Lafzullah

Al-Basit — النساء 4:1 – النساء 4:82

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. النساء 4:1
  2. النساء 4:2
  3. النساء 4:5
  4. النساء 4:6
  5. النساء 4:7
  6. النساء 4:8
  7. النساء 4:9
  8. النساء 4:10
  9. النساء 4:11
  10. النساء 4:13
  11. النساء 4:14
  12. النساء 4:15
  13. النساء 4:16
  14. النساء 4:17
  15. النساء 4:18
  16. النساء 4:19
  17. النساء 4:20
  18. النساء 4:21
  19. النساء 4:22
  20. النساء 4:23
  21. النساء 4:24
  22. النساء 4:25
  23. النساء 4:26
  24. النساء 4:27
  25. النساء 4:28
  26. النساء 4:29
  27. النساء 4:30
  28. النساء 4:32
  29. النساء 4:33
  30. النساء 4:34
  31. النساء 4:35
  32. النساء 4:36
  33. النساء 4:37
  34. النساء 4:38
  35. النساء 4:39
  36. النساء 4:40
  37. النساء 4:41
  38. النساء 4:42
  39. النساء 4:54
  40. النساء 4:55
  41. النساء 4:56
  42. النساء 4:58
  43. النساء 4:59
  44. النساء 4:60
  45. النساء 4:61
  46. النساء 4:62
  47. النساء 4:63
  48. النساء 4:64
  49. النساء 4:65
  50. النساء 4:66
  51. النساء 4:67
  52. النساء 4:68
  53. النساء 4:69
  54. النساء 4:70
  55. النساء 4:71
  56. النساء 4:72
  57. النساء 4:73
  58. النساء 4:74
  59. النساء 4:75
  60. النساء 4:77
  61. النساء 4:78
  62. النساء 4:79
  63. النساء 4:80
  64. النساء 4:81
  65. النساء 4:82

النساء 4:1

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ قال ابن عباس: الخطاب لأهل مكة [[لم أجد هذا القول بنصه لابن عباس في تفسير هذه الآية، لكن قال ابن الجوزي: اختلفوا في نزولها على قولين: أحدهما: أنها مكية، رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: أنها مدنية، رواه عطاء عن ابن عباس. "زاد المسير" 2/ 1، وقد ذهب كثير من العلماء والمفسرين -ومنهم ابن عباس- إلى أن كل شيء نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو بمكة، وكل شيء نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو بالمدينة. انظر "البرهان" 1/ 189، 190. فلعل المؤلف ساق هذا الرأي لابن عباس بمعناه. هذا وقد رجح المحققون من العلماء أن سورة النساء مدنية. انظر "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 1، "الإتقان" 1/ 16، 22. قال القرطبي: ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. وأما من قال: إن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مكي حيث وقع فليس بصحيح فإن البقرة مدنية وفيها قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ في موضعين، والله أعلم.]]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أنثها على لفظ النفس وإن عَنَى به مُذَكَّرا كما قال: أبُوكَ خَلِيفةٌ وَلَدَتْه أُخْرى ... وأَنْت خَلِيفةٌ ذاكَ الكَماَل [[لم أعرف قائله، وهو غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء 1/ 208، "تفسير الطبري" 4/ 224، "لسان العرب" (خلف) 2/ 1235. والشاهد من البيت أن التأنيث يقع على اللفظ. قال الفراء: فقال (أخرى) لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن يقول: ولده آخر. "معاني القرآن" 1/ 208.]] وعنى بالنفس الواحدة آدم [[هذا تفسير ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وهو ظاهر. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 224، "تفسير البغوي" 2/ 159، "الدر المنثور" 2/ 206.]]. وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ حواء [[عن مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 224، والبغوي 2/ 159، و"ابن كثير" 1/ 487، و"الدر المنثور" 2/ 206.]]، خلقت من (ضلع [[ما بين القوسين ساقط من (د).]] من أضلاع آدم، ولذلك قال النبي ﷺ: "إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها" [[أخرجه البخاري (3331) بنحوه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في كتاب الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته (635)، ولفظه: "استوصوا بالنساء فإن المرأة خُلِقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء". ومسلم (1468) كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء.]]. وقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ يريد فرّق ونشر [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (111)، "تفسير الطبري" 4/ 225.]]. قال ابن المُظَفَّر [[يعني الليث كما في "تهذيب اللغة" 1/ 273 (بثث). وكلما أتى بهذه الكنية فأنما يعني: الليث. وتقدمت ترجمته ضمن مصادر الواحدي.]]: البث تفريقك الأشياء، يقال بثّوا الخيلَ في الغارة، وبثّ الصياد كِلابه، وخلق الله الخلق فبثّهم في الأرض، بثث البسط إذا نشرتها [[في "التهذيب" ومثبت البسط إذا بسطت.]]، قال الله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [[انتهى من "تهذيب اللغة" 1/ 273 بتصرف، وانظر: "مقاييس اللغة" 86 - 87 (بث).]] [الغاشية: 16]. قال الفراء، والزجاج: وبعض العرب يقول أَبَثّ [[عند الفراء والزجاج: (بث).]] الله الخلق. وبثّ الحديث إذا نشره وأفشاه، وكذلك أبثه [["معاني القرآن" للفراء 1/ 252 بنصه، "معاني الزجاج" 3/ 5 بتصرف.]]، قال ذو الرمّة: وأُسْقيِه حتَّى كَادَ مما أَبثُّه ... تُكَلِّمُني أَحْجَارُه وَملاعِبُه [[البيت في "ديوان ذي الرمة" بشرح الباهلي 2/ 821، "الكتاب" 4/ 59، "تهذيب اللغة" 2/ 1908 (شكا)، "اللسان" 4/ 2314، وفيهما: وأشكيه بدل: وأسقيه. انظر "معجم شواهد العربية" ص 423. وهذا البيت ثاني بيت في القصيدة هو كما في الديوان والكتاب: وقفتُ على رَبعٍ لمَيَّة ناقتي ... فما زِلتُ أبكي عنده وأخاطبُه قال الباهلي: قوله: أبثه أي أُخْبِره بكل ما في نفسي، وقوله: وأسقِيه أي أدعو له بالسقيا، وملاعبُه مواضيع يلعب بها. واستشهد به المؤلف على أن أبث يأتي بمعنى: أفشى ونشر.]] وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ قُرئ (تساءلون) بالتخفيف والتشديد [[قراءة التخفيف (تساءلون) خفيفة السين لعاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقراءة التشديد (تساءلون) مشددة السين لأبي عمرو ونافع وابن كثيرِ وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. انظر: "السبعة" ص 226، "الحجة" 3/ 118، "المبسوط" ص 153، "النشر" 2/ 247، "البدور الزاهرة" (93). وتوجيه المؤلف للقراءة بعد ذلك من "الحجة" لأبي علي الفارسي.]]؛ فمن شدّد أراد: تتساءلون، فأدغَم التاء في السين لاجتماعهما في أنهما من حروف طرفِ اللسان وأصول الثنايا واجتماعِهما في الهمس. ومن خفف، حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة فأعلَّها بالحَذْف، كما أعلَّ الأول بالإدغام [[انظر: "الحجة في القراءات السبعة" لابن خالويه ص 118، "حجة القراءات" ص 188، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 1/ 375.]]، وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف أو بالإدغام أو بالإبدال [[في "الحجة": أو الإدغام والإبدال.]]، (فالحذف والإدغام، كالقراءتين في هذا الحرف) [[ما بين القوسين ليس في "الحجة".]]. والإبدال كقولهم: طست (للطس) [[هذه الكلمات ليست في "الحجة"، ويبدو أنها ساقطة.]] أُبدِلَ من السين الثانية التاء لتقاربهما، قال العجَّاج: أَإِنْ رأيتِ (هَامَتِي) [[في (ب): (متى) ولعله تحريف.]] كالطَّسْتِ [[نسبه المؤلف للعجاج تبعًا لأبي علي في "الحجة" 3/ 120، والواقع أنه ليس له وإنما هو لابنه رؤبة كما في ديوانه في "مجمع أشعار العرب" ص 23، وهو عجز بيت صدره: ويحكِ إن أسلم فأنتِ أنتِ والطست: من آنية الصفر. "اللسان" 5/ 2670 (طست).]] وأنشد المازني في الطسّ: لو عَرَضَت لأَيْبُلِي قَسّ ... أشعثَ في هيكلِه مُنْدَسّ حَنَّ إِلَيهَا كحَنِين الطَّسّ [[إلى هنا انتهى أخذ المؤلف من "الحجة" 3/ 118 - 120. والرجز في "تهذيب اللغة" 3/ 2191 (طس)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 156، "اللسان" 5/ 2671 (طس) بدون نسبة، ونسبه أبو حيان للعجاج في "البحر المحيط" 3/ 156، لكن في "البحر": لأسقُفي بدل: لأيبُلي، ولم أجده في "ديوانه". والأيبلي والأيبل هو الراهب عند النصارى أو صاحب الناقوس الذي يدعوهم به إلى الصلاة. والقس هو القسيس رئيس من رؤساء النصارى، والهيكل معبدٌ للنصارى فيه صنم على سورة مريم وعيسى -عليهما السلام- فيما يزعمون، ومُنَدسّ أي داخلٌ ومختفي، والحنين الشديد من البكاء والطرب، والطس والطسة لغة في الطست. انظر "اللسان" 3/ 1372 - 1373، 5/ 2671 (طسس)، 1/ 11 (أبل)، 8/ 1681 (هكل)،2/ 1029 (حنن).]] ومعنى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ أي تتساءلون فيما بينكم حوائجكم وحقوقكم به فتقولون: أسألُك بالله والرحِم، وأنشدك اللهَ والرحم [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 226، "معاني القرآن" للزجاج 2/ 6.]]. قال ابن عباس: يريدون أن أهل مكة لم يكونوا يؤمنون بالبَعْث، وكانوا يتواصلون بالأرحام، فإذا ناشد الرجلُ الرجلَ، قال: أنشدك الله والرحم، وكذلك كان يكتب المشركون إلى رسول الله ﷺ: نناشدك الله والرحم (إلَّا) [[في (د): (أن لا).]] بعثت إلينا فلانًا وفلانًا [[لم أقف له على تخريجٍ في تفسير هذه الآية عن ابن عباس.]]. وعلى هذا التفسير انتصب ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالعطف على موضع ﴿بِهِ﴾، كأنه قيل: وتذكرون الأرحامَ؛ لأن معنى ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾: تذكرونه في سؤالكم ومناشدتكم، فالأرحام عطف على موضع الجار والمجرور. قال أبو علي [[ما نسبه المؤلف إلى أبي علي أحد الوجهين الذين ذكرهما في نصب الأرحام، والوجه الآخر أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿وَاتَّقُوا﴾، التقدير: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾، واتقوا الأرحام أي اتقوا حقَّ الأرحام فصلوها ولا تقطعوها. "الحجة" 3/ 121. وسيأتي نحوه عند المصنف قريبًا.]] وعلي بن عيسى [[لعله أبو الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبد الله الرماني النحوي، وهو إمام في اللغة والنحو، صنف كتبًا كثيرة منها: "شرح كتاب سيبويه"، "معاني الحروف". وكان متهمًا بالاعتزال. توفي سنة 384 هـ انظر: "سير أعلام النبلاء" 16/ 355، "البلغة" ص 154، "بغية الوعاة" 2/ 180، ولم أقف على قوله.]]: ويكون كقوله: فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلا الحَديدَا [[عجز بيتٍ صدره: معاويَ إننا بشرٌ فأسجِحْ ومعنى أسجح: سهل علينا حتى نصبر، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 301. وقد نسب هذا البيت إلى عُقَيبة بن هبيرة الأسدي كما نسب إلى عبد الله ابن الزبير وهو من "شواهد الكتاب" 1/ 67، 2/ 292، 344، 3/ 912، "معاني القرآن" للفراء 2/ 348، "المقتضب" 2/ 337، 4/ 112، 371، "الجمل" للزجاجي ص 55، "الإنصاف" للأنباري ص 284. وقد استشهد به المؤلف عند تفسير البسملة في أول الكتاب. والشاهد منه نصبه الحديدا عطفًا على موضع المجرور بالجبال، وقد أنكر بعضهم على سيبويه استشهاده بهذا البيت لأنه من قصيدة القافية فيها مجرورة، لكن رد ذلك السيرافي بأن البيت له روايتان النصب والبحر، وكل رواية في قصيدةٍ مشاكلةٍ لها. انظر "شرح السيرافي" 1/ 300 - 303.]] وقال أكثر المفسرين: معنى ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. قاله: قتادة [[هو أبو الخطاب، قَتادة بن دِعَامة السّدوسِي الشيباني، ولد سنة 60 وهو أعمى، وعني بالعلم حتى صار من حفاظ التابعين وأعلمهم بالقرآن والسنة وهو من أخص تلامذة ابن عباس، توفي -رحمه الله- سنة 117 هـ، وقيل بعدها. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 96، "وفيات الأعيان" 4/ 85.]]، ومجاهد، والسدي، والضحاك، وابن زيد [[هو عبد الرحمن بن زَيد بن أَسْلم العَمري.]] والربيع [[هو الرَّبِيع بن أنس البّكري، تقدم.]] [[أخرج أقوالهم: ابن جرير 4/ 227 - 228 انظر: "زاد المسير" 2/ 3، و"ابن كثير" 1/ 487.]]، والفراء [["معاني القرآن" 1/ 252.]]، والزجاج [["معاني القرآن" 2/ 6.]]. وعلى هذا التفسير انتصب الأرحام بالعطف على قوله أي: اتقوا اللهَ واتقوا الأرحامَ، أي: اتقوا حقَّ الأرحام فصلوها ولا تقطعوها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 252، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 390، "الحجة" 3/ 121.]]. ويجوز على هذا التفسير أنْ يكون منصوبًا بالإغراء، أي: والأرحام فاحفظوها وصلوها، كقولك: الأسدَ الأسدَ [[القول بنصب ﴿الأرحامَ﴾ على الإغراء لم أره عند غير المؤلف.]] وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم، وينبئ بوجوب صلتها. وقرأ حمزة ﴿والأرحامِ﴾ جرًا [[هذه القراءة لحمزة وحده من العشرة، انظر "السبعة" ص 226، "المبسوط" ص 153، "الحجة" 3/ 121، "النشر" 2/ 247، "البدور الزاهرة" ص 93.]] بالعطف على المَكْنِيّ في ﴿بِهِ﴾ كما يقال: سألتك باللهِ والرحمِ، ونشدتك باللهِ والرحم، وإنما حَملَه على هذه القراءة ما ورد في التفسير أن المشركين كانوا يقولون: نناشدك بالله والرحم، ونسألك بالله والرحم إلّا فعلت كذا [[انظر:"معاني القرآن" 1/ 252.]]. وضعف النحويون كلُّهم هذه القراءة واستقبحوها [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 252، "معاني الأخفش" 1/ 430، "تفسير الطبري" 4/ 226، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 391، "معاني الزجاج" 2/ 6، "الإنصاف" 373 - 379، "إملاء ما من به الرحمن" بهامش الفتوحات الإلهية 2/ 182، "البحر المحيط" 3/ 158، "الدر المصون" 3/ 554.]]، فقال أبو علي [[في "الحجة" 3/ 121.]]: هذا ضعيف في القياس قليل في الاستعمال، وما كان كذلك فَتركُ الأخذ به أحسن [[إلى هنا نص كلامه أبي علي، وما بعده إلى قوله: قال: ويدلك .. بمعناه. انظر "الحجة" 3/ 121 ،122.]]؛ وضعفه أنَّ المشاكلة تُراعَى في باب العطف حتى يعطف الشك على الشكلِ، والمعطوف ينبغي أنْ يكون مُشاكلًا للمعطوف عليه، والمضمرُ المجرور قد خرج عن شبه الاسم وصار بمنزلة الحرف بدلالة أنه لا ينفصل، وذلك أن الكاف والهاء في قولك: (بِهِ وبِكَ) [[في (د): (بك وبه).]] (ألا) [[هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لا وليس ألا.]] ترى واحدًا منهما منفصلًا عن الجار، فصار كالتنوين؛ فلأن المضمر المجرور أيضا قد صار عِوَضًا من التنوين إذا اتصل باسمٍ، نحو: غلامك، وغلامه، وغلامي، وأيضًا فإنه على حرف كما أن التنوين على حرف. قال [[أي: أبو على.]]: ويدلك على أنه قد جرى عندهم مجرى التنوين حذفهم الياء من المُنَادَى المضاف [[في "الحجة" المضاف إليه.]] (في الاختيار) [[ليس في "الحجة".]] كحذفهم التنوين (من المفرد) [[ليس في "الحجة".]] وذلك قولهم: يا غلام، وهو أكثر في الاستعمال [[انتهى كلام أبي علي من "الحجة" 3/ 121، 122.]] من: يا غلامي، فشابه المضمرُ المجرور التنوينُ من هذه الوجوه. وإذا كان كذلك خرج عن حدّ الاسم وصار بمنزلة الحرف، فلم يعطف على المضمر المجرور لخروج المعطوف عليه عن شَبَه الاسم إلى شبَه الحرف، وقد ذكرنا شأن التشاكل، يُرَاعى في باب العطف فلا يُعطف الاسم على الحرف. وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" 2/ 6.]]: إجماع النحويين أنه يقبح أن يُنْسقَ باسمٍ ظاهر على اسم مُضمَر في حال الخفض إلا بإظهار الخافض [[دعوى الإجماع فيها نظر، لأن ذلك رأي البصريين وأنه لا يجوز إلا في الشعر، == وأما الكوفيون فقد أجازوا ذلك. انظر "المقتضب" 4/ 152، "الأصول في النحو" 2/ 79، "الإنصاف" ص371، "شذور الذهب" ص 533.]]، كقوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص: 81] [[هذا الشاهد القرآني ليس في "معاني الزجاج".]]، ويستقبح النحويون: مررت به وزيد [[بعد هذا المقال كلام للزجاج هو: وبك وزيد، إلا مع إظهار الخافض، حتى يقولوا: بك وبزيد، فقال بعضهم: لأن المخفوض ... "معاني الزجاج" 2/ 6.]]، لأن المكني المخفوض حرف متصل غير منفصل، فكأنه كالتنوين في الاسم، فقبح أن (يعطف) [[ليس في (د).]] باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه. هذا كلامه [["معاني الزجاج" 2/ 6 بتصرف.]]. وقد ذكر أبو علي وجه الشبه بينهما كما حكينا. وقال علي بن عيسى [[هذا الكلام في "الحجة" 3/ 125، لكن دون نسبة إلى علي بن عيسى هذا، وعلي هذا لعله الرماني وقد تقدمت ترجمته.]]: ومما يزيد هذا الفصل بيانًا أنهم لم يستحسنوا عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع حتى يؤكد، فينفع [[في "الحجة": فيقع.]] العطف في اللفظ على المضمر المنفصل الذي يجري مَجرى الأجنبي، وذلك نحو: اذهب وزيد، وذهبت وزيد، لا يستحسنون ذلك حتى يؤكدوه، فيقولوا: اذهب أنت وزيد، وذهبت أنا وزيد [[هذا عند البصريين، لكن إذا طال الكلام حسن حذف التوكيد، أما الكوفيون فلا قُبْح في الحالين. انظر "المقتضب" 3/ 210، 279، "الإنصاف" ص380 - 381، "شذور الذهب" ص 531 - 532.]]؛ لأنه لما اختلط الاسم بالفعل حتى صار كبعض أجزائه لوقوع إعرابه بعده في نحو: تفعلين، وتفعلان، وتفعلون، ولإسكانهم الآخر منه إذا اتصل بالضمير مع تحريكهم نحو: (عَلَيْطٍ) [[في (د): (غليط)، بإعجام الغين.]]، (لم يستجيزوا العطف عليه إلا بالتأكيد) [[في "الحجة" لم يستجيزوا العطف عليه في حال السعة إلا بالتأكيد.]] ليقع العطف عليه في اللفظ، فلا يكون كأنه عطف اسمًا على فِعل [[انظر: "الإنصاف" ص 381.]]، كما يصير في المجرور، كأنه عطف اسمًا على تنوين [[إلى هنا نفس الكلام في "الحجة" 3/ 125، وما بعده يحتمل أن يكون من زيادة المؤلف.]]. وإذا ضَعُف في المرفوع مع أن له ضميرًا منفصلًا نحو: أنت وهو، امتنع في المجرور؛ لأن المضمَر المجرور لا منفصل له، وليس بعد الضعف إلا الامتناع. فأما الضمير المنصوب نحو: ضربته، لا يستقبح العطف عليه؛ لأنه ظاهر لم يختلط بالفعل حتى صار كبعض أجزائه، كضمير المرفوع، ولا يقوم مقام التنوين في موضع ما كضمير المجرور، وذلك أن ضمير المنصوب لا يتصل إلا بالفعل نحو: منعته وقتلته، ولا ينون الفعل قط. وضمير المجرور إما أن يَتَّصل باسمٍ فيقوم فيه مقام التنوين، أو بحرفٍ نحو: به وبك، واتصالُه بالحرف كاتصالهِ بالاسم، ألا ترى أنه لا ينفصل من الاسم، ولا يفصل بينهما كما يفصل بين الجار والمجرور الظاهر في باب المضاف والمضاف إليه نحو: كأن أصواتَ -مِن إِيغالِهِنَّ بنا- ... أَوَاخِرِ المَيْس إِنْقَاض الفَراريجِ [[البيت لذي الرمة: "ديوانه" ص 76، وهو من شواهد سيبويه 1/ 179، 2/ 166، 280، "المقتضب" 4/ 376، والأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3648 (نقض)،== "سر صناعة الإعراب" 1/ 10، "اللسان" 8/ 4525 (نفض). قال الأزهري: وفي تقديم وتأخير، أراد كأن أصوات أواخر الميس إنقاض الفراريج من إيغال الرواحل بنا، أي من إسراعها السير بنا. والفراريج جمع فروج وهو الفتيّ من ولد الدجاج. "اللسان" 6/ 3371 (فرج)، وإنقاضها أصواتها، ففي "سر صناعة الإعراب" أصوات الفراريج وبين ابن جني فيه أن الميس خشب الرحل. والشاهد منه أنه فصل بين المضاف أصوات والمضاف إليه أواخر.]] وإِذا اتّصلَ بالحرف لم ينفَصِل منه ولم يُفصل أيضًا بينهما بشيء، فلا فصل إذًا بين اتصاله بالاسم وبين اتصاله بالحرف. ولأبي عثمان المازني [[من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 6.]] تفسير لهذا الفصل مُقنع، وهو أنه قال: الثاني في العطف شريكٌ للأول، فإنْ كان الأول يصلح أَنْ يكون شريكًا الثاني وإلا لم يصلح أَنْ يكون الثاني شريكًا له. (بيان هذا أنك لا تقول) [[في "معاني الزجاج" قال: فكما لا تقول ....]]: مررت بزيدٍ وبك كذلك لا تقول: مررت بك وزيد. وقال سيبويه: لا يجوز عطف الظاهر على المكني المخفوض من غير إعادة الخافض إلا في ضرورة الشعر [[معنى كلام سيبويه. انظر "الكتاب" 2/ 382 - 383.]]، وأنشد: فاليَومَ قرَّبت تهجُونا وتشتُمُنا ... فاذْهَب فَمَا بِكَ والأيامِ من عَجَبِ [[الظاهر أن هذا البيت من الأبيات الخمسين عند سيبويه التي لم يُعرف لها قائل. انظر: "الكتاب" 2/ 383، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 390، "الإنصاف" ص 377. وقد استشهد بالبيت الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 7، وقال محققه: البيت للأعشى وينسب لعمرو بن معد يكرب، ولم أجده في ديوان الأعشى. قال عبد السلام هارون في تحقيقه للكتاب: قرَّبت: أخذت وشرهت. يقول: إن هِجاءك الناس وشتمَهم صار أمرًا معروفًا لا يتعجب منه. كما لا يتعجب الناس من فعل الدهر. والشاهد فيه أنه عطف الأيام على الكاف الخطاب دون إعادة حرف الجر.]] وأنشد الفراء أيضًا: نُعَلِّقُ في مثلِ السَّواري سيوفَنَا ... وما بَينَها والكَعْبِ غَوطٌ نَفَانِفُ [["معاني القرآن" للفراء 1/ 253. والبيت نسبه الجاحظ في "الحيوان" 6/ 494 لمسكين الدارمي، وانظر "الإنصاف" ص 378، "معجم شواهد العربية" ص 237. واختلفت الروايات لأول البيت بين نُعَلِّق بالنون والبناء للمعلوم فيكون سيوفَنا منصوبًا على أنه مفعول به، وبين تُعَلَّق بالتاء والبناء للمفعول ويكون سيوفُنا مرفوعًا على أنه نائب فاعل. كما أن قافيته جاءت على روايتين: نفانف، وتنائف. قال عبد السلام هارون في شرحه للحيوان: مثل السواري، عنى بها أعناق الرجال. والسارية: الأسطوانة من أساطين البيوت ونحوها. التنائف جمع تنوفة وهي المفازة، وهذه مبالغة ظاهرة أن يجعل ما بين أعناقهم وكعوبهم تنائف. والشاهد منه أنه عطف الكعب على الضمير في بينها دون إعادة الخافض.]] قال أبو إسحاق [[أي الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 6.]]: وقراءة حمزة مع ضَعفِها وقُبحِها في العربية خطأ في أمر الدين عظيم؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم [[طرف حديث أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- رقم (2101) كتاب الكفارات، باب: من حُلِف له بالله فليرض 1/ 679، والحاكم في كتاب الأيمان من "مستدركه" 1/ 52، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" 6/ 136 (7247). كما أخرجه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أبو داود (3247) في الأيمان والنذور، باب: في كراهية الحلف بالآباء، والنسائي 7/ 5 في الأيمان والنذور، باب: الحلف بالأمهات 7/ 5، وابن حبان 10/ 199 رقم (4357)]] فكيف يكون: تتساءلون بالله (والرحم)؟ [[في (أ): (والأرحام)، وما أثبته هو الموافق لما في "معاني الزجاج" إلا أن فيه: وبالرحم.]] [[انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 6.]]. يعني أن الحَلِفَ بغير الله لا يجوز، وإذا عطفت الأرحام (كالمَكْنِيّ) [[هكذا فى (أ)، و (د)، ولعل الصواب: على المكنى.]] عن اسم الله أوجب جواز الحَلِف بالأرحامِ، وذلك غير جائز. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. الرقيب: الحافظ، يقال: رَقَبَ يرقُبُ رِقْبَةً وُرقُوبا [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1448 (رقب)، "مقاييس اللغة" 2/ 427 (رقب) والمصدر فيهما: رُقْبانًا.]]. ومعناه: أنه يرقُب عليكم أعمالكم فاتقوه فيما نهاكم.

النساء 4:2

قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾. قال المفسرون: الخطاب للأوصياء وأولياء اليتامى [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 228، "تفسير البغوي" 2/ 159.]]. أي أعطوهم أموالهم. وإنما يُعطى إذا بلغ، ولا يُتْمَ بعد البلوغ [[اليتيم هو الذي مات أبوه ويسمى بذلك حتى يبلغ فإذا بلغ زال عنه اسم اليتيم. هذا من ناحية الأحكام الشرعية، أما من الناحية اللغوية فيبقى الاسم لمن مات أبوه وإن كان بالغًا، لأن اليتيم لغة مأخوذ من الانفراد ومنه الدرة اليتيمة: أي المنفردة. انظر "تهذيب اللغة" 4/ 3973، 340 (يتم).]]، ولكن قد يُستَصحب الاسم وإن زال معناه، كقوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46)﴾ [الشعراء: 46]، أي: الذين كانوا سحرة قبل السجود. وقد كان يقال للنبي ﷺ يتيمُ أبي طَالِب [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 7، "تهذيب اللغة" 4/ 3973 (يتم)، "تفسير القرطبي" 5/ 8 ،9، والمقصود أنه كان يقال ذلك بعدما كبر ﷺ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. يقال: تبدل الشيء بالشيء إذا أخذه مكانَه [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 294 (بدل).]]، قال العجّاج: مَن إِنْ تَبَدَّلتُ بِلادِي آدُر [[لم أجده في "ديوان العجاج" برواية الأصمعي وشرحه.]] قال أكثر المفسرين: كان ولي اليتيم يأخذ الجيّد من ماله ويجعل مكانَه الرديء، بجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، فنهى الله تعالى عن ذلك [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 229 - 230، "زاد المسير" 2/ 5، "تفسير ابن كثير" 1/ 487، "الدر المنثور" 2/ 207 - 208.]]. قال مجاهد وبَاذَان [[باذان ويقال: باذام -بالميم- هو أبو صالح مولى أم هانىء، تقدمت ترجمته.]]: أي: لا تجعل بدل رِزقك الحلال حرامًا تتعجّله، فتأخذه عن مال اليتيم [[في "تفسير مجاهد" 1/ 143 يقول: لا تتبدلوا الحرام من أموال اليتامى بالحال من أموالكم. وأخرج الأثر عن مجاهد وباذان (أبي صالح) ابن جرير في "تفسيره" 4/ 231 بنحوه، انظر "الكشف والبيان" 4/ 4 ب، "تفسير القرطبي" 5/ 9، "الدر المنثور" 2/ 208.]]. ومعنى هذا ما قال الفراء والزجاج: يقول: لا تأكلوا أموالَ اليتامى بدل أموالكم، وأموالهُم عليكم حرام، وأموالكم حلال [[هذا نص كلام الفراء في "معاني القرآن" 1/ 253، ونحو كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 7.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. قال أكثر المفسرين: لا (تضيفوا) [[في (د): (تضيعوا) بالعين.]] أموالهم في الأكل إلى أموالكم، إن احتجتم إليها فليس لكم أن تأكلوها مع أموالكم [[نص كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 7، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 111، "تفسير الطبري" 4/ 230.]]. قال عطاء: يريد تَربَح على يتيمك، بأن يَهوَى دابة عندك أو ثوبًا فتبيعه منه بأكثر من ثمنه، وهو غِرّ [[كأنها في النسختين: (عن) والمُرجَّح ما أثبته لما عند الثعلبي في الحاشية التالية.]] صغير السن [[من "الكشف والبيان" 4/ 4 ب بتصرف، وانظر: "زاد المسير" 2/ 5، "القرطبي" 5/ 10.]]. وهذا الذي ذكره عطاء هو نوع من أكل مال اليتيِم، ولا يجوز ذلك بأي وجهٍ كان. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: 2] الكناية تعود إلى الأكل، ودل (تأكلوا) على المصدر [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 230، "الدر المصون" 3/ 557.]]. والحُوب الإثم الكبير، وكذلك الحَوب والحَاب، ثلاث لغات في الاسم والمصدر، يقال: حَاب يحُوب حُوبا، وحَوبا وحَابًا وحيابًة، إذا أَثِم [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 253، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 113، "تفسير ابن جرير" 4/ 230، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 392، "مقاييس اللغة" 2/ 113، "اللسان" 2/ 1036 (حوب).]]. قال الفراء: الحُوب لأهل الحجاز، والحَوب لتميم، ومعناهما الإثم [[ليس في "المعاني"، فقد يكون في كتابه المصادر، وهو مفقود.]]. وقال أمية بن الأسكر الليثي [[أمية بن حُرثان بن الأسْكَر -بالسين المهملة على الصحيح- الكناني الليثي، شاعر مخضرم، له صحبة، كان سيدًا في قومه، توفي - رضي الله عنه - سنة 20 هـ. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 190، "الإصابة" 1/ 64 - 65، "الأعلام" 2/ 22.]] -وكان ابنه قد هاجر بغير إذنه [[ابن أمية هو كلاب، وقصته أنه خرج وأخٌ له في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وتركا أباهما أمية وهو شيخ كبير وكان لا يصبر عن كلاب، فاشتكى أمية إلى عمر وأنشده قصيدةً كان البيت التالي منها، فكتب عمر إلي سعد بن أبي وقاص أن رحل كلاب ابن أمية فرحله، فلما قدم المدينة جمعه عمر بأبيه فجعل أميهَ يشَمُّ ابنَه ويبكي. انظر: "ذيل الأمالي والنوادر" للقالي ص 108، 109، "الإصابة" 1/ 64 - 65.]] -: وإنَّ مُهَاجِرَينِ تَكنَّفَاهُ ... غَدَاتَئِذٍ لَقَد خَطِئَا وَحَابَا [[البيت في "مجار القرآن" 1/ 113، "تفسير الطبري" 4/ 230، 7/ 529 لكن عجزه في الموضع الأول: لعمر الله قد خطئا وحابا، "ذيل الآمالي والنوادر" ص 109،== وعجزه فيه: ليترك شيخه خطئا وخابا "الإصابة" 1/ 65 وجل ألفاظه مغايرة، حيث إنه جاء: أتاه مهاجران فرنَّخاه ... عباد الله قد عَقَّا وخَابا والشاهد: حابا أي أثما.]] وحكى الفراء، عن بني أسد أنهم يقولون للقتال: حَائِب [[في "معاني القرآن" 1/ 253.]]. وقال النبي ﷺ: "رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي" [[جزء من دعاء للنبي ﷺ في حديث أخرجه أحمد من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- 1/ 227، وأبو داود (1510) كتاب الوتر، باب: ما يقول الرجل إذا سَلَّم، والترمذي (3551) كتاب الدعوات، باب: في دعاء النبي ﷺ]]، قال أبو عبيد [[في "غريب الحديث" 1/ 220 وقد أخذ عنه المؤلف بتصرف.]]: حَوْبتي يعني: المآثم، قال: وكل مأثم حُوب وحَوب، والواحدة حَوبة، ومِن هذا قوله: ألك حوبة؟ قال: نعم [[جزء من حديث اختصره المؤلف وسياق أبي عبيد: أن رجلًا أتى إلى النبي ﷺ فقال: إني أتيتك لأجاهد معك. فقال: "ألك حوبة؟ " فقال: نعم. قال: "ففيها فجاهد". يُروى عن أشعث ابن عبد الرحمن عن الحسن يرفعه. "غريب الحديث" 1/ 220. ولم أقف على هذا الحديث في دواوين السنة.]]. وهو عندي: كل حرمة تأثم الإنسان بتركها وتضييعها من أُمّ أو أُخت أو بِنت أو غيرهن [["غريب الحديث" 1/ 220، 221 بتصرف.]]. ويقال [[الظاهر أنه من قول أبي عبيد، وليس في "غريب الحديث" وإنما في "تهذيب اللغة" 1/ 690 (حاب)، وفي "الغريب" 1/ 221: وقد يكون التحوب التعبد والتجنب للمأثم.]]: تَحوَّب فلان إذا تعبّد، كأنه يُلقي الحُوب عن نفسه بالعبادة، مثل: تأثم [[انتهى أخذه عن أبي عبيد، وانظر "تهذيب اللغة" 1/ 690 - 691 (حاب).]]. قال الكُميت: وصُبَّ له شَولٌ من الماء غَائرٌ [[في النسختين: (عابر) بالباء، ولعلها تصحفت عن: غابر.]] ... به كَفَّ عنه الحِيبَةَ المتَحَوِّبُ [[البيت في "تهذيب اللغة" 1/ 691 (حاب)، "اللسان" 2/ 1036. والشَّول: هو الماء القليل. انظر "مقاييس اللغة" 3/ 230. والشاهد: المُتَحوَّب أي المتعبَّد.]] والحِيبَة ما يُتأثم منه، يصف ذِئبًا سقاه وأطعمه [[من "تهذيب اللغة" 13/ 691 (حاب).]]. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. الإقساط: العَدل، يقال أَقسط الرجل إذا عدل [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 541، "تهذيب اللغة" 3/ 2959 (قسط).]]، قال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9]. والقسط: العدل والنصفة [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2959، "مقاييس اللغة" 5/ 85 (قسط).]]، قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135]. قال الزجاجي: وأصل قَسَط وأَقْسَط جميعًا من القِسط، وهو النصيب، فإذا قالوا: قسط بمعنى: جار، أرادوا أنه ظلم صاحبه في قِسطه الذي يصيبه. ألا ترى أنهم قالوا: قاسطته فقسطتُه إذا غلبته على قِسطه، فبني قَسَط على بناء ظلم وجار وعسف وغلب، وإذا قالوا: أقسط، فالمراد به أنه صار ذا قسط وعدل، فبُني على بناء أنصف، إذا أتى بالنَّصف والعدل في قوله، وفعله، وقسمه [[الظاهر أن هذا نهاية كلام الزجاجي، ولم أعثر عليه فيما بين يديَ من مصنفاته. انظر "جمهرة اللغة" 2/ 836، "تهذيب اللغة" 3/ 2959 (قسط).]]. واختلف أقوال أهل التأويل في هذه الآية، فرُوي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؟ فقالت يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حَجرِ وليّها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمِروا أن يَنكحوا ما سِواهن من النساء [[أخرجه البخاري بنحوه (2494) كتاب الشركة، باب: شركة اليتيم وأهل الميراث، ومسلم (3013) كتاب التفسير، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 145، والنسائي في "تفسيره" 1/ 360، 361، والطبري 7/ 531، وغيرهم.]]. وعلى هذا التفسير تقدير الآية: وإن خفتم ألا تُقسطوا في نكاح اليتامى، أي: الإناث منهم، فحذف المضاف؛ لأن قوله بعد: ﴿فَانْكِحُوا﴾ يدل على النكاح [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 8]]. وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي: من غيرهن، وذلك أن قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ بعد ذكر خوف الحَرج مِن نِكاح اليتامى، يدل على أن المراد به من غيرهن [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 232، "تفسير البغوي" 2/ 160.]]. هذا وجه ما رُوي عن عائشة رضي الله عنها في هذه الآية. وقال ابن عباس في رواية الوالبي [[هو أبو الحسن علي بن أبي طلحة، تقدمت ترجمته.]] وعطاء، يقول: فكما خِفتم ألا تُقسطوا في اليتامى وَهمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهن ولا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم إمساكهن والقيام بحقهن؛ لأن النساء كاليتامى في الضعف، والعجز [[من "الكشف والبيان" 4/ 5 ب، 6 أ، وأشار الثعلبي إلى أن هذه رواية الوالبي عن == ابن عباس، ولم أجد رواية عطاء، وقد أخرجه ابن جرير بمعناه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسير الطبري" 4/ 233، وانظر "أسباب النزول" للمؤلف 146 - 147، "زاد المسير" 2/ 6، "الدر المنثور" 2/ 209.]]. وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، والربيع، والضحاك، والسدي [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 233، "الكشف والبيان" 4/ 5 ب، 6 أ، "أسباب النزول" 146 - 147، "زاد المسير" 2/ 6، "الدر المنثور" 2/ 209.]]، واختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 253، واختار القول أيضًا ابن جرير في "تفسيره" 4/ 233.]]. وشرح ابن قتيبة هذا القول، فقال: المعنى: أن الله -جل وعز- قال لنا: فكما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى إذا أكلفتموهم [[هكذا في (أ)، (د) والظاهر أن هذه الكلمة مُصحّفة من (كفلتموهم) بتقديم الفاء على اللام كما عند ابن قتيبة في "مشكل القرآن" ص 72 على أن المعنى يصح على ما هو مذكور في المتن، أي: كلفتم أمرهن والقيام على مصالحهن.]]، فخافوا أيضًا أنْ لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن، فانكحوا اثنتين، وثلاثًا، وأربعًا، ولا تتجاوزوا ذلك فتعجزوا عن العدل [[انتهى من "مشكل القرآن" ص 72، والواقع أن المؤلف حذف جملة مهمة من صدر الكلام وذلك أن ابن قتيبة قال: والمعنى: أن الله تعالى قصر الرجال على أربع نسوة وحرّم عليهم أن ينكحوا أكثر منهن، لأنه لو أباح لهم أن ينكحوا من الحرائر ما أباح من ملك اليمين لم يستطيعوا العدل عليهن بالتسوية بينهن، فقال لنا: فكما تخافون .. إلى آخر ما نقله المؤلف.]]. وقال ابن عباس: قُصِر الرجالُ على أربع، مِنْ أجل اليتامى [[أخرجه ابن جرير في "تفسيره" من رواية طاوس 4/ 233، وفيه: من أجل أموال اليتامى، والثعلبي 4/ 5 ب، وانظر "الدر المنثور" 2/ 209.]]. وكان [[هكذا العبارة، ولعل الصواب: ولما كان العدل ..]] العدل في اليتامى شديدًا على كافِلِهم، قصر الرجال على ما بين الواحدة إلى الأربع من النساء، ولم يُطلَق لهم ما فوق ذلك لئلا يميلوا. وقال مجاهد: معنى الآية: إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيمانًا وتصديقًا فكذلك تحرجوا مِن الزنا، فانكحوا النساء الحلال نكاحًا طيبًا ثم بين لهم عددًا محصورًا، وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد [[الأثر بنحوه في "تفسير مجاهد" 1/ 144. وأخرجه ابن جرير 4/ 236، والأثر عنده إلى (نكاحًا طيبًا) وقد أخذه المؤلف من الثعلبي 4/ 6 أ، وانظره في: "معاني الزجاج" 2/ 8، "معالم التنزيل" 2/ 161، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 2/ 210.]]، وهذا القول اختيار الزجاج [[لم أر اختيارًا للزجاج لهذا القول الأخير الذي ذهب إليه مجاهد، وإنما ساق أقوالاً، وذكر هذا القول في مقدمتها. انظر: "معاني الزجاج" 2/ 8]]. وهذه أوجهٌ صحيحةٌ من التأويل لهذه الآية [[هذا رأي المؤلف، وبعض المفسرين ساق هذه الأقوال دون ترجيح كالزجاج في المصدر السابق، والبغوي في "معالم التنزيل" 1/ 391، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 12، مما يؤيد احتمال الآية لهذه الأوجه. لكن ابن جرير -كما تقدم- اختار القول الثاني حيث قال: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية قول من قال: تأويلها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيه منهن .. "تفسير الطبري" 4/ 235، وقد علل لاختياره كعادته.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا طَابَ﴾ ولم يقل: (من) الأصل أن (من) لما يعقل، و (ما) لما لا يعقل [[انظر: "المقتضب" 3/ 63، 4/ 217، "معاني الزجاج" 2/ 8، "حروف المعاني" للزجاجي 54، 55، "شرح شذور الذهب" 189 - 190.]]. ولأهل العربية في هذا قولان: أحدهما: أن (ما) ههنا عبارة عن المصدر، فقال الفراء: معناه فانكحوا الطيب لكم من النساء [[هذا مُؤدَّى رأي الفراء، وليس بنصه. انظر: "معاني الفراء" 1/ 253، 254.]]. وقال مجاهد: فانكحوا النكاح الذي طاب لكم من النساء [[الذي ظهر لي أن هذا معنى كلام مجاهد في الأثر المتقدم عنه قريبًا ص 88 من قوله: (فانكحوا النساء الحلال نكاحا طيبا) لأني لم أجد له هذا الكلام الذي أورده المؤلف هنا بنصه، وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 236 - 237 ففيه ما يؤيد أن هذا معنى كلامه.]]. قال الفراء: وهذا كما تقول في الكلام: خُذ من عبيدي ما شئت، أي: مشيئتك فإن قلت: مَن شئت، فمعناه: خذ الذي شئت [["معاني القرآن" للفراء 1/ 254 - بتصرف-، وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 236 - 237، "معاني القرآن" للزجاج 2/ 8، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 434.]]. فعلى هذا (ما طاب) بمنزلة الطيب. والقول الثاني: أن (ما) و (من) ربما يتعاقبان، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: 5]، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [[انظر: "المقتضب" 4/ 185، 218، "معالم التنزيل" 1/ 161، "الإملاء بهامش الفتوحات" 2/ 185، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 12، "الدر المصون" 3/ 561. وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 162: وقرأ ابن أبي عبلة (من طاب) وقرأ الجمهور (ما طاب) فقيل (ما) بمعنى من، وهذا مذهب من يُجَوَّز وقوعَ ما على أحاد العقلاء، وهو مرجوح.]] [النور: 45]. وحكى أبو عَمْرو بن العلاء [[هو زبان بن العلاء بن عمار التميمي البصري أحد القراء السبعة، تقدمت ترجمته.]]، عن العرب: سبحان ما سبح له الرعد [[من "الكشف والبيان" 4/ 6 ب. وقد نسب المبرد فى "المقتضب" 4/ 285 هذا القول لأبي زيد. وانظر: "تفسير القرطبي" 5/ 13.]]. ومعنى قوله (طاب) أي: حلّ [[انظر: "الطبري" 4/ 236، "معاني القرآن" للزجاج 2/ 8، "معالم التنزيل" 2/ 161.]]، وإنما أباح النكاح من اللاتي تحل دون المحرمات اللواتي ذُكِرن في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] إلى آخر الآية [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 8، 9، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 393.]]. وقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. بدل مما طاب، ومعناه: اثنتَين، وثلاثًا (ثلاثًا [[هذا التكرير ليس في (د). والكلام من أوله للزجاج في "معاني القرآن" 2/ 9.]]) وأربعًا (أربعًا) [[هذا التكرير ليس في (د). والكلام من أوله للزجاج في "معاني القرآن" 2/ 9.]]. قال أبو إسحاق [[أي الزجاج في "معانيه" 2/ 9.]]: إلا أنه لم ينصرف لجهتين لا أعلم أحدًا من النحويين ذكرهما؛ وهي أنه اجتمع فيه علتان: أنه معدول عن اثنتين اثنتين [[عند الزجاج في "المعاني": اثنين اثنين بالتذكير.]] وثلاث ثلاث، وأنه عُدِل عن تأنيث. قال أصحابنا [[لا يزال الكلام لأبي إسحاق الزجاج، والظاهر أنه يقصد البصريين من النحاة.]]: إنه اجتمع علتان: أنه عَدْل [[في "معاني الزجاج" أنه عُدِل عن تأنيث.]]، وأنه نكرة، والنكرة أصل الأشياء [[عند الزجاج: الأسماء.]]، وهذا [[عند الزجاج: بهذا.]] كان ينبغي أن يخفّفه [[عند الزجاج: نخففه وهو أولى.]]؛ لأنّ النكرة تخفف ولا تعد (فرعًا [[في (د): (نوعًا)، وما أثبته هو الموافق لما في "معاني الزجاج".]]) هذا كلام أبي إسحاق [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 9.]]. وقد أخطا لي [[قد تكون: (لي) زيادة من الناسخ.]] في موضعين من هذا الفصل أصلحهما أبو علي وذكر معنى العدل فقال [[كلام أبي علي من كتابه "الإغفال" فيما أغفله الزجاج 2/ ل 63.]]: اعلم أنّ العدل ضرب من الاشتقاق، فكل معدول مشتق، وليس كل مشتق معدولًا، وإنما صار العدل ثقلًا. وثانيًا: لأنك تلفظ بكلمة وتريد بها كلمة على لفظ آخر، ألا ترى أنك تريد بعُمَر وزُفَر (عَامِرًا وَزافِرًا) [[فى (د): (زافرًا وعامرًا).]]، فأنت تلفظ بكلمة وتريد أخرى، وليس كذلك سائر المشتقات، لأنك تريد بها نفس اللفظ المسموع، ولست تُحيل بها على لفظ آخر، نحو: ضارب ومضروب؛ فإنهما اشتقا من الضرب، ولا تريد بلفظ واحد منهما لفظًا غيره، كما تريد بُعمَر عامرًا، وبزُفَر زَافِرًا، وبمثنى اثنين اثنين، فصار المعدول بمخالفته سائر المشتقات ثقيِلًا؛ إذ ليس في جنس الاشتقاق شيءٌ على حِدِّهِ. وقول أبي إسحاق: إن مثنى لا ينصرف لجهتين: وهو أنه معدول عن اثنتين اثنتين، وأنه عُدِل عن تأنيث، مراده بهذا أنه لما عدل عن التأنيث كان ذلك ثقلًا آخر لما لم يكن المعدول عنه هو الأول المذكر، فزاد بذلك ثقلًا انضم إلى المعنى الأول فلم ينصرف. إلى هذا الوجه ذهب أبو إسحاق، ولو سُلِّم له أنه عُدِل عن تانيث لم يكن ثقلًا مانعًا من الصرف يدل على ذلك أن التعريف ثانٍ، كما أن التأنيث كذلك، ولم يكن العدل عن التعريف ثقلًا معتدًا في منع الصرف، ألا ترى أنه لو كان مُعتَدًا به لوجب أن لا ينصرف (عُمر) في النكرة في قول جميع الناس، دلالة على أن العدل عن التعريف غير معتد به ثقلًا، على أنا لا نسلم أنه معدول عن تأنيث. وقوله في ذلك دعوى لا دلالة عليها، ألا ترى أنه لا يجد فصلًا بينه وبين من قَلَب هذا عليه، فقال: إنه معدول عن التذكير هو أقرب إلى الصواب؛ لأن الأصل التذكير حتى يُعلم التأنيث، ولم نعلم التأنيث هنا. فإن قال: عَلِمنا التأنيث بقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ فجرى على النساء وهي مؤنثة، قيل: لا يدل هذا على أنّ العدل عن التأنيث، بل العدل يكون عن التذكير، وإنما جرى على النساء، من حيث كان تأنيثها تأنيث الجمع، وهذا الضرب من التأنيث ليس بحقيقي، ألا ترى أنك تقول: هي الرجال، كما تقول: هي النساء، فلما كان تأنيث النساء تأنيث الجمع جرى عليه هذه الأسماء كما جرى على غير النساء مما تأنيثه تأنيث جمع؛ لأنّ تأنيث الجمع ليس بحقيقي، إنما هي من أجل اللفظ، فهو مثل: الدار، والنار، وما أشبه ذلك. ولو جاز لقائل أن يقول: مثنى وبابُه معدول عن مؤنث لما جرى على النساء وواحدتهن مؤنثة، لجاز لآخر أن يقول: إنه مذكر؛ لأنه جرى صفة على الأجنحة في قوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى﴾ [فاطر: 1]، وواحدها مُذكّر. وهذا هو القول والوجه لما بينّا أنّ تأنيث الجمع ليس بحقيقي، على أن هذه الأسماء قد جرت المذكر الحقيقي، قال: ولقد قتلتكم [[في النسختين: (قبلتكم) بالموحدة التحتية، وما أثبته حسب "الإغفال" والمصادر الآتية.]] ثناءَ وَموحَدًا ... وتركتُ مُرَّة مثل أمسِ الدَّابِرِ [[البيت لصَخر بن عمرو بن الشّريد السُلمي. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 115، "أدب الكاتب" ص 458، "تفسير الطبري" 4/ 237، لكن عند أبي عبيدة وابن جرير قافيته: كأمس المدبر، ومال إلى ذلك محمود شاكر في حاشيته على ابن جرير. والشاهد منه كما في "مجاز القرآن" أنه اخرج اثني مخرج ثلاث.]] فأما ذكره في قول: قال: إنه اجتمع فيه علتان، أنه عَدْل وأنه نكرة، الفصل إلى آخره، فاعلم أنه غلط بين في الحكاية عنهم، وإنما يذهبون في امتناعه من الانصراف إلى أنه معدول، وأنه صفة. وهذا لفظ سيبويه، قال [[أي سيبويه في "الكتاب" 3/ 225.]] عن الخليل في (أحاد، ومثنى): إنما كان حده واحدا واحدا، واثنين واثنين، فجاء (معدولًا [[في "الكتاب" محدودًا.]]) عن وجهه فتُرِك صرفه. قلت: أتصرفه في النكرة؟ قال: لا، لأنه نكرة يوصف به نكرة. وحكى الخليل، عن أبي عمرو أنه قال في قوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1]: أنها صفة [[انتهى أخذ أبي علي من سيبويه في "الكتاب" 2/ 225، وانظر: "الطبري" 4/ 237.]]. فقد نصوا على الصفة كما ترى، ونحو هذا قال أبو الحسن [[إن كان يريد الأخفش -وهو الظاهر- فإن رأيه مغاير لما ذكر كما سيأتي.]] وغيره من أصحابنا. انقضى كلام أبي علي [[من "الإغفال" 2/ ل 63 - 67 بتصرف.]]. ومن النحويين [[كالأخفش في "معاني القرآن" 1/ 431، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 393 - 394، وقد تبعهم في ذلك أبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 151، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 563، وعبارة الأخيرين لا تختلف عن عبارة المؤلف إلا يسيرًا فيحتمل إفادتهما منه.]] من يذهب إلى أن العلّة المانعة للصرف في (مثنى) وبابه، أن العدل تكرر فيه؛ لأنه عُدِل لفظ (اثنين)، وعُدِل عن معناه أيضًا، وذلك لا يستعمل في موضع يستعمل [[في "البحر"، و"الدر" (تستعمل) بالتاء.]] فيه الأعداد غير المعدولة. ألا ترى أنك تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز أن تقول: جاءني مثنى وثلاث، حتى يتقدم قبله جمع؛ لأن هذا الباب جُعِل بيانًا لترتيب الفعل، فإذا قال القائل: جاءني القوم مثنى مثنى، أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين. وأما الأعداد غير المعدولة، فإنما الغرض فيها الإخبار عن مقدار المعدود (دون [[في (د): (عن)، وما أثبته مطابق لـ"البحر"، و"الدر".]]) غيره، فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى، فلذلك جاز أن تقوم العلة مقام العلتين، لإيجابها حكمين مختلفين [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 431، 432، "البحر المحيط" 3/ 151، "الدر المصون" 3/ 563.]]. والواو في قوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ دالة على تفرّق الأنواع، وتجنيس المُباح من الزوجات، فمن تزوج مثنى لم يضم إليهما ثلاثًا، وكذلك من تزوج ثلاثًا لم يضم إليهن أربعًا. قال الشاعر: ولَكِنَّمَا أَهْلِي بوادٍ أَنيسُه ... ذئابٌ تَبَغَّى الناس مثْنَى وَموْحَدا [[البيت لساعدة بن جُؤيّة الهذلي كما في "ديوان الهذليين" 1/ 237، "الكتاب" == 3/ 226، "اللسان" 1/ 321 (بغا). وهو من شواهد "مجاز القرآن" 1/ 114، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 432، "المقتضب"، "معاني القرآن" للزجاج 2/ 10. وقد اختلفت الرواية في قافية البيت بين الرفع والنصب، فجاءت: موحدا كما عند المؤلف في "مجاز القرآن" "معاني القرآن" للأخفش، "اللسان". وجاءت موحد في "الديوان"، "الكتاب"، "المقتضب"، "معاني القرآن" للزجاج، ولعل هذه أرجح لموافقتها قوافي القصيدة، انظر "ديوان الهذليين" 1/ 236 - 242. أما معنى البيت فجاء في شرحه في "الديوان": يقول: أهلي بواد ليس به أنيس: هم مع السباع والوحش في بلد مقفر. مثنى: اثنان اثنان. وموحدت واحد واحد، ومعنى تبغّى: تطلب. كما في "اللسان".]] فعَنى مثنى في حال، وموحد في حال أخرى، وليس (موحد) مضمومًا إلى (مثنى) في المعنى. وقال ابن الأنباري: الواو هنا معناها التفرّق، وليست واوًا جامعة، فإذا كانت بهذه الصفة قُدِّر الفعل بعدها، وكان التأويل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ثلاثًا في غير الحال الأول، وانكحوا رباع في غير الحالين [[لم أقف على كلام ابن الأنباري فيما بين يديّ من مصنفاته.]]. وهذا معنى قول النحويين: أن الواو ههنا للبدل [[إذا كان المؤلف -وهو الظاهر- يقصد أن (مثنى وثلاث ورباع) بدل مما قبلها، فهي في موضع نصب على البدل من (ما) في (ما طاب) عند بعض النحاة. انظر "إعراب القرآن" للنحاس (393)، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 189، "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 281، "الدر المصون" 3/ 562. وإن كان غير ذلك فإني لم أجد -فيما اطلعت عليه من كتب التفسير وإعراب القرآن ومعاني الحروف- أن الواو تأتي بمعنى البدل، والله أعلم.]]، كأنه قيل: وثلاث بدلا من مثنى، ورُباع بدلًا من ثلاث [[انظر: "القرطبي" 5/ 17.]]. وقال صاحب النظم [[أي مصنف كتاب "نظم القرآن" وهو أبو علي الجرجاني.]]: الواو في هذا الفصل بمنزلة (أو)؛ لأنه لما كانت (أو) بمنزلة واو النسق جاز أن تكون الواو بمنزلة (أو) [[انظر: الطبري 4/ 238، "الكشف والبيان" للثعلبي 4/ 6 ب، "معالم التنزيل" 2/ 161، "غرائب التفسير" 1/ 282، واستبعد أبو حيان أن تكون أو بمنزلة الواو، لأن أو لأحد الشيئين أو الأشياء، والواو لمطلق الجمع فيأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها على طريق الجمع. انظر: "البحر" 3/ 163. وما ذكره المؤلف حول الواو هنا أقوال متقاربة من حيث المعنى.]]. ولا تدل هذه الآية على إباحة التسع [[يشير المؤلف إلى بطلان رأي الشيعة الرافضة في ذلك. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 10، والبغوي 2/ 161، والقرطبي 5/ 17، و"البحر المحيط" 3/ 163، وابن كثير 1/ 488.]]؛ لأن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات وأبلغها، وليس من شأن الخطيب البليغ أَنْ يُفرِّق العدد في مثل هذه الحال، يقول: أعط زيدًا درهمين وثلاثة وأربعة؛ لأنه يصير أعيا كلام [[من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 10 بتصرف. وانظر: "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 282.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، أي: في الأربع، بالحب والجماع [[هذا رأي الضحاك كما عند الطبري 4/ 239، والفراء في "معاني القرآن" 1/ 255. انظر: القرطبي 5/ 20. والظاهر أن العدل إنما هو بالنفقة والقسمة ونحوهما، وليس الزوج مُطالبًا بالعدل في الأمور القلبية والنفسية كالحب، ويدل على ذلك أن الله -عز وجل- يقول: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129]، قال الطبري 5/ 313 في معناه: لن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم وأزواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك، فلا يكون في قلوبكم لبعضهن من المحبة إلا مثل ما لصواحبها؛ لأن ذلك مما لا تملكونه وليس إليكم.== وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك. قال أبو داود: يعني القلب أخرجه أبو داود (2134) كتاب: النكاح، باب: في القسم بين النساء، والنسائي 7/ 64 كتاب: عشرة النساء، باب: ميل الرجل إلى بعض نسائه، والترمذي (1140) كتاب النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر، وابن ماجه (1971) كتاب النكاح، باب: القسمة بين النساء، وابن حبان في "صحيحه" 10/ 5 (4205). وأشار ابن حجر إلى أن فيه مقالًا، انظر: "التلخيص الحبير" 3/ 139.]]. ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي: فلينكح كل واحد منكم واحدة [[هذا التقدير على قراءة النصب وهي قراءة الجمهور من العشرة انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 394، "المبسوط" / 153، "النشر" 2/ 247، "إتحاف فضلاء البشر" ص 186.]]. ومن قرأ بالرفع [[وهو أبو جعفر وحده من العشرة. انظر: "المبسوط" / 153، "النشر" 2/ 247، "الإتحاف" / 186.]] أراد: فواحدةٌ مقنَع، أو فواحدةٌ رضا [["معاني القرآن" للفراء 1/ 255، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 394، "الإتحاف" ص 186.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يريد من الجواري [[أخرج الطبري 4/ 239 عن السدي أنه قال: السراري، وانظر: القرطبي 5/ 20.]]؛ لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق كالذي يلزم في الحرائر، ولا قسمة فيهن باليوم والليلة [[من "الكشف والبيان" 4/ 7 أبتصرف. وهذا ما دلت عليه الآية أنه لا يجب للإماء ما يجب للحرائر، ولكن الظاهر أنه يستحب. انظر: البغوي 2/ 162، القرطبي 5/ 20، ابن كثير 1/ 490.]]. ومعنى الأيمان ههنا بيان، تقديره: أو ما ملكتم [["الكشف والبيان" 4/ 7 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 2/ 162.]]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] الإشارة في ﴿ذَلِك﴾ تعود إلى قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ [[لعل هذا وهم من المؤلف، فالذي يظهر أنّ اسم الإشارة يعود إلى قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، يؤيد هذا بقية كلامه. وانظر: الطبري 4/ 238.]] أي: نكاحكم هؤلاء النسوة على قلة عددهن أقرب إلى العدل وأبعد من الظلم والجور. ومعنى ﴿تَعُولُوا﴾: تميلوا (وتجورا) [[هكذا في (أ)، (د). والصواب: (تجوروا).]]، عن جميع أهل التفسير واللغة [[سيأتي تفصيلٌ وتعدادٌ لمن ذهب إلى ذلك من أهل التفسير والعربية قريبًا عند المؤلف، وارجع إلى مظانه هناك.]]، وروي ذلك مرفوعًا. روت عائشة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: "لا تجوروا". ورُوي: "أن لا تميلوا" [[أخرج الحديث بالروايتين الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 27، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ، الصحيح، عن عائشة موقوف، "تفسير القرآن العظيم" لابن أبي حاتم 3/ 860 بتحقيق حكمت بشير بابين (رسالة دكتوراه في أم القرى)، وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 490.]]. كلا [[في (أ): (كلى).]] اللفظين مرويّ. قال ابن المظفر: العَول المَيل في الحكم إلى الجور [["تهذيب اللغة" 3/ 2288 (عال)، وابن المظفر هو المعروف بالليث، وتقدمت ترجمته.]]. وقال أبو عبيدة، عن الأصمعي: وعال الميزان إذا مال، وإنما هو مأخوذ من الجور [[من "تهذيب اللغة" 3/ 2288 (عال)، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 117.]]، وأنشد لأبي طالب [[هو عبد مناف بن قصي بن هاشم القرشي، أبن عم النبي ﷺ تقدمت ترجمته.]]: بِميزانِ قسط لا يُعِلّ شَعيرةً ... ووزَّانُ صدقٍ وزنُه غيرُ عائلِ [[البيت من قصيدة طويلة مشهورة بيّن فيها أبو طالب وقوفه مع النبي ﷺ لما خشي قومه ودهماء العرب كما في "سيرة ابن هشام" 1/ 286 - 298، وهو في الطبري 4/ 240، "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 141، "تهذيب اللغة" 3/ 2288 (عال)، وابن كثير 1/ 490. وقوله: "لا يعل" يبدو أنه بالغين (يغل) كما عند الطبري، وفي "السيرة": يخس بدل يغل، والمعنى كما في حاشية الطبري: أي: لا ينقص. و (وزان) عند الطبري وابن الأنباري بلفظ (ووازن). وعجز هذا البيت في "السيرة"، "تهذيب اللغة"، و"ابن كثير": له شاهد من نفسه غير عائل قال ابن الأنباري: معناه: غير مائل، وهذا هو الشاهد من البيت هنا.]] وقال الفراء: عال الرجل يعول عَولًا وعِيالةً، إذا مال وجار [[ليس في "معاني القرآن"، وإنما الذي فيه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: ألا تميلوا، وهو أيضًا في كلام العرب: قد عال يعول.]]. وعلى هذا القول ابن عباس، والحسن، وإبراهيم، وقتادة، والربيع، والسدي، وأبو مالك [[هو: غَزوان الغِفاري الكوفي، تقدمت ترجمته.]]، وعكرمة [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 240، و"البغوي" 1/ 163، و"ابن كثير" 1/ 490، و"الدر المنثور" 2/ 211.]]، والفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 255.]]، والزجاج [[في "معاني القرآن" وإعرابه 2/ 1.]]، وابن قتيبة [[في "غريب القرآن" ص 119.]]، وابن الأنباري [[انظر: "غريب القرآن" لابن عزيز ص 33.]]. وأخبرني العروضي قراءةً، وسعيد بن العباس القرشي كتابةً، عن الأزهري، قال: أخبرني عبد الملك [[لم أعرفه.]]، عن الربيع [[هو أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المُرادي المَصري المُؤَذَّن، صاحب الشافعي وراوي كتبه، ثقة، أخرج له أصحاب السنن، توفي -رحمه الله- سنة 270 هـ. انظر: "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص 109، "سير أعلام النبلاء" 12/ 587، "التقريب" ص 206 رقم (1894).]]، عن الشافعي - رضي الله عنه - [[السند من الأزهري إلى الشافعي في "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال).]] أنه قال: معناه ألّا يكثر عيالكم [["تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال)، وانظر: "تفسير البغوي" 2/ 162، "تفسير القرطبي" 5/ 21.]]. وإلى هذا القول ذهب من المفسرين عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [[أخرجه الطبري 1/ 241 بلفظ: أهون عليك في العيال. وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال)، "زاد المسير" 2/ 10، "الدر المنثور" 2/ 211.]]، وليس قول من خطّأ الشافعي في هذا بشيءٍ، فقد روى لنا الفسوي أبو الحسين، عن حَمْد بن محمد الفقيه، عن أبي عمر [[السند من أبي عمر إلى آخره في "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال).]] محمد بن عبد الواحد، عن أحمد بن يحيى، عن سَلَمة [[أبو محمد سلمة بن عاصم النحوي، تقدمت ترجمته عند تفسير [البقرة: 102].]]، عن الفراء، عن الكسائي [[هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي.]]، أنه قال: ومن العرب الفُصَحاء من يقول: عال يعول، إذا كثر عياله [["تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال).]]. قال الكسائي: وهي لغة فصيحة سمعتُها من العرب [[هذا القول للكسائي ليس في "تهذيب اللغة".]]. قال الأزهري [[في "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال).]]: وهذا يدل على أن الشافعي لم يخطئ من جهة اللغة؛ لأن الكسائي ثقة مأمون [[معنى كلام الأزهري وليس نصه.]]. قال [[أي الأزهري، وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال) متقدم على قوله السابق.]]: والمعروف من كلام العرب: عال الرجل يعول، إذا جار ومال [[ومال ليس في "التهذيب".]]، وأعال [[في "التهذيب": وأعال يعيل.]]، إذا كثر عياله [[انتهى من "تهذيب اللغة" 3/ 2287 (عال). وانظر: "الزاهر" 1/ 140 ، 141.]]. وقال ابن الأنباري: وهذا القول -على قلة القائلين به- له مخرج في اللغة، وهو أن العرب تقول: قد عالت الفريضة، إذا زادت سهامها، وأعلتها أنا (إذ أردت [[هكذا في (أ)، (د). ولعل الصواب: إذا زدت.]]) في سهامها [[انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 396، "تهذيب اللغة" 3/ 2278 (عال).]]. فكذلك قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ معناه ألا يزداد عيالكم فتضيعوا الواجب والمفترض لهم [[لم أقف على قول ابن الأنباري هذا، لكن قال في "الزاهر" 1/ 140: ويقال: قد أعال الرجل يعيل فهو معيل: إذا كثر عياله.]]. وهذا القول وإن صح، فالاختيار القول الأول [[هذا الأسلوب من الترجيح حسن من المؤلف، لما فيه من التأديب مع أئمة علم الشريعة والعربية، كالشافعي والكسائي، عكس ما نهج الزجاج -رحمه الله- في هذا، حيث رد هذا القول بشدهَ، بل وتجاهل القائلين به فلم يصرح بأسمائهم. انظر "معاني القرآن" وإعرابه 2/ 11.]]، لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فأطلق الآية من ملك اليمين، والأقل والأكثر منها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 11.]]، وهن كلهن عيال تتصل بهن المؤونة، وسواء كثر العيال من الحرائر أو الإماء، فلا معنى إذًا أن يقول: ذلك أدنى أن لا يكثر عليكم [[هكذا ولعل الصواب: عيالكم.]] بعد إباحة الكثير من السراري. ودليل آخر، وهو أنه قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ولم يقل: أن تفتقروا، فكان الجواب معطوفًا على هذا الشرط، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل وهو الجور، لا لكثرة العيال. ذكر هذا صاحب النظم [[أي "نظم القرآن" وهو الجرجاني، تقدمت ترجمته.]]. ورُوي عن مجاهد أنه قال: معنى قوله: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ألا تضلوا [[رواه الثوري في "تفسيره" ص 87 بسنده عن مجاهد، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 7 ب. انظر: "تفسير البغوي" 2/ 162، "زاد المسير" 2/ 10.]]. وهذا راجع إلى الأول [[أي: تميلوا وتجوروا، قال الهواري لما ذكر القولين: وهو واحد، "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 347.]]، لأن الميل عن الحق ضلال. قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ فيه قولان: أحدهما: أن هذا خطاب لأولياء النساء، وذلك أنّ العرب كانت في الجاهلية لا تُعطي النساء من مهورها شيئًا، ولذلك كانوا يقولون لمن وُلدت له ابنة: هنيئًا لك النافجة. ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلًا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك، أي تعظمه [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115، 120، "تهذيب اللغة" (نفج) 4/ 3624، "الكشف والبيان" 4/ 8 أ.]]. وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل إذا زَوّج ابنته من الحُلوان فنهى الله عز وجل عن ذلك، وأمر بدفع الحق إلى أهله [[لم أقف عليه.]]. وهذا قول الكلبي [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 8 أ، "معالم التنزيل" 2/ 162.]]، وأبي صالح [[أخرج قوله ابن جرير 4/ 241.]]، واختيار الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 256.]]، وابن قتيبة [[في "غريب القرآن" ص 115.]]. القول الثاني: أن الخطاب للأزواج، أُمِروا بإيفاء النساء مهورهن. وهذا قول إبراهيم [[لم أقف على قول إبراهيم وهو النخعي.]]، وعلقمة، وقتادة [[انظر: "الدر المنثور" 2/ 213.]]، وابن زيد [[أخرج ابن جرير في "تفسيره" 4/ 241، عن قتادة في معنى (نخلة): يقول فريضة، يعني على الزواج.]]، واختيار الزجاج؛ قال: لأنه لا ذكر للأولياء ههنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج [[أخرجه ابن جرير 4/ 241 بنحو قول قتادة.]]. والصدقات والمهور، واحدتها صَدُقَة، وفيها لغات هذه أعلاها وهي لغة أهل الحجاز [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 12. وهذا ما اختاره ابن جرير -رحمه الله- كما في "تفسيره" 4/ 242، والبغوي 2/ 163، وهناك قول ثالث: وهو أن المراد النهي عن نكاح الشَّغار وهو رأي الحضرمي. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 242، "الكشف والبيان" 4/ 8 أ، "معالم التنزيل" 2/ 163.]]. وذكرنا أن موضوع (ص د ق) على هذا الترتيب، للإكمال والصحة في قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج، 2/ 12، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 494، "الكشف والبيان" 4/ 8 ب.]] [البقرة: 264]، وعلى هذا الأصل سُمي المهر: صداقًا وصَدُقة؛ لأن عقد النكاح يتم ويكمل. وقوله تعالى: ﴿نِحْلَةً﴾. قال ابن عباس [[أخرجه ابن جرير بسنده من طريق ابن أبي طلحة 4/ 241. وانظر: "الدر المنثور" 2/ 212.]]، وقتادة، وابن جريج، (وأبي زيد) [[هكذا في (أ)، (د) وقد يكون تصحيفًا كما هو ظاهر، والصواب: وابن زيد.]]: فريضة [[أخرج أقوالهم الطبري 4/ 241، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 8 ب، والبغوي 2/ 163، و"الدر المنثور" 2/ 212.]]. وإنما فسروا النحلة بالفريضة؛ لأن النحلة معناها في اللغة: الديانة والمِلّة والشِرعة والمَذهب. قال الزجاج، عن بعضهم في قوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: ديانة [["معاني القرآن" 2/ 12.]]، ومثله رُوي [[الراوي الأزهري، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3532 (نحل).]] عن ابن الأعرابي: نحلة: أي: دينًا وتدينًا [["تهذيب اللغة" 5/ 65 (نحل).]]. يقال: فلان ينتحل كذا، إذا كان يتدين به، ونِحْلَتُه كذا أي: دينه ومذهبه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 12، "تهذيب اللغة" 5/ 64 (نحل).]]. فقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ أي آتوهن مهورهن، فإنها نِحلة، أي دين وشريعة ومذهب في الدين، وما هو ديانة فهو فريضة. قال ابن الأنباري: يقال: فلان (مُنْتَحِلٌ [[في (د): (ينتحل).]]) كذا، إذا كان يتدين به ويجعله فَرضًا على نفسه [[انظر: "الزاهر" 2/ 254.]]. وقال الكلبي: أي: عطية وهبة [["الكشف والبيان" 4/ 8 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 163، "البحر المحيط" 3/ 166، "تنوير المقباس" بهامش المصحف الشريف ص 77.]]، يقال نحلت فلانًا شيئًا أنحله نِحلة ونُحلاً. قال الفراء، والنحلة العطية [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 256.]]. ومعنى هذا القول: أن الله تعالى جعل الصداق نِحلةً للنساء، بأن جعل على الرجال الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئًا من الغُرم، فتلك نحلة من الله -عز وجل- للنساء. وهذا القول اختيار الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 256، وقد حكى الفراء هذا القول ولم يذكر غيره.]]. وقال أبو عبيدة: معنى قوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: عن طيب نفس [["مجاز القرآن" 1/ 117، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115.]]، وذلك أن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض، كما يَنحَل الرجلُ ولدَه شيئًا من ماله، وما أعطي من غير طلب عوض لا يكون إلا عن النفس، فأمر الله تعالى بإعطاء مهور النساء من غير مُطالبة منهن ولا مُخاصمة فيه؛ لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نِحلة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115 "الزاهر" 2/ 254.]]. قال ابن الأنباري: وهذا القول هو المختارة لأن النَّحلة بالهبة أشهر منها بالفريضة، وحمل الشيء على الأشهر والأعرف فيه أولى [[هذا الترجيح من ابن الأنباري لم أقف عليه، بل وقفت على خلافه حيث قال -بعد أن أشار إلى القولين-: والقولان متقاربان، "الزاهر" 2/ 254.]]. وانتصابها على المصدر في قوله [[هكذا ولعل الصواب: (قول).]] من جعلها مصدرًا بمعنى: الهبة [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 188، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 242، "البحر المحيط" 3/ 166، "الدر المصون" 3/ 571.]]، وفي قول الآخرين على أنه مفعول له [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 166، "الدر المصون" 3/ 571.]]، كما تقول: افعل هذا أجرًا واحتسابًا. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 256.]] والزجاج: المعنى فإن طابت أنفُسهن لكم عن شيء من الصداق [[من الصدقات زيادة على الفراء.]]، فنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مُفسّرة كما قالوا: أنت حسنٌ وجهًا، والفعل في الأصل للوجه، فلما حُوّل إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسّرًا لموقع الفعل. (ومثله: قررتُ به عينًا، وضقتُ به ذرعًا) [[ما بين القوسين زيادة على ما عند الفراء.]] ووحد النفس [[عبارة الفراء: ووحد النفس، ولو جمعتَ لكان صوابًا، وقد جاء بقية العبارة عند المؤلف في آخر كلامه كما سيأتي.]]؛ (لأن المراد به بيان موقع الفعل وتفسير له، وذلك يعرف بالواحد دون الجميع. ومثله: عشرون درهما) [[ما بين القوسين زيادة على ما عند الفراء.]]. قال الفراء: ولو جمعت كان صوابًا [[انتهى من "معاني الفراء" 1/ 256، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 12، والشاهد بعد ذلك إضافة من المؤلف، والله أعلم. وانظر "الكف والبيان" 4/ 29.]]، كقوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: 103]، وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ (مِن) ليست ههنا للتبعيض، بل هي للتجنيس، والتقدير: عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30]، وذلك أن المرأة لو طابت نفسُها عن جميع المهر حل للزوج أخذه كله. والخطاب في: ﴿لَكُمْ﴾ يجوز أن يكون للأولياء، ويجوز أن يكون للأزواج، على ما ذكرنا من القولين في قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [[من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 13 بمعناه.]]. وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. قال الفراء [[ليس في "معاني القرآن".]]: يقال هَنَأني الطعام، ومَرأَني (يهيئني [[هكذا ويبدو أن الصواب: يهنئني.]]) ويمرئني هَنأً وَمرءًا. ومنهم من يقول: هنئني ومرئني -بالكسر- وهي قليلة، يَهْنَأني وَيْمَرأني فإذا أفردوا قالوا: أمرأني هذا الطعام [[انظر: "تفسير الطبري" للطبري 4/ 244، "معاني القرآن" للزجاج 2/ 12، "تهذيب اللغة" 4/ 3803 (هنا)، "الكشف والبيان" 4/ 9 أ.]]، ولا يقولون: أهنأني. وقد مَرُؤ هذا الطعام مَرْأاة، وهنؤ هُنْأة. الليث [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3803 (هنأ).]]: ما كان مريئًا، ولقد مرؤ، واستمرأته، وهذا يُمرئ الطعام. وقيل: إن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجَرَب بالقَطران [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 244، "تهذيب اللغة" 4/ 3803 (هنأ)، "مقاييس اللغة" 6/ 68 (هنأ)، "الكشف والبيان" 4/ 9 أ.]]، فالهنيء شفاء من المرض كالهناء شفاء من الجرب [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 244، "النكت والعيون" للماوردي 1/ 451.]]. قال المفسرون: معنى الهنيء: الطيب المَساغ الذي لا يُنغِّصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة التامّ الهضم الذي لا يضر ولا يُؤذي. يقول: لا تخافون في الدنيا به مطالبة، ولا في الآخرة تبعة [[ما نسبه للمفسرين هو ما حكاه شيخه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 9أ، ب.]]. ورُوي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: أنه سئل عن هذه الآية، فقال: "إذا جادت لزوجها بالمهر طائعة، غير مُكرَهة لا يَقْضي به عليه سلطان، ولا يؤاخذه الله به في الآخرة" [[من "الكشف والبيان" 4/ 9 ب، وقد أورده الثعلبي بسنده، ولم أقف عليه عند غيره.]]. قال الحضرمي [[لعله أبو بحر عبد الله بن زيد الحضرمي، انظر التعليق الآتي ص 347.]]: إن ناسًا كانوا يتأثَّمون أَنْ يرجع أحدهم في شىِء مما ساق إلى امرأته، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [[أخرجه ابن جرير 4/ 243، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 9 أ.]].

النساء 4:5

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ الآية قال ابن عباس في هذه الآية: لا تَعمَد إلى مالك الذي خَوَّلك الله وجعله لك معيشةً؛ فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أَمْسِك مالك وأَصْلِحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كِسوتهم ورِزقهم ومؤنتهم [[هذا الأثر ثابت، عن ابن عباس فهو من طريق ابن أبي طلحة كما في تفسير ابن عباس ص 134. وقد أخرجه منها ابن جرير في "تفسيره" 4/ 249 انظر: "معالم التنزيل" 2/ 164، "تفسير ابن كثير" 2/ 491، "الدر المنثور" 2/ 213.]]. والسفهاء: هم النساء والصبيان في قول ابن عباس [[يدل عليه الأثر المتقدم عنه، وأثر آخر أخرجه ابن جرير 4/ 246.]]، والحسن وقتادة، وسعيد بن جبير، والسدي [[أخرج أقوال هؤلاء ابن جرير في "تفسيره" 4/ 245، وانظر: "ابن كثير" 2/ 491، "الدر المنثور" 2/ 213 - 214.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 1/ 256.]]، وابن قتيبة [["غريب القرآن" ص 120.]]. وقال الكلبي: إذا علم الرجل أنّ امرأته سفيهةٌ مُفْسِدةٌ، وأن ولدَه سفيهٌ مُفسِد فلا ينبغي له أن يُسلِّط واحدًا منهما على ماله فيفسد [[من "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 164.]]. وقال مجاهد، وجويبر، عن الضحاك: أراد بالسفهاء ههنا النساء فقط [[أخرج الأثر، عن مجاهد بن جبير من عدة طرق، وأخرجه عن الضحاك من طريق جويبر. "تفسير الطبري" 4/ 247.]]. وقال مجاهد: من سفهاء من كُنّ، أزواجًا أو بناتٍ أو أمهاتٍ [["تفسير مجاهد" 1/ 144، وأخرجه ابن جرير 4/ 247، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 9 ب.]]. وهذا مذهب ابن عمر [[أخرج ابن جرير، عن مُوَرَّق قال: مرت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة، فقال لها ابن عمر: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. "تفسير الطبري" 4/ 247، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، "الدر المنثور" 2/ 214.]]. ويدل على هذا ما رَوى أبو أمامة [[هو صُدَيّ بن عَجْلان بن الحارث الباهلي -مشهور بكنيته- صحابي جليل يُروى أنه شهد أحدًا، وصفين مع علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- سكن الشام ومات بها سنة 86 هـ. انظر: "الاستيعاب" 2/ 298، "أسد الغابة" 3/ 16، "الإصابة" 2/ 182، "التقريب" ص 276 رقم (2923).]] أن النبي ﷺ قال: "ألا إنّما خُلِقت النار للسفهاء، -يقولها ثلاثًا- ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيّمها" [[من "الكشف والبيان" 4/ 210، وقد أورده الثعلبي بسنده، وأخرج آخره ابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 491، والسيوطي في "الدر" 2/ 213.]]. فإن قيل: لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال: السفائه أو السفيهات في جميع السفيه [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: جمع السفيهة.]]، نحو غرائب وغريبات في جمع: الغريبة. فالجواب ما قال الزجاج، وهو أن السفهاء يجوز في جمع السفيهة نحو: فقيرة وفقراء [["معاني الزجاج" 2/ 13.]]. وقال الزُّهري، وأبو مالك، وابن زيد: عَنى بالسفهاء ههنا السفهاء من الأولاد، يقول: لا تُعط مالك الذي هو قيامك ولدَك السفيه فيفسده [[هذا القول عن أبي مالك وابن زيد خاصة أخرجه بنحوه ابن جرير 4/ 247، وأورده الثعلبي عن الثلاثة في "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، وعن الزهري البغوي في "معالم التنزيل" 2/ 164.]] وفي الآية قول رابع، وهو أن السفهاء: الأيتام وكل من يستحق صفة سفيه من محجور عليه في المال. وهو مذهب الشافعي [[مذهب الشافعي في جواز الحجر على الرجل البالغ إذا كان مُبَذَّرًا مفسدًا لماله، كما سيأتي عند المؤلف في الصفحة التالية، وانظر: "الأم" 3/ 194 - 195.]]، وعكرمة [[سيورد المؤلف أثرًا عنه، وهذا القول ورد عن سعيد بن جبير، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، "الدر المنثور" 2/ 213 - 214.]] ، واختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 13، وهذا القول اختيار ابن جرير أيضًا، انظر: "تفسير الطبري" 4/ 247.]]. قال عكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تُؤتِه إيّاه وأنفِق عليه حتى يبلُغ [["الكشف والبيان" 4/ 10 ب، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 213.]]. فإن قيل على هذا القول: كيف أضاف الأموال إلى الأولياء وهي للسفهاء؟ قلنا: إنما أضاف إليهم؛ لأنها الجنس الذي جعله الله أموالًا للناس، فصار كقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128]، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54]، ردها إلى الجنس [[ما بين علامات التنصيص من قول: فإن قيل، إلى هنا: نقله المؤلف من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، 11 أ، مع أنه لم يعزُه إليه!.]]. قال أبو إسحاق [[هو الزجاج في "معانيه" 2/ 13.]]: إنما قيل أموالكم؛ لأن معناها الشيء الذي به قِوام أمركم، كما قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 85]، ولم يكن الرجل منهم يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضًا، أي: تقتلون الجنس الذي هو جنسكم [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 13، 14.]]. وقال بعض النحويين: إذا اختلط المخاطب مع الغائب غُلِّب المخاطب، لذلك أضاف الأموال إليهم وهي للسفهاء، وهذا التفسير دليل على ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله من جواز الحجر على الرجل البالغ إذا كان مُبذِّرًا مُفسدًا لماله [[انظر: "الأم" 3/ 194 - 195، "تفسير ابن كثير" 2/ 491.]]. وقوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. قال ابن عباس: يريد قيامًا لمعايشكم وصلاح دنياكم [[ثابت عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 134، "تفسير الطبري" 4/ 249. وتحقيق المروي عن ابن عباس لسور النساء والمائدة والأنعام 1/ 153، 154، لكن بلفظ بمعنى قوامكم في معايشكم.]]. قال أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 117.]]: (قِيام) مصدر، ويجيء في معناه (قِوام)، وهو الذي يقيمك، وانما أذهبوا الواو لكسرة القاف كما قالوا: صِوار وصِيار [[انتهى من "مجاز القرآن" 1/ 117، ولعل فيه تصحيفًا في آخره، لأن آخر العبارة في "المجاز": كما قالوا: ضيًاء للناس وضوءًا للناس.]]. وبنو ضبة [[ضبة: حي من العرب يشمل عدة قبائل كصُرَيم وعائذة وبجالة وغيرها، وهذا الاسم مشتق من الضبة أي الأنثى، أو من الضبة الحديث. انظر: "الاشتقاق" لابن دريد ص 189، "اللسان" 4/ 2545 (ضبب).]] تقول في جمع طويل: طِيال، والعامّة على: طِوال [[من "الحجة" لأبي علي 3/ 130. وقال الأزهري: وجمع الطويل: طِوال وطِيال، وهما لغتان، "تهذيب اللغة" 3/ 2156 (طال). وانظر: "مقاييس اللغة" 3/ 434 (طول)، "لسان العرب" 5/ 2725 (طول).]]. وإنما أعل القيام؛ لأنه مصدر قد اعتل فعله، فاتّبع الفعل في الإعلال، ومثله من المصادر الصِّيام والعِياذ والحِياكة، ونحو ذلك فيما [[في (د): (معًا).]] قلبت الواو فيه ياء؛ لأنها مصادر جارية على الفعل في الإعلال [[انظر: "الحجة" 3/ 133، "المُمتِع في التصريف" 1/ 64.]]. قال أبو علي: وأما القِوام الذي حكاه أبو عبيدة فإنه ينبغي أن يكون اسمًا غير مصدر، كالقَوام فيمن فَتح، ويجوز أن يكون مصدر قَاوم، كما أن (الغِوار مصدر غاور) [[كأنها في (أ) بالعين المهملة.]] [["الحجة" 3/ 133.]]. وقرأ نافع، وابن عامر: (قِيَمًا) [["السبعة" ص 226، "الحجة" لأبي علي 2/ 129، "الكشف" 1/ 76، "النشر" 2/ 247.]]. قال الأخفش: قِيامًا وقِوامًا وقِيمًا وقِومًا واحِد [[لم أجدء في "معاني القرآن"، ولعله أخذه من "الحجة" لأبي علي 3/ 130، 132، 133.]]. فالقِيَم عنده مصدر في معنى القِيام، وفِعَل يجيء في المصادر كالشِّبَع والرِّضَا [[انظر "الحجة" 3/ 130، 132، 133.]]. فإن قيل [[إيراد هذا الاستشكال والجواب عليه من "الحجة" لأبي علي 3/ 132، 133 بتصرف.]]: كيف اعتلّ وهو على وزنٍ ينبغي أن يصح معه ولا يعتلّ، كما لم يعتلّ العِوض والحِول، ونحو ذلك؟ والجواب: أن هذا الوزن لما جاء في الجمع مُتَّبعًا واحدَه في الإعلال، نحو: دِيمَةٍ ودِيَم، وحِيلَةٍ وحيَل، جاء أيضًا في المصدر متّبعًا للفعل فأعِلّ كما يعل الفعل؛ لأن (المصادر [[في (د): مصادر بدون (أل).]]) أشد اتّباعًا لأفعالها في الإعلال [[في "الحجة": الاعتلال.]] من الجمع للواحد. ولا يلزم على هذا (الوعد) و (الوزن) وبابه، فإنه لم يعل الواو فيه كما أعل في (بعد)؛ لأنه على بناء فِعَل، ولا طريق للإعلال عليه، وليس كذلك فِعَل؛ لأن الكسرة توجب الإعلال في الواو، ولا سيما إذا انضم إليها الإعلال [[في "الحجة": الاعتلال.]] في الفعل. ويمكن أن يحمل القِيَم على الشذوذ كما قُلبت الواو في (ثِيَرَة [[الأصل (نيره) والتصحيح من "الحجة".]])، وكما قالوا: طويل وطيال. في لغة بني ضبة، وكما قالوا: جِياد في جمع جواد، وكان حكمه أن تصح عينُه في الجمع، فكما شذّت هذه الأشياء عما عليه الاستعمال كذلك شذ قولهم: قِيَما [[انتهى جواب الإشكال من "الحجة" 3/ 132، 133 بتصرف.]]. وقول من قال إن (القِيَم) ههنا جمع (قِيمَة) لا وجه له [[انظر: "الحجة" 3/ 133.]]. والدليل على أن قِيَما ههنا مصدر بمعنى القِيام وليس بجمع قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: 161]، ولا وجه لجمع القِيمة في وصف الدين به [[انظر: "الحجة" 3/ 131.]]، ونبين ذلك إذا انتهينا إليه إن شاء الله [[انظر: "البسيط" نسخة شستربتي 2/ ل، 138/ أ.]]. وذهب الكسائي إلى أن القيام ههنا اسم بمعنى القِوام، وهو ما يقوم به الشيء، وجعلهما لغتين بمعنى [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 11 ب.]]. واختاره ابن قتيبة، وقال: يقال: هذا (قِوام [[في النسختين: (أقوام)، وهو تحريف ظاهر.]]) أمرك وقيام أمرك: أي ما يقوم به أمرك [["غريب القرآن" ص 120.]]. ويقارب قول الزجاج هذا؛ فإنه قال: المعنى في هذه الآية: التي جعلها الله تقيمكم فتقومون بها قيامًا [["معاني الزجاج" 2/ 14.]]. ومن قرأ (قِيَما) فهو راجع إلى هذا، والمعنى: جعلها الله قيمةً للأشياء، فيها (تقوم أموركم [[في "معاني الزجاج": يقوم أمركم.]]) [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 14 بتصرف.]]. ولم يرتض أبو علي هذا القول في القيم كما ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد أنفقوا عليهم منها [[أخرجه ابن جرير 4/ 250، من طريق ابن جريج واسناده ضعيف. انظر "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 154.]]. ومعنى الرزق من العباد هو الإجراء الموظف لوقت معلوم، يقال: رَزَق فلانٌ عيالَه كذا وكذا، أي: أجرى عليهم. وإنما قال: (فيها) ولم يقل: منها؛ لأنه أراد (جعلوا [[هكذا في النسختين ولعله تصحيف، والصواب: اجعلوا كما في "الكشف والبيان" 4/ 11 ب.]]) لهم فيها رزقًا، كأنه أوجب ذلك لهم [["الكشف والبيان" 4/ 11 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 164.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 5]. قال ابن جريج ومجاهد: أي: عِدةً جميلةً من البر والصلة [[هذا معنى ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد وابن جريج، انظر: "تفسير الطبري" 4/ 251، "الدر المنثور" 2/ 214.]]. وقال ابن عباس: يِريد عدة حسنة، يقول: إذا رَبحتُ في سفري هذه فعلت [[في الأصل: (فقلت) وهو تصحيف ظاهر.]] بك ما أنت أهله، وإن غنمتُ في غزاتي أعطيتُك [[لم أجده عن ابن عباس، لكن رُوي نحوه عن عطاء. انظر: "الكشف والبيان" 4/ 11 ب، "معالم التزيل" 2/ 1645.]]. قال ابن زيد: هو الدعاء. يقول: عافانا الله وإياك، بَارك الله فيك [[طرف أثر عن ابن زيد أخرجه ابن جرير 4/ 251، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 11 ب، "الدر المنثور" 2/ 214.]]. وكل ما سكنت إليه النفوس وأحبته من دول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر [[كأنّ هذا من المؤلف -رحمه الله- جمع بين الأقوال وتفسير للآية بعمومها فإن العبرة بعموم اللفظ، وقد تَبع في ذلك شيخه الثعلبي كما في "الكشف والبيان" 4/ 12أ.]]. وقال الزجاج: أي علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 14.]].

النساء 4:6

قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية. قال المفسرون: نزلت في ثابت بن رفاعة [[هو ثابت بن رفاعة الأنصاري، ترجموه ضمن الصحابة -رضي الله عنهم- لهذه القصة. انظر: "أسد الغابة" 1/ 268، "الإصابة" 1/ 192.]]، وفي عمه [[لم أقف على ترجمته.]]، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتًا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي ﷺ فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله- عز وجل-: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [[أخرجه ابن جرير بسنده عن قتادة مطولًا، وليس فيه التصريح بأنه سبب نزول الآية. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 259، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 12 أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 143، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 165، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 14، وانظر "الدر المنثور" 2/ 214، وعزاه ابن حجر إلى ابن منده وقال: هذا مرسل رجاله ثقات. "الإصابة" 1/ 192.]]. قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وابن زيد: اختبروهم في عقولهم وأديانهم [[ذكر هذا القول عنهم ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 14، وانظر:== "تفسير الحسن البصري" جمع د. محمد عبد الرحيم 1/ 259، "الدر المنثور" 2/ 215. أما السدي وابن زيد فقد اقتصرا على العقول دون الأديان. كما أخرج ذلك عنهما ابن جرير في "تفسيره" 4/ 251 - 252، وأخرج عن مجاهد كقولهما، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 214.]]. ومعنى هذا الابتلاء وكيفيته -على ما ذكره الفقهاء-: أن يُردّ إليه الأمر في نفقته عند مراهقة الحلم، ويعطى شيئًا نزرًا يتصرف فيه، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه. وإن كانت جاريةً يرد إليها ما يرد إلى النساء من أمر البيت وتدبير الغزل والقطن [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 12ب، "معالم التنزيل" 2/ 165.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: يريد الحلم [[هذه الرواية ثابتة عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 135، "تفسير الطبري" 4/ 252، "الدر المنثور" 2/ 214 - 215، "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 154. أما عن مجاهد ففي "تفسيره" 1/ 145، وأخرجه الطبري عنه 4/ 252، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 349، "الدر المنثور" 4/ 214. وأما عن السدي فلم أقف عليه. وأما عن ابن زيد فقد أخرجه ابن جرير 4/ 252.]]. وتقديره: حتى إذا بلغوا حال النكاح من الاحتلام. وقال آخرون: أي بلغوا مبلغ الرجال والنساء من القدرة على النكاح [[هذا قول الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 12 أ، وابن قتيبة كما سيذكر المؤلف. والظاهر أن القولين متقاربان أو متلازمان في الأعم الأغلب من الناس، فإن من احتلم فقد قدر على النكاح من هذه الناحية، ومن قدر على النكاح فقد احتلم، ويؤيد ذلك ما ذكره المؤلف -رحمه الله- من التقدير للقول الأول، والله أعلم.]]. قال ابن قتيبة: أي بلغوا أن ينكحوا النساء [["غريب القرآن" ص 120.]]. ومعنى النكاح هو إنزال الماء، فإذا أنزل الغلام أو الجارية فقد بلغ، سواءٌ كان عن جماع أو احتلام. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. معنى (آنستم) قال ابن عباس: عرفتم [[هذه الرواية ثابتةٌ عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، كما في "تفسير ابن عباس" ص 135، وأخرج ذلك ابن جرير 4/ 252، وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 155.]]، وقال عطاء عنه: يريد رأيتم [[لم أقف علي رواية عطاء هذه، وهي بمعنى الأولى الثابتة عن ابن عباس.]]. وقال الفراء: وجدتم [["معاني القرآن" 1/ 257.]]. وقال الزجاج: علمتم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 14.]]. وأصل الإيناس في اللغة: الإبصار [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 216 (أنس)، "الكشف والبيان" 4/ 12 أ، "اللسان" 1/ 150 (أنس).]]، ومنه قوله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: 29]، وقال ابن حلزة [[هو الحارث بن حلزة بن مكروه اليشكري الوائلي شاعر جاهلي وأحد أصحاب المعلقات السبع وقد ارتجلها ارتجالًا بين يدي ملك الحيرة، توفي سنة 50 قبل الهجرة تقريبًا. انظر: "الشعر والشعراء" ص 111، "طبقات الشعراء" 1/ 151، "الأعلام" 2/ 154.]]: آنَست نَبأَةً وأفَزَعها القَـ ... ـنَّاص عَصرًا وقد دَنا الإمساءُ [[هذا البيت من معلقة ابن حلزة -وهي المعلقة السابعة- كما في "شرح المعلقات" للزوزني ص 156. قال الزوزني في شرح البيت: النبأة الصوت الخفي يسمعه الإنسان أو يتخيله، والقناص جمع قانص، وهو الصائد.= يقول: أحست هذه النعامة بصوت الصيادين فأخافها ذلك. وقد استشهد بالبيت الثعلبي 4/ 12 أ، والألوسي 4/ 205.]] أي أحسَّت ووجدت. وقوله تعالى: ﴿رُشْدًا﴾ قال ابن عباس والسدي: هو الصلاح في العقل وحفظ المال [[الأثر عن ابن عباس ثابت من طريق ابن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 135، وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" 4/ 252 لكن بلفظ: (رُشدًا) في حالهم والإصلاح في أقوالهم. وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 492، "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 155. أما عن السدي فأخرجه ابن جرير 4/ 252 أيضًا، لكن بلفظ: عقولًا وصلاحًا.]]. وقال عطاء عنه: يريد صلاحًا ومعرفة وعقلًا [[رواية عطاء هذه بمعنى رواية ابن أبي طلحة الثابتة، ولم أقف عليها.]]. وقال الزجاج. معنى الرشد: الطريقة المستقيمة التي تثقون [[في النسختين: يثقون بالتحتية للغيبة، والأولى بالفوقية الخطاب؛ لأن في الآية الخطاب، ولموافقة ذلك ما في معاني الزجاج.]] معها بأنهم يحفظون أموالهم [["معاني الزجاج" 2/ 14.]]. وقال الشافعي -رضي الله عنه-: الرشد: من يكون صالحًا في دينه، مصلحًا لماله [[من "الكشف والبيان" 4/ 13 ب، وعبارة الشافعي: والرشد -والله أعلم- صلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة وإصلاح المال. "الأم" 3/ 215، وانظر "معالم التنزيل" 2/ 165 - 166، "تفسير ابن كثير" 1/ 492. قال الثعلبي: فالرشد عنده -أي: الشافعي- شيئان: جواز الشهادة واصلاح المال وهذا قول الحسن وربيعة ومالك، "الكشف والبيان" 4/ 13 ب، وانظر "تفسير الحسن البصري" 1/ 259.]]. ولا يجوز دفع مال اليتيم إليه إلا بعد البلوغ وتبين العفاف وإصلاح المال منه [[انظر: "الأم" 3/ 218، "الكشف والبيان" 4/ 12ب، "معالم التنزيل" 2/ 165.]]. وأبو حنيفة وأصحابه اعتبروا صلاح المال، ولم يعتبروا صلاح الدين [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 13 ب، 14 أ، "معالم التنزيل" 2/ 166، والقرطبي 5/ 37، 38.]]. وهذا الاختلاف يعود إلى الاختلاف في معنى الرشد، فمن جعل معنى الرشد حفظ المال وإصلاحه يزيل الحجر عن اليتيم بالبلوغ وحفظ المال، دون الصلاح في الدين، ومن جعل معنى الرشد صلاح الدين وحفظ المال اعتبرهما في زوال الحجر عن اليتيم، وهذا هو الأولى [[انظر: "البغوي" 2/ 167، "القرطبي" 5/ 37، 38.]]؛ فإن أهل اللغة قالوا في معنى الرشد: إنه إصابة الخير [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1411 (رشد)، "مقاييس اللغة" 2/ 398 (رشد)، "اللسان" 3/ 1649 (رشد).]]، والمفسد في دينه لا يكون مصيبًا للخير. وأيضًا فإن الرشد نقيض الغي، قال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]، والغي: هو الجهالة والبطالة والفساد. قال طرفة: أرى قبرَ نَحَّامٍ بَخيلٍ بمالِه ... كقبر غويٍّ في البَطَالة مُفْسدِ [["ديوانه" ص 26، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 62. والنَحّام: البخيل.]] فجعل المفسد غويًا [[في (د): (غوي).]]، فدل هذا على أن المفسد في دينه لم يبلغ الرشد. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾. قال ابن عباس: يريد لا تبادروا في أموال اليتامى بالسرف قبل أن يبلغ الحلم والرشد [["تفسير ابن عباس" ص 135، وأخرجه ابن جرير من طريق ابن أبي طلحة أيضًا 4/ 254، لكن بلفظ: يعني أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله. انظر "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 155.]]. وقال المفسرون: يريد [[في (أ): (يقول).]]: لا تبادروا بأكل مالهم كبرهم ورشدهم حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 254، "الكشف والبيان" 4/ 15أ.]]. و (أن) في محل النصب؛ لأنه مفعول المصدر، على تقدير: مبادرة كبرهم [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 254، "معاني الزجاج" 2/ 14، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 397، "الكشف والبيان" 4/ 15 أ، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 190.]]. ثم بين ما يحل لهم فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾. قال ابن عباس: يريد: من كان غنيًّا من الأوصياء فليستعفف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا [[أخرجه ابن جرير بمعناه من أكثر من طريق كما في "تفسيره" 4/ 255، وانظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 156 - 157، وقد صحح المحقق إسنادًا من أسانيد ابن جرير وحسن آخر.]]. معنى: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: ليترك ذلك ولا يأكل. يقال: استعفف عن الشيء وعف إذا امتنع منه وتركه [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115، "الصحاح" 4/ 1405 (عف)، "تفسير الثعلبي" 4/ 15 أ، "اللسان" 5/ 3015 (عف).]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. اختلفوا في الأكل بالمعروف: ما هو؟ فقال قوم: هو أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم قرضًا، ثم إذا أيسر قضاه، فإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه. وهذا قول سعيد بن جبير [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 147، والطبري 4/ 256 بأكثر من طريق، وانظر الثعلبي 4/ 15 أ.]]، وعبيدة [[هو أبو عمرو عبيدة بن عمرو السلماني المرادي الكوفي، مخضرم، ومن كبار أئمة التابعين فقيه مقرئ فاضل، وحديثه عند الجماعة. توفي -رحمه الله- قبل السبعين من الهجرة. انظر: "تاريخ الثقات" 124 - 125، "مشاهير علماء الأمصار" ص 99، "التقريب" ص 379 رقم (4412).]] [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 147، 148، والطبري 4/ 255، وانظر: الثعلبي 4/ 15 أ.]]، ومجاهد [["تفسيره" 1/ 146، وأخرجه عبد الرزاق 1/ 147، والطبري 4/ 256 - 257 من عدة طرق.]]، وأبي العالية [[أبو العالية هو رفيع بن مهران الرياحي، تقدمت ترجمته.]]، وأكثر الروايات عن ابن عباس [[ومنها رواية ابن أبي طلحة، انظر: "تفسير ابن عباس" ص 135، والطبري 4/ 255 والثعلبي4/ 15 أ، و"زاد المسير" 2/ 16، و"تفسير ابن كثير" 1/ 493، و"الدر المنثور" 2/ 215 - 216، و"تحقيق المروي" عن ابن عباس 158/ 159.]]. والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: 114]، قالوا: يعني القرض [[رُوي عن ابن عباس ومقاتل بن حيان، وقيل إن المعروف في هذه الآية عام يشمل جميع أنواع البر. وهو أولى. انظر: "زاد المسير" 2/ 200، "معالم التنزيل" 2/ 286، "الدر المنثور" 2/ 216.]]. وما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: (ألا) [[ما بين القوسين غير موجود في (د).]] إني أنزلت نفسي من مال الله عز وجل بمنزلتي من مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرتُ قضيت [[أخرجه ابن جرير 4/ 255، والثعلبي 4/ 15 ب. انظر: "زاد المسير" 2/ 16، "معالم التنزيل" 2/ 168، "تفسير ابن كثير" 1/ 493، "الكافي الشاف" ص 39.]]. وقال بعضهم: معنى الأكل بالمعروف هو أن يقتصد ولا يسرف، ثم لا قضاء عليه فيما يأكل. فهذا قول عطاء [[هو ابن أبي رباح أخرج ذلك عنه الطبري 4/ 259.]]، وعكرمة [[أخرجه الطبري 4/ 260.]]، والسدي [[انظر الثعلبي 4/ 15 ب، "زاد المسير" 2/ 16.]]. وقال إبراهيم: هو ما سد الجوعة ووارى العورة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 147، والطبري من طرق 4/ 260 كلاهما بلفظ الجوع بدل الجوعة.]]. وذهبت عائشة وجماعة من العلماء [[منهم ابن عباس - رضي الله عنه - والإمام أحمد -رحمه الله- كما في "زاد المسير" 2/ 16.]] إلى أن المعروف هو أن يأخذ من جميع المال إذا كان يلي ذلك بقدر قيامه وعمله وأجرته، وإن أتى على جميع المال، ولا قضاء عليه، وهذا طعمة من الله له [[أخرج البخاري عن عائشة - رضي الله عنه - كتاب: التفسير، باب: (من كان غنيًا فليستعفف) رقيم (4575) أنها قالت في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرًا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف البخاري كتاب التفسير سورة النساء، باب: 2 ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 5/ 177.]]. ودليل صحة هذا ما روي عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن في حجري يتيمًا أفاضربه؟ قال: "مما كنت ضاربًا منه ولدك"، قال: يا رسول الله أفآكل من ماله؟ قال: "غير متأثل مالًا، ولا واقٍ مالك بماله" [[أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 16 أ، ب، وانظر "الكافي الشاف" ص 38.]] وعلى هذا الحكم اليوم، فالقيم ممنوع من الإسراف، وإنما له أجر مثل عمله؛ لأنه أجير بالشرع. والغني يستعف كما أمره الله، وإن أخذ الأجرة حلت له في الحكم في مقابلة عمله [[هذا يدل على أن ما ذهبت إليه عائشة -رضي الله عنها- ومن وافقها هو المعمول به عند الشافعية.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾. هذا وصية من الله تعالى للأولياء بالإشهاد على دفع المال إذا دفعوه إلى الأيتام، لكن إن وقع اختلاف أمكن للولي أن يقيم البينة على أنه رد المال إليه [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 16 ب، "معالم التنزيل" 2/ 169.]]. وفي هذا دليل على أن القول قول اليتيم عند التنازع، وذلك أن القيّم خير [[المعنى يقتضي أنها: (غير) بالغين.]] مؤتمن من جهة اليتيم، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع، ولذلك أمر بالإشهاد [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 44، 45.]]، وليس بفريضة [["الكشف والبيان" 4/ 16 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 169، "زاد المسير" 2/ 17. وقصد المؤلف تبعًا للثعلبي بقوله: ليس بفريضة أي: الإشهاد ليس بفريضة. وقيل بفرضيته. انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 502، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 44.]]. قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ قال ابن الأنباري والأزهري: يكون بمعنى محاسبًا، ويكون بمعنى كافيًا [[هذا نص ما ذكره الأزهري عن أبي إسحاق النحوي في "تهذيب اللغة" 1/ 810 (حسب)، ونحو ما ذكره ابن الأنباري "الزاهر" 1/ 6، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 129.]]. فمن الأول قولهم للرجل عند التهدد: حسيبه الله. ومعناه: محاسبه الله على ما يفعل من الظلم [[من "الزاهر" 1/ 6 بتصرف.]]. وأنشد ابن الأنباري [[في "الزاهر" 1/ 6.]] قول قيس المجنون [[هو قيس بن الملوح العامري، شاعر غزل ويعرف بمجنون ليلى بسبب أنه حجب منها مع حبه لها فهام على وجهه ينشد الأشعار، وله ديوان وأخبار. توفي سنة 65 أو 68 هـ. انظر: "ديوانه" ص 7 المقدمة، "الأعلام" 5/ 208.]]: دعا المحرمون اللهَ يستغفرونه ... بمكةَ يومًا أن تُمَحَّا ذُنوبُها وناديتُ يا ربّاه أولُ سؤلتي ... لنفسي لَيلَى ثم أنت حسيبُها [["ديوانه" ص 31، لكن في البيت الأول: شعثًا بدل يومًا، وفي الثاني: يا رحمن بدل يا رباه.]] قال [[أي ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 6.]] فمعناه: ثم أنت محاسبها على ظلمها. قالوا: فالحسيب هو المحاسب بمنزلة قول العرب: الشريب. للمشارب [["الزاهر" 1/ 6، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 129.]]. وأنشد [[أي ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 5.]] أيضًا قول المخبل السعدي [[تقدم ترجمته.]]: فلا تُدخِلنَّ الدهر قبرك حَوبَةً ... يقوُم بها يومًا عليك حسيبُ [[البيت في اللسان 2/ 1036 (حوب) لكنه فيه: يدخلن بالتحتية ورفع حوبة.]] معناه محاسبك عليه الله تعالى [[في "الزاهر" 1/ 5: محاسب عليها عالم بها.]]. ومن الكفاية قولهم: حسيبك الله. ومعناه: كافي إياك الله [[من "الزاهر" 1/ 6.]]. وقد ذكرنا في اللغة في هذا [[هكذا في النسختين والعبارة ركيكة، ويحتمل أن الناسخ قدم حرف الجر.]] قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]. وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: يريد مجازيًا للحسن والمسيء [[لم أقف عليه لا عند ابن جرير ولا الثعلبي ولا غيرهما، وذكره المؤلف في "الوسيط" بتحقيق بالطيور 2/ 450، وقد ذكر ابن الجوزي أن قول ابن عباس هو أن الحسيب بمعنى الشهيد كما في "زاد المسير" 2/ 17.]]، وهذا يعود إلى المحاسب؛ لأن الحساب إنما هو للجزاء. والباء في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾، ﴿وَكَفَى بِرَبِكَ﴾ [الإسراء:17 ،65] ، [الفرقان:31] في جميع القرآن [[انظر: "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن" ص 613، 614 (كفى).]] زائدة [[وتفيد التوكيد عند بعض العلماء. انظر "الكتاب" 1/ 41، 92، 2/ 26، "معاني الحروف" للرماني ص 37، "الدر المصون" 3/ 586. وتعبير المؤلف بقوله: زائدة غير مناسب؛ فإن المحققين من العلماء يتحاشون مثل ذلك. قال ابن هشام: وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف في كتاب الله تعالى إنه زائد، لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزّه عن ذلك، والزائد عند النحويين معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة وبعضهم يسميه مؤكدا وبعضهم يسميه لغوًا، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب. "الإعراب عن قواعد الإعراب" ص 108، 109، وانظر: "البرهان" للزركشي 1/ 305، "تفسير ابن كثير" 1/ 498، "الدر المصون" 5/ 263.]]. قال الزجاج: المعنى: كفى الله، كفى ربُك [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 57.]]. واستقصاء هذا مذكور في هذه السورة عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: 45] [[تفسير هذه الآية من القسم المفقود.]]. وحسيبًا منصوب على وجهين: أحدهما الحال. المعنى: وكفى بالله في حال الكفاية والحساب، الثاني: يكون منصوبًا على التمييز، على معنى: كفى الله من الكِفاء والمحاسبين [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 174، "الدر المصون" 3/ 587، ورجح السمين الوجه الثاني.]].

النساء 4:7

قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية. قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية لا تورث النساء ولا الصغار شيئًا وإن كانوا ذكورًا، وإنما كانت تورث الكبار ومن طاعن بالرماح وحاز الغنيمة، فأبطل الله عز وجل ذلك، وأعلم أن حق الميراث على ما ذُكر من القرض [[ذكر السيوطي نحوه عن ابن عباس من طريق الكلبي في "لباب النقول" ص 64، "الدر المنثور" 2/ 217، وانظر: "الطبري" 4/ 262، و"الثعلبي" 4/ 16 ب، "الوسيط" بتحقيق بالطيور 2/ 451، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 148، والبغوي 2/ 169، و"زاد المسير" 2/ 18، وابن كثير 2/ 494، و"الدر المنثور" 2/ 218.]]. وقوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قد ذكرنا معنى الفرض فيما تقدم [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ ل122.]]. واختلفوا في انتصاب قوله: ﴿نَصِيبًا﴾، فقال الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 257.]]: لأنه اسم في موضع المصدر، كقولك: قسمًا واجبًا وحقًّا لازمًا [[هذا المثال ليس في معاني الفراء - حسب المطبوع.]]. ولو كان اسمًا (ليس في معنى المصدر) [[في "معاني الفراء" جاءت كلمة: (صحيحًا) بدل ما بين القوسين هنا.]] لم ينصب (نحو: لك عندي حق درهمًا) [[ما بين القوسين عند الفراء: ولكنه بمنزلة قولك: لك على حق حقًا، ولا تقول: لك علي حق درهمًا فكأن المؤلف تصرف في العبارة.]]، ومثله مما ينصب قولك: لك عندي درهمان هبة مقبوضة. فالمفروض في هذا الموضع بمنزلة قولك: فريضة وفرضاً [[انتهى من "معانى الفراء" 1/ 257، وانظر: "الكشاف" 1/ 249، "الدر المصون" 3/ 588.]]. وقال الزجاج: هذا منصوب على الحال، المعنى: لهؤلاء أنصبة على ما ذكرناها في حال الفرض [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 15، وانظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 190، "الدر المصون" 3/ 589.]]. وقال الأخفش: هو نصب على معنى: جعل لهم نصيبًا [["معاني القرآن" 1/ 422، 434، وانظر "الدر المصون" 3/ 589.]]. والآية تدل على [هذا؛ لأن قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ يدل على [[ما بين القوسين ليس فى (أ).]]] معنى جعل لهم نصيبًا [[هذا ترجيح من المؤلف للوجه الأخير في إعراب (نصيبا) وأنه منصوب بفعل مقدر، وانظر "الإملاء بهامش الفتوحات" 1/ 358.]]

النساء 4:8

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ عنى قسمة المال بين الورثة، يقال: قسمت المال قسمًا و [قسَّمته] تقسيمًا، والقسم اسم للمقسوم، والقسيم الذي يقاسمك (...) [[ما بين القوسين بياض في (أ)، (د). وهذه الكلمة جاءت في "العين" للخليل 5/ 86: القسم.]] المقسوم أيضًا، يقال: أخذ قسمه وقسيمه ومقسمه [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2961 (قسم).]]. وهذا قد ذكره ثعلب عن ابن الأعرابي، وهو صحيح. قال الخليل: (القِسْم [[في (أ): المقسم بالميم، وما أثبته هو الموافق لما في "العين" 5/ 86 (قسم)، "الجمهرة" 2/ 851 (قسم)، "تهذب اللغة" 3/ 2961 (قسم)، "الصحاح" 5/ 2010 (قسم)، "اللسان" 6/ 3628 (قسم).]]) الحظّ والنصيب من الخير [["العين" 5/ 86 (قسم)، وانظر: "التهذيب" 3/ 2961، "الصحاح" 5/ 2010،== "اللسان" 6/ 3629.]]، ومنه سمي الرجل: مقسما. وأنشد النضر: فما لك إلا مِقسمٌ ليس فائتًا ... به أحدٌ فاستَأْخِرَن أو تَقَدَّمَ [[لم أعرف قائله، وهو من شواهد "أساس البلاغة" 2/ 251 (قسم) لكن عجزه: به أحد فاعجل به أو تأخر وهو أيضًا في "لسان العرب" 6/ 3629 (قسم) كما عند المؤلف، لكن قافيته: (تقدما) بألف مد بعد الميم.]] ويقال: قاسمت فلانًا المال مقاسمةً، وأقسمنا، وتقاسمنا المال فيما بيننا [[انظر: "العين" 5/ 86 (قسم)، "تهذيب اللغة" 3/ 2963 (قسم)، "اللسان" 6/ 3629 (قسم).]]. قال النابغة [[تقدمت ترجمته.]]: إنّا اقتَسَمْنا خُطَّتَينا بيَننا ... فحَمَلتُ بَرَّةَ واحتملتَ فَجَارِ [["ديوان النابغة الذبياني" 86، "الكتاب" 3/ 274، "الكامل" 2/ 70، "الجمل" للزجاجي ص 229، "الخصائص" 2/ 198. والنابغة يخاطب بهذا البيت زُرعة بن عمرو الكلابي، وكان قد عرض زُرعةُ على النابغة وعشيرته أن يغدروا ببني أسد فأبى، فجعل النابغة خطته في الوفاء برة من البر، وجعل خطة زرعة فجار من الفجور لأنه أراد نقض العهد.]] و (القسمة) [[في (د): (القسيمة).]] الاسم من الاقتسام، لا من القسم [[انظر: "الصحاح" 5/ 2011 (قسم)، "اللسان" 6/ 3630 (قسم).]]، كالخبرة من الاختبار. ولا يكاد الفصحاء يقولون: قَسمت بينهم قِسمة. وقد ذكر ذلك في كتاب الليث [[في "اللسان" 6/ 3630 (قسم): الليث: يقال: قسمت الشيء بينهم قسمًا وقسمة، والقسمة مصدر الاقتسام.]]، وليس ذلك بصحيح. وقسْمَتك ما أخذته من الأقسام، والجمع قِسَم. وقوله تعالى: ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ [[في (أ)، (د): (أولي)، وهو خطأ ظاهر.]] يعني: الذين يحزنون ولا يرثون [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 17 ب، و"معالم التنزيل" 2/ 170، و"المحرر الوجيز" 3/ 504.]]. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الآية. اختلفوا في حكمها، فقال ابن عباس في رواية عطاء وعطية [[تقدمت ترجمته.]]: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وإباحة الثلث للميت يجعله حيث يشاء من القرابات واليتامى والمساكين [[أخرجه بنحو منه من طريق عطاء عن ابن عباس أبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 219. ومن طريق عطية العوفي -وهي طريق ضعيفه- أخرجه بمعناه ابن جرير 4/ 264، وابن أبي حاتم في "الدر المنثور" 2/ 219. وقد أشار الحافظ ابن حجر في "الفتح" 8/ 242، إلى ضعف ما رُوي عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة. وسيأتي قريبًا ما يبين ثبوت الرواية عن ابن عباس بأنه محكمة، وانظر: "الوسيط" بتحقيق بالطيور 2/ 453. وورد عن ابن عباس من طريق مجاهد أن هذه الآية نسخت بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11]، لكنه ضعيف. انظر: "الناسخ المنسوخ" بتحقيق د. سليمان اللاحم 2/ 156.]]. وهذا مذهب سعيد بن المسيب [[تقدمت ترجمته.]]، وأبي مالك، والضحاك [[انظر "الناسخ والمنسوخ في كتاب الله" لقتادة ص 38، والطبري 4/ 264 - 265، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 158، و"الكشف والبيان" 4/ 17 ب، وابن كثير 1/ 495، و"زاد المسير" 2/ 21، و"فتح الباري" 8/ 242، و"الدر المنثور" 2/ 219.]]. وقال في رواية عكرمة ومِقْسَم [[هو أبو القاسم مِقسَم بن بجرة -وقيل نجدة- من الموالي، ولزم ابن عباس وهو من مشاهير التابعين وحُكم عليه بأنه صدوق يُرسل، مات -رحمه الله- سنة 101 هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" 5/ 103، "التقريب" ص 545 رقم (6873).]]: الآية محكمة غير منسوخة [[أخرجه من طريق عكرمة البخاري رقم (4576) في كتاب التفسير سورة النساء، باب: 3 ﴿إذا حضر القسمة ....﴾، وقال البخاري: تابعه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وكذلك أخرجه ابن جرير 2/ 263، وعن طريق مِقسَم أخرجه ابن جرير 2/ 264 بمعناه. وانظر "الكشف والبيان" 4/ 17 ب، وابن كثير 1/ 494، و"الدر المنثور" 2/ 218. قال ابن حجر عن طريق عكرمة وسعيد: وهذان الإسنادان الصحيحان عن ابن عباس هما المعتمدان.]]. وهذا مذهب أبي موسى، وإبراهيم، والشعبي، والزهري، ومجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، وعبيدة، وقتادة [[انظر: "الطبري" 4/ 263 - 264، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 158، و"الكشف والبيان" 4/ 17 ب، 18 أ، وابن كثير 1/ 499، و"الدر المنثور" 2/ 218 - 219.]]. ثم اختلف هؤلاء، فذهب بعضهم إلى أنه يجب على الوارث أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئًا من المال بقدر ما تطيب به نفسه. هذا إذا كان الوارث كبيرًا، فإن كان صغيرًا تولى إعطاء هؤلاء وليه [[انظر: "الطبري" 4/ 265.]]. قال الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات [[في (أ): (القربات).]]، والمساكين، واليتامى من العين، فإذا قُسِم الذهب والورق وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولًا معروفًا، كانوا يقولون: بُورك فيهم [[من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 16. وذكره بنحوه عنهما ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 20، وانظر "تفسير الحسن" 1/ 263.]]. وقال ابن عباس والسدي وغيرهما: إذا حضر القسمة هؤلاء؛ فإنْ كان الميت أوصى لهم بشيء أُنفِذ، وإن لم يوص [[في (د): يوص لهم.]] وكان الورثة كِبارًا رَضَخُوا لهم، وإن كانوا صغارًا اعتذر إليهم الولي، ويقول: إني لا أملك هذا المال، وإنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم. فهذا هو القول المعروف [[هذا معنى قول ابن عباس والسدي وغيرهما كسعيد بن جبير. انظر الطبري 4/ 267 - 268، "زاد المسير" 2/ 20، وما ساقه المؤلف نص ما ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 17 ب، 18 أ.]]. وقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب، لا على الفرض والإيجاب؛ يستحب للوارث أن يقسم لهؤلاء شيئًا من التركة، فإن ترك ذلك لم يُحَرَّج [[أشار ابن عطية إلى أن ممن ذهب إلى الندب الحسن وسعيد بن جبير. انظر "المحرر الوجيز" 3/ 504 - 505. ولم أجد ذلك صريحًا عنهما.]]. وهذا هو الذي عليه الناس اليوم [[قد رجح القول الأخير وهو القول بالاستحباب النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 159، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 329، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 49.]]. وقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: من الميراث، رَدّ الكناية إلى معنى القسمة لا إلى اللفظ، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: 76]، والصُّواع مذكر لا يُكنى عنه بالتأنيث، لكن أريد به المَشْربة والسِّقاية، فعادت الكناية إلى المعنى لا إلى اللفظ [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 434، "البيان" 1/ 244، "الدر المصون" 3/ 589.]]. وقال أبو علي: القسمة ههنا يراد بها المقسوم؛ لأنه إنما يُرزق من التركة المقسومة [[قول أبي علي لم أقف عليه وهو بمعنى ما ذكر المؤلف قبله، وانظر -إضافة إلى ما سبق-: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 190، "غرائب التفسير" 1/ 285، "الإملاء" 1/ 358.]].

النساء 4:9

قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. اختلفوا في هذه الآية على قولين: أحدهما: أن معنى الآية: وليخش من لو كان له ولد صغار خاف عليهم بعده الضيعة، أن يأمر الموصي بالإسراف فيما يعطيه اليتامى المساكين وأقاربه الذين لا يورثون، فيكون قد أمره بما لم يكن يفعله لو كان هو الميت. قال ابن عباس في رواية عطاء: كان الرجل إذا حضرته الوفاة قعد عنده أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: انظر لنفسك فإنّ ولدك لا يُغنون عنك من الله شيئًا، فيُقدِّم جل ماله وَيحجب ولده، وهذا قبل أن تكون الوصية في الثلث، فكره الله ذلك منهم وقال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يريد: من بعدهم. ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ يريد: صغارًا. ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الفقر، ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ يريد: فليخافوا الله إذا تَعدَّوا عند أحد من إخوانهم وهو في الموت. ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ يريد بالسديد من القول العدل، وهو أن يأمره أن يُخَلِّف ماله لولده ويتصدق ما دون الثلث [[أورده عن عطاء عن ابن عباس الهواري في "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 351، وأخرجه بمعناه عن ابن عباس الطبري 4/ 269 - 270 لكن من طريق ابن أبي طلحة -وهي أصح- وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 220، أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي. وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 175.]]. وهذا قول أكثر المفسرين، سعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي والضحاك ومجاهد [[انظر: "تفسير القرآن" لعبد الرازق 1/ 150، والطبري 270 - 271، و"زاد المسير" 2/ 22، وابن كثير (495)، و"الدر المنثور" 2/ 220.]]. والقول الثاني: أن هذا وعظ لولاة اليتامى، وعظوا في تَوِليَتِهم أمرهم بأن يفعلوا كما يحبون أن يُفعل بأولادهم من بعدهم. يقول: وليخش من لو ترك ولدًا صغارًا خاف عليهم الضَّيعة، فليُحسن إلى من كفله من اليتامى، وليفعل بهم ما يحب أن يفعل بولده من بعده. وهذا قول تحتمله الآية، ولم أر أحدًا من المفسرين ذكره [[بل ذكره غير واحد، وهو مروي عن ابن عباس وابن زيد، واستحسنه ابن كثير. انظر "تأويل مشكل القرآن" ص 323، والطبري 4/ 270، و"معاني الزجاج" 2/ 17، و"زاد المسير" 2/ 22، وابن كثير 2/ 210.]]، وبعض المتأخرين حكاه، وعزاه إلى الكلبي [[يقصد بمن حكاه وعزاه شيخه الثعلبي كما في "الكشف والبيان" 4/ 18 ب.]]. وليس هو في تفسيره المعروف بطريق يوسف بن بلال [[لم أقف له على ترجمته.]]. وقرأ [[الكلام في القراءة من "الحجة" 3/ 133.]] حمزة: ﴿ضِعَافًا خَافُوا﴾ بالإمالة فيهما [[أي بإمالة العين والخاء. انظر: "الحجة" 3/ 133.]]. ووجه إمالة (ضعاف) أنّ ما كان على وزن فِعال، وكان أوله حرفًا مستعليًا مكسورًا، نحو: صِفات [[في "الحجة": ضعاف.]]، وقِفاف [[في "الحجة": قباب.]]، وخِباث وغِلاب، يحسن فيه الإمالة، وذلك أنه تصعّد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسر، فيستحب أن لا يتصعّد بالتفخيم بعد التصوّب [[في "الحجة": التصويب.]] بالكسر، فيجعل الصوت [[في (أ)، (ب): الصوب بالباء الموحدة، والتصحيح من "الحجة".]] على طريقة واحدة فلا يتصعّد بالتفخيم بعد التصوّب بالكسرة [[في "الحجة": بالكسر.]] التي في خفت فينحوا نحوها بالإمالة. قال سيبويه: بلغنا عن ابن أبي إسحاق [[لعله أبو بحر عبد الله بن زيد الحضرمي العلامة المقرئ النحوي المتوفى سنة 114هـ. انظر: "أخبار النحويين" للسيرافي ص 42، "نزهة الألباء" ص 26، "بغية الوعاة" 1/ 401.]] أنه سمع كثير عزة يقول: صار مكان كذا [[في "الكتاب" 4/ 121 لكن فيه: صار بمكان كذا وكذا، وانظر: "الحجة" 2/ 30.]]، بالإمالة [[انتهى من "الحجة" 3/ 133 - 135 بتصرف، وانظر: "معاني القراءات" للأزهري 1/ 292، "الكشف" لمكي 1/ 377، "النشر" 2/ 247.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ السديد: العدل والصواب من القول [["الكشف والبيان" 4/ 19 أ.]]. قال ابن المظّفر [[في "تهذيب اللغة" 2/ 1656 (سدد).]]: قال قل قولا سَدَدًا وسدَادًا وسدِيدًا [[في "تهذيب اللغة": ... وسديدًا أي: صوابًا.]] والسدَد مقصور من السداد [[انتهى من "تهذيب اللغة" 2/ 1656 (سدد) بتقديم وتأخير لا يؤثر في المعنى. وانظر: "العين" 7/ 184، "اللسان" 4/ 1970 (سدد).]]، وأنشد [[ليس في "التهذيب".]] لكعب [[لم أعرفه.]]: ماذا عليها وماذا كان ينقصها ... يوم الترّحل لو قالت لنا سدَدَا [[نسبه إلى كعب -كالمؤلف- الزمخشري في "أساس البلاغة" 1/ 430 (سدد) ولم أجده في "ديوان كعب بن زهير" غير أن الجوهري في "الصحاح" 2/ 485 (سدد) نسبه إلى الأعشى، وكذا في "لسان العرب" 4/ 1970 (سدد) ولم أجده في "ديوان الأعشى الكبير" -ميمون بن قيس-. والشاهد منه: أن السدد مقصور من السداد.]] قال الأزهري: وقرأت بخط شَمِر: يقال سدّ عليك الرجل يسدّ سدًّا إذا أتى السداد. وما كان هذا الشيء سديدًا. ولقد سد يسد سدادًا وسدودا. وقال أوس: فما جَبُنوا أنّا نَسُدّ عليهِمُ ... ولكِن لَقُوا نارًا تحُسُّ وتَسْفَعُ [[البيت منسوب لأوس في "التهذيب" 2/ 1655 (سد)، "اللسان" (1969) (سدد) ، 6/ 52 (حسس). غير أنه نسب إلى فروة بن مسيك المرادي في "مجالس العلماء" للزجاجي ص 143، "الخصائص" 3/ 292، ولعل الراجح الأول. والشاهد منه: نسد بالسين المهملة، وهي كذلك في "التهذيب"، وبقية المراجع بالشين المعجمة، ومعنى تَحُسّ: تُحْرِق، وتَسفَع لعل المراد: تُسَوَّد من الإحراق. انظر: "التهذيب" 2/ 1704 - 1705 (سفع)، 1/ 816 (حس)، "اللسان" 4/ 2028 (سفع).]] يقول لم يجبنوا من الإنصاف في القتال، ولكنا جُرنا عليهم فلقونا ونحن كالنار التي لا تُبقي شيئًا [[انتهى قول الأزهري من "التهذيب" 4/ 1969 (سد).]]. ويقال: إنه لَيَسد في القول، إذا كان يأتي القول السديد، وقد أسددت ما شئت، أي: طلبت السداد، أصبته أو لم تصبه. ويقال: سدده الله، أي: وفقه للسداد [[انظر: "التهذيب" 2/ 1657 (سد)، "مقاييس اللغة" 3/ 66 (سد)، "الصحاح" 2/ 485 (سدد)، "أساس البلاغة" 1/ 430 (سدد).]].

النساء 4:10

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾. سماه بما يؤول إليه في العاقبة، والعرب تُسمي الشيء باسم ما يؤول إليه عاقبته، كقوله: ﴿أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36]، يعني: العنب، فسماه خمرًا بما يؤول إليه [[انظر: " الكشف والبيان" 4/ 19 أ، "معالم التنزيل" 2/ 171، "غرائب التفسير" 1/ 285، "زاد المسير" 2/ 23.]]. ويقولون للأمر الشديد: هو الموت، ومنه قول ابن الدُّمَينة الخثعمي [[هو عبيد الله بن عبد الله -والدُّمَينة أمه- من خثعم، يعد من الشعراء المجيدين. انظر "الشعر والشعراء" ص 489.]]: قليل قذى العينين نعلُم أنّه ... هو الموتُ إن لَم يلق عَنّا بوائقه [[في "الشعر والشعراء" ص 489، ومن شواهد "مغني اللبيب" ص 471، ونسبه عبد السلام هارون إلى "ديوانه" ص 53، انظر: "معجم شواهد العربية" ص 247.]] أي: السبب المؤديِ إلى الموت، وعلى هذا قوله ﷺ في الشارب من آنية الذهب والفضة: "إنما يُجرجِر في بطنه نار جهنم" [[أخرجه البخاري من حديث أم سلمة -رضي الله عنها- رقم (5634) في كتاب الأشربة، باب: 28 آنية الفضة، ومسلم (2065) في كتاب اللباس والزينة، باب: آنية الذهب والفضة، وغيرهما.]]. قال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظُلمًا يوم القيامة ولَهَبُ النار ودُخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم [[أخرجه ابن جرير 4/ 273، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 19 ب، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 23، وابن كثير 1/ 4119، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 221، وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم.]]. وقوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وقرئ بضم الياء [[قراءة الضم لابن عامر وأبي بكر عن عاصم، وقراءة الفتح للباقين من العشرة. انظر: "السبعة" ص 227، "الحجة" لأبي علي 3/ 136، "المبسوط" ص 154، "الكشف" 1/ 378، "النشر" 2/ 247.]]. قال أبو زيد: يقال: صلي الرجل النارَ يصلاها صليً وصَلاءً، وهو صالي النار من قوم صالين وصِليّ [[انتهى قول أبي زيد، وقد أخذه المؤلف من "الحجة" لأبي علي 3/ 136، إلا أنه حذف جملة من أثناء الكلام وهي بعد قوله: صلاء حيث جاء في "الحجة" بعدها: وهما واحد، وأصلاه الله حر النار إصلاء، وهو صالي ... إلخ. وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 2049 (صلى)، "اللسان" 4/ 2491 (صلا).]]. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 163]. قال الشاعر: والله لولا النار أن يصلاها [[هذا من الرجز. قال ابن منظور: وقال العجاج. قال ابن بري، وصوابه الزفيان: تالله لولا النار أن نصلاها ... أو يدعو الناس علينا الله "اللسان" 4/ 2491 (صلا)، ولم أجده في "ديوان العجاج" ولا في غير "اللسان".]] وقال تعالى: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [إبراهيم: 29، 56]، [المجادلة: 8]. قال الفراء: الصَّلاء اسم للوقود، وهو الصَّلا، إذا كسرت مددت، وإذا فتحت قصرت [[انظر: "المقصور والممدود" للفراء ص 36، 37، 62، "اللسان" 4/ 2491 (صلا).]]. قال ابن حلزة: فتنورت نارها [[في (د): (ناها)، وقد يكون وقع سهوًا من الناسخ.]] من بعيدٍ ... بخَزازَى هيهات منك الصَّلاء [[البيت من معلقة الحارث بن حلزة اليشكري كما في "شرح القصائد المشهورات" للنحاس: 2/ 55، "شرح المعلقات" للزوزني ص 156. قال النحاس: تنورتُ النار إذا نظرتها بالليل .. وخزازى اسم موضع. والشاهد منه: الصلاء كسرت الصاد فجاءت الكلمة ممدودة.]] ومن ضم [[من قوله: ومن ضم إلى آخر الكلام على القراءة من "الحجة" بلفظ مقارب، انظر "الحجة" 3/ 137.]] الياء فهو من قولهم: أصلاه الله حر النار إصلاءً، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: 56]، وقال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: 26]. وأما السّعير فهو النار المُستعرة. يقال (سعرت [[في (د): (أسعرت)، وما أثبته هو الصواب. انظر: "الجمهرة" 2/ 314 (رسع)، "تهذيب اللغة" 2/ 1693 (سعر).]]) النار أسعَرُها سَعرًا، وهي مسعورة وسعيرة، فالسعير معدول عن: مسعورة كما عُدِل: كف خضيب. عن: مخضوبة، وكذلك سعرت العرب سعرًا. واستعرت النار إذا استوقدت. والسعير: النار نفسها. (وسُعار النار) [[في (د): (وسعارها).]] حرّها [[انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 714 (رسع)، "تفسير الطبري" 4/ 273 - 274، "تهذيب اللغة" 2/ 1693 (سعر)، "مقاييس اللغة" 3/ 75، 76.]].

النساء 4:11

قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية. فقد ذكرنا معنى الإيصاء والتوصية في اللغة. ومعنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ ههنا: قال الزجاج: أي: يفرض [[في (أ): (نفرض)، وما أثبته هو الموافق لـ"معاني الزجاج".]] عليكم؛ لأن الوصية من الله عز وجل فرض، والدليل على ذلك: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: 151]، وهذا من الفرض المحكم علينا [["معاني الزجاج" 2/ 18، وانظر: "غرائب التفسير" 1/ 285، "الكشف والبيان" 4/ 22 أ، "المحرر الوجيز" 3/ 511، "الفتوحات الإلهية" 1/ 360.]]. وقوله تعالى: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، اسم الولد يقع على ولد الصلب وعلى ولد الولد وإن سَفَل [[انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 333، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 59، وبعض العلماء يفرق فيقول: إنه حقيقةٌ في ولد الصلب مجازٌ في غيره، وبعضهم لا يفرق. وعقب القرطبي -رحمه الله- على مثل ذلك بقوله: ومعلوم أن الألفاظ لا تتغير بما قالوه.]]، ثم ثبتت على هذا ميراث ولد الولد بهذه الآية [[قوله: (ثم ثبتت)، وفي هذه الجملة اضطراب أو سقط.]]. فإن قيل: بماذا يتعلق قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾، ولا يقال في الكلام: أوصيك لزيد كذا؟ والجواب ما قال الفراء، وهو أن الوصية قول، فمعنى قوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [[في (د) زيادة: (في أولادكم).]]: يقول الله لكم، وعلى هذا أيضًا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: 9]، أي: قال الله لهم مغفرة؛ لأن الوعد قول [[لم أقف على رأي الفراء هذا في "معاني القرآن"، وقد أشار إليه أبو حيان في "البحر" 3/ 181، والسمين في "الدر المصون" 3/ 356.]]. ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقال الكسائي: قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بيان لما أوصى به وحكاية له، لأن الذي أوصاهم به هو هذا، ومثله قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: 9] ثم ذكر ما وعدهم فقال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ولهم مغفرة هو الذي وعدهم به، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35]. ويقول: بدا لي أن لعبد الله مالًا، فإذا (ألقيت) [[في الأصل بالفاء، والتصحيح من (د).]] أن قلت: بدا لي لعبد الله مالٌ [[لم أقف على قول الكسائي مفصلًا، وقد أشار إليه أبو حيان في "البحر" 3/ 181. انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 190، "الدر المصون" 3/ 597.]]، وأنشد الكسائي على ذلك: إني سأُبدِي لك فيما أُبدي ... لي شجَنَانِ شَجَنٌ بِنَجْدِ [[هذا البيت من الرجز، ولم أعرف قائله، وهو من شواهد "معجم مقاييس اللغة" 3/ 249 (شجن)، "الصحاح" 5/ 2142 (سجن)، "اللسان" 4/ 2202 (شجن)، والشجن: الحاجة. ولعل الشاهد منه أن: شجن بنجد تفسير وبيان لـ: لي شجنان، حيث جاء في "الصحاح"، "اللسان" بعد هذا: وشجن لي في بلاد السند، لكن في "اللسان": الهند بدل السند. والله أعلم.]] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، يعني: فإن كن [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: فإن كان، انظر: الطبري 4/ 276، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 439، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 191.]] المتروكات؛ وذلك أن اسم الولد يطلق على الإناث والذكور [[انظر: "الطبري" 4/ 276، "تهذيب اللغة" 4/ 3951 (ولد)، "المحرر الوجيز" 3/ 512.]]، فلما فرض فريضة الذكور وأراد تبيين حال الإناث كنى عنهن بكناية جمع أسمائهن في الأولاد، وتقديره: الأولاد إن كن نساء فوت اثنتين فلهن ثلثا ما ترك [[قال الطبري 4/ 276: واختلف أهل العربية في المَعنِي بقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ قال بعض نحويى البصرة بنحو الذي قلنا: فإن كان المتروكات نساء، وهو أيضًا قول بعض نحوي الكوفة وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك، فإن كان الأولاد نساء، وقال: إنما ذكر الله الأولاد فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ثم قسم الوصية فقال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، وإن كان الأولاد نساء، وإن كان الأولاد واحدة، ترجمة منه بذلك عن الأولاد. قال أبو جعفر: والقول الأول الذي حكيناه عمن حكيناه عنه من البصريين أولى بالصواب في ذلك عندي؛ لأن قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ لو كان معنيا به ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ لقيل: ﴿وَإِن كَانُوا﴾ لأن الأولاد تجمع الذكور والإناث، وإذا كان كذلك فإنما يقال: (كانوا)، لا (كن). هذا ما وضحه ابن جرير في تقدير اسم كان هنا، فالظاهر أن المؤلف قد خلط بين القولين، والله أعلم.]]. واجتمعت الأمة على أن للبنتين الثلثين [[انظر "الإجماع" لابن المنذر ص 32، "المغني" لابن قدامة 9/ 11، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 31/ 350. هذا؛ وقد تعقب القرطبي الإجماع في هذه المسألة لخلاف ابن عباس منها. انظر "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 63، لكن العلماء الذين حكوا الإجماع حكموا على ما روي عن ابن عباس بالشذوذ كما في "المغني"، "الفتاوى".]]، إلا ما روي عن ابن عباس أنه ذهب إلى ظاهر الآية، وقال: الثلثان فرض الثلاث من البنات؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [[لم أقف على من خرجه، لكنه قول مشتهر عن ابن عباس وصححه عنه النحاس في: "إعراب القرآن" 1/ 439، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 63، وانظر: "تفسير الماوردي" 1/ 458، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 336، "المغني" 9/ 11، "مجمع الفتاوى" 31/ 350، "أضواء البيان" 1/ 372، "التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية" للدكتور صالح الفوزان ص 78. وقد قال الفوزان: وقيل: المشهور عنه مثل قول الجمهور.]]: فجعل الثلثين للنساء إذا زده [[هكذا في (أ)، وفي (د): (رده)، ولعل الصواب: (زدن).]] على الثلثين [[هكذا في (أ)، (د) والظاهر أن الصواب: الثنتين.]]، وعنده أن فرض البنتين النصف كفرض الواحدة وهذا غير مأخوذ به [[انظر: "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 2/ 140 - 141، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 336، "المغني" 9/ 11، "مجموع الفتاوى" 31/ 350، "أضواء البيان" 1/ 372، "التحقيقات المرضية" ص 82، 83.]]. ووجه الآية أن (فوق) ههنا صلة لا معنى له، أراد: فإن كن نساء اثنتين، كقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: 12]، يريد: فاضربوا الأعناق [[هذا قول في إعراب الآية، لكن خطَّأه النحاس بقوله: وهو خطأ؛ لأن الظروف ليست مما يزاد لغير معنى "إعراب القرآن" 1/ 349، كما ضعفه الكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 2/ 144، وابن عطية في "المحرر" 3/ 513، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 498. قال ابن كثير: وهذا غير مسلم، لا هنا ولا هناك، فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع. وقد تقدم مثل ذلك.]] وسمى البنتين نساء، لأن الابنين جماعة عند العرب. ونبين ذلك في آخر الآية [[انظر ص 361.]]. وقال أكثر المفسرين: إنما أعطينا البنتين الثلثين بتأويل القرآن لا بنص فرض، وذلك أن الله تعالى [جعل للبنت الواحدة النصف في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، وجعل للأخت الواحدة النصف أيضًا في قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 176]، ثم جعل للأختين الثلثين، علمنا أن للبنتين] [[يحتمل أن في الكلام سقطًا، واستقامته: وذلك أن الله تعالى لما جعل للبنت الواحدة .. علمنا أن لبنتين فسقطت لما من الكلام قبل جعل.]] الثلثين قياسًا على الأختين، كما أن للأخوات الثلثين بما نص في البنات في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ الآية [[انظر: "تفسير الماوردي" 1/ 458، "أحكام القرآن" للهراسي 2/ 140 - 141، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 337، القرطبي 5/ 63، "أضواء البيان" 1/ 371، "التحقيقات المرضية" ص 80.]] وحرر الحسن بن يحيى [[هو صاحب "نظم القرآن" وكثيرًا ما يأخذ عنه المؤلف، لكنه لم يصل إلينا.]] هذا الفصل فقال: (إن الله تعالى) [[ما بين القوسين ليس في نسخة (د).]] أمسك في هذه الآية عن ذكر البنتين، وذكر الواحدة والثلاث وما فوقها، وذكر فيِ (قوله (¬3)): ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ في آخر النساء الأخت الواحدة والبنتين [[هكذا في (أ)، (د) والظاهر: والثنتين.]] ، وأمسك عن ذكر الثلاث وما فوقها، فتضمن كل واحدة من هاتين الآيتين ما كف عن ذكره في غيرها، ويحتمل كل واحد منهما فيما أمسك عنه فيها على ما ذكره في غيرها ليأتلف المعنى على (ما يجب [[في (أ): (يحب) بالحاء المهملة.]]) إن شاء الله [[انتهى أخذ المؤلف من صاحب النظم، وانظر: "أحكام القرآن" للهراسي 2/ 141 - 142، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 337، القرطبي 5/ 63، "فتح القدير" 1/ 431.]]. قال أبو إسحاق: جعل الله عز وجل كتابه يدل بعضه على بعض تفقيهًا للمسلمين وتعليمًا؛ ليعملوا فيما يحزبهم [[يحز بهم: ينزل بهم ويهمهم. انظر: "اللسان" 2/ 854 (حزب).]] في الأمور على هذه الأدلة، وقال بعضهم [[صرح أبو إسحاق الزجاج بالقائل في "معانيه" 2/ 19، وأنه: أبو عباس محمد بن يزيد [وهو المبرد]، وكذا قال اسماعيل بن إسحاق.]]: في الآية دليل على أن للبنتين الثلثين؛ لأنه قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وكان أول العدد ذكرًا وأنثى، فللذكر الثلثان وللأنثى الثلث. فلما دل هذا على أن للذكر الثلثين وللبنت الواحدة الثلث، عُلم أن للبنتين الثلثين من حيث علم أن للذكر الثلثين. وأما مذهب ابن عباس فهو محال في القياس، حيث يجعل البنتين كالواحدة. والبنتان كالجماعة؛ لأن منزلة الاثنين منزلة الجمع [[في (أ): (الجميع)، والى هنا انتهى أخذ المؤلف من الزجاج في "معانيه" 2/ 19 بتصرف في العبارة، وما ذكر بعد ذلك من الأمثلة ونحوها زائد عليه.]]، في كثير من الأحكام، فصلاة الاثنين جماعة، والأخوان كالإخوة في حجب الأم من الثلث إلى السدس، ويجيء ذلك في آخر الآية، فالجمع بالجمع أولى أن يقاس من الجمع بالواحد [[انظر: "غرائب التفسير" 1/ 285.]]. وأيضًا فإن الآية في قول مقاتل، والكلبي نازلة في أم كجّة [[هي أم كجّة -بالجيم كما ضبطها ابن حجر- الأنصارية من الصحابيات -رضي الله عنهن- زوجة أوس بن ثابت الأنصاري، ولم تذكر سنة وفاتها. انظر: "تجريد أسماء الصحابة" 2/ 332، "الإصابة" 4/ 487.]]، وكانت لها ثلاث بنات، فنزلت في جواب ما استفتت وأجيبت في بناتها خصوصًا، وكن ثلاثًا [[لم أجد من أخرجه بلفظ ثلاث في تفسير هذه الآية، وقد أشار إليه الثعلبي عن مقاتل والكلبي في تفسير هذه الآية، وذكره مطولًا في تفسير قوه تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: 7]. انظر: "الكشف والبيان" 4/ 16 ب، 17 أ، 22 أ. وقد أخرجه الطبري عن السدي بلفظ: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين، كان أهل الجاهلية لا يرثون الجواري ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أبو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها: أم كجة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجة إلى النبي ﷺ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ "تفسير الطبري" 4/ 275. وأورد السيوطي أثر السدي وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم. انظر "الدر المنثور" 2/ 222.]]، ولذلك ما خصت الثلاث بالذكر في الآية دون الثنتين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ وقرأ نافع (واحدةٌ) بالرفع [[انظر: "السبعة" ص 227، "الحجة" 3/ 135، "الكشف" 1/ 378.]] على معنى: إن وقعت واحدة، أي: إن حدث حكم واحدة، أو إرث واحدة؛ لأن [[في (د): (فان).]] المراد حكمها والقضاء في إرثها، لا ذاتها. والاختيار قراءة العامة؛ لأن التي قبلها لها خبر منصوب، وهو قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، وكما أن الضمير هناك: إن كن المتروكات أو الوارثات نساء، كذلك ههنا: وإن كانت المتروكة واحدة [[انتهى من "الحجة" 3/ 136 بتصرف، وانظر "معاني الزجاج" 2/ 18، "إعراب القراءات السبع" 1/ 129، "الكشف" 1/ 378. وممن اختار قراءة النصب ورجحها على الرفع الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 293، وابن خالوية في "الحجة" ص 120، وكثير من أئمة القراءات لم يتعرضوا للموازنة أو الترجيح بين القراءتين، فهما صحيحتان، وقد قرأ بالرفع اثنان من العشرة هما نافع وأبو جعفر. انظر: "المبسوط" ص 154، "النشر" 2/ 247.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ يعني: ولأبوي الميت، كناية عن غير مذكور [["الكشف والبيان" 4/ 22 أ.]]، وهما والداه. والأصل أن يقال: أبة [[من "معاني الزجاج" 2/ 23، لكن فيه: والأصل في أم، أن يقال: أبة.]]، ولكن استغنى عنها بأم، فأبوان تثنية أب وأبة، وكذلك لو ثنيت ابنًا وابنًة ولم تخف اللبس لقلت: ابنان [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 23.]]. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. أو ولد ابن، واسم الولد يقع على ولد الابن [[انظر: "الكشف" 4/ 22 أ، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 335.]]. والأب يرث من جهة التسمية السدس، ويرث بغير تسمية على جهة التعصيب. مثال ذلك: لو مات عن ابنة وأبوين، كان للابنة النصف وللأم السدس، وكذلك للأب بالتسمية لأن الله تعالى قال: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وههنا ولد وهو البنت، والسدس الباقي للأب أيضًا بحق التعصيب [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 277، "معاني الزجاج" 2/ 21، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 71.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. أكثر القراء على ضم الهمزة من (أم) في جميع المواضع. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الألف إذا وليتها كسرة أو ياء [[في "الحجة" 3/ 137: وقرأ حمزة والكسائي كل ذلك بالكسر إذا وصلا وما ذكره المؤلف أوضح وهو الموافق لما في "السبعة" ص 228.]]، (نحو هذا) [[ما بين القوسين ليس في (د).]] ونحو قوله: ﴿يَطُوفُونَ﴾ [[هكذا في (أ)، (د) وهو تحريف، والظاهر أن الصواب: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الزمر: 6]، كما في "الحجة" 3/ 137.]]، ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: 61]، ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: 59]. فأما إذا كان ما قبل الهمزة غير كسر فالضم لا غير، مثل ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ [المؤمنون: 50] [[ما بين القوسين زائد على ما في "الحجة" لأبي علي وإن كان من لازم كلامه.]]. وإنما جاز كسر همزة (أم) لأن الهمزة حرف مستثقل، بدلالة تخفيفهم لها، فأتبعوها ما قبلها من الياء والكسرة، ليكون العمل فيها من وجه واحد [[من "الحجة" 3/ 137 بتصرف يسير، وسيرجع المؤلف إلى الإفادة منه بعد أخذه من الزجاج. وانظر: "السبعة" ص 228، "المبسوط" ص154، "الكشف" 1/ 379.]]. قال أبو إسحاق: إنهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله: ﴿فَلِأُمِّهِ﴾، وليس في كلام العرب مثل: فِعُل بكسر الفاء وضم العين، فلما اختلطت اللام [بالاسم] [[الزيادة من "معاني الزجاج" 2/ 23 لكي يستقيم الكلام.]] شبه بالكلمة الواحدة، فأبدل من الضمة كسرة [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 23، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، "الكشف" 1/ 379. ويرجع المؤلف بعده إلى أبي علي في "الحجة" فكان كلام الزجاج اعتراضًا أثناء كلام أبي علي، وانظر: "الحجة" 3/ 137، 138.]]. وأيضًا فإن الهمزة لما يتعاورها من القلب والتخفيف تشبه الياء والواو، فتتغير كما تتغير الياء والواو، وتقارب الهاء في المخرج، والهاء قد اتبع الكسرة في نحو: بهم، وبهي [[هكذا الكلمة في "الحجة" 3/ 137، ولعل الأصل: به فأشبعت الكسرة في الهاء فأشبهت الياء.]]. كذلك الهمزة. فإن قيل: وهلا فعلوا ذلك بغير هذا الحرف، مما فيه الهمزة، نحو: أتّ وأسّ وأدّ من أسماء الرجال؟ قيل: إن هذا الحرف قد كثر في كلامهم، والتغيير إلى ما كثر أسرع، وقد يختص الشيء في الموضع بما لا يكون في أمثاله، كقولهم: أسطاع وأهراق، ولم يفعل ذلك بما أشبهه، كذلك هذا التغيير في الهمزة مع الكسرة والياء اختص به هذا الحرف، ولم يكن فيما أشبهه [[انتهى من "الحجة" 3/ 137، 138.]]. و (أما) [[ليس في (د).]] من ضم الهمزة فإنه أتى بها على الأصل، ألا ترى أن الهمزة في: أد وأف وبابه مضمومة على جميع أحوالها، ولا يؤدي إلى استعمال فِعُل، لأن اللام ليست من أصل الكلمة، واللام [[في (أ) و"الأم"، وما أثبته هو الصواب.]] من (فلأمه) قديرها تقدير الانفصال [[انظر "معاني الزجاج" 2/ 23، "معاني القراءات" 1/ 295، "الحجة" 3/ 137، "الكشف" 1/ 380.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. أجمعت الأمة على أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس كرجل مات عن أبوين وأخوين، كان للأم السدس، والباقي للأب. فالأخوان فما فوقهما يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس. والأخ الواحد لا يحجب. وابن عباس يخالف في هذه المسألة: فلا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة إخوة. وقال لعثمان [[هو أمير المؤمنين أبو عبد الله عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي الأموي سبق إلى الإسلام ولقب بذي النورين وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، اتصف - رضي الله عنه - بالحلم وصلة الرحم وكثرة العبادة والإحسان ولين الجانب، استثمهد على يد جماعة غاشمة ظالمة سنة 35 هـ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقد قضى في الخلافة أكثر من إحدى عشرة سنة رَضِيَ الله عَنْه وأرضاه. انظر: "تاريخ خليفة" /168 - 180، "الاستيعاب" 3/ 155 - 165، "الإصابة" 2/ 462 - 463.]] -رضي الله عنه-: بم [[في (أ) ، (د): (ثم)، والصواب ما أثبته، انظر: الطبري 4/ 278.]] صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان: يا بني إن قومك حجبوها بأخوين، ولا أستطيع نقض أمر قد كان قبلي [[أخرجه بنحوه ابن جرير 4/ 278، وعزاه إلى البيهقي كل من ابن كثير في "تفسيره" 1/ 499، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 223، وضعفه ابن كثير وكذلك الشيخ ناصر العمار في "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 181.]]. مقابلة بالإجماع. قال علماء اللغة: قول ابن عباس: الأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة غلط منه؛ لأن الأخوين جماعة كالإخوة، وذلك أنك إذا جمعت واحدًا إلى واحد فهما جماعة ويقال لهما إخوة [[من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 22 بتصرف. وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 278، "الكشف والبيان" 4/ 22 ب، "الدر المصون" 3/ 602 "تفسير ابن كثير" 1/ 499.]]. وحكى سيبويه أن العرب تقول: قد وضعا رحالهما. يريدون: رحلي راحلتيها [["الكتاب" 3/ 622، "معاني الزجاج" 2/ 22.]]. قال ابن الأنباري: التثنية عند العرب أول الجمع، ومشهور في كلامهم إيقاع الجمع على التثنية، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 78]، وهو يريد داود وسليمان، ومنه قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] يريد قلبيكما [[في (د): (قلبكما).]]. والعرب تقول: لطمت أوجه الرجلين، وضربت أرؤسهما، وشققت بطونهما، فيجمعون في موضع التثنية [[لم أقف على كلام ابن الأنباري، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 436، "مشكل إعراب القرآن" لابن قتيبة ص 283، الطبري 4/ 278 - 279، "معاني الزجاج" 2/ 22، "الكشف والبيان" 4/ 22 ب، "الدر المصون" 3/ 602.]]. قال قتادة: وإنما حجب الإخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب (لمعونة الأب) [[في (د): (معونة للأب).]]؛ لأنه يقوم بشأنهم وينفق عليهم دون الأم [[أخرجه ابن جرير 4/ 280 بمعناه، وقال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 499، عندما ساق هذا الأثر: وهذا كلام حسن وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 223، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، أي: هذه الأنصبة إنما تقسم بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه، وذكر الوصية مقدمةً على الدين، وذلك تقديم في اللفظ لا في الحكم؛ لأن (أو) لا توجب ترتيبًا، وإنما هي لأحد الشيئين؛ كأنه قيل: من بعد أحد هذين [[في (د): (مدبن).]] مفردًا أو مضمومًا إلى الآخر [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 23، 24، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 343، "الدر المصون" 3/ 603.]]. قوله تعالى: ﴿يُوصِي بِهَا﴾ قرئ بكسر الصاد وفتحها [[بالفتح لابن كثير وعاصم -في رواية أبي بكر- وابن عامر، وبالكسر للباقين من العشرة. انظر: "السبعة" ص 228، "الحجة" 3/ 139، "المبسوط" ص 154، "النشر" 2/ 248.]]. فمن كسر [[توجيه القراءتين من "الحجة" 3/ 140]] فلأنه تقدم ذكر الميت المفروض فيما ترك، يبين ذلك قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أي: لأم الميت ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ يوصيها الميت. ومن فتح الصاد فإنه يؤول في المعنى إلى يوصي، ألا ترى أن الموصي هو الميت، والذي [[في "الحجة": وكأن الذي.]] حسن فتح الصاد أنه ليس لميت [[في "الحجة": ليس لميت معين.]] إنما هو شائع في الجميع، فلذلك حسن يوصى [[في (أ)، (د) يوصا بألف ممدودة، وهو مخالف لقواعد الإملاء المتبعة، وما أثبته هو الموافق لـ"الحجة".]] [[انتهى من "الحجة" 3/ 140.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ إن قيل: ما معنى (أو) هاهنا، وهلا كان من بعد وصية يوصي بها (ودين) [[في (أ)، (د): أو دين، والتصويب من "معاني الزجاج".]]؟. والجواب: ما قاله الزجاج، وهو أن معناه الإباحة، كما لو قال قائل: جالس الحسنَ أو الشعبي، المعنى: أن كل واحد منهما [[في "معاني الزجاج" 2/ 24: هؤلاء.]] أهل أن يجالس، فإن جالست الحسن فأنت مصيب، (أو الشعبي فأنت مصيب، وإن جمعتهما فأنت مصيب) [[ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج".]]، ولو قال: جالس الرجلين، فجالست واحدًا منهما وتركت الآخر كنت غير متبع ما أمرت به. كذلك في الآية لو كان: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا (و) دَيْنٍ﴾ احتمل اللفظ أن يكون هذا (الحكم المذكور في الآية) (¬6) إذا اجتمعت الوصية والدين، فإذا انفرد كان حكم آخر، فإذا كانت "أو" دلت على أن أحدهما إن كان فالميراث بعده، وكذلك إن كانا كلاهما [[انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 23، 24 بتصرف يسير، وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 281، "معاني الحروف" للرماني ص 77، "رصف المباني" ص 210، إيضاح الجملة الأخيرة عند المؤلف أنه عبر بأو هنا للدلالة على أن الحكم بالنسبة للدين والوصيه في الميراث واحد لا يتغير سواء وجدا منفردين أو مجتمعين.]]. وقوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. في هذا قولان: أحدهما: أن هذا فصل معترض بين ذكر الورّاث وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، ولا تعلق لمعناه بمعنى الآية، ومعنى هذا الفصل في قول ابن عباس والكلبي: أن الله تعالى يُشَفِّع المؤمنين بعضهم في بعض، فأطوعكم لله عز وجل من الآباء والأبناء أرفعكم درجة [[أخرجه عن ابن عباس ابن جرير بنحوه 8/ 49، وسنده حسن. انظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 184، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 23 أ.]]. فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده بمسألته [[في (أ): (بمسلته).]]، ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه، رفع الله إليه والديه، فقال الله عز وجل: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، لأن أحدهما لا يعرف منفعة صاحبه له في الجنة، وسبقه إلى منزلة عالية تكون سببًا لرفعه إليها [[ذكر الهواري معنى ذلك من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقريبًا منه قولًا للكلبي. انظر "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 355، "الكشف والبيان" 4/ 23 أ، "معالم التنزيل" 2/ 178.]]. القول الثاني: أن هذا فصل معترض بينهما، ومعناه متعلق بمعنى الآية. يقول: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق، ولكن الله تعالى قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فأفسدتم وضيعتم وأعطيتم من لا يستحق ومنعتم من يجب له الميراث، وهذا قول الزجاج [[ساق الزجاج القولين من دون اختيار لأحدهما. انظر: "معاني القرآن" 2/ 24.]]، وابن الأنباري، وجماعة من أهل المعاني [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 281 - 282، "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 593، "الدر المنثور" 2/ 223، 224.]]، وإليه أشار ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على هذه الرواية.]]. وقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ منصوب على التوكيد من قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾، أي لهؤلاء الورثة ما ذكرنا مفروضًا، (ففريضة) [[في (أ)، (د): بفريضة، والتصويب من "معاني الزجاج" 2/ 25.]] مؤكدة لقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [[من "معاني الزجاج" 2/ 25، وتوضيح قول المؤلف -تبعًا للزجاج- بأن فريضة منصوب على التوكيد أي: أنها مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة من الوصية، وقد أطلق كل من ابن جرير والنحاس ومكي أنها منصوبة على المصدرية. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 282، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 398، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 192، "الدر المصون" 3/ 606.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال الحسن: كان عليمًا بالأشياء قبل خلقها، حكيمًا فيما يقدر [["معاني الزجاج" 2/ 25، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، "زاد المسير" 2/ 29، "تفسير الحسن" 1/ 264.]]. وقال عطاء: كان عليمًا بخلقه قبل أن يخلقهم، حكيمًا حيث فرض للصغار مع الكبار، ولم يخصّ الكبار بالميراث كما كانت العرب تفعل [[لم أقف عليه عن عطاء، وانظر: الطبري 4/ 282، "الوسيط" 2/ 467.]]. وحكى الزجاج عن سيبويه، قال: كأن القوم شاهدوا علمًا وحكمة ومغفرة وتفضلًا، فقيل لهم: إن الله كان كذلك، أي: لم يزل على ما شاهدتم [["معاني الزجاج" 2/ 25، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، "زاد المسير" 2/ 29، ولم أقف على قول سيبويه في كتابه.]]. وقال الخليل: الخبر عن الله عز وجل بمثل هذه الأشياء، كالخبر بالاستقبال والحال؛ لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها الزوال والتقلب [[من "معاني الزجاج" 2/ 25 بتصرف ودون نسبة للخليل، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، "زاد المسير" 2/ 30.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾. قد أكثروا في الكلالة، والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 257، "مجاز القرآن" 1/ 118، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص116، "تفسير الطبري" 4/ 283، "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 356، "معاني الزجاج" 2/ 26، "الكشف والبيان" 4/ 23 ب، "زاد المسير" 2/ 30، 31، "تفسير ابن كثير" 1/ 500.]]. وهو قول أبي بكر، وعمر، وابن عباس، وابن زيد، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق [[انظر: "الطبري" 8/ 53 - 75.]]. وأخبرني موسى بن الفضل [[لم أقف له على ترجمة.]]، حدثنا الأصم [[هو أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف المعقلي النيسابوري، تقدمت ترجمته.]]، عن محمد بن الجهم [[هو أبو عبد الله محمد بن الجهم السمري، تقدمت ترجمته.]]، عن الفراء، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد [[قول الفراء في "معاني القرآن" 1/ 257، وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3176 - 3177 (كل) حيث جاء بسند آخر.]]. وأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري [[هو أبو الفضل محمد بن أبي جعفر المنذري الهروي، تقدمت ترجمته.]]، عن الحسين ابن فهم [[في (أ) كأنها: (الجهين) أو: الجهز بن فهيم، ولعل ما أثبته من (د) هو الصواب لموافقته "تهذيب اللغة" 4/ 3176 - 3177 (لكل). والحسين هذا هو أبو علي الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم البغدادي، إمام علامة عالم بالحديث والتاريخ والأدب من الفصحاء، توفي -رحمه الله- سنة 289 هـ. انظر: "سير أعلام النبلاء" 3/ 427.]]، عن سلمة، عن أبي عبيدة، أنه قال: الكلالة كل من لم يرثه (ولد أو أب) [[في (د): (ولد ولا أب)، وما أثبته هو الموافق لـ"التهذيب"، أما "المجاز" لأبي عبيدة 1/ 118 ففيه: (كلالة) كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة اهـ، وإدخال أبي عبيدة الأخ مع الأب والابن هنا لا يوافق عليه. انظر "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 77.]]. ونحو ذلك قال الأخفش [["تهذيب اللغة" 4/ 3176 (كل)، ولم أر الأخفش في "معاني القرآن" تعرض لتفسير الكلالة.]]. قال المنذري: وسمعت أبا العباس [[هو أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، تقدمت ترجمته.]] يقول: الكلالة من القرابة ما خلا الوالد والولد. سموا كلالة لاستدارتهم بنسب الميت من تكلله النسب أي أحاط به واشتمل عليه [[قول المنذري من "تهذيب اللغة" 4/ 3176 - 3177 (كل) بتصرف يسير، وانظر: "الصحاح" 5/ 1811 (كلل)، "اللسان" 7/ 3918 (كلل).]]. فهم بمنزلة العصبة، كالإخوة والأخوات والأعمام وأبنائهم. قال: وسمعته [[القائل المنذري والمسموع أبو العباس ثعلب.]] مرة يقول: الكلالة من سقط عنه طرفاه، وهما أبواه (وولداه [[في "التهذيب": وولده.]])، فصار كلا وكلالة، أي: عيالًا على الأصل. يقول: سقط (من [[في (د): (عن)، وما أثبته هو الموافق لـ"التهذيب".]]) الطرفين فصار عيالًا عليهم [["تهذيب اللغة" 4/ 3176 (كل)، وانظر "اللسان" 7/ 3919 (كلل).]]. وقيل: لأن من لا يكون والدًا ولا ولدًا كلّت قرابته عن أن تكون قرابة ماسة. يقال: هو أكَلُّ من هذا، أي: أبعد نسبًا [[هذا القول في توجيه هذه الكلمة ليس في "تهذيب اللغة"، ولم أقف عليه، وانظر: "العين" 5/ 279 (كل) ..]]. وحديث جابر يفسر الكلالة، وأنه الوارث (غير الوالد والولد)؛ لأنه يقول: مرضت مرضًا أشفيت منه على الموت، فأتيت النبي ﷺ، فقلت: إني رجل ليس يرثني إلا كلالة [[الكلام من قوله: وحديث جابر من "تهذيب اللغة" 9/ 247، أخرجه ابن جرير 4/ 286 بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في "عمدة الحفاظ" ص 501 (كلل)، وعبارة (غير الوالد والولد) ليست في "التهذيب".]]. أراد أنه لا والد له ولا ولد، فكل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه [[انتهى من "تهذيب اللغة" 4/ 3176 (كل) بتصرف.]]. فالكلالة اسم يقع على الوارث والموروث إذا كانا بالصفة التي ذكرنا [[هناك خلاف: هل الكلالة اسم يقع على الوارث؟ أو المورث؟ أو عليهما "معاني الآثار" للطحاوي، كما نص عليه المؤلف؟ انظر: "تفسير الطبري" 4/ 286، ولعل الراجح ما أشار إليه المؤلف. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3177 (لكل)، "اللسان" 7/ 3918 - 3919 (كلل)، "عمدة الحافظ" ص501 (كلل).]]. ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مصدر كالدلالة والوكالة، يقال: كل الرجل يكل كلالة، أي صار كلًّا، وهو الذي لا ولد له ولا والد. ذكره الليث [[لم أقف على ما نسبه المؤلف لليث لا في "العين" ولا في "تهذيب اللغة" ولا غيرهما، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 78.]]، وهو صحيح. والدليل على أن الوارث يُسمى كلالة حديث جابر أنه قال: ليس يرثني إلا كلالة، والدليل على أن الموروث الميت يُسمى كلالة قول الفرزدق: وَرِثتُم قَناةَ المُلك لا عن كَلالةٍ ... (عن ابنَي منافٍ: عبدِ شمسٍ وهاشم) [[هذا الشطر الثاني من البيت ليس في (د)، وإنما اكتفى الناسخ بقوله: البيت.]] [[البيت في "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "اللسان" 7/ 3918 (كلل) فيه الشطر الأول، "عمدة الحفاظ" ص 501 (كلل)، "الدر المصون" 3/ 607، وقد ذكر د. أحمد الخراط في تحقيقه للأخير أن البيت ليس في "ديوان الفرزدق"، هذا مع أني لم أجده في "معجم شواهد العربية" رغم اتفاق من عزوت إليهم على نسبته إلى الفرزدق، فقد يكون سقط من "ديوان الفرزدق" و"منتهى الطلب"، والله أعلم.]] وقول الشاعر: يهز سلاحًا لم يرِثه كلالةً ... يَشُكُّ بِه منهَا جلودَ المَغَابنِ [[البيت للطرماح كما في "ديوانه" ص133، و"البحر المحيط" 3/ 352، و"أساس البلاغة" (كلل) و"الصحاح" (سلح)، و"المحكم" (سلح) و"اللسان" (سلح): (بزغ). والمغابن جمع مَغبِن، وهو الإبط والرُّفغ (باطن الفخذ)، وتطلق المغابن على معاطف الجلد أيضًا. انظر: "اللسان" 6/ 3211 (غبن).]] يصف ثورًا وقرنه وأنه ورثه من أبيه، وجعل القرن له كالرمح من الأسلحة، وأنه يشق به مغابن الكلاب. فالكلالة في هذا البيت يحتمل أنه الوارث، ويحتمل أنه الموروث. قال الأزهري: ودل قول الشاعر [[في البيت اللاحق لا السابق.]] أن الأب ليس بكلالة، وأن سائر الأولياء من العصبة بعد الولد كلالة، وهو قوله: فإنَّ أبا المرءِ أحمَى له ... وَمولى الكَلالةِ لا يَغْضَبُ [[لم أعرف قائله وهو من "شواهد الزجاج في معانيه" 2/ 26، "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "اللسان" 7/ 3918 (كلل) إضافة إلى الأزهري حيث أفاد المؤلف منه كما سيأتي العزو إليه.]] أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظُلم، وموالي الكلالة وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب [["تهذيب اللغة" 4/ 3177 (كلل)، وانظر "معاني الزجاج" 2/ 26، "اللسان" 7/ 3918 (كلل).]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة في هذه الآية الميت، وهو الموروث، والمراد به الأخ للأم إذا مات. ويورث ههنا من: وُرِثَ يُورث، لا من: أُورِثَ يُورَث [["تهذيب اللغة" 4/ 3176 (كلل)، وانظر: "اللسان" 7/ 3918 (كلل).]]. وانتصب كلالة من وجهين: أحدهما: أنه خبر كان [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 438، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 192.]]. والثاني: على الحال. المعنى يورث في حالٍ مكللةٍ نسب ورثته، أي لا ولد له ولا والد. وهذا الوجه هو الاختيار، وهو قول الزجاج، والكلالة مصدر وقع موقع الحال، تقديره: يورث متكلل النسب [[انظر: "معاني الأخفش" 1/ 438، "معاني الزجاج" 2/ 25، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 400، واقتصر الزجاج على ذكر هذا القول فقد يكون اختاره دون غيره.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ إن قيل: قد سبق ذكر الرجل والمرأة في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ثم قال: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ فأضاف إلى الرجل وكنى عنه دون المرأة؟ قال الفراء: وذلك جائز، إذا جاء حرفان في معنى واحد بـ (أو) أسندت التفسير إلى أيهما شئت، وإن شئت أسندت إليهما [[في "معاني الفراء" 1/ 257: وإن شئت ذكرتهما فيه جميعًا.]]، تقول في الكلام: من كان له أخ أو أخت فليصله تذهب إلى الأخ، وفليصلها تذهب إلى الأخت، وإن قلت: فليصلهما، فذلك جائز، (وإن شئت قلت: فليصلهم) [[ما بين القوسين ليس في "معاني الفراء".]]، كقراءة من قرأ ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهم﴾ [النساء: 135] [[نُسبت هذه القراءة لأبيّ -رضي الله عنه- وليست في المتواتر. انظر: "البحر المحيط" 3/ 370.]] ذهب إلى الجميع لأنهما اثنان غير مؤقتين [[انتهى من "معاني القرآن" 1/ 257 - 258، وانظر: الطبري 4/ 287 - 288، "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 78.]]. وأجمع المفسرون على أن المراد (بالأخ والأخت ههنا من الأم) [[في (د): (بالأخ والأخت أولاد الأم).]] [[انظر "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 356، "تفسير الطبري" 4/ 287 - 288، "معاني الزجاج" 2/ 26، "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "معالم التنزيل" 2/ 180، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 349، "تفسير ابن كثير" 1/ 500.]]، وكذلك في قراءة سعد بن أبي وقاص [[هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن أُهيب القرشي صحابي مشهور، أحد العشرة المبشرين بالجنة وآخرهم موتًا. روى عن النبي ﷺ كثيرًا. كان فارسًا شجاعًا، وهو أحد الستة أهل الشورى وعرف بإجابة الدعوة، توفي - رضي الله عنه - على الأشهر سنة 56 هـ. انظر: "الاستيعاب" 2/ 171 - 174، "الإصابة" 2/ 33 - 34.]]: (وله أخ أو أخت من أم) [[أخرجِ أبن جرير بسنده عن سعد أنه كان يقرأ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ قال سعد: لأمه وذكر هذه القراءة الثعلبي في "الكشف == والبيان" 4/ 24 أ، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 224.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: وله أخ أو أخت من أمه [[لم أقف على هذا الأثر إلا عند المؤلف نفسه في "الوسيط" 2/ 472، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش القرآن الكريم ص 79.]]. ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (وفرض) [[في (أ): (وفوّض).]] الواحد من ولد الأم السدس، فإن كانوا أكثر من واحد اشتركوا في الثلث، الذكر والأنثى فيه سواء. هذا لا خلاف فيه بين الأمة [[انظر: الطبري 4/ 277، "الإجماع" لابن المنذر ص 34، "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "معالم التنزيل" 2/ 180، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 349، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 79.]]. قال أبو إسحاق: وإنما استُدِل على أن المراد بالأخ والأخت ههنا أولاد الأم بأن ذكر في آخر هذه السورة في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176] [[سياق الآية ليس في "معاني الزجاج".]] أن للأختين الثلثين، وأن للإخوة كل المال، فعُلم ههنا لما جعل للواحد السدس وللاثنين الثلث، ولم يزادوا على الثلث شيئًا ما كانوا، أنه يعني بهم الإخوة لأم [["معاني الزجاج" 2/ 26.]]. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: مدخل الضرر على الورثة [["الكشف والبيان" 4/ 24 ب.]]. قال المفسرون: هو أن يوصي الرجل بدين ليس عليه [[ذكر ذلك الثعلبي عن الحسن في "الكشف والبيان" 4/ 24 ب؛ والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 180، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 80، "البحر المحيط" 3/ 190.]]، يريد بذلك ضرر الورثة، فمنع الله منه. وانتصب ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على الحال، المعنى. يُوصَى بها غير مضار [["معاني الزجاج" 2/ 27، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 192، "البيان" لابن الأنباري 1/ 246، القرطبي 5/ 80، "البحر المحيط" 3/ 191.]]. وقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد فريضة من الله [[لم أقف على من خرجه عنه، وانظر: "تنوير المقباس" ص 79.]]. وهذا مثل ما ذكرنا في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: 11]. وانتصابه على المصدر من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 275، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 398، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 192، "البيان" 1/ 246.]]. وقال الفراء: يريد: فلكل واحد منهما السدس وصية من الله، كما تقول: لك درهمان نفقة إلى أهلك [[قول الفراء في "معاني القرآن" 1/ 258، وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 275.]]. وذكرنا هذا الوجه في قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: 7]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: بمن يجوز في وصيته [[لم أقف له على تخريج.]]. وقال الزجاج: ﴿عَلِيمٌ﴾ [[في (أ): (عليهم)، والصواب ما أثبته كما في "معاني الزجاج" 2/ 27.]] بما دبّر من هذه الفرائض، حليم عمّن عصاه بأن أخَّره وقبل توبته [["معانى الزجاج" 2/ 27، وانظر: "الوسيط" 2/ 472.]].

النساء 4:13

وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية. ذكرنا معنى الحدود فيما تقدم. قال ابن عباس: يريد ما حد الله من فرائضه [["تفسير ابن عباس" ص 138، وأخرجه ابن جرير بمعناه من طريق ابن أبي طلحة 8/ 69، 72، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 33 بلفظ المؤلف. انظر: "الدر المنثور" 2/ 228، "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 197.]]. وقال ابن كيسان [[هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان، تقدمت ترجمته.]]، والزجاج: أي: هذه التي تليت في أمر الفرائض وأمر اليتامى في أول السورة [[الذي في "معاني الزجاج" 2/ 27: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: الأمكنة التي لا ينبغي أن تُتجاوز، ولم أقف على قول ابن كيسان.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ [[(يدخله) ليست في (د).]]. وقرأ نافع وابن عامر بالنون، والمعنى فيه كالمعنى في الياء، ومثله قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: 150]، ثم قال: ﴿سَنُلْقِى﴾ بالنون [آل عمران: 151] [["الحجة" 3/ 140، 141، وانظر: "السبعة" ص 228، وهذا القراءة عشرية قرأ بها أبو جعفر أيضًا من العشرة. انظر: "المبسوط" ص 154، "النشر" 2/ 248.]]. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي: ندخلهم مقدرين الخلود فيها، وهذا كما تقول في الكلام: مررت برجل معه صقرٌ صائدًا به غدًا، أي: مقدرًا الصيد غدًا، لأن الحال لا يكون إلا ما أنت فيه [["معاني الزجاج" 2/ 27 بتصرف.]].

النساء 4:14

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال الضحاك: المعصية ههنا الشرك [[لم أقف عليه، وهذا القول مرجوح؛ لأن الآية عامة ولا مخصص لها، وأصوب من هذا القول الثاني لابن عباس لموافقته السياق.]]. وقال عكرمة عن ابن عباس: من لم يرض بقسم الله، ويتعدى ما قال الله يدخله نارًا [[لم أجد قول ابن عباس هذا بنصه هذا ومن نفس الطريق إلا عند المؤلف هنا وفي "الوسيط" 2/ 473، لكن جاء عنه من طريق علي بن أبي طلحة أنه فسر هذه الآية بقوله: في شأن المواريث التي ذكر من قبل. "تفسير ابن عباس" ص 138، والطبري 4/ 291 وانظر "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 197.]]، وقال الكلبي: يعني: يكفر بقسمة المواريث ويتعد حدوده استحلالًا [[انظر: "تنوير المقباس بهامش القرآن الكريم" ص 79.]]. وقوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 14] [[قوله تعالى: ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ليس في (أ).]]. في نصب خالد وجهان: أحدهما: أنه حال من الهاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾، على تقدير: يدخله خالدًا في النار، إلا أنه لما تقدم ذكر النار كنى عنها [[انظر "معاني الزجاج" 2/ 27، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 192، "البيان في غريب القرآن" 1/ 246، "الكشاف" 1/ 256.]]. الثاني: أنه من نعت النار. في قول الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 27، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 192، وقد منع الزمخشري صحة هذا الوجه. انظر: "الكشاف" 1/ 192، "الدر المصون" 3/ 615.]]، وهذا كما يقول زيد: مررت بدار ساكن فيها، ومثله: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75].

النساء 4:15

قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ الآية. اللاتي جمع التي، وللعرب في جمع التي لغات، يقال: اللاتي، واللات، واللواتي، واللوات، واللوا، واللائي، واللاء، واللآت، واللاآت [[انظر "مجاز القرآن" 1/ 119، "معانى الزجاج" 2/ 28، "الصحاح" 6/ 2479 (لتى)، "اللسان" 7/ 3994 - 3995 (لتا)، "الدر المصون" 3/ 616.]]. قال الشاعر: من اللَّواتي والّتي واللاّتي ... زَعَمنَ أنَّي كَبِرَت لِداتي [[قائله غير معروف، ومعنى لداتي أي: أسناني. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 119، "معاني الزجاج" 2/ 28، "الصحاح" 6/ 2479، "اللسان" 7/ 3995 (لتا).]] فجمع بين ثلاثة أحرف للمبالغة في التوكيد، وكل واحد منها يكفي من الآخر. والعرب قد تقول في جمع النساء: التي، فتقول: ما فعل الهندات التي أمرها كذا، وقال الآخر: اللَّات كالبِيض لَّما تَعْدُ أن دَرَسَتْ ... صُفرُ الأَنَامل من قَرع القَوَاقِيزِ [[هذا البيت للأسود بن يعفر حسب ما في "اللسان" 7/ 3995 (لتا). لكن فيه: اللأت كالبيض، قال: وُيروى: اللاء كالبيض، واللواتي، واللات بلا ياء، وقافيته في "اللسان": القوارير.]] وقال آخر: من اللاء لم يَحجُجْن [[في (أ)، (د): (يحجن).]] يَبغِين حِسبةً ... ولكنْ لِيَقْتُلن البَريء المُغَفَّلا [[نسبه إلى عمر بن أبي ربيعة أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 119، 120، وهو في "معاني الزجاج" 2/ 28، "تهذيب اللغة" 1/ 415 (التى)، "زاد المسير" 2/ 34، بدون نسبة، ونسب في "زهر الآداب" 1/ 168، إلى الحارث المخزومي.]] وقال آخر: أولئك أخْدانِي وأخلال شِيمَتي ... وأخدانُك اللَّاآت زُّينَّ بالكَتمِ [[البيت في "اللسان" 7/ 3995، "الدر المصون" 3/ 617 بدون نسبة.]] قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان: التي، ومن الحيوان: اللاتي، كقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]، وقال في هذه الآية: ﴿وَاللَّاتِي﴾. والعِلّة في ذلك أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد. وتأويله قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ التي (عدتكم [[هكذا في (أ)، (د)، وقد تكون: من ربكم.]]) التي جعل الله لكم قيامًا. وجمع الحيوان لا يُجرى مجرى الواحد، ألا ترى أنك تقول: الأموال أخذتها، والأثواب اشتريتها. وتقول في جميع الحيوان: ما فعلت الهندات اللاتي رأيتهن. فتنعتهن بالجمع [[في (أ): (بالجميع).]]؛ لأن كل واحدة منهن يقع على عين معروفة، ولا يجري مجرى شيء كما يجري الجمع من الموات مجرى شيء و (عدّه) [[هكذا في (أ)، وفي (د): (عدة)، ولم تظهر.]]. ومن العرب من يُسَوِّي بين الموات وغيره في هذا المعنى، فيقول: ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب اللاتي من قصتهن كذا وكذا. والأول هو المختار [[لم أقف على كلام ابن الأنباري، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 401.]]. وأنشد في جمع النساء: من اللَّواتي والّتي واللَّاتي [[سبق قريبًا.]] وقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: يفعلنها، يقال: أتيت أمرًا قبيحًا، أي فعلته. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27]، وقال: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: 89] [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 258، "عمدة الحافظ" ص 7 (أتى).]]. والفاحشة: الفِعلة القبيحة، وهي مصدر عند أهل اللغة؛ كالعافية والعاقبة، يقال: فَحَش الرجل يفحش فحشًا وفاحشةً، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2746، "الصحاح" 3/ 1014 (فحش).]]. ذكره الزجاج في باب الوفاق [[ليس في "معاني الزجاج" حول تفسير الآية، ولم يتبين مقصود المؤلف في إحالته هذه.]]. وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 138، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 116، "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 358، الطبري 4/ 291 - 292، "معاني الزجاج" 2/ 28، "الكشف والبيان" 4/ 24 ب، البغوي 2/ 181، القرطبي 5/ 83، ابن كثير 1/ 503.]]. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. أي: من المسلمين [["تفسير الطبري" 4/ 292، "الكشف والبيان" 4/ 24 ب.]] ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ بالزنا [["الكشف والبيان" 4/ 24 ب.]] ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾: أي: فاحبسوهن في السجون [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 292، "معاني الزجاج" 2/ 28، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 401 - 402، "الكشف والبيان" 4/ 24 ب، "الدر المنثور" 2/ 229 - 230.]]. قال المفسرون: هذا أمر كانوا يستعملونه في أول الإسلام إذا كان الزانيان ثيبين حبسا ومنعا من مخالطة الناس، وإذا كانا بِكْريَن أُوذِيا بالتعنيف والتوبيخ، فيقال لهما: انتهكتما حُرماتِ الله وعصيتماه، واستهدفتما لعقابه، هذا وما أشبهه من الكلام، ثم نَسخ الله الحبس والأذى بِرَجْم الثيِّبين وجلد البِكرين [[هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وابن زيد والحسن وغيرهم. انظر: "تفسير ابن عباس" ص 138، "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 358، الطبري 4/ 292، "الكشف والبيان" 4/ 24 ب.]]. أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج [[هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القرشي النيسابوري، انظر: "العبر" 1/ 188.]] رحمه الله، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن الكارزي [[هو محمد بن محمد بن الحسن. انظر: "الإكمال" 7/ 141]]، أخبرنا علي بن عبد العزيز [[هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي، حافظ صدوق، صنف "المُسند الكبير" وأخذا القراءات عن أبي عبيد وغيره، انتقل في آخر عمره إلى مكة حتى مات بها سنة 286 هـ وقيل بعدها بسنة. انظر: "سير أعلام النبلاء" 13/ 349، "غاية المنتهى" 1/ 549.]]، أخبرنا أبو عُبَيد، حدثنا حجاج بن محمد [[هو أبو محمد حجاج بن محمد المصيصي الأعور، أحد العلماء والرواة الثقات إلا أنه اختلط في آخر عمره لمّا قدم بغداد، وقد توفي -رحمه الله- بها سنة 206 هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 464، "التقريب" ص 153 رقم (1135).]]، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء [[هو أبو مسعود عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني ضعيف في رواية الحديث. توفي -رحمه الله- سنة 55 هـ، وقيل قبلها. انظر: "ميزان الاعتدال" 3/ 48.]]، عن عطاء الخراساني [[عطاء بن أبي مسلم الخراساني، تقدمت ترجمته، وروايته عن ابن عباس مُرسلة.]]، عن ابن عباس في هذه الآية قال: نسخها قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ الآية [النور: 2] [[في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 132 بنحوه مطولًا.]]. قال أبو عبيد: وحدثنا عبد الله بن صالح [[هو أبو صالح عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، كاتب الليث بن سعد، صاحب حديث وعلم صدوق في الرواية ثبت في الكتابة توفي -رحمه الله- سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين ومائتين للهجرة انظر: "ميزان الاعتدال" 2/ 440 - 445، "التقريب" ص 308 رقم (3388).]]، عن معاوية بن صالح [[هو أبو عمرو معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي، من مشاهير العلم والرواية، وقد وثقه غير واحد من الأئمة وحكم عليه ابن حجر بأنه صدوق. ولي القضاء == وتوفي -رحمه الله- بمصر سنة 158 هـ، وقيل بعدها. انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 284، "مشاهير علماء الأمصار" ص190، "التقريب" ص 538 رقم (6762).]]، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية، وفي قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ قال: كانت المرأة إذا زنت حُبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير [[في (د): (بالتغيير)، بالغين المعجمة.]]، والضرب بالنّعال، فنزلت: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، قال: وإن كانا محصنين رجما بسنة رسول الله ﷺ قال: فهو سبيلهما الذي جعله الله لهما يعني: قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [[من "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 132، 133، والأثر في "تفسير ابن عباس" ص 138، وأخرجه الطبري 4/ 292 - 293، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 167، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 230.]]. قال أبو عبيد: حدثنا أبو النضر [[هو هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي بالولاء، البغدادي -وكان من مفاخر بغداد- صاحب سنة ومتفق على توثيقه في الرواية وقد توفي -رحمه الله- سنة 207 هـ. انظر "تاريخ الثقات" 2/ 323، "التقريب" ص 570 رقم (7256).]]، عن شعبة [[هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ قال عنه الثوري: أمير المؤمنين في الحديث من العلماء بالرجال ومن العباد الفضلاء، توفي -رحمه الله- سنة 160هـ انظر: "تاريخ الثقات" 1/ 456، "مشاهير علماء الأمصار" ص 177، "التقريب" ص 266 رقم (2790).]]، عن قتادة، عن الحسن [[في النسختين: (الحسين)، والتصويب من الطبري 4/ 293 - 294، والبغوي 2/ 181، وابن كثير 1/ 503.]]، عن حِطَّان بن عبد الله الرقاشي [[هو حِطَّان بن عبد الله الرقاشي البصري، من التابعين الثقات وكان رجلاً صالحًا، توفي -رحمه الله- بعد السبعين للهجرة في ولاية بشر على العراق. انظر "تاريخ الثقات" 1/ 308،"التقريب" رقم (1399).]]، عن عُبادة بن الصامت [[هو أبو الوليد عُبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصاري الخزرجي من الصحابة الفضلاء، وقد شهد بدرًا والمشاهد بعدها وهو من النقباء في البيعة ليلة العقبة، كان من علماء الصحابة وله مناقب وقد ولي القضاء، توفي -رضي الله عنه- بالرملة سنة 34هـ، وقيل بعدها. انظر: "تاريخ خليفة" ص 168، "الاستيعاب" 2/ 355، "الإصابة" 2/ 268.]]، قال: قال رسول الله ﷺ: "خُذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البِكر يُجلد ويُنفى، والثيّب يُجلد ويُرجم" [["الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 133، وأخرجه الطبري 4/ 293 - 294.]]. وخص النساء بالذكر في هذه الآية، والحد في الزنا على النساء والرجال واحد؛ لأن المرأة أحرص على الزنا من الرجل، فخصها بالذكر، كما قدم اسمها في آية الزنا، وهو قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [[الحكم على جنس المرأة بأنها أحرص على الزنا من الرجل فيه نظر، ولعل الأولى أن يقال إن تخصيص المرأة بالذكر هنا وتقديم اسمها في آية النور، لأن الزنا في حق المرآة أشد؛ إذ إن العار يلحقها مدى حياتها بخلاف الرجل، ولأن الفتنة في النساء أضر كما قال النبي ﷺ: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" أخرجه مسلم (2740) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: 26 أكثر أهل الجنة الفقراء ... ، وباب: الفتنة بالنساء 4/ 2097 (ح 97).]] [النور: 2]. وقدم اسم الرجل في آية السرقة في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: 38] من حيث كان الرجل أحرص على السرقة من المرأة [[انظر "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 331.]]. قال المفسرون: بعض الآية منسوخ، وهو الإمساك في البيوت، وبعضها ثابت، وهو استشهاد الأربعة [[انظر "الكشف والبيان" 4/ 25 ب.]]. واقترن بناسخ الوحي [[ناسخ الوحي هنا هو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2].]] وحيٌ غير متلوّ على لسان الرسول وهو التغريب والرجم [[لعله يشير إلى حديث عبادة المتقدم.]]. وجلد الثيب منسوخ أيضًا، فعله رسول الله ﷺ، ثم تركه [[حكى الطبري الإجماع على ذلك في "تفسير الطبري" 4/ 294، وقال البغوي: وعامة العلماء على أن الثيب لا يُجلد مع الرجم لأن النبي ﷺ رجم ماعزًا والغامدية ولم يجلدهما "معالم التنزيل" 2/ 182، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 503.]].

النساء 4:16

قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. قرأ ابن كثير [[هو أبو مَعبَد عبد الله بن كثير بن المطلب، أحد القراء السبعة، تقدمت ترجمته.]]: (اللَّذَانّ)، (هَذَانّ)، (هاتَينّ)، (فَذَانِّك) مشددة النون، ووافقه أبو عمرو في: (فَذَانِّك). وإنما شدد نون التثنية لأنه جعل التشديد عِوضًا من الحذف الذي لحق الكلمة، ألا ترى أن قولهم: إذًا قد حذف لامها، وقد حذفت الياء من: (اللَّذَانِّ) في التثنية. فإن قلت: إنّ الحذف في: (اللَّذَانّ)، إنما هو لالتقاء الساكنين، وما حذف لالتقاء الساكنين فهو في تقدير الثبات بدلالة قوله: ولا ذاكر الله إلا قليلًا [[عجز بيت لأبي الأسود الدؤلي، وصدره: فألفيته غير مستعتب "الكتاب" 1/ 169، "معاني القرآن" للفراء 2/ 202، "المقتضب" 2/ 312، "الحجة" 2/ 454، "سر صناعة الإعراب" 2/ 534. والشاهد منه: ذاكر الله، حيث نصب لفظ الجلاله مع حذف التنوين من ذاكر.]] ألا ترى أنه نصب مع الحذف كما ينصب مع الإثبات؟ قيل: إن المحذوف [[في "الحجة" 3/ 142. إن اللام.]] في (اللَّذانّ) لمّا لم يظهر في التثنية التي كان يلزم أن يثبت فيها ويتحرك، أشبه ما حُذف حذفًا، لغير التقاء الساكنين، فاقتضى العوض، وكذلك القول في: (هذان) التشديد فيه عوض من المحذوف عنه في التثنية وكان حقهما في التثنية: اللّذيان وهذيان. واتفقت هذه الأسماء من (اللذان وهذان) في هذا التعويض، كما اتفقتا في التحقير في فتح الأوائل منهما، مع ضمها في غيرهما، وفي إلحاق الألف أواخرها [[في "الحجة" 3/ 142 - والكلام من أوله في الآية منه- هذه الكلمة: أواخرهما.]]، وذلك نحو: اللذيّا، واللتيّا، وهاتيّا، وهاذيّا [[لعل المراد التصغير.]]. فأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المُبهمة ألزم [[قد يكون هنا سقط أو اختصار، ففي "الحجة" 3/ 142: فأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المبهمة في نحو قوله: (فذانِّك) وتركه التعويض في اللذان، فيشبه أن يكون ذلك لما رآه من أن الحذف للمبهمة ألزم، فبحسب إلخ.]]، فبحسب لزومها الحذف ألزمها العوض، ألا ترى أن اللذين [[في (أ)، (د): الذي، ولعل الصواب ما أثبته، كما في "الحجة" 3/ 142.]] إذا قلت: اللذيّا، فحقّرت أظهرت اللام المحذوفة في التثنية في التحقير، وإذا حقّرت المُبهمة [[في "الحجة": المبهم.]] قلت: ذيّا [[في "الحجة": هاذيا.]]، فالحذف قائم؛ لأنه كان ينبغي: ذَييّا [[فى "الحجة": هاذيبا.]]، الياء الأولى عين الفعل، والثانية للتحقير، والثالثة لام الفعل، فُحذفت التي هي عين الفعل، ولم يجُز أنْ تحذف التي هي لام، لأنك لو حذفتها لتحركت ياء التحقير لمجاورتها الألف، وهذه الياء لا تُحّرك أبدًا، فلما لم يُتَم المُبهم في التحقير لمجاورتها الألف، وأُتِم الموصول، خص المبهم بالعوض دون الموصول. فإن قيل: هلا وجب العوض من المنقوص في التثنية نحو: دم، ويد، وغد؟ قيل: هذا لا يلزم، ألا تري أنهم عوضوا في: أسطاع، وأهراق، ولم يعوضوا في: أجاد، وأقام، ونحو ذلك. وأيضًا فإن الحذف لَمَّا لم يلزم هذه الأساء المتمكنة كان الحذف كلا حذف، ألا ترى أنّ منه ما يتم في الواحد نحو: إن مع اليوم أخاه غدوًا [[صدره: لا تقلواها وادلواها دلوا وانظر: "جمهرة الأمثال" 2/ 284، و"المستقصى في الأمثال" 1/ 414، و"مجمع الأمثال" 1/ 304، و"الزاهر" 1/ 338، و"اللسان" (دلو)، و"جمهرة اللغة" (فلو- قلو- دغن- دمو).]] ومنه ما يتم في التثنية نحو: يديان بيضاوان [[جزء من شطر بيت هو: يَدَيان بَيضَاوان عند مُحَلَّم ... قد تَمْنَعَانِك أَنْ تُضام وتُضهدا ولم يعرف قائله. انظر "الحاشية في تحقيق الحجة" 3/ 143.]]. ونحو: جرى الدميان بالخبر اليقين [[عجز بيت صدره: فَلَو أنّا عَلى حَجَرٍ ذُبِحنا وينسب لعلي بن بدال بن سليم وقيل لغيره. انظر: "مجالس العلماء" للزجاجي بتحقيق هارون ص 251، "الإنصاف" ص300، "معجم شواهد العرب" ص 408.]] وفي الجمع نحو: أيد، ودماء، وفي التحقير نحو: دُميّ، ويُديّة، وليست المبهمة كذلك. ويمكن أن يكون أبو عمرو قَدّر (ذَانِّك) تثنية ذلك، فعوض الحرف في التثنية من الحرف الزائد الذي كان في الإفراد، والأول أشبه [[الكلام من أوله "القراءات" لأبي علي الفارسي في "الحجة" 1/ 141 - 144، == بتصرف في العبارة وحذف لا أثر لهما في المعنى. انظر: "معاني القراءات" 1/ 296، "الحجة في القراءات السبع" لابن خالويه ص 121، "حجة القراءات" ص 193.]]. وقوله تعالى: ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ أي الفاحشة [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 122، والطبري 4/ 294.]]. قال المفسرون: هذا في البِكرين يزنيان [[انظر: الطبري 4/ 294 - 295، "معاني الزجاج" 2/ 29، "الكشف والبيان" 4/ 25 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ قال عطاء وقتادة والسدي: يعني التَّعيير باللسان والتوبيخ، كما ذكرنا [[قول قتادة والسدي عند الطبري 4/ 296، ونسبه لعطاء الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 25 أ. انظر "معالم التنزيل" 2/ 182، "زاد المسير" 2/ 35.]]. وقال ابن عباس: يؤذيان بالتعبير ويضربان بالنعال [[هذا الأثر عن ابن عباس ثابت، فهو من طريق ابن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 138، والطبري 4/ 296، وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم في "الدر المنثور" 2/ 231، وانظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 201.]]. ﴿فَإِنْ تَابَا﴾ من الفاحشة، ﴿وَأَصْلَحَا﴾ العمل فيما بعد، فاتركوا أذاهما [[انظر: "الطبري" 4/ 298، "الكشف والبيان" 4/ 25 أ، "الدر المنثور 2/ 231.]]. وقد ذكرنا حكم هذه الآية في الآية التي قبلها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 16]. معنى التَّواب أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه [[انظر: "الطبرى" 4/ 298.]]. وذكرنا قول سيبويه والخليل في مثل قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وما أشبه هذا. وكان أبو عبيدة يتأول في كان معنيين: المُضِيّ والاستقبال، وينشد قول جرير: فأدركت من قَد كان قبلي ولم أَدَع ... لمَن كان بَعدي في القصائدِ مَصْنَعَا [[لم أقف على ما نسبه المؤلف لأبي عبيدة، لا في "المجاز" ولا في غيره، وأما البيت فهو في "ديوان جرير" ص 263، لكن أوله: (وأدركت) بالواو. والشاهد منه: أن (كان) الأولى للمُضي، و (كان) الثانية للاستقبال.]] وقال ابن الأنباري: معنى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ وأشباه هذا: وكان الله أبدًا ولم يزل كذلك، وصَلحَ وضعُ الماضي في موضع الدائم؛ لأن المعنى كان مفهومًا غير مُلبِس، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّة﴾ [الأعراف: 44]، وهو يريد: ويُنادي؛ لأن المعنى مفهوم، وإنما (عبرنا للماضي) [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: عبر بالماضي.]]؛ لأن الذي هو في علم الله كونه لا بد من وقوعه، فكأنه قد وقع، ولا يجوز: قام عبد الله، بمعنى: يقوم لأنه يُشكل. وذهب المبرد وابن قتيبة إلى أن (كان) في مثل هذا صلة في جميع القرآن [[انظر: "المقتضب" 4/ 116وما بعدها.]]، وأنشد المبرد: فكيف إذا مررتُ بدارِ قوم [[في "المقتضب": فكيف إذا رأيت ديار قوم.]] ... وجيرانٍ لَنا كانوا كِرام [[نسبه المبرد للفرزدق في "المقتضب" 4/ 116، وهو في "ديوانه" 2/ 290، وغير منسوب في "مجاز القران" 2/ 7 ،140، و"اللسان" 7/ 3961 (كون).]] فألغى كان. قال ابن الأنباري: ولا وجه لهذا عندي؛ لأنه لا يُلغى [[في (أ): (يلقي).]] الكونُ وهو عامل، والكون في البيت الذي أنشده المبرد غير عامل.

النساء 4:17

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال الحسن: يعني: التوبة التي يقبلها الله [["الكشف والبيان" 4/ 26 ب، وانظر: "زاد المسير" 2/ 36، "تفسير الحسن البصري" 1/ 266.]]، فتكون (على) بمعنى عند. وقال أهل المعاني: إن الله تعالى وعَد قبول التوبة من المؤمنين في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية [الأنعام: 54]، وإذا وعد الله تعالى شيئًا صدّق ميعاده ولم يجز الخلف فيه، فمعنى (على الله) أنه أوجب ذلك على نفسه بفضله [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة، "معاني الزجاج" 2/ 231، 254.]]. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. اتفقوا على أنه لم يُرِد بالجهالة ههنا أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي [[أخرج ابن جرير بسنده عن قتادة -رحمه الله- أنه قال في هذه الآية: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة، عمدًا كان أو غيره، "تفسير الطبري" 4/ 298، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 26 ب، "معالم التنزيل" 2/ 184.]]؛ لأن من عمل ذنبًا وهو لا يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابًا؛ لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة. قال الكلبي: لم يَجهل أنه ذنب، ولكنه جهل عقوبته [[من "الكشف والبيان" 4/ 26 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 184.]]، ومثل هذا قال الفراء [[قال في "معاني القرآن" 1/ 259: لا يجهلون أنه ذنب، ولكن لا يعلمون كنه ما فيه كعلم العالم.]]. وهذا لا يصح؛ لأنه يوجب أن من علم عقوبته وكان عالمًا بالتهديد فيه وكنه العقوبة لم تكن له توبة. والصحيح في هذا ما قال المفسرون أن المعاصي كلها جهالة، ومن عصى ربه فهو جاهل [[كما تقدم عن قتادة ونقله الإجماع من الصحابة على ذلك.]]، يدل عليه قوله عز وجل إخبارًا عن يوسف: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]، أي من العاصين [[انظر: "الدر المنثور" 2/ 232.]]. قال ابن عباس في هذه الآية: يريد أن ذنب المؤمن بجهل [[في (د): (جهل)، واللفظان متقاربان، وما أثبته يصح بتقدير: أن ذنب المؤمن يقع بجهل منه.]] منه [[أخرج الطبري من طريق الكلبي عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قال: من عمل السوء فهو جاهل، من جهالته عمل السوء. "تفسير الطبري" 4/ 299، وانظر: "الوسيط" 2/ 478، ابن كثير 2/ 504، "الدر المنثور" 2/ 232.]]. وقال الزجاج: معنى الجهالة ههنا، أنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جُهّال [["معاني القرآن" 2/ 29.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال ابن عباس: يريد ولو قبل موته بفواق [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 479، ونسبه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 27 أبنصه إلى أبي موسى الأشعري، ولم أجده عن ابن عباس، لكن ثبت من طريق ابن أبي طلحة عنه أنه قال: القريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. "تفسير ابن عباس" ص 139، والطبري 4/ 300. والمراد بالفواق فواق الناقة وهو رُجوع اللبن في ضَرعها أو ما بين الحَلبتين. انظر: "اللسان" 6/ 3488 (فوق).]]، وهو قول أبي موسى الأشعري [[هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار الأشعري، مشهور باسمه وكنيته أسلم مبكرًا واستعمله النبي ﷺ على اليمن، كان حسن الصوت بالقراءة فقيهًا مكثرًا من رواية الأحاديث مجاهدًا. توفي - رضي الله عنه - سنة 42 هـ، وقيل بعدها. انظر: "تاريخ خليفة" ص 97، 135، 211، "أسد الغابة" 3/ 367، "الإصابة" 2/ 359.]] [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 27 أ]]. وقال عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب [[أخرج قولهما بنحوه الطبري 8/ 301، وبنصه من "الكشف والبيان" 4/ 27/ أ، وانظر: البغوي 2/ 185، وابن كثير 1/ 504.]]، وكذلك قال الزجاج، أي: يتوبون قبل الموت؛ لأن ما بين الإنسان والموت قريب، فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 29.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال ابن عباس: يريد علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق واليقين فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فَوَاق ناقة [[راجع ما سبق من التعليق على الأثر المتقدم عن ابن عباس.]].

النساء 4:18

قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية. تعلقت الوعيدية [[هم قوم من المعتزلة وغيرهم غلبوا جانب الوعيد في النصوص الشرعية وأغفلوا جانب الوعد. انظر "مقالات الإسلاميين" ص 274، 276.]] بهذه الآية، وقالت: أخبر الله تعالى أن عصاةَ أهل الصلاة إذا أهملوا أمرهم إلى انقضاء آجالهم حصلوا على عذاب الآخرة مع الكفار؛ لأنه جمعهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [[انظر: "الكشاف" 1/ 257.]]. والجواب: ليس الأمر على ما زعمتم، فقد قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يريد الشرك [[لم أجده عن ابن عباس من رواية عطاء، لكن ثبت معناه عنه من طريق علي ابن أبي طلحة قال: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية قال: فأنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، فحرم الله تعالى المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة. "تفسير ابن عباس" ص 139، == والطبري 4/ 304، وانظر: "زاد المسير" 2/ 38، ابن كثير 1/ 504 - 505، "الدر المنثور" 2/ 233.]]. وقال عكرمة عنه في هذه الآية: هم أهل الشرك [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 233، وعزاه إلى ابن المنذر.]]. أخبرناه أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا محمد بن الحسن الكارزي، أخبرنا على بن عبد العزيز، أخبرنا أبو عبيد [[السند إلى أبي عبيد تقدم قريبًا.]]، حدثنا مُحمد بن ربيعة [[هو محمد بن ربيعة الكلابي بن وكيع، صدوق، توفي -رحمه الله- بعد سنة 190هـ (هذا ما وجدته عنه مما يناسب المقام). انظر: "ميزان الاعتدال" 3/ 545، "التقريب" ص 478 رقم (5877).]]، عن النّضر بن عمران [[لم أقف له على ترجمة.]]، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال الربيع بن أنس: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ هو المنافق، ألا ترى يتلوه الكافرون [[أخرج الطبري بإسناده عن الربيع: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، قال: نزلت الأولى في المؤمنين، ونزلت الوسطى في المنافقين، يعني: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، والأخرى في الكفار، يعني: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. "تفسير الطبري" 4/ 303.]]. وقال سعيد بن جبير: نزلت الأولى في المؤمنين، يعني قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية، والوسطى في المنافقين، يعني قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾، والأخرى في الكافرين، يعني قوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾ [[لم أقف على من أخرجه عن سعيد بن جبير، وقد تقدم قريبًا أن الطبري أخرجه عن الربيع بن أنس 4/ 303، وانظر: "زاد المسير" 2/ 38.]]. وإذا كانت الآية نازلة إما في الكفار أو المنافقين، على قول الصحابة والتابعين الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، فلا وجه لحملها على أهل الصلاة. وبهذا الإسناد الذي ذكرنا عن أبي عبيد قال: حدثنا ابن صالح ، -يعني: عبد الله-، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ قال: ثم أنزل الله بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجى أهل التوحيد إلى مشيئته، ولم يُؤيسهم من المغفرة [["تفسير ابن عباس" ص 139، وأخرجه الطبري بنفس الإسناد 4/ 304، وانظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 203.]]. فإن قيل: هذا على ما رَوَيتم نسخٌ للأول، ونسخ الخبر لا يجوز. قلنا: لا نَدعي [[في (د): (يدعى) بالياء.]] النسخ، ولفظ النسخ لم يُنقل عن ابن عباس، ولكن الآية الأولى اقتضت العموم بظاهرها، فلما نزلت الآية الثانية علمنا أن المراد بالأولى غير أهل التوحيد، من المنافقين والكافرين [[أي: أن الآية الثانية مخصصة لعموم الأولى.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. الذين في موضع الخفض بالعطف على الأول [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 259، والطبري 4/ 304، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 402 - 403، والثعلبي 4/ 28 أ.]]. ومعناه: لا توبة للكفار إذا ماتوا على كفرهم في الآخرة [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 259، والطبري 4/ 304.]]، وإنما لم تقبل التوبة في الآخرة لرفع التكليف ومعاينة ما وعدوا في الدنيا من الثواب والعقاب، ولهذا لم تقبل توبة المُحتَضر لمعاينة أحكام الآخرة. قال الزجاج: ولأنه تاب في وقت (لا يُمكنه التصرف [[في "معاني الزجاج": لا يمكن الإقلاع بالتصرف.]]) فيما يُحقق التوبة [["معاني الزجاج" 2/ 29.]]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا﴾ أي: هيأنا وأعددنا. يقال: أعتدت الشيء فهو معتد وعتيد، وقد عتد الشيء عتادة وهو عتيد حاضر. قاله الليث، قال: ومن هنالك سميت العتيدة، التي فيها طيب الرجل وأدهانه، والعتاد ما أعده الرجل من السلاح والدواب والآلة للجهاد، ويُجمع: أعْتُدَةً، وأعتُدًا. ويقال: فرس عَتِدٌ وعَتَدٌ، وهو المُعَدّ للركوب [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2316، "الكشف والبيان" 4/ 28 أ، "اللسان" 5/ 2794 (عتد).]]. واختلفوا في هذا الحرف، فقال قوم: عَتَد، بناء على حدة وأصل بنفسه [[لعلها هكذا.]] ثم تُدغم التاء في الدال فيقال: أعدّ، والعدّة إنما هي العتدة ولكن أُدغمت التاء في الدال، الذي يدل على هذا قولهم: العدان، في جمع: عتود، وأصله عتدان، فعلى هذا الأصل أعتد، وأعدّ مدغم منه. وقال آخرون بناء أَعدّ من عين ودالين؛ لأنهم يقولون: أعددنا، فيظهرون الدالين، وأنشدوا قول امرئ القيس [[تقدمت ترجمته.]]: أعددتُ للحرب صارمًا ذَكرًا ... مُجرَّب الوَقع غير ذي عَتَبِ [[البيت غير منسوب عند الأزهري في "التهذيب" 3/ 2316، ولا في "اللسان" 5/ 2795 (عتد) ولم أجده في "ديوان امرئ القيس" الذي بين يدي.]] ولم يقل أَعَتدْت [["تهذيب اللغة" 3/ 2316 - 2317 (عتد) بتصرف، وانظر: "اللسان" 5/ 2794 المادة نفسها.]]. قال الأزهري: جائز أن يكون الأصل أعددت، ثم قلبت إحدى الدالين تاء، فعلى هذا الأصل أعدّ، وأعتد مقلوب [[في (د): (مقارب).]] منه [["تهذيب اللغة" 3/ 2316 (عتد) بتصرف، وانظر: "اللسان" 5/ 2795 المادة نفسها.]]. قال الأزهري: وجائز أن يكون عتد بناء على حدة، وأعدّ بناء مضاعفًا، وهذا هو الأصوب عندي [["تهذيب اللغة" 3/ 2317 (عتد) بتصرف، وانظر "اللسان" 5/ 2795 المادة نفسها.]].

النساء 4:19

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية. قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية [[في "أسباب النزول" للمؤلف (151)، كان أهل المدينة في الجاهلية، وكذلك عند الثعلبي 4/ 28أ.]] إذا مات جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألقى ثوبه على المرأة، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها بغير صَداق، إلا الصَّداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوَّجها غيره وأخذ صَداقها، ولم يُعطِها منه شيئًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأعلم أن ذلك حرام، وأن الرجل لا يرث المرأة من الميت [[انظر: "تفسير القرآن" لعبد الرزاق 1/ 151، والطبري 4/ 305 - 308، "معاني == الزجاج" 2/ 30، "الكشف والبيان" 4/ 28 أ، "أسباب النزول" للمؤلف ص 151، "زاد المسير" 2/ 39، ابن كثير 1/ 506 - 507، "لباب النقول" ص 65، 66.]]. وقال بعضهم: الوراثة تعود إلى المال، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج إلى أن تموت فيرثها ما ورثت من الميت، فقال الله تعالى: لا يحل لكم أن ترثوهن أموالهن وهن كارهات [[ممن ذهب إلى ذلك ابن عباس والزهري. انظر: الطبري 4/ 306 - 307، "زاد المسير" 2/ 39، "الدر المنثور" 2/ 234 - 235. وقد اختار الطبري القول الأول وأن المراد بوراثة النساء وراثة نكاحهن. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 305 - 306.]]. وقوله تعالى: ﴿كَرْهًا﴾ قرئ بفتح الكاف وضمها [[قراءة الضم لحمزة والكسائي، والفتح لبقية العشرة. انظر: "السبعة" ص 229، "الحجة" 3/ 144، "المبسوط" ص 155، "النشر" 2/ 249.]]، وهما لغتان، كالفَقْر والفُقر، والضَّعف والضعف، والشَّهد والشُّهد [["الحجة" 3/ 144.]]. قال أحمد بن يحيى [[هو ثعلب وقوله في "تهذيب اللغة" 4/ 3136.]]: ولا أعلم بين الأحرف التي ضمها (بعض القراء [[في (د): بدون (بعض).]]) وفتحها بعضهم من: الكَره والكُره فرقًا في العربية، ولا في سُنَّة تُتّبع، ولا أرى الناس اتفقوا على الحرف الذي في سورة البقرة خاصة، وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]، إلا أنه اسم وبقية القرآن مصادر [[انتهى قول ثعلب من "تهذيب اللغة" 4/ 3136 (كره)، وانظر: "اللسان" 7/ 3865 نفس المادة.]]. قال الأزهري: وقد أجمع كثير من أهل اللغة أن الكَره والكُره لغتان، فبأي لغة قرئ فجائز، إلا الفراء [[انتهى من "تهذيب اللغة" 4/ 3136 (كره)، ووجهة نظر الفراء كما في "التهذيب" بقول الأزهري: فإنه زعم أن الكَره ما أكرهت نفسك عليه، والكُره ما أكرهك غيرك عليه، جئتك كَرها، وأدخلتني كُرها، وانظر: الثعلبي 4/ 28 ب.]]. وقد ذكرنا قوله في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" [البقرة: 216].]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ذكرنا معنى العضل في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" [البقرة: 232].]]. قال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك: المَنهيّ عن العضل ههنا الأزواج، فهو أن يُمسكوهن إذا لم يكن لهم فيهن حاجة إضرارًا بهن حتى يَفتدين ببعض مُهورهن [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 151، الطبري 4/ 305، "الكشف والبيان" 4/ 29ب، البغوي 2/ 186، "زاد المسير" 2/ 40، ابن كثير 1/ 507، "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 205.]]. وهذا القول اختيار الزجاج، قال: هؤلاء المُخاطَبون غير أولئك. وكان الرجل منهم إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها لتفتدي منه، فأَعلمَ الله عز وجل أنّ ذلك لا يَحلّ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 30.]]. وقوله تعالى: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يَصلح أن يكون نصبًا وجزمًا [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 259، و"الطبري" 4/ 309، و"معاني الزجاج" 2/ 30.]]. أما النصب على أن المعنى: لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 360، و"الطبري" 4/ 309.]]، قال الفراء: وكذا هو في قراءة عبد الله [["معاني القرآن" 1/ 259، وانظر: "الطبري" 4/ 309، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 404.]]. وأما الجَزْم فعلى النهي [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 259، "معاني الزجاج" 2/ 30.]]. قال الأزهري [["تهذيب اللغة" 3/ 2475 (عضل).]]: العَضل في هذه الآية من الزوج لامرأته، وهو أن يُضارّها ولا يُحسن معاشرتها، ليضطرها بذلك إلى الافتداء منه بمهرها الذي أمهرها، سماه الله عَضلاً؛ لأنه يمنعها حقها من النفقة وحسن العشرة، كما أن الولي إذا منع أَيِّمه [[في "تهذيب اللغة": حريمته.]] من التزويج فقد منعها (الحق الذي يجب لها عليه) [[في "التهذيب": الحق الذي أبيح لها من النكاح، ولعل تعبير الواحدي أدق.]] [[انتهى من "تهذيب اللغة" 3/ 2475 (عضل)، وانظر: "اللسان" 5/ 2988 - 2989 المادة نفسها]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء، والحسن وأبو قلابة [[هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري من مشاهير علماء التابعين وثقاتهم إلا أنه يدلس وفيه نصب يسير، وقد أخرج حديثه الجماعة توفي -رحمه الله- سنة 104هـ وقيل بعدها. انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 30، "ميزان الاعتدال" 2/ 425، "التقريب" ص304رقم (3333).]] والسدي: الفاحشة ههنا الزنا [[أخرج قول الحسن وأبي قلابة والسدي الطبري 4/ 310، وأما ابن عباس فإن الثابت عنه من رواية علي بن أبي طلحة كالقول الثاني، أن المراد: هو البغض والنشوز. "تفسير ابن عباس" ص 140، وأخرجه الطبري 4/ 310. وانظر في ذلك: "تفسير الهواري" 1/ 360، 361، البغوي 2/ 186، "زاد المسير" 2/ 41، ابن كثير 1/ 507، "الدر المنثور" 2/ 235.]]. وهو اختيار الزجاج [["معاني القرآن" 2/ 30.]]. وقال ابن مسعود وقتادة والضحاك: هي النشوز [[نص قول قتادة والضحاك ومعنى قول ابن مسعود حسبما أخرج الطبري ذلك عنهم في "تفسيره" 4/ 311، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 29 أ، "زاد المسير" 2/ 41، وابن كثير 1/ 507، "الدر المنثور" 2/ 236.]]. ثم اختلفوا في حُكم الآية؛ فقال الأكثرون: إذا زنت امرأة تحتَ رجُلٍ، أو نَشزَت عليه، حلّ له أن يَسْأَلها الخُلع، وأن يُضارَّها ويُسيء معاشرتها لتفتدي منه بالمهر. قال أبو قلابة: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشةً فلا بأس أنْ يضارّها حتى تَخَتلِع منه [[أخرجه الطبري 4/ 310، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2475 (عضل).]]. قال الأزهري: فجعل الله عز وجل اللواتي يأتين الفاحشة مُستَثنيات من جُملة النساء اللواتي نهى الله أزواجهن عن عضلهن ليذهبوا ببعض ما آتوهن من الصداق [["تهذيب اللغة" 3/ 2475 (عضل).]]. وذهب بعضهم إلى أن هذا كان يجوز ثم نُسخ. قال عطاء الخراساني: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشةً أَخذ منها ما ساق إليها وأخرجها [[في (د): (ثم أخرجها).]]، فنَسخ ذلك الحدود [[أخرجه الطبري 4/ 311، وانظر: "زاد المسير" 2/ 41، "الدر المنثور" 2/ 236.]]. وهذا الاختلاف على قول من يجعل الفاحشة الزنا، ومن جعلها النشوز فلا نَسخ عنده، وللزوج إذا نَشزت المرأة أن يُسيء [[في (أ): (بشى) بالشين المعجمة، ولعله تصحيف.]] عِشرتها لترغب في الفدية. واختلف [[في (د): (واختلاف).]] القراء في المبيّنة والمبيّنات، فقرئت بفتح الياء وكسرها [[قراءة الفتح لابن كثير وأبي بكر عن عاصم، والكسر للباقين. انظر: "السبعة" ص230، "الحجة" 3/ 145، "الكشف" 1/ 383، "النشر" 2/ 248.]]. قال سيبويه: يقال: أبان الأمر وأبنته واستبان، واستبنته، وبيّن وبيّنته [[قول سيبويه في "الكتاب" 4/ 63، وقد أخذه المؤلف من "الحجة" 3/ 145.]]، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. فمن فتح الياء فالمعنى عنده: يُبيَّن فحشها فهي مبينة، ومن كسر فحجته ما جاء في التفسير: فاحشة ظاهرة، فظاهرة حجة لمبيِّنة [[انظر: الطبري 4/ 312، "الحجة" 3/ 146، "حجة القراءات" ص 196، "الكشف" 1/ 383.]]. ثم قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن عباس: يريد احْجبها بما يَجِب لها عليك من الحق [[لم أقف على من خرجه عن ابن عباس، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 80.]]. وقال الزجاج: هو النُّصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 30، وانظر "معاني القرآن" للنحاس 2/ 47.]]. وهذا قبل أن يأتين بالفاحشة. وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]. قال ابن عباس [[في "الوسيط" 2/ 484: قال عطاء.]]: يريد فيما كرهتم مما هو لله رضا. ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [[في (أ): (خيركثير).]] يريد ثوابًا عظيمًا [[لم أقف عليه.]]. قال المفسرون: الخير الكثير في المرأة المكروهة أن يرزقه الله منها ولدًا صالحًا ويعطفه عليه [[روى نحوه عن ابن عباس، وقال به كثير من المفسرين. انظر: الطبري 4/ 313، و"تفسير الهواري" 1/ 361، والثعلبي 4/ 29 أ، والبغوي 2/ 186، و"زاد المسير" 2/ 42، وابن كثير 1/ 508، "الدر المنثور" 2/ 236.]]. وقوله تعالى: ﴿فِيهِ﴾ الكناية تعود إلى قوله: ﴿شَيْئًا﴾، ويجوز أن تعود إلى الكراههَ والكُره؛ لأن الفعل يدل على المصدر [[انظر: الطبري 4/ 313، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 194، "الدر المصون" 3/ 632.]].

النساء 4:20

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ الآية. قال المفسرون: لما ذكر الله تعالى في الآية الأولى مُضارّة الزوجات إذا أتين بفاحشة، بَيّن في هذه الآية تحريم المضُارة في غير حال الفاحشة، ونهى عن بَخس [[في (د): (يحسن).]] حقَّها من المهر إذا أراد الرجل طلاقها وأن يتزوج غيرها، فليس المهر للمرأة موقوفًا على التمسك بها، حتى إذا أراد الاستبدال جاز له أخذه، بل هو تَمليكٌ صحيح لا يجوز الرجوع فيه [[هذا من اهتمام المؤلف -رحمه الله- ببيان التناسب بين الآيات، وقليل من المتقدمين من اهتم بذلك. انظر: "البحر المحيط" 3/ 205.]]. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. فيه دليل على جواز المُغالاة في المهر [[زيادة المهر وكثرته شيء، والمغالاة بمعنى التنافس في زيادته شيء آخر، والآية دلت على جواز الأول دون الثاني، والله أعلم.]]، فقد رُوي أنّ عمر - رضي الله عنه - قال على المنبر: ألا لا تُغالوا في مُهور نسائكم. فقامت امرأة وقالت: يا ابنَ الخطاب: الله يُعطينا وأنت تمنع، وتلت هذه الآية، فقال عمر: كُلّ الناس أفقه من عمر، ورجع عن كراهة المُغالاة [[أخرجه بنحوه أبو يعلى بإسناد جيد قوي، وابن المنذر، انظر: "تفسير ابن كثير"، 1/ 508، "الدر المنثور" 2/ 237.]]. وقوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا﴾. البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه به صاحبه على جهة المُكابرة له، وأصله من قولهم: بُهِت الرجل، إذا تحيّر، فالبهتان كذب يُحيِّر الإنسان لعِظَمه، ثم جُعل كل باطل يتحيّر من بطلانه بهتانًا، وهو اسم من البَهت، يقال: بَهَته، أي [[في (د): (إذا).]]: استقبله بأمر يقذفه به وهو منه بريء [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 48، "تهذيب اللغة" 1/ 400، "مقاييس اللغة" 1/ 307، "الصحاح" 1/ 224، "اللسان" 1/ 368 (بهت).]]، ومنه الحديث: إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته [[لعله يريد حديث الغيبة، وفيه: "وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". أخرجه الإمام أحمد 2/ 230، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وكذلك مسلم (2589) كتاب البر، باب: تحريم الغيبة، وغيرهما، انظر: "المعجم المفهرس" 1/ 226 (بهت)]]. قال الزجاج: البهتان ههنا مصدر وضع موضع الحال، المعنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين [["معاني الزجاج" 2/ 31 بتصرف، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 400 (بهت).]]. وقال ابن عباس في هذه الآية: يريد أن أخذك إياه بعدما دخلت بها بهتان وإثم عظيم [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 415، ولم أقف على من خرّجه.]]. وفُسر البهتان في هذه الآية بالظلم [[ممن فسره بذلك ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 122، والهواري في "تفسيره" 1/ 361، والطبري في "تفسيره" 4/ 314، وعزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 43، إلى ابن عباس ولم أقف عليه عنه.]].

النساء 4:21

وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾. استفهام معناه التوبيخ والتعظيم لأخذ المهر بغير حِلّه [[انظر الطبري 4/ 314، والثعلبي 4/ 29 ب.]]. ومضت نظائره والكلام [[الظاهر أنه في الكلام حذف وتصحيف، ولعل التمام والصواب: ومضى نظائره والكلام عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. الإفضاء في اللغة معناه الوصول، يقال: أفضى إليه، أي: وَصل إليه بالملابسة معه قال الشاعر: بِلًى [[عند الطبري 4/ 314: بلى، ولعله هو الصواب.]] وَثأًى أَفضَى إلى كُل كُثْبَةٍ [[عند الطبري 4/ 314: كتبه بالتاء المثناة، ولعله هو الظاهر كما سيظهر في الحاشية التالية.]] ... بَدا سَيرُها مِن ظَاهِرٍ بعد ظَاهِرِ [[البيت للطرماح كما في "ديوانه" ص 127، وآخره "من ظاهر بعد باطن"، و"المحرر الوجيز" 2/ 30. وقد أثبته محمود شاكر في تحقيقه للطبري كالتالي: [بلين] بِلًى أفضى إلى [كل] كُتبة، بدا سيرها من باطن بعد ظاهر، وقال محمود في حاشي: والكُتبة (بضم فسكون) هي الخَرَزَة المضمومة التي ضم السير كلا وجهيها من المزادة والسقاء والقربة، يقال: كتب القربة، خرزها بسيرين. وهذا بيت يصف مَزادًا أو قربًا قد بليت خرزها بلى شديدًا فقطر الماء منها، فلم تعد صالحة لحمل الماء. "تفسير الطبري" بتحقيق شاكر 8/ 125.]] أي: البلى والفساد وصل إلى الخرز [[الطبري 4/ 314 بتصرف]]. وأصله من الفضاء، الذي هو السعة، يقال: فَضا يفضو، فُضُوّا وفَضاءً، إذا اتسع. والفاضي المكان الواسع. فالإفضاء الوصول باتساع المذهب [[انظر "العين" 7/ 63 (فضو)، "جمهرة اللغة" 3/ 261، "تهذيب اللغة" 3/ 2796 - 2797، "الصحاح" 6/ 2455 (فضا)، "أساس البلاغة" 2/ 205 (فضو)،== "اللسان" 6/ 3430 (فضا).]]. وقال ابن المظفر: أفضى فلان إلى فلان، أي: وصل إليه. وأصله أنه صار في فُرجته وفَضائه [[قول ابن المظفر في "العين" 7/ 63 (فضو)، "تهذيب اللغة" 3/ 2796 - 2797 (فضا). وانظر "اللسان" 6/ 3430 - 3431 (فضا).]]. وللمفسرين في الإفضاء في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الإفضاء ههنا كناية عن الجماع. قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يريد الجماع [[ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه فسر الإفضاء ههنا بالجماع، لكن من طريق آخر، رواه عنه بكر بن عبد الله المزني، أخرجه ابن جرير في "تفسير الطبري" 4/ 314، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 238، "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 208. ولم أقف على رواية عطاء.]]. وهو قول مجاهد والسدي [[أخرج ذلك عنهما الطبري 4/ 315، والأثر عن مجاهد في "تفسيره" 1/ 150، 151، وانظر: "زاد المسير" 2/ 43، وابن كثير 1/ 509، و"الدر المنثور" 2/ 238.]]، واختيار الزجاج [[ليس للزجاج تصريح باختيار هذا القول دون غيره. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 31.]]، وابن قتيبة [["غريب القرآن" ص 117.]]، ومذهب الشافعي؛ لأن عنده للزوج أن يرجع في نصف المهر إذا طلق قبل المسيس وإن خلا بها [[انظر: "الأم" 5/ 215.]]. القول الثاني: أن الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يُجامعها. وهذا القول اختيار الفراء في الإفضاء [[في "معاني القرآن" 1/ 259.]]، ومذهب أبي حنيفة [[هو النعمان بن ثابت التيمي الكوفي، الإمام الكبير المشهور العلامة الثقة، إمام الرأي والمذهب الحنفي، ولد سنة 80 هـ في حياة صغار الصحابة ورأى أنس بن مالك. توفي سنة 150هـ انظر: "تاريخ الثقات" ص 314، "تاريخ خليفة" ص 425، "سير أعلام النبلاء" 6/ 390، "التقريب" ص 563 رقم (7153).]]؛ لأن الخلوة عنده تمنع من الرجوع في شيء من المهر بالطلاق [[انظر: "الاختيار" لابن مودود الحنفي 3/ 103.]]. واللغة تحتمل المذهبين، روى ثعلب، عن ابن الأعرابي: أفضى الرجل: دخل على أهله، وأفضى: إذا جامعها [["تهذيب اللغة" 3/ 2796 (فضا).]]. قال [[أي ابن الأعرابي.]]: والإفضاء في الحقيقة الانتهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى﴾ أي: انتهى وأوى [["تهذيب اللغة" 3/ 2796 (فضا)، وانظر: "اللسان" 6/ 3426 المادة نفسها.]]. وابن عباس والأكثرون على القول الأول [[هذا يفيد بأن القول الأول قول الجمهور، ولعل هذا ترجيح من المؤلف له.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]. قال الحسن وابن سيرين [[هو أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري البصري التابعي، إمام ثقة ثبت في الحديث وكان لا يرى الرواية بالمعنى، عابد كبير القدر، وقد أخرج حديثه الجماعة. توفي -رحمه الله- سنة 110هـ انظر: "تاريخ الثقات" ص240، "مشاهير علماء الأمصار" ص 88، "التقريب" ص 483 رقم (5947).]] والضحاك وقتادة والسدي وعكرمة والفراء: هو قولهم عند العقد: زَوجتُكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [[أخرج أقوال المتقدمين إلى عكرمة ابن جرير في "جامع البيان" 4/ 315. وقد ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 238 أن قول عكرمة كقول مجاهد الآتي عند المؤلف، وعزاه إلى ابن أبي شيبة وقد أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 152 قول قتادة خاصة. وقد نسب نحو هذا القول لابن عباس. انظر في ذلك كله: الثعلبي 4/ 30 أ، "زاد المسير" 2/ 43، ابن كثير 1/ 509، "الدر المنثور" 2/ 238. وأما قول الفراء ففي "معانيه" 1/ 259.]]. قال الزجاج: التسريح بإحسان لا يكون بأن يأخذ مهرها، هذا تسريح بإساءة لا تسريح بإحسان [["معاني القرآن" 2/ 32.]]. وقال مجاهد وابن زيد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح التي يُستحل بها فروج النساء [[الأثر عن مجاهد بنحوه في "تفسيره" 1/ 151، وأخرجه الطبري 4/ 316، وأما عن ابن زيد فقد أخرجه الطبري بلفظ: الميثاق النكاح. "جامع البيان" 4/ 316. وانظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 361، والثعلبي 4/ 30 ب، و"زاد المسير" 2/ 44، وابن كثير 1/ 509، و"الدر المنثور" 2/ 238.]]، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: الميثاق الغليظ: يريد الشهادة والخُطبة التي فيها ذكر الله والصلاة على النبي ﷺ والنكاح [[لم أقف عليه، لكن أورد السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 238 أن ابن أبي حاتم أخرج عن ابن عباس: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قال: هو قول الرجل: ملكت.]]. وقد قال النبي ﷺ: "اتقوا الله في النساء، فإنكم (أخذتموهن بأمان) [[المثبت من صحيح مسلم، وورد في الأصل (أخذتم بأمانة).]] الله، واستحللتم فُروجهن بكلمة الله" [[جزءٌ من حديث طويل صحيح أخرجه مسلم رقم (1218) كتاب الحج، باب. حجة النبي ﷺ، انظر: "المعجم المفهرس" (حل).]]. والصحيح أن هذه الآية غير ناسخة لجواز الخُلع [[انظر: الطبري 4/ 316 - 317.]]، وأن للزوج أن يأخذ من المُختلعة [[يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، وانظر: الطبري 4/ 316، وابن كثير 1/ 292 - 297.]]؛ (لأن النشوز منها، فهو في حكم المُكره، لا المريد للاستبدال [[انظر: "الطبري" 4/ 316.]]. وذهب بكر بن عبد الله [[هو أبو عبد الله بكر بن عبد الله المُزني البصري، إمام تابعي ثقة ثبت جليل كان من المتعبدين وأهل الفضل والتواضع، توفي -رحمه الله- سنة 106 هـ. انظر: "تاريخ الثقات" ص 251، "مشاهير علماء الأمصار" ص 90، "التقريب" ص 127 (743).]] إلى أنه ليس للزوج أن يأخذ من المُختلعة [[ما بين القوسين ليس في (د).]]) شيئًا بظاهر هذه الآية [[أخرج الطبري بسنده عن ابن عباس قال: سألت بكرًا عن المُختلعة، أيأخذ منها شيئًا؟ قال: لا، ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ "جامع البيان" 4/ 317. وقد رد العلماء رأي بكر هذا. انظر: الطبري 4/ 317، و"المحرر الوجيز" 3/ 549، والقرطبي 5/ 102.]].

النساء 4:22

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس وجميع المفسرين: كانت العرب يتزوج الرجل منهم امرأة أبيه من بعده التي ليست بأمه، وكان نكاحًا جائزًا في العرب، فنهى الله عنه وحرمه [[أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين. قال فأنزل الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. "جامع البيان" 4/ 318، وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 209. وبنحو هذا القول قال قتادة وعكرمة وعطاء، وغيرهم. انظر: "الطبري" 4/ 318، "الدر المنثور" 2/ 239 - 240.]]. فقوله: ﴿مَا نَكَحَ﴾ يحتمل أن تكون (ما) بمعنى: مَن، فيكون المعنى: ولا تنكحوا مَن نكح. ويحتمل أن تكون (ما) بمعنى المصدر، فيكون المعنى: ولا تنكحوا نكاح آبائكم، أي: كنكاح آبائكم، يعني: أن آبائهم كانوا ينكحون أزواج آبائهم، فنهاهم الله أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم، فيكون في التقدير الأول النهي عن التزوج بمنكوحات الآباء، وفي التقدير الثاني النهي عن أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم في البطلان والفساد [[انظر: "الطبري" 4/ 318 - 319، "الدر المصون" 3/ 635.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ عام في الحرائر والإماء، أما الحرة فتحرم بنفس العقد [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 33 أ.]]، دخل بها الأب أو لم يدخل [[ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال في هذه الآية: كل امرأة تزوجها أبوك وابنك دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام "تفسيره" ص 141، وأخرجه الطبري 4/ 318، وما ذكره المؤلف مُجمع عليه بين العلماء. انظر: "الإجماع" لابن المنذر ص 40، و"بداية المجتهد" 2/ 34، "المغني" 9/ 524، 525، والقرطبي 5/ 113، وابن كثير 1/ 509.]]؛ لإطلاق النهي عن نكاحها من غير تقييد، والأمَة يحرم نكاحها بوطء الأب [[انظر "الكشف والبيان" 4/ 33 أ. وقيل تحرم الأَمَة بمجرد اللمس والتقبيل، وقيل: بالنظر دون اللمس. انظر: القرطبي 5/ 114، وابن كثير 1/ 510.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. سلف في اللغة معناه: تقدم ومضى، يقال: سَلَف يَسلُف سُلُوفا [[جاء في "الصحاح" 4/ 1376 (سلف): سلف يسلف سلفًا أي: مضى. وانظر الطبري 4/ 319، "مقاييس اللغة" 3/ 95 (سلف)، الثعلبي 4/ 33 ب، "اللسان" 4/ 2068 (سلف) وفيه المصدر: سلوفًا كما عند المؤلف.]] فهو سَالِف. وكل مال قدمته في ثمن سلعة اشتريتها بصفة معلومة فهو سَلَفٌ وسَلَم [["تهذيب اللغة" 2/ 1735 (سلف).]]. ويقال: سَلَفَ له عمل صالح، أي: تقدم، والسلف أيضًا من تقدم من آبائك وذوي قرابتك. ومنه قول طفيل [[هو أبو محمد طُفَيل بن كَعْب الغَنَوي، من فحول الشعراء في الجاهلية ومن أحسنهم شعرًا وأكثرهم وصفًا للخيل. توفي نحو سنة 13 قبل الهجرة. انظر: "الشعر والشعراء" ص 295، "الأعلام" 3/ 228، "معجم الشعراء في لسان العرب" ص 214.]]: مضوا سلفًا قصدُ السَّبيلِ عليهمُ ... وصرفُ المنايا بالرجالِ تَقَلَّبُ [[استشهد بالبيت -إضافة إلى الأزهري- ابن منظور في "اللسان" 4/ 2069 (سلف).]] أراد أنهم تقدمونا، وقصد سبيلنا عليهم [["تهذيب اللغة" 2/ 1735 (سلف) بتصرف، وانظر: "الصحاح" 4/ 1376، "اللسان" 4/ 2069 نفس المادة.]]. واختلفوا في هذا الاستثناء بعد إجماعهم على أن هذا ليس بمُخرِجٍ من التحريم؛ لأنه لو كان استثناءً مُخرِجًا من التحريم لوجب أن يُقرّ ما قد مضى منه في النكاح قبل نزول الآية إذ كانوا أحياء [[المؤلف يقصد الإجماع على حُرمة بقاء عقد الزوجية على من كان فعل ذلك في نزول هذه الآية. انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 369.]]، وأكثرهم على أنه استثناء منقطع؛ على معنى: لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه [[انظر: "الطبري" 4/ 319، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 404، والثعلبي 4/ 33 ب، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 194، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 369.]]. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف عليه.]]، والكلبي [[لم أقف عليه.]]، وأبي عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 120.]]، وقُطْرُب [[هو أبو علي محمد بن المُستنير بن أحمد، اشتهر بلقبه (قُطْرُب) تقدمت ترجمته.]] [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 33 ب، "زاد المسير" 2/ 45.]]، وابن الأنباري [[انظر: "زاد المسير" 2/ 45.]]، إلا أن بعض هؤلاء قالوا: لكن ما قد سلف فدعوه واجتنبوه [["الكشف والبيان" 4/ 33 ب.]]. وقد ذكرنا معنى الاستثناء المنقطع عند قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150]. وقال المفضل: إلا ههنا بمعنى بَعْد، يعني: بعدما قد سلف فإن ذلك معفو عنه [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 33 ب.]]. وهذا اختيار الحسن بن يحيى الجرجاني، واحتج بقول الله عز وجل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: 56]، أي: بعد الموتة الأولى؛ لأن أحدًا لا يدخل الجنة إلا بعد أن يذوق الموت [[اختيار الجرجاني قد يكون في "نظم القرآن" وهو مفقود.]]. وقال الأخفش: في الآية محذوف استثني هذا عنه [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: منه بالميم.]]، كأنه قيل: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء؛ فإنكم تؤاخذون به إلا ما قد سلف، أي: فليس عليكم جناح فيما مضى قبل التحريم، وحُذفت المؤاخذة؛ لأن النهي يدل عليه [[عبارة الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 440: وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ لأن معناه: فإنكم تؤخذون به، فلذلك قال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، أي: فليس عليكم جناح، فكأن في كلامه سقطًا، أو أن المؤلف تصرف في العبارة.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾. الكناية تعود إلى النكاح، أي: ذلك النكاح، والفعل دلّ على المصدر [[انظر: "الطبري" 8/ 138، "زاد المسير" 2/ 45، "البحر المحيط" 3/ 209.]]. والمقت أشد البُغض [["معاني الزجاج" 2/ 32، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 53، "تهذيب اللغة" 4/ 3428 (مقت)، والثعلبي 4/ 33 ب.]]، مَقَته يمقُته مقتًا، فهو ممقوت ومقيت [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3428، "الصحاح" 1/ 266 (مقت).]]. وفي هذا قولان: أحدهما: أن هذا إخبار عما كان في الجاهلية، أُعلِمُوا أن هذا الذي حُرّم عليهم لم يزل مُنكرًا في قلوبهم، ممقوتًا عندهم، وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقتي [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3428 (مقت).]]، والمقت عندهم بُغضٌ عن أمر قبيح ركبهُ صاحبه. وهذا الوجه اختيار الزجاج [[في "معاني القرآن" 2/ 32، وانظر: "زاد المسير" 2/ 45.]]، وابن الأنباري، قال أبو بكر: يريد أنهم لم يزالوا يستسمجونه [[أي يستقبحونه. قال الجوهري: سمُج الشيء بالضم سماجة: قبُح، فهو سمج، مثل ضخم فهو ضخم، وسمج، مثل خشن فهو خشن، واستسمجه عده سمجًا. "الصحاح" 1/ 322 (سمج).]]، وإن أتوه، ويسمونه المَقت؛ لبغضهم إياه فخبّر الله عز وجل بكان عما مضى من شنآنهم له قبل الإسلام الذي حَظَره. القول الثاني: أن المعنى: أنه فاحشة في الإسلام، أي: زنًا ومقت من الله لمن فعله [[انظر: "زاد المسير" 2/ 46.]]. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء [[قال السيوطي وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ قال: يمقت الله عليه. "الدر المنثور" 2/ 240، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 510. هذا ما وجدته عن عطاء حول هذا القول.]]، واختيار المبرد، ويذهب إلى أن (كان) زائدة، والمعنى: إنه فاحشة ومقت [["معاني الزجاج" 2/ 32، "معاني النحاس" 2/ 51.]]. وأنكر ذلك عليه الزجاج وابن الأنباري [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 33.]]، وقالا: كيف تكون زائدة وهي عاملة، وقد مر هذا، وبعض النحويين [[لعله النحاس، انظر: "معاني القرآن" 2/ 51، 52، "إعراب القرآن" 1/ 404.]] نصر أبا العباس [[في (د): (أبو)، وهو تصحيف.]] وقال المعنى: هو فاحشة، وأدُخلت كان لِيَدُل أنه عند الله قبل هذه الحال كذا كان. وقوله تعالى: ﴿وَسَاَءَ سَبِيلًا﴾. قال الليث: سَاء يَسُوء فعلٌ للذم ومجاوز، يقال: ساء الشيء يسوء، فهو سيء، إذا قَبُح، ويقال: سَاء ما فعل صنيعًا، أي: قبح صنيعُه صنيعًا [[من "تهذيب اللغة" 2/ 1583، وانظر: "العين" 7/ 327 (سوء).]]. قال ابن قتيبة: أي: قبح هذا الفعل فعلًا وطريقًا، كما تقول: ساء هذا مذهبًا، وهو منصوب على التميز [[عند ابن قتيبة: على التمييز.]]، كما قال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69] [["غريب القرآن" ص 117.]].

النساء 4:23

قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية. الأُمَّهات جمع أمّ، وأم في الأصل أُمَّهَة، مثل: قُبَّرة وحُمَّرة، وأسقطت الهاء في التوحيد [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 202 (أم).]]، قال الشاعر في اللغة الأصلية: أُمَّهَتي خِنْدِفُ (وإِليَاسُ [[في (أ)، (د): والدَّوس، والتصويب من مصادر عدة ستأتي في عزو البيت وإيضاحه.]]) أَبِي [[البيت لقُصَيّ بن كِلاب جد النبي ﷺ كما في "جمهرة اللغة" 3/ 1308 (له)، وصدر هذا الرجز عنده: عِنَد تَنَاديهم بِهالٍ وهَبِيج وهال كلمة زجر للخيل. وإلياس هو ابن مضر أحد أجداد قُصَيّ، وخِنْدِفُ زوجته أم مُدركة، وهذا لقب لها من الخندفة، وهو المشي بسرعة، واسمها ليلى بنت حلوان ابن عمران ابن الحاف من قضاعة انظر "الاشتقاق" لابن دريد ص 30، 42. وقد استُشهِد بالبيِت دون نسبة في "الأمالي" للقالي 2/ 301، "تهذيب اللغة" 1/ 202 (أم)، "المحتسب" 2/ 224.]] وقد يُجمع الأم: أمات [[في (د): (أمهات).]]، بغير هاء، وأكثر ما يُستعمل في الحيوان غير الآدمي [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 202 (أم)، "الصحاح" 5/ 1863 (أمم).]]، قال الراعي [[هو أبو جَندل عُبيد بن حُصين النميري، والراعي لقبه.]]: كانَتْ نَجَائِبَ مُنذِرٍ ومُحَرِّقٍ ... أُمَّاتُهُنّ وطَرْقُهُنّ فَحِيلا [[البيت في "جمهرة اللغة" 2/ 176 (حفل). قال ابن دريد: أي الذي طرق أمهاتهن كان فحلًا نجيبًا، والطرق الفحل، وكذلك في "تهذيب اللغة" 3/ 2747 (فحل)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 565.]] وقولهم أمهات، بالجمع، الهاء فيها زيادة، ووزنها فعلهات، وقول الشاعر: أُمّهَتيِ خِندِفُ وإِليَاسُ أَبِي [[تقدم قريبًا.]] أي: أمي، والهاء زائدة [[من "سر صناعة الإعراب" 2/ 563، 564 بتصرف.]]. وأجاز أبو بكر أن تكون الهاء أصلية، وتكون أمَّهة وزنها فُعَّلَة، وهو في هذا القول بمنزلة: تُرهَة، وأُبَّهَة، وعُلّفة، وقُبَّرة. ويقول [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: وُيقوّي كما في "سر صناعة الإعراب" 2/ 564.]] هذا القول ما رواه صاحب العين من قولهم: تأمّهت [[في (د) (أمهت) وما أثبته هو الموافق لـ"سر صناعة الإعراب"، ومعنى تأمهت: اتّخذت.]] أمّا، فتأمهَت يبين أنه تفعّلت، بمنزلة: تفّوهت وتنبّهت، إلا أن قولهم في المصدر -الذي هو الأصل- أمومة يقوي زيادة الهاء؛ لأن العرب تقول: أمّ بينة الأمومة، فهذا يقوي أن وزنها فُعْلَهَة. ويزيد في قوة ذلك قول الشاعر: إذا الأُمَّهاتُ قَبَحْنَ الوُجوهَ ... فَرجْتَ الظَّلامَ [[في (أ)، (د) الكلام، والتصويب من "العين" 8/ 434، "التهذيب" 1/ 202 (أم)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 564 وهو الأصل.]] بِأُمَّاتِكَا [[البيت منسوب لمروان بن الحكم كما ذكر في "معجم شواهد العربية"، "شرح شواهد الشافعية" ص 308، وهو من "شواهد العين" 8/ 434، "تهذيب اللغة" 1/ 202، "اللسان" 1/ 136 (أمم). معنى البيت: إذا قَبَحت الأمهات بفجورهن وجوه أولادهن عند الناس كشفت الظلام بضياء أفعال أمهاتك وطهارتهن.]] [[الكلام من قوله: وأجاز أبو بكر إلى هنا من "سر صناعة الإعراب" 2/ 564 بتصرف يسير، ولم أجد ما ذكره في "العين" سوى البيت كما مر في عزوه.]] إلا أن غالب الأمر يقال فيمن يَعقل بالهاء، وفيمن لا يعقل بغير هاء، أرادوا الفرق بينهما [["سر صناعة الإعراب" 2/ 565، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 202، "الصحاح" 5/ 1863 (أم).]]، والقول بزيادة الهاء أولى من اعتقاد حذفها؛ لأن الهاء أحد الحروف العشرة التي تُسمى حروف الزيادة، لا حروف النقص، فلا ينبغي أن يعتقد أن الهاء هي الأصل، وأن أُمًّا محذوف من أُمَّهَة. فأما قول من قال: تأمّهت أمًّا، فيظهره مما يعارضه قولهم: أمّ بيّنة الأُمومة، بحذف الهاء، فرواية برواية، وبقي النظرة [[قد يكون الصواب: النظر بدون هاء كما في "سر صناعة الإعراب"2/ 568.]] الذي قدمناه وهو أن الهاء كثيرًا ما تُزاد في الكلام، وقلّ ما يوجد حذفها، على أن قولهم: تأمّهت، إنما حكاها صاحب العين، وفي ذلك الكتاب من الخَطَل والاضطراب مالا يدفعه نظَّار [[في "سر صناعة الإعراب" نظار جلد.]]، وذاكرت بكتاب العين يومًا شيخَنا أبا علي، فأعفى [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: فأعرض كما في "سر صناعة الإعراب" 2/ 568.]] عنه ولم يرضه، لما فيه من القول المرذول والتصرف الفاسد [[انتهى من "سر صناعة الإعراب" 2/ 566 - 568 بتصرف بالحذف لا باللفظ، وهذا من العجيب حيث أتى المؤلف بكلام أبي الفتح ابن جني الذي لقي أبا علي الفارسي وذاكره، وكأنه هو المذاكر حيث لم يعز الكلام لقائله!]]. وذهب ابن الأنباري إلى أن الأصل: أُمّ، ثم يقال في النداء: يا أُمّاه، فيدخلون هاء السكت. ثم إن بعض العرب يُسقط الألف وُيَشبَّه هاء السكتة بتاء التأنيث وتقدير بالإضافة بعدها، فيقول: يا أمّت كما قالوا: يا أَبَت، ثم قد تُستعمل التاء في أمّ في غير النداء، ولم يُستعمل ذلك في الأب، وهو قوله: تَقَبّلتَها من أُمَّةٍ لك طَالَمَا ... (بت [[هكذا في (أ)، (د)، ولعلها: تُنوزع، كما في "التهذيب" 1/ 202، "اللسان" 1/ 136 (أم).]]) في الأسْواق عَنها خِمَارُها [[لم أعرف قائله وهو من شواهد الأزهري في "التهذيب" 1/ 202.]] وقالت العرب: هؤلاء أُمَّات زيد، وأُمّهات زيد، فأَجْرَوا الهاء الأصلية، وأصل زيادتها في باب النداء، وقد قال بعضهم: هذه أمّهتك، قال: أُمَّهَتِي خِنْدَفُ وإلياسُ أَبِي فزيدت ههنا دخولها للسكت، ثم شُبَّهت بالأصلية، وزيدت بعدها؛ لأنها شبهت بتاء التأنيث. وكل امرأة رجع نسبُك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، وبإناث رَجَعتَ إليها أو ذكور، فهن أمك [[لى أجد من ذكر هذه القاعدة من المفسرين أو اللغويين، ولعل هذا من براعة المؤلف في التقصيد والتعبير، فإن هذه قاعدة تبين وتحدد الأمهات.]]. وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾. قد ذكرنا الكلام في أصل البنت والأخت عند قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 49] [[ذكر المؤلف فيما أشار إليه أصل اشتتاق لفظ بنت وأخت، ووزنهما وجمعهما، وعلامة التأنيث في كلام طويل.]]. وُكلّ أنثى رجع نسبُها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو ذكور فهن بنتك. وتحريم هاتين مؤبد لم تَزالا، ولم تَحِلا قط لأحد. وقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. كل أنثى وَلَدَها شخصٌ وَلَدَك في الدرجة الأولى فهي أُختُك. وقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾. هي جمع العمَّة، وكل ذَكَرٍ رجع نسبُك إليه فأخته عمّتك، وقد تكون العمة من جهة الأم، وهي أخت أبي أمك. وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾. مضى الكلام في الأخ والأخت عند قوله: ﴿.يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 49]. والتحديد في بنات الأخ وبنات الأخت كالتحديد في بنت الصلب، وهؤلاء محرمات بالأنساب والأرحام. قال المفسرون وأهل العلم: كل امرأة حرّم الله نِكاحها للنسب والرحم فتحريمها مُبهم، والمُبهمة لا تحلّ بوجهٍ من الوجوه. والتي كانت تحلّ ثُمّ حُرمت بسبب حَدَث، وهن اللواتي ذكرن في باقي الآية، فليست مُبهمة [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 33، "معاني النحاس" 2/ 52، ولعل الإبهام هنا بمعنى: التأبيد، فالمُبهمة المحرمة على الأبد، وعكسها غير المبهمة.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. هؤلاء سمين أمهات للحُرمة، كأزواج النبي ﷺ سماهن الله تعالى أمهات المؤمنين في قوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]. وكل أنثى انتسبتَ باللبن إليها فهي أمك، فالتي أرضَعَتْكَ أو رجلًا [[أي: أو أرضعت رجلًا.]] أُرضِعت بِلبانه من زوجته أو أمّ ولده فهي أمك، وكذلك كل امرأة ولدت امرأة أرضعتك أو رجلًا أرضعك فهي أمك. وإنما يحرم الرضاع بشرطين: أحدهما: أن يكون خمس رضعات [[هذا مذهب الشافعي -رحمه الله- وأصحابه، والصحيح في مذهب أحمد؛ يدل عليه ما ثبت عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان فيما أنُزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. أخرجه مسلم (1452) كتاب الرضاع، باب: التحريم بخمس == رضعات وغيره انظر: "المغني" 310، 311، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 34/ 33، 34، "تفسير ابن كثير" 511 - 512.]]. والثاني: أن يكون في الحولين [[هذا الشرط عند جمهور العلماء. انظر: "مجموع الفتاوى" 34/ 35، "تفسير ابن كثير" 511 - 512.]]، وما بعد الحولين من الرضاع لا يُحَرِّم [[أفاد المؤلف هذين الشرطين من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 34 ب.]]، لقوله ﷺ: "لا رضاع بعد الحولين" [[لم أجده مرفوعًا، وإنما جاء نحوه موقوفًا على ابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنه - كما في "موطأ مالك" ص 373 (4) كتاب الرضاع، باب: رضاعة الصغير، وباب: الرضاعة عند الكبر ص 375 (ح 14)، وقد جاء في معناه حديث مرفوع، فعن أم سلمة - رضي الله عنه - قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام". أخرجه الترمذي (1152) كتاب الرضاع، باب: ما جاء ما ذكر أن الرضاعة لا يحرم إلا في الصغَر دون الحولين، وقال الترمذي. هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. أن الرضاعة لا تُحَرِّم إلا ما كان دون الحولين وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يُحَرِّم شيئًا.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. وأخوات الرضاعة ثلاث الأولى: أختك لأبيك وأمك وهي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلِبان أبيك، سواءٌ أرضعَتها معك أو مع ولدٍ قبلك أو بعدك. والثانية: أختك لأبيك دون أمك، وهي التي أرضعَتها زوجةُ أبيك بلِبان أبيك. والثالثة: أختك لأمك دون أبيك، وهي التي أرضَعَتها أمك بلبان رجل آخر. وهاتان المرأتان -أعني: أمَّ الرضاعة وأخت الرضاعة- لولا الرضاعة لم يَحرُما، وكان الرضاع تحريمها [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: يحرمهما.]] فصارتا في حكم المبهمات؛ إذ تأبّد تحريمها [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: يحرمهما.]] بعد الرضع. وروت عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ قال: "يحرمُ من الرضاعةِ ما يحرمُ من النسبِ" [[متفق عليه، أخرجه البخاري رقم (2644) كتاب الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، ومسلم بنحو رقم (1444) كتاب الرضاع، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة وغيرهما.]]. فعلمنا من هذا أن السبع المحرمات بالنسب على التفصيل والبيان الذي ذكرنا محرمات باللبن، وقال أولو التحقيق من ذوي العلم: إن الحد الذي ذكره رسول الله ﷺ في حديث عائشة معلوم من الآية ومستنبط عنها؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر حُرمة الرَّضاع ذكر طريقة الوِلادة بذكر الأمهات، وطريقة الأخُوّة بذكر الأخوات، وكل امرأة حُرمَت بالنَسَب حُرمَت بإحدى هاتين؛ لأن الأم والبنت حرمتا بالولادة، والخمس الباقيات من المحرمات بالنسب حَرُمْنَ بطريق الأخُوّة. وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. حد أم امرأتك كحد أمك، سواءٌ كانت من اللبن أو من النسب، فهي حرام عليك بنفس العقد على ابنتها؛ لأن الله تعالى أطلقَ التحريم ولم يُقيِّده بالدخول. هذا إجماع الأمة اليوم [[انظر: "الطبري" 4/ 320 - 321.]]. وكان جماعة من الصحابة يذهبون إلى أن المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت، كالربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها، وهو قول علي وزيد [[هو أبو سعيد أو أبو ثابت، زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد، استُصغر يوم بدر وشهد أحدًا، وكان رأسًا في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض. توفي -رضي الله عنه- سنة 45هـ وقيل قبلها. انظر "الاستيعاب" 2/ 111، "أسد الغابة" 2/ 278، "الإصابة" 1/ 561.]] [[انظِر: "الطبري" 8/ 145، "الكشف والبيان" 4/ 35 ب، "زاد المسير" 2/ 47.]] وابن عمر وابن الزُّبَير [[هو أبو بكر أو أبو خبيب عبد الله بن الزُّبيرُ بن العوام القرشي الأسدي، أحد العبادلة، ومن كبار فقهاء الصحابة، ولي الخلافة تسع سنين إلى أن قتل -رضي الله عنه- سنة 73 هـ. انظر: "الاستيعاب" 3/ 39، "أسد الغابة" 3/ 242، "الإصابة" 2/ 308، "التقريب" ص303 رقم (3320).]]، وجابر [["الكشف والبيان" 4/ 35 ب.]] -رضي الله عنه-، ورُوي ذلك عن ابن عباس [[انظر المرجع السابق.]]، وقال علي -رضي الله عنه-: الأمّ والابنة بمنزلة، إن لم يدخل بهذه تزوج هذه، وإن لم يدخل بهذه تزوج هذه [[عند ابن جرير من طريق قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي - رضي الله عنه - في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة. "جامع البيان" 4/ 321. لكن تكلم في ثبوت هذا القول عن علي، انظر تعليق أحمد شاكر على "جامع البيان"، "تفسير القرطبي" 5/ 112.]]. وهؤلاء يجعلون قول: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ منتظمًا للربائب وأمهات النساء، ويقول: أمهات النساء اللاتي لم يُدخَل بهن غيره [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: غير بدون الضمير.]] محرمة. والصحيح ما عليه الجماعة، روى عَمرو بن شُعَيب [[هو أبو إبراهيم عَمرو بن شُعَيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، تقدمت ترجمته.]]، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: "إذا نكح الرجلُ المرأةَ فلا يَحلّ له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت" [[أخرجه الطبري 8/ 146، وقال عَقِبه: وهذا خبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن إجماع الحجة على صحة القول به، مُستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره، وحسن الحديث أحمد شاكر في تحقيقه للطبري. == وقد أورد الحديث الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 35، وابن كثير 1/ 513، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 242، وعزاه أيضًا إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في "سننه".]] ففصل بين الربيبة وأم المرأة. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم [[في (د): بدون (ثم).]] لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أتحل له أمها؟ قال: لا هي مُرسلة، دخل بها أو لم يدخل [[أخرجه ابن جرير 4/ 322 إلى قوله: مرسلة، وذكره الثعلبي كاملًا في "تفسيره" 4/ 35، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 242.]]. وكان عبد الله بن مسعود أفتى بنكاح أم المرأة إذا طلّق بنتها قبل المسيس، وهو يومئذ بالكوفة، فاتفق له دخول المدينة فصادفهم مجتمعين على خلاف فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخُل داره حتى حضر ذلك الرجل وقرع عليه الباب، وأمره بالنزول عن تلك المرأة [[أخرجه بنحوه مالك في كتاب النكاح، باب: مالا يجوز من نكاح الرجل امرأته ص 330 (ح 23)، وانظر: "الدر المنثور" 242.]]. وقال صاحب النظم: في نظم هذه الآية دليل على أن الشرط بالدخول مختص به الربائب دون أمهات النساء؛ لأن قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لفظ قائم بنفسه في المعنى المعقود في ظاهره، وليس من نظم العرب في كلامها الجاري المستعمل بينهم أن يقال: أمهات نسائي من نسائي اللاتي دخلت بهن، كما لا يقال في واحدتها: أمّ امرأتي من امرأتي التي دخلت بها، وعادتهم الجارية بينهم في هذا أن يقولوا: أم امرأتي التي دخلت بها، وأمهات نسائي اللاتي دخلت بهن. فقولك في هذا: من نسائي ومن امرأتي زيادة لا حاجة بقيام المعنى إليها، فلما لم يَجُز أن يكون قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ طِبقًا لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لم يَجُز أن يكون شرطًا مُرصَدًا، ولا معطوفًا عليه، وصار هذا الشرط مخصوصًا بذكر الربائب ومقصورًا عليه، دون ذكر أمهات النساء. وقال محمد بن يزيد بن عبد الأكبر [[هو المبرَّد تقدمت ترجمته رحمه الله، وكلامه هذا في "معاني الزجاج" 2/ 34.]]: قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ نعت للنساء اللواتي من أمهات الربائب لا غير، والدليل على ذلك إجماع الناس أن الربيبة تحلّ إذا لم يدخل بأمها، فمن أجاز أن يكون قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ نعتًا لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُم﴾ بقيت الربائب مطلقة، وخرج أن يكون ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِن﴾ لأمهات الربائب، وحينئذٍ لا يجوز تَزوُّج الربيبة إذا لم يدخل بأمها. قال الزجاج: والدليل على أن ما قال أبو العباس هو الصحيح أن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدًا. لا يجيز النحويون: مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات. على أن يكون الظريفات نعتًا (للفريقين من النساء) [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 34، وما بين القوسين عند الزجاج: لهؤلاء النساء وهؤلاء النساء.]]. وقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾. الربائب جمع الربيبة، وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها: مربوبة؛ لأن الرجل هو يربّيها. يقال: رَبَبْتُ فلانًا أربُّه، وربّبته أُرَبِّبُه، وربّيته أُربِّيه، وربته فأنا أربته. كله معنى واحد، قاله الأصمعي [[لم أقف على قول الأصمعي بنصه كاملًا، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1338، "الصحاح" 1/ 131 ، 132، "اللسان" 3/ 1549 (ربب).]]. قال الشاعر: وذاكَ لَه إذا العنقَاءُ صارت ... مُربَّبَة وشبّ ابن الخَصِيّ [[البيت لأبي تمام: في "ديوانه" ص405، و"ثمار القلوب" ص 267، و"دلائل الإعجاز" ص 309، و"محاضرات الراغب" 2/ 709 بلفظ "مرتعة".]] وقال الراجز: والقبُر صهر ضَامنٌ زِمَّيتُ ... ليس لمنَ ضُمَّنَه تَربيتُ [[من "شواهد الصحاح" 1/ 249 (ربت)، "اللسان" 3/ 1552 (ربت، زمت) ، وزميت -في "اللسان"- بمعنى: الساكن، وتربيت من التربية.]] وقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾. قال المفسرون: يقول: اللاتي ربيتموهن في حجوركم. وهي جمع حِجر، وفيه لغتان، قال ابن السكيت: حَجْرُ الإنسان وحِجْرُه بالفتح والكسر [["تهذيب اللغة" 1/ 747 (حجر).]]. قال أهل المعاني: المراد بقوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي في ضمانكم وتربيتكم، ويقال: فلان في حِجر فلان، إذا كان يلي تربيته [[من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 35ب.]]، وذلك أن كل من ربّى صبيًّا أجلسه في حِجره، فصار الحِجر عبارةً عن التربية، كما يقال: فلان في حضانة فلان، وأصله من الحِضن الذي هو الإبط [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 850 (حضن).]]. وقال أبو عبيدة: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي: في بيوتكم [["مجاز القرآن" 1/ 121.]]. قال الأزهري: ويقال: فلان في حجر فلان، أي: في كنفه ومنعه [["تهذيب اللغة" 1/ 747 (حجر).]]. وحد الربيبة في رجوعها إلى زوجتك مثل حد بنتك في رجوعها إليك، وهي لا تَحرُم بمجرد العقد على الأم، وإنما تحرم بالدخول، والدخول هو الجماع ههنا بالإجماع [[دعوى الإجماع هنا لا تتم، فقد قيل: إن المراد بالدخول التجريد. انظر "جامع البيان" 4/ 322 - 323.]]. وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾. قال الليث: الحليل والحليلة الزوج والمرأة، سميا به [[في (د): (بها).]] لأنهما يحلان في موضع واحد، والجميع [[في (د): (والجمع)، وما أثبته هو الموافق لما في "العين".]] الحلائل [["العين" 3/ 27 (حل).]]. وقال أبو عبيدة [[في (أ): هكذا، والصواب: أبو عبيد. انظر: "غريب الحديث" 1/ 343، "اللسان" 2/ 973 (حلل).]]: سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يُحالّ صاحبه، قال: وكل من نَازَلك أو جاورك [[في (د): (جاز لك).]] فهو حليلك، وأنشد: ولستُ بأطلس الثوبين يُصبِي ... حليلتَه إذا هَدَأ النِّيَامُ [[البيت لأوس بن حجر في "ديوانه" ص 75، وبغير عزو في "الزاهر" 1/ 185، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 247، و"أمالي القالي" 1/ 20، و"مقاييس اللغة" (حل)، وهو من شواهد "اللسان" 5/ 2689 (طلس). ومعنى أطلس الثوبين أي: وسخهما وهو كناية عن الفاحشة والقبح، ويُصبي حليلته أي: يريد جارته التي تُحالّه في حِلته بسوء.]] قال: لم يُرِد بالحليلة ههنا امرأته، إنما أراد جارته؛ لأنها تُحالّه في المنزل. قال: ويقال: إنما سميت الزوجة حليلة؛ لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه، على معنى أنه يَحِلُّ له [[الظاهر أن هذا نهاية كلام أبي عبيد. انظر "غريب الحديث" 1/ 344.]]. يقال: حلّ فهو حليل، مثل: صح فهو صحيح. وقال الزجاج: حليلة: يعني [[عند الزجاج: بمعنى.]]: محلة، من الحلال [["معاني الزجاج" 2/ 35.]]. وقيل: لأن كل واحد منهما يحل إزاره صاحبه [["الكشف والبيان" 4/ 36 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. فيه احتراز عن المُتبنَّى، وكان المتَبنّى في صدر الإسلام بمنزلة الابن. قال عطاء: وليس يحرم عليك حليلة ابن ادعيته وليس هو من صُلبِك، ونكح رسول الله ﷺ امرأة زيد بن حارثة [[هو زيد بن حارثة بن شَراحيل الكَعْبي، كان مولى وَهَبته خديجة للنبي ﷺ وُيدعى زيد بن محمد حتى نزلت: ﴿ادعُوُهمْ لَأِبَائِهِمْ﴾ وكان حبّ رسول الله هو وابنه أسامة، وقد روى عنه الحديث جماعة من الصحابة. توفي - رضي الله عنه - سنة 8 هـ. انظر: "أسد الغابة" 2/ 281، "الإصابة" 1/ 563، "الأعلام" 3/ 57.]]، فقال في ذلك المشركون: إنه تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]، وقال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: 37] [[عند الطبري من طريق حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ قال: كنا نحدث والله أعلم أنه نزلت في محمد ﷺ حين نكح امرأة زيد بن حارثة قال المشركون في ذلك، فنزلت ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]، ونزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40]، "جامع البيان" 4/ 323. وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 36 أ.]]. قال أهل العلم: وحليلة الابن من الرضاع ملحقةٌ في التحريم بحليلة ابن الصلب بالسنة [[انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 379، والقرطبي 5/ 116، وقد حكى القرطبي الإجماع في هذه المسألة.]]، وهي قول رسول الله ﷺ: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" [[تقدم تخريجه، وهو صحيح.]]. وهذا التحريم يحصل بنفس العقد، كحليلة الأب لا خلاف في هذا [[انظر: "الطبري" 4/ 323، و"البغوي" 2/ 191، و"القرطبي" 5/ 113.]]. فأما ما رُوي أن ابن عباس سئل عن قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ولم يبين أدخل بها الابن أم لا؟ فقال ابن عباس: أبهموا ما أبهم الله [[لم أقف على شيء من ذلك عن ابن عباس، لكن قال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الحسن ومحمد قالا: إن هؤلاء الآيات مبهمات ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. "الدر المنثور" 2/ 243.]]، فإن هذا ليس من إبهام الأمر، ولكن قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [[في (د): ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾.]] هذا كله يسمى التحريم المُبْهم؛ لأنه لا يحل بوجه ولا سبب، ولما سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وعن قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ولم يبين أنهن مدخول بهن أم لا، أجاب فقال: هذا من المبهم، أي: مما لا وجه فيه غير التحريم، سواء دخل بهن أو لم يدخل بهن. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. أن في محل الرفع؛ لأنه بمعنى: والجمع بين الأختين، عطف على ما قبله [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 260، والطبري 4/ 323، "معاني الزجاج" 2/ 35 ، "إعراب النحاس" 1/ 405.]]. ويحرم على الرجل أن يجمع في النكاح أختين بالنسب أو باللبن. ويجوز الجمع بين أختين أمتين بملك اليمين، فإذا وطئ إحداهما حَرُمَت الثانية عليه، ولا يحل له ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 36 أ، "أحكام القرآن" للهراسي 2/ 250، و"البغوي" 2/ 191.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. فيه قولان: قال عطاء: يريد إلا ما قد مضى في الأمم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ لما مضى، ﴿رَحِيمًا﴾ بمن أطاعه. قال: ويذكرون أن يعقوب عليه السلام جمع بين ليا أم يهوذا [[في (د): (يهود).]] وراحيل أم يوسف [[في "الكشف والبيان" 4/ 36 أ: وكانتا أختين.]]، وكان فيما مضى حلالًا لجميع الأمم فحرمه [[في (أ): (فحرم).]] الله على هذه الأمة رحمة منه عليهم لما علم من شدة غَيرةِ النَّساء، بعضهن على بعض [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 36 أمختصرًا، وكذلك البغوي 2/ 192.]]. وهذا قول السدي في رواية أسباط [[هو أبو يوسف أو أبو نصر أسباط بن نصر الهمذاني، مفسر، واختلفوا في توثيقه، قال ابن حجر: صدوق، كثير الخطأ يغرب، من الثامنة، وحديثه عند مسلم والأربعة. انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 157، "التقريب" ص 98 رقم (321) "الأعلام" 1/ 292.]] عنه [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 36 أ، "معالم التنزيل" 2/ 192.]]. وقال الكلبي: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَف﴾ مضى منكم في الجاهلية فلا، تؤاخذون به بعد الإسلام [[لم أقف عليه.]]. وهو قول مقاتل [[هو مقاتل بن سليمان، ويأتي تخريج قوله بعد الحاشية التالية.]]، واختيار أبي إسحاق [[الزجاج كما سيأتي.]]. قال مقاتل في قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: لأنهم كانوا يجمعون بينهما [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 245، مطولًا، وانظر: "تفسير مقاتل" 1/ 366.]]. قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين [[انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 515، وذكر السمرقندي والقرطبي نحوه عن محمد بن الحسن. انظر: "بحر العلوم" 1/ 344، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 119.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى: سِوى ما سلف فإنه مغفور لكم [["معاني الزجاج" 2/ 35.]]. قال أبو بكر: وهذا من الاستثناء المنقطع ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، كأنه قيل: لكن ما قد سلف فأنتم غير مؤاخذين به [[الظاهر أنه يقصد أبا بكر بن الأنباري، ولم أقف على كلامه، وقد أشار غير واحد من الأئمة أنه من الاستثناء المنقطع. انظر: الطبري 4/ 323، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 405.]]. وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: 150]. واعلم أن المحرمات بالنسب سبعة أصناف، ذُكِرت نسقًا في أول الآية. والمحرمات بالسبب صنفان: صنف يحرم بالرضاع، وهو الأمهات والأخوات، على ما ذكرنا من التفصيل، وصنف يحرم بسبب المصاهرة، وهو أم المرأة وحليلة الأب وحليلة الابن والربائب، على التفصيل الذي ذكرنا، وحليلة الأب لم تُذكر في هذه الآية، إنما ذكرت في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: 22]. فأما الجمع بين الأختين فإنه تحريم الجمع [[انظر: الطبري 4/ 323.]]، لأنه يجوز نكاح الثانية بعد طلاق الأولى، ويُلحق بهذا الصنف عمة المرأة وخالتها، فكما لا يجوز الجمع بين المرأة وأختها لا يجوز الجمع بين المرأة على عمتها، وخالتها [[لفظ (د): (لا تنكح المرأة على خالتها أو عمتها ولا على خالتها لا) وفيه اضطراب.]]؛ لما رُوى أن النبي ﷺ قال: "لا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها لا [[أخرجه البخاري (5108) كتاب النكاح، باب: لا تنكح المرأة على عمتها؛ ومسلم (1408) كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح.]] الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى" [[هذه رواية أبي داود (2065) والترمذي (1126)، وأحمد (9500) من حديث أبي هريرة، وقد علقه البخاري في الباب نفسه (5108).]]، أراد الدرجة في النسب لا صِغَرَ السن وكِبَرَه. وقال أهل العلم في حد ما يَحْرُم الجمع بينه: كل امرأتين بينهما قرابة أو لبن لو كان ذلك بينك وبين امرأة لم يَجُز لك نكاحُها لم يجز لك الجمع بينهما. فأما ملك اليمين فكل امرأة حَرُم عليك نكاحها بنسب أو لبن أو صهر، فإذا وجد ذلك المعنى في مملوكة حَرُم عليك وطؤها بملك اليمين، وكل امرأتين حرم عليك الجمع بينهما بقرابة موجودة بينهما أو بلبن، فإذا ملكت أمَتَين وبينهما مثل ذلك المعنى حَرُم عليك وطؤهما بملك اليمين، فإذا وَطِئت إحداهما لم يكن لك وطء الثانية ما لم تُحَرِّم الأولى على نفسك بإزالة الملك عنها بِبَيع أو عِتق أو هِبَة، أو بإزالة الملك عن بعضها [[في (أ): (بضعها).]] بكتابة أو تزويج. واعلم أن التحريم الحاصل بالمُصاهرة يحصل بنكاح صحيح، فلو زنى بامرأة لم تحرم عليه أمها ولا بنتها، ولا تحرم المزنيّ بها على آباء الواطئ، ولا أبنائه، وإنما تتعلق هذه الحُرمة بنكاح صحيح، أو فاسد يجب به الصَّداق والعِدّة ويُلحق به الولد، ولا يتعلّق بالسفاح الصريح. وهذا قول عُروة، وسعيد، ومجاهد، والزهري، ومذهب مالك، والشافعي وفقهاء الحجاز [[انظر: "الأم" 5/ 25، والقرطبي 5/ 114، 115.]]. وقال أهل العراق: الزنا يتعلق به تحريم المصاهرة، حتى لو زنى الأب بامرأة ابنِه انفسخ نكاحها، وكذلك نكاح الأب إن زنى الابن بامرأته. وقالوا: لو قَبّل الأب امرأة الابن ولمسها بالشهوة انفسخ نكاح الابن، ولو قبل أجنبية أو لمسها أو وطئها فيما دون الفرج حصل تحريم المصاهرة. وهذا قول الشعبي والنخعي ومذهب أبي حنيفة [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 35 أ، والقرطبي 5/ 114، 115.]]. والآية حجة ظاهرة عليهم؛ لأن الله تعالى حرم أمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء، وهذه الأسماء لا تثبت بوجود الزنا، فإنّ أم المزنيّ بها لا تكون أم امرأته، ولا بنتها ربيته، وإذا زنى الابن بامرأةٍ لم تَصِر حليلته حتى تحرم على الأب [[انظر: "الأم" 5/ 26، والقرطبي 5/ 115.]]. وقد قال ابن عباس: الحرام لا يحرم الحلال [[لم أجده عن ابن عباس، وانظر "الكشف والبيان" 4/ 35 أ.]].

النساء 4:24

وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. الإحصان في اللغة أصله المَنع، وكذلك الحَصَانة، ولذلك قيل: مدينة حصينة، ودرعٌ حصينة، أي: مانعة صاحبها من الجَرح. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: 80] معناه: لتمنعكم وتُحرِزَكم [["تهذيب اللغة" 1/ 843 - 844 (حصن) بتصرف.]]، والحصن الموضع الحَصين لمنعه من بغاه من الأعداء [[انظر: "الطبري" 5/ 7.]]. والحِصَان: الفرس لمنعه صاحبه من الهلاك، والحَصَان المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد، قال الله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: 12]، أي: منعته من الزنا، ويقال: حَصَنَت المرأة تحصُن: إذا عفّت عن الريبة حُصنا وهي حَصان، مثل: جبنت جُبنًا وهي جبان [[انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 543 - 544 (حصن)، والطبري 5/ 7، "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن).]]. قال سيبويه: وقالوا أيضًا: حِصنا كما قالوا: عِلما [[انظر: "الحجة" 3/ 147.]]. وقال أبو عبيد والزجاج والكسائي: حصانة أيضًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن).]]. وقال شمر: امرأة حصان وحاصِن، وهي العفيفة، وأنشد: وحاصن من حاصِنات ملسِ ... من الأذى ومن قِراف الوَقْسِ [[قول شمر وما أنشد في "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن)، وقال الأزهري: الوقس: الجرب. ملس: لا عيب بهن. وانظر "اللسان" 2/ 902، والرجز منسوب للعجاج في "مجاز القرآن" 1/ 122، "جمهرة اللغة" 2/ 543 - 544 (حصن)، و"تفسير الطبري" 5/ 7.]] فقد حصل من هذا أنه امرأة حَاصِن وحَصَان بينة الحِصن والحَصَن والحَصانة، ثلاث مصادر. وأنشد ابن السكيت [[هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، تقدمت ترجمته.]]: الحِصن أدنى لو تأييته ... من حثيِك التُّرب على الراكِب [[انظر: "اللسان" 2/ 902 (حصن).]] وقال الزجاج: يقال: امرأة حصان بينّة الحصن، وفرس حصان: بيّن التحصن والتحصين، وبناء حصين: بيّن الحصانة، ولو قيل في كله: الحصانة، لجاز بإجماع [[ليس في "معاني الزجاج" عند تفسيره لهذه الآية.]]. وأما الإحصان فإنه يقع على معان كلها ترجع إلى معنى واحد، منها الحرية، يدل على ذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] يعني: الحرائر [[انظر: "الطبري" 5/ 24.]]، ألا ترى أنه إذا قذف غير حرة لم يُجلد ثمانين، وكذلك قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: 25] يعني الحرائر، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: 25]، أي: الحرائر [[هذا رأي ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وابن زيد وغيرهم. انظر "تفسير ابن عباس" ص 143، والطبري 5/ 17.]]. ومنها [[أي من المعاني التي يقع عليها لفظ الإحصان.]] العفاف، وهو قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: 25]، [[انظر "تفسير ابن عباس" ص 143، والطبري 5/ 19.]]، وقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:24] [المائدة:5] وقوله: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: 12]، أي: أعفته. ومنها الإسلام، من ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: 25] قيل في تفسيره: أسلمن [[ممن قال بذلك ابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي والسدي. انظر: الطبري 5/ 20، "الدر المنثور" 2/ 255.]]. ومنها كون المرأة ذات زوج، يقال: امرأة محصنة، إذا كانت ذات زوج، والمحصنات: المتزوجات، بدلالة قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: ذوات الأزواج [[انظر: الطبري 5/ 1، "الكشف والبيان" 4/ 36 ب، "الدر المنثور" 2/ 246 - 247.]]. ونذكر ذلك عند التفسير. وليس تبعد هذه المعاني عما عليه موضوع اللغة، فإن الإحصان هو أن يُحمى الشيء وُيمنع، والحرّة تُحَصِّن نفسها وتَحصُن هي، وليست كالأمة. والعفة أيضًا مانعة من الزنا، والعفيفة تمنع نفسها، وكذلك الإسلام مانع من الفواحش، والمحصنة ذات الزوج؛ لأن الزوج أحصنها ومنع منها. واختلف القراء في: ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾ فقرأوا بفتح الصاد وكسرها في جميع القرآن [[قراءة الكسر للكسائي، والفتح لبقية العشرة. انظر: "السبعة" ص 230، "الحجة" 3/ 146، "المبسوط في القراءات العشر" ص155، "النشر" 2/ 249.]]، إلا التي في هذه الآية، فإنهم اجتمعوا على الفتح فيها [[انظر المصادر السابقة.]]. فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن، ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن [[انظر: "حجة القراءات" ص 196، 197.]]. قال أبو عبيد [[أخذ قول أبي عبيد من "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن).]]: اجتمع القراء على نصب الصاد في الحرف الأول من النساء؛ لأن تأويلها ذوات الأزواج يُسبَين فيُحلهن السِباء [[في (أ)، (د): النساء، والتصويب من "تهذيب اللغة".]] تُوطأ بملك اليمين، ويَنتقض نكاحهن. فأما ما سوى الحرف الأول فالقراء مختلفون، فمنهم من يكسر الصاد، ومنهم من يفتحها، فمن نصب، ذهب إلى ذوات الأزواج، ومن كسر ذهب إلى أنهن أسلمن فأحصنّ أنفسهن فهن محصنات [[انتهى من "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن).]]. وقال الليث: أُحصِنت المرأة فهي محصنة، وهي التي أحصنها زوجها، وهن المُحصنات، والمعنى أنهن أحُصِنّ بأزواجهن [[انظر: "العين" 3/ 118، "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن).]]. أخبرني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، عن ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: كلام العرب كله على: أفْعَل فهو مُفْعِل، إلا ثلاثة أحرف: أَحصَن فهو مُحصَن، وألفَج فهو ملفَج [[في النسخة (أ) وعند هذا اللفظ كتب هامش بغير خط النسخة وهو بحدود سطرين أو ثلاثة، بعضه غير واضح، وقد تبين لي منه ما يلي: ألفج بالجيم المعجمة أفلس قال رؤبة: أحسابكم في العسر والإلفاج ... شِيبت بعذبٍ طيّب المزاج وقال: جارية شبت شبابًا عَسلجا ... في حجر من لم يك عنها ملفجا يقال: عسلجت الشجرة: أخرجت عساليجها، وهي ما لان واخضر من قضبانها. وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1783 (سهب)، 4/ 3280 (لفج)، "الصحاح" 1/ 329 (عسلج)، 2/ 339 (لفج)، "اللسان" 7/ 4052 - 4053 (لفج).]]، وأَسهَب فهو مُسهَب [[في "تهذيب اللغة" 2/ 1783 (سهب) لكن رواية الأزهري، عن طريق شمر، عن ابن الأعرابي، وفيه تقديم أسهب على أحصن.]]. وأما التفسير فالمحصنات في هذه الآية ذوات الأزواج [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 122، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 117، والطبري 5/ 1، "الكشف والبيان" 4/ 36/ ب، "الدر المنثور" 2/ 246 - 247.]]، وهن محرمات على كل أحد إلا على أزواجهن، لذلك عُطِفن على المحرمات في الآية التي قبلها [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 405.]]. ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يريد: إلا ما ملكتموهن بالسبي من دار الحرب، فإنها تحل لمالكها ولا عِدّة عليها، فتُستبرأ بحيضة وتوطأ. وهذا قول ابن مسعود [[قول ابن مسعود أن المراد بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هي المشتراة بالمال، لا المسبيّة. انظر: "الطبري" 5/ 3، "الدر المنثور" 2/ 247.]]، وابن عباس، وأبي قلابة، وابن زيد، وأبيه [[هو الإمام أبو عبد الله زيد بن أسلم، له تفسير يرويه عنه ابنه عبد الرحمن هذا.]]، ومكحول [[هو أبو عبد الله مَكْحول الشامي، فقيه، كان مفتي دمشق وعالمها، من مشاهير علماء التابعين، وقد وثقه كثير من أهل العلم وأخرج له مسلم والأربعة. توفي -رحمه الله- سنة 113هـ. وقيل غير ذلك. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص114، "ميزان الاعتدال" 4/ 177، "تقريب التهذيب" 4/ 148.]]، والزهري [[أخرج الآثار عن ابن عباس، وأبي قلابة، وابن زيد، وأبيه، ومكحول، والزهري، الطبري 5/ 60201، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 247 - 248.]]. قال أبو سعيد الخُدري: لما كان يوم أوْطَاس أَصَبْنا نساءً لهن أزواج في المشركين، فكرههنّ رجال منا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [[أخرجه مسلم بنحوه (1456) كتاب الرضاع، باب: جواز وطء المسبية بعد == الاستبراء 2/ 1079 (ح 35) وغيره، وكذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص 152 - 153 من طرق.]]. ولا يمكن حمل المحصنات في هذه الآية على الحرائر، ولا على المسلمات، ولا على العفائف؛ لأن التحريم مُحالٌ في هذه الأجناس، فتعين حملها على الوجه الرابع وهو المنكوحة. وإذا وقع السبا على الزوجين الحربيّين أو على أحدهما انقطع منادي رسول الله ﷺ: "ألا لا تُوطأ حاملٌ حتى تضع، ولا حائلٌ حتى تحيض" [[أخرجه الإمام أحمد 3/ 62، وأبو داود (2155) كتاب النكاح، باب: في وطء السبايا، والحاكم 2/ 195، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبي، وعندهم أن هذا الحديث في سبي أوطاس.]]. فأباح وطأهن بعد الاستبراء، لانفساخ نكاحهن. وذهب جماعة من الصحابة -بظاهر هذه الآية- إلى أن الأَمَة المنكوحة إذا بيعت وقع عليها الطلاق، وبانت من الزوج بالبيع. واحتجوا بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قالوا: فإذا ملكها البائع وجب أن يحل له وطؤها. وهذا يحكى عن ابن عباس وابن مسعود وأُبَيّ [[هو أبو المُنذِر أُبَيّ بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري، من رواة الأحاديث وقُرَّاء الصحابة وكتاب الوحي ومن أصحاب العقبة الثانية وقد شهد بدرًا وما بعدها وتوفي - رضي الله عنه - سنة 30 هـ. انظر: "الاستيعاب" 1/ 161 - 162، "الإصابة" 1/ 19، "الأعلام" 1/ 82.]]، وجابر، وأنس، وسعيد بن المسيب، والحسن [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 3 - 4، وانظر: "زاد المسير" 2/ 50، "الدر المنثور" 2/ 247.]]. وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ فإن هذه الآية مخصوصة بملك اليمن في الحربية إذا سبيت من دار العرب، بدليل حديث بريرة [[هي مولاة عائشة -رضي الله عنهما- كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل بني هلال، وقيل لآل عتبة بن أبي إسرائيل، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وقد عتقت تحت زوجها فخيرها النبي ﷺ، فكانت سنّة. انظر: "الاستيعاب" 4/ 357، "أسد الغابة" 7/ 39، "الإصابة" 4/ 251 - 252.]]، فإن عائشة اشترتها وأعتقتها، ثم خيّرها النبي ﷺ، وكانت مزوجة، فاختارت الفراق [[أخرجه بمعناه البخاري (2536) كتاب العتق، باب: بيع الولاء وهبته، وانظر "تفسير ابن كثير" 2/ 517.]]، ولو وقع الطلاق بالبيع ما خيرت. وهذا الذي ذكرنا من أن البيع لا يكون طلاقًا مذهب عمر [[عند ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 50: ابن عمر.]]، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف [[انظر: "زاد المسير" 2/ 50.]]، وإجماع الفقهاء اليوم. وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد: هذا ما حرم الله عليكم [[لم أجده عن ابن عباس، وقد أخرجه الطبري، عن إبراهيم التيمي، "جامع البيان" 5/ 9، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" عن إبراهيم وعزاه -إضافة إلى الطبري- إلى عبد الله بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر. "الدر المنثور" 2/ 249.]]. يعني: كتب تحريم ما ذكر من النساء عليكم. وانتصابه على مصدر جرى الفعل من غيره، كأنه قيل: حرمت هذه النساء كتابًا من الله عليكم، أي: كتابة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 260، و"الطبري" 5/ 9، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 406.]]. ومعنى الكتابة ههنا التحريم؛ لأنه كتابة التحريم، أي: إثباته وتأكيده. ومثله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي﴾ [النمل: 88]، وقد مر كثير من هذا، (وهذا) [[ليس في (د).]] معنى قول الفراء والزجاج [[انظر: "معاني الفراء" 2/ 260، "معاني الزجاج" 2/ 36.]]. وقد كشف أبو علي عن هذا فقال: ليس انتصابه على: عليكم كتاب الله، ولكن كتاب مصدر، دل ما تقدم على الفعل الناصب له، وذلك أن قوله: ﴿حُرِمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ فيه دلالة على أن ذلك مكتوب عليهم فانتصب ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ بهذا الفعل الذي دل عليه ما تقدمه من الكلام [[انظر: "الحجة" 2/ 353، "المسائل الحلبيات" ص 203.]]. وعلى ذلك قول الشاعر: [ما [[ما بين القوسين المعقوفين ليس في النسخ واستدركته من مصادر التوثيق الآتية.]]] إِنْ يمسّ الأرض إلاَ منْكِبٌ ... مِنْه وحرفُ السّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ [[البيت لأبي كبير الهُذلي يصف شابًا جلْدًا خفيف الجسم إذا نام لا يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه دون بطنه. والمقصود بالمِحمَل: محمل السيف. انظر: "الكتاب" 1/ 359، "الشعر والشعراء" ص 447، "المقتضب" 3/ 204، "الخصائص" 2/ 309، "ديوان الهذليين" 2/ 13. والشاهد منه. أن طي نصب بفعل مقدر، تقديره: طويَ طيّ المِحْمَل.]] قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبًا على جهة الأمر، ويكون: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُفسرًا له، فيكون المعنى: الزموا كتاب الله [["معاني القرآن" 2/ 36.]]. قال الفراء: وقد قال بعض النحويين: معناه: عليكم كتاب الله، واحتج بقول الشاعر: يا أيها المائح دلوى دونكا [[حذف المؤلف عجز البيت، وهو عند الفراء: إني رأيت الناس يحمدونكا "معاني القرآن" 1/ 60، ونسب في الحاشية إلى شاعر جاهلي من بني أسيد بن عمرو بن تميم، وقد ورد البيت في "الأمالي للقالي" 2/ 244، "تهذيب اللغة" 4/ 3322 (ماح)، "الإنصاف" للأنباري ص 187. والمائح: هو الذي ينزل في البئر إذا قلّ الماء فيملأ الدلو.]] فالدلو عِنْده في موضع نصب، كما يقال: دونك زيدًا، وهذا لا يصح عند النحويين، لأن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء، لا تقول العرب: زيدًا عليك، أو زيدًا دونك. إنما تقول: عليك زيدًا، ودونك زيدًا [["معاني القرآن" 1/ 260.]]. قال الزجاج [[في "معاني القرآن" 2/ 36.]]: لأن قولك: عليك زيدًا ليس له ناصب في اللفظ متصرف، فيجوز تقديم نصبه [[في "معاني الزجاج": منصوبه، ولعله هو الصواب.]]، وقول الشاعر: .......... دلوى دونكما [[تقدم البيت قريبًا.]] الدلو في موضع رفع، على معنى: هذه دلوي دونك، كقولك: زيدٌ فاضربوه، وإن نصبت الدلوَ أضمرت في الكلام شيئًا، كأنك تقول: خذ دلوي، أو دونك دلوي دونك [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 36، 37.]]. وعلى هذا يجوز أن تقول: زيدًا عليك، فيكون منصوبًا بشيء مضمر قبله. وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. وقرئ: ﴿وَأُحِلَّ﴾ بضم الألف [[وكسر الحاء، وهذه القراءة لعاصم برواية حفص وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. انظر: "المبسوط" ص 156، "الحجة" 3/ 150، "النشر" 2/ 549.]]، والفتح [[أي فتح الألف والحاء (أَحَلّ) وهذه القراءة للباقين من العشرة. انظر المصادر السابقة.]] أشبه بما قبله، لأن معنى ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: كتب الله عليكم كتابًا وأحلّ لكم فبناء الفتح للفاعل ههنا أحسن. ومن بين [[هكذا هذه الكلمة في (أ)، ولعل الصواب: بَنَى، لما في "الحجة" 3/ 150.]] الفعل للمفعول به فقال: وأحل لكم، فهو في المعنى يؤول إلى الأول، وفي ذلك مراعاةُ مُشاكلةِ ما بعد بما قبل [[التعقيب على القراءتين من "الحجة" 3/ 150.]]، وهو قوله: ﴿حُرِّمَت﴾، فلما كان التحريم مبنيًّا للمفعول به كذلك الإحلال. وقوله تعالى: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ قال الفراء وغيره: يقول ما سوى ذلك، كقوله: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: 91] يريد: سواه [["معاني القرآن" 1/ 261.]]. وقال الزجاج: ومعنى: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: أي: ما بعد هذه النساء التي حُرّمت حلال [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 37]]. وهذا الإحلال مخصوص بالسنة، وهو ما ذكرنا من تحريم تَزَوُّج المرأة على عمتها وعلى خالتها [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 37، وقد تقدم الحديث في ذلك.]]. قال أبو إسحاق: لم يقل الله عز وجل: لا أحرم عليكم غير هؤلاء، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، قال: وآتاهم أن الخالة كالوالدة، وأن العمة بمنزلة الوالد في وجوب الحق كالوالدة. [[انتهى كلام أبي إسحاق الزجاج من "معاني القرآن" 2/ 37.]] فإذًا العمة والخالة كالوالدة، وتَزّوج المرأة على عمتها وخالتها كتزوجها على أمها. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. محل ﴿أَنْ﴾ رفع على البدل من (ما) في قراءة من قرأ ﴿وأُحلَّ﴾ بضم الألف، ومن قرأ بالفتح كان محل (أن) نصبًا. قالوا: ويجوز أن يكون محلّه نصبً على القراءتين بفقد الخافض، كأنه قيل: لأن تبتغوا، ثم حذف الخافض [[انظر "معاني الفراء" 1/ 261، الطبري 5/ 11، "معاني الزجاج" 2/ 37، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 446، "الكشف والبيان" 4/ 37/ أ.]]. والمعنى: أحلّ لكم أن تطلبوا بأموالكم، إما بنكاح وصداق، أو بملك وثمن، وفي هذا دليل على أن الصداق لا يَتَقدّر بشيء؛ لإطلاق قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فمن ابتغى بقدر جاز أن يكون ثمنًا في بيعٍ أو أجرة في إجارة فقد استحل. وقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ﴾. أي: متعففين عن الزنا، وهو قول ابن عباس [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر المؤلف هذا القول دون نسبة لأحد في "الوسيط" 2/ 501، وانظر الطبري 5/ 11.]]. وقال مجاهد: ناكحين [["تفسير مجاهد" 1/ 152، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 5/ 11، وهو فيهما بلفظ: متناكحين. وانظر: "الدر المنثور" 2/ 249.]]، وهو اختيار الزجاج؛ لأنه (قال) [[ما بين القوسين ليس في (أ).]]: عاقدين التزويج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 37.]]. وقال الفراء: يقول: أن تبتغوا الحلال [["معاني القرآن" 1/ 261.]]. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. أي: غير زانين. عن مجاهد [["تفسيره" 1/ 152، وأخرجه الطبري 5/ 11 بدون لفظ غير.]]، والسدي [[أخرجه الطبري 5/ 11 بلفظ: غير زناة.]]. وقال ابن عباس: السفاح الزنا [[لم أجده إلا في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 82 بلفظ مجاهد.]]. قال الليث: السفاح والمسافحة: أن تقيم امرأة مع رجل على فجور من غير تزويج صحيح، والمُسافِحة: الزانية [[من "تهذيب اللغة" 2/ 1700، وهو في "العين" 3/ 147 (سفح).]]. وروي أن النبي ﷺ قال: قال لي جبريل: "ما بينك وبين آدم نكاح لا سفاح فيه" [[انظر: "العين" 3/ 147، ولم أقف عليه في المصادر الحديثية.]]. وأصله في اللغة: من السَّفح وهو الصَّبّ، يقال: سفح الدمع مسفوحًا، وسفح الدم: صبّه، وفلان سفّاحٌ للدماء: أي: سفّاك [[انظر: "العين" 3/ 147، "معاني الزجاج" 2/ 38، "تهذيب اللغة" 2/ 1699 "الصحاح" 1/ 375 (سفح).]]. وسمي الزنا سِفاحًا، لأنه ليس ثم حرمةُ نكاح ولا عقد تزويج [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 38، "تهذيب اللغة" 2/ 1700 (سفح).]]، وإنما يسفح كل واحد من الزانيين نطفته، أي: يصبها ويريقها، فسمي سفاحًا لهذا المعنى. كما سمي مِذًاء من المذي، وكان الرجل في الجاهلية إذا أراد أن يفجر بالمرأة يقول لها: سافحيني، أو ماذيني [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 117 - 118، "تهذيب اللغة" 4/ 326 (سفح).]]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾. قال الحسن ومجاهد وابن زيد وأكثر المفسرين: يعني: فما انتفعتم وتلذّذتم من النساء بالنكاح الصحيح [[أخرج الآثار عن الحسن ومجاهد وابن زيد الطبري 5/ 11 - 12 بلفظ النكاح، وقد أفاد المؤلف لفظه من "الكشف والبيان" 4/ 37/ ب، وانظر: "الوسيط" 2/ 57.]]. قال أبو إسحاق: يريد فما استمتعتم به منهن على عقد التزويج الذي جرى ذكره [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 38 بتصرف.]]. ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. أي: مهورهن، فإن استمتع بالدخول بها آتى [[في (د): (إلى).]] المهر تامًا، وإن استمتع بعقد النكاح آتى نصف المهر [[من "معاني الزجاج" بنصه 2/ 38، وانظر: "الطبري" 5/ 12، "تهذيب اللغة" 4/ 3459 (متع). "الكشف والبيان" 4/ 39/ أ.]]. والاستمتاع في اللغة: الانتفاع، وكل ما انتفع به فهو متاع [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 38، "تهذيب اللغة" 4/ 3459 (متع).]]. هذا التفسير هو الذي عليه إجماع الفقهاء وعلماء الأمة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 118، و"الطبري" 5/ 12، "معاني الزجاج" 2/ 38، "الكشف والبيان" 4/ 39 أ.]]. وسُمي المهر في هذه الآية أجرًا لأنه أجر الاستمتاع [[انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 4/ 39 أ.]]. وانتصاب الفريضة ههنا على الحال، أي: مفروضة [[وقيل: مصدر في موضع الحال. انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 406، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 195.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾. قال عطاء: يريد: إذا سميت المهر بعدّة من الدنانير أو الحيوان، فلا حرج بعد ذلك أن تحطّ من عدة الدنانير أو الحيوان، إذا كان ذلك برضا المرأة [[لم أقف عليه، وقد ورد بمعناه عن ابن عباس وابن زيد. انظر: "الطبري " 5/ 14، "زاد المسير" 2/ 54.]]. ففسر هذا التراضي بالحطّ من المهر والإبراء. وقال الزجاج: أي: لا إثم عليكم في أن تَهب المرأة للزوج مهرها، أو يهب الرجل للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول [[العبارة في "معاني الزجاج" 2/ 39: أي لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب إلا لمن دخل بها، وهذه العبارة مشكلة؛ لأن غير المدخول بها يجب لها نصف الصداق بلا هبة لقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237]، إلا أن يكون المراد بعبارة الزجاج هذه: نصف المهر الآخر، ويحتمل التصحيف من النساخ، وعلى كلٍّ فعبارة الزجاج عند المؤلف أوضح وأصوب وقد ذكرها في تفسيره الآخر "الوسيط" 2/ 502.]]. وقيل: هذا في الخُلع، يقول: لا جناح عليكم فيما تَفتدي به المرأة نفسها [[نحوه مَرويّ عن ابن عباس. انظر: "الطبري" 5/ 14، "زاد المسير" 2/ 52.]]. وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بالاستمتاع في هذه الآية المُتعة [[هذا قول لابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. انظر: الطبري 5/ 12 - 13، "الكشف والبيان" 4/ 37 ب.]] التي كانت مُباحةً في ابتداء الإسلام، وهو ما رُوي أن النبي ﷺ، لما قدم مكة في عمرته، تزين نساء أهل مكة، فشكا أصحاب رسول الله ﷺ إليه العُزبة [[العُزبة: من العُزوبة، أي البعد عن النكاح والتجرد عن النساء. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 3/ 228.]]، فقال: "استمتعوا من هذه النساء"، وروي أنه قال: "تمتعوا منهن" [[أخرجه بلفظه الأول أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 73، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 38 ب.]]. وكان الرجل في صدر الإسلام يعطي المرأة دينارًا أو دراهم، أو ما كان، مما يتراضيان به، على أن يستمتع بها يومًا أو أسبوعًا، على ما يتراضيان عليه من الأجل، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليه أن يستبرئ رحمها فإن قال لها: زيديني في الأيام وأزيدك في الأجر كانت المرأة بالخيار، إن شاءت فَعَلت ذلك، وإن شاءت لم تفعل [[انظر: "الطبري" 5/ 13 - 14، "الكشف والبيان" 4/ 38 ب، "النكت والعيون" 1/ 471.]]. قالوا: وذلك قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي: من زيادة الأجل والأجر [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 471، "زاد المسير" 2/ 55.]]. ثم أجمع أكثر هؤلاء على أن هذا الحكم منسوخ [[انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 80.]]، إلا ابن عباس وعمران بن حصين [[هو أبو نُجيد عِمران بن حُصين بن عُبيد الخُزاعي أسلم عام خيبر وغزا مع النبي ﷺ، كان من فضلاء الصحابة ومجابَ الدعوة، مرض فكان على سريره ثلاثين عامًا حتى توفي - رضي الله عنه - سنة 52 هـ وكانت الملائكة تسلم عليه. انظر: "الاستيعاب" 3/ 284 - 285، "أسد الغابة" 4/ 281، "الإصابة" 3/ 26 - 27.]]، فإنهما كانا يريان جواز نِكاح المُتعة [[سيورد المؤلف ما يدل على ذلك عن ابن عباس وعمران بن حصين.]]. كان ابن عباس يُفتي بها. قال عمارة [[هكذا في (أ)، وفي "الدر المنثور" 2/ 253: عمار، بدون تاء.]] مولى الشريد [[تابعي ثقة كما في ثقات العجلي.]]: سألت ابن عباس عن المُتعة، أسِفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال: هي المُتعة كما قال الله. قلت: هل لها من عدة؟ قال نعم، عدتها حيضة. قلت: هل يتوارثان؟ قال: لا [[أخرجه أبو عُبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 80، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 253 بلفظه، وعزاه لابن المنذر.]]. وروى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة [[هو أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود الهُذلي المدني تابعي ثقة ثبت أحد كبار فقهاء المدينة في عصره، جامع بين العلم والصلاح وهو معلم عمر بن عبد العزيز رحمهما الله كان ضرير البصر، وتوفي سنة 94 هـ وقيل غير ذلك. انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 111، "مشاهير علماء الأمصار" ص 64، "التقريب" ص 372 رقم (4309).]]: أن ابن عباس كان يُفتي بها، ويغمصُ [[غَمِصَ-بفتح الميم وكسرها- يَغمِص غمصًا، وهو الاستصغار أو العيب، انظر "الصحاح" 3/ 1047 (غمص). وفي النسخة (أ) تعليق في الحاشية كلمتين أو ثلاث، لم يتبين، والظاهر أنه شرح لهذه الكلمة الغربية.]] ذلك أهلُ العراق، وأَبَى أن ينكل عن ذلك، حتى طفق بعض الشعراء يقول: أقول للركب إذْ طَالَ الثَّواءُ بنا ... يا صَاحِ هَلْ لَك في فُتيا ابن عباسِ هل لك في رَخصة الأطرافِ ناعمة ... تكون مَثواك حتى رجعة الناس [[انظر: "عيون الأخبار" 4/ 59، و"تفسير القرطبي" 5/ 133، و"الدر المنثور"==2/ 487، و"السنن الكبرى" للبيهقي 7/ 205، و"التمهيد" لابن عبد البر 10/ 117، و"أخبار مكة" للفاكهي 3/ 12.]] قال: فازداد لها أهل العلم قَذرًا وبُغضًا، حين قيل فيها الأشعار [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 81، 82، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 38 أ، "الدر المنثور" 2/ 471.]] وقال عمران بن حُصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله عز وجل ولم ينزل آية بعدها تنسخها، وأمرنا بها رسول الله ﷺ وتمتعنا معه، ومات ولم يَنهنا عنه. قال رجلٌ بَعْدُ برأيهِ ما شاء [[أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 38 أ.]]. وجميع الصحابة على أن المتعة منسوخة حرام [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 38 أ.]]. روى الربيع بن (سَبرة) [[في (د): (سبر) بالتذكير، والصواب ما أثبته. انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 73.]] الجهني [[هو الربيع بن سبرة بن معبد الجهني المدني تابعي ثقة، وثقه النسائي وابن حبان وأخرج حديثه مسلم وأهل السنن، عده ابن حجر من الطبقة الثالثة. ولم تذكر سنة وفاته. انظر: "تاريخ الثقات" 1/ 354، "تهذيب التهذيب" 1/ 592، "التقريب" ص 206 رقم (1891).]]، عن أبيه قال: غدوت على رسول الله ﷺ فإذا هو قائم بين الركن والمقام، مسندٌ ظهره إلى الكعبة، يقول: "يا أيها الناس إني كنتُ أمرتُكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرَّم عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليُخَلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 73، ومسلم في "صحيحه" كتاب النكاح، باب: 3 نكاح المتعة 2/ 1025 (ح 21)، وفيهما: " .. ألا وإن الله قد حرم عليكم ذلك .. " بزيادة اسم الإشارة، وهو الأصوب.]]. وروى الحارث بن غُزَيّة [[هو الحارث بن غزَيّة، وقيل: غزية بن الحارث الأنصاري المدني، صحابي جليل روى عن رسول الله ﷺ. انظر: "الاستيعاب" 3/ 318، "أسد الغابة" 1/ 410، "الإصابة" 3/ 185.]] أن رسول الله ﷺ قال: "مُتعة النساء حرام" [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 75.]]. وقال عمر - رضي الله عنه -: لَنْ أُوتَى برجلٍ منكم نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة [[جزء من أثر أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 76، ومسلم (1217) كتاب الحج، باب: في المتعة بالحج والعمرة.]]. وروي عن ابن الحَنفيّة [[هو أبو القاسم أو أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي من أفاضل أهل البيت، ومن العلماء الثقات، عرف بابن الحنفية نسبة إلى أمه من بني حنيفة. توفي - رضي الله عنه - سنة 73 هـ وقيل بعد الثمانين. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 62، "سير أعلام النبلاء" 4/ 110، "التقريب" ص 497 رقم (6157).]]: أن عليًا - رضي الله عنه - مر بابن عباس وهو يفتي بنكاح المتعة أنه لا بأس بها، فقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنها وعن لحوم الحُمُر الأهلية يوم خيبر [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 75، والبخاري (5115) بنحوه في كتاب النكاح، باب: نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة آخرا 6/ 129، ومسلم (1407) كتاب النكاح، باب: نكاح المتعة.]]. قال أبو عبيد: هذا التوقيت يرجع إلى النهي عن لحوم الحُمُر؛ لأن الرخصة في المتعة كانت في عمرة النبي ﷺ، وهي بعد خيبر، والنهي عن المتعةُ مطلق غير مُؤَقت [[انظر: "الناسخ والمنسوخ" ص 75.]]. وكانت عائشة إذا ذُكِر لها المتعة قالت: والله ما نجد في كتاب الله إلا النكاح والاستِسرار، ثم تتلو هذه الآيات الثلاثة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5]، إلى آخرها [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 87، وذكره الثعلبي بمعناه في "الكشف والبيان" 4/ 39 أ.]]. وقال ابن مسعود: المتعة منسوخة، نسخها الطلاق والصَّداق والعِدّة والميراث [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 79.]]. قال أبو عبيد: فالمسلمون اليوم مُجمعون على أن متعة النساء قد نُسخت بالتحريم، نسخها الكتاب والسنة [["الناسخ والمنسوخ" ص 80، وانظر: "البغوي" 2/ 193.]]. هذا قول أهل العلم اليوم جميعًا من أهل العراق، وأهل الحجاز، وأهل الشام، وأصحاب الأثر، وأصحاب الرأي: أنه لا رُخصة فيها لمضطر ولا غيره. وقد رُوي عن ابن عباس شيء شبيه بالرجوع عنها، وهو ما روى عطاء الخرساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قال: نسختها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 83، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 191، 192، وضعفه المحقق إسناده.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ أي: بما يُصْلِح أمر العباد (حكيمً) فيما بين [[في "معاني الزجاج" 2/ 39: فرض.]] لهم من عقد النكاح الذي به حُفظت الأموال والأنساب [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 39.]].

النساء 4:25

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية. قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الطَّول: الغنى والسعة [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 15. والأثر عن ابن عباس في "تفسيره" من طريق علي بن أبي طلحة ص 142، وعن مجاهد في "تفسيره" 1/ 152، وانظر: "زاد المسير" 2/ 55، "الدر المنثور" 2/ 253 - 254.]]. وقال الفراء: الطّول: الفضل، يقال: طال عليه يطول طَولًا في الإفضال. ولفلان على فلان طَول، أي: فضل [[لم أجده في "معاني القرآن" للفراء، فلعله في كتابه "المصادر" وهو مفقود، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2156.]]. وقال ابن المظفر والزجاج: الطول: القُدرة [["العين" 7/ 450 (طول)، "معاني الزجاج" 2/ 40، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2156.]]. يقال: فلان ذو طول، أي: ذو قدرة في ماله [[في "العين" 7/ 450 دون لفظ: ماله.]]، وقيل في تفسير قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: 3] ذي القدرة. وهذه الأقوال كلها في المعنى واحد. وُيراد بالقدرة ههنا القدرة على المهر [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 40، و"تهذيب اللغة" 3/ 2156.]]، وأصل الطَّول من الطُّول خِلاف القِصَر [[انظر: "العين" 7/ 450 (طول)، والطبري 5/ 15 - 16.]]، وذلك أن الغني يُنال به معاني الأمور، كالطول في أنه يُنال به ما لا ينال بالقِصَر. واشتقاق الطائل من الطول، يقال للشيء إذا لم يكن ذا مَنٍّ يُرغب فيه: هذا شيء غير طائل [[انظر: "العين" 7/ 450، و"تهذيب اللغة" 3/ 2156.]]. ومنه: لقد زادني حبًّا لنفسيَ أَنَّني ... بغيضٌ إلى كُلِّ امرئ غيرِ طائلِ [[البيت للطرماح في "ديوانه" ص 100، و"الأغاني" 12/ 50، و"الحيوان" 3/ 112، و"الشعر والشعراء" ص 585، و"ديوان الحماسة" 1/ 76، و"عيون الأخبار" 3/ 112، و"الوساطة" ص 247، و"المثل السائر" 2/ 353، و"الكشاف" 1/ 531، و"البحر" 3/ 204.]] وقوله تعالى:. ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال ابن عباس وغيره: يريد الحرائر [["تفسير ابن عباس" ص 143، وأخرجه الطبري 5/ 17.]]. فمن فتح الصاد [[أي من: المحصنات، وهذه قراءة الجمهور.]] أراد أنهن أُحصِنّ لحريتهن، ولم تُبتذل كالأَمَة، فهن محصَنات، ومن كسر الصاد [[قراءة الكسائي.]] أراد أنهن أحصن أنفسهن لحريتهن، ولم يبرُزن بروزَ الأمة، فهن مُحصِنات [[في توجيه القراءتين ينظر الطبري 5/ 17 - 18.]]. وتقييد المحصنات ههنا بالمؤمنات، ووصفهن بالإيمان يفيد عند من يقول بالمفهوم أن من وجد طول حرة كتابية لم يكن ممنوعًا عن نكاح الأمَة [[أي: المؤمنة.]]، وإنما يُمنع إذا وجد طَول حرة مؤمنة كما ذكر الله تعالى. هذا مذهب أكثر أصحابنا [[انظر "المجموع شرح المهذب" 17/ 344، وقد رجح هذا القول ابن العربي من المالكية في تفسيره "أحكام القرآن" 1/ 393، وانظر: القرطبي 5/ 138.]]. ومنهم من يقول: إذا قدر على طَول حرّة كتابية منع من نكاح الأَمَة، كما لو قدر على طول حرة مؤمنة [[هذا ما رجحه الشيرازي، انظر: "المجموع" 17/ 344، والقرطبي 5/ 138.]]. ويُحتمل هذا التقييد على غالب الحال؛ لأنّ الغالب من نكاح المسلمين مناكحة المسلمات، والخطاب ربما يأتي مقيدًا بغالب الحال، فلا يكون له مفهوم يُخالف المنظوم، كقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 101]، ثم لم يكن الخوف مشروطًا في جواز القصر، ولكنه نزل على الغالب، وكان الغالب من أسفارهم الخوف، ولهذا نظائر [[هذا الاحتمال يرجح القول الأول.]]. وقوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. أي: فليتزوج مما ملكت أيمانكم. قال ابن عباس: يريد جارية أخيك في الإسلام [[بمعناه في "تفسير ابن عباس" ص143، وأخرجه الطبري 5/ 19 - 20، وانظر "الدر المنثور" 2/ 253.]]. ولا يجوز للإنسان أن يتزوج جاريةَ نفسِه بالإجماع [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 139.]]، ومعنى قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هو أن يتزوج الرجل ما يملك غيره ممّن يكون على مثل حاله من الإسلام. فأباح أن ينكح بعضنا فتاة بعض، كما فسره ابن عباس. وقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. الفتيات: المملوكات والإماء. جمع فتاة، تقول العرب للأَمَة: فتاة، وللعبد: فتى [["معاني الزجاج" 2/ 40.]]. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقولن أحُدكم: عبدي، ولكن لِيَقُل: فتاي وفتاتي" [[أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (2249) كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب، حكم إطلاق لفظة العبد.]]. وقال ابن السكيت: يقال: (تفتّت) [[في النسختين: لفتت، والتصويب من "تهذيب اللغة" 3/ 2730 ("فتح الوهاب" للأنصاري).]] الجارية، إذا راهقت فخُدِرت [[أي: ألزمت الخِدر وسُتِرت في البيت. حاشية 2 من "تهذيب اللغة" 3/ 2730 (فتا).]] ومُنِعت من اللعب مع الصبيان. وقد فتيت تفتيةً. ويقال للجارية الحَدثة: فتاة، وللغلام: فتى [["تهذيب اللغة" 3/ 2730 (فتا).]]. أبو عبيد: الفتاء ممدود مصدر الفِتيّ في السن. وأنشد: إذا عاش الفتى مائتين عامًا ... فقد ذهب اللذاذة والفَتَاء [["غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 333، "تهذيب اللغة" 3/ 2730 (فتا)، والبيت للربيع بن ضبع الفزاري كما عند سيبويه 1/ 208، "اللسان" 6/ 3347 (فتا)؛ ونسبه سيبويه مرة أخرى إلى يزيد بن ضبة. انظر: "الكتاب" 2/ 162.]] فالفتاة الشابة، والفتاة الأمَة، عجوزًا كانت أو شابة [[انظر: الطبري 5/ 18.]]؛ لأنها كالشابة في أنه لا تُوقر توقير الكبير. وقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أفاد هذا التقييد أنه لا يجوز التزوّج بالأَمَة الكِتابية، سواءٌ كان الزوج حرًا أو عبدًا. وهذا قول مجاهد [["تفسيره" 1/ 152، والطبري 5/ 18.]]، وسعيد [[لم أقف عليه.]]، والحسن [[أورد الأثر عنه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 254، وعزاه لابن أبي شيبة.]]، ومذهب مالك [[خرج قوله الطبري 5/ 18، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 195، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 140.]]، والشافعي [["الأم" 5/ 6، وانظر: "أحكام القرآن" للهراسي 2/ 289، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 140.]]. ومذهب أهل العراق أنه يجوز التزّوج بالأمَة الكِتابية [[انظر: الطبري 5/ 18، والقرطبي 5/ 140.]]. والآية حجة عليهم [[انظر: الطبري 5/ 18 - 19.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾. قال الزجاج: أي: اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم متعبدون بما ظهر، (والله يتولى السرائر والحقائق) [["معاني الزجاج" 2/ 40، وما بين القوسين زيادة على ما فيه.]]. وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. ذكر أهل المعاني الزجاج وابن الأنباري وغيرهما، فيه وجهين: أحدهما: كلكم بنو آدم وولده، فلا يتداخلنكم شموخ وأنفَة من تزّوج الإماء عند الضرورة، فإنكم تتساوون في أنكم بنو آدم. فعلى هذا قوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: في النسَب [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 41، "زاد المسير" 2/ 75.]]. والثاني: أن المعنى: بعضكم يوالي بعضًا، ويُلابس بعضًا في ظاهر الحكم، من حيث شملكم الإسلام، فاجتمعتم فيه، وصرتم متكافئين متماثلين بجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه. قال الراعي: فقُلت ما أنا مِمَّن لا يواصِلُني ... ولا ثَوائِي إلا ريثَ أَحْتَمِلَ [["ديوانه" ص 197، "أساس البلاغة" ص 186 (ريث)، وقافيته في الأساس: أرتحل. ومعنى يواصلني: يوافقنى.]] أي: لا ألابس من لا يواصلني ولا أواليه. والمعنى: دينكم واحد فأنتم متساوون في هذه الجهة، فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له تزّوج الأمَة [[انظر: "معانى الزجاج" 2/ 41]]. قال الزجاج: ويُقَوِّي هذا الوجه أنه ذكر ههنا المؤمنات من العبيد [["معاني الزجاج" 2/ 41، دون لفظ: ويقوي هذا الوجه.]] والى هذا أشار ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال: يريد: المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض [[لم أقف عليه.]]. قالوا: وإنما قيل لهم ذلك؛ لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفتخر بالأحساب، وتُعَيِّر بالهُجنة، وتُسمي ابن الأَمَة الهَجِين، فأعلمَ الله أن أمر العبيد وغيرهم مستوي [[هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مستوٍ بحذف الياء.]] في باب الإيمان. وإنما حرم التزّوج بالأمة إذا وُجد إلى الحرة سبيل لمعنيين: أحدهما: أن ولد الحُرّ من المملوك [[هكذا في (أ)، ولعل الصواب: المملوكة.]] مملوك لسيدها، فلا يجوز له إرقاق ولده ما دام مستغنيًا. والثاني: أنّ الأَمَة مُستَخدمةٌ في الحاجات، مُمتهنة بكثَرة عِشرة الرجال وذلك شاق على الزوج [[من قوله: (قالوا: ..) من "معاني الزجاج" 2/ 41 بتصرف يسير.]]. وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: أي: مهورهن [[الطبري 5/ 19، "الكشف والبيان" 4/ 40 أ.]]. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: من غير مَطْل وضِرَار [["الكشف والبيان" 4/ 40 أ.]]. والإجماع على أن المهر إنما يدفع إلى مولاها؛ لأنه ملكه، وإنما أضيف الإيتاء إليهن؛ لأنه ثمن بُضعهن، وإذا آتى المولى فقد آتاها؛ لأنه وإن آتاها كان لمولاها انتزاعه منها. وقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ قال ابن عباس وغيره: يريد عفائف [[من أثر في "تفسير ابن عباس" ص 143، وأخرجه الطبري 5/ 20.]]. وهو الحال من قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ [[أي: من الهاء والنون هن. انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 195.]]. وظاهر هذا يوجب أن نكاح الزواني من الإماء حرام. واختلف الناس في نكاح الزواني من الحرائر، وسنذكر ذلك عند قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: 3] والأكثرون على أنه يجوز نكاح الزانية، وأن قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: 3]، منسوخ بقوله. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] [[ممن قال بالنسخ سعيد بن المسيب من التابعين. انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 100.]]. والذي في هذه الآية محمول على الندب والاستحباب. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَات﴾ أي: غير زواني [[انظر: الطبري 5/ 19، "الكشف والبيان" 4/ 40 أ.]]. ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ جمع خِدْن، والخِدنْ والخَدِين الذي يُخادنك يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، وخِدْن الجارية مُخَدَّنها [["العين" 4/ 232، "تهذيب اللغة" 1/ 996 (خدن)، وآخر كلمة جاءت فيهما: مُحدثها، ولعله هو الصواب.]]. قال قتادة والضحاك وأهل التفسير: المُسافِحة التي تؤاجر نفسها مُعلِنَةً بالزنا. يزنين بمن لقيهن من غير ميعاد، ويَسفحن [[في (د): (يسفح).]] مياههن. والتي تتخذ الخِدْن هي التي تزني سرًّا [[هذا نحو قول قتادة والضحاك، وقد أخرج الأثرين عنهما الطبري 5/ 20، وانظر: ابن كثير: 1/ 518 - 99.]]. وكانت العرب في الجاهلية يعيبون الزنا العلانية، ولا يكادون يعيبون اتخاذ الأخدان فجاء الله بالإسلام فهدم ذلك، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [[هذا معنى قول لابن عباس أخرجه الطبري 5/ 19 - 20، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 254.]] [الأعراف: 33]، وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. وقال الشعبي: الزنا على نحوين خبيثين، أحدهما أخبث من الآخر، فأما الذي هو أخبثهما فالسفاح، وهو الفجور بمن أتاها، والثاني: اتخاذ الخدن، وهو الزنا في السر [[أخرجه الطبري بنحوه 5/ 20، وانظر: ابن كثير 1/ 518.]]. قال قتادة: ونهى الله عن نكاح المُسَافِحة وذات الخِدْن [[بمعناه عن قتادة، وهو جزء من الأثر المتقدم عنه، وقد أخرجه الطبري 5/ 20.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. قرئ بالوجهين؛ فمن ضم الألف [[هذه القراءة لابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم، وأبي جعفر ويعقوب. انظر "السبعة" ص 231، "الحجة" 3/ 151، "المبسوط" ص 156.]] فمعناه: أُحصنّ بالأزواج، على معنى: تَزوجْن [[انظر: الطبري 5/ 21، "الحجة" 3/ 148، 151.]]. قاله ابن عباس، وسعيد ابن جبير والحسن ومجاهد وقتادة [[أخرج أقوالهم الطبري 5/ 23 - 24، وابن كثير 1/ 519، وقد رجح ابن كثير هذا المعنى.]]. ومن فتح الألف [[هذه القراءة لحمزة والكسائي وخلف. انظر: "السبعة" / 231، "الحجة" 3/ 151، "المبسوط" ص 156.]] فمعناه: أَسلَمْن [[انظر: الطبري 5/ 21، "الحجة" 3/ 148.]]. كذلك قال عمر، وابن مسعود، والشعبي وإبراهيم والسدي [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 22 - 23.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ يريد: زنا [[الطبري 5/ 24، "الكشف والبيان" 4/ 40 أ.]]. ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: عليهن نصف الحدّ [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 123، والطبري 5/ 24.]]. والمحصنات ههنا الأبكار اللاتي أحصنهن العفاف [[لعل قصد المؤلف: الأبكار الحرائر. انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 124، والطبري 5/ 24، "معاني الزجاج" 2/ 41، والثعلبي 4/ 40 أ.]]، وحَدُّهن مائة، ويتنصف ذلك في حق الأمَة إذا زنَت [[انظر: الطبري 5/ 24، والثعلبي 4/ 40 أ.]]. وإن حملنا المحصنات على فوات الزوج لم يَسْهُل؛ لأن حدّهن الرجم، ولا يتنصف الرجم، ولا مدخل له في هذا العبيد [[انظر "معاني الزجاج" 2/ 41]]. ويقال لم شرط الإحصان في حد الإماء، والإحصان في قوله: ﴿أُحْصِنَّ﴾، و ﴿أَحصنَّ﴾ على اختلاف القراءتين فُسر بالتزوج والإسلام وليس واحد منهما شرطًا في وجوب الحد على الأَمَة إذا زنت؛ فإن الكافرة إذا زنت كان حدها خمسين جلدة، وكذلك الخالية عن الزوج؟ والجواب: أن من فسر الإحصان ههنا بالإسلام قال: إنها إذا كانت كافرة لم يكن عليها سبيل، إلا بأن ترضى بحكمنا. وإذا كانت مسلمة أقمنا عليها الحد، ففائدة ذكر الإسلام راجعة إلى أصل إقامة الحد مع بيان قَدرِه. ومن فسر الإحصان بالتزوّج قال: فائدة ذكره ههنا أن الحرة المحصنة بالزوج حدها الرجم، فقيد الله تعالى حكم الأَمَة عند ذكر الحد بالإحصان، إذ لو نص على غير حالة الإحصان بالنكاح لم يبعد أن يَتوهّم مُتوهِّم وجوب الرجم عليها إذا زنت وهي متزوجة، من حيث لم يكن للرجم نصف، كما استوت الحُرّة والأَمَة في قطع السرقة لَمّا لم يكن للقطع نصف [[انظر: "زاد المسير" 2/ 58.]]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. الإشارة تعود إلى نكاح الأمَة عند عدم الطول [[انظر: الطبري 5/ 24، "معاني الزجاج" 2/ 42، والثعلبي 4/ 40 ب.]]. وذكرنا معنى العنت والإعنات في اللغة عند قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220] وقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118]. وفسر العنت ههنا: الزنا في قول ابن عباس وسعيد بن جبير وعطية والضحاك وابن زيد [[الأثر عن ابن عباس في "تفسيره" ص 143، وأخرجه عنه وعن الباقين إلا ابن زيد الطبري 5/ 24 - 25، وانظر: "زاد المسير" 2/ 58، وقد ذكر أن هذا قول ابن زيد.]]. وبيان هذا ما ذكره المُبرَّد: ذلك لمن خاف أن يحمله شدة الشبَق، والغُلمة على الزنا، فيلقى العذاب العظيم في الآخرة، والحد في الدنيا [[الظاهر أن هذا الكلام ليس للمبرد، فقد قال الزجاج في "معانيه" 2/ 42: قال أبو العباس -وهو المبرد-: (العنت) ههنا الهلاك، وقال غيره: معناه: ذلك لمن خشى أن تحمله الشهوة .. إلخ نحو ما ذكره المؤلف هنا. والله أعلم. انظر. "تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت).]]. وإنما سمي الزنا العَنَت من المشقة في الدنيا والآخرة. وقال عطاء: العَنَت المشقة في شدة الغُربة [[هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالعين المهملة والزاي. انظر "تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت).]]. وهذا اختيار الزجاج، قال: العنت في اللغة المشقة الشديدة، يقال: أَكَمةٌ عنوت، إذا كانت شاقّة المَصعد [["معاني الزجاج" 2/ 42، إلا أنه ليس فيه كلمة (المصعد)، وقد أثبتها الأزهري في "التهذيب" 3/ 2585 (عنت)، فقد يكون الواحدي أخذ عن الأزهري، ويؤيده ما بعده.]]. قال الأزهري: وهذا الذي قاله أبو إسحاق صحيح، فإذا شقّ على الرجل الغربة [[هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالحين المهملة والزاي. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت).]] وغلبته الغُلمة، ولم يجد ما يتزوج به حرة، فله أن ينكح أَمَة؛ لأن غلبة الشهوة واجتماع الماء في صُلب الرجل ربما آذى [[في (د) أدى. لعل في الكلام سقطًا أو حذفًا، فالظاهر أنه لم يتم الكلام، وفي "تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت) -والكلام للأزهرى- ربما أدى إلى العلة الصعبة.]]. وحكى أبو إسحاق، عن بعضهم: قال: معناه أن يعشق الأمَة. قال [[أي: أبو إسحاق الزجاج.]]: وليس في الآية ذكر العشق، ولكن ذا العشق يلقى عنتًا [["معاني الزجاج" 2/ 42.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. أباح الله تعالى نكاح الأمَة بشرطين: أحدهما: في أول الآية، وهو عدم الطَّول. والثاني: في آخرها، وهو خوف العنت. ثم قال مع ذلك: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ يريد: عن تزوج الإماء. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 25 - 26، وانظر: "زاد المسير" 2/ 59، "الدر المنثور" 2/ 256.]]. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ألا يصير الولد عبدًا [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 42.]].

النساء 4:26

قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية. اختلفت النحوية [[هكذا في (أ)، (د). ومراده النُّحاة.]] في وجه اللام في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾. فقال الفراء: العرب تجعل اللام التي بمعنى (كي) في موضع (أن) في: أردت وأمرت، فتقول: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم. قال الله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71]، وقال في موضع آخر: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: 14]، وقال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: 8]، و ﴿أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: 32]. وإنما صلحت اللام في موضع أن في: أمرت وأردت؛ لأنهما يطلبان المستقبل، ولا يصلحان مع الماضي، ألا ترى أنك تقول: أمرتك أن تقوم، ولا يصلح: أمرتك أن قمت. (وكذلك: أردت أن تقوم، ولا يصلح: أردت أن قمت) [[ما بين القوسين ليس في "معاني القرآن" المطبوع لديّ، فقد يكون ساقطًا منه، وهذا يدل على أهمية "البسيط" في تكميل لبعض الناقص من المصادر المتقدمة.]]. فلما رأوا (أن) في غير هذين تكون للماضي وللمستقبل استوثقوا لمعنى الاستقبال بكَي وباللام التي على [[في "معاني الفراء" 1/ 262 بدل على: في.]] معنى كي، (وربما جمعوا بين اللام وكي) [[ما بين القوسين ليس في "معاني الفراء" المطبوع لديّ.]] وربما جمعوا بين ثلاثتهن، وأنشد [[عند الفراء: وأنشدني أبو ثروان.]]: أردت لكيما لَا ترى لي عَثرة ... ومن ذا [[في (أ)، (د): (ذى).]] الذي يُعطى الكَمال فيكمُلُ [[ينظر: "همع الهوامع" 2/ 371، و"خزانة الأدب" 8/ 486، و"اللسان" (أثل)، و"الأمالي" 2/ 46.]] فجمع بين اللام و (بين) [[ليس في (د).]] كي. وقال الله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: 23]. وقال الآخر [[في (أ)، (د) الآ، فقد يكون سقط آخر الكلمة سهوًا من الناسخ.]] في الجمع بينهن: أردتَ لِكَيمَا أنْ تَطِير بِقِربتي ... فتتركُها شنًّا ببَيْداءَ بَلْقَعِ [[البيت غير منسوب في الطبري 5/ 27، "الإنصاف" للأنباري ص 466. وجاء في حاشيته: .. وشنًا: أي يابسة متخرقة، والبيداء: الصحراء التي يبيد سالكها. أي يهلك، والبلقع الخالية. والشاهد منه أن الشاعر أظهر أن بعد: كي.]] وإنما جمعوا بينهما [[في "معاني الفراء" (بينهن) بالجمع، وكذلك بقية الضمائر.]] لاتفاقهما في المعنى، واختلاف لفظهما [["معاني الفراء" 1/ 261، 262، وانظر: "تفسير الطبري" 5/ 26 - 28، "معاني الزجاج" 2/ 32، 43،، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 409، "الكشف والبيان" 4/ 40 ب.]]. وأنكر الزجاج أن تقع اللام في معنى (أن)، واستشهد على ذلك بقول الشاعر: أردت لِكَيما يعلمُ الناس أنها ... سراويل سعدٍ [[في "معاني الزجاج" 2/ 43: قيس بدل: سعد، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 409. وهو الصواب كما سيأتي في الكلام على البيت.]] والوُفود شْهوُد [[البيت لقيس بن سعد بن عُبادة في قصةٍ أوردها المُبَرِّد في "الكامل" 2/ 152. خلاصتها: أن ملك الروم بعث رجلًا طويلا إلى معاوية - رضي الله عنه - يتحداه أن يجد أطول منه، وكان قيس بن سعد آيةً في الطول، فبعث إليه معاوية، فلما حضر وعلم الخبر خلع سراويله وأمر الرومي بلبسها فبلغت ثندوته، فخجل الرومي وضحك القوم، لكن قيسًا ليم على ذلك، فقال أبياتًا هذا مطلعها.]] فلو كانت بمعنى أن لم تدخل على كي، كما لا يدخل عليها أن. (ومذهب سيبويه وأصحابه أن اللام فى خلت في هذا وأشباهه على تقدير المصدر، أي: الإرادة للبيان) [[ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج".]]، كما قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43]، أي: إن كانت عبارتكم للرؤيا، وكذلك قوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] أي: الذين هم رهبتهم لربهم [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 43 بتصرف.]]. وأنشدوا لكُثَيّر: أُريد لأنّسى ذِكرَها فكأنما ... تَخَيَّل لي ليلى بكل سبيلِ [["ديوانه" ص 108، "المحتسب" 2/ 32، والبيت غير منسوب في "الكشف والبيان" 4/ 41 أ.]] أي: إرادتي لهذا. فأما التفسير، فقال ابن عباس: يريد الله ليبين لكم ما يبعدكم منه ويقربكم إلى طاعته [[لم أقف عليه، وقد ذكر الثعلبي معناه عن عطاء. انظر: "الكشف والبيان" 4/ 41 أ، "معالم التنزيل" 2/ 198.]]. وقال الكلبي: يريد الله ليبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم [[من "الكشف والبيان"4/ 41 أ، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 348، "معالم التنزيل" 2/ 198، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 82]]. وقال غيره: يريد الله أن يبين لكم شرائع دينكم ومصالح أمركم [[قال ذلك الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 41 أ، لكن فيه: أموركم بدل: أمركم.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد دين إبراهيم وإسماعيل، دين الحنيفية [[لم أقف عليه]]. وقال الزجاج: أي: يدلكم على طاعته، كما دل الأنبياء والذين اتبعوهم من قبلكم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 43.]]. وقال مقاتل [[هو مقاتل بن حيان كما في "الدر المنثور" 2/ 256.]]: ويهديكم سنن الذين من قبلكم من تحريم الأمهات والبنات وكذلك كانت سنّة الذين من قبلكم [[ذكره بمعناه السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 348، وأورده السيوطي بلفظه في "الدر المنثور" 2/ 256، وعزاه لابن أبي حاتم في تفسيره، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 41 أ.]]. وقال الكلبي: يقول: هكذا حرمت على مَن كان قبلكم من أهل التوراة، والإنجيل، و (الزبور) [[في (أ) كأنها: (الربيون).]]، وسائر الكتب [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص82.]]. فالبيان على قول هذين خاص في المحرمات وإن عم اللفظ؛ لأن الشرائع مختلفة. وقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: حتى لا تعرفوا غيره ولا تدعوا معه إلهًا آخر [[لم أقف عليه. وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 82]]. وبيان هذا المعنى ما قاله محمد بن جرير: يعني: يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها [[في (أ): (عليه).]] قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها. وإذا فعل بهم ذلك لم يعرفوا غيره إلهًا [[انتهى من "تفسير الطبري" 5/ 27 بمعناه.]]. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يُصلحكم في تدبيره فيكم [[انظر: الطبري 5/ 27، "الكشف والبيان" 4/ 41 ب.]].

النساء 4:27

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد أن يخُرجكم من كل ما يكره إلى ما يُحِب ويرضى [[لم أقف عليه، وقد أورد المؤلف هذا التفسير دون نسبة لابن عباس في كتابه "الوسيط" 2/ 508.]]. وقال ابن كيسان: والله يأمركم بما فيه المغفرة لذنوبكم. وقال الزجاج: أي: يدلكم على ما يكون سببًا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 43.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال ابن عباس: يريد الزنا وما لم يحلّ لكم [[أخرجه ابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 257.]]. وكذلك قال مجاهد: هم الزناة، يريدون أن يزني أهل الإسلام، وهو قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [[الأثر في "تفسير مجاهد" 1/ 153 مختصرًا، وأخرجه الطبري بنحوه من طرق. "جامع البيان" 5/ 28، وانظر: "زاد المسير" 2/ 60 ، "الدر المنثور" 2/ 257.]]. وقال السدي: هم اليهود؛ تقول: نكاح الأخت من الأب حلال [[أخرجه الطبري 5/ 29 بلفظ: هم اليهود والنصارى. وكذلك ابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 257.]]. وهو قول مقاتل [[مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 368، وانظر "زاد المسير" 2/ 60.]]. وقال ابن زيد: هم جميع أهل الباطل في دينهم [[أخرجه الطبري 5/ 29، وانظر: "زاد المسير" 2/ 60.]]. وهذا هو الأظهر من هذه الأقاويل؛ لأنه على معنى العموم الموافق لظاهر اللفظ [[هذا هو اختيار ابن جرير. انظر: "تفسيره" 5/ 29.]]. وفي هذا دلالة على أن من اتبع شهوته فيما يحل لا يوصف باتباع الشهوة، ولا يُطلق عليه هذا الوصف؛ لأن الله تعالى أطلق على المُبطِلين ممن يتبعون شهواتهم (فيما) [[في (أ): (فيها) بالهاء.]] لا يحل. والشهوات جمع شهوة، والشهوة في الأصل مصدر شهَيت الشيء أشهى شهوةً فهو شهيّ. ورجل شهوات [[هكذا في (أ)، (د): بالتاء، ولعل الصواب بالنون (شهوان)، انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 355، "اللسان" 4/ 2354 (شها).]]، ورجال شَهاوى [[في (د): (شهاون)، والصواب ما أثبته. انظر المصادر السابقة.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]. أي: عن الحق وقصد السبيل بالمعصية مخصوصة [[يبدو أن في الكلام سقطًا. والله أعلم.]]، بشّرهم الله بأن إرادته فيهم التوبة. وليس فيها دليل على أنه لا يريد كفر الكافر [[الله سبحانه يريد كفر الكافر قدرًا ولا يريده شرعًا. انظر "مجموع الفتاوى" 8/ 159.]].

النساء 4:28

قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾. خص بعضهم التخفيف في هذه الآية، فقال: المراد به نكاح الأمَة عند الضرورة. وهو قول مجاهد [["تفسيره" 1/ 153، وأخرج الأثر عنه الطبري 5/ 30، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر "الدر المنثور" 2/ 257.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 368.]]. والباقون قالوا: هذا عام في كل أحكام الشرع، وفي جميع ما يَسّره لنا وسهّله علينا إحسانًا منه إلينا، ولم يُثَقِّل التكليف علينا كما ثَقّل على بني إسرائيل بفضله ولُطفه. وعلى العموم دل كلام ابن عباس في تفسيره هذا التخفيف فقال: يريد شدة المئونة يخففها عنكم [[لم أقف عليه، وأنظر "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 83.]]. وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]. قال ابن عباس. يَضعُف عن الصبر عن الجِماع [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف 83.]]. وبهذا قال أكثرهم. قال الكلبي وطاوس: لا يصبر عن النساء [[ذكر قول الكلبي الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 41 ب. وأخرج الأثر عن طاوس عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 154، والطبري 5/ 30، وابن المنذر وابن أبي حاتم؛ انظر: "الدر المنثور" 2/ 257.]]. وقال ابن كيسان والزجاج: أي: يستميله هواه وشهوته فهو ضعيف في ذلك [[انظر "معاني الزجاج" 2/ 44، "الكشف والبيان" 4/ 41 ب، 42 أ، "زاد المسير" 2/ 60.]]. وقال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين [[من "الكشف والبيان" 4/ 41 ب، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 60؛ وانظر: "تفسير الحسن" 1/ 271.]].

النساء 4:29

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. قال أهل المعاني: خص الله تعالى الأكل بالنهي عنه تنبيهًا على غيره؛ لأنه أيضًا لا يجوز جمع المال من الباطل، ولا هِبتُه، ولا التصرف فيه. ولكن المعظم والمقصود من المال الأكل والإنفاق، فنص عليه تنبيهًا على غيره، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء: 10]، وكما يحرم أكل مال اليتيم بالظلم يحرم إنفاقه في غير الأكل. وقوله تعالى: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ قال ابن عباس: يريد بما لم يحله لكم [[لم أقف عليه، وقد ذكر المؤلف نحوه في "الوسيط" 2/ 510 دون نسبة لأحد.]]. وقال الكلبي: يقول: لا تأكلوها إلا بحقها [[لم أقف عليه.]]. قال أصحاب المعاني: الباطل اسم جامع لكل ما لا يَحلّ في الشرع كالربا والغصب والسرقة والخيانة وكل محرم محظور. نهى بهذه الآية عن جميع المكاسب الباطلة بالشرع. قال الزجاج: حرم الله عز وجل المال، إلا أن يُؤخذ [[في "معاني الزجاج" (يوجد) ولعل المثبت هنا أصوب.]] على السبيل [[في "معاني الزجاج" (السبل) بالجمع.]] الذي ذكر من الفرائض في المواريث والمهور والتسري [[في (أ)، (د) والشرى، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 44.]] والبيع والصدقات التي ذُكرت وجوهها [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 44]]. ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وأجمعوا على أن هذا استثناء منقطع؛ لأن التجارة عن تراض ليست من أكل المال بالباطل [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 510، "الحجة" 3/ 152، "الكشف والبيان" 4/ 41 أ.]]. واختلف القراء في التجارة فرفعها بعضهم [[هذه القراءة لأبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو ابن عامر ويعقوب، انظر: "الحجة" 3/ 152، "المبسوط" ص 156.]]، على معنى إلا أن يقع تجارة [[انظر: "الطبري" 5/ 31.]]. ومن نصب [[قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف، انظر "الحجة" 3/ 152، "المبسوط" ص 156.]] فعلى تقدير: إلا أن تكون التجارةُ تجارة [["الحجة" 3/ 152، والطبري 5/ 31.]]، كما قال: أعينَيّ هَلّا تبكيان عِفاقًا [[في (د): (عباقا).]] ... إذا كان طَعنًا بينهم وعناقًا [[انظر: "جامع البيان" 3/ 132.]] أو يكون على حذف المضاف بتقدير: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، ثم تحذف المضاف وتُقيم المضاف إليه مقامه [["الحجة" 3/ 152.]]. والاختيار الرفع لمعنيين: أحدهما: أن الرفع أدل على انقطاع الاستثناء، وأن الأول محرّم على الاطلاق، والثاني: أن من نصب أضمر التجارة، فقال: معناه: إلا أن تكون التجارة تجارة. والإضمار قبل الذكر ليس بقوي، وإن كان جائزًا [[هكذا في (أ).]]، ومعنى قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ هو أن يكون عليه، فذلك باطل لم يدخل فيما أباحه الله من البيع [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 510. وابن جرير الطبري اختار خلاف رأي المؤلف ومال إلى قراءة النصب، هذا وإن كان كل من القراءتين صوابًا جائزًا القراءة بهما. انظر: الطبري 5/ 31 - 32.]]. وقال عطاء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: ليس فيها شيء من الربا [[لم أقف عليه.]] وذلك أن البيع إذا قُصد به الربا قلّ ما يقع التراضي به، وإذا لم يوجد التراضي لم يحلّ. وذهب كثير من أهل التأويل إلى أن التراضي في التجارة أن يكون خيار المتبايعين باقيًا إلى أن يتفرقا عن المجلس [[انظر الطبري 5/ 32، "الكشف والبيان" 4/ 42 ب.]]. وهذا قول شريح [[هو أبو أمية شُرَيح بن الحارث بن قيس الكوفي القاضي الشهير، يقال إنه حكم سبعين سنة وهو ثقة، وقيل إن له صحبة، وكان قائفًا شاعرًا، مات سنة 78 هـ وقيل بعدها. انظر "مشاهير علماء الأمصار" ص 99، "سير أعلام النبلاء" 4/ 100، "التقريب" ص 265 رقم (2774).]] وابن سيرين والشعبي [[أخرج قول شريح والشعبي الطبري 5/ 32 - 33، أما ابن سيرين فهو الراوي عن شريح كما في الطبري.]]، ومذهب الشافعي [[انظر: "الأم" 3/ 4، "سنن الترمذي" 3/ 539.]]، ويدل على هذا ما روي أن النبي ﷺ قال: "ألا لا يتفرقَنّ بيعان إلا عن رضى" [[أخرجه الطبري من حديث أبي قلابة 5/ 34 وهو مرسل؛ لأن أبا قلابة تابعي كما نبه على ذلك أحمد شاكر -رحمه الله- وعزاه أيضا للبيهقي في "السنن الكبرى" وقد أخرج أبو داود (3458) كتاب البيوع، باب: في خيار المتبايعين حديث أبي هريرة ولفظه: لا يفترقن اثنان إلا عن تراض 3/ 737، وأخرج الترمذي (1248) كتاب البيوع، باب: 27؛ وقال: حيث غريب، والطبري 5/ 34.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا. وهذا قول عطاء [[هو عطاء بن أبي رباح وقد أخرج الأثر عنه الطبري 5/ 35.]]، والحسن [[من "الكشف والبيان" 4/ 42 ب، وانظر "زاد المسير" 2/ 61، "تفسير الحسن" 1/ 272.]]، والكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 83]]، والزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 44.]]، والأكثرين [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، والطبري 5/ 35، و"بحر العلوم" 1/ 249، والثعلبي 4/ 42 ب، و"زاد المسير" 2/ 61.]] وإنما قال: (أنفسكم) لأنهم أهل دين واحد، فهم كالنفس الواحدة، فجرى على قول العرب: قتلنا وربّ الكعبة. إذا قتل بعضهم؛ لأن قتل بعضهم كالقتل لهم [[انظر: "الطبري" 5/ 35، "بحر العلوم" 1/ 349.]]. وذهب قوم إلى أن هذا نهي للإنسان عن قتل نفسه، فقال أبو عبيدة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لا تهلكوها [["مجاز القرآن" 1/ 124، وانظر: "زاد المسير" 2/ 61.]]. ويؤيد هذا حديث عمرو بن العاص [[هو أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، تقدمت ترجمتة]]، وهو أنه احتلم في بعض أسفاره، وخاف الهلاك على نفسه من الاغتسال، فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: أشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت وصليت، فضحك رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئًا [[أخرجه الإمام أحمد 4/ 203، والبخاري تعليقًا بصيغة التمريض 1/ 454 كتاب التيمم، باب: 7 إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت ..... ، وأبو داود == (434) كتاب الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم؟ والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 42/ ب، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 513.]]. والقول الأول أظهر، وهذا الثاني يدخل تحت دلالة الأول؛ لأنه إذا حرم عليه قتل غيره من أهل دينه؛ لأنه بمنزلة نفسه، فقد حرم عليه قتل نفسه.

النساء 4:30

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ الآية. كان ابن عباس يقول: الإشارة تعود إلى كل ما نُهي عنه من أول سورة النساء إلى هذا الموضع [[انظر: "زاد المسير" 2/ 62، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 83.]]. فعلى هذا الوعيد راجع إلى جميع المحرمات السابقة في هذه السورة. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أفي كل ذلك؟ قال: لا، ولكن في قتل النفس [[أخرجه بمعناه الطبري 5/ 36، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 2/ 260.]]. فالوعيد على قول عطاء خاص في قتل النفس المُحرمة، ووجهه أنه يرده إلى أقرب مذكور إليه [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 410.]]. وقال قوم: الوعيد راجع إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة، فالوعيد بكل واحدة من الخصلتين. وهذا اختيار الزجاج، قال: وعد الله عز وجل على أكل المال ظلمًا، وعلى القتل عدوانًا النار. قال: ومعنى العدوان أن يعدوا ما أُمِر به [["معاني الزجاج" 2/ 44. لكن آخر كلام الزجاج: وعلى القتال النار.]]. والأظهر هذا القول؛ لاتصال الوعيد بذكر النهي عن الأمرين. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يقال: يسر الشيء فهو يسير، وهو ضد عسير [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 45.]]. ومعناه أنه قادر على المتوعد لا يتهيأ له الامتناع منه ولا الهرب عنه فيتعذر الإيقاع به [[انظر: "الطبري" 5/ 36.]]. 31 - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية. الاجتناب والتجنّب والمجانبة المُباعدة عن الشيء وتركه جانبًا [[انظر: "اللسان" 2/ 692 (جنب).]]، قال: وقالت تَجَنَّبنا ولا تَقْرَبنَّنا ... فَكَيف وأنتم حاجَتِي أَتَجَنَّبُ [[البيت ليزيد بن مفرغ الحميري في "ديوانه" ص 44، وبلا نسبة في "الأغاني" 18/ 278، و"الحماسة" 2/ 103، ومنسوبًا في "وفيات الأعيان" 6/ 352.]] وسنذكر هذا ملخصًا عند قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36] إن شاء الله. واختلفوا في الكبائر ما هي؟ فروى عبد الله بن عمرو [[هو أبو محمد أو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي صحابي فاضل، أسلم قبل أبيه وكان عالمًا بالقرآن والكتب المتقدمة ومن كتاب رسول الله ﷺ ويعد من العبادلة الفقهاء، توفي -رحمه الله- سنة 65هـ. انظر: "أسد الغابة" 2/ 348، "سير أعلام النبلاء" 3/ 80، "الإصابة" 2/ 351.]] أن رسول الله ﷺ قال: "الكبائر: الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتال النفس" [[أخرجه البخاري (6675) كتاب الإيمان والنذور، باب: اليمين الغموس.]]. وروى أبو هريرة عنه ﷺ أنه قال: "الكبائر أولهن الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بِدارًا أن يكبَروا، وفرارٌ يوم الزحف، ورمي المحصنة، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة" [[أخرجه بمعناه البخاري (2766) كتاب الوصايا، باب: 23 قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ 3/ 195، ومسلم (89) كتاب الإيمان، باب: == بيان الكبائر 1/ 92 (ح 145). وأخرجه بهذا اللفظ الثعلبي -شيخ المؤلف- في "الكشف والبيان" 4/ 44، 45.]]. وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شيء عُصِي اللهُ فيه فهو كبيرة، فمن عمل منها شيئًا فليستغفر الله، فإن الله لا يُخلّد في النار من هذه الأمة إلا راجعًا عن الإسلام، أو جاحد فريضة، أو مكذبًا بقدر [[أخرجه من أوله إلى قوله: فهو كبيرة الطبري 5/ 41. وقد ضعف هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 66.]]. وقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله عز وجل بنار، أو غصب، أو لعنة، أو عذاب [["تفسير ابن عباس" ص 144، وأخرجه ابن جرير 5/ 41.]]. وهذا قول الحسين [[هكذا والظاهر أن الصواب: الحسن. انظر: "زاد المسير" 2/ 66، وابن كثير 1/ 531.]] وسعيد بن جبير والضحاك. قالوا: كل مما جاء في القرآن مقرونًا بذكر الوعيد فهو كبير، نحو قتل النفس المحرمة، وقذف المحصنة، والربا، والزنا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف [[أخرجه عن سعيد بن جبير والضحاك بمعناه دون التمثيل بقتل النفس وما بعده من الطبري 5/ 42، وانظر "زاد المسير" 2/ 62.]]. وروى السدي، عن أبي مالك، قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله بن مسعود: افتتحوا سورة النساء، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية [[في (أ): (أنه)؛ ولعله تصحيف، فهو مخالف للآثار الواردة.]] فهو كبيرة. ثم قال: مصداق ذلك: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية [[أخرجه من طريق السدي الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 45 أ، ب، وأخرجه من طرق أخرى بنحوه الطبري 5/ 37، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد بلفظ قريب من هذا اللفظ. انظر "الدر المنثور" 2/ 260.]] وإلى هذا القول ذهب مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" بن سليمان 1/ 369، "بحر العلوم" 1/ 349.]]. والصحيح أنه ليس لها حدّ يعرفه العباد وتتميّز به من الصغائر تميُّزَ إشارة، ولو عُرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد، ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر. ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة. يؤكد هذا ما رُوي عن ابن جبير أنه قال: سأل رجل ابن عباس عن الكبائر أسبع هي؟ قال: هي إلى السّبعمائة أقرب، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار [[أخرجه الطبري 5/ 41، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 261.]]. وقال السدي: الكبائر ما رآه الناس بينهم فاحشة قبيحة. وذهب في هذا إلى معنى اللفظ، وذلك أن حقيقة الكبائر ما كَبُر وعظُم من الذنوب. قاله الزجاج [["معانى القرآن وإعرابه" 2/ 45.]]. وقوله تعالى: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. السيئات المكفّرة باجتناب الكبائر هي ما دون الكبائر، والمعاصي مما يجتمع في عمله أهل الصلاح وأهل الفسق، مثل النظرة والكذبة واللمسة والقُبلة، وأشباه ذلك. وهذه تقع مكفّرةً بالصلوات الخمس، فقد قال ﷺ: "الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت [[في (أ): (ما اجتنب).]] الكبائر" [[هذه الكلمة ليست في (د).]] [[أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر" (233) كتاب الطهارة، باب: 5 الصلوات الخمس.]]. وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وقرئ (مَدخلا) [[هذه القراءة لأبي جعفر ونافع. انظر: "الحجة" 3/ 153، "المبسوط" ص 156، "النشر" 2/ 249.]] بفتح الميم. وهو بعد قوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾ محتمل أمرين: أحدهما: أن يكون مصدرًا وتضمر له فعلًا دلّ عليه الفعل المذكور، وانتصابه بذلك الفعل المضمر. والتقدير: وندخلكم فتدخلون مَدْخَلًا. والثاني: أن يكون مكانًا، كأنه قال: وندخلكم مكانًا. وهو على هذا التقدير منتصب بهذا الفعل المذكور [[الوجهان لهذه القراءة من "الحجة" 3/ 153، 154 بتصرف.]]. ومن قرأ بضم الميم جاز أن يكون مكانًا، وأن يكون مصدرًا، فإن جعلته مصدرًا جاز أن تريد مفعولًا محذوفًا من الكلام، كأنه: وندخلكم الجنة مدخلًا كريمًا، أي إدخالًا كريمًا [[انظر: "الحجة" 3/ 154.]]. والأشبه على القراءتين أن يكون مكانًا؛ لأن المفسرين قالوا في قوله: ﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾: هو الجنة [[انظر: "الطبري" 5/ 45 - 46]]، ولأنا رأينا المكان وصف بالكريم، وهو قوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: 26]، فوصف المكان بالكريم، فكذلك يكون قوله: ﴿مُدْخَلًا﴾ يراد به المكان مثل المقام. ويجوز أن يكون المراد به الدخول أو الإدخال؛ فإن [[في "الحجة" 3/ 154 - والكلام من قوله: والأشبه- له وجاء هذا الحرف (وإن) وهو أصوب.]] كان قد وصف بالكريم، ويكون المعنى: دخولًا تكرمون فيه، خلاف من قيل فيهم: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: 34] الآية [[انتهى من "الحجة" 3/ 154.]]. ومعنى الكريم: الشريف الفاضل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 13] أي أفضلكم، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] أي شرفناهم وفضلناهم، ومنه قوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: 62] أي فضلت. وزدنا بيانًا لمعنى الكريم في سورة الأنفال، عند قوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 4].

النساء 4:32

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. التمني في اللغة: تقدير ما يحب على جهة الاستمتاع به. وقد مضى القول فيه عند قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: 78]. قال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله: يغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا كنا رجالًا، فجاهدنا وغزونا، وكان لنا مثل أجر الرجال. فنزلت هذه الآية [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 156، والترمذي (3022) كتاب تفسير القرآن، باب: 5 من سورة النساء، وقال: هذا حديث مرسل، والطبري 5/ 46 - 47، والحاكم في "المستدرك" 2/ 305، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 154.]]. وهذا قول أكثر المفسرين. قالوا: وفي هذه الآية: أن يتمنى أحد مال غيره ومنزل غيره، فإن ذلك هو الحسد. وقد جاء: لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله [[ذكر هذا الأثر الفراء في "معاني القرآن" 1/ 265، وقد ورد بلفظ مقارب منسوبًا لابن عباس والكلبي. انظر: الطبري 8/ 261، "بحر العلوم" 1/ 350، "الكشف والبيان" 4/ 48 ب.]]. وهذا النهي نهي تحريم عند أكثر العلماء. وليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي، وانما يجوز أن يقول: ليت مثله لي [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 38 ب.]]. وقال الفراء: هذا نهي أدب وتنزيه، دون تحريم [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 264.]]. والصحيح هو الأول؛ لأنه لا يُعدل بصيغة النهي عن معناه إلا بقرينة. وقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ يريد الجهاد، وما لا يصلح للنساء. ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ يريد حفظ فروجهن، وطاعة (زوجهن) [[في (د): (أزواجهن) بالجمع.]]، وحفظه إذا غاب، وترقع وتصنع في بيتها، نظرًا منها لزوجها مثل العجين والطبيخ وما يصلح في معايشه، ولها في ذلك ثواب عظيم [[لم أقف عليه، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 524 دون نسبة، وثبت عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: يعني ما ترك الوالدان والأقربون: يقول: للذكر مثل حظ الأنثيين. "تفسير ابن عباس" ص 145، والطبري 5/ 49.]]. فالنصيب على هذا معناه الثواب، أي لكل واحد من الفريقين حظ من الثواب. وقال قتادة ومقاتل والسدي: قالت الرجال: إنا لنرجو أن نُفَضَّل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فُضِّلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا. فأنزل الله عز وجل: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ من الثواب والعقاب ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾ كذلك [[أخرج الأثر عن قتادة الطبري 47 - 48 بنحوه وذكر الأثر عنه وعن السدي الثعلبى في "الكشف والبيان" 4/ 48 ب، وانظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 369 ، "الدر المنثور" 2/ 267.]]. فسوى بين الفريقين في الثواب والعقاب، واستحقاقهم إياهما بالاكتساب. ولأصحاب المعاني في هذا وجه آخر: يقول: لكل فريق من الرجال والنساء نصيب مما اكتسب من نعيم الدنيا، فينبغي أن يقنع به رضًى بما قسم الله له، ولا يتمنى مال غيره. وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾. أي إن احتجتم إلى ما لغيركم (وأجبكم) [[ورد في الأصل، ولعله تصحيف من الناسخ والصواب (أحبيتم).]] أن يكون لكم مثل ما له فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 478.]]. وقال رسول الله ﷺ: "سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يُسأل" [[أخرجه الترمذي (3571) كتاب الدعوات، باب: في انتظار الفرج وغير ذلك، وتكلم في إسناده، والطبري 5/ 49، وفيه ضعف وانظر: "ضعيف الجامع" 3/ 221.]]. قال أبو علي: (من) في قوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ في موضع المفعول الثاني في قول أبي الحسن، ويكون المفعول الثاني محذوفًا في قياس قول سيبويه، والصفة قائمة مقامه [["الحجة" 2/ 214.]]؛ كأنه قيل: واسألوا الله نعمه وفضله.

النساء 4:33

وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية. أراد: ولكل واحد من الرجال والنساء، جعلنا موالي. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: أي عصبة [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 50 - 51، وأخرج قولًا لابن عباس كقول السدي الآتي وأن المراد الورثة، ونسب هذا القول لهم جميعًا الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 479، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 509.]]. وقال السدي: أي ورثة [[أخرجه الطبري 5/ 51 بلفظ: هم أهل الميراث، وورد نحوه عن ابن عباس انظر: الطبري 5/ 50، والقولان متقاربان، وقد رجح الماوردي الثاني، انظر: "النكت والعيون" 1/ 479.]]. ومضى الكلام في المولى، واشتقاقه في اللغة. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن (من) في قوله (مما) متعلق بمحذوف، ذلك المحذوف من صفة المولى، كأنه قيل: لكل جعلنا ورثة يرثون، أو يُعطَون مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له. والوالدان والأقربون على هذا هم الذين ماتوا وورثهم المعني بقوله. ﴿وَلِكُلٍّ﴾، والألف واللام في الوالدان والأقربون بدل عن الكناية، كأنه قيل: مما ترك والداه وأقربوه، كقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 41] أي مأواه. الثاني: أن قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ في صفة (موالي) [[في (أ): (موال).]]، أي: موالي ممن تركهم وخلّفهم الميت، ثم فسر الموالي فقال: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي هم هؤلاء. و (ما) على هذا القول بمنزلة (مَن)، والوالدان والأقربون هم الوارثون. وعلى هذا القول يحتمل أن يكون المعنى: ولكل شخص جعلنا ورثةً ممن تركهم والداه وأقربوه، أي: تشعبت العصبة والورثة عن الوالدين والأقربين [[انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 412، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 196 ، "الكشف والبيان" 4/ 49 أ، "غرائب التفسير" 1/ 294، "البيان" 1/ 252.]]. والوالدان والأقربون [[في (د): (والأقربين).]] مرتفعة بالفعل الذي هو الترك. وعلى القولين اللذين ذكرنا يجوز أن يُعنى بقوله: (ولكل) المال والميراث فيكون المعنى على القول الأول: ولكل مال وميراث مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي عصبة وورثة يرثونه، وعلى هذا يكون قد فصل بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. وعلى القول الثاني يكون المعنى: ولكل مال مما ترك الميت جعلنا ورثة، ثم ابتدأ (فقال) [[ليس في (د).]]: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي هم هؤلاء، وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ فاصل أيضًا، وجملة هذا أنك إذا فسرت الكل بالشخص كان (من) في قوله (مما) متعلقًا بمحذوف، أو صفة لموالي، وإن (فسرته) بالمال كان في صفة (لكل)، مفصولًا بينه وبين الموصوف بقوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، فتدبّره تفهم إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. هم الحلفاء [[في (د): (الخلفاء)، وما أثبته هو الصواب.]] في قول الجميع [[انظر "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، الطبري 5/ 51 - 52، "معاني الزجاج" 2/ 46، "بحر العلوم" 1/ 351، "الكشف والبيان" 4/ 49 ب.]]. ويجوز أن يُعطف على: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [[ممن قال بجواز العطف العكبري في "إملاء ما من به الرحمن بهامش الفتوحات الإلهية" 2/ 239، وقد استبعد أبو حيان هذا الوجه. انظر: "البحر المحيط" 3/ 238، "الدر المصون" 3/ 669.]] فيكون حكم الحُلفاء كحكم الوالدين والأقربين، في كونهم وارثين أو موروثين، على ما بينّا. وقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. الكناية تعود إما إلى الموالي، أو إلى الوالدان والأقربون والحلفاء إذا جعلناهم وارثين، إلا أن المفسرين يحملون قوله: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ على الابتداء، ولا يعطفونه [[في (أ): (ولا يعطونه).]] على ما قبله. قالوا: وكان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل، ويقول له: دمي دمك، ويرثني وارثك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسِلمي سِلمك فلما قام الإسلام جعل للحليف السدس [[انظر: "جامع البيان" 5/ 51 - 56، "معاني الزجاج" 2/ 46، "بحر العلوم" 1/ 351، "الكشف والبيان" 4/ 49 ب.]]. واختلف القراء في قوله: ﴿عَاقَدَت﴾، فقرأ أهل الكوفة (عَقَدَتْ) [[لعاصم وحمزة والكسائي وخلف. انظر: "الطبري" 5/ 51، "الحجة" 3/ 156، "المبسوط" ص 156، "النشر" 2/ 249.]] بالتخفيف من غير ألف. والباقون (عَاقَدَت) بالألف [[انظر المصادر السابقة.]]. وهذا أشبه بهذا المعنى؛ لأن لكل نفر من المعاقدين يمينًا على المُخالفة [[في (د): (المحالفين).]]، وجعل الأيمان في اللفظ هي المعاقدة، والمعنى على الحالفين الذين هم أصحاب الأيمان، فالمعنى: والذين عاقدت حلفهم أيمانُكم. حذف الذكر للعائد [[في (د): (العائد).]] من الصلة إلى الموصول. وهؤلاء الذين قرأوا في المفاعلة حملوا الكلام على المعنى، حيث كان من كل واحد من الفريقين يمين. ومن قرأ (عَقَدَتْ) كان المعنى: عقدت حلفَهم أيمانكم، كالأول، إلا أنهم حملوا على لفظ الأيمان، لأن الفعل لم يُسند إلى أصحاب الأيمان في اللفظ، إنما أُسنِد إلى الأيمان [[انتهى توجيه القراءتين من "الحجة" 3/ 156، 157 بتصرف، وانظر: الطبري 1/ 51.]]. والأيمان ههنا يحتمل أن يكون جمع يمين من اليد، ويحتمل أن يكون من القَسَم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، ويتحالفون عليه أيضًا [[من "الكشف والبيان" 4/ 49 أ - ب بتصرف.]]. وقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. أي حظهم من الميراث. عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعامر والضحاك [[أخرج الآثار عنهم إلا عامرًا الطبري 5/ 52 - 53، وعامر هذا لعله الشعبي، وقد يكون تصحف عن عكرمة، فقد أخرج له الطبري أثرًا يدل على قوله بذلك. وانظر: ابن كثير 1/ 534 - 535.]]. ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75]. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد السراج، أخبرنا أبو الحسن الكارزي، أخبرنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء الخرساني، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم﴾ قال: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول: يرثني وارثك، نسختها ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 226، وجاء نحوه عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة في "تفسيره" ص 145، وأخرجه الطبري 5/ 52.]]. وقال مجاهد في هذه الآية: كان حلف في الجاهلية، فأُمِروا أن يُعطوهم نصيبهم من المشورة والنصر والرفد، ولا ميراث [[بنحوه في "تفسيره" 1/ 154، وأخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 225، والطبري 5/ 54 بلفظ قريب من هذا اللفظ، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 49 ب.]]. وعلى هذا لا يكون في الآية نَسخٌ لقوله عز وجل: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، ولما رُوي أنه ﷺ قال يوم فتح مكة: "ما كان من حِلف في الجاهلية فتمسّكوا به؛ فإنه لم يزده الإسلام إلا شِدّة. ولا تُحدثوا حلفًا في الإسلام" [[هذا حديث مركب من حديثين أخرجهما الطبري، الأول -عن طريق قيس بن عاصم- قال ﷺ: "ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام". والثاني -من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم فتح مكة: "فوا بحلف، فإنه لا يزيده الاسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حِلفا في الاسلام" "جامع البيان" 5/ 55 - 56.]]، وقال ﷺ: "شهدت حلف المطيبين [[هو حلف اجتمع فيه بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم. "المستدرك" 2/ 220 حاشية (1).]] وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حُمر النَّعم وأني أنكثُه" [[الحديث من رواية عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أخرجه الإمام أحمد 1/ 190، والطبري 5/ 56، والحاكم في "المستدرك" 2/ 220، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: "صحيح الجامع" 3/ 230.]]. وقال سعيد بن المسيب في هذه الآية: إنما أنزل الله ذلك في الذين كانوا يتبنّون أبناء غيرهم وُيوَرِّثونهم، فأنزل الله فيهم أن يُجعل لهم نصيب من الوصية، ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، وأبى الله أن يجعل للمدّعَين [[في (د): (للموصين).]] ميراثًا ممن [[في (د): (من).]] ادعاهم، ولكن جعل لهم نصيبًا من الوصية مكان ما تعاقدوا عليه في الميراث الذي رد عليهم فيه أمرهم [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 227، والطبري 5/ 55، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 50 أ، وانظر: "المسير" 2/ 72.]]. وبمثل هذا قال الحسن [[لم أقف عليه، وقد أخرج الطبري عن الحسن خِلافه وأن المراد بالآية الحُلفَاء الذين يتوارثون في الجاهلية فنسخ الله ذلك. انظر: الطبري 5/ 52.]]، واختار [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: واختاره.]] ابن كيسان، فقال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هم [[في (د): (هي).]] الأدعياء، وكان لهم ميراث الأولاد، فلما نزلت المواريث لم يذكروا فيها، فأوصى الله بهم [[لم أقف على قول ابن كيسان هذا.]]. فقد حصل في قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ثلاثة أقوال، الأول: من الميراث، ثم نُسخ. والثاني: من النصر، والثالث: من الوصية، ولم ينسخ على هذين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. قال عطاء: يريد: لم يغب عنه علم ما خلق وبرأ [[لم أقف عليه.]].

النساء 4:34

قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. قال المفسرون: لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي ﷺ تطلب القصاص فنزلت هذه الآية [[ورد في ذلك آثار عن التابعين كالحسن وقتادة، ومن بعدهم كالسدي وابن جريج ومقاتل والكلبي. انظر: "الطبري" 5/ 85، "بحر العلوم" 1/ 351، "الكشف والبيان" 4/ 50، "أسباب النزول" للمؤلف ص 155 - 156، وذكر السيوطي بعض هذه الآثار في "لباب النقول" ص 68، وقال عَقِبها: فهذه شواهد يقوي بعضها بعضًا. وانظر "الدر المنثور" 2/ 270.]]. ومعنى ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: متسلطون [[هذه الكلمة غير واضحة تمامًا، وكأنها: يُسَلّطون والمعنى واحد، وفي "الوسيط" للمؤلف 2/ 527، جاءت هذه الكلمة: مُسلطون.]] على تأديبهن والأخذ فوق أيديهن [[انظر: "الطبري" 5/ 57، "الكشف والبيان" 4/ 50 ب.]]. قال ابن عباس: يعني أمِّروا عليهن، فعلى المرأة أن تطيع زوجها في طاعة الله [[بنحوه ثابت عن ابن عباس في "تفسيره" ص 146، وأخرجه الطبري 5/ 57، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" (271)، "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 246.]]. والقوّام المبالغ في القيام، يقال: هذا قَيِّم المرأة وقوّامها، الذي يقوم بأمرها ويحفظها [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 50 ب]]. أنشد الزجاج: الله بيني وبين قيِّمها ... يفرّ مني بِهَا وأتَّبِعُ [["معاني الزجاج" 2/ 47، والبيت للأحوص بن محمد الأنصاري كما في "الشعر == والشعراء" لابن قتيبة ص 345، وقد استشهد به ابن جني في "الخصائص" 2/ 128 دون نسبة، والبيت في الغزل. وانظر: "غرائب التفسير" 1/ 295.]] قالوا: وليس بين الزوج والمرأة قصاص إلا في النفس والجرح. وقال الزهري: لا قصاص بينهما إلا في النفس، فأما في الجِراحة فالدية ولا قِصاص [[معنى الأثر عنه أخرجه الطبري 5/ 58، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 271.]]. وكان النبي ﷺ أوجب القصاص على الزوج باللّطْم، فلما نزلت هذه قال: "أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير" ورفع القصاص [[أخرجه بنحوه من حديث علي - رضي الله عنه - ابن مردويه. انظر: "الدر المنثور" 2/ 270، وابن جرير عن الحسن مرسلًا 5/ 58، والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، انظر: "الدر المنثور" 2/ 270 - 271، وذكره بهذا اللفظ عن مقاتل الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 50 أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 155 - 156.]]. وقوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال ابن عباس: يريد الله بما فضل الله الرجال على النساء [[الأثر الوارد عن ابن عباس: فضله عليها بنفقته وسعيه، أخرجه الطبري 5/ 59 من طِريق ابن أبي طلحة، أي فضل الرجل على المرأة، فلعل المؤلف أراد معنى قول ابن عباس. وأخرج هذا الأثر ابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 271.]]. قالوا: بالعقل والعلم والعزم والقوة في التصرف والجهاد والشهادة والميراث [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 47، "بحر العلوم" 1/ 351، "الكشف والبيان" 4/ 50 ب، "زاد المسير" 2/ 74.]]. وقوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. يريد المهور والإنفاق عليهن، فالرجل له الفضل على امرأته بما ساق إليها من المهر وبما أنفق عليها من ماله [[انظر: الطبري 5/ 57، "معاني الزجاج" 2/ 47.]]. وقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾. قال المفسرون: مطيعات لأزواجهن [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 146، "تفسير مجاهد" 1/ 155، الطبري 5/ 59، "بحر العلوم" 1/ 352، "الكشف والبيان" 4/ 51/ أ.]]. وأصل القنوت دوام الطاعة [[انظر: الطبري 5/ 59، "تهذيب اللغة" 3/ 3054، "مقاييس اللغة" 5/ 31 (قنت).]]. وقال الزجاج: قيمات بحقوق أزواجهن [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 47.]]. وظاهر هذا إخبار، وتأويله الأمر لها بأن تكون طائعة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 170.]]. ولا تكون المرأة صالحة إلا إذا كانت مُطيعةً لزوجها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي: الصالحات من اللواتي يُطِعن أزواجهن. والقنوت لفظ الطاعة. وهو عام في طاعة الله، وطاعة الزوج [[انظر: "الطبري" 5/ 59، "بحر العلوم" 1/ 352.]]. وقوله تعالى: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾. قال ابن عباس: يعني لا تدخل منزله من يكره، ولا تُوطئ فراشه أحدًا غيره، وتحفظه في نفسها وفيما يحق له بما استودعها الله [[لم أقف عليه.]]. وقال قتادة وعطاء وسفيان [[لم يتبين هل هو سفيان الثوري أو سفيان بن عيينة، والراوي عن سفيان هنا هو ابن المبارك كما عند الطبري 5/ 60، وابن المبارك يروي عن الرجلين، انظر "سير أعلام النبلاء" 7/ 235، 8/ 456.]]: أي حافظاتٌ لما غاب عنه أزواجهن من المال، وما يجب من ضيافة [[هكذا في (أ)، (د) بالضاد المعجمة والفاء الموحدة، ولعل الصواب: صيانة (بالصاد والنون) كما في "زاد المسير" 2/ 75.]] نفسها له [[أخرج أقوال الثلاثة بنحو ذلك الطبري 5/ 59 - 60، وانظر "زاد المسير" 2/ 75، وابن كثير 1/ 537، "الدر المنثور" 2/ 272.]]. وقال أبو روق [[هو عطية بن الحارث الهمداني الكوفي، مفسر مشهور، تقدم.]]: يعني يحفظن فروجهن في غيبة أزواجهن [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 530، ولم أقف عليه، وهو نحو قول السدى وغيره كما أخرج ذلك الطبري 5/ 61، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 207.]]. والغيب ههنا مصدر بمعنى المفعول، وهو المَغِيب عنه. وقوله تعالى: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. قال المفسرون: أي بما حفظهن الله في إيجاب المهر والنفقة لهن، وإيصاء الزوج بهن. ومعنى هذا أن الله راعاهن في حقوقهن وأوصى بهن إلى الأزواج، فعليهن في مقابله الحفظ للغيب وطاعة الله والزوج [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 265، "معاني الزجاج" 2/ 47، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 413، "بحر العلوم" 1/ 352، "معالم التنزيل" 2/ 207.]]. وما في قوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الذي، والعائد (إليه) [[في (د): (إلى الله).]] من الصلة محذوف، على تقدير: بما حفظ الله لهن، ويكون (ما) عبارة عما راعى الله لهن من حقوقهن. ويحتمل أن يكون (ما) غير موصول، بمعنى المصدر، أي بحفظ الله [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 265، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 413 - 414،== "مشكل إعراب القرآن" 1/ 197، "الكشف والبيان" 4/ 51 أ، "الدر المصون" 3/ 671.]]، وعلى هذا التقدير يحتمل معنيين آخرين: أحدهما: أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن، أي لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلا بتوفيق الله، وأن يحفظهن الله حتى لا يضيعن، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول [[الوجه الثاني من قوله: وأن يحفظهن الله .. ، وقد أشار إلى الوجهين السمين في "الدر المصون" 3/ 671.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. قال ابن عباس: يريد تعلمون نشوزهن [[أشار إلى قول ابن عباس هذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 75. وانظر: "معاني الفراء" 1/ 265، "بحر العلوم" 1/ 352.]]. قال الفراء: وهو كالظن؛ لأن الظانّ كالشاكّ والخائف قد يرجو، فلذلك ضارع الخوف الظن والعلم، ألا ترى أنك تقول للخبر يبلغك: أما والله لقد خِفت ذاك، وأنشد: أتاني كلامٌ عن نُصيبٍ يَقولُه ... وما خِفْت يا سلَّام أنك عائِبِي [[البيت لأبي الغول -علباء بن جوشن من بني قطن بن نهشل- انظر: "النوادر في اللغة" لأبي زيد ص 46، "الشعر والشعراء" ص 278، وهو في "الطبري" 5/ 61 غير منسوب.]] كأنه قال: وما ظننت أنك عائبي [["معاني القرآن" 1/ 265، 266، وانظر: "الطبري" 5/ 61، "زاد المسير" 2/ 75.]]. ومضى الكلام في الخوف بمعنى العلم. ويحتمل أن يكون الخوف ههنا الذي هو ضد الأمن، كأنه قيل: تخافون نشوزهن لعلمكم بالأحوال المؤذية [[هكذا في (أ)، وفي (د) بدون إعجام الياء، فتمد تكون: (المؤذنة)، وهو الأرجح.]] به [[انظر: الطبري 5/ 62.]]. قال محمد بن كعب [[هو أبو حمزة محمد بن كعب بن سليم بن أسد القُرَظي المدني من ثقات وعلماء التابعين، وهو من الصالحين والمشاهير في التفسير ومن المكثرين منه، وقد أخرج حديثه الجماعة، توفي -رحمه الله- سنة 120هـ. انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 251، "التقريب" ص 504 رقم (6257).]] [[أخرج الأثر عنه الطبري 5/ 64.]]: والنشوز ههنا معصية الزوج في قول الجميع [[انظر: "الطبري" 5/ 62 - 63.]]. قال عطاء: هو أن لا تتعطّر له وتمنعه من نفسها، وتتغيّر عن أشياء كانت تفعلها به وعما كان يستلذ منها [[الذي عند الطبري 5/ 63 عن عطاء: النشوز أن تحب فراقه، والرجل كذلك.]]. وأصل النشوز الترفع على الزوج بالخلاف، من قولهم: نشز الشيء، أي ارتفع، ومنه يقال للمرتفع من الأرض نشز [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، الطبري 5/ 62، "معاني الزجاج" 2/ 47، "تهذيب اللغة" 4/ 3572 (نشز).]]. وقوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال الكلبي: فعظوهن بكتاب، وذكروهن اللهَ وما أمرهن به [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 531 دون نسبة للكلبي، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 84.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال أبو زيد: هَجر الرجل هجرًا إذا تباعد ونأى [["تهذيب اللغة" 4/ 3717 (هجر).]]. وقال ابن المظفر: الهَجْر من الهجران وهو ترك ما يلزمك تعاهدُه [[انظر: "التهذيب" 4/ 3718 (هجر).]]. قال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي: المراد بالهجر ههنا أن يهجر كلامها، فلا يكلمها في المضجع [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 63 - 64، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 208، "زاد المسير" 2/ 76، "الدر المنثور" 2/ 277.]]. قال ابن عباس: الهَجر أن لا يجامعها، ويوليها ظهره على الفراش، (ولا يكلمها) [[تكررت هذه الكلمة في (د).]] [[أخرجه الطبري 5/ 63 بمعناه]]. وقال الشعبي ومجاهد وإبراهيم: المراد به هجر المضاجعة [[الأثر عن مجاهد في "تفسيره" 1/ 156، وأخرجه عن الثلاثة الطبري 5/ 64، وانظر: "زاد المسير" 2/ 76.]]، يقول: فرِّقوا بينكم وبينهن في المضاجع. وهذا اختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال في قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: أي في النوم معهن والقرب منهن، فإنهن إن كن يحببن أزواجهن شق عليهن الهجران في المضاجع، وإن كن مبغضات وافقهن ذلك، فكان ذلك دليلًا على أن النشوز منهن [["معاني الزجاج" 2/ 47.]]. وروى أبو الضحى [[هو مسلم بن صبيح الهمداني الكوفي العطار، مشهور بكنيته، تابعي ثقة فاضل، أخرج له الجماعة، توفي -رحمه الله- سنة مائة للهجرة. انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 273 - 274، "سير أعلام النبلاء" 5/ 71، "التقريب" ص 528 رقم (6601).]] ومسروق عن ابن عباس، قال: هذا كله في المضجع، إذا هي عصت أن تضطجع معه [[الأثر عن أبي الضحى أخرجه الطبري 5/ 64، وسنده صحيح. انظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 270. لكن لفظه: أنها لا تترك في الكلام ولكن الهجران في أمر المضجع فكأنه مناقض لنص المؤلف، لا سيما عند النظر إلى ما وجه المؤلف المعنى بعد هذا الأثر. وأخرج الأثر أيضًا ابن أبي شيبة انظر: "الدر المنثور" 2/ 277، أما عن مسروق فلم أقف عليه.]]. والمعنى على هذا: واللاتي تخافون نشوزهن في المضاجع فعظوهن واهجروهن واضربوهن. والمضاجع جمع المضجَع، وهو الموضع الذي يُضطجع عليه. وذكرنا ذلك فيما تقدم. وذهب الكلبي وسعيد بن جبير إلى أنّ قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ من الهجر الذي هو بمعنى القبيح من الكلام، يريد عنّفوهن وغلّظوا في القول لهن [[لم أقف عليه، وانظر: "القرطبي" 5/ 171.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. يعني ضربا غير مبرح بإجماع [[انظر: الطبري 5/ 67 - 70، والقرطبي 5/ 172، 173.]]. قال ابن عباس: أدبًا بمثل اللكزة [[أخرج ابن جرير 5/ 68 عن عطاء قال: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: السواك وشبهه يضربها به، وفي إسناده ضعف، انظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس، أما بهذا اللفظ عند المؤلف فلم أقف عليه. وانظر: القرطبي 5/ 172.]]. قال القُرخي، عن علي - رضي الله عنه -: يعظُها بلسانه، فإنْ انتهت فلا سبيل له عليها، وإن أَبَت هَجَر مضجعًا، فإن أَبَت ضربها، فإن أبت أن تتّعظ بالضرب بُعِثَ الحكمان [[لم أقف عليه.]]. فللزوج أن يتلافى نشوز امرأته بما أذِنَ الله له فيه. وكان رسول الله ﷺ قال: "لا تضربوا إماءَ الله" [[أخرجه الشافعي في "الأم" 5/ 193، وأبو داود (2146) كتاب النكاح، باب: في ضرب النساء، وابن ماجة (1985) كتاب النكاح، باب: ضرب النساء.]]. ونهى عن ضرب النساء حتى ذَئِر النساء على أزواجهن [[أي نَشزن ونَفرن وتغير خُلقهن واجْتَرأن عليهم. انظر "اللسان" 1481 (ذَئِر).]]، فشكوا إلى رسول الله ﷺ، ونزلت الآية في ضربهن [[هذا نحو كلام لعمر بن الخطاب عقب الحديث المرفوع المتقدم. انظر "الأم" 5/ 193، "سنن أبي داود" (2146)، "سنن ابن ماجة" (1985).]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾. أي فيما يُلتَمس منهن. وقال السدي: أتينَ فُرشَكم [[لم أقف عليه، وأخرج الطبري 5/ 70 نحوه عن الثوري.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. قال ابن عباس: لا تتجنّوا عليهن العِلَل [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 76، وأخرجه الطبري عن قتادة 5/ 70. والمعنى: لا تتعدوا عليهن بنسبة علل لهن ليست فيهن، فإن ذلك جناية.]]. وقال عطاء: يريد ليس لك عليها سبيل في هجرها في المضجع، ولا في ضربها [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي وسفيان بن عيينة: لا تُكلِّفوهن الحبّ لكم [[عن الكلبي انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 84، أما عن سفيان فأخرجه الطبري 5/ 70 بنحوه، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 51 ب، والبغوي 2/ 208، و"زاد المسير" 2/ 76.]]. وقال الزجاج: لا يطلب عليهن طريق عنت [["معاني الزجاج" 2/ 48.]]. وهذا جامع للأقوال كلها

النساء 4:35

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾. قال ابن عباس: يريد علمتم [[لم أقف عليه، وذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 532، دون نسبة لابن عباس ونسبه ابن الجوزي إلى أبي سليمان الدمشقي. انظر: "زاد المسير" 2/ 77.]]. وذكرنا الخوف بمعنى العلم آنفًا. قال الزجاج: (خفتم) ههنا بمعنى: (أيقنتم) خطأ [[عبارة الزجاج في "معانيه" 2/ 48: قال بعضهم: (خفتم) ههنا في معنى: أيقنتم؛ وهذا خطأ.]]؛ لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يُحتج [[عند الزجاج في "المعاني": لم يجنح.]] إلى الحكمين، وإنما يُخاف الشقاق [["معاني الزجاج" 2/ 48.]]. وليس الأمر على ما قال أبو إسحاق؛ فإن الخوف ههنا بمعنى العلم صحيح، وكذلك يجب أن يكون؛ لأن بعثة الحكمين إنما تكون إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولكن لا نعلم أيهما المتعدي الظالم، فيُبعث الحكمان ليتعرفا ذلك، وقبل وقوع الشقاق ليس حاله بعثة الحكمين. فقول أبي إسحاق: (لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يُحتج إلى الحكمين) وهم؛ لأنا نحتاج إلى الحكمين في هذه الحالة، وحيث نعلم المُشَاقّ بين الزوجين من هو لم يُحتج إلى الحكمين. ولم يفصل الزجاج بين الحالتين، والذي في الآية إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولم نعلم من أيهما ذلك الشقاق، وكلام ابن عباس شديد [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: سديد بالسين المهملة.]] والمنِكر وَاهِم. والشقاق: العداوة والخلاف، كالمشاقّة. واشتقاقه من أن المشاقين [[في "معاني الزجاج" 2/ 48 المتشاقين.]] كل واحد منهما في شق غير شق صاحبه [[من "معاني الزجاج" 2/ 48 بتصرف يسير، وانظر الطبري 5/ 70.]]. والمعنى: شقاقًا بينهما، فأضيف المصدر إلى الظرف، وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة، لحصولها فيها، كقولك: يعجبني صوم يوم عرفة، وسير الليلة المقمرة [[انظر: "الطبري" 5/ 70، "الدر المصون" 3/ 673.]]. وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾. قال سعيد بن جبير والضحاك: المأمور ببعث الحكمين السلطان الذي يترافع الزوجان فيما شجر بينهما إليه [[أخرج الأثر عنهما الطبري 5/ 71، وانظر: "زاد المسير" 2/ 77، "الدر المنثور" 2/ 279 - 280.]]. والحكم بمعنى الحاكم، وهو المانع من الظلم [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 887 (حكم).]]، ومنه المثل السائر: في بيته يُؤتى الحكم [["الأمثال" لأبي عبيد ص 54، "مجمع الأمثال" للميداني 2/ 442.]]. قال ابن عباس: يريد من أهل الفضل [[لم أقف عليه، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 352، و"القرطبي" 5/ 175، و"ابن كثير" 2/ 539.]]. يعني أن الحكم يجب أن يكون فاضلًا، يعرف ما لأحد الزوجين على الآخر، ويعرف أحكام العِشرة [[انظر المراجع السابقة.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾، و ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾. أي من أقارب هذا وأقارب تلك. قال ابن عباس: فإذا التقى الحكمان قال أحدهما للآخر: ادخل على قريبتك، فقل لها تخبرك الذي نقمت على زوجها، وقل لها: ألك فيه حاجة؟، وإلا فنحن ندخل فيما بينكما حتى يفارقك، وإن كان لك به حاجة فنحن نرده إلى ما تحبين. ويقول الآخر لصاحبه: القَ قريبَك، فقل له: ألك في أهلك حاجة؟. فيخلو حَكَمُ الرجل بصاحبه، فيقول [[في (د): (فيقول له).]]: أخبرني ما في نفسكَ، أتهواها أم لا؟ فإني لا أدري ما أقول في أمركَ، حتى أستطلع رأيكَ. فإن كان الرجل كارهًا قال: لا حاجة لي فيها، خُذ لها مني ما استطعت وفرِّق بيني وبينها. فيعرف عند ذلك أن النشوز جاء من قبله. وإن قال: إني أهواها، فأرضِها من مالي بما أرادت، ولا تفرِّق بيني وبينها، علم أنه ليس بناشز. ويخلو حكم المرأة بالمرأة، فيقول: أعلميني ما في نفسك، أتهوَين زوجكِ أم لا؟ فإني لا أدري ما أقول في أمركِ حتى أستَطلع رأيكِ فيه، فإن كانت هي الناشزة، قالت: أنشدك الله أنْ تُفرِّق بيني وبينه، أعطه ما أراد من مالى، فلا حاجة لي فيه. فإذا قالت ذلك علم أنها ناشزة. وإن لم تكن ناشزة، قالت: إني أهواه، ولكني أستزيده في نفقتي، فعِظه وحُثّه عليّ بخير، فإنه إليّ مسيء. فإذا كان النشوز من قبل المرأة أقبلا عليها، فقالا لها: يا عدو الله، أنتِ العاصية الظالمة لزوجك، المسيئة لنفسكِ، فوالله لا ينفق عليكِ أبدًا ولا يجامعك، حتى ترجعي عن فعلك وتفيئي إلى الله، فلا يأتيها زوجها ولا ينفق عليها حتى ترجع إلى الحق. وإن كان النشوز من قبل الرجل أقبلا عليه، فقالا: أنت العاصي لله المبغض لامرأتك، الظالم لنفسك، نفقتها عليك أبدًا ما دامت، ولا تدخل لها بيتًا، ولا ترى لها وجهًا، حتى تفيء إلى أمر الله وترجع عما أنت عليه. ثم يأخذانه بنفقتها ما دام على حاله حتى يرجع، فإذا رجع جَمَعَا بينه وبينها [[أخرجه بمعناه مختصرًا الطبري 5/ 73 من طريق ابن أبي طلحة وهو في "تفسير ابن عباس" / 147. وقد ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" دون نسبة لابن عباس بلفظ مقارب. انظر: "بحر العلوم" 1/ 352، القرطبي 5/ 175. وقد جاء نحوه عن السدي. انظر: الطبري 5/ 71.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ﴾ بين الزوج والمرأة. فالكناية في ﴿بَيْنِهِمَا﴾ تعود على الزوجين. وأجاز بعضهم فيما حكاه ابن حبيب [[الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 484.]] أن تعود الكناية على الحكمين [[هذا رأي جمهور المفسرين، انظر: الطبري 5/ 76 - 77، "زاد المسير" 2/ 77.]]. فيكون المعنى: يوفق الله صلاحًا للزوجين بين الحكمين [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 484]]. ومذهب عمر - رضي الله عنه - أيضًا هذا، وهو أن المعني بإرادة الإصلاح الحكمان. وقد رُوي أنه بعث حكمين بين زوجين فرجعا وأخبراه أن الزوجين لم يصطلحا، فعلاهما بالدرّة وقال: لو أردتما إصلاحًا وفق الله بينهما. فرجعا وأخلصا، فإذا الزوجان قد أغلقا الباب دونهما واصطلحها [[لم أقف عليه.]] وهذه القصة تُقوي عود الكناية إلى الزوجين. هذا إذا أراد الحكمان إصلاحًا ورأيا ذلك. فإن أدى اجتهادهما إلى التفريق، فقد اختلف العلماء في ذلك: فمذهب عثمان وعلي رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والشعبي والسدي وإبراهيم وشريح: أن لهما التفريق بينهما بالطلاق إن رأياه؛ لأن التحكيم توكيل [[انظر: "الطبري" 5/ 73 - 75، و"القرطبي" 5/ 176.]]. قال عبيدة السلماني: شهدت عليًا - رضي الله عنه - وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فِئَامٌ من الناس، فقال: ما شأنهما؟ فأُخْبِرَ بالشقاق بينهما، فقال: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقالت المرأة: رضيتُ بما في كتاب الله عليّ ولي [[هنا عبارة (وقال ولي) وهي زياجة من الناسخ على الأغلب.]]. وقال الزوج: أما الفُرقة فلا. فقال علي: كذبتَ حتى تُقِرّ بمثل الذي أقرت [[في (أ): أقرب بالباء الموحدة وهو تصحيف ظاهر. والصواب بالتاء المثناة كما في (د)، "الكشف والبيان" يأتي.]] به [[أخرجه الشافعي في "الأم" 5/ 195، وقال الشافعي -رحمه الله-: حديث علي ثابت عندنا، والطبري 5/ 71، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 158، والثعلبي 4/ 51 ب، وعزاه السيوطى إلى عبد الرزاق في "المصنف" وسعيد بن جبير وعبد == بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 279.]]. والظاهر من هذا الكلام أن عليًا - رضي الله عنه - رأى الفُرقة من غير رضا الزوج، ولذلك قال: كذبت، ولم يقل: فلا أبعث الحكمين حتى ترضى. وإذا تعذر تنفيذ العقد بأحكامه فالوجه رفعه، وهذا هو الظاهر الصحيح من مذهب الشافعي -رحمه الله- الذي نص عليه في كتاب الطلاق من أحكام القرآن [[انظر: "الأم" 5/ 195، و"أحكام القرآن" للشافعي جمع البيهقي 1/ 212، و"ابن كثير" 1/ 539.]]، وهو اختيار المزني [[هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو المزني المصري، تلميذ الإمام الشافعي، إمام علامة رأس في الفقه الشافعي وله المختصر مشهور متداول، قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي، توفي -رحمه الله- سنة 264 هـ. انظر "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص109، "سير أعلام النبلاء" 12/ 492، "طبقات الشافعية" للأسنوي 1/ 28.]] [["مختصر المزني" ص 186.]]. وقال الحسن: الحكمان يحكمان في الاجتماع ولا يحكمان في الفرقة إلا بأمرهما [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 159، والطبري بمعناه 5/ 72، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 28.]]. وهذا أحد قولي الشافعي، وقد نص عليه في "المُختصر"، وقال: لا بد من توكيل الزوج في الطلاق؛ لأنّ الطلاق إلى الأزواج [[انظر: "مختصر المزني" ص 186.]]. قال الزجاج: وحقيقة أمر الحكمين أنهما [[فى (د): (أن).]] يقصدان الإصلاح، وليس لهما طلاق، وإنما عليهما أن يُعَرِّفا الإمام حقيقة ما وقفا عليه؛ فإن رأى الإمام أن يُفرِّق فرّق، وإن رأى أنْ يجمع جمع، وإن وكّل الحكمين بتفريق أو جمع فهما بمنزلته. والذي فعله عليّ رحمه الله من قوله: وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، تولية منه إياهما ذلك [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 49 بتصرف يسير.]]. وقوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [[(بينهما) ليست في (أ).]] معنى التوفيق في اللغة هو تيسير وَفق الشيء، وهو ما يوافقه، أي يساوي حَالَته، ويقال: حَلوبَة فلان وَفق عياله، أي يخرج من لبنها ما يكفي عياله، على معنى أن ذلك مساوٍ لقدر حاجته [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3927، "اللسان" 8/ 4884 (وفق).]]. قال الراعي: أما الفقير الذي كانت حَلُوبته ... وَفقَ العِيَال فلم يُترك له سَبَدُ [["ديوانه" ص 64، "تهذيب اللغة" 4/ 3927، "اللسان" 8/ 4884 (وفق). ومعنى: حلوبته: قيل: معيشته وقيل حمولته، والسبَّدَ يطلق على المال وعلى ذوات الشعر من البهائم. انظر "اللسان" 4/ 1918 (سبد). والشاهد أن وفق الشيء ما يساوي حالته أو يكفيه.]] فالموافقة المواساة [[لعلها المُساواة]] في أمر من الأمور. والتوفيق بين النفسين إصلاحٌ بينهما لمساواة فيه. وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26]، أي: على وَفق أعمالهم. الليث يقول: لا يتوفق عبدٌ حتى يوفقه الله، وإن فلانًا موفّق رشيد [["العين" 5/ 226، "تهذيب اللغة" 4/ 3927 (وفق).]]. ووَفق كل شيء ما يكون متفقًا معه، كقوله: يَهوِين شَتَّى ويقَعنَ وفْقًا [["العين" 5/ 226، وانظر: "لسان العرب" 8/ 4884 (وفق).]] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. قال ابن عباس: يريد: عليمًا بما في قلوبهم من المودة، وخبيرًا بما يكون إذا هو طلّقها من وُجْدِه عليها، أو وُجدِها عليه [[لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 84]].

النساء 4:36

وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. قال الزجاج المعنى: أوصاكم الله بعبادته، وأوصاكم بالوالدين إحسانًا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 49.]]. وقال الفراء: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا. أمرهم بالإحسان [["معاني القرآن" 1/ 266، وعبارته: أمرهم بالإحسان إلى الوالدين. وفي "زاد المسير" 2/ 79: قال الفراء: أغراهم بالإحسان إلى الوالدين.]]. قال ابن عباس: يريد البِرّ بهما مع اللطف ولين الجانب، ولا يُغلظ لهما الجواب، ولا يُحدّ إليهما النظر، ولا يرفع صوته عليهما، كما قال الله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24] يكون بين أيديهما ذليلًا مثل العبد بين يدي السيد الفظّ الغليظ، تذلّلًا لهما مع المحبة [[لم أقف عليه.]]. ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، القربى مصدر كالقرابة [[انظر: الطبري 5/ 77.]]، ومثله البُشرى والرُّجعى. قال ابن عباس: يصله ويعطف عليه [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 84]]. وقال الزجاج: أمر الله: عز وجل بالإحسان إلى ذوي القرابة بعد الوالدين [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 50.]]. ﴿وَالْيَتَامَى﴾، قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، قال: يريد: بَذْلُ يسر، أو ردّ جميل [[لم أقف عليه.]]. ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾، قال عامة المفسرين: يعني القريب في النسب، الذي يبنك وبينه قرابة، وله حقوق؛ حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام [[انظر: الطبري 5/ 78، "بحر العلوم" 1/ 353، "الكشف والبيان" 4/ 52/ أ، "النكت والعيون" 1/ 485.]]. ودل كلام الزجاج على أنه أراد بالقُربى ههنا قرب الدار والمعرفة والاختلاط، لأنه قال: هو الذي يقاربك ويعرفك [["معانى القرآن وإعرابه" 2/ 50.]]. ويُقوي هذا أنه قابله بالجار الغريب في قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، فكما أن الغريب لا يعرفك لبعد داره فالجار ذي القربى هو الذي يعرفك لقرب داره وأرضه من دارك وأرضك [[عبارة الزجاج في "معانيه" 2/ 50: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ والجار القريب المتباعد. واستشهد على ذلك بيت من الشعر هو: فلا تحرمنّي نائلًا عن جَنَابة ... فإني امرؤٌ وسط القباب غريبُ وسيأتي.]]. والذي عليه المفسرون هو الأول. وقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. الجنب نعت على فعل، مثل: (أُحُد) في: ناقةٌ أُحُد، وبابٌ غُلُق [[في (أ): (علق) بالعين المهملة.]]، وقارورةٌ فُتُح. وأصله من الجنابة ضدّ القرابة، وهو البُعد [[انظر: "الطبري" 5/ 80، "الحجة" 3/ 158.]]. قال علقمة بن عبدة [[هو علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس التميمي، شاعر جاهلي مجيد، كان يلقب بالفحل لحادثة جرت بينه وبين امرئ القيس. توفي قبل الهجرة بنحو عشرين سنة. انظر: "الشعر والشعراء" ص 125، "طبقات الشعراء" 58، "الأعلام" 4/ 247.]]: فَلا تَحْرمنِّى نَائِلًا عن جَنَابةٍ ... فإني امرؤٌ وَسْط القِبَاب غَريبُ [["ديوانه" ص 31، "الكامل" 3/ 16، والاختيارين للأخفش الأصغر ص 656، وفيه: الديار بدل القباب، "الزاهر" 1/ 430. والجَنابة: البعد والغربة وهو الشاهد. والمعنى: لا تحرمني بعد غربة وبعد عن دياري. والبيت من قصيدة في فكاك أسر أخ له.]] وقال الأعشى [[هو ميمون بن قيس بن جندل الوائلي -الأعشى الكبير- تقدمت ترجمته.]]: أتيتُ حُريثًا زائرًا عن جنابةٍ ... وكان حُرَيثٌ عن عَطَائِيَ جَامِدًا [["ديوانه" 43، "الكامل" 3/ 15، "الطبري" 5/ 80، "معاني الزجاج" 2/ 50، الثعلبي 4/ 25 ب. وجاء في حاشية "ديوانه": حُرَيث: تصغير لكلمة حارث، وهو ذم للحارث بن وعلة بن مجالد الى الرقاشي. الجنابَة: البعد. وانظر "الكامل" 2/ 902، 903.]] وقال آخر: كِرامٌ إذا ما جئتَهم عن جنابةٍ ... أعفّاءُ عن جار الخليطِ المجاور [[البيت للراعي النميري في "ديوانه" ص 108، و"تاريخ دمشق" 38/ 190.]] ورجل جُنُب، إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله. وقوم أجناب، ورجل أجنَب وأجنبي، وهو البعيد منك في القرابة [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 663، "اللسان" 2/ 692 (جنب).]]. وأصل الجنب التنحية والإبعاد، ومنه قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]. والجانبان الناحيتان لتنحّي كل واحدة [[في (أ): (واحد) بالتذكير.]] عن الأخرى [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 446، "الحجة" 3/ 158.]]. وروى المفضَّل عن عَاصم [[هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود -بهدلة- الأسدي الكوفي الإمام المقرئ وأحد القراء السبعة المشاهير الحجة، وقد أخرج حديثه الجماعة، توفي -رحمه الله- سنة 120هـ. انظر: "السبعة" ص 69، "مشاهير علماء الأمصار" ص 165، "التقريب" ص 285 رقم (3054).]]: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ بفتح الجيم وسكون النون [["السبعة" ص 233، "الحجة" 3/ 157. وقال ابن مجاهد وأبو علي - رحمهما الله: ولم يآت بها غيره. وانظر: "معاني القراءات" 1/ 307.]]، وهو يحتمل معنيين: أحدهما: أن يريد بالجنب الناحية، ويكون المعنى على هذا: ذي الجَنْب، فحذف المضاف؛ لأن المعنى مفهوم، ألا ترى أن الناحية لا يكون الجار إياها، والمعنى: ذي ناحية ليس هو الآن بها، أي: هو غريب [[في "الحجة" 3/ 158: هو غريب عنها، والكلام في توجيه القراءتين لأبي علي.]]. والآخر: أن يكون وصفًا، مثل: ضرب وندب وفسل [[هكذا بالفاء عند أبي علي في "الحجة"، وفي النسختين من المخطوط كأنها بالنون (نسل).]]، فهذا وصف جري على الموصوف، كما أن الجنب كذلك [[انتهى من "الحجة" 3/ 158.]]. قال ابن عباس وعامتهم: الجار الجنب هو الذي ليس بينك وبينه قرابة [["تفسير ابن عباس" ص 148. وأخرجه الطبري 5/ 79 - 80 عن ابن عباس، وهو قول قتادة والسدي ومجاهد وابن زيد والضحاك كما أخرجه الطبري، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 52 ب، "زاد المسير" 2/ 79.]]. وله حق الجوار، فإن كان من أهل دينك فله حق الإيمان [[انظر: "الطبري" 5/ 79، "بحر العلوم" 1/ 353.]]. ومعنى وصفه بالبُعد ههنا أنه ليس من قومك، ونَسبُه بعيد عنك، ألا ترى أن مجاهدًا وقتادة قالا: هو جارك من قوم آخرين [[أخرجه عنهما عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 159، والطبري 5/ 79.]]. ويحتمل أن يُراد بهذا البُعد بُعد الدار، وهو الغريب من بلد غير بلدك يجاورك، فهو متباعد عن أهله وبلده. وإلى هذا ذهب الزجاج، فإنه قال: هو الجار الغريب [[في (د): (القريب)، وكذا في "معاني الزجاج"، ولعل ما أثبته هو الأولى.]] المتباعد [["معاني الزجاج" 2/ 50.]]. وحكى ابن جرير عن نَوفٍ البِكَالي [[هو أبو عمرو نوف بن فضالة البكالي، تابعي صالح، شامي مستور، أخرج له البخاري ومسلم، وأما تكذيب ابن عباس له فلِمَا رواه عن أهل الكتاب، مات -رحمه الله - بعد سنة 90 هـ. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 121.]] أنه ذهب إلى أن المراد بهذا البُعد بُعد الدين، فقال في الجمار الجنب: إنه الكافر [[أخرجه الطبري 5/ 80 بلفظ: اليهودي والنصراني، وانظر: "زاد المسير" 2/ 79، و"ابن كثير" 1/ 540.]]. وقد قال النبي ﷺ في المشرك الجار: "له حق الجِوَار وإن كان مشركًا" [[جزء من حديث أخرجه البزار بنحوه مطولًا، كما في "كشف الأستار" 2/ 380. وانظر: ابن كثير 1/ 541، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 53 أ، وهذا لفظه، وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 164 بقوله: رواه البزار عن شيخه عبد الله ابن محمد الحارثي وهو وضاع.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والحسن والسدي والضحاك: هو الرفيق في السفر [[قول ابن عباس في "تفسيره" ص 148 بلفظ: الرفيق فقط، وأخرجه عن جميعهم الطبري 5/ 80 - 81، إلا الحسن، فانظر: ابن كثير 1/ 840.]]. قال عطاء عن ابن عباس: يريد صاحبك في السفر، وهو جارك إلى جانبك، فله حق الجوار وحق الصحبة [[الذي وقفت عليه نحو ذلك من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسيره" ص 148، وأخرجه الطبري 5/ 80.]]. وهذا اختيار الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 267.]] والزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 50.]] وابن قتيبة [[في "غريب القرآن" ص 119.]]. وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى [[هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني، تقدمت ترجمته.]] وإبراهيم: هو زوجتك تكون معك إلى جنبك [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 81 - 82، وانظر: "زاد المسير" 2/ 80.]]. وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء خيرك ونفعك [[ابن جرير روى نحو ذلك عن ابن عباس، وهذا لفظ ابن زيد أخرج ذلك الطبري 5/ 82، وانظر "زاد المسير" 2/ 80.]]. وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيل﴾. هو الضيف، يجب قِراه إلى أن يبلغ حيث يريد. قال ابن عباس ومجاهد والربيع: يريد عابر السبيل، تُروِيه وتُطعِمه حتى يرحل عنك [[أخرجه عن مجاهد عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 159، وذلك عنه وعن الربيع، "الطبري" 5/ 83.]]. ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني المماليك. قال ابن عباس: يريد المملوك، تُحسن رزقَه وتحتمل مساوئه وتعفو عنه فيما يُخطئ، فإن لاءمك فاحسبه وأنت مُحسن، وإن خالفك في الملاءمة فبعه لعله يوافق غيرك وتبرأ من إثمه [[لم أقف عليه.]]. وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع شيئًا من الخدم فلم يوافق شيمته شيمته فليبع ويشتر حتى يوافق شيمته شيمته، فإن الناس شِيمَ، ولا تعذبوا عباد الله" [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36] المختال: ذو الخيلاء والكبر [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، وانظر الطبري 5/ 84، "بحر العلوم" 1/ 354.]]. قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه، الذي لا يقوم بحقوق الله [[لم أقف عليه]]. قال الزجاج: وإنما ذكر الاختيال ههنا، لأنَّ المختال يأنف من ذوي قراباته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، فلا يُحسن عشرتهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 51، وانظر: "زاد المسير" 2/ 81.]]. وذكرنا اشتقاقه في اللغة عند قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14]. ومعنى الفخر في اللغة هو البذخ والتطاول، والفخور الذي يعدِّد مناقبه كبرًا وتطاولًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2750، "أساس البلاغة" 2/ 189، "اللسان" 6/ 3361 (فخر).]]. قال ابن عباس: هو الذي يفخر على عباد الله بما خوّله الله من كرامته وما أعطاه من نعمته [[لم أقف عليه، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 489.]].

النساء 4:37

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. جائز أن يكون موضع (الذين) نصبًا على البدل [[على البدل من من قوله: (من كان مختالًا). انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 416.]]. المعنى: أنَّ الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا، ولا يحب الذين يبخلون. وجائز أن يكون رفعه على الابتداء ويكون الخبر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40]، أي لا يظلمهم مثقال ذرة. قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 51، بتصرف، وانظر: الطبري 5/ 85، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 416 - 417، "الدر المصون" 3/ 676.]]. والأولى أن يكون مستأنفًا، لأنَّ الآية نازلة في اليهود [[انظر: الطبري 5/ 85، "النكت والعيون" 2/ 51، "الكشف والبيان" (4/ 54 أ)، "النكت والعيون" 1/ 487.]]. ومعنى البُخل في كلام العرب منع الإحسان، وفي الشريعة منع الواجب [["الكشف والبيان" 4/ 54 أ، وانظر: "المفردات" ص (38)، "عمدة الحفاظ" ص (40)، (بخل).]]. وفيه أربع لغات: البَخْل مثل الفَقْر، والبَخَل مثل الكَرَم، والبُخْل مثل الفُقر، والبُخُل بضمتين. ذكره المبِّرد، وقال: ونظيره أرض جرز، وفيه اللغات الأربع [[لم أقف على كلام المبرد فيما بين يدي من مصنفاته، وقد ذكر نحو كلامه الثعلبي في "الكشف والبيان" (4/ 54 ب)، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 51، "بحر العلوم" 1/ 354، "عمدة الحفاظ" ص (40) (بخل).]]. وأجمعوا على أن الآية نازلة في اليهود [[دعوى الإجماع غير مسلمة، فقد اختلف في نزولها، لكن كونها في اليهود هو قول الأكثر. انظر: "الكشف والبيان" 4/ 54 أ، "النكت والعيون" 1/ 487.]]. واختلفوا في معنى هذا البخل، فذكر فيه قولان: أحدهما: أن المراد به البخل بالعلم. وهو قول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل. قال سعيد: هذا في العلم ليس في الدنيا منه شيء [[أخرج الأثر عنه: الطبري 5/ 86، والثعلبي (4/ 54 أ).]]. وقال الكلبي: هم اليهود، بخلوا أن يصدقوا من أتاهم صفة محمد ﷺ ونعته، وأمروا قومهم بالبخل، وهو كتمان أمره [[أورده المؤلف بنحوه في "أسباب النزول" ص 156، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (84).]]. وقال مقاتل: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ رؤوس اليهود، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ كانوا يأمرون سفلتهم بكتمان نعت محمد ﷺ [["تفسير مقاتل" 1/ 372، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 354.]]. واختار الزجاج هذا القول، فقال: هم اليهود بخلوا بعلم ما كان عندهم من مبعث النبي ﷺ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 51.]]. القول الثاني: أن هذا البخل معناه البخل بالمال. وهو قول ابن عباس وابن زيد [[انظر: الطبري 5/ 86، "زاد المسير" 2/ 82.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: ثم ذكر اليهود فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ يريد يبخلون بأموالهم عمن هو دونهم من المؤمنين في المال، وهو أكرم على الله منهم [[لم أقف على رواية عطاء، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 289.]]. وقال في رواية غيره [[رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. انظر: الطبري 5/ 86.]]: نزلت في رؤساء اليهود؛ كانوا يأتون رجالًا من الأنصار ينتصحونهم [[عند الطبري 5/ 86: "وينتصحون لهم" وكذا في "زاد المسير" 2/ 81، وفي "الدر المنثور" 2/ 289: "وينتصحون لهم".]]، ويقولون لهم: لا تُنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر، ولا تدرون ما يكون [[أخرجه الطبري 5/ 86 بأطول من ذلك، وكذا ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 289، وذكره الثعلبي (4/ 54/ ب) ، وابن الجوزي 2/ 81.]]. وروي مثل هذا القول عن مجاهد والسدي، قالا: هم اليهود بخلوا بما أعطوا من الرزق [[المأثور عن مجاهد والسدي أن المراد كتمان صفة النبي ﷺ ونبوته. انظر: الطبري 5/ 85، "النكت والعيون" 1/ 487، "زاد المسير" 2/ 82.]] وقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد العلم بما في التوراة مما عظم الله به أمر محمد ﷺ وأمته [[أخرج معناه في الأثر المتقدم عن ابن عباس من رواية سعيد بن جبير: الطبري 5/ 86.]]. وقال مقاتل: يعني ما في التوراة من أمر محمد ونعته [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 354.]]. وهذا قول عامة المفسرين، فالفضل ههنا هو ما أوتوا من العلم، برسالة النبي ﷺ.

النساء 4:38

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ الآية. إن شئت عطفت الذين في هذه الآية على الذين في الآية التي قبلها، وإن شئت جعلته في موضع الخفض عطفا على قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [[انظر: الطبري 5/ 87، "معاني الزجاج" 2/ 51، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 416 - 417، "الكشف والبيان" (4/ 54 ب)، "معالم التنزيل" 2/ 214.]]. قال السدي: نزلت في المنافقين [["الكشف والبيان" (4/ 54 ب)، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 214، "زاد المسير" 2/ 83.]]. واختاره الزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 51.]]، وهو الوجه؛ لذكر الرياء ههنا، وهو ضرب من النفاق، وقال بعضهم: نزلت في مشركي مكة المتفقين على عداوة رسول الله ﷺ [["الكشف والبيان" (4/ 54 ب)، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 214، "زاد المسير" 2/ 83.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ معنى القرين في اللغة هو الذي يقارنك ويُصاحبك [[انظر الطبري 5/ 88، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 417، "النكت والعيون" 1/ 487، "اللسان" 6/ 3611 (قرن).]]، من قولهم: قرنت الشيء بغيره إذا شددته إليه [[انظر: "معجم مقاييس اللغة" 5/ 76، "أساس البلاغة" 2/ 248، "زاد المسير" 2/ 83، "اللسان" 6/ 3611 (قرن).]]. وقيل: إنما اتصل الكلام ههنا بذكر الشيطان تقريعًا لهم على طاعة الشيطان. وعلى هذا دل كلام أبي إسحاق؛ لأنه قال: أي من يكن عمله بما يُسول له الشيطان فبئس العمل عمله [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 51.]]. وقال الكلبي: هذا في الآخرة، يجعل الله الشياطين قرنائهم في النار، يقرن مع كل كافر شيطان في سلاسل النار [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 354، "زاد المسير" 2/ 83، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 85.]]. يقول الله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ صاحبا ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ يقول: بئس الصاحب الشيطان. وقوله تعالى: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ قد ذكرنا معنى ساء في هذه السورة. وانتصب (قرينًا) ههنا على التمييز والتفسير [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 267، "معاني الزجاج" 2/ 52، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 417، "الكشف والبيان" (4/ 55 أ).]]؛ لأن (ساء) معناه (بئس)، و (بئس) تنصب النكرة، كقولك: بئس رجلًا زيد، لأنك إذا قلت: بئس، جاز أن تذكر رجلًا أو حمارًا، فإذا ذكرت نوعًا ميزته من سائر الأنواع [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 267.]]، وفيه ضمير فاعل لأنه فعل، والفعل لا يخلو من الفاعل، فصار المميِّز [[في (أ): (المييز).]] كالمفعول فلهذا نصب. وقد استوفينا (القول) [[ليس في (د).]] في (نعم، وبئس).

النساء 4:39

قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ الآية. هذا احتجاج على هؤلاء الذين ذكرهم الله بأنهم لا يؤمنون بالله، والمعنى أن الإنسان يُحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر له ما عليه في فعل شيء من استحقاق العقاب، وما له في تركه من استحقاق الثواب عمل على ذلك في تركه والانصراف عنه. ومعنى الآية كأن الله تعالى يقول: ليتفكروا ولينظروا ماذا عليهم في الإيمان لو آمنوا؟ وهو استفهام في معنى الإنكار. ويصلح أن يكون (ما) و (ذا) اسمًا واحدًا، فيكون المعنى: وأي شيء عليهم [[انظر: الطبري 5/ 88، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 417.]]، ويجوز أن يكون (ذا) في معنى الذي، وتكون (ما) وحدها اسمًا، ويكون المعنى: وما الذي عليهم لو آمنوا [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 417، "الكشف والبيان" (4/ 55 أ).]]. وقد بسطنا الكلام في تفسير (ماذا) في موضعين في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" بتحقيق د. الفوزان [البقرة: 215].]]. وقوله تعالى: ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال ابن عباس: يريد بنية صادقة، يصدِّق القلبُ اللسان، ويصدق اللسانُ القلب [[لم أقف عليه.]]. ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ يريد: يصدقوا مما تفضل الله به عليهم [[انظر: "الوسيط" 2/ 550، "زاد المسير" 2/ 83.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. تأويله: لا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء؛ لأن الله بهم عليم مجاز لهم بما يسرون من قليل أو كثير [[انظر: الطبري 5/ 88. "الوسيط" 2/ 550، "زاد المسير" 2/ 83.]].

النساء 4:40

قوله تعالى: ﴿{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية. قد ذكرنا أن الظلم يستعمل في معان كثيرة. وهو ههنا بمعنى النقص. قال ابن عباس: يريد لا ينقص مثقال ذرة [[أورده المصنف في "الوسيط" 2/ 550 من رواية عطاء ولم أقف عليه، وانظر: "الكشف والبيان" (4/ 55/ أ).]]. والمثقال مقدار الشيء في الثِّقل. وهو مفعال من الثقل، يقال: هذا على مثقال هذا، أي وزن هذا. ومعنى ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: أي ما يكون وزنه وزن الذرة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، والطبري 5/ 88، "معاني الزجاج" 2/ 52، "النكت والعيون" 1/ 488.]]. وأما الذرة فهي النملة الحميراء الصغيرة في قول أهل اللغة [[انظر: "اللسان" 3/ 1494 (ذرر).]]، وهو قول ابن عباس [[أخرج الأثر عنه - الطبري 5/ 89، وذكره الثعلبي (4/ 55 أ)، وانظر: "زاد المسير" 2/ 85، "الدر المنثور" 2/ 290.]] وابن زيد [[لم أقف على قوله، وقد خرج الطبري مثل هذا القول عن يزيد بن هارون كما في "تفسير الطبري" 5/ 89، فيحتمل أن "يزيد" تصحف من النساخ إلى "ابن زيد" والله أعلم.]]. وروى يزيد بن الأصم [[هو أبو عوف يزيد بن عمرو (الأصم) بن عبيد البكائي المدني، من ثقات التابعين، وهو ابن خالة ابن عباس رضي الله عنهما توفي -رحمه الله- سنة 103هـ. انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 360، "التقريب" رقم (7685).]] عن ابن عباس في هذه الآية قال: أدخل ابن عباس يده في التراب، ثم رفعها، ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرَّة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 85.]]. والمراد من هذا: لا يظلم قليلًا ولا كثيرًا، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس، يدل على هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: 44]. قال ابن عباس: نزل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ في المنافقين، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ في المؤمنين. يقول: لا ينقص ﴿مِثْقَالَ﴾ [[ليس في (د).]] ذرة من عمل منافق إلا جازاه بها رواه عطاء عنه [[لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقياس" بهامش المصحف ص 85.]]. وقال آخرون: هذا على العموم [[أي عموم المؤمنين والكافرين.]]. ثم اختلفوا؛ فذهب بعضهم في تأويله إلى ما رواه أنس أن النبي ﷺ قال: "وإن الله لا يظلم حسنة، أما المؤمن فيثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة" [[أخرجه مسلم (2808) كتاب صفات المنافقين باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.]]. وذهب بعضهم إلى تأويل هذه الآية: إن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم، بل يأخذ له ومنه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى للخصم، بل يثيبه عليها ويُضعفها له. واحتجوا بما روي عن ابن مسعود أنه قال: يُؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه. ثم يقال له: آت هؤلاء حقوقهم. فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا. فيقول الله لملائكته في أعماله الصالحة: فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعّفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته. ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [[أخرجه بنحوه الطبري 5/ 89 - 90 بأكثر من طريق، وابن أبي حاتم ونقله ابن كثير 1/ 544 عنه بإسناده ثم قال: "ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح" وصحح إسناد ابن أبي حاتم أحمد شاكر في تحقيقه للطبري، وقال عن هذا الأثر: "والحديث أثر موقوف على ابن مسعود، ولكني أراه من المرفوع حكمًا، فإن ما ذكره ابن مسعود مما لا يعرف بالرأي، وما كان ابن مسعود ليقول هذا من عند نفسه، وليس هو ممن ينقل عن أهل الكتاب ولا يقبل الإسرائيليات". وانظر: "الدر المنثور" 2/ 290.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾. الأصل: وإن تكن (بالنون) كقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: 135]، وذلك أن النون إذا سكنت [[في (د): (سقطت).]] للجزم وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار (تكن)، ويجوز حذف النون من تكن؛ لأنها ساكنة وهي تشبه حروف اللين، وحروف اللين إذا وقعت طرفًا سقطت، كقولك: لم أدر، وإن تدع. كذلك حُذفت هذه النون استخفافًا لكثرة الاستعمال كما قالوا: لا أدرِ ولم أبل، والأصل: لم أبال ولا أدري. ووجه شبه النون بحروف اللين أنَّ الغنة التي في النون كاللين الذي في حروف اللين، وأيضًا فإنها تحذف لالتقاء الساكنين، كما حذفوهن كلذلك في نحو: غزا القوم، وتغطي ابنك وتصبو [[هكذا في: (أ) ولعل الصواب بدون ألف.]] المرأة. ألا ترى أنك لم تظهر الألف ولا الباء [[هكذا في: (أ) بالباء الموحدة، ولعل الصواب: "ولا الياء" بالمثناة التحتية، وهو كما في (د).]] ولا الواو في اللفظ، بل حذفتهن لاجتماع الساكنين. وكذلك يفعلون في النون فيقولون: مِلآن، أي: من الآن [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 540، 540، "الخصائص" 1/ 90، "عمدة الحفاظ" ص (505) (كون).]]، وأنشد سيبويه: فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضل [[الكتاب 1/ 27، وعزا البيت للنجاشي (قيس بن عمرو الحارثي) وهو يصف ذئبًا. انظر: "الخصائص" 1/ 310، "سر صناعة الإعراب" 2/ 440، 541 بتحقيق هنداوي "الإنصاف" ص 546 بتحقيق عبد الحميد.]] وأنشد قُطرب: لم يك الحق سوى أن هاجه ... رسم دار قد تعفى بالسِّرر [[البيت لحسيل بن عرفطة (شاعر جاهلي) والضمير في "هاجه" يعود على عائق في بيت قبله، "السرر" اسم موضع قرب مكة. انظر: "النوادر" لأبي زيد ص (77)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 440، 540 بتحقيق هنداوي، "الخصائص" 1/ 90.]] يريد بالأول: ولكن، والثاني: لم يكن، فلم يحرِّكا وحذفا. جعلوا النون أيضًا علمًا للرفع في نحو: يقومان ويقومون وتقومين، كما جعلوا الواو والألف علمًا له، نحو: أخوك وأبوك، والزيدان، والزيدون، إلى غير ذلك مما يطول ذكره [["سر صناعة الإعراب" 2/ 440، وانظر: "الكتاب" 1/ 19.]]. وقرئ قوله: (حسنةٌ) بالرفع والنصب [[بالرفع لأبي جعفر ونافع وابن كثير، وبالنصب لبقية العشرة انظر: "السبعة" ص 233، "الحجة" 3/ 160، "المبسوط" ص (156)، "النشر" 2/ 249.]]، فمن رفع فهي اسم كان ولا خبر لها ههنا، وهي في مذهب التمام. على معنى: وإن تحدث حسنة، أو إن تقع حسنة. ومن نصب كان المعنى: وإن لَكن فعلتُه حسنةً. والنصب حسن، لتقدم ذكر (مثقال ذرة)، فتجعل الذرة اسمًا وحسنة الخبر، على تقدير: وإن تكن الذرة حسنةً يضاعفها الله [[انظر: "الحجة" 3/ 160، "إعراب القراءات السبع" 1/ 133، "معاني القراءات" 1/ 308.]]. قال ابن عباس: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ يريد: من مؤمن ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ يريد: عشرة أضعافها [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 551، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 85.]]. وقال السدي: هذا عند الحساب والقصاص (فمن بقي له من الحسنات شيء يضاعفه بسبع مائة، وإلى الأجر العظيم [[لم أقف عليه.]]. ولهذا كان يقول بعض الصالحين: فُصَلت [[هكذا، ولعل الصواب: "لو فضلت".]] حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا وما فيها [[هذا القول لقتادة، أخرجه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 160، والطبري 5/ 88.]]) [[ما بين القوسين لم يتضح كاملا في (أ) بسبب الطمس والتآكل في النسخة.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال عطاء: يريد من عنده أجرًا عظيمًا يتفضل عليه بأكثر من العشرة الأضعاف [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 552 دون نسبة لعطاء، ولم أقف عليه.]]. وقال الكلبي: الأجر العظيم الجنة [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 85، وقد ورد هذا التفسير عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير وابن زيد. أخرج ذلك عنهم الطبري 5/ 91 - 92.]]. وقال الحسن: هذا أحب إلى العلماء؛ أن لو قال: الحسنة بمائة ألف وهو كقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، ولم يقل مثل ألف شهر [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو عثمان النهدي [[هو عبد الرحمن بن مل -بميم مثلثة ولام ثقيلة- النهدي، مشهور بكنيته، من كبار الرواة الثقاة وهو من المخضرمين، وكان من العباد. توفي -رحمه الله- سنة 95 هـ. وله من العمر 130 سنة أو أكثر. انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 175، "تقريب التهذيب" ص (351) (4017).]]: بلغني عن أبي هريرة [[تقدمت ترجمته.]] أنه قال: إن الله عز وجل يُعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. فقضي أن انطلقت حاجًا أو معتمرًا، فلقيته فقلت: بلغني عنك أنك تقول: إن الله عز وجل يُعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة. قال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكني قلت: إن الحسنة تضاعف ألفي ألف [[في (د): (ألف ألف).]] حسنة ثم تلا هذه الآية وقال: إذا قال الله عز جل: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره [[أخرجه بنحوه وآخره مرفوعًا الإمام أحمد 2/ 296، والطبري 5/ 91، والثعلبي 4/ 57، وعزاه ابن كثير 1/ 545 إلى ابن أبي حاتم والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 291 إلى ابن أبي شيبة أيضًا.]]. وسنذكر اللغات في لدن والكلام فيه في سورة الكهف إن شاء الله.

النساء 4:41

قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾. قال الزجاج والأكثرون: أي فكيف تكون حال هؤلاء القوم الذين ذكرهم الله من المنافقين والمشركين يوم القيامة، وحذف (تكون) لأنَّ في الكلام دليلًا على ما حذف. وكيف (لفظها) [[ليس في (د).]] لفظ الاستفهام، ومعناها ههنا التوبيخ [["معاني الزجاج" 2/ 53، وانظر: "زاد المسير" 2/ 85.]]. والاستفهام كثيرًا ما يرد بمعنى التوبيخ، وقد (ذكرنا) [[ما بين القوسين ليس في (د).]] لم أجاز أن يتضمن الاستفهام التوبيخ والإنكار في مواضع مما مضى [[انظر مثلا [البقرة: 28، 75، 133].]]. وقال صاحب النظم: هذا فصل منسوق فيه (على ما) [[ما بين القوسين غير واضح في (أ).]] قبل من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وتوكيدٌ لما تقدم من الخبر، وتحقيق لما بعده، على تأويل: إن الله لا يظلم مثقال ذرة، فكيف يظلمه إذا كان يوم القيامة؟ ففي قوله: (فكيف) طرف من الإنكار، أي أن ذلك لا يكون في وقت من الأوقات [[الظاهر أنه انتهى كلام صاحب النظم.]]. فعلى القول الأول [[الظاهر أنه يريد قول الزجاج.]] في (كيف) توبيخ للقوم الذين مضى ذكرهم، وعلى القول الثاني [[أي قول صاحب النظم.]] فيه إنكار لظلم الله أحدًا. ومعنى قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال ابن عباس: يريد: أتيناهم [[لم أقف عليه، وعليه علامات الغرابة، لأن النص واضح.]]. قال المفسرون: يُؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها [[انظر: الطبري 5/ 92، "معاني الزجاج" 2/ 54.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. أي على هؤلاء المنافقين والمشركين الذين ذكرهم يشهد عليهم بما فعلوا [[الأولى عدم تخصيص الإشارة، فشهادة الرسول ﷺ على أمته جميعًا. انظر الطبري 5/ 92، وابن كثير 1/ 546 - 547.]].

النساء 4:42

قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. يوم في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف و"يود"، وهو مضاف إلى إذ، وذلك نحو قولهم: ليلتئذ، وساعتئذ، وحينئذ. ودخل التنوين في إذ بدلًا من الإضافة، وذلك أنَّ أصل هذا أن تكون إذ مضافة إلى جملة، إما من مبتدأ وخبر، نحو: جئتك إذ زيد أمير، وقصدتك إذ الخليفة عبد الملك، قال الله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: 71]، وقال القطامي [[هو أبو سعيد عُمير بن شيم بن عمر التغلبي، والقطامي لقبه؛ تقدمت ترجمته.]]: إذا الفوارسُ من قيس بشكَّتها ... حولي شهودٌ وما قومي بشهاد [["ديوان القطامي" ص (86)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 504 بتحقيق د. هنداوي، والشكة: السلاح.]] وإما من فعل وفاعل نحو: قمت إذ قام [[في (أ): (أقام) وما أثبته هو الموافق "سر صناعة الإعراب" 2/ 504.]] زيد، وجلست إذ سار محمد. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 30]، ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: 72]، ثم اقتطع المُضاف إليه إذ في مثل هذا، ومثله قوله: {مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذ} [المعارج:11]، و ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43]. والتقدير في هذه الآية وفي غيرها: يوم إذ ذاك كذلك، فلما حذف المضاف إليه إذ عوّض منه التنوين، فدخل وهو ساكن على الذال وهي ساكنة، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين فقيل: يومئذ. وليست هذه الكسرة في الذال كسرة إعراب، وإن كانت إذ في موضع جر بالإضافة ما قبلها إليها، وإنما الكسرة فيها لسكونها وسكون التنوين بعدها، كما كسرت الهاء في صهٍ ومهٍ لسكونها وسكون التنوين بعدها، وإن اختلفت جهتا التنوين فيهما، فكان في إذ عوضًا من المضاف إليه، وفي صه علمًا للتنكير، ويدل على أن الكسرة في ذال (إذ) إنما هي حركة التقاء ساكنين: (هي) [[غير واضحة في (أ)، وفي "سر صناعة الإعراب" 2/ 504 "وهما هي .. ".]] والتنوين قول الشاعر: نهيتُك عن طلابك أمَّ عمرو ... بعاقبة وأنت إذ صحيح [[البيت لأبي ذؤيب الهذلي يخاطب قلبه وأنه نصحه عن حب هذه المرأة أم عمرو حتى لا يتورط فيصعب عليه الخلاص، وقوله: "بعاقبة" أي أن النصيحة كانت حتى آخر الكلام ولم يغفل عنها. انظر: "ديوان الهذليين" 1/ 68، "سر صناعة الإعراب" بتحقيق هنداوي 2/ 504، "الخصائص" بتحقيق النجار 2/ 376.]] ألا ترى أن إذ في هذا البيت ليس قبلها شيء [[انتهى من "سر صناعة الإعراب" 2/ 504، 505، والكلام من أول توجيه إعراب الظرف يوم وإضافته لإذ إلى هنا مستفاد منه. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 425 - 426.]]. ومضى القول في (يود) عند قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [[(لو يعمر): ليس في (د).]] [البقرة: 96] [[إلى هنا تنتهي نسخة (أ)، (د) وفي نهايتها كتب الناسخ ما يلي في (د): "تم الجزء الثاني من "تفسير البسيط" للواحدي بحمد الله ومنِّه والصلاة على نبيه محمد وآله أجمعين، ويتلوه في الثاني قوله تعالى: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 42] تم سنة 1270". أما النسخة (أ) فقد كتب في آخرها: "كتب في مسلخ شهر ربيع الثاني من شهور سنة ست وثلاثين وستمائة". ويبدو أن كاتبه رجل يُدعى: ابن القزويني.]]. وأما النقير [[هذا بداية ما بعد السقط من أثناء الآية (42) إلى أثناء الآية (53) وهو بداية نسخة (ش) شستربتي.]] فقال ابن السكيت: النقير النكتة في ظهر النواة [["تهذيب اللغة" 4/ 3644، وانظر: "اللسان" 8/ 4518 - 4519 (نقر).]]. وقال أبو الهيثم: النقير نقرة في ظهر النواة، منها تنبت النخلة [["تهذيب اللغة" 4/ 3644، وانظر: "اللسان" 8/ 4519 (نقر).]]. وذكرنا طرفًا منه عند ذكر الفتيل [[الظاهر أنه عند قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: 49]، وهذا من القسم الساقط والمفقود.]]. وأصله أنه فعيل من النقر وهو النكت، ومن هذا يقال للخشب الذي ينبذ [[في "اللسان" 8/ 4519 (نقر): "ينتبذ".]] فيه نقير لأنه ينقر [[انظر: "اللسان" 8/ 4518 (نقر).]]. والنقر ضرب الرحى [[في "ش": "بالألف الممدودة".]] والحجر وغيره بالمنقار. والمنقار حديدة كالفأس يُقطع بها الحجارة [["تهذيب اللغة" 4/ 3644 (نقر).]]. ومنه منقار الطائر؛ لأنه ينقر به [[انظر: "اللسان" 8/ 4517 (نقر).]]. وقول أهل التفسير موافق لقول أهل اللغة في تفسير النقير، وقول أبي الهيثم مثل قول ابن عباس حرفًا بحرف [[انظر "تفسير ابن عباس" ص 150، والطبري 5/ 136.]]. قال الزجاج: وذكر النقير ههنا تمثيل، المعنى: لضنُّوا بالقليل [["معاني القرآن وإعرابه" ص 63، وانظر: "زاد المسير" 2/ 109.]].

النساء 4:54

وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية. (أم) ههنا كالتي في الآية التي قبلها. والمراد بالناس هنا النبي ﷺ في قول ابن عباس والأكثرين [[انظر: "زاد المسير" 2/ 110.]] وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الناس وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خلال (الخير) [[هنا كلمة غير واضحة، واستوضحتها من "الوسيط" 2/ 588.]] ما يكون مثله في جماعة، ومن هذا يقال: فلان أمَّة وحده، أي: هو يقوم مقام أمة، قال الله تعالى-: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: 120] [[انظر: "الوسيط" 2/ 588.]]. قال المفسرون: إن اليهود حسدت النبي ﷺ نكاح تسع نسوة، وقالوا: لو كان نبيًا لشغله أمر النبوة عن النساء، فأكذبهم الله تعالى وقال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 275، الطبري 5/ 138، "معاني الزجاج" 2/ 64.]] قال عطاء: يريد الفقه والعلم [[لم أقف عليه عن عطاء، وانظر: "زاد المسير" 2/ 111.]]. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. قال ابن عباس في رواية العوفي: يعني ملك سليمان [[أخرجه الطبري 5/ 140، وإسناده ضعيف، انظر: "زاد المسير" 2/ 111، وتحقيق المروي عن ابن عباس 1/ 325. وقد رجح هذا القول على غيره الطبري 5/ 141.]]. والمعنى على هذا: يحسدون (محمدًا كثرة) [[قد تكون العبارة: "محمدًا لكثرة".]] نسائه ويعيبونه بهن بقولهم: لو كان نبيًا لشغله أمر النبوة. أو فليحسدوه إن كانوا حسدوا محمدًا. وقال السدي: يعني بالملك العظيم ما أحل لداود من النساء، وهن تسع وتسعون. ولسليمان ألف، بين حرة ومملوكة [[أخرجه الطبري 5/ 140 بنحوه لكن فيه: "وينكح سليمان مائة"، وانظر: "زاد المسير" 2/ 111، "الدر المنثور" 2/ 309.]]. وقال الحسن وابن جريج وقتادة: الفضل في هذه الآية النبوة وكانت اليهود حسدت محمدًا ما آتاه الله من النبوة، وقد علموا أنَّ النبوة في آل إبراهيم فقيل لهم: أتحسدون النبي ﷺ وقد كانت النبوة في آله، وهم آل إبراهيم [[أخرجه عن قتادة بنحوه وعن ابن جريج مختصرًا: الطبري 5/ 139 - 140، أما الحسن فقد فسر الملك بالنبوة، لا الفضل، كما أخرج ذلك ابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 309، "تفسير الحسن" 1/ 284.]]. وهذا الوجه اختيار أبي إسحاق [[الزجاج في "معانيه" 2/ 64، وانظر: "زاد المسير" 2/ 110.]]. والحكمة في هذا القول النبوة. وقال مجاهد في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: النبوة [["تفسيره" 1/ 162، وأخرجه الطبري 5/ 140، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 309، وهو قول الحسن كما تقدم.]]. لأن الملك لمن له الأمر والطاعة، والأنبياء لهم الطاعة والأمر. وليس يحتاج في تصحيح معنى الآية إلى إضمار، ومثله من الكلام أن نقول: أتحسدون زيدًا ما أعطاه الله من المال، فعند عمرو أكثر من ذلك، أو فقد آتى عمرًا أكثر من ذلك. وتأويل هذا: فلا تحسدوا زيدًا، ولتحسدوا عمرًا. وهذا مفهوم من فحوى الكلام وإن لم يذكر.

النساء 4:55

وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. قال ابن عباس والأكثرون: من أهل الكتاب من آمن بمحمد عليه السلام، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ أعرض عنه ولم يؤمن [[هذا قول مجاهد ومقاتل والكلبي، انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 162، الطبري 5/ 141، "بحر العلوم" 1/ 361، "زاد المسير" 2/ 111، ولم أقف عليه عن ابن عباس.]]. وتأويل الآية: أن اليهود مهما ذُكر منهم من البُخل والجهل والحسد، فقد آمن به بعضهم. ومن قال: إن الوعيد المذكور في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾ [النساء: 47] [[من القسم الساقط.]] إنما أوعدوا به في الدنيا، قال: ذلك الوعيد صرف عنهم بإيمان هذا الفريق الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ ولذا قال: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: إن كان صرف بعض العقاب فكفى بجهنم عذابًا لمن لا يؤمن [[انظر: الطبري 5/ 141.]]. وقال السدي وجماعة: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي من أمة إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من صدّ عنه كما أنكم في أمر محمد عليه السلام كذلك [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 236، "زاد المسير" 2/ 112، "الدر المصون" 4/ 7.]]. وفائدة هذا الكلام ههنا أنَّ تأويله ليس في ترك بعضكم الإيمان بمحمد عليه السلام توهين لأمره، كما لم يكن في ذلك توهين لأمر إبراهيم. وقال الفراء: لما تليت على اليهود قوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 54] الآية كذب بذلك بعضهم وصدق بعضهم، وهو قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي بالنبأ عن سليمان وداود ومما أبيح لهما من النساء ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ بالتكذيب والإعراض [["معاني الفراء" 1/ 275 بتصرف.]]. وحكى الزجاج هذا الوجه أيضًا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 64، 65.]]. (...) [[بياض في (ش) يحتمل أن يكون أصله: وقوله تعالى.]] ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ مضى الكلام في هذه الباء وفي انتصاب ما بعد كفى عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: 45] [[من القسم.]]. (.....) [[بياض في (ش) بقدر كلمتين تقريبًا، يحتمل أن يكون: "معنى تفسير ... " أو نحوه.]] السعير في أول السورة [[عند تفسيره للآية 10.]]. والسعير لا يدخله هاء التأنيث؛ لأنه مصروف من مسعورة، كما قالوا: كف خضيب ولحية (...) [[كلمة غير واضحة وقد تكون "دهين" أو "خضيب" مثل كف.]]، وذلك أنَّ نقله عن لفظ المفعول المبني على الفعل إلى فعيل يأخذه عن حيّز الأفعال فيُقرّبه من الأسماء، وذلك يوجب حذف علامة التأنيث لتقدير الفعل، وقد ارتفع.

النساء 4:56

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾. قال سيبويه: سوف أداة تنفيس وتهديد ووعيد، يقال: سوف أفعل وسو أفعل (بغير فاء) [[في "الكتاب" 4/ 233 "وأما (سوف) فتنفيس فيما لم يكن بعد" وانظر: "عمدة الحفاظ" ص (255) (سوف)، والتنفيس هو التأخير، انظر: "اللسان" 4/ 2152 (سوف).]]. وقال غيره: هي أداة التسويف، كأنها مأخوذة منه، ألا ترى أنك تقول: سوف أعطيك، معناه أعطيك وقتًا آخر لا في هذا الوقت [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1597 - 1598 (ساف)، "عمدة الحفاظ" ص (255) (سوف).]]، وينوب عنها حرف السين، كقوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)﴾ [المدثر: 26]، وفي هذه الآية قال: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾، ويحقق ما ذكرنا قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: 5]، أي في الآخرة [[انظر: الطبري ط. دار الفكر 30/ 232.]]. وقال بعضهم: سوف كلمة تعليل، وهي أيضًا كلمة العقبى كهي في هذه الآية، وكلمة تحقيق أيضًا كقوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: 98] قيل أخَّرهم إلى وقت السحر تحقيقًا للدعاء [[انظر: ابن كثير 2/ 537.]]. وذكرنا ما في الإصلاء عند قوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. قال ابن عباس: يبدَّلون جلودًا بيضًا كأمثال القراطيس [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 237، وأخرجه عن ابن عمر: الطبري 5/ 142، وابن أبي حاتم، انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 564، "الدر المنثور" 2/ 311. والقراطيس جمع قرطاس وهي الصحيفة التي يُكتب عليها. انظر: "اللسان" 6/ 3592 (قرطس).]]. وقال معاذ بن جبل [[هو أبو عبد الرحمن مُعاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري الخزرجي، أحد السبعة الذين شهدوا العقبة من الأنصار وقد شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من قراء الصحابة وعلمائهم وأمرائهم. توفي رضي الله عنه سنة 17هـ أو بعدها. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص (358)، "أسد الغابة" 5/ 194، "سير أعلام النبلاء" 1/ 443، "الإصابة" 3/ 426 - 427.]]: يبدل في ساعة مائة مرة. وروى ذلك مرفوعًا عمر عن النبي ﷺ [[الأثر عن عمر ومعاذ رضي الله عنهما أخرجه ابن عدي والطبراني في "الأوسط" وابن أبي حاتم وابن مردويه، وسنده ضعيف، انظر البغوي 2/ 237، "الكافي الشاف" ص (45)، "الدر المنثور" 2/ 311.]]. وأما كيفية تبديل الجلود فقال جماعة من أهل المعاني: إن جلودهم إذا نضجت واحترقت جددت، بأن ترد إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة. وذلك أن (غير) على ضربين: غير تضادٍ وتنافٍ، كقولك: الليل غير النهار والذكر غير الأنثى. وغير تبدل، كقولك للصائغ: صغ لي من هذا الخاتم خاتمًا غيره، فيكسره ويصوغ لك منه خاتمًا، فالخاتم المصوغ هو الأول، إلا أن الصياغة غير والفضة واحدة، وتقول للإنسان: جئتني بغير ذلك الوجه، إذا تغيرت حالتُه، وجاء بغير ذلك اللباس إذا غيّر قميصه بأن جعله (...) [[بياض في (ش) ولعلها: بأن جعله (أبيض)، أو نحو ذلك.]]. وهذا الوجه ذكره الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 65، وانظر: الطبري 5/ 143، "زاد المسير" 2/ 113، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254.]] وابن كيسان وابن الأنباري. ويزيدك بهذا تأنيسًا ما قال أبو العباس [[من "تهذيب اللغة" 1/ 295 (بدل)، وقد نقل عن الأزهري نصًّا طويلاً، فيه أقوال.]] أحمد بن يحيى: قال الفراء: بدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذا مكانه، وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وسويته حلقة، وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتمًا. قال أبو العباس: وحقيقته أن التبديل تغيير صورة إلى صورة أخرى، والجوهرة [[جوهرة الشيء أصله، قال ابن منظور: "وجوهر كل شيء ما خلقت عليه جبلته" "اللسان" 2/ 712 (جهر).]] بعينها، والإبدال تنحية الجوهرة واستئناف جوهرة أخرى، ومنه قول أبي النجم: عزلُ الأمير للأمير المبدل [["تهذيب اللغة" 1/ 294، "اللسان" 11/ 48 (بدل).]] ألا ترى أنه نحى جسمًا وجعل مكانه جسمًا غيره. قال أبو عمر [[قد يكون الزاهد، ومرت ترجمته.]]: فعرضت هذا على المبرِّد فاستحسنه، وزاد فيه فقال. قد جعلت العرب بدلت بمعنى أبدلت، وهو قوله تعالى-: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] ألا ترى أنه قد أزال السيئات وجعل مكانها الحسنات. قال: وأما ما شرط أحمد بن يحيى فهو معنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، قال: وهذه هي الجوهرة بعينها باقية، وتبديلها تغيير صورتها إلى غيرها؛ لأنها كانت ناعمة فاسودت بالعذاب، فردت صورة جلودهم الأولى لمَّا نضجت تلك الصورة، فالجوهرة واحدة والصورة مختلفة. انتهى الحكاية [[من "تهذيب اللغة" 1/ 294، وانظر: "الصحاح" 4/ 1632، "اللسان" 1/ 231 (بدل).]]. ويؤكد هذا البيان الذي ذكره المبرد [[لعل هذِه الواو زائدة.]] وما حكينا من قول ابن عباس. وقال أبو علي الفارسي: ليس ينفصل (بَدَّل) من (أبدل) بشيء، فقد يقال: تبدل في الشيء، ويكون قائمًا وغير قائم، كقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: 101]، فقد تكون الآية المبدلة قائمة التلاوة، وربما رفعت من التلاوة. وقال: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16]، والجنتان قائمتان. ومنهم من أجرى الآية على ظاهرها، وقال: إن الله عز وجل يجدد لهم جلودًا غير الجلود التي احترقت، ويعدم المحترقة، ولا يلزم (....) [[بياض بقدر كلمتين أو ثلاث، وبمكن أن تقدر: [عليه أن يقال] كيف جاز ...]] كيف جاز أن يعذِّب جلدًا لم يعصه؟ لأن الجلد لا يألم وإنما الألم هو الإنسان، فالجلد وإن بدِّل (...) [[بياض بقدر كلمتين أو ثلاث، ويمكن أن يقدر: [فالإنسان لم يتغير] ...]] والألم واحد. والدليل على أن القصد تعذيب أصحاب الجلود لا الجلود قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:56] ولم يقل: لتذوق [[انظر: "الطبري" 5/ 142 - 143، "معالم التنزيل" 2/ 238، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254.]]. و (غير) على هذا التأويل غير تنافٍ وتضادٍ. واعتمد أبو بكر [[لعله يقصد ابن الأنباري.]] هذا القول فقال: إن الله تعالى يُلبسهم جلودًا تؤلمهم ولا تألم هي في ذاتها، فتكون جلودًا توصل الآلام والأوجاع إلى أرواحهم وقلوبهم من غير أن يلحقها هي شيء من ذلك، كما قال: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: 50] أراد بالسرابيل القمص، وهي قولهم: ولا تجد ألمًا [[لم أقف عليه، وانظر: الطبري 5/ 143.]]. ومنهم من أبعد في التأويل فقال: أراد بالجلود السرابيل في قوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: 50] سميت السرابيل جلودًا للزومها جلودهم على المجاورة، كما يسمى الشيء الخاص بالإنسان جلدة ما بين عينيه ووجهه [[انظر: الطبري 5/ 143، والقرطبي 5/ 254، وقد استبعد هذا القول كالمؤلف ابن كثير في "تفسيره" 1/ 564.]]، ومنه قوله: وجلدة بين العين والأنف سالم [[هذا عجز بيت لعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- وصدره: يلومونني في سالم وألومهم ولعله يقصد ابنه سالمًا. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254.]] فالتبديل للسرابيل، كلما احترقت السرابيل أعيدت، وينشد على هذا قول الشاعر: كسا اللؤم تيمًا خضرة في جلودها ... فويلٌ لتيمٍ من سرابيلها الخضر [[البيت لجرير في "ديوانه" ص162، والكتاب 1/ 333، ودون نسبة في "المقتضب" 3/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 254. والسرابيل جمع سربال وهو القميص كما تقدم عند المؤلف.]] أراد بالسرابيل جلودهم. وللسدي في هذا مذهب آخر، هو أنه قال: تبدل الجلود جلودًا غيرها من لحم الكافر، يُعيد الجلد لحمًا وُيخرج من اللحم جلدًا آخر. لا يبدل بجلدٍ لم يعمل بخطيئة [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 238.]]. ومعنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ أي لانت، والنُّضج هو اللين بالحرارة، وهو دون الاحتراق [[الظاهر والذي عليه المفسرون أن معنى: (نضجت): احترقت. انظر: الطبري 5/ 143، "بحر العلوم" 1/ 361، "زاد المسير" 2/ 113. وعلى ما ذكر المؤلف يلزم بأن يفسر تبديل الجلود بتغيير حالتها، لا تغييرها هي. والله أعلم.]]. ولفظ النضج ههنا أبلغ في التعذيب من لفظ الإحراق؛ لأنها إذا احترقت لم تحس بألم، ووقع بين فنائه وإنشاء غيره مهلة؛ إذ الجمع بين المحترق وغير المحترق محال، وفي تلك المهلة ترفيه للكافر، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 162] [[انظر: الطبري 5/ 143، والقرطبي 5/ 254.]]. وقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. استعمل لفظ الذوق ههنا مع عظم ما نالوا من شدة العذاب إخبارًا بأن إحساسهم به في كل حال كإحساس الذائق في تجديد الوجدان من غير نقصان في الإحساس، كما يكون في الذي يستمر به الأكل فلا يجد الطعم [[انظر: "الكشاف" 1/ 275.]]. ويقال: ذاق يذوق ذوقًا ومذاقًا وذواقًا، والذواق والمذاق يكونان مصدرين ويكونان طعمًا، كما تقول: ذواقه ومذاقه طيب [["العين" 5/ 201، "تهذيب اللغة" 2/ 1302 (ذوق).]]. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الذوق يكون بالفم وبغير الفم [["تهذيب اللغة" 2/ 1302 (ذوق).]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي هو قوي لا يغلبه شيء، وهو مع ذلك حكيم فيما دبر [[انظر: الطبري 5/ 143، "بحر العلوم" 1/ 362.]]. وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. أصل الظل الستر من الشمس، والليل يسمى ظلًا لأنه كالستر من الشمس [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2245 - 2246، "اللسان" 5/ 2754 (ظلل).]]، ومنه: في ظل أخضر يدعو هامه البومُ [[عجز بيت لذي الرمة في ص (574)، "الأضداد" لابن الأنباري ص (348)، "تهذيب اللغة" 1/ 1046 (خضر)، "الصحاح" 5/ 1755، "معجم مقاييس اللغة" 3/ 461 (ظلل)، "المفردات" ص (150)، "شرح العكبري لديوان المتنبي" 2/ 153، "اللسان" في أكثر من موضع منها: 5/ 2754 (ظلل). وصدره: "قد أعسف النازح المجهول معسفه" وفي "الديوان": "أغضف" بدل "أخضر" في الشطر الثاني. وجاء في "شرحه": أعسف: أسير على غير هداية، والنازح: البعيد، والمجهول: الذى ليس له علم، أغضف: يعني الليل، وأغضف أي == أسود، والهام: ذكر البوم [وهو نوع من الطيور] انتهى من الديوان بتصرف.]] ومضى القول في هذا عند قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: 57]. واختلفوا في معنى الظليل، فقال ابن عباس: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ دائمًا [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 592 دون نسبة إلى ابن عباس، ولم أقف عليه عنه، وروى ابن أبي حاتم معناه عن الربيع بن أنس، انظر: "الدر المنثور" 2/ 311.]]. ونحو ذلك قال الضحاك [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 255.]]. ومعنى قوله: دائمًا أنَّ الشمس لا تنسخه كما تنسخ ظلال الدنيا [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 238.]]. فهذا قول. وقال الحسن: ظل ظليل لا يدخله الحر والسمائم [[انظر: "الوسيط" 2/ 592، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 255، "البحر المحيط" 3/ 275، وفيهما: "السموم" بدل "السمائم".]]. وهذا اختيار ابن كيسان والزجاج. قال ابن كيسان: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ من الرياح والحر [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2248 (ظلل).]]، وكم من ظلٍّ لا يكون ظليلًا، ولذلك وصف ظل الجنة بأنه ظليل. وقال الزجاج: معنى ظليل: يظل من الريح والحر، وليس كل ظل كذلك. أعلم الله عز وجل أن ظل الجنة ظليل لا حر (معه) [[في المخطوط: "معد" والتصويب من "معاني الزجاج".]] ولا برد [["معاني الزجاج" 2/ 66.]]. وقال بعضهم: معنى الظليل أنه لا خلل فيه ولا فرجة، والمراد بهذا الظل هو الجنة وهو ظل لا حر فيه ولا برد [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 66، "البحر المحيط" 3/ 275.]]. وقال مقاتل: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ يعني أكنان القصور لا فرجة فيها [["تفسيره" 1/ 381، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 362.]]. وهذا غير الأول لأنه خص الظل بأكنان القصور. والظليل ليس بمبني على الفعل حتى يقال. إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل، ولم يسمع من الظل تصرف، وهذا كما يقال: رجل رجيل.

النساء 4:58

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية. أجمعوا على أنها نازلة في شأن مفتاح الكعبة [[انظر: ابن كثير 1/ 565.]] (.. [[هنا كلمة غير واضحة.]] ..) وذلك أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة طلب المفتاح، فقيل له: إنه مع عثمان بن طلحة الحجبي [[هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة (عبد الله) العبدري، الحجبي (حاجب البيت) أسلم يوم الحديبية على الصحيح، وشهد الفتح مع النبي ﷺ، وقد سكن المدينة إلى أن مات بها رضي الله عنه سنة 42 هـ انظر: "أسد الغابة" 3/ 578، "الإصابة" 2/ 460.]]، وكان من بني عبد الدار، وكان يلي سدانة الكعبة. فوجه إليه عليًا، فأبى دفعه إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله ﷺ لم أمنعه المفتاح. فلوى عليّ يده، وأخذ منه قسرًا، حتى دخل رسول الله ﷺ البيت وصلى فيه، فلما خرج قال له العباس: بأبي أنت اجمع لي السّدانة مع السقاية. وسأله أن يعطيه المفتاح. فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله عليًا أن يرده إليه، فرده إليه علي، وألطف له في القول، فقال: أخذته مني قهرًا. ورددته علي باللطف. فقال: لأن الله أمرنا برده عليك، وقرأ عليه الآية، فأتى النبي ﷺ وأسلم [[أخرجه الطبري بمعناه 5/ 145، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 312، كلاهما من طريق ابن جريج، وذكره المؤلف فى "الوسيط" 2/ 593، "أسباب == النزول" ص 162 وأنكره ابن حجر لأن عثمان الحجبي أسلم قبل الفتح. انظر: "الإصابة" 2/ 460.]]. وهذا قول محمد بن إسحاق [[تقدمت ترجمته.]] [[انظر: ابن كثير 1/ 565.]] وسعيد بن المسيب [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو روق: قال النبي ﷺ لعثمان: أعطني المفتاح فقال: هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضمّ يده، فقال رسول الله ﷺ: إن كنت تؤمن بالله واليوم الاخر فأعطني المفتاح، فقال: هاك بأمانة الله. فلما أراد أنَّ يتناوله ضمَّ يده، فقال في الثالثة: هاك بأمانة الله. ودفعه إلى النبى ﷺ وقام النبي يطوف ومعه المفتاح، وأراد أن يدفعه إلى العباس. قال عطاء: فقال رسول الله ﷺ: يا عثمان، هذا المفتاح على أن للعباس معك نصيبًا فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي ﷺ لعثمان: هاك خالدةً تالدةً، لا ينزعها عنك إلا ظالم [[نحو هذا الأثر ورد من طريق الكلبي عن ابن عباس وهو سند واه، أخرجه ابن مردويه انظر: ابن كثير 1/ 565، "الدر المنثور" 2/ 312، "لباب النقول" ص 71، ولم أقف عليه عن أبي روق.]]. قال ابن يسار: ثم إن عثمان هاجر ودفع إلى أخيه [[قد يكون الصواب: ابن عمه كما سيأتي في الترجمة الآتية.]] شيبة [[هو أبو عثمان شيبة بن عثمان (الأوقص) بن أبي طلحة العبدري الحجبي، أسلم يوم الفتح وكان ممن ثبت يوم حنين، وقد ولي الحجابة بعد والده عثمان فاستمرت في ولده، توفي رضي الله عنه سنة 59 هـ. انظر: "تاريخ خليفة" ص 226، "أسد الغابة" 2/ 534، "الإصابة" 2/ 161.]]، فهو في ولده إلى اليوم [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 238 ، "الإصابة" 2/ 161.]]. قال ابن عباس: هذه الآية عامة في كل أمانة، البر والفاجر يؤدِّي الأمانة إلى البر والفاجر، والرحم توصل برةً كانت أو فاجرةً [[ذكره بمعناه ابن كثير 1/ 565، وأخرج البيهقي نحوه عن ميمون بن مهران، انظر: "الدر المنثور" 2/ 314.]]. وقال الكلبي: نزلت هذه الآية يوم فتح مكة، ثم صارت عامة للناس [[لم أقف عليه، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 362.]]. وقال ابن عمر [[لعله ابن عمرو كما في "مسند الفردوس" 1/ 13.]]: أول ما خلق اللهُ من الإنسان فرجه، ثم قال: هذه أمانة خبأتها عندك، فلا تسأل منها شيئًا إلا بحقها، فالفرج أمانة (والبصر) [[في "مسند الفردوس ": "والسمع".]] أمانة، واللسان أمانة، والقلب أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له [[أخرجه فى "مسند الفردوس" 1/ 13 بنحوه.]]. وقال ابن مسعود: إنَّ الأمانة في كل شيء؛ في الوضوء، والصلاة، والزكاة، والجنابة، والصوم، وفي الكيل والوزن، وأعظم من ذلك الودائع [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 114، وانظر القرطبي 5/ 256.]]. فالخطاب بأداء الأمانات إلى أهلها متوجهٌ على كل مؤتمن على شيء في قول ابن عباس، والكلبي، وأبي بن كعب، والحسن وقتادة [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 400، "زاد المسير" 2/ 114، والقرطبي 5/ 256.]]. وقال عبد الرحمن بن زيد: الخطاب بأداء الأمانات لولاة الأمر [[أخرجه الطبري 5/ 145 - 146، عن ابن زيد عن أبيه وانظر "زاد المسير" 2/ 114.]]. وقال ابن جريح: هذه الآية في رد مفاتيح الكعبة إلى عثمان [[تقدم الأثر عنه.]]. والصحيح ما عليه الجمهور، أنها عامة في جميع الأمانات [[انظر: الطبري 5/ 146، و"معاني الزجاج" 2/ 66، و"بحر العلوم" 1/ 362، و"أحكام القرآن" للهراسي 2/ 471، والقرطبي 5/ 256.]]، فمن كانت عنده أمانة فعليه تأديتها إذا طالبه صاحبها. وليس عليه مؤونة نقلها إلى صاحبها؛ لأن الله تعالى لم يوجب عليه سوى التأدية. والأمانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جُمع لأنه أخلص اسمًا [[انظر: القرطبي 5/ 256.]]، قال الشاعر: فأخلفن ميعادي وخن أمانتي ... وليس لمن خان الأمانة دينُ [[نسب إلى كثير عزة في "العقد الفريد" 6/ 184، ينظر: "ديوانه" ص 230، و"الأغانى" 5/ 108.]] يريد ما أمنهن عليهن. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 377.]]. الكناية في (به) تعود إلى ما في (نعما) وهو اسم بمنزلة: نعم شيئًا يعظكم به، أو وعظًا يعظكم به. وذكرنا وجوه القراءات في (نعما) في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]. أي هو سميع لما تقولون في الأمانة والحكم، بصير بما تعملون فيها [[انظر: الطبري 5/ 146.]]، فيكون بصير ههنا بمعنى: عليم، ويجوز أن يكون بمعنى راءٍ ذلك. وذكر فرق لطيف بين السامع والسميع، فقيل: لفظ السامع يدل على وجود المسموع؛ لأنه فاعل من قولك: سمعتُ كلام فلان فأنا سامعٌ له. ومعنى سميع أنه إذا وجد المسموع سمعه. وكذلك الفرق بين مُبصر وبصير.

النساء 4:59

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾. [النساء: 59]. اختلف الرواية عن ابن عباس في تفسير أولي الأمر، فقال في رواية عطاء: يريد الولاة من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 241. وقد أخرج الخطيب البغدادي في كتاب "الفقيه والمتفقه" ص 27 من رواية عطاء عن ابن عباس قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: "العلماء حيث كانوا وأين كانوا".]]. وقال في رواية الوالبي: هم الفقهاء والعلماء، أهل الدين الذين يعلِّمون الناس معالم دينهم أوجب الله طاعتهم [["تفسير ابن عباس" ص 151، وأخرجه الطبري 5/ 149، لكنه فيهما بلفظ "يعني أهل الفقه في الدين".]]. وهذا قول مجاهد [[في "تفسيره" 1/ 162، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 166، والطبري 5/ 149 والخطيب في الفقيه والمتفقه ص (27، 28).]] والحسن [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 166، والطبري 5/ 149، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" ص 28، وانظر: "زاد المسير" 2/ 17.]] والضحاك [[أورده السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 363، وانظر: "زاد المسير" 2/ 117.]]. وقال في رواية سعيد بن جبير: نزلت في عبد الله بن حذافة [[هو أبو حذافة أو أبو حذيفة عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي القرشي السهمي من قدماء المهاجرين ومن المهاجرين، وقد ثبت أمام فتنة ملك الروم لما أسر وصار سببًا في فكاك أسارى المسلمين، توفي رضي الله عنه في خلافة عثمان. انظر: "أسد الغابة" 3/ 211، "الإصابة" 2/ 296، "التقريب" ص 300 رقم (3272).]] [بن قيس بن عدي] [[بياض في (ش) والتسديد من البخاري 8/ 253، "أسباب النزول" للمؤلف ص163.]]، بعثه النبي ﷺ في السرية [[أخرجه البخاري (4584) كتاب "التفسير" سورة النساء، باب: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ومسلم (1834) كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء، والطبري 5/ 148، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 163 - 164.]]. وفي رواية باذان عن ابن عباس: أنها نزلت في خالد بن الوليد [[هو أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو القرشي المخزومي، سيف الله، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية ومقدما في الحروب، أسلم سنة سبع وشهد الفتح وحنين والفتوحات وطلب الشهادة لكنه توفي رضي الله عنه على فراشه سنة 21 هـ انظر: "أسد الغابة" 2/ 109، "الإصابة" 1/ 413.]]. بعثه رسول الله ﷺ أميرًا على سرية، وفيها عمار بن ياسر [[هو أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي حليف بني مخزوم، من السابقين هو وأبوه وأمه إلى الإسلام وكانوا يعذبون فيحثهم النبي ﷺ على الصبر، من المهاجرين وشهد المشاهد، وقد قتلته الفئة الباغية كما أخبر النبي ﷺ يوم صفين سنة 87 هـ انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص (43)، "سير أعلام النبلاء" 1/ 406، "الإصابة" 2/ 512.]]، فجرى بينهما اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية، وأمر بطاعة أولي الأمر [[أخرجه ابن مردويه كما ذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 326، وانظر: "زاد المسير" 2/ 116.]]. وقال الكلبي ومقاتل والسدي: أولو الأمر أمراء السرايا [[قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 383. وعن الكلبي انظر: "بحر العلوم" 1/ 363، "زاد المسير" 2/ 116، والقرطبي 5/ 260. أما عن السدي فقد أخرج الأثر المتقدم عن ابن عباس عنه مرسلًا. الطبري 5/ 148، وابن أبي حاتم. انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 566 - 567، "الدر المنثور" 2/ 314.]]. وقال ابن زيد: هم الأمراء والسلاطين، أمروا بأداء الأمانة بقوله: بحسن الطاعة لهم [[أخرج ابن جرير الطبري 5/ 148 بسنده عن ابن زيد قال في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: قال أبي: هم السلاطين. قال: وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ "قال أبي: قال رسول الله ﷺ: الطاعة الطاعة، وفي الطاعة بلاء ... " الحديث. هذا ما وجدته عن ابن زيد، وانظر: "زاد المسير" 2/ 116.]]. ولهذا قال يرعى. حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا [[أخرجه ابن أبي شيبة، انظر: "الدر المنثور" 2/ 317، وذكره في "معالم التنزيل" 2/ 240.]]. وقال الزجاج: وجملة أولي الأمر من يقوم بشأن المسلمين في أمر دينهم وجميع ما أدى إلى صلاحهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 67.]]. قال العلماء: طاعة السلطان عن الكتاب والسنة فلا طاعة له، وإنما تجب طاعتهم فيما وافق الحق [[هكذا جاءت هذِه العبارة في (ش) ولعل في الكلام سقطا بعد كلمة السلطان، كما هو ظاهر. والصواب: طاعة السلطان [واجبة بالمعروف، فإن خرج أمره] عن الكتاب والسنة .. وانظر: نحو هذا الكلام في الطبري 5/ 150، "بحر العلوم" 1/ 363، "النكت والعيون" 1/ 500، "الدر المنثور" 2/ 316 - 317.]]. وروي أن مسلمة بن عبد الملك [[هو أبو سعيد مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم من أمراء بني أمية وقادتهم وكان شجاعًا من أبطال عصره، وله فتوحات كثيرة، كان أهلًا للخلافة ولم يتمكن منها. توفي رحمه الله سنة 120هـ انظر: "سير أعلام النبلاء" 5/ 241، "التقريب" ص (531) رقم (6660)، "الأعلام" 7/ 224.]] قال لأبي حازم [[لعله سلمة بن دينار الأعرج التَّمار المدني المخزومي القاص الواعظ العابد الزاهد، من علماء التابعين وفضلائهم، وله كلمات مأثورة في الوعظ والحكمة، وهو ثقة أخرج حديثه الجماعة. مات في خلافة المنصور رحمه الله. انظر: "تاريخ الثقات" 1/ 420، "سير أعلام النبلاء" 6/ 96، "التقريب" ص (247) رقم (2489).]]: ألستم أمرتم بطاعتنا حيث قيل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؟ فقال أبو حازم: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾؟ [[لم أقف عليه.]]. قالوا: والإمام الأعظم الذي تجب طاعته على الرعية يجب أن يكون مستجمعًا لأوصاف أربعة: أحدها: العلم. والثاني: الأمانة. والثالث: الكفاية. والرابع: النسب، وهو أن يكون قرشي النسب [[انظر: "الأحكام السلطانية" للماوردي ص 6، "الأحكام السلطانية" للقاضي الفراء الحنبلي ص 20.]]. والإمام في الدين الذي يقتدى به ويجب قبول قوله، على ما قاله مجاهد والحسن والضحاك كان أولي [[هكذا في المخطوط، والصواب "أولو".]] الأمر هم الفقهاء يجب أن يكون جامعًا لخلال؛ وهي العلم بكلام العرب، والعلم بكتاب الله، والعلم بسنة رسول الله ﷺ والعلم بأقاويل السلف، والعلم بالقياس، والورع في الدين. وأولو الأمر معناه: ذوو الأمر، وواحده (ذو) على غير قياس كالنساء والإبل والخيل، اسم للجمع لا واحد له من لفظه [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 130، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 201، القرطبي 5/ 261.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾. قال الزجاج: أي اختلفتم وتجادلتم، وقال كل فريق: القول قولي. قال: واشتقاق المنازعة من انتزاع الحجة، وهو أن كل واحد منهما ينتزع الحجة [["معاني الزجاج" 2/ 68، وانظر: "زاد المسير" 2/ 117.]]. وقال غيره: أصل المنازعة والتنازع في الخصومات من النزع الذي هو الجذب. والمنازعة في الخصومة مجاذبة الحجج فيما يتنازع فيه الخصمان [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 242، والقرطبي 5/ 261.]]. وقوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال ابن عباس في رواية باذان، حيث قال: إن هذه الآية نزلت في خالد بن الوليد وعمار بن ياسر، وقد حكينا ذلك، فقال في هذه الرواية في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (وأمراؤكم) [[كأن هذِه الكلمة في المخطوط: "وأمر لكم"، وما أثبته هو الموافق للوسيط 2/ 601.]] فردوا الأمر إلى الرسول، وهو بين أظهركم، فما أمركم به الرسول فافعلوا [[تقدم تخريجه.]]. وقال المفسرون: معنى الآية قول [[يبدو أن في الكلام سقطًا، ويحتمل: "معنى الآية على قول مجاهد ... ". وقد ساق المؤلف أقوالهم بعد ذلك.]] مجاهد والكلبي وقتادة والسدي وميمون بن مهران [[هو أبو أيوب ميمون بن مهران الجزري الكوفي الأسدي بالولاء، من ثقات التابعين وكان فقيهًا فاضلًا دينًا، ولد سنة 40 هـ، وولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، ومات رحمه الله سنة 117هـ وقيل بعدها. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 117، "سير أعلام النبلاء" 2/ 71، "التقريب" ص 556 رقم، (7049).]] [[انظر في ذلك: الطبري 5/ 151، "النكت والعيون" 1/ 500، "زاد المسير" 2/ 117، وابن كثير 1/ 568، "الدر المنثور" 2/ 315.]]. قال سعيد بن جبير: ما بيَّن الله في الكتاب فذلك أمر الله وقضاؤه، والسنة ما سن النبي في الدين مما لم ينزل به كتاب، يقال: كتاب الله وسنة نبيه [[لم أقف عليه.]]. وقال قتادة: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتاب الله ﴿وَالرَّسُولِ﴾ إلى سنة الرسول [[أخرجه الطبري 5/ 151، وانظر: "زاد المسير" 2/ 117.]]. وقال ميمون بن مهران: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتابه وإلى ﴿الرَّسُولِ﴾ ما دام حيًا، فإذا قُبض فإلى سنته [[أخرجه الطبري 5/ 151، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 315.]]. وقال ابن مسلم [[يعني ابن قتيبة.]]: ردُّه إلى الله أن يرده إلى كتابه، ورده إلى الرسول أن يرده إلى سنته [["غريب القرآن" ص 127.]]. قال علماء الأمة: هذه الآية دليل على أن من لا يعتقد وجوب متابعة السنة والحكم بالأخبار الواردة عن النبي ﷺ لا يعتقد الإيمان بالله ورسوله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59] [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 68، وابن كثير 1/ 568.]]. والمفسرون أجمعوا على أن رد المختلف فيه إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة [[انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 29، "تفسير عبد الرزاق" 1/ 167، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص127، والطبري 8/ 150 - 151، "معاني الزجاج" 2/ 68 "بحر العلوم" 1/ 363، "الماوردي" 1/ 500.]]. ولهذا كان علماء السلف يجعلون ما بين النبي ﷺ في سنته وما فعله خلفاؤه بعده مما لم ينكروا عليهم كالمنطوق به في القرآن؛ لأن الله أوجب طاعة الرسول كما أوجب طاعته، فمن أخذ بقول الرسول كان كالآخذ بما نص عليه الله تعالى في القرآن، ألا ترى أن ابن مسعود قال: إن الله تعالى لعن في كتابه المرأة التي تصلُ شعرها بشعر غيرها. فقال بعض من سمع ذلك منه بعد زمان: لقد تدبرت الكتاب فلم أجد لعنها في موضع من الكتاب. فقال: أما قرأت قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7] الآية، وقد قال رسول الله ﷺ: "لعن الله الواصلة والمستوصلة" [[أخرجه البخاري (4886) كتاب التفسير سورة الحشر باب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ومسلم بنحوه (2125) كتاب اللباس - باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، وغيرهما.]]. ومثل هذا ما روي عن عكرمة أنه قال: أمهات الأولاد أحرار بالقرآن. قيل: أي القرآن؟ قال: أعتقهن عمر بن الخطاب. ألم تسمع قول الله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وإن عمر من أولي الأمر، وإن عمر قال: أعتقها ولدها وإن كان سقطًا [[أخرجه سعيد بن منصور، انظر: "الدر المنثور" 2/ 316.]]. فجعل ما حكم به عمركما حكم به الكتاب. وردُّ المختلف فيه إلى الكتاب والسنة إنما يجب إذا كان الاختلاف قائمًا. فأما إذا وقع عليه إجماع الصحابة، أو إجماعُ يؤثر في رفع الخلاف فذلك حق، ولا نحتاج بعد ذلك إلى نظر في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك الإجماع مستند إلى الكتاب والسنة [[انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي ص 322، 470، 472.]]. قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي قولوا فيما لم تعلموه: الله ورسوله أعلم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 68، وانظر: القرطبي 5/ 261.]]. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة وترككم التجادل خير [[انظر: الطبري 5/ 151، "معاني الزجاج" 2/ 68.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. التأويل تفعيل من آل يؤول إذا رجع وعاد. وقال أبو عبيد: التأويل: المرجع والمصير، مأخوذ من آل يؤول إلى كذا، أي: صار إليه، وأولته صيرته إليه [[من "تهذيب اللغة" 1/ 233.]]. وقال ابن المظفر: التأول والتأويل: تفسير الكلام الذي يختلف معانيه، ولا يصح إلا ببيان غير لفظه. وأنشد: نحنُ ضربناكم على تنزيله ... فاليوم نضربكم على تأويله [["العين" 8/ 369، "تهذيب اللغة" 1/ 233، وانظر: "اللسان" 1/ 172 (أول) والبيت من الرجز، وهو لعبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وقد قال بعده: ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله "أساس البلاغة" 1/ 25 (أول).]] وسئل أحمد بن يحيى عن التأويل، فقال: التأويل والتفسير المعنى واحد [["تهذيب اللغة" 1/ 232، وانظر: "اللسان" 1/ 172 (أول).]]. قال الأزهري: اشتقاق التأويل من ألت الشيء أؤوله: إذا جمعته وأصلحته. فكأن التأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ واضح لا إشكال فيه. تقول العرب: أوَّل الله عليك أمرك. أي: جمعه. وإذا دعوا عليه قالوا: لا أول الله عليك شملك [["تهذيب اللغة" 1/ 232 (أول)، وانظر: "اللسان" 1/ 172 (أول)، والقرطبي 5/ 263.]]. هذا كلام أهل اللغة في معنى التأويل. وقول المفسرين غير خارج عن معاني قول أهل اللغة. قال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: يريد أصدق تفسيرا [[لم أقف عليه.]]. وقال قتادة والسدي وابن زيد: وأحمد عاقبة [[أخرج ذلك عنهم الطبري 5/ 152، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 500، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 363، والبغوي 2/ 242، وابن كثير 1/ 569، "الدر المنثور" 2/ 318.]]. وهذا على قول من يجعل التأويل مشتقًّا من الأَوْل بمعنى الرجوع. والعاقبة تسمى تأويلًا؛ لأنها مآل، بمنزلة ما تفرقت عنه الأشياء ثم رجعت إليه، يقال: إلى هذا مآل هذا الأمر: أي عاقبته [[انظر: "مقاييس اللغة" 1/ 162، "أساس البلاغة" ص 1/ 25 (أول).]]. وهذا القول اختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 68.]] وابن قتيبة [[انظر: "غريب القرآن" ص 127.]]. قال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى: وأحسن من تأولكم أنتم، دون ردكم إياه إلى الكتاب والسنة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 68.]]. وذكرنا طرفًا من الكلام في معنى التأويل في أول سورة آل عمران.

النساء 4:60

وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية. الزَّعم والزُّعم لغتان. وأكثر ما يستعمل الزعم بمعنى القول فيما لا يتحقق [[انظر: "العين" 1/ 364، "تهذيب اللغة" 2/ 1534 (زعم)، "زاد المسير" 2/ 120.]]. قال ابن المظفر: أهل العربية يقولون: زعم فلان. إذا (شك فيه) [[في "العين" 1/ 364 (زعم): "شك في قوله".]] فلم يدر لعله كذب أو باطل، وكذلك تفسير قوله: ﴿هَذَا الله بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام:136] أي بقولهم الكذب [["العين" 1/ 364، "تهذيب اللغة" 2/ 1532 (زعم).]]. قال شمر: روي عن الأصمعي أنه قال: الزعم الكذب وأنشد للكميت: إذا الإكام اكتست مآليها ... وكان زعم اللوامع الكذب [[في "تهذيب اللغة" 2/ 1533، "اللسان" 3/ 1834 (زعم).]] يريد السراب. قال شمر: والعرب تقول: أكذب من يلمع [["تهذيب اللغة" 2/ 1533، وانظر: "اللسان" 3/ 1836 (زعم).]]. وقال شريح: زعموا كنية الكذب [["تهذيب اللغة" 2/ 1533 (زعم).]]. قال [[في (ش): قاله، ولعله تصحيف، انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1533 (زعم).]] شمر: الزَّعم والتزاعم أكثر ما يقال فيما يشك فيه ولا يحقق [[من "تهذيب اللغة" 2/ 1533، وانظر: "اللسان" 3/ 1836 (زعم).]]. أبو عبيد عن الأصمعي: الزعوم من الغنم التي لا يُدرى أبها شحم أم لا [["تهذيب اللغة" 2/ 1533 (زعم).]]. ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الزعم القول يكون حقًا ويكون باطلًا [["تهذيب اللغة" 2/ 1532 (زعم).]]. وأنشد في الزعم الذي هو حق يذكر نوحًا: نودي قم واركبن بأهلك ... إن الله موف للنَّاس ما زعما [[البيت للجعدي. "ديوانه" 136. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1533، "اللسان" 3/ 1835 (زعم)، "خزانة الأدب" 9/ 133، "الجمهرة" 2/ 816.]] وهذا بمعنى التحقيق [["تهذيب اللغة" 2/ 1533 (زعم).]]. والذي في هذه الآية المراد به الكذب؛ لأن الآية نزلت في المنافقين. قال الكلبي وغيره من المفسرين [[كابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس. انظر الطبري 5/ 154 - 155، والكلبي في هذا الأثر يروي عن أبي صالح عن ابن عباس وهو سند واه وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 166.]]: نازع رجل من المنافقين رجلًا من اليهود، فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وهو الذي يسمى الطاغوت. فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله ﷺ، وصار إليه، فحكم لليهودي على المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم أبو بكر لليهودي، فلم يرض المنافق، وقال: بيني وبينك عمر، فصارا إلى عمر، فأخبره اليهودي أنَّ المنافق قد حكم عليه النبي ﷺ وأبو بكر، فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: اصبرا، إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج إليكما فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما، فضرب به المنافق حتى برد، وهرب اليهودي. فجاء أهل المنافق، فشكا عمر إلى النبي ﷺ، فسأل عمر عن قصته، فقال عمر: إنه رد حكمك يا رسول الله. فقال ﷺ: أنت الفاروق [[ذكره الزجاج في "معانيه" 2/ 69، بصيغة التمريض، يُروى، بلفظ المؤلف وأخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 81 أ، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وكذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص 166، وهذا الطريق من الأسانيد الواهية كما هو مشتهر، وانظر: "تفسير القرطبي" 5/ 264، "الدر المنثور" 2/ 320. وأخرجه بنحوه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الأسود، == وسنده ضعيف. انظر: "الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف" ص 45، "لباب النقول" ص 73.]]. وروي أن عمر لما قتل المنافق أتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: إنَّ الفاروق فرق بين الحق والباطل فدعا رسول الله ﷺ عمر وقال: أنت الفاروق [["الكشف والبيان" (4/ 81/ ب)، وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 666.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: الطاغوت ههنا حيي بن أخطب [[ذكره النحاس في "معاني القرآن" 2/ 111 مرويًا عن ابن عباس، وذكره بغير نسبة الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2196 (طغا)، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 82 أ. وقد أخرج الطبري من رواية عطية العوفي عن ابن عباس أن الطاغوت هنا هو كعب بن الأشرف. "تفسير الطبري" 5/ 154، وأخرجه ابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 320.]] وقال السدي: الطاغوت ههنا كاهن يقال له أبو بردة هلال بن عويمر [[هو أبو بردة الأسلمي، دعاه النبي ﷺ فأبى، ثم كلمه أبناؤه في ذلك فأجاب، وكان كاهنًا يقضي بين اليهود. انظر: "الإصابة" 4/ 19.]]، وذلك أنه وقعت خصومة في دم بين أناس من قريظة والنضير، كانوا قد آمنوا ونافق بعضهم، واختصموا إلى النبي ﷺ، ولم يرضوا بحكمه، وقالوا: حتى يحكم بيننا أو بردة الكاهن، ونزلت الآية في شأنهم [[ذكر الكلام عن السدي بطوله الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 81 ب، 82 أ، وأشار إليه ابن الجوزي ونسبه لابن عباس من طريق عكرمة. انظر: "زاد المسير" 2/ 119.]]. وسنذكر هذه القصة عند قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: 45]، وعند قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50] إن شاء الله. والطاغوت ذو الطغيان على جهة المبالغة في الصفة. ومضى الكلام فيه. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ قال ابن عباس: أمروا أن لا يوالوا غير أهل دينهم [[انظر: "تنوير المقباس" بهامقش المصحف ص 88]]. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ قال: يريد ضلالًا لا يرجعون عنه إلى محبة الله أبدًا، وهو النفاق [[لم أقف عليه، وانظر: "زاد المسير" 2/ 120، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88.]]. وجملة معنى الآية تعجيب النبي ﷺ من جهل من يعدل عن حكم الله إلى حكم الطاغوت، مع زعمه بأنه يؤمن بالله ورسوله وما أنزل إليه، تفحيشًا لفعله، وتحذيرًا من مثل حاله.

النساء 4:61

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يريد في القرآن من الحكم [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 604، دون نسبة إلى ابن عباس، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88.]]. وقوله تعالى: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. أي يعرضون عنك إلى غيرك. وذكر المصدر للتأكيد وبيان وقوع الصدود على الحقيقة، كما قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] أي ليس ذلك على بيان كالكلام، بل كلمه في الحقيقة [[من "الكشف والبيان" 4/ 82 أ، ب بتصرف، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 364، والقرطبي 5/ 264.]]. قال أهل العلم: وإنما صد المنافقون عن حكم رسول الله، لأنهم كانوا ظالمين وعلموا أنه لا يأخذ الرشا [[جمع رشوة، وجاءت في المخطوط هكذا بالممدودة، والصواب "الرشى" بالمقصورة. انظر: "اللسان" 3/ 1653 (رشا).]] على الحكم، وأنه يحكم بمُرِّ الحق [[انظر: الطبري 5/ 155، "النكت والعيون" 1/ 501 - 502.]]. وقيل: لعداوتهم للدين [[انظر: "زاد المسير" 2/ 121، "التفسير الكبير" للرازي 10/ 158.]].

النساء 4:62

قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية في تأويل هذه ووجه نظمها طريقان: أحدهما: أن المراد بالمصيبة ههنا نقمة من الله تنالهم عقوبة لهم بصدودهم. وفي الكلام إضمار واختصار، معناه: فكيف يصنعون ويحتالون إذا أصابتهم مصيبةٌ مجازاةً لهم على ما صنعوا. ويتم الكلام عند قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ثم عطف قوله: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ على معنى ما تقدم، لا على ظاهر اللفظ. وقد بينا في مواضع أنه يجوز العطف على ما يمكن في المعنى كقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: 259]، وقوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا﴾ [آل عمران: 86]، وقد سبقت الآيتان بما فيهما من القول. والتقدير في هذه الآية: أنه لما أخبر عنهم بالتحاكم إلى الطاغوت، (وصدُّوا عنك صدودًا) ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ وذلك أن المنافقين أتوا نبي الله عليه السلام وحلفوا أنهم ما أرادوا بالعدول عنه في المحاكمة إلا توفيقًا بين الخصوم، أي جمعًا وتأليفًا وإحسانًا بالتقريب في الحكم، دون الحمل على مرِّ الحق. وكل ذلك كذب منهم وإفك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: 63]، أي من الكذب والخيانة. وعلى هذا يكون قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ كلام معترض. وقد يفعل ذلك العرب، يدخلون بين كلام متصل فصلًا يقرب منه في المعنى، وليس هو إياه، وهو كثير في الشعر، من ذلك قول الشاعر: وقد أدركتني والحوادث جمة ... أسنة قوم لا ضعافٍ ولا عزل [[انظر: "البحر المحيط" 1/ 575، و"الخصائص" 1/ 331، و"المحكم" و"اللسان" (فشل)، و"سر الصناعة" 1/ 140، و"مغني اللبيب" 2/ 387، ونسبه في "الدرر اللوامع" 4/ 25 لجويرية بن زيد ولرجل من بني عبد الدار في "شرح شواهد المغني" 2/ 807.]] أراد: أدركتني أسنة قوم، فأدخل بينهما جملة معترضة، وهي من قبيل معنى كلامه؛ لأن إدراك الأسنة إياه من جملة الحوادث. ويسمي الرواة مثل هذا التفاتًا. وهذه طريقة صحيحة [[الظاهر أن هذا الكلام من كتاب "نظم القرآن" وهو مفقود ويؤكد هذا كلام المؤلف، وانظر: "تفسير الطبري" 5/ 156، "بحر العلوم" 1/ 364، "الكشف والبيان" 4/ 82 ب، "زاد المسير" 2/ 120، "التفسير الكبير" للرازي 10/ 158، والقرطبي 5/ 264.]]. الثاني: أن المراد بالمصيبة التي أصابتهم قتل عمر صاحبهم الذي أظهر أنه لا يرضى بحكم رسول الله ﷺ. ومعنى قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ هو أنهم طالبوا عمر بدم صاحبهم، وحلفوا: ما أردنا (بهذه) [[كلمه غير واضحه، ولا يبعد ما أثبته.]] المطالبة إلا إحسانًا وطلبًا لما يوافق الحق. وهذا المعنى الثاني اختيار أبي إسحاق [[الزجاج في "معانيه" 2/ 69، وقد أشار إليه بإيجاز. وانظر: "الكشف والبيان" 82/ ب "النكت والعيون" 1/ 502، "زاد المسير" 2/ 121، "الرازي" 10/ 158.]]. وقيل: معناه ما أردنا بالترافع إلى عمر إلا إحسانًا وتوفيقًا [["الكشف والبيان" 4/ 82 ب، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 502، "زاد المسير" 2/ 121.]]. فيكون هذا كما ذكرنا في الوجه الأول. ونظم الآية على هذا المعنى أن قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ فصل منسوق على ما قبله من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ و ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ معناه ههنا تعجيب، و (كيف) أيضًا استفهام معناه التعجيب، كما تقول في الكلام: كيف رأيت فلانًا فعل كذا وكذا، إذا أردت أن تعجب المخاطب من فعله. والله تعالى عجب نبيه مما قد هم المنافقون [[هكذا جاءت هذه العبارة. والمراد: مما قد همّ به المنافقون. وقد تكون "به" ساقطة من النسخ.]] من التحاكم إلى الطاغوت، ثم نسق عليه خبرًا آخر عجبه مما كان منهم عند قتل صاحبهم، وتهتك أستارهم بظهور نفاقهم. والتقدير: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك كَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بالله إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا. إلا أن الفاء دخلت في أول (كيف) لأنه نسق على ما قبله ومعطوف. وكذلك دخلت ثم في قوله: ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ للنسق. وهذا الوجه ذكره الحسن بن يحيى الجرجاني [[صاحب كتاب "نظم القرآن".]]. والطريقة الأولى أعجب إلي وأقوى في نفسي؛ لأنه ليس يظهر وجه دخول الفاء في (فكيف) ودخول ثم في قوله: ﴿ثُمَّ جآءُوكَ﴾ على ما ذكره صاحب النظم، وعلى ما ذكره المتعجب منه مجيئهم حالفين، ولا يحسن دخول ثم على المتعجب منه إذا لم يكن قبله ما ينسق عليه، كقولك: كيف رأيت زيدًا ثم ضربك. إلا أنه قد لاح لي أن قوله: ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ منسوق على المتعجب منه في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ويكون ﴿جَآءُوكَ﴾ بمعنى: يجيئونك. ومثله في الكلام: ألم تر إلى زيد يهجوك ويشتمك فكيف إذا نزلت به نازلة ثم يأتيك؟ فيصح هذا الكلام على تقديم وتأخير كأنك قلت: يهجوك ويشتمك ثم إذا نزلت به نازلة فكيف ذلك. كذلك تقدير الآية: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ويصدون عنك صدودًا، ثم يجيئونك يحلفون بالله ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا، إذا أصابتهم مصيبة فكيف؟ أي فكيف ذلك. والتقديم والتأخير كثير في الكلام، وكل هذا من مذاهب العرب وافتنانهم في مخاطباتهم، وإيقاع الماضي موقع المستقبل كثير في كلامهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: 51]. قال الخليل: معناه ليظلن. فأوقع الماضي موقع المستقبل [["سر صناعة الإعراب" 1/ 398.]]، ومنه قول الحطيئة [[هو جرول بن أوس من بني قطيعة بن عبس، تقدمت ترجمته.]]: شهد الحطيئة عند يلقى ربه ... أن الوليد أحقُّ بالعذر [["ديوان الحطيئة بشرح ابن السكيت والسكري والسجستاني" ص 233، وجاء في شرحه أن المراد بالوليد هو الوليد بن عقبة بن معيط وذلك أنه لما كان واليًا على العراق شرب الخمر فصلى بالناس الغداة فلما فرغ قال: أأزيدكم؛ فعلم أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بذلك فضربه الحد.]] أي يشهد [["سر صناعة الإعراب" 1/ 398.]]. فهذا ما يحضرني في هذه الآية.

النساء 4:63

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية قال أبو إسحاق: الله عز وجل يعلم ما في قلوب أولئك وقلوب غيرهم، إلا أن تخصيصهم بالذكر هنا يفيد أن المعنى أولئك الذين قد علم الله أنهم منافقون، فكأنه قيل لنا: اعلموا أنهم منافقون [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 365، و"تفسير القرطبي" 5/ 265.]]. وقال غيره: معنى قوله: ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي لا يُغني عنهم كتمان ما يضمرونه، ولا يدفع عنهم شيئًا من العقاب؛ لأن الله تعالى يعلم ما في قلوبهم [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 502، "التفسير الكبير" 10/ 158.]]. فهذا كلام أهل المعاني، وقد عُلم النظم وظهرت الفائدة من غير إضمار. وأما أهل التفسير فقال الحسن ومقاتل: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم من الشرك والنفاق [[انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 385، "الكشف والبيان" 4/ 82 ب، ولم أقف عليه عن الحسن.]]. وقال عطاء: كذبهم الله تعالى بهذه الآية. يريد أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم [[ذكر ابن الجوزي معناه عن ابن عباس في "زاد المسير" 2/ 122، ولم أقف عليه عن عطاء.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد: فاصفح عنهم. قال: وهذا منسوخ يعني بآية السيف [[ذكر نحو ذلك غير منسوب لابن عباس كثير من المفسرين، وبعضهم ينسب القول بالنسخ إلى مقاتل. انظر: الطبري 5/ 156، "بحر العلوم" 1/ 365، "الكشف والبيان" 4/ 82 ب، "الوسيط" 2/ 605، "معالم التنزيل" 2/ 244، "زاد المسير" 2/ 122.]]. وقال بعض أصحاب المعاني: معناه فأعرض عن قبول الاعتذار منهم [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 503، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 244، والقرطبي 5/ 265، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 158.]]. وقال مقاتل: معنى ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تعاقبهم [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 365، "الكشف والبيان" 4/ 82 ب، "زاد المسير" 2/ 122.]]. وقوله تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد ذكرهم [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 605، بلفظ: "خوفهم بالله". وذكره بنحو ما في "الوسيط" البغوي غير منسوب لأحد. انظر: "معالم التنزيل" 2/ 244.]]. وقال مقاتل: وعظهم بلسانك [["تفسيره" 1/ 385، وذكره في "بحر العلوم" 1/ 365، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 244، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 122.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يقال: قول بليغ، وقد بلغ القول بلاغةً، أي صار بليغًا وجيدًا وكذلك: بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ، إذا كان يبلغ بعبارة [لسانه كنه ما في قلبه] [[بياض في (ش) بقدر أربع كلمات تقريبًا، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 70 لأنه نقل الكلام منه. وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 430، "زاد المسير" 2/ 122، والقرطبي 2/ 265.]]، ويقال: أحمق بلغٌ وبلغٌ [[يحتمل أن تكون "بلغ ملغ" بالميم أي خبيث. انظر: "الصحاح" 4/ 1316 (بلغ).]]، ومعناه أنه يبلغ مع حمقه حاجته. وقيل: إنه الذي (بلغ النهاية في الحماقة) [[ما بين القوسين غير واضح. ويبدو أن ذلك بسبب الرطوبة التي تصيب المخطوطات مع الزمن. وقد استوضحته وأثبته بالرجوع إلى "معاني الزجاج" 2/ 70، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 430، وانظر القرطبي 5/ 265.]]. وأما التفسير فقال ابن عباس: يريد خوفهم بالله [[تقدم الكلام على أثر عن ابن عباس نحوه.]]. وقال الحسن: أي قل لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق (قتلتم) [[هذِه الكلمة في المخطوط: "قتلتكم"، وكذا عند القرطبي 5/ 265، وعند الماوردي: "قتلكم"، وما أثبته هو الموافق "للوسيط" للمؤلف 2/ 605، "معالم التنزيل" 2/ 244.]]: فهذا القول البليغ؛ لأنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 503، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 605 ، لكن محققه اعتبر كلام الحسن إلى قوله: "قتلتم"، ولا أراه صوابًا. وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 244، والقرطبي 5/ 265، "البحر المحيط" 3/ 281.]]. وقال الزجاج: أعلمهم إن ظهر منهم رد لحكمك وكفر، فالقتل حقهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70.]]. وقال بعضهم: أي قل لهم في أنفسهم من الغيب بما أطلعك الله عليه من غشهم قولًا بليغًا، شديدًا باللسان، يعني: فازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر، كي لا (يستمروا) [[كأن هذِه الكلمة: "يستيسروا".]] الكفر، وعظهم كي لا يغتروا بطول الإمهال [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 503، "التفسير الكبير" 10/ 159، "البحر المحيط" 3/ 281.]]. والأظهر أن قوله: (﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حقه) [[ما بين القوسين غير واضح في المخطوط، وما أثبته هو الأقرب.]] التأخير؛ لأن المعنى: قولًا بليغًا في أنفسهم [[انظر: " التفسير الكبير" 10/ 159، "الدر المصون" 4/ 18.]].

النساء 4:64

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية. (من) دخلت مؤكدة، المعنى: وما أرسلنا رسولًا. قاله الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 430، "معاني القرآن" له 2/ 128.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ الذي اقتضى ذكر طاعة الرسول ههنا إعراض المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت. ومعنى: ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: بأمر الله [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88، وقد ذكره غير واحد من المفسرين غير منسوب للكلبي. انظر: "بحر العلوم" 1/ 365، "معالم التنزيل" 2/ 244.]]. يعني أن طاعة الرسول وجب [[لعل الصواب: "وجبت"، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 244.]] بأمر الله الذي دل على وجوب طاعته. ونحو هذا قال الزجاج، أي إلا ليطاع؛ لأن الله قد أذن في ذلك وأمر [[انظر.: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 128، "معالم التنزيل" 2/ 244.]]. وقال مجاهد: يطيعهم من شاء الله، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله [["تفسيره" 1/ 165، وأخرجه الطبري 5/ 157، وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 321.]]. يريد أن الله قد بعث الرسل ليطاعوا، ولا يطيعهم إلا من شاء الله وأراد ذلك منه، وهذا خلاف مذهب القدرية. ومحل قوله: ﴿لِيُطَاعَ﴾ نصب، لأن المعنى: وما أرسلنا رسولًا إلا مفروضًا له الطاعة [[انظر: "الدر المصون" 4/ 18.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد بعصيانهم إياك وموالاتهم الكفار حتى يُحكِّموهم ويتحاكموا إليهم [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 606، دون نسبة لابن عباس، وذكره بمعناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 123.]]. وقوله تعالى: ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ قال: يريد نزعوا وتابوا إلى الله [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88]]. وقال الزجاج: المعنى في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى آخر الآية: ولو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم أنفسهم مع استغفارهم ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70.]].

النساء 4:65

قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية. دخول (لا) في أول الكلام يحتمل معنيين: أحدهما: أن (لا) ردّ لكلام سبق، كأنه قيل: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا، وهم يخالفون حكمك. ثم استؤنف القسم بقوله: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [["تفسير الطبري" 5/ 158، "الكشف والبيان" 4/ 83 ب، وانظر: "الدر المصون" 4/ 19.]]. الثانى: أن (لا) توطيدٌ للنفي الذي يأتي فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وآخره كان أوكد وأحسن، لأن النفي يتصدر الكلام وقد اقتضى القسم أن يذكر في الجواب [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 284، "الدر المصون" 4/ 19.]]. واختلفوا في هذه الآية، فذهب عطاء مجاهد والشعبي، أن هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق، وأن هذه الآية متصلة بما قبلها [[أخرج الأثر عن مجاهد والشعبي الطبري 5/ 159 - 160، وابن المنذر عن مجاهد. انظر: "الدر المنثور" 2/ 322. وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 83 ب، "النكت والعيون" 1/ 503، "معالم التنزيل" 2/ 245، "الرازي" 10/ 163 ونسبه الرازي إلى عطاء. واختاره ورجحه الطبري 5/ 160، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 456.]]. وهو اختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70.]]. وقال آخرون: هذه مستأنفة، نازلة في قصة أخرى، وهي ما روي عن عروة بن الزبير: أن رجلًا من الأنصار [[قيل: هو: حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: ثعلبة بن حاطب. انظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 155، "معالم التنزيل" 2/ 245.]] خاصم الزبير في شراج الحرّة [[الشراج: جمع شرج وهو مجرى الماء، والحرة: موضع بالمدينة، أرض ذات حجارة سوداء. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 160، "اللسان" 2/ 828 (حرر).]] التي يسقي بها (كلاهما) [[غير واضحة في (ش)، وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 167 - 168. وقد رجح محمود شاكر في تحقيقه للطبري 8/ 519 أن تكون هذِه الكلمة: "كلاهما" وهو العشب.]]، فقال رسول الله ﷺ للزبير: "اسق أرضك، ثم أرسل الماء إلى أرض جارك" وقضى للزبير على الأنصاري، فقال الأنصاري: إنك تُحابي ابن عمتك. فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال للزبير: "اسق، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر" [["الجدر: بفتح الجيم وكسرها ... والمراد بالجدر أصل الحائط، وقيل أصول الشجر والصحيح الأول". "صحيح مسلم" 4/ 1830 حاشية (4)، وانظر: "النهاية في غريب الحديث" 1/ 246.]]. قال الزبير: والله إن هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية [[أخرجه البخاري (4585) في التفسير سورة: النساء، باب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك ..﴾ 5/ 180، ومسلم (2357) في الفضائل، باب: وجوب اتباعه ﷺ، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 607، "أسباب النزول" ص167 - 168.]]. واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء، وحقه تمام السقي، وتمامه أن يبلغ الماء الجدر [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 163.]] وأقل السقي ما سمي سقيًا. قال الزهري (...) [[كلمة غير واضحة في (ش) ويمكن أن تقدر بـ: [وذلك في] ماء الأنهار.]] ماء الأنهار قول النبي ﷺ: "حتى يبلغ الماء الجذر" فكان ذلك إلى الكعبين. وأمر رسول الله ﷺ الزبير (....) [[غير واضح بقدر كلمتين، ويبدو أنها "أن يسقي" أو نحوها، انظر: "التفسير الكبير" 10/ 163.]] على المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب، ولم يعرف حق ما أمره به النبي من المسامحة (لأجل) [[هكذا في المخطوط، وفي "التفسير الكبير" للرازي 10/ 163: "لأجله"، وهو أصوب.]] أمره النبي ﷺ باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 163.]]. وقوله تعالى: ﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. يقال: شجر بينهما من خصومة (أي اختلف واختلط) [[ما بين القوسين غير واضح تمامًا، وانظر: "الوسيط" للمؤلف 2/ 609.]]. قال الفراء: يشجر [[في "الوسيط" 2/ 609: (شجر يشجر).]] شجورًا وشجرًا. وشاجره في الأمر إذا نازعه في الأمر مشاجرة وشجارًا. وتشاجروا تشاجرا واشتجروا، وكل ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض، (ومنه) [[غير واضحة تمامًا، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 163.]] يقال لخشبات الهودج شجارٌ لتداخل بعضها في بعض [[كلام الفراء ليس في "معاني القرآن"، فقد يكون في كتابه المفقود: "المصادر"، وانظر: الطبري 5/ 158، "تهذيب اللغة" 2/ 1830، "مقايس اللغة" 3/ 246 (شجر)، "الوسيط" 2/ 609، "التفسير الكبير" 10/ 163.]]. قال ابن عباس في هذه الآية: يريد بالمشاجرة: المنازعة [[لم أقف عليه، وقد قال السيوطي: أخرج الطستي عن ابن عباس ... ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ قال: "فيما أشكل عليهم"، "الدر المنثور" 2/ 323.]]. وقال الضحاك و (...........) [[ما بين القوسين بياض في (ش)، ولم أقف على قول للضحاك في تفسير هذِه الآية.]]. وقال الكلبي: فيما التبس بينهم [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88.]] وذلك أن الاختلاط والتداخل يؤدي إلى الالتباس. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. أصل الحرج في اللغة الضِّيق، ويقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إليه: حرج، وجمعه حراج [[انظر: الطبري 5/ 158، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 129، "تهذيب اللغة" 1/ 755، "الصحاح" 1/ 306 (حرج)، "التفسير الكبير" 10/ 164.]]، ومنه قول العجاج: عاين حيًّا كالحراج نعمه [[نسبه في "الصحاح" 1/ 306 (حرج) لرؤبة بن العجاج، وفي "اللسان" 2/ 822 (حرج). وهو صدر بيت من الرجز، عجزه: يكون أقصى شدِّه محر نجمه= والشاهد أن النعم وهي الإبل كالحراج وهي الشجر الملتفة الكثيرة.]] وسنذكر هذا بأبلغ من هذا الشرح عند قوله: ﴿ضَيِقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125] إن شاء الله. قال ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾: يريد ضيقًا مما قضيت، يريد: يرضوا بقضائك [[في "زاد المسير" 2/ 124 أن ابن عباس فسر الحرج هنا بالشك كقول مجاهد الآتي وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88، وعنه أيضاً: (هما وحزنًا). انظر: "البحر المحيط" 3/ 284. وممن فسر الحرج بالضيق أبو عبيدة في "مجازة" 1/ 131، والطبري 5/ 158، والزجاج في "معانيه" 2/ 70.]]. وكذا قال أبو العالية: حرجًا أي ضيقًا [[لم أقف عليه.]]. وقال مجاهد: شكا [["تفسيره" 1/ 164، وأخرجه الطبري 5/ 158.]]، أي لا تضيق صدورهم عن قضيتك. وقوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ التسليم تفعيل من السلامة، يقال: سلم فلان، أي: عوفي ولم تنشب به بلية. وسلم هذا الشيء لفلان، أي: خلص له من غير منازع ولا مشارك. فإذا ثقلته بالتشديد فقلت: سلّم له، فمعناه أنه خلصه له ولم يدع فيه [[انظر: "مقاييس اللغة" 3/ 90، "المفردات" للراغب 239 - 240.]]. هذا هو الأصل في اللغة. وجميع معاني التسليم راجع إلى هذا الأصل، فقولهم: سلّم عليه، أي دعا له بأن يسلم. وسلم إليه الوديعة، أي أخلصها له وخلى بينها وبينه. وسلم له، أي: بذل الرضا بحكمه، على معنى: ترك السخط والمنازعة. وكذلك: سلم لفلان ما قال، أي أخلصه له من غير معارضة فيه. وكذلك: سلم إلى الله أمره، أي فوض إليه على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرًا ولا شركة وعلم أن المدبر والصانع هو الله وحده لا شريك له. هذا معنى التسليم. وأما التفسير: قال ابن عباس: ويسلموا الأمر إلى الله وإلى رسوله [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (88).]]. وقال الزجاج: أي يسلِّمون لما يأتي من حكمه [[في "معاني الزجاج" 2/ 71: حكمك.]]، ولا يعارضونه بشيء [["معاني الزجاج" 2/ 71.]]. و (تسليمًا) مصدر مؤكد، والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكر الفعل ثانيًا فإذا قلت: سلمت تسليمًا، فكأنك قلت: سلمت سلمت. وحق التوكيد أن يكون محققًا لما تذكره في صدر كلامك، فإذا قلت: ضربت ضربًا، فكأنك قلت: أحدثت ضربًا أحقه ولا أشك فيه، فكذلك ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: يسلِّمون لحكمك تسليمًا لا يدخلون على أنفسهم شكًا [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 71، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 129، "المحرر الوجيز" 4/ 121، القرطبي 5/ 269، "البحر المحيط" 3/ 284.]]. وقد أخبر الله تعالى أنه لا يتم إيمانهم حتى يعتقدوا وجوب المراجعة في خصوماتهم وتحكيمه والرضا بحكمه من غير ضيق صدر ولا كراهة، وأن من تسخط حكم النبي ﷺ، وارتاب (....) [[هنا بياض بقدر حرفين، فقد يكون الساقط: "فيه" والله اعلم.]] أو عدل إلى غيره رغبة عنه، غير مسلم له، فهو كافر [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 165.]].

النساء 4:66

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس والكلبي وغيرهما: يريد فرضنا وأوجبنا عليهم [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 610 دون نسبة لأحد وكذا السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 366، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88.]]. قال مجاهد: يعني: على اليهود والعرب [[أخرج الطبري 5/ 160، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 323.]]. قال المفسرون: كتب الله على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال الله: ولو كتبنا على هؤلاء ما كتبنا على غيرهم لما فعله إلا قليل منهم [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 84 أ، "الوسيط" 2/ 610، "الرازي" 10/ 167.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾. قال الحسن: أخبر عن علمه فيهم، كقوله عن نوح: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:36] [[لم أقف عليه.]]. يعني: ما يفعل ذلك إلا من قد علم الله منه ذلك وهم قليل. وقال عطاء: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ يريد الأنصار [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: كان من القليل عمار بن ياسر، وابن مسعود، وثابت بن قيس بن شماس [["تفسيره" 1/ 387، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 246، والقرطبي 5/ 270.]]. ونحو ذلك قال الكلبي، فقال: نزلت في ثابت بن قيس؛ لأنه قال: إن الله يعلم لو أمرني بأمرٍ أقتل نفسي لقتلت، فكان ثابت من القليل الذين استثنى [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (88)، "الكشف والبيان" (4/ 84 أ "معالم التنزيل" 2/ 246.]]. والظاهر في هذه الآية ما قال الحسن؛ لكون المستثنى من المكتوب عليهم، والمهاجرون والأنصار وهؤلاء الذين ذكرهم فقال: ﴿مِنْهُمْ﴾، وإنما أريد بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ المنافقون والذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا هو ظاهر (....) [[بياض في (ش) بقدر كلمتين أو ثلاث، ويمكن أن تقدر بـ: [ما قاله] أو [ما ذهب إليه].]] عطاء ومقاتل، فيمكن أن يحمل على وجهين: أحدهما: أن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يريد اليهود والمنافقين والمؤمنين جميعًا، ثم استثنى الصحابة الأنصار والمهاجرين والمؤمنين بقوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، ويكون قوله بعد هذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ اليهود والمنافقين. وقد ورد في التنزيل آي حمل بعضها على العموم وبعضها على الخصوص. وعليه (....) [[كلمة غير واضحة في (ش)، ويمكن أن تقدر بـ: [يحتمل].]] أن يُحمل على قراءة من قرأ ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ بالنصب [[هذِه قراءة لابن عامر خاصة وكذا هي في المصحف الشامي. انظر: "الحجة" 3/ 168، "النشر" 2/ 250.]]؛ لاختلاف جنسي المستثنى منه والمستثنى، وذلك أنه في هذه الآية قبيلان: مكتوب عليهم وهم المنافقون، ومستثنى وهم الأنصار، فصار كالجنسين المختلفين، وإذا اختلف الجنسان فالاختيار النصب [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 70، "شرح المعلقات العشر" للنحاس 2/ 158.]]، كقوله: وما بالرَّبع من أحدٍ إلا أواري [[جملة مستفادة من بيتين من الشعر للنابغة الذبياني هما: وقفت فيها أصيلا لا أسائلها ... عيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيًا ما أبينها ... والنؤيُ كالحوض بالمظلومة الجلد= "معاني الزجاج" 2/ 70، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس 2/ 158. والأواري التي يحبس بها الخيل من وتد أو حبل، الواحد: آري، واللأى: البطء ، والنؤي: حاجز من تراب حول الخيمة يحول دون وصول الماء إليها. وقال: بالمظلومة الجلد، لأنهم مروا في برية فحفروا فيها حوضًا وليست موضع حوض فجعل الشيء في غير موضعه.]] ويحتمل أن يكون هذا من الاستثناء المنقطع عن الأول، على أن تكون إلا بمعنى لكن، كأنه قيل: لكن قليلًا منهم، وهم الأنصار. وذكرنا معنى الاستثناء المنقطع بأبلغ الاستثناء عند قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ في سورة البقرة [الآية:150]. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ على هذا الكنايةُ تعود إلى المنافقين، ويقال ذلك لأن القبيلين وإن اختلفا من حيث الإيمان والكفر، فقد اتفقا بالنسب والجوار والحلف واللغة، وكونهم أهل عصر [[قد تكون هذِه الكلمة: "مصر".]] واحد، في زمن نبي واحد، وكل هذا من الملابسة بين الفريقين، ولأن المنافقين أيضًا ادعوا الإيمان وأظهروا شعاره، فقاسمُ الإيمان يشملهم. ومثل هذا من التنزيل قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72] يعني المنافقين، وهو يخاطب المؤمنين، فجعلهم منهم. وسنذكر الوجه منه إذ انتهينا إليه. ولهذا المعنى الذي ذكرنا أن القليل غير مستثنى من المنافقين اختار جماعة من القراء (....) [[غير واضح في (ش)، ولعل الكلمة تكون: [ترجيح] الوقف ...]] الوقف على قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ إشعارًا أن هذا الاستثناء منقطع من الأول [[ممن اختار هذا الوقف يعقوب. انظر: "القطع والائتناف" ص 256.]]. واختلف القراء في قوله: ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾ و ﴿أَوِ اخْرُجُوا﴾ فكسرهما عاصم وحمزة [[انظر: "السبعة" ص 236، "الحجة" 3/ 167.]] لالتقاء الساكنين [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 71، "التفسير الكبير" 10/ 166.]] ولم يضماهما وإن ضمت الهمزة لضم الحرف الثالث في الفعل، لأنهما (.. [[بياض في (ش)، ولعله: مع كونهما من ... المنفصل ...]] ..) المنفصل في حكم المتصل [[انظر: "الحجة" 3/ 168.]]. ومن قرأ بالضم فيهما [[هذِه القراءة لابن عامر وابن كثير ونافع والكسائي. انظر: "السبعة" ص 234، "الحجة" 3/ 167.]] فلأنهما حلّا محل الهمزة المضمومة كما ضمت هي، وإن كانتا منفصلتين [[انظر: "الوسيط" 2/ 610.]]. قال أبو إسحاق: للكسرة والضمة في هذه الحروف وجهان جيدان [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 72.]]. وأبو عمرو كان يختار الكسر في: ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾، والضم في: ﴿أَوِ اخْرُجُوا﴾. قال الزجاج: ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 72.]]. وقال غيره [[أبو علي في "الحجة" 3/ 167.]]: فصل أبو عمرو بين النون والواو لأن الضمة في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير، والجمهور في واو الضمير على الضم [نحو] [[بياض في (ش)، والتسديد من "الحجة" 3/ 167.]] ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [البقرة: 16، 175] ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ [البقرة: 237]. وهذا قول أبي علي الفارسي [["الحجة" 3/ 167.]]. وقال الأخفش: الضم في هذه الحروف لغة حسنة، [وهي] [[بياض في (ش)، والتسديد من "الحجة" 3/ 167.]] أكثر في الكلام وأقيس، لأن ما أجروه في كلامهم من المنفصل مجرى المتصل أكثر من أن يُقتص [[من "الحجة" 3/ 167، 168، وكلام الأخفش ليس في كتابه "معاني القرآن".]]. وقوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ الكناية تعود إلى القتل والخروج كلاهما وذلك أن الفعل جنس واحد وإن اختلف ضروبه [[من "الكشف والبيان" 4/ 84 ب بتصرف، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 167. وقد استبعد أبو حيان والسمين كون الضمير راجعًا إلى الأمرين، وإنما لأحدهما انظر: "البحر المحيط" 3/ 285، "الدرالمصون" 4/ 22.]]. واختلف القراء في قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ فمن ضم وهو الوجه جعله بدلًا من الواو في ﴿فَعَلُوُه﴾، وكذلك كل مستثنى من مجحود، كقولك: ما أتاني [[انظر: "الحجة" 3/ 168.]] أحد إلا زيد، ترفع زيدًا على البدل من أحد، فتحمل إعراب ما بعد إلا على ما قبلها. وكذلك في النصب والجر، كقولك: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، وما مررت بأحد إلا زيد. قال أبو علي: الرفع هو الأكثر والأشيع في الاستعمال والأقيس، فقدته من جهة القياس أن معنى: ما أتاني أحد إلا زيد واحد [[يبدو أن في الكلام حذفًا أو سقطًا، ففي "الحجة" 3/ 168: "فقوته من جهة القياس أن معنى: ما أتاني أحد إلا زيد، وما أتاني إلا زيد، واحد".]]، فكما اتفق [[في "الحجة" 3/ 168: "اتفقوا" وهو الأنسب بالسياق.]] على: ما أتاني إلا زيد، على الرفع، وكان: ما أتاني أحد إلا زيد، بمنزلته وبمعناه، اختاروا الرفع مع ذكر أحد. وأما من نصب فقال: ما جاءني أحد إلا زيدًا، فإنه جعل النفي بمنزلة الإيجاب، وذلك أن قوله: ما جاءني أحد، كلام تام، كما أن: جاءني القوم كذلك، فنصب مع النفي، كما نصب مع الإيجاب، من حيث اجتمعا في أن كل واحد منهما كلام تام [[انتهى من "الحجة" 3/ 168، 169، بتصرف. وانظر: "الوسيط" 2/ 611.]]. وذكرنا للنصب وجها آخر في معنى الآية. قال أصحاب المعاني: (....) [[غير واضح في (ش) بسبب طمس بعض الحروف.]] تجهيل من خالف ما يلزمه من التكليف مع تسهيله، ولو شدد نهاية التشديد لم يجز إلا (......) [[بياض في (ش).]] من الحظ الجزيل. يقول الله تعالى: ولو كتبنا عليهم القتل والخروج ما فعلوه للمشقة فيه، مع أنه كان ينبغي أن يفعلوه (... [[كلمة غير واضحة، ويمكن أن تكون الكلمة: (سيما) وقد سهلنا.]] ..) وقد سهلنا تكليفهم غاية التسهيل ويسرناه نهاية التيسير. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾. قال مقاتل: ما يوعظون به من القرآن [["تفسير" 1/ 387.]]. وقال الكلبي: ما يُؤمرون به [["تنويرالمقباس" بهامش المصحف ص 89.]]. وقوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في الآخرة [[انظر: "الوسيط" 2/ 611، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.]]. وقال مقاتل: لكان خيرًا لهم في دينهم [["تفسيره" 1/ 387.]]. وقال الحسن: لكان خيرًا له في العصمة وأمنع من الشياطين [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:66]. قال عطاء عن ابن عباس: أشد تثبيتًا في دينهم [[لم أقف عليه، وانظر: "الوسيط" 2/ 611.]]. وقال مقاتل: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ تصديقًا بأمر الله [["تفسيره" 1/ 387.]]. فمعنى قول عطاء أنهم لو أطاعوا الرسول كان ذلك أشد تثبيتًا منهم لأنفسهم في الدين. وقال أبو روق: ﴿تَثبِيتًا﴾ تحقيقًا [[في "الكشف والبيان" 4/ 84 ب جاء هذا الوجه من التفسير بلفظ: "تحقيقًا وتصديقا لإيمانهم" دون نسبة لأحد، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 246.]].

النساء 4:67

قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قد استوفينا الكلام في أحكام (إذن) في قوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء:53] [[هنا جزء مفقود من الكتاب.]]. ومعنى ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 366.]]. وإنما ذكر من لدنا لتأكيد الاختصاص [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 169.]]، بأنه ما لا يقدر عليه إلا الله؛ لأنه قد يؤتي ما يُجريه على يد بعض عباده، وقد يؤتي ما يختص بفعله، وذلك أشرف له وأعظم في النعمة به، ولأنه ينحتم [[هكذا في (ش)، وقد تكون: (تفخيم)، والله أعلم.]] بما لا يقدر عليه غيره [[انظر: "الوسيط" 2/ 612.]]. يؤكد ما ذكرنا أن الأجر العظيم ههنا فُسر بالجنة في قول مقاتل وغيره [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 387، "الوسيط" 2/ 612.]].

النساء 4:68

قوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أرشدناهم إلى دين مستقيم [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 366، "تنوير المقياس" بهامش المصحف ص 89.]]. يريد دين الحنيفية لا دين اليهودية. وقال غيره: ولأدمنا لهم اللطيفة التي يثبتون بها على الطاعة في لزوم الطريق المستقيم. كأنه يقول: ولأثبتناهم على الطريق المستقيم كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، [[لم أقف عليه.]]. وقيل: ولهديناهم في الآخرة طريق الجنة [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 125، "التفسير الكبير" 10/ 169.]].

النساء 4:69

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. اختلفوا في سبب نزولها؛ فقال جماعة من أهل التفسير: إنها نزلت في ثوبان [[هو أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، وقيل: ابن جحدر، من حمير اليمن، أصابه السِّباء فاشتراه الرسول ﷺ وأعتقه وخيره بين البقاء معه واللحاق بأهله فاختار البقاء معه وخدمته حتى توفي الرسول ﷺ فارتحل إلى مصر والشام ومات رضي الله عنه بحمص سنة 54 هـ. انظر: "أسد الغابة" 1/ 296، "سير أعلام النبلاء" 3/ 15، "الإصابة" 1/ 204.]] مولى رسول الله ﷺ، وكان بلغ من حبِّه لرسول الله ما شجاه وأثر فيه، فسأله رسول الله ﷺ عن حاله، فقال: إني لا أكاد أصبر عنك، وأذكر الآخرة وأنت تُرفع في درجة النبيين، وأنا مع العبيد، فلا ألقاك، فنزلت الآية. وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي [[ذكره أبو الليث السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 367، وأورده غير منسوب لابن عباس الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 84 ب، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" 168 - 169، وقال الحافظ ابن حجر: "حكي ذلك عن جماعة من الصحابة" "الكافي الشاف" ص 46، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89، وقد أخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الشعبي عن ابن عباس: "أن رجلاً أتي النبي ﷺ .. " "الحديث بمعناه. انظر: ابن كثير 2/ 334 ط "الدر المنثور" 2/ 325.]]. وقال السدي: إن ناسًا من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فنزلت الآية [[أخرجه الطبري 5/ 164، وانظر: "الدرالمنثور" 2/ 325.]]. وقال الشعبي: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله، فقال: لأنت أحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي وولدي، ولولا أني آتيك فأراك ، فظننت أني سأموت وبكى. فقال له النبي ﷺ: ما أبكاك؟ فقال: ذكرت أنك تُرفع مع النبيين، ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك، فلم يُخبره النبي ﷺ بشيءٍ، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾، فقال له النبي: أبشر [[أخرجه السمرقندي في "بحرالعلوم" 1/ 367، وسعيد بن منصور وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 325. وورد نحوه مرفوعاً من طريق الشعبي عن ابن عباس وعائشة وبعض التابعين. انظر: الطبري 5/ 163 - 164 "أسباب النزول" للمؤلف 169 - 170، وابن كثير 1/ 573 - 574، "الدرالمنثور" 2/ 325، "لباب النقول" ص (74).]]. وقال الحسن: إن المؤمنين قالوا للنبي: ما لنا منك إلا الدنيا، فإذا كانت الآخرة رُفعت في الأعلى (فحزن النبي ﷺ) [[ما بين القوسين بياض في (ش)، والتسديد من "التفسير الكبير" 10/ 170.]] وحزنوا، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾ [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 170.]]. وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار، قال للنبي ﷺ: إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك، فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، وذكرتُ درجتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة؟ فأنزل هذه الآية، فلما توفي النبي ﷺ أتى الأنصاريَّ ابنه وهو في حديقة له، فأخبره بموت النبي ﷺ، فقال: اللهم أعمني فلا أرى شيئًا أبدًا بعد حبيبي، حتى ألقى حبيبي. فعمي مكانه، وكان يُحب النبي ﷺ حبًا شديدًا، فجعله الله معه في الجنة [["تفسير مقاتل" 1/ 387، 388، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 170، وهذا الأثر غريب لوروده من طريق مقاتل وهو مطعون فيه، ولأن سؤال الرجل العمى لا يتفق وورود النهي عن مثله والأمر بسؤال الله العافية، ولأن فيه ما يحتاج إلى توقف وقد انقطع الوحي.]]. قال الكلبي وغيره: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ في الفرائض ﴿وَالرَّسُولَ﴾ في السنن [["الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "تنويرالمقباس" بهامش المصحف ص 89، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 126، إلى ابن عباس.]]. قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي المطيعون. قاله الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 73، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).]]. وقوله تعالى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾. أي أنه يستمتع برؤية النبيين وزيارتهم والحضور معهم، فلا يتوهمن من أجل أنهم في أعلى عليين أنه لا يراهم [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 247، "التفسير الكبير" 10/ 171، والقرطبي 5/ 272.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالصِّدِّيقِين﴾. قال ابن (المظفر: هو من) [[ما بين القوسين غير واضح في (ش)، وأثبته حسب الرجوع إلى "العين" 5/ 56، "تهذيب اللغة" 2/ 1990 - 1991 (صدق).]] صدّق بكل ما أمر الله، لا يتخالجه في شيء منه شك، وصدق الأنبياء، فهو صديق. وهو قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: 19] [["العين" 5/ 56، "تهذيب اللغة" 2/ 1990 - 1991 (صدق)، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 172.]]. وقال الكلبي: الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه السلام [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "التفسيرالكبير" 10/ 172، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.]]. وقال مقاتل: الصديقون [أول] [[بياض في (ش) والتسديد من "الوسيط" 2/ 614.]] من صدّق بالأنبياء (حين عاينوهم) [[ما بين القوسين غير واضح، وما أثبته استعانة "بالوسيط" 2/ 614.]] [["تفسيره" 1/ 388.]]. وقال الزجاج: الصديقون أتباع الأنبياء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 73، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).]]. قد ذكرنا مستقصى ما قيل في الشهيد عند قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140]. وأما تفسير الشهداء ههنا فقال الكلبي ومقاتل: هم القتلى في سبيل الله [["تفسير مقاتل" 1/ 388، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "معالم التنزيل" 2/ 247، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.]]. وقال الزجاج: هم القائمون بالقسط [[ليس في "معاني القرآن وإعرابه".]]. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾. قال الكلبي: هم سائر المسلمين [[في "تنوير المقباس" ص 89: "صالحي أمة محمد"، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 367، "الكشف والبيان" 4/ 85، "الوسيط" 2/ 614.]]. وقال مقاتل: أهل الجنة [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. قال الزجاج: أي حسن الأنبياء وهؤلاء رفيقًا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 73.]]. ومعنى الرفيق [[هكذا في (ش) ولعل الصواب: الرفق (بدون ياء على المصدر) وسياق الكلام يدل عليه. وانظر: "العين" 5/ 149، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق)، "التفسير الكبير" 10/ 175.]] في اللغة: لين الجانب ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق، وقد رفق يرفق [[من "العين" 5/ 149، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).]]. هذا معناه في اللغة. والصاحب يسمى رفيقًا لارتفاقك به وبصحبته، ومن هذا قيل للجماعة في السفر رفقة، لارتفاق بعضهم ببعض [[انظر المصدرين السابقين.]]. قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلاً، وإنما يجوز ذلك إذا كان اسمًا مأخوذًا من فعل [[هكذا الحركة فوقية على الفاء، وقد تكون تحتية لاختلاف المصطلحات الإملائية عبر العصور.]]، ولم يكن اسمًا مصرحًا مثل: رجل وامرأة [[كلام الفراء ليس في "معاني القرآن"، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 73، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 - 1444، "اللسان" 3/ 1696 (رفق).]]، ألا ترى أن الشاعر قال: وإذا هم طعموا فألأم طاعمُ [[صدر بيت وعجزه: وإذا هم جاعوا فشر جياع وانظر: "نوادر أبي زيد" ص 152، والطبري 1/ 652، و"البحر المحيط" 1/ 332، و"معاني الفراء" 1/ 33، و"المحرر الوجيز" 1/ 134، و"الاشتقاق" لابن دريد ص 417.]] قال أبو إسحاق: لا فرق بين رفيق ورجل؛ لأن الواحد في التمييز ينوب عن الجماعة، وكذلك في المواضع التي لا تكون إلا جماعة نحو: أجمل فتى وأحسنه، المعنى: هو أجمل الفتيان وأحسنهم. ولو قلت حسن القوم مجاهدًا في سبيل الله، وحسن القوم رجلاً، كان واحدًا. فقوله ﴿رَفِيقًا﴾ منصوب على التمييز، وينوب عن رفقاء [["معاني الزجاج" 2/ 73، 74 بتصرف. وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).]]. وعند الفراء لا يجوز أن ينوب الواحد عن الجميع إلا أن يكون من أسماء الفاعلين، لا يجوز حسن أولئك رجلاً [[من "تهذيب اللغة" 2/ 1443، وانظر: "اللسان" 3/ 1696 (رفق).]]، وأجازه الزجاج كما ذكرنا، قال: وهو مذهب سيبويه [[من "تهذيب اللغة" 2/ 1443، وانظر: "اللسان" 3/ 1696 (رفق)، "التفسير الكبير" 10/ 175. وفي رأي سيبويه، انظر: "الكتاب" 3/ 582، 624.]]. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ حسن كل واحد منهم رفيقًا، كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: 67] [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "التفسير الكبير" 10/ 175، والقرطبي 5/ 272.]]. وانتصاب ﴿رَفِيقًا﴾ على الحال، معنى: حسن كل منهم مرافقًا [[وقيل: على التمييز، ورجحه ابن جرير. انظر: "تفسير الطبري" 5/ 163، "معاني الزجاج" 2/ 73، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 432.]].

النساء 4:70

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾. أي ذلك الثواب، وهو الكون مع النبيين والصديقين فضلٌ من الله، تفضل به على من أطاعه، وكل ما يفعله الله عز وجل من منافع العباد فهو فضل وتفضّل وإفضال؛ لأنه زائد على مقدار الاستحقاق؛ لأن العبد لا يستحق على مولاه بطاعته شيئاً [[انظر: الطبري 5/ 164، "بحر العلوم" 1/ 367، "الوسيط" 2/ 615 "معالم التنزيل" 2/ 248، "التفسير الكبير" 10/ 175.]]. بخلاف ما قالت القدرية [[ومنهم المعتزلة. انظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 ب، "التفسير الكبير" 10/ 176.]] أن ثواب المطيع فرض على الله، فلا فضل. وقد صرحت الآية بتكذيبهم [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 ب، والقرطبي 5/ 273.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. قال ابن عباس: يريد بخلقه [[لم أقف عليه. وانظر: "الطبري" 5/ 164.]]. قال أهل المعاني: تأويل هذا يعود إلى أنه لا يضيعُ عنده عملُ عامل؛ لأنه عالم لا يخفى عليه شيء [[انظر: الطبري 5/ 164.]].

النساء 4:71

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الآية. هذا حث من الله تعالى عباده المؤمنين على الجهاد. والحذر في اللغة يعني الحذر، وهو كالمثل والمثَل والعدْل والعدَل [[انظر: "الصحاح" 2/ 626 (حذر)، "الكشف والبيان" 4/ 85 ب، "التفسير الكبير" 10/ 176، "اللسان" 2/ 809 - 810 (حذر).]]، (والعرب تقول: فخذ حذر) [[هكذا في المخطوط، وفي "الوسيط" للمؤلف 2/ 615: "وتقول العرب: خُذ حذرك، أي أحذر".]]. قال أهل المعاني في هذا قولين: أحدهما: أن المراد بالحذر ههنا السلاح، والمعنى: خذوا سلاحكم [["بحر العلوم" 1/ 367، "الكشف والبيان" 4/ 85 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 248 ، "زاد المسير" 2/ 129، "التفسير الكبير" 10/ 176، ابن كثير 1/ 575.]]، فيسمى السلاح حذرًا؛ لأنه يتقي به ويحذر. والثاني: أن يكون ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بمعنى احذروا عدوكم [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 ب، "معالم التنزيل" 2/ 248، "زاد المسير" 2/ 129 "التفسير الكبير" 10/ 177.]]، إلا أن هذا الأمر بالحذر مضمن بأخذ السلاح؛ لأن أخذ السلاح هو الحذر من العدو. فالتأويل يعود إلى الأول [[انظر:: "التفسير الكبير" 10/ 177، وابن كثير 1/ 575.]]. فعلى القول الأول الأمر مصرح بأخذ السلاح، وعلى القول الثاني أخذ السلاح مدلول عليه بفحوى الكلام [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 177.]]. وأما التفسير فقال ابن عباس: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ يريد عند لقاء العدو [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89]]. وهذا يقوي القول الأول. وقد صرح مقاتل [[هو مقاتل بن حيان. انظر: "الدر المنثور" 2/ 326.]] بالقول الأول فقال: خذوا حذركم من السلاح [[أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ. "عدتكم من السلاح". انظر: "الدر المنثور" 2/ 591.]]. وقال الكلبي: خذوا حذركم من عدوكم [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.]]. وهذا التفسير على القول الثاني، وكأنه اختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال في هذه الآية: أمر الله أن لا يلقي المؤمنون بأيديهم إلى التهلكة، وأن يحذروا عدوهم، وأن يجاهدوا حق الجهاد [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 74.]]. وهذه الآية لا تدل على أن الحذر يرد شيئًا من القدر، ولكنا تعبِّدنا في الشريعة بالحذر من (.. [[كلمة غير واضحة، ويمكن أن تكون: (الخطر)، أو (العدد).]] ..) والتوقِّي من النشر، والقدر جارٍ على ما قضي. وكان رسول الله ﷺ إذا مر عدُّوا له أسرع المشي، وقد قال الله تعالى له: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51] [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 86 أ، "التفسير الكبير" 10/ 177، القرطبي 5/ 274.]]. وقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا﴾. قال الفراء: يقال: نفر القوم ينفرون نفرًا ونفيرًا [[من "تهذيب اللغة" 4/ 3628 (نفر).]] إذا هم نهضوا لقتال عدو وخرجوا لحرب [[انظر: "الوسيط" 2/ 616.]]. واستنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون، إذا حثهم على النفير ودعاهم إليه. ومنه قول النبي ﷺ: وإذا استنفرتم فانفروا [[من "تهذيب اللغة" 4/ 3628 (نفر). وحديث: "إذا استنفرتم" أخرجه البخاري من حديث ابن عباس (1834) كتاب: جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة، ومسلم (1353) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة.]]. والنفير اسم للقوم الذين ينفرون [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3628، "أساس البلاغة" 2/ 463 - 464 (نفر)، القرطبي 5/ 274.]]، ومنه فلان (لا في العير ولا في النفير) [["تهذيب اللغة" 4/ 3628 (نفر)، "جمهرة الأمثال" للعسكري 2/ 399، "مجمع الأمثال" للميداني 3/ 168.]]. وقال أصحاب العربية: أصل هذا الحرف من النُّفور والنِّفار، وهو الفزع، نفر ينظر نفورًا إذا فزع إليه [[انظر: القرطبي 5/ 274.]]. والمعنى انفروا إلى قتال عدوكم. وقوله تعالى: ﴿ثُبَاتٍ﴾. قال جميع أهل اللغة: الثُّبات جماعات متفرقة واحدها ثبة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 132، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 127، الطبري 8/ 536، "معاني الزجاج" 2/ 75، "تهذيب اللغة" (465) (ثاب)، "اللسان" 1/ 519، (ثوب)، "عمدة الحفاظ" ص 85.]]، وأنشدوا لزهير: وقد أغدو على ثبة كرامٍ ... نشاوى واجدين لما نشاء [[البيت في "ديوان زهير" ص 17، "مجاز القرآن" 1/ 132، والطبري 5/ 164، "معاني الزجاج" 2/ 75، "تهذيب اللغة" 1/ 465 (ثاب)، "اللسان" 1/ 518 - 519، "عمدة الحفاظ" ص 85 (ثوب). ومعنى "نشاوى" جمع نشوان وهو السكران، "واجدين" أي قادرين على ما يريدون من طعام وشراب.]] وأما أصلها واشتقاقها فقال علماء اللغة والنحو: ثبة أصلها من ثبيت الشيء، أي جمعته. ويقال: ثبيت على الرجل، إذا أثنيت عليه في حياته ، وتأويله: جمع محاسنه [["معاني الزجاج" 2/ 75، "معاني النحاس" 2/ 131، "تهذيب اللغة" 1/ 465 (ثاب)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 602، وانظر: "مقاييس اللغة" 1/ 401 (ثبي) ، "التفسير الكبير" 10/ 177.]]. وأنشدوا للبيد: يُثَبِّي ثناءً من كريمٍ وقولُه ... ألا انعم على حسن التحيَّة واشربِ [["ديوانه" ص 8، "تهذيب اللغة" 1/ 465 (ثاب)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 602 "مقاييس اللغة" 1/ 401 (ثبي)، وانظر: "معجم شواهد العربية" ص 55.]] وقال آخر: كم لِيَ من ذي تُدْرأٍ مذبِّ ... أشوس أبَّاءٍ على المُثَبِّي [[البيت غير منسوب في "سر صناعة الإعراب" 2/ 602، "اللسان" 1/ 519 (ثوب) ومعنى "ذي تدرأ": ذي قوة وعدة على دفع أعدائه في نفسه، "مذب": من الذب وهو الدفع والمنع، "أشوس": جريء على القتال الشديد.]] أي الذي يعذله ويكثر لومه ويجمع له العذل من هنا وهنا. فقولهم: يثبِّي، يدل على أن اللام معتلة، وأن الثاء والباء فاء عين الفعل، وأصلها ثبوة. وثبيت لا يدل على أن المحذوف من ثبة الياء دون الواو، لقولهم: خليت، وعديت، من: خلا يخلو، وعدا يعدو، كما قالوا: قضيت وسقيت والقبيلان إذا صارا إلى هنا متساويان. والذي ينبغي أن يُقضى به في ثبة أن تكون من الواو، وذلك أن أكثر ما حذفت لامه إنما هو من الواو نحو: أبٍ وأخٍ وغدٍ وحمٍ [[من الكلام على البيت الأخير إلى هنا أخذه المؤلف من "سر صناعة الإعراب" 2/ 602، 603 بتصرف يسير، وانظر: "الممتع في التصريف" 2/ 623.]]. قال الزجاج: وتصغيرها ثبية، وتصغير ثبة الحوَض: ثوبية؛ لأن المحذوف من هذه عين الفعل، لأنه من ثاب، (وثبة الحوض حيث) [[في "معاني الزجاج" 2/ 75: "وثبة الحوض وسطه" وهذا أولى.]] يثوب الماء إليه، أي يرجع [["معاني الزجاج" 2/ 75.]]. ويجمع الثبة التي هي الجماعة ثبين [["مجاز القرآن" 1/ 132، والطبري 5/ 164، "معاني الزجاج" 2/ 75، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 458، وابن كثير 1/ 575.]]، قال عمرو: وأما يوم خشيتنا عليهم ... فتُصبح خيلنا عصمًا [[في القرطبي 5/ 274، "الدر المنثور" 2/ 327 "عصبا" ولعله أولى.]] ثبينا [[أخرج الطستي عن ابن عباس عن مسائل نافع بن الأزرق المشهورة، وفيها هذا البيت. انظر: "الدر المنثور" 2/ 327، وأورده أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 132، والقرطبي 5/ 274، وفيها نسبته لعمرو بن كلثوم.]] وسنذكر لم جمع بالياء والنون عند قوله: ﴿عِضِينَ﴾ [الحجر:91] لأن هذه نظرة عضة -إن شاء الله. وأما التفسير فقال المفسرون في الثبات نحو قول أهل اللغة، فقال مقاتل: عصبا متفرقين [[انظر: "الوسيط" 2/ 616، ولعله مقاتل بن حيان. انظر ابن كثير 1/ 575.]]. وقال ابن عباس: سرايا متفرقين [["تفسيره" ص 151، وأخرجه الطبري 5/ 165، وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 326.]]. وقال قتادة: الثبات الفرق [[أخرجه الطبري 5/ 165، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 131، وابن كثير 1/ 575.]]. وأما معنى الآية فقال العلماء: هذه الآية تدل على أن الجهاد من فروض الكفاية؛ لأن الله تعالى خيرهم بين أن يُقاتلوا جميعًا، وبين أن يقاتل بعضهم دون بعض بقوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ فدل أنه ليس من فروض الأعيان [[انظر: "الوسيط" 2/ 617، والقرطبي 5/ 275.]]. وهذا مذهب جماعة من المفسرين في الآية. وقال قوم: الآية لا تدل على ذلك؛ لأن قوله: ﴿فَانْفِرُوا﴾ ﴿أَوِ انْفِرُوا﴾ محمول على حالين مختلفين، فقوله: ﴿انْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ إذا لم ينفر معهم رسول الله ﷺ، (أو انفروا جميعًا) مع الرسول. نظيره قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 120] إذا نفر رسول الله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] إذا لم ينفر رسول الله. وهذا قول عبد الرحمن بن زيد والكلبي [[انظر: القرطبي 5/ 275، "تنوير المقياس" بهامش المصحف ص 89.]]. وقد ذكرنا في سورة البقرة ابتداء وجوب الجهاد، ومذاهب العلماء في وجوبه اليوم عند قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ الآية [البقرة: 216]. ومنهم من قال: التخيير في قوله: ﴿فَانْفِرُوا﴾ (أو انفروا) يعود إلى صفة الخروج للقتال، يقول: انفروا جماعات متفرقة، أو انفروا جميعًا بعضكم إلى بعض، أي على أي صفة كانت من الاجتماع في النفر والوقوف ليتلاحق الآخر والأول والمبادرة وترك التفريج للتلاحق. ولهذا المعنى أراد الشاعر لما قاله: طاروا إليه زرافات ووحدانا [[عجز بيت صدره: قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم وهو لقريط بن أنيف كما في "الحماسة" 1/ 4، وانظر: "الصناعتين" ص 285، و"خزانة الأدب" 7/ 413، و"الخصائص" 2/ 270، و"بصائر ذوي التمييز"، وهو في "التفسير الكبير" 10/ 177، و"اللسان" 8/ 4779 (وحد).]] ومثله قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] أي على أي الحال كنتم فصلوا [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 177.]].

النساء 4:72

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾. قال المفسرون: نزلت الآية في عبد الله بن أبيّ [[هو أبو الحباب عبد الله بن أبي بن مالك الخزرجي المشهور بابن سلول (وهي جدته، نسب إليها، رأس المنافقين، وكان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، توفي قبحه الله سنة 9 هـ. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 354، "الأعلام" 4/ 65.]] المنافق، كان يتخلف عن رسول الله ﷺ إذا خرج لغزو [[أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان. انظر: "الدر المنثور" 2/ 327، وأورده الثعلبي 4/ 86 أ، والبغوي 2/ 248، وابن كثير 1/ 575. والقول بأنها نازلة في المنافقين لعموم المفسرين. انظر: "تفسير الطبري" 165 - 166 "بحر العلوم" 1/ 267، "الكشف والبيان" 4/ 86 أ، "معالم التنزيل" 2/ 248، "زاد المسير" 2/ 130.]]. والخطاب في هذه الآية للمؤمنين، ومعنى ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ والمعنى كان من المنافقين يحتمل وجهين: أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، والمراد: وإن من دخلائكم، أو من عدادكم، فحذف المضاف. والثاني: أنه جعل المُبطِّئ منهم في الحال الظاهرة من حكم الشريعة وهو حقن الدم والموارثة والمواكلة ونحو ذلك، وجعله منهم من حين الجنس والنسب [[انظر: "الوسيط" 2/ 617، "المحرر الوجيز" 4/ 129، "التفسير الكبير" 10/ 178.]]. وقال الزجاج: أي ممن أظهر الإيمان [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 75.]]. وقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:66] [[انظر تفسير الآية.]]. وقوله: ﴿لَمَن﴾ اللام فيه لام الابتداء، وإنما دخلت مكان إن، كما تقول: إن فيها لأخاك [["معاني القرآن" للفراء 1/ 275، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 450، الطبري 5/ 166، "معاني الزجاج" 2/ 75، "الكشف والبيان" 4/ 86 ب.]]. قال الفراء: دخلت اللام في: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ وهي صلة لمن على إضمار شبيه باليمين، كما تقول في الكلام: هذا الذي ليقومن، وأرى رجلاً ليفعلن ما يريد [["معاني القرآن" 1/ 275.]]. فتدخل اللام في صلة النكرة، كما تدخلها في صلة الموصول. وقال الزجاج: (من) في هذه الآية موصولة بالجالب للقسم، كأن هذا لو كان كلامًا لقلت: إن منكم لمن أحلف والله ليبطئن [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 75، وانظر: "زاد المسير" 2/ 130، "التفسير" 10/ 179، "الدر المصون" 4/ 29.]]. وهذا الذي قاله الزجاج معنى قول الفراء: وهي صلة لمن على إضمار شبيه باليمين. قال [[أي الزجاج.]]: والنحويون يُجمعون على أن: من وما والذي لا يوصلن بالأمر والنهي إلا بما يضمر معها من ذكر الخبر، وأن لام القسم إذا جاءت مع هذه الحروف فلفظ القسم وما أشبه لفظه مضمر معها [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 75، 76.]]. هذا كلام الزجاج. وبيان هذا: أنه يجوز أن تقول: مررت بمن تضربه، ولا يجوز: مررت بمن أضربه؛ لأن الخبر يصح أن يكون صلة والأمر والنهي لا يكونان صلة لموصول، والفرق بينهما أن الخبر يوضح الموصول كما يوضح الموصوف في قولك: مررت برجل لتكرمنه؛ لأنه قد خصصه وقوع الإكرام به في المستقبل، وليس ذلك الأمر في قولك: مررت برجل اضربه؛ لأنه لا يتخصص بالضرب في الأمر كما يتخصص في الخبر، فلذلك جاز أن يعرف بالضرب في الخبر ولم يجز في الأمر. وأما معنى التبطئة في اللغة فقال الفراء في كتاب المصادر: بطؤ بطأ مثل قبح قبحًا، وأبطأ بطأ وأبطأ فيه يبطئ إبطاء، بمعنى واحد. وقال الليث: البطء الإبطاء [[" العين" 7/ 462، "تهذيب اللغة" 1/ 352.]]. فأما التَّبطئة فأكثرهم على أنه يعني الإبطاء أيضًا [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 75، و"التفسير الكبير" 10/ 178، والقرطبي 5/ 275.]]. ومعناها التأخر، والتشديد فيه على تكرار الفعل منه [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 75، و"بحر العلوم" 1/ 367، و"التفسير الكبير" 10/ 178، والقرطبي 5/ 275.]]. وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: ما أبطأ بك يا فلان عنا [["العين" 7/ 462، "تهذيب اللغة" 1/ 352، "الصحاح" 1/ 36 (بطؤ).]]. وإدخالهم الباء يدل على أنه مطاوع [[أي: لازم لا يتعدى إلى مفعول، كما سيأتي من كلام المؤلف، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 179، "الدر المصون" 4/ 29.]]، وأجاز بعضهم أن يكون التَّبطئة واقعًا [[أي: متعديًا إلى مفعول، كما سيأتي من كلام المؤلف، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 178، 179، "الدر المصون" 4/ 29.]]، فتقول بطأت فلانًا عن كذا، أي أخرته عنه. وكلام المفسرين يدل على الوجهين فيه، فإن جعلته مطاوعًا لم يقتض مفعولًا وإن جعلته واقعًا اقتضى مفعولًا، وهو محذوف، والتقدير فيه: ليُبطئن غيره، أو ليبطئن بغيره، إن كان المعنى أنه يحبس غيره عن القتال [[انظر: الطبري 5/ 165، "الكشف والبيان" 4/ 86 أ، "زاد المسير" 2/ 130، "التفسير الكبير" 10/ 179، القرطبي 5/ 275، "الدر المصون" 4/ 29.]]. وأكثر المفسرين على أن المراد أنه يحتبس بنفسه ويتأخر بقعوده عن الغزو [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 75، "بحر العلوم" 1/ 367، "الكشف والبيان" 4/ 86/ أ، "معالم التنزيل" 2/ 248، "زاد المسير" 2/ 130.]]، فقال مقاتل: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ليتخلفن عن الجهاد [[ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 327، وانظر: "الوسيط" 2/ 617.]]. وقال الكلبي: وإن منكم لمن يتثاقل [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (89)، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 86 أ، "معالم التنزيل" 2/ 248.]]. وقال قتادة: ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ عن الجهاد والغزو في سبيل الله [[أخرجه الطبري 5/ 166، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 327.]]. وهذا يحتمل أن يكون معناه ليبطئن غيره عن الجهاد. وجماعة من المفسرين فسروا التبطئة ههنا بالتثبيط، وذلك يدل على أنه واقع [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 179.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾. قال ابن عباس: يريد من القتل [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89، وأخرج الطبري 5/ 166 نحوه عن ابن جريج.]]. وقال مقاتل [[هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 327.]]: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ من العدو، وجهد من العيش. وقال الكلبي: نكبة [[لم أقف عليه عن الكلبي، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 130، عن ابن عباس.]]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾. أي قال هذا المبطئ قد أنعم الله علي بالقعود. ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ يريد: حيث لم أحضر فيصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة. قال [[هكذا، والصواب: "قاله". انظر: "الدر المنثور" 2/ 327.]] ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.]] ومقاتل [[هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 327.]]. وقال الزجاج: أي إذ لم أشركهم في مصيبتهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 76.]]. وقال أهل المعاني: هذا القول من هذا المنافق على إظهار الشماتة بالمؤمنين، إذا أصابهم قتل وهزيمة [[انظر: الطبري 5/ 165 - 166، "الدر المنثور" 2/ 327. وكأن في كلام المؤلف سقطًا وذلك أن التعبير يحتاج إلى كلمة: "يدل" في أول كلام أهل المعاني، أو في أثنائه، قبل: "على إظهار ... ".]].

النساء 4:73

وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: يريد إذا ظفرتم بعدوكم وغنمتم شيئًا. وقال الكلبي: فتح، أو غنيمة، أو نصر وظهور [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89]]. وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَ﴾ أي هذا المنافق، قول نادم حاسد [["الكشف والبيان" 4/ 86 ب، وانظر: "الوسيط" 2/ 618.]]. ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾؛ لأسعد مثل ما سعدوا به من الغنيمة [[انظر: الطبري 166 - 167، "بحر العلوم" 1/ 367، والمصدرين السابقين.]]. وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾. قرئ (يكن) بالياء والتاء [[القراءة بالتاء: (تكن) لابن كثير وحفص عن عاصم ويعقوب، وبالياء (تكن) للباقين من العشرة. انظر: "السبعة" ص 235، "الحجة" 3/ 170، 171، "المبسوط" ص 157.]]، وكلا القراءتين قد جاء التنزيل به، فمن التذكير قوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: 67]، وقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 275]. وقال في آية أخرى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: 57]، فالتأنيث هو الأصل، والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي، سيما إذا وقع فاصلٌ بين الفعل والفاعل [[انظر: "الحجة" 3/ 171، "حجة القراءات" ص 208، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 1/ 392.]]. واختلف أهل العربية في موضع قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾؛ فالأكثرون على أن هذا اعتراض بين المفعول وفعله؛ لأن المعنى: ليقولن: يا ليتني كنت معهم، فكما أن قوله ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّه﴾ ﴿لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ في موضع نصب، يقال كذلك قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ في موضع نصب بقوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، وقوله ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ متصل في النظم بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ﴾ ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ [[من "الحجة" 3/ 171 بتصرف يسير.]]. وعلى هذا الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 76.]] وابن الأنباري وأبو علي [[في "الحجة" 3/ 171.]] وصاحب النظم وكثير من أصحاب المعاني [[انظر: "الكشاف" 1/ 280، "المحرر الوجيز" 130 - 132، "زاد المسير" 2/ 131، "التفسير الكبير" 10/ 179، "البحر المحيط" 3/ 293، "الدر المصون" 4/ 32.]]. ومعنى قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ قال الكلبي: أي معرفة وود في الدين [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 367، "الكشف والبيان" 4/ 86 ب.]]. وقال مقاتل [[ابن حيان، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 86 ب وانظر: "بحر العلوم" 1/ 367، 368، "الدر المنثور" 2/ 327.]]: يقول: كأنه ليس من أهل دينكم في المودة. هذا قولهما في تفسير هذه الآية. والله تعالى يعلم أنه لم يكن بين هذا المنافق وبين المؤمنين مودة خالصة، ولكن أراد بهذه المودة المذكورة ههنا مودة في الظاهر؛ لأن المنافقين كانوا يظهرون المودة للمؤمنين. قال ابن الأنباري: أي كأن لم يُعاقدكم على الإسلام ويبايعكم على الصبر والثبات فيه، على ما ساء وسر و (....) [[غير واضح في المخطوط بقدر كلمتين، ولعلها (ونفع وضر) أو نحو ذلك.]]. ونحو هذا قال أبو علي: أي لا يعاضدكم قتال عدوكم، ولا يرعى الذِّمام الذي بينكم [["الحجة" 3/ 171.]]. وقال الزجاج: أي كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم، ولم يعاقدكم على الإيمان، أي كأنه لم يُظهر لكم المودة [[هكذا هذِه العبارة وفيها ركاكة بالتكرار، وعبارة الزجاج في "معانيه" 2/ 76: "ومعنى المودة ههنا، أي كأنه لم يعاقدكم على الإيمان، أي كأنه لم يظهر لكم المودة، وجائز أن يكون والله أعلم: ليقولن: يا ليتني كنت معهم كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، أي كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم". وانظر: القرطبي 5/ 276.]]. فهذه الأقوال عن أهل المعنى تبيِّن أن المودة المذكورة في الآية يراد بها ما أظهره من المودة. وأجاز ابن الأنباري وغيره أن يكون قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ مؤخرًا إلى آخر الآية، والتقدير: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة. والمعنى على هذا التقدير أن الله تعالى لما أخبر عن هذا المنافق أنه يشمت بمصيبة المؤمنين، فيقول: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا، أو يحسدهم لما يصيبون من الغنيمة فيندم على التخلف، ويقول يا ليتني كنت معهم، قال بعد الإخبار عنه بهاتين الخلتين: {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} أن يحسدكم ويشمت بكم [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 179، 180، "البحر المحيط" 3/ 293، "الدر المصون" 4/ 33.]]. وأجاز آخرون أن يكون موضع قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ حيث ذكر في النظم والمعنى؛ لأن معنى هذا الفصل لائق بمعنى هاتين الآيتين فأينما ذكر حسن ولم يكن أجنبيًا، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في موضع الحال من القائل الذي قال: يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ كما تقول: مررت بزيد، كأن لم يكن بينك وبينه معرفة، فتكون هذه جملة في موضع الحال، أي مررت به وهذه حالك [[انظر: "إملاء ما من به الرحمن بهامش الفتوحات الإلهية" 2/ 283، "الدر المصون" 2/ 34.]]. وقال بعض أهل المعاني على هذا التقدير: يجوز أن يكون قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ من كلام المنافق بقوله للذين أقعدهم عن الجهاد: كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة فيخرجكم لتأخذوا من الغنيمة. وإنما يقول هذا ليبغض لهم رسول الله ﷺ [[نسب نحو هذا القول لمقاتل وأبي علي الفارسي في "البحر المحيط" 3/ 293، "الدر المصون" 4/ 33.]]. وهذا وجه بعيد، وأصحاب العربية والنحو على الوجهين الأولين. وقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ قال مقاتل: أي فآخذ نصيبًا وافرًا [[هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 327.]]. وذكرنا معنى الفوز فيما تقدم. وهذا القول من هذا المنافق ليس على طلب المثوبة، وتمنيه الحضور إنما هو على وجه الحسد للمؤمنين، عن قتادة وابن جريج [[أخرج الأثر عنهما الطبري 5/ 166 - 167، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 327.]]. قال أبو بكر: لم يقله رغبةً في الجهاد ولا حرصًا على طاعة النبي ﷺ وإنما قاله حرصًا على فتنة الدنيا وميلًا إلى الازدياد منها، فلذلك نعى الله عليه هذا القول وليم به. وانتصب قوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لأنه جواب التمني بالفاء، والعلة في انتصابه عند أهل الكوفة أنَّ في التمني معنى: يسرني أن تفعل فافعل، فهذا نصب كأنه منسوق، كقولك في الكلام: وددت أن أقوم فيتبعني الناس. والتقدير في الآية: يسرني أن أكون معهم فأفوز. وهذا قول الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 276، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 76، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 434، "الحروف" للمزني ص 66.]]. وعند أهل البصرة انتصبت هذه الجوابات بالفاء بإضمار أن، ولا يجوز إظهارها. قالوا: وجميع ما انتصب بالفاء في الجواب إنما انتصب لمخالفة الثاني الأول، فلم يمكن عطفه عليه، فجعلت الأول بتقديره مصدره، وأضمرت بعد الفاء أن فنصبت بها الفعل، لتكون قد عطفت مصدرًا على مصدر؛ لأن أن والفعل بتقدير مصدر، وذلك قولك: ما زرتني فأحسن إليك، تقديره: ما كانت منك زيارة فإحسانٌ مني، هذا تقدير جميعه وتمثيله. والتقدير في الآية: ليت لي كونا معهم ففوزًا عظيمًا. قالوا: وإنما لم يجز إظهار أن لأن ما قبلها فيه تقدير المصدر من غير إظهار للفظه، فلما كان المعطوف عليه مقدرًا غير مظهر، اختاروا أن يكون مضمرًا بعد الفاء ليشاكل ما قبلها [[انظر: "معانى الحروف" للرماني ص 43 ،44، "سر صناعه الإعراب" 1/ 272 "رصف المباني" ص 368، 443، 446.]].

النساء 4:74

قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. لما ذم الله تعالى المنافق بالتثبيط عن الجهاد، أمر المؤمنين بالقتال في سبيل الله، فكأنه قال: فلا تلتفتوا إلى تثبيط المنافقين وقاتلوا في سبيل الله. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾. معناه يبيعون [[الطبري 5/ 167، "معاني الزجاج" 2/ 77، "تهذيب اللغة" 2/ 1869، (شرى)، "الكشف والبيان" 4/ 86 ب.]]. يقال: وشريت بردًا ليتني ... من بعد بردٍ كنت هامه [[البيت ليزيد بن مفرغ الحميري كما في: ديوانه 213، "مجاز القرآن" 1/ 48، 304، " الكامل" 1/ 373، "معاني الزجاج" 2/ 77، "اللسان" 4/ 2252 (شرى). و"برد" كان عبدًا ليزيد وكان يحبه، فباعه فندم على ذلك، وتمنى أن لو كان بعد برد ميتًا، والهامه: الصدى يسمع على قبر الميت. انظر: "معاني الزجاج" 1/ 278 [حاشية3].]] وأصله الاستبدال والاختبار، فلذلك كان بالمعنيين. وقال الشماخ: فلما شراها فاضت العين عبرةً ... وفي الصدر حزاز من اللوم حامز [[هو من "ديوانه" ص 190، و"تفسير القرطبي" 9/ 155، و"جمهرة أشعار العرب" ص 248، و"الزاهر" 1/ 269، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 4/ 233، و"غريب الحديث" للحربي 2/ 480، و"العين" و"المحكم" و"اللسان" و"التهذيب" و"الجمهرة" (حزز).]] والشرى في البيتين بمعنى البيع. قال ابن عباس والحسن والسدي وابن زيد: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي يبيعونها [[عن ابن عباس. انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89. وعن السدي == وابن زيد أخرجه الطبري 5/ 167، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 327. أما عن الحسن فلم أقف عليه، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 398.]]. وقوله تعالى: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد بالآخرة في هذا الموضع الجنة كأن المعنى يختارون الجنة على البقاء في الدنيا فيُجاهدون طلبًا للشهادة والقتل في سبيل الله [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89]]. وقال أهل المعاني: تقدير الآية يشترون الحياة الدنيا بالحياة الآخرة. كأنه قيل: يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية، فالآخرة صفة محذوفة الموصوف [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ فيستشهد ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ فيظفر. قاله الكلبي [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.]]. وقال ابن عباس: يريد كلاهما سواء [[انظر: "تنوير المقباس" ص 89]]. وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال ابن عباس: يريد ثوابًا لا صفة له [[انظر: "تنوير المقباس" ص 89.]].

النساء 4:75

قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. قال المفسرون: هذا حض من الله تعالى على الجهاد في سبيله؛ لاستنقاذ المؤمنين من أيدي أعدائهم [[انظر الطبري 5/ 167 - 168، "الكشف والبيان" 4/ 86 ب، والقرطبي 5/ 279.]]، والمعنى: أيُّ شيء لكم تاركين القتال [["معاني الزجاج" 2/ 77، وانظر: الطبري 5/ 167.]]؟ أي: أي شيء لكم في ما لو ترك القتال، مع هذه الأمور التي تقتضي الحرص على الجهاد؟ وهي قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ الآية [[هي الآية التي تليها هذِه الآية المفسرة.]]، أي لا عذر لكم فيه. قال أبو إسحاق: و ﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾ في موضع نصب على الحال، كقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: 49] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 77، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 434، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 202.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. قال ابن عباس: يريد قومًا بمكة استضعفوا، فحبسوا وعذبوا [[أخرجه بنحوه من طريق العوفي: الطبري 5/ 169، وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 328.]]. قال: وكنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان [[أخرجه عن ابن عباس: البخاري (4587) كتاب التفسير، باب: قوله ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ الآية، لكن بدون لفظ: "من النساء والولدان".]]. وقال الكلبي: كان هؤلاء بمكة يلقون من المشركين أذًى شديدًا، وكان أهل مكة قد اجتهدوا أن يفتنوا قومًا من المؤمنين عن دينهم بالأذى لهم، وكانوا مستضعفين في أيديهم، لم يكن لهم بمكة قوة يمتنعون بها من المشركين، ولم يقدروا أن يهاجروا إلى المدينة [[هو بمعنى الأثر المتقدم عن ابن عباس، ومر تخريجه، وأخرج الطبري 5/ 169 نحوه عن ابن زيد. وروي عن الضحاك، انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 133، "بحر العلوم" 1/ 368. ولم أقف عليه عن الكلبي.]]. واختلفوا في وجه خفض المستضعفين، فذكر المبرِّد فيه وجهين: أحدهما: أن يكون عطفًا على السبيل، المعنى: ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وسبيل المستضعفين [[الظاهر أن هنا سقطًا أو حذفًا، وكل منهما مخل بالكلام، لأنه لم يأت بالوجه الثاني. وقد ذكر الزجاج الوجه الثاني عند المبرد بقوله: "قال: وجائز أن يكون عطفًا على اسم الله، أي في سبيل الله وسبيل المستضعفين" "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 78.]]. ثم اختار الوجه الأول، قال: لأنَّ القوم خرجوا إلى القتال في سبيل الله وخلاص المستضعفين، لا إلى القتال في سبيل المستضعفين؛ لأن القتال في سبيل الله أن يقاتل رجاء ثواب الله في طاعة الله، ولا يجوز القتال في سبيل المستضعفين على هذا المعنى، وإذا كان كذلك فالأولى أن يكون العطف على ما عملت فيه (في) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 77، 78، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 434، "بحر العلوم" 1/ 368، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 203، "زاد المسير" 2/ 132.]]. وذكر أبو إسحاق هذا وأشار إلى نحو ما ذكرنا فقال: وقول أكثر النحويين كما اختار أبو العباس، لاختلاف السبيلين؛ لأن معنى سبيل المستضعفين كأنه: وخلاص المستضعفين، وإذا اختلف معنى السبيلين فالاختيار الأول. والوجه الثاني عند أبي إسحاق أشبه بالمعنى؛ لأن سبيل المستضعفين في سبيل الله، على معنى أن خلاصهم من سبيل الله [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 78، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 471.]]. وأما التفسير: فقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: معناه عن المستضعفين [["الكشف والبيان" 4/ 87 أ. وأخرج الطبري 5/ 168 من طريق عطية العوفي عن ابن عباس قال: "وفي المستضعفين".]]. وكذلك قاله مجاهد [[عن مجاهد أنه قال في تفسير هذه الآية: "أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين" تفسيره 1/ 165، وأخرجه الطبري 5/ 168 وهذا رأي الحسن أيضًا. انظر: "تفسير الهواري" 1/ 399.]] ومقاتل [["تفسيره" 1/ 389.]]. وقال أصحاب العربية: قولهم: (عن المستضعفين) معنى، وليس بتفسير للفظ، وذلك أن المراد بالقتال صرف الأذى عنهم، فيعود التأويل إلى ما ذكرنا أن التفسير: في سبيل الله وسبيل المستضعفين. والولدان جمع الولد، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان خرب وخربان [["الخرب": ذكر الحُبارى، والجمع الخِرْبان "الصحاح" 1/ 119 (خرب) وقد جاءت هذِه الكلمة عند الرازي في "التفسير الكبير" 10/ 182 "حزب وحزبان" بالزاي، ولعله تصحيف.]] وورل وورلان [["الورل": دابة مثل الضبّ، والجمع: ورلان "الصحاح" 5/ 1841 (ورل) وجاءت في "التفسير الكبير" 10/ 182: "ورك ووركان" بالكاف، ولعله تصحيف.]]، كذلك ولد وولدان [[انظر: "أساس البلاغة" ص 526 (ولد)، "التفسير الكبير" 10/ 182، "الدر المصون" 4/ 38.]]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أخبر الله تعالى أن هؤلاء لما صدوا عن الهجرة كانوا يدعون الله تعالى ويقولون: ربنا أخرجنا. قال ابن عباس: يريد إلى دار الهجرة وهي المدينة [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 620 دون نسبة لابن عباس، ولم أقف عليه.]]. ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يريدون مكة، في قول جميع المفسرين [[الطبري 5/ 168، "معاني الزجاج" 2/ 77، "النكت والعيون" 506، "الكشف والبيان" 4/ 87 أ، "زاد المسير" 2/ 132.]]. ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم جعلوا لله شركًا [[هكذا جاءت بالتنوين، وفي "الوسيط" 2/ 620: "شركاء" بالمد.]] [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90، وقد أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 620 دون نسبة لابن عباس.]]. قال الفراء: وخفض الظالم لأنه نعت للأهل، فلما عاد الأهل على القرية كانت فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها، كما تقول: مررت بالرجل الواسعة داره، ومررت برجل حسنة عينه [["معاني القرآن" 1/ 277، وانظر: الطبري 5/ 168، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 434، "الكشف والبيان" 4/ 87 أ، "معالم التنزيل" 2/ 250، "زاد المسير" 2/ 132.]]. وقال أبو إسحاق: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ نعت للقرية، وحدد الظالم لأنه صفة تقع موقع الفعل، يقال: مررت بالقرية الصالح أهلها: أي التي صلح أهلها [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 77.]]. وهذه مسألة محتاج فيها إلى شرح وبيان، والنحويون يسمُّون ما كان من مثل هذا الصفة المشبهة باسم الفاعل، والأصل في هذا الباب أنك إذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه وعدده، نحو قولك: مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب، ومررت برجل جميل الجارية. وإذا لم تُدخل اللام في الأخير حملته على الثاني في التذكير والتأنيث والعدد، كقولك: مررت بامرأة كريم زوجها، ومن هذا قوله: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، ولو أدخلت الألف واللام على الأهل لقلت: من هذه القرية الظالمة الأهل [[انظر: "الكتاب" 1/ 194 - 210، "التفسير الكبير" 10/ 183، "الدر المصون" 4/ 39.]]، ومما أجري على الأول لما لم يكن في الثاني الألف واللام قول طرفة: ومكان زَعِلٍ ظُلْمانه ... كالمخاض الجُرْب في اليوم المطر [[ديوان طرفة ص 42، و"العين" 1/ 355، 4/ 229، و"تهذيب اللغة" (خدر) و"مقاييس اللغة" (زعل)، و"أساس البلاغة" (خدر)، و"الشعر والشعراء" ص 190 ، وأشعار الشعراء الستة الجاهليين اختيار الشنتمري 2/ 67. لكن قافيته فيهما: "الخدر" وأوله: "وبلاد" بدل: (ومكان) وجاء في شرحهما: "بلاد". رب بلاد، وزعل:== نشيط، وظلمان: جمع ظليم: وهو ذكر النعام، والمخاض: الحوامل النوق، أو ساعات الولادة، والجرب: جمع جرباء وهي الناقة المعيبة، واليوم الخدر: الشديد البرد أو المطر والريح، وخص اليوم الخدر لأن المخاض تنضم فيه وتجتمع. ولم أجد هذا البيت في كتب النحو والأدب، مما يدل على توسع المؤلف في العربية.]] ولو كان في الثانية والألف واللام لقال: زعلة الظلمان. وإنما جاز أن يكون الظالم نعتًا للقرية، وهو من صفة أهلها، لأن الأهم قد يوصف بصفةٍ لسببه، كقولك: مررت برجل قائم أبوه، فالقيام للأب، وقد أجريته صفة للرجل، وكذلك: مررت برجل حسنة أمه، وإنما نعت بفعل سببه لأنه يخصه، ويُخرجه من إبهام إلى تخصيص، كما يُخرجه فعله المحض، فلما ساوى فعل سببه فعله نعت به، فقوله: من القرية الظالم نعت للقرية [[انظر: الطبري 5/ 168، "معاني الزجاج" 2/ 77، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 443، "الكشف والبيان" 4/ 87 أ.]]. والهاء في ﴿أَهْلُهَا﴾ يرجع إلى القرية [[انظر: الطبري 5/ 168.]]، والأهل فاعل الظلم [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 77، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 443، "الدر المصون" 4/ 38.]]، ولذلك ارتفع، فإن ثنيت القرية أو جمعته لم يتغير لفظ الظالم؛ لأن الأهل واحد في اللفظ، والظالم بمنزلة فعل مقدم، والفعل إذا كان مقدمًا على الفاعل لم يثنَّ ولم يُجمع [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 203، "الكشاف" 1/ 281.]]، ولهذا لم يؤنث الظالم؛ لأن الفعل إنما يؤنث إذا كان فاعله مؤنثًا، ولما كان فاعل الظلم مذكرًا لم يلحقه علامة التأنيث [[انظر: "الكشاف" 1/ 281، "التفسير الكيبر" 10/ 182، "الدر المصون" 4/ 38.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾. قال ابن عباس: يريد ولّ علينا رجلاً من المؤمنين (يوالينا) [[الكلمة غير واضحة تمامًا، وما أثبته هو الموافق لما في "الوسيط" 2/ 621، "التفسير الكبير" 10/ 183.]] على عدونا ويقوم بشرائعك وحدودك [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي: واجعل لنا من لدنك وليًا في ديننا، يعنون النبي ﷺ [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.]] وقال بعضهم: الولي ههنا القيم بالأمر لهم حتى يستنقذهم من أيدي أعدائهم؛ لأنه يتولى الأمر بنفسه ولا يكله إلى غيره [[انظر القرطبي 5/ 280.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]. قال ابن عباس: يريد ينصرنا على عدوك وعدونا [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي: يريد مانعًا يمنعنا من المشركين [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.]]. وقال الزجاج: أي تولنا بنصرك [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 77.]]. قال الكلبي: فلما فتحت مكة جعل الله لهم النبي ﷺ وليًّا [["بحر العلوم" 1/ 368، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، وتنوير المقباس بهامش المصحف ص 90.]]. وقال ابن عباس: فاستجاب الله دعاءهم، وولى عليهم رسول الله عتَّاب بن أسيد [[هو أبو عبد الرحمن عتاب بن أسيد بن أبي العيمر الأموي. أسلم يوم الفتح، == واستعمله النبي ﷺ على مكة لما سار إلى حنين وكان رضي الله عنه صالحًا فاضلًا، توفي يوم مات أبو بكر رضي الله عنهما. انظر: "أسد الغابة" 3/ 556، "الإصابة" 2/ 451.]]، فكان عتاب يُنصف الضعيف من الشديد، والمظلوم من الظالم، وأعانهم (...) [[كلمة غير واضحة.]]. فكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك [[قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" 2/ 451: أورده العقيلي في ترجمة هشام بن محمد بن السائب الكلبي بسنده إليه عن أميه عن أبي صالح عن ابن عباس. اهـ وأورده السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 368 عن الكلبي، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 87 أدون نسبة، وذكره عن ابن عباس ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 133، والرازي في "التفسير الكبير" 10/ 183، والأثر في "تنوير المقباس" بهامش المصحف" ص (90).]]. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:76]. قال ابن عباس: يريد في طاعة الله [[ذكر في "بحر العلوم" 1/ 368)، "الكشف والبيان" 4/ 87 أ، والقرطبي 5/ 280 غير منسوب لابن عباس، ولم أقف عليه عنه.]] وتأويل ذلك أنها تُؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لأوليائه، فلذلك سُميت طاعة الله: سبيل الله. وقيل: معنى ﴿في سَبِيلِ اَللَّهِ﴾: في دين الله الذي شرعه ليؤدي إلى ثوابه ورحمته، فيكون التقدير على هذا: في نصرة دين الله [[انظر: الطبري 5/ 169، "الوسيط" 2/ 622.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن عباس: يعني المشركون واليهود والنصارى [[في "تنوير المقباس": بهامش المصحف ص 90: " أبو سفيان وأصحابه".]]. ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ قال: يريد في طاعة الشيطان [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.]]. والطاغوت ههنا الشيطان في قول ابن عباس والحسن والشعبي [[لم أقف على أثر عنهما أو نسبة لهذا القول إليهما. والقول بأن الطاغوت ههنا هو الشيطان قول عامة المفسرين، انظر: الطبري 5/ 169، "تفسير الهواري" 1/ 399، "بحر العلوم" 1/ 368، "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، "معالم التنزيل" 2/ 250، "زاد المسير" 2/ 133.]]، والدليل على صحة ذلك قوله في هذه الآية: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾. قال ابن عباس: يريد عبدة الأصنام [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (90) بلفظ: "جند الشيطان". وانظر: "بحر العلوم" 1/ 368، "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، "معالم التنزيل" 2/ 250.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ معنى الكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال، يقال: كاده يكيده كيدًا، إذا عمل في إيقاع الضرر به على جهة الحيلة عليه [[انظر: الطبري 5/ 169 - 170، "الصحاح" 2/ 533 (كيد)، "بحر العلوم" 1/ 369 "الكشف والبيان" 4/ 87 ب.]]. وأما معنى ضعف كيد الشيطان، فقال ابن عباس: يعني خذلانه إياهم يوم بدر، قتلوا ببدر [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.]]. وقال أصحاب المعاني: إنما وصف كيده بالضَّعف لضعف نُصرته لأوليائه بالإضافة إلى نصرة الله للمؤمنين [[انظر: "الكشاف" 1/ 281، " التفسير الكبير" 10/ 184.]]. وقال الحسن: لما أخبر الله عن ضعف كيد الشيطان دلَّ ذلك على أنه يُظهر المؤمنين على أولياء الشيطان. فكأنه قيل: فقاتلوا أولياء الشيطان فإنكم منصورون عليهم. هذا معنى قول الحسن [[انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 400.]]. وفائدة إدخال كان في قوله: ﴿كاَنَ ضَعِيفًا﴾ التأكيد لضعف كيده، وذلك أنَّ كان يدلُّ على لزوم الضعف كيده، خلاف العارض الذي لم يكن ثم كان، وكيده مما يلزمه صفة الضعف، وليس عارضة فيه، بدلالة كان على هذا المعنى [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 184.]].

النساء 4:77

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. يقال: كففت فلانًا عن السوء فكف يكف كفًا، سواء لفظ اللازم والمجاوز [["العين" 5/ 283، "تهذيب اللغة" 4/ 3166 (كف).]]. وأكثر المفسرين على أنَّ هذه الآية نازلة في قوم من المؤمنين، استأذنوا النبي ﷺ وهم بمكة في قتال المشركين، فلم يأذن لهم، فلما كتب عليهم القتال بالمدينة قال فريق منهم ما أخبر الله عنهم. وهذا قول ابن عباس [[أخرجه عنه من طريق عكرمة النسائي في "تفسيره" 1/ 394، والطبري 5/ 169 - 170، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 328.]] والحسن [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 401.]] وعكرمة [[أخرجه الطبري 5/ 169 - 170.]] وقتادة [[أخرجه الطبري 5/ 169 - 170، وعبد بن حميد وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 594.]] والكلبي [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 401، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.]] والسدي [[أخرجه الطبري 5/ 169 - 170، وابن أبي حاتم، انظر: ابن كثير 1/ 576، "الدر المنثور" 2/ 328.]]. قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد [[هو أبو الأسود أو أبو عمر المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني، اشتهر بابن == الأسود، لأن الأسود بن عبد يغوث قد تبناه، أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها وكان من الشجعان ومن أول من أظهروا الإسلام، توفي رضي الله عنه سنة 33 هـ انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 441، "أسد الغابة" 5/ 251، "الإصابة" 3/ 454.]] وقُدامة بن مظعون [[هو أبو عمرو قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب القرشي الجُمحي، من السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها، توفي رضي الله عنه سنة 36هـ، وقيل بعدها. انظر: "أسد الغابة" 4/ 294، "سير أعلام النبلاء" 1/ 161، "الإصابة" 3/ 228.]] وسعد بن أبي وقاص، كانوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يُهاجروا إلى المدينة، يلقون من المشركين الأذى، فيشكون ذلك إلى رسول الله ويقولون: ائذن لنا في قتالهم، ويقول لهم رسول الله: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله إلى المدينة وأمر بالقتال أمرهم أن يسيروا إلى بدر، فكرهه بعضهم، وهو طلحة [[هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو القرشي التيمي من السابقين إلى الإسلام، أحد أصحاب الشورى، ومن العشرة المشهود لهم بالجنة، شهد أحدًا وما بعدها وبايع بيعة الرضوان وأبلى يوم أحد بلاءً عظيمًا، واستشهد يوم الجمل سنة 36هـ. رضي الله عنه. انظر: "أسد الغابة" 3/ 85، "سير أعلام النبلاء" 1/ 23، "الإصابة" 2/ 229.]] بن عبيد الله، فأنزل الله هذه الآية [[بنحوه في "تفسير الهواري" 1/ 400، "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90، وهو بمعنى الأثر عن ابن عباس ومن قال به من التابعين، وتقدم تخريج ذلك.]]. وقال السدي: نزلت هذه الآية في أهل الإيمان بمكة [[أخرجه بمعناه الطبرى 5/ 170، وابن أبي حاتم انظر: "الدر المنثور" 2/ 328.]]. وقال عطاء: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن قتال عبدة الأصنام؛ لأنَّ الله لم يأمر بقتالهم [[لم أقف عليه.]]. وقال ابن إسحاق: كان المسلمون قبل أن يؤمروا بالقتال قالوا للنبي ﷺ: لو أذنت لنا أن نقاتل المشركين. فأمروا بالكف، وأداء ما افترض عليهم غير القتال، وهو قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾. قال ابن عباس: فرض عليهم القتال بالمدينة. وقوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾. قال: يعني عذاب الناس القتل ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [[بنحوه في الأثر المتقدم من طريق عكرمة عن ابن عباس، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.]]. وهو مصدر مُضاف إلى المفعول [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 185.]]. ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾. قال ابن عباس: أو أكثر خشية [[انظر:. "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.]]. وقال الحسن: من صفة المؤمنين لما طُبع عليه البشر من المخافة، لا على كراهة أمر الله بالقتال [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 401، "النكت والعيون" 1/ 507، "الوسيط" 2/ 624، القرطبي 5/ 281.]]. ودخلت ﴿أَوْ﴾ ههنا من غير شك، ومعناه الإبهام على المخاطب بمعنى أنهم على إحدى الأمرين من المساواة أو الشدَّة -وهذا أصل ﴿أَوْ﴾ [[انظر: "معاني الحروف" للرماني ص 80.]] - وهو بمعنى أحد الأمرين على الإبهام [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 136، "التفسير الكبير" 10/ 186.]]. وقيل: دخلت أو للإباحة، على معنى: أنك إن قلت: يخشون الناس كخشية الله، فأنت مُصيب، وإن قلت: يخشونهم أشدَّ من خشية الله، فأنت مصيب [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 136.]]؛ لأنه حصل لهم مثل تلك الخشية وزيادة [[خلاصة ما قيل -على ما ذكر المؤلف- في: (أو) هنا: أنها إما للإبهام أو للتخيير وهناك قول ثالث لم يذكره المؤلف -وهو للجمهور- أنها بمعنى (الواو) فتكون عاطفة. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 436، "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 203، "الكشاف" 1/ 282، "المحرر الوجيز" 4/ 136، "زاد المسير" 2/ 135.]]. وقال أهل العلم: في هذه الآية دلالة على أنَّ العبد إذا خاف غير الله استحق مذمة الله تعالى، ألا ترى أن هذا خرج مخرج المذمة لهؤلاء. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾. إنما قالوا هذا جزعًا من الموت وحصرًا على الحياة، لا إنكارًا على الله سبحانه [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 401، "التفسير الكبير" 10/ 186.]] ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ﴾. قال ابن عباس: يريد: أفلا أخرتنا إلى الموت. أي هلَّا تركتنا حتى نموت بآجالنا وعافيتنا من القتل. قاله السدي [[روى معناه عن السدي مقطوعًا الطبري 5/ 170، وابن أبي حاتم. انظر: "زاد المسير" 2/ 136، "تنوير المقباس" ص90، "الدر المنثور" 2/ 329.]]. ثم أعلم الله عز وجل أنَّ متاع الدنيا قليل، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد [[انظر: الطبري 5/ 171، "الكشف والبيان" 4/ 88 أ.]] ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قال الكلبي: أجل الدنيا قريب [[في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90، بلفظ: "منفعة الدنيا". انظر: "الكشف والبيان" 4/ 88 أ.]]. وقال الضحاك: عيش الدنيا قليل [[انظر: "الوسيط" 2/ 624.]]. وقال ابن زيد: يسير ينقطع [[لم أقف عليه.]]. وقيل: كل ما تمتعون به من الدنيا قليل. ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد الجنة خير لمن اتقى الله ولم يُشرك به شيئًا [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.]]. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ يريد لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة. قال [[هكذا في المخطوط، والظاهر الموافق للسياق: "قاله".]] عطاء عن ابن عباس [[أخرج نحوه عن عطاء مقطوعًا الطبري 5/ 172، 6/ 129، ومن طريق علي ابن أبي طلحة في "تفسير ابن عباس" ص 149، وأخرجه الطبري 5/ 172، 6/ 129، وأخرجه الطستي وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس من مسائل نافع ابن الأزرق، انظر: "الدر المنثور" 2/ 329. وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 164، والطبري 5/ 129، 5/ 172.]]، ورُوي عنه أيضًا أنه قال: هو ما تفتله بيدك ثم تُلقيه احتقارًا [[أخرجه الطبري 5/ 171، 5/ 129 بنحوه من طرق، وكذا عبد بن حميد وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 329. وهذا قول أبي مالك والسدي. انظر: الطبري 5/ 172، 5/ 129.]]. ومضى الكلام في هذا [[عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: 49] وهذه الآية في القسم الساقط.]]، هذا مذهب المفسرين في هذه الآية. وقال مجاهد: هذه الآية في اليهود، إلى قوله ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [[أخرجه الطبري 5/ 184 وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 334.]] [النساء: 83]. قال: وهؤلاء الذين قيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ هم الذين ذكروا في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الآية [البقرة: 246]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قرئ بالياء والتاء [[قرأ بالياء أبو جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بالتاء. انظر: "الحجة" 3/ 172، "المبسوط" ص 156، "البدور الزاهرة" ص 82.]]، فمن قرأ بالياء فلما تقدم من ذكر الغيبة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ ومن قرأ بالتاء فكأنه ضمَّ إليهم في الخطاب المسلمون [[في "الحجة" 3/ 172: "النبي ﷺ والمسلمون".]]، فغلِّب الخطاب على الغيبة، ويؤكد التاء قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، وما في ﴿قُلْ﴾ من الخطاب [[من "الحجة " 3/ 172، وانظر: "حجة القراءات" ص 208، "الكشف" 1/ 393.]].

النساء 4:78

قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾. هذه الآية عند الزجاج متصلة بالأولى إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾؛ لأنه قال: وأعلمهم أنَّ آجالهم لا تخطئهم ولو تحصنوا بأمنع الحصون، فقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 79.]]. وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في المنافقين حين قالوا لما استشهد من المسلمين ممن استشهد بأحد: لو كان (إخواننا قتلوا) [[هكذا في (ش)، وفي "أسباب النزول" للمؤلف ص 171: "إخواننا الذين قتلوا" وهو الصواب.]] عندنا ما قتلوا، فأنزل الله هذه الآية [[ذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 171 عن ابن عباس من رواية أبي صالح، وانظر: "زاد المسير" 2/ 137، والقرطبي 5/ 282.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ يا معشر المنافقين ولو كنتم في بُروج مشيَّدة [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.]]. والبروج في كلام العرب القصور والحصون. وقال ابن المظفر: البروج بيوتٌ تُبنى على سور المدينة [[ذكر ذلك عن الليث (ابن المظفر) ابن منظور في "اللسان" 1/ 244 (برج).]]. وبروج الفلك اثنا عشر، كل برج فيها ثلاثون درجة [[انظر: "الصحاح" 1/ 299، "اللسان" 1/ 244 (برج)، "معاني القرآن" لابن العربي 1/ 461.]]. وأصلها في اللغة من الظهور، ومنه يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها [["مقاييس اللغة" 1/ 238، "الصحاح" 1/ 299 (برج).]]. والبرج سعة العين لظهورها بالاتساع [["مقاييس اللغة" 1/ 238، وانظر: "اللسان" 1/ 243 (برج).]]. وأما قول أهل التفسير في البروج فقال ابن عباس في رواية عطاء ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ يريد الحصون، أي لا تُرام [[انظر: "زاد المسير" 2/ 137، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.]]. وقال في رواية الضحاك البروج الحصون والآطام والقلاع [[من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 88 ب.]]. وقال مجاهد وابن جريج: هي القصور [[أخرج نحو ذلك عنهما الطبري 5/ 172، 173.]]. وقال الربيع والسدي وقتادة: يعني بروج السماء بأعيانها [[أخرج ذلك عن الربيع والسدي: الطبري 5/ 173، وابن أبي حاتم عن السدي انظر: "الدر المنثور" 2/ 329. أما قول قتادة فأنه كالأقوال المتقدمة، فقد أخرج الطبري 8/ 552 عنه أنه قال: "في قصور محصنة" وانظر: "الدر المنثور" 2/ 329.]]. وأما المشيَّدة فقال الفراء في المصادر: شاد بناءه يشيد شيدًا، وأشاد بناءه أيضًا إشادة، وشيد بناءه يشيده تشييدًا، إذا رفعه [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 277، "معاني الزجاج" 2/ 79،"تهذيب اللغة" 2/ 1802 (شاد).]]. وقال في المعاني [[أي الفراء في كتابه "معاني القرآن" 1/ 277.]]: ما كان من جمع مثل: بروج مشيدة، ومثل قولك: مررت بثياب مصبغة، وأكبش مذبحة، فجاز التشديد لأن الفعل متفوق في جمع، فإذا أفردت الواحد من ذلك، فإن كان الفعل يتردد في الواحد ويكثر جاز فيه التشديد والتخفيف مثل قولك: مررت برجل مشجج، وثوب مخرق [[في "معاني القرآن": "ممزق" والمعنى متقارب.]]. جاز فيه التشديد لأن الفعل قد تردد فيه وكثر. وتقول: مررت بكبش مذبوح، ولا تقل: مذبح؛ لأن الذبح لا يتردد كتردد التخرق [["معاني القرآن" 1/ 277 وانظر: الطبري 5/ 173.]]. وقال الزجاج في المشيد والتشييد والإشادة مثل قول الفراء [[انظر: "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 79.]]. وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: المشيدة المطولة [["مجاز القرآن" 1/ 132، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 127.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ قال المفسرون: هذا موقف اليهود والمنافقين عند مقدم النبي ﷺ المدينة، وكان قد بسط عليهم الرزق، فلما كفروا أمسك عنهم بعض الإمساك، كما مضت سنة الله في الأمم، قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف: 94]، فقالوا: ما رأينا أعظم شؤمًا من هذا، نقصت أثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. فقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار، قالوا: هذا من عند الله، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: جدب وغلاء الأسعار، قالوا: هذا من شؤم محمد. وهذا كقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 131]. هذا قول الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.]] وأكثر المفسرين [[انظر: الطبري 5/ 174، "تفسير الهواري" 1/ 401، "بحر العلوم" 1/ 370، "الكشف والبيان" 4/ 88 ب، "النكت والعيون" 1/ 506 - 507 "زاد المسير" 2/ 137.]]، واختيار الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 278.]] والزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 79.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ من النصر والغنيمة يقولوا هذه من عند الله ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ من القتل والهزيمة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 138.]]. وهذا قول الحسن [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 401 ، "النكت والعيون" 1/ 506 - 508.]] وابن زيد [[أخرجه الطبري 5/ 174 - 175 ، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 506 - 508؛ "زاد المسير" 2/ 138، "الدر المنثور"2/ 330.]]. وعلى هذا المعنى فقوله: ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ قال ابن زيد: بسوء تدبيرك [[المرجع السابق.]]. وقال ابن الأنباري: إذا أصابهم الخصب ونالوا ما يحبون من الغنائم والأموال قالوا: هذا من عند الله، لم نزل نعرفه، لا شيء لمحمد فيهن، وإذا أصابهم الجدب والبلاء والشر قالوا: هذا الشقاء بشؤم محمد ﷺ، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي النصر والهزيمة [[مثل هذا مروي عن ابن زيد، انظر: "الدر المنثور" 2/ 330 - 331، ولم أقف عليه عن عطاء.]]. وقال أهل المعاني: جملة المعنى الذي تضمنته هذه الآية الحض على الجهاد، بأن الموت لا بد منه، فلا تجزعوا من الموت جزع المُعرض عن ذكره، ولا تجهلوا بإضافة المصيبة فيه إلى غير الله [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 369، "الكشف والبيان" 4/ 88 ب.]]. وقال ابن عباس في بعض الروايات: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها [[هذا الأثر من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسيره" ص151، والطبري 5/ 174 - 175، والبيهقي في "الاعتقاد على مذهب السلف" أهل السنة والجماعة ص (67، 68)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 330 - 331 أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يفهمون القرآن [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "زاد المسير" 2/ 136.]]. والفقه في اللغة: اللهم، يقال: أوتي فلان فقهًا في الدين، أي فهمًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2844، "الصحاح" 6/ 2243 (فقه).]]، ومنه قوله ﷺ لابن عباس: "وفقهه في التأويل" [[أخرجه البخاري (143) كتاب: الوضوء، باب: (10) وضع الماء عند الخلاء 1/ 45 بلفظ: "اللهم فقهه في الدين"، ومسلم (2477) في كتاب: فضائل الصحابة، باب: (30) فضائل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما 4/ 1927 (ح 138) بلفظ:"اللهم فقهه" وأحمد في "مسنده" 1/ 299 بلفظ: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".]] أي فهمه تأويله.

النساء 4:79

قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ يوم بدر، من النصر والغنيمة، فمن الله، ﴿وَمَا أَصَابَكَ﴾ يوم أُحد من القتل والهزيمة، ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، يريد: فبذنبك. وهذا من الله مخاطبة للنبي ﷺ والمراد به أصحابه، والشعبي من ذلك بريء، وذلك أن الله تعالى حين بعثه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وعصمه فيما يستقبل حتى يموت، فهو معصوم. انتهى كلام ابن عباس [[ورد نحوه من طريق علي بن أبي طلحة في تفسير ابن عباس ص 152، وأخرجه الطبري 5/ 175 - 177، وانظر: "زاد المسير" 2/ 138. ولم أقف على رواية عطاء، وانظر: "تنوير المقباس" ص 90، وأخرج ابن أبي حاتم نحوه من طريق عطة العوفي عن ابن عباس. انظر: "الدر المنثور" 2/ 331 - 331.]]. وهذا الذي ذكره مذهب أكثر أهل التفسير والمعاني [[انظر: الطبري 5/ 175 - 177، "بحر العلوم" 1/ 370، "النكت والعيون" 1/ 506 - 509.]]. قال أبو إسحاق: هذا خطاب للنبي ﷺ يُراد به الخلق، ومخاطبة النبي ﷺ قد يكون للناس جميعًا؛ لأنه ﷺ لسانهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] فنادى النبي ﷺ وحده، وصار الخطاب شاملًا له ولأمته، فمعنى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي ما أصبتم من غنيمة، أو أتاكم من خصب فمن تفضل الله جل وعز، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ أي من جدب وغلبةٍ في حرب ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: أصابكم ذلك بما كسبت أيديكم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 79، 80، وانظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 127، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 135.]]. وقال الكلبي: ما أصابك من خير فالله هداك له وأعانك عليه، وما أصابك من أمر تكرهه فبذنبك، عقوبة للذنب [[لم أقف عليه، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 370.]]. وقال قتادة: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ عقوبة لذنبك يا ابن آدم [[أخرجه الطبري 5/ 175 - 176، وعبد بن حميد، انظر: "الدر المنثور" 2/ 330 - 331.]]. وكذلك قال الحسن [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 402، "النكت والعيون" 1/ 507 - 509، "زاد المسير" 2/ 139.]] والسدي وابن جريج [[أخرجه عن السدي وابن جريج: الطبري 5/ 175 - 176.]] والضحاك في تفسير قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ فبذنبك. ويدل على صحة هذا التفسير قوله تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30] وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: 10]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]، وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41]. وقال أبو بكر بن الأنباري: ما أصابك من خصب فمن تفضل الله، وما أصابكم من جدب وغم فمن أجل ذنوبكم، فخوطب النبي ﷺ والمعني الأمة. وهذا القول هو اختيارنا لموافقته الآثار واللغة، ودلالة الآية الأولى على صحته، ولأن الحسنة معلوم أنها تكون بمعنى الخصب، والسيئة بمعنى الجدب، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168] أراد: واختبرناهم بالخصب والجدب. ونحو هذا قال ابن قتيبة [[في "تفسير غريب القرآن" ص 127.]]. ولا تعلق للقدرية بهذه الآية؛ لأن الحسنة والسيئة المذكورتين هنا لا ترجعان إلى الطاعة والمعصية وأكساب العباد بحالٍ، ولا يجوز ذلك [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 89 ب، "معالم التنزيل" 2/ 252، 253، "التفسير الكبير" 10/ 90 - 192.]] قال ابن الأنباري: لأن الحسنة التي يُراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها: أصابتني، إنما يقال: أصبتها ، وليس في كلام العرب: أصابت فلانًا حسنةٌ على معنى: عمل خير، وكذلك: أصابته سيئة، على معنى عمل معصية، غير موجود في كلامهم، إنما يقولون: أصاب سيئة، إذا عملها واكتسبها، واللغة تُروى، ولا تُعمل عملًا، فانفساخ قول القدرية واضح بين. وأكد الحسين بن الفضل هذا المعنى فقال: لو كانت الآية على ما يقول أهل القدر لقال: ما أصبت، ولم يقل: ما أصابك؛ لأن العادة جرت بقول الناس: أصابني بلاءً ومكروه، وأصابني فرح ومحبوب، ولا يكاد يسمع: أصابني الصلاة والزكاة، والطاعة والمعصية، فالحسنة والسيئة في هذه الآية ماستان مصيبتان، ولا ممسوستان مصابتان، وإذا كانتا بهذه الصفة لم يكن بيننا وبين أهل القدر خلاف أنهما تكونان من فعل الله تعالى وخلقه، كالخصب والجدب، والنصر والهزيمة. وإذا صح هذا كان معنى قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ على ما ذكره المفسرون وأرباب المعاني، وبطل تعلقهم بالآية. ومن المفسرين من أضمر في الآية شيئًا، وهو ما يُروى عن أبي صالح أنه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وأنا قدَّرتُها عليك [[أخرجه الطبري 5/ 175 - 176؛ وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 330 - 331 أيضًا إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقد ورد == "وأنا كتبتها عليك" قراءة عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم انظر: "إعراب القرآن" لنحاس 1/ 474، "معالم التنزيل" 2/ 253، "البحر المحيط" 3/ 301، "الدر المنثور" 2/ 330 - 331.]]. ونحو هذا روي عن زيد بن علي. وهذا لا يكاد يستقيم، لأنه إضمار ليس عليه دليل [[بل عليه دليل وهو القراءة الواردة عن الصحابة، وتعتبر تفسيرية. وتقدم قريبًا عزو ذلك عند الأثر عن أبي صالح.]]، ولأنا قد بينا أنه لا يجوز حمل الحسنة والسيئة في هذه الآية على الطاعة والمعصية، فاستغنينا عن هذا التكلف. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾. قال ابن عباس: يريد أنك قد بلغت رسالاتي ونصحت عبيدي [[لم أقف عليه.]]. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على ما بلغت من رسالة ربك.

النساء 4:80

قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. قال ابن عباس: يريد أن طاعتكم لمحمد ﷺ طاعة لله [[لم أقف عليه.]]. وقال الزجاج: أي من قبل ما أتى به الرسول فإنما قبل ما أمر الله جل وعز [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70.]] به. وقال الحسن: جعل الله طاعة رسوله ﷺ طاعته، وقامت به الحجة على المسلمين [["تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 402.]]. وذكر الشافعي رحمه الله في الرسالة في فرض طاعة الرسول [[أي: في باب فرض الله طاعة رسول الله من "الرسالة" ص 79.]] هذه الآية، وقال: إن كل فريضة فرضها الله تعالى في كتابه، كالحج والصلاة والزكاة، لولا بيان رسول الله ﷺ ما كنَّا نعرف كيف نأتيها، ولا يمكننا أداء شيء من العبادات، وإذا كان الرسول من الشريعة بهذه المنزلة، كانت طاعته على الحقيقة طاعةً الله. هذا معنى كلام الشافعي [[انظر: "الرسالة" ص 79 - 104، "التفسير الكبير" 10/ 193.]]. وقال مقاتل في هذه الآية: إن النبي ﷺ كان يقول: "من أحبني أحب الله، وما أطاعني فقد أطاع الله" [["تفسيره" 1/ 391، وآخره أخرجه البخاري (2957) في الجهاد، باب: يقاتل من وراء الإمام، ومسلم (1835) في كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء.]] فقال المنافقون: لقد قارف هذا الرجل الشِّرك، وهو ينهى أن يُعبد غير الله، وما يريد إلا أن نتخذه [[في (ش): (يتخذه) بالياء، ولعل الصواب: (نتخذه) بالنون، انظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "معالم التنزيل" 2/ 253.]] ربًا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله تصديقًا لقول نبيه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "الكشف والبيان" 4/ 90 أ، "معالم التنزيل" 2/ 253، "زاد المسير" 2/ 141.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾. قال ابن عباس: يريد عن طاعة محمد [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]، وقال مقاتل: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أعرض عن طاعته [["تفسيره" 1/ 392 ولفظه: "أعرض عن طاعتهما".]]. ومعنى التولِّي في اللغة الإعراض، وقد أعطينا حقه عند قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 64]. من المفسرين من يجعل التولِّي في هذه الآية إعراضًا جهارًا [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "المحرر الوجيز" 4/ 144، "زاد المسير" 2/ 142، "التفسير الكبير"10/ 194.]]، ويقول: هذا في أول ما بُعث، ويقول في معنى قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي حافظًا لهم من التولي والإعراض كما قال جل وعز: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: 48] ثم أمر فيما بعد بالجهاد والإكراه بالسيف، ونُسخ هذا وأمثاله. وهذا معنى قول ابن زيد [[أخرجه الطبري 5/ 177، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 331.]]، واختيار ابن قتيبة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 127، و"الكشف والبيان" 4/ 90 ب، والقرطبي 5/ 288.]]. ومنهم من يجعل التولي ههنا إضمار العداوة للرسول، والإعراض عنه في السر؛ كتولي المنافقين، ويقول في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي حافظًا لهم من المعاصي حتى لا تقع، حافظًا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها؛ لأن الله هو المُجازي بها. وإلى هذه الطريقة مال أبو إسحاق؛ لأنه يقول في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: تأويله والله أعلم أنك لا تعلم غيبهم، وإنما لك ما ظهر منهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 80، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 194.]]. ومعنى جواب الجزاء في قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ كأنه يقول: ومن تولى فليس عليك بأس لتوليه؛ لأنك لم ترسل عليهم حفيظًا من المعاصي حتى لا تقع، أو حفيظًا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف ألا تقوم بها على ما ذكرنا [[انظر: الطبري 5/ 177، "تفسير الهواري" 1/ 402، "الكشاف" 1/ 284، "التفسير الكبير" 10/ 194.]]. وعلى هذه الطريقة لا موضع للنسخ في الآية.

النساء 4:81

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني المنافقين، في قول الحسن [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 402.]] والسدي [[أخرجه الطبري 5/ 178، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 332 أيضًا إلى ابن أبي حاتم.]]، والضحاك [[أخرجه الطبري 5/ 179، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 139.]]، وأكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 402، "النكت والعيون" 1/ 509، "الكشف والبيان" (4/ 90 ب، "معالم التنزيل" 2/ 254، "زاد المسير" 2/ 142.]]. قال ابن عباس: كانوا يقولون للنبي ﷺ: طاعة، يريدون أطعناك [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وقال الكلبي: كانوا يقولون للنبي ﷺ: طاعة، يريدون: أطعناك. وقال الكلبي: كانوا يقولون طاعة لأمرك [[هذان القولان للكلبي متقاربان، ويحتمل أنه تكرار في النسخ، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وقال مقاتل: كانوا يقولون طاعةً لأمرك [[ليس في "تفسير مقاتل"، وإنما فيه قوله التالي، ويحتمل أن هذا تكرار لقول الكلبي السابق.]]. وقال مقاتل: كانوا إذا دخلوا على النبي ﷺ قالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة [["تفسيره" 1/ 392، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "زاد المسير" 2/ 142.]]. وقال النحويون: معناه: أمرُنا طاعة [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 451، "معاني الزجاج" 2/ 81، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 437.]]، أي أمرنا وشأننا أن نُطيعك. وقال بعضهم: منا طاعة [["معاني القرآن" للفراء 1/ 278، الطبري 5/ 177، "معاني الزجاج" 2/ 81، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 437.]]. وقال أبو إسحاق: والمعنى أنَّ إضمار أمرنا أجمع في القصة وأحسن [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.]]. وقال الفراء: الرفع على قولك: منا طاعة، وأمرك طاعة [["معاني القرآن" للفراء 1/ 278.]]. قال: والطاعة اسم من أطاع، يقال: أطعته إطاعة وطاعة، كقولك: أطقته إطاقه وطاقة، وأجبته إجابة وجابة. ذكر ذلك في المصادر [[أي الكلام على اشتقاق "طاعة" ووزنه، وقد أشار إلى أنه من ذوات الواو في "معاني القرآن" 1/ 279.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾. قال الكلبي: خرجوا من عندك [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وقوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾. قال الزجاج: كل أمر فكر فيه (أو خيض) [[في المخطوط: "وأخيض" والتصويب من "معاني الزجاج" 2/ 101.]] فيه بليل فقد بيت، يقال: هذا أمر قد بيت بليل، ودبر بليل، بمعنى واحد. قاله في قوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108]، [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 101، "تهذيب اللغة" 1/ 250 (بيت)، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 195.]]. وقال في هذه الآية: كل أمر قضي بليل قيل: بيت [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.]]، وهو قول أبي عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 133.]] وأبي العباس [[أي المبرد في "الكامل" 3/ 30.]] وجميع أهل اللغة، وأنشدوا: أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني لأمر نكر [[البيت لعبيدة بن همام العدوي في "مجاز القرآن" 1/ 133، "الكشف والبيان" 4/ 90 ب، وغير منسوب في "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 127، "الكامل" 3/ 30، "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.]] وحُكي عن الأخفش أنه قال: العرب تقول للشيء إذا قدّر: قد بيت، يشبهونه بتقدير بيوت الشعر [["الكشف والبيان" 4/ 91 أ، "معالم التنزيل" 2/ 254، "التفسير الكبير" 10/ 195. وينسب نحو هذا الكلام لأبي عبيدة، انظر: "مقاييس اللغة" 1/ 325 (بيت) وقد تكون آخر كلمة: "الشعر" بكسر الشين وسكون العين.]]. وقال أهل اللغة: إنما قيل للتدبير بالليل تبييت لأنه تدبير في البيوت وقت البيتوتة [[انظر: "معجم مقاييس اللغة" 1/ 325 (بيت).]]، وذلك الوقت أخلى للأفكار. هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف. فأما كلام المفسرين، فقال عطاء عن ابن عباس في قوله: بيت طائفة منهم غير الذي تقول: "يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول" [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 91 أ، "الوسيط" 2/ 633، "معالم التنزيل" 2/ 254، "زاد المسير" 2/ 143، "البحر المحيط" 3/ 304.]]. وقوله راجع إلى معنى التقدير؛ لأن إضمارهم الشيء تقدير منهم مع أنفسهم. قال عبد الله بن مسلم [[أي: ابن قتيبة.]]: (ويقولون طاعة) بحضرتك، (فإذا خرجوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول) أي قالوا وقدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارًا [["غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 127، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 254، "زاد المسير" 2/ 142.]]. وقال الكلبي: (بيت) غير طائفة منهم [["الكشف والبيان" 4/ 91 ب، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 402.]]. وقال قتادة: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يغيرون ما عاهدوا عليه النبي ﷺ [[أخرجه الطبري 5/ 178، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 80 ب، وقد عزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 332 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.]]. وكذلك قال الفراء في معنى التبييت، أنه بمعنى التغيير [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 279.]]. وهذا التفسير راجع أيضًا إلى معنى التقدير؛ لأن: من قدّر شيئًا غير الأول فقد غير وبدل، وإنما يكون التبييت بمعنى التغيير إذا استعمل مع غير، يقال: بيت فلان غير ما قال إذا غيره ورجع عنه بتدبير وتقدير في نفسه. وبعضهم يقول: إن التبييت في لغة طيّ يكون بمعنى التغيير [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 90 ب.]]، وينشدون: وبيت قولي عبد المليك ... قاتلك الله عبدًا كفورًا [[البيت للأسود بن عامر الطائي كما في "تفسير الطبري" 5/ 271 وهو غير منسوب في "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 128، "الكشف والبيان" 4/ 90 ب، "زاد المسير" 2/ 143، القرطبي 5/ 289.]] معنى بدلت وغيرت. وهذا لا يستقيم في معنى الآية؛ لأنك لو حملت الآية عليه كان المعنى غير طائفة أو النبي، على ما تذكر في تفسير: ﴿تَقُولُ﴾، وليس كذلك معنى الآية، لأنهم غيروا ما قالوه أو قاله النبي ﷺ لا غير ذلك، فقد بان لك أن التبييت إنما يستعمل بمعنى التغيير إذا كان مع غير. وهذا ظاهر بحمد الله. والمفسرون فسروا ﴿بَيَّتَ﴾ بمعنى: غير، ذهابًا إلى المعنى، كما بينا. وأما قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ فيدل كلام بعض المفسرين على أن ﴿تَقُولُ﴾ من فعل الطائفة، ويدل كلام بعضهم على أنه مخاطبة للنبي ﷺ وأنه القول له. قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول [[تقدم الأثر وعزوه، وانظر: "زاد المسير" 2/ 143.]]. وهذا التفسير محتمل لوجهين: أضمروا غير ما قلت لهم يا محمد. وأضمروا غير ما قالوا هم، على معنى أنهم أسروا غير ما أظهروا وأضمروا الخلاف عليك. وقال الكلبي في قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾: غير ما أتيتهم به [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وهذا يدل على أن القول للنبي ﷺ. وقال الحسن في معنى قوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُول﴾: على وجه التكذيب [["النكت والعيون" 1/ 510.]]. وهذا أيضًا يدل على أن القول للنبي ﷺ؛ لأن المعنى أنهم كذبوا ما يقول لهم. وقال قتادة في هذه الآية: يغيرون ما عاهدوا عليه النبي ﷺ [[تقدم تخريجه.]] وهذا يدل على أن القول للطائفة. وقال الفراء: غير ما قالوا وخالفوا [["معانى القرآن" 1/ 279.]]. وقال عبد الله بن مسلم [[ابن قتيبة.]]: قدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارًا [["غريب القرآن" ص 127، وانظر: "زاد المسير" 2/ 142.]]. وهذه الآية تقوي الطريقة الثانية في الآية الأولى، وهي أن معنى التولي في قوله: ﴿وَمَن تَوَلَّى﴾ إضمار العداوة والخلاف للنبي ﷺ. وقال أبو إسحاق: هذا ونظائره في كتاب الله جل وعز من أبين آيات النبي ﷺ؛ لأنهم ما كانوا يخفون عنه أمرًا إلا أظهره الله عز وجل [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.]]. وأكثر القراء قرأوا ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ بفتح التاء والإظهار [[هذه قراءة السبعة غير أبي عمرو وحمزة. انظر: "السبعة" ص 235، "الحجة" 3/ 173.]]، لانفصال الحرفين واختلاف المخرجين [["الحجة" 3/ 173، وانظر: "الكشف" 1/ 393، "زاد المسير" 2/ 142.]]. وقرأ حمزة (بيت طائفة) جزمًا مُدغمًا [[وقراءة أبي عمرو أيضاً. انظر: "السبعة" ص 235، "الحجة" 3/ 173.]]. قال الفراء: جزمها لكثرة الحركات، فلما سكنت التاء اندغمت في الطاء [["معاني القرآن" 1/ 279.]]. وقال غيره [[أبو علي في "الحجة" 3/ 173.]]: إن الطاء والتاء والدال من حيز واحد، فالتقارب الذي بينها يُجريها مجرى الأمثال [[في الحجة: "المثلين".]] في الإدغام [[ذهب هنا كلام من الحجة حذفًا أو سقطًا، وهو: "ومما يحسن الإدغام أن الطاء تزيد على التاء بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص .. " إلخ.]] الأنقص صوتًا من الحروف في الأزيد بحسب قبح [[في المخطوط: "فتح" وما أثبته من الحجة، وهو أولى لمقابلته الحسن في إدغام الأنقص في الأزيد.]] إدغام الأزيد في الأنقص، ألا ترى أن الضاد لا تُدغم في مقاربها، ويدغم مقاربها فيها؟ وكذلك الصاد والسين والزاي لا يُدغمن في مقاربها، ويدغم مقاربها فيها، ويدغم بعضها في بعض [["الحجة" 3/ 173، وانظر: "الكشف" 1/ 393، "زاد المسير" 2/ 142.]]. وذُكر في تخصيص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت وجهان: أحدهما: أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه لم يذكرهم. والثاني: أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلم يذكروا [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 91 أ، "زاد المسير" 2/ 143، "التفسير الكبير" 10/ 195.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾. ذكر أبو إسحاق فيه وجهين: أحدهما أن معناه ويُنزله إليك في كتابه. والثاني يحفظ عليهم ليُجازوا به [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81، وانظر: "زاد المسير" 2/ 143.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد فاصفح عنهم [[انظر: "زاد المسير" 2/ 143، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]] وذلك أن الله تعالى نهى عن قتل المنافقين [[وذلك في أول الإسلام ثم نسخ بالأمر بقتالهم وذكر ذلك عن ابن عباس. انظر "زاد المسير" 2/ 143.]]. وقال أبو إسحاق: أي لا تسم هؤلاء بأعيانهم، لما أحب الله من ستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الإسلام [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.]]. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ قال عطاء: يريد: واصبر على خلافهم [[لم أقف عليه.]]. وقال ابن كيسان: اعتمد بأمرك عليه [[لم أقف عليه.]]. وقال أهل اللغة: معنى (توكل على الله) أي علم أن الله كافل أمره فركن إليه وحده [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3947 (وكل).]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ الوكيل في اللغة معناه الموكول إليه، وهو فعيل بمعنى مفعول [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3947، "اللسان" 8/ 4910 (وكل).]]. وقال ابن كيسان: وكفى باللهِ معتمدًا وملجأ. وقال عطاء: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ يريد لمن توكل عليه [[لم أقف عليه.]]. وقال بعضهم: الوكيل القائم بما يُفوض إليه من التدبير. قال المفسرون: كان الأمر والمعاني [...] [[حصل سقط وخلط في المخطوط فقد بتر الكلام وأتي مباشرة بتفسير وسط الآية 83 - 86 من هذه السورة، وقد وجدت بعد ذلك بلوحة كثيراً من تفسير الآية 82 أو أكثره أو كله، فقدمت تفسير الآية 82 في الصفحة هنا وأخرت ما قدم في المخطوط من تفسير الآية 83 وما بعده.]].

النساء 4:82

قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ معنى التدبير والتدبر في اللغة النظر في العواقب [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 82، "تهذيب اللغة" 2/ 1143، "مقاييس اللغة" 2/ 324، "الصحاح" 2/ 655 (دبر).]]، ومنه قول الأكثم [[في المخطوط: "الأكثر" والتصويب من "تهذيب اللغة" 2/ 1143 (دبر) وأكثم هو بن صيفي بن رباح بن الحارث التميمي الحكيم المشهور، أحد المعمرين، أدرك الإسلام وقصد المدينة ليسلم فمات في الطريق في نحو سنة 9 هـ. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص (210)، "أسد الغابة" 1/ 134، "الإصابة" 1/ 110، "الأعلام" 2/ 6.]] ألا [[في "تهذيب اللغة" 2/ 1143، "اللسان" 3/ 1321 (دبر): "لا"، ولعله هو الصواب كما سيأتي من بيان لقول أكثم.]] تتدبروا أعجز [[في "التهذيب": "أعجاز".]] الأمور قد ولت صدورها [["تهذيب اللغة" 2/ 1143، "اللسان" 3/ 1321 (دبر)، "التفسير الكبير" 10/ 196، وقال الأزهري مبينًا قول أكثم: "يقول: إذا فاتكم الأمر لم ينفعكم الرأي، وإن كان محكمًا".]]. ويقال لمن نظر في أمر قد أدبر: استدبر فلان أمره، ويقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، أي: لو عرفت في صدره ما عرفت في عاقبته [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1143 (دبر)، "التفسير الكبير" 10/ 196، "اللسان" 3/ 1321 (دبر).]]. وقال الزجاج: معنى تدبرت الشيء: نظرت في عاقبته، وسمي النحل دبرًا لأنه يعقب ما ينتفع به. والمال الكثير دبر، لأنه يبقى للأعقاب والأدبار [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 82، وانظر: "زاد المسير" 2/ 144.]]. ومعنى الآية: أفلا يتأملون القرآن ويتفكرون فيه. قال ابن عباس: وما فيه من المواعظ والذكر والأمر والنهي [[انظر: "زاد المسير" 2/ 144، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وقال الزجاج: يعني به المنافقون [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 82.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد لو كان من عند مخلوق لكان فيه كذب واختلاف وباطل [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 91 ب، "زاد المسير" 2/ 144، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وقد بين الزجاج وكشف عن هذا المعنى فقال: لو كان ما يُخبرون به مما بينوا وما يسرون فيوحى إلى النبي ﷺ لولا أنه من عند الله لكان الإخبار به مختلفًا؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 82.]]. فالاختلاف على هذا التفسير معناه الكذب. وقال قتادة وابن زيد في قوله: ﴿اخْتِلَافًا﴾: أي تناقضًا من جهة حق وباطل [[هذا معنى قولهما، وقد أخرجه ابن جرير 5/ 179 - 180، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 140، "النكت والعيون" 1/ 510، "الدر المنثور" 2/ 332.]]. وهذا القول معناه كالأول؛ لأنَّ تأويله: أنه لو كان من عند غير الله لكان ما فيه من الإخبار عن الغيب بعضه حقًا وبعضها باطلًا. وقال بعض أهل المعانى: قوله: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا﴾ أي من جهة بليغ ومرذول [["النكت والعيون" 1/ 510، ونسبه الماوردي لبعض البصريين، وانظر: "زاد المسير" 2/ 145.]]. يعني أنه لو كان من عند مخلوق لكان على قياس كلام العباد، بعضه بليغ حسن وبعضه مرذول فاسد، فلما كان جميع القرآن بليغًا عرف أنه من عند الله. ومعنى الاختلاف في اللغة: أن يذهب أحد الشيئيين خلاف ما ذهب إليه الآخر، والأقوال المختلفة أن يذهب بعضها إلى الخطأ وبعضها إلى الصواب، أو بعضها إلى الحسن البليغ وبعضها إلى المرذول القبيح. وليس بحمد الله في القرآن اختلاف تناقض، ولا اختلاف تفاوت، بأن يكون بعضها حسنًا وبعضه قبيحًا. فأما اختلاف القراءات، واختلاف مقادير الآيات والسور، واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ فكلٌّ صواب وكله حق، وليس ذلك اختلافًا يؤدي إلى فساد وتناقض، بل هو اختلاف يوافق بعضه بعضًا في الحسن [[ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جيد يوضح هذا المعنى ويؤكده، فمما قال حول ذلك: "الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان: أحدهما: أن يُعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبة تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمَّى ... كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله ﷺ وأسماء القرآن. الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه .... ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملًا للأمرين، إما لكونه مشتركًا في اللفظ كلفظ (قسورة) الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد. ولفظ (عسعس) الذي يراد به إقبال الليل وإدباره ... " "مجموع الفتاوى" 13/ 333 - 340، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 305.]]. وقال ابن عباس في رواية الكلبي عنه في هذه الآية: أفلا يتفكرون في القرآن فيرون بعضه يُشبه بعضًا، ويصدق بعضه بعضًا، وأن أحدًا من الخلائق لم يكن يقدر عليه، فيسلمون بذلك أنه من عند الله، إذ لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا أي تفاوتًا وتناقضًا كثيراً [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. فجعل الاختلاف في هذا القول اختلاف التناقض.