Lafzullah

Al-Basit — الأنعام 6:93 – الأنعام 6:165

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. الأنعام 6:93
  2. الأنعام 6:94
  3. الأنعام 6:95
  4. الأنعام 6:96
  5. الأنعام 6:98
  6. الأنعام 6:99
  7. الأنعام 6:100
  8. الأنعام 6:101
  9. الأنعام 6:102
  10. الأنعام 6:103
  11. الأنعام 6:104
  12. الأنعام 6:105
  13. الأنعام 6:107
  14. الأنعام 6:108
  15. الأنعام 6:109
  16. الأنعام 6:110
  17. الأنعام 6:111
  18. الأنعام 6:113
  19. الأنعام 6:114
  20. الأنعام 6:115
  21. الأنعام 6:116
  22. الأنعام 6:117
  23. الأنعام 6:118
  24. الأنعام 6:119
  25. الأنعام 6:120
  26. الأنعام 6:121
  27. الأنعام 6:122
  28. الأنعام 6:123
  29. الأنعام 6:124
  30. الأنعام 6:125
  31. الأنعام 6:126
  32. الأنعام 6:127
  33. الأنعام 6:128
  34. الأنعام 6:129
  35. الأنعام 6:130
  36. الأنعام 6:131
  37. الأنعام 6:132
  38. الأنعام 6:133
  39. الأنعام 6:134
  40. الأنعام 6:135
  41. الأنعام 6:136
  42. الأنعام 6:137
  43. الأنعام 6:138
  44. الأنعام 6:139
  45. الأنعام 6:140
  46. الأنعام 6:141
  47. الأنعام 6:143
  48. الأنعام 6:144
  49. الأنعام 6:145
  50. الأنعام 6:146
  51. الأنعام 6:147
  52. الأنعام 6:148
  53. الأنعام 6:149
  54. الأنعام 6:150
  55. الأنعام 6:151
  56. الأنعام 6:153
  57. الأنعام 6:154
  58. الأنعام 6:155
  59. الأنعام 6:156
  60. الأنعام 6:157
  61. الأنعام 6:158
  62. الأنعام 6:159
  63. الأنعام 6:160
  64. الأنعام 6:161
  65. الأنعام 6:162
  66. الأنعام 6:163
  67. الأنعام 6:164
  68. الأنعام 6:165

الأنعام 6:93

قوله [[جاء في (أ): تكرار لفظ (قوله).]] تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية معنى ألفاظ هذه الحروف، وهذا الاستفهام ذكرناه في رأس العشرين من هذه السورة. قال ابن عباس، والمفسرون: (نزلت في مسيلمة [[مسيلمة بن حبيب الحنفي، أبو ثمامة الكذاب، مشعوذ جبار متنبئ معمر، قتله وحشي رضي الله عنه في موقعة اليمامة سنة 12 هـ. انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 74، و"جوامع السيرة" ص 259، 340، و"التعريف" للسهيلي ص 56، و"الأعلام" 7/ 226.]] والأسود العنسي [[الأسود بن كعب بن عوف العَنْسي، يعرف بعيهلة، مشعوذ متنبئ جبار، من أهل اليمن أسلم ثم ارتد وادعى النبوة، وقتله فيروز الفارسي قبل موت النبي ﷺ بقليل، انظر: "جوامع السيرة" ص 10، 339، و"التعريف والإعلام" ص 55 - 56، و"الأعلام" 5/ 111.]] ادعيا النبوة) [["تنوير المقباس" 2/ 43، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 458، والقرطبي 7/ 39، وأخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 13، وابن أبي حاتم 4/ 1346 بسند جيد عن قتادة، وأخرجه الطبري 7/ 272، عن قتادة وعكرمة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 56، عن ابن جريج، وهو قول أكثرهم. انظر: "معاني الفراء" 1/ 344، والزجاج 2/ 271، والسمرقندي 1/ 501، والثعلبي 181 أ، و"غرائب الكرماني" 1/ 371.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري: (خص بعد أن عمّ؛ لأنه ليس كل من يكذب على الله يدعي أن الله عز وجل أوحى إليه وحيًا، قال: ويجوز أن يكون الأمران من صفة مدعي النبوة وصفه الله عز وجل بأمرٍ بعد أمرٍ ليدل على لعنته وجرأته على الله) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 86.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (من): عطف على (من) في قوله: ﴿مِمَّنِ﴾ [[انظر: "التبيان" 1/ 348، و"الدر المصون" 5/ 40.]] قال ابن عباس: (يريد: المستهزئين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 82، والبغوي 3/ 169، وابن الجوزي 3/ 86، ورجح السهيلي في "التعريف" ص 56 أنها نزلت في النضر بن الحارث من المستهزئين.]]، وهو قول الزجاج قال: (هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: 31]) [["معاني القرآن" 2/ 272.]]. وقال عامة أهل التفسير [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 273، فقد أخرجه عن عكرمة والسدي، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 1/ 45 - 46، عن شرحيل بن سعد المدني، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 56: (عن موسى بن خلف البصري وابن جريج).]]: (نزلت في ابن أبي سرح [[عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أبو يحيى القرشي، إمام فاضل فارس صحابي جليل أخو عثمان بن عفان رضي الله عنه من الرضاع، أسلم قبل فتح مكة، وهاجر، وكتب الوحي للنبي ﷺ، ثم ارتد، ثم أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وشارك في الفتوح، وتوفي سنة 36 هـ. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 496، و"الجرح والتعديل" 5/ 63، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 296، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 33، و"الإصابة" 2/ 316، و"الأعلام" 4/ 88.]] ، وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ فأملَى عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: 12] إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: 14]، فقال ابن أبي سرح: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ تعجبًا من تفضيل خلق الإنسان، فقال النبي ﷺ: "هكذا أنزلت" فشك وارتد، وقال: لئن كان محمد صادقًا لقد أوحي إليّ كما أوحي إليه، ولئن كان [[جاء في (ش): تكرار (كان).]] كاذبًا لقد قلت كما قال) [[ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 223، والقرطبي 7/ 40 من رواية الكلبي عن ابن عباس، وذكره أكثرهم بلا نسبة. انظر: "معاني الفراء" 1/ 344، والثعلبي 181 أ، والبغوي 3/ 169، والرازي 13/ 84، والظاهر أن الآية عامة يدخل تحتها كل ما ذكر قاله ابن عطية 5/ 286، وانظر: "الفتاوى" 4/ 86، 12/ 25، 15/ 156، و"الكافي الشاف" ص 60.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ يعني: الذين ذكرهم [[انظر: "زاد المسير" 3/ 87]] ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: جمع غَمْرَةٍ [[انظر: "العين" 4/ 416، و"الجمهرة" 2/ 781، و"البارع" ص 317، و"تهذيب اللغة" 3/ 2693، و"الصحاح" 2/ 772، و"مقاييس اللغة" 4/ 392، و"المفردات" ص 614، و"اللسان" 6/ 3294 (غمر).]]، وهي شدة الموت وما يغشى الإنسان من همومه وسكراته، وغَمْرة كل شيء: كثرته ومعظمه، ومنه غَمَرة الماء وغَمَرة الحرب، ويقال: غَمَرَه الشيءُ: إذا علاه وغطاه. قال الزجاج: (يقال: لكل من كان في شيء كثير قد غَمَره ذلك، وغَمره الدَّينُ: إذا كثر عليه) [["معاني الزجاج" 2/ 272.]]، هذا هو الأصل، ثم يقال للشدائد والمكاره: الغمرات، وجواب (لو) محذوف وقد مضت هذه المسألة في هذه السورة [[قال الزجاج في "معانيه" 2/ 272: (الجواب محذوف، أي: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت لرأيت عذابًا عظيمًا) اهـ. وانظر "الدر المصون" 5/ 41.]] بأبلغ بيان. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ملائكة العذاب ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ بمقامع من الحديد) [[لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 275، وابن أبي حاتم 4/ 1348 بسند جيد عن ابن عباس، قال: (البسط: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم) اهـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85.]] ، وقال الحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 1/ 545، وابن الجوزي 3/ 87، وأبو حيان في "البحر" 4/ 181.]] والضحاك: (﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ بالعذاب). قال الضحاك: (﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾: يضربونهم ويعذبونهم، كما يقال: بسط إليه يده بالمكروه) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 275، وابن أبي حاتم 4/ 1348 بسند ضعيف عن الضحاك نحوه، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85.]]، وقال مجاهد: (﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ بالضرب يضربون وجوههم وأدبارهم) [[لم أقف عليه عن مجاهد.]]، قال الفراء: (ويقال: ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ لإخراج أنفس الكفار) [["معاني الفراء" 1/ 345، وقال ابن عطية 5/ 288 في تفسير الآية: (﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ كناية عن مدها بالمكروه، وهو لا محالة أوائل العذاب وأماراته. وأما البسط لمجرد قبض النفس فإنه يشترك فيه الصالحون والكفرة) ا. هـ. بتصرف]]. وقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ قال الفراء والزجاج: (أي: يقولون: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾) [[لا يوجد هذا التقدير عن الفراء في "معانيه"، ولعله مفهوم من كلامه، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 282.]]، قال الفراء: (وإذا طرحت من مثل هذا الكلام أن ففيه القول مضمر) [["معاني الفراء" 1/ 345.]]، وذكر أبو إسحاق في معنى: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} وجهين: أحدهما، قال: (جائز أن يكون كما تقول للذي تعذبه: لأزهقن نفسك ولأخرجن نفسك، فهم يقولون: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ على هذا المعنى) [["معاني الزجاج" 2/ 272.]]، ومعنى هذا الكلام أن قول القائل إذا أراد تعذيب إنسان [يقول] [[لفظ: (يقول) ساقط من (ش).]]: لأخرجن نفسك، معناه: لأذيقنك العذاب، ولأعذبنك أشد العذاب، كذلك قول الملائكة لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ معناه: ذوقوا العذاب، وليس المراد من هذا أمرهم بإخراج أنفسهم؛ لأن أرواحهم ليسوا [هم] [[لفظ: (هم) ساقط من (أ).]] مخرجيها حتى يؤمروا بإخراجها، وإنما [مخرجها] [[في (ش): (مخرجيها).]] ملك الموت وأعوانه، وقال بعض أهل المعاني: (هذا تغليظ لحالهم أي: أنهم بمنزلة من تولى إزهاق نفسه إكراهًا له، وهو أغلظ عليه، فلذلك يؤمرون بإخراج أنفسهم) [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 144، وابن الجوزي 3/ 87 - 88، والرازي 13/ 85.]]. وأما أهل التفسير فإنهم يقولون في هذا: (إن نفس المؤمن [تنشط] [[في (ش): (ينشط) بالياء.]] في الخروج للقاء ربه، ونفس الكافر [تكره] [[في (ش): (يكره) بالياء.]] ذلك، ويشق عليها الخروج؛ لأنها [تصير] [[في (ش): (يصير) بالياء.]] إلى أشد العذاب [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 501، والبغوي 3/ 169.]] كما قال رسول الله ﷺ: "من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" [[حديث متفق عليه أخرجه البخاري في "صحيحه" (6507)، ومسلم (6508)، (2683 - 2686)، البخاري في كتاب الرقاق، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، كلاهما في باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، من عدة طرق عن عبادة بن الصامت وعائشة وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم عن النبي ﷺ قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" اهـ.]]، وذلك يكون عند نزع الروح، وقد بُيّن ذلك في هذا الخبر، فهؤلاء الكفار [تُكرههم] [[في (أ): (يكرههم) بالياء.]] الملائكة على نزع الروح ويقولون لهم: أخرجوا أنفسكم كرهًا). والوجه الثاني الذي ذكره أبو إسحاق قال: (وجائز أن يكون المعنى: خلصوا أنفسكم، أي: لستم تقدرون على الخلاص) [["معاني الزجاج" 2/ 272.]]، ومعنى هذا الكلام أنهم يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم من العذاب على جهة التوبيخ، وهذا قول الحسن [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 545، والماوردي 2/ 145، وابن الجوزي 3/ 87.]]، وجائز أن يكون هذا القول منهم للكفار في نار جهنم، وقد [[في (أ): تكرار لفظ (قد).]] غشيتهم شدائد هي كغمرات الموت، والملائكة يقولون لهم على جهة التوبيخ: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ من هذا العذاب [[هذا قول الحسن البصري كما ذكرنا في المصادر السابقة، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 288.]]، وجواب (لو) هنا مضمر، أي: لرأيت عجبًا أو لرأيت أمرًا فظيعًا [[أعاد المؤلف رحمه الله تعالى ذكره مرة أخرى فقد سبق بيانه في ص 333، وقال == ابن عطية في "تفسيره" 6/ 109: (جواب لو محذوف تقديره: لرأيت عجبًا أو هولًا، ونحو هذا، وحذف هذا الجواب أبلغ من نصه؛ لأن السامع إذا لم ينص له الجواب يترك مع غاية تخيله) اهـ. وانظر: "كتاب الشعر" 2/ 391.]]. وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾، الْهُونِ [[الهون: بضم الهاء. انظر: "العين" 4/ 92، و"الجمهرة" 2/ 996، و"البارع" ص 127، و"الصحاح" 6/ 2218، و"المقاييس" 6/ 21، و"المجمل" 3/ 895، و"المفردات" ص 848 (هون).]]: هَوَان الشيء الحقير الهين، قال الله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل: 59] وقال ذو الإصبع [[ذو الإصْبَع: حُرْثان بن الحارث بن محرث العَدْواني، شاعر جاهلي حكيم شجاع له وقائع مشهورة، لقب بذي الإصبع؛ لأن حية نهشت إصبع رجله فقطعها، وهو معمر ترك ثروة شعرية كبيرة فيها العظة والحكم والفخر. انظر: "الشعر والشعراء" ص 473، و"الإكمال" لابن ماكولا 1/ 96، و"نزهة الألباب" 1/ 278 ، و"الأعلام" 2/ 173، و"معجم الشعراء في لسان العرب" ص 143.]]: أَذْهبْ إلَيْكَ فَمَا أُمِّي بِرَاعِيَةٍ ... تَرْعَى المَخَاضَ وَلاَ أُغْضِي عَلَى الهُونِ [[البيت في "تفسير الطبري" 7/ 277، والماوردي 2/ 145، وابن عطية 5/ 288، و"اللسان" 8/ 4725 (هون)، و"الدر المصون" 5/ 43. والمخاض: النوق الحوامل، وأصله الطلق عند الولادة. انظر "اللسان" 7/ 4153 (مخض).]] وقالت الخنساء: تُهينُ [[في النسخ: (تهيّن). وفي "الديوان" بالنون وفي بعض المراجع بالياء.]] النُّفُوسَ وَهوْنُ النُّفُوسِ ... يَوْمَ الكَرِيهَةِ أَبْقَى لَهَا [["ديوانها" ص 84، و"تهذيب اللغة" 4/ 3699، و"اللسان" 8/ 4725 (هون)، و"الدر المصون" 5/ 43، وهو في الطبري 7/ 277، لعامر بن جوين الطائي، == والمشهور أنه للخنساء. والكريهة الحرب. وأبقى لها، أي: في الذكر وجميل القول. انظر "شرح ديوان الخنساء" لثعلب ص 46.]] تريد: وإهانة النفوس، قال الزجاج: (﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: العذاب الذي يقع به الهوان الشديد) [["معاني الزجاج" 2/ 272، وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 200 واليزيدي في "غريب القرآن" ص 139، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 168، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 565: (﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: الهوان)، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 277.]]، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: الهوان والخزي) [[في "مسائل نافع بن الأزرق" ص 131، قال: (الهوان) وفي "تنوير المقباس" 2/ 43، قال (الشديد)، وفي "الدر المنثور" 3/ 59، عن ابن عباس قال: (الهوان الدائم الشديد) اهـ.]]، وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ قال: (يريد: تزعمون أن الملائكة بناته: ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ يريد: عن فرائضه والسجود له لا تصلون [[لم أقف عليه، وقال البغوي في تفسير الآية 3/ 169: (أي: تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه) اهـ، وقال الرازي في "تفسيره" 13/ 86: (ذكر الواحدي أن المراد لا تصلون له، قال ﷺ: "من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برئ من الكبر") اهـ.]]، وقد قال رسول الله ﷺ: "من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برئ من الكبر" [[ذكر الحديث صاحب "كنز العمال" 7/ 308 (19017)، وعزاه للديلمي من حديث ابن عباس، ولم أقف عليه في المطبوع من "مسند الديلمي"، وقد ورد نحوه من قول جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "التواضع" (217)، (227)، (231) من طرق جيدة عن يحيى بن أبي جعدة المخزومي، قال: (من وضع وجهه لله عز وجل ساجدًا فقد برئ من الكبر) اهـ، وعن الحسن البصري قال: (السُّجُود يَذْهب بالكبر) اهـ. وعن يونس بن عبيد العبدي قال: (لا كبر مع السجود) اهـ وأخرج أبو نعيم في "الحلية" 5/ 61 عن حبيب بن == أبي ثابت الأسدي قال: (من وضع جبينه لله تعالى فقد برئ من الكبر). وقد ورد في فضل السجود أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه مسلم (488) عن ثوبان رضي الله عنه قال: (سألت النبي ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله، وعمل يدخلني الله به الجنة فقال: "عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة") اهـ. انظر: "مسند أحمد" 5/ 147، 148، 276، 280، 283، والدارمى (1502) كتاب الصلاة، باب: فضل من سجد لله سجدة، وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في كثرة السجود (1422 - 1424).]].

الأنعام 6:94

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ الآية. قال أهل المعاني: (هذا يكون على وجهين أحدهما: أنه على الحكاية أن يقال لهم في الآخرة هذا كما دلت الآية الأولى على الحكاية، والثاني: أن المعنى على الاستقبال كأنه: تجيئوننا فرادى إلا أنه جاء على لفظ الماضي؛ لأنه بمنزلة ما قد كان لتحقيق الخبر به) [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 277، والماوردي 2/ 145، وابن عطية 5/ 290، وابن الجوزي 3/ 88، والرازي 13/ 86، وابن كثير 2/ 186.]]. وأما ﴿فُرَادَى﴾ [[انظر: "العين" 8/ 24، و"الجمهرة" 2/ 634 - 635، و"الصحاح" 2/ 518، و"مقاييس اللغة" 4/ 500، و"المجمل" 3/ 720 (فرد).]] فقال الفراء: (﴿فُرَادَى﴾ جمع، قال: والعرب تقول: قوم فرادى، وفراديا هذا، فلا يجرونها [[قوله: فلا يجرونها، أي: يصرفونها.]] شبهت بثُلاث ورباع قال: وفرادى: واحدها فَرْد وفريد وفرد وفردان) [["معاني الفراء" 1/ 345، وفيه: (وفرادى واحدها فَرْد وفِرد وفريد، وفراد للجمع، ولا يجوز فرد في هذا المعنى) اهـ ، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود لفظ فردان في بعض النسخ، كذلك جاء في "تهذيب اللغة" 3/ 2761، و"اللسان" 6/ 3373 (فرد) ، عن الفراء لفظ (فردان).]]. وقال الليث: (الفَرْد: ما كان وحده، يقال: فَرَد يَفْرد، وأفردته: جعلته واحداً، ويقال: جاء القوم فُرادى [[النص في "تهذيب اللغة" 3/ 2761، وفيه (جاء القوم فُرادًا)، بضم الفاء وفتح الراء مع التنوين. وجاء في "اللسان" 6/ 3374، عن الليث أنه قال: (ويقال: جاء القوم فرادًا وفرادى، منونًا وغير منون، أي: واحداً واحداً) اهـ.]]، [وعددت] [[في (ش): (وغدت).]] الجوز [والدراهم] [[في (أ): (الدرهم).]] أفرادًا، أي: واحدًا واحدًا). وقال ابن قتيبة: (فرادى جمع فردان مثل: سكران وسكارى وكسلان وكسالى) [["تفسير غريب القرآن" ص 168، وفيه: (فرادى فَرْد، وكأنه جمع فردان، كما قيل ...) اهـ.]]، وقال غيره: (فرادى جمع فريد مثل رديفٍ ورُدافَى) [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 277 - 278، و"المفردات" ص 629، و"الدر المصون" 5/ 44.]] ، وذكرنا عن الفراء هذين القولين وزيادة. وأما التفسير فقال ابن عباس: (يريد: بلا أهل ولا مال ولا ولد ولا شيء قدمتموه) [["تنوير المقباس" 2/ 44، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 84، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 182.]]، وقال الحسن: (فرادى كل واحدٍ على حدة) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" ص 181 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 182.]]، وقال ابن كيسان [[ابن كيسان محمد بن أحمد بن كيسان، تقدمت ترجمته.]]: (ولقد جئتمونا مفردين مما كنتم تعبدون ومن المظاهرين لكم) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 181 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 84، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 82.]]، ونحو ذلك قال أبو إسحاق قال: (كل واحد منفرد عن شريكه في الغي وشقيقه) [["معاني الزجاج" 2/ 273، وقوله: (وشقيقه) غير واضحة في الأصل وكأنها: وشفيعه.]]. وقوله تعالى: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: حفاة عُرَاة كما خرجتم من بطون أمهاتكم) [[لم أقف عليه، وأخرجه البخاري (6524) كتاب الرقاق، باب: كيف الحشر، ومسلم (2860)، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إنكم ملاقو الله مشاة حُفاة عراة غُرْلًا"، والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء حتى الغرلة، وهي القلفة التي تقطع عند الختان تكون معهم. وانظر: "شرح مسلم" للنووي 17/ 280 - 283، و"فتح الباري" 11/ 377 - 388.]]، وذكر الزجاج وجهًا آخر تحتمله اللغة: (كما بدأناكم أول مرة أي: كان بعثكم كخلقكم) [["معاني الزجاج" 2/ 273، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 566.]]. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي: ملكناكم، يقال: خوّله الشيء، أي: مَلَّكه إياه، والخَوَل [[الخول: بفتح الخاء والواو. انظر: "الجمهرة" 1/ 621، و"الصحاح" 4/ 1690، و"المجمل" 2/ 307، و"مقاييس اللغة" 2/ 230، و"المفردات" ص 304.]] ما أعطى الله الإنسان من العبيد والنعم، قال أبو النجم [[أبو النَّجم: الفضْل بن قدامة بن عبيد العِجْلي الكوفي، تقدم.]]: كُومَ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ المُخَوَّلِ [["ديوانه" ص 175، وهو من لاميته المشهورة في هشام بن عبد الملك، ومطلعها: الحمدُ للهِ الوْهُوبِ المْجْزِل ... أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَم يُبَخَّل كُومَ الذُّرى منْ خَولِ المخول ... تبَقَّلَتْ مِنْ أَوّلِ التَّبْقُّلِ= انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 478، وكوم جمع كوماء، وهي الناقة عظيمة السنام، والذرى جمع ذروة السنام وأعلى كل شيء، والخول: ما أعطى من النعم، والمخول بتشديد الواو وكسرها: الله سبحانه وتعالى خولهم النعم. والشاهد في: "العين" 4/ 305، والطبري 7/ 278، و"تهذيب اللغة" 1/ 968، و"اللسان" 3/ 1293 (خول).]] قال ابن عباس: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾: (يريد: من النعيم والمال والعبيد والرباع [[الرِّباع: بالكسر جمع الرَّبْع بفتح الراء المشددة وسكون الباء، وهو المنزل، والدار بعينها، والوطن، والموضع يرتعون فيه في الربيع. انظر: "اللسان" 3/ 1563، و"القاموس" ص 718 (ربع).]] والمواشي) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 84.]]، ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ قال ابن عباس: (يريد: شركاء لي) [[في "تنوير المقباس" 2/ 44 نحوه، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 89.]] و ﴿شُفَعَاءَكُمُ﴾، قال المفسرون [[أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 279، وابن أبي حاتم 4/ 1350 بسند جيد، عن عكرمة والسدي نحوه، وانظر: السمرقندي 1/ 502.]]: (وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام؛ لأنهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده). وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قال الزجاج [[في (ش): تكرر (قال الزجاج: الرفع أجود ومعناه تقطع بينكم ...).]]: (الرفع [[قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية (لقد تقطع بينكم) بنصب النون، وقرأ الباقون بالرفع. انظر: "السبعة" ص 263، و"المبسوط" ص 172، و"الغاية" ص 245، و"التذكرة" 2/ 405، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260.]] أجود، [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] معناه: لقد تقطع وصلكم، والنصب جائز، والمعنى: لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم) [["معاني الزجاج" 2/ 273.]]. قال أبو علي: (هذا الاسم يستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون اسمًا متصرفًا كالافتراق، والآخر: أن يكون ظرفًا، والمرفوع في قراءة من قرأ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ الذي كان ظرفاً ثم استعمل اسمًا، والدليل على جواز كونه اسمًا قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: 5]، و ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78]، وقال [[هذا الشاهد لا يوجد في "الحجة" لأبي علي.]] مهلهل [[مُهَلْهِل بن ربيعة التغلبي: أبو ليلى، من نجد شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.]]: كَأَنَّ رِمَاحَهُمْ أَشْطَانُ بِئْرٍ ... بِعيدٍ بَيْنُ جَالَيْهَا جَرُورِ [[ليس في "ديوانه"، وهو في: "مجاز القرآن" 1/ 201، و"الكامل" للمبرد 1/ 376، والطبري 7/ 280، و"الدر المصون" 5/ 53، وبلا نسبة في "مجالس الزجاجي" ص 110، و"أمالي القالي" 2/ 132، و"إعراب القراءات" 1/ 165، و"الحجة" لابن خالويه ص 145، و"المحتسب" 2/ 190، و"اللسان" 1/ 403 (بين)، والأشطان جمع شطن بالتحريك: الحبال الطويلة الشديدة الفتل، والجال: الجانب، والناحية، والجرور: بعيدة القعر. والشاهد: بين ظرف في الأصل، فصيره اسمًا ورفعه.]] فلما استعمل اسمًا في هذه المواضع جاز أن يسند إليه الفعل الذي هو (تقطع) في قول من رفع. قال: ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفًا؛ لأنه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتسع فيه، أو يكون الذي هو مصدر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم؛ لأن التقدير يصير: لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف القصد والمعنى [المراد] [[لفظ: (المراد) ساقط من (أ).]]، ألا ترى أن المراد: لقد تقطع وصلكم وما كنتم تتألفون عليه. فإن قلت: كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل، وأصله: الافتراق [[هو من الأضداد، يكون البَيْنُ الفراق ويكون الوصال. انظر: كتاب "الأضداد" لقطرب ص 138، وللأصمعي ص 52، ولابن السكيت ص 204، ولابن الأنباري ص 75، و"شرح القصائد" لابن الأنباري ص 433.]] والتباين، قيل: إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو: بيني وبينه شركة، وبيني وبينه رحم وصداقة صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمنزلة الوصلة، وعلى خلاف الفرقة، لهذا جاء ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بمعنى: لقد تقطع وصلكم، وحكى سيبويه: (هو أحمر بين العينين) [["الكتاب" 1/ 195.]]، وهذا يدل على جواز استعماله اسمًا. فأما من قرأ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالنصب ففيه مذهبان أحدهما: أنه أضمر الفاعل في الفعل، ودل عليه ما تقدم من قوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾، ألا ترى أن هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر، فكأنه قيل: لقد تقطع وصلكم بينكم. وقد حكى سيبويه أنهم قالوا: (إذا كان غدًا فأتني) [["الكتاب" 1/ 224.]]، [فأضمر ما كانوا فيه من رخاء أو بلاء على معنى: إذا كان الرخاء أو البلاء غدًا فأتني [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]]، فأضمر لدلالة الحال عليه، وصار دلالة الحال بمنزلة جَرْي الذكر وتقدمه، والمذهب الآخر من انتصاب البين: شيء يراه أبو الحسن [[أبو الحسن هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البصري الأخفش الأوسط، تقدمت ترجمته.]]، وهو أنه يذهب إلى: (أنه وإن نُصب يكون معناه معنى المرفوع لمّا جرى في كلامهم منصوبًا ظرفًا تركوه على ما يكون عليه في أكثر الكلام، وكذلك يقول في قوله تعالى [[في النسخ: (ويوم)، وهو تحريف.]]: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: 3] أنه على معنى الرفع، وكذلك يقول في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: 11] فدون: في موضع رفع عنده) [[انظر: "معاني الأخفش" 1/ 237، و"الحجة" لأبي علي 1/ 250 - 251، 3/ 262، 5/ 429، 6/ 285، و"كتاب الشعر" 1/ 306، و"المحتسب" 2/ 190، وفيها كلام الأخفش وشرحه.]]، وإن كان منصوب اللفظ، ألا ترى أنك تقول: منا الصالحون [[في (أ): (منا الطالحون ومنا الطالحون)، وهو تحريف.]]، ومنا الطالحون؛ فترفع) [["الحجة" لأبي علي 3/ 357 - 361 بتصرف واختصار، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 371، و"إعراب القراءات" 1/ 164، و"الحجة" لابن خالويه ص 145، ولابن زنجلة ص 261، و"الكشف" 1/ 440.]]، وذكر ابن الأنباري هذين الوجهين في علة النصب فقال: (التقدير: لقد تقطع ما بينكم، فحذفت ما لوضوح معناها، ونصبت بين على طريق المحل والصفة، ومثله قول الشاعر: ما بين عَوْفٍ وإبراهيمَ من نَسَبٍ ... إلا قرابةُ بين الزنج والرومِ [[لم أقف على قائله، وهو في "الدر المصون" 5/ 51.]] أراد: إلا قرابة ما بين الزنج والروم، وقال آخر: يُدِيرُونَنِي عَنْ سَالِمٍ وأُدِيرُهُمْ ... وَجِلْدَةُ بَيْن العَيْنِ وَالأنْفِ سالِمُ [[البيت لأبي الأسود الدؤلي في "ديوانه" ص 250، و"الدر المصون" 5/ 51، ولزهير في "ديوانه" ص 121، و"شرحه لثعلب" ص 250، وبلا نسبة في "أمالي القالي" 1/ 51، ونسب في "العقد الفريد" 2/ 273، 6/ 137 إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما؛ وقال البغدادي في "الخزانة" 5/ 272 - 273: (هذا خطأ، والصواب أنَّه تمثَّل به لا أنه قاله، والبيت لزهير، وهو ثابت في ديوانه) اهـ.]] أراد: وجلدة ما بين العين، قال: وفيه وجه آخر؛ وهو: أن يكون [بين] [[لفظ: (بين) ساقط من (ش)، وانظر: "التبيان" 1/ 349، و"الفريد" 2/ 194.]] في موضع رفع وإن نصبت في اللفظ؛ لأن أصلها المحل، فنابت عن الفاعل المرفوع، وأُقرت على أصلها من النصب، كما قالت العرب: قد افترق بين عبد الله وزيد، فجعلوا بين نائبه عن الفاعل ومقرةً على أصلها من النصب، وقالوا أيضًا: هذا ثوب بينَ الثوبين، [وبينُ الثوبين] [[لفظ: (وبين الثوبين) الثانية ساقط من (ش).]]، فنصب بعضهم تغليبًا للأصل وهو يحكم عليها بالرفع، وأعطاها آخرون في اللفظ ما تستحقه من جهة المعنى) [[ذكره الواحدي 1/ 85، وابن الجوزي 3/ 89، والرازي 13/ 87 - 88 مختصرًا.]]. وأجاز الفراء هذا الوجه أيضًا فقال: (إذا جعل الفعل لبين ترك نصبًا كما قالوا: أتاني دونك من الرجال فترك نصبًا وهو في موضع رفع) [["معاني الفراء" 1/ 345، قال: (هو في موضع رفع لأنه صفة ...)، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 566، و"المشكل" 1/ 262، و"البيان" 1/ 332.]]. وأما التفسير فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (يريد: وصلكم ومودتكم) [["تنوير المقباس" 2/ 44، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 85، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 279، وابن أبي حاتم 4/ 1350 بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (يعني: الأرحام والمنازل) ا. هـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 60.]]، وقال مقاتل: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (يعني: ما تواصلتم بينكم) [["تفسير مقاتل" 1/ 579، وفيه قال: (لقط تقطع بينكم وبين شركائكم، يعني: من الملائكة من المودة والتواصل) ا. هـ.]]، وقال الحسن: (لقد تقطع الأمر بينكم) [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 546، والواحدي في "الوسيط" 1/ 85، والسيوطي في "الدر" 3/ 60.]]، وقال قتادة: (ما بينكم من الوصل) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 214، والطبري 7/ 279، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 60.]]. وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، قال ابن عباس: (ذهب عنكم ما كنتم تكذبون في الدنيا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 85، بدون نسبة. وانظر: "تنوير المقباس" 2/ 44.]].

الأنعام 6:95

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: بالنبات) [[لم أقف عليه]]، قال الكلبي: (الحب ما لم يكن له نوى كالبر والشعير، والنوى: ما لم يكن له حب مثل نوى التمر والخوخ وغيرهما، فلقهما الله بالنبت) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 85، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 90.]]. وقال الحسن [[ذكره هود في "تفسيره" 1/ 546، والماوردي 2/ 146، والواحدي في "الوسيط" 1/ 85، والبغوي في "تفسيره" 3/ 170، وابن الجوزي 3/ 90، وذكره شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 17/ 504 عن الحسن أنه قال: (الفلق: كل ما انفلق عن شيء، كالصبح والحب والنوى) ا. هـ.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 214، والطبري 7/ 280، وابن أبي حاتم 4/ 1351 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 61.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 280، وابن أبي حاتم 4/ 1351 بسند جيد.]] وابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 280 بسند جيد.]]: (فلق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة). وقال أبو إسحاق: (أي: يشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة فيخرج منهما ورقًا أخضر) [["معاني الزجاج" 2/ 273.]]، وقال مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 219 - 220، وأخرجه الطبري 7/ 281، وابن أبي حاتم 4/ 1351 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 61.]] وأبو مالك: (يعني: الشقين الذين فيهما) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 281 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 61.]]، وروي عن ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 281، وابن أبي حاتم 4/ 1351 بسند ضعيف عن ابن عباس والضحاك.]] وهو قول الضحاك ومقاتل: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ (أي: خالقهما)، ذهبوا بفالق مذهب فاطر. قال مقاتل: (يعني: خالق الحب البر والشعير والذرة والحبوب كلها، ﴿وَالنَّوَى﴾ يعني: نوى كل ثمرة لها نوى الخوخ والتين والنبق والمشمش والغبيراء [[الغبيراء: بضم الغين، وفتح الباء، وسكون الياء، شجرة معروفة من الفواكه، سميت بذلك للون ورقها وثمرتها. انظر: "اللسان" 6/ 3207 (غير).]] والإجاص [[الإجاص: بكسر الهمزة، وفتح الجيم المشدودة، فاكهة معروفة. انظر: "اللسان" 1/ 32، مادة (أجص).]] وما كان من الثمار لها نوى) [["تفسير مقاتل" 1/ 579، وانظر: "تفسير الرازي" 13/ 90.]]. قال الليث [[النص في "العين" 8/ 394، ونقل الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3683 عن الليث قوله: (نَوَّت البُسرة وأَنْوَت إذا عقدت نواتها) ا. هـ. وانظر: "اللسان" 8/ 4590 مادة (نوى).]]: (النَّوى: نَوَى التمر وأشباهه من كُلٍّ [[كذا في النسخ (من كُلٍّ) ولعله من أُكلٍ.]]، والواحدة نواة، ونَوَّت البسرة وأَنْوَت: إذا انعقدت نواتها). وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ قال ابن عباس: (يخرج من النطفة بشرًا حيًّا ثم يخرج النطفة الميتة من الحي) [[ذكره النحاس في "إعرابه" 1/ 566، وأخرج الطبري 7/ 282 بسند جيد عنه قال: (يخرج النطفة الميتة من الحي ثم يخرج من النطفة بشرًا حيًا) ا. هـ وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1352، بسند ضعيف عنه قال: (﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ، أي: يخرج النطفة بشراً) ا. هـ قال: (وروي عنه أنه قال: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾، أي: يخرج النطفة الميتة من الرجل الحي) ا. هـ]]، وهو قول الكلبي ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 579 - 580.]]، قال الكلبي: (يخرج النسمة والفروجة [[الفروجة، والفروج: بفتح الفاء، وقد تضم وهي لغة، وضم الراء المشددة: فرخ الدجاج، انظر: "اللسان" 6/ 3370 مادة (فرج).]] والفرخ من النطفة والبيضة، ثم يخرج النطفة والبيضة من الحي) [[في "تنوير المقباس" 2/ 44 - 45 نحوه.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والعاصي من الطائع) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 370 عن ابن عباس والحسن وعطاء، وذكره الرازي 13/ 92 عن ابن عباس، وهو في "الوسيط" 1/ 86، عن عطاء فقط.]]، وهو قول الحسن [[أخرجه الطبري 6/ 306 - 308 من طرق جيدة، وذكره ابن أبي حاتم 4/ 1352 عن الحسن وقتادة.]]. وقال السدي: (يخرج النبات عن الحب) [[أخرجه الطبري 7/ 282 بسند جيد.]]، وهذا اختيار أبي إسحاق قال: معنى ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ يخرج النبات: الغض الطري الخضِر من الحب اليابس، ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [أي] [[لفظ: (أي) ساقط من (ش).]]: ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي) [["معاني الزجاج" 2/ 273 ، والآية عامة والأقوال متقاربة، قال ابن كثير2/ 177:== (يخبر تعالى أنه ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أي: يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها ،ولهذا فسره بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى الذي هو كالجماد الميت، وقوله ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾ معطوف على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾، وقد عبروا عن ذلك بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى وتشملها الآية) ا. هـ بتصرف، وانظر: السمرقندي 1/ 502، وابن عطية 5/ 294.]]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 45، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 86، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1353 بسند ضعيف قال: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (أي: كيف تكذبون).]]: (يريد: الله وحده لا شريك له يفعل هذا فكيف [تكذبون]؟) [[في (ش): (يكذبون)، بالياء.]]. قال الزجاج: (احتج الله عليهم بما يشاهدونه من خلقه؛ لأنهم أنكروا البعث، فأعلمهم أنه خلق هذه الأشياء، وأنه قادر على بعثهم، ثم قال: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين تصرفون عن الحق بعد هذا البيان) [["معاني الزجاج" 2/ 273.]].

الأنعام 6:96

قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ الآية: الفَلْق: مصدر فَلَقْتُ أفْلِق فَلْقًا، ويقال: سمعت ذاك من فَلْق [[من فَلْق: بفتح الفاء، وقد تكسر. انظر: "العين" 5/ 164، و"الجمهرة" 2/ 965، و"الصحاح" 4/ 1544، و"المجمل" 3/ 705، و"المفردات" ص 645، و"اللسان" 6/ 3462 مادة (فلق).]] فيه، ذكره ابن السكيت [["إصلاح المنطق" ص 19، و"تهذيب اللغة" 3/ 2829، وانظر: "تهذيب إصلاح المنطق" 1/ 85.]]، وأما ﴿الْإِصْبَاحِ﴾ فقال الليث [["تهذيب اللغة" 2/ 1969، وانظر: "العين" 3/ 126، و"الجمهرة" 1/ 279،== و"الصحاح" 1/ 379، و"مقاييس اللغة" 3/ 328، و"المجمل" 2/ 548، و"المفردات" ص 473 مادة (صبح).]]: (الصُّبْح والصَّباح هما أول النهار، وهو الإصباح أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ يعني: الصبح، وقال: أَفْنَى رِياحًا وذَوِى رِياحِ ... تَناسُخُ الإِمْسَاءِ وَالإِصْبَاحِ [[لم أعرف قائله. وهو في "تهذيب اللغة" 2/ 1969، و"الكشاف" 2/ 37، والرازي 13/ 98، و"اللسان" 4/ 2388 مادة (صبح)، (البحر) 4/ 185، و"الدر المصون" 5/ 59، والإمساء والإصباح بالكسر مصدر، وبالفتح جمع مُسى وصُبْح، وجاء عند الأزهري (رباحًا، ورباح) بالباء بدل الياء.]] يريد: المساء والصباح). الفراء مثله في الإصباح [[هذه عبارة الأزهري في "التهذيب" 2/ 1969، وقال الفراء في "معانيه"1/ 346: (والإصباح مصدر أصبحنا إصباحًا، والإصباح صُبح كل يوم بمجموع) ا. هـ. ونحوه ذكر الأخفش في "معانيه" 2/ 282.]]، وقال الزجاج: (الإصباح والصبح واحد) [["معاني الزجاج" 2/ 274.]]. وأما التفسير، فقال كثير من أهل التفسير في قوله ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: (شاقّ عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده) [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 7/ 282، والثعلبي في "الكشف" 181 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 170، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 295، والبيضاوي 1/ 145.]]، ولا أدري كيف قالوا هذا؛ فإن الليل يشق عن عمود الصبح لا الصبح عن الليل [[قال الزمخشري في "الكشاف" 2/ 38: (فإن قلت: فما معنى فلق الصبح والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يراد فالق ظلمة الصبح، يعني: أنه على حذف مضاف. والثاني: أن يراد فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره ..) ا. هـ. ملخصا. وانظر: "تفسير الرازي" 13/ 98 ، و"الخازن" 2/ 163.]]. [وأما] [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ)، ولفظ: (قالوا) بعده الأولى أن يكون فقالوا.]] ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 283، وابن أبي حاتم 4/ 1354 بسند ضعيف عن العوفي عن ابن عباس قال: (خلق الليل والنهار) ا. هـ، وأخرج الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: بالإصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل) ا. هـ]] والمحققون [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 283 بسند ضعيف عن الضحاك. وبه قال مقاتل في "تفسيره" 1/ 580، والسمرقندي 1/ 502، وانظر: "الفتاوى" 17/ 505، وقال السمين في "الدر" 5/ 57: (فسر بعضهم فالق هنا بمعنى: خالق. قيل: ولا يعرف هذا لغة، وهذا لا يتلفت إليه؛ لأن هذا منقول عن ابن عباس والضحاك، أيضاً لا يقال ذلك على جهة التفسير للتقريب؛ لأن الفراء نقل في اللغة أن فطر وخلق وفلق بمعنى واحد) ا. هـ، وانظر: "البحر المحيط" 4/ 184.]] قالوا: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ أي: خالق الإصباح كل يوم جديد). وقال الكلبي: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: خالق الصباح كل يوم) [["تنوير المقباس " 2/ 45.]]. وقال أبو إسحاق: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: (جائز أن يكون خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: سياق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق) [["معاني الزجاج" 2/ 274.]]، وقال في سورة الفلق: (الفلق الخلق، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق) [["معاني الزجاج" 5/ 379.]]، وقد ذكرنا هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام:95]. وقال الليث: (الله تعالى فلق الصبح، أي: أبدأه وأوضحه) [[النص في "العين" 5/ 164.]]، فعلى هذا المعنى ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: مبديه وموضحه، وذلك أن معنى الفلق راجع إلى الإبداء والإيضاح؛ لأن الفلق يتضمن الإبداء [[في (ش): (الابتداء)، وهو تحريف، وانظر: "المفردات" ص 645.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ السكن: معناه في اللغة ما سكنت إليه، يريد: أن الناس يسكنون في الليل سكون الراحة، بأن جعل الله تعالى ذلك لهم سكنًا [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 283.]]. قال ابن عباس: (يريد: أن كل ذي روح يسكن فيه) [[لم أقف عليه.]]، وقال الكلبي: (يسكن فيه الخلق ويرجعوا إلى أوطانهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 87.]]، وهو مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ [[جاء في النسخ: (وهو الذي) بالواو، وهو خطأ واضح.]] اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمٌ الّيلَ لِتَسكنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: 67]. واختلف القراء [[قرأ عاصم وحمزة والكسائي (جَعَلَ الليلَ) بفتح العين واللام من غير ألف بينهما على أنه فعل ماض و (الليل)، بالنصب على أنه مفعول به. وقرأ الباقون (جاعِلُ الليلِ) بالألف وكسر العين ورفع اللام، و (الليلِ) بالخفض على الإضافة. انظر: "السبعة" ص 263، و"المبسوط" ص 172، و"الغاية" ص 245، و"التذكرة" 2/ 405، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260.]] في قوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ فقرأ الأكثرون (جَاعِلُ) بالألف؛ لأن قبله اسم فاعل وهو [قوله] [[لفظ: (قوله) ساقط من (ش).]]: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ و ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ و (جاعل) هاهنا حسن ليكون المعطوف [مثل المعطوف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]] عليه، ألا ترى أن حكم الاسم أن يعطف على اسم مثله؛ لأن الاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم، وقرأ أهل الكوفة ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ لأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى الماضي، فلما كان فَاعِلٌ بمنزلة فَعَلَ في المعنى عطف عليه فعل؛ لموافقته له في المعنى، ويدلك على أنه بمنزلة فَعَل أنه نزل منزلته فيما عُطِفَ عليه، وهو قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنعام: 96]، ألا ترى أنه لما كان المعنى فعل في (جاعل) حمل المعطوف على ذلك فنصب (الشَّمْسَ [والْقَمَرَ] [[لفظ (القمر) مكرر في (أ).]] [[ما تقدم قول الفارسي في "الحجة" 3/ 361 - 363، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 372، و"إعراب القراءات" 1/ 165، و"الحجة" لابن خالويه ص 146، و"الحجة" لابن زنجلة ص 262، و"الكشف" 1/ 441.]] وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: بحساب) [[ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 461، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 45، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 284، وابن أبي حاتم 4/ 1354، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: عدد الأيام والشهور والسنين) ا. هـ، وعلى هذا يراد بالحسبان: الحساب، وهو قول الجمهور، كما ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 91.]] مثل ما قال في سورة يونس ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]، وقال الكلبي: (منازلهما بحساب لا يُجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما) [[ذكره السمرقندي 1/ 503.]]. وروى شيبان [[شَيْبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم أبو معاوية البصري، نزل الكوفة، إمام ثقة، محدث، نحوي مقرئ، أكثر عن قتادة والحسن وغيرهما، توفي سنة 164هـ. انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 355، و"تاريخ بغداد" 9/ 271، و"إنباه الرواة" 2/ 72، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 406، و"تهذيب التهذيب" 2/ 184.]] عن قتادة قال: ([يدوران] [[في (أ): (تدوران)، وهو تحريف.]] في حساب) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 214، والطبري 7/ 284، وابن أبي حاتم 4/ 1354، بسند جيد من طريق معمر عن قتادة، ولم أقف عليه من طريق شيبان عن قتادة.]]، وأما معنى الحساب فإن العروضي [[العروضي: أبو الفضل أحمد بن محمد الصفار، تقدمت ترجمته ترجمته.]] والقرشي [[القرشي: أبو عثمان سعيد بن العباس الهروي، تقدمت ترجمته.]] أخبراني عن الأزهري قال: أخبرني المنذري [[المنذري: أبو الفضل محمد بن أبي جعفر الهروي، تقدمت ترجمته.]] عن أحمد بن يحيى، أنه حكى عن الأخفش أنه قال: (معناه: بحسابٍ، فحذف الباء) [["معاني الأخفش" 2/ 282، و"تهذيب اللغة" 1/ 811.]]، والكلام مختصر تقديره: وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب كقوله: ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: 61] أي: من طين، وقال ثعلب: (﴿حُسْبَانًا﴾ مصدر كما تقول: حَسَبْته أَحْسبُه حُسْبانًا وحِسَابًا) [["تهذيب اللغة" 1/ 810. وانظر: "العين" 3/ 148، و"الجمهرة" 1/ 277، و"الصحاح" 1/ 109، و"المجمل" 1/ 233، و"مقاييس اللغة" 2/ 59، و"المفردات" ص 232 مادة (حسب).]]، وأنشد أبو عبيد عن أبي زيد: على الله حُسْباني إذا النَّفْسُ أَشْرَفَتْ ... على طَمَعٍ أَو خافَ شيئًا ضَمِيرُها [[لم أقف على قائله، وهو في "تهذيب اللغة" 1/ 810، و"اللسان" 2/ 865 مادة (حسب)، و"الدر المصون" 5/ 64.]] وجعله الأخفش [["معاني الأخفش" 2/ 282.]] جمع حِسَابٍ، وهو قول أبي الهيثم [[أبو الهيثم: خالد بن يزيد الرازي، تقدمت ترجمته.]] قال: (الحُسبان جمع حساب مثل: رِكَابٍ ورُكْبَانٍ، وشِهَابٍ وشُهْبَانٍ، وكذلك أحسبة مثل: شهاب وأشهبة) [["تهذيب اللغة" 1/ 811، وفيه قال: (الحسبان جمع حساب، وكذلك أَحْسِبَةٌ مثل شِهاب وأَشْهبة) ا. هـ.]]. وهو قول أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 201، 2/ 242، وانظر: "أدب الكاتب" ص 67، و"الزاهر" 2/ 76.]] والمبرد [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 64، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 285.]] ذكرا ذلك في قوله تعالى: ([الشَّمْسُ] [[في (ش): (والشمس)، وهو تحريف.]] وَالقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) [الرحمن:5]، ومن جعل الحسبان مصدرًا جعله كالرجحان والنقصان [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 567، و"الدر المصون" 5/ 64.]]. فأما نصب ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ فقال أبو إسحاق: (النصب على تأويل وجعل الشمس والقمر؛ لأن في ﴿جَاعِلٌ﴾ معنى جعل، وبه نصبت ﴿سَكَنًا﴾، كما تقول: هو معطي زيدٍ درهمًا، فنصب الدرهم محمول على تأويل أعطى) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 274.]]، ونحو هذا قال أبو علي [["الحجة" لأبي علي 3/ 363.]]. وقال الفراء: (الليل في قوله (وَجَاعِلُ الَّليْلِ) في موضع نصب في المعنى فرُد ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ على معناه لما فرّق بقوله ﴿سَكَنًا﴾، فإذا لم تفرق بينهما بشيء آثروا الخفض، وقد يجوز أن ينصب وإن لم يحل بينهما بشيء) [["معاني الفراء" 1/ 346، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 201.]]، وأنشد: بَيْنَا نَحْنُ ننظره أَتَانَا ... مُعَلّقَ شِكوة وزِنَادَ رَاعِ [[الشاهد لنُصَيْب الأسود، شاعر أموي في "ديوانه" ص 104، ولرجل من قيس عيلان في "الكتاب" 1/ 170 - 171، وبلا نسبة في "المحتسب" 2/ 78، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 23، و"الصاحبي" ص 212، و"أمالي ابن الحاجب" 2/ 74، و"رصف المباني" ص 105، و"اللسان" 1/ 405، (بين) وللبيت روايات مختلفة، والشكوة: وعاء لتبريد الماء. والزناد: ما تقدح به النار. والشاهد: نصب زناد حملًا على موضع شكوة. انظر: "شرح شواهد المغني" 2/ 798، و"الخزانة" 7/ 74.]] وقد شرح ابن الأنباري هذا فقال: (العرب قد تجرى اسمًا على الخفض ثم تعطف عليه منصوبًا، وكذلك يقدمون المنصوب ثم يعطفون عليه المخفوض في باب فاعل، فيقولون: هو ضارب عبد الله في الدار ومحمدًا، وهو ضارب عبد الله في الدار ومحمدٍ، إذا نصبوا بعد الخفض قدروا أن المعطوف عليه منصوب وأن الفاعل منوّن، وذلك أن قولنا: هو ضارب عبد الله يجري مجرى ضارب عبد الله، وإذا خفضوا بعد النصب قدّروا أن المنصوب مخفوض وأن الاسم المبني على فاعل لا تنوين فيه، وأنشد: فنبَيْنَا نَحْنُ ننظره أَتَانَا ... مُعَلّقَ شِكوة وزِنَادَ رَاعِ فحمل على تأويل النصب أراد: معلقًا شكوةً، وقال امرئ القيس: فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ [مِنْ بَيْنِ] [[في (ش): (ما بين)، وهي رواية للبيت.]] مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ شِوَاءٍ أوْ قدِيرٍ مُعَجَّلِ [[الشاهد في "ديوانه" ص 120، و"معاني الفراء" 1/ 346، و"جمهرة اللغة" 2/ 929، و"الاشتقاق" ص 233، و"اللسان" 4/ 2463، مادة (صفف)، والطهاة: الطباخون، وصفيف شواء: شرائح لحم مشوي، وقدير، أي: مطبوخ في قدْر، انظر: "شرح المعلقات" للنحاس 1/ 41.]] فخفض القدير وهو نسق على الصفيف تقديرًا أن الصفيف مخفوض، كأنه قال: من بين منضج صفيف) [[انظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 97 - 98، وفي "معاني الفراء" 1/ 346، و"الجمل" للزجاجي ص 84 - 85، نحوه، وقال مكي في "المشكل" 1/ 263: (﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ انتصبا عطفا على موضع (الليل) لأنه في موضع نصب وقيل: على تقدير وجعل. وأما على قراءة ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ فهو عطف على اللفظ والمعنى) ا. هـ. وانظر: "البيان" 1/ 332، و"التبيان" 1/ 349 و"الفريد" 2/ 198، و"الدر المصون" 5/ 61.]]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الذي قدر الأقوات في كل زمان وما يصلح فيه) [[لم أقف عليه.]]، وقال المفسرون: (يعني: ﴿الْعَزِيزِ﴾: في ملكه يصنع ما أراد، ﴿الْعَلِيمِ﴾: بما قدر من خلقهما) [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 580، والطبري 7/ 285، والسمرقندي 1/ 503.]].

الأنعام 6:98

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: آدم) [[ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 66، وذكره ابن أبي حاتم 4/ 1355 عن أكثرهم.]]، ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قال ابن الأنباري: (أي: أراد: فلكم مستقر ومستودع، وبهذا الإضمار يحسن اتصال هذا الكلام بما قبله وحسن الإضمار؛ لأن الفاء يغلب على ما بعدها الاتصال بما يسبقها، فحذف ما يحذف بعد الفاء؛ إنما هو لدلالة الذي قبلها عليه للمواصلة، كقول العرب: إن تزرني فمحسن، وإن قصدتني فبار، وهم يريدون: فأنت بار، فيحذفون لوضوح المعنى) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 88 لفظ: (أي: فلكم مستقر ومستودع) فقط، والباقي لم أقف عليه.]]. وأما تفسير: المستقر والمستودع، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: مستقر في الأرحام ومستودع في الأصلاب) [[لم أقف عليه من رواية عطاء، وهو في "تفسير عطاء الخراساني" ص 88، من قوله، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 289 بسند جيد عن عطاء فقط.]]، وهذا التفسير على القراءتين [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فمُسْتَقِر) بكسر القاف وفتحها الباقون. انظر: "السبعة" ص 263، و"المبسوط" ص 172، و"الغاية" ص 246، و"التذكرة" 2/ 405، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260.]] في المستقر، وقال في رواية سعيد بن جبير: (المستقر ما في الرحم، والمستودع ما في الصلب) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 287 - 288، من عدة طرق جيدة، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 316. وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وذكره ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 289، وقال: (أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عباس بإسناد صحيح) اهـ.]]، وهذا على قراءة من كسر القاف. وقال كريب [[كريب بن أبي مسلم، أبو رشدين المدني، الهاشمي، مولى ابن عباس، تابعي، إمام ثقة، موصوف بالخير والديانة، لازم ابن عباس رضي الله عنهما، وكان عنده عنه حمل بعير من الكتب، توفي رحمه الله تعالى سنة 98 هـ. انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 293، و"الجرح والتعديل" 7/ 168، و"تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 66، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 479، و"تهذيب التهذيب" 3/ 468.]]: (كتب حبر تيماء [[تَيْماء: بالفتح والمد، بلد في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى. انظر: "معجم البلدان" 2/ 66.]] إلى ابن عباس يسأله عن هذه، فكتب إليه المستودع: الصلب، والمستقر: الرحم، ثم قرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: 5]) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 88، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 289 بسند ضعيف وفيه قال: (المستقر: الرحم، ثم قرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: 5]، وقرأ ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ [البقرة: 36]، قال: مستقرة فوق الأرض، ومستقرة في الرحم، ومستقرة تحت الأرض، حتى يصير إلى الجنة أو إلى النار) اهـ.]]، وهذا التفسير على قراءة من فتح القاف، وقال في رواية العوفي: (كل مخلوق قد فرع من خلقه فهو المستقر، والمستودع: ما في أصلاب الرجال الذي الله خالقه) [[أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 289 بسند ضعيف عن العوفي عن ابن عباس قال: (المستقر في الأرحام ، والمستودع في الصلب لم يخلق وهو خالقه) ا. هـ.]]، ونحو هذا روى عكرمة عنه قال: (المستقر: الذي قد خُلق واستقر في الرحم، والمستودع: الذي قد استودع في الصلب مما لم يخلق بعد) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 290، وابن أبي حاتم 4/ 1355 عن عكرمة عن ابن عباس.]]. وقال الوالبي [[الوالبي هو: علي بن أبي طلحة. والأثر عنه أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 289، وابن أبي حاتم 4/ 1357 بسند جيد.]] والضحاك عنه: (المستقر في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب) [[لم أقف عليه من رواية الضحاك، وقد أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 289 بسند ضعيف عن الضحاك من قوله. وقال ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1357 روى عن الضحاك عن ابن عباس قال: (المستودع: المكان الذي تموت فيه) اهـ.]]. وقال سعيد بن جبير: (﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ في بطون الأمهات ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: في أصلاب الآباء، قال: وقال لي ابن عباس: أتزوجتَ يا ابن جبير؟ قلت: لا، وما أريد ذلك يومي هذا. قال: فضرب ظهري، وقال: أما أنه مع ذاك ما كان من مستودع في ظهرك فسيخرج) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 288 - 289، والواحدي في "الوسيط" 1/ 88 من عدة طرق جيدة.]]. وأكثر أهل التفسير والمعاني: على أن المستقر والمستودع في الأصلاب والأرحام [[قال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 568: (أكثر أهل التفسير يقولون: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب)، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 347، ونحوه قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 201، واليزيدي في "غريب القرآن" ص 140، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 157، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 178: (وهذا القول أظهر والله أعلم) ا. هـ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 298، والقرطبي 7/ 46.]] وقد أحسن أبو علي شرح الحرفين كل الإحسان، مع ذكر اختلاف القراءتين في المستقر فقال: (قال سيبويه: "قالوا: قرَّ في مكانه واستقر" [["الكتاب" 4/ 70.]]، فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى: القارّ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون خبره المضمر منكم، أي: منكم مستقر، كقولك: بعضكم مستقر، أي: مستقر في الأرحام، ومن فتح القاف فليس على أنه مفعول به، ألا ترى أن استقر لا يتعدى، وإذا لم يتعد لم يبن منه اسم مفعولٍ به، وإذا لم يكن مفعولًا به كان اسم مكان، فالمستقر بمنزلة المقرّ، كما كان المستقر بمنزلة القارّ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون خبره المضمر منكم، كما جاز ذلك في قول من كسر القاف، فإذا لم يجز ذلك جعلت الخبر المضمر لكم، فيكون التقدير: لكم مَقَرٌّ. فأما المستودع فإن استودع فعلٌ يتعدى إلى مفعولين، [تقول] [[في (ش): (يقول)، بالياء.]]: استودعت زيدًا ألفًا، وأودعت مثله، فاستودع مثل أَوْدَع، كما أن استجاب بمنزلة أجاب، فالمستودع يجوز أن يكون الإنسان الذي استودع ذلك المكان، ويجوز أن يكون المكان نفسه، فمن قرأ (فَمُستقَر) بفتح القاف جعل المستودع مكانًا ليكون مثل المعطوف عليه، أي: فلكم مكان استقرار، ومكان استيداع، ومن قرأ (فمستقِر) فالمعنى: منكم مستقر في الأرحام، ومنكم مستودع في الأصلاب، فالمستودع اسم المفعول به ليكون مثل المستقر في أنه اسم لغير المكان) [["الحجة" لأبي علي 3/ 364 - 365، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 347، و"معاني الزجاج" 2/ 274، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 568، و"معاني القراءات" 1/ 373 ، و"إعراب القراءات" 1/ 166، و"الحجة" لابن زنجلة ص 262، و"الكشاف" 1/ 442.]].

الأنعام 6:99

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ قال ابن عباس: (يريد: المطر الذي ينزل، ليس من نقطة إلا ومعها ملك) [[ذكره الرازي 13/ 107 عن الواحدي.]]. ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ يعني: بالمطر ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ذكر الفراء فيه قولين: (أحدهما يقول: رزق كل شيء، يريد: ما ينبت مما يصلح غذاء لكل شيء، قال: وكذا جاء التفسير، وهو وجه الكلام، قال: وقد يجوز في العربية أن [تضيف] [[في (ش): (يضيف).]] النبات إلى ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ وأنت تريد بكل شيء النبات أيضًا، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ [حَقُّ] [[في (ش): (الحق)، وهو تحريف واضح.]] الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: 95] واليقين هو الحق) [["معاني الفراء" 1/ 347، وعلى القول الأول يكون النبات مخصوصًا بالمتغذى به، وعليه تكون الإضافة إضافة بين متباينين إذ يصير المعنى: غذاء كل شيء أو رزقه، وعلى القول الثاني: يكون النبات عامًّا في كل ما يتغذى بالماء من الحيوان والنبات، وعليه تكون الإضافة راجعة في المعنى إلى إضافة شبه الصفة لموصوفها، والمعنى: أخرجنا به كل شيء منبت؛ لأن النبات بمعنى المُنبت أفاد ذلك السمين في "الدر" 5/ 67 - 68، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 292، و"إعراب القرآن" للنحاس 568.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ قال أبو إسحاق: (معنى خَضِر كمعنى أَخْضَر، يقال: اخْضَرَّ فهو أخضَرُ وخَضِرٌ، مثل اعْوَرَّ فهو أَعْوَرُ وعَوِرٌ) [["معاني الزجاج" 2/ 275، وانظر: "غريب اليزيدي" ص 140.]]، وقال غيره: ومثله نَمِرَ بمعنى: أنمر، تقول العرب: أَرِنيهَا نَمِرَةً أُرِكَهَا مَطِرَةً) [[هذا مثل قائله أبو ذؤيب الهذلي كما في "اللسان" 8/ 4545 مادة (نمر) ، وهو بلا نسبه في "العين" 8/ 271، و"معانى الأخفش" 2/ 283، و"الجمهرة" == 2/ 802، والطبري 7/ 292، و"إعراب النحاس" 1/ 568، و"الصحاح" 2/ 647 مادة (خضر)، ونمرة: بفتح النون، وكسر الميم: السحابة التي فيها سواد وبياض، وهو مثل يضرب في صحة مخيلة للشيء وصحة الدلالة عليه، وإذا رأيت دليل الشيء علمت مما يتبعه. انظر: "جمهرة الأمثال" 1/ 49، و"مجمع الأمثال" 1/ 306، و"المستقصى" 1/ 144.]]. وقال الليث: (الخضر في كتاب الله هو الزرع، وفي الكلام كل نبات من الخُضَر) [[النص في "العين" 4/ 175 مادة (خضر)، وفي "التهذيب" 1/ 1044 مادة (خضر)، وقال الليث: الخضِرُ في هذا الموضع الزرع الأخْضَرُ) ا. هـ انظر: "مقاييس اللغة" 2/ 195، و"المفردات" ص 285، و"اللسان" 2/ 1112 مادة (خضر).]]، قال ابن عباس: (يريد: القمح والسلت [[السُّلْت: بالضم، ضرب من الشعير أبيض لا قشر له. انظر: "اللسان" 4/ 2059 مادة (سلت).]] والشعير والذرة والأرز) [[قوله: (الأرز) غير واضح في (أ)، والأثر ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 108، والقرطبي 7/ 48.]]، ويعني بهذا: ما كان رطبًا أخضر مما ينبت من هذه الحبوب. وقوله تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ يعني: من الخضر، نخرج ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ بعضه على بعض في سنبلة واحدة [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 292، والسمرقندي 3/ 503.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ قال أبو عبيد: (أَطْلَعَت النخلة إذا أخرجت طَلْعَها، وطَلْعُها كُفُرَّاها [[كُفَرَّاها: بضم الكاف، وتشديد الراء المفتوحة، وفتح الفاء أو ضمها: وعاء الطلع، وقشره الأعلى. انظر: "اللسان" 7/ 3901 مادة (كفر).]] قبل أن ينشق عن الإغَريض [[الإغريض بكسر الهمزة وسكون الغين: كل أبيض مثل اللبن، والطلع حين ينشق عنه كافوره. انظر: "اللسان" 6/ 3242 مادة (غرض).]]، والإغريض يسمى طَلْعًا أيضًا، قال: والطلع أول ما يرى من عذق النخلة، الواحدة طلعة) [[النص عن أبي عبيد في "الدر المصون" 5/ 74، ونقله الرازي في "تفسيره" 13/ 108، عن الواحدي عن أبي عبيدة، والنص عند الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2208، عن أبي زيد، وقوله: (والطلع أول ما يرى) في التهذيب من قول المفضل الضبي.]]، قال أبو زيد: (أَطْلَعَ النَّخْلُ الطَّلْعَ إطْلاعًا، وطَلَعَ الطَّلْع يَطْلعُ طُلوعًا) [["تهذيب اللغة" 3/ 2206، وانظر: "العين" 2/ 12، و"الجمهرة" 2/ 915، و"الصحاح" 3/ 1254، و"المجمل" 2/ 585، و"اللسان" 5/ 2691 مادة (طلع).]]. و ﴿قِنْوَانٌ﴾، قال الزجاج: (جمع قِنْو، مثل صِنْوٍ وصِنْوَانٍ، وإذا ثنيت القِنْو قلت: قِنْوانِ، بكسر النون) [["معاني الزجاج" 2/ 275، وفيه: (والقنو: العذق، بكسر العين) ا. هـ، ونحوه ذكر الأخفش في "معانيه" 2/ 283، قال: (وواحد القِنْوان قِنو، وكذلك الصنوان واحدها صِنو) ا. هـ، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 463: (القنوان: العذُوق عند أكثر أهل اللغة).]]. قال أبو عبيدة: (ثم جاء جمعه على لفظ الاثنين مثل صنو وصنوان، والإعراب في النون للجمع، وليس لهما في كلام العرب نظير) [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 202، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 168.]]، قال امرؤ القيس [["ديوانه" ص 60، والطبري 7/ 293، و"تهذيب اللغة" 3/ 3051 مادة (قنا) ، والماوردي 2/ 149، وابن الجوزي 3/ 93، و"اللسان" 6/ 3762 مادة (قنا) و"البحر" 3/ 443، و"الدر المصون" 5/ 72، وفي الديوان: سَوامقَ جَبَّار أثيث فروعُهُ ... وعالين قِنْوانًا مِنَ البُسْرِ أَحْمَرا والسوامق: العاليات، والجبار: الذيَ فات الأيدي فلم تنله، والأثيث: الكثير الملتف بعضه على بعض، وآدت، أي: تثنت ومالت.]]: فَأَثتْ أَعَالِيه وآدت أُصُولُهُ ... وَمَالَ بِقِنْوانٍ مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا قال أبو علي: الكسرة التي في (قنوان) ليست التي كانت في قنو، لأن وتلك قد حذفت في التكسير، وعاقبتها الكسرة التي [يجلبها التكسير، وكذلك التي [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] في هجان [[الهجان: بكسر الهاء من الإبل البيض الكرام الخالصة اللون. انظر: "اللسان" 8/ 4626 مادة (هجن).]]، وأنت تريد الجمع ليست الكسرة التي كانت في الواحد، ولكنه مثل الكسرة في ظراف [[في (ش): (في طراف إذا جمعت عليه طريفًا) بالطاء المهملة، ولعله تصحيف.]] إذا جمعت عليه ظريفًا) [[انظر: "كتاب الشعر" لأبي علي 1/ 120، و"الدر المصون" 5/ 72.]]، وقد ذكرنا مثل هذا في الفُلك في سورة البقرة [: 164]، ونظير هذا مما يوضحه الضمة التي في آخر مَنْصُور على قول من قال: يا جارُ [[يعني: بالضمة، أفاده السمين في "الدر" 5/ 72، حين نقل قول الواحدي.]] ليست التي كانت فيه في قول من قال: يا جارِ [[يعني: بالكسرة. ويعني: أننا حين نرخم منصورًا بقولنا: منصُ، فإن الضمة فيه على لغتي الترخيم من ينتظر ومن لا ينتظر، تختلف الواحدة منهما عن الأخرى في الفرض والتقدير، أفاده الدكتور أحمد الخراط في "حاشية الدر المصون".]]، قال ابن عباس: (يريد: العراجين [[العرجون: بضم العين، وسكون الراء، العِذق عامة، وقيل: هو العذق إذا يبس واعوج. انظر: "اللسان" 5/ 2871 مادة (عرجن).]] التي قد تدلت من الطلع، ﴿دَانِيَةٌ﴾ يريد: تدنو ممن يجتنيها) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 108، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 194 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (دَانِيةٌ: تهدل العذوق من الطلع) اهـ.]]، وروي عنه أيضاً أنه قال: (يعني: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 194، وابن أبي حاتم 4/ 1358، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 67.]]. قال أبو إسحاق: (﴿دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبة المتناول، قال: ولم يقل: ومنها قنوان بعيدة؛ لأن في الكلام دليلًا أن البعيدة السحيقة قد كانت غير سحيقة، فاجتزأ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] ولم يقل: وسرابيل تقيكم البرد؛ لأن في الكلام دليلاً على أنها تقي البرد؛ لأن ما ستر من الحر ستر من البرد) [["معاني الزجاج" 2/ 275، ونحوه ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 464، والبغوي في "تفسيره" 3/ 172.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ الوجه: كسر [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 283، و"الزجاج" 2/ 276.]] التاء؛ لأنها في موضع نصب نسقًا على قوله (خَضِرًا) أي: فأخرجنا خَضِرًا ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ وروى الأعشى [[الأعشى: يعقوب بن محمد بن خليفة التميمي، أبو يوسف الكوفي، إمام عابد، مقرئ، تصدر للإقراء بالكوفة، فقرأ عليه خلق كثير، وهو من جلة أصحاب ابن عياش، توفي نحو 200 هـ. انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 159، و"غاية النهاية" 2/ 390.]] عن أبي بكر [[أبو بكر: هو شعبة بن عياش الأسدي، تقدمت ترجمته.]] [وجنات) رفعًا [[قرأ عامة القراء (وجناتٍ) بكسر التاء وموضعها نصب. وروى يعقوب الأعشى وعبد الحميد الرجمي عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود (وجناتٌ) بالرفع. قال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 569، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 49: (وهو الصحيح من قراءة عاصم) ا. هـ، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 294، و"مختصر الشواذ" ص 39، و"المبسوط" ص 172، و"الغاية" ص 246، و"التذكرة" 2/ 405 ، و"الإتحاف" 2/ 24.]] قال أبو بكر [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] ابن الأنباري: (وله مذهبان أحدهما: أن يكون الجنات مفعولة في المعنى رفعت بمضمر بعدها، تأويله ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أخرجناها، فجرى مجرى قول العرب: أكرمت عبد الله وأخوه، يريدون: وأخوه أكرمته أيضاً، ومثله [قول] [[لفظ: (قول) ساقط من (ش).]]: أكلت طعامك وطعام أخيك، قال الفرزدق: غَداةَ أحلَّتْ لابْنِ أَصْرَمَ طَعْنَةُ ... حُصَيْنٍ عَبيطَاتِ السَّدَائِفِ والخَمْرُ [["ديوانه" 1/ 354، و"الكامل" 1/ 370، و"الإنصاف" 160، و"الدر المصون" 5/ 76، وعبيطات: جمع عبيطة بفتح العين، وهي السمينة الفتية، والسدائف جمع سديف وهو السنام.]] فرفع الخَمر، وهي مفعولة، على معنى: والخمر أحلتها الطعنة، والمذهب الآخر: رفع الجنات بالنسق على القنوان؛ تغليبًا لمعنى الجوار، كما قال الشاعر: وزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا [[الشاهد للراعي النميري، شاعر أموي فحل في "ديوانه" ص 150، و"تأويل مشكل القرآن" ص 213، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 148، و"الخصائص" 2/ 432، و"الإنصاف" 488، و"اللسان" 3/ 1812 مادة (زجج)، و"الدر المصون" 5/ 77، وصدره: إِذَا ما الغَانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا وفي "الديوان": (وهزة نشوة من حي صدق) وزججن: أي: رققن. انظر: "الزاهر" 1/ 52.]] فنسق العيون على الحواجب تغليبًا للمجاورة، والعيون لا تزجج، كما أن الجنات من الأعناب لا [يكنّ] [[في (ش): (لا تكن)، بالتاء.]] من الطلع) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 76 - 77، عن ابن الأنباري، وذكر الواحدي بعضه في "الوسيط" 1/ 90، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 347، و"معانى القراءات" == 1/ 374، و"الحجة" لابن خالويه ص 146، و"الحجة" لابن زنجلة ص 264، و"المشكل" لمكي 1/ 264.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ قال الفراء: (يريد: شجر الزيتون، وشجر الرمان، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] يريد: أهلها) [["معاني الفراء" 1/ 348، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 294.]] وقوله تعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، قال قتادة: (مشتبهًا ورقها مختلفًا ثمرها) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 294، وابن أبي حاتم 4/ 1359 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 67.]]، وهو قول مقاتل [["تفسيرمقاتل" 1/ 581.]] وأكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 294، والسمرقندي 1/ 503، والماوردي 2/ 149، وابن عطية 5/ 301، وابن الجوزي 3/ 94، والقرطبي 7/ 49.]]، وقال الزجاج: (أي: شجره، يشبه بعضه بعضًا ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطعم) [["معاني الزجاج" 2/ 276، وفيه: (أي: في الطعم وفيه ما يشبه طعم بعضه طعم بعض) ا. هـ، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 464.]]. وقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ قال عبد العزيز بن يحيى: (نظر الاستدلال والعبرة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 91 بدون نسبة، وانظر: "تفسير ابن عطية" 6/ 119، والقرطبي 7/ 49.]]، وقال أبو روق: (اعتبروا واتعظوا) [[لم أقف عليه.]]، ﴿إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾، قال الفراء: (يقول: انظروا إليه أول ما يعقد) [["معاني الفراء" 1/ 348.]]، والثمر: جمع ثمرة مثل: بقرة وبقر وشجرة وشجر وجزرة وجزر، وقد كسروها على فِعال، كما قالوا: أكمة وأكام ورقبة ورقاب [[انظر: "الكتاب" 3/ 583، و"الحجة" لأبي علي 3/ 366.]]. وقرأ حمزة والكسائي (ثُمُرِه) بضم الثاء [[قرأ حمزة والكسائي (ثُمُرِه) بضم الثاء والميم، وقرأ الباقون: بفتحهما. انظر: "السبعة" ص 262، و"المبسوط" ص 172، و"التذكرة" 2/ 406، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 260.]] والميم، وله وجهان: الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثُمُر، كما قالوا: خشبة وخُشُب؛ قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: 4] وكذلك أكمة وأكم، ثم يخففون [فيقولون] [[في (أ): (فيقول)، وهو تحريف.]]: أكم [[في "الحجة" لأبي علي 3/ 367 - 369: (وكذلك أكمة وأكُم، وتخفيف العين كما قالوا: الأكْم في جمع أَكَمَةٍ) ا. هـ.]] قال: ترى الأكم منه [[في (ش): (فيه).]] سجدًا للحوافر [[الشاهد لزيد الخمِل الطائي شاعر مخضرم فحل في "المعاني الكبير" 2/ 890، و"الكامل للمبرد" 2/ 201، وبلا نسبة في: "تأويل مشكل القرآن" 417، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 295، و"كتاب الشعر" 1/ 183، و"الصحاح" 2/ 483 مادة (سجد)، و"الصاحبي" ص 453، و"اللسان" 4/ 1941 مادة (سجد)، وصدره: بجَيْشٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِهِ]] ونظيره من المعتل ساحَة وسُوْح [[في النسخ: (ساجة - وسوج) بالجيم، ولعله تصحيف.]] وقارَة وقور، ولابهَ [[اللَّابة: الحرة والأرض التي كسيت بحجارة سوداء. انظر: "اللسان" 7/ 4092 مادة (لوب).]] ولُوب، وناقة ونُوق. والوجه الآخر: أن يكون جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثمارًا على ثُمرٍ، فيكون ثُمر جمع الجمع [[ما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 3/ 366 - 369 (بتصرف). وانظر: "معاني == القراءات" 1/ 375، و"إعراب القراءات" 1/ 166، و"الحجة" لابن خالويه ص 146، ولابن زنجلة ص 264، و"الكشف" 1/ 443. وقراءة الجماعة بالفتح الثمر اسم جنس مفرده ثمرة، أما قراءة الضم، فالجمهور على أنه جمع ثمرة. انظر: "تفسير الطبري" 7/ 294 - 295، و"معاني الزجاج" 2/ 276، و"إعراب النحاس" 1/ 570، و"الدر المصون" 5/ 80.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ الينع: النضج [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 348، و"معاني النحاس" 2/ 464، و"الصحاح" 3/ 1310، و"مجمل اللغة" 4/ 943، و"المفردات" ص 894 مادة (ينع). قال الجوهري: (يَنَع الثمر يَيْنَع وَييْنِعُ يَنْعا ويُنْعا وُينُوعًا، أي: نضج؛ وأَيْنَع مثله).]]. قال أبو عبيدة: (يقال: يَنَع يَيْنَع بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل) [[نقله بهذا اللفظ الرازي في "تفسيره" 13/ 111 عن الواحدي عن أبي عبيدة. وذكره السمين في "الدر" 5/ 82 عن أبي عبيد، وفي "مجاز القرآن" 1/ 202 نحوه، لكنه ضبط بالمطبوعة بالفتح. قال: (ينعه مصدر من يَنع إذا أينع .. واحده يانع، والجمع يَنْع، ويقال: ينَع يَيْنَع ينوعًا، فمنه اليانع، ويقال: ينعت وأينعت لغتان) ا. هـ. ملخصًا.]]، وأنشد: حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا [[الشاهد مختلف في نسبته، وهو للأحوص الأنصاري شاعر أموي، في "ديوانه" ص 91، وليزيد بن معاوية في "الجمهرة" 2/ 956، ونقل المبرد في "الكامل" 1/ 384 عن الأخفش أنه قال: (الصحيح أنه ليزيد) اهـ. ونسب في "اللسان" 3/ 1375 مادة (دسكر) إلى الأخطل، وفي 8/ 4971 مادة (ينع) إلى عبد الرحمن بن حسان، ونسب في "التاج" 11/ 558، إلى أبي دهبل الجمحي، وهو بلا نسبة في: "مجاز القرآن" 1/ 202، و"معاني الزجاج" 2/ 277، و"تفسير الطبري" 7/ 295، و"تهذيب اللغة" 4/ 3988 مادة (ينع)، و"زاد المسير" 3/ 95، و "الدر المصون" 5/ 82 ، وصدره: (في قِبَابٍ حَوْلَ دَسْكرة) والدسكرة: القرية، والبناء الضخم.]] وقال الليث: (ينعت الثمرة، بالكسر، وأينعت، فهي [تينع] [[(تينع) غير واضحة في (أ) وكأنها (تيينع أو يينع).]] وتونع إيناعًا، ويَنعًا بفتح الياء، ويُنعًا [بضهما] [[في (أ): (بضمه).]]، والنعت يانِع ومونِع) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 111 عن الواحدي عن الليث، وفي "الدر المصون" 5/ 82: (قال الليث بكسرها في الماضي وفتحها في المستقبل) ا. هـ. وفي "العين" 2/ 257: (يَنَعت الثمرة يُنعا ويَنَعا، وأيْنعَ إيناعًا، والنعت: يانِع ومُونِع) ا. هـ.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يريد: يصدّقون أن الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم. قال أبو إسحاق [["معاني الزجاج" 2/ 277.]]: (احتج الله عز وجل بتصريف ما خلق، ونقله من حالٍ إلى حالٍ بما يعلمون أنه لا يقدر عليه [المخلوقون] [[في (أ): (المخلوقين)، وهو تحريف.]]، وأعلم أنه كذلك يبعثهم؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أعلمهم أن فيما قصّ عليهم دليلًا [لمن صدّق]) [[في (ش): (لمن صدق قوله).]].

الأنعام 6:100

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ قال الحسن: (معناه: أطاعوا الشياطين في عبادة الأوثان) [[ذكره الماوردي 2/ 150، والواحدي في "الوسيط" 1/ 91، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 96، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 53.]]، وهو اختيار الزجاج قال: (المعنى: أنهم أطاعوا الجن فيما سوّلت من شركهم فجعلوهم شركاء لله) [["معاني الزجاج" 2/ 277 ، وانظر: "معانى النحاس" 2/ 465.]]. وذكر الفراء [["معاني الفراء" 1/ 348.]] وأبو إسحاق [["معاني الزجاج" 2/ 277، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 283.]] في نصب (الجن) وجهين: (أحدهما: أن يكون الجن مفعولاً فيكون المعنى: وجعلوا لله الجن شركاء، ويكون الشركاء مفعولاً ثانياً. والثاني [[جاء في (ش): (والثاني أن يكون الجن بدلاً من الشركاء، ويكون الشركاء مفعولًا ثانيًا)، ثم ذكر الوجه الثاني على الوجه الصحيح، وهو تكرار وتداخل.]]: أن يكون الجن بدلاً من الشركاء ومفسراً للشركاء) [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 750، و"المشكل" 1/ 264، و"الدر المصون" 5/ 83.]]. وقوله تعالى: (وَخَلَقَهُمْ) يجوز أن تعود الكناية على هؤلاء الذين جعلوا لله شركاء، والمعنى: وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون، ويجوز أن تعود الكناية على الجن، فيكون المعنى: والله خلق الجن، فكيف يكون الشريك لله عز وجل، المحدث الذي لم يكن ثم كان [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 277، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 465.]]. وقوله تعالى ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾، قال المفسرون [[قال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 303: (الذين خرقوا البنين اليهود في ذكر عزير والنصارى في ذكر المسيح، وأما ذاكروا البنات فالعرب الذين قالوا للملائكة بنات الله، فكأن الضمير في (جعلوا) (وخرقوا) لجميع الكفار، إذ فعل بعضهم هذا) ا. هـ، وانظر: "تفسير الرازي" 13/ 116، و"الفتاوى" 17/ 271.]]: (يعني: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله). قال ابن عباس: يريد: افتعلوا له بنين وبنات) [[أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 297، وابن أبي حاتم 4/ 1360 بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: أنهم تخرصوا)، وأخرجا عنه بسند ضعيف قال: (جعلوا له بنين وبنات بغير علم) ا. هـ، وذكر السيوطي في "الدر" 3/ 68، أنه روي عن ابن عباس أنه قال: (وصفوا لله بنين وبنات افتراء عليه) ا. هـ.]]. وقال قتادة [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 297، وابن أبي حاتم 4/ 1361 بسند جيد، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 215، والطبري 7/ 297 بسند جيد عن قتادة، قال: (خرصوا) ا. هـ.]] وابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 297، وابن أبي حاتم 4/ 1361 بسند جيد.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 220. وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 297، وابن أبي حاتم 4/ 1360 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 68.]] وابن جريج [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 151، والقرطبي 7/ 53، وأبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 194.]]: (كذبوا). وقال الفراء: (معنى ﴿وَخَرَقُوا﴾: افتعلوا ذلك كذباً وكفراً، قال: [وخَرَقوا] [[لفظ (الواو)، ساقط من (أ).]] واخترقوا وخلقوا واختلقوا وافتروا واحد [["تهذيب اللغة" 1/ 1016، و"اللسان" 2/ 1142 مادة (خرق)، ولفظ: (افتراء) - لم ترد عندهما. وذكرها الرازي في "تفسيره" 13/ 116، وفي "معاني الفراء" 1/ 348، (وقوله (وخرقوا) واخترقوا وخلقوا واختلقوا يريد افتروا) ا. هـ. وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 203، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 141، و"تفسير غريب القرآن" ص 169، و"تفسير المشكل" لمكي ص 78.]]، يقال [[هذا قول أبي الهيثم خالد بن يزيد الرازي كما في "تهذيب اللغة" 1/ 1016، و"اللسان" 2/ 1143 مادة (خرق).]]: خلق فلان الكلمة واختلقها واخترقها وخرّقها إذا افتعلها وابتدعها كذباً)، الليث: (تخرّق الكذب وتخلقه) [["تفسير الرازي" 13/ 116، وفي "العين" 4/ 150 مادة (خرق): (والاختراق كالاختلاق وتخرق الكذب كتخلقه) اهـ.]]. وقال الزجاج: (معنى خرقوا واختلقوا: كذبوا) [["معاني الزجاج" 2/ 278، وفيه: (معنى خرقوا: اختلقوا وكذبوا) ا. هـ. وقال النحاس في "معانيه" 2/ 466 (قال أهل اللغة: معنى (خرقوا) اختلقوا وافتعلوا) ا. هـ، وانظر: "الجمهرة" 1/ 590، و"الصحاح" 4/ 1466، و"المجمل" 2/ 284، و"المفردات" ص 279 مادة (خرق).]]، وقرأ [[قرأ نافع: (وخرَّقوا) بتشديد الراء، والباقون بتخفيفها. انظر: "السبعة" ص 264، و"المبسوط" ص 173، و"التذكرة" 2/ 406، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 261.]] نافع: (وَخَرَّقُوا) [[لفظ: (الواو)، ساقط من (ش).]] مشددة، والاختيار التخفيف؛ لأنها أكثر، والتشديد للمبالغة والتكثير [[انظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 372، و"معاني القراءات" 1/ 376، و"الحجة" لابن خالويه ص 147، و"إعراب القراءات" 1/ 166، و"الحجة" لابن زنجلة ص 264، و"الكشف" 1/ 443، ونقل قول الواحدي في اختيار قراءة التخفيف، الرازي في "تفسيره" 13/ 117.]]. وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله، واليهود أن عزيزاً ابن الله، فأعلم الله عز وجل أنهم اختلقوا ذلك ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: لم يذكروه عن علم، إنما ذكروه تكذباً، قاله [["معاني الزجاج" 2/ 278.]] الزجاج، وقال غيره: معناه ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ منهم أن هذا لا يجوز على القديم جل وعز، فهو داخل في الذم لهم [[قال الطبري في "تفسيره" 7/ 298: (تخرصوا لله كذبًا، فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلاً بالله وبعظمته) ا. هـ. وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 504، والماوردي 1/ 151.]].

الأنعام 6:101

قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ أي: من أين يكون له ولد ولا يكون الولد إلا من صاحبه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ احتج جل وعز في نفي الولد بأنه خالق كل شيء، وليس كمثله شيء، فكيف يكون الولد لمن لا مثل له، وإذا نسب إليه الولد فقد جعل له مثل [[ما تقدم هو نص كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 278، ونحوه ذكره الطبري في "تفسيره" 7/ 298، والنحاس في "معانيه" 2/ 466.]]، فالآية متضمنة للحجة على استحالة أن يكون لله ولد؛ لأن ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا مثل له، والولد لا يصح إلا مع المماثلة. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: (لأنه هو الخالق لخلقه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 93 بدون نسبة.]].

الأنعام 6:102

قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ارتفع ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ على أنه خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل: هو خالق كل شيء؛ لأنه لما تقدم ذكره استغنى عن هو [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 348، و"إعراب النحاس" 1/ 571، و"الكشاف" 2/ 41، و"التبيان" 1/ 352، و"الفريد" 2/ 206، و"الدر المصون" 5/ 91.]]. وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ قال ابن عباس: (فأطيعوه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 93، والبغوي في "تفسيره" 3/ 173 بدون نسبة.]]، وقيل: وحدوه [[أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1362 عن ابن عباس، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 582، وقال السمرقندي في "تفسيره" 1/ 505: (يعني: وحدوه وأطيعوه) ا. هـ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ قد ذكرنا معنى الوكيل [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 206/ أ، و215 أ، 218 أ، و219 أ.]] في صفة الله تعالى، وقال بعض أصحاب المعاني: (إنما جاز وصف القديم بأنه وكيل فيما هو مالك، لأنه لما كانت منافع مملوكاته لغيره وجلّ عن أن تلحقه المنافع والمضار صحت هذه الصفة في هذه الجهة من حيث إن له أن يصرف ما هو مالك له، ثم التصريف فيما يدبره بمنزلة ما يدبره الوكيل فيما تعود منافعه على غيره، فهو على كل شيء وكيل بالحفظ له والتدبير) [[لم أقف عليه بعد طول بحث في كتب المعاني والتفسير. وانظر: "المقصد الأسنى" للغزالي ص 114، و"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص 293، و"اللسان" 8/ 4909 مادة (وكل).]].

الأنعام 6:103

قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية. احتج نفاة الرؤية [[نفاة الرؤية: هم الجهمية والمعتزلة والخوارج، وبعض المرجئة، قالوا: (لا يُرى الله تعالى في الدنيا ولا في الآخرة). انظر: "الفتاوى" لابن تيمية 2/ 336 - 337، و"تفسير الخازن" 2/ 166.]] بهذه الآية على أهل السنة [[أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار عيانًا وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه، كما تواترت به الأخبار عن النبي ﷺ. انظر: "كتاب التوحيد" لابن خزيمة 1/ 437، و"الشريعة" للآجري ص 231، و"الفتاوى" لابن تيمية 2/ 336، و"تفسير ابن كثير" 2/ 180، و"شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز 1/ 207.]] فقالوا: أخبر الله تعالى أن الأبصار لا تدركه، وإنما قال هذا على سبيل التمدح، وما نفى عن نفسه على سبيل التمدح به وجب أن يكون ذلك على التأييد كقوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 163]، و ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255] [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 104.]]. والجواب [عن] [[في (ش): (على).]] هذا من وجوه: أحدها: أن الإدراك غير الرؤية لأنه يصح أن يقال: رآه وما أدركه، ويدل على هذا قوله تعالى إخباراً عن قوم موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:61 - 62] وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم، [و] [[لفظ: الواو ساقط من (أ).]] الدليل على ذلك قوله تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء: 61] أي: رأى أحدهما الآخر، وكان الله تعالى قد [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 299 وما بعدها، والبغوي 3/ 174.]] وعد موسى أنهم لا يدركونه بقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77]. وقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:61] يريدون أنهم قد قربوا من إدراكهم إياهم، ألا ترى أن موسى نفى ذلك بقوله: (كلّا)، وهذا مذهب جماعة من المفسرين [[قال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 17/ 111، في شرح الآية: (الإدراك عند السلف والأكثرين: هو الإحاطة، وقال طائفة: هو الرؤية، وهو ضعيف؛ لأن نفي الرؤية عنه لا مدح فيه ..) ا. هـ، وانظر: "الفتاوى" 16/ 87 - 89.]] قالوا: [معنى] [[في (أ): (معنا).]] الإدراك: الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، فالأبصار ترى الباري ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110] قال سعيد بن المسيب في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: (لا تحيط به الأبصار) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 182 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 93، والبغوي 3/ 174، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 98.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: (كلت [[كلت: يقال: كل بصره، بفتح الكاف، أي: ثقل. انظر: "اللسان" 7/ 3918 مادة (كلل).]] أبصار المخلوقين عن الإحاطة به) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 93، وذكره الثعلبي في "الكشف" 182 أ، والبغوي في "تفسيره" 3/ 174 عن عطاء من قوله، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 299 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (لا يحيط بصر أحد بالملك) ا. هـ.]]، وقال الزجاج: (معنى إدراك الشيء: الإحاطة بحقيقته، وقد ينظر الرجل إلى الشيء ولا يدركه)، ثم احتج على أن معنى الإدراك هاهنا الإحاطة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103] فقال: (أعلم الله تعالى أنه يدرك الأبصار، وفي هذا الإعلام دليل أن خلقه لا يدركون الأبصار، أي ة لا [يعرفون] [[في (أ): (أي: لا يدركون).]] [كيف] [[في (ش): (عنه).]] حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه، فأعلم جل وعز أن خلقاً من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه ولا يحيطون بعلمه، فكيف به جل وعز والأبصار لا تحيط به) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 278، وفيه: (فأما ما جاء من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول الله فغير مدفوع، وليس في هذه دليل على دفعه؛ لأن معنى هذه الآية معنى إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته، وهذا مذهب أهل السنة والعلم والحديث) ا. هـ. وانظر: "معاني النحاس" 2/ 446 - 467.]]، قال أصحابنا فعلى هذا نقول: الباري يُرى ولا يُدرك؛ لأن معنى الإدراك هو: الإحاطة بالرؤية بالمرئي، وإنما يجوز ذلك على من كان محدوداً وله جهات، والقديم [[أسماء الله توقيفية، ولفظ القديم لا يرتضي السلف تسمية الله تعالى به؛ لعدم ورود النص به، لكن يصح الإخبار به عن الله تعالى، لأن باب الإخبار والصفات أوسع من باب الإنشاء والأسماء، والله أعلم. انظر: "منهاج السنة" 2/ 123 - 131، == و"الفتاوى" 1/ 245 - 17/ 168، 9/ 300 "معجم المناهي اللفظية" لبكر بن عبد الله أبو زيد ص 436.]] الذي لا نهاية لوجوده يُرى ولكن لا يُدرك، وعلى هذا القول فاقد قلنا بظاهر الآية. الوجه الثاني: تخصيص الآية، وهو قول جماعة من المفسرين أيضاً، قال ابن عباس: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (ينقطع عنه في الدنيا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 182 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 93، والبغوي 3/ 173، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 98.]]، وقال مقاتل: (لا تراه الأبصار في الدنيا، وهو يُرى في الآخرة) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 182 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 94، والبغوي في "تفسيره" 3/ 174، وفي "تفسير مقاتل" 1/ 582: (يقول: لا يراه الخلق في الدنيا) ا. هـ. وأخرج الواحدي في "الوسيط" 1/ 94، هذا القول عن الحسن البصري.]]، وعلى هذا القول لا فرق بين الرؤية والإدراك، وهو مذهب شيخنا أبي الحسن [[أبو الحسن شيخ الواحدي، لم أستطع تحديده، وفي "مقدمة البسيط" ذكر من شيوخ الواحدي: علي بن محمد بن إبراهيم الضرير أبو الحسن النحوي، وعمران ابن موسى المغربي أبو الحسن، وعلي بن محمد الفارسي أبو الحسن.]]؛ لأنه لا يفرق بينهما، ويقول: (معنى الآية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في الدنيا، قال: والدليل على أن هذه الآية مخصوصة بالدنيا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:22 - 23] وهذه الآية مطلقة، وقوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [القيامة: 22] مقيد، والمطلق يحمل على المقيد، فلما كان قوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يوجب نفي الرؤية، وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23] يوجب الرؤية، ولا يجوز التضاد، قلنا: الذي نفاه أراد به في الدنيا، والذي أثبته أراد به في الآخرة) [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 302، وابن الجوزي 3/ 98 - 99، وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 2/ 335. (وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدًا من المؤمنين == لا يرى الله بعينه في الدنيا ، ولم يتنازعوا إلا في النبي ﷺ خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة وأئمة المسلمين ..) ا. هـ، وانظر: "مرويات الإمام أحمد في التفسير" 2/ 121.]]. الوجه الثالث: ما قاله السدي وهو أنه قال: (البصر بصران، بصر معاينة، وبصر علم) [[لم أقف عليه]]، وكذا هو في اللغة، قال الليث: (البَصَر: العين، والبَصَر: نفاذ في القلب. قال: فمعنى قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لا يدركه علم العلماء، ونظيره ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110] [["تهذيب اللغة" 1/ 340، وفيه: (قال الليث: البَصَرُ: العَيْن، إلا أنه مذكر. والبَصَر: نفاذ في القلب). وانظر: "العين" 7/ 117، و"اللسان" 1/ 290 مادة (بصر).]]، وهذا وجه حسن، وأما قولهم: إن هذا على سبيل التمدح، قلنا: ليس كذلك؛ لأنه ليس في أن يستحيل أن يرى استحقاق مدح، ألا ترى أن كثيراً من الأشياء الناقصة يستحيل أن يرى كالكفر والجهل، ثم لا يجب [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 125 وما بعدها، و"الفتاوى" لابن تيمية 16/ 87 - 88، 17/ 111.]] لها بذلك صفة مدح، فليس بأن يستحيل أن يرى تمدح؟، وإنما معنى الآية: أنه منع الرائين من رؤيته في الدنيا ولا يقدر أحد على أن يمنعه من رؤيته له، فهذا وجه التمدح، وهو معنى الآية، وعلى هذا الوجه، قال ابن عباس في قوله ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: (يرى ولا يُرى، ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته) [[لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 49: (يرى ما لم ير الخلق ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته) اهـ.]]. وإنما خص الأبصار بإدراكه إياها مع أنه يدرك كل شيء تحقيقاً للمعنى الذي ذكرنا؛ لأن غير الباري لا يجوز أن يرى البصر، ولا يراه البصر، وقد يرى غير البصر، ولا يراه البصر، فلا يبعد ذلك [[انظر: مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة في: "الإبانة" للأشعري 13/ 21، و"تفسير الماوردي" 2/ 152، والقرطبي 7/ 54 - 57، و"بدائع التفسير" 2/ 167.]] وذكرنا قول الزجاج في معنى ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال الأزهري: (اللطيف من أسماء الله عز وجل [ومعناه] [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] الرفيق بعباده) [["تهذيب اللغة" 4/ 3267. وانظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 44، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 138، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص 83، و"المقصد الأسنى" للغزالي ص 92، و"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص 246.]]، وقال عمرو بن أبي [[عمرو بن أبي عمرو: هو عمرو بن إسحاق بن مرار الشيباني إمام لغوي ثقة، واسع الرواية، أخذ علم أبيه، سمع منه ثعلب وأبو إسحاق الحربي. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين 231هـ أو بعدها. انظر: "مقدمة تهذيب اللغة" 1/ 35، و"إنباه الرواة" 2/ 360، و"معجم الأدباء" 4/ 473.]] عمرو، عن أبيه [[هو إسحاق بن مرار الشيباني أبو عمرو الكوفي، تقدمت ترجمته.]]: (اللطيف الذي يوصل إليك أَرَبَك في رفق) [["تهذيب اللغة" 4/ 3267.]]، وقال أبو العباس [[أبو العباس هو ثعلب أحمد بن يحيى، تقدمت ترجمته.]] عن ابن الأعرابي: ([يقال] [[لفظ: (يقال) ساقط من (ش).]]: لطف فلان لفلان يلطف: إذا رفق، لطفاً، ويقال: لطف الله لك، أي: أوصل إليك ما تحب برفق) [["تهذيب اللغة" 4/ 3267، و"اللسان" 7/ 4036 مادة (لطف).]]، وقال الليث: (اللَّطف: البِرُّ والكرامة، وأمٌّ لطيفةٌ بولدها، وفلان لَطيفٌ بهذا الأمر أي: رفيق) [["تهذيب اللغة" 4/ 3268، وانظر: "العين" 7/ 429، و"الصحاح" 4/ 1427، وقد جاء في "العين" و"التهذيب": (اللطف البر والتَّكرمة ..) بدل والكرامة.]]، قال ابن عباس: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ بأوليائه ﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 95، والبغوي في "تفسيره" 3/ 174، و"الخازن" 2/ 168، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 304، والسمرقندي 1/ 505، والماوردي 2/ 153.]].

الأنعام 6:104

قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. البصائر: جمع البصيرة، وهي الدلالة التي توجب إبصار النفوس للشيء، ومنه يقال للدم الذي يستدل به [[لفظ: (به) ساقط من (أ).]] على القتيل: بصيرة [[انظر: "الجمهرة" 1/ 312، و"تهذيب اللغة" 1/ 342، و"الصحاح" 2/ 591، و"المجمل" 1/ 127، و"المفردات" ص 127، و"اللسان" 1/ 291 مادة (بصر)، وفيها: (البصيرة جمع بصائر، وهي البرهان والدلالة والعبرة).]]؛ قال ابن عباس: (يريد: رشداً أو بياناً، وهدىً من ربكم) [[لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 49، قال: (بيان من ربكم يعني: القرآن)، وهو قول السمرقندي في "تفسيره" 1/ 505.]]، وقال الكلبي: (يعني: بينات القرآن) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" ص 182/ أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 95.]]، وقال الزجاج: (أي قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والبصائر) [["معاني الزجاج" 2/ 279.]]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: فمن اهتدى فلنفسه ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ يريد: عن سبيل الهدى، فعليها) [[لم أقف عليه.]]، وقال الكلبي: (﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ صدّق بالقرآن، وآمن بمحمد ﷺ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ عمل ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ عن الحق فلم يصدّق، فعلى نفسه جنى العذاب) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 92 - 93، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 505، و"الوسيط" 1/ 95، و"تفسير البغوي" 3/ 175، و"تنوير المقباس" 2/ 49.]]، وقال الزجاج: (المعنى: فلنفسه نفع ذلك ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: فعلى نفسه ضرر ذلك، لأن الله جل وعز غني عن خلقه) [["معاني الزجاج" 2/ 279، وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 305، و"معاني النحاس" 2/ 467.]]. وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: ما أدفع عنكم ما يريد الله بكم) [[لم أقف عليه، وذكر القرطبي في "تفسيره" 7/ 58 نحوه بدون نسبة.]]، وقال الكلبي: (﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [أي: برقيب أحصي عليكم أعمالكم [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] أي: إنما أنا رسول أبلغكم عن ربي، وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أفعالكم) [[ذكره أهل التفسير بدون نسبة. انظر: "تفسير الطبري" 7/ 305، والبغوي 3/ 175، والقرطبي 7/ 58.]]، ونحو هذا قال الحسن: (أي: برقيب على آعمالكم حتى أجازيكم بها) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 95، وأبو حيان في "البحر" 4/ 197.]]، قال أبو إسحاق [["معاني الزجاج" 2/ 279.]]: (أي: لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم، والوكيل، وهذا قبل الأمر بالقتال، فلما أُمر [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 505، والظاهر أن المعنى: لست رقيبًا عليكم أحصي أعمالكم، فالآية محكمة. وهو قول مكي في "الإيضاح" ص 242، والرازي في "تفسيره" 13/ 134 ، وقال ابن حزم في "ناسخه" ص 37، وهبة الله بن سلامة == في "ناسخه" ص 68: (أن الآية تتضمن ترك قتال الكفار ثم نسخت بآية السيف)، وانظر: "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 327 - 328.]] بالقتال صار حفيظاً عليهم، ومسيطراً على كل من تولى).

الأنعام 6:105

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾، قال الزجاج: (موضع الكاف التي في أول (كذلك) نصب، المعنى: ونصرف الآيات مثل ما صرفناها فيما تلي عليكم) [["معاني الزجاج" 2/ 279.]]، وقال غيره من النحويين [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 571، و"المشكل" 1/ 264، و"التبيان" 1/ 352، و"الفريد" 2/ 207.]]: (المعنى: نصرف الآيات في غير هذه السورة مثل التصريف في هذه السورة، فهو في موضع صفة المصدر، كأنه قيل: تصريفاً مثل هذا التصريف) [[قال السمين في "الدر" 5/ 93: (الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف، فقدره الزجاج: ونصرف الآيات مثل ما صرفناها فيما تلي عليكم. وقدره غيره: نصرف الآيات في غير هذه السورة تصريفًا مثل التصريف في هذه السورة) اهـ.]]، وذكرنا معنى تصريف الآيات في هذه السورة قبل. وقال ابن عباس في هذه الآية: ((﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ﴾ [[في (ش): (وكذلك نصر)، وهو تحريف واضح.]] نبيّن الآيات في القرآن في كل وجه ندعوهم بها ونخوّفهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 96، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 100.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قال أبو بكر [[أبو بكر: هو ابن الأنباري محمد القاسم، تقدمت ترجمته.]]: (دخلت الواو في ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ عطفاً على مضمر، التقدير: وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 96، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 100، والسمين في "الدر" 5/ 95، وانظر: "تفسير القرطبي" 7/ 58.]]. وأما (درست) [[انظر: "العين" 7/ 227، و"ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي ص 266، و"المفردات" ص 311 مادة (درس).]]. فقال أبو زيد: (درسْت أدرس دِراسة وهي القراءة، وقال: وإنما يقال ذلك إذا قرأت على غيرك) [["الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 373.]]، وقال ابن الأعرابي: (درست الكتاب أدرسُه دَرْساً ودراسةً، أي: ذللته بكثرة القراءة) [["تهذيب اللغة" 3/ 1173 بلفظ: (دَرَسْتُ الكتاب أدرُسُه دراسة) فقط.]]. قال الأصمعي: (أصل درس الكتاب من قولهم: درس الطعام إذا داسه يدرسه دِراساً، والدِّراس الدِّياس بلغة أهل الشام. قال وأنشدني ابن ميادة [[في النسخ: ابن أبي ميادة، وهو تحريف، والصواب: ابن ميادة الشاعر المشهور الرماح بن أبرد الغطفاني. تقدمت ترجمته.]]: يكفيك من بعض ازدياد الآفاق ... سَمْرَاءَ مما دَرَسَ ابن مِخْرَاقْ [[ديوانه ص 75، و"الحجة" لأبي على 3/ 373، و"الصحاح" 3/ 927، و"اللسان" 3/ 1360 درس، بلا نسبة في "الجمهرة" 2/ 628، و"تهذيب اللغة" 3/ 1174، و"المجمل" 2/ 322، و"مقاييس اللغة" 2/ 267 (درس).]] أي: داس: يعني حنطةً سمراء، قال: ودرس السورة من هذا، أي: يدرسها، فيخف على لسانه) [[ذكره الرازي 13/ 135، عن الواحدي عن الأصمعي، وفي "جمهرة اللغة" 2/ 927، و"الحجة" لأبي علي 3/ 373، بعضه عن الأصمعي، وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 1174 بلا نسبة.]]، وقال أبو الهيثم: (درست الكتاب، أي: ذللته بكثرة القراءة حتى خَفّ حِفظه عليّ، من قولهم: دَرَسْتُ الثوبَ أدرُسه دَرْساً فهو مَدْرُوس وَدَرِيس، أي: أَخْلَقْتُه، ومنه قيل للثوب الخَلَق: دِريس، لأنه قد لان. وقال كعب بن زهير [[كعب بن زُهَيْر بن أبي سلمى المزني أبو المضراب، تقدمت ترجمته.]]: وفي الحِلْم إدْهان وفي العَفو دُرْسة ... وفي الصِّدق مَنْجاةُ من الشر فاصدْق [["ديوانه" ص 252، و"تهذيب اللغة" 2/ 1174، و"اللسان" 3/ 1360 مادة (درس)، وفي الديوان: (وفي العفو دربة) بدل (درسة)، وعليه فلا شاهد فيه.]] قال: الدُّرْسةُ: الرياضة، ومنه درست السورة حتى حفظتها) [["تهذيب اللغة" 2/ 1174.]]، وهذا القول قريب مما قاله الأصمعي بل هو نفسه، لأن المعنى فيهما يعود إلى التذليل والتليين [[نقله الرازي في "تفسيره" 13/ 135 عن الواحدي.]]. قال ابن عباس: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ (يعني: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن ﴿دَرَسْتَ﴾ يقولون: تعلمت من يسار [[يسار أبو فكيهة مولى صفوان بن أمية، عبد نصراني عالم بالكتب المتقدمة أسلم بمكة وزعمت قريش أن النبي ﷺ يتعلم منه. انظر: "السيرة" لابن هشام 1/ 420، و"تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 1/ 116، 268، و"الإصابة" 4/ 156.]] [أبي فكيهة] [[في النسخ: (يسار بن فكيهة) ثم صحح في (أ) إلى (أبي)، وهو الصواب.]] وجبر [[جبر مولى بني عبد الدار نصراني أو يهودي قرأ الكتب المتقدمة، وأسلم بمكة وزعمت قريش أن النبي ﷺ يتعلم منه. انظر: "السيرة" لابن هشام 1/ 420، و"تفسير القرطبي" 7/ 58، و"تفسير مبهمات القرآن" 1/ 116، و"الإصابة" 1/ 221.]] مولى قريش، وقرأت علينا تزعم أنه من عند الله) [["تنوير المقباس" 2/ 49 - 50، وذكر الواحدي في "الوسيط" 1/ 96، والبغوي في "تفسيره" 3/ 175، و"الخازن" 2/ 169، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 305 - 308، وابن أبي حاتم 4/ 1365، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس قال: (قرأت وتعلمت تقول ذلك قريش) ا. هـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 70.]]، وفي قول ابن عباس تعلّمت دليل على أن معنى ﴿دَرَسْتَ﴾ قرأت على غيرك. وأخبرنا سعيد بن [[سعيد بن محمد الحيري أبو عثمان الزعفراني، إمام تقدمت ترجمته.]] محمد -رحمه الله- أنبا ابن مقسم [[ابن مقسم: محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن العطار، إمام مقرئ تقدمت ترجمته.]] العطار ببغداد عن أبي إسحاق [[أبو إسحاق النحوي هو الزجاج إبراهيم بن السري، تقدمت ترجمته.]] النحوي قال: (معناه: وليقولوا قرأت كتب أهل الكتاب) [["معاني الزجاج" 2/ 279.]]، وقال الفراء: (يقولون: تعلمت من يهود) [["معاني الفراء" 1/ 349.]]، وأخبرني العروضي [[العروضي: أحمد بن محمد بن عبد الله السهلي أبو الفضل، تقدمت ترجمته.]] عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري [[المنذري: أبو الفضل محمد بن أبي جعفر الهروي إمام، تقدمت ترجمته.]] عن أبي العباس [[أبو العباس ثعلب أحمد بن يحيى، تقدمت ترجمته.]] في قول الله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قال: (معناه وكذلك نبين لهم الآيات من هنا وهنا لكي يقولوا إنك دَرَسْت، أي: تعلمت، أي: هذا الذي جئت به [عُلِّمتَ] [[في (ش): (علمته).]] [[(تهذيب اللغة) 2/ 1173، وانظر: "مجالس ثعلب" ص 117.]]. وقرأ ابن كثير [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو (دَارَسْتَ) بألف بعد الدال وسكون السين وفتح التاء، وقرأ ابن عامر بغير ألف وفتح السين وسكون التاء، وقرأ الباقون بغير ألف وسكون السين، وفتح التاء. انظر: "السبعة" 264، و"المبسوط" ص 173، و"التذكرة" 2/ 406، و"التيسير" ص 105، و"النشر" 2/ 261.]] وأبو عمرو (دَارسْت) وهو قراءة ابن عباس [[أخرجه الطبري 7/ 305، وابن أبي حاتم 4/ 1365، من طرق جيدة عن أبن عباس ومجاهد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 69، 70.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 221، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 468: (قرأ علي بن أبي طالب (دارست)، وهو الصحيح من قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وأبي عمرو وأهل مكة) ا. هـ وانظر: "مختصر السواد" ص40، و"المحتسب" 1/ 225.]]، وفسرها (قرأت على اليهود وقرؤوا عليك). وقال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 279 - 280، وهو قول الأخفش في "معانيه" 2/ 285، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 169، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 505، ومكي في "الكشف" 1/ 444، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 572: (أحسن ما قيل في (دارست) أن معناه: دارستنا فيكون معناه كمعنى (دَرَسْتَ) وقيل: معناه دارست أهل الكتاب، فهذا مجاز) اهـ.]] وأبو علي: (أي: دارست أهل الكتاب وذاكرتهم ويقوّي هذه القراءة قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: 4]، [["الحجة" لأبي علي 3/ 374، وانظر: "الحجة" لابن خالويه ص 147، و"إعراب القراءات" 1/ 166، و"الحجة" لابن زنجلة ص 264.]]، وقرأ ابن عامر: (دَرَسَتْ) أي: هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة، قد درست وانمحت ومضت، من الدرس الذي هو تعفي الأثر وامحاء الرسم [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 385.]]. قال الأزهري: (من قرأ (دَرسَتْ) [[يعني: قراءة ابن عامر، بفتح السين، وسكون التاء.]] فمعناه: تقادمت، أي: هذا الذي تتلوه علينا شيء قد تطاول ومرّ، من قولهم: درس الأثر يدرس درساً) [["تهذيب اللغة" 12/ 1174، و"معاني القراءات" 1/ 377؛ وهو قول الزجاج في == "معانيه" 2/ 280، ومكي في "المشكل" 1/ 264، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 572: (أحسن ما قيل فيه أن المعنى: ولئلا يقولوا انقطعت وامحت وليس يأتي محمد بغيرها) اهـ.]]. فأما معنى اللام في قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ فقال أبو بكر: (وأما تصريف الآيات فليسعد بها قوم بفهمها والعمل بما فيها، ويشقى آخرون بالإعراض عنها، فمن يقول للنبي: ((دارست) أو (درست) فهو شقي، ومن يتبين الحق فيها ويعمل [بها] [[لفظ (بها) ساقط من (أ).]] سعيد) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 97، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 100، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 175 بدون نسبة.]]، ويقوي هذا الذي قاله أبو بكر قوله تعالى: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 105] قال ابن عباس: (يريد: أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 97، والبغوي في "تفسيره" 3/ 175.]]، وقال أبو إسحاق: (إن السبب الذي أداهم إلى أن قالوا: (درست) هو تلاوة الآيات عليهم، وهذه اللام يسميها أهل اللغة: لام الصيرورة [[أي: التحول وهو من معاني اللام عند الكوفيين، وعند البصريين تسمى لام العاقبة، ويقال لها أيضاً: لام العلة والمآل والعرض. انظر: "البيان" لابن الأنباري 1/ 334، وما سبق من هذا البحث ص 238.]]، وهو كقوله عز وجل: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8] وهم لم يلتقطوه يطلبون بأخذه أن يعاديهم، ولكن كانت عاقبة الأمران صار ﴿لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ كما [يقول] [[في (ش): (يقولون).]]: كتب فلان هذا الكتاب لحتفه، وهو لم يقصد بالكتاب أن يهلك نفسه، ولكن العاقبة كانت الهلاك) [["معاني الزجاج" 2/ 280. وانظر: "معاني النحاس" 2/ 469 - 470، وقال أبو == علي في "الحجة" 3/ 375: (من قال (درستْ): بسكون التاء، فالمعنى في (ليقولوا) لكراهة أن يقولوا ، ولأن لا يقولوا: درست، أي: فُصِّلت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا: إنها أخبار وقد تقدمت وطال العهد بها وباد من كان يعرفها كما قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الفرقان: 5]، وأما من قرأ: (دارستَ) و (درستَ) أي: بفتح التاء، فاللام على قولهم كالتي في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8] ولم يلتقطوه لذلك، كما لم تفصل الآيات ليقولوا (درست) و (دارست)، ولكن لما قالوا ذلك أطلق هذا عليه في الاتساع) ا. هـ ملخصًا. وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 571 - 572، بعد ذكر قول الزجاج: (وفي المعنى قول آخر حسن، وهو أن يكون معنى: (نصرف الآيات) نأتي بها آية بعد آية ليقولوا: (درست) علينا، فيذكرون الأول بالآخر، فهذا حقيقة، والذي قال الزجاج مجاز) ا. هـ. وانظر: "المشكل" 1/ 264، و"الدر المصون" 5/ 93 - 96.]]، ومعنى هذا الكلام يعود إلى معنى قول أبي بكر، لأن المعنى: أن تصريف الآيات صار سبباً لمقالتهم هذه، وذلك للشقاوة التي لحقتهم وقضيت عليهم، وهذا يدل على أن الله تعالى جعل تصريف الآيات سبباً لضلالة قوم وشقوتهم بما قضى عليهم في الأزل من الضلالة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: 125] [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 138.]].

الأنعام 6:107

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، قال الزجاج: (أي: لو شاء لجعلهم مؤمنين) [["معاني الزجاج" 2/ 280، وهذا أظهر الأقوال ورجحه الطبري في "تفسيره" 7/ 309، والبغوي 3/ 176، وأخرجه الطبري في "تفسيره" وابن أبي حاتم 4/ 1366 بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما.]]، وهذا نص صريح في أن شركهم كان بمشيئة الله تعالى [[انظر" "تفسير ابن عطية" 5/ 312، والرازي 13/ 138، والقرطبي 7/ 60.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: تمنعهم [[في (ش): (يمنعهم).]] مني) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 182 أ، والبغوي في "تفسيره" 3/ 176، و"الخازن" 2/ 169 عن عطاء فقط.]]، ومعنى هذا الكلام أنك لم تُبعث لتحفظ المشركين عن العذاب، إنما بُعثت مبلغاً فلا تهتم لشركهم، فإن ذلك بمشية الله [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 305.]]. وقال مقاتل: (﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ رقيباً إن لم يوحدوا، ومما أنت عليهم بمسيطر، نسختها آية السيف) [["تفسير مقاتل" 1/ 583، وهو قول ابن حزم في "ناسخه" ص 38، وهبة الله بن سلامة ص 68، وحكاه ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 328 عن ابن عباس، والظاهر أنها محكمة. ورجحه مكي في "الإيضاح" ص 242، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" لابن العربي 2/ 212.]].

الأنعام 6:108

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية قال [قتادة] [[لفظ: (قتادة) غير واضح في (أ).]] [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 215 بسند جيد.]] والمفسرون [[أخرجه الطبري 7/ 309، وابن أبي حاتم 5/ 312 من طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة والسدي، وهو قول مقاتل 1/ 583، والسمرقندي 1/ 506، وحكاه هود الهواري 1/ 551 عن الحسن والكلبي. وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 225، و"الدر المنثور" 3/ 72.]]: (كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فنهاهم عن ذلك لئلا يسبوا الله). وقال الزجاج: (نهوا في ذلك الوقت قبل القتال أن يلعنوا الأصنام التي كانت يعبدها المشركون) [["معاني الزجاج" 2/ 280.]]. وقال أبو بكر [[لم أقف عليه.]] بن الأنباري: (هذه آية منسوخة أنزلها الله [عز وجل] [[في (ش): (جل وعز).]] والنبي بمكة، فلما قواه بأصحابه نسخ هذه الآية ونظائرها بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا [[في النسخ: (واقتلوا)، وهو تحريف.]] الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] [[هذا قول ابن حزم في "ناسخه" ص 38، و (ابن سلامة) ص 69، والظاهر عدم النسخ وأن الآية محكمة، وهو اختيار أكثرهم، قال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 329: (لا أرى النسخ بل يكره للإنسان أن يتعرض بما يوجب ذكر معبوده بسوء أو نبيه) ا. هـ، وقال القرطبي 7/ 61: (قال العلماء: الآية حكمها باق على كل حال، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يُسب الإِسلام أو النبي ﷺ أو الله عز وجل فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك؛ لأنه بمنزلة البعث على المعصية) ا. هـ وانظر: "أحكام القرآن" للكيا الهراس 3/ 325، وابن عطية 5/ 313، وابن كثير 2/ 183.]]. وقوله تعالى: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: فيسبوا الله ظلمًا بالجهل، يقال: عَدَا [[العَدَاء: بالفتح والمد: تجاوز الحد والظلم والجور، يقال: عَدَا -بفتح العين والدال-، فلان عَدْوًا: بفتح العين وسكون الدال، وعُدُوًّا بضم العين والدال وتشديد الواو المفتوحة، وعُدْوانا، بضم العين، وسكون الدال، وعَدَاء: بفتح العين والدال. انظر: "العين" 2/ 213، و"الجمهرة" 2/ 666، و"الصحاح" 6/ 2420، و"المجمل" 3/ 652، و"مقاييس اللغة" 4/ 249، و"المفردات" ص 553، و"اللسان" 5/ 2832 مادة (عدا).]] فلان عَدْوًا وعُدُوًا وعُدْوانًا وعَدَاء، أي: ظلم ظلمًا جاوز القدر [[هذا كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 281، والأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 3347 مادة (عدا)، وانظر: "الزاهر" 1/ 216.]]. قال السدي: (معناه: لا تسبوا الأصنام فيسبوا من أمركم بما أنتم عليه من عيبها) [[أخرج الطبري 7/ 310، وابن أبي حاتم 4/ 1366، بسند جيد عنه نحوه، وذكره الماوردي 1/ 552، والواحدي في "الوسيط" 1/ 98. وقال ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 743: (اتفق العلماء على أن المعنى: لا تسبوا آلهة الكفار فيسبوا إلهكم، وكذلك هو، فإن السب في غير الحُجَّة فعل الأدنياء) ا. هـ. وقال ابن الجوزي 3/ 102: (المعنى: فيسبوا من أمركم بعيبها، فيعود ذلك إلى الله تعالى لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به) ا. هـ. وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 170.]]. وقال آخرون: (معنى ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فيحملهم الغيظ والجهل على أن يسبوا من تعبدون، كما سببتم من تعبدون) [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 7/ 309، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 203، و"معاني الأخفش" 1/ 285، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 141.]]. هذا معنى ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله لأنهم كانوا يقرون أن الله خالقهم وإن أشركوا به. قال الزجاج: (وعدوا) منصوب على المصدر؛ لأن المعنى: فيعدوا عدوًا [[عدوا: بفتح العين وسكون الدال، وتخفيف الواو المفتوحة.]]، قال: ويكون بإرادة اللام [[وعليه يكون مفعولًا من أجله، أي: لأجل العدو. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 573، و"المشكل" 1/ 265، و"التبيان" 1/ 353، و"الفريد" 2/ 210، و"الدر المصون" 5/ 100.]] والمعنى: فيسبوا الله للظلم) [["معاني الزجاج" 2/ 281 ، ومثله قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2347 مادة (عدا).]]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ قال المفسرون [[وهو الأظهر وقول الأكثر، انظر: "تفسير الطبري" 7/ 311، و"معاني النحاس" 2/ 472، والسمرقندي 1/ 506، والبغوي 3/ 177، وابن عطية 5/ 313، وابن الجوزي 3/ 103، وابن كثير 2/ 184.]]. (يعني: كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام والأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخِذلان ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ من الخير والشر والطاعة والمعصية)، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: زينت لأوليائي وأهل طاعتي محبتي وعبادتي، وزينت لأعدائي وأهل معصيتي كفر نعمتي وخذلتهم حتى أشركوا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 98، والقرطبي 7/ 61 - 62.]]، قال الزجاج: (وهذا هو القول، لأنه بمنزلة [[في النسخ: (بل طبع الله على قلوبهم)، وهو تحريف. وفي سورة النساء آية 155 ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم﴾، وفي "معاني الزجاج" 2/ 281: (الأجود أنه بمنزلة ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: 108]، فذلك تزيين أعمالهم، قال الله ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم﴾) ا. هـ.]]: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 93]، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: 8] [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 281.]]. وهذه الآية بتفسير هؤلاء دليل على تكذيب القدرية [[القدرية تزعم أن العبد يخلق فعله، والكفر والمعاصي ليست بتقدير الله تعالى، وقولهم باطل. انظر مذهبهم والرد عليهم في: "الإبانة" للأشعري ص 56، و"الشريعة"، للآجري ص 128، و"شرح الطحاوية" لابن أبي العز 2/ 355.]] حيث قالوا: لا يحسن من الله خلق الكفر وتزيينه [[ذكر نحوه القرطبي 7/ 62، والخازن 2/ 170، وانظر: "الفتاوى" 14/ 290، == وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 170 - 171: (يضاف التزيين إليه سبحانه خلقًا ومشيئة، وحذف فاعله تارة، ونسبه إلى سببه، ومن أجراه على يده تارة، وهذا التزيين ابتلاء واختبار للعبد، ليتميز المطيع منهم من العاصي، وعقوبة منه له على إعراضه وإيثاره سيئ العمل على حسنه، وحجة الله قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف الأول، فتزيِن الرب تعالى عدل، وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء وظلم، وهو السبب الخارج عن العبد، والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه، والرب سبحانه خالق الجميع، والجميع واقع بمشيئته وقدرته) ا. هـ. ملخصًا.]].

الأنعام 6:109

[قوله تعالى] [[في (أ): (قوله عز وجل).]]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ الآية، ذكرنا معنى القسم [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 229 ب.]] عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: 8] والاستقسام في سورة المائدة [[انظر: "البسيط" صورة في مكتبة جامعة الإمام 3/ 9 أ.]] والإقسام من ذلك الأصل أيضًا، وذلك أن اليمين موضوعة لتوكيد الخبر الذي يخبر به الإنسان إما مثبتًا للشيء أو نافيًا. ولما كان الخبر يدخله الصدق والكذب لم يأمن المخبر بالشيء عن نفسه أن يرد خبره ولا يقبل، فأكّد خبره باليمين، ولما كان التنازع يكثر في الإقسام، والدعاوى في الأشياء لا تنقطع إلا بالتوكيد، اشتقوا لفظه من القسم، وبنوها على أَفَعَل، فقالوا: أَقْسَم [[القَسَم: بالفتح، اليَمين والحَلف، وأصله من القَسَامَة، بالفتح، وهي أيمان تقسم علي أولياء المقتول، ثم صار اسمًا لكل حَلِف؛ يقال: أَقْسَم بسكون القاف وفتح == السين، يُقْسِم: بكسر السين، إقسامًا، والجمع أقْسَام. انظر: "العين" 5/ 86، (الجمهرة) 2/ 852، و"الاشتقاق" لابن دريد ص 62، و"تهذيب اللغة" 3/ 2963، و"الصحاح" 5/ 2010، و"المجمل" 3/ 752، و"المفردات" ص 670، و"اللسان" 6/ 3630 مادة (قسم).]] فلان بالله، يقسم إقسامًا، وأرادوا أنه حاز القسم الذي وقع التنازع فيه، بذكر الله، وبنوا الفعل على أفعل؛ لأنهم قصدوا قصد رجل أمال الشيء إلى جانبه باليمين، واسم اليمين القَسَم، والجمع الأقسام. وهذا الذي ذكرنا في معنى القسم مذهب الزجاج وأبي علي الفسوي [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 117 عن الواحدي، ولم أقف عليه عند الزجاج وأبي علي الفارسي بعد طول بحث.]] وغيرهما ممن يوثق بعربيتهم، قال المفسرون: (8) (لما أُنزل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4] أقسم المشركون بالله ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ وسأل المسلمون رسول الله ﷺ أن ينزلها الله عليهم حتى يؤمنوا، وعلم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون، فأنزل هذه الآية: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [[ذكره الفراء في "معانيه" 1/ 349، و"النحاس" 2/ 474، والسمرقندي 1/ 506، وقال ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 103: (رواه أبو صالح عن ابن عباس) ا. هـ. وحكاه الماوردي 2/ 156، عن الكلبي، وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 228.]]، قال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 51، وذكره الثعلبي 182 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 99، والبغوي 3/ 177، والرازي 13/ 143 عن الكلبي ومقاتل.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 583.]]: (إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه)، وقال الزجاج: (اجتهدوا في المبالغة في اليمين) [["معاني الزجاج" 2/ 281، وذكر النحاس في "معانيه" 2/ 472، نحوه، والجهد: بفتح الجيم، وسكون الهاء المبالغة والغاية، وقيل: الوسع والطاقة، وقيل: المشقة. انظر: "اللسان" 2/ 708 مادة (جهد).]]، وقال عطاء [[ذكره ابن الجوزي 2/ 380، عن ابن عباس وذكره البغوي 3/ 69، بلا نسبة.]]: (يريد. بأغلظ الأيمان). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: إنه هو القادر على الإتيان بها [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 7/ 311، والثعلبي في "الكشف" 182 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 177، وابن الجوزي 3/ 104.]]، وقيل: (معناه: إنها عند الله يأتي بها متى شاء، وليس لكم أن تتحكموا في طلبها) [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 114.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ قال أبو علي: (ما) استفهام وفاعل ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ ضمير ما، والمعنى: وما يدريكم إيمانهم، فحذف المفعول، وحذف المفعول كثير، والتقدير: وما يدريكم إيمانهم، أي: هم لا يؤمنون مع مجيء الآية إياهم [["الحجة" لأبي علي 3/ 377: (وعليه تكون ما استفهامًا إنكاريًّا مبتدأ، وجملة (يشعركم) خبرها. و (يشعركم) مضارع فاعله ضمير يعود على ما، وكم مفعول أول، والثاني محذوف، والتقدير: وما يدريكم إيمانهم وقت مجيئها). انظر: "البيان" 1/ 530، و"الفريد" 2/ 210، و"الدر المصون" 5/ 101.]]. ونحو هذا ذكره ابن الأنباري [[لم أقف عليه وفي إيضاح الوقف والابتداء 2/ 642 - 643، قال في الآية: (من قرأ (إنها) بالكسر وقف على (وما يشعركم) وابتدأ (إنها)، ومن قرأ (أنها) بالفتح كان له مذهبان أحدهما: أن يكون المعنى: وما يشعركم بأنهم يؤمنون أو لا يؤمنون ونحن نقلب أفئدتهم، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على (يشعركم)؛ لأن (أن) متعلقة به، والوجه الآخر أن يكون المعنى: وما يشعركم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، فيحسن الوقف على (يشعركم) والابتداء بأن مفتوحة، حكي عن العرب: ما أدرى أنك صاحبها، المعنى: لعلك صاحبها، وقرئ: (أنها إذا جاءت لا يؤمنون) على خطاب الكفرة إليكم) ا. هـ. وقال في (الأضداد) ص 211 - 216: (لا جحد محض، وأن دخلت إيذانا بالقول إذ لم يصرح لفظه، وتكون لا بمعنى الإثبات وما للتوكيد، والمعنى: أنها إذا جاءت يؤمنون) ا. هـ. ملخصًا.]] فقال: (كأن الكلام انقطع عند ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ بتقدير مفعول معه يراد به، أي شيء يشعركم إيمانهم، ويوقع في أنفسكم صحة ما حلف عليه الكفار)، وهذا معنى قول الزجاج: (أي لستم تعلمون الغيب، ولا تدرون أنهم يؤمنون) [["معاني الزجاج" 2/ 282.]]، ألا ترى أنه ذكر مفعول الإشعار، وقال مجاهد: (وما يدريكم [أنكم] [[في (ش): (أنهم يؤمنون). وعليه يكون الخطاب للمؤمنين وهو أحد قولي مجاهد، كما في "تفسيره" 1/ 221، قال: (وما يدريكم أنهم يؤمنون، ثم أوجب عليهم أنهم لا يؤمنون) ا. هـ.]] تؤمنون، ثم استقبل يخبر فقال: ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 312، وابن أبي حاتم 4/ 1368 من عدة طرق جيدة، وذكر السيوطي في "الدر" 3/ 73.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابن كثير [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية (إنها) بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: "السبعة" ص 265، و"المبسوط" ص 173، و"التذكرة" 2/ 407، و"التيسير" 106، و"النشر" 261.]] وأبو عمرو (إنها) بكسر الهمزة على الاستئناف، وهي القراءة الجيدة. قال سيبويه: (سألت الخليل عن هذه القراءة، فقلت: ما منع أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يحسن ذلك في هذا الموضع إنما قال: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ ثم ابتدأ فأوجب فقال: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) ولو قال: (وما يشعركم أنها) بالفتح كان ذلك عذرًا لهم [["الكتاب" 3/ 123.]]، انتهى كلامه. ومعنى قوله: (كان [ذلك] [[لفظ: (ذلك) ساقط من (أ).]] عذرًا لهم) أنك لو فتحت أن وجعلتها التي في نحو: بلغني أن زيدًا [[انظر: "الكتاب" 3/ 122.]] منطلق، لكان عذرًا لمن أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون، لأنه إذا قال القائل: إن زيداً لا يؤمن، فقلت: وما يدريك أنه لا يؤمن، كانت المعنى: انه يؤمن، وإذا كان كذلك كان عذرًا لمن نفى الإيمان عنه، وليس المراد في الآية عذرهم وأنهم يؤمنون [[هذا شرح لأبي علي في "الحجة" 3/ 378، وقال السمين في "الدر" 3/ 102: (وقد شرح الناس قول الخليل وأوضحوه فقال الواحدي وغيره)، ثم ذكر هذا الشرح، وانظر: "تفسير الرازي" 13/ 145.]]، ألا ترى أن الله سبحانه قد أعلمنا في الآية الثانية أنهم لا يؤمنون بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 111] وقرأ الباقون (أنها) بالفتح. قال الخليل: (هي بمنزلة قول العرب: أئت السوق أنك تشتري لنا شيئًا، أي: [لعلك] [[في (ش): (لعل).]] فكأنه قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون) [["الكتاب" 3/ 123.]]، انتهى كلامه. وأن بمعنى [[من معاني أن المشددة المفتوحة أنها تكون بمعنى لعل عند الأكثر. انظر: "حروف المعاني" ص 57، و"معاني الحروف" ص 112، و"الصاحبي" ص 176، و"رصف المباني" ص 207، و"مغني اللبيب" 1/ 40.]] لعل كثير في كلامهم كقوله [[الشاهد مختلف في نسبته، وهو لحاتم الطائي في "ديوانه" ص 45، ولمعن بن أوس المزني في "ديوانه" ص 80، ولدريد بن الصمة الجشمي في "ملحق ديوانه" ص 116، والطبري 7/ 313، والثعلبي ص 182/ ب، ولحطائط بن يعفر النهشلي في "مجاز القرآن" 1/ 55، و"الحماسة" لأبي تمام 2/ 358، و"عيون الأخبار" 3/ 181، و"الشعر والشعراء" ص 147، 157 - 158، والطبري 3/ 78، و"الحجة" لأبي علي 2/ 225، و"الدر المصون" 2/ 117، وذكر في "اللسان" 1/ 158، أنن، نسبته إلى هؤلاء، وهو بلا نسبة في "الإبدال" لابن السكيت ص85، و"أمالي القالي" 2/ 79، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 236، والرازي == 13/ 144. والشاهد: (لأنني) أراد: لعلني، وفي الدواوين وأكثر المراجع: (لعلني) بدل (لأنني)، وعليه فلا شاهد فيه.]]: أرِيني جَوَادًا مَاتَ هَزْلًا لأَنَّنِي ... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا وقال آخر [[الشاهد للفرزدق في "ديوانه" 2/ 290، و"الحجة" لأبي علي 3/ 379، و"اللسان" 7/ 4049 مادة (لغن)، وهو لجرير في "ملحق ديوانه" ص 1039، و"اللسان" 1/ 158 مادة (أنن)، و"الدر المصون" 5/ 103، وبلا نسبة في "الإنصاف" 1/ 184، والقرطبي 4/ 154. وعائجون: أي مائلون. والعرصات: جمع عرصة، وهو وسط الدار. والشاهد: لأنا يريد: (لعنا)، وفي ديوانه الفرزدق وأكثر المراجع، (لعلنا) بدل (لأنا) وفي بعض المراجع (لِغنا) بالغين والفتح، وهي لغة في لعل.]]: هَل أَنْتُمْ عَائِجُونَ بِنَا لأنا ... نَرَى العَرَصاتِ أَوْ أَثَرَ الخيامِ وقال عدي [[عَدي بن زيد بن حمار بن زيد العبادي التميمي أبو عمير، من أهل الحيرة، شاعر جاهلي فصيح، نصراني، مقدم على شعراء عصره؛ لكونه أول من كتب بالعربية والفارسية لدى كسرى، قتله النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وقال ابن قتيبة: (علماؤنا لا يرون شعره حجة). انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 135 - 140، و"الشعر والشعراء" ص130، و"معجم المرزباني" ص 73، و"الأعلام" 4/ 220.]] بن زيد: أَعاذِل ما يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي ... إلى ساعَةٍ في اليَومِ أو في ضُحى الغَدِ [["ديوانه" ص 103، و"الشعر والشعراء" ص 131، والطبري 7/ 313، و"جمهرة أشعار العرب" ص 179، و"المدخل للحدادي" ص 449، والثعلبي 182 ب، والبغوي 3/ 178، وابن الجوزي 3/ 105، والرازي 13/ 144، والقرطبي 7/ 64، و"اللسان" 1/ 158 مادة (أنن)، والخازن 2/ 172، و"الدر المصون" 5/ 103، وابن كثير 2/ 184، وفي (الديوان): (إلا تظنُّنا) بدل (أن منيتي)، وعليه فلا شاهد فيه.]] وفسر علي: لعل منيتي، ويدل على صحة هذا وجودته في المعنى أنه قد جاء في التنزيل لعل بهذا [[في "الحجة" لأبي علي 3/ 380 (لعل بعد العلم).]] العلم كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: 3] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: 17]، وهذا الذي ذكره الخليل من أن [[هكذا في النسخ، والأولى: (من أن - أن بمعنى لعل).]] بمعنى لعل مذهب الفراء أيضًا قال: (وللعرب لغة في لعل بأن، وهو وجه جيد أن تجعل أن في موضع لعل) [["معاني الفراء" 1/ 350، وهو قول الأخفش في "معانيه" 2/ 285 قال: (قرأ بعضهم (أنها) وبها نقرأ وفسر على لعلها ..) اهـ.]]، ثم ذكر وجهًا آخر لهذه القراءة: (وهو أن تجعل لا صلة قال: ومثله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] معناه: أن تسجد، فيكون التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون) [["معاني الفراء" 1/ 350.]]، والمعنى على هذا: أنها لو جاءت لم يؤمنوا [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 380 عند شرح هذا الوجه.]]. قال الزجاج: (والذي ذكر أن لا لغوٌ [[لغو: أي زائدة وانظر: "الإغفال" ص 677.]] غالط؛ لأن ما كان لغوًا لا يكون غير لغو، ومن قرأ (إنها) بالكسرة لم يكن لا لغوًا، فليس يجوز أن يكون معنى لفظه مرة النفي ومرة الإيجاب) [["معاني الزجاج" 2/ 283، وحكى كونها زائد النحاس في "معانيه" 2/ 473، عن الكسائي ثم قال: (وهذا عند البصريين غلط؛ لأن أن لا تكون زائدة في موضع تكون فيه نافية) ا. هـ، وقال الزجاج في "معانيه": (قد أجمعوا أن معنى (أن) هاهنا إذا فتحت معنى لعل، والإجماع أولى بالاتباع) ا. هـ، وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 10/ 10 - 11 ، 13/ 246، 14/ 495، في شرح الآية: (هذا استفهام نفي وإنكار، أي: وما يدريكم (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) وأنا ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. على قراءة من قرآ (إنها) بالكسر تكون جزمًا == بأنها ﴿إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وأشكلت قراءة الفتح على كثير بسبب أنهم ظنوا أن الآية بعدها جملة مبتدأة، وليس كذلك، لكنها داخلة في خبر أن، والمعنى: إذا كنتم لا تشعرون أنها إذا جاءت لا يؤمنون وأنا أفعل بهم هذا لم يكن قسمهم صدقًا بل قد يكون كذبًا، وهو ظاهر الكلام المعروف أنها أن المصدرية ولو كان (ونقلب) إلى آخره كلامًا مبتدأ لزم أن كل من جاءته آية قُلب فؤاده، وليس كذلك بل قد يؤمن كثير منهم، ومن فهم معنى الآية عرف خطأ من قال: أن (أن) بمعنى لعل واستشكل قراءة الفتح، بل يعلم حينئذ أنها أحسن من قراءة الكسر) ا. هـ وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 316، وابن كثير 2/ 184.]]. قال أبو علي: (يجوز أن يكون لا في تأويل زائدة، وفي تأويل غير زائدة، كقول الشاعر [[لم أعرف قائله، وهو في: "معاني الأخفش" 2/ 294، والطبري 8/ 129، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 211، و"الإغفال" ص 690، و"كتاب الشعر" 1/ 117، و"الخصائص" 2/ 35، 283، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 537، 542، وابن عطية 5/ 316، و"اللسان" 8/ 4485 مادة (نعم) و15/ 466 (لا)، و"مغني اللبيب" 1/ 248.]]: أَبَى جُوده لا البُخْلَ واستَعْجَلَتْ بِهِ ... نَعَمْ مِنَ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلهْ ينشد: لا البخلِ ولا البخلَ، فمن نصب البخلَ جعلها زائدة كأنه قال: أبي جوده البخل، ومن قال: لا البخلِ أضاف لا إلى البخل. ومثل هذه الآية في أن لا فيها يجوز أن يكون زائدة ويجوز أن لا يكون قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 95]، [["الحجة" لأبي علي 3/ 380 - 381، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 379، و"إعراب القراءات" 1/ 167، و"الحجة" لابن خالويه ص 147، ولابن زنجلة ص 265، و"الكشف" 1/ 444.]]، وسنذكر الوجهين في الآية إذا انتهينا إليها إن شاء الله [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 250 ب.]]. واختلفوا في قوله ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فقرأ [[قرأ ابن عامر وحمزة ﴿لَا تُؤْمِنُونَ﴾ بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. انظر: "السبعة" ص 265، و"المبسوط" ص 173، و"التذكرة" 2/ 408، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 261.]] بعضهم بالياء، وهو وجه القراءة؛ لأن قوله: [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] أَقْسَمُوا بالله) الآية [الأنعام: 109] إنما يراد به قوم مخصوصون يدلك على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: 111] وليس كل الناس بهذا الوصف، [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] المعني: وما يشعركم أيها المؤمنون لعلهم إذا جاءتهم الآية التي اقترحوا لم يؤمنوا، فالوجه الياء؛ لأن الذين نفى عنهم الإيمان هم الغُيّب المقسمون، أي: لا يؤمنون هؤلاء الغيب المقسمون، وقرأ حمزة وابن عامر بالتاء، وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، والمراد بالمخاطبين في (يؤمنون) هم الغُيّب المقسمون الذين أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون [[ما تقدم هو كلام الفارسي في "الحجة" 3/ 382 - 383، إلا أنه لم يختر القراءة بالياء بل وجه القراءة فقط. وانظر: "معانى القراءات" 1/ 380، و"إعراب القراءات" 1/ 167، و"الحجة" لابن خالويه ص 147، ولابن زنجلة ص 267، و"الكشف" 1/ 446.]]. وذهب مجاهد وابن زيد [[ذكره ابن عطية في "تفسيره" 5/ 315، والرازي 13/ 245، والقرطبي 7/ 64، وأبو حيان في "البحر" 4/ 201.]] إلى أن الخطاب في قوله ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ للكفار الذين أقسموا، قال مجاهد: (وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت) [[سبق تخريجه.]]، وهذا يقوي [قراءة] [[لفظ: (قراءة) مكرر في (أ).]] من قرأ (تؤمنون) بالتاء، على ما ذكرنا أولاً الخطاب في قوله ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ للمؤمنين، وذلك أنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون، وهو الوجه؛ لأنه قيل للمؤمنين: تمنون ذلك، وما يدريكم أنهم يؤمنون، على ما شرحنا وبينا [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 145، فقد نقل عامة الأقوال التي ذكرها الواحدي، وكذلك نص كلام الواحدي في التوجيه، دون نسبة.]].

الأنعام 6:110

قوله تعالى ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 314، والسمرقندي 1/ 507، والماوردي 2/ 156.]]: (نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية فلا يؤمنون، حُلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة). قال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي، قال: وهذا كقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24] قال: يريد: يحول بين المؤمن وبين أن يكفر به وبين الكافر وبين أن يؤمن به) [[ذكره ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 172.]]، والتقليب [[القلب: بفتح القاف وسكون اللام. والتقليب -بفتح التاء وسكون القاف وكسر اللام-: الصرف، وتحويل الشيء عن وجهه. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 3027، و"الصحاح" 1/ 205، و"المفردات" ص 681، و"اللسان" 6/ 3713 مادة (قلب).]] والقلب واحد وهو تحويلك [[(تحويلك) غير واضح في (ش).]] الشىء عن وجهه، ومعنى تقليب [الأفئدة والأبصار] [[في (ش): (الأفئدة أو الأبصار).]] هاهنا، هو أن الواجب من مقتضى الآية أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فعرفوها بقلوبهم ورأوها بأبصارهم، فإذا لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله تعالى قلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي يجب أن يكون عليه، وهو معنى ما قاله المفسرون: (نحول بينهم وبين [[النسخ: (وبين أهل الإيمان). وفي (أ): ضرب على - (أهل) - وهو الصواب.]] الإيمان لو جاءتهم الآية) [[ذكر ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 172، نحوه. وانظر: البغوي 3/ 178، وابن الجوزي 3/ 105، والقرطبي 7/ 65.]]. وقد أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل [[أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم بن محمد النصراباذي الواعظ. تقدمت ترجمته.]] بن أبي القاسم الصوفي -رحمه الله-[أنبا] [[في (أ): (أنا).]] أبو عمرو محمَّد بن [[محمد بن جعفر بن محمد بن مَطَر النيسابوري، أبو عمرو الزاهد، إمام علامة عابد، كان ذا حفظ، وإتقان، متعففًا قانعًا، يحيي الليل ويجتهد في متابعة السنة، ورحل إلى الآفاق المتباعدة، وسمع الكثير، وسمع منه الحفاظ الكبار، توفي سنة 360 هـ، وله 95 سنة. انظر: "سير أعلام النبلاء" 16/ 162، و"البداية والنهاية" 11/ 271، و"شذرات الذهب" 3/ 31.]] جعفر بن مطر أنبا إبراهيم [[إبراهيم بن شَرِيك بن الفَضل ابن خالد الأسدي أبو إسحاق الكوفي نزيل، محدث ثقة، توفي سنة 302 هـ، أو قبلها. انظر: "تاريخ بغداد" 6/ 102، و"سير أعلام النبلاء" 14/ 120، و"تاريخ الإِسلام" ص 84، و"شذرات الذهب" 2/ 238.]] بن شريك نبا شهاب [[شهاب بن عباد العبدي أبو عمر الكوفي إمام ثقة، توفي سنة 224 هـ. انظر: "التاريخ الكبير" 4/ 235، و"الجرح والتعديل" 4/ 363، و"تهذيب التهذيب" 2/ 181.]] نبا حماد [[حماد بن زيد بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري، إمام علامة، عابد فاضل، فقيه، ثقة، ثبت، أجمعوا على جلالته، روى عن جماعة من التابعين، وتوفي سنة == 179 هـ، وله 81 سنة. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 287، و"الحلية" 6/ 257، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 456، و"تهذيب التهذيب" 1/ 480.]] عن أيوب [[أيوب بن كيسان السَّختيَاني، أبو بكر بن أبي تميمة البصري، إمام عابد، فقيه، ثبت، متقن، أجمعوا على إمامته ووفور علمه، روى عن جماعة من التابعين، وتوفي سنة 131 هـ، وله 65 سنة. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 246، و"الجرح والتعديل" 2/ 256، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 18، و"تهذيب التهذيب" 1/ 200.]] وهشام [[هشام بن حسان الأزدي أبو عبد الله البصري القردوسي، تقدمت ترجمته.]] ومعلى [[مَعلَّى بن زياد القُرْدُوسي، أبو الحسن البصري، إمام عابد، زاهد صدوق، قليل الحديث، روى عن جماعة من التابعين، وتوفي بعد المائة. انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 7/ 394 (1715)، و"الجرح والتعديل" 8/ 330، و"ميزان الاعتدال" 4/ 148، و"تهذيب التهذيب" 4/ 122، و"تقريب التهذيب" ص 541 (6804).]] بن زياد عن الحسن قال: (قالت عائشة رضي الله عنها: دعوة كان رسول الله ﷺ يكثر أن يدعو بها: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" فقلت: يا رسول الله، دعوة كثيراً ما تدعو بها؟ قال: "إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أن يقيمه أقامه، [وإذا] [[في (أ): (وإن شاء).]] شاء أن يزيغه أزاغه" [[سند الواحدي جيد لكنه مرسل، قال المزي في "تهذيب الكمال" 6/ 97: (الحسن رأى عائشة ولم يصح له سماع منها) ا. هـ، وذكر طريق الواحدي ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 173، وأخرجه أحمد في "المسند" 6/ 91، عن الحسن، وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 100، رقم 224، 233، والآجري في "الشريعة" ص 263، 264، من طرق عن عائشة، وأخرجه الآجري عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، وصحح طريق عائشة الألباني في تعليقه على "السنة" 1/ 101 ص 104، والحديث ثابت صحيح من عدة طرق أخرى، فقد روي من طرق جيدة عن أنس، والنواس بن سمعان، وجابر، وعبد الله بن عمرو، وأم == سلمة، أخرجه أحمد في "المسند" 2/ 173 ص 168 و3/ 112 و157 و4/ 182 و6/ 315، وابن ماجه 1/ 72، رقم 199 و2/ 1260، رقم 3834، والترمذي وحسنه 4/ 448، رقم 2140 و5/ 538، رقم 3522، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 98 - 104، والآجري في "الشريعة" ص 263، 264، و"الحاكم" وصححه 2/ 289 و4/ 321، وصحح أكثر طرقه الألباني في تعليقه على "السنة". وانظر: "مجمع الزوائد" 7/ 210، وأخرج مسلم 3/ 2045، رقم 2654، عن عبد الله بن عمرو قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث شاء"، ثم قال: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" ا. هـ]]. وقوله تعالى: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ دخلت الكاف على محذوف تقديره: فلا يؤمنون ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: أول مرة أتتهم الآيات، مثل انشقاق القمر، وغيره من الآيات، والتقدير: فلا يؤمنون ثاني مرة بما طلبوا من الآيات؛ كما لم يؤمنوا أول مرة، وهذا معنى قول ابن زيد [[أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 314، وابن أبي حاتم 4/ 1369 بسند جيد عنه قال: (نمنعهم من ذلك كما فعلنا بهم أول مرة، وقرأ (كما لم يؤمنوا به أول مرة) ا. هـ.]] ومجاهد [[أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 314، وابن أبي حاتم 4/ 1369 بسند جيد عنه قال: (نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة) ا. هـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 72.]] والكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 52.]]. والكناية في (به) يجوز أن تعود على القرآن، وعلى محمد، ويجوز أن تعود على ما طلبوا من الآيات [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 315، والسمرقندي 3/ 306، وابن الجوزي 3/ 106.]] وقال بعضهم: معنى الكاف في قوله ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ معنى الجزاء [[انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 319، ونقل الرازي 3/ 148، السمين في "الدر" 5/ 111، هذا القول عن الواحدي، وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 172: (اختلف في قوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، فقال كثير من المفسرين المعنى: نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة. وقال آخرون: المعنى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لتركهم الإيمان به أول مرة، فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم، وهذا معنى حسن، فإن كاف التشبيه تتضمن نوعًا من التعليل، كقوله ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]، والذي حسن اجتماع التعليل والتشبيه الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر. والتقليب: تحويل الشيء عن وجه إلى وجه، وكان الواجب من مقتضى إنزال الآية وصولهم إليها كما سألوا أن يؤمنوا إذ جاءتهم لأنهم رأوها عيانًا وعرفوا أدلتها وتحققوا صدقها، فإذا لم يؤمنوا كان ذلك تقليبًا لقلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه ..) ا. هـ ملخصًا، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 204: (الكاف في (كما) الظاهر أنها لتعليل، وهو واضح فيها وإن كان استعمالها فيه قليلاً. وقالت فرقة: هي بمعنى المجازاة، وهو معنى التعليل إلا أن تسمية ذلك غريبة لا يعهد في كلام النحويين أن الكاف للمجازاة) ا. هـ ملخصًا.]]، ومعنى الآية: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على تركهم الإيمان في المرة الأولى، يعني: كما لم يؤمنوا أول مرة، فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم في المرة الثانية، وعلى هذا لا محذوف في الآية، وهو معنى قول ابن عباس [[أخرجه الطبري 7/ 315، وابن أبي حاتم 4/ 1370 بسند جيد، قال: (لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا) ا. هـ ، وأخرجا بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر) ا. هـ.]] والعوفي [[لم أقف عليه.]] وهذه الآية حجة على القدرية الذين يكذبون بقضاء الكفر [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 146، 147.]]. وقوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: أخذلهم وأدعهم في ضلالتهم يتمادون) [[ذكره ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 173، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 100، والبغوي 3/ 179 من قول عطاء، وأخرج الطبري 7/ 315، وابن أبي حاتم 4/ 1370، تحقيق أحمد الزهراني بسند جيد عن ابن عباس، قال: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يتمادون. وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 185.]].

الأنعام 6:111

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية، كان المشركون يقولون للنبي ﷺ: أرنا الملائكة يشهدون لك بالنبوة، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل؟ والمسلمون يتمنون آية تأتيهم لعلهم يؤمنون، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ كما شاؤوا ورأوهم عيانًا ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ فشهدوا لك بالنبوة [[هذا قول الفراء في "معانيه" 1/ 350، و"النحاس" 2/ 475، والسمرقندي 1/ 507، وأخرجه ابن أبي حاتم 4/ 137 بسند جيد عن مجاهد، وذكره هود الهواري 1/ 552 عن الحسن، وذكره ابن الجوزي 3/ 106، والرازي 13/ 150، عن ابن عباس.]] ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ وقرئ (قِبَلا) [[قرأ ابن عامر ونافع (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء، وقرأ الباقون بضمهما. انظر: "السبعة" ص 265 - 266، و"المبسوط" ص 173، و"التذكرة" 2/ 408، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 261، 262.]] قال أبو زيد: (يقال: لقيت فلانًا قِبَلًا ومُقَابَلة، وقَبَلاَ وقُبُلًا وقِبليًّا وقَبِيلاً، كله واحد، وهو المواجهة) [["النوادر" ص 235، وقبلاً: بكسر القاف وفتح الباء، ومقابلة: بضم الميم، وفتح القاف والباء، وقبلا بالفتح، وقبلاً: بالضم. وقبليًّا: بالفتح وتشديد الياء. وقبيلاً: بفتح القاف وكسر الباء.]]، والمعنى في القراءتين على ما قاله أبو زيد واحد وإن اختلف اللفظان، فأما من قرأ (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء، فقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 204.]] والفراء [["معاني الفراء" 1/ 351.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 283، وهو قول الأخفش 2/ 286، واليزيدي في "غريبه" ص 141، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 1/ 169، والطبري 8/ 2، مكي في "تفسير المشكل" ص 79.]] وجميع أهل اللغة [[انظر: "العين" 5/ 166، و"الجمهرة" 1/ 372، و"تهذيب اللغة" 3/ 2826، و"الصحاح" 5/ 1795، و"المجمل" 3/ 741، و"المفردات" ص 653، و"اللسان" 6/ 3520 مادة (قبل).]]: (معناه: عيانًا، يقال: لقيته قِبَلًا أي: معاينةً). قال ابن الأنباري [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 112.]]: (قال أبو ذر [[أبو ذر: صحابي مشهور، اختلف في اسمه. والمشهور: جندب بن جنادة بن السكن الغفاري، مشهور بكنيته، صحابي فاضل جليل، أحد السابقين إلى الإسلام، رأس في الزهد والصدق، والعمل والعلم، لازم النبي ﷺ وجاهد معه، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي رضي الله عنه سنة 32 هـ. انظر: "طبقات ابن سعد" 4/ 219، و"الحلية" 1/ 156، و"الاستيعاب" 4/ 216، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 46، و"الإصابة" 4/ 62، و"تهذيب التهذيب" 4/ 519.]]: قلت للنبي ﷺ: أنبيًّا كان آدم؟ فقال: "نعم كان نبيًّا كَلَّمَهُ الله قِبلًا") [[أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" ص 449 بسند ضعيف، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 198، وقال: (رواه الطبراني في الأوسط، وأحمد بنحوه، وفيه المسعودي قد اختلط) ا. هـ، وأخرجه أحمد في "المسند" 5/ 178 و179، والبخاري في "التاريخ الكبير" 5/ 447 بلفظ: (آدم نبي مكلم)، وفيه: المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة الكوفي، إمام صدوق اختلط قبل موته كما في "التقريب" 344 (3919) ، وعبيد بن الخشخاش، قال ابن حجر في "التقريب" == 376 (4371) مادة (لين)، وأبو عمر الدمشقي، قال ابن حجر في "التقريب" 660 (8265) (ضعيف). وأخرجه الحاكم 2/ 262 عن أبي أمامة بلفظ: (نبي معلم مكلم)، قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) ا. هـ، وفيه: ممطور الأسود أبو سلام الحبشي، قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" ص 215: (سمعت أبي يقول: ممطور الحبشي عن أبي أمامة مرسل) ا. هـ، وانظر: "الدر المنثور" 1/ 104، وقال ابن الأثير في "النهاية" 4/ 8: (في حديث آدم إن الله كلمه قبلا -بكسر القاف وفتح الباء- أي: عيانًا ومقابلة، لا من وراء حجاب، ومن غير أن يولي أمره أو كلامه أحدًا من ملائكته) ا. هـ، وانظر: مرويات الإمام أحمد في "التفسير" 2/ 124 - 125.]]. ومن قرأ (قُبُلًا) [[أي: بالضم.]] فله ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون جمع قَبِيل [[قبيل: بفتح القاف وكسر البار كَرِغيف ورُغُف - أفاده السمين في "الدر" 5/ 113.]] الذي يراد به الكفيل، يقال: قَبَلْتُ [[قَبَلْتُ: بالفتح، أَقْبَل: بسكون القاف وفتح الباء، قَبَالة: بالفتح. أفاده السمين في "الدر" 5/ 113.]] بالرجل أقْبَل قَبَالةً، أي: كفلتُ به، ويكون المعنى: لو حُشر عليهم كل شيء فكفل بصحة ما تقول ما آمنوا [[ذكر هذا الوجه أكثرهم، وهو اختيار الفراء في "معانيه" 1/ 350.]]. فإن قيل: إذا لم يؤمنوا مع إنزال الملائكة إليهم وأن يكلمهم الموتى، مع أن ذلك مما [يبهر] [[في (ش): (يبهز)، وهو تصحيف.]] ظهوره، ويضطرب مشاهدته، فكيف يؤمنون بالكفالة التي هي قول لا يبهر ولا يضطر، ويجوز أن لا يصدقوا بكفالتهم، وأي أعجوبة في كفالتهم حتى تذكر مع إنزال الملائكة وكلام الموتى؟ قيل: في الأشياء المحشورة ما ينطق وما لا ينطق، فإذا نطق بالكفالة من لا ينطق كان ذلك موضع بهر الآية، ومعنى ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ جمعنا [[في (ش): تكرر لفظ (جمعنا عليهم).]] {عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ} في الدنيا. الوجه الثاني: أن يكون (قُبُلًا) جمع قبيل [[قبيل: بفتح القاف، وكسر الياء: وهم الجماعة، والصنف، وهذا الوجه قول الأخفش في "معانيه" 2/ 286، وأبي عبيدة في "المجاز" 1/ 204، واليزيدي في "غريب القرآن" ص 141، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 1/ 169، ومكي في "تفسير المشكل" ص 79، وقال الإِمام البخاري في "صحيحه" 8/ 296، مع فتح الباري: (قُبلا جمع قبيل، والمعنى: أنه ضروب للعذاب، كل ضرب منها قبيل) ا. هـ، وقال ابن الأنباري في قصيدة في "مشكل اللغة"، وشرحها في مجلة "مجمع اللغة" 4/ 64/ 647: (القبل، بالضم: الضروب والجماعات من العذاب، جمع قبيل) ا. هـ.]] بمعنى الصنف، المعنى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [قبيلًا قبيلاً] [[في (أ): (قبلًا قبيلًا) ولعله تصحيف.]]، والأعجوبة في هذا هو جمع الأشياء جنسًا جنسًا، وجمع الأشياء ليس في العرف [[في "الحجة" لأبي علي 3/ 386، بعد ذكر ما تقدم قال: (فموضع ما يبهر هو اجتماعها مع أن ذلك ليس في العرف).]] أن تجمع وتحشر إلى موضع. الوجه الثالث: أن يكون (قُبلًا) بمعنى (قِبلًا) [[أي يكون قبلاً: بالضم، بمعنى قبلًا بكسر القاف وفتح الباء.]] أي: مواجهة ومعاينة، كما فسره أبو زيد [[وكذلك المبرد كما حكاه النحاس في "إعراب القرآن" 574 عنه.]]، وهذا في المعنى كالقراءة [[ما تقدم: هو قول أبي علي في "الحجة" 3/ 384 - 387، بتصرف. انظر: "معاني القراءات" 1/ 380، و"الحجة" لابن زنجلة ص 267، و"الكشف" 1/ 446.]] الأولى [[ذكر نحو ما تقدم أكثرهم. انظر: "معاني الفراء" 1/ 350، والزجاج 2/ 283 ، والنحاس 2/ 475، و"تفسير السمرقندي" 1/ 507، وابن عطية 5/ 321، وابن الجوزي 3/ 107، والقرطبي 7/ 66، وذكره الرازي 13/ 150، السمين في "الدر" 5/ 112، عن الواحدي.= وأظهر الأقوال توافق القراءتين بمعنى: المعاينة والمقابلة. وهو ظاهر كلام ابن كثير 2/ 185، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 206: (هذا القول عندي أحسن؛ لاتفاق القراءتين) ا. هـ وأخرجه الطبري 12/ 49، وابن أبي حاتم 4/ 1370، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 205، بسند جيد عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند جيد عن قتادة، وحكاه الماوردي 2/ 157، عن ابن زيد وابن إسحاق، وأخرج ابن حسنون في "اللغات" ص 24، و"الوزان" ص 3/ ب، بسند جيد عن ابن عباس قال: (قبلًا يعني: عيانًا؛ الضم بلغة تميم، والكسر بلغة كنانة) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 283، ومثله ذكر السمرقندي 1/ 507.]]: (أعلم الله جل وعز أنهم لا يؤمنون، وهو كإعلام نوح في قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: 36]، قال عكرمة [[لم أقف عليه.]]: (هذا في أهل الشقاء)، وقال ابن جريج [[أخرجه الطبري 8/ 1، بسند جيد، وذكره ابن عطية 5/ 320، وقال: (هذا لا يثبت إلا بسند) ا. هـ. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 72.]]: (نزلت هذه الآية في المستهزئين الذين ذكروا في سورة الحجر) [[يعني قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: 90]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 95]، وانظر: سبب نزولها في "زاد المسير" 4/ 417 - 421.]]. قال ابن عباس في هذه الآية: (أخبر الله تعالى نبيه ﷺ بما سبق في علمه وقضائه وقدره من الشقوة عليهم، ليعزى رسوله ويصبره، وذلك أن حزن النبي ﷺ اشتد حين كذّبه قومه، وكفروا بالله، وصاروا إلى العذاب، ولهذا قال الله تعالى له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: 6] [[أخرج البيهقي في "الأسماء والصفات" ص 1/ 250 بسند جيد عن ابن عباس قال: (إن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويبايعوه على الهدى، == فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبقت له من الله الشقاوة في الذكر الأول، ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3] ا. هـ وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 1، وابن أبي حاتم 3/ 103 أ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 105 بسند جيد عنه قال: (﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ وهم أهل الشقاء ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وهم أهل السعادة الذي سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان) اهـ.]]. وقال ابن الأنباري: (أقسم الكافرون أن الآية متى [أنزلت] [[في (ش): (نزلت).]] آمنوا بها، فقدر المؤمنون أن هذا القول صحيح منهم، فدلهم جل اسمه على أن قولهم ليس بحقٍّ، وأنه لو أحضرهم هؤلاء الآيات التي عددها ما كانوا ليؤمنوا ويعترفوا بصحة ما يشاهدون منها، إلا أن يهديهم إلى ذلك، ويسهل عليهم تبين الآيات وقبولها، وهو معنى قوله ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾) [[لم أقف عليه. وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 284.]]، وهذا نص في تكذيب القدرية [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 151، و"البحر المحيط" 4/ 26، وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 320: (وهذا يتضمن الرد على المعتزلة في قولهم بالآيات التي تضطر الكفار إلى الإيمان) ا. هـ]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ قال ابن عباس: (يجهلون الحق أنه من الله) [["تنوير المقباس" 2/ 53.]]. وقيل: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أنهم لو أتوا بكل آية ما آمنوا [[ذكره أكثر المفسرين. انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 508، والماوردي 2/ 157، وابن الجوزي 3/ 107، والرازي 13/ 151، والقرطبي 7/ 67، و"البحر المحيط" 4/ 206.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ الآية [الأنعام: 112] قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ منسوق على قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: 108] أي: كما فعلنا ذلك ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾، وقيل [[أكثرهم على أن الكاف في محل نصب نعتًا لمصدر محذوف، واختلفت عباراتهم في تقديره، فقال الطبري في "تفسيره" 8/ 3 (يقول: وكما ابتليناك يا محمد بأن جعلنا لك من مشركي قومك أعداء، كذلك ابتلينا من قبلك من الأنبياء والرسل بأن جعلنا لهم أعداء من قومهم) ا. هـ ملخصًا. وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 284، و"النحاس" 2/ 476، و"تفسير الماوردي" 2/ 157، وابن الجوزي 3/ 108، و"التبيان" 1/ 354، و"الفريد" 2/ 215، و"تفسير القرطبي" 7/ 67. ونقل الرازي 13/ 152، قول الواحدي بدون نسبة، وذكره السمين في "الدر" 5/ 115، عن الواحدي.]]: (معناه: جعلنا لك عدًّا، كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء) فيكون قوله ﴿وَكَذَلِكَ﴾ عطفًا على معنى ما تقدم من الكلام، وما تقدم يدل على معناه على أنه جعل له أعداء، قال المفسرون [[ذكر ذلك أكثرهم. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 3، وابن عطية 5/ 322، والقرطبي 7/ 67.]]: (وهذا تعزية للنبي ﷺ، يقول: كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك عدوًا ليعظم ثوابه على ما يكابد من أذاه). قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 284.]] وابن الأنباري: (وعدو [[عدو: بفتح العين، وضم الدال. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2347، و"اللسان" 5/ 2845 مادة (عدا).]] في معنى: أعداء)، وأنشد أبو بكر: إذا أنا لم أَنْفَغ صديقي بودِّهِ ... فإنَّ عدوِّي لن يَضُرَّهُم بُغْضي [[الشاهد للنابغة الشيباني في "ديوانه" ص 117، و"الزاهر" 1/ 216 - 217، وللنابغة الذبياني في "ملحق ديوانه" ص 231، وبلا نسبة في الرازي 13/ 154، و"البحر" 4/ 207، و"الدر المصون" 5/ 116.]] أراد: أعدائي فأدى الواحد عن الجميع [["الزاهر" 1/ 216 - 218، ولم يذكر الآية، وذكر ذلك الرازي 13/ 154 عن ابن الأنباري.]] كقوله عز وجل: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: 24] جعل ﴿المُكْرَمِينَ﴾ وهو جمع نعتًا للضيف وهو واحد؛ لأنه أراد بالواحد الجمع) و ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ منصوب على البدل من عدوٍّ ومفسرٍ له، ويجوز أن يكون (عدوًّا) منصوبًا على أن مفعول ثان. المعنى: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء للأنبياء [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 284، والنحاس في "إعرابه" 1/ 575، والأزهري في "تهذيبه" 3/ 2347، وأكثرهم على أن في الآية وجهين: الأول: أن (عدوا) مفعول أول، و (لكل نبي) في موضع المفعول الثاني قدم، و (شياطين) بدل من عدو. والوجه الثاني: أن المفعول الأول (شياطين)، و (عدوًا) مفعول ثانٍ مقدم، و (لكل نبي) حال من (عدوًا) لأنه صفته، وقال الفراء في "معانيه" 1/ 351، والطبري 8/ 3: (نصب العدو والشياطين بجعلنا)، وجوز ابن الأنباري في "البيان" 1/ 335 جعل (شياطين) مفعولًا ثانيًا لجعل. وانظر: "التبيان" 1/ 354، و"الفريد" 2/ 215، و"الدر المصون" 5/ 115.]]. واختلفوا في معنى ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ على قولين: أحدهما: أن المعنى مردة الإنس والجن، والشيطان [[قال المبرد في "الكامل" 3/ 96: (زعم أهل اللغة أن كل متمرد من جنٍّ أو إنس أو سبع أو حية يقال له: شيطان، وأن قولهم: تشيطن، إنما معناه: تخبث وتنكر، وقد قال الله جل وعز: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ ا. هـ. وانظر: "العين" 6/ 237، و"الجمهرة" 2/ 867، و"تهذيب اللغة" 2/ 1878، و"الصحاح" 5/ 2144،== و"المجمل" 2/ 502، و"مقاييس اللغة" 3/ 183، و"المفردات" ص 454، و"اللسان" 4/ 2265 مادة (شطن).]] كل عاتٍ متمرد من الإنس والجن، وهذا قول ابن عباس في [[ذكره الرازي 13/ 154، و"تنوير المقباس" 2/ 53، نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم 3/ 371، نحوه، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 74.]] رواية عطاء ومجاهد [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 102، والبغوي 3/ 179، والرازي 13/ 154، عن مجاهد والحسن وقتادة.]] وقتادة [[أخرج عبد الرزاق 1/ 2/ 216، والطبري 8/ 5، وابن أبي حاتم 4/ 1371 بسند جيد نحوه.]] والحسن [[ذكره هود الهواري 1/ 552، والماوردي 2/ 158، ابن الجوزي 3/ 108.]]، وهؤلاء قالوا: (إن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، وأن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن، وعجز عن إغوائه ذهب إلى متمردٍ من الإنس، وهو شيطان الإنس، فأغراه بالمؤمن ليفتنه). يدل على هذا ما روى (إن النبي ﷺ[قال] [[لفظ: (قال) ساقط من (أ).]] لأبي ذر: "هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس؟ " قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن" [[أخرجه أحمد في "المسند" 5/ 178 - 179، والنسائي في "سننه" 8/ 275 في الاستعاذة، باب الاستعاذة من شر شياطين الجن، والطبري في "تفسيره" 8/ 5، وابن أبي حاتم 4/ 1371، من عدة طرق، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 159 - 160: (رواه أحمد والطبراني في الكبير، ومداره على علي بن زيد، وهو ضعيف، ورواه أحمد والبزار والطبراني في "الأوسط" بنحوه، وعند النسائي طرف منه، وفيه المسعودي، وقد اختلط) ا. هـ. وقد ذكر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 186 طرقًا أخرى للحديث ثم قال: (فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته والله أعلم) ا. هـ. وانظر: "كشف الأستار" 1/ 93 ، و"المطالب العالية" 4/ 207 (3441)، و"الدر المنثور" 3/ 73، وقوله: "قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" لم أقف عليها.]]. وقال مالك [[مالك بن دينار البصري، أبو يحيى، تابعي، إمام عابد، زاهد، ثقة، كان يكتب المصاحف، توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين ومائة 130هـ أو نحوها. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 243، و"الجرح والتعديل" 8/ 208، و"حلية الأولياء" 2/ 357، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 362، و"تهذيب التهذيب" 4/ 11.]] بن دينار: (إن شيطان [الإنس] [[لفظ (الإنس) ساقط من (أ)، وملحق بالهامش.]] أشد عليَّ من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله يذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانًا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 183 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 102، والبغوي في "تفسيره" 3/ 180، وابن الجوزي 3/ 109، والقرطبي 7/ 68.]]. وشرح ابن عباس هذا شرحًا شافيًا فقال [[ذكر أبو حيان في "البحر" 4/ 207، نحوه، وقوله: (أما عدوه من شياطين الجن ..) لم أقف عليه بعد طول بحث.]] في رواية عطاء: (أما عدوّه من شياطين الجن، فالأبيض الذي كان يأتي في صورة جبريل [[عن عبد الله بن مسعود قال: (قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن"، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسْلَم، فلا يأمرني إلا بخير" ا. هـ، قال الإمام النووي: (فأسلم: برفع الميم وفتحها، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه أسلم أنا من شره وفتنته، واختلفوا على رواية الفتح، قيل: أسلم من الإِسلام وصار مؤمنا لا يأمرني إلا بخير، وهذا هو الظاهر. وقيل: أسلم بمعنى استسلم وانقاد. قال القاضي عياض: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه ..) ا. هـ ملخصًا. وانظر: "النهاية" لابن الأثير 2/ 395.]] يوحي إليه، وأما الإنس فالوليد بن المغيرة [[الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر المخزومي، أبو عبد شمس القرشي، أحد المستهزئين المجاهرين بالأذى والعداوة للرسول ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم، توفي بعد الهجرة بثلاثة أشهر، وهو والد الصحابي الجليل وسيف الله المسلول == خالد بن الوليد رضي الله عنه. انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 283، و"جوامع السير" ص 53، و"الكامل" لابن الأثير 2/ 48، و"الأعلام" 8/ 122]]، والعاص [[العاص بن وائل بن هاشم السهمي، أحد المستهزئين والمجاهرين بالعداوة والأذى للرسول ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم، توفي بعد الهجرة بشهرين، وهو والد الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه. انظر: "المراجع السابقة"، و"الأعلام" 3/ 247.]] بن وائل، وأبو جهل، وعتبة [[عتبة وشيبة: ابنا ربيعة بن عبد شمس القرشي، من المستهزئين قتلا في بدر. انظر: "المراجع السابقة"، و"الأعلام" 3/ 181، 4/ 200.]]، وشيبة، وأبي بن خلف، وأخوه أمية) [[أبي، وأمية: ابنا خلف بن وهب الجمحي، من المستهزئين وأشدهم، وأكثرهم أذى للرسول ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم، قتل أمية في بدر، ورمى النبي ﷺ يوم أحد أبيًّا بحربة فقتله. انظر: "جوامع السير" ص 54، و"الكامل" في التاريخ 2/ 148، و"الأعلام" 2/ 22.]]، وذكر أسماء المستهزئين [[المستهزؤون: طبقة لهم قوة ورياسة، اختلف في عددهم وأسمائهم وكيفية هلاكهم، وقد أخرج الطبري 14/ 70 - 73، والطبراني في "الكبير" 11/ 113، والبيهقي في "سننه" 9/ 8، في "الدلائل" 2/ 85 - 86 من طرق جيدة عن ابن عباس، عددهم وأسماءهم وكيفية هلاكهم، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 47، وقال: (رجاله ثقات)، وقال السيوطي في "الدر" 3/ 73: (أخرجه الطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن مردويه بسند حسن، والضياء في المختارة) ا. هـ وانظر: الماوردي 2/ 157، والزمخشري 2/ 399، وابن الجوزي 4/ 421، والقرطبي 10/ 62، وابن كثير 2/ 186.]]. القول الثاني: أن الجميع من ولد إبليس، وأضيف [[قال السمين في "الدر" 5/ 115 - 116: (الراجح أنه من باب إضافة الصفة لموصوفها ، والأصل الإنس والجن الشياطين، ويحتمل أن يكون من الإضافة التي بمعنى اللام، المعنى: الشياطين التي للإنس والشياطين التي للجن، فإن إبليس == قسم جنده قسمين: قسم متسلط على الإنس، وآخر على الجن، كذا جاء في التفسير) ا. هـ بتصرف]] الشياطين إلى الإنس، أي: الذي يغوونهم، وهذا قول عكرمة [[أخرجه الطبري 8/ 4، من طرق، عن عكرمة والسدي، وذكره السمرقندي 1/ 508، وابن الجوزي 3/ 108، عن عكرمة.]] والضحاك [[ذكره القرطبي 7/ 68، وأبو حيان في "البحر" 4/ 207، عن الضحاك والكلبي.]] والسدي [[ذكره ابن أبي حاتم 4/ 1372، وذكره الماوردي 2/ 158، عن عكرمة والسدي.]] والكلبي [[ذكره هود الهواري 1/ 552، وذكره البغوي 3/ 179، عن عكرمة والضحاك، والسدي والكلبي.]] عن أبي صالح، عن ابن عباس [[أخرجه الفراء في "معانيه" 1/ 351، وابن أبي حاتم 4/ 1372، بسند ضعيف، وذكره النحاس في "إعرابه" 1/ 575، وقال القرطبي 7/ 67: (قال النحاس وروى عن ابن عباس بإسناد ضعيف) ا. هـ.]]، وهؤلاء قالوا: (معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، وذلك أن إبليس قسم جنده فريقين: فبعث منهم فريقًا إلى الجن، وفريقًا إلى الإنس، فالفريقان شياطين الإنس والجن) [[هذا قول غريب وليس له وجه مفهوم، كما أفاده الطبراني في "تفسيره" 12/ 52، والراجح: هو الأول عند أكثر أهل العلم، ومنهم الطبري، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 68، وابن كثير 2/ 186، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 575: (ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: 121] فهذا يبين معى ذلك) اهـ. وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 320: (قول السدي وعكرمة لا يستند إلى خبر ولا إلى نظر).]]. وقوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: يُلقي وُيسرّ [[قال ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 341: (المعنى: يسر بعضهم إلى بعض، وهذا أصل الحرف) ا. هـ.]]. قال عطاء، عن ابن عباس: (يناجي بعضهم بعضًا بكذب) [[لم أقف عليه، وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1372، عن عطاء عنه قال: (يوسوس).]]. ومعناه على القول الأول: ما قاله مجاهد [[أخرجه الطبري 8/ 3، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 74.]] وقتادة [[سبق تخريجه.]]: (وهو أن شياطين الجن الذين هم من جند إبليس يوحون إلى كفار الإنس ومردتهم فيغوونهم بالمؤمنين)، كما ذكرنا أن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن أغرى به شيطانًا من الإنس. وعلى القول الثاني معناه: ما قاله الكلبي، وهو أنه قال: (إن إبليس جعل فرقة من شياطينه مع الإنس، وفرقة مع الجن، فإذا التقى شيطان الإنس وشيطان الجن قال: أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضل به صاحبك، ويقول له شيطان الجن مثل ذلك، فهذا وحي بعضهم إلى بعض). قال الفراء: (حدثني بذلك حبّان [[في (ش): حيان، وكذا في "معاني الفراء" 1/ 351، وهو تصحيف، والصواب حبان بالباء، كما في "معاني الفراء" 3/ 7 و8 و53 و60 و66 و77، وهو: حِبَّان بن علي العنزى، أبو علي الكوفي، إمام فاضل، صالح فقيه، ضعفه أئمة الجرح والتعديل، توفي سنة 171 هـ، وله 60 سنة. انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 270، و"ميزان الاعتدال" 1/ 449، و"تهذيب التهذيب" 1/ 345، و"تقريب التهذيب" ص 149 (1076).]]، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس) [[إسناده ضعيف، وقد سبق تخريجه.]]. وعلى القول الأول المراد بالجن: الشياطين من ولد إبليس، والمراد بالجن في القول الثاني: [ولد] [[في (ش): (والد)، وهو تحريف.]] الجان [[الذي يظهر أنه على القول الأول: يكون المراد بالجن: ولد إبليس والجان، == وعلى القول الثاني: المراد بالجن: ولد إبليس؛ لأنه قسمهم إلى قسمين: قسم مع الإنس، وقسم مع الجن، والله أعلم. انظر: تفسير الرازي 13/ 154، فقد ذكر القول الثاني: ثم قال: (وعلى هذا القول، فالشياطين نوع مغاير للجن، وهم أولاد إبليس) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾، الزخرف: الباطل [[في (أ): (الباطل من الباطل الكلام)، وعلى الباطل الثانية ضرب، وهو الصواب.]] من الكلام الذي زين ووشي بالكذب، يقال: فلان يزخرف كلامه، إذا زيَّنه بالباطل والكذب، وكل شيء حسنٍ مموهٍ فهو زخرف كالنقوش، وبيت مُزَخْرَفٌ منقوش [[الزخرف: بضم الزاي المشددة، وسكون الخاء، وضم الراء: الزِّينة. وأصله الذَّهَب، ثم سمي كل زينة زخرفًا، ثم شبه كل مُمَوه مزور به، وبيت مزخرف، أي: مزين. انظر: "العين" 4/ 338، و"الجمهرة" 2/ 1144، و"المنجد" ص 219، و"الصحاح" 4/ 1369، و"المفردات" ص 379، و"اللسان" 3/ 1821 (زخرف).]]، ومنه الحديث: (إن رسول الله ﷺ لم يدخل الكعبة حتى أمر بالزخرف فنُحِي) [[لم أقف على سنده وهو في: "تهذيب اللغة" 2/ 1520، و"النهاية" لابن الأثير 2/ 299، و"اللسان" 3/ 1821، و"عمدة الحفاظ" ص 219، و"الدر المصون" 5/ 116، و"تاج العروس" 12/ 246 (زخرف). ومن المشهور أن البيت كان فيه تماثيل وصور، فأمر النبي ﷺ بإخراج التماثيل، وطمس الصور. قال ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 17: (روى عمر بن شيبة، عن عمرو بن دينار، بسند صحيح قال: (بلغني أن النبي ﷺ أمر بطمس الصور التي كانت في البيت) ا. هـ وأخرج البخاري في "صحيحه" مع فتح الباري 8/ 16، عن ابن عباس قال: (إن النبي ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام. فقال النبي ﷺ: "قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط") ا. هـ وانظر: في الصور والتماثيل التي كانت موجودة في البيت عند فتح مكة ، و"أخبار مكة" للأزرقى 1/ 119 - 123 و165 - 169، و"المصنف" == لابن أبي شيبة 7/ 403 (36894)، و"مجمع الزوائد" 6/ 176، و"المطالب العالية" 17/ 469 (4303).]]، يعني بالزخرف: نقوشًا، وتصاوير زينت به الكعبة وكانت مموهة بالذهب فأمر بها حتى حُتَّت [[هذا التوجيه ذكره أصحاب المراجع السابقة، وقوله: حُتَّت: بضم الحاء وتَشديد التاء المفتوحة، والحَثُّ بفتح الحاء: الحَكُّ والقَشْر، وفَرْكُ الشيء اليابس. انظر: "اللسان" 2/ 767 مادة (حتت).]] قال الزجاج: (والزخرف في اللغة: الزينة، المعنى: أن بعضهم يزين لبعض الأعمال القبيحة و ﴿غُرُورًا﴾ منصوب على المصدر، وهذا المصدر محمول على المعنى، لأن معنى: إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور، فكأنه قال: [يَغُرّون] [[في (أ): (تغرون).]] غُرُورًا) [["معاني الزجاج" 2/ 284، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 575، و"المشكل" 1/ 266، و"التبيان" 1/ 354، و"الدر المصون" 5/ 116، ونقل ذلك الرازي في "تفسيره" 13/ 155، 156 عن الواحدي.]]، وهذا معنى قول الضحاك: (شياطين الإنس يوحون إلى الإنس، وشياطين الجن يوحون إلى الجن) [[سبق تخريجه. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في "الفتاوى" 18/ 56 عند شرح الآية: (أخبر سبحانه وتعالى أن جميع الأنبياء لهم أعداء، وهم شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف، وهو المزين المحسن، يغرون به، والغرور: التلبيس والتمويه، وهذا شأن كل كلام وعمل يخالف ما جاءت به الرسل من أمر المتكلمة وغيرهم من الأولين والآخرين، ثم قال ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ فعلم أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة متلازمان، فمن لم يؤمن بالآخرة أصغى إلى زخرف أعدائهم، فخالف الرسل كما هو موجود في أصناف الكفار والمنافقين في هذه الأمة وغيرها ..) ا. هـ. وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 173.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾، الهاء تعود إلى إيحاء القول بالغرور، والمدلول عليه بقوله ﴿يُوحِي﴾ والفعل يدل على المصدر [[انظر: "التبيان" 1/ 354، و"الفريد" 2/ 216.]]، قال الزجاج: (أي: لو شاء لمنع الشياطين من الوسوسة للإنس والجن، ولكن الله عز وجل يمتحن بما يعلم أنه الأجزل في الثواب) [["معاني الزجاج" 2/ 284، وفيه: (يمتحن ما يعلم أنه الأبلغ في الحكمة، والأجزل في الثواب والأصلح للعباد) ا. هـ. وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 3، و"معاني النحاس" 2/ 477.]] [وقوله تعالى] [[في (ش): وقوله تعالى: (لله هم وما يفترون)، وهو تحريف ظاهر.]]: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما زين لهم إبليس وغرّهم به) [["تنوير المقباس" 2/ 53، وذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 156، وأبو حيان في "البحر" 4/ 207.]].

الأنعام 6:113

وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ الآية. الصغو في اللغة معناه: المَيْل، صغى إلى كذا يصغى إذا مال إليه [[انظر: "العين" 4/ 432، و"الجمهرة" 2/ 890، و"الصحاح" 6/ 2400، و"المجمل" 2/ 534، و"مقاييس اللغة" 3/ 289، و"المفردات" ص 485 (صغا).]]. أبو عبيد عن الكسائي: (صَغَوت أَصْغُو، وصغيت أصْغَى [ثم وصغيت أصغِي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] وهو أكثر الثلاث) [["تهذيب اللغة" 2/ 2020، وفيه: (أبو عبيد عن الكسائىِ: صَغَوْتُ بالفتح، وصَغَيْتُ. وقال شمر: صَغَوت، وصغَيت بالفتح، وصغيت بكسر العين، وأكثره صغيت بالكسر) ا. هـ. ولعل الواحدي جمع بين القولين.]]، ابن السكيت: (صَغَيْتُ إلى الشيء، أصْغى صِغيًا إذا ملت إليه، وصَغَوت أصغُو صُغُوًّا) [["إصلاح المنطق" ص 215، و"تهذيب اللغة" 2/ 2020، وصَغَيْت بالفتح، أَصْغَى صُغِيًّا بالكسر، وصَغَوت أصغُو صُغُوًّا بالضم.]]، الأصمعي (وصَغا) [["تهذيب اللغة" 2/ 2021، وفيه: (صَغَا يَصْغو صَغْوًا وصَغًا) بالفتح.]]، وزاد الفراء: (صُغيًّا مشدّدًا وصُغُوًّا) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 119، وهو ليس في معاني الفراء، ولعله من كتاب المصادر المفقود، وصُغيا بالضم، وكسر العين، وفتح الياء المشددة، وصغوا بالضم وفتح الواو المشددة.]]، أبو زيد [["تهذيب اللغة" 2/ 2021، وفيه: (صَغْوه وصَغاه وصِغْوه معه) فقط، والباقي لابن السكيت، وصَاغية بكسر الغين، وصَغْواء بفتح الصاد وسكون الغين. والخلاصة: أن الصَّغا مادة تدل على الميل، يقال: صغوت بالواو وفتح الغين، وصغيت بالياء وكسر الغين وفتحها، فاللام واو أو ياء، ومع الياء تكسر عين الماضي وتفتح، ومضارع الأفعال الثلاثة يصغى بفتح الغين، وحكى صغوت أصغو بالضم، ومصدر الأول: صَغْو، والثاني: صُغِيٌّ بكسر الغين، والثالث: صغا بالفتح، وحكى في مصدر صغا بالفتح يصغو صغا بالفتح، فهو ليس مختصًا بكونه مصدرًا لصغي بالكسر، وحكى صِغِيًّا بكسر الغين، وفتح الياء المشددة، وصغوا بضم الغين وفتح الواو المشددة. انظر: "معاني الزجاج" 2/ 284، والقرطبي 7/ 69، و"البحر" 4/ 205، و"الدر المصون" 5/ 119.]]: (يقال: صَغْوهُ معه، وصِغْوُهُ وصَغَاهُ، وصَاغِية الرجل الذين يميلون إليه ويغشونه، وعين صَغْواء مائلة، قال الأعشى [[ديوان الأعشى: ميمون بن قيس ص 187، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 327، و"تهذيب اللغة" 2/ 2020، والثعلبي ص 183/ أ، و"اللسان" 4/ 2454 مادة (صغا)، و"الدر المصون" 5/ 119، وهو يصف الناقة، وصغواء: مائلة، والمؤق بالضم: طرف العين مما يلي الأنف. انظر: "اللسان" 7/ 4120 مادة (مأق)، والقطيع، بفتح القاف، وكسر الطاء: السوط يقطع من جلد، ونحوه. والقطيع المحرم. السوط الذي لم يمرن ويُليَّن بعد. انظر: "اللسان" (قطع) 6/ 3678.]]: ترَى عَيْنَها صَغْواءَ في جَنْبِ مُؤقِهَا ... ترَاقِبُ كَفِّي والقَطِيعَ المحَرَّمَا) قال ابن عباس [[أخرجه الطبري 8/ 7، وابن أبي حاتم 4/ 1373 بسند ضعيف بلفظ (لتميل)، وهو في مسائل نافع بن الأزرق ص 163، وأخرج ابن حسنون في "اللغات" ص 54، و"الوزان" 9 أبسند جيد عنه قال: (صغا مال بلغة خثعم) ا. هـ، وفي "تنوير المقباس" 2/ 53 قال: (لكي تميل إلى هذا الزخرف والغرور) ا. هـ، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 75.]]، والسدي [[أخرجه الطبري 8/ 7 بسند جيد بلفظ: (تميل إليه قلوب الكفار) ا. هـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 74.]]، [وابن زيد [[لفظ (ابن زيد) ساقط من (أ) والأثر أخرجه الطبري 8/ 7، وابن أبي حاتم 4/ 1373، بسند جيد عنه، بلفظ: (وليهووا ذلك، يقول الرجل للمرأة: صغيت إليها: هَوِيتها) اهـ.]]] وغيرهم [[هو قول الأكثر. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 285، و"مجاز القرآن" 1/ 205، و"غريب القرآن" ص 142، والطبري 8/ 7، والسمرقندي 1/ 508، والماوردي 2/ 159.]]: (وَلِتَصْغَى) (ولتميل هواها)، قال ابن الأنباري: (اللام في (لتصغى) متعلقة بفعل مضمر تأويله: وفعلنا بهم ذلك لكي تصغى إلى الباطل أفئدتهم وليرضوا المذموم من أجل عنادهم الحق) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 103، ابن الجوزي 3/ 109.]]، وقال غيره من النحويين [[هذا ظاهر كلام الطبري 8/ 4، والقرطبي 7/ 69، ورجحه الرازي 13/ 157، وأكثرهم على أنها لام كي الجارة، وهي معطوفة على الغرور، أي: للغرور، ولأن تصغى. قال ابن عطية 5/ 324 - 325: (اللام في الأفعال الثالثة لام كي معطوفة على (غرورًا) أو متعلقة بفعل مؤخر تقديره: فعلوا ذلك أو جعلنا ذلك، فهي لام صيرورة، قاله الزجاج: ولا يحتمل أن تكون لام الأمر وضمنها الوعيد) ا. هـ. ملخصًا، وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 174 - 175: (اللام على بابها للتعليل وإن كانت تعليلًا لفعل العدو، وهو ايحاء بعضهم إلى بعض فظاهر، == وعلى هذا فيكون عطفًا على قوله (غرورًا) فإنه مفعول لأجله، أي: ليغروهم بهذا الوحي ولتصغى إليه أفئدة من يلقى إليه فيرضاه ويعمل بموجبه، فيكون سبحانه قد أخبر بمقصودهم من الإيحاء، وهو أربعة أمور: غرور من يوحون إليه، وإصغاء أفئدتهم إليهم، ومحبتهِم لذلك، وانفعالهم عنده بالاقتراف، وإن كان ذلك تعليلًا لجعله سبحانه ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ فيكون هذا الحكم من جملة الغايات والحكم المطلوبة بهذا الجعل، وهي غاية وحكمة مقصودة لغيرها؛ لأنها مفضية إلى أمور هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه، وفواتها يستلزم فوات ما هو أحب إليه من حصولها، وعلى التقديرين، فاللام لام التعليل والحكمة) اهـ، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 33، و"الزجاج" 2/ 284، و"إعراب النحاس" 1/ 576، و"العسكريات" ص 100، و"كتاب الشعر" 1/ 206، و"المحتسب" 1/ 227، و"البيان" 1/ 335، و"التبيان" ص 355، و"الفريد" 2/ 216، و"الدر المصون" 5/ 117.]]: (اللام متعلقة بقوله ﴿يُوحِي﴾: [الأنعام:112] وتقديره: يوحي بعضهم إلى بعض [ليغروهم] [[في (أ): (لتغروهم).]] ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾)، والكناية في (إليه) تعود إلى ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ [[انظر: "الدر المصون" 5/ 118.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ يقال: اقترف أي: اكتسب [[الاقتراف بسكون القاف، وكسر التاء وفتح الراء أصله قَشْرُ اللحاء والجلدة عن الجرح، ثم استعير للاكتساب حسنًا كان أو سيئًا، إلا أنه في السوء أغلب. انظر: "الجمهرة" 2/ 786، و"الصحاح" 4/ 1414، و"المجمل" 3/ 748، و"معجم مقاييس اللغة" 5/ 73، و"المفردات" ص 667، و"اللسان" 6/ 3600، و"عمدة الحفاظ" ص 453 مادة (قرف).]]. الليث [["تهذيب اللغة" 3/ 2941. وانظر: "العين" 5/ 146.]]: (اقترف ذنبًا، أي: أتاه وفعله). ابن الأنباري [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 122، وفي "الزاهر" 1/ 446، قال في معنى الآية: (أي: وليكتسبوا وليلصقوا بأنفسهم) ا. هـ. ثم أنشد البيت.]]: (قَرَف واقْتَرَف إذا كسب، وأنشد [[الشاهد للبيد في ذيل "ديوانه" ص 221، و"الكشف" للثعلبي 183 أ، وبلا نسبة في "الدر المصون" 5/ 122.]]: وإِنِّي لآتٍ مَا أَتَيْتُ وإنَّنِي ... لِمَا اقْتَرفَتْ نَفْسِي عليَّ لَرَاهِبُ أي: لما اكتسبت)، ونحو ذلك قال ابن عباس [[أخرجه الطبري 8/ 8 بسند جيد، وهو في "تنوير المقباس" 2/ 53، و"الدر المنثور" 3/ 75، وهو في مسائل نافع بن الأزرق ص 161 مع ذكر الشاهد للبيد.]] وابن زيد [[ذكره القرطبي 7/ 70، عن ابن عباس والسدي وابن زيد، وأخرج الطبري 8/ 8، وابن أبي حاتم 4/ 1373، 1374، بسند جيد عن ابن زيد والسدي قالا: (ليعملوا ما هم عاملون) ا. هـ.]]: (وليكتسبوا). وقال الزجاج: (وليقترفوا) (أي: ليختلقوا وليكذبوا) [["معاني الزجاج" 2/ 285، وفيه ذكر القول الأول ثم ذكر هذا، وفي "مجاز القرآن" 1/ 205، قال: (مجازه التهمة والادعاء) ا. هـ. وفي "غريب القرآن" لليزيدي قال: (يدعون الكذب) وفي تفسير "غريب القرآن" ص 158، و"تفسير المشكل" ص 79: (أي: ليكتسبوا ويدعوا) ا. هـ. وذكر هذا القول الماوردي 2/ 159، وقال: (هذا قول محتمل) ا. هـ.]]، وهو معنى قول عطاء [[لم أقف عليه. وقوله: (وليخترقوا) التَّخرُّق لغة في التخلُّق من الكذب وخَرَقَ الكذب وتَخَرَّقه اختلقه وافتعله وافتراه. انظر: "اللسان" 2/ 1142 (خرق).]]: (ليخترقوا في القرآن مثل قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: 103]). قال مقاتل: ﴿وَلِتَصْغَى﴾: (ولتميل إلى ذلك الزخرف ولغرور قلوب الذين لا يصدقون بالبعث، ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾: ليحبوه، ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ ليعملوا ما هم عاملون) [["تفسير مقاتل" 1/ 585.]]، وهذا الآية دليل على تكذيب القدرية، إذ قال الله تعالى: جعلنا لهم شياطين لتصغى قلوبهم إلى وحي الشياطين وليرضوه [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 158.]]. وحكى أبو بكر [[أبو بكر هو: محمد بن القاسم بن الأنبارىِ، تقدمت ترجمته.]] مثل قول الزجاج، فقال: (وقال بعضهم: تأويله: وليختلقوا ما هم مختلقون) [[لم أقف عليه، وفي "الزاهر" 1/ 465: (وقولهم: قد قَرف فلان فلانا، معناه: قد ألصق به عيبًا وأكسبه ذمًّا) اهـ.]] ثم قال: (والأول هو الأثبت في اللغة) [[وهو الراجح عند الجمهور، ومنهم الفراء في "معانيه" 1/ 351، والطبري في "تفسيره" 8/ 8، والنحاس في "معانيه" 2/ 478، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 508، والبغوي 3/ 180، وابن الجوزي 3/ 109، وحكى القول الثاني عن الزجاج الرازي في "تفسيره" 13/ 158، ثم قال: (والأول أصح) ا. هـ.]].

الأنعام 6:114

قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 53، وفيه: (قل لهم يا محمد: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾) ا. هـ.]]: (يريد [قول النبي ﷺ] يعني: أن هذا من [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] قول النبي ﷺ قال الكلبي: (قل لأهل مكة: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 103 عن الكلبي والعوفي، وذكر الماوردي في "تفسيره" 2/ 160، وابن الجوزي 3/ 110 نحوه بدون نسبة.]]، والحكم [[مادة (حكم) بالفتح، بمعنى المنع. ومنه الحكم، بضم الحاء وسكون الكاف، والحاكم بفتح الحاء، وكسر الكاف؛ لأنه يمنع من الظلم، ومنه الحكمة بكسر الحاء وسكون الكاف وفتح الميم؛ لأنها تمنع من الجهل. انظر: "العين" 3/ 66، و"الجمهرة" 1/ 564، و"تهذيب اللغة" 1/ 885 - 886، و"الصحاح" 5/ 1901 ، و"المجمل" 1/ 246، و"مقاييس اللغة" 2/ 91، و"اللسان" 2/ 951 مادة (حكم).]] والحاكم واحد عند أهل اللغة [[انظر أيضًا: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي ص 243، و"تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 43، 52، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص60، و"النهاية" لابن الأثير 1/ 418.]] لا فرق بينهما غير أن بعض أهل التأويل قال: (الحَكم أهل أن يتحاكم إليه، والحاكم من شأنه أن يحكم، فالصفة بالحَكم أمدح، وذلك أن صفة حاكم جارية على الفعل، فقد يحكم الحاكم بغير ما أنزل الله، فأما من يستحق صفة حكم فلا يحكم إلا بالحق؛ لأنها صفة تعظيم ومدح) [[ذكره أكثرهم. انظر: "الفروق" للعسكري ص 157، والماوردي 2/ 159، و"المفردات" ص 249، وابن عطية 326، و"الفريد" 2/ 218، والقرطبي 7/ 70، وذكره الرازي 13/ 159، عن الواحدي، وقال السمين في "الدر" 5/ 123: (الحكم أبلغ من الحاكم، قيل: لأن الحكم من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم فإنه يصدق غيره، وقيل: لأن الحكم لا يحكم إلا بالعدل والحاكم قد يجوز) ا. هـ، وانظر: "البحر" 4/ 209.]]، قال العوفي: (﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ قاضيًا بيني وبينكم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 203، عن الكلبي وعطية العوفي.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: مبينًا) [["تنوير المقباس" 2/ 53.]]، وقال مقاتل: (﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآن مبينًا فيه أمره ونهيه) [["تفسير مقاتل" 1/ 585.]]، وقال أهل المعاني: (التفصيل تبيين المعاني بما ينفي التخليط المعمي للمعنى وينفي أيضًا التداخل الذي يوجب نقصان البيان عن المعنى، وذلك بالآيات التي تفصل المعاني بعضها من بعض) [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 160، وابن عطية 5/ 326، وابن الجوزي 3/ 110، و"بدائع التفسير" 2/ 176.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: العلماء من أهل الكتابين ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾، يعني: القرآن ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، أي: أن كل ما فيه بيان عن الشيء على ما هو به كترغيبه وترهيبه ووعده ووعيده وقصصه وأمثاله، وغير ذلك [مما فيه] [[لفظ: (مما فيه) غير واضح في (أ).]] كله بهذه الصفة [[هذا قول الأكثر. انظر: الطبري 8/ 8، والسمرقندي 1/ 509، وابن الجوزي 3/ 110.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ قال الفراء: (من الشاكين أنهم ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾) [["معاني الفراء" 1/ 351.]]، ومعنى الامتراء: طلب التشكك مع ظهور الدليل، وهو من مَرْيِ الضَّرع، وهو مَسحه ليَدرَّ [[انظر: "الزاهر" 1/ 350 - 351، وقد سبق الكلام عن معنى الامتراء.]].

الأنعام 6:115

قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: مواعيد ربك لأوليائه، وأهل طاعته) [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 71، وذكر أبو حيان في "البحر" 4/ 209 نحوه عن ابن عباس.]]، وقال مقاتل: (﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أنه ناصر محمّد ببدرٍ) [["تفسير مقاتل" 1/ 585.]]. وقال الكلبي: (﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ وجبَ قول ربك صدقًا لقوله وعدلًا منه) [["تنوير المقباس" 2/ 54.]]، وقال أهل المعاني [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 388، وذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 160 عن أهل المعاني.]]: (الكلمة والكلمات معناها والله أعلم: ما جاء من وعد ووعيدٍ وثواب وعقاب، فلا تبديل فيه ولا تغيير له، كما قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: 29] والتقدير: وتمت ذوات الكلمات -أي: يخبر بها عنها- فمن قرأ [[قرأ عاصم وحمزة والكسائي (وتمت كلمت) على التوحيد، وقرأ الباقون (وتمت كلمات) على الجمع. انظر: "السبعة" ص 266، و"المبسوط" ص 174، و"الغاية" ص 248، و"التذكرة" 2/ 408، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.]] (كلمات) بالجمع قال: لأن معناها الجمع، فوجب أن يجمع في اللفظ، ومن قرأ على الواحدة فلأنهم قد قالوا: الكلمة يراد بها الكثرة، كقولهم: قال زهير في كلمته، يعنون: قصيدته، وقال قُسٌّ [[تقدمت ترجمته.]] في كلمته، يعنون: خطبته، فقد وقع المفرد على الكثرة، فلما كان كذلك أغنى عن الجمع) [[هذا كلام الفارسي في "الحجة" 3/ 388 - 390، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 381، و"الحجة" لابن خالويه ص 148، ولابن زنجلة ص 268، و"الكشف" 1/ 447.]]. وقوله تعالى: ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: لا خلف لمواعيده ولا في أهل طاعته [[جاء في (أ)، (ش): (ولا في أهل طاعته) بالواو، ولعله تحريف، والأثر ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 104.]] ولا في أهل معصيته)، وقال قتادة [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 9، وابن أبي حاتم 4/ 1374 بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 478، والبغوي في "تفسيره" 3/ 181.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 585.]]: (﴿صِدْقًا﴾ فيما وعد ﴿وَعَدْلًا﴾ فيما حكم)، وقال بعض المفسرين [[ذكر هذا القول الثعلبي في "الكشف" 183 أ، والماوردي في "تفسيره" 2/ 160، وابن الجوزي 3/ 111 بدون ذكر الحديث.]]: (كلمة الله أقضيته وعِداته تمت على معنى قوله ﷺ: "سبق القضاء وجف القلم [[هنا في (ش): وقع اضطراب في ترتيب الأوراق، فجاء تكملة الحديث في 121 ب.]] بالسعادة لمن آمن واتقى، والشقاوة لمن كفر وعصى" [[الحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه بعد طول بحث، وفي معناه عدة أحاديث في "مجمع الزوائد" 7/ 185 - 201، وأخرج البخاري في "صحيحه" (5076)، و"كتاب النكاح"، باب ما يكره من التبتل والخصاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ، قال: "جف القلم بما أنت لاق". وأخرج مسلم في "صحيحه" رقم (2648)، عن جابر رضي الله عنه قال: (جاء سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فِيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: "لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير" قال: ففيم العمل؟ قال: "كل عامل ميسر لعمله" اهـ.]]، قال أبو علي الفارسي: (و ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ مصدران ينتصبان علي الحال من الكلمة، تقديره: صادقة عادلة) [["الحجة" لأبي علي 3/ 388، وانظر: "إعراب النحاس" 2/ 93، و"المشكل" 1/ 226، و"البيان" 1/ 336، و"التبيان" 300، و"الفريد" 2/ 219، و"الدر المصون" 5/ 124.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾ قال ابن عباس: (يريد: لا راد لقضائه، ولا مغير لحكمه، ولا خلف لموعده) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 104، والبغوي في "تفسيره" 3/ 181.]]، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لتضرع أوليائه ولقول أعدائه واستهزائهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلوب أوليائه من اليقين، وبما في قلوب أعدائه من الاستهزاء والشرك [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 9.]].

الأنعام 6:116

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال المفسرون: (إن المشركين جادلوا رسول الله ﷺ في أكل الميتة) [[ذكره الطبري في "تفسيره" 8/ 10، والبغوي 3/ 181، وابن عطية 5/ 329، وابن الجوزي 3/ 111.]]، قال الفراء: ([ذلك] [[في (ش): (وذلك) بالواو.]] أنهم قالوا للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ فأنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾) [["معاني الفراء" 1/ 352.]]. قال ابن عباس: (يريد: الذين هم [[في (ش): (الذين ليسوا هم على دينك).]] ليسوا على دينك، وهم أكثر من المؤمنين، إن تطعهم في أكل الميتة ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يريد: عن دين الله الذي رضيه لك، وبعثك به) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 105.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يعني: ظنهم في أكل الميتة، وقال عطاء: (يريد: دينهم [الذي] [[(الذي) ساقطة من (أ).]] هم عليه ظنٌّ) [[لم أقف عليه، وهو قول البغوي في "تفسيره" 3/ 181.]]، وقال أبو إسحاق: (ليس عند أنفسهم أنهم على بصائر؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، وتركوا التماس البصيرة من حيث يجب، واقتصروا على الظن والجهل) [["معاني الزجاج" 2/ 285 - 286، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 478.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ قال الأزهري: (أصل الخرص: التظنِّي فيما لا تستيقنه، ومنه قيل: [خرصتُ النَّخْلَ خَرْصًا إذا حَزَرْته؛ لأن الحزر فيه ظن لا إحاطة، ثم قيل [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] للكذب: خَرْص [لما يدخله] [[في (أ): (لما تدخله)، بالتاء.]] من الظُّنُونِ الكاذبة) [["تهذيب اللغة" 1/ 1009، والخرص: بفتح الخاء وسكون الراء: الحزر في العدد والكيل، والكذب، وكل قول بالظن. انظر: "العين" 4/ 183، و"الجمهرة" 1/ 585، و"الصحاح" 3/ 1035، و"المجمل" 3/ 283، و"مقاييس اللغة" 2/ 169، و"المفردات" ص 279، و"اللسان" 2/ 1133 (خرص).]]. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 55، وأخرج ابن حسنون في "اللغات" ص 42، 44، و"الوزان" ص 7، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يخرصون يعني: يكذبون) اهـ.]]: (﴿يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون ما أحله الله ولا أنزله [[كذا العبارة في الأصول: ولعل الصواب: (ما أحله الله وأنزله في كتابه).]] في كتابه)، وقال عطاء عنه: (يريد: يفترون) [[لم أقف عليه. وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 206، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 142، و"تفسير غريب القرآن" ص 169، و"تفسير المشكل" ص 79.]].

الأنعام 6:117

قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال بعض الناس: (أعلم هاهنا بمعنى: يعلم)، ولا يجوز ذلك؛ لأنه يطابق [[ذكره الطبري في "تفسيره" 8/ 10 - 11، ورده بنحو ما ذكر الواحدي، وذكره السمين في "الدر" 5/ 126، عن الواحدي وقال: (على هذا أعلم ليست للتفضيل، بل بمعنى: اسم الفاعل في قوته، كأنه قيل: إن ربك هو يعلم) اهـ.]] ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وقال بعض البصريين: (موضع (من) نصب على حذف الباء؛ لأنه قد قال في موضع: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ [ضِلَّ] [[جاء في الأصول: (يضل) بالياء، وهو خطأ واضح.]]﴾ [النحل: 125] بالباء وحذفت هاهنا) [[هذا قول الأخفش في "معانيه" 3/ 282، وذكره الطبري في "تفسيره" 8/ 10، وانظر: "المحتسب" 1/ 229، و"المشكل" 1/ 267، وفيه قال: (ولا يحسن تقدير حذف حرف الجر، لأنه من ضرورات الشعر). اهـ. وانظر: "تفسير القرطبي" 7/ 72.]]. وقال الزجاج: (موضع (من) رفع الابتداء ولفظها لفظ الاستفهام. المعنى: إن ربك هو أعلم أي الناس يضلُّ عن سبيله، قال: وهذا مثل قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ [[في (أ): (ليعلم)، بالياء.]] الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: 12] [["معاني الزجاج" 2/ 286، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 10، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 577، والأزهري في "معاني القرآن" 1/ 381، ومكي في "المشكل" 1/ 266، والكرماني في "غرائب التفسير" 1/ 382، وضعف هذا القول أبو حيان في "البحر" 4/ 210.]]. وهذا قول المبرد [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 105، والرازي في "تفسيره" 13/ 164، وأبو حيان في "البحر" 4/ 210، والسمين في "الدر" 5/ 127، عن المبرد والكسائي.]] والكسائي والفراء، قال الفراء: (إذا كانت من بعد العلم والنظر والدراية، مثل: نظرت وعلمت ودريت، كانت في مذهب أي، فإن كان بعدها فعل له رفعتها به، وإن كان بعدها فعل يقع عليها نصبتها، كقولك: ما أدري من قام، ترفع من بقام) [["معاني الفراء" 1/ 352.]]، يريد: أن من ترفع بالابتداء، وقام خبره، كذلك (من) ابتداء و (يضلّ) خبره في الآية، وتقول: ما أدري من ضربت، تنصب [[هذا المثال من كلام الفراء في "معانيه" 1/ 352.]] (من) بـ (ضربت)؛ لأن بعدها [فعل] [[في (ش): (فعلًا).]] يقع عليها، وقال أبو علي الفارسي: (من) معمول فعلٍ مضمر دل عليه (أعلم)، ولا يجوز أن يكون معمول (أعلم)؛ لأن المعاني لا تعمل في المعمول به، ومثل هذا في أنه لا يكون إلا محمولًا على فعل ما أنشده أبو زيد [[أبو زيد البصري سعيد بن أوس الأنصاري تقدمت ترجمته.]]: وأَضْرَب مِنه بالسُّيُوفِ القَوَانِسا [[البيت للعباس بن مرداس السُّلمي في "ديوانه" ص 69، و"النوادر" لأبي زيد ص 59، و"الأصمعيات" ص 205، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 246، و"اللسان" 6/ 3751 (قنس)، وبلا نسبة في "البيان" 1/ 336، و"أمالي" ابن الحاجب 2/ 158، و"البحر" 4/ 210، و"الدر المصون" 5/ 157، و"مغني اللبيب" 2/ 618، وصدره: أَكُرّ وأَحْمى لِلْحَقِيقَة مِنْهُمُ وفي المراجع: وأضرب منا، بدل: منهم. والقونس: بفتح القاف وسكون الواو وفتح النون: أعلى البيضة من السلاح. انظر: "اللسان" 6/ 3751 (قنس).]] فالقوانس محمولة على مضمر دون أضرب هذه الظاهرة، قال. ولا يجوز أن يكون موضع (من) في قوله: ﴿أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾ جرًّا؛ لأن أفعل [[لأنه يلزم عليه محذور عظيم، وذلك أن أفعل التفضيل لا تضاف إلا إلى جنسها، فإذا قلت: زيد أعلم الضالين، لزم أن يكون زيد بعض الضالين، فهذا الوجه مستحيل في هذه الآية الكريمة انظر: "التبيان" ص355، و"الفريد" 2/ 219 - 220.]] لا يضاف إلا إلى ما هو بعض له كقولك: (أعلم الناس، وليس ربنا بعض من يضل) [["الحجة" لأبي علي 1/ 26 - 27. وانظر: "المسائل البصريات" 1/ 542، و"كتاب الشعر" 2/ 545، و"الإغفال" ص 935 - 936، وهذا الوجه هو اختيار ابن عطية في "تفسيره" 5/ 330، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 336، وقال السمين في "الدر" 5/ 127: (والراجح من هذه الأقوال نصبها بمضمر، وهذا قول الفارسي، وقزاعد البصريين موافقة له) اهـ.]].

الأنعام 6:118

قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية. هذا جواب لقول المشركين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ [[أخرجه أبو داود رقم (2818 - 2819)، وابن ماجه رقم (3173) ، والترمذي == رقم (3036)، وقال: حسن غريب، والنسائي في "سننه" 7/ 237 كتاب: "الضحايا"، باب: تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، وفي "التفسير" 1/ 479، والطبري 8/ 11 - 13، والحاكم 4/ 113 - 231، 233، وصححه ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وأخرجه البيهقي في "سننه" 9/ 240، كلهم من طرق جيدة، وبألفاظ متقاربة، وأخرجه النحاس في ناسخه 2/ 354، وقال: (هذا من أصح ما مر، وهو داخل في المسند). اهـ. وجاء في بعض الروايات أن الآية نزلت في اليهود، ويمكن الجمع بينهما بأن قول المشركين مبني على إيحاء اليهود، وذكر ابن كثير 2/ 188، عدة طرق، وقال: (إسناده صحيح، وروي من طرق متعددة ليس فيها ذكر اليهود، وهذا هو المحفوظ؛ لأن الآية مكية، واليهود لا يحبون الميتة). اهـ.]] ودخلت الفاء للعطف على ما دل عليه أول الكلام، كأنه قيل: كونوا على الهدى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، أي: مما ذُكي على اسم الله تعالى [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 128، عن الواحدي، وقال: (الظاهر أنها عاطفة على ما تقدم من مضمون الجمل المتقدمة، كأنه قيل: اتبعوا ما أمركم الله من أكل المذكى دون الميتة فكلوا) اهـ.]]. قال الزجاج: (معناه: كلوا مما أخلصتم ذبحه لله) [["معاني الزجاج" 2/ 286.]]، وقد ذكرنا عند قول تعالى [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 105 ب.]]: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 173] إن التسمية لا تجب وأنها سنّة مستحبة [[هذا قول الشافعي، ورواية عن مالك وأحمد، فمن تركها عندهم عمدًا أو سهوًا لم يقدح في حل الأكل، وذهب الجمهور إلى أنها شرط للإباحة مع الذكر دون النسيان، فيجوز أكل ما تركت عليه التسمية سهوًا لا عمدًا، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد ومالك، وذهب أحمد في رواية إلى أنها شرط مطلقًا، وهذا القول هو الظاهر من نصوص الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة لم تفصل، ولأنه علق الحل بذكر اسم الله تعالى، وهو اختيار شيخ الإسلام "الفتاوي" 35/ 239،== والشيخ صالح بن فوزان الفوزان في كتاب "الذكاة الشرعية" ص 14 - 15، والشيخ محمد بن صالح العثيمين في "رسالة في أحكام الأضحية والذكاة" ص 82 - 86، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 350 - 355، و"أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 746، و"المغني" لابن قدامة 12/ 257، 390، والقرطبي 7/ 75، و"المجموع" للنووي 8/ 410، و"تفسير ابن كثير" 2/ 189 - 190، و"نيل الأوطار" 8/ 152.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ترغيب في اعتقاد صحة الإذن في أكل المذكاة على اسم الله تعالى، وتأكيد أن ما أباحه الشرع فهو طيب يحل تناوله، ولا يجوز استقذاره حتى لو استقذره إنسان كان غير مؤمن بظاهر هذه الآية، فإن عافت نفسه شيئًا بعد صحة عقيدته بكونه مباحاً غير مستقذر لم يضره ذلك [[انظر: "الفتاوى" 21/ 534.]].

الأنعام 6:119

قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية. هذا إبلاغ في إباحة ما ذبح باسم الله. قال الزجاج: (وموضع أن نصب؛ لأن في سقطت فوصل المعنى إلى أن فنصبها، المعنى: وأي شيء يقع لكم في أن لا تأكلوا، وسيبويه [[انظر: "الكتاب" 3/ 126 - 129.]] يجيز أن يكون موضع أن خفضًا، وإن سقطت في، والنصب عنده أجود) [["معاني الزجاج" 2/ 286، وفيه قال: (ولا اختلاف بين الناس في أن الموضع نصب)، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 286، و"إعراب النحاس" 1/ 578، و"المشكل" 1/ 267.]]، وقد ذكرنا هذا قديمًا [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قرئ [[قرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو (فصل) بضم الفاء وكسر الصاد، وقرأ الباقون بفتح الفاء والصاد، وقرأ نافع وعاصم في رواية: (حرم) بفتح الحاء والراء، وقرأ الباقون بضم الحاء وكسر الراء. انظر: "السبعة" ص 267، و"المبسوط" ص 174، و"الغاية" ص 249، و"التذكرة" 2/ 409، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.]] بالضم في الحرفين وبالفتح فيهما، وفي الأول بالفتح والثاني بالضم، فمن قرأهما بالضم فحجته قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] وقوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]] ﴿حُرِمَتْ﴾ تفصيل ما أجمل في هذه الآية، فكما أن الاتفاق هاهنا على ﴿حُرِمَتْ﴾، كذلك يكون الذي أجمل فيه وكما وجب (حُرِّم) بضم الحاء لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] كذلك ضم (فُصل) لأن هذا المفصل هو ذلك المحرم الذي قد أجمل في هذه الآية، [وأيضًا] [[لفظ: (أيضًا) ساقط من (أ).]] فإنه قد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: 114] [و (مفصلًا)] [[لفظ: (ومفصلًا) ساقط من (ش).]] يدل على (فُصّل) ومن فتحهما فحجته في (فَصّل) قوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: 97] وحجته في (حَرّم) قوله: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ﴾ [الأنعام: 151]، ويؤكد الفتح قوله تعالى: ﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ [[لفظ: (عليكم) ساقط عن (ش).]]﴾ [الأنعام:119] فينبغي أن يكون الفعل مبنيًا للفاعل لتقدم ذكر اسم الله سبحانه، ومن قرأ: (فَصَّل) بالفتح فحجته قوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا﴾ [الأنعام: 97]، وحجته في ضَمِّ (حُرّم)، قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] [[ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 3/ 390 - 391، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 382، و"إعراب القراءات" 1/ 168، و"الحجة" لابن خالويه ص 148، ولابن زنجلة ص 269، و"الكشف" 1/ 448.]] قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 12 - 13، والسمرقندي 1/ 509، و"الحجة" لأبي علي 3/ 391، ونسب هذا القول الرازي في "تفسيره" 13/ 166، إلى أكثر المفسرين، وذكره القاسمي في "تفسيره" 6/ 695 - 696، وقال: (ورد هذا بأن المائدة من آخر ما نزل بالمدينة والأنعام مكية، فالصواب أن التفصيل إما في قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: 145] فإنه ذكر بعدُ بيسير، وهذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد، وإما على لسان الرسول ثم أنزل بعد ذلك في القرآن). اهـ. وانظر: "تفسير الرازي" 13/ 166، وابن عاشور 8/ 34.]]. (ومعنى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ [[لفظ: (الواو) ساقط من (ش).]] فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ هو ما فصله في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال الزجاج: (أي: دعتكم الضرورة لشدة المجاعة إلى أكله) [["معاني الزجاج" 2/ 287، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 12، و"الحجة" لأبي علي 3/ 391.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾. قال أبو علي: (أي: يضلون باتباع أهوائهم [[في (أ): (هوائهم)، وهو تحريف.]]، كما قال: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 176]، أي: يضلون [[في (الحجة) لأبي علي 3/ 394 - 495: (أي: يضلون في أنفسهم من غير أن يضلوا غيرهم من اتباعهم بامتناعهم ..). اهـ. وهذا في توجيه قراءة فتح الياء.]] بامتناعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه، وغير ذلك مما يتبعونه ويأخذون به مما لا شيء يوجبه في شرع [[في "الحجة" 3/ 395: (من شرع ولا عقل) اهـ.]] نحو السائبة [[السائبة: المهملة، كان الرجل إذا برأ من مرضه أو قدم من سفر أو نجت دابته من مشقة سيب شيئًا من الأنعام للآلهة، والبعير يدرك نتاج نتاجه فيسيب ويترك ولا يحمل عليه، والناقة التي كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت، أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظمًا، وكانت لا تمنع عن ماء ولا كلأ، ولا تركيب. انظر: "اللسان" 4/ 2166 مادة (سيب).]] والبحيرة [[البحيرة: أصل البحر الشق، وشق الأذن كانوا إذا نتجت الناقة أو الشاة عشرة أبطن بحروها وتركوها ترعى وحرموا لحمها إذا ماتت على نسائهم وأكلها الرجال، أو التي خليت بلا راع، أو التي نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كانت أنثى بحروا أذنها فكان حرامًا عليهم لحمها ولبنها وركوبها، فإذا ماتت حلت للنساء، أو هي ابنة السائبة، وحكمها حكم أمها، أو هي في الشاة خاصة إذا نتجت خمسة أبطن بحرت، وهي الغزيرة أيضًا. انظر: "اللسان" 1/ 216 مادة (بحر).]] وغير ذلك مما كن يفعله أهل الجاهلية). ومن قرأ [[قرأ عاصم وحمزة والكسائي (ليضلون) بضم الياء، وقرأ الباقون بفتحها. انظر. "السبعة" ص 267، و"المبسوط" ص 174، و"التذكرة" 2/ 409، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.]] بضم [الياء] [[في (أ): (بضم التاء)، وهو تصحيف.]] فحجته أنه يدل على أن الموصوف بذلك في الضلال أذهب، ومن الهدى أبعد، ألا ترى أن كل مضلٍّ ضالٌّ، وليس كل ضالٍّ مضلًّا، [إذا [[في (ش): (إذ كان).]] كان] ضلاله مقصورًا على نفسه لا يتعداه إلى سواه، فالمضل أكثر استحقاقًا للذم، وأغلظ حالاً من الضال لتحمله إثم من أضله [[هذا قول أبي علي في الحجة 3/ 396 - 397، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 383، و"إعراب القراءات" 1/ 168، و"الحجة" لابن خالويه ص 148، ولابن زنجلة ص 269، و"الكشف" 1/ 449.]]. وقول أبي علي في تفسير: ﴿لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾ موافق لقول ابن عباس فإنه قال: (أراد عمرو بن لحي [[تقدمت ترجمته.]] فمن دونه من المشركين، وهو أوّل من غيّر دين إسماعيل، واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 106، والبغوي في "تفسيره" 3/ 182، والرازي 13/ 166، بدون نسبة.]]، وقد ذكرنا قصته [[انظر: "البسيط" نسخة جامعة الإمام 3/ 80 ب.]] في سورة المائدة. وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [يريد] [[جاء في (أ): (قال يريد) وكأن القائل هو ابن عباس رضي الله عنهما.]]: لا علم لعمرو بن لحي، وقال أبو إسحاق: (أي: الذين يحلون الميتة ويناظرونكم في إحلالها، وكذلك كل ما يضلون فيه إنما يتبعون فيه الهوى والشهوة ولا بصيرة عندهم ولا علم) [["معاني الزجاج" 2/ 287، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 13.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما تعدّى عمرو بن لحيّ حيث ملك مكة واتخذ الأصنام) [[لم أقف عليه.]]. وقال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 13، والسمرقندي 3/ 315، والبغوي 3/ 182.]]: (يعني: المجاوزين الحلال إلى الحرم).

الأنعام 6:120

قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ الآية. أكثر المفسرين [[حكاه عن أكثر المفسرين البغوي في "تفسيره" 3/ 182، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 586، والفراء في "معانيه" 1/ 352، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 1/ 169، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 510، ومكي في "تفسير المشكل" ص 79.]]: (على أن ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾ الإعلان بالزنا ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ الاستسرار به). فقال ابن عباس: (كانت العرب يحبون الزنا، وكان الشريف يتشرف أن يزني [فيسر [[في (ش): (فيستر ذلك).]] ذلك]، وغيره لا يبالي أن يظهره، فحرم الله الزنا كله، فقال: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿[وَ] [[لفظ: (الواو) ساقط من النسخ.]] لاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: 151]) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 107، والثعلبي في "الكشف" 183 أ، عن مرة الهمذاني، والبغوي في "تفسيره" 3/ 182، بدون نسبة، وفي "تنوير المقباس" 2/ 55، و"زاد المسير" 3/ 113، نحوه عن ابن عباس.]]، وقال الضحاك: (كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالًا ما كان سرًّا فحرم الله تعالى بهذه الآية السر منه والعلانية) [[أخرجه الطبري 8/ 14، بسند ضعيف، وذكره الثعلبي 183 أ، وابن الجوزي 3/ 114.]]. وقال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 55.]]: (﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾ الزنا، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ المُخالَّة [[المخالة، بالضم: المصادقة، وأصل الخُلَّة والمحبة التي تخللت القلب فصارت في باطنه. انظر: "اللسان" 1252 مادة (خلل).]])، وقال السدِّي: (ظاهره الزنا في الحوانيت وهم أصحاب الرايات، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ الصديقة يزني بها سرًّا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 14، وابن أبي حاتم 4/ 1377 بسند جيد.]]. وذهب جماعة [[وهذا القول هو الراجح وما ذكر من باب التمثيل، وهو اختيار أكثر المفسرين. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 15، و"معاني النحاس" 2/ 480، و"تفسير ابن عطية" 5/ 332، وقال الرازي في "تفسيره" 13/ 167: (هذا نهي عام في جميع المحرمات، وهو الأصح؛ لأن تخصيص اللفظ العام بصورة معينة من غير دليل غير جائز). اهـ. وقال القرطبي في "تفسيره" 7/ 74: (للعلماء فيه أقوال كثيرة، وحاصلها راجع إلى أن الظاهر ما كان عملًا بالبدن مما نهى الله عنه، وباطنه ما عقد بالقلب من مخالفة أمر الله فيما أمر ونهى ..) اهـ.]]: (إلى أن الآية عامة في كل إثم) وهو قول مجاهد وقتادة، وجميع أصحاب المعاني، فقال مجاهد: (يعني: ما ينوي من الإثم وما هو عامله) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 14 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 78.]]. وقال قتادة: (سره وعلانيته) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 217، والطبري 8/ 13، وابن أبي حاتم 4/ 1377 من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 78.]]، قال ابن الأنباري: (يريد: وذروا الإثم من جميع جهاته، كما تقول: ما أخذت من هذا المال [قليلًا [[في (أ): (قليلاً أو كثيراً).]] ولا كثيراً]، يريد: ما أخذته من جميع الوجوه التي يجوز أن يؤخذ منها، كذلك الذنوب كلها لا تخلو من هذين الوجهين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 107، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 114، والرازي في "تفسيره" 13/ 167.]]. وقال أبو إسحاق: (الذي يدل عليه الكلام أن المعنى: اتركوا الإثم ظهر أو بطن، أي: لا تقربوا ما حرم عليكم جهرًا ولا سرًّا) [["معاني الزجاج" 3/ 287.]]، وقال غيره [[ذكره الرازي 13/ 167، وانظر: السمرقندي 1/ 510.]]: (معنى الآية: النهي عن الإثم مع البيان أنه لا يخرجه من معنى الإثم الاستسرار به، كما كانت الجاهلية ترى في الزنا أنه إثم [إذا أعلن] [[في (أ): (إذا علم).]]، فإذا استتر به صاحبه لم يكن إثمًا، كما ذكره الضحاك) [[تقدم تخريجه.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ﴾ [إلى آخرها] [[في (أ): (إلى آخره).]] توعد على فعل الإثم بالجزاء [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 15، و"معاني النحاس" 2/ 481، و"تفسير السمرقندي" 1/ 510.]].

الأنعام 6:121

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 108، والبغوي 3/ 183، وابن الجوزي في 3/ 115، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 18، 19، وابن أبي حاتم 4/ 1378 بسند جيد، عن ابن عباس قال: (يريد: الميتة)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 78.]]: (يريد: الميتة ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: 3]) [[يشير إلى الآية الثالثة من سورة المائدة، والمنخنقة هي التي تموت بالخنق، والموقوذة: هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، والمتردية: هي التي تقع من موضع عال أو شاهق فتموت، والنطيحة: هي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، وقد كان بعض أهل الجاهلية يستحلون ذلك ويأكلونه، فحرم الله ذلك على المؤمنين. انظر: السمرقندي 1/ 414، وابن كثير 2/ 13.]]، وقال الكلبي: (يعني: ما لم يُذكّ ومات قبل أن تدرك ذكاته أو ذبح لغير الله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 108.]]، وقال الزجاج: (أي: مما لم يخلص ذبحه الله) [["معاني الزجاج" 2/ 287، ومثله ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 480.]]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الهاء تعود على الأكل المدلول عليه، يعني: وإن الأكل لفسق، أي: أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 352، و"تفسير الطبري" 8/ 20، السمرقندي 1/ 510، و"الدر المصون" 5/ 132.]]. قال [ابن عباس] [[لفظ: (ابن عباس) ساقط من (أ)، وملحق بالهامش.]]: (يريد: عصيان) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 20، وابن أبي حاتم 3/ 106، بسند ضعيف.]]، ومعنى الفسق في اللغة [[الفسق، بكسر الفاء وسكون السين: الخروج عن الطاعة إلى العصيان والترك لأمر الله عز وجل والميل إلى المعصية. قال الراغب في "المفردات" ص 636: (وهو أعم من الكفر، والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيراً، وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه). اهـ. وانظر: "العين" 5/ 82، و"الجمهرة" 2/ 847، و"تهذيب اللغة" 3/ 2788، و"الصحاح" 4/ 1543، و"المجمل" 3/ 721، و"اللسان" 6/ 3414 مادة (فسق).]]: الخروج عن الحق والدين [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 287، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 482.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ أي: يوسوس الشيطان لوليه فيلقي في قلبه الجدال بالباطل، وهو ما ذكرناه من أن المشركين جادلوا المؤمنين في الميتة [[هذا نص كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 287.]]، وأكثر المفسرين: (على أن المراد بالشياطين هاهنا: إبليس وجنوده، وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين وأهل الضلالة ليخاصموا محمدًا ﷺ وأصحابه في أكل الميتة) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 23، من عدة طرق، عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعبد الله بن كثير، وقتادة والسدي والضحاك. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 78 - 79.]]. وقال عكرمة [[أخرجه الطبري 8/ 20، وابن أبي حاتم 4/ 1379 بسند جيد، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 226، ورجح الطبري 8/ 23 - 24، العموم وتعاونهم في ذلك، لأن الله تعالى جعل للأنبياء أعداء من شياطين الإنس والجن، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 335.]]: (﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ﴾ يعني: مردة المجوس ﴿لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ من مشركي قريش، قال: وذلك أن المجوس من أهل فارس لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش -وكانوا أولياءهم في الجاهلية، وكانت بينهم مكاتبة- أن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال وما ذبح الله فهو حرام، فوقع في أنفس ناس [من المسلمين] [[لفظ: (من المسلمين) مكرر في (ش).]] من ذلك شيء، فأنزل الله هذه [الآية] [[لفظ: (الآية) ساقط من النسخ، وملحق في (أ) بأعلى السطر.]]. ثم قال: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ يعني: في استحلال الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. قال أبو إسحاق: (وفي هذا دليل أن كل من أحل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أحل الله فهو مشرك، وإنما سمي مشركًا لأنه اتبع غير الله عز وجل، فأشرك به غيره) [["معاني الزجاج" 2/ 287، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 482، عن أهل النظر، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 15 وما بعدها، والسمرقندي 1/ 510.]]. فإن قال قائل: كيف أبحتم ذبيحة المسلم التارك للتسمية والآية كالنَّص في التحريم؟ قيل: إن جميع المفسرين فسروا الآية بالميتة، وأشباهها، مما ذكره ابن عباس ولم يحملها أحد على ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية، وفي الآية أشياء تدل على أن الآية في تحريم الميتة، منها قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ولا يفسق أكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية بالإجماع، وإنما التفسيق في أكل الميتة مع اعتقاد التحريم، ومنها قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة بإجماع من أهل التفسير، لا في هذه المسألة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، والشرك في [استحلال الميتة لا في [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] استحلال الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها [[ذكر مثل هذا الواحدي في "الوسيط" 1/ 109، والرازي في "تفسيره" 13/ 138، وقال الطبري في "تفسيره" 12/ 85: (الصواب: إن الله عني بذلك ما ذبح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته، وأما من قال: عني بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله فقول بعيد عن الصواب؛ لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهدًا على فساده). اهـ. وانظر: البغوي 3/ 183، وابن عطية 6/ 140.]].

الأنعام 6:122

قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾. قرأ نافع [[قرأ نافع (ميتًا) بتشديد الياء مع كسرها، وأسكنها الباقون. انظر: "السبعة" ص 268، و"التذكرة" 2/ 409، و"التيسير" ص 106.]] (مَيِّتًا) بالتشديد. قال أهل اللغة [[الموت: ضد الحياة، يقال: ميت بفتح الميم، وكسر الياء المشددة، وأصله ميْوت على فيعل. وقيل: أصله مويت ثم أدغم ثم خفف، فقيل: ميت بفتح الميم وسكون الياء، والمعنى واحد. انظر: "العين" 8/ 140، و"الجمهرة" 1/ 411، و"البارع" ص 704، و"تهذيب اللغة" 14/ 342، و"الصحاح" 1/ 266، و"مقاييس اللغة" 5/ 283، و"المفردات" ص 781، و"اللسان" 2/ 90 (موت).]]: (المَيْتُ، مخففًا: تخفيف ميِّت، ومعناهما واحد ثُقِّلَ أو خُفِّفَ، والمحذوف في [[في (أ): (والمحذوف من المخفف في الياءين).]] المخفف من الياءين الثانية المنقلبة عن الواو، أُعلت بالحذف كما أعلت بالقلب) [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 398 - 399، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 383، و"إعراب القراءات" 1/ 168.]] قال ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 12/ 91، بسند جيد وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 351 - 352.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 222، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 12/ 90 - 91 من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 352.]] ومحمد بن كعب [[لم أقف عليه.]] وجميع المفسرين [[ومنهم مقاتل في "تفسيره" 1/ 587، والفراء في "معانيه" 1/ 253، وابن قتيبة في تفسير "غريب القرآن" ص 159، والطبري في "تفسيره" 12/ 88، والسمرقندي 1/ 511، ومكي في "تفسير المشكل" ص 79.]]: (يعني: من كان كافرًا [ضالًّا] [[لفظ: (ضالًا) ساقط من (أ).]] فهدينا). قال أهل المعاني: (قد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: 21] فلما جعل الكفر موتًا، والكافر ميتًا، جعل الهدى حياة، والهداية إحياء، وإنما جعل الكفر موتًا؛ لأنه جهل، والجهل يؤدي إلى الحيرة والهلكة، والموت كالجهل في أنه لا يدرك به حقيقة، والهدى علم وبصيرة، والعلم يهتدي به إلى الرشد ويدرك به الأمور كما يدرك الحياة [[بعضه في "الحجة" لأبي علي 3/ 98، وذكره الرازي 13/ 1731 عن أهل المعاني، وانظر: "الفتاوى" 19/ 94، و"بدائع التفسير" 2/ 178.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. قال ابن عباس: (يعني: دينًا) [[أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 23، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني بالنور: القرآن) اهـ. وأخرج بسند ضعيف عنه قال: (يقول: الهدى). وقال السيوطي في "الدر" 3/ 81: (أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: (يعني بالنور: القرآن) اهـ.]]، وقال مجاهد: (يعني: الهدى) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 23، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 81، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 223، قال: (يعني: الإيمان) اهـ.]]، وقال الكلبي: (إيمانًا ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ مع المسلمين) [[لم أقف عليه، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 353.]]، وقال ابن زيد: (يعني: الإِسلام) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 23، بسند جيد.]]، وهذا الأقوال سواء [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 172، وابن كثير 2/ 192.]]، قال أصحاب المعاني الزجاج [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 288.]] وأبو علي [["الحجة" لأبي علي 3/ 399.]]: (المؤمن مستضيء في الناس بنور الحكمة والإيمان فيراد بالنور هاهنا: نور الحكمة التي يؤتاها المسلم بإسلامه)، وقال قتادة: (النور هاهنا كتاب الله بينة من الله مع المؤمن، بها يعمل، وبها يأخذ، وإليها ينتهي) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 23، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 81.]]، وهو قول الحسن قال: (هو القرآن) [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 163، وابن الجوزي 3/ 117.]]، قال أبو علي: (ويجوز أن يراد به النور المذكور في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: 12]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: 13]) [[الحجة لأبي علي 3/ 399.]]. وقوله: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال المفسرون: (يعني: الكافر [يكون] [[لفظ: (يكون) ساقط من (أ).]] في ظلمات الكفر والضلالة) [[ومنهم الطبري في "تفسيره" 8/ 23، وأخرجه من عدة طرق عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد.]]. ومعنى: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ كمن هو في الظلمات، والعرب [[انظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 2 - 3.]] تزيد مثل في الكلام، ولا يريدون به التشبيه، كقولهم: أنا أكرم مثلك. أي: أنا أكرمك، وعلى هذا يتوجه قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ [مِنَ النَّعَمِ]﴾ [[لفظ: (من النعم) ساقط من (أ).]] [المائدة: 95] فيمن أضاف [[يعني: على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر (فجزاءُ مِثْلِ ما قتل)، بضم (فجزاءُ) من غير تنوين مضافة وجر (مثل). انظر: "السبعة" ص 247، و"المبسوط" ص 163، 164، و"التذكرة" 2/ 390.]]؛ لأن معناه: فجزاء ما قتل، لا جزاء مثله. ومن هذا قل [[كذا في النسخ، والأولى: (ومثل هذا قل في قوله).]] في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] ليس كهو شيء [[انظر: "معاني الحروف" للرماني ص 48، 49، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 291.]]، والتقدير في الآية: أفمن جعلنا له نورًا [[في (أ): (نوران)، وهو تحريف.]] يمشي به كمن هو في الظلمات، والمِثْل والمَثل [[المثل بكسر الميم وسكون الثاء، والمثل بالفتح، واحد، بمعنى: التسوية، انظر: "اللسان" 7/ 4132 (مثل).]] واحد. ويجوز أن يكون المعنى: كمن مثله الذي هو شبه له في الظلمات، وإذا كان مثله في الظلمات كان هو أيضًا فيها، فأخبر عن مثله، أي: شبهه، والمراد به: الكافر لا شبيهه، وهذان القولان معنى ما ذكره أبو علي [[انظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 256 - 257، وهو نص كلامه مع زيادة شرح من الواحدي.]] في هذه الآية، وقال غيره من النحويين [[لم أقف عليه.]]: (معنى الآية: كمن في الظلمات، وزيد المثل لأنه يفيد أنه يُضرب به المثل في ذلك). وقال بعضهم: (التقدير كمن مثله مثل من في الظلمات، أي: كمن لو شبه بشيء كان شبيهه من في الظلمات) وهذا قول الحسين بن الفضل [[ذكر هذا القول الثعلبي في "الكشف" 183 ب بدون نسبة.]]، وهو أضعف هذه الأقوال. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. قال الكلبي: (ليس بمؤمنٍ أبدًا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 112، بدون نسبة، وقال مجاهد في "تفسيره" 1/ 223: ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ أي: الضلالة أبدًا).]]، واتفق المفسرون على أن هذه الآية نزلت في مؤمن وكافر، وأجمعوا على أن الكافر أبو جهل [[حكى الاتفاق أيضًا ابن عطية في "تفسيره" 5/ 237.]]. واختلفوا في المؤمن من هو؟ فقال ابن عباس: (يريد: حمزة بن عبد المطلب، وذلك أن أبا جهل رمى النبي ﷺ بفرث، وحمزة يومئذ لم يؤمن، فأخبره حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه، وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى [علا] [[لفظ (علا)، ساقط من أصل (أ)، وملحق بأعلى السطر.]]، أبا جهل بالفرس، وهو يتضرع إليه ويستكين، ويقول: أما ترى ما جاء به، سفه عقولنا، وسب آلهتنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]] وأن محمدًا رسوله، فأنزل الله هذه الآية) [[ذكره أكثرهم. انظر: الثعلبي ص 183 ب، و"أسباب النزول" للواحدي ص 224، والبغوي 3/ 184، وابن الجوزي 3/ 116، والرازي 13/ 172، والقرطبي 7/ 78، وذكر القصة دون ذكر الآية ابن هشام في "السيرة" 1/ 312، 376، والحاكم في "المستدرك" 3/ 192 - 193.]]. وقال مقاتل: (نزلت في النبي ﷺ وأبي جهل، وذلك أنه قال: زاحمنا بنو [[في (أ): (بني)، وهو تحريف.]] عبد [مناف] [[لفظ: (مناف)، ساقط من (ش).]] في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان [[كَفَرسي رهان: أي: يتسابقان إلى غاية. وفرس بالفتح: واحد الخيل. ورهان بالكسر: المسابقة على الخيل. انظر: "النهاية" لابن الأثير 3/ 428 - 429، و"اللسان" 6/ 3378 (فرس)، 3/ 1758 (رهن).]] قالوا. منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدًا، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ الآية [الأنعام: 124]) [["تفسير مقاتل" 1/ 587.]]. قال الزجاج: (على هذا القول فالنبي ﷺ هُدى، وأعطي نور الإسلام و [النبوة] [[لفظ: (النبوة) ساقط من (أ).]] والحكمة، وأبو جهل في ظلمات الكفر) [["معاني الزجاج" 2/ 288.]]. وقال عكرمة [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 22 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 81، وحكاه ابن الجوزي 3/ 116 عن ابن عباس.]] والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 56، وذكره السمرقندي 1/ 511، والثعلبي ص 183/ ب ، والماوردي 2/ 164، والبغوي 3/ 185، عن الكلبي.]]: (نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل). وقال الضحاك [[أخرجه الطبري 8/ 22 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 81.]]، ويمان: نزلت في عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأبي جهل) [[لم أقف عليه عن يمان وحكاه النحاس في "معانيه" 2/ 483، عن السدي، والماوردي 2/ 163 عن مقاتل، والواحدي في "الوسيط" 1/ 112، عن زيد بن أسلم، والسيوطي في "الدر" 3/ 81 عن ابن عباس.]]. وقال الحسن [[ذكره الماوردي 2/ 163، والواحدي في "الوسيط" 1/ 112، وابن الجوزي 3/ 116.]]: (الآية عامة [في كل مؤمن وكافر، ولم تنزل في مؤمن وكافر مخصوصين)، وهو قول الزجاج: (يجوز أن تكون هذه الآية [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]] عامة] لكل من هداه الله، ولكل من أضله، فاعلم أن مثل المهتدي مثل الميت الذي أُحيي، وجُعل مستضيئًا في الناس بنور الحكمة والإيمان، ومثل الكافر مثل من هو في الظلمات الذي لا يتخلص منها) [["معاني الزجاج" 2/ 288، وهذا القول هو الراجح، فالآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر، وهو اختيار القرطبي في "تفسيره" 7/ 78، وابن كثير 2/ 192، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 483: (الذي يوجب المعنى أن يكون عامًّا إلا أن تصح فيه رواية). اهـ. وقال الرازي في "تفسيره" 13/ 173: (الحق أن الآية عامة؛ لأن المعنى إذا كان حاصلًا في الكل كان التخصيص محض تحكم، إلا إذا قيل: إن النبي ﷺ قال: "إن مراد الله تعالى من هذه الآية العامة فلان بعينه". اهـ ملخصًا.]]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: زين الشيطان لهم عبادة الأصنام) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 113، والبغوي في "تفسيره" 3/ 185.]]. وأما وجه التشبيه في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ فالمعنى: زين لهم الكفر فعملوه كما زين لأولئك الإيمان، فشبهت حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 24، والسمرقندي 1/ 511، وابن عطية 5/ 237.]]. وقال أبو إسحاق: (موضع الكاف رفع، المعنى: مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 134، وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 288، عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ (موضع الكاف نصب معطوفة على ما قبلها == وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ المعنى: مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم وكذلك جعلنا) اهـ. وقال الهمداني في "الفريد" 2/ 223: (الكاف يحتمل أن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فعلنا لهذه الأشياء المتقدم ذكرها، وهي إحياء الميت وجعل النور له، وذكرنا لمن مثله في الظلمات مثل تزييننا للكافرين عملهم، أو في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فعلنا هذه الأشياء فعلًا مثل فعلنا للتزيين) اهـ.]].

الأنعام 6:123

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ الآية، ﴿وَكَذَلِكَ﴾ عطف على ﴿كَذَلِكَ﴾ في الآية الآولى، أي: ومثل ذلك جعلنا في كل قرية، أي: كما زينا للكافرين أعمالهم كذلك [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 288، و"تفسير الطبري" 8/ 24.]] جعلنا. قال المفسرون [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 511، و"الثعلبى" 183 ب.]]: (يعني: كما إن فساق مكة أكابرها، كذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها). قال ابن عباس: (أكابر مجرمي مكة المستهزئون المقتسمون عقاب [[عقاب، بكسر العين: مرقى صعب من الجبال، وكل طريق بعضه خلف بعض، وعقب كل شيء: آخره. انظر: "اللسان" 5/ 3029 (عقب).]] مكة) [["تنوير المقباس" 2/ 57، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 113.]]. قال الزجاج: (إنما جعل الأكابر المجرمين؛ لأنهم بما هم فيه من الرئاسة والسعة أدعى لهم المكر والكفر، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: 27]) [["معاني الزجاج" 2/ 288، وزاد أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: 33] وانظر: "معاني النحاس" 2/ 484.]]. والأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 287، و"الطبري" 8/ 24، و"الدر المصون" 5/ 136.]]. والآية على التقديم والتأخير، تقديره: جعلنا مجرميها أكابر، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة؛ [لأنه] [[لفظ: (لأنه) ساقط من (ش).]] لا يتم المعنى، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل؛ لأنك إذا قلت: جعلت زيدًا، وتسكت لم يُفد الكلام حتى تقول: رئيسًا أو ذليلاً، أو ما أشبه ذلك، لاقتضاء الجعل مفعولين، ولأنك إذا أضفت الأكابر فقد أضفت النعت إلى المنعوت، وذلك لا يجوز عند البصريين [[ذكر نص كلام الواحدي الرازي في "تفسيره" 13/ 1740 بدون نسبة، وقال مكي في "المشكل" 1/ 268، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 338، (مجرميها) مفعول أول لجعلنا، (أكابر) مفعول ثانٍ مقدم. اهـ. وقال السنن في "الدر" 5/ 134 - 136: (جعل تصيير به، فتتعدى لاثنين، واختلف في تقديرهما، والصحيح أن يكون (في كل قرية) مفعولا ثانيًا قدم على الأول، والأول (أكابر) مضافًا لمجرميها ..) اهـ. ثم ذكر قول الواحدي، وقال: (هذان الوجهان اللذان رد بهما الواحدي ليسا بشيء، أما الأول فلا نسلم أنا نضمر المفعول الثاني، وأنه يصير الكلام غير مفيد، وأما ما أورده من الأمثلة فليس مطابقًا لأنا نقول: إن المفعول الثاني مذكور مصرح به، وهو الجار والمجرور السابق، وأما الثاني فلا نسلم أنه من باب إضافة الصفة لموصوفها؛ لأن المجرمين أكابر وأصاغر فأضاف للبيان لا لقصد الوصف، وانظر: "غرائب التفسير" 1/ 383، و"التبيان" 357، و"الفريد" 2/ 224.]]. وقوله تعالى: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾. قال مجاهد: (هو أنهم أجلسوا على كل طريق أربعة، واقتسموا عقاب مكة، فذلك مكرهم) [[الواحدي في "الوسيط" 1/ 113، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 118، والقرطبي 7/ 79، وذكره البغوي 3/ 185 بدون نسبة.]]، ومعنى قوله: جعلناهم [[هكذا العبارة في النسخ، وهي لا تستقيم، ولعل فيه سقطًا، أو الصواب: ومعنى (ليمكروا) جعلناهم ليمكروا، وفيه بيان أنهم لم يمكروا.]] ﴿لِيَمْكُرُوا﴾ بيان أنهم لم يمكروا مُعاداة لله، بل جعلهم أكابر ليمكروا تكذيبًا للقدرية في مسألة التعديل والتجوير [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 174.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ما يحيق هذا المكر إلا بهم؛ لأنهم بمكرهم يعذبون) [[لم أقف عليه، وهو نص كلام الزجاج في معانيه 2/ 288.]]، كأنه قيل: ما يضرون بذلك المكر إلا أنفسهم؛ لأن وبال مكرهم يعود عليهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم يمكرون بها [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 24، و"معاني النحاس" 2/ 484، و"تفسير السمرقندي" 1/ 511.]]، قال ابن عباس: (لأنهم يقتلون ويصيرون إلى العذاب) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 113.]].

الأنعام 6:124

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ الآية، قد ذكرنا قول مقاتل في سبب نزول هذه الآية، وقال غيره من المفسرين: (إن الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة حقًّا، لكنت أولى بها منك؛ لأني أكبر منك سنًا وأكثر منك مالاً، فأنزل الله هذه الآية) [[ذكره أكثرهم. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 588، والسمرقندي 1/ 511 ، والثعلبى 183 ب، والبغوي 3/ 185، والرازي 13/ 175، والقرطبي 7/ 80.]]، وقال الضحاك: (سئل كل واحد من القوم أن يخص بالوحي والرسالة كما أخبر الله عنهم في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: 52] [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 113 ، وابن الجوزي في "تفسيره" 13/ 175.= والرازي 13/ 143.]]، وظاهر الآية يدل على هذا؛ لأن الكناية في قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ﴾ تعود على الأكابر [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 288 - 289، و"تفسير الرازي" 13/ 175.]] الذين جرى ذكرهم، فعلى هذا أراد القوم أن تكون لهم النبوة والرسالة كما كانت لمحمد عليه السلام. وقال ابن عباس: (﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ يريد: من علم الغيب الذي أطلع الله نبيه عليه مما يخبرهم به ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ لن نصدق ﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يريد: حتى يوحي إلينا ويأتينا جبريل فنصدق) [["تنوير المقباس" 2/ 58، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 114، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 118، والرازي 13/ 175، والخازن 2/ 180.]]، وعلى هذا: القوم لم يريدوا النبوة وإنما طلبوا أن تخبرهم الملائكة بصدق محمد كما قالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: 92]، وكما قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 8]. والأول أقوى [[وهو اختيار القرطبي في "تفسيره" 7/ 80، وقال الرازي في "تفسيره" 13/ 176: (القول الأول هو المشهور، وقال المحققون: هو أقوى وأولى) اهـ. ملخصًا.]] لقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ يعني: أنهم ليسوا لها بأهل، وعلى قول ابن عباس يتوجه هذا على أن [[لفظ: (أن) ساقط من (أ).]] من أرسل إليه الملك وكلمه عيانًا حصلت له منزلة الرسل ومرتبة الأنبياء، وليسوا هم لهذا بأهل. ومعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ هو أعلم بمن يختص بالرسالة، قال أبو علي: (لا يجوز أن يكون العامل في ﴿حَيْثُ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ هذه الظاهرة، ولا يجوز أن يكون ﴿حَيْثُ﴾ ظرفًا؛ لأنه يصير التقدير: الله أعلم في هذا الموضع، ولا يوصف الله سبحانه بأنه أعلم في مواضع أو أوقات؛ لأنه علمه لا يختلف بالزمان والمكان، فإذا كان كذلك كان العامل في ﴿حَيْثُ﴾ فعلًا يدل عليه ﴿أَعْلَمُ﴾ و ﴿حَيْثُ﴾ لا يكون ظرفاً بل يكون اسمًا، ويكون انتصابه انتصاب المفعول به [على الاتساع، ومثل ذلك في انتصاب ﴿حَيْثُ﴾ على المفعول به] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]] قول الشماخ: وَحَلأها [[في النسخ: (وجلاهما)، وهو خلاف ما في المراجع الآتية.]] عَنْ ذي الأَراكَةِ عَامِرٌ ... أَخو الخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّواحِزُ [["ديوانه" ص 65، و"المعاني الكبير" 2/ 783، و"جمهرة أشعار العرب" 2/ 828، و"البحر" 4/ 216، و"الدر المصون" 5/ 137. وحلأها، أي: منع الحُمر من الماء. انظر: "اللسان" 2/ 382 (حلا). وذو الأراكة: اسم مكان، وهو نخل وماء باليمامة. انظر: "معجم البلدان" 1/ 135. وعامر أخو الخضر، اسم وكنية لرام من أمهر الرماة وقانص مشهور يقال له: الرامي. والخضر: بضم الخاء وسكون الضاد هم ولد مالك بن مطرف المحاربي، سموا بذلك لشدة سمرتهم. انظر: "الإصابة" 2/ 261. والنواحز: الإبل المصابة بالنحاز، وهو داء من عوارضه سعال شديد، وعلاجه الكي في الرقاب والأجناب. انظر: "اللسان" 7/ 4366 (نحز).]] فحيث مفعول به؛ لأنه ليس يريد: أنه يرمي شيئًا حيث [[في (أ): (حيث يكون تكوى)، وهو تحريف.]] تكوى النواحز: إنما يريد: أنه يرمي ذلك الموضع، فحيث تكوى النواحز مفعول به) [[انظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 35، 3/ 244، و"كتاب الشعر" 1/ 178، و"التبيان" 357، و"الفريد" 2/ 225، و"الدر المصون" 5/ 137.]]. وقال الحكماء: (الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل مبعثهم مطاعين في قومهم؛ لأن الطعن كان يتسع عليهم، فيقال: إنما كانوا أكابر رؤساء فاتبعوا، فكان الله تعالى أعلم حيث جعل الرسالة ليتيم أبي طالب دون أبي جهل والوليد بن المغيرة، وأكابر مكة) [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 289، وحكاه الواحدي في "الوسيط" 1/ 114، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 118، و"الخازن" 2/ 180، عن أهل المعاني.]]. وقوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾، الصغار [[انظر: "الجمهرة" 2/ 739، و"البارع" ص 293، و"الصحاح" 2/ 713، و"المجمل" 2/ 534، و"المفردات" ص 485 (صغر).]] الذل الذي يصغر إلى المرء نفسه، قال الليث: (يقال من الصغر ضد الكبر: صَغُر [[صَغُر: بفتح الصاد، وضم الغين، يَصْغُر: بضم الغين. صِغَرًا: بكسر الصاد، وفتح العين. انظر: "العين" 4/ 372.]] يَصْغُر صِغَرًا، فهو صغير، وأما الصَّغار فهو مصدر الصغير في القَدْر، يقال منه: صَغِر [[صَغِر: بفتح الصاد وكسر الغين. يَصْغَر: بفتح الغَين. وصَغِر: بفتح الصاد وكسر الغين. يصغرُ: بضم الغين. صُغْرًا: بالفتح. وصغارًا: بالفتح.]] يَصْغَر وصَغِر يَصغُر صَغَرًا وصَغَارًا، فهو صاغِرٌ، ويقال أيضًا في المصدر: صَغَرًا [[يقال: صغر يصغر: بضم الغين. صغرًا: بضم الصاد وسكون الغين، ويقال: صَغر يصغَر: بفتح الغين. صِغْرًا: بكسر الصاد، وسكون الغين. ويقال: صَغُر: بضم الغين وفتحها، من الذل. انظر: "اللسان" 4/ 2453 (صغر)، و"الدر السمين" 5/ 140.]] وهو الذل، والصاغِرُ: الراضي بالذل، والصُّغرِ) [["تهذيب اللغة" 8/ 23 - 24، وفيه قال الليث: (يقال: صَغر يَصْغَر صَغَرًا وصَغَارًا، فهو صاغر، إذا رضي بالضيم وأقرَّ به. ويقال: من الصغر ضد الكبر. صَغُر يَصْغُر صِغَرًا، وأما الصَّغَار فهو مصدر الصغير في القدر) اهـ.]]. [قال أبو إسحاق] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] (أي: هم وإن كانوا أكابر في الدنيا فسيصبهم صغار عند الله، أي: مذلة و ﴿عِنْدَ﴾ متصلة بـ ﴿سَيُصِيبُ﴾، المعنى: سيصيبهم عند الله صغار، قال وجائز أن يكون ﴿عِنْدَ﴾ متصلة بصغار فيكون المعنى: سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله لهم) [["معاني الزجاج" 2/ 289.]]. قال أبو علي: (يحتمل أن يكون ﴿عِندَ﴾ متصلة بـ ﴿سَيُصِيبُ﴾ ومعمولًا له، كما قال [[قوله: (كما قال) يريد الزجاج، في تقديره السابق.]]، [كأنه] [[لفظ: (كأنه) ساقط من (ش).]] سيصيب عند الله الذين أجرموا صغار، ويجوز أن يكون ﴿عِندَ﴾ معمولًا لصغار، والعامل فيه صغار نفسه؛ لأنه مصدر فلا يحتاج إلى تقدير محذوف في الكلام كما قدّره أبو إسحاق في قوله: صغار ثابت عند الله، لكن نفس المصدر يتناوله ويعمل فيه، والدليل على أن الصغار مصدر قوله: وإذا تكُونُ [[في (ش): (يكون).]] شَديِدَة أُدْعَى لَها ... وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ هَذَا لَعَمْرِكُمْ الضغَارُ بَعَيْنِهِ ... لا أُمَّ لي إِنْ كَانَ ذاكَ ولا أبُ [[البيتان مختلف في نسبتهما وهما في: "اللسان" 2/ 1069. (حيس) لهنى بن أحمر الكناني أو لزرافة الباهلي أو لغيرهما كما في "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 921، وهما بلا نسبة في "معاني الفراء" 1/ 121 - 122، والأول في "الأضداد" لابن الأنباري ص 120. والشاهد في: البيت الأخير وهو: لرجل من بني مذحج في "الكتاب" 2/ 291 - 292، و"الأصول" 1/ 386، ولهنى الكناني في "الكتاب" 1/ 319، وبلا نسبة في: "معاني الأخفش" 1/ 25، و"المقتضب" 4/ 371، و"الجمل" للزجاجي ص 239، و"الحجة" لأبي علي 1/ 190، و"معاني الحروف" للرماني ص 82، و"اللمع" ص 99، و"رصف المباني" ص 338، و"المغني" 2/ 593. والحَيْسُ، بفتح الحاء وسكون الياء: الأقط يخلط بالتمر والسمن.]] والتقدير فيه إذا كان مصدرًا: أن يصغروا عند الله، وعلى هذا التأويل لا وجه لتقدير ثابت في الكلام؛ لأن الفعل [[في (أ): (لأن الفعل يعمل نفسه يعمل فيه)، وهو تحريف.]] نفسه يعمل فيه، ألا ترى أنك لو قلت: ضرب زيد خلفك عمرًا [[في (أ): (عمروًا).]] حسن لكان المصدر يعمل في خلفك، ويعمل في عمرو وينتصب به، وكذلك صغار، والمعنى: صغارهم، ولم يضف المصدر إليهم؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، كما حُذف المضاف إليه في قوله: ﴿دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49] و ﴿بِسُؤَالِ [[في النسخ: (وسؤال)، وهو تحريف.]] نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24] هذا إذا جعلت صغارًا مصدرًا، فإن قدرته موصوفًا لم يكن ﴿عِندَ﴾ معمولًا لصغارِ ولكن يكون متعلقَّا بمحذوف، ولابد على هذا من تقدير ثابت ونحوه مما يكون صفة ثم حذف وأقيم الظرف مقامه للدلالة عليه، وهذا كقولك وأنت تريد الصفة: هذا رجل خلفك، فالمعنى: رجل ثابت أو مستقر خلفك، وكلا الوجهين جائز، ولا يجوز على واحد منهما تقديم ﴿عِندَ﴾ على ﴿صَغَارٌ﴾ كما جاز تقدير تقديمه إذا كان معمولًا لسيصيب، إلا أن الوجه الأول من هذين الوجهين أعجب إليّ، وإن كان الثاني حسنًا؛ لأن صغارًا مصدر، والمصادر تعمل أعمال الفعل وتقوم مقامه، فإذا أعملت عمل الفعل وقامت مقامه، لم يحسن وصفه كما لا يحسن وصف الفعل) [["الإغفال" ص 965 - 698، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 353، و"معاني النحاس" 2/ 484، و"الفريد" 2/ 225، و"الدر المصون" 5/ 140.]].

الأنعام 6:125

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ الآية، قال الليث: (يقال: شرح الله صدره فانشرح، أي: وسع [[في (ش): (أي: وسع الله).]] صدره لقبول الخير فتوسع) [["تهذيب اللغة" 2/ 1851.]]. وقال غيره: (شرح فلان أمره إذا أوضحه وأظهره، وشرح مسألةً إذا كانت مشكلةً فبيّنها) [[هذا في "تهذيب اللغة" 2/ 1851، كأنه من قول الليث.]]. وقال أبو العباس عن ابن الأعرابي: (الشرح: الفتح، والشرح: البيان) [["تهذيب اللغة" 2/ 1851. وفيه أيضًا: (الشرح الحفظ والفهم). اهـ.]]، فقد ثبت للشرح [[انظر: "العين" 3/ 93، و"الجمهرة" 1/ 513، و"الصحاح" 1/ 378، و"المجمل" 2/ 528، و"المفردات" ص 449، و"اللسان" 4/ 2228 (شرح).]] معنيان: أحدهما: الفتح، ومنه يقال: شرح الكافر بالكفر صدرًا. أي: فتحه لقبوله، ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: 106]. وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: 22] أي: فتحه ووسعه له، ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)﴾ [الشرح: 1]. قال الكلبي: (﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ قلبه ويلينه ليقبل الإسلام) [["تنوير المقباس" 2/ 58.]]. والذي يدل على أن الشرح معناه: الفتح والتوسيع، وصف الكافر بضده من تضييق قلبه، وهو قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:125]. قال المفسرون: (ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله ﷺ فقيل له: كيف يشرح صدره؟ فقال: "بنور يقذف فيه حتى ينفسح وينشرح"، فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ فقال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت" [[أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ص 106، ووكيع 1/ 238، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 217، وابن أبي شيبة في "المصنف" 7/ 98 (34303)، وابن قتيبة في "عيون الأخبار" 2/ 328، والطبري 8/ 26، وابن أبي حاتم 4/ 1384 وأبو الشيخ في "طبقات أصبهان" 1/ 452، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 512، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 398، من طرق معلولة بالإرسال أو الضعف، وأصله مرسل يروى عن عبد الله بن المسور الهاشمي المدائني ضعيف متهم بالوضع. انظر: "العلل المتناهية" لابن الجوزي 2/ 318، و"شرح علل الترمذي" لابن رجب 2/ 772، و"لسان الميزان" 3/ 360. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 83، وزاد نسبته إلى (سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن المسور). وذكر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 195، عدة طرق للحديث ثم قال: (هذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضاً، والله أعلم). اهـ.]]. روي [[لفظ: (روى) ساقط من (ش).]] ذاك عن ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1384 بسند ضعيف.]] ثم قال: (وكذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ) [[هذه الزيادة لم أقف عليها.]]. ويروي أن ابن مسعود [[أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 7/ 98 (34303)، والطبري 8/ 26، والحاكم 4/ 311، وسكت عنه، وقال الذهبي في "التلخيص": (فيه عدي بن الفضل ساقط)، وقال ابن كثير 2/ 195: (أخرجه ابن أبي حاتم)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 83، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في "الشعب" من طرق عن ابن مسعود.]] كان السائل. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. وقرأ ابن كثير [[قرأ ابن كثير (ضيقا) بسكون الياء المخففة، وقرأ الباقون بكسر الياء المشددة. انظر: "السبعة" ص 268، و"المبسوط" ص 174، و"التذكرة" 2/ 410، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.]]: (ضيقًا) ساكنة الياء، وهو من باب المَيِّت والمَيْت في أن المخفف مثل المشدد في المعنى. قال أبو علي: (والياء مثل الواو في الحذف، وإن لم تعتل بالقلب كما اعتلت الواو به اتبعت الياء الواو في هذا، كما اتبعت في قولهم: اتَّسَر من الميسر فجعلت بمنزلة اتَّعدَ) [["الحجة" لأبي علي 3/ 400، وزاد: (الضَّيْق والضَّيِّق مثل المَيْت والمَيِّت في أن المحذوف مثل المُتمِّ في المعنى) اهـ وانظر: "معاني القراءات" 1/ 384، و"الحجة" لابن خالويه ص 149، ولابن زنجله ص 271، و"الكشف" 1/ 450.]]. وقال أبو بكر بن الأنباري: (الذي يثقل الياء يقول: وزنه من الفعل فَعِيل، والأصل فيه ضييق على مثال: كريم ونبيل، فجعلوا الياء الأولى ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها من حيث أعلوها في ضاق يضيق، ثم أسقطوا الألف لسكونها وسكون ياء فعيل، فأشفقوا من أن يلتبس فعيل بفعْل فزادوا ياء على الياء ليكمل بها بناء الحرف ويقع بها فرق ما بين فَعِيل وفَعْل، والذين خففوا الياء قالوا: قد وضح أصل الحرف وعرف التشديد فخفف عند الثقة بأنه لا يلتبس بغيره. قال: وقال البصريون: وزنه من الفِعل فَيْعِل فأدغمت [[جاء في الأصول: (فاندغمت)، وهو تحريف.]] الياء في الياء التي بعدها فوجب التشديد، ثم جاز التخفيف بعد، قال: وردّ الفراء وأصحابه هذا، وقالوا: لا يعرف في كلام العرب اسم على مثال فَيْعِل، إنما المعروف في كلامهم فَيْعَل [[أي: بفتح العين. والتي قبلها بكسرها. انظر: "الدر المصون" 5/ 142.]] نحو صيقل وهيكل، فمتى ادعى مدع في اسم معتلٍّ ما لا يعرف في السالم كانت دعواه مردودة غير مقبولةٍ) [["الدر المصون" 5/ 141 - 142. وانظر: "الإنصاف" 2/ 795. وقال السمين: (وزن ضيِّق فَيْعِل كميت وسيد عند جمهور النحويين، ثم أدغم ويجوز تخفيفه) اهـ. وانظر: "معجم مفردات الإبدال والإعلال" للخراط ص 169.]]، والحرج: الشديد الضيق، في قول جميع [[انظر: "الجمهرة" 1/ 436، و"الصحاح" 1/ 305، و"المجمل" 1/ 230، و"مقاييس اللغة" 2/ 50، و"المفردات" ص 226 (حرج).]] أهل اللغة، ورجل حَرَج [[(حرج) بفتح الحاء والراء، وكسر الراء.]] وحَرِج: ضيق الصدر، وقال: لا حَرِجُ الصدرِ ولا عنيفُ [[هذا رجز لم أهتد إلى تمامه وقائله. وهو في "العين" 3/ 76، و"تهذيب اللغة" 1/ 775، و"اللسان" 2/ 821 (حرج)، و"الدر المصون" 5/ 142.]] وقد حَرِج [[جاء في (أ): (وقد أحرج صدره)، ولعله تحريف، وأصل العبارة من "تهذيب اللغة" 1/ 775 (حرج).]] صدره أي: ضاق فلا ينشرح لخيرٍ، وقرئ [[قرأ نافع، وعاصم في رواية: (حرجًا) بكسر الراء، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: "السبعة" ص 268، و"المبسوط" ص 175، و"الغاية" ص 249، و"التذكرة" 2/ 410، و "التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.]] (حرجًا) بكسر الراء وفتحها [[في (أ): (وفتحه).]]. قال الفراء: (وهو في كسره ونصبه بمنزلة الوَحَد والوَحِد والفرد والفَرِد والدَنَف [[الدنف: بتشديد الدال المفتوحة، وفتح النون وكسرها، المرض. انظر: "اللسان" 3/ 1432 (دنف).]] والدّنِف) [["معاني الفراء" 1/ 353 - 354، ومثله ذكر الطبري في "تفسيره" 8/ 29، وانظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 580، و"الزاهر" ص 236.]]. وقال الزجاج: (الحرجُ في اللغة: أضيق الضيق، ومعناه: أنه ضيق جدًّا، فمن قال: رجل حَرَج الصدر، فمعناه: ذو حرج في صدره، ومش قال: حَرِج جعله فاعلاً، وكذلك رجل دنَف: ذو دَنَف، ودَنِفٌ نعت) [["تهذيب اللغة" 2/ 1234، وفي "معاني الزجاج" 2/ 290، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 579، نحوه، وقال السمين في "الدر" 5/ 142: (فرق الزجاج والفارسي بينهما فقالا: المفتوح مصدر، والمكسور اسم فاعل) اهـ.]]، ونحو هذا قال أبو علي في القراءتين، قال: (من [[قَمِنٌ بمعنى: حَرِيّ، يقال: هو قمن أن يفعل ذلك بفتح الميم أي: حَرِيٌّ وجدير، فمن قال بالفتح أراد المصدر، ومن قال بالكسر أراد النعت. انظر. "اللسان" 6/ 3745 (قمن).]] فتح الراء كان وصفًا بالمصدر، مثل: قَمَنٍ وحَرًى ودَنَفٍ، ونحو ذلك من المصادر التي يوصف [[في (أ): (توصف).]] بها ، ولا يكون كبطل؛ لأن اسم الفاعل في الأمر العام من فَعِل إنما يجيء على فَعِلٍ، ومن قرأ (حَرِجًا) فهو مثل دنِفٍ وفَرِقٍ) [["الحجة" لأبي علي 3/ 401، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 384، و"إعراب القراءات" 1/ 169، و"الحجة" لابن خالويه ص 149، ولابن زنجلة ص 271، و"الكشف" 1/ 450، والفرق، بالتحريك: الخوف، ورجل فرق، أي: فزع شديد الفَرَق. انظر: "اللسان" 6/ 3401 (فرق)]]. وقال عبيد بن عمير [[عبيد بن عمير: مبهم، ولعله: عبيد بن عمير بن قتادة الليثي أبو عاصم المكي إمام واعظ مفسر مجمع على ثقته ولد في حياة النبي ﷺ وروى عن أبيه وعمر وعلي وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم، توفي سنة 74 هـ، أو قبلها. انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 156، و"غاية النهاية" 1/ 496، و"تهذيب التهذيب" 3/ 38، و"تقريب التهذيب" (4385).]]: (قرأ ابن عباس [[أخرج أبو عبيد في كتاب "اللغات" ص 98، وابن حسنون ص 24، والوزان 3/ ب بسند جيد عنه في الآية قال: (يعني: شاكًّا بلغة قريش).]] هذه الآية فقال: هل هاهنا أحد من بني بكر؟ قال رجل: نعم، قال: ما الحَرَجَة فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشجر المستمسك الذي لا طريق فيه، فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 183/ ب، والسمين في "الدر" 5/ 143، وذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 179 عن الواحدي.]]. وقال [[لفظ: (الواو) ساقط من (ش).]] أبو الصلت الثقفي [[أبو الصلت الثقفي: تابعي مقبول، روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وروى عنه عبد الله بن عامر اليمامي. انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري، و"الكنى" 9/ 44، و"الجرح والتعديل" 9/ 394، و"تهذيب التهذيب" 4/ 540.]]: (قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية فقال: ابغوني رجلاً من كنانة، واجعلوه راعيًا؟ فأتوه به، فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تحدق بها الأشجار فلا تصل إليها راعية ولا وحشية، فقال عمر: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 28، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 486، ومكي في "الكشف" 1/ 450، والثعلبي في "الكشف" 183/ ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 186، وذكره الرازي 13/ 183 عن الواحدي، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 84، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ).]]. وقال علماء اللغة [[انظر: "الاشتقاق" ص 419، و"الدر المصون" 5/ 143، ومراجع اللغة السابقة في معنى حرج.]]: (الأصل في الحرَج من الحرَجة: وهي شجرة تحف بها الأشجار حتى يمنع الراعي من أن يصل إليها، وجمع الحَرجة: حِرَجٌ، وجمع الحِرَجِ: حِرَاجٌ) [[قال السمين في "الدر" 5/ 143، (الحِراج: بكسر الحاء، جمع حِرْج: بكسر الحاء، وحرج: جمع حَرَجَة، بالفتح) اهـ.]]. وقال العجاج: عَايَنَ حَيًّا كالحِرَاجِ نَعَمُهُ [[الشاهد للعجاج في "ديوانه" 2/ 142، و"أمالي القالي" 1/ 66، و "تهذيب اللغة" 1/ 775، و"المجمل" 1/ 230، و"اللسان" 2/ 822 (حرج)، و"الدر المصون" 5/ 143، وصدره: حَتَّى إذا اللَّيْلُ تَجلَّتْ ظُلَمُة وهو لرؤبة في "ديوانه" ص 186، و"الصحاح" 1/ 306، وأوله: (فَصارَ إِذْ لَمْ يَبْقَ إلاَّ شِرْذِمُهْ). قال القالي في "شرحه": (يقول عايَنَ هذا الجيشُ الذي أتانا حَيًّا، ويعني بالحيِّ: قومه بني سَعْد، والنَّعَمُ: الإبل) اهـ. "شرح ديوان أبي تمام" للخطيب التبريزي 2/ 95، و"الخزانة" 7/ 250.]] حكاه ابن الأنباري [[انظر: "المذكر المؤنث" لابن الأنباري 1/ 258 - 261.]]. وقال أبو الهيثم: (الحِرَاجُ: غِياض من شجر السَّلَم ملتفة، واحدتها حَرَجَةٌ، والحَرَجَةُ من شدة التفافها لا يقدر أحد أن يدخل فيها أو ينفذ)، وأنشد بيت العجاج [["تهذيب اللغة" 1/ 775.]] ومعناه: عَايَنَ حَيًّا نعمة كالحراج لكثرتها وانضمام بعضها إلى بعض، وقال الليث: (أَخْرَجْتُ فلانًا صيرته إلى الحَرَج، وهو الضِّيق) [["تهذيب اللغة" 1/ 775.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ يريد: ضيقًا إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه ونفسه، وإذا ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 116، والبغوي في "تفسيره" 3/ 186، والخازن 2/ 181.]]. وقال أهل المعاني: (8) (لما كان القلب محلًّا للعلوم والاعتقادات، ووصف [[في (ش): (وصف).]] قلب الكافر بالضيق، وأنه على خلاف الشرح والانفساح، دلَّ أن الله تعالى صيره بحيث لا يعي علمًا ولا استدلالًا على توحيد الله والإيمان به؛ لأنه أضاف التضييق إلى نفسه فقال: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وهذا كما أن العرب إذا وصفت إنسانًا بالجبن قالت: لا قلب له، لما أريد به من المبالغة في وصفه بالجبن؛ لأن الشجاعة محلها القلب، فإذا لم يكن القلب الذي يكون محل الشجاعة لو كانت، فإن لا يكون الشجاعة أولى، وأنشد أبو زيد: لَقَدْ أَعْجَبْتُمُونِي مِنْ جُسُومِ ... وَأَسْلَحَةٍ وَلَكِنْ لا فُؤَادَا [["الشاهد" لبرج بن مسهر الطائي كما في "النوادر" لأبي زيد ص 78، ولعامر بن جوين الطائي في "الوحشيات"، و"الحماسة الصغرى" لأبي تمام ص 233.]] وأنشد أيضاً: وَلاَ وَقَّافَة والخَيْلُ تَرْدِي ... وَلَا خَال كَأنْبُوبِ اليَرَاعِ [[الشاهد لمرداس بن حصين الكلابي، شاعر جاهلي في "النوادر" لأبي زيد ص 5 - 6، وللطفيل بن عوف الغنوي، شاعر جاهلي في "الحماسة الصغرى"، و"الوحشيات" لأبي تمام ص 125. == واليَراع: القصب، ثم سمي به الجبان والضعيف. واليراع: أولاد بقر الوحش. والنعامة، وطائر صغير، ويقال لمزمار الراعي: يَراعة. انظر: "اللسان" 8/ 4955 (يرع).]] وقال حسان: أَلَا أَبْلِغ أَبَا سُفْيانَ عَنّي ... فَأَنتَ مُجَوَّفٌ نَخِب هَوَاءٌ [["ديوانه" ص 20. والمجوف والنخب والهواء: الجبان لا قلب له.]] فلما وصف الجبان بأنه لا قلب له وأنه مجوف هواء؛ لأنه إذا كان كذلك بعد من الشجاعة لعدمه القلب، كذلك وصف الكافر بأنه ضيق صدره على معنى: أنه غير مشروح للإيمان) [[لم أقف على من ذكر هذا فيما لدي من مراجع. وانظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 403.]]. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: يتصعد [[لفظ: (أي: يتصعد) ساقط من (أ).]] فأدغمت التاء في الصاد، ومعنى يتصعد: يتكلف ما يثقل عليه، وقرأ [[قرأ عاصم في رواية: (يَصَّاعَد) بتشديد الصاد وألف بعدها وتخفيف العين. وقرأ ابن كثير: (يصعد) بإسكان الصاد، وتخفيف العين من غير ألف. وقرأ الباقون بتشديد الصاد والعين من غير ألف. انظر: "السبعة" ص 268، و"المبسوط" ص 175، و"الغاية" ص 249، و"التذكرة" 2/ 410، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.]] أبو بكر [[أبو بكر بن عياش أحد الرواة عن عاصم، تقدمت ترجمته.]] (يَصَّاعَد) وهو مثل يتصعد في المعنى، وقرأ ابن كثير (يصْعد) من الصعود [[انظر: "إعراب القراءات" 1/ 169، و"الحجة" لابن خالويه ص 149، ولابن زنجلة ص 271.]] والمعنى: أنه في نفوره عن الإِسلام وثقله عليه بمنزلة من تكلف [[في (أ): (يكلف) بالياء، وأصل النص من "الحجة" لأبي علي 3/ 402]] ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يستطاع، كذا قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 30، والسمرقندي 1/ 512، و"الكشف" لمكي 1/ 451.]] وأهل المعاني [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 354، و"معاني النحاس" 2/ 487، و"معاني القراءات" 1/ 385.]]. قال مجاهد [[في (أ): (قال المجاهد)، وهو تحريف.]]: (﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ من شدة ذلك عليه) [[ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 84، وقال: (أخرجه أبو الشيخ عن مجاهد). اهـ.]]، وقال عطاء [[عطاء هو: عطاء بن أبي مسلم الخراساني أبو عثمان، واسم أبيه ميسرة، إمام محدث مفسر واعظ عابد مجاهد، صدوق، يهم ويدلس. توفي سنة 135 هـ، وقد أفاد الحافظ في مقدمة "فتح الباري" ص 375 - 376، إن الرواية إذا جاءت عن ابن جريج، عن عطاء في سورة البقرة وآل عمران، فالمراد به عطاء بن أبي رباح، وإذا جاء في غير ذلك فالمراد عطاء الخراساني. وابن جريج لم يسمع من عطاء الخراساني وإنما أخذ التفسير من ابنه عثمان بن عطاء. وانظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 379، و"الجرح والتعديل" 6/ 334، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 140، و"تهذيب التهذيب" 3/ 108، و"تقريب التقريب" ص 392 (4600).]]: (مثله كمثل الذي لا يستطيع الرقي إلى السماء) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 218، الطبري 8/ 30، وابن أبي حاتم 4/ 1386 بسند جيد. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 84.]]. وقال أبو بكر: (إذا كان ممن [[لفظ: (ممن) كذا جاء، ولعل الصواب: (من).]] أضله الله عز وجل أبغض الحق وعانده حتى يضيق منه صدره فكأنه يكلف بالشيء منه صعودًا إلى السماء يجد من ثقل ذلك عليه مثل ما يجد من الصعود إلى السماء) [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو إسحاق: (كأنه قد كلف بأن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإِسلام من ضيق صدره عنه، قال: ويجوز أن يكون كأنَّ قلبه يصاعد في السماء نبوًا [[في (ش): (تبرأ).]] عن الإسلام والحكمة) [["معاني الزجاج" 2/ 290.]]. وعلى هذا إنما شُبّه بالذي ﴿يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ لبعده عن الإسلام ونفور قلبه، كما جرت العادة أن يقال لمن تباعد عن أمر ولم يلن له: فلان يَنْزُو [[ينزو: أي ينزع. وأصل النَزْو: الوثب. انظر: "اللسان" 7/ 4402 (نزا).]] في اللوح ويذهب في السماء من هذا الأمر، وقال أبو علي: (من قرأ (يصَّاعد) و (يصَّعَّد) فهو من المشقة وصعوبة الشيء، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: 17]، ومن ذلك قول عمر - رضي الله عنه - [[في (أ): (رحمه الله).]]: "ما تصعَّدني شيء كما تصَعَّدنِي خِطْبةُ النكاح" [[ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 103، والطبري في "تفسيره" 8/ 31، والنحاس في "معانيه" 2/ 487، والأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 2014، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 345، وابن الجوزي 3/ 121، وابن الأثير في "النهاية" 3/ 30.]]، أي: ما شق عليّ مشقتها، وكأن ذلك لما يتكلفه الخطيب من مدحه وإطرائه لِلْمُمْلِكَ، فربما لم يكن كذلك، فيحتاج إلى تطلب المَخْلَص، فلذلك يشق، ومن ذلك قول الشاعر [[الشاهد للأعلم الهذلي حبيب بن عبد الله الهذلي. في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 323، و"تهذيب اللغة" 2/ 2015، وبدون نسبة في "عيون الأخبار" 1/ 226، و"جمهرة اللغة" 2/ 654، و"اللسان" 4/ 2446 (صعد).]]: وإنَّ سِيَادةَ الأَقْوَامِ فاعْلَمْ ... لَها صعَدَاءُ مَطلبُها شديدُ [[جاء في المراجع السابقة: لَهَا صُعَداءُ مَطْلعُهَا طَوِيلُ وفي بعضها: (وإن سياسة) بدل: (وإن سيادة).]] فكأن معنى (يصعد): يتكلف مشقة في ارتقاء صُعُدًا ، ولا يكون السماء في هذا القول المظلة للأرض، ولكن المراد به الارتفاع والسمك، ويستعمل السماء في الارتفاع كما قال سيبويه: (القيدود: الطويل في غير سماء) [["الكتاب" 4/ 365. والقيدود: بفتح القاف وسكون الياء وضم الدال: الناقة الطويلة الظهر، وأصله من قاد يَقُود. انظر: "اللسان" 6/ 3544 (قدد).]]، يريد [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ش).]] في غير ارتفاع) [["الحجة" لأبي علي 3/ 403 - 405، ولقد أثبت العلم الحديث أن الصاعد يضيق تنفسه في الصعود كلما ارتفع لنقص الأوكسجين، وهذا هو الوصف الدقيق لمعنى الآية الكريمة، فإن قلب الكافر والمنافق يضيق وينفر حين يدعى إلى الإِسلام، أو يتأمل فيه كما يضيق صدر من يصعد نحو السماء. وانظر: "تفسير ابن عاشور" 8/ 60، وكلام الصابوني في "حاشية معاني النحاس" 2/ 487.]]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 125] قال بعض أصحاب المعاني: (وجه التشبيه في ﴿كَذَلِكَ﴾ أن جعله الرجس عليهم كجعله ضيق الصدر في قلوبهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 31، والسمرقندي 1/ 512، والرازي 13/ 184.]] وقال الزجاج: (أي: مثل ما قصصنا عليك ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 290، وذكر قول الزجاج السمين في "الدر" 5/ 146، وقال: (أي: فيكون مبتدأ أو خبرًا أو نعت مصدر محذوف، ذلك أن ترفع مثل وأن تنصبها بالاعتبارين عنده، والأحسن أن يقدر لها مصدر مناسب، كما قدره الناس وهو == مثل ذلك الجعل، أي: جعل الصدر ضيقًا حرجًا يجعل الله الرجس ..) اهـ. وانظر: "المشكل" 1/ 269.]]. قال ابن عباس: (هو الشيطان أي: نسلطه [[في (ش): (هو الشيطان يسلطه عليهم).]] عليهم) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 31 بسند جيد، وذكره الثعلبي في "الكشف" 184 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 117، وهذا القول هو اختيار الطبري.]]، وقال مجاهد: (الرجس ما لا خير فيه) [["تفسير مجاهد" 1/ 223. وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 31، وابن أبي حاتم 4/ 1386 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 84.]]، وقال عطاء [[ذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 182 عن ابن عباس، وذكره الواحدي في الوسيط 1/ 117، والبغوي في "تفسيره" 3/ 187، وابن الجوزي 3/ 121، والرازي 13/ 184 من قول عطاء.]] عن ابن عباس، وابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 31 بسند جيد، وهذا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 206.]]: (الرِّجْسُ: العذاب). وقال الزجاج: (الرِّجْسُ: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة) [["معاني الزجاج" 2/ 290، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 488: (الرِّجْس عند أهل اللغة هو النَّتْن، فمعنى الآية -والله أعلم-: ويجعل اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة على الذين لا يؤمنون). اهـ.]]. قال أصحابنا: (انقطع كلام أهل القدر عند هذه الآية وخرست ألسنتهم، فإنها قد صرحت بتعلق إرادة الله تعالى بالأمرين جميعًا الهداية والإضلال وتهيئته أسبابهما) [[ذكر نحو هذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 121، والرازي في "تفسيره" 13/ 185.]].

الأنعام 6:126

قوله تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾. قال ابن عباس: (يعني: التوحيد) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 118، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 121، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 32، بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (يعني: الإسلام).]]، وقال ابن مسعود: (يعني: القرآن) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 184 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 118، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 121.]]. وقال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك مستقيمًا) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 187، عن ابن عباس، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 118، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 122، من قول عطاء فقط، وجميع ما سبق معانٍ متقاربة، وقد أخرجها الطبري في "تفسيره" 1/ 71 - 75، وابن أبي حاتم 1/ 30، بأسانيد مختلفة عن هؤلاء الأئمة وغيرهم في "تفسير سورة الفاتحة".]]. وقال بعض أهل المعاني: (الإشارة وقع إلى البيان الذي جاء في القرآن) [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 8/ 32.]] وانتصب ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ على الحال والعامل فيه معنى (هذا) وذلك أن ذا [[في (ش): (وذلك إذ ذا)، وهو تحريف.]] يتضمن معنى الإشارة، كقولك: هذا زيد قائمًا، معناه: أشير إليه في حال قيامه، وإذا كان العامل في الحال معنى الفعل لا الفعل لم يجز تقديم الحال عليه، لا يجوز قائمًا هذا زيد [[لأنها حال مؤكدة، وصراط الله تعالى لا يكون إلا مستقيمًا، بخلاف الحال المنتقلة نحو: جاء زيد راكبًا، ونحو هذا زيد قائمًا فيجوز أن يفارق زيد الركوب أو القيام. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 579، و"المشكل" 1/ 270، و"غرائب التفسير" 1/ 384، و"البيان" 1/ 339 و"التبيان" 358، و"الفريد" 2/ 227، و"الدر == المصون" 5/ 147، وقد نقل هذا القول الرازي في "تفسيره" 13/ 187 - 188، عن الواحدي.]]، ويجوز ضاحكًا جاء زيد، ومعنى استقامة صراط الله أنه يؤدي بسالكه إلى دار الخلود في النعيم [[انظر: "تفسير الخازن" 2/ 182.]]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ قال عطاء: (يريد: أصحاب النبي ﷺ قبلوا مواعظ الله وانتهوا عما نهاهم الله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 118، والخازن في "تفسيره" 2/ 182.]].

الأنعام 6:127

قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ يعني: الجنة في قول جميع المفسرين [[حكاه الخازن في "تفسيره" 2/ 182، عن جميع المفسرين. وانظر: "تفسير المقاتل" 1/ 588، والطبري 8/ 32، والسمرقندي 1/ 513، والماوردي 2/ 167.]] قال الحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 167، والواحدي في "الوسيط" 1/ 118، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 122، والخازن 2/ 182 عن الحسن والسدي.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 32 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 84، وقال الثعلبي في "الكشف" 184 أ، والبغوي في "تفسيره" 3/ 187: (هذا قول أكثر المفسرين) اهـ.]]: (السلام هو الله تعالى، وداره الجنة)، ومعنى السلام في أسماء الله تعالى: ذو السلام، أي: السلامة من الآفات والنقائص [[انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص30 - 31، و"الزاهر" 1/ 64، و"تهذيب اللغة" 2/ 1742، و"الأسماء والصفات" ص 53، و"المقصد الأسنى" ص 67، و"شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص 187، وقال السعدي رحمه الله تعالى في "الحق الواضح المبين" ص 81: (السلام: السالم من مماثلة أحد من خلقه، ومن النقصان، ومن كل ما ينافي كماله) اهـ.]]، فعلى هذا أضيف الدار إلى السلام الذي هو اسم الله تعالى على وجه التعظيم، كما قيل للكعبة: بيت الله، وللخليفة: عبد الله. قال الزجاج: (ويجوز أن يكون الجنة سميت دار السلام؛ لأنها دار السلامة [الدائمة التي لا تنقطع) [["معاني الزجاج" 2/ 291، وذكر نحوه النحاس في "معانيه" 2/ 488.]]. وعلى هذا السلام جمع سلامة أو بمعنى السلامة [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]]. كما قيل: لذَاذ ولذَاذة ورضاع ورضاعة [[قال ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 6: (يرى أهل النظر من أصحاب اللغة أن السلام بمعنى السلامة، كما يقال: الرَّضاع والرضاعة واللَّذاذُ واللَّذاذة، فسمى نفسه جل ثناؤه: سلامًا؛ لسلامته مما يلحق الخلق من العيب والنقص والفناء والموت) اهـ. ومثله ذكر الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 215. وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 180 - 181: (في إضافتها إلى السلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها إضافة إلى مالكها السلام سبحانه. الثاني: أنها إضافة إلى تحية أهلها، فإن تحيتهم فيها سلام. الثالث: أنها إضافة إلى معنى السلامة، أي: دار السلامة من كل آفة ونقص وشر. والثلاثة متلازمة، وإن كان الثالث أظهرها، فإنه لو كانت الإضافة إلى مالكها لأضيفت إلى اسم من أسمائه غير السلام، ولم يعهد ذلك في القرآن، فالأولى حمل الإضافة على المعهود في القرآن، وإضافتها إلى معنى السلامة أولى؛ لأنه أكمل أوصافها المقصودة على الدوام التي لا يتم النعيم إلا به). اهـ. ملخصًا.]]، كأنه دار السلام التي لا يلقون في حلولها عنتًا ولا تعذيبًا، وسنذكر زيادة بيان في معنى السلام في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: 25] إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: مضمونة لهم عند ربهم حتى يوصلهم [[في (ش): (توصلهم)، وهو تصحيف.]] إليها [[انظر. "تفسير الماوردي" 2/ 167، وابن الجوزي 3/ 122، والرازي 13/ 189.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أي: يتولى إيصال المنافع إليهم ودفع المضار عنهم، وهذا يوجب إخبارًا عن كونه وليهم في الآخرة، لأنه قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: في الدنيا، وإن كان هو اليوم أيضًا ولي المؤمنين، وعلى هذا دل كلام ابن عباس؛ لأنه قال في قوله: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾: (أنزل بهم المحبة والكرامة والرضوان وما [[في (أ): (ومما لا يوصف).]] لا يوصف من النعيم) [[في "تنوير المقباس" 2/ 59 نحوه]]، وكل هذا يكون في الآخرة [[انظر: "تفسير الطبري" 2/ 167، والسمرقندي 1/ 513، والماوردي 2/ 167.]].

الأنعام 6:128

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 33، والسمرقندي 1/ 513، والماوردي 2/ 168.]]: (يعني: الجن والإنس يجمعون في موقف [يوم] [[لفظ: (يوم) ساقط من (ش).]] القيامة). قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: هم وقرناؤهم من الشياطين) [[في "تنوير المقباس" 2/ 59 نحوه.]]. ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾. قال الزجاج: (المعنى: فيقال لهم: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 291، ومثله قال النحاس في "معانيه" 2/ 489.]]، ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: من إغواء الإنس وإضلالهم، عن ابن عباس [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 168، وابن عطية 5/ 352، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة.]]، والحسن [[أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 33، عن الحسن نحوه، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 559، والماوردي 2/ 168، والسيوطي في "الدر" 3/ 85.]]، وقتادة [[أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 218، والطبري 8/ 33، وابن أبي حاتم 4/ 1387 بسند جيد عن قتادة نحوه.]]. وروي عن ابن عباس في "تفسيره": (يعني: أضللتم منهم كثيراً) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 33، وابن أبي حاتم 4/ 1387 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85.]]، وهو قول الفراء [["معاني الفراء" 1/ 354.]]. وقال مجاهد: (كثر من أغويتم منهم) [["تفسير مجاهد" 1/ 223، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 33، وابن أبي حاتم 4/ 1387 بسند جيد، وهو قول النحاس في "معانيه" 2/ 489.]]. وقال أبو إسحاق: (﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ ممن أضللتموه من الإنس) [["معاني الزجاج" 2/ 291.]]. وقال غيره: (﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ بالإغواء والإضلال) [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 8/ 33.]]، وهذه الأقوال معناها واحد، ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ يعني: الذين أضلوهم من الإنس. ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ قال [[كذا جاء في النسخ، وفي "تفسير الثعلبي" 184 أ، والبغوي 3/ 188: (قال الكلبي): والظاهر أن المراد بقوله: (قال) مقاتل؛ لأن النص في "تفسيره" 1/ 589 أو الفراء؛ لأنه في "معانيه" 1/ 354، ولأن الواحدي ذكر الرواية عن الكلبي فيما بعد.]]: (معنى هذا الاستمتاع: هو أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض قفرٍ فخاف على نفسه قال [[في (أ): (فقال).]]: أعوذ بسيد هذا الوادي من [[(ش): (على).]] سفهاء قومه، فيبيت آمنًا في نفسه، فهذا استمتاع [[في (أ): (فهذا الستمتاع)، وهو تحريف.]] الإنس بالجن [[لفظ: (الجن)، غير واضح في (ش).]]، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو: أن الإنس إذا عاذ بالجن كان ذلك تعظيمًا منهم للجن، وذلك الجني [[في (أ): (وذلك الجن).]] يقول: قد سُدت الإنس والجن؛ لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه). وهذا قول الحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 168، والرازي 13/ 191، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1387، بسند جيد عن الحسن، قال: (ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت، وعملت الإنس) اهـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85.]] وابن جريج [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 33، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85.]]، والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 60، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 559، والثعلبي في "الكشف" 184 أ، والبغوي في "تفسيره" 3/ 188، والخازن 2/ 183.]]، وعكرمة [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 191، عن الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج.]]، واحتجوا على هذا بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 6]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾: (يريد: في الدنيا، وما كانوا يضلونهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 119، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 123، وأبو حيان في "البحر" 4/ 220.]]، ومعنى هذا: أن استمتاع الجن بالإنس طاعتهم لهم فيما يغرونهم به من الضلالة والكفر والمعاصي، واستمتاع الإنس [[في (ش): (الأنسي).]] بالجن أن الجن زينت لهم الأمور التي يهوونها حتى يسهل عليهم فعلها، وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: (الذي يدل عليه اللفظ -والله أعلم- هو قبول الإنس من الجن ما كانوا يغوونهم به؛ لقوله: ﴿اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ ومن كان يقول من الإنس: أعوذ بالجن فقليل) [["معاني الزجاج" 2/ 291، وهو اختيار النحاس أيضًا في "معانيه" 2/ 490، و"إعراب القرآن" 2/ 580، والظاهر أن الآية عامة، وأن ما ذكر من باب التمثيل، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في "الفتاوى" 13/ 80 - 89، قال في تفسير الآية: (الاستمتاع بالشيء هو أن يتمتع به فينال به ما يطلبه ويريده ويهواه، ويدخل في ذلك استمتاع الرجال بالنساء، والذكور بالذكور، والإناث بالإناث، والاستمتاع بالاستخدام وأئمة الرياسة كما يتمتع الملوك والسادة بجنودهم وممالكيهم والاستمتاع بالأموال، وفي الجملة استمتاع الإنس بالجن والجن بالإنس يشبه استمتاع الإنس بالإنس، واتباع الهوى هو استمتاع من صاحبه بما يهواه، وقد وقع في الإنس والجن هذا كله) اهـ. ملخصًا. وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 220: (وجوه الاستمتاع كثيرة تدخل هذه الأقوال كلها تحتها، فينبغي أن يعتقد في هذه الأقوال أنها تمثيل في الاستمتاع لا حصر في واحد منها) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ يعني: الموت، في قول الحسن [[ذكره الماوردي 2/ 168، وابن الجوزي 3/ 124، عن الحسن والسدي.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 34 بسند جيد.]]، وأكثر المفسرين [[قال أبو حيان في "البحر" 4/ 220: (هذا قول الجمهور وابن عباس والسدي وغيرهما). اهـ. وهو قول الطبري في "تفسيره" 8/ 34، والسمرقندي 1/ 513.]] وقيل: هو البعث والحشر [[ذكر هذا القول الماوردي في "تفسيره" (2/ 168، وابن الجوزي 3/ 124، وهو قول البغوي في "تفسيره" 3/ 188، والزمخشري 2/ 50. وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 182 - 183 في الآية: (هذا يتناول أجل الموت وأجل البعث، فكلاهما أجل الله تعالى لعباده، وكأن هذا -والله أعلم- إشارة منهم إلى نوع استعطاف وتوبة، فكأنهم يقولون: هذا أمر كان إلى وقت == وانقطع بانقطاع أجله، فلم يستمر ولم يدم، فبلغ الأمر الذي كان أجله، وانتهى إلى غايته، ولكل شيء آخر، فقال تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فإنه وإن انقطع زمن التمتع وانقضى أجله فقد بقي زمن العقوبة، فلا يتوهم أنه إذا انقضى زمن الكفر والشرك وتمتع بعضكم ببعض أن مفسدته زالت وانتهت بانتهائه، والمقصود أن الشيطان تلاعب بالمشركين حتى عبدوه واتخذوه وذريته أولياء من دون الله) اهـ. ملخصًا.]]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: فيها مقامكم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 119، وفي "تنوير المقباس" 2/ 60 نحوه.]]. قال الزجاج: (المثوى: المقام، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ منصوب على الحال، المعنى: النار مقامكم في حال خلود دائم) [["معاني الزجاج" 2/ 291، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 2/ 490، و"إعراب القرآن" 1/ 580.]]. قال أبو علي: (المثوى عندي في الآية اسم للمصدر دون المكان، لحصول الحال في الكلام معملًا فيها، واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل؛ لأنه لا معنى للفعل فيه، فإذا لم يكن موضعًا ثبت أنه مصدر، والمعنى: النار ذات إقامتكم فيها، ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: هي أهل أن يقيموا [[في (أ): (تقيموا)، وهو تصحيف.]] فيها ويثووا خالدين، فالكاف والميم في المعنى فاعلون، وإن كان في اللفظ خفضًا بالإضافة، ومثل هذا قول الشاعر: وَمَا هِيَ إلاَّ في إِزَارٍ وَعِلْقَةٍ ... مُغَارَ ابْنِ هَمَّامٍ عَلَى حَيِّ خَثْعَمَا [["الشاهد" لحميد بن ثور الهلالي في "الكتاب" 1/ 234 - 235، وبلا نسبة في: "الكامل" للمبرد 1/ 201، و"المقتضب" 2/ 120، و"الخصائص" 2/ 208، و"المحتسب" 2/ 266، و"أمالى" ابن الحاجب 2/ 80، و"اللسان" 5/ 3072 == (علق)، و"الدر المصون" 5/ 150، والعلقة، بكسر العين: قميص بلا كمين، أو الثوب الصغير. انظر: "اللسان" 5/ 3073 (علق). والشاهد في البيت: نصب مغار على الظرفية، وهو في الأصل مصدر ميمي.]] وهذا يدل [[في (ش): (وهذا أيضًا على حذف المضاف).]] على حذف المضاف، المعنى: وما هي إلا إزارٍ وعلقة وقت إغارة ابن همام، ألا ترى أنه عدّاه بعلى إلى حيّ خثعمٍ، وإذا عدّاه ثبت أنه مصدر، إذ أسماء المكان لا تتعدى، فهو من باب قولك: أتيتك خفُوقَ النجمِ، ومَقدَم الحاجِّ، وخلافةَ فلان [[انظر: "الكتاب" 1/ 222، و"المقتضب" 4/ 343.]]، من المصادر التي استعملت في موضع الظروف للاتساع في حذف المضاف الذي هو اسم زمان على تقدير: زمان خفوق النجم أو ساعة أو وقت، وما أشبه ذلك، وإنما حسن ذلك في المصادر لمطابقتها الزمان في المعنى، ألا ترى أنه عبارة عن مُنَقَضٍ غير باقٍ، كما أن الزمان كذلك، ومن ثم كثر إقامتهم، ما التي مع الفعل بمعنى المصدر مقام ظروف الزمان كقولهم: لا أكلمك ما حدا [[حدا: بالفتح تبع يقال: ما حدا الليل النهار، أي: ما تبعه. انظر: "المستقصى" للزمخشري 2/ 247، و"اللسان" 2/ 794 (حدا).]] ليلٌ نهارًا وما خالفت جِرّة [[الجِرَّة: -بكسر الجيم وفتح الراء المشددة-: ما يخرجه البعير من بطنه للجنزار، والدِّرَّة: بكسر الدال المشددة وفتح الراء المشددة، كثرة اللبن وسيلانه، وهما مختلفان: الدرة تسفل إلى الرجلين، والجرة تعلو إلى الرأس. انظر: "مجمع الأمثال" 3/ 187، و"المستقصي" 2/ 245، و"اللسان" 1/ 594 (جرر) و3/ 1356 (درر).]] دِرةً ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: 117] ونحو ذلك، حتى إن قومًا من النحويين [[انظر: "حروف المعاني" ص 53، و"معاني الحروف" للرماني ص 86، == و"الصاحبي" ص 269، و"رصف المباني" ص 277، و"المغني" لابن هشام 1/ 302.]] يسمونها ما الوقت، وحقيقته ما أعلمتك) [["الإغفال" ص 706 - 709، وعليه يكون (خالدين) منصوب على أنه حال مقدرة والعامل فيها (مثواكم)؛ لأنه اسم مصدر من الثواء، وهو الإقامة. انظر: "غرائب التفسير" 1/ 385، و"البيان" 1/ 339، و"التبيان" 358، و"الفريد" 2/ 228، و "الدر المصون" 5/ 149.]]، انتهى كلامه. وقول ابن عباس: (فيها مقامكم) [[سبق تخريجه.]]، يدل على صحة قول أبي علي. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: (استثنى الله قوماً قد سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي ﷺ وما جاء به) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 119، والبغوي 3/ 189، والرازي 13/ 192، وأخرج الطبري 8/ 34، وابن أبي حاتم 4/ 1388 بسند جيد عنه، قال: (إن هذه الآية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارًا)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 85، وقال الخازن 2/ 183: (نقل جمهور المفسرين عن ابن عباس أن هذا الاستثاء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون ويصدقون النبي ﷺ فيخرجون من النار، قالوا: و (ما) تكون بمعنى من على هذا التأويل. اهـ.]]، وعلى هذا القول يجب أن يكون (ما) بمعنى (مَنْ) [[أي: التي للعقلاء، وساغ وقوعها هنا؛ لأن المراد بالمستثنى نوع وصنف، وما تقع على أنواع من يعقل، أفاده السمين في "الدر" 5/ 151.]]. وقال أبو إسحاق: (معنى الاستثناء عندي: إنما هو من يوم القيامة؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ هو يوم القيامة فقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ منذ يبعثون ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ من مقدار حشرهم من [[في (أ): (في).]] قبورهم، ومقدار مدَّتِهم في محاسبتهم) [["معاني الزجاج" 2/ 291 - 292، وفيه: (ويجوز أن يكون إلا ما شاء ربك مما == يزيدهم من العذاب). اهـ. وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 34، و"معاني النحاس" 2/ 490، و"إعراب النحاس" ص 575، و"تفسير السمرقندي" 1/ 513، و"المشكل" 1/ 270، و"البيان" 2/ 340، و"التبيان" 358، و"الفريد" 2/ 228، و"الدر المصون" 5/ 150 - 153، ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ص 122 - 128.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (حكم للذين استثنى بالتصديق والتوبة وعلم ما في قلوبهم من البر والتقوى والإيمان) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 120، والبغوي في "تفسيره" 3/ 189 بدون نسبة.]]. قال أهل المعاني: (معنى هذه الآية: التحذير من إغواء الجن تزيينهم القبيح، فإنهم يقرنون مع أوليائهم من الإنس في النار) [[لم أقف على من ذكره فيما لدي من مراجع.]].

الأنعام 6:129

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾. قال المفسرون: (يقول: كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض، كذلك نكل بعضهم إلى بعض في النصرة والمعونة، ونسلط بعضهم على بعض، فيتولى بعضهم القيام بأمر بعض) [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 35، والسمرقندي 1/ 513، والماوردي 2/ 169، والبغوي 3/ 189.]]، وقال بعض أهل العلم: (إن الله تعالى ذكر في الآية الأولى استكثار الجن من الإنس بالاستضلال [[في (ش): (بالإضلال).]] والاستزلال [[في (أ): (الاسترسال)، وهو تحريف.]]، ثم بيّن في هذه الآية أنه ولى بعضهم بعضًا حتى كان من شأنهم ما كان) [[لم أقف على من ذكره فيما لدي من مراجع.]].

الأنعام 6:130

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾. يقول: شهدنا أنهم قد بلغوا، يقول الله تعالى: (وغرتهم [[في (أ): (وغرتهم الله الحياة الدنيا)، وهو تحريف واضح.]] الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين). قال مقاتل: (حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك والكفر في الدنيا) [["تفسير مقاتل" 1/ 589.]].

الأنعام 6:131

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ﴾ الآية. قال الزجاج: (ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وأمر عذاب من كذب بها؛ لأنه لم يكن مهلك القرى بظلم) [["معاني الزجاج" 2/ 293.]]، فعلى هذا الإشارة وقعت إلى العقاب الذي في قوله: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام: 128] وإلى إتيان الرسل في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:130] وموضع ﴿ذَلِكَ﴾ رفع الابتداء على معنى: ذلك الأمر، أي: العقوبة بعد تكذيب الرسل، ويجوز أن يكون موضع (ذلك) نصبًا على معنى: فعل ذلك، وهذا معنى قول الفراء [["معاني الفراء" 2/ 355، ومثله ذكر الطبري في "تفسيره" 8/ 37.]] وسيبويه [[لم أقف عليه في الكتاب، وقد ذكر الزجاج في "معانيه" 2/ 293، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 580: (عن سيبويه أنه في موضع رفع بمعنى: الأمر ذلك؛ لأن ربك لم يكن مهلك القرى بظلم)، ولم أجد من ذكر عنه وجه النصب.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 292 - 293.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ (أن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة ويقدر معها الخافض وإضمار الهاء على تقدير: لأنه لم يكن، وهي التي في قول الأعشى: في فِتْيِةٍ كَسْيوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَينْتَعِلُ [["ديوان الأعشى" ص 284، و"الكتاب" 2/ 137، 3/ 74 - 164 - 454، و"المحتسب" 1/ 308، و"المنصف" 3/ 129، و"أمالي" ابن الشجري 2/ 177 - 178، و"الإنصاف" 167، وبدون نسبة في "المقتضب" 3/ 9، و"تفسير الطبري" 8/ 185، و"الخصائص" 2/ 441، و"رصف المباني" ص 196. والشاهد إضمار اسم أن المخففة والتقدير: أنه هالك، وعجز البيت في الديوان: أَنْ لَيْسَ يَدْفَعُ عَنْ ذِي الحِيلَةِ الحِيلُ]] وقوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. قال الكلبي: (يقول: لم يكن ليهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم رسلهم فينهاهم فإن رجعوا وإلا أتاهم العذاب) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 121، والبغوي في "تفسيره" 3/ 190، و"الخازن" 2/ 185.]]. وقال الزجاج: (أي: لا يهلكهم حتى يبعث إليهم الرسل كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] [["معاني الزجاج" 2/ 293.]]، وهذا قول جميع المفسرين [[انظر: الطبري 8/ 37، والسمرقندي 1/ 514، والماوردي 2/ 172، و"بدائع التفسير" 2/ 183 - 184.]] والظلم على هذا ظلمهم الذي هو ذنوبهم ومعاصيهم. وقال الفراء: (يجوز أن يكون المعنى: لم يكن ليهلكهم [بظلم منه وهم غافلون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش) وملحق بالهامش.]]] وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:117] أي بظلم منه) [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 355، وفيه قال: (وقوله: ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ يقول: لم يكن ليهلكهم بظلمهم وهم غافلون لما يأتيهم رسول ولا == حجة، وقوله في هود: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ يقول: لم يكن ليهلكهم بظلمهم يقول: بشركهم ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ يتعاطون الحق فيما بينهم، هكذا جاء التفسير، وفيها وجه وهو أحب من ذا؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، والمعنى -والله أعلم-: لم يكن ليهلكهم بظلم منه وهم مصلحون). اهـ.]]. وعلى هذا يوهم [[في (ش): (توهم).]] أنه لو أهلكهم وهم غافلون قبل بعث الرسل كان ظالمًا، وكذلك لو أهلكهم وهم صالحون، وليس كذلك؛ لأن له أن يفعل ما يريد، لكنه أخبر أنه لا يعذب قبل بعثه الرسل، ولا يهلك الصالحين، ولو فعل ذلك لم يكن ظلمًا ، ولكنه يكون في صورة الظلم فيما بيننا، فأطلق عليه الظلم مجازًا لا حقيقة، والقول في معنى الآية هو الأول [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 196 - 197.]] وقد بيّنا القولين في سورة هود عند قوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117].

الأنعام 6:132

قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ الآية. قال ابن عباس: (يريد: فضائل مما عملوا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يريد: عمل المشركين والدرجات للمؤمنين [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 62، وفي "الوسيط" 1/ 121 نقل الواحدي عن ابن عباس في الآية قال: (يريد عمل المشركين).]]، فعلى هذا أثبت الدرجات للمؤمنين في [[لفظ: (في) ساقط من (أ).]] أول الآية وأوعد المشركين بأنه ليس ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ في آخر الآية على معنى: أنه يجازيهم به، وتقدير الآية: ولكل عاملٍ بطاعة الله درجات جزاء من أجل ما عملوا، وقال آخرون: (هذا عام في كل عامل [[وهذا القول هو الظاهر، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 38، والسمرقندي 1/ 514، والرازي 13/ 198.]] عملًا طاعة كان أو معصية [[في (أ): (أو معية)، وهو تحريف.]] على تقدير: ولكل عامل بطاعة الله أو معصيته [[في (أ): (أو معيته)، وهو تحريف.]] منازل في عمله). ومثلت الأعمال [[لفظ: (الأعمال) مكرر في (أ).]] بالدرجات ليتبين أنه وإن عمّ أحد قسميها صفة الحسن، وعمّ الآخر صفة القبح، فليست في المراتب سواء، وأنه بحسب ذلك يقع الجزاء، فالأعظم من العقاب للأعظم من السيئات، والأعظم من الثواب للأعظم من الحسنات، وجملة معنى الآية: أن بعضهم أوفر وأجزل ثوابًا من بعض على قدر أعمالهم، وبعضهم أشدّ عذابًا من بعض [[في (أ): (بعضهم).]] على قدر أعمالهم في الدنيا [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 172.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يفوته شيء منها ولا من مراتبها حتى يجازي عليه بما يستحق من الجزاء [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 38، والسمرقندي 1/ 514.]].

الأنعام 6:133

قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾. قال ابن عباس: (يريد: عن عبادة من تولى غيره) [[لم أقف عليه.]]، وقال مقاتل: (عن عبادة خلقه) [["تفسيرمقاتل" 1/ 590.]]، ومعنى الغنى عن الشيء: أنه الذي يستوي عنده عدم ذلك الشيء ووجوده [[انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 63، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 117، و"تهذيب اللغة" 3/ 2704، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 24.]]. وقوله تعالى: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾. قال ابن عباس: (بأوليائه وأهل طاعته) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 121، والبغوي في "تفسيره" 3/ 191، وابن الجوزي 3/ 127.]]، وقال الكلبي: (ذو الرحمة بخلقه، وذو التجاوز) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 121، والبغوي في "تفسيره" 3/ 191.]]، وقال مقاتل: (ذو النعمة فلا يعجل [["تفسير مقاتل" 1/ 590، وقد جاء في (ش)، و"تفسير مقاتل": (فلا تعجل) بالتاء.]] عليهم بالعذاب، -يعني: كفار مكة-). وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾. قال الكلبي: (وينشئ من بعدكم خلقًا آخر) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 62.]] ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ﴾ مثل ما أنشاكم، أي: خلقكم ابتداء ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ -يعني: آباءهم الماضين-، وهذا وعيد لهم بالإهلاك [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 202، والسمرقندي 1/ 514 - 515.]].

الأنعام 6:134

قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾. قال الحسن: (أي: من مجيء الساعة؛ لأنهم كانوا يكذبون بالنشأة الثانية) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 166، والقرطبي 7/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 225.]]، فيجوز أن يكون (توعدون) من الإيعاد: أي ما توعدون به من العقوبة في الآخرة، ويجوز أن يكون من الوعد، لاختلاط الخير بالشر، فيكون على التغليب، إذ مجيء الساعة خير للمؤمنين، وشر على الكافرين، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: بفائتين: يقال: أعجزني فلان، أي: فاتني وغلبني فلم أقدر عليه [[هذا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 206.]]. قال ابن عباس: (يريد: وما يعجزني منكم أحد) [[لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1390، بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: (﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: بسابقين)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 88.]].

الأنعام 6:135

قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: على حالاتكم التي أنتم عليها) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 184 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 191، من قول عطاء فقط، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 39، وابن أبي حاتم 4/ 1390، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: على ناحيتكم)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 88.]]، قال الزجاج: (المعنى: اعملوا على ما أنتم عليه، يقال للرجل إذا أمرته أن يثبت على حاله: على مكانتك يا فلان، أي: أثبت على ما أنت عليه) [["معاني الزجاج" 2/ 293، وفيه: (المعنى: اعملوا على تمكنكم، ويجوز أن يكون المعنى: اعملوا على ما أنتم عليه ..) ثم ذكر ما ذكر الواحدي.]]. وقال مقاتل: (على جديلتكم) [["تفسير مقاتل" 1/ 590.]]، وهذا القول راجع إلى ما ذكرنا؛ لأن الجديلة [[الجديلة؛ بفتح الجيم وكسر الدال: الطريقة، والناحية، والشاكلة. انظر: "اللسان" 1/ 571 (جدل).]] معناها: الطريقة، والطريقة يراد بها هاهنا: ما هم عليها، ومثل هذا قول مجاهد: (على وتيرتكم) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 184 ب. والوتيرة، بفتح الواو وكسر التاء: الطريقة، والصفة. انظر: "اللسان" 8/ 4760 (وتر).]]، وقول الكلبي: (على منازلكم) [[ذكره الثعلبي 184 ب.]] وقول يمان: (على مذاهبكم) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 184 ب.]]. وقال أبو إسحاق: (المعنى: اعملوا على تمكنكم وجهتكم التي كنتم عند أنفسكم في العلم بها) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 293، وفيه: (المعنى: اعملوا على تمكنكم). وانظر: "معاني النحاس" 2/ 493.]]. قال أبو علي: (المكانة في اللغة: المنزلة والتمكن، كأنه اعملوا على قدر منزلتكم وتمكنكم في دنياكم فإنكم لن تضرونا [[في (ش): (يضرونا).]] بذلك شيئًا) [["الحجة" لأبي علي 3/ 407.]]، قال ابن عباس: (وهذا وعيد وتهدد) [[لم أقف عليه.]]، يريد: أن هذا الأمر أمر وعيدٍ، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ [هود: 121]. قال الزجاج: (ومعنى هذا الأمر: المبالغة في الوعيد؛ لأن ما بعده يدل على الوعيد، وقد أعلمهم بقوله: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أن من عمل بعملهم فالنار مصيره، فكأنه قيل لهم: أقيموا على ما أنتم عليه من الكفران رضيتم بعذاب النار) [["معاني الزجاج" 2/ 294.]]. وقرئ (مكانتكم) و (مكاناتكم) [[قرأ عاصم في رواية: (على مكاناتكم)، بألف بعد النون على الجمع. وقرأ الباقون (على مكانتكم) بدون ألف على التوحيد. انظر: "السبعة" ص 269، و"المبسوط" ص 175، و"الغاية" ص 250، و"التذكرة" 2/ 411، و"التيسير" ص 107، و"النشر" 2/ 263.]]، والوجه الإفراد؛ لأنه مصدر، والمصادر في أكثر الأمر مفردة، وقد تجمع في بعض الأحوال، والأمر العامّ على الوجه الأول [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 407 - 408، وانظر: "معاني القراءات" == 1/ 386، و"إعراب القراءات" 1/ 169، و"الحجة" لابن خالويه ص 149، ولابن زنجلة ص 272، "الكشف" 1/ 452، ونقل قول الواحدي الرازي في " تفسيره" 13/ 203.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾. قال مقاتل: (أي: عامل على جديلتي التي أمرت بها) [["تفسير مقاتل" 1/ 590.]]، يريد ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ على مكانتي: فحذفت الثانية لدلالة الأولى في ذلك الجانب على الثانية في هذا الجانب، وجملة المعنى: اعملوا ما أنتم عاملون إني عامل مما أمرني به ربي ، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ موضع (من) نصب بوقوع العلم عليه، ويجوز أن يكون رفعًا على معنى: تعلمون أينا ﴿تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: 12]، والوجهان ذكرهما الفراء [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 355، والنصب على أن (من) موصولة، فهي في محل نصب مفعول به، والرفع على أن (من) استفهامية، فتكون في محل رفع بالابتداء، انظر: "إعراب النحاس" 1/ 580، و"المشكل" 1/ 271، و"البيان" 1/ 342، و"التبيان" ص 359، و"الفريد" 2/ 231، و"الدر المصون" 5/ 158.]]. قال ابن عباس: (﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ يعني: الجنة. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ من له الجنة أنتم أم أوليائي وأهل طاعتي) [["تنوير المقباس" 2/ 62، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 122.]]، فإن قيل: أليس الكافر أيضًا له عاقبة في الآخرة، فكيف قيل: إن [[في (ش): (فكيف قيل له عاقبة الدار للمؤمنين)، وهو تحريف.]] عاقبة الدار للمؤمنين؟ قيل: العاقبة تكون على الكافر ولا تكون له، كما يقال: لهم الكرة، ولهم الظفر، وفي ضده يقال: عليهم الكرة والظفر [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 203.]]. وقرئ [[قرأ حمزة والكسائي: (من يكون له عاقبة الدار) بالياء على التذكير، وقرأ الباقون (من تكون) بالتاء على التأنيث. انظر: "السبعة" ص 270، و"المبسوط" ص 175، و"الغاية" ص 250، و"التذكرة" 2/ 411، و"التيسير" ص 107، و"النشر" 2/ 263.]]: (تكون) بالتاء، والياء؛ لأن العاقبة مصدر كالعافية، وتأنيثه غير حقيقي فمن أنث فكقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: 73] ومن ذكر فكقوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: 67]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ [يونس: 57] وفي أخرى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: 275] [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 408، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 387، و"إعراب القراءات" 1/ 170، و"الحجة" لابن زنجلة ص 272، و"الكشف" 1/ 453، ونقل هذا الواحدي الرازي في "تفسيره" 13/ 203.]]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: لا يسعد من كفر نعمتي وأشرك بي) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 123، والبغوي في "تفسيره" 3/ 192، والخازن 2/ 187.]].

الأنعام 6:136

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية، قال ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 40 - 41، وابن أبي حاتم 4/ 1390، والبيهقي في "سننه" 10/ 10، من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 88.]] والمفسرون [[أخرج الطبري 8/ 41 - 42، من طرق جيدة عن مجاهد وقتادة والسدي نحوه، وذكر هود الهواري في "تفسيره" 1/ 562، عن الحسن والكلبي نحوه، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 591.]]: (كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم نصيبًا ، وللأوثان نصيبًا، فما كان للصنم أنفق عليه، وما كان لله أطعم الضيفان [[في (أ): (أطعم للضيفان).]] والمساكين، ولا يأكلون من ذلك كله شيئًا، فما سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه، وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله التقطوه وردّوه إلى نصيب الصنم، وقالوا: إنه فقير. فذلك قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾). قال ابن عباس: (خلق، ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ قال: يريد التمر والقمح، وجميع ما يؤكل، (الأنعام) يريد: الضأن والماعز والإبل والبقر، ﴿نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ يريد: بكذبهم) [["تنوير المقباس" 2/ 63، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 123.]]. وقد ذكرنا تفسير الزُّعم [[يعني: بضم الزاي وفتحها. انظر: "اللسان" 3/ 1834 (زعم).]] والزَّعم في سورة النساء [: 60]. فإن قيل: أليس جميع الأشياء لله فكيف نسبوا إلى الكذب في قولهم: ﴿هَذَا لِلَّهِ﴾؟ قلنا: إفرازهم النصيبين نصيبًا لله، ونصيبًا للشيطان، وحكمهم بذلك كذب منهم [[لفظ: (منهم) ساقط من (ش).]] لم يأمر الله تعالى به، وهم كانوا يفعلون ذلك تدينًا وتعبدًا واعتقادًا أن ذلك أمر به [[في (أ): (ذلك أمره لله تعالى فإنه يرضى به).]] الله تعالى وأنه يرضى به [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 204.]]، قال الزجاج: (وتقدير الكلام: جعلوا لله نصيبًا ولشركائهم نصيبًا، ودل على هذا المحذوف تفصيله القسمين فيما بعد، وهو قوله: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾) [[هذا قول النحاس في "معانيه" 2/ 494، وذكره عن الزجاج الرازي في "تفسيره" 13/ 204، ولم أقف عليه في "معاني الزجاج".]]، وجعل الأوثان شركاءهم؛ لأنهم جعلوا لها نصيبًا من أموالهم ينفقونها عليها فشاركوها في مالهم [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 581، و"تفسير الرازي" 13/ 204.]]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ معناه ما ذكرنا عن ابن عباس [[سبق تخريجه]]: أنه كان إذا اختلط شيء مما جعلوه لله بما جعلوه للأوثان لم يخرجوه ولم يردوه، وإذا كان على الضد ردّوه. وقال الحسن [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 562، والماوردي 2/ 174، والواحدي في "الوسيط" 1/ 124، وابن الجوزي 3/ 129.]] والسدّي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 401، وابن أبي حاتم 4/ 1390، بسند جيد.]]: (هو أنه إذا هلك الذي لأوثانهم أخذوا بدله مما لله، ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله عز وجل). وقال مجاهد: (هو أنه إذا انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه، وإن كان على ضد ذلك تركوه) [["تفسير مجاهد" 1/ 223، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 40 - 41، وابن أبي حاتم 4/ 1391، بسند جيد.]]، وزاد قتادة: (إذا أصابتهم السنة استعانوا بما جزءوا لله ووفروا ما جزءوا لشركائهم) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 218 - 219، والطبري 8/ 41، بسند جيد.]]، وزاد مقاتل: (وإن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يترك نصيب الله تركوه للآلهة وقالوا: لو شاء الله زكا نصيبه، وإن زكا نصيب الله ولم يترك نصيب الآلهة قالوا: لا بد لآلهتنا من نفقة فأخذوا نصيب الله فأعطوه السدنة، فذلك قوله: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ﴾ يعني: من تمام الحرث والأنعام ﴿فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: إلى المساكين) [["تفسير مقاتل" 1/ 591.]]، وإنما قال: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ لأنهم كانوا يفرزونه لله ويسمونه نصيب الله ﴿وَمَا كَانَ لِلَّهِ﴾ من التمام فهو يصل إلى آلهتهم ثم ذم الله فعلهم فقال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوا لله على جهة التبرر للأوثان [[في (ش): (التبرر إلى الأوثان).]].

الأنعام 6:137

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. قال الزجاج [[في (أ): (قال الزجل)، وهو تحريف.]]: (أي: ومثل ذلك الفعل القبيح ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 161، عن الزجاج، ولم أقف عليه في "معاني الزجاج".]]، وقال أبو بكر: (وذلك إشارة إلى ما نعاه الله عليهم من قسمهم ما قسموا بالجهل، فكأنه قيل: ومثل ذلك الذي أتوه في القسم جهلًا وخطأً ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فشبه تزيين الشركاء بخطأهم في القسم) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 161، عن ابن الأنباري.]]، وهذا معنى قول الزجاج. قال مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 224، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 40/ 41، وابن أبي حاتم 4/ 1391 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 88]]: (﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾: شياطينهم أمروهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة) [[العيلة، بفتح فسكون: الفقر، وشدة الحاجة. انظر: "اللسان" 5/ 3194 (عيل).]]، وسميت الشياطين شركاء؛ لأنهم أطاعوهم في معصية الله فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم، وأضيفت الشركاء إليهم، لأنهم اتخذوها، كقوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: 22] [[كتبت الآية في النسخ خطأ بلفظ (أين شركاؤكم الذين كنتم تدعون من دون الله)، واستشهد الواحدي في "الوسيط" 1/ 125، على الموضوع بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 40].]]. وقال الكلبي [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 184 ب، والماوردي في "تفسيره" 2/ 174، والبغوي 3/ 192 - 193، وابن الجوزي 3/ 130.]]: (كان لآلهتهم سدنة وخدام هم الذين كانوا يزينون للكفار قتل أولادهم، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف بالله لئن ولد له كذا غلامًا لينحرن أحدهم كما حلف [[انظر تفصيل ذلك في: "تاريخ الطبري" 2/ 239 - 243.]] عبد المطلب على ابنه عبد الله) [[عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم: أبو قثم الهاشمي القرشي، والد رسول الله ﷺ، أصغر ولد عبد المطلب وأحبهم إليه، ويلقب بالذبيح. انظر: "تاريخ الطبري" 2/ 239 - 246، و"الأعلام" 4/ 100.]]، وعلى هذا القول الشركاء هم: السدنة سمّوها شركاء كما سميت الشياطين شركاء في قول مجاهد [[سبق تخريجه.]] والشركاء رفع بالتزيين. ولما تقدم ذكر المشركين كنى عنهم في قوله: (شركاؤهم) كقوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: 158] لما تقدم ذكر النفس كنى عنها، ومثله ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: 124] وأضيف المصدر الذي هو القتل إلى المفعولين الذين هم الأولاد كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49]، أي: من دعائه الخير فحذف ذكر الفاعل، كذلك التقدير في الآية: قتلهم أولادهم [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 410.]]. وقرأ ابن عامر [[قرأ ابن عامر: (وكذلك زُيِّنَ (زَيَّنَ) لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) (زُيِّن) بضم الزاي وكسر الياء بالبناء للمفعول و (قَتْلُ) برفع اللام نائب فاعل (أَوْلَادَهُم) بنصب الدال مفعول للمصدر (شُرَكَائِهِم) بهمزة مجرورة على إضافة المصدر إليه وهو من إضافة المصدر إلى فاعله. وقرأ الباقون: (زَيَّنَ) بفتح الزاي == والياء مبينًا للفاعل. و (قَتْلَ) بنصب اللام على المفعولية (أَوْلَادِهِمْ) بجر الدال على الإضافة (شُرَكَاؤُهُم) بهمزة مرفوعة على الفاعلية. انظر: "السبعة" ص 270، و"المبسوط" ص 175، و"الغاية" ص 250، و"التذكرة" 2/ 411، و"التيسير" ص 107، و"النشر" 2/ 263 - 265.]] (زُيِّنَ) بضم الزاي، (قَتْلَ) رفعًا، (أَوْلَادَهُم) بالنصب، (شُرَكَائِهِم) بالجرّ على تقدير: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ﴾ شركائهم أولادهم، ولكنه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به، وهو الأولاد، والمفعول به مفعول المصدر، قال أبو علي: (وهو قبيح، قليل في الاستعمال؛ لأنهم لا يفصلون بين المضاف والمضاف إليه بالظرف الذي توسعوا فيه، وفصلوا به في كثير من المواضع، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: 22]. ونحو قول الشاعر: عَلَى أَنَّني بَعْدَ مَا قَدْ مَضى ... ثلاثُون لِلْهَجرِ حَوْلًا كَمِيلًا [[الشاهد للعباس بن مرداس في "ديوانه" ص 136، وهو بلا نسبة في "الكتاب" 2/ 158، و"المقتضب" 3/ 55، و"مجالس ثعلب" ص 424، و"المسائل الحلبيات" ص 258، و"الإيضاح العضدي" 1/ 242، و"المسائل البصريات" 2/ 835، و"الإنصاف" ص 265، و"الدر المصون" 5/ 163، و"مغني اللبيب" 2/ 572. وكميلاً: أي كامل. والشاهد: الفصل بين ثلاثين وبين تمييزها، وهو حولًا. انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 908.]] [فصل بين العدد والمعدود [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]]، ونحو قوله: فَلا تَلْحَني فيها فإنَّ بِحُبِّهَا ... أَخَاكَ مُصابُ القَلْبِ جَمٌّ بَلابِلُهْ [[لم أهتد إلى قائله. وهو في "الكتاب" 2/ 133، و"الأصول" 1/ 205، و"المسائل الحلبيات" ص 258، و"كتاب الشعر" 1/ 240، 270، و"المقرب" 1/ 108، == و"الدر المصون" 5/ 163، و"مغني اللبيب" 2/ 693، وقوله: (فلا تلحني) أي: تلمني. و (جَمّ)، بفتح الجيم وتشديد الميم: كثير. و (بلابله): جمع بلبلة بالفتح، وهي شدة الهم، والوسوسة. والشاهد: رفع مصاب على أنه خبر أن مع إلغاء الجار والمجرور؛ لأنه من صلة الخبر وتمامه. انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 969.]] ألا ترى أنه فصل بين أن واسمها بما يتعلق بخبرها ، ولو كان بغير الظرف لم يجز، ألا ترى أنهم لا يجيزون إن زيدًا عمرًا [[و [[جاء في النسخ: إذا نصبت عمرًا بضارب، والتصحيح من "الحجة" لأبي علي 3/ 412.]] في (أ): (عمروا).]] ضارب إذا نصبت زيدًا (¬2) بضارب [[الشاهد لأبي حية النميري في "الكتاب" 1/ 178 - 179، و"الإنصاف" ص 349، وبلا نسبة في "المقتضب" 4/ 377، و"الأصول" 2/ 227، 3/ 467، و"الخصائص" 2/ 405، و"غرائب التفسير" للكرماني 1/ 388، و"أمالي" ابن الشجري 2/ 577، و"تفسير ابن عطية" 5/ 360، والقرطبي 7/ 93، و"البحر المحيط" 4/ 229، و"الدر المصون" 5/ 163. والشاهد: (بكف يومًا يهودي) حيث فصل بالظرف بين المضاف والمضاف إليه.]]، فإذا لم يجيزوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام مع اتساعهم في الظرف في الكلام، وإنما يجوز في الشعر، كقوله: كَمَا خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا ... يَهودِي يُقَارِبُ أَوْ يُزيلُ [[لفظ: (الفصل) ساقط من (أ).]] فأن لا يجوز في المفعول به الذي لم يتسع فيه بالفصل أجدر، ووجه ذلك على ضعفه وقلة الاستعمال أنه قد جاء في الشعر [الفصل] (¬5) على حد ما قرأه، قال الطرماح: يُطِفْنَ بِحُوزِي المَرَاتِعِ لَمْ يُرَعْ [[جاء في (ش): حاشية على البيت. قال: (أي: بفحل منتحى المراتع قد حاز بمرتعه ناحية).]] ... بِوَادِيهِ مِنْ قرْعِ القِسِيِّ الكَنَائِنِ [[الشاهد للطرماح في "ديوانه" ص 486، و"تهذيب اللغة" 1/ 700 (حاز)، و"تفسير ابن عطية" 5/ 361، و"اللسان" 2/ 1046 (حوز)، و"البحر المحيط" 4/ 229، 230، و"الدر المصون" 5/ 364، وبلا نسبة في: "الحجة" لأبي علي 3/ 123، و"الخصائص" 2/ 406، و"الإنصاف" ص 347. والشاعر يصف بقر الوحش، وقوله: (بحوزي)، الحوزي: المتوحد: وهو الفحل منها، وهو من حزت الشيء إذا جمعته أو نحيته والمراتع: موضع الرتع. ولم يرع، أي: لم يخف. والقرع: الضرب. والقسي: جمع قوس. والكنائن: جمع كنانة: جراب يوضع فيه السهام. انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 700 (حاز)، و"حاشية الإنصاف". والشاهد: الفصل بين المصدر المضاف (قرع)، وفاعله المضاف إليه. (الكنائن) بالمفعول به للمصدر وهو (القسي).]] وأنشد أبو الحسن [[أبو الحسن الأخفش الأوسط: إمام لغوي، تقدمت ترجمته.]]: زَجَّ القلوصِ أبي مزَادَةْ [[الشاهد لم أهتد إلى قائله. وصدره: فَزَجَجْتُها بِمزَجَّةٍ ...... وفي رواية: (فزججتها متمكنًا) وهو في: "الكتاب" 1/ 176، و"معاني الفراء" 1/ 358، و"تفسير الطبري" 8/ 44، و"الخصائص" 2/ 406، و"المدخل" للحدادي ص 321، و"الكشاف" 2/ 54، و"تفسير ابن عطية" 5/ 361، و"الإنصاف" ص 347، و"البيان" 1/ 342، و"تفسير الرازي" 13/ 206 و"الفريد" 2/ 233، و"المقرب" 1/ 54، و"القرطبي" 7/ 92، و"البحر المحيط" 4/ 229، و"الدر المصون" 5/ 166 - 170، وقوله: (فزججتها) الضمير للراحلة. والزج: الدفع بالرمح. والقلوص: الناقة الفتية. وأبو مزادة؛ كنية رجل.= والشاهد: الفصل بين المضاف زج والمفاف إليه: أبي مزادة بالمفعول، وهو القلوص. انظر: "حاشية تفسير الطبري" 12/ 138 ط. شاكر.]] وهذان البيتان مثل قراءة ابن عامر، ألا ترى أنه فصل فيهما بين المصدرين والمضاف إليهما بالمفعول به، كما فصل ابن عامر بين المصدر وما حكمه أن يكون مضافًا إليه، وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء وإن لم يتولوا ذلك؛ لأنهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه فكأنهم فعلوا ذلك) [["الحجة" لأبي علي 3/ 409 - 414، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 582، و"معاني القراءات" 1/ 388، و"إعراب القراءات" 1/ 171، و"الحجة" لابن خالويه ص 150، ولابن زنجلة ص 273، و"الكشف" 1/ 453، و"المشكل" 1/ 269. وقد ذكر قول أبي علي الفارسي وغيره، السمين في "الدر" 5/ 166، وقال: (وهذه الأقوال التي ذكرتها جميعًا لا ينبغي أن يتلفت إليها؛ لأنها طعن في المتواتر، وإن كانت صادرة عن أئمة أكابر، وأيضًا فقد انتصر لها من يقابلهم، وأورد من "لسان العرب" نظمه ونثره ما يشهد لصحة هذه القراءة لغة). اهـ. ثم ذكر عدة أقوال وشواهد عن كبار الأئمة في جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه إذا كان الفاصل معمولًا للمضاف المصدر. وهذا هو الحق؛ لأنها قراءة متواترة، والقراءة سنة متبعة تؤخذ بالنقل والسماع لا بالاجتهاد، فينبغي تصحيح قواعد العربية بالقراءة ولا يلتفت إلى الاعتراض عليها.]]. وقوله تعالى: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: في النار) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 126، والرازي 13/ 206، والخازن 2/ 188.]]، والإرداء في اللغة: الإهلاك [[الرَّدَى، بالفتح: الهلاك. انظر: "الجمهرة" 2/ 1057، و"تهذيب اللغة" 2/ 1387، و"الصحاح" 6/ 2355، "المجمل" 2/ 428، و"المفردات" ص 351، و"اللسان" 3/ 1631 (ردى).]] وفي القرآن: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: 56]. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يدخلوا عليهم الشك في دينهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 126، والبغوي في "تفسيره" 3/ 193، وابن الجوزي 3/ 131، والخازن 2/ 188.]]، وقال الكلبي: (ليخلطوا ويشبهوا، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه) [["تنوير المقباس" 2/ 64، وظاهر سياق الواحدي في "الوسيط" والبغوي وابن الجوزي والخازن في تفاسيرهم أنه من قول ابن عباس. وانظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 280.]]. وقوله تعالى: ﴿وَ [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ أخبر أن جميع ما فعله المشركون كان ذلك بمشيئة الله إذ لو لم يشأ ما فعلوا [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 516، والرازي 13/ 206، والقرطبي 7/ 94.]]. وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: وما يقولون أن لله شريكًا) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 65.]].

الأنعام 6:138

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ معنى الحجر في اللغة: الحرام، وأصله [[الحجر بكسر الحاء وضمها، وسكون الجيم: الحرام. انظر: "العين" 3/ 74، و"الجمهرة" 1/ 436، و"تهذيب اللغة" 1/ 747، و"الصحاح" 2/ 623 و"المجمل" 1/ 264، و"المفردات" ص 220، و"اللسان" 2/ 782 (حجر).]] من المنع، ومنه سمّي العقل حجرًا لمنعه عن القبائح، وفلان في حجر القاضي أي: منعه [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 207، و"معاني الأخفش" 2/ 287 - 288، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 143، و"تفسير غريب القرآن" ص 171، و"تفسير الطبري" 8/ 46 و"تفسير المشكل" ص80، و"تفسير الرازي" 13/ 207، والقرطبي 7/ 94.]]، قال أبو إسحاق: (المعنى: أنهم حرموا أنعامًا وحرثًا وجعلوه لأصنامهم فقالوا: ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾، فأعلم الله عز وجل أن هذا التحريم زعم منهم، لا حجة لهم فيه، ولا برهان) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 132، ولم أقف عليه في "معاني الزجاج".]]. ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ قال ابن عباس: (يريد: مما سيبوا لآلهتهم) [[لم أقف عليه، وهو ظاهر كلام القرطبي في "تفسيره" 7/ 95.]]. قال الزجاج: (وهي نحو ما وصفنا من البحيرة والسائبة والحامي الذي قد حمي ظهره أن يركب) [[الذي عند الزجاج في "معانيه" 2/ 294 تعريف الحامي فقط.]]. ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قال ابن عباس: (يريد: يقتلونها لآلهتهم، إما يقذفونها [[في (أ): (يقذوفها)، وهو تحريف.]]، وإما يخنقونها بالوتر) [[لم أقف عليه.]]. وقال الزجاج: (يذبحونها لأصنامهم ولا يذكرون اسم الله عليها، فأعلم الله عز وجل أن ذلك افتراء [[في (ش): (أن ذلك افتراء عليه، أي: يفعلون ذلك افتراء)، وهو قريب من نص الزجاج.]]، فقال: ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ أي: يفعلون ذلك افتراء، وهذا يسميه سيبويه مفعول له [[أي مفعول لأجله. انظر: "الكتاب" 1/ 367، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 584: (افتراء) مفعول من أجله ومصدر. اهـ. وانظر: "المشكل" 1/ 272، و"غرائب التفسير" 1/ 389، و"التبيان" ص360، و"الفريد" 2/ 236، و"الدر المصون" 5/ 182.]]، أي: لا يذكرون اسم الله عليها للافتراء على الله، وهو أنهم زعموا أن الله أمرهم بذلك، قال الزجاج: وحقيقته أن قوله تعالى: ﴿لَا يَذْكُرُونَ﴾ بمعنى: يفترون، كأنه قال: يفترون افتراء) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 294، و"معاني النحاس" 2/ 496 - 497.]].

الأنعام 6:139

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾. قال ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 47، 48، وابن أبي حاتم 5/ 1395، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 90 - 91.]] والشعبي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 48 بسند جيد، وذكره الثعلبي في "الكشف" 184ب، وابن عطية في "تفسيره".]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 219، والطبري 8/ 48، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 90.]]: (يعني: ألبان البحائر، كانت للذكور دون النساء، فإذا ماتت اشترك في لحمها ذكورهم وإناثهم). وقال غيرهم من المفسرين [[ومنهم مجاهد في "تفسيره" 1/ 224، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 48 - 49، وابن أبي حاتم 5/ 1395 بسند جيد عن مجاهد والسدي، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 516 عن الكلبي، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 194، عن ابن عباس، وقتادة والشعبي، والظاهر هو العموم من الأجنة والألبان، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 592، والسدي، كما ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 132، ورجحه الطبري في "تفسيره" 8/ 49.]]: (يعني: أجنة البحائرِ والسوائب، ما ولد منها حيًّا فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد ميتًا أكله الرجال والنساء). وقوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ ذكر ابن الأنباري: في تأنيث خالصة ثلاثة أقوال: قولين للفراء، وقولًا للكسائي: (أحدها: أن الهاء ليست للتأنيث، وإنما هي للمبالغة في الوصف كما قالوا: راوية وعلامة ونسَّابة، والداهية والطاغية، وأنه لمنكر ومنكرة، وكذلك تقول: هو خالصة لي، وخالص لي، وهذا قول الكسائي [[ذكره النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 584، وفي "معانيه" 2/ 498، عن الكسائي، وهو اختيار الأخفش في "معانيه" 2/ 288، والطبري في "تفسيره" 8/ 49.]]. وقال الفراء [[هذا هو القول الثاني.]]: (وقد تكون (خالصة) مصدرًا لتأنيثها كما تقول: العاقبة والعافية، وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: 46] [["معاني الفراء" 1/ 359، وهو اختيار الكرماني في "غرائب التفسير" 1/ 388.]]، قال أبو بكر: فعلى هذا أنثت الخالصة؛ لأنها أجريت مجرى المصادر التي تكون بلفظ التأنيث إخبارًا عن الأسماء المذكرة كقولهم: عطاؤك عافية، والمطر رحمة، والرخص نعمة، ومعروف عندهم الرجل خالصتي، قال الشاعر [[لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشف للثعلبي 185 أ، و"غرائب التفسير" 1/ 388، و"الدر المصون" 1/ 183.]]: كُنتَ أمنيتي وكَنتَ خَالصتي ... وليس كلُّ امرئ بمؤتمنِ القول الثالث [[جاء في النسخ: (القول الثاني)، وهو تحريف.]]: للفراء (أن تأنيث (خالصة) لتأنيث (الأنعام) [[حصل في (أ) تداخل في الأقوال، فقد جاء قول أبي علي الفارسي بعد قوله: (لتأنيث الأنعام)، وهو تحريف من الناسخ.]]، لأن ما في بطونها مثلها، فأنث لتأنيثها) [["معانى الفراء" 1/ 358.]]، وعلى هذا كأنه قيل: وقالوا الأنعام التي في بطون الأنعام ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 208، عن ابن الأنباري، وذكره بعضه ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 133، وانظر: "الدر المصون" 5/ 183.]]، وقال الزجاج: (جُعل معنى (ما) التأنيث؛ لأنها في معنى الجماعة كأنهم قالوا: جماعة ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 294 - 295، واختاره الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 1081 (خلص).]]، وأبين من هذا كله أن يقال: (ما) عبارة عن الألبان أو الأجنة، وإذا كان عبارة عن مؤنث جاز تأنيثه على المعنى، وتذكيره على اللفظ، كما جُعل في هذه الآية فإنه أنث خبره الذي هو (خالصة) لمعناه وذُكر في قوله (ومحرم) على اللفظ [[وهذا القول هو اختيار النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 584، ومكي في "المشكل" 1/ 272، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 343.]]، وهذا قريب مما قاله أبو إسحاق؛ لأنه جعل (ما) بمعنى الجماعة. وذكر أبو علي فيه [["الحجة" لأبي علي 6/ 74، ونحوه قال ابن جني في "المحتسب" 1/ 232 ، وانظر: "أمالي ابن الشجري" 3/ 31.]] قولين: (أحدهما: أن (خالصة) مصدر، ويكون المعنى: ما في بطون هذه الأنعام ذو خلوص. والثاني: أن يكون صفة، وأنث على المعنى لأنه كثرة، والمراد به: الأجنة والمضامين) [[المضامين، بالفتح وكسر الميم: ما في بطون الحوامل من كل شيء. انظر: "اللسان" 5/ 2611 (ضمن).]]. وقوله تعالى: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ يعني: النساء. قال ابن عباس: (يريدون على نسائنا) [["تنوير المقباس" 2/ 65.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾. قرأ [[قرأ ابن عامر، وعاصم في رواية (وإن تكن) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، وقرأ ابن عامر وابن كثير (مَيْتَةٌ) بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب). انظر: "السبعة" ص270 - 271، و"المبسوط" ص 175 - 176، و"الغاية" ص 250 - 251، و"التذكرة" 2/ 412، و"التيسير" ص 107، و"النشر" 2/ 265 - 266.]] ابن كثير (يَكُن) بالياء (مَيْتَةٌ) رفعًا. قال أبو بكر: (الميتة: أريد بها الميت زيدت عليها الهاء للإبهام، كما قالوا: الدابة فارة، والشاة ذبحته، والأُرْويَّة [[الأروية، بضم الهمزة، وسكون الراء، وكسر الواو، وتشديد الياء المفتوحة: الأنثى من الوعول. انظر: "اللسان" 3/ 1787 مادة (روى)، وقال ابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" 1/ 54 (الأروية: شاة الجبل) ا. هـ.]] عاينته، فيذكّرون إذا [[في (ش): (إذ كان).]] كان الحرف يقع على المذكر والمؤنث، وقراءة ابن كثير (وإن يكن ميتة) فالميتة اسم الكون، وخبر الكون مضمر يراد به: وإن يكن لهم ميتة، أو وإن يكن هناك ميتة، وذكر الفعل لأن الميتة في معنى الميت) [[لم أقف عليه، وقد ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 208، بدون نسبة. وانظر: "معاني الفراء" 1/ 358، و"معاني الأخفش" 2/ 288، و"إعراب النحاس" 1/ 585.]]. وقال أبو علي: (لم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل المسند إليه تأنيثه غير حقيقي، ولا يحتاج الكون إلى خبر لأنه بمعنى: وإن وقع ميتة، أو حدث ميتة. وقرأ ابن عامر (وإن تَكُن) بالتاء (مَيْتةٌ) بالرفع، ألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل المسند إليه في اللفظ مؤنثًا، وقرأ عاصم في رواية أبو بكر (وإن تَكُن) بالتاء (مَيْتَةً) بالنصب على تقدير: وإن تكن المذكورة أو المعينة ميتة، فأنث الفعل وإن كان المتقدم مذكرًا؛ لأنه حمله على المعنى. وقرأ الباقون بالياء (ميتةً) بالنصب، تأويله: وإن يكن المذكور ميتة، ذكروا الفعل؛ لأنه مسند إلى ضمير ما تقدم في قوله: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ [الأنعام:139] وهو مذكر، وانتصب الميتة لما كان الفعل مسندًا إلى الضمير) [["الحجة" لأبي علي، 3/ 415، بتصرف. وانظر: "معاني القراءات" 1/ 390 - 391، و"إعراب القراءات" 1/ 171 - 172، و"الحجة" لابن خالويه ص 151، ولابن زنجلة ص 274 - 275، و"الكشف" 1/ 454 - 455، و"الدر المصون" 5/ 186.]]. وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الرجال والنساء) [["تنوير المقباس" 2/ 65، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 50، وابن أبي حاتم 5/ 1396 بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 91.]]، وذكرت الكناية في قوله (فِيهِ) لما ذكرنا أن الميتة غير مختصة بالأنثى [[في (ش): (ولأن) بالواو.]]؛ لأن المراد بالميتة هاهنا: الحيوان كيف ما كان [[انظر: "الدر المصون" 5/ 186 - 187.]]. وقوله تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ قال [[كذا ورد بدون نسبة، والظاهر أن المقصود ابن عباس رضي الله عنهما، ذكره عنه هود الهواري في "تفسيره" 1/ 565، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 127 بدون نسبة.]]: (يريد: سيعذبهم بما وصفوا الله به، وما أحلوا مما حرم الله، وما حرموا مما أحل الله) [[قال مجاهد في "تفسيره" 1/ 225: (يعني: قولهم الكذب في ذلك)، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 50، من عدة طرى جيدة، عن مجاهد وأبي العالية وقتادة ، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1396 عن مجاهد، وقال: (وروي عن أبي العالية وقتادة نحو ذلك) اهـ.]]. وقال أبو إسحاق: (المعنى -والله أعلم-: سيجزيهم جزاء وصفهم الذي هو كذب) [["معاني الزجاج" 2/ 295، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 499: (التقدير عند النحويين: سيجزيهم جزاء وصفهم الذي هو كذب) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: (يريد: أنه أحكم وأعلم من أن يفعل هذا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 127، بدون نسبة، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 50.]].

الأنعام 6:140

قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 66، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 134، وأخرج البخاري في "صحيحه" رقم (3524)، كتاب المناقب، باب قصة زمزم وجهل العرب، عن ابن عباس قال: (إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ اهـ، الآية 140 - الأنعام.]] والمفسرون [[ومنهم مقاتل في "تفسيره" 1/ 592، والطبري 8/ 51، والنحاس في "معانيه" 2/ 499، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 517، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 51، من عدة طرق جيدة عن عكرمة والسدي، وقتادة. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 91.]]: (يعني: الذين كذبوا يدفنون بناتهم أحياء في الجاهلية). وقوله [[لفظ: (وقوله) ملحق في أعلى السطر من (أ).]] تعالى: ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (سفهًا) منصوب على معنى اللام، أي: للسفه، مثل: فعلت ذلك حذر الشر، ويجوز أن يكون منصوبًا على تأويل المصدر؛ لأن قتلهم أولادهم سفه، فكأنه قال: قد سفهوا سفهًا، والوجهان ذكرهما الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 295، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 585، و"المشكل" 1/ 274، و"البيان" 1/ 345، و"التبيان" 361، و"الفريد" 2/ 238 - 239، == وقال السمين في "الدر" 5/ 187: "سفها" نصب على الحال، أي: ذوي سفهٍ، أو على المفعول من أجله وفيه بعد؛ لأنه ليس علة باعثة، أو على أنه مصدر لفعل مقدر، أي: سفهوا سفها، أو على أنه مصدر على غير الصدر؛ لأن هذا القتل سفه) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ قال المفسرون [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 51، وابن أبي حاتم 5/ 1397 بسند جيد، عن قتادة، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 194، وابن الجوزي 3/ 134.]] (يعني: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي والحرث، حرموها على أنفسهم، وقالوا: إن الله أمرهم بها). ونصب (افتراء) مثل نصب (سفهًا) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 296.]].

الأنعام 6:141

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾، ذكر الزجاج وجه اتصال هذه الآية بما قبلها فقال: (احتج الله عليهم، ونبه على عظيم ما أتوه في أن أقدموا على الكذب على الله، وشرَّعُوا من الدين ما لم يأذن به فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾، فكأنه قال: افتروا على الله، وهو المحدِث للأشياء، الفاعِل ما لا يقدر أحد على الإتيان بمثله فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ أي: أبدع) [["معاني الزجاج" 2/ 296.]]، يقال: نشأ [[الإنشاء: إيجاد الشيء وتربيتهِ. والنَّشْءُ والنَّشأةُ: إحداث الشيء وتربيته. يقال: نَشَأ: بالفتح - يَنْشأ نَشأ ونَشْأة ونشَاءة، وفي "اللسان" 7/ 4418 مادة (نشأ): (نَشأ يَنْشَأ نَشأ ونُشُوءًا ونَشَاءً ونَشْأةً ونَشَاءَةً: حَيي، وأنشأ الله الخلق، أي: ابتدأ خلقهم) ا. هـ وانظر: "العين" 6/ 287، و"الجمهرة" 2/ 1076، و"تهذيب اللغة" 4/ 3567، و"الصحاح" 1/ 77، و"المجمل" 4/ 868، و"المفردات" ص 807.]] الشيء ينشأ نشأً ونشأة ونشاءةً إذا ظهر وارتفع، والله ينشئه إنشاءً، أي [[في (أ): (أن يظهره) ثم صحح أعلى السطر (أي).]]: يظهره ويرفعه، ويبتدئ خلقه. قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ يقال: عَرَّشْتُ [[انظر: "العين" 1/ 249، و"الجمهرة" 2/ 728، و"الصحاح" 3/ 1009، و"المجمل" 3/ 658، و"المفردات" ص 558، و"اللسان" 5/ 2882 (عرش).]] الكرم أَعْرِشُه عَرْشًا، وعَرَشْتُه تَعْرِيشًا إذا عطفت العيدان التي تُرسل عليها قُضبان الكَرْم، والواحد عَرْش، والجميع عُروش، ويقال: عَرِيش، وجمعه عُرُشٌ، واعْتَرشَ العِنَبُ العَريشَ اعْتِراشًا إذا عَلاه [[النص في "تهذيب اللغة" 3/ 2392 (عرش).]]. قال ابن عباس: (يريد: ما يعرش من الكروم. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ يريد: أن كثيراً من الأعناب لا يُعرش) هذا قوله في رواية عطاء [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 52، رقم 13958 بسند ضعيف، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، وهو في "تفسير عطاء الخراساني" ص 88، رقم 208، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 92، وقال: (أخرجه أبو الشيخ، عن ابن عباس، وأخرج من وجه آخر عن ابن عباس (معروشات) قال: الكرم خاصة) ا. هـ، وعلق البخاري في "صحيحه" 8/ 287، في كتاب تفسير القرآن، سورة الأنعام، عن ابن عباس قال: ((معروشات) ما يعرش من الكرم وغير ذلك) ا. هـ، وقال الحافظ بن حجر في "فتح الباري" 8/ 287، والعيني في "عمدة القارئ" 15/ 143: (وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: (﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما يعرش من الكرم، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما لا يعرش) ا. هـ.]] وهو قول الضحاك [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 185 أ، والبغوي 3/ 195، وابن الجوزي 3/ 135.]] والفراء [["معاني القرآن" 1/ 359 وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 296: (ومعنى المعروشات ههنا: الكروم) اهـ.]]: (إن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم خاصّة، منه ما عُرش، ومنه ما لا يُعرش). وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: (﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ ما انبسط على وجه الأرض، وانتشر مما يعرش، مثل: الكروم والقرع والبطيخ، {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} ما قام على ساق وبسق [[بَسَق، بالفتح: طال، وارتفع. انظر: "اللسان" 1/ 284 (بسق)، وجاء الأثر عند البغوي في "تفسيره" 3/ 195، وفيه (ونسق) بالنون بدل الباء، والنَّسَق: ما كان على طريقة نظام واحد. انظر: "اللسان" 10/ 7/ 4412 (نسق).]]، مثل النخل والزرع وسائر الأشجار) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 185 أ، والقرطبي 7/ 98، والخازن 2/ 190، وأبو حيان في "البحر" 4/ 236، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 52، بسند جيد عن ابن عباس قال: (﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ مسموكات)، وفي رواية (﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾: ما عرش الناس ﴿وغير معروشات﴾: ما خرج في البر والجبال من الثمرات) اهـ. والظاهر أن المراد بالمعروشات: ما كانت مرفوعة على ما يحملها من دعائم كأشجار العنب وغيرها، وغير المعروشات هي المتروكة على وجه الأرض لم تعرش. وهو اختيار أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 207، وأبي حيان في "البحر" 4/ 236، والدكتور فريد مصطفى سلمان في "تفسير آيات الأحكام من سورتي الأنعام والأعراف" ص 85 - 86.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ فسر ابن عباس: (الزرع هاهنا بجميع الحبوب التي تقتات، ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ قال: يريد بكل شيء منها طعم غير طعم الآخر) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 212، وانظر: "تفسير الخازن" 2/ 190، و"البحر المحيط" 4/ 234.]]، والأكل كل ما أكل، وهاهنا المراد به: ثمر النخل والزرع، ومضى القول في الأكل عند قوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: 265] وانتصب (مختلفًا) على الحال [[حال مقدرة؛ لأن النخل والزرع وقت خروجهما لا أكل فيه، حتى يقال فيه متفق أو مختلف. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 585، و"المشكل" 1/ 274، و"غرائب التفسير" 1/ 389، و"البيان" 1/ 345، و"التبيان" 361، و"الفريد" 2/ 239 ، و"الدر المصون" 5/ 187.]] أي: أنشأه في حال اختلاف أكله. فإن قيل: كيف أنشأه في حال اختلاف أكله وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله، وأكله ثمره؟ والجواب: ما ذكره الزجاج وابن الأنباري [[لم أقف عليه عن ابن الأنباري.]] وهو: (أن الله تعالى قد دل على خلقه جميع الأشياء في غير موضع من كتابه، فكان في ذلك دليل على إنشائه هذين قبل اختلاف أكلهما، ثم دل على أنه هو المنشئ لهما في حال اختلاف طعم الثمار، فلم يجب بهذا أن يكون غير منشئ لهما فيما تقدم). قال الزجاج: (ويجوز أن يكون أنشأه ولا أكل فيه، ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾؛ لأن المعنى: مقدرًا ذلك فيه، كما تقول: لتدخلن منزل زيدٍ آكلين شاربين، والمعنى: أنكم تدخلون مقدّرين ذلك، وسيبويه [["الكتاب" 2/ 52.]] مثل هذا بقولهم: مررت برجل معه صقرا صائدًا به غدًا، فنصب صائدًا على الحال، والمعنى: مقدرًا به الصيد) [["معاني الزجاج" 2/ 296.]]. وقال أبو بكر: (ويجوز أن يكون نصب ﴿مُخْتَلِفًا﴾ على القطع من ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ لا على الحال، والقطع النعت، فكأنه قال: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ المختلف أكلهما فلما كان (مختلفًا) نكرةً، ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ معرفتان، لم تحمل نكرة على إعراب معرفة، فقطعت من لفظهما، أجاز الكسائي والفراء [[قال الفراء في "معانيه" 1/ 11 - 12، في إعراب قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الآية: 2البقرة] (في: (هدى) النصب من وجهين: أن تجعل (الكتاب) خبرًا، لذلك فتنصب (هدى) على القطع؛ لأن (هدى) نكرة اتصل بمعرفة قد تم خبرها فنصبتها؛ لأن النكرة لا تكون دليلًا على معرفة، وإن شئت نصت (هدى) على == القطع، الحال من الهاء التي في (فيه)، كأنك قلت: لا شك فيه هاديا) ا. هـ. وانظر: "معاني الفراء" 1/ 358، وقال السمين في "الدر" 5/ 189، قال ابن الأنباري: (إن (مختلفًا) نصب على القطع، فكأنه قال: والنخل والزرع المختلف أكلهما، وهذا رأي الكوفيين) ا. هـ.]]: جاءني زيد أحمر يا هذا، وقالا: أحمر ينتصب على القطع من زيد على أنه نعتٌ في الأصل، ودال على صاحبه، فإن نصبت على الحال استحالت المسألة، إذ كانت العمرة في الرجل لا تنتقل كما ينتقل الركوب والقيام والجلوس، فالذي ينصبُ (مختلفًا) على القطع يقول: معناه النعت. قال: وأما توحيده الهاء [[الضمير في (أكله) يعود على الزرع؛ لأنه أقرب مذكور ولقرينة الحصد، أو يعود على جميع ما سبق؛ لأن التعميم أولى، والمعنى: مختلف ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحب. وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 52، وانظر: "البحر المحيط" 4/ 236 و"الدر المصون" 5/ 188.]] العائدة على ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ فلأنه اكتفي بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعًا كقوله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] والمعنى: إليهما. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [[جاء في النسخ (أن ترضوه) بالتاء، وهو خطأ واضح.]] [التوبة: 62] ويجوز أن تكون الهاء مخصوصًا بها النخل؛ لأن أهل التفسير [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 195، ولم أقف على من خصه بالنخل.]] قالوا في قوله: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أي: منه الحامض والمر والحلو والجيد والرديء، وكل هذا من نعت ضروب التمر) [[لم أقف عليه عن ابن الأنباري.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. قال أبو بكر: وهو قول غيره من المفسرين [[ومنهم ابن جريج، فقد أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 52، بسند جيد عنه قال: (متشابهًا في المنظر، وغير متشابه في الطعم) ا. هـ. وانظر: "تفسير مقاتل" 1/ 593، والسمرقندي 1/ 518، وابن الجوزي 3/ 94.]]: (إن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان في الشيوع، وفي أن ورقه يشتمل على الغصن ويستره من أوله إلى آخره، فأحدهما متشابه بالآخر في ورقه غير متشابه في ثمره؛ لأن طعم الزيتون غير طعم الرمان، ويجوز أن يكون التشابه وغير التشابه في كل واحد من الزيتون والرمان، وذلك أن الرمان يشبه بعضه بعضًا في اللون والخِلقة، ثم يختلف الطعم فمنه حلو، ومنه حامض، وكذلك الزيتون)، وهذا قول الفراء [["معاني الفراء" 1/ 359، والآية عامة، أي: متشابه في المنظر ومختلف في الطعم، كالنخل متعدد الأنواع والطعم، والرمان منه الحلو والحامض، أو متشابه في الطعم ومختلف في المنظر، والأول أدل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وإبداع مخلوقاته. انظر: "معاني الزجاج" 2/ 297، و"معاني النحاس" 2/ 500.]]، وقد مر القول في هذا. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾: أمر إباحة [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 195، وابن عطية 5/ 370.]]، ومضى الكلام في الثَّمَر [[انظر: "البسيط" تفسير سورة البقرة: 267.]] والثُّمُر. وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، قال الأزهري [["تهذيب اللغة" 2/ 894 (حصد).]]: (يريد -والله أعلم-: يوم حَصْدِه). وقال جميع أهل اللغة: [[انظر: "العين" 3/ 122، و"الجمهرة" 1/ 503، و"الصحاح" 2/ 465، و"المجمل" 1/ 238، و"المفردات" ص 238، و"اللسان" 2/ 894 مادة (حصد).]] (يقال: حِصَاد وحَصَاد وجِزاز وجَزاز وقِطاف وقَطاف وجِداد وجَداد) [[لفظ: (وجداد الثانية) ساقطة من (ش): والمراد أن الجميع يقال بفتح أوله وكسره، ومعنى الحصاد والجزاز والقطاف والجداد: هو قطع الثمر ووقت قطعه. انظر: "اللسان" 1/ 563 مادة (جدد)، 2/ 856 (جزز) 9/ 3680 (قطف).]] قال سيبويه: (جاؤوا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فِعَال، وربما قالوا فيه: فَعال) [["الكتاب" 4/ 12، وانظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 416، و"اللسان" 1/ 563 مادة (جدد).]]. واختلفوا في معنى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ أي حقٍّ هو؟ فقال ابن عباس في رواية عطاء [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 213، عن عطاء عن ابن عباس، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1398، والبيهقي في "سننه" 4/ 132، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 332، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس قال: (العشر ونصف العشر)، وأخرج أبو عبيد في "ناسخه" ص 31، والطبري في "تفسيره" 8/ 54، بسند جيد عن ابن عباس قال: (حقه زكاته المفروضة يوم يكال أو يعلم كيله) اهـ.]]: (يعني: زكاته، يريد به: العشر ونصف العشر مما سقى بالسواني). وهذا قول طاووس [[أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 145، وفي "التفسير" 1/ 2/ 219، والطبري في "تفسيره" 8/ 54، والبيهقي في "سننه" 4/ 132، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 332، من عدة طرق جيدة.]] والحسن [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 53، والنحاس في "ناسخه" 2/ 325، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 332، من عدة طرق جيدة، وأخرج أبو عبيد في "ناسخه" ص 31، والطبري في "تفسيره" من عدة طرق جيدة عن الحسن قال: (هي الصداقة من الحب والثمار) اهـ.]] وسعيد بن المسيب [[أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 145، والطبري في "تفسيره" 8/ 54 بسند ضعيف.]] والضحاك [[أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (1084)، والطبري في "تفسيره" 8/ 54 بسند ضعيف.]] وابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 54 بسند جيد.]] وجماعة [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 53، 54، من عدة طرق عن أنس بن مالك، وجابر ابن زيد، ومحمد بن الحنفية، وقتادة، وزيد بن أسلم. وزاد النحاس في "ناسخه"، 2/ 325 نسبته إلى مالك، وعطاء الخراساني. وزاد هود الهواري في "تفسيره" 1/ 566 نسبته إلى سعيد بن جبير، وزاد ابن كثير في "تفسيره" 2/ 203، ابن جريج. وقال الماوردي في "تفسيره" 2/ 178: (قال الجمهور: هي الصدقة المفروضة فيه العشر فيما سقي بغير آلة، ونصف العشر فيما سقي بآلة) ا. هـ.]]. فإن قيل: على هذا كيف يؤدي الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل؟ فالجواب: أن معناه قدروا إخراج الواجب منه، فإن وقت الحصاد قريب من زمان التنقية الذي هو وقت وجوب الإخراج هذا في الزرع، فأما في النخل فلا اختلاف بين المسلمين أن ثمارها إذا حصدت وجب إخراج ما يجب فيها من الصدقة. وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ظاهر في ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ محمول عليه في وجوب الإخراج منه، إلا أنه لا يمكن ذلك عند الحصاد فيؤخر إلى زمان التنقية [[انظر: "زاد المسير" 3/ 135 - 136.]]. وقال بعضهم: (هذا حق في المال سوى الزكاة، أمر الله تعالى به تأديبًا وحضًا على البر، فإن فعل فحسن، وإن لم يفعل فلا شيء على تاركه، وليس بأمرٍ حتمٍ). وهذا قول عطاء [[أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 143، والطبري في "تفسيره" 8/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1398، والبيهقي في "سننه" 4/ 132، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 333 - 334، من عدة طرق جيدة.]] وحماد [[أثر حماد بن زيد الأزدي، أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1398 بسند جيد، وذكره الثعلبي في الكشف 185 أ، والبغوي في "تفسيره" 3/ 195.]] والحكم [[الحكم بن عُتَيبَة الكندي، أبو محمد الكوفي، إمام عابد، ثقة، ثبت، فقيه، من كبار أصحاب إبراهيم النخعي، توفي سنة 113 هـ أبو بعدها ، وله نيف وستون سنة. انظر: "الطبقات الكبرى" 6/ 331، و"الجرح والتعديل" 3/ 123، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 208، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 117، و"تهذيب التهذيب" 1/ 466، و"تقريب التهذيب" (1453).]] [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 185 أ، والبغوي في "تفسيره" 3/ 195.]] ومجاهد، وإبراهيم ، والربيع، قال مجاهد: (إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وإذا دسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا كدسته فاطرح لهم منه، فإذا عرفت كيله فاعزل زكاته) [["تفسير مجاهد" 1/ 225، وأخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 159، وعبد الرزاق 1/ 2/ 219، وفي "المصنف" 4/ 144 - 145، وأبو عبيد في "ناسخه" ص 31 - 32، وابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (10477)، والطبري في "تفسيره" 8/ 56، 57، وابن أبي حاتم 5/ 1398، والبيهقي في "سننه" 4/ 132، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 333، من عدة طرق جيدة، وبألفاظ مختلفة.]]. وقال إبراهيم [[الأثر عن إبراهيم النخعي، أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (10481)، والطبري في "تفسيره" 8/ 56، من عدة طرق جيدة.]]: (هو الضِّغْث) [[الضِّغث، بكسر فسكون: ملء اليد من النبات المختلط. انظر: "اللسان" 5/ 2591 مادة (ضغث).]]. وقال الربيع [[الأثر عن الربيع بن أنس، أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 57، بسند لا بأس به.]]: (لقاط السنبل) [[لَقَاط السُّنْبُل، بضم اللام وبفتحها: ما يلتقطه الناس من نُثارة الثمر، والذي تخطته المنَاجِل فيلتقطه الناس. انظر: "اللسان" 7/ 4061 مادة (لقط).]]. وفي الآية قول ثالث، وهو: إن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرضت الزكاة نسخ هذا، وهو [[في (أ): (وهذا).]] قول سعيد بن جبير [[أخرجه أبو عبيد في "ناسخه" ص 32، والطبري في "تفسيره" 8/ 58، والنحاس في "ناسخه" 2/ 322، والبيهقي في "سننه" من عدة طرق جيدة.]] وعطية [[الأثر عن عطية العوفي. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (10485)، والطبري في "تفسيره" 8/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1398، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 334، بسند جيد.]] والسدي، قال السدي: (نسخها العشر ونصف العشر) [[أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (10480)، والطبري في "تفسيره" 8/ 58، 59، من عدة طرق جيدة.]]. وقال مقسم عن ابن عباس: (نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن) [[أخرجه أبو عبيد في "ناسخه" 33، بسند جيد، وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 408 (10486)، والطبري في "تفسيره" 8/ 58، والنحاس في "ناسخه" 2/ 323 بسند جيد عن ابن عباس قال: (نسخها العشر ونصف العشر) ا. هـ وقد أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"، والطبري في "تفسيره" القول بالنسخ عن جماعة من السلف رضي الله عنهم، ويحمل هذا على أن مفهوم النسخ عندهم أوسع كما بينا.]]، والقول هو الأول [[الظاهر -وهو قول الجمهور- أن الآية محكمة، وقد رجح هذا أبو عبيد في "ناسخه" ص 33 - 37، ومكي في "الإيضاح" ص 244 - 247، وابن العربي في "ناسخه" 2/ 217، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 371، والرازي 13/ 213، ومصطفي زيد في "ناسخه" 2/ 72 - 73، وغيرهم؛ لأنه لا تنافي بينهما وبين عامة آيات الزكاة، ولا بينها وبين ما جاء في السنة من تحديد أنصبة الزكاة ومقاديرها، == إذ أصل الزكاة شرع في أول الإسلام بدون تحديد، وفي المدينة المنورة حددت بمقاديرها المفروضة. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 761: (قد قال مالك: إن المراد به: الزكاة المفروضة، وتحقيقه في نكتة بديعة، وهي أن القول في أنها مكية أو مدنية يطول، فهبكم أنها مكية إن الله أوجب الزكاة بها إيجابًا مجملاً، فتعين فرض اعتقادها ووقف العمل بها على بيان الجنس والقدر والوقت، فلم تكن بمكة حتى تمهد الإِسلام بالمدينة فوقع البيان، فتعين الامتثال، وهذا لا يفقهه إلا العلماء بالأصول) ا. هـ وقد نقل الزجاج في "معانيه" 2/ 297 عن قوم إنها مدنية، وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 206: (اختار ابن جريج النسخ، وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل ثم إنه فصل بيانه وبُين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم) ا. هـ، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 359، و"معاني النحاس" 2/ 500، و"البحر المحيط" 4/ 237.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ قال أبو العباس [[أبو العباس: هو ثعلب أحمد بن يحيى، إمام تقدمت ترجمته.]] عن ابن الآعرابي: (السَّرَف تجاوز ما حُدّ لك) [["تهذيب اللغة" 2/ 1675 - 1676.]]. وقال شَمِر: (سَرَف الماء ما ذهب منه في غير سقى ولا نفع قال: أرْوَت البئر النخيل وذهب بقيّة الماء سَرَفًا) [[الإسراف -في اللغة-: ضد القصد والإغفال والجهل والخطأ. وأصله مجاوزة الحد في كل فعل، وهو في الإنفاق أشهر، والإسراف في النفقة التبذير، وأما السرف الذي نهى الله تعالى عنه فهو: ما أنفق في غير طاعة الله قليلاً كان أو كثيراً. انظر: "العين" 7/ 244، و"الجمهرة" 2/ 716، و"الصحاح" 4/ 1373، و"مجمل اللغة" 2/ 493، و"المفردات" ص 407، و"اللسان" 4/ 1996 (سرف).]]، فإن أخذت الإسراف مما قاله ابن الأعرابي فهو: مجاوزة الحد، وإن أخذت من قول شمر فهو: الإنفاق فيما لا يجدي عليك [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 178 - 179، وابن الجوزي 3/ 136.]]. وقد فُسر الإسراف بالوجهين [[ذكره أكثرهم. انظر: السمرقندي 1/ 519، و"الوسيط" 1/ 129، والبغوي 3/ 195، وابن الجوزي 3/ 136، والقرطبي 7/ 110، والخازن 2/ 191، و"تنوير المقباس" 2/ 68، وأخرجه الطبري 8/ 61 بسند جيد عن ابن جريج، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 93، وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 145، وابن أبي حاتم 5/ 1399 بسند جيد، عن ابن جريج قال: (جَدَّ معاذ بن جبل -رضي الله عنه- نخله، فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منها شيء، فنزلت الآية) ا. هـ، وهذا مرسل، والأول أشهر، لكنه ضعيف؛ لأن أكثرهم قد صرح أنه من رواية الكلبي.]] في هذه الآية. وقال ابن عباس: كان رجال يتبرعون عند الصرام، فيقول الرجل: لا أمنع سائلا حتى أمسي، فعمد ثابت بن قيس بن شماس إلى خمسمائة نخلة فجدها ثم قسمها في يومٍ واحدٍ، ولم يدخل منها إلى منزله شيئًا، فأنزل الله ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أي: لا تعطوا كله [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 61، وابن أبي حاتم 5/ 1399 بسند جيد، عن السدي قال: (لا تعطوا أموالكم فتغدوا فقراء).]]. وهذا قول السدي [[ذكره الثعلبي ص 185 بلفظ: (لا تبذروا تبذيرًا) ا. هـ.]] ويمانٍ والفراء [["معاني الفراء" 1/ 359.]]، وحكاه الزجاج أيضًا وقال [["معاني الزجاج" 2/ 297.]]: (فيكون على هذا التأويل، أن الإنسان إذا أعطى كل ماله، ولم يوصل إلى عياله شيئًا فقد أسرف؛ لأنه جاء في الخبر (ابدأ بمن تعول) [[حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في "صحيحه" (1427)، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومسلم (1034)، كتاب الزكاة، حديث 1034 - 1036، عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: "أفضل الصدقة أو خير == الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول" ا. هـ لفظ مسلم، وأخرج البخاري أيضًا عن أبي هريرة، ومسلم عن أبي أمامة، نحوه.]])، فهذا مجاوزة حد الإعطاء. وقال سعيد بن المسيب: (معناه: لا تمنعوا الصدقة) [[أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 145، والطبري في "تفسيره" 8/ 61، وابن أبي حاتم 5/ 1399 بسند ضعيف.]]، وهذا يتوجه على أن تأويله: لا تتجاوزوا الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة، وهذا ضد القول الأول، ولكنهما راجعان إلى معنى مجاوزة الحد، فالأول: مجاوزة في الإعطاء. والثاني: مجاوزة في البخل. وقال مقاتل [["تفسيرمقاتل" 1/ 593.]] وعطية: (معناه: لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 185 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 136، عن عطية العوفي.]]، وهذا أيضًا من باب المجاوزة؛ لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام فقد جاوز ما حُدّ له. وروى عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (لا تجعلوا لله شريكًا، إنه لا يحب من جعل له شريكًا) [["تنوير المقباس" 2/ 68، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1399، بسند جيد عن عطاء، عن ابن عباس في قوله ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ قال: (في الطعام والشراب) اهـ، وأخرج أيضًا بسند جيد عن طاووس، عن ابن عباس في الآية قال: (أحل الله الأكل والشراب ما لم يكن سرفًا أو مخيلة) ا. هـ واختار هذا القول ابن كثير في "تفسيره" 2/ 204.]]، وهذا أيضًا من مجاوزة الحد. وقال إياس بن معاوية [[إياس بن معاوية بن قُرة بن إياس المزني، أبو واثلة، قاضي المغيرة، تابعي، ثقة، فقيه، يضرب به المثل في الذكاء والدهاء، والعقل والفطنة، والفصاحة، توفي == سنة 122 هـ، وله 76 سنة. انظر: "حلية الأولياء" 3/ 123، و"وفيات الأعيان" 1/ 247، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 155، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 2/ 178.]]: (ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف) [[أخرجه الطبري 8/ 61، وذكره الثعلبي ص 185 أ، والبغوي 3/ 196، والقرطبي 7/ 110، وأبو حيان في "البحر" 4/ 238، والسيوطي في "الدر" 3/ 94.]]، وهذا كله على الأصل الذي ذكره ابن الأعرابي، وقال الزهري: (معناه: لا تنفقوا في معصية الله) [[ذكره الثعلبي ص 185 أ، والبغوي 3/ 196، وابن الجوزي 3/ 136، والرازي 13/ 214، والخازن 2/ 191، وأبو حيان في "البحر" 4/ 238.]]، قال مجاهد: (لو كان أبو قبيس [[أبو قبيس، بضم القاف، وفتح الباء، وسكون الياء، بلفظ التصغير: اسم الجبل المشرف على مكة من جهة الصفا. انظر: "معجم البلدان" 1/ 80.]] ذهبًا فأنفقه رجل في طاعة الله لم يكن مسرفًا ، ولو أنفق درهمًا في معصية الله كان مسرفًا) [[أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1399 بسند جيد، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 519، والثعلبي ص 185/ أ، والبغوي 3/ 196.]]، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي [[حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، أبو عدي، فارس جاهلي وشاعر مشهور بجوده وخلقه وسماحته، ويضرب المثل بجوده، يتميز شعره بالإشادة بالسخاء والحكم الجميلة، توفي في السنة الثامنة بعد مولد النبي ﷺ. انظر: "الشعر والشعراء" ص 143، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 3/ 424، و"الأعلام" 2/ 151.]] حين قيل له: لا خير في السرف، فقال: (لا سرف في الخير) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 185 أ، والرازي 13/ 214، والقرطبي 7/ 110.]]، وهذا على الأصل الثاني في معنى السرف، وذلك أن من أنفق في معصية، فقد أنفق فيما لا يجدي عليه [[والظاهر أن الخطاب عام، والمتبادر من الآية النهي عن تجاوز الحد في الإنفاق وفي الأكل والشرب، والمسلم مطالب بالبعد عن الحرام أصلاً وليس بالإسراف فيه فقط، وهذا هو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 61، والنحاس في "ناسخه" == 2/ 336، وانظر: "القرطبي" 7/ 110، وابن كثير 2/ 204، و"تفسير آيات الأحكام من سورتي الأنعام والأعراف" للدكتور: فريد مصطفى سلمان ص 99 - 101.]]. 142 - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ الآية معناها: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا؛ لأن قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾ نسق علي قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾ [الأنعام: 141] قاله [[في (ش): (قال)، وهو تحريف.]] الفراء [["معاني الفراء" 1/ 359.]] وأبو إسحاق [["معاني الزجاج" 2/ 298، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 586، ومكي في "المشكل" 1/ 274 - 275 (قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ نصب على العصف على (جنات)، أي: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا) ا. هـ.]]. وأما الحمولة، فقال الفراء: (الحمولة: ما أطاق العمل والحمل، والفرش: الصغار) [["معاني الفراء" 1/ 359.]]. وقال ابن السكيت: (قال أبو زيد: الحمولة: ما احتمل عليه الحيّ من بعير أو حمار أو غيره كانت عليها أحمال أو لم تكن، وأنكر أبو الهيثم ما قاله أبو زيد، وقال: الحمولة من الإبل التي تحمل الأحمال على ظهرها، فأما الحُمر والبغال فلا تدخل في الحمولة) [["تهذيب اللغة" 1/ 925 مادة (حمل)، وفيه قال أبو الهيثم: (الحَمُولة من الإبل: التىِ تحمل الأحمال على ظهورها، بفتح الحاء: والحمولة: بضم الحاء: هي الأحمال التي تحمل عليها، واحدها حِمْل وأَحَمال وحُمول وحُمولة. فأما الحُمُر والبغال فلا تدخل في الحَمُولة) ا. هـ.]]، وقال الليث: (الحمولة: الإبل التي تحمل الأثقال) [["تهذيب اللغة" 1/ 925، وفيه ضبط: الحَمُولة، بالفتح، وقال: (والحُمُول، == بالضم: الإبل بأثقالها). وانظر: "العين" 3/ 242، و"الجمهرة" 1/ 566، و"الصحاح" 4/ 1676 (حمل).]]، وقال النابغة: وأنزلت بيتي في يَفَاعٍ مُمُنَّعٍ ... نُخَالُ به راعِي الحَمُولةِ طَائِرَا [["ديوان النابغة الذبياني" ص 47، و"الكتاب" 1/ 368، و"الأصول" 1/ 207، و"تهذيب اللغة" 1/ 925، و"اللسان" 2/ 1004 (حمل)، و"الدر المصون" 5/ 191، وجاء في هذه المراجع: وحلت بيوتي - بدل: وأنزلت بيتي. واليفاع: المُشْرِف من الأرض. انظر: "اللسان" 8/ 4963 (يفع). وقوله: يخال طائرًا، أي: كالطائر في صغره لبعده في السماء أو كالطائر المحلق في الهواء.]] وقال عنترة: ما رَاعَني إلاَّ حَمُولَة أَهلِهَا ... وَسْطَ الدِّيار تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ [["ديوانه" ص 17، والقرطبي 7/ 112، و"الدر المصون" 5/ 191، وهو من معلقته المشهورة. وراعني: أفزعني. وتسف: تأكل. والخمخم: نبت تعلفه الإبل. يقول: لما رأيت أهلها يتحملون راعني ذلك لفراقي إياها. انظر: "شرح القصائد" لابن الأنباري ص 304، و"النحاس" 2/ 13، و"جمهرة أشعار العرب" ص 161.]] وأما الفرش، فقال أبو إسحاق: (أجمع أهل اللغة [[انظر: "الجمهرة" 2/ 729، و"الصحاح" 3/ 1014، و"المجمل" 3/ 715، و"المفردات" ص 629 مادة (فرش).]] على أن الفرش صغار الإبل. قال: وقال بعض المفسرين: الفرش صغار الأنعام، وإن البقر والغنم من الفرش، قال: ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 143]، فلما جاء هذا بدلاً من قوله ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ جعله للبقر والغنم مع الإبل) [["معاني الزجاج" 2/ 298.]]. قال الأزهري [["تهذيب اللغة" 3/ 2769]]: ومما يحقق هذا قوله: وَلَنا الحَامِلُ الحَمولةُ والفرشُ ... من الضَّأنِ والحُصُون السُّيوفُ [[لم أهتد إلى قائله، وقد جاء في النسخ، وفي "اللسان" 6/ 3383 مادة (فرش) عن الأزهري: (والحصون السُّيوف)، وفي "تهذيب اللغة" 3/ 2769، (الحصون الشّيوف) بالشين، بدل السين، ولعله أصح لأن الشّيوف: المرتفع المزين. انظر: "اللسان" 4/ 2361 مادة (شوف).]] وقال الليث: (الفرش: من النعم التي لا تصلح إلا للذبح، وهي ما دون الحَمولة) [["العين" 6/ 256، و"تهذيب اللغة" 3/ 2769.]]. وقال الكسائي [[لم أقف عليه عن الكسائي بعد طول بحث، وهو قول ثعلب في "مجالسه" ص 425، وابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 335، وقال ابن الأنباري في "شرح القصائد" ص 304: (الحمولة: الإبل التي تطيق أن يحمل عليها، والفرش: الصغار التي لا تطيق الحمل عليها، وقال بعض المفسرين: الحمولة: الإبل. والفرش: البقر والغنم، وأهل اللغة على القول الأول) ا. هـ.]]: (الحمولة ما حمل، والفرش الصغار) [[لفظ: (الصغار) مكرر في (أ).]]، هذا قول أهل اللغة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 207، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 143، و"تفسير غريب القرآن" ص 1/ 172، و"نزهة القلوب" للسجستاني ص 202، 352، و"تفسير المشكل" ص80، والظاهر أن الحمولة، ما حمل من الأنعام، والفرش: الصغار؛ لأنها دانية من الأرض، وهذا هو قول الجمهور، واختاره الطبري في "تفسيره" 8/ 64، أو الفرش: ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره، الفرش. واستحسنه ابن كثير في "تفسيره" 2/ 205، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 586: (ومن أحسن ما قيل: إن الحمولة المسخرة المذللة للحمل، والفرش: ما خلقه الله عز وجل من الجلود والصوف مما يجلس عليه ويتمهد) ا. هـ، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 503، و"تفسير ابن عطية" 5/ 373، والرازي 13/ 216.]] في تفسير الحرفين. وأما [[في (ش): فأما.]] المفسرون فقال عطاء، عن ابن عباس: (﴿حَمُولَةً﴾: الحوامل، ﴿وَفَرْشًا﴾: الذي ليس بحامل) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 64 بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.]]. وقال ابن مسعود: (الحمولة: الكبار، والفرش: الصغار) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 62، وابن أبي حاتم 5/ 1400 بسند جيد، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 62، وابن أبي حاتم 5/ 1400، والحاكم في "المستدرك" 2/ 317، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في التلخيص عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرش: الصغار)، وفي رواية عند الطبري قال: (الحمولة: الكبار من الإبل، والفرش: الصغار من الإبل)، وروي بسند جيد عن ابن مسعود مثله في "تفسير مجاهد" 1/ 225 - 226، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 94، وانظر: "مجمع الزوائد" 7/ 22.]]. وقال الحسن: (الفرش: الحواشي) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 219 - 220، والطبري 8/ 63، بسند جيد عن الحسن قال: (الحمولة: ما حمل عليه، والفرش: حواشيها، يعني: صغارها).]]. وروي عن ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 63، وابن أبي حاتم 5/ 1400 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 95، وعلق البخاري في "صحيحه" 5/ 192، عن ابن عباس قال: (حمولة ما يحمل عليها) ا. هـ، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 62، بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (الحمولة: الكبار، والفرش: الصغار من الإبل) ا. هـ، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1401 بسند جيد عن ابن عباس قال: (الفرش: صغار الإبل)، وذكر السيوطي في "الدر" 3/ 94، عن ابن عباس أنه قال: (الفرش: الصغار من الإبل)، وفي رواية: (الفرش: ما أكل منه) اهـ.]]: (أن الحمولة: الإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش: فالغنم) [[في (أ) (وأما الفرش الغنم)، وهو تحريف.]]، وهذا مثل قول أبي زيد في الحمولة. وقال مجاهد: (الحمولة: ما حمل عليها، والفرش: صغار الإبل) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 62، من عدة طرق جيدة عن مجاهد قال: (الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرش: ما لم يحمل)، وفي رواية قال: (الفرش: صغار الإبل).]] وقال قتادة: (الحمولة: الإبل، والفرش: البقر والغنم) [[أخرج عبد الرزق في "تفسيره" 1/ 2/ 220، والطبري 8/ 63، بسند جيد، عن قتادة قال: (الحمولة: الإبل والبقر، والفرش: الغنم)، ولم أقف عليه عن قتادة بلفظ: (الفرش: البقر والغنم).]]. وقال الربيع بن أنس: (الحمولة: الإبل والبقر، والفرش: الماعز والضأن) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 63 بسند لا بأس به.]]، ونحو ذلك قال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 68، وفيه قال: (الحمولة: ما يحمل عليها، مثل الإبل والبقر. والفرش: ما لا يحمل عليها، مثل الغنم وصغار الإبل) ا. هـ.]]. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أحل الله لكم الذبائح مما ذكر اسم الله عليه) [[لم أقف عليه. وانظر: "معاني النحاس" 2/ 504، و"تفسير ابن عطية" 5/ 373]]. وقال أبو إسحاق: (أي: لا تُحرموا ما حرمتم مما جرى ذكره) [["معاني الزجاج" 2/ 298.]]. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (يريد: ما زين الشيطان وشرع عمرو بن لحي)، قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]]. وقال الزجاج: (المعنى: لا تسلكوا الطريق الذي يُسَوّله لكم الشيطان) [["معاني الزجاج" 2/ 298، وقال: (هذا هو الذي تدل عليه اللغة) ا. هـ، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 64، و"معاني النحاس" 2/ 504 - 505.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قال ابن عباس: (يريد: بيّن العداوة، أخرج آدم من الجنة، وهو القائل: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62] [[لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 68، قال: (ظاهر العداوة يأمركم بتحريم الحرث والأنعام).]].

الأنعام 6:143

وقوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الآية. انتصب (ثمانية) بالبدل من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ في قول الفراء والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 299، وهو قول الطبري في "تفسيره" 8/ 65.]]. قال الفراء: (وإن شئت أضمرت لها فعلًا) [["معاني الفراء" 1/ 359.]]، قال ابن قتيبة: (أي: كلوا مما رزقكم الله ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾) [["تأويل مشكل القرآن" ص 339، وفيه: (وإن شئت جعلته منصوبًا بالرد إلى الحمولة، والفرش تبيينا لها) ا. هـ، وبعضهم قدر: وأنشأ ثمانية أزواج، أو كلوا لحم ثمانية أزواج، انظر: "معاني الأخفش" 2/ 289، و"إعراب النحاس" 1/ 586، و"المشكل" 1/ 275، و"البيان" 1/ 345 - 346، و"التبيان" 361، و"الفريد" 2/ 241، و"الدر المصون" 5/ 192.]]. قال الفراء: (الذكر زوج، والأنثى زوج) [["معاني الفراء" 1/ 359، وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 299: (والزوج في اللغة: الواحد الذي يكون معه آخر) ا. هـ، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 505.]]، وهو قول ابن عباس: (يريد: بالزوج الواحد الذكر [[في (ش): (يريد بالزوج: الذكر الواحد زوج، وبالأنثى: زوج).]] زوج، والأنثى زوج) [[لم أقف عليه.]]. وقال ابن قتيبة: (والثمانية الأزواج: الضأن، والماعز، والإبل، والبقر، [فالضأن والماعز ذكرا في هذه الآية، والإبل والبقر [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] فيما بعدها، قال: وإنما جعلها ثمانية وهي أربعة؛ لأنه أراد ذكرًا وأنثى من كل صنف، فالذكر زوج، والأنثى زوج، يقع على الواحد وعلى الاثنين [[قال ابن الأنباري في "الأضداد" ص 373 - 375: (من ادعى أن الزوج يقع على الاثنين، فقد خالف كتاب الله جل وعز، وجميع كلام العرب إذ لم يوجد فيهما شاهد له، ولا دليل على صحة تأويله. وإنما يقال للاثنين: زوجان، قال الله عز وجل ﴿ثمانية أزواج﴾ الآية فكان المعنى: ثمانية أفراد أنشأ من الضأن اثنين، وكذلك ما بعدهما، فالأزواج معناها: الأفراد لا غير) ا. هـ ملخصًا. وانظر: "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 515 - 517، و"الزاهر" 2/ 198]]، ألا ترى أنك تقول للرجل: زوج وهو واحد، وللمرأة زوج وهي واحدة، وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: 45]) [["تأويل مشكل القرآن" ص 339 - 340، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 289، و"تهذيب اللغة" 2/ 1575، و"اللسان" 3/ 1885 مادة (زوج). وقد ذكر الأخفش في "معانيه" والطبري في "تفسيره" 8/ 65: (أنه يقال للاثنين: هما زوج).]]. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: الذكر والأنثى، والضأن: ذوات الصوف من الغنم [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2083.]]. قال الزجاج: (وهي جمع ضائن وضائنة مثل: تاجرٍ وتَجرٍ) [["معاني الزجاج" 2/ 299، وفيه: (والضأن: جمع ضائن وضَأن مثل تاجر وتَجْر).]]، وتجمع الضأن أيضًا [[لفظ: (أيضاً) ساقط من (أ).]]: الضِّئين والضَّئين بالكسر والفتح [[أي: بكسر الضاد وفتحها، قال القرطبي في "تفسيره" 7/ 113 - 114: (الضأن: ذوات الصوف من الغنم، وهي جمع ضائن، والأنثى ضائنة والجمع ضوائن وقيل: هو جمع لا واحد له، وقيل في جمعه: ضئين كعَبْد وعبيد، ويقال فيه: ضِئين، كما يقال في شَعير: شِعير، كسرت الضاد إتباعًا) ا. هـ وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 289، و"معاني النحاس" 2/ 505، و"اللسان" 4/ 2542 (ضأن) == و"البحر المحيط" 4/ 235، و"الدر المصون" 5/ 193 - 194.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ وقرئ (المعز) [[قرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو: (ومن المَعَز) بفتح العين، وقرأ الباقون: بسكون العين. انظر: "السبعة" ص 271، و"المبسوط" ص 176، و"الغاية" ص 251، و"التذكرة" 2/ 412، و"التيسير" ص 108، و"النشر" 2/ 216.]] بفتح العين، والمَعْز والمَعَزُ ذوات الشعر من الغنم، ويقال للواحد: مَاعِز، وتجمع مِعزى ومَعِيزًا [[النص في "تهذيب اللغة" 4/ 3420 (معز). وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 289.]] وحكى أبو زيد: (الأمعوز) [[جاء في "النوادر" لأبي زيد ص 78، (والأُمْعُوز: القطيع من الضباء) اهـ، وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3421، وأبو علي في "الحجة" 3/ 419، عن أبي زيد، وانظر: "اللسان" 7/ 4232 (معز).]]. وأنشد: كالتَّيْسِ في أَمْعُوزِهِ المُتَرَبَّلِ [[هذا عجز بيت لربيعة بن مقروم الضبي، وصدره: أَخْلَصْتُهُ صُنْعًا فآضَ مُحَمْلَجَا وهو في "النوادر" ص 77، و"الحجة" لأبي علي 3/ 419، و"الدر المصون" 5/ 194، وقوله: محملجا: أي كثير اللحم، يقال للعير الذي دوخل خلقه اكتنازًا: محملج. انظر: "اللسان" 2/ 1006 (حملج)، وقوله: المتربل: الذي قد أكل الربل، وهو ضرب من الشجر. انظر: "اللسان" 3/ 1572 (ربل).]] وقالوا [[العبارة في "الحجة" 3/ 419، وكليب جمع كلب، وضئين جمع ضأن، انظر: "الدر المصون" 5/ 193.]]: المعيز كالكَليب والضئين، قال: وَيَمْنَعها [[الشاهد لامرئ القيس في "ديوانه" ص 169، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 587، و"الحجة" لأبي علي 3/ 419، و"تفسير القرطبي" 7/ 114، و"الدر المصون" 5/ 194، وقوله: وحنانك ذا الحنان، يعني: رحمتك يا ذا الرحمة.]] بنو شَمَجَى بن حَزْمٍ [[كذا في الأصل، وفي سائر المراجع السابقة، (ابن جرم)، بدل حزم وهو == المشهور، وبنو شمجى -بالفتح- بن جَرْم: حي من قُضاعة. انظر: "الاشتقاق" لابن دريد ص 394، و"اللسان" 4/ 2321 (شمج).]] ... مَعِيزُهُمُ حَنَانَكَ ذَا الحَنَانِ وقال ابن شميل: (المِعْزى والمَعْزُ والمعيز للذكور والإناث) [["تهذيب اللغة" 4/ 3421، وانظر: "الجمهرة" 2/ 817، و"الصحاح" 3/ 896 (معز).]]، فمن قرأ (المعَز) بفتح العين فهو جمع ماعز، مثل خادم وخَدَم، وطالبٍ وطَلَبٍ، وحارس وحَرَسٍ، ومن قرأ بسكون العين فهو جمع أيضًا، جمع ماعز عليه، كما قالوا: صاحِب وصَحْب، وتَاجرٍ وتَجْرٍ، وراكبٍ ورَكْب [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 418 - 419، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 392، و"إعراب القراءات" 1/ 172، و"الحجة" لابن خالويه ص 152، ولابن زنجلة ص 275، و"الكشف" 1/ 456.]]. وأما انتصاب (اثْنَيْنِ) فمحمول على (أنشأ) [الأنعام: 141]، التقدير: [[قوله: (التقدير أنشأ) مكرر في (ش).]] أنشأ ثمانية أزواج أنشأ من كذا اثنين ومن كذا اثنين، قاله أبو علي [["الحجة" لأبي علي 3/ 418 - 419، وذهب الأكثر إلى أنه بدل من ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾. انظر: "الكشاف" 2/ 56 - 57، و"البيان" 1/ 346، و"التبيان" 361، و"الفريد" 2/ 241، و"الدر المصون" 5/ 193.]]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ نصب (الذكرين) [[في (أ): (الذكر)، وهو تحريف.]] بقوله (حَرَّمَ) والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله [[أي الذكرين: مفعول به مقدم لحرم. انظر: "الدر المصون" 5/ 195.]]. قال المفسرون: (إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يقولون: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾، ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية [الأنعام: 139] كما أخبر الله تعالى عنهم في الآيات التي مضت أنهم كانوا يحرمون أجناسًا من النعم بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال، فاحتج الله عليهم في هذه الآية والتي بعدها، فقال: يُقايسهم في تحريم ما حرموا: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ من الضأن والمعز حرم الله عليكم ﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؟ فإن كان حرّم من النعم ذكورها فكل ذكورها حرام، وإن كان حرّم الأثنيين فكل الإناث حرام [[ذكره عن المفسرين: الثعلبي في "الكشف" 185 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 197، والرازي 13/ 217، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 68، من عدة طرق جيدة، عن ابن عباس، ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد نحوه، وهو قول الزجاج في "معانيه" 2/ 299، والنحاس في "معانيه" 2/ 505، والنص أصله لابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص340 - 341.]]. وقال الفراء: (يقول: أجاءكم التحريم فيما حرمتم من الذكرين أم من الأنثيين؟ فلو قالوا: من قبل الذكر حرم كل ذكر، ولو قالوا: من قبل الأنثى [[في (أ): (أنثى).]]، حرمت كل أنثى) [["معاني الفراء" 1/ 360.]]. وقوله تعالى: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ما في موضع نصب، نصبته باتباعه [[هذه عبارة الفراء في "معانيه" 1/ 360، وأم عاطفة، وما موصولة في محل نصب معطوف علي الأنثيين. انظر: "الدر المصون" 5/ 195.]] الذكرين والأنثيين يقول: وإن كان ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من المعز والضأن فقد حرم الأولاد، وكلها أولاد، فكلها حرام، قاله الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 299.]]. وقال الفراء: (يقول: أحرّم عليكم من قِبل اشتمال الرحم، فلو قالوا ذلك لحرم عليهم الذكر والأنثى؛ لأن الرحم يشتمل على الذكر والأنثى) [["معاني الفراء" 1/ 360.]]. وقال ابن قتيبة: (يقول: فإن كان التحريم من جهة اشتمال الرحم، فالأرحام تشتمل على الذكور، وتشتمل على الإناث، وتشتمل على الذكور والإناث، فكل جنين حرام) [["تأويل مشكل القرآن" ص 341.]]، وهذه الأقوال معناها واحد، وذكرتها لزيادة البيان. قال مجاهد: (يقول: إنما الأنعام ثمانية أزواج، فمن أين جاء التحريم أمن قبل الذكر أم من قبل الأنثى، أما اشتملت عليه الأرحام، وهي لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فإن قالوا: من قبل الأنثيين، جاء التحريم، حرم عليهم كل أنثى. فإن قالوا: من قبل الذكرين، حرم عليهم كل ذكر، وعرفوا أن الأرحام لا تشتمل [[لفظ: (لا تشتمل) ساقط من (أ).]] إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرّمون بعضًا وتحلون بعضًا؟) [[لم أقف عليه عن مجاهد، وأخرجه الطبري 8/ 66، عن ابن جريج فقط.]]. وهذا معنى قول ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 67، وابن أبي حاتم 5/ 1403 بسند جيد وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 95.]] والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 68 - 69، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 569 عن الكلبي.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 594.]]. وقوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ قال أبو إسحاق: (أي: فسّروا ما حرّمتم بعلم، أي: فأنتم لا علم لكم؛ لأنكم لا تؤمنون بالكتاب) [["معاني الزجاج" 2/ 299، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 506، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 67.]].

الأنعام 6:144

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ مفسر في الآية الأولى. قال أبو إسحاق في قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ (أي: هل شاهدتم الله قد حرّم هذا إذ كنتم لا تؤمنون برسول) [["معاني الزجاج" 2/ 299، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 360، و"معاني النحاس" 2/ 506.]]. وقال ابن قتيبة: (﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ حين أمر الله بهذا، فتكونون على يقين، فلما لزمتهم الحجة ولم تكن عندهم علّة موجبة لتحريم ما حرّموا، بيّن الله تعالى أنهم فعلوا ذلك كذبًا على الله في قولهم، كذا أمرنا الله فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [["تأويل مشكل القرآن" ص 341، وفيه: (أي: حين أمر الله بهذا فتكونون على يقين؟ أم تفترونه عليه وتختلقونه؟ توبيخ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾) اهـ.]]، قال ابن عباس: (يريد: عمرو بن لُحيّ ومن جاء بعده، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [قال: يريد: المشركين [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]]) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 132، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 139، والرازي 13/ 217، وذكره بدون نسبة البغوي في "تفسيره" 3/ 198، والخازن 2/ 132، وابن كثير 2/ 205، والآية عامة يدخل فيها كل من أدخل في دين الله تعالى ما ليس فيه، وأول من يدخل في هذا الوعيد عمرو بن لحي؛ لأنه أول من == غير دين الأنبياء، كما سبق بيانه في ترجمته، وذكره الحافظ ابن كثير في "تفسيره". وانظر: "تفسير مبهمات القرآن" 1/ 471.]].

الأنعام 6:145

قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية، قال المفسرون: (بيّن الله تعالى أن المحرمات مما يُطعم ما ذكر في هذه الآية، لا ما حرموا هم على أنفسهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 69، والسمرقندي 1/ 520.]]. وقال أبو إسحاق: (أعلم الله تعالى أن التحريم والتحليل إنما ثبت بالوحي والتنزيل، فقال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 300، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 507.]]، [أي: شيئًا محرمًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]، ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾: على آكل يأكله. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أي: إلا أن يكون المأكول ميتة، أو إلا أن [[لفظ: (أن)، ساقط من (ش). وانظر: "معاني الفراء" 1/ 360، و"إعراب القرآن" 1/ 588.]] يكون الموجود ميتة يُضمر اسم كان مما تقدم، وقرأ [[قرأ ابن عامر، وابن كثير وحمزة (إلا أن تكون) بالتاء، والباقون بالياء، وقرأ ابن عامر (ميتة) بالرفع، والباقون بالنصب. انظر: "السبعة" ص 272، و"المبسوط" ص 176، و"التذكرة" 2/ 412، و"التيسير" ص 108، "النشر" 2/ 266.]] ابن كثير وحمزة (إلاَّ أَن تَكُونَ) بالتاء (ميتة) نصبًا على تقدير: إلاَّ أن تكون العين أو النفس أو الجُثة ميتةً تضمر للمحرّم اسمًا مؤنثًا، ألا ترى أن المحرم لا يخلو من جواز العبارة عنه بأحد هذه الأشياء، وقرأ ابن عامر (إلا أن تكون) بالتاء (ميتة) بالرفع على معنى: إلاّ أن تقع ميتة أو تحدث ميتة [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 423 - 424، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 392 - 393، و"إعراب القراءات" 1/ 172، و"الحجة" لابن زنجله ص 276، == و"الكشف" 1/ 456 - 457.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ قال ابن عباس: (مُهراقًا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 71، وابن أبي حاتم 5/ 1406 بسند جيد.]]، وقال الضحاك: (سائلًا) [[لم أقف عليه بعد طول بحث، وهو قول اليزيدي في "غريب القرآن" ص 143، وابن قيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 162، ومكي في "تفسير المشكل" ص 81.]]، والسفح كالصبّ، يقال: سفح الدم والدمع سفحًا، وسفح [[في (أ) (وسفح وهو سفوحًا)، وقاله الواحدي في "الوسيط" 1/ 132: (يقال: سفح الدم والدمع سفحا إذا صبه، وسفح هو سفوحًا إذا سأل) ا. هـ وانظر: "العين" 3/ 147، و"الجمهرة" 1/ 532، و"تهذيب اللغة" 2/ 1699، و"الصحاح" 1/ 375، و"المجمل" 2/ 464، و"اللسان" 4/ 2023 مادة (سفح). وقال السمين في "الدر" 5/ 198: (السفح: الصب، وقيل: السيلان، وهو قريب من الأول، وسفح يستعمل قاصرًا ومتعديًا، يقال: سفح زيد دمعه، ودمه، أي: أهراقه، وسفح هو، إلا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر، ففي المتعدي، يقال: سَفْح. وفي اللازم يقال: سُفُوح) اهـ.]] هو سفوحًا إذا سأل. وأنشد أبو عبيدة [[لم يرد في "مجاز القرآن"، وذكره عن أبي عبيدة الرازي في "تفسيره" 13/ 122، والسمين في "الدر" 5/ 198، وقال ابن الأنباري في "شرح القصائد" ص 25 - 26، و"الزاهر" 2/ 166: (مسفوحًا، أي: مصبوبًا)، ثم أنشد الشاهد.]] لُكثَيِّر: أَقولُ وَدَمْعي واكفٌ عِنْد رَسمها ... عَلَيكِ سَلاَمُ الله والدمعُ يَسْفَحُ [["ديوان كثير عزة"، و"تفسير الرازي" 13/ 122، و"الدر المصون" 5/ 198، وكف بالفتح أي: سأل، وفي الديوان: أقولُ ونِضْوِي وَاقِفٌ عند رمْسِها ... عليك سلام الله والعين تنفح]] قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 132، والبغوي في "تفسيره" 3/ 198، والرازي 13/ 122.]]. قال أهل العلم: (فلا يدخل في هذا الكبد والطحال لجمودهما ولا ما يختلط باللحم [من الدم فإنه غير سائل والله تعالى حرّم السائل منه) [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 124، وقال: (وعليه إجماع العلماء) اهـ، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 765، و"الفتاوى" 17/ 179، وروى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: "أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 2/ 97، وابن ماجه رقم (3314)، والدارقطني في "سننه" 4/ 272، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" 8/ 164 (2526).]] ، وسئل أبو مجلز [[أبو مجلز: لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري، إمام تابعي، ثقة مشهور بكنيته، توفي سنة تسع ومائة 109هـ، وقيل: قبل ذلك. انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 124، و"تهذيب التهذيب" 4/ 335، و"تقريب التهذيب" (7490) ص 586.]] عما يتلطخ من اللحم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]] بالدم، وعن القدر يرى فيها الدم، فقال: (لا بأس به، إنما نهي عن الدم [المسفوح) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 71، 72، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 97.]]. وهو قول عكرمة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 220، والطبري 8/ 71، 72، وابن أبي هاشم 5/ 1407 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 97.]] وإبراهيم [[قول إبراهيم النخعي، ذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 185 ب، والبغوي 3/ 198، والقرطبي 7/ 124، والخازن 2/ 195.]] وقال أبو إسحاق] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]: (المسفوح: المصبوب، وكانوا إذا ذبحوا أكلوا الدم كما يأكلون اللحم) [["معاني الزجاج" 2/ 300.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ نسق على [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 588، و"المشكل" لمكي 1/ 276، وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 300: (هو عطف على ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ المعنى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ المأكول ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (أو فسقًا)) اهـ.]] ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: كل ما ذبح على النصب) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 133، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 69، عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 173] بسند جيد، عن ابن عباس قال: (ما أهل به للطواغيت يعني: ما ذبح لغير الله من أهل الكفر غير اليهود والنصارى) اهـ.]]. قال الزجاج: (فسمى ما ذكر عليه غير اسم [[في (ش): (فسمى ما ذكر عليه اسم غير الله فسق).]] الله فسقًا) [["معاني الزجاج" 2/ 300، وزاد فيه (أي: خروجًا عن الدين). وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 185: (الضمير في قوله (فإنه) دن كان عوده إلى الثلاثة المذكورة باعتبار لفظ المحرم، فإنه يترجح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة أوجه. أحدها: قربه منه. والثاني: تذكيره دون قوله: (فإنه رجس). والثالث: أنه أتى بالفاء وإن تنبيها على علة التحريم لتزجر النفوس عنه، ويقابل هذه العلة ما في طباع بعض الناس من استلذاذه واستطابته، فنفى عنه ذلك، وأخبر أنه رجس، وهذا لا يحتاج إليه في الميتة والدم؛ لأن كونهما رجسًا أمر مستقر معلوم عندهم ..) اهـ.]]، وهذا من المفعول الذي يسمى بالمصدر، والمراد: ما يفسق به عن الدين، أي: يخرج أكله عن الدين [[انظر: "الدر المصون" 5/ 198.]]. فإن [[في (ش): (قال قيل)، وهو تحريف.]] قيل: المحرمات [من المطعومات] [[لفظ: (من المطعومات) ساقط من (أ).]] أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها؟ والجواب عنه من وجوه أحدها: أن المعنى: لا أجد محرمًا مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها، إلا ما ذكر في هذه الآية، وليست البحائر والسوائب من المحرمة بالوحي، وهذا معنى قول مجاهد [[ذكره ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 335.]] وطاووس [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 220، والطبري 8/ 69، وابن أبي حاتم 5/ 1405، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 96.]]. وقال الحسين بن الفضل: (وقت نزول هذه الآية لم يكن يحرم غير ما نص عليه في هذه الآية، ثم وجدت بعد محرمات سوى هذا) [[لم أقف عليه، وقد ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 220، بدون نسبة.]]. وقال عبد العزيز بن يحيى: (يعني: في وحي القرآن، فأما وحي السنة فقد حرّم أشياء كثيرة، وكل ما حرم النبي ﷺ مما لم يوجد في القرآن فهو محرّم أيضًا بالوحي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:3 - 4]) [[لم أقف عليه وقال القرطبي 7/ 116 - 117، الصحيح أن هذه الآية مكية، وكل محرم حرمه رسول الله ﷺ أو جاء في الكتاب مضموم إليها فهو زيادة حكم من الله عز وجل على لسان نبيه عليه السلام. على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر والفقه والأثر) ا. هـ، وهذا القول هو الظاهر -والله أعلم-. وانظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 338، و"الناسخ والمنسوخ" لأبي منصور البغدادي ص 103، و"الإيضاح" لمكي ص 249، و"أحكام القرآن" للكيا الهراس 3/ 245، و"تفسير البغوي" 3/ 198، و"الناسخ والمنسوخ" لابن العربي 2/ 218، و"المصفى" لابن الجوزي ص 34، و"الفتاوى" لشيخ الإسلام 21/ 8.]]. وباقي الآية مفسر فيما مضى [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 105 ب.]].

الأنعام 6:146

وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية، في الظفر لغات: ظُفُر بضم الفاء وهو أعلاها، وظُفْر بسكون الفاء، وظِفْر بكسر الظاء وسكون الفاء وهو قراءة الحسن [[ذكرها الثعلبي 185 ب، والرازي، 13/ 223، وأبو حيان في "البحر" 4/ 244، وأكثرهم ذكر سكون الفاء فقط. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 589، و"مختصر الشواذ" ص 41، وابن عطية 5/ 382، والقرطبي 7/ 124 - 125، وقال السمين في "الدر" 5/ 251: (قرأ الحسن (ظفر) بضم فسكون، وفي رواية بكسر فسكون) ا. هـ. بتصرف.]]، وظِفِر بكسرهما [[ذكرها الثعلبي في "الكشف" 185 ب، والرازي في "تفسيره" 13/ 223، والسمين في "الدر" 5/ 201، وأكثرهم ذكر عنه كسر الظاء وسكون الفاء. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 589، و"مختصر الشواذ" ص 41، و"تفسير ابن عطية" 5/ 382، والقرطبي 7/ 124، و"البحر المحيط" 4/ 144.]] وهو قراءة أبي السمال [[في النسخ (ابن السمآل) ونقله الرازي والسمين في "الدر" عن الواحدي بلفظ (أبو السمال)، وهو الصواب كما في المراجع السابقة، وهو: (أبو السمال) بفتح السين المهملة، وتشديد الميم: مشهور بكنيته واسمه مُعتب بن هلال العَدَوي المقرئ البصري، وقيل: اسمه: مغيث. وقيل: قعنب بن أبي قعنب. قال الذهبي في "الميزان" 4/ 142، 158: (له حروف شاذة، لا يعتمد على نقله ولا يوثق به، ضعفه الساجي، وكذبه الأزدي) ا. هـ، وانظر: "غاية النهاية" 2/ 27، و"لسان الميزان" 6/ 60، 74.]]، ويقال له: أُظُفُور [[انظر: "التبيان" 362، و"الفريد" 2/ 244، و"الدر المصون" 5/ 251، وقال ابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" 337 - 338: (الأظفار كلها مذكرة وفي واحدها ثلاث لغات: ظُفُر بالضم، وهي اللغة العالية، وعليها أكثر الناس، وظفر بضم فسكون، وبها قرأ الحسن، وأظفور بضم الهمزة والفاء وسكون الظاء) اهـ، وفي "اللسان" 5/ 2749، قال: (وأما قراءة ظِافْر بالكسر فشاذ غير مأنوس به؛ إذ لا يعرف ظفر بالكسر) اهـ.]]، قال الشاعر: ما بَيْن لُقْمَتِهِ الأُولى إذا انحدرت ... وَبَيْنَ أَخْرَى تَليها قِيدُ أُظْفُورِ [[الشاهد في "الجمهرة" 2/ 762، 1194، أنشدته أم الهيثم غيثة من بني نمر بن عامر بن صعصعة، وبدون نسبة في "كتب الفرق" للأصمعي ص 61، ولأبي حاتم السجستاني ص 28، ولثابت بن أبي ثابت ص 22، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 339، و"تهذيب اللغة" 3/ 2242، و"زاد المسير" 3/ 142، و"اللسان" 5/ 2749، و"بصائر ذوي التمييز" 3/ 536، و"الدر المصون" 5/ 201، و"تاج العروس" 7/ 162 مادة (ظفر).]] واختلفوا في ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ المحرم على اليهود: فقال ابن عباس: (هو البعير والنعامة) [[أخرجه الطبري 8/ 72، والبيهقي في "سننه" 10/ 8 بسند جيد، وعلقه البخاري في "صحيحه" 8/ 295، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 100.]]، وهو قول مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 226، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 73، من عدة طرق جيدة.]]، واختيار الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 301، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 73.]]. قال ابن عباس: (النعام ذات ظفر كالإبل) [[سبق تخريجه، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1410 بسند جيد عن ابن عباس قال: (هو الذي ليس بمتفرج الأصابع، يعني: ليس بمشقوق الأصابع منها الإبل والنعام) ا. هـ، وذكره الحافظ في "فتح الباري" 8/ 2295، وقال: (رواه ابن أبي حاتم، وإسناده حسن) اهـ.]]. وقال قتادة: (كل ذي ظفر ليس بمشقوق الأصابع) [[أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 221، والطبري 8/ 73، بسند جيد.]]، وهو قول ابن جريج: (كل ذي ظفر لم يفرج قوائمه من البهائم كالبعير والنعامة والبط والأوز وحمار الوحش، وما تفرّجت قوائمه أكلوه كالدجاج والعصافير) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 73، بسند جيد عن ابن جريج عن شيخه القاسم بن أبي بزة المكي وقال السيوطي في "الدر" 3/ 100: (أخرجه أبو الشيخ عن ابن جريج).]]. وقال عبد الله بن مسلم: (أي: كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي حافر من الدواب، كذلك قال المفسرون، قال: وسمى الحافر ظفرًا على الاستعارة كما قال الآخر وذكر ضيفًا: فما رَقَد الوِلْدَانُ حتى رَأَيْتُهُ ... على البَكْرِ يَمْرِيهِ بَساقٍ وحَافِرٍ [[البيت لجُبَيْهاء الأسدي يزيد بن عبيد، في "اللسان" 2/ 925 مادة (حفر)، وبدون نسبة في "الحروف" لابن السكيت ص 95، و"الجمهرة" 3/ 1313/ "الصحاح" 3/ 635، و"الصناعتين" ص 301، و"المخصص" 6/ 134، و"المدخل" للحدادي ص 211، وهو لمُزرِّد بن ضرار الغطفاني في "أسرار البلاغة" ص 23. ويمريه، أي: يستخرج ما عنده من الجري، والشاعر يصف ضيفًا أسرع إليه، واستعار الحافر للقدم.]] فجعل الحافر موضع القدم) [["تأويل مشكل القرآن" ص 153.]]. وقال عطاء، عن ابنَ عباس: (يريد: الإبل) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 223.]]، وهو قول ابن زيد: (هو الإبل فقط) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 73، بسند جيد، وذكره ابن عطية في "تفسيره" 5/ 382، وقال: (وهذا ضعيف التخصيص) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾، قال المفسرون: (يعني: الثُّرُوب [[الثروب: بالضم جمع ثَرْبٍ، وهو الشحم المبسوط على الأمعاء والمصَارين والكَرِش. انظر: "اللسان" 1/ 475 مادة (ثرب).]] وشحم الكليتين) [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 363، و"معاني الزجاج" 2/ 301، و"تفسير الطبري" 8/ 74، والبغوي 3/ 200، وابن الجوزي 3/ 142.]]، وهو معنى قول ابن عباس: (يريد: شحوم الجوف) [["تنوير المقباس" 2/ 71.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ قال ابن عباس: (إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 75، وابن أبي حاتم 5/ 1410، والبيهقي في "سننه" 10/ 8 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 100، 101.]]، وقال قتادة: (ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 134، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 142، والرازي 13/ 183.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ وهي المباعر والمصارين، واحدتها حاوية، وحَويَّة وحاوياء [[انظر: "العين" 3/ 318، و"الجمهرة" 1/ 231، و"المجمل" 1/ 254، و"المفردات" ص 271 (حوى).]]، قال ابن الأعرابي: (هي الحَوِيَّة والحاوِيةُ، وهي الدُّوارة التي في بطن الشاة) [["اللسان" 2/ 1063 (حوا)، و"الدر المصون" 5/ 206، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 947 ، عن ابن الأعرابي قال: (هي الحَوَايةُ والحاوِية، وهي الدوارة التي في بطن الشاة) اهـ.]]. وقال ابن السكيت: (يقال: حاويةٌ وحوايا مثل زَاوِية وَزَوَايا [[لفظ: (زواية وزوايا) ساقط من (ش).]] ورَاوية وَرَوَايا، [قال: ومنهم من يقول: حَوِيَّة وحَوايا مثل الحَوِيَّة التي توضع على ظهر البعير ويركب فوقها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]. قال: ومنهم من يقول لواحدتها: حَاوياء) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 224، والسمين في "الدر" 5/ 206، عن ابن السكيت، وهذا القول في "تهذيب اللغة" 1/ 947، و"اللسان" 2/ 1063 (حوا)، لأبي الهيثم خالد بن يزيد الرازي.]]. وأنشد قول جرير: تَضْغُو الخَنانيصُ والغُول التي أكلَتْ ... في حاوِيَاءِ رَدُومِ الليل مِجْعَارِ [["ديوان جرير" ص 313، و"تهذيب اللغة" 1/ 947، و"اللسان" 2/ 163 (حوى)، و"الدر المصون" 5/ 206، وقوله: تضغو، أي: تصيح وتصوت. انظر: "اللسان" 5/ 2593 (ضغا)، والخنانيص جمع الخِنَّوْص: ولد الخنزير. انظر: "اللسان" 3/ 1278 (خنص)، وردوم: جمع ردم، وهو السد والصوت والضُّراط. انظر: "اللسان" 3/ 1628 (ردم)، ومجعار، الجَعْر: ما تيبس في الدبر من العذرة. انظر: "اللسان" 2/ 633 (جعر).]] وأنشد ابن الأنباري [["الأضداد" لابن الأنباري ص 222، وقال: (ووا حدة الحوايا: حاوياء، وحاوية، وحَوِية) ا. هـ. وانظر: "شرح القصائد السبع" ص 212.]]: كأَنَّ نفيق الحَبّ في حاويائِهِ ... نفيق الأفاعي أو نفيقُ العقارب [[الشاهد لجرير في "ديوانه" ص 68، و"اللسان" 2/ 1063 (حوا)، وبدون نسبة في "الصحاح" 6/ 2322، و"مقاييس اللغة" 2/ 112 (حوى) و4/ 437 (فح)، و"زاد المسير" 3/ 143، و"الدر المصون" 5/ 206، وفي "الديوان" (نفيق بدل (فحيح).]] قال أبو علي الفارسي: (الحوايا واحدتها حوية وحاوياء [[في النسخ: (وحوايا)، وهو تحريف.]] وحاوية، فإن كان جمع حاوية [[في (ش): (جمع حاويا أو حاويا).]] أو حاوياء كان فواعل، وإن كان جمع حويّة كان فعائل، فإن قلنا: إنه فعائل، فإنه كان في الأصل حوائي، والهمزة فيها كالهمزة في ترائب وسحائب ونحوها مما هو بين هذا الجنس، واعتراض هذه الهمزة ذكرنا علته في قول ﴿مَعَايِشَ﴾ في سورة الأعراف [: 10] [[انظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 7.]] في قراءة من همزها، فلما جمعت حوية: حوائي وقعت في الطرف ياء مكسور [[في (أ): مكسورة.]] ما قبلها، فلزم أن تقلب ألفا، إذ [[في (أ): (أن قلبت) وعليه علامة خطأ، وجاءت في "الإغفال" ص 779: (إذا قلبت).]] قلبت فيما ليس قبله حرف اعتلال في هذا الجمع، وذلك قولهم: مداري ومهاري [[في النسخ: (قولهم: مدارًا ومهارًا)، وفي "الإغفال" (مدارى) فقط.]]، وحروف الاعتلال في حوائي [[في النسخ: (حواى)، وفي "الإغفال" ص 799: (وحروف الاعتلال في مطائي وسمائي أكثر منها في مداري ..) ا. هـ.]] أكثر منها في مداري، فإذا قلب في مداري وجب أن يلزم هذا الضرب القلب فيقال: حواءا، فيقع الهمز بين [[في (أ): (فيقع همز بين ألفين).]] ألفين، وهي قريبة من ألف [[كذا في "النسخ"، وفي "الإغفال" ص 799: (وهي قريبة من الألف).]] فيجتمع حروف متشابهة يُستثقل اجتماعهن، فأبدلت الهمزة ياء [فصار حوايا ومثله مطايا وما كان في هذا القبيل، وأما قلت [[كذا في (أ)، والصواب: (وإن قلت)، وفي "الإغفال" ص 804: (وإما فواعل فإنك قلبتها من حيث).]]: وزنه فواعل قلبتها [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] من حيث همزت عواني [[كذا في "النسخ"، وفي "الإغفال" ص 804: (من حيث همزات عوائر وأوائل).]] وأوائل، فلما اعترضت الهمزة فيه قلبتها ياء على ما بينا في فعائل) [["الإغفال" ص 798 - 804 بتصرف. وانظر: شرح ذلك في "الدر المصون" 5/ 106، و"معجم مفردات الإبدال والإعلال" للخراط ص 90.]]. قال قتادة: (أرادوا ما حملت الحوايا) [[لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الطبري 8/ 75، 76، من طرق عن ابن عباس ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، والسدي، قالوا: (الحوايا: == المباعر)، وقال ابن الأنباري في "شرح القصائد" ص 212: (قال المفسرون: الحوايا: المباعر، واحدها: حاوياء وحاوية) ا. هـ.]]، وهو قول ابن عباس: (﴿أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ من الشحم فإني لم أحرمه) [[سبق تخريجه.]]، و (الحوايا) عطف على الظهور في موضع رفع [[هذا قول الطبري 8/ 75، وعليه يكون التقدير: وإلا الذي حملته الحوايا فإنه غير محرم، وقال أبو حيان 4/ 244، والسمين في "الدر" 5/ 203: (هذا هو الظاهر) اهـ.]]، قال الفراء: (يجوز أن يكون في موضع نصب بتقدير حذف المضاف على أن تريد أو شحوم الحوايا، فتحذف الشحوم ويُكتفى بالحوايا، كما قال ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] يريد: أهلها) [["معاني الفراء" 1/ 363.]]. وحكى ابن الأنباري [[قال ابن الأنباري في "إيضاح الوقت والابتداء" 2/ 645: (﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ وقف غير تام؛ لأن (الحوايا) منسوقة على الظهور، كأنه قال: إلا ما حملت ظهورهما أو حملت الحوايا) ا. هـ، وانظر: "القطع والائتناف" 1/ 242.]] عن أبي عبيد أنه قال: (قلت للفراء: هو بمنزلة قول الشاعر: لا يَسْمَعُ المَرْءُ فِيهَا ما يُؤَنّسُهُ ... باللَّيْلِ إلاَّ نَئيمَ البُومِ وَالضُّوعَا [[الشاهد للأعشي في "ديوانه" ص 106، و"اللسان" 5/ 2621 (ضوع)، وذكره السمين في "الدر" 5/ 205، عن ابن الأنباري، والشاعر يصف قلاة. والنئيم: صوت فيه ضعف كالأنين، وهو صوت البوم. انظر: "اللسان" 7/ 4314 (نأم) والضُّوَع: طائر من طير الليل إذا أحصر بالصباح صدح، وقيل: هو ذكر اليوم، والضُّوَع صوته. انظر: "اللسان" 5/ 2620، 2621 مادة (ضوع).]] فقال لي: نعم، يذهب إلى أن الضُّوَع عطف على النئيم، ولم يُعطف على البوم كما عطفت (الحوايا) على ما، ولم تعطف على الظهور [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 205 - 206 عن الواحدي، وقال بعده: (فمقتضى ما حكاه ابن الأنباري أن تكون (الحوايا) عطفًا على ما المستثناة، وفي معنى ذلك قلق بين) ا. هـ، والنصب في (الحوايا) من وجهين: أحدهما: العطف على ما في قوله (إلا ما حملت). والثاني: العطف على قوله (شحومهما)، وعلى وجه النصب تكون الحوايا محرمة عليهم بخلاف الرفع. انظر: "المشكل" لمكي 1/ 276، و"البيان" 1/ 348، و"التبيان" 1/ 362، و"الفريد" 2/ 244، و"الدر المصون" 5/ 203 - 206.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ يعني: شحم الأَلية، في قول جميع المفسرين [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 134، والرازي في "تفسيره" 13/ 224 عن جميع المفسرين، ورجح الطبري في "تفسيره" 8/ 76، أن المراد شحم الألية والجنب وما أشبه ذلك.]]، قال ابن جريج: (كل شحم في القوائم والجنب والرأس [وفي العينين والأذنين] [[في (ش): (وفي الأذنين والعينين).]]. يقولون: قد اختلط بعظم فهو حلال لهم، إنما حُرّم عليهم الثرب وشحم الكلية) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 76، بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 510.]]. قال الفراء: (و (ما) في موضع نصب نسقًا على ما في الأولى التي هي نصب بالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [["معاني الفراء" 1/ 363، وفيه قال: (ما: في موضع نصب) ا. هـ، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 589: (في هذا أقوال هذا أصحها، وهو قول الكسائي والفراء وثعلب، والنظر يوجبه أن يعطف الشيء على ما يليه، إلا أن لا يصح معناه أو يدل دليل على غيره) ا. هـ واختاره الطبري في "تفسيره" 8/ 73.]]، هذا الذي ذكرنا قول أكثر أهل التفسير [[انظر: "زاد المسير" 3/ 143 - 144.]] في هذه الآية. وقال أبو إسحاق: (قال قومٌ: حرمت عليهم الثروب، وأحل لهم ما حملت الظهور وصارت ﴿الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ نسقًا على ما حُرّم لا على الاستثناء [في قوله ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]] المعنى على هذا القول: حُرّمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم، وأُدخلت على طريق الإباحة كما قال عز وجل: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: 24]، فالمعنى: كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا، أو اعص هذا، وأو بليغة في هذا المعنى؛ لأنك إذا قلت: لا تطع زيدًا [وعمرًا] [[في (أ): (وعمروًا).]] فجائز أن تكون [نهيتني] [[في (ش): (يهتدي)، وهو تحريف.]] عن طاعتهما معًا في حالة، فإن أطعت زيدًا على حدته لم أكن عاصيًا، وإذا قلت: لا تطع زيدًا أو [عمرًا] [[في (أ): (عمروًا).]] أو خالدًا، فالمعنى: أن هؤلاء كلهم أهل [أن] [[في (ش): (لأن).]] لا يطاع، فلا تطع واحداً منهم، ولا تطع الجماعة، ومثله: جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي، فليس المعنى: إني آمرك [بمجالسة] [[في (ش): (مجالسة).]] واحد منهم [ولكن معنى أو معنى الإباحة، المعنى: كلهم أهل أن يجالس، فإن جالست واحداً منهم [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]] فأنت مصيب، وإن جالست الجماعة فأنت مصيب) [["معاني الزجاج" 2/ 301 - 302، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 145: (الأحسن في الآية إذا قلنا أن ذلك معطوف على (شحومهما) أن تكون أو فيه للتفصيل، فصل بها ما حرم عليهم من البقر والغنم) ا. هـ، وانظر: "الدر المصون" 5/ 204 - 205.]]، هذا كلامه. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك التحريم ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾، قال مقاتل: (عقوبة لهم بقتلهم الأنبياء، وأخذهم الربا، واستحالال أموال الناس بالباطل، فهذا البغي) [["تفسير مقاتل" 1/ 595.]]. وقال الكلبي: (﴿جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ عاقبناهم بذنوبهم، نظيره: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية [النساء: 160]) [["تنوير المقباس" 2/ 71، والمعنى متقارب. وانظر: "تفسير الطبري" 12/ 206، و"معاني النحاس" 2/ 513، و"تفسير السمرقندي" 1/ 521، والبغوي 3/ 200، وابن الجوزي 3/ 144، وابن كثير 2/ 186.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: في الإخبار عن التحريم وعن بغيهم [[انظر: المراجع السابقة.]].

الأنعام 6:147

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ قال الكلبي: (وذلك أن رسول الله ﷺ قال للمشركين: هذا ما أوحي إليَّ مما كان محرمًا على اليهود، وما حُرّم على المسلمين في الآية الأولى، وقالوا له: ما أصبت وكذبوه، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ فيما تقول ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾، لذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾: عذابه إذا جاء الوقت، ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني: الذين كذبوك بما تقول) [[لم أجد من ذكر هذا السبب في نزول الآية، وفي "تنوير المقباس" 2/ 71، نحوه في شرح الآية.]]. وقال ابن عباس: (يريد: الملحدين) [[لم أقف عليه.]].

الأنعام 6:148

قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. أخبر الله تعالى عنهم بما سيقولونه [[في (أ): (بما سيقولو إذا لزمتهم).]] إذا لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما هم عليه من الشرك بالله، وتحريم ما لم يحرمه الله. وقوله تعالى: ﴿وَلَا آبَاؤُنَا﴾ عطف على المضمر المرفوع في ﴿أَشْرَكْنَا﴾ من غير توكيد للمضمر وهو قبيح لولا قوله: (ولا)، فإنه قام مقام تأكيد المضمر [[انظر "معاني الزجاج" 2/ 302، و"إعراب النحاس" 1/ 590، وقد ذهب الكوفيون إلى أنه: يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل نحو (قمت وزيد). وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إلا على قبح في ضرورة الشعر. وأجمعوا على أنه إذا كان هناك توكيد أو فصل فإنه يجوز معه العطف من غير قبح. انظر: الكتاب 2/ 277، و"الإنصاف" 380، و"الدر المصون" 5/ 210.]]، وهذه المسألة قد مضت بالاستقصاء [[لم أقف عليه.]]. قال المفسرون [[انظر "تفسير الطبري" 8/ 780، السمرقندي 1/ 522، البغوي 3/ 201.]] (إن المشركين جعلوا قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ حجة لهم على إقامتهم على الشرك، فقالوا: إن الله رضي منا ما نحن عليه، وأراده منا، وأمرنا به، ولو لم يرضه لحال بيننا وبينه، فقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الذين من قبل قومك كذبوا أنبيائهم، وقالوا مثل ما قال هؤلاء) [["تنوير المقباس" 2/ 72، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 145.]]. فإن قيل: لم كذبوا في إضافة مشيئة شركهم إلى الله؟ قيل: إنهم لم يكذبوا في ذلك، ولو كذبوا في قولهم ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾، لقيل: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ بالتخفيف [[القراءة المشهورة ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ بتشديد الذال، قال الطبري في "تفسيره" 8/ 79: (ولو كان ذلك خبرًا من الله عن كذبهم في قيلهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ لقال: (كَذَلِكَ كَذَبَ الذين من قبلهم) بتخفيف الذال، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله لا إلى التكذيب ..) ا. هـ، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 201، وابن عطية 5/ 388، والرازي 13/ 325.]]، ولكن المعنى: كما [كذبك هؤلاء] [[لفظ: (كذبك هؤلاء)، ساقط من (ش).]]، كذب كفار الأمم الخالية أنبياءهم، ولم يتعرض لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾، ولكن قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ لا يكون حجة لهم على أن ما هم عليه من الدين حق؛ لأن الأشياء كلها تجري بمشيئة الله تعالى، فلو كانوا على صواب؛ لأن ذلك بمشيئة الله تعالى لكان من خالفهم أيضًا وجب أن يكون عندهم على صواب؛ لأنهم أيضًا على ما شاء الله، فينبغي أن لا يقولوا إنهم ضالون، فبان أنه لا حجة لهم في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ وإن كان الأمر على ما قالوا؛ لأنهم تركوا أمر الله وتعلقوا بمشيئته، وأمر الله تعالى بمعزل عن إرادته؛ لأنه مريد لجميع الكائنات، غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يحفظ الأمر ويتبعه، وليس له أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر [بما يجب عليه] [[في (ش): (بعد ورود الأمر لما يجب الانتهاء إليه).]] الانتهاء إليه، وهذا معنى ما ذكره أبو إسحاق [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 302.]] وغيره من العلماء [[ومنهم: الطبري في "تفسيره" 8/ 78، 79، والنحاس في "معانيه" 2/ 513 - 514، والثعلبي في "تفسيره" ص 185 ب، والبغوي 3/ 201.]]. وقال أبو علي الجرجاني: (احتج [[في (أ): (حين احتج المشركون).]] المشركون بأنهم أشركوا بمشيئة الله، والمراد بالمشيئة هاهنا: الأمر، وترك النهي لا الإرادة التي يقولها المؤمنون، أيضًا أن الشرك وكل كائن فهو بمشيئته، وإنما يكون لهم تعلق بهذا إذا أرادوا بالمشيئة الأمر، ألا ترى أن رجلاً لو كان معه حدث فعوتب عليه فقال: لو شاء فلان لم أفعله [[في (ش): (يفعله).]] لم يكن له في ظاهر هذا القول عذر، ولا تعلق إلا أن يعني به أنه أمره به، ومن عادة العرب الجارية بينهم في المحاورات إذ أمر الرجل بشيء ففعله، فيتم عليه الأمر وعاتبه عليه أن يقول له: لو شئت أنت لم أفعله، أي: أنك أنت أمرتني به فلمَ تنكره عليّ ولو نهيتني عنه لم أفعله، ويدل على صحة ما ذهبنا إليه من أن هذا محمول على الأمر قوله: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: 143]، وهذا يدل على أنهم أضافوا ذلك التحريم إلى أن الله تعالى أمرهم به لا إلى مشيئته. ولو أضافوا ذلك إلى المشيئة لقال عز وجل في الإنكار عليهم: قل أتحريم الذكرين شاء لكم أم تحريم الأنثيين، وكذلك قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: 144]، وهل تكون التوصية إلا أمرًا ظاهرًا لا مشيئة باطنة، ولم يكن الله ليطالبهم بأن يكونوا شهداء بمشيئته، ثم قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: 144] يعني قولهم [[لفظ (قولهم)، ساقط من (أ).]]: إن الله أمرنا بتحريم هذه الأنعام، وكذلك قوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ [الأنعام: 150] أي: أمر بتحريمه فلما دلت هذه الآيات على أنهم أضافوا ما كانوا عليه إلى أن الله تعالى أمرهم به كان. قوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ أي: لو نهانا عن الشرك ولم يأمرنا به ﴿مَا أَشْرَكْنَا﴾، فأضافوا شركهم إلى أمره، كما أضافوا التحريم، وقد صرح الله تعالى بهذا الذي ذكرنا في الإخبار عنهم في قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28]، فالمرجع على ما رتبنا وبيّنا في تأويل قوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ وجميع ما يتصل به إلى أنهم ادَّعوا على الله أنه أمرهم به، فكذّبهم الله في ادعائهم أمره بذلك، لا أنه كذبهم في إضافتهم مشيئة ما هم فيه إليه، ومما جاء في القرآن، من مثل هذا قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: 169]، فهذا تبكيت لهم على قولهم (سَيُغْفَرُ لَنَا) [[في (ش): (لهم بدلًا من (لنا).]]؛ لأن الكذب لا يقع إلا فيه مما ذكر في [[لفظ: (في) ساقط من (ش).]] هذه الآية، ومعنى قولهم ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ أنهم ادّعوا أن الله وعدهم أن يغفر لهم، فكذّبهم الله تعالى في ادعائهم الوعد، ولا يحسن حمله إلا على هذا الوجه؛ لأنه لا يحسن أن ينكر عليهم حسن الظن بالله في الغفران وحسن الظن غير مذموم) [[لم أقف عليه عن أبي علي الجرجاني.]]. وقال أبو بكر بن الأنباري: (إنما عابهم الله تعالى بردّ المشيئة إليه حن استهزءوا واحتجوا على المؤمنين، وضَعّفوا أمر الرسل بردّ المشيئة إلى الله فقالوا للمؤمنين: ما نحتاج إلى اتباع الرسل؛ لأن الذي نحن عليه بمشيئة ربنا، وعلى أنه لو شاء نقلنا عنه، فلما لم يقولوه على جهة التعظيم لله [وقالوه] [[في (ش): (وقالوا).]] طاعنين على المسلمين، ومضعّفين أمر الأنبياء نعاه الله عز وجل عليهم وبيّن جهلهم فيه) [[لم أقف عليه.]]. وهذا قول الحسين بن الفضل: (أنهم قالوا هذه المقالة تكذيبًا وتخرّصًا وجدلًا من غير معرفة بالله وبما يقولون، ولو قالوها تعظيمًا وإجلالًا لله ومعرفة منهم به لما عابهم الله بذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: 107]، والمؤمنون يقولونه، ونظير هذا قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: 20] قال الله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: 20] أي: قولهم هذا من غير علمٍ منهم بالله، والمؤمنون يقولونه بعلم بالله منهم) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 185 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 201، والخازن 2/ 197، وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 387: (قال بعض المفسرين: إنما هذه المقالة من المشركين على جهة الاستهزاء، وهذا ضعيف) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾، قال ابن عباس: (أي: من كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرّمتم) [[ذكره الوحدي في "الوسيط" 1/ 136، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 145 بدون نسبة.]]، ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن، لا العلم واليقين ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ وما أنتم إلا خارصين، كاذبين، والمراد بلفظ الاستقبال: الاسم كما تقول: رأيته يصلي، أي: مصليًا، ويأكل أي: آكلاً، ونظير هذا قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116]، وقد مضى في هذه السورة.

الأنعام 6:149

قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ قال الزجاج: (حجته البالغة تبيينه أنه الواحد، وإرساله الأنبياء بالحجج التي يعجز عنها المخلوقون أجمعون) [["معاني الزجاج" 2/ 303.]]، وهذا معنى قول المفسرين: لله الحجة البالغة بالكتاب والرسول والبيان [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 79، و"معاني النحاس" 2/ 514، و"تفسير السمرقندي" 1/ 522، والبغوي 3/ 202.]]. ﴿فَلَوْ [[في النسخ: (ولو شاء) بالواو، وقد جاء ذلك في سورة النحل، الآية 9 قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.]] شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ هذا يدل على أنه ما شاء إيمان الكافر ولو شاء لهداه، والقدرية يحملون هذه الآية ونظائرها على الإلجاء، وذلك باطل من وجوه: أحدها: أن هذا عدول عن الظاهر، والظاهر لا يدل على أن المراد لو شاء لألجأهم إلى الإيمان حتى يؤمنوا. والثاني: أن عندهم الله تعالى أراد أن يؤمن الخلق اختيارًا لا اضطرارًا، فإذا لم يؤمنوا أختيارًا حتى يلجئهم لم يرتفع مراده. والثالث: أنهم بعد الإلجاء يجوز أن يصبروا على مقاساة الشدة ولا يؤمنوا فلا يرتفع أيضًا مراده كمن صبر على مطالبة ما يقدر على أدائه حتى يهلك، وأيضًا فإن هذا الإلجاء إذا قدر الله تعالى عليه ولم يفعل حتى يؤمنوا فشركهم كان بإرادته؛ لأن عندهم لا يجوز أن يدخر الله تعالى شيئًا عن الخلق [[في (ش): (على الخلق).]] لو فعله لآمنوا، فإذا كان إيمانهم إنما يحصل بالإلجاء ثم لم يفعل فقد أراد شركهم [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 202، وابن عطية 5/ 390، والرازي 13/ 325، 326.]].

الأنعام 6:150

قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ الآية، قال الليث: (هَلُم كلمة دعوة إلى شيء، الواحد والاثنان والجميع والذكر والأنثى فيه سواء، إلا في لغة بني سعد [[بنو سعد: هم بنو سعد العشيرة، حي من كهلان من القحطانية، وهم بنو سعد العَشيرة ابن مالك، وهو مذحج بن أَدد بن يزيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان. انظر: "الاشتقاق" ص 397، و"نهاية الأرب" ص 268.]] فإنهم يحملونه على تصريف الفعل يقولون: هَلُمَّا هَلُمُّوا) [["تهذيب اللغة" 4/ 3788، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 208.]]، ونحو ذلك قال ابن السكيت فيما أخبرناه أبو الفضل العروضي، [أخبرنا] [[في (أ): (انباء).]] الأزهري، عن المنذري، عن الحَرَّاني، عنه يقول: (هَلُمَّ يا رجل، وكذلك للاثنين والجميع والمؤنت مُوَحَّد، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنعام:150] وقال عز وجل: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب: 18] ولغة أخرى يقال للاثنين: هَلُمَّا ، وللجميعِ: هَلُمُّوا، وللمرأة: هَلُمِّي، وللاثنين: هلُمَّا ، وللجميع: هَلُمْنَ، والأول أصح وإذا قال لك: هَلُمَّ إلى كذا، قلت: [إلاَمَ أَهَلُمُّ، وإذا قال لك: هَلمُّ كذا قلت: [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] لا أَهَلُمُّه مفتوحة الألف والهاء، أي: لا أعطيكه) [["إصلاح المنطق" ص 290، وبعضه في "تهذيب اللغة" 4/ 3788، وانظر: "تهذيب إصلاح المنطق" 2/ 120 - 121.]] انتهى كلامه. قال النحويون: [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 290، و"تأويل مشكل القرآن" ص 557، و"المقتضب" 3/ 202 - 203، و"الأصول" 1/ 141 - 146، و"حروف المعاني" للزجاجي ص 73 - 74، و"الخصائص" 3/ 35 - 37، و"الصاحبي" ص 279، و"المشكل" 1/ 277، و"البيان" 1/ 348، و"التبيان" 1/ 363.]] (هلم على اللغة الأولى لا تصرف له وهو بمنزلة نعم وبئس، وإذا زال التصرف لم يبن عليه في الجواب إلا أهلم [[في (أ): (في الجواب لا أهلم أو أهلم). وقد ضبط إلا أهلم بفتح الهاء، وضم اللام وأهَلِم: بكسر اللام.]] وأهلم فإن هذا تصرف، وإنما تصرف هذا إلى اللغة الثانية المجراة [[في (ش): (والمجراة)، بالواو.]] مجرى الأفعال المتصرفة في التثنية والجمع). فأما أصل هذه الكلمة وإعرابها، فقال الخليل وسيبويه: (إنها هاء ضمت إليها لُمّ، ومعنى لمّ، أي: جمع، ويكون معنى: ادنُ، يقال: لفلان لمه، أي: دنو، ثم جعلتا كالكلمة الواحدة) [[انظر: "الكتاب" 3/ 529 و3/ 332 و1/ 246.]]. وقال الفراء: (أصلها هل أُمَّ، أرادوا بهل: أقبل، وأُم، أي: اقصد) [["معاني الفراء" 1/ 203. وانظر: "الصاحبي" ص 279.]]، وهذا قول ابن دريد أيضًا [["جمهرة اللغة" 2/ 988.]]. وقال أبو إسحاق: (وفتحت هلم [[في (ش): (هل)، وهو تحريف.]]؛ لأنها مدغمة كما فتحت رُدَّ في الأمر لالتقاء الساكنين، ولا يجوز فيها هَلُمَّ بالضم كما يجوز في رُد بالضم [[في "معاني الزجاج" 2/ 303: (كما يجوز في رد: الفتح والضم والكسر؛ لأنها لا تتصرف) ا. هـ، وانظر: "إعراب النحاس" 2/ 105.]] لأنها لا تتصرف). قال أبو علي الفارسي: (اعلم أن في قولنا: هلم، لغتين، إحداهما: وهو قول أهل الحجاز ولغة التنزيل: أن تكون في جميع الأحوال للواحد والواحدة والاثنين والثنتين، والجماعة من الرجال والنساء على لفظ واحد، لا يظهر فيه علامة تثنية ولا جمع، فيكون بمنزلة رُوَيْدَ وصَهْ ومَهْ ونحو ذلك من الأسماء التي سميت بها الأفعال، وتستعمل للواحد والجميع والتأنيث والتذكير على صورة واحدة، والأخرى: أن تكون بمنزلة رُدَّ في ظهور علامات الفاعلين على حسب ما يظهر في رُدّ وسائر ما أشبهها من الأفعال، فأما الهاء اللاحق بها أولاً فهي من هَاء التي للتنبيه لحقت أولًا؛ لأن لفظ الأمر قد يحتاج له إلى استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الأمر، فهو لذلك [[في (ش): فهو كذلك.]] يقرب من المنادى، ومن ثم دخل حرف التنبيه في قوله: (ألا [[جاء في النسخ (أَلَا يَا اسْجُدُوا)، وقد قرأ الكسائي بتخفيف اللام ووقف (أَلاَ يَا) ثم ابتدأ (اسْجُدُوا) وقرأ الباقون: بتشديد اللام (ألَّا يَسْجُدُوا). انظر: "السبعة" ص 480، و"المبسوط" ص 279، والاستشهاد هنا على تخفيف (ألا)، وأبو علي الفارسي يعتبر (يا) لمجرد التنبيه، انظر: "الحجة" لأبي علي 5/ 383، و"كتاب الشعر" 1/ 66.]] يسجدوا) [النمل: 25]، ألا ترى أنه أمر كما أن [هذا أمر] [[في (أ): (هذا الأمر)، وهو تحريف.]] إلا أنه كثر الاستعمال مع هاء، فغير بالحذف؛ لكثرة الاستعمال كأشياء [تغير] [[في النسخ (يغير) بالياء، والأصح بالتاء كما في "الإغفال" ص 713.]] لذلك بالحذف نحو: لم أُبَلْ [[انظر "اللسان" 1/ 9]] ولا أَدْرِ ولم يَكْ، وما أشبه ذلك مما يُغير للكثرة، ومما حسن حذف الألف من ها في هلم أنها في موضع كان يجب أن يسقط في الأصل لالتقاء الساكنين، ألا ترىَ أن فاء الفعل [[في "الإغفال" ص 715 (أفعل)، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود لفظ، الفعل في بعض النسخ.]] كانت في موضع سكون قبل الإدغام، وقد نجد الحركات التي تُلقى على الحرف لحرف غيره لا يخرج الحرف به عن أن يكون في نية سكون، يدلك على ذلك تركهم قلب الياء في جيل، فحسن الحذف لسكون الألف، [ولأن] [[في (ش): (لأن).]] الفاء كأنها ساكنة إذ حركتها لغيرها كما كانت الياء في جيلٍ كأنها ساكنة، ولولا ذلك لوجب الإعلال والقلب فمن حيث لم يجب القلب حسن الحذف في الألف من هلم. فأما ما حُكي عن الفراء أنه قال في هلم: أن أصله هَلْ أُمّ، فالدليل على فساد هذا القول وفَسالته أن هل لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون بمعنى: قد، وهذا يدخل في الخبر، وإما أن يكون بمعنى: الاستفهام، وليس لواحد من الحرفين متعلق بهلم ولا له مدخل [[قال أبو علي في "العضديات" ص 223: (لا يجوز أن يكون للاستفهام لاستحالة دخول الاستفهام على الأمر، ولا يجوز أيضًا أن يكون هل التي بمعنى قد التي تدخل على الخبر؛ لأن ذلك لا تدخل على الأمر، لا يجوز قد أذهب) اهـ.]]، ألا ترى أنه يراد بها الأمر دون غيره، فلا وجه لها هنا، ألا ترى أنه لا يكون هل أضرب وأنت تأمر، وأيضاً فإن أمّ بعد هل لا يخلو من أن يكون مثله رُدَّ ومُدَّ وأنت تأمر، أو يكون مثل فُعِلَ إذا أخبرت، فلا يجوز على قوله أن يكون التي للأمر من حيث لا تقول: هل اضْرِبْ، ولا هل اقْتُلْ، ولا يجوز أن يكون بمعنى فُعِلَ؛ لأن ذلك للخبر، والخبر لا وجه له [هنا] [[في (ش): (هاهنا).]] لأن المراد [الأمر]. وهذا قول فاسد جدًّا لا يجب أن يُعرّج عليه، والقول فيه ما قدمنا ذكره. وأما قول أبي إسحاق: فتحت؛ لأنها مدغمة كما فتحت رُدّ في الأمر لالتقاء الساكنين، فليس يخلو الفتح فيه من أن يكون لالتقاء الساكنين كما قال، أو من أن [[لفظ: (أن) ساقط من (ش)، وفي "الإغفال" ص 720: (أو يكون لأنه بني).]] يكون؛ لأنه بُني مع الحرف المضموم إليه على الفتح كخمسة [[أي فتحت من أجل التركيب كما فتحت خمسة عشر وبابها. انظر: "التبيان" 1/ 363.]]، فلو كان الفتح لالتقاء الساكنين كما قال لجاز أن يحرك بالكسر أيضًا لالتقاء الساكنين، وإذا لقيته ألف [[في (ش): (الألف)، وفي "الإغفال" ص 720: (إذا لقيته الألف واللام) ا. هـ.]] ولام مثل غُض الطرف فلما لم يحركه لا التميميون الذين يجمعون ويثنون ولا الحجازيون الذين يفردون ولا يغيرون دل ذلك من أمرها على أن الجميع أجمعوا فيها على البناء على فتحها وحركوها لذلك، ولم يكن حركتها عند الجميع لالتقاء الساكنين، ألا ترى أن ما كان حركته لالتقاء الساكنين من هذا الضرب لا يمتنع اختلاف الحركات فيه [وأن ذلك] [[لفظ: (وأن ذلك) ساقط من (أ)، وفي "الإغفال" ص 721: (فإن ذلك مطرد).]] مطرد في جميعه [[كذا في "النسخ"، وفي "الإغفال" ص 721 (جمعه)، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود (جميعه).]] فيخصص هذا من بين ذلك كله دلالة على أن حركته لما قلنا دون ما ذهب إليه، وهو مذهب سيبويه فإنه [["الكتاب" 3/ 534.]] قال: لا يكسر هلم البتة) [[هذا ملخص ما ذكره أبو علي في "الإغفال" ص 711 - 721، ونحوه ذكر في "المسائل العضديات" ص 221، وانظر: "الدر المصون" 5/ 211 - 213.]]. فأما معنى ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ فقال الزجاج: (هاتوا شهداءكم [وقربوا شهداءكم]) [[لفظ: (وقربوا شهداءكم) ساقط من (ش).]] [["معاني الزجاج" 2/ 303.]]، وهذه الكلمة تستعمل تارة بمعنى دعاء المخاطب كقولك: هلم إليّ، أي: ادن مني وتعال، وتارة تستعمل بمعنى التعدية كقولك: هلم الطعام والشراب، وبالمعنيين ورد القرآن قال الله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: 18]. وقال في هذه الآية: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾، فإذا كان بمعنى التعدية فاشتقاقه من اللم الذي هو الجمع، وإذا [[في (ش): (فإذا).]] كان بمعنى دعاء المخاطب فاشتقاقه من اللمم بمعنى: الدنو [[انظر: "الصحاح" 5/ 2060، و"المجمل" 4/ 907، و"المفردات" ص 844، و"اللسان" 8/ 4694 (هلم)، وقال السمين في "الدر" 5/ 213: (هلم تكون متعدية بمعنى أَحْضر، ولازمة بمعنى أقبل، فمن جعلها متعدية أخذها من اللمِّ وهو الجمع، ومن جعلها قاصرة أخذها من اللمَمِ وهو الدنو والقرب) اهـ.]].

الأنعام 6:151

قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 303.]] وابن الأنباري [[لم أقف عليه.]]: (موضع (ما) نصب بـ (أتْل)، أي: اتل الذي حرمه ربكم). قال أبو إسحاق: (ويكون ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ منصوبة بمعنى طرح اللام، أي: أبيّن لكم الحرام لئلا تشركوا به شيئًا؛ لأنهم إذا حرموا ما أحل الله عز وجل فقد جعلوا غير الله في القبول منه بمنزلة الله جل وعز فصاروا بذلك مشركين. قال: ويجوز أن يكون ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ [[في (ش): ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.]] محمولًا على المعنى، فيكون أتلو عليكم ألا تشركوا [والمعنى: أتلو عليكم تحريم الشرك، قال: وجائز أن يكون على معنى أوصيكم ألاّ تشركوا [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]] به شيئًا؛ لأن قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ محمول على معنى: أوصيكم بالوالدين إحسانًا) [["معاني الزجاج" 2/ 304.]]. قال أبو بكر: (وقال آخرون: موضع أن نصب بعلى على [[في (ش): (نصب بمعنى على معنى)، وهو تحريف.]] معنى الإغراء، والكلام انقطع عند قوله: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ والابتداء ﴿عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ كما قال تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: 105] قال: ويجوز أن يكون أن في موضع رفع بعلى، كما تقول: عليكم الصيام والحج) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 138، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 147، والسمين في "الدر" 5/ 216 - 217، واستبعد أبو حيان في "البحر" 4/ 250، والسمين في "الدر" 5/ 217، النصب على الإغراء قال السمين: (هذا ضعيف لتفكك التركيب عن ظاهره، ولأنه لا يتبادر إلى الذهن) اهـ.]]. وأما موضع (تشركوا) فذكر الفراء فيه قولين: (أحدهما: وهو الظاهر أنه نصب بأن، ويجوز أن يكون في موضع جزم بلا على النهي كقولك: أمرتك ألا تذهبَ إلى زيد بالنصب وأن لا تذهبْ بالجزم، كما قال الله تعالى ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ﴾ [الأنعام: 14] فنصب أوله، ونهى في آخره. قال: والجزم في هذه الآية أحب إليّ لقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الأنعام: 152] وأمّا ما نسقته على ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ من قوله: ﴿تَقْرَبُوا﴾ و ﴿تَقْتُلُوا﴾ [الأنعام: 151] فجائز أن يكون نصبًا وجزمًا على ما ذكرنا، وجائز أن يخالف بينهن فتحكم على بعض بالنصب، وعلى بعض بالجزم) [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 364، و"تفسير الطبري" 8/ 81، 82، و"إعراب النحاس" 1/ 191، و"المشكل" 1/ 277، و"غرائب التفسير" 1/ 391، و"البيان" 1/ 349، و"التبيان" 1/ 364، و"الفريد" 2/ 248، وأطال السمين في "الدر" 5/ 213 - 218: في إعراب هذه الآية، وذكر في (ما) ثلاثة أوجه: وفي محل (أن لا تشركوا) ثلاثة أوجه، الجر من وجه واحد، والرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من ستة أوجه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ قد ذكرنا [أنه على] [[لفظ: (أنه على) ساقط من (ش).]] معنى: أوصيكم ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقال أبو بكر: (التقدير: أن لا تشركوا به شيئًا وأن تفعلوا ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ فحذف الفعل لوضوح معناه) [[لم أقف عليه. وانظر: "المشكل" 1/ 102، و"البيان" 1/ 84.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد: مخافة الفقر) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 82، وابن أبي حاتم 5/ 1414 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 4/ 103، وهو في "مسائل نافع بن الأزرق" ص 115، و"تنوير المقباس" 2/ 73، وأخرج أبو عبيد في "اللغات" ص 98، وابن حسنون ص 24، و"الوزان" ص 3/ ب بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعني: من جوع بلغة لخم) اهـ.]]. وقال الزجاج: (أي: من فقر، أي: من خوف فقر) [["معاني الزجاج" 2/ 304، ونحوه في "غريب القرآن" لليزيدي ص 143، و"تفسير غريب القرآن" ص 163، و"تفسير المشكل" ص 81، وقال الطبري في "تفسيره" 8/ 82: (الإملاق: مصدر من قول القائل: أملقت من الزاد، فأنا أملق إملاقًا. وذلك إذا فني زاده وذهب ماله، وأفلس) ا. هـ، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 208.]]، وقد صرح بذكر الخوف [[قال في الأنعام: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ لأنه فقر واقع. وفي الإسراء: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾؛ لأنه فقر متوقع. انظر: "ملاك التأويل" 1/ 353، و"فتح الرحمن" ص 181.]] في قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31]، وهذا في النهي عن [الوأد] [[في (ش): (الولد)، وهو تحريف.]] كانوا يدفنون البنات أحياء، بعضهم للغيرة، وبعضهم خوف الفقر، فضمن الله [[لفظ: (الله) ساقط من (أ).]] لهم الرزق. وقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: 31] قال شمر: (أمْلق لازم ومتعدٍّ، يقال: أَمْلَق الرجلُ فهو مُملق إذا افتقر، فهذا لازم، وأملق الدَّهرُ ما بيده إذا أفسده، والإملاق: الإفساد) [["تهذيب اللغة" 4/ 3448، والظاهر من إيراد الأزهري أن البيت من كلام شمر وليس من كلام ابن شميل، وأيضًا قوله: (والإملاق: الإفساد) من قول ابن شميل، وانظر: في معنى الإملاق، و"إصلاح المنطق" ص 46، 275، و"الجمهرة" 2/ 975، و"الصحاح" 4/ 1556، و"المجمل" 3/ 840، و"اللسان" 7/ 4265 (ملق).]]. وقال ابن شميل أيضًا: (ومنه قول أوس بن حجر: وَلَمَّا رَأَيْتُ الْعُدْمَ قَيَّدَ نَائِلي ... وَأَمْلَقَ ما عِندي خُطُوبٌ تَنَبَّلُ [["ديوانه" ص 94، و"تهذيب اللغة" 4/ 3448، و"اللسان" 7/ 4265 مادة (ملق)، و"الدر المصون" 5/ 218، والعُدْم -بضم فسكون-: فقدان الشيء وذهابه، والفقر، وغلب على فقد المال وقلته. انظر: "اللسان" 5/ 2848 مادة (عدم)، والخطوب: بالضم جمع خطب بفتح فسكون، وهو الشأن والأمر. انظر: "اللسان" 2/ 1194 (خطب)، وتنبل: بالفتح تأخذ الأنبل. انظر: "اللسان" 7/ 4330 (نبل).]] [أي: تذهب بالمال تَنَبلَّتْ بما عندي، أي: ذهبت به [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، وملحق بالهامش.]]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال ابن عباس: (كانوا يكرهون أن يزنوا علانية فيفعلون ذلك سرًا فنهاهم الله عن الزنا سرًا وعلانية) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 83، وابن أبي حاتم 5/ 1416 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 104، وهذا من باب التمثيل، والآية عامة، وهو اختيار الجمهور، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما كما في "الدر المنثور" 3/ 104، وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 394: (الآية نهي عام عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي، وظهر وبطن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء، وذهب بعضهم إلى تخصيص لا تقوم عليه حجة، بل هو دعوى مجردة) ا. هـ. ملخصًا. وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 83، والرازي 13/ 233، والقرطبي 7/ 133.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال: (إلا بالقود يريد: القصاص) [[(قال) كذا في "النسخ"، والمراد ابن عباس رضي الله عنهما، كما ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 139، وفي "تنوير المقباس" 2/ 73: (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بالعدل يعني: بالقود والرجم والارتداد) ا. هـ، ولعل ما ذكره الواحدي من باب التمثيل لبعض ما أباح الشارع به قتل النفس، فهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها، وقد بينته الشريعة ومنها الردة، وقتل النفس، والزنا بعد الإحصان والحرابة، انظر: "تفسير الطبري" 8/ 84، والبغوي 3/ 203، وابن عطية 5/ 395، والقرطبي 7/ 133، وابن كثير 2/ 211.]]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ قال الزجاج: (هذا يدل على أن معنى ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ محمول على معنى: وصاكم بأن لا تشركوا) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 304، وانظر: "أضواء البيان" 2/ 277 - 278، وفيه رجح هذا الوجه.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:152] قال عطاء، عن ابن عباس (يريد: إن كنت له وصيًا فأصلحت في ماله وقمت لله في ضيعته [[الضَّيْعة، بفتح فسكون: الحرفة، والصناعة، والمال، وسياسة الإبل والغنم. انظر: "اللسان" 5/ 2624 (ضيع).]] أكلت بالمعروف إن احتجت إليه، وإن كنت غنيًا عنه فعفّ عن أكله، وقد قال في سورة البقرة: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ الآية [البقرة: 220]) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 140، وفي "تنوير المقباس" 3/ 73، و"زاد المسير" 3/ 149، نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما.]]. وقال الضحاك: (هو أن يبتغي له فيه من فضل الله ولا يأخذ من ربحه شيئًا) [[أخرجه الطبري 8/ 84، وابن أبي حاتم 5/ 1419، بسند ضعيف، وذكره الثعلبي في "الكشف" 186 أ، والماوردي في "تفسيره" 2/ 187، والبغوي 3/ 204.]]. وقال [[في (أ): (وهو مجاهد هو التجارة فيه)، وفي (ش): (وقال مجاهد هو من التجارة فيه).]] مجاهد: (هو التجارة فيه) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 84 بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 517، والثعلبي في "تفسيره" 186 أ، والماوردي 2/ 187، والبغوي 3/ 203 - 304.]]. قال أبو إسحاق: (﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ حفظ ماله عليه وتثميره بما يوجد السبيل إليه) [["معاني الزجاج" 2/ 305، وفيه (بما يوجد إليه السبيل).]]. وهو قول السدي قال: (التي هي أحسن التثمير له) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 84 بسند جيد، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1419، ورجح هذا القول الطبري في "تفسيره" 8/ 84، والبغوي 3/ 203، وابن عطية 5/ 396، وقال القرطبي في "تفسيره" 7/ 134 في تفسير الآية: (أي: بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه، وهذا أحسن الأقوال == في هذا، فإنه جامع) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال [[كذا في "النسخ" والمراد الزجاج حيث جاء النص في "معانيه" 2/ 305.]]: (حتى محمولة على المعنى أي: احفظوه عليه حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله)، وأما معنى الأشد وتفسيره [[انظر: "العين" 6/ 213، و"الجمهرة" 1/ 111، و"الصحاح" 2/ 493، و"المجمل" 2/ 500، و"المفردات" ص 448 (شد).]] فقال الليث: (الأشُدُّ: مبلغ الرجل الحُنكة [[في (ش): (الحركة)، وهو تحريف.]] والمعرفة) [["تهذيب اللغة" 2/ 1843.]]، وقال أبو عبيد [["تهذيب اللغة" 2/ 1843، ولم أقف عليه في "معاني الفراء" بعد طول بحث، وهو في "الغريب المصنف" لأبي عبيد 1/ 379، من قوله دون ذكر الفراء، وكذا في "المخصص" 1/ 41، وحكى ثعلب في "مجالسه" 2/ 540 عن الفراء قال: (أشده: جمع شَدّ) ا. هـ. وهو في الجميع بفتح الشين، وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 99: (هو موضع جميع لا واحد له من لفظه، وقال الفراء والكسائي: واحد الأشد: شد. على فُعل وأفعل مثل بحر وأبحر، وأشد مضعف مشدد) ا. هـ. وانظر: 1/ 305، 1/ 378، و"تفسير الطبري" 8/ 85.]]: (قال الفراء: الأشُد واحدها شَدٌّ في القياس، ولم أسمع لها بواحد، وأنشد: قد سادَ وَهْو فَتًى حَتَّى إذا بَلَغَتْ ... أَشُدُّه وعَلا في الأَمْرِ واجْتَمَعَا) [[الشاهد لعدي بن الرقاع في "الغريب المصنف" 1/ 379، و"الأفعال" لأبي عثمان السرقسطي 2/ 332، و"المخصص" 1/ 41، وبلا نسبة في: "تهذيب اللغة" 2/ 1843، و"اللسان" 4/ 2215 (شدد)، و"الدر المصون" 5/ 221، ولم أقف عليه في "ديوانه" المطبوع.]] وقال أبو الهيثم: (واحدة الأشد: شِدَّة، كما أن واحدة الأَنعُم: نِعْمَة، والشِّدة: القوة والجلادة، والشديد: الرجل القوي، قال: وكأن الهاء في النعمة والشدة لم تكن في الحرف إذ [[في (ش): (إذا كانت).]] كانت زائدة وكأن الأصل نِعمٌ وشِدٌ فجمعا على أفعل [[انظر: "الكتاب" 4/ 245، وفي "الخصائص" 1/ 86، حكى عن سيبويه (أنه جمع شِدة بالكسر)، وهو قول أبي زيد في "النوادر" ص 54، وانظر: "تفسير المشكل" لمكي ص 112 - 113.]] كما قالوا: رِجل وأرْجلُ، وقِدح وأقْدُح، وضِرس وأضْرُس). وحكى ابن الأنباري: (عن بعض أهل اللغة: [[في "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 597 - 598: (قال الفراء: أهل البصرة يزعمون أن الأشد اسم واحد مثل الآنك ..)، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 253: (اختار ابن الأنباري في آخرين أنه مفرد لا جمع له وليس بمختار لفقدان أفعل في المفردات وضعًا) ا. هـ.]] أن الأشد اسم واحد، ولا واحد له بمنزلة الآنك [[يعني: أنه مفرد لا جمع، والآنك: بالمد وضم النون: الرصاص القلعي، أو خالصه، والقزدير. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 85، و"اللسان" 1/ 154 (أنك).]] وذكر عن جماعة [[في "المذكر والمؤنث" 1/ 597، حكاه عن يونس بن حبيب الضبي فقط، وانظر: "تفسير الغريب" لابن قتيبة ص 215، و"نزهة القلوب" ص 78.]] من البصريين: أن واحده: شُدّ بضم الشين مثل قولك: هو وُدّى [[عند ابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" 1/ 597: (بمنزلة قولهم: الرجل وُدّ والرجال أُودّ) ا. هـ. وفي "اللسان" 8/ 4793 (ودد). (الود: الحب يكون في جميع مداخل الخير) ا. هـ.]] وهم أَوُدِّى). قال الأزهري: (وبلوغ الأشد يكون من وقت بلوغ الإنسان مبلغ الرجال وإدراكه إلى أربعين سنة، فبلوغ الأشد [محصور الأول] [[لفظ: (محصور الأول) ساقط من (ش).]] محصور النهاية غير محصور ما بين ذلك، قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1843، وانظر: "معاني الفراء" 3/ 52، و"تفسير غريب القرآن" ص 254.]]، وفسر بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام في قول يحيى [[يحيى بن يَعْمَر العَدْواني: أبو سليمان البصري قاضي مرو، إمام تابعي ثقة، فقيه مقرئ، نحوي أديب فصيح عالم باللغة، يقال: إنه أول من نقط المصاحف، مات قبل المائة، وقيل بعدها. انظر: "معجم الأدباء" 20/ 42، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 441، و"غاية النهاية" 2/ 381، و"تهذيب التهذيب" 4/ 401.]] بن يعمر [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 186 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 150، وأبو حيان في "البحر" 4/ 252.]] والسدي [[أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 58، بسند جيد عن السدي قال: (الأشد: ثلاثون سنة، ثم جاء بعدها ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾) [النساء: 6]، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 150، وقال: (فكأنه يشير إلى النسخ) ا. هـ. وعليه يكون المراد: الاحتلام، والله أعلم.]]. وقال أبو إسحاق: (وبلوغ أشده أن يونس منه الرشدَ مع أن يكون بالغًا وحينئذ يجب دفع المال إليه) [["معاني الزجاج" 2/ 305، ورجح هذا القول ابن عطية في تفسيره 5/ 397، وقال: (هذا أصح الأقوال وأليقها بهذا الموضع) ا. هـ وقال السمين في "الدر" 5/ 221: (المراد ببلوغ الأشد بلوغ الحلم في قول الأكثر؛ لأنه مظنة ذلك) ا. هـ ورجحه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 150، والظاهر، أن بلوغ الأشد في اليتيم مقيد بالبلوغ مع الرشد وزوال السفه، وأكثر أهل العلم على أن سن البلوغ خمس عشرة سنة. انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 134 - 136، وابن كثير 2/ 212، والشنقيطي 2/ 279.]]، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصى في أول سورة النساء. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ كل شيء بلغ تمام الكمال فقد وفي وتم يقال: درهم وافٍ، وكيل وافٍ، وأوفيته حقه ووفيته إذا تممته [[لعله: (إذا أتممته) كما في تفسير الرازي 13/ 234، فقد نقل نص الواحدي بدون نسبه.]]، وأوفى الكيل، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئًا [[هذا من تهذيب اللغة 4/ 3924، وانظر: الصحاح 8/ 4885، و"اللسان" 15/ 398، و"وَفَى".]]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ أي: وزن الميزان والوزن به؛ لأن المراد إتمام [[في (ش): (لأن المراد تمام الوزن).]] الوزن لا إتمام الميزان [[الميزان: اسم آلة، وأصله مصدر ثم أطلق على الآلة. انظر: "الجمهرة" 2/ 830، و"تهذيب اللغة" 4/ 3886، و"الصحاح" 6/ 2213، و"المجمل" 4/ 924، و"المفردات" 868، و"اللسان" 8/ 4828 (وزن).]]، كما أنه قال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾، ولم يقل: المكيال، فهو من باب حذف المضاف [[قال العكبري في "التبيان" 364: (والكيل: هاهنا مصدر في معنى المكيل، والميزان كذلك، ويجوز أن يكون فيه حذف مضاف تقديره: مكيل الكيل، وموزون الميزان) ا. هـ، وذكر قول الواحدي والعكبري، السمين في الدر 5/ 221 - 222، وقال: (ولا حاجة إلى ما ادعاه من وقوع المصدر موقع اسم المفعول، ولا من تقدير المضاف؛ لأن المعنى صحيح بدونهما، وأيضاً فميزان ليس مصدرًا إلا أن يعضد قوله ما قاله الواحدي، والظاهر عدم الاحتياج إلى ذلك، وكأنه لم يعرف أن الكيل يُطلق على نفس المكيال حتى يقول: "ولم يقل المكيال"، والكيل والميزان: هما الآلة التي يكال بها ويوزن، وأصل الكيل المصدر، ثم أطلق على الآلة، والميزان مفعال من الوزن لهذه الآلة ..) ا. هـ. ملخصًا.]]. وقوله تعالى: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل لا بخس ولا شطط [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 86، والسمرقندي 1/ 524.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: قد علمت ما أحل لك، وحرم عليك، فكما تحب أن يوفيك من تشتري منه، فأوف من تبيع منه) [[لم أقف عليه. وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1420، بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (هم المؤمنون وسع الله عليهم أمر دينهم فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]) اهـ.]]، قال أصحاب المعاني: (أمر الله تعالى المعطي بإيفاء ذي الحق حقه الذي هو له من غير زيادة، وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير نقصان، فلم يكلف نفسًا إلا ما يسعها ولا يضيق [[في (أ): (تضيق) بالتاء.]] عنها، فلو كلف المعطي الزيادة لضاقت نفسه عنها، وكذلك لو كلف الآخد الرضى بالنقصان) [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 8/ 86، وذكره الثعلبي في الكشف ص 186/ أ، عن أهل المعاني وهذا يدل على أن الطبري من أهل المعاني عند الثعلبي والواحدي حيث لم أجد هذا المعنى عند أحد من أهل المعاني فيما لدي من مراجع.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾، قال ابن عباس: (يريد: إذا شهدتم أو تكلمتم فقولوا الحق) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 141.]]، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (يريد: [[كأنه من قول ابن عباس حسب السياق، وفي "تنوير المقباس" 2/ 74 نحوه.]] ولدك وقرابتك أو من تحب فقل الحق واشهد به)، وهذا محذوف الاسم [[أي اسم كان مستتر تقديره: هو، أي: المقول فيه. انظر: "الدر المصون" 5/ 222.]]، قال الزجاج: (ولو كان المشهود له وعليه ذا قربى) [["معاني الزجاج" 2/ 205، وفيه: (أي: إذا شهدتم أو حكمتم فاعدلوا ، ولو كان المشهود عليه أو له ذا قربى) ا. هـ.]]، ومثله في المائدة: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة: 106]. وقوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾، ذكرنا معنى الوفاء بالعهد عند قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: 40]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي: ذلك الذي تقدم من ذكر مال اليتيم، وأن لا يقرب إلا بالتي هي أحسن، وإيفاء الكيل والوزن، واجتناب البخس، والتطفيف فيهما، وتحري الحق على مقدار الطاقة والاجتهاد، وهو معنى قوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ والقول بالقسط والحق ولو كان المقول فيه ذا قربى، والوفاء بالعهد لينجز [[في (أ): (لتنجز) بالتاء.]] ما وعد عليه من قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10] هذا كله مما وصى به ليتذكروه [[في (أ): (لتتذكروه وتأخذوا به).]]، ويأخذوا به فلا يطرحوه [[في (ش): (فلا يطرحوا)، وفي (أ): (فلا تطرحوه). وما ذكره هو نص كلام أبي علي في "الحجة" 3/ 428.]]، وتذكر مطاوع ذكر [[في (ش): (ذَكّره).]] تقول: ذكرته فتذكر، كما أن تفاعل مطاوع فاعل، والتذكر يستعمل في أشياء متكررة تتذكر وقتًا بعد وقت، وحالًا بعد حال، كالذي في هذه الآية فإنه أمر بأخذ بعد أخذ، ووقت [[في النسخ (ووقتًا) وأصل النص من "الحجة" 3/ 427 - 428، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود (ووقتًا). في بعض النسخ.]] بعد وقت. و (تذكرون) إنما هو تتذكرون [[في (ش): (يذكرون إنما هو يتذكرون)، بالتاء.]] مخفف بالإدغام لاجتماع [[يعني اجتماع المتقارب وهو التاء والذال.]] المتقاربة. وقرأ حمزة [[قرأ حمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص: (تذكرون) بتخفيف الذال. وقرأ الباقون بتشديدها انظر: "السبعة" 272 - 273، و"المبسوط" ص 176، و"التذكرة" 2/ 412، و"التيسير" ص 108، و"النشر" 2/ 266.]] والكسائي (تذكرون [[في (ش): (يذكرون)، بالياء.]]) خفيفة الذال، خفف بالحذف، كما خفف غيرهما بالإدغام، ويمكن أن يقال: إن الحذف أولي لأنه أخف في اللفظ، والدلالة على المعنى قائمة [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 430، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 394، و"إعراب القراءات" 1/ 173، و"الكشف" 1/ 457.]].

الأنعام 6:153

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآية، قال الفراء: (تفتح (أن) من وقوع (أتل) [الأنعام: 151] عليها يعني: وأتل عليكم ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ قال: وإن شئت جعلتها خفضًا يريد: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: 152] وبأن [[في" معاني الفراء" 1/ 364 ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ وفيه أيضًا قال: (تكسر إن إذا نويت الاستئناف) اهـ. وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 646، و"القطع" للنحاس 1/ 243، و"التبيان" ص 364، و"الفريد" 2/ 251، و"الدر المصون" 5/ 224.]] هذا صراطي)، وقال أبو علي: (من فتح (أن) فقياس [[في (ش): (فقيا من قول).]] قول سيبويه أنه حملها على (فاتبعوه) والتقدير: ولأن ﴿هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ كقوله ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: (وأن هذه) بفتح الهمزة وتشديد النون، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالكسر وتشديد النون، وقرأ ابن عامر بالفتح وتخفيف النون. انظر: "السبعة" ص 446، و"المبسوط" 262.]]﴾ [المؤمنون: 52] قال سيبويه: ولأن هذه أمتكم، وقال في قوله: {وأن المساجد لله [فلا تدعوا مع الله أحدًا] [[لفظ: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ساقط من (ش)، وانظر: القراءة في "السبعة" ص 656، و"المبسوط" 383.]] [الجن: 18] المعنى: ولأن المساجد لله [["الكتاب" 3/ 126 - 127، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 592.]]، وقرأ ابن عامر [[قرأ ابن عامر بفتح الهمزة وتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة وتشديد النون، وقرأ الباقون بفتح الهمزة وتشديد النون. انظر: "السبعة" ص 273، و"المبسوط" ص 176 - 177، و"التذكرة" 2/ 413، و"التيسير" ص 108، و"النشر" 2/ 266.]]: (وأن هذا) مفتوحة مخففة، والمخففة [هاهنا] [[لفظ: (هاهنا) ساقط من (ش).]] كالمشدودة، وفيه ضمير القصة والحديث، وعلى هذه الشريطة يخفف، والتقدير: وأنه هذا، كقول الأعشى: في فِتَيةٍ كسيُوفِ الهند قد علمُوا ... أَنْ هالِكٌ .............. [[ديوانه ص 147، وعجزه: أن هالك كل من يحفى وينتعل. وقد سبق تخريجه.]] أي: قد علموا أنه هالك. قال: والفاء التي في قوله (فاتبعوا) مثل الفاء التي في قولك: يزيد فامرر، ومن كسر (إن) استأنف بها، والفاء [[كذا في النسخ، وهو يريد الفاء في قوله: (فاتبعوه)، ويعني بقوله: والفاء في قوله، أي: الفاء على قول من قال بالقول الثاني. وفي "الحجة" لأبي علي 3/ 437 (والفاء في قوله، (فاتبعوه) على قوله عاطفة جملة على جملة، وعلى القول الأول زيادة) اهـ.]] في قوله عاطفة جملة على جملة، وعلى القول الأول زيادة) [[انظر: "الحجة" 3/ 436 - 437، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 395، و"إعراب القراءات" 1/ 173، و"الحجة" لابن خالويه ص 152، ولابن رنجلة ص 277، و"الكشف" 1/ 457، و"المشكل" 1/ 277، و"البيان" 1/ 349.]]، وذكرنا وجه انتصاب قوله (مستقيما) عند قوله: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: 126] في هذه السورة. قال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (يريد: ديني دين الحنيفية أقوم الأديان وأحسنها) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 142، ولم أقف عليه عند غيره.]]. وقال مقاتل: (الذي ذكر في هذه الآيات [[في "ش" (الآية).]] من أمره ونهيه ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾) [["تفسير مقاتل" 1/ 597.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قال ابن عباس: (اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان) [["تنوير المقباس" 2/ 74، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 142، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 88، وابن أبي حاتم 5/ 1422 بسند ضعيف عن ابن عباس، قال: (لا تتبعوا الضلالات) ا. هـ]]، وهذا تفسير ما ذكره مجملًا في رواية عطاء قال: (يريد: مثل الذي يسلك الطريق فيأخذ بنيات [[بُنيّاتُ الطريق، بضم الباء وفتح النون والياء المشددة: الطُّرف الصغار تتشعب من العبادة، وهي الترهات. انظر: "اللسان" 1/ 408 (بني).]] الطريق) [[لم أقف عليه، وأخرج الطبري في تفسيره 8/ 88 بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) اهـ.]]، وقال مجاهد ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (يعني: البدع والشبهات) [["تفسير مجاهد" 1/ 227، وأخرجه الطبري في (تفسيره) 8/ 88، وابن أبي حاتم 5/ 1422 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 106، وفي "تفسير مجاهد" زيادة لفظ (والضلالات).]]، وقال مقاتل: (يعني: طريق الضلالة فيما حرموا على أنفسهم من الأنعام والحرث [["تفسير مقاتل" 1/ 597.]]. وقوله تعالى: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال ابن عباس: (فتضل [[في (ش): (فيضل) بالياء.]] بكم عن دينه) [[في "تنوير المقباس" 2/ 74 نحوه.]]. وقال مجاهد: (أي: تميل وتخالف، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ في الكتاب ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ السبل) [[لم أقف عليه، وهو في "الوسيط" 1/ 142 بدون نسبة، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1422 بسند جيد عن مجاهد في قوله: (لعلكم تتقون) قال: (لعلكم تطيعوا) اهـ.]]. وقال عطاء: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: (كي تخافوا) [[لم أقف عليه، قال أهل العلم: (هذه آية عظيمة أمر الله تعالى فيها باتباع سبيله، وحذر من اتباع السبل، وهي تعم سائر أهل الملل والبدع والضلالات والأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد). أفاده ابن عطية في "تفسيره" 5/ 400، والقرطبي 7/ 137 - 138، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 213.]] قال المفسرون [[أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 87، وابن أبي حاتم 4/ 1414، والحاكم و"صححه" 2/ 288 و2/ 317 عن ابن عباس قال: (من الآيات المحكمات قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151]). وأخرج ابن الضريس في "فضائل القرآن" ص 94 - 95 بسند جيد عن كعب الأحبار قال: (أول ما نزل من التوراة عشر آيات من آخر الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ... إلى آخر السورة) ا. هـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 103. وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره 1/ 523: (ويقال: هذه الآيات هن أم == الكتاب، وهن إمام في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ولا يجوز أن يرد عليها النسخ) اهـ.]]: (هذه الآيات محكمات، لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهن محرمات على بني آدم، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار).

الأنعام 6:154

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ الآية. قال أبو بكر [[أبو بكر بن الأنباري محمد بن القاسم. تقدمت ترجمته.]]. (الذي بعد (ثم) مقدم على الذي قبلها في النّية، والتقدير: ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمَّد ﷺ؛ لأن التوراة أنزلت قبل القرآن. قال: وجواب آخر وهو: أن (ثم) أوجبت تأخير الخبر بعد الخبر الأول، أي: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151]، إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153] ثم قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يريد: ثم أخبركم بعد ما أخبرتكم به عن نزول القرآن على محمد (بنزول التوراة على موسى، فدخلت (ثم) لتأخير الخبر لا لتأخير النزول) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 143، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 152.]]. وهذا قول أبي إسحاق، وأنكر القول الأول فقال: ((ثم) لا يكون الذي بعدها معناه التقديم، وإنما دخلت ثم للعطف على معنى التلاوة، والمعنى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ وأتلو عليكم لا تقتلوا أولادكم، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله، ثم أتلو عليكم ما آتاه الله جل وعز موسى) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 305 - 306، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 89، 90، و"معاني النحاس" 2/ 520، وذكر أبو حيان عدة أقوال في توجيه الآية ثم قال: (وهذه الأقوال كلها متكلفة، والذي ينبغي أن يذهب إليه أنها للعطف كالواو من غير اعتبار مهلة، وقد ذهب إلى ذلك بعض النحاة) ا. هـ وانظر: معاني الحروف للرماني ص 105، و"غرائب الكرماني" 1/ 392، و"المغني" لابن هشام 1/ 117 - 118.]]. وقوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ كثر الاختلاف في هذا بين أهل المعاني، والذي يعتمد في تفسير هذا قولان مجمع على صحتهما: أحدهما: أن المعنى (تماما) من الله عز وجل على المحسنين، و ﴿الَّذِي أَحْسَنَ﴾ بمعنى: من أحسن، ومن أحسن هو المحسن، كأنه قيل: تمامًا على المحسن، والمحسن [يكون] [[لفظ: (يكون) ساقط من (ش).]] هاهنا في مذهب الجمع كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]، وهذا كما يقول الرجل: أوصي بمالي لمن غزا وحج وللذي غزا وحج] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]، يريد: الغزاة والحجاج، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة ابن مسعود [[ذكرها الفراء في "معانيه" 1/ 365، وابن قتيبة في "تأويل المشكل" ص 398، والطبري في "تفسيره" 8/ 90، والنحاس في "معانيه" 2/ 519، وابن خالويه في "مختصر الشواد" ص 41.]] (تماما على الذين أحسنوا). والمحسنون [[في (ش): (فالمحسنون) بالفاء.]] هم الأنبياء صلوات الله عليهم [أجمعين] [[لفظ: (أجمعين) ساقط من (أ).]]، أو المؤمنون. وتلخيصه: آتينا موسى الكتاب تتميمًا منا على الأنبياء و [[في (أ): (أو المؤمنين).]] المؤمنين الكتب، وتفصيلًا منا لكل شيء، وإنما فسرنا التمام بالتتميم هاهنا لما يعود معناه إليك؛ لأنك إذا قلت: أعطيتك الشيء تمامًا، كان معناه: تممته لك [[هذا نص كلام ابن قتيبة في "تأويل المشكل" ص 397 - 398.]]. القول الثاني: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: على الذي أحسنه موسى من طاعة الله جل وعز واتباع أمره، أو على الذي أحسنه موسى من العلم، وكتب الله القديمة، فيكون (أحسن) بمعنى: علم، والتأويل ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ على ما أحسن من العلم والحكمة، وكتب الله المتقدمة، وأراد بقوله: (تمامًا) على ذلك، أي: زيادة على ذلك، والقولان ذكرهما الفراء [["معاني الفراء" 1/ 365 وقدم الوجه الأول.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 305 - 306.]] وأبو بكر [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 154، عن أبي بكر بن الأنباري.]] وأبو محمد بن قتيبة [["تأويل مشكل القرآن" ص 397 - 398، تقرير الواحدي من نصه، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 90، و"إعراب النحاس" 1/ 593، و"المشكل" لمكي 1/ 278، وذكر أبو علي الفارسي في "العضديات" 169 - 171 ثلاثة أوجه في الآية، قال: (ووجه ثالث وهو أبينها وأوضحها ، ولا يختلف في جوازه على ذلك، وهو أن يكون المعنى: تمامًا على الذي أحسنه، فيكون في (أحسن) ذكر يعود على (موسى)، وتكون الهاء العائدة إلى الموصول محذوفة من الصلة، كأنه: على الأمر الذي أحسنه موسى، ومعنى (أحسن) أن يكون على ضربين أحدهما: أن يكون أحسنه بمنزلة حسنه، أي: حسنه لهم عند دعاء قومه إليه، وإقامته لهم البراهين والحجج عليه. والوجه الآخر: أن يكون (أحسن) بمنزلة علم، كأنه: تمامًا على الأمر الذي علمه ..) ا. هـ ملخصًا، وانظر: الدر المصون 5/ 227.]]. قال الزجاج: (و (تمامًا) منصوب على مفعول له وكذلك ﴿وَتَفْصِيلًا﴾ المعنى: آتيناه لهذه العلة أي: للتمام والتفصيل) [[معاني الزجاج 2/ 306، وانظر المراجع السابقة.]]، والمفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 90 - 91، و"معاني النحاس" 2/ 519 و"تفسير السمرقندي" 1/ 525.]] على هذين القولين، فالقول الأول قول مجاهد والحسن، قال مجاهد: (تمامًا على المؤمنين المحسنين) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 90 بسند جيد، بلفظ: (على المؤمنين والمحسنين) وفي "تفسير مجاهد" 1/ 228: (على المؤمن)، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 90، وابن أبي حاتم 5/ 1423، عنه بلفظ: (على المؤمنين)، وقال السيوطي في "الدر" 3/ 106: (أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد قال: (على المؤمنين المحسنين) اهـ.]]. وقال الحسن: (تمامًا على المحسنين، و ﴿الَّذِي أَحْسَنَ﴾ هو المؤمن) [[قال النحاس في "معانيه" 2/ 519: (قال الحسن: كان فيهم محسن وغير محسن، وأنزل الكتاب (تماما على الذي أحسن)) اهـ وذكره الثعلبي في "الكشف" 186/ أ، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 143، بلفظ: (تمامًا على المحسنين). وهي قراءة الحسن كما في "الدر المنثور" 3/ 107، وقال الماوردي في "تفسيره" 2/ 189، وابن الجوزي 3/ 154، قال الحسن وقتادة: (تمامًا لكرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا) اهـ.]]. وقال الكلبي: (﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ الألواح، فيها التوراة ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي﴾ أحسنه من تبليغ رسالاته) [[ذكر الرازي في "تفسيره" 4/ 14، عنه قال: (أتم له الكتاب على أحسنه).]]. وهذا معنى القول الثاني. وأجاز الفراء [["معاني الفراء" 1/ 365، وذكره الطبري في "تفسيره" 8/ 90، 91، والنحاس في "إعرابه" 1/ 593، وأبو علي في "العضديات" ص 169.]] والكوفيون [[انظر: "الأغفال" ص 726.]] قولاً آخر وهو: أن يكون (أحسن) اسمًا موضعه خفض على النعت للذي وهو ساد مسد الصلة، ونائب عنها، يراد به: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ من غيره، فحذفت من لبيان أمرها، وجرى (أحسن) على إعراب (الذي) كما قالت العرب: مررت بالذي أخيك، وجلست إلى الذي مثلك، فحملوا على الذي إعراب الاسم بعده، وجعلوه [[في (أ): (وجعلوا).]] يسد مسد صلته، وأنشدوا: إن الدبيري الذي مثل الحلم [[لم أهتد إلى قائله، وعجزه: مَشَّى بَأَسْلاَبِكَ فيِ أَهْلِ العَلَمْ وهو في "معاني الفراء" 1/ 365 و"تفسير الطبري" 8/ 90، وفي "العضديات" ص 168، و"الشيرازيات" 8/ 8 أ: إن الدبيري الذي مثل الزُّلَمْ ... مشى بأسلابك في أهل الحَرَمْ والزُّلم بالضم: السهو، عند الفراء والطبري: إن الزبيدي بالزاء، والدبري: الذي يسنح أخيرًا عند ذوات الحاجة، أي: شره إذا أدبر الأمر وفات، انظر: "اللسان" 3/ 1321 (دبر) و3/ 1806 (زبر) والحلم بفتحتين: دودة تقع في الجلد فتأكله. انظر: "اللسان" 2/ 980، والشاعر يصف هذا الزبيري الذي سلبه ثيابه وأمواله، وهو يمشي في الناس بأنه قمئ قصير، أفاده الشيخ محمود شاكر في حاشية "تفسير الطبري" 12/ 234 - 235.]] فنصب مثل على الإتباع للذي، وهي سادة مسد صلته، وإنما جاز حمل (أحسن) على (الذي) و (الذي) معرفة و (أحسن) في تأويل نكرة؛ لأنه يطالب من، ومن يؤدي عن الإضافة، والمضاف معرفة، ومن كلام العرب: مررت يزيد خير منك، على أن خيرًا نعت لزيد؛ إذ كان كالمضاف من أجل صحبته من، وهذا كلام أبي بكر [[أبو بكر بن الأنباري، لم أقف على كلامه، وانظر: المسألة في الكتاب 2/ 105 - 109 - و404، وأمالي ابن الشجري 1/ 112، والإنصاف ص 585.]]، ويدل على صحة هذا القول قراءة يحيى [[القراءة برفع (أحسنُ)، وقد أخرجها الطبري في تفسيره 8/ 90 بسند جيد وذكرها النحاس في "معانيه " 2/ 520، وابن جني في "المحتسب" 1/ 234، وابن الشجري في "أماليه" 1/ 112، وذكرها سيبويه في "الكتاب" 2/ 108 بدون نسبة، وضعف == ابن جني في "المحتسب" هذه القراءة؛ لقبح حذف المبتدأ العائد على الذي.]] بن يعمر: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾، والتقدير: على الذي هو أحسن، أي: الذي هو أحسن الأشياء، وأحسن من غيره، وهذا يدل على أن (أحسن) هاهنا اسم، ويعضد هذا القول [أيضًا] [[لفظ: (أيضاً) ساقط من (أ).]] ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يقول: (أتم له الكتاب على أحسنه) [[لم أقف عليه. وذكره الرازي في تفسيره 4/ 14 عن الكلبي.]] فجعل الأحسن من نعت الكتاب، نظيره ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ [[الحسنى: نعت للكلمة، انظر: "إعراب النحاس" 1/ 593، و"الفريد" 2/ 351.]] [الأعراف: 137]. وقال أبو إسحاق: (أجاز الكوفيون أن يكون (أحسن) في موضع خفض وأن [[في (ش): (أو يكون)، وهو تحريف.]] يكون من صفة (الذي) وهذا عند البصريين خطأ؛ لأنهم لا يعرفون الذي إلا موصولًا ولا توصف إلا بعد تمام صلتها) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 305.]]، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس: (كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 143، والبغوي في "تفسيره" 3/ 206، والخازن 2/ 102.]].

الأنعام 6:155

قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الآية، مضى الكلام في هذا في هذه السورة. ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قال الزجاج: (أي: لتكونوا راجين للرحمة) [["معاني الزجاج" 2/ 306.]]. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ﴾ الآية [الأنعام: 156]، (أن) عند الفراء [["معانى الفراء" 1/ 366، وعليه يكون مفعولًا لأجله، انظر: "المشكل" 1/ 278.]] والكسائي [[في "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 647، قال الكسائي: (﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾؛ لأن لا تقولوا وبأن لا تقولوا ..) ا. هـ. وانظر: القطع للنحاس 1/ 244، وذكر الثعلبي في "الكشف" 186 أ، والبغوي في "تفسيره" 3/ 206، والقرطبي 7/ 144، عن الكسائي قال: (معناه: أن تقولوا يا أهل مكة) اهـ.]] متعلقة بأنزلناه على تقدير: أنزلناه؛ لأن لا تقولوا، ثم حذف الجار وحرف النفي كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176]. وقوله: ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] أي: لئلا، وعند البصريين [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 291، و"تفسير الطبري" 8/ 93، و"إعراب النحاس" 1/ 593، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 521: (أحسن ما قيل في هذا: كراهية أن تقولوا) اهـ.]]. معناه: أنزلناه كراهة أن تقولوا، ولا يُجيزون إضمار لا، لا يقولون: جئت أن أكرمك، على معنى: أن لا أكرمك [[هذا نص كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 307.]] وقد ذكرنا ما في هذا في آخر سورة [[انظر: "البسيط" نسخة تشستربتي 2/ 39 ب.]] النساء.

الأنعام 6:156

قال الفراء: (ويجوز أن يكون ﴿أَنْ﴾ متعلقة باتقوا والتأويل: و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ش).]] اتقوا ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ﴾) [["معاني الفراء" 1/ 366، وعليه تكون مفعولًا به العامل فيه: (واتقوا)، وجملة: (لعلكم ترحمون) اعتراضية جرت مجرى التعليل. انظر: "الفريد" 2/ 254، و"الدر المصون" 5/ 229.]]. قال ابن عباس: (يعني: التوراة والإنجيل [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 144، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 155، والقرطبي 7/ 144 بدون نسبة.]] ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ وهم اليهود والنصارى [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 93، وابن أبي حاتم 5/ 1425، بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما.]]، ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ يريد: لم ندرس التوراة والإنجيل فتعرف [[في (ش): (فيعرف) بالياء.]] ما فيها) [[أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 94، وابن أبي حاتم 5/ 1425، بسند جيد عن ابن عباس قال: (يقول وإن كنا عن تلاوتهم لغافلين) اهـ.]]. قال الزجاج: (المعنى: وما كنا إلا غافلين عن دراستهم، أي: كنا غافلين عن تلاوة كتبهم) [["معاني الزجاج" 2/ 307.]]. قال المفسرون: (الخطاب لأهل مكة، والمراد بالآية: إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد، كيلا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ وكنا غافلين عما فيهما، فقطع الله معاذيرهم بإنزال القرآن فيهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 93، 94، والسمرقندي 1/ 525، وابن الجوزي 3/ 154 - 155.]]، وقال قتادة: (﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾ قراءتهم) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 94 بسند جيد.]].

الأنعام 6:157

وقال [الكلبي] [[لفط: (الكلبي) ساقط من (أ)، ولم أقف على قوله.]] والكسائي: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ لا نعلم [[في: (ش): (لم يعلم).]] ما هي؛ لأن كتابهم لم يكن بلغتنا، فأنزل الله تعالى كتابًا بلغتهم، وبعث منهم رسولاً يعرفون نسبه، ويعرفونه بالصدق فقال: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام:157] أي: رسول من ربكم ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195] حين لم تعرفوا [[في (ش): (لم يعرفوا).]] دراسة الطائفتين وحين قلتم لو جاءنا ﴿الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: 157] [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 144، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 155.]].

الأنعام 6:158

قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾. وذكرنا الكلام في هذا في [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 126 ب.]] سورة البقرة في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة: 210] قال ابن عباس: (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ إذ كذبوك (إلا أن تأتيهم [[في (أ): (يأتيهم) بالياء. وقد قرأ حمزة والكسائي: (إلا أن يأتيهم) بالياء، وقرأ الباقون بالتاء، انظر: السبعة ص 274، و"المبسوط" ص 177.]] الملائكة) عند الموت لقبض أرواحهم) [["تنوير المقباس" 2/ 76، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 96، والسمرقندي 1/ 525.]] ومعنى (ينظرون) ينتظرون [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 164.]] و (هل) استفهام معناه: النفي [[انظر: تفسير الرازي 14/ 6.]] أي: لا ينتظرون إلا ذلك، وهو خبر معناه النهي كقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] خبر معناه: الأمر، وهو كثير في القرآن، والمعنى: يجب أن لا ينظروا بعد تكذيبك (إلا أن تأتيهم [[في (ش): (يأتيهم) بالياء.]] الملائكة) عند الموت فيقعوا في العذاب، وذكرنا وجهاً آخر عن صاحب النظم [[صاحب النظم هو: أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، تقدمت ترجمته، وكتابه "نظم القرآن" (مفقود) انظر: مقدمة "تفسير البسيط".]] في نظير هذه الآية في [[يقصد قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 33].]] سورة النحل [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 124 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ قال ابن عباس: (يتنزل أمر ربك فيهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 145، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 144، وأبو حيان في "البحر" 4/ 258.]] وهذا يحمل على الأمر بقتلهم، واستقصاء هذا مذكور في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 126 ب.]]. وقال أبو إسحاق: (معنى ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أو يأتي إهلاك ربك إياهم، وانتقامه منهم، إما بعذاب عاجل، أو بالقيامة) [["معاني الزجاج" 2/ 307، وانظر "معاني النحاس" 2/ 522، وتفسير السمرقندي 1/ 525 - 526 والأرجح أن ذلك يوم القيامة للفصل بين العباد، وأن الله سبحانه وتعالى يأتي للفصل على وجه يليق بجلاله وعظمته، وهو قول الطبري في "تفسيره" 8/ 96، وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد وقتادة وابن جريج، واختاره البغوي في "تفسيره" 3/ 207، وابن كثير 2/ 216، والشنقيطي 2/ 283 - 284، وانظر: "تفسير القرطبي" 7/ 145، و"فتاوى شيخ الإسلام" 6/ 398 - 424.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال المفسرون عامة: (يعني: طلوع الشمس من مغربها) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 96، 97 من عدة طرق جيدة عن عبد الله بن مسعود، ومجاهد وقتادة والسدي، ورجحه الطبري في "تفسيره"، وابن الجوزي 3/ 157، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 108 وأخرج البخاري في صحيحه رقم (4635)، في كتاب "التفسير"، الأنعام، ومسلم رقم (157)، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل في الإيمان -حديث- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت آمن الناس أجمعون، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ "، ثم قرأ الآية. اهـ. وأخرج مسلم أيضًا - حديث رقم (158) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (ثلاث إذا خرجن ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض) ا. هـ. وقال ابن == عطية في "تفسيره" 5/ 409: (يصح أن يراد جميع ما يقطع بوقوعه من أشراط الساعة ثم خصص بعد ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية التي ترفع التوبة معها وقد بينت الأحاديث أنها طلوع الشمس من مغربها وهو قول جمهور أهل التأويل، وروي عن ابن مسعود أنها إحدى ثلاث: إما طلوع الشمس من مغربها، وإما خروج الدابة، وإما خروج يأجوج ومأجوج، وهذا فيه نظر؛ لأن الأحاديث ترده وتخصص الشمس) ا. هـ. ملخصًا. وانظر: "تفسير الرازي" 14/ 7 وفيه: (أجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علامات القيامة) اهـ.]]، وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من مكذبي محمد (إلى ذلك الوقت، والمراد بهذا بيان أن المشركين والمكذبين إنما يمهلون قدر مدة الدنيا، فهم يتنعمون فيها، فإذا ماتوا أو ظهرت أمارات القيامة لم ينفعهم الإيمان؛ وحلت بهم العقوبة اللازمة لهم أبدًا. ثم قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (أي: لا ينفعها الإيمان عند الآية التي تضطرهم إلى الإيمان؛ لأن الله جل وعز بعث الرسل بالآيات التي تتدبر، فيكون للمؤمن بها ثواب، ولو بعث الله على كل من لم يؤمن عذابا لاضطر الناس إلى الإيمان، وسقط التكليف والجزاء) [["معاني الزجاج" 2/ 308.]] قاله أبو إسحاق. وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام:158] قال ابن عباس: (﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ يا [[في (ش): (قل انتظروا إنا أهل مكة إنا متظرن ..)، وهو تحريف.]] أهل مكة ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ بكم العذاب يوم القيامة، أو قبلها في الدنيا [["تنوير المقباس" 2/ 76، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 146، وهو في "تفسير البغوي" 3/ 207 بدون نسبة.]]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ دليل على أن قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ [[في النسخ: (هل ينتظرون ..)، وهو تحريف.]] إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ [[في (أ): (يأتيهم) بالياء.]] الْمَلَائِكَةُ﴾ استفهام معناه: النفي، وذلك النفي خبر يتضمن النهي على ما بينا، ألا ترى أنه أمرهم بانتظار هذه الأشياء في آخر الآية، والدليل على هذه الجملة أن المشركين والكفار في ذلك الوقت كانوا غافلين لاهين ما كانوا ينتظرون شيئًا مما ذكر في هذه الآية، وكذلك في كل وقت.

الأنعام 6:159

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس [[أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1430 عن ابن عباس بسند جيد في الآية قال: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله) ا. هـ. وفي "تنوير المقباس" 2/ 77 قال: (تركوا دينهم ودين آبائهم وصاروا فرقًا، اليهودية والنصرانية والمجوسية) ا. هـ. وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 104، 105، وابن أبي حاتم 5/ 1430، والنحاس في "ناسخه" 2/ 356، عن ابن عباس بسند ضعيف قال: (اليهود والنصارى) اهـ. ملخصًا.]]، في رواية عطاء: (يريد: المشركين بعضهم يعبدون الملائكة يزعمون بأنهم بنات الله، وبعضهم يعبد الأصنام ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 7.]] [يونس: 18]. فهذا معنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا وأحزابًا في الضلالة، فتفريقهم دينهم أنهم لم يجتمعوا في دينهم الذي هو شرك على شيء واحد، وقال مجاهد [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 577، والثعلبي في "الكشف" 178 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 146، والبغوي في "تفسيره" 3/ 208، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 229 قال: (يهود)، وأخرجه الطبري في تفسيره 8/ 105 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 118.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 222، والطبري 12/ 269 - 270، وابن أبي حاتم 3/ 129 أبسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 118.]] والكلبي [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 146، وهو في "تنوير المقباس" 2/ 77.]]: (هم اليهود والنصارى)، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 599.]] أيضًا، والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 105، وابن أبي حاتم 5/ 1430، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 403.]]، وأصح [[في (ش): (في أصح)، وهو تحريف.]] القولين [[الظاهر إن الآية عامة تشمل كل أهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 105، والنحاس في "إعراب القرآن" 2/ 110، وابن كثير 2/ 219، والشوكاني 2/ 259.]]، واختيار الفراء [["معاني الفراء" 1/ 266.]] والزجاج. قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 308.]]: (يعني: به اليهود والنصارى، وذلك [أن النصارى] [[لفظ: (أن النصارى) ساقط من (ش).]] يكفر بعضهم بعضًا، وكذلك اليهود، وهم أهل كتاب واحد، وهو التوراة، والنصاري يكفر اليهود، واليهود يكفر النصارى) [[كذا في النسخ، والصواب: (والنصارى يكفرون اليهود، واليهود يكفرون النصارى) وعند الزجاج في معانيه 2/ 308: (وبعضهم يكفر بعضًا، أعني اليهود تكفر النصارى، والنصارى تكفر اليهود) اهـ.]] وعلى هذا معنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ ما قال يمان بن رئاب: (أخذوا [ببعض] [[لفظ: (ببعض) ساقط من (ش).]] وتركوا بعضًا، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [[لفظ: (وتكفرون ببعض) ساقط من (ش).]] [البقرة: 85]، فهم خلاف المسلمين [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 8 بدون نسبة.]] الذين وصفوا بالإيمان به كله في قوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 119] وقال في وصفهم أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: 150]. ومعنى قوله ﴿دِينَهُمْ﴾ قال مقاتل: (هو الإِسلام الذي أمروا به) [[هذا نص كلام أبي علي في "الحجة" 3/ 438.]] يعني: دينهم الذي دعوا إليه وشرع لهم، فسمى شريعة الإسلام دينهم، وإن لم يجيبوا إليه، ولم يأخذوا به؛ لأنهم قد شرع لهم ذلك، ودعوا إليه، فلهذا الالتباس الذي لهم به جاز أن يضاف إليهم، وقرأ حمزة [["تفسيرمقاتل" 1/ 599.]] والكسائي (فارقوا دينهم) [[قرأ حمزة والكسائي: (فارقوا) بالألف مع تخفيف الراء، وقرأ الباقون: (فرقوا) بغير ألف مع تشديد الراء. انظر: السبعة ص 274، و"المبسوط" ص 177، و"التذكرة" 2/ 413، و"التيسير" ص 108، و"النشر" 2/ 266.]] أي: باينوه وخرجوا عنه، وهذا يؤول إلى معنى ﴿فَرَّقُوا﴾ ألا ترى أنهم لما آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه فارقوه كله، فخرجوا عنه ولم يتبعوه، وعلى هذه [[هذا نص كلام أبي علي في الحجة 3/ 438، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 396، و"إعراب القراءات" 1/ 173، و"الحجة" لابن خالويه ص 152، ولابن زنجلة 278، و"الكشف" 1/ 458.]] القراءة إن تأولنا الآية في المشركين كما قال ابن عباس [[سبق تخريجه قريبًا.]] -رضي الله عنه-، فالدين [الذي] [[لفظ: (الذي) ساقط من (ش).]] فارقه المشركون التوحيد الذي نصب لهم عليه أدلته؛ لأن المشركين لم يكونوا أهل كتاب، ولا ممسكين بشريعة ثم تركوها حتى يقال: (فارقوا دينهم) ولكن إضافة الدين إليهم كإضافته إلى اليهود على ما بينا، ومثل هذا قوله: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: 137] أي: دينهم الذي دعوا إليه وشرع لهم، ألا ترى أنهم لا يلبسون عليهم دينهم الذي هو الإشراك. وقال مجاهد فيما روى عنه ليث [[ليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم، أبو بكر الكوفي، تقدمت ترجمته.]]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (هم من هذ الأمة) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 8.]]. وكذلك روي عن طاووس [[لم أقف عليه.]] وعائشة [[لم أقف عليه.]] وعن أبي هريرة [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 105، وابن أبي حاتم 5/ 1429، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 117، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في "حاشية الطبري".]] روي مرفوعًا [[المرفوع جاء من ثلاثة طرق: الأول: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الرسول ﷺ قال: "يا عائشة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، ليست لهم توبة. يا عائشة، إن لكل صاحب ذنب توبة == غير أصحاب البدع والأهواء ليس لهم توبة، أنا منهم بريء وهم مني براء" اهـ. أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1430، والطبراني في "الصغير" 1/ 203، والواحدي في "الوسيط" 1/ 147، وذكر السيوطي في "الدر" 3/ 117، وزاد نسبته إلى: (الحكيم الترمذي وأبي الشيخ وأبي نعيم في "الحلية" وابن مردويه وأبي نصر السجزي في الإبانة والبيهقي في "شعب الإيمان". وذكره الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 219، وقال: (رواه ابن مردويه وهو غريب ولا يصح رفعه) ا. هـ. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 22، وقال: (رواه الطبراني في الصغير وإسناد جيد) ا. هـ. وقال في 1/ 188: (رواه الطبراني في الصغير، وفيه بقية بن الوليد ومجالد بن سعيد، وكلاهما ضعيف). وقال الحافظ في "التقريب" 1/ 105: (بقية صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، علق له البخاري، وروي له الباقون). الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ في قوله: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: (هم أهل البدع، وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة" اهـ. أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 105، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 117، وزاد نسبته إلى: (الحكيم الترمذي والطبراني والشيرازي في الألقاب وابن مردويه)، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 219، وقال: (رواه ابن جرير، وإسناده لا يصح، فيه عباد بن كثير، متروك الحديث) ا. هـ وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 22 - 23 وقال: (رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، غير معلل بن نفيل، وهو ثقة) ا. هـ. الثالث: عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن الرسول ﷺ في قوله عز وجل: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: هم الخوارج" اهـ. أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1429، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 117، وزاد نسبته إلى: (النحاس وابن مردويه). وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 219، والشوكاني 2/ 260، وقالا: (لا يصح رفعه) اهـ.]]: أنهم أهل البدع والشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة، ذلك أنهم أبدعوا في الدين، وخالفوا الجماعة العظمى، وصاروا شيعًا مختلفين. قال أبو إسحاق: (وفي هذه الآية حث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة، وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع) [["معاني الزجاج" 2/ 308، وذكر مثله السمرقندي في "تفسيره" 1/ 527، وانظر "تفسير" ابن عطية 5/ 410، والقرطبي 7/ 149.]]. وقوله تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ قال الكلبي: (لست من قتالهم [في شيء]) [["تنوير المقباس" 2/ 77.]]، وقال السدي: (يقول: لم تؤمر بقتالهم، فلما أمر بقتالهم نسخ هذا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 106، وابن أبي حاتم 5/ 1431 بسند جيد.]]، كذلك قال ابن عباس [[أخرجه النحاس في "ناسخه" 2/ 356 بسند ضعيف.]] ومجاهد [[لم أقف عليه، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 366، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 527.]] والكلبي والسدي: إن قوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ منسوخ، نسخه السيف في سورة براءة [[آية السيف في أصح الأقوال هي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5] انظر: النسخ في القرآن الكريم للدكتور/ مصطفى زيد 2/ 504.]]. قال ابن الأنباري: (معنى [[في (أ): (يعني).]] ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [[لفظ: (في شيء) ساقط من (ش).]] أنت منهم بريء، وهم منك برآء [[في (ش): (وهم منك براء، وتأويلهم لم تلتبس بشيء من مذاهبهم).]] لم تلتبس بشيء من مذاهبهم، والعرب تقول: إن كلمت فلانًا فلست منك ولست مني، يريدون: كل واحد منا برئ من صحبه. قال النابغة: إِذَا حَاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ... فَإنّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنّي [[ديوان النابغة الذبياني ص 127، و"الكتاب" 4/ 186، و"تفسير الماوردي" 2/ 193، والقرطبي 7/ 150، و"البحر المحيط" 4/ 260، و"الدر المصون" 5/ 236 - 237، والفجور بالضم: الريبة والكذب، والشاعر يريد نقض الحلف، انظر: "اللسان" 7/ 3352 (فجر).]] وقال النبي ﷺ: "من غشنا فليس منا" [[أخرجه أحمد في المسند 2/ 50، والدرامي 3/ 1655 (2583)، ومسلم في "صحيحه" رقم (164)، وأبو داود (3452)، وابن ماجه (2224 - 2225)، والترمذي (1315)، وقال: (حديث حسن صحيح)؛ كلهم في السنن كتاب البيوع، باب النهي عن الغش، ومسلم في باب الإيمان باب قول النبي ﷺ: "من غشنا فليس منا"، وابن ماجه في كتاب التجارات باب النهي عن الغش.]] معناه [[قال ابن الأثير في "النهاية" 3/ 369: (الغش: ضد النصح من الغشش، وهو المشرب الكدر، وقوله: "ليس منا" أي: ليس من أخلاقنا ولا على سنتنا) اهـ.]]: فنحن منه برآء) [[لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وعلى هذا القول تكون الآية محكمة غير منسوخة، وهو الظاهر؛ لأنها خبر، والمعنى: أنت بريء منهم، وهم منك براء، وليس إليك شيء من أمرهم، وإنما أمرهم إلى الله سبحانه وتعالى، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 106، 107، والنحاس في ناسخه 2/ 356، ومكي في "الإيضاح" ص 247، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 411، والرازي 14/ 8، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" لابن حزم ص 38، ولابن العربي 2/ 213، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 337، و"النسخ في القرآن الكريم" لمصطفى زيد 1/ 441.]].

الأنعام 6:160

قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ قال ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 109 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 119.]]: وقتادة [[أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1431 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال بعده: (وروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعلي بن حسين وسعيد بن جبير والحسن، وعطاء ومجاهد وأبي صالح ذكوان ومحمد بن كعب القرظي والنخعي والضحاك والزهري وعكرمة وزيد بن أسلم وقتادة نحو ذلك) اهـ.]] والسدي [[لم أقف عليه، وقد رواه الطبري في "تفسيره" 8/ 108، 109 من طرق عن جماعة من السلف رضى الله عنهم.]] ومجاهد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 109 بسند لا بأس به عن مجاهد والضحاك.]] والضحاك: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ (يريد: شهادة أن لا إله إلا الله)، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: من عمل من المصدقين حسنة كتبت له عشر حسنات) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 148، وابن الجوزي في تفسيره 3/ 159.]]، وحذفت الهاء من ﴿عَشْرُ﴾، والأمثال جمع: مثل [[المثل: بكسر فسكون كلمة تسوية ويقال: مثل بالفتح، ويراد به الشبه، والصفة، والشيء الذي يضرب لشيء مثلا فيجعل مثله، انظر: "اللسان" 7/ 4133 (مثل).]]، والمثل مذكر؛ لأنه أريد: عشر حسنات أمثالها، ثم حذفت الحسنات وأقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها، وحذف الموصول كثير في الكلام، يقوى هذا قراءة من قرأ ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ بالتنوين والرفع [[قرأ يعقوب الحضرمي والحسن والأعمش وغيرهم: (عشر) بالتنوين (وأمثالُها) برفع اللام، صفة لعشر، أي: فله عشر حسنات أمثال تلك الحسنة، وقرأ الجمهور: (عشر) بغير تنوين، (أمثالِها) بالخفض على الإضافة، انظر: "تفسير الطبري" 8/ 110، و"إعراب النحاس" 1/ 595، و"مختصر الشواذ" ص 41، تفسير السمرقندي 1/ 527، والمشكل 1/ 278، و"البحر المحيط" 4/ 261، و"النشر" 2/ 266 - 267، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 220.]]، وقال أبو علي: (اجتمع هاهنا أمران، كل واحدٍ منهما يوجب التأنيث، فلما اجتمعا قوي التأنيث، أحدهما: أن الأمثال في المعنى حسنات، فجاز التأنيث، كقوله [[الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص 126، والكتاب 3/ 566، و"الكامل" للمبرد 2/ 251، و"الخصائص" 2/ 417، و"المخصص" 17/ 117 وصدره: فَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْتُ أَتّقَّي والكاعب، بالكسر: التي نهد ثديها، انظر: "اللسان" 7/ 3888 (كعب)، والمعصر، بضم فسكون وكسر الصاد: التي بلغت عصر شبابها، انظر: "اللسان" 5/ 2969 (عصر) والمجن: الترس، والشاهد: معاملة شخوص معاملة المؤنث؛ لأنه أراد النساء.]]: ثَلاثُ شُخُوصٍ كاعِبَاتٍ [[هكذا في النسخ: (كاعبات)، ولم أقف عليه بهذا اللفظ، وفي المراجع: (كاعبان) بالنون.]] ومُعْصِرُ فأراد بالشخوص: نساء [[في (ش): (نسبًا)، وهو تحريف.]]، والآخر: أن المضاف إلى المؤنث قد يؤنث وإن كان مذكرًا كقول من قرأ [[قراءة العامة: (يلتقطه بعض السيارة) بالياء، وقرأ مجاهد والحسن وقتادة. (تلتقطه) بالتاء لتأنيث المعنى ولإضافته إلى مؤنث. انظر: "إعراب النحاس" 2/ 126، و"مختصر الشواذ" ص 67، و"الدر المصون" 6/ 447، و"الإتحاف" ص 262.]]: (تلتقطه بعض السيارة) [يوسف: 10] [["التكملة" لأبي علي ص 270، وانظر: تفصيل ذلك في الكتاب 3/ 561 - 567، ومعاني الأخفش 2/ 291، والفراء 1/ 366 - 367، والزجاج 2/ 309، و"تفسير الطبري" 8/ 110، و"إعراب النحاس" 1/ 595.]] والأمثال يراد: بها حسنات أمثالها من جهة المجانسة تثبت [[في (ش): (يثبت) بالياء.]] لصاحبها، ثم الجزاء يقع لصاحبها على تلك العشر، وليس في الآية ذكر الجزاء بالحسنة، إنما ذكر أن لصاحب الحسنة الواحدة عشر حسنات [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 310، و"تفسير القرطبي" 7/ 151.]]. [و] [[لفظ: "الواو" ساقط من (ش).]] قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ قال ابن عباس: (يريد: الخطيئة، قال: وهذا للمؤمنين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 148، والراجح أن المراد بالحسنة والسيئة العموم، وأصل الحسنات التوحيد، وأسوأ السيئات الشرك، وهو اختيار ابن عطية في "تفسيره" 5/ 412، والرازي 14/ 8، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 220.]] ومعنى: ﴿إِلَّا مِثْلَهَا﴾ إلا جزاء مثلها، يوازيها ويماثلها، لا يكون أكثر منها، وروى أبو ذر (أن النبي ﷺ قال: "إن [[لفظ: (إن الله تعالى قال) ساقط من (ش).]] الله تعالى قال: الحسنة عشر، أو أزيد، والسيئة واحدة أو أغفر، فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره" [[في الباب أحاديث كثيرة ثابتة في الصحاح والسنن. انظر: "صحيح مسلم" رقم 203 - 208، و"تفسير ابن كثير" 2/ 220، 221، و"الدر المنثور" 3/ 119، 120، والأقراب إلى نص الواحدي هو ما أخرجه أحمد في المسند 5/ 180، ومسلم (2687)، و"الحاكم في المستدرك" 4/ 241 عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال: رسول الله ﷺ: "يقول الله عز وجل: الحسنة عشرًا أو أزيد، والسيئة واحدة أو أغفرها ..) الحديث. ولفظ: (فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره) ذكره الثعلبي في "الكشف" 187 أ، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 151.]]. وقال ﷺ: "يقول الله: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، وإن لم يعملها، فإن عملها فعشر أمثالها، وإن هم بسيئة فلا تكتبوها، فإن عملها فسيئة" [[أخرج مسلم في "صحيحه" رقم (203)، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله ﷺ: قال الله عز وجل: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرًا" ا. هـ. وأخرج مسلم رقم (207)، والبخاري 7/ 187 كتاب الرقاق - باب من هم بحسنة أو سيئة، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: (لا ينقص ثواب أعمالهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 150، وفي "تنوير المقباس" 2/ 77 نحوه.]].

الأنعام 6:161

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا﴾ قال أبو إسحاق: (أما نصب ﴿دِينًا﴾ فمحمول على المعنى؛ لأنه لما قال: ﴿هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ دل على عرفني، فكأنه قال: عرفني ﴿دِينًا﴾ قال: ويجوز أن يكون على البدل من معنى ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لأن معناه: هداني صراطًا مستقيمًا دينا، كما قال: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 2] [[انظر: معاني الزجاج 2/ 311، وإعراب النحاس 1/ 596، والحجة لأبي علي 3/ 440، والمشكل 1/ 279، والدر المصون 5/ 238.]]. وقوله تعالى: ﴿قِيَمًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: مستقيمًا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 151.]] ونحو ذلك قال الأخفش [["معاني الأخفش" 2/ 292.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 310، وهو قول الطبري في "تفسيره" 8/ 111، والنحاس في "معانيه" 2/ 525.]] في القيم، وهو من باب الميت [[يريد قيم وزنه فَيْعِل وأصله قَيْوِم، اجتمعت الياء والواو، والأولى ساكنة، فقلبت الواو ياء وأدغمت ثم خفف اللفظ إلى قِيَم بكسر القاف وفتح الياء، ومثله مَيِّت وصَيِّب وسَيَّد ونحوه. انظر: اللسان 6/ 3785 (قوم).]] والصيب ونحوه، وقرأ أهل [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: (قَيِّما) بفتح القاف وكسر الياء مشددة، وقرأ الباقون بكسر القاف وفتح الياء مخففة. انظر: السبعة ص 274، والمبسوط ص 177، والتذكرة 2/ 414، والتيسير ص 108، والنشر 2/ 267.]] الكوفة ﴿قِيَمًا﴾ مكسورة القاف خفيفة الياء. قال الزجاج: (وهو مصدر كالصغر [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 310 - 311، والنصر فيه: (مصدر كالصغر والكبر) فقط، ولفظ: (شيع) من "الحجة" لأبي علي 3/ 439، وانظر: "العضديات" ص 122.]] والكبر والحول والشيع). قال أبو علي: (وكان القياس أن يصحح فيه الواو كالعوض والحول، ولكنه شذ عن القياس نحو ثيرة [[ثمرة، بكسر الثاء وفتح الياء: جمع ثور ذكر البقر، قلبوا الواو ياء. انظر: "اللسان" 1/ 522 (ثور).]] وجياد في جمع جواد وكان القياس الواو [[قال مكي في "المشكل" 1/ 279: (من قرأ (قيما) مشدد فأصله قيوم على فَيْعِل، ثم أبدل من الواو ياء، ثم أدغم، ومن خففه بناه على فعل، وكان أصله أن يأتي بالواو فيقول: قوما، كما قالوا: عوض وحول، ولكنه شذ عن القياس) اهـ.]]، كما قالوا: طويل وطوال) [["الحجة" لأبي علي 3/ 439 - 440. وانظر: "معاني القراءات" 1/ 398، و"إعراب القراءات" 1/ 174، و"الحجة" لابن خالويه ص 152، ولابن زنجلة ص 279، و"الكشف" 1/ 459.]] وهذا مما ذكرناه مستقصى [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 229 أ.]] في أول سورة النساء. وقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ﴿مِلَّةَ﴾ بدل عن ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ و ﴿حَنِيفًا﴾ منصوب على الحال ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ والمعنى: هداني وعرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته، وهو هاهنا لإبراهيم أحسن منه لغيره لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ قاله [[في (ش): (قال)، وهو تحريف.]] أبو إسحاق [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 311، و"إعراب النحاس" 1/ 596، و"المشكل" 1/ 279.]].

الأنعام 6:162

وقوله [[وقع في نسخة: (ش) اضطراب في ترتيب الأوراق، فجاء الكلام على هذه الآيات في 146 ب.]] تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال أهل اللغة [[النُّسْك، بضم فسكون: العبادة، والطاعة، وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، واختصر بأعمال الحج. والنُّسُك -بالضم- والنسيكة: الذبيحة وانظر: "العين" 5/ 413، و"الجمهرة" 2/ 856، و"الصحاح" 4/ 1612، و"المجمل" 3/ 865، و"المفردات" ص 802، و"اللسان" 7/ 4412 (نسك)، ونص الواحدي في "تهذيب اللغة" 4/ 3562، وفيه: (النسك، بضم فسكون: الذبيحة) اهـ.]]: (النسك: العبادة من كل نوع، والنسك الذبيحة بعينها، تقول: من فعل كذا فعليه نسك، أي: دم يهريقه). وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (النسك: سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، وقيل للمتعبد: ناسِك لأنه يخلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث) [["تهذيب اللغة" 4/ 3562.]]. وذكرنا طرفا من هذا [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 87 أ.]] عند قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: 128]. قال ابن عباس: ﴿وَنُسُكِي﴾ (يريد: ذبيحتي) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 151، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 161، وأبو حيان في "البحر" 4/ 262.]]، [وقال مقاتل: (نسكي: حجي) [[لعل المراد مقاتل بن حيان، فقد أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1434 بسند جيد عنه، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 151، وفي "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 900 قال: (يعني: ذبيحتي) اهـ.]]. وقال مجاهد: (ذبيحتي] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (ش).]] في الحج والعمرة) [["تفسير مجاهد" 1/ 229، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 112، وابن أبي حاتم 5/ 1434 بسند جيد.]]. وقال الزجاج: (النسك كل ما تقربت به إلى الله عز وجل إلا أن الغالب عليه أمر الذبح) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 151، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 161، وفي "معاني الزجاج" 2/ 311: (النسك: الذبح، والنسك: ما يتقرب به إلى الله جل وعز) ا. هـ. وانظر: "معاني النحاس" 2/ 525 - 526.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي: حياتي وموتي لله، أي: هو يحييني وهو يميتني، وقرأ نافع ﴿وَمَحْيَايَ﴾ [[قرأ نافع: (مَحْيايْ) بسكون ياء المتكلم، (ومَماَتِيَ) بفتح الياء، وقرأ الباقون: (مَحْيَايَ) بفتح الياء و (مَمَاتِي) ساكنة الياء. انظر: "السبعة" ص 274 - 275، و"المبسوط" ص 177، و"التذكرة" 2/ 415، و"التيسير" ص 108 - 109، و"النشر" 2/ 172 - 173.]] ساكنة الياء، ونصبها في ﴿وَمَمَاتِي﴾، وإسكان الياء في ﴿وَمَحْيَايَ﴾ شاذ غير مستعمل؛ لأن فيه جمعًا بين ساكنين لا يلتقيان على هذا الحدّ في نثر ولا نظمٍ [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 440 - 441، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 399. وتسكين الياء له عدة توجيهات، فيحتمل أنه عدل بها عن أصلها استثقالًا للحركة عليها؛ لأن الياء حرف ثقيل فإذا حُرك ازداد ثقلا إلى ثقله، أو أجرى الوصل فيه مجرى الوقف، قال ابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 174: (وإنما صلح الجمع بين ساكنين؛ لأن الألف حرف لين) ا. هـ وقال مكي في "المشكل" 1/ 279: (حق الياء الفتح، لكن الحركة في الياء ثقيلة، فمن أسكنها فعلى الاستخفاف، لكنه جمع بين ساكنين، والجمع بين ساكنين جائز إذا كان الأول حرف مد ولين؛ لأن المد الذي فيه يقوم مقام حركة يستراح عليها فيفصل بين الساكنين) اهـ. وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 596: (قرأ أهل المدينة (ومحيايْ) بإسكان الياء في الإدراج، وهذا لم يجزه أحد من النحويين إلا يونس؛ لأنه جمع بين ساكنين، وإنما أجازه لأن قبله ألفًا، والألف المدة التي فيها تقوم مقام الحركة، ومن أراد أن يسلم من اللحن وقف على (محياي) فيكون غير لاحن عند جميع النحويين) ا. هـ. ملخصًا. وانظر: "الحجة" لابن خالويه ص 95، و"البحر المحيط" 4/ 262.]]. قال الزجاج: (أما ﴿وَمَحْيَايَ﴾ فلا بد من فتحها لأن قبلها ساكنا) [["معاني الزجاج" 2/ 311.]] ووجه هذه القراءة ما حكى بعض البغداديين: (أنه سمع: التقت حلقتا البطان [[البطان، بالكسر: الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير، وفيه حلقتان، فإذا التقتا فقد بلغ الشَّدُّ غايته، يضرب مثلًا في الحادثة إذا بلذت النهاية في الشدة والصعوبة. انظر: "الكامل للمبرد" 1/ 18، و"جمهرة الأمثال" 1/ 188، و"مجمع الأمثال" 3/ 147، و"المستقصى" للزمخشري 1/ 306.]] بإسكان الألف مع سكون لام المعرفة)، حكى أيضًا: له [[لفظ: (له) مكرر في (ش).]] ثلثا المال. ومثل هذا ما جوّزه يونس [[يونس بن حبيب الضبي إمام، تقدمت ترجمته.]] من قوله: (اضربان زيدًا واضربنان زيدًا) [["الكتاب" 3/ 527، و"إعراب النحاس" 1/ 596.]]، وسيبويه [[قال في "الكتاب" 3/ 527: (هذا لم تقله العرب، وليس له نظير في كلامها، لا يقع بعد الألف ساكن إلا أن يدغم) اهـ.]] ينكر هذا من قول يونس [[ما سبق في توجيهه القراءة هو قول أبي علي في "الحجة" 3/ 440.]]، قال الزجاج: (ومعنى الآية: أنه يخبر بأنه إنما يتوجه بالصلاة [[في: (ش): (إنما يتوجه الصلاة)، وهو تحريف.]] وسائر المناسك إلى الله عز وجل لا إلى غيره، كما كان المشركون يذبحون لأصنامهم، فأعلم أنه لله وحده لا شريك له) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 311، و"معاني النحاس" 2/ 525 - 526.]].

الأنعام 6:163

وقوله تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: بذلك أوحى الله إلى. ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال: يريد: أول من أسلم لله بقلبه ولسانه وجوارحه) [[ذكر الواحدي في "الوسيط" 1/ 152 عن ابن عباس قال: (بذلك أوحي إليّ) ا. هـ. ولم أقف عليه عند غيره.]]. وقال قتادة: (﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأمة) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 223، والطبري 8/ 112، وابن أبي حاتم 5/ 1435 بسند جيد.]]. وقال الكلبي: (أول من أطاع الله عز وجل من أهل زمانه) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 187 أ، وأبو حيان في "البحر" 4/ 262.]]. وقال مقاتل: (أول المخلصين من أهل مكة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 152، وفي "تفسير مقاتل" 1/ 600: (يعني: المخلصين من أهل مكة) اهـ.]].

الأنعام 6:164

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [قال ابن عباس: (يريد سيدًا وإلها وهو سيد كل أحد) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 153، والبغوي في "تفسيره" 3/ 212.]]. وقال غيره: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾]، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]] (من الأوثان أعبدها، وهو رب كل شيء) [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 600، والطبري 8/ 113.]]. قال الزجاج: (أي: هو ابتدع الأشياء كلها ، ولا يقدر أحد على ابتداع شيء واحدٍ منها) [["معاني الزجاج" 2/ 311.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ أي: لا تجني نفس [ذنبًا] [[لفظ: (ذنبًا) ساقط من (ش).]] إلا أخذت به، وكان أثمه على الجاني نفسه. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [ذكرنا معنى الوزر [[انظر: "البسيط".]] عند قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: 31]. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: الوليد بن المغيرة، وكان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم فقيل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]] أي: لا تؤخذ [كل] [[لفظ: (كل) ساقط من (أ).]] نفس آثمة بإثم أخرى، لا يؤخذ أحد بذنب غيره) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 153 - 154، والبغوي في "تفسيره" 3/ 212، == والقرطبي 7/ 157، و"الخازن" 2/ 208، وقال السيوطي في "الدر" 3/ 123: (أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: (لا يؤخذ أحد بذنب غيره). وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 312.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: إنك يا محمد تخاصمهم عندي يوم القيامة بما كذبوك) [[لم أقف عليه. وانظر: "تنوير المقباس" 2/ 79.]].

الأنعام 6:165

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ الآية. ذكرنا [ما] [[لفظ: (ما) ساقط من (ش).]] في الخليفة في سورة البقرة. قال المفسرون: (﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾) يا أمة محمد ﴿خَلَائِفَ﴾ الأمم الماضية بأن أهلكهم [[في (ش): (أن أهلكتهم).]] وأورثكم الأرض بعدهم، فمحمد (خاتم الأنبياء، وأمته خلفوا سائر الأمم) [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 600، و"معاني الفراء" 1/ 367، و"تفسير الطبري" 8/ 114، و"معاني الزجاج" 2/ 312، و"معاني النحاس" 2/ 526، و"تفسير السمرقندي" 1/ 529.]]. وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [قال الكلبي: (فضائل في المعاش) [["تنوير المقباس" 2/ 79 وفيه: "فضائل بالمال والخدم) ا. هـ وقال الواحدي في "الوسيط" 1/ 154: (في المعاش والغنى والرزق. قال الكلبي ومقاتل والسدي) اهـ.]]، وقال مقاتل: (درجات)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]] في الفضل والغنى) [["تفسير مقاتل" 1/ 600 - 601. وفيه: (يعني: الفضائل والرزق ..) اهـ.]]، وقال السدي: (في الرزق) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 114، وابن أبي حاتم 5/ 1436 بسند جيد.]]. وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: (دل بقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [[لفظ: "الواو" ساقط من (ش).]] أنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق ليختبرهم فيما رزقهم، وهو جل وعز عالم [بما يكون] [[لفظ: (بما يكون) ساقط من (ش).]] منهم قبل ذلك إلا أنه اختبرهم ليظهر منهم ما يكون عليه الثواب والعقاب) [["معاني الزجاج" 2/ 312، وانظر: تفسير الطبري 8/ 114، و"معاني النحاس" 2/ 527.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: لأعدائه بعد النبي ﷺ بهلاكهم وقتلهم. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يريد: غفور لأوليائه رحيم بهم) [[في "تنوير المقباس" 2/ 79 نحوه، وذكر البغوي "تفسيره" 3/ 212 عن عطاء قال: (سريع العقاب لأعدائه، غفور لأوليائه رحيم بهم) اهـ وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 114.]]. وقال غيره [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 197، واللفظ عام يشمل الدنيا والآخرة.]]: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ (أراد في الآخرة وجعله سريعًا؛ لأن كل ما هو آت قريب)؛ وهو معنى قول الزجاج [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 312، و"معاني النحاس" 2/ 527.]].