Lafzullah

Al-Basit — النساء 4:83 – النساء 4:176

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. النساء 4:83
  2. النساء 4:84
  3. النساء 4:85
  4. النساء 4:86
  5. النساء 4:87
  6. النساء 4:88
  7. النساء 4:89
  8. النساء 4:90
  9. النساء 4:94
  10. النساء 4:95
  11. النساء 4:96
  12. النساء 4:97
  13. النساء 4:103
  14. النساء 4:104
  15. النساء 4:105
  16. النساء 4:106
  17. النساء 4:108
  18. النساء 4:109
  19. النساء 4:110
  20. النساء 4:111
  21. النساء 4:112
  22. النساء 4:113
  23. النساء 4:114
  24. النساء 4:115
  25. النساء 4:116
  26. النساء 4:117
  27. النساء 4:118
  28. النساء 4:119
  29. النساء 4:120
  30. النساء 4:121
  31. النساء 4:123
  32. النساء 4:124
  33. النساء 4:125
  34. النساء 4:126
  35. النساء 4:127
  36. النساء 4:128
  37. النساء 4:129
  38. النساء 4:130
  39. النساء 4:131
  40. النساء 4:133
  41. النساء 4:134
  42. النساء 4:135
  43. النساء 4:136
  44. النساء 4:137
  45. النساء 4:138
  46. النساء 4:139
  47. النساء 4:140
  48. النساء 4:141
  49. النساء 4:142
  50. النساء 4:143
  51. النساء 4:144
  52. النساء 4:145
  53. النساء 4:146
  54. النساء 4:147
  55. النساء 4:148
  56. النساء 4:149
  57. النساء 4:150
  58. النساء 4:151
  59. النساء 4:152
  60. النساء 4:153
  61. النساء 4:154
  62. النساء 4:155
  63. النساء 4:156
  64. النساء 4:157
  65. النساء 4:158
  66. النساء 4:159
  67. النساء 4:160
  68. النساء 4:161
  69. النساء 4:162
  70. النساء 4:163
  71. النساء 4:164
  72. النساء 4:165
  73. النساء 4:166
  74. النساء 4:167
  75. النساء 4:168
  76. النساء 4:169
  77. النساء 4:170
  78. النساء 4:171
  79. النساء 4:172
  80. النساء 4:174
  81. النساء 4:175
  82. النساء 4:176

النساء 4:83

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ الآية [[جعلت هنا تفسير الآية (83) الذي كان مقدمًا في المخطوط على تفسير الآية (82).]] المفسرون وأرباب المعاني فوضى مختلفون في هذه الآية، ولا تكاد ترى لأحدهم متفق الصدر والعجز في معناها، وسأبين ما هو الأوفق والأليق إن شاء الله. قال أبو بكر محمد بن القاسم [[ابن الأنباري.]]: نزلت هذه الآية في قوم كانوا يُرجفون بسرايا رسول الله ﷺ وُيخبرون بما وقع بها وبما أدركت ولحقت، قبل أن يُخبر به النبي ﷺ فيضعفون قلوب المؤمنين ويؤذون النبي ﷺ سبقهم إياه بالأخبار، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي أبدوه وأظهروه قبل إبداء الرسول إياه إلا قليلًا منهم ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي أولي أمر السرايا، حتى يكون النبي ﷺ والأمراء هم الذين يُخبرون به ﴿لَعَلِمَهُ﴾ كل طالب علمه، واستغنوا بذلك عن الإخبار بما يغم رسول الله ﷺ ويؤذي المسلمين [[لم أقف عليه عن ابن الأنباري.]]. وهذا الذي قاله أبو بكر معنى صحيح عليه كثير من المفسرين [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 279، والطبري 5/ 182، "معاني الزجاج" 2/ 83، "بحر العلوم" 1/ 371، "الكشف والبيان" 4/ 93 أ، "زاد المسير" 2/ 145.]]، وأذكر من أقوالهم ما وافق هذا المعنى. قال ابن عباس: هذا في الأخبار، إذا غزت السرية من المسلمين أخبروا الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمين من عدوهم كذا وكذا، فأفشوه بينهم [[أخرجه بمعناه من طريق العوفي ومن طريق ابن جريج الطبري 5/ 182 - 183، وانظر: "زاد المسير" 2/ 145، "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.]]. وقال (السدي) [[الكلمة بين القوسين غير واضحة تمامًا في المخطوط، وما أثبته محتمل.]]: نزل هذا في أصحاب الأخبار والأراجيف كانوا إذا سمعوا من النبي خبرًا أفشوه حتى يبلغ العدو فيأخذ حذره، وكذلك كانوا يصنعون إذا كانوا غزاةً في السرايا [[أخرجه بمعناه الطبري 5/ 182 - 183، وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.]]. وقال الكلبي: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المناِفقين ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ حديث فيه أمن ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ يعني الهزيمة ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أفشوه، ولو سكتوا عنه حتى يكون الرسول هو الذي يُفشيه، أو أولو الأمر مثل أبي بكر وعمر وعلي، ويقال أمراء السرايا ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يتبعونه، ويقال: يطلبون علم ذلك [[بنحوه في "بحر العلوم" 1/ 371، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. قال: وكان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية فغلبت أو غُلبت تحدثوا بذلك وأفشوه، ولم يقفوا في ذلك حتى يكون رسول الله يخبرهم، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾. ونحو هذا قال مقاتل [[في "تفسيره" 1/ 393.]]. فهذه الأقوال التي ذكرنا توافق المعنى الذي ذكره أبو بكر وتقاربه. فأما سوق الألفاظ على هذا التفسير، فقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المنافقين في قول أكثرهم [[هذا قول ابن زيد والضحاك وغيرهما. انظر: الطبري 5/ 182 - 183، "بحر العلوم" 1/ 371، "الكشف والبيان" 4/ 92 أ، و"النكت والعيون" 1/ 511.]]. قال الزجاج: وكان ضعفة من المسلمين يُشيعون ذلك معهم من غير علم منهم بالضرر في ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 83.]]. وهذا قول الحسن أيضًا [["النكت والعيون" 1/ 511.]]. والسدي أبهم الأمر فقال: نزل في أصحاب الأخبار [[انظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.]]. فاحتمل أن يكونوا من المنافقين وأن يكونوا من المسلمين. ومعنى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ إذا وقع إليهم وانتهى إليهم هذا الخبر الذي هو أمر ﴿مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ من جهة استخبار وتجسس في معنى قول المفسرين إلا في قول السدي، فإنه قال: كانوا إذا سمعوا من النبي ﷺ خبرًا [[انظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.]]. فعلى قوله يجيئهم الخبر بالسماع عن النبي ﷺ، وعلى قوله لا يجوز أن يكونوا كاذبين بأن كان ما وقع إليهم من الخبر كذبًا، فقد قال ابن عباس: أفشوه بينهم من غير أن يكون شيء من ذلك [[أخرجه الطبري 5/ 182 - 183 من طريق ابن جريج، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.]]. وقوله: ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾. مضى فيه كلام المفسرين. وقال الحسن: من السلم أو الحرب [[انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 404.]]. وقوله تعالى: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾. الذيع أن يشيع الأمر [["تهذيب اللغة" 2/ 1262 (ذاع)، وانظر: "الصحاح" 3/ 1211 (ذيع).]]. قال الفراء: يقال: ذاع الشيء يذيع ذيعانًا وذيعًا وذيوعًا [[ليس في "معاني القرآن"، ويحتمل وجوده في كتابه "المصادر"، وهو مفقود.]]. وقال أبو زيد: أذعتُ الأمر وأذعت به [["تهذيب اللغة" 2/ 1262 (ذاع).]]. ونحو ذلك قال الكسائي وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 133، وانظر: الطبري 5/ 182 - 183.]] وأنشد. أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب [[البيت لأبي الأسود الدؤلي كما في "المجاز" 1/ 133، والطبري 5/ 182 - 183، وفي "معاني الزجاج" 2/ 83 دون نسبة. قال أبو عبيدة عقبه: "يقال: أثقب نارك، أي أوقدها حتى تضيء" ويقصد أبو الأسود بهذا البيت صديقًا له أفشى له سرًا، والمعنى: أشاع هذا السر وأظهره حتى صار كالنار الموقدة في مكان عال يراها كل مار.]] قال قتادة: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أظهروه [[أخرجه الطبري 5/ 182 - 183، لكن بلفظ: "سارعوا به وأفشوه".]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾. أي ردوا الأمر من الأمن أو الخوف [[انظر: الطبري 5/ 182 - 183، و"زاد المسير" 2/ 146.]]. وتأويله: فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر [[انظر: الطبري 5/ 182 - 183، و"معاني الزجاج" 2/ 83، و"الكشف والبيان" 4/ 92 أ.]]. وفي أولي الأمر قولان ذكرتهما [[كأن هذِه الكلمة في المخطوط: "ذكرهما".]] في حكايته قول الكلبي، أحدهما اختيار الزجاج؛ لأنه قال: إلى ذوي العلم والرأي منهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 83.]]. والثاني اختيار الفراء؛ لأنه قال: لو ردوه إلى أمراء السرايا [["معاني القرآن" 1/ 279.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني من هؤلاء المرجفين. وجعل أمراء السرايا وذوي العلم منهم من حيث الظاهر. وقد مضى مثل هذا في آيتين، وذكرنا الكلام هناك، إحدى الآيتين قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء:72] والثانية قوله معنى [[لعل الصواب: "تعالى".]] ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:66]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. معنى الاستنباط في اللغة الاستخراج، يقال: استنبط الفقيه، إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه. وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما يُحفر. يقال من ذلك: أنبط في غضراء [[الغضراء: "طينة خضراء علكة" "الصحاح" 2/ 770 (غضر).]] أي استنبط الماء في طين حر. قال: والنبط [["النبط والنبيط: قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين، والجمع أنباط". "الصحاح" 3/ 1162 (نبط).]] إنما سموا نبطًا لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين. هذا كلام الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 83، وانظر: الطبري 5/ 182 - 183، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 438، و"تهذيب اللغة" 4/ 3497، و"الصحاح" 3/ 1162 (نبط) و"زاد المسير" 2/ 147، و"اللسان" 7/ 4325 (نبط).]]. وقال الفراء: ينبطونه مثل يستنبطونه، ونبط الماء ينبط وينبط نبوطًا والأنباط الذين استنبطوا الماء من الأرض [[ليس في "معاني القرآن"، فيحتمل وجوده في كتابه المفقود: المصادر.]]. وقال ابن الأعرابي: يقال للرجل إذا كان يعدُ ولا يُنجز: فلان قريب الثرى بعيد النبط [["تهذيب اللغة" 4/ 3497 (نبط).]]. وقال غيره: يقال ذلك إذا وصف بالعز والمنعة، حتى لا يجد عدوه سبيلًا إلى أن يهضمه [["تهذيب اللغة" 4/ 3497 (نبط).]]. قال كعب بن سعد الغنوي [[هو كعب بن سعد بن عمرو بن عقبة الغنوي، شاعر جاهلي مجيد، وقيل: أدرك الإسلام، وهو من أصحاب المراثي. انظر: "طبقات الشعراء" ص 48، و"الأعلام" 5/ 227.]]: قريب ثراه ما ينال عدوُّه ... له نبطًا أبي الهوان قطوبُ [[البيت في "تهذيب اللغة" 4/ 3497، و"الصحاح" 3/ 1162 (نبط) دون نسبة. ونسب لكعب في "أساس البلاغة" 2/ 416، و"اللسان" 7/ 4325 (نبط)، و"الصحاح" و"اللسان": "عند" بدل قوله: "أبي". ومعنى: قريب ثراه: أي قريب خبره، انظر: "اللسان" 1/ 480 (ثرا). وقطوب: من القطوب وهو كناية عن الغضب والعبوس. انظر: "اللسان" 6/ 3667 (قطب).]] وأنشده الفراء في المصادر. هذا كلام أهل اللغة. فأما قول أهل التأويل، فقال الضحاك: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يتبعونه [[أخرجه الطبري 5/ 182 بلفظ: "يتتبعونه" وذكره في "الكشف والبيان" 4/ 12 و"معالم التنزيل" 2/ 255.]]. وقال عكرمة: الذين يحرصون عليه ويسألون عنه [["الكشف والبيان" 4/ 92 أ، و"معالم التنزيل" 2/ 255.]]. وقال مجاهد: هو قولهم: ماذا كان؟، وماذا سمعتم [["تفسيره" 1/ 167، وأخرجه الطبري 5/ 182 - 183، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 334.]]؟. وقال أبو العالية: يتحسسونه [[أخرجه الطبري 5/ 182 - 183، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 334.]]. وكل هذه أقوال في معاني الاستنباط. وقال عطاء: يريد يستيقنونه ويعلمونه [[لم أقف عليه.]]. وهذا مرتب على الاستنباط، أي يعلمونه بعد الاستنباط الذي هو السبب المؤدي إلى العلم. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من صلة الاستنباط، يقال: استنبطت من فلان أمرًا. والكناية تعود على المرجفين، وهي كقوله: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 83، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 438.]]. والمعنى: لو سكتوا وفوضوا ذلك إلى (نبي، ذكرهم الله تعالى) [[هكذا في المخطوط وهو غير واضح.]] لعلم ذلك الخبر كل طالب من المسلمين من غير إذاعة المنافقين، ولم يكونوا قد آذوا رسول الله بإذاعة ما يكره إذاعته. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾. قال ابن عباس: فضل الله الإسلام ورحمته القرآن [["الكشف والبيان" 4/ 92 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 255، و"زاد المسير" 2/ 148.]]. وقال أبو روق: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بالقرآن ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 255، و"زاد المسير" 2/ 148.]] واختلفوا في وجه هذا الاستنباط: فقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه: تَمَّ الكلام عند قوله ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ ثم استثنى القليل. قوله: ﴿أَذَاعُوا﴾ أي أذاعوا به إلا قليلًا، يعني بالقليل المؤمنين [[بنحوه في تفسير ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة وهو المراد بقول المؤلف: الوالبي. وأخرجه الطبري 5/ 183، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 334.]]. وهذا قول ابن زيد [[أخرجه الطبري 5/ 183، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 334.]] والكسائي [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 142.]] والفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 279. وهذا القول اختيار الطبري، انظر: "تفسير الطبري" 5/ 183، و"زاد المسير" 2/ 148.]]. وقال الحسن وقتادة: الاستثناء من قوله ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أجود [[أخرجه بمعناه عن قتادة الطبري 5/ 183، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 334. وذكره عنهما الماوردي 1/ 511، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 148.]]؛ لأن ما علم بالاستنباط فليس الأكثر يعرفه، وإنما يستنبط القليل؛ لأن الفضائل والاستخراج في القليل من الناس [[هذا التعليل للنحويين، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 84.]]. قال الزجاج: وهذا في هذا الموضع غلط من النحويين؛ لأن هذا الاستنباط ليس من شيء [[في "معاني الزجاج" 2/ 84: "ليس بشيء" والصواب ما في المعاني، ويحتمل حصول تصحف هنا.]] يُستخرج بنظر وتفكر، وإنما هو استنباط خبر، فالأكثر يعرف الخبر إذا أخبر به، وإنما القليل ههنا المبالغ في البلادة، الذي لا يعلم ما يُخبر به. فاستثناء القليل من قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ صحيح [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 84 - بتصرف-.]]. وقال الفراء: استثناء (قليل) مما في ﴿أَذَاعُوا﴾ أوضح وأبين معنى؛ لأنهم لا يجتمعون في الإذاعة كما يجتمعون في الاستنباط ومعرفة الخبر المظهر لهم. هذا معنى قوله. ولفظه أنه يقول: الاستثناء من ﴿أَذَاعُوا﴾ أجود لوجهين: لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض، فلذلك استحببت [[عند الفراء: "استحسنت".]] الاستثناء من الإذاعة [["معاني القرآن" 1/ 279، 280، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 92 ب.]]؛ لأنه جعل القليل المستثنى البليد الذي لا يعلم ما يخبر به. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا ممن (عصم) [[هذِه الكلمة في المخطوط: "عظم" بالظاء، والتصويب من "الوسيط" 2/ 637.]] الله [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 637، ولم أقف عليه.]]. قال ابن الأنباري: قال أصحاب هذا القول: الذين وقع عليهم الاستثناء هم الذين اهتدوا بعقولهم لترك عبادة الأوثان والإشراك بالله عز وجل وأقاموا على التوحيد بغير رسول ولا كتاب، نحو زيد بن عمرو بن نفيل ورقة بن نوفل [[هو ورقة بن نوفل بن عبد العزى القرشي، من الحكماء، اعتزل عبادة الأصنام، ولم يأكل مما ذبح عليها، واعتنق النصرانية، وقد أدرك أوائل عصر النبوة وقصته في بدء الوحي مشهورة في البخاري وغيره، وقد آمن وعد من الصحابة. انظر: "أسد الغابة" 5/ 447، و"الإصابة" 3/ 633، و"الأعلام" 8/ 114.]]، وطلاب الدين [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 84، و"النكت والعيون" 1/ 511، 512، و"الوسيط" 2/ 637، و"زاد المسير" 2/ 148.]]. قال: والقولان الأولان (أثبت) [[تكررت هذِه الكلمة في المخطوط.]] من هذا القول؛ لأن ورقة وزيدًا وغيرهما ممن ثبته [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "ثبت".]] بفضل الله ورحمته أدرك الدين (أدرك) [[هكذا هذِه الكلمة في المخطوط، ولعل الصواب: "أم لم يدركه".]] فنعمة الله لازمة له. ونصر الزجاج هذا القول الثالث، وأجاب عن ترجيح ابن الأنباري القولين الأولين، فقال: قبل أن ينزل القرآن على النبي ﷺ وقبل أن يُبعث قد كان في الناس القليل ممن لم يشاهد القرآن ولا النبي ﷺ مؤمنًا، فإن قال قائل: إن من كان قبل ذلك مؤمنًا فبفضل الله ورحمته آمن، قيل: إن المقصود بالفضل والرحمة في هذا الموضع النبي ﷺ والقرآن، وإيمان هؤلاء القليل كان قبلهما [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 84.]]. فيصح الاستثناء إذا خصصت الفضل والرحمة بالنبي ﷺ والقرآن. هذا الذي ذكرنا في هذا الآية قول أكثر المفسرين [[إلى هنا في المخطوط انتهى الكلام عن تفسير الآية 83، وأتى الناسخ بتفسير للآية 86 قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية، وكان قد قدم في المخطوط تفسير للآية 83 من أثنائها، ويحتمل أنه بعد هذا الكلام مباشرة فجعلته بعده في الصفحة التالية.]]. وفي الآية قول آخر، وهو ما قال ابن عباس في رواية الضحاك في قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ يعني المنافقين، كانوا إذا أمروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن محارمه لم ينتهوا، وإن أفضى الرسول إليهم سرًا أذاعوا عند العدو، فأنزل الله عز وجل ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ يعني أمورهم في الحلال والحرام، ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾ في التصديق به، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ يعني حملة الفقه والحكمة، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يعني الذين يفحصون عن العلم [[أخرج طرفه الطبري 5/ 183 من طريق العوفي عن ابن عباس، وابن أبي حاتم انظر: "الدر المنثور" 2/ 334.]]. فعلى هذا القول قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ معناه كما ذكرنا في القول الأول. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾. الكناية لا تعود إلى الأمر كما عادت إليه في القول الأول، لكنها عائدة إلى غير مذكور، وهو ما يعرض لهم من أمر يحتاجون فيه إلى بيان الرسول وأولي العلم من الصحابة، كأنه قيل: ولو ردوا ذلك الذي عرض لهم إلى الرسول وإلى حملة الفقه لعلموه وأخبروا بما فيه من الصواب [[انظر: الطبري 5/ 181 - 182.]]. والكناية عن غير مذكور كثيرة إذا كان في الكلام دليل على ما لم يذكر. ونحو هذا قال الحسن وقتادة وابن جريج وابن أبي نجيح في ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ أنهم أهل العلم والفقه [[أخرج الأثر عن ابن جريج وعن قتادة بمعناه الطبري 5/ 182، وذكره عن الحسن الهواري في "تفسيره" 1/ 403، وقد ذكره عن جميعهم الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 511، وانظر: "زاد المسير" 2/ 147، و"الدر المنثور" 2/ 333.]]. وهذا اختيار ابن كيسان، فإنه يقول في قوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾: أي لو طلبوا علمه من الرسول وعلمائهم الراسخين في العلم، لعلموا صواب ذلك وخطأه [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ الاستنباط على هذا القول هو استخراج ما خفي من العلم، كما ذكره ابن عباس [[الأثر من طريق العوفي عن ابن عباس: " ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يقول: لعلمه الذين يتحسسونه منهم" أخرجه الطبري 5/ 182.]]. وقال قتادة في قوله: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ "أي يفصحون [[هكذا في المخطوط الصاد قبل الحاء، وقد أثبتها محمود شاكر عند الطبري: "يفحصون" بتقديم الحاء على الصاد، واعتبر ما في المخطوط تصحيفًا، وهذا وجيه. وهكذا في "الدر المنثور". انظر: الطبري 5/ 180، و"الدر المنثور" 2/ 333 - 334.]] عنه ويهمهم ذلك" [[أخرجه الطبري 5/ 180، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.]]. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ على هذا القول للتبعيض، وليس صلة للاستنباط خاصٍ لبعضهم. واستثناء قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ من قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ صحيح سائغ حسن، ولا يرد عليه ما ورد من الاعتراض في القول الأول، ويكون أحسن من الاستثناء من ﴿أَذَاعُوا﴾ على هذا القول [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 84، و"معاني القرآن" للنحاس 2/ 142.]]. والذي ذهب إليه الحسن وقتادة من استثناء القليل من قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [[قول الحسن ذكره الهواري في "تفسيره" 1/ 404. أما قول قتادة فأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 166، والطبري 5/ 180، وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334 ، ونسبه لهما ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 148.]] إنما قالا ذلك لأنهما ذهبا إلى هذا القول الثاني. وهذا التفسير يدل على وجوب القول بالاجتهاد عند عدم النص؛ لأن الاستنباط ليس بتلاوة، بل هو اعتبار وقياس وحكم بالمعاني المودعة في النصوص (1). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخرها. فيه تذكير للمؤمنين بنعمة الله عز وجل في لطفه لهم، حتى سَلِموا من النفاق وما ذُم به المنافقون. وذكر صاحب النظم وجهًا آخر في الاستثناء، فزعم أن الاستثناء متصل بقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ دون قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ على تأويل: ولولا فضل الله عليكم ورحمته إلا قليلًا ممن لم يُدخله في رحمته وفضله، فاتبعوا الشيطان، لاتبعتم أنتم الشيطان، فيكون الممتنع من اتباع الشيطان بفضله ورحمته، وغير الممتنع منه من لم يصبه فضل الله ورحمته، وهذا هو الصواب إن شاء الله انتهى كلامه. فإن قيل على هذا: الذين اتبعوا الشيطان كانوا أكثر من الذين امتنعوا من اتباعه فكيف يجعلهم قليلًا؟ قيل: هذا خطاب للذين أظهروا الإيمان من المخلص والمنافق، والذين نافقوا واتبعوا الشيطان كانوا أقل من المخلصين، فلذلك جعلهم قليلًا.

النساء 4:84

قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. ذكر أبو إسحاق [[أي الزجاج في "معانيه" 2/ 84.]] في الفاء في قوله: ﴿فَقَاتِلْ﴾ وجهين: أحدهما:- أنها جواب لقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74] فقاتل [["معاني الزجاج" 2/ 84، 85.]]. قال علي بن عيسى النحوي: ووجه ذلك أنه محمول على المعنى، لأنه قد دل على معنى: إن أردت الفوز فقاتل [[كلام علي بن عيسى النحوي ليس في "معاني الزجاج" حسب المطبوع.]]. الوجه الثاني:- أن يكون متصلًا بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:75] فقاتل في سبيل الله [["معاني الزجاج" 2/ 85.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾. قال مقاتل: "ليس عليك ذنب غيرك" [["تفسيره" 1/ 393، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 372.]]. وقال الزجاج: أمره الله عز وجل بالجهاد ولو وحده؛ لأنه قد ضمن له النصر [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85.]]. قال أصحاب المعاني: معناه لا تكلف إلا فعل نفسك، على معنى أنه لا ضرر عليك في فعل غيرك، ولا تهتم بتخلف من يتخلف عن الجهاد فعليهم ضرر ذلك [[انظر: الطبري 5/ 185، و"الكشف والبيان" 4/ 93 ب.]]. وانتصاب قوله: ﴿نَفْسَكَ﴾ على خبر ما لم يسم فاعله [["إعراب القرآن" للنحاس 1/ 439.]]. وقوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال الكلبي: حضض المؤمنين على القتال [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. (عسى): حرف من حروف المقاربة، وفيه ترج وطمع، وهي من الله واجب، ومن العباد شك [[من "تهذيب اللغة" 3/ 2427 (عسا). وانظر: الطبري 5/ 185، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 439، و"معانيه" 2/ 143، و"الكشف والبيان" 4/ 93 أ، و"معالم التنزيل" 2/ 256.]]. وقد قال ابن مقبل -فجعله يقينا- أنشده أبو عبيدة: ظنِّي بهم كعسى وهم بِتنُوفَةٍ [[البيت في "مجاز القرآن" 1/ 134، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 23، و"تهذيب اللغة" 3/ 2427، و"اللسان" 5/ 2950 (عسا). وعجزه كما في "المجاز": يتنازعون جوائز الأمثال والتنوفة: الصحراء، ومعنى "يتنازعون جوائز الأمثال": يتجاذبون الأمثال السائرة. والشاهد أن "عسى" بمعنى اليقين.]] ... البيت. وقد تكلمنا في هذا الحرف في سورة البقرة. وقال الزجاج: (عسى) معناها معنى الإطماع، والإطماع من الله واجب [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 95، 181.]]. وقال غيره: إطماع الكريم إيجاب. والبأس: الشدة في كل شيء [["معاني الزجاج" 2/ 85، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 225، و"الصحاح" 3/ 906، 907، و"اللسان" 1/ 199 (بأس).]]. وقال ابن عباس في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:84]: "يريد شدة حربهم في القتال" [[لم أقف عليه، ونحوه في "الوسيط" 2/ 638 دون نسبة لابن عباس.]] يسمى بأسًا لما فيه من الشدة. والكلبي فسر البأس في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالقتال [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وقد أنجز الله وعده بكف بأس هؤلاء الذين ذكرهم في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال الكلبي: إن أبا سفيان [[تقدمت ترجمته.]] لما انصرف من أحد واعد رسول الله ﷺ موسم بدر الصغرى، فلما جاء الميعاد، خرج إليها رسول الله ﷺ في سبعين راكبًا، فلم يوافهم أبو سفيان، ولم يكن قتال، وكفاهم الله بأس عدوهم [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 93 أ، و"معالم التنزيل" 2/ 256، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾. قال ابن عباس والكلبي: أشد عذابًا [[انظر: "زاد المسير" 2/ 149، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91. == وهذا القول لكثير من المفسرين، انظر: "تفسير الهواري" 1/ 404 و"بحر العلوم" 1/ 372، و"الدر المنثور" 2/ 335.]]. والعذاب يسمى بأسًا لما فيه من الشدة، ومنه قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: 29]، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: 12]، وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: 84]. وقوله تعالى: ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء:84]. يقال: نكلت بفلان، إذا عاقبته في شر أتاه، عقوبةُ تنكل غيره عن ارتكاب مثله، من قولهم: نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع [["تهذيب اللغة" 4/ 3665 (نكل)، وانظر: الطبري 5/ 185، و"البسيط" بتحقيق الفوزان 3/ 1023، و"اللسان" 8/ 4544 (نكل).]]. وقد ذكرنا هذه الحرف في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾ [البقرة: 66]. قال الحسن وقتادة في قوله: ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾: عقوبة [[قول الحسن في "تفسير الهواري" 1/ 404. وأخرج قول قتادة: الطبري 5/ 185، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم انظر: "الدر المنثور" 2/ 335، وقد عزاه له ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 149.]]. ونحو ذلك قال الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص91.]]. وقال عطاء: أشد نقمة [[لم أقف عليه.]]. وقال ابن كيسان: أشد انتقامًا [[لم أقف عليه.]]. وذلك أن العقوبة نقمة وانتقام، فالانتقام معنى التنكيل لا تفسيره.

النساء 4:85

قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. اختلفوا في هذه الشفاعة، ما هي، وما معناها، فقال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد من يوحد الله مخلصًا يكن له نصيب منها، يريد الجنة" [[لم أقف عليه. وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وتفسير هذا القول ما قال الضحاك: من آمن بالتوحيد، وقاتل أهل الكفر، فقد شفع شفاعة حسنة. وقال: نزلت في أبي جهل [[تقدمت ترجمته.]]، فإنه لم يزل يُعين المشركين على المسلمين، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ [[لم أقف عليه، وقد فسر ابن جرير الآية بنحو ذلك. انظر: "تفسير الطبري" 5/ 185، و"زاد المسير" 2/ 150.]]. قال ابن عباس: يريد الشرك بالله [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. قال الضحاك: يعني من آمن بالشرك، وكفر بالتوحيد، فقد شفع شفاعة سيئة [[لم أقف عليه.]]. فقول الضحاك تفسير لقول ابن عباس. والأصل في الشفاعة الشفع الذي هو ضد الوتر، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، فمعنى الشفاعة على ما ذكر الضحاك [[في المخطوط: (للضحاك)، والظاهر أن لا مكان لحرف الجر.]] أن يشفع إيمانه بالله تعالى بقتال أهل الكفر، وهو الشفاعة الحسنة. والشفاعة السيئة أن يشفع إيمانه بالشرك بكفره بالتوحيد. وابن عباس ذكر في تفسيره أحد الشفعين في كل واحد من الجانبين، حتى ذكر الضحاك الشفع الثاني. ويؤكد هذا التفسير أيضًا ما رواه المنذري عن أبي الهيثم في قوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾: أي يزيد عملًا إلى عمل. قال: والشفع الزيادة [[من "تهذيب اللغة" 2/ 1897 (شفع)، وانظر: "اللسان" 4/ 2290 (شفع).]]. وذهب مقاتل إلى أن معنى الشفاعة ههنا الشفاعة إلى الله تعالى بالدعاء [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 150، وفي "تفسير مقاتل" 1/ 394 " ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: 85] لأخيه بخير" فليس فيه تخصيص الدعاء.]]. واعتمد في ذلك على ما رواه أبو الدرداء [[هو الصحابي الجليل عويمر بن عامر (وقيل: ابن مالك أو ثعلبة أو عبد الله أو زيد) ابن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي، شهد أحدًا وما بعدها، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان الفارسي. توفي سنة 32 هـ أو 33 هـ انظر: "الاستيعاب" 3/ 298، و"أسد الغابة" 4/ 318، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 235، و"الإصابة" 3/ 45.]]، عن النبي ﷺ أنه قال: "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك" [[أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء رقم (2732)، باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب.]] فذلك النصيب، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ هي الدعوة عليه بضد ذلك. ويؤكد هذا التفسير ما روي عن بعضهم أنه قال: كانت اليهود تدعو على المسلمين، فتوعدهم الله تعالى بهذه الآية [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 510، و"زاد المسير" 2/ 150، و"التفسير الكبير" 10/ 207.]]. وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هذه الشفاعة بين الناس بعضهم لبعض [[أخرج الأثر عن الحسن، ومجاهد، وابن زيد، الطبري 5/ 186. وأخرجه أيضاً عن الحسن، ومجاهد، ابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 335، وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 167. أما الكلبي فيرى أن المراد بالشفاعة: الإصلاح بين اثنين. كما سيأتي عند المؤلف.]]. قال الكلبي: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ يصلح بين اثنين يكن له أجرٌ منها ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ يمشي بالنميمة وبالغيبة يكن له إثمٌ فيها [["بحر العلوم" 1/ 372، و"زاد المسير" 2/ 150، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وقال مجاهد: (شفاعة حسنة) و (شفاعة سيئة): شفاعة الناس بعضهم لبعض [["تفسيره" 1/ 167، وأخرجه الطبري 5/ 186، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 335.]]. قال الحسن: ويجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة كان له فيها أجران، وإن لم يشفع، لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: (من يُشَفَّع) [[أخرجه الطبري 5/ 186، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 335.]]. يؤيد [[كأن هذِه الكلمة في المخطوط: "ويزيد" والصواب ما أثبته. انظر: "الوسيط" 2/ 640.]] هذا قوله ﷺ: "اشفعوا تؤجروا" [[الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: قول الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الآية 7/ 80، ومسلم في كتاب: (2627) البر والصلة، باب: استحباب الشفاعة ولفظه: "اشفعوا فلتؤجروا" الحديث.]]. وأما الكفل فقال أبو عبيدة والفراء وجميع أهل اللغة: الكفل الحظ، ومنه قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: 28]، معناه: حظَّين [["مجاز القرآن" 1/ 135، وفسر الكفل بالنصيب، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 280.]]. وقال الزجاج. الكفل في اللغة النصيب، أخذ من قولهم. أكفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساءً وركبتُ عليه، وإنما قيل له كفل، واكتفل البعير، لأنه لم يستعمل الظهر كله، إنما استعمل نصيبًا من الظهر [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85، و"تهذيب اللغة" 4/ 3166 (كفل)، و"زاد المسير" 2/ 150.]]. وقال ابن المظفر: الكفل من الأجر والإثم الضِّعف، يقال: له كفلان من الأجر، ولا يقال: هذا كفل فلان، حتى تكون هيَّأت لغيره مثله، كالنصيب، فإذا أفردت فلا تقل: كفل ولا نصيب، ولكن: حظ [["العين" 5/ 373، و"تهذيب اللغة" 4/ 3166 (كفل).]]. فأما المفسرون فقال مجاهد: الكفل: النصيب [[لم أقف عليه.]]. وهو قول السدي والربيع وابن زيد [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 186، 187، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 150، و"الدر المنثور" 2/ 336.]]. وقال الحسن والكلبي وقتادة ومقاتل: الكفل الوزر والإثم [[أخرجه عن قتادة: الطبري 5/ 186، 187، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور"، وعن الحسن انظر: "تفسير الهواري" 1/ 404، و"النكت والعيون" 1/ 512، وعن الكلبي، انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91، وعن مقاتل انظر "تفسيره" 1/ 394.]]. فالقول الأول مثل قول أهل اللغة، والقول الثاني معناه: حظ من الإثم والوزر، والحظ من الإثم والوزر وزر وإثم، فلذلك قيل في تفسير الكفل: الإثم والوزر. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: 85]. اختلفوا في معنى المقيت، فقال الفراء: المقيت المقتدر، والمقدِّر أيضًا، كالذي يُعطي كل رجل قوته [["معاني القرآن" 1/ 280.]]. ونحو ذلك قال عبد الله بن مسلم: المقيت المقتدر، أقات على الشيء، إذا اقتدر عليه، وأنشد: وذي ضِغْنٍ كففتُ النفس عنهُ ... وكُنتُ على مساءتِه مُقِيتًا [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 129. ونسب البيت للزبير بن عبد المطلب كما في الطبري 5/ 188، و"النكت والعيون" 1/ 513، والقرطبي 5/ 296، وجاء في "زاد المسير" 2/ 150، و"الدر المنثور" 2/ 336 أنه لأحيحة الأنصاري، وفي "اللسان" 6/ 3769 (قوت) نسب لأبي قبيس بن رفاعة. و"ضغن" من الضغن وهو الحقد. انظر: "اللسان" 5/ 2592 (ضغن).]] قال أبو بكر: على هذا أهل اللغة، قال بعض فصحاء المعمرين: ثم بعد الممات ينشر من ... على النشر يا بني مُقيتُ [[في "تهذيب اللغة" 3/ 3069 (قوت) وفي الشطر الأول: "ينشرني من" وفي الشطر الثاني: "هو على النشر ... "، وكذا في "اللسان" 6/ 3769 (فوت)، ولم أقف على قائله.]] معناه: من هو مقتدر. ويقوي هذا القول ما قاله ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: "يريد قادرًا" [[انظر: "زاد المسير" 2/ 151، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91، و"الدر المنثور" 2/ 336.]]، وهو قول السدي وابن زيد: المقيت: المقتدر [[أخرج ذلك بنحوه: الطبري 8/ 584، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 151، و"الدر المنثور" 2/ 136.]]، واختيار الكسائي [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 147.]] والنضر بن شميل، وأنشد النضر: تجلَّد ولا تجزع وكن ذا حفيظةٍ ... فإني على (...) لمقيت [[لم أقف عليه، وما بين القوسين غير واضح في المخطوط.]] أي: قادر. وقال آخرون: المُقيت الحفيظ. وهو قول ابن عباس [["تفسيره" ص 152، وأخرجه الطبري 5/ 187.]] وقتادة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 151.]]. واختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85.]]، لأنه مشتق من القُوت، يقال: قُتُّ الرجل أقوتُه قَوْتًا، إذا حفظت نفسه بما تقوته. والقوت اسم للشيء الذي يحفظ نفسه ولا فضل فيه، على قدر الحفظ. فمعني المقيت -والله أعلم- الحفيظ الذي يُعطي للشيء قدر الحاجة من الحفظ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 3069 (قوت)، و"زاد المسير" 2/ 151.]]. وقال الكلبي في قوله: ﴿مُقِيتًا﴾ مجازيًا بالحسنة والسيئة [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 513، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وهذا أيضًا راجع إلى معنى الحفظ؛ لأنه إنما يحفظ أعمال العباد ليجازي عليها. وحُكي بعضهم أن هذا من القوت، ومعنى المقيت الذي عليه قوت كل دابة ورزقها [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 373.]]. قال الفراء: يقال: أقات الشيء إقاتة، وقات أهله يقوتهم قياتة وقوتًا، والقوت الاسم، وجاء في الحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" و"يقيت" [["معاني القرآن" 1/ 280. والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" 2/ 160، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وكذا الحاكم في "مستدركه" 1/ 415، وصححه، ووافقه الذهبي.]]. قال أبو بكر: وعلى هذا القول قوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ علي زائدة للتوكيد، ومن شأنهم أن يزيدوا ﴿عَلَى﴾ للتوكيد، وأنشد لحميد [[هو أبو المثنى حميد بن ثور بن حزن الهلالي، تقدمت ترجمته.]]: أبى الله، إلاَّ أنَّ سَرْحَة مالكٍ ... على كُلِّ أفنانِ العِضَاهِ تَروقُ [[البيت في "أدب الكاتب" ص 418، و"المسائل الحلبيات" ص 270، و"أسد الغابة" 2/ 60. و"سرحة مالك" امرأته. والسرحة في الأصل نوع من شجر العضاه، والأفنان: الأنواع، والعضاه: نوع من الشجر له شوك عظيم، وتروق: تفوق كل الأنواع.]] قال: أراد كل أفنان العضاه تروق، وأكد الكلام بعلى. وقال: المقيت الشهيد وهذا عائد إلى معنى الحفيظ [[لم أقف على قول ابن الأنباري.]].

النساء 4:86

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية. التحية تفعلةٌ من حيَّيتُ [["معاني الزجاج" 2/ 86، وانظر: "اللسان" 2/ 1078 (حيا).]]، وكان في الأصل تَحيية، مثل التوصية والتسمية. والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الأربعة، نحو قوله: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 94]، ولا يكاد يأتي على: تفعيل، إلا أن ينطق بجوازه شعر [[انظر: "الدر المصون" 4/ 57.]]، كما قال [[حصل في المخطوط نسخة شستربتي هنا خلط بالتقديم والتأخير، فقد بتر الكلام هنا من تفسير الآية 86 وأتى بعده بتفسير الآية 82 وذلك في لوحة 14 ب، وقد وجدت تتمة تفسير الآية 86 في لوحة 16 أفأثبته هنا بعد قوله: "كما قال:".]]: فهي تُنَزي دلوها تَنزيًّا [[هذا صدر بيت، وعجزه: "كما تنزي شهلةً صبيًّا". ولم أهتد إلى قائله، وهو في "الخصائص" 2/ 302، و"الدر المصون" 4/ 57 وفيها: "باتت" بدل "فهي".]] أي تنزية. وكذلك التحية، كان: تحييه، فأدغموا الياء في الياء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 86، و"تهذيب اللغة" 1/ 951، و"اللسان" 2/ 1078 (حيا)، و"الدر المصون" 4/ 57.]]، "كما استحبوا ادغام: حيّ وعيّ [[من عيي يعيا عن حجته، انظر: "اللسان" 6/ 3201 (عيا).]]، للحركة اللازمة في الياء الأخيرة، وإذا سكنت الياء الأخيرة لم يجز الإدغام بمثل: يحيي ويعيي، وقد جاء في بعض الشعر الإدغام، وليس بالوجه، وهو قوله: تمشي بسدة بيتها فتعيّ [[عجز بيت صدره: وكأنها بين النساء سبيكة أورده الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 651 (حي) لكن بلفظ: "فتحي" بدل "فتعي" وهو أقرب للحرف هنا. وأورده كما عند المؤلف في "اللسان" 2/ 1076 (حيا). قال الأزهري: لا يعرف قائله. وسدة البيت: بابه، انظر: "الصحاح" 2/ 486 (سدد).]] وهذا الإدغام منكر عند البصريين" [[من "تهذيب اللغة" 1/ 951 (حي) بتصرف يسير، وانظر: "اللسان" 2/ 1076 (حيا)، 6/ 3201 (عيا)، و"الدر المصون" 4/ 57.]]. وسنذكر هذا مشروحًا عند قوله: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42] إن شاء الله. وأما معنى التحية في اللغة: فهو السلام [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 148، و"بحر العلوم" 1/ 373، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).]]، وأشعار العرب ناطقة بهذا المعنى. قال عنترة [[تقدمت ترجمته.]]: حُييت من طلل تقادم عهده ... البيت [[صدر بيت، وعجزه: أقوى وأقفر بعد أم الهيثم= ديوان عنترة ص 16. الطلل: ما شخص من آثار الديار، "اللسان" 5/ 2697 (طلل).]] وقال الآخر: إنا محيوك يا سلمى فحيينا [[لم أقف عليه.]] ومعنى قول المصلي: "التحيات لله" أي السلام من الآفات لله [["تهذيب اللغة" 1/ 955 (حي)، وانظر: "اللسان" 2/ 1079 (حيا)، والقرطبي 5/ 297.]]. ومن هذا قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: 44]. هذا هو (.. [[كلمة غير واضحة في المخطوط، وقد تكون: الكلام.]] ..) في التحية. ويسمى الملك أيضًا تحية [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي)، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).]]، لأن الملك يحيا بتحية الملك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم، وهي قولهم في الجاهلية: أنعم صباحًا، وأبيت اللعن، وقول عمرو [[هو أبو ثور عمرو بن معدي كرب بن عبد الله الزبيدي، تقدمت ترجمته.]]: [.............] حتى ... أُنيخَ على تحيَّته بجُندي [[عجز بيت، وصدره: أسيرها إلى النعمان حتى "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 74، و"تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي)، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا). وعند المؤلف في المخطوط القافية بدون ياء، وأثبتها لإجماع المصادر عليها.]] معناه: على ملكه [["غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 75، و"تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي).]]. وأما قول زهير بن جناب [[هو زهير بن جناب الكلبي الكناني، تقدمت ترجمته.]]: من كل ما نال الفتى ... قد نلتُه إلا التحيهْ [[البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 75، و"الشعر والشعراء" ص 240، و"طبقات الشعراء" ص 37، و"تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي)، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).]] فقيل فيه أنه المُلك [["غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 75، و"تهذيب اللغة" 1/ 255.]]، وقيل البقاء [["تهذيب اللغة" 1/ 955 (حي)، و"اللسان" 2/ 1078 (حيا).]]، والبقاء له تحية، لأن من سلم من الآفات بقي. وقال أبو الهيثم: يريد إلا السلام من المنية والآفات، فإن أحدًا لا يسلم من الموت على طول البقاء [["تهذيب اللغة" 1/ 955 بتصرف، و"اللسان" 2/ 1078 (حيا).]]. قال الأزهري: (والعرب تسمي) [[ما بين القوسين ليس واضحًا في المخطوط، والتسديد من "تهذيب اللغة" 1/ 956 (حى).]] الشيء باسم غيره إذا كان منه أو من سببه. فالتحية بمعنى المُلك، وبمعنى البقاء صحيح. وقولهم: "حياك الله" أي أبقاك الله صحيح، من الحياة وهو البقاء [["تهذيب اللغة" 1/ 955 (حي) بتصرف، وانظر: "اللسان" 2/ 1078 (حيا)]]. نجد من هذا أن معنى التحية في الأصل الدعاء بالحياة، ثم صار بمعنى السلام، ثم صار أيضًا اسمًا للملك والبقاء، على ما بينا. هذا كلام أهل اللغة في معنى التحية. فأما التفسير: فقال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء:86]: "يريد السلام" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ اختلفوا في هذا: فمنهم من ذهب إلى أن هذا التخيير في أهل الإسلام خاصة، وليس لأهل الكفر مدخل في رد التحية عليهم [[تفرد بهذا القول عطاء، أخرج قوله الطبري 5/ 189، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 513، والقرطبي 5/ 303، و"الدر المنثور" 2/ 337.]]. والأكثرون والجمهور على أن قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ المراد بها المسلمون، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ إذا كان المسلم من غير أهل الإسلام [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 280، والطبري 5/ 189، و"بحر العلوم" 1/ 373، و"الكشف والبيان" 4/ 94، و"النكت والعيون" 1/ 513.]]. قال الكلبي: أمر الله المسلمين برد السلام على من سلم عليهم بأحسن مما سلم عليهم، وهو الزيادة على التحية إن كان المسلم من أهل دينهم، أو بمثل الذي سلم إن كان من غير أهل دينهم، وهو أن يقول: عليكم. ولا يزيد على ذلك [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وقال أبو روق: أما (أحسن منها) فعلى أهل دينك، وأما ﴿رُدُّوهَا﴾ فعلى أهل الكتاب [[لم أقف عليه، وورد نحوه عن قتادة والحسن، انظر: الطبري 5/ 189 - 190، و"الدر المنثور" 2/ 337.]]. وقال الزجاج: عن عطاء: (أحسن منها) في أهل الإسلام ﴿رُدُّوهَا﴾ على أهل الشرك [[ليس في "معاني القرآن وإعرابه"، وهو خلاف المعروف عن عطاء كما مر قريباً حيث تفرد بأن هذه الآية في أهل الإسلام خاصة.]]. وقال ابن عباس: و (أحسن منها) أن يرد: ورحمة الله وبركاته، يرد على المؤمنين خاصة [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وقال: (الضحاك) [[غير واضح تماما في المخطوط.]]: إذا قال: السلام عليكم، فقلت: عليكم السلام ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقلت: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقد حييته بأحسن منها. وهذا منتهى السلام [[في "الوسيط" 2/ 643، وانظر: "زاد المسير" 2/ 152.]]. قال الحسن: دخل رجل على النبي ﷺ فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال النبي ﷺ: وعليك. ودخل آخر فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله ﷺ وعليكم السلام ورحمة الله، ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال رسول الله ﷺ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقام الأول فقال: يا رسول الله: سلمت عليك فلم تزدني على: "وعليك" وقال هذا: السلام عليكم. فزدته، وقال هذا: السلام عليكم ورحمة الله، فزدته. فقال رسول الله ﷺ: إنك لم تترك من السلام فرددت عليك، وهذان تركا شيئًا منه فزدتهما [[لم أجد هذا الحديث عن الحسن إلا في "النكت والعيون" 1/ 513، وقد أخرج نحوه من حديث سلمان الفارسي -رضي الله عنه- الطبري 5/ 190، وأحمد في "الزهد" وابن المنذر والطبراني وابن مردويه، وسنده حسن. انظر: ابن كثير 1/ 583، و"الدر المنثور" 2/ 336.]]. فدل هذا الحديث على أن السلام انتهى إلى البركات [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 86، والبغوي 2/ 257، وابن كثير 1/ 583.]]. ثم أعلم أن السلام في الأصل سنة، والرد فريضة [[قال ابن كثير 1/ 584: "هو قول العلماء قاطبة، أن الرد واجب" وانظر: الطبري 5/ 191.]] على الكفاية، فإذا سلم رجل على جماعة فالأحسن أن يرد جميعهم جوابه، فإن رد واحد منهم أسقط القرض عن الآخرين كسائر فروض الكفايات [[هذا مذهب مالك والشافعي، أن الرد من فروض الكفاية، وذهب آخرون إلى أن الرد من الفروض المتعينة. انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214، والقرطبي 5/ 298.]]. والسنة أن يستتبع شيئًا من كلمات السلام. والسنة في الجواب الزيادة [[كما دل عليه الحديث المتقدم.]]، ولو رد كالابتداء سقط عنه القرض، لقوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾. والسنة أن يسلِّم الراكب على الماشي والقائم على القاعد، كذا قال رسول الله ﷺ [[عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير". أخرجه مسلم (2160) كتاب: السلام، باب: يسلم الراكب ... (4/ 1703) ح 1.]]. والسنة في السلام الجهر والإفشاء، وكذلك في الجواب [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 213، والقرطبي 5/ 303.]]، والاقتصار على الإشارة ليس من السنة [[هذا مذهب الشافعية، وعند بعض العلماء تكفي الإشارة إذا كان على بعد. انظر: القرطبي 5/ 303.]]. والمصافحة عادة رسول الله ﷺ وإذا تصافح المسلمان عند السلام تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر، كذا في الخبر عن رسول الله ﷺ [[المأثور أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقما". أخرجه أبو داود من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه (5212) كتاب: الأدب، باب: في المصافحة، والترمذي (2727) كتاب الاستئذان، باب: ما جاء في المصافحة وقال: "هذا حديث حسن غريب" وابن ماجه (2703) كتاب: الأدب، باب. المصافحة وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" 5/ 182.]]. ومن ورد عليه سلام في كتاب فجوابه فرض عليه في الجواب [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 215. وورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يؤيد هذا. انظر: "الدر المنثور" 2/ 339.]]. ولو قال المبتدئ: عليكم السلام فقد سلم وتحتم الجواب وإن قلت العادة في اللفظ [[انظر: القرطبي 5/ 300، 301، و"المجموع شرح المهذب" 4/ 461.]]. وإن قال المبتدئ: السلام عليكم، فقال المجيب: السلام عليكم، فقد أجاب. وأنت في اللفظ بالخيار، وكذلك في تعريف السلام وتنكيره، وعند التحلل من الصلاة لابد من الألف واللام. وإذا استقبلك رجلٌ واحد فقل: سلام عليكم، واقصد الرجل والملكين، فيردان عليك [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 213.]]. وإذا دخلت بيتًا خاليًا فسلِّم على نفسك من الله تعالى (¬3). وليس للمسلم أن يسلِّم على الكافر، فإن سلَّم الكافر فليقل: وعليكم، ولا يزيد على هذا [[انظر: الطبري 5/ 190، و"بحر العلوم" 1/ 373، و"النكت والعيون" 1/ 513، و"التفسير الكبير" 10/ 214.]]، وقد روي أن جماعة من اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم -يعنون الموت-، فقال رسول الله ﷺ: وعليكم، ففطنت عائشة فقالت: وعليكم السام والذام [[الذام: أي الذم والعيب. انظر: "الفائق" 2/ 124، و"اللسان" 3/ 1516 (ذمم).]] والداء واللعنة، فقال رسول الله ﷺ: "يا عائشة قد رددت عليهم، وإني استجاب فيهم ولا يُستجابون" [[أخرجه بنحوه البخاري (¬6024) كتاب: الأدب، باب: الرفق، في الأمر كله == 7/ 80، ومسلم (2165) كتاب السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم.]]. ومن وضع السلام غير موضعه لم يستحق جوابًا، مر رجل برسول الله ﷺ وهو يقضي حاجته، فسلم عليه، فقام رسول الله إلى جدارٍ فتيمم ورد الجواب ثم قال: لولا أني خشيت أن تقول: سلمت عليه فلم يرد علي، لما رددتُ عليك، إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تُسلِّم علي، فإنك إن سلمت علي لم أرد عليك [[هذا الحديث ذكره الرازي في "التفسير الكبير" 10/ 214، والقرطبي 5/ 304، دون عزوٍ لأحد، ولم أجد من خرجه. وقد جاء في كراهة السلام على من يقضي الحاجة: ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سلم على النبي ﷺ وهو يبول، فلم يرد عليه "يعني السلام". أخرجه الترمذي (2720) كتاب: الاستئذان، باب ما جاء في كراهية التسليم على من يبول 5/ 71، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".]]. وفي هذا دليل على أن الطهارة مستحبة لجواب السلام والابتداء بالسلام وفي جميع الأحوال، ولهذا قال رسول الله ﷺ: "ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" [[أخرجه ابن ماجه (277) كتاب: الطهارة، باب المحافظة على الوضوء وغيره، وقال الألباني في "صحيح الجامع" 1/ 322: "صحيح".]]. وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب، فلا ينبغي أن يُسلِّم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلَّم فرد بعضهم عليه فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214.]]. لما روي أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مسجد الخيف والناس يدخلون ويسلِّمون عليه فيرد عليهم، فقيل: كيف كان يرد عليهم؟ فقال: إشارة [[لم أقف عليه.]]. وقال بعض السلف. من دخل الحمام فرأى الناس متَّزرين سلَّم عليهم، وإن لم يكونوا متزرين لم يُسلِّم عليهم [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214.]]. والأولى ترك السلام على القارئ لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلَّم عليه إنسان كفاه الإشارة، وإن أراد أن يرد الجواب رده ثم استأنف الاستعاذة وعاود التلاوة [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214. وقال النووي: "وهذا الذي قاله ضعيف، والمختار أن يُسلم عليه ويجب الرد باللفظ". "المجموع" 4/ 470.]]. ولا ينبغي أن يسلم على المؤذن عند اشتغاله بالأذان. ورد السلام يكون على الفور، فإن أخر انقضى الوقت وأثم بترك القرض، فإذا أجاب بعد فوت الوقت كان ذلك ابتداء سلام لا جوابًا [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 215، و"الأذكار" للنووي ص 279.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: 86] قال ابن عباس: "يريد مجازيًا" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]] ومثله قال الحسن في الحسيب [[لم أقف عليه.]]. وقال مجاهد وقتادة وأبو العالية حفيظًا [[عن مجاهد في "تفسيره" 1/ 168 وأخرجه عنه الطبري 5/ 191، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"الدر المنثور" 6/ 339. وأما عن قتادة، وأبي العالية، فلم أقف عليه.]]. وذلك أنه يحصى العمل إحصاء الحافظ له الذي لا يشذ [[في المخطوط: "يشد" بالدال المهملة.]] عنه شيء. ويكون الحسيب بمعنى المُحاسب، وقد ذكرنا هذا في أول السورة. وقال الزجاج: أي يعطي كل شيء من العلم والحفظ والجزاء مقدار مما يحسبه، أي يكفيه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 86.]]. وهذا الذي قاله جامع للأقوال، لأنه بمعنى يعلم كل شيء ويحفظ كل شيء ويجازى على كل شيء، علمًا كافيًا، وحفظًا كافيًا، وجزاء كافيًا.

النساء 4:87

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ هذه لام القسم، كأنه قيل: والله ليجمعنكم [["معاني الزجاج" 2/ 87، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 373، و"زاد المسير" 2/ 152.]]، ومعنى ليجمعنكم: أي: في الموت، أو في النشور إلى يوم القيامة، أي: ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمعن بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه [[انظر: الطبري 5/ 191، و"معاني الزجاج" 2/ 87، و"بحر العلوم" 1/ 373.]]. قال أبو إسحاق: جائز أن تكون سميت القيامة؛ لأن الناس يقومون من قبورهم، وجائز أن تكون سميت القيامة؛ لأنَّ الناس يقومون للحساب، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 87 بتصرف، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 514، و"زاد المسير" 2/ 152.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. قال ابن عباس: "يريد موعدًا" [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 645، ولم أقف عليه.]]. أي: لا يخلف لوعده. وقال مقاتل: لا أحد أصدق من الله في أمر البعث [["تفسيره" 1/ 394، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 312.]]. وإنما جاء النفي ههنا بأداة الاستفهام؛ لأن جوابه يكون على معنى النفي فيما تقتضيه حجة العقل، فجاء هذا على المظاهرة برد الإنسان فيه إلى حجة عقله، وكان ذلك أبلغ من إخباره به، وهذا كما يقول القائل: ومن أفضل منِّي؟ فيقول من يصدقه ويعرف صدقه في ذلك: لا أحد أفضل منك. فكان هذا أبلغ من أن يقول: أنا أفضل الناس. ومضى مثل هذا فيما تقدم. والحديث ما يُحَدِّث به المحدث، والحديث الجديد من الأشياء [["تهذيب اللغة" 1/ 756، وانظر: "الصحاح" 1/ 278 (حدث).]] الذي لم يكن فحدث، وبه سمي حديثًا لأنه ذكرٌ لم يكن ثم حدث، وما يخبر الله تعالى به يجوز أن يسمى حديثًا على معنى حدوثه بالإخبار عنه، فقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ كقولك: ومن أصدق من الله إخبارًا أو خبرًا وقلًا وقيلًا، كلها متقارب. ومن هذا المعنى سمي القرآن حديثًا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: 23] لحدوث تلاوته فيما بيننا، فأما نفس كلام الله تعالى فقديم، لم يزل الباري تعالى ذكره متكلمًا.

النساء 4:88

قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: نزلت في قوم قدموا على النبي ﷺ مسلمين، فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا: يا رسول الله إنا اجتوينا المدينة، فأذن لنا حتى نتبدا [[أي: نلحق بالبادية، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 87.]]. فإذن لهم رسول الله ﷺ، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة، حتى لحقوا بالمشركين، فتكلم المؤمنون فيهم، فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا لأقاموا معنا وصبروا كما نصبر، وقال قوم: هم مسلمون حتى نعلم أنهم بدَّلوا. فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية. وهذا معنى قول الحسن ومجاهد [[عن مجاهد بمعناه في "تفسيره" 1/ 168، وأخرجه الطبري 6/ 193. == وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 585، و"الدر المنثور" 2/ 340 - 341. وقد نسب هذا القول لكل من الحسن، ومجاهد: الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 515، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 154.]]. وإنما وصفوا بالنِّفاق وقد أظهروا الارتداد عن الإسلام واللحوق بالمشركين؛ لأنهم نُسبوا إلى ما كان عليه قبل من إضمار الكفر. وانتصاب فئتين على الحال عند البصريين [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 451، و"معاني الزجاج" 2/ 88، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 442.]]. قال سيبويه: إذا قلت: ما لك قائمًا، فإنما معناه لم قمت، ونصبته على تأويل: أي شيء يستقر لك في هذه الحال [["معاني الزجاج" 2/ 88.]]. وقال الفراء: نصبه على معنى خبر كان، إذا قلت: مالك قائمًا، كأنك قلت: لم كنت قائمًا. قال: ولا تبال أكان المنصوب معرفةً أو نكرة، يجوز في الكلام أن تقول: مالك الناظر في أمرنا. وعنده يجوز: مالك القائم [["معاني القرآن" 2/ 281 بتصرف، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 88.]]. قال الزجاج: مالك القائم. خطأ؛ لأن القائم معرفة، لا يجوز أن تقع حالًا، و"ما" حرف من حروف الاستفهام لا يعمل عمل كان. قال: ولو جاز: مالك القائم، لوجب أن يجوز: ما عندك القائم، وما بك لقائم، وبإجماع لا يجوز: ما بك القائم، فما لك القائم مثله لا فرق في ذلك [["معاني الزجاج" 2/ 88.]]. ومعنى الآية: ما لكم مختلفين في هؤلاء المنافقين. قال الزجاج: أمر الله جل وعز أن يتَّفق المسلمون على تكفير من احتال على رسول الله ﷺ وخالفه فقال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء:88] أي: أيّ شيء لكم في الاختلاف في أمرهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 87، 88.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال الفراء: يقول ردهم إلى الكفر [["معاني القرآن" 1/ 281، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 153.]]، قال: وركسهم لغة [[في "معاني القرآن" 1/ 281: "وهي في قراءة عبد الله وأبي ﴿وَاللَّهُ رَكَسَهم﴾ وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 153.]]. قال أبو عبيد [[في المخطوط: "أبو عبيدة" وهو خطأ.]]: يقال: ركست الشيء وأركستُه لغتان، إذا رددته [["غريب الحديث" 1/ 166، و"تهذيب اللغة" 2/ 1460 (ركس).]]. والرَّكس قلب الشيء على رأسه، (أَوْرَدُّ) [[في المخطوط: "أورده" والصواب ما أثبته لاستقامة الكلام، وكما في المصادر التالية.]] أوله إلى آخره، والارتكاس الارتداد [["العين" 5/ 310، و"تهذيب اللغة" 2/ 1460 - 1461 (ركس)، وانظر: "الصحاح" 3/ 936 (ركس)، و"التفسير الكبير" 10/ 219.]]، وقال أمية [[تقدمت ترجمته.]]: فاركسوا في حميم النار إنهم ... كانوا عصاةً وقالوا الإفك والزورا [["ديوانه" ص 408، والطبري 5/ 192، و"الدر المنثور" 2/ 342.]] ومن هذا يقال للرَّوث الركس، لأنه رد إلى حال النجاسة، ولهذا المعنى سمي رجيعًا [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 219.]]. وإجماع أهل اللغة أن الركس والإركاس بمعنى، وأن تأويله النَّكس والرد، والمنكوس والمركوس واحد [[انظر: "العين" 5/ 310، و"تهذيب اللغة" 2/ 1460 - 1461، و"الكشف والبيان" 4/ 95 ب و"التفسير الكبير" 10/ 219.]]. قال الزجاج: تأويل ركسهم في اللغة [[تكررت في (ش): (في اللغة) وهو سهو من الناسخ.]]: نكسهم وردهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 88.]]، والمعنى: أنه ردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق، وذلك أن المنافق ما دام متمسكًا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى دمائهم، وكذلك فعل رسول الله ﷺ، وكان قد أعلم بنفاق المنافقين، وذكر عددهم لحذيفة [[تقدمت ترجمته.]]، وعاش خلق بعد رسول الله ﷺ، فإذا أظهروا الارتداد عادوا إلى حكم الكفار، وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾. قال ابن عباس: "يريد تُرشدوا من لم يرشده الله" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.]]. ومعنى هذا أنه ليس إليكم هداية من أضل الله، وهؤلاء ممن ضلهم الله فلا يرشدهم أحد. وقال الزجاج: [أي أتقولون] [[طمس هذا الموضع في (ش)، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 88.]] إنَّ هؤلاء مهتدون والله جل وعز قد أضلهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 88.]]. فمعنى ﴿تَهْدُوا﴾ على هذا تسموا [[هكذا في المخطوط ولعل الصواب: "تسموهم".]] مهتدين وتجعلوهم مهتدين (.. [[في المخطوط طمس يمثل كلمة أو كلمتين.]] ..) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 88] قال ابن عباس: "يريد دينا" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.]]. وقال الزجاج والسدي: أي (....) [[بياض في (ش) وعند الزجاج في "معانيه" 2/ 88: "أي طريقًا إلى الحجة".]]. والمعنى أنه لا ينفعه هداية هاد له.

النساء 4:89

قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ معنى هذه الآية صرف المؤمنين الذين كانوا يُحسنون الظنَّ بهم عما هم عليه، واخبار بما يوجب العداوة لهم والبراءة منهم. وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ رفع بالنسق على تكفرون، لأن المعنى: ودوا لو تكفرون وودوا لو تكونون، فالفاء عاطفة، ولم يقصد بها جواب التمني، ولو أراد أن تكون جوابًا، على تأويل إذا كفروا استووا، لكان نصبًا [["الكشف والبيان" 4/ 96 أبتصرف، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 221، و"البحر المحيط" 3/ 314، و"الدر المصون" 4/ 62.]]. ومثل هذا قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9] [["الكشف والبيان" 4/ 96 أ.]]. ولو قيل: فيدهنوا، على الجواب لكان صوابًا في العربية [[انظر: "الكشاف" 1/ 288، و"الدر المصون" 4/ 62، 63.]]، ومثله قوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً﴾ [النساء: 102] ونذكره في موضعه. ومعنى قوله: ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي في الكفر، والمراد: فتكونون وهم سواءً [[انظر: الطبري 5/ 196.]]، فاكتفى بذكر المخاطبين عن غيرهم؛ لوضوح المعنى بتقدم ذكرهم. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. نهى عن مباطنة هؤلاء وموالاتهم، وهذا الحكم جارٍ في جميع المشركين، والمنافقين، والمستسرِّين الزندقة والإلحاد، لا يجوز نُسلِّم موالاة أحدٍ منهم. وحكم المستسر بنوع من أنواع الكفر حكم المنافق، لا يُقتل ما دام يُظهر كلمة الشهادتين. ولو ثبت إلحاد أحد بإقراره ثم تاب قبلت توبته وحقن دمه بظاهر الشهادة، ولا سبيل إلى ما في قلبه، كما قال رسول الله ﷺ للمقداد: "هلا شققت عن قلبه" [[إنما قال الرسول ﷺ ذلك لأسامة بن زيد، حيث كان في سرية بعثه فيها رسول الله ﷺ يقول: "فأدركت رجلًا. فقال: لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك. فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ:- "أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟! قال: قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفا من السلاح. قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟! ". الحديث أخرجه مسلم (96) كتاب "الإيمان"، باب: تحريم قتال الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، ح 1158/ 96. أما عن المقداد فقد ورد عن مسلم في هذا الباب بمعناه.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ابن عباس والأكثرون قالوا: المراد بالهجرة ههنا الرجوع إلى المدينة ودار الهجرة ثانيًا، ومهاجرة دار الشرك [[أخرج الأثر عن ابن عباس عن طريق العوفي عنه الطبري 5/ 196، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 274، و"الكشف والبيان" 4/ 96 أ، و"زاد المسير" 2/ 156، وابن كثير 1/ 585.]]. ونحو ذلك قال الزجاج: حتى يرجعوا إلى النبي ﷺ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 88، وانظر: "زاد المسير" 2/ 155.]]. وهذا هو الظاهر. وقال قوم: معناه حتى يخرجوا في سبيل الله مع رسول الله ﷺ صابرًا محتسبًا، وهو هجرة المنافقين [[من "الكشف والبيان" 4/ 96 أ، ولم ينسبه الثعلبي لأحد، وانظر: البغوي 2/ 260، والقرطبي 5/ 308.]]. والهجرة أنواع: فأعلاها وأفضلها هجرة المهاجرين دورهم ومساكنهم بمكة إلى المدينة، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: 100]، وذكرهم في القرآن كثير [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 96 أ، و"البغوي" 2/ 260، و"التفسير الكبير" 10/ 221، و"القرطبي" 5/ 308.]]. وهجرة المنافقين ما ذكرنا. وهجرتان ثابتتان إلى يوم القيامة [[انظر: القرطبي 5/ 308.]]، وهي هجرة من أسلم من الكفار في دار الكفر، يلزمه أن يهاجر إلى المسلمين، ولا يحل له المساكنة بين أظهرهم والاستسرار بالدين [[انظر: "الطبري" 5/ 196، و"البغوي" 2/ 260، و"التفسير الكبير" 10/ 221، والقرطبي 5/ 308.]]، لقوله ﷺ: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك" [[أخرج أبو داود (2645) كتاب: الجهاد، باب: النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، والنسائي واللفظله (4780) كتاب: القسامة، باب القود بغير حديدة، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" 2/ 16.]]. وهجرة المسلم عما نهى الله عنه [["الكشف والبيان" 4/ 96 أ، وانظر: البغوي 2/ 260، و"التفسير الكبير" 10/ 221، والقرطبي 5/ 308.]]، لقوله ﷺ: "والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه" [[أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (10) كتاب: الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده بلفظ: "والمهاجر من هجر" الحديث.]]. ومعنى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: "في طاعة الله" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.]]. قال أهل المعاني: وسبيل الله هو الطريق الذي أمر بسلوكه، وهو العمل بطاعة الله [[انظر: الطبري 5/ 83، 169.]]، وإنما جُعل كالطريق لأنه يُستمر عليه في الطريق، ويؤدي إلى البغية كما يؤدي الطريق [[انظر: "المفردات" ص 223.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، أي: عن الهجرة ولزموا الإقامة على ما هم عليه [["معاني الزجاج" 2/ 88، وانظر: الطبري 5/ 197، و"بحر العلوم" 1/ 374، و"الكشف والبيان" 4/ 96 أ.]]، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ بالأسر [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 374، و"الكشف والبيان" 4/ 96 أ، والبغوي 2/ 260، و"زاد المسير" 2/ 156.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: "يريد لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوكم" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.]].

النساء 4:90

قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ الآية. الاستثناء راجع إلى القتل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 281، و"مجاز القرآن" 1/ 136، والطبري 5/ 197، و"معاني الزجاج" 2/ 89.]]، لا إلى الموالاة، لأن موالاة المشركين والمنافقين حرام بكل حال. واختلفوا في معنى قوله: ﴿يَصِلُونَ﴾، فالأكثرون قالوا: معنى قوله: ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ أي يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم بالحِلْف والجوار والالتجاء. وبه قال الفراء [["معاني القرآن" 1/ 281.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 89.]]، وعليه تفسير ابن عباس فإنه قال في رواية عطاء: "يريد يلجؤون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق" [[ذكره البغوي 2/ 260، وأخرجه بمعناه من طريق عكرمة عن ابن عباس ابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 342، وقد عزاه السيوطي أيضًا لابن جرير، ولم أجده عنده.]]. وقال أبو عبيدة: ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ أي ينتسبون، ووصل واتصل إذا انتسب [[من "مجاز القرآن" 1/ 136 كما يدل عليه مضمون سياقه لبيت الأعشى في تفسير هذِه الآية وكلامه عليهن وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 130، و"الكشف والبيان" 4/ 96/ ب.]]، قال الأعشى: إذا اتصلتْ قالتْ: أبكرَ بنَ وائلٍ ... البيت [[عجز هذا البيت هو: وبكرٌ سَبتها والأنوفُ رواغمُ وهو في ديوان الأعشى الكبير ص 180، و"مجاز القرآن" 1/ 136، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص130، والطبري 5/ 198، و"الكشف والبيان" 4/ 96 ب. والشاهد منه قوله: "إذا اتصلت" أي: انتسبت.]] وبه قال ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" 2/ 235 (وصل).]] وعبد الله بن مسلم [[ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص130.]]. وكلا القولين صحيح، وإن قال بعض الناس [[لعله يريد الطبري كما في "تفسيره" 6/ 198 فقد رد هذا القول بشدة وتبعه في ذلك ابن عطية في "المحرر الوجيز" 4/ 164.]] منكرًا قول أبي عبيدة إن الانتساب لا يحقن الدم؛ لأنَّ الميثاق إذا عقد لقوم دخل في ذلك العهد كل من عد منهم في النسبة وانتسب إلى أبيهم. واختلفوا في القوم الذين بينهم وبين (....) [[طمس في المخطوط بمقدار كلمتين تقريبًا ، ولعله: "وبينكم ميثاق" أو "المؤمنين ميثاق".]] فقال الحسن: هم بنو مُدْلِج [["تفسير الهواري" 1/ 407، و"النكت والعيون" 1/ 516، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 374، و"زاد المسير" 2/ 156، و"تفسير ابن كثير" 1/ 585، و"الدر المنثور" 2/ 342.]]. وقال ابن عباس في رواية الضحاك: هم بنو بكر بن زيد مَناة [[ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 2/ 261، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 158.]]. وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناف، وبنو مُدلج [["تفسيره" 1/ 395، وانظر: "زاد المسير" 2/ 158.]]. وقال الكلبي: هم قوم هلال بن عويمر الأسلمي [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 96 ب، و"معالم التنزيل" 2/ 260، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.]]. وزاد عكرمة: وسراقة بن مالك بن جُعْشُم [[هو أبو سفيان سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك المدلجي الكناني، صحابي شاعر وكان قائفًا، وقصته حين أرسله أبو سفيان في طلب الرسول ﷺ مشهورة. توفي رضي الله عنه سنة 24 هـ. انظر: "الاستيعاب" 2/ 148، و"أسد الغابة" 2/ 331، و"الإصابة" 2/ 19.]]، وكان سيد بني مُدلج [[أي: زاد عكرمة على قولي مقاتل والكلبي، والأثر أخرجه الطبري 5/ 198 ، عن عكرمة بلفظ: "قال: نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عمر بن عبد مناف".]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ هذا وصف ثان معطوف على الوصف الأول للنكرة، وهو قوله: ﴿قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 96 ب، و"الكشاف" 1/ 288، و"المحرر الوجيز" 4/ 163، و"الدر المصون" 4/ 64.]]. وحصرت معناه: ضاقت [["مجاز القرآن" 1/ 136، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 130، والطبري 5/ 198، و"الكشف والبيان" 4/ 96 ب.]]، وكل من ضاق صدره بأمر فقد حصر ومنه قول لبيد: جَرداء يَحصُر دونَها جُرَّامُها [[عجز بيت للبيد وصدره كما في شعره ص (43)، و"اللسان" 2/ 195: أعرضت وانتصبت كجذع منيفة وقافيته في "اللسان": "صرامها" بالصاد، ومعنى جرداء: انجرد عنها سعفهان ويحصر: يتعب ويكل. وجرامها: قطاعها.]] يصف نخلة طويلة، يضيق قلبُ صارم ثمرها إذا نظر إلى أعلاها أن يرقى فيها لطولها [[من "تهذيب اللغة" 1/ 837 - 838، وانظر: "اللسان" 2/ 195 (حصر).]]. وذكرنا ما في هذا الحرف عند قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196] [[انظر: "البسيط" (النسخة الأزهرية) 1/ ل 119، 120.]]. واختلفوا في موضع قوله: ﴿حَصِرَت﴾ فالأكثرون قالوا: إنه في موضع الحال بإضمار قد [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 89، و"معاني الحروف" للرماني ص 98، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 641، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 205، و"المحرر الوجيز" 4/ 165، و"البحر المحيط" 3/ 317، و"الدر المصون" 4/ 66. وقد أشار كل من أبي حيان والسمين الحلبي إلى عدم الاحتياج إلى إضمار "قد" لكثرة ما جاء بدونها.]]، وذلك أن قد تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة، قبل حال قيامها وعلى هذا قول الشاعر: أمُّ صبيِّ قد حبا أو دارج [[هذا شطر من الرجز وقبله: "يا ليتني علقت غير خارج ... قبل الصباح ذات خلق بارج" وهو في "معاني القرآن" للفراء 1/ 214، و"اللسان" 3/ 1351 (درج)، إضافة إلى الآتي، وهو الذي أخذه منه المؤلف.]] فكأنه قال: "أم صبي حاب أو دارج" [["سر صناعة الإعراب" 2/ 641.]]، ولذلك عطف الاسم على الفعل. فتأويل قوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ قد حصرت، والعرب كثيراً ما تجعل الفعل الماضي حالًا. قال الفراء: العرب تقول: أتاني فلان ذهب. [.. الآيات من 91 - 93 ...] [[إلى هنا نهاية صفحة: (أ) من لوحة (18) في نسخة: (ش)، وفي صفحة (ب) تكميل لتفسير الآية (93) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93]، فالظاهر وجود سقط هنا، وقد جعلت تفسير الآية (93) في الصفحة التالية. وهذِه الجملة كاملة عند الفراء في "معاني القرآن" 1/ 282: "أتاني فلان ذهب عقله، يريدون: قد ذهب عقله ...]]. (.. [[ما بين القوسين غير واضح في المخطوط. وهذا الكلام للمؤلف بعد سقط في المخطوط أشرف إليه آنفًا وهذا السقط من تفسير الآية (93) وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)﴾ [النساء: 93].]] ..) وخلف الوعيد كرم، والله تعالى أكرم الأكرمين، وعندنا يجوز أن يخلف الله تعالى وعيد المؤمنين [[في هذا القول نظر لأنه مخالف لقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29] بعد قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. == قال شيخ الإسلام ابن تيمية على هذِه الآية: "دليل على أن وعيده لا يبدل كما لا يبدل وعده ... لكن التحقيق الجمع بين نصوص الوعد والوعيد، وتفسير بعضها ببعض من غير تبديل شيء منها". "مجموع الفتاوى" 14/ 498. وانظر: "أصول الدين" للبغدادي ص 243.]]. وقد ذكرنا هذا فيما مضى من هذا الكتاب. على أن هذا التغليظ إنما هو (.. [[كلمة غير واضحة، وأظنها: "للمبالغة" أو نحو ذلك.]] ..) في الردع والزجر عن إقدام على قتل (.. [[كلمة غير واضحة، والظاهر أنها: "مؤمن".]] ..). وإلى هذا أشار الزجاج فقال: "هذا وعيد شديد في القتل، حرم الله عز وجل به وحظر الدماء [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 91.]]. وفي هذا يحمل (.. [[غير واضح في المخطوط، والظاهر أنه: "ما قاله" أو "ما ذهب إليه".]] ..) ابن عباس وغيره من السلف، أنهم قالوا: لا توبة للقاتل [[قال بهذا القول إضافة إلى ابن عباس: زيد بن ثابت والضحاك بن مزاحم، وروي عن ابن عمر وأبي هريرة. انظر: الطبري 5/ 220، و"بحر العلوم" 1/ 376، و"النكت والعيون" 1/ 520. قال البغوي -رحمه الله-: "والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن قاتل المسلم عمدًا توبته مقبولة لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: 82]." ... وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل". "معالم التنزيل" 2/ 267، وانظر: ابن كثير 1/ 589.]]؛ لأن [[في "الوسيط" للمؤلف 2/ 665: "فان" بالفاء.]] الأولى لأهل الفتوى سلوك سبيل التغليظ، [سيما في القتل] [[ما بيِن القوسين غير واضح في المخطوط، والتسديد من "الوسيط" للمؤلف 2/ 165.]] يدل على هذا ما روي أن سفيان [[هو ابن عيينة.]] سئل عن توبة القاتل، فقال: كان أهل العلم إذا سئلوا، قالوا: لا توبة له، وإذا ابتلي (الرجل قالوا له) [[ما بين القوسين غير واضح في المخطوط، والتسديد من "الوسيط" للمؤلف 2/ 665.]]: تُب [[أورده البغوي في "معالم التنزيل" 2/ 267، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 353.]]. وسئل مسروق عن توبة القاتل فقال: "لا أغلق بابًا فتحه الله" [[لم أقف عليه.]].

النساء 4:94

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [[بدأ تفسير هذِه الآية في صفحة (ب) لوحة (18) من المخطوط في أثناء الصفحة وقبله خمسة أسطر لتفسير الآية (93).]] الضرب في الأرض معناه السير فيها بالسفر للتجارة والجهاد [[انظر: الطبري 5/ 221.]]. قال ابن السكيت: يقال: ضربت في الأرض أبتغي الخير [["تهذيب اللغة" 3/ 2102 (ضرب).]]. قال الزجاج: ومعنى ضربتم في الأرض أي سرتم وغزوتم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 91.]]. قال ابن عباس في رواية الكلبي، وغيره من المفسرين: نزلت الآية في أسامة [[هو أبو محمد أو أبو زيد، أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي حب رسول الله ﷺ وابن حبه، ولد في الإسلام، ومات النبي ﷺ وله عشرون سنة، كان عمر يجله ويكرمه. توفي رضي الله عنه سنة 54 هـ. انظر: "الاستيعاب" 1/ 170، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 496، و"الإصابة" 1/ 31.]] بن زيد وأصحابه، بعثهم رسول الله في سرية، فلقوا رجلاً كان قد انحاز بغنم له إلى جبل، وكان قد أسلم، فقال لهم: السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبدر إليه بعضهم فقتله، قيل: إنه أسامة بن زيد، واستاقوا غنمه، فلما أتوا رسول الله ﷺ قال لأسامة: "لم قتلته وقد أسلم؟ " قال: إنما قالها متعوذًا، فقال: "هلَّا شققت عن قلبه؟ " ثم حصل رسول الله ﷺ ديته إلى أهله، ورد عليهم غنمه [[من طريق الكلبي في "الكشف والبيان" 4/ 104، و"معالم التنزيل" 2/ 268، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 93 بمعناه، وأخرجه من طريق العوفي عن ابن عباس الطبري 5/ 224، وعن السدي 9/ 78. واسم هذا الرجل المقتول مرداس بن نُهيك. وانظر: "بحر العلوم" 1/ 378، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 177. ولهذا الحديث أصل في "صحيح مسلم" (96) كتاب: الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله عن أسامة بن زيد قال: "بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقان من جيهنة فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله. فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ. فقال رسول الله ﷺ:- "أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟! " قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ.]]. وقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. وقرئ (فتثبتوا) [[هذِه قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بالأولى: "فتبينوا" انظر: "الحجة" 3/ 173، و"المبسوط" ص 157، و"النشر" 2/ 251، و"تحبير التيسير" ص 105.]]. "يقال: تبينت الأمر، أي تأملته وتوسمته، وقد تبين الأمر، يكون لازمًا وواقعًا" [["تهذيب اللغة" 1/ 264 (بان).]]. قال أبو عبيد في قوله ﷺ: ["ألا إن التبين من الله -جل ثناؤه-] [[ما بين القوسين قد طمست حروفه، والتسديد من "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 7، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 265 (بان).]] والعجلة من الشيطان فتبينوا" [[أخرجه الترمذي (2012) في كتاب: البر، باب: ما جاء في التأني والعجلة بلفظ: "الأناة من الله والعجلة من الشيطان". قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل الحديث في عبد المهيمن بن عباس ابن سهل [أحد رجال سند الحديث] وضعفه من قبل حفظه.]] قال الكسائي: [وغيره: التبين مثل التثبت في الأمور] [[ما بين القوسين قد طمس حروفه في المخطوط، والتسديد من "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 227، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 265 (بان).]] والتأني [فيها، وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ] [[ما بين المعقوفين حصل عليه طمس، والتسديد من أبي عبيد في "غريب الحديث" 1/ 227. وقد مر عزو القراءتين لمن قرأ بهما من العشرة.]] قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ وبعضهم: (فتثبتوا) (.........) [[هنا لم تتضح بعض الكلمات في المخطوط بحدود نصف سطر تقريبًا، وعند أبي عبيد في "الغريب" 1/ 227 بعد قوله: "وبعضهم فتثبتوا" قال أبو عبيد: "والمعنى قريب بعضه من بعض".]] لأن التبين غاية الاحتياط الذي (........) [[غير واضح في المخطوط بسبب التآكل وغيره بحدود ثلثي سطر.]] بالتبيين أبلغ. ومن قرأ بالثاء فحجته أن التثبت هو خلاف الإقدام [والمراد التأني] [[ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط، والتسديد من "الحجة" لأبي علي 3/ 174 لأن الكلام منه.]] وخلاف التقدم، والتثبت أشد اختصاصًا بهذا الموضع [["الحجة" 2/ 174.]]، وهو حسن أيضًا على طريق الأمر بسبب التبين (.. [[كلمة غير واضحة في المخطوط.]] ..) والإرشاد بذكر سبب البيان. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾. وقرئ (السلام) [[قرأ بإثبات الألف ابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي ويعقوب، وقرأ الباقون بحذفها. انظر: "السبعة" ص 236، و"الحجة" 3/ 175، 176، و"المبسوط" ص 158، و"النشر" 2/ 151.]]، فمن قرأ بالألف فله معنيان: أحدهما: أن يكون السلام الذي هو تحية المسلمين، أي لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: إنما قالها تعوذًا، فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله، ولكن كفوا عنه، واقبلوا منه ما أظهره [["الحجة" 3/ 176، 177، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 92، و"تهذيب اللغة" 2/ 1743 (سلم)، و"حجة القراءات" ص 209، و"الكشف" 1/ 395.]]. والثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم (وكف يده عنكم فلم يقاتلكم) [[ما بين القوسين جاء في "الحجة" 3/ 177 هكذا: "وكفوا أيديهم عنكم، ولم يقاتلوكم" ولعل ما عند المؤلف أصوب، لأن نهاية الكلام جاء بالإفراد.]]: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [["الحجة" 3/ 177، وانظر: "الكشف" 1/ 195.]]. قال الأخفش: يقال إنما فلان سلام، إذا كان لا يخالط أحدًا، فكأن المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم، ولم يخالطكم في القتال: لست مؤمنًا [[قول الأخفش من "الحجة" 3/ 177 ولم أقف عليه في كتابه "معاني القرآن". وانظر: "الكشف" 1/ 395.]]. وأصل هذا من السلامة؛ لأن المعتزل طالب للسلامة. ومن قرأ (السَّلَم) أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين ومنه قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: 87] أي: استسلموا، ولما يراد منهم [["الحجة" 3/ 177، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 92، و"حجة القراءات" ص == 209، و"الكشف" 1/ 395.]]. فأعلم الله عز وجل أن حق من ألقى السلام أن يُتبين أمره [["معاني الزجاج" 2/ 92، و"حجة القراءات" ص 209.]]، وأن يتثبت في أمره. وكذا الحكم اليوم إذا دخل جيش المسلمين بلاد الحرب أن لا يتعرضوا لمن يُرى عليه سيما الإسلام، في سلام أو كلام (.. [[غير واضح بسبب تآكل في المخطوط بقدر كلمة أو كلمتين، ولعلها: (بالأذى) أو (بالأخذ).]] ..) وأن لا يتسارعوا إلى قتله إلا بعد التبين. وقوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال أبو عبيد: جميع متاع الدنيا عرَض، بفتح الراء، يقال: "إن الدنيا عرَض حاضر، يأخذ منها البر والفاجر [[أشار في "اللسان" 5/ 2887 (عرض) إلى أن هذا القول يروى حديثًا. ولم أقف عليه.]]. والعرْض -بسكون الراء- ما سوى الدراهم والدنانير، فصار العرض من العرض، وليس كل عرض عرضًا [[كلام أبي عبيد من "تهذيب اللغة" 3/ 2396 (عرض) بتصرف يسير، وانظر: القرطبي 5/ 340، و"اللسان" 5/ 2885 (عرض).]]. قال بعض أهل اللغة: إنما سمي متاع الدنيا عرضًا؛ لأنه عارض زائل غير باق ثابت [[انظر: "المفردات" ص (331)، والقرطبي 5/ 339، و"عمدة الحفاظ" ص 353 (عرض).]]، ومنه سمَّى المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضًا لقلة لبثه [[انظر: المرجع السابق.]]. قال ابن عباس في هذه الآية: "يريد الغنائم" [[جاء معناه في أثر طويل عن ابن عباس أخرجه الطبري 5/ 223 من طريق العوفي، وأخرجه ابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 356.]]. وقوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾. يعني: ثوابًا كثيراً لمن ترك قتل من ألقى إليه السلم [[من "الكشف والبيان" 4/ 105 ب، وانظر: الطبري 5/ 221. وقيل: غنائم كثيرة في الدنيا مما أذن الله فيه وأباحه. انظر: "بحر العلوم" 1/ 379، و"زاد المسير" 2/ 172.]]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. قال الحسن وابن زيد: كنتم كفارًا مثلهم، فمن الله عليكم فهداكم [[أخرجه بنحوه عن ابن زيد الطبري 5/ 226، وانظر: "زاد المسير" 2/ 172، وأما عن الحسن فقد ذكره الهواري في "تفسيره" 1/ 413. وقد ورد مثل هذا القول عن قتادة، ومسروق. انظر: "زاد المسير" 2/ 172، و"الدر المنثور" 2/ 358 - 359.]]. وهذا اختيار الزجاج، لأنه قال: أعلم الله أن كل من أسلم ممن كان كافرًا فبمنزلة هذا الذي تعود بالإسلام، فقال جل وعز ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام، وبأن قبل ذلك منكم على ما أظهرتم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 92.]]. هذا كلامه. وظاهر قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يوهم أن المقتول كان كافرًا، وليس الأمر على هذا، وإنما التشبيه وقع لحال كفرهم بحال كفر المقتول قبل إسلامه، ثم منَّ الله عليهم بالإسلام كما من على المقتول وقَبِلَ منه ظاهر الإسلام، فيجب أن يقبلوا هم بظاهر الإسلام، وفي هذا تبكيت بهم وتعيير لهم، حيث لم يقبلوا ما أظهره الذي قتلوه من الإسلام، إذ قيل لهم: أنتم كنتم مثله في الكفر، ثم قبل ظاهر الإسلام منًا من الله عليكم. هذا قول واحد. وقال سعيد بن جبير: "كذلك كنتم من قبل تستخفون بإيمانكم عن قومكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه عن قومه، فمنَّ الله عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم" [[أخرجه الطبري 5/ 226، وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 359.]]. والقول هو الأول، لأنه لا شك أنهم أسلموا بعد أن لم يكونوا مسلمين، فأما الاستخفاء فلم يكن عامًا فيهم كعموم الإسلام بعد أن لم يكونوا عليه. وقال مقاتل: (كذلك كنتم من قبل [[قول مقاتل في "تفسيره" 15/ 400: (كذلك) يعني هكذا (كنتم من قبل) الهجرة.]] (.......) [[طمس وبياض بمقدار أربعة أسطر في المخطوط.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 94]. قال عطية العوفي: يقول: إنكم قتلتموه على ماله [[لم أقف عليه.]]. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تحذير وزجر عن الإضمار بخلاف الإظهار. قال ابن عباس وغيره: ثم استغفر رسول الله ﷺ لأسامة، وأمره بعتق رقبة [[تقدم تخريج الأثر، لكن يشير فيه الأمر بالعتق.]].

النساء 4:95

قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الضرر النقصان، وهو كل ما يضرك وينقصك من عمى ومرض وعلة. تقول: دخل عليه ضرر في ماله، أي نقصان. فمعنى قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ أي: غير من به علة تضره وتقطعه عن الجهاد. كذا قال أهل اللغة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 130، و"تهذيب اللغة" 3/ 2108.]]، وهو موافق لما قاله المفسرون؛ فإن ابن عباس قال في رواية عطاء، في قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾: يريد ابن أم مكتومٍ الأعمى [[هو عمرو وقيل عبد الله بن زائدة - وقيل: ابن قيس بن زائدة بن الأصم القرشي الأعمى، اشتهر بكنيته (ابن أم مكتوم)، من المهاجرين الأولين، وخليفة رسول الله ﷺ على المدينة في كثير من غزواته. انظر: "أسد الغابة" 4/ 223، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 360، و"الإصابة" 2/ 351.]]، وقومًا من الأنصار، كان فيهم ضر من عرج ومرض، فعذرهم الله تعالى، وجعل لهم ثوابًا وافيًا [[أخرجه من طريق العوفي بمعناه الطبري 5/ 229.]]. وقال الزجاج: الضرر: أن يكون ضريرًا، أي أعمى وزمنًا ومريضًا [[عند الزجاج في "معانيه" 2/ 93: "والضرر أن يكون ضريرًا أو أعمى أو زمنًا أو مريضًا".]]. وقرئ ﴿غَيْرُ﴾ رفعًا ونصبًا [[قراءة الرفع لابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: "الحجة" 3/ 178، و"المبسوط" ص 158، و"النشر" 2/ 251.]]، فمن رفع الراء فهو صفة للقاعدين، والمعنى على هذا: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر، أي: لا يستوي القاعدون الأصحاء والمجاهدون، وإن كانوا كلهم مؤمنين [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 92.]]. وهذا مذهب سيبويه [[من "الحجة" لأبي علي 3/ 179.]] وقول الفراء [["معاني القرآن" 1/ 283.]] وأبي إسحاق [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 92.]] في رفع ﴿غَيْرُ﴾ وأنشد أبو علي على كون (غير) صفة، قول لبيد: وإذا جوزيتَ قرضًا فاجزِه ... إنما يَجزي الفتى غيرُ الجَملْ [[شعر لبيد ص 97، و"الحجة" 3/ 180، و"البحر المحيط" 3/ 330. وجاء في شرح شعره: "الجمل: لعل الكلمة جاءت متممة للقافية، وإنما أراد جنس البهيمة. والمعنى: فإذا عاملك أحد بالخير أو الشر فرد له مثل عمله سواء كان حسنًا أو قبيحًا، إنما يجزى العمل بمثله الإنسان العاقل، لا البهيمة.]] فـ (غيرٌ) صفة للفتى [["الحجة" 3/ 180.]]. واحتج الفراء أيضًا على هذا بقوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: 31] [["معاني القرآن" 1/ 283.]]. وذكرنا جواز كون ﴿غَيْرُ﴾ صفة للمعرفة في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] مستقصى مشروحًا [[انظر: تفسير الفاتحة (7) في "البسيط" بتحقيق الفوزان.]]. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون (غير) رفعًا على جهة الاستثناء، المعنى: لا يستوي [القاعدون والمجاهدون] [[بياض في المخطوط والتسديد من "معاني الزجاج".]] إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضر [["معاني الزجاج" 2/ 92، 93.]]. والكلام في رفع المستثنى بعد (.. [[بياض ويحتمل أن يكون الساقط: "المستثنى منه"، أو بعد "إلا".]] ..) قد مضى في قوله: {مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [النساء: 66] [[انظر: 6/ 525 فيما سبق.]]. ومن نصب (غيرَ) جعله استثناء من القاعدين، لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر، على أصل الاستثناء [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 93، و"الحجة" 3/ 180، و"معاني القرآن" 1/ 316.]]. وهذا الوجه اختيار الأخفش، وهو أن ينتصب (غيرَ) في القراءة على الاستثناء. قال: لأنه لا يُستثنى بها قومٌ لم يقدروا على الخروج [["معاني القرآن" 1/ 453.]]. كما رُوي في التفسير: أنه لما ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، جاء قوم من أولي الضرر، وقالوا للنبي ﷺ: حالنا على ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل لنا من رخصة؟، فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] واستثنوا من جملة القاعدين [[أخرج البخاري (4592) في كتاب: التفسير (سورة النساء)، باب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:95]، ومسلم (1898) كتاب: الإمارة، باب: حرمة نساء المجاهدين عن البراء رضي الله عنه قال: "لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 179 - 180، و"لباب النقول" ص 78.]]. وقال الفراء: الوجه فيه الاستثناء والنصب، إلا أن اقتران غير بالقاعدين يكاد يوجب الرفع، لأن الاستثناء ينبغي له أن يكون بعد التمام، فيقول في الكلام: لا يستوي المحسنون والمسيئون إلا فلانًا وفلانًا [["معاني القرآن" 1/ 283، 284.]]. وقال بعض النحويين من المتأخرين: الاختيار الرفع، لأن الصفة أغلب على (غير) من الاستثناء، وليس قول من ذهب إلى اختيار النصب بسبب نزوله للاستثناء بشيء، لأن غيرًا وإن كانت صفةً فهي تدل على معنى الاستثناء، لأنها في كلا [[في (ش): كلي، وهو خطأ، لأن هذا الحرف لا يعرب إلا إذا أضيف إلى ضمير.]] الحالين قد خصصت القاعدين عن الجهاد بانتفاء الضرر، ففي الوجهين جميعًا الرفع والنصب إنما وقع التفضيل بين القاعدين الأصحاء والمجاهدين [[لم أعرف من قال بذلك، وكأن الفراء قد مال إلى الرفع. انظر: "معاني القرآن" 1/ 283.]]. قال الزجاج: ويجوز أن تكون (غير) منصوبة على الحال، المعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم والمجاهدون، كما تقول: جاءني زيد غير مريض، أي جاءني زيد صحيحًا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 93.]]. ونحو ذلك قال الفراء، قال: وهو كقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: 1] [["معاني القرآن" 1/ 284.]]. هذا هو الكلام في وجه القراءتين. فأما حكم الزَّمنى ففرض الجهاد موضوع عنهم، كما ذكر الله في سورة الفتح، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [الفتح: 17]. (.....) [[غير واضح في المخطوط.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء:95]، عطف على قوله: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، لأن (.............. المؤمنون) [[نصف سطر في المخطوط غير واضح بسبب بعض التآكل، ويمكن أن يقدر بـ: ... لأن (الآية توجه إلى أنه لا ينبغي أن يكون) المؤمنون القاعدون ... أو: لأن (ما يفهم من الآية ويراد التنبيه إليه أنه لا ينبغي أن يكون المؤمنون .. والله أعلم.]] القاعدون عن الجهاد من غير عذر والمؤمنون المجاهدون سواء [إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين لأن الضرر] [[ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط بسبب التآكل، والتسديد من "الوسيط" 2/ 678.]] أقعدهم عنه، فهم والمجاهدون سواء، إذا أتوا بشرط شرطه الله تعالى في سورة التوبة، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 91]. ويدل على هذا حديث النبي ﷺ: "لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا، ما سرتم من مسير، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، أولئك أقوام حبسهم العذر" [[أخرجه البخاري (4423) بنحوه من حديث أنس بن مالك في كتاب: المغازي، باب: (81)، ومسلم (1911) حديث جابر في كتاب: الإمارة، باب: ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر.]]. صاحبه استوى بالعامل، إذا صدقت نيَّته، وصحت نصيحته لله ولرسوله. وقال بعض أهل المعاني: الآية لا تُحمل على مساواة أولي الضرر للمجاهدين في سبيل الله [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 186.]]، لأن هذه الآية حض لغير [[في المخطوط: لغيره.]] أولي الضرر على الجهاد، ولم يدخل في الحض (....) [[كلمة غير واضحة في المخطوط ويبدو أنها: "عليه".]] أولوا الضرر. وقوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. قال الكلبي: يقول: فضيلة في الآخرة [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 280، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 94.]]. وقال مقاتل: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أهل العذر درجة يعني فضيلة [["تفسير مقاتل" 1/ 401، و"الوسيط" 2/ 678، و"معالم التنزيل" 2/ 271.]]. ونحو ذلك قال ابن جريج، قال: التفضيل الأول بدرجة واحدة على أولي الضرر، والتفضيل الثاني بدرجات على غير أولي الضرر [[قول ابن جريج جاء في أثرين عنه أخرجهما الطبري 5/ 231. وأخرج الجزء الأول منه - إضافة إلى ابن جرير: ابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 362.]]. وهذا يُقوي ما حكينا عن بعض أصحاب المعاني، عن أن الآية لا تدل على مساواة أولي الضرر للمجاهدين، وذلك أن المعذورين بالقعود وإن كانوا في النية والهمة على قصد الجهاد، فالمجاهدون مباشرون، ومباشرة الطاعة فوق قصد الطاعة، وأما القاعدون غير المعذورين فالمجاهدون مفضلون عليهم درجات؛ لأنهم قعدوا من غير عذر. وتفسير الدرجة مضى عند قوله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 163]. وانتصاب الدرجة ههنا [بحذف الجار] [[غير واضح بسبب الرطوبة والخرم بمقدار كلمتين، والظاهر ما أثبته.]]، لأن التقدير: بدرجة، فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل، وهو كثير [[انظر: "الدر المصون" 4/ 77.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. قال مقاتل: يعني: المجاهد والقاعد المعذور [["تفسير مقاتل" 1/ 401، و"الوسيط" 2/ 678، و"معالم التنزيل" 2/ 271.]]. والحسنى: الجنة في قول ابن عباس [[لم أقف عليه.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 401.]]، وغيرهما [[كقتادة والسدي، انظر: الطبري 6/ 231، و"زاد المسير" 2/ 174.]]. وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، يريد: القاعدين غير المعذورين، وقد سبق ذكر المعذورين. قاله ابن جريج [[أخرجه الطبري 5/ 231 بمعناه]].

النساء 4:96

قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَة﴾ قال أبو إسحاق: درجات نُصب [[في "معاني الزجاج": "في محل نصب".]] بدلا من قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: وهو مفسر للأجر، المعنى: فضل الله المجاهدين درجات، ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ قال: وجائز أن يكون منصوبًا على التوكيد لقوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، لأن الأجر العظيم هو رفع الدرجات من الله والمغفرة والرحمة [["معاني القرآن" وإعرابه 2/ 93، 94.]]. وتفسير الدرجات ههنا: منازل بعضها أعلى من بعض من منازل الكرامة. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ببن الدرجتين كما بين السماء والأرض" [[أخرجه البخاري (2790) حديث أبي هريرة مطولًا في كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين في سبيل الله.]]. قال السدي: فضلوا سبعمائة درجة [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 680، ولم أقف عليه.]]. وقال ابن مُحيريز [[هو أبو محيريز عبد الله بن محيريز بالتصغير، ابن جنادة القرشي، المكي نشأ يتيمًا في حجر أبي محذورة، كان ثقة من فضلاء التابعين، وشبه بابن عمر في العبادة والفضل، توفي رحمه الله سنة 99هـ، وقيل قبلها. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 117، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 494، و"التقريب" ص 322 رقم (3604).]]: هي سبعون درجة، ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المُضَمَّر سبعين خريفًا [[أخرجه الطبري 5/ 234، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 107 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 175 وغيرهما.]] وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يريد للفريقين جميعًا، للمجاهدين والقاعدين.

النساء 4:97

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. قال الفراء: إن شئت جعلت ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ ماضيًا ، ولم تضمر تاء مع التاء فيكون مثل قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 70]، وإن شئت كان على الاستقبال، تريد: إن الذين تتوفاهم، وكل موضع اجتمع فيه تاءان جاز فيه إضمار إحداهما [["معانى القرآن" 1/ 284.]]. ونحو هذا قال الكسائي والزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 94.]]. وقوله تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في محل نصب على الحال، المعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم، وهو نكرة وإن أضيف إلى معرفة؛ لأن المعنى على الانفصال، كأنه قيل: ظالمين أنفسهم، إلا أن النون حُذفت استخفافًا، والمعنى معنى ثبوتها، هذا قول الزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 94.]]. (.... قال أبو الفتح [[ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.]]: الإضافة في [كثير من كلامهم] [[ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط، والتسديد من "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.]] في تقدير الانفصال والانفكاك، كما تقول [باب الحسن الوجه، والكريم الأب، كله منوى في الانفصال، وإنما تقديره: الحسن وجهه، والكريم أبوه. وكذلك اسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال، فهو وإن أضيف في اللفظ مفصول في المعنى، وذلك نحو قوله تعالى ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24]، و ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، و ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: 1]، و ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9]، و ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [القمر: 27]، و ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: 47]. وعلى هذا قول جرير:] [[ما بين المعقوفين طمس في المخطوط، والتسديد من "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.]]. يا [[الكلام لا يزال منقولًا من "سر صناعة الإعراب".]] رُبَّ سائلنا لو كان يطلُبكم ... لاقى مباعدةً منكم وحِرْمانا [[البيت لجرير في "ديوانه" ص 492، وأوله: "يا رب غابطنا" وكذا في "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.]] إنما هو ممطر لنا، وبالغًا الكعبة، وثانيًا عطفه، ورب سائل لنا، لولا ذلك لم تدخل رب عليه، ولا أجري ممطرنا وصفًا على النكرة، ولا نصب ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ على الحال. وعلى هذا: ناقةٌ عبر الهواجر، وفرس قيد الأوابد، فالإضافة في هذا كله لفظية غير معنوية [["سر صناعة الإعراب" 2/ 457، 458 (بتصرف).]]. فأما التفسير: فقال ابن عباس وغيره من المفسرين: نزلت في قوم كانوا قد أسلموا ، ولم يُهاجروا حتى خرج المشركون إلى بدر، فخرجوا معهم، فقتلوا يوم بدر، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم ما ذكر الله سبحانه [[أخرجه بنحوه: الطبري 5/ 233 - 234، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 380، و"الكشف والبيان" 4/ 107 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 180، و"لباب النقول" ص (79).]]. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي الملائكة قالت لهؤلاء: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي كنتم في المشركين أم في أصحاب محمد ﷺ؟. وهذا سؤال توبيخ، وإنما توجه السؤال إلى التوبيخ لأنه مما لا يصلح لصاحبه جواب عليه، ولذلك لما اعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك في دارهم حاجتهم الملائكة بالهجرة إلى غير دارهم [[انظر: الطبري 5/ 233، و "معاني الزجاج" 2/ 95، و"بحر العلوم" 1/ 381، و"الكشف والبيان" 4/ 107 ب.]]. وخبر إن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ قوله تعالى ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ والتقدير: قالوا لهم، بحذف (لهم)، لدلالة الكلام عليها [[انظر: "الدر الصون" 4/ 78. وذهب النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 448، إلى أن الخبر جملة ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 97].]]. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: "يريد مصيرهم إلى النار" [[لم أقف عليه.]] وذلك أن الله تعالى لم يرض بإسلام أهل مكة حتى يهاجروا، فقال في سورة الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] فنهاهم الله عن موالاتهم ومناكحتهم وكل ما يكون بين المسلمين. وإذا أسلم الأخوان (.. [[بياض في المخطوط بقدر كلمتين، ويمكن أن يقدر (ثم هاجر).]] ..) أحدهما، وبقي الآخر، لم يكن يرث واحد منهما حتى فتحت مكة، فرد الله المواريث إلى الأرحام فقال [[حصل هنا سقط حيث جاء الكلام أثناء تفسير الآية (102) قوله: (وإذا كنت فيهم).]] [... الآيات 98 - 102 ...] خفيفة [[هذا الكلام جاء مباشرة بعد السقط في تفسير الآية (97) ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وهو بيان لصفة صلاة الخوف المذكورة في الآية (102) ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية.]] والتحقت بالإمام في تشهده الطويل فتشهدوا وخففوا وسلم بهم. وهذا الذي ذكرنا من صفة صلاة الخوف هو مذهب ابن عباس في رواية الوالبي، ذكره في تفسير هذه الآية [[سياق الأثر تامًا عن ابن عباس قال: "قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فهذا عند صلاة الخوف، يقوم الإِمام وتقوم معه طائفة منهم، وطائفة يأخذون أسلحتهم ويقفون بإزاء العدو، فيصلي الإِمام بمن معه ركعة، ثم يجلس على هيئة، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس، ثم ينصرفون حتى يأتوا أصحابهم فيقفون موقفهم، ثم يُقبل الآخرون فيصلي بهم الإِمام الركعة الثانية، ثم يسلم، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية. فهكذا صلى رسول الله ﷺ يوم بطن نخلة". تفسير ابن عباس ص 156، وأخرجه الطبري 5/ 253 من نفس الطريق، لكن في هذِه الرواية لم ينتظر الآخرين بالسلام.]]. وبمثله ورد حديث ابن أبي حَثْمَة [[هو سهل بن أبي حثمة (عبد الله أو عامر) بن ساعدة بن عامر الأنصاري الأوسي من صغار الصحابة حيث كان عمره عند وفاة النبي ﷺ سبع أو ثمان سنين، وقد روى أحاديث، هذا أحدها. توفي رضي الله عنه في أول خلافة معاوية. انظر: "الاستيعاب" 2/ 221، و"أسد الغابة" 2/ 468، و"الإصابة" 2/ 86.]] في صلاة الخوف [[أخرجه البخاري (4131) كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، و"مسلم" (841) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف.]]. وما سوى هذا المذهب من المذاهب في صلاة الخوف لا يُوافق الآية. واختاره [[لعل الصواب: "واختار".]] الزجاج أيضًا هذا الذي وصفنا، وزعم أنه مذهب أبي حنيفة في صلاة الخوف [[الكلام هنا فيه اضطراب، لأن الذي اختاره الزجاج ووصفه المؤلف خلاف مذهب أبي حنيفة -كما سيأتي عند المؤلف؛ ولأن الزجاج إنما ذكر رأي الإمام مالك. انظر: "معاني الزجاج" 2/ 97، 98.]]، فإن ذهب إلى حديث ابن عمر، أنه صلاها مع النبي ﷺ، قال: "فصف وراءه طائفةٌ منا، وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين مثل نصف صلاة الصبح، ثم انصرفوا فأقبلوا على العدو، فجاءت الطائفة الأخرى فصلَّوا مع النبي ﷺ ففعل مثل ذلك، ثم سلم النبي ﷺ، فقام كل رجل من الطائفتين فصلى لنفسه ركعة وسجدتين" [[أخرجه بهذِه اللفظ الإِمام أحمد في "مسنده" 2/ 150. وأخرجه بمعناه البخاري (4132، 4133) في كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، و"مسلم" (839) في كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف، والثعلبي بلفظه في "الكشف والبيان" 4/ 113 أ.]]. فعنده الطائفة الأولى إذا انصرفت عن الإمام إلى القتال لا تقطع الصلاة، ويكونون في حكم المصلين إلى أن يفرغ الإمام مع الطائفة الثانية، ثم يقضون بأجمعهم ركعة واحدة، واحتج على هذا من الآية بقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: 102] قال: وهذا دليل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة، ولكنهم يصلون ركعة، ثم تكون من وراء الطائفة الثانية للحراسة [[هذا اختيار أبي حنيفة وأصحابه في صفة صلاة الخوف. انظر: "بحر العلوم" 1/ 383، و"الكشف والبيان" 4/ 113 أ، و"النكت والعيون" 1/ 524 ، 525، والبغوي 2/ 278، و"زاد المسير" 2/ 186، و"المغني" لابن قدامة 3/ 301.]]. والتفسير بخلاف هذا؛ لأن قوله: ﴿سَجَدُوا﴾ يراد به الطائفة الأولى، ومعنى السجود: ههنا الصلاة، أي: إذا صلوا هم ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي الطائفة الثانية الذين لا يصلون [[هذا ما يدل عليه حديث ابن عباس المتقدم، وكذلك سهل بن أبي حَثْمَة، وإليه ذهب الشافعي، وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق، واختاره الطبري. انظر: "الأم" 1/ 210، 211، والطبري 5/ 258، و"الكشف والبيان" 4/ ل 110، 111، و"النكت والعيون" 1/ 524، 525، والبغوي 2/ 277، و"المغني" لابن قدامة 3/ 299 - 301، والقرطبي 5/ 365، 366، و"شرح صحيح مسلم" للنووي 6/ 125. قال البغوي: "وكلتا الروايتين صحيحة، فذهب قوم إلى أن هذا من الاختلاف المباح". وقال ابن قدامة: "وإن صلى بهم كمذهب أبي حنيفة جاز. نص عليه أحمد، ولكن يكون تاركًا للأولى والأحسن. وبهذا قال ابن جرير، وبعض أصحاب الشافعي".]]، فجعل أبو حنيفة السجود والكون من ورائكم لطائفة أخرى ....) [[طمس في المخطوط بقدر أربعة أسطر.]]. بأنهم لم يصلوا فائدة، وأيضاً فإن قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ظاهره يدل على أن يكون جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام؛ لأن مطلق قولك: صليت مع الإِمام، أنك أدركت جميع الصلاة معه، وعنده ليس كذلك. فأما حمل السلاح في الصلاة فهو فرض عند بعض العلماء [[عند عدم المرض الذي يشق معه حمل السلاح أو التأذي بالمطر، وهذا أحد قولي الشافعي. انظر: "الأم" 1/ 219، و"أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 494، و"المغني" 3/ 311، وابن كثير 1/ 604.]]، وسنة مؤكدة عند بعضهم [[هذا قول أكثر أهل العلم. انظر: "المغني" لابن قدامة 3/ 311، والقرطبي 5/ 371 "شرح صحيح مسلم" للنووي 6/ 125.]]، والشرط أن لا يحمل سلاحًا نجسًا إن أمكنه [[انظر: الأم 1/ 219، و"المغني" 3/ 311.]]، ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف أو في الصف الأول لئلا يؤذي به من أمامه [[انظر: "الأم" 1/ 219، و"المغني" 3/ 311.]]، ولا حرج على المريض، وفي حالة المطر إن وضعوا أسلحتهم طلبًا للتخفيف، وفي المطر إنما يتعذر حمل السلاح؛ لأنه يصيبه بلل المطر فيسود بالطبع، وأيضاً فإن من الأسلحة ما يكون مبطنًا فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء [[انظر: "الأم" 1/ 219، والبغوي 2/ 280، والقرطبي 5/ 372.]]. قال الشافعي: "وإن كانت صلاة المغرب فصلى ركعتين بالطائفة الأولى، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، فحسن، وإن ثبت جالسًا في التشهد الأول، وأتموا لأنفسهم، فجائز" [["الأم" 1/ 212، و"الكشف والبيان" 4/ 111 ب بتصرف يسير، وهذا مذهب أحمد ومالك أيضًا. انظر:"المغني" لابن قدامة 3/ 309.]]. قال: "وإن كانت صلاة حضر فلينتظر جالسًا في الثانية أو قائمًا في الثالثة" [[من "الكشف والبيان" 4/ 111 ب، وانظر: "الأم" 1/ 213. وتمام الكلام عند الثعلبي: "حتى تتم الطائفة التي معه، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها كما وصفت في الأخرى".]]. وقوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قال أبو علي الجرجاني: في قوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ إطلاق، له أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذرًا، غير مغفلٍ للحذر؛ بحسب ما يكون حالهم مع العدو. والذي نزل به الكتاب كان وجه الحذر؛ لأن العدو يومئذ (....) [[غير واضح، وأظنه: "بذات الرقاع". وسميت هذه الغزوة بذلك لما كانوا يعصبون من الخرق على أرجلهم من الجراح وكانت هذه الغزوة سنة خمس من الهجرة. انظر: "صحيح البخاري" (4129 - 4230) و"شرح صحيح مسلم" للنووى (842، 843).]] كان مستقبل القبلة والمسلمون مستدبروها، وفي استقبالهم القبلة يومئذ استدبار منهم لعدوهم، فأمروا بأن يصيروا طائفتين، طائفة تجاه العدو، وطائفة مع النبي ﷺ مستقبل القبلة [[جاءت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع في عدة أحاديث أخرجها البخاري (4129، 4130) في كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، ومسلم (842، 843) في كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف.]]. والحال الثانية والثالثة بعُسْفان [[قرية بين مكة والمدينة على بعد مرحلتين من مكة. انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" الجزء الثالث، القسم الثاني ص 56.]] وبذي قَرَد [[بفتح القاف والراء اسم لماء على بعد ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر، وسمي به غزوة ذي قرد، وهي الغزوة التي أغار فيها قوم من غطفان على لقاح النبي ﷺ فاستردها، وهي قبل خيبر بثلاث. انظر: "صحيح البخاري" (4194)، و"معجم البلدان" 4/ 322، و"اللسان" 6/ 3577.]]، كانوا بخلاف هذه الحال، لأن العدو كان مستدبرًا للقبلة والمسلمون مستقبلوها، وكان المسلمون على (.. [[كلمة غير واضحة، وأظنها: (مستقبل).]] ..) القبلة والعدو في وجوههم فأتى بالصلاة كما أطلق له من أخذ الحذر [[الأثر في صلاة الخوف بعسفان أخرجه النسائي 3/ 74 في كتاب: صلاة الخوف حديث رقم (16) عن أبي هريرة، والطبري 5/ 257 - 258 عن ابن عباس ومجاهد وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 172، وذكره الثعلبي 4/ 112 أوصفتها بنحو ما في حديث جابر الآتي. أما بذي قرد فقد قال ابن عباس: "صلى النبي ﷺ يعني صلاة الخوف بذي قرد". أخرجه البخاري (4125) (سبق تخريجه)، وأخرجه مطولًا عنه النسائي حيث == وصف ابن عباس الصلاة بقوله: "إن رسول الله ﷺ صلى بذي قرد، وصف الناس خلفه صفين، صفا خلفه، وصفا موازي العدو، فصلي بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا". "سنن النسائي" 3/ 169 كتاب: صلاة الخوف حديث رقم (5) وأخرجه بنحوه الثعلبي 4/ 113 ب.]]، ولو أتى بها في هاتين الحالتين كما أمر به يوم ذات الرقاع من تصييرهم طائفتين كان تاركًا للحذر ومغررًا بنفسه وأصحابه. هذا كلامه. وفيما ذكره تسوية من جميع الروايات الواردة في صلاة الخوف، لأنه يقول: العلة في اختلافها اختلاف الحال. وليس هذا الذي ذكره بعيدًا عن الصواب، فإن النبي ﷺ بعُسْفان وببطن النخل [[قرية في الحجاز من أرض غطفان. انظر: "تهذيب الأسماء واللغات"، الجزء الثالث، القسم الأول ص 38.]] لم يفرق أصحابه طائفتين، لأنهم كانوا في الصلاة متوجهين للعدو مستقبلي القبلة، فكانوا يرون العدو وهم في الصلاة، فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود، وفي السجود سجد الصف الأول، والثاني يحرسونهم، فلما فرغوا من السجود انحدر الصف المؤخر بالسجود [[تقدم قريبًا تخريج الأثر الوارد في الصلاة بعسفان، أما ببطن النخل فإنه سيأتي في الأثر عن جابر.]]. وكذا روى جابر بن عبد الله [[قال جابر رضي الله عنه: "غزونا مع رسول الله ﷺ قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم. فأخبر جبريل رسول الله ﷺ ذلك. فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ قال: وقالوا: أنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد. فلما حضرت العصر، قال: صفينا صفين، والمشركون بيننا وبين القبلة. قال فكبَّر رسول الله ﷺ وكبَّرنا، وركع وركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني. ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني، فقاموا مقام الأول. فكبَّر رسول الله ﷺ وكبَّرنا، وركع فركعنا. ثم سجد وسجد معه الصف الأول وقام الثاني، فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعا، سلم عليهم رسول الله ﷺ". أخرجه "مسلم"، وقد سبق تخريجه.= وهذِه الغزوة كانت بنخل كما أشار إليه المؤلف، وجاء ذلك في حديث جابر هذا عند الطبري 5/ 257.]].

النساء 4:103

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي فرضا موقوتًا [[انظر: الطبري 5/ 261، و "معاني الزجاج" 2/ 99، و"بحر العلوم" 1/ 384.]]. قال ابن عباس: "فريضة بأوقاتها" [["تفسير ابن عباس" ص 157، بلفظ: "موقوتًا: مفروضًا" وأخرجه كذا الطبري 5/ 261، لكن من طريق العوفي، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 526، و"زاد المسير" 2/ 188، و"الدر المنثور" 2/ 380.]]. والمراد بالكتاب ههنا: المكتوب، كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذفت الهاء من الموقوتة، لما [[كأنها: كما.]] جعل المصدر موضع المفعول، والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات مؤقتة، يقال: وقَّته، ووقَته، مخففًا [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 130، والطبري 5/ 262، و"الكشف والبيان" 4/ 115 ب.]]. وقرئ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [[قراءة أبي جعفر وحده بواو مضمومة وكسر القاف مخففة. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3928 (وقت)، و"المبسوط" ص 391، و"النشر" 2/ 397. وفي مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "وقت" بواو مضمومة وتشديد القاف. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3928 (وقت).]] [المرسلات: 11]. قال أبو عبيدة: وإن شئت قلت: أوقته [[ليس في "مجاز القرآن".]]. وقال الزجاج في قوله: ﴿موقوتا﴾: أي مفروضًا موقتًا فرضه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 99.]].

النساء 4:104

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾. الخطاب للمؤمنين، وذكرنا معنى الوهن [["الوهن: الضعف"؛ "الصحاح" 6/ 2215، و"اللسان" 8/ 4934 (وهن).]] في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: 139]. والمراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لما انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي ﷺ الناس لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية [[ذكره الطبري 5/ 263 عن عكرمة، كما ذكره دون عزو السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 384، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 115 ب، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 282.]]. وقد مضت هذه القصة في سورة آل عمران [[ذكر جميع ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].]]. قال ابن عباس: "يريد لا تضعفوا في طلب العدو" [[أخرجه ابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 381.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾. الألم الوجع، وقد ألم يألم، فهو آلم [["تهذيب اللغة" 1/ 188 (ألم) وفيه: "فهو ألم" بدون مد. وانظر: "الصحاح" 5/ 1863، و"اللسان" 1/ 113 (ألم).]]. قال ابن عباس: "يريد يوجعون كما توجعون الجراح" [[بنحوه في "تفسير ابن عباس" ص (157)، وأخرجه أيضًا من طريق علي بن أبي طلحة: الطبري 5/ 263، وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 381.]]. ونحو هذا قال غيره من المفسرين [[كمجاهد وقتادة والسدي وابن زيد. انظر: الطبري 5/ 262، 263.]]، وهذا يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المؤمنين كانت بهم جراحات، يجدون لها ألمًا يوهنهم عن المسير في آثار المشركين، والمشركون أيضًا بهم جراحات، كما بالمسلمين، فقيل للمسلمين: إنَّ ألمتم جراحكم، فهم أيضًا في مثل حالتكم من أثر الجراح. وعلى هذا دل كلام المفسرين أن المراد بالألم ههنا ألم جراح واقعة بالفريقين [[انظر: الطبري 5/ 262، 263، و"بحر العلوم" 1/ 384، و"الكشف والبيان" 4/ 115 ب، و"النكت والعيون" 1/ 527.]]. والآخر: أن هذا استدعاء إلى الجهاد مما يوجب الصبر عليه والجد فيه لرجحان حالهم على حال أعدائهم، بأنهم يرجون من الله ما لا يرجونه، فقد ساووهم في الصارف عن القتال، وهؤلاء انفردوا بداعٍ ليس لهم من ثواب الله على ذلك وكرامته التي هي (أوكد وكد داع) [[هكذا ما بين القوسين في المخطوط، وقد يكون فيه تكرار، فتكون العبارة: "أوكد داع".]] إلى إتباع مرضاته، فالمراد بالألم ههنا ألم جرح يقع ويحصل في أحد الفريقين، يقول: إن ألمتم جرحًا يوقعونه فيكم فهم أيضًا يألمون بما توقعونه فيهم، فلا تضعفوا ولا تجنبوا [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: ولا تجبنوا، بباء ثم نون بعد الجيم.]] عنهم، فقد تساويتم في وجود الآلام. وعلى هذا الثاني دل كلام أبي إسحاق، فإنه قال: أي أن تكونوا توجعون فأنهم يجدون من الوجع فيما ينالهم من الجراح والتعب كما تجدون [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 100، وانظر: الطبري 5/ 262، و"زاد المسير" 2/ 189.]]. وهذا المعنى أراد الشداخ بن يعمر الكناني [[هو يعمر بن عوف بن كعب بن عامر الليثي الكناني و"الشداخ" لقبه، سمي بذلك لشدخه الدماء بين قريش وخزاعة، أي وضعها تحت قدميه وإصلاحه بينهم فهو من حكام العرب، ويبدو أنه شاعر جاهلي. انظر: "المحبر" ص 33، و"الاشتقاق" ص 171، و"جمهرة أنساب العرب" ص 180، و"الأعلام" 8/ 205.]] في قوله يحض قومه على الحرب: القوم أمثالكم لهم شعر ... في الرأس لا ينشرون إن قتلوا [[البيت في "الحماسة الكبرى" لأبي تمام 1/ 113.]]. يقول: هم مثلكم إن قتلتم منهم لم يجيء قتيلهم، كما لا يجيء منكم من قتل. وقوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. قال الحسن وقتادة وابن جريج وأكثر أهل العلم: وتؤملون من ثواب الله ما لا يؤملون [[أخرجه بمعناه عن قتادة وابن جريج: الطبري 5/ 262 - 263، أما عن الحسن فذكره الهواري في "تفسيره" 1/ 420. وقد قال بهذا القول أيضاً الضحاك. انظر: "معاني القرآن" للنحاس 3/ 184، واختاره الطبري 5/ 262، 264، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 384، و"الكشف والبيان" 4/ 115 ب.]]. وقال الزجاج: أي أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله جل وعز وإظهار دينكم على [سائر] [[طمست ما بين المعقوفين هذه الكلمة في المخطوط حيث لم يبق من كلماتها إلا السين، والتسديد من الزجاج في "معانيه" 2/ 100.]] أديان الملل المخالفة [لأهل الإسلام] [[طمس ما بين المعقوفين في المخطوط والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.]] وترجون مع ذلك الجنة، وهم لا يرجون؛ لأنهم كانوا غير مقرين [بالبعث، فأنتم ترجون من الله ما لا يرجون] [[طمس ما بين المعقوفين في المخطوط، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.]]. وذهب بعض المفسرين إلى أن (...) [[طمس ما بين القوسين في المخطوط، والظاهر أنه: "الرجاء هنا بمعنى الخوف" أو قريب من ذلك. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 286، والطبري 5/ 264.]]. وأنكر الفراء والزجاج ذلك، فقال: [وأجمع أهل اللغة الموثوق بعلمهم على أن الرجاء] [[طمس ما بين المعقوفين في المخطوط، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.]] ههنا على معنى الأمل [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 100.]]. وقال الفراء: "لا يعرف الرجاء بمعنى الخوف إلا مع (...) [[طمس، وفي "معاني الفراء" 1/ 286: "ولم نجد معنى الخوف يكون رجاء إلا ومعه جحد".]]. كقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13] أي لا تخافون له عظمة. كقول أبي ذؤيب [[تقدمت ترجمته.]]: إذا لسعَتْه النَّحلُ لم يَرْجُ لسعَها ... وحالفَها في بيتِ نوبٍ عواملِ [["معاني القرآن" 1/ 286، والبيت في ديوان الهذليين 1/ 143 وقافيته "عواسل" بالسين، و"تهذيب اللغة" 4/ 3476، و"الصحاح" 1/ 229، و"اللسان" 8/ 4570 (نوب). والشاهد منه: أن الرجاء بمعنى الخوف لما اقترن بنفي.]] وإنما كان كذلك لأن الرجاء لما أخرج عن أصله لم يتصرف في جميع الوجوه بمعنى الخوف، إلا في النفي خاصة. قال الزجاج: وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف؛ لأن الرجاء أمل قد يخاف أن لا يتم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 100.]]. يريد: إنما يُرجى كونه يخاف فوته. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه [[انظر: الطبري 5/ 264.]]. ﴿حَكِيمًا﴾ فيما حكم لأوليائه من الثواب، ولأعدائه من العقاب.

النساء 4:105

قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ الآية. أجمعوا على أن هذه الآية وما بعدها من أي كثير نزلت في قصة طعمة ابن أُبيرق [[هو طعمة بن أبيرق بن عمرو بن حارثة بن ظفر الخزرجي الأنصاري، ذكر في الصحابة وأنه شهد المشاهد كلها إلا بدرًا، وقد تكلم في إيمانه. انظر: "أسد الغابة" 3/ 75، و"الإصابة" 2/ 224.]]، سرق درعًا ثم رمى بها يهوديًّا فلما طلبت عنده الدرع أحال على اليهودي، فرماه بالسرقة، فاجتمع قوم طعمة وقوم اليهودي، وأتوا رسول الله ﷺ، فسأل قوم طعمة النبي عليه السلام أن يُجادل عن صاحبهم، وأن يبرأه، وقالوا: إنك إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح، وبرئ اليهودي، فهمّ النبي ﷺ أن يفعل وأن يعاقب اليهودي. وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي عن أبي صالح عنه [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 95، وقد أخرجه بمعناه عن ابن عباس من طريق العوفي: الطبري 5/ 267، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 384.]]، والضحاك والسدي والحسن وابن زيد أن طعمة سرق الدرع [[أخرج الآثار عنهم: الطبري 5/ 267 - 270 إلا الحسن فأخرجه عنه ابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 385. وقد أخرج القصة مطولة الترمذي في كتاب: التفسير، باب: (5) ومن سورة النساء 5/ 244 عن قتادة بن النعمان. وقال: حديث غريب، وكذا الطبري 5/ 265 وذكرها المؤلف في "أسباب النزول" ص 183، والسيوطي في "لباب النقول" ص 82.]]. وقال مجاهد ومقاتل: إن طعمة استُودع درعًا، ولم تكن عليه بينة، فجحدها، وكانت الدرع ليهودي. وهذا قول مقاتل وقول مجاهد، وأنه استودع درعًا، فرمى بسرقتها يهوديًا، [فنزلت] [[ما بين المعقوفين لم تتضح بعض حروفه في المخطوط.]] الآية في هذه الخصومة [[قول مجاهد كالقول السابق أن طعمة سرق الدرع ورمى بذلك غيره. انظر: قول مجاهد في "تفسيره" 1/ 173، والطبري 5/ 265، وقول مقاتل في "تفسيره" 1/ 404، و"الكشف والبيان" 4/ 116 ب.]]. قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ المعنى: على وجه الحق دون الباطل، لأنه لو (......... ـعدى) [[طمس ما بين القوسين في المخطوط، وهو بقدر كلمتين لم يتبين منهما إلا هذان الحرفان اللذان أثبتهما، والظاهر أن العبارة: "لو كان التعدي" أو "لو قصد التعدي". انظر: "الوسيط" 2/ 697.]] في الحكم لم يكن قد أنزل بالحق، فالحق ههنا إنما هو ما كان لأجله الكتاب حقًا، وقد يوصف بالحق على معنى: ذو الحق، كما يوصف بعدل، كما قال عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: 62]. وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، قال ابن عباس: "بما علمك الله" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 95.]]. ونحو ذلك قال غيره [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 499.]]، ومثله قوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ: 6] [[تمام الآية: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وسقتها كاملة ليتضح تفسير المؤلف لها.]] أي: ويعلم. وهذا يدل أن رأيه ﷺ كله وحيًا [[هكذا ولعل "كله" مصحفة عن "كان أو أنه" سقط (كان) من الكلام.]]. وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: "لا يقولن أحدكم: [قضيت] [[ما بين المعقوفين غير واضح وضوحًا تامًّا، وما أثبته قريب.]] بما أراني الله، فإن الله تعالى لم يفعل ذلك إلا لنبيه". وكان يقول: "إنَّ رأي النبي ﷺ كان مصيبًا، لأن الله تعالى كان يريه إياه، وهو منّا ظن وتكلف" [[قال السيوطي: "أخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار أن رجلاً قال لعمر: (بما أراك الله) قال: مه، إنما هذِه للنبي ﷺ خاصة "الدر المنثور" 2/ 386. هذا ما وقفت عليه عن عمر رضي الله عنه.]]. وقال الحسن: "رأي الأنبياء عليهم السلام وحي" ثم تلا هذه الآية [[لم أقف عليه.]]. قال أبو علي: لا يخلو (أراك) من أن يكون منقولًا بالهمزة من رأيت، التي يراد بها رؤية البصر، أو رأيت، التي تتعدى إلى مفعولين، ورأيت الذي بمعنى الرأي الذي هو الاعتقاد، فلا يجوز أن يكون من الرؤية التي معناه: أبصرت بعيني؛ لأن الحكم في الحوادث بين الناس ليس مما يدرك بالبصر، ولا يجوز أن يكون من: رأيت، التي يتعدى إلى مفعولين؛ لأنه كان يلزم بالنقل أن يتعدى إلى ثلاثة، مفعولين [[لعل هذِه الكلمة زائدة، أو مصحفة عن "مفاعيل".]]، وفي تعديه إلى مفعولين، أحدهما الكاف التي للخطاب، والآخر: المفعول المقدر حذفه من الصلة، تقديره: بما أراكه الله، ولا مفعول ثالثًا في الكلام، وذلك في دلالة على أنه من رأيت، التي معناها الاعتقاد والرأي، وهو يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمزة تعدى إلى مفعولين، كما ذكرنا في التقدير [[من "المسائل الحلبيات" لأبي علي ص 70، 71 بتصرف.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ قال الزجاج: أي لا تكن مخاصمًا ولا دافعًا عن خائن [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 101، وانظر: "زاد المسير" 2/ 192.]]. وخصيمك الذي يُخاصمك، وجمعه خصماء، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه، والخصم طرف الراوية [[في المخطوط: "الرواية" وهو تصحيف، انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1042، و"اللسان" 2/ 1177 (خصم). والراوية هي المرادة. انظر:"الصحاح" 6/ 2364 (روي).]]، وطرف الفراش، وقيل للخصمين خصمان؛ لأخذ كل واحد منهما في ناحية من الحجج والدعوى وخصوم السحابة جوانبها [[من "تهذيب اللغة" 1/ 1042 (خصم) بتصرف، وانظر: "اللسان" 2/ 1177 (خصم).]]، قال الأخطل [[هو أبو مالك غياث بن غوث شاعر مسيحي من شعراء الدولة العباسية، توفي سنة 90 تقريبًا. انظر: "طبقات الشعراء" ص 147، و"الشعر والشعراء" ص 319، و"الأعلام" 5/ 123.]]: إذا طعنتْ فيها الجنوبُ تحاملتْ ... باعجازِ جرّارٍ تداعى خُصومُها [[ديوان الأخطل ص 319، و"تهذيب اللغة" 1/ 1042، و"اللسان" 2/ 1177 (خصم)، والجنوب: ريح الجنوب.]] أي: تجاوب جوانبها بالرعد، وطعن الجنوب فيها سوقها إياه. والجرّار الثقيل ذو الماء، تحاملت باعجازه: دفعت أواخره [["تهذيب اللغة" 1/ 1042 (خصم).]].

النساء 4:106

قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾. قال مقاتل: من جدالك عن طعمة [["تفسير مقاتل" 1/ 405، و"الكشف والبيان" 4/ 117 أ.]]. وقال السدي: (مما أردت من جدالك عنه) [[ما بين القوسين لم يتضح جيدًا في المخطوط، وانظر: "الوسيط" 2/ 698، ولم أقف على من خرجه.]]. وقال [....] [[لم يتضح اسم القائل، وكأنه مجاهد.]]: ("من همك بقطع اليهودي" [[لم أقف عليه.]] ونحوه روي عن ابن عباس) [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 117 أ.]]. وقال الكلبي: من همك باليهودي أن (....) [[ما بين القوسين كلمة غير واضحة في المخطوط، وأظنها: "تقطعه". انظر: "الكشف والبيان" 4/ 117 أ، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]]. فإن قيل: فهل كان للنبي ﷺ في هذه القصة ذنب حتى أمر بالاستغفار؟ قيل: الأصل في هذا أن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الكبائر، وذلك بإجماع العلماء [[انظر: "الفقه الأكبر" لأبي حنيفة مع شرحه ص 88، 89، و"أصول الدين" للبغدادي ص 167، 168.]]. فأما الصغائر: فمن العلماء من قال: كانوا معصومين عنها [[انظر: "الفقه الأكبر مع شرحه" ص 88، 89.]]، ومنهم من قال: ما كانوا معصومين عنها [[انظر: "أصول الدين" ص 168، والقرطبي 5/ 377.]]. وكذلك الخلاف في جواز السهو والنسيان عليهم [[انظر: "أصول الدين" ص 168.]]، مع إجماعهم على أن السهو غير جائز عليهم في تبليغ الوحي، وأن السهو إن وقع فهو في غير الوحي، فإنَّ الله لا يقررهم على السهو، بل ينبهم، والصحيح أن السهو والنسيان جائز عليهم، وعلى هذا دلت الأخبار [[قال البغدادي: "وأما السهو والخطأ فليسا من الذنوب، فلذلك ساغا عليهم. وقد سهى نبينا ﷺ في صلاته، حتى سلم من الركعتين، ثم بني عليها وسجد سجدتي السهو". "أصول الدين" ص (168)، وانظر: "شرح الفقه الأكبر" ص 92، 93.]]. فأما ذنب النبي ﷺ في هذه القصة فقد قيل: إنه همّ بقطع اليهودي [[تقدم هذا القول عن ابن عباس وغيره.]]. وقيل: إنَّه جادل عن طعمة، حتى قال للمدعي: عمدت إلى رجل مسلم ورميته بالسرقة من غير بينة [[أخرجه الطبري في الأثر الطويل عن قتادة بن النعمان 5/ 266. وتقدم قريبًا نحوه عن السدي ومقاتل. انظر ص 401.]]. وهذا مما يؤمر بالاستغفار عنه. والذين قالوا: لا تجوز الصغائر عليهم قالوا: إنه أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كما يقول القائل: "اسْتَغْفِرِ اللهِ" مكررًا له مرات كثيرة، على جهة التسبيح من غير أن يقصد بذلك إلى التوبة من ذنبٍ كره [[هكذا هذه الكلمة في المخطوط ولعل الصواب: ذكره، فسقطت الذال من الناسخ.]]. وقال بعض أهل العلم: استغفار الرسل إما أن يكون للأمة، واما أن يكون لذنب قبل النبوة، وإما أن يكون لزيادة الدرجة [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 117 ب.]]. وقد رُوي عن رسول الله أنه قال: " إن الله تعالى ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة" [[لم أقف عليه.]] معناه زيادة الدرجات. قال أبو إسحاق: عرّف الله تعالى نبيه ﷺ قصة طعمة، وأعلمه أنه خائن، ونهاه أن يحتج له، وأمره بالاستغفار مما هم به، وأن حكم بما أنزل الله في كتابه فقال: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ﴾ يعني طعمة ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق [["معاني الزجاج" 2/ 101.]]. والاختيان كالخيانة، يقال: خانه واختانه. وذكر ذلك عند قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 187] ومعنى (يختانون أنفسهم): يخونوها [[هكذا في المخطوط، والصواب: "يخونونها" بالرفع.]] بالمعصية، والعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه. ويجوز أن يكون المعنى: أن وبال خيانتهم راجع إليهم بالفضيحة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فكأنهم خانوا أنفسهم وإن خانوا غيرهم في الظاهر (بالسرقة كما يقال لمن ظلم غيره: إنه قد ظلم نفسه. وقد صرحت الآية بالنهي) [[ما بين القوسين متكرر في المخطوط، ولعله سهو من الناسخ.]] عن المجادلة عن الظالمين في القليل والكثير، ألا ترى أن رسول الله ﷺ جادل عن طعمة على غير بصيرة، (.. [[ما بِين القوسين كلمة غير واضحة في المخطوط، والظاهر أنها: فعاتبه.]] ..) الله تعالى بهذا، وأمره بالاستغفار، ونهاه عن المعاودة إلى مثله، فما ظنك بمن يعلم ظلم الظالم، ثم يستجيز معاونته؟! وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ قال ابن عباس: "يريد خوانًا فاجرًا" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 385.]]. قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع، وأثم في رميه اليهودي، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [[من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 117 ب بتصرف.]].

النساء 4:108

قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ الاستخفاء في اللغة معناه: الاستتار، يقال: استخفيت عن فلان، أي: تواريت عنه واستترت [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1070، و"الصحاح" 6/ 2330 (خفي)، و"الكشف والبيان" 4/ 117 ب، و"زاد المسير" 2/ 193.]]، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: 10] قال الفراء: أي مستتر [[لم أجده في "معاني القرآن" بل في "تهذيب اللغة" 1/ 1070 (خفي).]]. ونحو هذا قال أبو العالية في تفسير: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يستترون [[لم أقف عليه.]]. وقال ابن عباس: يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]]. وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن الاستحياء من الناس كان سبب الاستخفاء منهم، ففسر الاستخفاء بما أوجبه الله من سببه. قال مجاهد: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يعني: قوم طعمة [[لم أقف عليه عن مجاهد. وانظر: "بحر العلوم" 1/ 385، و"زاد المسير" 2/ 193.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقول علمه معهم" [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]]. قال عطاء عنه: يريد عالم بما يُخفون وما يُعلنون [[لم أقف عليه.]]. قال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ مشاهدته إياهم كمشاهدة من يكون معهم في الظاهر [[انظر: الطبري 5/ 271.]]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال مجاهد: يُهيئون [[لم أقف عليه.]]. وقال عطاء: يُضمرون [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو عبيدة: يُقدرون [[فسر أبو عبيدة قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: 81]. بقوله: "أي قدروا ذلك ليلاً "مجاز القرآن" 1/ 132. هذا ما وجدت عند أبي عبيدة.]]. وذكرنا معنى التبييت مشروحًا في قوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ [النساء:81]. والذي لا يرضاه الله تعالى من القول الذي بيتوه هو أنَّ طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه سارق الدرع [وأحلف أنني لم أسرقها فتقبل يميني، لأني] [[طمس ما بين المعقوفين في (ش)، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 102.]] على دينهم، ولا تقبل يمين اليهودي. قاله الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 102.]]. وهو قول الحسن [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 422.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [[طمس آخر الآية في المخطوط ولم يبق إلا آخر كلمة فاهتديت بها إلى ما قبلها.]] (.. [[ما بين القوسين غير واضح في المخطوط، ويحتمل أنه: "قال عطاء عن" لأنه كثيرًا ما يورد عن ابن عباس من طريقه.]] ..) ابن عباس: "أحاط بسرائر العباد وما (...) [[طمس في المخطوط، ولم أقف على الأثر عن ابن عباس.]]. (محيطٌ) ههنا عليم بأعمالهم على إحاطة، لأنها ظاهرة له، لا تخفي عليه من وجه من الوجوه. وذكرنا هذا فيما تقدم [[انظر: "البسيط" [البقرة: 19].]].

النساء 4:109

قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال الكلبي: ثم أقبل على قوم طعمة فقال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]]. قال الزجاج: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ ههنا بمعنى الذين، المعنى: ها أنتم الذين جادلتم، لأن هؤلاء وهذا يكونان في الإشارة للمخاطبين إلى أنفسهم بمنزلة الذين، وقد يكون لغير المخاطبين بمنزلة الذين، نحو قول الشاعر: عدس: ما لعبَّاد عليك إمارةٌ ... أمنت وهذا تحملين طليق [[البيت ليزيد بن مفرغ الحميري. وهو في "الشعر والشعراء" ص 229، و"تهذيب اللغة" 3/ 2357 (عدس)، و"المحتسب" 2/ 94، و"اللسان" 5/ 2837 (عدس). وعدس كلمة زجر للبغل.]] أي الذي تحملين طليق [["معاني الزجاج" 2/ 102، بتصرف، وانظر: القرطبي 5/ 379.]]. وقال غيره: هؤلاء إشارة إلى نفس المخاطبين على جهة البيان والتأكيد، كما تقول: فعلت أنت، وفعل هو [[نحو قول الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 454.]]: وذكرنا في هذا بيانًا شافيًا في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 119]. ومعنى الجدل في اللغة: شدّة المخاصمة، والجدْلُ: شدة الفتل، ورجل مجدول، كأنه قد فتل [[في "معاني الزجاج" 2/ 102: "قتل" بالقاف.]]. والأجدَلُ: الصقر؛ لأنه من أشد الطيور قوة. هذا قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 102، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 118 أ، و"زاد المسير" 2/ 193.]]. وقال غيره: سمى المخاصمة جدالًا، لأن كل واحد من الخصمين يريد فتل صاحبه عما هو عليه وصرفه عن رأيه [[لم أقف على قائله.]]. قال ابن عباس في قوله: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يريد الذين جادلوا من الأنصار، من قرابته [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]]. وفي حرف عبد الله (عنه)، يعني السارق وحده [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 345، ونسب الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 118 أ، هذِه القراءة إلى أبي.]]، وفي قراءتنا: (عنهم) [[هذه هي القراءة المتواترة الموافقة لرسم المصحف.]] يعني السارق وذويه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ خرج الكلام ههنا مخرج الاستفهام والمراد النفي، وجاز ذلك لأن جوابه لا يصح إلا بالنفي [[انظر: الطبري 5/ 272، و"البحر المحيط" 3/ 345.]]. ومضت نظائر كثيرة لهذا. والمراد بهذا الاستفهام التقريع والتوبيخ لمن جادل عن الخائنين. قال أبو إسحاق: كأنه قيل لهم: إن يقع [[في "معاني الزجاج" 2/ 102: "إن يقم" بالميم.]] الجدال في الدنيا عن أمر هذا السارق فيوم القيامة لا ينفع فيه جدال ولا شهادة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 102.]]؛ لأنه اليوم الذي يؤخذ [فيه] [[ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط، وما أثبته قريب.]] بالحقائق. وقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ معنى الوكيل في اللغة هو الذي جُعل له القيام بالأمر، ووكل إليه الأمر [[انظر: الطبري 5/ 272، و"مقاييس اللغة" 6/ 136، و"أساس البلاغة" 2/ 525 - 526، و"اللسان" 8/ 4909 - 4910 (وكل).]]. وقوله: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ﴾ عطف على استفهام معناه النفي، فهذا أيضًا يكون بمعنى النفي، أي لا يكون يوم القيامة عليهم وكيل يقوم بأمرهم ويخاصم عنهم [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 345.]].

النساء 4:110

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَه﴾ قال ابن عباس: "عرض التوبة على طعمة بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ الآية [[روي من طريق أبي صالح عن ابن عباس. انظر: "زاد المسير" 2/ 194. وقد ثبت عن ابن عباس ما يفيد عموم الآية لكل من تاب من ذنبه واستغفر منه، كما في الأثر عنه من طريق علي بن أبي طلحة قال: "أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال. "تفسير ابن عباس" ص 158، وأخرجه الطبري 5/ 273.]]. قال الزجاج: أعلم الله أن التوبة مبذولة في كل ذنب [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 102.]]. وقال المفسرون: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ بالسرقة [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 386، و"الكشف والبيان" 4/ 118 ب، و"زاد المسير" 2/ 194.]] ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بالشرك [[لم أجد من فسر الظلم هنا بالشرك إلا الزمخشري في "الكشاف" 1/ 297، وقد قال غير واحد إنه ما دون الشرك، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 118 أ، و"زاد المسير" 2/ 194.]]. والأولى أن يقال: هذا عام في كل معصية. وذكر ظلم النفس مع عمل السيئة -وكلاهما بمعنى واحد- توكيدًا وزيادةً للبيان. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾. هذا ورد مطلقًا كما ترى من غير ذكر التوبة، وهو عند أهل العلم مقيد بالتوبة [[انظر: الطبري 5/ 172، و"معاني الزجاج" 2/ 103، و"بحر العلوم" 1/ 386، و"الكشف والبيان" 4/ 118 أ، والبغوي 2/ 285، و"الكشاف" 1/ 297.]]؛ لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 103]]. وقوله تعالى: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110]. معناه: غفورًا رحيمًا له [[انظر: الطبري 5/ 173، و"الكشف والبيان" 4/ 118 أ.]]، لأن الله غفور رحيم، استغفر هذا الظالم أو لم يستغفر، فحذف له لدلالة الكلام عليه، وتلك الدلالة أنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا أن يكون على هذا الوجه. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ الآية الذين جادلوا عن طعمة [[لم أقف عليه.]].

النساء 4:111

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. معنى الكسب: هو الفعل الذي يجتر به إلى النفس نفع، ويدفع به عنها ضر، ولذلك لم يجز في وصف الباري عز وجل. والإثم: هو القبيح الذي يوجب تبعة، والذنب: هو القبيح من الفعل، وقد يكون من غير تبعة، ولذلك يقال للصبي أذنب، ولا يقال: أثم. ومعناه: الرذل في الفعل، كالذنب الذي هو [إهلاك] [[ما بين المعقوفين غير واضح، وما أثبته قريب.]] صاحبه. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ قال المفسرون: بين الله تعالى لما رغب العاصي في الاستغفار أن ضرر المعصية يلحقه، ولا يلحق الله تعالى من معصية العاصي ضرر، وأن ترغيبه إياه في الاستغفار (....) [[ما بين القوسين غير واضح في المخطوط بسبب تآكل أو نحوه، ويمكن أن يقدر == بـ (استدعاء لما فيه مصلحته أو خبره) أو نحو ذلك، والله أعلم.]]. قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يريد [طعمة] [[هذِه الكلمة ما بين المعقوفين غير واضحة في المخطوط، وما أثبته قريب.]] خاصة، لأن هؤلاء القوم الذين جادلوا عنه كانوا يظنون به خيرًا" [[لم أقف عليه.]]. ومعنى هذا: أن الآثم إنما ضر بما فعل نفسه، لأنه لا يؤخذ غير الآثم بإثم الإثم [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 118 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ أي: بالسارق [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 118 ب.]]. ﴿حَكِيمًا﴾ بالقطع على طُعمة بالسرقة. قاله المفسرون [[يقصد شيخه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 118 ب.]].

النساء 4:112

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ قال الكلبي: لما نزلت هذه الآيات التي تقدمت عرف قوم طعمة الظالم، فأقبلوا عليه وقالوا: بؤ بالذنب واتق الله، فقال: لا والذي يُحلف به ما سرقها إلا اليهودي، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ يقول يمينه الكاذبة، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ سرقته الدرع، ورميه بها اليهودي، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ برميه البريء ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ يعني: يمينه الكاذبة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 195، و"البحر المحيط" 3/ 346، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]]. وعلى هذا التفسير عادت الكناية في (به) إلى الإثم الذي هو رمي البريء لا إلى الخطيئة؛ لأنه رمى البريء بالسرقة لا بإثم اليمين الفاجرة. وأما البهتان: فهو من البَهْت، وهو استقبالك أخاك بأمر تصفه به، وهو منه بريء. والاسم: البهتان [["العين" 4/ 35، و"تهذيب اللغة" 1/ 400 (بهت).]]، قال: أإن رأيتَ هامتي كالطَّستِ ... ظَلِلْتَ ترمين بقولٍ بُهتِ [[مر هذا الرجز في بداية السورة.]] وذكرنا ما في هذا الحرف عند قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا﴾ [النساء: 20]. قال أبو علي الفارسي: "الخطيئة: تقع على الصغيرة والكبيرة، فالصغيرة: قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: 82]، والكبيرة: قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: 81] " [["الحجة" 2/ 116.]]. فإن قلت: فكيف تقدير قوله: (خطيئةً أو إثمًا)، والخطيئة قد وقعت على الصغيرة والكبيرة، والإثم كذلك، فكأنه بمنزلة: ومن يكسب صغيرًا أو صغيرًا، أو: من يكسب كبيرًا، أو كبيرًا؟ قيل: الإثم قد وقع في التنزيل على ما يقتطعه الإنسان من مال لا يجوز له أن يقتطع من ماله [[قد يكون في الكلام سقط، وتمامه: "ما يقتطعه الإنسان من مال أحد لا يجوز له أن يقتطع من ماله".]]، كقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: 107] أي اقتطعوا بشهادتهما إثما، وإنما وقع اسم الإثم على ما يقتطعه الإنسان من غيره لوجهين: إما أن يكون أريد وذا إثم، أي ما اقتطعه مما أثم فيه من مال صاحبه أثم فيه، أو يكون سمي المقتطع إثمًا لما كان يؤدي آخذه إلى الإثم، كما سمي مظلمة لأنه يؤدي إلى الظلم. فوقع الإثم في هذه الآية على المسروق، كما وقع عليه في قوله: ﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: 107]، فإذا كان كذلك جاز أن يكون التقدير: ومن يكسب ذنبًا فيما بينه وبين الله سبحانه، أو ذنبًا هو من مظالم العباد. فهما جنسان، فجاز دخول (أو) في الكلام. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾: فلان، المعنى: ثم يرم بأحد هذين، أو يكون عاد الذكر إلى الإثم وحده، كما عاد إلى التجارة في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11]. وهذا الذي ذكره أبو علي موافق لما ذكرنا من تفسير الآية. وقال ابن الأنباري: يجوز أن يعود الذكر إلى الكسب، أي: يرم بكسبه بريئًا. فدل يكسب على الكسب فكنىَّ عنه. قال: ويجوز أن تكون الهاء راجعة إلى معنى الخطيئة والإثم، فكأنه قال: ومن يكسب ذنبًا ثم يرم به بريئًا [[لم أقف على قول ابن الأنباري.]]. وذكرنا معنى الخطيئة في قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: 81].

النساء 4:113

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: بالنبوة والعصمة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 196.]]. وقال الكلبي: بالنبوة، وبنصرك بالوحي، لهمَّت [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]]. وقال الفراء والزجاج: المعنى: لقد همَّت فأضمرت [[هذا نص قول الفراء في "معاني القرآن" 1/ 287، أما الزجاج فهذا معنى كلامه في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 104، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 118 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ يعني قوم طعمة، هذا السارق، لأن بعضهم قد كان وقف على أنه سارق، ثم سألوا النبي ﷺ أن يجادل عنه، ويرمي بسرقته اليهودي [[انظر: الطبري 5/ 275، "معاني الزجاج" 2/ 103، " الكشف والبيان" 4/ 118 ب.]]. ومعنى: ﴿يُضِلُّوكَ﴾ يخطئوك في الحكم. قاله الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 104.]] وغيره [[كالفراء في "معاني القرآن" 1/ 287، والنحاس في "معاني القرآن" 2/ 188، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 119 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. بتعاونهم على الإثم والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان. وقال الزجاج: لأنهم يعملون عمل الضالين [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 154، وانظر: "زاد المسير" 2/ 197.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾. لأن الضر على من شهد بغير حق [["الكشف والبيان" 4/ 119 أ.]]. وقال الزجاج: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ مع عصمة الله إياك، ونصرة [[في المخطوط (ويضره)، وهو تصحيف ظاهر، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 104.]] دين الحق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 104.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يجوز أن يكون قوله: ﴿وَأَنْزَلَ﴾ ابتداءً في ذكر المنة، ويجوز أن تكون الواو للحال، مع إضمار قد، كما ذكرنا في قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90]. والمراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة القضاء بالوحي [["الكشف والبيان" 4/ 119 أ.]]. وقال أبو إسحاق: أي بيّن لك في كتابه ما فيه من الحكمة [التي لا يقع لك معها ضلال] [[ما بين القوسين طمس في (ش)، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 104.]].

النساء 4:114

قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ الآية. النجوى في اللغة سر بين اثنين [[قال الجوهري: "النجو: السر بين اثنين، يقال: نجوته نجوًا، إذا ساررته، وكذلك: ناجيته" "الصحاح" 6/ 2503 (نجا)، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 104.]]. قال الفراء: يقال: ناجيت الرجل مناجاةً ونجاءً، والقوم ينتجون ويتناجون، ويقال: نجوت الرجل نجوًا نجوًا، بمعنى ناجيته، وأنشد: فقال فريق القوم لا إذ نجوتُهم ... وقال فريق أيمن الله ما ندري [[هذا المستفاد من الفراء لم أجده في "معاني القرآن" عند تفسيره هذه الآية فقد يكون في كتابه المفقود: "المصادر". والبيت لنصيب بن رباح وهو من شواهد سيبويه في الكتاب 3/ 503، 4/ 148، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 106، 115، و"الإنصاف" ص 344. وفي أكثرها "لما نشدتهم" بدل: "إذ نجوتهم" وفي جميعها: "ليمن" بدل: "أيمن".]] ومن هذا قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: 7] أي سرهم. وقد يكون النجوى مصدرًا بمنزلة المناجاة [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3509 (نجو).]]، والنجوى أيضاً القوم المنتجون اسم لهم، قال الله تعالى ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: 47] [[انظر: الطبري 5/ 276، و"الصحاح" 6/ 2503 (نجا).]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ ذكر النحويون في محل ﴿مَنْ﴾ وجوها، تلك الوجوه مبنية على معنى النجوى في هذه الآية، فإن جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ في موضع النصب، لأنه استثناء الشيء من خلافه، فيكون نصبًا كقوله: إلا أواري [[من بيت للنابغة الذبياني يقول فيه: "وقفت فيها أصيلًا لا أسائلها ... عيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا الأواريَّ لأيًا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد" "الكتاب" 2/ 321، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 276 - 277، و"أشعار الستة الجاهلين" 1/ 188. والأواري جمع: آري، وهو محبس الدابة ومعلفها.]]. ويجوز أن يكون رفعًا في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 277، و"معاني الزجاج" 2/ 106.]] كقوله: إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ [[عجز بيت لجران العود النميري، وصدره: "وبلدة ليس بها أنيس". "الكتاب" 2/ 322، و "معاني الفراء" 1/ 288، والطبري 5/ 277. واليعافير: جمع يعفور وهو ولد الظبية، والعيس: بقر الوحش.]] وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف، فقال: التقدير: إلا في نجوى من أمر بصدقة، ثم حذف المضاف [[لعل المقصود أن هذا رأي الزجاج، حيث وجدت نحوه في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 106، ولم أجد "مجاز القرآن" لأبي عبيدة شيئًا من ذلك.]]. وعلى هذا التقدير يكون من في محل النجوى، لأنه أقيم مقامه، ويجوز فيه وجهان: أحدهما: أن الخفض بدلًا من نجواهم، كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد، والثاني: النصب على الاستثناء، كما تقول: ما جاءني أحدًا [[هكذا في المخطوط بالنصب، والظاهر أنه بالرفع على الفاعلية.]] إلا زيدًا، فهذا استثناء الجنس من الجنس [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 452.]]. وإن جعلت النجوى اسمًا للقوم المنتجين كان منصوبًا على الاستثناء، لأنه استثناء الجنس من الجنس. ويجوز أن يكون في محل الخفض من وجهين: أحدهما: أن تجعله تبعًا لكثير، على معنى: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، كقولك: لا خير في القوم إلا نفر منهم. والثاني: أن تجعله تبعًا للنجوى، كما تقول: لا خير في جماعة من القوم إلا زيدًا، إن شئت أتبعت زيدًا لجماعة، وإن شئت أتبعته القوم. وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 288.]] والزجاج [[في "معاني القرآن" 2/ 106.]] وغيرهما من النحويين [[انظر: الطبري 9/ 202، 203، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 452، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 208، و"الدر المصون" 4/ 89.]]. فأما التفسير: فقال ابن عباس فيما روى عنه أبو صالح: المراد بالنجوى: نجوى قوم طعمة [["الكشف والبيان" 4/ 119 ب، و"زاد المسير" 2/ 198، و"تنوير المقباس" ص 97.]]. قال مقاتل: تناجوا في شأن طعمة، فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 406، و"زاد المسير" 2/ 198.]]. ومعنى الآية: أن الله تعالى لم يجعل فيما يتسارون بينهم خيرًا إلا فيما استثنى من الأمر بالصدقة والحث عليها [["الكشف والبيان" 4/ 119 ب، وانظر: "زاد المسير" 2/ 199.]]. ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد صلة رحم وبطاعة الله [[لم أقف عليه.]]. وقال فيما روى الكلبي عن أبي صالح عنه: يقول: أقرض إنساناً [["الكشف والبيان" 4/ 119 ب، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]]. ونحو ذلك قال مقاتل، يعني بالمعروف القرض [[انظر: "زاد المسير" 2/ 200، و"الدر المنثور" 2/ 388، وقد عزاه السيوطي إلى كل من ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. ويقال لأعمال البر كلها معروف؛ لأن العقول تعرفها، وأهل الصلاح والدين يعرفونها لملاِبستهم لها، وعملهم بها [[انظر: البغوي 2/ 286، و"زاد المسير" 2/ 200.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ هذا مما حث عليه رسول الله ﷺ فقال لأبي أيوب الأنصاري [[هو الصحابي الجليل خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، وقد اشتهر بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبي ﷺ عليه حين قدم المدينة مهاجرًا، وقد مات رضي الله عنه غازيًا الروم سنة 50 هـ وقيل بعدها. انظر: "أسد الغابة" 2/ 94 - 96، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 402، و"الإصابة" 1/ 405 (2163)، و"التقريب" ص 188 رقم (1633).]]: "ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم؟ " قال: نعم يا رسول الله. قال: "تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا" ذكره ابن عباس في تفسير هذه الآية [[ذكره الهيثمى في "مجمع الزوائد" 8/ 79، 80 بنحوه، وعزاه لكل من الطبراني والبزار، وذكر أن في كل من سنديهما متروكًا، وانظر: ابن كثير 1/ 610، و"الدر المنثور" 2/ 392.]]. قال مجاهد: "هذه الآية عامة للناس" [[انظر: البغوي 2/ 286، و"زاد المسير" 2/ 198.]]. يريد أنه لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير. يدل على هذا ما روت أم حبيبة [[هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشية، تزوجها رسول الله ﷺ بعدما تنصر زوجها عبد الله بن جحش وهما في الحبشة، ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، وماتت سنة 44 هـ. انظر: "الاستيعاب" 4/ 401، و"أسد الغابة" 7/ 115، و"الإصابة" 4/ 305.]] أن النبي ﷺ قال: "كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله" [[أخرجه ابن ماجه (3974) كتاب: الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة، وابن مردويه. انظر: ابن كثير 2/ 392.]]. وروي أن رجلاً قال لسفيان: ما أشد هذا الحديث؟ فقال سفيان: ألم تسمع الله يقول: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ فهو هذا بعينه؟ أو ما سمعت الله يقول: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:1 - 2] فهو هذا بعينه [[انظر: "الوسيط" 2/ 707، و"التفسير الكبير" 11/ 42.]]. ثم أعلم الله أن ذلك إنما ينفع من ابتغى به ما عند الله فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ﴾؛ لئلا يُتوهم أن من يفعله للناس (...... [[طمس في المخطوط بقدر ما بين أو أربع كلمات. ويمكن أن يقدر: (مراءاةً لهم وتمويهًا) عليهم ...]]) عليهم داخل في هذا الوعد. قال الزجاج: ونصب ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال: وهو راجع إلى تأويل المصدر [كأنه قال: ومن يبتغ ابتغاء مرضات الله] [[طمس في (ش) بمقدار ما بين المعقوفين، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 106.]].

النساء 4:115

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآية. ذكرنا معنى الشقاق والمشاقة في سورة البقرة. قال ابن عباس: "ثم حكم رسول الله ﷺ على طعمة بالقطع، فخاف على نفسه الفضيحة، فهرب إلى مكة ولحق بالمشركين، ونزل قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: يخالفه" [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 120 أ، و"الوسيط" 2/ 707، والبغوي 2/ 287، و"زاد المسير" 2/ 200.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ قال ابن عباس: "يريد الإيمان بالله ورسوله" [[انظر. "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]]. وقال الزجاج: لأن طعمة هذا كان قد تبين له بما أوحى الله عز وجل في أمره، وأظهر من سرقته، من الآية ما فيه بلاغ، فعادى النبي ﷺ، وصار إلى مكة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 106، وانظر: الطبري 5/ 277، و"الكشف والبيان" 4/ 120 أ، والبغوي 2/ 287.]]. وقال غيره: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ تفحيش لحال طعمة، وبيان أنه معاند للرسول ومخالف بعد ثبوت الحجة وقيام الدليل [[لم أقف بعد البحث على قائله.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: "يريد غير دين الموحدين". وذلك أن طعمة ترك دين الإسلام، وخالف المسلمين، واتبع دين أهل مكة، عبادة الأوثان [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]]. قال العلماء: هذه الآية من أقوى الحجج على صحة الإجماع [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 387، و"الكشف والبيان" 4/ 121 أ، و"الأحكام" للآمدي 1/ 200، والقرطبي 5/ 386، وابن كثير 1/ 611.]]، واحتج به [[هكذا في المخطوط، فلعل الصواب: "بها".]] الشافعي رحمه الله، وكان قد سئل عن دليل من كتاب الله على صحة الإجماع، فتلا هذه الآية [[ورد في "الرسالة" ص 471 - 476، سؤال للشافعي عن حجية الإجماع، وأجاب الشافعي رحمه الله عن ذلك محتجًا بالسنة والنظر، لكن لم يرد ذكر لهذِه الآية. وقد ذكر احتجاج الشافعي بهذِه الآية على الإجماع: الآمدي في الأحكام 1/ 200، وأبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 350، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 611.]]. ووجه الاحتجاج هو أن الله تعالى أوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين (كما أوعد على مشاقة الرسول عليه السلام، فسوى بين مخالفة سبيل المؤمنين) [[ما بين القوسين تكرر في المخطوط، ولعله سهو من الناسخ.]] وبين مشاقة الرسول بعد تبين الهدى [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 387، 388، و"الأحكام" للآمدي 1/ 200، وابن كثير 1/ 611.]]. والآية وإن نزلت في خائن الدرع فهي عامة لكل من لزمه هذا الوصف. وقوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ قال الزجاج: ندعه وما اختار لنفسه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 107.]]. وقال غيره: نكله إلى ما انتصر به واتكل عليه [[انظر: الطبري 5/ 277، و"بحر العلوم" 1/ 388، و"الكشف والبيان" 4/ 120 أ.]]. وقال بعض المفسرين: هذا منسوخ بآية السيف، لأنه لا يقرُّ الآن عابد لوثن على ما هو عليه، ولا يولى ما تولَّى [[لم أجد هذا القول في كتب التفسير ولا "الناسخ والمنسوخ".]]. وقوله تعالى: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ تأويله: نلزمه جهنم [[قال الطبري 5/ 277: ("ونصله جهنم" يقول: ونجعله صلاء نار جهنم، يعني: نحرقه بها).]]، وأصله الصِّلا، وهو لزوم النار للاستدفاء [[وقال الفراء: الصِّلاء اسم للوقود، وهو الصلا.]]. ذكرنا هذا فيما تقدم [[عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].]]. وقوله تعالى: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ انتصب (مصيرًا) على التمييز [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 453، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 208.]]، كقولك: هند طابت نفسًا، وكذلك ساءت جهنم موضعًا يصار إليه [[انظر: الطبري 5/ 278.]].

النساء 4:116

قال المفسرون: ثم إن طعمة نقب منزل الحجاج بن عُلاط [[هو أبو كلاب الحجاج بن علاط بن خالد بن ثويرة السلمي، قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر، فأسلم وسكن المدينة واختط بها دارًا ومسجدًا، وقد توفي رضي الله عنه في خلافة عمر، وقيل بعدها. انظر: "الاستيعاب بحاشية الإصابة" 1/ 385، و"أسد الغابة" 1/ 456، و"الإصابة" 1/ 313.]] بمكة ليسرق مالاً له مدفونًا، قد عرف موضعه، فأخذ ليُقتل، ثم قيل: دعوه فإنه قد لجأ إليكم، فتركوه، وأخرجوه من مكة، فنزل في حرة بني سليم، وكان يعبد صنمًا لهم إلى أن مات، وأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 116] [[من "الكشف والبيان" 4/ 120 أ، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 388، والبغوي 2/ 287، و"زاد المسير" 2/ 200 ونسب هذا القول لمقاتل.]]. قال ابن عباس: "يريد طعمة بن أبيرق، حيث أشرك بالله" [[انظر: "زاد المسير" 2/ 202، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]]. وهذه الآية نص صريح في أن الله تعالى لا يغفر الشرك ما أقام المشرك عليه. فإن قيل: أليس يغفرها بالتوبة؟ فلم أطلق القول بأنه لا يغفر أن يُشرك به؟ قيل: إنه بمعنى أنَّ الله لا يغفر للمشرك به، وإذا تاب المشرك زال عنه هذا الوصف، وُيسمى مشركًا ما أقام على الشرك، ويقول [[هكذا هذِه الكلمة في المخطوط، ولعل الصواب: "ويكون" وتكون كلمة "مقيد" بعد ذلك منصوبة خبر يكون.]] هذا الإطلاق مقيد بالآيات الدالة على قبول التوبة، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ [الأنفال: 38]، وقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: 3]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 62]. قال أهل العلم: وكل كافر فهو مشرك، وإن لم يعبد مع الله غيره، وكل من حكمنا بكفره جاز أن نسميه مشركًا، لأنه قد بلغ بعظم جرمه مبلغ جرم المشرك في عبادة الله عز وجل، كما أن من تكبر على النبي ﷺ ولم يخضع لنبوته كافر، وإن لم يجحد نبوته. قال الزجاج: إنَّ كل كافر مشرك بالله، لأن الكافر إذا كفر بنبي فقد زعم أن الآيات التي أتى بها ليست من عند الله، فيجعل ما لا يكون إلا لله عز وجل لغير الله، فيصير مشركًا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 107.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال ابن عباس: "يغفر ما دون الشرك لأهل التوحيد" [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97]]. قال العلماء من أهل التفسير: لما أخبر الله تعالى أنه يغفر الشرك بالتوبة، علمنا يقينًا أنه يغفر أيضًا ما دون الشرك بالتوبة، فهذه المشيئة في ذنوب لم يتب منها صاحبها [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 60.]]. وإنما أبهم الله فيما دون الشرك، وقيد بالمشيئة، لئلا يأمن صاحب الكبيرة. ثم أنزل الله في أهل مكة:

النساء 4:117

قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [[انظر: الطبري 5/ 278، و"بحر العلوم" 1/ 389، و"زاد المسير" 2/ 203.]]. (إن) ههنا معناه النفي [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 191، و"بحر العلوم" 1/ 389.]]، وهو كثير في القرآن بمعنى النفي، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: 159] وأشباه هذا كثير. ويدعون ههنا معناه: يعبدون. (.........) [[ما بين القوسين غير واضح بقدر كلمتين، ويحتمل: "وقد قال" أو "وروي عن".]] ابن عباس في تفسيره: "يريد: إن يعبدون" [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]]. قال الزجاج: وكذلك قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] أي اعبدوني، يدل على ذلك قوله في عقبه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: 60] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 108، وانظر: البغوي 2/ 188.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال ابن عباس: يعني: عبادتهم الأوثان، اللات والعزى ومناة وأشباهها من الآلهة التي كانوا يعبدونها [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97. والثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما كما في "تفسيره" ص 158 قال: "وقوله (إناثًا) يقول: ميتًا، وأخرجه الطبري 5/ 279 من طريق ابن أبي طلحة أيضًا وكذا ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 394.]]. وهذا قول السدي [[أخرجه الطبري 5/ 279، وانظر: "زاد المسير" 2/ 203.]] ومجاهد [[سر مجاهد الإناث بالأوثان كما في "تفسيره" 1/ 174، وأخرجه الطبري 5/ 280، وانظر: "زاد المسير" 2/ 203.]] والكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]] والفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 288.]] وعبد الله بن مسلم [[ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص130.]]، وكثير من أهل التأويل [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 121 ب.]]. قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه، يسمونه: أنثى بني فلان، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ [[أخرجه الطبري 5/ 279، وانظر: "زاد المسير" 2/ 203، و"الدر المنثور" 2/ 394.]]. يدل على هذا التأويل قراءة ابن عباس: (إلا أُثُنًا) جمع وثن [["معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 280.]]، مثل: أسدَ وأسدْ، ثم أبدل من الواو المضمومة همزة، نحو: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 280، و"معاني الزجاج" 2/ 108، و"زاد المسير" 2/ 202، 203.]]. قال الزجاج: وجائز أن يكون: أُثُن، وأصلها: أُثْن، فأتبعت الضمة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 108 وفيه: "فأتبعت الضمة الضمة"، وانظر: "زاد المسير" 2/ 203.]]. وقيل في معنى قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾: إلا أمواتًا. وهو قول مقاتل [["تفسيره" 1/ 407.]] وقتادة [[أخرجه الطبري 5/ 279، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 121 ب، و"زاد المسير" 2/ 203، و"الدر المنثور" 2/ 394.]] والضحاك [[ما وقفت عليه عن الضحاك هو أن المراد "الملائكة". أخرجه الطبري 5/ 279، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 394.]]. واختلفوا لم سمي الموات إناثًا؟ فقال أبو عبيدة: الموات لا روح فيه كالخشبة والحجر والمدر ونحوها [["مجاز القرآن" 1/ 140 بنحوه، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 121 ب.]]. "وكانت آلهتهم مواتًا، والموات كلها يُخبر عنها كما يخبر عن المؤنث، تقول: من ذلك الأحجار تعجبني، كما تقول: المرأة تعجبني ولا تقول: تعجبونني، فلهذا أطلق اسم الإناث على آلهتهم إذ كانت مواتًا" [[من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 110 بتصرف يسير، وانظر. "الكشف والبيان" 4/ 121 ب، و"زاد المسير" 2/ 203.]]. وقال غيره [[الضمير يعود إلى أبي عبيدة أو الزجاج، وهو وإن لم يذكر الزجاج إلا أن النص الأخير منه. ولعل هذا القائل هو الطبري. انظر: "تفسير الطبري" 5/ 280.]]: لأنها لا تضر ولا تنفع، فهي في القناع المنزلة تسمى إناثًا، لأن الإناث من كل شيء أرذله [[انظر: الطبري 5/ 280.]]. وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾: "زعموا أن الملائكة بنات الله، وهم شفعاؤنا عنده" [[لم أقف عليه.]]. وقال ابن زيد: " ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ بزعمهم، وذلك أنهم زعموا أن الملائكهَ بنات الله، وأن الأصنام بنات الله، فزعموا أنها إناث" [[ما وقفت عليه عن ابن زيد كالقول الأول أن المراد الأصنام خاصة، فقد أخرج الطبري عنه قال: قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: 117] قال:== آلهتهم، اللات والعزى ويساف ونائلة، إناث يدعونهم من دون الله". "تفسير الطبري" 5/ 279.]]. نظيره: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19] وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: 57]. وقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ قال المفسرون: كان في كل واحدة من آلهتهم شيطان يترايا [[هكذا في المخطوط يترايا ، ولعل الصواب: "يتراءى".]] للسدنة والكهنة يكلمهم [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 389، و"الكشف والبيان" 4/ 121 ب، و"زاد المسير" 2/ 203، و"الدر المنثور" 2/ 394.]]. والمعنى: ما يعبدون بعبادتهم لها إلا شيطانا مريدًا، لطاعتهم له في عبادتها، فتلك العبادة ليست للأوثان، بل هي للشيطان. وقال الزجاج: يعني بالشيطان ههنا إبليس، لأنهم إذا أطاعوه بما سول لهم فقد عبدوه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 108.]]. وهذا هو القول، لأن ما بعد هذه الآية يدل على أن المراد بالشيطان في هذه الآية إبليس، ويحتمل أن ما قاله المفسرون من ترائي الشيطان للسدنة أرادوا به إبليس. وقوله تعالى: ﴿مَّرِيدًا﴾. قال ابن عباس: "يريد يتمرد على الله بالعصيان مرة بعد مرة" [[لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97. وقد قال بنحو هذا القول قتادة. انظر: الطبري 5/ 280، و"الدر المنثور" 2/ 394.]]. قال ابن الأعرابي: التمرد [[في "تهذيب اللغة" 4/ 3373 (مرد): المرد.]] التطاول بالكبر والمعاصي [[في "تهذيب اللغة" 4/ 3373 (مرد).]]. وقال الليث: المرادة مصدر المارد، والمريد من شياطين الإنس والجن، وقد تمرد علينا أي عتا ومرد على الشر [[في "العين" 8/ 37: الشيء.]]، وتمرد أي عتا وطغى [["العين" 8/ 37، و"تهذيب اللغة" 4/ 3373 (مرد).]]. والمريد الخبيث، المتمرد الشرِّير، وشيطان مارد ومريد، واحد [["تهذيب اللغة" 4/ 3373، وانظر: "اللسان" 7/ 4172 (مرد).]]. وقال أبو إسحاق: معنى مريد خارج عن الطاعة متملص منها، يقال: حائط ممرَّد، أي مملس، ويقال شجرة مرداء، إذا تناثر ورقها ، ولذلك سُمى من لم تنبت له لحية أمرد، أي أملس موضع اللحية، ومرد الرجل يمرد مرودًا ومرادة، إذا عتا وخرج عن الطاعة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 108، وانظر: "زاد المسير" 2/ 203.]].

النساء 4:118

قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يريد [دحره] [[في المخطوط: "دحر الله" وهو خطأ ظاهر. وقد جاءت العبارة كما أثبتها في "الوسيط" 2/ 710.]] الله وأخرجه من الجنة [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 122 أ، دون نسبة لابن عباس، إلا أن ابن الجوزي نسبه إليه في "زاد المسير" 2/ 204.]]. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ﴾ يعني: إبليس: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قد ذكرنا معنى الفرض عند قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197]. وقال ابن السري [[هو الزجاج، انظر: "معانيه" 2/ 109.]] في هذه الآية: أصل الفرض في اللغة القطع، والفُرْضة الثُّلمةُ تكون في النهر، تقول: سقاها بالفِراض والفُرض، والفرضُ: الحز الذي يكون في (المسواك) [[غير واضحة في المخطوط، والاعتماد على "معاني الزجاج".]]، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة ما افترض الله عز وجل فجعله أمرًا حتمًا عليهم قاطعًا، وكذلك قوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] أي جعلتم لهن قطعة من المال. قال: ومعنى مفروض في هذه الآية: أي أفترضه على نفسي [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 109، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 132، و"معاني القرآن" للنحاس 2/ 193، و"الكشف والبيان" 4/ 122 أ، و"زاد المسير" 2/ 204.]]. وقال الفراء: ما جعل له عليه السبيل فهو كالمفروض [["معاني القرآن" 1/ 289، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 122 أ.]]. وقال ابن عباس: يريد من اتبعه وأطاعه [[في "تنوير المقباس" ص 97: "فما أطيع فيه فهو مفروضه مأموره". وقد أورد المؤلف قول ابن عباس هذا في "الوسيط" 2/ 710.]]. وقال الكلبي والضحاك: [نصيبًا مفروضًا] [[ما بين المعقوفين قد طمس في المخطوط، والتسديد من "الوسيط" 2/ 710.]] أي معلومًا [[قول الكلبي في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97. أما عن الضحاك فأخرجه الطبري 5/ 281 من طريق جويبر وهو ضعيف جدًّا.]]. قال أهل العلم: إنما اتخذ الشيطان من العباد النصيب المفروض بإغوائهم [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: بإغوائه. انظر: الطبري 5/ 281.]] إياهم، وتزيينه لهم الفواحش حتى يرتكبوها، فيكونوا بذلك من نصيبه المفروض وحظه المقسوم، فعلى هذا كل من أطاع إبليس فهو من مفروضه [[انظر: الطبري 5/ 281، و"الكشف والبيان" 4/ 122 أ.]].

النساء 4:119

قوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾. قال ابن عباس: "يريد من [[هكذا في المخطوط: "من" بالميم، وفي "الوسيط" 2/ 710: "عن" بالعين وهو أصوب.]] سبيل الهدى" [[انظر: "زاد المسير" 2/ 204، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]]. وقال الكلبي: لأضلنهم عن الحق [[لم أقف عليه، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 22 ب.]]. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد تسويف التوبة وتأخيرها [[انظر: "زاد المسير" 2/ 205.]]. وقال الكلبي: أمنينهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث [[انظر: "تنوير المقباس" ص 97، ونسب هذا القول لابن عباس. انظر: "زاد المسير" 2/ 205.]]. الزجاج: أي أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون من الآخرة حظا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 109، وانظر: "زاد المسير" 2/ 205.]]. وقال غيره: ولأمنينهم ركوب الأهواء الداعية لهم إلى العصيان [[انظر: الطبري 5/ 281.]]. وقيل: ولأمنينهم طول البقاء في نعيم الدنيا؛ ليؤثروها على الآخرة [[هذا قول الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 530.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. البتك: القطع [[الطبري 5/ 281، و"تهذيب اللغة" 1/ 271 (بتك).]]، وسيف باتك: قاطع، وسيوف بواتك: قواطع، والتبتيك: التقطيع [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 271، و"مقاييس اللغة" 1/ 195، و"اللسان" 1/ 206 (بتك).]]. وهو في هذا الموضعِ: قطع آذان البحيرة عند جميع أهل التفسير [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 173، والطبري 5/ 281، و"معاني الزجاج" 2/ 109، و"بحر العلوم" 1/ 389، و"الكشف والبيان" 4/ 122 ب، و"النكت والعيون" 1/ 530، و"زاد المسير" 2/ 205، و"الدر المنثور" 2/ 396.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: يريد دين الله [["تفسيره" ص 158، وأخرجه الطبري 5/ 283 من طريق ابن أبي طلحة أيضًا.]]. وهو قول إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك وقتادة والسدي وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير [[أخرج الأقوال عنهم الطبري 5/ 283 - 285، إلا الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، أما الحسن فإنه فسره بالوشم كما سيأتي. وانظر: الطبري 5/ 285، وأما سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير فقد ذكره عنهما ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 205، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 389، و"الكشف والبيان" 4/ 122 ب، والبغوي 2/ 289.]]. ومعنى تغيير دين الله على ما ذكره أهل العلم: هو أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم، وآمنوا، فمن كفر فقد غيّر فطرة الله التي فطر الناس عليها [[انظر: الطبري 5/ 285، و"الكشف والبيان" 4/ 122 ب.]]. وهذا معنى قوله ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، ويُنصرانه، ويمجسانه" [[أخرجه البخاري (1358) كتاب: الجنائز، باب: إذا اسم الصبي فمات هل يصلي عليه؟، وفيه: "أو ينصرانه أو يمجسانه".]]. وقال بعضهم: معنى تغيير دين الله هو تبديل الحرام حلالًا، والحلال حرامًا [[انظر: "زاد المسير" 2/ 205.]]. وروي عن أنس وشهر بن حوشب [[تقدمت ترجمته.]] وعكرمة وأبي صالح، أن معنى تغيير خلق ههنا: هو الخصاء، وقطع الآذان، وفقء العيون، لهذا كان أنس يكره خصاء الغنم [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 282 - 283، لكن فيها الاقتصار على الإخصاء، دون قطع الآذان وفقء العيون، وانظر: "زاد المسير" 2/ 205. ولعل المؤلف زاد قطع الآذان وفقء العيون من "الكشف والبيان" 4/ 122 ب.]]. وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفًا، عوروا عين فحلها. وروى يونس [[هو أبو عبد الله يونس بن عبيد بن دينار العبدي البصري، من صغار التابعين وفضلائهم، كان إماما قدوة ثبتًا فاضلًا، توفي رحمه الله سنة 139هـ. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 150، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 288، و"التقريب" ص 613 رقم (7909).]] عن الحسن قال: هو الوشم [[أخرجه الطبري 5/ 285، وانظر: "زاد المسير" 2/ 205، و"الدر المنثور" 2/ 396. والوشم هو: "أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره أو يخضر" "النهاية في غريب الحديث" 5/ 189.]]. يعني ما لعن رسول الله ﷺ من الواشمة والمستوشمة [[أخرج البخاري (5947) كتاب: العباس، باب: المستوشمة عن ابن عمر رضي الله عنها قال: "لعن النبي ﷺ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة". وأخرجه مسلم (2124) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة. والواشمة التي تقوم بفعل الوشم بغيرها. والمستوشمة التي تطلب ذلك.]]. وقال أبو زيد: هو التحنت [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 353. وهكذا هذِه الكلمة جاءت في المخطوط، وعند أبي حيان، ولم أجد لها معنى، وقد يكون الصواب: "التخنث".]]. وقال أبو إسحاق: معناه أن الله عز وجل خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها، فحرموها على أنفسهم، كالبحائر والسوائب والوصائب، وخلق الشمس والقمر سخرةً للناس ينتفعون بها، فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 110، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 122 ب.]]. والأظهر هو القول الأول، لأنه يدخل فيه كل ما نهى الله عنه، وكل من ارتكب محظورًا، أو أتى منهيًّا، فقد غير دين الله [[وهذا ما اختاره الطبري 5/ 285، والزجاج في "معانيه" 2/ 110.]]. قال العلماء من أهل التأويل: إن إضلال إبليس تمنية وتزيين ووسواس، ليس له من الضلالة شيء [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 أ، و"زاد المسير" 2/ 204.]]، كما قال رسول الله ﷺ: "خلق إبليس مزينًا، وليس إليه من الضلالة شيء" [[لم أقف عليه.]]. ولما علم أن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا قال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: 118] يريد أهل النار [[انظر. "الكشف البيان" 4/ 123 أ، و"زاد المسير" 2/ 207.]]، وقال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ الآية، ولو كان شيء من الضلالة إليه سوى الدعاء إليها لأضل جميع الخلق عن الهدى [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يريد من يُطعه فيما يدعو إليه من الضلال، فكل من أطاعه فهو ولي له وإن لم يقصد أن يتولاه، كما يكون مطيعًا له وإن لم يقصد أن يطيعه، بموافقته لإرادته، وإجابته إلى ما دعاه إليه، فهو يعمل عملًا يُعينه عليه الشيطان، وكان الشيطان له وليًا ناصرًا معينًا.

النساء 4:120

قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ قال أهل المعاني: معنى وعد الشيطان ما يصل مفهومه إلى قلب الإنسان، من نحو ما يجده من أنه سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعتلي على أعدائك، فإنما الدنيا دول، فستدور لك كما دارت لغيرك [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 289، و"زاد المسير" 2/ 207، والقرطبي 5/ 395.]]. وكل هذا غرور وتمنية وتطويل للأمل، وسيهجم عن قريب علي [[هكذا في المخطوط بالياء، ولعلها: "على" بدون ياء، وانظر: "الوسيط" 2/ 713.]] الأجل، وقد أبطل أيام عمره في رجاء ما لم يدرك منه شيئًا، فالعاقل من لم يعرج على هذا، وجدًّ في الطاعة ما أمكنه، وعلم أنه سينقطع عن الدنيا قريبًا، وعدّ نفسه من الموتى [وصدق] [[بياض في المخطوط، والتسديد من "الوسيط" 2/ 713.]] الله في قوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: إلا ما يغرهم بإيهام النفع فيما فيه الضر [[انظر: "الوسيط" 2/ 713.]]. وذكر في عدة من كتب التفسير ﴿يَعِدُهُمْ﴾ ألا يلقون خيرًا، ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ الفقر، فلا ينفقون في خير [["الكشف والبيان" 4/ 122 ب، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 389، و"معالم التنزيل" 2/ 289، والقرطبي 5/ 395.]]. وهذا صحيح في المعنى، من حيث إن الشيطان قد يخوف الإنسان بالفقر، فيمسك عن الإنفاق في الطاعة، ولكنه باطل من حيث اللغة؛ لأن الوعد إنما يستعمل في الخير، وما يكون في الشر قيل فيه: يوعد، هذا هو الصحيح، وإن كان يستعمل الوعد في الشر نادرًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3915، و"الصحاح" 2/ 551 (وعد).]]. والتمنية معناه: تسويل المنية، وهي ما يتمناه الإنسان، ولا يتمنى الفقر، إنما يتمنى الغنى وكثرة المال في غالب العادة.

النساء 4:121

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾. يعني: الذين اتخذوا الشيطان وليًا من دون الله [[انظر: الطبري 5/ 286.]]. ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. مرجعهم ومصيرهم [[انظر: الطبري 5/ 287.]]. ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾. يحتمل وجهين: أحدهما: لا بد لهم من ورودها. والثاني: التخليد الذي أوعد به الكفار، فلا يخرجون عنها، ولا يجدون منها ملجأ [[الوجه الأول هو قول عامة المفسرين، وأن المعنى لا معدل لهم عنها، أما الوجه الثاني بأن المعنى التخليد في النار فهو حسب اطلاعي من تفرد المؤلف به، وإن كان يدخل في الوجه. انظر: الطبري 5/ 287، و"معاني الزجاج" 2/ 111، و"معاني النحاس" 2/ 197.]]. والمحيص: المعدل، حاص عن الأمر إذا عدل عنه [[انظر: الطبري 5/ 287، و"معاني النحاس" 2/ 197.]]. قال الفراء: يحيى حيوصًا ومحاصًا وحيصًا وحيصانًا [[ليس في "معاني القرآن"، وانظر: الطبري 5/ 287]].

النساء 4:123

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [[هذِه هي الآية الثالثة والعشرون بعد المائة من سورة النساء، وقد ذُكرت هكذا في المخطوط بعد الآية (121) وتركت الآية (122)، ويحتمل أن المؤلف لم يتعرض لها، فقد قال في "الوسيط": "قوله عز وجل:- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: 122] ظاهر إلى قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ "الوسيط" 2/ 114.]]. اختلفوا في نزول هذه الآية: فقال مجاهد وابن زيد: نزلت في كفار قريش وأهل الكتاب، قالت قريش: لا نُبعث ولا نُحاسب، وقالت اليهود: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة [[أخرجه بنحوه عن مجاهد وبمعناه عن ابن عباس وابن زيد: الطبري 5/ 289 - 290، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 أ.]]. وقال مسروق والسدي وقتادة والضحاك: نزلت في المسلمين وأهل الكتاب [[أخرجه بمعناه عنهم الطبري 5/ 288 - 291، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 ب واختار الطبري القول الأول معللًا لذلك بقوله: "لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم، ذكر فيما مضى في الآي قبل قوله ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ [النساء:119] وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ... " "تفسير الطبري" 5/ 291.]]. قال أهل المعاني: معنى الآية: ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ الآية، ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَاب﴾ أي ليس يُستحق بالأماني، إنما يُستحق بالإيمان والعمل الصالح [[كأن هذا ترجيح للقول الأول في المراد بالضمير في "أمانيكم"، وهو قوي.]]. وهذا معنى قول الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 111، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 197، و"بحر العلوم" 1/ 390.]]، قال: اسم ليس مضمر، المعنى ليس ثواب الله بأمانيكم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 111، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 197، و"بحر العلوم" 1/ 390، و"الكشف والبيان" 4/ 123 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ اختلفوا في معناه: فقال الحسن وابن زيد: هذا في الكفار خاصة؛ لأنه يجازون بالعقاب على الصغير والكبير [[أخرجه عنهما بمعناه الطبري 5/ 293، وسيأتي عند المؤلف سياق لأقوالهما.]]. وقال الضحاك في هذه الآية: يقول: ليس لكم ما تمنيتم، وليس لأهل الكتاب ما تمنوه، من عمل سوءًا شركًا فمات عليه يُجز به النار [[أخرجه بمعناه الطبري من طرق 5/ 293، وانظر: "الدر" 2/ 399.]]. وقال مقاتل بن حيان: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ بلغنا أنه الشرك [[لم أقف عليه عن مقاتل بن حيان. وهذا القول لابن عباس وسعيد بن جبير، أخرج ذلك الطبري 5/ 293.]]. وقال الحسن في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ قال: هو الكافر، لا يجزي الله المؤمن يوم القيامة عمله، ولكن المؤمن يُجزى بأحسن عمله، ويتجاوز عن سيئاته، ثم قرأ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: 35]، وقرأ أيضًا: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: 17] [[أخرجه بنحوه من طرق: الطبري 5/ 292، وذكره بلفظه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 124 ب، وانظر: "زاد المسير" 2/ 210، و"الدر المنثور" 2/ 399.]]. وقال سعيد بن جبير: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ بغير الشرك [[الوارد عن سعيد بن جبير كما في الطبري 5/ 293 إنه فسر السوء بالشرك.== وانظر: "الدر المنثور" 2/ 405، والظاهر أن كلمة "بغير" زائدة من النساخ؛ لأن كلام المؤلف في سياق أقوال الذين يرون أن الآية في الكفار خاصة.]]. ويدل على أن المراد بهذه الآية الكفار دون المؤمنين قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ومن يكن [[هكذا في المخطوط والصواب: ومن لم يكن.]] له في القيامة ولي ولا نصير كان من جملة الكفار؛ لأنَّ المؤمنين وعدوا النصر في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: 51]. وقال آخرون: هذه الآية عامة في كل من عمل سوءًا من مسلم وكافر، فقال عكرمة عن ابن عباس: من يعمل سوءًا يُجز به إلا أن يتوب قبل موته فيتوب الله عليه [[لم أقف عليه، والثابت والمشهور عن ابن عباس كالقول الأول أن المراد بالآية الكفار والمشركين خاصة. انظر: "تفسيره" ص 159، والطبري 5/ 293، و"زاد المسير" 2/ 210، و"الدر المنثور" 2/ 399.]]. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين مشقة شديدة، وقالوا: يا رسول الله، وأينا لم يعمل سوءًا؟ فكيف الجزاء؟ قال: منه ما يكون في الدنيا، فمَنْ يعمل حسنةً فله عشر حسنات، ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة، وقضيت له حسنات، فويل لمن غلب آحاده أعشاره، وأما ما كان جزاء في الآخرة، فإنه يؤخر إلى يوم القيامة، فيقابل من حسناته وسيئاته، فيُلقى مكان كل سيئة حسنة، وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة [["الكشف والبيان" 4/ 123 ب.]]. وقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال: غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تمرض؟ أليس تصيبك اللأواء [[اللأواء: الشدة والمشقة وضيق العيش. انظر: "اللسان" 7/ 3978 (لأى).]]؟ -قال: بلى- قال: فهو ما تجزون به [[أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" 1/ 11، والطبري 5/ 294، والحاكم في "المستدرك"، كتاب: معرفة الصحابة 3/ 74، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، كما أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 123 ب، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 715. وذهب أحمد شاكر إلى أن في إسناده انقطاعًا وذلك في تحقيقه للطبري.]]. وقال أبو هريرة: لما نزلت هذه الآية بكينا، وحزنا، وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء فقال: إنها لكم أنزلت، ولكن أبشروا، إنه لا يصيب أحدًا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفَّرَ اللهُ بها خطيئة، حتى الشوكة يُشاكها أحدكُم في قدمه [[أخرجه مسلم بنحوه (2574) كتاب: البر والصلة، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه ... وغيره وانظر: "الدر المنثور" 2/ 400.]]. وهذا الذي ذكرنا من أن الجزاء يراد به مصائب الدنيا مذهب أبي بن كعب وعائشة ومجاهد. وقالوا: إن الآية عامة لجميع الناس [[انظر: "زاد المسير" 2/ 210.]]. واختاره محمد بن جرير [[في "تفسير الطبري" 5/ 293.]]. وقال أبو إسحاق: قد أعلم الله عز وجل أنه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فعامل السوء ما لم يكن كافرًا مرجو له العفو والرحمة، والنبي ﷺ شافع لأمته مشفَّع [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 112.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد وليًا يمنعه، ولا نصيرًا ينصره [[انظر: "الوسيط" 2/ 718، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 98.]]. وتأويل هذا ظاهر في الكفار، وأما في المسلمين فإنه لا ناصر لأحد في القيامة دون الله، ولا ولي للمسلمين غير الله. وشفاعة الشافعين تكون بإذن من الله، فليس يمنع أحدٌ أحدًا غير الله تعالى.

النساء 4:124

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ قال المفسرون: بيّن الله بهذه الآية فضيلة المؤمنين على غيرهم [[انظر: الطبري 5/ 296، و"الكشف والبيان" 4/ 125 أ.]]. وقال مسروق: لما نزل قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أهل الكتاب للمسلمين: نحن وأنتم سواء، فنزل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ وما بعده من قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ [النساء:125] الآية [[أخرجه بنحوه من أكثر من طريق الطبري 5/ 288 - 229، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 125 أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 182، وانظر: "زاد المسير" 2/ 209، 211، و"الدر المنثور" 2/ 406.]]. ودخلت من في قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ للتبعيض؛ لأن أحدًا لا يطيق أن يستوعب جنس الصالحات بالعمل، فإذا عمل بعضها استحق الثواب [[انظر: الطبري 5/ 296، و"الكشاف" 1/ 300.]]. وقوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وقرئ بفتح الياء [[قراءة الضم لأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وعاصم برواية أبي بكر ويعقوب، وقرأ الباقون بالفتح. انظر: "السبعة" ص 237، و"الحجة" 3/ 182، و"المبسوط" ص 158، و"النشر" 2/ 352.]]، لقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ [الزخرف: 70] وقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46]. ومن ضم فلأنهم لا يَدخُلونها حتى يُدخلوها [["الحجة" 3/ 182، وانظر: "الكشاف عن وجوه القراءات السبع" 1/ 397.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ قال ابن السكيت: النقير النكتة التي في ظهر النواة [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3644.]]. وقال أبو الهيثم: النقير نقرة في ظهر النواة، منها تنبت النخلة [[المرجع السابق.]]. ونحو هذا قال المفسرون، قال ابن عباس: يريد لا ينقصون قدر منبت النواة [[لم أجده عن ابن عباس في تفسيره هذِه الآية إلا ما جاء بنحوه في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 98، لكن ثبت عنه تفسير النقير عند قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53)﴾ [النساء: 53] قال: "نقيرًا": "النقطة التي في ظهر النواة" "تفسيره" ص 150، وأخرجه الطبري 5/ 136.]]. قالوا: وهذا مبالغة في نفي الظلم، ووعد تبوءٍ فيه جزاء أعمالهم من غير نقصان [[انظر: الطبري 5/ 297.]].

النساء 4:125

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ ذكرنا معنى ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ في سورة البقرة [: 112]. وقال ابن كيسان في هذه الآية: يعني من توجه بعبادته إلى الله خاضعًا له [[لم أقف عليه.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي: موحِّد [["الكشف والبيان" 4/ 125 أ.]]. قال ابن عباس: يريدُ وهو يوحِّدُ الله لا يُشْرِكُ بِهِ شيئًا [[انظر: "زاد المسير" 2/ 211، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 98.]]. وهذا كما ذكرنا في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" (النسخة الأزهرية) 1/ ل 81.]]، وإنما شرط في إسلام الوجه لله أن يكون محسنًا، لأن اليهود والنصارى يقرُّون بالانقياد لأمر الله وهم غير محسنين، فلا يستحقون الأجر. قال العلماء: وإنِّما صارَ الإسلامُ أحسنَ الأديانِ، لأنَّ طاعةَ الله أحسن الأعمالِ التي تكونُ من العباد، لما فيها من عبادة من لا يضيع عنده مثاقيل الذرِّ، ومَنْ لا يضيق ملكه عن شيء، فلهذا كان لا أحد أحسن دينًا ممَنْ أسلَمَ وجهَهُ لله بطاعته والانقيادِ لأمره. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. يجوز أن يكون ﴿حَنِيفًا﴾ حالًا لإبراهيم، ويجوز أن يكون حالًا للمتَّبع [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 208، و"الكشاف" 1/ 301، و"الدر المصون" 4/ 98.]]، كما تقول: رأيته راكبًا، جاز أن يكون الراكب حالًا للمرئي والرائي. وملة إبراهيم داخلة في ملتنا، وفي ملتنا زيادة على ملة إبراهيم، فمن ملة إبراهيم الكلمات العشر في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124] [[قال المؤلف في "الوسيط" 1/ 201: "وأكثر المفسرين قالوا في تفسير الكلمات: إنها عشر خصال عن السنة، خمس في الرأس وخمس في الجسد، فالتي في الرأس: الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك. والتي في الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، ونتف الرفغين" ا. هـ والفرق لشعر الرأس، والرفغين: الأبطين. وأنظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 76، و"أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 36، وابن كثير 1/ 616.]]. قال ابن عباس: "ومن دينِ إبراهيمَ: الصَّلاة إلى الكعبةِ، والطواف بها، والسَّعي، والرَّمي، والوقُوف، والحلق" [[لم أقف عليه.]]. فمن أقرَّ بهذا مع الزيادة التي أتى بها نبينا صلوات الله عليه فقد اتبع دينَ إبراهيم. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ قال أبو بكر بن الأنباري: الخليلُ معناه في اللغة المُحب الكامل المحبَّةِ، والمحبوب الموفي حقيقة المحبة، اللذان ليس في حبِّهما نقصٌ ولا خللٌ، فتأويل قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ واتخذ الله إبراهيم محبًا له خالص الحب ومحبوبًا له [[من "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 493 - بتصرف-.]]، وشرّفه بلزوم هذا الاسم له الذي لا يستحق مثله إلا أنبياؤه ومن يشرف الله ويرفع قدره. قال [[أي ابن الأنباري.]]: وقال بعض أهل العلم: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي فقيرًا إليه لا يجعل فقره وفاقته إلى غيره، ولا ينزل حوائجه بسواه [[من "الزاهر" 1/ 493، 494 بتصرف، وانظر: "زاد المسير" 2/ 212.]]. فالخليلُ على هذا القولِ فعيلٌ من الخلّة بمعنى الفقر، قال [زهير] [[ما بين المعقوفين في المخطوط: "ابن نمير" والتصويب من "الزاهر" 1/ 493، والبيت لزهير بن أبي سلمى كما سيأتي تخريجه.]]: وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ [[شعر زهير بن أبي سلمى ص 105، و"الزاهر" 1/ 493، و"معاني الزجاج" 2/ 112.]] أراد بالخليل: الفقير [["الزاهر" 1/ 494.]]. ونحو هذا قال الزجاج، (...) [[ما بين القوسين غير واضح، ويبدو أنه: "الخليل الولي" والمحب ... وفي "معاني الزجاج" 2/ 112: "الخليل المحب ... ".]] والمحب الذي ليس في محبته خلل، فجائز أن يكون إبراهيم سمي خليل الله؛ لأنه الذي أحبه محبة تامة، وأحب الله هو محبة تامة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 112، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 125 ب.]]. قال: وقيل: الخليل الفقير، فجائز أن يكون سمي فقير الله، أي الذي يجعل فقره وفاقته إلى الله جل وعز مخلصًا في ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 112، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 126 أ.]]. والخلة: الحاجة، من الإخلال الذي يلحق الإنسان، والخُلّة الصداقة، لأن كل واحد من الخليلين يسد خلل صاحبه في المودة والحاجة إليه. فهذان القولان ذكرهما جميع أهل المعاني [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 126 أ.]]، والاختيار هو الأول [[انظر: البغوي 2/ 292.]]، لأن الله جل وعز خليل إبراهيم، وإبراهيم خليل الله، ولا يجوز أن يقال: الله خليل إبراهيم من الخلة التي هي الحاجة، ولأن ابن عباس قال في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ صفيًا بالرسالة والنبوة [[في " الكشف والبيان" 4/ 125 ب من رواية الكلبي، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 98.]]؛ ولأن جميع أهل المعاني ذكروا في سبب تسمية إبراهيم خليل الله: أنه لما صار الرمل الذي أتى به غلمانُه دقيقًا، قالت له امرأته: هذا من عند خليلك المصري؛ قال إبراهيم: هذا من عند خليلي الله. والقصة مشهورة [[حاصل هذه القصة: أن إبراهيم عليه السلام أصابته حاجه فذهب يطلب الطعام عند خليل == له في مصر فلم يجد عنده شيئًا، فرجع إلى أهله فمر بأرض ذات رمل فملأ أوعيته من هذا الرمل لكي لا يغتم أهله برجوعه وليس معه شيء، فتحول هذا الرمل دقيقًا، فلما صار إلى أهله فتحوا الأوعية فعجنوا وخبزوا من ذلك الدقيق، فلما استيقظ سألهم عن ذلك، فقالت له امرأته: هذا من عند خليلك المصري. ذكرها الطبري 5/ 297 - 298، و"الزجاج" 2/ 113، والسمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 391، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 125 ب. وهذِه القصة من رواية الكلبي عن ابن عباس وهو متروك. انظر: البغوي 2/ 292، قال ابن كثير 1/ 617: "وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًا لا يُصدَّق ولا يُكذب".]]. وقال شهر بن حوشب: إن الله قال للملائكة: إن لي في الأرض عبدًا يقال له: إبراهيم، إني أريد أن أتخذه خليلًا. (فقالت الملائكة: نحن نسبح بحمدك ونقدس لك فلا تتخذ منا خليلًا) [[تكرر ما بين القوسين في المخطوط.]] وتتخذ من ابن آدم خليلًا. فقال الله: اختاروا منكم. فاختاروا، وأهبطه الله إلى الأرض، وقال: اذكرني بين يدي عبدي إبراهيم. وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي، فقال إبراهيم: اذكره مرة أخرى، قال: لا أذكره مجانًا. قال: لك مالي كله فاذكره. فقال الملك بصوت أشجى من الأول: الله. فقال إبراهيم: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي. فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك، وقص عليه القصة، وعرج إلى السماء، وأخبر الملائكة، فقال الملائكة: حق له أن يتخذه الله خليلًا [[لم أقف عليه.]]. وقال طاوس عن ابن عباس: إن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان وضاء الوجوه، فظن الخليل أنهم أضياف، وحنذ لهم عجلًا سمينًا، وقربه إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره، فقال جبريل: حق لك أن تتخذ خليلًا [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 391، والقرطبي 5/ 401.]]. وقال أهل المعاني: قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ﴾ حث على اتباع ملته، لذلك ذكر عقيب قوله: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.

النساء 4:126

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال أصحاب المعاني: لما دعا الله الخلق إلى طاعته والانقياد لأمره، بيّن سعة قدرته وكثرة مملوكاته، ليُرغب إليه بالطاعة له [[انظر: الطبري 5/ 298، و"البحر المحيط" 3/ 357.]]. وقال بعضهم: لما قال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ بيّن أن ذلك إنما هو لحسن الطاعة، لا لحاجةٍ إلى الطاعة والمخالة، ولكن لمجازاة المحسن بإحسانه، وبين أنه مع ذلك عبد له. وهذا معنى قول الزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 114.]]. وإنما قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ولم يقل: (من)، لأنه ذهب به مذهب الجنس، والذي يعقل إذا ذكر، وأريد به الجنس ذكر بـ (ما)، كقول الشاعر: وما جرم وما ذاك السَّويق [[عجز بيت لزياد بن الأعجم، وصدره: تكلفني سويق الكرم جرم والبيت من شواهد سيبويه في الكتاب 1/ 301 دون نسبة، ونسبه لزياد بن قتيبة في "الشعر والشعراء" ص 281، كما استشهد به دون نسبة المبرد في "الكامل" 1/ 323، والزجاجي في "الجمل في النحو" ص 118. وجرم: قبيلة، والسويق: الخمر.]] وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أي عالمًا علم إحاطة، وهو العلم بالشيء من كل وجه حتى لا يشد عنه نوع من علمه. ويجوز أن يكون محيطًا بالقدرة عليه، كما قال جل وعز: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: 21]. وقد ذكرنا معنى المحيط فيما تقدم [[انظر: [البقرة: 19].]].

النساء 4:127

قوله تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ الآية. الاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة، واستفتيته فأفتاني، إفتاء، وفتيا وفتوى اسمان من: أفتى، يوضعان موضع الإفتاء، ويقال: أفتيت فلانًا في رؤياها [[هكذا في المخطوط، والصواب: رؤياه]]، إذا عبرتها له، وأفتيته في مسألته، إذا أجبته عنها [[انظر: "الصحاح" 6/ 2452، و"مقاييس اللغة" 4/ 474 (فتى).]]. ومعنى الإفتاء والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام [[انظر: "زاد المسير" 2/ 215.]]، وأصله من الفتي، وهو الشاب الحدث الذي شب وقوي، فكأنه يقويّ ببيانه ما أشكل، فيشب ويصير فتيا قويا. وذكر عن المفسرين في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما: أن العرب كانت لا تورث والصبيان [[هكذا في المخطوط ولعل الصواب كما يدل عليه حرف العطف وبقية الكلام، أن هناك كلمة ساقطة وهي: (النساء)، وذلك بعد قوله: لا تورث. انظر: "الكشف والبيان" 4/ 126 ب، و"زاد المسير" 2/ 215.]]. وهذا قول ابن عباس في ما روي الكلبي عن أبي صالح عنه [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 126 أ، والبغوي 2/ 293، و"زاد المسير" 2/ 215، وأخرجه بنحوه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: الطبري 5/ 299.]]، وقول مجاهد [[في "تفسيره" 15/ 175، وأخرجه الطبري 5/ 300، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 392، وانظر: "زاد المسير" 2/ 215، و"الدر المنثور" 2/ 408.]] والضحاك وقتادة وإبراهيم وابن زيد [[أخرجه عن قتادة وإبراهيم الطبري 5/ 299 - 300، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 126 ب، و"زاد المسير" 2/ 213، و"الدر المنثور" 2/ 408 - 409.]]. والثاني: إن الآية نزلت في توفية الصداق لهن، وكانت اليتيمة تكون عند الرجل، فإن هواها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمةً لم يتزوجها ومنعها الرجال حتى تموت، فيرثها، فأنزل الله هذه الآية. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي [[في "تفسيره" ص 159، وأخرجه الطبري 5/ 304، وانظر: "زاد المسير" 2/ 213، 214.]]، وقول سعيد بن جبير والسدي [[قولهما كالأول وأن القصد المنع من الميراث دون التعرض للنكاح، كما أخرجه عنه الطبري 5/ 299، 300، 301 وانظر: "النكت والعيون" 1/ 532، و"زاد المسير" 2/ 213.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال الفراء: موضع (ما) رفع، كأنه قال: يفتيكم فيهن ما يتلى عليكم. قال: وإن شئت جعلت (ما) في موضع خفض، كأنه قيل: يفتيكم فيهن ما يتلى عليكم [["معاني القرآن" 1/ 290.]]. وقال الزجاج: الرفع أبين، لأن المعنى: الله يفتيكم، والكتاب يفتيكم، فالخفض بعيد جدًا، لأن الظاهر لا يُعطف على المضمر، ولأن المعنى: أن ما يتلى في الكتاب هو الذي مبين ما سألوا عنه، وليس المعنى: أنه يفتي فيهن وفي الكتاب [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 114 بتصرف.]]. وقال غيره: ويجوز أن تكون (ما) رفعًا بالابتداء، والخبر محذوف، على تقدير: وما يُتلى في الكتاب مبين له [[انظر: "الكشاف" 1/ 301، و"البحر المحيط" 3/ 360، و"الدر المصون" 4/ 100.]]. قال المفسرون: والذي يُتلى في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2]، وآية الميراث في أول السورة، وعلى قول من يقول: الآية نزلت في توفية الصداق قال: الذي يُتلى في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: 3] [[انظر: الطبري 5/ 298 - 301، و"معاني الزجاج" 2/ 115.]]. والله تعالى إنما يحيل بالبيان على وحي سبق نزول، كقوله تعالى:- ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النحل: 118]، وكقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ [النساء: 140]. وقوله تعالى: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾. قال بعضهم: معناه في النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الاسم، كما تقول: كتاب الكامل، ويوم الجمعة، وحق اليقين. فتضيف الشيء إلى نفسه وإلى صفته، كذلك تضيف اليتامى إلى النساء، وهن اليتامى، وهذا جائز عند الكوفيين [[انظر: "الإنصاف" للأنباري ص 352، و"البحر المحيط" س/ 362، و"الدر المصون" 4/ 104.]]. وعند البصريين لا يجوز إضافة الموصوف إلى صفته؛ لأن الصفة هي الموصوف عند النحويين في المعنى، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائز، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت أخاك الظريف، فالأخ هو الموصوف، والظريف هو الصفة، والأخ هو الظريف في المعنى. وإنما امتنع إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الغرض في الإضافة إنما هو التخصيص والتعريف، والشيء لا يُعرف نفسه؛ لأنه لو كان معرفة بنفسه لما احتيج إلى إضافته، وإنما يضاف إلى غيره ليعرفه، ألا ترى أنك تضيف المصدر إلى الفاعل تارة، نحو: عجبت من قيام زيد، وإلى المفعول أخرى، نحو: عجبت من أكل الخبز، وإنما جازت إضافة المصدر إليهما لأنه في المعنى غيرهما، ولا يجيزون: سررت بطالعة الشمس، كما تقول: سررت بطلوع الشمس، لأنَّ طلوعها غيرها، فجازت إضافته إليها، والطالعة هي الشمس فلا تضيفها إلى نفسها. هذا مذهبهم [[انظر: المراجع السابقة ..]]. وعلى هذا النساء في الآية غير اليتامى، والمراد بالنساء: أمهات اليتامى، أضيف إليهن أولادهن اليتامى [[انظر: "الوسيط" 2/ 725.]]. يقول [[هكذا في المخطوط، فيحتمل التصحيف، ولعل الصواب: يقوي هذا.]] هذا أن الآية نزلت في قصة أم كحة، وكانت لها يتامى [[لم أقف عليه.]]. وكذلك ما روى موسى بن عُبيدة [[هو أبو عبدالعزيز موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي، المدني، ضعفه العلماء، وكان من العباد الفضلاء، توفي رحمه الله سنة 153هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 213، و"التقريب" ص 552 رقم (6989).]] عن أخيه عبد الله بن عبيدة [[هو عبد الله بن عبيدة بن نشيط الربذي، ضعفه بعض العلماء وحكم عليه ابن حجر بأنه ثقة، قتلته الخوارج سنة 130 هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" 2/ 459، و"التقريب" ص 313 رقم (3458).]]، قال: جاءت امرأة من الأنصار، يقال لها: خولة بنت حكيم [[هي أم شريك خولة بنت حكيم بن أمية السلمية، صحابية مشهورة، يقال إنها التي وهبت نفسها للنبي ﷺ. انظر: "الاستيعاب" 4/ 391، و"الإصابة" 4/ 290، و"التقريب" ص 746 رقم (8575)]]، إلى النبي ﷺ، فقالت: أخي توفي وترك بنات ليس عندهن من الحُسن ما يُرغِّب فيهن الرجال، ولا يقسم لهن من ميراث أبيهن شيء، فنزلت فيها هذه الآية [["الكشف والبيان" 4/ 126 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. قال ابن عباس: "يريد ما فُرض لهن من الميراث" [[أخرجه بمعناه من طرق: الطبري 5/ 299، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 127 أ.]]. وهذا على قول من يقول: نزلت الآية في ميراث اليتامى والصغار، وعلى قول الباقين المراد بقوله: ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ الصداق. وقوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال أبو عبيد يحتمل هذا الرغبة والزهد، فإن حملته على الرغبة كان المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، وإن حملته على الزهد كان المعنى: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن [[لم أقف عليه.]]. والمفسرون أيضًا مختلفون على هذين الوجهين اللذين ذكرهما أبو عبيد. روى ابن عون [[هو أبو عون عبد الله بن عون بن أرطبان، المزني، البصري، إمام قدوة حافظ من الفضلاء، ويعدّ من التابعين. توفي رحمه الله سنة 151 هـ. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 150، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 364، و"التقريب" ص 317 (3519).]] عن الحسن وابن سيرين: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: قال: أحدهما: ترغبون فيهن، وقال الآخر: ترغبون عنهن [[أخرجه ابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 410.]]. ولم يبين ابن عون من الذي قال هذا والذي قال ذاك، وبيّنه غيره، قال ابن سيرين: ترغبون فيهن لما لهن، وقال الحسن: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن [[أخرج الطبري 5/ 303 هذا الأثر عن الحسن من رواية ابن عون حيث قال الحسن: "ترغبون عنهن" فيتبين بذلك أن القول الآخر لابن سيرين. وانظر: "زاد المسير" 2/ 216.]]. وقال ابن عباس وعبيدة: "وترغبون في أن تنكحوهن رغبة في مالهن أو جمالهن" [[أخرجه بمعناه من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس وعن عبيدة: الطبري 5/ 303 - 304.]]. وروي عن عائشة رضي الله عنها الوجهان جميعًا، رُوي عنها أنها قالت: "في اليتيمة تكون في حجر وليها يرغب في مالها وجمالها، ولا يؤتيها سنّة نسائها" [[أخرجه مسلم بنحوه (3018) كتاب: التفسير.]]. وروي عنها أنها قالت: "نزلت في اليتيمة يرغب وليها عن نكاحها، ولا ينكحها، فيعضلها طمعًا في ميراثها، فنهي عن ذلك". رواه مسلم في "الجامع" عن عائشة، في هذه القصة، فقالت: "ترغبون عنهن" [[أخرجه بنحوه البخاري (4600) كتاب: التفسير سورة النساء، باب: ويستفتونك في النساء، ومسلم (3018) كتاب: التفسير.]]. ففي أحد الوجهين أنكر على الأولياء عضل اليتيمة، وفي الثاني أنكر حبس صدقها [[الوجه الأول اختيار الطبري 5/ 304.]]. وهذه الآية تعلق بها أصحاب أبي حنيفة، في الاحتجاج على جواز نكاح اليتيمة الصغيرة [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 392، و"بداية المجتهد" 2/ 6.]]. وعند الشافعي: ليس لغير الأب والجد تزويج الصغيرة [[وقد اعتبر الشافعي رحمه الله الجد أبًا إذا لم يكن ثمَّ أب. انظر: "الأم" 5/ 20، و"بداية المجتهد" 2/ 6.]]. وعنده [[أي أبي حنيفة.]] يجوز للعم وابن العم وسائر الأولياء تزويجها، ثم يتوقف النكاح على اختيارها إذا بلغت [[انظر: "بداية المجتهد" 2/ 6، و"الاختيار" 3/ 94.]]. واحتجوا بقوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ولا حجة لهم في الآية؛ لأنَّه يحتمل أن يكون المراد: وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن وجاز نكاحهن، بدليل ما رُوي أن قدامة بن مظعون (تزوج) [[هكذا في المخطوط، والظاهر أن الصواب: "زوج".]] بنت أخيه عثمان بن مظعون [[هو أبو السائب عثمان بن مظعون بن حبيب بن حذافة الجُمحي صحابي فاضل من السابقين إلى الإسلام، وقد توفي رضي الله عنه في حياة الرسول ﷺ فذرفت عيناه ﷺ. انظر: "الاستيعاب" 3/ 164، و"أسد الغابة" 3/ 598، و"الإصابة" 2/ 464.]] من عبد الله بن عمر، فخطبها المغيرة بن شعبة [[هو أبو عيسى أو أبو محمد المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم قبل الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان، وقد ولي فيما بعد إمرة البصرة والكوفة، توفي رضي الله عنه سنة 50 هـ انظر: "الاستيعاب" 3/ 368، و"الإصابة" 3/ 452، و"التقريب" ص 543 رقم (6840).]]، ورغب أمها في المال، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ، فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها، فقال رسول الله ﷺ: "إنها صغيرة، وإنها لا تزوج إلا بإذنها" وفرق بينها وبين ابن عمر [[أخرجه بمعناه أحمد في "مسنده" 2/ 130، وابن ماجه في كتاب: النكاح، باب: (14) نكاح الصغار يزوجهن غير الآباء (1878). قال في "الزوائد": إسناده موقوف، وفيه عبد الله بن نافع مولى ابن عمر متفق على تضعيفه.]]. ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاخ اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾. يعني: الصغار من الصبيان. قال ابن عباس: يريد أنهم لم يكونوا يورثون صغيرًا من الغلمان ولا الجواري [[بنحوه في "تفسيره" ص 159، وأخرجه الطبري من طريق ابن أبي طلحة أيضًا 5/ 304 - 305.]]. وهو عطف على يتامى النساء، والمعنى: يفتيكم الله في المستضعفين أن تعطوهم حقوقهم، لأن ما يتلى عليهم في باب اليتامى من قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2]، يدل على الفتيا في إعطاء حقوق الصغار من الميراث. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾. قال الفراء: (أنْ) في موضع خفض على: ويفتيكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط [["معاني القرآن" 1/ 290.]]. ونحو ذلك قال الزجاج، قال: المعنى: وما يُتلى عليكم في يتامى النساء، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 114.]]. قال ابن عباس: يريد العدل في أمورهن وفي مواريثهن [[انظر: "الوسيط" 2/ 726، و"زاد المسير" 2/ 216.]]. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ يريد من حسن فيما أمرتكم به. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ يجازيكم عليه، ولا يضيع لكم شيء منه. قال الكسائي: هذا على تأويل الجزاء، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: 6]، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجرات: 9]. ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾، كل هذا جزاء، غير أنه على وجه: فَعَل، ولو كان على: يفعل، لكان جزمًا [[انظر: "الدر المصون" 4/ 107.]]. وقال أبو إسحاق: (إن) أمُّ حروف الجزاء، ولا يجوز الفصل بينها وبين ما يجزم إلا في ضرورة الشعر، نحو: إن زيد يأتك أكرمه، هذا لا يجوز إلا في الشعر، وكذلك الحكم في جميع حروف الجزاء، وذلك نحو قول الشاعر: فمتى واغلٌ يُنبهُم يُحيُوهُ ... ويُعطَفْ عليه كأسُ السَّاقي [[نسبه الزجاج في "معانيه" 2/ 116، لعدي بن زيد، وكذا في الكتاب 3/ 113، و"المقتضب" 2/ 76، و"الإنصاف" ص 491، و"الدر المصون" 4/ 107. والواغل: الداخل على الشرب من غير أن يدعوه، وينبهم: ينزل بهم.]] ففصل بين متى وبين ما عمل فيه. فأما الماضي فإن غيرّ عامله في لفظه، فجاز الفصل بينه وبين إن. وارتفعت امرأة بفعل مضمر، يدل عليه ما بعدها، والمعنى: وإن خافت امرأة خافت [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 116، 117 بتصرف.]].

النساء 4:128

وقوله تعالى: ﴿خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أي علمت [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99، و"تفسير مقاتل" 1/ 412.]]. وقال الزجاج: خافت [[في "معاني الزجاج": "إن خافت".]] الإقامة من بعلها على الإعراض والنشوز، وليست تخاف ذلك إلا وقد بدا منه شيء [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 116.]]. وقد ذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34]. وأما البعل فقال الليث: البعل: الزوج، يقال: بعل يبعل بعولة، فهو باعل [[في "العين" 2/ 149: "فهو بعل" وهذا اللفظ عند المؤلف من "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل).]] مستعلج [["العين" 2/ 149، وفيه: "مستبعل" بدل "مستعلج" وما ذكره المؤلف من "التهذيب"، و"مستعلج" غير واضح المعنى، فقد يكون ما في العين هو الصواب، لا غير.]]. قال الأزهري: وهذا من أغاليط الليث، إنما سُمي زوج المرأة بعلًا لأنه سيدها ومالكها، وليس من باب الاستعلاج في شيء [["تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل). ولم يرد في "العين" الاستعلاج كما تقدم، وإنما ورد الاستبعال، فليتنبه.]]. وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية [[يحتمل أن هذا الكلام من ابن عباس أو من المصنف والثاني أقرب.]]: والبعل السيد في كلام العرب [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل).]]. ويقال للرجل: هو بعل المرأة، وللمرأة: بعله، وبعلته. ويجمع البعل: بعولة [[نظر: "الصحاح" 4/ 1635 (بعل).]]. وقد مر في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ يقال: نشزت المرأة، تنشُزُ وتنشِزُ نشوزًا، إذا استعصت على زوجها، وأصله من قولهم: نشز الشيء، إذا ارتفع، وقد مر [[انظر فيما سبق عند تفسير الآية 34]]. قال أبو إسحاق: النشوز يكون من الزوجين، وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 47، وقد ذكر الزجاج ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:34].]]. قال المفسرون: ﴿نُشُوزًا﴾ ترفعًا لبغضها ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ عنها لموجدة وأثرة [[انظر: الطبري 5/ 305، و"بحر العلوم" 1/ 392، و"الكشف والبيان" 4/ 127 ب، و"النكت والعيون" 1/ 533.]]. قال الكلبي: يعني ترك مجامعتها، وإِعْرَاضًا بوجهه عنها [["الكشف والبيان" 4/ 127 ب، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]]. وقال مقاتل: ﴿نُشُوزًا﴾ عصيانًا - يعني: الأثرة، وهو قول ابن عباس ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ عنها لما به من الميل إلى أخرى [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 412، ولم أقف عليه عن ابن عباس.]]. وقال الزجاج: النشوز من بعل المرأة أن يسيء عشرتها، وأن يمنعها نفسه ونفقته [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 115.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. جعل الله عز وجل الصلح (جائزًا) [[في المخطوط: جائز (بدون نصب).]] بين الرجل والمرأة، إذا رضيت منه بإيثار غيرها عليها. قال جميع المفسرين: هذا الصلح في القسمة والنفقة، وهو أن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة، أو قد دخلت في السن وأريد أن أتزوج عليك شابة جميلة، وأوثرها عليك في القسمة بالليل والنهار، فإن رضيت بهذا فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك. فإن رضيت بذلك (كانت الواجب) [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "كان الواجب"، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 127 ب.]] على الزوج أن يوفيها حقها من المقام عندها والنفقة، أو يسرحها بإحسان ولا يحبسها على [الحيف] [[ما بين المعقوفين في المخطوط: "الخسف"، والتصويب من "الكشف والبيان" 4/ 127 ب.]]، (وليس يُجبر) [[هكذا في المخطوط، والأولى: "ولا يجبر"، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 127 ب.]] الزوج على الوطء إذا عدل في المقام والنفقة، وكل ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، وهو أن تترك له من مهرها، أو بعض أيامها [[من "الكشف والبيان" 4/ 127 ب بتصرف يسير، وانظر: "تفسير ابن عباس" ص 160، والطبري 5/ 306، و"معاني الزجاج" 2/ 116، و"بحر العلوم" 1/ 293، و"النكت والعيون" 1/ 533.]]. روى خالد بن عرعرة [[هو خالد بن عرعرة التيمي، سمع عليًّا وروى عنه سماك بن حرب والقاسم بن عوف الشيباني. انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 3/ 163، و"الجرح والتعديل" 3/ 343.]]، قال: سأل رجل عليًّا عن قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ الآية. قال: "تكون المرأة عند الرجل، فتنبو عينه عنها من دمامه أو كبر، فتفتدي منه بكره فرقته، فإن أعطته من مالها فهو له حل، وإن أعطته من أيامها فهو له حل" [[أخرجه بنحوه من طرق الطبري 5/ 306، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 411.]]. واختلف القراء في قوله: (يَصّالَحَا) فقرئ: (يُصْلِحَا) [[قراءة: "يصّالَحا" بتشديد الصاد المفتوحة بعدها مد لابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي يعقوب، وقرأ الباقون "يُصْلحا" بضم الياء وسكون الصاد. انظر: "السبعة" ص 238، و"الحجة" 3/ 183، و"المبسوط" ص 158.]] أيضًا، فمن قرأ، (يَصّالحا) أراد: يتصالحا، فأدغم التاء في الصاد، وحجته أن الأشهر في الاستعمال في هذا النحو: تصالحا [[انظر: الطبري 5/ 310، و"الحجة" 3/ 183.]]. وفي حرف عبد الله: (فلا جناح عليهما أن أصَّالَحا) [["الحجة" 3/ 183، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 363.]]. وانتصب (صلحًا) في هذه القراءة على المصدر، ولكنه بحذف الزوائد كما قال: وإن يَهلِكْ فذلكَ كان قَدْري [[عجز بيت ليزيد بن سنان، وصدره: فإن يبرأ فلم أنفث عليه "الحجة" 2/ 129، و"حاشيته" 3/ 184.]] أي: تقديري. وقد يوضع الاسم موضع المصدر، كقول القطامي: وبعد عطائِكَ المائة الرِّتاعا [[عجز بيت للقطامي، وصدره: أكفرًا بعد رد الموت عني والمئة الرتاع من الإبل. "الحجة" 1/ 182، 3/ 184، و"الخصائص" 1/ 221.]] قال أبو حاتم [[هو سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم النحوي السجستاني، تقدمت ترجمته.]]: كأن المصدر على القياس: يصالحا اصالحًا وتصالحًا ، ولكن هذا كقوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17]، ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]، مما يخالف المصدر المصدر [[لم أقف على قول أبي حاتم، وقد أشار إليه مكي في "الكشف" 1/ 399.]]. "ومن قرأ: ﴿يُصْلِحَا﴾ فإن الإصلاح عند التنازع والتشاجر أيضًا قد استعمل، كما استعمل: تصالحا، قال الله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} [البقرة: 182]، وقال: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]. والصلح على هذه القراءة اسم تعدى الفعل إليه كتعدِّيه إلى الأسماء. فقوله: (يُصلحا صلحًا) كقولك: "أصلحت ثوبًا" [["الحجة" 3/ 183، 184، وانظر: "الكشف" 1/ 399.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. قال ابن عباس: "يريد أعظم لثوابه وثوابها" [[لم أقف عيه.]]. وقال الكلبي: والصلح خير من النشوز والإعراض والإقامة عليهما [[لم أقف عيه.]]. وقال الزجاج: الصلح خير من الفرقة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 116.]]. قال أهل المعاني: يقول: إن يصالحا على شيء خير من أن يتفرقا، أو يُقيما على النشوز والإعراض [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 533، و"زاد المسير" 2/ 218.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. الشح: البُخل، والشحيح: البخيل، وجمعه: أشحة [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1835 (شح).]]. قال الفراء: يقال: شح يشِحُّ، بكسر الشين. قال: وكذلك كل فعيل من النعوت إذا كان مضاعفًا، مثل: خفيف وذفيف [[ذفيف بمعنى: خفيف سريع. انظر: "اللسان" 3/ 1505 (ذفف).]]، فهو على فَعَل يَفْعِل، ومثله: ضنين، وقد قالوا: ضنَّ يضنُّ، واللغة العالية: يَضنُّ [[في "تهذيب اللغة" 2/ 1836 (شح).]]. قال ابن عباس: "يريد والغالب على نفس المرأة الشح على نصيبها من زوجها ومالها" [[أخرجه بنحو الطبري 5/ 310، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 412.]]. وهو قول سعيد بن جبير [[أخرجه عنه من طرق الطبري 5/ 311، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 533.]]. وقال الفراء: ضن الرجل بنصيبه ميت الشابة، وضنت الكبيرة بنصيبها منه [["معاني القرآن" 1/ 291.]]. وهو قول جماعة من المفسرين، قالوا: شحت المرأة بنصيبها من زوجها، وشح الرجل بنصيبه من الأخرى [[من "الكشف والبيان" 4/ 128 ب، وانظر: الطبري 5/ 311 - 312، و"بحر العلوم" 1/ 393، و"النكت والعيون" 1/ 533، و"زاد المسير" 2/ 219.]]. وقال الحسن وابن سيرين: أُحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة والشح [[هكذا في المخطوط، ولعل الواو زائدة من الناسخ.]] بحقه قبل صاحبه، فالمرأة تشحّ على مكانها من زوجها، والرجل يشحّ على المرأة بنفسه، إذا كان غيرها أحب إليه منها [[ذكره عن الحسن الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 533، ولم أقف عليه عن ابن سيرين.]]. وهذا قول الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 116.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾. قال ابن عباس: يريد حسن المعاشرة والصحبة، وتتقوا الله فإنها أمانة [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي: "يعني تُصلحوا وتتقوا الجوز والميل" [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]].

النساء 4:129

وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. قال المفسرون: يقول: لن تقدروا على التسوية بينهن في المحبة التي هي ميل الطباع؛ لأنَّ ذلك مما لا تقدرون عليه ولو اجتهدتم [[انظر: الطبري 5/ 312 - 313، و"بحر العلوم" 1/ 393، و"الكشف والبيان" 4/ 218 ب.]]. قال الضحاك: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ يعني: في الحب والجماع [[أخرجه الطبري 5/ 313 - 314 ولفظه: "في الشهوة والجماع"، وفي لفظ آخر: "في الجماع".]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. إلى التي تحبون في النفقة والقسمة [["الكشف والبيان" 4/ 128 ب]]. يقول: لا تقدرون على العدل في الحب، ولكن قربوا حالهن من العدل في القسم، وما تملكون من الأمر. قال أبو عبيد: لا يقدر أحد على العدل بين الضرائر بقلبه، وليس يُؤاخذ به؛ لأنه لا يستطيعه ولا يملكه، ولكن عليه أن لا يميل بنفسه، وهو الذي وقع عليه النهي [[لم أقف عليه.]]. وقال مجاهد: ولن تستطيعوا العدل بينهن فلا تتعمدوا الإساءة [["تفسيره" 1/ 178، وأخرجه الطبري 5/ 315، وابن المنذر والبيهقي. انظر: "الدر المنثور" 2/ 413.]]. قال الشافعي - رضي الله عنه -: بلغنا أن رسول الله ﷺ كان يقسم فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، وأنت أعلم بما لا أملك" [[أخرجه أبو داود (2134) كتاب: النكاح، باب: القسمة بين النساء، وقال أبو داود يعني القلب، والنسائي (1140) كتاب عشرة النساء، باب: (2) ميل الرجل إلى بعض نسائه 7/ 63، والترمذي في كتاب: النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر 3/ 437، وحكم عليه النسائي والترمذي بالإرسال، لكن آخره: "فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".]]. يعني -والله أعلم- قلبه وفرط محبته لعائشة رضي الله عنها. وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: اللهم أما قلبي فلا أملك، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل [[من "الكشف والبيان" 4/ 129 أ، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 365.]]. وقوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد لا أيمًا، ولا ذات بعل [["تفسيره" ص 161، وأخرجه الطبري 5/ 316، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 413.]]. وهو قول جميع أهل التفسير [[انظر: الطبري 5/ 316 - 317، و"بحر العلوم" 1/ 393، و"الكشف والبيان" 4/ 129 أ، و"النكت والعيون" 1/ 511.]]، يقول: لا تميلوا إلى الثانية كل الميل، فتدعوا الأخرى كالمنوطة مثلًا، لا في الأرض ولا في السماء، كذلك هذه، لا تكون مخلية فتتزوج، ولا ذات بعل يُحسن عشرتها ونفقتها. ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ بالعدل في القسم. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الجور. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لما ملت إلى التي تحبها بقلبك، بعد العدل في القسمة [["الكشف والبيان" 4/ 129 أ.]].

النساء 4:130

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ ذكر الله جواز الصلح بين الزوجين إن أحبا أن يجتمعا ويتآلفا، فإن أبت الكبيرة الصلح، وأبت إلا التسوية بينها وبين الشابة، فتفرقا بالطلاق، فقد وعد الله تعالى لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه -بعد الطلاق- من فضله الواسع، كما أغنى كل واحد بصاحبه قبل الطلاق. وهذا تسلية لكل واحد منهما، وهذا معنى قول الكلبي وغيره [[انظر: "زاد المسير" 2/ 220، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]]. وقال ابن عباس في قوله: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾: يريد يُعوض للرجل ما يحب، ويعوض المرأة ما تُحب، ويوسع عليهما [[انظرت "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]]. وقال الكلبي: (يُغني الله من رزقه) المرأة بزوج، والزوج بامرأة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 220، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]]. ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: 130]. قال ابن عباس: "يريد لجميع خلقه" [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي: واسعًا لهما في النكاح [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]] يعني: حيث أباح لهما الاستبدال. وقال أصحاب المعاني: إنما جاز وصف الله بأنه واسع لما فيه من المبالغة في الصفة، وذكر أنه واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، وواسع القدرة. ولو ذكر على الأصل لاقتصر على واحد منها، وإذا أطلق ذهب الوهم إلى جميعها، فكان أبلغ في الصفة من هذه الجهة [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 366]]. وقوله تعالى: ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: 130]. قال ابن عباس: يريد فيما حكم ووعظ [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي: حكم على الزوج إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]].

النساء 4:131

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. قال أصحاب المعاني: لما ذكر الله أنه يُغني من سعته، أشار إلى ما يوجب الرغبة إليه في طلب الخير منه، لأنه الذي يملك السموات والأرض، ولا تفنى خزائنه [[انظر: الطبري 5/ 318، و"زاد المسير" 2/ 220، و"البحر المحيط" 3/ 366.]]. ثم ذكر الوصية بتقوى الله مُجملة فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]]. ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أوصى. ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. قال الأخفش: أي: بأن اتقوا الله [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 459، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 209، و"الدر المصون" 4/ 112.]]، كقوله: أمرتك الخير ... البيت [[لعل البيت كما أشار إلى ذلك فضيلة المشرف كما يلي: أمرتك الخير لكن ما أتمرت به ... وما استقمت فما قولي لك استقم ولم أقف عليه.]] قال الكسائي: يقال أوصيتك أن أفعل كذا، وأن تفعل كذا، كلٌّ عربي، ويقال: ألم آمرك أن ائت زيدًا، وأن تأتي زيدًا؟ قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ ثم قال ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 14] على النهي بعد قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ وهي قراءة أُبي: (ولا أكون من المشركين)، وقال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي﴾ [النمل: 91] ولو كان على الأمر: أن أعبد -جزمًا-، لكان صوابًا [[لم أقف على كلام الكسائي.]]. ثم بيّن أن نفع التقوى عائد إلى العباد، بأنه جل وعز غني عنهم وعن جميع الأشياء فقال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ أي: بما أوصيكم به. قال المفسرون: يعني: أن له ملائكة في السموات والأرض هم أطوع له منكم [["الكشف والبيان" 4/ 130 ب.]]. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾. معنى الغني: الذي لا حاجة له [[انظر: الطبري 5/ 318.]]، والله تعالى غني بذاته، لا بشيء، ولهذا قال أصحابنا: الغني هو القادر على ما يريد؛ لأنه إنما يستغني بقدرته على ما يريد [[من "الكشف والبيان" 4/ 130 ب. وهذا من تأويل الأشاعرة للصفات، حيث أول الغنى بالقدرة.]]. والحميد: المحمود على نعمه [[انتهى المؤلف من تفسير الآية (131)، وأتى بعدها بتفسير الآية (133) وترك ما بينهما.]].

النساء 4:133

قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾. قال أهل المعاني: في الآية محذوف، على تقدير: إن يشأ يذهبكم يُذهبكم [[انظر: الطبري 5/ 3195]]؛ لأنه ليس على معنى إن كانت له مشيئة ما أذهبكم، ولكن مشيئته الإذهاب. قال ابن عباس: يريد المشركين والمنافقين [[انظر: "زاد المسير" 2/ 221، و"البحر المحيط" 3/ 367.]]. ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ قال: يريد قومًا من قريش، لم يكونوا هاجروا ثم أسلموا بعد الفتح [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: يخلق غيركم، أمثل وأطوع لله منكم [["تفسيره" 1/ 413.]]. وروى عن النبي ﷺ أنه لما نزلت هذه الآية ضرب بيده على ظهر سلمان [[هو أبو عبد الله سلمان الفارسي، ويعرف بسلمان الخير، صحابي جليل، مولى رسول الله ﷺ وقصة إسلامه مشهورة، وكان من المعمرين، توفي رضي الله عنه سنة 34 هـ. انظر: "الاستيعاب" 2/ 194، و"أسد الغابة" 2/ 417، و"الإصابة" 2/ 62 ، و"التقريب" ص 246 رقم (2477).]]، فقال: "قوم هذا" يعني: عجم الفرس [[أخرجه الطبري 5/ 319 وبين أحمد شاكر أن في إسناده ضعفًا. وانظر: "النكت والعيون" 1/ 533 - 534.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ عند أهل المعاني، أن المعنى: ولم يزل الله على ذلك قديرًا، ولا يزال كذلك، لأن كل صفة استحقها القديم فهي لازمة، لا يحدث ما يوجب تغيُّرها، فبهذا عرفنا أنَّ المعنى: كان ويكون قديرًا، إلا أنه وكل إلى الاستدلال لرياضة الأفهام، فذكر بلفظ: كان [[لم أقف عليه.]].

النساء 4:134

قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: يريد متاع الدنيا [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص99]]. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: يريد المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ لدعائكم، ﴿بَصِيرًا﴾ بكم، حيث جعل فيكم دينه، واستودعكم فرائضه [[لم أقف عليه]]. وقال مجاهد: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ فإن الله تعالى يُعطي على نية الآخرة ما شاء من الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا شيئًا من الآخرة [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو إسحاق: كان مشركوا العرب لا يؤمنون بالبعث، وكانوا مقرين بأن الله خالقهم، فكان تقربهم إلى الله عز وجل إنما هو ليعطيهم من خير الدنيا، ويصرف عنهم شرها، فأعلم الله جل وعز أن خير الدنيا والآخرة عنده [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 117، وانظر: "زاد المسير" 2/ 221.]]. وهذا هو القول. وقال غيره: ثواب الدنيا: الغنيمة والمنفعة التي ينالها المجاهد، وثواب الآخرة: النعيم الذي (يعطه) [[هكذا في المخطوط، والصواب: "يعطيه".]] الله في الآخرة [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 131 أ، و"النكت والعيون" 1/ 534.]]. وقوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: فليطلب المجاهد الثوابين، فإنهما عند الله، لا يضيق ولا يمتنع بأحدهما إعطاء الآخر. وتأويل قوله ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فينبغي أن يطلب من عنده ثواب الدنيا والآخرة. عند: جواب الشرط، لأن عنده ثواب الدنيا والآخرة، وقعت هذه الإرادة أو لم تقع.

النساء 4:135

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ القسط: العدل [[انظر: الطبري 5/ 320، و"معاني الزجاج" 2/ 117، و"زاد المسير" 2/ 222.]]، ومضى الكلام فيه [[انظر تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: 3].]]. وقوّام مبالغة من قائم، كأنه قيل: كونوا قائمين بالقسط [[انظر: الطبري 5/ 321، و"زاد المسير" 2/ 222.]]. والقائم بالشيء معناه الكفيل به الذي يأتي به على وجهه. قال ابن عباس: معناه: كونوا قوَّالين بالعدل في الشهادة، على من كانت، ولو على أنفسكم [[من "الكشف والبيان" 4/ 131، والأثر بمعناه في تفسير ابن عباس ص 161، وأخرجه الطبري 5/ 322، من طريق علي بن أبي طلحة أيضًا.]]. وانتصب قوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ على الحال من ﴿قَوَّامِينَ﴾، ويجوز أن يكون خبر ﴿كُونُوا﴾، على أن لها خبرين بمنزلة خبر واحد، ونحو هذا: حلو حامض، وجائز أن يكون صفة لقوامين [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 460، و"الدر المصون" 4/ 113، وقد رجح كل منهما القول الأول.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، قال عطاء: يريد وقولوا الحق، ولو على أنفسكم، وإن كان فيه مضرة عليكم [[لم أقف عليه.]]. وشهادة الإنسان على نفسه: هو إقراره بما عليه من الحق [["النكت والعيون" 1/ 534، وانظر: "زاد المسير" 2/ 222.]]، وذلك الإقرار شهادة منه على نفسه، فكأنه قيل: ولو كان لأحد عليكم حق فأقروا به على أنفسكم. وقال أبو إسحاق: المعنى: قوموا بالعدل واشهدوا الله [[في "معاني الزجاج": لله ، وهو الأظهر.]] بالحق، وإن كان الحق على نفس الشاهد، أو على والديه، أو أقربيه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118، وانظر: "زاد المسير" 2/ 222.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ اسم كان مضمر، على تقدير: إن يكن المشهود عليه ومن يخاصم غنيًا أو فقيرًا [[انظر: الطبري 5/ 323، و"معاني الزجاج" 2/ 118، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 460، و"زاد المسير" 2/ 222.]]. قال ابن عباس: يقول: لا تُحابوا غنيًا لغناه، ولا ترحموا فقيرًا لفقره [["الكشف والبيان" 4/ 131 ب.]]. قال عطاء: يريد يكونون عندكم سواء، لا تحيفوا على الفقير، ولا تُعظِّموا الغني، وتمسكوا عن القول فيه [[انظر: "زاد المسير" 2/ 222.]]. يريد: يكون شأنكم العدل والصدق في القريب والبعيد، والغني والفقير. وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ ولم يقل به وكان الغنى والفقر صفة مشهود عليه واحد، لأن المعنى: فالله أولى بكل واحد منهما. قال الزجاج: أي: إن يكن المشهود عليه غنيًّا فالله أولى به، وكذلك إن يكن المشهود عليه فقيرًا فالله أولى به [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118، وانظر: "زاد المسير" 2/ 222.]]. فجمعهما في الكناية لهذا المعنى. ومعنى: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي: أعلم بهما منكم؛ لأنه يتولى علم أحوالهما من الغنى والفقر. وهذا معنى قول الحسن: الله أعلم بغناهم وفقرهم [[انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 430، و"معالم التنزيل" 2/ 298.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾، أكثر المفسرين على أن هذا من العدول الذي هو الميل والجور، على معنى: واتقوا أن تعدلوا [[دعوى أن أكثر المفسرين على هذا القول فيها نظر، فلم أجد من ذهب إلى ذلك غير الطبري مع أنه أشار إليه إشارة في "تفسير الطبري" 5/ 323، وقد عزاه في "زاد المسير" 2/ 222، إلى مقاتل، وانظر: "الدر المصون" 4/ 117.]]، فحذف؛ لأن في النهي عن اتباع الهوى دليلًا على الأمر بالتقوى. وهذا معنى قول مقاتل، لأنه قال: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ في الشهادة، واتقوا الله ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ عن الحق إلى الهوى [["تفسيره" 1/ 414، وانظر: و"زاد المسير" 2/ 222.]]. وقال ابن عباس: يريد أن تميلوا عن العدل، وهو قول الكلبي أيضًا [[لم أقف عليهما.]]. وعند الفراء والزجاج: يجوز أن يكون ﴿تَعْدِلُوا﴾ من العدل على معنى: ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا، كما تقول: لا تتبعن هواك لترضي ربك، أي: أنهاك عن هذا كيما [[في المخطوط "كما"، وهو تصحيف ظاهر، انظر: "معاني الفراء" 1/ 291.]] ترضي ربك. قاله الفراء [["معاني القرآن" 1/ 291، وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 118.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ يجوز أن يكون من لوي بمعنى المدافعة [[انظر: الطبري 5/ 325، و"معاني الزجاج" 2/ 118.]]، ويجوز أن يكون من لوى الشيء إذا قتله [[انظر: "اللسان" 7/ 4107 (لوى).]]، وكلاهما قريب. قال مجاهد: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ تبدِّلوا الشهادة ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ تكتموها فلا تقيموها [["تفسيره" 1/ 178، وأخرجه الطبري 5/ 323 من طرق، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 414 إلى البيهقي.]]. وهذا من ليّ اللسان، كأنه لواها من الحق إلى الباطل. ونحو ذلك قال السدي: اللي: الدفع والإعراض: الجحود [[أخرجه بمعناه الطبري 5/ 424، وانظر: "زاد المسير" 2/ 223.]]. وهو من قولهم: [لوى] [[ما بين المعقوفين في المخطوط: "لوا" وهو خطأ في "الإملاء".]] حقه، إذا مطله ودفعه [[انظر: الطبري 5/ 425، و"معاني الزجاج" 2/ 118، و"الكشف والبيان" 4/ 131 ب، و"النكت والعيون" 1/ 534.]]. وقال مقاتل: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ يعني التحريف للشهادة، يلجلج بها لسانه فلا يقيمها ليبطل شهادته، ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عنها فلا تشهدوا بها [["تفسيره" 1/ 414.]]. وقال عطية العوفي: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ "تلجلجوا في الشهادة فتفسدوها، ﴿تُعْرِضُوا﴾ بتركها" [[أخرجه الطبري 5/ 324.]]. وفي قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ قراءتان: إحداهما - بواوين. والأخرى تلُوا اللام [[هكذا في المخطوط، ولعل في الكلام سقطًا، فإن استقامة الكلام: "بواو واحدة وضم اللام" انظر: "الحجة" 3/ 185، وهذِه القراءة لحمزة وابن عامر، والقراءة الأولى للباقين. انظر: "السبعة" ص 239، و"الحجة" 3/ 185، و"المبسوط" ص 159، و"تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة" ص 106.]]. فمن قرأ بواوين فحجته: ما رُوي عن ابن عباس أنه فسر هذا بأنه القاضي، ليُّهُ وإعراضه لأحد الخصمين على الآخر [["الحجة" 3/ 185، والأثر عن ابن عباس أخرجه الطبري 5/ 323، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 132 أ، و"زاد المسير" 2/ 223]]. قال الزجاج: وجاء في التفسير أن لوى الحاكم في قضيته: أو أعرض [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118 لكن فيه: "أنَّ" لوى الحاكم في قضيته: "أعرض". فلعل الصواب. أي أعرض.]]. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135] قال [[أي: الزجاج.]]: ويقال: لويت فلانًا حقه، إذا دافعته به ومطلته. وكذلك جميع ما حكينا عن المفسرين في هذا الحرف يدل على صحة هذه القراءة. قال الزجاج: وهذا هو الأشبه على ما جاء في التفسير [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118.]]. وحجة من قرأ: ﴿تلوا﴾ بواو واحدة أن يقول: إن ﴿تلوا﴾ في هذا الموضع حسن، لأن ولاية الشيء إقبال عليه، وخلاف الإعراض عنه، فالمعنى: إن تقبلوا أو تعرضوا، فلا تلوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرًا، فيجازي المحسن المقبل بإحسانه، والمسيء المعرض بإعراضه [["الحجة" 3/ 185، وانظر: "إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 1/ 138.]]. وقال المبرد: إن للولاية ههنا وجهًا حسنًا، يقول: إن تلوا إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها [[لم أقف عليه.]]. وقال قطرب: (إن تلوا) من الولاية، يريد: إن تلوا القيام بالحق وتتولوه، أو تعرضوا عنه فلا تقوموا به [[لم أقف عليه.]]. وذكر أبو إسحاق والفراء جميعًا لهذه القراءة وجهًا آخر: وهو أنه يجوز أن يكون (تلُوا) أصله: تَلْوُوا، فأبدل من الواو المضمومة همزة، ثم طرحت الهمزة، ونقلت حركتها إلى اللام، فصار تلوا، كما قيل في أدؤُرٍ: أدوُرٍ، ثم طرحت الهمزة فصار آدرُ [[من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 118، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 291.]]. والوجه الأول أجمعا عليه أيضًا.

النساء 4:136

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال ابن عباس: فيما روى الكلبي عن أبي صالح عنه: نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب، قالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل [[أخرجه الثعلبي 4/ 132 أ، وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 186، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100، و"الدر المنثور" 2/ 414 - 415.]]. قال الضحاك: الخطاب لليهود والنصارى، يقول: يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة، وعيسى والإنجيل، آمنوا بمحمد والقرآن [[أخرجه ابن المنذر بمعناه مطولاً كما في "الدر المنثور" 2/ 414 - 415، وانظر: "زاد المسير" 2/ 224.]]. وقال أبو العالية وجماعة من المفسرين: الآية خطاب للمؤمنين، وتأويل: ﴿آمَنُوا بِالله﴾ أي: أقيموا واثبتوا ودوموا عليه [["الكشف والبيان" 4/ 132 ب، وقد قال بهذا القول الحسن، انظر: "النكت والعيون" 1/ 535، و"زاد المسير" 2/ 224.]]. قال الزجاج: وهذا كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: 29] المعنى: وعد الله من أقام على الإيمان من أصحاب محمد ﷺ [["معاني القرآن إعرابه" 2/ 119.]]. وقال مجاهد: الآية خطاب للمنافقين، وذلك أنهم أمنوا في الظاهر بألسنتهم، وكفروا في السر بقلوبهم، فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يعني: بالألسنة في العلانية ﴿آمَنُوا﴾ بقلوبكم في السر [[انظر: "زاد المسير" 2/ 224.]]. ويدلك على هذا أن الله تعالى أخبر عنهم فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: 41]. وهذان القولان ذكرهما الزجاج، ثم قال: والأول أشبه، والله أعلم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 119.]]. وأبو بكر [[لم يتبين لي من هو، حيث إني وجدت اثنين يطلق عليهما (أبو بكر الوراق). انظر: "سير أعلام النبلاء" 13/ 179، 16/ 388.]] الوراق اختار أيضًا أن الآية في المؤمنين، وأن معني الأمر بالإيمان: الثبات عليه، واحتج بأن العرب تقول للقائم: قم، وللقارئ: اقرأ، يريدون الثبات على ذلك العمل، وقال الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، أي: أثبت على عملك [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ قال ابن عباس: "يريد القرآن وما فيه من الأحكام" [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 132 ب، و"تنوير المقباس"، بهامش المصحف ص 100.]]. ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: "يريد كل كتاب أنزله على النبيين" [[المرجع السابق.]]. وذلك أنه اسم الجنس، فصلح للعموم. واختلفوا في قوله: (نزل) و (أنزل)، فقرئ بالضم والفتح [[أي بضم النون والألف وكسر الزاي فيهما، وبفتحهما مع فتح الزاي، وقرأ بالأولى ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، وبالثانية الباقون. انظر: "السبعة" ص 239، و"الحجة" 3/ 186، 187، و"المبسوط" ص 159، و"النشر" 2/ 253.]]، فمن ضم: فحجته قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: 1]، فأضيف المصدر إلى المفعول به، فالكتاب على هذا منزل. وحجته في قوله: (أَنْزَل) قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 114]. ومن قرأ بالفتح: فحجته قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: 9]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: 44] [["الحجة" 3/ 187 بتصرف يسير، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 320 - وقد قال الأزهري: "والمعنى واحد"، و"الكشف" 1/ 400.]].

النساء 4:137

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآيةْ اختلفوا في هذه الآية، فذهب الأكثرون إلى أن المراد به اليهود. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: "هم قريظة والنضير" [[لم أقف عليه.]]. ونحو ذلك قال الكلبي وقتادة: آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت بمخالفتها، ثم آمنت بالإنجيل، ثم كفرت بمخالفته [[المأثور عن قتادة كما في الطبري 5/ 327 أن المراد اليهود والنصارى. وانظر: " الكشف والبيان" 4/ 133 أ، و"النكت والعيون" 1/ 535.]]. وقال بعضهم: إن اليهود آمنوا بالتوراة وموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بداود، ثم كفروا بعيسى [[نسب هذا القول لابن عباس. انظر: "زاد المسير" 2/ 225، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.]]. وكيف ما كان الأمر فقد أخبر الله عنهم بترددهم في الكفر. وقال مجاهد وابن زيد: نزلت في المنافقين، آمنوا، ثم ارتدوا، ثم آمنوا، ثم ارتدوا [[أخرج القول عنهما الطبري 5/ 327، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 536 - 537، و"زاد المسير" 2/ 225 و"الدر المنثور" 2/ 415.]]. واختيار أبي علي أن هذا يُعني به المنافقون، قال: فالإيمان الأول دخولهم في الإسلام، وحقنُهم الدماء والأموال به، وكفرهم بعد نفاقهم، وأنَّ باطنهم على غير ظاهرهم. (وإيمانهم بعد نفيهم نفاقهم) [[في "الحجة" لأبي علي 1/ 324: "وإيمانهم بعد يقيهم نفاقهم".]] بقوله: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: 12]، في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: 14، 76]، فهذا بعد الإظهار منهم للإيمان ثانية، يدخلون به في حكم الإسلام بعد الكفر، كما أن من جاء من المؤمنات مظهرات للإسلام داخلات في حكمه، لقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] فعُلِمن مؤمنات بما أظهرنه من ذلك، فكذلك هؤلاء، يكونون مؤمنين بإظهارهم الإيمان، بعدما علم منهم النفاق، وكفرهم بعد هذا الإيمان الثاني، قولهم إذا خلوا إلى شياطينهم، أي أصحابهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14] [["الحجة" لأبي علي 1/ 234.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال الكلبي وقتادة: بمحمد ﷺ والقرآن [[عن الكلبي انظر:"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100، أما عن قتادة فأخرجه الطبري 9/ 315.]]. وقال مجاهد والسدي والحسن: ماتوا على كفرهم [[أخرجه عن مجاهد: الطبري 5/ 327. وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 أ، وذكره عن الحسن الهواري في "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 431. ولم أقف عليه عن السدي. وقد أخرج ابن أبي حاتم مثله عن ابن عباس. انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 624، و"الدر المنثور" 2/ 415.]]. وقال أبو العالية: ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها في كفرهم [[لم أقف عليه.]]. قال أبو عبيد: جعل أبو العالية إصابة الذنوب زيادة في الكفر، كما أن أعمال البر زيادةٌ في الإيمان [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو علي: ما ازدادوه من الكفر إنما هو بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14] فهذا زيادة في الكفر. ويدل على أنَّ المستهزئ [[في المخطوط: "المستهزئين"، والتصويب من "الحجة" 1/ 234.]] باستهزائه كافر، فيزداد به كفرًا إلى كفره قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]، فإذا كان المجالس مثلهم وإن لم يُظهر ذلك ولم يعتقده، فالقاتل لذلك أشد ذهابًا في الكفر [["الحجة" لأبي علي 1/ 234، 235.]]. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إن قيل: إن الله عز وجل لا يغفر الكفر وقد أخبر به، فلم قال ههنا فيمن آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؟ فالجواب: أن الله تعالى يغفر للكافرين [[هكذا في المخطوط، والإفراد أظهر.]] كفره إذا آمن، فإن كفر بعد إيمانه لن يغفر له الكفر الأول، لأنه إذا كفر بعد إيمانٍ قبله كفر، كان مُطالبًا بجميع كفره. وهذا جواب ذكره الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 120.]]، وبه قال بعض الأصوليين [[لم أقف عليه.]]. وكذلك قالوا في الذنوب: أن من تاب من ذنب ثم عاد في مثله، فقال القاضي أبو بكر من أصحابنا [[لعله شيخ الواحدي: أبو بكر الحيري.]]: إن توبته الأولى انتقصت [[هكذا في المخطوط بالصاد المهملة، ولعلها بالضاد المعجمة.]] حتى يلقى الله مؤاخذًا بحكم الزلة الأولى التي تاب عنها [[لم أقف عليه.]]. وقال الآخرون -وهو الاختيار-: إنَّ حكم ما تاب عنه بات على الصحة، وإن عاد إلى مثل ما تاب عنه [[الراجح -حسب ما ورد به الدليل- هو القول الأول كما قال ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر". أخرجه البخاري (6921) كتاب: استتابة المرتدين، باب: إثم من أشرك بالله، ومسلم (120) كتاب: الإيمان، باب: هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، وانظر: "زاد المسير" 2/ 225، والقرطبي 5/ 415.]]. وعلى هذا فالجواب أن يقال: إن هذا إخبار عن قوم انتقلوا عن الكفر إلى الإيمان، وعن الإيمان إلى الكفر (... و .... [[هنا كلمة غير واضحة، ولعلها: "وتفحيش" أو "تقبيح".]]) لحالهم، وأفردوا بذكر نفي المغفرة عنهم، وإن كان الله تعالى لا يغفر كفرًا مرة واحدة، تخصيصًا بالوعيد، كتخصيص جبريل وميكائيل من جملة الملائكة بالذكر تشريفًا وتعظيمًا، كذلك جاء هذا في نقيضه، ولا فرق بين أن يقول: إن اليهود لا يغفر الله لهم، وبين أن يقول: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا لا يغفر الله لهم، لأنهم هم المعينون [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "المعنيون" بتقديم النون.]] بهذا الوصف. وأما من قال: إنه إذا كفر ثانيًا أخذ بالأول، فقد غلط [[هذا الحكم فيه نظر؛ لأنه تقدم الحديث الصحيح الذي يدل على أن من كفر بعد إسلامه، أخذ بالأول والآخر.]]، لأنه صار بالإيمان كمن لم يكفر، كما أن التائب من الذنب صار كمن لا ذنب له، فلا يؤاخذ به بعد أن ارتفع حكمه، كما لا يؤاخذ بما لم يعمله وإن عزم على عمله. وقال الكلبي: "لم يكن الله ليغفر لهم ما أقاموا على ذلك" [[انظر: "زاد المسير" 2/ 225، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.]]. وذلك أن الله تعالى أخبر أنه يغفر كفر الكافر إذا انتهى، فإذا أطلق القول بأنه لا يغفر لهم على [[هكذا في المخطوط، ولعلها: عُلم.]] أن المراد به ما أقاموا عليه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ قال الكلبي وغيره: سبيل هدى [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 أ، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.]]. وقال الزجاج: معنى ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين [["معانى القرآن وإعرابه" 2/ 120.]]. وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان، خلافًا لقول القدرية [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 ب، والقرطبي 5/ 416.]].

النساء 4:138

قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال المفسرون: إن المنافقين كانوا يتولون اليهود فألحقوا بهم في التبشير بالعذاب [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 431، و"الكشف والبيان" 4/ 133 ب.]]. ومعنى بشرهم: أخبرهم، وذكرنا هذا في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 25]. وقال أبو حاتم والزجاج: معناه: اجعل وضع إخبارهم بالعذاب الأليم موضع البشارة لهم، كقول عمرو: وخيلٍ قد دَلْفتُ لهم بخيلٍ ... تحية بينهم ضرب وجيع [[البيت في الكتاب 2/ 323، و"معاني الزجاج" 2/ 120، و"الكشف والبيان" 4/ 133 ب والخيل: الفرسان، ودلفت: زحفت، ورجيع: موجع. ووجيع.]] قال: والعرب تقول: تحيتك الضرب، وعتابك السيف [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 120، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 ب، و"زاد المسير" 2/ 226.]]. وقال بعضهم في وجه اتصال هذه الآية: أنَّ الذين ترددوا في الكفر هم كالمنافقين في التحير في الدين [[لم أقف على هذا القول. وقد قال ابن عطية: "في هذِه الآية دليل على أن التي قبلها إنما هي في المنافقين" "المحرر الوجيز" 4/ 262، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 373.]].

النساء 4:139

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ هذا من صفة المنافقين الذين تقدم ذكرهم. قال الكلبي: المراد بالكافرين ههنا: اليهود [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.]]. وقول عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾: يريد بني قينُقاع [[لم أقف عليه.]]. وأصل العزة في اللغة: الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز، ويقال: استعز عليّ المرض، إذا اشتد مرضه وكاد أن يهلك، وتعزز اللحم، إذا اشتد، ومنه: عز عليّ أن يكون كذا، بمعنى: اشتد، وعز الشيء، إذا قل حتى لا يكاد يوجد، لأنه اشتد مطلبه، واعتز فلان بفلان، إذا اشتد ظهره به، وشاة عزوز، تحلب بشدة لضيق أحاليلها. والعزة: القوة، منقولة عن الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوي المنيع، خلاف الذليل [[انظر: الطبري 5/ 329، و"معاني الزجاج" 2/ 120، 121، و"تهذيب اللغة" 3/ 2420، 2421 (عز)، و"زاد المسير" 2/ 227.]]. والكلبي فسر العزة في قوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ بالظهور على محمد وأصحابه [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 134 أ، و"زاد المسير" 2/ 226.]]. وهو راجع إلى معنى القوة، يعني: أيطلبون أن يتقووا بهم فيظهرون على المسلمين. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أي الغلبة والقوة، والمعنى أنه لا تطلق صفة العزة إلا لله -عز وجل- [[لعل المراد أن العزة على وجه الإطلاق لا تكون إلا لله.]]، لأنه لا يُعتد بعزة أحد مع عزته، لصغرها واحتقارها في صفة عزته؛ ولأنه المقوِّي لجميع من له القوة من خلقه، فجميع العزة له؛ لأنه عزيز بعزة، ومعز من عز من عباده بما خلق له من العزة، فله العزة جميعًا من كل وجه.

النساء 4:140

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ الآية. قال المفسرون: الذي نزّل في النهي عن مجالستهم ما نزل بمكة من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية [الأنعام: 68] وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن ويكذبون به فنهى الله عز وجل المسلمين [[من "الكشف والبيان" 4/ 134 أبتصرف، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 398، والبغوي 2/ 301، و"الكشاف" 1/ 305، و"زاد المسير" 2/ 228، و"الدر المنثور" 2/ 415.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها ، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات والمراد بالسماع الاستهزاء [[انظر: القرطبى 5/ 417، 418.]]. قال الكسائي: وهو كمال تقول العرب: سمعت عبد الله يُلام، وأتيت عبد الله يُلام، إنما سمع اللوم فأوقع على الملوم [[لم أقف عليه عن الكسائي، وانظر: القرطبي 5/ 418.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. أي يأخذوا في حديث غير الكفر والاستهزاء، فكنى عنه لأن الفعل يدل على المصدر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، قال ابن عباس: "يريد إنكم كافرون مثلهم" [[لم أقف عليه.]]. وهذا دليل على الوعيد لمن رضي بحالهم وما هم عليه من الكفر والاستهزاء [[انظر: الطبري 5/ 330.]]، أو من رضي بالكفر فهو كافر، ويدل على أن من رضي بمنكر وخالط أهله وإن لم يباشر ذلك كان في الإثم والمعصية بمنزلة المباشر، ألا ترى أن الله ذكر لفظ المماثلة في هذا الموضع [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 462، و"بحر العلوم" 1/ 398، والبغوي 2/ 301، والقرطبي 5/ 418.]]، وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾: "يريد وأنتم تسمعون وتجالسونهم ولا تغضبون" [[لم أقف عليه.]] فدل هذا أن النهي عن القعود معهم على الرضا بما هم عليه. فأما إذا قعد ساخطًا منكرًا لفعلهم فإنه لا يكون مثلهم [[لم أجد مثل هذا القول عند المفسرين، وهو خلاف ظاهر الآية.]]. وقال ابن عباس في قوله في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية [الأنعام: 68]: "دخل فيها كل مُحدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة" [["الكشف والبيان" 4/ 134 أ، وانظر: البغوي 2/ 301.]]. يريد أن من أحدث في الدين فقد خاض في آيات الله بالباطل. وقد ورد النهي في هذه الآية التي نحن فيه [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "فيها".]] عن القعود مع الذين يخوضون في آيات الله بالباطل، فلا يجوز القعود عند كل صاحب بدعة وإحداث في الدين، سيما في القرآن وتفسيره [[انظر: الطبري 5/ 330]]. وقال أهل العلم: إنما ورد النهي عن القعود مطلقًا، لأن (المجالسة) [[هذه الكلمة غير واضحة في المخطوط، وما أثبته قريب.]] مع قوم يقتضي المؤانسة والمشاركة فيما يجرى من المحادثة، هذا هو الغالب في العادة، وقيل من يُجالس قومًا منكرًا عليهم بأخطاء لما يجري بينهم. وكل من تمكن من إزالة منكر يرى قومًا عليه كان واجبًا عليه الإزالة وإذا لم يتمكن فالأولى أن يتباعد عنهم [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 398، والقرطبي 5/ 418.]]، فإن لم يتباعد مع سخطه لما يرى لم يضره إن شاء الله [[هذا مخالف لظاهر هذه الآية من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ يريد أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بالآيات يجتمعون في جهنم على العذاب. وأراد (جامعٌ) بالتنوين، لأنه لم يجمعهم قبل، ولكن حذف التنوين استخفافًا من اللفظ: وهو مراد في المعنى [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 462.]]، وقد تقدمت نظائره.

النساء 4:141

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ الآية. وهذا أيضًا من صفة المنافقين. والتربص بالشيء أن ينتظر به يومًا [["العين" 7/ 120، و"تهذيب اللغة" 2/ 1344 (ربص)، وفي الأخير: "يومًا ما".]]، قال الشاعر: تربَّص بها ريبَ المنونِ لعلها ... تُطَلَّق يومًا أو يموتُ حَليلُها [[في المخطوطة: "أخليلها"، والظاهر أنه تصحيف، انظر: "لسان العرب" 3/ 1558 (ربص). ولم أقف على قائل هذا البيت.]] قال الكلبي: ينتظرون بكم الدوائر. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: ظهور على اليهود. ﴿قَالُوا﴾ للمؤمنين. ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي أعطونا من الغنيمة. قاله المفسرون [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.]]. ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ﴾ يعني اليهود. قاله الكلبي [[الطبري 5/ 331، و"بحر العلوم" 1/ 398، و"الكشف والبيان" 4/ 134 ب.]]. ﴿نَصِيبٌ﴾ قال ابن عباس: يريد ظفر على المسلمين [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.]]. ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ قال الفراء. استحوذ عليهم، أي: غلب عليهم [["تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ)، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 134 ب.]]. وقال الليث: استحوذ عليه الشيطان، إذا غلب عليه [["العين" 3/ 284، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ).]]. وقال أبو طالب: يقال أحوذ الشيء، إذا جمعه وضمه، ومنه يقال: استحوذ على كذا، إذا حواه [["تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ) ولم يتبين من هو أبو طالب القائل.]]، قال لبيد: إذا اجتمعت وأحوذَ جانبيها ... وأورَدَها على عُوجٍ طِوَالِ [[شعره ص 86، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ).]] هذا هو الأصل، ثم جعلوا الاستحواذ بمعنى الاستيلاء على الشيء، لأن المستولي على الشيء بمنزلة المحيط به، وكذلك يقال: حاز الحمار أتنه إذ استولى عليها وجمعها [["تهذيب اللغة" 1/ 694.]]، ومنه قول العجاج: يحُوذُهن وله حُوذِيُّ [["ديوانه" ص 524، والطبري 5/ 332، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ).]] قال النحويون: هذا الحرف خرج على الأصل من بين نظائره إشعارًا بالأصل إذا استمر بالإعلال في نظائره، نحو استعاروا، واستطاروا، واستقام، وما أشبه ذلك. ويجوز: استحاذ يستحيذ على قياس: أطاب، وهو لغة [[انظر: الطبري 5/ 333، و"معاني الزجاج" 2/ 122، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 462، و"تهذيب اللغة" 1/ 694 (حوذ)، و"الكشف والبيان" 4/ 134 ب.]]. فأما معنى قوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ فقال فيه كثير من أهل المعاني والتفسير، الزجاج وغيره: ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم والإخبار بعورة محمد، ونطلعكم على سر المسلمين [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 122، وانظر: الطبري 5/ 332، و"بحر العلوم" 1/ 399، و"النكت والعيون" 1/ 537.]]. وهذا لا يظهر في تفسير هذا الحرف، إلا أن يقال: إن المنافقين غلبوا عليهم بهذا، حيث لم يقدروا هم على الاطلاع على عورة المسلمين ومعرفة أسرارهم إلا من جهة المنافقين، فهذا وجه لا يبعد. وأظهر من هذا ما قاله المبرد، وهو أنه قال: معناه ألم نغلبكم على رأيكم ونصرفكم عن الدخول في جملة لمؤمنين [[انظر: البغوي 2/ 302، و"زاد المسير" 2/ 229.]]؟ وقوله تعالى: ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: (بتخذيلهم) عنكم، ومراسلتنا إياكم بأخبارهم. قال أهل المعاني: ومراد المنافقين بهذا الكلام إظهار المنّة على الكافرين، أي: فاعرفوا لنا الحق في هذا عليكم [[انظر: "زاد المسير" 2/ 229.]]. وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يريد المؤمنين والمنافقين. قال ابن عباس: يريد أنه أخّر عقاب المنافقين إلى الموت ووضع عنهم السيف في الدنيا [[انظر: "زاد المسير" 2/ 230.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]. أي حجة يوم القيامة. قاله ابن عباس والسدي، وهو قول علي -رضي الله عنه-، أن المراد بهذا في القيامة [[أخرج الآثار عن الثلاثة: الطبري 5/ 333، 334، وانظر: "زاد المسير" 2/ 230.]]؛ لأنه عطف على قوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال أهل المعاني: وذلك أن الله تعالى يُظهر ثمرة إيمان المؤمنين ويصدّق موعودهم، ولم يشركهم الكفار في شيء من اللذات كما شاركوهم اليوم، حتى يعلموا أنَّ الحق معهم دونهم [[جاء عن علي وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما، أن ذلك كائن يوم القيامة وفي الآخرة. انظر: الطبري 5/ 333، 334، و"بحر العلوم" 1/ 399، و"النكت والعيون" 1/ 537 - 538، والبغوي 2/ 302.]].

النساء 4:142

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: "يريد في الدنيا" [[لم أقف عليه.]]. والمعنى: أنهم يعملون عمل المُخادع بما يظهرونه ويبطنون خلافه من النفاق. وقال الزجاج: أي: يخادعون (النبي) [[في المخطوط: "الشيء"، وهو تصحيف ظاهر كما يدل عليه باقي الكلام، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 122.]] بإظهارهم الإيمان وإبطانهم الكفر، فجعل الله عز وجل مخادعة النبي مخادعة (الله) [[هكذا في المخطوط، والصواب: له، أو لله، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 123.]]، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: 10] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 122، 123.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي مجازيهم بالعقاب علي خداعهم [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 135 أ، والبغوي 2/ 302.]]. وقال ابن عباس والمفسرون: وهو خادعهم في الآخرة، وذلك أنهم يُعطون نوراً كما يُعطى المؤمنون، فإذا مضوا على الصراط طفى نورهم وبقوا في الظلمة [[عن ابن عباس بمعناه في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101. وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي وعامة المفسرين. انظر: الطبري 5/ 334، و"الكشف والبيان" 4/ 135 أ، والبغوي 2/ 302، و"زاد المسير" 2/ 231.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ﴾. قال ابن عباس: "يريد مع المؤمنين" [[لم أقف عليه.]]. ﴿قَامُوا كُسَالَى﴾ أي: متثاقلين متباطئين [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.]]. وهو معنى الكسل في اللغة. قال ابن عباس: "أي لا يرجون لها ثوابًا، ولا يخافون على تركها عقابًا" [[لم أقف عليه، انظر: "زاد المسير" 2/ 231.]]. ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ معنى الرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله. قال المفسرون: يراؤون الناس بصلاتهم لكي يراهم الناس مصلين، لا يريدون بها وجه الله [[انظر: الطبري 5/ 335، و"الكشف والبيان" 4/ 135 ب، و"الدر المنثور" 2/ 417.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: "يقول إذا سمع الذاكر لله ومن يخافه ذكره معه، وأما وحده فلا يذكر الله" [[لم أقف عليه.]]. وقال الحسن: "إنما قل ذلك؛ لأنهم يعملونه رياءً وسمعة، ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيراً" [[أخرجه بمعناه الطبري 5/ 335، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 135 ب، و"زاد المسير" 2/ 232، و"الدر المنثور" 2/ 417.]]. وقال قتادة: إنما قل لأن الله لم يقبله، وما رد الله فهو قليل، وما قبله فهو كثير [[أخرجه الطبري 5/ 335، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 135 ب، و"زاد المسير" 2/ 232، و"الدر المنثور" 2/ 417.]]. وقال بعض أهل المعاني: أي: إلا يسيرًا من نحو التكبير وما يظهر، دون القراءة والتسبيح، لأنهم يعملونه للناس [["النكت والعيون" 1/ 538، وانظر: "زاد المسير" 2/ 232.]].

النساء 4:143

قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الآية. يقال: ذبذبه فتذبذب، أي: حركه فتحرك، وهو كتحريك شيء معلق بين السماء والأرض، ولهذا تسمى معاليق الهودج ذباذب [[انظر: "العين" 8/ 178، و"تهذيب اللغة" 2/ 1265، و"اللسان" 3/ 1485 (ذبب).]]، ويسمى الفرج ذبذبًا (لتحرك لا يتذبذب) [[هكذا في المخطوط، ولعله تصحيف، وقد جاء في "العين" 18/ 178 (ذب): "الذباذب ذكر الرجل، لأنه يتذبذب أي يتردد"، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1266، و"اللسان" 3/ 1485 (ذبب).]]، يقال: ذبذبه، أي: جعله يضطرب، فتذبذب أي: اضطراب [[انظر: الطبري 5/ 335، و"زاد المسير" 2/ 232.]]، قال النابغة: ألم ترَ أن الله أعطاكَ سورةً ... ترى كُلَّ مَلْكٍ دونَها يتذَبْذَبُ [["ديوانه" ص 65، والطبري 5/ 335.]] وقوله تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾. أي: بين الكفر والإيمان، أو بين الكافرين والمؤمنين [[انظر: الطبري 5/ 336.]]. وذلك يشار به إلى الجماعة. وقد ذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بأبلغ شرح [[انظر: [البقرة: 68].]]. وذكر الكافرين والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ [النساء: 139] الآية، وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر والإيمان. قال ابن عباس: "يريد لا كافر ولا مؤمن" [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.]]. وإنما أراد ابن عباس لا كافر ظاهر الكفر، بدليل قول السدي: ليسوا بمشركين مُصرِّحين الشرك [[هكذا، وقد تكون: "بالشرك".]]، وليسوا بمؤمنين [[أخرجه بنحوه الطبري 5/ 336.]]. وقول قتادة: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين الشرك [[أخرجه الطبري 5/ 336، وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 8/ 412 وفيه: "مصرحين بالشرك".]]. قال أهل المعاني: معنى ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ مترددين بين الكفر والإيمان، لا إلى المؤمنين بإخلاص الإيمان، ولا إلى المشركين فيخلصوا الشرك على الإظهار والإبطان [[انظر: الطبري 5/ 336، و"الكشف والبيان" 4/ 135 أ.]]. والمُذبذب المتردد المتحرك، ويكون ذلك بتحريك الغير، ولا أحد فعل ذلك إلا الله تعالى فهو قد ذبذبهم، وصيّرهم مترددين يتذبذبون. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى الفريقين الذين تقدم ذكرهما، وهما الكافرين والمؤمنين [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 135ب. وهكذا جاء التعبير بالنصب "الكافرين والمؤمنين" والظاهر الرفع: "وهما الكافرون والمؤمنون" على أنه مبتدأ وخبر.]]. وقد ذكرنا أنَّ المراد بالكافرين في هذه القصة اليهود. فإن قيل: كيف يجوز أن يُذموا بأنهم لا إلى الكافرين، وهم لا يستحقون المدح، وإن صاروا إليهم بإظهار الكفر. والجواب: أنهم تركوا ذلك الكفر بكفر أشر منه وأوضع لصاحبه، وذلك أن المنافق أشرّ من المجاهر بالكفر، والمجاهر أحسن حالًا منه، لأن المجاهر يُرجى [[في المخطوط (يرجا) بالمحدودة.]] فلاحه بالاستدعاء إلى الحق، والمنافق ميئوس منه، فجاز أن يُذموا بترك كفر إلى كفرٍ أوضع منه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ قال ابن عباس: "يريد من أضله الله فلن تجد له دينًا" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.]].

النساء 4:144

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. قال المفسرون: لما ذم الله المنافقين بأنهم مرة إلى الكفار ومرة إلى المسلمين من غير أن يقرُّوا مع أحد الفريقين، نهى المسلمين في هذه الآية أن يصنعوا كصنيع المنافقين فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني [[في المخطوط معنى، بالميم بدل الياء.]] اليهود من قريظة والنضير [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 399، و"زاد المسير" 2/ 233.]]. وذلك أنَّ الأنصار بالمدينة كان لهم رضاع وحلف ومودة، فقالوا لرسول الله ﷺ: من نتولى [[في المخطوط: يتولى.]]؟ فقال: "المهاجرين"، ونزلت هذه الآية. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: "كانوا يظهرون المودة للمشركين الذين بمكة، فنهاهم الله (ذلك) [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: عن ذلك.]] " [[هذا الأثر عن مقاتل لم أقف عليه.]]. فعلى هذا المراد بالكافرين المشركون، والقول الأول أظهر. ومعنى الولي الذي يتولى صاحبه بالنُّصرة. وقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. قال ابن عباس: "يريد حجة بينة" [[عزاه إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في "الدر المنثور" 2/ 418.]]. وقال قتادة: "عذرًا مبينًا" [[أخرجه الطبري 5/ 337.]]. والمعنى: أَتُرِيدونَ أَن تَجْعَلُواْ لله عَلَيْكُمْ في عقابكم حجة بموالاة الكفار، أي: أنكم إذا واليتموهم صارت الحجة عليكم في العقاب.

النساء 4:145

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ اختلفوا في معنى الدرك، فقال شمر: الدَّرك أسفل كل شيء ذي عمقٍ، كالرَّكيَّة ونحوها [["تهذيب اللغة" 2/ 1176 (درك).]]. وقال أبو عدنان [[لم أقف له على ترجمة.]]: درك الرّكيَّة: قعرها الذي أُدرك فيه الماء [["تهذيب اللغة" 10/ 110 (درك).]]. وقال الليث: الدَّرك: أقصى قعر الشيء، كالبحر ونحوه [["العين" 5/ 327، و"تهذيب اللغة" 10/ 110 (درك).]]. فعلى هذا المراد بالدرك الأسفل أقصى قعر جهنم. وبهذا قال ابن عباس، فقال: معناه في أسفل النار [["تفسيره" ص (163)، وأخرجه من طريق علي: الطبري 9/ 339.]]. وكذلك قال عكرمة [[لم أقف عليه]]. وقال آخرون: الدَّرك: الطبق من أطباق جهنم. رواه ثعلب عن ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" 10/ 110 (درك)]]. وقال الليث: الدَّرك: واحد من أدراك جهنم من السبع [["العين" 5/ 327، و"تهذيب اللغة" 10/ 110 (درك)]]. وأصل هذا من الإدراك، بمعنى اللحوق، ففيه إدراك الطعام وإدراك الغلام، فالدرك ما يلحق من الطبقة [[انظر: "العين" 5/ 328، و"تهذيب اللغة" 10/ 110 (درك)]]. والظاهر أن جهنم طبقات، السفلى أشدها. قال الأخفش وأبو عبيدة: جهنم أدراك، أي منازل، وكل منزلة منها درك [["مجاز القرآن" 1/ 242، ولم أجده عن الأخفش.]]. وقال الضحاك: (الدَّرج) إذا كان بعضها فوق بعض، و (الدَّرك) إذا كان بعضها أسفل من بعض [[لم أقف عليه.]]. وقال ابن جُريج: "سمعنا أن جهنم أدراك" [[أخرجه الطبري بسنده 5/ 338، ولكن بالسياق واللفظ التالي: " ... عن ابن جريج قال: قال لي عبد الله بن كثير: قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]. قال: سمعنا أن جهنم أدراك، منازل".]]. وقال الفراء: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ أي: في أسفل درج النار [["معاني القرآن" 1/ 292، وانظر: "الزاهر" 1/ 518، و"تهذيب اللغة" 10/ 110 درك.]]. واختلف القراء في (الدَّرك)، فقرئ بفتح الراء وجزمه [[قرأ بسكون الراء عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: "الحجة" 3/ 188، و"المبسوط" ص 159.]]. قال الفراء: هما لغتان، وجمعهما أدراك [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 292، و"تهذيب اللغة" 2/ 1177 (درك)]]. وقال الزجاج: اللغتان جميعًا حكاهما أهل اللغة، إلا أن الاختيار فتح الراء، لأنه أكثر في الاستعمال [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 124 يتصرف، وانظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 1/ 401.]]. وقال أبو حاتم: جمع الدَّرَك: أدراك: كقوله: أجمال وأفراس، في جمع جمل وفرس. وجمع الدَّرْك: أدْرُك، مثل: أفلُس وأكلب [[لم أقف عليه.]]. قال أبو علي: هما لغتان في الكلمة، مثل: الشَّمَع والشّمَع -في الصحيح-، والقصّ والقصصَ -في المضاعف-، والعيب والعاب، والذيم والذَّام -في المعتل [["الحجة" 3/ 188.]]. قال أبو بكر ابن الأنباري: قد قال الله تعالى في المنافقين: إنهم في الدرك الأسفل من النار، وقال في آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] فأيهما أشد عذابًا، المنافقون أم آل فرعون؟ قيل: الدرك الأسفل يجوز أن يكون هو أشد العذاب، فسمي باسمين مختلفين، كما يقول القائل: أدخل فلانًا المطبق، ثم يقول بعد ذلك: أدخله أضيق المجالس وأشدها، فيكون هذا موافقًا للأول، غير مخالف له [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي مانعًا يمنعهم من عذاب الله، من جهة شفاعة أو غير ذلك من وجوه النصر المتوهم أنه ينفعهم. قاله الزجاج وغيره [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 124.]].

النساء 4:146

قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ قال المفسرون: من النفاق، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ العمل [["الكشف والبيان" 4/ 136 ب، وانظر: الطبري 5/ 339.]]. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ وثقوا به والتجأوا إليه [["الكشف والبيان" 4/ 136 ب، وقال بعض المفسرين أن معنى ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي تمسكوا بدينه ووفوا بعهده. انظر: الطبري 9/ 341، و"بحر العلوم" 1/ 400.]]. ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ من شائب رياء الناس [[انظر: "زاد المسير" 2/ 235.]]. قال علي -رضي الله عنه-: "إن المنافقين أشر من كفر بالله، وأولاهم بمقته، وأبعدهم من الإنابة إليه، لأنه شرط عليهم في التوبة الإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك على غيرهم، ثم شرط الإخلاص، لأنَّ النفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب" [[لم أقف عليه عن علي، وجاء نحوه في "تأويل مشكل القرآن" ص 7، و"بحر العلوم" 1/ 400.]]. ثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن قتيبة: حاد عن كلامهم غيظًا [[في "الكشف والبيان" 4/ 136 ب: "غيظًا عليهم".]]، ولم يُقل: فأولئك المؤمنون، أو من المؤمنين [["تأويل مشكل القرآن" ص 7، 8، و"الكشف والبيان" 4/ 136 ب.]]. قال ابن عباس في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: "يريد أدنى منهم" [[لم أقف عليه.]]. ثم أوقع أجر المؤمنين، لانضمام المنافقين إليهم فقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

النساء 4:147

قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ الآية. ههنا استفهام، معناها التقرير على معنى أنه لا يُعذِّب الشاكر المؤمن [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" 1/ 211، و"زاد المسير" 2/ 235، و"الدر المصون" 4/ 133.]]. قال قتادة: "لا يعذب الله شاكرًا ولا مؤمنًا" [[أخرجه الطبري 5/ 340.]]. قال الكلبي: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ يعني المنافقين [[لم أقف عليه.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: ما يريد الله بعذاب خلقه [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ﴾ أي: إن عرفتم [[هكذا هذه الكلمة في المخطوط، والظاهر: "اعترفتم".]] بإحسانه وإنعامه. ﴿وَآمَنْتُمْ﴾ قال ابن عباس: "يريد يثيبه [[هكذا في المخطوط ولا معنى له، والظاهر أنها: "بنبيه".]] " [[لم أقف عليه.]]. قال أهل العلم: هذا على التقديم والتأخير، أي: إن آمنتم وشكرتم؛ لأنَّ الإيمان يُقدَّم على سائر الطاعات، ولا تنفع طاعة دون الإيمان [["الكشف والبيان" 4/ 136 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ معناه أنه يزكو عند [[هكذا في المخطوط، والظاهر: "عنده".]] القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم الجزاء. من قول العرب: دابة شكور، إذا كان يكفيه للسِّمن العلف القليل [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1911، و"الكشف والبيان" 4/ 137 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿عَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: "أي: بنياتكم" [[لم أقف عليه، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 400.]]. وقال الكلبي: وكان الله شاكرًا للقليل من أعمالكم، عليمًا بأضعافها لكم [[لم أقف عليه ، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 400، و"الكشف والبيان" 4/ 137 أ.]]. وقال أبو روق: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ مجازيًا، يجازي على القليل الجزيل [[لم أقف عليه.]].

النساء 4:148

قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قال أهل المعاني: ولا غير الجهر أيضًا، ولكن يشبه أن تكون الحال أوجبت هذه القضية، كقوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: 94] والتبيُّن واجب في الظعن والإقامة، ولكن الحال أوجبت ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. اختلفوا في وجه هذا الاستثناء: فأبو عبيدة ذهب إلى أن هذا من باب حذف المضاف، على تقدير: إلا جهر من ظلم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 142.]]. وذهب الزجاج إلى أن المصدر ههنا بمعنى الفعل، على معنى: لا يحب الله أن يُجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم، فيكون (من) رفعًا بدلًا من معنى أحد، المعنى: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا المظلوم. ويجوز: إلا المظلوم أيضًا بالنصب، كقولك: ما جاءني أحد إلا زيد رفعًا، وهو الأجود، و: إلا زيدًا جائز [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 126.]]. والذي ذكره الزجاج من أن المراد بالمصدر الفعل، هو قول الفراء أيضًا [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 293.]]، وذكرا جميعًا وجهًا آخر، وهو أن يكون: (إلا من) استثناء منقطعًا من الأول، ويكون موضعه نصبًا؛ لأنه استثناء ليس من الأول، والمعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن المظلوم يجهر بظلامته تشكيًا [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 293، و"معاني الزجاج" 2/ 125، 126]]. وقرأ جماعة من الكبار -الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير-: إلا من ظَلم، بفتح الظاء [[انظر: الطبري 1/ 3، والقرطبي 3/ 6.]]، ويكون الاستثناء منقطعًا، ويكون قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:148] كلامًا تامًا، ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ على معنى: لكن من ظلم فدعوه وخلوه. قاله الفراء [["معاني القرآن" 1/ 293.]]. وقال الزجاج: لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء من القول ظلمًا واعتداءً. قال: ويجوز أن يكون المعنى: لكن من ظلم اجهروا له بالسوء من القول [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 126.]]. قال الفراء: ومثله مما يجوز أن يُستثنى الأسماء وليس قبلها شيء ظاهر قولك: إني لأكره الخصومة والمراء، اللهم إلا رجلاً، يريد بذلك الله، فجاز استثناء الرجل ولم يذكر قبله شيء من الأسماء، لأن الخصومة والمراء لا يكونان إلا من الآدميين [["معاني القرآن" 1/ 294.]]. فأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد الضيافة، ينزل الرجل بالرجل عنده سعةٌ فلا يضيفه، فإن تناوله بلسانه فقد عذره الله" [[لم أقف عليه.]]. وهذا قول مجاهد [[انظر: الطبري 6/ 3، و"الكشف والبيان" 4/ 137 ب، و"النكت والعيون" 1/ 431، والقرطبي 6/ 2.]] وسعيد بن المسيب [[لم أقف على قوله.]] وجميع أهل المعاني [[أهل المعاني يقولون بعموم الآية في الظلم دون خصوصها بنقص حق الضيف. انظر: الطبري 6/ 3، و"معاني الزجاج" 2/ 125، 126، و"الكشف والبيان" 4/ 127 ب.]]. وزعم مجاهد أن ضيفًا تضيف قومًا فأساءوا قراه، فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصةً في أن يشكو [[أخرجه الطبري 6/ 2.]]. وذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذه الآية عامة في كل مظلوم، وله أن ينتصر من ظالمه بالدعاء عليه. يُروى ذلك عن ابن عباس [["تفسيره" ص 163، وأخرجه من طريق ابن أبي طلحة أيضًا: الطبري 6/ 1.]] وقتادة والحسن والسدي [[أخرج الآثار عنهم: الطبري 6/ 1، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 431، و"زاد المسير" 2/ 238.]] وابن زيد [[لم أقف عليه.]] ويمان بن رئاب [[لم أقف عليه.]]. قال العلماء: للمظلوم أن يشكو من ظالمه إذا صدق في شكايته، وله أن يدعو عليه بما لا يعتدي فيه، مثل أن يقول: اللهم استخرج حقي منه، اللهم حِلْ بينه وبين ما يريد من الظلم، اللهم اكفني شره [[أخرج الطبري 6/ 1 عن الحسن أنه قال في هذِه الآية: "هو الرجل يظلم الرجل فلا يدْع عليه، ولكن ليقل: "اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد".]]. فإن قذف إنسانٌ غيره، فليس للمقذوف، أن يقابله بمثل ذلك [[انظر: القرطبي 6/ 2.]]، وإنما يحل له الانتصار منه بالتعزير ورفع الصوت عليه بالتظلم منه، وقد قال رسول الله ﷺ: "المستبان [[في المخطوط: "المستبان".]] شيطانان" [[أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" 4/ 162، وصححه الألباني. انظر: "صحيح الجامع" 6/ 15 (6696).]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: "سميعًا لقول المظلوم الضيافة، عليمًا بما في قلبه" [[لم أقف عليه.]]. قال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ التحذير من التعدي في الجهر الذي أذن فيه بما يظهر أو يضمر، فليتق الله ولا يقل إلا الحق، ولا يقذفه مستورًا فإنه عاص بذلك، والله سميع لما يقوله، عليم بما يضمره [[انظر: الطبري 6/ 4، و"زاد المسير" 2/ 239، والقرطبي 6/ 4 و"البحر المحيط" 3/ 385.]].

النساء 4:149

قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ قال ابن عباس: "يريد من أعمال البر، مثل: الصدقة والضيافة والصلة" [[انظر: "زاد المسير" 2/ 239، و"البحر المحيط" 3/ 385.]]. ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ قال: "يريد يأتيك من أخيك المسلم، أو من قريبك، أو من ولدك، أو من زوجتك" [[لم أقف عليه، وانظر: "الوسيط" 2/ 754.]]. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ لمن عفا، متجاوزًا لذنوبه. ﴿قَدِيرًا﴾ على ثوابه [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 138 أ.]]. وقال الحسن: " ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ عن ذنوب العباد، إذ لم يُعجِّل عليهم بالعقوبة، ﴿قَدِيرًا﴾ على العفو" [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي: معناه: أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك [[لم أقف عليه.]].

النساء 4:150

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني اليهود، آمنوا بموسى وعزير والتوراة، وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد ﷺ والقرآن [[انظر: "زاد المسير" 2/ 240، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 102. وهو نحو قول قتادة والسدي. انظر: الطبري 6/ 6.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ معناه: يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله ورسله، وذلك لا يصح لهم؛ لأن الإيمان برسله إيمان به من حيث دعوا إلى طاعته (.. [[ما بين القوسين كلمة غير واضحة، وقد تكون: "ودينه".]] ..) وحاولوا من ذلك ما لا يمكنهم، لأنه [[هكذا في المخطوط، ولعلها: "ولأنه".]] لا يصح الإيمان بالله والتكذيب برسله، أو ببعض منهم، وإنما لم يصح التصديق ببعض الأنبياء دون بعض؛ لأن كل نبي قد دعا إلى تصديق من بعده من الأنبياء، فإذا كذبوهم فقد كذبوا من تقدم منهم [[انظر: الطبري 6/ 5، و"الوسيط" 2/ 754.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي بين إيمان بعض الرسل وكفر بعض دينًا يدينون الله به. وقال أهل المعاني: يريدون أن يتخذوا مذهبًا يذهبون إليه، ويحملون الناس عليه تآمرًا وتراميًا عليهم [[انظر: "الوسيط" 2/ 754، و"زاد المسير" 2/ 240]].

النساء 4:151

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ معنى ذكر حق ههنا التأكيد لكفرهم، إزالة لتوهم أنَّ إيمانهم ببعض الرسل يزيل عليهم [[هكذا في المخطوط، والظاهر أنها: "عنهم".]] إطلاق اسم الكفر على الحقيقة [[انظر: "زاد المسير" 1/ 240، و"البحر المحيط" 3/ 385.]]. وانتصب (حقًّا) على مثل قولك: زيد أخوك حقًّا، وهو تأكيد للخبر، لأنك إذا قلت: زيد أخوك، فقد أخبرت بأخوة زيد، فإذا قلت: حقًّا، أكدت ما أخبرته، فكأنك قلت: أخبرتك بأخوة زيدٍ إخبارًا حقًّا [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 466، و"البحر المحيط" 3/ 385.]]. ولا يجوز أن ينتصب على معنى: كفروا كفرًا حقًّا، لأن الكفر لا يكون حقًّا على وجه من الوجوه [[قال أبو حيان على هذا القول للمؤلف: "ولا يلزم ما قال أنه لا يراد بـ (حقا) الحق الذي هو مقابل الباطل، وإنما المعنى أنه كفر ثابت متيقن". "البحر المحيط" 3/ 385.]].

النساء 4:152

ثم نزل في المؤمنين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ إلى آخر الآية.

النساء 4:153

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال المفسرون: إنَّ اليهود قالوا للنبي ﷺ: إن كنت صادقًا أنك نبي ائتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى، فأنزل الله هذه الآية [[انظر: الطبري 6/ 7، و"بحر العلوم" 1/ 4014، و"الكشف والبيان" 2/ 138أ، و"أسباب النزول" للمؤلف ص189، و"لباب النقول" ص85.]]. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ يعني السبعين الذين ذكرنا قصتهم عند قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ يعني الذين خلفهم موسى مع هارون حين خرج لميقات ربه [[انظر: الطبري 6/ 9.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يريد: العصا، واليد، وفلق البحر [[انظر: "الوسيط" 2/ 756.]]. ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ أي: لم يستأصل عبدة العجل [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 402، و"الوسيط" 2/ 756، وفيه: "لم نستأصل ... " بالنون.]]. ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجةً بينة، قوي بها على من ناوأه [[ناوأه أي عاداه.]]

النساء 4:154

قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ معناه: بأخذ ميثاقهم، وذلك أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة، فرفع الله جبلًا فوقهم حتى قبلوا، وأخذ ميثاقهم، والجبل فوقهم. وقد بينا هذا في سورة البقرة بيانًا شافيًا [[انظر: [البقرة: 63].]]. وتأويل قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي: بأخذ ميثاقهم، فالمعنى: بسبب أخذ ميثاقهم، ثم حذف المضاف [[انظر:"الكشاف" 1/ 310، و"الدر المصون" 4/ 120.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ مضى بيانه في سورة البقرة [[انظر: [البقرة: 58].]]. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: لا تعتدوا باقتناص السمك فيه، قاله المفسرون [[انظر: الطبري 6/ 9، و"الكشف والبيان" 4/ 138 ب، و"البحر المحيط" 1/ 402.]]. يقال: عدا عليه أشدَّ العُدْوِّ والعَدْوِ والعَدَاء والعُدْوَان، أي: ظلمه وجاوز الحد، ومنه قوله: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ [الأنعام: 108] [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2347 (عدو).]]. واختلف القراء في هذا الحرف، فقرأ (ابن كثير) [[هكذا في المخطوط، والصواب: "الكثير" لأن هذِه القراءة لجميع السبعة غير نافع. انظر:"السبعة" ص 240، و"الحجة" 3/ 190.]] (تَعْدُوا) ساكنة العين خفيفة [["السبعة" ص 240، و"الحجة" 3/ 190، و"الكشف والبيان" 1/ 402.]]، وحجتهم قوله في هذه القصة: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: 163] وقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾ [المؤمنون: 7] [["الحجة" 3/ 190، وانظر: "الكشف والبيان" 1/ 402.]]. وقرأ نافع (لا تعْدُّوا) ساكنة العين، مشددة الدال [[برواية قالون. "السبعة" ص 240، و"الحجة" 3/ 190، و"الكشف والبيان" 1/ 401.]]، أراد: لا تعتدوا، وحجته قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: 65] فجاء في هذه القصة بعينها: افتعلوا، ثم أدغم التاء في الدال، لتقاربهما، ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر [["الحجة" 3/ 191.]]. وكثير من النحويين يُنكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مُدغمًا ، ولم يكن الأول حرف لين، نحو: دابةٍ، وشابةٍ، وثُمُودَّ الثوبُ، وقيل لهم. ويقولون: إن المد يصير عوضًا عن الحركة، وقد قالوا: ثوبْ بكر، وجيبْ بكر، والمد الذي فيهما أقل من المد الذي يكون فيهما إذا كان حركة ما قبلهما منهما [[في المخطوط أفراد الضمير، وما أثبته هو الموافق لما في "الحجة" 3/ 191.]]، وساغ فيه [[في "الحجة": وساغ فيه وفي نحو: "أصيم ومديق ودويبة".]]، ومعنى قولنا: إذا كان حركة ما قبلهما منهما هو أن دابة حركة ما قبل حرف اللين الفتح، والفتحة من الألف وليس كذلك في ثوب بكر، لأن حرف اللين الواو والفتحة ليست من الواو، وجاز: ثوب بكر، بإلإدغام، كما جاز: دابة، وشابة، وان لم يكن في: ثوب بكر، من المد ما في: دابة، وشابة. وكذلك قولهم في تصغير صم: أُصَيْمّ ومدْيقٍّ، ودويبة [["الحجة" 3/ 190 بتصرف، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 322 و"الكشف" 1/ 402.]]. فإذا جاز ما ذكرنا مع نقصان المد الذي فيه، لم يمتنع أن يجمع بين ساكنين في نحو: (تعدُّوا)، و (تَخْطّف) لأن الساكن الثاني لما كان يرتفع اللسان عنه وعن المدغم فيه ارتفاعة واحدة، صار بمنزلة حرف متحرك [["الحجة" 3/ 191.]]. وروى ورش [[هو أبو سعيد عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمر القبطي القرشي، مولى آل الزبير، أحد الرواة عن نافع، وقد لقبه نافع بورش لشدة بياضه. كان شيخ الإقراء بالديار المحصرية، ولد سنة 110 هـ ومات رحمه الله سنة 197هـ. انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 63، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 295، و"البداية والنهاية" 10/ 240، و"غاية النهاية" 1/ 502.]] عن نافع: (لا تعَدُّوا) بفتح العين [["السبعة" ص 240، و"الحجة" 3/ 190.]]، وذلك أنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين [[انظر: "الكشف" 1/ 402، و"البحر المحيط" 3/ 388]]. وذهب بعض المتأولين إلى أن قوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ من العدو بمعنى الحضر [[هكذا بالضاد، ولعل الصواب: "الحظر" بالظاء.]]، والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت، كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم، وقد قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾: "يريد لا تعملوا شيئًا من الأعمال يوم السبت صغيرًا ولا كبيرًا، اقعدوا في منازلكم فأنا الرزاق أرزقكم رغدًا" [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا﴾ قال ابن عباس: "يريد عهدًا مؤكدًا في النبي ﷺ" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 102.]].

النساء 4:155

قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (ما) ههنا صلة مؤكدة، ومعني التأكيد بها: تفخيم شأن ما دخلت عليه بتكثير اللفظ بها. قال الزجاج: ومعنى (ما) التوكيد، أي: فبنقضهم ميثاقهم حقًّا. قال: الجالب للباء والعامل فيها قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160] المعنى: بنقضهم ميثاقهم والأشياء التي ذكرت بعده حرمنا عليهم طيبات [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 127.]]. وهذا القول حسن؛ لأنَّ هذه القصة امتدت إلى قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْم﴾ وبدل وتفسير لما ذكر من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ و ﴿وَكُفْرِهِمْ﴾ و ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ و ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى﴾ وهذا كله ظلم من اليهود [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 127.]]. وقال بعضهم: الجالب للباء محذوف، على تقدير: فبما نقضهم وكفرهم وقتلهم لعناهم وسخطنا عليهم. وهذا يُروى عن قتادة [[أخرجه الطبري 6/ 11.]]. ويكون الدليل على هذا المحذوف قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾؛ لأن الطبع على قلوبهم قد دل على معنى اللعن لهم والسخط عليهم. والقول هو الأول. وباقي الآية إلى قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ قد سبق تفسيره فيما مضى من الكتاب [[تقدم في مواضع من سورة البقرة.]]. وقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ قال ابن عباس: "يريد ختم الله عليها" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 103.]]. قال أبو إسحاق: معنى طبع في اللغة وختم واحد [["تهذيب اللغة" 3/ 2161 (طبع).]]. ومضى الكلام في ختم [[انظر: [البقرة: 7].]]، ويقال: طبع الله على قلب الكافر، أي: ختم عليه فلا يعي وعظًا ولا يوفق لخير [["تهذيب اللغة" 3/ 2161، و"مقاييس اللغة" 32/ 438 (طبع).]]. قال الحسن: إن بين الله وبين العبد حدًا، إذا بلغه طبع على قلبه، فلم يوفق لخير [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ قال الزجاج: جعل الله مجازاتهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 127.]]. وهذا كقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: 88]، وقد مرّ. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: "يريد الذين آمنوا منهم" [[انظر: "زاد المسير" 2/ 243، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 103.]]. وقد استقصينا هذا عند قوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: 88]. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

النساء 4:156

قولهَ تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ يعني: بالمسيح، جحدوا أنه نبي. قاله ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" ص 103.]]. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حين "رموها بالزنا" [["تفسير ابن عباس" ص (163)، وأخرجه الطبري 6/ 12، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 39 أ.]]. وزعموا أن عيسى لغير رشده [[من قوله: "وزعموا" ليس من الأثر عن ابن عباس، ويحتمل أن المراد به أنه لما تكلم عيسى عليه السلام وهو في المهد زعموا أنه لم يرشد ولم يعقل بعد، والله أعلم.]] وذكرنا معنى البهتان في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ [النساء: 112].

النساء 4:157

قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ الآية. اليهود تدعى أنهم قتلوا عيسى بن مريم، وقد كذبوا في ادعائهم ذلك، واستحقوا على هذه الدعوى ما يستحقه قاتل عيسى، لأنهم أتوا ذلك الأمر على أنه قتل نبي. قاله الزجاج وغيره [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 128، و"زاد المسير" 2/ 244.]]. قال المفسرون: إنَّ عيسى عليه السلام لما أراد الله عز وجل رفعه إليه قال لأصحابه: "أيكم يرضى أن يُلقى عليه شبهي، فيقتل ويصلب، ويدخل الجنة؟. فقال رجل منهم: أنا. فألقي عليه شبهه، فقُتل وصُلب، وهم يظنون أنهم قتلوا عيسى، فقال الله تعالى تكذيبًا لليهود: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ " [[انظر: الطبري 6/ 12 - 13، و"بحر العلوم" 1/ 402، و"الكشف والبيان" 4/ 139 أ، و"زاد المسير" 2/ 244، و"ابن كثير" 1/ 633.]]. قال ابن السكيت: يقال: صَلَبَه يَصْلُبُه صَلبًا، وأصله من الصليب وهو الودك، وأنشد: ترى لِعظامِ ما جَمعت صَليبًا [["تهذيب اللغة" 2/ 2037 (صلب)، والصيب: ودك العظام. وما أنشده عجز بيت لأبي خراش الهذلي، وصدره: جريمة ناهض في رأس نيق انظر -إضافة إلى "التهذيب"- "ديوان الهذليين" 2/ 133 و"الحجة" 3/ 196 وسيأتي.]] وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: ألقي شبهه على غيره حتى ظنوا لما رأوه أنه المسيح. وهذا قول الحسن وقتادة ووهب [[تقدمت ترجمته.]] ومجاهد [[انظر: الطبري 6/ 12 - 17، و"تفسير الهواري" 1/ 435، و"الكشف والبيان" 4/ 139 أ، وابن كثير 2/ 430، و"الدر المنثور" 2/ 423.]]. وقال غير هؤلاء: إنَّ الله جل وعز لما رفعه إليه خاف رؤساؤهم فتنة عامتهم بأن الله منعهم منهن، فعمدوا إلى إنسان فصلبوه ولبسوا على الناس، وذلك أنهم رأوا قتيلًا مصلوبًا من بعيد، قد أرجف بأنه المسيح، فتواطؤوا على ذلك وحكموا به [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: في قتله [[انظر: الطبري 6/ 12، و"بحر العلوم" 1/ 402.]]، وكان اختلافهم فيه أنهم لما قتلوا الشخص المشبَّه به، كان الشبه قد ألقي على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى، فلما قتلوه ونظروا إليه قالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 140 أ.]]. وقال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت، فدخل عليهم رجل منهم، فألقى الله عز وجل شبه عيسى عليه، ورفع عيسى إلى السماء من كوة في البيت، فدخلوا البيت وقتلوا ذلك الرجل على أنه عيسى، ثم إنهم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فذلك اختلافهم فيه [[أخرجه بمعناه الطبري 6/ 14، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 140 أ.]]. وقال أبو إسحاق: الذين اختلفوا في قتله شاكُّون، لأن بعضهم زعم أنه إله ما قُتل، وبعضهم زعم أنه قُتل، وهم في ذلك شاكُّون [["معاني القرآن واعرابه" 2/ 128.]]. وقال الكلبي: اختلافهم فيه هو أن اليهود قالت: نحن قتلناه وصلبناه، وقال بعضهم: ما قتلناه ولكن رأيناه يُرفع إلى السماء ونحن ننظر إليه [["الكشف والبيان" 4/ 140 أ.]]. قال الله عز وجل: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ منصوب على أنه استثناء ليس من الأول، المعنى: ما لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 468، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 212.]]. والكناية في قوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْه﴾ تعود إلى القتل، والمعنى: وإن الذين اختلفوا في قتل عيسى لفي شك من قتله، ما لهم بعيسى من علم قُتل أو لم يقتل [[انظر: الطبري 6/ 12، و"بحر العلوم" 1/ 402.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ يجوز أن تكون الهاء راجعة إلى المسيح، كما قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾، والمعنى: ما قتلوا المسيح على يقين من أنه المسيح [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 129. وهذا الوجه رجحه السمين الحلبي، وذكر أن عليه جمهور المفسرين. انظر: "الدر المصون" 4/ 147.]]. وقال الحسن: معنى (يقينًا) ههنا حقًّا [[انظر: "زاد المسير" 2/ 246.]]. فيجعله من تأكيد الخبر، وعلى هذا يتم الكلام عند قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي يقينًا ما قتلوه، على: حقًّا ما قتلوه. وقال ابن الأنباري: ويجوز أن يعود معنى اليقين إلى رفع الله تعالى إياه، أي: رفعه الله إليه يقينًا بغير شك. والنصب ليقين جواب مضمر، كأنه قيل: يقينًا لقد رفعه الله إليه باليقين، ومذهب القسم ينتصب بجوابه المضمر، فحذف الجواب واكتفى بما دل عليه من قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158]. ولا يجوز أن تنصب يقينًا بالفعل الذي بعد (بلُ)، لأن بل أداة مانعة، فلم يعمل ما بعدها فيما قبلها [[انظر: "زاد المسير" 2/ 246، و"الدر المصون" 4/ 148.]]. ويجوز أن تكون الهاء عائدة إلى الظن [[هذا هو الوجه الثاني.]]، يريد: ما قتلوا ذلك الظن يقينًا، أي لم يزل ظنهم ولم يرتفع ما وقع لهم من الشبهة في قتله، وهذا قول ابن عباس والسدي [["تفسير ابن عباس" ص 164، وأخرج قولهما الطبري 6/ 17، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 391.]]. ويزيد هذا بيانًا ما قاله الفراء والزجاج: إنَّ الهاء ههنا للعلم، كما تقول: قتلته علمًا، وقتلته يقينًا، أي علمته علمًا تامًّا [["معاني الفراء" 1/ 294، و"معاني الزجاج" 2/ 128]]. قال ابن قتيبة: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ يعني العلم، لم يتحققوه ويستيقنوه. وأصل ذلك أنَّ القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة، يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علمًا أحيط به، وإنما كان ظنًا [["تأويل مشكل القرآن" ص 133، وانظر: "غريب القرآن" له ص 137.]].

النساء 4:158

وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أكثر القراء على إدغام اللام في الراء، لقرب مخرج اللام من الراء والراء متمكنة فيها، كالتكرير، ولهذا لم يُجز إدغام الراء في اللام؛ لأن الأنقص يدغم في الأفضل. ويجوز الإظهار في: ﴿بَلْ رَفَعَهُ﴾، لأن اللام والراء من كلمتين. ومعنى ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سوى الله فيه حكم، وكان رفعه إلى ذلك الموضع رفعًا إليه، لأن رفع عن أن يجري عليه حكم أحد من العباد، كقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210] [[وقد وردت هذِه الجملة في أكثر من آية. انظر: "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم" ص 301 (رجع).]] ولم تخرج الأمور اليوم من حكمه فترجع إليه، ولكن المعنى أنَّ الأمور تصير بحيث لا يجري لأحد حكم فيها حقيقة ولا مجازًا سوى الله تعالى يوم القيامة. يؤكد ما قلنا أنَّ الحسن قال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ إلى السماء [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 436، و"النكت والعيون" 1/ 544.]]. كما قال: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 100] وكانت الهجرة يومئذٍ إلى المدينة، وكذلك ما أخبر به عن (إبراهيم) [[طمست الكلمة في المخطوط ، والآية في إبراهيم -عليه السلام-.]] في قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: 99] وكان ذاهبًا إلى الشام، فجعل ذهابه إلى الموضع الذي أمره ربه ذهابًا إلى ربه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ في اقتداره على نجاة من يشاء من عباده. ﴿حَكِيمًا﴾ في تدبير في النجاة.

النساء 4:159

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية. (وَإِن) بمعنى: ما النافية. قال الزجاج: والمعنى: وما فيهم أحدٌ إلا ليؤمنن به، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] المعنى: وما منكم أحد إلا واردها. وكذلك: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [[في المخطوطة زيادة كلمة (أحد) بعد (منا)، وهو خطأ.]] [الصافات: 164]، وأنشد: لو قلتَ ما في قومها لم تيثَم [[أي: تأثم، وكذا هو في بعض روايات البيت.]] ... يفضُلُها في حَسبٍ وميسَمِ [[البيت لحكيم بن معية كما في "خزانة الأدب" 2/ 311، وفي "معاني القرآن" للفراء 1/ 270 دون نسبة. والميسم يطلق على أثر الجمال. انظر: "اللسان" 8/ 4838 (وسم).]] أي: أحد يفضلها [["معاني القرآن إعرابه" 2/ 129.]]. وقد ذكرنا فيما تقدم جواز حذف الموصول أو الموصوف من الكلام والخلاف فيه عند قوله في النساء: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية [النساء: 46]. وقال الكسائي: تقول العرب: إن منهم ليقومَن -بفتح الميم-، وليقومُن -بضم الميم-، وفي قراءة أبيّ: (إلا ليُؤمنُن) بضم النون الأولى. قال: وتقول العرب: إن منهم إلا يصلح، وإن منهم إلا ليصلح، المعنى: إلا من يصلح [[لم أقف عليه.]]. واختلفوا في معنى الآية: فقال ابن عباس في رواية عطاء، وعطية وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع وابن زيد: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ﴾ بعيسى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عيسى. وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به، حتى تكون الملة واحدة (...) [[كلمة غير واضحة في المخطوط، ويحتمل أن تكون: هي.]] الإسلام [[انظر: الطبري 6/ 18.]]. قال عطاء: إذا نزل إلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد ممن يعبد غير الله إلا آمن به، وصدقه، وشهد [[غير واضحة تمامًا في المخطوط، وانظر: "زاد المسير" 2/ 248.]] أنه روح الله وكلمته وعبده ونبيه [[انظر: "زاد المسير" 2/ 248.]]. واستبعد هذا القول قوم، وقالوا: الآية عامة في جميع أهل الكتاب والذين يبقون منهم إلى وقت نزول عيسى حتى يؤمنوا به شرذمة قليلة. والأمر على ما قالوا، ولكن لا يُنكر أن يحمل هذا على العموم والمراد به الذين يشاهدون ذلك الوقت ويدركون نزوله يؤمنون به ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [[رجح ابن جرير -رحمه الله- القول الأول وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى -عليه السلام- إلا آمن به قبل موت عيسى عليه السلام. انظر: الطبري 6/ 21 - 23. قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 435: "ولا شك أن هذا الذي قال ابن جرير هو الصحيح، لأن المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك ... ".]]. وقال ابن عباس في رواية الوالبي وعكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: المعنى: وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته إذا عاين الملك، ولا ينفعه حينئذ إيمانه؛ لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 164، والطبري 6/ 19 - 23، و"النكت والعيون" 1/ 544.]]. فالهاء في ﴿مَوْتِهِ﴾ تعود إلى الكتاب [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "أهل الكتاب".]]، قالوا: لا يموت يهودي ولا صاحب كتاب حتى يؤمن بعيسى وإن احترق أو غرق أو تردى أو سقط عليه جدار أو أكله السبع [["الكشف والبيان" 4/ 141 أ. وقد ورد نحو هذا القول عن مجاهد كما أخرجه الطبري 6/ 20.]]. قال عكرمة: امتحنت ابن عباس فقلت: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم في الهواء، فقلت: أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يُلجلج بها لسانه [[أخرج معناه من طريق عكرمة عن ابن عباس الطبري 6/ 20، وانظر: ابن كثير 1/ 636. وبنحو هذا اللفظ جاء عن ابن عباس لكن من طريق سعيد بن جبير، في المرجع نفسه.]]. ويدل على صحة هذا التأويل قراءة أُبيّ: (قبل موتهم) [["معاني الفراء" 1/ 295، والطبري 6/ 20 في الأثر عن ابن عباس من طريق سعيد ابن جبير.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قال قتادة وابن جريج: شهيدًا على أن قد بلغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه [[أخرجه الطبري 6/ 23، وهذا لفظ قتادة ومعنى كلام ابن جريج.]].

النساء 4:160

قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى آخر الآيتين. قال مقاتل: كان الله حرم على أهل التوراة أن يأكلوا الربا ونهاهم أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، وصدوا عن دين الله وعن الإيمان بمحمد ﷺ، فحرم الله عليهم عقوبة لهم ما ذكر في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية [[انظر: "تفسيره" 1/ 421، 422، و"زاد المسير" 2/ 250.]]. [الأنعام: 146]. وقال قتادة: "عوقبوا على ظلمهم وبغيهم بتحريم أشياء عليهم" [[أخرجه الطبري 2/ 24، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 434.]]. وقوله تعالى: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ قال مجاهد: وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن الحق [["تفسيره" 1/ 181، وأخرجه الطبري 24/ 2، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 434.]].

النساء 4:161

وقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يعني: ما أخذوه من الرّشى في الحكم، وغير ذلك مما يؤخذ على جهة الخيانة، وكل وجه يؤخذ به المال مما هو محظور في الدين [[انظر: الطبري 24/ 2، و"بحر العلوم" 1/ 403، و"الكشف والبيان" 4/ 142 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: أعتدنا لهم، لأنه علم أن منهم من يؤمن؛ فيأمن العذاب [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 142 ب.]]. وأما وجه تحريم الطيبات عليهم، كيف كان؟ ومتى كان؟ وعلى لسان من حرم عليهم؟ فلم أجد فيه شيئًا أنتهي إليه فتركته، وذكرت اختلاف المفسرين في كيفية تحريم الإبل وألبانها عليهم عند قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [آل عمران: 93].

النساء 4:162

قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة ومقاتل: (لكن) ههنا بمعنى: استدراك، والاستثناء لمؤمني أهل الكتاب [[أخرجه عن قتادة عبد بن حميد وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 434، و"تفسير مقاتل" 1/ 422.]]. قال ابن عباس: يعني: المبالغين [[هكذا في المخطوط، وقد يكون الصواب: "البالغين".]] في علم الكتاب منهم. يريد عبد الله ابن سلام [[تقدمت ترجمته.]] وعدة نفر [[انظر: "زاد المسير" 2/ 250، 251، وابن كثير 1/ 646، و"تنوير المقباس" == بهامش المصحف ص 103، و"الدر المنثور" 2/ 434.]]. قال الزجاج: يعني: أنهم لعلمهم وثبوتهم وبصيرتهم في علمهم آمنوا بالنبي ﷺ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 130.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس: والمؤمنون من أصحاب محمد عليه السلام [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 103.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ اختلفوا في وجه نصب المقيمين: فقال أبو زيد: هو نسق على الهاء والميم في (منهم)، المعنى: لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 130، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 470، 471، و"الكشف والبيان" 4/ 143 أ.]]. قال الزجاج: وهذا عند النحويين رديء؛ لأنه لا يُنسق الظاهر المجرور على المضمر المجرور إلا في اضطرار [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 131.]]. وذهب بعضهم إلى أن هذا وهم من الكتاب. رُوي ذلك عن عائشة [[أخرج الأثر عنها: الطبري 6/ 25، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 143 أ.]] رضي الله عنها، وأبان [[هو أبو سعيد أو أبو عبد الله أبان بن عثمان بن عفان الأموي، من كبار الثقات التابعين. مات رحمه الله سنة 105هـ انظر: "تاريخ الثقات" 1/ 199، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 351، و"التقريب" ص 87 رقم (141).]] بن عثمان [[أخرجه الطبري 6/ 25، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 143/ أ. ومثل هذا القول لا يثبت عن الصحابة، وقد رده المحققون من العلماء كما سيأتي قريبًا.]]. ورُوي أيضًا أنَّ عثمان قال: أرى في المصحف لحنًا، وستقيمه العرب بألسنتها [[لا يصح هذا الخبر عن عثمان، بل قال ابن تيمية: إنه باطل. انظر: "زاد المسير" 2/ 252، و"مجموع الفتاوى" 15/ 153، و"شرح شذور الذهب" ص 50.]]. وقال أبو حاتم والزجاج وغيرهما: وهذا القول بعيد، لأن الذين جمعوا القرآن من الصحابة كانوا أهل اللغة والقدوة، فكيف يتركون في كتاب الله شيئًا يصلحه غيرهم، وهم الذين أخذوه عن رسول الله ﷺ وجمعوه، ولم يكونوا ليُعلِّموه الناس على الغلط، فهذا مما لا ينبغي أن يُنسب إليهم، والقرآن محكم لا لحن فيه، ولا فيه شيء تتكلم العرب بأجود منه في الإعراب [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 131.]]. ولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا باب يسمونه: باب المدح، وقد بينوا فيه صحة هذا وجودته. قالوا: إذا قلت: مررت بزيد الكريم، فإن أردت أن تُخلِّص زيدًا من غيره، فالخفض وجه الكلام حتى يعرف زيد الكريمُ من غير الكريم، وإن أردت المدح والثناء نصبت، فقلت: الكريمَ، كأنك قلت: أذكُرُ الكريمَ، وإن شئت على: هو الكريمُ. وجاءني قومك المطعمين في المَحْل والمُغيثون في الشدائد، على معنى: أذكر المطعمينَ وهم المغيثون، وكذلك هذه الآية، معناها: أذكر المقيمين وهم المؤتون للزكاة [["معاني الزجاج" 2/ 131، 132، وانظر: "الكتاب" 1/ 201، 2/ 62 - 66، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 470 - 471.]]، وأنشدوا قول خرنق [[هي الخرنق بنت بدر بن هفان البكرية القيسية، من الشعراء في الجاهلية، وهي أخت لطِرفة بن العبد لأمه، وكانت زوجة عبد عمرو بن بشر سيد قومه، ولها == ديوان مطبوع. انظر: "الشعر والشعراء" ص (103)، و"الكامل" 3/ 40، و"الأعلام" 2/ 303، ومقدمة ديوانها.]]: لا يَبْعَدن قومي الذين همُ ... سُمُّ العداة وآفةُ الجُزْرِ النازِلين بِكُلِّ مُعْتَركٍ ... والطيبونَ معاقِدَ الأزْرِ [["ديوانها" ص 43، و"الكتاب" 1/ 202، 2/ 64، و"مجاز القرآن" 1/ 143، و"الكامل" 3/ 40، و"معاني الزجاج" 2/ 132، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 407. ومعنى "لا يبعدن": لا يهلكن، والعداة: جمع عاد، و"آفة الجزر": الآفة العلة، والجزر جمع جزور، أي المكثرين لنحر الإبل. والمعترك: موضع القتال.]] على معنى: أُذكر النازلين وهم الطيبون، رفعه ونصبه على المدح، وبعضهم برفع النازلين وينصب الطيبين، وهذا قول جميع البصريين [["معاني الزجاج" 2/ 132.]]، وعلى هذا القول المؤرِّج والفراء [[لم أقف عليه.]] وأبو العباس [[لعله المبرد. انظر: "الكامل" 3/ 40.]]. وقد ذكرنا شرح هذا الباب عند قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ [البقرة: 177] [[انظر: الكتاب 2/ 63 - 66.]]. وقال أبو علي: نص سيبويه على أن قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاة﴾ نصب على المدح [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 470 - 471، و"الدر المصون" 4/ 154.]]. وكان الكسائي يذهب إلى أن (المقيمين) في محل الخفض بالعطف على ما في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: 162] والمعنى عنه: ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، وتفاؤل في المقيمين الصلاة أنهم الأنبياء، وينكر أن يكون منصوبًا على المدح، قال: لأنه لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام، ولم يتم الكلام ههنا، ألا ترى أنك حين قلت ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ كأنك تنتظر الخبر، وخبره في قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقول البصريين في هذا هو الصحيح الظاهر [[وهذا ما رجحه أيضًا النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 470 - 471.]]، وقوله: إن الكلام لم يتم، إذ الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ لا يصح، لأن الخبر إنما هو: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع أنه قد يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر، كما يجوز الاعتراض بالقسم، لأنه في تقدير جملة تامة. قال الفراء: والعرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام في الناقص والتام واحد [[لم أقف عليه.]]. وذهب قطرب إلى أن المعنى: وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 396، و"الدر المصون" 4/ 155.]]. وهذا القول في الفساد كقول أبي زيد.

النساء 4:163

قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية. قال ابن عباس: إن جماعة من اليهود قالوا للنبي ﷺ ما أوحى الله إليك ولا إلى أحد بعد موسى، فكذبهم الله تعالى وأنزل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [[أخرجه بمعناه الطبري 6/ 28، وانظر: ابن كثير 1/ 647، و"الدر المنثور" 2/ 435.]]. قال أبو عبيد عن الكسائي: وحي إليه الكلام يحي به وحيًا، وأوحى إليه، وهو أن يكلمه بكلام يُخفيه من غيره [["تهذيب اللغة" 4/ 3852 (وحى).]]. قال أبو إسحاق: أصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء، ولذلك صار الإلهام يسمى وحيًا [["تهذيب اللغة" 4/ 3852 (وحى).]]. قال غيره [[هو الأزهري.]]: وكذلك الإشارة والإيماء والكتابة يسمى وحيًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3852 (وحى).]] فالإشارة قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11] أي أشار إليهم. والإلهام قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: 111] ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: 68]. وذكر في تقديم نوح على غيره من النبيين أنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام [["الكشف والبيان" 4/ 143 ب.]]. وسمى بعض النبيين بعد أن ذكرهم جملةً في قوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ تخصيصًا وتفضيلًا، كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ الزبور كتاب داود. قال ابن عباس: وكان (ما ....) [[طمس باقي الكلمة في المخطوط، وقد تكون: "مائتين".]] وخمسين سورة، ليس فيها حد ولا حكم ولا فريضة ولا حلال ولا حرام [[لم أقف عليه.]]. قال أهل اللغة: الزبور الكتاب، وكل كتاب زبور، وهو فعول بمعنى مفعول، كالرسول والركوب والحلوب، وأصله من: زبرت، بمعنى كتبت [["العين" 7/ 362 (زبر)، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص (37)، و"تهذيب اللغة" 2/ 1506 (زبر).]]. وذكر ما فيه عند قوله: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 184]. وقرأ حمزة: (زُبُورًا) بضم الزاي [["السبعة" ص 240، و"الحجة" 3/ 193.]] على أنه جمع زَبْر، أوقع على المزبور الزبر [["الحجة": "اسم الزبر".]]، كقولهم: ضَرْبُ الأمير، ونسج اليمن، كما يسمى المكتوب كتابًا، ثم جمع الزُّبر على زبور، وجمعه -وإن كان مصدرًا- لوقوعه موقع الأسماء، كما جمع الكتاب على كتب، لما استعمل استعمال الأسماء [["الحجة" 3/ 194، وانظر: "معاني القرآن" 1/ 323، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" 1/ 402.]].

النساء 4:164

قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: قالت اليهود: ذكر محمد الأنبياء ولم يذكر موسى فنزلت هذه الآية متضمنة ذكر موسى [[لم أقف عليه.]]. قال الزجاج: (ورسلًا) منصوب من جهتين: أجودهما: أن يكون منصوبًا بفعل مضمر، يفسره الذي ظهر، المعنى: وقد قصصناهم، كما تقول: رأيت زيدًا وعمرًا كلمته [[عند الزجاج: أكرمته.]]، على معنى: وكلمت عمرًا كلمته. الثاني: أن يحمل على معنى الفعل الأول؛ لمقاربة معنى: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ لمعنى: أرسلنا، فكأنه قيل: أرسلناك والنبيين ورسلًا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 132 بتصرف.]]. قال ابن عباس: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يريد في القرآن في غير سورة [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 104.]]. قال بعض المفسرين: يعني في سورة الأنعام، فإنها نزلت من قبل [[لم أقف عليه.]]. قال الكلبي في هذه الآية: يقول: من الرسل من قد سميناهم لك في القرآن، وعرفناكهم إلى من بعثوا، وما رد عليهم قومهم، ومنهم من لم نُسمه لك، ولم نعرفكهم [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 104.]]. قال أهل المعاني: الذين نوه بذكرهم ههنا من الأنبياء يدل على تفضيلهم على من لم يذكر بأسمائهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 55]. وقد ذكرنا معنى القص والقصص في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]. وقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ أي مخاطبة من غير وسيطة، وتأكيد ﴿وَكَلَّمَ﴾ بالمصدر يدل على تحقيق الكلام، وأنه سمع كلام الله تعالى؛ لأن أفعال المجاز لا تؤكد بذكر المصادر، لا يقال: أراد الحائط أن يسقط إرادة. وهذا رد على من يقول: إن الله خلق كلامًا في محل فسمع موسى ذلك الكلام؛ لأنه حينئذ لا يكون كلام الله [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 133 ، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 473، و"زاد المسير" 2/ 256.]]. قال أحمد بن يحيى: لو جاءت ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ مجردة لاحتمل ما قلنا وما قالوا، فلمَّا جاءت ﴿تَكْلِيمًا﴾ خرج الشك الذي كان يدخل في الكلام وبطل الاحتمال للشيئين [["تهذيب اللغة" 4/ 3180 (كلم).]]. والتكليم في اللغة معناه: المخاطبة، وهو متعد يقتضي مفعولًا، والتكليم [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: التكلم.]] لا يقتضيه. ومعنى تكلم: نطق وأوجد الكلام، وقال أهل اللغة: أصل هذه اللفظة التأثير في الشيء، ألا ترى أنك إذا كلمت غيرك أسمعته كلامك يؤثر فيه ما قلته، ولهذا استعملوا هذه اللفظة في الجراحة قالوا: كلمته أكلمه، إذا جرحته وأثرت فيه [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3180، و"مقاييس اللغة" 5/ 131، و"اللسان" 2/ 3922 (كلم).]].

النساء 4:165

قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ انتصب رسلًا على البدل من قوله: (ورُّسُلًا) [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 474، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 213.]]، وإن شئت قلت: أوحينا إليهم رسلًا، فيكون منصوبًا على الحال والقطع [[انظر: الطبري 6/ 30، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 474، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 213.]]. وفي قوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ دليل على أنهم بُعثوا ببيان الطاعة والمعصية؛ لأنهم إنما يبشرون بالثواب على الطاعة، وينذرون بالعقاب على المعصية، ولا يصح ذلك إلا بعد الكشف عنهما. وفي قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ دليل على أنه لو لم يبعث الرسل لكان للناس حجة في ترك الطاعة والتوحيد والمعرفة، وقد قال في آية أخرى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} [طه: 134]، فبين أنهم كانوا يحتجون بعدم الرسول لو لم يبعث إليهم [[انظر: الطبري 306.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي عزيزًا في اقتداره على إنجاز موعوده على ألسنة رسله، حكيمًا في إرساله وجميع تدبيره.

النساء 4:166

قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ الآية. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد سألنا اليهود عنك وعن صفتك، فزعموا أنهم لا يعرفونك في كتابهم. فقال رسول الله ﷺ لليهود: "إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله"، فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله هذه الآية [[انظر: الطبري 6/ 31، و"الكشف والبيان" 4/ 145 أ، وابن كثير 1/ 651.]]. قال أهل المعاني: "لكن" لا يبتدأ به، لأنه لاستدراك ما سبق ومضى، وإنما يجيء بعد نفي لشيء فيثبت ذلك الشيء به، وهذه الآية من باب الحذف والاختصار، وذلك أن اليهود لما جحدوا نبوته وأنكروا ما أنزل الله عليه قالوا: ما نشهد لك بهذا، فمن يشهد لك به؟ فترك ذكر قولهم، وأنزل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [[أخرجه الطبري 6/ 31، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 145 ب، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 189، وابن كثير 1/ 651 - 652، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 439، وعزاه إضافة إلى الطبري إلى كل من ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي.]]. قال الزجاج: ومعنى ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَد﴾ أنَ الشاهد هو المبين لما يشهد به، فالله عز وجل يبين ما أنزل إليه، ويعلم مع إبانته أنه حق [["تأويل مشكل القرآن" ص 231، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 406، و"الكشاف" 1/ 314، و"رصف المباني" ص 347، و"الدر المصون" 4/ 162.]]. ومعنى إبانة الله تعالى ذلك نصب المعجزة له. ووجه الاحتجاج بشهادة الله على اليهود أنهم أبوا أن يشهدوا بما شهد الله به، وكفى بهذا خزيًا بهم، وأيضًا فإن الله تعالى شهادته تبين صدق نبيه بما يغني عن بيان أهل الكتاب. وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنزله وهو يعلم أنك أهل لإنزاله عليك، لقيامك به وعملك بالحق فيه. وفي هذا إثبات العلم لله، لأن المعنى: أنزله بعلمه الذي هو عالم به [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 134، وانظر: "زاد المسير" 2/ 257.]]. الثاني: ما ذكره الزجاج، وهو أنه قال: معنى ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي أنزل القرآن الذي فيه علمه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 134.]]. قال أبو علي: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أنزله وفيه علمه. والجار في موضع الحال، كما أن: خرج بعدته، معناه: خرج وعليه عدته. والعلم المعلوم، أي أنزله وفيه معلومه، كما أن الصيد يراد به المصاد في قوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94]. والأيدي [[في "الحجة": "فالأيدي".]] والرماح إنما تلحق الأعيان، ولا تلحق الأحداث. هذا كلامه [["الحجة" لأبي علي 2/ 160.]]. قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ إنما تعرف شهادة الملائكة بقيام المعجزة ووضوحها، ومن قامت له المعجزة شهدت الملائكة بصدقه، ولا نحتاج مع شهادة الله تعالى في تصحيح المشهود به إلى شهادة غيره، لكن ذكرت شهادة الملائكة الذين هم عباد الله في مقابلة جحود اليهود الذين هم عباد الله، على جهة الاعتياض بهذه من ذاك. ذكره بعض أهل المعاني [["الحجة" لأبي علي 2/ 160.]] وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ دخلت الباء مؤكدة، المعنى: وكفي الله شهيدًا، ويجوز أن يكون المعنى: اكتفوا بالله في شهادته [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 399.]]. وقد سبق الكلام في مثل هذا [["معاني الزجاج" 2/ 134، وانظر: "زاد المسير" 2/ 257.]]. وهذه الآية تسلية للنبي ﷺ عن شهادة أهل الكتاب، فشهادة الله عز وجل والملائكة (مع ما) [[في المخطوط جاءت هكذا: "معما".]] فيه من الحجة على جهل من قعد عن هذه الشهادة [[يكون في الكلام سقط، ولعل الصواب: "دليل على جهل من قعد عن هذِه الشهادة".]].

النساء 4:167

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال عطاء والكلبي: يريد اليهود [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 104.]]. وقوله تعالى: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي عن دين الله الإسلام بقولهم: ما نعرف صفة محمد في كتابنا، وإنما النبوة والمبشر بها في ولد هارون، وما أشبه ذلك مما يصرفون به الناس عن اتباع النبي ﷺ [[الطبري 6/ 31 - 32، وانظر: "زاد المسير" 2/ 258، والقرطبي 6/ 19.]]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد: أبعدهم الله من سبل الخيرات، فلا يهتدون، مثل قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: 88] [[لم أقف عليه.]].

النساء 4:168

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: اليهود [[انظر: الطبري 6/ 32، و"بحر العلوم" 1/ 406، و"الكشف والبيان" 4/ 145 ب، والبغوي 2/ 313، و"زاد المسير" 2/ 258.]]. ﴿وَظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: يريد ظلموا محمدًا ﷺ بكتمان نعته [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 104.]]. وقال مقاتل: أشركوا بالله [["تفسيره"1/ 424، وانظر: "زاد المسير" 2/ 258.]]. والأول أجود، لأن الكفر ينبئ عن الشرك. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ هذا فيمن علم أنه يموت على الكفر [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 406، والبغوي 2/ 313، و"زاد المسير" 2/ 258، والقرطبي 6/ 20.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ يدل على أنَّ الهداية إلى الله، لا إلى قدرة البشر، وعلى أنه يحسن منه أن يُخص قومًا بالهدى دون قوم.

النساء 4:169

وفسر الطريق ههنا: بدين الإسلام [[الطبري 6/ 40، و"بحر العلوم" 1/ 406، و"الكشف والبيان" 4/ 145 ب.]]، فاستثنى ما يهديهم فقال: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ قالوا: يعني اليهودية، وهو طريق جهنم [["الكشف والبيان" 4/ 145، وانظر: البغوي 2/ 313]]. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ خالدين على الحال [[انظر: "الدر المصون" 4/ 163.]]، والعامل فيه معنى: (ولا ليهديهم)، لأنه بمنزلة: يعاقبهم خالدين. وانتصب (أَبَدًا) على الظرف، وهو في المستقبل نظير قط في الماضي، نحو: لا أراه أبدًا، وما رأيته قط. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لأنه لا يتعذر عليه ولا يضره، ولأنه قادر على أن يخلق لهم العذاب والألم شيئًا بعد شيء إلى ما لا يتناهى، وذلك أنه لما وصف أنه لا نهاية لخلودهم في جهنم بين أنه لا يتعذر ذلك عليه.

النساء 4:170

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 406، و"زاد المسير" 2/ 259، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 104.]]. ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: يريد بالهدى والصدق [[انظر: "زاد المسير" 2/ 259.]]. وقال الكلبي: بشهادة أن لا إله إلا الله [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 406، والقرطبي 6/ 20.]]. والباء في ﴿بِالحَقِّ﴾ معناه التعدية، وهو في موضع الحال على معنى: جاء ومعه الحق [[انظر: القرطبي 6/ 20، و"الدر المصون" 4/ 164]]. وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ قال الفراء: ﴿خَيْرًا﴾ منصوب باتصاله بالأمر، لأنه من صفة الأمر، ويستدل على ذلك بجواز الكناية عن الأمر قبل الخبر، كقولك: اتق الله هو خير لك، أي الاتقاء خير لك، فإذا سقطت (هو) اتصل (خير) بما قبله وهو الأمر، والأمر معرفة فنصب. هذا معنى كلامه [["معاني الفراء" 1/ 295، 296 بتصرف.]]. مفهوم هذا أنه انتصب على القطع لأنه كان يجب أن يكون مرفوعًا بهو، فلما حذفت نصب باتصاله بالمعرفة، كقوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل:52]، كان يجب أن يكون الواصب، فلما منع الألف واللام وهو نعت لمعرفة نصب [[ذكر السمين في "الدر المصون" 4/ 164 رأي الفراء ضمن أربعة أوجه في إعراب "خيرًا" فقال: "الثاني -وهو مذهب الفراء- أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فآمنوا إيمانًا خيرًا لكم". ثم قال مضعفًا لهذا الوجه: "وفيه نظر، من حيث إنه يفهم أن الإيمان منقسم إلى خير وغيره .. ".]] وقال أبو عبيدة: هو نصب على ضمير جواب، تقديره: يكن خيرًا لكم [["مجاز القرآن" 1/ 143.]]. ونحو ذلك قال قطرب، فإنه قال: فآمنوا يكن الإيمان خيرًا لكم [[لم أقف عليه.]]. قال الفراء: ليس نصبه بإضمار (يكن)، ألا ترى أنك تقول: اتق الله تكن محسنًا ، ولا يجوز أن تقول: اتق الله محسنًا فأنت تضمر (تكن)، ولا يصلح أن تقول: انصرنا أخانا، وأنت تريد: تكن أخانا [["معاني القرآن" 1/ 296.]]. قال الزجاج: قال الخليل وجميع البصريين: إن هذا محمول على المعنى، لأنه إذا قلت: آمن خيرًا لك، وانته خيرًا لك، فأنت تدفعه عن أمر وتدخله في غيره، (كأنك) [[يحتمل أن هنا سقطًا، وتمامه: "كأنك قلت".]]: انته وائت خيرًا، وادخل فيما هو خير لك. فكأن معنى قوله: (آمنوا خيرا لكم): ائتوا خيرًا لكم، وأنشد جميع البصريين قول عمر بن أبي ربيعة [[هو أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، تقدمت ترجمته.]]: فواعِديهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ ... أو الرُّبا بينهما أسْهَلَا [["ديوانه" ص 341، والكتاب 1/ 283، والطبري 6/ 34.]] كأنه قال: ائتي مكانًا سهلًا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 134، 135، وانظر: الطبري 6/ 33 - 34.]]. قال ابن عباس: يريد إن تكذبوا محمدًا ﷺ وتكفروا نعمة الله عليكم [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 104.]]. ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لا تضروا إلا أنفسكم، لأن الله غني عنكم بأن له ما في السموات والأرض ملكًا له واقتدارًا عليه، فذكر ما يدل على غناه بنفسه، لأنَّ هذا مما يدل على استحقاق صفات التعظيم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بما تصيرون إليه من إيمان أو كفر. ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: 170]، في تكليفكم مع علمه ما يكون منكم [[انظر:"زاد المسير" 2/ 259.]].

النساء 4:171

قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ قال ابن عباس وغيره من المفسرين: يريد النصارى [[انظر: الطبري 6/ 34، و"بحر العلوم" 1/ 406، و"الكشف والبيان" 4/ 146 أ، و"زاد المسير" 2/ 260، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.]]. ومعنى ﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تتجاوزوا حد الحق في دينكم، يقال: غلا يغلو غلوًا، إذا جاوز الحق، ومنه يقال: غلا السعر، إذا جاوز الحد في الزيادة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 133، والطبري 6/ 34، و"تهذيب اللغة" 3/ 2682 (غلا)، و"المفردات" ص 364.]]. والنصارى غلت في المسيح فجاوزوا به منزلة الأنبياء حتى جعلوه إلهًا. قال ابن عباس: ﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تشددوا فتفتروا [[انظر: "زاد المسير" 2/ 260، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.]]. ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ فليس لله ولد ولا زوجة ولا شريك. وهذا هو الحق. وقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ذكرنا تفسير الكلمة في سورة آل عمران [[ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45].]]. وقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ اختلفوا فيه: فقال أبي بن كعب: خلق الله تعالى أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، وكان روح فيهم، ثم ردها إلى صُلب آدم، وأمسك عنده روح عيسى، فكان روح عيسى عنده إلى أن أراد خلقه، ثم أرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فكان منه عيسى [[أخرجه بنحوه الطبري 6/ 36.]]. ومعنى قوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي من عنده. ويدل على هذا التأويل قول السدي: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي مخلوق منه أي من عنده [[لم أقف عليه.]]. ويجوز أن يكون معنى ﴿مِنْهُ﴾ على هذا القول: من خلقه وإحداثه وإنشائه، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13] أي من خلقه وإيجاده. وقال جماعة من أهل المعاني: معنى الروح ههنا النفخ، ويسمى النفخ في كلام العرب روحًا؛ لأنه ريح تخرج من الروح [[انظر: الطبري 6/ 35، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، و"النكت والعيون" 1/ 546 - 547، و"زاد المسير" 2/ 261.]]، ومنه قول ذي الرمه في نار اقتدحها وأمر صاحبه بالنفخ فيها فقال: فقلتُ له ارفَعْها إليك وأحْيِها ... بروحِكَ واجعله لها قيتةً قدْرًا [["ديوانه" ص 176، والطبري 6/ 36، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، ومعنى "اجعله لها قيئةً قدرًا" أي اجعل فوقها من الحطب قليلًا قليلًا، فالشاعر يتحدث عن نار موقدة.]] أحيها بروحك أي: بنفخك [[الطبري 6/ 36، و"ديوان ذي الرمة" ص 176.]]. وروي أن جبريل عليه السلام نفخ في درع مريم فحملت بإذن الله [[انظر: الطبري 6/ 35، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، و"النكت والعيون" 1/ 546.]]. ومعنى قوله: ﴿مِنْهُ﴾ على هذا التأويل: بأمره، لأن نفخ جبريل كان بأمر الله تعالى وإذنه، فهو منه. وهذا كقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: 91، والتحريم: 12] [[المرجع السابق.]]. وقيل: الروح الرحمة، وعيسى كان رحمة من الله لمن اتبعه وأطاعه [[الطبري 6/ 36، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب.]]. وقيل في تفسير قوله: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22] أي: برحمة كذلك قال المفسرون [[انظر: "زاد المسير" 8/ 200.]]. وكذلك قراءة من قرأ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [[القراءة بضم الراء من (روح) وهي ليعقوب من العشرة. انظر: "المبسوط" ص 361، و"النشر" 2/ 283.]] [الواقعة: 89] أي: فرحمة، وهذا كما قال ﷺ: "إنما أنا رحمة مهداة" [[صححه الألباني، وعزاه إلى ابن سعد والحكيم الترمذي عن أبي صالح مرسلًا، كما عزاه إلى الحاكم، ولم أجده عنده. انظر: "صحيح الجامع" رقم (2345).]]. وقيل: الروح ههنا جبريل، وهو عطف على الضمير في ﴿أَلْقَاهَا﴾، وتأويله ألقاها الله إلى مريم وجبريل. معنى ﴿مِنْهُ﴾ أي: بإذنه وأمره، كقولك: قلت لفلان منك قولًا، أي بإذنك في ذلك [[انظر: الطبري 6/ 36، وانظر: "زاد المسير" 2/ 261.]]. وهذه أوجه صحيحه في تأويل قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْه﴾ [[قال الطبري 6/ 36: "ولكل هذِه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب".]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد قولهم: الله وصاحبته وأبيه [[هكذا في المخطوط، والصواب: وابنه. انظر: "تنوير المقباس" ص 105.]]. قال الفراء: معناه (ولا تقولوا): هم ثلاثة، كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف: 22] [["معاني القرآن" 1/ 296.]]. وقال الزجاج: (ولا تقولوا) آلهتنا ثلاثة ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء:171] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 135.]]. وقوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. قد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: 170]. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ قال ابن عباس: نزه نفسه أن يكون له ولد [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.]]. وقال القراءة يصلح في (أن) من وعن، فإذا أُلقيتا كانت (أن) في موضع نصب. وكان الكسائي يقول: هو [[هكذا في المخطوط، وعند الفراء: "هي".]] في موضع خفض، في كثير من أشباهها [["معاني القرآن" 1/ 296.]]. وذكرنا هذه المسألة قديمًا. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. فيه حجة على بطلان قول النصارى، لأن تأويله: أن ذلك له ملكًا وخلقًا من غير شريك في ذلك، إذ لو كان له شريك لم يبعد وجود التمانع بينهما، فيفسد ملك السموات والأرض، وإذا استحال الشريك في وصفه استحال الولد. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: مفوضًا إليه القيام بتدبير ملكه الذي لا ملك أوسع منه.

النساء 4:172

قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا﴾ الآية. قال أبو إسحاق: معنى (لن يستنكف): لن يأنف، وأصله في اللغة من نكفت الدمع، إذا نحيته بأصبعك عن خدك، وأنشد: فبانوا فلولا ما تذكر منهم ... من الخُلفِ لم يُنكَف لعينيكَ مدمعُ [[البيت في "تهذيب اللغة" 4/ 3664، و"اللسان" 9/ 340 (نكف) دون نسبة ولم أقف على قائله.]] فتأويل: (لن يستنكف): لن ينقبض، ولم يمتنع [["معاني الزجاج" 2/ 136، وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3664 (نكف).]]. قال الأزهري: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا العباس، وسئل عن الاستنكاف فقال: هو أن يقول: لا. وهو من النكف والوكف. يقال: ما عليه في ذلك الأمر نكف ولا وكف، والنكف أن يقال له سوء، واستنكف، إذا دفع ذلك السوء وقال: لا. والمفسرون يقولون: الاستنكاف والاستكبار واحد [["تهذيب اللغة" 4/ 3664 (نكف).]]. وقال الكلبي: (لن يستنكف): لن يتعظم [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 458، ولم أقف عليه عن الكلبي.]]. وقال الأخفش ومقاتل: لن يأنف [[هذا كقول الزجاج المتقدم، ولم أجده في "معاني القرآن" للأخفش وعن مقاتل في "تفسيره" 15/ 425.]]. وقال الزجاج: أي ليس يستنكف الذي تزعمون أنه إله أن يكون عبدًا لله، ولا الملائكة المقربون وهم أكثر من البشر [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 135، وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3664 (نكف).]]. ومعنى قوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي من كرامة الله وثوابه والمواطن التي شرفها لإكرام عباده [[انظر: الطبري 6/ 38.]].

النساء 4:174

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [[لم يتعرض صاحب الكتاب للآية (173) بشيء.]]. قال ابن عباس: "يريد يا أهل مكة وجميع الخلق. ويريد بالبرهان النبي ﷺ وما جاء به من البيان والبرهان" [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.]]. هذا كلامه، وإنما قيل للنبي ﷺ برهان؛ لما معه من المعجزة التي تشهد بصدقه، والبرهان شاهد حق في نفسه، وذلك يوجب أن يكون المشهود به حقًا، فالنبي ﷺ حق في نفسه بدلالة المعجزة عليه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: 174]. يريد القرآن، عن ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.]] والحسن وقتادة وابن جريج [[انظر: الطبري 6/ 38، و"زاد المسير" 2/ 264]]. وشبه القرآن بالنور؛ لأنه يُتبين به الأمور كما يُتبين بالنور.

النساء 4:175

قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ الظاهر أن الكناية في (به) تعود على اسم الله. وقال ابن جريج: الكناية تعود على النور الذي هو القرآن [[أخرجه الطبري 6/ 39، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 547، و"الدر المنثور" 2/ 441.]]. وهذا قريب من الأول في المعنى، لأن الاعتصام بالقرآن اعتصام بالله تعالى. قال ابن عباس: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ يريد امتنعوا به [[لم أقف عليه.]]. قال أهل المعاني: الاعتصام بالقرآن: الامتناع به من معاصي الله، والاعتصام بالله: الامتناع به من زيغ الشيطان وهوى الإنسان بطاعته وطلب مرضاته [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 547.]]. وقوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾. قال ابن عباس: يريد الجنة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 264، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.]]. ﴿وَفَضْلٍ﴾ قال: يريد يتفضل عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ما يوصف [[لم أقف عليه.]]. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 175]، قال: يريد دينًا مستقيمًا [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105]].

النساء 4:176

قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة﴾ الآية. قد بينا معنى الكلالة واشتقاقها في اللغة في أول السورة. قال العلماء: إن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف، وهي هذه الآية، ولهذا تسمى هذه الآية آية الصيف [[تسمية هذِه الآية بآية الصيف جاء في أكثر من أثر. انظر: الطبري 6/ 43 - 44.]]. ونزلت هذه الآية والنبي ﷺ مُتجهز للحج، فهي من آواخر ما نزل من القرآن [[انظر: الطبري 6/ 41 - 42، و"الدر المنثور" 2/ 445.]]. فقد نزلت في الكلالة آيتان. والمراد بالكلالة في الآية الأولى: الموروث، والمراد في هذه الآية بالكلالة الوارث، وكل وارث سوى الوالد والولد كلالة، وكذلك كل موروث سواهما. وعند ابن عباس وأكثر المفسرين نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله، مرض بالمدينة فأتاه النبي ﷺ عائدًا، فقال: "يا رسول الله: إني كلالة، ولا أب لي ولا ولد، فكيف أصنع في مالي؟ ". فأنزل الله هذه الآية [[أخرجه بمعناه البخاري (4605) كتاب: التفسير سورة النساء، باب: يوصيكم الله في أولادكم 5/ 177، ومسلم (1616) كتاب: الفرائض، باب: ميراث الكلالة والمؤلف في "أسباب النزول" ص 190.]]. وفي رواية أخرى: "فقلت: إني رجل ليس يرثني إلا كلالة" وكان له تسع أخوات [[سبق تخريجه.]]. قال ابن عباس في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة﴾ يريد من ليس له ولد ولا والد. فعلى هذا المراد بالكلالة: الموروث، وهو الظاهر؛ لأنه قال بعد هذا: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ وهذا ابتداء الفتوى في الكلالة، وقد بدأ بذكر الموروث. ويجوز أن يكون المراد بالكلالة: الوارث، ثم بين من هُم بذكر الأخت والأختين والأخوة. وقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾. قد ذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ [النساء: 128]. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ قال أهل المعاني: أراد ليس له ولد ولا والد، فاكتفى بذكر أحدهما من الآخر، ودل على المحذوف أنَّ الفتيا في الكلالة. وقد بينا أن الكلالة من ليس له والد ولا ولد، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 266.]]. وزعم أبو علي الجرجاني أنَّ الوالد يجوز أن يكون داخلًا في لفظ الولد، قال: وكل من اتصل به ذكر الولادة احتمل أن يقال له: ولد، فالوالد يسمى والدا، لأنه ولد، والمولود يسمى ولدًا، لأنه ولد، وهذا مثل قولهم: الذرية، وهي اسم من (ذرا) ثم الولد يسمى ذرية، والأب أيضًا يسمى ذرية، لأن الولد ذريء منه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [[انظر: القرطبي 6/ 28.]] [يس: 41] أي وآية لقريش أنا حملنا آباءهم مع نوح. قال: ووجدنا أيضًا الأسماء التي اشتقت من الأفعال جاء فعل منها بمعنى الفاعل أكثر مما جاءت بمعنى المفعول، كقولهم: حرض، من حارض، ودنف، من دانف، وضرع، من ضارع، وطلب، بمعنى طالب. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أراد من أبيه وأمه وأبيه، لأنه سبق ذكر أولاده الأم في أول السورة. وقوله تعالى: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ هذا بيان فرضها عند إنفرادها، ولها نصف المال بالتسمية. ثم لمن باقي المال؟ عند زيد بن ثابت يكون لبيت المال إذا لم يكن هناك عصبة، وهو مذهب الشافعي [[وبه قال مالك، انظر: "الأم" 4/ 76، و"المغني" 9/ 49.]]. وعند أهل العراق يرد عليها الباقي [[وهو مذهب أحمد، انظر "المغني" 9/ 49.]]. فإن قيل: الله تعالى سمى لها النصف إذا لم يكن هناك ولد، فلم أعطيت النصف مع البنت الواحدة وهي ولد؟ قيل: هذا إجماع سنة [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: بسنة.]] رسول الله ﷺ، وهي مع البنت كالذكر من العصبة يأخذ ما أبقت الفرائض، فهي في هذه المسألة لا بالتسمية، ولكن بأنها معها عصبة [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 409، والقرطبي 6/ 29]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ يعني أن الأخ يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن للأخت ولد، وهذا أصل في العصبيات واستغراقهم المال. وهذا الأخ من الأب والأم، أو من الأب، وقد بينا هذا لأن الأخ من الأم. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ ظاهر. وروي أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال في خطبته: ألا إن الآية التي أنزل الله في أول سورة النساء من شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والأخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الأخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت به الرحم من العصبة [[أخرجه الطبري 6/ 41، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 149 أ، و"الدر المنثور" 2/ 443.]]. وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ اختلفوا في هذا، فعند الكوفيين (لا) مضمرة ههنا، على تقدير: لئلا تضلوا، أو ألا تضلوا. قالوا: ومثل هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: 41] أي: لئلا تزولا، ومثله: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: 2]. وهذا قول الفراء والكسائي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 297، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 477، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 216، و"الدر المصون" 4/ 176.]]. وقال البصريون: المحذوف ههنا مضاف، على تقدير: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، فحذف المضاف كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] وبابه، قالوا: و (لا) حرف جاء لمعنى النفى فلا يجوز حذفه، ولكن قد تزاد في الكلام مؤكدة، كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1] ونحوه [[انظر: "معانى الزجاج" 2/ 137، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 477، و"الدر المصون" 4/ 176.]]. وهذا القول يبعد، لأنه لم يدل على الاجتناب شيء. والله أعلم [[انتهى تفسير سورة النساء بحمد الله.]].