Lafzullah

Al-Basit — المائدة 5:106 – الأنعام 6:92

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. المائدة 5:106
  2. المائدة 5:107
  3. المائدة 5:108
  4. المائدة 5:109
  5. المائدة 5:110
  6. المائدة 5:111
  7. المائدة 5:112
  8. المائدة 5:113
  9. المائدة 5:114
  10. المائدة 5:115
  11. المائدة 5:116
  12. المائدة 5:117
  13. المائدة 5:118
  14. المائدة 5:119
  15. المائدة 5:120
  16. الأنعام 6:1
  17. الأنعام 6:2
  18. الأنعام 6:3
  19. الأنعام 6:4
  20. الأنعام 6:5
  21. الأنعام 6:6
  22. الأنعام 6:7
  23. الأنعام 6:8
  24. الأنعام 6:9
  25. الأنعام 6:10
  26. الأنعام 6:11
  27. الأنعام 6:12
  28. الأنعام 6:13
  29. الأنعام 6:14
  30. الأنعام 6:16
  31. الأنعام 6:17
  32. الأنعام 6:18
  33. الأنعام 6:19
  34. الأنعام 6:20
  35. الأنعام 6:21
  36. الأنعام 6:22
  37. الأنعام 6:23
  38. الأنعام 6:25
  39. الأنعام 6:27
  40. الأنعام 6:28
  41. الأنعام 6:29
  42. الأنعام 6:30
  43. الأنعام 6:31
  44. الأنعام 6:32
  45. الأنعام 6:33
  46. الأنعام 6:34
  47. الأنعام 6:35
  48. الأنعام 6:36
  49. الأنعام 6:37
  50. الأنعام 6:38
  51. الأنعام 6:39
  52. الأنعام 6:40
  53. الأنعام 6:41
  54. الأنعام 6:42
  55. الأنعام 6:43
  56. الأنعام 6:44
  57. الأنعام 6:45
  58. الأنعام 6:46
  59. الأنعام 6:47
  60. الأنعام 6:48
  61. الأنعام 6:50
  62. الأنعام 6:51
  63. الأنعام 6:52
  64. الأنعام 6:53
  65. الأنعام 6:54
  66. الأنعام 6:55
  67. الأنعام 6:56
  68. الأنعام 6:57
  69. الأنعام 6:58
  70. الأنعام 6:59
  71. الأنعام 6:60
  72. الأنعام 6:61
  73. الأنعام 6:62
  74. الأنعام 6:63
  75. الأنعام 6:64
  76. الأنعام 6:66
  77. الأنعام 6:67
  78. الأنعام 6:68
  79. الأنعام 6:69
  80. الأنعام 6:70
  81. الأنعام 6:71
  82. الأنعام 6:72
  83. الأنعام 6:73
  84. الأنعام 6:74
  85. الأنعام 6:75
  86. الأنعام 6:76
  87. الأنعام 6:77
  88. الأنعام 6:78
  89. الأنعام 6:79
  90. الأنعام 6:80
  91. الأنعام 6:81
  92. الأنعام 6:82
  93. الأنعام 6:83
  94. الأنعام 6:84
  95. الأنعام 6:87
  96. الأنعام 6:88
  97. الأنعام 6:89
  98. الأنعام 6:90
  99. الأنعام 6:91
  100. الأنعام 6:92

المائدة 5:106

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قال المفسرون كلهم في سبب نزول هذه الآية وما بعدها: أن تميمًا الداري [[هو أبو رقية، تميم بن أوس الداري، مشهور في الصحابة، كان نصرانيا فأسلم سنة 9 هـ، كان كثير التهجد، قام ليلة بآية حتى أصبح وهي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: 21] انظر: "الإصابة" 1/ 186.]] وأخاه عديًّا [[هو عدي بن بداء، قال ابن حبان: له صحبة، وأنكر أبو نعيم ذلك، وجاء في "تفسير مقاتل" أنه مات نصرانيًا. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 514، و"الإصابة" 2/ 467.]] وكانا نصرانيين خرجا إلى الشام ومعهما بُدَيْل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلمًا مهاجرًا، خرجوا تجارًا، فلما قدموا الشام مرض بُدَيْل، فكتب كتابًا فيه نسخة جميع ما معه وطرحه في جوالقه، ولم يخبر صاحبيه بذلك، وأوصى إليهما، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل فأخذا من متاعه إناء من فضة منقوشًا بالذهب، ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، ففتشوا، فأصابوا الصحيفة بذكر ما كان معه، وفيها ذكر الإناء، فقالوا لتميم وعدي: إنا فقدنا من متاعه إناء من فضة فيها ثلاثمائة مثقال، قالا: ما ندري، إنما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم، فدفعناه، وما لنا بالإناء من علم، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله هذه الآية [[أخرجه البخاري (2780) كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مختصرًا، والترمذي (3059) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة، وأبو داود (3606) كتاب: الأقضية، باب: شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، والطبري 7/ 101 - 112 من طرق والمؤلف في "أسباب النزول" ص 214.]]. وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن من الآيات معنًى وإعرابًا، وسأسوقهما بعون الله مشروحتين مُبَيَّنتين إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، اختلف النحويون في تقديره، فقال الفراء: وقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ رفع الاثنين بالشهادة، أي ليشهدكم اثنان [["معاني القرآن وإعرابه" 1/ 323.]]، وذكر الزجاج فيه قولين: أحدهما: مثل قول الفراء، والثاني: انفرد فقال: (شهادةُ) مرتفع بالابتداء وخبرها (اثنان)، والمعنى: شهادة هذه الحال شهادة اثنين، فحذف المضاف، قال: ويجوز أن يكون المعنى فيما فَرضَ عليكم في شهادتكم أن يشهد اثنان، فيرتفع (اثنان) بشهادة والمعنى أن يشهد اثنان [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214.]]، واختار أبو علي القول الأول من قولي الزجاج [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي 3/ 262.]]. وقال صاحب النظم: (شهادة) مصدر وضع موضع الأسماء، يريد بالشهادة الشهود، كما يقال: رجل عدلٌ ورضا، ورجال عدل ورضا وزَوْرٌ، وإذا جعلت الشهادة بمعنى الشهود قدرت معه حذف المضاف، ويكون المعنى: عدد شهود بينكم اثنان، واستشهد على هذا بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] أراد وقت الحج، ولولا هذا التأويل لكان قوله: (أشهر) منصوبًا على تأويل: الحج في أشهر معلومات، فقدر صاحب النظم حذف المضاف من الابتداء، وقدره الزجاج من الخبر. وقوله تعالى: ﴿بَيْنِكُمْ﴾، قال أبو علي: اتسع في (بين) وهي ظرف فجعل اسمًا، وأضيف إليه المصدر، وهذا يدل على أنه يجوز الاتساع في الظروف بجعلها اسمًا في غير الشعر، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] في قول من رفع، فجاء في غير الشعر، كما جاء في الشعر نحو قوله: فصادفَ بين عَيْنَيه (الجنونا) [[هكذا في النسختين (ج)، (ش) بالنون، وفي "الحجة" لأبي علي 3/ 362 (الجبوبا) وكذا في اللسان 1/ 532 (جبب) قال في شرحه: "الجبوب وجه الأرض ومتنها" ولعل ما في "الحجة" هو الأصوب فهو الأصل، وقد نسب البيت في اللسان لأبي خراش الهذلي.]] [["الحجة" 3/ 362.]] وقال أبو علي الجرجاني في قوله: ﴿بَيْنِكُمْ﴾ بمعنى: لما بينكم، وما بينكم كناية عن التنازع والتشاجر، ثم أضاف الشهادة إلى التنازع، لأن الشهود إنما يحتاج إليها في التنازع الواقع في ما بين القوم، والعرب تضيف الشيء إلى الشيء إذا كان منه بسبب كقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: 46] أي: مقامه بين يدي ربه. ثم حذف (ما) من قوله: ما بينكم، والعرب تحذف كثيراً ذكر (ما) و (من) في الموضع الذي يحتاج إليهما فيه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ [الإنسان: 20] أي: ما ثِّم، وكما قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] على معنى: ما بيني وبينك، ومثله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] في قول من نصب، وهذا الذي ذكره الجرجاني شرح ما أجمله أبو علي، لأنه إذا حُذف (ما) وأضيف إليه فقد جعل الظرف اسمًا متسعًا فيه، فأبو علي أجمل، والجرجاني فسر. وقوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، (إذا) ظرف يتعلق بالشهادة، وهو معمولها على تقدير: يشهدان [[قد تكون: يشهد أن؛ لأن الفاعل: اثنان.]] إذا حضر أحدكم الموت اثنان، ولا يجوز أن يتعلق بالوصية على تقدير: حين الوصية إذا حضر، أي الوصية تكون عند حضور الموت لأمرين: أحدهما: أن الوصية مصدر، ولا يتعلق بالمصدر ما يتقدم عليه، لأنه ليس له قوة الفعل، فلا يجوز: زيدًا ضربًا، بمعنى: اضرب زيدًا، كما يجوز: ضربًا زيدًا. والثاني: أن الوصية مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف؛ لأنه لو عمل فيما قبله لجاز تقديره في ذلك الموضع، وإذا قُدر ذلك لزم تقديم المضاف إليه على المضاف، بيان هذا: أنك لو قدرت أن يكون (إذا) متعلقًا بالوصية جعلت التقدير: الوصية إذا حضر أحدكم الموت، فيحتاج أن تقدم الوصية على ما أضيف إليه وهو حين [[أي ظرف زمان.]]، ومن ثَمّ لم يجز أن تقول: القتال زيدًا حين تأتي، على معنى أن يكون (زيدًا) منصوبًا بتأتي، لأنه مضاف إليه، فلا يعمل فيما قبل المضاف وهو حين. هذا معنى كلام أبي علي الفارسي [["الحجة" 3/ 263.]]، وقد أديت المعنى وشرحت بعض ألفاظه. وقال في قوله: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾: لا يجوز أن يتعلق حين بالشهادة، لأن الشهادة قد عمل في ظرف من الزمان، فلا يعمل في ظرف آخر منه، وكان تحمله على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن تعلقه بالموت، كأنه: الموت في ذلك الحين، والآخر: أن تحمله على حضر، أي: إذا حضر في هذا الحين، ويراد بالموت: حضوره في الوجهين قربه لا نزوله، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18] ولا يسند إليه القول بعد الموت، الوجه الثالث: أن تحمله على البدل من (إذا) لأن ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان، فتبدله منه كما تبدل الشيء من الشيء إذا كان إياه [["الحجة" 2/ 263، 264.]]. وقوله تعالى: ﴿اثْنَانِ﴾، ذكرنا أنه خبر المبتدأ. وقوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، جملة مرتفعة لأنها صفة لقوله: ﴿اثْنَانِ﴾ [["الحجة" 3/ 264.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾، قال ابن عباس وعامة أهل التفسير: منكم يا معشر المؤمنين، أي من أهل دينكم وملتكم [[أخرج معناه عنه الطبري في "تفسيره" 7/ 101، وهذا قول الجمهور "بحر العلوم" 1/ 264، "النكت والعيون" 2/ 75، "زاد المسير" 2/ 446.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، تقديره: أو شهادة آخرين من غيركم، أي: من غير أهل ملتكم في قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح وإبراهيم وعَبِيدة وابن سيرين ومجاهد وابن زيد [["تفسير الطبري" 7/ 103، "بحر العلوم" 1/ 464، "النكت والعيون" 2/ 75، "تفسير البغوي" 3/ 112، "زاد المسير" 2/ 446.]]. قال شريح: إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلمًا يُشهِده على وصيته، فأشهد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيَّا، أو عابد وثن، أو أي كائن كان، فشهادتهم جائزة [[أخرجه الطبري 7/ 104، "تفسير البغوي" 3/ 112.]]، ولا تجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في هذا الموضع الواحد، وهو في الوصية في السفر، فإن شهد مسلمان بخلاف شهادتهما، أُجيزت شهادة المسلمين، وأُبطلت شهادة الكافرين. وقال الشعبي: حضر رجلاً من المسلمين الموت وهو بدَقُوقَا [[قال محقق الطبري: "دَقُوقا: مدينة بين إربل وبغداد معروفة، لها ذكر في الأخبار والفتوح، كان بها وقعة للخوارج" "تفسير الطبري" 11/ 162 (ط. شاكر).]]، فلم يجد أحدًا من المسلمين يُشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري وكان عليها فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ فأحلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر بالله ما بدلا ولا كذبا، وأجاز شهادتهما [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 157، 158 رقم 290 مختصرًا، وأبو داود (3605) كتاب: الأقضية، باب: شهادة أهل الذمة وفي الوصية في السفر، والطبري 7/ 105، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 379.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، الشرط متعلق بقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ والمعنى: أو شهادة آخرين من غيركم إن أنتم سافرتم، قال أبو علي: وهو وإن كان على لفظ الخبر، فالمعنى على الأمر، تأويله: ينبغي أن تُشْهِدوا إذا ضربتم في الأرض آخرين من غير أهل ملتكم [["الحجة" 3/ 265.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ مع قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ فصلان معترضان بين الصفة والموصوف؛ لأن قوله: (تحبسونهما) من صفة قوله: (أو آخران)، والفاء في قوله: (فأصابتكم) لعطف جملة على جملة [[انظر: "الحجة" 3/ 264.]]. وقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قال صاحب النظم: أي تقيمونهما وتقفونهما، كما يقول الرجل: مر بي فلان على فرس فحبس على دابته، أي: وقفه، وحبست الرجل في الطريق أكلمه، أي: وقفته. قال: ويقال إن معنى قوله: (تحبسونهما) تعبرونهما على اليمين، وهو أن يحمل الإنسان على اليمين وهو غير متبرع بها. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾، أي من بعد صلاة أهل دينهما، عن ابن عباس والسدي [[أخرجه عن السدي: الطبري 7/ 109، وعزاه لهما الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 76، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 448، وقد استبعد الطبري هذا القول.]]، وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر [["تفسير الطبري" 7/ 111، و"معاني الزجاج" 2/ 216، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 378، و"بحر العلوم" 1/ 465، "النكت والعيون" 2/ 76، "تفسير البغوي" 3/ 112، 113.]]، وعلى هذا قال ابن قتيبة: خص هذا الوقت؛ لأنه قبل وجوب الشمس، وأهل الأديان يعظمونه، ويذكرون الله فيه، وَيتَوقَّون الحلف الكاذب وقول الزور، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها [["تأويل مشكل القرآن" ص 378، وانظر: "زاد المسير" 2/ 448.]]. وقال ابن الأنباري: قالوا: إنما أمرنا باستحلاف الشاهِدَين بعد صلاة العصر، لأنه وقت تعظمه اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الملل، فندبنا الله إلى استحلافهم في الوقت الذي يشرفونه، ويعظمونه، ويتجنبون فيه الأكاذيب. وقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، الفاء لعطف جملة على جملة، قال أبو علي: وإن شئت جعلت الفاء للجزاء كقول ذي الرُّمة: وإنسانُ عيني يَحْسِرُ الماءُ مرَّةً ... فيبدو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ [["ديوانه" ص 391، وفيه (تارة) بدل (مرةً). وانظر: "المحتسب" 1/ 150.]] تقديره إذا حَسَرَ بدا، وكذلك إذا حبستموهما أقسما [["الحجة" 3/ 265.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، أي في قول الآخَرين الّذَين ليسا من أهل من ملتكم، وغلب على ظنكم خيانتهما. قال أبو بكر [[ابن الأنباري.]]: والشرط متعلق بـ (تحبسونهما)، كأنه قال: إن ارتبتم وقدرتم أن الرجلين الذين أوصى إليهما كذبا وخانا حبستموهما بعد صلاة العصر. وقوله تعالى: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾، قال أبو علي: (لا نشتري) جواب ما يقتضيه قوله: (فيقسمان بالله) لأن أقسمُ ونحوه يتلقى بما يتلقى به الأيمان [["الحجة" 3/ 266.]]. وقال صاحب النظم: تأويله فيقسمان بالله ويقولان هذا القول في أيمانهما. والعرب تضمر القول كثيراً كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ﴾ [الرعد:23 - 24]، أي: يقولون: سلام. وقوله تعالى: ﴿بِهِ ثَمَنًا﴾ قال أبو علي: المعنى: لا نشتري بتحريف شهادتنا ثمنًا، فحُذِفَ المضاف وذُكِّر الشهادةٌ لأن الشهادة قول. قال: وتقدير لا نشتري به ثمنًا: لا نشتري به ذا ثمنٍ، ألا ترى أن الثمن لا يُشترى وإنما يُشترى ذو الثمن. قال: وليس الاشتراء ههنا بمعنى البيع وإن جاز في اللغة، لأن بيع الشيء إبعاد له من البائع، وليس المعنى ههنا على الإبعاد، وإنما هو على التمسك به والإيثار له على الحق [["الحجة" 3/ 266.]]. وقال غيره: معنى: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ أي لا نبيع عهد الله بعرض نأخذه [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 378.]]، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] فمعنى ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ أي لا نأخذ ولا نستبدل، ومن باع شيئًا فقد اشترى ثمنه، ومعنى الآية: لا نأخذ بعهد الله ثمنًا بأن نبيعه بعرض من الدنيا، ونستغني في هذا عن كثير من تكلف أبي علي. وهذا معنى قول القتيبي [[أي ابن قتيبة. انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 378، 379.]] والجرجاني. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، التقدير: ولو كان المشهود له ذا قربى، وخص ذو القربى بالذكر لميل الناس إلى قراباتهم ومن يناسبونه [[من "الحجة" لأبي علي 3/ 266.]]، وهذا مقتص من قوله عز وجل: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين﴾ [النساء: 135]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾، أضيفت الشهادة إلى الله سبحانه لأمره بإقامتها والنهي عن كتمانها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: 2] [["الحجة" 3/ 266.]] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: إنا إن كتمناها كنا من الآثمين، وهذا الذي ذكرنا في الآية قول أكثر المفسرين واختيار أعظم أصحاب المعاني [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 181، الطبري 7/ 111، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 378، "بحر العلوم" 1/ 465.]]. قال عبد الله بن مسلم وذكر معنى الآية على الوجه: أراد الله عز وجل أن يعرفنا كيف نشهد بالوصية عند حضور الموت فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: رجلان عدلان من المسلمين تشهدونهما على الوصية، وعلم جل ثناؤه أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت فلا يجد من يشهده من المسلمين فقال: (أو آخران من غيركم) أي: من غير دينكم، إذا (ضربتم في الأرض) أي: سافرتم (فأصابتكم مصيبة الموت) وتم الكلام، فالعدلان من المسلمين للحضَر والسفَر إن أمكن إشهادهما في السفر، والذميان في السفَر خاصة إذا لم يوجد غيرهما. ثم قال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ من بعد صلاة العصر ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في شهادتهما وشككتم وخشيتم أن يكونا قد غيرا وبدلا وكتما وخانا، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ أي: لا نبيعه بعرض، ولا نحابي في شهادتنا أحدًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة علمناها، فإذا حلفا بهذه اليمين على ما شهدا به قبلت شهادتهما: وأمضي الأمر على قولهما [["تأويل مشكل القرآن" ص 377، 378.]]. وقال ابن الأنباري: تلخيص الآية: يا أيها الذين آمنوا ليشهدكم في سفركم إذا حضركم الموت وأردتم الوصية، اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غير دينكم. فإن قيل: إن أهل الذمة لا يكونون عدولًا ولا تقبل شهادتهم، قيل: هذا من مواضع الضرورات التي يجوز فيها ما لا يجوز في مواضع الاختيارات، وقد أجاز الله تعالى في الضرورة التيمم وقصر الصلاة في السفر والجمع، والإفطار في شهر رمضان، وأكل الميتة في حال الضرورة، ولا ضرورة أعظم من ضرورة تبطل حقوقا وتضيع أمورًا على الميت من زكوات وكفارات أيمان وودائع للناس من ديون وحقوق، متى لم يبينها بطلت، فجاز [[في (ج): (فجازت).]] عند الضرورة الإيصاء إلى أهل الذمة، كما جاز في الأشياء التي وصفناها، وكما يجوز شهادة نساء لا رجل معهن في الحيض، والحبَل، والولادة، والاستهلال. وقال أبو عبيد [[ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 165.]]: مما يدل على صحة هذا القول قوله في أول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فعم في خطابه المؤمنين، فلما قال بعد ذلك ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ لم يغلب عليه إلا معنى: من غير أهل دينكم، إذ كان لم يخصص في أول الآية، ولم يخاطب قومًا مختصين من المؤمنين دون قوم [[ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 163، 164.]]. وذهب آخرون، إلى أنه لا يجوز شهادة أهل الذمة في شيء من أحكام المسلمين، ولا يقبل قولهم، ولا يثبت بشهادتهم حكم، وعليه الناس اليوم، فقالوا في قوله تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: من حَيِّكم وقبيلتكم ورفقتكم ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير قبيلتكم ورفقتكم، وهو قول الحسن والزهري وأبي موسى، قالوا: ولا يجوز شهادة كافر في سفر ولا حضر [["تفسير الطبري" 7/ 106، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 377، "النكت والعيون" 1/ 494، "زاد المسير" 2/ 446.]]، واختاره الزجاج فقال: قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، والشاهد إذا عُلِمَ أنه كذاب لم تقبل شهادته، وقد علمنا أن النصارى زعمت أن الله تعالى: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73] وأن اليهود قالت: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30] فعلمنا أنهم يكذبون، فكيف تجوز شهادة من هو مقيم على الكذب؟ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 216.]]. فهؤلاء جعلوا الآية في المسلمين. وذهب جماعة إلى أن الآية كانت في شهادة أهل الذمة ثم نسخت، وقد بين أبو عبيد هذه المذاهب [[ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 165.]] وذكر أقواها فقال: في هذه الآية ثلاثة أقاويل: فجلّ العلماء وعظمهم يتأولونها في أهل الذمة ويرونها محكمة، وقالت طائفة أخرى: في أهل الذمة غير أنها قد نسخت، وقالت طائفة أخرى: هي لأهل الإسلام جميعًا، ولا حظ لأهل الذمة فيها [["الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 155.]]. ثم ذكر بإسناده إجازة شهادة أهل الذمة، وأن الآية نزلت في ذاك عن أبي موسى وشريح والشعبي ومجاهد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم [[انظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 160.]]. وقال: هذا مذهب الذين رأوا الآية محكمة، ومما يزيد قولهم قوة تتابع الآثار في سورة المائدة بقلة المنسوخ وأنها من محكم القرآن وآخر ما نزل [["الناسخ والمنسوح في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 160.]]. وأما الآخرون [[لا يزال الكلام لأبي عبيد.]] الذين رأوا الآية منسوخة، احتجوا بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] قال: ولست أدري إلى من يسند هذا القول؟ غير أنه قول مالك بن أنس وأهل الحجاز وكثير من أهل العراق غير سفيان، فإنه أخذ بالقول الأول، وأما الذين تأولوا الآية في أهل الإِسلام وأخرجوا المشركين منها فشيء يروى عن أبي موسى والحسن وابن شهاب. روى خالد عن أبي قلابة عن أبي موسى في قوله تعالى: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} قال: كلهم مسلمون. وقال الحسن: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ من قبيلتكم ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ من غير قبيلتكم. وقال ابن شهاب في هذه الآية: هي في الرجل يموت في السفر فيحضره بعض ورثته ويغيب بعضهم [["الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 162 ، 163.]] قال أبو عبيد: أما حديث أبي موسى فلا أراه حَفِظَ، لأن الشعبي حدث عنه إجازة شهادة أهل الذمة على الوصية. وقد ذكرناه [[في (ج): (وقد ذكرنا).]] قبل، وأما تأول الحسن: من قبيلتكم ومن غير قبيلتكم، فقد بينا أنه لا يحتمل لعموم المؤمنين بالخطاب في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فلم يبق أحد منهم إلا وقد خوطب بها، وكيف يجوز أن يقال ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلا من كان خارجًا منهم، وأما قول ابن شهاب: إنها في أهل الميراث، فأنى يكون هذا؟ وإنما (سما الله بشهادة) [[في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز": (سماها الله لنا شهادة).]] ثم أعاد ذكرها في الآية مرارًا فقال: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ﴾. وهو تناولها [[في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز": وهذا يتأولها.]] في الادعاء من بعض الورثة على بعض، وإنما هم مدعون ومدعى عليهم، فأين الشهادة من هذه الدعوى؟ وكيف يقال للمدعي شاهد؟ فهذان نوعان من التأويل لا أعرف لهما وجهًا، مع أن فيهما أمرين لا يجوزان في أحكام المسلمين، قال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ فهل يُعرف في حكم الإِسلام أن يُحَلَّف الشاهدان أو يجب عليهما يمين؟ أم هل يعرف في حكم الإسلام أن لا يقبل الحاكم شهادتهما ولا ينفذها إلا بعد صلاة العصر؟ هذا ما لا يجب على شهود المسلمين، وليس الأمر عندنا إلا القول الأول عن من سمينا من الصحابة والتابعين [["الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 163.]] مع ما يروى عن ابن مسعود [[هذا الأثر متقدم في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" على ما نقله المؤلف فهو في ص 157.]] أن رجلاً من المسلمين خرج في سفر فمر بقرية، فمرض ومعه رجلان من المسلمين فدفع إليهما ماله ثم قال: ادعوَا من أشهده على ما قبضتما، فلم يجدوا أحدًا من المسلمين في تلك القرية، فدعوا أناسًا من اليهود والنصارى فأشهدهم على ما دفع إليهما، ثم إن المسلِمَيْنِ قدما بالمال إلى أهله فقالوا: لقد كان معه من المال أكثر مما أتيتمونا به، قال: فاستحلفوهما بالله ما دفع إليهما غير هذا، ثم قدم ناس من اليهود والنصارى فسألهم أهل المتوفى فأخبروهم أنه هلك بقريتهم، وترك كذا وكذا من المال، فعلم أهل المتوفى أن قد عُثِروا على أن المسلمين قد استحقا إثمًا، فانطلقوا إلى ابن مسعود فأخبروه بالذي كان، فأمر المسلمين أن يحلفا بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ إلى آخر الآية، ثم أمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلِمَيْنِ، ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا بالله ما شهدت به اليهود والنصارى، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلِمَيْنِ ما شهدت به اليهود والنصارى. قال: وكان ذلك في خلافة عثمان. انتهى كلام أبي عبيد [["الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 157 - 163.]]. والذين يتأولون الآية في غير أهل الذمة يقولون إنما استُحلِف الشاهدان لأنهما صارا مدَّعى عليهما، ادَّعى الورثة انهما خانا في المال، وأما الحبس بعد الصلاة فهو من تغليظ الأيمان، ومذهب أهل الحجاز أن الأيمان تغلَّط في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان واللفظ، أما الزمان: فهو ما قال الله تعالى في هذه الآية، وهي صلاة العصر، وكان الناس يكثرون في المساجد بالحجاز بعد صلاة العصر. وأما المكان: فعند المقام بمكة، وعلى المنبر بالمدينة، وسائر البلاد. وأما الألفاظ: فما يؤدي إليه اجتهاد القضاة، رجعنا إلى حديث تميم وعدي وقصتهما: ولما رفعوهما إلى رسول الله ﷺ، ونزلت الآية، أمرهم رسول الله ﷺ أن يستحلفوهما بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضا له غير هذا ولا كتما، فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله ﷺ سبيلهما، فكتما الإناء ما شاء الله أن يكتما، ثم اطُّلِعَ على إناء من فضة منقوش من ذهب معهما، فقالوا هذا من متاعه، فقالا: اشتريناه منه فارتفعوا إلى النبي ﷺ.

المائدة 5:107

فنزل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ الآية [["تفسير الطبري" 7/ 117، "تفسير البغوي" 3/ 113.]]. قال الليث: عثر الرجل يعثرُ عُثُورًا: إذا هجم على أمرِ لم يهجُم عليه غيره، وأعثرت فلانًا على أمري، أي: أطلعته، وعَثَر الرجل يَعْثُر عَثْرة، إذا وقع على شيء [["تهذيب اللغة" 3/ 2327 (عثر).]]. قال أهل اللغة: وأصل عثر بمعنى اطلع، من العثرة التي هي الوقوع، وذلك أن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه، ثم إذا عثر به اطلع عليه ونظر ما هو، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفيًا عنه: قد عثر عليه. وأعثر غيره إذا أطلعه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: 21]، أي: أطلعنا عليهم، ومعنى الآية: فإن ظُهِر أنهما أتيا خيانة واستحقا الإثم أي: استوجباه بقصدهما في شهادتهما إلى غير الاستقامة، ولم يتحريا الحق وحنثا في اليمين، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾، أي: مقام الشاهدين الذين هما من غيرنا. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾، قال الزجاج: هذا موضع من أصعب ما في القرآن من الإعراب قوله ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ صفة للآخرين، وقوله: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ صلة الذين. ومعنى ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أي: استحقت الوصية عليهم، أو استحق الإيصاء عليهم، وهم ورثة الميت. ويجوز أن يكون المعنى من الذين استحق عليهم الإثم، كأن المعنى من الذين جنى عليهم الإثم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 216، 217.]]، وقال بعضهم: معنى (على) ههنا معنى (في) والمعنى: من الذين استحق فيهم الإثم، أي: بسببهم استحق الحالفان اللذان من غيرنا فيهم الإثم بيمينهما الكاذبة. وقامت (على) مقام (في) كما قامت (في) مقام (على) في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71] وقال بعضهم: معنى (على) معنى (من) كأنه قيل: من الذين استحق منهم الإثم، وكانت (على) بمنزلة (من) كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: 2] أي: من الناس [["معانى القرآن وإعرابه" 2/ 217.]]. قال صاحب النظم مختارًا لهذا القول: ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أي: نيل منهم ظلم بالخيانة وهم ورثة المتوفى الموصي. انتهى كلامه، والمسند إليه استحق الإيصاء والإثم على ما بينا، وحذف ذلك لتقدم ذكر الوصية والإثم في قوله: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾، وقوله تعالى: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ لا يخلو ارتفاعه من أن يكون على الابتداء، وقد أُخِّر كأنه في التقدير: فالأوليان بأمر [[في (ج): (بالأمر).]] الميت آخران من أهله يقومان مقام الخائنين الذين عُثِر [[في (ج): (عثرا).]] على خيانتهما، كقولك: تميمي أنا، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه: فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان، أو يكون بدلاً من الضمير الذي في (يقومان)، فيصير التقدير: فيقوم الأوليان [["الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 267، و"معاني الزجاج" 2/ 216،217.]]. وقد أجاز أبو الحسن الأخفش أن يكون (الأوليان) صفة لقوله (فآخران) لأنه لما وُصف (آخران) اختص بما وُصفَ به فوصف من أجل الاختصاص الذي صار له بما يوصف به المعارف [["معاني القرآن وإعرابه" للأخفش 2/ 479، و"الحجة" لأبي علي 3/ 267.]]. وقال صاحب النظم: النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة كقوله عز وجل: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: 35] فمصباح نكرة، ثم قال: ﴿الْمِصْبَاحُ﴾ ثم قال: ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ ثم قال ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ وهذا مثل قولك: رأيت رجلاً، فاستفهمك إنسان فقال: من الرجل؟ فصار العود إلى ذكره معرفة، قال: ويجوز أن يكون (الأوليان) بدلاً من قوله: (آخران) وإبدال المعرفة من النكرة سائغ كثير، ومعنى الأوليان: أي: الأقربان إلى الميت. ويجوز أن يكون المعنى: الأوليان باليمين [[انظر: "الحجة" 3/ 268.]]، وإنما كانا أوليين باليمين؛ لأن الوصيين ادعيا أن الميت باع الجام [[في (ش): (الجازم) والأقرب ما أثبته. "تفسير الطبري" 7/ 115، و"الإصابة" 1/ 184. والمقصود بالجام ما أخذه تميم وأخوه من مال الميت وهو الإناء، والجام قال الأزهري في تعريفه: "عن ابن الأعرابي: الجام الفاثور من اللجين". "تهذيب اللغة" 1/ 525 (جام). والفاثور: الخوان أو المائدة. قال محقق الطبري 11/ 185: (ط. شاكر) "الجام إناء من فضة، وهو عربي فصيح مخوص بالذهب".]] فانتقل اليمين إلى الوليين؛ لأنهما صار مُدَّعًى عليهما أن مورثهما باع الإناء، وهذا كما لو أقر إنسان لآخر بدين وادعى قضاءه حُكِمَ برد اليمين إلى الذي ادعى الدين، لأنه صار مُدَّعى عليه أنه استوفى، وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر: (الأوَّلِينَ) على الجمع [["تفسير الطبري" 7/ 114، و"الحجة" 3/ 260، والنشر في القراءات العشر 2/ 256.]]، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ وتقديره: من الأولين الذين استحق عليهم الإيصاء أو الإثم. وإنما قيل لهم: الأولين فمن حيث كانوا أولين في الذكر، ألا ترى قد تقدم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وكذلك: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ذكرا في اللفظ قبل قوله: (أو آخران من غيركم) [[انظر: "الحجة" 3/ 169، و"حجة القراءات" ص 238.]]، وكان ابن عباس يختار هذه القراءة ويقول: أرأيت إن كان الأوليان صغيرين كيف يقومان مقامهما [[أخرجه الفراء في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 324، و"معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 381، و"حجة القراءات" ص 238.]]، أراد أنهما إذا كانا صغيرين لم يقوما في اليمين مقام الجانيين، وقرأ حفص وحده (اسْتَحَقَ) بفتح التاء والحاء، (الأوليان) على التثنية [[فى رواية حفص عنه ، "الحجة" 3/ 260 - 261. و"حجة القراءات" ص 238، و"النشر" 2/ 256.]]، واستحق ههنا: بمعنى حق، أي: وجب، والمعنى: فآخران من الذين وجب عليهم الإيصاء بتوصية ميتهم وهم ورثته. وقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، قال ابن عباس: يريد ليميننا أحق من يمينهما [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 465، "تفسير البغوي" 3/ 114.]]. وهذا ملتقى به ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ لأن معناه: فيقولان: والله لشهادتنا، وسميت اليمين ههنا شهادة؛ لأن اليمين كالشهادة على ما يحلف أنه كذلك، وقد يقول القائل: أشهد بالله، أي: أقسم عليه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾، قال ابن عباس: أي: فيما طلبنا من حقنا [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 125.]]، وقيل: وما اعتدينا فيما قلناه من أن شهادتنا أحق من شهادتهما [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 465، "تفسير البغوي" 3/ 114.]]، وكل ما ذكرنا في هذه الآية أكثره قول أبي علي [[انظر: "الحجة" 3/ 261 - 270.]] وأبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214 - 217.]]. وقال عبد الله بن مسلم في ذكر معنى هذه الآية على سياق واحد موافق لما قدمنا: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ بعد ما حلف الوصيان ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: حنثًا في اليمين بكذبٍ في قولٍ أو خيانةٍ في وديعةٍ، قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت، فيحلفان بالله لقد ظُهِر على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما، وما اعتدينا عليهما [["تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 379، 380 باختصار.]]. رجعنا إلى قصة تميم وعدي، قالوا: فلما نزلت هذه الآية قام عمرو ابن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله أنهما خانا وكذبا، فدفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، وغرم تميم وعدي ما أخذاه من ثمنه، فكان تميم الداري بعد ما أسلم وبايع النبي ﷺ يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره [[أخرجه الطبري 7/ 115 - 116 عن عكرمة، وكذا ابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 603.]]، وروى عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام [["القرطبي" 6/ 358.]].

المائدة 5:108

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾، أشار بقوله: (ذلك) إلى ما حكم به في هذه القصة وبينه من رد اليمين، والمعنى: ذلك الذي حكمنا به أدنى إلى الإتيان بالشهادة وأقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على ما كانت، يعني تميمًا وصاحبه وكل من قام مقامهما من الخصوم، ولهذا المعنى جمع. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُوا﴾، أي: أقرب إلى أن يخافوا [["معاني الزجاج" 2/ 217، "تفسير البغوي" 3/ 115.]]، ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ﴾ على أولياء الميت [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 514، الطبري 7/ 122، "زاد المسير" 2/ 453.]] ﴿بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا وُيغرّموا، فربما لا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم [["تفسير الطبري" 7/ 122 - 123، "تفسير البغوي" 3/ 115.]]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، أن تحلفوا أيمانًا كاذبة وتخونوا أمانة [["تفسير الطبري" 7/ 123، "بحر العلوم" 1/ 466، "تفسير البغوي" 3/ 115.]]، ﴿وَاسْمَعُوا﴾، الموعظة [["تفسير الطبري" 7/ 123، "تفسير الوسيط" 2/ 243.]]، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يرشد من كان على معصيته [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.]].

المائدة 5:109

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾، انتصاب اليوم يجوز أن يكون بفعل محذوف وهو: احذروا أو اذكروا، وقال الزجاج: وهو محمول على قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 218.]]، ثم قال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ أي: واتقوا ذلك اليوم، فدل ذكر الاتقاء في الآية الأولى على الاتقاء في هذه الآية، ولم ينصب اليوم على الظرف للاتقاء؛ لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48]. وقوله تعالى: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، قال الكلبي: ماذا أجابكم قومكم في التوحيد [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.]]. قال أهل المعاني: ومعنى المسألة من الله للرسل التوبيخ للذين أرسلوا إليهم كما قال عز وجل: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:8 ، 9] وإنما تُسأل ليُوبَّخ قاتلوها [["معاني الزجاج" 2/ 218، "النكت والعيون" 2/ 78، "زاد المسير" 2/ 453.]]. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: إن للقيامة زلازل وأهوالًا حتى تزول القلوب من مواضعها، فإذا رجعت القلوب إلى مواضعها، شهدوا لمن صدقهم وشهدوا على من كذبهم، يريد أنه عزبت عنهم أفهامهم من هول يوم القيامة فقالوا: لا علم لنا [[أخرجه الخطيب في تاريخه كما في "الدر المنثور" 2/ 607 - 608، "تفسير البغوي" 3/ 116، "زاد المسير" 2/ 453.]]، وهو قول الحسن، ومجاهد، والسدي، قالوا: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم [["تفسير الطبري" 7/ 125، "بحر العلوم" 1/ 466، "تفسير الوسيط" 2/ 244، "تفسير البغوي" 3/ 116، "زاد المسير" 2/ 453.]]، واختار الفراء هذا القول [[في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 324.]]. ونحو هذا قال الكلبي: من شدة هذه المسألة وهول ذلك الموطن، قالوا: لا علم لنا، ثم رجعت إليهم عقولهم، فشهدوا على قومهم أنهم بلغوهم الرسالة، وكيف ردوا عليهم [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.]]. ومثل هذا قال مقاتل [[في "تفسيره" 1/ 515.]]، وسفيان الثوري [[لم أقف عليه.]]. قال ابن عباس في رواية الوالبي [[علي بن أبي طلحة وهي من أصح الطرق عن ابن عباس.]]: إنهم قالوا: لا علم لنا كعلمك، لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا، ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا، فعلمك فيهم أنفذ من علمنا [[أخرجه الطبري 7/ 126 بمعناه، "النكت والعيون" 2/ 78، البغوي 3/ 115، "زاد المسير" 2/ 453.]]، وعلى هذا إنما نفوا العلم عن أنفسهم؛ لأن علمهم كلا علم عند علم الله تعالى، وحكى ابن الأنباري عن جماعة أنهم قالوا: معنى الآية: لا حقيقة لعلمنا، إذ كنا نعلم جوابهم وما كان من أفعالهم وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا. وإنما الجزاء والثواب يُستحقان بما تقع به الخاتمة مما يموتون عليه، فلما خفي عليهم الذي ماتت عليه الأمم لم يكن لعلمهم حقيقة، فقالوا: لا علم لنا [["تفسير الوسيط" 2/ 244، "زاد المسير" 2/ 453.]]. وذكر الزجاج هذا القول فقال: وقال بعضهم: معنى قول الرسل: لا علم لنا، أي: لا علم لنا بما غاب عنا ممن أُرسِلنا إليه، وأنت تعلم باطنهم، فلسنا نعلم غيبهم، أنت علام الغيوب [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 218.]]، فعلى هذا معنى قولهم: (لا علم لنا) أي: بباطن أمرهم. يدل على صحة هذا التأويل: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 109]، أي: أنت تعلم ما غاب، ونحن نعلم ما نشاهده، ولا نعلم ما في البواطن [["تفسير الطبري" 7/ 126.]].

المائدة 5:110

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الآية، موضع (إذ) يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء على معنى: ذاك إذ قال الله، ويجوز أن يكون المعنى: اذكر إذ قال الله [["إعراب القرآن" للنحاس 1/ 528.]]. وقوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ يجوز أن يكون (عيسى) في محل الرفع [[انظر: المرجع السابق.]] لأنه منادى مفرد وصف بمضاف، فيكون كقول الشاعر: يا زبرقانُ أخا بني خَلفٍ ويجوز أن يكون في محل النصب؛ لأنه في نية الإضافة، ثم جعل الابن توكيداً له [["إعراب القرآن" للنحاس 1/ 528.]]، وكل ما كان مثل هذا جاز فيه الوجهان، نحو: يا زيدُ ابن عمروٍ، ويا زيدَ بن عمروٍ، وأنشد النحويون: يا حَكمُ بنُ المنذرِ بن الجارودُ برفع الأول ونصبه على ما بينا، وقوله تعالى: ﴿نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أراد الجمع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ [النحل: 18، إبراهيم: 34]، وإنما جاز ذلك لأنه مضاف فصلح للجنس، ثم فسر نعمته عليه بقوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ إلى آخر الآية. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾، قال ابن عباس: يريد إذ أنبتها نباتًا حسنًا وطهرتها واصطفيتها على نساء العالمين، وكان يأتيها رزقها من عندي وهي في محرابها [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ مضى تفسيره في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 87]. وقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ في الْمَهْدِ﴾ (تكلم) في موضع الحال، أي: أيدتك به مكلما الناس في المهد، قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 219.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾ عطف على موضع (تكلم)، كأن المعنى: وأيدتك به مخاطبًا الناس في صغرك ومخاطبًا الناس كهلًا [["معاني الزجاج" 2/ 219.]]. وجائز أن يكون عطفًا على موضع ﴿الْمَهْدِ﴾ فيكون المعنى: وأيدتك به مكلمًا الناس صغيرًا وكهلًا [["إعراب القرآن" للنحاس 1/ 528.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قيل: الكتابة [[هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الكتاب.]] يعني الخط، وقيل: أراد الكتب، فيكون الكتاب اسم الجنس ثم فصل بذكر التوراة والإنجيل، وأما الحكمة فالعلم بما في تلك الكتب [["تفسير الطبري" 7/ 127.]]. وقوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ وقرأ نافع: (فتكون طائرًا) [[انظر: "السبعة" ص 249.]]، وأما الطير فواحده طائر، مثل: ضائن وضأن، وراكب وركب، والطائر كالصفة الغالبة. ولو قال قائل: إن الطائر قد يكون جمعًا مثل الحامل والباقر والسامر كان ذلك قياسًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2150 (طار)، "الحجة للقراء السبعة" 3/ 276،277.]]، ويكون على هذا معنى القراءتين واحداً. ويقوي هذا الوجه ما حكاه أبو الحسن الأخفش: طائرة فيكون طائرة وطائر من باب شعيرة وشعير. وأما قوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ وفي آل عمران: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ [آل عمران: 49]، والقول في ذلك أن الضمير في قوله: ﴿فِيهَا﴾ يعود إلى الهيئة وتجعلها مصدرًا في موضع المهيأ، كما يقع الخلق موضع المخلوق، وذلك لأن النفخ لا يكون في الهيئة، إنما يكون في المهيأ ذي الهيئة [["تفسير الطبري" 7/ 127، "زاد المسير" 2/ 454، 455.]]. ويجوز أن يعود إلى الطير؛ لأنها مؤنثة، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [الملك: 19]، وأما تذكير الضمير في آل عمران فقد مضى الكلام فيه مستقصى. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾. قال ابن عباس: يريد عن قتلك [["تفسير الطبري" 7/ 128، و"تفسير الوسيط" 2/ 244، والبغوي 3/ 116، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.]]. وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: 110]، وقرأ حمزة والكسائي. (ساحر) بالألف [["الحجة" 3/ 270.]]، فمن قرأ ﴿سِحْرٌ﴾ جعله إشارة إلى ما جاء به، كأنه قال: ما هذا الذي جئت به إلا سحر، ومن قرأ: (إلا ساحر) أشار إلى الشخص لا إلى الحدث الذي أتى به، وكلاهما حسن لاستواء كل واحد منهما في أن ذكره قد تقدم [["الحجة" 3/ 271.]]، غير أن الاختيار ﴿سِحْرٌ﴾ لجواز وقوعه على الحدث والشخص، أما وقوعه على الحدث فسهل كثير، ووقوعه على الشخص تريد به: ذو سحر، كما جاء: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: 177] أي: ذا البر، وقالوا: إنما أنت سيرٌ وما أنت إلا سيرٌ، وإنما هي إقبال وإدبار، فيجوز أن يريد بسحر ذا سحر، ولا يجوز أن تريد بساحر السحر. وقد جاء فاعل يراد به المصدر في حروف ليست بالكثير، نحو: عائذ بالله من شره، أي: عياذًا، ونحو العافية [[في "الحجة" 3/ 272 (العاقبة).]]، ولم تصر هذه الحروف من الكثرة بحيث يسوغ القياس عليها [[من "الحجة" لأبي علي 3/ 271، 272 بتصرف.]].

المائدة 5:111

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ قد ذكرنا طرفًا من معاني الوحي والإيحاء في قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: 163]، وقال عامة المفسرين في ﴿أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ ألهمتهم، كما قال جل وعز: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: 68] أي: ألهمها وقذف في قلوبها [["معاني القرآن" للفراء 1/ 329، الطبري 7/ 128، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 383، "بحر العلوم" 1/ 461.]]، ومضى الكلام في الحواريين [[الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52].]]، وتفسير الآية ظاهر.

المائدة 5:112

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، قال أهل المعاني: هذا على المجاز كما يقول القائل: هل تستطيع أن تنهض معنا، أي: هل تفعل، وذلك أن المانع من جهة الحكمة قد يُجعَل بمنزلة المنامي للاستطاعة. وقال ابن الأنباري: لا يجوز لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله عز وجل، ولا يدل قولهم ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ على أنهم شكوا في استطاعة الله [["تفسير الطبري" 7/ 129.]]، إذ كان العربي يقول لصحابه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ وهو يعلم أنه مستطيع للقيام، إنما يقصد بتستطيع معنى: هل يسهل عليك ويخف عليك، فكذلك هو في الآية هل يقبلُ ربُّك دعاءَك، وهل يسهل لك إنزال هذه المائدة علينا [["زاد المسير" 2/ 456.]]، وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء [["معاني القرآن" 1/ 325.]]. وقال أبو علي الفارسي: ليس هذا على أنهم شكوا في قدرة القديم [[القديم: مما أدخله المتكلمون في أسماء الله تعالى، وليس هو من الأسماء الحسنى الواردة في الكتاب والسنة. انظر: "الطحاوية" ص 67.]] سبحانه على ذلك، لأنهم كانوا مؤمنين عارفين، ولكن كأنهم قالوا: نحن نعلم قدرته على ذلك، فليفعله بمسألتك إياه؛ ليكون علَمًا لك ودلالةً على صدقك، وكأنهم سألوه ذلك ليعرفوا صدقة وصحة أمره بحيث لا يعترض عليهم منه إشكال ولا ينازعهم فيه شبهة؛ لأن علمَ الضرورة لا تعترض فيه الشبه التي تعترض في علم الاستدلال، فأرادوا علم أمره من هذا الوجه، ومن ثم قالوا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة: 113]، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] بأن أعلمُ ذلك، من حيث لا يكون لشبهة ولا إشكال عليّ طريقٌ [["الحجة" 3/ 273، 274 بتصرف.]]. وقرأ الكسائي: (تَسْطِّيع) [["الحجة" 3/ 275.]] بالتاء مدغمًا (رَبَّكَ) نصبًا، أما الإدغام فإن التاء قريب المخرج من اللام؛ لأنهما من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا، وبحسب قرب الحرف من الحرف يحسن الإدغام، وإذا جاز إدغام اللام في الشين مع أنها أبعد منها من التاء، فأن يجوز في التاء ونحوها من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا أجدر، وأنشد سيبويه: تقولُ إذا استهلكتُ مالاً للذَّةٍ ... فُكَيهَةُ هشَّئٌ بكفَّيك لائقُ [[في الكتاب 4/ 458، ونسبة لطريف بن تميم العنبري، قال سيبويه: يريد: هل شيء؟ فأدغم اللام في الشين.]] وأنشد أيضاً: فذَرْ ذا ولكن هَتُّعينُ مُتَيَّمًا ... على ضوء برقٍ آخِرَ الليلِ ناصِبِ [[في "الكتاب" 4/ 459 ونسبه لمزاحم العقيلي.]] أي هل تعين، فأدغم [["الكتاب" 4/ 458، 459، "الحجة" لأبي علي 3/ 273 بتصرف.]]. وأما معنى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هل تستطيع سؤال ربك [["معاني القرآن" للفراء 1/ 325.]]، وذكر الاستطاعة في سؤاله لا لأنهم شكوا في استطاعته، ولكن كأنهم ذكروه على وجه الاحتجاج عليه منهم، كأنهم قالوا: إنك مستطيع فما يمنعك؟ ومثل ذلك قولك لصحابك: أتستطيع أن تذهب عني فإني مشغول، أي: اذهب لأنك غير عاجز عن ذلك [["الحجة" 3/ 273.]]. و (أنْ) في قوله: ﴿يُنَزِّلَ عَلَيْنَا﴾ متعلق بالمصدر المحذوف على أنه مفعول [["الحجة" 3/ 273.]]، واختار أبو عبيد هذه القراءة [[أي قراءة نصب "رَبَكَ" وهي للكسائي كما تقدم قريبًا.]]؛ لأن الأولى تشبه أن يكون الحواريون شاكين، وهذه القراءة لا توهم ذلك، والمعنى في الاستفهام عن استطاعة عيسى السؤال طلب المعجزة منه، أرادوا هل تستطيع بسؤالك إظهار هذه المعجزة التي نطلبها؟ ويحتمل أن يكون مرادهم بالاستفهام التلطف في استدعاء السؤال كما تقول لصحابك: هل تستطيع أن تفعل كذا؟ وأنت عالم أنه يستطيع، ولكن قصدك بالاستفهام التلطف [["تفسير الطبري" 7/ 130.]]، وهذه القراءة [[أي نصب "ربك".]] قراءة ابن عباس، وعائشة [["معاني القرآن" للفراء 1/ 325.]] يروى عنها أنها قالت: كان القوم أعلم بالله من أن يقولوا: (هل يستطيع ربك) [[أخرجه بمعناه الطبري 7/ 131، "معاني القرآن" للفراء 1/ 325.]]. وقال السدي في معنى القراءة الأولى: هل يطيعك ربك إن سألته [[أخرجه الطبري 7/ 131.]]، وهذا على أن استطاع بمعنى أطاع على زيادة السين. وقال أبو إسحاق في معنى القراءة الثانية: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هل تستدعي طاعته وإجابته فيما تسأله من هذا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 220.]]، قال: ويحتمل وجه مسألة الحواريين عيسى المائدة ضربين: أحدهما: أن يكونوا أرادوا أن يزدادوا تبيينا [[في "معاني الزجاج": تثبيتًا.]] كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: 260]. والثاني: أن يكون مسألتهم المائدة قبل علمهم أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 221.]]، وأما معنى المائدة فقال الزجاج: الأصل عندي أنها فاعلة من ماد يميد إذا تحرك، فكأنها تميد بما عليها [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 220.]]، وقال ابن الأنباري: ويقال: إنما سميت مائدة؛ لأنها غياث وعطاء من قول العرب: ماد فلان فلانًا يميده ميدًا، إذا أحسن إليه وأفضل عليه، وأنشد: إلى أمير المؤمنين المُمتاد [[لرؤبة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 159، 182، 183.]] أراد الذي يميد الناس أي: يعطيهم ويحسن إليهم [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 149، "زاد المسير" 2/ 457.]]، فالمائدة على هذا القول فاعلة من الميد بمعنى: معطية، وقال أبو عبيدة: المائدة فاعلة في معنى مفعولة مثل: عيشة وراضية، وأصلها مَمْيَدة، مِيدَ بها صاحبُها أي: أُعطيها وتُفضل عليه بها، وتقول العرب: مادَني فلان يميدني، إذا أحسن إليه [["مجاز القرآن" 1/ 182.]]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال المفسرون: اتقوا الله أن تسألوه شيئًا لم تسأله الأمم قبلكم [["تفسير الطبري" 7/ 130، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 386، "زاد المسير" 2/ 457.]]، وقال بعض أصحاب المعاني: أمرهم عيسى بالتقوى مطلقًا، كما أمر الله المؤمنين بها في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]، ونحوها من الآي. قاله أبو علي، وقول المفسرين أشبه لتعلقه بما قبله من المعنى.

المائدة 5:113

قوله تعالى: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي: نريد السؤال من أجل هذا الذي ذكرناه [["تفسير الطبري" 7/ 131.]]، ويحتمل أن تكون الإرادة ههنا بمعنى المحبة التي هي ميل الطباع، أي: نحب ذلك [["زاد المسير" 2/ 457.]]. وقوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ قال عطاء: نزداد يقينًا [[انظر: البغوي 3/ 118.]] وذلك أن الدلائل كلما كثرت مكنت المعرفة في النفس. وقوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: لله بالتوحيد لأجل الدليل الذي نراه في المائدة، ولك بالنبوة من جهة ذلك الدليل أيضًا، وقال عطاء: يريد شهودًا [[في (ش): (شهودًا لك).]] على بني إسرائيل [["زاد المسير" 2/ 458.]].

المائدة 5:114

قوله تعالى: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا﴾ (تكون) صفة للمائدة وليس بجواب الأمر [[انظر: القرطبي 6/ 367.]]، وفي قراءة عبد الله: (تكن) لأنه جعله جواب الأمر [["معاني القرآن" للفراء 1/ 325.]]. قال (الفراء) [[سقط من (ج).]]: وما كان من نكرة قد وقع عليها أمر جاز في الفعل بعده الجزم والرفع [["معاني القرآن" 1/ 225، وما بعده ليس عند الفراء في المطبوع.]]، ومثال هذا قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي﴾ [سورة مريم:5 - 6] بالجزم والرفع [[بجزم "يرث" ورفعه. قراءتان سبعيتان، انظر: "حجة القراءات" ص 438.]] و ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: 34] بالجزم والرفع [[بجزم (يصدق) ورفعه. قراءتان سبعيتان أيضًا، انظر: "حجة القراءات" ص 545، 546.]]. وقوله تعالى: ﴿عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أي: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدًا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا وهذا قول السدي وقتادة وابن جريج [["تفسير الطبري" 7/ 132، "النكت والعيون" 84، "زاد المسير" 2/ 458.]]، قال كعب: نزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدًا [["زاد المسير" 2/ 458.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يقول عطية: (لأولنا) يريد من معه، (وآخرنا) يريد من يأتي بعده [[أخرجه بمعناه من طريق آخر: الطبري 7/ 132.]]، وعلى هذا التفسير معناه عائدة فضل من الله علينا ونعمة لنا، والعيد في اللغة: اسم لما عاد إليك من شئ في وقت معلوم، حتى قالوا للخيال: عيد، ولما يعود إليك من الحزن عيد، قال الأعشى: فواكبدي من لا عجِ الحُبِّ والهَوَى ... إذا اعتاد قَلْبي من أُمَيمَةَ عِيدُها قال الليث: العيد كل يومِ مَجْمَع، قال: واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه، وقال العجاج: كما يعود العيد نصراني [[عجز بيت يصف فيه الثور الوحشي، وصدره: واعتاد أرباضها لها آريّ انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2270 - 2271 (عاد).]] قال: وتحولت الواو في العيد ياء لكسرة العين. وقال المفضل: يقال: عاد في عيدي، أي: عادتي، وأنشد: عاد قلبي من الطويلة عيد وقول تأبط شرًّا: يا عيد مالك من شوق وإيراق [[صدر بيت له، وعجزه: ومرَّ طيف من الأهوال طَراَّق]] فإنه أراد الخيال الذي يعتاده. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: يسمى العيد عيدًا؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد. وقال أبو بكر [[ابن الأنباري كما في "تهذيب اللغة" 3/ 2271 (عاد).]]: قال النحويون: يوم العيد معناه اليوم الذي يعود فيه الفرح والسرور. والعيد عند العرب الذي يعود فيه الفرح والحزن، قال: وكأن الأصل في العيد العود؛ لأنه من عاد يعود، فلما سكنت الواو انكسر ما قبلها صارت ياء [[إلى هنا انتهى كلام ابن الأنباري حسب ما في "تهذيب اللغة".]] كقولهم: ميزان، وميقات وميعاد [[الكلام من قوله: "قال الليث .. " إلى هنا من "تهذيب اللغة" 3/ 2270 - 2271 (عاد).]]. وقوله تعالى: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي: دلالة على توحيدك وصحة نبوة نبيك [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 468.]]. وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْنَا﴾ قال ابن عباس: وارزقنا عليها طعامًا نأكله [["تفسير الوسيط" 2/ 246.]].

المائدة 5:115

قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ وقرئ بالتشديد [[قرأ بالتشديد نافع وعاصم وابن عامر، وقرأ الباقون بالتخفيف. "الحجة للقراء السبعة" 3/ 282، و"حجة القراءات" ص 242.]]، فمن خفف فلقوله: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فقال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا﴾ ليكون الجواب كالسؤال، ومن شدد فلأن نَزَّل وأنزل في القرآن قد استعمل كل واحد منهما موضع الآخر [["الحجة" 3/ 382.]]؛ ولأنها نزلت مرات كما يروى في القصة، فكأن التشديد دل على التكرير. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ بعد إنزال المائدة. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا﴾ إلى أخر الآية قال، ابن عباس: يعني: مسخهم خنازير [["زاد المسير" 2/ 462.]]، وقال قتادة: إنهم مسخوا قردة [[أخرج ابن جرير عنه كقول ابن عباس: حولوا خنازير، الطبري 7/ 136. "النكت والعيون" 2/ 86.]]. وقيل: أراد جنسًا من العذاب لا يعذب به غيرهم [["النكت والعيون" 2/ 86، "زاد المسير" 2/ 462.]]، وقيل في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني عالمي زمانهم [["تفسير الطبري" 7/ 136، "النكت والعيون" 2/ 86.]]. قال الزجاج: جائز أن يكون هذا العذاب يعجل لهم في الدنيا، وجائز أن يكون في الآخرة [["معاني القرآن وإعرابه" 7/ 136.]]. واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟: فقال الحسن: والله ما نزلت المائدة، وإن القوم لما سمعوا الشرط في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ استعفوا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة لنا فيها. ولو نزلت لكانت عيدًا لنا إلى يوم القيامة [[أخرجه الطبري 7/ 136، "النكت والعيون" 2/ 85.]]، وهذا أيضًا قول مجاهد أن الآية لم تنزل [[أخرجه الطبري 7/ 135.]]، وابن عباس والباقون من العلماء على أنها نزلت [["تفسير الطبري" 7/ 133، "النكت والعيون" 2/ 85، "زاد المسير" 2/ 459، ونسب هذا القول للجمهور.]]، ولكنهم مختلفون في كيفية نزولها والطعام الذي كان عليها، والذي نقتصر عليه هنا ما روى عمار ابن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: "نزلت المائدة من السماء خبزًا ولحمًا، وأمروا أن لا يخونوا ولا يُخبِّئوا ولا يدّخروا، فخان القوم وخّباوا وادّخروا فمسخوا قردة وخنازير" [[أخرجه الترمذي (3061) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة مرفوعًا وموقوفًا ورجح الوقف ثم قال: "ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً"، وأخرجه الطبري 11/ 228، 229.]]، والصحيح المختار قول من قال إنها نزلت، لتظاهر الآثار بذلك، ولكثرة من قال بها من العلماء [[وهذا اختيار الطبري 7/ 135، والبغوي 3/ 119، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 462، وابن كثير 2/ 135 وغيرهم.]]. قال أبو بكر بن الأنباري: والذي نختاره تصحيح نزول المائدة لتتابع الأخبار بذلك، ولأن قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ كلام تام وليس بجواب لشرط، وجواب الشرط قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا﴾، ولا يلزم قول الحسن: أنها لو نزلت لكانت عيدًا لنا إلى يوم القيامة؛ لأن وجه السؤال أن يكون يوم نزولها عيدًا لهم ولمن بعدهم ممكن كان على شريعتهم.

المائدة 5:116

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ الآية. قال النحويون: هذا عطف جملة على جملة، والجملة الأولى قوله: (إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر) [["تفسير الطبري" 7/ 136 - 138.]]. وعامة المفسرين على أن هذا القول لعيسى إنما يكون في القيامة؛ إلا السدي [["تفسير الطبري" 7/ 137، "زاد المسير" 2/ 463.]] وقطرب، فإنهما ذهبا إلى أن الله تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه، وتعلقا بظاهر قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ وإذ تستعمل لما مضى. والصحيح ما عليه العامة؛ لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وأراد به يوم القيامة، وإنما خرج هذا مخرج المضي وهو للمستقبل؛ تحقيقًا لوقوعه كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: 44] ولم ينادوا بعد، ولكنه بمنزلة ما قد مضى وفعلوا ذلك، من حيث أنه لا يعترض الشك في وقوعه [[ما رجحه المؤلف اختيار أكثر المفسرين، انظر: "بحر العلوم" 1/ 469، "النكت والعيون" 2/ 90، البغوي 3/ 121، "زاد المسير" 2/ 463.]]. وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ﴾ هذا الاستفهام معناه: التوبيخ لمن ادعى ذلك على المسيح عليه السلام، قال الزجاج: وذلك أن النصارى مجمعون على أن صادق الخبر، وإذا كذبهم الصادق كان ذلك أوكد للحجة عليهم، وأبلغ في توبيخهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 222]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من غير الله، كقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 23] و (من) زائدة مؤكدة للمعنى. وقوله تعالى: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد جل جلالك وتعظمت وتعاليت [[لم أقف عليه.]]. وقال الزجاج: أي: برأتك من السوء [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 222.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ قال أبو علي: المعنى إن أكن الآن قلته فيما مضى. وليس كان فيه على المضي؛ لأن الشرط والجزاء لا يقعان إلا فيما يستقبل، والحروف في الجزاء تحيل معنى المضي إلى الاستقبال لا محالة، قال: وهذا الذي ذكرناه من هذا التأويل كان أبو بكر [[لعله أبو بكر الأنباري.]] يذهب إليه ويحكيه عن أبي عثمان. وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ قال ابن عباس: تعلم ما في غيبي، ولا أعلم ما في غيبك [["تفسير الوسيط" 2/ 247، والبغوي 3/ 122.]]. وقال عبد العزيز بن يحيى [[لعله الكناني، تقدمت ترجمته.]]: تعلم سري ولا أعلم سرك؛ لأن السر من صفة الأنفس [[انظر: البغوي 3/ 122.]]. وقال أهل المعاني: تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، إلا أنه ذكرت النفس على مزواجة الكلام، لأن ما تخفيه كأنه إخفاء في النفس، وهذا شرح قول ابن عباس وعبد العزيز، لأن ما يخفيه الإنسان يكون في نفسه كالسر الذي يكتمه فقال عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي: ما أخفيه من سري وغيبي أي: ما غاب ولم أظهره ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ما تخفيه أنت ولم تطلعنا عليه، فلما كان سر عيسى يخفيه في نفسه، جعل أيضًا سر الله مما يخفيه الله تعالى في نفسه؛ ليزدوج الكلام ويحسن النظم. هذا طريق في شرح هذا اللفظ. وقال الزجاج: النفس في اللغة: تقع عبارة عن حقيقة الشيء، فمعنى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي: تعلم ما أضمر ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: لا أعلم ما في حقيقتك وما عندك علمه، والتأويل أنك تعلم ما أعلم، ولا أعلم ما تعلم، ويدل على هذا قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، قال: وهذا راجع إلى توكيد أن الغيب لا يعلمه إلا الله [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 222، 223.]]. وروى ثعلب عن أبي الأعرابي في معاني النفس في اللغة: أن النفس تكون بمعنى (عند) فقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي: ما عندي ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ما عندك [[انظر "تهذيب اللغة" 4/ 3629 (نفس).]]. والنفس عند المتكلمين في صفة الله تعالى عبارة عن ذاته وحقيقة وجوده، والموجود يقال له: عين وذات ونفس، وهذا لا يوجب تشبيهًا [[اختلف أهل السنة في إثبات النفس لله هل هي صفة للذات؟ أم أنها الذات؟ قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله: ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه .. وقد قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:116] .. فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه، التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد ذاتًا منفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة للذات. وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ. "مجموع الفتاوى" 9/ 292، 293، وانظر: "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" للمغراوي 1/ 393 - 396.]].

المائدة 5:117

قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ذكر أبو إسحاق في محل (أن) وجوهًا: النصب على البدل من ما، والخفض على البدل من الضمير في (بِهِ)، قال: ويجوز أن يكون بمعنى (أي) مفسِّرة لما أمره به في قوله: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: اعبدوا الله، وعلى هذا لا موضع لها من الإعراب [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 223 بتصرف.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي: كنت أشهد على ما يفعلون ما كنت مقيمًا فيهم ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قال ابن عباس والحسن والقرظي: رفعتني [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 469، البغوي 3/ 122، "النكت والعيون" 2/ 89.]]، يعنون وفاة الرفع إلى السماء من قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] وقوله تعالى: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾ قال ابن عباس والسدي وابن جريج وقتادة: الحفيظ عليهم [[أخرجه عن السدي وابن جريح الطبري 7/ 139، وعن ابن عباس ابن المنذر وعن قتادة عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 616.]]. وقال الزجاج: أي: الحافظ عليهم [[ليس في معانيه.]]، وقال عطاء: يريد القاهر لهم [[لم أقف عليه.]] وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن الحافظ على الشيء قاهر له، ولو لم يكن قاهرًا لم يصح الحفظ منه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117]، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد شهدت مقالتي فيهم وبعدما رفعتني إليك شهدت ما يقولون بعدي [["تفسير الوسيط" 1/ 248 وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 105.]]، فالشهيد على هذا معناه: المشاهد لما يكون، ويجوز أن يكون الشهيد في هذه الآية بمعنى العلم، فيكون معنى ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: شاهد عليه لعلمك به [["النكت والعيون" 2/ 89]].

المائدة 5:118

قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية، تفسير هذه الآية واضح على قول من يقول إن هذه المخاطبة جرت بين الله تعالى وبين عيسى حين رفعه إلى السماء، يقول عيسى لله تعالى: (إن تعذبهم) على كفرهم ومعصيتهم (فإنهم عبادك وإن تغفر لهم) بتوبة تكون منهم، وهذا مذهب السدي، وقال في هذه الآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ فتميتهم بنصرانيتهم فإنهم عبادك، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فتخرجهم من النصرانية وترشدهم إلى الإِسلام [[أخرجه الطبري 7/ 140، وكذا ابن حاتم وأبو الشيخ،"الدر المنثور" 2/ 616.]]، وتفسير ابن عباس لهذه الآية في رواية عطاء موافق لهذا المذهب؛ لأنه قال في قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ يريد تدعهم على المعاصي ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يريد تعصمهم فلا يتخذوا من دونك وليًّا ولا إلهًا ولا ربًا [[انظر: البغوي 3/ 122.]]. ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] (العزيز) في ملكه (الحكيم) في أوليائه وأعدائه بالثواب والعقاب [["تفسير الطبري" 7/ 140.]]، وسقط بهذا التفسير سؤال من اعترض على نظم هذه الآية بأن العزيز الحكيم لا يليق بهذا الموضع، إنما يليق به الغفور الرحيم كالذي في مصحف ابن مسعود [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 469، والبغوي 1/ 123.]]، وهذا التفسير الذي ذكره ابن عباس إنما يصح فيما يستقبل من الشرط على تقدير: إن تعذبهم تعذب عبادك، وإن تغفر لهم تغفر فإنك العزيز الحكيم. والشرط يكون في المستقبل دون الماضي، وإذا كان كذلك دل على أن هذه المخاطبة تكون قبل القيامة. وأما الذين قالوا إن هذه المخاطبة تكون يوم القيامة يُسأَلُ عليهم فيقال: كيف جاز لعيسى أن يقول: (وان تغفر لهم) والله تعالى لا يغفر الشرك؟ والجواب عن هذا ما قال الحسن وأبو العالية: إن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم [["تفسير الوسيط" 2/ 248.]]، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية أبي الجوزاء عنه [[عزاه في "الدر المنثور" 2/ 616 لأبي الشيخ، "زاد المسير" 2/ 465.]]. وأما أهل المعاني فإنهم مختلفون في الجواب عن هذا: فقال أبو بكر الأنباري: لما قال الله تعالى لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لم يقع له إلا أن النصارى حكت عنه الكذب فقال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الحكاية ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لأنه ليس الحاكي للكفر كافرًا إذا لم يأخذ به، وليس في الآية أنهم اتخذوا عيسى وأمه إلهين، إنما هو استفهام عن عيسى هل أمر بذلك؟ وهل قال ذلك أم لا؟ وظاهر هذا الاستفهام يوجب أن النصارى حكوا عنه أنه أمر بذلك، فقال عيسى على اقتضاء هذا السؤال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ما حكوه كذبا [["معاني الزجاج" 2/ 223.]]، وهذا قول المبرد، وقد حكاه الزجاج عنه فقال: قال بعضهم: إن تغفر لهم كذبهم عليّ، ثم قال: وهذا قول المبرد، ولا أدري أسمعه أم استخرجه؟ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 223، 224.]]. وقال ابن الأنباري أيضاً: هذا على التبعيض، أي: إن تعذب بعضهم الذين أقاموا على الكفر فهم عبادك، وإن تغفر لبعضهم الذين انتقلوا عن الكفر إلى الإِسلام، فأنت في ذلك قاهر غالب عادل، لا يعترض عليك فيه معترض [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 224.]]. والقول بالتبعيض في هذه الآية مذهب جماعة من المفسرين واختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال: والذي عندي أن عيسى قد علم أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر، فقال عيسى في جملتهم: إن تعذب من كفر بك فإنهم عبادك، أنت العادل عليهم، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: لمن أقلع منهم وآمن فأنت في مغفرتك لهم (عزيز) لا يمتنع عليك ما تريد (حكيم) في ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 224.]]. وذهب جماعة من أصحاب المعاني أن هذا على طريق تفويض الأمر إلى الله، إذ هو العالم بباطن أمرهم وظاهره، ومن أخلص التوبة منهم ومن أقام على كفره، ولم يشك عيسى في أنه يعذب الكفار، ولكن رد الأمر إلى مالكهم وإلههم، وتبرأ مما كان منهم؛ ليخرج نفسه من حالات المعترضين المقترحين، أي: إن عذبتهم يا رب لم يكن لي ولا لأحد الاعتراض عليك، وإن غفرت لهم ولست فاعلًا فذلك غير مردود عليك [["زاد المسير" 2/ 465، ونسب نحو هذا القول لابن الأنباري.]]، ولهذا المعنى قال: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ دون الغفور الرحيم؛ لأنه ليس قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ على معنى مسألة الغفران لهم، وإنما هو على تسليم الأمر إلى من كان أملك بهم، ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ لأوهم أنه دعا بالمغفرة، وهذا الذي ذكرنا من أن هذا على معنى التفويض مذهب الكلبي، فقد روى حبان عنه في هذه الآية قال: غبت عنهم وتركتهم على الحق فما أدري ما أحدثوا [[لم أقف عليه.]].

المائدة 5:119

قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ في الدنيا ﴿صِدْقُهُمْ﴾ في الآخرة؛ لأنه يوم الإثابة والجزاء، وما تقدم في الدنيا من الصدق إنما يتبين نفعه في هذا اليوم الذي نيل فيه جزاؤه [["تفسير الطبري" 7/ 141.]]. والدليل على أن المراد بالصادقين الذين صدقوا في الدنيا لا الصادقين في ذلك اليوم، أن الكفار لا ينفعهم الصدق في ذلك اليوم بما يكون من الإقرار على أنفسهم بالمعصية. قال المفسرون: هذا تصديق لعيسى بما يقول من قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ الآية، وذلك أنه كان صادقًا في الدنيا ولم يقل للنصارى اتخذوني إلهًا، فنفعه صدقه [[معنى قول السدي عند الطبري 7/ 141.]]، وأما إبليس فإنه يصدق أيضًا في ذلك اليوم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: 22] فلم ينفعه صدقه؛ لأنه كان كاذبًا في الدنيا. وهذا معنى قول قتادة [[انظر: البغوي 3/ 124.]]. والذي ذكرنا من أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة قول عامة المفسرين إلا ما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: يريد يومًا من أيام الدنيا؛ لأن الآخرة ليس فيها عمل، إنما فيها الثواب والجزاء [[انظر: البغوي 3/ 124.]]، وذهب في هذا القول إلى ظاهر الآية من أن الصدق النافع يكون في الدنيا، فلما وصف اليوم بأنه ينفع فيه الصدق جعله من أيام الدنيا، ويكون معنى الآية: (قال الله هذا) أي: هذا الكلام الذي جرى ذكره (يوم ينفع الصادقين)، أي: في يوم ينفع الصادقين صدقهم، وهذا القول يوافق مذهب السدي في أن هذه المخاطبة جرت مع عيسى حين رفع إلى السماء [["تفسير الطبري" 7/ 141.]]، واختلف القراء في نصب ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ ورفعه، فقرأ الأكثرون بالرفع، وقرأ نافع بالنصب [[النصب قراءة نافع وحده، والرفع للباقين. "الحجة" 3/ 282.]]، واختاره أبو عبيد. فمن قرأ بالرفع قال الزجاج: فعلى خبر هذا، المعنى: قال الله تعالى اليوم يوم منفعة الصادقين [["معانى القرآن وإعرابه" 2/ 224.]]. هذا كلامه، وشرحه أبو علي فقال: من رفع اليوم جعل الخبر المبتدأ الذي هو ﴿هَذَا﴾ وأضاف يومًا إلى ﴿يَنْفَعُ﴾ والجملة التي هي المبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول، كما تقول: قال زيد: عمرو أخوك، وما بعد القول حكايته، ومن نصب {يَوْمَ يَنْفَعُ} فعلى أن (يومَ) منصوب على الظرف، المعنى: قال الله هذا، وهو إشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، في ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ أي: ما قال الله هذا في القيامة، وجاء على لفظ المضي وإن كان المراد به الآتي كما قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 50] [["الحجة" 3/ 283.]]، وقد مر قُبَيْل، وليس ما قبل القول حكايته في هذا الوجه كما كان في وجه القراءة الأولى، وهذا في موضع نصب يقال: واليوم منصوب على الظرف، والعامل فيه قال، كما تقول: قال زيد هذا يوم الخميس، أي: قال زيد هذا القول في يوم الخميس. وهذا معنى قول الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 224، 225.]] وابن الأنباري وأبي علي [["الحجة" 3/ 283.]]، وعلى هذا اليوم ظرف للقول، وأجاز أبو علي أن يكون ظرفًا لفعل مضمر غير القول، ويكون التقدير: قال الله هذا يقع أو يحدث يوم ينفع الصادقين، فيكون هذا المبتدأ وخبره يوم ينفع وإن كان منصوبًا على الظرف؛ لأن ظروف الزمان يجوز أن تكون أخبارًا من الأحداث كما تقول: القتال يوم السبت، والحج يوم عرفة، أي: واقع في ذلك اليوم، وقوله: (هَذَا) إشارة إلى حدث يحدث في ذلك اليوم، وتكون الجملة في موضع نصب بأنها في موضع مفعول، قال: ويكون المعنى على الحكاية كما ذكرنا في قراءة من قرأ بالرفع [["الحجة" 3/ 283، 284.]]، وأجاز الفراء والكوفيون وجها آخر في القراءة بالنصب. قال الفراء: ويجوز أن تنصبه؛ لأنه مضاف إلى غير اسم، كما قالت العرب: مضى يومئذٍ بما فيه، ويفعلون ذلك به في موضع الخفض، وأنشد: رددنا بشعثاء [[..............]] الرسول ولا أرى ... كيومئذ شيئًا ترد رسائله [[البيت لجرير في "شرح ديوانه" ص 385.]] قال: وكذلك وجه القراءة في قوله: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: 11]، و ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: 66] قال: وما أضيف إلى كلام ليس فيه مخفوض فافعل به هكذا، كقول الشاعر: على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا ... وقلتُ ألمَّا تَصحُ والشيبُ وازعُ [[البيت للنابغة الذبياني كما في "الكتاب" ص 53 وهو من "شواهد الإنصاف" لأبي البركات ابن الأنباري 2/ 292 "شذور الذهب" ص 112 رقم (25).]] [["معاني القرآن للفراء" 1/ 326، 327.]] وشرح أبو بكر بن الأنباري هذا المذهب فقال: يجوز أن يكون ﴿يَوْمُ﴾ رفعًا بهذا، ولا يتبين الرفع في لفظ اليوم لأن إضافته غير محضة، والعرب إذا أضافت أسماء الزمان إلى الأفعال الماضية والمستقبلة فتحوها في حال إضافتها لبعدها عن معنى الاسم، وأشبه الزمان عندهم الأداة فجعلوا اليوم مع الفعل بمنزلة الشيء الواحد، واختاروا له الفتحة لأنها أخف الحركات، فيقولون: أعجبني يوم قام أخوك، ويوم يقوم أخوك؛ لأن الإضافة إلى الفعل غير صحيحة فألزم الوقت الفتح، فعلى هذا القول ﴿يَوْمُ﴾ رفع لأنه خبر المبتدأ، ولكنه نُصِب لأنه مضاف إلى الفعل، فنصب كما يضاف إلى ما هو مبني مثل: يومئذ، وهذا لا يصح عند البصريين. قال الزجاج: زعم بعضهم: يعني: الفراء، أن يوم منصوب بأنه مضاف إلى الفعل، وهو في موضع رفع بمنزلة: يومئذٍ، مبني على الفتح في كل حال، وهذا خطأ عند البصريين، لا يجيزون: هذا يومَ آتيك، يريدون هذا يومُ آتيك؛ لأن آتيك فعل مضارع، فالإضافة إليه لا تزيل الإعراب عن جهته، ولكنهم يجيزون: ذلك يومَ نفعَ زيدًا صدقه؛ لأن الفعل الماضي غير مضارع، فهي إضافة إلى غير متمكن وإلى غير مضارع [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 224، 225.]]. وقال أبو علي منكرًا على الكوفيين: لا يجوز أن يكون ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ في موضع رفع وقد فتح، لإضافته إلى الفعل؛ لأن المضاف إليه مُعَرب وإنما يكتسي المضاف البناء من المضاف إليه، إذا كان المضاف إليه مبنيًا والمضاف مبهمًا، كما يكون في هذا الضرب من الأسماء إذا أضيف إلى ما كان مبنيًا نحو: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: 66] وصار في المضاف البناء للإضافة إلى المبني كما صار فيه الاستفهام للإضافة إلى المستفهم به، نحو: غلامُ من أنت؟ وكما صار فيه الجزاء نحو: غلامُ من تضربْ أضرِبْ. وليس المضارع في هذا كالماضي في نحو: على حين عاتبتُ المشيبَ [[صدر بيت النابغة المتقدم قريبًا.]] لأن الماضي مبني والمضارع معرب، فإذا كان معربًا، لم يكن شيء يحدث من أجله البناء في المضاف [["الحجة" 3/ 283، 285.]]. وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ قال عطاء ومقاتل: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بطاعتهم (ورضوا عنه) بثوابه وما تفضل به عليهم من الكرامة سوى الثواب [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 522، و"تفسير الوسيط" 2/ 249، والبغوي 3/ 124، و"زاد المسير" 2/ 467.]]. ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119] قال الحسن: فازوا بالجنة ونجوا من النار [["تفسير الوسيط" 2/ 249.]].

المائدة 5:120

قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: عظَّم نفسه عما قالت النصارى من البهتان أن معه إلهًا فقال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ دون كل من سواه لقدرته عليه وحده [["تفسيره" 1/ 522.]]، وقيل: إن هذا جواب (لسؤال مضمر) [[في (ج): (مضمن).]] في الكلام، كأنه قيل: من يعطيهم ذلك الفوز العظيم؟ فقيل: الذي له ملك السموات والأرض، قال الحسن: يريد خزائن السموات: وهي المطر، وخزائن الأرض: وهي النبات [["تفسير الوسيط" 2/ 249.]]، وجمع السموات ووحد الأرض تفخيمًا لشأن السموات على الأرض، والجمع قد يدل به على تفخيم الشأن كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: 9]، و ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر: 49]، والآية تشير إلى أن الآمال يجب أن تتعلق بالله تعالى لعظم ملكه وسعة مقدرته [[هذا آخر تفسير سورة المائدة، وقد أعقبه المصنف مباشرة بتفسير سورة الأنعام، وذلك في نسخة (ج) (جامعة الإمام) لوحة 97 ب، ونسخة (ش) (شستربني) لوحة 88 ب.]].

الأنعام 6:1

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: على كل فعال، وبكل لسان، وعلى نعم الإسلام، وعلى صحة الأبدان) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 5، وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1258 بسند ضعيف عنه قال: (الحمد: هو الشكر والاستحذاء لله، والإقرار بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك) ا. هـ.]]. قال أهل المعاني: (هذا في لفظ الخبر ومعناه الأمر، أي: احمدوا الله، وإنما جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر؛ لأنه أبلغ في البيان من حيث إنه جمع الأمرين، ولو قيل: احمدوا الله، لم يجمع الأمرين) [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 143، و"تفسير الماوردي" 2/ 91، و"تفسير القرطبي" 6/ 584، وذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 117، عن أهل المعاني.]]. وقد ذكرنا في [[لفظ (في): ساقط من (ش).]] معنى قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في الفاتحة ما فيه مقنع. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، قال الزجاج [[الزجاج: أبو إسحاق إبراهيم بن السري البغدادي، إمام أكثر الواحدي من الناقل عنه، وقد تقدمت ترجمته.]]: (ذكر أعظم الأشياء المخلوقة؛ لأن السماء [["معاني الزجاج" 2/ 227.]] بغير عمد ترونها، والأرض غير مائدة بنا) [[في (أ): (مائدة بناها)، وعند الزجاج: (مائدة بنا).]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، قد ذكرنا معاني جعل [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية جامعة الإِمام 3/ 79 أ.]] في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: 103]، و ﴿جَعَلَ﴾ هاهنا بمعنى خلق، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]. قال ابن عباس: (﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ﴾: ظلمة الشرك، وظلمة النفاق، وظلمة الكفر، وظلمة العصيان، ﴿وَالنُّورَ﴾ يريد: نور الإِسلام، ونور الإيمان، ونور النبوة، ونور اليقين) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 151، وأبو حيان في "البحر" 4/ 68، وفي "الدر" للسيوطي 3/ 6. أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: (الكفر والإيمان).]]. وقال الحسن: (يعني الكفر والإيمان) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 5 - 6، والبغوي في "تفسيره" 3/ 126، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 2، والرازي في "تفسيره" 12/ 151، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 386، والخازن في "تفسيره" 2/ 117.]]. وقال السدي: (يعني الليل والنهار) [[أخرجه الطبري 7/ 143، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1260، بسند جيد.]] وهو اختيار الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 227.]]، والأولى أن يكون هذا عامًّا في كل ظلمة ونور؛ لأن جميع ذلك مخلوق لله تعالى [[ذكر قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 151، وقال: (هذا مشكل؛ لأنه حمل للفظ على مجازه، واللفظ الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن حمله على حقيقته ومجازه معًا) ا. هـ. والظاهر حمل الآية على ظاهرها، والمراد أنار النهار وأظلم الليل، وهو اختيار الجمهور، قال الإمام أحمد في كتاب "الرد على الجهمية والزنادقة" ص 107؛ (يعني خلق الظلمات والنور)، وقال ابن عطية 5/ 121: (قالت فرقة: الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان، وهذا غير جيد؛ لأنه أخرج لفظٌ بيّن في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى باطن لغير ضرورة، وهذا هو طريق اللغز الذي برئ القرآن منه، والنور أيضًا هنا للجنس فإفراده بمثابة جمعه) ا. هـ. وانظر "تفسير الطبري" 7/ 143، والسمرقندي 1/ 473، والماوردي 2/ 92 ، و"البحر" 4/ 68.]]. قال المفسرون: (الظلمة أقدم من النور، وهي مخلوقة قبل، فلذلك قدمت في الذكر، وكذلك السموات خلقت قبل الأرض) [[هذا قول قتادة أخرجه الطبري 7/ 143، وابن أبي حاتم 4/ 1259، بسند جيد، وقال السمين في "الدر" 4/ 524: (قدمت الظلمات لأنه موافق في الوجود؛ إذ الظلمة قبل النور عند الجمهور) ا. هـ. والراجح عند الجمهور أن خلق الأرض قبل خلق السماء. قال ابن كثير في تفسيره 1/ 73: (هذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله الطبري عن قتادة وتوقف في ذلك القرطبي) ا. هـ ملخصًا. وانظر "تاريخ الطبري" 1/ 32 - 36، وتفسيره 1/ 192 - 194، و"الكشاف" 1/ 271، و"زاد المسير" 1/ 57، و"تفسير القرطبي" 1/ 255، و"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" للشنقيطي ص 14 - 16.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يعني: عبدة الأوثان في قول عامة المفسرين [[انظر الطبري في "تفسيره" 7/ 144، والسمرقندي 1/ 473، وابن كثير 2/ 139، والظاهر أنها عامة في سائر أصناف الكفار، وهو اختيار الطبري في "تفسيره"، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 122.]]. قال ابن عباس: (يريد: عدلوا بي من خلقي الحجارة والأصنام بعد أن أقروا بربوبيتي وبنعمتي) [[في تنوير المقباس 2/ 3، قال: (يعدلون به الأصنام).]]، وقال الزجاج: (أعلم الله تعالى أنه خالق ما ذكر في هذه الآية، وأن خالقها لا شيء مثله، وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلاً، فيعبدون الحجارة [الموات [[لفظ: (الموت) ساقط من (أ)، وفي (ش): (والموات).]]]، وهم مقرون بأن الله خالق ما وصف [[معاني الزجاج 2/ 227.]]، وقوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾، العدل: التسوية؛ يقال: عدل الشيء بالشيء إذا سواه [[انظر: "العين" 2/ 38، و"الجمهرة" 663، و"الصحاح" 5/ 1761، و"المجمل" 3/ 651، و"مقاييس اللغة" 4/ 246، و"المفردات" ص 551، و"اللسان" 5/ 2840 (عدل).]]. ومعنى ﴿يَعْدِلُونَ﴾: يشركون به غيره، قاله [["تفسير مجاهد" ص 211، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 144، وابن أبي حاتم 4/ 1260 من طرق جيدة.]] مجاهد. وقال الأحمر [[تقدمت ترجمته.]]: (عدل الكافر بربه عدلاً وعدولًا إذا سوى به غيره فعبده) [["تهذيب اللغة" 3/ 2360 (عدل).]]. وقال الكسائي [[الكسائي: علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، تقدمت ترجمته.]]: (عدلت الشيء أعدله عدولًا إذا ساويته [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ش).]]، وعدل الحاكم في الحكم عدلاً) [["معاني النحاس" 2/ 398، و"تهذيب اللغة" 3/ 2360 (عدل).]]. والآية توجب أنه لا تجوز العبادة إلا لمن له القدرة على خلق السموات والأرض، وهو الله وحده لا شريك له [[قال الشنقيطي في "تفسيره" 2/ 180: (في قوله تعالى: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ وجهان للعلماء، أحدهما: أنه من العدول عن الشيء بمعنى الانحراف والميل عنه، وعلى هذا فقوله: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿كَفَرُوا﴾ ... والثاني: أن الباء متعلقة بـ"يعدلون" والمعنى يجعلون له نظيرًا في العبادة، وهذا الوجه هو الذي يدل عليه القرآن). وهذا اختيار ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 139.]]. وقال صاحب النظم [[صاحب النظم هو: الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني، أبو علي، له كتاب "نظم القرآن" مفقود.]]: (دخول ثم في قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ دليل على معنى لطيف، وهو أنه عز وجل دل به على إنكاره على الكفار العدل به وعلى تعجب المؤمنين من ذلك، مثال [[في (ش): (مثل).]] أن تقول: أكرمتك وأحسنت إليك ثم تشكوني وتشتمني، منكرًا لذلك عليه ومتعجبا منه [[أفاد الجمهور أن (ثم) تفيد الإنكار والتوبيخ والاستبعاد والتراخي بين الرتبتين، فهي تفيد الإنكار والتوبيخ على قبح الكفر واستبعاد أن يعدلوا به غيره بعد وضوح آيات قدرته، إذ يبعد من العاقل الناظر بعد إقامة الأدلة اختيار الباطل، ولو كان العطف بالواو لم يلزم ذلك كلزومه بثم. انظر: "تفسير البغوي" 3/ 126، وابن عطية 5/ 122، والرازي 11/ 151، والقرطبى في "تفسيره" 6/ 387، و"البحر" 4/ 68، و"الدر المصون" 4/ 524.]]، ومثل هذا في المعنى قوله فيما بعد هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾) [[لم أقف عليه. وقال الكرماني في "غرائب التفسير" 1/ 351: (ثم) تتضمن الإنكار على الكفار والتعجب للمؤمنين، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾) ا. هـ. وقال الزمخشري في "الكشاف" 2/ 4: (﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ استبعاد؛ لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم) ا. هـ.]] [الأنعام: 2].

الأنعام 6:2

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾، قال ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 57/ أ -بسند جيد- قال: (وروي عن مجاهد والسدي والضحاك وقتادة مثل ذلك) ا. هـ. وهذا هو قول الجمهور، ورجحه ابن عطية 5/ 124، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 387، وانظر "تفسير الطبري" 7/ 146، والسمرقندي 1/ 473.]] والمفسرون: (يعني آدم والخلق من نسله، ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، يعني أجل الحياة إلى الموت وأجل الموت إلى البعث وقيام الساعة)، وهو قول الحسن [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 203، والطبري في "تفسيره" 7/ 146، بسند ضعيف.]]، وسعيد بن المسيب [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 7، وابن الجوزي 3/ 3.]]، وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 203، والطبري في "تفسيره" 7/ 146، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1262، من طرق جيدة.]]، والضحاك [[أخرجه الطبري 7/ 146 بسند لا بأس به.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 549.]]، واختيار الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 228، واختاره الطبري في "تفسيره" 7/ 147، وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 14/ 489: (قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: الأجل الأول وهو أجل كل عبد الذي ينقضي به عمره. والأجل المسمى عنده هو أجل القيامة العامة) ا. هـ.]]، ونحو ذلك قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾، قال: يريد: من مولده إلى مماته، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: يريد: من الممات إلى المبعث، لا يعلم ميقاته أحد سواه. وقال: وذلك أن الله تعالى قضى لكل نفس أجلين من مولده إلى موته ومن موته إلى مبعثه، فإذا كان الرجل صالحًا واصلًا لرحمه، زاد الله في أجل الحياة من أجل الممات إلى المبعث، وإذا كان غير صالح ولا واصل نقصه الله من أجل الحياة وزاد في [أجل] [[لفظ: (أجل) ساقط من (أ).]] المبعث، قال: وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 7، والبغوي في "تفسيره" 3/ 127، و"الخازن" 2/ 118، و"البحر المحيط" 4/ 71، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 147، وابن أبي حاتم 4/ 1262، بسند جيد عنه قال: (﴿قَضَى أَجَلًا﴾ يعني: أجل الموت، والأجل المسمى: أجل الساعة والوقوف عند الله) ا. هـ. وأخرج الحاكم في "المستدرك" 2/ 315 عنه في الآية قال: (هما أجلان: أجل في الدنيا، وأجل في الآخرة، مسمى عنده لا يعلمه إلا هو). قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) ا. هـ. ووافقه الذهبي في "التلخيص".]] [فاطر: 11]. وقال أهل المعاني: (في قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: يجوز أن يكون الحكم بهذا الأجل كان بعد خلق آدم، ويجوز أن يكون قبله لسبق علمه [[قال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 14/ 490 - 492 في الآية: (إن الله يكتب للعبد أجلا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب، والمحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا هو فيه ولا إثبات) ا. هـ ملخصًا.]] بذلك قبل أن يخلق الخالق، وعلى هذا يحمل قوله: ﴿ثُمَّ﴾ لسبق الخبر الثاني على الخبر الأول، كقول الشاعر [[الشاهد لأبي نواس في "ديوانه" ص 222. وبلا نسبة في "رصف المباني" ص 250، و"الدر المصون" 3/ 220، و"المغني" لابن هشام 1/ 117، و"تفسير ابن كثير" 2/ 139، وفي الديوان: قلْ لمنْ سادَ ثم سادَ أبُوهُ ... قبله ثم قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ قال السمين عن الشاهد: (الترتيب يعود إلى الخبر لا إلى الوجود). وحكى ابن هشام: (أن الجد أتاه السؤدد من قبل الأب، والأب من قبل الابن) ا. هـ وظاهر كلام ابن القيم في "مختصر الصواعق" 2/ 130: أن البيت لشاعر لا يحتج به. وقال في ص 129 (القول بأن (ثم) تأتي لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر، فيجوز أن يكون ما بعدها سابقًا على ما قبلها في الوجود وإن تأخر عنه في الإخبار لا يثبت ولا يصح به نقل، ولم يأت في كلام فصيح، ولو قدر وروده فهو نادر، لا يكون قياسًا مطردًا تترك الحقيقة لأجله).]]: قلْ لمنْ سادَ ثم سادَ أبُوهُ ... ثُمَّ قد سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ والجد سابق للأب، والأب سابق للممدوح) [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 535، وقال ابن فارس في "الصاحبي" ص 216: (قوله جل ثناؤه: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ وقد كان قضى الأجل، فمعناه أخبركم أني خلقته من طين، ثم أخبرك أني قضيت الأجل، كما تقول: كلمتك اليوم ثم قد كلمتك أمس، أي: أني أخبرك بذلك ثم أخبرك بهذا) ا. هـ.]]. وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أي: بعد هذا البيان تشكون يا معشر المشركين وتكذبون بالبعث. والمرية [[المرية والامتراء: الشك في الأمر، وقال الراغب في "المفردات" ص 766: (المرية: التردد في الأمر وهو أخص من الشك، والامتراء والمماراة: المحاجّة فيما فيه مرية) ا. هـ وانظر: "العين" 8/ 295، و"الجمهرة" 2/ 806، و"تهذيب اللغة" 4/ 3384، و"الصحاح" 6/ 2491، و"المجمل" 3/ 828، و"مقاييس اللغة" 5/ 314، و"اللسان" 8/ 4189 (مرى).]] والامتراء: الشك. والآية حجة على منكري البعث بأن الذي ابتدأ الخلق يصح أن يعيده كما ابتدأه وقدر الأجلين له [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 147، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 473، والماوردي 2/ 93.]].

الأنعام 6:3

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ الآية، (الله) إذا جعلت هذا الاسم علمًا ثم وصلته بالمحل أوهم أن يكون الباري سبحانه في محل، كما تقول: زيد في البيت وتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وتكلم أهل المعاني في هذا فقال أبو بكر [[تقدمت ترجمته.]]: (إن وإن كان اسمًا علمًا ففيه معنى ثناء وتعظيم المعظم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 9، وابن الجوزي 3/ 4.]] ونحو هذا، قال أبو إسحاق: فقال: (﴿فِي﴾ موصولة في المعنى بما يدل عليه اسم الله عز وجل، والمعنى: هو المنفرد بالتدبير في السموات والأرض، كما تقول: هو الخليفة في الشرق والغرب) [[انظر "معاني القرآن" 2/ 228، وهذا القول رجحه الجمهور كما أفاده السمين في "الدر" 4/ 529، وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 127: (هذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازًا لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى) ا. هـ وقال القرطبي في "تفسيره" == 6/ 390: (هذا القول أسلم وأبعد من الإشكال) ا. هـ وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 140: (المعنى: وهو الإله وهو المعبود في كل واحدة من السموات، ففي كل واحدة من هذا الجنس هو المألوه المعبود، فذكر الجمع هنا أبلغ وأحسن من الاقتصار على لفظ الجنس الواحد، وهذا قول محققي أهل التفسير) ا. هـ. واختاره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 139، والشنقيطي في "أضواء البيان" 2/ 181 - 183، وانظر "الفتاوى" 2/ 404.]]. وقال أبو على: (الظرف منتصب الموضع عندي بِيَعْلَمُ، وهو عندي إضمار القصة والحديث، كأن معناه الأمر لله بـ ﴿يعلم﴾ في السموات وفي الأرض سركم وجهركم، قال: وإذا جعلت الظرف متعلقًا باسم الله جاز عندي في قياس قول من جعل اسم الله أصله إلا له؛ لأن المعنى يكون وهو المعبود في السموات والأرض. [يعلم [[لفظ: (يعلم) ساقط من (أ).]]] أي الآمر المعبود يعلم سركم وجهركم، قال: ومن ذهب بهذا الاسم مذهب الأسماء الأعلام وجب ألا يجوز على قوله تعلق الظرف به، إلا أن يقدر فيه ضربًا من معنى الفعل) [["الإغفال" لأبي علي ص 703 - 704.]]. وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ معنى: (الكسب) [[انظر: "العين" 5/ 315، و"الجمهرة" 1/ 339، و"تهذيب اللغة" 4/ 3140، و"الصحاح" 1/ 212، و"المجمل" 3/ 785، و"مقاييس اللغة" 5/ 179، و"المفردات" ص 709، و"النهاية" لابن الأثير 4/ 171، و"اللسان" 7/ 387 (كسب).]] الفعل لاجتلاب نفع أو دفع ضرر، ولهذا لم يوصف فعله القديم [جل ثناؤه] [[لفظ: [جل ثناؤه] ساقط من (ش).]] بأنه كسب [[انظر: الرازي في "تفسيره" 12/ 156، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 390.]].

الأنعام 6:4

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ لاستغراق الجنس الذي يقع في النفي، كقولك: ما أتاني [[في (ش): (ما أبالي من أحد).]] من أحد، والثانية: للتبعيض، فالأول خرج مخرج عموم الآيات كأنه قيل: أي آية أتتهم هي بعض آيات ربهم [[انظر: "الكشاف" 2/ 5، و"تفسير ابن عطية" 5/ 128، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 390، و"الدر المصون" 4/ 533 - 534، ونقل قول الواحدي والرازي في "تفسيره" 12/ 157.]]، والمراد بالآيات: الدلالات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله وصدق نبيه ﷺ من خلق السموات والأرض وما بينهما مع المعجزات التي أتى بها محمد ﷺ، قال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: (مثل الشمس والقمر والنجوم) [[لم أقف عليه.]]. قال ابن عباس: (ومن الآيات [[في "تنوير المقباس" 2/ 4، نحوه، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 175 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 128 بلا نسبة.]] انشقاق القمر بمكة). وقال عطاء: (﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾: يريد القرآن) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 9، والبغوي في "تفسيره" 3/ 128، والأولى العموم فتشمل الآيات الشرعية والكونية، الآية من القرآن والمعجزة كانشقاق القمر ونحوه، وهو اختيار الجمهور. انظر: "تفسير الطبري" 7/ 148، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 474، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 4، والرازي في "تفسيره" 12/ 157، وقد أخرج البخاري في "صحيحه" (3636)، كتاب "المناقب"، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقين، قال النبي ﷺ: "اشهدوا" ا. هـ.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي: تاركين التفكر فيها. ومعنى الإعراض [[انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 748، و"تهذيب اللغة" 3/ 2394، و"الصحاح" 3/ 182، و"مقاييس اللغة" 4/ 271، و"المفردات" ص 559، و"اللسان" 5/ 2894 (عرض).]]: الانصراف بالوجه عن الشيء، ثم يبنى عليه الانصراف بالفكر عنه.

الأنعام 6:5

قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ يعني مشركي مكة ﴿بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (بما جاءهم [به] [[لفظ: (به) ساقط من (أ).]] الصادق الأمين [["تنوير المقباس" 2/ 4، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 10.]]، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: أخبار استهزائهم وجزائه. قاله ابن عباس [[في "تنوير المقباس" 2/ 4 نحوه.]] والحسن [[لم أقف عليه بنصه، ولكن معناه موجود في عامة كتب التفسير. انظر: "تفسير الطبري" 11/ 292، و"تفسير البغوي" 3/ 128، و"تفسير ابن عطية" 5/ 128، و"زاد المسير" 3/ 4، و"تفسير القرطبي" 6/ 391، و"تفسير ابن كثير" 2/ 140.]]. وقال الزجاج: (المعنى: سيعلمون ما يؤول إليه استهزاؤهم) [["معاني القرآن" 2/ 228.]]. ومعنى الاستهزاء: إيهام التفخيم في معنى التحقير [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3755، و"الصحاح" 1/ 83 - 84، و"مجمل اللغة" 3/ 904، و"مقاييس اللغة" 6/ 52، و"المفردات" ص 841، و"اللسان" 8/ 4659 (هزأ).]].

الأنعام 6:6

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ الآية. قال أبو إسحاق: (موضع ﴿كَمْ﴾ نصب بأهلكنا لا بقوله: ﴿يَرَوْا﴾؛ لأن لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله) [["معاني القرآن" 2/ 229، وانظر: "إعراب النحاس" 2/ 56، و"المشكل" لمكي 1/ 246، و"البيان" لابن الأنباري 1/ 314، و"التبيان" للعكبري 1/ 322، و"الفريد" للهمداني 2/ 120، و"الدر" للسمين 4/ 535.]]. والقرن: الأمة من الناس، وأهل كل مدة قرن؛ قال النبي ﷺ: "خيركم قرني" [[أخرجه البخاري في "صحيحه" (2651)، كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا شهد، ومسلم رقم 2535، كتاب فضائل الصحابة باب فضائل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". قال عمران: لا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. الحديث. وانظر شرحه في "فتح الباري" 7/ 5.]]. واشتقاقه من الاقتران [[انظر: "الجمهرة" 2/ 793، و"تهذيب اللغة" 3/ 2947، و"الصحاح" 6/ 2180، و"مقاييس اللغة" 5/ 76، و"المجمل" 3/ 749، و"المفردات" ص 667، و"النهاية" لابن الأثير 4/ 51، و"اللسان" 6/ 3608 (قرن).]]، فالقرن: القوم المقترنون في زمان من الدهر [[الجمهور على أن القرن مائة سنة، وأكثر المحققين على أنه غير مقدر بزمن معين لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، بل المراد أهل كل عصر، فإذا انقضى أكثرهم قيل: قد انقضى القرن، وهو اختيار الزجاج في "معانيه" 2/ 229، والنحاس 2/ 400، والرازي في "تفسيره" 12/ 131، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 391، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 328، و"مجاز القرآن" 1/ 185، و"تفسير غريب القرآن" ص 151، و"تفسير البغوي" 3/ 128، وابن عطية 5/ 129، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 5، و"البحر" 4/ 65، و "الدر المصون" 4/ 539.]]، وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: (يريد: (من جيل ومن أمة) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 4.]]، وقوله ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: أعطيناهم ما لم نعطكم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 10، وابن الجوزي 3/ 6.]]. يعني: وسعنا عليهم في كثرة العبيد والمال والثمار والأنعام. ومعنى التمكين [[انظر: "الجمهرة" 2/ 983، و"تهذيب اللغة" 4/ 3436، و"الصحاح" 6/ 2205، و"المجمل" 3/ 837، و"المفردات" ص 773، و"اللسان" 7/ 4250 (مكن).]] من الشيء: إعطاء ما يصح به الفعل من الآلات والعدد والقوى، وهو أتم من الإقدار؛ لأن الإقدار: إعطاء القدرة خاصة، والقادر على الشيء قد يتعذر عليه الفعل بعدم الآلة، والتمكن ينافي التعذر [[هذا قول أبي هلال العسكري في "الفروق اللغوية" ص 90، وانظر: "البحر" 4/ 66.]] والانتقال من الخبر إلى الخطاب من الاتساع والتصرف في [[قال بعض أهل التفسير: في الآية رجوع من الغيبة في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ إلى الخطاب في قوله ﴿لَكُمْ﴾ للاتساع وتلوين الخطاب، قال السمين في "الدر المصون" 4/ 538: (فيكون على هذا التفاتًا فائدته التعريض بقلة تمكن هؤلاء ونقص أحوالهم عن حال أولئك، ومع تمكينهم وكثرتهم فقد حل بهم الهلاك، فكيف وأنتم أقل منهم تمكينا وعددًا) ا. هـ وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 269، و"إعراب النحاس" 1/ 536، و"غرائب التفسير" للكرماني 1/ 352، و"تفسير البغوي" 3/ 128، وابن الجوزي 3/ 6، و"تفسير القرطبي" 6/ 391.]] الكلام، كما تقول: قلت لعبد الله -وقد كان شكره زيد-: ما أكرمك، أي: واجهته بهذا الخطاب، وإن شئت قلت: ما أكرمه، على الإخبار [[أي يجوز. قلت لزيد: ما أكرمك أو ما أكرمه. انظر: "تفسير الطبري" 7/ 149، وابن عطية 5/ 130، و"البحر" 4/ 75.]]. وقوله تعالى: ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ ثم قال: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ولم يقل: نمكنكم، وهما لغتان، تقول العرب: مكنته ومكنت له، كما تقول: نصحته ونصحت له. قال صاحب "النظم": (العرب تتسع في الأفعال التي تتعدى بحروف [[في: (ش): (بحرف)، والصواب ما أثبته.]] الصفات فربما عدوها [[في: (أ): (أعدوها)، والصواب ما أثبته.]] بغيرها كقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: 26] المعنى: فإلى أين؛ وربما زادوها فيما يتعدى بغيرها كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] وقوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [[قال السمين في "الدر" 4/ 537: قال أبو علي الجرجاني: (مكناهم ومكنا لهم لغتان) ا. هـ.]] [النمل: 72] ونحو هذا. قال أبو علي في قوله تعالى: ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: 21] وقوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: 84] قال: (يجوز أن تكون اللام هاهنا على حد التي هي في قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾، ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾) [["الحجة" لأبي علي 4/ 429، وقال العسكري في "الفروق" ص 90: (الصحيح أن مكنت له: جعلت له ما يتمكن به، ومكنته: أقدرته على ملك الشيء في المكان) ا. هـ وقال السمين في "الدر" 4/ 536 - 537: (الفرق بينهما أن مكنه في كذا أثبته فيها، وأما مكن له فمعناه جعل له مكانًا) ا. هـ. ملخصًا. وانظر "المسائل العضديات" ص 67، و"الكشاف" 2/ 5، والأكثر على التسوية بينهما، ويتعدى مكن بنفسه وبحرف الجر، والأكثر تعديته باللام. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 186، و"نزهة القلوب" ص 399، و"غرائب الكرماني" 1/ 353، و"تفسير البغوي" 3/ 128، وابن الجوزي 3/ 6، و"تفسير القرطبي" 6/ 329، و"البحر" 4/ 76.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ قال ابن عباس: (يريد بالغيث والبركة) [[لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1264 بسند جيد عنه قال: (يتبع بعضها بعضا) ا. هـ. وأخرج أبو عبيد في كتاب "اللغات" ص 94، وابن حسنون ص 24، والوزان ص 3/ ب بسند جيد عنه قال: (متتابعًا بلغة هذيل == وذكر البغوي في "تفسيره" 3/ 128 عنه أنه قال: (متتابعًا في أوقات الحاجات) ا. هـ.]]. والسماء [معناه] [[لفظ: (معناه) ساقط من (أ). وانظر: "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 238.]]: المطر هاهنا، والمدرار: الكثير الدر وأصله من قولهم: درّ اللبن إذا أقبل على الحالب منه [[انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 11، و"تهذيب اللغة" 2/ 1171، و"الصحاح" 2/ 655، و"مقاييس اللغة" 2/ 255، و"المفردات" ص 310، و"اللسان" 3/ 1357 (در).]] شيء كثير فالمدرار يصلح أن يكون من نعت السحاب [[مثله قال الرازي 12/ 159، والأكثر على أن ﴿مِدْرَارًا﴾ حال من السماء، وهو الظاهر؛ لأنه بعد معرفة. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 537، و"المشكل" 1/ 246، و"البيان" 1/ 381، و"الفريد" 2/ 121، و"البحر" 4/ 76، و"الدر المصون" 4/ 541، ولعل مراد الواحدي بالنعت الحال؛ لأن أصله صفة. انظر "الأصول" لابن السراج 1/ 213، و"شرح شذور الذهب" ص 244.]] ويجوز أن يكون من نعت المطر، ويقال: سحاب مدرار إذا تتابع إمطاره ومفعال يجيء في نعت يبالغ فيه. قال مقاتل: (مدرارًا: متتابعًا) [["تفسير مقاتل" 1/ 550.]] وقال المؤرج [[تقدمت ترجمته.]]: (مرة بعد أخرى) [[ذكره الرازي 12/ 76، عن مقاتل، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 186، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 134، و"تفسير غريب القرآن" ص 150، و"نزهة القلوب" ص 440.]]. ويستوي في المدرار المذكر والمؤنث [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 229، والنحاس 2/ 401.]] وقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد بكفرهم وجرأتهم عليَّ) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 4.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْشَأْنَا﴾ معنى الإنشاء ابتداء الإيجاد من غير سبب [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3567، و"الصحاح" 1/ 77، و"المفردات" ص 807 (نشأ).]] تقدم. والآية احتجاج على منكري البعث، من جهة أن الذي أهلك من قبلهم وأنشأ بعدهم قرنًا آخرين قادر على أن يهلك العالم بأسره وينشئ بعده عالمًا آخر، وقادر على الإعادة بعد الإهلاك.

الأنعام 6:7

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ قال الكلبي: (قال مشركو مكة: يا محمَّد، لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله، وأنك رسوله، فنزلت هذه الآية) [[ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 216، و"الوسيط" 1/ 11، والبغوي في "تفسيره" 3/ 129، وابن الجوزي 3/ 7. وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 132، و"تفسير القرطبي" 6/ 393، و"البحر" 4/ 77.]]. والقرطاس [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 151، و"جمهرة اللغة" 3/ 1275، و"تهذيب اللغة" 3/ 2935، و"الصحاح" 3/ 962، و"المفردات" ص 666، و"اللسان" 6/ 3592 (قرطس). والقرطاس: الصحف التي يكتب فيها، وهو بكسر القاف أكثر استعمالا وأشهر من ضمها. انظر: "البحر المحيط" 4/ 77، و"الدر المصون" 4/ 543.]]: كاغدٌ [[الكاغد، بالفتح: القرطاس. انظر: "تاج العروس" 5/ 225.]] يتخذ من بردي [[قوله: (من بردى) عليه طمس في (أ)، والبردي، بفتح الباء وسكون الراء: نبات معروف. انظر: "اللسان" 1/ 251 (برد).]] يكون بمصر، وكل كاغدٍ قرطاس، سواء كان من جنس القراطيس المصرية أو من غيرها، وإن كان قد غلب هذا الاسم عليها، وأراد بالكتاب المصدر [[أي: بمعنى الكتابة: انظر: "تفسير القرطبي" 6/ 393، و"الدر المصون" 4/ 543.]]. قال ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 151، بسند ضعيف.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 151، بسند جيد.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 203، والطبري في "تفسيره" 7/ 151، وابن أبي حاتم 4/ 1264، بسند جيد، قال ابن أبي حاتم: (وروي عن السدي نحو ذلك).]] ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾: (يعني: الصحيفة)، وروي عن ابن عباس أنه قال: (﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا﴾ معلقًا من السماء إلى الأرض) [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 392.]] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال قتادة: (فعاينوا ذلك معاينة ومسوه بأيديهم) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 150، وابن أبي حاتم 4/ 1264، بسند جيد. وأخرج الحاكم في "المستدرك" 2/ 315، عن ابن عباس في الآية قال: (مسوه ونظروا إليه لم يؤمنوا به).]]. وقال أهل المعاني: (اللمس [[في (أ): (المس).]] باليد أبلغ في الإحساس من المعاينة، لذلك قيل: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ دون أن يقال: "لعاينوه" [[في النسخ: لعاينوه، والأولى "فعاينوه".]]؛ لأن اللمس باليد يتضمن [[في (ش): (تضمن).]] المعاينة وزيادة) [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 95، وتفسير البغوي" 3/ 129، والزمخشري 12/ 160، و"تفسير الرازي" 12/ 133، و"البحر" 4/ 77.]]. وقوله تعالى: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أخبر الله تعالى أنهم يدفعون الدليل، حتى لو أتاهم الدليل مدركًا بالحس لنسبوه إلى السحر. قال أبو إسحاق: (لو رأوا الكتاب ينزل من السماء لقالوا: سحر، كما [أنهم] [[لفظ: (أنهم) ساقط من (ش).]] قالوا في انشقاق القمر: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: 2]، وكذلك يقولون في كل آية يعجز عنها المخلوقون [[في (ش): (المخلوقات)، وهو تحريف.]]) [["معاني الزجاج" 2/ 229 - 230، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 2/ 402.]].

الأنعام 6:8

وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 151.]]: (طلبوا ملكًا يرونه [يقول [[في (أ): (يقولون).]]]: إنه رسول الله، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: لأهلكوا بعذاب الاستئصال)، وهو معنى قول الحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 95، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 393، عن الحسن وقتادة.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 204، والطبري في "تفسيره" 7/ 151 - 152، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1265، من طرق جيدة عن قتادة.]] والسدي [[أخرجه الطبري 7/ 151، بسند جيد، وذكره ابن أبي حاتم 4/ 1265 عن السدي.]]؛ وقال مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 212، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 151، وابن أبي حاتم 4/ 1265 من طرق جيدة.]] وعكرمة [[عكرمة بن عبد الله البربري، أبو عبد الله المدني مولى ابن عباس، تقدمت ترجمته.]]: (لقامت الساعة) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 151، بسند ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1265، وذكر هذا القول ابن عطية 5/ 132 عن مجاهد وضعفه، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 402، عن مجاهد وقال: (والمعنى عند أهل اللغة: لحتم بهلاكهم، وهو يرجع إلى ذلك القول) ا. هـ.]]؛ وقال الزجاج: (معنى قضى الأمر: أُتم إهلاكهم [[في (ش): (أتم هلاكهم) وفي "معاني الزجاج": 2/ 230: (لتم هلاكهم).]] وقضى على ضروب كلها يرجع إلى معنى انقطاع الشيء في تمامه) [[كذا في النسخ، وعند الزجاج: (انقطاع الشيء وتمامه).]]. وقد ذكرنا معاني القضاء في سورة البقرة. قال أهل العلم: (إنما لم ينظروا ولو نزل الملك؛ لأنه يجب أن يجروا على سنة من قبلهم ممن طلب الآيات فلم يؤمنوا، فأهلكوا بعذاب الاستئصال كثمود وعاد، لحكم الله في خلقه بذلك؛ لأنه أزجر عن التحكم بطلب الآيات، وأدعى إلى الإيمان خوفا من الإهلاك) [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 97، و"تفسير البغوي" 3/ 129.]]. وقال الضحاك: (لو أتاهم ملك في صورته لماتوا) [[ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 129، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 152، بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ قال ابن عباس: إلا يؤخرون لتوبة ولا لغير ذلك) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 152 - 153، وابن أبي حاتم 4/ 1266 بسند ضعيف. وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 12، وابن الجوزي "تفسيره" 3/ 8.]].

الأنعام 6:9

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ أي: لو جعلنا الرسول ملكًا أو الذي ينزل عليه ليشهد له بالرسالة كما يطلبون ذلك. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [[لفظ: (لجعلناه) عليه طمس في (أ).]] قال ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 152 - 153، وابن أبي حاتم 4/ 1266 بسند ضعيف.]] والمفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 152، وذكره ابن عطية في "تفسيره" 5/ 133، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد.]]: (لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته؛ لأن أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة) [[قال القرطبي في "تفسيره" 6/ 393: (أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيقة؛ لأن كل جسم يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه) ا. هـ وقال ابن عطية 5/ 133: (أهل التأويل مجمعون أنهم لم يكونوا يطيقون رؤية الملك في صورته، فالأولى في قوله: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْر﴾ أي لماتوا من هول رؤيته) ا. هـ ملخصًا وانظر: "البحر المحيط" 4/ 78.]]. قال الزجاج: (قيل: إن الملك لو نظر إليه ناظر على هيئته لصعق، ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في سورة الإنس، كجبريل عليه السلام [[في (ش): (كان يأتي).]] يأتي النبي ﷺ [[أخرج البخاري (3633)، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، ومسلم رقم 2451، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: (إن جبريل عليه السلام أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة فجعل يحدث ثم قام. فقال النبي لأم سلمة: "من هذا؟ " قالت: هذا دحية) الحديث. وقال ابن حجر في "الإصابة" 1/ 473، والمناوي في "الفتح السماوي" 2/ 600: (أخرج النسائي بسند صحيح عن ابن عمر قال: (كان جبريل يأتي النبي ﷺ في سورة دحية الكلبي). وانظر: "الكافي الشافي" لابن حجر 60 - 61.]] في سورة دحية [[دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي صاحب النبي ﷺ ورسوله بكتابه إلى قيصر الروم ليوصله إلى هرقل، وهو صحابي جليل مشهور، وكان جميلًا يضرب به المثل في حسن الصورة، أسلم قبل بدر، وتوفي في خلافة معاوية. انظر: "الاستيعاب" 1/ 472، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 550، و"الإصابة" 1/ 473، و"تهذيب التهذيب" 1/ 573، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 5/ 221.]] الكلبي، وكقصة نبإ الخصم إذ تسوروا [[قصة دواد عليه السلام مع الخصم مذكورة في سورة ص الآية 21 وما بعدها.]] المحراب، وكما أتوا إبراهيم [[قصة إبراهيم عليه السلام مع الرسل مذكورة في مواضع من القرآن منها: في (سورة هود الآية: 69 وما بعدها)، وفي (سورة الحجر الآية 51 وما بعدها)، وفي (سورة الذاريات الآية: 24 وما بعدها).]] ولوطًا -عليهما السلام- في صورة الضيفان من الآدميين [[قصة لوط عليه السلام مع الرسل مذكورة في مواضع من القرآن منها: في (سورة هود الآية: 77 وما بعدها) وفي (سورة الحجر 61 وما بعدها).]]) [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 231، وانظر: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" للمبرد ص 32.]]، وكذلك قصة جبريل مع النبي ﷺ حين أتاه يسأله عن الإيمان والإِسلام والإحسان والقدر. والخبر صحيح مشهور [[أخرجه البخاري في "صحيحه" (50)، كتاب الإيمان باب سؤال جبريل، ومسلم رقم (9) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلم عن عمر رضي الله عنه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾: يقال: لبست الأمر على القوم ألبسه لبسًا إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلًا [[هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3228.]]. قال ابن السكيت [[تقدمت ترجمته.]]: (يقال: لبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف جهته) [["إصلاح المنطق" ص 206، و"تهذيب اللغة" 4/ 3228.]]. قال أهل اللغة [[انظر: "العين" 7/ 262، و"الجمهرة" 1/ 341، و"الصحاح" 3/ 973، و"المجمل" 3/ 801، و"مقاييس اللغة" 5/ 230، و"المفردات" ص 734، و"اللسان" 7/ 3987 (لبس).]]: (معنى اللبس: منع النفس من إدراك المعنى كما هو [[في (ش): (بما هو).]] كالستر له، وأصله من الستر بالثوب ومنه لبس الثوب؛ لأنه ستر النفس به). قال الضحاك [[ذكره في "الوسيط" 1/ 12، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 1531، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1266، بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس نحوه.]] في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾: (ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدروا أملك هو أم آدمي). قال الزجاج [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 231.]]: (وكانوا هم يلبسون على ضعفتهم في أمر النبي ﷺ فيقولون: إنما هو بشر مثلكم، فقال [[في (ش): (وقال)، وهو تحريف.]] الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾ فرأوا الملك رجلاً لكنا قد لبسنا عليهم؛ لأنه كان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفتهم منهم) أي: فإنما طلبوا حال لبس لا حال بيان. وهذا احتجاج عليهم بأن الذي طلبوه من إنزال الملك لا يزيدهم بيانًا، بل يكون [[في (ش): (بل يكون في الأمر في ذلك)، وهو تحريف.]] الأمر في ذلك على ما هم عليه من الحيرة بإعمالهم الشبهة. وذكر صاحب "النظم" في هذه الآية وجهًا آخر فقال: (إنهم خلطوا على أنفسهم في التماس ما التمسوا، وتكلفوا منه ما لم يحتاجوا إليه، فالتمسوا نزول ملك يخبرهم أنه نبي، وقد كان لهم فيما مع النبي ﷺ من الآيات والدلائل [[في (ش): (والدلالات).]] كفاية وغنية عن نزول ملك، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ الآية. يقول: لو أجبناهم إلى ما سألوا من ذلك فأنزلنا ملكًا لجعلناه رجلاً مثلهم في الخلقة والصورة، فيكون نزوله مثل طلوع الشمس من مغربها أو قيام الساعة، فلا يقبل مع ذلك إيمان، ولكن يجعله [[في (ش): (لجعله).]] على سورة رجل، فلبس بذلك [[في (ش): (فلبس في ذلك).]] عليهم، أي: يعمى [[في (ش): (لعمى معاقبة لهم).]] عليهم؛ معاقبة لتكلفهم ما لم يكلفوا ولم تكن بهم حاجة إليه، وهذا كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: 3] وكان [[في (ش): (فكان).]] الطبع معاقبة لهم على الكفر بعد الإيمان، فكذلك قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ أي: نعاقبهم باللبس بما لبسوا على أنفسهم، فيكون اللبس نقمة من الله وعقوبة لهم علي ما كان منهم من التخليط في السؤال [[لم أقف عليه. وانظر: "تفسير الماوردي" 2/ 97، و"تفسير ابن عطية" 5/ 133، و"بدائع التفسير" 4/ 142.]].

الأنعام 6:10

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 153، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 475، والبغوي في "تفسيره" 3/ 131، والزمخشري في "تفسيره" 2/ 7، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 134، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 394، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 141.]]: (هذه الآية تعزية للنبي ﷺ وتسلية له عما يرى من تكذيب المشركين إياه واستهزائهم به؛ إذ جعل إسوته في ذلك بالأنبياء الذين كانوا قبله، وتحذير المشركين الذين فعلوا بنبيهم ما فعل من قبلهم من مكذبي الرسل فحل بهم العذاب). وقوله تعالى: ﴿فَحَاقَ﴾ قال النضر [[النضر بن شميل المازني، أبو الحسن البصري، توفي سنة 204 هـ تقدمت ترجمته.]]: (يقال: حاق بهم العذاب كأنه وجب عليهم. قال: يقال: حاق العذاب يحيق، فهو حائق) [["تهذيب اللغة" 1/ 708.]]. وقال الليث [[الليث بن نصر بن سيار الخراساني، ويقال: الليث بن المظفر بن نصر بن سيار، إمام لغوي، صاحب نحو وغريب وشعر، ومن أصحاب الخليل، ويقال: إنه هو الذي ألف كتاب "العين". انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 47، و"إنباه الرواة" 3/ 42، == و"معجم الأدباء" 17/ 43، و"إشارة التعيين" ص 277، و"لسان الميزان" 4/ 494، و"البلغة" ص 178.]]: (الحيق: ما حاق بالإنسان من مكر أو سوء بعمله فنزل ذلك به. كقول: أحاق الله بهم مكرهم وحاق بهم مكرهم) [["تهذيب اللغة" 1/ 708، وانظر: "العين" 3/ 256 (حاق).]] سلمة [[سلمة بن عاصم البغدادي، أبو محمد، إمام لغوي نحوي، تقدمت ترجمته.]] عن الفراء في قوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ [الأحقاف: 26] هو في كلام العرب عاد عليهم) [["معاني الفراء" 3/ 56، وزاد فيه: (وجاء في التفسير نزل بهم).]]. قال ابن عباس في رواية [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 175 ب والواحدي في "الوسيط" 1/ 13، والبغوي في "تفسيره" 3/ 130 عن عطاء فقط.]] عطاء في قوله تعالى: ﴿فَحَاقَ﴾ (يريد: فحَلَّ) وقال الربيع [[الربيع بن أنس بن زياد البكري البصري نزيل خراسان، تقدمت ترجمته.]]: (نزل) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 175 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 13، والبغوي في "تفسيره" 3/ 130.]]. وقال الفراء [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 13 دون (وحيقانا)، ولم أقف عليه في معناه، ولعله من كتاب المصادر المفقود.]]: (يقال: حاق بهم يحيق حيقًا وحيوقًا وحيقانًا، بفتح الحاء والياء) [[انظر: الطبري في "تفسيره" 7/ 154، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 394، و"البحر" 4/ 80، و"الدر المصون" 4/ 546، وفي "القاموس" ص 877. قال: (حاق به يحيق حيقًا وحيوقًا وحيقانًا أحاط به). وانظر: "الصحاح" 4/ 1466، و"المجمل" لابن فارس 1/ 259، و"مقاييس اللغة" 2/ 125، و"المفردات" ص 266، و"اللسان" 2/ 1072 (حاق).]]. قال الضحاك: ﴿فَحَاقَ﴾: (أي: أحاط) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 175 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 13، والبغوي في "تفسيره" 3/ 130، وأبو حيان في "البحر" 4/ 80.]]، وهو اختيار الزجاج؛ لأنه قال في قوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: 8]: أي: أحاط بهم العذاب الذي هو جزاء ما كانوا [[في (ش): (ما كانوا به).]] يستهزئون به، كما تقول: أحاط بفلان عمله وأهلكه كسبه، أي: أهلكه جزاء كسبه) [["معاني الزجاج" 2/ 231 - 3/ 41، و"تهذيب اللغة" 1/ 708، وفي "معاني الزجاج" 4/ 275 - قال: (يحيق: يحيط). والأقوال متقاربة، وأكثرهم على أنه بمعنى نزل وأحاط بهم العذاب، قال الرازي 12/ 163: (في تفسيره وجوه كثيرة وهي بأسرها متقاربة) ا. هـ. وانظر "مجاز القرآن" 1/ 185، و"تفسير الطبري" 7/ 154، و"معاني النحاس" 2/ 403، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 275، و"الكاشف" 2/ 7، وابن عطية 5/ 134.]]. قال الأزهري: (جعل أبو إسحاق حاق بمعنى أحاط، وكأن مأخذه من الحوق [[قال السمين في "الدر" 4/ 546: (حاق ألفه منقلبة عن ياء، بدليل يحيق كباع يبيع، والمصدر حيق وحيوق وحيقان، وزعم أنه من الحوق وهو المستدير بالشيء، وهذا ليس بشيء؛ لاختلاف المادة، إلا أن يراد الاشتقاق الأكبر، وأيضًا هو دعوى جردة من غير دليل) ا. هـ. ملخصًا. ونحوه قال أبو حيان في "البحر" 4/ 80، وانظر: "روح المعاني" 7/ 102.]]، وهو ما استدار بالكمرة [[الكمرة، بالفتح: رأس الذكر. انظر: "القاموس" ص 471.]]. قال: وجائز أن يكون الحوق فعلًا من حاق يحيق كأنه كان في الأصل حيقًا فقلبت الياء واوًا لانضمام ما قبلها) [["تهذيب اللغة" 1/ 708 (حاق).]]. وأكثر المفسرين جعلوا الآية من باب حذف المضاف؛ لأنهم قالوا: نزل وأحاط بهم عقوبة ما كانوا به يستهزئون وجزاء ما كانوا به يستهزئون. قال الزجاج: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43] أي: لا يرجع عاقبة مكرهم إلا عليهم) [["معاني الزجاج" 2/ 231، وفيه: (أي لا ترجع عاقبة مكروهة إلا عليهم) ا. هـ.]]، وهذا إذا جعلت ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ عبارة عن القرآن والشريعة وما جاء به النبي ﷺ، وإن جعلت ﴿مَا﴾ عبارة عن العذاب الذي كان [[في (أ): (الذي كانوا).]] يوعدهم به النبي ﷺ إن لم يؤمنوا استغنيت عن تقدير حذف المضاف، ويكون المعنى: فحاق بهم الذي كانوا يستهزئون به من العذاب وينكرون وقوعه [[انظر: الرازي في "تفسيره" 12/ 163، وذكر قول الواحدي السمين في "الدر" 4/ 6547، و (ما) في قوله: ﴿مَا كَانُوا﴾ موصولة ولا حاجة إلى الإضمار والمعنى، نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به وهو ظاهر كلام الطبري في "تفسيره" 7/ 153، والزمخشري 2/ 7، ورجحه أبو حيان 4/ 80، وذكر الألوسي في "روح المعاني" 7/ 102، أن هذا اختيار الواحدي، وقال بعضهم: (ما) مصدرية، والمعنى: نزل بهم عاقبة أو جزاء أو وبال استهزائهم. "إعراب النحاس" 1/ 537، و"المشكل" 1/ 246، و"البيان" 1/ 314، و"التبيان" ص 323، و"الفريد" 2/ 124.]].

الأنعام 6:11

قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: (سافروا في الأرض، ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾: فاعتبروا، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾: مكذبي الرسل) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 6، ففيه نحوه.]]. قال قتادة [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 154، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1268، بسند جيد.]]: (دمر الله عليهم، ثم صيرهم إلى النار). قال مقاتل: (يحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية). [["تفسير مقاتل" 1/ 551.]] قال أهل المعاني: (والمكذب قد صار صفة ذم، وإن كان يجوز أن يكذب بالباطل فلا يكون ذمًّا؛ لأنه من أصل فاسد، وهو الكذب، فصار الذم أغلب عليه، كما أن الكفر صفة ذم، مع أنه قد يكفر [[في (أ): (تكفر) وهو تصحيف.]] بالطاغوت؛ لأنه من أصل فاسد، وهو كفر النعمة) [[لم أقف على من ذكر مثل هذا المعنى، وفي القرطبي في "تفسيره" 6/ 395، قال: (والمكذبون هنا من كذب الحق وأهله لا من كذب بالباطل) ا. هـ.]].

الأنعام 6:12

قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال أهل المعاني: (هذا أمر من الله تعالى لنبيه ﷺ بسؤال قومه، وذلك أن السؤال يبعث النفس على طلب الجواب وتبين ما سئل عنه) [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 154، و"الرازي" 12/ 164.]]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ قال صاحب النظم: (جاء السؤال والجواب من جهة واحدة، وهو محمول على أنه لما أنزل: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قيل لهم ذلك كما أمر به وأنهم أجابوا وقالوا: فلمن هو؟ فجاء الجواب: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، فهذا جواب عن سؤال مضمر دل عليه الكلام) [[ذكره الكرماني في "غرائب التفسير" 1/ 354، والسمين في "الدر" 4/ 549، عن صاحب النظم، وهو قول أحمد بن فارس في "الصاحبي" ص 391، وقال السمين: (هذا قول بعيد؛ لأنهم لم يكونوا يشكون في أنه هو الله، وإنما هذا سؤال تبكيت وتوسخ، ولو أجابوا لم يسعهم أن يجيبوا إلا بذلك) ا. هـ وأكثرهم على أن ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ أمر بالجواب عقيب السؤال نيابة عنهم تقريرا لهم وتنبيهًا على أن الجواب متعين بالاتفاق، ولأنه أبلغ في التأثير، وآكد في الحجة. انظر: الطبري في "تفسيره" 7/ 154، والبغوي في "تفسيره" 3/ 130، والزمخشري في "تفسيره" 2/ 7، وابن == عطية في "تفسيره" 5/ 136، والرازي في "تفسيره" 12/ 164، و"البحر" 4/ 81.]]. وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال ابن عباس: (قضى لنفسه أنه أرحم الراحمين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 14، وابن الجوزي 3/ 9.]]. وقال أهل المعاني: (8) أخبر عن عظم ملكه بأن له ما في السموات والأرض ذكر أنه أوجب على نفسه الرحمة؛ تلطفًا في الاستدعاء إلى الإنابة، واستعطافًا للمتولين عنه إلى الإقبال إليه). [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 155، و"معاني القرآن" للزجاج 2/ 231، و"تفسير البغوي" 3/ 130.]] وقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، الأكثرون على أن هذا ابتداء كلام، واللام فيه لام قسم مضمر، كأنه: والله ليجمعنكم [[أي جواب قسم محذوف، والجملة لا تعلق لها بما قبلها من حيث الإعراب، وإن تعلقت به من حيث المعنى، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 157، وابن عطية 5/ 139، والسمين في "الدر" 4/ 550، وابن هشام في "المغني" 2/ 407.]]، وجعل الزجاج ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ متصلًا بما قبل فقال في معنى قوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾: (الله عز وجل تفضل على العباد بأن أمهلهم عند كفرهم به وإقدامهم على كبائر ما نهى عنه، بأن أنظرهم وعمَّرهم وفسح لهم ليتوبوا، فذلك كتبه على نفسه الرحمة) [["معاني الزجاج" 2/ 231 - 232.]]. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ يكون موضعه [نصبا] [[لفظ: (نصبا)، ساقط من (أ).]] بدلاً من ﴿الرَّحْمَةَ﴾، وذلك أنه مفسر للرحمة بالإمهال ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وذكر الفراء المذهبين [["معاني الفراء" 1/ 328، ونحوه قال الزجاج 2/ 232، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 538، و"التبيان" 1/ 325، و"الفريد" 2/ 125.]] جميعًا فقال: (إن شئت جعلت ﴿الرَّحْمَةَ﴾ غاية الكلام ثم استأنفت بعدها ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، وإن شئت [جعلته] [[(جعلته)، ساقط من (ش).]] في موضع نصب كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ﴾ الآية [الأنعام: 54]. وعلى هذا يكون قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ جوابًا لقوله: ﴿كُتِبَ﴾؛ لأنه بمعنى أوجب، والقسم يوجب كما يوجب ﴿كُتِبَ﴾، فلما كان معنى قوله: ﴿كُتِبَ﴾، مثل معنى القسم حمل الجواب على معنى القسم، قاله الجرجاني [[لم أقف عليه، وهذا القول هو ظاهر كلام الأخفش في "معانيه" 2/ 261، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 315، وانظر: "المشكل" 1/ 246، والرازي في "تفسيره" 12/ 165، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 395، و"البحر" 4/ 82.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [قال الزجاج] [[(قال الزجاج): ساقط من (ش).]]: (معناه: ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه، كما تقول: قد جمعت هؤلاء إلى هؤلاء، أي: ضممت بينهم في الجمع) [["معاني الزجاج" 2/ 232.]]. وقال صاحب النظم: (التأويل: ليؤخرن جمعكم إلى يوم القيامة، وقوله: ﴿إِلَى﴾ دليل على معنى التأخير في الجمع إلى هذا اليوم) [[لم أقف عليه. و (إلى) لها عدة معانٍ، كما في "حروف المعاني" للزجاجي ص 65، و"معاني الحروف" للرماني ص 115، و"المغني" لابن هشام 1/ 74، والأظهر هنا قول الجمهور أنها على بابها للغاية، أي: ليجمعنكم منتهين إلى يوم القيامة. وقيل: هي بمعنى في، وقيل: بمعنى اللام، وقيل: زائدة. انظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 131، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 139، والرازي في "تفسيره" 12/ 166، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 395، و"البحر" 4/ 82، و"الدر المصون" 4/ 550.]]، وهذا القول غير ما قال الزجاج في ﴿إِلَى﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بالشرك بالله أوبقوا أنفسهم، وكانوا كمن خسر شيئًا يهلكه. واختلفوا في إعراب ﴿الَّذِينَ﴾، فزعم الأخفش [["معاني الأخفش" 2/ 269، وهو قول الطبري في "تفسيره" 11/ 281.]]: (أن موضعه نصب على البدل من الضمير في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، والمعنى: ليجمعن هؤلاء المشركين ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾) [[هنا وقع اضطراب في نسخة (أ) ص 102 حيث جاء باقي التفسير في 103 ب.]]. قال أبو إسحاق: (والذي عندي أن قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في موضع رفع على الابتداء، وخبره: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأن قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مشتمل على الجميع، على ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وغيرهم [["معاني الزجاج" 2/ 232، وهو اختيار أكثرهم. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 538، و"المشكل" 1/ 247، و"غرائب الكرماني" 1/ 354، و"البيان" 1/ 315، و"التبيان" 1/ 325. وقال الهمداني في "الفريد" 2/ 126: (هذا فيه تأخير السبب وتقديم المسبب، فالأحسن كونه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين، والفاء على هذا للعطف) ا. هـ. بتصرف. وأكثرهم ضعف الوجه الأول؛ لأن القاعدة العامة عند النحاة ألا يبدل مظهر من مضمر بدل كل من غير إحاطة وشمول، وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مشتمل على سائر الخلق الذين خسروا أنفسهم، فلا وجه لاختصاصه بهم، ولا يقال: رأيتك زيدًا على البدل؛ لأن ضمير المخاطب في غاية الوضوح، فلا حاجة إلى البدل منه، أفاده الهمداني في "الفريد" 2/ 126، و"السمين" 4/ 551. وانظر: "الكتاب" 2/ 385 - 389، و"المقتضب" 4/ 295 - 298، و"الأصول" 2/ 304 - 305، و"المقرب" 1/ 242، و"البحر" 4/ 82.]]. والفاء في قوله ﴿فَهُمْ﴾ [[ذكر هذا القول كل من رجح قول الزجاج. وانظر: "تفسير ابن عطية" 6/ 13، والرازي 12/ 166.]] تضمن [[في (ش): (يتضمن).]] معنى الشرط والجزاء كقولهم: الذي يكرمني فله درهم، دخلت الفاء؛ لأن الدرهم وجب بالإكرام، فكأن الإكرام شرطًا والدرهم، جزاء، كما تقول: من يأتني فله درهم [[الفاء تربط شبه الجواب بشبه الشرط، فيجوز دخول الفاء في خبر الموصول. انظر: "معاني الأخفش" 1/ 187، و"الأصول" 2/ 272، و"المغني" 1/ 165.]]. ويجوز أن يقال: إن الفاء زائدة، فإنها تزاد في مواضع، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 171 ب و1/ 223 أ.]]. من ذلك قولهم: زيدًا فاضرب، وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)﴾ [المدثر:4: 5]، الفاء هاهنا زائدة [[هذا قول ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 1/ 258 - 260، بتصرف واختصار، وأكثرهم على أن الفاء في ﴿فَهُمْ﴾ رابطة وليست زائدة، وقد اختلف في زيادة الفاء فأجازه الرماني في "معاني الحروف" ص 43 - 47 وابن هشام في "المغني" 1/ 165 - 166. وقال ابن هشام في "الإعراب عن قواعد الإعراب" ص 198 - 109: (وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف في كتاب الله تعالى إنه زائد؛ لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزه عن ذلك، والزائد عند النحويين معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد لا المهمل، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة، وبعضهم يسميه لغوًا، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب) ا. هـ. وانظر: "البرهان" للزركشي 1/ 305، و"الدر المصون" 5/ 263، و"موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب" لخالد الأزهري ص 167 - 170.]].

الأنعام 6:13

وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال الكلبي: (إن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ: قد علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجة فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تكون من أغنانا فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [["تنوير المقباس" 2/ 7، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 176 أ، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 216، عن الكلبي عن ابن عباس، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 9 - 10، عن ابن عباس.]]. قال ابن الأعرابي [[ابن الأعرابي: محمد بن زياد الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله الأعرابي الكوفي، إمام ورع ثقة كثير السماع والرواية عالم باللغة والنحو والأدب والتاريخ والنسب، له كتب منها: "النوادر"، و"معاني الشعر"، و"تاريخ القبائل"، و"تفسير الأمثال". توفي سنة 231 هـ. وله 80 سنة. "طبقات الزبيدي" ص 195، و"تاريخ بغداد" 5/ 282، و"إنباه الرواة" 3/ 128، و"معجم الأدباء" 18/ 189، و"سير أعلام النبلاء" 10/ 687.]]: (وله ما حل في الليل والنهار) [[تهذيب اللغة 2/ 1724 (سكن).]]، وهذا موافق لقول ابن عباس: (وله ما استقر في الليل والنهار من خلق) [["تنوير المقباس" 2/ 7، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 16.]]. قال أبو العباس أحمد [[تقدمت ترجمته.]]: (أراد الساكن من الناس والبهائم خاصة، وسكن: هذا بعد تحرك، وإنما معناه -والله أعلم- الخلق) [["تهذيب اللغة" 2/ 1724 (سكن).]]؛ وهذا مذهب جماعة أن المراد بهذا ما كان من ذي روح، وبه قال مقاتل: (وله مما استقر في الليل والنهار من الدواب والطير في البر والبحر) [["تفسير مقاتل" 1/ 552.]]. قال أبو روق (من الخلق ما يستقر نهارًا وينتشر ليلاً، ومنها ما هو على الضد) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 176 أ، وهو قول مقاتل 1/ 552.]]. وقال بعضهم: (هذا عام في جميع المخلوقات؛ لأنه لا شيء من خلق الله إلا وهو ساكن في الليل والنهار، على معنى أنهما يشملانه ويمران عليه) [[(عليه) ساقط من (أ)، وقال القرطبي في "تفسيره" 6/ 396: (هذا أحسن ما قيل؛ لأنه يجمع شتات الأقوال) ا. هـ.]]، وهذا مذهب عبد العزيز بن يحيى [[عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم الكناني المكي، إمام فاضل فقيه مناظر من تلاميذ الشافعي، يُنسب له كتاب "الحيدة" مطبوع. توفي سنة 240 هـ انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 449، و"ميزان الاعتدال" 2/ 639، و"طبقات السبكي" 2/ 144، و"طبقات الأسنوي" 1/ 41، و"تهذيب التهذيب" 2/ 598، و"الأعلام" 4/ 29.]] ومحمد بن جرير [[محمَّد بن جرير الطبري صاحب التفسير.]] [["تفسير الطبري" 7/ 158.]]؛ قال عبد العزيز: (كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكني الليل والنهار) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 176 أ.]]؛ وعلى هذا ليس المراد بالسكون في الآية الذي هو ضد الحركة، بل المراد به الحلول، كما قاله ابن الأعرابي من قولهم: فلان [[انظر: "العين" 5/ 312، و"الجمهرة" 2/ 855، و"الصحاح" 5/ 2136، و"مقاييس اللغة" 3/ 88، و"المفردات" ص 417، و"اللسان" 4/ 2052 (سكن).]] يسكن بلد كذا إذا كان يحله [[هذا القول هو الراجح عند أكثر المفسرين. انظر: الزمخشري في "الكشاف" 2/ 8، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 141، والرازي في "تفسيره" 12/ 168، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 396، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 141. وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 16، عن أهل المعاني.]]. وقال جماعة من أصحاب المعاني: (في الآية محذوف، والتقدير: وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار، كقوله تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] أراد: الحر والبرد، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر؛ لأنه يعرف ذلك بقرينته، كذلك هاهنا حذف ذكر الحركة واقتصر على السكون؛ لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة [[لم أجده بنصه في كتب المعاني ولكن معناه عند أكثرهم. انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 97، و"غرائب التفسير" للكرماني 1/ 354، و"تفسير البغوي" 1/ 131، و"زاد المسير" 3/ 10، و"البحر المحيط" 4/ 83 - 84، و"الدر المصون" 4/ 553 - 554، و"تفسير البيضاوي" 1/ 134.]]. قال أبو إسحاق: (هذا أيضًا احتجاج على المشركين؛ لأنهم لم ينكروا أن ما استقر في الليل والنهار لله الذي هو خالقه ومدبره، والذي هو كذلك قادر على إحياء الموتى) [["معاني القرآن" 2/ 232، وذكر نحوه النحاس في "معانيه" 2/ 405.]].

الأنعام 6:14

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما، ابتدأ على غير مثال سبق، والفطرة ابتداء الخلقة. قال ابن عباس: (كنت ما أدري ما فاطر السموات حتى احتكم إلى أعرابيان في بئر، قال أحدهما: أنا فطرتها، وأنا ابتدأت حفرها) [[أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 206، وفي "غريب الحديث" 2/ 388، والطبري في "تفسيره" 7/ 159، قال ابن حجر في "الكافي الشافي" ص 61، والمناوي في "الفتح السماوي" 2/ 602: إسناده حسن ليس فيه إلا إبراهيم بن مهاجر. ا. هـ. وإبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي مختلف فيه، قال ابن حجر في "التقريب" (254): صدوق لين الحفظ. ا. هـ. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص 44 من طريق آخر ضعيف، ومن طريق إبراهيم بن مهاجر أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1269 عن ابن عباس قال: فاطر السموات والأرض، == أي: بديع السماوت والأرض. ا. هـ وذكر الأول أكثرهم. انظر: "الجمهرة" 2/ 755، و"الصحاح" 2/ 781، (فطر)، و"تفسير الثعلبي" ص 176/ أ، و"تفسير الماوردي" 2/ 97، و"تفسير ابن عطية" 5/ 141، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 11، والرازي في "تفسيره" 12/ 168.]]. وقرأت على أبي الفضل العروض -رحمه الله [[أبو الفضل العروضي: أحمد بن محمد بن عبد الله الصفار، إمام تقدمت ترجمته.]] - فقلت: أخبركم الأزهري قال: أخبرني المنذري [[المنذري: محمد بن أبي جعفر المنذري، أبو الفضل الهروي، تقدمت ترجمته.]] عن أبي العباس أنه سمع ابن الأعرابي يقول: (أنا أول من فطر هذا، أي: ابتدأه) [["تهذيب اللغة" 13/ 326 (فطر).]]. وقال ابن الأنباري [[ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 168.]]: (أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه) [[أهل اللغة والتفسير على أن الفطر بمعنى الشق والخلق والإنشاء. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 187، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 134، و"الجمهرة" 2/ 755، و"المجمل" 3/ 723، و"مقاييس اللغة" 4/ 510، و"اللسان" 6/ 3432 (فطر). وقال السمين في "الدر" 4/ 556: (الفطر: الشق مطلقًا، وقيده الواحدي بشق الشيء عند ابتدائه) ا. هـ. وأكثرهم قيده بذلك. انظر: "العين" 7/ 417، و"تفسير غريب القرآن" ص 1/ 151، والطبري في "تفسيره" 1/ 159، و"نزهة القلوب" ص 352، و"الصحاح" 2/ 781، (فطر) "تفسير الماوردى" 2/ 98، و"النهاية" لابن الأثير 3/ 357.]]. وقوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يريد: خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يكون فيه الشق والتأليف عند ضم بعض الأشياء إلى بعض، فلما كان الأصل للشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح وفي حال أخرى شق إفساد، ففاطر السموات من الإصلاح لا غير، وقوله: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: 3]، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1] من الإفساد، وأصلهما واحد [[ذكر نحوه الزجاج في "معانيه" 2/ 233، والراغب في "المفردات" ص 640، والرازي في "تفسيره" 12/ 169.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ قال السدي: وهو يرزق ولا يُرْزَق. [[أخرجه الطبري 7/ 159، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1270 بسند جيد.]] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: وقيل لي ذلك وصارت ﴿أُمِرْتُ﴾ [[(أمرت) ساقط من: (ش).]] بدلاً من ذلك؛ لأنه حين قال: ﴿أُمِرْتُ﴾ أخبر أنه قيل له ذلك، فقوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوف على ما قبله في المعنى؛ لأن معنى ﴿أُمِرْتُ﴾: قيل لي [[هذا قول الأخفش في "معانيه" 2/ 270، والطبري في "تفسيره" 4/ 159، وذكره أكثر أهل التفسير. انظر: "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 354، والزمخشري في "تفسيره" 2/ 8، والبغوي في "تفسيره" 3/ 132، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 143، و"زاد المسير" 3/ 11، و"التبيان" للعكبري 1/ 326، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 397، و"البحر المحيط" 4/ 86، و"الدر المصون" 4/ 558.]]. والآية حجة على المشركين من جهة أن من يُطْعَم هذا العالم الذي فطره، ولا يُطْعَم لغناه عن كل شيء، فواجب أن يستنصر منه ويؤمل النفع منه لا من غيره [[هذا معنى قول الزجاج في "معانيه" 2/ 233.]].

الأنعام 6:16

قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾ وقرأ [[قرأ حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم (يَصْرِفْ) بفتح الياء وكسر الراء، وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الراء. انظر: "السبعة" ص 254، و"المبسوط" ص 166، و"التذكرة" 2/ 375، و"التيسير" ص 101، و"النشر" 2/ 257.]] حمزة والكسائي ﴿يُصْرَفْ﴾ بفتح الياء وكسر الراء، وفاعل الصرف على هذه القراءة الضمير العائد إلى ﴿رَبِّي﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾، على تقدير: من يصرف هو يومئذ عنه العذاب. وحجة هذه القراءة قوله فيما بعده: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، فلما كان ما بعده فعلًا مسندًا إلى ضمير اسم الله سبحانه، وجب أن يكون هذا أيضاً مسندًا إليه، ليتفق الفعلان في الإسناد إلى هذا الضمير، والضمير العائد إلى العذاب محذوف، والمعنى: من يصرف عنه كما هو في قراءة أُبيّ (من يصرفه) [[ذكرها أكثرهم، ففي "الحجة" لأبي علي 3/ 286: (من يصرفه عنه)، وفي "مختصر الشواذ" ص 42، و"الكشف" لمكي 1/ 425، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 397، (من يصرفه الله عنه)، وفي "الكشاف" 2/ 9، و"البحر" 4/ 86، و"الدر المصون" 4/ 559، (من يصرف الله عنه)، وذكر ابن عطية في "تفسيره" 5/ 144، (من يصرفه الله عنه. وقيل: من يصرف الله عنه) ا. هـ.]] بإثبات الهاء، وليس حذف هذا الضمير بالسهل؛ لأن ﴿مِنْ﴾ هاهنا جزاء وليس بموصول، فيحسن حذف العائد من الصلة، على أن الضمير إنما يحذف من الصلة إذا عاد إلى الموصول نحو: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: 59] أي: بعثه واصطفاهم، ولا يعود الضمير المحذوف هاهنا إلى موصول ولا إلى ﴿مِنْ﴾ التي للجزاء، إنما يرجع إلى العذاب من قوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، والذي يحمل عليه حذف هذا الضمير من يصرفه أنه لما كان في حيز الجزاء، وكان ما في حيزه في أنه لا يتسلط على ما تقدمه بمنزلة ما في الصلة في أنه لا يجوز تسلطه على الموصول، فحسن حذف الهاء منه، كما حسن حذفها من الصلة. ومن قرأ ﴿يُصْرَفْ﴾ [[أي بضم الياء وفتح الراء.]] فالمسند إليه الفعل المبني للمفعول ضمير العذاب المتقدم ذكره. ويقوي هذه القراءة قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} [هود: 8]، ألا ترى أن الفعل بُني للمفعول به [[ما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 3/ 285 - 287، مع بعض التصرف والاختصار. وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 160، و"إعراب النحاس" 1/ 539، و"معاني القراءات" 1/ 346، و"إعراب القراءات" 1/ 152، و"الحجة" لابن خالويه ص 136، ولابن زنجلة ص 243، و"الكشف" 1/ 425، و"الدر المصون" 4/ 559.]]. قال أهل المعاني في هذه الآية: (من يصرف عنه العذاب يومئذ فقد أوجب الله له الرحمة بالثواب لا محالة، فذكر الرحمة مع صرف العذاب؛ لئلا يتوهم أنه ليس [له] [[(له) ساقط من (ش).]] إلا صرف العذاب عنه فقط) [[لم أقف على من ذكر هذا المعنى. وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 144، و"الفخر الرازي" 12/ 170.]].

الأنعام 6:17

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾ الآية [إن] [[(إن) ساقط من (ش).]] قيل: إن المس من صفة الأجسام فكيف قال: ﴿يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾؟ والجواب: أن يقال: الباء في بالضر للتعدية، والباء والألف يتعاقبان في التعدية، والمعنى: إن أمسك ضرًا أي: جعله يمسك، فالفعل للضر، وإن كان في الظاهر قد أسند إلى اسم الله تعالى كما أنك إذا قلت: ذهب عمر وزيد، كان الذهاب فعلًا لزيد غير أن عمرًا [[في (أ): (أن عمروًا).]] هو المسبب له والحامل عليه. كذلك هاهنا المس للضر، والله تعالى جعله ماسًّا [[رجح أبو حيان في "البحر" 4/ 87، والسمين في "الدر" 4/ 564، أن الباء هنا للتعدية، وذكر قول الواحدي "السمين"، وانظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 398.]]. والضر اسم جامع لكل ما يتضرر به الإنسان من فقر ومرض [[قال أهل اللغة: الضر، بالضم: سوء الحال، وبالفتح: ضد النفع. وبعضهم قال: هما لغتان. انظر: "العين" 7/ 6، و"تهذيب اللغة" 3/ 2108، و"الصحاح" 2/ 719، و"مقاييس اللغة" 3/ 360 "مجمل اللغة" 2/ 561، و"المفردات" ص 503، و"اللسان" 5/ 2573 (ضر).]] وزمانة، كما أن الخير جامع لكل ما ينتفع به الإنسان [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 960، و"الصحاح" 2/ 651، و"مجمل اللغة" 2/ 308، و"المفردات" ص 300، و"اللسان" 3/ 1300 (خير).]].

الأنعام 6:18

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ قال الليث: (القهر: الغلبة والأخذ من فوق، والله القاهر القهار، قهر [[في النسخ: -وهو خلقه- وهو تحريف، والصواب ما أثبته من نص قول الليث في في "تهذيب اللغة" 3/ 2108، وانظر: "الجمهرة" 3/ 797، و"الصحاح" 2/ 801، و"مقاييس اللغة" 5/ 35، و"المجمل" 3/ 736، و"المفردات" ص 687، و"اللسان" 6/ 3764 (قهر).]] خلقه بقدرته وسلطانه، فصيرهم على ما أراد طوعًا وكرهًا. يقال: أخذت الشيء قهرًا إذا أخذته دون رضا صاحبه). ومعنى ﴿الْقَاهِرُ﴾ في صفة الله تعالى يعود إلى أنه القادر الذي لا يعجزه شيء [[انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 38، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص82، وص 525 - 530، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص 77، و"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص 220، و"الحق الواضح المبين" للسعدي ص 75، و"شرح أسماء الله الحسنى" للقحطاني ص 128.]]. ومعنى ﴿فَوْقَ﴾ هاهنا أن قهره قد استعلى عليهم، فهم تحت التسخير والتذليل بما علاهم من الاقتدار الذي لا ينفك منه أحد [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 161، و"تفسير السمرقندي" 1/ 477، و"تفسير المارودي" 2/ 99، و"تفسير ابن عطية" 5/ 147، والقرطبي 6/ 399. وما ذكره == الواحدي مجاز وهو قول المؤولة الذين ينفون عن الله تعالى العلو الذي أثبته لنفسه، ومذهب أهل السنة والجماعة أن حقيقة الفوقية علو ذات الشيء على غيره، فالحق أنه تعالى مستعل على كل شيء بذاته وقدرته وقهره. انظر: "مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" 2/ 205 - 217.]]. و ﴿الْخَبِيرُ﴾ العالم بالشي. وتأويله: أنه العالم بما يصح أن يخبر به، والخبر [[جاء في "اللسان" 4/ 1090: (خِبر) بكسر الخاء وضمها: العلم بالشيء). وانظر: "العين" 4/ 258، و"الجمهرة" 1/ 287، و"الصحاح" 2/ 641، و"المجمل" 2/ 310، و"مقاييس اللغة" 2/ 239، و"المفردات" ص 273 (خبر).]] علمك بالشيء، تقول: لي به خبر، أي: علم، وأصله [[قال أبو علي الفارسي في "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 45 (الخبير عندنا من الخبر الذي يسمع؛ لأن معنى الخبير العالم) ا. هـ. وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 127، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص 1/ 125، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص 93، و"شرح أسماء الله الحسنى" ص 348.]] من الخبر؛ لأنه طريق من طرق العلم.

الأنعام 6:19

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ الآية، قال المفسرون: (قال أهل مكة للنبي ﷺ: ائتنا بمن يشهد لك بالنبوة، فإن اليهود والنصارى ينكرونك [[في (ش): (ينكرون)، وهو تحريف.]]، فنزلت هذه الآية [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 477، و"تفسير الثعلبي" 176 أو"تفسير الماوردي" 2/ 100، و"أسباب النزول" للواحدي ص 216، و"تفسير البغوي" 3/ 13، و"تفسير الرازي" 12/ 175، وأكثرهم ذكره عن الكلبي، وبعضهم عن ابن عباس والحسن.]]. قال أصحاب المعاني: (في هذه الآية دلالة أن (شيئًا) من أسماء الله [[في (ش): (الله تعالى).]] عز وجل، وأنه يجوز أن يسمى شيئًا؛ لأن قوله: ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ جاء جوابه ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [[انظر: "غرائب الكرماني" 1/ 355 - 356، و"تفسير ابن عطية" 5/ 150، و"تفسير الرازي" 12/ 176، وقال البخاري في "صحيحه"، و"كتاب التوحيد"، باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾، وسمى الله تعالى نفسه شيئًا ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ ا. هـ. وانظر: شرحه في "فتح الباري" 13/ 402، وحكى الغزالي في "المقصد الأسنى" ص 148، والرازي في "شرح أسماء الله الحسنى" ص 354، الاتفاق على ذلك. (والظاهر أنه من باب الإخبار فيصح أن يخبر عنه بالشيء لكنه شيء كامل، ولا يقال شيء على سبيل الإطلاق فقط، فهو ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه لا بد أن تتضمن أسماء الله معاني حسنى، لكن يصح أن يخبر عن الله بأنه شيء، ولكن لا يدعى به ولا يسمى به): أفاده ابن تيمية في "لفتاوى" 6/ 73، وابن القيم في "بدائع الفوائد" 1/ 162، ومحمد بن صالح العثيمين في "شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري" ص 101.]]، ومعنى الشهادة البينة من طريق المشاهدة، ونظم هذه الآية مثل نظم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الأنعام: 12]، وقد ذكرناه [[جاء في النسخ (وقد ذكرنا) ثم صحح في أعلى السطر من (أ).]]. وقال مجاهد: (أمر أن يسأل قريشًا، ثم أمر أن يخبرهم فيقول: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾) [["تفسير مجاهد" 1/ 212، وأخرجه الطبري 7/ 162، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1271، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 2/ 43، من طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 12.]]. وقال أبو إسحاق: (أمر الله عز وجل نبيه بأن يحتج عليهم ويعلمهم أن شهادة الله عز وجل بأنه واحد، وإقامة البراهين في توحيده ونبوة نبيه أكبر شهادة، وأن القرآن الذي أتى به يشهد له أنه رسول الله، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: الله الذي اعترفتم بأنه خالق السموات والأرض والظلمات والنور). [["معاني الزجاج" 2/ 234.]] وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾، هذا احتجاج للنبي ﷺ على من أنكر نبوته؛ لأنه لم يأت أحد بمثله في إخباره عما سيكون وكان حقًّا، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]، فعصمه حين لم يقتل مع تظاهر أعدائه عليه، وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] ثم أظهر دين الإِسلام على سائر الأديان، وقال لليهود -وكانوا أعز قوم في وقتهم-: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: 61]، فهم أذلاء إلى يوم القيامة [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 234.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ قال ابن عباس: (يريد من أمتي إلى يوم القيامة) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 20، بلا نسبة، وأخرج الطبري 7/ 163، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1271، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 24 بسند جيد عنه في الآية قال: (يعني أهل مكة ومن بلغه هذا القرآن فهو له نذير) ا. هـ.]]. قال الفراء: (والمعنى: ومن بلغه القرآن من بعدكم. و ﴿بَلَغَ﴾: صلة لمن، ونصبت ﴿مَنْ﴾ بالإنذار) [["معاني الفراء" 1/ 329.]]، والعائد إلى الموصول محذوف [[هذا قول الجمهور والتقدير: ولأنذر الذي بلغه القرآن، حذف العائد لاستعمال العرب ذلك ولدلالة الكلام عليه. انظر: "تفسير الطبري" 7/ 163، و"إعراب النحاس" 2/ 58، و"المشكل" 1/ 247، ابن عطية 5/ 151، و"البحر" 4/ 91، و"الدر المصون" 4/ 568.]]، كقولك: الذي رأيت زيد، ومن ضربت عمرو، وقد مرَّ قبيل، والعلماء على أن من بلغته آية من كتاب الله فهو ممن بلغته الدعوة [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 163، والبغوي 3/ 133، وابن كثير 2/ 142.]]. وكان مجاهد يقول: (حيث ما يأتي القرآن فهو داع ونذير)، ثم يقرأ هذ الآية [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 163، بسند ضعيف، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 176 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 20، والسيوطي في "الدر" 3/ 13.]]. وقال القرظي [[تقدمت ترجمته.]]: (من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدًا ﷺ وسمع منه) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 163، وابن أبي حاتم 4/ 1271 من طرق يقوي بعضها بعضًا، وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 231، عن محمد بن كعب. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 13.]]. وقال النحاس [[هو: أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي، أبو جعفر المصري المشهور بالنحاس.]]: ([و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ش).]] فيه قول آخر: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] من احتلم) [["معاني النحاس" 2/ 406، و"إعراب النحاس" 1/ 539، و"القطع والائتناف" 1/ 221، وذكر هذا القول مكي في "المشكل" 1/ 247، وابن عطية 5/ 152، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 399.]]، فلا يكون إضمار الهاء. والعلماء [[انظر: الطبري 16317، والسمرقندي 1/ 477، والماوردي 1/ 514، والرازي 12/ 178، و"البحر" 4/ 91.]] والمفسرون على القول الأول [وهو منفرد بهذا القول [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]]. وقوله تعالى: ﴿[أَئِنَّكُمْ] [[جاء في النسخ (قل أئنكم) بزيادة قل، وهو تحريف.]] لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ هذا استفهام معناه الجحد والإنكار. وقال الفراء: (ولم يقل أُخر؛ لأن الآلهة جمع، والجمع يقع عليه التأنيث، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: 180]، وقال: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: 51]، ولم يقل: الأول، ولا الأولين؛ وكل ذلك صواب) [["معاني القرآن" للفراء 1/ 329، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 163، و"البحر المحيط" 4/ 92.]] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ إلى آخر الآية، قال العلماء: (المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين، ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام) [[انظر: "تفسير الرازي" 12/ 179، و"الخازن" 2/ 125.]]. ونص الشافعي على استحباب ضم التبرؤ إلى الشهادة لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ عقيب أمره نبيه ﷺ بالتوحيد [[ذكره في "روضة الطالبين" 7/ 301، عن الشافعي، وزاد: (وقال في موضع: إذا أتى بالشهادتين صار مسلمًا؛ وليس هذا باختلاف قول عند جمهور الأصحاب، بل يختلف الحال باختلاف الكفار وعقائدهم) ا. هـ وانظر: "المغني" لابن قدامة 12/ 288 - 291، و"نيل الأوطار" 7/ 230 - 235.]].

الأنعام 6:20

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ الآية، نصف هذه الآية مفسر في سورة البقرة، والنصف الثاني مفسر في هذه السورة. وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: يعرفونه بالنبوة والصدق، بما يجدونه [[في (أ): (لما يجدونه).]] مكتوبًا عندهم في صفته ونعته، والمراد بهؤلاء الذين يعرفونه: اليهود والنصارى، و ﴿الْكِتَابَ﴾: التوراة والإنجيل، وهذا قول ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 9، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 1/ 158.]] والحسن [[ذكره الماوردي 2/ 100، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 400.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 206، وابن أبي حاتم 4/ 1272 بسند جيد.]] وابن جريج والسدي [[أخرجه الطبري 7/ 164، من طرق جيدة عن قتادة وابن جريج والسدي. وهذا هو قول الجمهور ورجحه أكثرهم. انظر: "معاني الفراء" 1/ 329، و"النحاس" 2/ 407، و"تفسير السمرقندي" 1/ 478، والبغوي في "تفسيره" 3/ 134، والزمخشري 2/ 10، وابن الجوزي في "تفسيره" 12/ 14، والرازي في "تفسيره" 12/ 179، وبعضهم حمله على العموم أي يعرفون التوحيد والقرآن ونبوة محمد ﷺ. وهو اختيار الطبري 7/ 164، وابن كثير 2/ 143، وأفاد ابن عطية 5/ 154، والسمين في "الدر" 4/ 570، صحة عودة الضمير على الكل دون تخصيص، كأنه قيل: يعرفون ما ذكرنا وقصصنا. وانظر: الماوردي 2/ 100، و"البحر" 4/ 92.]]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال الزجاج: (﴿الَّذِينَ﴾ يجوز أن يكون رفعًا على نعت: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وجائز أن يكون على الابتداء، ويكون ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبره، قال: والأشبه أن يعني بالذين خسروا أنفسهم أهل الكتاب، وجائز أن يُعنى به جملة الكفار) [["معاني الزجاج" 2/ 235، ومثله ذكر النحاس في "إعرابه" 1/ 539، والرازي في "تفسيره" 12/ 179، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 400، ورجح الطبري 7/ 164، الوجه الأول، والسمين في "الدر" 4/ 570، الوجه الثاني، وانظر: "المشكل" 1/ 247، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 155، و"التبيان" 1/ 327، و"الفريد" 2/ 133، و"البحر" 4/ 93، وأفاد أبو حيان والسمين (أن الفاء في قوله ﴿فَهُمْ﴾ على الوجه الأول لعطف جملة اسمية على مثلها، والمراد بالذين خسروا أهل الكتاب خاصة، وعلى الوجه الثاني الفاء رابطة لما عرف من شبه الموصول بالشرط، والمراد بالذين خسروا جملة الكفار من أهل الكتاب وغيرهم).]].

الأنعام 6:21

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قال ابن عباس: (ومن أكفر ممن اختلق على الله كذبًا فأشرك به الآلهة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 21، وفي "تنوير المقباس" 2/ 9 - 10، نحوه.]]. وقال أهل المعاني: (هذا استفهام معناه الجحد، أي: لا أحد أظلم منه؛ لأن جوابه كذلك، فاكتفى من الجواب بما يدل عليه، والمراد بالمفتري على الله الكذب الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [[انظر: الطبري 7/ 165، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 478، و"المشكل" 1/ 247، و"البيان" 1/ 316، والبغوي في "تفسيره" 3/ 135، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 156.]] [الأعراف: 28]. وقوله تعالى ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: (يعني القرآن ومحمدًا) [["تنوير المقباس" 2/ 10.]]. وقال أصحاب المعاني: (المكذّب بآيات الله الجاحد لها بقوله ما نصب الله آية على نبوة محمد ﷺ كاليهود والنصارى الذين كذبوا بالقرآن ومعجزاته) [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 165، و"القرطبي" 6/ 401، و"تفسير الخازن" 2/ 125.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد لا يسعد من جحد بربوبية ربه وكذب رسله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 21.]]. وقال أهل المعاني: (معنى ﴿لَا يُفلِحُ﴾: لا يظفر بطلبه من النجاة في آخرته، ومن لم يظفر بالنجاة هلك بالعذاب) [[الفلاح في اللغة: الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير. انظر: "العين" 3/ 233، و"الجمهرة" 1/ 555، و"تهذيب اللغة" 3/ 2826، و"الصحاح" 1/ 392، == و"المجمل" 3/ 705، و "مقاييس اللغة" 4/ 450، و"المفردات" ص 644، و"اللسان" 2/ 547 (فلح).]]. والمراد بالظالمين الذين وصفوا بالافتراء على الله والتكذيب بآياته، بين أنهم ظالمون لأنفسهم بإهلاكهم إياها.

الأنعام 6:22

وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف على معنى: واذكر يوم نحشرهم. وقيل [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 7/ 165، وعليه يكون الكلام متصلاً، وقال الكرماني في "غرائبه" 1/ 356: (هذا قول غريب)، وأكثرهم على أن قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كلام مستأنف. وانظر: "القطع والائتناف" 1/ 221، و"المكتفي" للداني ص 248، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 156، و"التبيان" 1/ 327، و"الفريد" 2/ 133، و"البحر" 4/ 94، و"الدر المصون" 4/ 571.]]: (إنه معطوف على محذوف، كأنه قيل: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أبدًا ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾). وقوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ اختلفوا في وجه هذا السؤال فقال مقاتل: (إن المشركين في الآخرة لما رأوا تجاوز الله تعالى عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض: إذا سئلتم فقولوا: إنا موحدون، فلما جمعهم الله قال [لهم] [[لفظ: (لهم) ساقط من (ش).]]: (﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾) [["تفسير مقاتل" 1/ 555.]]، فعلى هذا إنما سئلوا ليعلموا أن الله تعالى يعرف أنهم أشركوا به في دار الدنيا، وأنه لا ينفعهم الكتمان. وقال غيره من المفسرين: (إن المشركين كانوا يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، فقيل لهم يوم القيامة: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنها تشفع لكم)، فكأن معنى هذا السؤال التوبيخ [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 165، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 478، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 16، والقرطبي 6/ 401.]]؛ لأنه سؤال في وقت الحاجة إلى الإغاثة عمن كان يدعي أنه يغيث، وأضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم اتخذوها وافتعلوها من عند أنفسهم، ومعنى ﴿تَزْعُمُونَ﴾: تكذبون [[الزَّعْم: القول من غير صحة ولا يقين، وقال الراغب في "المفردات" ص 380 (الزعم حكايته قول يكون مظنة للكذب، ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذم القائلون به ا. هـ. وانظر: "العين" 1/ 364، و"تهذيب اللغة" 2/ 1532، و"الصحاح" 5/ 1941، و"مقاييس اللغة" 3/ 10، و"اللسان" 3/ 1834 (زعم).]]. قال ابن عباس: (وكل زعم في كتاب الله كذب) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 181، والقرطبي 6/ 401، وأبو حيان في "البحر" 4/ 94.]]. والعائد إلى الموصول من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ محذوف، والتقدير ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شفعاء، فحذف مفعول الزعم، لدلالة الكلام، وإحالة [[في (ش): (وحاله)، وهو تحريف.]] السؤال عليه [[انظر: "غرائب الكرماني" 1/ 356، و"التبيان" 1/ 327، و"الفريد" 2/ 133، و"البحر" 4/ 94، و"الدر المصون" 4/ 572.]].

الأنعام 6:23

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [[في (أ): (ثم لم يكن فتنتهم) قرئ (تكن) الأولى بالياء والثاني بالتاء.]] قرئ ﴿يَكُنْ﴾ بالياء والتاء، و (فتنتهم) رفعًا ونصبًا [[قرأ حمزة والكسائي (يكن) بالياء على التذكير، وقرأ الباقون بالتاء على التأنيث، وقرأ ابن عامر وابن كثير وحفص عن عاصم (فتنتهم) برفع التاء، وقرأ الباقون == بالنصب. انظر: "السبعة" ص 254 - 255، و"المبسوط" ص 167، و"التذكرة" 2/ 395، و"التيسير" ص 101 - 102، و"النشر" 2/ 257]]. وجملة القول في هذا أنه يجوز تذكير الفتنة؛ لأنه بمعنى الافتتان، ويجوز تأنيث ﴿أَنْ قَالُوا﴾ لوجهين: أحدهما: أنه بمعنى المقالة، والثاني: أن قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ هو الفتنة في المعنى؛ لأن ذلك القول هو فتنتهم، فإذا أسند الكون إليه جاز تأنيثه، كقوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160]، فأنث الأمثال وواحدها مثل، حيث كانت الأمثال هاهنا في المعنى [[في (ش): (في معنى).]] الحسنات، ومثل هذا في الشعر قول لبيد: منهُ إذا هِيَ عَرَّدَتْ إقْدامُها [["ديوان لبيد بن ربيعة" ص 170، و"جمهرة أشعار العرب" 132، و"الخصائص" 2/ 415، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 13، و"مقاييس اللغة" 4/ 305، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 197، و"الإنصاف" 2/ 620، و"اللسان" 5/ 2872 (عرد)، و"الدر المصون" 4/ 573، وصدره: قمضى وقدمها كانت عادة وقوله: قمضى أي: حمار الوحشي، وقدمها أي: الآتان، وعردت: حادث عن الطريق، وأصل التعريد: الفرار، وإقدامها: تقدمها. والشاهد: وكانت عادة إقدامها، حيث أنث كانت مع أن المسند إليه إقدمها، وهو مذكر؛ لأنه ذهب إلى تأثيث العادة، أو لأن الإقدام بمعنى التقدمة. انظر: "شرح القصائد" للنحاس 1/ 392.]] فأنث الإقدام لما كان [[لفظ: (لما كان)، مكرر في (أ).]] العادة في المعنى، وإذا كانت الفتنة مؤنثة وجاز تذكيرها، وإن قالوا: مذكر وجاز تأنيثه، وهما [[انظر: "الكتاب" 1/ 51.]] معرفتان، كان لك أن تقرأ ﴿يَكُنْ﴾ بالتاء والياء، وتجعل أيهما شئت من الفتنة. و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ الاسم أو الخبر، إلا أن الاختيار قرأه من جعل ﴿أَنْ قَالُوا﴾ الاسم دون الخبر؛ لأن ﴿أَنْ﴾ إذا وصلت بالفعل لم توصف، فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن المضمر إذا كان مع المظهر كان أن يكون الاسم أحسن، كقولك: كنت القائم، كذلك إذا كانت (أن) مع اسم غيرها كانت أن يكون الاسم أولى [[هذا معنى قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 3/ 288 - 290. وانظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 15/ 188، و"معاني القرآن" للزجاج 2/ 235، و"تفسير الطبري" 7/ 167، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 540، و"معاني القراءات" 1/ 347، و"إعراب القراءات" 1/ 153، و"الحجة" لابن خالويه ص 136، ولابن زنجلة ص 243، و"الكشف" 1/ 426، و"المشكل" 1/ 248، و"الدر المصون" 4/ 572.]]. واختلفوا في معنى الفتنة هاهنا، فالأكثرون على أن معناه: ثم لم يكن جوابهم، وذلك لأنهم حين سئلوا اختبر ما عندهم بالسؤال فلم يكن الجواب عن ذلك الاختبار [[في (ش): (الاختيار) بالياء، وهو تصحيف.]] إلا هذا القول، وهذا قول أبي العالية والقرظي [[ذكره أبو حيان في "البحر" 4/ 95 عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي.]] واختيار عبد الله بن مسلم [["تفسير غريب القرآن" ص 152، و"تأويل مشكل القرآن" ص 472.]]. قال أبو العالية: ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾: مقالتهم، وقال القرظي: (إجابتهم)، وقال قتادة [[أخرجه الطبرى في "تفسيره" 7/ 167، من طرق جيدة، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 206، والطبري في "تفسيره" بسند جيد عنه قال: (مقالتهم).]]: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ معذرتهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، وهذا راجع إلى معنى الجواب، وروي هذا القول عن ابن عباس، [ثم قال] [[(ثم قال): ساقط من (ش)، ولعل الصواب: قال.]]: ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ (يعني معذرتهم حين يسألون عن آلهتهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾) [[ذكره البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير: 8/ 286 "الفتح". في تفسير سورة الأنعام. وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1273 بسند ضعيف، وفي رواية أخرى ضعيفة قال: (حجتهم). وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 166 بسند ضعيف عنه قال: (قولهم)، وفي أخرى ضعيفة قال: (كلامهم).]]. وقال أبو إسحاق: (تأويل هذه الآية تأويل حسن في اللغة لطيف، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك، وذلك أن الله تعالى ذكر في هذه الأقاصيص التي جرت [من] [[(لفظ): (من) ساقط من (أ).]] أمر المشركين، وأنهم مفتنون بشركهم، ثم أعلم أنه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه إلا أن تبرأوا منه وانتفوا منه، فحلفوا [[في (ش): (فحلوا)، وهو تحريف.]] أنهم ما كانوا مشركين. قال: ومثل ذلك أن ترى إنسانًا يحب غاويًا فإذا وقع في هلكة بسببه تبرأ منه، فيقال له: ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه) [["معاني الزجاج" 2/ 235 - 236.]]. فالفتنة هاهنا بمعنى: الشرك والافتتان بالأوثان، ويؤيد هذا الوجه ما روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قال: (يريد شركهم في الدنيا) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 182، وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 144: (أي: لم تكن عاقبة شركهم إلا أن تبرأوا منه وأنكروه) ا. هـ.]] وهذا القول في التأويل راجع إلى حذف المضاف؛ لأن المعنى: لم تكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة، ومثله قولك: ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه، أي: عاقبة محبتك [[انظر: "تفسير الرازي" 12/ 182.]]. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ فقرئ ﴿رَبِّنَا﴾ بالنصب والخفض [[قرأ حمزة والكسائي (ربنا) بنصب الباء، والباقون بجرها. انظر: "السبعة" ص 255، و"المبسوط" ص 167، و"التذكرة" 2/ 396، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 257.]]، فمن خفض جعل الاسم المضاف وصفًا للمفرد، كقولك: رأيت زيدًا صاحبنا، وبكرًا جاركم؛ ومن نصب جعله منادى مضافًا، وفصل به بين القسم والمقسم عليه، والفصل بالنداء كثير في كلامهم، وذلك لكثرة النداء في الكلام، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: 88]. والمعنى: آتيتهم أموالاً ليضلوا فلا يؤمنوا، ففصل بالمنادي بين فعله ومفعوله [[هذا معنى قول الفارسي في "الحجة" 3/ 291، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 330، والأخفش 2/ 270، والزجاج 2/ 236، و"إعراب النحاس" 1/ 541، و"معاني القراءات" 1/ 347، و"إعراب القراءات" 1/ 153، و"الحجة" لابن خالوية ص 137. ولابن زنجلة ص 244، و"الكشف" 1/ 427، و"التبيان" 1/ 328، و"الدر المصون" 4/ 574.]]. قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: 24] قال قتادة: (باعتذارهم بالباطل) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 168، بسند جيد.]]. وقال عطاء: (بجحد شركهم في الآخرة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 22.]]. وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ عطف على قوله: ﴿انْظُرْ﴾ تقديره: وكيف، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [[أكثرهم على أن (وضل عنهم) معطوف على جملة (كذبوا)، فيكون داخلًا في حيز النظر، ويجوز أن يكون استئنافًا فلا يندرج في حيز المنظور إليه. انظر: الرازي == في "تفسيره" 12/ 185، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 402، و"البحر" 4/ 96، و"الدر المصون" 4/ 575.]] بعبادته من الأجسام والأوثان فلم تغن عنهم شيئًا، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم.

الأنعام 6:25

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ قال المفسرون [[انظر: الطبري في "تفسيره" 7/ 168، والبغوي في "تفسيره" 3/ 135.]]: (إن نفرًا من مشركي مكة -منهم النضر بن الحارث [[النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، شيطان قريش وصاحب لواء المشركين ببدر، مشرك مجاهر بالعداوة والأذي لرسول الله ﷺ. قتل في بدر سنة 2 هـ انظر: "سيرة ابن هشام" 9/ 311، 320، 321، 2/ 286، و"جوامع السير" ص 52، 147 - 148، و"الكامل" لابن الأثير 2/ 414، و"الأعلام" 8/ 33.]] وغيره- جلسوا إلى رسول الله ﷺ وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال: أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، فأنزل الله هذه الآية) [[انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 337، 338، و"تفسير الثعلبي" 176/ أ، والماوردي 2/ 103، و"الزمخشري" 2/ 11. وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 217، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 18، والرازي في "تفسيره" 12/ 185، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 405، وأبو حيان في "البحر" 4/ 97 عن ابن عباس، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 136، عن الكلبي.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، الأكنة: جمع كنان، وهو ما وقى شيئًا وستره، مثل عنان وأعنة [[انظر: "العين" 5/ 281، و"المجمل" 3/ 766، و"مقاييس اللغة" 5/ 123، و"المفردات" ص 442 (كن).]]. قال الليث: (كل شيء وقي شيئًا فهو كِنانة وكِنُّة، والفعل من ذلك كننتُ وأكننت) [["تهذيب اللغة" 4/ 3196 (كن).]]. وأنشد أبو عبيدة لعمر بن أبي ربيعة: أَينا باتَ ليلةً ... بَيْنَ غُصْنَينِ يُؤبَلُ [[ليس في ديوانه، وهما في "اللسان" 7/ 3943، (كنن) وبلا نسبة في "الجمهرة" 1/ 166، والبيت الأخير في "الصحاح" 6/ 2188، و"تاج العروس" 18/ 484، وبلا نسبة في "تفسير الطبري" 7/ 169.]] تَحتَ عَيْنِ كِنَانُ [[في (ش): (كناننا)، وهي رواية أكثرهم.]] ... ظِلُّ برْدٍ مُرَحَّلُ يعني: غطاهم الذي يكنهم [["مجاز القرآن" 8/ 188.]]. فأما ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ فقال [[في (ش): (قال).]] الزجاج: (موضع ﴿أَنْ﴾ نصب على أنه مفعول له، والمعنى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾؛ لكراهة ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، فلما حذفت اللام نصبت الكراهة، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى ﴿أَنْ﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 236، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 541، و"البيان" 1/ 317، و"التبيان" 1/ 328، و"الفريد" 2/ 135، و"البحر" 4/ 97، و"الدر المصون" 4/ 577.]]. وقوله تعالى: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، قال ابن السكيت: (الوقر [[قال الطبري 7/ 170: (الوقر عند العرب بفتح الواو: الثقل في الأذن، وبكسرها: الحمل) ا. هـ انظر: "مجاز القرآن" 1/ 189، و"معاني الأخفش" 2/ 272، و"الجمهرة" 2/ 796، و"الصحاح" 2/ 848، و"المجمل" 3/ 933، و"مقاييس اللغة" 6/ 132، و"المفردات" ص 880، و"اللسان" 8/ 4889، (وقر).]]: الثقل في الأذن، يقال: قد وقرت أذنه توقر، فهي موقورة. ويقال: اللهم قر أذنه، ويقال أيضًا: قد وقرت أذنه توقر وقرًا) [["إصلاح المنطق" ص 3 - 4، و"تهذيب اللغة" 4/ 3931 (وقر).]]. وأنشد الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 237.]]: وِكَلاَمٍ سيِّئٍ قَدْ وُقِرَت ... أذُنِي عَنْهُ وَمَا بي مِنْ صَمَمْ [[الشاهد للمثقب العبدي في "ديوانه" ص 230، و"المفضليات" ص 294، وبلا نسبة في "العين" 5/ 206، و"معاني الأخفش" 2/ 272، و"الصاحبي" ص 437، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 162، وابن الجوزي 3/ 19.]] فأما التفسير فقال ابن عباس: (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (يعني القرآن، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ غطاء كي لا يعوه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 23، وفي "تنوير المقباس" 2/ 11، نحوه.]]. وقال السدي: (يعني الغطاء يكن قلوبهم فلا يعرفون الحق) [[أخرجه الطبري 7/ 169، وابن أبي حاتم 4/ 1275 بسند جيد.]]. وقال الحسن: (﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ لئلا يقبلوه، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: 7]، أي: لا يقبلون عن الله تعالى) [[لم أقف عليه.]]. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ قال ابن عباس: (صممًا) [["تنوير المقباس" 2/ 11، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 23.]]. وقال الضحاك: (ثقلًا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 23.]]. وقال قتادة: (يسمعون [[في (أ): (يستمعون).]] بآذانهم فلا يفقهون منه شيئًا، كمثل البهيمة تسمع القول ولا تدري ما يقال [[في (ش): (ما يقول).]] لها) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 209، والطبري في "تفسيره" 7/ 170، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1276، بسند جيد.]]. قال أبو إسحاق: (وإنما فعل بهم [[في (ش): (وإنما فعل ذلك بهم).]] ذلك مجازاة لهم بإقامتهم على كفرهم، وليس المعنى أنهم لم يسمعوا ولم يفقهوا ، ولكنهم [[في (ش): (ولكن حرموا).]] حرموا الانتفاع به لما عدلوا عنه وحرفوا فكرهم عما عليهم [[كذا في النسخ، ومثله عند ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 19، وعند الزجاج 2/ 237 (عماهم عليه).]] في سوء العاقبة، فكانوا بمنزلة من لم يعلم ولم يسمع). قال أصحابنا: (وهذه الآية دلالة صريحة على أن الله تعالى يقلب القلوب، فيشرح [[في (ش): (فيشرح الصدر للهدى).]] بعضها للهدى، ويجعل بعضها في أكنة فلا يفقه صاحبه كلام الله تعالى ولا يؤمن، كما جعل على قلوب القدرية أكنة فلم يفقهوا آيات القدر، كما لم يفقه قلوب المشركين الإيمان) [[انظر: "معاني النحاس" 2/ 410، و"تفسير البغوي" 5/ 163، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 163، والرازي 12/ 186، و"البحر" 4/ 97. وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 144، في تفسير الآية: (هذه الأكنة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض معها سمعًا لا عقلاً، والتحقيق أن هذا ناشئ عن الأكنة والوقر فهو موجب ذلك مقتضاه، فمن فسر الأكنة والوقر به فقد فسرها بموجبها ومقتضاها، وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبعض من أفعالهم وهي مجعولة لله سبحانه، كما أن الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم، والله جاعله فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها وإرادتها واعتقادتها، فذلك كله مجعول مخلوق له، وإن كان العبد فاعلًا له باختياره وإرادته) ا. هـ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد كل عبرة) [[ذكر الرازي 12/ 187، عن ابن عباس في الآية قال: (وإن يروا كل دليل وحجة) ا. هـ.]]. وقال الزجاج: (أي: علامة تدلهم على نبوتك) [["معاني الزجاج" 2/ 237.]]. ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ قال ابن عباس: (لا يصدقوا بها؛ وذلك لأن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة) [[ذكره الرازي 12/ 187.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ إلى آخر الآية، فصل آخر متصل بما قبله، والمعنى: إن حالهم في البعد عن الإيمان ما ذكره الله تعالى من منعهم وصدهم عن تصديق محمد، حتى إذا جاؤوه مجادلين إياه فيقول من كفر منهم لما يسمع من القرآن: ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، قال الزجاج: (أعلم الله عز وجل مقدار احتجاجهم وجدلهم، وأنهم لا يعارضون ما احتج به عليهم من الحق، حيث قيل لهم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] إلا بأن يقولوا: هذا أساطير الأولين، ويقولون: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [المؤمنون: 38] [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 237، والنحاس 2/ 410، و"تفسير الرازي" 12/ 188.]]. فأما معني الأساطير وتفسيرها: فأصلها من السطر، وهو أن يجعل شيئاً ممتدًا مؤلفًا، ومن ذلك سطر الكتاب وسطر من شجر مغروس ونحو ذلك [[انظر: "العين" 7/ 210، و"الجمهرة" 2/ 713، 1193، و"الصحاح" 2/ 684، و"المجمل" 2/ 460، و"مقاييس اللغة" 3/ 72، و"المفردات" ص 409 (سطر).]]. قال ابن السكيت: (يقال: سَطْر، وسَطَر فمن قال: سَطْر فجمعه في القليل أَسْطر والكثير سُطُور، ومن قال: سَطَر جَمَعَه أسطاراً) [["إصلاح المنطق" ص 95، و"تهذيب اللغة" 2/ 1683، وأفاد أكثرهم: (أن سطر بسكون الطاء جمعه في القلة أسطر وفي الكثرة سطور، وبفتح الطاء جمعه == أسطار؛ لأن فعل بالسكون يجمع في القلة على أفعل وبالفتح على أفعال). انظر: "البيان" 1/ 317، و"التبيان" 328، و"الفريد" 2/ 135، و"البحر" 4/ 98.]]. ثم أساطير جمع الجمع، قاله اللحياني. [قال] [[(قال) ساقط من (ش).]]: (وواحد الأساطير أسطور وأسطورة وأسطير وأسطيرة إلى العشرة، ثم أساطير جمع الجمع) [["تهذيب اللغة" 2/ 1683، وليس فيه -أسطيرة- وهي في "اللسان" 4/ 2007 (سطر) عن اللحياني.]]. واختار الزجاج أن يكون واحدها أسطورة مثل أحدوثة وأحاديث، قال ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: 5] [["معاني الزجاج" 4/ 58، انظر: 2/ 237.]]، وهو قول أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 189.]]، وذهب الأخفش [["معاني الأخفش" 2/ 272.]] وأبو زيد [[أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري أبو زيد البصري، تقدمت ترجمته.]] إلى أنه لا واحد لها مثل عباديد [[في (أ): (عناديد)، ولم أقف عليها، والذي في أكثر المراجع (عباديد)، والعباديد لا واحد لها من لفظها، وهي الفرق من الناس والخيل الذاهبين في كل وجه. والعباديد أيضًا: الأكام والطرق البعيدة. انظر: "القاموس" ص 296، (عبد).]] وأبابيل [[الأبابيل جمع لا واحد له، وقيل: جمع إبيل وإبول، وهي الفرق والجماعات المتفرقة والفرق التي يتبع بعضها بعضًا. انظر: "اللسان" 1/ 11 (أبل).]]، قال أبو زيد: إلا أرى الأساطير إلا من الجمع الذي لا واحد له مثل عباديد، ولا يكون هذا المثال إلا جمعًا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 24، والرازي في "تفسيره" 12/ 188، وهو نص كلام الأخفش في "معانيه" 2/ 272، وحكاه ابن دريد في "الجمهرة" 3/ 1271 عن الأصمعي، وأكثرهم على أن أساطير جمع أسطورة، ويحتمل أنه جمع أسطارة أو أسطار. انظر: "تفسير الطبري" 7/ 171، و"نزهة القلوب" ص 71، و"إعراب == النحاس" 1/ 541، و"الألفات" لابن خالويه ص 76، و"العضديات" ص 55 و"سر صناعة الإعراب" 2/ 610، و"المشكل" 1/ 248، و"عمدة الحفاظ" ص 241، و"تاج العروس" 6/ 520 (سطر).]]. ومعني ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ما سطره الأولون [[انظر: "غريب القرآن" ص 243.]]. قال ابن عباس: (أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها، أي: يكتبونها) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 171 بسند جيد.]]. فأما قول [[هذا قول أبي عبيدة في "المجاز" 1/ 189، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 479.]] من فسر الأساطير بالتُّرّهات [[التُّرّهات بالضم وفتح الراء المشددة جمع ترهة: وهي الأباطيل، وفي الأصل الطرق الصغار المتشعبة عن الطريق الأعظم. انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 437، و"الصحاح" 6/ 2229، و"اللسان" 1/ 431 (تره).]] والبسابس [[البَسَابس، بالفتح: الباطل، ويقال: ترهاتُ البسابسِ، بالإضافة. انظر: الصحاح 3/ 909، واللسان 1/ 282 (بسس).]] فهو معنى وليس بتفسير، وتفسيره ما ذكرنا [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 104، وقال الرازي 12/ 188 (الأول قول الجمهور وتفسيرها بالترهات معنى وليس بتفسير) ا. هـ. بتصرف.]]. ولما كانت أساطير الأولين مثل حديث رستم [[رستم الشديد بن دستان بن بريمان من ملوك الفرس. انظر أخباره في: "تاريخ الطبري" 1/ 504، و"الروض الأنف" 2/ 52، و"الكامل في التاريخ" 1/ 137.]] وإسفنديار [[إسفنديار بن بشتاسب: من ملوك الفرس. انظر أخباره في: "تاريخ الطبري" 1/ 562، و"الروض الأنف" 2/ 52، و"الكامل في التاريخ" 1/ 154.]] كلامًا لا فائدة فيه ولا طائل تحته فسرت أساطير الأولين هاهنا بالتُّرّهات والبسابس [[أفاد أكثرهم: (أن النضر بن الحارث صاحب أسفار وقصص، فسمع بالحيرة وغيرها قصص الأعاجم وأحاديث رستم واسفنديار، وكان يحدث بها ويقول: == أنا أحسن حديثًا من محمد، أحاديثه أساطير الأولين). انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 320، و"تفسير السمرقندي" 1/ 479، وابن عطية 5/ 164، والقرطبي 6/ 405.]]. 26 - قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ يعني: المشركين ينهون الناس عن اتباع النبي ﷺ؛ عن ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 171 بسند جيد، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 15.]] والحسن [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 521، والماوردي 2/ 104، والواحدي في "الوسيط" 1/ 25، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 405.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 171 بسند جيد.]]، فالكناية على هذا تعود إلى النبي ﷺ، وكذلك في ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يتباعدون عنه فلا يؤمنون به، وهو قول الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 12، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 25.]] قال: ينهون عن محمد ﷺ من سألهم عنه [[لفظ: (من سألهم عنه) ساقط من (ش).]] أن يقربوه ويتبعوه)، ونحو هذا قال الضحاك [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 176 ب، والواحدي في "أسباب النزول" ص 218، والبغوي في "تفسيره" 3/ 136، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 165، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 21.]] ومحمد بن الحنفية [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 171، بسند ضعيف، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 15.]]. وقال قتادة [[أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 205، والطبري في "تفسيره" 7/ 172، من طرق جيدة عنه، قال: (ينهون عنه القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه) ا. هـ. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 16.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 214، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 172 بسند جيد، عن مجاهد وابن زيد، وهو اختيار الرازي 12/ 189.]]: (ينهون عن القرآن ويتباعدون عن سماعه لئلا يسبق إلى قلوبهم العلم بصحته). والنأي: البعد، ويقال: نأى ينأى إذا بعد، وأنأيته إذا أبعدته، ويقال أيضًا [[لفظ: (أيضًا) ساقط من (أ).]]: نأيته بمعنى نأيت عنه [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 189، و"معاني الأخفش" 2/ 273، و"غريب القرآن" ص 152، و"الجمهرة" 1/ 249، و"نزهة القلوب" ص 487، و"المفردات" ص 830 (نأى).]]، وأنشد المبرد: أعاذِلُ إنْ يُصْبِح صداي بِقَفْرةٍ ... بَعِيدًا نآنِي زائِري وَقرِيبي [[الشاهد للنمر بن تولب العكلي في "طبقات فحول الشعراء" 1/ 161، و"الكامل" للمبرد 1/ 479، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 4/ 3475، و"اللسان" 4/ 4317 (نأى)، و"الدر المصون" 4/ 582. والصدى هنا ما يبقى وهو جسده الملقى والشاهد: نآني: أصله نأى عني، أي: بعد، فأخرجه مخرج المتعدي، قال المبرد 1/ 482 - 483: (وقوله. "نآني" أي: أبعدني، والأحسن أنآنى لأن الوجه في فَعَل أفْعَلته، وهو المطرد، ويكون نآني: نأى عني) ا. هـ. بتصرف.]] بمعني نأى عني. وحكى الليث: (نأيت الشيء أي أبعدته، وأنشد: إذا ما التقينا سالَ مِنْ عَبَرَاتِنا ... شآبِيبُ يُنْأى سَيْلُها بالأصابِع [[لم أقف على قائله وهو في: "العين" 8/ 392، و"الصحاح" 6/ 2499، و"المجمل" 3/ 851، و"مقاييس اللغة" 5/ 377، و"اللسان" 7/ 4314 (نأى)، و"الدر المصون" 4/ 582.]] أي: يُنحى ويبعد) [["تهذيب اللغة" 4/ 3475.]]. وقال عطاء [[عطاء هنا هو: عطاء بن دينار الهذلي مولاهم أبو الريان المصري، إمام مفسر صدوق، أخذ صحيفة في التفسير عن سعيد بن جبير ولم يسمع منه. توفي سنة 126 هـ. انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 332، و"ميزان الاعتدال" 3/ 69، و"تهذيب التهذيب" 3/ 100، و"تقريب التهذيب" (4589).]] [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 173 بسند جيد، عن عطاء بن دينار الهذلي.]] ومقاتل: (نزلت في أبي طالب، كان ينهى قريشًا عن أذى النبي ﷺ، ويتباعد عنه فلا يتبعه على دينه) [["تفسير مقاتل" 1/ 555، وهذا قول جماعة منهم سعيد بن جبير وعمر بن دينار والقاسم بن مخيمرة كما في "الوسيط" 1/ 25، و"الدر المنثور" 3/ 15، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 87، وقال: (رواه الطبراني عن ابن عباس، وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة وغيره، وضعفه يحيى بن معين وغيره) ا. هـ وأخرجه الحاكم 2/ 315، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 340، والواحدي في "أسباب النزول" ص 218 من طريق واحد عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي، وعليه يكون هذا تمثيلاً، وهو داخل في جملة الكفار، ولعل الرواية عن ابن عباس لا تصح؛ لأن السند فيه عبد الله بن منده الأصبهاني رواه عن بكر بن بكار القيسي، وبكر ضعيف كما في "لسان الميزان" 2/ 485، وابن منده ضعفه بعضهم، ولم يسمع من بكر كما يظهر من "الجرح والتعديل" 8/ 108، و"اللسان" 5/ 70، ولأن روايته بسند منقطع أقوى، فقد أخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 106، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 206، والطبري في "تفسيره" 7/ 173 ، والحاكم 2/ 315، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 340 ، من طرق صحيحة عن حبيب بن أبي ثابت عمن سمع ابن عباس وانظر: "الدر المنثور" 3/ 15.]]. قال الزجاج: (والقول الأول أشبه بالمعنى؛ لأن الكلام متصلٌ بذكر جماعة أهل الكتاب والمشركين) [[معاني الزجاج 2/ 238 - 239، وهو الأظهر والأشبه بالمعنى واختيار الجمهور.= انظر: الطبري في "تفسيره" 7/ 173، و"معاني النحاس" 2/ 410، و"تفسير ابن كثير" 2/ 144.]]، والقول الثاني عدول عن الظاهر، وما يقتضيه الكلام الأول، والوجه أن يقال: أبو طالب من هؤلاء الذين ذكرهم الله [[انظر: ابن عطية 5/ 166، و"البحر" 4/ 100.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد بتماديهم في معصية الله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبونها إلى النار بما يرتكبون من المعاصي) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 190، وانظر: الطبري في "تفسيره" 7/ 174، و"معاني النحاس" 2/ 412.]].

الأنعام 6:27

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ الآية. قال أصحاب العربية: (المراد بقوله: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ الاستقبال، وإن كان بلفظ المضي؛ لأن هذه القصة كائنة، ولما تكن بعد، وجاز لفظ المضي؛ لأن كل ما هو كائن يومًا مما لم يكن بعد، فكأنه عند الله عز وجل قد كان، لسبق علمه ونفوذ قضائه وقدره به؛ إذ علمه موجب لكونه لا محالة) [[انظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 232، و "تفسير الطبري" 7/ 174، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 118، و"تهذيب اللغة" 4/ 3937، و"المغني" لابن هشام 1/ 81، 95، وقال ابن فارس في الصاحبي ص 196: (أذ تكون للماضي ... فأما قوله جل ثنائه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ فـ (ترى) مستقبل وإذ للماضي، وإنما كان كذا لأن الشيء كائن وإن لم يكن بعد، وذلك عند الله جل ثناؤه قد كان؛ لأن علمه به سابق وقضاءه به نافذ، فهو كائن لا محالة، والعرب تقول مثل ذا وإن لم تعرف العواقب) ا. هـ. ملخصًا.]]. وأنشدوا في مثل هذا النظم [[لم أعرف قائله، وهو في: "الصاحبي" ص 196، و"المجمل" 1/ 170، == و"مقاييس اللغة" 1/ 411، والرعيل: القطعة المتقدمة من الخيل، والأرعن: الجيش العظيم، والجرار: الثقيل السير لكثرته، والصواهل: شدة الصوت والصيال.]]: ستندم إِذْ يَأتِي عَلَيْكَ رَعِيلُنَا ... بأرْعَنَ جَرَّارٍ كثير صوَاهِلُه فوضع إذ في موضع إذا. وقد [[انظر: "الأضداد" لقطرب ص 150، و"المدخل" للحدادي ص 575.]] يوضح إذا في موضع إذ كقول الشاعر [[البيت: لبرج بن مسهر الطائي في "مجاز القرآن" 1/ 21، والطبري في "تفسيره" 1/ 58، و"اللسان" 7/ 4386، (ندم)، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 280، وبلا نسبة في "الأضداد" لقطرب ص 152، ولابن الأنباري ص 199، و"الصاحبي" ص 197، و"المدخل" للحدادي ص 576، و"المغني" لابن هشام 1/ 95.]]: وَندْمَانٍ يَزِيدُ الكَأْسَ طيِبًا ... سَقَيْتُ إِذا تَعَرَّضَتِ [[جاء في (أ): علامة ضرب على (تعرضت)، ولعلها تحريف عن تغورت كما في جميع المراجع السابقة، ويروى (سقيت وقد تَغَوَّرَت). وندمان: أي نديم: وتغورت أي غارت، وتعرضت: أي أبدت عرضها للمغيب.]] النُّجُوم وقد سبق لهذا [[في (ش): (سبق لها نظائر).]] نظائر [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وُقِفُوا﴾. يقال: وقفته [[انظر: "العين" 5/ 223، و"الجمهرة" 2/ 967، و"تهذيب اللغة" 4/ 3937، و"الصحاح" 4/ 1440، و"المجمل" 3/ 934، و"المفردات" ص 881، و"اللسان" 8/ 4898 (وقف).]] وقفًا فوقف وقوفًا، كما يقال: رجعته رجعًا فرجع رجوعًا [[الفعل (وقف) متعدٍّ ولازم، وفرق بينهما بالمصدر اللازم وقوف على فعول ومصدر المتعدي وقف على فعل، وسمع في المتعدي أوقف، يقال: أوقفت عن الأمر == إذا أقلعت عنه. انظر: "إعراب النحاس" 2/ 61، و"التبيان" ص 328، و"الفريد" 2/ 136، و"الدر المصون" 4/ 584.]]. قال أبو إسحاق: (ومعنى ﴿وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: جائز أن يكون عاينوها، وجائز أن يكونوا عليها وهي تحتهم. قال: والأجود أن يكون معنى: ﴿وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ أدخلوها فعرفوا مقدار عذابها. كما تقول في الكلام: قد وقفت على ما عند فلان، تريد: قد فهمته وتبينته) [["معاني الزجاج" 2/ 239.]]، هذا كلامه. وشرح هذا أن قوله: (جائز أن يكون عاينوها) معناه: (أنهم وقفوا عندها وهم يعاينونها، فهم موقوفون على أن يدخلوا النار، وقوله: (وجائز أن يكونوا عليها وهي تحتهم) معناه: أنهم وقفوا فوق النار على الصراط، وهو جسر بين ظهري جهنم، والوجه الثالث معناه: أنهم عرفوا حقيقتها تعريفًا من قولك: وقفت فلانا على كلام فلان، أي: علمته معناه وعرفته. وجماعة يقولون ﴿عَلَى﴾ هاهنا بمنزلة [[قال ابن هشام في "المغني" 1/ 144، والسيوطي في "الاتقاق" 1/ 214: (على) تكون ظرفية كـ (في) نحو قوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: 102]، وقوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ [القصص: 15] أي في حين) ا. هـ.]] (في)، والمعنى: وقفوا في النار، كقوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: 102]-أي في ملك [[هذا قول الطبري 7/ 174، البغوي 3/ 137، ضعفه السمين في "الدر" 4/ 584، والظاهر أن ﴿عَلَى﴾ على بابها، أي: حبسوا عليها. والنار طبقات فيصح معنى الاستعلاء، وهذا هو قول الجمهور. انظر: "معاني النحاس" 2/ 412، و"تفسير السمرقندي" 1/ 479، و"تفسير الماوردي" 2/ 105، و"الكشاف" 2/ 12 ، وابن عطية 5/ 168 وابن الجوزي 3/ 22، والرازي 12/ 191، والقرطبي 6/ 408، و"البحر" 4/ 101، و"الدر المصون" 4/ 584.]]. قال أبو إسحاق: (والإمالة [[الأمالة لغة فصيحة صحيحة، وهي تقريب الفتحة نحو الكسرة والألف نحو الياء، وهي مذهب لبعض القراء كما في "السبعة" ص 149، و"المبسوط" ص 103، و"النشر" 2/ 30، وانظر: "التكملة" للفارسي ص 527، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 52، ص 63، و"المشكل" 1/ 168.]] في ﴿النَّارِ﴾ حسنة جيدة؛ لأن ما بعد الألف مكسور [[في (أ): (مكسورة).]]، وهو حرف كأنه مكرر في اللسان، فصارت الكسرة فيه كالكسرتين) [[معاني الزجاج 2/ 239، وانظر: 1/ 123، و"معاني الأخفش" 1/ 39.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يقتضي ﴿لَوْ﴾ جوابًا، وقد حذف؛ تفخيمًا للأمر وتعظيمًا، وجاز حذفه لعلم المخاطب بما يقتضي. وأشباهه كثيرة في القرآن والشعر، ولو قدرت الجواب كان على تقدير: لرأيت سوء منقلبهم أو لرأيت أسوأ حال [[حذف جواب (لو)، لدلالة المعنى عليه جائز فصيح، وهو أبلغ في التخويف؛ لأن السامع يترك مع غاية تخيله، ولو صرح له بالجواب وطّن نفسه عليه. انظر: "الكتاب" 3/ 103، و"البغوي" في "تفسيره" 3/ 137، وابن عطية 5/ 167، و"البحر" 4/ 101، و"الدر المصون" 4/ 582.]]. ومن هذا قول امرئ القيس [[امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو الكندي شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.]]: فَلَوْ أنها نَفْسٌ تَمُوتُ سويةً ... ولكنَّها نَفْسٌ تَساقَطُ أَنْفُسا [["ديوانه" ص 87، و"سر صناعة الإعراب" ص/ 648، و"اللسان" 2/ 679، (جمع) و"الدر المصون" 4/ 583، وفي المراجع -جميعة بدل سوية- والمعنى. أنه مريض لا تخرج نفسه مرة ولكنها تموت شيئًا بعد شيء.]] ولم يقل: لفنيت ولا لاستراحت [[في النسخ: (ولا لاسترحت).]]، وكذلك قول جرير: كَذَبَ العَوَاذِلُ لَوْ رَأَينَ مُنَاخَنَا ... بَحزِيز رَامَةَ والمَطِيُّ سَوَامِي [["ديوان جرير" ص 542، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 648، و"الدر المصون" 4/ 283، الحزيز: المكان الغليظ، وهو اسم لعدة أماكن في بلاد العرب. انظر: "معجم البلدان" 2/ 256، وفيه ذكر البيت وصدره عنده: ولقد نظرت فرد نظرتك الهوى والسوامي: الرافعة أبصارها وأعناقها.]] ولم يقل: لرأين ما يشجيهن ويسخن أعينهن. قال أبو الفتح الموصلي [[عثمان بن جني النحوي اللغوي إمام مشهور، تقدمت ترجمته.]]: (ذهب أصحابنا إلى أن حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره، ألا ترى أنك إذا قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك، وسكتَّ عن الجواب، ذهب تفكره [[في "سر صناعة الإعراب" 2/ 649 (وذهب بفكره).]] إلى أنواع المكروه من الضرب والقتل والكسر وغير ذلك، فتمثلت في فكره أنواع العقوبات، وتكاثرت عليه، وعظمت الحال في نفسه، ولم يدر أيها يتقي. ولو قلت: والله لئن قمت إليك لأضربنك. فأتيت بالجواب، لم يتق شيئًا غير الضرب، ولا خطر بباله نوع من المكروه سواه، وكان ذلك دون حذف الجواب؛ لأنه يوطن نفسه على المتوعّد به في الجواب إذا عرفه، ومن وطن نفسه على شيء هان. ألا ترى قول كثير [["ديوان كثير عزة" ص 55، و"تهذيب اللغة" 4/ 3911، و"الدر المصون" 4/ 583، وفيها: مصيبة بدل ملمة، وقد جاء ملمة في بعض نسخ "سر صناعة الإعراب" 2/ 649.]]: فَقُلْتُ لها: يا عَزَّ كُلُّ مُلمةٍ ... إِذا وُطّنَتْ يومًا لها النَّفسُ ذلّتِ [["سر صناعة الإعراب" 2/ 649، بتصرف يسير، وانظر: "معاني الأخفش" 1/ 136، و"المدخل" للحدادي ص 239.]] وقوله تعالي: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اختلف القراء في قوله: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ و ﴿وَنَكُونَ﴾ فقرئ رفعًا ونصبًا [[قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم: ﴿نُكَذِّبَ﴾ - ﴿وَنَكُونَ﴾ بنصب الباء والنون فيهما، وقرأ الباقون بالرفع فيهما، وقرأ ابن عامر ﴿نُكَذِّبَ﴾ بالرفع و ﴿نَكُونَ﴾ بالنصب. انظر: "السبعة" ص 255، و"المبسوط" 167، و"التذكرة" 2/ 296، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 257.]]. وللرفع وجهان: أحدهما: أن يكون معطوفًا على ﴿نُرَدُّ﴾ ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾، ﴿وَنَكُونَ﴾ داخلا في التمني دخول ﴿نُرَدُّ﴾ فيه، فعلى هذا قد تمنوا الرد، وأن لا يكذبوا، والكون من المؤمنين. [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] الوجه الثاني: أن تقطع ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ وما بعده من الأول، فيكون التقدير على هذا: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ ونحن ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ضمنوا أنهم لا يكذبون، والمعنى: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نردّ: ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي قد: عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبدًا. قال سيبويه: (هو على قولك: فإنا لا نكذّب كما تقول: دعني ولا أعود، أي: فإني ممّن لا يعود، فإنما [[في (أ): (وإنما).]] يسألك الترك، وقد أوجب على نفسه أن لا يعود، تُرك أو لم يُترك، ولم يُرد أن يسألك أن يجمع له الترك وأن لا يعود) [["الكتاب" 3/ 44، وزاد فيه: (الرفع على وجهين: فأحدهما أن يشرك الآخر الأول، والآخر على قولك: دعني ...) ا. هـ.]]. والوجهان ذكرهما الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 239، والوجهان ذكرهما أكثرهم. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 542، و"التذكرة" لابن غلبون 2/ 396، و"البيان" 1/ 318، وابن عطية 5/ 168.]]، وشرح أبو علي [["الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 293.]] كما حكيت. والوجه الثاني أقواهما [[وهو اختيار الأخفش في "معانيه" 2/ 273، و"الطبري" في "تفسيره" 7/ 175 - 176، و"النحاس في معانيه" 2/ 273، والبغوي في "تفسيره" 3/ 137، وانظر: "الخاطريات" لابن جني ص 132، و"المحتسب" 1/ 252.]] وهو أن يكون [[في (أ): (وأن لا يكون) وكأن لا ملحقة وعليها علامة تصحيح، ولعله تحريف من الناسخ؛ لأن سياق الكلام يرده.]] الرد داخلا في التمني، ويكون ما بعده إخبارًا عنهم أنهم قالوا ذلك على ما بينا. وذلك لأن الله تعالى كذبهم في الآية الثانية فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28]، وهذا يدل على أنهم أخبروا بذلك عن أنفسهم ولم يتمنوه [[في (ش): (ولم يتمنوا).]]؛ لأن التمني لا يقع فيه الكذب، إنما يقع في الخبر دون التمني. وهذا اختيار أبي عمرو [[أبو عمرو: زبان بن العلاء بن عمار بن العريان التميمي المازني البصري، تقدمت ترجمته.]]، وهو استدل بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28] على خروج التكذيب والكون من التمني [[ذكره عنه أكثرهم. انظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 293، و"الكشف" 1/ 428، و"المشكل" 1/ 249، والرازي في "تفسيره" 12/ 192، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 409، و"الدر المصون" 4/ 587.]]. ومن قرأ ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾، ﴿وَنَكُونَ﴾ نصبا، قال الزجاج: (نصب على الجواب بالواو في التمني، كما تقول: ليتك تصير إلينا ونكرمك، والمعنى: ليت مصيرك يقع وإكرامنا، ويكون المعنى: ليت ردّنا وقع وأن لا نكذب) [["معاني الزجاج" 2/ 239 - 240.]]. قال ابن الأنباري: (في نصب ﴿نُكَذِّبَ﴾ وجهان، أحدهما: أن تكون الواو مبدلة من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نُرد فلا نكذب ونكون، فتكون الواو هاهنا بمنزلة الفاء في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58)﴾ [الزمر: 58]، يؤكد هذا الوجه ما روي أن ابن مسعود وابن أبي إسحاق [[ابن أبي إسحاق: عبد الله بن زيد بن الحارث الحضرمي أبو بحر البصري، تقدمت ترجمته.]] كانا يقرآن (فلا نكذب) بالفاء منصوبًا [[ذكر قراءة ابن مسعود أكثرهم. انظر: الطبري في "تفسيره" 7/ 175، و"إعراب النحاس" 1/ 542، والحجة لابن خالويه ص 138، و"تفسير ابن عطية" 5/ 168 - 169، والرازي في "تفسيره" 12/ 192، والقرطبي، و"البحر" 4/ 102، وذكرها السمين في "الدر" 4/ 590، عن ابن مسعود، وابن أبي إسحاق، وحكى أكثرهم عن ابن أبي إسحاق أنه يقرأ: (نكذب ونكون) بالنصب بلا فاء. انظر: "الكتاب" 3/ 44، و"طبقات ابن سلام" 1/ 19 - 20، و"إعراب النحاس" 1/ 542: و"طبقات الزبيدي" ص 33.]]. قال: والوجه الآخر في نصب ﴿نُكَذِّبَ﴾ ﴿وَنَكُونَ﴾ الصرف [[يسمي الكوفيون هذه (الواو) واو الصرف، إرشادًا بصرفه عن سنن الكلام إلى أنها غير عاطفة، وشرط هذه الواو أن يتقدمها نفي أو طلب. انظر: "معاني الفراء" 1/ 33 - 34، 235، و"تفسير الطبري" 1/ 255، و"المغني" لابن هشام 2/ 361.]] ومعناه الحال، أي يا ليتنا نرد غير مكذبين، كما تقول العرب [[انظر: "الكتاب" 3/ 42.]]: لا نأكل السمك ونشرب اللبن، أي: لا يأكل السمك شاربًا للبن) [[ذكره السمين في "الدر" 4/ 590، وقال الطبري في "تفسيره" 7/ 176: (المعروف من كلام العرب النصب على الجواب بالفاء والصرف بالواو)، ونحوه قال ثعلب كما في "معاني القراءات" 1/ 349 ، وانظر: "المدخل" للحدادي ص 333.]]. وشرح أبو علي كلام أبي إسحاق في هذه القراءة، فقال: (من نصب ﴿نُكَذِّبَ﴾ ﴿وَنَكُونَ﴾ أدخل ذلك في التمني؛ لأن التمني غير موجب، فهو كالاستفهام والأمر والنهي والعرض في انتصاب ما بعد ذلك كله من الأفعال إذا دخلت عليها الفاء على تقدير ذكر مصدر الفعل الأول، كأنه في التمثيل: يا ليتنا يكون لنا رد وانتفاء التكذيب وكون من المؤمنين) [["الحجة" لأبي علي 3/ 94، وانظر: "المسائل المنثورة" ص 149، وهذا قول أكثر البصريين، انظر: "معاني النحاس" 2/ 413، و"الجمل" للزجاجي ص 194، و"المشكل" 1/ 250، و"البيان" 1/ 318، و"الفريد" 2/ 137، و"الدر المصون" 4/ 587 - 590.]]، فإن قيل على هذه القراءة: كيف أكذبهم الله، فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، والتمني لا يدخله الكذب؟ قال ابن الأنباري: (أكذبهم في معنى التمني؛ لأن تمنيهم رجع إلى معنى نحن لا نكذب إذا رددنا، فغلّب عز وجل تأويل الكلام، فأكذبهم ولم يستعمل لفظ التمني؛ لأن القائل إذا قال: ليت لي مالاً فأتصدق به، يريد أنا أتصدق بالمال إذا وجدته وقدرت عليه، فمتى كذب أو صدق في حال التمني؛ فلأن الكلام راجع إلى معنى الإخبار) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 24، و"السمين في الدر" 4/ 588 مختصرًا وأكثرهم قال: (إن القول بأن التمني لا يدخله الكذب ليس بقوي؛ لأن هذا تمن تضمن معنى العدة، فجاز أن يدخله التكذيب، أو يكون قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ إخبار عن سجية الكفار وحكاية عن حالهم في الدنيا، فلا يدخل الكذب في التمني). قال السمين في "الدر" 4/ 586: (هذان الجوابان واضحان، وثانيهما أوضح) ا. هـ وانظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 294، و"الكشاف" 2/ 13، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 168 - 169، الرازي في "تفسيره" 12/ 191 - 192، و"الفريد" 2/ 138، و"البحر" 4/ 102.]]. وكان ابن عامر يرفع ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ وينصب ﴿وَنَكُونَ﴾، وقد ذكرنا وجهين في رفع ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾، وذكرنا وجه من قرأ بالنصب فيهما، فيحتمل أن ابن عامر أدخل ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ [في التمني] [[لفظ: (في التمني) ساقط من (أ).]]، وإن كان رفعًا على ما بينا والكون داخل فيه إذا نصب، ويحتمل أنه أراد الإخبار في ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾، وأدخل الكون في التمني [[انظر: "معاني القراءات" 1/ 349، و"إعراب القراءات" 1/ 154، و"الحجة" لابن خالويه ص 138، ولأبي علي الفارسي 3/ 293، ولابن زنجلة ص 245، و"الكشف" 1/ 427، و"المشكل" 1/ 249.]].

الأنعام 6:28

قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ معنى ﴿بَلْ﴾ هاهنا رد لكلامهم وإضراب عن توهم صحة عزيمتهم على الإنابة التي كان [[في (أ): (كانت يتمنى).]] تمني الرجعة لأجلها، يقول الله تعالى -ليس على ما قالوا-: ﴿بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، فلذلك اعتذروا وتمنوا الرد، أي: إنما اعتذروا حين افتضحوا [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 176 - 177.]]. واختلفوا في معني: ﴿بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ﴾، فقال أبو روق: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر وذلك حين ﴿بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾) [[ذكره الثعلبي 176 ب، والرازي 12/ 193، والقرطبي 6/ 410، و"البحر" 4/ 103.]]، وعلى هذا أهل التفسير [[انظر: الطبري 7/ 176 - 177، السمرقندي 1/ 480، الرازي 12/ 193.]]. وحكى عن المبرد أنه قال: (بدا لهم وباله وسوء عاقبته، وكأن كفرهم لم يكن باديًا لهم إذ خفي مضرته، وهذا كما تقول لمن وقع فيما كنت حذرته قبل ظهر لك الآن ما قلت لك، وقد كان ظاهرًا له ذلك القول قبل هذا) [[ذكره الثعلبي ص 176 ب، والبغوي 3/ 138، وابن الجوزي 3/ 23، و"القرطبي" 6/ 410، وابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 145 - 146.]]. وقال الزجاج: (بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء عنهم من أمر البعث والنشور، قال: لأن المتصل بهذا: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [["معني الزجاج" 2/ 240، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 2/ 414.]]، وهذا قول الحسن قال: (بدا ما كان يخفيه بعضهم عن بعض) [[ذكره الماوردي 2/ 106، وابن عطية 5/ 172، وابن الجوزي 3/ 23، والرازي 12/ 194، والقرطبي 6/ 410، و"البحر" 4/ 103.]]، وكل هذا بمعنى: ظهرت فضيحتهم في الآخرة وتهتكت أستارهم [[قال الرازي 12/ 194: (اللفظ محتمل لوجوه كثيرة، والمقصود منها بأسرها أنه ظهرت فضيحتهم في الآخرة وانتهكت أستارهم) ا. هـ. ومعنى الآية -والله أعلم-: ظهرت في الآخرة فضيحتهم وعاقبة أعمالهم وما كانوا يخفون من علمهم أنهم على باطل وأن الرسل على حق، فعاينوا ذلك عيانًا بعد أن كانوا يخفونه ويتواصون بإخفائه. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 542، و"الكشاف" 2/ 13، و"بدائع التفسير" 2/ 145، وابن كثير 2/ 144 - 445.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ قال ابن عباس: (يريد إلى ما نهوا عنه من الشرك) [["تنوير المقباس" 2/ 12، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 26، وابن الجوزي 3/ 24، وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1279 بسند جيد عنه قال: (أخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ا. هـ وفي "الدر المنثور" 3/ 16، قال: (أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: (أي لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا) ا. هـ.]]. قال أبو إسحاق: (المعنى: إن أكثر أهل الكتاب والمشركين عاندوا بعد أن علموا أن أمر الله حق [[في (أ): (أن الأمر لله حق).]]، فركنوا إلى الرفاهية، وأن الشيء متأخر عنهم إلى أمدٍ، كما فعل إبليس الذي قد شاهد من براهين الله ما لا غاية بعده، فأعلم الله عز وجل أن هؤلاء لو ردوا لعادوا كما أنهم كفروا في الدنيا بعد قيام الدليل ووجوب الحجة عليهم) [["معاني الزجاج" 2/ 240، انظر: الطبري 7/ 176 - 177، و"معاني النحاس" 2/ 414 "بدائع التفسير" 2/ 146.]]. وهذه الآية من الأدلة الظاهرة على تكذيب القدرية، وذلك أن الله تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك، فقال: لو أنهم شاهدوا النار والحساب وسألوا الرجعة وردوا، لعادوا إلى الشرك، وذلك للقضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا يكاد يرتاب فيما شاهد [[ذكره الرازي 12/ 194، وأبو حيان 4/ 104، عن الواحدي.]].

الأنعام 6:29

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ كان ابن زيد [[ابن زيد: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، تقدمت ترجمته.]] يقول: (هذا عطف على قوله: ﴿لَعَادُوا﴾، والمعنى: لعادوا إلى الشرك، لقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا، وأنكروا البعث) [[أخرجه الطبري 7/ 177، ابن أبي حاتم 4/ 1280، بسند جيد، وذكره أكثرهم، وهو ظاهر كلام الزمخشري 2/ 13، و"البيضاوي" 1/ 136، وقال القرطبي 6/ 411،: (يحمل هذا على المعاند ... أو على أن الله يلبس عليهم بعد ما عرفوا، وهذا شائع في العقل) ا. هـ.]]. والآخرون: (على أن هذا ابتداء، إخبار عنهم أنهم كذلك كانوا يقولون في الدنيا) [[هذا قول الجمهور واختيار الطبري 7/ 177، والجمع بينهما حسن، فيقال. لما كان ديدنهم في الدنيا هو الكذب بالآخرة الذي كانوا يعبرون عنه بتلك المقولة: == ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ فإنهم لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى ديدنهم ذلك ولقالوا نفس المقولة. انظر: ابن عطية 5 - 172 - 173، الرازي 12/ 194، و"الفريد" 2/ 138، و"البحر" 4/ 105، و"الدر المصون" 4/ 592.]].

الأنعام 6:30

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ ليس يصح في هذه الآية شيء من الوجوه التي ذكرناها في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: 27] إلا وجهًا واحداً، وهو أن المعنى هاهنا: عرفوا ربهم ضرورة كما تقول: وقفته على كلام فلان، أي: عرفته إياه [[ذكره الرازي 12/ 196، وفيه نظر؛ لأنه تحصيل حاصل والكفار يعرفون ربهم ويقرون بوجوده. وإنما ينكرون توحيد العبادة حيث يعبدون مع الله غيره، فالأولى حمل الآية على ظاهرها، أي: حبسوا على الله تعالى في الآخرة للفصل والقضاء، وأن هذا حق وليس باطلاً كما يظنون. قال السمرقندي 1/ 480: (أي: عرضوا وسيقوا وحبسوا عند ربهم وعند عذابه) ا. هـ وقال ابن كثير 2/ 145: (أي: أوقفوا بين يديه) ا. هـ]]. وقال أصحاب المعاني في هذه الآية: (وقفوا على مسألة [[أكثرهم على أن المعنى: (حبسوا على ربهم، أي: على حكم الله وقضائه فيهم ومسألته). انظر: الطبري 7/ 178، والبغوي 3/ 138، وابن عطية 5/ 173، والقرطبي 6/ 411.]] ربهم لتقريرهم بما فيه توبيخ لهم على ما سلف من جحودهم، فخرج الكلام مخرج ما جرت به العادة من وقوف العبد بين يدي سيده، لما في ذلك من البلاغة بإخراج المعنى على ما جرت به العادة) [[انظر: "الكشاف" 2/ 13، والرازي 12/ 196، و"الفريد" 2/ 139، و"البحر" 4/ 105، و"الدر المصون" 4/ 594، و"البيضاوي" 1/ 136.]]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾، أي: هذا البعث، فيقرون حين لا ينفعهم ذلك، ويقولون: ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾، فيقول الله تعالى [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 178، والسمرقندي 1/ 480، والبغوي 3/ 138.]]: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وخص لفظ الذوق [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1302، و"المفردات" ص 332، و"اللسان" 3/ 1527 (ذوق) وقال بعضهم: (الذوق في العذاب استعارة بليغة، والمعنى: باشروه مباشرة الذائق، إذ هي أشد المباشرات). انظر: ابن عطية 6/ 25، والرازي 12/ 196، و"البحر" 4/ 106.]]؛ لأنهم في كل حال يجدونه وجدان الذائق في شدة الإحساس من غير أن يصيروا إلى حال من يشم الطعام في نقصان الإدراك. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: 30] أي: بكفركم [[انظر: الطبري 7/ 178، والسمرقندي 1/ 480، و"الدر المصون" 4/ 595.]].

الأنعام 6:31

قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ الآية. قال أصحاب المعاني: (إنما وصفوا بالخسران؛ لأنهم باعوا الإيمان بالكفر، فعظم خسرانهم في ذلك البيع؛ لأنهم خسروا أنفسهم بإهلاكها بالعذاب، وأعظم الخسران في العمل هلاك النفس، كما أن أعظم الخسران في التجارة ذهاب رأس المال) [[انظر نحوه في: الطبري 7/ 179، و"المفردات" ص 281 (خسر)، والبغوي 3/ 138، وابن عطية 5/ 175، و"البحر" 4/ 106.]]. وقوله تعالى: ﴿بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد بالبعث والثواب والعقاب والمصير إليه) [[في "تنوير المقباس" 2/ 13 نحوه، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 27 بلا نسبة، وهو قول أكثرهم. انظر: الطبري 7/ 178، والسمرقندي 1/ 480، والبغوي 3/ 138، وابن الجوزي / 3/ 24، الرازي 12/ 197.]]، وقد أحكمنا شرح هذا عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46]، وقال بعضهم: (المعنى هاهنا كذبوا بلقاء جزاء الله، إلا أنه قحم اللقاء بإضافته إلى الله، وهذا كما يُقال للميت: لقي فلان عمله، أي: لقي جزاء عمله) [[ذكر أبو علي الفارسي في "الحجة" 2/ 26 نحوه قال في الآية: (المعنى بالبعث يقوي ذلك ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: 31] أي: ملاقو ثواب ربهم وملاقو جزائه إن ثوابًا وإن عقابًا)، وذكر نحوه أكثرهم. انظر: "الكشاف" 2/ 13، وابن عطية 5/ 175، والقرطبي 6/ 411، و"البحر" 4/ 106. وهذا التقدير في الآية محتمل، وإن قصد به نفي الرؤية فهو مردود، والأولى حمل الآية على ظاهرها وعدم صرفها عنه.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾، معنى ﴿حَتَّى﴾ هاهنا بيان أن منتهى تكذيبهم الحسرة يوم القيامة، والمعنى: كذبوا إلى أن ظهرت الساعة بغتة [[وعلى هذا تكون حتى غاية لكذبوا، والمعنى: منتهى تكذيبهم الحسرة، ولا يجوز أن تكون غاية لخسر؛ لأن خسرانهم لا غاية له، أفاده أكثرهم. انظر: "الكشاف" 2/ 13، والرازي 12/ 197، و"الفريد" 2/ 139، و"البحر" 4/ 106، البيضاوي 1/ 136.]]، والمراد بالساعة [[هذا قول أكثرهم. انظر: الطبري 7/ 178، والسمرقندي 1/ 480، والبغوي 3/ 138، وابن الجوزي 3/ 24.]]: القيامة، وقيل: (يوم القيامة الساعة؛ لسرعة الحساب للجزاء فيها، كأنه قيل: ما هي إلا ساعة الحساب للجزاء حتى جعل أهل المنزلين في منازلهم من الجنة والنار)، هذا قول بعض أهل المعاني [[هذا قول الراغب في "المفردات" ص 434، والقرطبي 6/ 412، وأبو حيان في "البحر" 4/ 106، والسمين في "الدر" 4/ 595، و"عمدة الحفاظ" ص 254.]]. وقال غيره: (الساعة [[جاء في (أ): تكرار لفظ: (الساعة).]]: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، سميت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة) [[هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1597، وابن منظور في "اللسان" 4/ 2151 (سوع) والقاسمي في تفسيره 6/ 2285، والأقوال متقاربة. قال الزجاج في "معانيه" 2/ 246، 3/ 214: (الساعة اسم لإماتة الخلق واحيائهم). وانظر الرازي 12/ 197، والخازن 2/ 128.]]، وهذا القول أصح. ألا ترى أنه قال: ﴿بَغْتَةً﴾ والبغت والبغتة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 193، الطبري 7/ 178، و"معاني الزجاج" 2/ 241، 3/ 131، الزاهر 2/ 5، و"معاني النحاس" 2/ 415، و"تهذيب اللغة" 1/ 364، و"اللسان" 1/ 317 (بغت).]]: الفجأة. قال ابن عباس: (يريد أن الساعة لا يعلمها أحد إلا هو) [[لم أقف عليه.]] -يعني: أنها تأتي فجأة- لأنه لا يعلم أحد متى إبانها فينتظرها. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا﴾ قال الزجاج [[أطال الزجاج في تقرير هذا الوجه في مواضع من معانيه 3/ 354، 4/ 284، وقال: (معنى الحسرة: أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية له بعده حتى يبقى حسرًا، والفائدة من مناداتها كالفائدة في مناداة ما لا يعقل؛ لأن النداء باب تنبيه، وحرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها، إذا قال القائل: يا حسرتاه ويا ويلاه فتأويل الحسرة والويل قد حلا به، وإنهما لازمان له غير مفارقين). وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 814 - 815.]] وابن الأنباري [[لم أقف عليه بعد طول بحث عنه في مظانه.]]: (معنى دعاء الحسرة: تنبيه الناس على ما وقع بهم من الحسرة، والعرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن عظيم يقع فيه جعلته نداء، كقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: 30]، و {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [[في النسخ: (يا حسرتا ..)، وهو تحريف.]] [الزمر: 56]، و ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [[في النسخ: (يا ويلتا ..)، وهو تحريف.]] [هود: 72]، وهذا أبلغ من أن يقول: الحسرة علينا في تفريطنا) [[معاني الزجاج 2/ 241.]]، ومثله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: 84]؛ تأويله: يا أيها الناس تنبهوا على ما وقع في زمان الأسف، فوقع النداء على غير المنادي في الحقيقة؛ لاتساع العرب في مجازها [[هذا من كلام الواحدي، وذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 197، انظر: "معاني الزجاج" 3/ 235.]]، وهذا كقولهم: لا أريتك هاهنا، وقع النهي على غير المنهي في الحقيقة. وقال سيبويه: (إنك إذا قلت: يا عجباه [[جاء في (أ): (يا عجبا).]]، فكأنك قلت: احضر وقال يا عجيب، فإنه من أزمانك، وتأويل يا حسرتاه: انتبهوا على أنّا قد خسرنا) [[النص عند الزجاج في "معانيه" 2/ 241، و"معاني النحاس" 2/ 415، والرازي في "تفسيره" 12/ 198، و"الفريد" للهمذاني 2/ 140، وقال سيبويه في "الكتاب" 2/ 217: (وقالوا: يا للعجب لما رأوا عجبًا، كأنه يقول: تعال يا عجيب، فإنه من أيامك وزمانك) ا. هـ ملخصًا. وانظر: "معاني الفراء" 2/ 421، و"معاني الأخفش" 1/ 204، و"المقتضب" للمبرد 4/ 202 - 203.]]، فقد حصل للنداء هاهنا تأويلان أحدهما: أن النداء للحسرة، والمراد به تنبيه المخاطبين على قول الزجاج وأبي بكر، وعلى قول سيبويه دُعيت الحسرة على معنى أن هذا وقتك فتعالي [[والظاهر أن الجميع مراد في ذلك، فنداء الحسرة للتنبيه وتعظيم الأمر وتشنيعه، وكأنه يقول: اقربي واحضري فهذا وقتك وزمانك، وفي ذلك تعظيم للأمر على نفس المتكلم وعلى سامعه وهو المقصود بنداء ما لا يعقل. وهذا ظاهر كلام أكثرهم. انظر: المدخل للحدادي ص 588، و"تفسير البغوي" 3/ 138، ابن == عطية 5/ 176، وابن الجوزي 3/ 25، و"التبيان" ص 329، والقرطبي 6/ 412، و"البحر" 4/ 107، و"الدر المصون" 4/ 595، و"روح المعاني" 7/ 132، و"التحرير والتنوير" 7/ 190.]]. وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ قال أبو عبيد: (يقال: فرطت في الشىء، أي: ضيعته) [["تهذيب اللغة" 3/ 2772 - 2773، وفي "غريب الحديث" 1/ 36، قال أبو عبيد: (قال الأصمعي: الفرط والفارط: المتقدم في طلب الماء ... ويقال: أفرطت الشيء، أي: نسيته) ا. هـ. ملخصًا.]]. وقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾، أي: تركنا وضيعنا فيها. وهو قول أبي عبيدة [[مجاز القرآن 1/ 190، وهو قول أكثرهم. انظر: "معاني الفراء" 2/ 108، و"غريب القرآن" ص 163، والطبري 7/ 179، السمرقندي 1/ 480، و"العمدة" لمكي ص 126، و"التحرير والتنوير" 7/ 191، وقال بعضهم: (التفريط هو التقصير في الشيء مع القدرة على فعله). وهو قريب من المعني الأول. انظر: "الكشاف" 2/ 14، و"البغوي" 3/ 138، ابن عطية 5/ 194، والخازن 2/ 128، و"البحر" 4/ 107، والبيضاوي 1/ 136، والثعالبي 1/ 514، والقاسمي 6/ 502.]] وأكثر أهل اللغة [[قال أهل اللغة: (فرط بفتح الراء المخففة سبق وتقدم، وفرط بتشديد الراء المفتوحة، في الشيء، وفرطه: ضيعه وقدم العجز في التقصير، وأكثرهم. على أنه بمعنى: تقدم. ومنهم من قال: هو بمعنى قصر وضيع). انظر: "العين" 7/ 418، و"الجمهرة" 2/ 754، و"الصحاح" 3/ 1148، و"مقاييس اللغة" 4/ 490، و"المجمل" 3/ 716، و"المفردات" ص 631، و"النهاية" لابن الأثير 3/ 434، واللسان 6/ 3389، والتاج 5/ 195 (فرط).]]، وبه قال الحسن، فقال: (على ما ضيعنا) [[ذكر الماوردي 2/ 106، عن الحسن في قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] قال: (مضيعون). وانظر: ابن الجوزي 7/ 192، القرطبي 15/ 271، أخرجه الطبري 7/ 179، وابن أبي حاتم 4/ 1281، بسد جيد عن السدي، وذكره == السيوطي في "الإتقان" 1/ 151، عن ابن عباس، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 557.]]، والتأويل: يا حسرتنا على ما تركنا من عمل الآخرة. وقال الزجاج: ﴿فَرَّطْنَا﴾: قدمنا العجز) [["معاني الزجاج" 2/ 242 وقال في 3/ 207: (الفرط في اللغة: التقديم) ا. هـ. وهو قول السجستاني في "النزهة" ص 352، وابن الجوزي 3/ 25.]]، جعله من قولهم: فرط فلان إذا سبق وتقدم، وفرط الشيء إذا قدمه، فالتفريط عنده تقديم التقصير [[والمعاني كلها متقاربة، فيقال: فرط أي ضيع وقدم العجز والتقصير فيما يقدر عليه. وانظر: "التصاريف" ليحيى بن سلام ص 318، و"الأضداد" لقطرب ص 114، و"ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي ص 183، و"ثلاثة كتب في الأضداد" للأصمعي والسجستاني وابن السكيت وبذيلها أضداد الصاغاني ص 141، وص 241، و"الزاهر" 1/ 309، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 71، و"الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى" للرماني ص 77، و"تفسير الرازي" 12/ 164، والقرطبي 6/ 413، و"عمدة الحفاظ" ص 420.]]. وقوله: ﴿فِيهَا﴾ قال ابن عباس: (في الدنيا) [["تنوير المقباس" 2/ 14، وذكره الرازي 12/ 198، وأبو حيان في "البحر" 4/ 107، والألوسي 7/ 132، وهو قول بعضهم. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 557، والسمرقندي 1/ 480، والزمخشري 2/ 14، و"الخازن" 2/ 128، والبيضاوي 1/ 136، وظاهر كلامهم عودة الضمير على الدنيا.]]. وروي عن الحسن أنه قال: (في الساعة) [[ذكره الرازي 12/ 199، والقرطبي 6/ 413، وأبو حيان في "البحر" 4/ 107، ورجحه ابن عطية 5/ 176، والعكبري في "التبيان" 1/ 329، والقرطبي 6/ 413، وقال الهمداني في "الفريد" 2/ 140: (هذا هو الوجه لجري ذكرها مع صحة المعنى، وإذا صح العائد إلى مذكور فلا وجه للعدول عنه إلى غيره بغير دليل) ا. هـ.]]، والمعنى: على ما فرطنا في العمل للساعة والتقدمة لها. وقال السدي (في الجنة) [[أخرج الطبري 7/ 179، وابن أبي حاتم 4/ 1281، بسند جيد عنه قال: (ضيعنا من عمل الجنة) ا. هـ. وقال أبو حيان 4/ 107، والسمين في "الدر" 4/ 596، والألوسي 7/ 132: (لا يخفى بعده) ا. هـ.]] أي: في طلبها والعمل لها، ويحتمل أن تعود الكناية إلى معنى ﴿مَا﴾، وفي قوله ﴿مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ أي: يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي فرطنا فيها [[هذا قول ابن الأنباري في "البيان" 1/ 319، وقال الكرماني في "الغرائب" 1/ 357: (العجيب (ما) موصولة (وفيها) كناية عن (ما) وأنث حملًا على الأعمال وهذا حسن) ا. هـ.]]. وروي عن ابن جرير أنه قال: (الكناية تعود إلى الصفقة؛ لأنه لما ذكر الخسران دل على الصفقة) [["تفسير الطبري" 7/ 179، وزاد: (معلوم أن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت) وعده الكرماني في "غرائبه" 1/ 357، من الغريب، والظاهر -والله أعلم- عودة الضمير على الدنيا؛ لأنه ظاهر الآية، ولكونها معلومة، والمعنى يقتضيها، وهي موضع التقصير، والظرفية فيها أمكن، وعودته على الساعة قوي، إلا أنه لا بد فيه من تقدير مضاف، أي: في شأنها والإيمان بها. انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 175، و"البحر" 4/ 107، و"الدر المصون" 4/ 596.]]، فعنده الكناية تعود إلى مدلول عليه. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾، الأوزار: الأثقال من الإثم، قال ابن عباس: (يريد آثامهم وخطاياهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 27، والرازي 12/ 199، وأبو حيان في "البحر" 4/ 170، وأخرج الطبري 7/ 179، بسند ضعيف عنه قال: (ذنوبهم) وفي "تنوير المقباس" 2/ 14: (آثامهم).]]. قال أهل [[قال أهل اللغة: (الوزر، بكسر الواو وسكون الزاي: الإثم والحمل والثقل على الظهر؛ وبفتح الواو: الملجأ). == انظر: "الجمهرة" 2/ 712، 1064، و"الصحاح" 2/ 845، و"مقاييس اللغة" 6/ 108، و"المجمل" 3/ 924، و"المفردات" ص 867، و"النهاية" لابن الأثير 5/ 179، و"اللسان" 8/ 4824، (وزر).]] اللغة: (الوزر الثقل، وأصله من الحمل، يُقال: وزرت الشيء، أي: حملته أزره وزرًا ، ثم قيل للذنوب: أوزار؛ لأنها تثقل ظهر من يحملها). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ [الأنعام: 164] أي: لا تحمل نفس حاملة. وقال أبو عبيد: (يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وزرك) [[ذكره الثعلبي ص 177، والقرطبي 3/ 416، ولم أقف عليه عند غيرهما عن أبي عبيد، وجعله الرازي 12/ 199، والشوكاني 2/ 159، عن أبي عبيدة، ولعله الصواب؛ لأنه في "مجاز القرآن" 1/ 190.]]. وأوزار العرب: أثقالها من السلاح، ووزير السلطان: الذي [[هذا قول الأزهري في "تهذيبه" 4/ 3883، وانظر: "معاني الزجاج" 3/ 357، و"الاشتقاق" لابن دريد ص 396.]] يزر عنه أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية، أي: يحمل، وقال الزجاج: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾: (أي: يحملون ثقل ذنوبهم) [["معاني الزجاج" 2/ 242، وانظر: "غريب اليزيدي" ص 135، و"تفسير غريب القرآن" ص 152، و"نزهة القلوب" ص 71، و"معاني النحاس" 2/ 416.]]. واختلفوا في كيفية حملهم الأوزار، فقال المفسرون [[ذكره أكثرهم. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 557، والسمرقندى 1/ 481، والبغوي 3/ 139، وابن الجوزي 3/ 26، والرازي 12/ 199، و"الدر المنثور" 3/ 17.]]: (إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء سورة وأطيبه ريحًا، فيقول: أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا، فاركبني أنت اليوم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: 85]، قالوا: ركبانًا. وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله أقبح شيء صورة وأخبثه ريحًا فيقول: أنا عملك السيء، طالما ركبتني في الدنيا، فأنا أركبك اليوم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾)، [و] [[لفظ (الواو) ساقط من (ش).]] هذا قول قتادة [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 28، والرازي 12/ 199، والخازن 2/ 129.]] والسدي [[أخرجه الطبري 7/ 178 - 179، وابن أبي حاتم 4/ 1281 من طرق جيدة عن السدي وعمرو بن قيس الملائي، وأخرجه الطبري 15/ 96، طبعة الحلبي، بسند ضعيف عن زيد بن أسلم العدوي.]]. وقال الزجاج: (هذا مثل جائز أن يكون جعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل [[في (ش): (الثقل)، وهو تحريف.]] ما يتحمل؛ لأن الثقل كما يستعمل في الوزن [[كذا في النسخ، وعند الزجاج 2/ 242 الوزر، ولعله تحريف.]] يستعمل في الحال أيضًا، كما تقول: ثقل على خطاب فلان تأويله: كرهت خطابه كراهة اشتدت عليّ) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 242، وزاد: (فتأويل الوزر الثقل من هذه الجهة) ا. هـ وانظر: "معاني النحاس" 2/ 416، وفيه: (الوزر: الإثم، وهو تمثيل) ا. هـ]]. فعلى هذا المعنى: أنهم يقاسون عذاب آثامهم مقاساة يثقل عليهم ذلك. وقال أهل العربية: (معنى قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾: لا تزايلهم أوزارهم، كما تقول: شخصك نصب عيني، أي ذكرك ملازم لي) [[ذكره الثعلبي 177 أ، عن الزجاج، وذكره بعضهم عن فرقة. انظر: الرازي 12/ 199، الخازن 2/ 129، والصواب حمل الآية على الحقيقة؛ لأن كلام الله تعالى يحمل على حقيقته ولا يصرف عنها إلا بدليل، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 177، والثعالبي 1/ 514، والألوسي 1/ 132.]]. وقوله تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ذكرنا معنى ﴿سَاءَ﴾ [[انظر: البسيط النسخة الأزهرية 1/ 237 أ.]] عند قوله: ﴿وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ في [النساء: 22]، قال ابن عباس: (يريد بئس الحمل حملوا) [[ذكره الواحدي في الوسيط 1/ 28، والبغوي 3/ 139، والخازن 2/ 129.]]، وقال الزجاج: (بئس الشيء شيئًا [[في النسخ: (شيء).]] يزرونه، أي: يحملونه) [["معاني الزجاج" 2/ 242، وهو قول أكثرهم. انظر: "إعراب النحاس" 2/ 63 والسمرقندي 1/ 481، والبغوي 3/ 139، وابن الجوزي 3/ 26.]].

الأنعام 6:32

قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، قال المفسرون: (هذا رد لقول الكفار: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [[في النسخ (ما هي) بدلاً من (إن)، وهو تحريف، وفي الجاثية الآية 24، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ الآية.]] [[في (أ): (حيوتنا) بدلًا من (حياتنا).]]، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [[في (أ): (الحيوة) حسب رسم المصحف.]] [[ذكره عامة المفسرين أن الآية رد على منكري البعث. انظر: الطبري 7/ 180، وابن عطية 5/ 179، والرازي 12/ 200، والقرطبي 6/ 414، و"الخازن" 2/ 129، و"البحر" 4/ 108.]]، قال ابن عباس: (يريد حياة المشركين وأهل النفاق وأهل الكفر بالله: ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ يريد: باطل وغرور) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 200، والقرطبي 6/ 415، و"الخازن" 2/ 129، وأبو حيان في "البحر" 4/ 108.]]، وإنما خص ابن عباس هذا بحياة الكافر؛ لأن حياة المؤمن فيها أعمال صالحة لا تكون [[في (ب): (يكون). وانظر: "تفسير الرازي" 12/ 200.]] لعبًا ولهوًا. وقال مقاتل في قوله: (﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ يلهون في الدنيا) [["تفسير مقاتل" 1/ 558، وفيه قال: (﴿إِلَّا لَعِبٌ﴾ إلا باطل، ﴿وَلَهْوٌ﴾ يكون في الدنيا) ا. هـ.]]. وهذا يؤكد أن المراد بهذا حياة الكافر؛ لأن المؤمن لا يشتغل باللهو في الدنيا عن عمل الآخرة. وقال آخرون: (هذا عام في حياة المؤمن والكافر، والمراد بقوله: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أنها تنقضي وتفنى ولا تبقى كاللعب واللهو، يكون لذة فانية عن قريب) [[انظر: "الطبري" 7/ 180، والرازي 12/ 200، والقرطبي 6/ 414.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ قال ابن عباس: (يريد الجنة) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 203، وأبو حيان في "البحر" 4/ 109.]]، وهو قول الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 14، وهو قول السمرقندي 1/ 481، وابن الجوزي 3/ 27، والقرطبي 6/ 415، وغيرهم.]]. ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ صفة ﴿وَلَلدَّارُ﴾ وسميت ﴿الْآخِرَةُ﴾ لأنها بعد الدنيا [[انظر: "تفسير القرطبي" 6/ 415.]]. وقرأ ابن عامر: (ولدار الآخرة) بالإضافة [[قال ابن الجزري في "النشر" 2/ 257: (قرأ ابن عامر: (ولدار) بلام واحدة وتخفيف الدال. (الآخرة) بخفض التاء على الإضافة، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. وقرأ الباقون بلامين مع تشديد الدال للإدغام وبالرفع على النعت، وكذا هو في مصاحفهم) ا. هـ وانظر: "السبعة" ص 256، و"المبسوط" ص 167، و"التذكرة" 2/ 397، و"التيسير" ص 102.]]. قال الفراء: (يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، كقولهم: بارحة الأولى، ويوم الخميس، وحق اليقين؛ فإذا اتفقا لم تقل العرب: هذا حق الحق ولا يقين اليقين، وذلك أنهم يتوهمون إذا اختلفا في اللفظ أنهما مختلفان في المعنى، ولا يتوهمون ذلك إذا اتفق اللفظ) [["معاني الفراء" 1/ 330 - 331، وقال الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 351: (من قرأ: (ولدار الآخرة) فإنه أضاف الدار إلى الآخرة، والعرب تضيف الشيء إلى نعته، وهو كثير فصيح جيد) ا. هـ. بتصرف. واختار هذا التوجيه البغوي 3/ 139.]]. وعند البصريين [[انظر: "الأصول" 2/ 8، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 67، و"الإنصاف" ص 353، و"المغني" لابن هشام 2/ 626، واختار هذا التوجيه أكثرهم. انظر: "المشكل" 1/ 251، و"البيان" 1/ 319، و"الفريد" 2/ 141.]] لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظ، وقالوا في قراءة ابن عامر: (لم يجعل ﴿الْآخِرَةُ﴾ صفة ﴿وَلَلدَّارُ﴾؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولكنه جعلها صفة الساعة، وكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة، وجاز وصف الساعة بالآخرة كما جاز ذلك في اليوم في قوله تعالى: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [العنكبوت: 36]، فإن قيل: على هذا التقدير الذي ذكرتم يكون قد أقام ﴿الْآخِرَةُ﴾ التي هي الصفة مقام الموصوف الذي هو الساعة، وذلك قبيح! قيل: لا يقبح ذلك إذا كانت الصفة قد استعملت استعمال الأسماء و ﴿الْآخِرَةُ﴾ صارت كالأبطح [[الأبطح: مسيل والتسبيح فيه دقاق الحصى. انظر: "القاموس" ص 213، (بطح).]] والأبرق [[الأبرق: كثير التهديد والتوعد. انظر: "القاموس" ص 866. (برق).]] في استعمالهما [[في (أ): (استعمالها).]] أسماء. ألا ترى أنه قال تعالى ذكره: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: 4]، فليست ﴿الْآخِرَةُ﴾ كالصفات التي لم تستعمل استعمال الأسماء [[قال السمين في "الدر" 4/ 600، في توجيه كلام البصريين: (وحسن ذلك أيضًا في الآية كون هذه الصفة جرت مجرى الجوامد في إيلائها العوامل كثيراً. وكذلك كل ما جاء مما توهم فيه إضافة الموضف إلى صفته، وإنما احتاجوا إلى ذلك لئلا == يلزم إضافة الشيء إلى نفسه وهو ممتنع، لأن الإضافة إما للتعريف أو للتخصيص، والشيء لا يعرف نفسه ولا يخصصها) ا. هـ. وانظر: "التبيان" للعكبري 1/ 330.]]، ومثل ﴿الْآخِرَةُ﴾ في أنها استعملت استعمال [الأسماء] [[لفظ: (الأسماء) ساقط من (أ).]] الدنيا. والاختيار قراءة العامة [[واختار قراءة العامة أيضًا الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 351، ومكي في "الكشف" 1/ 430.]]؛ لأن الأولى أن تجعل ﴿الْآخِرَةُ﴾ صفة ﴿وَلَلدَّارُ﴾، وإذا كانت صفة لها وجب أن يجري عليها في الإعراب ولا يضاف إليها، والدليل على كونها صفة ﴿وَلَلدَّارُ﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ فقد علمت بإقامتها مقامها أنها هي وليست غيرها فيستقيم أن يضاف إليها [[هذا معنى قول أبي علي في "الحجة" 3/ 300 - 302، لكنه لم يذكر اختيار قراءة العامة. وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 246، و"تفسير ابن عطية" 5/ 179، والرازي 12/ 203، والقرطبي 6/ 415، و"البحر المحيط" 4/ 109.]]. قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد اتقوا الله ولم يشركوا به شيئًا) [[ذكر الرازي 12/ 203، وأبو حيان في "البحر" 4/ 109، عنه نحوه بلفظ: (خير لمن اتقى الكفر والمعاصي)، وفي "تنوير المقباس" 2/ 15: (خير لمن اتقى الكفر والشرك والفواحش).]]. وقال مقاتل: (للذين اتقوا الشرك) [["تفسير مقاتل" 1/ 558.]]. وقال الكلبي: (للذين يتقون الكفر والشرك والفواحش) [["تنوير المقباس" 2/ 15، والمعاني متقاربة، وهي من باب التنبيه على بعض أجزاء التقوى، فأول ما يتقى الكفر، ثم الشرك؛ ثم الفواحش والمعاصي. انظر: الطبري 7/ 180، والسمرقندي 1/ 481، والبغوي 3/ 139، والقرطبي 6/ 315.]]. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [[في (ش): (تعقلون)، وهي قراءة سبعية.]] معناه: أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار، فيعملوا لما ينالون به الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم، فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك [[هذا قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 3/ 297، في توجيه القراءة بالياء. وانظر: الطبري 7/ 180، والبغوي 3/ 139.]]. وقرئ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء [[قرأ ابن عامر ونافع وحفص عن عاصم: (تعقلون) بالتاء، والباقون بالياء. انظر: "السبعة" ص 256، و"المبسوط" ص 167، و"التذكرة" 2/ 397، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 257.]] على معنى قل لهم [[في (أ): (على معنى وقل لهم).]]: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أو يكون قد وجه الخطاب في ذلك إلى الذين خوطبوا، أي ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أيها المخاطبون أن ذلك خير [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 297 - 300، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 350، و"إعراب القراءات" 1/ 155، و"الحجة" لابن خالويه ص 138، ولابن زنجلة ص 246، و"الكشف" 1/ 429، و"تفسير ابن عطية" 6/ 38، و"البحر" 4/ 110، و"الدر المصون" 4/ 600، ونقل قول الواحدي الرازي 12/ 167.]].

الأنعام 6:33

قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾. معنى ﴿قَدْ﴾ هاهنا التوقع [[قد: للتوقع مع المضارع، وكذلك مع الماضي عند الأكثر، وقال ابن هشام في "المغني" 1/ 171: هي مع الماضي للتقريب؛ لأنها تدخل على ماضٍ متوقع. وانظر: "المقتضب" 2/ 334، و"حروف المعاني" للزجاجي ص 13، و"معاني الحروف" للرماني ص 445، و"رصف المباني" ص445، وقال السمين في "الدر" 4/ 601: (قد هنا حرف تحقيق) ا. هـ. وانظر. "الكشاف" 2/ 14، وابن عطية 5/ 180، و"البيان" 1/ 491، و"الفريد" 2/ 141، و"البحر" 4/ 110.]]، كقولك: قد ركب الأمير، لقوم يتوقعون ذلك، كأن النبي ﷺ لما سمع تكذيب قومه إياه توقع ما يخاطبه الله تعالى في ذلك فقال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ﴾ ذلك تسلية وتعزية عما يواجه به قومه [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 180، وابن الجوزي 3/ 28.]]. قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد تعزية النبي ﷺ وتصبيره فيما تقول [[في (أ): (يقول): بالياء.]] قريش من تكذيبهم إياه) [[لم أقف عليه. وانظر: "تنوير المقباس" 2/ 15.]]. وقوله تعالى ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾. دخلت الفاء [[لم أقف على من تكلم عن الفاء هنا. وفي الجدول في "إعراب القرآن" 4/ 7/ 100، قال في الآية: (الفاء للتعليل؛ لأن القول السابق يفيد النهي، أي: لا تحزن إنهم لا يكذبونك) ا. هـ]] في (إنهم) لاقتضاء الكلام الأول هذا [[في (ش): (هذه).]]، كأنه قيل: إذا كان قد يحزنك الذي يقولون فاعلم أنهم لا يكذبونك. واختلفوا في معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ فقال ابن عباس: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ في السر قد علموا أنك صادق: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بمحمد والقرآن في العلانية) [["تنوير المقباس" 2/ 15، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 29.]]، وهذا قول أكثر المفسرين: أبي صالح [[أخرجه الطبري 7/ 181، بسند جيد، وذكره أكثرهم.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 207، والطبري 7/ 181، وابن أبي حاتم 4/ 1283 بسند جيد.]] والسدي [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 29، عن ابن عباس وقتادة والسدي ومقاتل.]] ومقاتل، قالوا: (هذا في المعاندين الذين عرفوا صدق محمد ﷺ، وأنه غير كاذب فيما يقول، ولكن عاندوا وجحدوا). يدل على هذا ما قال مقاتل: (نزلت في الحارث بن عامر [[الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي. مشرك كان يؤذي النبي ﷺ وأصحابه بمكة وقتل في بدر مع المشركين. انظر: "السيرة" لابن هشام 2/ 357، و"جوامع السير" ص 147، و"عيون الأثر" 1/ 285.]]، كان يكذب النبي ﷺ في العلانية، فإذا خلا مع أهله قال: ما محمد من أهل الكذب نعلم أن الذي يقوله حق، ولا يمنعنا من أن نتبعه إلا المخافة من أن يتخطفنا الناس من أرضنا -يعني: العرب- فإنا أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ في العلانية أنك كذاب ومفترٍ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ في السر يعلمون أنك صادق، وقد جربوا منك الصدق فيما مضى، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بالقرآن بعد المعرفة) [["تفسير مقاتل" 1/ 558.]]. ونحو هذا قال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 15، وذكره الماوردي 2/ 108، وابن الجوزي 3/ 29، و"البحر" 4/ 111، وذكره ابن الجوزي عن أبي صالح عن ابن عباس.]] سواء. وقال السدي [[أخرجه الطبري 7/ 182، بسند جيد، وذكره أكثرهم. انظر: "الثعلبي" ص 177 أ، و"أسباب النزول" للواحدي ص 219، والبغوي 3/ 139، وابن الجوزي 3/ 28.]] وأبو ميسرة [[أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني، أبو ميسرة الكوفي مشهور بكنيته، إمام تابعي عابد جليل صالح ثقة مخضرم. وقال بعضهم: له صحبة. توفي سنة 36 هـ انظر: "طقات ابن سعد" 6/ 106، و"الجرح والتعديل" 6/ 237، و"الحلية" 4/ 141، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 135، و"الإصابة" 4/ 114، و"تهذيب التهذيب" 4/ 596.]] [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 29، وأسباب النزول ص 219، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 18، وقال: (أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه) ا. هـ.]] .................... وأبو يزيد [[أبو يزيد المدني نزل البصرة لا يعرف اسمه وهو تابعي ثقة، روى عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس وغيرهم، وروى عنه أيوب السختياني وغيره، وأخرج له البخاري والنسائي، توفي بعد المائة. انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 458، و"الكاشف" 2/ 472 (6902)، و"تهذيب التهذيب" 4/ 609، و"تقريب التهذيب" (8452) ص 685.]] المدني [[أخرجه ابن حاتم 4/ 1283، بسند رجاله ثقات سوى بشر بن مبشر الواسطي فقد قال ابن حجر في "اللسان" 2/ 32 (ضعفه الأزدي وذكره ابن حبان في "الثقات" ا. هـ. وانظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 324، و"المغني للذهبي" 1/ 107، وذكر الرواية عن أبي يزيد: ابن كثير 2/ 146، والسيوطي في "الدر" 3/ 18، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ.]] وناجية بن كعب [[ناجية بن كعب الأسدي الكوفي، تابعي ثقة، روى عن علي وعمار رضي الله عنهما وغيرهما، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي وغيره. أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي، توفي بعد المائة. انظر: "تاريخ الثقات" للعجلي 2/ 308 (1830)، و"الجرح والتعديل" 8/ 486، و"ميزان الاعتدال" 4/ 239، و"تهذيب التهذيب" 4/ 204، و"التقريب" (7065) ص 557.]] [[أخرجه الترمذي (3064)، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام، والطبري 7/ 182، وابن أبي حاتم 4/ 1282، من طرق جيدة عن ناجية، وأخرجه الترمذي وابن أبي حاتم، والنحاس في "معانيه" 2/ 418، والحاكم 2/ 315، عن ناجية عن علي رضي الله عنه، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ا. هـ. ووافقه الذهبي وقال: (لم يخرجا لناجية شيئًا). وصححه الشيخ أحمد شاكر في حاشية "عمدة التفسير" 1/ 770، وقال: (حديث علي صحيح؛ لأن الوصل زيادة من ثقتين، فهي مقبولة على اليقين) ا. هـ. وقال الترمذي: == (الموقف على ناجية أصح) ا. هـ. وضعفه الألباني في "ضعيف الترمذي" ص 354 - رقم 590 - 591، وفي "المشكاة" 3/ 1622 - رقم (5834)، وقال: (الموقوف أصح). وانظر: "الدر المنثور" 3/ 18.]]: (نزلت الآية في أبي جهل قال: يا محمد ما نكذبك ولا نتهمك وإنك عندنا لمصدق، ولكنا نكذب ما جئتنا به، ولا نكون تبعًا لعبد مناف، فأنزل الله هذه الآية). وقال قتادة: (يعلمون أنك رسول، ولكن يجحدون) [[سبق تخريجه.]]. وقال ابن جريج: (لا يكذبونك بما تقول، ولكن يجحدون بآيات الله). وقال عطاء: (لا يكذبونك، ولكن جحدوا ربوبيتي وقدرتي وسلطاني) [[لم أقف على من ذكره عن ابن جريج وعطاء.]]. ومعنى الجحد: إنكار المعرفة. وهو ضد الإقرار [[انظر: "العين" 3/ 72، و"الجمهرة" 2/ 435، و"تهذيب اللغة" 1/ 541، و"الصحاح" 2/ 451، و"مقاييس اللغة" 1/ 425، و"المفردات" ص 187، و"اللسان" 1/ 547 (جحد).]]. كانوا [[في (ش): (كأنه قيل).]] قبل عرفوا ذلك ولم يقروا، وهذا مذهب هؤلاء المفسرين وعليه أكثر [[جاء في (أ): تكرار لفظ: (أكثر).]] أهل المعاني. وذكر الزجاج وجهين يوافقان هذا التفسير الذي ذكرناه: (أحدهما ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بقلوبهم، أي: يعلمون أنك صادق، وإنما جحدوا براهين الله جل وعز، قال: وجائز أن يكون ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: أنت عندهم صدوق؛ لأنه ﷺ كان يسمى فيهم الأمين قبل الرسالة، ولكنهم جحدوا بألسنتهم ما تشهد قلوبهم بكذبهم فيه) [["معاني الزجاج" 2/ 242.]]. وقال أبو علي الفارسي: (﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة، ولذلك سمي الأمين، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بألسنتهم ما يعلمونه يقينًا؛ لعنادهم وما يؤثرونه من ترك الانقياد للحق، وقد قال جل وعز في صفة قوم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾) [النمل: 14] [["الحجة" 3/ 303.]]. ونحو هذا قال ابن الأنباري [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3114، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 29، وابن منظور في "اللسان" 7/ 3841 (كذب).]]، وهذا الذي ذكرنا مذهب الجمهور في هذه الآية [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 1/ 157، و"تفسير الطبري" 7/ 181، و"معاني النحاس" 2/ 417 - 419، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 544، و"معاني القراءات" للأزهري 1/ 352.]]. وقال الضحاك: (﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ (لا يقدرون على أن تكون رسولاً [[في (ش): (يكون) بالياء.]]، ولا على أن لا يكون القرآن قرآنا، وإنما يكذبونك بألسنتهم) [[أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1282، بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 18، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ والطبراني، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 87، وقال: (رواه الطبراني عن ابن عباس، وفيه بشر بن عمارة وهو ضعيف) ا. هـ]]، فعلى هذا معن ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ لا يستطيعون أن يجعلوك كذابًا، [وحرر أبو بكر هذا القول فقال: معناه فإنهم لا يصححون عليك كذابًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]، إذا كان الذي يظهر منك يدل الناس على صدقك، وإن كذبوا كمن لم يكذب، ألا ترى أنك تقول لمن يقول ولا يجيد القول: لم يقل هذا اليوم شيئًا، لما لم يُجد كأن قوله كلا قول) [[لم أقف عليه، وقريب منه ما نقله الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3114، وابن منظور في "اللسان" 7/ 3841، عن ابن الأنباري في معنى الآية أنه قال: (ويمكن أن يكون ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بمعنى لا يجدونك كذابًا عند البحث والتدبر والتفتيش). ا. هـ.]]. وقال غيره ما يؤكد هذا المعنى، فقال: معناه: (﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بحجة، أي: فلا يعتد بتكذيبهم، فإنه لا حقيقة له) [[ذكر هذا القول الماوردي في "تفسيره" 2/ 107، عن أبي صالح وقتادة والسدي، وانظر: "زاد المسير" 3/ 29.]]. واختلف القراء [[قرأ نافع والكسائي (لا يكذبوك) بسكون الكاف وتخفيف الذال من أَكْذبَ، وقرأ الباقون بفتح الكاف وتشديد الذال من كذَب. انظر: "السبعة" ص 257، و"المبسوط" ص 168، و"التذكرة" 2/ 397، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 257.]] في قوله: ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾ فقرؤوا مشددًا ومخففًا. قال الفراء: (معنى التخفيف -والله أعلم-: لا يجعلونك كذابًا ، ولكن يقولون: إن ما جئت به باطل؛ لأنهم لم يجربوا عليه كذبًا فيكذبوه، وإنما أكذبوه، أي: قالوا: إن ما جئت به كذب. قال: والتكذيب أن يقال: كذبت) [["معاني الفراء" 1/ 331.]]. وقال الزجاج: (معنى كذبته: قلت له: كذبت، ومعنى أكذبته: أريت [[كذا في النسخ، وعند الزجاج 2/ 242: (ادعيت).]] أن ما أتى به كذب. قال: ومعنى التخفيف: لا يقدرون أن يقولوا لك كذبت) [["معاني الزجاج" 2/ 242، بتصرف يسير. ولم يشر الزجاج إلى أن ذلك معنى التخفيف.]]. وكان الكسائي يقرأ بالتخفيف ويحتج: (بأن العرب تقول: كذبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب وإلى صنعة الأباطيل من القول [[لفظ: (من القول) ساقط من (ش).]]، وأكذبته إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب ليس هو الصانع له)، حكاه ابن الأنباري عنه [["تهذيب اللغة" 4/ 3115.]]. ونحو هذا حكى عنه أحمد بن يحيى، وقال: (كان الكسائي يحكي عن العرب: أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بكذب لم يضعه هو، كأنه حكى كذبًا، وكذبته إذا أخبرت أنه كذاب) [["مجالس ثعلب" 271، و"معاني النحاس" 2/ 419، و"الحجة" لأبي علي 3/ 304.]]. وقال أبو علي: (لا يجوز أن يكون معنى القراءتين واحداً؛ لأن معنى التثقيل النسبة إلى الكذب، بأن تقول له: كذبت، كما تقول: زنيته وفسقته وخطأته، أي: قلت له: فعلت هذه الأشياء، وسقيته ورعيته قلت له: سقاك الله ورعاك الله، وقد جاء في المعنى أفعلته قالوا: أسقيته قلت له: سقاك الله [[جاء في (ش): تكرار: (ورعاك الله - إلى سقاك الله).]]. قال ذو الرمة: وأُسْقيهِ حَتَّى كَادَ ممَّا أَبُثُّهُ ... تُكَلّمُنِي أَحْجَارُهُ ومَلاعبُهْ [["ديوانه" ص 288، و"الكتاب" 4/ 59، و"النوادر" لأبي زيد ص 213، و"أدب الكاتب" ص 356، و"الممتع في التصريف" 1/ 187، و"اللسان" 4/ 2042 (سقى)، وقال الخطيب التبريزي في "شرحه" 289: (أبثه، أي أخبره بكل ما في نفسي، وأسقيه، أي: أدعو له بالسقيا، وملاعبه: مواضع يلعب فيها) ا. هـ.]] أي: أنسبه إلى السقيا بأن أقول: سقاك الله. فيجوز على هذا أن يكون معنى القراءتين واحداً وإن اختلف اللفظان، إلا أن فَعَّلْتَ إذا أرادوا أن ينسبوا إلى أمر أكثر من أَفْعَلْتَ [[انظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 58.]]. قال: ويجوز أن يكون معنى ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾: لا يصادفونك كاذبًا؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة، كما تقول: أحمدت الرجل إذا أصبته محمودًا، وأجبنته وأبخلته وأفحمته إذا صادفته على هذه الأحوال) [["الحجة" 3/ 302 - 305، ولم يذكر قوله: "وأجبنته وأبخلته وأفحمته ... " وانظر: "الحجة" لابن خالويه ص 138، و"إعراب القراءات" 1/ 155، و"الحجة" لابن زنجلة ص 247، و"الكشف" 1/ 430، و"المشكل" 1/ 251، و"الدر المصون" 4/ 603.]] وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ قد مضى تفسيره [[هي آية لم ترد قبل، ولعله يريد ص 174 من هذا البحث.]]، ودخلت الباء في الآيات، والجحد تعدى بغير الجار؛ لأنه أريد بالجحد التكذيب، وبهذا يطابق المعنى الأول، كأنه قيل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ ولكن يكذبون بآيات الله. وقال أبو علي: (﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: برد آيات الله أو إنكار [[في (ش): (وإنكار).]] آيات الله، ﴿يَجْحَدُونَ﴾، أي: يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك، ومن ذلك [[في (أ): (ذلك قوله).]] قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: 59]، أي: ظلموا بردها أو الكفر [[في (أ): (بردها والكفر بها).]] بها، فكما أن الجار في قوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ من صلة ظلموا، كذلك يكون من صلة الظلم في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، و ﴿يَجْحَدُونَ﴾ محذوف المفعول للدلالة عليه) [["الحجة" لأبي علي 1/ 339، وقال السمين في "الدر" 4/ 604 - 605: (يجوز في هذا الجار وجهان: أحدهما: أنه متعلق بيجحدون، وهو الظاهر الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وجوز أبو البقاء أن يتعلق بالظالمين قال: كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾، وهذا الذي قاله ليس بجيد؛ لأن الباء هناك سببية أي: ظلموا بسببها، والباء هنا معناها التعدية، وهنا شيء يتعلق به تعلقًا واضحًا فلا ضرورة تدعو إلى الخروج عنه) ا. هـ. وانظر: "التبيان" 1/ 320، و"الفريد" 2/ 142.]].

الأنعام 6:34

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. قال الزجاج: (عزى الله نبيه ﷺ وصبره [[في (ش): (فصبر).]] بأن أخبره أن الرسل قبله قد كذبتهم أمم من قبله) [["معاني الزجاج" 2/ 243، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 183، والسمرقندي 3/ 223.]]، قال ابن عباس: (من لدن نوح إليك ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ رجاء ثوابي، ﴿وَأُوذُوا﴾ حتى نشروا بالمناشير وحرقوا بالنار) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 30، وابن الجوزي 3/ 30، وأبو حيان في "البحر" 4/ 112.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ معنى النصر: المعونة على العدو [[انظر: "العين" 7/ 108، و"الجمهرة" 2/ 744، و"تهذيب اللغة" 4/ 3584 و"الصحاح" 2/ 829، و"المجمل" 3/ 870، و"مقاييس اللغة" 5/ 435 ، و"المفردات" ص 808، و"اللسان" 7/ 4440 (نصر).]]، قال المفسرون: (معنى النصر هاهنا: تعذيب الأمم المكذبة وإهلاكهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 183، والسمرقندي 1/ 482، والبغوي 3/ 140، وابن الجوزي 3/ 30، وكلهم اقتصر على هذا المعنى.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي [[ذكره الثعلبي 177 أ، وفي "تنوير المقباس" 2/ 15 نحوه.]] وعكرمة: (يعني الآيات التي وعد فيها نصر الأنبياء على أعدائهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 171] الآيات، وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: 21] [[لم أقف عليه. وانظر: "الماوردي" 1/ 108، وابن الجوزي 3/ 31، وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 147: (أي: لا مبدل لعذاب الله أو لا مبدل لمقتضى عذاب الله) ا. هـ. والظاهر العموم، وحمل الكلمات على الحقيقة أي لا مبدل لكلام الله تعالى الذي به يأمر وينهى ويشرع، وهو صفة من صفاته العلية التي لا تتناهى كسائر صفاته سبحانه وتعالى.]]، قال ابن عباس: (يريد لا ناقض لحكمي) [[ذكر ابن الجوزي 3/ 31، وأبو حيان في "البحر" 4/ 112، عنه في الآية قال: (لا خلف لمواعيده)، وانظر: ابن عطية 5/ 185، والقرطبي 6/ 417.]]، يعني: أنه قد حكم في كتابه بنصر أنبيائه، فليس ينقضه أحد، ولهذا قال الزجاج في قوله تعالى: ﴿[و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ش).]] لا مبدل لكلمات الله﴾: (أي: لا يخلف وعده، ولا يغلب أحد أولياءه) [["معاني الزجاج" 2/ 243، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 544.]]. وتفسير ابن عباس يدل على أن قوله: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ معناه: لا ناقض لحكمه في كل مما حكم به من وعد ووعيد وثواب وعقاب، فليس يخص هذا الحكم الواحد، وهو نصر المرسلين، وإذا كان كذلك فالتقدير عند النحويين في الكلمات: ذوي الكلمات أي: يخبر بها عنه. يقول: لا مبدل لما أخبرت عنه بكلماتي ليس يريد أنه لا مبدل للكلمات التي هي عبارات؛ هذا معنى قول أبي علي [["الحجة" 2/ 34، وفيه قال: (والكلمات تقديرها: ذوي الكلمات، أي: ما عبر == عنه بها من وعد ووعيد وثواب وعقاب) ا. هـ. وانظر: تفسير ابن عطية 5/ 185.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: خبرهم في القرآن كيف نجيناهم ودمرنا قومهم [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 183، والسمرقندي 1/ 482.]]. قال الأخفش: (﴿مِن﴾ هاهنا صلة كما تقول: أصابنا من مطر) [["معاني القرآن" 2/ 274، وفيه: (كما تقول: قد أصابنا من مطر، وقد كان من حديث) ا. هـ. وانظر: المصدر نفسه 1/ 98 - 99، 223، واقتصر على هذا القول البغوي في "تفسيره" 3/ 140.]]. وقال غيره [[انظر: "الكتاب" 2/ 315 - 316، 4/ 225، و"المقتضب" 4/ 136 - 138، و"الأصول" 1/ 409 - 411، و"حروف المعاني" للزجاجي ص 50.]]: (لا يجوز ذلك؛ لأنها لا تزاد في الواجب [[الواجب ما تقع له حالة الوجوب، والموجب الكلام المثبت غير المنفي، وهو المراد هنا. انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" للدكتور محمد اللبدي ص 238، 239.]]، وإنما تزاد مع النفي، كقولك: ما أتاني من أحدٍ [[انظر: "معاني الحروف" للرماني ص 97، و"الصاحبي" ص 271، و"المغني" 1/ 322 - 325، وقال المالقي في "رصف المباني" ص 391: (وقد تكون من زائدة عند الكوفيين في الواجب، وحكوا: قد كان من مطر وهو عند البصريين غير الأخفش مؤول، أي: حادث من مطر أو كائن من مطر، وبعد فهو قليل لا يقاس) ا. هـ. وحكى ابن فارس في "الصاحبي" زيادتها في الواجب عن أبي عبيدة أيضًا.]]. و ﴿مِّن﴾ هاهنا للتبعيض وفاعل جاء مضمر، أضمر لدلالة المذكور عليه، تقديره: ولقد جاءك من نبأ المرسلين نبأ [[انظر: "غرائب الكرماني" 1/ 357، و"البيان" 1/ 320، و"التبيان" ص 330، و"الفريد" 2/ 143، و"البحر" 4/ 113، و"الدر المصون" 4/ 606، وعندهم التقدير: (ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين).]].

الأنعام 6:35

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ ، قال المفسرون: (كان رسول الله ﷺ يحرص على إيمان قومه ومتابعتهم إياه أشد الحرص، وكان إذا سألوه آية أراد أن يريهم الله ذلك؛ طمعاً في إيمانهم ، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾) [[أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1284 بسند جيد عن ابن عباس. وانظر: "البغوي" 3/ 140.]] ، قال ابن عباس: (أي: عن الإيمان بك وبالقرآن) [[لم أقف عليه، وهذا معنى ظاهر، ولم يختلف فيه. انظر: الطبري 7/ 183، والسمرقندي 1/ 482، والبغوي 3/ 140، والقرطبي 6/ 417.]]. وقال الزجاج: (عظم عليك أن أعرضوا إذ طلبوا منك أن ينزل عليك [[لفظ: (عليك) ساقط من (ش).]] ملك فلم ينزل) [["معاني الزجاج" 2/ 243، وفيه تصرف واختصار.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ ، النفق [[انظر: "العين" 5/ 177، و"الجمهرة" 2/ 967، و"تهذيب اللغة" 4/ 3635، و"الصحاح" 4/ 560، و"المجمل" 3/ 877، و"مقاييس اللغة" 5/ 454، و"المفردات" ص 819، و"اللسان" 8/ 4508 (نفق).]]: سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر [[هذا قول أهل اللغة والتفسير، وقد أخرجه الطبري 7/ 184، من طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة والسدي. وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 190، و"غريب القرآن" ص 136، و"تفسير غريب القرآن" ص 153، و"معاني الزجاج" 2/ 244، و"الزاهر" 1/ 132، و"معاني النحاس" 2/ 419.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، وجواب ﴿أَن﴾ مضمر تقديره ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ ذلك فافعل [[انظر: الطبري 7/ 184، والسمرقندي 1/ 482، والبغوي 3/ 141، وابن عطية 5/ 188، و"التبيان" 1/ 331، و"الفريد" 2/ 143، و"الدر المصون" 4/ 607.]]. قال الفراء: (وإنما تفعله العرب في كل موضع يُعرف فيه معنى الجواب، ألا ترى أنك تقول للرجل: إن استطعت أن تتصدق. إن رأيت أن تقوم معنا. تترك الجواب لمعرفتك بمعرفته [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ش) وكذا في بعض نسخ "معاني الفراء" 1/ 231 كما في حاشيته.]]، فإذا جاء ما لا يُعرف جوابه إلا بظهوره أظهرته، كقولك للرجل: إن تقم تُصِبْ خيرًا لابد في هذا من جواب؛ لأن معناه لا يعرف إذا طرح) [["معاني الفراء" 1/ 331 - 332.]]. وقال الزجاج: (أعلم الله عز وجل أنه بشر لا يقدر على الإتيان بآية إلا بإذن الله تعالى) [["معاني الزجاج" 2/ 244، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 420.]]، وفي تعجيزه عن الإتيان بما سألوه أمر له بالصبر إلى أن يدخل وقت الآيات ووقت العقاب. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ أخبر الله تعالى نبيه ﷺ أنهم إنما تركوا الإيمان وأعرضوا عنه بمشيئة الله ونافذ قضائه فيهم، وأنه لو شاء [الله] [[لفظ (الجلاله) ساقط من (أ).]] لاجتمعوا على الإيمان، كما قال الله تعالى [[في (أ) كما قال تعالى.]]: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 185، و"معاني الزجاج" 2/ 244، و"معاني النحاس" 2/ 420، و"تفسير السمرقندي" 1/ 482.]] [يونس: 99]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، قال أهل التفسير: (أي: فإنه يؤمن بك بعضهم دون بعض، وأنهم لا يجتمعون على الهدى) [[انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 189، وابن الجوزي 3/ 33.]]. وقال أهل المعاني: (معناه: لا يشتد تحسرك على تكذيبهم ولا تجزع من إعراضهم عنك، فتقارب حال الجاهل، وغلظ الخطاب تبعيدًا وزجرًا له عن هذه الحال) [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 109، وابن الجوزي 3/ 33.]].

الأنعام 6:36

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ قال مجاهد وقتادة: (يعني: المؤمنين الذين يسمعون الذكر فينتفعون به) [[تفسير مجاهد 1/ 214، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 186، وابن أبي هاشم 4/ 1285، من طرق جيدة عن مجاهد.]]. قال قتادة: (المؤمن حي القلب سمع كتاب الله فعقله ووعاه وانتفع به، والكافر لا يصغي إلى الحق؛ لأن الله تعالى ختم على سمعه) [[أخرجه الطبري 7/ 186، وابن أبي حاتم 4/ 1285 بسند جيد، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 19.]]. وقال الزجاج: يعني: الذين يسمعون سماع قابلين) [["معاني الزجاج" 2/ 245، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 420 - 421.]]. وقال بعض أهل اللغة: (الاستجابة: الجواب بما يوافق الداعي، والإجابة قد تكون بالمخالفة، ولا يقال: استجاب إلا لمن قبل ما دُعي إليه) [[ذكره الرازي 12/ 209، وأبو حيان 4/ 117، عن علي بن عيسى الرماني، وهو قول الهمداني في "الفريد" 2/ 144، وقال العسكري في "الفروق" ص 184: (أجاب معناه فعل الإجابة، واستجاب طلب أن يفعل الإجابة، لأن أصل الاستفعال لطلب الفعل، وصلح استجاب بمعنى أجاب؛ لأن المعنى فيها يؤول إلى شيء واحد، وذلك أن استجاب طلب الإجابة بقصده إليها، وأجاب أوقع == الإجابة بفعلها) ا. هـ. وقال الراغب في "المفردات" ص 210، والسمين في "العمدة" ص 105: (الاستجابة قيل: هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عُبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها) ا. هـ. وفي "اللسان" 2/ 716 (جوب): (هما بمعنى واحد) ا. هـ.]]، ويؤكد هذا أن ابن عباس -رحمه الله- فسر الاستجابة هاهنا بالإيمان [["تنوير المقباس" 2/ 16.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ قال الحسن [[أخرجه الطبري 7/ 186، وابن أبي حاتم 4/ 1285، بسند جيد، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 19.]] ومجاهد وقتادة [[سبق تخريج قول مجاهد وقتادة.]]. (يعني الكفار)، وهو قول مقاتل قال: (يعني: كفار مكة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ﴾ للحق المؤمنون، وأما [[في (ش): (فأما).]] ﴿الْمَوْتَى﴾ وهم الكفار فإن الله يبعثهم في الآخرة ثم إليه يردون فيجزيهم بأعمالهم) [["تفسير مقاتل" 1/ 559.]].

الأنعام 6:37

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: رؤساء قريش، ﴿لَوْلَا﴾: هلا، ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يعني: نزول الملك يشهد لمحمد بالنبوة وصحة ما أتى به [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 483، والبغوي 3/ 141، وابن الجوزي 3/ 34.]]، ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال المفسرون [[انظر: الطبري 7/ 187، والماوردي 2/ 110، والمراجع السابقة.]]: (لا يعلمون ما عليهم في الآية من النبلاء لو أنزلناها ولا ما وجه ترك إنزالها). وقال بعض أصحاب المعاني: إلا يعلمون أن الله قادر على إنزالها لا يقدر سواه عليها) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 245، والمراجع السابقة.]].

الأنعام 6:38

قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ﴾ الآية، قال ابن عباس: (يريد: كل ما دب وجميع البهائم فهو دابة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 32، وابن الجوزي 3/ 34.]]. قال الزجاج: وجميع ما خلق الله جل وعز لا يخلو من هاتين المنزلتين: إما أن يدب، وإما أن يطير) [["معاني القرآن" 2/ 245.]]. وقال غيره من أهل المعاني: (خص ما في الأرض هاهنا بالذكر دون ما في السماء، احتجاجًا بالأظهر، وإحالة بالدليل على ما هو ظاهر؛ لأن ما في السماء -وإن كان مخلوقًا له مثلنا- فغير ظاهر) [[ذكره الرازي 12/ 212.]]. وقوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ قال الفراء والزجاج: (ذكر الجناح هاهنا تأكيد [[في (ش): (توكيد)، وهذا هو قول قطرب كما في "الزاهر" 1/ 58 - 59، ونقل عن أبي العباس أنه قال: (ليس يطير بجناحيه توكيدًا، ولكنه دخل؛ لأن الطيران يكون بالجناحين ويكون بالرجلين، فطيران الطائر من البهائم بجناحيه، ومن الناس برجليه ألا ترى أنك تقول: زيد طائر في حاجته، معناه: مسرع برجليه) ا. هـ.]]، كقولك: نعجة أنثى، وكلمته بفي، ومشيت برجلي) [["معاني القرآن" للفراء 1/ 332، وهو قول عامة أهل التفسير ومنهم الطبري 7/ 179، والنحاس في "معانيه" 2/ 422، والسمرقندي 3/ 227، والبغوي 3/ 141، وابن عطية 5/ 193.]]. وقال الزجاج: (وقد تقول للرجل: طرفي حاجتي، وأنت تريد أسرع) [["معاني القرآن" 2/ 245.]]، وأراد بهذا أن الطيران قد يستعمل لا بالجناح كقول العنبري [[العنبري: قُريَط بن أنيف العنبرى التميمي شاعر جاهلي. انظر: "الأعلام" 5/ 195.]]: طاروا إليه زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا [["الحماسة" لأبي تمام 1/ 4، وفي "عيون الأخبار" 1/ 188 الرجل من بلعنبر، وبلا نسبة في "مجال ثعلب" ص 405، و"الصناعتين" ص 285، والرازي 12/ 212، و"الدر المصون" 4/ 112، و"روح المعاني" 7/ 143، وصدره: قَوْمٌ إذا الشرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ وهو من قصيدة تُعد من عيون الشعر، اختارها أبو تمام أول مقطوعة في "الحماسة"، والزرافات، بالفتح: الجماعات، والوحدان، بالضم، جمع واحد. وفي الحماسة فقط: قاموا، بدل طاروا.]] فذكر الجناح ليتمحض [[قوله: ليتمحض غير واضح في النسخ، واللفظ نفسه عند الرازي 12/ 213، والقرطبي 6/ 419.]] في الطير. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ قال الفراء: (يقال: إن كل صنف من البهائم أمة) [["معاني الفراء" 1/ 332.]]. وجاء في الحديث: "لولا [[في (أ): (ولولا).]] أن الكلاب أمة تنبح لأمرت بقتلها" [[أخرجه أحمد في "المسند" 5/ 54، 56، وأبو داود (2845) كتاب: الضحايا، باب: في اتخاذ الكلب للصيد وغيره، والترمذي (1486) كتاب: الصيد، باب: ما جاء في قتل الكلاب، والنسائي 7/ 185، كتاب: الصيد، باب: صفة الكلاب التي أمر بقتلها، وابن ماجة (3205)، كتاب: الصيد، باب: النهي عن == اقتناء الكلب إلا كلب صيد أو حرث أو ماشية، والدارمي 2/ 1277 (2051) عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ، ولكن اقتلوا كل أسود بهيم" ا. هـ. أي: خالص السواد. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح).]]، فجعل الكلاب أمة. واختلفوا في أن البهائم والطير في ماذا شبهت بنا وجُعلت أمثالنا، فقال ابن عباس في رواية عطاء يريد: (يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني، مثل ما قال تعالى في سبحان: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44]، وكقوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾) [[ذكره عن الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 213، وأبو حيان في "البحر" 4/ 120، وفي "تنوير المقباس" 2/ 17، نحوه، وذكر الرازي بعده أن هذا قول طائفة عظيمة من المفسرين.]] [النور: 41]، فعلى هذا جُعلت أمثالنا في التوحيد والمعرفة والتسبيح. وقال مجاهد ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾: (أصناف مصنفة تُعرف بأسمائها) [[أخرجه الطبري 7/ 1871، وابن أبي حاتم 4/ 1285 بسند جيد، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 20.]]، يريد: أن كل جنس من الحيوان [أمة] [[لفظ: (أمة). ساقط من (أ).]] تعرف باسمها كالطير والظباء والذئاب والأسود، وكل صنف من السباع والبهائم مثل بني آدم يعرفون بالإنس والناس. وقال أبو هريرة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾: (يحشر الله تعالى الخلق يوم القيامة: البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذٍ أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابًا) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 206، والطبري 7/ 189، وابن أبي حاتم 4/ 1286، والحاكم في "المستدرك" 2/ 316، والواحدي في "الوسيط" 1/ 33، وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وأخرج أحمد 2/ 235 - 363، من طرق جيدة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء وحتى الذرة من الذرة" ا. هـ وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 352، وقال: (رواه أحمد، ورجاله رجال == الصحيح)، وله شواهد انظر: "المسند" 1/ 72، ومجمع "الزوائد" 10/ 352 - 353، والقرناء: ذات القرون، والجماء: التي لا قرون لها.]]، وعلى هذا إنما جُعلت أمثالنا في الحشر والاقتصاص؛ واختار الزجاج هذا، قال: (يعني: أمثالكم في أنهم يبعثون. لأنه قال عز وجل: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:36]، ثم أعلم أنه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في الخلق والموت والبعث) [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 245.]]. واختار الأزهري قول ابن عباس فقال: (معنى قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في معنى دون معنى -يريد والله أعلم- أنه تعبدهم بما شاء أن يتعبدهم [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ش).]] من تسبيح وعبادة علمها منهم، ولم يفقهنا ذلك) [["تهذيب اللغة" 1/ 205، وهذا قول أبي عبيدة أيضاً في "مجاز القرآن" 1/ 191، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 421: (وأكثر أهل التفسير يذهب إلى أن المعنى: أنهم يخلقون كما يخلقون ويبعثون كما يبعثون) ا. هـ. ورجحه الطبري في "تفسيره" 7/ 188، والسمرقندي 1/ 483، وابن عطية 5/ 192، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 420، و"التذكرة" ص 329.]]. وقال ابن الأنباري في هذه الآية: (يسأل السائل عن هذا فيقول: ما في هذا من الاحتجاج على المشركين؟ فيُقال له: الاحتجاج أن الله عز وجل قد ركب في الناس عقولاً، وجعل لهم أفهامًا، ألزمهم بها، تدبر أمر الأنبياء، والتمسك بطاعته، وأنه تعالى قد أنعم على الطير والدواب بأن جعل لها [[في (أ): (جعل لهم).]] فهمًا يعرف بعضها به إشارة بعض، فهدى الذكر منها لإتيان الأنثى، فصح التشبيه [[في (ش): (أن الأمم).]]؛ لأن الأمم من غير الناس يفهم [[في (أ): (تفهم).]] بعضها عن بعض، كما يفهم الناس بعضهم عن بعض، ويلزمهم بما يتبينونه من فهمها وهدايتها أن يستدلوا على نفاذ قدرة خالقها المركب ذلك الفهم فيها، وعلى هذا جُعلت أمثالنا في فهم البعض عن البعض) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 35، وأبو حيان في "البحر" 4/ 118 - 119، عن ابن الأنباري.]]. وقال بعض أهل التأويل: (إنما مثلت الأمم من غير الناس بالناس في الحاجة وشدة الفاقة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وكِنهم ولباسهم ونومهم ويقظتهم وهدايتهم إلى مراشدهم، إلى ما لا يحصى [[في (ش): (فيما لا يحصى).]] كثرة من أحوالهم ومصالحهم، وقد تقدم في الآية الأولى أن الله قادر على أن ينزل [كل] [[لفظ: (كل) ساقط من (ش).]] آية، فجاء في هذه الآية ببيان أنه القادر على تدبير كل أمة وسد كل خلة) [[انظر: "تفسير الرازي" 12/ 211 - 213، و"البحر المحيط" 4/ 120.]]. وإلى قريب من هذا ذهب ابن قتيبة فقال: (يريد أنها مثلنا في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك) [["تأويل مشكل القرآن" ص 445.]]. فهذه أقوال المفسرين وأهل التأويل في هذه الآية. وبعد هذا كله فقد أخبرونا عن أبي سليمان البستي الفقيه -رحمه الله- أنبأ [[في (ش): (أخبرنا).]] ابن الزئبقي [[ابن الزئبقي: محمد بن أحمد بن عمرو الزئبقي البصري، روى عن يحيى بن أبي طالب، وحدث عنه غير واحد من البصريين، قاله ابن ماكولا في "الإكمال" 4/ 228: لم أجد له ترجمته عند غيره. والزئبقي، بكسر الزاي وسكون الياء وفتح الباء وبعدها قاف: نسبة إلى الزئبق وبيعه، انظر: اللباب 2/ 85.]] نبأ موسى بن زكريا [[موسى بن زكريا التستري أبو عمران متروك، توفي قبل 300 هـ. انظر: "سؤالات الحاكم" للدارقطني ص 156، و"ميزان الاعتدال" 5/ 330، و"المغني في الضعفاء" 2/ 683، و"لسان الميزان" 7/ 105، و"التُّسْتَري" نسبة إلى بلدة تستر من كور الأهواز من خوزستان. انظر: "اللباب" 1/ 216.]] التستري نبأ أبو حاتم [[أبو حاتم: سهل بن محمد السجستاني، تقدمت ترجمته.]] نبأ العُتبي [[العتبي: محمد بن عبيد الله بن عمرو الأموي، أبو عبد الرحمن البصري، إمام علامة فصيح راوية للأخبار والأدب وشاعر مشهور، توفي نحو سنة 228 هـ. انظر: "المعارف" ص 538، و"تاريخ بغداد" 2/ 324، و"فيات الأعيان" 4/ 398، و"سير أعلام النبلاء" 11/ 96، و"الأعلام" 6/ 258. والعتبي بالضم وسكون التاء وبعدها باء: نسبة إلى جده عتبة بن أبي سفيان الأموي. انظر: "اللباب" 2/ 320.]] قال: (كنا عند سفيان بن عيينة فتلا هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ فقال: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم، فمنهم من يهتصر اهتصار [[المهتصر: الأسد. والهصر، بالفتح: الجذب والإمالة وعطف شيء رطب وكسره من غير بينونة، واهتصر النخلة: ذلل عذوقها وسواها. انظر: "القاموس" ص 498 (هصر).]] الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس [[تطوست المرأة: تزينت، والمطوس: الشيء الحسن. انظر: "القاموس" ص 555 (طوس).]] كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنازير التي إذا قدم [[في (ش): (التي ألقى إليها الطعام)، وفي العزلة للخطابي ص 75: (التي لو ألقي لها الطعام).]] لها الطعام الطيب عافته، فإذا قام الرجل عن رجيعه [[الرجيع: الروث. انظر: "القاموس" ص 721 (رجع).]] ولغت [[ولغ السبع في الإناء، أي: شرب ما فيه بأطراف لسانه. انظر: "القاموس" ص 790 (ولغ).]] فيه، فكذلك [[في (ش): (وكذلك).]] تحد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يتحفظ [[في (ش): (يحفظ).]] واحدة منها وإن أخطأ رجد أو حكى خطأ غيره ترواه وحفظه) [[في (ش): (يرويه ويحفظه).]]. وقال أبو سليمان: (ما أحسن ما تأول أبو محمد هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة، وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعًا لظاهره وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر الله تعالى عن وجود المماثلة بيننا وبين كل طائر ودابة، وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة وعدم من جهة النطق والمعرفة، فوجب أن يكون منصرفًا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق [[في (ش): (بلا خلاف)، وهو تحريف.]]، وإذا كان الأمر كذلك فاعلم يا أخي أنك إنما تعاشر [[في (ش): (يعاشر) بالياء.]] البهائم والسباع، فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم على حسب ذلك) [["العزلة" للخطابي ص 76، وروايته عن سفيان بن عيينة ضعيفة لمكان موسى التستري كما سبق. وذكره عن سفيان الرازي 12/ 214، وأبو حيان في "البحر" 4/ 120، وقال القرطبي 6/ 420، بعد ذكر قول سفيان: (استحسنه الخطابي، وهو أيضًا حسن، فإنه تشبيه واقع في الوجود) ا. هـ. بتصرف.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 34، وابن الجوزي 3/ 35.]]. قال العلماء: (هذا من العام الذي أريد به الخاص؛ لأن المعنى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ بالعباد إليه حاجة إلا وقد بيناه إما نصًّا، وإما دلالة، وإما مجملاً، وإما مفصلاً، فالمجمل كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7]، والمفصل ما فصل بيانه مما لا يحتاج فيه إلى بيان الرسول، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [[في (أ)، (ش): (وأنزلنا)، وهو تحريف.]] [النحل: 89]، أي: لكل شيء يحتاج إليه في أمر الدين وما خفي على الناس فلم يعرفوا فيه دلالة من الكتاب فذاك [[في (ش): (فذلك).]]، لقصور علمهم، وإخراج كل ما يحتاج إليه في أمر الدين من كتاب الله، كما يروى عن ابن مسعود أنه قال: (ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه) يعني: الواشمة والمستوشمة [[في (ش): (والموشومة)، قال ابن الأثير في "النهاية" 5/ 189: (الوشم: أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بصبغ فيظهر أثره. والمستوشمة والموتشمة التي يفعل بها ذلك) ا. هـ بتصرف.]] والواصلة والمستوصلة [[قال ابن الأثير في "النهاية" 5/ 192: (الواصلة: التي تصل شعرها بشعر آخر زور، والمستوصلة: التي تأمر من يفعل بها ذلك) ا. هـ]]، فروى أن امرأة [[قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 10/ 373 - عند كلامه على هذا الحديث-: (المرأة هي أم يعقوب من بني أسد بن خزيمة، ولم أقف لها على ترجمة) ا. هـ.]] قرأت جميع القرآن ثم أتته فقالت: (يا ابن أم عبد [[ابن أم عبد، هو: الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قد ينسب إلى أمه أم عبد بنت عبد بن سواء من هذيل صحابية رضي الله عنها. انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 431.]]، تلوت البارحة ما بين الدفتين فلم أجد فيه لعن [لله] [[لفظ: (الجلالة) ساقط من (أ).]] الواشمة). فقال: (لو تلوته [[في (أ): (لو تلوتيه لوجدتيه)، وقال ابن حجر في "الفتح" 10/ 373) - عند كلامه على الحديث-: (روى مسلم: ليِّن كنت قرأتيه لقد وجدتيه بإثبات الياء، وهي لغة، والأفصح حذفها في خطاب المؤنث في الماضي) ا. هـ]] لوجدته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7]، وأن مما أتانا رسول الله ﷺ أن قال: "لعن الله الواشمة والمستوشمة" [[الحديث متفق عليه أخرجه البخاري في "صحيحه" (5931)، في كتاب: "اللباس"، باب المتفلجات للحسن، ومسلم 2/ 1180، 1181 حديث رقم (2124 - 2125)، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، وانظر: شرحه في "فتح الباري" 10/ 372 - 380، 8/ 630.]]. و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ش).]] كما يروى أن الشافعي - رضي الله عنه - قال ذات يوم وهو جالس في المسجد: (لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه عن كتاب الله، فقال له رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور [[الزنبور -بضم الزاي المشددة وسكون النون وضم الباء-: ذباب لساع. انظر: "القاموس" ص 401 (زنبور).]]، فقال: لا شيء عليه، فقال: أين هذا في كتاب الله؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7]، وأخبرنا [[في (أ): (وأخبر فلان).]] فلان ... وذكر الإسناد إلى رسول الله ﷺ[أنه] [[لفظ: (أنه) ساقط من (ش).]] قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" [[حديث صحيح، أخرجه أحمد 4/ 126 - 127، والدارمي 1/ 229 - 230، وأبو داود رقم (4607)، والترمذي رقم (2676)، وابن ماجة رقم (42 - 44)، وابن أبي عاصم في السنة 1/ 29 - 30، والحاكم 1/ 95 - 97 من طرق عن العرباض == بن سارية رضي الله عنه، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرطهما ، ولم أعرف له علة)، وصححه الألباني في "ظلال الجنة في تخريج السنة" لابن أبي عاصم.]]، وأخبرنا فلان ... وذكر الإسناد إلى عمر [[الأثر عن عمر رضي الله عنه أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 443، رقم 8380 - 8381، وابن أبي شيبة 3/ 334، والبيهقي في سننه 5/ 211، بسند جيد عن سويد بن عفلة الجعفي، وانظر: "المغني" لابن قدامة 5/ 175 - 177.]] -رضي الله عنه- أنه قال: للمحرم قتل الزنبور) [[روى هذه القصة البيهقي في سننه 5/ 212 عن عبيد الله بن محمد بن هارون الفريابي قال: (سمعت الشافعي بمكة يقول: سلوني ما شئتم أجبكم من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله ﷺ قال: فقلت له: أصلحك الله! ما تقول في المحرم بقتل زنبورًا؟ قال: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، وحدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر المحرم بقتل الزنبور) ا. هـ. وحديث: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" حديث صحيح أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 352 (31933)، والترمذي في "المناقب" 5/ 609 - 610، حديث 3662 - 3663، وحسنه، وابن ماجة في "المقدمة" 1/ 37، حديث 97، وابن أبي عاصم في كتاب: السنة 2/ 545 - 546، وصححه الألباني في "ظلال الجنة في تخريج السنة".]]، فأجابه عن كتاب الله مستنبطًا بثلاث درجات [[نقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 216، وقال: (وأما الطريق الذي ذكره الشافعي فهو تمسك بالعموم على أربع درجات: أولها: التمسك بعموم قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وأحد الأمور الداخلة تحت هذا أمر النبي ﷺ بمتابعة الخلفاء الراشدين. وثانيها: التمسك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي". == وثالثها: أن عمر رضي الله عنه كان من الخلفاء الراشدين. ورابعها: الرواية عن عمر أنه لم يوجب في هذه المسألة شيئًا) ا. هـ.]] ومن هذا ما روي في حديث العسيف [[العسيف: الأجير سمي لأن المستأجر يعسفه في العمل. انظر: "النهاية" 3/ 236، و"فتح الباري" 12/ 139.]] الزاني وأن أباه قال للنبي ﷺ: اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي فأقول، قال: "قل"، قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا ... وذكر القصة، فقال النبي ﷺ: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله" [[حديث العسيف حديث متفق عليه أخرجه البخاري (6827، 6828)، ومسلم حديث (1697 - 1698)، كلاهما في كتاب الحدود باب الاعتراف بالزنا، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالا: (إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ: "قل". قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني إنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ) ا. هـ. لفظ مسلم. وانظر: شرح الحديث في "فتح الباري" 12/ 137 - 142.]]، ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إن اعترفت، وليس للرجم والتغريب ذكر في نص الكتاب، فجعلهما النبي ﷺ من الكتاب لما حكم هو بهما، وهذا يبين لك أن كل ما يحكم به النبي ﷺ كان ذلك كما لو حكم به الكتاب نصًّا) [[ذكر قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 217، والقاسمي في "تفسيره" 6/ 517 - 521. وانظر البحث في هذا الموضوع في "الموافقات" للشاطبي 2/ 79، 3/ 336.]]. والكتاب على هذا التأويل المراد به القرآن [[وهو قول الجمهور ورجحه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 546، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 194؛ لأنه هو الذي يقتضيه سياق الآية والمعنى، قال الرازي في "تفسيره" 12/ 215: (هذا أظهر؛ لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن) ا. هـ. وانظر: "تفسير الماوردي" 2/ 112، و"البحر المحيط" 4/ 120، و"تفسير القاسمي" 6/ 515 - 516.]]. ومعنى ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾: ما ضيعنا وما تركنا وما قصرنا [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 191.]]، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:31]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: شيئًا و ﴿مِن﴾ زائدة [[انظر: "التبيان" 1/ 331، و"الفريد" 2/ 145 - 146، و"البحر" 4/ 120 - 121، و"الدر المصون" 4/ 612، ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 218، وقال: (من للتبعض، فكأن المعنى: ما فرطنا في الكتاب بعض شيء يحتاج المكلف إليه، وهذا هو نهاية المبالغة في أنه تعالى ما ترك شيئاً مما يحتاج المكلف إلى معرفته في هذا الكتاب) ا. هـ.]]، كقولك: ما جاءني من أحد، وتقديره: ما تركنا في الكتاب شيئًا لم نبينه؛ لأن معنى التفريط يعود إلى التقصير عن المتقدم فيما يحتاج إلى المتقدم فيه. وقيل: (المراد بالكتاب هاهنا الكتاب الذي هو عند الله عز وجل المشتمل على ما كان ويكون، وهو اللوح المحفوظ)، وهو قول [[أخرجه الطبري 7/ 188، وابن أبي حاتم 4/ 1286 بسند جيد عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2 /207، بسند جيد عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند جيد عن ابن زيد، وهو اختيار مقاتل 1/ 560، والطبري والسمرقندي 1/ 483، والبغوي 3/ 142، والزمخشري 2/ 17، == وابن كثير 2/ 147، وهو الظاهر -والله أعلم- قال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 147 - 150: (هو أظهر القولين وأظهر في الآية، والسياق يدل عليه) ا. هـ.]] ابن عباس في رواية الوالبي [[(تقدم أنه علي بن أبي طلحة: والوالِبي: نسبة إلى والب بن الحارث بن ثعلبة بطن من بني أسد، ينسب إليه جماعة منهم: سعيد بن جبير بن هشام الناس الأسدي الوالبي، أبو محمد الكوفي، تابعي إمام عابد، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، قتله الحجاج سنة 95 هـ. ولم يكمل 50 سنة. انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 256، و"الجرح والتعديل" 4/ 9، و"الحلية" 4/ 272، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 216، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 321، و"تهذيب التهذيب" 2/ 9، هذا هو المشهور في الوالبي كما في "اللباب" 3/ 350، ولكن مراد الواحدي كما في "أسباب النزول" ص 39، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الفتاوى" 8/ 150، 14/ 238، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 147، أن الوالبي هو علي بن أبي طلحة ولم أجد في ترجمته من نسبه إلى ذلك؛ وهو: علي ابن سالم بن مخارق الهاشمي مولاهم أبو الحسن ابن أبي طلحة الحمصي، أصله من الجزيرة، إمام صدوق مشهور برواية التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولم يسمع منه، ولكنه أخذه عن الثقات من أصحاب ابن عباس، وقد أشاد العلماء بصحيفته في التفسير واعتمدوها في كتبهم، توفي سنة 143 هـ. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 458، و"الجرح والتعديل" 6/ 188، و"مشاهير علماء الأمصار" ص182، و"تاريخ بغداد" 11/ 429، و"ميزان الاعتدال" 3/ 134، و"تهذيب التهذيب" 3/ 171، ومقدمة "معجم غريب القرآن" لمحمد فؤاد عبد الباقي.]]، والآية على هذا التأويل عامة، وتدل على أن كل ما في الدنيا من حادث قد سبق به القضاء، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ كما قال ﷺ. "جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" [[أخرج الإمام أحمد 4/ 286 - 288، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 137 - 139، حديث طويل عن ابن عباس، وفيه: قال النبي ﷺ: "قد جف القلم بما هو كائن ... "، الحديث. وصححه أحمد شاكر، والألباني في تخريجهما لذلك.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد. للجزاء إما ثواب وإما عقاب) [[ذكره القرطبي 6/ 421، وفي "تنوير المقباس" 2/ 17، نحوه.]]، وهذا وقول المفسرين [[هذا قول الجمهور كما في "البحر" 4/ 121، ورجحه القرطبي 6/ 421، وانظر: الطبري 7/ 171، والسمرقندي 1/ 483، وابن عطية 5/ 193.]] (أن هذه الأمم يحشرون مع الخلق إلى الموقف يوم القيامة للحساب والجزاء). كما روينا عن أبي هريرة [[سبق تخريجه.]] وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: 5]، ومعنى ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: إلى حيث لا يملك النفع والضر إلا الله جل [[في (ش): (إلا الله تعالى).]] وعز، إذا لم يُمكن منه كما مكنهم في دار الدنيا.

الأنعام 6:39

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما جاء به محمد ﷺ: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ قال: يريد ﴿صُمٌّ﴾ عن القرآن لا يسمعونه، ﴿وَبُكْمٌ﴾ عن القرآن لا ينطقون به) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 18، وأخرج الطبري 7/ 190، وابن أبي حاتم 1/ 53، تحقيق الغماري، بسند جيد عنه قال: (﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه)، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 191، و"زاد المسير" 3/ 36.]] وقد أحكمنا شرح هذا في أول سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ إلى آخر الآية، دليل على أن هؤلاء صاروا صمًّا بكمًا بمشيئة الله إضلالهم، وأنه من شاء أضل، ومن شاء هدى [[انظر: الطبري 7/ 190، والسمرقندي 1/ 483، وابن عطية 5/ 195، والقرطبي 6/ 422، و"بدائع التفسير" 2/ 150.]].

الأنعام 6:40

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ الآية، قال الفراء: (للعرب في أرأيت لغتان ومعنيان، أحدهما: رؤية العين فإذا أردت هذا عدّيت الرؤية بالضمير إلى المخاطب وتصرف سائر الأفعال تقول للرجل: أرأيتك على غير هذه الحال ، تريد هل رأيت نفسك، ثم تثنى وتجمع فتقول: أرأيتما كما، وأرأيتموكم [[في (ش): (وأريتموكم)، وهو تحريف.]]، وللنسوة أرأيتنكن [[في (أ): (أريتنكن)، وهو تحريف.]] [[زاد الفراء في "معانيه" 1/ 333: (وللمرأة -أرأيتك- فهذه مهموزة تخفض التاء والكاف، لا يجوز إلا ذلك) ا. هـ]]. والمعنى الآخر: أن تقول: أرأيتك وأنت تريد أخبرني كما تقول: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل، أي: أخبرني، وتترك [[في (ش): (ويترك).]] التاء إذا أردت هذا المعنى موحدة على كل حال تقول: أرأيتك، أرأيتكما [[في (أ): (أريتكما)، وهو تحريف.]]، أرأيتكن [[زاد الفراء في هذا الوجه: (وتهمزها وتنصب التاء منها، وتترك الهمز إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتترك التاء موحدة مفتوحة للواحد والواحدة والجميع في مؤنثه ومذكره) ا. هـ.]]؛ وإنما تركت العرب التاء واحدة؛ لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعًا من المخاطب على نفسه، فاكتفوا من علامة المخاطب بذكره في الكاف، وتركوا التاء على المذكر والتوحيد إذ لم يكن الفعل واقعًا. قال: والرؤية من الأفعال الناقصة التي يُعدّيها المخاطب إلى نفسه بالمكنى مثل: ظننتني وحسبتني ورأيتني، ولا يقولون ذلك في الأفعال التامة، لا يقولون للرجل: قتلتك بمعنى قتلت نفسك، ولا أحسنت إليك كما يقولون: متى تظنك خارجًا ومتى تراك. وذلك أنهم أرادوا الفصل بين الفعل الذي قد يُلغى وبين الفعل الذي لا يجوز إلغاؤه، ألا ترى أنك تقول: أنا أظن خارج فتلغي أظن، وقال الله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 7]، ولم يقل: رأى نفسه، وجاء في ضرورة الشعر إجراء الأفعال التامة مجرى النواقص، قال جران العود [[جِران العَوْد، هو: عامر بن الحارث بن كلدة النُّمَيري، شاعر إسلامي وصاف. وجران العود لقب غلب على اسمه، وهو بالكسر وفتح الراء: جلد عُنُق الدابة، سمي به؛ لأنه اتخذ منه سوطًا، وأورده في شعره. انظر: "كنى وألقاب الشعراء" لابن حبيب ص 35، و"الشعر والشعراء" ص 480، و"المبهج" لابن جنى ص 169، و"الصحاح" 5/ 2091 (جرن)، و"اللباب" لابن الأثير 1/ 269، و"تاج العروس" 18/ 106 (جرن)، و"الأعلام" 3/ 250.]]: لَقَدْ كَانَ لي في ضَرَّتَيْنِ عَدِمْتُني ... وما كنت ألقى من رزينة أبرحُ [["ديوانه" ص 39، 40، و"الدر المصون" 4/ 622، وهذه هي رواية الفراء في "معانيه" 1/ 334، وفي المراجع: لقد كان لي عن ضرتين عدمنني ... وعَمَّا أُلاقي منهما مُتَزَحْزِحُ والشاهد: عدمتني: حيث جمع بين ضمير الفاعل والمفعول.]] والعرب تقول: عدمتني ووجدتني وفقدتني، وليس بوجه الكلام) [["معاني الفراء" 1/ 333 - 334، بتصرف واختصار، ونصر الواحدي عند السمين في "الدر" 4/ 621 - 622 عن الفراء.]] وهذا كله صحيح، ولم يخالف إلا في الكاف التي في أرأيتك بمعنى أخبرني، فإنه قال: [(موضع الكاف نصب وتأويله رفع؛ لأن الفعل محول عن التاء إليها، وهي بمنزلة الكاف في دونك إذا أُغري بها، كما تقول: دونك زيدًا، فتجد الكاف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]] في اللفظ خفضًا وفي المعنى رفعًا؛ لأنها مأمورة، فكذلك هذه الكاف موضعها نصب وتأويلها رفع) [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 333.]]، قال الزجاج: (وهذا القول لم يقله النحويون القدماء وهو خطأ؛ لأن قولك: رأيتك زيدًا ما شأنه لو تعدت الرؤية إلى الكاف وإلى زيد لصار المعنى: أرأيت [[أي يصير لها فاعلان هما التاء والكاف.]] نفسك زيدًا ما شأنه وهذا محال. قال: والذي يذهب إليه النحويون الموثوق بعلمهم أن الكاف لا موضع لها، وإنما المعنى: أرأيت زيدًا ما حاله، وإنما الكاف زيادة وهي المعتمد عليها في معنى الخطاب) [["معاني القرآن" 2/ 246.]]. قال أبو علي: (قولهم: أرأيتك زيدًا ما فعل، بفتح التاء في جميع الأحوال، فالقول في ذلك أن الكاف في أرأيتك لا يخلو من أن يكون [[في (أ): (لا تخلو من أن تكون).]] للخطاب مجردًا ومعنى الاسم مخلوع منه [[في (ش): (منها)، وهي في بعض نسخ الحجة لأبي علي 3/ 308.]]، أو يكون دالًّا على الاسم مع دلالته على الخطاب، فالدليل على أنه للخطاب مجردًا من علامة الاسم أنه لو كان اسمًا وجب أن يكون الاسم الذي بعده في نحو قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: 62]، وقولهم: أرأيتك زيدًا ما صنع لو كان الكاف اسمًا ولم يكن حرفًا للخطاب لوجب أن يكون الاسم الذي بعده الكاف في المعنى، ألا ترى أن أرأيت يتعدى [[في (ش): (تعدى).]] إلى مفعولين يكون الأول منهما هو الثاني في المعنى، وفي كون المفعول الذي بعده ليس الكاف، وإنما هو غيره دلالة على أنه ليس باسم، وإذا لم يكن اسمًا كان حرفاً للخطاب مجردًا من معنى الاسمية، كما أن الكاف في ذلك وفي هنالك وأبصرك زيدًا للخطاب، [وكما أن التاء في أنت كذلك، فإذا ثبت أنه للخطاب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]، معرى من الأسماء، ثبت أن التاء لا يجوز أن يكون بمعنى الخطاب، ألا ترى أنه لا ينبغي أن يلحق الكلمة علامتان للخطاب، كما لا يلحقها علامتان للتأنيث ولا علامتان للاستفهام، فلما لم يجز ذلك أفردت التاء في جميع الأحوال لما كان الفعل لا بد له من فاعل، وجعل في جميع الأحوال على لفظ واحد؛ لأن ما يلحق الكاف في معنى الخطاب يبين الفاعلين، فيخصص التأنيث من التذكير والتثنية من الجمع، ولو لحق علامة التأنيث والجمع التاء لاجتمع علامتان للخطاب مما كان يلحق التاء وما كان يلحق الكاف، فلما كان ذلك يؤدي إلى ما لا نظير له رفض وأجري على ما عليه سائر كلامهم في هذا النحو) [["الحجة" لأبي علي 3/ 308 - 310، وانظر: "الحلبيات" لأبي علي ص 42 - 96.]]. واحتج ابن الأنباري لمذهب الفراء بأن قال: (لو كانت الكاف توكيدًا لوقعت التثنية والجمع بالتاء كما يقعان بها عند عدم الكاف، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع، ووقع ميسم الجمع لغيرها، كان ذلك دليلًا على أن الكاف غير توكيد، ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة: أرأيت، فوضح بهذا انصراف الفعل إلى الكاف، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها) [[ذكره السمين في "الدر" 4/ 621، وانظر: "تفسير الرازي" 12/ 222.]]. والصحيح مذهب البصريين، وهذا الذي قاله يبطل بكاف ذلك وأولئك؛ لأن ميسم الجمع يقع عليها، وهي حرف للخطاب مجرد من معنى الاسمية [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 274، و"تفسير الطبري" 7/ 190، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 547، و"معاني القراءات" للأزهري 1/ 353، و"المشكل" لمكي 1/ 351، و"البيان" 1/ 321، و"التبيان" 1/ 332، و"الفريد" 2/ 146، و"المغني" لابن هشام 1/ 181.]]. واختلف القراء في هذا الحرف وما كان من بابه ودخل عليه ألف إلاستفهام، مثل ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ [الأنعام: 46] و ﴿أَرَءَيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: 40] و ﴿أَرَءَيْتَ﴾ [الكهف: 63] و ﴿أَفَرَءَيْتُم﴾ [[قرأ نافع: (أرأيتكم) وما أشبهه مما قبل الراء همزة وبعدها همز، بهمز الأولى وتسهيل الثانية بين الهمز والألف لتكون كالمدة في اللفظ حيث وقع، وقرأ الكسائي بهمز الأولى وإسقاط الثانية، وقرأ الباقون بهمزها جميعًا). انظر: "السبعة" ص 257، و"المبسوط" ص 168، و"التذكرة" 2/ 398، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 1/ 397.]] [الشعراء: 75] فحذف الكسائي همزة الرؤية، فقرأ: (أريتكم) [[في (أ): (أرأيتكم).]] كأنه حذفها للتخفيف، كما قالوا: ويلمه [[وَيْلِمِّه: بفتح فسكون وكسر اللام أو ضمها وكسر الميم المشددة وبعدها هاء لفظ مركب يقال للمستجاد ويلمه أي ويل لأمه، أدغمت لام ويل في اللام الجارة ثم حذفت لكثرة الاستعمال فصار: وي لأمه، ثم حذفت الهمزة فصار ويلمه. انظر: "الحلبيات" ص 43، و"اللسان" 8/ 4939 (ويل).]]، وكما أنشده أحمد بن يحيى: إن لم أُقَاتلْ فالْبِسُوني بُرْقُعا [[لم أعرف قائله وهو في: "الحجة" لأبي علي 3/ 211، 6/ 340، و"كتاب الشعر" لأبي علي 1/ 303، و"المحتسب" 1/ 120، و"الخصائص" 3/ 151، والرازي 12/ 184، والقرطبي 5/ 101، و"البحر" 3/ 206، و"الدر المصون" 3/ 633، وهو رجز آخره: == فتَخاتٍ في اليَدَينِ أَرْبَعا. والشاهد: فالبسوني، حيث حذف الهمزة، والأصل: فألبسوني. والفتخات، بفتح فسكون أو بفتحتين: حاتم يكون باليد والرجل.]] [أراد] [[لفظ: (أراد) ساقط من (ش).]] فألبسوني بقطع الهمزة ثم حذفها. وكقول أبي [[في (ش): (ابن)، وهو تحريف.]] الأسود [[أبو الأسود: ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي أبو الأسود البصري مشهور بكنيته وفي اسمه ونسبه خلاف، وهو إمام تابعي عابد فاضل نحوي مقرئ فقيه، ثقة، شاعر فارس شجاع، واضع علم النحو، وأول من نقط المصحف، توفي سنة 69هـ. وله 85 سنة. انظر: "طبقات الزبيدي" ص 21، و"إنباه الرواة" 1/ 48، و"معجم الأدباء" 3/ 436، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 81، و"تهذيب التهذيب" 2/ 249، و"الأعلام" 3/ 236.]]: يَا بَا المُغِيرَةِ رُبَّ أَمْرٍ مُعْضِلٍ [[ديوانه ص 134، و"الحجة" لأبي علي 3/ 211، 307، 6/ 340، و"الشعر" لأبي علي 1/ 142، 303 و"أمالي ابن الشجري" 2/ 199، و"المقرب" ص 559، و"الممتع" 2/ 620، و"رصف المباني" ص 134، و"البحر" 5/ 52، و"الدر المصون" 4/ 617، وعجزه: فَرَّجْتهُ بالمَكْرِ مِنّى والدَّهَا والشاهد يا با، حيث حذف الهمزة من أيا.]] ومما يقوي هذا المذهب قول الشاعر: وَمَنْ رَأ مثلَ مَعْدَان بْنِ لَيْلَى ... إذا ما النسْعُ طالَ على المَطِيَّة [[لم أعرف قائله، وهو في: "الحجة" لأبي علي 3/ 307، 6/ 424، و"الحلبيات" ص 47، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 791، و"اللسان" 3/ 1537، (رأى)، و"الدر المصون" 4/ 618، والنسع بالكسر: سير مضفر تشد به الرحال، انظر "اللسان" 7/ 4410 (نسع)، و"الشاهد" (من رأ) حيث حذف، والأصل رأى.]] فهذا على أنه قلب الهمزة [ألفا] [[لفظ: (ألفا) ساقط من (ش).]] كما قلبها في قوله: لاَ هَناك المَرْتَعُ [["الشاهد" للفرزدق في "ديوانه" 1/ 408، و"الكتاب" 3/ 554، و"المقتضب" 1/ 303، و"الكامل" 3/ 82، و"الأصول" 3/ 469، و" أمالي ابن الشجري" 1/ 120، 2/ 464، وبلا نسبة في: أضداد ابن الأنباري ص 209، و"الحجة" لأبي علي 1/ 398، و"العضديات" ص 174، و"الشعر" 1/ 145، و"الخصائص" 3/ 152، و"المحتسب" 2/ 173، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 666، و"المقرب" ص 538، وأوله: وَمَضَتْ لمسْلَمَة الرِّكابُ مُوَدِّعًا ... فَارْعَيْ فَزَازَةُ لا هَناك المَرْتَعُ وهو من قصيدة قالها حين عُزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وتولاها عمر بن هبيرة الفزاري، فدعا ألا يهنأ قومه بولايته. والشاهد: لا هناك، والأصل: هناك، حيث أبدل الهمزة ألفًا ضرورة.]] واجتمعت مع المنقلبة عن اللام فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين. وقرأ نافع بتليين همزة الرؤية فجعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي والباقون قرؤوا بتحقيق الهمزة؛ لأن الهمزة عين الفعل، ومذهب الكسائي حسن، وبه قرأ [[لم أستطع تحديده، وهناك: أ- عيسى بن عمر الأسدي الهمداني أبو عمر الكوفي، إمام فاضل ثقة، مقرئ أهل الكوفة في زمانه، أخذ عن عاصم، وأخذ عنه الكسائي، توفي سنة 156 هـ. انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 282، و"معرفة القراء" 1/ 119، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 199، و"غاية النهاية" 1/ 612، و"تهذيب التهذيب" 3/ 363. ب- عيسى بن عمر الثقفي، أبو عمر البصري. إمام صدوق نحوي، مقرئ من أئمة اللغة، ومن أول من هذب النحو ورتبة، أخذ عنه الخليل وسيبويه وأبو عمر بن العلاء، توفي بعد سنة 3/ 364. == انظر: "إنباه الرواة" 2/ 374، و"معجم الأدباء" 16/ 146، و"وفيات الأعيان" 3/ 486، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 200، و"غاية النهاية" 1/ 613، و"تهذيب التهذيب" 3/ 364.]] عيسى بن ........ عمر [[ذكرها عنه: أبو علي في "الحجة" 3/ 307، والنحاس في "إعرابه" 1/ 547، والرازي 12/ 223، والقرطبي 6/ 423.]]، وهو كثير في الشعر، قد [[في (ش): (وقد).]] تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة قال عمر [[ديوان عمر بن أبي ربيعة ص 125، و"الدر المصون" 4/ 166. وأريتك: أي أخبرني. وحضر: أي حاضرون. والشاهد: (أريتك) حيث خفف، والأصل: أرأيتك.]]: أَرَيْتُكَ إذْ هُنّا عَليْكَ أَلَمْ نَخَفْ ... رَقِيبا وَحَوْلي مِنْ عَدُوِّك حُضَّرُ [[في الديوان (وقيت) بدل (رقيبا).]] وأنشد أبو علي [["الحجة" 3/ 308، و"الحلبيات" ص 46، و"العسكريات" ص 107.]]: أَرَيْتَ إنْ جئْتُ به أُمْلوُدًا ... مُرَجَّلًا وَيلْبَسُ البُرُوداَ [[الشاهد لرؤبة في ملحق ديوانه ص 173، ولرجل من هذيل في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 2/ 651. وذكر السيوطي في "شرح شواهد المغني" 2/ 759، أنه لامرأة مجهولة، وهو بلا نسبة في: "المحتسب" 1/ 193، و"الخصائص" 1/ 136، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 447، و"اللسان" 3/ 1538 (رأى) و"الدر المصون" 4/ 616. والأملود بالضم: الناعم اللين. والمرجل بالضم: المُزيَّن. ورجل شعره، أي: سرحه، والبرود بالضم: ثوب فيه خطوط من برود العصب والوشي. انظر: "اللسان" 1/ 250 (برد). والشاهد: تخفيف أريت، والأصل أرأيت.]] فأما [[انظر: في توجيه القراءات "إعراب القراءات" 1/ 156، و"الحجة" لابن خالويه ص 139، ولابن زنجلة ص 250، و"الكشف" 1/ 431.]] معنى الآية فقال ابن عباس: (﴿قُلْ﴾ يا محمد {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} يريد: الموت ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ [[في (أ): (أتيكم)، وهو تحريف.]] يريد: القيامة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ يريد: إلى من تتضرعون [[في (ش): (يتضرعون).]] إلى هذه الأصنام، يريد: أنكم عند العذاب وعند الموت والشدائد تخلصون وتوحدون وأنتم اليوم لا تصدقوني) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 36، والبغوي 3/ 143، وانظر: "زاد المسير" 3/ 37.]]، انتهى كلامه. وقال أبو إسحاق: (﴿السَّاعَةُ﴾ اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد، واسم للوقت الذي يبعث فيه العباد، فالمعنى: ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ التي وُعِدتم فيها البعث والفناء؛ لأن قبل البعث موت الخلق كله ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ أي: أتدعون هذه الأصنام والأحجار التي عبدتموها [[في (أ): (التي عبد من دون الله)، وهو تحريف.]] من دون الله عز وجل، فاحتج الله عليهم بما لا يدفعونه [[في (ش): (بما لا يدفعون).]]؛ لأنهم كانوا إذا مسهم الضّر دعوا الله) [["معاني الزجاج" 2/ 246.]]. وقال غيره [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 191، والسمرقندي 1/ 483، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 422 - 423: (في هذه الآية أعظم الاحتجاج؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، فإذا وقعوا في شدة دعوا الله) ا. هـ.]]: (الآية حجة على من عبد غير الله بأنه إن أتاه عذاب من قبل الله جل وعز لم يلجأ في كشفه إلا إليه دون كل أحد سواه؛ لأنه لا يملك كشف عظيم البلاء إلا هو). وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ... [[السياق يظهر أن فيه سقطًا، وفي "الوسيط" 1/ 36، ما يبين ذلك حيث قال: (وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ جواب قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ لأنه بمعنى أخبروا ..).]] [قوله ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾؛ لأنه بمعنى أخبروا كأنه قيل لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]] أخبروا من تدعون عند نزول النبلاء بكم.

الأنعام 6:41

قوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾. (بل) هاهنا نفي دعائهم غير الله في الشدائد وإثبات دعائهم إياه [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 191، والسمرقندي 1/ 484، وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 247: (بل استدراك وإيجاب بعد نفي، أعلمهم الله جل وعز أنهم لا يدعون في حال الشدائد إلا إياه، وفي ذلك أعظم الحجة عليهم؛ لأنهم قد عبدوا الأصنام) ا. هـ. ملخصًا.]]. وقوله. تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾، أي: فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 247، والنحاس في "معانيه" 2/ 423، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 284، والبغوي 3/ 143.]]. وقوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: تتركونهم فلا تدعونهم؛ لأنه ليس عندهم ضر ولا نفع) [[ذكره الرازي ف ي "تفسيره" 12/ 223، وفي "تنوير المقباس" 2/ 18 - 19 نحوه، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 484، والبغوي 3/ 143.]] قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون المعنى: أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم) [[قال الزجاج في "معانيه" 2/ 247: (﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ هاهنا على ضربين: جائز أن يكون تنسون تتركون، وجائز أن يكون المعنى: إنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من يسهون) ا. هـ ونحوه ذكر النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 548.]]، وهذا قول الحسن؛ لأنه قال: (تعرضون [[في (ش): (يعرضون).]] عنه إعراض الناسي، أي: لليأس في النجاة من مثله) [[ذكره الرازي 12/ 223، والقرطبي 6/ 423.]]. وقال أبو علي: (التقدير: ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ دعاء ﴿مَا تُشْرِكُونَ﴾] [[لفظ: (تشركون) ساقط من (ش).]]، فحذف المضاف أي: تتركون دعاءه [[في (ش): (تركون الفزع إليه).]] والفزع إليه، إنما تفزعون إلى الله سبحانه، قال: ويجوز أن يكون من النسيان خلاف الذكر كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 67]، أي: تذهلون فلا تذكرونه) [["الحجة" لأبي علي 2/ 191، وانظر: "الدر المصون" 4/ 632.]]، انتهى كلامه، والعائد إلى الموصول محذوف على تقدير: ما تشركون به، وحذف به للعلم [[انظر: "الدر المصون" 4/ 632.]].

الأنعام 6:42

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: (فكفروا ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾) [[لم أقف عليه.]]، قال أهل المعاني: (في الآية محذوف تقديره: رسلًا فخالفوهم فأخذناهم، وحسن الحذف للإيجاز به من غير إخلال للدليل المفهوم من الكلام) [[هذا قول عامة أهل التفسير. انظر: "تفسير الطبري" 7/ 192، والسمرقندي 3/ 230، وابن عطية 5/ 198، وابن الجوزي 3/ 38، والرازي 12/ 224، والقرطبي 6/ 424.]]. وقوله تعالى: ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الفقر [[في (ش): (الفقرا)، وهو تحريف.]] والأسقام) [[أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1288 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (البأساء: الفقر، والضراء: السقم)، قال ابن أبي حاتم: (وروي عن ابن عباس وأبي العالية والحسن ومرة الهمذاني وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك) ا. هـ وذكر ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 38، عن ابن عباس أنه قال: (البأساء: الزمانة والخوف، والضراء: البلاء والجوع) ا. هـ. وذكر السيوطي في "الدر" 1/ 315 عن ابن عباس أنه قال: (البأساء: الخصب، والضراء: الجدب). وذكر أيضاً في "الدر" 1/ 437 عنه أنه قال: (البأساء: الفتن، والضراء: السقم). وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 198: (البأساء: المصائب في الأموال؛ والضراء: في الأبدان، هذا قول الأكثر وقيل: قد يوضع كل واحد بدل الآخر) ا. هـ. وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 191، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 136، و "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 163، و"معاني الزجاج" 2/ 248، و"معاني النحاس" 2/ 423.]]. وقال الحسن: (البأساء: شدة الفقر من البؤس، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: الأمراض والأوجاع) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 224، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1288 عن الحسن قال: (البأساء: النبلاء، والضراء: هذه الأمراض والجوع ونحو ذلك) " وقال ابن أبي حاتم: وروي عن الحسن أنه قال: (البأساء: الفقر، والضراء: السقم).]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ قال الزجاج: (لعل ترج، وهذا الترجي للعباد، والمعنى: فأخذناهم بذلك ليكون ما يرجوه العباد منهم من التضرع، كما قال في قصة فرعون: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44] قال سيبويه: "المعنى: [[في (أ): (والمعنى).]] اذهبا أنتما على رجائكما، والله عز وجل عالم بما يكون وراء ذلك" [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 248، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 424، وتفسير ابن عطية 5/ 199، ولم أقف عليه في الكتاب، وفيه 2/ 148، 3/ 233: (لعل طمع وإشفاق)، وانظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص30، و"معاني الحروف" للرماني ص 123، و"المغني" لابن هشام 1/ 286.]]، ومعنى التضرع: التخشع وهو حال ظاهرة [[في (أ): (ظاهر).]] تنبئ عن الانقياد للطاعة، وأصله من الضراعة وهي الذلة، يُقال: ضرع الرجل يضرع ضراعة، وهو ضارع، ورجل ضرع: ذليل ضعيف [[قال أهل اللغة: (ضَرَعَ الرجل يضرَع ضَرَعًا وضَرَاعَة إذا استكان وذل، فهو ضارع بين الضَّراعة، وتَضَرَّع إلى الله، أي: ابتهل، والضَّرَعُ بالتحريك: الضعيف). انظر: "العين" 1/ 269، و"الجمهرة" 2/ 747، و"تهذيب اللغة" 3/ 2115، و"الصحاح" 3/ 1249، و "مقاييس اللغة" 3/ 395، و"المفردات" 506، و"اللسان" 5/ 2580 (ضرع).]]. قال أبو إسحاق: (أعلم الله نبيه أنه قد أرسل قبله إلى قوم بلغوا من القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 248.]]، وهذا يكون كالتسلية لنبيه ﷺ، فإن قيل: أليس قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: 41] يدل على أنهم تضرعوا وهاهنا يقول: ﴿قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: 43] ولم يتضرعوا؟ قلنا: حال أولئك [كانت] [[لفظ: (كانت) ساقط من (أ).]] بخلاف حال هؤلاء في التضرع، وأولئك الذين تضرعوا عند نزول الشديدة غير هؤلاء الذين وصفوا بالقسوة وترك التضرع. أو نقول: [[في (أ): (أو يقول).]] المراد [بالتضرع] [[لفظ: (بالتضرع) ساقط من (أ).]] في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ تضرعًا بالإنابة [وإخلاص الطاعة، لا [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] تضرعًا بالدعاء في كشف البلية دون إخلاص الإيمان [[انظر: "تفسير الرازي" 12/ 224، و"الفريد" للهمداني 2/ 148، و"تفسير القرطبي" 6/ 425.]].

الأنعام 6:43

وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ الآية. لولا [[انظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 3 - 5، و"معاني الحروف" للرماني ص 123، و"المغني" لابن هشام 1/ 272.]]. إذا دخلت على الاسم كان تعليلًا كقولك: لولا زيد لأتيتك. جعلت العلة المانعة من الإتيان مكان زيد، وإذا دخلت على الفعل كان تخصيصًا بمنزلة هلا، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: 10]، والتقدير في الآية: لولا تضرعوا ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾؛ وهذا معنى قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 334، وفيه قال: (معنى ﴿فَلَوْلَا﴾ فهلا ..).]]. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 19، وأخرجه ابن حسنون ص 36، والوزان ص 1/ ب في "لغات القرآن" بسند جيد عنه.]] والحسن [[لم أقف عليه عن الحسن، وهو معنى ظاهر وموجود في عامة كتب التفسير. انظر: الطبري 7/ 192، و"معاني النحاس" 2/ 424، والسمرقندي 1/ 484، وابن عطية 5/ 199.]] في هذه الآية: (لولا بمنزلة هلا). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال صاحب "النظم": (قوله ﴿وَلَكِنْ﴾ معطوف على تأويل الكلام الأول دون اللفظ، وذلك أن في قوله: هلا تضرعوا طرفًا من الجحد، وذلك أنهم لو كانوا قد تضرعوا، ما قيل: هلا تضرعوا، فكأنه قال: فلما جاءهم بأسنا لم يتضرعوا {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} فأقاموا على كفرهم، ومعنى ﴿تَضَرَّعُوا﴾ تخشعوا وتذللوا وخضعوا) [[لم أقف عليه، وكتاب "نظم القرآن" للجرجاني مفقود، وعلى هذا تكون لكن استدراكًا على المعنى، ويكون التخصيص في معنى النفي، وهو ظاهر كلام الزمخشري في "الكشاف" 2/ 19، والعكبري في "التبيان" 1/ 333، والهمداني في "الفريد" 2/ 149، وانظر: "الدر المصون" 4/ 633.]]. وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ معنى تزيين الشيطان: إغراؤه بالمعصية بما فيها من المتعة واللذة [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 193، وابن عطية 5/ 199.]]. قال ابن عباس: (يريد زين لهم الشيطان الضلالة التي هم عليها فأصروا على معاصي الله) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 37.]].

الأنعام 6:44

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قال ابن عباس: (تركوا ما وعظوا به) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 37، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 39، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 193، وابن أبي حاتم 4/ 1290 بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (يعني: تركوا ما ذكروا به). وانظر: "الدر المنثور" 3/ 22.]]، وتأويله: تركوا العمل به. وقال مقاتل: (تركوا ما دعاهم إليه الرسل) [["تفسيرمقاتل" 1/ 561.]]. وقال أصحاب اللغة: (وإنما كان النسيان بمعنى الترك؛ لأن التارك للشيء إعراضًا قد صيره بمنزلة ما قد نُسي) [[انظر: "العين" 7/ 304، و"تهذيب اللغة" 4/ 3565، و"الصحاح" 6/ 2508، و"مقاييس اللغة" 5/ 421، و"المفردات" ص 803، و"اللسان" 7/ 4416 (نسى).]]. وقوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: (بركات من السماء والأرض، يريد النعمة والسرور) [[قال الواحدي في "الوسيط" 1/ 37: (قال ابن عباس ومقاتل والسدي: رخاء الدنيا وبسرها وسرورها) ا. هـ. وجاء في "تنوير المقباس" 2/ 19 ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الزهرة والخصب والنعيم) ا. هـ وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 193 بأسانيد جيدة عن مجاهد قال: (رخاء الدنيا ويسرها على القرون الأولى)، وعن قتادة قال: (يعني الرخاء وسعة الرزق)، وعن السدي قال: (يقول من الرزق)، واللفظ عام يشمل الجميع.]]. وقال مقاتل: (﴿أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الخير بعد التفسير الذي كانوا فيه) [["تفسيرمقاتل" 1/ 561.]]. [[هنا حصل اضطراب في ترتيب نسخة (ش) حيث وقع ص 100 ب في ص 119 ب.]] وقال الزجاج: (﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كان مغلقًا عنهم من الخير، ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ أي: حتى إذا ظنوا أنه ما كان نزل بهم لم يكن انتقامًا من الله، وأنهم لما فتح عليهم ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فاجأهم عذابنا من حيث لا يشعرون) [["معاني الزجاج" 2/ 248، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 424: (التقدير عند أهل اللغة: فتحنا عليهم أبواب كل شيء مغلقًا عنهم. ا. هـ. وانظر: "معاني الفراء" 1/ 335.]]. قال الحسن: في هذه الآية (مكر بالقوم، ورب الكعبة) [[أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1291 بسند ضعيف، وذكره أكثرهم. انظر: "الوسيط" 1/ 38، وابن الجوزي 3/ 39، والرازي 12/ 226، وابن كثير 2/ 149، والبيضاوي 1/ 301، و"الفتح السماوي" للمناوي 2/ 605، وفيه (أن البيضاوي جعله من قول النبي ﷺ وقال السيوطي: لم أقف عليه مرفوعًا ، وإنما هو من قول الحسن). ا. هـ.]]. وقال ﷺ: "إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج من الله" ثم تلا هذه الآية [[أخرجه أحمد في "المسند" 4/ 145، و"الزهد" ص 18، وابن أبي الدنيا في "كتاب الشكر" ص 80، رقم (32)، والطبري 7/ 195، والدولابي في "الكنى" 1/ 217، وابن أبي حاتم 4/ 1291، والطبراني في "الكبير" 17/ 331، رقم (913)، والواحدي في "الوسيط" 1/ 38، من طرق جيدة يقوي بعضها بعضا، وصححه أبو حيان في "البحر" 4/ 130، وحسنه محقق مرويات أحمد في "التفسير" 2/ 103، وقال الألباني في "الصحيحة" 1/ 5/ 13، رقم (414): (هو عندي صحيح بالمتابعة) ا. هـ. وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 149، و"مجمع الزوائد" 7/ 20، 10/ 245، و"الدر المنثور" 3/ 22.]]. قال أهل المعاني: (إنما أخذوا في حال الرخاء ليكون أشد لتحسرهم علي ما فاتهم من حال السلامة والعافية والتصرف في ضروب اللذة إلى حال البلية والنقمة) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 226.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ قال ابن عباس: (آيسون من كل خير) [["تنوير المقباس" 2/ 19، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 39، وابن الجوزي 3/ 39، وابن كثير 2/ 149، وروى أبو عبيد ص 95، وابن حسنون ص 36، والوزان ص 6 أ، كلهم في اللغات في القرآن، بسند جيد عنه قال: (آيسون بلغة كنانة)، وفي "البحر" 4/ 131، عنه قال: (متحيرون).]]، وهو قول مقاتل [["تفسيرمقاتل" 1/ 561.]]. وقال الفراء: (المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي يسكت عند إنقطاع حجته أو لا يكون عنده جواب: [قد] [[لفظ: (قد) ساقط من (ش).]] أبلس [[في (ش): (أبليس)، وهو تحريف.]]. قال العجاج: يا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا ... قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُه وأَبْلَسَا [["ديوانه" 1/ 185، و"مجاز القرآن" 1/ 192، و"الكامل" للمبرد 2/ 191، والطبري 7/ 195، 11/ 363، و"تهذيب اللغة" 1/ 385، و"الصحاح" 3/ 909، والماوردي 2/ 114، وابن الجوزي 3/ 40، والقرطبي 6/ 427، و"اللسان" 1/ 343 (بلس) وص 7/ 3854 (كرس)، والمكرس، بكسر فسكون: المتلبد من آثار الأبوال والأبعار حتى صار طرائق بعضه على بعض. وأبلس: سكت.]] أي لم يُحر إليَّ جوابًا) [["معاني الفراء" 1/ 330، والرجز فيه غير منسوب.]]. وقال الزجاج: (المبلس: الشديد الحسرة اليائس الحزين) [["معاني الزجاج" 2/ 249.]]. فالإبلاس في اللغة [[انظر: "العين" 7/ 262، و"الجمهرة" 1/ 340، و"تهذيب اللغة" 1/ 385، و"الصحاح" 3/ 909، و"مقاييس اللغة" 1/ 300، و"مجمل اللغة" 1/ 135، و"المفردات" ص 143، و"اللسان" 1/ 343 (بلس).]] يكون بمعنى: اليأس من النجاة عند ورود الهلكة، ويكون بمعنى: انقطاع الحجة، ويكون بمعنى: الحيرة بما يرد على النفس من البلية، وهذه المعاني متقاربة [[هذا معنى كلام الطبري في "تفسيره" 7/ 195، والسجستاني في "نزهة القلوب" ص 422، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 192، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 136، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 164، وذكر مثل كلام الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 226.]]. وقال ابن الأنباري: (في قوله ﴿أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عم وجمع تأكيدًا وتشديدًا. كما يقول القائل: أكلنا عند فلان كل شيء وكنا عنده في كل سرور. يريد بهذا العموم تكثير ما يصفه والإطناب فيه ومثله قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23] [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 39.]].

الأنعام 6:45

قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الدابر: التابع [[انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 296، و"الصحاح" 2/ 653، و"مقاييس اللغة" 2/ 324، و"مجمل اللغة" 2/ 345، و"المفردات" ص 307، و"عمدة الحفاظ" ص 173 (دبر).]] [للشيء من خلفه كالولد للوالد. قال الليث: (الدبر التابع [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]] يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبرًا ودبورًا إذا كان آخرهم) [[النص في "العين" 8/ 32، والرازي 12/ 226، و"الدر المصون" 4/ 635، بلا نسبة، ولعل الواحدي تأثر برأي الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1142 حيث زعم أن العين لليث وليس للخليل.]]. قال أمية بن أبي [[لفظ: (أبي) ساقط من (ش).]] الصلت: فَاستؤصلُوا بِعَذَابٍ حَصَّ دَابِرَهُمْ ... فَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفًا وَلا انْتَصرُوا [["ديوانه" ص 389، والطبري 7/ 196، والرازي 12/ 226، والقرطبي 6/ 427، و"البحر" 4/ 141، و"الدر المصون" 4/ 635، وحص أي: لم يبق شيئًا، والحص بالفتح: حلق الشعر، انظر: "اللسان" 2/ 899 (حص).]] وقال أبو عبيدة: (﴿دَابِرُ الْقَوْمِ﴾: آخرهم الذي يدبرهم [["مجاز القرآن" 1/ 192.]]، وأنشد: آلُ المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دابِرَهُمْ ... أَضْحَوْا رَمَادًا فلا أصْلٌ ولا طَرَفُ) [["الشاهد" لجرير في ديوانه ص 308، و"مجاز القرآن" 2/ 40، و"الكامل" للمبرد 3/ 135، والجذ، بالفتح: القطع المستأصل. انظر: "اللسان" 1/ 591 (جذ).]] وقال الأصمعي وغيره: (الدابر: الأصل، يقال: قطع الله دابره، أي: أذهب الله أصله، وأنشده [[الشاهد لوعلة بن الحارث الجرمي شاعر جاهلي. في "اللسان" 3/ 1318، و"التاج" 6/ 388 (دبر)، وهو للحارث بن وعلة الجرمي في "المفضليات" ص 165، وبلا نسبة في "الزاهر" 1/ 465، و"تهذيب اللغة" 14/ 111 (دبر)، وفي هذه المراجع: أمي وخالتي، بدل: رحلي وناقتي، وفي "الزاهر": رجلاي، بدل: رجلي، والكلاب بالضم هو يوم كلاب الثاني بين تميم واليمن حيث أكثرت تميم من قتلهم وحز عراقيبهم، وتحز أي: تقطع، والدوابر الأصول، أي: يقتل القوم فتذهب أصولهم ولا يبقى لهم أثر. انظر: حاشية المفضليات.]]: فِدًى لكُمَا رجْلَيَّ رحلي وناقتي ... غَداةَ الكُلاَّبِ إذ تُحَزُّ الدَّوابِرُ أي: يقتل القوم فتذهب [[في (ش): (فيذهب).]] أصولهم ولا يبقى لهم أثر) [[النص عن الأصمعي في المراجع السابقة سوى المفضليات.]]. وقال ابن بزرج [[عبد الرحمن بن بزرج اللغوي، تقدمت ترجمته.]]: (دابر الأمر: آخره. ودابر الرجل: عقبه، وقولهم: قطع الله دابرهم: دعاء عليه [[في (ش): (عليهم).]] بانقطاع العقب حتى لا يبقى أحد يخلفه). [["تهذيب اللغة" 2/ 1142.]] فأما التفسير: فقال الكلبي: (﴿دَابِرُ الْقَوْمِ﴾ غابرهم الذي يتخلف في آخر القوم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 39، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 40 - 41.]]، ونحو ذلك قال قطرب [[قطرب: محمد بن المستنير بن أحمد اللغوي النحوي أبو علي البصري، تقدمت ترجمته.]] [[ذكره الثعلبي 177 ب.]]. وقال السدي وابن زيد: (﴿دَابِرُ الْقَوْمِ﴾: أصل القوم) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 196، وابن أبي حاتم 4/ 1293 بسند جيد عن السدي، ولفظه: (قطع أصل الذين ظلموا)، وعن عبد الرحمن بن زيد، ولفظه: قال: (استؤصلوا)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 23.]]، والمعنى: قُطع خلفهم من نسلهم وغيرهم، فلم تبق [[في (ش): (فلم يبق).]] لهم باقية؛ لأنهم استؤصلوا بالعذاب. وأحسب الذين فسروا الدابر بالأصل ذهبوا إلى أن الأصل يبقى ببقاء النسل، فإذا انقطع النسل [[في (ش): (فإذا انقطع الأصل وذهب ففي قطع الدابر).]] انقطع الأصل وذهب، ففي قطع الدابر قطع الأصل، وحقيقة تفسير الدابر الآخر [[هذا قول أكثر أئمة اللغة والتفسير. انظر: المراجع السابقة في دبر، وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 137، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 164، و"معاني القرآن" للنحاس 2/ 425، و"تفسير ابن عطية" 5/ 201.]] والعقب والأصل معنى وليس بتفسير. وقوله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 249، وجاء بعده: [لأنه جل وعز أرسل إليهم الرسل، وأنظرهم بعد كفرهم، وأخذهم بالبأساء والضراء، فبالغ جل وعز في إنذارهم وإمهالهم فحمد نفسه؛ لأنه محمود في إمهاله من كفر به وانتظاره توبته).]]: (حمد الله عز وجل نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم) [[الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب. أي: إذا قطعت مات صاحبها، واستأصل الله شأفته: أذهبه كما تذهب تلك القرحة، أو أزاله من أصله. انظر: "القاموس" ص 822 (شأفه).]]، ومعنى هذا: أن قطع دابرهم نعمة على الرسل الذين أرسل إليهم فكذبوهم، فذكر الحمد هاهنا تعليم لهم ولمن آمن بهم ليحمدوا الله تعالى على كفايته إياهم شر الذين ظلموا ، وليحمد محمد ﷺ وأصحابه ربهم إذ أهلك المشركين المكذبين [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 196، والبغوي 3/ 144، والرازي 12/ 226.]].

الأنعام 6:46

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: فلا يسمعون القرآن [[في (أ): (فلا تسمعوا القرآن).]]، ولا يبصرون [[في (أ): (ولا تبصرون سبيل الهدى).]] سبل الهدى، ولا يفهمون [[في (أ): (ولا تفهمون).]] ثوابًا ، ولا يخافون عقابًا) [[جاء في "تنوير المقباس" 2/ 20، قال: (﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ فلم تسمعوا موعظة ولا هدى ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ فلم تبصروا الحق ﴿وَخَتَمَ﴾ طبع ﴿عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ فلم تعقلوا الحق والهدى) ا. هـ.]]. وقال الكلبي: (أي ﴿أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ فلا تسمعوا موعظة، ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ فلا تبصروا الحق، ﴿وَخَتَمَ﴾ وطبع ﴿عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ فلم تعرفوا [[في (ش): (يعرفوا الحق).]] الحق ولم تعقلوا الهدى) [["تنوير المقباس" 2/ 20، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 192.]]، ونحو هذا قال مقاتل [[قال مقاتل في "تفسيره" 1/ 561 (﴿قُلْ﴾ لكفار مكة يا محمَّد ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ فلم تسمعوا شيئًا ﴿وَخَتَمَ﴾ يعني: وطبع، ﴿عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ فلم تعقلوا شيئًا) ا. هـ.]]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾) ﴿مَنْ﴾ رفع بالابتداء وخبره ﴿إِلَهٌ﴾ و ﴿غَيْرُ﴾ صفة له [[انظر: "التبيان" 334، و"الفريد" 2/ 150، و"الدر المصون" 4/ 636. وفيها: (﴿مَنْ﴾ استفهام في موضع رفع بالابتداء و ﴿إِلَهٌ﴾ خبر، و ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفة الخبر) ا. هـ.]]. وقوله تعالى: ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ قال الزجاج: (هذه الهاء تعود على معنى الفعل المعنى ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ﴾ ما أُخذ منكم، قال: ويجوز أن يعود على السمع ويكون ما عطف على السمع داخلًا في القصة معه إذ كان معطوفًا عليه) [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 249، ولم يذكر إلا الوجه الأخير فقط، وذكر الوجه الأول عن الزجاج ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 41، وقد ذكر الوجهان الاْخفش في "معانيه" 2/ 275، و"النحاس" في معانيه 2/ 426، وذكر الفراء في "معانيه" 1/ 335: (أنها تعود على الجميع السمع والبصر والختم على الأفئدة، وقال: وقد يقال: إن الهاء التي في "به" كناية عن الهدى، وهو كالوجه الأول) ا. هـ. وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 196 - 197، و"الفريد" 2/ 150، و"الدر المصون" 4/ 636.]]. قال الحسين [[في (ش): (الحسن)، وقد ورد كذلك في بعض المصادر. انظر: مقدمة كتاب "الأمثال" له ص 11 - 14.]] بن الفضل [[الحسين بن الفضل بن عمير بن قاسم بن كيسان البجلي، تقدمت ترجمته.]]: (المخاطبة للمؤمنين؛ لأن الكفار كانوا صماً بكمًا عميًا لا يعقلون؛ لأن [[في (أ): (كان الله).]] الله قد أخذها منهم، وكأنه يقول للمؤمنين: أرأيتم إن أخذها الله منكم فمن يردها عليكم) [[لم أقف عليه.]]. واختلفوا في قوله: ﴿بِهِ انْظُرْ﴾ فروى المسيبي [[المسيبي هو: إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المسيب المخزومي أبو محمد المدني، إمام جليل صدوق عالم بالحديث، قيم في قراءة نافع ضابط لها، محقق فقيه، ورمي بالقدر، توفي سنة 206 هـ. انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 234، و"معرفة القراء" 1/ 147، و"ميزان الاعتدال" 1/ 200، و"غاية النهاية" 1/ 157، و"تهذيب التهذيب" 1/ 127، والمسيبي بالضم وفتح السين والباء المشددة وبعدها ياء نسبة إلى الجد الأعلى. انظر: "اللباب" 2/ 214.]] عن نافع ﴿بِهِ انْظُرْ﴾ بضم الهاء [[روى المسيبي عن نافع ﴿بهُ انظُر﴾ بضم الهاء، وقرأ الباقون بكسرها. انظر: "السبعة" ص 257 - 258، و"إعراب القراءات" 1/ 72، و"التذكرة" 2/ 398.]] هو على لغة من يقرأ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: 81] [[القراءة المشهورة بكسر الهاء من ﴿بِهِ وَبِدَارِهِ﴾، وقرأ شيبة بن نصاح المدني المقرئ -بالضم فيهما، انظر: "إعراب القرءات" 1/ 73، وذكر القراءة بالواو أبو علي في الحجة 3/ 310 بلا نسبة.]] فحذف الواو لالتقاء الساكنين فصار ﴿بِهِ انْظُرْ﴾، والباقون يكسرون الهاء [[ما تقدم قول أبي علي في الحجة 3/ 310، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 354، و"الدر المصون" 4/ 637.]]. قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ (أي: لا يقدر هؤلاء الذين تعبدون أن يجعلوا لكم أسماعًا وأبصارًا وقلوبًا تعقلون [[في (ش): (يعقلون بها ويفهمون).]] بها وتفهمون) [[جاء في تنوير المقباس 2/ 20 نحوه، قال: (﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (يعني: الأصنام) ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ بما أخذ الله منكم) ا. هـ.]] وهذا يدل على أن الآية في الكفار، وكذلك باقي الآية يدل على هذا، وحينئذٍ يحمل أخذ هذه الأعضاء على إذهابها أصلا يقول: إن أخذها حتى لا تبصروا ولا تسمعوا بتة من يردها عليكم [[الأولى العموم، وهو قول الجمهور، وأول ما يدخل في ذلك الكفار، إلا أن ظاهر الآية والسياق يدل على أن المراد الكفار والله سبحانه يخبرهم أنه كامل القدرة ولا أحد يأتي بما أخذ منهم، فيجب إفراده بالعبادة وقد يذهب الله تعالى المعاني القائمة في هذه الجوارح أو يذهب الجوارح والأعراض جميعًا فلا يبقي شيئًا. وهو قول الآكثر. انظر: الطبري 7/ 197، والسمرقندي 1/ 486، والبغوي 3/ 144، وابن عطية 5/ 202 ، والقرطبي 6/ 428.]]. وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ قال الكلبي: (يبين لهم في القرآن الآيات) [["تنوير المقباس" 2/ 20.]]. وقال أهل المعاني: (معنى تصريف الآيات: توجيهها في الجهات التي تظهرها أتم الإظهار). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ قال الليث: (الصدوف: الميل عن الشيء) [["تهذيب اللغة" 2/ 1990، وانظر: "العين" 7/ 102.]]، وقال أبو عبيد: (صدف، ونكب: عدل) [["تهذيب اللغة" 2/ 1990، وانظر: "الجمهرة" 2/ 655، والصحاح 4/ 1384، والمجمل 2/ 552، و"المفردات" ص 478، و"اللسان" 4/ 2416 (صدف).]]. وقال ابن عباس [[أخرجه أبو عبيد ص 96، وابن حسنون 24، والوزان ص 3/ ب، كلهم في اللغات بسند جيد، وهو في مسائل نافع بن الأزرق ص 113، و"الوسيط" 1/ 40، والقرطبي 6/ 428 - "البحر المحيط" 4/ 132، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 197، وابن أبي حاتم 4/ 1294 بسند جيد عن ابن عباس قال: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ (يعدلون) وذكره ابن كثير 2/ 150، والسيوطي في "الدر" 3/ 23.]] والحسن [[ذكره القرطبي 6/ 428، وأبو حيان في "البحر" 4/ 132، عن الحسن البصري.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 214، وأخرجه الطبري 7/ 197، وابن أبي حاتم 4/ 1294 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 24.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 206 - 207، والطبري 7/ 197 بسند جيد، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1294 عن قتادة وأبي مالك، وذكره أيضًا الواحدي في "الوسيط" 1/ 40، والقرطبي 6/ 428، وابن كثير 2/ 150.]] والسدي [[ذكره القرطبي 6/ 428، وأبو حيان في "البحر" 4/ 132، وأخرج الطبري 7/ 197، وابن أبي حاتم 4/ 1294 بسند جيد عن السدي قال: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ يصدون). وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 150.]]: ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾: (يعرضون) [[هذا قول أكثر أهل اللغة والتفسير، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 192، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 137، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 1/ 164، و"تفسير السمرقندي" 1/ 486، وابن عطية 52/ 202.]] قال عدي بن الرقاع: إِذَا ذَكَرْنَ حَدِيثاً قُلْنَ أَحْسَنَهُ ... وهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدف [["ديوانه" ص 63، والطبري 7/ 197، وابن عطية 5/ 202، والقرطبي 6/ 428، و"البحر" 1/ 117، و"الدر المصون" 4/ 636، وصدف أي: معرض.]] قال أبو إسحاق: (أعلم الله عز وجل أنه يُصرف لهم الآيات، وهي العلامات التي تدل على توحيده وصحة نبوة نبيه ﷺ، ثم هم يعرضون عما وضح لهم وظهر عندهم) [["معاني القرآن للزجاج" 2/ 249.]].

الأنعام 6:47

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ قال ابن عباس والحسن: (ليلًا أو نهارًا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 41، والبغوي 3/ 145، عن ابن عباس والحسن، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 526، وابن عطية 5/ 203، والقرطبي 6/ 429، وأبو حيان في "البحر" 4/ 132، عن الحسن فقط، وذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 134 عن ابن عباس فقط.]] وقال الكلبي: (فجأة أو علانية) [["تنوير المقباس" 2/ 20.]]. قال أهل المعاني: (نقيض الجهرة الخفية، وهاهنا قوبل بالبغتة؛ لأن البغتة متضمنة معنى الخفية؛ لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون، فخفى [[في (ش): (فيخفى).]] سببه) [[انظر: "تفسير الرازي" 12/ 228.]]. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الذين جعلوا لله شركاء) [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 145، و"تنوير المقباس" 2/ 20.]]، قال الزجاج: (أي: ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ إلا أنتم ومن أشبهكم؛ لأنكم كفرتم وأنتم معاندون وقد علمتم أنكم ظالمون) [["معاني القرآن" 2/ 250.]].

الأنعام 6:48

قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: (أي: ليس إرسالهم أن يأتوا الناس بما يقترحون عليهم من الآيات إنما يأتون من الآيات بما يبين براهينهم، وإنما قصدهم التبشير والإنذار) [["معاني القرآن" 2/ 250، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 427.]]، ثم ذكر ثواب المصدّق في باقي الآية وعقاب المكذب في الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الأنعام: 49] ومعنى المسّ [[المَسُّ أصله: جَسُّ الشيء باليد ومسكه بها. انظر "العين" 7/ 208، و"الجمهرة" 1/ 135، و"تهذيب اللغة" 4/ 3398، و"الصحاح" 3/ 978، و"مقاييس اللغة" 5/ 271، و"المفردات" ص 766، و"اللسان" 7/ 4195 (مس).]] في اللغة: التقاء الشيئين من غير فصل، وقيل: ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ لأنه يحل فيهم وكأنه مماس لهم والفرق [[في (أ): (في الفرق)، وهو تحريف.]] بينه وبين اللمس: أن اللمس مماسه بحاسّة والمسّ قد يكون بحاسّة وبغير حاسّة؛ لأن الحجر يماسّ الحجر ولا يلمسه [[اللمس: الجس أيضًا. وأصله: المس باليد ليعرف مَسَّ الشيء ثم كثر حتى صار كل طالب مُلتمِسا. انظر: "العين" 7/ 268، و"الجمهرة" 2/ 859، و"تهذيب اللغة" 4/ 3296، و"الصحاح" 3/ 975، و"المجمل" 3/ 774، و"مقاييس اللغة" 5/ 210، و"المفردات" ص 747، و"اللسان" 7/ 4072 (لمس). قال العسكري في "الفروق" ص 249 - 250. (الفرق بينهما أن اللمس يكون باليد == خاصة للتعرف على الشيء، والمس يكون باليد وبالحجر وغير ذلك، ولا يقتضي أن يكون باليد) ا. هـ. بتصرف.]].

الأنعام 6:50

قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ الآية الخزائن [[انظر: "العين" 4/ 209، و"الجمهرة" 1/ 596، و"الصحاح" 5/ 2108، و"مقاييس اللغة" 2/ 178، و"المفردات" ص 280، و"اللسان" 2/ 1154 (خزن).]]: جمع الخِزانة وهي اسم المكان الذي يُخزن فيه الشيء. وخَزَنُ الشيء إحرازُه بحيث لا تناله [[في (ش): (يناله).]] الأيدي، والخزانة أيضًا عمل الخازن [[هذا قول الأزهري في "تهذيبه" 1/ 1027.]]، قال ابن عباس [[في "تنوير المقباس" 2/ 21: (مفاتيح خزائن الله من النبات والثمار والمطر والعذاب) ا. هـ.]]: (يريد: خزائن رحمة الله). وقال الكلبي [[ذكره الماوردي 2/ 115، وأبو حيان في "البحر" 4/ 133. والأولى العموم، ويحمل ما ورد على بيان بعض الأنواع، فالخزائن لفظ عام يشمل الغيب والرحمة والقدرة والعذاب وغيره. انظر: الطبري 7/ 199، والسمرقندي 1/ 486، والبغوي 3/ 145، والقرطبي 6/ 430.]]: (أي: رزق الله). وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: عاقبة ما يصيرون إليه) [[في "تنوير المقباس" 2/ 21: (أي: من نزول العذاب ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ من السماء) ا. هـ.]]، وقال الكلبي [[لم أقف عليه.]]: (يعني: نزول ذلك الرزق على ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [[في النسخ: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، وهو تحريف.]] فتنكروا قولي وتجحدوا أمري). وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما أخبركم إلا بما أنزله الله إلى) [[لفظ: (إلى) ساقط من (أ)، والأثر لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 21.]]: (أي: ما أعمل إلا بما ينزل عليّ). وقال أبو إسحاق: (أعلمهم النبي ﷺ أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي ولا يعلم الغيب فيخبركم بما غاب عنه مما مضى ومما سيكون إلا بوحي من الله عز وجل وليس بملك يشاهد من أمور الله عز وجل ما لا يشاهده البشر: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [[في (أ): (﴿إِلَّا مَا يُوحَى﴾ أي: إلى ما أنبأتكم به) وهو تحريف.]]، (أي: ما أنبأتكم به من غيب فيما مضى وفيما سيكون فهو بوحي من الله عز وجل) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 250، وهذا قول الأكثر. انظر: الطبري 7/ 199، و"معاني النحاس" 2/ 427، والسمرقندي 1/ 486، والماوردي 2/ 116، والبغوي 3/ 145.]]. وقال أهل العلم [[في (ش): (المعاني).]] قوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (يدل بظاهره على [[في (ش): (إلى)، وهو تحريف.]] أن الرسل لا يجتهدون ولا يقيسون، والصحيح من مذهب الشافعي أنهم يقيسون ويجتهدون، وعنده أن القياس على النصوص بالوحي اتباع للوحي) [[انظر: "الرسالة" للشافعي ص 39 - 40، ص 503 - 511، و"تفسير الرازي" 12/ 231، وقال القرطبي في "تفسيره" 6/ 430: (والصحيح أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد والقياس على النصوص، والقياس أحد أدلة الشرع) ا. هـ.]]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ قال ابن عباس: يريد: بالأعمى: الكافر ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الذي قد أبصر دينه) [["تنوير المقباس" 2/ 21، وذكره ابن الجوزي 3/ 43، و"البحر" 4/ 134.]]. وقال قتادة: ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: (الكافر والمؤمن) [[أخرجه الطبري 7/ 199 وابن أبي حاتم 4/ 1296 بسند جيد، وذكره أكثرهم، انظر: "الوسيط" 1/ 42، والبغوي 3/ 145، وابن الجوزي 3/ 43، و"الدر المنثور" 3/ 24، وهو قول مجاهد كما ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 428، والقرطبي 6/ 430.]]. وقال سعيد ابن جبير [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 42، وابن الجوزي 3/ 43، وأبو حيان في "البحر" 4/ 134.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 215، وأخرجه الطبري 7/ 199، وابن أبي حاتم 4/ 1296 من طرق جيدة، وذكره أكثرهم. انظر: "الوسيط" 1/ 42، والبغوي 3/ 145، وابن الجوزي 3/ 43، و"الدر المنثور" 3/ 24.]]: (الضالّ، والمهتدي)، وقيل: الجاهل، والعالم) [[ذكره الماوردي 2/ 117، والبغوي 3/ 145، والقرطبي 6/ 430، والظاهر العموم إلا أن السياق يرجح المؤمن والمهتدي والكافر والضال، وهو اختيار أكثرهم. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 562 والطبري 7/ 199، والسمرقندي 1/ 486، وابن عطية 5/ 205.]]. (أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) قال ابن عباس: (يريد: يعتبرون [[في (ش): (تعتبرون).]]) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 21، والسمرقندي 1/ 486.]]. وقال مقاتل: ((أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) [[في (أ): (يفكرون)، وهو تحريف.]] أنهما لا يستويان) [["تفسير مقاتل" 1/ 562.]].

الأنعام 6:51

قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية، معنى الإنذار [[انظر: "العين" 8/ 180، و"الجمهرة" 2/ 695، و"تهذيب اللغة" 4/ 3547، و"الصحاح" 2/ 825، و"مقاييس اللغة" 5/ 414، و"المفردات" ص 797، و"اللسان" 7/ 4390 (نذر).]]: الإعلام بموضع المخافة، وهو مما تقدم [[في (ش): (يقدم)، وهو تحريف.]] بيانه [[انظر "البسيط" 2/ 464 - 465، تحقيق الدكتور محمد الفوزان.]]، وقوله: ﴿بِهِ﴾ قال ابن عباس: (يقول: خوَّف بالقرآن) [["تنوير المقباس" 2/ 22، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 42، والرازي 12/ 232.]]. وقاله الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 251.]]، وقال الضحاك: (بالله) [[ذكره الثعلبي 177 ب، والرازي 12/ 232، والأول أولى وهو قول الأكثر، وقال الرازي: (هو أولى لأن التخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا بذات الله تعالى)، وهو اختيار مقاتل 1/ 562، والطبري 7/ 200، والنحاس في "معانيه" 2/ 428، والسمرقندي 1/ 486، والبغوي 3/ 145، وابن عطية 5/ 206. وانظر: القرطبي 6/ 430، و"البحر" 4/ 134.]]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ قال ابن عباس [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 42.]] والحسن [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 431.]]: (يريد المؤمنين يخافون يوم القيامة وما فيها من شدة الأهوال). وقال الضحاك [[لم أقف عليه، وذكر الطبري 7/ 200، هذا القول وقال: (وضعت المخافة موضع العلم؛ لأنه خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك) ا. هـ. وقال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 191: (تأتي خاف بمعنى علم. وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ لأن في الخشية == والمخافة طرفًا من العلم) ا. هـ وقال ابن عطية 5/ 206: (يخافَوَن على بابها وكونها بمعنى العلم غير لازم) ا. هـ وانظر البغوي 3/ 145.]]: (يعلمون ﴿أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾). قال الفراء: ﴿يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ (علمًا بأنه سيكون، ولذلك فسر المفسرون ﴿يَخَافُونَ﴾: يعلمون) [["معاني الفراء" 1/ 336.]]. وقال الزجاج: (المراد بالذين ﴿يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ كل معترف بالبعث من مسلم وكتابي. قال [[لفظ: (قال) ساقط من (ش).]]: وإنما خص الذين يخافون الحشر دون غيرهم وهو ﷺ كان ينذر جميع الخلق؛ لأن ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الحشر الحجة عليهم أوجب، لاعترافهم بالمعاد) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 251، و"النحاس" 2/ 428.]]. وقال غيره من أهل المعاني: (هم الكفار؛ لأنهم يشكّون في الحشر، ولذلك قال: ﴿يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾) [[انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 206، والرازي 12/ 232، قال ابن عطية: (الآية تعم بنفس اللفظ كل مؤمن بالبعث من مسلم وكتابي والنبي ﷺ مأمور بإنذار جميع الخلائق، وإنما وقع التخصيص هنا بحسب المعنى الذي قصد، ذلك أن فيما تقدم من الآيات نوعًا من اليأس في الأغلب عن هؤلاء الكفرة. فكأنه قيل له هنا: قل لهؤلاء الكفرة المعرضين كذا، ودعهم ورأيهم لأنفسهم، وأنذر هؤلاء الآخرين الذين هم مظنة الإيمان وأهل للانتفاع، ولم يرد أنه لا ينذر سواهم، بل الإنذار العام ثابت مستقر) ا. هـ ملخصًا.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: إلى المكان الذي جعله ربهم لمجتمعهم [[انظر "تفسير الرازي" 12/ 233.]]. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ موضع ﴿لَيْسَ﴾ نصب بوقوعها موقع الحال، كأنه قيل: متخلّين من ولي أو شفيع والعامل فيه ﴿يَخَافُونَ﴾ [[واختار هذا الزمخشري في "الكشاف" 2/ 21. وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 206، و"الفريد" 2/ 152، و"البحر" 4/ 135، وذكر هذا القول الرازي 12/ 2330، عن الزجاج.]]، قال الضحاك: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (أي: غير الله ﴿وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾) [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو إسحاق: (إن النصارى واليهود ذكرت أنها أبناء الله وأحباؤه فأعلم الله عز وجل أن أهل الكفر ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع) [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 251.]]، وهذا الذي قاله ظاهر في أهل الكفر. والمفسرون على أن الآية في المؤمنين، ويكون معنى قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ على قولهم: إن شفاعة الرسل والملائكة للمؤمنين إنما تكون بإذن الله لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، وذلك راجع إلى الله لما كان بإذن الله [[انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 206، والرازي 12/ 233.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: (كي يخافون في الدنيا وينتهوا عما نهيتهم) [[ذكره الرازي 12/ 193، وفي "تنوير المقباس" 2/ 23 نحوه.]].

الأنعام 6:52

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية. أخبرنا الشيخ أبو بكر أحمد بن محمد الحارثي، أنبأ أبو محمد عبد الله بن محمد [[عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري أبو محمد الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ، إمام ورع ثقة محدث مفسر له تصانيف جيدة توفي سنة 369 هـ. وله 95 سنة. انظر: "ذكر أخبار أصبهان" 2/ 90، و"سير أعلام النبلاء" 16/ 276، و"تذكرة الحفاظ" 3/ 945، و"غاية النهاية" 1/ 447، و"طبقات الداودي" 1/ 246.]] بن جعفر، حدثنا أبو يحيى عبد الرحمن [[عبد الرحمن بن محمد بن سَلْم الرازي أبو يحيى الأصبهاني، إمام ثقة كثير السماع، وهو إمام جامع أصبهان، وكان من أوعية العلم، صنف التفسير والمسند، وتوفي سنة 291 هـ. وله نحو 80 سنة. انظر: "طبقات المحدثين لأبي الشيخ" 3/ 530، وذكر "أخبار أصبهان" 2/ 112، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 530، و"تذكرة الحفاظ " 2/ 690، و"طبقات الحافظ " ص 303، و"طبقات الداودي" 1/ 288.]] بن محمد الدارمي [[في (أ): (ابن الدارمي). وهو: بفتح الدال وسكون الألف وكسر الراء وبعدها ميم، نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم. انظر: "اللباب" 1/ 484، ولم أجد من نسبه إلى ذلك، وقد جاء السند نفسه عند الواحدي في "أسباب النزول" ص 220، وفيه: (أبو يحيى الرازي عن سهل).]]، حدثنا سهل بن عثمان [[سَهْل بن عثمان بن فارس الكندي أبو مسعود العسكري نزيل الري، إمام حافظ ثقة كثير الفوائد وله غرائب. توفي سنة 235 هـ وله نحو 80 سنة. انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 203، و"طبقات المحدثين" 2/ 119، و"أخبار أصبهان" 1/ 338، و"سير أعلام النبلاء" 11/ 454، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 452، و "تهذيب التهذيب" 2/ 125.]] العسكري، حدثنا أسباط [[أسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد القرشي أبو محمد الكوفي، إمام ثقة محدث، توفي سنة 200 هـ. انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 393، و"الجرح والتعديل" 2/ 333، و"تاريخ بغداد" 5/ 46، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 355، و"تهذيب التهذيب" 1/ 109.]] بن محمَّد، عن الأشعث [[أشعث بن سوار الكندي النجار القاص، أحد العلماء، على لين فيه، وقد ضعفه أكثر أئمة "الجرح والتعديل" توفي سنة 136 هـ انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 358، و"الجرح والتعديل" 2/ 271، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 275، و"ميزان الاعتدال" 1/ 263، و"تهذيب التهذيب" 1/ 178.]] بن سوار عن كردوس [[كُرْدُوس بن عباس الثعلبي الكوفي القاص، اختلف في اسم أبيه، وهو تابعي مقبول، توفي بعد المائة. انظر: "التاريخ الكبير للبخاري" 7/ 242، و"الجرح والتعديل" 7/ 175، و"تهذيب التهذيب" 3/ 467، و"تقريب التهذيب" 1734.]]، عن عبد الله بن مسعود قال: (مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وعنده صهيب [[صُهَيْبُ بن سِنان بن مالك النَّمِري، أبو يحيى الرُّومي، صاحبي جليل، تقدم.]] وخبّاب [[خَبَّابُ بن الأَرَتِّ بن جَندلة بن سعد التميمي، أبو عبد الله، نزيل الكوفة، صحابي جليل فاضل عابد ورع شجاع، شهد المشاهد، وكان من كبار السابقين البدريين والمعذبين بمكة، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي سنة 37 هـ. وله 73 سنة. انظر: "طبقات ابن سعد" 3/ 164، و"الجرح والتعديل" 3/ 395، و"الاستيعاب" 2/ 21، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 323، و"الإصابة" 1/ 416، و"تهذيب التهذيب" 1/ 539.]] وبلال [[بلال بن رباح التيمي أبو عبد الله الحبشي، صحابي جليل فاضل عابد ورع شجاع، شهد المشاهد، وكان من كبار السابقين البدريين والمعذبين بمكة، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي سنة 17 هـ. أو بعدها، وله أكثر من 60 سنة. انظر: "للجرح والتعديل" 2/ 395، و"الاستيعاب" 1/ 258، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 347، و"الإصابة" 1/ 165، و"تهذيب التهذيب" 1/ 253، و"تهذيب ابن عساكر" 3/ 304.]] وعمار وغيرهم [[في (ش): (وخباب وعمار وبلال).]] من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، رضيت بهؤلاء عن قومك، أفنحن نكون تبعًا لهؤلاء [[في (ش): (نكون تبعًا لهؤلاء أهؤلاء الذين من الله عليهم).]] الذين مَنَّ الله عليهم! إطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله هذه الآية) [[أخرجه أحمد في "المسند" 6/ 36 (3985)، تحقيق أحمد شاكر، والطبري 7/ 200، وابن أبي حاتم 4/ 1298، والواحدي في "أسباب النزول" ص 219 - 220، كلهم من هذا الطريق وصحح إسناده أحمد شاكر في "حاشية المسند"، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 21: (رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير كردوس، وهو ثقة) ا. هـ وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 25، وزاد نسبته إلى: (أبي الشيخ وابن مردويه، وأبي نعيم في "الحلية")، وانظر: "كشف الأستار للهيثمي" 3/ 48.]]. وقال خباب بن الأرت: (كنا مع النبي ﷺ أنا وعمار، وصهيب، إذ جاء عيينة بن [[في (ش): (ابن)، وهو تحريف.]] حصن [[عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أبو مالك من الأعراب الجفاة المؤلفة قلوبهم، أسلم قبل الفتح، وشهد فتح مكة وحنينا والطائف، وارتد وتبع طليحة الأسدي، وقاتل معه وأسر وحمل إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فأسلم وترك فعاش إلى خلافة عثمان رضي الله عنه. انظر: "الاستيعاب" 3/ 316، و"تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 48، "الإصابة" 3/ 54.]] والأقرع [[الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد المجاشعي التميمي، واسمه فراس، والأقرع لقب لقرع في رأسه، وهو من المؤلفة قلوبهم، أسلم وحسن إسلامه وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف واليمامة والعراق وكان من الأشراف وسادات العرب، استشهد في خراسان، نحو سنة 31 هـ. انظر: "الاستيعاب" 1/ 193، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 124، و"الإصابة" 1/ 58، و"تهذيب ابن عساكر" 3/ 89، و"الأعلام" 2/ 5.]] بن حابس. فقالا له: إنه [[في (ش): (إنا لا يحسن).]] لا يحسن بنا الجلوس مع هؤلاء العبيد الفقراء، فأقمهم عنك حتى نخلو بك، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن يرونا مع هؤلاء الأعبُد، ثم إذا انصرفنا فإن شئت فأعدهم إلى مجلسك، فأجابهم النبي ﷺ إلى ذلك فقالا له: اكتب لنا بهذا على نفسك كتابًا فدعا بصحيفة وأحضر عليًّا -رضي الله عنه- ليكتب، فأنزلت هذه الآية وما بعدها، فنحّى رسول الله ﷺ الصحيفة، وأقبل علينا، ودنونا منه) [[أخرج ابن ماجه رقم (4127) كتاب: الزهد، باب: مجالسة الفقراء، والطبري في "تفسيره" 11/ 376 - 377، وابن أبي حاتم 3/ 72/ ب، وأبو نعيم في "الحلية" 1/ 146، والبيهقي في "الدلائل" 1/ 352 - 353، والواحدي في "الوسيط" 1/ 42 - 44، وفي "أسباب النزول" ص 221، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 25 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وأبي يعلى وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه ا. هـ. وذكر الحديث ابن حجر في "المطالب العالية" 14/ 651، ونقل الأعظمي في "حاشيته" عن الإمام البوصيري أنه قال: (رواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى بسند صحيح) ا. هـ. والسند هنا فيه أبو سعد الأزدي مقبول كما في "التقريب" ص 643 (8817)، وفيه أبو الكنود الأزدي مقبول أيضًا كما في "التقريب" ص 669 (8328)، وعليه يحتاج إلى متابعة، ولم أقف له على متابعة، وقد ذكره ابن عطية 5/ 207، وقال: (هذا تأويل بعيد في نزول الآية؛ لأنها مكية، وهؤلاء لم يفدوا إلا في المدينة، ويمكن أن يكون هذا وقع بعد نزول الآية بمدة، اللهم إلا أن تكون الآية مدنية) ا. هـ. بتصرف، وقال ابن كثير 2/ 151: (هذا حديث غريب، فالآية مكية والأقرع وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر) ا. هـ. وذكر قول ابن كثير الشيخ أحمد شاكر في "حاشية الطبري"، وقال: (هذا هو الحق إن شاء الله) ا. هـ. وأصل القصة ثابتة ولكن بدون تعيين الأقرع وعيينة، فقد أخرج مسلم (2413)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل سعد بن أبي وقاص، ابن ماجه (4128)، والنسائي في "تفسيره" 1/ 469 - 470، و"الحاكم" 3/ 319، عن سعد بن أبي وقاص قال: (كنا مع النبي ﷺ ستة نفرٍ، منهم أنا وابن مسعود وبلال، فقال المشركون: تدني هؤلاء، اطردهم لا يجنزون علينا فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء أن يقع فحدث نفسه فنزلت الآية) ا. هـ. ملخصًا. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 274.]]. قال ابن الأنباري: (عظم الأمر في هذا على النبي ﷺ وخوف الدخول في جملة الظالمين؛ لأنه كان قد همّ بتقديم الرؤساء وأُولي الأموال على الضعفاء وذوي المسكنة، مقدّرًا أنه يستجر بإسلامهم إسلام قومهم وحلفائهم ومن يلوذ بهم، وكان عليه السلام لا يقصد في ذلك إلا قصد الخير، ولا ينوي ازدراء بالفقراء ولا احتقارًا، فأعلمه الله تبارك وتعالى أن ذلك غير جائز) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 46، وابن الجوزي في "المسير" 3/ 47، وانظر: هذا المعنى عند الرازي 12/ 235، والقرطبي 6/ 431.]]. وأما التفسير فقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" ص 178/ أ، والبغوي 3/ 46، والرازي 12/ 235، وأخرج الطبري 7/ 203، وابن أبي حاتم 4/ 1298 بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 26.]]. فالدعاء هاهنا العبادة في قول ابن عباس والحسن [[أخرجه الطبري 7/ 203، بسند ضعيف، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 527، والثعلبي ص 178/ أ، والرازي 12/ 235، والقرطبي 6/ 432، وابن كثير 2/ 151.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 215، وأخرجه الطبري 11/ 7/ 203، وابن أبي حاتم 4/ 1298 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 26.]] وقتادة [[أخرجه الطبري 7/ 204 بسند جيد، وذكره ابن الجوزي 3/ 46، وابن كثير 2/ 151.]] والضحاك [[أخرجه الطبري 7/ 204، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1298.]] قالوا: (يعبدون الله بالصلاة المكتوبة). وقال إبراهيم [[إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، تقدمت ترجمته.]]: (الدعاء هاهنا الذكر، أي: يذكرون ربهم طرفي النهار) [[أخرجه الطبري 7/ 205، وابن أبي حاتم 4/ 1298 بسند جيد وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 26.]]. وروي عن إبراهيم بخلاف هذا، وهو أنه قال: (هذا في الصلوات الخمس) [[أخرجه الطبري 7/ 204 بسند جيد وذكره الماوردي 2/ 117 وابن الجوزي 3/ 46.]]، وهو قول جميع أهل التأويل [[أخرجه الطبري 7/ 203 - 204، بسند جيد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري وعن عامر الشعبي وغيرهم، والظاهر عموم ذكر الله سبحانه وتعالى، وأول ذلك الصلاة المكتوبة والنوافل وذكره تعالى طرفي النهار، وهو اختيار الطبري 7/ 205 - 206، وابن عطية 5/ 209.]] قالوا: (هذا في الصلوات المكتوبات). وقرأ ابن عامر: (بِالْغُدْوةِ) [[جاء في (أ): (بالغداة)، والرسم القرآني (بِالْغَدَوةِ) بالواو.]] بالواو [[قرأ ابن عامر ﴿بِالغُدْوةِ﴾ بضم الغين وسكون الدال وواو بعدها من غير ألف، وقرأ الباقون بفتح الغين والدال وألف بعدها من غير واو. انظر: "السبعة" ص 258، و"المبسوط" ص 168، و"التذكرة" 2/ 398، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 258.]]، وقال أبو علي: (الوجه قراءة العامة ﴿بِالْغَدَاوةِ﴾؛ لأنها تستعمل نكرة وتتعرف [[في (ش): (ويتعرف)، ووضع عليها في (أ) طمس، والتصحيح من "الحجة" لأبي علي 3/ 319.]] باللام، فأما (غدوة) فمعرفة وهو علم صيغ له واسم موضوع [[في (أ): (موضع)، وهو تحريف.]] للتعريف وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن يُدخل عليه الألف واللام كما لا يُدخل على سائر الأعلام، وإن كانت قد كتبت في المصحف بالواو لم تدل على ذلك ألا ترى أنهم قد كتبوا (الصلوة) بالواو وهي ألف فكذلك (الغداة). قال سيبويه: (غدوة وبكرة جُعل كل واحد منهما اسمًا للحين، كما جعلوا أم حُبين [[أم حُبين: دويبة على خلقة الحرباء، عريضة الصدر عظيمة البطن، وقيل: هي أنثى الحرباء. انظر: "اللسان" 2/ 764 (حبن).]] اسما لدابة معروفة. قال: وزعم يونس عن أبي عمرو أنك إذا قلت: لقيته يومًا من الأيام غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون) [["الكتاب" 3/ 293، وفيه: (وهو قوله أيضًا وهو القياس .. وكذلك تقول العرب) ا. هـ.]]، وهذا يقوي قراءة العامة، ووجه قراءة ابن عامر أن سيبويه [["الكتاب" 3/ 294.]] قال: (زعم الخليل أنه يجوز أن يقول: أتيتك اليوم غدوةً وبكرةً، فجعلهما بمنزلة ضحوة [[الضحوة -بفتح الضاد المشددة وسكون الحاء-: كعشية ارتفاع النهار، ولا تستعمل إلا ظرفًا إذا عنيتها من يومك فإن لم تعن بها ذلك صرفتها. انظر: "اللسان" 5/ 2556 (ضحا).]]). وأيضاً فإن بعض أسماء الزمان جاء معرفة بغير ألف ولام ثم أجازوا دخول اللام فيه نحو ما حكاه أبو زيد من: (قولهم: لقيته فَيْنة [[الفينة -بفتح فسكون-: الحين، والساعة، والوقت من الزمان، عرف بالعلمية والألف واللام. انظر: "اللسان" 6/ 3504 (فين).]] غير معروف والفينة بعد الفينة) [["تهذيب اللغة" 3/ 2727 (فان).]] فألحق لام المعرفة، ما استعمل معرفةً ووجه ذلك أنه يقدر فيه التنكير والشيوع كما يقدر فيه [[في (ش): (كما يقدر ذلك فيه).]] ذلك إذا ثني، [وذلك مستمر في جميع المعارف) [["الحجة" لأبي علي 3/ 319، 6/ 140، مجموع منهما بتصرف واختصار. == وانظر: "معاني القراءات" 1/ 359، و"إعراب القراءات" 1/ 158، و"الحجة" لابن خالويه ص 140، ولابن زنجلة ص 251، و"الكشف" 1/ 432.]] انتهى كلامه. قوله: (يقدر فيه التنكير كما يقدر فيه ذلك إذا ثني) [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]] كلام يُحتاج إلى شرحه فنقول: اعلم أن المعرفة: [لا يصح تثنيتها من قبل أن حدّ المعرفة [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] أنها ما خص الواحد من جنسه ولم يشع في أُمته، فإذا شورك في اسمه فقد خرج عن أن يكون علمًا معروفًا، وصار مشتركًا فيه شائعًا، وإذا كان الأمر كذلك فلا تصح التثنية إلا في النكرات دون المعارف، وإذا صح هذا فإنك لم تُثَنّ زيدًا حتى سلبته تعريفه وأشعته في أمته فجعلته من جماعة كل واحد منهم زيد، فجرى لذلك [[في (ش): (ذلك).]] مجرى فرس ورجل في أن كل واحد منهما شائع لا يخص واحداً بعينه، وصار كأنه بعد نزع التعريف عنه يجوز أن يقال: الزيد والعمر كما قال ابن ميادة [[ابن ميادة هو: الرَّمَّاح بن أَبْرَد بن ثَوْبَان بن سُرَاقَة المُرِّيُّ الغطفاني، أبو شُرَحْبِيل، مشهور بنسبته إلى أمه مَيَّادة، وهو شاعر مجيد هجَّاء. عاصر الدولة الأموية والعباسية، ومدح الخلفاء، توفي سنة 149هـ أو قبلها. انظر: "الشعر والشعراء" ص520، و"طبقات الشعراء" لابن المعتز ص 105، و"معجم الأدباء" 11/ 143، و"تهذيب ابن عساكر" 5/ 331، و"الأعلام" 3/ 31.]]: وجدنا الَولِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبَارَكًا ... شَدِيدًا بأعْبَاءِ الخِلاَفَةِ كَاهِلُهْ [["ديوانه" ص 192، و"معاني الفراء" 2/ 408، وليس في "كلام العرب" لابن خالويه ص 71، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 451، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 580، و"الإنصاف" 1/ 317، و"اللسان" 3/ 1898 (زيد)، وهو يمدح الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، والأعباء جمع عبء بالكسر وسكون العين، وهو الثقل وأراد أمور الخلافة الشاقة، والكاهل ما بين الكتفين. والشاهد: (الوليد - واليزيد) حيث أدخل (أل) فيهما للمح الأصل وتقدير التنكير، وهي في الحقيقة زائدة. انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 164.]] وكما أنشد ابن السكيت [["إصلاح المنطق" ص 262، الشاهد لحميد بن ثور الهلالي، شاعر مخضرم، في "اللسان" 5/ 2569 (ضرب) وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 3/ 2106، و"الحلبيات" ص 288، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 366، و"المنصف" 3/ 234، وهو رجز آخره: مكان من أنشأ على الرَّكائب تمنى أن تكون مصاحبة له في سفره معينة في رفع الأحمال على الجمال، وأنشأ أي: ابتدأ السير، والركوب والركائب من الركْب أصحاب الإبل. انظر شرحه في: "تهذيب إصلاح المنطق" 2/ 72.]]: يا ليتَ أُمَّ العمرو [[في (ش): (أم عمر)، بالعين المهملة وكذلك في "المخصص" 1/ 168، 13/ 216، و"اللسان" 3/ 1563 (ربع) وفي "إصلاح المنطق والمخصص" 11/ 220: (أم الغَمْر) بالغين، قال ابن سيدة: (هكذا رواه ابن السكيت، وعليه لا شاهد فيه على زيادة أل) ا. هـ وفي "أمالي القالي" 1/ 146: (أم الفَيْض) وأكثر المراجع السابقة (أم العمرو) بالعين المهملة، والشاهد دخول أل على عمرو، وهو علم.]] كانت صاحبي ويدلك [[في (ش): (ويدل).]] على أنه لا يثنى إلا بعد خلع التعريف عنه دخول اللام عليه بعد التثنية في قولك: الزيدان والعمران [[في (أ): (العمروان).]]، ولو كان التعريف الذي كانا يدلان عليه مفردين باقيًا فيهما لما جاز دخول اللام عليهما بعد التثنية، كما لا يجوز ذلك قبل التثنية في وجه الاستعمال وغالب الأمر، وكما نزعوه التعريف بالتثنية نزعوه أيضًا بالإضافة قال الشاعر [[الشاهد لزيد الطائي من ولد عروة بن زيد الخيل في "الكامل" للمبرد 3/ 157، وبلا نسبة في "البصريات" 2/ 414، و"الحلبيات" ص 298، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 452، و"اللسان" 3/ 1898 (زيد)، و"مغني اللبيب" 1/ 52، والنقا: الرمل الكثيب، ويوم النقا: الوقعة التي كانت عند النقا، والأبيض: السيف، ويمان: == منسوب إلى اليمن. والشاهد: زيدنا، زيدكم، حيث أجرى زيدًا مجرى النكرات فأضافه. انظر: "شرح شواهد المغني للسيوطي" 1/ 165.]]: لَاَ زيدُنَا يَوْمَ النَّقَا رأسَ زَيْدِكُمْ ... بِأَبْيَضَ مِنْ ماءِ الحدِيدِ يَمَانِ فإضافة الاسم يدل على أنه قد كان خلع عنه ما كان فيه من تعريفه وكساه التعريف بإضافته إياه إلى الضمير [[ما تقدم قول ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 450 - 452، بتصرف واختصار.]] فهذا معنى قول أبي علي: (يقدّر فيه التنكير والشيوع كما يقدّر فيه ذلك إذا ثنّى) وكل هذا يقوي قراءة ابن عامر. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء عنه: (يطلبون ثواب الله ويعملون ابتغاء مرضاة الله، لا يعدلون بالله شيئًا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 45، والبغوي 3/ 147، وأبو حيان في "البحر" 4/ 136، وفي "تنوير المقباس" 2/ 23، قال: (يريدون بذلك وجه الله ورضاه) ا. هـ.]]. وقال أهل المعاني: (في هذا قولين: أحدهما: أن معناه: يريدون طاعته [[هنا وقع اضطراب في نسخة (ش) فوقع تفسير هذه الآية في 100 ب.]]، كأنه بمعنى الوجه الذي وجههم فيه وهو طاعتهم له). ونحو من هذا قال الزجاج فقال: (أعلم الله أنهم يريدون ما عنده، وشهد لهم بصدق النيات، وأنهم مخلصون في ذلك له، فقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، أي: (يريدون وجه الله عز وجل ويقصدون الطريق الذي أمرهم بقصده) [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 251.]]، وكان الزجاج ذهب في معنى الوجه إلى الجهة والطريق -وذكرنا هذا مشروحًا في قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]- وعلى هذا ﴿وَجْهَهُ﴾: جهته التي أمر بقصدها. [و] [[لفظ: (الواو): ساقط من (أ).]] القول الثاني: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ الله﴾ أي: يريدونه إلا أنه يؤتى بلفظ الوجه للتعظيم بتفخيم الذكر، كما يقال: هذا وجه الرأي، وأشار أبو إسحاق إلى هذا المعنى فقال في سورة الكهف: (أي: لا يقصدون بعبادتهم إلا إياه) [["معاني القرآن" 3/ 281، وأكثرهم ذكر هذه الوجوه، قال الطبري 7/ 205: (أي: يلتمسون بذلك القربة إلى الله والدنو من رضاه) ا. هـ. وانظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 254، والماوردي 2/ 118، والبغوي 3/ 147، وابن عطية 5/ 210، وابن الجوزي 3/ 47، والرازي 12/ 236، والقرطبي 6/ 432، وهذا مجاز وتأويل والأولى الحمل على الحقيقة، قال السمرقندي 1/ 487: (يعني: يريدون بصلواتهم وجه الله تعالى) ا. هـ. وقال ابن كثير 2/ 151: (أي: يريدون بذلك العمل وجه الله الكريم) ا. هـ. وقال ابن القيم في "مختصر الصواعق" 3/ 992 - 1023: (وجه الرب جل جلاله حيث ورد في الكتاب والسنة فليس بمجاز بل على الحقيقة، وصرفه عن هذا خروج عن الأصل والظاهر بلا موجب، وحمله على الثواب المنفصل من أبطل الباطل، فإن اللغة لا تحتمل ذلك، ولا يعرف أن الجزاء يسمى وجهًا للمُجازى) ا. هـ ملخصًا، وانظر: المفسرون بين التأويل والإثبات في "آيات الصفات" للمغراوي ص 59 - 74.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (ما عليك من حساب المشركين من شيء ولا على المشركين من حسابك من شيء إنما الله الذي يثيب أولياءه ويعذب أعداءه، وأنت وأصحابك قد غفر الله لهم وصاروا إلى رحمته) [[لم أقف عليه.]]، انتهى كلامه. وعلى هذا الكناية في ﴿حِسَابِهِمْ﴾ و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ تعود إلى المشركين [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 487، و"الكشاف" 2/ 22، ابن عطية 5/ 210 ، ورجح عودة الضمير في: ﴿حِسَابِهِمْ﴾ و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على المشركين والضمير في == ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ على الضعفاء من المؤمنين، ويؤيده أن ما بعد الفاء سبب لما قبلها.]] الذين قالوا للنبي ﷺ أن يطرد عنه الفقراء، ومعناه: الإبعاد بينه وبينهم، ونهي النبي ﷺ عن استمالتهم بتقريبهم. يقول: ليس عليك من حسابهم من شيء إن كفروا وكذبوا فتطرد الفقراء لتدني مجلسهم منك ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ليس ثوابك عليهم حتى تلين لهم وهو معنى قول ابن عباس: (إنما الله الذي يثيب أولياءه ويعذب أعداءه) فهذا وجه، والمفسرون [[ورجح هذا القول الرازي 12/ 236، وأبو حيان في "البحر" 4/ 137، والسمين في "الدر" 4/ 644 - 645.]] يردون الكناية إلى ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ وهم الفقراء وذلك أشبه بالظاهر؛ لأن الكناية في قوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ عائدة على الفقراء لا محالة، فكذلك ما قبله من الكناية أشبه أن تعود عليهم، وعلى هذا ذكروا في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [قولين] [[لفظ: (قولين) ساقط من (ش).]]: أحدهما: ما عليك من عملهم ومن حساب عملهم من شيء، وهذا يروى عن الحسن [[ذكره ابن الجوزي 3/ 47، وذكره ابن عطية 5/ 211، وأبو حيان في "البحر" 4/ 136 عن الحسن والجمهور.]] وابن عباس [[لم أقف عليه.]]. قال أهل المعاني: (هذه القصة شبيهة بقصة [[ذكره الزجاج في "معانيه" 2/ 251 - 252، وانظر: "تفسير الرازي" 12/ 237.]] نوح عليه السلام إذ قال له قومه: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111] فأجابهم نوح: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: 112 - 113]، وعنوا بقولهم: ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ الحاكة والمحترفين بالحرف الوضيعة، فقال نوح: ﴿وَمَا عِلْمِى﴾ بعملهم، أي: وجه مكاسبهم، [ما حساب] [[لفظ: (ما حساب) ساقط من (أ).]] عملهم إلا على الله، فوض دناءة مكاسبهم إلى الله تعالى أي: أنه أعلم بعملهم وما لي ولذلك، وكذلك في هذه الآية كان هؤلاء الفقراء يعملون بالنهار لقوتهم ويرجعون إلى مسجد رسول الله ﷺ فازدراهم المشركون لفقرهم وحاجتهم إلى الأعمال الخسيسة لقوتهم، وهمّ النبي ﷺ برفع المشركين عليهم في المجلس فقيل له: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [أي: لا يلزمك عار بعملهم ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من أصل (أ)، وملحق بالهامش.]] ذكر تأكيدًا للمطابقة وازدواج الكلام، وإن كان مستغنى عنه بالأول)، وإلى هذا المعنى أشار الزجاج [[لم أقف عليه في "معانيه"، وفي "الكشاف" 2/ 22 نحوه.]]. القول الثاني: ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم، ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، أي: ليس رزقك عليهم ولا رزقهم عليك وإنما يرزقك وإياهم الله الرازق، فدعهم يدنون منك ولا تطردهم [[هذا اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 206.]]. وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جواب لقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ في أول الآية [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 7/ 206، والزجاج في "معانيه" 2/ 252، والنحاس في "معانيه" 2/ 430، ومكي في "المشكل" 1/ 253، وانظر: "الدر المصون" 4/ 646.]]، ومعناه: فتكون من الضارين لنفسك بالمعصية؛ قاله ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 23.]]. وهذا الظُّلمُ معناه: النقصان، أي: ينقص ثوابك بطردهم لو طردتهم، والظلم بمعنى: النقص معروف في اللغة [[الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقه أو مكانه. والظلم: الميل عن القصد ومجاوزة الحق. انظر: "العين" 8/ 162، و"الجمهرة" 2/ 934، و"تهذيب اللغة" 3/ 2248، و"الصحاح" 5/ 1977، و"مقاييس اللغة" 3/ 468، و"المجمل" 2/ 601، و"المفردات" ص 537، و"اللسان" 5/ 2756 (ظلم).]] يقال: ظلم حقه، وهو كثير في القرآن -وقد ذكرنا ذلك-. وقال ابن زيد [[أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1299 بسند جيد.]]: (﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (لهم بطردهم)، وهذا قول حسن) أي: إنهم لم يستحقوا منك الطرد فإذا طردتهم فقد ظلمتهم [[انظر: "تفسير الرازي" 12/ 237.]].

الأنعام 6:53

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية، قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 206، والسمرقندي 1/ 487، والماوردي 2/ 118، وأخرجه الطبري بسند جيد عن قتادة.]]: (أي: وكما ابتلينا قبلك الغني بالفقير كما ذكرنا في قصة نوح وكما قال في قوم صالح: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِلَّذِينَ [[هكذا جاء سياق الآية ولعله وهم، فليس فيها: للذين استضعفوا.]] اسْتُضعِفُوا ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: 76]، ابتلينا أيضًا هؤلاء بعضهم ببعضٍ، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾) [الفرقان: 20]، وهذا معنى قول ابن عباس [[أخرج الطبري 7/ 206، وابن أبي حاتم 4/ 1299 بسند جيد عنه قال: (جعل بعضهم أغنياء وبعضم فقراء، فقال الآغنياء للفقراء: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي: هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية) ا. هـ. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 26، ومعاني الفتنة في "تأويل مشكل القرآن" ص 472 - 474.]] في رواية عطاء. وقال الكلبي: (ابتلينا الشريف بالوضيع، وابتلى هؤلاء الرؤساء من قريش بالموالي، فإذا نظر الشريف إلى الوضيع قد آمن قبله حمي [[حمى بفتح الحاء وكسر الميم من الشيء حَمِيَّة، ورجل حمي الأنف، أي: أنف أن يضام، وفلان ذو حمية أي: غضب وأنَفَة: انظر: "اللسان" 2/ 1014 (حمى)، وأَنِف بفتح الهمزة والنون: استنكف وكره، ويقال: هو أنف بسكون النون للعضو أي: اشتد غضبه وغيظه من طريق الكناية، والمراد هنا أخذته الحِميَة من الغيرة والغضب. انظر: "اللسان" 1/ 152 (أنف).]] آنفًا أن يسلم، ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" ص 178/ أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 47، وابن الجوزي 3/ 47، وفي "تنوير المقباس" 2/ 23 (نحوه).]]. قال أهل المعاني: (وإنما قال: ﴿فَتَنّا﴾ وهو تعالى لا يحتاج إلى الاختبار؛ لأنه عاملهم معامله المختبر) [[انظر: "المفردات" ص 623 (فتن)، و"بدائع التفسير لابن القيم" 2/ 150.]]. وقوله تعالى ﴿لِيَقُولُوا﴾ هذه اللام تسمى لام العاقبة [[أي: لبيان عاقبة الشيء ومآله، ويسميها الكوفيون لام الصيرورة، وبعضهم يسميها لام العلة؛ لأنها مستعارة لما يشبه التعليل، قال ابن هشام في "المغني" 1/ 214: (ومن معاني اللام الصيرورة وتسمى لام العاقبة ولام المآل. وأنكر البصريون ومن تابعهم لام العاقبة) ا. هـ. وانظر: "اللامات للزجاج" ص 119، و"معاني الحروف للرماني" ص 56، و"الصاحبي" ص 152، و"اللامات للهروي" ص 182، و"رصف المباني" ص 301.]]، كأن المعنى: فعلنا هذا ليؤول أمرهم إلى هذا القول [[قال السمين في "الدر" 4/ 647: (الأظهر -وعليه، أكثر المعربين والمفسرين- أنها لام كي، والتقدير: ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاءً وامتحانًا. وقيل: إنها لام الصيرورة، أي: العاقبة، ويكون ما بعدها صادرا على سبيل الاستخفاف) ا. هـ ملخصًا، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 549، و"المشكل" 1/ 253، و"التبيان" 1/ 335، و"الفريد" 2/ 154، ورجح كونها لام العاقبة ابن عطية 5/ 211.]]. وقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: الضعفاء والفقراء والاستفهام معناه: الإنكار [[انظر: "الفريد" 2/ 154.]] كأنهم أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلة أو خصّوا بمنة، فقال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ أي: بالذين يشكرون نعمته إذا منّ عليهم بالهداية أي: إنما يهدي إلى دينه من يعلم أنه يشكر نعمته، هذا معنى قول المفسرين [[انظر: الطبري 7/ 207، والسمرقندي 1/ 487، وابن عطية 5/ 212، و"بدائع التفسير" 2/ 151.]]، والاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ﴾ تقرير: أي أنه كذلك [[انظر: "الفريد" 2/ 155.]]، كقول جرير: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطَايَا [["ديوانه" ص 77، و"مجاز القرآن" 1/ 36، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 379 - 410، 418، 494، و"الشعر والشعراء" ص 307، و"الخصائص" 3/ 269، و"اللسان" 8/ 4524 (نقص)، و"المغني لابن هشام" 1/ 17، وبلا نسبة في "المقتضب" 3/ 292، الخصائص 2/ 463، و"رصف المباني" ص 136، وتكملته: وَأَنْدَى العَالَمِينَ بطُونَ رَاحِ والمطايا: جمع مطية، وهي الدابة، وأندى: أسخى، وراح: جمع راحة، وهي الكف. والشاهد: (ألستم) حيث جاءت همزة الاستفهام للإيجاب والتقرير وتحقق الكلام، أي: أنتم خير من ركب المطايا، انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 43.]]

الأنعام 6:54

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية قال ابن عباس: (نزلت في أصحاب النبي ﷺ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم [[ذكره القرطبي 6/ 435، عن ابن عباس، وذكره الثعلبي 178 أ، والبغوي 3/ 148، وابن الجوزى 3/ 48، والخازن 2/ 138 عن عطاء.]]. وقال عكرمة [[ذكره الثعلبي 178 أ، والواحدي في "أسباب النزول" ص 221، والبغوي 3/ 148.]] والحسن [[لفظ: (الحسن) ساقط من (ش)، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 48، وابن الجوزي 3/ 48، عن الحسن وعكرمة، وذكره هود الهواري 1/ 525، عن الحسن، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 139: (هذا هو قول الجمهور، والظاهر أنه يراد به المؤمنون من غير تخصيص) ا. هـ]]: (نزلت في الذين سأل المشركون طردهم). قال عكرمة: (وكان النبي ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام، ويقول: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" [[الحديث بهذا اللفظ لم أقف على سنده، وفي "الدر المنثور" 3/ 25، قال: (أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: أخبرت أن قوله ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال: كانوا إذا دخلوا على النبي ﷺ بدأهم فقال: "سلام عليكم" وإذا لقيهم فكذلك أيضًا) ا. هـ وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 21: في الآية (أن النبي ﷺ قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم" قال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) ا. هـ.]]، وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ﴾ ﴿إِذَا﴾ ظرف للقول أي: قل سلام عليكم إذا جاؤوك، و ﴿جَاءَكَ﴾ في موضع جر؛ لأن ﴿إِذَا﴾ مضاف إليه بمنزلة [[قال السمين في "الدر" 4/ 648: (﴿إِذًا﴾ منصوب بجوابه، أي: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وقت مجيئهم أي: أوقع هذا القول كله في وقت مجيئهم إليك، وهذا معنى واضح) ا. هـ وقال العكبري في "التبيان" 335، والهمداني في "الفريد" 2/ 155: (العامل في ﴿إِذًا﴾ معنى الجواب، أي: إذا جاؤوك سلم عليهم)، وذكر هذا القول السمين في "الدر" وقال: (لا حاجة تدعو إلى ذلك مع فوات قوة المعنى؛ لأن كونه يبلغهم السلام والإخبار بأنه كتب على نفسه الرحمة وأنه من عمل سوءًا بجهالة غفر له لا يقوم مقامه السلام فقط وتقديره: يفضي إلى ذلك) ا. هـ.]] حين ﴿جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: يصدقون [بحججنا] [[في (أ): (بجحتنا).]] وبراهيننا. قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 252.]]: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (السلام [[انظر: "العين" 7/ 265، و"الجمهرة" 2/ 858، و"الصحاح" 5/ 1951، و"المجمل" 2/ 469، و"مقاييس اللغة" 3/ 90، و"المفردات" ص 421 (سلم).]] هاهنا يحتمل تأويلين أحدهما: أن يكون مصدر سلمت تسليمًا وسلامًا مثل: السراح من التسريح والأداء من التأدية، ومضى سلمت عليه سلامًا [أي] [[لفظ: (أي) ساقط من (أ).]]: دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه، فالسلام بمعنى التسليم. الثاني: أن يكون السلام جمع السلامة، فمعنى قولك: السلام عليكم [السلامة عليكم [[لفظ: (السلامة عليكم) ساقط من (ش).]]]، ويؤكد هذا الوجه قول الشاعر [[الشاهد لأبي بكر بن الأسود بن شعوب الليثي، وهو شداد بن الأسود في "سيرة ابن هشام" 2/ 400، و"الروض الأنف" 3/ 117، ولعمرو بن سُمي بن كعب الليثي، وقد ينسب إلى أمه شعوب الخزاعية في كتاب "من نسب إلى أمه لابن حبيب" 49، وبلا نسبة في "تفسير غريب القرآن" ص170، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 215، و"تهذيب اللغة" 2/ 1742، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 24 - 28، و"اللسان" 4/ 2077 (سلم).]]: تُحَيَّ بالسَّلاَمَةِ أُمُّ بَكْرٍ ... وَهَلْ لَكِ بَعْدَ قَومِكِ مِنْ سَلاَمِ) والوجهان ذكرهما الزجاج وابن الأنباري، قال أبو بكر: (قال قوم: السلام الله [[السلام اسم من أسماء الله تعالى مأخوذ من السلامة، فهو سبحانه السالم من كل ما ينافي كماله ومن مماثلة أحد من خلقه. انظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي ص 53، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص 67، و"شرح أسماء الله" للرازي ص 187]] تعالى، ومعنى السلام عليكم: الله عليكم، أي: على حفظتكم) [["الزاهر" 1/ 46.]]، وهذا الوجه يبعد في هذه الآية لتنكير السلام في قوله: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [[في (ش): ﴿قل سلام ....﴾، وهو تحريف.]]، ولو كان معرفًا لصح هذا الوجه [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 3.]]. وقال أبو الهيثم: (السلام والتحية بمعنى واحد معناهما: السلامة من جميع الآفات) [["تهذيب اللغة" 2/ 1742، و"اللسان" 4/ 2077 (سلم)، وقال أبو علي في "الحجة" 2/ 298، 4/ 359 - 363: (السلام مصدر سَلَّمْتُ، والسلام جمع سلامة، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، والسلام شجر، والسلام البراءة، وأكثر استعماله بغير (أل) وذاك أنه في معنى الدعاء حمل غير المعهود، وجاء بأل محمول على المعهود) ا. هـ.]]، فأما اللغات في السلام فقد ذكرنا ذلك في سورة هود في قوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: 69]. وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: قضى [لكم] [[لفظ: (لكم) ساقط من (ش).]] ﴿رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 48، وفي "تنوير المقباس" 2/ 24، قال في الآية: (أوجب ﴿رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ لمن تاب) ا. هـ]]. قال أبو إسحاق: (معنى ﴿كَتَبَ﴾: أوجب ذلك إيجابًا مؤكدًا، وإنما خوطب الخلق بما يعقلون وهم يعقلون أن توكيد الشيء المؤخّر إنما يحفظ بالكتاب قال: وجائز أن يكون كتب ذلك في اللوح المحفوظ) [["معاني القرآن" 2/ 254، وقال ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" 2/ 152: (أي. أوجبهما على نفسه الكريمة تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا) ا. هـ انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 214، و"الفتاوى" 18/ 148 - 151، و"بدائع التفسير" 2/ 142.]] وقد سبق بيان هذا المعنى في أول السورة. وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: إن ذنوبكم جهل، ليس بكفر ولا جحود) [[أخرج الطبري في "تفسيره" 4/ 299، بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (من عمل السوء فهو جاهل ومن جهالته عمل السوء)، وذكر القرطبي في "تفسيره" 5/ 92، نحوه عن ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي.]]. وقال الحسن [[قال الماوردي في "تفسيره" 2/ 120: (قال الحسن ومجاهد والضحاك: الجهالة الخطيئة) ا. هـ. وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 37: (قال الحسن وعطاء وقتادة والسدي في آخرين: إنما سموا جهالًا لمعاصيهم، لا أنهم غير مميزين) ا. هـ. وذكر قول الحسن الرازي في "تفسيره" 13/ 5.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 149، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 299، 7/ 209، وابن أبي حاتم 4/ 1301، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 26 - 27.]] والضحاك [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 209، وابن أبي حاتم 4/ 1301 بسند ضعيف.]]: (كل من عمل بخطيئة فهو جاهل). قال أبو إسحاق: (معنى الجهالة هاهنا يحتمل أمرين أحدهما: أنه عمله وهو جاهل بمقدار المكروه فيه، أي: لم يعرف أن فيه مكروهًا، والآخر: أنه علم أن عاقبته مكروهة، ولكنه آثر العاجل فجُعل جاهلاً بأنه آثر القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 254.]]؛ هذا كلامه، والوجه الثاني [[انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 216، والرازي 13/ 5.]] أقواهما، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ الآية [النساء: 17]، وقد ذكرنا ما فيه هناك. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: رجع عن ذنبه ولم يصرّ على ما فعل ﴿وَأَصْلَحَ﴾ عمله ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. واختلف القرّاء [[(قرأ نافع (أَنَّهُ) بفتح الهمزة: (فَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، وفتحهما جميعًا عاصم وابن عامر، وكسرهما الباقون). انظر: "السبعة" ص 258، و"المبسوط" ص 168، و"التذكرة" 2/ 398، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 258.]] في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾ فـ ﴿فَأَنَّهُ﴾ فقرأ بعضهم بالفتح فيهما أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة، كأنه قيل: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ﴾. وأما فتح الثانية فعلى أن تجعله بدلاً من الأولى كقوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: 35]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: 4]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 63]، وهذا معنى قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن للفراء" 1/ 336 - 337.]] والزجاج [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 253 - 254، و"الأخفش" 2/ 275 - 276، و"النحاس" 2/ 431 - 432، و"إعراب القرآن للنحاس" 1/ 538.]]. قال أبو علي: (من فتح الأولى جعلها بدلاً من ﴿الرَّحْمَةَ﴾، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبرًا تقديره: فله أنه ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فله غفرانه، أو أضمر مبتدأ يكون أن خبره كأنه فأمره أنه ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وعلى هذا التقدير يكون الفتح في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [[في (أ): (تعلموا) بالتاء.]] [التوبة: 63] تقديره: فله أن ﴿لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ وإن شئت قدرت، فأمره أن ﴿لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ فيكون خبر هذا المبتدأ المضمر. قال: ومن ذهب في هذه الآية إلى أن التي بعد الفاء تكرير للأولى لم يستقم قوله، وذلك أن ﴿مَنْ﴾ لا تخلو من أن [تكون] [[في (ش): (يكون).]] للجزاء الجازم الذي اللفظ عليه أو [تكون] [[في (ش): (يكون).]] موصولة فلا يجوز أن يقدر التكرير مع الموصولة؛ لأنها لو كانت موصولة لبقي المبتدأ بلا خبر ولا يجوز ذلك أيضًا في الجزاء الجازم؛ لأن الشرط يبقى بلا جزاء فإذا لم يجز ذلك ثبت أنه علي ما ذكرنا من تقدير: فله أو فأمره وتكون الفاء جواب الشرط، وأيضًا فإن ثبات الفاء في قوله ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾ يمنع من أن يكون بدلاً، ألا ترى أنه لا يكون بين البدل والمُبدل منه الفاء العاطفة ولا التي للجزاء، فإن جاءت: إنها زائدة بقي الشرط بلا جزاء فلا يجوز إذن تقدير زيادتها هنا وإن جاءت زائدة في غير هذا الموضع) [["الحجة لأبي علي" 3/ 311 - 313.]]، وأما من كسرهما جميعًا فعلى مذهب الحكاية كأنه لما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ودخلت الفاء جوابًا للجزاء وكُسِرت إن لأنها على ابتداء وخبر، كأنك قلت: فهو ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، إلا إنْ الكلام بإنْ أوكد؛ هذا قول الزجاج [["معاني القرآن" 2/ 253 - 254، وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 15/ 276 - 277: (الأحسن في هذا أن يقال: كل واحدة من هاتين الجملتين جملة مركبة مؤكدة، فهما تأكيدان مقصودان لمعنيين مختلفين، ألا ترى تأكيد قوله. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بإن غير تأكيد (مَن عَمِلَ سُوء) له بأن، وهذا ظاهر لا خافاء به، وهو كثير في القرآن وكلام العرب) ا. هـ. ملخصًا.]]. وقال أبو علي: (أما كسر إن في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فلأن ما بعد الفاء حكمه الابتداء، ومن ثم حمل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95]، على إرادة المبتدأ بعد الفاء وحذفه، وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر أبدل الأولى من الرحمة واستأنف ما بعد الفاء) [["الحجة لأبي علي" 3/ 311 - 313.]]. قال الفراء: (والكسر بعد الفاء حسن؛ لأنه يحسن في موضع إن بعد الفاء هو ألا ترى أنه لو قيل: ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ فهو ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لكان صوابًا، فإذا حسن دخول هو حسن الكسر) [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 337، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 355 - 357، و"إعراب القراءات" 1/ 157 - 158، و"الحجة" لابن خالويه ص 139 - 140، و"الحجة" لابن زنجلة ص 252 - 253، و"الكشف" 1/ 433، و"الدر المصون" 4/ 650 - 654.]].

الأنعام 6:55

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ الآية، يقول: وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وأعلامنا على المشركين كذلك نميّز ونبيّن لك حجتنا وأدلتنا في كل حق ينكره أهل الباطل [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 148، الرازي 13/ 6، القرطبي 6/ 436.]]، ومعنى التفصيل [[الفَصْل: إبانة أحد الشيئين من الآخر حتى يكون بينهما فُرجة، ويستعمل في الأقوال والأفعال، فهو أصل يدل على تمييز الشيء من الشيء وإبانته وتمييزه عنه، ويقال: تفصيل الآيات بيانها، وتفصيلها بالفواصل. انظر: "العين" 7/ 126، و"الجمهرة" 2/ 891، و"تهذيب اللغة" 3/ 2794، و"الصحاح" 5/ 1790، و"المجمل" 3/ 722، و"مقاييس اللغة" 4/ 505، و"المفردات" ص 638، و"اللسان" 6/ 3422 (فصل).]]: التمييز للبيان، ولهذا فسر بالتبيين وهو قول ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 24.]] وقتادة وابن زيد [[أخرجه الطبري 7/ 210 بسند جيد عن قتادة وابن زيد. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 276.]] قالوا في تفسير ﴿نُفَصِّلُ﴾: (نبيّن). وقوله تعالى: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق [وليستبين] [[في (ش): ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاء.]]، فترك ذكر ما هو بيّن من المعلوم وذكر ما يحتاج إلى بيانه [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 6.]]. واختلف القراء في قوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾ فقرأ بعضهم [[قرأ نافع: (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء، و (سَبِيلَ) بالنصب. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية: (وليستبين) بالياء، و (سبيلُ) بالرفع. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم في رواية: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاء، و (سبيلُ) بالرفع. انظر: "السبعة" ص 258، و"المبسوط" ص 169، و"التذكرة" 2/ 399، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 258.]] بالتاء، ورفع السبيل على أنها فاعل الاستبانة، والسبيل [[انظر: "المذكر والمؤنث للفراء" ص 87، ولابن الأنباري 1/ 423، ولابن التستري الكاتب ص 81.]] يؤنث ويذكر، فالتأنيث كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: 108] والتذكير كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146] ويقال: استبان الشيء [[هذه القراءات دائرة على تعدي استبان ولزومه وتذكير سبيل وتأنيثه، وكل ذلك لغة فصيحة، وتذكيره لغة تميم ونجد، والتأنيث لغة الحجاز، ويقال: استبان الصبح واستبنت الشيء، والخطاب للنبي ﷺ ولأمته، أي: لتستبينوا ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. انظر: "معاني الفراء" 1/ 337، والأخفش 2/ 276، والزجاج 2/ 254، والزاهر 2/ 179، و"الدر المصون" 4/ 655.]] واستبنته، ومن قرأ بالياء ورفع السبيل كان الفعل أيضًا مسندًا إلى السبيل إلا أنه ذكّر السبيل وقرأ نافع ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاء (سَبِيلَ) نصبًا، والتاء في هذه القراءة للخطاب أي: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ أيها المخاطب [[ما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 3/ 314 - 316، بتصرف واختصار، وانظر: "إعراب القراءات" 1/ 158، و"الحجة لابن خالويه" ص 141، ولابن زنجلة ص 253، و"الكشف" 1/ 433.]]. قال أهل المعاني: (وخص ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ بالذكر، والمعنى: ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وسبيل المؤمنين فحذف؛ لأن ذكر أحد القبيلين يدل على الآخر، كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] ولم يذكر البرد لدلالة الفحوى عليه. وهذا قول الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 255.]] وأبي علي [["الحجة" لأبي علي 3/ 316.]]. ودل كلام الزجاج على وجه آخر وهو: (أن يكون سبيل المؤمنين مضمنا به الكلام؛ لأن ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ إذا بانت فقد بانت معها سبيل المؤمنين كما تقول: زيد ضاربٌ، تضمن هذا الكلام ذكر المضروب) [[وذكر هذا الوجه أيضاً النحاس في "معانيه" 2/ 432 - 433، واقتصر عليه الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 358.]]. قال ابن عباس: (﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ يا محمد ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ يريد: ما جعلوا لله في الدنيا من الشرك وما بيّنت من سبيلهم يوم القيامة ومصيرهم إلى الخزي) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 50، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 50.]].

الأنعام 6:56

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: الأصنام، ومعنى ﴿تَدْعُونَ﴾: تعبدون، ويجوز أن يكون المعنى: تدعونهم [[أي: الأصنام، وقد ذكر الوجهين ابن عطية 5/ 218، وابن الجوزي 3/ 51، والقرطبي 6/ 437.]] في مهمّات أموركم على معنى العبادة، ومعنى ﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إضافة الدعاء إلى ﴿دُونِ﴾ بمعنى: ابتداء الغاية؛ لأن كل عبادة كانت لغير الله فهو من جملة عبادة من يُعبد من دون الله فجعل ﴿مِنْ دُونِ﴾] [[لفظ: (دون) ساقط من (ش).]] على جهة ابتداء الغاية [[ذكر هذا الوجه الهمداني في "الفريد" 2/ 158.]]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: دينكم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 50، وفي "تنوير المقباس" 2/ 255 نحوه.]]. قال أبو إسحاق: (إنما عبدتموها [على طريق الهوى لا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] على طريق البينة والبرهان) [["معاني القرآن" 2/ 255.]]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ معنى ﴿إِذًا﴾ الشرط، المعنى: قد ضللت إن عبدتها [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 255، وذكره ابن عطية 5/ 218، وابن الجوزي 3/ 51.]]، وهو معنى قول ابن عباس (﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ إن أنا فعلت [["تنوير المقباس" 2/ 25، وفيه: (﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ عن الهدى ﴿إِذًا﴾ إن فعلت ذلك).]]، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾: من الذين سلكوا سُبَلَ الهدى) [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 149.]].

الأنعام 6:57

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ الآية. معنى البينة: الدلالة التي تفصل الحق من الباطل [[انظر: "زاد المسير" 3/ 51.]] قال ابن عباس: (يريد: على يقين من ربي [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 50، وقال في "تنوير المقباس" 2/ 25: (على بيان من ربي وبصيرة من أمري وديني) ا. هـ.]]. وقال أبو إسحاق: (أنا على أمر بين لا متّبع لهوًى) [["معانى القرآن" 2/ 255 - 256.]]. وقال بعض أهل المعاني: (البيّنة هاهنا المعجزة يعني: القرآن) [[انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 218.]] وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ هذه الهاء كناية عن البيان، أيَ: وكذبتم بالبيان؛ لأن البيّنة والبيان بمعنى واحد، ويجوز أن تكون الكناية عن معنى البيّنة، وهو ما أتاهم به من القرآن؛ لأنه هو البيّنة، فيكون المعنى: وكذبتم بما أتيتكم به، هذا قول الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 256.]]. وقال غيره: (معناه: وكذبتم بربي؛ لأنه قد جرى ذكره) [[هذا قول الطبري 7/ 211، ورجحه أبو حيان في "البحر" 4/ 142، والسمين في "الدر" 4/ 657، وانظر: ابن الجوزي 3/ 51، والقرطبي 6/ 438.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 25، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 51، وابن الجوزي 3/ 51، عن ابن عباس والحسن.]] والحسن [[ذكره الماوردي 1/ 121.]] (يعني: العذاب، كانوا يقولون: يا محمد، ائتنا بالذي تعدنا، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج: 47]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا﴾) الآية [الأنفال: 32]. قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون الذي استعجلوا به الآيات التي اقترحوها عليه، فأعلم الله أن ذلك عنده فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 256، وأكثرهم على أن المراد العذاب والظاهر العموم من العذاب والآيات، انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 564، والطبري 7/ 213، و"معاني النحاس" 2/ 432، والسمرقندي 1/ 489، وابن عطية 5/ 219، والقرطبي 6/ 439، و"البحر" 4/ 142، وابن كثير 2/ 153.]]. قال ابن عباس: (يريد: أن ذلك عند ربي) [["تنوير المقباس" 2/ 25 وفيه: (ما الحكم بنزول العذاب إلا لله) ا. هـ]]. قال أهل المعاني: قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (أي: الحكم الذي يفصل به بين المختلفين بإيجاب الثواب والعقاب أو الحكم الذي يفصل كل حق من باطل لا يكون على هذا الإطلاق إلا لله جل وعز) [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 7.]]. وقوله تعالى: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾، أي: يقول الحق، ومعناه: أن جميع ما أنبأ به وأمر به فهو من أقاصيص الحق [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 257.]]، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3]، هذه قراءة أهل الحجاز [[(قرأ ابن كثير وعاصم ونافع: (يَقُصُّ) بضم القاف وصاد مهملة مشددة مرفوعة، من القصص، وقرأ الباقون بسكون القاف وضاد معجمة مخففة مكسورة من القضاء، ولا خلاف أنه بغير ياء في الوصل). انظر: "السبعة" ص 259، و"المبسوط" ص 169، و"التذكرة" 2/ 400، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 258.]] وقرأ الباقون ([يَقْضِ] الْحَقَّ) [[في النسخ (يقضي) بالياء، وهو خلاف الرسم.]] وكتب ([يَقْضِ] [[في (أ): (يقضي) بالياء، وهو خلاف الرسم.]] الْحَقَّ) في المصاحف بغير ياء؛ لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين [[انظر: "الحجة" لابن خالويه ص 140، و"الكشف" 1/ 434.]] كما كتبوا ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)﴾ [العلق: 18] و ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: 5]. وقوله تعالى: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [[في النسخ (يقضي) بالياء.]] قال أبو إسحاق: (فيه وجهان: جائز أن يكون ﴿الْحَقَّ﴾ صفة للمصدر، المعنى: يقضي القضاء الحق، ويجوز أن يكون ﴿يَقْضِ الْحَقَّ﴾: يصنع الحق؛ لأن كل شيء صنعه الله عز وجل فهو حق) [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 256، وفيه زاد: (فهو حق وحِكمةٌ، إلا أن ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ يدل على معنى القضاء الذي هو الحكم، فأما قضى في معنى صنع فمثله قول الهذلي ...) ا. هـ وبمثل قول الزجاج قال الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 359 - 360، وأبو علي في "الحجة" 3/ 319.]]، وعلى هذا يكون (الحق) مفعولًا به وقضى بمعنى: صنع، كقول الهذلي [[الهذلي: خُوَيْلد بن خالد بن مُحرّث الهذلي، أبو ذؤيب، تقدمت ترجمته.]]: وَعَلَيْهَما مَسْروُدتانِ قَضاهُما ... داوُدُ ....................) [["شرح أشعار الهذليين" 1/ 39، و"مجاز القرآن" 1/ 52 - 275، و"معاني القراءات" 1/ 359، و"الحجة لأبي علي" 3/ 319، 4/ 254، و"اللسان" 1/ 418 (تبع)، و"الدر المصون" 2/ 86، وتكملته: (أو صَنَعُ السَّوابغ تُبَّعُ) وهو من قصيدة من عيون المراثي قالها في رثاء أبنائه الذين أصابهم الطاعون، المسرودتان: درعان، وأصل السَّرْد الخرز في الأديم، والصنع: الحاذق بالعمل، وتبع، بالضم: ملك تصنع له الدروع، انظر: "جمهرة أشعار العرب" 247.]] أي: صنعهما داود، واحتج أبو عمرو لهذه القراءة [[ذكره أبو علي في "الحجة" 3/ 318، وابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 159 ، وابن زنجلة في "الحجة" ص 254.]] بقوله ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ قال: (والفصل في القضاء ليس في القصص) [["معاني القرآن للنحاس" 2/ 434 - 435.]]، قال أبو علي: (القصص هاهنا بمعنى القول، وقد جاء الفصل في القول أيضًا في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: 13]، وقال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: 1]، وقال: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: 55] فقد حمل الفصل على القول واستعمل معه كما جاء مع القضاء) [["الحجة" لأبي علي 3/ 318 - 319.]].

الأنعام 6:58

قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ الاستعجال: المطالبة بتعجيل الشيء قبل وقته، ولذلك كانت العجلة مذمومة [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2342، و"المفردات" ص 548 (عجل).]]؛ والإسراع: تقديم الشيء في وقته، ولذلك كانت السرعة محمودة [["المفردات" ص 407 (سرع).]] [و] [[لفظ (الواو): ساقط من (ش).]] قال ابن عباس: (يقول لمحمد: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب لم أناظركم [ساعة] [[لفظ (ساعة) ساقط من (أ).]]، ولكن الله حليم ذو أناة لا يعجل لعجلتكم) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 51، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 52، وانظر: "تنوير المقباس" 2/ 25.]]. وقوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لا نفصل مما بيني وينكم من مطالبتي لكم بإخلاص عبادة الله ومطالبتكم بتعجيل العقوبة، فلو كان الأمر بيدي لأتيتكم [بما] [[في (أ): (ما).]] تستعجلون به من العذاب [[لفظ: (من العذاب) ساقط من (أ).]]، فلا يبقي بيننا مطالبة، هذا معنى قوله: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، وقد ذكرنا معنى ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ عند قوله ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: 8]. وقال أهل المعاني [[انظر: "زاد المسير" 3/ 52.]]: (في هذه الآية علم الله تعالى أن بعضهم يؤمن من هؤلاء الذين كانوا يستعجلون العذاب، فلذلك أخر العذاب عنهم، والنبي ﷺ كان لا يعلم باطن أمرهم فلهذا كان يعجل عليهم بالعقوبة [لو] [[في (ش): (إذا).]] كان الأمر بيده). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: لا أحد أظلم منكم ما جهلتم شيئًا من أمري ولا كنت عندكم منذ ولدت إلى اليوم كاذبًا ولا ساحرًا ولا كاهنًا ولا مفتريًا) [[لم أقف عليه.]]؛ هذا كلامه يعني: أنهم ظلموه إذ كذبوه وقالوا: إنه كاذب وساحر بعد علمهم بصدقه وأمانته، فيكون في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [ضرب] [[في (ش): (ذر).]] من الوعيد لهم. وقال بعض أصحاب المعاني قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ (متصل المعنى بالذي قبله كأنه قال: أنا لا أعلم وقت عقوبة الظالمين، والله عز وجل يعلم ذلك، فهو يؤخره إلى وقته) [[انظر: "البحر المحيط" 4/ 143.]].

الأنعام 6:59

قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية. المفاتح جمع مِفْتح وَمَفْتحٍ، فالمفتح بالكسر: المفتاح الذي يفتح به، والمفتح بفتح الميم الخزانة، وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مَفْتح [[انظر: "العين" 3/ 194، و"الجمهرة" 1/ 386، و"تهذيب اللغة" 3/ 2732 ، و"الصحاح" 1/ 389، و"مجمل اللغة" 3/ 710، و"مقاييس اللغة" 4/ 469 ، و"المفردات" ص 621، و"اللسان" 6/ 3339 (فتح).]]. قال الفراء في قوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: 76] (يعني: خزائنه) [["معاني القرآن" 2/ 310.]]. قال السدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 212، وابن أبي حاتم 4/ 1304 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 277.]] والحسن [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 52، عن ابن عباس والضحاك ومقاتل والسدي والحسن. وقال القرطبي في "تفسيره" 2/ 7: (قيل: المراد بالمفاتح خزائن الرزق، عن السدي والحسن) ا. هـ]]: (و ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: خزائن الغيب)، وخو ذلك قال ابن عباس [[ذكره الماوردي 2/ 121، والواحدي في "الوسيط" 1/ 52، وابن الجوزي 3/ 53، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 213 بسند ضعيف عن عطاء الخرساني عن ابن عباس ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ قال: هن خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 28.]] [والضحاك [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 52، والبغوي 3/ 150، والقرطبي 7/ 2.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 564.]] (في المفاتح أنها الخزائن). واختلفوا في معنى ﴿الْغَيْبِ﴾ هاهنا، فقال ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] في رواية عطاء: (يريد: ما غاب عنكم من الثواب والعقاب، وما يصير إليه أمري وأمركم) [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: (يعني: خزائن غيب العذاب متى ينزل بكم ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾) [["تفسير مقاتل" 1/ 564.]]. وروي عن ابن عباس: (خزائن الأرض والرزق ونزول العذاب) [[ذكره الماوردي 2/ 121، وابن الجوزي 3/ 53، وأبو حيان 4/ 144، وفي "تنوير المقباس" 2/ 26 نحوه.]] ، وهو قول الضحاك [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والبغوي 3/ 150، والقرطبي 7/ 2.]]. وقال أبو إسحاق: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (أي: عنده الوصلة إلى علم الغيب قال: وكل ما لا يعلم إذا استعلم يقال فيه: افتح عليَّ) [["معاني القرآن" 2/ 257، ونحوه ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 435.]]، فعلى هذا المفاتح جمع [المفتح] [[في (أ): (المُفتح)، بالضم، وفي (ش): (المَفتَح)، بسكون ثم فتح، وقال السمين في "الدر" 4/ 660، وابن حجر في "الفتح" 8/ 291: (جوز الواحدي أنه جمع مفتح بفتح الميم على أنه مصدر) ا. هـ. زاد ابن حجر: (وهو بمعنى: الفتح، أي: عنده فتوح الغيب، أي: يفتح الغيب على من يشاء من عباده، ولا يخفى بعد هذا التأويل للحديث المذكور في الباب، وأن مفاتح الغيب لا يعلمها أحد إلا الله سبحانه وتعالى) ا. هـ والحديث المقصود هو ما أخرجه البخاري في صحيحه (4627)، كتاب التفسير باب (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: "مفاتح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]، وانظر: الأحاديث في هذا الباب في مرويات الإمام أحمد في "التفسير" 3/ 371 - 374.]] بمعنى الفتح، كأن المعنى عنده فتوح الغيب أي: هو يفتح الغيب على من يشاء من عباده بذكره والبيان عنه والدلالة عليه، فيفتح لعباده ما [يشاء] [[في (أ): (ما شاء).]] من ذلك بإعلامهم إياه ويغلق عنهم ما شاء منه بترك دلالتهم عليه. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال مجاهد: (البر: القفار، والبحر: كل قرية فيها ماء) [[ذكره الثعلبي 178 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 53، وابن الجوزي 3/ 54. وقال الماوردي 2/ 121: (الجمهور وهو الظاهر أن: ما في البر ما على الأرض، وما في البحر ما على الماء. وقال مجاهد: البر: القفر، والبحر: القرى لوجود الماء فيها، فلذلك سميت بحرًا) ا. هـ. بتصرف.]] وهذا عام في كل ما في المياه والأرضين من البوادي والقفار، لا يحدث فيها شيء إلا بعلم الله عز وجل. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى: أنه يعلمها ساقطة وثابتة، كما تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه، فليس تأويله إلا وأنا أعرفه في حال مجيئه فقط) [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 257، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 436.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ تقديره: ولا من ﴿حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ قالوا: يعني: في الثرى تحت الأرض [[انظر: "الدر المصون" 4/ 661.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾، قال ابن عباس: (يريد: ما ينبت وما لا ينبت) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 53، وذكره الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والبغوي 3/ 151، عن عطاء فقط.]]، وروي عنه أنه قال: (الرطب: الماء، واليابس: البادية) [["تنوير المقباس" 2/ 62، وذكره الثعلبي 178 ب، والبغوي 3/ 151، وانظر: "زاد المسير" 3/ 54.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ قال صاحب "النظم" [[كتاب "نظم القرآن" للجرجاني مفقود، وذكر قوله السمين في "الدر" 4/ 662، ورجح الزمخشري 2/ 24 - 25، وأبو حيان في "البحر" 4/ 146، كونه استثناء بعد استثناء للتأكيد قال أبو حيان: (هذا الاستثناء جار مجرى التوكيد؛ لأن قوله:== ﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾ ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ معطوف على قوله: ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾ والاستثناء الأول منسحب عليها كما تقول: ما جاءني من رجل إلا أكرمته ولا امرأة، أي: إلا كرمتها، ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد وحسنه كونه فاصلة) ا. هـ ملخصًا، وجعل بعضهم الاستثناء الثاني بدلاً من الأول. انظر: "غرائب الكرماني" 1/ 363، و"البيان" 1/ 324، و"التبيان" 1/ 337، و"الفريد" 2/ 161.]]: (تم الكلام عند قوله ﴿وَلَا يَابِسٍ﴾ ثم استأنف خبراً آخر بقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بمعنى: وهو ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أيضًا؛ لأنك لو جعلت قوله ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ متصلًا بالكلام الأول فسد المعنى)، وبيان فساده [[قال السمين في "الدر" 4/ 662: (فساد المعنى من حيث اعتقد أنه استثناء آخر مستقل، ولو جعله استثناء مؤكدًا للأول لم يفسد المعنى، وكيف يتصور تمام الكلام على قوله: ﴿وَلَا يَابِسٍ﴾ ويبتدأ بإلا، وكيف تقع إلا هكذا؟) ا. هـ. ملخصًا.]] في فصل طويل ذكرناه في سورة يونس في قوله: ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [[لفظ: ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾ ساقط من (أ).]] [يونس: 61]، [ومعنى قوله ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]] قال أبو إسحاق: (يجوز أن يكون الله عز وجل أثبت ذلك في كتاب من قبل أن يخلق كما قال جل وعز: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22]، فأعلم جل وعز أنه قد أثبت ما خلق من قبل خلقه) [["معاني القرآن" 2/ 257، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 437: (أي: إلا يعلمه علمًا يقينًا، ويجوز أن يكون المعنى: إلا قد كتبه قبل أن يخلقه، والله أعلم بما أراد) ا. هـ.]]. قال ابن الأنباري وغيره [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 213، و"معاني النحاس" 2/ 437، و"تفسير الرازي" 13/ 10 - 11.]]: (وفائدة كتب الله ذلك في اللوح المحفوظ مع علمه وأنه لا يفوته شيء هو أنه عز وجل كتب هذه الأشياء وأحصاها قبل أن تكون [[في النسخ (يكون) بالياء، والأولى تكون بالتاء.]] لتقف [[في (ش): (ليقف).]] الملائكة على نفاذ علمه، وأنه لا يغيب عنه مما في السماوات والأرض شيء، فيكون في ذلك عبرة للملائكة الموكلين باللوح؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث من الأمور فيجدونه موافقًا له، قال أبو بكر: ويجوز أن يقال: إن الله تبارك وتعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تعظيمًا على خلقِه أمر الحساب، وإعلامًا أنه لا يفوته من جميع ما يصنعون في الدنيا شيء؛ لأن الذي يثبت ويكتب مما لا ثواب فيه ولا عقاب كان مما فيه الثواب والعقاب أولى بالكتب. فذكر ما ذكر تبارك وتعالى: [من هذا [[لفظ: (من هذا) ساقط من (أ).]]] معظمًا ومخوفًا ودالًا على أنه لا يغيب عنه من أعمال العباد شيء) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 54 - 55.]]، وهذا معنى قول الحسن: (يكتبه الله رطبًا، ويكتبه يابسًا، لتعلم يا ابن آدم أن عملك أولى بالإحصاء) [[لم أقف عليه.]].

الأنعام 6:60

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ قال ابن عباس: (يقبض أرواحكم في منامكم) [["تنوير المقباس" 2/ 26، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 54، وابن الجوزي 3/ 55.]]. قال أبو إسحاق: (معنى: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي: ينيمكم فيتوفى نفوسكم التي بها تميزون [[في (ش): (يميزون).]] كما قال جل وعز: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42]) [["معاني القرآن" 2/ 257، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 437.]]، فالله جل وعز يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما كسبتم من العمل بالنهار) [["تنوير المقباس" 2/ 26، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 54، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 214، وابن أبي حاتم 4/ 1305 بسند جيد عن ابن عباس قال: (ما اكتسبتم من الإثم)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.]]، ومضى الكلام في معنى الجرح عند ذكر الجوارح [[انظر: "البسيط" نسخة جامعة الإمام 3/ 11 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ قال ابن عباس: (يرد عليكم أرواحكم في النهار) [["تنوير المقباس" 2/ 26، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 54.]]، وقال قتادة: (البعث هاهنا: اليقظة) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 208، والطبري 7/ 215، وابن أبي حاتم 4/ 1306 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.]]، وقال الزجاج: (أي: ينبهكم في نومكم في النهار) [["معاني القرآن" 2/ 258.]]. وقوله تعالى: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: أعماركم المكتوبة، وهو قوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2]. قال السدي: يعني: أجل الحياة إلى الموت) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 215 بسند جيد.]]، وهو قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 215، و"معاني النحاس" 2/ 438، و"تفسير السمرقندي" 1/ 490.]] قال الزجاج: (أي: يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا آجالكم) [["معاني القرآن" 2/ 258.]]، ومعنى القضاء: فصل الأمر على تمام، ومعنى قضاء الأجل: فصل مدة العمر من غيرها بالموت [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2986 (قضى).]]، وفي هذه الآية حجة على النشأة الثانية؛ لأن منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الآخر [[ذكر هذا المعنى الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 6.]].

الأنعام 6:61

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الآية. ﴿فَوْقَ﴾ يستعمل في كل ما يستحق أن يوصف بأفعل، ولا يراد به المكان العالي، كما يقال: هو فوقه في القدرة، أي: أقدر منه، و [هو] [[لفظ: (هو) ساقط من (أ).]] فوقه في العلم، أي: أعلم [منه] [[لفظ: (منه) ساقط من (ش)، وتكرر فيها لفظ (هو فوقه في العلم أي أعلم).]]، و [هو] [[لفظ: (هو) ساقط من (أ).]] فوقه في الجود [[في (ش): (الجيد)، وهو تحريف.]]، أي: أجود يعبر عن تلك الزيادة بهذه العبارة للبيان عنها [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2724 (فوق)، وابن عطية 5/ 225، والقرطبي 7/ 6، وهذا تأويل وقول نفاة العلو، والحق أنها تستعمل في فوقية المكان والمكانة، والله سبحانه وتعالى مستعل على كل شيء بذاته وقدره وقهره، وقد سبق الكلام على ذلك.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾، قال ابن عباس: (من الملائكة يحصون أعمالكم كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: 10]) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 55، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 55، وفي "تنوير المقباس" 2/ 27 نحوه.]]. وقال قتادة: (يحفظون عليك أجلك ورزقك) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 216، وابن أبي حاتم 4/ 1306، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.]]، وروي عن السدى: (يحفظون العبد من أمر الله الذي لم يُقدر له إلى الأمر الذي قُدر له) [[لم أقف عليه. وقد أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 216، وابن أبي حاتم 4/ 1306 بسند جيد عن السدي قال: (هي المعقبات من الملائكة يحفظونه ويحفظون عمله) وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30، وانظر: "زاد المسير" 4/ 312.]] قال الزجاج: (الحفظة: الملائكة، واحدهم حافظ) [["معاني القرآن" 2/ 258، وفيه: (والجمع حفظة مثل: كاتب، وكتبة، وفاعل، وفعلة) ا. هـ.]]. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ يعني: أعوان ملك الموت، عن ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 216، وابن أبي حاتم 4/ 1307 بسند جيد، عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30، وفي "تهذيب التهذيب" 1/ 92 (النخعي لم يسمع من ابن عباس لكن مراسيله جيدة) ا. هـ.]] والحسن [[قال أبو حيان في "البحر" 4/ 148 - 149 (قال الحسن: إذا احتضر الميت احتضره خمسمائة ملك يقبضون روحه فيعرجون بها) ا. هـ. وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 225. قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ يريد به على ما ذكر ابن عباس وجميع أهل التأويل ملائكة مقترنين بملك الموت يعاونونه ويأتمرون له) ا. هـ.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 209، والطبري 7/ 217، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 211، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.]] وإبراهيم [[أخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 108، وعبد الرزاق 2/ 1/ 209، والطبري 7/ 217، وابن أبي حاتم 4/ 1307، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 211، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.]] والربيع [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 217، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 200 - 201، بسند لا بأس به، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 300.]]. وقال أبو إسحاق: (﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: هؤلاء الحفظة؛ لأنه قال: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾) [["معاني القرآن" 2/ 258.]]، فجعل أبو إسحاق رسل الموت من الحفظة المرسلة للحفظ، وعلى هذا يجب أن يكون؛ لأن تقدير اللفظ: وهو الذي يرسل الحفظة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ توفوه، يريد: أن يرسلهم للحفظ في الحياة والتوفية عند مجيء الممات [[قال الفخر الرازي في "تفسيره" 13/ 16: (الأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة، ولا دلالة في لفظ الآية تدل على الفرق) ا. هـ. وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 148: (الأكثرون على أن ﴿رُسُلُنَا﴾ عين الحفظة يحفظونهم مدة الحياة، وعند مجيء أسباب الموت يتوفونهم) ا. هـ]]، و ﴿حَتَّى﴾ هاهنا هي التي يقع بعدها الابتداء [[انظر: "الفريد" 2/ 163.]] والخبر، وقد بينا شرح [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 80 ب.]] ذلك عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: 110]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ قال ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 218، وابن أبي حاتم 4/ 1307 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 310.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 218 بسند جيد.]]: (لا يضيعون). وقال الزجاج: (لا يغفلون ولا يتوانون، قال: ومعنى التفريط: تقدمة العجز، والمعنى: أنهم لا يعجزون) [["معاني القرآن" 2/ 258، وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 194: (أي: لا يتوانون ولا يتركون شيئاً ولا يخلفونه ولا يغادرون) ا. هـ. وانظر: "معاني النحاس" 2/ 439، وقد تقدم بحث معنى فرط.]].

الأنعام 6:62

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: العباد يردون بالموت إلى الله ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾. قد مضى الكلام في معنى المولى عند قوله: ﴿أَنتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: 286]، ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: القضاء فيهم، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ يقول: إذا حاسب فحسابه سريع، ومضى الكلام في معنى سرعة حساب الله تعالى عند قوله: ﴿والله سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ [البقرة: 202] في سورة البقرة.

الأنعام 6:63

قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. قرئ [[قرأ أبو عمرو في رواية ويعقوب: (قُلْ مَن يُنْجِيكُم) مخففة الجيم ساكنة النون، وقرأ الباقون بفتح النون وتشديد الجيم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي (قُلِ الله يُنَجَّيكُم) بفتح النون وتشديد الجيم، وقرأ الباقون بإسكان النون مع تخفيف الجيم. انظر: "السبعة" 259، و"المبسوط" ص 169، و"التذكرة" 2/ 400، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 258.]] قوله: ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾ بالتشديد، وكذلك قوله: ﴿قُلِ الله يُنَجِّيكُمْ﴾ [(والتشديد والتخفيف لغتان منقولتان من نجا، فإن شئت نقلت بالهمز، وإن شئت نقلت بتضعيف العين نحو: أفرحته وفرحته وأغرمته وغرمته وما أشبه ذلك، وفي التنزيل: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت: 24] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 64] وفيه [[لفظ: (فيه) ساقط من (ش).]]: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فصلت: 18]، فإذا جاء التنزيل باللغتين جميعًا تبيّنت استواء القراءتين في الحسن) [[ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 3/ 322 - 323، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 362، و"الحجة" لابن خالويه ص 141، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 159 - 160، و"الحجة" لابن زنجلة ص 255.]]. غير أن الاختيار التشديد؛ لأن ذلك كان لهم من الله غير مرةٍ [[قال مكي في "الكشف" 1/ 436: (القراءتان متعادلتان، غير أن التشديد فيه معنى التكرير للفعل على معنى نجاة بعد نجاة) اهـ. وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 258، و"تفسير الفخر الرازي" 13/ 20.]]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ سؤال توبيخ لهم وتقرير أن الله يفعل ذلك [[انظر: "الفريد" 2/ 164، "الدر المصون" 4/ 669.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال ابن عباس: (من أهوالهما وكرباتهما قال: وكانت قريش تسافر في البر والبحر فإذا ضلوا الطريق وخافوا الهلاك دعوا الله مخلصين فأنجاهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 56، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 58، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 219، وابن أبي حاتم 4/ 1308 بسند ضعيف من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: (يقول: إذا أضل الرجل الطريق دعا الله: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.]]. قال أبو إسحاق [["معاني الزجاج" 2/ 259.]]: (﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ شدائد البر والبحر، والعرب تعبر عن الشدة بالظلمة، يقولون لليوم الذي يلقى فيه شدة: يوم مظلم، حتى أنهم يقولون: يوم ذو كواكب، أي: قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل، وأنشد [[البيت لعمرو بن شأس الأسدي شاعر مخضرم، في "الكتاب" 1/ 47، وبلا نسبة في "معاني النحاس" 2/ 440، و"الكشاف" 1/ 404، والقرطبي 7/ 8، و"البحر" 4/ 122، ورواية الأكثر: أَشْنَعَا: مكان مظلم، ويروى: أشهب، وانظر: "المعاني الكبير" 2/ 973.]]: بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلمُونَ بَلاَءَنا ... إذاً كَانَ يَوْمَ ذَا كَواكِبَ مظلم) وقال غيره: (أراد ظلمة الليل وظلمة الغيم في البر والبحر، فجمع لفظه ليدل على معنى الجميع) [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 565، والطبري 7/ 219، والأولى العموم، قال ابن عطية 5/ 228: (التخصيص لا وجه له، وهو لفظ عام لأنواع الشدائد) ا. هـ. ملخصًا، وانظر: "البحر" 4/ 150.]]. وقوله تعالى: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ تقديره: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ داعين ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [[أي في محل نصب على الحال من مفعول ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾ و ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ مصدر في موضع الحال. انظر: "الفريد" 2/ 165، و"الدر المصون" 4/ 669.]] وقرِئ ﴿وَخُفْيَةً﴾ [[قرأ عاصم في رواية أبي بكر (خِفْيَة) بكسر الخاء، وقرأ الباقون بضمها. انظر: "السبعة" ص 259، و"المبسوط" ص 170، و"التذكرة" 2/ 400، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259.]] وهما لغتان [[انظر: "معاني القراءات" 1/ 362، و"إعراب القراءات" 1/ 159، و"الحجة" لابن خالويه ص 141، ولأبي علي 3/ 317، ولابن زنجلة ص 255، و"الكشف" 1/ 435.]]، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 27، وقال السيوطي في "الدر" 3/ 31، أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]، قال: (السر).]] والحسن [[ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" 3/ 317، قال: (روي عن الحسن: التضرع العلانية والخفية بالنية) ا. هـ]]: (﴿تَضَرُّعًا﴾ علانية ﴿وَخُفْيَةً﴾ سرًّا بالنية). قال أبو إسحاق: (المعنى: تدعونه مظهرين الضراعة، وهو شدة الفقر إلى الشيء والحاجة، وتدعونه خفية أي: في أنفسكم تضمرون [[في (ش): (يضمرون).]] فقركم وحاجتكم إليه كما تظهرون) [["معاني القرآن" 2/ 259، ونحوه ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 440.]]. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ وقرأ الكوفيون [[قرأ: عاصم وحمزة والكسائي ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ بألف بعد الجيم من غير تاء ولا ياء وأمال الجيم، حمزة والكسائي، وفتح عاصم، وقرأ الباقون (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا] بالياء والتاء من غير ألف. انظر: "السبعة" ص 259، و"المبسوط" ص 169، و"التذكرة" 2/ 401، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259.]]: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ حملوه على الغيبة لقوله قبله: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ [[جاء في (ش): تكرار قوله: (حملوه على الغيبة؛ لقوله قبله ﴿تَدْعُونَهُ﴾ ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾).]] ، وقوله بعده: ﴿قُلْ الله يُنَجِّيكُمْ﴾ [الأنعام:64] ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ [الأنعام:65] فأنجانا أولى من ﴿أَنْجَيْتَنَا﴾ لكونه على ما قبله وما بعده [من لفظ الغيبة، وفيه إضمار على تقدير: يقولون: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ في موضع الحال مثل ﴿تَدْعُونَهُ﴾، ومن قرأ: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ فالتقدير عنده: داعين وقائلين ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾، فواجه بالخطاب، ولم يراع ما راعاه الكوفيون من المشاكلة بما قبله وما بعده] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]. ويقوي هذه القراءة قوله في آية أخرى: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: 22]. وأمال [[في (أ): (وأما حمزة)، وهو تحريف.]] حمزة والكسائي ﴿أَنْجَانَا﴾ وهو مذهب حسن؛ لأن هذا النحو من الفعل إذا كان على أربعة أحرف استمرت فيه الإمالة لانقلاب الألف إلى الياء في المضارع [[هذا قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 3/ 323 - 324، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 362، و"إعراب القراءات وعللها" 1/ 160، و"الحجة" لابن خالويه ص 141/ 142، و"الحجة" لابن زنجلة ص 255، و"الكشف" 1/ 435، وانظر: "تعريف الإمالة" ومراجعها فيما سبق.]]. وقوله تعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ قال ابن عباس: (من المؤمنين) [["تنوير المقباس" 2/ 27 - 28، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 58.]]، وقال عطاء عنه: (يريد: من الطائعين) [[لم أقف عليه.]]،

الأنعام 6:64

وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (الكَرْبُ: الغم الذي يأخذ بالنفس [[في (ش): (يأخذ النفس).]]، يقال: كرَبه الغم، وإنه لمكروب، والكربة: الاسم، والكريب: المكروب، وأمر كارب، ذكر ذلك الليث) [[ذكره عن الليث الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3119، وهو في "العين" للخليل 5/ 360، وانظر: "جمهرة اللغة" 1/ 327، و"الصحاح" 1/ 211، و"مجمل اللغة" 3/ 783، و"مقاييس اللغة" 5/ 174، و"المفردات" 706، و"اللسان" 7/ 3845 (كرب).]]. قال أبو إسحاق: (أعلمهم الله تعالى أن الله الذي دعوه وأقروا به هو ينجيهم ثم هم يشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها من صنعتهم [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ش).]] أنها لا تضر ولا تنفع ولا تقدر أن تنجي من كربة ويله [[(ويله) غير واضحة في النسخ ولم ترد عند الزجاج.]]. ثم أعلمهم أنه قادر على تعذيبهم فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:65] [["معاني الزجاج" 2/ 259 بتصرف.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: من السماء كما حُصب قوم لوط وكما رمي أصحاب الفيل، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يريد: كما خُسف بقارون) [["تنوير المقباس" 2/ 28، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 58، وابن الجوزي 3/ 59.]]. وهو قول السدي [[أخرجه الطبري 7/ 220 بسند جيد.]] وابن جريج [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 58.]] ومجاهد [[ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 283، وأخرج الطبري 7/ 220 بسند جيد عنه قال: (﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الخسف).]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 565.]]، قالوا: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الصيحة والحجارة والريح والغرق بالطوفان وكل عذاب من السماء، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الرجفة والخسف. وقال في رواية عكرمة: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الأمراء ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ السفلة [[ذكره الرازي 13/ 22، عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج الطبري 7/ 220 بسند جيد عنه قال: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: من أمرائكم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: سفلتكم) اهـ، وأخرج الطبري وابن أبي حاتم 4/ 1310 - 1311 بسند جيد عنه قال: (﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: أئمة السوء، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: خدم السوء) ا. هـ. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 31.]]، وهو قول الضحاك: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (من قبل كباركم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: من أسفل منكم) [[ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 440، والثعلبي 179 أ، والبغوي 3/ 153.]]، ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد [[عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر المخزومي القرشي، روى عن أبيه وعطاء، وروى عنه عبد الرزاق وغيره، وهو متروك، وقيل: لم يسمع من أبيه، انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 69، و"ميزان الاعتدال" 2/ 682، و"تهذيب التهذيب" 6/ 453، و"تقريب التهذيب" ص 368 (4263).]] عن أبيه: (﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: السلاطين الظلمة، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: العبيد السوء) [[ذكره الثعلبي 179 أ، والبغوي 3/ 153، والقرطبي 7/ 9، والظاهر: أن المراد بالعذاب من فوق الرجم وما أشبهه، ومن تحت الخسف وما أشبهه؛ لأنه == هو المعروف عند العرب من معنى فوق وتحت، فحمله على الأغلب والأشهر أولى، وإن كان غيره له وجه من الصحة، وهذا اختيار أكثرهم، وقال ابن عطية 5/ 231: (الأقوال في الآية كلها أمثلة لا أنها هي المقصودة؛ إذ هي وغيرها داخلة في عموم اللفظ) ا. هـ. بتصرف. وانظر: "معاني الفراء" 1/ 338، و"تفسير غريب القرآن" ص 164، والطبري 7/ 220، وابن كثير 2/ 159، و"البحر" 4/ 151.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ الشيع [[انظر: "العين" 2/ 190، و"معاني الزجاج" 2/ 308، و"تهذيب اللغة" 2/ 1808، و"الصحاح" 3/ 1240، و"مقاييس اللغة" 3/ 235، و"المفردات" ص 470، و"اللسان" 4/ 2377 (شيع).]]: جمع شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، والجمع شِيع وأشياع، قال الله عز وجل: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: 54]، وأصله من التشييع، وهو التتبع، ومعنى الشيعة: الذين يتتبع بعضهم بعضًا. قال الربيع بن أنس: (يخلطكم [[في (أ): (يخلكم)، ثم كتب فوقها: يجعلكم.]] فرقًا) [[لم أقف عليه]] وقالوا [[يعني المفسرين، قال ابن عطية 5/ 231: (قال المفسرون: هو افتراق الأهواء والقتال بين الأمة) ا. هـ.]] جميعًا: (يعني: يبث فيكم الأهواء المختلفة فتصيرون فرقًا يقاتل بعضكم بعضًا ويخالف بعضكم بعضًا)، وهو قول ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 221، وابن أبي حاتم 4/ 1311 بسند جيد، قال: (يعني بالشيع: الأهواء المختلفة). وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 32.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 216 - 217، قال: (يعني: ما فيهم من الاختلاف والفتن)، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 221، وابن أبي حاتم 4/ 1311 بسند جيد، وفي رواية عند الطبري قال: (الأهواء المفترقة).]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 565، قال: (يعني: فرقًا أحزابًا أهواء مختلفة كفعله بالأمم الخالية) ا. هـ.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 221، وابن أبي حاتم 4/ 1312 بسند جيد، قال: (يفرق بينكم).]] قال أبو إسحاق: (معنى ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾: يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق، فيجعلكم فرقًا لا تكونون فرقة واحدة، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضًا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 260، وفيه زيادة قال: (يقال: لبَسْت الأمر ألبسه: لم أبينه، وخلطت بعضه ببعض. ويقال: لبِستُ الثوب ألبَسه) اهـ، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 194، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 164، و"معاني النحاس" 2/ 441.]]. وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ﴾ نبين لهم الآيات في القرآن، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ يَعلمون [[انظر:"تفسير السمرقندي" 1/ 492، وابن عطية 5/ 232، والقرطبي 7/ 11.]].

الأنعام 6:66

قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 28.]] والحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 128، والهمداني في "الفريد" 2/ 166.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 227، وابن أبي حاتم 4/ 1313 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 37.]]: (يريد: بالقرآن)، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ قال الحسن: (لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وأعمالكم، إنما أنا منذر، والله المجازي لكم بأعمالكم) [[ذكره الماوردي 2/ 128، والواحدي في "الوسيط" 1/ 60، وابن الجوزي 3/ 612.]]. وقال [أبو] [[لفظ: (أبو) ساقط من (أ).]] إسحاق: (أي إنما أدعوكم إلى الله وإلى شريعته، ولم أؤمر بحربكم ولا أخذكم بالإيمان كما يأخذ الموكل بالشيء الذي يلزم بلوغ آخره) [["معاني القرآن" 2/ 260.]]، وقيل: (لست [[في (ش): (ليست)، وهو تحريف.]] عليكم بحفيظ: يمنعكم من أن تكفروا كما يمنع الوكيل على الشيء من إلحاق الضرر به) [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 128 عن بعض المتأخرين، وانظر: "البحر المحيط" 4/ 152.]]. قال ابن عباس [[أخرجه النحاس في "ناسخه" 2/ 317 بسند ضعيف، وذكره مكي في "الإيضاح" ص 242، وابن العربي في "ناسخه" 2/ 211، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 324، والسيوطي في "الدر" 3/ 37.]] والمفسرون [[وهو قول مقاتل 1/ 566، وابن سلامة في "ناسخه" ص 67، وابن العربي 2/ 211، وحكاه الرازي 13/ 24، عن ابن عباس والمفسرين. وقال ابن عطية 5/ 233: (النسخ متوجه؛ لأن اللازم من اللفظ لست الآن، وليس فيه أنه لا يكون في المستأنف) ا. هـ. وانظر: القرطبي 7/ 11.]]: (نسختها آية [[آية السيف عند الجمهور وهو أصح الأقوال في سورة التوبة آية (5) قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية، انظر: "النسخ في القرآن" لمصطفى زيد 2/ 504، والظاهر عدم النسخ؛ لأن المعنى: لست عليكم حفيظًا إنما أطالبكم بالظواهر من الإقرار والعمل لا بالإسرار، فهي خبر محكم، والخبر لا يجوز نسخه، ولعدم التعارض فهذه الآية تحصر وظيفة الرسول ﷺ في التبليغ والإنذار، وآية السيف تبين الوظيفة الأخرى وهي القتال إذا تعين وسيلة للدعوة، وهذا قول الأكثر، انظر: "ناسخ النحاس" 2/ 318، و"الإيضاح" لمكي ص 242، و"النواسخ" لابن الجوزي ص 324، و"المصفى" لابن الجوزي ص 31 ، و"تفسير الرازي" 13/ 24، و"النسخ" لمصطفى زيد 1/ 426 - 429. وينبغي التنبيه على أن النسخ عند السلف رضي الله عنهم في الإطلاق أعم منه عند == الأصوليين، فالسلف يسمون كل رفع نسخًا، سواء كان رفع حكم أو رفع دلالة ظاهرة، فيستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك، ويطلقون على تقييد المطلق وتخصيص العموم وبيان المبهم والمجمل ورفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخًا، سواء كان ذلك بدليل متصل أو منفصل كل ذلك عندهم عام ومجمل ومشترك في معنى واحد، وهو مطلق التغيير، وهو في كلام الأصوليين رفع حكم شرعي بدليل شرعي آخر متأخر عنه، أفاده شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 13/ 272 - 273، 14/ 101، والشاطبي في "الموافقات" 3/ 108، والدكتور مصطفى زيد في "النسخ في القرآن" 1/ 73.]] القتال).

الأنعام 6:67

قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ المستقر: يجوز أن يكون موضع الاستقرار [[المستقر: يكون مصدرًا بمعنى: الاستقرار، واسم مكان، أي: موضع الاستقرار، واسم زمان، أي: وقت الاستقرار. انظر: الرازي 13/ 24، و"الفريد" 2/ 167، و"الدر المصون" 4/ 674.]]، ويجوز أن يكون نفس الاستقرار؛ لأن ما زاد على الثلاثي كان المصدر منه على زنة اسم المفعول نحو المدخل والمخرج بمعنى: الإدخال والإخراج كقول الشاعر: إنَّ المُوَقَّى مِثلُ مَا وُقَّيتُ [[هذا رجز لرؤبة بن العجاج في "ديوانه" ص25، و"الكتاب"4/ 97، و"المخصص" 14/ 200، وتكملته: (أَنْقَذَنيِ مِنْ خَوْفِ مَا خَشِيتُ)، والشاهد مجيء الموقى بمعنى: التوقية، انظر: "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص 186.]] يعني: التوقية، قال المفسرون: (يقول: لكل خبر يخبره الله وقت ومكان يقع فيه من غير خُلف ولا تأخير، وإذا جعلت المستقر مصدرًا كان المعنى: لكل وعدٍ ووعيدٍ من الله وقوع واستقرار لابد ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا نزل) [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 227، والسمرقندي 4/ 1314، وابن عطية 6/ 72 ، والرازي 13/ 21.]]. قال الكلبي: (لكل قول حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه وما كان منه في الآخرة فسوف يبدو لكم) [["تنوير المقباس" 2/ 28 - 29، وذكره الثعلبي في "الكشف" 179 أ، والبغوي 3/ 154، وأخرج الطبري 11/ 435، وابن أبي حاتم 3/ 79 ب بسند جيد عن مجاهد مثله.]]. وقال الضحاك: (لكل حديث وخبر منتهى وأجل يتبين فيه صدقه عند وقوعه) [[ذكره شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 17/ 370 عن بعضهم.]] يعني: العذاب الذي وعدهم في الدنيا [و] [[لفظ: (الواو)، ساقط من (أ).]] الآخرة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88]. وقال الحسن: (لكل عمل جزاء فمن عمل عملًا من الخير جوزي به الجنة، ومن عمل عمل سوء جوزي به النار، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يا أهلِ مكة) [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 534، والثعلبي في "الكشف" 179 ب، والماوردي في "النكت والعيون" 1/ 534، وشيخ الإسلام في "الفتاوى" 17/ 371.]]، وقال السدي: (استقر بهم القرار [يوم] [[لفظ (يوم): ساقط من (ش).]] بدر بما كان [[في (أ): (بما هو يعدهم).]] يعدهم من العذاب) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 227، وابن أبي حاتم 4/ 1313 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 37.]]. قال أبو إسحاق: (يقول: لا آخذكم بالإيمان على جهة الحرب واضطراركم إليه ومقاتلتكم عليه، فلكل ﴿نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أي: وقت معلوم، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ جائز أن يكون وعدهم بعذاب الآخرة، وجائز أن يكون وعدهم بالحرب وأخذهم بالإيمان إن شاؤوا أو أبوا) [["معاني القرآن" 2/ 260، وفيه: (وأخذهم بالإيمان شاؤوا أو أبوا، إلا أن يعطي أهل الكتاب الجزية) ا. هـ.]]، هذا الذي ذكرنا قول جماعة المفسرين [[انظر: "معاني النحاس" 2/ 442.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾: (يريد: خبري وخبركم سوف يستقر عند رب العالمين، فيحكم بيني وبينكم ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ من له الحجة على صاحبه) [[لم أقف عليه، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 227، وابن أبي حاتم 4/ 1313 بسند جيد عنه قال: (﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ يقول: حقيقة)، وأخرج الطبري بسند ضعيف عنه قال: (فعل وحقيقة ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة)، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 37.]].

الأنعام 6:68

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية، قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 228، و"معاني النحاس" 2/ 442، و"تفسير السمرقندي" 1/ 492، و"الكشف" للثعلبي 179 أ، و"أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 739.]]: (كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله والقرآن، فشتموا واستهزؤوا، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾). وهذا قول ابن عباس [[سوف يأتي تخريجه.]] وسعيد بن جبير والسدي [[أخرجه الطبري 8/ 228، من طرق جيدة عن سعيد بن جير والسدى ومجاهد وأبي مالك غزوان الغفاري، وقتادة، وابن جريج، وأخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1314 - 1315، من طرق جيدة عن سعيد بن جبير والسدي، وأبي مالك ومقاتل بن حيان.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 567.]] وغيرهم [[وهو قول مجاهد في "تفسيره" 1/ 217، وأخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 212 بسند جيد عن قتادة، وذكره عن عامة المفسرين، السيوطي في "الدر" 3/ 39.]]، قالوا: (ومعنى: ﴿يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: بالتكذيب والاستهزاء)، قال ابن عباس: (أمر الله رسوله فقال: إذا رأيت المشركين يكذبون بالقرآن وبك ويستهزئون فاترك مجالستهم ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ يقول: حتى يكون خوضهم في غير القرآن) [["تنوير المقباس" 2/ 29، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 61. وأخرج الطبري 7/ 228، وابن أبي حاتم 4/ 14/ 13 بسند جيد عنه قال: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) ا. هـ وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 37.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ وقرأ ابن عامر [[) قرأ ابن عامر: ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ بفتح النون الأولى وتشديد السين، وقرأ الباقون. بسكون النون الأولى وتخفيف السنن. انظر: "السبعة" ص 260، و"المبسوط" ص 170، و"التذكرة" 2/ 401، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259.]]: ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ بالتشديد، وفعّل وأفعل يجريان مجرى واحداً كما بينّا ذلك في مواضع [و] [[لفظ: (الواو)، ساقط من (ش).]] من التنزيل ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: 17]، والاختيار قرأه العامة لقوله تعالى [[انظر: "معاني القراءات" 1/ 363، و"إعراب القراءات" 1/ 160، و"الحجة" لابن خالويه ص 142، ولأبي علي 3/ 324، ولابن زنجلة ص 256، و"الكشف" 1/ 436.]]: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: 63]، قال ابن عباس: (يريد: إن نسيت فقعدت ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ وقم إذا ذكرت) [["تنوير المقباس" 2/ 29، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 61، وابن الجوزي 3/ 62.]]، و ﴿الذِّكْرَى﴾: اسم للتذكرة، قاله الليث [["تهذيب اللغة" 2/ 1287، وانظر: "العين" 5/ 346 (ذكر)، و"مجاز القرآن" 1/ 194.]]. وقال الفراء: (الذكرى يكون بمعنى: الذكر، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ يكون بمعنى: التذكير، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ [الأنعام:69]) [["تهذيب اللغة" 2/ 1287، وفيه: (يكون بمعنى: الذكر، وبمعنى: التذكر) ا. هـ. ولم أقف عليه في "معانيه" والذِّكْر والذِّكْرى بالكسر خلاف النسيان، وكذلك الذُّكْرَة بالضم، والذِّكر بالكسر: الصيت والثناء، وقال الراغب في "المفردات" ص 329 (الذَّكرى كثرة الذِّكر وهو أبلغ من الذِّكر. والتَّذكِرة: ما يُتذكر به الشيء، وهو أعم من الدلالة والأمارة) ا. هـ، وانظر: "الجمهرة" 2/ 694، و"الصحاح" 2/ 664، و"مقاييس اللغة" 2/ 358، و"اللسان" 3/ 1507 (ذكر).]]، والكلام في الذكرى موضعه في سورة هود [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 48 ب.]] عند قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]. وقوله تعالى: ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: (يعني: المشركين) [["تنوير المقباس" 2/ 29 ،وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 61، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 62.]].

الأنعام 6:69

قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: (قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزل: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فرخص للمؤمنين في القعود معهم يذكرونهم ويفهمونهم، قال: ومعنى الآية ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والكبائر والفواحش، ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾: من آثامهم ﴿مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ يقول: ذكّرهم بالقرآن وبمحمد ﷺ، فرخص لهم في مجالستهم على ما أمروا به من المواعظ لهم) [["تنوير المقباس" 2/ 29، وذكره الثعلبي في "الكشف" 179 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 61 - 62، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 62، والرازي في "تفسيره" 13/ 26، والقرطبي 7/ 15.]]. وقال أبو إسحاق: (أي [[لفظ: (أي) ساقط من (أ).]]: وما عليك أيها النبي وعلى المؤمنين ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ أي: من كفرهم ومخالفتهم أمر الله عز وجل ﴿مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾، ولكن عليكم أن تذكروهم [[في (ش): (يذكروهم).]]، قال: و ﴿ذِكْرَى﴾ يجوز أن تكون في موضع رفع من وجهين أحدهما: ﴿وَلَكِنْ﴾ عليكم ﴿ذِكْرَى﴾ أي: أن تذكروهم، وجائز أن يكون ﴿وَلَكِنْ﴾ الذين [[في (ش): (الذي)، وما في (أ) هو الموافق لما عند الزجاج في "معانيه" 2/ 261.]] تأمرونهم به ﴿ذِكْرَى﴾) وعلى هذا التأويل الذكرى يكون بمعنى الذكر، وعلى الوجه الأول [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 13/ 26.]] يكون بمعنى: التذكير. قال: (يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: ذكروهم ﴿ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ليرجى منهم التقوى) [["معاني القرآن" 2/ 261، وقال الفراء في"معانيه" 1/ 339: (قوله ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ في موضع نصب بفعل مضمر، ولكن نذكرهم ذكرى، أو رفع على قوله: ولكن هو ذكرى) ا. هـ. بتصرف، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 555، و"المشكل" لمكي 1/ 256، و"البيان" 1/ 325، و"التبيان" 1/ 339، و"الفريد" 2/ 167 - 168، و"الدر المصون" 4/ 676.]]. قال ابن عباس: (تعظونهم لعلهم يخافوني) [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (يقول: لعلهم إذا قمتم منعهم ذلك من الخوض والاستهزاء) [["تفسير مقاتل" 1/ 567.]]، فعلى هذا يكون المعنى: ذكروهم ذكرى بترك المجالسة ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الخوض، ونحو هذا قال مجاهد في معنى هذه الآية فقال: (﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (إن قعدوا ولكن لا يقعدون) [["تفسير مجاهد" 1/ 217، وأخرجه الطبري 7/ 230 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 39.]]، وهذان [[في (ش): (وهذا إن جعلا)، والصواب ما أثبته، والمراد: مجاهد ومقاتل.]] جعلا قوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ ترك القعود. قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 567.]] وسعيد بن جبير [[أخرجه ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 325 بسند جيد عن أبي مالك وسعيد ابن جبير.]] وابن جريج والسدي [[أخرجه الطبري 7/ 230 بسند جيد عن ابن جريج، والسدي وأخرجه النحاس في "ناسخه" 2/ 319 بسند ضعيف عن الضحاك، وذكره ابن كثير 2/ 161 عن مجاهد، وهو قول ابن حزم في "ناسخه" ص 37، وابن سلامة ص 67، وأبي منصور البغدادي 102، وابن العربي 2/ 211، قالوا: (هذا صريح أمر، وليس بخبر، وهو مأمور أن يقوم عنهم إذا استهزؤوا بآيات الله، ثم أمر بقتلهم وإقامة الحد عليهم في ذلك، فهي منسوخة بأمره بالقتال). وانظر: "الدر المنثور" 3/ 38.]]: (هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية التي في النساء؛ لأن الله تعالى خوفهم فقال: إن قعدتم معهم ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140] وقال غيرهم: (ليست بمنسوخة، ولكن المعنى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذا قعدوا معهم بشرط التذكير والموعظة) [[هذا هو الظاهر، واختيار النحاس في "ناسخه" 2/ 319، ومكي في "الإيضاح" ص 243، وابن الجوزي في "النواسخ" ص 325، ومصطفى زيد في "النسخ في القرآن" 1/ 440، قالوا: (الآية خبر ومحال نسخه، والمعنى فيه بين، أي: ما عليكم شيء من آثامهم إنما يلزمكم الإنذار والنهي عن المنكر، ولا يقعد معه راضيًا بقوله وفعله وإلا كان مثله) وانظر: ابن عطية 5/ 235، والقرطبي 7/ 15، وانظر: "مفهوم النسخ عند السلف" في ص 267.]].

الأنعام 6:70

قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ الآية، قال ابن عباس [[ذكر نحوه بدون نسبة البغوي 3/ 155، وابن الجوزي 3/ 64.]] والمفسرون [[انظر: الطبري 7/ 231، والماوردي 2/ 129.]]: (يعني: الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها وتلاعبوا عند ذكرها). وقال الفراء: (يقال: ليس من قوم إلا ولهم عيد فهم [[في (ش): (عيد فلهم)، وهو تحريف.]] يلهون في أعيادهم إلا أمة محمد، فإن أعيادهم برّ وصلاة وتكبير وخير) [["معاني الفراء" 1/ 339.]]، وهذا قول الكلبي [[ذكره السمرقندي 1/ 493، والقرطبي 7/ 16، وذكره الرازي 13/ 27 عن ابن عباس.]]، فعلى القول الأول معنى قوله ﴿دِينَهُمْ﴾: الذي شرع لهم، وعلى قول الفراء المراد بالدين: العيد؛ لأنه مما يتدين [[في (ش): (مما تدين به).]] به فصار داخلًا في جملة الدين. وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: وَعِظْ بالقرآن [["تنوير المقباس" 2/ 30، وهو بلا نسبة في "الوسيط" 1/ 62، والبغوي 3/ 155، وابن الجوزي 3/ 64.]] ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ قال: يريد ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا) [[ذكره الرازي 13/ 28، وهو قول مقاتل 1/ 568، والأخفش كما ذكره السمرقندي 1/ 493.]]، وهو قول [["معاني الفراء" 1/ 339.]] الفراء قال: (﴿تُبْسَلَ﴾: ترتهن). وقال الحسن [[أخرجه الطبري 7/ 231، من عدة طرق جيدة عن الحسن ومجاهد وعكرمة، وأخرجه الأزهري في "تهذيبه" 1/ 336 بسند جيد عن الحسن.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 217 - 218.]] وعكرمة [[ذكره الثعلبي 179 أ، والماوردي 2/ 130، عن الحسن وعكرمة والسدي وغيرهم، وأخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1318، بسند ضعيف عن ابن عباس، وقال بعده: (وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن والسدي مثل ذلك) ا. هـ. وهو اختيار ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 1/ 164.]] والسدي: (تُسلم للهلكة)، قال الليث [["تهذيب اللغة" 1/ 336، وانظر: "العين" 7/ 263 (بسل).]]: (الإبسال: أن يُبسل الرجل فيخذل، واستبسل الرجل للموت: إذا وطن نفسه عليه، من هذا). وقال أبو الهيثم [["تهذيب اللغة" 1/ 336، و"اللسان" 1/ 285 (بسل)، وراد: (ويقال: جزيته بها).]]: (يقال: أبسلته بجريرته، أي: أسلمته بها) وينشد على هذا قول الشَّنْفَرَى: سَجِيسَ اللَّيَالِي مُبْسَلًا بِالجَرَائِرِ [["ديوانه" ص 48، "مجاز القرآن" 1/ 195، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 188، و"إصلاح المنطق" ص 394، و"الشعر والشعراء" ص 31، و"الزاهر" 2/ 213، == والطبري 7/ 223، و"تهذيب اللغة" 1/ 336، والثعلبي 179 أ، و"اللسان" 1/ 285 (بسل)، وصدره: هُنَالِكَ لا أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي وسجيس: أي أبد الليالي وطولها، ومبسلا أي: مسلما ومرتهنا، أسلم إلى عدوه بما جنى عليهم، والجرائر: الجرائم والذنوب.]] وقال آخر [[الشاهد لعوف بن الأحوص الكلابي، شاعر جاهلي، في المراجع السابقة سوى الحماسة والشعر، وإصلاح المنطق، وهو في "النوادر" لأبي زيد ص 151، و"المعاني الكبير" 2/ 1114، و"الصحاح" 4/ 1634، و"المجمل" 1/ 125، و"مقاييس اللغة" 1/ 248، والماوردي 2/ 131، وبلا نسبة في "تفسير غريب القرآن" ص 1/ 165، و"معاني الزجاج" 2/ 261، و"الجمهرة" 1/ 339، و"معاني النحاس" 2/ 444، و"المخصص" 13/ 79، وبعوناه: أي جنيناه، والبعو: الجرم والجناية. يقول: رهنت بني في العرب وأسلمتهم من غير جرم.]]: وإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ... بَعَوْنَاهُ وَلَا بِدمٍ مُرَاقِ أي: إسلامي وتركي إياهم، وهذا الوجه اختيار الزجاج، قال: (معنى ﴿تُبْسَلَ﴾: تسلم بعملها غير قادرة على التخلص، والمستبسل المستسلم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص) [["معاني الزجاج" 2/ 261، وفيه أيضًا: أي: تسلم، وقيل: ترتهن، والمعنى واحد. اهـ.]]. وقال قتادة: (أن تحبس) [[أخرجه الطبري 7/ 232، وابن أبي حاتم 4/ 1318 من طرق جيدة بلفظ: (تؤخذ فتحبس).]] وهو قول ابن الأعرابي، قال في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [[لفظ: (أن) ساقط من (ش).]] (أي: تحبس في جهنم) [["تهذيب اللغة" 12/ 439، و"اللسان" 12/ 54 (بسل).]]. وروى عن ابن عباس: (﴿تُبْسَلَ﴾: (تُفضح (وأُبسلو): أُفضحوا) [[ذكره البخاري في "صحيحه" 8/ 286، كتاب: التفسير، تفسير سورة الأنعام، وأخرجه الطبري 7/ 332، وابن أبي حاتم 3/ 81 ب و82 أبسند جيد بلفظ: (تفضح - وفضحوا). وقال ابن حجر في "الفتح" 8/ 287: (أفضحوا من الرباعي، وهي لغة، يقال: فضح وأفضح، وروى عنه: فضحوا) ا. هـ. ملخصًا. وفي "مسائل نافع بن الأزرق" ص 114، قال: (تبسل تحبس) ا. هـ وهذه الأقوال متقاربة، وأكثرهم على أنه بمعنى: تسلم وترتهن، ولعل تفسيره بتفضح تفسير باللازم؛ لأن من لازم أخذهم بالعذاب بما كسبوا أن يفضحوا. وقال النحاس في "معانيه" 2/ 443: (تُسلم حسن، أي: تسلم بعملها لا تقدر على التخلص؛ لأنه يقال: استبسل فلان للموت، أي: رأى ما لا يقدر على دفعه) ا. هـ. ملخصًا. وقال ابن كثير 2/ 162: (الأقوال متقاربة في المعنى، وحاصلها الإِسلام للهلكة والحبس عن الخير والارتهان عن درك المطلوب) اهـ. وانظر: المراجع المذكورة في الحواشي، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 137، و"الوسيط" 1/ 62، و"الكشاف" 2/ 27، والبغوي 3/ 156، وابن عطية 5/ 238، وابن الجوزي 3/ 65، والقرطبي 7/ 16، و"البحر" 4/ 155، و"الدر المنثور" 3/ 39، وفيها ذكر عامة الأقوال، وانظر: "الفتاوى" 13/ 343.]]. ومعنى الآية: وذكرهم [[لفظ: (الواو): ساقط من (ش).]] بالقرآن إسلام الجانيين بجناياتهم لعلهم يخافون فيتقون، وليس قول من قال: معناه: وذكرهم كيلا ﴿تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ بشيء البتة [[لم أقف على هذا القول بنصه. وفي الطبري 7/ 233، قال: (ذكرهم كيلا تبسل نفس بذنوبها وكفرها بربها، وترتهن فتغلق بما كسبت من إجرامها في عذاب الله) ا. هـ. ملخصًا. وانظر: الرازي 13/ 28، و"البحر" 4/ 155، و"الدر المصون" 4/ 679.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس [[أخرج الطبري 1/ 268 بسند جيد عنه قال: (العدل: البدل، والبدل: الفدية)، وانظر: ابن كثير 2/ 162، و"الدر المنثور" 1/ 166.]] وقتادة [[ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 455، والماوردي 2/ 131، وابن كثير 2/ 162، وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1319، و"تحقيق الغماري" بسند جيد عن أبي العالية، قال: (العدل: الفداء). قال ابن أبي حاتم: (وروي عن أبي مالك والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع نحوه) اهـ.]] والسدي [[أخرجه الطبري 7/ 233 بسند جيد عن السدي وابن زيد.]] وابن زيد [[أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1318 بسند جيد، وذكره الماوردي 2/ 131، عن السدي وابن زيد.]]: (وإن تفد كل فداء)، وذكرنا هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [[لفظ: (الواو): ساقط من النسخ.]] [البقرة: 123]، وهؤلاء قالوا: (إن تفد كل فداء من جهة المال) قال ابن عباس [[في (أ): (قال ابن عباس: قال): وهو تحريف.]]: (إن تفتد بالدنيا وما فيها لا يؤخذ منها) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 62، وفي "تنوير المقباس" 2/ 30 نحوه.]]. وقال قتادة [[أخرجه عبد الرزاق في التفسير 1/ 2/ 212، والطبري 7/ 233، 2/ 34، وابن أبي حاتم 4/ 1319، من عدة طرق جيدة.]]: (لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لم يقبل منها). [و] [[لفظ: (الواو): ساقط من (أ).]] روي عن الحسن أنه قال: (هذا الفداء من جهة الإسلام والتوبة ولا ينفعهم ذلك في الآخرة) [[ذكره الماوردي 2/ 131.]]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ يقول: أسلموا للهلاك. وقال العوفي: (أسلموا إلى خزنة جهنم) [[ذكره الثعلبي 179 أ.]]. وقال ابن عباس [[سبق تخريجه.]]: (ارتهنوا بما كسبوا)، ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ وهو الماء [[انظر: الطبري 7/ 234، والسمرقندي 1/ 493، وابن الجوزي 3/ 66.]] الحار. قال المفسرون [[هذا قول قتادة في "ناسخه" ص 42. وأخرجه عبد الرزاق في التفسير، والطبري 7/ 231، وابن أبي حاتم 4/ 1317، والنحاس في "ناسخه" 2/ 321، وابن الجوزي في "النواسخ" ص 326 عنه من طرق جيدة، وذكره ابن الجوزي في "النواسخ" ص 326، عن السدي، وهو قول ابن حزم في "ناسخه" ص 37، وابن سلامة ص 68، وأبي منصور البغدادي ص 102، وابن العربي 2/ 212.]]: قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [[في النسخ: (اقتلوا)، وهو تحريف.]] [التوبة: 5]، وقال مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 218، وأخرجه الطبري 7/ 231، وابن أبي حاتم 4/ 1317 من طرق جيدة، وهذا هو الظاهر، وإن كان النسخ جائزًا، لكن أكثرهم على أنه غير منسوخ؛ لأنه تهديد ووعيد للكفار، وليس هو بمعنى الإلزام، والمعنى: ذرهم فإن الله معاقبهم، وهو اختيار النحاس في "ناسخه" 2/ 321، ومكي في "الإيضاح" ص 244، وابن الجوزي في "النواسخ" ص 326، ومصطفى زيد في "النسخ" 1/ 480، وانظر: الطبري 7/ 231، وابن عطية 5/ 227، والقرطبي 7/ 17، وانظر: مفهوم النسخ عند السلف ص 267.]]: (ليست بمنسوخة؛ لأن قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ معناه: التهديد، كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11]).

الأنعام 6:71

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ الآية ﴿أَنَدْعُو﴾] [[لفظ: ﴿أَنَدْعُو﴾ ساقط من (أ).]] هاهنا يجوز أن يكون معناه: نطلب النجاح كالعبد إذا دعا الله تعالى بطلب نجاح حاجته [[قال ابن عطية 5/ 241، في الآية: (الدعاء يعم العبادة وغيرها لأن من جعل شيئًا موضع دعائه فإياه يعبد وعليه يتكل).]]. ويجوز أن يكون معناه: نعبد وهو الذي عليه المفسرون [[انظر: الطبري 7/ 235، والسمرقندي 1/ 493، والبغوي 3/ 156.]]. قال ابن عباس: (يقول: أنعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ما ليس عنده لنا منفعة، وإن عصينا لم يكن عنده لنا مضرة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 63، وفي "تنوير المقباس" 2/ 30 نحوه، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 66 بدون نسبة.]]، قال أهل المعاني: (المعنى: ما لا يملك لنا نفعًا ولا ضرًا؛ لأنه جماد لا يقدرعلى فعل شيء أصلًا) [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 236، و"معاني النحاس" 2/ 445، و"تفسير ابن عطية" 5/ 241.]]، وقوله تعالى: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ قال الكلبي: (أي: نرد وراءنا إلى الشرك بالله) [["تنوير المقباس" 2/ 30، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 63.]]، قال أبو إسحاق: (ويقال لكل من أدبر: رجع إلى خلف، ورجع على عقبيه) [["معاني القرآن" 2/ 262، والنص فيه: (أي: نرجع إلى الكفر، ويقال لكل من أدبر: قد رجع إلى خلف، ورجع القَهْقَرى) اهـ. وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 196، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 138، و"تفسير الطبري" 7/ 235 - 236، و"معاني النحاس" 2/ 445، و"تفسير ابن عطية" 5/ 241.]]. وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ اختلف أهل اللغة في معنى [[هوى أصل يدل على خُلُوٍّ وسقوط، والهَوَى بالفتح مقصور: هوى النفس؛ وهَوِيَ، بكسر الواو: أحَبَّ، وهَوَى، بالفتح أيضًا: سقط، واستهواه الشيطان: اسْتَهَامه، انظر: "البارع" ص 166، و"الصحاح" 6/ 2537، و"المجمل" 4/ 893، و"مقاييس اللغة" 6/ 15، وقال الراغب في "المفردات" ص 749 معنى الآية: (حملته على اتباع الهوى) اهـ.]] ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ فقال الزجاج: (أي: كالذي زينت له الشياطين هواه) [["معاني القرآن" 2/ 262، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 446.]]، فعلى هذا معنى الاستهواء: الدعاء إلى الأمر بالهوى من هوى النفس. وقال أبو عبيدة [[ذكره أبو علي في "الحجة" 3/ 325، وهو قول اليزيدي في "غريب القرآن" ص 138، وقال أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 196: (هو الحيران الذي يشبه له الشياطين فيتبعها حتى يهوى في الأرض فيضل) اهـ.]]: (﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ استمالته). وقال الليث [["تهذيب اللغة" 4/ 3814، وانظر: "العين" 4/ 105 (هوى).]]: (يقال للمستهام الذي يستهيمه الجن: استهوته الشياطين، فهو حيران هائم). وقال غيره: (﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ بمعنى استغوته ودعته إلى الضلال واستتبعته [[في (ش): (فاستتبعته).]]، فهوى، أي: أسرع، والعرب تقول: استهوى فلان فلانًا، واستغواه، إذا دعاه إلى الغي، وهو من قولهم: هوى يهوي إلى الشيء إذا أراده وأسرع إليه [[انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 18.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: 37] أي: تنزع إليهم وتقعدهم) [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 13/ 234، وفي "تفسير غريب القرآن" ص 237 قال: (هوت به وذهبت).]]. قال أبو علي الفارسي: (أرى قولهم: استهواه كذا، إنما هو من قولهم: هوى من حالق [[في (ش): (خالق)، وهو تصحيف.]] إذا تردى منه، ويشبه به الذي يزل عن الطريق المستقيم كما أن زل إنما هو من العثار في المكان، ثم يشبه به المخطئ في طريقته، وتقول: أزله غيره، كما قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: 36]، وكذلك هوى هو وأهواه غيره، وتقول [[في (ش): (ويقول).]]: أهويته واستهويته، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: 53]، كما تقول: أزله واستزله؛ قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: 36]، وقال: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: 155]، فكما أن استزله بمنزلة أزله، كذلك استهواه بمنزلة أهواه، كما أن استجاب بمنزلة أجاب) [["الحجة" لأبي علي 3/ 325 - 326 بتصرف يسير. وقال ابن عطية 5/ 242، وأبو حيان في "البحر" 4/ 157: (ذهب أبو علي إلى أنه بمعنى: أهوى من هوى يهوي إذا سقط من علو، أي: ألقته الشياطين في هوة) ا. هـ. بتصرف.]]. فأكثر أهل [[انظر: "الجمهرة" 2/ 998، و"اللسان" 8/ 4728 (هوى) والمراجع السابقة.]] اللغة على أن: استهوى من هوى يهوى، وعلى هذا يدل [[في (أ): (وعلى هذا كلام ابن عباس: يدل).]] كلام ابن عباس؛ لأنه قال: (كالذي استفزته [[في (ش): (استغوته).]] الغيلان [[غيلان: جمع غول بالضم، وهو شيطان يأكل الناس، وسحرة الجن، والداهية. انظر: القاموس ص 1040 (غول).]] في الهامة) [[ذكره الثعلبي 179 ب بلفظ: (استفزته)، والبغوي 3/ 156. بلفظ: (استهوته)، والسيوطي في "الدر" 3/ 40 بلفظ (أضلته) وفي "تنوير المقباس" 2/ 31 بلفظ (استزلته).]]. وانفرد أبو إسحاق بقوله [[قال الأزهري في "تهذيبه" 4/ 3813: (جعله الزجاج من هوِي بفتح الهاء وكسر الواو يَهْوَى بالفتح) اهـ. فيكون من هوى النفس، وليس من هَوَى بالفتح يَهْوِي بكسر الواو إلى الشيء إذا أسرع إليه. وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 155: (جعله الزمخشري من الهوى، وهو الميل والمودة، أي: أمالته الشياطين عن الطريق الواضح إلى المهمه القفر) ا. هـ. بتصرف، وانظر: "الكشاف" 2/ 28، والقرطبي 7/ 18.]]. وقوله تعالى ﴿حَيْرَانَ﴾، قال الأصمعي [["تهذيب اللغة" 1/ 695 (حار).]]: (يقال: حار يحَار حيرة وحيرًا) [[في (ش): (يحار، حيرة وحيرة)، ولعل حيرة الثانية تحريف عن: وحيرًا.]]، وزاد الفراء: (حيرانًا وحيرورة) [[ذكره الرازي 13/ 30، والمصدر: حيرورة، ذكره القرطبي 7/ 18، والشوكاني 2/ 188، وفي "البحر" 4/ 144 قال: (حارَ يحَارُ حَيْرَة وحَيْرًا وحيرانًا وحيرورة) ا. هـ. والنص عن الفراء لعله من كتاب المصادر المفقود.]]. ومعنى الحيرة [[انظر: "العين" 3/ 288، و"الصحاح" 2/ 640، و"مقاييس اللغة" 2/ 23، و"المفردات" ص 263، و"عمدة الحفاظ" ص 145 (حير).]]: هي التردد في الأمر لا يهتدي إلى مخرج منه ولا يتوجه له طريق، ومنه يقال: الماء يتحيّر في الغيمِ أي: يتردد، وتحيّرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء. ومنه قول لبيدٍ [["ديوانه"ص 153، و"تهذيب اللغة" 1/ 698، و"اللسان" 2/ 1067 (حار)، وتحيرت: امتلأت وأقام فيها الماء ولم يشرب، والدبار: جمع دبرة، وهي الساقية ومجاري الماء في المزرعة، والزلف: جمع زلفة، وهي مصانع الماء، والقِتْبُ -بالكسر-: السانية وأدواتها، والمحزوم: المربوط بالحزام. انظر: "اللسان" 6/ 3524 (قتب).]]: حَتى تَحَيَّرَتِ الدَّبَارُ كأنَّها ... زَلَفٌ وألْقَى قِتُبها المَحْزُومُ [[في النسخ الديار. وفي (ش): (المخزوم)، وهو تصحيف وخلاف ما في المراجع.]] يقول: امتلأت ماءً فتردد على جوانبها. قال ابن عباس: (هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل تائه ضال عن الطريق له أصحاب يدعونه إلى الطريق: هلم يا فلان إلى الطريق، فإن أتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في هلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الطريق اهتدى. يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة مثل من دعاه الغيلان في المفازة باسمه واسم أبيه فيتبعها، ويرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكة أو في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشًا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله) [[أخرجه الطبري 7/ 236، وابن أبي حاتم 4/ 1312 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 259.]]. وقال مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 218، وأخرج الطبري 7/ 236، وابن أبي حاتم 4/ 132 من طرق جيدة نحوه، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 41.]]: (هذا مثل من ضل بعد الهدى)، وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يعني بهذه الآية: عبد الرحمن [[عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن عامر التيمي القرشي أبو محمد صحابي جليل، أكبر ولد الصديق، وشقيق عائشة رضي الله عنهما، أسلم قبيل الفتح، وكان فارسًا من أشجع قريش وأرماهم بسهم، شهد اليمامة والفتوح. وتوفي سنة 53 هـ أو بعدها. انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 5/ 242، و"الاستيعاب" 2/ 382، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 294، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 471، و"الإصابة" 2/ 407، و"تهذيب التهذيب" 2/ 525.]] بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، كان يدعو أباه إلى الكفر وأبوه يدعوه إلى الإِسلام) [["تنوير المقباس" 2/ 31، وذكره السمرقندي 1/ 494، والماوردي 2/ 132، وابن الجوزي 3/ 67، والقرطبي 7/ 18، وذكره أكثرهم بلا نسبة. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 568، و"معاني الزجاج" 2/ 262، والثعلبي 179 ب، و"الكشاف" 2/ 29، والرازي 13/ 30، وضعف هذا القول ابن عطية 5/ 244، وأبو حيان في "البحر" 4/ 157 لما في "صحيح البخاري" (4827) كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحقاف عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عُذري) ا. هـ. وانظر: شرحه في "فتح الباري" 8/ 576.]] فقوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ يريد: عبد الرحمن بن أبي بكر، قال الكلبي: (استفزّته الشياطين فعمل بالمعاصي ﴿حَيْرَانَ﴾: ضال عن الهدى ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ يعني أبويه وأصحاب محمد ﷺ) [["تنوير المقباس" 2/ 31، وفي "معاني الفراء" 1/ 339، قال: (كان أبو بكر الصديق وامرأته يدعوان عبد الرحمن ابنهما إلى الإسلام فهو قوله: ﴿إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ أي: أطعنا) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ هذا جواب لعبد الرحمن حين دعا أباه إلى دين آبائه، قال ابن عباس في رواية عطاء: (وأبو بكر يقول: أَتبع ديني، ويخبره أن دين الله الهدى الذي هو عليه) [[سبق تخريجه في الفقرة السابقة.]]. قال أهل المعاني: (الآية من أولها إلى قوله ﴿اَئتِنَا﴾ إنكار على من دعا إلى الضلال وعبادة الأصنام، من آمن بالله وسلك طريق الهدى، وتشبيه حاله لو أجاب داعي الضلال بتشبيه حال التائه بسلوكه غير المحجة). وقوله بعد هذا: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ رد على من دعا إلى عبادة الأصنام، وكأنه بمنزلة: لا تفعل [[في (ش): (يفعل).]] ذلك؛ لأن ﴿هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ لا هدى غيره [[انظر: "الطبري" 7/ 238، والبغوي 3/ 156، و"البحر المحيط" 4/ 157 - 158.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني الزجاج" 2/ 262، وزاد: (أي: يدعونه ويقولون له: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أمرنا للإسلام ...) اهـ.]]: (العرب تقول: أمرتك لتفعل، وأن تفعل، وبأن تفعل، فمن قال: بأن تفعل، فالباء للإلصاق، والمعنى: وقع الأمر بهذا الفعل، ومن قال: أن تفعل، فعلى حذف الباء، ومن قال: لتفعل، فقد أخبر بالعلة التي وقع لها الأمر) [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 339، والأخفش 2/ 277، والطبري 7/ 238، و"إعراب النحاس" 1/ 556، و"الدر المصون" 4/ 686.]].

الأنعام 6:72

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال الفراء: (﴿وَأَنْ﴾ مردودة على اللام التي في قوله ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾، والعرب تقول: أمرتك لتذهب وأن تفعل كذا، فإن في وضع نصب بالرد على الأمر) [["معاني الفراء" 1/ 339، وهو قول الطبري في "تفسيره" 7/ 238، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 278.]]. وقال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 263. والنص فيه قال: (فيه وجهان أحدهما: أن تكون أمرنا لأن نسلم ولأن نقيم الصلاة، ويجوز أن يكون محمولًا على المعنى لأن المعنى: أمرنا بالإِسلام وبإقامة الصلاة، وموضع أن نصب لأن الباء لما سقطت أفضى الفعل فنصب، وفيه وجه آخر: يجوز أن يكون محمولًا على قوله ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾، ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: يدعونه أن أقيموا الصلاة) ا. هـ. وقد ذكر هذه الأوجه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 556، ومكي في "المشكل" 1/ 256، والعكبري في "التبيان" 1/ 340.]]: (موضع ﴿أَنْ﴾ نصب؛ لأن الباء لما سقطت أفضى الفعل) [[وهذا قول ابن الأنباري في "البيان" 1/ 326، وانظر: تفسير ابن عطية 5/ 246 - 247، و"الفريد" 2/ 171، و"البحر" 4/ 159، و"الدر المصون" 4/ 687.]]، فعنده كأن التقدير: وبأن أقيموا ثم حذفت الجارّة، وهو قريب من قول الفراء.

الأنعام 6:73

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بكمال قدرته وشمول علمه وإتقان صنعه [[في (ش): (صنعته).]]، وكل ذلك حق [[انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 247.]]، وذكرنا وجهين آخرين في قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ في سورة يونس [5]. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ ذكر الزجاج في نصب ﴿يَوْمَ﴾ أوجهًا: (أحدها: أن يكون منسوقًا على الهاء في قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: 72] في الآية الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي﴾ [البقرة: 48] والثاني [[وفيه ذكر أنه الأجود.]]: أن يكون منصوبًا بإضمار: واذكر. قال: ويدل على هذا قوله بعده: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ﴾ [الأنعام: 74] والمعنى: اذكر ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، واذكر ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾، والوجه الثالث: أن يكون معطوفًا على ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، والمعنى: وخلق ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ويكون هذا إخبارًا عن وقوعه وكونه؛ لأن ما أنبأ الله تعالى بكونه فهو واقع لا محالة، فجاز أن يقال: المعنى وخلق يوم يقول. وإن لم يأت يوم القيامة) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 263، و"معاني الأخفش" 2/ 278، وقد ذكر الأوجه الثلاثة النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 557، ومكي في "المشكل" 1/ 256.]]. قال ابن عباس: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يريد: يوم القيامة) [["تنوير المقباس" 2/ 32.]] ، وذكر غير الزجاج من النحويين: (أن قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ ينتصب بإضمار: وقدر أو قضى، والكلام دل على هذا، فيكون ذلك المقدّر معطوفًا على خلق [[انظر: "البيان" 1/ 326، و"التبيان" 1/ 340، و"الفريد" 2/ 172، و"الدر المصون" 4/ 690، وقال البغوي في "تفسيره" 3/ 157: (قيل: هو راجع إلى خلق السموات والأرض، والخلق بمعنى: القضاء والتقدير، أي: كل شيء قضاه وقدره قال له: كن فيكون) اهـ.]]، وهذا أحسن من القول الثالث الذي ذكره الزجاج. واختلفوا في أن الخطاب في قوله ﴿كُنْ﴾ لماذا، فقال الفراء [["معاني الفراء" 1/ 340 وفيه: (يقال: إنه خطاب للصور خاصة) ا. هـ]] وحكاه الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 263.]]: (المخاطبة للصورة خاصة، المعنى: ويوم يقول [[في (أ): (نقول) بالنون بدل الياء.]] للصور كن فيكون)، وقد ذكر الصور في هذه الآية وكان ذكره فيما بعد دليلًا على أن الخطاب له. ويذكر الاختلاف [[يريد الخلاف في معناه كما سيأتي.]] في الصور. وقال الزجاج وحده: (وقيل: إن قوله: ﴿كُنْ﴾ فيه إضمار جميع ما يخلق في ذلك الوقت المعنى: و [[لفظ: (الواو): ساقط من (أ).]] يوم يقول [[في (أ) (نقول).]] للشيء كن فيكون، وهذا ذكر ليدل على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه قال: ويوم يقول للخلق موتوا فيموتون، وانتشروا فينتشرون، كأنه يأمر الحياة فتكون [[في (ش): (فيكون).]] فيهم والموت فيحل بهم) [["معاني القرآن" 2/ 263 - 264، وذكره النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 557، ومكي في "المشكل" 1/ 256.]]، وعلى هذين القولين يكون قوله بعد هذا [[هذا قول النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 557، قال: (وعلى هذين الجوابين ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ ابتداء وخبر) اهـ.]]: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ رفع بالابتداء. وقال معًا [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 340.]]: (يجوز أن يكون الخطاب لقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ والمعنى: أنه يأمر فيقع أمره، فيرتفع ﴿قَوْلُهُ﴾ باسم كان و ﴿الْحَقُّ﴾ نعته). قال الزجاج: (وهذا كما تقول: قد قلت فكان قولك، ليس المعنى: فكان الكلام إنما المعنى أنه كان ما دل عليه القول) [["معاني الزجاج" 2/ 264، وخلاصة ما ذكره الواحدي رحمه الله تعالى: (أن كان تامة، وفي فاعلها أوجه: الأول: ضمير جميع ما يخلق الله تعالى. والثاني: ضمير الصور، وعلى هذا يكون ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ، وخبر، أو ﴿قَوْلُهُ﴾: مبتدأ، و ﴿الْحَقُّ﴾: نعته، والخبر: ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، أو: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾. والوجه الثالث: الفاعل، هو: ﴿قَولُهُ﴾، و ﴿الْحَقُّ﴾ صفته، والواحدي عبر عن ذلك بقوله (يرتفع باسم كان). وانظر: "التبيان" 340، و"الفريد" 1/ 173، و"الدر المصون" 4/ 691.]]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يجوز أن يكون نصب ﴿يَوْمَ﴾ على [[أي ظرف لقوله ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ أي: وله الملك في ذلك اليوم. قال الهمداني في "الفريد" 1/ 173: (وهو المختار للقرب ولسلامته من الاعتراض) اهـ.]] ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ كما قال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 16] ويجوز أن يكون قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ بدلاً من [[في (أ): (عن) بدل (من).]] قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، ويجوز أن يكون منصوبًا بقوله الحق؛ المعنى: وقوله الحق يوم ينفخ في الصور. فإن قال قائل: لله الملك في كل يوم وقوله الحق في كل وقت، فلم خص ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾؟ والجواب: أنه اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع لأحد ولا ضر، فكان كما قال الله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)﴾ [الانفطار: 19] والأمر في كل وقت لله عز وجل؛ ذكر هذا كله أبو إسحاق [["معاني القرآن" 2/ 264، ولم يذكر الوجه الثاني، وهو كونه بدلاً. وقد ذكر الأوجه الثلاثة النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 557، وانظر: " المشكل" 1/ 257، و"التبيان" 1/ 341، و"الدر المصون" 4/ 692.]]. وأما الصور فقال الفراء والزجاج: (يقال: إن الصور قرن ينفخ فيه، ويقال: الصور جمع سورة ينفخ في صور الموتى -والله أعلم-) [["معاني الفراء" 1/ 340، وفيه: (ويقال: هو جمع للصور ينفخ في الصور في الموتى. والله أعلم بصواب ذلك) اهـ.]]، قال الزجاج: (وكلاهما جائز، وأثبتهما في الحديث والرواية أن الصور قرن) [["معاني القرآن" 2/ 264، وقال بعده: (والصور جمع سورة، أهل اللغة على هذا) اهـ وانظر: "العين" 7/ 149، و"الجمهرة" 2/ 745، و"الصحاح" 2/ 716، و"المجمل" 2/ 545، و"مقاييس اللغة" 3/ 320، و"المفردات" ص 498، و"عمدة الحفاظ" ص 303، و"التاج" 7/ 110، وأكثرهم قال: (الصور بالضم: القَرْن، ويقال: هو جمع صُورَة، والصِّوَر بالكسر لغة في الصُّوَر جمع صُورة).]]. وقال أبو عبيدة: (الصور جمع سورة مثل سورة البناء وسور) [["مجاز القرآن" 1/ 196 (416)، 2/ 162 - 163، وهو قول الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" 5/ 192 في "كتاب التفسير، تفسير سورة الأنعام"، وحكاه البغوي في "تفسيره" 3/ 157 عن قتادة، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 69؛ عن الحسن، وانظر: "الزاهر" 1/ 416.]]. وأخبرني أبو الفضل العروضي قراءة وسعيد بن العباس القرشي كتابة قالا: أنبأنا الأزهري قال: عن أبي الهيثم أنه قال: اعترض قوم فأنكروا [[في (أ): (وأنكروا).]] أن يكون الصور قرنًا، كما أنكروا [[جاء عند القرطبي 7/ 20 عن أبي الهيثم قال: (من أنكر أن يكون الصور قرنًا فهو كمن ينكر العرش والميزان والصراط وطلب لها تأويلات) اهـ، وهذا الكلام عن أبي الهيثم فيه مبالغة ونظر، خاصة وأن إمام الحفاظ قد ارتضاه في "صحيحه". قال السمين في "الدر" 4/ 694: (ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو الهيثم) اهـ.]] العرش والميزان والصراط، وادعوا أن الصور جمع الصورة كما أن الصوف جمع الصوفة والثوم جمع الثومة، ورووا ذلك عن أبي عبيدة، قال أبو الهيثم: وهذا خطأ فاحش وتحريف لكلم الله عن مواضعه؛ لأن الله قال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: 64] وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: 99] فمن قرأها [[يعني بفتح الواو، وهي قراءة الحسن، ومعاذ القارئ، وأبي مجلز وأبي المتوكل، وحكاها عمرو بن عبيد عن عياض، وقراءة الجمهور بسكونها. انظر: "معاني النحاس" 2/ 448، و"مختصر الشواذ" ص 38، و"زاد المسير" 3/ 69.]]: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وقرأ [[يعني بسكون الواو: صُورَكم.]]: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ فقد افترى الكذب وبدل كتاب الله، وكان أبو عبيدة صاحب أخبارٍ وغريب ولم يكن له معرفة بالنحو. قال الفراء [[انظر: "المذكر والمؤنث" للفراء ص 69، 101، و"المذكر والمؤنث" لابن التستري ص 52، و"الإغفال" لأبي علي الفارسي ص 1113.]]: كل جمع على لفظ الواحد المذكر سبق جمعه واحدته فواحده بزيادة هاء فيه، وذلك مثل الصوف والوبر والشعر والقطن والعشب، فكل واحد من هذه الأسماء اسم لجميع جنسه، فإذا أفردت واحدته [[في (ش): (واحد) ، وهو تحريف.]] زيدت فيها هاء؛ لأن جمع هذا الباب سبق واحدته، ولو أن الصوفة كانت سابقة للصوف لقالوا: صوفَةٌ وصُوَف وبُسْره وبُسَر كما قالوا: غُرْفة وغُرَف وزُلْفَة وزُلَف. وأما الصور: القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال: واحدتها صورَة، وإنما تَجمع صورة الإنسان صورًا لأن واحدته لسبقت جمعه) [["تهذيب اللغة" 2/ 1960، و"اللسان" 4/ 2524 - 2525 (صور)، وذكره عن الواحدي الرازي في "تفسيره" 13/ 33.]]. قال الأزهري: (قد احتج أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه، وهو قول أهل السنة والجماعة، والدليل على صحة ما قال أن الله تعالى إذا بعث الأموات ينشئهم كيف شاء، ومن ادعى أنه يصورهم ثم ينفخ فيهم فعليه البيان) [["تهذيب اللغة" 2/ 1960، وهذا القول هو الظاهر عند أكثر أهل العلم. وقال الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 243 - 244: (أهل اللغة على أن الصّور جمع صورة، وقيل: إنه قرن، ومذهب أهل العربية غير فاسد؛ لأنه جائز أن يُنفخ في القرن ثم يمتد النفخ بإرجاع تلك الأرواح إلى الصور فتحيا بإذن الله) ا. هـ. بتصرف. وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 239 وما بعدها، و"معاني النحاس" 2/ 447، وابن عطية 5/ 249، و"النهاية" لابن الأثير 3/ 60، والقرطبي 7/ 20، وابن كثير 2/ 163، وكلهم رجح أنه قرن، وحكى السمرقندي 1/ 494، إجماع المفسرين عليه.]]، انتهى كلامه. وقد ذكرنا من كلام أبي الهيثم مثل ما ذكرها هنا في جمع السور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: 23]، واحتج أهل التفسير [[انظر: "الإغفال" ص 1113.]] علَى أن المراد بالصور هاهنا القرن بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: 68] ولم يقل: فيها، وأيضًا فإنه لا ينفخ في الصور للبعث مرتين إنما ينفخ مرة واحدة، وبما ورد في الأخبار من ذكر النفخ في القرن كقوله عليه السلام: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه" [[الحديث روي من طرق يقوي بعضها بعض عن جماعة من الصحابة عن == النبي ﷺ، فقد أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 77 (2958)، وأحمد 1/ 326 ، 3/ 73، 4/ 374، والترمذي (2431) كتاب: صفة القيامة، باب: ما جاء في شأن الصور، (3243)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزمر، والنسائي في "التفسير" 1/ 340، والحاكم 4/ 559، وقال الترمذي: (حديث حسن)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 42: (وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني في "الأوسط" وأبي نعيم في "الحلية" والبيهقي في "البعث".)، وأخرج أبو داود (4742)، كتاب: السنة، باب: في ذكر البعث والصور، والترمذي (2430)، كتاب: صفة القيامة، باب: ما جاء في شأن الصور) (3244)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزمر، وأحمد 10/ 9، 11/ 58، والدارمي 3/ 1844 (2840)، والحاكم 2/ 436، 506، 4/ 560، والنسائي في "التفسير" 2/ 244 من طرق جيدة عن عبد الله بن عمرو، أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ عن الصور؟ فقال: "قرن ينفخ فيه"، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه أحمد شاكر في "حاشية المسند"، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 42، وزاد نسته إلى ابن المبارك في "الزهد" وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "البعث"، وهذا الحديث يُعَدُّ نصًّا في أن الصور قرن.]] الحديث، قال الفراء: (والعرب [[في (أ): (والعرب تقول والعرب)، وهو تحريف.]] تقول: نفخ الصور ونفخ في الصور وأنشد [[لم أقف على قائله، وهو في "تفسير الطبري" 7/ 241، و"الزاهر" 1/ 416، و"المعرب" للجواليقي ص 512، و"الأنساب" للسمعاني 4/ 566، و"الدر المصون" 4/ 694. وقهندز: بالضم، وقيل: بالفتح: كلمة أعجمية معربة تعني القلعة أو الحصن. انظر: "معجم البلدان" 4/ 419، و"التاج" 8/ 133، وابن جعدة هو عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي، انظر: "حاشية الطبري".]]: لَوْلَا ابْنُ جَعْدَةَ لَمْ يُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُمْ ... وَلاَ خُرَاسَانُ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ) [["معاني الفراء" 1/ 340.]]

الأنعام 6:74

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ قال محمد بن إسحاق [[أخرجه الطبري 7/ 242، وابن أبي حاتم 4/ 1325 بسند جيد.]] والضحاك [[ذكره الثعلبي 179 ب، والبغوي 3/ 158، والقرطبي 7/ 22 عن الضحاك وابن إسحاق والكلبي.]] والكلبي: (آزر: أبو إبراهيم، وهو تارح [[في (ش): (تارخ) وأكثر المصادر تذكره بالحاء المهملة، قال ابن كثير في البداية والنهاية 1/ 142: (ابن عباس والجمهور على أن اسم أبيه تارح، وأهل الكتاب يقولون: تارخ بالخاء المعجمة) ا. هـ. بتصرف، وانظر: "عرائس المجالس" ص 72، و"تفسير مبهمات القرآن" 1/ 431.]] مثل إسرائيل ويعقوب)، وهو قول الحسن [[ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 448، وذكره الماوردي 2/ 134، وابن الجوزي 3/ 70 عن الحسن والسدي.]] والسدي [[أخرجه الطبري 7/ 242 بسند جيد، وذكره السمرقندي 1/ 495 عن السدي والكلبي.]] قالوا جميعًا: (آزر: اسم أبي إبراهيم)، وقال مقاتل بن حيان [[ذكره الثعلبي 179 ب، والبغوي 3/ 158، وابن الجوزي 3/ 71، والقرطبي 7/ 22.]]: (هو لقب [له] [[لفظ: (له) ساقط من (ش).]]). وقال سليمان [[سليمان بن طرخان القيسي التيمي أبو المعتمر البصري، إمام عابد تابعي محدث علامة، وثقه وأثنى عليه العلماء، توفي سنة 143هـ، وله 97 سنة. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 252، و"الجرح والتعديل" 4/ 124، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 195، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 150، و"تهذيب التهذيب" 2/ 99.]] التيمي [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1325 بسند صعيف، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 448، والثعلبي 179 ب، والبغوي 3/ 158.]]: (هو سبّ وعيب، ومعناه في كلامهم: المعوّج). قال أبو إسحاق [["معانى الزجاج" 2/ 265 بتصرف، وزاد: (وقيل: آزر: اسم صنم).]]: (وليس بين النسّابين اختلاف أن اسم أبي إبراهيم تارح [[في (ش): (تارخ)، بالخاء المعجمة، وعند الزجاج بالمهملة.]]، والذي في القرآن يدل على [أن] [[لفظ: (أن) ساقط من (أ).]] اسمه آزر فكأن آزر لقب له، وقيل: آزر عندهم ذمّ في لغتهم، كأنه قيل: وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ، كأنه عابه بزيغِه وتعوّجِه عن الحق)، ونحو هذا قال الفراء [["معاني الفراء" 1/ 340.]] سواء. وقال ابن الأنباري: (قد يغلب على اسم الرجل لقبه حتى يكون به أشهر منه باسمه، فيمكن أن يكون آزر اسم أبي [[جاء في (أ): (أب)، في كل المواضع السابقة.]] إبراهيم الصحيح وتارح [[في (ش): (تارخ)، في كل المواضع السابقة.]] لقب له، وجائز أن يكون آزر لقبًا أبطل الاسم لشهرة الملقّب به، فخبّر الله تعالى بأشهر اسميه؛ لأن اللقب مضارع للاسم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 66، وابن الجوزي 3/ 71، والراجح أن آزر اسم أبي إبراهيم، وهو علم وليس لقب؛ لأن ظاهر القرآن والمحفوظ عن أهل العلم وغيره مجرد احتمالات ودعوى تحتاج إلى دليل، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 242 - 243، وابن كثير 2/ 168، وغيرهما، وانظر: "المعارف" لابن قتيبة ص 30، وابن عطية 5/ 5251، و"المعرب" للجواليقي ص 134، والرازي 13/ 37، والقرطبي 7/ 22.]].

الأنعام 6:75

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال الزجاج: (أي: ومثل ما وصفنا من قصة إبراهيم من قوله لأبيه ما قال نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [["معانى الزجاج" 2/ 265.]] يعني: كما أريناه استقباح ما كان عليه أبوه وقومه من عبادة الأصنام نريه الملكوت للاعتبار. والملكوت: بمنزلة الملك، إلا أن [[في (أ): (لأن التاء).]] التاء زيدت للمبالغة، كالرَّغَبُوت [[الرغبوت، بفتح الراء والغين وضم الباء: من رغب بمعنى أراد. انظر: "القاموس" ص 90 (رغب).]] والرهبوت [[الرَّهَبُوت، بفتح الراء والهاء، وضم الباء: من رهب بمعنى خاف. انظر: "القاموس" ص 92 (رهب).]]، ووزنه من الفعل فعلوت [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 265، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 197 - 198، و"تفسير الطبري" 7/ 244، و"معاني النحاس" 2/ 449.]]. كذلك قال أهل اللغة [[انظر: ملك في "تهذيب اللغة" 4/ 3449، و"الصحاح" 5/ 1610، و"اللسان" 7/ 4267.]]. واختلفوا في: ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ما هو؟ فقال ابن عباس في رواية [[أخرج الطبري 7/ 246، وابن أبي حاتم 5/ 1326 بسند ضعيف عنه نحوه، وأخرج الطبري 7/ 247 بسند ضعيف عن عطاء نحوه، وأخرج الطبري 7/ 246، وابن أبي حاتم 4/ 1326 بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني به: الشمس والقمر والنجوم) اهـ. وفي رواية عند الطبري بسند جيد قال: (خلق السموات والأرض)، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 45.]] عطاء: (يريد: أن الله أراه ما يكون في السموات من عجائب خلق ربه من عبادة الملائكة ومن طاعتهم ومن خشوعهم وخوفهم من الله عز وجل، وما في جميع الأرض من عصيان بني آدم وجرأتهم على الله، فكان يدعو على كل من يراه في معصية فيهلكه الله، فأوحى الله إليه: [يا إبراهيم] [[لفظ: (يا إبراهيم) ساقط من أصل (أ) وملحق بالهامش.]] أمسك عن عبادي، أما علمت أنه من أسمائي أنا الصبور) [[الصبور صفة لله سبحانه وتعالى ومعناه: الذي يملي ويمهل ولا يعجل بالعقوبة، وأكثرهم عده == اسمًا من أسماء الله تعالى، ولم يثبته محمَّد العثيمين في "القواعد المثلى" ص 21 - 22. وانظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 65، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص 481، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص 133، و"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص 352، و"الحق الواضح" للسعدي ص 57؛ وكلهم عده من الأسماء.]]. وقد روى علي -رضي الله عنه-، عن النبي ﷺ [[ذكره البغوي 3/ 158، والقرطبي 7/ 23، والسيوطي في "الدر" 3/ 45، وقال ابن كثير 2/ 168: (روى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين عن معاذ وعلي، ولكن يصح إسنادهما) اهـ. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 201 (روى الطبراني في "الأوسط" عن جابر عن النبي ﷺ نحوه وفيه علي بن أبي علي اللهبي متروك) ا. هـ. بتصرف.]] في تفسير: ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مثل هذا الذي ذكره ابن عباس. وهو قول مجاهد [[أخرجه الطبري 7/ 246، وابن أبي حاتم 5/ 1327 من طرق جيدة، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 218 قال: (الملكوت: الآيات)، وأخرجه الطبري من طرق جيدة، وأخرج أبو الشيخ في "العظمة" ص 297 بسند جيد عنه قال: (الشمس والقمر)، وقال ابن أبي حاتم: (وروي عن مجاهد أنه قال: يعني الشمس والقمر والنجوم) اهـ. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 44.]] وسعيد [[أخرجه الطبري 7/ 247 من طرق جيدة عن سعيد بن جبير وقتادة.]] بن جبير قالا: (إنه كشف له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين). وقال قتادة [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 212 - 213، وابن أبي حاتم 5/ 1327 من طرق جيدة.]] والضحاك [[أخرجه الطبري 7/ 247 بسند ضعيف بلفظ: (الشمس والقمر والنجوم) اهـ، وهذه الأخبار لا حجة فيها وتحتاج إلى مستند، والأولى حمل الآية على ظاهرها، فالملكوت بمعنى الملك أراه الله سبحانه عظيم سلطانه، وجلى له بواطن الأمور وظاهرها، ويحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانًا، == ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، وهذا اختيار الطبري 7/ 247، وابن كثير 2/ 168، وانظر: السمرقندي 1/ 495، وابن عطية 5/ 255.]]: (﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ﴾: الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار، وذلك أن الله تعالى أراه هذه الأشياء حتى نظر إليها معتبرًا مستدلًا بها على خالقها). وقوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قال أهل المعاني: (هو معطوف على المعنى؛ لأن معنى الآية: نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ليستدل به ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [[هذا ظاهر قول الزجاج في "معانيه" 2/ 265، قال: (أي نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لما فعل وليثبت على اليقين).]]، وقيل: (هو عطف جملة على جملة بتقدير: وليكون من الموقنين أريناه) [[هذا قول النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 558، ومكي في "المشكل" 1/ 258، وانظر: "البيان" 1/ 328، و"التبيان" 342، و"الفريد" 2/ 177، و"الدر المصون" 5/ 7.]]. قال أبو علي الفارسي: (اليقين [[اليقين في اللغة: العلم وتحقق الأمر وزوال الشك. وقال العسكري في "الفروق" ص 63: (هو سكون النفس وثلج الصدر بما علم) ا. هـ. وقال الراغب في "المفردات" ص 892: (هو من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم) اهـ، وانظر "العين" 5/ 220، و"تهذيب اللغة" 4/ 398، و"الصحاح" 6/ 2219، و"مقاييس اللغة" 6/ 157، و"اللسان" 8/ 4964 (يقن).]] والتيقن: ضرب من العلم مخصوص، فكل علم ليس تيقنًا وإن كان كل تيقن علمًا؛ لأن التيقّن هو العلم الذي قد كان عرض لعالمه إشكال فيه، يبين [[في (أ): (تبين) بالتاء، وهو تصحيف.]] ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾) [["الحجة" لأبي علي 1/ 256، وزاد: (اليقين كأنه علم يحصل بعد استدلال ونظر لغموض المعلوم أو لإشكال ذلك على الناظر، فليس كل علم يقينًا؛ لأن من المعلومات ما يعلم ببداءة العقول والحواس) ا. هـ. ملخصًا.]].

الأنعام 6:76

[و] [[لفظ: (الواو): ساقط من (أ).]] قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآية. يقال: جنّ عليه الليل وأجنَّه الليل، ويقال لكل ما ستر: قد جنّ وأجن، ويقال أيضًا: جَنت الليل [[(جن يستعمل لازمًا ومتعديًا، وهو مما اتفق فيه أفعل وفعل، إلا أن الأجود جن عليه الليل وأجنه الليل، فيكون الثلاثي لازمًا وأفعل متعديًا). انظر: "الدر المصون" 5/ 8.]]، ولكن الاختيار جنّ عليه الليل، وأجنه الليل [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 266.]]، هذا قول جميع أهل اللغة، ومعنى ﴿جَنَّ﴾: ستر، ومنه الجَنَّة [[هذه كلمات تحتاج إلى ضبط وهي على الترتيب كما يلي: الجَنَّة: بفتح الجيم والنون المشدد. البستان كثير الشجر. والجِنّ: بكسر الجيم وتشديد النون: خلاف الإنس والواحد، جِنّيٌّ. والجُنُون: بضم الجيم والنون، يقال: جُنَّ الرَّجُلُ جُنُونًا، وأَجَنَّه الله، فهو مَجْنُون. ويقال: جن عليه الليل يُجنُّ جُنونًا، أي ستره، وجن النباتُ جُنُونًا أي طال والتف. والجَنَانُ، بالفتح: القَلْبُ، والرُّوحُ، وظَلامُ الليل. والجنين، بفتح الجيم وكسر النون: الولد في البطن، وكل مستور. والمِجَنُّ، بكسر الميم وفتح الجيم: التُّرْس، وكل ما استتر به من السلاح. والجَنَنُ، بالفتح: القبر، والميت، والكفن. والجُنُنُ، بالضم: الجُنُونُ، حذفت منه الواو. والمُجَنُّ، ضبط في النسخ بضم الميم وفتح الجيم، ولم أقف على أنه المقبور، وفي "الصحاح": (جُنَّ الرجل جنونًا وأجنَّه الله فهو مجنون ولا يقال مُجَنٌّ). والجُنَّة، بضم الجيم وفتح النون المشددة: ما استتر به من السلاح، وكل ما وَقَى. والجِنَّة، بكسر الجيم: الجنون، وذلك أن يغطي العقل. انظر: "العين" 6/ 20، و"الجمهرة" 1/ 92، و"تهذيب اللغة" 1/ 673، و"الصحاح" 5/ 2093، و"المجمل" 1/ 175، و"مقاييس اللغة" 1/ 421، و"المفردات" ص 303، و"اللسان" 2/ 702، و"القاموس" ص 1187 (جن).]] والجِنُّ والجُنُون والجَنان والجنين، المجنُ والجنن والمُجن وهو المقبور، والجُنَّة والجِنّة، كل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار، ويقال في مصدره: جَنّ جَنًّا وجنونًا وجنانًا [[انظر: المراجع السابقة. وقال الطبري في "تفسيره" 7/ 247: (المصدر من جن عليه: جنًّا وجُنُونًا وجَنَانًا، ومن أجن إجنانًا ...) اهـ. وقال السمين في 5/ 8: (مصدره جَنُّ وجَنان وجُنون) اهـ.]]. ويروى بيت دُريد [[درَيْد بن الصِّمَّة الجُشمي من هوازن، شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.]] بالوجهين: وَلَوْلَا جَنونُ اللَّيلِ أَدْرَكَ رَكْضُنَا ... بِذِي الرَّمْثِ والأَرْطَى عِياضَ بنَ ناشِبِ [["ديوانه" ص 29، و"مجاز القرآن" 1/ 198، و"الأصمعيات" ص 112، و"إصلاح المنطق" ص 295، و"الجمهرة" 1/ 93، و"الأغاني" 10/ 16، و"المجمل" 1/ 175، و"مقاييس اللغة" 1/ 422، و"اللسان" 2/ 701، وهو لخفاف بن ندبة السُّلَمي في "ديوانه" ص 130، و"الصحاح" 5/ 2094. والرمث والأرطى: نبتان معروفان، وذو الرمث: وادٍ لبني أسد. يقول: لولا أن الليل سترنا لأدركنا عياض بن ناشب الفزاري بذلك المكان فقتلناه. انظر: "تهذيب إصلاح المنطق" 2/ 129، و"معجم البلدان" 3/ 68، و"اللسان" 2/ 701 (جن).]] ويروى [[ذكره أكثرهم، وهو في "الديوان" وأكثر المراجع، (ولولا جنان)، وهما بمعنى واحد، وفي "الأغاني": (ولولا سواد) بدل (جنان).]]: (جنان الليل). قال بعض النحويين: (﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي: أظلم عليه الليل [[لفظ: (الليل) ساقط من (ش).]] ولهذا دخلت على، كما تقول في أظلم، فأما جنّه فستره من غير تضمين معنى أظلم) [[انظر: "الفريد" 2/ 177.]]. وقوله ﴿رَأَى﴾ فيه ثلاثة أوجه [[قرأ ابن عامر وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: (رأى) بكسر الراء والهمزة. وقرأ ابن كثير وعاصم: (رأى) بفتح الراء والهمزة. وقرأ أبو عمرو: بفتح الراء وكسر الهمزة. وقرأ نافع: بين الفتح والكسر. انظر: "السبعة" ص 260، و"المبسوط" ص 170، و"التذكرة" 2/ 402، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259.]] من القراءة، فتح الراء والهمزة. [وفتح الراء وكسر [[في (ش): (وكسرة)، وهو تحريف.]] الهمزة نحو الإمالة. وكسر الراء والهمزة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] للإمالة، فأما من فتحهما جميعًا فعلّته واضحة؛ وهي ترك الألف على الأصل نحو: رَعَى ورمى لمَّا لم يُمِل الألف لم يمل الفتحة الفتحة التي قبلها، كما يميلها من يرى الإمالة ليميل الألف نحو: الياء. وأمّا من فتح الراء وكسر الهمزة فإنه أمال الهمزة نحو الكسرة لتميل الألف التي في رأى نحو الياء، كما تمال الفتحة التي على الدال في هدى والميم من رمى لتميل الألف، وترك الراء مفتوحة على الأصل. وأمّا من كسرهما جميعًا فإنه كسر الراء من رأى؛ لأن المضارع منه على يفعل، وإذا كان المضارع على يفعل كان الماضي على فَعِل، ألا ترى أن المضارع في الأمر العام إذا كان على يفعل كان الماضي على فَعِلَ، وإنما فتحوا الماضي في حروف ذوات عدد اختص موضع العين منها واللام بأحد حروف الحلق، وهي متسفلة المخارج، فشابوا ذلك منها بشيء من التصعّد وهو الفتحة في العين، ليعتدل الكلام، وإذا كان الماضي كأنه على فِعِلَ كسر [[كذا في النسخ، وفي "الحجة" لأبي علي 3/ 328: (كسرة الراء)، وهو الصواب، وقد ورد في بعض نسخ "الحجة" كسر الراء كما في "الحاشية".]] الراء التي هي فاء؛ لأن العين همزة، وحروف الحلق إذا جاءت في كلمة على زنة فِعِل كسرت فيها الفاء لكسرة العين في الاسم والفعل، وذلك نحو قولهم في الاسم: حمار نِعرٌ [[النُّعَر: داء يأخذ الإبل في رؤوسها، وحمار نَعِرٌ، بفتح النون وكسر العين: أي لا يستقر في مكان. انظر: "الكتاب" 3/ 585، و"اللسان" 7/ 4472 (نعر).]] ورجل محك [[رجل محك، بفتح الميم وكسر الحاء، أي: لجُوج عسر الخُلق. انظر: "اللسان" 7/ 4147 (محك).]] وماضغ لهم، وفي الفعل نحو: شِهِدَ ولِعِبَ ونِعِمَ، فكسرة الراء على هذا كسرة مخلصة محضة، وليست بفتحة مُمالةٍ، وأما كسرة الهمزة فإنه يراد بها إمالة فتحتها إلى الكسرة لتميل [[انظر: في (ش): (ليميل).]] الألف نحو الياء، فإن قلت: إن الفاء إنما تكسر لتتبع الكسرة في نحو: شهد، والهمزة في رأى مفتوحة، فكيف أجيز كسره، مع أن بعدها حرفًا مفتوحًا؟. قيل: إنه فيما نزلناه وبينّاه بمنزلة الكسرة، فأتبع الفتحة الكسرة المقدرة، فإن لقي رأى ساكن نحو: ﴿رَأَى القَمَرَ﴾ و ﴿رَأَى الشَّمسَ﴾ ففيه أيضًا ثلاثة أوجه من القراءة [[انظر: المراجع السابقة في قراءة (رَأَى).]]: أحدهما: فتح الراء والهمزة معًا، وهو قراءة العامة، ووجه ذلك أنه الأصل على قراءة من فتحهما إذا لم يلقه ساكن، وأما من كان يكسرهما إذا لم يلقه ساكن ثم فتحهما عند الساكن مثل الكسائي، فوجه ذلك: أن إمالة الفتحة في الهمزة إنما كانت لتميل الألف نحو الياء، فلما سقطت الألف بطلت إمالتها لسقوطها، ولما بطلت إمالتها لسقوطها بطلت إمالة الفتحة نحو الكسرة لسقوط الألف التي كانت الفتحة الممالة تميلها نحو الياء، وأما فتح الراء هاهنا وقد كسره في ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ فلأنه أخذ باللغتين فكسر هناك لما ذكرناه [[في (ش): (ذكرنا).]] وفتح هاهنا؛ لأنه جعله بمنزلة الراء في رمى [[في (أ): (رما، ورعا). وكذلك جاء في بعض نسخ "الحجة" لأبي علي 3/ 330.]] ورعى. الوجه الثاني في القراءة: كسر الراء وفتح الهمزة، وهي قراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر [[أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الحفاظ الكوفي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، فقيل: كنيته هي اسمه، وقيل: اسمه شعبة، وهو إمام فاضل عابد ثقة مقرئ أتقن قراءة عاصم وعرض القرآن عليه ثلاث مرات، توفي سنة 194هـ، أو قبلها، وله نحو 100 سنة. انظر: "الحلية" 8/ 303، و"سير أعلام النبلاء" 8/ 495، و"معرفة القراء" 1/ 134، و"ميزان الاعتدال" 6/ 173، و"غاية النهاية" 1/ 325، و"تهذيب التهذيب" 4/ 492.]]، أما كسر الراء فإنما هو للتنزيل والتقدير الذي ذكرنا، وهو معنى منفصل عن إمالة فتحة الهمزة، ألا ترى أنه يجوز أن يُعمل هذا المعنى من لا يرى الإمالة، كما يجوز أن يُعمله من يراها، فإذا كان كذلك كان انفصال أحدهما عن الآخر سَائغًا غير ممتنع. وروى يحيى بن [[يحيى بن آدم بن سليمان الأموي أبو زكريا الكوفي إمام فاضل حافظ ثقة مقرئ فقيه من أوعية العلم، وله كتب جيدة توفي سنة 203 هـ، وله نحو 73 سنة. انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 402، و"الجرح والتعديل" 9/ 128، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 522، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 359، و"غاية النهاية" 2/ 263، و"تهذيب التهذيب" 4/ 337.]] آدم عن أبي بكر [[في "الحجة" لأبي علي 3/ 331: (روى يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن عاصم).]]: ﴿رِأِى القمر﴾: بكسر الراء والهمزة معًا، أما وجه كسر الراء فقد ذكرنا، وأما إمالة فتحة الهمزة مع زوال ما كان يوجب إمالتها من حذف الألف فلأن الألف محذوفة لالتقاء الساكنين، وما يحذف لالتقاء الساكنين فقد ينزّل تنزيل المثبت، ألا ترىَ أنهم قد أنشدوا: وَلاَ ذَاكِرِ الله إلاَّ قَلِيلا [["الشاهد" لأبي الأسود الدؤلي في "ديوانه" ص 54، و"الكتاب" 1/ 169، و"معاني الفراء" 2/ 202، و"المقتضب" 2/ 312، و"اللسان" 5/ 2793، عتب، وبلا نسبة في "مجاز القرآن" 1/ 307، و"معاني الأخفش" 1/ 86، و"مجالس ثعلب" ص 123، و"الأصول" 3/ 455، و"الشعر" لأبي علي 1/ 114، و"الخصائص" 1/ 311، و"المنصف" 2/ 231، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 164، وصدره: فَاْلفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ الشاهد: حذف التنوين من ذاكر لالتقاء الساكنين أو ضرورة. انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 934.]] فنصب الاسم بعد ذاكر، وإن كانت النون محذوفة لمّا كان الحذف لالتقاء الساكنين، والحذف لذلك في تقدير الإثبات من حيث كان التقاؤهما غير لازم، ومن ثم لم يرد الألف في نحو: رمت المرأة [[هذا قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 3/ 326 - 332، وانظر: "معاني القراءات" للأزهري 1/ 364، و"إعراب القراءات" لابن خالويه 1/ 161، و"الحجة" لابن خالويه ص 142، و"الحجة" لابن زنجلة ص 256، و"الكشف" 1/ 436.]]. فأما قصة الآية ومعناها، فقال السدي [[أخرجه الطبري في "تاريخه" 1/ 236 عن السدي وابن إسحاق، وأخرجه ابن أبي هاشم 4/ 1329 عن السدي، وذكره الثعلبي في "عرائس المجالس" ص 74، عن السدي وابن إسحاق.]]، ومحمد بن إسحاق [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 246 - 347 عن السدي وابن إسحاق وقتادة، وانظر: نحوه في "تهذيب تاريخ ابن عساكر" 2/ 137، وهذا من الإسرائيليات، والآية ظاهرة == واضحة، وليس تفسيرها في حاجة إلى هذه المرويات قال ابن كثير في "تاريخه" 1/ 143: (الظاهر أن الموعظة لأهل حران، فإنهم يعبدون الكواكب، وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب، لما كان صغيرًا، كما ذكره ابن إسحاق وغيره، وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها، ولا سيما إذا خالفت الحق ..) اهـ.]] والعلماء بأخبار الماضين: (8) (لما شب إبراهيم في السرب [الذي ولد فيه، قال لأبويه: أخرجاني فأخرجاه، من السرب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] وانطلقا به حين غابت الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم، فقال: ما لهذه بُدّ من أن يكون لها رب وخالق، ثم نظر وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي ما لي إله غيره، ثم نظر فإذا المشتري قد طلع، ويقال: الزهرة، وكانت تلك الليلة في آخر الشهر، فرأى الكوكب قبل القمر فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾). واختلفوا في معنى قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ فقال أهل التحقيق من العلماء: (إن إبراهيم عليه السلام لم يكن قط في ضلال وحيرة، وكيف يتوهم ذلك على من عصمه الله وطهّره في مستقره ومستودعه؟ وما زال في حكم الله نبيًّا والله تعالى يقول: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 84] أي: لم يشرك به قط، كذلك قال المفسرون، ويقول [[لفظ: (الواو): ساقط من (أ).]]: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية. [الأنعام: 75] أفترى الله أراه الملكوت ليوقن، فلما أيقن ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ على الحقيقة والاعتقاد! هذا ما لا يكون أبدًا، وإنما معنى قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أن قومه كانوا يعبدون النجوم ويعظمونها ويحكمون بها. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ رأى الزهرة فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ يريد: أن يستدرجهم بهذا القول، ويعرفهم خطأهم، وجهلهم في تعظيمهم شأن النجوم وقضائهم على الأمور بدلالاتها، فأراهم أنه معظَّم ما عظّموا، وملتمس الهدى من حيث التمسوا، وكل من تابعك على هواك وشايعك على أمرك كنت به أوثق وإليه أسكن وأركن، فأنِسوا واطمأنوا ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أراهم النقص الداخل على النجم بالأفول؛ لأنه ليس [ينبغي] [[في (أ): (يتبغى)، وهو تصحيف.]] [لإله] [[في (أ): (للاله).]] أن يزول ولا أن يغيب فقال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي: لا أحب من كانت حالته أن يطلع ويسير على هيئة يتبين معها أنه محدث منتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، أي: لا أتخذ ما هذه حاله إلها، كما أنكم لا تتخذون كل ما قد يجري مجرى هذا من سائر الأشياء آلهة. وقيل: إنه قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ على جهة الاحتجاج على قومه لا على معنى الشك ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ عندكم وفيما تظنون وفي زعمكم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62)﴾ [القصص: 62] فأضافهم إلى نفسه حكايته لقولهم، وكقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] أي: عند نفسك. وجائز أن يكون هاهنا إضمار القول كأنه قال: [تقولون] [[في (ش): (يقولون).]]: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ وإضمار القول كثير كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا﴾ [البقرة: 127] أي: يقولان: ربنا، وقوله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: 3] معناه: يقولون ما نعبدهم، فكأن إبراهيم قال لقومه: [تقولون] [[في (ش): (يقولون).]] ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أي: هذا الذي يدبّرني؛ لأنهم كانوا أصحاب نجوم يرون التدبير في الخليقة لها، فاحتج عليهم بأن الذي [تزعمون] [[في (ش): (يزعمون).]] أنه مُدَبِّر فيه أثر أنه مُدبّر لا غير). فهذه ثلاثة أوجه صحيحة في تأويل الآية، ذكرها أهل المعاني، الوجه الأول: قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 1/ 341.]]، واختيار عبد الله بن مسلم [["تأويل مشكل القرآن" ص 335 - 338، وقد نقل المؤلف نص كلامه.]]، والثاني والثالث: ذكرهما الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 267 وفيه قال: (والذي عندي في هذا القول أنه قال لهم: تقولون هذا ربي، أي: هذا يدبرني؛ لأنه فيما يروى أنهم أصحاب نجوم فاحتج عليهم بأن الذي تزعمون أنه مدبر إنما يرى فيه أثر مُدبر لا غير) اهـ. وانظر: "معاني النحاس" 2/ 450.]] وابن الأنباري [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 68 - 69، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 74، والصحيح في معنى الآية ما ذهب إليه الجمهور من أن هذا القول كان في مقام المناظرة لقومه؛ لإقامة الحجة عليهم في بطلان ما هم عليه من عبادة الكواكب والشمس والقمر؛ لأن الموافقة في العبارة على طريق إلزام الخصم من أبلغ الحجج وأوضح البراهين، ولأن الله تعالى قال في نفس القصة: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام: 80]. وهو اختيار الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في "تفسيره" 2/ 169. وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 560، و"تفسير البغوي" 3/ 161، وابن عطية 5/ 261، والفخر الرازي 13/ 59، و"البحر المحيط" 4/ 166.]] وفي قوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ دلالة على أن ما غاب بعد ظهوره فليس برب، وفيه حجة على أن ما تغير [[في (ش): (يغبر)، وهو تصحيف.]] بالظهور تارة والأفول [[في (ش): (وبالأفول). وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 5/ 547، 6/ 284: (اتفق أهل اللغة والتفسير على أن الأفول هو: التغيب والاحتجاب).]] تارة كان حادثًا مدبرّا مسخرًا مصرفًا [[في (ش): (ومدبرًا مسخرًا ومصرفًا).]]، وذلك ينافي صفة الإله المعظم.

الأنعام 6:77

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ يقال: بزغ القمر: إذا ابتدأ في الطلوع، وبزغت الشمس إذا بدا منها [[في (ش): (فيها).]] طلوع، ونجوم بوازغ [[انظر: "العين" 4/ 385، و"الجمهرة" 1/ 333، و"البارع" ص 364، و"مقاييس اللغة" 1/ 244، و"المجمل" 1/ 124، و"المفردات" ص 122 (بزغ).]]. قال الأزهري [["تهذيب اللغة" 1/ 328.]]: (كأنه مأخوذ من البزغ، وهو الشقّ، كأنه يشق بنوره الظلمة شقًّا، ومن هذا يقال: بزغ البيطار [[البَطْر: الشق، وبه سمى البَيْطار بَيْطارًا. انظر: "اللسان" 1/ 301 (بطر).]] أشعار الدابة إذا شق ذلك المكان منها [بمبزغه] [[في (ش): بمبزعه: بالعين المهملة، وهو تصحيف، وعند الأزهري [بمبضعه]، وفي "اللسان" 1/ 276 (بزغ): (يقال للحديدة التي يشترط بها: مبزغ ومبضع) اهـ.]]). قال الطرماح: كَبزْغِ البِيَطْرِ الثَّقْفِ رَهْصَ الكوادِنِ [[الشاهد في "ديوانه" ص 172، و"تهذيب اللغة" 1/ 328، و"اللسان" 1/ 301 (بطر)، وهو في "الصحاح" 4/ 1315 (بزغ) للأعشى وليس في "ديوانه" وأوله: يُساقطُها تَتْرَى بِكُلِّ خَميلَة قال ابن منظور في "اللسان" 1/ 276 (بزغ): (هو للطرماح يصف ثورًا طعن الكلاب بقرنيه، والرَّهْص جمع رَهْصة وهي أن يَدْوَى حافِر الدابة من حجر تطؤه، والكوادن البراذين) اهـ.]] فأما معنى الآية: فإن إبراهيم عليه السلام اعتبر في القمر والشمس مثل ما اعتبر في النجم، وكانت حجته فيهما على قومه كالحجة في الكواكب [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 267.]]. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ لا يوجب أنه لم يكن مهتديًا؛ لأن معناه: لئن لم يثبتني على الهدى، والأنبياء لم تزل تسأل الله ذلك وتعلم أنه لولا هداية الله [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 268، و"تفسير البغوي" 3/ 162 - 163.]] ما اهتدت، وإبراهيم يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]

الأنعام 6:78

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ قال أبو بكر ابن الأنباري: (إنما قال: هذا والشمس [[انظر: "المذكر والمؤنث" للفراء ص 96، ولابن الأنباري 1/ 145، 219، ولابن التستري ص 87. وقال ابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" 1/ 362: (قال الفراء: العرب تجتري على تذكير المؤنث إذا لم تكن فيه الهاء) ثم أنشد الشاهد وهو في "المذكر والمؤنث" للفراء ص 81، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 127 مع الشاهد.]] مؤنثة؛ لأن الشمس بمعنى: الضياء والنور، فحمل الكلام على تأويلها فذكر وأعان على التذكير أيضًا أن [[(أن): كأنها في النسخ، (إذ)، والأولى ما أثبته.]] الشمس ليست فيها علامة التأنيث، فلما أشبه لفظها المذكر وكان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 69، وابن الجوزي 3/ 76. وذكر ابن الأنباري الشاهد في "المذكر والمؤنث" 1/ 366 ونسبه للأعشى وليس في "ديوانه".]]، وأنشد قول الأعشى [[تقدمت ترجمته.]]: وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا [[الشاهد لعامر بن جوين الطائي شاعر جاهلي، في: "الكتاب" 2/ 46، و"مجاز القرآن" 2/ 67، و"الكامل" للمبرد 2/ 379، 3/ 91، و"الأصول" 2/ 413، و"اللسان" 1/ 61 (أرض)، 1/ 328 (بقل)، 8/ 4800 (ودق) وبلا نسبة في: "معاني الأخفش" 1/ 55، 2/ 300، و"الحجة" لأبي علي 4/ 238، و"المحتسب" 2/ 112، و"الخصائص" 2/ 411، و"المخصص" 16/ 80، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 242، و"المقرب" 1/ 303 وصدره: فَلاَ مُزْنَة وَدَقَتْ وَدْقَها والمزن: السحاب، والودق: المطر، وأبقلت: أخرجت البقل. والشاهد: حذف التاء من أبقلت للضرورة ولأن الأرض مؤنث مجازي.]] فذكر أبقل إذ كانت الأرض عارية من علامة التأنيث، وقيل: أراد هذا الطالع وهذا الذي أراه ربي [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 280، والطبري 7/ 251، و"إعراب النحاس" 1/ 559، و"الدر المصون" 5/ 14.]]. وقوله تعالى: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أي: من الكواكب [[في (أ): (الكوكب).]] والقمر، فلما توجّهت الحجة على قومه [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 251.]] قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.

الأنعام 6:79

قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال أبو إسحاق: (أي: جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله عز وجل) [["معاني القرآن" 2/ 268.]]، وباقي الآية مفسر فيما تقدم [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 90 أ.]].

الأنعام 6:80

قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ قال ابن عباس: (خاصمه وجادله في آلهتهم وخوفوه بها) [["تنوير المقباس" 2/ 35، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 70، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 76.]]. وقال أبو إسحاق: (ومحاجتهم إياه كانت -والله أعلم- فيما عبدوا مع الله جل وعز من الكواكب والشمس والقمر والأصنام فقال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ أي: في توحيد الله عز وجل ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ [أي] [[لفظ: (أي) ساقط من (ش).]] بيّن لي ما به اهتديت) [["معاني القرآن" 2/ 268.]]، وهذا الاستفهام معناه الإنكار للمحاجة في الصرف عن الهداية، والتشديد على النون لاجتماع النونين وإدغام أحدهما [[أي: إدغام نون الرفع في نون الوقاية.]] في الآخر. وقرأ [[قرأ ابن عامر ونافع (أتحاجوني) بتخفيف النون، وشددها الباقون. انظر: "السبعة" 261، و"المبسوط" ص 171، و"التذكرة" 2/ 403، و"التيسير" ص 104، و"النشر" 2/ 259.]] نافع مخففة النون حذف إحدى النونين تخفيفًا، والتضعيف يكره فيتوصل [[في (ش): (فتوصل).]] إلى إزالته تارة بالحذف [[في (ش): (وبالحذف)، وهو تحريف.]] نحو: علماء بنو فلانٍ، وتارة بالإبدال نحو: ديوانٍ [[ديوان، بالكسر: مجتمع الصحف والدفتر الذي يكتب فيه، وأصله دوَّان بتشديد الواو عوض من إحدى الواوين ياء؛ لأنه يجمع على دواوين. انظر: "اللسان" 3/ 1461 (دون).]] وقيراطٍ [[القيراط: وحدة وزن معروفة، وأصله قرط بتشديد الراء، أبدل من إحدى حرفي تضعيفه ياء؛ لأن جمعه قراريط. انظر: "اللسان" 6/ 3591 (قرط).]] والمحذوف الثانية؛ لأن الاستثقال يقع بها ، ولأن الأولى في دلالة الإعراب، وقول عمرو: تَرَاهُ كَالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكًا ... يَسُوءُ الْفَالِياتِ إذَا فَلَيْنِي [["ديوان عمرو بن معد يكرب" ص 180، و"الكتاب" 3/ 520، و"معاني الفراء" 2/ 90، و"مجاز القرآن" 1/ 352، و"الصحاح" 6/ 2457، و"اللسان" 6/ 3470، (فلا). وبلا نسبة في: "معاني الأخفش" 1/ 235، و"الجمهرة" 1/ 459، و"الحجة" لابن خالويه ص 143، "المنصف" 2/ 337، و"المغني" 2/ 621، والثغام: نبات أبيض، ويعل: يطيب، والفاليات من الفلي، وهو إخراج القمل. والشاهد: حذف النون من فلينني.]] فالمحذوفة المصاحبة للياء، ولا يجوز أن يكون الأولى؛ لأن الفعل يبقى بلا فاعل. وقد جاء حذف هذه النون في كلامهم قال [[الشاهد لأبي حَيّة النميري الهَيْثم بن الربيع، شاعر أموي عباسي. في "مجاز القرآن" 1/ 352، و"معاني الأخفش" 1/ 235، و"الصحاح" 6/ 2457، و"اللسان" 2/ 1207 (خعل)، 1/ 18 (أبى)، 6/ 3470 (فلا)، وبلا نسبة في: "المقتضب" 4/ 375، و"الكامل" للمبرد 2/ 142، 3/ 218، و"الأصول" 1/ 390، و"إعراب النحاس" 2/ 197، و"اللامات" للزجاجي ص 103، و"الخصائص" 2/ 142، 3/ 218، و"المنصف" 2/ 337، وهو في "أمالي ابن الشجري" 2/ 128 للأعشى وليس في "ديوانه"، والشاهد: حذف النون من تخوفينني.]]: أَبِالْمَوتِ [[جاء في هامش (أ) تصحيح: (أبا الموت) إلى (أبي الموت).]] الَّذِي لابُدَّ أَنَّيَ ... مُلاقٍ لا أباكِ تُخَوّفِيني [[ما سبق قول إبي علي الفارسي في "الحجة" 3/ 333 - 335، بتصرف. وانظر: "معاني القراءات" 1/ 367، و"إعراب القراءات" 1/ 162، و"الحجة" لابن زنجلة ص 257، و"الكشف" 1/ 436.]] وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قال ابن جريج: (خوفوه آلهتهم أن يصيبه منها خبل فقال: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾) [[أخرجه الطبري 7/ 253 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 49.]]، وقال أبو إسحاق: (أي: هذه الأشياء التي تعبدونها [[في (أ): (يعبدونها).]] لا تضر [[في (ش): (لا يضر ولا ينفع).]] ولا تنفع ولا أخافها ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾، أي: إلا أن يشاء أن يعذبني، وموضع (أن) نصب، أي: لا أخاف إلاَّ مشيئة الله) [["معاني الزجاج" 2/ 268 - 269، وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 152 - 156.]]، والتقدير: لكن أخاف مشيئة ربي يعذبني [[في (ش): (تعذبني).]] و (إلا) هاهنا بمعنى: لكن، والاستثناء [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 561، و"معاني النحاس" 2/ 453، وابن عطية 5/ 266، و"التبيان" ص 244، و"الفريد" 2/ 180، و"الدر المصون" 5/ 19.]] منقطع، وهو كما تقول: لا أخاف من السلطان شيئًا إلا أن يظلمني غيره. وقال ابن عباس [[لم أقف عليه.]]: (يريد: أن المشيئة والأسقام والأمراض إليه)، وهذا يدل على أنهم قالوا له: أما تخاف أن تمسَّك آلهتنا بسوءٍ.

الأنعام 6:81

قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ﴾ معناه: الإنكار للخوف، وهو سؤال تعجيز عن تصحيح الخوف بالبرهان. وقوله تعالى: ﴿مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ يعني: الأصنام [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 253، وابن عطية 5/ 266.]]: ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما ليس لكم فيه حجة) [["تنوير المقباس" 2/ 36، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 71، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 171، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1332 بسند جيد عن ابن عباس قال: (كل سلطان في القرآن حجة)، قال ابن أبي حاتم بعده: (وروي عن أبي مالك ومحمد بن كعب وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والسدي مثله) اهـ.]]، والسلطان قوة وحجة يتمكن بها ويتسلط، وقد برق القول فيه [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 212 أ، ونسخة تشستربتي 2/ 32 أ، 33/ ب.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أي: أحق بأن يأمن العذاب الموحّد أم المشرك [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 269، والنحاس 2/ 453، وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 153.]].

الأنعام 6:82

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال ابن عباس: (هذا من قول إبراهيم لقومه) [[ذكره القرطبي 7/ 30، وهو اختيار الرازي 13/ 60، وأبو حيان في "البحر" 4/ 171، وحكاه النحاس في "معانيه" 2/ 453 عن مجاهد.]] يريد: أن هذا من تمام كلام إبراهيم في المحاجة، كما يسأل العالم ويجيب نفسه. وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري 7/ 255 بسند جيد عن ابن جريج، وذكره ابن عطية 5/ 267، والقرطبي 7/ 30، ولم أقف عليه عن ابن زيد.]]: (هذا من قول [[لعله يريد المشركين منهم، قال الطبري 7/ 255: (لو كان من قول قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الأوثان ويشركونها في عبادة الله لكانوا قد أقروا بالتوحيد واتبعوا إبراهيم على ما كانوا يخالفونه فيه من التوحيد) اهـ.]] قوم إبراهيم لإبراهيم أجابوه لما سألهم أي الفريقين أحق بالأمن؟ بما فيه حجة عليهم). وقال ابن جريج: (هذا من قول الله تعالى على جهة فصل القضاء بذلك بين إبراهيم ومن حالفه) [[أخرجه الطبري 7/ 254 بسند جيد عن ابن زيد وابن إسحاق. وذكره ابن عطية 5/ 267، ولم أقف عليه عن ابن جريج، وأخشى أن يكون الناسخ أو الواحدي وهم في نسبة الأقوال، فالقول الأول مشهور عن ابن جريج. والثاني عن ابن زيد، والظاهر أن الآية خبر من الله سبحانه وتعالى وهو اختيار الطبري 7/ 255، وابن عطية 5/ 268، وابن كثير 2/ 170، قال ابن عطية: (هذا هو البين الفصيح الذي يرتبط به معنى الآية ويحسن رصفها) اهـ. وقال ابن القيم، كما في "بدائع التفسير" 2/ 153: (في هذه الآية حكم الله سبحانه بين الفريقين بالحكم العدل الذي لا حكم أصلح منه) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال ابن عباس: (لم يخلطوا إيمانهم بشرك) [[أخرجه الطبري 7/ 257 من طرق جيدة، انظر: "الدر المنثور" 3/ 49، وانظر: معنى الظلم في "الزاهر" 1/ 116.]]. وقال سعيد بن جبير: (﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: بكفر وشرك) [[أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1333 بسند جيد وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 50.]]. وروى علقمة عن ابن مسعود: (قال لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله! وأينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول (: "ليس ذلك، إنما هو [الشرك] [[في (ش): (شرك).]]، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]) [[أخرجه البخاري في تفسير سورة لقمان، ومسلم (4776)، (197 - 198)، مع بعض الاختلاف؛ وانظر: شرحه في "شرح مسلم" للنووي 2/ 187 - 188، و"الفتاوى" لشيخ الإسلام 7/ 79 - 80، و"فتح الباري" 1/ 87 - 89.]] ". وقال ابن جريج: (لم يختلفوا في أن الظلم هاهنا الشرك) [[لم أقف عليه. وهو قول مشهور عن عامة السلف، قال ابن أبي حاتم 4/ 1333: (روي عن أبي بكر الصديق وعمر وسلمان وحذيفة وأبي بن كعب وابن عمر وعمرو ابن شرحبيل وابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي ومجاهد والنخعي وعكرمة وقتادة والضحاك والسدي أنهم قالوا: (الظلم هاهنا الشرك) اهـ. وأخرجه الطبري 7/ 257/ 258 من طرق عن هؤلاء وغيرهم، ورجحه الطبري. وانظر: "الفتاوى" لشيخ الإسلام 7/ 97 - 82، و"بدائع التفسير" 2/ 153 - 157، و"البحر" 4/ 171.]]، وهذه الآية دليل أن من مات لا يشرك بالله وجب أن يكون عاقبته الأمن من النار [[لعل المراد الأمن من الخلود في النار. انظر: "تفسير الطبري" 7/ 259، والرازي 13/ 60، والخازن 2/ 154.]]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ قال ابن عباس: (يريد: من العذاب، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يريد: أرشدوا إلى دين الله) [["تنوير المقباس" 2/ 37، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 73.]].

الأنعام 6:83

قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ الآية، أشار إلى ما جرى بينه وبين قومه من المجادلة وإلزامه إياهم الحجة حتى أفحمهم بها. قال الفراء: (وذلك أنهم قالوا له: أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لسبك إياها؟ فقال لهم: [أفلا] [[في (ش): (ألا).]] تخافون أنتم ذلك منها إذ سويتم بين الصغير والكبير أن يغضب الكبير إذا سويتم به الصغير؟ ثم قال لهم: أمن يعبد إلهًا واحداً أحق أن يأمن أمّن يعبد آلهة شتّى؟ فقالوا: من يعبد إلهًا واحداً. فقضوا على أنفسهم، فذلك. قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾) قال ابن عباس: (يريد: ألهمناها إبراهيم [وأرشدناه] [[في (ش): (وأرشده).]] إليها) [["تنوير المقباس" 2/ 37، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 75.]]. وقوله تعالى ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قال الحسين بن الفضل: (يعني: مراتبهم بالعلم والفهم والفضيلة والعقل) [[لم أقف عليه. وما ذكره هو اختيار البغوي في "تفسيره" 3/ 164، والقرطبي 7/ 30، وانظر: "زاد المسير" 3/ 78، و"تفسير الرازي" 13/ 62.]].

الأنعام 6:84

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1336 بسند جيد، وذكره القرطبي 7/ 30، وأبو حيان في "البحر" 4/ 173، والسيوطي في "الدر" 3/ 52، وهو في "تنوير المقباس" 2/ 38، وقول عطاء كما في "الوسيط" 1/ 75، و"زاد المسير" 3/ 79 وذكره السمرقندي 1/ 499، عن الضحاك.]]: (يريد: من ذرية إبراهيم). وقال الفراء [["معاني الفراء" 1/ 342.]] وغيره [[وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 573، والكلبي، كما ذكره السمرقندي 1/ 499، وذكره ابن الجوزي 3/ 79 (عن أبي صالح عن ابن عباس).]]: (الهاء في ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ لنوح). قال الزجاج: (كلا القولين جائز؛ لأن ذكرهما جميعًا قد جرى) [["معاني الزجاج" 2/ 269.]]. قال العلماء بالنسب: (الأولى [[في (أ): (الألى)، وهو تحريف.]] أن تعود الكناية إلى نوح؛ لأنه ذكر في جملة من عُدّ من [[في (ش): (في هذه). ويونس ولوط عليهما السلام ذكرا في الآية 86 من سورة الأنعام.]] هذه الذرية يونس ولوط، ولا شك أنهما لم يكونا من ذرية إبراهيم) [[هذا اختيار الجمهور ومنهم الطبري 7/ 260، والبغوي 3/ 165، وابن عطية 5/ 269، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 173: (عود الضمير إلى نوح لأنه أقرب مذكور ظاهر لا إشكال فيه، وعوده إلى إبراهيم لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل عليه لوط فإنه ليس من ذرية إبراهيم، اللهم إلا أن يقال: إنه داخل في الذرية تغليبًا) ا. هـ. ملخصًا، وانظر: ابن الجوزي 3/ 79، والرازي 13/ 64، والخازن 2/ 155.]]. 86 - وقوله تعالي: ﴿وَالْيَسَعَ﴾ وقرأ حمزة [[قرأ حمزة والكسائي (والليسع) بلامين الأولى ساكنة والثانية مفتوحة مشددة وسكون الياء، وقرأ الباقون بلام واحدة ساكنة وفتح الياء. انظر: "السبعة" ص 262، و"المبسوط" ص 171، و"التذكرة" 2/ 404، و"التيسير" ص 104، و"النشر" 2/ 260.]] والكسائي (والليسع) بتشديد اللام، والمعنى واحد في أنه اسم لنبي معروف، واللام الواحدة أشهر في اسمه. قال الزجاج: (يقال فيه: اليسع والليسع بتشديد اللام وتخفيفه) [["معاني القرآن" 2/ 269.]]. قال الفراء [["معانى الفراء" 1/ 342.]]: (والتشديد أشبه بأسماء العجم من الذين يقولون: اليسع ولا تكاد العرب تُدخل الألف واللام فيما لا يجري مثل: يزيد ويعمر، فإن أدخلت أدخلت للمدح بتفخيم الاسم على طريق النادر، وأنشد: وَجَدْنَا الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدًا بأعباء الخِلافِة كاهِله) [[البيت لابن ميادة الرماح بن أبرد، وقد سبق الكلام عليه.]] قال أبو علي: (الأسماء الأعلام لا تدخل [[في النسخ: (يدخل) بالياء والأولى، بالتاء كما في "الحجة" 3/ 338.]] عليها الألف واللام، وذلك أن تعليقها على من تُعلق عليه وتخصيصها يغني عن الألف واللام، فإنهما يدخلان للتعريف ولا حاجة إلى التعريف هاهنا، فأما العباس والحارث [[في (ش): (الحرث والقسم).]] والقاسم والحسن فإنما دخلت الألف واللام فيها على تقدير أنها صفات جارية على موصوفين، فإن لم يقدر [[في (ش): (تقدر).]] هذا التقدير لم يلحقوه الألف واللام، وقالوا: حارث وعباس وقاسم على المذهبين، جاء [ذلك] [[لفظ: (ذلك) ساقط من (أ).]] في كلامهم، وقد جمع الأعشى الأمرين في بيت واحد فقال [["ديوانه" ص 99، و"إصلاح المنطق" ص 401، و"الاشتقاق" ص 296، و"تهذيب اللغة" 1/ 705، و"المبهج" ص 65، و"الصحاح" 3/ 1034، و"المخصص" 1/ 102، و"اللسان" 2/ 1051 (حوص)، والحوص: هم قوم علقمة بن علاثة بن الأحوص، والأحاوص: أولاده. وعبد عمرو بن الأحوص: زعيمهم. انظر: "تهذيب إصلاح المنطق" 2/ 313. والشاهد: جمع الأحوص على الحوص بالنظر إلى كونه في الأصل وصفًا، وعلى الأحاوص بالنظر إلى الاسمية.]]: أَتَانِي وَعِيدُ الحُوصِ مِنْ آلِ جَعْفَرٍ ... فَيَا عَبْدَ عَمْرٍو لَوْ نَهَيْتَ الأَحَاوِصَا فجمع الأحوص على ضربين، حيث جعله نعتًا جمعه على فُعْل نحو: أحمرِ وحمرٍ، وحيمث جعله [اسما] [[لفظ: (اسما) ساقط من (أ).]] محضا جمعه على أفاعَل نحو: الأفاكل [[الأفاكِل: أولاد أفكل أبو بطن من العرب، والأفْكَل عمرو بن جُعَيد الدَّيل سيد ربيعة في الجاهلية، ولَقَب للشاعر الجاهلي الأفوه الأوْدِيِّ لِرعْدة كانت فيه. انظر: "الاشتقاق" ص 325، و"اللسان" 6/ 3453 (فكل).]] والأرامل [[الأرامل: المساكين. انظر: "اللسان" 3/ 1735 (رمل). وجاء في (ش): (الأزامل).]]، وكذلك في الحارث والعباس الوجهان جميعا، فأما قول ابن مقبل [[تميم بن أُبَيِّ بن مُقْبل العجلاني، شاعر جاهلي مخضرم، أدرك الإسلام فأسلم وعُمِّر طويلاً، يتميز شعره بالمفردات الغريبة والأوصاف الجاهلية، وتوفي سنة 25هـ، وله نحو 120 سنة. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 143، و"الشعر والشعراء" ص 297، و"الإصابة" 1/ 187، و"الأعلام" 2/ 87، و"معجم شعراء لسان العرب" ص 341.]]: والتَّيمُ أَلأَمُ مَنْ يَمْشي وأَلأَمُهُمْ ... ذُهْلُ بنُ تَيْمٍ بَنُو السُّودِ المَدانِيسِ [[الشاهد لجرير في "ديوانه" ص 252، و"كتاب الشعر" 1/ 38، و"المخصص" 16/ 102، و"اللسان" 5/ 2590 (ضغبس)، والمدانيس جمع مدناس، وهو كثير الدنس أي الوسخ في الثوب والعِرض. والشاهد: والتيم، وابن تيم: فألحق مرة ولم يلحق أخرى، وفي "الديوان" (أوْلاد ذُهْلٍ بَنُو السود)، وعليه فلا شاهدًا فيه. ونسبته إلى ابن مقبل لعلها سبقة نظر في النقل من "الحجة" للفارسي 3/ 341 حيث ذكر فيها شاهد لابن مقبل ثم آخر لجرير فذكر الواحدي وابن مقبل ثم انتقل نظره إلى بيت جرير. والله أعلم.]] فإنه يحتمل أمرين: يجوز أن يكون بمنزلة العباس، وذلك أن التيم مصدر، والمصادر قد أجريت مجرى أسماء الفاعلين، ألا ترى أنه قد وصف بها كما وصف بأسماء الفاعلين نحو قولهم: رجل عدل، بمنزلة عادل، وجمع جمعها نحو: نور ونوار، وكما يقولون: مانع ومَنَّاع، وقالوا أيضًا: سيل وسوائل، كما يقال في جمع سائلة، فلما كان مثلها أجراه مجراها، وعلى هذا قالوا: الفضل في اسم رجل، كأنهم جعلوه الشيء الذي هو خلاف النقص. والآخر: أن يكون تيمي وتيم كزنجي وزنج ويهوديّ ويهودٍ، وفي التنزيل ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ [البقرة: 113] فاليهود إنما هو جع يهودي ولو لم يكن جمعًا لم تدخل [[في (ش): (يدخل).]] اللام؛ لأن يهود جرت عندهم اسمًا للقبيلة، وعلى هذا ينشد [[الشاهد: للأسود بن يعفر النهشلي شاعر جاهلي. في "ديوانه" ص 61، و"مجالس ثعلب" ص 521، و"كتاب الشعر" 1/ 4، و"العسكريات" ص 144، و"المستقصى" للزمخشري 2/ 144، و"اللسان" 4/ 2502 (صمم)، وصمى: زيدي، وصمام: اسم للداهية الشديدة، وهو مثل يضرب للداهية تقع فتستفظع. انظر: "جمهرة الأمثال" 1/ 475، و"مجمع الأمثال" 1/ 498.]]: فَرَّتْ يَهُودُ وأسْلَمَتْ جيِرانَها ... صَمِّي لِمَا فَعَلتْ يَهُودُ صَمَامِ وفي حديث القسامة [[القسامة: مصدر أقْسَمَ بمعنى حَلَف، وهي الأيمان المكررة في دعوى القتل. انظر: "المغني" لابن قدامة 12/ 188.]]: "تقسم [[في (ش): (يقسم) بالياء.]] يهود" [[حديث القسامة متفق عليه، أخرجه البخاري (6898)، كتاب الديات، باب: القسامة، ومسلم (1669 - 1670)، بألفاظ مختلفة، وملخص الحديث: (أن عبد الله بن سهل الأنصاري وجد مقتولًا في خيبر فاتهموا اليهود في قتله، فقال رسول الله ﷺ: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم" قالوا: لا. قال: "فتحلف لكم يهود" قالوا: ليسوا بمسلمين، فكره النبي ﷺ أن يبطل دمه فعقله من عند). والشاهد في الحديث والبيت: لفظ: يهود، حيث لم يصرف على أنه علم للقبيلة، وانظر: شرح الحديث في "شرح مسلم" للنووي 11/ 143، و"فتح الباري" 12/ 231.]]. ومن الصفات الغالبة التي تجرى مجرى [[في (أ) تكرار لفظ: (مجرى).]] الحارث والقاسم قولهم: النابغة، فالنابغة وصف جرى مجرى الأعلام وغلب هذا الوصف حتى جرى مجرى العلم وسدّ مسدّه فصار يعرف به كما يعرف بالعلم مثل الحَارث ونحوه، قد نزل منزلة الاسم العلم لما غلب هذا الوصف على المسمى به فجرى الوصف الغالب مجرى العلم، ولما سدّ مسدّه وكفى منه أجري مجراه في طرح الألف واللام منه كما قال: ونابِغةُ الجَعْدِيِّ بالرَّمْلِ بَيتُهُ [[الشاهد لِمسْكِين الدارمي، شاعر أموي، في "ديوانه" ص 49، و"الكتاب" 3/ 244، و"المقتضب" 3/ 373، و"كتاب الشعر" 2/ 532، و"التكملة" ص 255، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 360، و"اللسان" 7/ 4834 (وسط)، وعجزه: عليه صَفِيحٌ مِنْ رُخامٍ مرصَّع. والشاهد: ونابغة؛ حيث حذف أل؛ لأنها كانت للمح الأصل، وهو الوصف بالنبوغ، فلما نظر إلى الأصل نزل منزلة الأعلام وغلبت عليه الاسمية فلم تدخل عليه أل.]] فأما لام اليسع فهي زائدة) [["الحجة" للفارسي 3/ 337 - 345 بتصرف واختصار. وانظر: "معاني القراءات" 1/ 368، و"إعراب القراءات" 1/ 163، و"الحجة" لابن خالويه ص 144، ولابن زنجلة ص 259، و"الكشف" 1/ 438.]] -وقد ذكرنا زيادة هذه اللام في الذي والتي وبابهما- وفي الآن عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [[(لفظ قالوا): ساقط من (أ).]] [البقرة: 71]، ومما جاءت اللام فيه زائدة قولهم: اللات والعزّى، وسنذكر [[ورد ذلك في سورة النجم آية 19، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قال الواحدي في "البسيط": (اللام فيهما زائدة ، وهو قول الأخفش وابن جني) اهـ.]] ذلك إذا انتهينا إليه إن شاء الله. وقولهم: الخَمْسَةَ العَشَرَ درهمًا، حكاه الأخفش [[حكاه الفارسي في "الحجة" 3/ 348، ولم أقف عليه في "معانيه". وجزم الفارسي في "الحلبيات" ص 289 - 290، بزيادة اللام في (اللات والعزى)؛ لأنهما علم، وكذلك اللام في الخمسة العشر درهما؛ لأنهما اسمان جعلا اسما واحداً، وانظر: "الأصول" 2/ 312، و"التكملة" ص 262، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 365.]]، ألا ترى أنها اسم واحد، ولا يجوز أن يتعرف اسم واحد تعريفين، وإذا كان كذلك علمت زيادة اللام في الخمسة العشر درهما، ومما جاءت اللام فيه زائدة أيضًا ما أنشده الفراء [["معاني القرآن" 1/ 342.]]: وجدنا الوليد بن اليزيد وقد ذكرناه آنفًا، فأما (الليسع) فإنه ليسع أدخلت عليه الألف واللام وهما فيه كهما في اليسَع، ألا ترى أنه لم يجيء في الأسماء الأعجمية في حال التعريف نحو: إسماعيل [[في (ش): نحو (إبراهيم وإسماعيل).]] وإبراهيم شيء على هذا النحو، وإذا كان كذلك كان الليسع بمنزلة اليسع في أنه خارج عما كانت عليه الأسماء الأعجمية المعربة [[ما تقدم قول الفارسي في "الحجة" 3/ 348 - 450.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾ قال ابن عباس: (وهو ابن أخيه) [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 31، وأبو حيان في "البحر" 4/ 173.]] يعني: ابن أخي إبراهيم صيره في هذا الموضوع ابنه. وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني: وكل الأنبياء، على هذا دل كلام ابن عباس فقال: (يريد: المرسلين) [["تنوير المقباس" 2/ 38، وفيه قال: (كل هؤلاء الأنبياء فضلنا بالنبوة والإسلام) ا. هـ.]]، وقيل: وكلًّا من المذكورين هاهنا فضَّلنا على عالمي زمانهم [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 165، وابن الجوزي 3/ 80.]].

الأنعام 6:87

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾، قال أبو إسحاق: (أي: هدينا هؤلاء الذين ذكرناهم وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم) [["معاني الزجاج" 2/ 269.]]، فمن هاهنا للتبعيض [[هذا قول الجمهور، وهو الظاهر؛ لأن آباء بعضهم كانوا مشركين. وهو قول البغوي في "تفسيره" 3/ 165، وابن عطية 5/ 273، وابن الجوزي 3/ 80، والقرطبي 7/ 34، وانظر: "الفريد" 2/ 186، و"الدر المصون" 5/ 30.]]، وأعاد ذكر الهداية في [[في (أ): (وأعاد ذكر الهداية وقوله ...).]] قوله: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بعد ما عطف على الهداية في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾؛ لأنه إذا طال الكلام حسن أن يذكر المعنى الذي عليه الاعتماد [[قال السمين في "الدر" 5/ 30: (كرر لفظ الهداية توكيدًا ولأن الهداية أصل كل خير ..).]].

الأنعام 6:88

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ذلك دين الله الذي هم عليه، ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يريد: يرشد إليه من يشاء، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ يريد: من أوليائه، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ يريد: ولو [[(الواو): ساقط من (أ).]] عبدوا غيري، ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ولكني عصمتك وعصمتهم، واخترتك واخترتهم [[في (أ): (واخترهم)، وهو تحريف.]]) [[في "تنوير المقباس" 2/ 39 نحوه، وذكر الواحدي في "الوسيط" 1/ 77، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 80، عن ابن عباس نحوه.]].

الأنعام 6:89

قوله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ قال ابن عباس: (يعني: الكتب التي أنزلها الله عليهم التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى وكتبًا أنزلها الله تعالى كثيرة، وهو أعلم بها. وقوله تعالى: ﴿وَالْحُكْمَ﴾ قال: يعني: العلم والفقه) [[ذكر في "تنوير المقباس" 2/ 39 نحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 166، و"زاد المسير" 3/ 81.]]، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي: بآياتنا؛ قاله الفراء [["معاني الفراء" 1/ 342.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 270. ولم يصرح بأن المراد الآيات، ولكن يظهر من كلامه ذلك فقد قال: (أي: قد وكلنا بالإيمان بها).]]. ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل مكة، في قول ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 264، وابن أبي حاتم 4/ 1339 بسند جد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 312.]] وغيره [[منهم مقاتل في "تفسيره" 1/ 574، الفراء في "معانيه" 1/ 342. وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 264، عن قتادة والضحاك وابن جريج. وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1339 عن سعيد بن المسيب. وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 455 عن مجاهد. واقتصر على هذا القول السمرقندي في "تفسيره" 1/ 499، والبغوي 3/ 166.]]، وقال عطاء عنه: (يريد: الذي كذّبوك) [[لم أقف عليه.]]. ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ قال عبد العزيز بن يحيى: (يعني: أرصدنا لها قوماً وفقناهم لها، وفي هذا دليل على أنهم خلقوا للإيمان بها مخصوصين دون من كفروا فهم آمنوا بتوفيق الله؛ لأنه قال: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ ولم يقل: فقد قام بها، فأضاف ذلك إلى نفسه لا إليهم) [[لم أقف عليه. وذكر نحوه الرازي 13/ 68 بلا نسبة.]]، واختلفوا في المعنى بقوله: (قومًا) فقال ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1339 بسند جيد.]] والضحاك والسدي وابن جريج [[أخرجه الطبري 7/ 264 من طرق جيدة عن ابن عباس والسدي وابن جريج، وبسند ضعيف عن الضحاك. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 52.]] والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 39.]]: (يعني: أهل المدينة الأنصار)، وهو اختيار الفراء [["معاني الفراء" 1/ 342.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾: اختصصنا بها المهاجرين والأنصار [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 81، والقرطبي 7/ 35 بدون نسبة.]]. [وقال الحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 140، وابن عطية 5/ 274، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1339 عن الحسن قال: (الأنبياء والصالحون).]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 213، والطبري 7/ 265، وابن أبي هاشم 4/ 1339 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 52.]]: (هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]، وهذا القول اختيار أبي إسحاق قال: (يعني بذلك: الأنبياء الذي ذكروا، آمنوا بما أتى به النبي في وقت مبعثهم؛ لقوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:90] أي: اصبر كما صبروا، فإن قومهم قد كذبوهم فصبروا على ما كُذبوا وأوذوا فاقتدِ بهم) [["معاني الزجاج" 2/ 270، وهذا أيضًا اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 266، والنحاس في "معانيه" 2/ 456.]]. وقال أبو رجاء: (يعني الملائكة) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 265، وابن أبي حاتم 4/ 1339 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 52.]]، وهذا كالمستبعد؛ لأن اسم القوم قل ما يقع على غير بني آدم [[ونحو هذا قال الرازي 13/ 68، وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 158: (هذا قول ضعيف جدًّا لا يدل عليه السياق وتأباه لفظه (قوما)، إذ الغالب في القرآن بل المطرد تخصيص القوم ببني آدم دون الملائكة) اهـ وانظر: "اللسان" 12/ 505 (قوم).]]. وقال مجاهد: (هم الفرس) [[لم أقف عليه.]]. وقال الزهري: (هم العجم) [[لم أقف عليه.]]، وقال أبو روق: (هم علماء أهل الكتاب الذين آمنوا) [[ذكره الرازي 13/ 68، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 219 قال: (النبيين والصالحين)، وحكى البغوي في "تفسيره" 3/ 166 عن مجاهد قال: (يعني: الأنصار وأهل المدينة)، وذكره ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 161 عن ابن عباس ومجاهد، وقال الإمام أحمد كما في مروياته في "التفسير" 2/ 120: (هم أهل المدينة) اهـ.]]، وقال ابن زيد: (كل من لم يكفر فهو منهم ملكًا كان أو نبيًّا، ومن الصحابة كان أو من التابعين) [[ذكره الرازي 13/ 68، والخازن 2/ 156، والظاهر أن الآية عامة فيمن كفر ومن آمن إلى يوم القيامة، ويحمل ما ورد على التمثيل، وأول من يدخل كفار مكة ومن آمن من المهاجرين والأنصار، وهو اختيار ابن عطية 5/ 274، وابن كثير 2/ 174، وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 158 - 162: (الإشارة بقوله: (هؤلاء) إلى من كفر به من قومه أصلاً ومن عداهم تبعاً، فيدخل فيها كل من كفر بما جاء به من هذه الأمة، والقوم الموكلون بها هم الأنبياء أصلاً، والمؤمنون بهم تبعًا فيدخل كل من قام بحفظها والذب عنها والدعوة إليها، ولا ريب أن هذا للأنبياء أصلًا وللمؤمنين بهم تبعًا، وأحق من دخل فيها من أتباع الرسول خلفاؤه في أمته وورثته، فهم الموكلون بها وهذا ينتظم في الأقوال التي قيلت في الآية) اهـ.]]. قال أهل المعاني: (هذه الآية تتضمن البيان عن أن الله تعالى سيحوط نبيه عليه السلام وينصر دينه بهؤلاء المؤمنين الذين أرصدهم للإيمان به حتى يستعلي على كل من عاداه وناوأه، ولا يضرّه كفر هؤلاء، وفيه تقريظ للمؤمنين وتقريع لهؤلاء الكافرين) [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 69، والخازن 2/ 156.]].

الأنعام 6:90

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ الآية، هذه الآية متصلة بالأولى على قول الحسن وقتادة والزجاج؛ لأنه في ذكر النبيين الذين تقدم ذكرهم إذ هم الموكلون بآيات الله، وعلى قول الباقين رجع إلى ذكر النبيين [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 266.]]، وفي قوله ﴿هَدَى اللَّهُ﴾ دليل على أنهم مخصوصون بالهدى؛ لأنه لو هدى جميع المكلفين لم يكن لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ فائدة وتخصيص [[ذكره الرازي 13/ 70 عن الواحدي.]]. وقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، قال الكلبي: (فبشرائعهم وبسنتهم اعمل) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 78، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 81.]]، وذكرنا قول أبي إسحاق [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 270.]] في هذا، ومعنى الاقتداء في [[انظر: "الجمهرة" 2/ 677، و"الصحاح" 6/ 2459، و"مجمل اللغة" 3/ 746 ، و"مقاييس اللغة" 5/ 66، و"اللسان" 6/ 3556 (قدا).]] اللغة: طلب موافقة الثاني للأول في فعله. قال الليث: (القدو [[القدو: بفح القاف، وسكون الدال وبعدها واو.]] أصل البناء الذي [ينشعب] [[في (ش): (يتشعب).]] منه تصريف الاقتداء ويقال: قِدوة [[قدوة: بكسر القاف وضمها، وسكون الدال.]] وقُدوة لما يُقتدى [[في (ش): (ولما يقتدى به)، وهو تحريف.]] به) [["تهذيب اللغة" 3/ 2893 (قدا).]]، اللحياني عن الكسائي [["تهذيب اللغة" 3/ 2893.]]: (يقال: لي بك قُدْوة وقِدْوة وقِدَة) [[جاء في (ش): (يقال: لي بك قدوة وقدوة وقدوة)، وهو تحريف والصواب: قدوة، بكسر القاف وضمها، وقدة: بكسر القاف وفتح الدال بعدها هاء، كما ورد في المراجع السابقة.]]. واختلف القراء [[قرأ حمزة والكسائي: (اقتد قل) بغير هاء في الوصل. وقرأ ابن عامر: (اقتده قل) بكسر الدال ويشم الهاء الكسر في الوصل من غير بلوغ ياء، وروي عنه: (اقتدهي قل) بياء بعد الهاء في الوصل. وقرأ الباقون: (اقتده) بهاء ساكنة في الوصل والوقف. ولا خلاف بينهم أنه بهاء ساكنة في الوقف. انظر: "السبعة" ص 262، و"المبسوط" ص 171، و"الغاية" ص 245، و"التذكرة" 2/ 404، و"التيسير" ص 105.]] في الهاء من قوله: (اقتده)، فالأكثرون أثبتوها في الوصل والوقف ساكنة، والوجه الإثبات في الوقف والحذف في الوصل؛ لأن هذه الهاء في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء في أن الهاء للوقف كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن، فكما لا تثبت [[في (ش): (لا يثبت)، بالياء.]] الهمزة في الصلة فكذلك ينبغي أن لا تثبت [[في (ش): (لا يثبت)، بالياء.]] الهاء، إلا أن هؤلاء الذين أثبتوا راموا [[نقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 13/ 71، وهذا القول فيه نظر؛ لأن القراءة سبعية مأخوذة بالرواية، وقد ذكر هذا القول عن الواحدي القاسمي في "تفسيره" 6/ 619، وذكر عن الخفاجي أنه قال: (إن هذا مما لا ينبغي ذكره؛ لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل تقليد للخط، فمن قاله فقد وهم) اهـ.]] موافقة المصحف، فإن الهاء ثابتة في الخط فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل فأثبتوا. والاختيار عند النحويين [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 281، و"معاني الزجاج" 2/ 270، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 564.]] الوقف على قوله (اقتده) لتمام الكلام هاهنا ولكون [[في (أ)، (ش): (وليكون) والصواب: ولكون.]] الهاء ثابتة للاستراحة؛ لأنك إن أدرجت بالهاء [[في (ش): (أدرجت، الهاء).]] خالفت القياس المستمر في حذف حرف الاستراحة، وإن أسقطت الهاء في الإدراج خالفت خط المصحف، وأما حمزة والكسائي فإنهما يقفان بالهاء ويصلان بغير هاء. قال أبو علي: (وقول حمزة والكسائي القياس، وفي ترك قول الأكثر ضرب من الاستيحاش وإن كان الصواب والقياس ما قرأ) [["الحجة" لأبي علي 3/ 352.]]. وقرأ ابن عامر (اقتدِه) بكسر الدال وبشمِّ الهاء الكسر من غير بلوغ ياء، قال أبو بكر بن مجاهد [[أبو بكر بن مجاهد: أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي، تقدمت ترجمته.]]: (وهذا غلط لأن هذه الهاء هاء وقفٍ لا تعرب في حال من الأحوال وإنما تدخل لتتبين [[في (ش): (يدخل لتبيين). وانظر: "البغداديات" ص 152.]] بها حركة ما قبلها) [["السبعة" ص 262، ونحوه قال النحاس في "إعرابه" 1/ 564، وابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 164، وفي "الحجة" لابن خالويه ص 145 قال: (وهذا قول ضعيف مردود؛ لأنها قراءة سبعية)، قال أبو حيان في "البحر" 4/ 176: (تغليط ابن مجاهد غلط) اهـ، وانظر: "الدر المصون" 5/ 32.]]. قال أبو علي: (ليس بغلط، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي تلحق [[في (ش): (يلحق)، وانظر: "كتاب الشعر" 2/ 501.]] للوقف، وحَسُن إضمار المصدر لذكر الفعل الدال عليه كما أضمر في قوله تعالى: (﴿ولا تحسبن [[قراءة المصحف بالياء، وهي قراءة الجمهور، وقرأ حمزة بالتاء. انظر: "السبعة" ص 219، و"الحجة" لأبي علي 3/ 100.]] الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم﴾ [آل عمران: 180] وعلى هذا قول الشاعر [[لم أقف على قائله، وهو في "الكتاب" 3/ 67، و"الأصول" 2/ 193، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 91، و"المقرب" 1/ 115، و"رصف المباني" ص 320، 382، و"اللسان" 4/ 1999 (سرق)، و"الدر المصون" 5/ 32، والرشا بضم الراء وكسرها جمع رشوة، وهو يصف مقرئًا بقبول الرشوة والحرص عليها كحرص الذئب على فريسته. والشاهد: يدرسه: حيث جاءت الهاء مفعولًا مطلقًا ترجع إلى المصدر المدلول عليه بالفعل وهو مضمون الدرس، أي: يدرس الدرس. انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 587.]]: هذا سُرَاقَةُ لِلقُرْآنِ يَدْرُسُهُ ... والمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إِنْ يَلْقَها ذِئبُ فالهاء كناية عن المصدر، ودل يدرسه على الدرس، ولا يجوز أن يكون ضمير القرآن؛ لأن الفعل قد تعدى إليه باللام فلا يجوز أن يتعدى إليه وإلى ضميره، كما أنك إذا قلت: أزيدًا ضربته، لم تنصب [[في (ش): (ينصب).]] زيدًا بضربت لتعديه إلى الضمير، فإذا لم يجز ذلك علمت أنه للمصدر، فكذلك قراءة ابن عامر: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ يكون اقتد الاقتداء، فتضمر [[في (ش): (فيضمر).]] الاقتداء لدلالة الفعل عليه، وقياسه إذا وقف أن يُسكن الهاء؛ لأن هاء الضمير تسكن في الوقف كما تقول: اشتره) [["الحجة" 2/ 375، 3/ 352 - 353، وانظر: "الحجة" لابن زنجلة ص 260،== و"الكشف" 1/ 438، وقال الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 370، في توجيه قراءة ابن عامر: (جعلها اسمًا ولم يجعلها هاء السكت؛ لأنها لو كانت عنده هاء السكت ما جرها، والمعنى: فبهداهم اقتد اقتداء، وهو مذهب حسن في اللغة) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: مالاً تعطونيه) [[لم أقف عليه. وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1340 بسند ضعيف عنه قال: (يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضا من عرض الدنيا) اهـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 53.]]، وقال [الكلبي] [[لفظ: (الكلبي) ساقط من (أ).]]: (جعلًا على القرآن ولا رزقًا) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 40.]]، ﴿إِنْ هُوَ﴾ يعني: القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: موعظة للخلق أجمعين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 79، وفي "تنوير المقباس" 2/ 40 نحوه.]] فالقرآن هو المذكر بكل ما يحتاج إليه العباد في دينهم من حجة بيّنة وموعظة بليغة [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 72، والخازن 2/ 157، والقاسمي 6/ 619.]]. قال أهل المعاني: (قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ مما أمر به من هدى النبيين والاقتداء بهم في ذلك، وذلك أن من الاقتداء بالنبيين ترك طلب الأجر من الناس على دعائهم إلى الله عز وجل وتبيين طريق الحق لمن التمسه، فكأنه يقول: فبهدى الأنبياء حيث لم يسألوا أجرًا اقتد و ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [[جاء في (ش): تكرار قوله (اقتد وقيل لا أسألكم عليه أجرًا).]]. كما قالوا) [[انظر: الرازي 13/ 72، والخازن 2/ 157.]]. وقال أهل العلم: (وهذه الآية تدل على أن شريعة محمد ﷺ وشريعة الأنبياء الماضين [[أي في التوحيد، أما أعمال الشرائع فمختلفة، انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 276، والرازي 13/ 71 - 72، والقرطبي 7/ 35 - 36، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في "الفتاوى" 19/ 7: (وشرع من قبلنا إنما هو شرع لنا فيما ثبت أنه شرع لهم دون ما رووه لنا) اهـ.]] واحد [[الأولى: واحدة لأنها خبر عن الشريعة فتوافقها في التأنيث.]] حيث أمر بالاقتداء بهم، وكل شيء ثبت عن نبي من الأنبياء ما لم ينسخ فعلينا الأخذ به).

الأنعام 6:91

قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قال ابن عباس: (يقول: ما عظموا الله حق تعظيمه) [["تنوير المقباس" 2/ 40، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 79، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 83، والرازي في "تفسيره" 13/ 72، والخازن 2/ 157، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 266، والجوهري في "الصحاح" 2/ 786، وابن كثير 2/ 174. وقال ابن فارس في "مقاييس اللغة" 5/ 63، في الآية: (قال المفسرون: ما عظموا الله حق عظمته، وهذا صحيح، وتلخيصه أنهم لم يصفوه بصفته التي تنبغي له تعالى) اهـ. وانظر: "مجمل اللغة" 3/ 745 (قدر).]]. وهو قول الحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 141، وابن الجوزي 3/ 83، والقرطبي 7/ 37.]] والفراء [["معاني الفراء" 1/ 343.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 271.]]، وروي عن ابن عباس [أيضًا (ما آمنوا أن الله على كل شيء قدير) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 268، وابن أبي حاتم 4/ 1341 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 53.]]. وقال أبو العالية [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]]: (ما وصفوه حق صفته) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 79، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 83، والرازي 13/ 72، والخازن 2/ 157.]]، وهو قول الليث [["تهذيب اللغة" 3/ 2897، وانظر: "العين" 5/ 113.]] من أهل اللغة، وقال الأخفش [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 72، والخازن 2/ 157، ولم أقف عليه في "معانيه".]] وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 200، وهو قول اليزيدي في "غريب القرآن" ص 139، وذكر هذا القول النحاس في "معانيه" 2/ 456 - 457، وقال: (هذا قول حسن؛ لأن معنى قدرت الشيء وقدرته: عرفت مقداره، ويدل عليه قوله جل وعلا: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:91]، أي: لم يعرفوه حق معرفته، إذ أنكروا أن يُرسل رسولاً، وقيل: المعنى: وما عظموا الله حق عظمته، ومن هذا لفلان قَدرٌ، والمعنيان متقاربان) اهـ.]]: (ما عرفوه حق معرفته) ويقال: قدر [[قدر الشيء: بفتح القاف والدال يَقْدِرُه، قَدْرًا، انظر: "الجمهرة" 2/ 635، و"اللسان" 6/ 3547 (قدر).]] الشيء: إذا حزره وسبره وأراد أن يعلم مقداره، يقدره بالضم، قَدْرًا، ومنه قوله عليه السلام: " إن غمّ عليكم فاقدروا له" [[الحديث متفق عليه أخرجه البخاري (1906)، كتاب الصوم، باب قول النبي: "إذا رأيتم الهلال" ومسلم (1080) كتاب الصوم، باب وجوب صوم رمضان، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فَاقْدِرُوا له"). وانظر: "شرح مسلم" للنووي 7/ 266، و"فتح الباري" 4/ 120.]]، أي: فاطلبوا أن تعرفوه، هذا أصله في اللغة، ثم [[لفظ: (ثم) ساقط من (ش).]] يقال لكل من عرف شيئًا: هو يقدر قدره، ولا يقدر قدره إذا لم يعرفه بصفاته وما هو منعوت به، فقوله {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} صحيح في المعاني التي ذكرنا [[نقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 13/ 72، وذكر مثل قول الواحدي الخازن في "تفسيره" 2/ 157، وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 279: (هو من توفية القدر والمنزلة فهي عامة يدخل تحتها من لم يعرف ومن لم يعظم وغير ذلك، غير أن تعليله بقولهم: (ما أنزل الله) يقضي بأنهم جهلوا ولم يعرفوا الله حق معرفته إذ أحالوا عليه بعثة الرسل) اهـ. وانظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 168، و"الفتاوى" 13/ 160 - 164، و"بدائع التفسير" 2/ 162.]]. وقوله تعالى. ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: (كان مالك بن الضيف [[مالك بن الضَّيْف: يهودي خاصم النبي عليه السلام، ويقال فيه: ابن الصيف بالصاد المهملة، وهما روايتان فيه، ذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" 2/ 174.]] رأس اليهود، وكان سمنًا، فأتى رسول الله ﷺ بمكة، فقال له رسول الله ﷺ: "أنشدك باللهِ الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر [[حديث: "إن الله يبغض الحبر السمين" تكلم فيه أهل العلم، قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص 125: (ما علمته في المرفوع). وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيعلي 1/ 443، و"الكافي الشاف" ص 62، و"تمييز الطيب من الخبيث" ص 82، و"الفتح السماوي" 2/ 611، و"كشف الخفاء" 1/ 289.]] السمين؟ "، قال: نعم. قال: "فأنت الحبر السمين، قد سمنت من مأكلتك التي [يطعمك] [[في (أ): (تطعمك).]] اليهود"، فضحك القوم فغضب مالك، وقال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 82، والرازي 13/ 74، وأبو حيان في "البحر" 4/ 176، وذكره أكثرهم بلا نسبة. انظر: "معاني الزجاج" 2/ 271، والنحاس 2/ 457، والسمرقندي 1/ 500، و"غرائب الكرماني" 1/ 370، وابن عطية 5/ 280، وفي "تنوير المقباس" 2/ 40: قال: (نزلت الآية في مالك بن الصيف) اهـ.]]، وهذا قول الحسن [[ذكر هود الهواري 1/ 542، والقرطبي 7/ 37 عن الحسن قال: (نزلت في اليهود).]] وسعيد [[أخرجه الطبري 7/ 267، وابن أبي حاتم 4/ 1342 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 540، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 222 - 223، والرواية فيها الحديث السابق، فهو ضعيف ومرسل.]] بن جبير وعكرمة [[أخرجه الطبري 7/ 267 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 54.]] وأكثر أهل التفسير [[ومنهم مقاتل في "تفسيره" 1/ 574، وانظر: "الرازي" 13/ 74، والخازن 2/ 158.]]، وروي عن ابن عباس: (أن اليهود قالوا: يا محمد، أنزل الله عليك كتابًا؟ قال: "نعم". قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابًا، فأنزل الله هذه الآية) [[أخرجه الطبري 7/ 268، وابن أبي حاتم 4/ 1342 بسند جيد، وأخرج الطبري من طرق جيدة عن محمد بن كعب وقتادة والسدي أنها نزلت في اليهود، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 54، وهو قول الزجاج 2/ 271. وقال ابن كثير 2/ 174: (قال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير: نزلت في قريش، واختاره الطبري، وهو الأصح؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمَّد (لأنه من البشر) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ قال المفسرون [[انظر: الطبري 7/ 269، وأخرج نحوه عن مجاهد وعكرمة.]]: (أي: تكتبونه في قراطيس مقطّعة حتى لا تكون مجموعة لتخفوا منها ما شئتم ولا يشعر بها العوام). (تبدونها) يعني: القراطيس [[انظر: الطبري 7/ 269، والسمرقندي 1/ 500، والبغوي 3/ 167، وابن الجوزي 3/ 84.]] ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: تظهرون بعض ما فيها، ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾: مما لا تهوون) [[في "تنوير المقباس" 2/ 40 نحوه.]]، قرأ أبو عمرو وابن كثير: (يجعلونه) بالياء [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (يجعلون قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا) بالياء في الأفعال الثلاثة على الغيبة، وقرأ الباقون بالتاء في الثلاثة على الخطاب. انظر: "السبعة" ص 262، و"المبسوط" ص 172، و"التذكرة" 2/ 404، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260.]] وكذلك: يبدون، (ويخفون) [[في (ش): (تجعلونه، وتبدون، وتخفون) بالتاء. وفي (أ): (يبدون) والأولى (يبدونها).]]؛ لأنهم غيب، يدل على ذلك قوله [[لفظ: (قوله) ساقط من (ش).]]: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا﴾، ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ﴾، (يجعلونه)، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب أي: قل لهم ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ﴾. قال أبو علي: (ومعنى ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾: تجعلونه ذوات [[فيكون على حذف مضاف، وقال النحاس في "إعرابه" 1/ 565: (تجعلونه في قراطيس) اهـ، وعليه يكون منصوب بنزع الخافض، وهو قول مكي في "المشكل" 1/ 260، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 331، وانظر: "التبيان" 1/ 346، و"الفريد" 2/ 188، و"الدر المصون" 5/ 35.]] قراطيس أي: تودعونه إياها. وقوله تعالى: ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ يحتمل موضعه ضربين: أحدهما. أن يكون صفة للقراطيس؛ لأن النكرة توصف بالجمل [[وهذا قول العكبري في "التبيان" 1/ 346، وقال مكي في "المشكل" 1/ 260: (تبدونها) نعت للقراطيس، وقوله: (وتخفون) مبتدأ لا موضع له من الإعراب. اهـ، وانظر: "الدر المصون" 5/ 36]] والآخر: أن تجعله حالاً من ضمير الكتاب من قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ على أن تجعل الكتاب: القراطيس في المعنى؛ لأنه مكتتب فيها [[قال السمين في "الدر" 5/ 36: (وقد جوز الواحدي في: "تبدون"، أن يكون == حالاً من ضمير الكتاب من قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ على أن تجعل الكتاب القراطيس في المعنى؛ لأنه مكتتب فيها. انتهى. وقوله: على أن تجعل اعتذارًا عن مجيء ضميره مؤنثًا، وفي الجملة فهو بعيد أو ممتنع) اهـ.]]، ومن قرأ بالتاء فحجته قوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الأنعام: 91] فجاء علي الخطاب فكذلك يكون ما قبله) [["الحجة" لأبي علي 3/ 355 - 356، وانظر: في "توجيه القراءة"، و"معاني القراءات" 1/ 370 - 371، و"إعراب القراءات" 1/ 164، و"الحجة" لابن خالويه ص 145، و"الحجة" لابن زنجلة ص260 - 261، و"الكشف" 1/ 440.]]. وقال الفراء في هذه الآية: ([يقول]: [[لفظ: (يقول) ساقط من (أ).]] تبدون [[جاء في (أ): (يبدون ما يحبون ويكتمون ....) بالياء بدل التاء.]] ما تحبون وتكتمون صفة محمد ﷺ) [["معاني الفراء" 1/ 343، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 271.]]. وقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ الأكثرون [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 167، وابن الجوزي 3/ 84. وهو اختار الزمخشري في "الكشاف" 1/ 35، وأبو حيان في "البحر" 4/ 178.]] علي أن هذا خطاب لليهود، يقول: ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ على لسان محمد ﷺ ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾، وقال الحسن في هذا: (جعل لهم علم ما جاء به محمد عليه السلام فضيّعوه ولم ينتفعوا به) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 80، والبغوي في "تفسيره" 3/ 167.]]. وقال مجاهد: (هذا خطاب للمسلمين [يذكرهم النعمة] [[في (ش): (يذكرهم بالنعمة).]] فيما علمهم على لسان محمد ﷺ) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 80، والبغوي في "تفسيره" 3/ 167، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 270، وابن أبي حاتم 5/ 282 بسند جيد عنه قال: (هذه == للمسلمين"، وفي "الدر المنثور" 3/ 54 عن مجاهد قال: ((وعلمتم) معشر العرب ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾)]]. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، قال الفراء: (هذا جواب لقوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: الله أنزله) [["معاني الفراء" 1/ 343.]]. قال أبو بكر: (فلما وضح معنى الإنزال لم يذكر إفراد الاسم، ألا ترى أن الرجل يقول للرجل: إذا قيل لك: من قام؟ فقل: زيد، تريد [[في (ش): (يريد)، بالياء.]] فقل: زيد قام) [[لم أقف عليه.]]. قال الفراء [["معاني الفراء" 1/ 343.]]: (وإن شئت قلت: قل هو الله .. [[في (أ): (قل هو الله أحد)، ولعل زيادة (أحد) وهم من الناسخ.]])، قال أبو بكر: (فأضمر هو في هذا الموضع كما أضمر في قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22]، وفي قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ [النساء: 81]) [[لم أقف عليه. وأكثرهم على أن المعنى: قل الله أنزله، قال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 10/ 559: (المعنى: قل الله أنزل الكتاب، وهو كلام تام وجملة اسمية مركبة من مبتدأ وخبر، حذف الخبر لدلالة السؤال على الجواب، وهو قياس مطرد كثير في كلام العرب) ا. هـ. ملخصًا. ونحوه قال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 163 - 166، وقال: (هذا معنى الآية الذي لا تحتمل غيره) اهـ، وقال ابن كثير 2/ 175: (قال ابن عباس: أي: قل الله أنزله، وورد هو المتعين، لا ما قاله بعضهم من أن المعنى لا يكون خطابك لهم إلا كلمة: الله، وهذا أمر بكلمة مفردة من غير تركيب، وهو في لغة العرب لا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها) ا. هـ. بتصرف، وانظر: الطبري 7/ 270، والسمرقندي 1/ 500، وابن الجوزي 3/ 84، و"الدر المصون" 5/ 36.]]. وقال أهل المعاني: (هذا من حسن تعليم السؤال والجواب). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حال تقديره: لاعبين [[انظر: "المشكل" 1/ 260، و"البيان" 1/ 331، و"التبيان" 1/ 347، و"الفريد" 2/ 189، و"الدر المصون" 5/ 36.]]، يريد: عاملين ما لا يجدي عليهم، والعرب تقول لمن كان في عمل لا يجدي عليه: إنما أنت لاعب [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 271.]]، وحقيقة هذا الكلام التهدد [[انظر: الطبري 7/ 271.]]. قال المفسرون: وقوله: ﴿ذَرْهُمْ﴾ منسوخ بآية السيف [[هذا قول ابن حزم في "ناسخه" ص 37، وابن سلامة ص 68، وابن العربي 2/ 212، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 178: (ظاهر الأمر أنه موادعة فيكون منسوخًا بآيات القتال، وإن جعل تهديدًا أو وعيدًا خاليًا من الموادعة فلا نسخ) اهـ. والظاهر عدم النسخ وأنها تهديد، وهو قول الجمهور. انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 321، و"الإيضاح" لمكي ص 244، وابن عطية 5/ 283، و"النواسخ" لابن الجوزي ص 327، و"المصفى" ص 32، والرازي 13/ 78، والقرطبي 7/ 38، و"النسخ في القرآن" لمصطفى زيد 1/ 483.]].

الأنعام 6:92

وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ المبارك: الذي بورك فيه، ومعنى البركة: الكثرة في كل خير [[انظر: "العين" 5/ 368، و"الجمهرة" 1/ 325، و"الصحاح" 4/ 1574، و"المجمل" 1/ 121، و"مقاييس اللغة" 1/ 227، و"المفردات" ص 119، و"اللسان" 1/ 266 (برك).]]، الأزهري [["تهذيب اللغة" 1/ 319.]]: (وأصل البركة الزيادة والنماء وثبوت الخير [[في (ش): (وثبوت الحكم).]] على الازدياد والنماء)، قال أهل اللغة [[انظر: "الزاهر" 1/ 53.]]: وأصله الثبوت، قال اللحياني [["تهذيب اللغة" 1/ 319.]]: (يقال: بَارَكت على التجارة وغيرها، أي: داومت وواظبت)، ومنه قول الشاعر [[الشاهد لبشر بن أبي خازم الأسدي، شاعر جاهلي في "ديوانه" ص 69، و"المفضليات" ص 345، و"الاشتقاق" ص 247، وجميع كتب اللغة السابقة في (برك) سوى "المفردات"، الغمرات: بالفتح: الشدائد، والبراكاء: بفتح الباء وضمها: من البروك، وهو الثبات في العرب.]]: ولا يُنْجِي مِنَ الغَمَرَاتِ إلَّا ... بَرَاكاءُ القِتالِ [[في (أ): (للقتال)، وهو تحريف.]] أوِ الفِرَارُ أي: الثبوت في القتال، ومنه ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 54] أي: ثبت مما به استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال. قال الكلبي: (﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ فيه مغفرة لذنوبهم، وتوبة من أعمالهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 81، وفي "تنوير المقباس" 2/ 41 نحوه.]]، قال أهل المعاني: (معنى قوله (كتاب) (مبارك) أي: كثير خيره، دائم منفعته، يبشر بالثواب والمغفرة، ويزجر عن القبيح والمعصية إلى ما لا يعد من بركاته) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 306، و"الوسيط" للواحدي 1/ 81، والرازي 13/ 80.]]، و (مبارك): خبر الابتداء فصل بينهما بالجملة والتقدير: [[هذا قول الثعلبي 181 أ، وقال الكرماني في "غرائبه" 1/ 371، وابن عاشور في "التحرير" 7/ 369: (هو خبر بعد خبر) اهـ. والجمهور على أنه صفة لكتاب، وقال السمين في "الدر" 5/ 38: (ما ذكره الواحدي لا يتمشى إلا على أن يكون خبرًا ثانيا، لهذا وهو بعيد جدًا، وإذا سُلم ذلك فيكون: (أنزلناه) عنده اعتراضًا على ظاهر عبارته، ولكن لا يحتاج إلى ذلك بل يجعل (أنزلناه) صفة لكتاب، ولا محذور حينئذ على هذا التقدير، وبالجملة فالوجه كونه صفة أو خبرًا لمبتدأ مضمر) ا. هـ. بتصرف. وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 282، و"إعراب النحاس" 2/ 82، و"كتاب الشعر" 2/ 505، و"الإيضاح العضدي" 1/ 287، وابن عطية 5/ 283، و"التبيان" 1/ 347 و"الفريد" 2/ 190.]] و [[لفظ: (الواو): ساقط من (ش).]] هذا كتاب مبارك أنزلناه، كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: 50]. وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: جميع الكتب) [[أخرج الطبري 7/ 271، وابن أبي حاتم 4/ 1344، و"تحقيق الغماري" بسند ضعيف عنه قال: (مصدق لما قبله من الكتب التي أنزلها الله والآيات والرسل الذين بعثهم الله بالآيات).]]. وقال الكلبي: (موافق لما بين يديه من التوراة والإنجيل وسائر الكتب) [["تنوير المقباس" 2/ 41.]] ونحوه قال الحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 142.]] [وغيره] [[في (ش): (وغيرهم)، وقد أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 271 هذا القول عن قتادة والربيع بن أنس، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1344، و"تحقيق الغماري"، عن أبي العالية، ورجحه ابن عطية في "تفسيره" 5/ 284.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ هو عطف [[في (ش): (هو معطوف).]] على معنى الكلام [[انظر: "الدر المصون" 5/ 38 - 39.]] قال أبو إسحاق: (المعنى: أنزلناه للبركة والإنذار، قال: ومعنى ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: أهل أم القرى) [["معاني الزجاج" 2/ 271، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 457.]]، فعلى هذا هو من باب حذف المضاف، قال ابن عباس وغيره: (يريد: مكة) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 271، وابن أبي حاتم 4/ 1345 بسند جيد، وقال الرازي في "تفسيره" 13/ 81: (اتفقوا على أن هاهنا محذوفًا، والتقدير: ولتنذر أهل أم القرى؛ واتفقوا على أن أم القرى هي مكة) اهـ.]]. قال الزجاج: (وسميت أم القرى؛ لأنها قبلة جميع الناس يؤمونها، قال: وجائز أن تكون سميت أم القرى؛ لأنها كانت أعظم القرى شأنًا) [["معاني الزجاج" 2/ 271، ولم يذكر إلا الوجه الثاني فقط، والوجه الأول نسبه إلى الزجاج، ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 85.]]. وقال المفسرون: (سميت مكة أم القرى؛ لأن الأرض كلها دُحيت من تحتها، فهي أصل للأرض كلها) [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 213، والطبري 7/ 272 بسند جيد عن قتادة، وأخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1345 عن عطاء وعمرو بن دينار، وذكره ابن الجوزي 3/ 85، عن ابن عباس، وهو قول مقاتل 1/ 575، والثعلبي 181/ أ، والبغوي 3/ 168، وأخرج الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد عن السدي قال: (أم القرى مكة سميت؛ لأن أول بيت وضع بها) اهـ. وذكره ابن أبي حاتم عن جماعة من السلف، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 179: (سميت بذلك؛ لأنها منشأ الدين، ولدحو الأرض منها ، ولأنها وسط الأرض، ولكونها قبلة وموضع الحج، ومكان أول بيت وضع للناس) اهـ. انظر: الطبري 7/ 272، و"معاني النحاس" 2/ 457، والسمرقندي 1/ 501، والماوردي 2/ 142، و"الكشاف" 2/ 35، وابن عطية 5/ 284.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ قال ابن عباس: (يريد: جميع الآفاق) [[أخرجه الطبري 7/ 271، وابن أبي حاتم 4/ 1345 بسند جيد، وهذا المعنى متفق عليه. انظر: السمرقندي 1/ 501، وابن عطية 5/ 284، والرازي 13/ 81.]]، وقال الكلبي: (سائر الأرضين) [["تنوير المقباس" 2/ 42.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ قال الفراء: (الهاء تكون لمحمد وللتنزيل) [["معاني الفراء" 1/ 344.]]، فإن قيل: كثير ممن يؤمن بالآخرة لا يؤمن بمحمد ولا بالقرآن، فلم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؟ قيل: ذهب بعضهم إلى أن هذا مما أُريد به الخصوص بدليل قوله: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: 92] وهذا من صفة المؤمنين، وقال بعض أهل المعاني: (لم يعتد بإيمان أولئك الذين آمنوا بالآخرة ولم يؤمنوا بمحمد، وإنما يؤمن بالآخرة حقيقة من آمن بمحمد وبكتابه، فلذلك وصف المؤمنين بالآخرة بأنهم يؤمنون بمحمد والقرآن، ألا ترى أنه قال: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ فبيّن أن إيمانهم بالآخرة يدعوهم إلى الإيمان به والمحافظة على صلاتهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 272، والسمرقندي 1/ 501، وابن الجوزي 3/ 85، والرازي 13/ 83.]]، وعامة القراء [[قرأ عاصم في رواية أبي بكر بن عياش (ولينذر) بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. انظر: "السبعة" ص 263، و"المبسوط" ص 172، و"التذكرة" 2/ 404، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260، ووقع في "التيسير" نسبة القراءة بالياء إلى أبي عمرو، ولعله تحريف أو وهم.]] قرؤوا (ولتنذر) بالتاء خطاب للنبي ﷺ؛ لأن المأمور والموصوف بالإنذار هو، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ [الرعد:7]. وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء جعل الكتاب هو المنذر؛ لأن فيه إنذارًا، ألا ترى أنه قال: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: 52] أي: بالكتاب، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ [الأنعام: 51]، وقال: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: 45] فلا يمتنع أن يسند الإنذار إليه على الاتساع [[ما سبق قول أبي علي في "الحجة" 3/ 356، وانظر: "إعراب القراءات" 1/ 164، و"الحجة" لابن خالويه ص 145، و"الحجة" لابن زنجلة ص 261 ، و"الكشف" 1/ 440.]].