺ [[انظر: "بحر العلوم": 1/ 296، و"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 753 ولفظه عندهما: (من سفرهم هذا)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 112 أ، و"تفسير البغوي" 2/ 100، و"زاد المسير" 1/ 451.]].
﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قال ابنُ عبَّاس -في رواية العَوْفي- [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 80، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 753، و"تفسير الثعلبي" 3/ 112 أ، و"تفسير البغوي" 2/ 100، و"زاد المسير" 1/ 451.]]: مِن وجههم هذا. وهو قول: الحسن [[قوله في المصادر السابقة.]]، وقتادة [[قوله في المصادر السابقة.]]، والربيع [[قوله في: "الطبري" 4/ 80، و"ابن أبي حاتم" 3/ 753، و"الثعلبي" 3/ 112 ب.]]، والسّدِّي [[قوله في المصادر السابقة.]]، وابن زيد [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 80، و"تفسير الثعلبي" 3/ 112ب.]].
وقال [[أي: ابن عباس.]] في رواية باذان: من غَضَبِهم هذا [[ورد هذا القول في "تفسير الطبري" 4/ 80، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 753، و"تفسير الثعلبي" 3/ 112 أ، و"النكت والعيون" 1/ 421، ولكن هذه المصادر نسبت هذا القول لأبي صالح باذان، وليس في الأثر أنه رفعه لابن عباس.]]. وهو قول: مجاهد [[قوله، في "تفسيره" 135، و"تفسير الطبري" 4/ 81، و"ابن أبي حاتم" 3/ 753، و"الثعلبي" 3/ 112 أ، و"البغوي" 2/ 100، و"زاد المسير" 1/ 451.]]، والضَّحَّاك [[قوله في المصادر السابقة، عدا الأول.]].
وأصل الفَوْرِ: غَلَيانُ القِدْرِ. يقال: (فارت القِدْرُ، تَفُورُ فَوْرًا)، وهو غليانها عند شدة الحَمْي [[انظر: (فور) في: "مقاييس اللغة" 4/ 458، و"مفردات ألفاظ القرآن" 647.]]. ومنه: فَوْرُ الغَضَبِ؛ لأنه كَفَوْرِ القِدْرِ بالحَمْي. ومنه، يقال: (جاء على الفَوْر)؛ أي: على ابتداء الحَمْي، قبل أن تَبْرُدَ نَفْسُه عنه [[انظر: المصادر السابقة، و"تفسير الطبري" 4/ 81، و"تفسير الثعلبي" 3/ 112 أ.]].
وقوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ مَنْ فَتَحَ الواو [[هي قراءة: نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾. انظر: "السبعة": 216، و"حجة القراءات": 173.]]، معناه: مُعْلَمِين، قد سُوِّمُوا، فهم مُسَوَّمِين.
والسُّوْمَة: العَلاَمَةُ يُفْرَقُ بها الشيءُ مِن غَيْرِه. ومضى شيءٌ من هذا في قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [[[سورة آل عمران: 14]. وانظر: "تهذيب اللغة": 2/ 1601 (سوم).]].
وهذه [[من قوله: (هذه) إلى نهاية بيت الشعر الآتي: نقله بنصه عن "الحجة" للفارسي 3/ 76. غير أنه ليس في "الحجة": (قال عنترة) وإنما: (قال) فقط دون نسبة لقائل.]] العَلامَةُ يُعْلِمُها الفارسُ يوم اللقاء؛ ليُعْرَفَ بها.
قال عنترة [[تقدمت ترجمته.]]:
فَتَعَرَّفوني إنَّنِي أنا ذِلكُم ... شاكٍ سِلاحي في الحوادِثِ مُعْلَمُ [[البيت: ليس لعنترة، وإنما هو لطريف بن تميم العنبري. وقد ورد منسوبًا له في: "كتاب سيبويه" 3/ 466، 4/ 378، و"الأصمعيات" 128، و"البيان والتبيين" 3/ 93، و"الاختيارين" 189، و"العقد الفريد" 3/ 208، و"الاقتضاب في شرح أدب الكتاب" 3/ 408، و"شرح أدب الكاتب"، للجواليقي 284، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 367، و"معاهد التنصيص" 1/ 204، و"شرح شواهد شرح الشافية" (مطبوع مع شرح الشافية) 4/ 368. == كما ورد غير منسوب في: "المقتضب" 1/ 116، و"المنصف" 2/ 53، 3/ 66، و"الحجة" للفارسي 3/ 77.
وقد روي البيت في بعض المصادر بـ (فتوسَّموني) بدلا من: (فتعرفوني)، و (ذاكم) بدلًا من (ذلكم) وفي بعضها: (شاكي السلاح)، وفي "الكامل"، لابن الأثير: (لا تنكروني إنني داء لكم ..). وقبل هذا البيت:
أوَ كلما وردت عكاظ قبيلةٌ ... بعثوا إليَّ عريفهم يَتَوَسَّمُ
لقد كان من عادة الفرسان في الجاهلية -نظرا لما عليهم من ثارات كثيرة- أنهم إذا ما وردوا عكاظ في الموسم، يتقنعون لئلا يُعرَفوا، فيُقصدوا في الحروب؛ لأخذِ الثأرِ منهم، إلا الشاعر، فإنه لشجاعته يلقي القناع عن وجهه على خلاف العادة، فكان بعضُ من لهم ثأر عنده يمر به ويتفرس في وجهه، فخاطبهم الشاعرُ بقوله: تعرفوا عليَّ جيدًا، وتفرسوا فيَّ، فإنني لا أخشاكم، ولا أهابكم.
وقوله: (شاك سلاحي)؛ أي: لسلاحي شوكة وله حد. وأصله: (شائك)، فقُلِب إلى: شاكٍ وقيل: أصله: (شاككٌ) من: الشكَّة، وهي: السلاح. وقيل غير ذلك. وينطق (شاكٍ) -في البيت- بالضم، أو بالكسر، مع التنوين. وقوله: (مُعْلَم)، أي: يُعلِم نفسه بعلامة في الحرب؛ ليُعرَف بها. انظر: "الاقتضاب": 3/ 409.]] ومَن كَسَرَ الواو [[هي قراءة: ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾. انظر: "السبعة" 216، و"حجة القراءات" 173.]]، نَسَبَ الفِعْلَ إليهم؛ لِمَا جاء في الخبر: أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "سَوَمُوا، فإن الملائكة قد سَوَّمَتْ" [[الحديث أخرجه: ابن أبي شيبة في: "المصنف" 7/ 355 رقم (36657) وأبو عمرو الدوري في "جزء فيه قراءات النبي ﷺ" 80، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 82.
وأوردته الكتب التالية، غير مسند: "تفسير الثعلبي" 3/ 112 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 99، 100، و"زاد المسير" 1/ 452، و"الدر المنثور" 2/ 125. والحديث مرسل؛ لأنه من رواية عمير بن إسحاق، قال: (.. قال رسول الله ﷺ) وذكره. == قال الشيخ أحمد شاكر: (وعمير بن إسحاق، أبو محمد مولى بني هاشم، روى عن المقداد بن الأسود، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، كان قليل الحديث. قال أبو حاتم: لا نعلم روى عنه غير ابن عون. قال ابن معين: ثقة. وقال -ايضًا-: لا يساوي حديثه شيئًا، ولكن يكتب حديثه) ثم تابع الشيخ شاكر قائلًا: (فهذا الحديث مرسل -كما ترى-، وعن رجل يكتب حديثه ولا يحتج به). هامش "تفسير الطبري" 7/ 186. (ط. شاكر). وانظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 216.
وأخرج الواقدي في "المغازي": 1/ 75 - 76 عن محمود بن لبيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الملائكة قد سَوَّمت فسَوِّموا، فأعْلَموا بالصوت في مغافرهم وقلانسهم".
وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" 2/ 16 ولم يسنده، وأورده المتقي الهندي في: "كنز العمال": 10/ 403 رقم (29964) وزاد نسبة إخراجه لابن النجار.
ومحمود بن لييد بن عقبة بن رافع الأوسي الأشهلي، أبو نعيم المدني. قال عنه ابن حجر: (صحابي صغير، وجل روايته عن الصحابة، مات سنة 96، وقيل: 97، وله تسع وتسعون سنة). "تقريب التهذيب": 522 (6517).]].
قال ابن عباس: كانت الملائكة قد سَوَّمت يوم بدر بالصُّوف الأبيض في نواصي الخيل، وأذنابها [[في (ب): (وأذناها). وفي (ج): (وأذانها).
ولم أقف على قول ابن عباس بهذا اللفظ، وإنما الذي ورد عنه، قوله: (فإنهم [أي: الملائكة] أتوا محمدًا النبي ﷺ مسومين بالصوف، فسوَّم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف).
أخرجه الطبري 4/ 83، وابن أبي حاتم 3/ 754، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 422.]].
وقال الربيعُ [[لم أقف على مصدر قوله هذا. والذي في "تفسير الطبري" 4/ 83 قوله: (كانوا يومئذ على خيل بُلْق) وكذا ورد في "تفسير الثعلبي" 3/ 112 ب.]]، وهشامُ بن عُرْوة [[قوله في: "مصنف ابن أبي شيبة" 7/ 361 رقم (36692)، و"تفسير الطبري" 4/ 83، و"ابن أبي حاتم" 3/ 755، و"المستدرك" 3/ 361، و"تفسير الثعلبي" == 3/ 112ب، و"النكت والعيون" 1/ 422، و"تفسير البغوي" 2/ 101، و"زاد المسير" 1/ 452، و"تفسير ابن كثير" 1/ 432، وقال: (رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير).
وهشام، هو: أبو المنذر، ابن عُرْوة بن الزبير بن العوام الأسدي. إمام ثقة حافظ حجة، مشهور بالورع والصلاح. توفي بغداد سنة (145هـ) أو (146هـ).
انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 63، و"الميزان" 5/ 426، 427، و"التهذيب" 4/ 275، و"شذرات الذهب" 1/ 218.]]: كانت عليهم عمائم صُفْرٌ، وروي عن علي [[قوله في "سيرة ابن هشام" 2/ 274 ولفظه عنده: (العمائم تيجان العرب، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء، أرخوها على ظهورهم، إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء).
وأخرج ابن أبي حاتم عنه قوله: (كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض)، وفي رواية أخرى عنده: (كان سيما الملائكة أهل بدر الصوف الأبيض، وكان سيما الملائكة -أيضًا- في نواصي الخيل). "تفسيره" 2/ 525.
وورد في "مصنف ابن أبي شيبة" بنفس السند الذي عند ابن أبي حاتم، ولكن لفظه: (كان سيما أصحاب رسول الله ﷺ ..) وذكره
وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 112 ب، بنفس لفظ المؤلف، حيث قال: (وقال علي ابن أبي طالب وابن عباس ..) وذكره، وكذا أورده البغوي في "تفسيره": 2/ 101، وأورده المتقي الهندي في "كنز العمال" 2/ 378 رقم (4299) بنفس لفظ ابن أبي حاتم، وزاد نسبته لابن المنذر.]] وابن عباس [[قوله في: "سيرة ابن هشام" 2/ 274، و"تفسير الثعلبي" 3/ 112 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 101، و"تفسير ابن كثير" 1/ 432، وورد في "الدر المنثور" 2/ 125، وزاد نسبة إخراجه للطبراني.]]: كانت عليهم عمائمُ بِيضٌ، قد أرسلوها بين أكتافهم.
قال المفسرون: فصبر المسلمون يوم بَدْرٍ، واتَّقوا اللهَ، فأَمَدَّهم [[في (ب): (فأيديهم).]] الله بخمسة آلافٍ من ملائكته [[في (ج): الملائكة.]] على ما [وَعَدَهم] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (وهم). والمثبت من (ج). وممن قال بهذا: ابن عباس، وقتادة، والربيع. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 77.]]. قال الحسن [[لم أقف على مصدر قوله.]]: فهؤلاء الخمسة آلاف رِدْءٌ [[الرِّدْءُ -هنا-: العَوْنُ. انظر: "القاموس المحيط" 41 (ردأ).]] للمؤمنين إلى يوم القيامة.
وقال ابن عباس [[قوله في "المغازي" 1/ 79، و"سيرة ابن هشام" 2/ 274، "تفسير الطبري" 4/ 77، "النكت والعيون" 1/ 422، و"ابن كثير" 1/ 432، ونسب إخراجه إلى ابن مردويه.]]، ومجاهد [[قوله في "تفسيره" 135، و"تفسير الطبري" 4/ 78.]]: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك، يشهدون القتال ولا يُقاتِلُون.
آل عمران 3:126
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ الكناية [[سبق بيان أن الكناية يُراد بها: الضمير.]] تعود على المَصْدَرِ؛ كأنه قال: وما جعل الله المَدَدَ والإمْدادَ إلّا بُشْرى. فَدَلَّ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ على الإمداد، فَكَنَى عنه [[وقيل: الضمير يعود على النصر، وقيل: يعود على التسويم، وقيل: على التنزيل، وقيل: على العدد، وقيل: على الوعد.
انظر: "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 268، و"الدر المصون" 3/ 389 - 390.]]، كما قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121]؛ معناه [[(معناه وان أكله لفسق): ساقط من (ج).]]: وإن أكلَهُ لَفِسْقٌ. فَدَلَّ ﴿تَأْكُلُوا﴾ على الأكل، فكنى عنه، والعرب تقول: (مَنْ صَدَقَ؛ كان خيرًا له، ومَن كَذَبَ؛ كان شرًا له). فدل الفعلان على المَصْدَرَيْنِ [[وهما الصدق والكذب.]]. هذا كلام ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]. وكذلك قال الزجاج [[في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 467.]]؛ أي: وما جَعَلَ اللهُ ذِكْرَ المَدَدِ إلّا بُشْرَى [[ومن قال بهذا: أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 296، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 471، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 454.]].
والبُشْرى: اسم من (الإبشار)، و (التبشير) [[انظر: "القاموس المحيط" 744 (بشر).]].
ومضى الكلام في معنى التبشير [[انظر: "تفسير البسيط" عند تفسير ﴿إِنَ اَللَّهَ يُبَشِرُكِ﴾ الآية: 39.]]، وسيأتي الكلام في (بُشْرى) في سورة يوسف إن شاء الله [[وردت لفظة (بشرى) في سورة يوسف: 19 ﴿قَالَ يَابُشرَى هَذَا غُلاَمٌ﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ فلا تجزع من كثرة العَدُوِّ [[في (ج): (العدد).]]، وقِلَّةِ عَدَدِكم. وإنما قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾، ولم يقل: واطْمِئْنانًا، كما قال ﴿بُشْرَى﴾، لأن ذِكْر المَدَدِ سببٌ لاطمئنان القلوب، ولم يكن نفس الاطمئنان، وكان ذكر المَدَدِ نفس البُشْرَى.
وقال صاحب النظم [[قد أورد قوله هذا بنصه السمينُ الحلبي في "الدر المصون" 3/ 389.]]: هذا على تأويل: وما جعله الله إلّا لِيُبَشِّركم [[في (ب): (إلا بشرى لكم).]]، ولِتَطمئنَّ به قلوبُكم.
ومن أجاز إقحام الواو -وهو مذهب الكوفيِّين [[سبق بيان مذهب الكوفيين والبصريين في موضوع زيادة الواو العاطفة. انظر: التعليق على تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ [الآية 50 من سورة آل عمران].]] - جعلها مقحمةً في ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ فيكون التقدير: وما جعله الله إلا بُشْرَى لكم؛ لِتَطمئنَّ قلوبكم به.
قال: وزعم بعضهم أنَّ الواو لإضمارٍ بعده، على تأويل: (ولتطمئن قلوبكم به، جَعَل ذلك). واحتج بقوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: 12]، على تأويل: (وحفظًا لها، جَعَل ذلك). ومثله: قوله: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: 42]، على [[من قوله: (على ..) إلى (.. مفعولًا): ساقط من (ج).]] تأويل: ليقضي اللهُ أمرًا كان مفعولًا، فَعَلَ ذلك.
ونحو هذا قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)﴾ [[والتأويل هنا، على هذا الرأي: أي: وليكون من الموقنين أريناه انظر: "الدر المصون" 5/ 7.]] [الأنعام: 75].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ قال المفسرون: أرادَ الله تعالى: أنْ لا يَرْكَن المؤمنون إلى الملائكة، وأَعْلَمَ أنهم وإنْ [[في (ج): (إن) بدون واو.]] حضروا وقاتلوا، فما النصر إلا من عند الله؛ ليستعينوا به [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] يَتَوَكَّلوا عليه. والإمداد بالملائكة؛ بُشرَى لهم [وطُمَأنِينة] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (بطمأنينة). والمثبت من (ج).]] لقلوبهم [[في (ب): (قلوبهم) بدون اللام.]]؛ لما في البَشَرِ من الضَّعْف، فأما حقيقة النصرِ والاستعلاءِ في العرب، فهو من عند الله العزيز الحكيم [[انظر هذا المعنى في: "تفسير الطبري" 4/ 84]].
آل عمران 3:127
قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللّام تعود إلى قوله: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدرٍ﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 85، و"الثعلبي" 3/ 113 أ، و"البغوي" 2/ 101. وعزا السمين الحلبي هذا القول -كذلك- للحوفي. انظر: "الدر المصون" 3/ 390، واستبعده السمين؛ لطول الفصل بين اللام ومتعلقه.]].
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾؛ أي: لِيُهلك طائفةً، ولِيَقْتُلَ قِطْعَةً. قال السُّدِّي [[قوله هذا -بنصه- في: "تفسير الثعلبي" 3/ 113 أ، و"تفسير البغوي" 2/ 101.]]: معناه: لِيَهدِمَ رُكْنًا مِن أركان الشرك، بالقتل والأَسْرِ، فقُتِلَ من قادتهم وسادتهم يومَ بَدْرٍ، سبعون، وأُسِرَ سبعون [[الذي وقفت عليه من قول السدي: أن المَعني بالآية: مَن قُتِل من الكفار يوم أحد، وهم ثمانية عشر رجلًا. وقد ورد قوله هذا في: "تفسير الطبري" 4/ 85، و"النكت والعيون" 1/ 422، و"زاد المسير" 1/ 454.
وممن قال بأن المراد بها مَن قتل يوم بدر: قتادة، والربيع، والحسن، وابن إسحاق، والجمهور. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 85، و"زاد المسير" 1/ 454.
أما ما ذكره المؤلف من عدد قتلى وأسرى المشركين في معركة بدر، فانظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 362، و"تاريخ الطبري" 2/ 474.]].
وقال بعضهم [[لم أقف على القائل.]]: المعنى: وما النصر إلا من عند الله، ليقطع طرفًا [[قال السمين: (وفيه نظر من حيث إنه قد فُصل بين المصدر ومُتَعَلَّقه بأجنبي، وهو: الخبر). "الدر المصون" 3/ 390.]]. وقيل [[ممن قال بهذا: أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 297.]]: إنَّ هذا راجعٌ إلى [معنى قوله] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
وعلى هذا الوجه يكون قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. == وهناك أقوال أخرى في عود الللام في ﴿لِيَقْطَعَ﴾. انظر: "تفسير ابن عطية" 3/ 313، و"الدر المصون" 3/ 390.]]: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾، و ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾، ولكنه ذُكِر بغير حرفِ العطف؛ لأنَّ الكلامَ إذا كان بعضُه ملتبسًا ببعضٍ، جاز حذفُ العاطف؛ كقوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22].
وإنما قال: ﴿طَرَفًا﴾ ولم يقل: (وَسَطًا)؛ لأنه لا يُوصَلُ إلى الوَسَطِ الا بعد قطع الطَّرَفِ، وهذا القَطْعُ إنما هو بأيدي المؤمنين، وإنما يقطعون الطَّرَفَ الذي يليهم مَنَ الكافرين، وهذا يوافق قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123]، وعلى هذا -أيضًا- قولُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: 41].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ الكَبْتُ -في اللغة-: صَرْعُ الشيء على وجهه؛ يُقال: (كَبَتَهُ، فانْكَبَتَ) [[انظر: كتاب "العين" 5/ 342 (كبت)، و"مجاز القرآن" 1/ 103، و"تهذيب اللغة" 10/ 152 (كبت).]]. هذا تفسيره، ثم قد [[(قد): ساقطة من (ب).]] يُذكرُ [[(يُذْكَرُ): وردت في (أ)، (ج): (يذكرو). وفي (ب): (يذكروا). وما أثبتُّهُ هو ما استصوبته، لأن في (أ)، (ج) قد تكون الضمة التي على الواو كتبها الناسخ بحجم أكبر من حجمها الطبيعي، وتزحلقت قليلًا إلى ما بعد الرَّاء. أما الذي في نسخة (ب) فلا وجه له، لأن الفعل كُتِب فيها في حالة الجمع، وحذفت منه النون التي هي علامة رفعه، والصواب إثباتها، لأنه من الأفعال الخمسة.]] المرادُ به: الإخزَاءُ، والإهلاكُ، واللَّعْنُ، والهَزِيمَةُ، والغَيْظُ، والإذلالُ. وكلُّ هذا ذكره المفسرون في تفسير (الكَبْتِ) [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 299، و"سيرة ابن هشام" 3/ 61، و"غريب القرآن" لابن اليزيدي 44، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 110، و"تفسير الطبري" 4/ 86، == و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 467، و"ابن أبي حاتم" 3/ 756، و"نزهة القلوب" للسجستاني 485، و"بحر العلوم" 1/ 297، و"زاد المسير" 1/ 454.
قال ابن قتيبة: (لأن أهل النظر يَرَوْن أن التاء فيه منقلبة عن دال؛ كأن الأصل فيه: (يكبدُهُم)، أي: يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة. ومنه يقال: (فلان قد أحرق الحزنُ كبِدَهُ). و (أحرقت العداوة كبده). والعرب تقول للعدو: (أسود الكبد) ..) ثم أتبع قائلاً: (والتاء والدال متقاربتان المَخرَجَيْن. والعرب تدغم إحداهما في الأخرى، وتبدل إحداهما من الأخرى). "تفسير غريب القرآن" 110. وانظر (كبت) في "تهذيب اللغة" 4/ 3088، "اللسان" 6/ 3805، "عمدة الحفاظ" 477.]].
وقوله تعالى: ﴿خَائِبِينَ﴾ الخَيْبَةُ: حِرْمانُ البُغْيَة [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 957 (خاب)، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 472، و"اللسان" 3/ 1297 (خيب).]]، ولا تكون إلّا بعد الأَمَلِ. واليَأْسُ قد يكون قبل الأَمَلِ، وقد يكون بعده. فنقيض اليَأْسِ: الرَّجَاءُ، ونقيض الخَيْبَةِ: الظَّفَرُ.
وقد أنجز الله وَعْدَهُ يوم بَدْرٍ؛ بِقَطْع [[في (ج): (فقطع).]] طَرَفٍ مِن الكفار بالقتال والأسر، وَرَدَّ الباقين منهزمين، خائبين مِمّا أَمَّلُوا مِن الظَّفَرِ، فتحقق نصرُه، وعَلَت كلمَتُهُ.
آل عمران 3:128
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
ذَكَرَ النحويون -الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 234.]]، والزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 468.]]، وغيرُهما [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 215، و"تفسير الطبري" 4/ 86، و"إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 583، و"القطع والائتناف" للنحاس 233، و"معاني القرآن" له 1/ 474. واستحسنه الثعلبي في "تفسيره" 3/ 115 ب.]] - في هذه الآية قولين: أحدهما: أنَّ قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلَى قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، ويكون قولُه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراضًا بين المعطوف والمعطوف عليه؛ كما تقول: (ضَرَبْتُ زيدًا -فاعْلَمْ ذلك- وعَمْرًا) [[وقد رجح الطبري هذا الرأي في "تفسيره" 4/ 86، وقال معلَّلًا: (لأنه لا شيء من أمرالخلق إلى أحد سوى خالقهم، قبل توبة الكفار وعقابهم، وبعد ذلك).]]. فعلى هذا القول: هذه الآية متصلة بما قبلها.
القول الثاني: وهو أنَّ الموافق لِمَا ذُكِرَ في تفسير هذه الآية: أنَّ معنى (أو) -ههنا- معنى (حتَّى) و (إلّا أنْ)؛ وذلك أنَّ أكثر المُفَسِّرِين -ابنَ عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره الماوردي في "النكت" (423)، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 456.]]، والحسنَ [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 87، 88، و"النكت والعيون" 2/ 423، و"زاد المسير" 456.]]، وقتادةَ [[قوله في المصادر السابقة.]]، والربيع [[قوله في المصادر السابقة.]] - قالوا: لَمّا كان من المشركين يوم أحد ما كان [[(ما كان): ساقطة من (ج).]]، مِنْ كَسْرِ رَبَاعِيّةِ [[الرَّبَاعِيَّة: هي السن بين الثَّنِيَّة والناب. وجمعها: رباعيات. وهن أربع رباعيات: ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل. انظر: كتاب "خلق الإنسان"، لابن أبي ثابت 166، و"القاموس" (719) (ربع).
قال ابن حجر: (والمراد بكسر الرَّباعية .. أنها كسرت فذهب منها فلقة، ولم تقلع من أصلها). "فتح الباري" 7/ 366.
وفي "سيرة ابن هشام" عن ابن إسحاق أن الذي فعل ذلك هو: عقبة بن أبي وقاص. == حيث رمى النبي ﷺ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته العليا وشَجَّه في وجهه.
ويذكر ابن هشام، عن أبي سعيد الخدري، أن عبد الله بن شهاب الزهري شجَّه في وجهه، وأن ابن قَميئة جرح وجنته، فدخل حلقتان من حِلَق المِغْفَر في وجنته. انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 27، و"تاريخ الطبري" 2/ 514.]] النبي ﷺ، وشَجِّهِ حتَّى جَرَت الدِّماءُ على وجهه، قال: "كيف يُفْلِحُ قومٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟! " [[الحديث -كذلك- ورد من رواية أنس، وقد أخرجته الكتب التالية بألفاظ مختلفة، بنحو الذي ذكره المؤلف. فقد أخرجه البخاري -معلقًا- 5/ 35. كتاب المغازي. باب (ليس لك من الأمر شيء)، وأخرجه مسلم في (1791) كتاب الجهاد. باب غزوة أحد، وأحمد 3/ 206، 3/ 99، 253، 288، والترمذي (3002 - 3003) كتاب التفسير. (سورة آل عمران) وقال: (حسن صحيح). وابن ماجه (4027) كتاب الفتن: باب الصبر على البلاء. والنسائي في "تفسيره" 1/ 329، والبغوي في "شرح السنة" 13/ 333 رقم (3748) وقال عنه: (صحيح)، وابن سعد في "الطبقات" 2/ 44، والطبري في "تفسيره" 4/ 87، وفي "تاريخه" 2/ 515، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 756، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 213، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 114 أ، والبغوي في "تفسيره" 2/ 102، والمؤلف في "أسباب النزول" (124).]]، فأنزل اللهُ هذه الآية، لِعِلْمِهِ أنَّ كثيرًا منهم سيؤمِنُونَ، فَكَفَّ عن ذلك [[وهناك أسباب أخرى لنزول هذه الآية ذكرها المفسرون. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 86 - 89، و"ابن أبي حاتم" 3/ 756 - 758، و"أسباب النزول" للمؤلف 124 - 126، و"لباب النقول" 57 - 58، و"الصحيح المسند من أسبالب النزول" 53 - 56.]].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ مختَصَرُ معناه: ليس لَكَ مِنَ الأمْرِ في عقابهم، أو [[في (ج): (و) بدلًا من: (أو).]] استصلاحهم شيءٌ، حتى تقَعَ إنابَتُهم [[وهكذا وردت في "تفسير الوسيط" للمؤلف (تح: بالطيور): 326. وورد في "تفسير الوجيز" له 1/ 118 (إثابتهم).]] أو تعذيبهم. فيكون أمْرُكَ -حينئذٍ - تابعًا لأمْرِ اللهِ، بِرِضَاكَ بتدبيره
قال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 234. نقله بمعناه وانظر: "معاني القرآن" 2/ 70.]]: ومِثْلُ هذا مِن الكلام: (لأَذُمَّنَّكَ [[في (أ)، (ب): (لا أذمنك). وهي خطأ. والمثبت من (ج).]] أو تُعْطِيَنِي)؛ على معنى: (إلّا أنْ تُعْطِيَني)، و (حتى تُعْطِيَنِي) [[الذي في "معاني القرآن" -في هذا الموضع-: (وإن شئت جعلت نصبه على مذهب (حتى)؛ كما تقول: (لا أزال ملازمك أو تعطيني)، أو (إلا ان تعطيني حقي).
وقال في موضع آخر 2/ 70: (والله لأضربَنك أوْ تُقِرَّ لي). فيكون معناه معنى (حتى) أو (إلا).]].
وأنشد ابن الأنباري [[في "إيضاح الوقف والابتداء" له 2/ 584.]] على هذا:
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عيْنُكَ إنَّما ... نُحاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرَا [[في (ج): (فنعذرا). والبيت لامرئ القيس، في "ديوانه" 64. وقد سبق إيراده وبيان مصادره عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَو يُحَاجُّوكُمْ﴾ [الآية: 73 من سورة آل عمران].]]
أراد: (حتَّى)، و (إلّا أنْ نموت) [[الذي في كتاب "إيضاح الوقف والابتداء"، قوله -بعد أن ذكر البيت-: (أراد: حتى نموت).
وهناك قولان آخران في نصب ﴿يَتُوبَ﴾، وهما: -النصب بإضمار (أنْ) عطفًا على (الأمر)، والتقدير: (ليس لك من الأمر لك من الأمر شيء، أو من أن يتوب عليهم، أو يعذبهم)؛ أي: ليس لك من الأمر أو من توبته عليهم، أو من تعذيبهم شيء. وهو قول أبي حاتم، كما في "تفسير الثعلبي"- إنها معطوفة بالتأويل على ﴿شَئءٍ﴾ وتقديرها: ليس لك من الأمر شيءٌ، أو توبةُ الله عليهم، أو تعذيبهم؛ أي: ليس لك أيضًا توبتهم ولا تعذيبهم، إنما مرد ذلك إلى الحقِّ تعالى.
انظر: كتاب "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 584، وكتاب "القطع والائتناف" 233، و"تفسير الثعلبي" 3/ 115 ب، و"الدر المصون" 3/ 393.]].
آل عمران 3:129
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال أهلُ المعاني [[لم أقف عليهم.]]: لَمَّا نَفَى [اللهُ] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ب).]] الأمرَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ، ذَكَرَ أنَّ جميع الأمر له؛ كأنه قال: الأمر ليس لك منه شيءٌ، فمن شاء عَذَّبَهُ، ومَن شاءَ غَفَرَ له.
وقوله تعالى: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ولم يقل: (مَنْ)؛ لأنه ذهب به مَذْهَب الجنس، فَدَخَلَ فيه الجميع [[قال البقاعي: (وعُبِّر بـ (ما)؛ لأن غير العاقل أكثر، وهي به أجدر). "نظم الدرر" 5/ 61.]].
وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابنُ عَبَّاس، في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية]]: الذنْبَ العظيمَ للمُوَحِّدِينَ [[وقد أورد أبو الليث عن الضحاك مثل هذا القول: انظر: "بحر العلوم" 1/ 297.]].
﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يريد: المشركين [[في (ج): (للمشركين).]]، على الذنب الصغير [[في (ج): (الصغير). وفي "تفسير ابن أبي حاتم" عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة في قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ قال: (وأما أهل الشكِّ والرَّيْب فيخبرهم بما أخفوا من تكذيب) 3/ 758.]].
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لأوليائه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.
آل عمران 3:130
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]، وسعيد بن جبير [[قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 759، و"تفسير الثعلبي" 3/ 115 ب، و"زاد المسير" 1/ 458.]] هو أنهم كانو يزيدون على المال، وُيؤَخِّرُونَ الأَجَلَ، كلَّما أخّر عن أَجَلٍ إلى غيره، زِيد زيادة.
وانتصب ﴿أَضْعَافًا﴾ على الحال.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: كي تسعدوا، وتبقوا في الجنة. وقال الزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 468. نقله عنه بنصه.]]: المُفْلِحُ: الذي أدرك ما أمَّلَ مِنَ الخير. وذكرنا معنى (الإفلاح) فيما تقدم [[انظر: "تفسير البسيط" عند تفسير قوله تعالى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5].]].
آل عمران 3:131
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ النَّارَ﴾ الآية. قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 468. نقله عنه بنصه.]]: أي: اتَّقُوا أن تُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ، فإنَّ مَنْ أَحَلَّ شيئًا مِمَّا حَرَّمَ اللهُ، فهو [كافرٌ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج) و"معاني القرآن".]] بإجماع.
وهذا معنى قول ابن عبَّاس، قال [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره ابن الجوزي في: "زاد المسير" 1/ 459.]]: يُهَدِّدُ المؤمنين إن استحلوا ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ الرِّبَا وغيره، مِمَّا أوجَبَ الله فيه النَّارَ؛ والتقدير: واتَّقُوا النَّارَ التي أُعِدَّت للكافرين، أن تستحلوا الرِّبا، فتستحقوها [[في (ج): (فيستحقوها).]].
وفي الآية تَقْويَةٌ لِرَجاءِ المؤمنين، رحمةً من الله -تعالى-؛ لأنه قال: ﴿أُعِدَّت لِلكَافِرِينَ﴾. فَجَعلها مُعَدَّةً للكفار، دونَ أهلِ الإيمان.
آل عمران 3:132
قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اَللَّهَ وَاَلرَّسُولَ﴾ لَمَّا نَهَى عن أكل الرِّبَا، أمَرَ بطاعة الرسولِ فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه، مِن أكلِ الرِّبَا وغيره.
وذُكِر عن محمد بن إسحاق بن يَسَار، أنَّه قال [[قوله، في: "سيرة ابن هشام" 3/ 61 - 62، و"تفسير الطبري" 4/ 91، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 761.]]: [في] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] هذه الآية معاتَبة للذين عَصَوا رسولَ الله ﷺ حين أمرهم بما أمرهم به يوم أُحُد.
آل عمران 3:133
قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قُرِئ بالواو، وبغير الواو [[قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: ﴿سَارِعُوا﴾ بغير الواو. وهي في مصاحف المدينة والشام.
وقرأ باقي القرّاء: ﴿وَسَارِعُوا﴾ بإثبات الواو. وعليه مصاحف مكة والعراق.
انظر: "القراءات" للأزهري 1/ 126، و"الحجة" للفارسي 3/ 78، و"المبسوط" لابن مهران 147، و"النشر" 1/ 242، و"كتاب المصاحف" للسجستاني (38).]]. فَمَن [[من قوله: (فمن ..) إلى (.. فكذلك المكسورة تجلبها): نقله عن "الحجة"، للفارسي 3/ 78. نقل بعض العبارات بالنص، وبعضها تَصرَّف فيها.]] قرأ بالواو؛ فلأنه عَطَفَ الجملة على الجملة، والمعطوف عليها قوله: ﴿وَأَطِيعوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، ﴿وَسَارِعُوَاْ﴾.
ومَن تَرَكَ الواو؛ فلأن الجملة الثانيةَ مُلْتَبسَةٌ بالأولى [[وذلك لأن الضمائر فيها وفي التي قبلها متحدة، وكذلك المأمورين غير مختلفين. انظر: "الكشاف" 1/ 356.]]، مستغنية بالتباسها عن عطفها بالواو [[وهي كذلك مستأنفة. انظر: المرجع السابق، و"التبيان" ص 208.]].
وقد جاء الأمران في التنزيل، في قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] الآية [[وجه الدلالة فيها أن قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ يجوز فيه من الناحية النحوية دخول واو العطف على ﴿رَابِعُهُمْ﴾، وكذا دخولها على ﴿سَادِسُهُم﴾،== كما يجوز حذفها من ﴿وَثَامُنهُم﴾؛ لأن الضمير العائد يكفي عن الواو.
انظر: "إعراب مشكل القرآن" 1/ 439، و"التبيان" ص 535.]]، وقوله -تعالى-: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] [[قال أبو علي في "الحجة" 3/ 78 بعد أن أورد هذه الآية: (فهذا على قياس قراءة نافع وابن عامر). فقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لم تحتج لعطف بالواو؛ لأنها حال من ﴿أَصْحَابُ﴾، فالجملة ملتبسة بما قبلها متحدة معها، فاستغنت عن العطف بالواو.]].
ورُوِي عن الكِسائي الإمالة في [[(في): ساقطة من (ج).]] ﴿وَسَارِعُواْ﴾ و ﴿أُولَئِكَ يسُارِعُونَ﴾ [المؤمنون: 61] و ﴿نُسَارِعُ﴾ [[والإمالة -هنا- هي رواية أبي عمرو الدوري عن الكسائي. ورواية غيره عن الكسائي ترك الإمالة. انظر: "السبعة" (216)، و"إتحاف فضلاء البشر": ص 319.]] [المؤمنون: 56]. وذلك مُستَحسَنٌ لِمَكان الرَّاءِ المكسورة؛ فكما تمنع المفتوحةُ الإمالةَ، فكذلك المكسورةُ تَجلِبُها [[انظر: "الإقناع" لابن الباذش 1/ 271 - 277، و"النشر" 2/ 54.]].
وفي الكلام محذوف، والمعنى على: وسارعوا إلى مُوجِبِ [[في (ج): (لما موجب).]] مغفرة مِن رَبِّكم.
واختلفوا في ذلك الذي إذا سارع إليه، فقد سارع إلى مغفرة: فقال عطاء عن ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقال البغوي: (وروي عنه: إلى التوبة، وبه قال عكرمة). "تفسيره" 2/ 104.]]: يريد: لا تُصِرُّوا على الذنب. إذا أذنب أحدٌ فلْيُسْرع الرجوع، يغفر الله له.
وقال ابن عباس -أيضًا- [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 116أ، و"البغوي" 2/ 104، و"زاد المسير" 1/ 460.]]: سارعوا إلى الإسلام. وروي عن علي - رضي الله عنه -، أنه قال [[قوله في المصادر السابقة.]]: إلى أداء الفرائض. وعن أنس بن مالك، قال [[قوله في المصادر السابقة، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 476، و"تفسير البغوي" 2/ 104.]]: هو التكبيرة الأولى [[وهناك أقوال أخرى، منها:
- وسارعوا بالأعمال الصالحة. وهو قول أبي سعيد الخدري، ومقاتل.
- وسارعوا إلى أداء الطاعة. وهو قول الكلبي.
- وسارعوا إلى الجهاد الأكبر. وهو قول الضحاك.
- وسارعوا إلى الإخلاص. وهو قول عثمان رضي الله عنه. وقيل غير ذلك.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 301، و"بحر العلوم" 1/ 298، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116 أ. ويلاحظ أن القول الأول وهو تفسيرها بالمسارعة بالأعمال الصالحة، أو تفسيرها بالمسارعة بالطاعة هو أعم الأقوال، وتدخل تحته كل الأعمال التي ذكرت في الأقوال الأخرى، حيث إنها مفردات للعمل الصالح، وطاعة الله تعالى، ومن أنواعه. فليس بينها تعارض، وإنما اختلاف تنوع.]].
وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: عرضها عَرْضُ السَّموات والأرض، فحذف المضاف، كقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [[[سورة لقمان: 28 وبقيتها ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾].
والتقدير: ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة فحذف المضاف، وهو (بَعْث).]]. يدل على هذا قوله في سورة الحديد: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:28].
قال ابن عباس [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 91، و"تفسير القرطبي" 4/ 204.]]: تُقرَنُ السَّمواتُ السبعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ، كما يُقرن [[هكذا في (أ)، (ب): (يقرن). وفي (ج): غير منقوطة. وفي "تفسير الطبري": تُقرن.]] الثيابُ بعضها إلى بعض، فذلك عَرْضُ الجنَّةِ.
قال أهل المعاني [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 298، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 209، والعبارات التي ذكرها المؤلف متطابقة مع ما في "تفسير الثعلبي"، وهي من قوله: (إنما خص ..) إلى (.. من البطائن).]]: إنَّمَا خَصَّ العَرْضَ دون الطول، لأن طولَ كلِّ شيءٍ في الأغلب أكثر من عَرْضِه. يقول: هذه صفة عرضها، فكيف طولُها؟. كما قال الزُّهْري [[هو: محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب. تقدمت ترجمته.]]: إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا يعلمه إلَّا الله. وهكذا قوله: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54]، وصَفَ [[في (أ)، (ب): (وصفةُ). والمثبت من (ج)، و"تفسير الثعلبي" و"تفسير القرطبي".]] البِطَانَةَ وتَرَكَ الظِّهارَةَ؛ إذ مِنَ المعلوم [[في (أ): (العلوم). والمثبت من (ب)، (ج).]] أنها [[أنها: ساقطة من (ب).]] أحسن وأنفس من البطائن.
وقال عطاء عن ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]] - في قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، يريد: لِرَجُلٍ واحدٍ مِن أوليائه.
[و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] قال جماعة من أهل المعاني [[قال ذلك ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 111. وقد نقله عنه المؤلف بتصرف مع اختصار قليل. وقد ورد بعض هذا القول في تفسير "بحر العلوم" 1/ 298، نقله عن ابن قتيبة، وورد في: "غريب الحديث" للخطابي 1/ 705، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116 ب.]]: لم يُرِدْ العَرْضَ الذي هو ضِد الطُوْلِ، وإنما أراد بالعرض: السَّعَةَ. والعرب تقول: (بلاد عَرِيضةٌ)، أي: واسعة. (وفي الأرض العريضة مذهبٌ) [[في "تفسير غريب القرآن": ضبطها المحقق: (مذهبُ) بدون تنوين. وهذه العبارة أشبه لأن تكون مقطعًا من بيت شِعْرٍ، ولكني لم أقف عليه.]] [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] قال:
كأنَّ بِلادَ اللهِ وَهْيَ عَرِيضةٌ ... على الخائفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ [[البيت لم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب في: "تفسير غريب القرآن" 111، و"الكامل" للمبرد 3/ 131، و"غريب الحديث" للخطابي 1/ 705، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116ب، و"زاد المسير" 1/ 460، و"تفسير القرطبي" 4/ 205، و"لسان العرب" 7/ 3904 (كفف)، و"البحر المحيط" 3/ 57.
وقد ورد في "الكامل" و"اللسان": (كأن فجاج الأرض ..).
والكِفَّةُ -بكسر الكاف-: كل شيء مستدير، وهي هنا: حِبالة الصائد، لاستدارتها، أما إذا كانت مستطيلة فهي: (كُفَّة) -بضم الكاف-، وجمعها: (كِفَف)، و (كِفاف). والحابل: الصائد الذي ينصب الحِبَالة، وهي المصيَدة. انظر: "الكامل" 3/ 131، و"اللسان" 7/ 3904 (كفف)، و"القاموس" ص 981 (حبل).]]
وإنما يقال للشيءِ الواسع: (عَرِيض)؛ لأن الشيء إذا عَرُضَ اتَّسَعَ، وإذا لم يَعْرُضْ، ضاقَ وَرَقَّ.
قالوا [[ممن قال ذلك: الثعلبي في "تفسيره" 3/ 116 ب. ويبدو أن المؤلف نقل هذا القول عنه بتصرف.]]: وتشبيه عرض الجنة بعرض السَّموات والأرض على التمثيل لا على التحقيق؛ معناه: عرضها كعَرْضِ السموات والأرض عند ظَنِّكم؛ لأنه لا شيء عندنا أعرض منها، فهو كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [[سورة هود: من آية 107، وآية: 108. وتمام الآيات ليتضح المعنى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.]]؛ يعني: عند ظنكم؛ لأنَّهما لابد زائلتان. فَلمَّا كانَ قوله: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَاَلأَرضُ} عندنا -في عادة الاستعمال- من ألفاظ التأبيد، خُوطِبْنا على ما نَعْرِف [[هذا القول هو ما ذهب إليه الطبري في "تفسيره" 12/ 117. وهناك قول آخر، وهو: إن المراد: سموات الدار الآخرة، وأرضها، وهي دائمة بدوام الدار الآخرة؛ حيث إنه لابد لهم من أرض تقلهم وسماء تظلمهم. وقد ورد عن ابن عباس قوله: (لكل جنة أرضٌ وسماء) وروي نحوه عن السدي والحسن.
انظر: "المحرر الوجيز" 7/ 401، و"تفسير النسفي" 2/ 173، و"تفسير أبي السعود" 4/ 241، و"تفسير ابن كثير" 2/ 504، و"فتح البيان" 4/ 403، و"منهج صديق حسن خان في تفسيره" 526 - 527.]]؛ كذلك في هذه الآية.
وسُئِل أنسُ بن مالك عن الجَنَّة: أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: وأيُ أرضٍ وسماءٍ تَسَعُ الجَنَّة؟! قيل: فأين هي؟ فقال: فوق السَّموات السَبْع، تحت العَرْش [[أورد قوله هذا بنصه: الثعلبي في "تفسيره" 3/ 117 أ، والبغوي في "تفسيره" 2/ 104. ولم أقف على مصدر آخر له.]] [[انظر حول مكان الجنة روايات أخرى بنفس ما روي عن أنس بن مالك في: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: 65 - 67.]].
آل عمران 3:134
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ قال ابن عباس [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 93، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 762.]]: يعني: في اليُسْرِ والعُسْر. كأنه يريد: السَّرَّاء؛ بكثرة المال، والضَّراء، بِقِلَّتِهِ.
وهذه الآية من صفة المُتَّقِين الذين أعِدت لهم الجَنَّة. وأول ما وصفهم الله تعالى به: الإنفاق في كل حال. وهو من أقسام السَّخَاء.
وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يقال: (كَظَمَ غَيْظَه): إذا سكت عليه، ولم يُظْهِرْهُ بقول أو فِعْلٍ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 469، و"تهذيب اللغة" 4/ 3151 (كظم)، و"الزاهر" 2/ 344.]].
قال المُبَرِّد [[لم أقف على مصدر قوله.]]: تأويله: أنه كتمه على امتلائه منه. ويقال: (كظَمتُ [السِّقَاءَ): إذا ملأتُه] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]، وَشَدَدْتُ عليه. ويقال: ما يَكْظِمُ فلانُ على (جِرَّةٍ) [[في (أ)، (ب)، (ج): (حره). وما أثبتُّ هو الصواب.
(الجِرَّةُ): هي ما يخرجه البعير من كرشه، ويَجْترّه؛ أي: يردده في حلقه. انظر: (جر) في: "تهذيب اللغة": 1/ 578، و"اللسان": 1/ 594 (جرر).
وقولهم: (ما يَكظِمُ فلانٌ على جِرَّةٍ)، مَثَلٌ يُضرَب لِمن لا يَكتِمُ سِرًا. ومثله: (ما يَخنُق فلان على جِرَّةٍ) كما في: النوادر لأبي زيد. وفي: "اللسان": (ما يَحْنَق ..). انظر: "النوادر" لأبي زيد 132، و"جمهرة الأمثال" للعسكري 2/ 234، و"مجمع الأمثال" للميداني 3/ 288، و"اللسان" 1/ 594.]]: إذا كان لا يحتمل شيئًا.
قال أبو زيد [[لم أقف على مصدر قوله.]]: وكل ما سددت [[في (أ)، (ب): (شددت). والمثبت من (ج)، ومن "تفسير الفخر الرازي" 9/ 7؛ حيث أورد هذا النص بتمامه.]] من مجرى ماءٍ أو طريق؛ فهو (كَظْمٌ). ويُدعَى الذي تَسُدُّه [[في (ج): (تشده).]] به: (الكاظِمَة) و (السَّدَادَة).
و (فلانٌ كَظِيْمٌ)، و (مَكْظُومٌ): إذا كان ممتلئا [[في (ج): (ممكا).]] حُزْنًا، مُمْسِكًا عليه. وهما في التنزيل [[ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يوسف: 84. وقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58]، [الزخرف: 17]. وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: 48].]].
ويقال للقناة [[في (أ): (الفتاة). والمثبت من (ب)، (ج) وكتب اللغة.]] التي تجري في بطن الأرض: [كِظَامَة] [[ما بين المعقوفين غير مقروء تماما في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج)، وكتب اللغة.]]؛ لامتلائها بالماء كامتلاء القِرْبَةِ المكظومة. ومنه الحديث: (كيف بك إذا بُعِجَتْ مَكَّةُ كظَائِمَ) [[الأثر ورد في: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 269 (ط. السلفية)، و"تهذيب اللغة" 4/ 315 (كظم)، و"الفائق" للزمخشري 3/ 263، و"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" 3/ 50، و"غريب الحديث" لابن الجوزي 2/ 291، و"النهاية في غريب الحديث" 4/ 178. ولم أقف عليه في غيرها من مصادر الحديث.
وكل المراجع السابقة أوردته غير مسند وصرحت بأنه حديث، إلا في "المجموع المغيث" حيث قال: (ومنه قول عبد الله بن عمرو ..). وفي (الفائق)، للزمخشري، و"غريب الحديث"، لأبي عبيد أورداه من حديث عبد الله بن عُمَر رضي الله عنهما. وفي "المجموع المغيث"، و"النهاية" عبد الله بن عَمْرو رضي الله عنهما. ولكن أشار محقق "غريب الحديث" لأبي عبيد، إلى أنه في نسخة أخرى للكتاب، ورد: (ومنه حديث عبد الله بن عَمرو). ثم ذكرت هذه النسخةُ السندَ، وهو: (حدثنيه هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه عن عبد الله بن عَمْرو، قال: ..).
أقول: وهذا هو الصواب؛ لأن عطاء والد يَعْلى، وهو عطاء العامري الطائفي روى عن ابن عمرو بن العاص وروى عنه ابنه يعلى، كما في "تهذيب التهذيب" 3/ 111. ونصه عند أبي عبيد: (إذا رأيت مكة قد بُعِجت كظائم، وساوى بناؤها رؤوس الجبال، فاعلم أن الأمر قد أظللك، فخذ حذرك). "غريب الحديث": 1/ 169، وانظر: المصادر السابقة التي أوردت الأثر.
و (الكظائم)، جمع: كِظَامَة، وهي: آبارٌ تُحفَر، ويُباعَد ما بينها، ثم يُحفَر ما بين كل بئرين بقناة مِن تحت الأرض، توصِل الماءَ مِن الأولى إلى التي تليها، حتى يجتمع الماءُ في أخراهن.
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 163، والمصادر السابقة التي أوردت الأثر.]].
ومنه يقال: (أَخَذَ بكَظْمِهِ): إذا أخذ بمجرى نَفَسِهِ؛ لأنه موضع الامتلاء بالنَّفَسِ. و (كَظَمَ البعِيرُ والنَّاقَةُ، كُظُومًا): إذا أَمْسَكا على ما في جَوْفِهما ولم يَجْتَرَّا [[انظر المعاني السابقة و (كظم) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3151، و"المقاييس" 5/ 184 - 185، و"اللسان" 7/ 3886 وما بعدها.]].
قال الراعي:
فَأَفَضْنَ [[في (أ)، (ب)، (ج): (فأفرضن). والمثبت من مصادر البيت التالية.]] بعد كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ ... مِن ذِي الأَبَاطِح إذْ رَعَيْنَ حَقِيلاَ [[البيت في "ديوانه" 224. وقد ورد منسوبًا له في: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 469، و"جمهرة أشعار العرب" (333)، و"الزاهر" 2/ 344، و"مجالس العلماء" 39، 80، و"تهذيب اللغة" 4/ 3151 (كظم)، و"الفهرست" 86، و"مقاييس اللغة" 1/ 226 (برق)، 2/ 88 (حقل)، 4/ 465 (فيض)، و"المجمل" 245 (حقل)، و"معجم ما استعجم" 2/ 460، و"أساس البلاغة" 2/ 222 (فيض)، و"المحرر الوجيز" 3/ 326، و"إنباه الرواة" 2/ 321، و"معجم البلدان" 2/ 279 (حقيل)، و"تفسير القرطبي" 4/ 206، و"اللسان" 6/ 3500 وما بعدها (فيض)، و2/ 947 (حقل)، و7/ 3886 وما بعدها (كظم).
وورد غير منسوب في: "جمهرة اللغة" 558، و"الصحاح" 3/ 1100 (فيض). وقد ورد في كل المصادر السابقة: (من ذي الأبارق). وقال البكري: (ورواه أبو حاتم: (من ذي الأباطح)، قال: وهو واد في بني عامر). "معجم ما استعجم" 2/ 460. وورد في "جمهرة أشعار العرب": (أو رَعَيْن ..).
ومعنى البيت: أي: دفعن بالجِرَّةِ من كروشهن، فاجتررنها بعد أن كُنَّ كُظُومًا لا يجتررن.
و (ذي الأبارق) -على الرواية الأخرى-: موضع. أي: أن هذه الجِرَّة التي اجتررنها أصلها مما رعينه من هذه الموضع.
و (حقيل): موضع. وقيل: نبت. وقيل: جبل في (ذي الأبارق).
انظر: "الزاهر" 2/ 344، و"اللسان" 2/ 947 (حقل)، 7/ 3886 (كظم)، و"معجم البلدان" 2/ 279 (حقيل).]] وإنَّما تفعل ذلك الإِبِلُ مِنَ الفَزَع أو الجهد. قال الأعشى [[هو أعشى باهلة (عامر بن الحرث)، وليس الأعشى الكبير (ميمون بن قيس).]] -ووصف رجلًا نَحَّارًا للإبل، وهي [[في (ج): (فهي).]] تفزع منه-:
قَد تَكْظِمُ البُزْلُ مِنه حين تُبْصِرهُ ... حتَّى تَقَطَّعَ في أجوافها الجِرَرُ [[البيت ورد منسوبًا له في: "الأصمعيات" 89، و"الكامل" للمبرد 4/ 65، و"جمهرة أشعار العرب" (255)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 118 أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 206، و"خزانة الأدب" 1/ 194. وقد اختلفت روايات البيت، فقد ورد في بعض المصادر:
(وتفزع الشَّوْلُ منه حين تبصره ... حتى تقطع في أعناقها الجرر).
وورد: (وتفزع الشول منه حين يفجؤها)، وورد: (قد تكظم البَرْك منها حين يفجؤها).
والبيت من قصيدة يرثي بها أخاه المنتشِر بن وهب الباهلي. انظر خَبَرَة في: "الكامل": 4/ 64 - 65.
و (البُزْل): جمع: بازِل. وهو -من الإبل-: الداخل في السنة التاسعة، وفطر نابه. وتُجمَع -كذلك- على: (بُزَّل)، و (بوازل). ومعناه: أن الإبل قد تعودت على أن يَعقِرَ منها، فإذا رأته كظمت على جِرَّتها فزعا منه.
و (البَرْك): -على الرواية الأخرى-: جمع بارك. و (الشَوْل): جمع: شائلة، وهي -من الإبل-: ما أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر، فجف لبنها. انظر: "المصباح المنير" 19 (بزل)، و"القاموس" (1021) (شول).]]
ومعنى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾: الكافِّينَ غَضَبَهم [[في (ب)، (ج): (غضبهم).]] عن إمضائه، يَردُّون غيظهم في أجوافهم، ويصبرون فلا يُظِهرون [[قال ابن عطية: (و (الغيظ) أصل الغضب، وكثيرًا ما يتلازمان، ولذلك فسر بعض الناس (الغيظ) بـ (الغضب)، وليس تحرير الأمر كذلك، بل الغيظ فعل النفس، لا يظهر على الجوارح، والغضب حال بها معه ظهور في الجوارح، وفعل ما ولا بد). "المحرر الوجيز" 3/ 327، وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 207، و"البحر المحيط" 3/ 58.]]. وهذا الوصف من أقسام الصبر والحِلْم [[قال الإمام ابن حِبَّان البُسْتي: (الحِلْم: اسم يقع على زَمِّ النفس عن الخروج - عند الورود عليها ضد ما تحب- إلى ما نُهِي عنه). "روضة العقلاء" 252.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في "تنوير المقباس" 56، و"زاد المسير" 1/ 461. وبهذا قال: الربيع، والكلبي، ومكحول، وأبي العالية.
انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 763، و"بحر العلوم" 1/ 299، و"تفسير الثعلبي" 3/ 118 ب، و"زاد المسير" 1/ 461.
وقد ورد عن ابن عباس حول هذه الآية قوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ كقوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]، يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئاً واعفوا واصفحوا). "تفسير الطبري" 4/ 94، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 763.]]: يريد: المَمَالِيك؛ إذا أذنب واحد منهم ذنبًا، عفوت عنه؛ لما يرجو من ثواب الله.
وقال زيد بن أسلم [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 118 ب، و"البغوي" 2/ 105، و"زاد المسير" 1/ 461.]]، ومقاتل [[(ومقاتل): ساقطة من (ج). ولم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في: "زاد المسير" 1/ 461، و"تفسير البغوي" 2/ 105.]]: أي: عمَّن ظَلَمَهم وأساء إليهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: المُوَحِّدِين، الذين هذه الخِصَال فيهم.
قال الثَّوْرِي في هذه الآية [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 119 أ.
والثوري، هو: أبو عبد الله، سفيان بن سعيد بن مسروق. أمير المؤمنين في الحديث، ولد في الكوفة سنة (97 هـ)، ونشأ بها، مشهور بالورع والعلم، مُجْمَع على إمامته، مات بالبصرة سنة (161 هـ). انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 151، و"وفيات الأعيان" 2/ 386، و"تهذيب التهذيب" 2/ 56.]]: الإحسان: أن تُحْسِن إلى مَن أساء إليك؛ فإنَّ الإحسانَ إلى المُحسِنِ مُتَاجَرَةٌ [[في (أ)، (ب): (متأخره). وفي (ج): (مناحرة). والمثبت من:"تفسير الثعلبي".]]، كَنَقْدِ السُّوقِ: خذْ مِنِّي وهات [[يعني رحمه الله: أن الإحسان إلى من أحسن إليك لا يُسَمَّى إحسانًا، بل يُعَد من قبيل المكافأة؛ لأنَّ ذلك بمثابة أن تعطي من سبق له أن أعطاك؛ وترد الفضلَ له؛ لما سبق أن أولاك من فضل. ويسميه الثوري -هنا- متاجرة، لأنه كالمقايضة، والأخذ والعطاء.
قال ابن حِبان: وما الفضل إلا للمحسن إلى المسيء، فأما من أحسن إلى المحسن وحلُمَ عمن لم يؤذه؛ فليس ذلك بحِلْم ولا إحسان. "روضة العقلاء" ص 254.]].
وصدَقَ؛ فإنَّ الله -تعالى- عقَّبَ وَصْفَ هؤلاء بالكَظْمِ والعَفْوِ، بِحُبِّهِ المحسنين. وفي ذلك دليل على أن هؤلاء محسنون، والأوصاف التى وُصِفوا بها، كلُّها إحسانٌ إلى مَن أساء إليهم.
آل عمران 3:135
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية. الظاهر أنَّ هذا عطفٌ على ﴿المُتَّقِينَ﴾ [[في (ج): (المنفقين).]]. فيكون موضع (الذين): جَرًّا [[الجَرُّ؛ على النعت لـ ﴿المُتَّقِينَ﴾ في الآية: 133، أو البدل منه أو البيان.]]. ويُحتمل أنْ يكون موضِعُه: رفْعًا على الاستئناف؛ بعطف جملة على جملة. وهو قول أكثر المفسرين.
قال ابن عباس -في رواية عطاء- [[هذه الرواية في: "بحر العلوم" 1/ 300، ولم يعزها إلى ابن عباس. وأوردها الثعلبي في: "تفسيره" 3/ 119 ب قائلًا: (قال عطاء: نزلت هذه الآية في نبهان التَّمَّار، وكنيته: أبو مقبل). وأوردها المؤلف في "أسباب النزول" ص 127، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 461.]]: نزلت الآيةُ في نَبْهان التَّمَّار؛ أتته امرأة حسناء، تَبْتَاعُ منه تَمْرًا، فَضمَّها إلى نَفْسِه وقَبَّلَها، ثم ندمَ على ذلك، فأتى النبي ﷺ، وذَكَر له ذلك، فنزلت هذه الآية [[قال ابن حجر: ذكر مقاتل بن سليمان في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾. الآية، قال: هو نبهان التمار، أتته امرأة حسناء ..) ثم ذكر نحو ما ذكر المؤلف، وأضاف ابن حجر: إن المرأة قالت له: (والله ما حفظت غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك، فسقط في يده، فذهب إلى النبي ﷺ فأعلمه، فقال له: إيَّاك أن تكون امرأة غاز! فذهب يبكي ثلاثة أيام يصوم النهار ويقوم الليل، فأنزل الله في اليوم الرابع هذه الآية، فأرسل إليه فأخبره، فحمد الله وأثنى عليه وشكره، وقال: يا رسول الله هذه توبتي، فكيف بأن يقبل شكري؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]، ثم قال ابن حجر بعده:
(وهكذا أخرجه عبد الغني بن سعيد الثقفي في: تفسيره، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مطوَّلًا. ومقاتل متروك، والضحاك، لم يسمع من ابن عباس، وعبد الغني وموسى هالكان. وأورد هذه القصة: الثعلبي، والمهدوي، ومكي، والماوردي، في تفاسيرهم بغير سند). "الإصابة": 3/ 550. وهذه القصة لم يذكرها مقاتل في تفسيره المطبوع، ولا الماوردي في "النكت والعيون" خلاف ما ذَكَرَه ابنُ حجر.
وهناك سبب آخر ذكره العلماء لهذه الآية، وهو: أن رجلين؛ أنصاريا وثَقَفِيًّا، آخى بينهما رسول الله ﷺ، فكانا لا يفترقان، فخرج الثقفي مع رسول الله ﷺ، في إحدى غزواته، وخلَّفَ الأنصاريَّ على أهلِهِ، وحاجته، فكان يتعاهد أهل الثقفي، فرأى يومًا امرأة أخيه الثقفي بارزة، فوقعت في نفسه، فراودها عن نفسها فأبت، وسترت وجهها منه بكفِّها، فقَبَّلَ كفَّها، ثم خرج بعدها، سائحا في الجبال، نادِمًا خائِفًا من ذنبه، إلى أن أتاه أخوه الثقفي فأخذ بيده إلى رسول الله ﷺ، بعد أن علم بحاله، فأنزل الله هذه الآية.
وقد ذكر هذا السبب -مع اختلاف في التفاصيل-: مقاتل في "تفسيره" 1/ 301، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 119 ب، وعزاها للكلبي عن ابن عباس، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 462 وقال: (رواه أبو صالح عن ابن عباس).]].
وقال ابنُ مسعود [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 96، و"تفسير الثعلبي" 3/ 119 أ، و"النكت والعيون" 1/ 424. وسياق المؤلف للخبر قريب جداً من سياق الثعلبي له.
إلا أن لفظ الأثر هنا أقرب إلى لفظ الأثر الوارد عن عطاء بن أبي رباح، الذي أخرجه الطبري في: "تفسيره" 4/ 96، والمؤلِّف في: "أسباب النزول" ص 128، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 462.]]: قال المؤمنون للنبي ﷺ: كانت بنو إسرائيلَ أكرَمَ على اللهِ مِنَّا؛ كان أحدُهم إذا أذنب ذَنْبًا، أصبحت كفَّارةُ ذَنْبِهِ مكتوبةً [[(مكتوبة): ساقطة من (ج).]] في عَتَبَةِ بابِهِ [[في (أ)، (ب): (بأنَّه). وهي تصحيف. والمثبت من: (ج)، ومصادر الخبر.]]: (اجْدَعْ أنفَكَ)، (افعل كذا)! فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، وبَيَّنَ أنَّهم أكرم على اللهِ منهم؛ حيث جعل كفّارةَ ذنوبهم الاستغفار.
وقوله تعالى: ﴿فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ يعني: الزِّنَا -ههنا- [[وممن قال ذلك: جابر بن زيد، والسدي، ومقاتل بن حيان. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 95 - 96، و"ابن أبي حاتم" (764)، و"زاد المسير" 1/ 462.]]. وهي-في اللغة-: كلُّ قَبِيحةٍ خارِجَةٍ عَمَّا أذِنَ اللهُ فيه [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 95، و"المقاييس" 4/ 478 (فحش).]]. وذكرنا معنى (الفُحْش) و (الفحشاء) فيما تقدم.
والفاحشة -ههنا- نعتُ محذوفٍ؛ التقدير: فعلوا فِعْلَةً فاحشةً [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 95، و"تفسير الثعلبي" 3/ 120 أ.]].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابنُ عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في "تنوير المقباس" 56.]]، ومقاتل [[قول مقاتل بن سليمان في: "تفسيره" 302، و"تفسير الثعلبي" 3/ 120 أ، وورد عن مقاتل بن حيان: (أصابوا ذنوبًا). "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 764.]]، والكلبي [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 120 أ.]]: هو ما دون الزِّنَا، مِن قُبْلَةٍ أو لَمْسَةٍ، أو نَظَرٍ فيما [لا يَحِلُّ؛ مثل الذي [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] فَعَلَ نَبْهانُ التَّمَّار.
وقوله تعالى: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المعنى: ذكروا وعيد الله. فيكون من باب حَذْفِ المضاف.
والذِّكْرُ -ههنا- يكون: هو الذي ضد النسيان. وهذا معنى قول: الضحاك، ومقاتل، والواقدي. فإن الضَّخَاكَ قال [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 125 أ، و"زاد المسير" 1/ 463، و"القرطبي" 4/ 210.]]: ذكروا العَرْضَ الأكبر على الله. ومقاتل والواقدي قالا [[قوله مقاتل في: "تفسير الثعلبي" 3/ 125 أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 210. وقول الواقدي في: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 764، و"تفسير الثعلبي" 3/ 120 أ، و"زاد المسير" 1/ 463، و"تفسير القرطبي" 4/ 210.]]: تَفكَّرُوا أنَّ اللهَ سائِلُهُم عنه.
الوجه الثاني: ذكروا الله بأن قالوا: اللهُمَّ اغفر ذنوبنا، فإنَّا تُبْنا إليك، ونَدِمْنا. وهذا معنى قولِ مُقاتل بن حَيَّان [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 120 أ، و"تفسير البغوي" 2/ 107.
وفي "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 764 عن مقاتل بن حيان: (ذكروا الله عن تلك الذنوب الفاحشة). وليس فيه بيان نوع الذكر هنا. وفي "تفسير القرطبي" 4/ 210 ذكره عن مقاتل، ولم يبِّن أيَّ المُقاتِلَيْن، ابن سليمان أو ابن حيَّان.]]. والذكْر -ههنا- ليس الأول
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ قال الفَرَّاءُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 234. نقله عنه بمعناه. وانظر: "معاني القرآن"، للزجاج 1/ 469، و"تفسير الطبري" 4/ 97.]] هذا محمولٌ على المعنى؛ تأويله: ما يَغْفِرُ الذنوبَ أحَدٌ إلّا اللهُ؛ فلذلك رفعت ما بعد (إلّا) [[ونص قول الفراء -ليتضح المعنى-: (يقال ما قبل (إلّا) معرفة، وإنما يُرفَع ما بعد (إلّا) باتْباعِهِ ما قَبْلَهُ، إذا كان نكرة، ومعه جحد؛ كقولك: (ما عندي أحدٌ إلّا أبوك)، فإن معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾: ما يغفر الذنوب أحدٌ إلّا اللهُ، فجعل على المعنى).
وقال أبو حيان عن رفع اسم الجلالة: (فهو على البدل مِن ﴿مَنْ﴾، أو مِن الضمير الفاعل في ﴿يَغْفِرُ﴾ العائد عليها، وجاز هذا؛ لأن في الكلام معنى نفي، وتقديره: لا يغفر أحدٌ الذنوبَ إلا اللهُ). "تذكرة النحاة": 296.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ يقال: (أصَرَّ [[في (ب): (صر).]] على الشيء): [إذا قام عليه] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]، ودام. ومِن هذا يقال للعَزِيمَةِ [[في (ج): (العزيمة).]] التي لا تُنْقَضُ: (صِرِّي) [[يقال: (هذا منِّي صِرِّي، وأصِرِّي، وصِرَّى، وأصِرَّى، وصُرِّي، وصُرَّى): أي: عزيمةٌ وجِدٌّ و (إنها مني لأصِرِّي)؛ أي: لحقيقة.
وهي مشتقة من: (أصررت على الشيء): إذا أقمت ودمت عليه. انظر: (صرر)
في: "إصلاح المنطق" 319، و"تهذيب اللغة" 2/ 2003، و"المجمل" 532، و"مفردات ألفاظ القرآن" 482، و"الفرق بين الحروف الخمسة" 386.]].
قال المفسرون [[ممن قال ذلك: مجاهد، وقتادة، وابن إسحاق، ومقاتل، والزجاج، والطبري، وأبو الليث. انظر: "تفسير مجاهد" 136، و"تفسير مقاتل" 1/ 302، و"الجزء الذي فيه تفسير القرآن" 78، و"تفسير الطبري" 4/ 97 - 98، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 766، و"معاني القرآن" للزجاج / 469، و"بحر العلوم" 1/ 300.]]: معناه: لم يُقِيموا، ولَمْ يَدُومُوا، [بل تابوا، وأَقَرُّوا] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (تابوا وأنابوا). والمثبت من (ج).]]، واستغفروا. والذي يُؤَكِّد هذا القول [[حيث إن هناك أقوال أخرى منها:
لم يواقعوا الذنب إذا همُّوا به. قاله الحسن، ونُسب لمجاهد، وليس هو في تفسيره.
- وقيل: السكوت على المعصية، وترك الاستغفار منها. قاله السدي، وعطاء الخراساني.
انظر: "الجزء الذي فيه تفسير القرآن" 102، و"تفسير الطبري" 4/ 97، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 766، و"تفسير الثعلبي" 3/ 120ب، و"النكت والعيون" 1/ 424.]]: أنه تعقب [[في (ج): (يعقب).]] قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ فوَصَفَ الذَّاكرَ بأنه غير مُصِرٍّ [[انظر توجيه هذا الترجيح في: "تفسير الطبري" 4/ 98.]]. ورُوِيَ عن [النبي] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ج).]] ﷺ أنه قال: "ما أصَرَّ مَن استَغْفَرَ، وإنْ عادَ في اليوم سبعينَ مَرَّةً" [[الحديث من رواية أبي بكر الصدِّيق (أخرجه: أبو داود في "السنن" رقم (1514). كتاب الصلاة. باب في الاستغفار، والترمذي في "السنن" رقم (3559). كتاب الدعوات. باب: 107. وقال: (هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث أبي نُصَيْرة، ليس إسناده بالقوي).
وأخرجه أبو بكر المروزي في "مسند أبي بكر" 186 رقم (121)، (122)، والشهاب القضاعي في "مسنده" 2/ 13رقم (788)، والطبري في "تفسيره" 4/ 98، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 766. والبيهقي في "السنن" 10/ 188، والبغوي في "شرح السنة" 5/ 80 (1297)، وفي "تفسيره" 2/ 107.
وأورده الغزالي في "الإحياء" 1/ 312. وذكر الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" نَفْسَ قول الترمذي السابق في الحديث، مما يدل على موافقة الحافظ العراقي للترمذي في تضعيف الحديث.
وأورده التبريزي في "مشكاة المصابيح" 2/ 723 رقم (2340)، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 439 وزاد نسبة إخراجه إلى أبي يعلى، والبزار.
وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 139 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، والبيهقي في "الشعب". وأورده في: "الجامع الكبير" 15/ 1963 رقم (1117)
وزاد نسبة إخراجه إلى ابن السني في "عمل اليوم والليلة" وأورده في: "الجامع الصغير" (انظر: "فيض القدير" 5/ 538) ورمز له بالضعف، وكذا ضعفه الألباني في ضعيف "الجامع الصغير" 5/ 82 (5004).
وفي سند الحديث: (.. عثمان بن واقد، عن أبي نصيره، عن مولى لأبي بكر عن أبي بكر ..).
قال الغَماري: (وقال البزَّار: لا نحفظه إلا من حديث أبي بكر بهذا الطريق، وأبي نصيرة وشيخه لا يعرفان. انتهى. قلت: أما أبو نصيرة، فمعروف، اسمه: مسلم بن عبيد. قال أبو طالب عن أحمد: ثقة وقال ابن مَعِين: صالح. وذكره ابن حِبَّان في: الثقات، وقال: الأزدي: ضعيف. ومولى أبي بكر، اسمه: أبو رجاء، ولم اقف فيه على جرح ولا تعديل، إلا قول البزار المتقدم: إنه مجهول. وقد قال الزيلعي: إن جهالته لا تضر، إذ يكفيه نسبته إلى الصديق. وعثمان بن واقد، وثقه ابن معين ..). "فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب" 2/ 54 - 55.
وقال ابن كثير -بعد أن ذكر نحو القول السابق-: (فهو حديث حسن). "تفسيره" 1/ 439.]].
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يعلمون أنَّ اللهَ يُعذِّب على الإصْرارِ.
وقال ابن عباس [[قوله، في: "تفسير الثعلبي" 3/ 120 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 107. وورد في "زاد المسير" 1/ 464 و"تفسير القرطبي" 4/ 212، عنه وعن الحسن: (وهم يعلمون أن الإصرار يضر، وأن تركه أولى من التمادي).]]، والحسن [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 120 ب، و"البغوي" 2/ 107، و"القرطبي" 4/ 212.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 302، و"زاد المسير" 1/ 464.]]، والكلبي [[قوله في "تفسير الكلبي" 3/ 120 ب، و"البغوي" 2/ 107، و"القرطبي" 4/ 212.]]: وهم يعلمون أن الذي أَتَوْهُ معصية.
وقال الحسين بن الفَضْل [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 121 أ، و"البغوي" 2/ 107، و"القرطبي" 4/ 212.]]: وهم يعلمون أنَّ لهم رَبًّا يغفر الذنوب، وكان هذا من قوله- عليه السلام-: "من أذنب ذَنْبًا، وعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يغفر الذنوبَ، غُفِرَ له وإنْ لم يَستَغْفِر" [[الحديث: لم أقف على من أخرجه بهذا اللفظ، وقد أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 121 أ. ولم يسنده.
وقد ورد حديث آخر بنفس معنى هذا الحديث، ولفظه: "من أذنب ذنبًا، فعلم أن الله قد أطَّلَعَ عليه، غفر له وإن لم يستغفر". أورده الغزالي في "إحياء علوم الدين" 1/ 312. قال الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود، بسند ضعيف).
وهناك حديث آخر قريب منه، من رواية أنس رضي الله عنه، ولفظه: "من أذنب ذَنْبًا، فعلم أن له رَبًّا إن شاء أن يغفر له غفر له، وإن شاء أن يعذِّبَه عذبه، كان حقًا على الله أن يغفر له".
أخرجه الحاكم في "المستدرك" 4/ 242، وقال: (حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وأخرجه أبو نعيم في "حِلية الأولياء" 8/ 826.
وفي سنده عندهما: جابر بن مرزوق المكي. قال الذهبي في تعليقه على تصحيح الحاكم له: (قلت: لا والله، ومَنْ جابر؛ حتى يكون حُجَّة؟ بل هو نَكِرة، وحديثه مُنْكَر).]].
آل عمران 3:136
قوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ مختصر المعنى [[في (ب): (معناه).]]: ونِعْمَ أجْرُ العاملين؛ المغْفِرَةُ. فحُذِفَ؛ لدلالة ما قبله عليه.
آل عمران 3:137
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أصل [[(أصل): ساقطة من (ج).]] (الخُلُوِّ) -في اللغة-: الانفراد. والمكان الخالي [[في (ج): (الخال).]]: المنفرد عن الساكن. والخَلِيَّةُ من النُوْقِ: التي ذُبح ولَدُها، فَخَلَت عن الوَلَدِ [[في كتاب "العين": (والخَلِيَّة: الناقة التي خلت من ولدها، ورَعَت ولدَ غيرها. ويقال: هي التي ليس معها ولد) 4/ 308 (خلو). وذكر الأزهري أنها التي ينحر ولدها عمدًا؛ ليدوم لبَنُها، فتُستَدَرَّ بِخُوارِ غيرها، أو التي يُجَرُّ ولدُها مِن تحتها، ويُجعَل تحت أخرى، وتُخلى هي للحلب. انظر: "التهذيب" 1/ 1074 (خلو). وانظر المعاني السابقة لـ (خلو) في المصدر السابق 1/ 1074، و"المقاييس" 2/ 204.]].
ويستعمل في الزمان، والقُرُون، بمعنى: المُضِيِّ، لأن ما مضى انفرد عمَّا يأتي بعده. فالأيَّام الماضية: التي انفردت بالمُضِيِّ عن غيرها، كذلك الأمَم الخالية [[انظر: (خلو) في "التهذيب" 1/ 1074، و"مفردات ألفاظ القرآن" 297.]].
والسُّنَنُ: جمع: سُنَّة [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 99.]]. والسُّنَّة [[من قوله: (والسنة ..) إلى (.. قويما): نقله بنصه عن "تهذيب اللغة" 2/ 1780 (سنن). وانظر: "الزاهر" 2/ 352، و"اللسان" 4/ 2125 (سنن).]]: الطريقة المستقيمة [[قال ابن الأنباري في: "الزاهر" 2/ 352: (وهي مأخوذة من: (السَّنَن)، وهو: الطريق. يقال: (خذ على سَنَنِ الطريق، وسُننَهِ، وسُنُنه) .. أي: وسطه وجادته). وقال: (ثم تستعمل السن في كل شيء يراد به القصد).]]. ويقال للخط الأسود على مَتْنِ الحِمَار: سُنَّة.
و (سَنَّ اللهُ سُنَّةً)؛ أي: بَيَّنَ طريقًا قويمًا. ويقال: (هذه سُنَّةْ اللهِ)؛ أي: أمْرُهُ ونَهْيُهُ وحُكْمُهُ. و (سُنَّةُ النبي ﷺ): طريقته.
والسُّنَّةُ [[من قوله: (والسنة ..) على نهاية بيت الشعر (.. وإمامها): نقله -بتصرف يسير- عن: "تفسير الطبري" 4/ 100.]]: المِثالُ المُتَّبَعُ، والإمام المُؤتَمُّ به. يقال: (سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، و [سَنَّ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"تفسير الطبري" 4/ 100.]] سُنَّةً سيِّئَةً): إذا عمل عملًا اقتُدِيَ به [[في "تفسير الطبري" اتبع عليه.]]، مِن خيْرٍ أو شَرٍّ.
قال لَبِيد:
مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّت لهمْ آباؤُهُمْ [[في (أ): (آبائهم)، وفي (ب): (آبائهم). والمثبت من (ج)، ومن مصادر البيت.]] ... ولِكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمَامُها [[البيت في: ديوانه: 320، وورد منسوبًا له في: "تفسير الطبري" 4/ 100، و"جمهرة أشعار العرب" (137)، و"الزاهر" 2/ 352، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 593، و"تهذيب اللغة" 1/ 206، و"تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني 251، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي 173، و"اللسان" 1/ 134 (أمم)، و"الدر المصون" 3/ 399.
والبيت من معلقته. وقد تقدم هذا البيت أبياتٌ يذكر فيها قومه، ويذكر أنَّ مِن قومه مَن لهم فضائل متعددة، ومكارم وجلائل من الأعمال متنوعة. وفي هذا البيت يقول: إن هؤلاء الذين ذكرتهم وأشرت إليهم هم من معشر فيهم هذه العادات والفضائل سنة قديمة متَّبعة، سنَّها لهم آباؤهم فتوارثوا عنهم، ولكل قوم سنة، وإمامها؛ أي: مِثَال يُحتَذى ويُسَارُ على طريقته.]]
واختلفوا في اشتقاق (السُّنَّةِ):
فقال بعضهم: هي (فُعْلَة)، من: (سَنَّ الماءَ، يَسُنُّهُ): إذا والَى صَبَّهُ. والسَّنُّ: صَبُّ الماءِ، والعَرَقِ، وغيره [[قال ابن السكيت: (وكل صبٍّ سهل، فهو: سَنّ). "إصلاح المنطق": 378. وانظر هذا المعنى في: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي:270، و"تهذيب اللغة" 2/ 1777 (سنن)، و"غريب الحديث" للخطابي 1/ 438 - 439، و"مجالس ثعلب" 2/ 352، و"الصحاح" 2141 (سنن)، و"المقاييس" 3/ 60، و"اللسان": 4/ 2126 (سنن).]]. قال زُهَيْر: تعودها الطرادَ [[في (ب): مطرد.]] فَكلَّ [[في (ج): وكل.]] يومٍ ... يُسَنُّ على سَنَابِكِها قُرُونُ [[البيت في: "شرح ديوانه" ص187، ورد منسوبا له في: "تهذيب اللغة" 2/ 1780 (سنن)، و"مقاييس اللغة" 5/ 77 (قرن)، و"الدر المصون" 3/ 440، و"اللسان" 4/ 2522 (صوح)، 4/ 2125 (سنن)، 6/ 3609 (قرن).
ورد في كل المصادر السابقة: (نُعَوِّدُها) -بالنون-. وورد الشطر الأول في الديوان، و"اللسان" 6/ 3609 (قرن): (تُضَمَّر بالأصائل كل يوم ..). وورد في الديوان و"اللسان" (تُسَنُّ) -بالتاء-.
الطِّرَاد: هو عَدْوُ الخيل، وتتابعها. انظر: "اللسان" 5/ 2653 (طرد).
السَّنابِك: جمع: سُنْبُك، وهو: طرف الحافر في الفرس. انظر: "كتاب الفرق" لابن فارس 63، و"القاموس" 944.
والقُرُون: جمع: قَرْن، وهو: الدُّفْعَة من العَرَق. وقال أبو عمرو الشيباني: (القرن: العرق). كتاب الجيم، له: 70. وانظر: "اللسان" 6/ 3609 (قرن).
يقول: إننا نعوِّدها الجري في كل يوم، حتى يسيل عرقها، ويصل إلى سنابكها؛ مبتغين بذلك أن تكون ضامرة، خفيفة الجسم.]]
أي: يُصَبُّ عليها دُفَعٌ [[في (أ)، (ب)، (ج): رسمت الدالُ فيها قريبًا من الراء. والمثبت من كتب اللغة وهو الصواب. والدُّفَع: جمع: دُفْعَة. وهي: الدَّفْقَة المنصبة بمرَّة انظر: "القاموس" 715 (دفع).]] من العَرَقِ. يريد: أنهم يُضَمِّرُونها.
شُبِّهَ فِعْلُ النبي ﷺ، الذي كان يأتيه مَرَّةً بعد أخرى، بالماءِ المَسْنُون؛ وهو [[(أ)، (ب): (وهي)، والمثبت من (ج). وهو الصواب؛ لأن الضمير يعود على الماء المسنون.]]: المصبوب صَبًّا مُتَوَالِيًا. فهي (فُعْلَة) بمعنى: (مفعول)، كـ (الغُرْفَة) [[في أ: قد تُقرأ: (الغَرْفة) -لقرب رسم الفتحة كالضمة-. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وما أثبته هو الصواب؛ لأن (الغَرْفة) لا دليل فيها على ما أراد المؤلف. أما (الغُرْفَة) فهي من: (غَرَفَ الماء يَغرِفُه، وَيغرُفه). و (اغترَفَهُ): أخذه بيده. واسم المَرَّة منه: (غَرْفَة). و (الغِرْفة) -بكسر الغين-: هيئة الغَرْفِ. و (الغُرفَة) بضم "العين": بمعنى: المغروف. وهي المراد بالتمثيل هنا. انظر: "القاموس" (841) (غرف).]] من الماء وأشباهها. فَمَا رَسَمَهُ النبي ﷺ: (سُنَّة)، و (مسنون).
ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَنْتُ النَّصْلَ والسِّنَانَ، أسُنُّهُ سَنًّا)، فهو (مَسْنُون): إذا أحْدَدْتُهُ على المِسَنِّ [[انظر: (سنن) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1776، و"اللسان" 4/ 2123.]]. فالفعل [[في (ج): (والفعل).]] الذي كان تهذيبُه منسوبًا إليه، سُمِّيَ (سُنَّة)؛ على معنى: أنه (مَسْنُون).
ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَّ الإِبِلَ): إذا أحْسَنَ رِعْيَتَها [[قال ابن السكيت: (ويقال: (سَنَّ الإبل، يَسُنُّها، سَنًّا): إذا أحسن رِعْيَتها، حتَّى كأنه صَقَلَها). "إصلاح المنطق" 54. وانظر: (سنن) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1777، و"الصحاح" 2139، و"اللسان" 4/ 2123.]]. فالفعل الذي كان النبي ﷺ يتولَّى رِعايَتَه وإدامَتَه مِن العبادات سُمِّيَ: (سُنَّةً ومسنونًا)؛ ذهابًا إلى أنَّه كان يَتَوَفَّرُ عليها بإقامةِ شروطِها، تَوَفُّرَ الرَّاعِي على الإِبِلِ بإِحْسانِ رَعْيَها. هذا كلامُ أهلِ اللغة في (السُّنَةِ).
فأما معنى الآية وتفسيرها؛ فقال أكثر المفسِّرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 303، و"تفسير الطبري" 4/ 99، 100، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 768، و"بحر العلوم" 1/ 300، و"تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب.]]:
معنى الآية: قد مضت منِّي-فيمن [[في (ج): (في من).]] [قد] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).]] كان قبلكم، من الأمم الماضية المكذِّبَةِ الكافرة-، سُنَنٌ؛ بإمهالي واستدراجي إيَّاهم، حَتَّى يبلغَ الكتابُ فيهم أجَلِي الذي أجلته، في إهلاكهم واستئصالهم، وبَقِيَت لهم آثارٌ في الدنيا، فيها [[في (ج): فهم.]] أعظمُ الاتِّعاظِ والاعتبار، فَسِيرُوا في الأرض فانظروا كيف كان [آخِرُ أمْرِ] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (احزا من). والمثبت من (ج).]] المكذِّبِين منهم.
والمعنى: أنكم إذا سِرْتُم في أسفاركم، عرفتم أخبارَ قومٍ أُهْلِكُوا؛ بتكذيبهم، ورأيتم مصارِعَهم، وما بقي بعدَهم مِن آثارِ مساكنهم، التي [خربت] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]، فاعتبرتم، وكنتم على حَذَرٍ بما تَرَون [[في (أ): (يرون)، والمثبت من (ب)، (ج).]] في غيرِكم مِن المَثُلاتِ [[المَثُلات، والمُثُلات: جمع: مَثُلَة؛ وهي: النقمة والعقوبة التي تنزل بالإنسان، فيجعل مثالًا يرتدع به غيره.
انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" 760 (مثل)، و"تذكرة الأريب" لابن الجوزي 1/ 271، و"تحفة الأريب" لأبي حيان 284.]] التي نزلت بهم على قبيحِ فِعْلِهم. وهذا في يوم أُحُد، يقول الله: فأنا أمهلهم [[في (ج): (مهلكهم).]] [حتى يبلغ أجلي الذي] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] أجَّلْتُ في نُصْرَةِ النبي وأوليائِه، وهلاكِ أعدائِهِ.
فـ (السُّنَنُ) -على هذا- جمع: (سُنَّة)، وهي سُنَّة الله عز وجل في [إهلاكِ الأُمَمِ الضالَّةِ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]. وهذا تفسير الآية من غير إضمار.
وقال [[في (ج): (قال) بدون واو.]] ابن عباس -في رواية عطاء- [[أورد هذا القول الثعلبي في: "تفسيره" 3/ 121 ب، وعزاه لعطاء دون ابن عباس. وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 465.]]: قد خلت سُنَنٌ مِن قبلِكُم؛ يريد: شرائعُ.
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يعني: شرائع مذمومة؛ لأن باقي الآية يدل على ذَمِّها، وإنَّ المُعَاقَبِينَ بالتكذيب كانوا مُسْتَعْمِلِينَ لها، وجارِينَ [[في (أ): (وجازين). وفي (ب): (وجازبن). والمثبت من (ج).]] على منهاجها، فأقامَ المذكورَ في آخرِ الآيةِ، مقامَ النَّعْتِ لها.
وتلخيص الآية: قد خَلَت مِن قبلكم طرائقُ سَلَكها [[في (ب): (سنها).]] قومٌ، فأهْلِكُوا بِمَعاصيهم وخِلافِهم على أنبيائهم.
وقالَ أبو إسحاق [[في: "معاني القرآن" له 1/ 470. نقله عنه بمعناه.]]: معنى الآية: قد خَلَت [مِن قَبْلِكم] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] أهلُ سُنَنٍ، وأصحاب سُنَن في الشَّرِّ، [فحذف المضاف] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]، ولم يذكر (في الشَّرِّ) [[في "معاني القرآن" (وقول الناس: فلان على السنة؛ معناه: على الطريقة، ولم يحتاجوا أن يقولوا على السنة المستقيمة؛ لأن في الكلام دليلًا على ذلك).]]؛ لأن في الآية دليلًا عليه، فهو [[في (ج): (وهو).]] إهلاك من اتَّبَعَها.
و (العاقبة): آخر الأمر [[انظر: "القاموس" ص 116 - 117 (عقب).]]. يقال: (عَقَبَهُ، يَعْقُبُهُ، عَقْبًا، وعُقُوبًا)، وعاقَبَهُ: إذا [[في (ج): (وإذا).]] جاءَ بعده [[انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 147، و"اللسان" 5/ 3022 (عقب).]]. فالعاقب [[في (ب): (كالعاقب). وفي (ج): (والعاقب).]]: الذي يَخْلُف مَن كان قَبْلَهُ [[العاقب: الآخر، والذي هو دون السيد، وقيل: الذي يخلفه، وقيل: الذي يخلف من كان قبله في الخير، وهو -كذلك-: العَقُوب. انظر: (عقب) في: "اللسان" 5/ 3022، و"القاموس" ص 116.]].
ومنه قيل للنبي ﷺ: (العاقب) [[ورد ذلك في الحديث الذي رواه جبير بن مطعم رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: "إن لي أسماء: أنا محمد: وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب".
أخرجه: البخاري في "الصحيح" (3532). كتاب التفسير. سورة الصف (61).
ومسلم في " الصحيح" رقم (2354) كتاب الفضائل. باب في أسمائه ﷺ، وفيه: "وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد"، وفي لفظ: "ليس بعده نبي".
وأخرجه الترمذي في "السنن" (2840). كتاب الأدب باب ما جاء في أسماء النبي ﷺ. والدارمي في "السنن" (2817). وأحمد في "المسند" 4/ 81، 84 (وانظر: "الفتح الرباني" 2/ 187 - 188).
وأخرجه عبد الرزاق في: "المصنف": 10/ 446 رقم 16957) وفيه: (قال معمر: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبي).
وأخرجه مالك في: "الموطأ" (انظر: "تنوير الحوالك" 3/ 162 - 163). وقال السيوطي عن عبارة (والعاقب: الذي ليس بعده نبي): (وهو مدرج من تفسير الزهري). "تنوير الحوالك" 3/ 163.]].
آل عمران 3:138
قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: هذا القرآن. عن أكثر المفسِّرِين [[ممن قال بذلك: الحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل " 1/ 303، و"تفسير الطبري" 4/ 101، و"زاد المسير" 1/ 465.]].
وقال ابن [[في (أ): (أبي)، وفي (ب)، (ج): (أبو). والصواب ما أثبته.]] إسحاق [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 101، و"تفسير الثعلبي" 3/ 121ب، و"زاد المسير" 1/ 465.]]: ﴿هَذَا﴾؛ أي: ما ذَكَرْت؛ يعني قولَه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: 137]، أي: هذا [[في (ج): (هذا القرآن). ولفظة (القرآن) -هنا- مقحمة.]] الذي [[(الذي): ساقطة من (ج).]] عَرَّفْتُكم، بيانٌ للناس. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: لجميع الخَلْقِ.
﴿وَهُدًى﴾. ذَكَرَهُ بعد ذِكْرِ البَيَان؛ لأن البَيَان: ظُهور المعنى للنَفْسِ [[في (ب): (لليقين).]]، كائنًا ما كان [[انظر: "التوقيف على مهمات التعاريف": 149.]]. والهُدَى: بَيَانٌ لِطَريق الرُّشْد؛ لِيُسْلَكَ دُونَ [[في (ب): (بعد).]] طَرِيق الغَيِّ [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 2/ 22، 9/ 13، و"تفسير الخازن" 1/ 355، و"غرائب القرآن" للنيسابوري 4/ 72.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَمَّ في أَوَّلِ [[في (أ)، (ب): (تأويل). والمثبت من (ج).]] الآية، عند ذِكْرِ البَيَان؛ لِيَدُلَّ [على] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] أنَّ الخِطَابَ في التكليف، شَامِلٌ لِلمُشْرِكِ والمُسْلِم. وخَصَّ بـ (الهدى)؛ لأنه يهدي بالقرآن مَن يشاء مِن عِبَادِهِ بفضله.
آل عمران 3:139
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ الآية.
قالَ الزُهْرِيُّ [[في (ج): (الأزهري).
وقول الزهري، في "تفسير الطبري" 4/ 102.]]، وقتادة [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 102، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 770.]]، وابن أبي نَجِيح [[قوله هذا يرويه عن مجاهد، وهو في: "تفسير مجاهد" 136، و"تفسير الطبري" 4/ 102، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 770.]]: هذه الآية تَسْلِيَةٌ مِن الله -تعالى- للمسلمين، لِمَا نالَهُمْ يومَ أُحُد مِنَ القتل والجَرْح.
ومعنى ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: لا تضْعُفُوا. والوَهْنُ [[من قوله: (والوهن ..) إلى (.. وهَنا لغة): نقله -بتصرف واختصار- عن: "تهذيب اللغة" 4/ 3966 (وهن).]]: الضَعْفُ في العَمَلِ، وفي العَظْمِ. يقال: (وَهِنَ [[هكذا جاءت في (أ): (وَهِنَ) -بكسر الهاء-. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وفي "التهذيب" (وَهَنَ) -بفتح الهاء- وقد وردت الكلمة في مصادر اللغة بالحركات الثلاث (فتح الهاء وكسرها وضمها). انظر مادة (وهن) في: "الصحاح" 2215، و"التاج" 18/ 579.]]، يَهِن، وَهْنًا)، فهو (واهِنٌ): إذا ضَعُفَ في العمل. و (مَوْهُونٌ) في العَظمِ والبَدَنِ، و (وهِنَ وَهَنًا)، لُغَةٌ [[في (أ): (وَهْنًا) بتسكين الهاء وفي (ب)، (ج): مهملةٌ غير مشكولة. والمثبت هو الصواب. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3966 (وهن).]]. و (أَوْهَنَهُ اللهُ) [[من قوله: (وأوهنه الله ..) إلى نهاية شطر بيت الشعر: (.. فقر): نقله -بتصرف يسير- عن "تهذيب اللغة" 4/ 3967 (وهن).]]، فهو (مَوْهُونٌ)؛ مثل: (أَحَمَّهُ)، فهو (مَحْمُوم)، و (أزْكَمَه) فهو (مَزْكُوم) [[انظر (وهن) في: "جمهرة اللغة" 996، و"الصحاح" 2215 - 2216، و"التاج" 18/ 579.]]. ومنه قول طَرَفَة: إنَّنِي لَسْتُ بِمَوْهُونٍ فَقِرْ [[عجز بيت، وصدره:
وإذا تَلْسُنُنِي ألسُنُها
وهو في: ديوانه: 53، وورد منسوبًا له في: "التهذيب" 4/ 3967 (وهن)، و"الصحاح" 2215 (وهن)، و"اللسان" 6/ 445 (فقر)، 7/ 4030 (لسن)، 8/ 4935 (وهن).
ومعنى (تلسُنُني)؛ أي: تأخذني بلسانها، يقال: (لَسَنَه لَسْنًا): إذا أخذه بلسانه. انظر: "اللسان" 7/ 4030 (لسن).
والمَوْهون: هو الذي أصابه وَجَعُ (الواهنة)، وهو وَجَعٌ يصيب العِرْق المستبطن حبْل العاتق إلى الكتف. انظر: "التهذيب" 4/ 3967 (وهن).
والفَقِر: الذي يشتكي من فَقَارِهِ. انظر: "اللسان" 6/ 445 (فقر).]]
قال المفسِّرُون: ﴿وَلَا تَهِنُواْ﴾ عن جهاد عدوِّكم، بما نالَكُم مِنَ الهزيمة [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 102 - 103، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 771.]]، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما فاتكم من الغَنِيمَةِ [[في (ج): (القسمة). لم أقف على من قال بأنهم نُهُوا عن الحزن على ما فاتهم من الغنيمة. وقد ذكر هذا القول الثعلبي في "تفسيره" 3/ 122 ب. وصدَّره -مع القول السابق- بقوله: (وقيل: ..). ولم يبين القائل.
وأورده ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 466 وقال: (ذكره علي بن أحمد النيسابوري) يعني: المؤلف (الواحدي).
ويرى مقاتل أنهم نُهوا عن الحزن على ما أصابهم من هزيمة يوم أحد. انظر: "تفسيره" 1/ 303. ويرى الماوردي أنهم نهوا عن الحزن على ما أصاب النبي ﷺ من شَجِّه، وكَسْرِ رَبَاعِيَتِهِ. انظر: "النكت والعيون" 1/ 466.
وقيل: نُهُوا عن الحزن على مَن قُتِل من إخوانهم من المسلمين. ونسبه ابن الجوزي لابن عباس. انظر: "زاد المسير" 1/ 466.]]؛ فإنَّكم ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ أي: لكم تكون العاقِبَةُ بالنَصْرِ والظَّفَرِ.
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أَنَّ الإيمانَ يُوجِب ما ذكر مِن تَرْكِ الوَهْنِ والحُزْن. فقيلَ: إنْ كُنتم مؤمنين؛ فَلا تَهِنوا ولا تحزنوا؛ أي [[في (ج): (إلى).]]: من كان مؤمنًا فيجب ألّا [[في (ب): (أن لا).]] يَهِنَ، ولا يَحْزَن؛ لثقته باللهِ -جل وعَزَّ-. وإلى هذا أَشَار ابنُ عبَّاس، فقال [[لم أقف على مصدر قوله.]] في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يريد: مُصَدِّقِينَ؛ تحريضًا مِنَ اللهِ تعالى لهم.
وفيه وجْه آخر، وهو: أن [[(أن): ساقطة من (ج).]] المعنى: إنْ كنتم مؤمنين بِصِدْق [[في (ج): (لصدق).]] وَعْدِي إيَّاكُمْ بالنَصر؛ حتى تَسْتَعْلُوا على عَدُوِّكُم، وتَظْفَرُوا بِبُغْيَتِكُم.
وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ وجهان:
أحدهما: أنه في موضعُ الحَال؛ كأنَّهُ قيل: لا تَحْزَنوا عَالِينَ؛ أي: منصورين على عَدُوِّكُم [[(على عدوكم): ساقطة من (ج).]] بالحُجَّةِ [[انظر: "البيان"، للأنباري 1/ 222، و"الدر المصون" 3/ 401.]].
الثاني: أنه اعتراضٌ بِوَعْدٍ مؤكد؛ كأنه قيل: ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا إنْ كُنْتُم مؤمنين، وأنتم الأَعْلَوْن [[انظر: "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 633.]].
وفي هذه الآية إشارَهٌ إلى أنَّ [[أن: ساقطة من (ج).]] مَنْ كان مؤمنًا، لا يَنْبَغِي له أن يَضْعُفَ لِمَا يَنَاله مِن مُصِيبَةٍ في الدُّنْيَا، بل يجب أن يسكن نفسُهُ، وينتفي حزْنُهُ بما هو عليه مِن الاستعلاء، والفوز بالأُمْنِيَةِ في العاقِبة.
آل عمران 3:140
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ الآية.
مَعْنَى ﴿يَمْسَسْكُمْ﴾: يُصِبْكم [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 104.]]. يقال: (مَسَّهُ أَمْرُ كذا)، [أو] [[(أو): في (أ)، (ب): و. والمثبت من (ج).]] (مَسَّتْهُ الحَاجَة)؛ أي: أصابته. وتأويله: لَصِقَ بِهِ، وأصابَهُ في ذاته [[أصل (المَسِّ): لمس الشيء باليد. ثم تُوُسِّعَ فيه، واستعير للتعبير عن معانٍ عدَّة. انظر: (مسس) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3394، و"اللسان" 7/ 4201.]].
و (القَرْحُ): قُرِئ بِضَمِّ القَافِ، وفَتْحِه [[القراءة بضم القاف في (قُرْح)، هي من رواية أبي بكر عن عاصم، وقراءة حمزة، الكسائي. والقراءة بفتحها (قَرْح)، من رواية حفص عن عاصم، وابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر.
انظر: "علل القراءات" 1/ 126، و"الحجة" للفارسي 3/ 79، و"التبصرة" 464.]].
قال أهل اللغة [[هو قول الليث. ذكره الأزهري في: "تهذيب اللغة" 3/ 2918 (قرح).]]: هُمَا لُغَتَانِ في عَضِّ السِّلاح ونَحْوِهِ، مِمَّا يَجْرَحُ [الجَسَدَ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).]]، مثل: (الوَجْد، والوُجْد) [[يقال: (وَجَدَ الشيءَ، يجِدُه، جِدَةً، ووُجْدًا، ووَجْدًا، ووجودا؛ ووُجْدانًا، وإجْدانًا). وتأتي (الوُجْدُ) و (الوَجْدُ)، بمعنى: اليَسَار، والسَّعَة. انظر: "اللسان" 8/ 4770 (وجد).]]، و (الضَّعْف، والضُّعْف)، وبابه [[ومنها: (الكَرْه والكُرْه)، و (الفَقر والفُقْر)، و (الدَّف والدُّفُّ)، و (الشَّهْد والشُّهْد)،== و (الجَهْد والجُهْد)، و (الوَسْع والوُسْع).
انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 234، و"الحجة" للفارسي 3/ 79.]].
قال الفراء [[في "معاني القرآن" له 1/ 234. نقله عنه بنصه.]]: وكأن (القُرْح): أَلَمُ الجِرَاحات، وكأن (القَرْح): الجراحات [[(وكأن القرح الجراحات): ساقط من (ج).
وفي "معاني القرآن" الجرح -بدلًا من: الجراحات-.]] بأعيانها.
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 470. نقله عنه بنصه.]]: هما عند أهل اللغة بمعنى واحد؛ ومعناهما: الجراح وألَمُهَا. يقال: (قَرَحَهُ): إذا جَرَّحهُ [[هكذا جاءت في (أ): (جَرَّحَه). وفي (ب)، (ج): مهملة من علامات الشكْل. والأصوب: (جَرَحَه) بدون تشديد في الرَّاء. وهكذا وردت في مصادر اللغة.
قال ابن السكيت: (قَرَحَه، يَقْرَحُهُ، قَرْحًا: إذا جَرَحَه). "إصلاح المنطق" ص 80، 195. وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2918 (قرح)، و"مفردات ألفاظ القرآن" 665 (قرح)، و"الدر المصون" 3/ 403.]].
قال الشاعر:
لا يُسلِمُونَ قَرِيحًا حَلَّ وَسْطَهُمُ ... يَوْمَ اللِّقَاءِ ولا يُشْوُونَ مَنْ قَرَحُوا [[البيت للمتنخل الهذلي. وقد ورد منسوبًا له في: "إصلاح المنطق" 81، 195، و"شرح أشعار الهذليين" 1279، و"الأمالي" للقالي 1/ 28، و"الصحاح" 395 (قرح)، و"اللسان" 6/ 3571 (قرح).
وورد غير منسوب في: كتاب "المعاني الكبير" 901، و"جمهرة اللغة" 520 (قرح). وقد وردت روايته في "الجمهرة":
لا يُسْلِمون قَرِيحا كان وسْطَهُمُ ... تحت العَجَاج ولا يشوون من قرحوا
القريح: الجريح. و (لا يُشْوُون مَن قَرَحُوا): يقال: (أشواه): إذا أصاب (شَوَاهُ)، وهي: أطرافه، وأخطأ مقتله. ومعنى البيت: أن من جُرِح منهم حاموا عليه حتى يستنقذوه، ولا يخطِئون مقتل من جرحوه. انظر: "المعاني الكبير" 901، و"الجمهرة" 520 (قرح)، و"اللسان" 6/ 3571 (قرح).]] و (قَرِحَ الرَّجُلُ، يَقْرَحُ): إذا صَارَ قَرِيحا [[انظر: المعاني السابقة لـ (قرح) في: "إصلاح المنطق" 81، 195، و"جمهرة اللغة" 520 (قرح)، و"التهذيب" 37 (قرح)، و"المخصص" 5/ 90.]].
قال المفسِّرُون [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 303، و"الطبري" 4/ 104، و"بحر العلوم" 1/ 304، و"تفسير الثعلبي" 3/ 122 ب، و"النكت والعيون" 1/ 426.
وقد رجح هذا القول: البغوي، والقرطبي، والنسفي، والشوكاني، وصديق خان.
انظر: "تفسير البغوي" 2/ 110، و"تفسير القرطبي" 4/ 217، و"تفسير النسفي" 1/ 84، و"فتح القدير" 1/ 584، و"فتح البيان" 2/ 137.]]: يقول: إنْ أصابكم جُرْحٌ يوم أُحُد، فقد أصابَ المشركين [[في (ب)، (ج): (المشركون).]] مثْلُهُ يومَ بَدْر.
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾.
قال ابنُ عبَّاس [[لم أقف على مصدر قوله هذا. وُيفهم من قوله -هنا- عموم أيام الدنيا، وما فيها من مداولة بين الناس، من عُسْر وُيسْر، وفَرَح وغَمِّ، بينما وردت آثار أخرى عنه، تخصص هذه الأيامَ بما حدث يوم بدر واحد، حيث كانت الدولة للمسلمين على المشركين يوم بدر، وللمشركين على المسلمين يوم أحد. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 105، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 772.]]: يعني: أيَّام الدُّنْيَا، نُداوِلُها [بَيْنَ النَّاس] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]. [قال الحَسَنُ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
وقول الحسن، في: "تفسير الطبري" 4/ 104 - 105، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 773، و"النكت والعيون" 1/ 426.]]، وقَتادة [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 105، و"النكت والعيون" 1/ 426.]]، والرَّبِيع [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 105، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 773.]]، والسُّدِّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 105.]]: نصرفها مَرَّةً لِفِرْقَةٍ ومَرَّةً عليها.
والدَوْلَةُ: الكَرَّةُ [[(الدَّوْلَة) -بفتح الدال-، أو (الدُّوْلَة) -بضم الدال-: أصل معناهما: تَحَوُّل شيء من مكان إلى مكان. يقال: (تداولوا الشيء بينهم): إذا صار مِن بعضهم إلى بعض. وتستعمل (الدوْلَة) -بفتح الدال وبضمها-: لانقلاب الزمان من حال البؤس، إلى حال السرور. وكذلك في العُقْبَة في المال، أي: النَّوبة فيه.
ويرى بعضُ أهل اللغة أن بينهما فرقًا، فقالوا: الدَّولة -بالفتح-: تستعمل في العرب خاصة، وهو أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى. وبالضم: في المال خاصة. يقال: (صار الفيءُ دوْلة بينهم)؛ أي: يتداولونه مرَّة لهذا ومرة لهذا. وقيل: بالفتح: للفعل، وهو الانتقال من حال إلى حال. وبالضم: اسمٌ للشيء المتداول بعينه. وقيل: بالفتح: أن ترجع الكرة للجيش المهزوم، فينتصر على من هزمه، فتكون له الدَّوْلة. وبالضم: في الملْك والسنن التي تُغير وتُبدل عن الدهر. انظر (دول) في: "التهذيب" 2/ 1248، و"المقاييس" 2/ 314، و"اللسان" 3/ 1455، و"التاج" 14/ 245.]]. و (أَدَالَ اللهُ فُلانًا مِن [فُلان): إذا جَعَلَ الكَرَّةَ لَهُ عليه؛ يريد] [[ما بين المعقوفين ورد مكانه في سورة الأصل: العبارةُ التالية: (عن خلق وتأتي مثله). وهي عِبَارَةٌ مكانها في الصفحة التي تليها في الأصل، ولكن نظْرًا لوجود خرم في الأصل في هذا الموضع، فقد ظهرت هذه العبارة في المصورة في هذه الصفحة. وقد أثبتها من (ب)، (ج).]]: أَنَّهُ أدالَ المسلمينَ مِنَ المُشْرِكين يَوْمَ بَدْر، وأدال المشركين مِنَ المسلمين يوم أُحُد.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. اختلفوا في العامل في اللام، فذكروا فيه وجهين:
أحدهما: أن اللام صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُضْمَر [[في (ب): (لمضمر). -بدلًا من: لفعل مضمر-.]]، يدل عليه أولُ الكلام، بتقدير: ولِيَعلم اللهُ الذين آمنوا؛ نُدَاولها [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 106.]].
الوجه الثاني: أن العامل فيه: ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ [[في (ج): (تداولها).]] المذكور؛ بتقدير: نداولها بين الناس؛ ليظهر أمرهم، وليَتَبَيَّنَ [[ورد هذا النص في: "الدر المصون" 3/ 405 ينقله عن ابن الأنباري، وفيه: (ولِيُظْهِرَ أمرَهم، ولِنبيِّن أعمالهم).]] أعمالَهم، وليعلم الله الذين آمنوا.
فَلَمَّا انكشف معنى اللّامِ المُضمَرة في (لِيظهر)، و (لِيَتبيَّن)، جرت مجرى الظاهرة؛ فأمكن [[في (ب): (وليكن).]] العطْفُ عليها. [و] [[غير واضحة في (أ)، وفي (ب): (بـ). والمثبت من (ج).]] الوجهان، ذكرهما ابنُ الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده السمين الحلبي في "الدر" 3/ 405.]]، وغيرُهُ مِن أهلِ النَّحْو.
و (العِلْمُ) إذا لم يتعلق بالذَّاتِ، اقتَضَى مَعْلُومَيْنِ؛ كما تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا عاقلًا، وَجَوادا). فلا [[في (ج): (ولا).]] تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا) فقط؛ إلّا أن تريد به: عَرَفْتَهُ، وعَلِمْتَ مَنْ هُوَ [[أي: أن العِلْمَ -هنا- متعلق بذاته. ويجوز أن يتعدى (عَلِمَ) إلى مفعول واحد؛ وذلك إذا كان بمعنى (عَرَف)، أو أن يكون العِلْمُ متعلقًا بالذوات دون الأحوال. فأما إذا كان بمعنى (عرف) فيرى السمينُ الحلبيُّ أنه يُشْكِلُ في هذا الموضع؛ لأن الله -تعالى- لا يجوز أن يوصف بذلك، وإنما يوصف بالعلم؛ لأن المعرفة هي: إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل، أو نسيان حاصل بعد العلم.== أما العِلْم، فهو: الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، إذ هو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض. انظر: كتاب "التعريفات" للجرجاني 155، 221، و"التوقيف على مهمات التعاريف" 523، 666، و"الدر المصون" 3/ 406، و"الكليّات"، لأبي البقاء: 868.]].
والمفعول الثاني -ههنا- محذوف. والتقدير: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا [مُمَيَّزينَ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب). والمثبت من (ج).]] بالإيمان مِنْ غيرهم؛ أي: إنما يجعل الدَّولةَ للكفارِ على المسلمين، لِيُميِّزَ [[في (ب): (ليتميز).]] [المؤمن] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب). والمثبت من (ج).]] المخلص [[في (ب): (الملخص).]]، مِمَّن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبةٌ.
ويحتمل أن يكون (العِلْمُ) -ههنا- بمعنى: معرفة الذات؛ والتأويل: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوِّهم؛ أي: لِيَعرِفَهم بأعيانهم. إلَّا أنَّ سَبَبَ العِلْم، -وهو: ظهور الصبر -حذف ههنا-.
وقال الفراء [[في "معاني القرآن" له 1/ 234. نقله عنه باختصار، وتصرف يسير. وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 106.]]: هذا في مذهب [(أيّ)] [[ما بين المعقوفين في (أ) غير مقروء. وفي (ب): (أين). والمثبت من (ج).]] و (مَنْ)؛ التأويل: ليعلم الله مَن المؤمن، وأيّهُم المؤمن؛ كما قال: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾. وجاز ذلك؛ لأنَّ في (الذي)، وفي الأَلِفِ واللَّامِ تأويل (مَن) و (أيّ)؛ كما قال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 3].
وتأويل قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، واللهُ تعالى يعلم الشيءَ قبلَ وُجُودهِ، ولا يحتاج إلى سَبَبٍ حَتى يعلم؛ وإنما المعنى: وَلِيَعْلَمَ ذلك واقِعًا منهم.
أي: لِيَقَعَ ما عَلِمَهُ غَيْبًا، مُشَاهَدَةً للناس. والمُجَازاة إنَّمَا تَقَع بِما يعلمه موجودًا كائِنًا، لا [[(لا): ساقطة من (ج).]] بِمَا عَلِمَهُ غَيْبًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 470 - 471، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 482، و"المحرر الوجيز" 3/ 341، و"البحر المحيط" 3/ 63.]]. وهذا كقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: 31]. وقد استقصينا ما في هذا عند قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: 143].
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ أي: وَلِيُكْرِمَ قَوْمًا بالشَّهَادةِ؛ وذلك أنَّ المسلمين تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوَّ، وأنْ يَكُونَ لهم يومٌ كيوم بَدْر، يقاتِلُوا فيه العَدُوَّ، ويَلْتَمِسُوا الشهادة [[من قال ذلك: ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج، والضحاك، وقتادة، والربيع، والسدي، وابن إسحاق. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 106 - 107.]].
والشُّهَدَاء: جمع شَهِيد؛ كـ (الكُرَمَاء)، و (الظُّرَفَاء). والمقتول مِنَ المسلمين بِسَيْفِ الكُفَّار، يُسَمَّى: شهيدًا.
واختلفوا فيه: لِمَ سُمِّيَ شهيدًا؟:
فقال النَضْرُ بن شُمَيْل [[قوله، في: "تهذيب اللغة" 2/ 1943 (شهد)، و"اللسان" 4/ 2348 (شهد).]]: الشَّهِيد: الحَيُّ. قال الأزهري [[قوله، في "التهذيب" 2/ 1943 (شهد). نقل أكثر قوله بنصِّه وتصرف قليلًا في آخره.]]: أراه تَأَؤَّلَ قولَ اللهِ جلَّ وَعَزَّ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [[سورة آل عمران 169. وبقيتها: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.]]، كأنَ أرواحَهُم أُحْضرَت [[في (ج): (حضرت).]] دارَ السَّلام [أحياءً، و] [[ما بين المعقوفين زيادة لازمة من: "تهذيب اللغة".]] أرواحَ غيرهم لا يَشهَدها [[وفي "التهذيب": وأرواح غيرهم أخِّرَتْ إلى يوم البَعْث.]]. وهذا قولٌ حَسَنٌ.
وقال ابنُ الأنباري [[قوله، في: المصدر السابق. نقله عنه بمعناه.]]: سُمَّي شهيدا، لأن الله وملائكته شُهُودٌ له. فهو (فَعِيل)، بمعنى: (مَفْعُول له).
وقال قومٌ [[أورد هذا القول الأزهريُّ في المصدر السابق، ولم ينسبه لقائل.]]: سُمُّوا شُهَداء؛ لأنهم يُسْتَشْهَدُونَ يومَ البَعثِ [[في (ب): (بالبعث). بدلًا من: (يوم البعث).]]، مع الأنبياء والصِّدِّيقِينَ على الأمم؛ كما ذَكَرَهُ اللهُ تعالى في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143].
قالَ أبو منصور [[هو الأزهري، وقوله في: "تهذيب اللغة" 2/ 1943. نقله عنه بتصرف واختصار.]]: والشهادة -يومئذ- تكون للأفضل [[في (أ)، (ب): الأفضل. والمثبت من (ج)، و"تهذيب اللغة".]] فالأفضل مِنَ الأُمَّةِ. فأفضلهم مَن قُتِلَ في سبيل الله؛ أَبَانَهم اللهُ من غيرهم -بالفضل الذي يميَّزوا به- مِن جَمَاعَةِ المؤمنين. [[وعبارة "التهذيب": ميّزت هذه الطبقة عن الأمة بالفضل الذيَ حازوه.- بدلًا من عبارة المؤلف: (أبانهم .. المؤمنين).]] وبَيَّن أنَّهم ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: 169]، الآية. ثم يتلوهم في الفضل مَنْ عَدَّه النبيُّ ﷺ مِنَ المسلمين شهيدا؛ فإنه قال: "المَبْطْونُ شَهِيد [[في (أ): (شهيدا). والمثبت من: (ب)، (ج)، و"التهذيب"، ومصادر الخبر.]]، والغرِيق شَهيد [[في (ب): (شهيدا).]] " [[الحديث ورد من رواية جابر بن عتيك، ونصه: (.. فقال رسول الله ﷺ: "وما تعدُّون الشهادة؟." قالوا: القتل في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ: "الشهداء سَبْعَةٌ، سوى القَتْل في سبيل الله: المَطْعُونُ شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحبُ ذات الجَنْب شهيد، والمَبْطُونُ شهيد، والحَرِقُ شهيد، والذي يموت تحت الهَدْمِ شهيد، والمرأَة تموت بِجُمْعٍ شهيد".
وقد أخرجه مالك في: "الموطأ" 161 رقم (36) كتاب الجنائز. باب النهي عن البكاء على الميت. واللفظ له.
وأخرجه أحمد في "المسند" 5/ 446 انظر: "الفتح الرباني" 14/ 39)، وأبو داود في "السنن" رقم (3111). كتاب الجنائز. باب في فضل من مات في الطاعون. وأخرجها النسائي في "السنن" رقم (1846) كتاب الجنائز. باب النهي عن البكاء على الميت. رقم (3194) كتاب الجهاد. باب من خان غازيا ..
وأخرجه ابن ماجه في "السنن" رقم (2803) كتاب الجهاد. ما يرجى فيه الشهادة، وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" رقم (2261).
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 3/ 562 رقم (6695).
وابن حبان في صحيحه 7/ 461 رقم (3189)، 463 رقم (3190).
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 1/ 351 كتاب الجنائز، وصححه ووافقه الذهبي،
والطبراني في "المعجم الكبير" 2/ 191 رقم (1779)، 192 رقم (1780)، و"الأوسط" 2/ 142 (1265)، والبغوي في "شرح السنة" 5/ 433 رقم 1532.
وأخرج الشافعى أوَّلَه في "المسند" 1/ 199 رقم (556)، وكذا البيهقي في "السنن" 4/ 69 واقتصر على أوَّله.
وقد ورد حديث آخر بنحو هذا الحديث عن أبي هريرة: (الشهداء خمسة: ..) وذكر بعضر الأنواع التي وردت في الحديث السابق. == أخرجه البخاري في "الصحيح" (2829). كتاب الجهاد: باب الشهادة سبع سوى القتل، ومسلم في "الصحيح" رقم (1914) كتاب الإمارة. باب بيان الشهداء. وأحمد في "المسند" 2/ 441، 310، وابن ماجة في "السنن" رقم (2804)، والطيالسي 316 رقم (2407)، وعبد الرزاق في "المصنف" 5/ 270 رقم (9574).
وانظر أحاديث، وآثارًا أخرى في: "صحيح البخاري" (5733) كتاب الطب. باب ما يذكر في الطاعون، و"مصنف عبد الرزاق" 5/ 269 رقم (9572)، 271 رقم (9575، 9576، 9577)، و"سنن سعيد بن منصور" 2/ 235 - 236 رقم (2615، 2616، 2617)، و"فتح الباري" 6/ 43 - 44، و"كنز العمال" 4/ 421 - 424 رقم (11213 - 11231)، و"الفتح الرباني" 14/ 34 - 39.
و (المبطون): الذي مات بداء البطن، كالاستسقاء، ونحوه من العلل. و (المطعون): الذي مات من إصابته بالطاعون. و (المرأة تموت بجُمْع): التي تموت وولدها في بطنها. وقيل: التي تموت بكرًا. و (ذات الجنب): التهاب يصيب غلاف الرئة، ينتج عنه سُعال وحمى، ونخس في الجنب، ويسمى- كذلك (الجُناب).]].
وذَكَرَ -أيضًا- غيرَ هذين. ويدل على هذا ما رُوي أنَّ النَبِيَّ ﷺ قال: "مالَكُمْ إذا رَأَيتم الرَّجلَ يُخَرِّقُ [[(يُخرِّق) جاءت في: (أ)، (ب)، (ج) مهملة من الشكل، وفي "تهذيب اللغة" 2/ 1944: (يَخرِق)، خلاف ما جاء في مخطوط التهذيب، كما أشار إلى ذلك محقق التهذيب. وكذا ورد ضبطها في: "اللسان" 4/ 2348 (شهد)، وما أثبتُّه هو ما استصوبته؛ لأنها وردت في مصادر الخبر (يُخرِّق)، ومن هذه المصادر: أصل مخطوط "تهذيب اللغة"؛ حيث أشار إلى ذلك محقق التهذيب في هامش نفس الصفحة قائلًا: (ضُبط في مُصوَّرة التهذيب بضم أوَّلِه؛ فكأنه يُراد فيها مشدَّد الراء من (التخريق). ولكن المحقق أثبتها (يَخرِق) إما باجتهاد منه، أو اعتمادًا على ما في "اللسان".
وكذا وردت (يُخرَق) في: "غريب الحديث" لابن سلّام 1/ 102، 2/ 28، و"الفائق" للزمخشري 2/ 414، و"غريب الحديث" لابن الجوزي 2/ 78، و"النهاية" لابن الأثير 3/ 201.]] أغرَاَض الناس، ألآ تُعَرِّبُوا عليه [[(تُعَرِّبوا) وردت في (أ)، (ب)، (ج) مهملة من الشكل. ووردت في "تهذيب اللغة" (تُعرِبوا)، وهو خلاف ما ورد في أصل التهذيب كما أشار إلى ذلك == محققه؛ حيث قال: (ضُبطت بتشديد الراء في المصورة).
وكذا وردت بتشديد الراء في مصادر الخبر المشار إليها سابقًا. وهي ما اعتمدت عليه في ضبط الكلمة.
أما في "لسان العرب" 4/ 2348 (شهد) فقد نقل هذا النص عن الأزهري وفيه: (أنْ لا تَعْزِمُوا عليه).]] "؟ فقالوا: نَخَاف لِسَانَهُ يا رَسُولَ الله. فقال: "ذلك [أدْنَى] [[ما بين المعقوفين زيادة من "تهذيب اللغة"، وبقية مصادر الأثر التالية.]] أنْ لا تَكُونوا شُهَداء" [[الأثر، لم أهتد إليه في كتب السنة، وقد أورده: أبو عبيد بن سلّام في: "غريب الحديث" 1/ 102 من قول عمر - رضي الله عنه -، حيث قال: (وقد روي عن عمر أنه قال: ..) وذكره، وفي: 2/ 28 قال: (وفي حديث عمر: ما يمنعكم إذا رأيتم الرجل ..) وذكره وأشار محقق "غريب الحديث" في هامش: 2/ 252 إلى أنه وردت زيادة في بعض نسخ الغريب فيها سند هذا الأثر، وهو: (.. قال: حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن زيد بن صوحان، عن عمر ..).
وفي "التهذيب" 6/ 74: جعله من قول عمر، حيث قال: القوله (..)، وقد أورده الزمخشري في "الفائق" 2/ 414، وابن الجوزي في "غريب الحديث" 2/ 78 وقال: (قال عمر: مالكم ..) وذكره، وابن الأثير في "النهاية" 3/ 201.
وفي جميع المصادر السابقة التي أوردت الأثر لم يرد فيها قولهم: (.. يا رسول الله ..). وقوله: (تُعَرِّبوا عليه)؛ أي: تقبِّحوا قولَه، وتعيبوه، وتَرَدُّوه عليه، وتُفسِدوا عليه كلامَه، وتهجِّنوه.
انظر: "الفائق" 2/ 414، و"اللسان" 5/ 2866 (عرب)، في كتاب "النخل" لأبي حاتم السجستاني 101: (وفي الحديث: (فما عرَّبتم عليه)، أيَ: فما غيَّرتم).]] معناه: أنكم إذا لَمْ تُعَرِّبُوا على مَن يتناول أعراضَ المسلمين؛ مَخَافَة لِسَانِهِ، لم تَدْخُلُوا في جُمْلَةِ المُسْتَشْهَدِين يومَ القيامة على الأمم التي كَذَّبَتْ أنبياءَها.
وقيل في الشَّهِيد: إنَّه سُمِّيَ (شَهِيدا) [[لم أقف على من قال بهذا القول.]]: لأنه شَهِد الجَنَّة؛ أي: حَضَرَها حين استشهد. فهو على هذا التأويل، بمعنى [[في (أ)، (ب): (معنى). والمثبت من (ج).]]: (شاهد)، وهو: الحاضر؛ كما يقال: (سميع وسامع)، و (عليمٌ وعالِم) [[وردت -هنا- عبارة مكررة في (ج)، وهي: (فهو على هذا التأويل).]]. وهذا قريب مِمَّا قاله ابنُ شميل [[أورد ابن حجر في "فتح الباري" هذه الأقوال في سبب تسمية الشهيد بهذا الاسم، وزاد عليها أقوالًا أخرى، ثم قال: (وبعض هذه يختص بمن قتل في سبيل الله، وبعضها يعم غيره، وبعضها قد ينازع فيه). "فتح الباري" 6/ 43.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس [[قوله، في "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 774.]]: أي: المشركين.
وفي هذا [إشارة] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] إلى أنه إنَّما [يُدِيل] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (يريد). والمثبت من (ج). وهو الصواب.]] الكافرين على المؤمنين؛ لِمَا ذَكَرَ [[أي في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾]]، لا [[لا: ساقطة من (ج).]] لأنَّهُ يُحِبُّهم. وإذْ [[في (ب)، (ج): (وإذا).]] أَدَالَ المؤمنين، أدَالَهُمْ نُصْرَةً لهم، ومَحَبَّةً منه إيَّاهم.
وجملة معنى الآية: أنها [تَسْلِيَة] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] للمؤمنين [عَمَّا نالَهُم مِنَ الجِرَاح] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] بِأَنَّ عَدُوَّهم قد نَالَ مِثْلَهُ، وأَنَّ سُنَّةً لَهُ في عِبَادِهِ أنْ يَبْلُوهم مَرَّةً بالخير، ومَرَّةً بالشَّرِّ [كما قال] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [[سورة الأنبياء: 35. وتمامها: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.]]] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]].
آل عمران 3:141
قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: لِيُظْهِرَهم [[هكذا في (أ)، (ب): (لِيُظْهرهم) -بالظاء-. وفي (ج): (ليطهِّرهم) -بالطاء-. وهي أوْلى. إلّا أنَّ الأولَى، وهي (لِيظْهِرَهم) تدخل في المعنى المراد من التمحيص. جاء في "اللسان" (.. وقد أمْحَصَت الشمسُ؛ أي: ظهرت من الكسوف وانجلت) 7/ 4145 (محص).
وقد قال المؤلف -فيما سيأتي- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آية: 154]: (قد ذكرنا للتمحيص ثلاثة معانٍ، عند قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: التطهير، والكشف، والابتلاء.
وهذا القول يعزز ما جاء في نسخة (ج)؛ لأن التطهير مصدر لـ (طهَّر)، إلا أنِّي آثرت أن أبقِيَ ما في نسختي (أ)، (ب)؛ لأن الكلمة وردت فيهما مضبوطة بالشكل، واضحة، فكأن الناسخ أراد بشَكْلها أن يُنَبِّهنا إلى رسمها.]] مِن ذنوبهم، وُيسْقِطَها عنهم. وتأويل (المَحْص) [-في اللغة-: التَّنْقِيَةُ والتَّخْلِيص [[في (ب): (والتلخيص).]]] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من: (ب)، (ج) و"معاني القرآن"، للزجاج، حيث وردت العبارة فيه.]].
قرأت على سَعِيد بن محمد الحِيري، فقلت: أَخْبَرَكم أبو علي الفارسي، عن الزجَّاج، قال: سمعت المبَرِّد يقول: (مَحَصَ [[هكذا ضبطت في (أ): (مَحَصَ) -بفتح الحاء-. وكذا وردت في "معاني == القرآن"، للزجاج 1/ 471. أمّا في (ب)، (ج) فأهمِلَت من الشَّكْل. وفي "التهذيب" 4/ 3350، و"اللسان" 7/ 4145 فقد وردت فيهما: (مَحِصَ) -بكسر الحاء-.]] الحبْلُ، يَمْحَصُ، مَحْصًا) [[(أ)، (ب)، (ج): (محصا) مُهْمَلة من الشَّكْل. وضَبَطْتُها من: "معاني القرآن"، للزجاج 1/ 471، و"التهذيب" 4/ 3350 حيث نقل نَصَّ الزجاج، و"الدر المصون" 3/ 407 حيث نقل هذا النص عن الواحدي. أمّا في: "الزاهر" 1/ 108، و"اللسان" 7/ 4145 فقد وردت فيها: (مَحَصًا) -بفتح الحاء-.]]: إذا ذهب زِئْبِرُهُ [[(أ)، (ب)، (ج): زبيره وفي "معاني القرآن" للزجاج: (إذا ذهب منه الوبَرُ). وقد وردت (زبيره) في: "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي: 536 إلا أني لم أجدها في كتب اللغة الأخرى التي رجعت إليها. وقد ذكرها السمين الحلبي -نفسه- في: "الدر المصون" 3/ 407 (زئبره) وفق ما أثبَتُّهُ.
والمثبت من كتب اللغة. انظر: "مقاييس اللغة" 5/ 300 (محص)، و"اللسان" 7/ 4145، و"الدر المصون" 3/ 407.
الزِّئْبِرُ -بكسر الباء، وقد يضمها بعضُهم-: هو ما يظهر من درز الثوب. وهو الزَّغَب والوَبَر الذي يعلو المنسوجات. انظر: "التاج" 6/ 449 (زأبر)، و"المعجم الوسيط" 1/ 388 (زأبر).]] حتَّى [يَمَّلِصَ] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج). وهي فيهما غير مشكولة.
وفي "معاني القرآن"، للزجاج وردت: (يَمْلَصَ). وقد ضبطْتُها بالشكل من: "تهذيب اللغة" 4/ 3350 (محص)، و"اللسان" 7/ 4145 (محص). وهي الصواب.
ويَمَّلص: يَنْزَلِقُ من اليد. والمَلَص: الزَّلَق. يقال: (مَلِصَ مَلَصًا)، (فهو أمْلَصُ، ومَلِصٌ، ومَلِيصٌ).
قال في: "اللسان" (و (امَّلَصَ، وتَمَلَّص): زَلَّ انسلالًا لِمَلاسَتِهِ. وخصَّ اللِّحيانيُّ به الرِّشاءَ، والعِنان، والحبل، قال: و (انمَلَص الشيءُ): أفْلَتَ. وتُدْغمُ النون في المِيمِ) 7/ 4262 (ملص).]]
و (حبْلٌ مَحِصٌ، ومَلِصٌ)، بمعنًى واحدٍ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 471، و"الزاهر" 1/ 108، و"تهذيب اللغة" == 4/ 3350 (محص)، و"اللسان" 7/ 4145، و"الدر المصون" 3/ 407.]].
قال [[القائل هو الزجاج، ويروي المؤلفُ قولَه هذا بسنده السابق، وقول الزجاج -بنصه- في: "معاني القرآن" له 1/ 472. قال الزجاج: (ويقال: ..) وذكره.]]: ويُسْتَحَبُّ مِن الفَرسِ أنْ تَمْحَصَ [[في (ب): (يملص). وفي "معاني القرآن" (تُمَحَّصَ). وما أثبتُّه ورد كذلك في: "تهذيب اللغة" 4/ 3350 (محص) حيث نقل نَصَّ الزجاج. و"الدر المصون" 3/ 407 حيث نقل نَصَّ المؤلف (الواحدي). وورد في "اللسان" 7/ 4145 (محص) قوله: (أنْ تُمْحَصَ) -بضم التاء-.]] قوائِمُهُ؛ أي [[في (ب)، (ج): (أن).]]: تَخْلُصَ من الرَّهَلِ [[في (ب): (الرها). والرَّهل -هنا-: استرخاء اللحم مِنْ سِمَنٍ. يقال: (رَهِلَ اللحم، يَرْهَلُ، رَهَلًا)، فهو (رَهِلٌ): إذا استرخى واضطرب.
انظر (رهل) في: "جمهرة اللغة" 802، و"المجمل" 403، و"اللسان" 3/ 1756.]]. وأنشد [[في (ج): (أنشد) -بدون واو-.]] ابنُ الأنباريِّ [[في "الزاهر" 1/ 107.]] -على هذا- لأبي دُوَاد [[قال البغدادي: (وأبو دُوَاد، بدالين مهملتين، أوْلاهما مضموم، بعدها واو). "خزانة الأدب" 9/ 590. وكذا كُتِب في "الأصمعيات" 185. أما في المصادر التالية، فقد ورد (دُؤاد).
وهو: أبو دؤاد الإيادي، جارية بن الحجَّاج، وقيل: جُوَيْرِية بن الحجاج، وقيل: حنظلة بن الشَّرْفي.]]، يَصِف قوائمَ الفرس:
صُمِّ النُّسُورِ صِحاحٌ غيرُ عاثِرَةٍ ... رُكِّبْنَ في مَحِصَاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ [[البيت في "ديوانه" 285. وورد منسوبًا له في "الزاهر" 1/ 107، وورد غير منسوب في "الدر المصون" 3/ 408. وقد وردت روايته في المصادر السابقة: (.. صِحاحٍ غيرِ عاثرةٍ ..) - بكسمِ (صِحاحٍ)، و (غيرِ).
قال ابن الأنباري: (النُّسْور: اللحم الذي في باطن الحافر، يشبه النوى، واحدها: نَسْر). "الزاهر" 1/ 107.]] قوله: (في مَحِصَات)؛ معناه: في قوائمَ مُتَجَرِّداتٍ عن اللحم، ليس فيها إلا العَظْمُ، والعَصَبُ، والجِلْدُ [[انظر: المصدر السابق. وورد فيه: (.. من العظم، والجلد، والعصب).]].
قال المُبرِّد [[قوله في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 471.]]: وتأويل قول الناس: (مَحِّصْ عنَّا ذُنُوبَنا)؛ أي: أذهب [[في "معاني القرآن" أذهب هنا.]] ما تَعَلَّقَ بنا مِنَ الذُّنُوب.
وهذا الذي ذكره المبرِّدُ، تأويل (المَحَصِ) -بفتح الحاء-، وهو واقعٌ [[الفعل الواقع هو الفعل المتعدي إلى مفعول أو أكثر. وسمي بـ (الواقع)؛ لوقوعه على المفعول بِه، ويسمى كذلك بالفعل المجاوز، لمجاوزته الفاعل إلى المفعول به. انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" 245، و"موسوعة النحو والصرف" 498.]]، و (المَحْص) -بسكون الحاء- مطاوع [[في "الدر المصون" 3/ 408 - وقد نقل نَصَّ الواحدي هذا-: (.. والمحص-بسكون الحاء- مصنوعٌ).
المطاوع من (محص) هو: انْمَحَص، وتُدغم النونُ في الميم فيصير: (امَّحَص) قال في "اللسان" (وقَدْ أَمْحَصَت الشمسُ: أي: ظهرت من الكسوف وانجلت. وُيروَى: امَّحَصت على المطاوعة، وهو قليل في الرباعي). 7/ 4145 (محص).]].
قال الخليل [[قوله في: كتاب "العين" له 3/ 127. ولكن المؤلف نقل قوله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 472 نظرًا لتطابق النص معه.
ونص قول الخليل: (المحْصُ: خُلُوص الشيء. (مَحَصْتُهُ محْصًا): خلَّصْته من كل عيب).
وفي "معاني القرآن" للنحاس: (قال أبو إسحاق: قرأت على أبي العباسِ، محمد == ابن يزيد، عن الخليل: أن التمحيص: التخليص؛ يقال: (مَحَصَه، يَمْحَص، مَحْصًا): إذا خلَّصه) 1/ 483.]]: يقال: (مَحَصْتُ الشيءَ، أَمْحَصُه، مَحْصًا): إذا خَلَّصته من كلِّ عَيبٍ. قال رُؤبَةُ -يصف فَرَسا [[في (ب): (ذئبا).]] -:
[شَدِيدُ] [[(شديد) غير مقروء في (أ). وفي (ب): (فيديد). والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.]] جَلْزِ الصُّلْبِ مَمْحُوصُ الشَّوَى [[في (ج): السوى. -غير معجمة-.
والبيت من الرجز، وتمامه:
كالكَرِّ لا شَخْتٌ ولا فيه لَوَى
وقد ورد منسوبًا لرؤبة، في: "تهذب اللغة" 4/ 3350 (محص)، و"اللسان" 7/ 4145 (محص)، و"الدر المصون" 3/ 408، و"التاج" 9/ 359 (محص).
وفي "اللسان" 7/ 3851 (كرر) نقله عن الأزهري، ولم ينسبه.
والبيت ليس في ديوان رؤبة، وإنما في ديوان العجاج (بعناية وليم بن الورد) ص 73. وقد ورد منسوبًا له في "اللسان" 7/ 4109، وقد أورد الأزهري شطره الثاني، ونسبه للعَجَّاج في "التهذيب" 4/ 3314 (لوى).
وورد في "اللسان" 7/ 3851 (كرر): (.. لا سَخْتٌ ..) وهي تصحيف -والله أعلم-، وفي "الدر المصون" (.. السوى ..).
(الجَلْز): الطيُّ، واللَّيُّ. وكل شيء يُلوى على شيء، ففعله: الجَلْز. يقال: (جَلَزْته، أجْلُزُه، جَلْزًا). انظر: "اللسان" 2/ 656 (جلز).
و (الصُّلْب): الظهر. انظر: "المجمل" 538 (صلب) و (الشَّوَى): الأطراف، و (شَوَى الفَرَسِ): قوائمه. انظر: "اللسان" 4/ 2368 (شوى).
يصف الفرس بأنه شديد طَيِّ الظهر؛ أي: وثيق الخلْق، أطرافه وقوائمه نَقِيِّة من العيوب المشينة.
أما (السَّوَى) -على الرواية الثانية التي أوردها السمين الحلبي-، فقد فسَّرَهُ السمين بأنه: الظَّهْر. جعله مقصورًا للضرورة. وأصله: (السواء).
و (الكَرُّ): الحبل الذي يصعد به على النخل. وجمعه (كرور). و (الشخت): == الدقِيق، الضامر. و (اللَّوَى): العِوَج.
انظر: "التهذيب" 4/ 3123 (كرر)، 4/ 3350 (محص)، و"القاموس" 198 (شخت).]] ومِن هذا؛ يُقال للسِّنَانِ المَجْلُوِّ: (مَمْحُوص) [[انظر (محص) في: "التهذيب" 4/ 3350، و"اللسان" 7/ 4145.]]. قال أُسَامَةُ الهُذَلِيُّ [[هو: أسامة بن الحارث الهذلي. وقيل: أسامة بن حبيب. شاعرٌ مُخَضْرَم (جاهلي، إسلامي). انظر: "الشعر والشعراء" 2/ 670، و"شرح أشعر الهذليين" 3/ 1289، و"الإصابة" لابن حجر 1/ 31.]]:
وَشَقّوا [[في (ج): (شقوا) - بدون واو-.]] بمَمْحُوصِ القِطَاعِ [[في (ج): (القطاة).]] فُؤَادهُ [[صدر بيت، وتمامه:
لَهُمْ قُتَرَاتٌ قد بُنِينَ مَحاتِدُ
وقد ورد منسوبًا له في: "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1300، و"تهذيب اللغة" 4/ 3350 (محص)، و"اللسان" 7/ 4145 (محص)، و"التاج" 4/ 410 (حتد). وورد غير منسوب في: "اللسان" 2/ 768 (حتد).
ولكنه ورد في "شرح أشعار الهذليين" بالرواية التالية: (.. بِمَنْحُوضِ القِطَاع ..) وليس في هذه الرواية شاهد على ما ذهب إليه المؤلف. وفي "التهذيب" (أشَفُّوا ..)، وفي "اللسان" 2/ 768: (.. له قُتُرات ..)، وفي 7/ 4145: (أشْفَوْا ..). يصف الشاعر حِمَارًا رُمي بالنِّصال، حتى رَقَّ فؤادُه من الفزع، فيقول: شَقُّوا فؤادَه. بـ (مَنْحوض القِطَاع)، وهو النَّصْل الدَّقيق المُرْهف. يقال: (سِنان نَحِيض)، أي: رقيق. و (نَحَّضَه): رقَّقَه. و (القطاع): جمع: قِطْع، وهو نصلٌ قَصِير عَرِيض.
و (القُترات) واحدها: (قِتْر)، و (قِتْرَة)، وهي: نوع من النصال حاد الطَّرف.
و (محاتد): أي: قديمة ورثوها عن آبائهم فهي لهم أصل، و (المحتِدُ): الأصل.
انظر: المصادر السابقة. و"الصحاح" 1107 (نحض)، و"اللسان" 6/ 3526 (قتر).]]
يعني: بِمَجْلُوِّ النِّصَالِ [[النِّصَال، والأنْصُل، والنُّصُول)، واحدها: (نصْل)، وهي حديدة السَّهم، == والرُّمْح، والسَّيف ما لم يكن له مِقْبَض، فإذا كان له مقبض، فهو سيف. انظر: "التاج" 15/ 738 (نصل).]].
فمعنى قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: لِيُخَلِّصهم مِن ذُنوبهم. وإلى هذا ذَهَب أكثرُ أهلِ المعاني والتفسير.
وقال [[في (ج): (قال) -بدون واو-.]] ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد [[(يريد): ساقطة من (ب).]]: يُمَحِّصَ ذنوبَهم حتى يَلْقَوْهُ؛ وليس لهم قَبْلَهُ سَيِّئَةٌ يعذبهم عليها. ووجه هذا القول: ما قاله أبو عَمْرُو الشيباني [[لم أقف على مصدر قوله، وليس في كتابه (الجيم). نقله عنه القالي في "أماليه" 2/ 275.]]: معنى التمحيص في اللغة: الكشف. و (مَحِّصْ عنَّا ذنوبَنا)؛ معناه: واكشف [[في (ب): (اكشف) -بدون واو-.]] عنَّا ذنوبَنا. و (تَمَحَّصَ الشيءُ): إذا تَكَشَّفَ. وأنشد:
حتى بَدَتْ قَمْرَاؤُهُ وتَمَحَّصَتْ ظَلْمَـ ... ـاؤُهُ [[في (أ): (ظلماه)، والمثبت من (ب)، (ج). و (القَمْرَاء): ضوء القَمَر. و (ليلة قمراء): مضيئة. و (الظَّلْمَاء): الظُلْمة. و (ليلة ظلماء): شديدة الظلمة. انظر: "اللسان" 7/ 3736 (قمر)، 5/ 2759 (ظلم).]] ورَأَىَ الطريقَ المُبْصِرُ [[ينظر: "أمالي القالي" 2/ 275، و"الفاخر" 135، و"اللآلئ" 916، و"أساس البلاغة" (محص)، والزاهر 1/ 15.]]
وهذا اختيار الفرَّاء؛ لأنه قال [[في "معاني القرآن" له 1/ 235. نقله بنصه.]]: يريد: لِيُمَحِّصَ [[في "معاني القرآن" يمحص.]] اللهُ الذنوبَ عن الذين آمنوا.
وعلى هذا القول؛ تقدير الآية: وَلِيُمَحِّصَ الله ذنوبَ الذين آمنوا. فحذف المضاف [[انظر: "مجالس ثعلب" 1/ 266، فقد حكى هذا القول.]].
وروى أبو عُبَيْد [[(أبو عبيد): في (أ) تُقرأ: (أبو عبيدة) -فيشتبه السكون على الدال بالتاء المربوطة-. وفي (ج): أبو عبيدة. وما أثبتُّه من (ب)، و"تهذيب اللغة"، وهو الصواب؛ لأن أبا عبيد هو المعروف بالرواية عن أبي عمرو الشيباني. انظر: مقدمة تحقيق كتاب "الجيم" 1/ 25.]]، عن أبي عَمْرو، قال [[انظر قوله في "تهذيب اللغة" 4/ 3350 (محص).]]: التَّمْحِيص: الابتلاء والاختبار [[في (ج): (والاختيار) وفي "التهذيب" الاختبار والابتلاء.]]. وإلى هذا القول ذهب جماعة من المفسرين: السُّدِّي [[قوله، في "تفسير الطبري" 4/ 107، و"زاد المسير" 1/ 467.]]، ومجاهد [[قوله، في "تفسيره" 137، و"تفسير الطبري" 4/ 107 - 108، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 774.]]، وروي ذلك عن ابن عباس -في بعض الروايات- [[في "تفسير الطبري" 4/ 108، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 775 - من رواية ابن جريج عنه-، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 426. وهو قول: الحسن، وابن إسحاق، وقتادة انظر: المصادر السابقة.]]، قالوا: ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ أي: لِيَبْتَلِي. وهذا اختيار القُتَيْبِيِّ [[هو ابن قتيبة، واختياره هذا في: "تفسير غريب القرآن" له 1/ 106، وهو -كذلك- قول المبرد في "الكامل" 1/ 213.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.
(المَحْقُ) في اللغة معناه: النُّقْصَان.
يقال: (مَحَقَهُ اللهُ، فامْتَحَقَ، وامَّحَقَ) [[انظر: (محق) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3351، و"اللسان" 7/ 4146.]].
وقال أبو زيد [[قوله، في: "تهذيب اللغة" 4/ 3352 (محق)، و"اللسان" 7/ 4146 (محق).]]: (مَحَقَهُ اللهُ)، و (أَمْحَقَهُ). والأصمعي يأبى إلّا (محَقَه) [[قول الأصمعي هذا، مِن تتمة كلام أبي زيد. قال: (وأبَى الأصمعيُّ إلا (محقه)). وفي "الصحاح" (و (مَحقَه الله)؛ أي: ذهب ببركته. و (أمحقه) لغة رديئة) 1553 (محق). وانظر: "اللسان" 7/ 4146 (محق).]]. وأما (أَمْحَق) [[نلاحظ هنا أن الفعل (أمحق) لازم، وأما (أمحقه) السابق، فمتعدٍّ.]]، فقال أبو عمرو [[قوله في: "إصلاح المنطق" 278، و"التهذيب" 4/ 3352 (محق)، و"الصحاح" 1553 (محق).]]: هو أن يَنْقُصَ ويَدِقَّ [[في (ب): (يرق).]]، كَمُحَاقِ [[مُحَاق، ومَحاق، ومِحاق. بضم الميم، وفتحها، وكسرها-. انظر: "اللسان" 7/ 4147 (محق).]] الهِلالِ.
وأنشد ابن السِّكِّيت [[ولفظ أبي عمرو كما في "إصلاح المنطق" (قال أبو عمرو: الإمحاق: أن يَهلِك؛ كمُحاق الهلال، وأنشد ..). وفي "التهذيب" (عن ابن السكيت عن أبي عمرو: الإمحاق: أن يهلك الشيء ..).]]:
... حتى أنسَّ وأَمْحَقَا [[في (ج): (وامَّحقا).
وهذا مقطع من بيت وتمامه -حسب روايته في "إصلاح المنطق" 278 - :
أبوك الذي يَطْوِي أُنُوفَ عُنُوقهِ ... بأظفاره حتى أنَسَّ وأمْحَقا
وقد نسبه في "اللسان" 7/ 4147 (محق) لسَبْرة بن عمرو الأسدي، يهجو به خالد بن قيس، وقد ورد غير منسوب في: "إصلاح المنطق" 278، و"تهذيب اللغة" 4/ 3352 (محق)، و"الصحاح" 1553 (محق)، و"اللسان" 7/ 4147 (محق). وقد وردت روايته في هذه المصادر -عدا "إصلاح المنطق"-: (يَكْوي أنوث عنوقه).
و (العُنُوق): مفردها: (عَنَاق)، وهي: الأنثى من أولاد المِعْزى، إذا أتت عليها == سنة. وتُجمع -كذلك- على: (أعْنُق، وعُنُق). و (العُنوق) جمعٌ نادرٌ.
و (أنَسَّ)؛ أي: بلغ نَسِيسَهُ، ونَسِيسَتَهُ؛ وهو: بقية روحه، أو غاية جهده. انظر: "التهذيب" 3/ 2597 (عنق)، و"القاموس" 4/ 577 (نسس).]] وقال ابن الأعْرَابي -عن المفَضَّل- [[قول ابن الأعرابي في: "تهذيب اللغة" 4/ 3353 (محق)، وفيه: (أبو العباس عن ابن الأعرابي، قال: المحق: ..) وليس فيه (عن المفضل). وكذا أورده صاحب "اللسان" في: 7/ 4146 (محق).]]: (المَحْقُ) -عند العرب [[(عند العرب): ليس في "تهذيب اللغة"، ولا في "اللسان".]] -: أن يذهب الشيءُ كلُّهُ، حتى لا يُرَى مِنْهُ شيءٌ. ومنه ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [[سورة البقرة: 276. وتمامها: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾.]]، أي: يستأصله.
قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 470. نقله عنه بتصرف.]]: ومعنى الآية: جَعَلَ اللهُ الأيَّامَ مُدَاوَلَةً بين الناس؛
لِيُمَحِّصَ اللهُ المُؤْمنينَ، إذا أدَالَ عليهم، بما يقع عليهم [[(بما يقع عليهم): ساقط من (ج).]] مِنْ قَتْلٍ وَجُرْحٍ وذَهابِ مَالٍ. و ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: يستأصلهم، إذا أدال عليهم، ويهلكهم بذنوبهم.
فَقَابَلَ [[في (ب): (مقابل).]] تَمْحِيصَ المؤمنين بِمَحْقِ الكافرين، لأن تمحيص هؤلاء، بإهلاك ذنوبهم، نَظِير مَحْقِ أولئك، بإهلاك أنْفُسِهِمْ. وهذا مُتقابِلٌ في المعنى، حَسَنٌ.