Al-Basit — الأعراف 7:143 – الأعراف 7:206
المحتويات
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:147
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:151
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:166
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:186
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:192
- الأعراف 7:193
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:196
- الأعراف 7:198
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:202
- الأعراف 7:203
- الأعراف 7:204
- الأعراف 7:205
- الأعراف 7:206
الأعراف 7:143
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾، قال الزجاج: (أي: في الوقت الذي وقتنا له) [["معاني الزجاج" 2/ 372، ونحوه قال الطبري 9/ 49، والنحاس في "معانيه" 3/ 74.]]، ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾. قال المفسرون: (خص الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).]] موسى عليه السلام بأن أسمعه كلامه من غير أن يكون بينهما أحد، فلما سمع كلام الله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 49 - 50، وقد أخرجه من طرف جيدة عن السدي وابن إسحاق والربيع بن أنس وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 373، والسمرقندي 1/ 567.]].
قال الزجاج: (المعنى: أرني نفسك انظر إليك) [["معاني الزجاج" 2/ 373.]]، وهذا يقطع بأن موسى سأل رؤية الباري، ولو كانت الرؤيا لا تصح في وصفه ما سأل موسى ذلك؛ لأنه كان أعلم بالله من أن يسأله ما يستحيل في وصفه، وليس يحتمل قوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ إلا أنه سأله أن يريه نفسه لينظر إليه، وليس يصح أن يقال: إنه سأل أمرًا عظيما على تقدير: أرني أمرًا، أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف؛ لأن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾. ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف، ولأنه لو سأل آية وأمرًا لأعطاه الله تعالى ما سأل كما أعطاه سائر الآيات، وأي معنى لإحالته على استقرار الجبل ووقوعه مغشيًا عليه، وتوبته بعد ذلك، هذا كله لا يكون في سؤاله أمرًا وعلامة [[انظر: "بدائع التفسير" 2/ 264 - 266.]].
قال أبو إسحاق: (ليس في الكلام دليل على أن موسى أراد أن يرى أمرًا عظيما من أمر الله عز وجل؛ لأن الله تعالى أراه من الآيات ما لا غاية بعده: العصا، واليد، وفرق البحر، فكان يستغنى بما أراه عن أن يطلب أمرًا من أمر الله عز وجل عظيما ، ولكنه لما سمع كلام الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).]] {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}، أي: قد سمعت كلامك فأنا أحب أن أراك) [["معاني الزجاج" 2/ 374 وزاد فيه: (وهذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة) اهـ.]]
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾. هذا [[في (ب): (في هذا أيضًا دليل).]] أيضًا دليل على جواز الرؤية، لأنه لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أرى، ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان: ناولني هذا لآكل، فإنه يقول: (هذا لا يؤكل)، ولا يقول: لا تأكل، ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة لقال: لا تأكل، أي: هذا مما يؤكل ولكنك لا تأكل.
وفي قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ إبطال قول من يقول: إن موسى سأل الرؤية لقومه؛ لأنهم [[انظر: "الكشاف" 2/ 113.]] قالوا ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: 153]، فسأل موسى الرؤية ليتبين لهم أن ذلك لا يجوز، وذلك أنه لو كان سؤال الرؤية لقومه لقال [[في (أ): (قال)، وهو تحريف.]]: لن يروني، ولقال موسى: أرهم [[في (ب): (أراهم)، وهو تحريف.]]، فلما قال ﴿أَرِنِي﴾ وقيل له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ بطل أن يكون السؤال لقومه، وقول من قال: إن (لن) [[لفظ: (لن) ساقط من (ب).]] للتأبيد دعوى على أهل اللغة، وليس يشهد لذلك كتاب ولا نقل ولا إسناد ولا أصل [[لن: حرف يدل على النفي في المستقبل، قال ابن هشام في "المغني" 1/ 284: (لن حرف نفي واستقبال ولا تفيد توكيد النفي ولا تأبيده خلافا للزمخشري وكلاهما دعوى بلا دليل) اهـ. انظر: "العين" 8/ 350، و"الكتاب" 4/ 220، و"حروف المعاني" ص 8، و"تهذيب اللغة" 4/ 3303، و"معاني الحروف" ص 100، و"رصف المباني" ص 355، و"اللسان" 7/ 4082 (لن).]]، ولكن معنى قول: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: في الدنيا كما قال عبد العزيز بن يحيى الكناني: قال: (قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ جواب قول موسى ﴿أَرِنِي﴾ فلا يقع على الآخرة؛ لأن موسى لم يقل: أرني في الآخرة، إنما سأل الرؤية في الدنيا فأجيب عما سأل) [[(ولا أصل) ساقط من (ب)، ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 14/ 233.]]، والجواب يكون على وفق السؤال؛ كيف وقد نص ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾. قال: (لن تراني في الدنيا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 196 أ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. قال مقاتل: (لما قال موسى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال له ربه: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولكن اجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك، وهو الجبل ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ أي: سكن وثبت ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، وإن لم يستقر مكانه فإنك لا تطيق رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي) [["تنوير المقباس" 2/ 125. وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 236، وابن الجوزي 3/ 256، وهذا هو الحق ومذهب أهل السنة والجماعة.
قال ابن كثير 2/ 272: (استدل المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة بهذه الآية وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة) اهـ.
وانظر: "الإبانة" للأشعري ص 13 - 21، و"تفسير الماوردي" 2/ 257، وابن عطية 6/ 68، وابن الجوزي 3/ 256، والقرطبي 7/ 278.]].
قال الكلبي [["تفسير مقاتل" 2/ 61.]] وغيره [["تنوير المقباس" 2/ 125، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 237.]]: (والجبل في قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ أعظم جبل بمدين [[ذكره ابن الجوزي 3/ 257، عن ابن عباس، ذكره الثعلبي في "عرائس المجالس" ص 201، عن السدي، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 567، والماوردي 2/ 258.]] يقال [[مدين: مدينة على بحر القلزم محاذية لتبوك. انظر: "معجم البلدان" 5/ 77.]] له: زبير [[في (ب): (فقال زبير)، وهو تحريف.]]) [[الزبير، بفتح الزاء وكسر الباء: اسم للجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام. انظر: "معجم البلدان" 3/ 132، و"اللسان" 3/ 1806 (زبر).
وقد أجمع أهل التفسير على أن جبل المناجاة هو الطور، فكأن الزبير اسم آخر له أو لموضع معين من الطور والله أعلم. انظر: "تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 2/ 727 - 728.]].
قال أصحابنا: (علَّقَ الله تعالى جواز الرؤية على استقرار الجبل، واستقراره كان جائزًا ، ولكن لم يفعل الله، كذلك الرؤية كانت جائزة، ولكن الله لم يخلقها لموسى، وضدّ هذه الآية قوله: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]. علق دخولهم الجنة بما يستحيل وجوده فلا يدخلونها قط).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾. قال الزجاج [[ذكره الثعلبي في "الكشف" ص 196 عن المتكلمين من أهل السنة، وانظر: "زاد المسير" 3/ 256.]] وجميع أهل اللغة [["معاني الزجاج" 2/ 373، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 624، قال الزجاج: (أي: ظهر وبان وهو قول أهل السنة والجماعة) اهـ.]]: (أي: ظهر وبان، ومنه يقال: جلوت العروس إذا أبرزتها، وجلوت المرآة والسيف إذا أخرجته من الصدى) [[انظر: "العين" 6/ 180، و"الجمهرة" 1/ 492، و"الصحاح" 6/ 2303، و"المجمل" 1/ 193، و"مقاييس اللغة" 1/ 468، و"المفردات" ص 200، و"اللسان" 2/ 670 (جلا).]].
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال أبو إسحاق: (يجوز ﴿دَكًّا﴾ بالتنوين و ﴿دَكًّاءَ﴾ بغير تنوين، أي: جعله مدقوقًا مع الأرض، يقال: دككت الشيء إذا دققته، أدكه دكا، والدكاء والدكاوات الروابي التي مع الأرض ناشزة عنها لا تبلغ أن تكون جبلًا) [[هذا قول ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص180، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 52، و"نزهة القلوب" ص 158، و"تفسير المشكل" ص 87.]]، فعلى هذا الدك مصدر والدكاء [["معاني الزجاج" 2/ 373.]] اسم.
أخبرني العروض رحمه الله عن الأزهري قال: أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى أنه قال: (قال الأخفش في قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [[الدّك - الدق وكسر الشيء وتفتيته، ومنه الناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها. انظر: "العين" 5/ 274، و"الجمهرة" 1/ 114، و"الصحاح" 4/ 1583، و"المجمل" 2/ 318، و"مقاييس اللغة" 2/ 258، و"المفردات" ص 316، و"اللسان" 3/ 1404 (دك).]] بالتنوين، كأنه قال: دكه دكًا مصدر مؤكد [[في (ب): (مؤكدة).]]، قال: ويجوز جعله ذا [[في "تهذيب اللغة" 2/ 1212: (ويجوز جعله أرضًا ذات دك) اهـ.]] دك كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82].
قال: ومن قرأ [[قرأ حمزة والكسائي ﴿دَكًّاءَ﴾ بالمد والهمز من غير تنوين، وقرأ الباقون: ﴿دَكًّا﴾ بالقصر والتنوين من غير مد ولا همز. انظرة "السبعة" ص 293، و"المبسوط" ص 185، و"التذكرة" 2/ 425، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 271 - 272.]] ﴿دَكًّاءَ﴾ ممدودة أراد جعله مثل دكاء فحذف (مثل)، قال: والدكاء الناقة التي لاسنام لها) [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 309.]]، فمعنى [[في (ب): (ومعنى).]] قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّاءَ﴾ أي: مثل دكاء في أنه بقي أكثره.
قال أبو العباس: (ولا حاجة به إلى إضمار (مثل)، والمعنى: جعل الجبل أرضًا دكاء) [["تهذيب اللغة" 2/ 1212 (دك).]].
فحصل من هذه الأقوال أن من قرأ ﴿دَكًّا﴾ بالتنوين كان الدك مصدرًا بمعنى المفعول على قول [[لفظ: (قول) ساقط من (ب).]] أبي إسحاق، وعلى قول الأخفش ويكون مصدرًا مؤكدًا؛ لأنه يقول معنى قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. أي: دكه دكًا، ويجوز على قوله أيضًا أن يكون بمعنى: ذا دكٍ، أي: ذا كسر فحذف المضاف، ومن قرأ بالمدّ فعلى قول الأخفش (الدكاء) الناقة الذاهبة السنام، والمضاف محذوف، وعلى قول أبي العباس (الدكاء) الأرض غير الغليظة المرتفعة، ولا حاجة إلى تقدير المضاف [[أكثرهم على أن من قرأ بالمد جعله صفة أي: جعل الجبل أرضًا ملساء دكاء ومن قرأ بالقصر والتنوين جعله مصدرًا.
انظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 75، و"معاني القراءات" 1/ 422، و"إعراب القراءات" 1/ 205، و"الحجة" لابن خالويه ص 163، و"الكشف" 1/ 475.]].
فأما التفسير فقال المفسرون [[أكثرهم على أن معنى جعله: ﴿دَكًّا﴾ أي: مستويًا ألصقه بالأرض. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 228، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، و"تفسير غريب القرآن" ص 180، و"نزهة القلوب" ص 227، و"تفسير المشكل" ص 87]]: (ساح في الأرض فهو يذهب حتى الآن). وهو قول الحسن [[ذكره الماوردي 2/ 258، عن الحسن وسفيان الثوري.]] وسفيان [["تفسير سفيان الثوري" ص 113، وأخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1561 من طرق جيدة عن سفيان الثوري.]]، وأبي بكر [[أبو بكر الهذلي البصري مشهور بكنيته وهو سلمى بن عبد الله بن سلمى، وقيل اسمه: روح، روى عن الحسن البصري والشعبي وعكرمة وغيرهم، وهو علامة إخباري متروك الحديث، توفي سنة 167 هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 497، و"المغني" في الضعفاء 2/ 773، و"تهذيب التهذيب" 4/ 498.]] الهذلي [[أخرجه الطبري 9/ 53 بسند جيد.]]، وهذا على قراءة من قرأ بالمد، وقال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 225، وذكره الثعلبي 196 ب، والبغوي 3/ 278.]]: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: كسرا جبالا صغارًا) [[في (ب): أي: (كسرا جبالا لا صغار)، وهو تحريف.]].
وروي هذا المعنى مرفوعًا عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال في قوله ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾: (صار لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، أحد وورقان، ورضوى [[أحد، بالضم: جبل أحمر بالمدينة المنورة في شمالها بينه وبينها قرابة ميل، انظر: "معجم البلدان" 1/ 109، وورقان بالفتح ثم الكسر جبل عظيم أسود على يمين المصعد من المدينة إلى مكة، انظر: "معجم البلدان" 5/ 372، ورضوى -بالفتح ثم السكون- جبل بالمدينة قرب ينبع، انظر: "معجم البلدان" 3/ 51.]]، ووقع ثلاثة بمكة ثور [[ثور، بالفتح ثم السكون: جبل مشهور بمكة خلفها على طريق اليمن، انظر: "معجم البلدان" 2/ 86، وثبير، بالفتح ثم الكسر وسكون الياء: جبل بمكة. انظر: "معجم البلدان" 2/ 72، وحراء، بالكسر والتخفيف والمد: جبل مشهور على ثلاثة أميال من مكة انظر: "معجم البلدان" 2/ 233.]] وثبير وحراء) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1560، والواحدي في "الوسيط" 2/ 237 - 238 بسند ضعيف جدًّا، فيه، الجلد بن أيوب البصري متروك الحديث، انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 420، و"المغني" في الضعفاء 1/ 135 "لسان الميزان" 2/ 133، وذكر الحديث ابن كثير في "تفسيره" 2/ 272، وقال: (هذا حديث غريب بل منكر) وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 24، نحوه عن ابن عباس عن النبي ﷺ وقال: (وراه الطبراني في "الأوسط" وفيه طلحة بن عمرو المكي وهو متروك) اهـ. وذكره الشوكاني في "فتح القدير" 2/ 358، وزاد نسبته إلى (أبي الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية والديلمي) وانظر: "الدر المنثور" 3/ 221 - 222.]].
وهذا التفسير يقوي قراءة من قرأ بالتنوين، والتفسير الموافق للقراءتين مما روي عن [[في (ب): (ما روي عن أنس عن ابن عباس)، وهو تحريف.]] ابن عباس أنه قال: (جعله ترابًا) [[أخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1560 بسند جيد.]]. ونحو ذلك قول مسروق: (صار صحراء [[في: (ب): (صر صخرا ترابا) وهو تحريف.]] ترابًا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 196 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال الليث: (الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان) [["تهذيب اللغة" 2/ 2018، وانظر: "العين" 1/ 128، و"تأويل مشكل القرآن" ص 501.]].
والصعقة الغشية، يقال: صعِق الرجل وصعَق، فمن قال: صعِق، قال: فهو صعِق، ومن قال: صعَق قال: فهو مصعوق، ويقال أيضا: صعق إذا مات، ومنه قال: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: 68] فسروه الموت، ومنه قوله: ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: 45] أي: يموتون، ويقال: أصعقته الصيحة أي: قتلته.
وأنشد الفراء:
أُحَادَ وَمَثْنَى أَصْعَقتها صوَاهِلُهْ [[الشاهد لابن مقبل في "ديوانه" ص 252 وصدره:
ترى النُّعَرات الزرق تحت لَبَانه
وهو في: "إصلاح المنطق" ص 205، و"المعاني الكبير" ص/ 606، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 302، و"الصحاح" 4/ 1507 (صعق)، و"المخصص" 8/ 184، و"اللسان" 4/ 2450 (صعق)، وبلا نسبة في "معاني الفراء" 1/ 255، 345، و"مجالس ثعلب" ص 128، و"التكملة" لأبي علي ص 425، والنُّعَرَات جمع نُعَرَة؛ ذباب يسقط على الدواب، واللبان الصدر، وصواهلة جمع صاهلة، وهو الصهيل والشاعر يصف فرسا بشدة صهيله وأنه يقتل الذباب.]]
أي: قتلها صوته [[النص كله من "تهذيب اللغة" 8/ 2012 - 2019، وانظر: "الجمهرة" 2/ 885، و"المجمل" 2/ 533؛ و"مقاييس اللغة" 3/ 285، و"المفردات" ص 484 (صعق).]].
فأما التفسير: فقال ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1561 من طرق جيدة.]]، والحسن [[ذكره الماوردي 2/ 258، وابن الجوزي 3/ 257 عن ابن عباس والحسن وابن زيد، وذكره البغوي 3/ 278 عن ابن عباس والحسن.]]، وابن زيد [[أخرجه الطبري 9/ 53 بسند جيد.]]: (مغشيًّا عليه). وقال قتادة: (ميتًا) [[أخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1561 بسند جيد، وذكر النحاس في "معانيه" 3/ 75 عن قتادة أنه قال: (أي: مغشيًا عليه) اهـ.]].
والذي يدل على صحة قول ابن عباس قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾.
قال الزجاج: (ولا يكاد يقال للميت: قد أفاق من موته، ولكن يقال للذي يغشى عليه والذي قد ذهب عقله: قد أفاق من علته؛ لأن الله عز وجل قال في الذين ماتوا: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 373 ومثله ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 2018 (صعق)، وهذا القول أظهر وهو اختيار الجمهور، قال ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 121: (فيه قولان: أحدهما: قد غُشي عليه، والقول الآخر قد مات. والأول هو الكثير المشهور) اهـ. وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص 180، والطبري 9/ 53، وابن عطية 6/ 71، وابن الجوزي 3/ 257، والرازي 14/ 235.]] [البقرة: 56].
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾. أي: تنزيهًا لك [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 374.]] من السوء. ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾. أي: من مسألتي الرؤية. قاله [[في (ب): (قال)، وهو تحريف.]] الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 125.]] ومجاهد [[أخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 113، عبد الرزاق 1/ 2/238، والطبري 9/ 55، وابن أبي حاتم 5/ 1562 من طرق جيدة.]]، والمعنى: من مسألتي الرؤية في الدنيا؛ لأن هذه القصة وقعت من مسألته الرؤية في الدنيا.
وقال أهل العلم: (إن الرؤية وإن كانت جائزة فإن موسى سألها من غير استئذان من الله تعالى، فلذلك [[في (ب): (فكذلك)، وهو تحريف.]] تاب لأنه كان بغير إذن، وهذا إجماع من الأمة أن توبته لم تكن عن معصية؛ لأن عندنا سأل الرؤية لنفسه، ولا يكون هذا [[في (ب): (لهذا)، وهو تحريف.]] السؤال عندنا معصية [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 55، وابن عطية 6/ 71.]]، وعند من خالفنا [[انظر: "الكشاف" 2/ 112 - 116.]]: سأل الرؤية لقومه مع علمه أن ذلك لا يكون، أو سأل أمرًا عظيمًا، وكل واحد من هذين لا يكون معصية) [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 259، وابن الجوزي 3/ 257، وقال القرطبي 7/ 279: (أجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية، فإن الأنبياء معصومون، وأيضًا عند أهل السنة والجماعة الرؤية جائزة، وعند المبتدعة سأل لأجل القوم ليبين لهم أنها غير جائزة وهذا لا يقتضى التوبة، فقيل: أي تبت إليك من قتل القبطي، وقيل: قالها على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له عند ظهور الآيات) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال مجاهد: (وأنا أول قومي إيماناً) [[أخرجه الطبري 9/ 56، وابن أبي حاتم 5/ 1562، من طرق جيدة.]]، وقاله السدي أيضًا [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 238، والبغوي 3/ 279، عن مجاهد والسدي، وأخرجه الطبري 9/ 56، من طرق جيدة عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج الطبري 9/ 55، وابن أبي حاتم 5/ 1562، من طرق جيدة عن ابن عباس قال: (أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد من خلقك في الدنيا) اهـ.]].
وقال أبو العالية: (وأنا أول من آمن أنه لا يراك أحد قبل يوم القيامة) [[أخرجه الطبري 9/ 55، بسند لا بأس به، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 568.]]. واختاره الزجاج فقال: (أي: أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا) [["معاني الزجاج" 2/ 374، وهذا هو الظاهر وهو اختيار الطبري 9/ 56، وقول الإِمام أحمد رحمه الله تعالى قال في الرد على الجهمية ص 96: (يعني: أول المصدقين أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات)، وانظر: "مرويات الإِمام أحمد في التفسير" 2/ 197، وقال ابن كثير 2/ 273: (وهذا قول حسن له تجاه) اهـ. وانظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 281.]].
الأعراف 7:144
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. الاصطفاء [[الصَّفْو والصفاء: ممدود خلوص الشيء من الشوب نقيض الكدر وصفوة كل شيء خالصه وخيره، والاصطفاء الاختيار وتناول صفوة الشيء، افتعال من الصفوة: واستصفيت الشيء إذا استخلصته. انظر: "العين" 7/ 162، و"الجمهرة" 2/ 893، و"تهذيب اللغة" 2/ 2022، و"الصحاح" 6/ 2401، و"مقاييس اللغة" 3/ 292، و"المجمل" 2/ 535، و"المفردات" ص 487، و"اللسان" 14/ 2468 (صفو).]]: استخلاص الصفوة لما لها من الفضيلة.
ومعنى ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: فضلتك على الناس) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 236.]].
وقال الزجاج: (أي: اتخذتك صفوة على الناس) [["معاني الزجاج" 2/ 374.]].
﴿بِرِسَالَاتِي﴾، وقرئ [[قرأ نافع وابن كثير (برسالتي) بغير ألف بعد اللام على التوحيد، وقرأ الباقون ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ بألف بعد اللام على الجمع. انظر: "السبعة" ص 293، و"المبسوط" ص 163، و"التذكرة" 2/ 425، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 272.]] ﴿برسالتي﴾، والرسالة تجري مجرى المصدر، فيجوز إفرادها في موضع الجمع وإن لم يكن المصدر من (أرسل) [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 77، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 336، و"إعراب القراءات" 1/ 207، و"الحجة" لابن خالويه ص 163، ولابن زنجلة ص 295، و"الكشف" 1/ 467.]]، وقد تقدم الكلام في هذا [[انظر: "البسيط" نسخة جامعة الإمام 3/ 58 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿وَبِكَلَامِي﴾. هذا يدل على أنه سمع كلام الله عز وجل من غير واسطة؛ لأن ما يكون بواسطة يدخل في حد الرسالة، وأشار أبو إسحاق إلى أن معنى اصطفائه: هو تخصيصه بكلامه من غير واسطة؛ لأنه قال: (لأن الملائكة تنزل إلى الأنبياء بكلام الله عز وجل) [["معاني الزجاج" 2/ 375.]] أي: تفضيله موسى [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 279، والرازي 14/ 192.]] أنه سمع كلام الله من غير ملك، وإنما كان كلام الله تعالى لموسى من غير واسطة بينه وبينه فضيلة وشرفًا؛ لأن من أخذ العلم عن العالم المعظم كان أجلّ رتبة ممن أخذه عن واحد عنه، كما نقول في الأسانيد إلى النبي ﷺ؛ فإن أقربها إليه أعزها وأجلها [[انظر: "معرفة علوم الحديث" للحاكم ص 112 - 113، وقال ابن الصلاح في "علوم الحديث" ص 256: (طلب العلو سنة وتستحب الرحلة فيه، وهو يبعد من الخلل وأجل أنواع العلو القرب من رسول الله ﷺ بإسناد نظيف غير ضعيف) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ما فضلتك وكرمتك). وقوله ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. (يعني: لأنعمي والطائعين لي) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 239.]].
الأعراف 7:145
قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ألواح التوراة) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1563 بسند جيد، وذكره السمرقندي 1/ 569، والواحدي في "الوسيط" 2/ 239 والبغوي 3/ 280 - 281، والخازن 2/ 287.]].
واختلفوا في الألواح [[قال محمد أبو شهبة في كتاب "الإسرائيليات والموضوعات" في كتب التفسير ص 201 - 203: (ذكر في الألواح مم هي وما عددها، أقوالًا كثيرة، وفيها ما يخالف المعقول والمنقول وهي متضاربة يرد بعضها بعضًا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم ﷺ وإنما هي من الإسرائيليات حملها عنهم بعضهم بحسن نية وليس تفسير الآية متوقفا على كل هذا الذي رووه والذي يجب أن نؤمن به أن الله أنزل الألواح على موسى وفيها التوراة وما ذكروه لا يجب علينا الإيمان به والأولى عدم البحث فيه؛ لأنه لا يؤدي إلى فائدة ولا يوصل إلى غاية) اهـ. ملخصًا.]] من أي شيء كانت، وكيف كانت الكتابة. فقال الربيع [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي 3/ 281، وأخرجه الطبري 9/ 66، وابن أبي حاتم 5/ 1563 بسند جيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية.]]: (كانت الألواح من بُرْد) [[البُرْد، بالضم: ثَوْب مخطط وأكسية يتلحف بها. انظر: "القاموس" ص 341 (برد).]].
وقال الحسن: (كانت من خشب نزلت من السماء) [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 260، والبغوي 3/ 281، وابن عطية 6/ 74، وابن الجوزي 3/ 258، والرازي 14/ 236، والخازن 2/ 287.]].
وقال وهب: (كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى فقطعها منها بيده) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي 3/ 281، وابن الجوزي 3/ 258، والرازي 14/ 236، والخازن 2/ 287.]].
وقال ابن جريج: (كانت من زمرد [[انظر: "القاموس" ص 285 (زمرد)، وص 325 (ورد).]] أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن) [[أخرجه الطبري 9/ 66، بسند جيد، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 197/ ب، والبغوي 3/ 281، والخازن 2/ 287، والسيوطي في "الدر" 3/ 224.]]. ونحو ذلك قال مجاهد [[أخرجه الطبري 9/ 66، من طرق جيدة بلفظ: من زمرد وفي رواية (من زمرد أخضر).]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 63، وفيه: (كانت من زمرد وياقوت).]].
وقال الكلبي [[ذكره الثعلبي 197 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 239، والبغوي 3/ 281، والخازن 2/ 287.]]: (كانت من زبرجدة [[الزَّبَرْجَد، بالفتح جَوْهر. انظر: "القاموس" ص 364 (زبرجد).]] خضراء).
وأما الكتابة، فقال: ابن جريج: (كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور فكتب به الألواح) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 197/ ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 239، والبغوي 3/ 281، والرازي 14/ 236، والخازن 2/ 287.]].
وقال مقاتل: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ كنقش الخاتم) [["تفسير مقاتل" 2/ 62، وفيه: (نقرا كنقش الخاتم) اهـ.]].
قال عطاء عن ابن عباس: (وكانت الألواح يومئذ ستة، ثم صارت أربعة وعشرين مِمّ ضُمَّ إليها من الوصايا والمواعظ) [[لم أقف عليه.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، قيل: من كل شيء يحتاج إليه في دينه من الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 57، و"معاني الزجاج" 2/ 375، والنحاس 3/ 76.]]. وهذا معنى قول ابن عباس: (يريد: مما افترض وأحلّ وحرّم ونهى وأمر) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 239، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1563 بسند جيد عن ابن عباس قال: (كان الله عز وجل كتب في الألواح ذكر محمد ﷺ وذكر أمته وما ادخر لهم عنده ولا يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما أحل لهم) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، قال ابن عباس: (يريد: هداية إلى كل أمر هو لله رضي) [[في "تنوير المقباس" 2/ 126، نحوه، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 240 دون نسبة، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1565 بسند جيد عن ابن عباس في قوله: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (قال: تبيانًا لكل شيء) اهـ.]].
وقال الكلبي: ﴿مَوْعِظَةً﴾ نهي عن الجهل ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [من الحلال والحرام [[قال الماوردي في "تفسيره" 2/ 260: (قيل الموعظة: النواهي، والتفصيل: الأوامر وهو معنى قول الكلبي) اهـ.]].
وقال مجاهد:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مما أمروا به ونهوا عنه [["تفسير مجاهد" 1/ 246، وأخرجه الطبري 9/ 57 من طرق جيدة.]] والتفصيل معناه: التبيين [[قال محمد أبو شهبة في كتاب "الإسرائيليات والموضوعات" في كتب التفسير ص 203: (المحققون من المفسرين سلفًا وخلفًا على أن المراد: أن فيها تفصيلًا لكل شيء مما يحتاجون إليه في الحلال والحرام والمحاسن والقبائح مما يلائم شريعة موسى وعصره وإلا فقد جاء القرآن الكريم بأحكام وآداب وأخلاق لا توجد في التوراة قط) اهـ.]]، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [[لفظ: ﴿سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ ساقط من (ب).]] [الأنعام: 55].
وقوله تعالى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. قال ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 58 بسند ضعيف، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1565 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (بجد وحزم).]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 63، وفيه: (يعني: التوراة بالجد والمواظبة عليه) اهـ.]] والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 126.]]: (بجد)، وقال الزجاج: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ في دينك وحجتك) [["معاني الزجاج" 2/ 375، ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 77.]].
وقال أهل المعاني: (بصحة عزيمة؛ لأنه لو أخذه بضعف نية لأداه إلى فتور العمل به) [[ذكره البغوي 3/ 281، والخازن 2/ 288.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: يحلّوا حلالها ويحرموا حرامها ويتدبروا أمثالها ويعملوا بمحكمها، ويقفوا عند متشابهها) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 240، والبغوي 3/ 281، والخازن 2/ 288، وأخرج الطبري 9/ 58 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (أمر موسى أن يأخذها بأشد مما أمر به قومه) اهـ.]].
وذكر أبو إسحاق في هذا وجهين: (أحدهما: أنهم أُمروا بالخير ونهوا عن الشرّ، وعرّفوا ما لهم في ذلك، فقيل: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾.
قال: ويجوز أن يكون ما أمرنا به؛ من الانتصار بعد الظلم، ونحو القصاص في الجروح؛ فهذا كله حسن، والعفو أحسن من القصاص، والصبر أحسن من الانتصار، ونظير هذه الآية قوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 55]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 375، ونحوه الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 823 (حسن).]] [الزمر: 18].
وقال قُطرب [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 240، والبغوي 3/ 281، وابن الجوزي 3/ 259، والرازي 14/ 237.]]: ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾، أي: بحسنها وكلها حسن؛ كقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]).
وقول الفرزدق: بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ [["ديوانه" 2/ 155، و"الكامل" 2/ 308، والصاحبي ص 434، وابن الجوزي 3/ 259، والرازي 14/ 237، و"اللسان" 6/ 3808 كبر، و"الدر المصون" 5/ 454، و"الخزانة" 8/ 242، وأوله: (إن الذي سمك السماء بني لنا) والشاهد فيه (أعز وأطول) حيث استعمل صيغتي التفضيل في غير التفضيل إذ لو كانتا للتفضيل لكان الفرزدق يعترف بأن لمهجوه وهو جرير بيتا دعائمه عزيزة طويلة وهذا لا يقصده الشاعر.]]
وقال أهل المعاني: (أحسنها الفرائض والنوافل وهي ما يستحق عليها الثواب، وأدونها في الحسن المباح؛ لأنه لا يستحق عليه حمد ولا ثواب) [[انظر: "معاني النحاس" 3/ 77، و"تفسير السمرقندي" 1/ 569، والماوردي 2/ 260 - 261، والبغوي 3/ 281، وابن عطية 6/ 75، وابن الجوزي 3/ 259، وقال الطبري في معنى الآية 9/ 58: (يقول: يعملوا بأحسن ما يجدون فيها والعمل بالمأمور به أحسن من العمل بالمنهي عنه) اهـ. وانظر: "الفتاوى" لشيخ الإسلام 6/ 16، و12/ 17.]].
وقوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 126، وذكره الرازي 14/ 238، عن ابن عباس ومجاهد والحسن، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 240 عن عطاء والحسن ومجاهد، وذكره البغوي 3/ 281 - 282، والخازن 2/ 289، عن عطاء والحسن، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1566 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (دار الكفار) اهـ.]] في رواية عطاء والحسن [[أخرجه الطبري 9/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1566 من طرق جيدة، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 77، والثعلبي 197 ب.]] ومجاهد [[ذكره الماوردي 2/ 261، وابن عطية 6/ 77، وابن الجوزي 3/ 260، والقرطبي 7/ 282 عن مجاهد والحسن، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 246 قال: (مصيرهم في الآخرة) اهـ، وأخرجه الطبري 9/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1566 من طرق جيدة، وهذا القول ظاهر وهو اختيار الطبري 9/ 59، وابن كثير 2/ 275؛ لأن الجملة == متصلة بما قبلها، فهي من تمامها، وأولى الأمور أن يختم الأمر بالعمل بالوعيد على من ضيعه.
وقال ابن كثير: (هذا أولى والله أعلم لأن هذا كان بعد إنفصال موسى وقومه عن مصر وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه والله أعلم) اهـ.]]: (هي جهنم). أي: فلتكن منكم على ذُكْر لتحذروا أن تكونوا منهم، وهي [[في (ب): (وهو).]] تتضمن وعيدًا وتهديدًا لمن خالف أمر الله، كما تقول لمن تخاطبه: سأريك غدًا إلى ما يصير حال من خالف أمري [[هذا قول الطبري 9/ 59.]].
وقال قتادة: (سأدخلكم الشام فأريكم [[في (ب): (وأيكم).]] منازل الكافرين الذين كانوا سكانها من الجبابرة والعمالقة، أي: لتعتبروا بها، وما صاروا إليه من النكال فيها) [[ذكره الثعلبي 197 ب، والماوردي 2/ 261، والواحدي في "الوسيط" 2/ 241، والبغوي 3/ 282، وابن عطية 6/ 77، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 236، والطبري 9/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1566 من طرق جيدة عن قتادة قال: (منازلهم) اهـ. وقال ابن الصلاح في "علوم الحديث" ص 281: (بلغنا عن أبي زرعة الرازي أن يحيى بن سلام المفسر حدث عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال: مصر، واستعظم أبو زرعة هذا واستقبحه وذكر أنه في تفسير سعيد عن قتادة: مصيرهم) اهـ.]]. وهذا معنى قول الكلبي: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا) [[ذكره الثعلبي 197 ب، والبغوي 3/ 282، وابن عطية 6/ 77، والرازي 14/ 238، والخازن 2/ 289، وذهب الزمخشري في "تفسيره" 2/ 117، وابن عطية 6/ 77، والقرطبي 7/ 282 إلى أن المراد: منازل القرون الذين أهلكوا ومنها مصر دار فرعون وقومه، ويمكن الجمع بين القولين بأن الآية تضمنت الوعد للمؤمنين بدخول الأرض الموعودة ومنازل القرون الماضية والوعيد للفاسقين بهلاكهم ودخولهم جهنم. والله أعلم.]].
الأعراف 7:146
قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الذين يتجبرون على عبادي، ويحاربون أوليائي. ويستحلون محارمي حتى لا يؤمنوا بما جئت به) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 241، والبغوي 3/ 282، والخازن 2/ 289.]]، فالآيات على قول ابن عباس: هي القرآن، و ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ هم: المشركون.
قال [[في: (ب): (كما قال).]] ابن الأنباري: (والمعنى على هذا ﴿سَأَصْرِفُ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ عن قبول آياتي والتصديق بها لعنادهم الحق؛ عوقبوا بأن حرموا الهداية وسُتِرَ عنهم الحق. وهذا كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]، وقوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: 127]). وذكر قولًا آخر، قال: (المعنى: ﴿سَأَصْرِفُ﴾ عن إبطال ﴿آيَاتِيَ﴾ وعن الاعتراض عليها هؤلاء الكفرة، كما تقول: وهو يمنعنى من زيد، أي: من ضربه، وأذاه، وكما قال عبد المطلب لما قصدت الحبشة البيت: (إن لهذا البيت [[هذه كلمة سارت مسير الأمثال، وذلك أن أبرهة الحبشي لما سار لهدم الكعبة وأشرف على مكة وجد إبلا لعبد المطلب وأخذها فذهب عبد المطلب إليه وكلمه في الإبل فعجب أبرهة منه وقال: (أتكلمني في الإبل ولا تكلمني في بيت فيه عزك وشرفك؟ فقال عبد المطلب: (أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه) وفي رواية (يحميه). انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 51، و"الروض الأنف" 1/ 69، و"السيرة النبوية" لأبي شهبة ص 167 - 169.]] ربا سيمنع منه) [[في: (ب): (عنه).]]. أي: سيمنع من تخريبه وقتل أهله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 241.]].
وقال ابن جريج: (الآيات خلق السموات والأرض، يعني: أصرفهم عن الاعتبار بما فيها) [[أخرجه الطبري 9/ 60 بسند جيد.]]. وهو قول ابن زيد [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 197/ ب، عن ابن زيد وابن جريج.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 63، والأكثر على أن الآية عامة أي: سأمنع وأصد عن النظر في الآيات الكونية والشرعية والتفكر والاستدلال بها، انظر: الطبري 9/ 60، و"معاني النحاس" 3/ 78، والسمرقندي 1/ 569، والبغوي 3/ 282، وابن عطية 6/ 78، وابن الجوزي 3/ 260.]].
قال أبو إسحاق: (أي: أجعل جزاءهم الإضلال عن هداية ﴿آيَاتِيَ﴾).
قال: ومعنى: ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾ أنهم يرون أنهم أفضل الخلق، وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم، وهذه الصفة -أعنى: المتكبر- لا تكون إلا لله عز وجل [[في (أ): (جل وعز).]] خاصة؛ لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد مثله، فبذلك يستحق أن يقال له: المتكبر، وليس لأحد أن يتكبر لأن الناس في الحقوق سواء وليس لأحد ما ليس لغيره، وهو المكبر جل وعز، فأعلم أن هؤلاء ﴿يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 376.]].
وقال غيره من أهل المعاني [[انظر: "معاني النحاس" 3/ 79، و"تفسير السمرقندي" 1/ 569، والماوردي 2/ 262.]]: (التكبر: إظهار كبر النفس على غيرها)، وصفة متكبر صفة ذم في جميع العباد، وصفة مدح [[انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 35، و"اشقاق أسماء الله" للزجاجي ص 155، 241، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص 93.]] في القديم جل وعز؛ لأنه يستحق إظهار الكبر على من سواه لأن ذلك حق، وهذا المعنى في صفة غيره باطل.
وقال أحمد بن يحيى: ﴿يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ من الكِبَر لا من الكِبْر [[قوله: (من الكِبَر، هو: بكسر الكاف وفتح الباء لا من الكِبْر هو بفتح الكاف وسكون الباء والتكبر التعظم، وكبَر، بكسر الكاف وفتح الباء الهرم ضد الصغر، وكِبْر، بسكون الباء: العظمة، وكبُر، بفتح الكاف وضم الباء: عظم.
انظر: "العين" 5/ 361، و"الجمهرة" 1/ 327، و"الصحاح" 2/ 801، و"المجمل" 3/ 776، و"مقاييس اللغة" 5/ 153، و"المفردات" ص 696، و"اللسان" 5/ 125 (كبير).]]، أي: يتفضلون ويرون أنهم أفضل من غيرهم) [["تهذيب اللغة" 10/ 210 - 211 (كبر).]]، وهذا الذي قاله أحمد قريبٌ من الأول بل هو بعينه معنى.
وقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ﴾ حجة على القدرية [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 3 - 4.]]، و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] دليل ذلك أن له أن يصرف عن الإيمان من شاء.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ قال ابن عباس: (يريد سبيل الهدى والبيان الذي جاء من الله، ﴿لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ قال: يريد: لا يتخذوه دينا، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ يريد: طاعة الشيطان وضلالته، ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ يريد: دينا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 241 - 242 بدون نسبة، وانظر: "تفسير الطبري" 13/ 114 - 115، و"معاني الزجاج" 3/ 376، والنحاس 3/ 79، والسمرقندي 1/ 570، والماوردي 2/ 57.]].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قال الزجاج: ﴿ذَلِكَ﴾ يصلح أن يكون نصبا على معنى: فعل الله بهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 376، وفيه: (ذلك يصلح أن يكون رفعا أي أمرهم ذلك، ويجوز أن يكون نصبا ..) اهـ. وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 390، والسمين في == "الدر" 5/ 457 - 458: (الأظهر أنه مبتدأ خبره الجار بعده، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، وجوز فيه النصب فقدره ابن عطية 7/ 162، فعلنا ذلك، فجعله مفعولا به، وقدره الزمخشري 2/ 117، صرفهم الله ذلك الصرف بعينه، فجعله مصدراً) اهـ، وانظر: "الفريد" 2/ 360.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: جحدوا الإيمان بها والنظر فيها والتدبر لها [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 61، و"معاني الزجاج" 2/ 376، النحاس 3/ 80]].
الأعراف 7:147
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾، قال ابن عباس: (يريد: الثواب والعقاب) [[لم أقف عليه.]]. وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن تفسيره: ولقاء [[قال الطبري 9/ 61 في معنى الآية: (يقول: وهؤلاء المستكبرون في الأرض بغير الحق وكل مكذب حجج الله ورسله وآياته وجاحد أنه يوم القيامة مبعوث بعد مماته ومنكر لقاء الله في آخرته ذهبت أعمالهم فبطلت ..) اهـ.]] الدار الآخرة، وهي موعد الثواب والعقاب، ومن أنكرها فقد أنكر الثواب والعقاب [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 283.]].
قوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، أي: صارت كأنها لم تكن. قال ابن عباس: (يريد: ضل سعيهم) [[لم أقف عليه.]] وقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. لا بد فيه من تقدير محذوف، أي: إلا بما [كَانُواْ] [[لفظ: (كانوا) ساقط من النسخ، وقال الواحدي في "الوسيط" 2/ 242 في تفسير الآية: (أي بما كان أو على ما كانوا يعملون) اهـ.
وقال السمين في "الدار" 5/ 458 - 459: (قال الواحدي: هنا لا بد من تقدير محذوف أي: إلا بما كانوا أو على ما كانوا أو جزاء ما كانوا، قال السمين: لأن نفس ما كانوا يعملونه لا يجزونه إنما يجزون بمقابله، وهو واضح). اهـ.]]، أو على ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أو جزاء ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
الأعراف 7:148
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾، قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 62، و"معاني النحاس" 3/ 50، والسمرقندي 1/ 570.]]: (أي: من بعد إنطلاقه ومجيئه إلى الجبل [[في (ب): (إلى الجبل والميقات).]] للميقات).
﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾، قال الليث: (الحَلْي كل حلية حليت بها امرأة، والجمع حُلِي، وتحلت المرأة اتخذت حُليًا ولبسته، وحَلَّيتها أنا أي: ألبستها [[في النسخ: (أي لبسته) وهو تحريف.]] واتخذته لها مخال [[لفظ (لها مخال) ساقط من (ب)، ولم ترد في "تهذيب اللغة" 1/ 889، ولعلها مَحال بالحاء المهملة، وهو ضرب من الحُلي، انظر: "القاموس" ص 1365 (محل).]] قال [[لفظ: (قال) ساقط من (أ).]]: ولغة حَلِيت المرأة أي: لَبِسَتْه) [["تهذيب اللغة" 1/ 889، وانظر: "العين" 3/ 296.]]
وأنشد:
وحَلْي الشَّوَى منها إذا حَلِيَتْ به ... على قَصَباتٍ لا شِخاتٍ ولا عُصْلِ [[الشاهد لذي الرمة في "ديوانه" ص 57، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 889، "اللسان" 2/ 985 (حلى)، قال الخطيب التبريزي في "شرحه": (يريد بالشوى: يديها ورجليها، والقصبات: العظام التي فيها المخ، ولا شخات أي: لا دقاق ، ولا عصل، معوجة) اهـ.]]
وقال ابن السكيت: (حَلَيْت المرأة وأنا أحليها إذا جعلت لها حليًا. وبعضهم يقول: حلوتها، بهذا المعنى) [["إصلاح المنطق" ص 139، و"تهذيب اللغة" 1/ 8890 والحلى بفتح الحاء وسكون اللام جمع (حُلِي) بضم الحاء وكسر اللام: وهو ما تزين به من مصوغ المعادن أو الحجارة.
انظر: "الصحاح" 6/ 2318، و"مقاييس اللغة" 2/ 94، و"المجمل" 1/ 247 ، و"المفردات" ص 254 (حلى).]].
قال الزجاج: (ويقرأ [[قرأ حمزة والكسائي: ﴿حِلِيِّهِمْ﴾ -بكسر الحاء واللام والياء مع تشديد الياء- وقرأ الباقون مثلها إلا أنهم ضموا الحاء ﴿حُلِيِّهِمْ﴾، وقرأ يعقوب: ﴿حَلْيِهم﴾ -بفتح الحاء وسكون اللام وكسر الياء مع تخفيفها-، انظر: "السبعة" ص 294 "المبسوط" ص 185، و"التذكرة" 2/ 425، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 272.]] ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾، فمن قرأ من ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ فهو جمع حَلي مثل حقوٍ [[الحَقْو: الكَشْح، والإزار أو مقعده، والحقو: الخاصرة وجانب الشيء، والحَقْو: الموضع المرتفع عن السيل وموضع الريش من السهم. انظر: "اللسان" 2/ 948 (حقو).]] وحُقيّ، ومن كسر الحاء أتبع الحاء كسرة اللام) [["معاني الزجاج" 2/ 286 وفيه: (فمن قرأ ﴿حَلْيِهِمْ﴾ بالفتح فالحَلْي: اسم لما يحسن به من الذهب والفضة، ومن قرأ ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ بضم الحاء فهو: جمع حَلْى مثل حَقْو وحُقَيِّ، ومن كسر الحاء أتبع الحاء كسر اللام) اهـ. وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 310.]].
قال أبو علي الفارسي: (يقال: حَلْي وحُلي مثل ثَدْي وثُدِي، ومن الواو حَقْو وحُقِي، وحِلي على وزن (فعول) قلبت واو فعول ياء لوقوعها قبل الياء التي هي لام، كما أبدلت واو مفعول في (مَرْمِي)، وأبدلت من ضمة عين (فُعُول) كسرة، كما أبدلت ضمة عين مفعول في (مَرْمى) وإن كانت اللام واوًا أبدلت منها الياء، وذلك نحو حَقْوٍ وحقي، وإنما أبدلت الواو ياء لإدغامها في الياء، فأما الحاء التي هي فاء في الحُلي، فإنها بقيت مضمومة كما كانت مضمومة في كُعُوب وفُلُوس، ومثال هذا مما أبدلت الواو منها ياء، وأبدلت في ضمتها الكسرة قولهم: أدحي النعام [[أدحي النعام: مبيضها في الرمل. انظر: "اللسان" 3/ 1338 (دحى).]] وآري الدابة [[آري الدابة: محبس الدابة. انظر: "اللسان" 1/ 68 (أرى).]]، هما (فاعول) إلا أن اللام من أدحي واو قلبت ياء، ومن آري ياء، والكسرة في البناءين مبدلة [[في (ب): (مبدوله).]] من ضمةٍ.
فأما قراءة من كسر الحاء من [[لفظ: (من) مكرر في (ب).]] ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ فوجه ذلك أن الكسر من الجموع قد غير عما كان الواحد عليه في اللفظ والمعنى، ألا ترى أن الاسم المكسر في الجمع يدل بالتكسير على الكثرة، فغير الفاء أيضًا في التكسير، وذلك أنه لما غير الاسم تغييرين وهو إبدالك الواو ياء، وابدال الضمة كسرة، قوي هذا التغيير على تغيير الفاء، ومثال هذا: الاسم المنسوب إليه، فإنه تغير عما [[في (ب): (كما كان)، وهو تحريف.]] كان عليه لفظًا ومعنى، فتغير اللفظ ما لحقه من الزيادات، وتغير المعنى هو أنه صار صفة، وكان قبلُ اسمًا فقوي التغيير للنسب على تغيير الفاء حتى قالوا: بِصْري بكسر الباء، ودُهري بضم الدال في النسبة إلى البصرة وإلى الدهر، فهذا وجه كسر الحاء، وقد جاء حرفان نادران من هذا القبيل ولم تقلب الواو ياء في الجمع، وذلك ما حُكي من قولهم: إنكم لتنظرون في نُحُوٍّ كثيرة، وما أنشده أحمد بن يحيى:
وأصبحتَ من أدنى حُمُوَّتِها حمًا [[الشاهد لعبد الله بن عجلان، شاعر جاهلي، كما في "الشعر والشعراء" ص 479، وصدره:
ألا إن هندًا أصبحت منك محرمًا
وهو بلا نسبة في "العين" 3/ 312، و"تهذيب اللغة" 1/ 909، و"اللسان" 2/ 1013 (حمى)، وأوله عندهم:
لقد أصبحت أسماء حجراً محرمًا
والشاعر كانت له زوجة فطلقها وتزوجها أخوه يقول: أصبحت أخًا زوجها بعد ما كنت زوجها.]] فجاءت الواو في الحُمُوَّة مصححةً وكان القياس أن ينقلب ياء من حيث كان جمعًا ، ولحاق تاء التأنيث في الحموة على حد عمومة وخيوطة، ومما يؤكد كسر الفاء في ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ قولهم: قِسيٌّ من جمع (قوس)، ألا ترى أنا لا نعلم أحدًا يسكن إلى روايته حكى فيه غير الكسر في الفاء، فهذا مما يدل على تمكن الكسرة في هذا الباب الذي هو الجمع، وأما ما كان من هذا النحو واحداً كالمُضي والصُلي مصدر صَلِيَ، فإن الفاء منه لا يكسر كما كُسِر في المجموع؛ لأن الواحد لم يتغير فيه المعنى كما تغير في الجمع، على أن أبا عمر [[في النسخ: "عمرو" والتصحيح من "الحجة" لأبي علي 4/ 86 وهو: صالح بن إسحاق الجرمي مولاهم أبو عمر البصري، إمام نحوي، لغوي، صدوق، ورع، فقيه، أخذ عن أبي زيد وأبي الحسن الأخفش وأبي عبيدة والأصمعي وغيرهم وله مصنفات مفيدة منها "الفرخ" في النحو، والأبنية، والعروض، توفي سنة 225 هـ. انظر: "طبقات النحويين" للزبيدي ص 84، و"تاريخ بغداد" 9/ 313، و"أنباه الرواة" 2/ 80، و"معجم الأدباء" 12/ 5، و"وفيات الأعيان" 2/ 485، و"البلغة" ص 113.]] حكى عن أبي زيد (أوَى إليه إويًا بالكسر) [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 236 (أوى).]]، فأما قوله: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 21]، وقال في أخرى [[في (أ): (أخريهم)، وهو تحريف.]]: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69] فإن الواو في (العتو) لما كان طرفًا أبدل في الجمع، ولا يلزم فيه البدل كما يلزم في الجمع) [["الحجة" لأبي علي 4/ 80 - 88 مع بعض الاختصار، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 423، و"إعراب القراءات" 1/ 207، و"الحجة" لابن خالويه ص 164، ولابن زنجله ص 296، و"الكشف" 1/ 477.]].
وكانت قصة الحلي والعجل على ما ذكره المفسرون [[أخرج الطبري في "تفسيره" 9/ 62 قصة الحلي والعجل بسند ضعيف عن ابن عباس وسعيد بن جبير، ومن طرق جيدة عن مجاهد والسدي وابن زيد وابن إسحاق. وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 377، و"إعراب القراءات" لابن خالويه 1/ 208 ، و"تفسير السمرقندي" 1/ 570.]]: (إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي، فاستعاروا حلي القبط لذلك اليوم، فلما أخرجهم الله من مصر وغرقهم بقيت تلك الحلي في أيديهم، فجمع السامري ذلك الحلي، وكان رجلاً مطاعًا فيهم ذا قدر، وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهًا يعبدونه كما رأوا قوم فرعون يعبدون أصنامًا، فصاغ السامري عجلاً، وجعله في بيت، وأعلمهم أن إلههم وإله موسى عنده، فذلك قوله: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾.
قال الزجاج: (والجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز، إنما معنى الجسد معنى الجثة فقط) [["معاني الزجاج" 2/ 377 ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 80 - 81.]].
وقال الفراء: (كان جسدًا مجوفًا) [["معاني الفراء" 1/ 393.]].
وأكثر أهل التفسير [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 283، وذكر هذا القول ابن عطية 6/ 82، وقال: (وهذا ضعيف لأن الآثار في أن موسى برده بالمبارد تكذب ذلك) اهـ.]] على: أنه صار جسدًا ذا لحم ودم، قال وهب: (جسدًا لحمًا ودمًا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 197 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 243.]].
[و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] قال قتادة: (جعله الله جسدًا لحمًا ودمًا له خوار) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 236، وابن أبي حاتم 5/ 1568 بسند جيد.]].
وقال عطاء: (قال الله تعالى لموسى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ [طه: 85]، قال موسى: يارب هذا السامري أخرج لهم عجلًا من حليهم، فمن [[في (ب): (من جعل).]] جعل له جسدًا؟ يريد الجسم [[في (ب): (يريد بالجسم اللحم والدم).]] واللحم والدم، ومن جعل له خوارًا؟ قال الله [تعالى] [[لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).]]: أنا، قال موسى: وعزتك وجلالك ما أضلهم غيرك، قال: صدقت يا حكيم الحكماء) [[لم أقف عليه، وهو أثر غريب منكر.]].
وقال الحسن: (قبض السامري قبضة [تراب] [[لفظ: (تراب) ساقط من (أ)، وملحق أعلى السطر في (ب).]] من أثر فرس جبريل يوم قطع البحر، فقذف ذلك التراب في [[في (أ): (ذلك التراب في فيِ العجل).]] العجل، فتحول لحمًا ودمًا) [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 46، والواحدي في "الوسيط" 2/ 243.]].
قال أبو إسحاق: (ويقال في التفسير: إنه سمع صوته مرة واحدة فقط) [["معاني الزجاج" 2/ 377، ومثله قال الفراء في "معانيه" 1/ 393.]]. وهذا يروى عن ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 62 من طرق ضعيفة، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1568 من طرق جيدة.]] كما قاله الحسن وأبو إسحاق [[ليس في "معاني الزجاج" 2/ 377 أنه أخذ من أثر الفرس، ولعل الواحدي يقصد أنه خار مرة واحدة فقط.]]: (إن السامري كان قد أخذ قبضة من تراب أثر فرس جبريل، ثم ألقاها في العجل وأنه خار خورة واحدة ولم يثن).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾. قال ابن عباس: (يريد: لا يرشدهم إلى دين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 243 بلا نسبة. وقال الزجاج 2/ 378 في معنى الآية: (أي: لا يبين لهم طريقًا إلى حجة) اهـ.]]، يريد: العجل.
قال أصحابنا: (هذا يدل على أن من لا يكون متكلمًا لا يجوز أن يكون إلهًا، وأن الإله هو الذي يتكلم ويهدي السبيل) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 62.]]. وقول: ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ أي: إلهًا ومعبودًا، كقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: 51]. أي: إلهًا. وقد مر.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: مشركين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 243، وابن الجوزي 3/ 262.]]. قال أهل المعاني: (وهذه الآية إخبار عن جهل بني إسرائيل في اتخاذهم العجل إلهًا وهو لا يهديهم سبيلاً، ولا يستطيع كلامًا فيدعو إلى رشدٍ أو يصرف عن غيّ) [[قال الطبري 3/ 117 في معنى الآية: (يخبر جل ذكره عنهم أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل، وذلك أن الرب جل جلاله الذي له ملك السموات والأرض ومدبر ذلك لا يجوز أن يكون جسدًا له خوار لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير ...) اهـ.]].
الأعراف 7:149
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 128، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 244.]] والمفسرون [[انظر "مجاز القرآن" 1/ 228، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، و"تفسير غريب القرآن" 180 - 181، و"تفسير الطبري" 9/ 62، والسمرقندي 1/ 571، والبغوي 3/ 283، وقال الرازي 7/ 15: (اتفقوا على أن المراد اشتد ندمهم على عبادة العجل) اهـ.]]: (أي: ندموا على عبادتهم العجل).
قال الفراء: (يقال: سُقِط في يده وأُسْقِط من الندامة، وسُقط أكثر وأجود) [["معاني الفراء" 1/ 393 وفيه زاد (وأسقط لغة). وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 310.]].
وقال الزجاج: (يقال للرجل النادمِ على ما فعل الخَسِرِ على ما فرط منه: قد سُقِط في يده وأُسْقِط) [["معاني الزجاج" 2/ 378، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 81.]]. قال الأزهري: (وإنما حَسَّنَ قولَهم: سقط في يده، بضم السين غير مسمًّى فاعله الصفةُ وهي قولهم: (في يده)، ومثله قول امرؤ القيس:
فدع عنك نهبًا صيح في حَجَراته ... ولكن حديثًا ما حديث الرواحل [["ديوانه" ص 135، و"اللسان" 4/ 2039 (سقط)، و"الدر المصون" 5/ 461، وفي "الديوان" (دع) بدل فدع، والنهب: الغارة والسلب، وحجراته: نواحيه، والرواحل: النوق.]]
أي: صاح المنتهب في حجراته، وكذلك [[في (ب): (ولذلك)، وهو تحريف.]] المراد: سقط الندم في يده) [["تهذيب اللغة" 2/ 1713 (سقط).]] انتهى كلامه.
فقد بان بقول المفسرين وأهل اللغة أن قولهم: (سُقط في يده) معناه: نَدِم، وأن هذا اللفظ يستعمل في صفة النادم، فأما القول في أصله ومأخذه فلم أر لأحد من الأئمة فيه شيئًا أرتضيه إلا ما ذكره أبو القاسم الزجاجي، وهو أنه قال: (قوله: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ بمعنى [[في (ب): (معناه).]] ندموا، نظمٌ لم يُسمع قبل القرآن ولا عرفته العرب، ولم يوجد ذلك في أشعارهم، والذي يدل على صحة ذلك أن شعراء الإسلام لما سمعوا هذا النظم واستعملوه في كلامهم خفي عليهم وجه الاستعمال؛ لأن عادتهم لم تَجْرِ بِهِ، فقال أبو نواس [[أبو نُواس: هو الحسن بن هانئ الحكمي مولاهم أبو علي البصري، شاعر مشهور، عالم باللغة، فصيح، أخذ عن أبي زيد وأبي عبيدة وغيرهما، وهو شاعر مجيد، لكن فسقه ظاهر، أكثر من النظم في المجنون والخمر والغلمان، وغلب عليه اللهو، وذكر عنه التوبة في آخر عمره. توفي سنة 195 هـ أو بعدها وقد قارب الستين سنة.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 538، و"تاريخ بغداد" 7/ 436، و"وفيات الأعيان" 2/ 95، "لسان الميزان" 7/ 115، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 4/ 257، و"الإعلام" 2/ 225.]]:
ونشوة سقطت منها في يدي [[ليس في "ديوانه"، ولم أقف على تكملته. ونقله السمين في "الدر" 5/ 462 عن الواحدي، وذكره الميداني عن الزجاجي في "مجمع الأمثال" 2/ 331.]]
وأبو نواس هو العالم النّحْرِير [[النّحْرِير: الحاذق الماهر العاقل المجرب وقيل: الرجل الفطن المُتْقِن البصير في كل شيء، انظر: "اللسان" 7/ 4365 (نحو).]] فأخطأ في استعمال هذا اللفظ؛ لأن فُعِلتْ لا يبنى إلا من فعل [[انظر: "تصحيح التصحيف وتحرير التحريف" للصفدي ص 314.]] متعدٍّ وسُقط لازم لا يُعدى إلا بحرف الصفة. لا يُقال: سُقِطت كما لا يقال: رُغِبتُ، وغُضبتُ، إنما يقال: رُغِب فيّ، وغضْبَ عليّ، وذكر أبو حاتم [[أبو حاتم: هو سهل بن محمد بن عثمان السجستاني. تقدمت ترجمته؛ والنص عنه في "مجمع الأمثال" 2/ 331، وانظر "اللسان" 4/ 2038، و"التاج" 10/ 283 (سقط).]]: (سُقط فلان في يده، بمعنى: ندم)، وهذا خطأ مثل قول أبي نواس؛ لأنه لو جاز: سُقط فلان في يده، لجاز: سقطت في يدي، ولو كان الأمر على ما ذكره لكان النظم: ولمّا سُقطوا في أيديهم، أو سقط القوم في أيديهم.
وحقيقة معنى السقوط [[انظر: (سقط) في "العين" 5/ 71، و"الجمهرة" 2/ 835، و"الصحاح" 3/ 1132، و"المجمل" 2/ 466، و"مقاييس اللغة" 3/ 86، و"المفردات" ص 414.]]: نزول الشيء من أعلى إلى أسفل، ووقوعه على الأرض، ولهذا قالوا: سقط المطر، وسممى الجليد سَقِيطًا ، ويقال: سقط من يدي شيء، وأسْقَطت المرأة ولدها، ومنه سَقْط النار والولد، وسِقْطا الخِبَاء: جانباه اللذان يسقطان على الأرض، هذا أصل، ثم توسعوا واستعاروا هذه اللفظة حيث لا يكون هناك نزول من أعلي إلى أسفل تشبيهًا، فقالوا للخطأ من الكلام: سَقَط؛ لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه فيسقط، ويقال للرجل إذا أخطأ: كان ذلك منه سَقطة [[في (ب): (سقطًا).]]، شبهوا ذلك [بـ] السقطة [[لفظ: (الباء) ساقط من (ب).]] على الأرض، ومعنى ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: سقط الندم في أيديهم، ولم يذكر الندم، وقيل: سُقط، على ما لم يُسم فاعله، كما يقال: رُغب في فلان، على ما بيَّنا، وذكر اليد هاهنا لوجهين:
أحدهما: أنه يقال للذي يحصل على شيء، وإن كان ذلك مما لا يكون في اليد: قد [[في (ب): (فقد)، وهو تحريف.]] حصل في يده مكروه، يُشَبَّه ما يحصل في النفس وفي القلب بما يرى بالعين، وخصت اليد بالذكر لأن مباشرة الذنوب بها، فاللائمة ترجع عليها لأنها هي الجارحة العظمى فيسند إليها ما لم تباشره كقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: 10]، وكثير من الذنوب لم تقدمه اليد [[انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 286.]].
الوجه الثاني: أن الندم حدث يحصل في القلب [[في (ب): (يحصل بالقلب).]]، وأثره يظهر في اليد؛ لأن النادم [[انظر: "مجمع الأمثال" 2/ 331.]] يعض يده ويضرب إحدى يديه على الأخرى، كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ [الكهف: 42]. فتقليب الكف عبارة عن الندم؛ لأن من ندم على شيء قلب كفيه وصفق اليمنى على اليسرى تحسرًا على ما فعل.
ومن هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: 27]، أي: ندمًا وتحسرًا على كفره بالله، فلما كان أثر الندم يحصل في اليد من الوجه الذي ذكرنا أضيف سقوط الندم إلى اليد؛ لأن الذي يظهر للعيون من فعل النادم هو تقليب الكف وعض الأنامل واليد، كما أن السرور معنى في القلب يستشعره الإنسان، والذي يظهر من حاله الاهتزاز والحركة والضحك وما يجري مجراه، والقراءة المشهورة ﴿سُقِطَ﴾ على ما لم يسم فاعله، وهذا الفاعل إذا ظهر لا بد من أن يكون الندم على ما ذكره الزجاج وغيره) [[لم أقف عليه عن الزجاجي في كتبه بعد طول بحث عنه وذكره الميداني في "مجمع الأمثال" 2/ 331، عن الزجاجي مختصرًا، ونقله السمين في "الدر" 5/ 462 - 463، وجعل الكلام في ذكر اليد من قول الواحدي، وقال الرازي في "تفسيره" 15/ 8: (حكى الواحدي عن بعضهم أن هذا مأخوذ من السقيط، وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج، ومعنى سقط في يده أي: وقع في يده السقيط والسقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى، فصار مثلًا لكل من خسر في عاقبته ولم يحصل من سعيه على طائل وكانت الندامة آخر أمره) اهـ. ملخصًا. وانظر: "جمهرة الأمثال" 2/ 216، و"المستقصى" 2/ 119.]]، هذا الذي ذكرناه معنى كلامه، وبعض لفظه، وهو صحيح واضح لا غبار عليه.
[و] [[لفظ: (الواد) ساقط من (ب).]] قوله تعالى: ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ أي: وعلموا أنهم قد ابتلوا بمعصية الله، ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ الآية. وهذا الندم والاستغفار إن كان بعد رجوع موسى إليهم.
الأعراف 7:150
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾، اختلفوا في معنى: الأسف؛ فقيل الأسف: الشديد الغضب، وهو قول أبي الدرداء [[أخرجه الطبري 9/ 64 بسند ضعيف، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي 3/ 284 وابن الجوزي 3/ 263، والرازي 15/ 10، والقرطبي 7/ 286، ابن كثير 2/ 276، والسيوطي في "الدر" 3/ 235.]]، وعطاء عن ابن عباس [[ذكره الرازي 15/ 10.]] واختيار الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 378 واختاره أكثرهم. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 228، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، "تفسير الطبري" 9/ 64، و"معاني النحاس" 3/ 82، و"نزهة القلوب" ص 74.]]، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: 55]. أي: أغضبونا، واختاره ابن قتيبة أيضاً فقال: (يقال: آسفني فأسفت أي: أغضبني فغضبت، ومنه قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [["تفسير غريب القرآن" ص 173.]].
و [[(الواو): ساقطة من (ب).]] قال ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1569 من طرق جيدة، وذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 262، والسيوطي في "الدر" 3/ 235.]] والسدي [[أخرجه الطبري 9/ 63 بسند جيد، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي في "معالم التنزيل" 3/ 284، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 7/ 286 - 287 عن ابن عباس والسدي.]] والحسن [[أخرجه الطبري 9/ 64 بسند جيد، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 263 == والرازي 14/ 10 عن ابن عباس والحسن والسدي.]]: (الآسف الحزين)، ونحو ذلك قال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 128، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 244 عن الكلبي والسدي.]]، والقولان متقاربان [[انظر: "تفسير ابن عطية" 6/ 86، ونقل قول الواحدي، الرازي 15/ 10.]]؛ لأن الغضب من الحزن؛ والحزن من الغضب، فإذا [[في (ب): (وإذا).]] جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، يسمى أحدهما: حزنًا، والآخر: غضبًا، وأصلهما أن يصيبك ما تكره.
يدل على هذا ما قاله الليث: (الأسَفُ في حال الحُزن، وفي حال الغَضَب إذا جاءك أمر ممن هو دونك فأنت أسف [أي: غضبان، وقد آسَفَك، وإذا جاءك أمر ممن هو فوقك [[في "العين" 7/ 311: (ممن هو فوقك أو من مثلك فأنت أَسِف)، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 161، عن الليث: (وإذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه ..).]] فحزنت له ولم تطقه فأنت أسف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] أي: حزين) [["تهذيب اللغة" 1/ 161.]]. ومن هذا قال القائل [["الشاهد" لأبي الطيب المتنبي في "ديوانه" ص 436 وبلا نسبة في "المفردات" ص 75 (أسف)، و"الدر المصون" 5/ 466، و"عمدة الحفاظ" ص 16، و"بصائر ذوي التمييز" للفيروزأبادي 2/ 185 وأوله: (جزاك ربك بالأحزان مغفرة). وانظر شرح البيت في "شرح ديوان" المتنبي للواحدي ص 611.]]:
فحُزْنُ كل أخي حزنٍ أخو الغضب
فبين مقاربة ما بينهما، وعلى هذين المعنيين استعملت العرب الأسف. قال الأعشى: أرى رجلاً منهم أسيفًا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفًّا مخضبا [["ديوانه" ص 80، و"مجالس ثعلب" ص 38، و"تهذيب اللغة" 1/ 161، و"مقاييس اللغة" 1/ 103، و"اللسان" 1/ 79، و"الدر المصون" 5/ 466، وفي "الديوان" (رجلاً منكم) بدل (منهم).]]
يقول: كأن يده قطعت واختضبت بدمه فغضب لذلك، فهذا في الغضب، وأما في الحزن فما روى في حديث عائشة -رضي الله عنها [[في: (أ): (عنهما).]] - أنها قالت: إن أبا بكر رجل أسيف [[أخرجه البخاري (664) في الأذان باب: حد المريض أن يشهد الجماعة، وفي باب: من أسمع الناس تكبير الإمام، رقم (712) وفي باب الرجل يأتم بالإمام وبأتم الناس بالمأموم رقم (713)، وفي كتاب: الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: 7]، وأخرجه مسلم رقم (418) كتاب الصلاة، باب: استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرها رقم (3384)، عن عائشة -رضي الله عنهما- قالت: قال النبي ﷺ في مرضه: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فقلت: (إنه رجل أَسيف ..) الحديث.]].
قال أبو عبيد: (الأسيف: السريع الحزن والكآبة [["تهذيب اللغة" 1/ 161، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 100 قال: (سريع الحزن والبكاء) اهـ.]]، قال: ويقال من هذا كله: أسفت آسف أسفا) [["غريب الحديث" 1/ 100، و"تهذيب اللغة" 1/ 161، وزاد: (والأسف: الغضبان المتلهف على الشيء ومنه قوله تعالى: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ اهـ. وانظر: "المنجد" ص 108، و"الصحاح" 4/ 1330، و"المجمل" 1/ 95، و"مقاييس اللغة" 1/ 103، و"المفردات" ص 75 (أسف).]]، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل ﴿أَسِفًا﴾ حزينًا لأن الله فتنهم، وقد كان قال له: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه: 85].
وقال الكلبي: ﴿أَسِفًا﴾ حزينًا لعبادة العجل [[في النسخ: (إنا قد فتنا)، وهو تحريف.]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [["تنوير المقباس" 2/ 128، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 244.]] [[في (ب) تكرار: (من بعدي).]]. أي: بئسما عملتم بعدي، يقال: خلّفه بما يكره، وخَلَفه بما يحب إذا عمل خلفه ذلك العمل. قال ابن عباس: (يريد: اتخاذهم العجل وكفرهم بالله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 244.]].
وقوله تعالى: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾. معنى العَجَلة [[انظر: "العين" 1/ 227، و"الجمهرة" 1/ 482، و"تهذيب اللغة" 3/ 2341، و"الصحاح" 5/ 1759، و"المجمل" 3/ 649، و"مقاييس اللغة" 4/ 237، و"المفردات" ص 548، و"اللسان" 5/ 2821 (عجل).]]: المتقدم بالشيء قبل وقته، ولذلك صارت مذمومة، والسرعة غير مذمومة؛ لأن معناها: عمل الشيء في أقل أوقاته.
قال الفراء [["معاني الفراء" 1/ 393، ومثله قال الطبري 9/ 64.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 378.]]: (يقال: عجلت الشيء إذا سبقته، وأعجلته أي: استحثثته).
ومعنى ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. قال ابن عباس: (يعني: ميعاد ربكم فلم تصبروا له) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 245، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 264، والرازي 15/ 11.]].
وقال الحسن [[ذكره الماوردي 2/ 263، والواحدي في "الوسيط" 2/ 245، والبغوي 3/ 284، وابن الجوزي 3/ 264، والرازي 15/ 11.]]: (وعد ربكم الذي وعدتم من الأربعين ليلة، وذلك أنهم قدروا أنه مات لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة).
وقال عطاء [[ذكره الرازي 15/ 11.]]: (يريد: تعجلتم سخط ربكم). وقال الكلبي: (أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر من ربكم) [["تنوير المقباس" 2/ 228، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 245، والبغوي 3/ 284، والرازي 15/ 11.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: التي فيها التوراة) [[ذكره أكثرهم بلا نسبة. انظر: "الوسيط" 1/ 245، والبغوي 3/ 284، وابن الجوزي 3/ 264، والرازي 15/ 11.]].
وروي أن النبي ﷺ قال: "يرحم الله أخي موسى ما المُخبَر كالمعاين، لقد أخبره الله بفتنة قومه، فعرف أن ما أخبره ربه حق، وإنه على ذلك لمتمسك بما في يديه، فرجع إلى قومه ورآهم [[في (ب): (ورآلهم) وهو تحريف.]] فألقى الألواح" [[أخرج أحمد في "المسند" 4/ 147 رقم 2446 - تحقيق أحمد شاكر، وابن أبي حاتم 5/ 1570، والحاكم في "المستدرك" 2/ 321 من طرق جيدة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس الخبر كالمعاينة، إن الله عز وجل أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت" اهـ. واللفظ لأحمد. وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي في "التلخيص".
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 235، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد والبزار وابن حبان والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه). == وأخرج أحمد 3/ 254 رقم 1842، والقضاعي في "مسند الشهاب" 2/ 201 - 202 رقم 1182 - 1184، والخطيب في "تاريخ بغداد" 3/ 360 - و8/ 28 من طرق جيدة، عن أنس وأبي هريرة وابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس الخبر كالمعاينة" اهـ. وانظر: "المفاسد الحسنة" للسخاوي ص 414، و"كشف الخفاء" 2/ 168.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾. قال الكلبي: (بذؤابة أخيه، وشعره بيده اليمنى، ولحيته باليسرى) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 245.]].
وقال ابن الأنباري: (8) رجع موسى فوجدهم مقيمين على المعصية أكبر ذلك واستعظمه، وأقبل على أخيه هارون بالملامة، ومد يده إلى رأسه لشدةٍ موجدته عليه، إذ لم يلحق به فيعرفه ما جرى بنو إسرائيل إليه من الأمر العظيم ليرجع فيتلافاهم، وهذا بيِّن في قوله: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ [طه: 92]، فأعلمه هارون أنه إنما أقام بين أظهرهم خوفًا على نفسه من القتل، وهذا بيّن في قوله: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾، فكان مد موسى يده إلى رأس أخيه عند توهمه أنه قد عصى الله بمقامه وتركه اللحوق به، وتعريفه ما أحدث قومه بعده، فلما سمع [موسى] [[لفظ: (موسى) ساقط من (ب).]] اعتذار هارون، زال عنه ما كان لحقه مما توهمه على أخيه، و ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [[لفظ: (﴿وَلِأخَى﴾) ساقط من (أ).]] الآية) [[ذكر الواحدي في "الوسيط" 2/ 245 عن الكلبي نحوه. وذكره ابن الجوزي 3/ 264 بلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ قرئ بكسر الميم وفتحها [[قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ بكسر الميم، وكذلك في آية ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: 94]، وقرأ الباقون بفتحهما. انظر: "السبعة" ص 295، و"المبسوط" 185، و"التذكرة" 2/ 426، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 272.]]، [فـ] من [[لفظ: (الفاء) ساقط من (ب).]] كسر الميم فقال الزجاج: (فإنه أضاف إلى نفسه بعد أن جعلها [[في (أ): (جعلهما)، وفي "معاني الزجاج" 2/ 278 (جعله).]] اسمًا واحداً)، فعلى هذا قولهم: يا ابن أُمِ، بمنزلة يا غلامِ أقبل، تحذف الياء؛ لأن النداء باب حذف، وتبقى الكسرة دليلًا على المحذوف.
قال الفراء: (وذلك أنه كثر في الكلام، فحذفت العرب منه الياء، ولا يكادون يحذفون الياء إلا من الاسم المنادى يضيفه المنادي إلى نفسه إلا قولهم: يا ابن عمِّ ويا ابن أم، وذلك أنه يكثر استعمالهما [[في (ب): (استعمالهم).]] في كلامهم، فإذا جاء ما لا يستعمل أثبتوا [[في (ب): (بينوا).]] الياء فقالوا: يا ابن أبي، ويا ابن أخي، ويا ابن خالتي) [["معاني الفراء" 1/ 394.]]. انتهى كلامه.
ومعنى هذا: إن الياء لا تحذف إلا من المنادى إذا أضفته إلى نفسك نحو: يا غلام، ولا تحذف من الاسم مع المضاف إليه المنادى إذا أضفته إلى نفسك نحو [[لفظ: (نحو) ساقط من (ب).]]: يا غلام غلامي [[في (ب): (يا غلام يا غلامي).]] لا يجوز حذف الياء هاهنا، وكذلك يا ابن أبي، ويا ابن أخي، وجاز في يا ابن أم، ويا ابن عم لكثرتهما [[في (ب): (لكثرتها).]] في الكلام، فجعل الابن مع الأم والعم اسمًا واحداً وحذفت الياء كما حذفت من يا غلام، وقد جاء يا ابن أمي بإثبات الياء على الأصل كقول أبي زبيد:
يا ابن أمي ويا شُقَيِّقَ نفسي ... أنت خَلَّيْتَني لدهر كؤودِ [["ديوانه" ص 48، و"الكتاب" 2/ 213، و"تفسير الطبري" 9/ 67، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 293، و"الحجة" لأبي علي 4/ 90، و"اللسان" 4/ 2301 (شقق)، وبلا نسبة في: "المقتضب" 4/ 250، و"معاني الزجاج" 2/ 379، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 639 - 640، و"إعراب القراءات" 1/ 209، و"التفسير" للماوردي 2/ 264، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 294، وهذه هي رواية النحاة في كتبهم والشاهد: يا ابن أمي، حيث أثبت الياء وهو قليل، والرواية في الديوان:
يا ابن خنساء شق نفسي يا ... لجلاج خليتني لدهر شديد
وهو من قصيدة طويلة يرثى بها ابن أخته لجلاج، انظر: "الاختيارين" للأخفش ص 5418، و"جمهرة أشعار العرب" ص 262.]]
قال سيبويه: (فهذا بمنزلة القصوى الذي استعمل فيه الأصل الذي رفض في غيره) [[هذا نص قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 4/ 90، ولم أقف عليه عن سيبويه، وانظر: "الكتاب" 2/ 213 - 214.]].
وهذا الذي ذكرنا قول البصريين والكوفيين بلا اختلاف بينهما.
فأما [[في (ب): (وأما).]] من فتح فقال: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ فمذهب البصريين [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 310، و"الزجاج" 2/ 278، و"إعراب النحاس" 1/ 460.]] فيه أنهم جعلوا: ابن وأم شيئًا واحداً نحو: خمسة عشر، ومذهب الكوفيين أنهم قالوا: يا ابن أم ويا ابن عم فنصبوا كما ينصب المفرد في بعض الأحوال نحو: يا حسرتا ويا ويلتا، فكأنهم قالوا: يا أماه ويا عماه، وهذا قول الفراء [["معاني الفراء" 1/ 394، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 67 - 68.]]، وعلى هذا الفتحة في (ابن) كالفتحة في المنادي المضاف والفتحة في (أم) كالفتحة في أمّاه وعمّاه، والصحيح قول البصريين، وهو أن الفتحة في ابن كالفتحة في خمسة من قولهم: خمسة عشر، والفتحة في أم كالفتحة [[هنا في: (أ) وقع تكرار وخلط ففيها: (والصحيح قول البصريين وهو أن الفتحة في ابن كالفتحة في خمسة من قولهم خمسة عشر والفتحة في أم كالفتحة في أماه وعماه والصحيح قول البصريين وهو أن الفتحة في ابن كالفتحة في خمسة من قولهم خمسة عشر والفتحة في أم كالفتحة في عشر فإن قيل ..).]] في عشر.
فإن قيل: لما لا يجوز أن يكون المراد يا ابن أمّا فحذف الألف كما حذفت ياء الإضافة في: يا غلام؟ قيل: ليس مثله، ألا ترى أن من حذف الياء من يا غلام أثبتها في يا غلام غلامي فلو كانت الألف مقدرة في يا ابن أم لم تحذف كما لم تحذف في قوله [["الشاهد" لأبي النجم الفضل بن قدامة العجلي في "ديوانه" ص 134، و"الكتاب" 2/ 214، و"النوادر" ص 19، و"الأصول" 1/ 342، و"الجمل" للزجاجي ص 160، و"الصحاح" 5/ 1992 (عمم) "الأمالي" لابن الشجري 2/ 295، و"اللسان" 5/ 3111 (عمم)، وبلا نسبة في "المقتضب" 4/ 252، و"الحجة" لابن خالويه ص 165، و"الحجة" لأبي علي 4/ 91، و"البغداديات" ص 506، و"العسكريات" ص 135، و"معاني الحروف" للروماني ص 148، و"المحتسب" 2/ 238، و"المدخل" للحدادي ص 547، و"رصف المباني" ص 235، و"الدر المصون" 5/ 468، وهو رجز بعده.
لا تسمعيي منك لومًا واسمعي == الشاهد فيه: يا ابنة عما، والأصل يا ابنة عمي فقلب الياء ألفًا كراهة اجتماع الكسرة والياء.]]: يا ابنة عمَّا لا تلومي واهجعي
فالألف لا تحذف حيث تحذف الياء، ألا ترى أن من قال: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: 64]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: 4] فحذف الياء من الفواصل لم يكن عنده في نحو ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: 1 - 2] إلا الإثبات. فإن قيل: فما تقولون [[في (ب): (فما تقول).]] في بيت الكتاب:
رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ [[الشاهد: للبيد بن ربيعة في ملحق "ديوانه" ص 199، و"الكتاب" 4/ 188، و"مجاز القرآن" 2/ 160، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 448، و"كتاب الكتاب" لابن درستويه ص 104، و"الحجة" لأبي علي 1/ 141، و"البغداديات" ص 506، و"الخصائص" 2/ 293، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 293، و"اللسان" 3/ 1603 (رجم)، وبلا نسبة في "الجمهرة" 1/ 466، و"العسكريات" ص 133، و"المحتسب" 1/ 342، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 522، و"المقرب" 2/ 29، وصدره:
وقبيل من لكيز شاهد
والشاهد: ابن المعل، والأصل المعلى فحذف للضرورة، وقبيل: القبيلة، وشاهد أي حاضر، ولكيز من عبد قيس، ومرجوم: لقب رجلاً من عبد قيس، وابن المعلى هو جد الجارود بن بشير بن عمرو بن المعلى، أفاده عبد السلام هارون -رحمه الله تعالى- في حاشية الكتاب 4/ 188.]]
وهو يريد: المعلى؟
وفيما أنشد أبو الحسن:
فلست بمدرك ما فات مني ... بلهفَ ولا بليتَ ولا لو اني [[لم أعرف قائله وهو في: "معاني الأخفش" 1/ 65، و"الحجة" لأبي علي 4/ 92، == و"العسكريات" ص 134، و"كتاب الشعر" 1/ 282، و"الخصائص" 3/ 135، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 521، و"المحتسب" 1/ 277، و"الأمالي" ابن الشجري 2/ 293، و"الإنصاف" 1/ 390، و"المقرب" 1/ 181، و"الممتع" 2/ 622، و"اللسان" 7/ 4087 (لهف).]] يريد: بلهفى، فحذف الألف؟ قال أبو علي الفارسي: (والجواب: أن ذلك يجوز في الشعر [[في (ب): (والجواب أن ذلك يجوز في الاختيار وحال السعة)، وهو تحريف.]] ولا يجوز في الاختيار وحال السعة، ولا ينبغي أن جمل قوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ [["الحجة" لأبي علي 4/ 92، وما قبله منه أيضاً. انظر: "الحجة" 4/ 89 - 93.]] [طه: 94] على هذا) [[أي: بالفتح.]].
وقال أبو علي في هذه المسألة في سورة طه: (من [[في (ب): (ما قال)، وهو تحريف.]] قال: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: 94] أراد يا ابن أمَّا فحذف الألف كما يحذف الياء من غلامي في النداء [إذا قال: يا غلام وحذف الياء، من المضاف إليه، وإن كانت لا تحذف من المضاف إليه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] إذا قال: يا غلام غلامي، كما تحذف من المضاف إذا قال: يا غلام؛ لأن هذا الاسم قد كثر استعماله فيغير عن أحوال النظائر، والفتحة في ﴿ابْنَ﴾ على هذا نصبة كما أنها في قولك: يا غلام أمي، كذلك.
قال: ويجوز أن يكون جعل ابن وأمّ جميعًا بمنزلة اسم واحد فبناهما على الفتح، والفتحة في الأول ليست بنصبة كما كانت في الوجه الأول، ولكنها بمنزلة الفتحة في خمسة من خمسة عشر، والاسمان في موضع ضم بالنداء، فهذان وجهان. ومن قال: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمِ﴾ بالكسر، احتمل أيضًا أمرين: أحدهما: أن يكون أضاف ابنا إلى أم، وحذف الياء من الثاني، وكان الوجه إثباتها مثل: يا غلام غلامي، والآخر: أن يكون جعل الاسم الأول مع الثاني اسمًا واحداً وأضافه إلى نفسه، ثم حذف الياء، كما تحذف من أواخر المفردة نحو: يا غلام) [["الحجة" لأبي علي 5/ 248، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 425، و"إعراب القراءات" 1/ 280، و"الحجة" لابن خالويه ص 164، ولابن زنجلة ص 297، و"الكشف" 1/ 478.]].
قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 68، والسمرقندي 1/ 571، والبغوي 3/ 284.]]: (وكان هارون أخا موسى لأبيه وأمّه، وإنما قال. ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ ليستعطفه عليه ويرققه) [[في (ب): (ويرفقه).]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾). قال الكلبي: (استذلوني وقهروني) [["تنوير المقباس" 2/ 129، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 246.]]. ﴿وَكَادُوا﴾ وهمّوا أن ﴿يَقْتُلُونَنِي﴾ ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ يعني: أصحاب العجل. ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا العجل، أي: في موجدتك [[وَجَدت عليه مَوْجِدَة أي: غضبت، ووجدت عليه أي: حزنت وانظر: "اللسان" 8/ 4770 (وجد).]] عليّ، وعقوبتك لي لا تجعلني معهم [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 69، والسمرقندي 1/ 571.]].
الأعراف 7:151
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾. قال الكلبي: (رب اغفر لي ذنبي أي: ما صنعت إلى أخي) [["تنوير المقباس" 2/ 129.]]، يريد: ما أظهرت من الموجدة على هارون وهو بريء مما يوجب العتب عليه؛ لأنه لم يكن منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل. إذ بلغ الأمر به أن [[في (أ): (إذا بلغ الأمر به لاهموا) وهو تحريف.]] هموا بقتله لشدة إنكاره.
وقوله تعالى: ﴿وَلِأَخِي﴾. إنما استغفر لأخيه لأنه ظنه مقصرًا في الإنكار على عبدة العجل، وإن لم يقع ذلك التقصير منه، [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] كأنه يقول: اغفر لأخي إن قصر في الإنكار، كذلك [[في (ب): (لذلك)، وهو تحريف.]] قال أهل المعاني [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 69، و"معاني النحاس" 3/ 83، والسمرقندي 1/ 571.]] في استغفار موسى لأخيه هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس [[لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 129: (قال: في جنتك)، وذكر الواحدي في "الوسيط" 2/ 246 عن عطاء قال: (أي: في جنتك) اهـ.]]: (يريد: في سعة جنتك).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. إخبار عن موسى أن الله تعالى بهذه الصفة، وهو يدل على قوة طمع الداعي في نجاح طلبته لأن من هو ﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ يُؤمل منه الرحمة.
الأعراف 7:152
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية، قد ذكرنا [[انظر: "البسيط" البقرة: 51.]] في مواضع أن المفعول الثاني من مفعولي الاتخاذ محذوف على تقدير: اتخذوا العجل إلهًا [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 70، و"معاني الزجاج" 2/ 379 ، والنحاس 3/ 84.]] ومعبودًا، يدل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: 88]، وللمفسرين، وأهل المعاني، في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن المراد بالذين اتخذوا العجل: الذين باشروا عبادة العجل.
وقوله تعالى: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: في الدنيا) [[لم أقف عليه.]]، يعني: أولئك تيب [[في (ب): (تبت).]] عليهم بقتلهم أنفسهم فلا يلحقهم الغضب في الآخرة، وتفسير هذا الغضب في الدنيا قاله أبو العالية؛ قال: (هو ما أمروا به من قتلهم أنفسهم) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 285.]].
وقوله تعالى: ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال الزجاج: (الذلة لحقتهم بأنهم رأوا أنهم قد ضلوا فذلوا) [["معاني الزجاج" 2/ 379، وفيه: (والذلة ما أمروا به من قتل أنفسهم).]]. وعلى هذا معنى قوله: ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾ -وقد نالهم الغضب و [الذلة] [[لفظ: (الذلة) ساقط من (أ).]]، وهذه السين للاستقبال- هو أن هذه الآية إخبار [[في (ب): (هو أن هذه الأخبار) وهو تحريف.]] عما أخبر الله به موسى حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل، أخبره أيضًا أن أولئك سينالهم غضب وذلة، ويُحتاج إلى تقدير محذوف كأنه قيل: وقلنا لموسى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية، والقول كثيراً ما يُضمر في الكلام.
الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي ﷺ، وهذا مذهب ابن عباس وعطية العوفي، قال ابن عباس: (هم الذين أدركوا النبي وآباؤهم الذين عبدوا العجل) [[ذكره الخازن 2/ 292.]]. وقال في قوله [[في (ب): (في قولهم) وهو تحريف.]]: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾: (عذاب في الآخرة)، ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال: (وهي الجزية) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 285، وابن الجوزي 3/ 265، الخازن 2/ 292.]].
وقال العوفي: (أراد سينال أولادهم الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ غضب وذلة)، قال: (وهو ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء) [[ذكره الثعلبي 198 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 248، والبغوي 3/ 285، وابن الجوزي 3/ 266، الخازن 2/ 292.]].
وعلى هذا الطريق تحمل الآية على وجهين:
أحدهما: أن العرب تُعيّر الأبناء بمعاير الآباء وتنسبها إليهم، كما تفعل ذلك في المناقب، وهو كثير في أشعارهم يقولون للأبناء: فعلتم كذا وكذا، وإنما فعل ذلك من مضى من آباءهم، كذلك هاهنا الله تعالى وصف [هؤلاء] [[لفظ: (هؤلاء) سقط من (ب).]] اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ باتخاذ العجل وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك تعييرًا لهم كعادة [[في (ب): (لعادة).]] العرب.
الوجه الثاني: أن الآية من باب حذف المضاف على ما ذكره عطية العوفي، والمعنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الذين باشروا ذلك ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾ [[لفظ: (سينالهم) سقط من (أ).]] أي: سينال أولادهم ثم حذف المضاف لدلالة الكلام عليه [[والقول الأول أظهر وهو أن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلهًا لا لمن بعدهم == من ذراريهم، وهو اختيار الجمهور، انظر: "تفسير الطبري" 9/ 69 - 70، و"معاني الزجاج" 2/ 379، و"تفسير ابن عطية" 6/ 90، والقرطبي 7/ 291 - 292، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 84: (وهذا القول أصح لأن الجزية لم تؤخذ منهم وإنما أخذت من ذريتهم) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: كذلك أعاقب من اتخذ إلهًا من دوني أو تولى غيري) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 248، وابن الجوزي 3/ 266.]]. وقال أهل المعاني: (كل مفترٍ في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا، يؤكد هذا ما روي عن مالك بن أنس [[مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني من تابعي التابعين، إمام حافظ ثقة، ثبت فقيه محدث، إمام دار الهجرة واحد أئمة المذاهب المتبوعة، أجمع العلماء على إمامته وجلالته وعلو مرتبته في الفقه والحديث، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير توفي -رحمه الله- سنة 179 هـ، وله 86 سنة انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 75، و"سير أعلام النبلاء" 8/ 48، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 207، و"تهذيب التهذيب" 4/ 8]] [رحمه الله] [[لفظ: (رحمه الله) ساقط من (ب).]] أنه قال: (ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة، ثم قرأ هذه الآية) [[أخرجه الثعلبي في "تفسيره" ص 198، وذكره ابن الجوزي 3/ 266، والرازي 15/ 13، والقرطبي 7/ 292، والخازن 2/ 293، وأخرج الطبري 9/ 70، وابن أبي حاتم 5/ 1571، من عدة طرق جيدة عن أبي قلابة وسفيان بن عيينة نحوه.]]، والمبتدع مفتر في دين الله.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا﴾، قال ابن عباس [[لفظ: (﴿ثُمَّ تَابُوا﴾) ساقط من (أ).]]: (يريد: الشرك، مثل قوله في النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: 18]، ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾ [["تنوير المقباس" 2/ 129، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 248.]] أي: رجعوا عنها وتركوها، قال ابن عباس: (يعني: قبل حلول العذاب وقبل الموت). وقوله: ﴿وَآمَنُوا﴾، قال: (يريد: صدّقوا أنه لا إله غيري ولا شريك معي) [[لم أقف عليه.]].
الأعراف 7:154
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾، قال المفسرون [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 229، و"معاني الأخفش" 2/ 311، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، و"تفسير غريب القرآن" ص 181، و"تفسير الطبري" 9/ 71، و"نزهة القلوب" ص 264، و"معاني النحاس" 3/ 85، و"تفسير السمرقندي" 1/ 572، و"تفسير المشكل" ص 87]]، وأهل اللغة [[انظر: "العين" 5/ 305، و"الجمهرة" 1/ 398، و"تهذيب اللغة" 2/ 1718، و"الصحاح" 1/ 253، و"المجمل" 2/ 468، و"مقاييس اللغة" 3/ 89، و"المفردات" ص 416، و"اللسان" 4/ 2046 (سكت).]]: (أي: سكن)، والسكوت أصله السكون والإمساك عن الشيء، وإنما يقال: سكت إذا أمسك عن الكلام، وجاز ﴿سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾، ولا يجوز صمت هاهنا؛ لأن ﴿سَكَتَ﴾ بمعنى: سكن وصمت [[انظر: "العين" 7/ 106، و"تهذيب اللغة" 2/ 2051، و"الصحاح" 1/ 256، و"المجمل" 2/ 540، و"معجم المقاييس" 3/ 308، و"اللسان" 4/ 2493 (صمت).]] معناه: سدّ فاه عن الكلام.
قال أصحاب النظر: (وإنما قيل لسكون الغضب: سكوت، وليس الغضب مما يجوز أن يتكلم [[في (ب): (يتكلم به).]] لأنه لما كان بفورته [[في (ب): (لأنه كان نفورته)، وهو تحريف.]] دالًا على ما في النفس للمغضوب عليه، كان بمنزلة الناطق بذلك، فإذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة الساكت عما كان متكلمًا).
وقال عكرمة: (المعنى: سكت موسى عن الغضب) [[ذكره الرازي 15/ 14، والقرطبي 7/ 293.]] فقلب؛ كما قالوا: أدخلت القلنسوة [[القَلَنْسُوة: من ملابس الرؤوس معروفة، انظر: "اللسان" 6/ 3720 (قلس).]] في رأسي، والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة، قال أبو إسحاق: (والقول الأولى، الذي معناه: سكن، وهو قول أهل العربية) [["معاني الزجاج" 2/ 379، وقال الخازن 2/ 293: (والقول الأول أصح لأنه قول أهل اللغة والتفسير) اهـ. وقال السمين في "الدر" 5/ 472: (القول بالقلب ينبغي أن لا يجوز لعدم الاحتياج إليه مع ما في القلب من الخلاف) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾؛ لأنه كان قد ألقاها.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾. قد ذكرنا معنى النسخ [[انظر: "البسيط" النسخة الزهرية 1/ 78 ب.]] فيما تقدم، وهو: اكتتابك كتابًا عن كتاب حرفًا بحرف، تقول: نَسَخْتُه وانْتَسَخْته، فالأصل نُسْخةٌ، والمكتوب عنه نُسخةٌ؛ لأنه قام مقامه [[هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3558 (نسخ).]].
قال ابن عباس [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 285، والرازي 15/ 15، والقرطبي 7/ 293، والخازن 2/ 293.]] وعمرو بن دينار [[عمرو بن دينار لعله: عمرو بن دينار الجمحي، أبو محمَّد المكي الأثرم، تقدمت ترجمته.]]: (لما ألقى موسى الألواح تكسرت، فصام أربعين يومًا، فردت عليه، وأعيدت الألواح، وفيها الذي في الأولى) [[ذكره الثعلبي 198 أ، والبغوي 3/ 285، الخازن 2/ 293.]]. فعلى هذا معنى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾. أي: فيما [[في (ب): (أي وفيما).]] نسخ منها، وإن كانت الألواح لم تتكسر، وأخذها موسى بعينها بعد ما ألقاها، فمعنى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾. أي: وفي المكتوب فيها، وذلك المكتوب انتسخ من أصل فيسمى نسخة.
وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 130، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والخازن 2/ 293.]] وغيره [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 71، و"معاني النحاس" 3/ 85، والسمرقندي 1/ 572.]]: (هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب). ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾. قال: (يريد: الخائفين من ربهم) [["تنوير المقباس" 2/ 135، وذكره ابن الجوزي 3/ 267، والخازن 2/ 293.]]. واختلفوا في وجه دخول اللام في قوله ﴿لِرَبِّهِمْ﴾؛ فقال الكسائي: (8) تقدم المفعول على الفعل حسنت اللام) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 286.]]، قال: (وهذا مما مات من الغريب، وقد كان يقال: لك أكرمت، ولك حدثت [[في (ب): (ولك حديث).]]، فمات ولو قلت: (أكرمت لك) تريد: أكرمتك، كان قبيحًا، وهو جائز، كما تقول: هو مكرم لك، وهو ضارب لك، بمعنى: مكرمك وضاربك، فحسن في موضع وقبح في آخر والأصل واحد) [[لم أقف عليه.]].
قال النحويون: (لمّا تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه، فصار بمنزلة ما لا يتعدى، فأدخل اللام) [[انظر: "اللامات" للزجاجي ص 147، و"الهروي" ص 34، وقال ابن هشام في "المغني" 1/ 217: (هي لام التقوية، وهي المزيدة لتقوية عامل ضعف إما بتأخر نحو ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أو بكونه فرعا في العمل) اهـ.]].
وقال أبو علي الفارسي -وهو قول أكثر النحويين-: (قد يزاد بحروف الجر في المفعول، وإن كان الفعل متعديًا، وذلك نحو: قرأت السورة، وقرأت بالسورة [[في (ب): (نحو قرأت السورة وألقى يده، وفي القرآن) وهو تحريف.]]، وألقى يده، وألقى بيده، وفي القرآن ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]، وفي موضع آخر ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ﴾ [النور: 25] [["الإيضاح العضدي" 1/ 197 - 198، وانظر: "المسائل العسكريات" ص 128.]]. فعلى هذا قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ [[في (ب): (﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾).]] اللام صلة وتأكيد كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72].
وقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: 73]، وقال بعضهم: إنها [[في (ب): (وقال بعضهم ألها لام)، وهو تحريف.]] لام أجلٍ، والمعنى: هم [[في (ب): (والمعنى والذين هم).]] لأجل ربهم [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 311، و"تفسير الطبري" 9/ 71، و"إعراب النحاس" 1/ 641، و"التبيان" ص 391، و"والفريد" 2/ 367، و"الدر المصون" 5/ 472.]] ﴿يَرْهَبُونَ﴾. لا رياء ولا سمعة.
الأعراف 7:155
قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾، الاختيار: افتعال من لفظ الخير، يقال: اختار الشيء أي: أخذ خيره وخياره [[في (ب): (وختاره).]]، وأصل اختار (اختير)، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفًا نحو: قال وباع، وفي الأسماء (دار) و (ناب)، أصلهما [[في (ب): (أصلها).]] دَوَرٌ ونَيَبٌ، ولهذا استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما: (مختار) والأصل (مُختَيِر) و (مُختَيَر)، فقلبت الياء فيهما ألفًا فاستويا في اللفظ [[انظر: "العين" 4/ 301، و"البارع" ص224، و"تهذيب اللغة" 1/ 959، 960، == و"الصحاح" 2/ 651، و"المجمل" 2/ 308، و"مقاييس اللغة" 2/ 233، و"المفردات" ص 301، و"اللسان" 3/ 1299 (خير).]].
قال جماعة النحويين [[انظر: "الكتاب" 1/ 37، و"معاني الأخفش" 2/ 312، و"المقتضب" 4/ 330، و"معاني الزجاج" 2/ 380، و"إعراب النحاس" 2/ 154.]]: (معناه: واختار موسى [من] [[لفظ: (من) ساقط من (ب).]] قومه، فحذفت (من) ووصل الفعل فنصب، يقال: اخترت من الرجال زيدًا [واخترت الرجال زيدًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
وأنشدوا قول الفرزدق [["ديوانه" 2/ 418، و"الكتاب" 1/ 39، و"الكامل" 1/ 33، و"تفسير الطبري" 9/ 74، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 131، و"اللسان" (3/ 1299 (غير)، و"الدر المصون" 5/ 474 وبلا نسبة في "معاني الأخفش" 2/ 312، و"المقتضب" 4/ 330، و"معاني الزجاج" 2/ 380، و"إعراب النحاس" 1/ 642، وانظر شرحه في "الخزانة" 9/ 123 - 125.]]:
منَّا الذي اختير الرِّجالَ سماحة ... وجودًا إذا هبَّ الرِّياح الزَّعازعُ
قال الفراء: (وإنما استجيز وقوع الفعل عليهم إذا طُرحت (من)؛ لأنه مأخوذ من قولك: هؤلاء خير القوم، وخير من القوم، فلما جازت الإضافة مكان (من) ولم يتغير المعنى استجازوا أن يقولوا: اخترتكم رجلاً، واخترت منكم رجلاً) [["معاني الفراء" 1/ 395.]] وأنشد للراعي [[الرّاعي: هو عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري أبو جندل البصري، شاعر أموي، لقب بالراعي؛ لكثرة وصفه الإبل، وتوفي بعد سنة 90 هـ. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 298، و"الشعر والشعراء" ص 265، و"الأغاني" 24/ 168، و"الأعلام" 4/ 188.]]: فقلت [["ديوانه" ص 259، و"الدر المصون" 5/ 473، وبلا نسبة في "معاني الفراء" 2/ 395، و"تفسير الطبري" 9/ 75، والقلوص: الفتية من الإبل، والناب: المسنة، والحيا: الخصب والمطر لإحيائه الأرض فتخصب، والحيا: الشحم والسمن، وصدره في الديوان، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 521:
فقلت لرب الناب خذها ثنية]] له [[في (أ): (فقلت لها)، وهو تحريف.]] اخترها قلوصًا سمينه ... وناب علينا مثلُ نابك في الحيا
أراد: اختر منها، قال أبو علي: (والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني، من ذلك قولك: اخترت من الرجال زيدًا [[النص في "الإيضاح العضدي" 1/ 200 وفيه: (فمن ذلك قولك: اخترت زيدًا من الرجال ..).]]، ثم يُتسع فيقال: اخترت الرجال زيدًا، وأستغفر الله من ذنبي، [وأستغفر الله ذنبي] [[لفظ: (واستغفر الله ذنبي) ساقط من (ب)، وفي "الإيضاح": (واستغفرت الله ذنبي).]]، وكذلك أمرت زيدًا الخير، وأمرته بالخير.
قال الشاعر:
أستغفر الله ذنبًا لست مُحْصِيَه [[لم أعرف قائله وهو في "الكتاب" 1/ 37، و"معاني الفراء" 1/ 233، و"أدب الكاتب" ص 419، و"تأويل مشكل القرآن" ص 229، و"المقتضب" 4/ 331، و"الأصول" 1/ 178، و"الخصائص" 3/ 247، و"الصاحبي" ص 291، و"المخصص" 14/ 71، و"اللسان" 6/ 3274 (غفر)، و"الدر المصون" 5/ 474، وعجزه:
ربُّ العباد إليه الوجه والعمل == والشاهد: أستغفر الله ذنبًا حيث حذف حرف الجر من ثاني مفعولي (استغفر) الذي تعدى إليه بواسطة الحرف، والأصل: أستغفر الله من ذنب. انظر: "الخزانة" 3/ 111.]] وقال آخر:
أمرتُك الخير فافعل [[في (أ): (وافعل).]] ما أُمِرت به) [[الشاهد مختلف في نسبته وهو في ديوان عمرو بن معد يكرب ص 63، والعباس بن مرداس ص 131، و"خفاف بن ندبة" ص 126، ونسب إلى زرعة بن السائب أو أعشى طرود، وهو في "الكتاب" 1/ 37، و"معاني الأخفش" 2/ 312، و"الكامل" للمبرد 1/ 33، و"المقتضب" 4/ 331، و"تفسير الطبري" 9/ 74، و"الأصول" 1/ 178، و"البغداديات" ص 283، و"المحتسب" 1/ 51، و"المخصص" 14/ 71، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 558، و"الدر المصون" 5/ 474 وعجزه:
فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب
والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها، والشاهد (أمرتك الخير)، حيث حذف الجار، والأصل أمرتك بالخير. انظر: "الخزانة" 9/ 124.]]
وقوله تعالى: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال السدي: (أمر الله موسى أن يأتيه [[لفظ: (في) ساقط من (ب).]] [في] ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدًا، فاختار موسى سبعين رجلاً ليعتذروا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 72 بسند جيد.]].
وقال ابن يسار [[ابن يسار: هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، إمام تقدمت ترجمته.]]: (اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا، ويسألوه التوبة على [[في (ب): (عن من ورائهم).]] من ورائهم من قومهم) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 72 بسند جيد.]].
وقال وهب: (إنهم لم يصدقوا موسى أنه يسمع كلام الله وقالوا: يحضرك طائفة منا حتى يكلمك، فيسمعوا كلامه فنؤمن، وتذهب التهمة) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ.]]
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ماتوا) [["تنوير المقباس" 2/ 130، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 573.]]. قال الزجاج: (والرجفة الحركة الشديدة، يقال: إنهم رجف بهم الجبل فماتوا) [["معاني الزجاج" 2/ 380، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 86.]].
قال ابن يسار، والسدي: (إنما أخذتهم الرجفة لأنهم قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾) [[أخرجه الطبري 9/ 72 بسند جيد عن السدي وابن إسحاق.]] [النساء: 153]. وقال ابن عباس: (إنهم قالوا في دعائهم: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا قبلنا ولا تعطيه أحدًا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة) [[أخرجه الطبري 9/ 72، وابن أبي حاتم 5/ 1574 بسند جيد.]].
وروى أبو الجوزاء [[أبو الجوزاء البصري: هو أوس بن عبد الله الربعي. تقدمت ترجمته.]] عنه قال: (إنما أخذتهم الرجفة لأنهم كانوا [لم] [[لفظ: (لم) ساقط من (ب).]] ينهوا عن عبادة العجل) [[أخرجه الطبري 9/ 73، 74 من طرق جيدة]].
ونحو ذلك قال قتادة وابن جريج [[أخرجه الطبري 9/ 74 بسند جيد عن قتادة وابن جريج.]] والقرظي [[ذكره الثعلبي 198 ب، والبغوي 3/ 286 عن قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي.]] قالوا: (إنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف، ولم ينهوهم عن المنكر).
وقال وهب: (لم تكن تلك الرجفة موتًا ، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت أن تبين منهم مفاصلهم، وتنقص ظهورهم، وخاف موسى عليهم الموت، فعند ذلك بكى ودعا فكشف الله عنهم تلك الرجفة) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 ب، والبغوي 3/ 286، والخازن 2/ 294.]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾. قال الزجاج: (أي: لو شئت أمتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم الرجفة) [["معاني الزجاج" 2/ 380.]].
وقال السدي: (قال موسى: يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم، وليس معي رجل واحد، فما الذي يصدقونني به أو يأمنوني [[في (ب): (أو يأمنونني علي).]] عليه بعد هذا، فأحياهم الله) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 76، وفي "التاريخ" 1/ 428 بسند جيد، وذكره الثعلبي 198 ب، والرازي 15/ 18.]].
فمعني قوله: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ﴾ ﴿وَإِيَّايَ﴾ أن موسى خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم، ولم يصدقوه أنهم ماتوا، فقال لربه: لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات، وكانوا [[في (ب): (وكان).]] بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني.
وقوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. قال الفراء: (ظن موسى أنهم أُهلكوا باتخاذ [أصحابه] [[لفظ: (أصحابه) ساقط من (ب).]] العجل، [فقال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾، يعني: عبدة العجل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، وإنما أهلكوا لمسألتهم الرؤية، وقولهم [[في (ب): (وقوله تعالى).]]: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [["معاني الفراء" 1/ 395.]] [النساء: 153]، و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] هذا قول الكلبي [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 49، والخازن 2/ 295.]] وجماعة.
وقال قوم: (لا يجوز أن يُظن بموسى أن الله -عز وجل- يهلك قومًا بذنوب غيرهم، ولكن قوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ استفهام على تأويل الجحد، وأراد: لست تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يكرمك؟ أي: لست تهين من يكرمك)، وهذا قول ابن الأنباري [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 249، وابن الجوزي 3/ 269، والسمين في "الدر" 5/ 476.]] ، [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] على هذا أنكر موسى أن يكون سبب إهلاكهم فعل السفهاء، وكأنه لم يعلم سبب إهلاكهم، وأنكر أن يكون فعل السفهاء سبب الإهلاك [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 642، و"معاني النحاس" 3/ 87]].
[و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال المبرد: (هذا استفهام استعطاف أي: لا تهلكنا) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 249، والبغوي 3/ 287، وابن الجوزي 3/ 269، والرازي 15/ 19.]].
وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. الكناية في قوله ﴿هِيَ﴾ تعود إلى الفتنة، [كما تقول: إن هو إلا زيد، وإن هي إلا هند، والمعنى: إن تلك الفتنة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] التي وقع فيها السفهاء لم تكن ﴿إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: اختبارك، وابتلاؤك، وهذا تأكيد لقوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ لأن معناه: لا تهلكنا بفعلهم، فإن تلك الفتنة كانت اختبارًا منك وابتلاءً أضللت بها قوماً فافتتنوا، وهديت قومًا فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 76، و"معاني النحاس" 3/ 88، و"إعراب النحاس" 1/ 642، و"تفسير السمرقندي" 1/ 573.]]، فذلك معنى قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [[لفظ: (﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾) ساقط من (ب).]]. وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 19، والقرطبي 7/ 296، والخازن 2/ 295.]].
الأعراف 7:156
قوله تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. أي: أوجب لنا، والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب، وقد مضى ذلك، وسؤالهم الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله عنهم في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201]. ومضى تفسير هذه الآية.
و [[(الواو) ساقطة من (ب).]] قال ابن عباس في الآية في هذه السورة: (يريد: اقبل وفادتنا وردنا بالمغفرة والرحمة)، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾، قال: (يريد: حسنة، يعني: الجنة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 250.]]. وقول ابن عباس: (يريد: حسنة)، يعني: إن تقدير الآية: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ حسنة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 77، 78، وأخرجه من طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وقتادة والسدي والضحاك وأبي العالية، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 573، والماوردي 2/ 266.]] وأهل المعاني [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 229، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 151، و"تفسير غريب القرآن" ص 181، و"معاني الزجاج" 2/ 380، و"نزهة القلوب" ص 478، و"معاني النحاس" 3/ 88، و"تفسير المشكل" ص 87.]]: (تبنا ورجعنا إليك بتوبتنا). قال الليث: (الهَوْد التوبة) [["تهذيب اللغة" 4/ 3689، وانظر: "العين" 4/ 76، (هود)، و"الزاهر" 2/ 214]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: على الذنب اليسير) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 250.]].
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قد ذكرنا [[انظر: "البسيط" تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم) أول الكتاب.]] قديمًا أن رحمة الله تعالى إرادته الخير [[الرحمة: صفة من صفات الله تعالى تثبت له كما أثبتها لنفسه ولا يلزم من إثباتها مشابهة صفة المخلوقين ولا نؤولها بإرادة الخير كما يفعل أهل التأويل. انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80، و"مختصر الصواعق" لابن القيم 3/ 869.]]، وإرادته الخير تنقسم إلى أقسام كثيرة، وكل خيرٍ من خير الدنيا والآخرة أصاب أحدًا فذلك من رحمته، ثم من تلك الخيرات ما هو أعم وأوسع، ومنها ما هو أخصّ.
والأحسن في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه الحسن وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 243، الطبري 9/ 80، وابن أبي حاتم 5/ 1578 بسند جيد عن الحسن وقتادة.]]، وهو: (أن رحمته وسعت في الدنيا البار والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة)، وقد بين [عطية العوفي] [[لفظ: (عطية العوفي) ساقط من (ب).]] هذا أحسن بيان فقال: (إن الكافر يرزق ويدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمن خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 250، والبغوي 3/ 287.]]. وهذا اختيار الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 380.]]، وذكر أبو بكر بن الأنباري وجهين في هذه الآية:
أحدهما: (أن الرحمة يراد بها الصنع والأفضال، وما يخلو من صنع الله وأفضاله مؤمنٌ ولا كافر، كالمطر يسمى الرحمة، وما خرج منه كافر ولا غيره)، وهذا معنى ما ذكرنا عن المفسرين أنهم قالوا: (رحمته وسعت في الدنيا البار والفاجر).
الوجه الثاني: (أن رحمته [[في (ب): (أن رحمته وسعت تسع)، وهو تحريف.]] تسع كل شيء يجوز أن يدخل فيها، وأن يكون مستحقًا لها [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 213.]]، كقولهم: فلان يحسن كل شيء، يريدون من الأشياء التي يحسنها أمثاله، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 44]، يعني: مما يجوز أن يفتح عليهم، وكذلك [[في (ب): (وكذلك في).]]: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23]. معناه: من الأشياء التي يمكن أن يؤتاها مثلها.
وهذا مذهب جماعة المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80، والسمرقندي 1/ 573، والماوردي 2/ 267.]]، وهو أنهم قالوا: هذا من العام الذي أريد به [[في (ب): (منه).]] الخاص) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 271، وفيه قال ابن الأنباري: (أن الرحمة تسع
كل الخلق إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو قدر دخولهم فيها لوسعتهم) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، يعني: فسأوجبها في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وهذا معنى قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80]]: (وهي يوم القيامة للمتقين خاصة)، وهذا تخصيص بعد التعميم باللفظ. وبيان [ذلك] [[لفظ: (ذلك) ساقط من (ب).]] أن ذلك يجب في الآخرة لمن اتصف بما ذكر في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخر الآية. قال ابن عباس: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (يريد: أمة محمد ﷺ) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 79، 80، 82، وابن أبي حاتم 5/ 1580 من عدة طرق جيدة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: صدقات الأموال عند محلها) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1580 بسند ضعيف، وقال الماوردي في "تفسيره" 2/ 267، وابن الجوزي 3/ 271 (هذا هو قول الجمهور) اهـ. ورجحه ابن عطية 6/ 99.]].
وروي أيضًا عنه أنه قال في قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: (يطيعون الله ورسوله) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 81، وابن أبي حاتم 5/ 1580 بسند جيد، ولفظ ابن أبي حاتم قال: (يعني: طاعة الله والإخلاص).]]، كأنه ذهب إلى ما يزكي النفس ويطهرها من الأعمال [[هذا توجيه الطبري 9/ 81، وانظر الماوردي 2/ 267 ، وابن الجوزي 3/ 271.]]، وبه قال الحسن [[ذكره الماوردي 2/ 267، وابن الجوزي 3/ 271.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: (يريد: بما أنزلت [[كذا في (النسخ): (بما أنزلت) والأولى (بما أُنزل).]] على محمد والنبيين قبله يصدّقون) [["تنوير المقباس" 2/ 132.]].
قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 81، وقد أخرجه من عدة طرق جيدة عن قتادة، وابن جريج، وأبي بكر الهذلي ونوف البكالي.]]: (إن وقد بني إسرائيل سألوا الله تعالى فقالوا: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. فسألوه النعمة في الدنيا والآخرة، وتقربوا إليه بالتوبة من المعاصي، فأخبرهم الله تعالى أنه واسع الرحمة بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فكانوا هم من جملة من وسعتهم الرحمة، ثم خص أمة محمد ﷺ بذكرهم وأوجب لهم الرحمة بقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾).
ولهذا قال نوف [[نوف بن فضالة الحميري البكالي أبو يزيد الشامي. تقدمت ترجمته.]] البكالي: (ألا تحمدون ربًّا [[في (ب): (ربنا).]] حفظ غيبتكم وأخذ لكم بسهمكم [[في (ب): (لسهمكم).]]، وجعل وفادة بني إسرائيل لكم) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 237 - 238 والطبري 9/ 83 من عدة طرق جيدة.]].
وروى عطاء أيضًا عن ابن عباس أيضاً في هذه الآية أنه قال: (هذه الوفادة صارت للصالحين من أمة محمد) [[أخرجه الطبري 9/ 82، 83، وابن أبي حاتم 5/ 1580، من عدة طرق جيدة.]]، ثم زاد في البيان أن المراد بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ هذه الأمة، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾. [والأمي] [[لفظ: (والأمي) ساقط من (ب).]] الذي لا يكتب ولا يقرأ في قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80، و"معاني النحاس" 3/ 89، والسمرقندي 1/ 574.]]، قال الزجاج: (معنى ﴿الْأُمِّيَّ﴾: الذي هو على خِلْقَة الأُمَّة، لم يتعلم الكتاب فهو على جبلته) [["معاني الزجاج" 2/ 381، والأُمَّة -بضم الهمزة وفتح الميم المشددة-، انظر: "اللسان" 1/ 138 (أمم) وجبلته -بالكسر- أي خلقته، وقال الزجاج في "معانيه" 1/ 159: (معنى الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلة أُمَّته أي: لا يكتب فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه) اهـ.
وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 204: (قيل للذي لا يكتب: أمي؛ لأن الكتابة مكتسبة فكأنه نُسب إلى ما ولد عليه أي: هو على ما ولدته أُمه عليه) اهـ.]]. وقد قال ﷺ: "إنا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسُب" [[أخرجه البخاري رقم (1913) في كتاب الصوم، باب: قول النبي ﷺ: "لا نكتب ولا نحسب"، مسلم رقم (1080) كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان، عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما.]].
قال الأزهري: ([وقد] [[لفظ: (قد) ساقط من (ب).]] قيل للنبي ﷺ: الأمي؛ لأن أمة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب، وبعثه الله رسولاً وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وكانت هذه الخلة إحدى آياته المعجزة؛ لأنه تلا عليهم كتاب الله منظومًا تارة بعد تارة بالنظم الذي أنزل عليه فلم يغيره ولم يبدل ألفاظه، وكان الخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها زاد فيها أو نقص، فحفظه الله على نبيّه كما أنزله وأبانه من سائر من بعثه إليهم بهذه الآية، وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ الآية [["تهذيب اللغة" 1/ 204 (أم).]] [العنكبوت: 48]. وقد مضى صدر من الكلام في معنى الأمّي عند قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة:78].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. أي: يجدونه بنعته وصفته، وهو مذكور في الكتابين بنعوته وصفاته، قد عرف ذلك أهلهما.
وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال الزجاج: (يجوز أن يكون ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ استئنافًا، ويجوز أن يكون المعنى ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ أنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾) [["الإغفال" لأبي علي ص 817، وفي "معاني الزجاج" 2/ 381، قال: (قوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يجوز أن يكون ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾ مستأنفًا) اهـ.]]. وعلى هذا يكون الأمر بالمعروف، وما ذكر بعده، من صفته التي [[في (ب): (الذي).]] ذكرت في الكتابين.
وقال أبو علي فيما استدرك عليه: إلا وجه لقوله ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ أنه ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾ إن كان يعني: إن ذلك مراد؛ لأنه لا شيء يدل على حذفه، ولأنا لم نعلمهم حذفوا هذا في شيء.
قال: وتفسير الآية: إن وجدت فيها المتعدي إلى مفعولين و ﴿مَكْتُوبًا﴾ مفعول ثانٍ، والمعنى: يجدون ذكره أو اسمه مكتوبًا.
قال سيبويه: (تقول إذا نظرت في هذا الكتاب [[في "الكتاب" 3/ 269، و"الإغفال" ص 818: (تقول إذا نظرت في الكتاب).]]: هذا عمرو، وإنما المعنى: هذا اسم عمرو، وهذا ذكر عمرو، وقال: إن هذا يجوز على سعة الكلام) [["الكتاب" 3/ 269.]]، فالمفعول الأول في الآية قائم مقام المضاف إليه، يدل على [[في (ب): (يدل على أن هذا أن)، وهو تحريف.]] هذا أن المكتوب عندهم الاسم والذكر لا الرسول نفسه، ألا ترى أن المفعول الثاني هاهنا يجب أن يكون الأول كقوله: وجدت زيدًا منطلقًا، فالمنطلق في المعنى هو الأول، فلو جعلت الهاء في قوله ﴿يَجِدُونَهُ﴾ المفعول الأول دون تقدير حذف المضاف لم يكن المفعول الثاني هو الأول فلا يستقيم ذلك، فأما قوله [[في النسخ: (قولهم)، وهو تحريف.]]: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهو عندي تفسير لما كُتب، كما أن قول: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9]. تفسير لوعدهم، وكما أن قوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] تفسير للمثل، ولا يجوز أن يكون حالاً من المفعول الأول، ألا ترى أنه إذا كان المعنى: يجدون ذكره أو اسمه، لم يجز أن يكون يأمرهم حالاً منه، لأن الاسم والذكر لا يأمران إنما يأمر المذكور والمسمى) [["الإغفال" ص 817 - 820، وانظر: "الدر المصون" 5/ 479 - 481، وذكر رد الفارسي على الزجاج، وقال: (وهذا الرد تحامل منه عليه لأنه أراد تفسير المعنى وهو تفسير حسن) اهـ.]].
فأما تفسير المعروف، فقال عطاء عن ابن عباس: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يريد: مكارم الأخلاق وخلع الأنداد، وصلة الأرحام) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 253، وابن الجوزي 3/ 272، وذكره الثعلبي 199 أ، والبغوي 3/ 289، والقرطبي 7/ 299، الخازن 2/ 298، عن عطاء فقط.]]. وقال الكلبي: (أي: بالتوحيد وشرائع الإِسلام) [["تنوير المقباس" 2/ 132.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. قال عطاء: (يريد: عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام، والكفر بما أنزل الله على النبيين) [[ذكره الثعلبي 199 أ، والبغوي 3/ 289، والقرطبي 7/ 299، والخازن 2/ 298، وجعله الواحدي في "الوسيط" 2/ 253، وابن الجوزي 3/ 272، من قول ابن عباس.]].
وقال الكلبي: (هو ما لا يعرف في شريعة ولا سنة) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 574، بلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾. قال عطاء: (يريد: ما حُرّم عليهم في التوراة والإنجيل من لحوم الإبل وشحوم الضأن والمعز والبقر) [[لم أقف عليه، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 381، النحاس 3/ 89.]]. وقيل [[هذا هو قول الطبري 9/ 84، والثعلبي 199 أ، والماوردي 2/ 269، والبغوي 3/ 289.]]: (هي الحلالات التي كان أهل الجاهلية تحرمها من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي).
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس [[ذكره الرازي في "تفسيره" 15/ 24، وأخرج الطبري 9/ 84، وابن أبي حاتم 5/ 1583 بسند جيد عن ابن عباس قال: (هي لحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله) اهـ.]]: (يريد: ﴿المَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ وما ذكر [[في (ب): (وما ذكره) وهو يريد قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: 3]]] في المائدة [3] إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾.
[و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. ذكرنا معنى (الإصر) في آخر سورة البقرة. واختلف [[في (ب): (واختلفوا).]] القراء هاهنا، فقرءوا: ﴿إِصْرَهُمْ﴾ ﴿وآصَارهم﴾ [[قرأ ابن عامر: (آصَارهم) -بفتح الهمزة والصاد، وألف بعدها على الجمع- وقرأ الباقون: ﴿إِصْرَهُمْ﴾ -بكسر الهمزة وسكون الصاد من غير ألف بعدها على الإفراد-، انظر: "السبعة" ص 295، و"المبسوط" ص 185، و"التذكرة" 2/ 426، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 272.]]، قال أبو علي الفارسي: (الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه، ويدل على ذلك إضافته وهو مفرد إلى الكثير، كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [[في (ب): (فلو شاء)، وهو تحريف.]] [البقرة: 20]. ومن جمع أراد ضروبًا من العهود [[في "الحجة" لأبي علي 4/ 94: (أراد ضروبًا من المآثم مختلفة).]]. مختلفة، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما تجمع سائر الأجناس) [["الحجة" لأبي علي 4/ 93، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 425، و"إعراب القراءات" 1/ 210، و"الحجة" لابن خالويه ص 165، ولابن زنجلة ص 298، و"الكشف" 1/ 479.]].
قال ابن عباس: (يريد: العهد [[في: (أ): (يريد: بالعهد).]] الثقيل الذي كان أخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة) [[أخرجه الطبري 9/ 85، ابن أبي حاتم 5/ 1583 من عدة طرق جيدة.]].
وهو قول الحسن والضحاك والسدي ومجاهد [[أخرجه الطبري 9/ 85، من عدة طرق عن مجاهد والحسن والسدي والضحاك، وذكره الثعلبي 199 أ، والبغوي3/ 289، عن هؤلاء.]]، والمعنى: ويُسقط عنهم ثقل العهد الذي أُخذ عليهم.
قال الزجاج: (والإصر ما عقدته من عقد ثقيل) [["معاني الزجاج" 2/ 381، وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص 181، و"نزهة القلوب" ص 123، و"تفسير المشكل" ص 87.]].
وقال سعيد بن جبير: (هو شدة العبادة) [[أخرجه الطبري 9/ 85، وابن أبي حاتم 5/ 1583، من عدة طرق جيدة.]].
وقال ابن جريج: (من أَتبع محمدًا ﷺ من أهل الكتاب وضع عنه ما كان عليه من التشديد في دينه) [[أخرجه الطبري 9/ 85 بسند جيد عن ابن جريج عن مجاهد، وذكر النحاس في "معانيه" 3/ 90، وقال: (الأقوال فيه متقاربة أي: ما يثقل عليهم) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 85، وقد أخرجه من طرق عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد.]]: (وهي الشدائد التي كانت في العبادة؛ كقطع أثر البول، وقتل النفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتتبع العروق من اللحم).
قال ابن قتيبة: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ﴾ تحريم الله عليهم كثيراً مما أطلقه الله لأمة محمد ﷺ، وجعله أغلالًا لأن التحريم يمنع، كما يقبض الغُل اليد فاستعيرت) [["تأويل مشكل القرآن" ص 148، وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص 181، وقال القرطبي 7/ 300: (الأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال، هذا قول جمهور المفسرين) اهـ.]].
وقال الزجاج: (الأغلال تمثيل؛ ألا ترى أنك تقول: قد جعلت هذا طوقًا في عنقك، وليس هناك طوق، وإنما تأويله: أني قد وليتك هذا وألزمتك القيام [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ب).]]، فجعلت لزومه [[في: (أ): (لزومه له) وفي "معاني الزجاج" 2/ 381 (لزومه لك).]] كالطوق في عنقك. قال: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أنه من قَتَل قُتِل لا تقبل في ذلك ديةٌ، وكان عليهم إذا أصاب جلودهم شيء من البول أن يقرضوه، وكان عليهم أن لا يعملوا في السبت) [["معاني الزجاج" 2/ 381، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 91.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح [[المسُوح جمع مِسْح: وهو الكساء من الشعر، انظر: "اللسان" 7/ 4198 (مسح).]]، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعًا لله) [[ذكره الرازي 15/ 25، بلا نسبة.]]، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة.
وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾، قال ابن عباس: (يعني: من اليهود) [["تنوير المقباس" 2/ 132.]]، ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾، (يريد: وقروه) [[أخرجه الطبري 9/ 85، وابن أبي حاتم 5/ 1585 بسند جيد عن ابن عباس قال: (حموه ووقروه) وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 147، و"اللسان" 5/ 2925 (عزر).]]، وقد ذكرنا الكلام في معنى التعزير مستقصى عند قوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: 12].
﴿وَنَصَرُوهُ﴾ أي: على عدوه، ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 86، والسمرقندي 1/ 574، والماوردي 2/ 269.]]: (يعني: القرآن).
وقال عطاء: (يريد: الهدى والبيان والرشاد) [[ذكره الرازي 15/ 25، بلا نسبة.]].
وقال الزجاج: (أي: اتبعوا الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور) [["معاني الزجاج" 2/ 382، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 91.]].
الأعراف 7:159
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾، قال ابن عباس: (يريد: يدعون إلى الحق) [["تنوير المقباس" 2/ 133، وهو قول الأكثر، انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 575، الثعلبي 199 أ، والبغوي 3/ 290، وابن الجوزي 3/ 274، والرازي 15/ 32.]].
قال الزجاج: (أي: يدعون الناس إلى الهداية بالحق) [["معاني الزجاج" 2/ 382.]]. ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: يعملون) [["تنوير المقباس" 2/ 133.]]. وقال الزجاج: (وبالحق يحكمون) [["معاني الزجاج" 2/ 382.]]، والعَدْل: الحكم بالحق، يقال: هو يقضى بالحق، ويعدل، وهو حكم عادل [[هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 3/ 2358، وانظر: "العين" 2/ 38، و"الجمهرة" 2/ 663، و"الصحاح" 5/ 1760، و "مقاييس اللغة" 4/ 246، و"المجمل" 3/ 651، و"المفردات" ص 551، و"اللسان" 5/ 2838 (عدل).]]، ومنه قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 129]. وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: 152].
واختلفوا في هذه الأمة العادلة من قوم موسى، فأكثر المفسرين قالوا: (إنهم قوم وراء الصين آمنوا بالنبي ﷺ وتركوا تحريم السبت، يجمعون، ولا يتظالمون، ولا يتحاسدون، لا يصل إلينا منهم أحد، ولا منّا إليهم، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه يستقبلون قبلتنا)، وهذا معنى قول عطاء والكلبي والربيع والضحاك وابن جريج والسدي [[أخرجه الطبري 9/ 88، بسند جيد عن ابن جريج والسدي، وذكره الثعلبي 199 أ، عن عطاء، والكلبي، والربيع، والضحاك، وابن جريج، والسدي، وذكره البغوي 3/ 290، الخازن 2/ 300، عن الكلبي، والضحاك والربيع، وذكره الماوردي == 2/ 270، وابن الجوزي 3/ 274، عن ابن عباس والسدي، وهذا قول غريب ضعفه: ابن عطية 6/ 109، والرازي 15/ 31، والخازن 2/ 300، الألوسي 9/ 85، وقال محمد أبو شهبة في "الإسرائيليات والموضوعات" ص 206: (هذا من خرافات بني إسرائيل وأسانيدها ضعيفة واهية، وليس هناك ما يشهد لها من عقل ولا نقل صحيح، وهي مخالفة للمعقول، والمشاهد الملموس) اهـ. بتصرف.]].
وقال أهل النظر [[انظر: "إعراب النحاس" ص 644، و"تفسير الماوردي" 2/ 270، وابن الجوزي 3/ 275.]]: (هم قوم كانوا مستمسكين بالحق في وقت ضلالتهم بقتل أنبيائهم)، وقيل [[هذا قول الكلبي كما ذكره الماوردي 2/ 270، وابن الجوزي 3/ 274، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 291، والظاهر أن الآية عامة تشمل الذين تمسكوا بالحق وبه يعدلون في زمن موسى عليه السلام والذين آمنوا بمحمد ﷺ وهو اختيار محمد أبو شهبة في "الإسرائيليات والموضوعات" ص 208.]]: (إنهم من آمن بالنبي ﷺ كابن سلام [[هو عبد الله بن سلام بن الحارث الخزرجي أبو يوسف الإسرائيلي، تقدمت ترجمته.]] وغيره من مؤمني أهل الكتاب).
الأعراف 7:160
قوله تعالى [[في (ب): (وقوله تعالى) بالواو.]]: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾، قد مضى الكلام في معنى (الأسباط) في سورة البقرة.
قال الفراء: (إنما قال: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ والسبط ذكر؛ لأن [ما] [[لفظ: (ما) ساقط من (ب).]] بعده ﴿أُمَمًا﴾ فذهب التأنيث إلى الأمم، ولو كان (اثني عشر) لتذكير السبط كان جائزًا) [["معاني الفراء" 1/ 397.]].
واحتج النحويون على هذا بقول الشاعر:
وإنَّ قريشاً كلها عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر [["الشاهد" للنواح الكلابي وهو في "الكتاب" 3/ 565 لرجل من بني كلاب، وبلا نسبة في: "معاني الفراء" 1/ 126، و"الكامل" للمبرد 2/ 250، و"المقتضب" 2/ 146، و"تفسير الطبري" 9/ 88، و"الأصول" 3/ 477، و"الأمالي" للزجاجي ص 75، و"الصاحبي" ص 425، و"الخصائص" 2/ 417، و"المخصص" 17/ 117، و"الإنصاف" ص 618، و"اللسان" 7/ 3910 (كلب)، و"الدر المصون" 5/ 236، و"الشاهد": (عشر أبطن) حيث أنث أبطن وحذف الهاء من عشر حملًا للبطن على معنى القبيلة بقرينة ذكر القبائل بعدها. انظر: "الخزانة" 7/ 395، وفي المراجع السابقة:
وإن كلابًا هذه عشر أبطن
ولم أقف على رواية الواحدي إلا عند الثعلبي 6/ 11 ب، والقرطبي 7/ 303، و"الدر المصون" 5/ 486.]]
ذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة، لذلك [[في (ب): (كذلك) وهو تحريف.]] أنث، والبطن مذكر.
وقال الزجاج: (المعنى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ فرقة، ﴿أَسْبَاطًا﴾ [من نعت فرقة، كأنه قال: جعلناهم أسباطًا وفرقناهم أسباطًا، فتكون ﴿أَسْبَاطًا﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] بدلاً من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 382 - 383 وزاد: وهو الوجه. وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 313، و"إعراب النحاس" 1/ 664، و"المشكل" 1/ 303.]]، فحصل من هذا أن التأنيث في العدد [إنما وقع لتقدير الفرقة في الكلام، ولهذا جمع الأسباط، وإن كان العدد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لا يفسر بالجمع؛ لأن الأسباط في الحقيقة نعتُ المفسر المحذوف وهو الفرقة، ويجوز أن يكون الأسباط كما ذكر بدلاً من العدد، فيكون المعنى: قطعناهم أسباطًا.
وقد ذكرنا في أول الكتاب [[لم أقف عليه بعد طول بحث عنه في "مظانه".]] أن البدل يقدر فيه تكرير العامل، ونص أبو علي على هذا القول فقال: (ليس الأسباط بتفسير، ولكنه بدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾) [[كتاب "التكملة" ص 261، وقال السمين في "الدر" 5/ 484: (تمييز ﴿اثنتي عشرة﴾ محذوف لفهم المعنى، تقديره: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ فرقة و ﴿أسباطا﴾ بدل من ذلك التمييز لأن أسباط مذكر وجمع) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾. بَجْسُ الماء وانبجاسه، انفجاره، يقال: بَجَسَ الماء يبجس [بجسا] [[(بجسا) ساقط من (أ).]] وانبجس وتبجس: إذا تفجر
هذا قول أهل اللغة [[انظر: "العين" 6/ 58، و"الجمهرة" 1/ 267، و"تهذيب اللغة" 1/ 277، و"الصحاح" 3/ 907، و"المجمل" 1/ 116، و"مقاييس اللغة" 1/ 199، و"اللسان" 1/ 212 (بجس).]] والمفسرين [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 230، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 151، و"تفسير غريب القرآن" ص 182، و"تفسير الطبري" 9/ 89، و"نزهة القلوب" ص 126، و"معاني النحاس" 3/ 92، و"تفسير المشكل" ص 87]] في معنى معنى الانبجاس والانفجار [[انظر: "العين" 6/ 111، و"الجمهرة" 1/ 463، و"تهذيب اللغة" 3/ 2743، و"الصحاح" 2/ 778، و"المجمل" 3/ 712، و"مقاييس اللغة" 4/ 475، و"المفردات" ص 625، و"اللسان" 6/ 3351 (فجر).]]
وأنهما سواء، وفرق قوم بينهما [[قال الراغب في "المفردات" ص 108: (الانبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيق، والانفجار يستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع) اهـ.
وانظر: "عمدة الحفاظ" ص 39، و"الدر المصون" 5/ 487 - 488.]]، فقالوا: (الانبجاس: خروج الجاري بقلة، والانفجار: خروجه بكثرة)، وهذا يروي عن أبي عمرو ابن العلاء [[ذكره الثعلبي 6/ 12 أ، والبغوي 3/ 292، والرازي 15/ 33، والسمين في "الدر" 5/ 488.]]، ويؤكد هذا الفرق ما قال عطاء: (كان يظهر على كل موضع من الحجر يضربه موسى -عليه السلام- مثل ثدي المرأة فيعرق أولاً ثم يسيل) [[ذكره الثعلبي 6/ 12 أ.]]، وباقي الآية مفسر [[انظر: "البسيط" البقرة: 60.]] في سورة البقرة.
الأعراف 7:163
قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾، قال أهل المعاني: (سلهم سؤال توبيخ على ما كان منهم في أمر القرية من فاحش الخطيئة [[في (ب): (الخطايا).]] وشنيع السيئة، والسؤال قد يكون للتقرير والتوبيخ، كما تقول لمن تلومه على جفائه: هل شتمتك؟ هل ضربتك؟ وأنت تعلم أنك لم تفعل، وإنما تسأله لتُقرره وتوبخه.
ومعنى سؤال النبي ﷺ أهل الكتاب عن هذه القرية، وقد أخبره الله بقصتها، تقريرهم بقديم كفرهم، وسلوكهم مسلك أسلافهم في المخالفة وارتكاب المعصية وأن يعلمهم ما لا يعلم إلا بكتاب أو وحي)، وهذا معنى قول المبرد [[انظر: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" للمبرد ص 42.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 384.]] وغيرهما [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 183 - 184، و"تأويل مشكل القرآن" ص 179، و"معاني النحاس" 3/ 92.]]، وتلك القرية هي أيلة [[أيلة، بالفتح: مدينة على ساحل بحر القلزم -البحر الأحمر- مما يلي الشام، وقيل: هي مدينة عامرة في بلاد الشام بين الفسطاط ومكة على شاطئ بحر القلزم، انظر: "معجم البلدان" 1/ 292.]] في رواية عكرمة والوالبي عن ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 90 - 91 من عدة طرق جيدة عن عكرمة وعلي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1597، والحاكم في "المستدرك" 2/ 322، عن عكرمة عن ابن عباس، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) اهـ. ووافقه الذهبي في "التلخيص".]]، وقال في رواية [[لم أقف عليه عن ابن عباس.]] عطاء: (هي الطَبريَة) [[طبرية: مدينة في الأم من أعمال الأردن مطلة على بحيرة طبرية المشهورة، انظر: "معجم البلدان" 4/ 17.]]. وهو قول الزهري [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1597، والنحاس في "معانيه" 3/ 93، بسند جيد، وذكره الثعلبي 6/ 12/ ب، والماوردي 2/ 271، والمشهور أنها أيلة وهو قول الأكثر، فقد أخرجه الطبري 9/ 90 - 91، من طرق عن ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير والسدي وقتادة، وقال ابن أبي حاتم 5/ 1597: (وروى عن سعيد بن جبير والضحاك) اهـ، وزاد والماوردي 2/ 271 نسبته إلى عكرمة، وزاد ابن الجوزي 3/ 276 نسبته إلى ابن مسعود والحسن، وحكاه الأزهري في "تهذيبه" 1/ 233، عن الليث، وحكاه هود الهواري 2/ 53 عن الكلبي، وقال الرازي 15/ 36: (الأكثرون على أن تلك القرية أيلة) اهـ، وهو اختيار ابن كثير 2/ 286، ورجح الطبري 9/ 91: أنها مدينة حاضرة البحر دون تحديد، لعدم الدليل القاطع، وهذا هو الظاهر لوجود الخلاف في تحديدها ، ولأنه لا يترتب على تحديدها كبير فائدة.]].
وقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. الحضور نقيض الغيبة، أي: التي هي مجاورة البحر، وبقربه وعلى شاطئه [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 91.]]، كقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196]. والحضرة [[هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 1/ 847، وانظر: "العين" 3/ 101، و"الجمهرة" 1/ 515، و"الصحاح" 2/ 632، و"مقاييس اللغة" 2/ 75، == و"المجمل" 1240، و"المفردات" ص 241، و"اللسان" 2/ 906 (حضر).]] قرب الشيء، تقول: كنت بحضرة الدار.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: يصيدون الحيتان ويفعلون ما نهوا عنه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 257، وأخرج الطبري 9/ 92، ابن أبي حاتم 5/ 1598 والحاكم في "المستدرك" وصححه 2/ 322 - 323 من عدة طرق جيدة نحوه.
وهو قول أهل اللغة والتفسير، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 230، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 151، و"تفسير غريب القرآن" ص 182، و"تفسير الطبري" 9/ 92، و"معاني الزجاج" 2/ 184، النحاس 3/ 93، و"تفسير السمرقندي" 1/ 577، و"تفسير المشكل" ص 87]]. والمعنى: إذ يظلمون في السبت، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [[لفظ: (منكم) ساقط من (أ).]] [البقرة: 65]، وقوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [[انظر: "البسيط" نسخة جستربتي 2/ 33 ب.]] [النساء: 154]. وموضع ﴿إِذْ﴾ نَصْب؛ لأن المعنى: سلهم إذ عدوا [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 384، و"إعراب النحاس" 1/ 645، و"المشكل" 1/ 304.]]، وحقيقة السؤال وقع عن الاعتداء لا عن القرية؛ لأن التوبيخ [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 645]] يقع به، وإنما ذكرت القرية لأنهم بها اعتدوا.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾. موضع ﴿إِذْ﴾ نصب أيضاً بـ"يعدون"، المعنى: سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 384، وانظر: "البيان" 1/ 376، و"التبيان" 1/ 393، و"الفريد" 2/ 375، و"الدر المصون" 5/ 492.]].
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾. أي: ظاهرة على الماء، قاله الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 384، وهو قول أهل اللغة والتفسير. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 230، و"تفسير غريب القرآن" ص 182، و"تفسير الطبري" 9/ 92، و"نزهة القلوب" ص 290، و"معاني النحاس" 3/ 93، و"تفسير السمرقندي" 1/ 577، و"تفسير المشكل" ص 87.]] وشرَّع جمع: شارع وشارعة.
قال شمر: (وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة دنت من الطريق، ونجوم شوارع دنت من المغيب) [["تهذيب اللغة" 2/ 1859، وانظر: "العين" 1/ 252، و"الجمهرة" 2/ 727، و"الصحاح" 3/ 1236، و"المجمل" 2/ 526، و"مقاييس اللغة" 3/ 262، و"المفردات" ص 450، و"اللسان" 4/ 2239 (شرع).]]، وعلى هذا الحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يُمكنهم صيدها.
قال ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 91، وابن أبي حاتم 5/ 1598، والحاكم في "المستدرك" 2/ 322 - 323، وصححه من عدة طرق جيدة عن ابن عباس نحوه.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 248، وذكره الرازي 15/ 37، عن ابن عباس ومجاهد.]] والمفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 91، وأخرجه 13/ 190 - 198، من طرق عن عبد الله بن مسعود والحسن وقتادة، وابن زيد، وأبي صالح ماهان الحنفي، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 384، النحاس 3/ 93، و"تفسير السمرقندي" 1/ 577، والثعلبي 6/ 13 أ، والماوردي 2/ 272، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 257، و"الخازن" 2/ 302، عن المفسرين.]]: (إن اليهود أُمروا باليوم الذي أمرتم به، يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت، فابتلوا به، وحُرّم عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه إن أطاعوا لم يؤجروا [[كذا في النسخ: (لم يؤجروا) وكذلك عند الثعلبي 6/ 13/ أ، والأقرب أنه: (إن أطاعوا أجروا).]] وإن عصَوا عُذّبوا، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر إلى السبت المقبل، بلاء ابتلوا به، فذلك معنى قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾). يقال: سبتت اليهود، أي: قامت بأمر سبتها.
قال الفراء: (ومعنى ﴿يَسْبِتُونَ﴾ يفعلون سبتهم، ﴿وَيَوْمَ﴾ منصوب بقوله: ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾) [["معاني الفراء" 1/ 398، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 92، و"إعراب النحاس" 1/ 645، و"المشكل" 1/ 304، و"التبيان" 1/ 394، و"الفريد" 2/ 375، و"الدر المصون" 5/ 493.]].
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾، في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ وجهان ذكرهما الزجاج وابن الأنباري، أحدهما: قال الزجاج: (أي: مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم، وموضع [[في (أ): (فموضع).]] الكاف نصب بنبلوهم) [["معاني الزجاج" 2/ 385، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 645.]].
وقال أبو بكر: (ذلك) إشارة إلى ما بعده يراد به: ﴿نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، كذلك البلاء الذي وقع بهم في أمر الحيتان وينقطع الكلام عند قوله: ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [[انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 667، و"القطع" للنحاس 1/ 264، و"المكتفى" للداني ص 277.]].
الوجه الثاني: قال الزجاج: (ويحتمل على بُعدٍ أن يكون ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾. أي: لا تأتيهم شرعًا، ويكون ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ مستأنفًا) [[في (ي): (وهم لا يسبتون)، وهو تحريف.]].
وقال أبو بكر: (وعلى هذا الوجه ﴿كَذَلِكَ﴾ راجعة على الشروع في قوله: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾. والتقدير: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 385، وزاد: (وذلك القول الأول قول الناس وهو الجيد) اهـ.]] الإتيان بالشروع، وموضع الكاف على هذا الوجه نصب بالإتيان على الحال، أي: لا تأتي مثل ذلك الإتيان) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 257، والسمين في "الدر" 5/ 493 - 494، وقال الهمداني في "الفريد" 2/ 375: (الكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وفيه تقديران: أحدهما: نبلوهم بلاءً مثل ذلك البلاء الشديد ويوقف على ﴿تَأْتِيهِمْ﴾، وهو الوجه وعليه الجمهور، والثاني: لا تأتيهم إتيانًا مثل ذلك الإتيان الذي يأتي يوم السبت ويوقف على ﴿كَذَلِكَ﴾) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: بعصيانهم رب العالمين خُذلوا) [["تنوير المقباس" 2/ 136.]].
وقال الزجاج: (أي: شددت عليهم المحنة بفسقهم) [["معاني الزجاج" 2/ 385.]].
الأعراف 7:164
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ الآية. قال أهل التفسير [[أخرجه الطبري 9/ 93 - 98 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 239، وابن أبي حاتم 5/ 1600، والحاكم وصححه 2/ 322، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 577، والثعلبي 6/ 14 أ، والماوردي 2/ 272 - 273.]]: (افترق أهل القرية ثلاث فرقٍ؛ فرقة صادت وأكلتْ، وفرقة نهت وزجرت، وفرقة أمسكت عن الصيد، وقالت للفرقة الناهية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾).
قال الزجاج: (لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير مقلعين، فقالت الفرقة الناهية للذين لاموهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، أي: موعظتنا إياهم ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ والمعنى: أن الأمر بالمعروف واجب علينا، فعلينا موعظة هؤلاء عذرًا إلى الله تعالى) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 385، و"تفسير الطبري" 9/ 92، و"معاني النحاس" 3/ 94، و"تهذيب اللغة" 3/ 2365 (عذر).]]، والمعذرة مصدر كالعذر.
و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال أبو زيد: (عذرته أعذِره عُذرًا ومعذِرةً وعُذرَى) [["الحجة" لأبي علي 4/ 97، و"تفسير الرازي" 15/ 38.]]، ومعنى عذره في اللغة [[انظر: "العين" 2/ 93، و"الجمهرة" 2/ 692، و"الصحاح" 2/ 737، و"المجمل" 3/ 654، و"مقاييس اللغة" 4/ 253، و"المفردات" ص 555، و"اللسان" 5/ 2854 (عذر).]]: قام بعذرهِ، وقبل [[في (ب): (وقيل).]] عذره، يقال: من يعذرني، أي: من يقوم بعذري، وعذرت فلانًا فيما صنع، أي: قمت بعذره، فعلى هذا معنى قوله: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله، فإنا إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر، قلنا: قد فعلنا، فنكون بذلك معذورين. وقال الأزهري: (المعذرة اسم على مفعلة من عذر يعذر، وأقيم مقام الاعتذار، كأنهم قالوا: موعظتنا اعتذار إلى ربنا، فأقيم الاسم مقام الاعتذار، يقال: اعتذر فلان اعتذارًا وعذرة [[لفظ: (وعذرة) ساقط من (ب).]] ومعذرة من ذنبه فعذرته) [["تهذيب اللغة" 3/ 2365 (عذر).]].
وذكرنا معنى الاعتذار وأصله [[لم أقف عليه.]] في اللغة في سورة براءة عند قوله [[في النسخ عند قوله: "قل ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ "، وهو تحريف وفي سورة التوبة قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: 94].]]: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ الآية [التوبة: 66].
وقال ابن الأعرابي: (يقال: لي في هذا الأمر عُذر وعذرى ومعذرة، أي: خروج من الذنب) [["تهذيب اللغة" 3/ 2365 (عذر).]].
قال أبو علي: (لم يريدوا أن يعتذروا عذرًا مستأنفًا من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل لهم ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾؟ فقالوا: ﴿مَعْذِرَةً﴾ أي: موعظتنا معذرة [[هذا قول سيبويه في "الكتاب" 1/ 320، وحكاه الفارسي في "الحجة" عنه أيضًا 4/ 98، وهذا التوجيه على قراءة الرفع عندهما.]]، ومن نصب ﴿مَعْذِرَةً﴾ [[قرأ حفص عن عاصم: ﴿مَعْذِرَةً﴾ بالنصب وقرأ الباقون بالرفع، انظر: "السبعة" ص 296، و"المبسوط" ص 186، و"التذكرة" 2/ 427، و"التيسير" ص 114، و"النشر" 2/ 272.]] فقال سيبويه [["الكتاب" 1/ 320، وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 668.]]: "لو قال رجل لرجل: معذرةً إلى الله، وإليك من كذا وكذا لنصب [[في (ب): (وكذا النصب)، وهو تحريف.]] ") [["الحجة" لأبي علي 4/ 98، وعليه قراءة الرفع خبر لمبتدأ مضمر أي: موعظتنا معذرة، وعلى قراءة النصب مفعول لأجله، أي: وعظناهم لأجل المعذرة، أو على المصدر أي: نعتذر معذرة، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 427، و"إعراب القراءات" 1/ 410، و"الحجة" لابن خالويه ص 166، و"الحجة" لابن زنجلة ص 300، و"الكشف" 1/ 481، و"الدر المصون" 5/ 495.]].
قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 386، وفيه قال: (ويجوز النصب على معنى يعتذرون معذرة) وانظر: "معاني الفراء" 1/ 398، و"تفسير الطبري" 9/ 93، و"إعراب النحاس" 1/ 645، و"تفسير المشكل" 1/ 304 ، و"البيان" 1/ 376، و"التبيان" 1/ 394، و"الفريد" 2/ 376.]]: (المعنى: نعتذر معذرةً).
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. أي: جائز عندنا أن ينتفعوا بالمعذرة فيتقوا الله ويتركوا العَدْو [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 385.]].
وقال بعضهم [[أخرجه الطبري 9/ 92 بسند جيد عن ابن زيد، وانظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 578.]]: (وكانوا فرقتين: فرقة نهت عن السوء، وفرقة عملت بالسوء)، وهذا قول الكلبي [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 239، وحكاه الطبري في "تفسيره" 9/ 92، وهود الهواري 2/ 53 - 54 عن الكلبي.]]، وحكاه الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 386.]]، وعلى هذا فالذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ الفرقة المعتدية.
قال الكلبي: (المعتدية نحو من سبعين ألفًا أتاهم طوائف نحو من اثني عشر ألفًا، وهم الذين كرهوا الصيد في السبت، وقالوا: انتهوا قبل أن ينزل بكم العذاب، فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم بأسًا عاجلًا إن لم تنتهوا، فقالوا لهم: فلم تعظوننا إذًا إن كنتم قد علمتم أن الله منزل بنا عذابه) [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 13 - 14، والبغوي 3/ 293، والقرطبي 7/ 307.]].
والقول الأول [[هذا قول الثعلبي 6/ 14 أ، ونقله الرازي في "تفسيره" 15/ 39، عن الواحدي، واختاره ابن عطية 6/ 117، والخازن 2/ 303، وقال القرطبي 7/ 307: "القول الأول قول جمهور المفسرين وهو الظاهر من الضمائر في الآية) اهـ.]] أصح؛ لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ خطابًا من الناهية المعتدية لقالوا: ولعلكم [[في (ب): (ولعلهم).]] تتقون.
الأعراف 7:165
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، قال ابن عباس: (أي: تركوا ما وعظوا به) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1601 بسند جيد وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 258، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 99، و"معاني الزجاج" 2/ 386، والنحاس 3/ 94، و"تفسير السمرقندي" 1/ 577، الثعلبي 6/ 14/ ب، والماوردي 2/ 272.]]، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، يعني: الفرقة الناهية، واختلفوا في الفرقة الممسكة غير الناهية الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، فقال ابن عباس في رواية عطاء بن السائب [[عطاء بن السائب بن يزيد الثقفي أبو يزيد الكوفي، إمام تابعي عابد من كبار العلماء، ثقة ساء حفظه في آخر عمره توفي سنة 136هـ، انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 338، و"الجرح والتعديل" 6/ 332، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 110، و"تهذيب التهذيب" 3/ 103، ومقدمة "فتح الباري" ص 425.]]: (أسمع الله يقول: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ إلى قوله ﴿يَفْسُقُونَ﴾، فليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾) [[أخرجه "عبد الرزاق" 1/ 2/ 239 - 242، والطبري 9/ 98، والحاكم صححه 2/ 322 - 323 من عدة طرق جيدة.]]. فمذهبه في هذه الرواية الوقف في الفرقة الممسكة.
وروي عنه أيضًا أنه قال: (كانوا أثلاثًا؛ ثلثًا نهى، وثلثًا قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾، وثلثا أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم) [[أخرجه الطبري 9/ 97، وابن أبي حاتم 1600 من طرق جيدة وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 287 - 288، وقال: (نص الله على نجاة الناهين وهلاك الظالمين وسكت عن الساكتين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحًا فيمدحوا ، ولا ارتكبوا عظيمًا فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم فروي عن ابن عباس بإسناد جيد أنه قال: (ما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم)، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا لأنه تبين حالهم == بعد ذلك والله أعلم) اهـ. بتصرف.
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "الفتاوى" 17/ 382: (أنجى الله الناهين، وأما أولئك الكارهون للذنب الذين قالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ فالأكثرون على أنهم نجوا؛ لأنهم كانوا كارهين فأنكروا بحسب قدرتهم، وأما من ترك الإنكار مطلقًا فهو ظالم يعذب) اهـ.]].
وهذا قول ابن زيد أيضاً، قال: (كانوا ثلاث فرقٍ؛ فرقة اعتدت، وفرقة نهت، وفرقة لم تنه، وقالت ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾، فنجت الناهية، وهلكت الفرقتان. قال: وهذه الآية أشد آية في القرآن في ترك النهي عن المنكر) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 13 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 260، والبغوي 3/ 294، والخازن 2/ 303.]].
وروى ابن جريج عن عكرمة قال: (دخلت على ابن عباس وهو ينظر
في المصحف ويبكي قبل أن يذهب بصره، فقلت: ما يبكيك؟ فذكر قصة أصحاب أيلة، ثم قرأ قوله [[لفظ: (قوله) ساقط من (ب).]]: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. الآية، وقال: أسمع الله ذكر الذين نهوا ولا أسمع الذين سكتوا، ونحن نرى أشياء ننكرها فلا نقول فيها ولا نغيرها.
قال [[في (أ): (وقال).]] عكرمة: فقلت له: جعلني الله فداك، ألا تراهم قد أنكروا حين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وإن لم يقل الله: أنجيتهم، لم يقل أيضًا أهلكتهم، ولم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا، قال: فأعجبه ذلك من قولي، فرضي، وأمر لي ببردين فكسانيهما) [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 240 - 242، والطبري 9/ 64، وابن خالويه في "إعراب == القراءات" 1/ 212 - 214، والحاكم 2/ 322 - 323 وصححه من طرق جيدة. وأخرج الطبري 9/ 95، وابن أبي حاتم 5/ 1600 بسند جيد عن ابن عباس قال: (نجت فرقتان، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة وخنازير) اهـ.]].
وهذا أيضًا مذهب الحسن ويمانٍ.
قال الحسن: (نجت فرقتان، وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان) [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 55، والواحدي في "الوسيط" 1/ 260، والبغوي 3/ 294، وابن عطية 6/ 116، والرازي 15/ 38 - 39، والقرطبي 7/ 307، والخازن 2/ 302.]].
وقال يمانٍ: (نجت الطائفتان؛ الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، والذين قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، وأهلك الله أهل معصيته) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 14 أ، والبغوي 3/ 294.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، أي: شديد من العذاب، قاله ابن عباس [[أخرجه أبو عبيد في كتاب "اللغات" ص 106، و"ابن حسنون" ص 25 بسند جيد، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 240 - 242، الطبري 9/ 100 - 101، وابن أبي حاتم 5/ 1602 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (أليم وجيع) اهـ.]] والحسن [[لم أقف عليه.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 248، وأخرجه الطبري 9/ 101، وابن أبي حاتم 5/ 1602 من طرق جيدة بلفظ: (أليم شديد) اهـ.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 239، والطبري 9/ 101 من طرق جيدة بلفظ: (موجع).]] وابن زيد [[أخرجه الطبري 9/ 101 بسند جيد وهو قول أهل اللغة والتفسير. انظر: "مجاز == القرآن" 1/ 231، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 152، و"تفسير غريب القرآن"
ص 182، و"معاني الزجاج" 2/ 386، و"نزهة القلوب" ص 141، و"معاني النحاس" 5/ 93، و"تفسير السمرقندي" 1/ 577، والثعلبي 6/ 14 ب، والماوردي 2/ 272، وقال الطبري 9/ 101: (أجمعوا على أن معناه: شديد) اهـ.]].
قال ابن الأعرابي: (البَئِس [[في النسخ: البيئيس، والبئيس، وهو تصحيف.]] والبَيِس على فَعِل العذابُ الشديد) [["تهذيب اللغة" 1/ 411 (بئس) وانظر: "العين" 7/ 316، و"الصحاح" 3/ 907، و"المجمل" 1/ 141، و"مقاييس اللغة" 1/ 328، و"المفردات" ص 153، و"اللسان" 1/ 199 (بأس).]].
ونحو ذلك قال الزجاج [[في "معاني الزجاج" 2/ 386، قال: (بئيس أي: شديد يقال: بئس يبؤس بأسًا إذا اشتد) اهـ. وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 411 (بئس).]].
قال أبو علي: ﴿بَئِيسٍ﴾ على وزن فعيل يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون فعيلًا من بؤس يبؤس بأسًا: إذا اشتد.
والآخر: ما قاله أبو زيد قال: يقال من البؤس وهو الفقر: بَئِسَ الرجل يبأس بؤسًا وبأساء وبئيسًا [[في (ب): "وبيسا" وهو كذلك في "الحجة" لأبي علي 4/ 100 عن أبي زيد.]] إذا افتقر فهو بائس أي: فقير [[هذا وما قبله من قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" 1/ 411 (بئس) وذكره الجوهري في "الصحاح" 3/ 907، وقال: (حكاه أبو زيد في كتاب "الهمز") اهـ.]]. فوصف العذاب ببئيس وهو مصدر على فعيل كالنذير والنكير والشحيح، والتقدير: بعذاب ذي بئيس أي: ذي بؤس.
وقرأ نافع [[قرأ نافع: (بيس) بكسر الباء وسكون الياء من غير همز، وقرأ ابن عامر: ﴿بَئْسَ﴾، بكسر الباء وبعدها همزة ساكنة، وقرأ الباقون: ﴿بَئِيسٍ﴾ بفتح الباء وبعدها همزة مكسورة وبعدها ياء ساكنة، وروى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ: (بَيْئسَ) على وزن == فيعل، بفتح الباء وبعدها ياء ساكنة وبعدها همزة مفتوحة-.
انظر: "السبعة" ص 296، و"المبسوط" ص 186، و"التذكرة" 2/ 427، و"التيسير" ص 114، و"النشر" 2/ 272.]]: (بيس) جعل (بيس) الذي هو فعل اسمًا، فوصف به [[في (ب): (فوصف به العذاب ببيس) ولا يوجد ذلك في "الحجة" لأبي علي 4/ 100.]]، ومثل ذلك قوله: "إن الله ينهى عن قيلَ وقال" [[هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (14771) كتاب الزكاة، باب: قول الله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ﴾، ومسلم رقم (1715) كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة السائل من غير حاجة، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن الرسول ﷺ قال: "إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال" اهـ. وفيهما قيلَ وقالَ -بالفتح-.]].
ويروى "قيلٍ وقالٍ" [[يريد الرواية الأولى بالفتح والثانية بالكسر منونًا، وقد أخرج مسلم رقم (1715) كتاب الأقضية، باب النهي عن كثر المسائل، عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله نهى عن ثلاث: قيلٍ وقالٍ وكثرة السؤال وإضاعة المال" اهـ. وفيه قيل وقال بالكسر منونًا.
قال النووي في "شرح مسلم" 12/ 16: (اختلفوا في حقيقة قيل وقال على قولين: أحدهما: أنهما فعلان، فقيل مبني لما لم يسم فاعله، وقال فعل ماض، والثاني: أنهما اسمان مجروران منونان لأن القيل والقال والقول والقالة كلها بمعنى) اهـ. وانظر: "فتح الباري" 12/ 407.]]، ونحوه: مُذ شُبَّ [[في "الحجة" 4/ 101: (مِنْ شب إلى دب ومن شب إلى دب) وأشار المحقق إلى ورود (مد) في بعض النسخ وهذا من أمثال العرب تقول:
"أعييتني من شب إلى دبَّ ومن شب إلى دُبِّ"
أي: من لدن شببت إلى أن دببت على العصا هرمًا، وهو مثل يضرب للبغيض ولمن يكون في أمر عظيم غير مرضى فيمتد فيه أو يأتي بما هو أعظم منه.
انظر: "جمهرة الأمثال" 1/ 54، و"مجمع الأمثال" 1/ 198، و"المستقصى" 1/ 257.]] إلى دبَّ، ومذ شبِّ إلى دبِّ [[أي بالفتح والكسر مع التنوين وعدمه، فمن نونه جعله بمنزلة الاسم بإدخال من عليه، ومن لم ينونه جعله على وجه الحكاية للفعل، أفاده الميداني في "مجمع الأمثال" 1/ 198.]]، فكما استعملت هذه [[في (ب): (هذا)، وهو تحريف.]] الألفاظ أسماءً وأفعالاً، كذلك (بيس) جعله اسمًا بعد أن كان فعلاً، فصار وصفًا مثل نِقضٍ [[نِقْض، بكسر النون وسكون القاف، وهو المهزول من الإبل والخيل، انظر: "اللسان" 8/ 4524 (نقض).]] ونضوٍ [[نضو - بكسر النون وسكون الضاد: المهزول من جميع الدواب وقد يستعمل في الإنسان، انظر: "اللسان" 7/ 4457 (نصا).]].
وقرأ ابن عامر: ﴿بِئْسَ﴾ [[في: (أ): (ييئس)، وفي (ب). (بيس)، وهو تصحيف.]]، وهو مثل قراءة نافع إلا أنه حقق الهمزة، وروى أبو بكر [[أبو بكر: هو أبو بكر بن عياش الأسدي أحد الرواة عن عاصم، إمام، تقدمت ترجمته.]] عن عاصم (بيأس)، وهو وصف مثل ضيغم [[ضيغم، بفتح الضاء وسكون الياء وفتح الغين: الأسد والواسع الشدق والذي يعَضَ، واسم الشاعر ضيغم الأسدي. انظر: "اللسان": 5/ 2592 (ضغم).]] وحيدرٍ [[حيدر: بفتح الحاء وسكون الياء وفتح الدال اسم، انظر: "اللسان" 2/ 803 (حدر).]]، وهو بناء كثير في الصفة [["الحجة" لأبي علي 4/ 100 - 102، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 428، و"إعراب القراءات" 1/ 211، و"الحجة" لابن زنجلة ص 300، و"الكشف" 1/ 481، وقال ابن خالويه في "الحجة" ص 166: (هذه القراءات لغات مشهورات مستعملات في القراءة) اهـ.]].
الأعراف 7:166
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية. نظم الآية لا يصح إلا بتقدير محذوف؛ لأن معنى العتُو [[عَتَا: أي: استكبر وجاوز الحد، وقال الزجاج 2/ 386: (العاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة) اهـ.
وانظر: "العين" 2/ 226، و"الجمهرة" 2/ 1032، و"تهذيب اللغة" 3/ 2313، و"الصحاح" 6/ 2418، و"المجمل" 3/ 646، و"مقاييس اللغة" 4/ 225، و"المفردات" ص 546، و"اللسان" 5/ 2794 (عتا).]]: الإباء والعصيان، وإذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا؛ لأنهم أبوا ما نهوا عنه، وهو صيد الحيتان في السبت، ولكن التقدير: فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه ثم حذف المضاف؛ وإذا أبوا ترك المنهي عنه كان ذلك ارتكابًا [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 101، و"إعراب النحاس" 1/ 648، و"تفسير السمرقندي" 1/ 578، والرازي 15/ 40، والخازن 2/ 303، قال الطبري: (أي: تمردوا فيما نهوا عنه وتمادوا فيه) اهـ. وقال النحاس: (أي: تجاوزوا في معصية الله جل وعز) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ مفسر في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" البقرة: 66.]].
الأعراف 7:167
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾، اختلفوا في معنى ﴿تَأَذَّنَ﴾، فقال أهل اللغة [[الأذان: الإعلام، وأذن بمعنى عَلِمَ، وأذن له أذنا استمع، وتأذن فلان أعلم وآذن، وتأذن الأمير في الكلام أي: تقدم وأعلم ونادى فيهم بالتهديد والنهي، وقال الخليل في "العين" 8/ 200: (الأذان اسم للتأذين، والتأذن من قولك: تأذنت لأفعلن كذا يراد به إيجاب الفعل في ذلك أي: سأفعل لا محالة وتأذنت تقدمت كالأمير يتأذن قبل العقوبة ومنه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾) اهـ. وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 139 - 140، و"الصحاح" 5/ 2068، و"المجمل" 1/ 91، و"مقاييس اللغة" 1/ 75، و"المفردات" ص 70، و"اللسان" 1/ 51 (أذن).]]: (تأذن بمعنى أذن أي: أعلم)، ونحو ذلك قال الحسن [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 56، والماوردي 2/ 273، وابن الجوزي 3/ 279.]]، وقال ابن عباس: (وإذ قال ربك) [["تنوير المقباس" 2/ 137، وذكره الثعلبي 6/ 15 ب، والبغوي 3/ 295.]]، وهو معنى وليس تفسير، وذلك أن الإعلام يكون بالقول ففي أعلم معنى قال.
وقال في رواية عطاء: (حتم ربك) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 279، وأبو حيان في "البحر" 4/ 413 عن عطاء فقط، وجاء عند الثعلبي 6/ 15 ب، والبغوي 3/ 295 عن عطاء قال: (حكم ربك).]]. وقال الزجاج: (معناه: تألى ربك) [["معاني الزجاج" 2/ 387، وتألى أي: حلف وأقسم.]]. وأكثر أهل اللغة على (أن التأذن بمعنى: الإيذان وهو الإعلام) [[وهو قول أهل التفسير أيضًا، قال النحاس في "معانيه" 3/ 96: (قال أهل التفسير: معناه: أعلم ربك، وهذا قول حسن لأنه يقال: تعلم بمعنى أعلم) اهـ.
وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 231: (أي: أمر من الإذن وأحل وحرم ونهى) اهـ.
وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 152، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 182، و"تفسير الطبري" 9/ 102، و"نزهة القلوب" ص 158، و"تفسير السمرقندي" 1/ 578، و"تفسير المشكل" ص 87]].
وقال أبو علي الفارسي: (قال سيبويه: (آذن أعلم وأذَّن نادى وصاح للأعلام، منه قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 44]. قال: وبعض العرب يجري أذنت مجرى آذنت فيجعل أذن وآذن بمعنى" [[في "الكتاب" 4/ 62 قال سيبويه: (وقد يجيء فعلت وأفعلت في معنى واحد نحو: آذنت وآذنت أعلمت وأذنت النداء والتصويت بإعلان، وبعض العرب يجري أذنت وآذنت مجرىَ سمَّيت وأسميتُ) اهـ.
وانظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 404.]]. فإذا كان أَذَّن أعلم في لغة بعضهم فَتَأَذَّن تَفَعَّل من هذا وليس تفعل هنا بمنزلة تَقَيَّس [[تقيس - بالفتح. يقال: تقيس الرجل أي: انتسب إلى قبيلة قيس. انظر: "اللسان" 6/ 3794 (قيس).]] وتَشَجَّع [[انظر: "الكتاب" 4/ 71.]]، ولكنه بمنزلة (فعَّل) كما أن تَكَبَّر في قوله: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: 23]. ليس على حد (تكبَّر زيد) إذا تعاطى الكبر، ولكن ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ بمنزلة الكبير، كما أن قوله [[في: (أ): (قوله): ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهي الآية [النحل:1]، وفي "الحجة" 2/ 411، كما أن قوله عز وجل: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: 43].]]: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18] تقديره: علا وليس على حد (تغافل) و (تناسى) إذا أظهر [[في (ب): (ظهر).]] شيئًا من ذلك ليس فيه، فبناء الفعلين يتفق والمعنى يختلف، كذلك ﴿تَأَذَّنَ﴾ بمنزلة عَلِمَ، ومثل (تَفَعَّلَ) في أنه يراد به (فَعَل)، قول زهير:
تَعَلَّمْ أن شرَّ الناس قوم ... ينادى في شعارهم يسار [["ديوانه" ص 51، و"معاني الزجاج" 2/ 387، الثعلبي 6/ 15 ب، وابن عطية 6/ 124، و"ووضح البرهان" للغزنوي 1/ 368، والقرطبي 7/ 309 وتعلم أي: اعلم، والشعار العلامة. ويسار: اسم راعي إبل له، انظر: "شرح ديوان زهير لثعلب" ص 219.]]
ليس يريد: تعلَّم هذا عن جهل، كما يريدون بقولهم: تعلم الفقه، وإنما يريد به: اعلم، كذلك ﴿تَأَذَّنَ﴾ معناه عَلِم، ومما يدل على أن معناه العلم وقوع لام اليمين بعده، كما يقع بعد العلم في نحو: علم الله لأفعلن، وكأن المعنى في ﴿تَأَذَّنَ﴾، علم ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، فتعلق [[في (ب): (يتعلق).]] الجواب به كما يتعلق بالقسم من حيث استعمل استعمال القسم) [["الحجة" لأبي علي 2/ 404 - 412. وانظر ابن عطية 6/ 124، والقرطبي 7/ 309، و"الدر المصون" 5/ 500 ومعنى الآية: علم الله ليبعثن، ويقتضي أن ذلك العلم منه مقترن بإنفاذ وإمضاء كما تقول في أمر عزمت عليه غاية العزم: علم الله لأفعلن كذا، وأجري مجرى فعل القسم كعلم الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ أفاده ابن عطية والسمين وقالا: (قالت فرقة: تأذن أعلم، وهو قلق من جهة التصريف إذ نسبة تأذن إلى الفاعل غير نسبة أعلم وبين ذلك فرق بين التعدي وغيره) اهـ.]].
وقد ذكرنا استعمال العلم بمعنى القسم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: 102]، في سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾، يعني: على اليهود. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ فيه تقديم وتأخير، أي: ليبعثن عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
قال ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 102 - 103 من طرق جيدة عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وابن زيد وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1604 من طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وابن زيد.]] والحسن [[ذكره الماوردي 2/ 273، عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة.]] وسعيد بن جبير [[أخرجه أيضًا النحاس في "معانيه" 3/ 97 بسند جيد عن سعيد بن جبير، وذكره الثعلبي 6/ 15 ب.]] وقتادة [[أخرجه أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 239 - 240 بسند جيد عن قتادة.]]: (هم العرب؛ محمد وأمته بعثهم الله على اليهود يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية)، ومعنى البعث هاهنا: إرسالهم عليهم وأمرهم بذلك.
وقال عطاء: (يريد: بُخْتُ نصَّر [[بخت نصر: قائد وملك من ملوك بابل قبل الميلاد، قال في "القاموس" ص 621 (نصر): (بخت نصر بالتشديد أصله بوخت ومعناه: ابن ونصر كبقم صنم وكان وجد عند الصنم ولم يعرف له أب فنسب إليه - خرب بيت المقدس) اهـ. وانظر أخباره في "تاريخ الطبري" 1/ 538 - 560، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 261 - 271.]] وغيره إلى اليوم) [[ذكره الرازي 15/ 42، والقرطبي 7/ 309 بلا نسبة. والقول الأول هو قول أهل التفسير كما ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 261 وهو اختيار القرطبي 7/ 309، والظاهر أن الآية عامة. قال ابن عطية 6/ 125: (الصحيح أنها عامة في كل من حال اليهود معه هذه الحال) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: في الدنيا والآخرة) [[لم أقف عليه.]].
ومعنى هذا: أنه سريع العقاب لمن استحق تعجيله؛ لأنه لا يتأخر عن وقت إرادته. عاقب اليهود في الدنيا بسوء العذاب [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 103، والسمرقندي 1/ 578.]].
الأعراف 7:168
قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾، قال ابن عباس: (يريد: فرقناهم في جميع البلاد) [[أخرج الطبري 9/ 104، وابن أبي حاتم 5/ 1605 بسند جيد نحوه، وفي "الدر المنثور" 3/ 255، و"مسائل نافع بن الأزرق" ص 164 عن ابن عباس قال: (﴿أُمَمًا﴾ أي: فرق).]].
قال أهل المعاني [[لفظ: (قال أهل المعاني فرقهم الله تعالى) ساقط من (أ).]]: (فرقهم الله تعالى فتشتت أمرهم، ولم تجتمع لهم كلمة) [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 231، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 182، و"تفسير الطبري" 9/ 104، و"معاني النحاس" 3/ 98، و"تفسير الماوردي" 2/ 274.]].
وقوله تعالي: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾. قال ابن عباس [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 261، والبغوي 3/ 295، والرازي 15/ 42، والخازن 2/ 304 عن ابن عباس ومجاهد.]] ومجاهد [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1605 بسند جيد.]]: (يريد: الذين أدركوا النبي ﷺ وآمنوا به).
وقال الكلبي: (يعني: الذين ذكرهم في قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 159]، وهم الذين وراء الصين) [["تنوير المقباس" 2/ 137، وذكره الثعلبي 6/ 15 ب، والبغوي 3/ 295، ورجح الطبري 9/ 104، الخازن 2/ 304: أنهم من آمن بالله ورسوله وثبت منهم على دينه قبل مبعث عيسى -عليه الصلاة والسلام -، قال الخارن: (هذا هو الصحيح ويدل عليه قوله بعد: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف:169] والخلف بعد الذين وصفهم بالصلاح من بني إسرائيل) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾، قال: (يريد: الذين كفروا) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 137.]].
وقوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ﴾، أي: عاملناهم معاملة المبتلي المختبر. ﴿بِالْحَسَنَاتِ﴾، وهي: النعيم والخصب والعافية، ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾ وهي: الجدب والشدائد [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 104، و"معاني النحاس" 3/ 98، والسمرقندي 1/ 578، والماوردي 2/ 274.]].
قال أهل المعاني: (وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة، أما النعم فلارتباطها والازدياد [[في (أ): (ولازديادها وأما).]] منها، وأما النقم فلكشفها، والسلامة منها) [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 3/ 280، والرازي 15/ 43، والخازن 2/ 304.]].
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: كي يتوبوا) [["تنوير المقباس" 2/ 137، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 262.]].
قال أهل المعاني: (إنهم مارَّون على وجوههم في جهة الباطل ، فدعوا إلى الرجوع عنه إلى جهة الحق، والانصرافُ عن الباطل رجوعٌ إلى الحق).
الأعراف 7:169
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، قال ابن عباس: (فخلف من بعد هؤلاء الذين قطعناهم خلف من اليهود) [["تنوير المقباس" 2/ 138، وذكره ابن الجوزي 3/ 280.]].
وقال في رواية عطاء: (يريد: نسلًا منهم) [[لم أقف عليه، ورجح الطبري 9/ 105: (أن المراد خلف سوء من اليهود؛ لأنه لا دليل يوجب صحة القول به على صرف الخبر عنهم إلى غيرهم)، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 98: (قال مجاهد: يعني: النصارى، وقال غيره: يعني: أبناءهم ، وهذا أولى القولين، والله أعلم لأنه يقال لولد الرجل: خلفه) اهـ.]].
يعني: أولاد هؤلاء الذين فرقهم في البلاد.
وقوله تعالى: ﴿خَلْفٌ﴾. قال الزجاج: (يقال للقرن الذي يجيء في أثر قرن: خلف، والخلف ما أخلف عليك بدلاً مما أخذ منك، ويقال في هذا: خلف أيضًا) [["معاني الزجاج" 2/ 388، وزاد: (فأما ما أخلف عليك بدلا مما ذهب منك فهو الخلف بفتح اللام) اهـ.]].
وقال الفراء: ﴿خَلْفٌ﴾ أي: قرن بجزم اللام، والخَلَف ما استخلفته، تقول: أعطاك الله خلفا مما ذهب لك [["معاني الفراء" 1/ 399، وزاد: (وأنت خلف سوء سمعت من العرب) اهـ.]].
وقد توافقا في هذا القول، وقال أحمد بن يحيى: (الناس كلهم يقولون: خَلَف صدق وخَلَف سوء، وخَلْف [[أي: بسكون اللام.]] للسوء لا غير، وأبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 232، قال: (خلْف ساكن ثاني الحروف وإن شئت حركت الحرف الثاني وهما في المعنى واحد كما قالوا: أثر وأثر وقوم يجعلونه إذا سكنوا ثاني حروفه إذا كانوا مشركين وإذا حركوه جعلوه خلفًا صالحًا) اهـ.]] معهم، ثم [[لفظ: (ثم) ساقط من (ب).]] انفرد وحده فقال: ويقال للصدق أيضًا: خَلْف) [["تهذيب اللغة" 1/ 1086 (خلف).]].
قال الأزهري: (وأخبرني المنذري بإسناده عن الفراء قال: الخَلْف يذهب به إلى الذم، والخَلَف خلف صالح، وقد يكون في الرديء خَلْف وفي الصالح خَلْف لأنهم يذهبون به [[لفظ: (ب) ساقط من النسخ.]] إلى القرن، قال: فأرى الفراء قد أجاز في الصالح خَلْف كما أجازه أبو عبيدة) [["تهذيب اللغة" 1/ 1086 (خلف).]]، وعلى هذا ينشد لحسان:
لنا القدم الأولى عليهم وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع [["ديوانه" ص 48، و"سيرة ابن هشام" 3/ 308، و"تفسير الطبري" 9/ 104، والثعلبي 6/ 16 أ، وابن عطية 6/ 127، والقرطبي 7/ 311، و"اللسان" 2/ 1239 (خلف)، والخازن 2/ 305، و"البحر" 4/ 415، و"الدر المصون" 5/ 503، وفي "الديوان": (لنا القدم الأولى إليك وخلفنا)، بسكون اللام.]]
وقال ابن السكيت: (يقال: هذا خلف صدق، وهذا خلف سوء، وهؤلاء خلف سوء، جمعه وواحده [[في (ب): (وواحد سواء)، وهو تحريف.]] سواء، وأنشد [[الشاهد للبيد في "ديوانه" ص 36، و"العين" 4/ 266، و"الكامل" للمبرد 4/ 33، == و"جمهرة أشعار العرب" ص 69، و"تفسير الطبري" 9/ 105، و"الجمهرة" 1/ 615، و"أمالي القالي" 1/ 158، و"الصحاح" 4/ 1354 (خلف)، و"ديوان المعاني" 2/ 198، و"تفسير الثعلبي" 6/ 16 أ، وخلف بسكون اللام وصدره:
ذهب الذين يعاشُ في أكنافهم]]: وبقيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجرب) [["إصلاح المنطق" ص 13 و 66، و"تهذيب اللغة" 1/ 1086 (خلف).]]
وقال أصحاب العربية [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 104، و"أمالي القالي" 1/ 158.]]: (الخلفُ المستعمل في الذم مأخوذ من الخَلَف، وهو الفساد، يقال للرديء من القول: خلف، ومنه المثل: نطق خلفًا [[هذا من أمثال العرب المشهورة يضرب للرجل يطيل الصمت ثم يتكلم بالخطأ يقال: سَكَتَ ألفا ونطق خلفاً، أي: سكت عن ألف كلمة ونطق بواحدة رديئة، انظر: "إصلاح المنطق" ص 66، و"أمالي القالي" 1/ 158، و"جمهرة الأمثال" 1/ 509، و"مجمع الأمثال" 1/ 330، و"المستقصى" 2/ 119.]]، وخَلَف النبيذ يخلف خُلُوفًا وخلفًا إذا فسد، وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته).
وقال النضر: (الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد، فأما في القرن الصالح فتحريك اللام لا غير، وأنشد [[لم أقف على قائله، وهو في كتب "الفرق": لقطرب ص 68، وللأصمعي ص 78 و79، ولأبي حاتم السجستاني ص 36، ولثابت بن أبي ثابت ص 44، و"الكامل" للمبرد 3/ 372 - 373، و"الجمهرة" 1/ 607، و"تهذيب اللغة" 1/ 1050 ، و"الصحاح" 4/ 1352، و"تفسير القرطبي" 7/ 311، و"اللسان" 2/ 1238 ، و"تاج العروس" 12/ 174 (خضف)، وعجزه:
عبدًا إذا ما ناء بالحمل خضف]]:
إنا وجدنا خلفًا [[في (ب): (خلفنا) وكذا في "الدر المصون" 5/ 305، وفي غيره (خلفًا).]] بئس الخلف) [["تفسير الثعلبي" 6/ 16 أو"البحر" 4/ 416، و"الدر المصون" 5/ 503، وفي == "تهذيب اللغة" 1/ 1092: (قال النضر بن شميل: الخلف يكون في الخير والشر وكذلك خلف) اهـ.]] فجمع اللغتين في المذموم، وأكثر أهل اللغة [[انظر: "العين" 4/ 265، و"الجمهرة" 1/ 615، و"الصحاح" 4/ 1354، و"المجمل" 2/ 300، و"مقاييس اللغة" 2/ 210، و"المفردات" ص 293، و"اللسان" 2/ 1241، (خلف)، وقال السمين في "الدر" 5/ 503: (هذا قول جماعة أهل اللغة إلا الفراء وأبا عبيدة) اهـ. بتصرف.]] على هذا إلا الفراء وأبا عبيدة فإنهما أجازا في الصالح جزم اللام [[والحاصل أن خلف بفتح اللام وإسكانها، قيل: بمعنى واحد وقيل: الساكن في الطالح، والمفتوح في الصالح، وأكثرهم على جواز الفتح والسكون في الرديء، وأما الصالح فبالفتح فقط، قال المبرد في "الكامل" 4/ 33: (قلما يستعمل خلف بالسكون إلا في الشر) اهـ. وقال الماوردي 2/ 274: (هو بالتسكين في الذم، وبالفتح في الحمد وهذا أظهر وفي قول الشعراء أشهر) اهـ. وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 313، و "تفسير غريب القرآن" 1/ 182، و"نزهة القلوب" ص 219، و"تفسير المشكل" ص 88، و"زاد المسير" 3/ 280، و"البحر" 4/ 415.]].
وقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال أبو عبيد: (جميع متاع الدنيا عَرَض بفتح الراء، يقال: إن الدنيا عرض حاضر، وأما العَرْض بسكون الراء، فما خالف العين [[في "تهذيب اللغة" 3/ 2395: (فما خالف الثمنين: الدنانير والدراهم من متاع الدنيا وأثاثها) اهـ.]]، الدراهم والدنانير التي هي الثمنات، وجمعه عُروض، وكأن العَرْض من العَرَضِ وليس كل عَرَض عَرْضًا) [["تهذيب اللغة" 3/ 2395 وفيه: (فكل عَرْض داخل في العَرَضَ، وليس كل عَرَض عَرْضًا) اهـ. وانظر: "العين" 1/ 271، و"مجاز القرآن" 1/ 232، و"معاني الأخفش" 2/ 313 - 314، و"الجمهرة" 2/ 747، و"الصحاح" 3/ 1082، و"المجمل" 2/ 659، و"مقاييس اللغة" 4/ 269، و"المفردات" ص 559 ، و"اللسان" 5/ 2877 (عرض).]].
قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 138، وفي "زاد المسير" 3/ 281، عن ابن عباس قال: (يأخذون ما أحبوا من حلال أو حرام) اهـ.
انظر: "الدر المنثور" 3/ 255 - 256.]]: (يأخذون الطمع إذا عرض لهم حلالًا أو حرامًا من الرشى [[الرُّشَي: جمع رشوة، انظر: "اللسان" 3/ 1653 (رشا)، وقال الماوردي 2/ 275، في معنى الآية: (يعني: الرشوة على الحكم في قول الجميع) اهـ.]] وغيرها).
وقال عطاء عنه: (يريد: ما أشرف لهم من الدنيا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 106، بسند ضعيف، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 262، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1608 بسند جيد عن عطاء نحوه.]]، و ﴿الْأَدْنَى﴾ تذكير (الدنيا) وأراد عرض هذه الدار الدنيا، فلما ترك الاسم المؤنث ذكر النعت [[هذا قول الثعلبي 6/ 17 أ، والأدنى: الأقرب، والدنو غير مهموز مصدر دنا يدنو إذا قرب.
انظر: "العين" 8/ 75، و"تهذيب اللغة" 2/ 1233، و"الصحاح" 6/ 2341 ، و"المجمل" 2/ 336، و"مقاييس اللغة" 2/ 303، و"المفردات" ص 318، و"اللسان" 3/ 1436 (دنا).]]، وفي ﴿الْأَدْنَى﴾ قول آخر [[لفظ: (آخر) ساقط من: (أ).]] لمجاهد نذكره بعيد.
قال المفسرون: (ذم الله تعالى بهذه الآية اليهود ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ فقرؤوه، وعلموه، وضيعوا [[في (ب): (وضيعوه العمل وخالفوا)، وهو تحريف.]] العمل به، وخالفوا حكمه، يرتشون في حكم الله وتبديل كتابه وتغيير صفة رسوله) [[هذا قول الثعلبي 6/ 16 ب، عن المفسرين، وانظر البغوي 3/ 296، والقرطبي 7/ 311.]].
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 138.]] والمفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 107، و"معاني الزجاج" 2/ 388، و"تفسير السمرقندي" 1/ 578، والثعلبي 6/ 16 ب.]]: (كانوا يتمنون على الله المغفرة، يقولون: ما عملنا بالليل كفر عنا [بالنهار، وما عملنا بالنهار كفر عنا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] بالليل) و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، قال ابن عباس: (إذا أصابوا عرضًا مثل رشوتهم تلك التي أصابوا بالأمس قبلوه) [["تنوير المقباس" 2/ 138، وهو قول الطبري 9/ 106، والسمرقندي 1/ 578.]].
وقال مجاهد: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾، ما أشرت لهم اليوم شيء من الدنيا حلال أو حرام أخذوه وتمنوا على الله المغفرة، وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه) [["تفسير مجاهد" 1/ 249، وأخرجه الطبري 9/ 107، وابن أبي حاتم 5/ 1607 من طرق جيدة.]]، فالأدنى على هذا عبارة عن اليوم الأدنى، وهو اليوم الذي هم فيه.
ونحو هذا قال قتادة [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 240، بسند جيد.]] والسدي [[أخرجه الطبري 9/ 106، من طرق جيدة عن قتادة والسدي.]] وقالوا: (هذا إخبار عن إصرارهم على الذنوب). وقال الحسن: (هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا، وأنهم لا يشبعهم شيء) [[ذكره والماوردي 2/ 275، وابن الجوزي 3/ 281، والرازي 15/ 44.]].
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (وكّد الله في التوراة ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، فقالوا الباطن).
قال ابن عباس: (يعني: قولهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، فذلك قولهم على الله غير الحق) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 263، وابن الجوزي 3/ 281.]].
وقال ابن جريج: (أي: فيما يرجون على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يزالون يعودون لها ولا يتوبون منها، فذلك قولهم على الله غير الحق) [[أخرجه الطبري 9/ 106 بسند جيد عن ابن جريج عن ابن عباس، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي إمام، لم يسمع من ابن عباس، انظر: "سير أعلام النبلاء" 6/ 334، و"تهذيب التهذيب" 2/ 601.]].
وقال الزجاج: (قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ﴾ يدل على إصرارهم على الذنب، والله عز وجل وعد بالمغفرة في العظائم التي توجب النار مع التوبة، فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 388، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 107، و"معاني النحاس" 3/ 100، والسمرقندي 1/ 578.]].
وبيان هذا ما قاله بعض المفسرين قال: (ليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار) [[ذكره البغوي 3/ 296، وابن الجوزي 3/ 281، والرازي 15/ 44.]]، وقوله تعالى: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ أي: فهم ذاكرون لما [[في (ب): (ذاكرون ما أخذ عليهم).]] أخذ عليهم لأنهم قد قرؤوه [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 388، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 107، و"معاني النحاس" 3/ 100، والسمرقندي 1/ 579.]].
الأعراف 7:170
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾، يقال: مسَّكت [[مسك أصل يدل على حبس الشيء، وإمساك الشيء التعلق به وحفظه، واستمسكت بالشيء إذا تحريف الإمساك.
ويقال: أمسكت عنه كذا أي: منعته، انظر: "العين" 5/ 318، و"الجمهرة" 2/ 855، و"تهذيب اللغة" 4/ 3396، و"الصحاح" 4/ 1608، و"المجمل" 3/ 830، و"مقاييس اللغة" 5/ 320، و"المفردات" ص 768، و"اللسان" 7/ 4203 (مسك).]] بالشيء، وتمسكت به، واستمسكت به، وامتسكت به [[لفظ: (به) ساقط من (أ).]]، وروى أبو بكر عن عاصم [[قرأ: أبو بكر عن عاصم ﴿يُمَسِّكُونَ﴾ بسكون الميم وتخفيف السين، وقرأ الباقون بفتح الميم وتشديد السين، انظر: "السبعة" ص 297، و"المبسوط" ص 186، و"التذكرة" 2/ 428، و"التيسير" ص 114، و"النشر" 2/ 273.]] ﴿يُمْسِكُونَ﴾ مخففه، وحجته قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 229]، وقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [[لفظ: (﴿زَوْجَك﴾) ساقط من (أ).]] [الأحزاب: 37]، ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [[في (أ): (وكلوا)، وكذا في "الحجة" لأبي علي 4/ 1036، وفي (ب): (كلوا)، وهو تحريف.]] [المائدة: 4]، والتشديد أقوى ، لأن التشديد للكثرة، وهاهنا أريد به الكثرة لأنه قال في موضع آخر: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 119]. والإيمان بكل الكتاب يوجب التمسك الذي هو للكثرة [[في (ب): (الذي هو الكثرة).]]، ولأنه يقال: أمسكته، وقيل ما يقال: أمسكت به [[ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 103 - 104، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 429، و"إعراب القراءات" 1/ 214، و"الحجة" لابن خالويه ص 166، ولابن زنجلة ص 301، و"الكشف" 1/ 482.]].
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: أمة محمد ﷺ) [[ذكره الثعلبي 6/ 17 ب، والبغوي 3/ 297، عن عطاء فقط.]].
وقال عامة المفسرين [[انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 249، وأخرجه الطبري 9/ 108، وابن أبي حاتم 5/ 1609، من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد وهو اختيار السمرقندي 1/ 279، وابن الجوزي 3/ 282، والقرطبي 7/ 21، والخازن 2/ 306.]]: (نزلت في مؤمني أهل الكتاب). فعلى قول عطاء المراد بالكتاب: القرآن، وعلى قول المفسرين المراد به: التوراة، وأما معنى التمسك بالكتاب؛ فقال الفراء [["معاني الفراء" 1/ 399.]]: (معناه [[في (ب): (معناه يحكمون يأخذون بما فيه).]]: يأخذون بما فيه). وقال الزجاج: (أي: يؤمنون به ويحكمون بما فيه [["معاني الزجاج" 2/ 389، ومثله قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3397 (مسك).]]. وقال غيره: (التمسك بالكتاب ارتباط به على ما بيّن فيه، كالقابض على الشيء الذي يرجو النجاة من قبله والفوز من جهته) [[قال الطبري 9/ 108 في معنى الآية: (الذي يعملون بما في كتاب الله)، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 100، و"تفسير السمرقندي" 1/ 279.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. إنما ذكرت ﴿الصَّلَاةَ﴾ مع دخولها في التمسك بالكتاب للبيان عن جلالة موقعها، وعظم منزلتها في طاعة الله، وأنها من أوكد الأمور التي يجب المحافظة عليها [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 45، والخازن 2/ 306، و"البحر" 4/ 417.]]، واختلف النحويون [[انظر: "الكشاف" 2/ 128، وابن عطية 6/ 129، والرازي 15/ 45.]] في إعراب الآية، فقال قوم: هذه الآية معطوفة على ما قبلها، والتقدير: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾، وقال الأكثرون منهم: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، ثم اختلفوا في خبره، فقال قوم [[انظر: "غرائب التفسير" 1/ 426، و"البيان" 1/ 379، و"التبيان" ص 395، و"الفريد" 2/ 382، و"الدر المصون" 5/ 507.]]: خبره محذوف تقديره: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ نعطيهم أجرهم، ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾؛ [لأن فيه معنى التعليل فكان في ذكر العلة ما يغني عن المعلول.
وقال الزجاج: (الذي أختار أن يكون التقدير: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] منهم) [["معاني الزجاج" 2/ 388، وهو قول النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 648 - 649، ومكي في "المشكل" 1/ 305.]]، فعلى هذا الخبر قوله: ﴿إِنَّا﴾، والعائد إلى المبتدأ محذوف وهو (منهم).
قال ابن الأنباري: (وخص ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾ بأن وعدهم حفظ الأجر إذ كان منهم من لم يُصلح فتكاملت آثامه بتضييعه وصايا ربه وإقدامه على تكذيب النبيين ودفع ما يقف على نعته من أمر محمد ﷺ).
قال أبو بكر: (وقال بعض النحويين الراجع إلى المبتدأ قوله: ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾، وتلخيص المعنى: إنا لا نضيع أجرهم فأظهرت كنايتهم بالمصلحين كما يُقال: عليُّ لقيتُ الكسائي. وأبو سعيد رويت عن الخدري [[تقدمت ترجمته.]]، يراد [[في (ب): (يقال لقيته)، وهو تحريف.]]: لقيته ورويتُ عنه، وأنشد: فيا ربَّ ليلى أنت في كلِّ موطنٍ ... وأنت الذي في رحمة الله أطمع [[الشاهد بلا نسبة في "زاد المسير" 3/ 283، و"مغني اللبيب" 1/ 210 - 2/ 504 - و546، وقال السيوطي في "شرح شواهد المغني" 2/ 559: (قيل: إنه لمجنون بني عامر) اهـ. وهو ليس في "ديوانه".]]
أراد في رحمته [[في (ب): (في رحمته أطمع فأظهر).]] فأظهر الهاء) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 282 - 283.]]، وهذان الوجهان ذكرهما أبو بكر؛ معنى قول الزجاج [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 388 - 389.]] في هذه الآية، والأول منهما [[في (ب): (منها).]] اختياره [[قال أبو حيان في "البحر" 4/ 418: (والظاهر أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ استئناف مرفوع بالابتداء وخبره الجملة بعده، ولا ضرورة إلى ادعاء الحذف) اهـ.]].
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 171].
الأعراف 7:171
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾، اختلفت [[في (ب): (اختلف)، وهو تحريف.]] عبارات أهل اللغة [[انظر: "الجمهرة" 1/ 408، و"مقاييس اللغة" 5/ 387، و"المجمل" 3/ 854، و"المفردات" ص 790، و"اللسان" 7/ 4377 (نتق).]] والتفسير [[أخرج الطبري 82/ 110 من طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة قالا: (أي: رفعنا)، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1610 من طرق جيدة عن ابن عباس وعطاء.]] في معنى ﴿نَتَقْنَا﴾؛ فقال الليث: (النَّتق الجذب، تقول: نتقت الغرب من البئر نتقًا إذا جذبته بمرَّة جذبة، وبعث الله الملائكة فنتقوا جبل طور فاقتلعوه من أصله حتى أطلعوه على عسكر بني إسرائيل) [["العين" 5/ 129 - 130، وفي "تهذيب اللغة" 4/ 3505، قال الليث: (النتق == الجذب ونتقت الغَرْب من البئر إذا جذبته بمرة) اهـ. والغَرْب بفتح الغين وسكون الراء: الدلو العظيمة، انظر: "اللسان" 6/ 3227 (غريب).]].
وقال [[في (ب): (فقال).]] الفراء في كتاب "المصادر": (يقول: علّقنا [[في (ب): (علقت).]] الجبل فوقهم فرفعناه، نتقهُ ينتقهُ نتقًا) [[ذكره الثعلبي 6/ 17/ ب، وذكره الطبري 9/ 110 عن بعض الكوفيين.]].
وقال في المعاني: ﴿نَتَقْنَا﴾ رفعنا [["معاني الفراء" 1/ 399، وزاد: (رفع الجبل على عسكرهم فرسخًا فرسخًا) اهـ.]]. وقال بعض أهل اللغة [[ذكره في "تهذيب اللغة" 4/ 3505 بلا نسبة، وهو في أكثر المراجع المذكورة.]]: (أصل النتق: الزعزعة والنفض، ومن هذا يقال: نتقت السقاء إذا نفضته لتقلع منه زبدته) [[أخرجه الطبري 9/ 109، وابن أبي حاتم 5/ 1610 بسند ضعيف.]]، وإلى هذا القول ذهب مجاهد وابن قتيبة، قال مجاهد: ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ كما تنتق الزبدة) [["تفسير غريب القرآن" ص 182، وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 152، و"معاني النحاس" 3/ 101.]].
وقال ابن قتيبة: ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ أي: زعزعناه، ومنه يقال: نتقت السقاء، أي: نفضته لتقلع الزبدة منه).
وقال أبو عبيدة: (أصل النتق: قلع الشيء من موضعه والرمي به، يقال: نتق ما في الجراب إذا رمى به وصبّه، وامرأة ناتق منتاق إذا كثر ولدها، لأنها ترمي بأولادها رميًا) [[ذكره الرازي 15/ 45، والسمين في "الدر" 5/ 509، وذكره الطبري 9/ 110، عن بعض البصريين، وقال الشيخ أحمد شاكر في "الحاشية" (يعني: أبا عبيدة) وفي "مجاز القرآن" 1/ 232 قال: (أي: رفعنا فوقهم) اهـ. وفي "الصحاح" 4/ 1558 (قال أبو عبيدة: أي: زعزعناه) اهـ.]].
وأحسن العبارات وأجمعها [[هذا هو الظاهر واختيار أكثرهم، انظر: "تفسير الطبري" 9/ 159، و"نزهة القلوب" ص 445 - 446، و"تفسير السمرقندي" 1/ 579، و"تفسير المشكل" ص 88، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 283، والرازي 15/ 45، والقرطبي 7/ 313، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 418: (النتق الجذب بشدة وفسره بعضهم بغايته وهو القلع) اهـ. وقال السمين في "الدر" 5/ 509 - 510: (اختلفت فيه عبارات أهل اللغة وكلها معان متقاربة) اهـ. بتصرف.
وقال ابن عطية 6/ 130: (أي: اقتلعنا ورفعنا. وقد جاء في القرآن بدل هذه اللفظة في هذه القصة بعينها ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: 63]) اهـ.]] أن يقال: معنى ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾: رفعناه باقتلاع له من أصله.
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (كأنه سقيفة) [[ذكره الرازي 15/ 45، وذكره الثعبي 6/ 18 أ، والبغوي 3/ 297 عن عطاء فقط.]]، والظلة [[انظر: "العين" 8/ 148، و"الجمهرة" 1/ 153، و"تهذيب اللغة" 3/ 2246، و"الصحاح" 5/ 1755، و"المجمل" 2/ 599، و"مقاييس اللغة" 3/ 461، و"المفردات" ص 535 (ظلل).]]: كل ما أظلك من سقف بيت، أو سحابة، أو جناح حائط، والجمع ظلل وظلال [[في (ب): (ظلل وأظلال)، وفي "اللسان" 5/ 2755 (ظلل): (كل شيء أظلك فهو ظلَّة ويقال: ظلُّ وظلال وظلة وظلل، والظلُّ بالكسر جمعه أظلال وظلال وظلول) اهـ.]]. أما [[في (ب): (فأما).]] تفسير الآية وقصتها فقد ذكرنا في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ الآية [البقرة: 63].
وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾. قال المفسرون [[انظر: السمرقندي 1/ 579، والثعلبي 6/ 18 أ، والماوردي 2/ 276، والبغوي 3/ 297، وابن الجوزي 3/ 283 ، والخازن 2/ 306، وذكره عن المفسرين الرازي 15/ 45.]]: (علموا وأيقنوا)، وقال أهل المعاني: (قوي في نفوسهم ﴿أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ إن خالفوا) [[ذكره الماوردي 2/ 276، والرازي 15/ 45.]]، وهذا هو الأظهر [[واختاره أيضًا الرازي 15/ 45، وقال ابن عطية 6/ 133، و"أبو حيان" 4/ 420: (قال المفسرون معناه: أيقنوا وليس كذلك بل هو غلبة ظن مع بقاء الرجاء) اهـ.]] في معنى الظن، ومضى الكلام فيه عند قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46].
الأعراف 7:172
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾، قال الزجاج: (موضع ﴿إِذْ﴾ نصب، المعنى [[في (ب): (والمعنى).]] واذكر ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 390، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 649، و"المشكل" 1/ 305، و"البيان" 1/ 379، و"التبيان" ص 395، و"الفريد" 2/ 383.]]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من قوله ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾، والمعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم.
قاله الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 390، وفيه: (والمعنى: وإذ أخذ ربك ذريتهم وذرياتهم جميعًا) اهـ. وقال السمين في "الدر" 5/ 511: (﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من قوله ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ بإعادة الجار، والظاهر أنه بدل بعض من كل) اهـ. وهذا قول الأكثر، انظر: "المشكل" 1/ 306، و"البيان" 1/ 379، و"التبيان" ص 395، و"الفريد" 2/ 383.]]، وهو معنى قول الكناني [[الكناني: حجر الإمام عبد العزيز بن يحيى المكي، تقدمت ترجمته.]]؛ قال: (لم يذكر ظهر آدم، وإنما أخرجوا جميعًا من ظهره؛ لأن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، لذلك [[في (ب): (كذلك)، وهو تحريف.]] قال: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، واستغنى عن ذكر ظهر آدم لما عُلم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره، فترك ذكر ظهر آدم وذكر ظهور [[لفظ: (وذكر ظهور) ساقط من (ب).]] بنيه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 266 - 267، وهو عند الثعلبي 6/ 19 أ، والبغوي 3/ 299 بلا نسبة.]].
وقوله تعالي: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. وقرئ [[قرأ ابن عامر وأبو عمرو ونافع: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بألف على الجمع مع كسر التاء، وقرأ الباقون: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بجر ألف على التوحيد مع فتح التاء، انظر: "السبعة" ص 298، و"المبسوط" ص 186، و"التذكرة" 2/ 428 "التيسير" ص 114، و"النشر" 2/ 273.]] ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ جمعًا، وقد ذكرنا معنى الذرية والكلام فيها عند قوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: 124].
وبينا أن الذرية تقع على الواحد والجمع، فمن أفردها هاهنا فلأنه قد استغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع، فصار كالبشرة فإنه يقع على الواحد كقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: 31]، وعلى الجمع كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: 6]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: 10].
وكما لم يجمع (بشر) بتصحيح ولا تكسير كذلك لا تجمع الذرية، ومن جمع قال: إن الذرية إن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه، وإن كان جمعًا فجمعه أيضًا حسن لأنك قد رأيت المجموع المكسرة قد جُمعت نحو: الطرقات والجُزرات [[الجُزرات: بالضم جمع الجمع كطُرق وطرقات، وهي جمع جُزُر والجُزُر جمع جَزُور وهي الناقة المجزورة: أي المعدة للذبح، انظر: "اللسان" 1/ 614 (جزر)]] وصَوَاحبات يوسف [[صَوَاحبات يوسف: أي مثلهن في الإلحاح، جمعوا (صواحب) جمع السلامة، انظر: "اللسان" 4/ 2400 - 2401 (صحب)، وقد أخرج أحمد في "المسند" 4/ 412، وابن ماجة رقم (1232 - 1235) كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة النبي في مرضه، والنسائي 1/ 293 (906) كتاب الإمامة من طرق جيدة، == باب: الائتمام بالإمام، أن النبي ﷺ قال في مرضه: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة: إنه رجل رقيق، فقال: " إنكن صواحبات يوسف مروه فليصل بالناس" الحديث. وأصله في "الصحيح" أخرجه البخاري رقم (6641) كتاب الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الإمامة، ومسلم رقم (418 - 420)، وفيه: "إنكن صواحب يوسف" كتاب الصلاة، باب: استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر، قال ابن حجر في "الفتح" 2/ 153: (صواحب جمع صاحبة والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن) اهـ.
وما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 4/ 105 - 106، وقال الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 429: (المعنى واحد في الذرية والذريات) اهـ، وانظر: "إعراب القراءات" 1/ 214، و"الحجة" لابن خالويه ص 167، ولابن زنجلة ص 301، و"الكشف" 1/ 483.]].
وأما تفسير الآية ففيه مذهبان: أحدهما -وهو مذهب المفسرين وأهل الأثر- ما روى مسلم [[مسلم بن يسار الجهني البصري تابعي روى عن نعيم بن ربيعة الأزدي، وقيل: روى عن عمر رضي الله عنه وروى عنه عبد الحميد بن عبد الرحمن العدوي، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن حجر في "التقريب" 531 (6654): (مقبول).
انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 7/ 276، و"تاريخ العجلي" 2/ 278 (1723)، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 514، و"ميزان الاعتدال" 4/ 108، و"تهذيب التهذيب" 4/ 74.]] بن يسار الجهني: (أن عمر - رضي الله عنه - سُئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال: "إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية [فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون".
فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار" [[أخرجه مالك في "الموطأ" 2/ 898، وأحمد 1/ 289، رقم 311 تحقيق أحمد شاكر، وأبو داود 5/ 79 رقم 4703، والترمذي كتاب التفسير، باب: ومن سورة الأعراف رقم 3075، وابن أبي عاصم في السنة 1/ 87 رقم 196، والنسائي في "تفسيره" 1/ 504 رقم 210، والطبري 9/ 113، وابن أبي حاتم 5/ 1612، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 650، والآجري في "الشريعة" 2/ 743، وابن منده في "الرد على الجهمية" ص 143، 144، والحاكم في "المستدرك" 1/ 27 - 2/ 324 - و544، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 145، والبغوي في "تفسيره" 3/ 297، والواحدي في "الوسيط" 2/ 161 من طرق جيدة عن مسلم عن عمر، وهو مرسل، وقال الترمذي: (حديث حسن ومسلم لم يسمع من عمر وقد ذكر بعضهم بين مسلم وعمر رجلاً مجهولًا) اهـ، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم) وقال البيهقي والذهبي في "التلخيص": (فيه إرسال). وقال الألباني في ظلال الجنة في "تخريج السنة" لابن أبي عاصم 1/ 87: (إسناده ضعيف لانقطاعه) اهـ.
وقد أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" 8/ 98، وأبو داود 5/ 80 رقم 4704، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 88 رقم 201، والطبري في "تفسيره" 9/ 113 - 114، عن مسلم عن نعيم بن ربيعة الأزدي عن عمر، وقال الألباني في "ظلال الجنة": (إسناده ضعيف لجهالة نعيم) اهـ.
والحديث له شواهد مرفوعة عن النبي ﷺ مما يجعله صحيحًا لغيره، وذكر الأحاديث ودرجاتها الألباني في "الصحيحة" 4/ 158 - 163 وقال: (وجملة القول أن الحديث صحيح بل هو متواتر المعنى وجاء عن الإمام إسحاق بن راهويه أنه قال: أجمع أهل العلم أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد واستنطقهم وأشهدهم) اهـ. == وقال النحاس في "معانيه" 3/ 101: (أحسن ما قيل في الآية ما تواترت به الأخبار عن النبي ﷺ أن الله جل وعز مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق) اهـ.]].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لما خلق الله آدم مسح على ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته [[في (ب): (من ذريتي) ثم صحح إلى ذريته في أعلى السطر.]] إلى يوم القيامة" [[أخرجه الترمذي كتاب التفسير، باب: وفي تفسير سورة الأعراف رقم (3076)، وابن أبي حاتم 5/ 1614، وابن منده في "الرد على الجهمية" ص 144، والحاكم 2/ 325، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ) اهـ، وقال ابن منده: (هذا حديث صحيح) اهـ، وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم) اهـ. ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 603.]]. وذكر حديثًا طويلًا.
وقال ابن عباس في رواية عطاء في: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (يريد: نفض [[في النسخ: (نقص) وعلى (أ) تصحيح لم أستطع قراءته ولعلها (نفض).]] آدم فأراه ذريته مما خلق إلى يوم القيامة) [[أخرجه الطبري 9/ 111 بسند جيد.]].
وقال ابن عباس أيضاً: (إن الله خلق آدم ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر، فقال لهم: من ربكم؟ قالوا: الله ربنا، ثم أعادهم في صلبه حتى يولد كل من أخذ ميثاقه لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم إلى أن تقوم الساعة) [[أخرجه الطبري في 9/ 116، وابن أبي حاتم 14/ 16 بسند جيد، وقد أخرج الطبري 9/ 111 - 118، وابن أبي حاتم 5/ 1614 من طرق كثيرة جيدة نحوه.]] وقال أبو العالية: (جمعهم يومئذٍ، ثم صورهم، ثم استنطقهم وأخذ عليهم العهد والميثاق، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. فقال الله تعالى: فإني أرسل إليكم رسلًا يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، قالوا: نشهد أنك إلهنا وربنا ، ولا رب ولا إله غيرك) [[أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" 5/ 135، والطبري 9/ 111، وابن أبي حاتم 5/ 1615، وابن منده في "الرد على الجهمية" ص 143، 144، والحاكم 2/ 323 - 324 عن أبي العالية عن أبي بن كعب -رضي الله عنه-، وقال الحاكم: (حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) اهـ ووافقه الذهبي. وقال أحمد شاكر في "حاشية الطبري" (إسناده صحيح) اهـ.
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 25 وقال: (رواه عبد الله بن أحمد عن شيخه محمد بن يعقوب الربالي وهو مستور وبقية رجاله رجال الصحيح) اهـ.
وانظر: "الدر المنثور" 3/ 650.]].
وقال ابن جريج: (ضرب الله ظهر آدم فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة، وخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار أمثال الخردل في سورة الذر) [[أخرجه الطبري 9/ 114 بسند لا بأس به، عن ابن جريج عن الزبير بن موسى المكي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 259، وذكره القرطبي 7/ 316، عن ابن جريج.]].
وقال القرظي: (أقر له بالإيمان والمعرفة الأرواحُ قبل أن يخلق أجسادها) [[أخرجه الطبري 9/ 117 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 259.]].
وقال مقاتل: (إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}، فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي، وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة، ثم أعادها جميعًا في صلب آدم، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء. قال الله تعالى فيمن نقض العهد الأول: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] [الأعراف: 102] [["تفسير مقاتل" 2/ 72 - 74.]].
وهذا أيضاً قول عكرمة [[ذكره الرازي 15/ 47، عن عكرمة والكلبي وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والضحاك.]] والكلبي وسعيد بن جبير و [سعيد [[لفظ: (سعيد بن المسيب) ساقط من (أ)، وذكره عنه ابن القيم في كتاب "الروح" ص 215.]] بن المسيب] والضحاك [[أخرجه الطبري 9/ 114، 117 من طرق جيدة عن سعيد بن جبير، وعطاء والنضر ابن عربي الباهلي والضحاك والسدي والكلبي، وانظر: "الرد على الجهمية" لابن منده ص 144.]] وأبي صالح [[ذكره ابن القيم في كتاب "الروح" ص 214، عن السدي، عن أبي صالح، عن ناس من الصحابة.]]، هذا كلام أهل التفسير في هذه الآية.
فأما أصحاب المعاني فقال أبو إسحاق: (جائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال [[في (ب): (جعل الأمثال)، وهو تحريف.]] الذَّر فهمًا يعقل به، كما قال: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18]. وكما قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: 79]) [["معاني الزجاج" 2/ 390، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 101.]].
وقال أبو بكر بن الأنباري: (مذهب أصحاب الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية هو: أن الله عز وجل أخرج ذريات آدم من صلبه وأصلاب أولاده، وهم في صور الذر، وأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعوه، فاعترفوا بذلك وقبلوا، وذلك بعد أن ركب فيهم عقولًا عرفوا بها ما عرض عليهم، كما جعل للجبل عقلاً حتى خوطب [[ذكره الخازن 2/ 309، عن ابن الأنباري وفيه: (كما جعل للجبال عقولًا حتى خوطبوا بقوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: 10] اهـ. وأخرج الحاكم في "المستدرك" 2/ 620 عن علي رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي ﷺ بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله) قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وانظر: "صحيح مسلم" رقم (2277) من حديث جابر بن عبد الله، كتاب الفضائل، باب: فضل نسب النبي ﷺ، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.]]، وكما فعل ذلك بالبعير [[أخرج أحمد في "المسند" 6/ 76، عن عائشة: (أن رسول الله ﷺ كان في نفر من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له ..) الحديث، وانظر: "البداية والنهاية" 6/ 123 - 151.]] لما سجد، وبالنخلة [[أخرج البخاري رقم (2095) في "البيوع" -باب النجار- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه - قال: (قعد النبي ﷺ يوم الجمعة على منبر صنع له، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها، وبكت على ما كانت تسمع من الذكر حتى كادت أن تنشق فنزل النبي حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت) وأخرج ابن ماجه رقم (4028) كتاب الفتن، باب: الصبر على البلاء، بسند جيد عن أنس رضي الله عنه قال: (جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو جالس حزين فقال، ما لك؟ فقال: "فعل بي هؤلاء ما فعلوا" قال: أتحب أن أريك آية؟ قال: "نعم" قال: ادع تلك الشجرة، فدعاها فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه ، قال: قل لها فلترجع، فقال لها فرجعت حتى عادت إلى مكانها ..) وأخرج الحاكم == في "المستدرك" 2/ 620 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: بم اعرف أنك رسول الله؟ فقال: "أرأيت إن دعوت عذق هذه النخلة أتشهد أني رسول الله؟ " قال: نعم، فدعا العذق فنزل وجعل ينقز على الأرض حتى أتى النبي ﷺ ثم قال له: "ارجع" فرجع حتى عاد مكانه) قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وانظر: "الصحيح المسند من دلائل النبوة" للوادعي ص 73 - 197.]] حين سمعت، وانقادت حين دعيت) [[ذكره الخازن 2/ 309، وابن القيم في كتاب "الروح" ص 220، وذكره الألباني في "الصحيحة" 4/ 161 وقال: (في كلامه إشارة لطيفة إلى طريقة الجمع بين الآية والحديث، وهو قوله: إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده) اهـ. وانظر: "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة ص 145 - 147.]].
وقال صاحب النظم: (ليس بين قول النبي ﷺ:"إن الله مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته" و [بين] [[لفظ: (بين) ساقط من (أ).]] الآية اختلاف بحمد الله؛ لأنه عز وجل إذا أخذهم من ظهر آدم فقد أخذهم من ظهور ذريته؛ لأن ذرية آدم ذرية لذريته بعضهم من بعض.
قال: وحصل الفائدة بهذا الفصل، أنه قد أثبت الحجة على كل منفوس ممن بلغ، وممن لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم، وزاد على من بلغ منهم الحجة بالآيات والدلائل التي نصبها في نفسه وفي العالم، وبالرسل المنفذة إليهم، مبشرين ومنذرين، وبالمواعظ والمثلات المنقولة إليهم أخبارها) [[ذكره الخازن 2/ 310، وابن القيم في كتاب "الروح" ص 216.]].
وقال جماعة من المفسرين: (إن أهل السعادة من الذرية أقروا طوعًا، وإن أهل الشقاوة أقروا تقية وكرهًا، وذلك معنى قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 579 - 582، و"الرد على الجهمية" لابن منده ص 143، والبغوي 3/ 298.]] [آل عمران: 83]. وقال مقاتل: من مات صغيرًا دخل الجنة بمعرفته بالميثاق [[في (أ): (بمعرفته في الميثاق).]] الأول، ومن بلغ العقل لم يُغن عنه الميثاق الأول شيئًا حتى يؤمن، وكان الميثاق الأول حجة عليهم) [["تفسير مقاتل" 2/ 74.]] ، وهذا الذي ذكره مذهب من يقول: إن أطفال المشركين يدخلون [[قال القرطبي في "تفسيره" 7/ 317: (هذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار، والصحيح أن أطفال المشركين في الجنة) اهـ. وانظر: "التذكرة" ص 598.]] الجنة، فأما من لا يحكم لهم بالجنة، فإنه يقول: من كان من أهل الشقاوة من الذرية السوداء أقرّ بالمعرفة كرهًا فلم يغن ذلك عنه شيئًا. فأمَّا سوق ألفاظ الآية وما بعدها من هذه القصة على هذا التفسير فقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾. قال الزجاج [[هذا قول ابن الجوزي 3/ 284، ولم أقف عليه عن الزجاج، وانظر: "الزاهر" 2/ 50.]]: (المعنى قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو إيجاب للإقرار عليهم بربوبيته).
وقوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾. قال ابن عباس: (هو جواب منهم له وإقرار له بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية) [[أخرج ابن منده في "الرد على الجهمية" ص 144 من طرق جيدة عن ابن عباس في الآية قال: (أخذ عليهم كلهم عهودهم على الإيمان والمعرفة له، والتصديق به وأشهدهم على أنفسهم فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقروا) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿شَهِدْنَا﴾ قال الكلبي: (8) (لما أقروا، قال الله للملائكة: اشهدوا. فقال: ﴿شَهِدْنَا﴾) [["تنوير المقباس" 2/ 140، وذكره هود الهواري 2/ 58، والواحدي في "الوسيط" 2/ 268، والبغوي 3/ 300، وابن الجوزي 3/ 285.]]. و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال ابن عباس في رواية عطاء: (قالت [[في (أ): (قال).]] الملائكة: شهدنا على إقراركم) [[لم أقف عليه. وانظر: "الرد على الجهمية" لابن منده ص 143.]].
وقال السدي: (هذا خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم) [[أخرجه الطبري 9/ 118 بسند جيد، وذكره الثعلبي 6/ 49 ب، و"الواحدي" 2/ 268، والبغوي 3/ 300، وانظر: الطبري 9/ 118.]]. فعلى هذه الأقوال [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 52]] يحسن الوقف على قوله: ﴿بَلَى﴾؛ لأن كلام الذرية قد انقطع.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾. يجوز أن يتعلق ﴿أَن﴾ بقوله ﴿شَهِدْنَا﴾، أي شهدنا عليهم بالإقرار لئلا تقولوا، فأسقط (لا) [[لفظ: (لا) ساقط من (أ).]] كما قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15]. يريد: لئلا تميد.
وكما قال القطامي [[تقدمت ترجمته.]]:
رأينا ما يرى البصراء فيها ... فآلينا عليها أن تباعا [["ديوانه" ص 43، و"تفسير الطبري" 9/ 118، و"الدر المصون" 5/ 513، وهو يصف ناقته يقول: لا تباع لما رأينا من حسنها.]] أراد: أن لا تباعا، هذا مذهب الكوفيين [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 651، و"المشكل" 1/ 306، و"البيان" 1/ 379، و"التبيان" ص 395، و"الفريد" 2/ 384، و"الدر المصون" 5/ 513. قال السمين: (قوله: ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ مفعول لأجله، والعامل إما ﴿شَهِدْنَا﴾ أي: شهدنا كراهة أن تقول، هذا تأويل البصريين، وأما الكوفيين فقاعدتهم تقدير (لا) النافية أي: لئلا تقولوا) اهـ.]]، وعند البصريين المحذوف مضاف بتقدير: شهدنا كراهة أن تقولوا، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176].
ويمكن أن تعلق ﴿أَن﴾ بـ (أشهدهم) وهذا أوضح في التأويل، والمعنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ لئلا تقولوا، أو [[في (أ): (لئلا تقولوا وكراهية أن تقولوا).]] كراهية أن تقولوا ، ولا يصح الوقف على ﴿شَهِدْنَا﴾ لتعلق ﴿أَن﴾ بما قبله، هذا كله كلام أبي بكر [["الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 669 - 670، وقال الداني في "المكتفى" ص 278 - 280: (قال جماعة: ﴿شَهِدْنَا﴾ وقف كافٍ وهو من قول بني آدم أي: شهدنا أنك ربنا وإلهنا وهو قول أُبي وابن عباس.
وقال ابن الأنباري: ليس بوقف لأن ﴿أَن﴾ متعلقة بما قبلها، وقال جماعة التمام على ﴿بَلَى﴾ و ﴿شَهِدْنَا﴾ من قول الملائكة وهو قول مجاهد والضحاك والسدي، وقيل هو من قول الله تعالى والملائكة وهو قول أبي مالك ويروي عن السدي أيضًا ومن قرأ: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ بالتاء فالوقف على ﴿بَلَى﴾ لأن (أن) متعلقة بما قبل ﴿بَلَى﴾ من قوله ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾) اهـ. ملخصًا.
وقال النحاس في القطع 1/ 265 - 266: (على القراءة بالتاء يجب أن يكون الوقف على ﴿بَلَى﴾ لأن ﴿شَهِدْنَا﴾ عند أهل التأويل ليس من كلام الذين قالوا ﴿بَلَى﴾ ومن قرأ بالياء فأكثر أهل التأويل يقول: التقدير: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أن يقولوا، أي: كراهة أن يقولوا أو لأن يقولوا. فالكلام على هذا متصل) اهـ. ملخصًا.]].
وقال بعضهم: قوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ من كلام الذرية، والمعنى: شهدنا على أنفسنا بهذا الإقرار، وهو معنى قول [["تفسير مقاتل" 2/ 72، وفيه: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بإقرارهم ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ إنك ربنا، قال الله للملائكة: اشهدوا عليهم بالإقرار، قالت الملائكة: قد شهدنا) اهـ.]] مقاتل، وعلى هذا لا يحسن الوقف على ﴿بَلَى﴾ ولا يتعلق ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ بشهدنا، وإنما يتعلق بقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [[ذكره في الواحدي السمين في "الدر" 5/ 513، وقال: (كأنه رأى أن التركيب يصير ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ سواء قرئ بالغيبة أو الخطاب والشاهدون هم القائلون في المعنى فكان ينبغي أن يكون التركيب شهدنا أن نقول نحن، وهذا غير لازم لأن المعنى: شهد بعضهم على بعض فبعض الذرية قال: شهدنا أن يقول البعض الآخر كذلك) اهـ.]]، وذكر صاحب النظم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وجهًا آخر في قوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ عن بعضهم، وهو: (أن يكون قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾. تمام قصة الميثاق، ثم ابتدأ عز وجل خبرًا آخر يذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة فقال: ﴿شَهِدْنَا﴾ بمعنى: نشهد، كما قال الحطيئة [[الحطيئة: جرول بن أوس بن مالك الغطفاني أبو مليكة. تقدمت ترجمته.]]:
شَهِدَ الخُطَيْئَةُ حِينَ يَلْقَى رَبَّه [["ديوانه" برواية وشرح ابن السكيت ص 110، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 398، و"وضح البرهان" للغزنوي 2/ 351، و"اللسان" 2/ 866 (حسب)، و"الدر المصون" 5/ 514، وبلا نسبة في مجالس ثعلب ص 388، و"المدخل" للحدادي ص 234، وعجزه:
أن الوليد أحق بالعذر
والوليد هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي يقال: إنه سكر فأمر بجلده فقال الحطيئة هذه الأبيات، والشاهد: شهد الحطيئة يريد: يشهد فوضع الماضي موضع المستقبل.]] أي: يشهد، فيكون تأويله نشهد [[في (ب): (يشهد) بالياء.]] ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: إنكم ستقولون ذلك، فتكون القصة الأولى خبرًا عن جميع المخلوقين بأخذ الميثاق عليهم، والقصة الثانية خبرًا عن المشركين خاصة) [[ذكره ابن القيم في كتاب "الروح" ص 229، والسمين في "الدر" 5/ 513 - 514.]].
واختلف القراء في قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف:172]، ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف: 173]، فقرأ [[قرأ أبو عمرو: ﴿يَقُولوا يَوْمَ القِيامَة﴾ [الأعراف: 172]، ﴿أو يَقُولوا إنَّما أَشْرَكَ﴾ [الأعراف: 173] بالياء فيهما على الغيبة، وقرأهما الباقون بالتاء على الخطاب، انظر: "السبعة" ص 298، و"المبسوط" ص 186، و"التذكرة" 2/ 429، و"التسير" ص 114، و"النشر" 2/ 273.]] أبو عمرو بالياء [[في (أ): (فقرأ أبو عمر وجميعًا بالياء).]] جميعًا؛ لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ لئلا يقولوا، وقرأ الباقون بالتاء؛ لأنه قد جرى في الكلام خطاب، وهو قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، وكلا [[في: (أ): (فكلا).]] الوجهين حسن؛ لأن الغيب هم المخاطبون في المعنى [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 107، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 429 ، و"إعراب القراءات" 1/ 215، و"الحجة" لابن زنجلة ص 302، و"الكشف" 1/ 483.]].
قال المفسرون: (هذه [[في (أ): "وهذه".]] الآية تذكير بما أخذ على جميع المكلفين من الميثاق، واحتجاج عليهم؛ لئلا يقول الكفار ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ الميثاق ﴿غَافِلِينَ﴾ لم نحفظه ولم نذكره)، فإن قيل: كيف يحتج عليهم بميثاق لا يذكرونه؟ قيل: [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 118، وابن الجوزي 3/ 285.]] نسيانهم لذلك لا يسقط الاحتجاج بعد أن أخبر الله تعالى عن أخذ ذلك عليهم على لسان صاحب المعجزة، وإذا صح ذلك بقول الصادق قام في النفوس مقام الذكر، فالاحتجاج به قائم صحيح [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 581، والبغوي 3/ 300، وابن الجوزي 3/ 285.]].
قال عوف [[لعله: عوف بن أبي جميلة العبدي أبو سهل الأعرابي البصري واسم أبيه رزينة، إمام ثقة من علماء البصرة ومن صغار التابعين رمى بالقدر والتشيع، توفي سنة 146 هـ أو 147 هـ، وله 86 سنة، انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 15، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 383، و"ميزان الاعتدال" 3/ 305، و"تهذيب التهذيب" 3/ 336، و"تقريب التهذيب" ص 433 برقم (4219).]]: (وسيذكرون الميثاق يوم القيامة) [[لم أقف عليه.]].
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الأعراف:173]، قال المفسرون: (هذا قطع لعذر الكفار فلا يستطيع أحد من الذرية أن يقول يوم القيامة: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: قبلنا، ونقضوا العهد. ﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ صغارًا وكبارًا فاقتدينا [[في (ب): (فاقتديناهم)، وهو تحريف.]] بهم، ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾، أي: أفتعذبنا بما فعل المشركون المكذبون بالتوحيد، وإنما اقتدينا بهم وكنا في غفلة عن الميثاق، وعما نطالب به الآن من التوحيد، وآباؤنا أشركوا، وحملونا على مذهبهم في الشرك في صبانا، فجرينا على مذهبهم واقتدينا بهم، فلا ذنب لنا إذ كنا مقتدين بهم، والذنب في ذلك لهم، كما [[لفظ: (كما) ساقط من (ب).]] قالوا في موضع آخر: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الآية [الزخرف: 22]. فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام ، ويكون الآباء على الإشراك بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق بالتوحيد على كل واحد من الذرية)، هذا هو الكلام على مذهب أهل الأثر [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 118، والبغوي 3/ 300، والرازي 3/ 171، والخارن 2/ 311.]].
فأما مذهب أهل النظر، فقال أبو إسحاق: (وقال بعضهم: إن الله عز وجل أخرج بني آدم بعضهم من ظهور بعض، ومعنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أن كل بالغ يعلم أن الله عز وجل واحد، لأن كل ما خلق الله دليل على توحيده، فمعنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ دلهم بخلقه على توحيده) [["معاني الزجاج" 2/ 390.]].
وشرح أبو بكر هذا فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ﴾ ذريات [[كذا في النسخ، وهو تفسير وليس قراءة.]] ﴿بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: أخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نطفًا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتبهم في الوجود ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أنه ربهم بما أظهر من آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا أنه خالقهم فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربه ما ينبه على أنه بارئه ونافذ الحكم فيه، فلما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته، كما قال في غير هذا الموضع: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: 17]، يريد: هم بمنزلة الشاهدين وإن لم يقولوا: نحن كفرة، وكما يقول الرجل: قد شهدت جوارحي بقولك، يريد: قد عرفته، فكأن جوارحي لو استشهدت وفي وسعها أن تنطق لشهدت، ومن هذا الباب أيضًا ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 18] ، يريد: أعلم وبين، فأشبه إعلامه وتبيينه ذلك شهادة من يشهد عند الحكام وغيرهم) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 286، وابن القيم في كتاب "الروح" ص 221.]].
وزاد صاحب النظم لهذا المذهب بيانًا حكايته عن بعضهم، فقال: (إن الله عز وجل لما خلق الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن، صار ما لم يكن بعد مما هو كائن كالكائن عنده، إذ علمُه بكونه مانعٌ من غير كونه، فسايغ في مجاز العربية أن يضع ما هو منتظر مما لم يقع بعد موضعَ الواقع لسبق علمه بوقوعه، وكما قال عز وجل: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: 50] وأمثاله، فيكون تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾: وإذ يأخذ ربك، وكذلك قوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ويشهدهم بما يركبه فيهم من العقل الذي يكون به الفهم ويجب به الثواب والعقاب، فكل من ولد وبلغ الحنث وعقل الضر والنفع وفهم الوعد والوعيد والثواب والعقاب صار كأن الله تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركب فيه من العقل، وأراه من الآيات والدلائل [[في النسخ: (والدليل)، وهو تحريف.]] على حدوثه وضعفه وأنه لا يجوز أن يكون قد خلق نفسه، وإذا لم يجز ذلك فلا بد من خالق هو غيره ليس كمثله، وكل [[في (ب): (ليس كمثله وهو من بلغ)، وهو تحريف.]] من بلغ وعقل فقد أخذ عليه العهد والميثاق إذ جعل فيه السبب الذي به يؤخذ الميثاق وهو العقل، واحتج أصحاب هذا القول بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: 72]، قالوا: فالأمانة هاهنا عهد وميثاق، وامتناع السموات والأرض من حملها خلوهما من العقل الذي يكون به الفهم، وحمل الإنسان إياها [[لفظ: (إياها) ساقط من (أ).]] لمكان [[في (ب): (مكان)، وهو تحريف.]] العقل فيه).
قال صاحب النظم: (ونحن إلى ما روي [[انظر: بعض الأحاديث في مرويات الإِمام أحمد في "التفسير" 2/ 209 - 215.]] عن رسول الله ﷺ وما ذهب إليه أهل العلم والسنة من السلف الصالح، أَمْيَلُ وله أَقْبَلُ وبه آنَسُ [[هذا هو الظاهر فالراجح أن الله سبحانه وتعالى مسح ظهر آدم واستخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد بلسان المقال لثبوته مرفوعًا إلى النبي ﷺ وموقوفاً على غيره من الصحابة رضي الله عنهم والأحاديث فيه صحيحة بل متواترة المعنى، وقد ذكرها الطبري 9/ 111 - 118، وابن كثير 2/ 293، والسيوطي في "الدر" 3/ 258 - 265، والشوكاني 2/ 383 - 385، والألباني في "الصحيحة" 1/ 68 - 71، رقم 47 - 50، وص 97 رقم 172، و4/ 158 رقم 1623، قال الشوكاني 2/ 383: (هذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ولا المصير إلى غيره لثبوته مرفوعًا إلى النبي ﷺ وموقوفاً على غيره من الصحابة ولا ملجئ للمصير إلى المجاز وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل) اهـ.
وقال الألباني في الصحيحة 4/ 162: (جملة القول أن فيه أحاديث صحيحة بل متواترة المعنى وأنه لا تعارض بينها وبين آية أخذ الميثاق فالواجب ضمها إليها وأخذ الحقيقة من مجموعها وبذلك تنجو من مشكلتين بل مفسدتين كبيرتين: الأولى: رد الأحاديث بزعم معارضتها للآية والأخرى: تأويلها تأويلًا يبطل معناها أشبه ما يكون بتأويل المبتدعة) اهـ. بتصرف وهو اختيار جمهور المفسرين ومنهم: النحاس في "معانيه" 3/ 101، والسمرقندي 1/ 579 - 582، وابن الجوزي 3/ 283 - 286، والرازي 15/ 46 - 52، والخازن 2/ 307 - 311 ، والألوسي 9/ 99 - 109، الشنقيطي 2/ 334 - 338.]] والله عز وجل ولي التوفيق لما هو أولى وأهدى بمنّه) [[ذكره ابن القيم في كتاب "الروح" ص 228.]].
الأعراف 7:174
و [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾، أي: و (¬1) كما بينا في [[لفظ: (الفاء) ساقط من (ب).]] أمر الميثاق نبين الآيات ليتدبرها العباد فيرجعوا إلى مدلولها ويعملوا بموجبها دون ما سولت لهم أنفسهم ودعت إليه أهواؤهم، وهو معنى قوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: ولكي يرجعوا عمّا هم عليه من الكفر والضلالة إلى التوحيد والطاعة [[هذا قول أكثرهم، انظر: "تفسير الطبري" 9/ 119، والسمرقندي 1/ 582، والثعلبي 6/ 19 ب، والبغوي 3/ 300، وابن الجوزي 3/ 286.]]، وقيل: إلى ما أخذ عليهم من الميثاق في التوحيد، والرجوع إلى ذلك الميثاق رجوع إلى التوحيد [[ذكره الرازي 15/ 53، والخازن 2/ 311.]].
الأعراف 7:175
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ الآية.
قال ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 120، وابن أبي حاتم 5/ 1617 من طرق جيدة. وفيهما قال: (هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعم) وفي رواية عند الطبري (بلعم بن باعر) وعند ابن أبي حاتم (بلعم بن باعوراء). وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 267 بلفظ: (بلعم بن باعوراء).]] وابن مسعود [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/243، والنسائي في "التفسير" 1/ 510، والطبري 9/ 120، وابن أبي حاتم 5/ 1616، والحاكم في "المستدرك" 2/ 325 من طرق جيدة، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/ 25، وقال: (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) اهـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 267، والكل بدون ذكر قصته وجاء عند النسائي، والطبراني، ورواية عند الطبري (بلعم) وعند الحاكم (بلعم بن باعوراء) وفي الباقي (بلعم بن أبر).]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 250، وأخرجه الطبري 9/ 120 من طرق جيدة بدون ذكر قصته.]]: (نزلت في بلعم بن باعوراء [[بلعم بن باعور: مختلف فيه فقيل: هو من مدينة الجبارين وقيل: من أهل اليمن وقيل: من الكعنانين، وهو: بلعم بن باعور بن سموم بن فرستم بن مآب بن لوط ابن هارون، أوتي العلم والحكمة، انظر أخباره في: "تاريخ الطبري" 1/ 427، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 200، و"تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 1/ 496.]])؛ دعا على موسى وقومه، وكان عنده اسم الله الأعظم ، فقصد موسى بلده الذي هو فيه، وغزا أهله وكانوا كفارًا، فلم يزل قوم بلعم به حتى دعا عليهم، وقيل [[هذا قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 75.]] (أجبره [[في (ب): (أجبر)، وهو تحريف.]] ملكهم على [[لفظ: (على) ساقط من (أ).]] ذلك، وكان مجاب الدعوة بذلك الاسم الذي كان عنده، فأستجيب له، ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ قال: بدعاء بلعام، قال: فكما سمعت دعاءه عليَّ فاسمع دعائي عليه، فدعا موسى عليه أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة [[في (ب): "نُخامة" وعند الثعلبي 6/ 21 ب، و"الوسيط" 2/ 270، والبغوي 3/ 302 (حمامة).]] بيضاء [[أخرج الطبري 9/ 123،122، وابن أبي حاتم 5/ 1617 بسند جيد عن ابن عباس قال: (هو رجل من مدينة الجبارين يقال: له بلعم يعلم اسم الله الأعظم فلما نزل بهم موسى أتاه قومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يرده عنا، قال: إني إن دعوت عليه ذهبت دنياي وآخرتي ، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فسلخ مما كان عليه) اهـ. وذكره الرازي 15/ 54، عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد، وذكر الخازن 2/ 311، 313، هذا ونحوه وقال: (هذا من الإسرائيليات ولا يلتفت إلى ما يسطره أهل الأخبار إذا خالف الأصول وسبب وقوع بني إسرائيل في التيه عبادة العجل أو قولهم لموسى: == ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: 138] لا دعاء بلعم عليهم، وعلى تقدير صحة القصة فموسى دعا عليه لعلمه بكفره ومقابلة لدعائه عليه) اهـ. بتصرف.]] فهذا [[في (ب): (فلهذا)، وهو تحريف والأولى فهذه.]] قصته.
قال عطاء عن ابن عباس: (أعان أعداء الله على أوليائه) [[لم أقف عليه.]] يعني: بدعائه. وقوله: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾. قال ابن زيد: (هو أنه كان لا يسأل شيئًا إلا أعطاه إياه) [[أخرجه الطبري 9/ 122 بسند جيد وذكره الثعلبي 6/ 23 أ، والبغوي 3/ 304.]]. وقال عكرمة [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1618 بسند جيد.]]: (أوتي كتابًا من كتب الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).]]).
وقيل [[أخرجه الطبري 9/ 125 - 126 من طرق عن السدي وغيره.]]: (هو أنه لما أراد أن يدعو عليهم، قيل له في المنام: لا تدعُ عليهم، ثم هم ثانيًا، فكلمته أتان له قد ركبها، حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع عن ذلك)، وقال أهل المعاني: (﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾. علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عالمًا بها).
وقوله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: خرج من محبة الله [[انظر: الطبري 9/ 124، والرازي 15/ 54]] إلى معصيته، ومن رحمة الله إلى سخطه) [[ذكره الرازي 15/ 54 بلا نسبة، وأخرج الطبري 9/ 124، وابن أبي حاتم 5/ 1618 بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (نزع منه العلم) وفي "تنوير المقباس" 2/ 140: (﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ فخرج منها) اهـ.]].
ومعنى ﴿انْسَلَخَ﴾ خرج من المِسْلاَخ [[انظر: "العين" 4/ 198، و"الجمهرة" 1/ 598، و"تهذيب اللغة" 2/ 1730، و"الصحاح" 1/ 423، و"المجمل" 2/ 470، و"مقاييس اللغة" 3/ 94، و"المفردات" ص 419، و"اللسان" 4/ 2063 (سلخ).]] وهو القشر والجلد، ويقال: الحية تنسلخ [[في (أ): (سلخت)، ساقط وملحق بأسفل السطر، وكأنه سلخت الحية عن جلدها.]] عن جلدها، ثم يقال لكل من فارق شيئًا: انسلخ منه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾. قال عبد الله [["تفسير غريب القرآن" ص 182، وزاد: (وتبعتهم سرت في إثرهم) اهـ. وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 153، و"تفسير المشكل" ص 88.]] بن مسلم: (أي: أدركه؛ يقال: أتبعت القوم إذا لحقتهم).
قال أبو عبيد: (يقال: أتبعت القوم مثال أفعلت [[لفظ: (أفعلت) غير واضح في (ب) وكأنه (افتعلت).]] إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم ويقال: ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم أي: حتى أدركتهم) [["تهذيب اللغة" 1/ 425، وزاد: (واتبعتهم مثل: افتعلت إذا مروا بك فمضيت معهم وتبعتهم تبعًا مثله) اهـ.]].
وقال أبو زيد: (تقول: رأيت القوم فأتبعتهم إتباعًا إذا سبقوك فأسرعت نحوهم، ومرُّوا على فاتبعتهم اتباعًا إذا ذهبت معهم ولم يسبقوك) [["الحجة" لأبي علي 5/ 167، وأصل تبع: التلو والقفو، وهل تبعه، وأتبعه بمعنى أو بينهما فرق؟ قيل: بكل منهما وأبدى بعضهم الفرق بأن تبعه مشى في أثره، وأتبعه إذا وازاه في المشي، وقيل: اتبعه بمعنى استتبعه وقال الخليل في "العين" 2/ 88: (وأتبع فلان فلانًا إذا تبعه يريد شرًا، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾) اهـ وانظر: "الجمهرة" 1/ 245، و"الصحاح" 3/ 1189، و"مقاليس اللغة" 1/ 362، و"المجمل" 1/ 153، و"المفردات" ص 162، و"اللسان" 1/ 416 - 417 (تبع).]]، فعلى هذا معنى: أتبعه الشيطان أي: أسرع خلفه [[قال الطبري 9/ 123 - 124: (أي: صيره لنفسه تابعًا ينتهي إلى أمره في معصية الله ويخالف أمر ربه في معصية الشيطان وطاعة الرحمن) اهـ. وانظر: "معاني النحاس" 3/ 105، و"تفسير السمرقندي" 1/ 582، والماوردي 2/ 280.]]، {فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}؛ لأنه أدركه فأضله، هذا الذي ذكره أبو زيد حقيقة معنى الإتباع.
قوله تعالى: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. قال ابن عباس: (فأطاع الشيطان وكان من الضالين) [["تنوير المقباس" 2/ 141، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 270، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 391، والماوردي 2/ 282، وابن الجوزي 3/ 289.]].
و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال أهل المعاني: (هذا بيان عن حال من أوتي الهدى، فانسلخ منه إلى الضلال والعمى، ومال مع الهوى حتى تلاعب به الشيطان، فصار إلى الهلاك والردى، وخاب في الآخرة والأولى، قصّ الله قصته ليحذر الناس من مثل حاله) [[انظر: الرازي 15/ 55.]].
وقال عبد الله بن عمرو [[عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم السهمي القرشي أبو محمد صحابي إمام عابد زاهد أحد السابقين المكثرين واحد العبادلة الفقهاء أسلم قبل أبيه وهاجر قبل الفتح وشهد الفتوح وكتب عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا، وكان مجتهدًا في العبادة صوامًا قوامًا تاليًا لكتاب الله تعالى، وله مناقب وفضائل ومقام راسخ في العمل والعلم، وثناء الأئمة عليه كثيرة، توفي رضي الله عنه سنة 65 هـ. وله 72 سنة، انظر: "الحلية" 1/ 283، و"الاستيعاب" 3/ 86 (1636)، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 79، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 71، و"الإصابة" 2/ 351، و"تهذيب التهذيب" 2/ 393.]] [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/243، والنسائي في "التفسير" 1/ 508، 511، الطبري 9/ 122، وابن أبي حاتم 5/ 1616، من طرق جيدة وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 25، وقال: (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) اهـ. وذكره ابن حجر في "الفتح" 7/ 154، وقال: رواه ابن مردويه بإسناد قوي) اهـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 265، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر == وأبي الشيخ) وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 294: (قد روى من غير وجه عنه وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أمية يشبهه؛ فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة ولكنه لم ينتفع بعلمه فإنه أدرك زمن رسول الله ﷺ وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتدحهم ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة قبحه الله، وقد جاء في بعض الأحاديث "أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه" فإن له أشعارًا ربانية وحكمًا وفصاحة ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام) اهـ.]] وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم [[زيد بن أسلم العدوي العمري مولاهم أبو عبد الله المدني، إمام تابعي ثقة، عالم عابد مفسر فقيه وكان من العلماء الأبرار له حلقة للعلم في مسجد رسول الله ﷺ وله تفسير رواه عنه ابنه عبد الرحمن، توفي رحمه الله تعالى سنة 136 هـ، انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 554، و"الحلية" 3/ 221، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 316، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 132، و"تهذيب التهذيب" 1/ 658، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 5/ 442.]]، وأبو روق [[ذكره الثعلبي 6/ 21 ب، وابن الجوزي 3/ 287، والرازي 15/ 54، عن سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبي روق، وذكره البغوي 3/ 303، والخازن 2/ 313، عن سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 227، والقرطبي 7/ 320، عن زيد بن أسلم.]]: (نزلت هذه الآية في أمية [[في النسخ: (أمية بن الصلت) وهو تحريف، وقد تقدمت ترجمته. وفيها بيان حاله وأخباره، وانظر: " السيرة النبوية" للدكتور/ مهدي رزق الله أحمد، ص 72، 76، والقول بأنه بلعام أشهر وعليه الأكثر، أفاده ابن الجوزي 3/ 288، والقرطبي 7/ 321، وابن حجر في "الفتح" 7/ 154، والظاهر العموم كما رجحه الطبري 9/ 123، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 422 - 423: (اختلف المفسرون في ذلك وطولوا في قصته وذكروا ما الله أعلم به والجمهور على أنه شخص معين والأولى في مثل هذا أن يحمل على التمثيل لا على الحصر في معين فإنه يؤدي إلى الاضطراب والتناقض) اهـ. بتصرف.]] بن أبي الصلت، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولاً في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو، فلما أُرسل محمد ﷺ حسده، ثم مات كافرًا ، ولم يؤمن بالنبي ﷺ وهو الذي قال فيه النبي ﷺ: "آمن شعره وكفر قلبه" [[قال الألباني في "الضعيفة" 4/ 52 رقم 1546: (ضعيف أخرجه ابن الأنباري في المصاحف وفي إسناده أبو بكر الهذلي متروك، وأخرجه الخطيب وابن عساكر في "التاريخ" وإسناده ضعيف فيه الكلبي متهم بالكذب) اهـ. بتصرف، وانظر: "الجامع الصغير" للسيوطي 1/ 4، و"كشف الخفاء" للعجلوني 1/ 19 - 20.]]، يريد: أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحد الله في شعره ويذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار.
الأعراف 7:176
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾. قال ابن عباس: (﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ بعلمه بها) [[أخرجه الطبري 9/ 127، بسند ضعيف، وذكره الثعلبي 6/ 23 ب، والبغوي 3/ 304، والخازن 2/ 315، وقال ابن الجوزي 3/ 290: (هاء الكناية تعود إلى الإنسان المذكور وهو قول الجمهور والمعنى: ولو شئنا لرفعنا منزلته بما علمناه) اهـ. وهو اختيار الطبري 9/ 127، والسمرقندي 1/ 583.]]، أي بالآيات، يعني وفقناه للعمل بها، فكنا نرفع بذلك منزلته.
وقال عطاء [[ذكره الثعلبي 6/ 23 ب، والبغوي 3/ 304، والخازن 3/ 315، عن عطاء فقط، وانظر: "تفسير الماوردي" 2/ 280.]] عنه: (يريد: لعصمتُه عن معاصي). وهو اختيار الزجاج لأنه قال: (أي: لو شئنا أن نحول فيما بينه وبين المعصية لفعلنا) [["معاني الزجاج" 2/ 391، وهو قول النحاس في "معانيه" 3/ 106.]]. وهذا كالقول الأول، لأنه إذا لم يعصمه عن المعصية لم يوفقه للعمل بالآيات، ولو وفقه عصمه عن المعصية، ولو عصمه أستحق الرفعة بالآيات.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾.
قال الفراء: (ركن إليها وسكن). قال: (ويقال: خلد إلى الأرض بغير ألف وهي قليلة) [[هنا في (ب) وقع اضطراب في ترتيب الأوراق فوقع الوجه ب من ص 177 في 185 ب.]]. ونحو ذلك قال الزجاج [["معاني الفراء" 1/ 399. وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 153، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 182، و"تفسير الطبري" 9/ 128، و"تفسير المشكل" ص 88.]] والكسائي [["معاني الزجاج" 2/ 391. وقال الأخفش في "معانيه" 2/ 315: إلا نعلم أحدًا يقول: خلد، وقوله ﴿أَخْلَدَ﴾ أي: لجأ إليها) اهـ.]] في خلد وأخلد [["تهذيب اللغة" 1/ 1080 (خلد). انظر: "العين" 4/ 231، و"المنجد" لكراع ص 78، و"الجمهرة" 1/ 579، و"الصحاح" 2/ 469، و"المجمل" 2/ 299، و"مقاييس اللغة" 2/ 207، و"المفردات" ص 291، و"اللسان" 2/ 1225 (خلد).]]، وقال أصحاب العربية: (أصل الإخلاد اللزوم على الدوام، وكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض، ومن هذا يقال: أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به) [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 233، و"تفسير الطبري" 9/ 128، و"نزهة القلوب" ص 74، و"الدر المصون" 5/ 516.]].
قال مالك [[مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد اليربوعي التميمي، أبو حنظلة، شاعر فحل، وفارس مغوار، من أرداف الملوك في الجاهلية. يقال له: الجفول، وسمي ذا الخمار نسبة إلى فرسه، أدرك الإسلام فأسلم، وولاه رسول الله ﷺ صدقات قومه بني يربوع فبقي كذلك حتى وفاة النبي ﷺ ثم اضطرب عمله ولم يحمد، ورأى خالد بن الوليد ما استوجب قتله عنده فقتله، وقيل: ارتد فقتل في حروب الردة، انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 204، و"الشعر والشعراء" ص 209، و"الأغاني" 15/ 289، و"معجم المرزباني" ص 232، و"الإصابة" 3/ 357، و"الأعلام" 5/ 267.]] بن نويرة: بأبناء حيٍّ من قبائل مالكٍ ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا [["الشاهد في الأصمعيات" ص 193، و"تفسير الطبري" 9/ 128، والثعلبي 6/ 23 ب والرازي 15/ 56، و"بدائع التفسير" لابن القيم 2/ 310، و"الدر المصون" 5/ 516.]]
قال ابن عباس: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]]، يريد: مال إلى الدنيا) [["تنوير المقباس" 2/ 141، وذكره الرازي 15/ 56.]]. وقال مقاتل: (رضي بالدنيا) [["تفسير مقاتل" 2/ 75، وفيه: (رضي بالدنيا وركن إليها) اهـ.]].
وقال الزجاج: (ولكنه سكن إلى الدنيا) [["معاني الزجاج" 2/ 391، وقال أيضًا: (المعنى: أنه سكن إلى لذات الأرض) اهـ. وقال الطبري 13/ 261: (سكن إلى الحياة الدنيا في الأرض ومال إليها وآثر لذاتها وشهواتها على الآخرة) اهـ. وانظر: "معاني النحاس" 3/ 106، والسمرقندي 1/ 583، والماوردي 2/ 282.]]. فهؤلاء فسروا ﴿الْأَرْضِ﴾ في هذه الآية بالدنيا، وذلك لأن الدنيا هي الأرض؛ لأن ما فيها من العقار والرباع [["الرِّباع": جمع ربع، وهي الدار والمحلة والموضع يرتع فيه في الربيع، انظر: "القاموس" ص 718 (ربع).]] والضياع كلها أرض، وسائر متاعها يستخرج من الأرض، فالدنيا كلها هي الأرض [[جاء في (ب) بعد قوله: (كلها هي الأرض) تكرار قوله: (سائر متاعها) إلى (كلها هي الأرض) وعليه ضرب.]]، فصلح أن يعبر عنها بالأرض لأنها هي [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 1/ 290، والرازي 15/ 56، والخازن 2/ 315، وقال القرطبي 7/ 322: (كأن المعنى: لزم لذات الأرض، فعبر عنها بالأرض، لأن متاع الدنيا على وجه الأرض) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ما زين له الشيطان) [[لم أقف عليه]].
وقال ابن زيد: (كان هواه مع القوم) [[أخرجه الطبري 9/ 128، وابن أبي حاتم 5/ 1620 بسند جيد.]].
وقال أهل المعاني: (انقاد لما دعاه إليه الهوى، والهوى يدعو إلى أمور تجر إلى الهلاك، فكان القابل لدعاه متبعًا له) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 361.]].
وقال أهل [[قال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 652: (في هذه الآية أعظم الفائدة لمن تدبرها، وذلك أن فيها منعًا من التقليد لعالم إلا بحجة يبينها؛ لأن الله عز وجل أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وأن لا يقبل منه إلا بحجة) اهـ.]] العلم: (هذه الآية من أشد الآي على أصحاب العلم، وذلك أن الله تعالى أخبر أنه آتاه آياته من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه، والانسلاخ عنها، ومن الذي سلم من هاتين الخلتين، إلا من عصمه الله) [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 304، وابن الجوزي 3/ 209، والرازي 15/ 56، الخازن 2/ 315.]].
وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾، قال الليث: (اللَّهث لهث الكلب عند الإعياء وعند شدة الحر، وهو إدلاع اللسان من العطش) [["تهذيب اللغة" 4/ 3306، وانظر: "العين" 4/ 42 (لهث).]]. وقال الفراء [[لم أقف عليه.]] في "المصادر": (يقال اللهْثُ واللهَث واللهثان) [[قال السمين في "الدر" 5/ 517: (يقال لهث يلهث -بفتح العين في الماضي والمضارع-، لهثًا ولهثًا -بفتح اللام وضمها- وهو خروج لسانه في حال راحته وإعيائه، وأما غيره من الحيوان فلا يلهث إلا إذا أعيا أو عطش) اهـ. وفي "الصحاح" 2/ 292: (اللهثان بالتحريك العطش وبالتسكين العطشان وقد لهث لهثًا ولهاثًا مثل سمع سماعًا ولهث بالفتح يلهث لهثًا ولهاثًا بالضم، إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش وكذلك الرجل إذا أعيا) اهـ.
وانظر: "الجمهرة" 1/ 433، و"المجمل" 3/ 796، و"مقاييس اللغة" 5/ 214، و"المفردات" ص 748، و"اللسان" 7/ 4083 (لهث).]]. قال مجاهد: (هذا مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به) [["تفسير مجاهد" 1/ 251، وأخرجه الطبري 9/ 129، وابن أبي حاتم 5/ 1620 من طرق جيدة.]]. و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال ابن عباس: (معناه: إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن ترك لم يهتد لخير، كالكلب إن كان رابضًا لهث وإن طرد لهث) [[أخرجه الطبري 9/ 129، وابن أبي حاتم 5/ 1620 بسند جيد.]].
وقال الحسن: (هو المنافق لا يُنيب [[في (ب): (لا يثبت).]] إلى الحق، دُعي أو لم يدع، وعظ أو لم يوعظ، كالكلب يلهث طردًا وتركًا) [[ذكره الثعلبي 6/ 24 أ، وفيه: (لا ينيب)، وأخرج الطبري 9/ 129 بسند جيد عن الحسن في الآية قال: (هذا مثل الكافر ميت الفؤاد) اهـ.]].
وروي معمر [[معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزدي. تقدمت ترجمته.]] عن بعضهم قال: (هو الكافر؛ ضال إن وعظته وإن لم تعظه) [[أخرجه الطبري 9/ 129، بسند جيد عن معمر عن بعضهم، وذكره الثعلبي 6/ 24 أ، وقال الشيخ أحمد شاكر في "حاشية الطبري": (كأنه يعني بقوله عن بعضهم الكلبي ولذلك نكّره) اهـ.
وقد أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 244، عن معمر عن الكلبي، وذكره هود الهواري 2/ 60 عن الكلبي.]]، فهذا قول المفسرين في تفسير هذا المثل، ويحتاج إلى الشرح حتى يتبين وجه التمثيل بين هذا الكافر وبين الكلب، وهو أن يقال: أراد أن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب؛ فإنه إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثًا، وإن ترك وربض كان أيضًا لاهثًا، فهو [في الحالتين لاهث كهذا الكافر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] في الحالتين ضال، وذلك أن بلعام زُجر ونهي عن الدعاء على موسى في ينزجر ولم ينتفع بالزجر، يبين هذا ما قاله أبو إسحاق قال: (ضرب الله تعالى للتارك لآياته والعادل عنها أحسن [[في (أ): (أخس شيء في أخس أحواله)، وفي (ب): (أحسن شيء في أحسن أحواله) وعند الزجاج في "معانيه" 2/ 391: (أحسن مثل في أخس أحواله).]] شيء في أخس أحواله مثلًا فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾، إذا كان الكلب لهثان؛ لأن التمثيل به على أنه على كل حال حملت عليه أو لم تحمل، فمعناه: فمثله كمثل الكلب لاهثًا) [["معاني الزجاج" 2/ 391، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 106.]].
فقد بين أبو إسحاق أنه مثل بالكلب إذا كان لاهثًا، واللهث في الكلاب طباع، وقد كشف ابن قتيبة عن هذا المعنى فقال: (كل شيء يَلهثُ إنما يلهث من إعباء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال، وحال الراحة، وحال الري، وحال العطش، فضربه الله مثلًا لهذا الكافر [[في "تأويل مشكل القرآن" ص 369: (لمن كذب بآياته).]] فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث) [["تأويل مشكل القرآن" ص 369.]] انتهى كلامه، وهذا التمثيل لم يقع لكل كلب إنما وقع بالكلب اللاهث، وذلك بأخس ما يكون وأبشعه [[في (ب): (كأنها أشنعه) وقال القرطبي 7/ 323: (هذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به وقيل: هو في كل منافق والأول أصح) اهـ. وانظر: "تفسير الطبري" 13/ 273، والسمرقندي 1/ 583، و"بدائع التفسير" 2/ 312 - 314.]] ثم قال عز من قائل: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات الله.
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: أهل مكة كانوا يتمنون هاديًا يهديهم وداعيًا يدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم من لا يشكون في صدقه كذبوه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 272، والرازي 15/ 57، وذكره البغوي 3/ 305 بلا نسبة.]]، والتمثيل بينهم وبين الكلب كالتمثيل الأول فإنهم لم يهتدوا لما تركوا، ولم يهتدوا أيضًا لما دعوا بالرسول والكتاب، وزجروا بالوعيد، وكانوا ضالين عن الرشد في الحالتين كهذا الكلب اللاهث في الحالتين لاهث طرد أو ترك [[في (ب): (ترك وطرد)، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 129، والسمرقندي 1/ 583.]].
وقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾. قال عطاء [[لفظ: (عطاء) ساقط من (ب).]]: (يريد: قصص الذين كفروا وكذبوا أنبيائهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يريد: يتعظون) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 272، وابن الجوزي 3/ 291، وذكره الرازي 15/ 57، بلا نسبة.]].
الأعراف 7:177
قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ الآية. قال الليث: (ساء يسوء فعل لازم ومجاوز، يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح، وهاءه يسوءه مساءة، ويقال: ساء ما فعل صنيعًا، [أي: قبُح صنيعه صنيعًا، ومن هذا الباب قوله: ﴿سَاءَ مَثَلاً﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] أي: قبح مثلهم) [["تهذيب اللغة" 1583، مع بعض الاختلاف والزيادة، وانظر: "العين" 7/ 327، و"الجمهرة" 1/ 237، و"الصحاح" 1/ 55، و"مقاييس اللغة" 3/ 113، و"المفردات" ص 442، و"اللسان" 4/ 2138 (ساء).]].
قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 142، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 272.]]: يريد: بئس مثل القوم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
فأما: تقدير الآية في الإعراب، فأكثر النحويين [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 652، و"التبيان" ص 396، و"الدر المصون" 5/ 518.]] قالوا: (تقديره: ساء مثلًا مثل القوم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ثم حذف المضاف)، وهو قول أبي إسحاق [["معاني القرآن" 2/ 291، وهو قول الأخفش في "معانيه" 2/ 315، وأبو علي الفارسي في "الإيضاح" ص 128، وقال ابن الشجري في "أماليه" 3/ 183: (ساء بمنزلة (بئس) وقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾) الصواب أن تقديره: (ساء مثلاً مثلُ القوم ومن زعم أن التقدير، ساء مثلاً هم القوم، فقد أخطأ خطأ فاحشًا) اهـ. بتصرف.]]، وعلى هذا انتصب ﴿مَثَلًا﴾ على التمييز، و ﴿سَاءَ﴾ هاهنا بمنزلة (بئس)، ألا ترى أن ابن عباس فسره به، ولو قلت: (بئس) رجلاً زيد، نصبت رجلاً على التشبيه بالمفعول، وهو بمعنى التمييز؛ لأنك إذا قلت: (بئس) جاز أن تذكر شيئًا آخر سوى مثلاً، ورجلًا [[في (ب): (ورجلًا بين حمار وفرس).]] من حمار وفرس، وأي ما كان [[انظر: "الكتاب" 2/ 175 - 179.]]، فإذا ذكرت نوعًا ميزته من سائر الأنواع، وفي (ساء) ضمير فاعل لأنه فعل والفعل لا يخلو من فاعل فصار المميز كالمفعول، وارتفع ﴿الْقَوْمُ﴾ لأنه أقيم مقام المضاف، والمضاف كان يرتفع كما يرتفع (زيد) في قولك: بئس رجلاً زيد، وارتفاعه من وجهين: أحدهما أن يكون مبتدأ ويكون (بئس) وما عملته فيه خبره، والثاني: أن يكون لما قلت: بئس رجلاً، قيل لك: من هو، فقلت: زيد، أي: هو زيد، فيكون رفعه على أنه ابتداء محذوف [[ذكره أبو علي في "الإيضاح" ص 126 - 128، وانظر: "البيان" 1/ 380، و"الفريد" 2/ 386.]].
وقال بعضهم: (تقدير الآية [[ذكره الثعلبي 6/ 24 ب، وقال مكي في "المشكل" 1/ 306: (في ﴿سَاءَ﴾ ضمير الفاعل و ﴿مَثَلًا﴾ تفسير و ﴿الْقَوْمُ﴾ رفع بالابتداء وما قبله خبره أو رفع على إضمار مبتدأ تقديره: ساء المثل مثلاً هم القوم الذين. مثل: نعم رجلاً زيدُ) اهـ. وانظر: "غرائب الكرماني" 1/ 428]]: ساء مثل القوم، ثم حول الفعل من المثل إلى القوم فخرج المثل مفسرًا كقولهم: قَرَّ بِهِ عينًا، وضاق به [[لفظ: (به) ساقط من (ب).]] ذرعًا، وطاب زيدٌ نفسًا، وألم رأسه، ووجع بطنه) [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 24 ب]].
قال أهل المعاني: (هذه الآية بيان عن ذم المكذب بآيات الله بأن مثله أسوأ مثل وأن نفسه ظلم وحظه خسر) [[لم أقف عليه]].
الأعراف 7:178
قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾. قال ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 142.]]: (يريد: من يرشده الله [[في (ب): (من يرشد الله).]] إلى دينه).
وقال ابن كيسان [[لم أقف عليه.]]: (يريد: من يتول الله تنبيهه وإرشاده ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾)، يجوز إثبات الياء فيه على الأصل، ويجوز حذفها استخفافًا كما قيل في بيت الكتاب:
وطرتُ بمنصلي [[الشاهد لمضرس بن ربعي الأسدي في "اللسان" 1/ 509 (ثمن)، 4951 (يدي) وبلا نسبة في: "الكتاب" 1/ 27 و4/ 190، و"الجمهرة" 1/ 512، و"الإغفال" ص 880، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 519 - 772، و"الخصائص" 2/ 269 - 3/ 133، و"المنصف" 2/ 73، و"الصحاح " 5/ 2089 (ثمن) و6/ 2539 (يدي)، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 289، و"الإنصاف" ص 429، و"تفسير الرازي" 15/ 59، و"اللسان" 2/ 1593 (خبط)، و"الدر المصون" 5/ 520، و"المغني" لابن هشام 1/ 225، وهو لمضرس أو ليزيد بن الطثرية في "اللسان" 1/ 615 (جزر) ، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 598، و (المنصُل: السيف، ويعملات: جمع يعملة وهي الناقة القوية على العمل، والسريح: جلود أو خرق تشد على الأخفاف حين تحفى الناقة، والشاهد: الأيد، حيث حذف الياء للضرورة والأصل الأيدي).]] في يعملاتٍ ... دوامي [[في (ب): "دوام" وكذا في بعض نسخ "سر صناعة الإعراب" 2/ 519 كما أشار محققه في الحاشية.]] الأيدِ يخبطن السريحا ومن أبياته أيضًا:
كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الأثمد [["الشاهد" لخفاف بن ندبة الأسدي في "ديوانه" ص 514، و"الكتاب" 1/ 27، و"الإنصاف" ص 430، و"اللسان" 1/ 460 (تيز)، 4951 (يدي)، و"شرح شواهد المغني" 1/ 354، وبلا نسبة في: "المنصف" 2/ 229، "سر صناعة الإعراب" 2/ 772، و"الصحاح" 6/ 2539 (يدي)، و"تفسير الرازي" 15/ 59، و"الدر المصون" 5/ 520، و"المغني" لابن هشام 1/ 105، وعصف الأثمد: ما سحق من حجر الكحل، وهو يصف شفتي المرأة ويشبهها بنواحي الريش يقول: (مسحت اللثتين بعصف الأثمد فقلب).
والشاهد: "كنواح" والأصل كنواحي حيث حذف الياء للضرورة]]
قال أبو الفتح [[أبو الفتح: عثمان بن جني، نحوي مشهور. تقدمت ترجمته.]]: (يريد: كنواحي، فحذف الياء لأنه شبه المضاف إليه بالتنوين فحذف الياء لأجله كما يحذفها لأجل التنوين، لأنهما يتعاقبان، كما شبه الأول لام المعرفة في الأيد بالتنوين من حيث كانت هذه الأشياء من خواص الأسماء، ومتعقبة عليها فحذف الياء لأجل اللام كما يحذف لأجل التنوين. قال: هكذا أخذت من لفظ أبي علي) [["سر صناعة الإعراب" 2/ 772 - 773، وانظر: قول أبي علي الفارسي في "الإغفال" ص 880 - 881.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: من يضله [[في (ب): (يضلله).]] الله ويخذله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ يريد: خسروا الدنيا والآخرة) [[ذكره "الواحدي" 2/ 272، والرازي 15/ 59 بلا نسبة.]].
الأعراف 7:179
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [[هنا في (ب): رجوع إلى الأصل في ترتيب الأوراق فوقع تفسير الآية في 177 ب.]]. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: لا يعقلون بها ثوابًا ولا يخافون عقابًا) [[ذكره القرطبي 7/ 324 بلا نسبة.]].
وقال الكلبي: (لا يعقلون بها الخير والهدى) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 274.]].
﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾.
قال عطاء: (يريد: سبيل الهدى والرشاد)، ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. قال: (يريد مواعظ الله والقرآن) [[ذكره أكثرهم بلا نسبة. انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 25 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 274، والبغوي 3/ 306، والقرطبي 7/ 324، والخازن 2/ 317.]].
قال مقاتل: (﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الآية. يقول الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [البقرة: 7]، فمن ثم لم تفقه قلوبهم، ولم تبصر أعينهم، ولم تسمع آذانهم) [["تفسير مقاتل" 2/ 76.]].
وقال أهل المعاني: (إنما نفى عنهم الإدراكات لأنهم يعرضون في جميع ذلك إعراض من لا يدرك فهم في تركهم الحق وإعراضهم عنه بمنزلة من لا يفقه ولا يبصر ولا يسمع) [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 3/ 292، والخازن 2/ 317.]].
وهذه الآية صريح في الرد على القدرية؛ لأن الله تعالى ذكر أنه خلق كثيراً من الإنس والجن للنار، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة والعذاب، ومن خلقه الله لجهنم، فلا حيلة له في الخلاص [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 60 - 61، والقرطبي 7/ 324.]].
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾. قال الكلبي: (شبههم بالأنعام في المأكل والمشرب) [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: (يأكلون ويشربون لا يلتفتون إلى الآخرة كما تأكل الأنعام وتشرب لا همة لها إلا الأكل، فهي تسمع ولا تعقل، كذلك الكافر) [["تفسير مقاتل" 2/ 76.]].
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾.
قال عطاء: (يريد [[لفظ: (يريد) ساقط من (أ).]] إن الأنعام تعرف ربها وتحذر الهلاك) [[في القرطبي 7/ 325 قال عطاء: (الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه) اهـ.]]، وقال الكلبي: (لأن الأنعام مطيعة لله، والكافر [[لفظ: (والكافر) ساقط من (ب).]] غير مطيع لله) [[ذكره الرازي 15/ 65، والقرطبي 7/ 325، والخازن 2/ 318 بلا نسبة.]].
قال مقاتل: (هم أخطأ طريقًا من الأنعام؛ لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه) [["تفسير مقاتل" 2/ 76.]].
وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾: (وذلك أن الأنعام تُبصر منافعها ومضارها فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء يعلم [[في (ب): (وهؤلاء لا يعلم)، وهو تحريف.]] أكثرهم أنه معاند فيقدم على النار) [["معاني الزجاج" 2/ 392، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 107.]].
قال مقاتل: (يعني: كفار مكة) [["تفسير مقاتل" 2/ 76.]].
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
قال عطاء: (عما أعد الله لأوليائه [[في (ب): (عما أعد الله أوليائه)، وهو تحريف.]] من الثواب، وما أعد لأعدائه من العقاب) [[ذكره الرازي 15/ 65، وأبو حيان في "البحر" 4/ 428.]].
وقال الكلبي: (عن أمر الآخرة، وما فيها من العذاب) [["تنوير المقباس" 2/ 142، وذكره "الواحدي" 2/ 275، وابن الجوزي 3/ 292 بلا نسبة.]].
الأعراف 7:180
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. قال المفسرون: (هي ما ذكره أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحدة" [[أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (2736) كتاب الشروط، باب: ما يجوز من الاشتراط والثُّنْيَا في الإقْرار، ورقم (7392) كتاب الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحدة، ورقم (6410) كتاب التوحيد، باب: لله عز وجل مائة اسم غير واحد، ومسلم رقم (2677) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" وفي رواية لمسلم: "من حفظها".]]، ثم ذكرها [[الحديث الذي فيه ذكر الأسماء، أخرجه ابن ماجه كتاب الدعاء رقم (3860) ، والترمذي رقم (3507) كتاب الدعوات عن رسول الله، والحاكم في "المستدرك" 1/ 16 - 17، والبيهقي في "سننه" 10/ 27، وفي "الأسماء والصفات" ص 15 - 19، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة" ثم سرد الأسماء وفيها اختلاف وزيادة ونقص، وقال == الترمذي: (هذا حديث غريب، وذكر الأسماء ليس له إسناده صحيح) اهـ.
وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 6/ 379 - 382، و8/ 96 - 97، و22/ 482: (إسناده ضعيف وتعيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بالحديث ولم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي ﷺ) اهـ.
وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 298: (الذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه) اهـ.
وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 802 - 816، و"فتح الباري" 11/ 214 - 229، و"تلخيص الحبير" 4/ 172 - 174، و"الدر المنثور" 3/ 269 - 270.]]، وكل اسم ورد به التوقيف [[أسماء الله سبحانه وتعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها فلا يجوز تسميته بما لم يرد به السمع بل يجب الوقوف فيها على ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك من الأمور الغيبية، ولأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء ولأن تسميته بما لم يسم به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص، أفاده الشيخ: محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في "القواعد المثلى" ص 13، وانظر: "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص 36.]] فهو داخل في هذا، ألا ترى أن الله تعالى ذكر الأسماء بلفظ التعريف، فدل أنها محصورة، محدودة، معلومة بالشرع [[قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في "القواعد المثلى" ص 13 - 14: (أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن لأحد حصره ولا الإحاطة به والحديث لا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة أو نحو ذلك، فمعنى الحديث أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاها دخل الجنة وعلى هذا فيكون قوله: "من أحصاها دخل الجنة" جملة مكملة لما قبلها وليست مستقلة ونظير هذا أن تقول: عندي مدّة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدفة) اهـ.
وقال النووي في "شرح مسلم" 17/ 7 - 8: (اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين وإنما == مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصرها) اهـ. وانظر: "الأسماء والصفات" ص 27، و"الفتاوى" لشيخ الإسلام 6/ 381، و"فتح الباري" 11/ 214.]].
وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾؛ دعاؤه بها تعظيمه بذكرها؛ كقولك: يا قدير يا عليم يا كريم، قال أبو إسحاق [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 392، وفيه بعض الاختلاف ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 108.]]: إلا ينبغي أنا تدعوه بما لم يصف به نفسه أو لم يسم به نفسه، فلا ينبغي أن يقال: سَخيٌّ بمعنى: جواد، ولا رفيق بمعنى: رحيم، ولا جلد بمعنى: قوي؛ لأنه لم يصف نفسه بهذه الألفاظ).
وقال غيره: (في هذه الآية دليل على أن من أفضل الدعاء أن تدعوا الله بالأسماء الحسنى كما ذكر الله وأمر به) [[انظر: "بدائع التفسير" لابن القيم 2/ 316.]].
وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾. وقرأ [[قرأ حمزة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ هنا، وفي النحل: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ﴾ [النحل: 103]، وفي فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ [فصلت: 40] بفتح الياء والحاء في الثلاثة، ووافقه الكسائي في النحل، وقرأ الباقون جميع ذلك بضم الياء وكسر الحاء، انظر: "السبعة" ص 298، و"المبسوط" ص 186، و"التذكرة" 2/ 429، و"التيسير" ص 114، و"النشر" 2/ 273.]] حمزة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾، ووافقه عاصم [[كذا في النسخ وعند الرازي 15/ 71، وهو وهم أو تحريف من الناسخ، فعاصم يقرأ بضم الياء وكسر الحاء في الثلاثة المواضع كما سبق، وانظر: سورة النحل في "السبعة" ص 375، و"المبسوط" ص 226، و"التذكرة" 2/ 464.]] والكسائي في النحل، قال الفراء: (يُلحدون ويَلْحَدُونَ لغتان، يقال: لحدت لحدًا وألحدت) [[ذكره الرازي 15/ 71، ولم أقف عليه في "معانيه" وفي "تهذيب الأزهري" 4/ 3243 == (لحد) "معاني القراءات" 1/ 430، قال الفراء: (يقرأ ﴿يُلْحِدُونَ﴾ -بالفتح- أي: يميلون إليه وبالضم أي يعترضون) اهـ. بتصرف. وانظر: كتاب "الأفعال" للسرقسطي 2/ 411.]].
قال أهل اللغة [[لفظ: "اللغة" غير واضح في (ب).]]: (معنى الإلحاد في اللغة: الميل عن القصد)، وقال ابن السكيت: (الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس فيه، قال: قد ألحد في الدين ولحد) [[هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3242. وانظر: "العين" 3/ 182، و"الجمهرة" 1/ 505، و"الصحاح" 2/ 534، و"مقاييس اللغة" 5/ 236، و"المجمل" 3/ 803، و"المفردات" ص 737، و"اللسان" 7/ 4005 (لحد).
وقال ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 143 - 144: (الملحد في كلام العرب: الجائر عن الحق ويقال: قد لحدت الرجل إذا أدخلته اللحد وألحدته إذا صنعت له لحدًا، ويقال: قد ألحد الرجل ولحد: إذا جار، وفرق الكسائي بينهما فقال: ألحد: جار، ولحد: ركن) اهـ.]]، وقال غيره من أهل اللغة: (الإلحاد العدل عن الاستقامة والانحراف عنها، ومنه اللَّحد الذي يحفر جانب القبر خلاف الضريح الذي يحفر في وسطه) [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 108، ونحوه ذكر اليزيدي في "غريب القرآن" ص 153. وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 233، و"تفسير غريب القرآن" ص 183، و"نزهة القلوب" ص 509، و"تفسير المشكل" ص 88.]]، والأجود قراءة العامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: 25].
والإلحاد أكثر في كلامهم لقولهم: ملحد، ولا تكاد تسمع [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 523، عن الواحدي وقال: (امتناعهم عن مجيء اسم فاعل الثلاثي يدل على قلته ومن كلامهم لحده اللاحد) اهـ.]] العرب لاحدًا، فمن جمع بينهما في قراءته فكأنه أراد الأخذ بكل واحدة من اللغتين [[هذا قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 4/ 108، وانظر: "إعراب القراءات" 1/ 215، و"الحجة" لابن خالويه ص 168 ، ولابن زنجلة ص 303، و"الكشف" 1/ 484 وقال الطبري في "تفسيره" 9/ 134: (الصواب أنهما لغتان بمعنى واحد، غير أن قراءة الضم أشهر وأفصح) اهـ. وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 315، و"إعراب النحاس" 1/ 653، و"معانيه" 3/ 108.]].
قال ابن عباس ومجاهد [[أخرج الطبري 9/ 133 - 134 بسند ضعيف عن ابن عباس ومجاهد نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1623، بسند ضعيف عن ابن عباس نحوه، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 25 ب، والماوردي 2/ 282، والواحدي في "الوسيط" 2/ 276، والبغوي 3/ 307، والخازن 2/ 319، عن ابن عباس ومجاهد، وقال ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 143: (قال المفسرون: هو اشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز) اهـ.]]: (﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ هم المشركون، عدلوا بأسماء الله عما هي عليه فسموا بها أوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، واشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان).
وقال أهل المعاني: (الذين يلحدون في أسماء الله الذين [[لفظ: (الذين) ساقط من (ب).]] يسمون الله بما لم يسمّ به نفسه، ولم ينطق به كتاب، ولا دعا إليه رسول) [[ذكره الثعلبي 6/ 25 ب، والبغوي 3/ 307، والخازن 2/ 319، عن أهل المعاني.]].
يدل على صحة هذا ما روى عن ابن عباس أنه قال: (﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ أي: يكذبون) [[أخرجه الطبري 9/ 134، وابن أبي حاتم 5/ 1623 بسند جيد.]].
وقال زيد بن أسلم: (يميلون عن الحق) [[ذكره الثعلبي 6/ 25 ب.]]. فكل من سمّى الله بما لم يرد به توقيف فقد كذب في ذلك [[كذا في النسخ: (ذلك)، والأولى (تلك).]] التسمية ومال عن الحق [[قال أهل العلم: (الإلحاد في أسماء الله تعالى أنواع أحدها: أن يسمى الأصنام بها، والثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله، والثالث: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، الرابع: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها وأنها مجرد أعلام فقط وألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني، الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوًا كبيرًا)، أفاده ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 314، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 653، و"أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 816، والقرطبي 7/ 328.]].
وقوله تعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء ما كانوا يعملون في الآخرة [[لفظ: (أي جزاء ما كانوا يعملون) ساقط من (ب).]].
الأعراف 7:181
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾ الآية. روى قتادة وابن جريج عن النبي ﷺ: "أنها هذه الأمة" [[أخرجه الطبري 9/ 135 من طرق جيدة عن ابن جريج وقتادة وهو مرسل، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 272، وقال: (أخرجه ابن جرير وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن جريج، وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة) اهـ. وذكره الثعلبي 6/ 26 أ، والماوردي 2/ 283، عن قتادة وابن جريج.]].
وروي أيضًا أنه قال: "هذه لكم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها" [[أخرجه الطبري 9/ 135 بسند جيد عن قتادة وهو مرسل وتابع لما سبق عن قتادة.]].
وقال الربيع بن أنس: (قرأ النبي ﷺ هذه الآية فقال: "إن من أمتي قومًا على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم" [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1623، وهو مرسل، وأخرج البخاري رقم (7311) == كتاب التوحيد، باب: قول النبي ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين"، ومسلم رقم (1921) كتاب الإمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال من أمتي قوم ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله" اهـ.]].
وقال ابن عباس: (يريد: أمة محمد ﷺ، وهم المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 277، والبغوي 3/ 308، وابن الجوزي 3/ 294، والرازي 15/ 72، والخازن 2/ 420، وذكره الثعلبي 6/ 26 أ، عن عطاء فقط، وأكثرهم على أنه في أمة محمد ﷺ.
وقال "النحاس" 1/ 653: (دل الله جل وعز بهذه الآية أنه لا تخلو الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق) اهـ، وانظر: السمرقندي 1/ 585، ابن عطية 6/ 158، و"البحر" 4/ 430.]].
وقوله تعالى: ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. قد ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: 159].
الأعراف 7:182
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، قال الكلبي: (يعني: أهل مكة كذبوا بمحمد والقرآن) [["تنوير المقباس" 2/ 143. وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 277، وهو قول السمرقندي 1/ 586، وذكره ابن الجوزي 3/ 294، والرازي 15/ 73، والقرطبي 7/ 329، عن ابن عباس، والظاهر العموم وأول ما يدخل كفار مكة، وهو اختيار الرازي 15/ 73، والخازن 2/ 320، قال الخازن: (هذا أولى لأن صيغة العموم تتناول الكل إلا ما دل الدليل على خروجه منه) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. الاستدراج في اللغة [[انظر: "العين" 6/ 77، و"الصحاح" 1/ 313، و"مقاييس اللغة" 2/ 275، و"المجمل" 2/ 325، و"المفردات" ص 311، و"اللسان" 3/ 1352 (درج).]]: الأخذ بطيِّ منزلةٍ [[لفظ: (بطي منزلة) ساقط من (ب).]] وأصله من الدرج، وهو لفُّ الشيء، يقال: درجته وأدرجته ودرجته، وأدرجت المرأة صبيها في المعاوز [[المعاوز، جمع معوز -بكسر الميم وسكون العين وفتح الواو-: وهو الثوب الخلق وخرقة يلف بها الصبي. انظر: "اللسان" 5/ 3169 (عوز).]]، وأدرج الميت في أكفانة، وأدرجت الكتاب في الكتاب إذا طويته فيه [[ما تقدم في "تهذيب اللغة" 2/ 1168 (درج).]]، والاستدراج هو طي منزلة بعد منزلة، ويجوز أن يكون من الدرجة فيكون معنى الاستدراج في الأمر: أن يحط درجة بعد درجة حتى ينتهي إلى مقصوده، وهذا معنى الاستدراج في اللغة، وهو معنى قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 135، والسمرقندي 1/ 586، والماوردي 2/ 283.]] وأهل المعاني [[انظر: "معاني النحاس" 3/ 109.]].
وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 233 وزاد: (ومن حيث تلطف له حتى تغتره). ونحوه قال اليزيدي في "غريب القرآن" ص 154.]]: والمؤرج [[ذكره الثعلبي 6/ 26 ب.]]: (الاستدراج أن آتيه من حيث لا يعلم)، وهو معنى قول ابن عباس [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 277، وذكره الثعلبي 6/ 26 ب، والبغوي 3/ 308 عن عطاء.]]: (سنمكر بهم من حيث لا يعلمون).
وقال الكلبي: (يزين لهم أعمالهم فيهلكهم) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 586، والثعلبي 6/ 26 ب والبغوي 3/ 308، والخازن 2/ 320.]].
وقال الضحاك: (كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة) [[ذكره الثعلبي 6/ 26 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 277، والبغوي 3/ 308، وابن الجوزي 3/ 295، والقرطبي 7/ 329، والخازن 2/ 320، وقال السجستاني في "نزهة القلوب" ص 264 عند شرح كلمة ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: (جاء في التفسير كلما جددوا خطيئة جددنا لهم نعمة وأنسيانهم الاستغفار) اهـ.]].
وقال الأزهري: (قيل في قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: سنأخذهم قليلاً من حيث لا يحتسبونه، وذلك أنه جل وعز يفتح عليهم من النعيم ما يغتبطون به ويركنون إليه أنسًا به [[في (ب): (أنسيأبهم)، وهو تحريف.]]، ثم يأخذهم علي غرّتهم أغفلَ ما يكونون [[في (ب): (ما يكون)، وهو تحريف.]]، ولهذا قال عمر [[ذكره الرازي 15/ 73، والخازن 2/ 320، ولم أقف على إسناده بعد طول بحث.]] -رضي الله عنه- لما حُمل إليه كنوز كسرى: "اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجًا؛ فإني أسمعك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ") [["تهذيب اللغة" 2/ 1168 - 1169 (درج).]].
وقال عبد الله بن مسلم: (الاستدراج أن يُدنيهم من بأسه قليلاً، ومنه يقال: درجت فلانًا إلى كذا، واستدرج فلانًا حتى تعرف ما عنده، يراد: لا تجاهره ولا تهجم عليه بالسؤال، ولكن استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، قال: وأصل هذا من الدرجة، وذلك أن الراقي فيها والنازل منها ينزل مِرْقاة مرقاة، فاستعير [[في (ب): (واستعير).]] هذا منها) [["تأويل مشكل القرآن" ص 166.]]. والاية وعيد للمكذب بآيات الله عز وجل بأنه يستدرجه إلى العذاب من حيث لا يعلم ما إليه يصير [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 653.]].
الأعراف 7:183
قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾، الإملاء في اللغة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 234، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 154، و"تفسير غريب القرآن" ص 183، و"نزهة القلوب" ص 101، 115، و"تفسير المشكل" ص 88.]] الإمهال وإطالة المدة، وهو نقيض الإعجال، والمليُّ زمان طويل من الدهر، ومنه قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46]. أي: طويلاً، ويقال: مُلوة، ومِلوة [[لفظ: (وملوة) ساقط من (ب).]]، وملاوة من الدهر أي: زمان طويل [[النص في "تهذيب اللغة" 4/ 3438 (ملا)، ومُلوة بالضم، ومِلوة بالكسر، ومَلاوة بالفتح. وانظر: "العين" 8/ 344، و"الصحاح" 6/ 2496، و"المجمل" 3/ 841، و"مقاييس اللغة" 5/ 352، و"المفردات" ص 776، و"اللسان" 7/ 4252 (ملا).]]. فمعنى ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾. أي: أمهلهم وأطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي، ولا أعاجلهم بالعقوبة على المعصية ليقلعوا عنها بالتوبة والإنابة [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 135، و"معاني النحاس" 3/ 109، والسمرقندي 1/ 586.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، قال ابن عباس [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 277، والبغوي 3/ 308، وابن الجوزي 3/ 295، والرازي 15/ 74، والخازن 2/ 321، و"البحر" 4/ 431.]]: (يريد: إن مكري شديد)، والمتين من كل شيء القوي [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 234، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 154، و"تفسير غريب القرآن" ص 183، و"تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 55، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 194.]]، وقد متن متانة [[انظر: "العين" 8/ 131، و"الجمهرة" 1/ 410، و"تهذيب اللغة" 4/ 3338، و"الصحاح" 6/ 2200، و"مقاييس اللغة" 5/ 294، و"المفردات" ص 758، و"اللسان" 7/ 4130 (متن).]]، ومعنى كيد [[انظر: "العين" 5/ 396، و"إعراب النحاس" 1/ 654، و"نزهة القلوب" ص 385، و"تهذيب اللغة" 4/ 3076، و"الصحاح" 2/ 533، و"المفردات" ص 728 (كيد).]] الله هنا: استدراجه إياهم [[انظر: "القواعد المثلى" لابن عثيمين ص 20، و"المفسرون بين التأويل والإثبات" للمغراوي ص 13.]]. قال المفسرون: (نزلت في المستهزئين من قريش؛ قتلهم الله عز وجل في ليلة واحدة بعد أن أمهلهم حتى صاروا إلى الاغترار بطول السلامة وإسباغ النعمة) [[ذكره الثعلبي 6/ 26 ب، والبغوي 3/ 308، والقرطبي 7/ 330، والخازن 2/ 321، و"البحر" 4/ 431، وقد اختلف العلماء في المستهزئين من حيث عددهم وكيفية هلاكهم، انظر: "مجمع الزوائد" 4/ 46، و"الدر المنثور" 3/ 272.]].
الأعراف 7:184
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. قال أصحاب المعاني: (التفكير طلب المعنى بالقلب كطلب الشخص بالعين) [[ذكره الرازي 15/ 75، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2818، و"المفردات" ص 643 (فكر).]]، وتقدير الآية ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ فيعلموا ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، كذلك قال ابن كيسان [[لم أقف عليه، وضعف هذا القول أبو حيان 4/ 432، والسمين 5/ 525.]] وغيره، فحذف (يعلموا)؛ لأن التفكر مؤدٍ إلى العلم، فقام مقامه وأغنى عن ذكره، وذكر صاحب النظم أن بعض أهل العربية قال: (إن قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ تمام الكلام واتصاله بما قبله، وقوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ نفي مبتدأ) [[ذكر هذا القول أبو حيان في "البحر" 4/ 432، والسمين في "الدر" 5/ 525 بلا نسبة.]].
وإلى هذا مال ابن الأنباري؛ لأنه قال: (﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ وقف التمام.
قال: ومثل هذا قوله [[لفظ: (قوله) ساقط من (ب).]]: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: 8] ثم تبتدئ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾، وقوله في سبأ: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: 46] ثم تبتدئ: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾) [["الإيضاح" لابن الإنباري 2/ 671، ومثله ذكر النحاس في "القطع والائتناف" 1/ 267، والداني في "المكتفي" ص 281.]]، وقد قيل: إن قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، إلى آخر الآية كلام معترض بين كلامين، على نظم ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ﴾ [[لفظ: (السموات) ساقط من (أ).]] [الأعراف: 185]، وأدخل بينهما قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فلما انقضى هذا رجع إلى المبتدأ الأول وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ فجاء به على لفظ سواه، وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ [ومعناهما جميعًا واحد؛ لأن قولك: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ واحد، والمعنى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: أولم يتفكروا في خلق السموات والأرض [[لفظ: (الأرض) ساقط من (ب)، ولم أقف على هذا القول فيما لدي من مراجع، وأما إعراب الآية: فما نافية و ﴿بِصَاحِبِهِمْ﴾ خبر مقدم، ومن مزيدة ﴿جِنَّةٍ﴾ مبتدأ أي: ما جنة بصاحبهم، وقيل: ما استفهامية مبتدأ، والخبر ﴿بِصَاحِبِهِمْ﴾ أي: أي شيء استقر بصاحبهم من الجنون وجملة ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ في محل نصب مفعول به لفعل التفكر بعد إسقاط الخافض لأن التفكر من أفعال القلوب فيجوز تعليقه، وهذا هو اختيار أبي حيان في "البحر" 4/ 431، والسمين في "الدر" 5/ 525، قال أبو حيان 4/ 432: (هذا هو الظاهر وفي الآية تخريجات ضعيفة ينبغي أن ينزه القرآن عنها وتفكر مما يثبت في اللسان تعليقه فلا ينبغي أن يعدل عنه) اهـ. وانظر: "غرائب الكرماني"1/ 429، و"التبيان" ص 396، و"الفريد" 2/ 388، و"الجدول في إعراب القرآن" 9/ 121.]]، والجِنَّة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 234، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 154، و"تفسير غريب القرآن" ص 183، و"تهذيب اللغة" 1/ 671، و"الصحاح" 5/ 2093 (حسن).]] حالة من الجُنون كالجِلسة والرِّكبة ودخول ﴿مِّن﴾ في قوله ﴿مِّن جِنَّةٍ﴾ يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون.
قال الحسن [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 278، وابن الجوزي 3/ 296، والرازي 15/ 75، و"البحر" 4/ 431، عن الحسن وقتادة، وذكره الخازن 2/ 321 عن المفسرين.]] وقتادة [[أخرجه الطبري 9/ 136، وابن أبي حاتم 5/ 1624 بسند جيد عن قتادة مرسلًا. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 273، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ عن قتادة)، وذكره الثعلبي 6/ 26 ب، والبغوي 3/ 309، و"الكشاف" 2/ 133، عن قتادة وقال ابن حجر في "الكافي الشاف" ص 669: (أخرجه الطبري بإسناد صحيح إلى قتادة) اهـ.
وقد أخرج الطبري 19/ 118 - 123 من عدة طرق جيدة نحوه عن جماعة منه الصحابة، وعن قتادة والحسن وغيرهما بدون ذكر الآية وذلك عندما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 273.]]: (إن نبي الله ﷺ قام ليلاً على الصَّفا يدعو قريشًا فخذًا [[فخذ الرجل: نفرة من حيه الذين هم أقرب عشيرته إليه فهو فرقة من الجماعات أولها الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ، انظر: "اللسان" 6/ 3360 (فخذ).]] فيقول: "يا بني فلان يا بني فلان" [[لفظ: (يا بني فلان) ساقط من (أ).]]؛ يحذرهم بأس الله وعقابه، فقال قائلهم: إن [[لفظ: (إن) ساقط من (ب).]] صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت حتى الصباح، فأنزل الله تعالى هذا الآية)، وحثهم على التفكر في أمر الرسول ليعلموا أنه إنما دعا للإنذار لا لما نسبه إليه الجهال.
الأعراف 7:185
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. قال أهل المعاني: (حثهم الله على النظر المؤدي إلى العلم، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ ليستدلوا على أن لها صانعًا مدبرًا دبرها علي ما أراد) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 136، والبغوي 3/ 309، وابن عطية 6/ 162، وابن الجوزي 3/ 296، والرازي 15/ 76، والقرطبي 7/ 330.]]، قال الزجاج: (والمعنى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ فيما دلهم الله به على توحيده) [["معاني الزجاج" 2/ 392.]]، ومضى الكلام في معنى [[لفظ: (معنى) ساقط من: (أ).]] ﴿مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في سورة الأنعام. وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾، أي: وفيما خلق الله من الأشياء كلها، قال ابن عباس: (يريد: من جليل وصغير) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 278، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 816.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾، أي: وفي (أن) لعل آجالهم قريبة، فيهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار. و (أن) في [[في (ب): (وإن في عسى أن)، وهو تحريف.]] ﴿وَأَنْ عَسَى﴾ بمعنى: أنه، فهو مخفف [[هذا هو الظاهر فأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، وجملة: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾ خبرها، وهذا اختيار أبي حيان في "البحر" 4/ 432، والسمين في "الدر" 5/ 526، وانظر: "التبيان" ص 397، و"الفريد" 2/ 389.]] من الثقيل كقول الأعشى [["ديوانه" ص 147 والبيت:
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل
هذه رواية النحاة. أما الديوان ففيه:
أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل
وقد سبق تخريجه والكلام عليه.]]: قد علموا ... أن هالك .......
أي: أنه هالك، وقد بينا ذلك في مواضع.
قال الزجاج: (أي: إن [[في (أ): (أي إذ كانوا)، وهو تحريف.]] كانوا يسوّفون بالتوبة فعسى ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 392.]] قال ابن عباس: (يريد: قتلهم يوم بدر، ويوم أحد) [[ذكره القرطبي 7/ 334، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 78.]]
وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾. قال: (يريد: فبأي [[في (ب): (يريد فبغير قرآن).]] قرآن غير ما جاء به محمد يصدقون) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 145، وذكره "الواحدي" 2/ 279، والبغوي 3/ 309، والقرطبي 7/ 334، بلا نسبة.]]، وقال أهل المعاني: (هذا دليل على أن محمدًا خاتم الرسل وأن الوحي ينقطع بعد القرآن) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 136، والسمرقندي 1/ 586، والبغوي 3/ 309.]].
الأعراف 7:186
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، قال المفسرون: (ذكر علة إعراضهم عن الإيمان والقرآن وهو إضلال الله إياهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 137، والثعلبي 6/ 27 أ، والبغوي 3/ 309، وابن الجوزي 3/ 296، والقرطبي 7/ 334، والخازن 2/ 321.]].
وقوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ رَفْعٌ بالاستئناف، وهو مقطوع مما قبله [[هذا على قراءة الرفع، أما الجزم فلا يوقف على ما قبله ولا يبتدأ به لأنه معطوف على موضع الفاء وما بعدها من قوله: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ فلا يقطع من ذلك ، أفاده الداني في "المكتفى" ص 281، وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 672، و"القطع والائتناف" ص 267، و"التذكرة" لابن غلبون 2/ 429.]].
وقرأ [[قرأ عاصم وأبو عمرو: ﴿وَيَذَرُهُم﴾ بالياء ورفع الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء وقرأ الباقون بالنون ورفع الراء، انظر: "السبعة" ص 198، و"المبسوط" ص 187، و"التذكرة" 2/ 429، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 273.]] أبو عمرو بالياء لتقدم اسم الله [[أي: قراءة الياء على الغيبة لتقدم اسم الله تعالى وهو على لفظ الغيبة كما في "الحجة" لأبي علي 4/ 109، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 393، و"إعراب النحاس" 1/ 654.]] سبحانه، وقرأ حمزة والكسائي بالياء والجزم، ووجه ذلك فيما يقول سيبويه [["الكتاب" 3/ 90، وفيه ذكر قراءة الجزم وقال: (وذلك لأنه حمل الفعل على موضع الكلام؛ لأن هذا الكلام في موضع يكون جوابًا؛ لأن أصل الجزاء الفعل، وفيه تعمل حروف الجزاء ولكنهم قد يضعون في موضع الجزاء غيره) اهـ.]]: (إنه عطف على موضع الفاء وما بعدها من قوله: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾؛ لأن موضع الفاء مع ما بعدها جزم بجواب الشرط). فحمل ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ على الموضع، والموضع جزم، كقول أبي دواد [[أبو دواد الإيادي: جارية بن الحجاج، شاعر جاهلي قديم يضرب به المثل في الجود والإجارة، وأكثر أشعاره في المدح والفخر وأوصاف الخيل، انظر: "الشعر والشعراء" ص 140، و"الأغاني" 16/ 402، و"الأعلام" 2/ 106.]]:
فأبلوني بليتكم [[في (ب): (بلوتكم).]] لعلي ... أصالحُكم وأستدرجْ نويَّا [["ديوانه" ص 350، و"العسكريات" ص 115، و"العضديات" ص 120، و"الخصائص" 1/ 176، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 701، و"تفسير ابن عطية" 6/ 164، و"شرح شواهد المغني" 2/ 839، وبلا نسبة في "معاني الفراء" 1/ 88 - 3/ 168، و"تأويل مشكل القرآن" ص 56، و"إعراب النحاس" 3/ 439، و"الخصائص" 2/ 424، و"الأمالي" لابن الشجري 1/ 428، و"البيان" 1/ 380، و"اللسان" 5/ 3082 (علل)، و"مغني اللبيب" 4232، و"الدر == المصون" 5/ 528، ونسبه ابن هشام في "المغني" 2/ 477 للهذلي، والبيت قاله في قوم جاورهم فأساءوا جواره يقول: أحسنوا لعلي أرجع إلى جواركم، وقول: فأبلوني، أي اصنعوا بي جميلاً، وأستدرج، أي أرجع أدراجي من حيث أتيت، ونويا: يريد نواي وهي النية، والمراد: الوجه الذي يقصده، والشاهد: وأستدرج، حيث جزم على المعنى على تقدير جزم أصالحكم.]] حمل (أستدرجْ) على موضع الفاء المحذوفة من قوله: (فلعلي أصالحكم)، والموضع جزم، والحمل على الموضع كثير [[ما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 4/ 109 - 110 وأكثرهم على أنه جزم عطف على محل قوله: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ وقيل: إنه سكون تخفيف لتوالي الحركات. انظر: "معاني القراءات" 1/ 431، و"إعراب القراءات" 1/ 216، و"الحجة" لابن خالويه ص 167، ولابن زنجلة ص 303، و"الكشف" 1/ 485، و"البحر" 4/ 433، و"الدر المصون" 5/ 528.]].
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾، قال ابن عباس: (إن قومًا من اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا عن الساعة متى تكون إن كنت نبيًا؟) [[أخرجه الطبري 9/ 137 بسند لا بأس به، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 274، وزاد نسبته إلى (ابن إسحاق وأبي الشيخ) وذكره الثعلبي 6/ 17 أ، والماوردي 2/ 187، وابن عطية 6/ 165 - 166، وابن الجوزي 3/ 297، والرازي 15/ 80، والخازن 2/ 321 عن ابن عباس، وهو في "سيرة ابن هشام" 2/ 198 - 199 بلا نسبة.]]، وقال الحسن [[ذكره الماوردي 2/ 187، والواحدي في "الوسيط" 2/ 280، والرازي 15/ 80 ، عن الحسن وقتادة.]] وقتادة [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 137 - 138 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 274، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد) وذكره أكثرهم، واختار الطبري 9/ 138، عدم التخصيص، ولا يبعد حصول السؤال من الجميع، أو أن اليهود أمروا قريش أن تسأل عن ذلك. والله أعلم.]]: (هم قريش، لمحمد ﷺ: أسرَّ إلينا متى الساعة؟).
وقوله تعالى: ﴿عَنِ اَلسَّاعَةِ﴾.
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: التي لا بعدها ساعة) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 145.]].
وقال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 293، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 654.]]: (الساعة [[لفظ: (الساعة) ساقط من (ب).]] هاهنا الساعة التي يموت فيها الخلق)، وقد ذكرنا فيما تقدم معنى الساعة، وقوله تعالى: ﴿أَيّاَنَ﴾ معناه: الاستفهام [[انظر: "الكتاب" 4/ 235، و"تأويل مشكل القرآن" ص 522، و"حروف المعاني" للزجاجي ص 12، و"نزهة القلوب" ص 74، و"تهذيب اللغة" 1/ 243 (أيان)، و"المحتسب" 1/ 268، و"الصحاح" 5/ 2076 (أين)، و"الصاحبي" ص 201، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 419، والسمين في "الدر" 5/ 529: (أيان ظرف زمان مبني لا يتصرف ويليه المبتدأ أو الفعل المضارع دون الماضي وأكثر استعمالها في الاستفهام، وقد تأتي شرطية جازمة لفعلين وذلك قليل فيها).
قال أبو حيان: (وهي عندي حرف بسيط لا مركب وجامد لا مشتق).
وقال السمين: (الفصيح فتح همزتها وهي قراءة العامة وقرئ بكسرها وهي لغة سليم) اهـ.
وانظر: "الإتقان" للسيوطي 1/ 214.]] عن الوقت الذي لم يجيء، وهو سؤال عن الزمان [[في (ب): (وهو سؤال عن السؤال على جهة الظرف) وهو تحريف.]] على جهة الظرف للفعل كقول الراجز [[لم أقف على قائله وهو في: "مجاز القرآن" 1/ 234، و"تفسير الطبري" 9/ 138، والثعلبي 6/ 27 ب، والماوردي 2/ 284، وابن عطية 6/ 166، و"الفريد" للهمداني 2/ 390 ، والقرطبي 7/ 335، و"اللسان" 13/ 4 (أبن)، و"البحر" 4/ 419، و"الدر المصون" 5/ 529 وتمامه:
أما ترى لنجحها إبانا= وإبان كل شيء بالكسر والتشديد وقته وحينه الذي يكون فيه انظر: "اللسان" 1/ 12 (ابن).]]: أيان تقضي حاجتي أيانا
أي: متى أوان قضائها.
وقوله تعالى: ﴿مُرْسَاهَا﴾. المرسى: مفعل من الإرساء وهو الإثبات، يقال: رسا [[في (ب): "رسى".]] الشيء يرسو إذا ثبت وأرساه غيره، قال الله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: 32].
والمرسى [[في (ب): "والمرسا".]] هاهنا مصدر بمعنى: الإرساء كقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: 41]. أي: إجراؤها وإرساؤها [[انظر: "العين" 7/ 290، و"تهذيب اللغة" 2/ 1403، و"الصحاح" 6/ 2356، و"المجمل" 2/ 377، و"مقاييس اللغة" 2/ 394، و"المفردات" ص 354، و"اللسان" 3/ 1647 (رسا).]]، فمعنى ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ متى يقع إثباتها، قال قتادة [[أخرجه الطبري 9/ 138 بسند جيد عن قتادة، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 110، والثعلبي 6/ 27 ب، والبغوي 3/ 309، عن قتادة.]] والسدي [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1626 بسند جيد عن السدي، وذكره الماوردي 2/ 284، وهو قول الطبري 9/ 138، والسمرقندي 1/ 587.]]: (﴿مُرْسَاهَا﴾ قيامها)، وهو معنى وليس تفسير.
وقال الزجاج: (متى وقوعها) [["معاني الزجاج" 2/ 293 وهو قول اليزيدي في "غريب القرآن" ص 154، والنحاس في "إعرابه" 1/ 654.]].
وقال ابن قتيبة: (متى ثبوتها) [["تفسير غريب القرآن" 1/ 183، وهو قول مكي في "تفسير مشكل القرآن" ص 88، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 234.]]؛ وذلك أنها إذا أثبتت وقعت وثبتت [["المعاني متقاربة"، وقد أخرج الطبري 9/ 138، وابن أبي حاتم 5/ 1626 من طرق جيدة عن ابن عباس قال: (منتهاها) قال الطبري: (وهو قريب من معنى من قال: قيامها لأن انتهاءها بلوغها وقتها، وأصل ذلك الحبس والوقوف) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾. أي: العلم بوقتها و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] وقوعها، وهذا من باب إضافة المصدر [[انظر: "التبيان" 1/ 397، و"الفريد" 2/ 391، و"الدر المصون" 5/ 530.]] إلى المفعول، والمعنى: أنه مستأثر بذلك العلم فلا يعلمها إلا هو، قال أهل المعاني: (والمعنى في إخفاء أمر الساعة وعلمها عن العباد أنهم إذا لم يعلموا متى تكون كانوا على حذر منها، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة، وأزجر في المعصية) [[ذكره الرازي 15/ 80 - 81، والخازن 2/ 322، عن المحققين.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾.
قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 393.]] وابن مسلم [["تفسير غريب القرآن" ص 184، وهو قول أكثرهم.
انظر: "مجاز القرآن" 1/ 235، و"غريب القرآن" ص 155، و"تفسير الطبري" 9/ 138، و"نزهة القلوب" ص 479، و"معاني النحاس" 3/ 110، و"تفسير المشكل" ص 88.]]: (لا يظهرها في وقتها إلا هو)، وهو معنى قول مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 252، وأخرجه الطبري 9/ 138، وابن أبي حاتم 5/ 1627 من طرق جيدة، وأخرج الطبري بسند جيد عن قتادة والسدي نحوه.]]: (لا يأتي بها إلا هو)، وقال المبرد: (لا يقيمها عند وقتها إلا هو) [[لم أقف عليه، وانظر: "الكامل" للمبرد 1/ 442 و2/ 496، 1052.]]، نظيره قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: 58]. والتجلية [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 625، و"الصحاح" 6/ 2303، و"مقاييس اللغة" 1/ 468 (جلا).]] إظهار الشيء، والتجلي ظهوره، وقد مر.
وقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال ابن عباس [[أخرج أبو عبيد في كتاب: "اللغات" ص 107، و"ابن حسنون" ص 26، بسند جيد عن ابن عباس قال: (﴿ثَقُلَتْ﴾ خفيت بلغة قريش) اهـ.]]: (يريد: ثقلت على أهل السموات وأهل الأرض) [["تنوير المقباس" 2/ 145، وزكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 281، وابن الجوزي 3/ 298، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1627 بسند ضعيف عن ابن عباس في الآية، قال: (ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة) اهـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 274.]]؛ يريد: كلهم خائفون من الله، المحسن والمسيء؛ وهذا معنى قول الحسن [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 139، وابن أبي هاشم 5/ 1627 بسند ضعيف، وذكره هود الهواري 2/ 63، والثعلبي 6/ 27 ب، والمارودي 2/ 285، والبغوي 3/ 310، وابن عطية 6/ 167، والرازي 15/ 81.]]؛ يقول: (إذا جاءت ثقلت على السموات والأرض وأهلهما [[في (ب): (وأهلها).]]، أي: كبرت وعظمت لما فيها من انتشار النجوم، وتكوير الشمس، وتسيير الجبال).
ونحو من ذلك قال ابن جريج [[أخرجه الطبري 9/ 139، بسند جيد عن ابن جريج، وقتادة والسدي، وذكره ابن عطية 6/ 167، وابن الجوزي 3/ 298، والقرطبي 7/ 335، عن ابن جريج، وقتادة والسدي، وذكره الماوردي 2/ 285، عن ابن جريج والسدي.]]، وقتادة والكلبي [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 244، بسند جيد عن قتادة والكلبي، وأخرجه ابن أبي حاتم 2/ 285، بسند جيد عن قتادة.]]: (ثقل علمها على أهل السموات وأهل [[لفظ: (أهل) ساقط من (ب).]] الأرض [[في (ب) جاء بعد قوله: (والأرض) تكرار قوله: "وأهلها أي كبرت وعظمت، إلى (والأرض).]]، فلم يطيقوا إدراكًا لها) [[إدراكًا لها: أي تحديد وقتها، وأصل الإدراك اللحوق، وأدرك الشيء أي بلغ وقته، انظر: "اللسان" 3/ 1363 (درك).]]، وهو قول السدي [[أخرجه الطبري 9/ 139، وابن أبي حاتم 5/ 1627، بسند جيد، وذكره الرازي 15/ 81.]]، واختيار الفراء وابن قتيبة.
[قال الفراء: (ثقل علمها على أهل الأرض والسماء أن يعلموه) [["معاني الفراء" 1/ 399، وهو قول ابن الأنباري في "الإيضاح" 2/ 673.]].
وقال [[في (أ): (فقال).]] ابن قتيبة: (أي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] خفي علمها على أهل السموات والأرض وإذا خفي الشيء ثقل) [["تفسير غريب القرآن" ص 184، وهو قول أكثرهم، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 235، و"نزهة القلوب" ص 184، و"معاني النحاس" 3/ 111، و"تفسير المشكل" ص 88، والظاهر أن الأقوال متقاربة والمعنى: ثقل علمها على أهل السماء والأرض وعظم شأنها وثقل وقوعها، والرب تقول لكل شيء عظيم أو نفيس أو خطير: ثقيل، انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 490 (ثقل).]]، وذكر أبو إسحاق القولين جميعًا فقال: (قال بعض القوم: ثقل علمها على أهل السموات [[في (ب): خلط فجاء: "على أهل الأرض والسماء أن يعلموه، وقال ابن قتيبة: أي على أهل السموات والأرض، وقال قوم .. ".]] والأرض، وقال قوم: ثقل وقوعها على أهل السموات والأرض، ثم أعلم الله عز وجل كيف وقوعها فقال: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾، أي: فجأة) [[لم يذكر الزجاج في "معانيه" 2/ 293 إلا القول الثاني مع أنه قال: (قيل: فيه قولان قال: قوم ثقل وقوعها ..).]] على غفلهَ منكم وذلك أشدّ لها كما قال [["الشاهد" ليزيد بن صبة الثقفي في "مجاز القرآن" 1/ 193، و"الكامل" للمبرد 1/ 151، و"اللسان" 1/ 317 (بغت)، و"عمدة الحفاظ" ص 56، وبلا نسبة في: "العين" 4/ 397، و"الجمهرة" 1/ 255 - 2/ 1043، و"الزاهر" 2/ 6، و"البارع" ص 356، و"تهذيب اللغة" 1/ 364، و"الصحاح" 1/ 243، و"المجمل" 1/ 130، و"مقاييس اللغة" 1/ 272 (بغت)، و"تفسير الماوردي" 2/ 285، وأوله: ولكنَّهم بانوا ولم أدر بغتة.]]:
وأفظع شيء حين يفجؤك [[في النسخ: (يفجأك)، وهو خلاف ما في المراجع.]] البغتُ
و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾. قال الفراء [[لم أقف عليه، وفي "معاني الفراء" 1/ 399 قال: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ مقدم ومؤخر ومعناه: يسألونك عنها كأنك حفي بها، ويقال: في "التفسير" كأنك حفي أي: كأنك عالم بها) اهـ.
وقال أبو علي الفارسي في "البصريات" ص 1/ 465: (﴿حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ أي: عالم بها) اهـ.]]: (جاء في التفسير عن ابن عباس [[أخرج الطبري 9/ 140، 141، وابن أبي حاتم 5/ 1628 بسند جيد عن ابن عباس قال: (أي: كأنك يعجبك سؤالهم إياك: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾) اهـ. وأخرجا عنه بسند ضعيف قال: (أي: كأنك بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم) اهـ. وأخرج الطبري بسند ضعيف عنها قال: (أي: قرب منهم وتحفى عليهم) اهـ. وقال اليزيدي في "غريب القرآن" ص155: (أي: عالم بها والمعنى: يسألونك == كأنك تحفي. وجاء عن ابن عباس أنه قال: كأنك حفي بهم أي: فرح بهم حين يسألونك. ويقال للقاضي والحاكم: الحافي، وقد تحفينا إلى فلان إذا تحاكمنا) اهـ.]]، كأنك حفيّ بهم إذا سألوك حين يسألونك عنها أي: فرح بهم). لعلى هذا التقدير: يسألونك عنها كأنك حفي بهم أي: بارّ بهم لطيف.
قال ابن الأعرابي: (يقال: حَفِي بي حفاوة، وتحفى بي تحفيًا، والتحفي: الكلام واللقاء الحسن) [["تهذيب اللغة" 1/ 859، وانظر: "العين" 3/ 305، و"مجالس ثعلب" ص 350، و"المنجد" لكراع ص 117، "الجمهرة" 1/ 557، و"الصحاح" 6/ 2316، و"المجمل" 1/ 243، و"مقاييس اللغة" 2/ 83، و"المفردات" ص 245، و"اللسان" 2/ 935 (حفاً).]]، ومنه قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47]. أي: بارًا لطيفًا يجيب [[في (ب): (ويجيب).]] دعائي إذا دعوته، وهو [[في (ب): (وهذا).]] قول الحسن [[ذكره هود الهواري 2/ 63، والرازي 15/ 82.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 245 بسند جيد. وذكره ابن عطية 6/ 167، والرازي 15/ 82.]] والسدي [[أخرجه الطبري 9/ 141 بسند جيد، وذكره الرازي 15/ 82.]]، ويؤيد هذا القول ما روي في "التفسير": (إن قريشًا قالت لمحمد: إن بيننا وبينك قرابة، فأسر إلينا متى الساعة؟ فقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾) [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 140، وابن أبي حاتم 5/ 1628 من طرق جيدة عن قتادة وهو مرسل.]]، أي: كأنك صديق لهم، بار بهم، فهم يدلون إليك بالقرابة في طلب علم الساعة يعني: أنك لا تكون حفيًّا بهم ما داموا على كفرهم، وقال [[يعني ابن عباس بعد ذكر رواية الفراء عنه.]] في رواية عطاء: (﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، يريد: خابرٌ بأمرها) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1628 بسند ضعيف، وأخرج ابن حسون في كتاب "اللغات" ص 34، و"الوزان" 6 أبسند جيد عنه قال: (عالم بلغة قريش) اهـ.]]. وهو قول مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 251 - 252. وأخرجه الطبري 9/ 1416، وابن أبي حاتم 5/ 1628 من طرق جيدة، وفي رواية عند الطبري قال: (حفي بهم حين يسألونك) وفي رواية: (استحفيت عنها السؤال حتى علمتها)، وصحح هذه الرواية ابن كثير في "تفسيره" 2/ 301، وجاء في رواية عند ابن أبي حاتم قال: (حفي بهم تشتهي أن يسألونك عنها).]]. والضحاك وابن زيد [[أخرجه الطبري 9/ 141 من طرق جيدة عن الضحاك وابن زيد، وذكره الثعلبي 6/ 28 أعن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك.]] ومعمر [[أخرجه الطبري 9/ 141 بسند جيد عن معمر بن راشد الأزدي عن بعضهم، ولعله الكلبي كما أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245 عن معمر عن الكلبي، وذكره الماوردي 2/ 285، عن مجاهد والضحاك وابن زيد ومعمر.]] قالوا: (معناه: كأنك عالم بها). واختاره ابن قتيبة، وعلى هذا القول ﴿حَفِيٌّ﴾ فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال، ومن أكثر [[في (ب): (ومن كبر)، وهو تحريف.]] السؤال والبحث عن الشيء علمه، فحقيقة معنى ﴿حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [كأنك أكثرت المسألة، قال ابن قتيبة: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، (أي: معنيُّ بطلب علمها، ومنه يقال: تحفى فلان بالقوم) [["تفسير غريب القرآن" ص 184، ومثله قال السجستاني في "نزهة القلوب" ص 203، ومكي في "تفسير المشكل" ص 88.]].
وقال أبو عبيدة: (هو [[في (أ): (وهو).]] من قولهم: تحفى فلان بالمسألة أي: استقصى) [["تفسير الرازي" 15/ 82، وفي "مجاز القرآن" 1/ 235 قال: (أي: حفي بها ومنه قولهم: تحفيت به في المسألة) اهـ.]].
وقال ابن الأنباري: (﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، أي: سؤول عنها، والحفي الشديد السؤال، ومن ذلك قول الأعشى [["ديوان الأعشى الكبير" ص 151، و"العين" 3/ 306، و"تهذيب اللغة" 1/ 859، و"الصحاح" 6/ 2316، و"المجمل" 1/ 243، و"مقاييس اللغة" 2/ 83، و"الفريد" 2/ 392، و"تفسير القرطبي" 7/ 336، و"اللسان" 2/ 935 - 936 (حقاً)، و"الدر المصون" 5/ 532، وحفي أي: سأل عن حاله مبالغ في إكرامه والتلطف به، وأصعد أي: ذهب في البلاد.]]:
فإن تسألي عني في ربَّ سائلٍ ... حفي عن الأعشى به حيث أصعدا) [["شرح القصائد" ص 447، و"الزاهر" 1/ 348، و"تهذيب اللغة" 1/ 859، قال في "شرح القصائد" أي: كأنك معني بها مستقصٍ في السؤال عنها.]]
وذكر أبو إسحاق القولين وقرب بينهما فقال: (﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ أي: كأنك فرح بسؤالهم، يقال: قد تحفيت بفلان في المسألة [[في (ب): (بالمسألة).]] إذا سألت عنه سؤالًا، أظهرت فيه المحبة والبر، قال: وأحفى فلان بفلان في المسألة فإنما تأويله: الكثرة، قال: وقيل: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ كأنك أكثرت المسألة عنها) [["معاني الزجاج" 2/ 393 - 394.]]؛ فالقولان راجعان إلى كثرة السؤال؛ لأن العالم بالشيء هو الذي أكثر السؤال عنه حتى تيقنه، واللطيف البار بالإنسان بكثير [[في (ب): (بكثرة)، وهو تحريف.]] السؤال عنه وعن أحواله [[والراجح -والله أعلم- أن المعنى: كأنك عالم بها وقد أخفى الله علمها على خلقه لأنه ظاهر الآية، قال ابن كثير 2/ 302: (هذا القول أرجح في المقام) اهـ.
وقال الشوكاني في "تفسيره" 2/ 398 - 399، وصديق خان في "فتح البيان" 5/ 94: (هذا هو معنى النظم القرآني على مقتضى المسلك العربي) اهـ.]].
قاما قوله ﴿حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، والحفاوة إنما توصل بالباء كقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47].
قال الفراء [["معاني الفراء" 1/ 399، وهو قول الداني في "المكتفى" ص 282.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 393 وهو قول النحاس في "معانيه" 3/ 111، وانظر: "القطع" للنحاس 1/ 268.]] وابن الأنباري [["الزاهر" 1/ 348 وهو قول اليزيدي في "غريبه" ص 155، والسجستاني في "نزهة القلوب" ص 203، وحكاه النحاس في "إعرابه" 1/ 654 - 655، والثعلبي 6/ 28/ أعن أهل التفسير، وقال السمين في "الدر" 5/ 531: (لا حاجة إلى التقديم والتأخير لأن هذه كلها متعلقات للفعل فجملة ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ حال من مفعول ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ معترض وصلتها محذوفة أي: حفي بها أو عن بمعنى: الباء ويضمن معنى شيء يتعدى بعن أي: كأنك كاشف بحفاوتك عنها) اهـ. بتصرف.]]: (هو على التقديم والتأخير، أي ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ عنها [[في (ب): (عنهما)، وهو تحريف.]] ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ فعن من صلة السؤال)، وقال قوم [[وهو قول الطبري 9/ 142، وحكاه النحاس في "إعرابه" 1/ 655، عن المبرد قال: (المعنى ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بالمسألة عنها أي: مُلح) اهـ.]]: (معنى ﴿حَفِيٌّ﴾ سؤول) كما ذكرنا، وإذا كان بمعنى: السؤال صح أن يوصل بعن كبيت [[في (ب): (كقول).]] الأعشى.
وقال أبو علي الفارسي: (الآية تحتمل أمرين، أحدهما: أن تجعل ﴿عَنْهَا﴾ متعلقًا بالسؤال كأنه ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ عنها ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بها فحذف الجار والمجرور، وحسن ذلك لطول الكلام بِعَنْهَا التي من صلة السؤال، قال [[هذا هو الثاني وذكر الطبري 9/ 140 - 142 مثله.]]: ويجوز أن يكون ﴿عَنْهَا﴾ بمنزلة بها، وتصل الحفاوة مرة بالباء، ومرة بعن، كما أن السؤال يوصل بهما) [["الحجة" لأبي علي 2/ 214، وانظر: "غرائب الكرماني" 1/ 430، و"التبيان" ص 397، و"الفريد" 2/ 391، و"البحر" 4/ 435.]]، وذكرنا [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 83 أ.]] ذلك في قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: 119].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. أعاد هذا لأن هذا الثاني وصل [[في (أ): (واصل).]] بقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أن علمها عند الله حين سألوا محمدًا عما لم يطلعه [[في (ب): (لم أطلعه عليه)، وهو تحريف.]] الله عليه ولا أحدًا من خلقه [[في (ب): (خلقي)، وهو تحريف.]]، وهذا معنى قول ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 142، وابن أبي حاتم 5/ 1629، بسند ضعيف عن ابن عباس في الآية قال: (لما سأل الناس محمدًا ﷺ عن الساعة سألوه سؤال قوم وكأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده استأثر بعلمها فلم يُطلع عليها ملكًا ولا رسولاً) اهـ.
وكرر الجواب لتقرير الحكم، وتأكيده ولكل أن ذلك الجواب لا يرجى غيره، وأن الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ حقيقي، ولما تضمنه قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ من الزيادة والإنكار، وقيل: السؤال الأول: عن وقت قيام الساعة، والثاني: عن مقدار شدتها ومهابتها. انظر: "الكشاف" 2/ 134 - 135، مع "حاشية ابن المنير" عليه ، وابن عطية 6/ 169، والرازي 15/ 82، وابن عاشور 9/ 205 - 206.]].
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ الآية [الأعراف:188]. اختلفوا في وجه تفسير هذه الآية، فقال [[في (ب): (فقال مقال مقاتل هذه ..).]] مقاتل: (هذه الآية متصلة بما قبلها، ومعنى قوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ لا أملك أن أسوق إليها خيرًا أو أدفع عنها سوءًا حين ينزل بي، فكيف أعلم وأملك علم الساعة) [["تفسير مقاتل" 2/ 78، وذكره الثعلبي 6/ 28 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. أي: إلا ما شاء الله أن يملكني إياه بالتمكين منه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾. أي: من معرفته حتى أجيب في كل ما أُسأل عنه من الغيب في الساعة وغيرها، وحتى لا يخفى علي شيء، وتم الكلام [[قال الداني في "المكتفى" ص 282: (قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 187] وقف تام وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 188] كافٍ. وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أكفى منه وقوله ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 188] تام) اهـ. ونحوه قال ابن الأنباري في "الإيضاح" 2/ 673 والنحاس في "القطع" 1/ 268، وذكر قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 15/ 84 - 85، وقال: (هذا عندي بعيد جدًا، يوجب تفكيك نظم الآية) اهـ.
وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 437: (هذا القول فيه تفكيك لنظم الكلام واقتصار على أن يكون جواب لو ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف:188] فقط، وتقدير حصول علم الغيب يترتب عليه الأمران، لا أحدهما، فيكون إذ ذاك جوابًا قاصرًا) اهـ.]] هاهنا. ثم قال: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. أي: ليس بي جنون، وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [[في (ب) كما ذكرنا في قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ وهي الآية (46) من سورة سبأ، وانظر: "البسيط النسخة الأزهري" 4/ 170 ب سورة سبأ تفسير الآية (46).]] [الأعراف: 184] فقال: {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
قال ابن عباس: (﴿نَذِير﴾ لمن لا يصدق بما جئت به، ﴿بشِيرٍ﴾ لمن اتبعني وآمن بي) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 282، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1630، بسند جيد عنه قال: (نذير من النار ومبشر بالجنة) اهـ.]]، وعلى هذا فلم يذكر إحدى الطائفتين لدلالة الكلام عليه كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81].
ويجوز أن يكون نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ للمؤمنين مخصوصًا هاهنا، وإن كان بعث إلى الكافة بالتبشير والإنذار؛ لأن نفع ذلك عاد إلى المؤمنين فاختصوا به واختص بهم كما قال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [[في: (أ): (إنما أنا منذر)، وهو تحريف.]] [النازعات: 45]. وقد مضى [[انظر: "البسيط" تفسير سورة البقرة الآية (119).]] لهذا ما يشبهه [[في (ب): (ما يشبه)، وهو تحريف.]] من النظائر.
وقال ابن عباس: (إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري [[في (ب): (فنشتري من الرخيص لنربح عليه).]] لتربح عليه عند الغلاء، وبالأرض التي تريد أن تجدب فترتحل [[في (ب): (فيرتحل).]] منها، فأنزل الله هذه الآية) [[ذكره الثعلبي 6/ 28 أ، والبغوي 3/ 310، وابن الجوزي 3/ 299، والخازن 2/ 323، و"البحر" 4/ 435 - 436، عن ابن عباس، وذكره السمرقندي 1/ 587، والواحدي في "الوسيط" 2/ 282، و"أسباب النزول" ص 232، عن الكلبي.]].
فعلى هذا معنى قوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا﴾، أي: اجتلاب نفع بأن أربح، ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: دفع ضر بأن أرتحل عن الأرض التي تريد أن تجدب [[هذا قول الفراء في "معانيه" 2/ 400، ورواه ابن أبي حاتم 5/ 1629، بسند ضعيف عن ابن عباس، وذكره الماوردي 2/ 285 - 285، وقال: (هذا قول شاذ) اهـ.]]، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن أملكه، ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: ما يكون قبل أن يكون، ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، [أي: لاحتجزت في زمان الخصب لزمن الجدب. ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، وما أصابني الضر والفقر.
وقال ابن جريج [[أخرجه الطبري 9/ 142، بسند جيد، وذكره الثعلبي 6/ 28 أ، والماوردي 2/ 285، والبغوي 3/ 311، والسيوطي في "الدر" 3/ 276.]]: (﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾، يعني: الهدى والضلالة. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ متى أموت. ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] من العمل الصالح على حسب علمي به) أي: إن من يعلم الغيب إنما يعمل الأفضل لعلمه بعلوه على الأدون. ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، أي: واجتنبت ما سيكون من الشر واتقيته. قاله ابن زيد [[أخرجه الطبري 9/ 143، وذكره الثعلبي 6/ 28 ب، والبغوي 3/ 311، والسيوطي في "الدر" 3/ 276.]] وهذا مذهب الحسن [[في (ب): "الحسين" وهو تصحيف. وذكره الماوردي 2/ 286، وابن الجوزي 3/ 300، والقرطبي 7/ 337، عن الحسن البصري.]] الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 146.]]، وقد حصل في تفسير هذه الآية ثلاثة [[والظاهر العموم وعدم التعيين في النفع والضر والغيب وتحمل الأقوال على التمثيل لا الحصر وهذا هو اختيار الجمهور.
انظر: الطبري 142 - 143، و"معاني الزجاج" 2/ 394، و"النحاس" 3/ 112 ، و"إعراب النحاس" 1/ 655، و"تفسير ابن عطية" 6/ 170، وابن الجوزي 3/ 299، والرازي 15/ 83 - 84، والقرطبي 7/ 339، و"البحر" 4/ 437.]] أوجه، وفيها تكذيب للقدرية [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 83 - 84]] حيث جوّزوا أن يستبد الإنسان بقدرة يجتلب بها المنافع ويدفع بها المضار.
الأعراف 7:189
و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 146، وذكره الرازي 15/ 85، والسيوطي في "الدر" 3/ 278.]] والمفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 143، وأخرجه بسند جيد عن قتادة والسدي، وبسند ضعيف عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1630 بسند ضعيف عن الضحاك، وقال ابن أبي حاتم: (وروي عن مجاهد وأبي مالك وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك) اهـ.
وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 394، و"النحاس" 3/ 113، و"تفسير السمرقندي" 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 ب، والماوردي 2/ 75، وقال القرطبي 7/ 337: (قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم) اهـ.]]: (يعني: آدم). ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ كما قال في سورة النساء: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1].
وقوله تعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾. قال ابن عباس: (يريد: ليأنس بها ويأوي إليها) [[ذكره الثعلبي 6/ 28 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 282، والبغوي 3/ 311، والقرطبي 7/ 337، الخازن 2/ 324 بلا نسبة، ونحوه قال الطبرى 9/ 143، وانظر: السمرقندي 1/ 588، والماوردي 2/ 75.]].
قال أهل المعاني: (والحكمة في أن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم هو أن يكون آدم إليها أميل، ولها آلف وأحب؛ إذ الشكل إلى شكله أحب [[لفظ: (أحب) غير واضح في (أ)، وكأنه: (أجذب)]]، ولذلك كانت الأشياء تحن إلى أشكالها، وتهرب من أضدادها) [[انظر: الرازي 15/ 89، و"البحر" 4/ 439.]]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾. قال المفسرون [[انظر: الطبري 9/ 143، السمرقندي 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 ب، والماوردي 2/ 75.]]: (جامعها)، قال أبو إسحاق: (كنى به عن الجماع أحسن كناية) [["معاني الزجاج" 2/ 395، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 113.]] ، والغِشيان [[انظر: "العين" 4/ 429، و"تهذيب اللغة" 3/ 2669، و"الصحاح" 6/ 2446، و"مقاييس اللغة" 4/ 425، و"المفردات" ص 606، و"اللسان" 6/ 3262 (غشى).]] إتيان الرجل المرأة، وقد غَشِيها وتغشاها إذا علاها، ومثله تَجلَّلها [[تَجَلَّلَه، بالفتح: علاه، وجلال كل شيء، بالكسر: غطاؤه، انظر: "العين" 6/ 17، و"تهذيب اللغة" 1/ 641، و"الصحاح" 4/ 1658، و"اللسان" 2/ 664 (جلل).]].
وقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾، قالوا [[انظر: الطبري 9/ 143، و"معاني الزجاج" 2/ 395، والسمرقندي 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 أ، والماوردي 2/ 75.]]: (يريد: النطفة والمني)، والحمل [[لفظ: (والحمل ما كان في) غير واضح في: وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 236، و"معاني الأخفش" 2/ 315، و"غريب القرآن" ص 155، و"نزهة القلوب" ص 203 - 208، و"إعراب النحاس" 1/ 656.]] ما كان في البطن أو على رأس الشجر [[الحمل، بفتح الحاء: وما ذكر هو قول الزجاج والمشهور عن أهل اللغة أما الحمل بالكسر فهو ما كان على ظهر أو رأس غير شجرة، وحكي في حمل الشجرة لغتان الفتح والكسر وقيل: ما ظهر فهو حمل بالكسر، وما بطن فهو بالفتح، وقيل: ما كان لازمًا للشيء فهو حمل بالفتح، وما كان بائنًا فهو بالكسر، قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 925: (الصواب الأول)، وانظر: "العين" 3/ 240، و"الجمهرة" 1/ 566، و"الصحاح" 4/ 1676، و"المجمل" 1/ 252، و"مقاييس اللغة" 2/ 106، و"المفردات" ص 257، و"اللسان" 2/ 1002 (حمل).]].
وقوله تعالى: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾. أي: استمرت بذلك الحمل الخفيف، وقامت وقعدت لم يُثقلها.
قال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 146، وهو قول الأكثر، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 236، و"تفسير غريب القرآن" ص 184، و"تفسير الطبري" 9/ 144، وقد أخرج من طرق جيدة نحوه عن مجاهد والحسن وقتادة والسدي، وانظر: "نزهة القلوب" ص 203، و"معاني النحاس" 3/ 113، والسمرقندي 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 ب، والماوردي 2/ 75.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 395، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 400.]]: وقوله: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾. أي: صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها. ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾. يعني: آدم وحواء [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 144، و"معاني الزجاج" 2/ 395، و"النحاس" 3/ 114، والسمرقندي 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 ب، والماوردي 2/ 75.]]. ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ بشرًا سويًا مثلنا، وذلك أنهما أشفقا أن يكون بهيمة أو شيئًا سوى الإنسان، ويأتي بيان هذا في الآية الثانية.
الأعراف 7:190
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾.
قال المفسرون [[ذكره عن المفسرين ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 258، والواحدي في "الوسيط" 2/ 283، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 400، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 184، و"معاني الزجاج" 2/ 395، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 45، والقرطبي 7/ 338.]]: (لما حملت حواء أتاها إبليس في غير صورته التي عرفته حواء، وقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت ما أدري. قال: إني أخاف أن يكون بهيمة أو كلبًا أو خنزيرًا، وما يدريك من أين يخرج أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك، فخافت حواء، فذكرت ذلك لآدم، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها، وقال: إن سألت الله أن يجعله خلقًا سويًّا مثلك، ويسهل عليك خروجه حتى تلقيه من بطنك سهلاً أتسمينه [[في (ب): "تسميه".]] عبد الحارث؟ ثم لم يزل بها حتى غرّها، فلما ولدت ولدًا سويَّ الخلق سمته عبد الحارث برضا آدم وعلمه، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾)، أي: لما آتاهما ولدًا سويًا ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ قال ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 146، وابن أبي حاتم 5/ 1633 - 1634، من طرق يقوي بعضها بعضًا، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ضعيف عن ابن عباس عن أبي بن كعب، وأخرج أيضًا من طريق جيد رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس قال: (في هذه الآية ما أشرك آدم وإن أولها شكر وإن آخرها مثل) اهـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 277، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وفيه: (وآخرها مثل ضرب لمن بعده).]]. (يريد: في تسميتهما [[في (ب): (في تسميتها).]] عبد الحارث).
و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال الفراء: (﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ إذ قالت: عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله [[في (ب): (إلا الله)، وهو تحريف.]]. قال: ولم تعرفه أنه إبليس) [["معاني الفراء" 1/ 400.]].
وذكر ابن زيد (إن النبي ﷺ قال: "خدعهما مرتين، خدعهما [[لفظ: (خدعهما) ساقط من (ب).]] في الجنة، وخدعهما في الأرض") [[أخرجه الطبري 9/ 150، وابن أبي حاتم 5/ 1635 بسند جيد عن عبد الرحمن بن زيد وهو مرسل ضعيف وعند ابن أبي حاتم: (قال رسول الله ﷺ: "خدعهما مرتين"). قال زيد بن أسلم: (خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض).
وذكره الثعلبي 6/ 30 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 283، والبغوي 3/ 313 ، والسيوطي في "الدر" 3/ 277.]].
وهذا الذي ذكرنا معنى قول سعيد بن جبير [[أخرجه الطبري 9/ 147، وابن أبي حاتم 5/ 1634 من طرق جيدة.]] والكلبي [[لفظ: (والكلبي) ساقط من (ب)، وقد أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 245، بسند جيد عن الكلبي، وذكره هود الهواري 2/ 65، والثعلبي 6/ 29 أ.]] وأكثر أهل التفسير [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 146 - 149، والسمرقندي 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 ب، والماوردي 2/ 286 - 287، و"الدر المنثور" 3/ 277، وقال الطبري: (أجمع أهل التأويل على أن المعني بذلك: آدم حواء، وأنهما ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ في الاسم لا في العبادة) اهـ. بتصرف.
وقد أخرج أحمد والترمذي رقم (3077) كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأعراف، والطبري 9/ 146، وابن أبي حاتم 5/ 1635، والحاكم في "المستدرك" 2/ 545 كلهم عن عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: (لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسموه عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره) اهـ.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمر عن قتادة ورواه بعضهم ولم يرفعه) اهـ.
وأخرجه ابن عدي في "الكامل" 6/ 89، وقال: (هذا لا أعلم يرويه عن قتادة غير عمر وحديثه عن قتادة مضطرب وهو مع ضعفه يكتب حديثه) اهـ، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في "التلخيص" وقال في "الميزان" 3/ 179: (هو حديث منكر) اهـ، والحديث ضعيف لأن فيه عمر بن إبراهيم العبدي قال الحافظ في "التقريب" ص 410 رقم (4864): (صدوق، في حديثه عن قتادة ضعف) اهـ. وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 304 - 305، و"البداية والنهاية" 1/ 96: (الحديث معلول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن عمر وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، الثاني: أنه روى موقوفًا على سمرة، كما أخرجه الطبري 13/ 310، وهذه علة قادحة في الحديث، وهو أشبه، والمقطوع أن رفعه خطأ والصواب وقفه، الثالث: أن الحسن البصري فسر الآية بغير هذا فلو كان == عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه وقد أخرج تفسيره الطبري 9/ 148 بأسانيد صحيحة ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله ﷺ لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ويحتمل أنه تلقاه من بعض من آمن من أهل الكتاب) اهـ. مجموع بتصرف.
أما الآثار عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فجزم ابن كثير في "تفسيره" 2/ 306 أنها مأخوذة عن أهل الكتاب قال: (روى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه، وقد تلقى هذه الآثار عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة وكأنه والله أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب، وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب وأخبارهم على ثلاثة أقسام، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافة من الكتاب والسنة أيضاً، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته وهو الذي لا يصدق ولا يكذب، وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث) اهـ. ملخصًا.
وكذلك ضعف الحديث وجعل الروايات من الإسرائيليات ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 819 - 820، والقرطبي 7/ 337، والألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" 1/ 348 رقم 342، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين في القول المفيد على كتاب "التوحيد" 3/ 67، ومحمد أبو شهبة في الموضوعات والإسرائيليات في كتب "التفسير" ص 209 - 215، وانظر: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" 2/ 614، و"الدر النضيد على أبواب التوحيد" ص 285، و"تخريج الأحاديث المنتقدة في كتاب التوحيد" للشيخ فريج صالح البهلال ص 109.]].
واختلف القراء في قوله: ﴿شُرَكَاءَ﴾. فقرأ نافع [[قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم: (جَعَلاَ لَهُ شِرْكَا) بكسر الشين وسكون الراء وتنوين الكاف من غير مد ولا همز، وقرأ الباقون: ﴿شُرَكَاءَ﴾ بضم الشين وفتح الراء والمد وهمزة مفتوحة من غير تنوين جمع شريك. == انظر: "السبعة" ص 299، و"المبسوط" ص 187، و"التذكرة" 2/ 430، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 273.]] وأبو بكر.
﴿شِرْكاً﴾ بكسر الشين، وهذا يتوجه على حذف المضاف بتقدير: جعلا له ذا شرك أو ذوي شرك، فإذا جعلا له ذوي شرك فقد جعلا له شركاء، فالقراءتان تؤولان إلى معنى واحد، والضمير في: ﴿لَهُ﴾ يعود إلى اسم الله كأنه ﴿وجَعَلَا﴾ لله ﴿شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. قال أبو الحسن [["معاني الأخفش" 2/ 216.]]: (وكان ينبغي لمن قرأ: (شركًا) أن يقول المعنى: (جعلا لغيره شركًا)؛ لأنهما لا ينكران أن الأصل لله عز وجل، فالشرك إنما يجعل [[في (أ): (يجعله).]] لغيره)، حكاه الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 396.]] وأبو علي هذا [[كذا في الأصول أي: حكاه أبو علي عن الأخفش، و"الحجة" 4/ 111 - 112، وفي "معاني الأخفش" 2/ 316: (قال بعضهم: (شركًا) لأن الشرك إنما هو الشركة، وكان ينبغي في قول من قال هذا أن يقول: فجعلا لغيره شركًا فيما آتاهما) اهـ، وذكر النحاس في "إعرابه" 1/ 656.]] عن أبي الحسن، ثم قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 396، ومثله قال النحاس في "إعرابه" 2/ 656 - 657.]]: (هذا على معنى: جعلا له ذا شرك، فحذف ذا، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82].
وقال أبو علي: (يجوز أن يكون الكلام على ظاهرة ولا يقدر حذف المضاف في قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ﴾، وأنت تريد لغيره، ولكن [[لفظ: (ولكن) ساقط من (أ).]] تقدر حذف المضاف إلى شركٍ، كما ذكرنا [[جاء بعده في "الحجة" 4/ 112: (فيكون المعنى: جعلا له ذوي شرك وإذا جعلا له ذوي شرك وإن في المعنى مثل جعلا لغيره شركًا) اهـ.]] فلا يحتاج إلى تقدير: جعلا لغيره شركًا؛ لأن تقدير حذف المضاف من شرك بمنزلة جعلا لغيره شركًا) [["الحجة" لأبي علي 4/ 111 - 112.]]، وتقدير [[انظر: "المشكل" 1/ 307، و"البيان" 1/ 381، و"التبيان" 1/ 398، و"الفريد" 2/ 394، و"الدر المصون" 5/ 535.]] حذف المضاف من ﴿شركًا﴾ أحسن وأولى من تقدير حذفه من قوله: ﴿لَهُ﴾ [[لفظ: (له) ساقط من (ب).]].
قال الزجاج: (ومن قرأ ﴿شركًا﴾ فهو مصدر شركت الرجل [[في (ب): (شركت بالرجل)، وهو تحريف.]] أشركه شركًا) [["معاني الزجاج" 2/ 396.]]، ومن قرأ ﴿شُرَكَاءَ﴾ فحجته [[هذا من "الحجة" لأبي علي 4/ 112، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 431، و"إعراب القراءات" 1/ 216، و"الحجة" لابن خالويه ص 168، لابن زنجلة ص 304، و"الكشف" 1/ 486.]] قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: 16]، وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس، أوقع الجمع موقع الواحد، وذلك أن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين [[انظر: "تفسير الطبري" 149.]]، فإن قيل: كيف أضيف الشرك إلى آدم وحواء مع منزلتهما من دين الله؟، والجواب عن هذا: ما روي عن قتادة أنه قال: (أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة) [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 147، وابن أبي حاتم 5/ 1634 ، و"الداني في المكتفى" ص 283 من عدة طرق جيدة وذكره يحيى بن سلام في "التصاريف" ص 106، السمرقندي 1/ 588، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 279 ، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر) قال: و (أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس مثله) وذكره الثعلبي 6/ 30 أعن المفسرين.]]، يعني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد مضافًا إلى من لا يراد أنه مملوك له كقوله [[البيت لحاتم الطائي في "ديوانه" ص 44، و"تفسير الثعلبي" 6/ 30 أ، والقرطبي 7/ 339، وهو لقيس بن عاصم المنقري في "الكامل" للمبرد 2/ 179، وللمقنع الكندي في "أمالي القالي" 1/ 281، وبلا نسبة في: "عيون الأخبار" 1/ 266، و"الوسيط" للواحدي 2/ 284، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 353، والرازي 15/ 88، والخازن 2/ 325 وعجزه:
وما فيَّ إلا تلك من شيمة العبدِ]]:
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا
يريد: أنه خاضع له مطيع، ولم يرد أن الضيف ربه، وقد يقع الاشتراك في الاسم مع وقوع اختلاف في المعنى كما يقال لمملوك زيد: هذا عبد زيد، ثم يقال: إنه عبد الله، فقد جمعهما اللفظ، والمعنى مختلف [[ذكر الطبري في "تفسيره" 9/ 148: (إجماع أهل التأويل على أن المراد الشرك في الاسم لا في العبادة).]]، يدل على صحة هذا المعنى ما روي أنه قيل لسعيد بن جبير: (أشرك آدم؟ فقال: معاذ الله، ولكن حواء لما حملت أتاها إبليس فقال: أخبريني عن الذي في بطنك أتلدينه من عينك أم من فيك أم من أنفك؟ قالت: لا علم لي [[لفظ: (لي) ساقط من (ب).]] بذلك.
قال: فإن سألت الله عز وجل أن يسهل أمر الولادة عليك أتسمينه باسمي؟ قالت: نعم، وخبرها أن اسمه الحارث، فلما ولدت سمت الولد عبد الحارث، فذلك قول الله عز وجل: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 148، و"التاريخ" 1/ 149 بسند ضعيف.]].
قال أبو علي: (فعلى هذا التقدير: جعل أحدهما، فحذف المضاف كقوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31].
وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22]) [["الحجة" 4/ 112 - 113 وزاد فيه: (فيكون الذي جعل له شركًا أحدهما ويخرج آدم من أن ينسب إليه ذلك) اهـ.
وهذا القول رجحه صديق خان في "فتح البيان" 5/ 99 - 103، وأطال في تقريره قال: (الجاعل هو حواء دون آدم ولم يشرك آدم قط، وعلى هذا فليس في الآية إشكال، والذهاب إلى ما ذكرناه متعين تبعاً للكتاب والحديث وصونًا لجانب النبوة عن الشرك بالله تعالى، والذي ذكروه في تأويل الآية يرده كله ظاهر الكتاب والسنة، والقول بأنها سمته بإذن آدم يحتاج إلى دليل ولعلها سمته بغير إذنه ثم تابت من ذلك، وصحة إطلاق المثنى على المفرد شائع في كلام العرب وفي القرآن من ذلك الكثير، ولكنهم لم يذهبوا إليه في هذا الآية مع كونه ظاهر الأمر وواضحه ، ومع أنهم ذكروه وذهبوا إليه في مواضع من القرآن والحديث، وهذا عجيب منهم غاية العجب) اهـ. ملخصًا.]]، وهذا يوضح أن حواء ما قصدت الإشراك بالله من حيث الكفر، ولكن قصدت بالتسمية أن الحارث كان سبب سلامة الولد وسلامة أمه، وعلى هذا ينقطع الكلام عند قوله: ﴿آتَاهُمَا﴾.
ثم قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [[في (ب): (تعالى)، وهو تحريف.]]. فعاد إلى الخبر عن الكفار ونزه نفسه عن إشراكهم فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أهل مكة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 284، وذكره الثعلبي 6/ 30 أ، والبغوي 3/ 314 بلا نسبة.]].
وقال عبد الله بن مسلم: (وإنما جعلا له الشرك بالتسمية لا بالنية والعقد، وانتهى الكلام في قصة آدم وحواء، ثم ذكر من أشرك بالعقد والنية من ذريتهما فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ولو كان أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان، وهذا يدلك [[في (ب): (يدل).]] على العموم) [["تأويل مشكل القرآن" ص 259.]]، ونحو هذا قال مقاتل، قال: (انقطع الكلام [[قال الداني في "المكتفى" ص 282: (قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا﴾ وقف كافٍ عند أصحاب الوقف وهو عندي تام لأنه انقضاء قصة آدم وحواء عليهما السلام، وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يريد مشركي العرب) اهـ.
وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 674، و"القطع" للنحاس 1/ 268.]] عند قوله: ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾. ثم ذكر كفار مكة فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾) [["تفسيرمقاتل" 2/ 80.]]. قال [[في (ب): (ثم قال).]] السدي: (هذا من الموصول والمفصول يعني: قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ في شأن آدم وحواء، ثم قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: عما يشرك المشركون، لم يعنهما) [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 246، والطبري 9/ 149، وابن أبي حاتم 5/ 2635 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 179، وهذا القول هو اختيار الطبري في "تفسيره" 9/ 148، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين في "القول المفيد على كتاب التوحيد" 3/ 67.]].
وقال أبو بكر: (قال طائفة من أهل العلم: الذين جعلوا لله شركاء اليهود [[لفظ: (اليهود) ساقط من (ب)]] والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء عليهما السلام، وتأويل الآية: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ جعل أولادهما له شركاء، فحذف المضاف) [[ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 304.]]. وهذا معنى قول الحسن وقتادة وعكرمة، قال الحسن: (عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يعن آدم) [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 148، من طرق جيدة، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 305: (أخرجه ابن جرير عن الحسن بأسانيد صحيحة وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية) اهـ.]].
وروى سعيد [[سعيد هو راوية قتادة وأثبت الناس فيه، سعيد بن أبي عروبة البصري، إمام ثقة، تقدمت ترجمته.]] عن قتادة أنه كان يقول هذه الآية ويقول: (هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا) [[أخرجه الطبري 9/ 148، وابن أبي حاتم 5/ 1634 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 279، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد، وابن المنذر).]]. وقال عكرمة: (جعلها لمن بعد آدم ممن أشرك بالله) [[ذكره النحاس في "معانيه" 3/ 116، والثعلبي 6/ 30 ب، والبغوي 3/ 314، والقرطبي 7/ 339.]].
ويتوجه قول هؤلاء على ما ذكرنا من حذف المضاف، وهو اختيار ابن كيسان؛ لأنه قال: (هم الكفار جعلوا له شركاء، سموا أولادهم عبد العزى، وعبد اللات، وعبد مناة) [[ذكره الثعلبي 6/ 30 ب، والبغوي 3/ 314، والخازن 2/ 325، وهذا القول هو الظاهر الذي عليه أهل التحقيق، وقد استحسنه البغوي 3/ 314، والخازن 2/ 325، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 116: (هذا القول أولى والله أعلم، من أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام مثل هذا) اهـ.
وقال في "إعرابه" 2/ 167: (هذا قول حسن)، وقال القرطبي 7/ 339: (هذا قول حسن وهو الذي يعول عليه) اهـ.
وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 440: (من جعل الخطاب للناس وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء أو جعل الخطاب لمشركي العرب ولقريش فيتسق الكلام اتساقًا حسنًا من غير تكَلف تأويل ولا تفكيك). == وقد اختار هذا القول الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 305 - 306، وأطال في تقريره فأجاد وأفاد -رحمه الله تعالى-، وانظر: "الكشاف" 2/ 138، وابن عطية 6/ 174 - 176، والرازي 15/ 86.]].
الأعراف 7:191
قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: أيعبدون ما لا يقدر أن يخلق شيئًا ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يريد وهم مخلوقون [[في (ب): (وهم المخلوقون).]]، يعني: الأصنام) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 147، و"معاني الفراء" 1/ 400.]].
فإن قيل: كيف وحد ﴿يَخلُقُ﴾ وجمع فقال: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وجعل الواو والنون في جمع غير الناس؟ فقال ابن الأنباري: (أما الجمع بعد التوحيد فسائغ [[في (ب): (فشائع).]] من قبل أن ما يقع على الواحد والاثنين والجميع و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] المؤنث بلفظهما، وأوقعها الله عز وجل على الأصنام المعبودة من دونه فوحد ﴿يَخلُقُ﴾ للفظها وبيّن معناها في قوله جل وعز ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، وأما جمعه الفعل بالواو والنون وأصحابه غير ناس [[انظر: "الكتاب" 2/ 47، و"المقتضب" 2/ 244، و"المغني" لابن هشام 2/ 365.]] فالحجة فيه أن الأصنام لما ادعى عابدوها أنها تعقل وتميز ووصفوها بالسمع والخلق، أجريت مجرى الناس، فجعلت علامة جمعها كعلامة جمع أفعال الناس، وجرى هذا مجرى قوله عز وجل: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]، وقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18].
وقول الشاعر [["الشاهد" للنابغة الجعدي في "ديوانه" ص 4، و"الكتاب" 2/ 47، و"مجاز القرآن" 2/ 38، و"الصاحبي" ص 419، و"وضح البرهان" للغزنوي 1/ 450، و"اللسان" 7/ 4474 (نعش)، وبلا نسبة في: "مجاز القرآن" 1/ 276 و2/ 83 - و93، و"معاني الأخفش" 2/ 424، و"المقتضب" 2/ 224، و"تهذيب اللغة" 4/ 3611، و"الصحاح" 3/ 1022 (نعش)، و"دلائل الإعجاز" ص 137، و"المغني" لابن هشام 2/ 365، وفي "الديوان": شربت بها والديك، وقوله: تمززتها، يعني: الخمر، أي: تمصص الشراب قليلاً قليلاً، مزه يمزه، أي مصه، وبنو نعش: أي بنات نعش وهي منازل القمر شبهت بحملة النعش في تربعها وتصوبوا، دنوا من الأفق للغروب، والشاهد: تذكير بنات نعش لأنه أخبر عنها بالدنو والتصوب كما يخبر عن العقلاء، انظر: "شرح شواهد سيبويه" للنحاس ص 114، و"اللسان" 7/ 4474 (نعش)، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 783، و"الخزانة" 8/ 82.]]:
تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعشٍ دنوا فتصوبوا) [[ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 304، وانظر: "تفسير الطبري" 19/ 59، و"الدر المصون" 5/ 536.]]
قال أصحابنا: (هذه الآية تدل على أن من لا يقدر على الخلق لا يستحق العبادة، ولا يقدر على خلق القليل والكثير غير الله، فلا يستحق العبادة غيره، والقدرية تقول: إن العباد يخلقون أفعالهم وهي مخلوقة لهم لا لله) [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 90.]].
الأعراف 7:192
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: إن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تنتصر ممن عصاها) [["تنوير المقباس" 2/ 147، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 284.]].
وقال أهل المعاني في قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾: (النَّصر المعونة [[انظر: "العين" 7/ 108، و"الجمهرة" 2/ 744، و"تهذيب اللغة" 4/ 3584، و"الصحاح" 2/ 829، و"مقاييس اللغة" 5/ 435، و"المفردات" ص 808، و"اللسان" 7/ 4439 (نصر).]] على العدو، يقول [[في (أ): (يقال).]]: هذه الأوثان لا تستطيع معونتهم على عدوهم وهم يعبدونها عبادة من يقدر على ضرهم ونفعهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 150، والسمرقندي 1/ 588، والبغوي 3/ 314، وابن عطية 6/ 177، والرازي 15/ 91.]]، وقال الحسن في قوله: ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾: (أي: ولا يدفعون عن أنفسهم مكروه من أرادهم [[كذا في: (ب)، و"الوسيط" 2/ 284، عن الحسن، وفي: (أ) وكذا عند البغوي 3/ 314، عن الحسن: (من أراد بهم بكسر) والأولى: (ممن أرادهم).]] بكسر أو نحوه) [[انظر: "الدر المنثور" 5/ 536.]].
الأعراف 7:193
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾. يخاطب المؤمنين؛ يقول: إن تدعوا المشركين إلى الهدى، وهو قول ابن عباس والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 147، وهو اختيار البغوي 3/ 315.]]، قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد: إني خذلتهم، وأمليت لهم في الضلالة) [[لم أقف عليه.]]، فدل هذا الكلام على أن المراد بقوله: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾. المشركون.
قال الكلبي: (وإن تدعوا المشركين إلى الإِسلام) [[ذكره السمرقندي 1/ 588، عن الكلبي قال: (يعني: الآلهة وإن يدع المشركون آلهتهم إلى أمر لا يتبعهم آلهتهم) اهـ.]].
وقال: قوم [[هذا قول الجمهور وحكاه النحاس في "إعرابه" 1/ 657، عن الأخفش، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 150، والثعلبي 6/ 31 أ، والزمخشري 2/ 137، وابن عطية 6/ 177 - 178، والرازي 15/ 91، والخازن 2/ 326، وابن كثير 2/ 307.]]: (وإن تدعوا الأصنام التي عبدوها لا يتبعونكم لأنها لا تعقل). وهو اختيار الفراء [["معاني الفراء" 1/ 401.]]، والآيات السابقة إخبار عن المشركين، وهذه الآية خطاب للمؤمنين، الدليل على ذلك أن المشركين لا يدعون أحدًا إلى الهدى [[قال أبو حيان في "البحر" 4/ 441، والسمين في "الدر" 5/ 537: (الظاهر أن الخطاب للكفار وضمير النصب للأصنام، والمعنى: وإن تدعو آلهتكم إلى طلب هدى ورشاد كما تطلبونه من الله لا يتابعونكم على مرادكم) قال السمين: (ويجوز أن يكون الضمير للرسول والمؤمنين، والمنصوب للكفار أي: وإن تدعوا أنتم هؤلاء الكفار إلى الإيمان) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾. وقرأ نافع [[قرأ نافع: ﴿يَتَّبِعُوكُمْ﴾ بسكون التاء وتخفيفها وفتح الباء، من تبع، وقرأ الباقون بفتح التاء وتشديدها وكسر الباء من اتبع، انظر: "السبعة" ص 299، و"المبسوط" ص 187، و"التذكرة" 2/ 340، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 274.]] بالتخفيف، وهما لغتان اتبعه اتباعًا وتبعه تبعًا، والمراد به: تركهم الانقياد للحق والإذعان للهدى، والوجه قراءة العامة؛ لأن (اتَّبَع) أكثر في الاستعمال، ألا ترى أنهم أجمعوا على افتعل في قوله: ﴿وَاْتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [[ما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 4/ 113 - 114، والجمهور على أنهما بمعنى واحد، وقال بعض أهل اللغة: تبعه مخففًا إذا مضى خلفه ولم يدركه والمعنى: لا يلحقوكم، واتبعه مشددًا إذا مضى خلفه فأدركه، والمعنى لا يسيرون على أثركم ولا يركبون طريقتكم في دينكم، انظر: "معاني القراءات" 1/ 432، و"إعراب القراءات" 1/ 219، و"الحجة" لابن خالويه ص 169، ولابن زنجلة ص 305، == و"الكشف" 1/ 486، و"الدر المصون" 5/ 537، وفيه: (هما لغتان وهو أظهر) اهـ.]] [الأعراف: 176].
وقوله تعالي: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾. مثل قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]. وذكرنا ما فيه، وهناك عطف الفعل على الفعل، وهاهنا عطف الاسم على الفعل؛ لأن المعنى: أدعوتموهم أم صَمَتُّم، فهما جملتان الأولى مركبة من فعل وفاعل، والثانية من مبتدأ وخبر، ويعود معناها إلى معنى الأولى؛ لأن معناها: صمتم، وقال الفراء: (قوله [[وكذلك حكى سيبويه في "الكتاب" 3/ 64: (عن الخليل أن الآية بمنزلة أم صمتم) وهو قول ابن السراج في "الأصول" 2/ 161، وأبي علي في كتاب "الشعر" 1/ 281 - 2/ 544، وقال في "العسكريات" ص 97، و"البصريات" 1/ 711: (اعلم أن بعض الجمل قد تقوم مقام بعض فمن ذلك قوله عز وجل: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ فهذه التي من الابتداء والخبر موقعة موقع التي هي من الفعل والفاعل ألا ترى أنها معادلة كما هو كذلك فقد عادل بالابتداء والخبر الجملة التي هي من الفعل والفاعل والمعنى: أم صمتم) اهـ.]]: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾. ولم يقل: أم صمتُّم. وأكثر كلام [[في "معاني الفراء" 1/ 401: (وعلى هذا أكثر كلام العرب أن يقولوا ..) اهـ.]] العرب أن يقولوا: سواء عليَّ أقمت أم قعدت، ويجوز سواء عليَّ أقمت أم أنت قاعد.
قال: وأنشدني الكسائي:
سواء عليك الفقر أم بتَّ ليلة ... بأهل القباب من نمير بن عامر [[لم أقف على قائله وهو في: "تفسير الطبري" 9/ 151، وابن عطية 6/ 178، و"البحر" 4/ 442، و"الدر المصون" 5/ 538، وعند الفراء والطبري وأبي حيان: سواء عليك النفر، يريد النفر من مني في أيام الحج وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، والشاهد: سواء عليك الفقر أم بت ليلة حيث عادلت أم بين المفرد في قوله: الفقر، وجملة قوله: بت ليلة، وقال أبو حيان: (عطف الجملة الفعلية على == اسم مقدر بالفعلية إذ الأصل سواء عليك أنفرت أم بت فأوقع النفر موقع أنفرت) اهـ. والقباب، بالكسر، جمع قبَّة -بالضم- بناء من بيوت العرب معروف، انظر: "اللسان" 6/ 3507 (قبب)، ونمير بن عامر بن صعصعة، انظر: "نهاية الأرب" ص 385.]] وأنشد بعضهم:
..... أو أنت بائت) [["معاني الفراء" 1/ 40، ومثله قال الطبري 9/ 151.]]
وقال غيره من أهل المعاني [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 657، و"غرائب الكرماني" 1/ 431، و"الكشاف" 2/ 138، و"التبيان" ص 398، و"الفريد" 2/ 395، و"الدر المصون" 5/ 538، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 442: (الآية من عطف الجملة الاسمية على الفعلية، وكانت الجملة الثانية اسمية لمراعاة رؤوس الآي، ولأن الفعل يشعر بالحدوث واسم الفاعل يشعر بالثبوت والاستمرار، فكانوا إذا دهمهم أمر معضل فزعوا إلى أصنامهم، وإذا لم يحدث بقوا ساكتين فقيل: لا فرق بين أن تحدثوا لهم دعاء وبين أن تستمروا على صمتكم فتبقوا على ما أنتم عليه من عادة صمتكم وهي الحالة المستمرة) اهـ.]]: (إنما قال: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ولم يقل: أم صمتم لإفادة الماضي والحال، و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] ذلك أن المقابلة بـ (دعوتم) قد دلت على معنى الماضي، واللفظ قد دل على معنى الحال).
وقال صاحب النظم: (قوله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ ظاهر هذا النظم أن الاستواء واقع بالداعين، وهو [[في (ب): (وهي)، وهو تحريف.]] في المعنى واقع بالمدعوين [[في (أ): (واقع بالمدعو).]]؛ لأن حال الداعي في الدعاء والصمات مختلفة، وإنما يتفق ويستوي على المدعوين لأنها أصنام لا تسمع ولا تجيب، فاستوى [[في (ب): (واستوى).]] عليها الدعاء والصمات، وإنما جاز ذلك وحسن لأنه إذا استوى عليها الدعاء والصمات كان مرجع هذا الاستواء إلى الداعين لأنهم إنما يدعون ليجابوا، وإذا لم يجابوا بشيء استوى عليهم الدعاء والصمات.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ تأويله: أم صمتم، وإنما جاز هذا النظم لأن رؤوس الآيات كانت على النون [[مجموع فواصل آيات الأعراف: (ن، م، د، ل) الدال في الآية الأولى، واللام في الآيتين 105، 134، والميم في الآيات 16، 73، 59، 109، 112، 116، 141، 153، 167، 200، والباقي بالنون.]]، وهذا النظم وإن كان قليلاً فقد تكلمت العرب بمثله.
قال الأعشى [["ديوانه" ص 149، و"الكتاب" 3/ 51، و"المحتسب" 1/ 195، و"الصاحبي" ص 470، و"الأمالي" ابن الشجري 2/ 219، و"الدر المصون" 4/ 82، و"المغنى" 2/ 693، والرواية عندهم:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل
وأوله في الديوان:
قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا
ويروى: قالوا الطرادُ. وهو من معلقته المشهورة، والشاهد: عطف الجملة الاسمية، أو أنتم تنزلون على جملة الشرط (إن تركبوا)، وقيل: هو عطف توهم كأنه قال. أتركبون فذلك عادتنا أو تنزلون في الحرب فنحن معروفون بذلك، انظر: "شرح القصائد" للنحاس 2/ 153، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 565 - 568، و"الخزانة" 8/ 552.]]:
إن تركبوا فظهور [[لفظ: (فظهور)، (ونزلتم) لم أقف عليها إلا في هذه الرواية.]] الخيل عادتنا ... وإن نزلتم فإنا معشر نزل معناه: إن تركبوا ركبنا، وإن تنزلوا نزلنا، فأجاب الشرطين وهما فعلان بخبرين اسمين؛ لأن فيهما دليلًا على الفعل المضمر) [[لم أقف عليه.]].
الأعراف 7:194
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [[في (أ): (يدعون) بالياء والمشهور بالتاء، وذكر ابن خالويه في "الشواذ" ص 48، أنه قرئ بالياء.]]. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 151، و"معاني النحاس" 3/ 117، والسمرقندي 1/ 589، والثعلبي 6/ 31 أ.]]: (يعني: الأصنام)، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: الملائكة) [[لم أقف عليه، وحكاه البغوي 3/ 315، والخازن 2/ 326 عن مقاتل، وقالا: (والأول أصح) اهـ.
وفي "تفسير مقاتل" 2/ 81 قال: (يعني: تعبدون ﴿دُونِ الله﴾ من الآلهة ﴿إنهم عباد أمثالكم﴾ وليسوا بآلهة).]]، وهذا القول ضعيف من جهتين أحدهما: إن المشركين في ذلك الوقت كانوا يعبدون الأصنام لا الملائكة، ولأنه قال بعد هذه الآية ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الآية [الأعراف:195]. فدلت هذه أنه يريد الأصنام التي هي جماد لا توصف بالأيدي الباطشة والأرجل الماشية [[انظر: "البحر" 4/ 443 - 444.]]، وقد مضى القول في أن الأصنام لما جمعت جمع ما يعقل في قوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: 191].
ومعنى الدعاء المذكور هاهنا يحتمل أن يكون العبادة، ويحتمل أن يكون التسمية، كأنه قيل: إن الذين تدعون آلهة من دون الله، ومعنى ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ غير الله.
وقوله: ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. قال الكلبي: (مملوكون أمثالكم) [["تنوير المقباس" 2/ 148، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 285، وهو قول الطبري 9/ 151، والسمرقندي 1/ 589، والبغوي 3/ 315.]]، وقال الأخفش: (﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في التسخير) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 285، ولم أقف عليه عند غيره.]] فعلى هذا معنى ﴿عِبَادٌ﴾ أي: مسخرون مذللون لأمر الله، ومنه سمي الرقيق عبدًا؛ لأنه مسخر بذلك، وقال قطرب: (مخلوقة أمثالكم) [[لم أقف عليه.]]. فأما وصفها بأنهم ﴿عِبَادٌ﴾ وهي موات كالحائط والباب والثوب، فقال أبو بكر بن الأنباري: (الأصنام وإن كانت [[في (ب): (كان).]] مواتًا تجري مجرى الباب والثوب والحائط في أنها غير حيوان، فإن المشركين لما ادعوا أنها تعقل وتميز، وتضر وتنفع أجريت مجرى الناس، ولذلك قال: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾، ولم يقل: فادعوهن فليستجبن، ولهذا أيضاً قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ولم يقل: التي)، وقد سبق [[لم أقف عليه.]] بيان هذا، (فإذا صيرت الأصنام كالناس فأوقع عليها ﴿الَّذِينَ﴾ وقيل في جمعها: فليفعلوا صلح أن يقال لها [[لفظ: (لها) ساقط من (ب).]] ﴿عِبَادٌ﴾، وامتنع ذلك في الأبواب والحيطان والثياب، إذ كانت هذه الأنواع [[في (أ): (الأبواب)، وهو تحريف.]] ما وصفت قط بما يوصف به الناس من العقل والتمييز) [[لم أقف عليه. وانظر: "تفسير الرازي" 15/ 92.]].
وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: فاعبدوهم هل يثيبونكم [[في (ب): "يثبتونكم".]] أو يجازونكم) [["تنوير المقباس" 2/ 148، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 285، والبغوي 3/ 315، والقرطبي 7/ 342.]].
وقال أهل المعاني: (معنى هذا الدعاء: طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم، وذلك ما يُئِس منه من قبلهم، وعبادة من هذه صفته جهل وسخف، واللام في: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ لام الأمر على معنى التعجيز، وهو طلب الفعل إن أمكن) [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 92.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: إن صدقتم أن لكم عند الأصنام منفعة أو ثوابًا أو شفاعة أو نصرة، قاله ابن عباس [[ذكره البغوي 3/ 515 بلفظ: (﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن لكم عندها منفعة). وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 285 بلا نسبة.]]، وسلك صاحب النظم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ طريقة أخرى؛ فقال: (تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ على استفهام، وفي الاستفهام طرف من الإنكار كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: 6] إلا أنه استثقل همزتان فاقتصر على إحداهما، وقد تستفهم العرب بغير الألف، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: 22] بمعنى: أو تلك على الإنكار، ولا يجوز أن يكون هذا خبرًا؛ لأن تعبيده بني إسرائيل لم يكن منّة عليه، ومثله قول الشاعر [[الشاهد لحضرمي بن عامر الأسدي، وقد سبق.]]:
أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذودًا شصائصًا نبلا
أراد: أأفرح لأنه ينتفي من ذلك، ولا يرضى أن يقال له ذلك، وإنما قال عز وجل منكراً عليهم أن تكون الأصنام عبادًا أمثالهم لقصورها عن أن تكون مثل العباد في الفهم والسمع والبصر، فحقرها وضعفها بهذا الخبر عن أن تبلغ مبلغ العباد فكيف مبلغ الآلهة، ثم قال عز وجل: فإن كان كما تقولون أنها تنفع وتضر ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ إلى آخر الآية) [[لم أقف عليه.]].
الأعراف 7:195
قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾، قال ابن عباس: (يريد: مثل بني آدم ممن جعلت فيه الروح. ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ مثل ما يبطش بنو آدم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 286 بلا نسبة.]]، ومعنى البَطش [[انظر: "العين" 6/ 240، و"الجمهرة" 1/ 342، و"تهذيب اللغة" 1/ 349، و"الصحاح" 3/ 996، و"مقاييس اللغة" 1/ 262، و"المفردات" ص 129، و"اللسان" 6/ 301 (بطش).]]: التناول عند الصولة، والأخذ الشديد في كل شيء: بَطش، ومنه قوله عز وتعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: 12].
قال أهل المعاني في هذه الآية: (إنما أنكر عليهم عبادة من لا رجل له يمشي بها ، ولا يد [[لفظ: (ولا يد) ساقط من (ب).]] يبطش بها ، لأن من عبد جسمًا هذه صفته فقد عبد ما لا شبهة في اليأس من ضره ونفعه، فهو ألوم [[في (ب): (فهو اليوم)، وفي (أ): (اللوم).]] ممن عبد من له جارحة يمكن أن ينفع بها أو يضر، فقد عرفهم بهذا أنهم مفضلون عليهم [[في (ب): (عليه).]] فكيف يعبدون من هم أفضل منه، فالقصد بالآية بيان جهالتهم في عبادة الأصنام [[لفظ: (الأصنام) ساقط من (ب).]] حيث كانوا أفضل من معبوديهم بما خلق الله لهم من هذه الجوارح التي لم يخلقها لمعبوديهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 151، والسمرقندي 1/ 589، والماوردي 2/ 287، والبغوي 3/ 315، وابن عطية 6/ 180، والرازي 15/ 92 - 93، وقال ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 306: (في الآية تنبيه على تفضيل العابدين على المعبودين وتوبيخ لهم حيث عبدوا من هم أفضل منه) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾. قال ابن عباس [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 6 بلا نسبة.]]: (يريد: الذين تعبدون [[في (أ): (تدعون).]] من دون الله، ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنتم وشركاؤكم)، وهذا يتصل بما قبله اتصال استكمال الحجة عليهم؛ لأنهم لما فزعوا بعبادة من لا يملك ضرًا ولا نفعًا، قيل لمحمد: قل لهم معبودي يملك الضر والنفع فلو اجتهدتم في كيدي لم تصلوا إلى ضري لدفعه عني.
قال الحسن [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 286، وابن الجوزي 3/ 306، والرازي 15/ 93، والخازن 2/ 327.]]: (إنهم كانوا يخوفونه بآلهتهم فقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ﴾)، واختلفوا في إثبات الياء [[قرأ أبو عمرو (ثُمَّ كِيدُونِي) بإثبات الياء وصلًا وحذفها وقفًا وهي رواية عن ابن عامر ونافع، وقرأ ابن عامر في رواية بإثبات الياء في الوصل والوقف، وحذفيها الباقون في الحالين، وقرأ يعقوب وحده: (فَلَا تُنظِرُونِي) بإثبات الياء في الوصل والوقف، وحذفها الباقون في الحالين، انظر: "السبعة" ص 299، و"المبسوط" ص 188، و"التذكرة" 2/ 432، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 275.]] في ﴿كِيدُونِ﴾ وحذفها، فقرءوا بالوجهين، ومثله: ﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾، والقول في ذلك أن الفواصل وما أشبه الفواصل من الكلام التام تجري مجرى القوافي لاجتماعهما في أن الفاصلة آخر الآية، كما أن القافية آخر البيت، وقد ألزموا [[في (ب): (وقد لزموا)، وهو تحريف.]] الحذف هذه الياءات إذا كانت القوافي كقوله:
فهل يمنعني ارتيادي البلاد ... من قدر الموت أن يأتِيَنْ [[الشاهد للأعشى الكبير في "ديوانه" ص 359، و"الكتاب" 3/ 513 و4/ 187، و"الحجة" لأبي علي 3/ 219، و"المحتسب" 1/ 349، و"تفسير ابن عطية" 6/ 182، و"الدر المصون" 3/ 92، والشاهد حذف الياء من الفعل (يأتيني).]]
وكذلك الياء التي هي لام كقوله:
يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل [[الشاهد للبيد في "ديوانه" ص 142، والرازي 15/ 93، و"اللسان" 7/ 4072 - 4073 (لمس)، وهو في "تفسير ابن عطية" 6/ 182 للأعشى ولعله تحريف أو وهم، ويلمس: يطلب، والأحلاس: جمع حلس، وهو كساء رقيق يوضع على ظهر البعير، والمصل المصلي يعني أنه لا يعقل من غلبه النعاس فهو يطلب الأحلاس مائلًا جانبه كأنه يهودي يصلي على شق وجهه، والشاهد حذف الياء من الاسم، وهو المصلي.]]
ومن أثبت فلأن الأصل الإثبات [[ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 115، وانظر. "إعراب القراءات" 1/ 219، و"الحجة" لابن خالويه ص 169.]]. ومعنى قوله: ﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾. أي: لا تمهلوني واعجلوا في كيدي أنتم وشركاؤكم، وهذه الآية تدل على صحة ما قال صاحب النظم في الآية الأولى، ألا ترى أنه بيّن فضل الآدمي على الأصنام في هذه الآية لما بقي [[كذا في "الأصول": يريد أنه ما بقي في الآية السابقة دليل على أن الأنام أمثالهم بل هم أفضل.]] بالأولى، أن تكون الأصنام أمثالهم.
الأعراف 7:196
قولهم تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ الآية. قرأ القراء [[اختلف عن أبي عمرو، فقرأ بحذف الياء وإثبات ياء واحدة مفتوحة مشددة، وقرأ بكسر الياء المشددة بعد الحذف، وقرأ الباقون بياءين الأولى مشددة مكسورة، والثانية مخففة مفتوحة. انظر: "السبعة" ص 300، و"المبسوط" ص 97، و"النشر" 2/ 274 - 275.]]: ﴿وَلِيِّيَ﴾ بثلاث ياءات، ياء (فعيل) وهي ساكنة، والثانية لام الفعل وهي مكسورة قد أدغمت [[في (أ): (قد أدغمتا الأولى فصارتا).]] الأولى فيها فصارتا ياء مشددة، والثالثة ياء الإضافة.
وروي عن أبي عمرو بالإدغام [[في (أ): "في الإدغام" وقال ابن الجزري في "النشر": 2/ 274: (بعضهم يعبر عنه بالإدغام وهو خطأ إذ المشدد لا يدغم في المخفف وبعضهم أدخله في الإدغام الكبير ولا يصح ذلك لخروجه عن أصوله ولأن راويه يرويه مع عدم الإدغام الكبير) اهـ.]] الكبير: ﴿وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ بياء مشددة، ووجه ذلك [[قال ابن الجزري في "النشر": 2/ 274: (اختلف في توجيه الرواية عن أبي عمرو، فخرج فتح الياء على حذف لام الفعل في ولي وهي الياء الثانية وإدغام ياء فعيل في ياء الإضافة وقد حذفت اللام كثيراً في كلامهم وهو مطرد في اللامات في التحقير، وقد قيل في تخريجها غير ذلك وهذا أحسن، وأما كسر الياء فوجهها أن يكون المحذوف ياء المتكلم لملاقاتها ساكنًا كما تحذف ياءات الإضافة عند لقيها الساكن، والرواية الحذف وصلًا ووقفًا أجري الوقف مجرى الوصل) اهـ.]] أنه حذف الياء التي هي لام فعيل، كما حذفت اللام من قولهم: (ما بليتُ به بالةً) [[(ما باليتُ به بالة) أي: لم أكترث به، والشاهد: بالة حيث حذف الياء تخفيفاً ، والأصل بالية، وفي "الكتاب" 4/ 406: (حكي عن الخليل أن من الحذف قولهم: ما أباليه بالة كأنها بالية بمنزلة العافية) اهـ، وفي "النهاية" لابن الأثير 1/ 156 قال: (وفي حديث ابن عباس: (ما أباليه بالة) أي: لم أكترث به)، وفي "اللسان" 1/ 356 (بلا) ،ذكر حديث ابن عباس، وقال: (ومن كلام الحسن: لم يبالهم الله == بالة، أي: لا أكترث بهم) اهـ. وأخرج البخاري في "صحيحه" رقم (6434) كتاب الرقاق، باب: ذهاب الصالحين، عن مرداس الأسلمي الأسلمي رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "يذهب الصالحون الأول فالأول ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة") اهـ. وفي "النهاية" 1/ 156: (أي: لا يرفع لهم قدرًا أو لا يقيم لهم وزنًا، يقال: ما باليته وما باليت به أي: لم أكترث به) اهـ.]]، وكما حذفت الهمزة التي هي لام في قول أبي الحسن [[قول الأخفش في "الحجة" لأبي علي 4/ 118، وقال الأزهري في "تهذيبه" 2/ 1951 (شيء): (لم يختلف النحويون في أن (أشياء) جمع شيء وأنها غير مجراة، وقال الفراء والأخفش أصل أشياء أفعلاء إلا إنه كان في الأصل أشيئاء على وزن أشيعاع فاجتمعت همزتان بينهما ألف، فحذفت الهمزة الأولى). وانظر: "اللسان" 4/ 2369 - 2370 (شيء)، و"معجم مفردات الإبدال والإعلال" للخراط ص 157.]] (من أشياء) كما حذفت الهمزة من قولهم: سواية إذا أردت به سوائية مثل الكراهية، وكما استمر الحذف في التحقير في هذه [[لفظ: (في هذه) ساقط من (ب).]] اللامات نحو: عُطيّ في تحقير عطاء بدليل قولهم: سميَّة في تصغير سماء، فلما حذفت اللام أدغمت ياء فعيل في ياء الإضافة فقلت: ﴿وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾. فهذه الفتحة فتحة ياء الإضافة [[في (ب): (فتحة بالإضافة)، وهو تحريف.]] ولا يجوز أن يدغم الياء التي هي لام في ياء الإضافة؛ لأنه إذا فعل ذلك انفك الإدغام، ويذهب سيبويه إلى (إنك إذا قلت هذا: وليُّ يزيد، وعدو وليد، لم يجز إدغام الياء التي هي لام في ياء يزيد لانفكاك الإدغام من وليّ) [["الكتاب" 4/ 442.]]، وكأن أبا عمرو في قوله: ﴿وَلِيَّ اللَّهُ﴾ شبه [[في (ب): (شبهه)، وهو تحريف.]] المنفصل وهو ياء الإضافة بالمتصل، فحذف إحدى الياءات عن ﴿وَلِيَّ﴾ كما يحذف من عُطيّ، والباقون أجازوا اجتماع ثلاث ياءات؛ لأن ياء الإضافة منفصل، ولم يجروا المنفصل مجرى المتصل، ولا يجوز في عُطيّ إلا الحذف لأنه متصل [[ما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 4/ 116 - 120، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 432، و"إعراب القراءات" 1/ 217، و"الحجة" لابن خالويه ص 168، و"البحر" 4/ 446، و"الدر المصون" 5/ 542.]].
ومعنى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ أي: الذي يتولى حفظي وتصرفي هو الله لا غيره، ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ يريد: القرآن، أي: أنه يتولاني وينصرني، كما أيدني بإنزال الكتاب [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 152، و"إعراب النحاس" 1/ 659، والسمرقندي 1/ 589.]]. ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [قال ابن عباس: (يريد: الذين لا يعدلون بالله شيئًا ولا يعصونه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 286، والبغوي 3/ 315 - 316، والخازن 2/ 327.]]، وفي هذا مدح الصالحين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] بأن الله عز وجل يتولاهم بنصره فلا يضرهم [[في (ب): (ولا يضرهم).]] عداوة من عاداهم، وفي ذلك يأس المشركين من أن يضره كيدهم ومكرهم. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية [الأعراف: 197] معنى هذه الآية قد مضى في مثلها من قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف: 192].
وإنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع، وهاهنا ذكر على جهة الفرق بين صفة من تجوز له العبادة ومن لا تجوز، كأنه قيل: إن ناصره الله ولا ناصر لكم ممن تعبدون [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 95، والخازن 2/ 327، وقال ابن عطية 6/ 184: (إنما كرر لأن أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكنًا من نفوس العرب في ذلك الزمن ومستوليًا على عقولها فأوعب القول في ذلك لطفًا من الله تعالى بهم) اهـ.]].
الأعراف 7:198
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. ذهب الحسن [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 287، والبغوي 3/ 316، والخازن 2/ 327، وأخرجه الطبري 9/ 152 بسند جيد عن السدي ومجاهد، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 81.]] إلى أن المراد بهذا [[لفظ: (بهذا) ساقط من (ب).]]: المشركون، فيكون المعنى: وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى ﴿الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ أي: لا يعقلوا [[في (أ): (أي يعقلوا).]] بقلوبهم، ﴿وَتَرَاهُمْ﴾، يا محمد ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ بأعينهم [[لفظ: (بأعينهم) ساقط من (ب).]] ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ بقلوبهم، والأكثرون [[وهو إختيار أكثرهم قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 307: (هذا هو الأولى وقاله قتادة واختاره الطبري 9/ 153) اهـ.
وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 657، والسمرقندي 1/ 589، والثعلبي 6/ 31 أ، والبغوي 3/ 316، و"الكشاف" 2/ 138، والقرطبي 7/ 334، والخازن 2/ 327، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 447: (تناسق الضمائر يقتضي أن الضمير للأصنام ونفى عنها السماع لأنها جماد لا تحس وأثبت لها النظر على سبيل المجاز بمعنى أنهم صوروهم ذوي أعين فهم يشبهون من ينظر، وقال الحسن ومجاهد والسدي الضمير يعود على الكفار ووصفهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون إذ لم يتحصل لهم عن الاستماع والنظر فائدة ولا حصلوا منه بطائل وهذا تأويل حسن ويكون إثبات النظر حقيقة لا مجازًا ويحسن هذا التأويل الآية بعد هذه ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] أي: الذين من شأنهم أن تدعوهم لا يسمعوا وينظرون إليك وهم لا يبصرون فتكون مرتبة على العلة الموجبة لذلك وهي الجهل) اهـ.]] على أن المراد بالآية الأنام وبيان صفات ما هي عليه من النقص، وظاهر النظم يدل على هذا المقدم [[في (ب): (التقدم) والظاهر أنه يرجح اللأول والله أعلم وهو ظاهر من تقديم قول الحسن هنا، وكذلك في "الوسيط" 2/ 287.]].
وقوله تعالى [[جاء في النسخ بعد قوله: (المقدم). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ وهو تكرار.]]: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾. قال الفراء: (يريد: الآلهة أنها صور لا تبصر ولم يقل: وتراها لأن لها أجسامًا وعيونًا، والعرب تقول للرجل والقريب من الشيء: هو ينظر وهو لا يراه، والمنازل تتناظر إذا كان بعضها بإزاء بعض) [["معاني الفراء" 1/ 401.]]، فمعنى ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ هاهنا: يقابلونك، ونحو هذا قال ابن الأنباري [["الزاهر" 1/ 352، وفيه قال: (معناه: يواجهونك، يقال: الجبل ينظر إليك، والحائط يراك، أي: يواجهك ويقابلك) اهـ.]] فقال: (المعنى: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ يقربون منك ويدنون وهم غير مبصرين)، وذكر وجهًا آخر فقال: (معنى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يخيل إليك أنهم يبصرون وهم غير مبصرين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 287.]].
وشرح أبو علي الجرجاني هذه الوجه واختاره فقال: (قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾، أي: تحسبهم، والرؤية على وجهين أحدهما: العلم وهو كثير كقوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر: 29] أي: ما أعلمكم إلا ما أعلم، والآخر: الشك كقوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: 2] أي: تحسبهم كذلك. ومنه قول الشاعر [[البيت لزيد الخيل وصدره:
بجمع تضل البلق في حجراته
وقد سبق تخريجه والكلام عليه.]]:
ترى الأكم منه سجدًا للحوافر أي: تحسبها كأنها ساجدة، وليس للرؤية التي هي العلم هاهنا معنى فتأويل قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [[لفظ: (إليك) ساقط من (ب).]]: تحسبهم ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾؛ لأن لها أعينًا مصنوعة مركبة بالجواهر حتى يحسب الإنسان أنها تنظر إليه) [[لم أقف عليه.]]، فمعنى الوجه الأول: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ يقابلونك، والوجه الثاني: تحسبهم يرونك ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [[والمعنى متقارب، قال الطبري 9/ 153: (أي: يقابلونك ويحاذونك وهم لا يبصرونك لأنه لا أبصار لهم، وقيل: ﴿تَرَاهُمْ﴾ ولم يقل: تراها لأنها صور مصورة على صور بني آدم عليه السلام) اهـ. ونحوه قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 307، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 659، والسمرقندي 1/ 589، والبغوي 3/ 316، وابن عطية 7/ 232، وابن الجوزي 3/ 307، والرازي 15/ 95.]].
الأعراف 7:199
قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، قال أهل اللغة: (العفو [[هذا من "تهذيب اللغة" 3/ 2489 (عما).]] الفضل وما أتى بغير كلفة). وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] في سورة البقرة.
قال مجاهد: (أمر أن يأخذ عفو أخلاق الناس) [["تفسير مجاهد" 1/ 253، وأخرجه الطبري 9/ 153، وابن أبي حاتم 5/ 1637، والنحاس في "معانيه" 3/ 119 من طرق جيدة]]، وهو قول الحسن [[ذكره الماوردي 2/ 288، والواحدي في "الوسيط" 2/ 288، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 307.]] وعروة [[عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، تقدمت ترجمته.]] بن الزبير [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 145، والطبري 9/ 153 - 154 من طرق جيدة، وذكرِه ابن أبي حاتم 5/ 1637.]] وقتادة [[لم أقف عليه.]]، والمعنى: اقبل الميسور من أخلاق الناس، ولا تستنقص عليهم فيستنقصوا عليك، ويتولد منه البغضاء والعداوة [[هذا من "تهذيب اللغة" 3/ 2489 (عفا)، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 236، و"غريب القرآن" ص 155، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 186، و"تفسير الطبري" 9/ 154 - 155.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. العرف والعارفة والمعروف واحد، وهو: كل ما تعرفه النفس من الخير [[لفظ: (من الخير) ساقط من (أ).]] وتبسأ به [[تبسأ به أي: تأنس به. انظر: "اللسان" 1/ 279 (بسأ).]] وتطمئن إليه [[هذا من "تهذيب اللغة" 3/ 2404 (عرف).]]. قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 81]] وعروة [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 155 من طرق جيدة.]] والضحاك [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 288 عن الضحاك، وأخرجه وابن أبي حاتم 5/ 1638 بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس وقال: (وروي عن عروة والسدي وسفيان الثوري نحوه) وأخرجه الطبري 9/ 156 من طرق جيدة عن السدي وقتادة.]]: (وأمر بالمعروف) وهو قول الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 149، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 67، وهذا قول الأكثر، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 236، تفسير سورة الأعراف "تفسير غريب القرآن" ص 186، و"تفسير الطبري" 9/ 156، و"معاني الزجاج" 2/ 396، و"نزهة القلوب" ص 336، و"معاني النحاس" 3/ 120، و"تفسير السمرقندي" 1/ 589، وقال النحاس في "ناسخه" 2/ 363: (هذا هو المعروف في اللغة).]].
وقال أهل المعاني: (المعروف ما يعرف صوابه عند [[لفظ: (عند) ساقط من (ب).]] ذوي العقول السليمة) [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 659، و"إحكام القرآن" لابن العربي 2/ 823 - 826.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
قال: لم أمره بالإعراض عنهم مع وجوب النكير عليهم بما يردعهم عن جهلهم؟ قيل: إن هذا في حال اليأس من صلاحهم، فيعمل على طريق الاستخفاف بهم، وصيانة النفس عن مقابلتهم [[في (ب): (عن).]] على سفههم [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 156، و"النا سخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 364.]].
قال عكرمة: (لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: "يا جبريل ما هذا؟ " قال: "لا أدري حتى أسأل"، فذهب، ثم رجع فقال: (يا محمد إن ربك يقول: هو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك") [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 246، والطبري 9/ 155، وابن أبي حاتم 5/ 1638 بسند جيد عن أمي بن ربيعة المرادي وهو مرسل، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 308: (هو مرسل على كل حال، وقد روي له شواهد من وجوه أخر فقد رواه ابن مردويه مرفوعاً عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة) اهـ.
وقال ابن حجر في "الفتح" 8/ 306، وفي "الكافي الشاف" ص 66: (رواه الطبري مرسلًا وابن مردويه موصولاً من حديث جابر وقيس) اهـ.
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 628، وزاد نسبته: (إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر وأبي الشيخ) اهـ.
وأخرجه السمرقندي 1/ 590 عن أبي هريرة رضي الله عنه، وذكره الماوردي 2/ 288، عن ابن زيد، وذكره الرازي 15/ 96 عن عكرمة، وانظر مرويات الإمام أحمد في "التفسير" 2/ 228.]] وتفسير جبريل [[ذكره الرازي 15/ 96، عن أهل العلم.]] عليه السلام لهذه الآية موافق لظاهرها لأن في وصل القاطع عفوًا عن جريمة القطيعة، وإعطاء المحارم من جملة المعروف، والعفو عن الظالم إعراض عن جهله وظلمه.
قال قتادة [[أخرجه الطبري 9/ 156 بسند جيد.]]: (في هذه الآية أخلاق أمر الله بها نبيه عليه السلام ودلَّه عليها).
وقال عبد الله بن الزبير [[عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبو بكر القرشي المكي المدني، صحابي، إمام، عالم، عابد، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة، وكان فارسًا شجاعًا له مواقف مشهودة، شهد اليرموك وفتح المغرب وغيرهما ، وله قدر كبير في العلم والعبادة والشرف والجهاد، وفضله وثناء الأئمة عليه كثير، تولى الخلافة تسع سنين، وقتل رضي الله عنه في ذي الحجة سنة 73 هـ.
انظر: "الحلية" 1/ 329، و"الاستيعاب" 3/ 39 رقم (1553)، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 266، و"وفيات الأعيان" 3/ 71، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 363، و"الإصابة" 2/ 309، و"تهذيب التهذيب" 2/ 333.]]: (ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس) [[أخرجه البخاري في "صحيحه" 5/ 198، تفسير سورة الأعراف وأبو داود كتاب التفسير، باب: خذ العفو وأمر بالعرف رقم (4643)، والنسائي في "التفسير" 1/ 512 رقم 215، والطبري 9/ 154، ووقع في طبعتنا (أبي الزبير) والصواب: (ابن الزبير)، وابن أبي حاتم 5/ 1637 كتاب الأدب، باب: باب في التجاوز في الأمر، والنحاس في "ناسخه" 2/ 360، والواحدي في "الوسيط" 2/ 287، وفي رواية عند البخاري قال: (أمر الله نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس) اهـ. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 25: (رواه الطبراني في "الأوسط" عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ورجاله ثقات) اهـ.
وانظر: "الدر المنثور" 3/ 280، وقال النحاس في "ناسخه" 2/ 360 بعد الحديث: (هذا أولى ما قيل في الآية لصحة إسناده، وأنه عن صحابي يخبر بنزول الآية، وإذا جاء الشيء هذا المجيء لم يسع أحدًا مخالفته، والمعنى عليه: خذ العفو، أي: السهل من أخلاق الناس، ولا تغلظ عليهم، ولا تعنف بهم، وكذا كانت أخلاقه ﷺ أنه ما لقي أحدًا قط بمكروه في وجهه، ولا ضرب أحدًا بيده) اهـ. وانظر: شرح الحديث في "فتح البارى" 8/ 305.]].
وقال الصادق [[الصادق هو: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، تابعي إمام عابد عالم ثقة، تقدت ترجمته.]]: (ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 32 أ، والبغوي 3/ 316، والزمخشري 2/ 139، والرازي 15/ 96، والقرطبي 7/ 345، والخازن 2/ 328.]].
وقال عبد الله بن مسلم: (جمع الله تعالى بهذه الآية لنبيه ﷺ كل خلق عظيم؛ لأن في أخذ العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفي الأمر بالعرف [[في (ب): (بالمعروف).]] تقوى الله وصلة الأرحام، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحُرمات، وإنما سمي هذا وما أشبهه عرفًا ومعروفًا؛ لأن كل نفس تعرفه، وكل قلب يطمئن إليه، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السفيه، ومنازعة اللجوج) [["تأويل مشكل القرآن" ص 4، 5.]]، فهذا الذي ذكرنا طريقة حسنة في هذه الآية [[لفظ: (الآية) ساقط من (ب).]].
وللمفسرين [[في (ب): (والمفسرين)، وهو تحريف.]] طريق آخر فيها، قال ابن عباس: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: (ما [[في (ب): (مما عفا لك).]] عفا لك من أموالهم، وهو ما فضل من العيال والكلّ [[الكل، بالفتح واللام: اليتيم، والكلُّ الذي هو عيال وثقل على صاحبه. والكلُّ: الوكيل، وكلَّ الرجل إذا تعب، وكلَّ عنه نبا وضعف، انظر: "اللسان" 7/ 3919 (كلل).]]، يقول: ما أتوك به عفوًا فخذه، ولا تسأل ما وراء ذلك، وكان هذا قبل بيان فريضة الصدقة، فلما نزلت آية وجوب الزكاة نُسخت هذه) [[أخرجه الطبري 9/ 154، وابن أبي حاتم 5/ 1638 بسند جيد، وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً عنه بسند جيد قال: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الفضل).]].
وهذا قول السدي [[أخرجه الطبري 9/ 154 بسند جيد.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 81.]] والكلبي والضحاك [[أخرجه الطبري 9/ 154 بسند ضعيف وذكره النحاس في "ناسخه" 2/ 358 - 359، والماوردي 2/ 288، عن ابن عباس والسدي والضحاك، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1638 بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس قال: (خذ الفضل: أنفق الفضل) اهـ.]].
قال الكلبي: (هو فضل المال كان يأخذه بعد الكل والعيال، ليس فيه شيء مؤقت، ثم نزلت الزكاة المفروضة بعد ذلك فنسخت الفضل) [["تنوير المقباس" 2/ 149، وذكره هود الهواري 2/ 67، عن الكلبي، وذكره الثعلبي 6/ 31/ ب، والبغوي 3/ 316، عن ابن عباس والسدي والضحاك، وهو قول أبي عبد الله محمد بن حزم في "ناسخه" ص 38، وهبة الله بن سلامة في "ناسخه" ص70، والظاهر عدم النسخ، وأن المعنى: أقبل الميسور من أخلاق الناس، وقد يدخل فيه فضل المال ومكان عن ظهر غنى فالآية محكمة وهو اختيار الجمهور، انظر: "تفسير الطبري" 9/ 155، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 360، و"الإيضاح" لمكي ص 253، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 342، و"زاد المسير" 3/ 308، و"النسخ في القرآن" للدكتور/ مصطفى زيد 2/ 732.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: بلا [[في (ب): (يريد لا إله إلا الله)، والأثر ذكره الثعلبي 6/ 31 ب، والبغوي 3/ 316، والقرطبي 7/ 346، والخازن 2/ 328، عن عطاء فقط.]] إله إلا الله)، وقال السدي: (بالفضل [[في (ب): (الفضل) وقد سبق تخريج الأثر، والظاهر أنه في تفسير قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ وليس في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ لأنه محكم.]] من المال، نسخته الزكاة).
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال الضحاك: (وأعرض عن المشركين) [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 81 - 82، وهو قول ابن حزم في "ناسخه" ص 38.]] والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 149، وهو قول هبة الله بن سلامة في "ناسخه" ص70.]]: (عن جميع من جهل عليك، وجهل أمرك من مشركي مكة، مثل أبي جهل وغيره، نسخة آية السيف) [[هي الآية -5 من سورة التوبة، وقد سبق ذكرها.]]، فعلى هذه الطريقة جميع الآية منسوخة إلا قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ على قول عطاء [[سبق تخريجه، وهو عندهم موصولًا بقوله: (يريد بلا إله إلا الله قال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ أبي جهل وأصحابه نسخها بآية السيف، وقال القرطبي 7/ 347: (قال عطاء وابن زيد: هي منسوخة بآية السيف، وقال مجاهد وقتادة هي محكمة وهو الصحيح) اهـ. والذين قالوا بالنسخ جماعة ذكرهم المؤلف ولم يذكر عطاء معهم.]]، والأحسن الطريقة الأولى [[أي أن الآية محكمة والمعنى: إنه عام فيمن جهل، أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم وإن وجب الإنكار عليهم، وهذا هو الصحيح واختيار الجمهور.
انظر: "تفسير الطبري" 9/ 153 - 156، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 363، و"الإيضاح" لمكي ص 2536، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 3414، و"تفسير ابن عطية" 185 - 187، وابن الجوزي 3/ 308، والرازي 15/ 96 - 97، و"البحر" 4/ 448، و"النسخ في القرآن" لمصطفى زيد 2/ 833.]].
قال ابن زيد [[أخرجه الطبري 9/ 156 - 157 بسند جيد عن عبد الرحمن بن زيد وهو مرسل، وذكره الثعلبي 6/ 32 أ ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 289، والبغوي 13/ 317]]: نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: "كيف يا رب والغضب"؟ فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾) [[لفظ: (نزغ) ساقط من (ب).]] [الأعراف: 200]، نزغ الشيطان وساوسه ونخسه في القلب بما يسول للإنسان من المعاصي [[النص في "تهذيب اللغة" 4/ 3552، وانظر: "الجمهرة" 2/ 820، و"الصحاح" 4/ 1327، و"مقاييس اللغة" 5/ 416، و"اللسان" 7/ 4397 (نزغ).]]، روي أبو عبيد عن أبي زيد: (نزغت بين القوم إذا أفسدت) [["تهذيب اللغة" 4/ 3552.]]. وقال الليث: (النزغ أن تنزغ بين قوم فتحمل بعضهم على بعض بفساد ذات بينهم) [["تهذيب اللغة" 4/ 3552، وانظر: "العين" 4/ 384، و"البارع" ص 330.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: يعرض لك من الشيطان عارض) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 289.]]. وقال مقاتل: (وإما [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] يفتنك الشيطان فتنة) [["تفسيرمقاتل" 2/ 82.]].
وقال الزجاج: (المعنى: إن نالك من الشيطان أدنى وسوسة) [["معاني الزجاج" 2/ 396، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 120.]].
وقال عبد الله بن مسلم: (وإما يستخفنك الشيطان. قال: ويقال: نزغ بيننا فلان أي: أفسد) [["تفسير غريب القرآن" ص 186، ونحوه في "مجاز القرآن" 1/ 236، و"غريب القرآن" ص 156، و"تفسير المشكل" ص 89.]].
وقال بعض أهل المعاني: (معنى النزغ: الإزعاج، وأكثر ما يكون عند الغضب، وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وهذه نزغة من الشيطان للخصلة الحاملة عليه) [[انظر: الرازي 15/ 97.]]، وموضع [[﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والنون للتوكيد حسن تأكيده بالنون لما دخلت عليه ما، انظر: "إعراب النحاس" 1/ 660.]] ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ جزم بـ "إِنْ" التي للجزاء إلا أنه لا يتبين فيه الإعراب لأنه مبني مع نوع التأكيد بالفتح إذ كانت مشددة ولا بد [[في: (أ): (مشددة أبد من تحريك) وهو تحريف.]] من تحريك ما قبلها في الجزم لالتقاء الساكنين [[انظر: "الكتاب" 3/ 514 - 519.]].
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: اطلب النجاة من تلك البلية بالله، ومضى معنى [[انظر: "البسيط" البقرة: 67، النسخة الأزهرية 1/ 84/ أ.]] الاستعاذة والعوذ، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لدعائك ﴿عَلِيم﴾ بما عرض لك.
الأعراف 7:201
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، قال ابن عباس: (يريد: المؤمنين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 290، وذكره الثعلبي 6/ 32/ ب، والبغوي 3/ 317 بلا نسبة.]]. وقال الكلبي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكفر والشرك والفواحش) [[ذكر الواحدي في "الوسيط" 2/ 290 عن ابن عباس قال: (يريد: المؤمنين الذين اتقوا الكفر والشرك والفواحش) اهـ. وقال السمرقندي 1/ 590: (يعني: اتقوا الشرك والفواحش) اهـ.]]، ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، وقرئ [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (طيف) بياء ساكنة بعد الطاء من غير ألف ولا همز، وقرأ الباقون ﴿طَائِفٌ﴾ بألف بحد الطاء وهمزة مكسورة بعدها.
انظر: "السبعة" ص 301، و"المبسوط" ص 187، و"التذكرة" 2/ 430، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 275.]] ﴿طَيْف﴾، اختلفوا في الطيف، فقيل: إنه مصدر.
قال أبو زيد: (طاف يطوف طوفًا وطوافًا، إذا أقبل وأدبر، وأطاف يُطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال يطيف طيفًا إذا ألم في المنام) [["الحجة" لأبي علي 4/ 120، وليس فيه (وطوافًا) وفي "مجمل اللغة" 2/ 589 قال: (طاف يطوف طوفًا وطوافًا).]]، ونحو هذا قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 396 وفيه: (يقال: طفت أطوف وطاف الخيال يطيف).]]، وأنشدوا [[الشاهد لكعب بن زهير في "ديوانه" ص 49، و"اللسان" 5/ 2739 (طيف) وبلا نسبة في: "مجاز القرآن" 1/ 237، و"تفسير الطبري" 9/ 157 - 158، و"نزهة القلوب" ص 312، و"إعراب القراءات" 1/ 219، و"الصحاح" 4/ 1397، و"مقاييس اللغة" 3/ 432، و"الكشاف" 2/ 139، و"تفسير ابن عطية" 6/ 190 - 191، و"الفريد" 2/ 398، و"البحر" 4/ 449، و"الدر المصون" 5/ 546 وتمامه: (ومطافة لك ذكرة وشعوف).
وأنى أي: كيف، وأم نزل والإلمام الزيارة، والذكرة -بالضم والكسر نقيض النسيان وهو حفظ الشيء أو الشيء يجري على اللسان والشعف- إحراق الحب القلب مع لذة يجدها، وشعفه الهوى إذا بلغ منه، والشعوف الولوع بالشيء حتى لا يعدل عنه، قال في "اللسان" 4/ 2285 - 2286 شعف في شرح بيت كعب: (يحتمل أن يكون جمع شعف ويحتمل أن يكون مصدرا وهو الظاهر) اهـ. وانظر: "اللسان" 4/ 2279 (ذكر) حيث شرح فيه بيت كعب "شرح شواهد الكشاف" 4/ 457.]]:
أنَّى ألمَّ بك الخيال يطيف
قال ابن الأنباري: (وجائز أن يكون الطيف أصله طيِّف إلا أنهم أستثقلوا التشديد فحذفوا إحدى اليائين وأبقوا [[في (ب): (واتقوا) وهو تصحيف.]] ياء ساكنة) [[ذكره الرازي 15/ 99، عن الواحدي عن ابن الأنباري.]].
فعلى القول الأول هو مصدر، و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] على ما قاله أبو بكر من باب هَيّن وهَيْن، ومَيّت ومَيْت [[قال السمين في "الدر" 5/ 546: (طيف قيل: إنه مخفف من فيعل والأصل طيف == بتشديد الياء فحذف عين الكلمة كقولهم في ميِّت ميت وفي هين هين ثم طيف الذي هو الأصل يحتمل أن يكون من طاف يطيف أو من طاف يطوف والأصل طيوف فقلب وأدغم وهذا قول ابن الأنباري) اهـ.
وانظر: "معجم مفردات الإبدال والإعلال" للخراط ص 176 (طاف)، وص 252 (ميت)، وص 271 (هين).]]، ويشهد بصحة قول أبي بكر قراءة سعيد بن جبير [[ذكرها النحاس في "إعرابه" 1/ 660، والسمرقندي 1/ 590، والثعلبي 6/ 32 ب، ومكي في "الكشف" 1/ 487، وابن عطية 6/ 190 - 191، والرازي 15/ 99، والقرطبي 7/ 349، و"البحر" 4/ 449، وذكرها ابن خالويه في "مختصر الشواذ" ص 253، عن ابن عباس وسعيد بن جبير، وذكرها ابن زنجلة في "الحجة" ص 306 عن ابن مسعود. وذكرها ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 309 عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعاصم الجحدري والضحاك.]] ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَيَّفٌ﴾ بالتشديد، هذا هو الأصل في الطيف [[لفظ: (في الطيف) مكرر في (أ).]] ثم يسمّى الجنون والغضب والوسوسة طيفًا لأنه لمة من الشيطان [[في (أ): (من الشيطان أن يشبه)، وهو تحريف.]] يشبه بلمّة الخيال.
قال الأزهري: (الطَّيف في كلام العرب الجنون، رواه أبو عبيد عن الأحمر [[الأحمر هو خلف بن حيان، لغوي. تقدمت ترجمته.]].
وقال الهذلي [[الهذلي هو أبو العيال بن أبي غثير، مشهور بكنيته، شاعر مخضرم، أسلم مع من أسلم من هذيل، وعمر إلى خلافة معاوية، وهو فصيح مقدم.
انظر: "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 407، و"الشعر والشعراء" ص445، و"الأغاني" 24/ 162، و"الإصابة" 4/ 146.]]: وإذا بها وأبيك طيف جنون [["شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 415، و"معاني القراءات" 1/ 433، و"الصحاح" 4/ 1397، و"اللسان" 5/ 2739 (طيف)، وبلا نسبة في "البارع" ص 683، و"الحجة" لأبي علي 4/ 121، وصدره:
ومنحتني فرضيت حين منحتني
وجاء في "الأغاني" 24/ 266 (رأي) بدل (حين)، (والله) بدل (وأبيك)، وفي المراجع (فإذا) بدل (وإذا).]]
وقيل للغضب: طيف لأن عقل من استفزه يعزب حتى يصير في صورة المجنون الذي زال عقله) [["تهذيب اللغة" 3/ 2155 (طيف).]].
وأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى: الطيف، مثل العافية والعاقبة، ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلةٍ، قال الأعشى [["ديوانه" ص 118، و"مجاز القرآن" 1/ 236، و"الحجة" لأبي علي 4/ 121، و"مقاييس اللغة" 3/ 432، و"تفسير ابن عطية" 6/ 191 - 192، و"اللسان" 5/ 2722 (طوف)، و"البحر" 4/ 449، و"الدر المصون" 5/ 547، وبلا نسبة في: "الجمهرة" 1/ 1092، و"تهذيب اللغة" 1/ 184 (ألق)، و"إعراب القراءات" 1/ 218، و"الحجة" لابن خالويه ص 168، وغب الشيء: عاقبته وما يليه، والسرى: السير ليلاً، وألم به خالطه، والطائف ما يلم بالإنسان ويطوف وبه، وأولق أي: جنّ.]]:
وتصبح [[في: (أ): (ويصبح)، وهو تصحيف.]] من غبِّ السرى وكأنما [[في: (أ): (ولا نما)، وهو تحريف.]] ... ألم بها من طائف الجن أولق
قال الفراء [["تهذيب اللغة" 3/ 2155، وفي "معاني الفراء" 1/ 402: (﴿طَائِفٌ﴾، وقرأ إبراهيم النخعي (طيف) وهو اللمم والذنب) اهـ.]] في هذه الآية: (الطائف والطيف سواء، وهو ما كان كالخيال، والشيء يُلم بك).
وقال الليث: (طائف الشيطان، وطيف الشيطان ما يغشى الإنسان من وساوسه) [["تهذيب اللغة" 3/ 2155، وفيه قال الليث: (كل شيء يغشى البصر من وسواس الشيطان فهو طيف والطائف العاس بالليل) اهـ.
وانظر: "العين" 7/ 459، و"الجمهرة" 1/ 922.]].
ومنهم من قال: (الطيف كالخطرة، والطائف كالخاطرة [[لفظ: (كالخاطرة) ساقط من (ب).]]. وهذا أكثر لأن المصدر على فَعْل أكثر منه على فاعل [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 121، وانظر: "الحجة" لابن زنجلة ص 305، و"الكشف" 1/ 487.]]، وقال أبو عمرو [[أبو عمرو بن العلاء، إمام، مقرئ، لغوي. سبقت ترجمته.]]: (الطائف ما يطوف حول الشيء، وهو هاهنا ما طاف به من وسوسة الشيطان، والطيف اللمة والوسوسة) [[ذكره الثعلبي 6/ 32 ب، والماوردي 2/ 289، والواحدي في "الوسيط" 2/ 290، والبغوي 3/ 317، وابن الجوزي 3/ 309 - 310.
وفي "تفسير الطبري" 9/ 157 - 158، و"معاني النحاس" 3/ 120 عن أبي عمرو قال: (الطيف الوسوسة) اهـ.
وفي "معاني النحاس" عن الكسائي قال: (الطيف اللمم والطائف كل ما طاف حول الإنسان) اهـ.
وقال النحاس في "إعرابه" 660: (كلام العرب في مثل هذا طيف بالتخفيف على أنه مصدر من طاف يطيف، ومعناه في "اللغة": ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم، وكذا معنى طائف) اهـ. ونحوه قال في "معانيه" 3/ 120، وقال الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 433 - 434: (المعنى في الطيف والطائف واحد، وهو في كلام العرب له معنيان أحدهما: الجنون، وقد جعله بعض المفسرين في هذا == الموضع جنونًا لأن الغضب الشديد يعتريه شيء من الجنون، والمعنى: إذا مسهم غضب يخيل إلى من رآه في تلك الحالة بعد ما كان رآه ساكنًا أنه مجنون، والطيف في غير هذا الخيال الذي تراه في منامك، ومن قرأ: ﴿طَائِفٌ﴾ أراد به تغير حالة الغضبان إذا ثار ثائره فكأنما طاف به شيطان استخفه حتى تهافت فيما يتهافت فيه المجنون من سفك الدم الحرام والتقحم على الأمور العظام) اهـ.
وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 316، و"غريب القرآن" ص 156، و"الدر المصون" 5/ 545.]]، فأما التفسير، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (إذا مسهم عارض من وسوسة الشيطان) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 290، وأخرج الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1640 بسند جيد عنه قال: (الطائف اللَّمة من الشيطان) اهـ.]].
[وروي عنه [[أخرجه الطبري 9/ 158 بسند ضعيف، وذكره الثعلبي 6/ 32 ب.]]: (نزغ من الشيطان)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
وقال مجاهد [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 290 عن سعيد بن جبير ومجاهد، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 254. وأخرجه الطبري 9/ 158 من طرق جيدة قال: (الغضب).]] وسعيد بن جبير [[ذكره الثعلبي 6/ 33 أ، والبغوي 3/ 318، وأخرج الطبري 9/ 158 بسند جيد عنه، قال: (الغضب)، وذكره ابن أبي حاتم 5/ 164 عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الرحمن بن زيد.]]: (هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله فيكظم الغيظ).
وروى ليث [[ليث بن أبي سليم الكوفي. تقدمت ترجمته.]] عن مجاهد قال: (هو الرجل يهمّ بالذنب فيذكر الله فيدعه) [[ذكره الثعلبي 6/ 33 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 290 ، والبغوي 3/ 318.]].
ونحو ذلك قال الكلبي [[في "تنوير المقباس" 2/ 150 قال: (الطائف: الريب والوسوسة) اهـ. وذكر الثعلبي 6/ 32 ب عن الكلبي قال: (ذنب) اهـ.]]، وروى الحكم [[الحكم هو: الحكم بن أبان العدني، أبو عيسى، إمام، عابد، سيد أهل اليمن، وهو صدوق له أوهام. توفي سنة 154 هـ وله حوالي 80 سنة.
انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 113، و"ميزان الاعتدال" 1/ 569، و"تهذيب التهذيب" 1/ 461، و"تقريب التهذيب" ص 174 رقم (1438).]] عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: (الطيف الغضب) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1640 بسند ضعيف، وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2155 (طيف).]].
وقال أهل المعاني: (ينبغي للعاقل إذا أحس من نفسه إفراطًا في الغضب أن يذكر غضب الله على المسرفين فلا يقدم على ما يوبقه) [[هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2155 (طيف).]].
وقوله تعالى: ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: استعاذوا فأبصروا عظمة الله تعالى) [[لم أقف عليه. وأخرج الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1641 بسند ضعيف عنه في الآية قال: (إذا هم منتهون عن المعصية آخذون بأمر الله عاصون للشيطان) اهـ.]].
وقال السدي: (معناه: إذا زلُّوا تابوا) [[أخرجه الطبري 9/ 158، ابن أبي حاتم 5/ 1641، بسند جيد.]]، وقال مقاتل: (يقول: إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر [[في (ب): (تذكروا وعرف)، وهو تحريف.]] وعرف أنها معصية فأبصرها ففزع من مخافة الله) [["تفسير مقاتل" 2/ 82.]]، فعلى هذا معنى [[لفظ: (معنى) ساقط من (أ).]] ﴿مُبْصِرُونَ﴾ أي: يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر.
وقال أبو إسحاق: (أي: تفكّروا فيما أوضح الله لهم من الحجة فإذا هم على بصيرة) [["معاني الزجاج" 2/ 396.]].
وقال الفراء: (﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ أي: منتهون إذا أبصروا) [["معاني الفراء" 1/ 402، والمعاني متقاربة، والمعنى: تذكروا أمر الله وانتهوا إلى أمره، أفاده الطبري 9/ 159، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 661، والماوردي 2/ 289، وابن الجوزي 3/ 310، و"البحر" 4/ 450.]].
وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾. معنى (إذا) هاهنا: المفاجأة، كقولك: خرجت فإذا زيد، و (إذا) في قوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾ [[في (ب): (وإذا مسهم)، وهو تحريف.]] بمنزلة الجزاء في أن لها جوابًا كجوابه، والفرق [[في (ب): (فالفرق).]] بينها وبين الجزاء أن (إذا) عبارة عن الوقت كقولك: آتيك إذا احمَرَّ البُسْرُ، وليس كذلك (إنْ) كقولك: آتيك إن كان [[انظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 57 وص 63، و"معاني الحروف" للرماني ص 74، وص 115، و"الصاحبي" ص 176 وص 193، و"رصف المباني" ص 186، و"المغني" لابن هشام 1/ 27 وص 87.]] كذا، فهذا شرط لا عبارة فيه [[لفظ: (فيه) ساقط من (ب).]] عن زمان ما ، ولهذا قال الشافعي: (إذا قال لامرأته: إذا لم أطلقك فأنت طالق [[لفظ: (طالق) ساقط من (ب).]]؛ طلقت في الوقت، وإذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق؛ لم يقع الطلاق ما لم يطلقها) [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 224 (إن)، وفي "روضة الطالبين" 6/ 121 قال: (أدوات التعليق تقتضي الفور في طرف النفي إلا لفظة (إن) فإنها للتراخي) اهـ.
وذكر في "المجموع" 17/ 188 قول الشافعي، وقال: (هذا هو الصحيح لأن == (إذا) اسم لزمان مستقبل ومعناه: أي وقت، ولهذا يجاب به عن السؤال عن الوقت فيقال: هل ألقاك فتقول: إذا شئت، كما تقول: أي وقت شئت، فكان على الفور، كما لو قال: أي وقت لم أطلقك فأنت طالق، وليس كذلك! فإنه لا يستعمل الزمان، ولهذا لا يجوز أن يقال متى ألقاك فتقول: إن شئت، وإنما يستعمل في الفعل ويجاب بها عن السؤال عن الفعل، فيقال: هل ألقاك فتقول: إن شئت، فيصير معناه: إن فاتني أن أطلقك فأنت طالق، والفوات يكون آخر العمر) اهـ.]].
الأعراف 7:202
قوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾، اختلفوا في هذه الكناية، فالأكثرون على أن المراد بها: الشياطين، وهو قول الحسن [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 68، وذكره القرطبي 7/ 315 عن الحسن وقتادة والضحاك.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 245 - 246، والطبري 9/ 160، بسند جيد.]] والسدي [[أخرجه الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1641 بسند جيد.]] والضحاك [[ذكره النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 661.]] والكناني [[الكناني: هو الإِمام عبد العزيز بن يحيى المكي، ولم أقف على قوله.]] واختيار الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 397.]]، قال: (يعني به: الشياطين؛ [لآن الكفار إخوان الشياطين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لاجتماعهم على الضلالة)، وعلى هذا المراد بالإخوان: الكفار، وعادت الكناية إلى الشياطين لأنهم قد ذكروا في قوله ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: 201]، و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] هو اسم جنس.
وقال آخرون: المراد بالإخوان: الشياطين، فقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾، أي: إخوان المشركين من الشياطين، وهذا قول ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1642 بسند ضعيف، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1641 بسند جيد عنه قال: (إخوان الشياطين يمدونهم في الغي).]] في رواية عطاء، ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 254، وأخرجه الطبري 9/ 160 بسند جيد.]] والكلبي، وابن مسلم [["تفسير غريب القرآن" ص 187، ونحوه قال مكي في "تفسير المشكل" ص 89.]] وابن جريج [[أخرجه الطبري 9/ 159 بسند جيد.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 82]]، قال الكلبي: (لكلّ كافرٍ أخ من الشياطين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 291، والبغوي 3/ 318، والخازن 2/ 329.]]. وهذا القول اختيار الفراء [["معاني الفراء" 1/ 402.]] وأبي بكر؛ قال: (والكناية على هذا تعود إلى الجاهلين في قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وهم المشركون، ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ وهم الشياطين) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 311، وقال النحاس في "إعرابه" 1/ 661: (أحسن ما قيل في هذا قول الضحاك ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ أي: إخوان الشياطين وهم الفجار، وعلى هذا يكون الضمير متصلاً، فهذا أولى في العربية، وقيل للفجار: إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم) اهـ. ونحو قال القرطبي 7/ 351، وقال السمين في "الدر" 5/ 548: (الضمير في (﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ يعود على الشياطين لدلالة لفظ الشيطان عليهم، والضمير المنصوب في (يمدوهم) يعود على الكفار والتقدير: وإخوان الشياطين يمدهم الشياطين، وهذا قول الجمهور وعليه عامة المفسرين) اهـ.
وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 590، وابن عطية 6/ 192 - 193، وابن الجوزي 3/ 310، والرازي 15/ 100.]].
و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قوله تعالى: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾. هذا من فعل الشياطين على القولين جميعًا، قال مقاتل: (يدعونهم إلى المعصية) [["تفسير مقاتل" 2/ 82.]]، وقال أبو بكر: (أي: يزينونه لهم ويريدون منهم لزومه والإقامة عليه) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 310 - 311 بلا نسبة.]].
وقال أهل المعاني: (يطولون لهم الإغواء حتى يستمروا عليه) [[هذا قول ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 187، الثعلبي 6/ 33 ب، ومكي في "تفسير المشكل" ص 89، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 237، و"غريب القرآن" ص 156، و"معاني النحاس" 3/ 121.]]، وذكرنا معنى المدّ في قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15] واختلف القراء [[قرأ نافع ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ بضم الياء وكسر الميم من أمدَّ، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الميم من مدَّ، انظر: "السبعة" ص 301، و"المبسوط" ص 188، و"التذكرة" 2/ 340، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 275.]] في قوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ فقرءوا من المدّ والإمداد جميعًا، وعامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت كقوله: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾ [الطور: 22]. وقوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: 36] وما كان خلافه يجيء على مددت قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15]، فالوجه هاهنا قراءة العامة وهو فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو للخير في ضده كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21]، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 10] [[ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 122 - 123، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 661، و"معاني القراءات" 1/ 434، و"الحجة" لابن زنجلة ص 306، و"الكشف" 1/ 487.]].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، قال الليث: (الإقصار الكف عن الشيء) [["تهذيب اللغة" 3/ 2972: وانظر: "العين" 5/ 57 (قصر).]]. وقال أبو زيد: (أقصر فلان عن الشيء يقصر إقصارًا إذا كف عنه وانتهى) [["تهذيب اللغة" 3/ 2972: وانظر: "الجمهرة" 2/ 742، و"الصحاح" 2/ 792، و"المجمل" 3/ 756، و"مقاييس اللغة" 5/ 96، و"المفردات" ص 672، و"اللسان" 6/ 3645 (قصر).]].
قال ابن عباس: (يريد: لا يألون في ضلالتهم) [[لم أقف عليه، وأخرج الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1643 بسند ضعيف عنه قال: (لا يسأمون) اهـ.]].
وقال ابن زيد: (لا يسأمون ولا يفترون) [[ذكره الثعلبي 6/ 33 أ.]]، وقال الضحاك [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 292، والبغوي 3/ 318 عن الضحاك ومقاتل، وذكر النحاس في "إعرابه" 1/ 661، عن الضحاك قال: (أي: إخوان الشياطين وهم الفجار: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ أي: لا يتوبون ولا يرجعون) اهـ.]] (الشياطين يمدون المشركين [[في (ب): (يمدون المشركين والضلالة)، وهو تحريف.]] في الضلالة ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. يعني: المشركين، بخلاف ما قال في المؤمنين ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]) ونحو هذا قال مقاتل بن سليمان: (﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ عن الضلالة، ولا يبصرونها كما أقصر المتقي عنها حين أبصرها) [["تفسير مقاتل" 2/ 82.]].
وهو قول ابن جريج: (لا يقصر الإنسان من أهل الشرك كما يقصر الذين اتقوا) [[أخرجه الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1643 بسند جيد عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير المكي.]].
فعلى قول ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ من [[لفظ: (من) ساقط من (ب).]] فعل الشياطين وعلى قول الباقين من فعل المشركين، وقال قوم: إنه من فعلهم جميعًا.
قال مقاتل [[في: (أ) تكرار لفظ: (مقاتل).]] بن حيان: (﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ عن المعصية هؤلاء وهؤلاء) [[لم أقف عليه.]].
وقال الفراء: (﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ يعني: المشركين وشياطينهم) [["معاني الفراء" 1/ 402.]].
وروي مثل هذا عن ابن عباس قال: (لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين يمسكون عنهم) [[أخرجه الطبري 9/ 159، وابن أبي حاتم 5/ 1642 بسند جيد، وذكره ابن الجوزي 3/ 311 وقال: (وعليه يكون قوله: ﴿يُقْصِرُونَ﴾ من فعل الفريقين، وهذا على القول المشهور) اهـ.]].
الأعراف 7:203
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾، قال الكلبي [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 292، والبغوي 3/ 318، وابن الجوزي 3/ 311، الخازن 2/ 330.]]: (يعني: أهل مكة ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ سألوكها، وكانوا يسألونه الآيات تعنتًا، فإذا أبطأت ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾).
قال الفراء: (العرب تقول: اجتبيت الكلام [[لفظ: (الكلام) ساقط من (ب).]] واختلقته، وارتجلته [[في (ب): (وارتجلته وافتعلته)، وهو تحريف.]] إذا افتعلته من قبل نفسك) [[حكاه الطبري 9/ 161 ، عن الفراء، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 527، عن الفراء في الآية قال: (هلا اجتبيتها هلا اختلقتها وافتعلتها من قبل نفسك، وهو في كلام العرب جائز أن تقول: لقد اختار لك واجتباه وارتجله) اهـ. وفي "معاني الفراء" 1/ 420: (يقول: هلا افتعلتها، وهو من كلام العرب جائز أن يقال: اختار الشيء وهذا اختياره) اهـ. وأشار المحقق في الحاشية إلى وجود سقط في النسخ.]].
وقال أبو زيد: (الاجتباء تقوله العرب في الكلام يبتدئه الرجل من نفسه) [[حكاه الطبري 9/ 162، عن أبي عبيدة عن أبي زيد، وذكره الثعلبي 6/ 33 ب، وانظر: "اللسان" 1/ 542 (جبى).]].
وقال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 397، ونحوه في "تفسير غريب القرآن" ص 187، و"معاني النحاس" 3/ 121.]]: (﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ أي: هلا اختلقتها، وأتيت بها [[لفظ: (بها) ساقط من (أ).]] من قبل نفسك).
ونحو هذا قال المفسرون، و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] روي عن ابن عباس: (لولا أحدثتها فأنشأتها) [[أخرجه الطبري 9/ 161 بسند جيد. وفي رواية قال: (لولا تلقيتها)، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1643 بسند جيد عنه قال: (لولا أخذتها وتلقيتها فأنشأتها) وفي رواية بسند ضعيف قال: (هلا افتعلتها من تلقاء نفسك) وفي رواية عند الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف قال: (لولا تقبلتها من الله) اهـ.]].
وقال مجاهد [[أخرجه الطبري 9/ 161 بسند جيد، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 254، وأخرجه ابن أبى حاتم 5/ 1643 بسند جيد قال: (لولا ابتدعتها من قبل نفسك).]]: (لولا اقتضبتها [[في (ب): (قتضيتها)، والأولى "اقتضبتها" كما في المراجع. واقتضب الكلام ارتجله من غير تهيئة أو إعداد له، انظر: "اللسان" 6/ 3660 (قضب).]] وأخرجتها من نفسك).
وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري 9/ 161 بسند جيد.]]: (لولا تقولتها وجئت بها من عندك).
وقال قتادة [[ذكره الثعلبي 6/ 33/ ب، وأخرج عبد الرزاق 1/ 2/ 247، والطبري 9/ 161 بسند جيد عنه قال: (لولا جئت بها من نفسك)، وفي رواية عند الطبري بسند جيد عنه قال: (لولا تلقيتها من ربك)، وأخرج الطبري 9/ 161، وابن أبي حاتم 5/ 1644 بسند جيد عنه قال: (لولا أتيت بها من قبل نفسك، هذا قول كفار قريش) اهـ.]]: (هلا افتعلتها [[في (ب): (فعلتها).]] [وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك).
وقال الضحاك: (افتعلتها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] من تلقاء نفسك) [[أخرج الطبري 9/ 161، وابن أبي حاتم 5/ 1643 بسند جيد عنه قال: (لولا أخذتها فجئت بها من السماء) اهـ، والمعاني متقاربة، واختار الطبري 9/ 161 أن المعنى: (هلا أحدثتها من نفسك) اهـ، واختار النحاس في "معانيه" 3/ 121: (جئت بها من عند نفسك قال: وكذلك هو في اللغة يقال: اجتبيت الشيء وارتجلته واخترعته واختلقته إذا جئت به من عند نفسك) اهـ.
وقال ابن الجوزي 3/ 312: (هلا افتعلتها من تلقاء نفسك قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد والفراء والزجاج وابن قتيبة في آخرين وهو أصح) اهـ. وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 200، و"تفسير غريب القرآن" ص 187، والسمرقندي 1/ 591، والماوردي 2/ 290.]].
قال الزجاج: (فأعلمهم ﷺ أن الآيات من قبل الله عز وجل لقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 397.]] [الأعراف:203] ، أي: [[لفظ: (أي) ساقط من (أ)]] لو كنت آتي بالآيات من قبل نفسي للزمني تعجيل ما تطلبون مني، لكن ليس الأمر كذلك لأني ﴿أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا﴾ أي: هذا القرآن الذي أتيت به ﴿بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" 1/ 342.]]: (البصيرة الثبات في الدين).
وقال غيره: (البصيرة العبرة، يقال: أما لك بصيرة في هذا أي: عبرة تعتبر بها [[في (أ): (تعتبرها)، وهو تحريف.]] وأنشد [[البيت لقس بن ساعدة الإيادي في كتاب "المعمرين" لأبي حاتم السجستاني ص 96، و"العقد الفريد" 4/ 215، و"البيان" للجاحظ 1/ 294، و"الأغاني" 15/ 237، و"معجم المرزباني" ص 199، وبلا نسبة في "العين" 7/ 118، و"تهذيب اللغة" 1/ 342، و"اللسان" 1/ 291 (بصر).]]:
في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر
أي: عبر) [[هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 1/ 342.]].
وقال الفراء [[لم أقف عليه عن الفراء.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 397.]]: (البصيرة في الدين، وأصلها من ظهور الشيء وبيانه).
وقال أهل المعاني [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 162.]] في قوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: (هذا القرآن، وهذا الوحي دلائل من ربكم تقود إلى الحق، وتهدي إلى الرشد من استدل بها دون من أعرض عنها متعاميًا عما فيها، ومن هذا يقال للطريقة من الدم [[في (ب): (الذم) وهو تصحيف، والرمية، هي الطريدة التي يرميها الصائد. انظر: "اللسان" 3/ 1740 (رمي).]] يستدل به على الرميَّة: بصيرة).
وقال المفسرون [[هذا قول الثعلبي في "تفسيره" 6/ 33 ب، والبغوي 3/ 318، ونحوه قال أكثرهم، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 237، و"تفسير الطبري" 9/ 162، و"نزهة القلوب" ص 140، و"تفسير السمرقندي" 1/ 591.]]: (هذا القرآن حجج وبيان وبرهان من ربكم، وأصلها من ظهور الشيء حتى يبصرها الإنسان فيهتدي إليها وينتفع بها [[لفظ: (بها) ساقط من (ب).]]، فمعنى البصيرة في أصل اللغة [[انظر: "الجمهرة" 1/ 312، و"الصحاح" 2/ 591، و"مقاييس اللغة" 1/ 253، و"المجمل" 1/ 127، و"المفردات" ص 127 (بصر).]] ما يبصر به الشيء، ويدخل في هذا العبرة والحجة والدليل والبرهان).
الأعراف 7:204
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. الإنصات السكوت للاستماع، يقال: نَصَتَ وأَنصت وانتصت بمعنى واحد [[انظر: "العين" 7/ 106، و"الجمهرة" 1/ 401، و"الصحاح" 1/ 268، و"المجمل" 2/ 870، و"مقاييس اللغة" 5/ 434.]]، وقد ورد الإنصات متعديًا في شعر الكميت [[تقدمت ترجمته.]] بمعنى الإسكات وهو قوله [[لفظ: (قوله) ساقط من (ب).]]:
أبوك الذي أجدى علي بنصره ... فأنصت عني بعده كلَّ قائل [[البيت للكميت في "البحر" 4/ 438، و"الدر المصون" 5/ 551 وهو للراعي النميري في "ديوانه" ص 78، و"مجاز القرآن" 2/ 47، و"الجمهرة" 1/ 398، 3/ 1261، و"الاشتقاق" ص 110، وبلا نسبة في: "تهذيب اللغة" 4/ 3582، و"اللسان" 7/ 4437 (نصت).]] قال الأصمعي [[وقع هنا في (ب) اضطراب في ترتيب الأوراق حيث وقع باقي تفسير الآية في 186 ب.]]: (يريد: فأسكت عني) [["تهذيب اللغة" 4/ 3582.]]. واختلف المفسرون في وجه نزول الآية على قولين أحدهما: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة، قال أبو هريرة: (كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية وأُمروا بالإنصات) [[أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 8380، الطبري 9/ 163، وابن أبي حاتم 5/ 1645، والبيهقي في "سننه" 2/ 155 من طرق ضعيفة.]].
وقال قتادة: (كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي، وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأنزل الله هذه الآية) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 247، والطبري 9/ 164 من طرق جيدة.]] ونحو هذا قال معاوية [[معاوية بن قرَّة بن إياس بن هلال المزني أبو إياس البصري، إمام تابعي عابد عالم ثقة، والد القاضي إياس أدرك كثيرًا من الصحابة رضي الله عنهم، توفي سنة 113 هـ وله 76 سنة، انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 378، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 153، و"تهذيب التهذيب" 4/ 111، و"تقريب التهذيب" ص 538 (6769).]] بن قرة [[أخرجه البيهقي في "سننه" 2/ 155 بسند جيد.]]. وقال ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة؛ سلام على فلان، سلام على فلان، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الآية) [[أخرجه الطبري 9/ 162 بسند ضعيف لانقطاعه.]].
القول الثاني: أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام، قال ابن عباس: (إن رسول الله ﷺ قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه فنزلت هذه الآية) [[أخرجه الطبري 9/ 165 بسند جيد]].
وروى عن أبي هريرة مثل ذلك [[في (ب): (مثل هذا).]] قال: (نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة) [[أخرجه الطبري 9/ 163، وابن أبي حاتم 5/ 1645، والدارقطني في "سننه" 1/ 326، والواحدي في "الوسيط" 2/ 293، وفي "أسباب النزول" ص 233 بسند ضعيف كما قال الدارقطني.]].
وروي أيضًا عن ابن مسعود [[أخرجه الطبري 13/ 346، وابن أبي حاتم 5/ 1646 بسند جيد عنه، قال: (لعلكم تقرأون مع الإِمام قالوا: نعم، قال: ألا تفقهون ما لكم لا تعقلون: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾) اهـ.
قال الشيخ أحمد شاكر في "الحاشية": (فيه بشير بن جابر لم أعرفه وفي المخطوطة (بسير) غير منقوطة ولم أعرف له وجه) اهـ.]] مثل هذا، وقال الكلبي: (كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار فأنزل الله هذه الآية) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 247 بسند جيد.]].
وفي الآية قول ثالث: وهو أنها نزلت في السكوت للخطبة؛ أُمِروا بالإنصات للإمام يوم الجمعة، وهذا قول سعيد [[ذكره البغوي 3/ 319، والرازي 15/ 102، والخازن 2/ 330 عن سعيد بن جبير وعطاء، وأخرج الطبري 9/ 165 بسند جيد عنه قال: (يوم الأضحى والفطر والجمعة وفي الصلاة) وقال البخاري في القراءة خلف الإمام ص 64: (ذكر عن ابن عباس وسعيد بن جبير أن الآية في الصلاة إذا خطب الإِمام يوم الجمعة) اهـ.]] بن جبير ومجاهد [[أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 226 - 227، الطبري 9/ 165 من طرق جيدة.]] وعطاء [[ذكره الماوردي 2/ 290، وأخرج الطبري 9/ 165 من طرق جيدة.]] وعمرو [[ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 233، وابن الجوزي 3/ 313، عن سعيد ابن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار.]] بن دينار، وزيد بن أسلم [[ذكره الثعلبي 6/ 34 ب، والقرطبي 7/ 353، عن سعيد بن جبير ومجاهد وعمرو ابن دينار وزيد بن أسلم، والقاسم بن مخيمرة.]] والقاسم بن مخيمرة [[القاسم بن مخيمرة الهمداني، أبو عروة الكوفي نزيل الشام، تابعي إمام عابد فاضل معلم محدث ثقة، توفي سنة 100 هـ. انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 120، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 201، و"تهذيب التهذيب" 3/ 421، و"تقريب التهذيب" 3/ 421.]] وجماعة.
واحتج ابن المبارك [[عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي. تقدمت ترجمته.]] لهذا القول بأن قال: (لا ترى خطيبًا يخطب يوم الجمعة فأراد أن يقرأ في الخطبة [[لفظ: (الخطبة) ساقط من (ب).]] آية من قوارع القرآن إلا قرأ هذه الآية قبل قراءته ثم قرأ القرآن) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 34 ب، وهذا القول ضعفه أكثرهم، قال البغوي في "تفسيره" 3/ 320: (الأولى أنها في القراءة في الصلاة؛ لأن الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة واتفقوا على أنه مأمور بالإنصات حالة ما يخطب الإمام) وضعفه ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 828، والقرطبي 7/ 353.]].
واختار الفراء [["معاني الفراء" 1/ 402.]]، وأبو إسحاق [["معاني الزجاج" 2/ 398.]] القول الأول، وقالا: (كان الناس يتكلمون في الصلاة المكتوبة، يأتي الرجل القوم فيقول: كم صليتم؟ فيقول الناس: كذا وكذا، فنهوا عن ذلك، فحرم الكلام في الصلاة لما نزلت هذه الآية).
ولا حجة في الآية لمن أبى وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة خلف الإِمام؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ على القول الأول أمر بالإنصات عن الكلام الذي لا يحل في الصلاة، وعلى القول الثاني أمر بالإنصات عن رفع الأصوات خلف الإِمام، وفي القول الثالث أمر بالإنصات لاستماع القرآن في الخطبة، وقد قال الأوزاعي [[الأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد الأوزاعي أبو عمرو الشامي الدمشقي، إمام تابعي عابد فاضل فقيه حافظ ثقة، شيخ الإِسلام وعالم أهل الشام أجمعوا على إمامته وجلالته وعلوّ مرتبته وكمال فضله وأقاويل الأئمة فيه كثيرة مصرحة بورعه وزهده وغزارة فقهه وقيامه بالحق، توفي رحمه الله تعالى سنة 157 هـ وله 69 سنة.
انظر: "الجرح والتعديل" 1/ 184، و5/ 266، و"الحلية" 6/ 135، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 298، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 107، و"تهذيب التهذيب" 2/ 537.]]: (إن الله أمر بالإنصات عن الكلام لا عن قراءة القرآن لأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة) [[لم أقف عليه.]].
فإن احتج بعموم اللفظ ولم يقصر الآية على سببها قيل له: حكم الآية ممتثل [[كذا في النسخ: "ممتثل" ولعل المعنى أي: قائم ومتصور. انظر: "اللسان" 7/ 4135: (مثل).]] عند الشافعي [[انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 77، و"روضة الطالبين" 1/ 347، و"المجموع" 3/ 363.]] -رضي الله عنه-؛ لأن السنة أن يسكت الإِمام ويتنفس فيقرأ المأموم الفاتحة في حال سكتة الإمام، كما قال أبو سلمة [[أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وهو إمام تابعي عالم عابد فقيه ثقة مكثر اتفقوا على جلالته وإمامته وعظم قدره وارتفاع منزلته توفي رحمه الله تعالى سنة 94 هـ، وله 72 سنة، انظر: "الجرح والتعديل" 5/ 93، و"تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 240، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 287، و"تهذيب التهذيب" 4/ 531.]]: (للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت) [[أخرجه البخاري في "القراءة خلف الإمام"، وذكره ابن قدامة في "المغني" == 2/ 266، وابن القيم في "زاد المعاد" 1/ 208، وقال ابن قدامة في "المغني" 1/ 163: (يستحب أن يسكت الإمام عقيب قراءة الفاتحة سكتة يستريح فيها ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة كي لا ينازعوه فيها، وهذا مذهب الأوزاعي والشافعي وإسحاق، وكرهه مالك وأصحاب الرأي) اهـ.
وانظر: "سنن البيهقي" 2/ 195، و"نيل الأوطار" 2/ 276.]]، على أن الإنصاف هو ترك الجهر، والعرب تسمي تارك الجهر منصتًا وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يُسمع أحدًا، وأيضًا فإن الفاتحة مخصوصة بالقراءة من بين غيرها بالسنة لقوله ﷺ: "إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة إلا بها" [[أخرجه البخاري في "القراءة خلف الإمام"، وأبو داود في "سننه" رقم (323)، والترمذي رقم (311)، و"النسائي" 2/ 141 - كتاب "الافتتاح"- باب: قراءة أم القرآن في الجهرية، والدارقطني 1/ 318، والحاكم في "المستدرك" 1/ 238 عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله ﷺ الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرءون وراء إمامكم. قلنا: إي والله. قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها") اهـ.
قال الترمذي: (حديث حسن وله شواهد والعمل عليه في القراءة خلف الإِمام عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين وهو قول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) اهـ.
وقال الدارقطني: (إسناده حسن) اهـ. وذكره الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" 1/ 231 وحسنه وقال: (صححه أبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي) اهـ.
وقال البيهقي في "سننه" 2/ 163: (يقرأ المأموم خلف الإمام بفاتحة الكتاب في السرية والجهرية وهو أصح الأقوال على السنة وأحوطها وبالله التوفيق) اهـ. وهذا هو الظاهر وحديث عبادة نص في ذلك، وهو اختيار الشيخ محمد بن == صالح العثيمين قال في "مجموع دروس الحرم المكي" 2/ 236: (الصحيح من أقوال أهل العلم أن قراءة الفاتحة واجبة على الإِمام والمأموم والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية والدليل حديث عبادة فتكون الأحاديث مخصصة للآية وتحمل الآية في غير الفاتحة لأنه لا بد من قراءتها) اهـ.]].
فالمأموم ينصت إلا عن الفاتحة. للخبر، على أنا نقول: إن جاز لغيرنا أن يُعدّي الآية إلى غير السبب النازل فيه جاز لنا أن نأوّلها بما ذكره أبو إسحاق، وهو أنه قال: (يجوز أن يكون: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [[في النسخ: (استمعوا).]] اعملوا بما فيه، ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ لا تجاوزه إلى غيره؛ لأن معنى قول القائل: سمع الله دعاءك تأويله: أجاب الله دعاءك، وفعل ما أردت؛ لأن الله عز وجل سميع لم يزل) [["معاني الزجاج" 2/ 398.]]، وعلى هذا فلا معنى لترك القراءة في الآية وليست الآية من ترك القراءة في شيء.
وذهب قوم من أهل الظاهر [[انظر: "المغني" لابن قدامة 2/ 259، و"الفتاوى" لشيخ الإِسلام 23/ 265 وص 330، و"نيل الأوطار" 2/ 243 - 257، وقال النحاس في "إعرابه" ص 662: (الإنصات في اللغة عام يجب أن يكون في كل شيء إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء) اهـ. ونحوه في "معانيه" 3/ 122، وقال القرطبي 7/ 353 - 354: (الصحيح أن الإنصات عام في الصلاة والخطبة لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات وحكي عن النقاش إجماع أهل التفسير أن هذا في الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة) اهـ.]] إلى أن هذه الآية عامة، ويجب الإنصاف لقارئ الطريق، ومعلم الصبيان، وليس الأمر على [[في (ب): (إلى ما ذهبوا).]] ما ذهبوا إليه؛ فإن هذا الإنصات إنما يجب في الصلاة، وعند الخطبة يوم الجمعة، على ما ذكرنا عن الأئمة والسلف [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 165، 166، والسمرقندي 1/ 591، والماوردي 2/ 290، وابن عطية 6/ 196 - 197، وابن الجوزي 3/ 312، والرازي 15/ 102 - 104، وابن كثير 2/ 311، و"الدر المنثور" 3/ 285 - 287.]]؛ يدل على هذا ما روى الجريري [[الجريري: سعيد بن إياس الجريري، أبو مسعود البصري، إمام، محدث من كبار العلماء، ثقة، اختلط قبل موته بثلاث سنين. توفي سنة 144 هـ.
انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 1، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 153، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 155، و"تهذيب التهذيب" 2/ 7، و"تقريب التهذيب" ص 233 (2273).]] عن طلحة بن عبيد الله بن كريز [[طلحة بن عبد الله بن كريز بن جابر بن ربيعة الخزاعي الكعبي، تقدمت ترجمته.]] قال: (رأيت عبيد بن عمير [[عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، إمام مجمع على ثقته، وكان قاضي أهل مكة. تقدمت ترجمته.]] وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاص يقصّ فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود، فنظرا إليّ وقالا: إنما ذلك في الصلاة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. ثم أقبلا علي حديثهما) [[أخرجه الطبري 9/ 163 بسند جيد.]].
الأعراف 7:205
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾، الخطاب في هذا للنبي ﷺ، وغيره داخل فيه لأنه عام لسائر المكلفين.
قال ابن عباس: (يعني بالذكر القراءة في الصلاة) [[ذكره الثعلبي 6/ 35 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 294، والبغوي 3/ 321، وابن الجوزى 3/ 313، الخازن 2/ 332.]].
﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ قال: (يريد: يتضرع إليّ ويخاف مني) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 294، والبغوي 3/ 321.]].
ومعناه: [[في (ب): (ومعنا)، وهو تحريف.]] استكانة لي وخوفًا من عذابي.
﴿وَخِيفَةً﴾ قال الزجاج: (أصلها خوفة. فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها) ذكر ذلك في سورة طه [["معاني الزجاج" 3/ 367: (والخيف بالكسر جمع خيفة من الخَوْف، فأصله خوفة سكنت الواو إثر كسر فقلبت ياء) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 662، و"تهذيب اللغة" 1/ 966 (خاف)، و"الحجة" لأبي علي 3/ 317، و"اللسان" 3/ 1290 (خوف)، و"معجم مفردات الإبدال والإعلال" للخراط ص 103.]]. ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ دون الرفع ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ من القرآن.
قال [[كأنه يعني بقال ابن عباس رضي الله عنهما ، ولم أقف عليه عنه.]]: (يريد: لا ترفع بذلك صوتك، تسمع نفسك، وإن جاوزك إلى من هو إلى جانبك فلا بأس). ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. قال: (يريد: بكرة وعشيًا، يريد: الصلوات) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 295 عن ابن عباس.]].
فعلى [[قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 312 - 313: (المراد بالآية الحض على كثرة الذكر من العباد ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ لئلا يكونوا من الغافلين، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار ولا يفترون ليقتدي بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، وزعم أن المراد بها: أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة، وهذا بعيد منافٍ للإنصات المأمور به، ثم إن المراد بذلك في الصلاة أو الصلاة والخطبة ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان سواء كان سرًا أو جهرًا فهذا الذي قيل لم يتابع عليه) اهـ. بتصرف.]] هذا القول الآية وردت في القراءة في الصلوات كلها لقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52].
وقد مر، فأمر ان يقرأ في نفسه في بعضها وهو صلاة الإسرار، ودون الجهر في بعضها وهو ما يرفع فيها [[في (أ): (ما يرفع فيه الصوت).]] الصوت بالقراءة والمسنون دون الجهر لقوله: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 110].
وقال قتادة [[أخرجه الطبري 9/ 168 بسند جيد، وفيه ﴿وَالْآصَالِ﴾ بالعشي، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 288، وزاد نسبته إلى (عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة).]]: (أمر الله بذكره ونهى عن الغفلة، أما ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ فصلاة الصبح، وأما بالعشي فصلاة العصر)، وعلى هذا القول الآية مقصورة على الصلاتين.
وقال مجاهد [[أخرجه الطبري 9/ 166 بسند ضعيف، وذكره الثعلبي 6/ 35 أ، والبغوي 3/ 321 عن مجاهد وابن جريج وليس فيه عند الطبري: (ويكره رفع الصوت ..).]] وابن جريج [[أخرجه الطبري 9/ 167 بسند جيد.]]: (أمر أن تذكروه في الصدور بالتضرع والاستكانة، ويكره رفع الصوت والنداء بالدعاء).
وعلى هذا الآية وردت في ذكر الله تعالى بالقلب، وترك الصياح في الدعاء [[قال النحاس في "معانيه" 3/ 123: (لم يختلف في معنى قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ أنه في الدعاء.
وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 166، والسمرقندي 1/ 591، والماوردي ص 290.]].
وقوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. الغَدْو مصدر، يقال: غَدوت أغدُو [[في (أ): (غدوت أغدوا).]] غدوًا وغدوَّا ومنه قوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: 12] أي: غدوها للسير، ثم سمي وقت الغدو غدوًا كما يقال: دنا الإصباح، أي: وقته، ودنا الإمساء، ويجوز أن يكون الغدو هاهنا جمع غدوة، قال الليث: (الغدوُّ جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة) [["تهذيب اللغة" 3/ 2636، وليس فيه: (وواحد الغدوات غدوة).
انظر: "العين" 4/ 437، و"الجمهرة" 2/ 671، و"البارع" ص 425، و"الصحاح" 6/ 2444، و"المجمل" 2/ 692، و "مقاييس اللغة" 4/ 415، و"المفردات" ص 603، و"اللسان" 6/ 3220 (غدا).]].
قال الراجز [[الشاهد لهميان بن قحافة السعدي، شاعر، وراجز، أموي في "الصحاح" 2/ 479 (ريد) وهو لعلقمة بن عبدة التيمي الفحل، شاعر، جاهلي في "تهذيب إصلاح المنطق" 1/ 280، وهو في "اللسان" 3/ 1790 (ريد) لهميان أو علقمة وبلا نسبة في: "إصلاح المنطق" ص 94، و"المخصص" 9/ 86 و 15/ 81 قال التبريزي في "تهذيب إصلاح المنطق في شرح الشاهد": (ريح ريدة لينة الهبوب والهوجاء التي تهب بشدة، والسفواء الخفيفة، والنؤوج المصوتة في هبوبها أخبر أنها تهب في وقت الغدوة) اهـ.]]:
جرَّت عليه كلَّ ريح ريدة ... هو جاء سفواء نؤوج الغدوة
وأما ﴿وَالْآصَالِ﴾، فقال الفراء: (واحدها أُصُل، وواحد الأصل أصيل.
قال: ويقال: جئناهم مؤصلين، أي: عند الآصال) [[ذكره النحاس في "إعرابه" 1/ 662 - 663، والرازي 15/ 109، والقرطبي 7/ 356، ولم أقف عليه في معانيه وهذا القول هو قول الأكثر. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 239، و"معاني النحاس" 3/ 121، وفي "معاني الأخفش" 2/ 317، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 156: (الآصال، واحدها أصيل).
وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 167، و"نزهة القلوب" ص 88.]].
وقال الزجاج: (الآصال العشيات جمع الجمع) [["معاني الزجاج" 2/ 398 وفيه: (الآصال: جمع أُصل والأصل جمع أصيل فالآصال جمع الجمع وهي العشيات) اهـ.
وانظر: "معجم الإبدال والإعلال" للخراط ص 22.]].
ومنه قول النابغة [["ديوانه" ص 9، و"الكتاب" 2/ 321، و"معاني الفراء" 1/ 480، و"المقتضب" 4/ 414، و"الجمل" للزجاجي ص 235، و"اللمع" لابن جني ص 122، و"الصحاح" 4/ 1623 (أصلَ)، و"الإنصاف" ص 148، والقرطبي 7/ 356، و"اللسان" 1/ 89 (أصل) وعجزه:
عيت جوابًا وما بالربع من أحد]]:
وقفت فيها أصيلًا كي [[في (ب): (أصيلًا لا أسائلها) ورواية الأكثر. (أصيلانًا).
قال النحاس في "شرح القصائد المعلقات" 1/ 158 في شرح البيت: (يروى: أصيلًا كي أسائلها، وهو واحد وجمعه أصُل وجمع أصل آصال ويروى: أصيلانًا وفيه قولان:
أحدهما: أنه تصغير أصلان، وأصلان جمع أصيل.
والثاني: أنه بمنزلة قولهم: على الله التكلان، وقولهم: غفران، وهذا هو الصحيح، والأول خطأ لأن أصلانًا لا يجوز أن يصغر إلا أن يرد إلى أقل العدد وهو حكم كل جمع كثير.
وقوله: عيت أي: عجزت عن الإجابة، والربع المنزل في الربيع ثم كثر استعماله في كل منزل) اهـ. بتصرف.
ورواية أصيلال أصله: أصيلان أبدل النون لاما على غير القياس.]] أسائلها
أي: عشية، ويقال: الأصيل [[هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 1/ 168. وانظر: "العين" 7/ 156، و"المجمل" 1/ 97، و"مقاييس اللغة" 1/ 109، و"المفردات" ص 78 (أصل).]] مأخوذ من الأصل وهو أسفل كل شيء، وما بعد العصر ينتهي إليه النهار إلى آخر النهار، فقيل لذلك الوقت: أصيل [[في (ب): (أصل).]].
الأعراف 7:206
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 151.]] وغيره من المفسرين [[قال القرطبي 7/ 356: (يعني: الملائكة بإجماع) اهـ.
وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص 188، والطبري 9/ 168، و"معاني الزجاج" 2/ 398، و"إعراب النحاس" 2/ 173، و"تفسير السمرقندي" 1/ 592، والثعلبي 6/ 35 أ، والماوردي 2/ 79.]]: (يعني: الملائكة)، قال الزجاج: (تأويله أنه من قرب من رحمة الله ومن فضله فهو عند الله جل وعز) [["معاني الزجاج" 2/ 398.]].
فعلى هذا قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يراد به: قرب الرحمة والفضل لأقرب المكان [[انظر: "تفسير ابن عطية" 6/ 199.]].
وقال غيره من أهل المعاني: (هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله عز وجل، يراد بذلك: أنهم بالمكان الذي كلامه وشرفه وجعل الأمور تصدر عنه).
وقال بعضهم: (إنما قيل في صفة الملائكة ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لأنهم رسل الله إلى الإنس، كما يقال: إن عند الخليفة جيشًا عظيمًا وإن كانوا متفرقين في البلدان) [[ذكر هذه الأقوال النحاس في "إعرابه" 1/ 663، والثعلبي 6/ 35 أ، والرازي 15/ 111، والقرطبي 7/ 356، والذي عليه أهل السنة والجماعة وهو ظاهر الآية أن عندية الملائكة عند ربهم عندية فوقية ومن لوازمها عندية القرب والمكانة والتشريف وما ذكره الواحدي وغيره تأويلات ليس عليها دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ ولا من صحيح اللغة.
انظر: "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" للمغراوي ص 98.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. جاء هذا على الجواب لمن استكبر من الناس عن عبادة الله، كأنه قيل: من هو أكبر منك أيها الإنسان لا يستكبر عن عبادة الله [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 168، والسمرقندي 1/ 592، والماوردي 2/ 291. إلى هنا انتهى الموجود في نسخة: (ب) وجاء في نسخة: (أ): (تمت المجلدة الثالثة بحمد الله وجميل صنعه، يتلوها في الرابعة -إن شاء الله تعالى- سورة الأنفال، في الثامن والعشرين من ذي الحجة لشهور سنة ست وستمائة هجرية 606هـ.
والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين. غفر الله لصاحبه وكاتبه ولمن قال آمين من العالمين. بقلم الفقير إلى الله عثمان بصليق الشافعي).]].