Lafzullah

Al-Basit — الأعراف 7:1 – الأعراف 7:142

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. الأعراف 7:1
  2. الأعراف 7:2
  3. الأعراف 7:3
  4. الأعراف 7:4
  5. الأعراف 7:5
  6. الأعراف 7:7
  7. الأعراف 7:8
  8. الأعراف 7:9
  9. الأعراف 7:10
  10. الأعراف 7:11
  11. الأعراف 7:12
  12. الأعراف 7:13
  13. الأعراف 7:14
  14. الأعراف 7:16
  15. الأعراف 7:17
  16. الأعراف 7:18
  17. الأعراف 7:19
  18. الأعراف 7:20
  19. الأعراف 7:21
  20. الأعراف 7:22
  21. الأعراف 7:25
  22. الأعراف 7:26
  23. الأعراف 7:27
  24. الأعراف 7:29
  25. الأعراف 7:30
  26. الأعراف 7:31
  27. الأعراف 7:32
  28. الأعراف 7:33
  29. الأعراف 7:34
  30. الأعراف 7:35
  31. الأعراف 7:37
  32. الأعراف 7:38
  33. الأعراف 7:40
  34. الأعراف 7:41
  35. الأعراف 7:42
  36. الأعراف 7:43
  37. الأعراف 7:44
  38. الأعراف 7:45
  39. الأعراف 7:46
  40. الأعراف 7:47
  41. الأعراف 7:48
  42. الأعراف 7:50
  43. الأعراف 7:51
  44. الأعراف 7:53
  45. الأعراف 7:54
  46. الأعراف 7:55
  47. الأعراف 7:56
  48. الأعراف 7:57
  49. الأعراف 7:58
  50. الأعراف 7:59
  51. الأعراف 7:62
  52. الأعراف 7:63
  53. الأعراف 7:64
  54. الأعراف 7:65
  55. الأعراف 7:66
  56. الأعراف 7:68
  57. الأعراف 7:69
  58. الأعراف 7:70
  59. الأعراف 7:71
  60. الأعراف 7:73
  61. الأعراف 7:74
  62. الأعراف 7:75
  63. الأعراف 7:77
  64. الأعراف 7:78
  65. الأعراف 7:80
  66. الأعراف 7:81
  67. الأعراف 7:82
  68. الأعراف 7:83
  69. الأعراف 7:84
  70. الأعراف 7:85
  71. الأعراف 7:86
  72. الأعراف 7:88
  73. الأعراف 7:89
  74. الأعراف 7:92
  75. الأعراف 7:93
  76. الأعراف 7:94
  77. الأعراف 7:95
  78. الأعراف 7:97
  79. الأعراف 7:98
  80. الأعراف 7:99
  81. الأعراف 7:100
  82. الأعراف 7:101
  83. الأعراف 7:102
  84. الأعراف 7:103
  85. الأعراف 7:105
  86. الأعراف 7:107
  87. الأعراف 7:108
  88. الأعراف 7:110
  89. الأعراف 7:111
  90. الأعراف 7:112
  91. الأعراف 7:113
  92. الأعراف 7:114
  93. الأعراف 7:115
  94. الأعراف 7:116
  95. الأعراف 7:117
  96. الأعراف 7:118
  97. الأعراف 7:119
  98. الأعراف 7:120
  99. الأعراف 7:121
  100. الأعراف 7:122
  101. الأعراف 7:123
  102. الأعراف 7:124
  103. الأعراف 7:125
  104. الأعراف 7:126
  105. الأعراف 7:127
  106. الأعراف 7:128
  107. الأعراف 7:129
  108. الأعراف 7:130
  109. الأعراف 7:131
  110. الأعراف 7:132
  111. الأعراف 7:133
  112. الأعراف 7:134
  113. الأعراف 7:135
  114. الأعراف 7:136
  115. الأعراف 7:137
  116. الأعراف 7:138
  117. الأعراف 7:139
  118. الأعراف 7:140
  119. الأعراف 7:141
  120. الأعراف 7:142

الأعراف 7:1

﴿المص﴾ قال أبو إسحاق: (الذي اخترنا [[في (ب): (أخبرنا)، وهو تصحيف.]] في تفسيرها قول ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 115، وابن أبي حاتم 5/ 1437، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 232 عن ابن عباس قال: (أنا الله أفصل) اهـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 125. وفي سنده عطاء بن السائب الثقفي، صدوق اختلط فساء حفظه - انظر "تهذيب التهذيب" 3/ 103. والراجح أن الحروف المقطعة في أوائل السور حروف هجائية. ذكرت للدلالة على إعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها ليكون عجزهم أبلغ في "الحجة" عليهم وهذا اختيار جماعة من المحققين انظر: "الكشاف" 1/ 76، و"تفسير ابن كثير" 2/ 224، والشوكاني 2/ 273، والشنقيطي 3/ 3 - 7.]] -رضي الله عنه- [[في (أ): (رحمه الله).]]: (إن معناها أنا الله أعلم، وأفضل)، وعلى هذا التفسير: هذه الحروف واقعة في موضع جُمل، والجمل [[في (أ): و (الجملة).]] إذا كانت ابتداء وخبرًا فقط لا موضع لها. مثل قولك: أنا الله أعلم. لا موضع لها من الإعراب، إنما يرتفع بعض ذا ببعض؛ فالله يرتفع [بأنا] [[في (ب): (يرتفع أنا).]]، و (أعلم) خبر مستأنف يراد به: وأنا أعلم [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب)، ويريد أن قوله: "أعلم خبر بعد خبر". انظر "تفسير الرازي" 14/ 14، حيث نقل قول الواحدي.]]، وإذا كان معنى ﴿المص﴾: أنا الله أعلم كان إعرابها كإعراب الشيء الذي هو تأويل لها) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 313 - 314]].

الأعراف 7:2

قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، أجمع النحويون: على أن الكتاب مرفوع بمضمر قبله، المعنى: هذا ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [[هذا نص كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 314، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 293 "إعراب النحاس" 1/ 98 ، "المشكل" 1/ 281.]]. وأجاز الفراء أن يكون موضع هذه الحروف المعجمة رفعًا بما بعدها، و ﴿كِتَابٌ﴾ مرتفع بها كالمبتدأ والخبر، والمعنى: ﴿المص﴾ حروف ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وأطال الكلام في بيان هذا [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 369 - 370.]]، ثم أنكر الزجاج [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 213 - 214 "إعراب النحاس" 1/ 598.]] عليه هذا القول، وطال الخطب بينهما، وإذا رجعت إلى كتابيهما عرفت ما أقول. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:2]. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 80، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 156، وأخرج ابن حسنون في "اللغات" ص 23 - 25، والوزان 3 ب عن ابن عباس قال: (حرج: ضيق بلغة قيس عيلان، وشك بلغة قريش).]] وأبو العالية: (ضيق) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 187 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 213.]]. قال أبو إسحاق: (معناه: لا يضيق صدرك بالإبلاغ ولا تخافن؛ وذلك أنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "أي رب إني أخاف أن يثلغوا [[في (ب): (تبلغوا)، وهو تحريف - والثلغ: الشدخ وضرب الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ. انظر "النهاية" 1/ 220.]] رأسي" [[هذا طرف من حديث طويل أخرجه أحمد في "المسند" 4/ 162، ومسلم في "صحيحه" رقم (2865) عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله (قال == ذات يوم في خطبته: "إن الله أمرني أن أحرق قريشا، فقلت: رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة .. ". الحديث. ومعنى يثلغوا رأسي، أي: يشدخوه ويشجوه كما يشدخ الخبز أي: يكسر. أفاده الإِمام النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" 17/ 289.]]، فأعلم الله عز وجل أنه في أمان منهم، فقال: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ أي: فلا يضيقن صدرك من تأدية ما أرسلت به) [["معاني الزجاج" 2/ 315، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 7 - 8]]. وقال الفراء: (لا يضيق صدرك بالقرآن بأن يكذبوك) [["معاني الفراء" 1/ 370.]]. وقال مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 231، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 116، وابن أبي حاتم 5/ 1438 بسند جيد.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 29.]]: (فلا يكن في قلبك شك [[في (أ): (شيء)، وهو تحريف.]] في القرآن أنه من الله). وقال أبو إسحاق: (وتأويل هذا، وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: 147]، وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ الآية [يونس: 94] أن ما خوطب به النبي ﷺ فهو خطاب لأمته فكأنه بمنزلة: فلا تشكوا ولا ترتابوا) [["معاني الزجاج" 2/ 315، ومثله في "معاني النحاس" 2/ 7 - 8 والراجح أن المراد بالحرج في الآية الضيق لأن ذلك هو الغالب من معناه في كلام العرب وهو اختيار أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 210، والطبري في "تفسيره" 8/ 116، وابن عطية 5/ 423، وأبي حيان في "البحر" 4/ 266.]]. قال ابن قتيبة: (وأصل الحرج الضيق، والشك في الشيء يضيق صدره؛ لأنه لا يعلم حقيقته فسمي الشك حرجا) [["تفسير غريب القرآن" ص 176.]] وأما اشتقاق هذا الحرف فقد ذكرناه في سورة الأنعام [125]. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾. قال الفراء: (اللام في ﴿لِتُنْذِرَ﴾ متعلق بقوله ﴿أُنْزِلَ﴾ على التقديم والتأخير، على تقدير ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ لتنذر به ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾) [["معاني الفراء" 1/ 370، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 315، و"تفسير الطبري" 8/ 117، و"معاني النحاس" 3/ 8.]]. وقال ابن الأنباري: (ويجوز أن تكون اللام صلة للكون [[في (ب): (ليكون).]] على معنى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ﴾ شيء [[في (ب): (شك).]] ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾، كما يقول الرجل من العرب للرجل: لا تكن ظالما ليقضي [[في (أ): (لتقضى) بالتاء.]] صاحبك دينه، فتحمل [[في (أ): (فيحمل) بالياء.]] لام كي على الكون) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 16، وأبو حيان في "البحر" 4/ 266، ونقله السمين في "الدر" 5/ 242 - 243 عن الواحدي عن ابن الأنباري، وانظر: كلام ابن الأنباري على مادة حرج في "الزاهر" 1/ 236، و"المذكر والمؤنث" 1/ 258، و"شرح القصائد" ص 321، ص 580، و"إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 650.]]. قال صاحب النظم [[صاحب "النظم"، أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني. تقدمت ترجمته، وكتابه "نظم القرآن" مفقود.]]: (وفيه وجه آخر: وهو أن تكون [[في (أ): (يكون) بالباء.]] اللام بمعنى أن، والمعنى [[في (ب): (فالمعنى).]]: لا يضيق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به، والعرب تضع هذه اللام في موضع (أن) كقوله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: 32] وفي موضع آخر ﴿لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: 8]، وهما جميعا بمعنى واحد) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 16، وأبو حيان في "البحر" 4/ 266، ونقله السمين في "الدر" 5/ 242 - 244، وقال: (هذا قول ساقط جدًّا؛ كيف يكون حرف يختص بالأفعال يقع موقع آخر مختص بالأسماء. ونقل الشيخ أبو حيان في "البحر" عن ابن الأنباري وصاحب النظم: أن اللام متعلقة بما تعلق به خبر الكون إذ التقدير: فلا يكن حرج مستقرًا في صدرك لأجل الإنذار، والذي نقله الواحدي عن نص ابن الأنباري في ذلك أن اللام متعلقة بالكون وعن صاحب النظم أن اللام بمعنى أن، فيجوز أن يكون لهما كلامان) اهـ. ملخصًا. وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 599، و"البيان" 1/ 353، و"التبيان" ص 367، و"الفريد" 2/ 266.]]. وقوله تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ومواعظ للمصدقين) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 17، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 156 بدون نسبة. وفي "تنوير المقباس" 2/ 80 نحوه.]]. قال الزجاج: (هو اسم في موضع المصدر وفيه ألف التأنيث بمنزلة دعوت دعوى، ورجعت رجعى، واتقيت تقوى) [["معاني الزجاج" 2/ 316.]]. وقال الليث: (الذكرى اسم للتذكرة) [["تهذيب اللغة" 2/ 1286، وانظر: "العين" 5/ 346، وأصل الذكر بالكسر حفظ الشيء وجرى الشيء على اللسان، والذكر والذكرى بالكسر ضد النسيان، انظر: "الجمهرة" 2/ 694، و"الصحاح" 2/ 664، و"المجمل" 2/ 360، و"المفردات" ص 328، و"اللسان" 3/ 1507. (ذكر).]] والتفعلة مصدر كالتفعيل نحو قوله تعالى ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ [ق: 8]. وأما محل ﴿ذِكْرَى﴾ من الإعراب، فقال الفراء: (يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ وتذكر، قال: ويجوز أن يكون رفعًا بالرد على الكتاب كأنك قلت: كتاب حق وذكرى [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 370.]]. وقال الزجاج: (ويجوز على أن يكون وهو ﴿ذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، قآل: ويجوز أن يكون خفضًا؛ لأن معنى ﴿لِتُنْذِرَ﴾: لأن تنذر فهو في موضع خفض؛ لأن المعنى للإنذار والذكرى) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 315 - 316، وعلى هذا فيه ثلاثة أوجه: الرفع: عطفًا على كتاب أو على إضمار مبتدأ، والنصب: على المصدر أي وتذكر ذكرى أو على العطف على موضع التنذر). والجر على العطف على المصدر المنسبك في أن المقدرة بعد لام كي أي: للإنذار والتذكير أو على الضمير في (به) وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 599، و"المشكل" 1/ 281، و"البيان" 1/ 353، و"التبيان" ص 367، و"الفريد" 2/ 266، و"الدر المصون" 5/ 244.]].

الأعراف 7:3

وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال الحسن: (يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمد ﷺ [[في (أ): (صلى الله عليه).]]؛ والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيما أنزلت وما معناها) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 156، والرازي في "تفسيره" 14/ 18، و"الخازن" 2/ 209.]]. ونحو هذا قال الزجاج: (أي: اتبعوا القرآن وما أتى به النبي ﷺ فإنه مما أنزل عليه؛ لقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 316، ونحوه ذكر الطبري في "تفسيره" 8/ 117، والنحاس في "معانيه" 3/ 8 - 9 والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 530.]] [الحشر: 7]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: لا تتخذوا غيره أولياء، ﴿قَلِيلًا﴾ يا معشر المشركين ﴿مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يريد: ما تتعظون) [[في "تنوير المقباس" 2/ 81 نحوه دون لفظ (المشركين).]]. وهذا من قول ابن عباس يدل على أن الآية خطاب للمشركين [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 117، و"معاني الزجاج" 2/ 316، والنحاس 3/ 9.]]، و ﴿تذكرون﴾ أصله تتذكرون فأدغم تاء تتفعل في الذال لأن التاء مهموسة والذال مجهورة [[الهمس: الخفاء، وهو جريان النفس عند النطق بالحرف لضعف الاعتماد على مخرجه. وضده الجهر وهو الظهور والإعلان والمراد به انحباس النفس عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد على مخرجه، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 60، و"غاية المريد" لعطية نصر ص 139.]]، والمجهور أزيد صوتًا من المهموس فحسن إدغام الأنقص في الأزيد، و ﴿مَا﴾ موصولة بالفعل وهي معه بمنزلة المصدر، والمعنى: قليلاً [[في (ب): قليلاً ما تذكركم. والنص من "الحجة" 4/ 5 - 7، وانظر: "الدر المصون" 5/ 246.]] تذكركم، وقرأ حمزة [[قرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم - ﴿قيلا ما تذكرون﴾ بالتاء خفيفة الذال مشددة الكاف، وقرأ الباقون ﴿تذكرون﴾ بالتاء مشددة الذال والكاف. وقرأ ابن عامر: ﴿قليلاً ما يتذكرون﴾ بياء وتاء، وتخفيف الذال وتشديد الكاف، وقد روي عنه بتاءين (تتذكرون). انظر: "السبعة" ص 278، و"المبسوط" ص 279، و"التذكرة" 2/ 417، و"التيسير" ص 109، والنشر 2/ 267.]] والكسائي وحفص [[حفص عن عاصم، وحفص هو حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي، أبو عمر الكوفي، صاحب عاصم، إمام في القراءة ضابط لها بخلاف حاله في الحديث، فهو متروك الحديث مع إمامته في القراءة، توفي سنة 180هـ وله تسعون سنة. انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 173، و"معرفة القراء" 1/ 140، و"غاية النهاية" 1/ 154، و"تهذيب التهذيب" 1/ 450، و"تقريب التهذيب" ص 172 (1405).]] خفيفة الذال شديدة الكاف حذفوا التاء التي أدغمها الأولون وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة ويقوى ذلك قولهم: اسطاع [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 316 - 317، و"إعراب النحاس" 1/ 599، و"المشكل" 1/ 281، وقد جاء في سورة الكهف [الآية: 97] قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: 97]. قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون بالتخفيف. انظر: "السبعة" ص401، و"الحجة" لأبي علي 5/ 179.]]. وقرأ ابن عامر ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ بياء [[هنا وقع اضطراب في نسخة (ب) فوقع الكلام على هذه الآيات في 140 ب.]] وتاء ووجهه [[في (ب): (ووجه)، وهو تحريف.]] أن هذا خطاب للنبي (ﷺ) [[في (أ): (عليه السلام).]] أي: قليلاً ما يتذكر هؤلاء الذين [[لفظ: (الذين) ساقط من (ب).]] ذكروا بهذا الخطاب [[هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 4 - 6. وانظر: "معاني القراءات" 1/ 400، و"الحجة" لابن زنجله ص 279، و"الكشف" 1/ 460.]].

الأعراف 7:4

وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ الآية. قال أبو إسحاق: (موضع ﴿كَمْ﴾ رفع با لابتداء، وخبره ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ قال: وهو أحسن من أن يكون في موضع نصب؛ لأن قولك: (زيد ضربته) أجود من (زيدًا ضربته) والنصب جيد عربي أيضًا كقوله [[والنصب في هذه الآية أجود، وهي القراءة المشهورة التي عليها الجماعة لأن الفائدة فيه أثر من فائدة الرفع لأن التقدير: خلقنا كل شيء بقدر فيدل على العموم واشتمال الخلق على جميع الأشياء. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 599، و"المشكل" 2/ 701 - 703، "البيان" 2/ 406.]]: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] [["معاني الزجاج" 2/ 318. وانظر: "إعراب النحاس" 2/ 114، و"المشكل" 1/ 281 - 282. والنصب على الاشتغال بإضمار فعل يفسره ما بعده ويقدر الفعل متأخرا عن كم لأن لها صدر الكلام والتقدير: وكم من قرية أهلكنا. انظر: "الدر المصون" 5/ 248.]]). وقال أهل العربية [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 317، و"تفسير السمرقندي" 1/ 531.]] والمعاني: (الآية من حذف [[الظاهر عدم الحذف لعدم الحاجة إليه؛ لأن إهلاك القرية يمكن أن يقع عليها == نفسها ولأن القرية لا تسمى بذلك إلا وفيها مساكن لأهلها وسكان منهم ففي إهلاكها إهلاك من فيها من أهلها. أفاده الطبري في "تفسيره" 8/ 118. وقال: (هذا أولى بالحق لموافقته ظاهر التنزيل المتلو) اهـ. وهو اختيار الزمخشري في الكشف 1/ 67، وأبو حيان في "البحر" 4/ 268، والسمين في "الدر" 5/ 248.]] المضاف لأن التقدير: وكم من أهل قرية، يدل على هذا قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [[في (ب): (هم قائلون).]] فعاد بالكلام [إلى] [[لفظ: (إلى) ساقط من (ب).]] أهل القرية). وقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ قال الفراء: (يقال: إنما أتاها العباس [[في (ب): (الناس)، وهو تصحيف.]] من قبل الإهلاك، فكيف تقدم الهلاك؟ قيل: إن الهلاك والبأس يقعان معًا كما تقول: أعطيتني فأحسنت، فلم يكن الإحسان قبل الإعطاء ولا بعده، إنما وقعا معًا) [["معاني الفراء" 1/ 371.]]. وقال غيره [[هذا قول مكي في "المشكل" 1/ 282 وقال السمين في "الدر" 5/ 248: (والجمهور أجابوا عن ذلك بوجهين أحدهما: أنه على حذف الإرادة. والثاني: أن المعنى: أهلكناها أي: خذلناهم ولم نوِّفقهم فنشأ عن ذلك هلاكهم فعبر بالمسبب عن سببه وهو باب واسع) اهـ وانظر: "تاريخ الطبري" 12/ 300 - 301.]]: (هذا على مذهب الإرادة، والتقدير: وكم من قرية أردنا إهلاكها [[في (ب): (هلاكها).]] ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6]. ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [[في النسخ: (وإذا)، وهو تحريف.]]) [النحل: 98]. ومعنى ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ يريد: جاءها عذابنا. قاله ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 81]]. وقوله تعالى: ﴿بَيَاتًا﴾ أي: ليلاً [[هذا قول الجمهور منهم أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 210 وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 176، والطبري في "تفسيره" 8/ 118، والزجاج في "معانيه" 2/ 317، والسمرقندي 1/ 531، وقال الكرماني في غرائبه 1/ 396: (المفسرون عن آخرهم فسروا ﴿بياتا﴾ ليلاً) اهـ. وقال السمين في الدر 5/ 250. (قال الواحدي ﴿بياتًا﴾ أي: ليلاً. وظاهر هذه العبارة أن يكون ظرفًا لولا أن يقال: أراد تفسير معنى) اهـ.]]. قال الفراء: (يقال: بات الرجل وهو يبيت بيتًا، وربما قالوا: بياتا، قال: وسمي البيت بيتًا لأنه يبات فيه) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 21، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 250 عن الفراء قال: (باب الرجل إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية). قال الأزهري: (وقوله تعالى ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ أي: ليلاً، والتبييت سمي بيتا لأنه يبات فيه) اهـ. ولم أقف عليه في معاني الفراء.]]. وقال الليث: (البيتوتة دخولك في الليل، قال: ومن قال: بات فلان إذا نام فقد أخطأ) [["تهذيب اللغة" 1/ 250، و"العين" 8/ 138. وأصل البيت مأوى الإنسان بالليل، ثم يقال للمسكن: بيت من غير اعتبار الليل فيه وجمعه بيوت وهي بالمساكن أخص وأبيات وهي لأبيات الشعر، والبات والتبييت: قصد العدو ليلاً، والبيوت: ما يفعل بالليل، ويقال لكل فعل دبر فيه بالليل: بيت. انظر: "الجمهرة" 1/ 257، و"الصحاح" 1/ 244، و"المجمل" 1/ 139، و"المفردات" ص 151، و"اللسان" 1/ 393، (بيت).]]. وقال ابن كيسان: (بات يجوز أن يجرى مجرى نام وأن يجرى مجرى كان) [["تهذيب اللغة" 1/ 250.]]. وقال الزجاج: (يقال [[لفظ: (يقال) ساقط من (أ).]]: بات بياتًا حسنًا وبيتة حسنة والمصدر من الأصل بات بيتًا وأصل تسمية البيت من أنه يصلح للمبيت) [["معاني الزجاج" 2/ 317، وانظر "الزاهر" 1/ 443.]]. وقد ذكر هذا الحرف [[انظر: "البسيط" نسخة جستربتي 2/ 12 ب و 22 ب.]] في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: 108] و ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 81]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [[في "معاني الفراء" 4/ 372: ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾.]]. قال الفراء: (وفيه واو مضمرة. المعنى: أهلكناها ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ فاستثقلوا [[لفظ: (فاستثقلوا) ساقط من (ب).]] نسقًا على أثر نسق، ولو قيل كان صوابًا). قال ابن الأنباري: (أضمرت واو الحال لوضوح معناها؛ كما تقول العرب: لقيت عبد الله مسرعًا أو [[في (ب): (إذ هو)، وهو تحريف.]] هو يركض، ولا يضرنك ظالمًا أو [[في (ب): (وأنت).]] أنت مظلوم، يريدون (أو وأنت) فيحذفون الواو عند أمنهم اللبس؛ لأن الذكر قد عاد على صاحب الحال، ومن أجل أن (أو) حرف عطف والواو كذلك استثقلوا جمعًا بين حرفين من حروف العطف فحذفوا الثاني) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 252.]]. قال: (و (أو) في هذا الموضع لا يوجب الشك، لكنها دخلت للتفصيل، والتفصيل يضارع الإباحة فيقول الرجل لصاحبه: لأكرمنك منصفًا لي أو ظالمًا، لم يحمل (أو) في هذا على شك بل يُعنى بها التفصيل) [[لم أقف عليه.]]. وقال الزجاج: (لا يحتاج [[في (ب): (لا تحتاج) بالتاء.]] إلى ضمير الواو كما تقول: جاءني [[جاء في النسخ: (كم جاءني)، ولعله تحريف.]] زيد راجلًا أو هو فارس لم [[في "معاني الزجاج" 2/ 317: (جاءني زيد راجلًا أو وهو فارس أو جاءني زيد وهو فارس) اهـ.]] تحتج إلى واو؛ لأن الذكر قد عاد إلى الأول، قال: و (أو) [[في (أ): (قال: الواو).]] هاهنا دخلت على جهة تصرف الشيء ووقوعه إما مرة كذا، وإما مرة كذا على تقدير: جاءهم بأسنا مرة ليلاً ومرة نهارًا فاعتبروا بهلاك من شئتم منهم) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 318، وقوله: على تقدير إلى آخره. لم يرد فيه.]]. قال الليث: (القيلولة نومة نصف النهار وهي القائلة) [["تهذيب اللغة" 3/ 2861، وانظر: "العين" 5/ 215 (قيل).]]. قال الفراء: (قال الرجل يقيلُ قيلولةَ وقيلًا وقائلة ومقيلًا) [[ذكره أبو حيان في "البحر" 4/ 264، وفي "اللسان" 6/ 3796 قيل: (قال الليث: القيلولة نوم نصف النهار وهي القائلة، قال: يقيل، وقد قال القوم: قيلًا وقائلة وقيلولة ومقالًا ومقيلًا الأخيرة عن سيبويه) اهـ. انظر: "الكتاب" 4/ 89، و"الجمهرة" 2/ 977، و"الصحاح" 5/ 1808، و"المجمل" 3/ 739، و"المفردات" ص 690 (قبل).]]. وقال الأزهري: (القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن مع ذلك نوم، والدليل على ذلك أن الجنة لا نوم فيها، والله تعالى يقول: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: 24]) [["تهذيب اللغة" 3/ 2861 ولم يذكر الآية.]] ومعنى الآية: أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له؛ إما ليلاً وهم نائمون أو نهارًا وهم قائلون كأنهم غافلون [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 318، و"معاني النحاس" 3/ 9.]].

الأعراف 7:5

قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ قال أهل اللغة: (الدعوى اسم [[الدعوى -بفتح الدال وسكون العين-، والادعاء -بكسر الدال وفتح العين-، والدعاء -بضم الدال وفتح العين-، انظر: "العين" 2/ 221، و"الجمهرة" 2/ 666 و 1059، و"الصحاح" 6/ 2336، و"المجمل" 2/ 326، و"المفردات" ص 316، و"اللسان" 3/ 1385 (دعا).]] يقوم مقام الادعاء [[في (ب): (الإدغام)، وهو تحريف.]] ومقام الدعاء)، حكى سيبويه: (اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين) [["تهذيب اللغة" 2/ 1188، وفي "الكتاب" 4/ 40، قال: (الدعوى ما ادعيت، وقال بعض العرب: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين) اهـ.]] وأنشدوا: وَإِنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أَشْتَفِي ... بِدَعْوَاكِ منْ مَذْلٍ بِهَا فَيَهُونُ [[الشاهد لكثير عزة في "ديوانه" ص 227، وبلا نسبة في "تفسير الطبري" 8/ 120، و"تهذيب اللغة" 4/ 3367، و"تفسير الثعلبي" 187 ب، و"المخصص" 5/ 84، و"تفسير ابن عطية" 5/ 428، وابن الجوزي 3/ 169، و"اللسان" 7/ 4164 (مذل) "الدر المصون" 5/ 254، وفي "الديوان": إذا خدِرَتْ رجلي ذكرتكِ أشتفي ... بذكركِ من مذل بها فيهونُ ومذلت رجله - بفتح الميم وكسر الذال أي: خدرت، انظر: "اللسان" 7/ 4164 (مذل).]] قال ابن عباس في معنى الآية: (فما كان تضرعهم ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ فأقروا على أنفسهم بالشرك) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 21، وأبو حيان في "البحر" 4/ 269، وانظر "تنوير المقباس" 2/ 81، وفيه: (دعواهم - قولهم).]]. قال ابن الأنباري: (يريد: فما كان قولهم ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ إلا الاعتراف بالظلم والإقرار بالإساءة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 157، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 168، والرازي 14/ 21.]] وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾. الاختيار عند النحويين أن يكون موضع ﴿أَنْ﴾ رفعا بكان ويكون الدعوى نصبا [[فدعواهم: خبر مقدم و ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ اسم كان مؤخر. وهو اختيار الفراء في "معانيه" 1/ 372، والزجاج 2/ 319، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 600، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 67، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 424، قال الهمداني في "الفريد" 2/ 270: (وهذا أحسن حملًا على ما ورد من نظائره في التنزيل) اهـ.]] كقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [النمل: 56]، وقوله ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ [الحشر: 17]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [[في النسخ: (ومكان) بالواو وهو تحريف.]] [الجاثية: 25]. ويجوز أن يكون على الضد [[هذا قول مكي في "المشكل" 1/ 282، والعكبري في "التبيان" ص 369، واختاره أبو حيان في "البحر" 4/ 269.]] من هذا بأن يكون الدعوى رفعًا و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ نصبًا كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ [البقرة: 177] على قراءة [[قرأ حمزة وعاصم في رواية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ -بفتح الراء-، وقرآ الباقون ﴿البرُ﴾ == بالرفع فمن رفع جعل ﴿البر﴾ اسم ليس و ﴿أن تولوا﴾ الخبر، ومن نصب جعل ﴿البر﴾ خبر مقدم و ﴿أن تولوا﴾ اسم (ليس). انظر: "السبعة" ص 176، و"الحجة" لأبي علي 2/ 270، و"المشكل" 1/ 117.]] من رفع ﴿الْبِرَّ﴾ والأصل في هذا الباب أنه إذا [[انظر "الحجة" لأبي علي 2/ 270.]] اجتمع بعد كان معرفتان فأنت مخير في أن ترفع [[في (ب): (يرفع أحدهما وينصب) بالياء.]] أحدهما وتنصب الآخر كقولك: كان زيدٌ أخاك، وإن شئت كان زيدًا أخوك. قال الزجاج: (إلا أن الاختيار إذا كانت الدعوى في موضع رفع أن يقول: فما كانت في دعواهم، فلما قال: ﴿كَانَ﴾ دل أن الدعوى في موضع نصب غير أنه يجوز تذكير الدعوى، وإن كانت رفعًا فتقول: كان دعواه [باطلًا] [[لفظ: (باطلاً) ساقط من (ب).]] وباطلة) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 319، وعليه يكون تذكير الفعل قرينة مرجحة لإسناد الفعل إلى (أن قالوا) ولو كان مسندا للدعوى لكان الأرجح (كانت أفاده). السمين في "الدر" 5/ 254.]]. وما حكينا من القولين في موضع الدعوى من الإعراب معنى قول الفراء [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 372.]] والزجاج [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 319.]]. قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 6] قال عطاء عنه: (يُسأل الناس جميعًا عما أجابوا المرسلين، ويُسأل المرسلون عما بلغوا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 121، وابن أبي حاتم 5/ 1439 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 126.]]. وقال ابن عباس: (يسأل الأمم عما جاءهم من الله، ويسأل [[في (أ): (نسأل الأمم .. ونسأل النبيين) بالنون.]] النبيين هل بلغتم رسالتي) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 81، و"تفسير البغوي" 3/ 214، وابن الجوزي 3/ 169.]]. وقال الضحاك: (﴿الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الأمم الذين أتاهم الرسل يُسألون هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم، ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني: الأنبياء هل بلغتم قومكم ما أرسلتم به وماذا أجابكم قومكم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 157.]]. وقال السدي: (نسأل [[في (ب): (يسال) بالياء.]] الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل، ونسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 121، بسند جيد.]].

الأعراف 7:7

قوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: 7] قال الضحاك: (لنخبرنهم بما عملوا بعلم منا ﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ عن الرسل والأمم ما بلغت وما رد عليهم قومهم) [[ذكره بدون نسبة الواحدي في "الوسيط" 1/ 158، والبغوي 3/ 214، وابن الجوزي 3/ 169.]]. وقال ابن عباس: (﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ ينطق لهم كتاب أعمالهم؛ يقول الله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 122، وابن أبي حاتم 5/ 1440، بسند ضعيف.]] [الجاثية: 29].

الأعراف 7:8

قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ يعني: يوم السؤال ﴿وَالْوَزْنُ﴾ ابتداء، وخبره ﴿الْحَقُّ﴾ [[انظر "معاني الفراء" 1/ 373، و"إعراب النحاس" 1/ 600، و"المشكل" 1/ 282.]] وابن عباس [[يأتي تخريجه فيما بعد.]] وعامة المفسرين [[ذكره مثله الواحدي في "الوسيط" 1/ 158، والبغوي في "تفسيره" 3/ 214، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 80/ 122، عن عمرو بن دينار والسدي.]] على أن المراد بهذا الوزن أعمال العباد. قال ابن الأنباري: (أكد الله به الاحتجاج على العباد وقطع به عذرهم وبين به [[لفظ: (به) ساقطة من (ب).]] لهم عدله وأنه لا يظلم أحدًا) [[لم أقف عليه: وقال ابن الجوزي في زاد المسير 3/ 171 (في الميزان خمسة حكم - أحدها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، والثانية: إظهار علامة السعادة والشقاوة في الآخرة، والثالثة: تعريف العباد ما لهم من خير وشر، والرابعة: إقامة "الحجة" عليهم، والخامسة: الإعلام بأن الله عادل لا يظلم) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ورد الخبر (أن الله تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة فتوزن [[في (ب): (فيوزن) بالياء.]] به أعمال العباد خيرها وشرها) [[لم أقف عليه بهذا اللفظ وهو مشهور من قول ابن عباس، وسيأتي تخريجه. وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 319: (الأولى من هذا أن يتبع ما جاء بالأسانيد الصحاح فإن جاء في الخبر أنه ميزان له كفتان من حيث ينقل أهل الثقة فينبغي أن يقبل ذلك) اهـ.]]. قال ابن عباس: (يوزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل [[في (ب): (فيثقل) بالياء.]] حسناته على سيئاته، فذلك قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون، قال: وهذا كما قال في سورة الأنبياء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 531 والثعلبي 187 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 158، والبغوي في "تفسيره" 3/ 315، وابن الجوزي 3/ 171، والرازي 14/ 24، والقرطبي 7/ 166، وغيرهم، وذكره السيوطي في "الدر" 8/ 129، 130، وقال: (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وأخرجه أبو الشيخ عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس) اهـ.]] [الأنبياء: 47]. وقال مقاتل: (﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ وزن الأعمال يومئذ العدل ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ من المؤمنين وزن ذرة على سيئاته ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾) [["تفسير مقاتل" 2/ 30.]]. فأما كيفية وزن الأعمال فله وجهان: أحدهما: أن أعمال المؤمن تتصور في صورة حسنة، وأعمال الكافر تتصور في صورة قبيحة فتوزن تلك الصورة كما ذكره ابن عباس. والثاني: أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد مكتوبة، وسئل رسول الله ﷺ عما يوزن [[في (ب): (ما يوزن).]] يوم القيامة، فقال: "الصحف" [[لم أقف عيه.]]. هذا الذي ذكرنا مذهب عامة المفسرين [[قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 226: (يمكن الجمع بين الآثار الواردة في ذلك بأن يكون ذلك كله صحيح فتارة توزن الأعمال وتارة توزن محالها وتارة يوزن فاعلها والله أعلم). وانظر: "فتح الباري" 13/ 537 - 540.]] وأهل العلم في هذه الآية، وكان مجاهد والضحاك والأعمش [[ذكره الرازي في "تفسيره" 8/ 25، والقرطبي 7/ 165، وأبو حيان في "البحر" 4/ 270 عن الأعمش.]] يفسرون الوزن والميزان: (العدل والقضاء) ويذهبون إلى أن هذا تمثيل وتحقيق للقسط والعدل يومئذٍ، فقال مجاهد: (﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ والقضاء [[لفظ: (الواو) ساقطة من (ب).]] يومئذٍ العدل) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 122، وابن أبي حاتم 5/ 1440 بسند جيد.]]. وروى جويبر [[جويبر -تصغير جابر-: جويبر بن سعيد الأزدي. ضعيف، تقدمت ترجمته.]] عن الضحاك (أن الميزان العدل) [[ذكره الزجاج في "معانيه" 2/ 319، والأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3886، والرازي في "تفسيره" 8/ 25، والقرطبي 7/ 165، وأبو حيان في "البحر" 4/ 270.]]. فعلى مذهب هؤلاء: الوزن والميزان عبارة عن العدل كما تقول: هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه أي: أنه يعادله ويساويه وليس هناك وزن في الحقيقة، وقد قال الشاعر: قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لقائِكُمُ ذا مِرَّةٍ ... عِنْدى لكلِّ مُخَاصِمٍ ميزانُه [[لم أهتد إلى قائله، وهو في تفسير ابن الجوزي 3/ 170، والرازي 14/ 25، و"اللسان" 8/ 4829 (وزن).]] أراد: عندي لكل مخاصم كلام يُعادل كلامه؛ فجعل الوزن مثلًا للعدل، والميزان مثلا للكتاب الذي فيه أعمال العباد من حيث أنه لا يزيد [[في (أ): (لا تزيد فيه ولا تكذب).]] فيه ولا يكذب ويخبر بما له وما عليه، فكنى عن الكتب بالموازين، وجعل ما يكثر في الكتاب من الحسنات بمنزلة ما يثقل في الميزان. قال أبو إسحاق: (وهذا كله في باب اللغة والاحتجاج سائغ [[في (ب): (شائع) وقال القرطبي في "التذكرة" ص 364: (وهذا القول مجاز وليس بشيء وإن كان شائعًا في اللغة للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي ووصفه بكفتين ولسان وإن كل كفة منهما طباق السموات والأرض) اهـ. وقال أيضًا في "تفسيره" 7/ 165: (قد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير == تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر وصارت هذه الظواهر نصوصًا) اهـ. ونحوه ذكر ابن عطية في "تفسيره" 5/ 432، والشوكاني 2/ 277، وصديق خان 4/ 305، والقاسمي 7/ 2617.]]، والأولى من هذا [[في (ب): (والأولى أن يتبع من هذا).]] أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 319.]]. وقال ابن الأنباري: (والقول الأول هو اختيارنا لتتابع الأخبار به واتفاق أكثر أهل العلم عليه ولشهادة ظاهر القرآن له، قال: وإنما جمع الله تعالى فقال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ولم يقل: ميزانه من أجل أن العرب توقع الجمع على الواحد فيقولون: خرج إلى البصرة في السفن، وخرج إلى مكة على البغال. قال: ويجوز أن يكون جمع الميزان إذ [[في (ب): (إذا).]] كانت ﴿مَنْ﴾ في معنى [[في (ب): (موضع).]] جمع فصرف الكلام إلى معنى ﴿مَنْ﴾ يدل على صحة هذا قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ بالجمع تغليبًا لمعنى ﴿مَنْ﴾ على لفظه) [[ذكره بدون نسبة الواحدي في "الوسيط" 1/ 158، وذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 26 عن الزجاج، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 373، و"تفسير الطبري" 8/ 123.]]. وقال غيره: (الموازين هاهنا جمع موزون لا جمع ميزان وأراد بالموازين الأعمال الموزونة) [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 216، و"الرازي" 14/ 27، و"الدر المصون" 5/ 256.]].

الأعراف 7:9

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾. قال مقاتل: (يعني: الكفار) [["تفسيرمقاتل" 2/ 30.]]. قال ابن عباس: (يؤتى بعمل الكفار في أقبح سورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه حتى يقع في النار، ثم يقال للكافر: الحق بعملك، ثم قال: وحق لميزان لا يكون فيها رضوان الله أن يخف، وأما المؤمن فإذا خفت حسناته ثقلت بكتاب كالأنملة [[الأنملة -مثلثة الهمزة والميم- المفصل الأعلى الذي فيه الظفر من الإصبع والجمع أنامل وأنملات وهي رؤوس الأصابع. انظر: "اللسان" 8/ 4550 (نمل).]] فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فترجح حسناته على سيئاته) [[سبق تخريجه.]]. وروي أيضًا: (أنه إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله ﷺ من حجزته [[حُجْزته، بضم الحاء وسكون الجيم: أصلها موضع شد الإزار، ثم قيل للإزار: حُجْزة للمجاورة، وحجزة الإزار جنبته ومعقد الإزار. انظر: "النهاية" 1/ 344، و"اللسان" 2/ 786 (حجر).]] بطاقة [[البطاقة، بالكسر: الورقة ورقعة صغيرة يثبت فيها مقدار ما يجعل فيها إن كان عينًا فوزنه أو عدده وإن كان متاعًا فقيمته، والرقعة الصغيرة تكون في الثوب وفيها ثمنه. انظر: "النهاية" 1/ 135، و"اللسان" 1/ 302 (بطق).]] كالأنملة، فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي ﷺ: بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك فمن أنت؟ فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلواتك [[في (ب): (صلاتك).]] التي كنت تصلي علي، قد [[في (ب): (وقد).]] وفيتك أحوج ما تكون إليها) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 8/ 25، وقال: (رواه الواحدي في "البسيط") اهـ. == وذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 167. وفي "التذكرة" ص 361، وقال: (ذكره القشيري في "تفسيره") اهـ. وحديث البطاقة مشهور. أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 2/ 213 - و- 221 - 223، وابن ماجه (4300) كتاب الزهد، باب: ما يرجى من رحمة الله تعالى، والترمذي حديث (2639) كتاب الإيمان، باب: ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، والحاكم في "المستدرك" 1/ 6 - و- 529 - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة فيوضع ما أحصى عليه فتمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار: قال: فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا لا تعجلوا فإنه قد بقي له فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان" اهـ. لفظ أحمد، قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب) اهـ. وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) اهـ. ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وقال السيوطي في "الدر" 8/ 131، والشوكاني في "تفسيره" 2/ 278، وصديق خان 3/ 307: (إسناده عند أحمد حسن) اهـ. وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/ 43، رقم 135.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: صاروا إلى العذاب ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾، قال: يريد: يجحدون بما جاء به محمد ﷺ) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 159 ولم أقف عليه عند غيره.]].

الأعراف 7:10

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال الزجاج: (معنى التمكين في الأرض: التمليك والقدرة) [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 320، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 125، و"معاني النحاس" 3/ 11.]]، وهو قول ابن عباس قال: (يريد: ملكناكم [[في (ب): (مكناكم).]] في الأرض، يريد: ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام) [["تنوير المقباس" 2/ 81 - 82، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 160.]]. وقولى تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾، يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشًا ومعيشة وعيشة ومعيشا بغير هاء [[النص من "تهذيب اللغة" 3/ 2281، وانظر: "اللسان" 5/ 3190 (عيش).]] ومنه قول رؤبة: إليك أشكو شِدَّةَ المَعِيشِ [["ديوانه" ص 78، و"الزاهر" 1/ 250، والقرطبي 3/ 81، و"الدر المصون" 2/ 420، 5/ 258، وتمامه: ومر أعوام نتفن ريشي أي أذهبن مالي، وفي "الديوان": أَشْكُو إِلَيْك شِدَّةَ المعَيشِ ... دهرًا تنقَّى المُخَ بِالتَمشِيشِ]] قال الليث: (العيش: المطعم والمشرب [[في (ب): (والمشروب).]] وما يكون به الحياة، والمعيشة: ما يعاش به) [["تهذيب اللغة" 3/ 2281، وانظر: "العين" 2/ 189، و"الجمهرة" 2/ 872، و"الصحاح" 3/ 1512، و"المجمل" 2/ 639، و"مقاييس اللغة" 4/ 194، و"المفردات" ص 596 (عيش).]]، [وقال الزجاج: (ومعنى المعايش: يحتمل أن يكون ما يعيشون به] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] ويمكن أن يكون الوصلة إلى ما يعيشون به) [["معاني الزجاج" 2/ 320، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 11.]]. وقد أشار ابن عباس إلى المعنين اللذين ذكرهما الزجاج فقال في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ (يريد: بما أفضل عليكم في الرزق وما فضلكم به على العرب، وهو أنهم ينسبون إلى الله وإلى حرمه وأمنه والعرب لهم تبع) [[في "تنوير المقباس" 2/ 82 نحوه.]] فقوله: (بما أفضل عليكم في الرزق) إشارة إلى [الوصلة] [[لفظ: (الوصلة) ساقط من (أ).]] إلى ما يعيشون به؛ لأنهم بذلك التفضيل توصلوا إلى المكاسب والتجارات، وعلى ما ذكره ابن عباس من التفسير تكون الآية خطابًا لقريش. فأما القراءة [[قرأ الجمهور ﴿معايش﴾ بالياء، وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج - وزيد بن علي، والأعمش، وخارجة بن مصعب عن نافع، وابن عامر في رواية: ﴿معائش﴾ بالهمز، والقياس بدون همز؛ لأن الياء أصل وإذا كانت زائدة همزت مثل صحيفة وصحائف. لكن قال الفراء في "معانيه" 1/ 373: (وربما همزت العرب هذا وشبهه يتوهمون أنها فعيلة بشبهها بوزنها في اللفظ وعدة الحروف كما جمعوا مسيل الماء أمسله شبه بفعيل وهو مفعل وقد همزت العرب المصائب وواحدتها مصيبة، شبهت بفعيلة لكثرتها في الكلام) اهـ. وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 271: (رواها عرب فصحاء ثقات فوجب قبولها، وقد ردها نحاة البصرة ولسنا متعبدين بأقوال نحاة البصرة) اهـ. بتصرف. وانظر: "السبعة" ص 278، و"إعراب النحاس" 1/ 600، و"معرفة القراءات" 1/ 400، و"إعراب القراءات" 1/ 176، و"مختصر الشواذ" ص 48، و"المبسوط" ص 179، و"الدر المصون" 5/ 258.]] في المعايش فقال الفراء: (لا تهمز لأنها في الواحدة مفعلة الياء في الفعل فلذلك لم يهمز وإنما يهمز من هذا ما كانت الياء فيه زائدة، مثل: مدينة ومدائن، وقبيلة وقبائل، لما كانت الياء لا يعرف لها أصل ثم قارنتها ألف مجهولة أيضًا همزت. قال: ومثل معايش من الواو [مما لا يهمز (معاون) في جمع معونة، و (مناور) في جمع منارة، وذلك أن الواو] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ترجع [[في (ب): (فترجع).]] إلى أصلها لسكون الألف قبلها) [["معاني الفراء" 1/ 273.]] هذا مذهب جميع القراء في المعايش لا يهمزونها، وروى خارجة [[خارجة بن مُصْعَب بن خارجة الضبعي أبو الحجاج الخراساني، فقيه، مقرئ، متروك الحديث. أخذ القراءة عن نافع وغيره، وله شذوذ كثير عنه لم يتابع عليه، توفي سنة 168 هـ وله 98 سنة. انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 375، و"ميزان الاعتدال" 1/ 625، و"غاية النهاية" 1/ 268، و"تهذيب التهذيب" 1/ 512.]] عن نافع ﴿معائش﴾ بالهمز [[ذكرها أكثرهم كما في المراجع السابقة في فقرة رقم (2).]]. قال الفراء: (ربما همزت العرب هذا وشبهه يتوهمون أنها فعيلة لشبهها بوزنها في اللفظ وعدة الحروف كما جمعوا مسيل الماء أمسلة [[في (أ): (مسله) وهو تحريف.]] شبه بفعيل وهو مفعل) [["معاني الفراء" 1/ 373 - 374.]]. وقال أبو إسحاق: (جميع النحويين البصريين يزعمون أن همز ﴿مَعَايِشَ﴾ خطأ، وذكروا أن الهمز إنما يكون في هذه الياء إذا كانت زائدة نحو: صحيفة وصحائف، فأما ﴿مَعَايِشَ﴾ فمن العيش الياء أصلية، فأما ما [[في (ب): (فأما رواه)، وهو تحريف.]] رواه نافع من همز ﴿مَعَايِشَ﴾ فلا أعرف له وجهًا إلا أن لفظ هذه الياء التي من نفس الكلمة أسكن في معيشة فصار على لفظ صحيفة فحمل الجمع على ذلك، ولا أحب القراءة بالهمز) [["معاني الزجاج" 2/ 320 - 321، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 600، 601، و"المشكل" 1/ 283 - 284.]]. قال أبو علي الفارسي: (قوله: ﴿مَعَايِشَ﴾ العين منه ياء ووزن المعيشة من الفعل عند الخليل [[في "الكتاب" 4/ 349، وكذا في "الإغفال" ص730 (فمعيشة يصلح أن تكون مَفْعلُة -بفتح الميم وسكون الفاء وضم العين-، أو -مفعلة- بكسر العين) اهـ. وانظر "الكتاب" 4/ 349، وص 355.]] وسيبويه مَفْعِلة، (وكان الأصل مَعْيِشة إلا أن الاسم وافق الفعل في وزنه؛ لأن (معيش) على وزن (يعيش) فأعل كما أعل الفعل وقد وجدنا الاسم إذا وافق الفعل في البناء أعل كما يعل [[في (ب): (كما يعل الفعل)، ثم تكرر قوله: (وقد وجدنا) إلى قوله: (كما يعل).]] فمن ذلك إعلالهم لباب ودار ونار ونحوه، لما كان على وزن فعل أعل كما أعل فأما القراءة [[قرأ الجمهور ﴿معايش﴾ بالياء، وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج - وزيد بن علي، والأعمش، وخارجة بن مصعب عن نافع، وابن عامر في رواية: ﴿معائش﴾ بالهمز، والقياس بدون همزة لأن الياء أصل وإذا كانت زائدة همزت مثل صحيفة وصحائف. لكن قال الفراء في "معانيه" 1/ 373: (وربما همزت العرب هذا وشبهه يتوهمون أنها فعيلة بشبهها بوزنها في اللفظ وعدة الحروف كما جمعوا مسيل الماء أمسله شبه بفعيل وهو مفعل وقد همزت العرب المصائب وواحدتها مصيبة، شبهت بفعيلة لكثرتها في الكلام) اهـ. وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 271: (رواها عرب فصحاء ثقات فوجب قبولها، وقد ردها نحاة البصرة ولسنا متعبدين بأقوال نحاة البصرة) اهـ. بتصرف. وانظر: "السبعة" ص 278، و"إعراب النحاس" 1/ 600، و"معرفة القراءات" 1/ 400، و"إعراب القراءات" 1/ 176، و"مختصر الشواذ" ص 48، و"المبسوط" ص 179، و"الدر المصون" 5/ 258.]] في المعايش فقال الفراء: (لا تهمز لأنها في الواحدة مفعلة الياء في الفعل فلذلك لم يهمز وإنما يهمز من هذا ما كانت الياء فيه زائدة، مثل: مدينة ومدائن، وقبيلة وقبائل، لما كانت الياء لا يعرف لها أصل ثم قارنتها ألف مجهولة أيضًا همزت. قال: ومثل معايش من الواو [مما لا يهمز (معاون) في جمع معونة، و (مناور) في جمع منارة، وذلك أن الواو] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ترجع [[في (ب): (فترجع).]] إلى أصلها لسكون الألف قبلها) [["معاني الفراء" 1/ 273.]] هذا مذهب جميع القراء في المعايش لا يهمزونها، وروى خارجة [[خارجة بن مُصْعَب بن خارجة الضبعي أبو الحجاج الخراساني، فقيه، مقرئ، متروك الحديث. أخذ القراءة عن نافع وغيره، وله شذوذ كثير عنه لم يتابع عليه، توفي سنة 168 هـ وله 98 سنة. انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 375، و"ميزان الاعتدال" 1/ 625، و"غاية النهاية" 1/ 268، و"تهذيب التهذيب" 1/ 512.]] عن نافع ﴿معائش﴾ بالهمز [[ذكرها أكثرهم كما في المراجع السابقة في فقرة رقم (2).= و"معجم الأدباء" 7/ 107، و"سير أعلام النبلاء" 12/ 270، و"لسان الميزان" 2/ 57.]]. وجميع [[انظر: "المنصف" 7/ 107، و"المقتضب" 1/ 261.]] المتقدمين من النحويين البصريين. فإذا جمع معيشة مكسرًا ردت ألف الجمع ثالثة قبل الياء والألف ساكنة والياء أيضًا ساكنة، ومن حكم الساكنين إذا اجتمعا أن يحرك أحدهما أو يحذف، فالحذف هنا لا يجوز لالتباس الجمع بالواحد، وإذا لم يجز الحذف لاجتماعهما لزم تحريك أحدهما ، ولا يخلو من أن يكون الأول [[لفظ: (الأول) غير واضح في (أ)، وفي (ب): (الأول والثاني).]] أو الثاني، فلا يجوز تحريك الأول لارتفاع دلالته بتحريكه له على الجمع وإذا لم يجز تحريك الأول لزم تحريك الثاني لاجتماع الساكنين، فإذا حركت رجعت [[في (أ): (رجعت واوًا صحيحة ياء كما أن).]] ياء كما أن ما كان من الواو إذا [[في (أ): (وإذا).]] حركت في الجمع رجعت واوًا صحيحة مثل: (مقاوم) و (مقاول) في جمع (مقام) و (مقال)، أنشد النحويون [[الشاهد للأخطل في "ديوانه" ص 322، و"أمالي القالي" 3/ 77، و"الخصائص" 3/ 145، وللفرزدق في "المقتضب" 1/ 260، و"المخصص" 14/ 21، وبدون نسبة في "معاني الزجاج" 1/ 206 - 2/ 320، و"إعراب النحاس" 1/ 601، و"المنصف" 1/ 306. والشاهد قوله: (مقاوم) في جمع مقامة وأصلها مجلس القوم.]]: وإنَّي لَقَوَّامُ مقاوم لَمْ يَكُنْ ... جَرِيرٌ وَلاَ مَوْلَى جَرِيرٍ يَقُومُهَا فصحح الواو في الجمع لما لزم تحريكها لاجتماع الساكنين، فبان بهذا أن جمع (معيشة) على (معايش) يزيل مشابهته الفعل في البناء وعلمت بذلك زوال المعنى الموجب للإعلال في الواحد [[في "الحجة" لأبي علي 4/ 7: (فمعيشة موافقة للفعل في البناء ألا ترى أنه مثل يعيش في الزنة وتكسيرها يزيل مشابهته في البناء فقد علمت بذلك زوال المعنى الموجب للإعلال في الواحد في المجمع فلزم التصحيح في التكسير لزوال المشابهة في اللفظ) اهـ.]] فيلزم التصحيح في التكسير لزوال المشابهة في اللفظ. فإن قيل: هل أعل العين إذا كانت ياء أو واوًا في نحو هذا الجمع كما أعلت في قائل وبائع بقلبها همزة لما اعتلا في الفعل؟ والجواب أن إعلال (معايش) لا يلزم؛ لأن زنة الفعل قد بطلت عنه ولزم [[في (أ): (ولزوم).]] تصحيحه كما بينا، فأما قائل وبائع فإنما لزم إعلالها؛ لمشابهتهما الفعل في الزنة وهو الأمر [[قوله: (وهو الأمر من المفاعلة) ليس في "الإغفال".]] من المفاعلة، ولأنهما يعملان عمل الفعل، فصار لذلك أدخل في الإعلال وأقرب إليه، ولم يكن ذلك في (معايش) وبابه، ألا ترى أنه لا شيء فيه مما يوجب الإعلال من مشابهته الفعل في زنته وحركاته وسكونه) [[انظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 7 - 8، و"الإغفال" ص 730 - 740، و"معجم الإبدال والإعلال" للخراط ص 198.]]. وقال غير أبي علي [في] [[لفظ: (في) ساقط من (ب).]] علة همز قايل وبايع: (إنما همز عين فاعل في باب ما اعتلت عينه من ذوات الواو والياء؛ لأن الواو والياء قد انقلبتا ألفين في قال وباع، فلما بني منهما فاعل اجتمعت ألف فاعل مع الألف المنقلبه عن الواو [[في (ب): (عن الواو والياء).]] أو الياء وهما ساكنتان فلم يمكن النطق بهما فهمزت الأخيرة منهما فقيل: قائل وبائع هذا هو الأصل، ثم يجور تحفيف الهمزة فيصير ياء؛ لأن الهمزة المكسورة إذا خففت صارت ياء [[ذكره نحو المبرد في "المقتضب" 1/ 237، وابن جني في "المنصف" 1/ 280، وانظر: "الكتاب" 4/ 345، و"التصريف" للجرجاني ص 86، و"الممتع" لابن عصفور 1/ 327، و"شرح مختصر تصريف العزي" للتفتازاني ص 131، و"شذا العرف" للحملاوي ص 74.]]. فأما (معايش) ففي تصحيح يائه ما يغني عن الهمزة) رجعنا إلى كلام أبي علي قال: (فأما قراءة هذا القارئ ﴿معائش﴾ بالهمز، فقال أبو عثمان: (أصل أخذ هذه القراءة عن نافع قال: ولم يكن يدري ما [[في (أ): (يدري العربية).]] العربية، وكلام العرب التصحيح في نحو هذا) [[انظر: "المنصف" 1/ 307، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 271 - 272: (أما قول المازني (أصل أخذ هذه القراءة عن نافع) فليس بصحيح لأنها نقلت عن ابن عامر والأعرج وزيد بن علي والأعمش، وأما قوله (إن نافعًا لم يكن يدري ما العربية) فشهادة على النفي، ولو فرضنا أنه لا يدري ما العربية وهي هذه الصناعة التي يتوصل بها إلى التكلم بلسان العرب فهو لا يلزمه ذلك، إذ هو فصيح متكلم بالعربية ناقل للقراءة عن العرب الفصحاء، وكثير من هؤلاء النحاة يسيئون الظن بالقراء، ولا يجوز لهم ذلك) اهـ.]]. قال أبو علي: ومن أعل فهمز ياء ﴿مَعَايِشَ﴾ فمجازه على وجه الغلط كما حكى سيبويه (أن بعضهم قال في جمع مصيبة: مصائب فهمز وهو غلط لأن مصائب مفاعل [[في "الكتاب" 4/ 356، و"الإغفال" ص 741 (وهو غلط، وإنما هو مُفْعِلة وتوهموها فَعْيِلة).]] فتوهمها فعايل نحو: صحائف وسفائن. قال: ومنهم من يقول: مصاوب فيجيء به على الأصل والقياس) [["الكتاب" 4/ 356.]]، وقول [[في (أ): (وقال)، وهو تحريف.]] سيبويه: (وهو غلط) يعني: أنه توهم الياء التي في مصيبة -وهي [[(وهو)، وهو تحريف.]] منقلبة عن العين التي هي واو- الياء التي [[في "الإغفال" (التي تزاد للمد).]] للمد في نحو: [سفينة وصحيفة، وهمزوا الياء المنقلبة عن الواو التي هي عين الفعل كما همزوا الياء التي للمد [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] في نحو] [[في "الإغفال" ص 742: صفائح.]] سفائن وصحائف، ولا يشبه هذه الياء تلك، ألا ترى أن هذه منقلبة عن واو هي عين أصلها الحركة، وتلك زائدة للمد لا حظ لها في الحركة). وقد ذكرنا الكلام مستقصى في المصائب عند قوله [[انظر "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 98 أ.]]: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: 156]، (ومثل هذا مما حمل على الغلط قول بعضهم في جمع مَسِيل: مسلان، فمسيل مفعل والياء فيه عين الفعل، فتوهم من قال في جمعه: مسلان أنها زائدة للمد فجمعه على فعلان كما يجمع قضيب على قضبان، وعلى هذا [[هذا من "الحجة" 3/ 8.]] التوهم أيضًا جمعوا مسيلًا أمسلة. وقد جاء ذلك في شعر هذيل، قال أبو ذؤيب [[أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي. تقدمت ترجمته.]]: وَأَمْسِلَةٍ مَدَافِعُها خَلِيفُ [["شرح ديوان الهذليين" للسكري 1/ 185، و"المخصص" 5/ 123، 10/ 107، و"الدر المصون" 5/ 259، وصدره: بَوادٍ لا أنِيسَ به يَبَابٍ ويباب بالفتح؛ خراب فقر ليس فيه أحد.= انظر: "اللسان" 8/ 4947 (يبب)، وأمسلة، بسكون الميم وكسر السين: جمع مَسِيل وهو: مجرى الماء. انظر: "اللسان" 7/ 4205 (مسل) ومدافعها. المجاري التي تدفع إلى الأودية. انظر: "اللسان" 3/ 1394 (دفع)، وخليف بفتح الخاء وكسر اللام: الطريق بين الجبلين انظر: "اللسان" 2/ 1242 (خلف).]] فتوهموه فعيلاً، وإنما هو مفعل [[إلى هنا انتهى النقل من "الحجة".]]، ومثل هذا من الشواذ والغلط لا يعترض به على الشائع المطرد ولا يحمل غيره عليه، وإنما حكمه أن يعرف أصله ويبين وجه الصواب فيه، ومن أين وقع الشبه الذي جاء من أجله الغلط، فمسلان من سأل خطأ وإن كان قد قيل، فكذلك [[في (ب): (فلذلك).]] همز [[في (أ): (همزة).]] معايش غلط) [[انظر: "الإغفال" ص 730 - 744، و"الحجة" 4/ 7 - 8، وهو أخذ منهما مع بعض التصرف اليسير في العبارة وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 25، و"المشكل" 1/ 283، والمراجع المذكورة في "القراءة" ص 30 من هذا الجزء.]]، فأما الكلام في (مدائن) فسنذكره إذا أتينا إلى قوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [[في (ب): (وأرسل فرعون في المدائن حاشرين) من هذه السورة إن شاء الله. وهذا وهم، وجاء في سورة الشعراء الآية: 53 قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.]] [الأعراف: 111] من هذه السورة [[انظر تفسير هذه الآية في هذا الجزء ص 267.]] إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: أنكم غير شاكرين لأنعمي [[لفظ: (ولا) ساقط من (ب).]] [ولا] طائعين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 160، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 172، وفي "تنوير المقباس" 2/ 82 نحوه.]]. وتقدير هذا تقدير قوله: {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]. [وقد مر] [[لفظ: (وقد مر) ساقط من (أ).]].

الأعراف 7:11

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. قال ابن عباس: (أما ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ فآدم [[في (أ): (آدم).]]، وأما ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [[في (أ): (ثم صورناكم).]] فذريته) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 126، وابن أبي حاتم 5/ 1442 بسند جيد.]]. وبيان هذا ما قاله مجاهد: (﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني: آدم ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [[لفظ: (ثم) ساقط من (ب).]] في ظهر آدم) [["تفسير مجاهد" 1/ 232، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 127، وابن أبي حاتم 5/ 1442 من طرق جيدة، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 13: (هذا أحسن الأقوال، يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم، ثم صورهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم كان السجود لآدم بعد، ويقوي هذا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: 172]، والحديث أنه أخرجهم أمثال الذر فَأخّذ عليهم الميثاق) اهـ. وسيأتي تخريج الحديث.]]، وإنما ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ بلفظ الجمع وهو يريد آدم؛ [لأنه أبو البشر وفي خلقه خلق يخرج من صلبه، وعلى هذا أيضًا يجوز أن يكون ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ لآدم وحده، وهو قول يونس [[يونس بن حبيب الضبي، لُغوي. تقدمت ترجمته.]]، قال: (يجوز أن يكون معنى ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ لآدم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] كما تقول: قد ضربناكم وإنما ضربت سيدهم) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 188 أ.]]، واختار أبو عبيد [[لم أقف عليه بعد طول بحث عنه.]] في هذه الآية قول مجاهد لقوله بعده [[في (ب): (بعد).]]: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا}، وكان قوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ قبل خلق ذرية آدم وتصويرهم في الأرحام، و (ثم) يوجب التراخي [[انظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 16، و"معاني الحروف" للرماني ص 105، وذكر عدة أوجه في هذه الآية، و"رصف المباني" ص 249، و"المغني" لابن هشام 1/ 117.]] والترتيب، فمن جعل الخلق والتصوير في هذه الآية لأولاد آدم في الأرحام لم يكن قد راعى حكم (ثم) في الترتيب، إلا أن يأخذ. بقول الأخفش فإنه يقول: ((ثم) هاهنا في معنى الواو) [["معاني الأخفش" 2/ 294.]]. قال الزجاج: (وهذا خطأ لا يجيزه الخليل [[انظر: "العين" 8/ 218.]] وسيبويه [[انظر: "الكتاب" 1/ 291، 1/ 429، 3/ 89، 3/ 501.]] وجميع من يوثق بعلمه) [["معاني الزجاج" 2/ 321، ونحوه ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 12. وقال: (هذا القول خطأ على مذهب أهل النظر من النحويين، ولا يجوز أن تكون، (ثم) بمعنى الواو لاختلاف معنييهما) اهـ.]]. قال أبو عبيد [[لم أقف عليه.]]: (وقد بينه مجاهد [[سبق تخريجه.]] حين قال: إن الله خلق آدم [و] صورهم [[لفظ: (الواو) ساقطة من (ب).]] في ظهره ثم أمر بعد ذلك بالسجود) قال: وهذا بين في حديث [آخر] [[لفظ: (آخر) ساقطة من (ب).]] وهو أنه أخرجهم من ظهر آدم في سورة الذر) [[أخرج أحمد في "المسند" 1/ 272، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 89 رقم == (202)، والنسائي في "تفسيره" 1/ 506 رقم (211)، والطبري 9/ 111، والحاكم في "المستدرك" 1/ 27 - 2/ 544، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ قال: "أخذ الله تبارك وتعالى الميثاق من ظهر آدم بنعمان -يعني عرفة- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا"، قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ -إلى- ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾) [الأعراف:172، 173]. وصححه الحاكم في "المستدرك" ووافقه الذهبي في "التلخيص". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 25: (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح) اهـ. وقال الشوكاني في "تفسيره" 2/ 384، وصديق خان 5/ 73 (إسناده لا مطعن فيه) اهـ. وحسن إسناده الألباني في "ظلال الجنة في تخريج السنة" لابن أبي عاصم 1/ 89، وصححه في "السلسلة الصحيحة" رقم (1623). وفي الباب أحاديث كثيرة بمعناه، انظر: "الدر المنثور" 3/ 261.]]. [و] قوله [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾. قال الزجاج: (وهو استثناء ليس من الأول ولكنه ممن أمر بالسجود مع الملائكة بدليل قوله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:12] فدل أن إبليس ممن أُمِر بالسجود) [["معاني الزجاج" 2/ 14، وعلى هذا القول يكون الاستثناء منقطع، وإبليس ليس من الملائكة لكنه أمر بالسجود معهم، وذهب الجمهور إلى أن الاستثناء متصل وإن إبليس من الملائكة أو من طائفة منهم، واختاره الطبري في "تفسيره" 1/ 224، 225، والبغوي 1/ 81، وابن عطية 1/ 245، 246، وغيرهم، والظاهر والله أعلم أنه ليس من الملائكة؛ لأن الملائكة خلقت من نور وإبليس خلق من نار ولأن الملائكة مسخرة لا تعصي الله تعالى وإبليس عصى وكفر ولقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] وتوجه الخطاب إليه وأمر بالسجود مع الملائكة لأنه كان في عامتهم ومعهم يعمل بعملهم ويتعبد كما يتعبدون ولكن غلب عليه الطبع الخبيث. أفاده شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في كتاب "أحكام من القرآن الكريم" 1/ 162 - 164، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 14، و"النكت والعيون" للماوردي 1/ 102، و"زاد المسير" 1/ 65.]]

الأعراف 7:12

قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ موضع (ما [[﴿مَاَ﴾ اسم استفهام مبتدأ وما بعدها خبرها. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 601، و"المشكل" 1/ 284.]]) رفع، المعنى: أي شيء منعك من السجود. قال أبو بكر [[أبو بكر بن الأنباري، إمام لغوي. تقدمت ترجمته.]]: (ومعنى سؤاله الله عز وجل إبليس عن علة ترك السجود وهو عالم بذلك التوبيخ له [و] التعنيف [[لفظ: (الواو): ساقطة من (ب).]] وليظهر أنه معاند وأنه ركب المعصية خلافاً لله عز وجل، كما يقول الرجل لعبده: ما منعك من طاعتي وقد أحسنت إليك، وما منعك من خدمتي وقد أفضلت عليك، يريد بذلك التوبيخ له) [[لم أقف عليه.]]. وهذا معنى قول أبي إسحاق [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 322، وما نقله هو نص كلامه.]]. وأما (لا) في قوله ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ فقال الفراء: (المعنى: ما منعك أن تسجد وأن في هذا الموضع تصحبها [[في (ب): (تصحتها)، وهو تصحيف.]] لا، وتكون صلة، وكذلك قوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 95] تزاد [[في (ب): (يراد)، وهو تصحيف.]] للاستيثاق من الجحد والتوكيد له، ومثله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [[في النسخ: (لان لا).]] [الحديد: 29] المعنى: ليعلم أهل الكتاب) [[في "معاني الفراء" 1/ 473 (إلا أن معنى الجحد الساقط في لئلا من أولها لا من آخرها المعنى: ليعلم أهل "الكتاب" ألا يقدرون) اهـ. وانظر: "أضداد ابن الأنباري" ص 211.]]. وهذا أيضًا قول الكسائي [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 161، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 173، والرازي في "تفسيره" 14/ 31، وقال: (هو قول الأكثرين) اهـ. ومهم أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 211، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 1/ 176، و"تأويل المشكل" ص 244، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 601، 602، ومكي في "المشكل" 1/ 284.]]، ونحو هذا قال الزجاج: فقال: (معنى ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ إلغاء لا وهي مؤكدة؛ المعنى: ما منعك أن تسجد، قال [[في (ب): وقال مثل إلغاء.]] ومثل إلغاء (لا) قول الشاعر [[الشاهد مشهور لا يعرف قائله، وقد تقدم تخريجه.]]: أَبَى جُوُده لا البُخْلَ وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ... نَعَمْ مِنْ فَتًى لا يَمْنع الجودَ قَاتِلُهْ قالوا: معناه: أبى جوده البخل [[في (ب): (أبي جوده لا البخل) وهو تحريف.]]. [قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: الرواية أبى جوده لا البخلِ] [[في (أ): (لا البخل) وهو تحريف. ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] والذي قاله أبو عمرو حسن، المعنى: أبى جوده (لا) التي تبخِّل الإنسان كأنه إذا قيل له: (لا) تسرف و (لا) تبذر مالك أبي جوده [[في "معاني الزجاج" 2/ 323، (أبي جوده (لا) هذه).]] هذه واستعجلت به (نعم) فقال: نعم، أفعل ولا أترك الجود، وهذان القولان في البيت هما قول العلماء) [["معاني الزجاج" 2/ 323.]]. قال أبو علي: (وهذا البيت أنشده أبو الحسن [[أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش إمام مشهور.]] وقال: فسرته العرب أبي جوده البخل، وزعم يونس [[يونس بن حبيب الضبي، إمام تقدمت ترجمته.]] أن أبا عمرو [[أبو عمرو بن العلاء النحوي القارئ، إمام، تقدمت ترجمته.]] كان يجر البخل ويجعل لا مضافة إليه، أراد أبى جوده [لا] [[لفظ: (لا) ساقطة من (أ).]] التي هي للبخل لأن لا قد تكون [[في (ب): (يكون) بالياء.]] للبخل وللجود فالتي للبخل [[في (ب): (فالتي للبخل وللجود فالتي للبخل معروفة) وهو تحريف. ولم ترد عند الأخفش ولا عند أبي علي لفظه: (فالتي للبخل معروفة).]] معروفة والتي للجود أنه لو قال له: امنع الحق أو لا تعط المساكين فقال: لا كان هذا جودًا فيه [[في "معاني الأخفش" 2/ 295، و"الإغفال" ص 692، (كان هذا جودا منه).]]) [[النص في "معاني الأخفش " 2/ 294، "الإغفال " ص 692، و"الحجة" لأبي علي 1/ 169. وانظر: إعرابه وتوجيهه في "الحجة" لأبي علي 3/ 381، و"كتاب الشعر" 1/ 117، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 542.]]. وقد أجاز [[هذا من قول أبي علي أيضًا في "الإغفال" ص 692 - 693 والنص منه.]] أبو إسحاق في البيت قولًا آخر قال: (وهو عندي حسن أرى أن تكون لا غير لغو، وأن يكون البخل منصوبًا بدلاً من (لا) المعنى: أبي جوده (لا) التي هي البخل فكأنك قلت: أبي جوده البخل) [["معاني الزجاج" 2/ 323. وفيه: (المعنى أبي جوده البخل واستعجلت به نعم) اهـ. وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 273. (وقد خرجته أنا تخريجًا آخر وهو أن ينتصب البخل على أنه مفعول من أجله ولا مفعول له). وقال السمين في "الدر" 5/ 262: (ولا حجة في هذا البيت على زيادة لا في رواية النصب، ويتخرج على وجهين: == أحدهما: أن تكون لا مفعولًا بها، والبخل بدل منها لأن (لا) تقال في المنع فهي مؤدية للبخل. والثاني: أنها مفعول بها أيضًا والبخل مفعول من أجله، والمعنى: أبي جوده لفظ لا لأجل البخل أي: كراهة البخل، ويؤيد عدم الزيادة رواية الجر) اهـ. وانظر: الشاهد وتوجيهه في "الأضداد" لابن الأنباري ص 211 - 216.]]. وحكى عن أحمد بن يحيى: (أن (لا) في هذه الآية ليست زائدة، ولا توكيدًا؛ لأن معنى قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ من قال لك لا تسجد، فحمل نظم الكلام على [[في (أ): (لأن لا)، وهو تحريف.]] معناه) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 188 أ.]]. وهذا القول حكاه أبو بكر [[انظر "الأضداد" لابن الأنباري ص 215 - 216. وقال الرازي في "تفسيره" 4/ 31: (لا هاهنا مفيدة وليست لغوًا، وهذا هو الصحيح لأن الحكم بأن كلمة من كتاب الله لغو لا فائدة فيها مشكل صعب) اهـ.]] عن الفراء. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [[لفظ: (قال) ساقط من (ب).]]، ولم يقل: منعني من السجود أني خير منه فأتى بشيء في معنى الجواب ولفظه غير جواب؛ لأن قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [إنما هو] [[لفظ: (إنما هو) ساقط من (ب).]] جواب (أيكما خير)، ولكن الكلام في معنى الجواب لأن قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ في معنى: منعني من السجود فضلي عليه، وهذا قول الفراء [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 374.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 323.]]. وزاد أبو بكر لهذا بيانًا فقال: (أما قولة إبليس لعنه الله في جواب ربه عز وتعالى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ ففيه [معنى] [[لفظ: (معنى) ساقط من (ب).]] منعني من السجود له عند نفسي أنني [[في (ب): (أنه)، وهو تحريف.]] خير منه؛ إذ كنت ناريًا وكان طينيًا، فلما أتى بكلام فيه معنى الجواب اكتفى به، واقتصر عليه كما يقول الرجل للرجل: لمن الدار؟ فيقول: مالكها زيد، يريد هي لزيد، فيأتي بكلام يرجع إلى معنى الجواب، فخاطب الله عز وجل العرب بلسانها واختصارها، واكتفائها) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 161، والقرطبي 7/ 170 - 171 بدون نسبة ونحوه في "معاني النحاس" 3/ 15، و"تفسير البغوي" 3/ 217.]]. وقوله تعالى: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، قال ابن عباس: (كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس، فعصى [[قوله: (فعصى) غير واضحة في (أ)، وموضحة في الهامش.]] ربه وقاس، وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 188 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 161، والبغوي في "تفسيره" 3/ 217، والقرطبي 7/ 171 وغيرهم، ونقله الرازي في "تفسيره" 14/ 34، عن الواحدي عن ابن عباس.]]. فإن قيل: أليس العلماء يقيسون في مسائل، قيل: القياس قياسان: قياس في مخالفة النص فهو مردود كقياس إبليس، وقياس يوافق الأصول عند عدم النص فهو مقبول كقياس العلماء يقيسون [[القياس لغة: التقدير، ورد الشيء إلى نظيره، واختلف في تعريفه في الشرع، فقيل: هو حمل مجهول الحكم على معلومه لمساواة بينهما في علة الحكم، والقياس الشرعي عند الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء أصل من أصول الشريعة يستدل به على الأحكام التي لم يرد بها السمع. انظر: "الرسالة" للشافعي ص 476 وما بعدها، و"شرح مختصر الروضة" 3/ 218، و"التعريفات" للجرجاني ص 181، و"إرشاد الفحول" 2/ 839 وما بعدها.]] ما لا نص فيه بما فيه نص ودليل، وابن عباس يقول: (من قاس الدين بشيء من رأيه) ولا يجوز أن يقاس الدين بما يراه الإنسان من رأيه [[انظر: "زاد المسير" 3/ 174، و"تفسير الرازي" 14/ 34، والقرطبي 7/ 171، و"فتاوى شيخ الإسلام" 5/ 15 - 6.]].

الأعراف 7:13

قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾، قال: ابن عباس: (يريد: من الجنة، وكانوا في جنة عدن، وفيها خلق آدم) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 35، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 533، وابن الجوزي 3/ 175.]]، ونحو هذا قال مقاتل: (﴿{فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ يعني: الجنة) [["تفسير مقاتل" 2/ 30.]]. وقال مجاهد [[ذكر بدون نسبة في "تفسير البغوي" 3/ 217، وابن الجوزي 3/ 175، والقرطبي 7/ 173، وقال: (هو الأظهر) وهذا هو قول الجمهور وهو الظاهر لأنه هو المعلوم عند الإطلاق والأصل في النصوص حملها على ما هو معلوم ومفهوم حتى يقوم دليلُ على خلاف ذلك، فآدم اهبط من السماء من جنة الخلد التي هي مأوى المتقين. أفاده شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في كتاب "أحكام القرآن" 1/ 168 وهو اختيار الواحدي في "البسيط" كما تقدم في قصة آدم من سورة البقرة، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 302 وذهب بعضهم -وهو قول المعتزلة والخوارج- إلى أن آدم كان في جنة الدنيا بأرض عدن. انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 442، وابن كثير 2/ 228.]]: (﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [في السماء) وهذا يدل على أنه يقول: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾، يعني: السماء. وقوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، قال ابن عباس: (يريد: أن أهلها ملائكة متواضعون خاشعون، ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾، قال: يريد: من المُذلين) [["تنوير المقباس" 2/ 83، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 162. وذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 173 بدون نسبة.]]، وقد ذكرنا معنى (الصاغر) و (الصغار) عند قوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ﴾ [الأنعام: 124]. قال أبو إسحاق: (إن إبليس قد استكبر بإبائه السجود [[في (أ): (للسجود).]]، فأعلمه الله عز وجل أنه صاغر بذلك) [["معاني الزجاج" 2/ 324.]].

الأعراف 7:14

قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي: أخرني إلى يوم البعث [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 324، و"تفسير الطبري" 8/ 133.]]، قال ابن عباس: (يريد: النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين) [["تنوير المقباس" 2/ 84، وذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 173 - 174. وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 324، والنحاس 3/ 15: (أي: أخرني فلم يجب إلى هذا بعينه فأجيب إلى النظرة إلى يوم الوقت المعلوم) اهـ.]]. ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾، قال أهل المعاني: (معناه: إنك مُنظر، ولكن ربما يذكر الجماعة في هذا الموضع، ولا يكون المراد به إلا تحقيق الخطاب في واحد) [[الذي عليه أهل التفسير أن قوله: ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أي: داخل في عداد المنظرين بآجالهم إلى ذلك الوقت المعلوم، فقد عم تلك الفرقة إنظار وإن لم يكونوا أحياء مدة الدهر، أفاده الطبري في "تفسيره" 8/ 132، وابن عطية 5/ 443، 444، وابن الجوزي 3/ 175، وأبو حيان في "البحر" 4/ 274.]]. قال ابن عباس: (فأبى الله ذلك عليه) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 533، والقرطبي 7/ 173 - 174.]]. قال المفسرون: (إن إبليس -لعنه الله- استنظر إلى يوم البعث، وأراد أن يذوق الموت في النفخة الأولى، فلم يُعطه ذلك، وأنظره إلى يوم النفخة الأولى [لا إلى] [[لفظ: (لا إلى) ساقط من (ب).]] الثانية؛ لأنه بين مدة المهلة في موضع آخر فقال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: 38] وهو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 132، 133، والسمرقندي 1/ 533، والماوردي 2/ 204، 205، والبغوي 3/ 217 - 218، وابن عطية 5/ 443 وقال: (هذا أصح وأشهر في الشرع) اهـ. وقال الشنقيطي في "تفسيره" 2/ 295: (طلب الشيطان الإنظار إلى يوم البعث، وقد أعطاه الله الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم، وأكثر العلماء يقولون: المراد به وقت النفخة الأولى، والعلم عند الله تعالى) اهـ.]].

الأعراف 7:16

قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، قال ابن عباس: (يريد: فبما أضللتني، مثل قول نوح: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾) [[أخرجه الطبري 8/ 133 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 135.]] [هود: 34]. قال أبو بكر الأنباري حاكيًا عن أهل اللغة: (الإغواء [[أصل الإغواء: تزيين الرجل للرجل الشيء حتى يحسنه عنده يقال: غَوَى، بالفتح: الرجل يَغْوَى غَيًّا من الغي، خلاف الرشد، والغواية: الانهماك في الغيَّ، ويأتي الغَيَّ بمعنى الفساد والضلال والجهل والخيبة. انظر: "الطبري" 8/ 133، و"الجمهرة" 1/ 244، و"تهذيب اللغة" 3/ 2706، و"الصحاح" 6/ 2450، و"المفردات" ص 620، و"اللسان" 6/ 3320 (غوى).]] إيقاع الغَيِّ في القلب، والغَيُّ: المذموم من الفعل، وقوله: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب خروجي من الجنة، وكذلك قوله: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: 34] أي: يوقع الشر في قلوبكم ويحسن القبيح لكم لما سبق لكم عنده من الشقاء. قال: وقال بعضهم: الإغواء الإهلاك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59] أي: هلاكاً وبلاء، ومنه أيضًا قولهم: غَوِيَ الفصيل يَغْوَى غوى [[جاء في "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 252 (يقال: غَوى الرجل يَغْوى غَيًّا وغَواية: إذا جهل وأساء. ويقال: قد غَوِي الفصيل يَغْوَى إذا بشم من لبن أمه عند الإكثار والازدياد منه) اهـ. ونحوه في "شرح القصائد" ص 52، وفي مصادر اللغة يطلق ذلك عليه، إذا فقد اللبن حتى كاد يهلك، ويقال أيضًا: إذا أكثر من اللبن فأتخم. انظر: "العين" 4/ 456، و"البارع" ص 443 - 445، والمراجع السابقة.]]، إذا أكثر من اللبن حتى يفسد جوفه ويشارف [[في (ب): (ويشارك)، وهو تحريف.]] الهلاك والعطب، وفسروا قوله: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: 34] إن كان الله يريد أن يهلككم بعنادكم الحق، وهذا قول تحتمله اللغة، وأهل التفسير على القول الأول) [[ذكر بعضه الواحدي في "الوسيط" 1/ 162، والبغوي 3/ 218، وابن الجوزي 3/ 175، وقال: (الجمهور على أنه بمعنى: الإضلال) اهـ. وهو بدون نسبة في "تفسير الثعلبي" 188 أ، والرازي 14/ 37]] قال أبو إسحاق: (في ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ قولان: قال بعضهم: أضللتني، وقال بعضهم: فبما دعوتني إلى شيء غَويت به، أي: غويت من أجل آدم) [["معاني الزجاج" 2/ 324، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 16، و"تفسير السمرقندي" 1/ 533، والماوردي 2/ 206.]]. قال أبو بكر: (وأما قوله عز وجل: ﴿فَبِمَا﴾؛ فإن الباء تحتمل أمرين: أحدهما: القسم؛ أي: بإغوائك إياي ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بقدرتك عليَّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم [الذي] [[لفظ: (الذي) ساقط من (ب).]] يسلكونه إلى الجنة بأن أزين لهم الباطل وما يكسبهم المآثم، فإذا كان الباء قسمًا كان اللام جواب القسم، و (ما) بتأويل المصدر و ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ صلتها ولا عائد لها. قال: ويجوز أن يكون (ما) بتأويل الشرط والباء من صلة الإغواء، والفاء المضمرة جواب الشرط، والتقدير قال: فبأي شيء أغويتني فلأقعدن لهم صراطك، فتضمر [[في (ب): (فيضمر) بالياء.]] الفاء جوابًا للشرط كما تضمرها [[في (ب): (يضمرها) بالياء.]] في قولك: إلى ما أومأت إني قابله وبما أمرت إني سامع له مطيع) [[ذكر بعضه الواحدي في "الوسيط" 1/ 162، والوجوه في (الباء) و (ما) في عامة المصادر. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 135، والماوردي 2/ 206، و"غرائب الكرماني" 1/ 399، و"تفسير البغوي" 3/ 218، وابن عطية 5/ 444، و"الفريد" 2/ 277، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 274، والسمين في "الدر" 5/ 264 - 265: (الظاهر أن الباء للقسم، وما مصدرية) اهـ. وذكر السمين قول ابن الأنباري في أن ما شرطية وقال: (هذا الذي قاله ضعيف جدًّا، فإنه على تقدير صحة معناه يمتنع من حيث الصناعة، فإن فاء الجزاء لا تحذف إلا في ضرورة شعر، فعلى رأي أبي بكر يكون قوله ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ جواب قسم محذوف، وذلك القسم المقدر، وجوابه جواب الشرط فيقدر دخول الفاء على نفس جملة القسم مع جوابها تقديره: فبما أغويتني، فوالله لأقعدن، هذا يتمم مذهبه) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، قال الزجاج: (أي: على طريقك المستقيم، ولا اختلاف بين النحويين [[انظر: "الكتاب" 1/ 34 - 37، و"معاني الأخفش" 2/ 295.]] في أن (على) محذوفة، ومثل ذلك قولك: ضربه زيد الظهر والبطن، والمعنى: على الظهر والبطن) [["معاني الزجاج" 2/ 324، ونحوه ذكر النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 602، والمعاني 3/ 16، ومكي في "المشكل" 1/ 284.]]. وزاد الفراء بيانًا، فقال [[في (أ): (وقال).]]: (المعنى -والله أعلم-: لأقعدن لهم على طريقهم وفي [[في "معاني الفراء" (أو في).]]، وإلقاء الصفة [[المراد بالصفة هاهنا -عند الكوفيين-: حرف الجر، وكذلك يطلقونه أيضًا على الظرف انظر: "معجم المصطلحات النحوية" للدكتور محمَّد اللبدي ص 241، و"حاشية تفسير الطبري" 12/ 337.]] من هذا جائز، كما تقول: قعدت لك وجه الطريق، وعلى وجه الطريق؛ لأن الطريق ظرف [[في (ب): (طرقٌ) -وهو تصحيف-، وفي "معاني الفراء" 1/ 375؛ لأن الطريق صفة في المعنى، وما ذكره الواحدي هو تفسير لذلك؛ لأن الفراء يطلق على الظرف لفظ الصفة كما سبق بيانه.]] في المعنى، فاحتمل [[في (ب): (فاحتمله ما يحتمله) وهو تحريف.]] ما يحتمله اليوم والليلة، والعام إذا قيل: آتيك غدًا وفي غد) [[في "معاني الفراء" 1/ 375: (آتيك غدًا أو آتيك في غد). وضعف أبو حيان في "البحر" 4/ 275، والسمين في "الدر" 5/ 266 - 268، النصب على إسقاط الخافض لأن حذف حرف الجر لا ينقاس في مثل هذا ، ولا يطرد حذفه، بل هو مخصوص بالضرورة. وقالا: (والأولى أن يضمن (لأقعدن) معنى ما يتعدى بنفسه فينتصب الصراط على أنه مفعول به، والتقدير: لألزمن بقعودي صراطك المستقيم) اهـ.]]. ومعنى ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ كما ذكره أبو بكر فيما حكينا [[سبق تخريجه عن ابن الأنباري]] عنه، قال ابن عباس في تفسير ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (يريد: دينك الواضح) [["تنوير المقباس" 2/ 84، وذكره ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 195 عن ابن عباس.]]. وقال ابن مسعود: (هو كتاب الله) [[ذكره ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 195، وفي أكثر كتب التفسير عن ابن == مسعود قال: (طريق مكة). انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 206، وابن الجوزي 3/ 176، و"الدر المنثور" 3/ 135.]]. وقال جابر بن عبد الله: (هو الإسلام) [[ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 176، وابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 195، وما ذكر تنبيه على بعض أنواع الصراط، والظاهر هو العموم، فالصراط: الطريق وسبيل النجاة، وذلك دين الله الحق، والإسلام وشرائعه، وهو اختيار عامة المفسرين. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 134، 135، و"معاني النحاس " 3/ 16، و"تفسير السمرقندي" 1/ 533، و"البغوي" 3/ 218، و"ابن عطية" 5/ 446.]].

الأعراف 7:17

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، قال ابن عباس في رواية الوالبي: (﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني آخرتهم، يقول: أشككهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أرغبهم في دنياهم) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 136، وابن أبي حاتم 5/ 1444 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 136.]]. وهو قول قتادة، قال: (آتيهم ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن ﴿خَلْفِهِمْ﴾ من أمر الدنيا فزيَّنها لهم ودعاهم إليها) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 136 بسند جيد.، وابن أبي حاتم 5/ 1444 بسند جيد عن قتادة عن الحسن وقال: (وروى عن عكرمة نحو ذلك) اهـ.]]، ونحو هذا قال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 84، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 225 بسند جيد عن الكلبي، وذكره السمرقندي 1/ 533، والثعلبي 188 ب.]]، وهؤلاء جعلوا الآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها فهي بين أيديهم، وإذا كانت الآخرة بين أيديهم كانت الدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها [[ذكر نحوه النحاس في "معانيه" 3/ 18.]]. وقال الحكم [[الحكم بن عتيبة الكندي أبو محمد الكوفي، إمام ثقة فقيه، تقدمت ترجمته، والأثر عنه، أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 136، 137 بسند جيد، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1445 وقال: (روي عن مجاهد والنخعي والحكم وأبي صالح والسدي) اهـ. وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 16 - 17، والثعلبي في "الكشف" ص 188/ ب.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 137 بسند جيد وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 533، والثعلبي 188 ب.]]: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ (يعني الدنيا ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، من قبل الآخرة). وهو قول ابن عباس في رواية العوفي، قال: (أما ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فمن قبل دنياهم، وأما ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [[لفظ: (من) ساقط من (أ).]] فأمر آخرتهم) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 136، 137 بسند جيد عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وأخرجه الطبري أيضًا، وابن أبي حاتم 5/ 1444 بسند ضعيف من طريق عطية العوفي، وذكر النحاس في "معانيه" 3/ 17 - 18 كلا الروايتين من طريق علي بن أبي طلحة وقال: (وذلك القول لا يمتنع؛ لأن الآخرة لم تأت بعد فهي بين أيدينا وهي تكون بعد موتنا فمن هذه الجهة يقال: هي خلفنا) اهـ.]]. فهؤلاء جعلوا (بين أيديهم) الدنيا؛ لأنها بين يدي الإنسان يسعى فيها ويعمل لها والآخرة تأتي [[في (ب): (يأتي).]] من بعد. وقوله تعالى: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾، قال الوالبي عن ابن عباس ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: (أُشَبِّه عليهم أمر دينهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ أُشَهِّي [[في (ب): (اشتهى)، والمشهور: (اشَهَّي) وقد سبق تخريجه.]] لهم المعاصي). وقال في رواية عطاء: (﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ يريد: من قبل الحق، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ يريد: من قبل الباطل) [[لي أقف عليه بهذا اللفظ عن ابن عباس. وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 176 عن مجاهد والسدي.]]. وهو قول الحكم [[سبق تخريجه عن الحكم والسدي.]] والسدي، قالا: (﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من قبل الحق؛ أصدهم [[في (ب): (اصدقهم)، وهو تحريف.]] عنه وأشككهم فيه، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ من قبل الباطل أخففه [[في (ب): (أحققه)، وهو خلاف ما في المصادر.]] عليهم، وأزينه لهم، وأرغبهم فيه). وقال [[أي ابن عباس من طريق عطية العوفي. وقد سبق تخريجه. وأيضًا أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 136 بسند جيد عن علي بن أبي طلحة.]] في رواية العوفي: (أما ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ فمن قبل حسناتهم، وأمما ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ فمن قبل سيئاتهم). وهو قول قتادة، قال: (﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من قبل حسناتهم بَطَّأَهم عنها ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله) [[سبق تخريجه، وذكر النحاس في "معانيه" 3/ 16 - 18 نحوه عن الحكم بن عتيبة. وقال: (هذا قول حسن وشرطه أن معنى ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ من دنياهم حتى يكذبوا بما فيها من الآيات وأخبار والأمم السالفة ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من آخرتهم حتى يكذبوا بها، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من حسناتهم وأمور دينهم، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: 28] ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ يعني: سيئاتهم أي: يتبعون الشهوات لأنه يزينها لهم) اهـ.]]. قال أبو بكر: (وقولُ من قال: (الأيمان كناية عن الحسنات، والشمائل كناية عن السيئات) حسنٌ؛ لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك، ولا تجعلني في شمالك، يريد اجعلني من المقدمين عندك، ولا تجعلني من المؤخرين، أنشدنا أبو العباس [[أبو العباس: أحمد بن يحيى الإِمام ثعلب. تقدمت ترجمته.]] لابن الدمينة [[ابن الدُّمَيْنْةَ: هو عبد الله بن عبيد الله بن أحمد الخَثْعَمي، أبو السَّريّ، شاعر إسلامي، له شعر كثير، والدمينة أمه، توفي سنة 130 هـ. انظر: "الشعر والشعراء" ص 489، و"الأغاني" 17/ 98، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 425، و"الأعلام" 4/ 102.]]: أَبِيِنى [["ديوانه" ص 17، و"أمالي الزجاجي" ص 108، و"الأغاني" 17/ 96، و"دلائل الإعجاز" للجرجاني ص 90، و"بدائع التفسير" 2/ 197، وبلا نسبة في الماوردي 4/ 297، و"وضح البرهان" للغزنوي 2/ 431، وهو في "الصناعتين" ص 355 لطرفة ابن العبد وليس في "ديوانه"، وفي (ب): (أتيني) وهو خلاف ما في المراجع.]] أفِي يُمْنَى يَدَيْكِ جَعلْتِنى ... فَأَفْرَحَ أَمْ صَيَّرْتِني في شِمالِكِ) [["شرح القصائد" لابن الأنباري ص 411.]] وروى أبو عبيد عن الأصمعي [[في "الغريب المصنف" 1/ 318 قال أبو عبيد: (الشمائل واحدها شمال، وقد تكون من الأخلاف ومن خلفه الجسد)، وفي "اللسان" 8/ 4969 (يمن)، (اليَمين المنزلة، قال الأصمعي: هو عندنا باليمين أي: بمنزلة حسنة) اهـ. وذكره عن أبي عبيد عن الأصمعي، ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 197.]]: (هو عندنا باليمين أي: بمنزلة حسنة، وإذا خست منزلته قال: أنت عندي [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1929، وصاحب "اللسان" 4/ 2329 (شمل) عن العرب.]] بالشمال وقال: رَأَيْتُ بَنِي العَلَّاتِ لَمّا تَضَافَرُوا ... يَحُوزون سَهْمِي دُونَهْم فيِ الشَّمَائِل [[لم أهتد إلى قائله. وهو في "تهذيب اللغة" 2/ 1931، و"اللسان" 4/ 2329 (شمل) ، و"الدر المصون" 2/ 270 ، و"بدائع التفسير" 2/ 197، وبنو العلات == -بالفتح- بنو أمهات شتى من رجل واحد لأن الذي تزوجها على أولى قد كانت قبلها ناهل ثم عل من هذه، انظر: "اللسان" 5/ 3080 (علل).]] أي: ينزلونني بالمنزلة الخسيسة) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 41، عن الأنباري.]]، وروى الأزهري في هذه الآية عن بعضهم: (﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: لأغوينهم حتى يكذبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ بأمر البعث، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ أي: لأضلنهم فيما يعملون؛ لأن الكسب يقال فيه: (ذلك بما كسبت يداك) وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئًا؛ لأن اليدين هما الأصل في التصرف، فجعلت مثلًا لجميع ما عمل بغيرهما) [["تهذيب اللغة" 4/ 3985. وذكره عن البعض الزجاج في "معانيه" 2/ 325، وصاحب "اللسان" 8/ 4969 (يمن).]]. وقال ابن الأنباري: (على هذا القول: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ أي: أزهدهم فيما ينبغي أن يعملوا له مما يكسبهم ثواب ربهم، قال: والعرب تذكر (الأيمان) و (الأيدي) عند العمل والفعل فيقول: جنت عليه يده، وكسبت يده، فلما كان ذكر الأيدي مستعملًا في الأفعال والأعمال اكتفى الله تعالى بها من الأفعال) [[لم أقف عليه. وانظر: "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 356، ص 379.]]، وقال آخرون: (ذكر الله تعالى هذه الوجوه للمبالغة في التوكيد، أي: ثم لآتينهم من جميع الجهات)، وهو اختيار أبي إسحاق؛ قال: (الحقيقة -والله أعلم- أي: أنصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم) [["معاني الزجاج" 2/ 324، وهذا هو اختيار جمهور المفسرين منهم الطبري في "تفسيره" 8/ 137، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 603، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 447، وقال القرطبي 7/ 176: (ومن أحسن ما قيل في تأويل الآية؛ == أي: لأصدنهم عن الحق وأرغبنهم في الدنيا وأشككهم في الآخرة وهذا غاية في الضلالة) فالراجح في الآية أنه يأتيهم حقيقة من جميع الوجوه الممكنة من حيث لا يبصرون، ومن جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه والشر يحسنه لهم، وانظر: "تأويل المشكل" ص 248، و"تفسير ابن كثير" 2/ 229.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: [أن] [[لفظ: (أن) ساقط من (ب).]] أكثرهم لإبليس طائعين، ولله عاصين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 164، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 138، وابن أبي حاتم 5/ 1446 بسند جيد عن ابن عباس قال: (موحدين)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 136.]].

الأعراف 7:18

قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا﴾، قال الكلبي: (من الجنة) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 533، والثعلبي 188 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 164، والبغوي في "تفسيره" 3/ 219.]] ﴿مَذْءُومًا﴾؛ قال الليث: (ذَأَمت الرجل فهو مذؤوم أي: محقور، والذَّأم: الاحتقار) [["العين" 8/ 203، وذكره عن الليث. الرازي في "تفسيره" 14/ 43، وأبو حيان في "البحر" 4/ 265، والسمين في "الدر" 5/ 271.]]. ونحو ذلك قال الأصمعي [["تهذيب اللغة" 2/ 1264، وفيه: (ذأمته، ودأمته: إذا حقرته وخزيته) اهـ. وفي 14/ 416، قال: (والذَّام: العيب) اهـ.]] وأبو زيد: (ذَأَمْته أذَأَمه إذا حقرته وذَمَمْته) [["النوادر" ص 97، و"تهذيب اللغة" 2/ 1264.]]، وقال أحمد بن يحيى: (ذَأَمته عِبْتُه) [["تهذيب اللغة" 2/ 1264، وفيه زاد: (وذأمته أكثر من ذممته) اهـ.]]. وقال الفراء: (ذَأَمته ذأمًا فأنا أذأمه إذا عبته) [["الزاهر" لابن الأنباري 2/ 3، و"زاد المسير" 3/ 178، ولم أقف عليه في "معانيه".]]. وقال ابن الأنباري: (المذؤوم المذموم، يقال: ذَأَمْت الرجل أَذْأَمُه وذِمْتُه أَذِيمُة ذَيْمًا وذَمَمْتُه أَذُمُّه ذَمًّا بمعنى) [["الزاهر" لابن الأنباري 2/ 3، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 295، و"غريب اليزيدي" ص 144، والخلاصة: أن مذءوم اسم مفعول من ذَأمه مهموز إذا عابه واحتقره ودحره وذمَّه ذأمًا، وقد تسهل همزة ذأم فتصير ألفًا فيقال: ذام. يقال: ذأمه يذأمه -كرأم- وذامه يذيمه كباعه من غير همز، فمصدر المهموز ذأم -كَرأْس-، وأما مصدر غير المهموز فسمع فيه ذام بألف، وحكى فيه ذَيْمًا كيَنْع، أفاده السمين في "الدر" 5/ 271. وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 324، و"الجمهرة" 2/ 1097، و"الصحاح" 5/ 1925، و"مقاييس اللغة" 2/ 368، و"المجمل" 2/ 364، و"الأفعال" للمعافري 3/ 603 - 604، و"المفردات" ص 331، و"اللسان" 3/ 1482 (ذأم).]] وأنشد [[الشاهد لحسان بن ثابت -رضي الله عنه- في "ديوانه" ص 226 برواية: لم يُوَلُّوا حَتَّى أُبِيدُوا جَميعًا ... في مَقَامِ وكلُّهمِ مَذْمُومُ وهو في "الزاهر" 2/ 3، و"زاد المسير" 3/ 178، و"الدر المصون" 5/ 271، وأبيروا -أي: أهلكوا- انظر: "اللسان" 1/ 385 (بور). وذكره ابن هشام في "السيرة" 2/ 124 ضمن قصيدة طويلة يذكر فيها عدة أصحاب اللواء يوم أحد.]]: وأقاموا حتى أبيرَوا جميعًا ... في مَقامٍ وكلُّهم مَذْؤُومُ وقال أمية في اللغة الثانية: وقالَ لإبليسَ ربُّ العبادِ ... [أن] [[لفظ: (أن) ساقط من النسخ.]] اخُرجْ دحيرًا لعينًا مذُوما [[الشاهد في "ديوان أمية بن أبي الصلت الثقفي" ص 235، و"تفسير الثعلبي" 188 ب، والرازي 14/ 44، و"الدر المصون" 5/ 272، وقال السمين: (أنشده الواحدي على لغة ذامه بالألف، يذيمه بالياء، وليته جعله محتملًا للتخفيف من لغة الهمز) اهـ.]] وقال ابن قتيبة: (﴿مَذْءُومًا﴾ [مذمومًا] [[لفظ: (مذمومًا) ساقط من (ب).]] بأبلغ الذم) [["تفسير غريب القرآن" ص 176، ونحوه ذكر أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 211، والطبري في "تفسيره" 8/ 138، ومكي في "تفسير المشكل" ص 83.]]. وقوله: ﴿مَدْحُورًا﴾؛ الدحر في اللغة [[انظر: "العين" 3/ 177، و"الجمهرة" 1/ 501، و"تهذيب اللغة" 2/ 1153، و"الصحاح" 2/ 655، و"المجمل" 2/ 347، و"مقاييس اللغة" 2/ 331، و"المفردات" ص 308، و"اللسان" 3/ 1333 (دحر).]]: الطرد والإقصاء والتبعيد يقال: دَحَره دَحْرًا ودُحورًا إذا طرده وبعده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا﴾ [الصافات:8 - 9]، وقال أمية: وبإذنه سجدوا لآدمَ كلهمْ ... إلا لعينًا خاطئًا مَدْحورًا [["ديوان أمية بن أبي الصلت الثقفي" ص 235، و"تفسير الرازي" 14/ 44، و"الدر المصون" 5/ 272.]] وأما لفظ المفسرين في تفسير هذين الحرفين، فقال ابن عباس: (﴿مَذْءُومًا﴾ ممقوتًا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 139، وابن أبي حاتم 5/ 1446 بسند جيد.]]، وروى عطية عنه: (﴿مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ يعني: صغيرًا مقيتًا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 139، وابن أبي حاتم 5/ 1447 بسند ضعيف.]]. وقال في رواية عطاء: (يريد: صاغرًا ملعونًا) [[لم أقف عليه، وانظر: "تفسير الماوردي" 2/ 208، والبغوي 3/ 219.]]، وكل واحد منهم أتى بلفظ قريب المعنى مما ذكره أهل اللغة. وقوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾، اللام فيه لام القسم، وجوابه قوله [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 295، والزجاج 2/ 325، و"تفسير الطبري" == 8/ 139، و"إعراب النحاس" 1/ 103، وفي هذه اللام وجهان: أظهرهما قول الجمهور أن اللام توطئه لقسم محذوف، و (من) شرطية في محل رفع بالابتداء ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جواب القسم المدلول عليه بلام التوطئة، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده والثاني: أن اللام للابتداء، و (من) موصولة و ﴿تَبِعَكَ﴾ صلتها، وهي أيضًا في محل رفع بالابتداء، و ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جواب قسم محذوف، وهو وجوابه في محل رفع خبرًا لهذا المبتدأ والتقدير: للذي تبعك منهم، والله لأملأن جهنم منكم. انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 450، و"التبيان" 1/ 370، و"الفريد" 2/ 279، و"الدر المصون" 5/ 273.]]: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ [[في النسخ: ﴿مِنْهُمْ﴾. ويحتمل أنه يريد: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ﴾.]]. قال أبو بكر: (الكناية تعود على ولد آدم لأنه حين قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: 11] كان مخاطبًا لولد آدم فرجع إليهم) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 178، والرازي في "تفسيره" 14/ 44.]]. قال ابن عباس: (يريد: من أطاعك منهم ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: يريد: المشركين والمنافقين والكافرين وقرنائهم من الشياطين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 165، وفي "تنوير المقباس" 2/ 84 نحوه.]].

الأعراف 7:19

قوله تعالى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [[لفظ: ﴿الجَنَّةَ﴾ ساقط من (ب).]]، الآية مفسرة في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" البقرة: 35.]].

الأعراف 7:20

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾، قال ابن الأنباري: (يمكن أن يكون هذا مخاطبة من إبليس لهما، ويمكن أن يكون بوسوسة أوقعه في قلوبهما، والأمران مرويان إلا أن الأغلب والأكثر مخاطبته إياهما بدليل قوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 47 بدون نسبة.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ تقديره: (إلا أن لا تكونا) عند الكوفيين، وعند البصريين (إلا كراهية أن تكونا) فحذف المضاف [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 296، و"تفسير الطبري" 8/ 140، و"إعراب النحاس" 1/ 604، و"المشكل" 1/ 284، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 279، والسمين في "الدر" 5/ 287: (قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا﴾ استثناء مفرغ وهو مفعول من أجله فقدره البصريون: إلا كراهة أن تكونا، وقدره الكوفيون: إلا أن لا تكونا، وإضمار الاسم أحسن من إضمار الحرف) اهـ. ملخصًا.]]. فإن قيل: كيف أطمع إبليس لعنه الله آدم في أن يكون ملكًا عند أكله من الشجرة، فانقاد له مؤملًا ذلك، وقد شاهد الملائكة متواضعة ساجدة له، معترفة بفضله؟ فيقال: إن آدم علم أن الملائكة لا يموتون إلا يوم القيامة، ولم يعلم ذلك لنفسه، فعرض عليه إبليس أن يصير ملكًا في البقاء ولا يموت كما لا يموتون [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 219، والرازي 14/ 47، والقرطبي 7/ 178.]]، وكان [[في (ب): (فكان).]] ابن عباس يقرأ: ﴿مَلَكَيْنِ﴾ [[قراءة الجمهور ﴿مَلَكَيْنِ﴾ -بفتح اللام بمعنى ملكين من الملائكة- وقرأ ابن عباس وغيره ﴿مَلَكَيْنِ﴾ -بكسر اللام-، بمعنى ملكين من الملوك، وهي قراءة شاذة. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 140، و"إعراب النحاس" 1/ 604، و"مختصر الشواذ" ص 48.]]، ويقول: (ما طمعا في أن يكونا ملَكين، لكنهما استشرفا [[في (ب): (استسرفا).]] إلى أن يكونا مَلِكين، وإنما أتاهما الملعون من جهة المُلك، يدل على هذا قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 47، والقرطبي 7/ 178 - 179.]] [طه: 120]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: لا يموتان) [["تنوير المقباس" 2/ 85.]].

الأعراف 7:21

قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾. قال ابن عباس: (حلف لهما) [["تنوير المقباس" 2/ 85، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 166.]]. يقال: أَقْسم [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2961، و"الصحاح" 5/ 2010، و"مجمل اللغة" 3/ 752، و"المفردات" ص 670، و"اللسان" 6/ 3630 (قسم).]] يقسم إقسامًا إذ حلف، والقَسَم اليمين، وكذلك قاسم وهو من المفاعلة التي تكون من واحد [[قال البغوي في "تفسيره" 3/ 219: (أي: وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي تختص بالواحد) اهـ. وقال القرطبي في "تفسيره" 7/ 179: (وجاء فاعلت من واحد، وهو يرد على من == قال: إن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين) اهـ. وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 72، وابن عطية 5/ 459، و"البحر المحيط" 4/ 279، و"الدر المصون" 5/ 279.]]. قال خالد بن زهير [[خالد بن زهير الهذلي، شاعر أموي، مشهور، جرت بينه وبين خاله أبي ذؤيب الهذلي أشعار وخصومة. انظر: "الشعر والشعراء" ص 435، و"شرح أشعار الهذلين" للسكري 1/ 207، و"الخزانة" للبغدادي 5/ 76.]]: وَقَاسَمهُمَا بالله جَهْدًا لأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذاَ مَا نَشُورُهَا [["شرح ديوان الهذليين" 1/ 215، و"تفسير الطبري" 8/ 141، و"تهذيب اللغة" 2/ 1726 (سلا)، و"تفسير ابن عطية" 5/ 459، و"اللسان" 4/ 2086 (سلا)، و"البحر المحيط" 4/ 279، و"الدر المصون" 5/ 279، والسَّلْوى هنا العسل، والشور أخذ العسل من الخلية، أفاده السكري والأزهري.]] قال قتادة: (حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 141، وابن أبي حاتم 5/ 1451 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 139.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، قال قتادة: (قال لهما إبليس: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما) [[هذا تابع للأثر السابق الذي سبق تخريجه.]]. قال أبو علي: (الجار في قوله ﴿لَكُمَا﴾ يتعلق بما بعدها، لأن التقدير إني لمن الناصحين لكما) [["الحجة" لأبي علي الفارسي 4/ 343 - 344، وزاد فيه: (يتعلق بما يدل عليه النصح المظهر، وإن لم يسلط عليه والتقدير: إني ناصح لكما من الناصحين) اهـ. وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 604، و"المشكل" 1/ 285، و"الدر المصون" 5/ 279.]] وشرح هذا وبيانه مذكور في سورة هود [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 32 أ.]] عند قوله ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [[لفظ: ﴿بِهِ عِلْمٌ﴾ ساقط من (ب).]] [هود: 46].

الأعراف 7:22

قوله تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ الآية، معنى التدلية [[انظر: "العين" 8/ 69، و"الجمهرة" 2/ 682، و"الصحاح" 6/ 2339، و"المفردات" ص 317 (دلو).]] في اللغة: التعليق، يقال: دلى فلان الشيء في مهواة، وتدلى ذلك الشيء بنفسه. قال أبو عبيدة: (دلاهما: خذلاهما وخلاهما من تدلية الدلو، وهو إرسالها في البئر) [[ذكر الثعلبي في "الكشف" 188ب، ولم أقف عليه في "مجاز القرآن".]]. وقال أبو إسحاق: (دلاهما في المعصية [[في (ب): (دلاهما في المعصية غرهما بأن غرهما)، وهو تحريف.]] بأن غرهما) [["معاني الزجاج" 2/ 327. انظر: "معاني النحاس" 3/ 21.]]. وذكر أبو منصور الأزهري -رحمه الله- لهذه الكلمة أصلين: أحدهما: قال: (أصله الرجل العطشان يدلي في البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء، فيكون مدلس فيها بالغرور، فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعًا، فيقال: دلاه إذا أطمعه [[في (ب): (إذا أطعمه)، وفي (أ): (إذا طعمه)، وهو تحريف.]] ومنه قول أبي جندب [[أبو جُنْدَب بن مُرَّة بن قرد الهذلي، شاعر جاهلي، وهو أحد عشر إخوة كانوا جميعًا شعراء دهاة. انظر: "الشعر والشعراء" ص 440، و"شرح ديوان الهذليين" 1/ 345، و"الأغاني" 22/ 221، 228، 230.]] الهذلي: أَحُصُّ فلا أجِيرُ وَمنْ أجِرْةُ ... فَلَيْسَ كَمَنْ يُدَلَّى بالغُرُورِ [["شرح ديوان الهذليين" 1/ 355، و"اللسان" 3/ 1418 (دلا)، و"الدر المصون" 5/ 281، وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1214 في شرح البيت: (أحص: أمنع، وقيل: أقطع ذلك، وقوله: كمن يدلي أي: يُطمع) اهـ.]] أحص: أقطع. والثاني: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾، أي جرأهما [[في (أ): (أي أخبرهما)، وهو تحريف.]] إبليس على أكل الشجرة بغروره [[في (ب): (بغرور).]] [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] الأصل فيه [[في (ب): (فيهما).]] دَلَّلهمَا من الدَّالّ [[في (ب): (من الدلال)، وهو تحريف.]] والدَّالَّة: وهي الجرأة) [["تهذيب اللغة" 2/ 1214.]]. قال شمر: (يقال: ما دَلَّك علي، أي: ما جَرَّأك علي) [["تهذيب اللغة" 2/ 1221.]]، وأنشد لقيس بن زهير [[قَيْس بن زُهَيْر بن جَذيِمة العَبْسي، شاعر جاهلي، وفارس عبس وسيدها، ومعدود في الأمراء والدهاة والشجعان والخطباء والشعراء، وهو صاحب الفرسين داحس والغبراء، وكان شريفًا، حازمًا ذا رأي، يضرب بدهائه المثل. انظر: "معجم المرزباني" ص 178، و"الإصابة" 3/ 282 ، و"الأعلام" 5/ 206.]]: أظُنُّ الحِلْمَ دَلَّ عليَّ قْومِي ... وقد يسْتَجْهَلُ الرجلُ الحَليمُ [[الشاهد في "تهذيب اللغة" 2/ 1221، و"اللسان" 3/ 1413 (دليل) ، و"الدر المصون" 5/ 281، وقال المرزباني في "معجمه" ص 178 في شرح البيت: (ليس قوله: وقد يستجهل الرجل الحليم بمعنى ينسب إلى الجهل، وإنما هو بمعنى == يستخرج الجهل من الحليم، يريد أن حلمه جرأ عليه قومه فتوعدهم بقوله: وقد يستدعى الجهل من الحليم) اهـ.]] قال محمد بن حبيب [[محمد بن حبيب بن أمية بن عمرو الهاشمي -مولاهم- أبو جعفر البغدادي، علامة بالإنساب والأخبار واللغة والشعر، له عدة مصنفات منها المحبر، والمؤتلف والمخلف في النسب، والمنمق، وغيرها، توفي سنة 245 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 2/ 277، و"إنباه الرواة" 3/ 119، و"معجم الأدباء" 18/ 112، و"البغية" 1/ 73، و"الأعلام" 6/ 78.]]: (معناه: جَرَّأهم) [["تهذيب اللغة" 2/ 1221، وفيه: (دل على قومي أي: جرأهم) اهـ.]]. قال ابن عباس: (يريد: غرهما باليمين، وكان آدم يظن أنه لا أحد يحلف بالله كاذبًا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 167، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 180، والرازي 14/ 49، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 534، والبغوي 3/ 219، و"بدائع التفسير" 2/ 201.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾، قال ابن عباس: (يريد: ظهرت عورتهما وتقلص ذلك النور عنهما، فصار أظفارًا [[في (ب): (أظفرًا).]] في الأيدي والأرجل) [[أخرجه الطبري 8/ 143 بسند ضعيف عنه نحوه، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 139، وأخرج الحاكم في "المستدرك" 2/ 319، عن ابن عباس قال: (كان لباس آدم وحواء مثل الظفر، فلما ذاقا الشجرة، جعلا يخصفان عليهما من روق الجنة، قال: وهو ورق التين) اهـ. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) اهـ. ووافقه الذهبي في "التلخيص".]]. قال وهب [[وهب بن مُنبه بن كامل اليماني، تقدمت ترجمته.]]: (كان على فرج آدم نور يحول بينه وبين النظر إليه فلا [[في (ب): (ولا يبصره).]] يبصره، فلما عصى بدت عورته) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 143، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 231، وقال: (رواه ابن جرير بسند صحيح إليه).]]. وقال قتادة: (كان لباس آدم وحواء في الجنة ظفرًا [[قال ابن الأثير في "النهاية" 3/ 158: (وفي الحديث: "كان لباس آدم عليه السلام الظُّفُر" بتشديد الظاء والضم، أي شيء يشبه الظُّفُر في بياضه وصفائه وكثافته) اهـ. انظر "اللسان" 5/ 2750 (ظفر).]] كله، فلما واقعا الذنب كُشِط [[الكشط: القلع والنزع والكشف. انظر: "اللسان" 7/ 3883 (كشط).]] عنهما، وبدت سوءاتهما فاستحيا وطفقا يخصفان الورق عليهما) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 143 بسند ضعيف. وذكره الثعلبي في "الكشف" 188 ب، والبغوي في "تفسيره" 3/ 220.]]. وقال الكلبي: (فلما أكلا منها تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كل واحد منهما عورة صاحبه فاستحيا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 167، والبغوي في "تفسيره" 3/ 220.]]. وقوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، قال الليث: (طَفِق بمعنى علق يفعل كذا، وهو يجمع ظل وبات) [["تهذيب اللغة" 3/ 2200، وفيه: (وهو يجمع معنى ظل وبات) اهـ. وانظر: "العين" 5/ 106، و"الجمهرة" 2/ 915، و"الصحاح" 4/ 1517، و"مقاييس اللغة" 3/ 413، و"المفردات" ص 521، و"اللسان" 5/ 2681 (طفق).]]. وقال الزجاج: (معنى طلق: أخذ في الفعل) [["معاني القرآن" 2/ 327، ونحوه ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 22.]]. وقال ابن قتيبة ﴿وَطَفِقَا﴾ أي: علقا وأقبلا، يقال: طفِقْت أفعل كذا) [["تفسير غريب القرآن" ص 176، وفيه (أي: جعلا وأقبلا ...). ونحوه ذكر الطبري في "تفسيره" 8/ 142، ومكي في "تفسير المشكل" ص 84.]]. وقوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أي: يطبقان [[الخصف، بفتح فسكون: الجمع والضم، وكل ما طورق بعضه على بعض، فقد خُصِف. انظر: "الجمهرة" 1/ 604، و"الصحاح" 4/ 1350، و"المجمل" 2/ 290، و"المفردات" ص 284 (خصف).]] على أبدانهما الورق. وقال الزجاج: (معنى ﴿يَخْصِفَانِ﴾: يجعلان ورقة على ورقة، ومنه قيل للذي يرقع النعل: خَصَّاف وهو يخصِفُ) [["معاني القرآن" 2/ 327، ونحوه في "مجاز القرآن" 1/ 212، و"غريب اليزيدي" ص 144، و"تفسير الغريب" لابن قتيبة ص 166، و"تفسير الطبري" 8/ 142، و"نزهة القلوب" ص 311، و"معاني النحاس" 3/ 22، و"تفسير المشكل" لمكي ص 84.]] والمِخْصَفُ مِثقَبُ ذلك، ومنه قول الهذلي [[هو عامر بن الحليس الهُذلي أبو كَبير، تقدمت ترجمته.]]: ..... رَوْثَةُ أنْفِها كالمِخْصَفِ [["شرح ديوان الهذليين" 3/ 1089، و"تهذيب اللغة" 1/ 1039، و"مقاييس اللغة" 2/ 186، و"اللسان" 2/ 1174 (خصف)، و"الدر المصون" 5/ 283، وهو يصف العقاب وتمامه: حَتَّى انْتَهَيْتُ إلى فِرَاشِ عَزِيزِةٍ ... سَوْدَاءَ ................. وفراش العزيزة يعني: عش العقاب، والروثة: طرف الأنف، المنقار. والمخصف هو: الذي تخصف به أخفاف الإبل يريد أن منقارها حديد دقيق كأنه مِخْصَفُ.]] وقال الليث: (خصف العريان على نفسه إذا أخذ ورقًا عريضًا يخصف بعضه على بعض يستتر به) [["تهذيب اللغة" 1/ 1040، وانظر: "العين" 4/ 189، وفيهما: (الاختِصَاف أن يأخذ العريان ورقًا عراضًا فَيَخْصِفُ بعضها على بعض ويستتر بها) اهـ.]]. وقال الأزهري: (﴿يَخْصِفَانِ﴾ أي: يطابقان بعض الورق على بعض. كما يخصف طرائق النعل بعضها على بعض) [["تهذيب اللغة" 1/ 1039، وقوله: (كما يخصف النعل ..) لا يوجد فيه، وانظر: " الزاهر" 1/ 376.]]. ومنه قول العباس يمدح رسول الله ﷺ: ...... طِبْتَ في الظّلال وفي ... مُسْتَودَع حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ [[تمامه: (مَنْ قَبْلها طبت ..) وهو في "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة ص 88، و"أمالي الزجاجي" ص 44، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 231، و"تهذيب اللغة" 1/ 1039، و"أمالي ابن الشجري" 3/ 114، و"اللسان" 2/ 1174 (خصف)، و"الدر المصون" 5/ 283.]] يعني: في الجنة حيث خصف آدم وحواء الورق. قال مجاهد: (﴿يَخْصِفَانِ﴾ يرقعان كهيئة الثوب) [["تفسير مجاهد" 1/ 233، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 142، وابن أبي حاتم 5/ 1452 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 140.]]. وقال الكلبي: (يخرزان بعضه إلى بعض) [[في "تنوير المقباس" 2/ 85 نحوه.]]. وقال قتادة: (أقبلا وجعلا يرقعان ويصلان عليهما من ورق الجنة، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 167، والبغوي في "تفسيره" 3/ 220، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1453 بسند جيد عن قتادة قال: (يوصلان عليهما من ورق الجنة) اهـ.]]. قال أبو إسحاق: (وفي هذا دليل على أن أمر التكشف وإظهار السوءة قبيح من لدن آدم، ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى التستر لقبح التكشف) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 327 - 328، ومثله ذكر السمرقندي في "تفسيره" 1/ 534، وابن الجوزي 3/ 180، والقرطبي 7/ 181.]]. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:22]. قال عطاء: (بلغني أن الله ناداهما أفرارًا مني يا آدم؟ قال: بل حياء منك يا رب، ما ظننت أن أحدًا يقسم باسمك كاذبًا، ثم ناداه ربه: أما خلقتك بيدي، أما نفخت فيك من روحي، أما أسجدت لك ملائكتي، أما أسكنتك جنتي في جواري، اخرج من جواري، فإنه لا يجاورني من عصاني) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 167، والرازي في "تفسيره" 14/ 49.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، قال ابن عباس: (بين العداوة حيث أبى السجود وقال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 167، والرازي في "تفسيره" 14/ 50.]] [الأعراف: 16].

الأعراف 7:25

وقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الأرض أرض الدنيا) [["تنوير المقباس" 2/ 86.]]، والكناية عائدة إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأعراف: 24]، قال الكلبي: (في الأرض تعيشون، وفي الأرض قبوركم، ومن الأرض تخرجون من قبوركم للبعث) [["تنوير المقباس" 2/ 86، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 168.]].

الأعراف 7:26

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ الآية. قال سعيد بن جبير: (﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ يعني: خلقنا لكم) [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 184. وانظر: "تفسير الرازي" 14/ 51، و"البحر المحيط" 4/ 282.]]. قال أبو علي: (﴿أَنْزَلْنَا﴾ هنا كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: 25]. وكقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: 6] أي: خلق) [["الحجة" لأبي علي 4/ 12.]]. وقال صاحب النظم: (هذا من باب التدريج [[ذكر نحوه مكي في "المشكل" 1/ 286، والماوردي 2/ 213، وابن عطية 5/ 470، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في "الفتاوى" 12/ 254 - 257: (قد تبين أنه ليس في القرآن ولا في السنة لفظ نزول إلا وفيه معنى النزول المعروف، وهذا هو اللائق بالقرآن، فإنه نزل بلغة العرب ولا تعرف العرب نزولًا إلا بهذا المعنى ولو أريد غير هذا المعنى لكان خطابًا بغير لغتها، ومما يبين هذا أنه لم يستعمل فيما خلق من السفليات، وإنما استعمل فيما يخلق في محل عال، وأنزله الله من ذلك المحل كالحديد والأنعام، وقد قيل فيه: خلقناه، وقيل: أنزلنا أسبابه، وقيل: ألهمناهم كيفية صنعته، وهذا الأقوال ضعيفة، واللباس والرياش ينزل من ظهور الأنعام، وكسوة الأنعام منزلة من الأصلاب والبطون، فهو منزل من الجهتين، فإنه على ظهور الأنعام لا ينتفع به حتى ينزل) اهـ. ملخصًا.]] والترقي، وذلك أن الله تعالى أنزل المطر، فأنبت به النبات، فاتخذ الناس من النبات اللباس، فأوقع الإنزال على اللباس، لما كان بسبب [[في (ب): (لما كان لسبب مما ينزل).]] ما يُنزل وهو المطر) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 168 - 169.]]. قال ابن عباس: ([و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] ذلك أن أهل مكة كانوا يطوفون حول البيت عراة، فقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [[ذكره أكثر أهل التفسير بدون نسبة. انظر: "تفسير الثعلبي" 189 أ، والماوردي 2/ 213، والبغوي 3/ 221، وابن عطية 5/ 470، وسيأتي مزيد بيان له في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].]] يريد: يستر عوراتكم)، ونحو هذا قال مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 223، وأخرجه الطبري 8/ 146، 147، وابن أبي حاتم 5/ 1456 من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 140.]]. وقال الكلبي: (يعني: الثياب التي تستر العورة من العُري، وذلك لما ذكر من عُري آدم وحواء منّ علينا باللباس) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 168، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 181 بدون نسبة.]]. وقوله تعالى: ﴿وَرِيشًا﴾، وقرئ: ﴿وَرِياشًا﴾ [[قرأ الجمهور (السبعة): ﴿وَرِيشًا﴾ بإسكان الياء من غير ألف، وقرأ جماعة منهم: عثمان وعلي وابن عباس والحسن، وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما: ﴿ورياشا﴾ بفتح الياء وألف بعدها، وهو إما جمع ريش، أو مصدر راش ريشًا ورياشًا. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 147، و"إعراب النحاس" 1/ 606، و"معاني القراءات" 1/ 402، و"إعراب القراءات" 1/ 178، و"مختصر الشواذ" ص 48، و"التذكرة" 2/ 417، و"تفسير ابن عطية" 5/ 471، و"البحر المحيط" 4/ 282، و"الدر المصون" 5/ 287.]]. قال ابن السكيت. (قالت بنو كلاب [[بنو كلاب: بطن من عامر بن صعصعة، كانت ديارهم في جهات المدينة ثم انتقلوا إلى الشام. انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 365.]]: الرياش هو الأثاث من المتاع ما كان من لباس أو حشو من فراش أو وثار [[الوِثَار، بالفتح والكسر: الفراش الوطيء. انظر: "اللسان" 8/ 4763 (وثر)، وجاء في (أ): (أو دثار)؛ والدثار، بفتح الدال المشددة: ما يتدثر به والثوب الذي == يستدفأ به فوق الشَّعار. انظر: "اللسان" 3/ 1326 (دثر)، والنص في "تهذيب اللغة" 2/ 1147. وانظر: "إصلاح المنطق" ص30، وذكر مثله ابن جني في "المحتسب" 1/ 246 عن أبي الحسن الأخفش.]]، والريش من الأموال، وقد يكون في الثياب [[في (ب): (النبات)، وهو تصحيف.]] دون المال، وإنه لحسن الريش أي: الثياب). وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (كل شيء يعيش [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ب).]] الإنسان من متاع أو مال ومأكول فهو ريش ورياش) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 51، وفي "مجالس ثعلب" 1/ 35، قال: (الريش والرياش: اللباس الحسن) اهـ. وفي "تهذيب اللغة" 2/ 1318، عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (راش فلان صديقه يريشه ريشًا: إذا جمع الرَّيش وهو المال والأثاث) اهـ.]] قال ابن الأنباري: (يقال: هما المال، ويقال: هما المعاش) [[انظر: "الزاهر" 1/ 250 - 251، وفيه قال: (الرياش في قول جماعة من المفسرين: المال، وكذلك الريش، والرياش: المعاش، ويقال: الرياش ما ستر الإنسان وواراه، وقد تريش الرجل معناه: قد صار إلى معاش ومال) اهـ. ملخصًا.]]. وقال أبو عبيدة: (الريش [[في "مجاز القرآن" 1/ 213: (الرياش والريش واحد وهو ..). وأيضًا قال: (والرياش أيضًا الخصب والمعاش) اهـ. ومثله ذكر السجستاني في "نزهة القلوب" ص 251.]] ما ظهر من اللباس والشارة [[الشارة: الحُسن والهيئة واللباس، وما يلبس من عمامة ونحوهما. انظر: "اللسان" 4/ 2357 (شور).]]، قال: ويقال: أعطاه رجلاً بريشه يراد: بكسوته [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] جهازه). وقال رؤبة: إِلَيكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ ... وَجَهد أَعْوَامٍ نَتَفْنَ ريِشي [["ديوانه" ص 78، وقد تقدم تخريجه.]] أي: ذهبن بخصبي وجدتي. وقال الفراء: (يجوز أن يكون الرياش جمع الريش، ويجوز أن [[في "معاني الفراء" 1/ 375، قال: (وإن شئت جعلت الرياش مصدرًا في معنى الريش) اهـ.]] يكون بمعنى الريش كما قرأ: لِبْس ولباس) [[ذكر نحوه الطبري في "تفسيره" 8/ 147، وابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 178، وابن جني في "المحتسب" 1/ 246، والريش اسم لهذا الشيء المعروف، أو مصدر راشه يريشه ريشًا إذا جعل فيه الرَّيش. قال السمين في "الدر" 5/ 287: (ينبغي أن يكون الريش مشتركًا بين المصدر والعين، وهذا هو التحقيق) اهـ.]]. وقال الزجاج: (الرياش: اللباس، والريش: كل ما ستر الرجل في معيشته، يقال: تريش فلان أي: صار له ما يعيش به) [["معاني الزجاج" 2/ 328.]]. وأنشد [[الشاهد لجرير في "ديوانه" ص 410، وللراعي النميري، أيضًا في "ديوانه" ص 243، و"الكتاب" 3/ 187، وبلا نسبة في: "الزاهر" 1/ 250، و"معاني النحاس" 3/ 23، و"الماوردي" 2/ 214، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 375، و"ابن الجوزي" 3/ 182، و"القرطبي" 7/ 184، و"رصف المباني" ص 394، و"اللسان" 7/ 4234 (معع)، و"الدر المصون" 5/ 287، واللمَّام: الشيء اليسير، انظر: "لسان العرب" 7/ 4079 (لمم).]]: فَرِيشي [[في (ب): (وريشي) بالواو وهي كذلك في "ديوان جرير"، والراعي وبعض المراجع، وفي هامش نسخة (أ): (وهواي فيكم بدل معكم)، وهو كذلك في "ديوان جرير".]] مِنْكُمُ وَهَواىَ مَعْكُمْ ... وإنْ كَانَتْ زِيَارَتُكُمْ لِمَامَا وقال عبد الله بن مسلم: (الريش والرياش: ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله به) [["تفسير غريب القرآن" ص 176، ونحوه ذكر اليزيدي في "غريب القرآن" ص 145، ومكي في "تفسير المشكل" ص 84.]] هذا قول أهل اللغة [[انظر: "العين" 2/ 283، و"الجمهرة" 2/ 736، و"الصحاح" 3/ 1008، و"مقاييس اللغة" 2/ 466، و"المجمل" 2/ 409، و"المفردات" ص 372، و"اللسان" 3/ 1792 (ريش). وقال النحاس في "معانيه" 3/ 23: (الريش عند أكثر أهل اللغة ما ستر من لباس أو معيشة) اهـ. وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 182: (على قول الأكثرين الريش والرياش بمعنى) اهـ. وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 12/ 255: (الصحيح أن الريش هو الأثاث والمتاع) اهـ.]]. فأما المفسرون فقال ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148 بسند جيد، وهو في "تنوير المقباس" 2/ 86، و"مسائل نافع بن الأزرق" ص 87، وذكر البخاري في "صحيحه" 5/ 195، عن ابن عباس قال: (﴿ورياشا﴾: المال) وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1457 بسند جيد. وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 148، وابن أبي حاتم 5/ 1457 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (الرياش: اللباس والعيش والنعيم) اهـ. انظر: "الدر المنثور" 3/ 141، ولعله يقصد باللباس هنا لباس الزينة والجمال؛ لأن اللباس الضروري لستر العورة ذكر في الآية قبل ذلك، وهذا لا يختلف مع تفسير الريش بالمال، لأنه هو وسيلة الحصول على لباس الزينة والعيش النعيم.]] ومجاهد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148 بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 23، وفي تفسير مجاهد 1/ 233 (الرياش المال) اهـ.]] والضحاك [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148 بسند ضعيف، بلفظ: (رياشا)، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1457 عن مجاهد والضحاك.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148 بسند جيد بلفظ: (رياشًا) وذكره الثعلبي في "تفسيره" 189 أ، والبغوي 3/ 222، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي == والسدي، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148 بسند ضعيف عن عروة بن الزبير، وقال سفيان الثوري في "تفسيره" ص 112: (الريش: المال، والرياش: الثياب) اهـ، وذكر هود الهواري في "تفسيره" 2/ 12 عن الحسن أنه قال: (الريش: المال والمتاع) اهـ.]]: (﴿وَرِيشًا﴾ يعني: مالًا). وقال الكلبي: (المعيشة والمال) [["تنوير المقباس" 2/ 86.]]. وقال ابن زيد: (الريش: الجمال) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 148، وابن أبي حاتم 5/ 1457 بسند جيد، ولفظ ابن أبي حاتم: (الرياش).]]، وهو قول زيد [[زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين المدني، إمام زاهد فقيه، فصيح، ثقة، وهو الذي ينسب إليه الزيدية، خرج في خلافة هشام بن عبد الملك فقتل بالكوفة سنة 122 هـ، وكان مولده سنة ثمانين من الهجرة. انظر: "وفيات الأعيان" 5/ 122، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 389، و "تهذيب التهذيب" 1/ 668، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 6/ 17، و"الأعلام" 3/ 59.]] بن علي قال: (اللباس هذا الذي يلبسون ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾، والريش والرياش: الذي يتجملون به من الثياب) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1456 بسند ضعيف. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 141، وفي "تفسير غريب القرآن" لزيد بن علي ص 139، قال: (الريش والرياش: ما ظهر من اللباس، والرياش أيضًا: المعاش والخِصْب) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ قُرئ [[قرأ نافع وابن عامر والكسائي ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ بنصب ﴿وَلِبَاسُ﴾ وقرأ الباقون بالرفع. انظر: "السبعة" ص 280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 417، و"التيسير" ص 109، و"النشر" 2/ 268.]] بالنصب والرفع، فمن نصب فعلى أنه حمل على أنزل من قوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ على هذا مبتدأ وخبره ﴿خَيْرٌ﴾، ومن رفع قطع اللباس من الأول واستأنف به فجعله مبتدأ، وقوله ﴿ذَلِكَ﴾ على هذا صفة [[وأكثرهم على أنه صفة، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 375، والطبري في "تفسيره" 8/ 150، والأزهري في "معاني القراءات" 1/ 403، وابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 178، و"الحجة" ص 154. وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 606: (أولى ما قيل في النصب أنه معطوف، و ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، وأولى ما قيل في الرفع أن ترفعه بالابتداء و ﴿ذَلِكَ﴾ نعته) اهـ.]]، أو بدل أو عطف بيان، ومن، قال إن (ذلك [[نقل قول الواحدي السمين في "الدر" 5/ 288، وقال: (قوله: (لغو) هو قريب من القول بالفصل؛ لأن الفصل لا محل له من الإعراب على قول الجمهور) اهـ، والذي قال هو فصل الحوفي كما ذكره أبو حيان في "البحر" 4/ 283، والرماني كما ذكره الهمداني في "الفريد" 2/ 286. وقال ابن هشام في "الإعراب عن قواعد الإعراب" ص 108 - 109: (وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة وبعضهم يسميه مؤكدًا وبعضهم يسميه لَغْوا ولكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب) اهـ.]]) لغو لم يكن على قوله دلالة؛ لأنه يجوز أن يكون علي أحد ما ذكرنا، و ﴿خَيْرٌ﴾ خبر اللباس [[هذا نص كلام أبي علي في "الحجة" 4/ 12 - 13، واختيار أبي حيان في "البحر" 4/ 283، والسمين في "الدر" 5/ 288، أن يكون ﴿وَلِبَاسُ﴾ مبتدأ، و ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿خَيْرٌ﴾ خبر الثاني، والجملة خبر الأول، والرابط هنا اسم الإشارة. قال السمين: (وهذا الوجه هو أوجه الأعاريب في هذه الآية الكريمة) اهـ، وانظر: "وضح البرهان" للغزنوي 1/ 357.]]، ومعنى قولنا: صفة أن ﴿ذَلِكَ﴾ أشير به إلى اللباس كأنه قيل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ المشار إليه ﴿خَيْرٌ﴾ [وقولنا: يجوز أن يكون بدلاً أو عطف بيان؛ لأن المعنى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ خير] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب). وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 472.]] وكذلك [[في (أ): (ولذلك).]] هو في قراءة عبد الله [[قرأ عبد الله بن مسعود وأبى -رضي الله عنهما-: (ولباس التقوى خير). ذكره == الفراء في "معانيه" 1/ 375، وابن خالويه في "إعراب القراءات" 1/ 178، و"مختصر الشواذ" ص 48، وذكرها النحاس في "معانيه" 3/ 24 عن الأعمش.]]، ثم جعل ﴿ذَلِكَ﴾ مترجمًا عنه وبيانًا له، وهذا كله معنى قول الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 328، وفيه ﴿ذَلِكَ﴾ صفة.]] وأبي علي [["الحجة" 4/ 12 - 13، وانظر "الحجة" لابن زنجلة ص280.]] وابن الأنباري [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 288 - 289، ونحوه ذكر مكي في "الكشف" 1/ 461، وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 652.]]. وأما معنى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد. إن ستر عوراتكم بعضكم من بعض من التقوى فلا تطوفوا عراة) [[لم أقف عليه.]] وهو قول ابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 150، وابن أبي حاتم 5/ 1458 بسند جيد.]] واختيار الزجاج. [قال ابن زيد: (هو ستر العورة؛ يتقي الله فيواري عورته)، وقال الزجاج: (أي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وستر العورة (لباس المتقين) على أن يكون (لباس التقوى) مرفوعاً بإضمار (هو)، المعنى: وهو ﴿لِبَاسُ التَّقْوَى﴾ أي: اللباس الذي أنزل الله تعالى ليواري سوءاتكم هو ﴿لِبَاسُ التَّقْوَى﴾) [["معاني القرآن" 2/ 329.]] وهذا وجه آخر [[وعليه يكون ﴿وَلِبَاسُ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: هو، وقوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ جملة أخرى من مبتدأ وخبر، وقدره النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 606، ومكي في "المشكل" 1/ 286، وستر العورة لباس المتقين، وانظر: "البيان" 1/ 358 ، و"التبيان" 1/ 371، و"الفريد" 2/ 286، و"الدر المصون" 5/ 288.]] في رفع اللباس سوى ما ذكرنا، قال أبو بكر: (وعلى هذا، ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ هو اللباس الأول، وإنما أعاده الله لما أخبر عنه بأنه خير من التعري إذ كان جماعة من أهل الجاهلية يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت، فجرى هذا في التنكير مجرى قول القائل: (قد عرَّفتُك الصدقَ وأبوابَ [[في (ب): (واثواب).]] البر، والصدقُ خير لك من غيره) فيعيد الصدق لإخباره عنه بالخبر المحدد) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 169، والبغوي 3/ 222، وابن الجوزي 3/ 183، وقال القرطبي 7/ 185، وأبو حيان في "البحر" 4/ 283: (قال ابن زيد: هو ستر العورة، وهذا فيه تكرار؛ لأنه قد قال: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾) اهـ.]]. وقال قتادة [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 149 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 141.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 149 بسند جيد.]] وابن جريج [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 149 بسند جيد، وذكره الثعلبي في "الكشف" 189 أ، والماوردي في "تفسيره" 2/ 214، والبغوي 3/ 222، عن قتادة والسدي، وذكره ابن الجوزي 3/ 183 عن قتادة والسدي وابن جريج.]] [(﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: الإيمان). وقال ابن عباس في رواية عطية، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: العمل الصالح) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 149، وابن أبي حاتم 5/ 1457 بسند ضعيف.]]، وهو قول سعيد بن جبير [[لم أقف عليه، وفي "الوسيط" للمؤلف 1/ 170 عن سعيد بن جبير قال: (السمت الحسن)، وجاء في أصل نسخة: (أ) سعيد بن جريج، ثم ضرب عليه وصحح إلى ابن جبير.]]، وروى الذيال [[الذيال بن عمرو، تابعي روى عنه محمد بن موسى، وعبد الله بن داود الواسطي، وذكر ابن الأثير في "الكامل" 4/ 339 في حوادث سنة 71 هـ الذيال الكلبي، ولم أجد له سوى ما ذكرت. انظر: "تهذيب الكمال" 4/ 468، وتعليق الشيخ أحمد شاكر الملحق في "تفسير الطبري" 12/ 589 (7).]] بن عمرو عنه [[أي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- كما هو ظاهر رواية الطبري في "تفسيره" 8/ 149، وذكره الثعلبي في "الكشف" ص 189، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 183، وابن كثير 2/ 323.]] قال: (هو السمت الحسن). وقال الكلبي: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: العفاف والتوحيد؛ لأن المؤمن لا تبدو له عورة، وإن كان عاريًا من الثياب، والفاجر لا يزال تبدو [[في (أ): (يبدوا).]] له عورة وإن كان كاسيًا) [[في "تنوير المقباس" 2/ 86، قال: (التوحيد والعفة)، وذكر الواحدي في "الوسيط" 1/ 170، والبغوي في "تفسيره" 3/ 222، وابن الجوزي 3/ 183 عنه قال: (العفاف).]]. وقال معبد [[معبد الجهني، يقال: هو معبد بن خالد، أو معبد بن عبد الله، نزيل البصرة، تابعي، صدوق مبتدع، وهو أول من أظهر القدر بالبصرة، وقد نهى جماعة من التابعين عن مجالسته وقالوا عنه: هو ضال مضل، قتل سنة 80 هـ، انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 185، و"البداية والنهاية" 9/ 34، و"تهذيب التهذيب" 4/ 115.]]: (هو الحياء) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 149، وابن أبي حاتم 5/ 1458 من عدة طرق جيدة، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 250، والسيوطي في "الدر" 3/ 142.]]، وينشد على هذا [[الشاهد لسَوَّار بن مُضَرَّب في "النوادر" لأبي زيد ص 45، و"الحماسة" لأبي تمام 2/ 138، وبلا نسبة في "غريب القرآن" ص177، و"تفسير السمرقندي" 1/ 536، والثعلبي ص 189/ أ، وابن الجوزي 3/ 183.]]: إني كأنّي أرَى مَنْ لاَ حَيَاءَ لَهُ ... وَلاَ أَمَانَةَ بين النَّاسِ [[في المصادر السابقة (وسط الناس) بدل (بين الناس).]] عُرْيانا قال أبو علي: (معنى الآية وتأويله: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب له إلى الله مما خلق له من اللباس والرياش الذي يتجمل به، قال: وأضيف اللباس إلى ﴿التَّقْوَى﴾، كما أضيف إلى الجوع في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ [النحل: 112] [["الحجة" لأبي علي 4/ 13.]] والمعنى: ما ظهر عليهم من السكينة والإخبات [[هذا نص كلام ابن قتيبة في "تأويل المشكل" ص 165، والأحسن في معنى الآية العموم، فكل ما يحصل به الاتقاء المشروع فهو من لباس التقوى، وهو يصدق على كل ما فيه تقوى الله فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال، فهي كلها مثل ومن لباس التقوى، وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 151، وابن عطية 7/ 39 - 40، والقرطبي 7/ 185، وأبو حيان 4/ 283.]] والعمل الصالح، فاستعير لذلك اسم اللباس، وهذا معنى قول ابن عباس: (﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: أزكى عند الله) [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، قال الكلبي: (يعني: اللباس والرياش ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾) [[لم أقف عليه.]]. قال ابن عباس: (يريد: من فرائض الله) [[لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 87: (﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ من عجائب الله) اهـ.]]، يعني: إن ستر العورة مما أوجبه الله بآياته [[انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 182.]]. وقال غيره: (أي: إنزاله اللباس وخلقه إياه مما يدل على توحيده) [[ذكر نحوه مقاتل في "تفسيره" 2/ 33، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 151، والسمرقندي 1/ 536.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: كي [[في (ب): (كي يتعطفوا) وهو تحريف.]] يتعظوا) [["تنوير المقباس" 2/ 87.]].

الأعراف 7:27

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾، قال ابن عباس: (يريد: لا يخدعنكم)، وعنه أيضًا: (لا يضلنكم) [[ذكرهما الواحدي في "الوسيط" 1/ 170.]]. وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾، المعنى: كما فتن أبويكم، لكنه ذكر معنى فتنة الأبوين وهو إخراجهما من الجنة دون لفظ الفتنة. وقوله تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾، أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك لأنه كان بسبب منه فأسند إليه، كما تقول: أنت فعلت هذا لمن حصل منه ذلك الفعل بسبب وإن لم يباشره، كذلك لما كان نزع لباسهما بوسوسة الشيطان وغروره أُسند إليه [[انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 476، وابن الجوزي 3/ 184.]]. وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾، قال ابن عباس: (يرى آدم سوءة حواء، وترى حواء سوءة آدم) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 53، وفي "تنوير المقباس" 2/ 87 نحوه.]] واللام في ﴿لِيُرِيَهُمَا﴾ لام المصير [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 607.]] كما ذكرنا في قوله: ﴿لِيُبْدِىَ لَهُمَا﴾ [الأعراف:20]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ يعني: إبليس ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ أعاد الكناية ليحسن العطف [[ذكر قول الواحدي السمين في "الدر" 5/ 292، وقال: (لا حاجة إلى التأكيد في مثل هذه الصورة لصحة العطف إذ الفاصل هنا موجود، وهو كاف في صحة العطف، فليس نظير ﴿اُسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾) اهـ.]] كقوله ﴿اُسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة:35] وقد مضت هذه المسألة [[انظر: "البسيط" البقرة: 35.]] في مواضع. وأما القبيل فقال أبو عبيد عن أبي زيد: (القَبِيل [["تهذيب اللغة" 3/ 2876، وانظر: "الجمهرة" 1/ 372، و"المنجد" لكراع ص 303، و"الصحاح" 5/ 1797، و"المجمل" 2/ 741 (قبل).]] الجماعة يكونون من الثلاثة فصاعدًا من قوم شتى، وجمعه: قُبُل، والقبيلة: بنو أب واحد) [[قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" 5/ 53، وابن منظور في "اللسان" 6/ 3519 (قبل): (وربما كان القبيل من أب واحد كالقبيلة) اهـ. وقال الراغب في "المفردات" ص 654: (القبيل جمع قبيلة، وهي الجماعة المجتمعة التي يقبل بعضها على بعض) اهـ.]]. وقال ابن قتيبة: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾: أصحابه وجنده) [["تفسير غريب القرآن" ص 177، ونحوه قال مقاتل في "تفسيره" 2/ 33، والنحاس في "معانيه" 3/ 24، وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 213، والبخاري في "صحيحه" 5/ 195: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ جيله الذي هو منه) اهـ، ونحوه ذكر السجستاني في "نزهة القلوب" ص 366.]]، وقال الليث: (﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ أي: هو ومن كان من نسله) [["تهذيب اللغة" 3/ 2876، وانظر: "العين" 5/ 167.]]، [وكذا قال المفسرون، قال ابن عباس: (هو وولده) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 170، والبغوي في "تفسيره" 3/ 223، و"الخازن" 2/ 221.]]، وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 153، وابن أبي حاتم 5/ 1460 بسند جيد.]]: (نسله)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وقال قطرب: (جموعه) [[لم أقف عليه.]] وقال المبرد: (أشياعه) [[لم أقف عليه، وقال اليزيدي في "غريب القرآن" ص 145: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ شيعته وأمته) اهـ. وقال الماوردي في "تفسيره" 2/ 215: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ قومه وهو قول الجمهور) اهـ. والمعاني متقاربة، والأظهر ولده ونسله وجنده. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 153، والسمرقندي 1/ 536، والبغوي 3/ 223، وابن عطية 5/ 441.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾، قال أبو إسحاق: (ما بعد ﴿حَيْثُ﴾ صلة لها ، وليست بمضاف إليه) [["معاني القرآن" 2/ 329، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 607، 608.]]. قال أبو علي: (هذا غير مستقيم، ولا يجوز أن يكون ما بعد ﴿حَيْثُ﴾ صلة لها ، لأنه إذا كان صلة له وجب أن يكون للموصول فيه ذكر كما أن في سائر صلات الموصولة [[في "الإغفال" ص 765 (الموصولات).]] ذكرًا من الموصول، فخلو هذه الجملة المتصلة بـ (حيث) من ذكر يعود منها إلى (حيث) دلالة على أنها ليست بصلة، وإذا لم تكن صلة كانت إضافة. فإن قيل: نقدر العائد في هذا كما نقدر في غيره من الصلات، كما تقول: الذي ضربت زيد تريد ضربته، كذلك تقدر العائد في قولك: رأيتك حيث قام زيد. كأنك قلت: حيث زيد قائمه، أي قائم فيه، وحيث قام عمرو [[في "الإغفال" ص 767: (حيث زيد قائم، وحيث قام عمرو كأنه قال: حيث زيد قائمه أي: قام فيه، وحيث قامه عمرو أي: قام فيه ...) اهـ.]] أي قامه عمرو أي قام فيه، ثم اتسع فحذف الحرف فوصل الفعل، ثم حذف الراجع على هذا الحد، قيل: لو كان هكذا [لكان] [[لفظ: (لكان) ساقط من (أ).]] مستعملًا في كلامهم؛ ألا ترى أن جميع الموصولات إذا وقع في صلاتها حذف واتساع فإن ذلك الأصل الذي عنه وقع الحذف والاتساع مطرد في كلامهم [مستعمل] [[لفظ. (مستعمل) ساقط من (أ).]]، فلو كان الأصل في هذا أيضًا ما ذكرته لوجب أن يستعمل الأصل، فتركهم لذلك يدلك على أنه ليس بموصول، على أنا لم نعلم أحدًا قال في (حيث) الذي قاله) [[هذا بعض ما ذكره أبو علي في "الإغفال" ص 764 - 768، وانظر: "غرائب == الكرماني" 1/ 401، وقال السمين في "الدر" 5/ 294: (أبو إسحاق لم يعتقد كونها موصولة بمعنى (الذي) لا يقول بذلك أحد، وإنما يزعم أنها ليست مضافة للجملة بعدها فصارت كالصلة لها أي الزيادة، وهو كلام متهافت، فالرد عليه من هذه الحيثية لا من حيثية اعتقاده لكونها موصولة، ويحتمل أن يكون مراده أن الجملة لما كانت من تمام معناها بمعنى أنها مفتقرة إليها كافتقار الموصول لصلته أطلق عليها هذه العبارة، ويدل على ما قلته أن مكيًا ذكر في علة بنائها فقال: (ولأن ما بعدها من تمامها كالصلة والموصول) إلا أنه يرى أنها مضافة لما بعدها) اهـ. وانظر: "المشكل" 1/ 287، و"البيان" 1/ 358 - 389.]]. فأما التفسير، فقال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾: (وذلك أن الله تعالى جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصم الله، كما قال: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: 5] فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 171، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 184، وقال الخازن 2/ 221، وصديق خان 4/ 326: (حكى الواحدي وابن الجوزي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال ذلك) وقد أخرج مسلم في "صحيحه" كتاب السلام، باب: بيان أنه يستحب لمن رئى خاليا بامرأة ... إلخ، حديث رقم (2175)، عن صفية بنت حُيَيَّ أن النبي ﷺ: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم" اهـ. وقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في "الفتاوى" 15/ 7: (الذي في القرآن أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس وهذا حق يقتضي أنهم يرون الإنس في حال لا يراهم الإنس فيها ، وليس فيه أنهم لا يراهم أحد من الإنس بحال؛ بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضًا لكن لا يرونهم في كل حال) اهـ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 477، والقرطبي 7/ 176، و"البحر المحيط" 4/ 284.]]. وقال مجاهد: (قال إبليس: جُعل لنا أربع: نرى، ولا نُرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 189 أ، والرازي في "تفسيره" 14/ 54، و"الخازن" 2/ 221، والسيوطي في "الدر" 3/ 142، وصديق خان في "تفسيره" 4/ 326.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال أبو إسحاق: (معنى هذا على ضربين: أحدهما: أن يكون الكفار عوقبوا بأن سلطت عليهم الشياطين تزيدهم في غيهم [[في "معاني الزجاج" 2/ 329 (تزيدهم في غيهم عقوبة على كفرهم ...).]]؛ كما قال: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية [مريم: 83]. والثاني: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: سوينا بين الشياطين وبين الكافرين في الذهاب عن الله عز وجل) [["معاني الزجاج" 2/ 329 - 330. وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 153، والسمرقندي 1/ 536، والبغوي 3/ 223، وابن عطية 5/ 477. قال الطبري: (يقول: جعلنا الشياطين نُصراء الكفار الذين لا يوحدون الله ولا يصدقون رسله) اهـ.]]. قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾، قال ابن عباس: (يريد: الشرك) [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وأكثر المفسرين ذكروه عن عطاء والحسن. ومنهم الماوردي 5/ 216، والواحدي في "الوسيط" 1/ 171، والبغوي 3/ 223، وابن الجوزي 3/ 185.]]. وقال مجاهد: (يعني: طوافهم بالبيت عُريا الرجال والنساء) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 154 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والسدي، وأخرجه عن ابن زيد ومحمد بن كعب القرظي، وهذا هو قول أكثر المفسرين. انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 537، والماوردي 2/ 216، والقرطبي 7/ 187.]]. وقال الزجاج: (الفاحشة: ما يشتد قبحه من الذنوب) [["معاني القرآن" 2/ 330، وهذا هو الظاهر فيدخل في العموم الشرك، وكشف العورة في الطواف، ويحمل ما ذكر على التمثيل. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 154، والبغوي 3/ 223، وابن عطية 5/ 477.]].

الأعراف 7:29

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾، قال ابن عباس: (بلا إله إلا الله) [["تنوير المقباس" 2/ 88، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 189 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 172، والبغوي 3/ 223، والرازي 14/ 57، والقرطبي 7/ 188، و"الخازن" 2/ 222.]]، ونحوه قال الضحاك (بالتوحيد) [[ذكره الثعلبي 189 أ، والواحدي 1/ 172، والبغوي 3/ 223.]]. وقال عطاء [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 57، وأبو حيان في "البحر" 4/ 287.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 155 بسند جيد عن مجاهد والسدي، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1462 بسند ضعيف عن ابن عباس، وقال: (روي عن مجاهد والسدي وقتادة مثل ذلك) وهو قول الطبري والزجاج في "معانيه" 2/ 330، والنحاس 3/ 25، والمعاني متقاربة، فالقسط العدل والحق والاستقامة فيحمل ما ذى على التمثيل. انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 478، وابن كثير 2/ 133.]]: (بالعدل). قال الزجاج: (هذا رد لقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ في الآية الأولى) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 330، و"الفتاوى" 15/ 8 - 9، و"بدائع التفسير" 2/ 203 - 204.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، قال أبو علي الجرجاني: (نسق الأمر على الخبر [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 296 - 297 عن الجرجاني صاحب النظم، وفيه: (نسق الأمر على الجر) بدل لفظ (الخبر)، والأمر ﴿وَأَقِيمُوا﴾ والجر ﴿بِالْقِسْطِ﴾.]]، وجاز ذلك لأن قوله ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي﴾ قول؛ لأن الأمر لا يكون إلا كلامًا، والكلام قول فكأنه قال: قل يقول ربي أقسطوا ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾) [[في "الدر المصون": (أقسطوا وأقيموا) يعني أنه عطف على المعنى) اهـ. واختار أبو حيان في "البحر" 4/ 287، والسمين في "الدر" 5/ 295 - 297، أنه معطوف على الأمر المقدر الذي ينحل إليه المصدر وهو ﴿بِالْقِسْطِ﴾ وذلك أن القسط == مصدر فهو ينحل لحرف مصدري وفعل والتقدير: قل أمر ربي بأن أقسطوا وأقيموا. وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 75، وابن عطية 5/ 478، والرازي 14/ 57، و"التبيان" ص 372، و"الفريد" 2/ 288.]] ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، أي: وجهوا وجوهكم [[في (ب): (وجهوا لوجوهكم)، وهو تحريف.]] حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة، قال [[في (ب): (قال)، وهو تحريف.]] مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 234. وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 155، وابن أبي حاتم 5/ 1462 من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 143.]] والسدي وابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 155 من عدة طرق جيدة عن السدي، وابن زيد، وذكره الثعلبي 189 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 185 عن مجاهد والسدي وابن زيد، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 33، والقرطبي 7/ 188.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: (صلوا لله وحده في كل مسجد) [[ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 185، والرازي 14/ 58، وأبو حيان في "البحر" 4/ 287.]]، وبيان هذا القول ما قاله الضحاك، وهو أنه قال: (إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه، ولا يقولن أحدكم: أصلي في مسجدي) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 189 أ، والبغوي 3/ 223، وابن الجوزي 3/ 185، و"الخازن" 2/ 222، وأبو حيان في "البحر" 4/ 287.]]. ونحو هذا قال الفراء؛ يقول [[هنا وقع اضطراب في ترتيب نسخة: (ب)، فتقدم تفسير بعض الآيات.]]: (إذا أدركتك الصلاة وأنت عند مسجد فصل فيه، ولا تقولن: آتي مسجد قومي) [["معاني الفراء" 2/ 376، وهو قول الكلبي كما ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 537، واختاره ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 177.]]. وقال أبو إسحاق: (أي [[في (أ): (أي في وقت).]]: وقت كل صلاة اقصدوه بصلاتكم) [["معاني الزجاج" 2/ 330، والظاهر أن المعنى: اقصدوا عبادته وحده وتوجهوا إليه في صلاتكم إلى القبلة في أي وقت ومسجد، وهو ظاهر كلام الطبري في "تفسيره" 8/ 155، وأخرجه بسند جيد عن الربيع بن أنس، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 479، وابن كثير 2/ 233، و"بدائع التفسير" 2/ 203 - 204، و"فتح البيان" لصديق خان 4/ 329.]] ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يريد: وحدوه ولا تشركوا به شيئًا [[قال الزجاج في "معانيه" 2/ 331: (أي: مخلصين له الطاعة) اهـ. والمعنى: اعبدوه وحده حال كونكم مخلصين العبادة والدعاء له لا لغيره، وهو ظاهر كلام الطبري في "تفسيره" 8/ 155، والسمرقندي 1/ 537، وصديق خان 4/ 329.]]. وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، قال ابن عباس: (إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] كافرًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: 2]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنًا وكافرًا، فيبعث المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 156، وابن أبي حاتم 5/ 1462 بسند جيد.]]، وهذا قول أكثر المفسرين [[ومنهم مجاهد في "تفسيره" 1/ 235، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 225 - 226 بسند جيد عن مجاهد والكلبي، وأخرجه الطبري 8/ 156، 157 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والسدي وأخرجه بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1463 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وأبي العالية، وذكره عن أبي رزين وإبراهيم النخعي وسعيد ابن جبير، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 34، وأخرجه الثوري في "تفسيره" ص 112 بسند جيد عن مجاهد.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 1/ 376.]]. قال عطاء: (يريد: من خلقه للجنة يعود في البعث إلى الجنة، ومن خلقه للنار يعود في البعث إلى النار) [[لم أقف عليه.]]. وقال القرظي [[القرظي: هو محمد بن كعب، إمام. تقدمت ترجمته.]]: (من ابتدأ الله خلقه على [[في (أ): (إلي).]] الشقوة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، [وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، وإن عمل بأعمال [أهل] [[لفظ: (أهل) ساقط من (أ).]] الشقاء؛ كإبليس والسحرة) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 157، وابن أبي حاتم 5/ 1463 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 144.]]. وقال الفراء: (يقول بدأكم [[في (ب): (كما بداكم).]] في الخلق شقيًا وسعيدًا، فكذلك تعودون على الشقاء والسعادة) [["معاني الفراء" 1/ 376.]]، وهذه أقوال معناها واحد. وقال الحسن ومجاهد: (كما بدأكم فخلقكم في الدنيا، ولم تكونوا شيئًا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 157 بسند جيد عن مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد، وأخرجه عن ابن عباس بسند ضعيف، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1463 بسند جيد عن السدي، وأخرجه عن ابن عباس بسند ضعيف.]]، وهذا المعنى اختيار الزجاج؛ لأنه قال: (ثم احتج عليهم بإنكارهم البعث فقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ أي: فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم) [["معاني القرآن" 2/ 331، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 158، 159، == والزمخشرى في "الكشاف" 2/ 75 - 76، والقرطبي 7/ 188 والظاهر الجمع بين القولين، وأن الآية إعلام بالبعث، أي: كما خلقكم يعيدكم بعد الموت على ما سبق لكم في علم الله تعالى من سعادة أو شقاوة، فمن سبق له العلم بأنه سعيد صار إلى السعادة، ومن سبق له العلم بأنه شقي صار إلى الشقاوة، والآيات الدالة على ذلك كثيرّةً جدَّا، ومنها قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف:30]. وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: 104] وغيرها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على النشأة الثانية بالأولى، وعلى المعاد بالمبدأ، فجاء باحتجاج في غاية الاختصار والبيان ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. وأخرج البخاري في "صحيحه" رقم (4625) في كتاب التفسير آخر تفسير سورة المائدة، ومسلم رقم (2860) كتاب الجنة ونعيمها، باب: متاع الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (خطب رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غُرلاً" ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]) اهـ. وأخرج مسلم رقم (2878) كتاب الجنة ونعيمها، باب: الأمر بحسن الظن. عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي -ﷺ- قال: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" اهـ قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 2/ 297 - 298: (في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير كل واحد منهما حق ويشهد له القرآن) اهـ. ثم حكى نحو ما ذكره الواحدي. وانظر: "معاني النحاس" 3/ 26، و"تفسير السمرقندي" 1/ 537، والماوردي 2/ 217، والبغوي 3/ 223 - 224، وابن عطية 5/ 479، وابن الجوزي 3/ 185 - 186، والرازي 14/ 58، و"بدائع التفسير" 2/ 204 - 206، و"البحر المحيط" 4/ 288.]]. قال ابن الأنباري: (موضع الكاف في ﴿كَمَا﴾ نصب بـ ﴿تَعُودُونَ﴾ وهو على مذهب العرب في تقديم مفعول الفعل [[لفظ: (الفعل) ساقط من (أ) وملحق بالهامش.]] عليه أي: تعودون كما ابتدأ خلقكم) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 297.]]. وقال أبو علي الفارسي: (قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، ليس معنى الكلام على الظاهر؛ لأن الظاهر (تعودون كالبدء) [[في (أ): (على البدء). وفي "الحجة" لأبي علي 5/ 263: (تعودون كالبدء).]]، وليس المعنى على تشبيههم بالبدء، إنما المعنى على إعادة الخلق كما ابتدئ فتقدير ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (كما بدأ خلقكم) أي: يعود خلقكم عودًا كبدئه [[في (ب): (عودًا لبدئه). وفي "الحجة" 5/ 263: (فتقدير ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ كما بدأ خلقكم يعود خلقكم أي: يعود خلقكم عودًا كبدئه) اهـ.]]، فكما أنه لم يُعْنَ بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه، [كذلك لم يعن بالعود من غير حذف المضاف الذي هو الخلق، فلما حذف قام المضاف إليه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] مقام الفاعل [فصار الفاعلون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] مخاطبين، كما أنه لما حذف المضاف من قوله: كما بدأ خلقكم صار المخاطبون مفعولين في اللفظ)، ومثل هذه الآية في المعنى قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: 104] [["الحجة" لأبي علي 5/ 263 وفيه: (فكما أنه لم يُعْنَ بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه منه، كذلك لا يعني بالعود من غير حذف المضاف إليه منه فَحُذِف المضافُ الذي هو الخلق فلما حذف قام المضاف إليه مقام الفاعل وصار الفاعلون مخاطبين كما أنه لما حُذف المضاف من قوله: (كما بدأ خلقكم) صار المخاطبون مفعولين في اللفظ ومثل ذلك في المعنى ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ والخلق هنا اسم الحدث لا الذي يراد به المخلوق) اهـ. وذكره السمين في "الدر" 5/ 297، وقال: (يعني: أن الأصل كما بدأ خلقكم يعود خلقكم فحذف الخلق في الموضعين فصار المخاطبون في الأول مفعولين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة، وفيِ الثاني صاروا فاعلين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة أيضًا، وقوله ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ الكاف في محل نصب نعتًا لمصدر محذوف تقديره: تعودون عودًا مثل ما بدأكم، وهذا أليق بلفظ الآية الكريمة) اهـ. وانظر: == "إعراب النحاس" 1/ 608، و"المشكل" 1/ 287، و"البيان" 1/ 359، و"التبيان" ص 372، و"الفريد" 2/ 288.]].

الأعراف 7:30

قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، قال أبو بكر: (نصب [[لفظ: (نصب) غير واضح في (أ).]] ﴿فَرِيقًا﴾، ﴿وَفَرِيقًا﴾ على الحال من الضمير الذي في ﴿تَعُودُونَ﴾، يريد: تعودون كما ابتدأ خلقكم مختلفين؛ بعضكم سعداء، وبعضكم أشقياء، فاتصل (فريق) وهو نكرة بالضمير الذي في ﴿تَعُودُونَ﴾، وهو معرفة فانقطع من لفظه، وعطف الثاني عليه، قال: ويجوز أن يكون الأول منصوبًا على الحال من الضمير، والثاني: منصوبًا بـ (حق عليهم الضلالة)؛ لأنه بمعنى: أضلهم كما يقول القائل: عبدًا لله أكرمته وزيدًا أحسنت إليه، فتنصب زيدًا بأحسنت إليه، بمعنى [[في (ب): (إذا كان بمعنى نفعته).]]: نفعته. وأنشد [[الشاهد لجرير في "ديوانه" ص 59، و"الكتاب" 1/ 101 - 102، و"مجاز القرآن" 2/ 175، و"الجمهرة" 1/ 290، و"الصحاح" 1/ 120 (خشب)، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 79 وبلا نسبة في "تأويل المشكل" ص 544، و"الدر المصون" 5/ 300، (وثعلبة ورياح) بنو يربوع بن حنظلة من تميم قوم جرير، (وعدلت): سويت، (وطهية، والخشاب)، بنو مالك بن حنظلة من تميم وطهية امرأة مالك، والخشاب أولاد مالك من غير طهية. انظر: "نهاية الأرب" ص 185 - 247، 296، والشاهد: ثعلبة الفوارس حيث نصب الاسم الواقع بعد همزة الاستفهام بفعل محذوف دل عليه (عدلت بهم) تقديره أهنت أو أظلمت.]]: أثَعْلَبَةَ الفَوَارِسِ أمْ [[في "الديوان" وأكثر المراجع: (أو) بدل: (أم). وانظر: "الخزانة" 11/ 69.]] رِياحًا ... عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشَابَا فنصب (ثعلبة) بعدلت بهم طهية، لأنه بمعنى: أهنتهم إذ [[في (أ): (إذا عدلت بهم).]] عدلت بهم من دونهم. وقال آخر: يا ليت ضيفَكُم الزبيرَ وجارَكم ... إيايَ لبَّس حبَله بحبالي [[لم أهتد إلى قائله، وهو في "الدر المصون" 5/ 300.]] فنصب (إياي) بقوله: لبَّس حبله بحبالي؛ إذ كان معناه خالطني وقصدني. قال: وفي قراءة أبي [[ذكرها أكثرهم. انظر: "معاني الفراء" 1/ 376، و"إعراب النحاس" 1/ 608، و"القطع والائتناف" للنحاس 1/ 250، و"المشكل" 1/ 288، و"تفسير ابن عطية" 5/ 480، و"البيان" 1/ 359، و"التبيان" ص 373، و"الفريد" 2/ 289، والقرطبي 7/ 188، و"البحر" 4/ 288، ونسب هذه القراءة الكرماني في "غرائبه" 1/ 401 إلى عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.]] (تعودون فريقين فريقًا [هدى وفريقًا حق] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] عليهم الضلالة) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 300، وهو في "الإيضاح" 2/ 653 - 654، و"زاد المسير" 3/ 186 مختصرًا.]]. قال الفراء: (وقد يكون الفريق الأول منصوبًا بوقوع (هدى) عليه، ويكون الثاني منصوبًا بما وقع على عائد ذكره من الفعل كقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾) [الإنسان: 31] [["معاني الفراء" 1/ 376، وقد ذكر هذه الأوجه كل المراجع السابقة وخلاصتها أن (فريقًا) الأول منصوب على أنه مفعول به مقدم لـ (هدى) أو حال من فاعل تعودون، و (فريقًا) الثاني منصوب بتقدير فعل دل عليه ما بعده أي: وأضل فريقا == أو حال من فاعل تعودون، وأكثرهم على أن الأول منصوب بهدى، والثاني بفعل مقدر. انظر: "الكتاب" 1/ 89، و"تفسير الطبري" 8/ 159، و"الدر المصون" 5/ 299 - 300.]]. فأما التفسير، فقال ابن عباس: (﴿فَرِيقًا﴾ أرشد إلى دينه وهم أولياؤه ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ يريد: أضلهم وهم أولياء الشيطان يخذلهم الله فصاروا أولياء لإبليس) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 173 - 174.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يدل كلام ابن عباس (على أنهم إنما فعلوا ذلك بخذلان الله إياهم). وقوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ما سن [[في النسخ: (ما بين)، ثم صحح في (أ) إلى (ما سن).]] لهم عمرو بن لحي) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 59، وقال: (هذا بعيد؛ بل هو محمول على عمومه). وهذا وأمثاله عن السلف -رضي الله عنهم- محمول على التمثيل وأنه داخل في المعنى.]]. قال أصحابنا: قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (يعني: بالكلمة الأزلية والإرادة [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 159، و"معاني الزجاج" 2/ 331، و"زاد المسير" 3/ 186، وقال القرطبي في "تفسيره" 7/ 188: (في هذه الآية رد واضح على القدرية ومن تابعهم) اهـ. وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 205 - 206: (أخبر الله سبحانه وتعالى عن القدر الذي هو نظام التوحيد فقال: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ فتضمنت الآية الإيمان بالقدر، والشرع، والمبدأ، والمعاد، والأمر بالعدل، والإخلاص، ثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدق هذا الخبر، ولم يطع هذا الأمر بأنه قد والى الشيطان دون ربه، وأنه على ضلال، وهو يحسب أنه على هدى. والله أعلم) اهـ.]] السابقة).

الأعراف 7:31

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال ابن عباس: (كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 159، 160، وابن أبي حاتم 5/ 1464 بسند جيد، وأخرج مسلم في "صحيحه" رقم (3028) كتاب التفسير، باب: في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾، والنسائي في "سننه" 5/ 233 - 334 كتاب مناسك الحج، وفي "التفسير" 1/ 496، والطبري 8/ 159، 160، وابن أبي حاتم 5/ 1464، والحاكم وصححه 2/ 319 - 320، والواحدي في "الوسيط" 1/ 174، وفي "أسباب النزول" ص 228، 229 من عدة طرق عن ابن عباس قال: (كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ فنزلت هذه الآية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، وعند الحاكم، فنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:32]، فلعل الآيتين نزلتا معًا لهذا السبب، والله أعلم. وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 160، وابن أبي حاتم 5/ 1464 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس مثله.]]. قال الكلبي [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 174، والبغوي 3/ 225، و"الخازن" 3/ 223.]]: (والزينة ما وارى العورة، ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لصلاة أو طواف). وقال مجاهد [[أخرجه الطبري 8/ 161، وابن أبي حاتم 3/ 143 أبسند جيد.]] وعطاء [[أخرجه الطبري 8/ 160، 161 من عدة طرق جيدة عن عطاء وسعيد بن جبير وطاوس وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة والضحاك وابن زيد قالوا: (كانوا يطوفون بالبيت عراة فأمروا أن يلبسوا الثياب). وقال الرازي في "تفسيره" 14/ 61: (أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة) اهـ. والظاهر حمل الآية على العموم، وهو ما يتجمل ويتزين به عند الصلاة، وستر العورة واجب مأمور به مطلقًا، وهذا ظاهر كلام الجمهور. قال ابن كثير في == "تفسيره" 2/ 235: (لهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة ولا سيما الجمعة ويوم العيد والطيب؛ لأنه من الزينة والسواك؛ لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس البياض) ونحوه قال ابن عطية 7/ 45، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 160، 161، والسمرقندي 1/ 538، و"أحكام القرآن" للكيا الهراسي 3/ 359، 360، ولابن العربي 2/ 779، والقرطبي 7/ 189، و"البحر المحيط" 4/ 290.]]: (ما يستر به عورته ولو عباءة). قال الفراء والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 223، والنص منه.]]: (كانت الجاهلية تطوف بالبيت عراة، ويقولون: لا نطوف في ثياب قد أذنبنا فيها، وكانت المرأة تطوف عريانة أيضًا إلا أنها كانت تلبس شيئًا من سيور مقطعة، تسمي ذلك العرب الرهط [[الرَّهْط، بفتح الراء وسكون الهاء: جلد يشق من أسفله أو جلد يشق سيورًا ليمكن المشي فيه يلبسه الصغار والحائض. انظر: "اللسان" 3/ 1753 (رهط).]]). قال الفراء (وهو شبيه بالحوف [[الحوف، بفتح الحاء وسكون الواو: هو الرهط السابق. انظر: "اللسان" 2/ 1053 (حوف)]] يواريها بعض المواراة، قالت امرأة تطوف وعليها رهط [["معاني الفراء" 1/ 377.]]: الْيَوَمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ [[البيت نسبه الفراء إلى العامرية، وهي ضباعة بنت عامر بن قرط العامرية، كما ذكره ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 777، والقرطبي 7/ 889، والذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" 2/ 284، وابن حجر في "الإصابة" 4/ 353 - 354، ونسبه ابن حجر في 4/ 232 إلى أسماء بنت مخربة بن جند التميمية.]] تعني: الفرج؛ لأن تلك السيور لا تستر سترًا تامًّا). قال أصحابنا [[قال الفقهاء: ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع، حكاه النووي في "المجموع" 3/ 366 وهي شرط لصحة الصلاة عند الجمهور الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 778، و"المغني" 2/ 283، و"روضة الطالبين" 1/ 388، و"الفتاوى" 22/ 109، و"نيل الأوطار" 2/ 73.]]. وهذه الآية دليل على وجوب ستر العورة للصلاة والطواف بالبيت، والطواف صلاة، قال رسول الله ﷺ: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام" [[الحديث أخرجه أحمد في "المسند" 3/ 414، 4/ 64، 5/ 377، والنسائي في "سننه" في كتاب المناسك، باب: إباحة الكلام في الطواف 5/ 222 عن الحسن ابن مسلم المكي عن طاوس عن رجل أدرك النبي ﷺ، وأخرجه الدارمي 2/ 1165 (1889) في كتاب المناسك: باب: الكلام في الطواف، والترمذي رقم (960) كتاب المناسك، باب: الكلام في الطواف، وابن خزيمة 4/ 222 (2739)، والبيهقي 5/ 85 من عدة طرق عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس عن النبي ﷺ، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 266 - 267 من طرق عن عطاء بن السائب، والقاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ. قال الحاكم: (حيث صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وقد روي الحديث مرفوعًا تارة وموقوفًا أخرى، ورجح جماعة وقفه كالترمذي وغيره، وقد صححه الألباني في الإرواء 1/ 154 - 158. واستقصى طرقه، ثم قال: (وبالجملة الحديث مرفوع صحيح، ووروده أحيانًا موقوفًا لا يعله) اهـ. وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 21/ 273 - 274، 26/ 126 - 193، 211: (لا يشترط للطواف شروط الصلاة، وهذا قول أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهذا القول هو الصواب، فإن المشترطين ليس معهم حجة إلا قوله ﷺ: "الطواف بالبيت صلاة" وهذا حديث يروى موقوفًا ومرفوعًا، وأهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفًا ويجعلونه من كلام ابن عباس لا يثبتون رفعه، وبكل حال فلا حجة فيه والأدلة الشرعية تدل على خلاف ذلك، والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلاً فإنه لم ينقل أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف ..) اهـ. ملخصًا.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، قال أكثر المفسرون: (كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا قوتًا، ولا يأكلون دسمًا، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل، فأنزل الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).]]: ﴿وَكُلُوا﴾ يعني: اللحم والدسم، ﴿وَاشْرَبُوا﴾) [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 162، والسمرقندي 1/ 538، والماوردي 2/ 218، وحكاه الواحدي في "أسباب النزول" ص 230 عن الكلبي.]]، وهذا القول اختيار الفراء [["معاني الفراء" 1/ 277.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ يريد: حلالًا) [[أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 162، وابن أبي حاتم 5/ 1465 بسند جيد عن ابن عباس قال: (أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفًا أو مَخِيلة).]]، وهذا القول اختيار الزجاج، وبينه فقال: (إنهم ادعوا [[في (ب): (إنهم دعو)، وهو تحريف.]] أن الله حرم عليهم شيئاً مما في بطون الأنعام، وحرم عليهم البحيرة والسائبة، وأمرهم الله عز وجل أن يأكلوا ما [[في (ب): (مما زعموا).]] زعموا أن الله حرمه مما لم يحرمه، وأن يشربوا مما زعموا أن الله حرمه؛ لأن ألبان البحيرة [والسائبة [[ما بين المعقوفين ساقط من أصل (أ)، وملحق بالهامش.]] كانت عندهم حرامًا) [["معاني الزجاج" 2/ 332 - 333.]]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [[الآية ساقطة من أصل (أ) وملحقة بالهامش.]] معناه على القول الأول: لا تسرفوا حتى يبلغ بكم ذلك تحريم ما أحللت [[في (أ): (ما أحلت)، وهو تحريف.]] لكم. أي: لا تسرفوا بحظركم على أنفسكم ما قد أحللته لكم، أي: من اللحم والدسم، وهذا معنى قول الفراء [["معاني الفراء" 1/ 337.]]. وقال الزجاج: (الإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله مما حرم الله عز وجل؛ أن يؤكل منه شيء، أو يأكل ما أحل الله فوق مقدار الحاجة، فأعلم الله أنه لا يحب من أسرف، ومن لم يحببه الله فهو في النار) [["معاني الزجاج" 2/ 333، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 162، والسمرقندي 1/ 538، والماوردي 2/ 218، والآية عامة في أكل وشرب ما أحله الله تعالى ورسوله ﷺ ونهى عن السرف مطلقًا ويدخل فيه من حلل حرامًا أو حرم حلال، وهذا قول عامة أهل العلم. انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 482، والرازي 14/ 62، والقرطبي 7/ 191 - 195، وابن كثير 2/ 236.]].

الأعراف 7:32

قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾. قال ابن عباس [[سبق تخريجه.]] والمفسرون [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 63، وقال: (المراد بالزينة اللباس الذي تستر به العورة، وهو قول ابن عباس وكثير من المفسرين) اهـ.]]: (يريد: اللباس يستر به العورة). قال أبو إسحاق: (أي: من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم) [["معاني القرآن" 2/ 333.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ أي: الحلالات من الرزق، يعني ما حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب، قاله ابن عباس [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 189 ب، والبغوي 3/ 225، وابن الجوزي 3/ 189 عن ابن عباس وقتادة، وذكره الماوردي 2/ 24 عن الحسن وقتادة.]]، وقتادة [[أخرجه الطبري 8/ 164، وابن أبي حاتم 5/ 1467 بسند جيد.]]. وقال الآخرون [[أخرجه الطبري 8/ 163 من عدة طرق جيدة عن السدي، وابن زيد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1467 من عدة طرق جيدة عن السدي، وسعيد بن جبير. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 150.]]: (يعني: ما كانوا يحرمونه على أنفسهم أيام حجهم من اللحم والدسم)، وهذا كالاختلاف في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: 31] في الآية الأولى [[والآية عامة في كل ما يتزين به من ملبوس أو غيره، وفي الطيبات من المآكل والمشارب التي أباحها الله تعالى ورسوله ﷺ وإنكار عام على كل من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله، ومنها ما فعله أهل الجاهلية. قال الطبري في "تفسيره" 8/ 163: (يقول الله تعالى ذكره لنبيه ﷺ قل لهؤلاء من حرم عليكم زينة الله التي خلقها لعباده؛ أن تتزينوا بها وتتجملوا بلباسها والحلال من رزق الله الذي رزقه خلقه لمطاعمهم ومشاربهم، وقد أجمعوا على أن الزينة ما قلنا) اهـ. ملخصًا. وانظر: "تفسير بن عطية" 5/ 482، 483، والقرطبي 7/ 195.]]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال الفراء: (نصب ﴿خَالِصَةً﴾ على القطع [[يعني بالقطع الحال، أفاده السمين في "الدر" 5/ 302، وانظر: "معجم المصطلحات النحوية" ص 188.]] وجعلت خبر (هي [[في "معاني الفراء" 1/ 377: (وجعلت الخبر في اللام التي في الذين ..) اهـ.]]) في اللام التي في قوله ﴿لِلَّذِينَ﴾ والخالصة ليست بقطع من هذه اللام، ولكنها قطع من لام أخرى مضمرة، والمعنى والله أعلم: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ مشتركة وهي لهم في الآخرة ﴿خَالِصَةً﴾ على القطع) [["معاني الفراء" 1/ 377.]]. قال أبو علي: (قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يحتمل أن يكون ظرفًا لـ (هي)، وخبرها قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ والتقدير: هي في الحياة الدنيا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] للمؤمنين مقدرًا خلوصها يوم القيامة، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متصلًا بالصلة التي هي [[في (أ): (التي هي للذين آمنوا في حياتهم، أي: للذين لم يكفروا ..).]] (آمنوا)، والمعنى ﴿هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ في حياتهم -أي: الذين لم يكفروا فيها- ﴿خَالِصَةً﴾، فموضع (في) على هذا نصب بآمنوا، والعامل في الحال معنى اللام في: ﴿لِلَّذِينَ﴾، والمعنى: هي تثبت وتستقر ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً﴾. قال: ويجوز أن يكون قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في موضع حال [[في (ب): قال: (وصاحب الحال).]]، وصاحب الحال هو (هي) والعامل في الحال معنى الفعل في ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كما بينا، والمعنى: قل: هي تثبت لهم [[في (ب): (قل هي يثبت ويستقر للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة).]] مستقرة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [أي: هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيامة) [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]] [[هذا ملخص من "الإغفال" ص 771 - 772، و"الحجة" 4/ 15 - 17.]]. وقرأ نافع [[قرأ نافع: في ﴿خَالِصَةً﴾ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: "السبعة" ص 280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 418، و"التيسير" ص 109، و"النشر" 2/ 269.]]: ﴿خَالِصَةً﴾ رفعًا، قال الزجاج: (ورفعها على أنه خبر بعد خبر كما تقول: زيد عاقل لبيب، والمعنى: قل هي ثابتة للمؤمنين ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [["معاني القرآن" 2/ 333.]]. قال أبو علي: (قوله: رفعها على أنه خبر بعد خبر جائز حسن، ويجوز أيضاً عندي أن لا يكون خبرًا بعد خبر، ولكن تكون ﴿خَالِصَةً﴾ خبر الابتداء كأنه في التقدير: قل هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا، فيكون ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ متعلقاً بخالصة، وفي موضع نصب به، والمعنى: هي تخلص للذين آمنوا يوم القيامة وإن شركهم غيرهم من الكافرين [في الدنيا)] [[لفظ: (في الدنيا) ساقط من (أ)، والنص من "الإغفال" ص 771، و"الحجة" 4/ 14 - 16، وانظر: في "توجيه القراءات وإعرابها"، و"تفسير الطبري" 8/ 165، و"إعراب النحاس" 1/ 609، و"معاني القراءات" 1/ 404، و"إعراب القراءات" 1/ 180، و"الحجة" لابن خالويه ص 154، ولابن زنجلة ص 281، و"الكشف" 1/ 461 - 462، و"المشكل" 1/ 288 - 290.]]. قال ابن عباس: (شارك المسلمين المشركون في الطيبات في الحياة الدنيا؛ فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من جياد ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 164، وابن أبي حاتم 5/ 1468 بسند جيد.]]، وهذا قول الحسن والضحاك وابن جريج وابن زيد [[أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 164، 165 من عدة طرق جيدة عن الحسن والضحاك وابن جريج وابن زيد وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1468 عن الحسن والضحاك وقتادة وعكرمة، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 228 بسند جيد عن الحسن. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 150.]]. وقال عطاء في قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: (يريد: إن الله جعل لهم الجنة خالصة بطاعتهم الله في الدنيا) [[لم أقف على من ذكره.]] ففسر ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾ بالجنة لأنها محل الطيبات في الآخرة. قال أبو إسحاق: (أعلم الله عز وجل أن الطيبات تخلص للمؤمنين في الآخرة لا يشركهم فيها كافر) [["معاني القرآن" 2/ 333.]]. وقال بعض أصحاب المعاني: (الأولى أن يكون معنى ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾ في هذه الآية المستلذ من الرزق) [[انظر: "معاني النحاس" 3/ 27، و"تفسير السمرقندي" 1/ 538، و"تفسير الماوردي" 2/ 219، و"ابن الجوزي" 3/ 189.]]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾، يريد: تفسير ما أحللت من حلالي وما حرمت من حرامي، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، يريد: علموا أني أنا الله وحدي لا شريك لي [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 166، والسمرقندي 1/ 538، و"الخازن" 2/ 224.]].

الأعراف 7:33

قال الكلبي: (فلما نزلت هذه الآية لبسوا الثياب، وطافوا بالبيت فيها، فعيرهم المشركون بذلك، فأنزل الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).]] قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾) [[ذكره القرطبي 7/ 200، وأبو حيان في "البحر" 4/ 292.]]. قال ابن عباس: (يريد: سر الزنا وعلانيته) [[تقدم تخريجه.]]. وقال مجاهد: (ما ظهر: نكاح الأمهات ... [[جاء في النسخ كلمة غير واضحة بعد لفظ (الأمهات)، ولعلها (الذوات، أو الدواب). وذكر النحاس في "معانيه" 3/ 25، والقرطبي 7/ 200 عن مجاهد قال: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ نكاح الأمهات في الجاهلية، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا) اهـ، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 166 عن مجاهد قال: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ الجمع بين الأختين وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا).]] في الجاهلية. ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا). وقال القرظي: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ طوافهم بالبيت عراة، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا) [[لم أقف عليه، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 166 بسند ضعيف عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1470 بسند جيد عن الزهري.]]. وقال عكرمة: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ الظلم على الناس، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا والسرقة) [[أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1471 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 151.]]. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 34]] والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 90.]] نحو قول ابن عباس. وقد مضى الكلام في هذا في سورة الأنعام. وقوله تعالى: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال بعض أهل المعاني: (إنما ذكر هذه القبائح مع الفواحش وهي داخلة في الفواحش للبيان عن التفصيل؛ كأنه قيل: الفواحش التي منها الإثم، ومنها البغي، ومنها الإشراك بالله) [[انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 201.]]. وقال ابن الأنباري: (إنما فصل الإثم لأنه قصد [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ب).]] الأفاعيل المذمومة التي لا يجب على فاعلها الحد، والفواحش يجب على فاعلها إذا أتاها أو أكثرها الحد، فلهذه العلة فصل الإثم. قال: وهذا جواب مأثور عن ابن عباس) [[لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وذكر ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 191 عن ابن عباس قال: (الإثم الذنب الذي لا يوجب الحد) اهـ.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿وَالْإِثْمَ﴾ يريد: الخمر) [["تنوير المقباس" 2/ 90، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 176، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 191 عن عطاء فقط، وذكره السمين في "الدر" 5/ 306 عن ابن عباس والحسن.]]. وقال الحسن [[ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 226، وابن الجوزي 3/ 191، والقرطبي 7/ 200.]]: (الإثم: الخمر، تصديق ذلك قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾) [البقرة: 219]. قال أبو بكر: (الإثم لا يكون من أسماء الخمر؛ لأن العرب ما سمته إثمًا قط في الجاهلية ولا إسلام، ولكن قد تكون الخمر داخلة تحت الإثم لقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾) [البقرة: 219] [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 176، والسمين في "الدر" 5/ 306، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 122، قال ابن الأنباري: (ليس الإثم في أسماء الخمر بمعروف، ولم يصح فيه بيت صحيح) اهـ. وقال السمين في "الدر" 5/ 306: (الذي قاله الحذاق إن الإثم ليس من أسماء الخمر) اهـ.]]. وقال الضحاك: (الإثم: الذنب دون الحد) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 176، والبغوي 3/ 226، وابن الجوزي 3/ 191، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 378.]]. وقال السدي: (الإثم المعصية) [[أخرجه الطبري 8/ 166، وابن أبي حاتم 5/ 1471 بسند جيد.]]، ﴿وَالْبَغْيَ﴾ ظلم الناس والاستطالة بغير حق، وهو أن يطلب ما ليس له، كذا قال جميع أهل التفسير [[وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 378، والطبري 8/ 166، والظاهر أن الإثم الذنب والمعصية عام في الأقوال والأفعال التي يترتب عليها الإثم، والبغي: الظلم وتجاوز الحد فيه، وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما فنص على ذكرهما تأكيدًا لأمرهما وقصدًا للزجر عنهما، وذكر الخمر من باب التمثيل لأنه سبب الإثم، بل هي معظمه، فإنها مؤججة للفتن. وقال ابن كثير في == "تفسيره" 2/ 236: (وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس) اهـ. وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 609، 610، و"تفسير ابن عطية" 5/ 488، 489، والقرطبي 7/ 201.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ [[في (ب): ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ﴾.]]، قال الزجاج: (موضع (أن) نصب، المعنى: وحرم الشرك) [["معاني القرآن" 2/ 334، وفيه: (المعنى: حرم الله الفواحش تحريم الشرك) اهـ. وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 610، و"المشكل" 1/ 290.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، قال مقاتل: (ما لم ينزل [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ب).]] كتابًا فيه حجة لكم بأن معه شريكًا) [["تفسير مقاتل" 2/ 34، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 334، و"تفسير الطبري" 8/ 166، 167.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: قولهم الملائكة بنات الله) [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: (وحرم أن تقولوا [[في (أ): (يقولوا) بالياء.]] على الله أنه حرم الحرث والأنعام) [["تفسير مقاتل" 2/ 34، وزاد فيه: (والألبان والثياب).]]. وقال أهل المعاني: (هذا عام في تحريم القول في الدين من غير يقين) [[هذا قول الطبري 8/ 167، والبغوي 3/ 226، وابن الجوزي 3/ 192.]].

الأعراف 7:34

قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ الآية، معنى الأجل: الوقت [المؤقت] [[لفظ: (المؤقت) ساقط من (ب).]] المضروب لانقضاء المهل [[انظر: "العين" 6/ 178، و"الجمهرة" 2/ 1043، و"التهذيب" 1/ 124، و"الصحاح" 4/ 1621، و"المجمل" 1/ 88، و"المفردات" ص 65، و"اللسان" 1/ 32 (أجل).]]. وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أن المراد بهذا أجل العذاب. وهو قول ابن عباس والحسن [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 177، والرازي 14/ 67، عن ابن عباس والحسن ومقاتل، وذكره البغوي 3/ 226، عن ابن عباس وعطاء والحسن.]] ومقاتل. قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ (يريد: وقتًا فإذا جاء ذلك الوقت لا يؤخر عنهم العذاب، ولا يقدم قبل ذلك) [["تنوير المقباس" 2/ 91، و"الفريد" للهمداني 2/ 293.]]. وقال الحسن: (يريد: أجل الهلاك بعذاب الاستئصال). وقال مقاتل: (﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ بالعذاب، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ بالعذاب لا يتأخرون ولا يتقدمون حتى يعذبوا. قال: وذلك حين سألوا النبي ﷺ العذاب) [["تفسير مقاتل" 2/ 35.]]. القول الثاني: أن المراد بهذا الأجل أجل العمر، فإذا انقطع ذلك الأجل ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ بعد الأجل ساعة، وكأن القول الأول أقوى لقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾، ولم يقل: ولكل أحد أجل. وعلى القول الثاني إنما قال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾، ولم يقل لكل أحد إخبارًا عن تقارب أعمار أهل كل عصر حتى كأن لها أجلًا واحداً لتقاربها [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 68، و"الخازن" 2/ 225، وفيهما نص كلام الواحدي == بدون نسبة. والقول الأول أظهر. وهو قول الجمهور، والثاني داخل فيه ومعلوم أن لكل إنسان أجلاً لا يتعداه. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 167، والسمرقندي 1/ 538، والماوردي 2/ 220، وابن عطية 5/ 490، 491.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾. قال الزجاج: (ولا أقل من ساعة، ولكن ذكرت الساعة لأنها أقل أسماء الأوقات) [["معاني القرآن" 2/ 334، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 30.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، إن قيل: ما معنى هذا مع استحالة التقدم على الأجل وقت حضوره، وكيف يحسن قوله: ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ بعد فناء الأجل؟؛ قيل: هذا على المقاربة؛ لأن العرب تقول: جاء الشتاء إذا قارب وقته. وجاء الصيف، ومع مقاربة [[لفظ: (مع مقاربة) عليه طمس في (أ).]] الأجل تصور الاستقدام، وإن كان لا يتصور مع الانقضاء، والمعنى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن [[في (ب): (مع).]] آجالهم إذا انقضت، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عليها إذا قاربت الانقضاء، ولفظ قوله: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ محتمل للمعنيين [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 68، ونقله عن الواحدي السمين في "الدر" 5/ 308، وقال: (هذا بناء منه على أنه معطوف على ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ وهو ظاهر أقوال المفسرين، وهذا لا يجوز؛ لأن (إذا) إنما يترتب عليها وعلى ما بعدها الأمور المستقبلية لا الماضية، والاستقدام بالنسبة إلى مجيء الأجل متقدم عليه، فكيف يترتب عليه؟ ويصير هذا من باب الإخبار بالضروريات التي لا يجهل أحد معناها، وهو مستأنف معناه الإخبار بأنهم لا يسبقون أجلهم المضروب لهم، بل لا بد من استيفائهم إياه، كما أنهم لا يتأخرون عنه أقل زمان) اهـ. ملخصًا. وانظر: "البحر المحيط" 4/ 293.]].

الأعراف 7:35

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ إلى آخر الآية مفسر ومشروح في سورة البقرة، وهو قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ الآية [البقرة: 38]، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾: (يريد: فرائضي وأحكامي، ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ يريد: اتقاني وخافني، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ يريد: ما بيني وبينه، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يريد: يوم الفزع الأكبر [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 177، والبغوي 3/ 227، وفي "تنوير المقباس" 2/ 91 - 92 نحوه، وجاء عند الواحدي والبغوي عنه في قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ قال: (إذا خاف الناس، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ إذا حزنوا) اهـ.]]، واختلف أهل المعاني في أن المؤمنين هل يلحقهم خوف وحزن عند أهوال القيامة، فبعضهم ذهب إلى: أنه لا يلحقهم ذلك لعموم نفيه في هذه الآية، وذهب بعضهم إلى أنه يلحقهم لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ الآية [الحج: 2]. وأما قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، معناه: أن أمرهم يؤول إلى الأمن والسرور كقول الطبيب للمريض: لا بأس عليه، أي: أن أمره يؤول إلى العافية والسلامة، وإن كان في الوقت في بأس [[في (ب): (فلا بأس عليه)، وهو تحريف.]] من علته [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 539، والرازي 14/ 69، والقرطبي 7/ 202.]]، وجواب قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هو ما دل عليه الكلام؛ كأنه قيل: فأطيعوهم، هذا قول الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 279.]]. وقال الزجاج: (جوابه في الفاء في قوله: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ [["معاني القرآن" 2/ 334، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 168، و"إعراب النحاس" 1/ 610، و"الكشاف" 2/ 77، و"تفسير ابن عطية" 5/ 493، و"الدر المصون" 5/ 309.]]، وقد ذكرنا هذا [[انظر: "البسيط" سورة البقرة: 38.]] مستقصى في سورة البقرة.

الأعراف 7:37

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. [قال الكلبي] [[لفظ: (قال الكلبي) ساقط من (أ).]]: (فمن أكفر ممن اختلق على الله كذبًا باطلاً، فجعل له صاحبة وولداً) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 539، وقال بعده: (قال بعضهم هذا التفسير خطأ لأنه لا يصح أن يقال: هذا أكفر من هذا، ولكن معناه، ومن أشد في كفره) اهـ.]]. وقال أبو إسحاق: (أيْ: أيُّ ظلم أشنع من الكذب على الله عز وجل) [["معاني القرآن" 2/ 334، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 30، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 168.]]. [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال ابن عباس في قوله: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (يريد: جعل لله شريكًا وجعل له ولداً) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 177 بلفظ: (جعل له صاحبة وولدا وشريكًا) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ اختلفوا في معناه؛ فقال الحسن والسدي وأبو صالح: (ينالهم ما كتب لهم من العذاب) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 169 من عدة طرق عن أبي صالح والحسن والسدي، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1474 عن أبي صالح.]]، ومثله روى حبان [[حبان: هو حبان بن علي العنزي الكوفي، فقيه، فاضل، ضعيف. تقدمت ترجمته.]] عن الكلبي: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (أي: من العذاب) [["تنوير المقباس" 2/ 92، و"تفسير هود الهواري" 2/ 16.]]. والسدي بيَّن ذلك العذاب ما هو فقال: (سواد الوجوه وزرقة العيون) [[لم أقف عليه.]] ، فعلى هذا معنى قوله: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ما قضى الله عليهم في الكتاب من سواد الوجوه، وزرقة العيون [[في (أ): (سواد الوجه وزرقة العين).]]، ويؤكد هذا التأويل قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: 60]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطية [[في (ب): (عطاء)، وقد أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 170 بسند ضعيف عن عطية العوفي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.]] قال: (ينالهم ما كتب عليهم، [وقد كتب] [[لفظ: (وقد كتب) ساقط من (ب).]] لمن [[في (ب): (بأن يفترى).]] افترى على الله وجهه مسود) [[في (ب): (مسوده)، وعند الطبراني 12/ 413: (أنه وجهه مسود) وهو أولى.]] واحتج بالآية، واختار الفراء هذا فقال: (ينالهم ما قضى الله عليهم في الكتاب من سواد الوجوه وزرقة الأعين) [["معاني القرآن" 1/ 378، ونحوه ذكر مقاتل في "تفسيره" 2/ 35.]]. وقال الزجاج: (معنى: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ما أخبر الله -عز وجل- من جزائهم؛ نحو قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14]، وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [[في (ب): ﴿نَسْلُكُهُ﴾ بالنون وهي قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو، ونافع وقرأ الباقون ﴿يَسْلُكُهُ﴾ بالياء. انظر: "السبعة" ص 656، و"المبسوط" ص 384، و"التذكرة" 2/ 737، و"النشر" 2/ 392.]] [الجن: 17]، وقوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ الآية [غافر: 71]، فهذا نصيبهم من الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم) [["معاني القرآن" 2/ 334 - 335.]]. وقال عبد الله بن مسلم: (أي: حظهم مما كتب عليهم من العقوبة) [["تفسير غريب القرآن" ص 177، وهو قول مكي في "تفسير المشكل" ص 84.]] فهذا كله قول من جعل ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾، العذاب، و ﴿الْكِتَابِ﴾ على هذا القول الظاهر أنه القرآن؛ لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع كما ذكره [[في (ب): كما ذكر.]] أبو إسحاق، ويجوز أن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 235 - 236، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 169، 170 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطية العوفي، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1474 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي، وقال بعده: (وروي عن سعيد بن جبير والحسن نحوه) اهـ.]] وعطية العوفي ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [[هنا وقع اضطراب في نسخة (ب) فوقع باقي تفسير الآية في ص 147ب.]] (أي: ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة، ثم قرأ العوفي: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: 30]، يعني: أن هؤلاء ممن أدركهم ما كتب لهم من الشقاوة، وإن كان فيهم أحد كتبت له السعادة أدركته، وعلى هذا المعنى دل كلام ابن عباس في رواية عطاء؛ لأنه قال: (يريد: ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظ) [[ذكره ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 209، وقريب منه ما أخرجه الطبري 8/ 170، 171، وابن أبي حاتم 5/ 1473 بسند جيد عن ابن عباس قال: (نصيبهم من الأعمال) وفي رواية عند الطبري قال: (ينالهم الذي كتب عليهم من الأعمال)، وفي رواية أخرى: (من الخير والشر)، وفي أخرى: (ما وعدوا مثله) والكل متقارب.]]. وقال الربيع والقرظي وابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 171 من عدة طرق عن الربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي وابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1473، عن الربيع والقرظي. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 153، 154.]]: (يعني: ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار، فإذا فنيت وفرغوا منها ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾) [[في (أ): (رسلهم).]] قال بعض أهل المعاني [[ومنهم الطبري في "تفسيره" 8/ 172، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 237: (وهذا القول قوي في المعنى والسياق يدل عليه) اهـ.]]: (وهذا القول هو وجه التأويل لذكر (حتى) على معنى الانتهاء، يعني: أنهم يستوفون أعمارهم وأرزاقهم إلى الموت)، فعلى هذا القول معنى (حتى) الانتهاء والغاية [[يعني أن مجيء الرسل للتوفي كالغاية لحصول ذلك النصيب فينبغي أن يكون حصول ذلك النصيب متقدمًا على حصول الوفاة والمتقدم على حصول الوفاة ليس إلا العمر والرزق، أفاد ذلك الرازي في "تفسيره" 14/ 71.]]، وعلى القولين الأولين ليست (حتى) في هذه الآية التي للغاية [[نقل قول الواحدي السمين في "الدر" 5/ 310 ثم قال: (هذا غير مرضي منه لمخالفته الجمهور؛ إذ الغاية معنى لا يفارقها، وقوله: لا تعلق لها بما قبلها ممنوع على جميع الأقوال التي ذكرها. والظاهر أنها إنما تتعلق بقوله ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ﴾) اهـ. ملخصًا.]]، بل هي التي تدخل على الجمل وينصرف بعدها الكلام إلى الابتداء كـ (أما) [[قال سيبويه في "الكتاب" 3/ 17 - 18: (حتى صارت هاهنا بمنزلة إذا، وما أشبهها من حروف الابتداء) اهـ، وانظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 64، و"معاني الحروف" للرمانى ص 119، ص164، و"المغني" لابن هشام 1/ 128.]] و (إذا) ولا تعلق لقوله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ بما قبله، بل هذا ابتداء خبر أُخبر عنهم كقوله: فَيَاعَجَبِي حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبنُّي [[البيت للفرزدق في "ديوانه" 1/ 419، وعجزه: كَأنَّ أَبَاهَا نَهْشَلٌ أَوْ مُجَاشِعُ وهو في "الكتاب" 3/ 18، و"الأصول" 1/ 425، و"نزهة الأعين" لابن الجوزي ص 244، و"المغني" لابن هشام 1/ 129 وبلا نسبة في: "المقتضب" 2/ 39، و"معاني الحروف" للرماني ص 165، و"الموضح في التفسير" للحدادي ص 56، و"رصف المباني" ص 257، و"الدر المصون" 5/ 310. وكليب: هو ابن يربوع بن حنظلة بطن من ربيعة من عامر بن صعصعة، وهو رهط جرير. انظر: "نهاية الأرب" ص 366، ونهشل: بطن من حنظلة من تميم. انظر: "نهاية الأرب" ص370. ومجاشع: بطن من دارم من تميم، وهو رهط الفرزدق. انظر: "نهاية الأرب" ص 386، والشاهد: حتى كليب، حيث جاءت (حتى) حرف ابتداء، ودخلت على الجملة الاسمية، وانظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 14، و"الخزانة" 9/ 475.]] ويؤكد القول الأول أن ذكر عظم الظلم يقتضي ذكر الوعيد [[والظاهر والله أعلم هو عموم ما كتب عليهم من أجل وعمل ورزق في أم "الكتاب"، وهو اختيار ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 209 - 210، فقد ذكر عامة الأقوال التي ذكر الواحدي ثم قال: (والصحيح القول الأول وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا، ونصيبهم يتناول الأمرين، نصيبهم من الشقاوة، ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها، ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها، ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك، فعمت الآية هذا النصيب كله، وذكر هؤلاء بعضه، وهؤلاء بعضه هذا على القول الصحيح، وأن المراد ما سبق لهم في أم "الكتاب" ، ولهذا القول وجه حسن وهو أن نصيب المؤمنين من الرحمة والسعادة، ونصيب هؤلاء من العذاب والشقاوة، فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم وآثروه على غيره، كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة، فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم) اهـ. ملخصًا. == وانظر: "معاني النحاس" 3/ 30، و"تفسير السمرقندي" 1/ 539، والماوردي 2/ 221، والبغوي 3/ 227، وابن عطية 7/ 54، وابن الجوزي 3/ 193، والرازي 14/ 70، 71، والقرطبي 7/ 203.]] بالعذاب. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾. قال سيبويه [["الكتاب" 4/ 135، وفيه قال: (ومما لا يميلون ألفه (حتى) و (أمَّا) و (إلَّا) فرقوا بينها وبين ألفات الأسماء نحو حبلى وعطشى. وقال الخليل: لو سميت رجلاً بها وامرأة جازت فيها الإمالة) اهـ. وانظر: "المقتضب" 3/ 52]] والخليل: (لا يجوز إمالة حتى، وإلَّا، وأما، وهذه ألفات ألزمت الفتح، لأنها أواخر حروف جاءت لمعنى ففصل بينها [[في (ب): (بينهما).]] وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف نحو حُبْلَى وهدى، إلا أن (حتى) كتبت بالياء لأنها على أربعة أحرف فأشبهت سَكْرى) [[هذا نص الزجاج في "معانيه" 2/ 335، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 611، و"التكملة" لأبي علي ص 538، و"الكشف" لمكي 1/ 193.]]. وقال بعض النحويين: (لم يجز إمالة (حتى) لأنها حرف لا ينصرف والإمالة ضرب من التصرف ([[ذكر الرازي في "تفسيره" 14/ 71 مثله.]]. قال ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ (يريد: الملائكة يقبضون أرواحهم) [["تنوير المقباس" 2/ 92، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 178.]]، ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سؤال تبكيت وتقريع، ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي بطلوا وذهبوا، ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾، اعترفوا عند معاينة الموت وأقروا على أنفسهم بالكفر، قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد: أن الموت قيامة الكافر، والموت راحة المؤمن) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 71.]] هذا قول أهل التفسير، وذهب بعض أهل المعاني: (إلى أن هذا يكون في الآخرة، ومعنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ أي: ملائكة العذاب ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أي: يتوفون عدتهم وفاة الحشر إلى النار، على معنى: يستكملونهم جميعًا لا يغادرون منهم أحداً). وذكر الزجاج هذه الوجه [["معاني القرآن" 2/ 335 - 336، وقال: (هو أضعف الوجهين) وكذلك ذكر القولين النحاس في "معانيه" 3/ 31 - 32.]] في أحد قوليه. وهذا يحكى عن الحسن [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 16، والماوردي 2/ 221، وابن الجوزي 3/ 194، والرازي 14/ 71 والأول أظهر وهو ما رجحه جمهور المفسرين، والمعنى يتمتعون في الدنيا بقدر ما كتب لهم حتى إذا جاءهم ملك الموت وأعوانه يتوفونهم عند الموت أقروا على أنفسهم بالكفر، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 172، والسمرقندي 1/ 539، والبغوي 3/ 227، وابن عطية 5/ 496.]] أيضًا.

الأعراف 7:38

قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ الآية. الله تعالى يقول ذلك، أخبر عن نفسه، كذلك قال أهل التفسير. وقال مقاتل: (هو من كلام خازن النار) [["تفسير مقاتل" 2/ 36، وهو قول السمرقندي في "تفسيره" 1/ 539، وابن عطية 5/ 497، وقال ابن الجوزي 3/ 194: (إن الله تعالى يقول لهم ذلك بواسطة الملائكة لأن الله تعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة) والأول أظهر وهو اختيار جمهور المفسرين. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 173، والبغوي 3/ 228، والزمخشري 2/ 78، والقرطبي 7/ 204، و"البحر" 4/ 295.]]. وقوله تعالى: ﴿فِي أُمَمٍ﴾، قال عطاء: (يريد في النار مع أمم) [[لم أقف عليه، وهو قول ابن قتيبة في "تفسير الغريب" ص 177، ومكي في "تفسير المشكل" ص 86، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 32: (قيل معنى (في) معنى (مع) وهذا لا يمتنع؛ لأن قولك: زيد في القوم معناه مع القوم، ويجوز أن تكون (في) على بابها) اهـ.]] وعلى هذا في الآية تقديم وتأخير ومجاز [[لفظ: (ومجاز) ساقط من (أ).]] لأن التقدير: ادخلوا في النار مع أمم قد خلت من قبلكم واستعمال (في) بمعنى (مع) [[لفظ: (مع) ساقط من (ب).]] مجاوز [[مجاوز أي -جائز- وانظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 83، و"رصف المباني" ص 453، و"مغني اللبيب" 1/ 468، وقال الرماني في "معاني الحروف" ص 96: (زعم الكوفيون أنها تكون بمعنى (مع) والبصريون يقولون (في) على بابها) وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 13/ 348: (والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين) اهـ.]]، ويمكن أن يقال: قوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ من صلة ﴿ادْخُلُوا﴾، وقوله [[في (ب): (فقوله).]] ﴿فِي النَّارِ﴾ من تمام [[في (ب): (مع تمام).]] صفة الأمم، يقول: ادخلوا في أمم في النار، فلا يكون في الآية تقديم ولا تأخير ولا مجاز [[وهذا هو الظاهر، واختيار الجمهور. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 173، و"الكشاف" 2/ 78، وابن عطية 5/ 497، 498، و"البحر" 4/ 295، و"الدر المصون" 5/ 312.]]. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ يعني النار ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [قال الفراء: (يعني: التي سبقتها إلى النار، وهي أختها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] في دينها لا في النسب) [["معاني القرآن" 1/ 378.]]. قال ابن عباس: (يريد: يلعنون من كان قبلهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 179، وابن الجوزي 3/ 194.]]. وقال الزجاج: ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾؛ (لأنهم ضل بعضهم باتباع بعض) [["معاني القرآن" 2/ 336.]]. قال مقاتل: (كلما دخل أهل ملة النار لعنوا أهل ملتهم، يلعن المشركون المشركين، ويلعن اليهود اليهود، وكذلك النصارى، والمجوس، والصابئون، ويلعن الأتباع القادة، يقولون: لعنكم الله، أنتم غررتمونا حتى أطعناكم) [["تفسير مقاتل" 2/ 36، وأخرجه الطبري 8/ 173، وابن أبي حاتم 5/ 1475 بسند جيد عن السدي.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾؛ ﴿ادَّارَكُوا﴾ أي: تداركوا، والكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [[جاء في النسخ: (ادارأتم)، وهو تحريف.]] [البقرة: 72]، وقد مر [[انظر: "البسيط" البقرة: 72.]]، ومعنى تداركوا: تتابعوا [[(اداركوا) أصله (تداركوا) فأدغمت التاء في الدال واجتلبت الألف ليسلم السكون، وتدارك القوم أي: تلاحقوا وتتابعوا ولحق آخرهم أولهم. انظر: "العين" 56/ 327، و"الجمهرة" 2/ 636، و"تهذيب اللغة" 2/ 1178، و"الصحاح" 4/ 1582، و"المجمل" 2/ 322، و"المفردات" ص 311، و"اللسان" 3/ 1363، (درك).]]، وتلاحقوا، قال ابن عباس: (توافوا فيها جميعًا) [["تنوير المقباس" 2/ 93، وفيه: (اجتمعوا في النار) اهـ.]]. قال الزجاج: (وهو [[يعني قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ انظر: "معاني الزجاج" 2/ 336، و"إعراب النحاس" 1/ 611، و"المشكل" لمكي 1/ 290.]] منصوب على الحال أي: مجتمعين). وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾، يعني بالأخرى: آخر الأمم، وبالأولى: أول الأمم، وبيانه ما قاله السدي: (﴿أُخْرَاهُمْ﴾ يعني: الذين كانوا في آخر الزمان، ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ يعني: الذين شرعوا لهم ذلك الدين) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 174، وابن أبي حاتم 5/ 1475 بسند جيد.]]. وقال مقاتل: (﴿أُخْرَاهُمْ﴾ يعني: آخرهم دخولًا النار وهم الأتباع ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ دخولًا وهم القادة) [["تفسير مقاتل" 2/ 36.]]. وتأويل هذا راجع إلى معنى القول الأول؛ لأن [[في (ب): (إلا أن)، وهو تحريف.]] آخرهم دخولًا النار هم الأتباع، والأولى هم القادة، فالمعنى على القولين جميعًا: قالت الأتباع للقادة: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 173، و"معني الزجاج" 2/ 336، و"النحاس" 3/ 33، و"تفسير السمرقندي" 1/ 540، والماوردي 2/ 222.]]. قال ابن عباس: (لأنهم شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها، ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾، قال: يريد أضعف عليهم العذاب بأشد مما تعذبنا به) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 179، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 195.]]. وأما معنى الضعف فقال أبو عبيدة: (هو مثل الشيء مرة واحدة) [[في "مجاز القرآن" 1/ 214: (أي: عذابين مضعف فصار شيئين)، وفي "تهذيب اللغة" 3/ 2118، عن أبي عبيدة قال: (معناه يجعل الواحد ثلاثة) اهـ. وضعف الشيء -بالكسر- مثله، ويقال مثلاه، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله، وقال الخليل في "العين" 1/ 282: (التضعيف أن يزاد على أصل الشيء فيجعل مثلين أو أكثر) اهـ. وانظر: "الجمهرة" 2/ 903، و"الصحاح" 4/ 1390، و"المجمل" 2/ 562، و"المفردات" ص 508، و"اللسان" 5/ 2588 (ضعف).]]. قال الأزهري: (الذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاز كلامهم. وقد قال الشافعي -رحمه الله- ما يقارب هذا في رجل أوصى فقال: (أعطوا فلانًا ضعف ما يصيب ولدي، قال: يعطي مثله مرتين) [[انظر: "المجموع" 15/ 480 - 482، و"روضة الطالبين" 5/ 195 وفيهما: (الضعف عند الشافعية هو الشيء ومثله، فإذا أوصى بضعف نصيب ابنه وله ابن واحد، فهي وصية بالثلثين) اهـ. وانظر: "تفسير الرازي" 14/ 74.]]. قال الأزهري: والوصايا يستعمل فيها العرف وما يسبق إلى الأفهام، فأما كتاب الله فهو عربي مبين، ويرد تفسيره إلى موضوع كلام العرب الذي هو صيغة ألسنتها، والضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد، وليس بمقصور على مثلين، وجائز في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفه [[في "تهذيب اللغة" 3/ 2118 (ضعفاه).]] أي: مثلاه وثلاثة أمثاله؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى قول الله [[في (ب): (قول الله تعالى).]] عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ: 37]، ولم يرد مثلًا ولا مثلين، وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160]، فأقل الضعف محصور وهو المثل، وأكثره غير محصور) [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2118.]]. ونحو هذا قال الزجاج في هذه الآية: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ (أي: عذاباً مضاعفًا؛ لأن الضعف في كلام العرب على ضربين أحدهما: المثل، والآخر: أن يكون في معنى تضعيف الشيء [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 377، وقوله: (أي زيادته ..) غير موجود فيه.]]، أي: زيادته [[في (ب): (أي زيادة).]] إلى ما لا يتناهى). فأما اللام في قوله: ﴿لِأُولَاهُمْ﴾، فقال الزجاج: المعنى: (قالت أخراهم: يا ربنا هؤلاء أضلونا، لأولاهم أي تعني أولاهم) [["معاني القرآن" 2/ 336، وعليه اللام للتعليل أي لأجل ولا تكون للتبليغ؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم. انظر: "الكشاف" 2/ 78، و"الدر المصون" 5/ 315.]] فعلى هذا ليست اللام من صلة القول؛ لأنهم قالوا لله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾، ولم يقولوا لأولاهم شيئًا ، ولكن اللام لإبانة [[في (أ): (ولكن اللام بإنه أنهم عنوا).]] أنهم عنوا بقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ أولاهم وهم القادة، فاللام هاهنا لام (أجل) أي لأجلهم ولإضلالهم إياهم قالوا: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾، فقال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: لأولاكم ضعف ولأخراكم عذاب مضعف) [[في (أ): عذاب ضعف. والأئر لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 94، قال: (لكل واحد منهم ضعف) أهـ. وقال الماوردي في "تفسيره" 2/ 222: (أي: فلكم أيها الأتباع ضعف العذاب وهذا قول الجمهور وإن ضعف الشيء زيادة مثله) اهـ. وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 211.]]. قال الزجاج: (أي: للتابع والمتبوع لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعًا أي: لكل عذاب مضاعف. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم من العذاب، ويجوز: ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك) [[هذا كله قول الزجاج "معانيه" 2/ 377، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 174، و"معاني النحاس" 2/ 33، و"تفسير السمرقندي" 1/ 540.]]. ومن قرأ [[قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بالياء على الغيبة، وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب انظر: "السبعة" ص280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 418، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269.]] بالياء فمعناه: ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 337، والنحاس في "معانيه" 3/ 33.]]، فيحمل الكلام على (كل)؛ لأنه وإن كان للمخاطبين فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة فحمل على اللفظ دون المعنى [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 17، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 405، و"الحجة" لابن زنجلة ص 281، و"الكشف" 1/ 462.]]. قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، قال الضحاك: (لأنكم كفرتم كما كفرنا، فنحن وأنتم في الكفر شرع سواء، وفي العذاب أيضًا) [[ذكره بدون نسبة السمرقندي في "تفسيره" 1/ 540، و"الثعلبي" 190 أ، والبغوي 3/ 228.]]. وقال أبو مِجْلَز [[أبو مجلز: لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري، إمام، تابعي، ثقة.]]: (فما لكم علينا من فضل في ترك الضلال) [[أخرجه الطبري 8/ 175، وابن أبي حاتم 5/ 1476 بسند جيد بلفظ: (يقول: فما فضلكم علينا، وقد بين لكم ما صنع بنا وحذرتم؟) اهـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 154.]].

الأعراف 7:40

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. قال أبو إسحاق: (أي: كذبوا بحججنا [[في (أ): (بحجتنا).]] وأعلامنا التي تدل على نبوة الأنبياء وتوحيد الله عز وجل) [["معاني الزجاج" 2/ 337، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 175، والسمرقندي 1/ 540.]]. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾، معنى الاستكبار [[الكبر -بكسر الكاف وسكون الباء- والتكبر والاستكبار تتقارب: وهو العظمة والإعجاب بالنفس وأعظمه الامتناع عن قبول الحق معاندة وبطرًا. انظر: "العين" 5/ 361، و"الجمهرة" 1/ 327، و"تهذيب اللغة" 4/ 3091، و"الصحاح" 2/ 801، و"المجمل" 3/ 776، و"المفردات" ص 696، و"اللسان" 6/ 3808 (كبر).]]: طلب الترفع بالباطل، وصفة مستكبر صفة ذم في جميع العباد، ومعنى ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ ترفعوا [[في (ب): (وقفوا).]] عن الإيمان بها والانقياد لأحكامها. وقوله تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ قرأ [[قرأ أبو عمرو: ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتاء مع إسكان الفاء وتخفيف التاء الثانية، وقرأ حمزة والكسائي مثلها إلا أنه بالياء: ﴿يُفَتَّحُ﴾، وقرأ الباقون: ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتاء مع فتح الفاء وتشديد التاء الثانية. انظر: "السبعة" ص 280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 418 - 419، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269.]] أكثر القراء ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتاء والتشديد، ووجهها قوله ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: 50] فقياس ﴿مُفَتَّحَةً﴾ تُفَتَّح، وقرأ أبو عمرو ﴿تُفَتَّحُ﴾ خفيفة، وحجته قوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 44] ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾ [القمر: 11]، [وقرأ حمزة والكسائي ﴿يُفَتَّحُ﴾ بالياء خفيفة، لتقدم الفعل. ومعنى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لا تصعد أعمالهم إليها [[ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 18 - 19، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 405، و"إعراب القراءات" 1/ 180، و"الحجة" لابن زنجلة ص 282، و"الكشف" 1/ 462.]]. قال ابن عباس: (يريد: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به الله) [[أخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 112، والطبري 8/ 176، وابن أبي حاتم 5/ 1477 من عدة طرق جيدة]]، وهذا قول أكثر المفسرين [[ومنهم الفراء في "معانيه" 1/ 379، وأخرجه الطبري 8/ 176، من طرق عن مجاهد وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير.]]. وقال السدي [[أخرجه الطبري 8/ 175، وابن أبي حاتم 5/ 1476 بسند جيد.]] وغيره [[أخرجه الطبري 8/ 175، 176، وابن أبي حاتم 5/ 1476 بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس.]]: (لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، وتفتح لأرواح المؤمنين). يدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل: "أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، فيقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها: ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء" [[أخرجه ابن ماجه في "سننه" رقم (4262) كتاب الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له، بسند جيد عن أبي هريرة، وأخرج أبو داود الطيالسي في "مسنده" ص 102 - 103، وعبد الرزاق في "المصنف" 3/ 580، وأحمد في "المسند" 4/ 287 - 288، وأبو داود رقم (4753) كتاب السنة، باب: في المساءلة في القبر، والطبري 8/ 177، والحاكم في "المستدرك" 1/ 37 - 40 ، من عدة طرق عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- مطولًا نحوه، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين) أهـ. وله شواهد وطرق أخرى ذكرها السيوطي في "الدر" 3/ 155، وانظر: مرويات الإِمام أحمد في "التفسير" 2/ 106 - 107 و175 - 178، وص 434 - 435.]]. وأجمل الزجاج كل هذا فقال: (أي: لا تصعد أرواحهم ولا أعمالهم إلى السماء؛ لأن أعمال المؤمنين وأرواحهم تصعد إلى السماء) [["معاني القرآن" 2/ 337، وهذا القول هو الظاهر واختيار جمهور المفسرين ومنهم الطبري 8/ 176، وابن عطية 5/ 502، وابن كثير 2/ 238، ولا مانع من حمل الآية على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من هذه فإن ذلك لا يدل على فتحها لغيره مما يدخل تحت عموم الآية، أفاده الشوكاني في "فتح القدير" 2/ 299، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 34، و"تفسير القرطبي" 7/ 206، و"بدائع التفسير" 2/ 212.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾؛ الولوج معناه: الدخول، والإيلاج: الإدخال [[انظر: "الجمهرة" 1/ 493، و"تهذيب اللغة" 4/ 3949، و"الصحاح" 1/ 347، و"المجمل" 4/ 937، و"المفردات" ص 882، و"اللسان" 8/ 4913 (ولج).]]، وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: (الجمل: زوج الناقة) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 229، والطبري 8/ 178، من عدة طرق جيدة إلا أنه مرسل؛ لأنه من طريق إبراهيم النخعي ومجاهد وهما لم يسمعا من ابن مسعود، انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم ص 9 وص 205، والأثر ذكره السيوطي في "الدر" 5/ 157: (وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ والطبراني في "الكبير") وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 23 وقال: (رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح إلا أن إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود والأخرى ضعيفة) اهـ. (والجمل) -بالفتح وتخفيف الميم-: معروف وهو زوج الناقة وهو الظاهر وقول جمهور المفسرين وذكر أثر ابن مسعود الزجاج في "معانيه" 2/ 338، والنحاس في "معانيه" 3/ 35 وقالا: (كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعًا). وانظر: "معاني الفراء" 1/ 379، و"تفسير السمرقندي" 1/ 540، و"تفسير الماوردي" 2/ 2231.]]. قال الليث [["تهذيب اللغة" 1/ 655، وانظر "العين" 6/ 141، و"الجمهرة" 1/ 491، و"الصحاح" 4/ 1661، و"المجمل" 1/ 198، و"المفردات" ص 203، و"اللسان" 2/ 683 (جمل).]]: (وإنما يستحق هذا الاسم إذا بزل) [[بَزَل البعير يَبْزُل بُزُولًا فطر نابه أي: انشق وطلع. انظر: "اللسان" 1/ 276 (بزل).]]. والسم [[السَّمُّ -بفتح السين وضمها لغتان- قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 214: (كل ثقب فهو سَمٌّ والجميع سموم) وانظر: "الجمهرة" 1/ 135، و"تهذيب اللغة" 2/ 1761، و"الصحاح" 5/ 1953، و"المجمل" 2/ 455، و"المفردات" ص 424، و"اللسان" 4/ 2102 (سمم).]]: ثقب الإبرة، ويقال أيضًا: بالضم، وبه قرأ [[ذكرها النحاس في "معانيه" 3/ 36، وابن عطية 5/ 503، والرازي 14/ 76، والقرطبي 7/ 207، وهي قراءة جماعة منهم ابن مسعود وأبو رزين وأبو السمال وقتادة وابن محيصن وطلحة بن مصرف، انظر: "مختصر الشواذ" ص 49، و"زاد المسير" 3/ 198، و"البحر" 4/ 297.]] ابن سيرين، وكل ثقب في البدن لطيف فهو سم، وجمعه سموم. وقال الفرزدق: فَنَفَّسْتُ عَنْ سَمَّيْهِ حَتى تَنَفَّسَا ... وقُلتُ لَهُ لاَ تَخْشَ شَيْئًا وَرَائِيا [[ليس في "ديوانه"، وهو في "تفسير الطبري" 8/ 178، و"الدر المصون" 5/ 318، وصدره بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 2/ 1763، و"اللسان" 8/ 2103 (سمم) ويعني بسميه: ثقبي أنفه، أفاده الطبري.]] ومنه قيل: السم القاتل؛ لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب، و ﴿الْخِيَاطِ﴾ [[الخَيْط، بفتح الخاء وسكون الياء: واحد الخيوط معروف وهو السلك والخياط والمِخْيَط: الإبرة وما يخيط به. انظر: "العين" 4/ 293، و"الجمهرة" 1/ 611، و"تهذيب اللغة" 1/ 964، == و"الصحاح" 3/ 1125، و"مجمل اللغة" 2/ 308، و"المفردات" ص 302، و"اللسان" 3/ 1302 (خيط).]]: ما يخاط به، قال الفراء: (ويقال: خِيَاط ومِخْيَط كما يقال إزار ومِئْزر ولحِاف ومِلْحف وقِناع ومِقْنع) [["معاني الفراء" 1/ 379، ومثله ذكر الطبري 8/ 178.]] قال الزجاج: (والمعنى: لا يدخلون الجنة أبدًا) [["معاني القرآن" 2/ 338، وهو قول عامة المفسرين. انظر: "الطبري" 8/ 178، و"معاني النحاس" 3/ 35، والسمرقندي 1/ 540، والماوردي 2/ 222.]]. قال ابن الأنباري: (وإنما خص الجمل من بين الحيوان بالذكر إذ كان أكثر شأنًا عند العرب من سائر الدواب، والعرب تقدمه في القوة علي سائرها من أجل أنه يوقر بحمله وهو بارك فينهض به، ولم تر العرب أعظم منها [[كذا في النسخ: "منها" أي الجمال، والأولى (منه) أي الجمل.]] جسمًا فيما رأت من الحيوان) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 197.]]. وقال أهل المعاني [[ذكره الخازن 2/ 229 عن بعض أهل المعاني.]]: علق الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).]] دخولهم الجنة بولوج الجمل في سم الخياط. فكان ذلك نفيًا لدخولهم الجنة على التأبيد، وذلك أن العرب إذا علقت ما يجوز كونه بما لا يجوز كونه استحال كون [[في (ب): (استحال دون).]] ذلك الجائز الكون؛ كما يقال: لا يكون هذا حتى يَشِيبَ الغُرَاب، وحتى يَبْيَض القار [[ذكره ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 177، وقولهم: (لا يكون هذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار) يتمثل به في اليأس عن الشيء. انظر: "جمهرة الأمثال" 1/ 363، و"المستقصى" للزمخشري 2/ 59.]] وكما قال الشاعر: إذا شَابَ الغُرابُ أَتَيْتُ أهْلي ... وصارَ القارُ كاللَّبنِ الحليبِ [[الشاهد في "تفسير الماوردي" 2/ 223، و"وضح البرهان" للغزنوي 2/ 73، و"تفسير الخازن" 2/ 229، و"الدر المصون" 5/ 320 من غير نسبة، وفي حاشية وضح البرهان أفاد أنه للقارظ العنزي ونسب لتميم الداري.]] وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾. قال الزجاج: (أي: ومثل الذي وصفنا ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [[لفظ: (نجزي المجرمين). ساقط من (أ).]]، قال: والمجرمون -والله أعلم- هاهنا الكافرون؛ لأن الذي ذكر من قصتهم التكذيب بآيات الله والاستكبار عنها) [["معاني القرآن" 2/ 338، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 36، والسمرقندي 1/ 541، وقال الطبري 8/ 181: (يقول: وكذلك نثيب الذين أجرموا في الدنيا ما استحقوا به من الله العذاب الأليم في الآخرة) أهـ.]].

الأعراف 7:41

قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾. قال الليث: (المهاد: اسم جمع [[في (ب): (أجمع).]] من المهد كالأرض جعلها [[في (أ): (جعله).]] الله مهادًا للعباد، وجمع المِهاد: مُهُد، وثلاثة أمْهَده) [["تهذيب اللغة" 4/ 3461، وانظر: "العين" 4/ 31 - 32، و"الجمهرة" 2/ 685، و"الصحاح" 2/ 541، و"المجمل" 3/ 818، و"المفردات" 780، و"اللسان" 7/ 4286 (مهد).]] الأزهري: (أصل المهد في اللغة التوثير، ويقال للفراش: مهاد لوثارته) [["تهذيب اللغة" 4/ 3461 (مهد).]]. والغواشي [[في (ب): (والغواش).]]: جمع غاشية، وهي كل ما يغشاك أي يُجللك [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2667، و"الصحاح" 6/ 2446، و"المجمل" 3/ 696، و"المفردات" ص 607، و"اللسان" 6/ 3259 (غشا).]]، و ﴿جَهَنَّمَ﴾ لا ينصرف لاجتماع التأنيث فيها والتعريف. قال بعض أهل اللغة: (واشتقاقها من الجهومة، وهي الغلظ، يقال: رجل جهم الوجه، غليظه، فسميت بهذا [[في (ب): (بها).]] لغلظ أمرها في العذاب، نعوذ بالله منها) [[أكثر النحويين على أنها اسم لنار الله الموقدة وهي أعجمية معربة ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة، وذهب جماعة من المحققين إلى أنها عربية ومنعها للعلمية والتأنيث مأخوذة من قولهم: ركيَّة جِهنام بكسر الجيم والهاء أي: بعيدة القعر، واشتقاق جهنم من ذلك لبعد قعرها ولغلظتها، أفاده السمين في "عمدة الحفاظ" ص 104 وقال: (القول بأنها أعجمية غير مشهور في النقل، بل المشهور عندهم أنها عربية) اهـ. وانظر: "العين" 3/ 396، و"الزاهر" 2/ 146، و"تهذيب اللغة" 1/ 681، و"الصحاح" 5/ 1892، و"المفردات" ص 209، و"اللسان" 2/ 715 (جهنم).]]. قال المفسرون في هذه الآية: (هذا [[في (ب): (على هذا). وهو تحريف.]] إخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولِحاف) [[وهو قول الطبري في "تفسيره" 8/ 182، وأخرجه من طرق عن محمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي. وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 338، والنحاس 3/ 36 و"تفسير السمرقندي" 1/ 541، والماوردي 2/ 223.]]. فأما التنوين في ﴿غَوَاشٍ﴾، فقال أبو الفتح الموصلي: (ومما يسأل عنه من أحوال التنوين قولهم: جوارٍ وغواشٍ ونحو ذلك، لأية علة لحقه التنوين، وهو غير منصرف لأنه على وزن فواعل [[كذا في "النسخ"، وعند ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 511 (مَفاعِل).]]؟ والجواب عن ذلك: ما ذهب إليه الخليل وسيبويه [[انظر: "الكتاب" 3/ 308 - 309.]]، وهو أن هذا الضرب جمع، والجمع أثقل من الواحد، وهو أيضًا الجمع الأكثر الذي يتناهى إليه الجموع، فزاده ذلك ثقلاً، ووقعت مع ذلك الياء في آخره وهي مستثقلة، فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء خففوه بحذف يائه، فلما حذفت الياء نقص عن مثال فواعل [[في "سر صناعة الإعراب" 2/ 511 (مفاعل).]]، وصار (غواش) بوزن (جَناح) فدخله التنوين لنقصانه عن هذا المثال، فالتنوين عندهما في (غواش) وبابه إنما هو التنوين الذي هو علم الصرف، يدلك على هذا أنك إذا صرت إلى حال النصب فجرى مجرى الصحيح؛ كما من عادة المنقوص إذا نصب نحو: قاض وغاز فأتممته لم تصرفه، فقلت: رأيت (جواريَ) و (غواشيَ) ونحو ذلك) [[هذا ملخص ما ذكره ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 511 - 514.]]. وقال أبو إسحاق: (زعم الخليل وسيبويه أن النون هاهنا عوض من الياء؛ لأن (غواشي) لا ينصرف الأصل (غواشي) [[في "معاني الزجاج" 2/ 338: (الأصل غواشي بإسكان الياء، فإذا ذهبت الضمة أدخلت التنوين عوضًا منها ..) اهـ. ونص الواحدي مثل نصر الفارسي في "الإغفال" ص 778 عن الزجاج.]] بالياء والضم إلا أن الضمة تحذف لثقلها في الياء، فيبقى (غواشيْ) بسكون الياء، فإذا ذهبت الضمة أدخلت النون عوضًا منها، كذلك فسر أصحاب سيبويه، فكأن سيبويه يذهب إلى أن النون عوض من ذهاب حركة الياء، والياء سقطت لسكونها، وسكون النون، فإذا وقفت فالاختيار أن تقف [[في (ب): (يقف) بالياء.]] بغير ياء، فتقول [[في (ب): (فيقول) بالياء.]]: (غواش) لتدل [[في (ب): (ليدل).]] أن الياء كانت تحذف في الوصل، وبعض العرب إذا وقف قال: (غواشي)، بإثبات الياء، ولا أرى ذلك في القرآن؛ لأن الياء محذوفة في المصحف) [["معاني الزجاج" 2/ 338 - 339، و"الإغفال" ص 778 - 779، وفيهما بعد قوله: (في المصحف "الكتاب" على الوقف) أهـ.]] انتهى كلامه. والذي ذهب إليه أبو إسحاق هو أن التنوين في (غواشي) إنما هو بدل من الحركة الملقاة لثقلها عن الياء، فلما جاء التنوين حذفت الياء لالتقاء الساكنين هي والتنوين، كما حذف من المنصرف في نحو: قاضٍ وغازٍ ومتقٍ [[النص من "سر صناعة الإعراب" 2/ 512، وفيه: (قاضٍ وغازٍ ومشترٍ ومتعالٍ).]] ومتعالٍ، وهذا غير مرضي ولا سائغ في القياس، وقد ترك قول سيبويه والخليل، وخالفهما إلى خلاف الصواب [[هذا نص كلام ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 512 - 513.]]. قال أبو علي: (الدليل على أن الحذف لغير التقاء الساكنين أنه لو كان لذلك [[في (ب): (كذلك).]] لم يجب الحذف؛ ألا ترى أن الساكن [الأول هو الياء ولو ثبتت لم يلحق الساكن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الثاني لتعاقبهما كما لم يلحق (مساجد) [[في (أ): (مساجده)، وهو تحريف.]] ونحوه مما يكون من هذا الجمع، فقراءة الناس ﴿غَوَاشٍ﴾ بالتنوين دلالة على أن الياء لم تحذف لالتقاء الساكنين؛ إذ الساكن الأول لو ثبت لم يجتمع معه الساكن الثاني. وحكاية أبي إسحاق في قوله: (زعم سيبويه والخليل أن النون عوض من الياء) هذا لعمري صحيح عليه نص سيبويه، إلا أن ما ذكر بعد من قوله: فإذا ذهبت الضمة أدخلت النون عوضًا منها فالقول أن النون عوض من ذهاب الضمة خلاف قول سيبويه، ألا ترى أنه قد نص على أنه عوض من الياء كما حكاه أبو إسحاق أولاً عنه، ولو كان النون عوضًا من الضمة لكان جديرًا أن يلحق الفعل أيضًا، ألا ترى أن الأفعال قد حذفت الضمة من لاماتها، وقوله: (كأن سيبويه ذهب إلى أن [[لفظ: (أن) ساقط من (أ).]] النون عوض من ذهاب حركة الياء) تقدير لا وجه له مع ما حكيناه من نصه على أنه بدل من الياء، وقوله: (والياء سقطت لسكونها وسكون النون) قول لا يذهب إليه أحد، وإن [[في (أ): (فإن).]] أضافه إلى سيبويه فخطأ، وإن ذهب هو إليه [[في (ب): تكرار قوله: (أحد وإن أضافه إلى سيبويه فخطأ، وإن ذهب إليه).]] ففاسد، لما ذكرنا أن الساكن الأول إذا ثبت عاقب الساكن الثاني، ولم يكن للتنوين مدخل في الكلمة، فأما ما نسبه من التفسير الذي ذكره إلى أصحاب سيبويه [[وكذلك قال النحاس في "إعرابه" 1/ 612: (التنوين عند سيبويه عوض عن الياء وعن أصحابه عوض من الحركة) اهـ.]]، فإني لم أعلم أحدًا فسر هذا التفسير، فإن فسره مفسر كان خلاف مذهبه) [["الإغفال" ص 781 - 788، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 298، و"المشكل" 1/ 291، و"غرائب الكرماني" 1/ 403، و"البيان" 1/ 361، و"التبيان" ص 375، و"الفريد" 2/ 301، و"الدر المصون" 5/ 322.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الذين أشركوا بالله واتخذوا من دونه إلهًا) [["تنوير المقباس" 2/ 95، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 180، والرازي في "تفسيره" 14/ 78. وذكر ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 199 عن ابن عباس أنه قال: (الظالمون هاهنا الكافرون) اهـ.]]. قال الزجاج: (والظالمون -هاهنا أيضًا [[لفظ: (أيضًا) ساقط من (ب).]] -: الكافرون) [["معاني القرآن" 2/ 338، ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 37، والسمرقندي 1/ 541، وقال الطبري 8/ 182: (كذلك نثيب ونكافئ من ظلم نفسه فأكسبها من غضب الله ما لا قبل لها به بكفره بربه وتكذيبه أنبيائه) اهـ.]].

الأعراف 7:42

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال الزجاج: (معنى الوسع: ما يقدر عليه) [["معاني الزجاج" 2/ 339، وزاد فيه: (أي: عملوا الصالحات بقدر طاقتهم) اهـ. ونحوه قال الطبري في "تفسيره" 8/ 182، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 612، والسمرقندي 1/ 541.]]. قال مجاهد: (إلا ما افترض عليها) [[ذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 229.]] يعني: أن ما افترض عليها هو وسعها الذي يسعها [[لفظ: (الذي وسعها) ساقط من (ب).]] ويُقدر عليه ولا تعجز عنه. فقد بينه مقاتل فقال: (إلا طاقتها؛ ولا يكلف الله العباد إلا ما يطيقون) [["تفسير مقاتل" 2/ 37، وفيه: (يقول: لا نكلفها من العمل إلا ما تطيق) اهـ.]]، فقوله: (إلا طاقتها) ليس معناه: أقصى ما يطيقه؛ لأنه لو كلف ذلك لشق وتعذر، ولكن معناه: إلا مما يطيقه ولا يعجز عنه. ألا ترى أن معاذ بن جبل -رحمه الله- قال في هذه الآية: (إلا يُسرها لا عسرها ولو كلفها طاقتها لبلغ مجهودها) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 181، والرازي 14/ 79.]]، فقوله: (لو كلفها طاقتها) أراد أقصى ما تطيقه. وقد بيَّن أبو زبيد [[في (ب): (أبو زيد)، وهو تحريف. وهو: حَرْمَلَة بن المُنْذر بن مَعْدِ يَكرِب الطائي.]] الطائي في قوله: أُعْطِيهُم الجَهْدَ مِنّي بَلْهَ ما أَسَعُ [[الشاهد في "ديوانه" ص 109، و"الزاهر" 1/ 94، و"الصحاح" 5/ 2075، و"اللسان" 1/ 178 (أون)، و"الخزانة" 6/ 235 - 236 وبلا نسبة في "الجمهرة" 1/ 380، و"تهذيب اللغة" 4/ 3890، و"كتاب الشعر" لأبي علي 1/ 25، وأوله: حَمَّال أَثْقَال أَهْلِ الوُدَّ آوِنَةً وآونة، جمع أوان بمعنى الحين، والجهد بالفتح النهاية والغاية، وقيل: الوسع والطاقة، وَبَلْه أي دع، والوسع الطاقة والجدَة أيضًا. وقال البغدادي في "الخزانة" 6/ 237: (المعنى: أني أعطيهم فوق الوسع فتركًا للوسع، أو فدع الوسع، أي: ذكره أو فكيف الوسع لا أعطيه) اهـ. وفي "اللسان" 1/ 354 (بله) قال: (المعنى: أعطيهم ما لا أجده إلا بجهد ودع ما أحيط به وأقدر عليه) اهـ.]] أن ما يسعه [[كذا في النسخ: (إن ما يسعه) والأولى: (أي ما يسعه).]] دون أقصى طاقته، وأن أقصى الطاقة يسمى جهدًا لا وسعًا، وغلط من ظن أن الوسع [[انظر: (وسع) في "تهذيب اللغة" 4/ 3890، و"الصحاح" 3/ 1298، و"اللسان" 8/ 4834، وبمثل قول الواحدي، قال الرازي 14/ 79، و"الخازن" 2/ 229.]] بذل المجهود، وأكثر أصحاب المعاني [[ذكر مثله الرازي 14/ 78، و"الخازن" 2/ 229.]] على أن قوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ اعتراض بين الابتداء والخبر، والخبر الجملة التي هي قوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] هذا فصل بين الابتداء والخبر بما هو من جنس هذا الكلام؛ لأنه لما ذكر عملهم الصالح ذكر أن ذلك العمل مما يسعهم ولا يعسر عليهم، وقد مضت نظائر هذا فيما تقدم [[لم أقف عليه بعد طول بحث عنه في مظانه.]]، وعلى هذا لا موضع لقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال قوم من أهل المعاني: (موضعه رفع بأنه الخبر على حذف العائد كأنه قيل: لا نكلف نفسًا منهم إلا وسعها، وحذف العائد للعلم به) [[ذكره أكثرهم، والأول هو قول الزجاج في "معانيه" 2/ 339، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 612، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 79، وابن عطية 5/ 505، وانظر: "البيان" 1/ 361، و"التبيان" ص 375، و"الفريد" 2/ 301، و"الدر المصون" 5/ 323، وفي "بدائع التفسير" 2/ 212 قال ابن القيم: (اعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات، فرفع ذلك بقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ﴾، وهذا أحسن من قول من قال: إنه خبر عن الذين آمنوا، ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد، فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا، بل هو حكم شامل لجميع الخلق معه ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط، وتقدير صفة محذوفة أي نفسًا منها، وتعطيل هذه الفائدة الجليلة) اهـ.]].

الأعراف 7:43

قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾، معنى نزع الشيء: قلعه عن مكانه [[انظر: "العين" 1/ 357، و"الجمهرة" 2/ 817، و"تهذيب اللغة" 4/ 3552، و"الصحاح" 3/ 1289، و"المجمل" 3/ 863، و"اللسان" 7/ 4395 (نزع).]]، والغِلُّ: الحقد الكامن في الصدر [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 298، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 200، و"تفسير غريب القرآن" ص 177.]]. قال أهل اللغة [[انظر: "العين" 4/ 347، و"الجمهرة" 1/ 159، و"تهذيب اللغة" 3/ 2689، و"المجمل" 3/ 679، و"المفردات" ص 610، و"اللسان" ص 3285 (غلل).]]: (وهو الذي ينغل بلطفه [[في (ب): (بلفظه)، وهو تحريف.]] إلى صميم القلب، أي: يدخل، ومنه الغُلول، وهو الوصول بالحيلة إلى دقيق الخيانة، يقال: انغل في الشيء وتغلغل فيه، إذا دخل فيه بلطافة [[في (ب): (بطاقة)، وهو تحريف.]] كالحب يدخل في صميم الفؤاد). قال ذو الرمة: أَصَابَ خَصاَصَةً فَبَدَا كَليلًا ... كَللا وانْغَلَّ سَائِرُهُ انْغِلالًا [["ديوانه" ص 515 هـ. وقال الخطيب التبريزي في "شرحه": (خصاصة فرحة، والكليل الضَّعيف، وانغل غاب ودخل، وكلا كقولك: لا) اهـ.]] ومعنى نزع الغل: إبطاله بإعدامه من الصدر. وذكر أهل التأويل هاهنا قولين محتملين: أحدهما: وهو الذي عليه المعظم [[انظر: "معاني النحاس" 3/ 37، والسمرقندي 1/ 541، والماوردي 2/ 224.]] أن معناه: أذهبنا الأحقاد التي كانت لبعض على بعض في دار الدنيا، وإلى هذا أشار علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال: (إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله جل ذكره: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 229، والطبري 8/ 183، وابن أبي حاتم 5/ 1478 بسند جيد عن قتادة عن علي -رضي الله عنه- وهو مرسل، قتادة لم يسمع من علي، انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم ص 168، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" 3/ 113 عن إبراهيم النخعي، ومن طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه، قال الحافظ ابن حجر في "الشاف الكاف" ص 64: (أخرجه ابن سعد والطبري عن علي، وكلاهما منقطع، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ربعي بن حراش عن علي وهو متصل) اهـ. انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي 1/ 462، و"الفتح السماوي" للمناوي 2/ 635 - 636.]]. وقال الحسن في هذه الآية: (يعني: الجاهلية) [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 224؛ وأبو حيان في "البحر" 4/ 298.]]. والقول الثاني: أن نزع الغل إنما هو لئلا يحسد بعضهم بعضًا في تفاضل منازلهم وتفاوت مراتبهم في الجنة، واختار الزجاج هذا فقال: (وحقيقته -والله أعلم- أنه لا يحسد بعض أهل الجنة بعضًا؛ لأن الحسد غل) [["معاني الزجاج" 2/ 339، وقال ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 364: (معناه نزعنا الحسد من قلوبهم؛ لأن أهل الجنة لا يحسد بعضهم بعضًا). والظاهر أنه لا يحسد بعضهم بعضًا في علو المرتبة في الجنة، وفيما كان بينهم في الدنيا، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 183، والنحاس في "معانيه" 3/ 37، وانظر "تفسير ابن عطية" 5/ 505، 506.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾. قال ابن عباس: (حمدوا الله على [[في (ب): (إلي).]] ما أرشدهم إليه ووفقهم له) [[في "تنوير المقباس" 2/ 95 نحوه، ونقل ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 201 عن ابن عباس في الآية أنه قال: (يعنون ما وصلوا إليه من رضوان الله وكرامته) اهـ.]]. وقال مقاتل: (إذا استقروا في منازلهم في الجنة ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [["تفسير مقاتل" 2/ 38، وزاد فيه: (أي للإسلام ولهذا الخير) اهـ.]]. ومعنى ﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ [[لفظ: (هدانا) ساقط من (ب).]] أي: هدانا لهذا الثواب بالعمل الذي أدّى إليه، وهو معنى قول سفيان الثوري [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 190 أ، والبغوي 3/ 230 بلفظ: (معناه هدانا لعمل هذا ثوابه) اهـ. وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 612.]]، ونحو هذا قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 339، ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 37،وقال الطبري في "تفسيره" 8/ 184: (يقول أهل الجنة الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله، وصرف عذابه عنا) اهـ. وانظر "تفسير السمرقندي" 1/ 541 - 542، والماوردي 2/ 225.]]: (هدانا لما صيرنا إلى هذا [[لفظ: (إلى هذا) ساقط من (أ).]]). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ دليل على أن المهتدي مَنْ هَدَى الله [[لفظ: (الله) ساقط من (ب).]] وأن من لم يهده الله لم يهتد [[في (ب): (لم يهتدوا) ومثله ذكر الرازي في "تفسيره" 14/ 81، و"الخازن" 2/ 230، وانظر: "تفسير القرطبي" 7/ 208.]]. وقرأ ابن عامر [[قرأ ابن عامر: ﴿مَا كُنَّا﴾ بغير واوٍ قبل ما، وقرأ الباقون: ﴿وَمَا كُنَّا﴾ بالواو. انظر: "السبعة" ص280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 419، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269.]] ﴿مَا كُنَّا﴾ بغير واو، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام [[ذكره ابن مجاهد في "السبعة" ص 280، وابن الجزري في "النشر" 2/ 269، وقال ابن أبي داود في "كتاب المصاحف" ص 45: (في إمام أهل الشام وأهل الحجاز ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ وفي إمام أهل العراق: ﴿وَمَا كُنَّا﴾) اهـ.]]، ووجه الاستغناء [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 25، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 407، و"الحجة" لابن خالويه ص 156، و"الكشف" 1/ 464.]] عن حرف العطف [هنا أن الجملة ملتبسة بما قبلها، فأغنى التباسُها به عن حرف العطف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، وقد تقدم ذكر هذه المسألة [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 81 ب؛ 82 أ]]. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾)، [هذا من قول [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 185، والسمرقندي 1/ 542.]] أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانًا قالوا: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾. قال أبو إسحاق: (أن) في موضع نصب، وهي مخففة من الثقيلة، والهاء مضمرة، المعنى: ونودوا بأنه تلكم الجنة أي: نودوا بهذا القول، قال: والأجود عندي أن تكون (أن) في معنى تفسير النداء، كأن المعنى: ونودوا أي تلكم الجنة [[عند الزجاج في "معانيه" 2/ 340: (ونودوا أن تلكم الجنة).]]، المعنى: قيل لهم تلكم الجنة، كقوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: 6] يعني [["معاني الزجاج" 2/ 340. وقد ذكر الوجهين أكثرهم، انظر: "تفسير الطبري" 8/ 185، 186، و"إعراب النحاس" 1/ 216، و"الكشاف" 2/ 79، و"تفسير ابن عطية" 5/ 508، و"التبيان" ص 376، و"الفريد" 2/ 302، و"البحر المحيط" 4/ 300. وقال النحاس في "معانيه" 3/ 38: (يجوز أن يكون المعنى (بأنه تلكم الجنة)، ويجوز أن تكون أن مفسرة للنداء، والبصريون يعتبرونها بأي، والكوفيون يعتبرونها بالقول، والمعنى واحد، كأنه ونودوا قيل لهم تلكم الجنة أي هذه تلكم الجنة التي وعدتموها في الدنيا، ويجوز أن يكون لما رأوها قيل لهم قبل أن يدخلوها تلكم الجنة) اهـ. وانظر: "الدر المصون" 5/ 324.]] امشوا. قال: وإنما قال: ﴿تِلْكُمُ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا، فكأنه قيل لهم: هذه تلكم التي وعدتم بها، وجائز أن يكون عاينوها، فقيل لهم من قبل دخولها إشارة إلى ما يرونه: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ فيه قولان؛ أحدهما، وهو قول أهل المعاني [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 81، 82 فقد ذكر مثله.]]: (أن معناه: صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله). والإرث قد يستعمل في اللغة [[الإرث: إبقاء الشيء وانتقاله إلى الغير وأصل الميراث هو أن يكون الشيء لقوم، ثم يصير إلى آخرين بنسب أو سبب. انظر: "العين" 8/ 234، و"تهذيب اللغة" 4/ 3868، و"الصحاح" 1/ 295، و"مقاييس اللغة" 6/ 105، و"المفردات" ص 863، و"اللسان" 8/ 4808 (ورث).]] ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي، كما يقال: هذا الأمر يورثك الشرف، ويورثك العار [[في (ب): (القار)، وهو تصحيف.]] أي: يصيرك إليه برحمة الله [[أخرج البخاري في كتاب الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل رقم (6463)، ومسلم في كتاب صفة الجنة والنار، باب: لن يدخل أحد الجنة رقم (2816 إلى 2818) من طرق عن عائشة وأبي هريرة -رضي الله عنهما- عن رسول الله ﷺ قال: "لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة".]] وليس له في ذلك متعلق؛ لأن العمل الصالح لم ينالوه ولم يبلغوه إلا بالرحمة، وإذا كان العمل الصالح لا يكون إلا برحمته، فإذا دخلوا الجنة بأعمالهم فقد دخلوها برحمته، إذ لم يكن ذلك العمل [الصالح] [[لفظ: (الصالح) ساقط من (ب).]] إلا برحمته) [[لم أقف عليه عن الجرجاني صاحب "نظم القرآن"، وذكر مثل ذلك الرازي في "تفسيره" 14/ 82، والقرطبي 7/ 209.]].

الأعراف 7:44

قال ابن عباس: (وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا من الثواب حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم من العذاب حقًّا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 187، وابن أبي حاتم 5/ 1482 بسند ضعيف.]]. وهو سؤال تعيير وتقرير. قال الزجاج: (معنى: ﴿أَن﴾ في قوله: ﴿أَن قَدْ وَجَدْنَا﴾ إن شئت كان تفسيرًا لما نادى به أصحاب الجنة، والمعنى: أي: قد وجدنا، وإن شئت كانت المخففة من الثقيلة خففت [[في (ب): (وخففت).]] أنه قد وجدنا) [["معاني الزجاج" 2/ 340. وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 298 - 299، و"معاني النحاس" 3/ 38، و"إعراب النحاس" 1/ 612، 613.]]. وقوله: ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾. قال سيبويه: (نعم عِدَةٌ وتصديق، قال: وإذا استفهمت أجبت بنعم) [["الكتاب" 4/ 234.]] قوله [[في (ب): (أريد إذا قوله)، وهو تحريف.]]: (عِدَة وتصديق) أراد أنه يستعمل عِدَة، ويستعمل تصديقًا، وليس يريد أن العِدَة تجتمع مع التصديق؛ ألا ترى أنه إذا قال: أتعطيني؟ فقال: نعم، كان عدة ولا تصديق في هذا، وإذا قال: قد كان كذا وكذا فقلت: نعم، فقد [[في (أ): (قد صدقت).]] صدقته ولا عدة في هذا، وقوله: (إذا استفهمت أجبت نعم)، يريد إذا استفهمت عن مُوجَب كما يقال: أيقوم زيد؟، فتقول: نعم، ولو كان مكان الإيجاب نفيًا لقلت: (بلى) ولم تقل (نعم). كما لا تقول في جواب [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 20 - 21، وفيه: (كما تقول في جواب الإيجاب. قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ولم يقل نعم) اهـ وانظر: "الزاهر" 2/ 50، و"حروف المعاني" للزجاجي ص 6، و"معاني الحروف" للرماني ص 104، و"رصف المباني" ص 426.]] الإيجاب. بلى كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] وقرأ الكسائي [[قرأ الكسائي: ﴿نعِم﴾ بكسر العين حيث وقع، وقرأ الباقون بفتحها في كل القرآن. انظر: "السبعة" ص 281، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 419، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269.]] (نعِم) بكسر العين، قال أبو الحسن [[أبو الحسن الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة المجاشعي، إمام. تقدمت ترجمته.]]: (هما لغتان) [["معاني الأخفش" 1/ 252، و"الحجة" لأبي علي 4/ 19، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 406، و"الحجة" لابن خالويه ص 154 - 155.]]. قال أبو حاتم [[أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني البصري إمام لغوي. تقدمت ترجمته.]]: (وليس الكسر بمعروف) [[ذكره ابن عطية في "تفسيره" 5/ 509، والرازي 14/ 85، والسمين في "الدر" 5/ 326، وهذا قول غريب مردود لأنها قراءة سبعية، ولغة فصيحة مشهورة. انظر: "العين" 2/ 162، و"الجمهرة" 2/ 953، و"تهذيب اللغة" 4/ 3615، و"الصحاح" 5/ 2042، و"المجمل" 4/ 874، و"المفردات" ص 816، و"اللسان" 8/ 4485 (نعم).]]. واحتج الكسائي بكلام يروى عن عمر -رضي الله عنه- أنه سأل قومًا عن شيء فقالوا: نَعَم، فقال: (أما النَعَم فالإبل، فقولوا [[في (ب): (فقوله: (نعم))، وهو تحريف، ونعم الأولى بالفتح، والثانية بالكسر.]] نَعِم) [[هذا أثر مشهور لم أقف على إسناده، وهو في "الزاهر" 2/ 51 - 52، و"إعراب القراءات" 1/ 181، و"تفسير السمرقندي" 1/ 542، و"الحجة" لابن زنجلة ص 283، و"الكشف" لمكي 1/ 463، و"تفسير ابن عطية" 5/ 510، و"منثور الفوائد" لابن الأنباري ص 84، و"تفسير الرازي" 14/ 85، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير 5/ 84.]]. قال أبو عبيد: (ولم نر العرب يعرفون ما رووه عن عمر، ونراه مولدًا) [[في (ب): (مؤكدًا)، وذكره السمين في "الدر" 5/ 326 عن أبي عبيد بلفظ (مولدًا). وقال بعده: (هذا طعن في المتواتر فلا يقبل) اهـ. والمولد: الكلام المستحدث الذي لم يكن من كلامهم فيما مضى. انظر: "اللسان" 8/ 4915 (ولد).]]. وقال أبو إسحاق: (وفي بعض اللغات (نَعِم) في معنى (نَعَم)، موقوفة الآخر لأنها حرف جاء لمعنى) [["معاني الزجاج" 2/ 340.]]. [وقوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾؛ معنى التأذين في اللغة [[انظر: "العين" 8/ 199، و"تهذيب اللغة" 1/ 140، و"الصحاح" 5/ 2068، و"المجمل" 1/ 91، و"مقاييس اللغة" 1/ 75، و"المفردات" ص 70، و"اللسان" 1/ 52 (أذن). وقال سيبويه في "الكتاب" 4/ 62: (آذنت: أعلمت، وأذَّنْتُ النداء والتصويت بإعلان) اهـ. انظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 23، و"الزاهر" 1/ 29.]]: النداء، والتصويت] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] بالإعلام، والأذان للصلاة إعلام بها، وبوقتها [[هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 140 (أذن).]]، وقالوا في معنى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ [[جاء في الأصول: ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ بدون فاء، وفي سورة يوسف الآية 70: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وانظر: "تفسير الرازي" 14/ 85.]] نادى منادٍ نداء أسمع الفريقين [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 177، والطبري 8/ 187، والسمرقندي 1/ 542.]]. قال ابن عباس: (وذلك المؤذن من الملائكة وهو صاحب الصور) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 85، وقال الخازن 2/ 231: (وهذا المنادي من الملائكة، وقيل: إنه إسرافيل صاحب الصور، ذكره الواحدي) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمْ﴾، قال أبو علي: (يحتمل أمرين [[في (أ): (يحتمل لأمرين أحسن فيه).]]؛ الأحسن فيه أن يكون ظرفًا لـ (مؤذن) كما تقول: أعْلَمَ وسْطَهُمْ معلم، ولا تُجعل صفة للنكرة؛ لأن اسم الفاعل إذا أُعمل عمل الفعل لم يوصف كما لا يُصغّر؛ لأن الصفة تخصيص، والفعل وما أُجري مجراه لا يلحقه تخصيص، والتصغير كالوصف، ومن ثم لم [[في (ب): (ومن ثم لا يستحسن).]] يستحسن (هذا ضويرب زيدًا)، كما لا يستحسن (هذا ضارب ظريف زيدًا)، ولأنك في [هذا] [[لفظ: (هذا): ساقط من (ب).]] تفصل بين العامل والمعمول بالأجنبي، وذلك أن ﴿مُؤَذِّنٌ﴾ عامل في ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾، فإذا جعلت ﴿بَيْنَهُمْ﴾ صفة [فقد فصلت بين العامل والمعمول بالأجنبي، وإن شئت جعلت ﴿بَيْنَهُمْ﴾ صفة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]؛ لأن التقدير فأذن مؤذن بينهم بأن لعنة الله، ومعنى الفعل قد يعمل في الجار ويصل إليه وإن فصل بينهما بالصفة، كما تقول: هذا مارّ [أمس] [[لفظ: (أمس: ساقط) من (أ).]] يزيد، والأول الوجه، والجار المقدر إن شئت جعلته متعلقًا بمؤذن، وإن [[في (أ): (فإن جعلته)، وفي "الحجة" 2/ 405: (وإن شئت جعلته) وهو الأولى.]] جعلته متعلقًا بأذن) [["الحجة" لأبي علي 2/ 404 - 405، وزاد: (وإن شئت جعلت (بين) ظرفًا للمؤذن لا صفة وكل ذلك لا يمتنع)، وقال ابن الأنباري في "البيان" 1/ 362: (بينهم: منصوب على الظرف والعامل أذن أو مؤذن على اختلاف بين النحويين؛ فالبصريون يختارون أن يكون متعلقًا بمؤذن لأنه أقرب إليه من أذن والكوفيون يختارون (أذن) لأنه الأول والعناية به أكثر فإن جعلت بينهم وصفًا لمؤذن جاز ولكن لا يجوز أن يعمل في أن لأن اسم الفاعل إذا وصفته بطل عمله ولأنه يخرج بذلك عن شبه الفعل) اهـ. وانظر: "المشكل" 1/ 292، و"التبيان" ص 377، و"الفريد" 2/ 304، و"الدر المصون" 5/ 327.]]. وقوله: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ قرئ [[قرأ عاصم وأبو عمرو ونافع ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ بإسكان النون مخففة ورفع ﴿لَعْنَةُ﴾ وقرأ الباقون بتشديد ﴿أَنْ﴾ ونصب ﴿لَعْنَةُ﴾. انظر: "السبعة" ص 281، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 419، و"التيسير" ص110، و"النشر" 2/ 269.]] (أنْ) مخففًا، (لعنةُ الله) رفعًا ، وقرئ (أنَّ) مشددة (ولعنةَ الله) نصبًا، فمن شدّد فهو الأصل، ومن خفف ﴿أَن﴾ فهي مخففة من الشديدة على إرادة إضمار القصة والحديث، تقديره: أنه لعنة [الله] [[لفظ: (الله) ساقط من (ب).]]، ومثل ذلك قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10] التقدير: أنه، ولا تخفف (أن) هذه إلا وإضمار القصة والحديث يراد معها [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 23. وانظر: "معاني القراءات" 1/ 407، و"إعراب القراءات" 1/ 182، و"الحجة" لابن زنجلة ص 283، و"الكشف" 1/ 463. قال الأزهري: (من خفف أن منعها عملها ورفع ما بعدها، ومن شدد النون نصب بها الاسم والمعنى واحد) اهـ. ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 14/ 85.]]. قال أبو إسحاق [["معاني الزجاج" 2/ 341، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 298 - 299، و"تفسير الطبري" 8/ 187، و"معانى النحاس" 3/ 38، و"إعراب النحاس" 1/ 613، و"المشكل" 1/ 292، وقال: (ويجوز أن تكون في حالة التخفيف بمعنى أي التي للتفسير، فلا موضع لها من الإعراب) اهـ.]]: (ويجوز أن يكون المخففة التي هي للتفسير كأنها تفسير لما أَذَّنُوا به كما ذكرنا في قوله: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾).

الأعراف 7:45

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هذه الآية من نعت [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 613، و"التبيان" ص 377، و"الفريد" 2/ 304.]] قوله: ﴿على الظالمين﴾، ومعنى ﴿يَصُدُّونَ﴾ يجوز أن يكون من (الصدّ) [[الصد: الإعراض، يقال: صَد يَصُد وصددته عن الأمر إذا عدلته عنه، وصد يَصِد -بكسر الصاد- إذا ضج. انظر: "العين" 7/ 80، و"الجمهرة" 1/ 111، و"تهذيب اللغة" 2/ 1985 و"المجمل" 2/ 532، و"مقاييس اللغة" 3/ 282، و"المفردات" ص 477، و"اللسان" 4/ 2409 (صدد).]] الذي هو المنع، ويجوز أن يكون من (الصدود) الذي [[في (أ): (والذي هو) بالواو.]] هو الإعراض. وقوله تعالى: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: عن دين الله وطاعة الله) [["تنوير المقباس" 2/ 96، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1482 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (عن دين الله) اهـ.]]. قال أهل المعاني: (سبيل الله الحق الذي دعا الله إليه) وقيل: (الطريق الذي دل الله [[في (ب): (الذي دل إليه).]] أنه يؤدي إلى الجنة) [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 187، والسمرقندي 1/ 542.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، قال ابن عباس: (يريد: يصلون لغير الله، ويعظمون ما لم يعظم الله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 184، والبغوي 3/ 231.]]. ومعنى هذا: أنهم طلبوا سبيل الله بالصلاة لغيره، وتعظيم ما لم يعظمه الله، فأخطأوا الطريق وطلبوه ضالين معوجّين عن الطريق [[انظر: "تفسير الخازن" 2/ 232 فقد ذكر مثله.]]، ﴿عِوَجًا﴾ على هذا المعنى مصدر [[انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 511.]] في موضع الحال، وقد ذكرنا معنى ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ مستقصى في سورة آل عمران [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 200/ ب]].

الأعراف 7:46

وقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾، والحجاب [[الحجاب، بكسر الحاء: الستر، واسم ما احتجب به، وكل ما حال بين شيئين حجاب، والجمع حجب بالضم. انظر: "العين" 3/ 86، و"جمهرة اللغة" 1/ 263، و"تهذيب اللغة" 1/ 473، و"الصحاح" 1/ 107، و"المجمل" 1/ 266 ، و"المفردات" ص 219، و"لسان العرب" 2/ 777 (حجب).]] الحاجز بين الشيئين، قال الكلبي: (يعني: بين أهل الجنة وأهل النار، (حجاب) سور) [["تنوير المقباس" 2/ 96 وهو قول أهل التفسير. انظر: الطبري 8/ 188، والسمرقندي 1/ 542، والماوردي 2/ 225، وابن عطية 5/ 512، والبغوي 3/ 231، وابن الجوزي 3/ 204، والرازي 14/ 86.]] وهو الأعراف التي قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ ولذلك عُرِّفت الأعراف لأنه عُني بها الحجاب المذكور [[انظر: "الدر المصون" 5/ 328 حيث نقل قول الواحدي.]] في قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾، ﴿الْأَعْرَافِ﴾ جمع: عُرْف [[هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2405، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 215، و"تفسير غريب القرآن" ص 178، و"تفسير المشكل" ص 84.]]، وهو كل عالٍ مرتفع، ومنه عُرف الفرس، عُرف الديك، وكل مرتفع من الأرض عُرف، وذلك لأنه بظهوره أعرف مما انخفض منه [[انظر: "العين" 2/ 121، و"الجمهرة" 2/ 766، و"الصحاح" 4/ 1400، و"المجمل" 3/ 661، و"المفردات" ص 561، و"اللسان" 5/ 2901 (عرف).]]، قال عطاء عن ابن عباس: (﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ﴾ يريد: سور الجنة، وهو سور بين الجنة والنار) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 229، والطبري 8/ 188، 189، وابن أبي حاتم 5/ 1483، والأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2405 (عرف) من عدة طرق جيدة، وقال الرازي في "تفسيره" 14/ 87: (الذي عليه الأكثرون أن المراد من الأعراف أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار وهذا قول ابن عباس) اهـ.]]. وروى أيضًا عنه أنه قال: (الأعراف شرف الصراط) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 87، والقرطبي 7/ 213، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 229 - 230، والطبري 8/ 189، وابن أبي هاشم 5/ 1483 بسند جيد عن ابن عباس قال: (الأعراف الشيء المشرف)، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 160.]]. واختلفوا في الرجال الذين هم على الأعراف؛ فقال ابن عباس والأكثرون [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 229، والطبري 8/ 190، 191، وابن أبي حاتم 5/ 1483 من عدة طرق جيدة يقوي بعضها بعضًا عن ابن عباس، وأخرجه الطبري 5/ 1485 من عدة طرق عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، وسعيد ابن جبير والضحاك، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1485 عن عبد الله بن الحارث، وقال بعده: (وروي عن أبي هريرة) اهـ. وهو قول مجاهد كما في تفسير مسلم بن خالد الزنجي ص 47 - 48، وأخرجه عنه النحاس في "معانيه" 3/ 40، وزاد ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 205 نسبة هذا القول إلى الشعبي وقتادة، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 342، و"تفسير السمرقندي" 1/ 542، والماوردي 2/ 226، وابن عطية 5/ 515.]]: (هم مؤمنون إلا أنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم فمنعتهم [[في (ب): (فمنعهم).]] حسناتهم من النار، ومنعتهم سيئاتهم من الجنة، فيقومون على سور الجنة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، وهم آخر من يدخل الجنة)، وهو قول حذيفة [[حذيفة بن حُسَيْل بن جابر العبسي أبو عبد الله حليف الأنصار، واليمان لقب: حسيل، وهو صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام عالم شجاع صاحب سر النبي ﷺ في المنافقين، وهو من أعيان المهاجرين شهد أحد، والمشاهد بعدها وله بها ذكر حسن وآثار شهيرة، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي -رضي الله عنه- سنة 36 هـ. انظر: "الحلية" 1/ 270، و"الاستيعاب" 1/ 393 (510)، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 361، و"تهذيب التهذيب" 1/ 367، و"الإصابة" 1/ 317، و"الأعلام" 2/ 171.]] [[أخرجه الطبري 8/ 190، وابن أبي حاتم 5/ 1485، والحاكم في "المستدرك" 2/ 320 وقال: (حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في "التلخيص".]] وابن مسعود [[أخرجه الطبري 8/ 191، والبغوي 3/ 232 بسند ضعيف.]] والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 96، و"المطالب العالية" 3/ 334.]] واختيار الفراء [["معاني الفراء" 1/ 379 - 380 وهو الظاهر، واختيار الطبري 8/ 194، والنحاس في "معانيه" 3/ 40، وقال: (وهذا القول أشهر وأعرف) اهـ، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 613، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 242: (واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم، وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد وهو: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. نص عليه حذيفة، وابن مسعود، وابن عباس، وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله) اهـ. وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 214 - 216: (وهذا هو الثابت عن الصحابة، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة) اهـ.]]. وروي أن النبي ﷺ سئل عن أصحاب الأعراف فقال: "هم قوم [[في (ب): (هم رجال).]] قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم النار قتلهم في سبيل الله، ومنعتهم الجنة معصية آبائهم، فهم آخر من يدخل الجنة" [[أخرجه ابن الأنباري في "الأضداد" ص 369، والطبري 8/ 193، وابن أبي حاتم 5/ 1484 بسند ضعيف، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 23 - 24، وقال: (رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه محمد بن مخلد الرعيني وهو ضعيف، وروى الطبراني نحوه وفيه أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي وهو ضعيف) اهـ. وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 242، وقال: (رواه ابن مردويه، وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن أبي معشر به، وكذا رواه ابن ماجه مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري، وابن عباس -والله أعلم- بصحة هذه الأخبار المرفوعة وقصارها أن تكون موقوفة، وفيه دلالة على ما ذكر) اهـ. وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- في "حاشية الطبري" 12/ 458 - 459: (هذا خبر ضعيف لما فيه من المجاهيل ولضعف أبي معشر) اهـ. وذكره ابن حجر في "الإصابة" 2/ 426، ترجمة عبد الرحمن المزني، وفي "المطالب العالية" 14/ 664 (3608)، والسيوطي في "الدر" 3/ 163، 164 وفيه زيادة تخريج.]]. وقال سليمان التيمي [[لم أقف عليه، ولعله روى سليمان التيمي عن أبي مجلز بدلالة قوله: (قال: فقيل لأبي مجلز) والقائل هو سليمان التيمي كما أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 193، وابن أبي حاتم 5/ 1486 من عدة طرق جيدة عن سليمان التيمي عن أبي مجلز، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 164.]] وأبو مجلز [[أبو مجلز: لاحق بن حميد السدوسي، إمام. تقدمت ترجمته.]]: (هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار، قال: فقيل لأبي مجلز، يقول الله تعالى: (﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ وتزعم أنت أنهم ملائكة؟، فقال: إنهم ذكور ليسوا بإناث) [[هذا قوله رده أكثر أهل التفسير، قال الطبري 8/ 193: (هو قول لا معنى له) اهـ، وقال ابن الجوزي 3/ 206: (فيه بُعد وخلاف للمفسرين) اهـ، وقال ابن كثير 2/ 243: (رواه ابن جرير وهو صحيح إلى أبي مجلز أحد التابعين وهو غريب من قوله، وخلات الظاهر من السياق، وقول الجمهور مقدم على قوله بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾، قال المفسرون [[هذا قول مجاهد في "تفسيره" 1/ 237، والفراء في "معانيه" 1/ 379، والطبري 8/ 194، 195، وأخرجه من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 38، والسمرقندي 1/ 543، والماوردي 2/ 226، والبغوي 3/ 233، وابن عطية 5/ 515، وابن الجوزي 3/ 206.]]: (إنهم يرون أهل الجنة فيعرفونهم ببياض وجوههم، ويرون أهل النار فيعرفونهم بسواد وجوههم وزرقة عيونهم). قال أبو إسحاق: (يعرفون أصحاب الجنة لأن سيماهم إسفار الوجوه والضحِك والاستبشار كما قال عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39)﴾ [عبس:38، 39]، ويعرفون أصحاب النار بسواد وجوههم وغبرة [[لفظ: (غبرة) ساقط من (ب).]] وزرقة عيونهم [[لفظ: (وزرقة عيونهم) ساقط من (أ) ولا يوجد في "معاني الزجاج".]] كما قال جل ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40)﴾ [عبس: 40]) [["معاني الزجاج" 2/ 343.]] قال ابن الأنباري: (إنما خص الله تعالى هؤلاء بمعرفة الجماعة دون الخلق؛ لأن موضعهم مرتفع عالٍ يرون فيه أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار دون الخلق، وكأن الاختصاص من أجل [[في (ب): (من أجله)، وهو تحريف.]] هذا المعنى) [[لم أقف عليه عن ابن الأنباري. وانظر "الأضداد" لابن الأنباري ص 368 - 370.]] وذكرنا معنى السيما [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 163أ.]] في سورة [البقرة] [[لفظ: (البقرة) ساقط من (ب).]]. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، قال الكلبي: (إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها فردوا عليهم السلام، وإذا نظروا إلى النار ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾) [["تنوير المقباس" 2/ 97، وهو قول أكثر المفسرين، انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 368، وتفسير الطبري 12/ 464، والسمرقندي 1/ 543، والبغوي 3/ 233، وابن عطية 5/ 516، والرازي 14/ 90.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿وَنَادَوْا﴾ (يريد: أصحاب الأعراف ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [[لفظ: (أن) ساقط من (ب).]]، فردوا عليهم السلام، فقال أصحاب الجنة لخزنة جهنم: ما لأصحابنا على أعراف الجنة لم يدخلوها؟ فقال الملائكة: ﴿وَهُم [[في (ب): (وهم).]] يَطْمَعُونَ﴾ [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 330، وقال: (وهذا يبعد صحته عن ابن عباس إذ لا يلائم فصاحة القرآن) اهـ.]] وقولى تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ بعضه من قول أهل الجنة، وبعضه من كلام الملائكة جوابًا لأهل الجنة، على ما قال عطاء، وعلى قول الباقين هو من كلام الله تعالى، وإخباره أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون [[قال النحاس في "معانيه" 3/ 39: (قال الله عز وجل: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال أكثر أهل التفسير يعني أصحاب الأعراف) اهـ. فهذا إخبار من الله تعالى أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها قاله الجمهور. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 196، و"القطع والائتناف" للنحاس 1/ 253، والسمرقندي 1/ 543، والبغوي 3/ 233، وابن الجوزي 3/ 206.]]. قال حذيفة: (ولم يكن الله ليخيب طمعهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 185، وانظر: "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 655.]]، وقال سعيد بن جبير: (طمعوا لأن الله تعالى سلب نور المنافقين وهم على الصراط وبقي نورهم) [[أخرجه الطبري 8/ 196، والبغوي 3/ 232 بسند ضعيف عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود رضي الله عنه.]]. وروي عن الحسن أنه قال: (هذا طمع اليقين، كقول إبراهيم عليه السلام: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ [الشعراء: 82]) [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 21، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 230، والطبري 8/ 196، وابن أبي حاتم 5/ 1488 بسند جيد عن الحسن قال: (والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم) اهـ. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 165، وذكره أبو حيان في "البحر" 4/ 303 عن ابن مسعود، ثم قال: (وهذا هو الاظهر والأليق بمساق الآية) اهـ. وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 516.]].

الأعراف 7:47

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ الآية، التلقاء [[اللِّقاءُ: مقابلة الشيء ومصادفته، والاسم التلقاء وهو مصدر نادر لا نظير له إلا التَّبْيان. انظر: "العين" 5/ 215، و"الجمهرة" 2/ 977، و"تهذيب اللغة" 4/ 3290، و"الصحاح" 6/ 2484، و"المجمل" 3/ 811، و"مقاييس اللغة" 5/ 260، و"المفردات" ص 745، و"اللسان" 7/ 4065 (لقى).]]: جهة اللقاء وهي جهة المقابلة، ولذلك [[في (ب): (وكذلك قال ظرفًا)، وهو تحريف.]] كان ظرفًا من ظروف المكان، هو تلقاءك، كقولك: هو حذاءك، وهو في الأصل مصدر واستعمل ظرفًا مثل البين. قرأت على أبي الحسين [[في (ب): (أبي الحسن)، وهو تحريف.]] بن أبي عبد الله الفسوي [[هو عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد الفسوي أبو الحسين بن أبي عبد الله الفارسي، أحد شيوخ الواحدي. تقدمت ترجمته.]]، فقلت: أخبركم حمد بن محمد [[حمد بن محمد الخطابي أبو سليمان البستي، إمام، سبقت ترجمته في ص190.]] قال، أخبرني أبو عمر [[في (أ): (أبو عمرو)، وهو تحريف.]] محمد بن عبد الواحد [[محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم البَاورْدَي، تقدمت ترجمته.]] أبنا ثعلب عن الكوفيين، والمبرد عن البصريين قالا: (لم يأت من المصادر على تِفْعال إلا حرفان: تِبْيان، وتِلْقاء، فإذا تركت هذين استوى لك القياس في كلام الناس، فقلت في كل مصدر: تَفعال -بفتح التاء- مثل تَسْيار وتَهمام، وقلت في كل اسم: تِفعال -بكسر التاء- مثل تِقصار وتِمثال) [[ذكره الرازي 14/ 75 عن الواحدي، وقال السمين في "الدر" 5/ 331: (التلقاء في == الأصل مصدر، ثم جعل دالًا على المكان، أي: على جهة اللقاء والمقابلة، قالوا: ولم يجيء من المصادر على تفعال -بكسر التاء- إلا لفظتان: التلقاء، والتبيان، وما عدا ذلك من المصادر فمفتوح نحو الترداد والتكرار، ومن الأسماء مكسور نحو تِمثال وتِمساح وتِقصار) اهـ. انظر: "التبيان" ص 377، و"الفريد" 2/ 306، والقرطبي 7/ 214.]]. وتفسير الآية ما ذكرنا من قول الكلبي في الآية الأولى.

الأعراف 7:48

قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾، قال الكلبي: (وينادي أصحاب الأعراف قومًا من أهل النار من رؤساء المشركين، فيقولون [[في (ب): (فيقول).]] لهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ وما كنتم تستكثرون [[في (ب): (تستكبرون)، وهو تحريف.]] من الأموال والأولاد، وتستكبرون عن عبادة الله جل وعلا، ثم يرون في الجنة جماعة من مستضعفي المسلمين، مثل بلال، وسلمان [[سلمان أبو عبد الله الفارسي، ويقال له سلمان الخير، وسلمان ابن الإِسلام، صحابي جليل، زاهد، عالم، حكيم، شهد الخندق وما بعدها، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي -رضي الله عنه- سنة 34 هـ. انظر: "الحلية" 1/ 185، و"الاستيعاب" 2/ 194 (1019)، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 505، و"الإصابة" 1/ 62، و"تهذيب التهذيب" 2/ 68، و"الأعلام" 3/ 111.]]، وعمار، وخباب؛ فيقبلون على المشركين فيقولون: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ [الأعراف:49] أي: حلفتم وأنتم في الدنيا ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ﴾ برحمته، فيقول الله تبارك وتعالى لأصحاب الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ حين يخاف أهل النار ﴿وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ حين يحزنون) [["تنوير المقباس" 2/ 97 - 98، وذكره ابن الأنباري في "الأضداد" ص 369 - 370، والبغوي 3/ 233، وابن الجوزي 3/ 207 - 208.]]. و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال مقاتل بن سليمان: (﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ من كلام الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط، وذلك أن أهل النار يقسمون أن أصحاب الأعراف داخلون معهم النار، فتقول الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ يا أهل النار ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾، ثم تقول الملائكة لأصحاب الأعراف ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية) [["تفسير مقاتل" 2/ 39.]]. قال أبو بكر بن الأنباري: (قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ على تفسير الكلبي من كلام أصحاب الأعراف و ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ من كلام الله تعالى، ويحتاج هاهنا إلى إضمار (قول) بين قوله ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ وقوله: ﴿ادْخُلُوا﴾ أي: فقال [[فقال الله لهم.]] لهم هذا كما قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الشعراء: 35]، وانقطع كلام الملأ [[في (ب): (الملائكة)، وهو تحريف.]] هنا، ثم قال لهم فرعون: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: 35]، فاتصل كلامه بكلامهم، من غير إظهار قول؛ لبيان المعنى) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 332، وذكره الرازي 14/ 91، 92 بلا نسبة، وانظر: "إيضاح الوقف والابتداء" الأبن الأنباري 2/ 657.]].

الأعراف 7:50

قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: (لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد الإياس؛ فقالوا [[في (ب): (فقال)، وهو تحريف.]]: يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله الجنة فتزخرفت حتى نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل النار [[في (ب): (أهل جهنم).]] فلم يعرفوهم قد اسودت وجوههم وصاروا خلقًا آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ الآية) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 186، والبغوي 3/ 234، وابن الجوزي 3/ 208، والرازي 14/ 92، و"الخازن" 2/ 235، وأخرج سفيان الثوري في "تفسيره" ص 113، والطبري 8/ 201، وابن أبي حاتم 5/ 1490 بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: ينادي الرجل معرفته من أهل الجنة: أغثني يا فلان فقد احترقت، فيقول الله تعالى جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ اهـ. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 166.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، قال ابن زيد والسدي: (يعني: الطعام) [[أخرجه الطبري 8/ 201، وابن أبي حاتم 5/ 1491 بسند جيد عن ابن زيد والسدي، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 166.]]. قال أبو إسحاق: (أعلم الله عز وجل أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب، وإن كان معذبًا، فأعلمهم أهل الجنة أن الله حرم طعامهم وشرابهم على أهل النار بقولهم [[في (ب): (بقوله).]]: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 344.]]، [و] هذا [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] تحريم منع لا تحريم تعبد.

الأعراف 7:51

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾. قال ابن عباس [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 190، وابن الجوزي 3/ 209، والرازي 14/ 93، و"الخازن" 2/ 235.]]: (يريد: المستهزئين المقتسمين) [[المستهزئين المقتسمين: جماعة لهم قوة وشوكة من كفار قريش نصبوا العداء للرسول ﷺ، وتقاسموا عقاب مكة للصد عن ما جاء به، وقد اختلف العلماء في عددهم، وأسمائهم، وكيفية هلاكهم. انظر: "تفسير الماوردي" 3/ 172، و"زاد المسير" 4/ 421، والرازي 19/ 211، و"الدر المنثور" 4/ 198.]]. قال أهل المعاني [[انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 40، والطبري 8/ 202، والسمرقندي 1/ 544، وأخرج الطبري 8/ 202 بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (ذلك أنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزأوا به اغترارًا بالله) اهـ.]] (معنى اللهو: صرف الهمّ بما لا يحسن، كالإنسان يريد أن يصرف الهمّ والحزن عن نفسه فيشتغل بما لا يجدي عليه، وهؤلاء طلبوا صرف الهمّ عنهم بالتهزّئ بالدين وعيب المؤمنين)، وعلى هذا معنى قوله ﴿دِينَهُمْ﴾ أي: الدين الذي شرع لهم، وهؤلاء تلاعبوا بذلك [الدين] [[لفظ: (الدين) ساقط من (ب).]]. وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾. قال ابن عباس: (يريد: نتركهم في جهنم كما تركوا لقاء يومهم هذا) [[أخرجه الطبري 8/ 202، وابن أبي حاتم 5/ 1492، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 620 بسند جيد، وقال البيهقي: (يريد والله أعلم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا) اهـ. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 167.]] يريد: التكذيب بالبعث والجنة والنار، ومعنى ﴿نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ﴾ تركوه بالتكذيب به [[لفظ: (به) ساقط من (ب).]]، كما قال ابن عباس. وقال الزجاج: (أي: نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم) [["معاني الزجاج" 2/ 341.]]، وهذا قول الحسن [[ذكره الرازي 14/ 93، قال: (هو قول الحسن ومجاهد والسدي والأكثرين) اهـ، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 305، (وهو قول الحسن والسدي أيضًا والأكثرون).]]، ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 238، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 230، والطبري 8/ 202 من عدة طرق جيدة.]]، والسدي [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1492 من طرق جيدة عن مجاهد والسدي، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 167.]]، وجميع المفسرين [[انظر: الطبري 8/ 202، و"معاني النحاس" 3/ 41، والسمرقندي 1/ 544، والبغوي 3/ 234، وابن عطية 5/ 521.]]؛ قالوا: (إن معنى النسيان هاهنا: الترك). قال ابن الأنباري: (فاليوم نتركهم في النار على غير إغفال ونسيان، كما تركوا العمل لنا عامدين لا غافلين، فمعنى تركهم لقاء ذلك اليوم: تركهم العمل بطاعة الله لذلك اليوم) [[ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 209، وفي "الأضداد" لابن الأنباري ص 399 نحوه، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 215، و"تفسير غريب القرآن" ص 178.]] وقال أصحاب المعاني: (معنى ﴿نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا﴾: نعاملهم معاملة من نسي بتركهم [[في (ب): (نتركهم).]] في النار كما فعلوا في الإعراض عن آياتنا وما ندبناهم إلى العمل به، فِعْل من نسي وغفل، فكذلك [[في (ب): (وكذلك).]] نجازيهم بمثل فعلهم، فنوقع بهم ما يشبه النسيان بأن لا نجيب لهم دعوة ولا نرحم لهم عبرة) [[ذكره الرازي 14/ 93، و"الخازن" 2/ 235، وقال ابن كثير في تفسير الآية 2/ 245: (أي: يعاملهم معاملة من نسيهم لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه .. وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة) اهـ. ملخصًا.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. قال الزجاج: (أي: كجحدهم [[في (ب): (أي ولجحدهم).]]، ﴿وَمَا﴾ في موضع جر نسق على ﴿كَمَا﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 341.]] و (ما) في قوله ﴿كَمَا نَسُوا﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا﴾ بمعنى المصدر، والتقدير: ننساهم نسيانًا كنسيانهم يومهم هذا ولكونهم جاحدين بآياتنا، قاله أبو علي [["الحجة" لأبي علي 3/ 60 و6/ 216 - 217 و219، وهو قول الأكثر. انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 657، و"إعراب النحاس" 1/ 615، و"المشكل" 1/ 293، و"البيان" 1/ 364، و"الفريد" 2/ 309، و"الدر المصون" 5/ 336.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ [الأعراف:52]، قال ابن عباس: (يريد: الذي جاء به محمد ﷺ، ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ يريد: بيناه) [["تنوير المقباس" 2/ 99، وهو قول عامة المفسرين. انظر: الطبري 8/ 203، والسمرقندي 1/ 544 - 545، والبغوي 3/ 235، وابن عطية 5/ 522، وابن الجوزي 3/ 209.]]، والتفصيل تبيين المعاني بإظهارها مما يلتبس بها، فالتفصيل كالتبيين [[التفصيل - التبيين، وأصل الفَصْل القطع والقضاء وإبانة الشيء عن الآخر. انظر: "العين" 7/ 126، و"الجمهرة" 2/ 891، و"تهذيب اللغة" 3/ 2795، و"الصحاح" 5/ 1790، و"مقاييس اللغة" 4/ 505، و"المفردات" ص 639، و"اللسان" 6/ 3422 (فصل).]]. وقوله تعالى: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: فصلناه بعلم لم يقع منا فيه سهو ولا غلط، وقيل: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في الكتاب وهو ما أودع من العلوم [[أكثرهم قال: (المعنى بيناه على علم منا بما فصلناه به) اهـ. انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 40، والطبري 8/ 203، والسمرقندي 1/ 545، والماوردي 2/ 228، والبغوي 3/ 235، وابن الجوزي 3/ 210.]] وبيان الأحكام. وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، قال الزجاج: (﴿هُدًى﴾ في موضع نصب أي: فصلناه هاديًا وذا رحمة) [["معاني الزجاج" 2/ 341، والجمهور على نصبهما على الحال من مفعول ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ أو على أنه مفعول لأجله أي: فصلناه لأجل الهداية والرحمة. قالوا: ويجوز الجر على النعت لكتاب أو البدل منه، والرفع على تقدير مبتدأ أي: هو هدى ورحمة انظر: "معاني الفراء" 1/ 380، و"تفسير الطبري" 3/ 208، و"إعراب النحاس" 1/ 615، و"المشكل" 1293، و"البيان" 1/ 364، و"التبيان" ص 378، و"الفريد" 2/ 309، و"البحر" 4/ 306، و"الدر المصون" 5/ 366.]]. وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يدل على أن القرآن جُعل هدى لقوم مخصوصين أريد به هدايتهم دون غيرهم ممن كذب به.

الأعراف 7:53

قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، النظر هاهنا بمعنى: الانتظار [[النَّظَر: تقليب البَصَرِ والبَصيرة لإدراك الشيء وتأمله ورؤيته، والنَّظَر: الانتظار يقال: نَظَرْتُه أي انتظَرْتْه، وأَنْظَرْتُه - أخَّرْتُه. انظر: "الجمهرة" 2/ 763، و"تهذيب اللغة" 4/ 3604، و"الصحاح" 5/ 380، و"المجمل" 3/ 873، و"مقاييس اللغة" 5/ 444، و"المفردات" ص 813، و"اللسان" 7/ 4466 (نظر).]]، وقد مر في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 126ب.]]، وإنما قيل لهم ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾، وإن كانوا جاحدين؛ لأنهم في منزلة المنتظر كأنهم ينتظرون ذلك لأنهم يأتيهم لا محالة، وفيه وجه آخر ذكرناه في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنعام: 158] في آخر سورة الأنعام. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. قال الفراء: (الهاء في ﴿تَأْوِيلَهُ﴾ للكتاب يريد: عاقبته وما وعد الله فيه) [["معاني الفراء" 1/ 380، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 216، و"تفسير غريب القرآن" ص 178.]] [يعني: من البعث والنشور والعقاب والحساب. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 40، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 616 (في معناه قولان: أحدهما: هل ينظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب، والقول الآخر: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ من النظر إلى يوم القيامة) اهـ. وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 341، والطبري 8/ 204، و"معاني النحاس" 3/ 41 - 42، والسمرقندي 1/ 545، والماوردي 2/ 228.]]: ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ عاقبة ما وعدوا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] على ألسنة الرسل. ومضى [[في النسخ: (ومعنى) والأولى (ومضى).]] الكلام في التأويل في سورة آل عمران [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 175 أ.]] أولاً، ثم في النساء [[انظر: "البسيط" نسخة جستربتي 2/ 4 أ.]] ثانيًا. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: يوم القيامة) [[أخرجه الطبري 8/ 204، وابن أبي حاتم 5/ 1494 بسند ضعيف، وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 217 - 218 (فمجيء تأويله مجيء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر والمعاد وتفاصيله، والجنة والنار ويسمى تعبير الرؤيا تأويلًا بالاعتبارين، فإنه تفسير لها وهو عاقبتها وما تؤول إليه، فتأويل ما أخبرت به الرسل == هو مجيء حقيقته ورؤيتها عيانًا ومنه تأويل الرؤيا وهو حقيقتها الخارجية التي ضربت للرائي في عالم المثال) اهـ.]]. قال الزجاج: (﴿يَوْمَ﴾ نصب بقوله ﴿يَقُولُ﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 341، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 616، و"المشكل" 1/ 293، و"البيان" 1/ 364، و"التبيان" ص 378، و"الفريد" 2/ 310، و"الدر المصون" 5/ 337 وكلهم على أنه منصوب على الظرف والعامل فيه ﴿يَقُولُ﴾.]]. قال: [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] ﴿الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ معناه [[في (ب): (معنا)، وهو تحريف.]] أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسى، وجائز أن يكون ﴿نَسُوهُ﴾ تركوا [[في (ب): (تركوه العمل)، وهو تحريف.]] العمل له والإيمان له) [["معاني الزجاج" 2/ 341 - 342، وانظر: الطبري 8/ 204، و"معاني النحاس" 3/ 42، والسمرقندي 1/ 545، والماوردي 2/ 229.]]، وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:51]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ نسق على قوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾، كأنه قيل: هل يشفع لنا شافع، أو هل نرد ﴿فَنَعْمَلَ﴾، منصوب على جواب الاستفهام [بالفاء [[لفظ: (بالفاء) ساقط من (ب).]]] [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 342 وهو المشهور، وقول الجمهور: (فتكون جملة ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ معطوفة على جملة ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ داخلة معها في حكم الاستفهام. انظر: "معاني الفراء" 1/ 380، والأخفش 2/ 300، و"تفسير الطبري" 12/ 205، و"إعراب النحاس" 1/ 616، و"المشكل" 1/ 293، و"البيان" 1/ 364، و"التبيان" ص 378، و"الفريد" 2/ 310، و"البحر" 4/ 306، و"الدر المصون" 5/ 337.]]، ومعنى: ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ نوحد الله قاله ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 99 وفيه: (فنؤمن ونعمل غير الذي كنا نعمل في الشرك) اهـ.]]. قال الله تعالى [[في (ب) تكرار قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.]]: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: قد خسروا النعيم [[في (ب): (خسروا النعيم)، وهو تصحيف.]] وصاروا إلى الخزي والعذاب) [["تنوير المقباس" 2/ 9: وفيه (غبنوا أنفسهم بذهاب الجنة ولزوم النار) اهـ.]] ومضى الكلام [[انظر: معنى الخسران في "البسيط" البقرة: 27.]] في: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، يريد: سقط عنهم ما كانوا [[في (ب) تكرار: (يريد سقط عنهم ما كانوا يفترون يريد سقط عنهم ما كانوا يقولون ...)]] يقولون من أن مع الله إلهًا آخر [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 205، والسمرقندي 1/ 545، والبغوي 3/ 235.]].

الأعراف 7:54

قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. قال الليث: (السِّتُّ والسِّتة في التأسيس على غير لفظيهما، وهما في الأصل سِدْس وسِدْسَة، ولكنهم أرادوا إدغام الدال في السين فالتقتا عند مخرج التاء فغلبت [[في (ب): (فقلبت)، وهو تصحيف.]] عليهما، وبيان ذلك أنك [تصغر] [[لفظ: (تصغر) ساقط من (أ).]] ستة سُدَيْسة، وكذلك الأسداس، وجميع تصريفهما [[في (ب): (تصريفها) وعند الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1623: (تصغيرها).]] على ذلك) [["تهذيب اللغة" 2/ 1623، وانظر: "العين" 7/ 186 (ست).]]. ابن السكيت: (يقال: جاء فلان سادسًا، وساديًا، وساتًّا؛ فسادس على لفظ السُّدس، وساتّ على لفظ ستَّة أدغموا الدال في السين فصارت تاء مشددة، ومن قال ساديًا أبدل من السين ياء) [["إصلاح المنطق" ص 301، و"تهذيب اللغة" 2/ 1623. وانظر: "الصحاح" 1/ 251 (ستت)، و"المفردات" ص 403 (سدس)، و"اللسان" 4/ 1935 (ستت).]]. قال أهل التفسير: (قوله ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أراد: في مقدار ستة أيام؛ لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فكيف [يكون] [[لفظ: (يكون) ساقط من (ب).]] يوم ولا شمس ولا سماء؟ وهذا كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62] على مقادير البكرة والعشي في الدنيا؛ إذ لا ليل ثم ولا نهار [[قال ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 211: (أي في مقدار ذلك ولم تكن الشمس حينئذ، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وكعب: مقدار كل يوم من تلك الأيام ألف سنة. ولا نعلم خلافًا في ذلك) اهـ. بتصرف. وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 545، والبغوي 3/ 235، وابن عطية 5/ 525، والرازي 14/ 118، والقرطبي 7/ 219.]]، فإن قيل: لأي علة ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ولو خلقهن في طرفة عين كان أدل على نفاذ قدرته، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: 50]، والجواب: ما قال سعيد بن جبير: (قدر الله على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة، وإنما خلقهن في ستة أيام تعليمًا لخلقه الرفق والتثبت في الأمور) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 191 أ، والبغوي 3/ 235، و"الخازن" 2/ 237.]]. وقال أهل المعاني: (إن تدبير الحوادث على إنشاء شيء بعد شيء على ترتيب، أدل على عالم مدبر يصرفه على اختياره ويجريه على مشيئته) وقيل: (أراد بذلك زيادة البصيرة للملائكة في يقينهم [[في (ب): (في نفسهم).]] لما يشاهدونه من ظهور شيء وإنشاء خلق بعد خلق) [[ذكر هذه الأوجه الماوردي 2/ 230، وابن الجوزي 3/ 212، والرازي 14/ 118 و"الخازن" 2/ 237، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 617: (لأنه علم أن ذلك أصلح ليظهر قدرته للملائكة شيئاً بعد شيء) اهـ.]]. وقال أبو بكر بن الأنباري: (إن الله [[في (ب): (الله تعالى).]] خلق السموات والأرض والليل والنهار تكرمة لآدم وذريته، وقد بيّن هذا في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية [البقرة: 22]، وفي قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص: 73]، فلما كان خلق هذه الأشياء تكرمة لآدم وولده، وكانت الأيام سبعة أوقع في كل يوم منها ضربًا من التكرمة نبه به الملائكة على عظم شأن آدم وولده عنده، وكان خلق السموات والأرض في ستة أيام عن غير عجز من الله عز وجل أن يكون في لمحة، ولكنه تعالى أراد أن يوقع في كل يوم منها أمرًا من خلقه تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 191، وابن الجوزي 3/ 212 مختصرًا.]]، وهذا معنى قول مجاهد: (إن ذلك رُتِّب على الأيام: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، فاجتمع الخلق فيه) [[أخرجه الطبري 8/ 205، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 243 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 169.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السموات والأرض، وهذا قول الفراء [["معاني الفراء" 1/ 25 وفيه حكى أوجه منها: (أن يستوي الرجل وينتهي شبابه أو يستوي عن اعوجاج، وبمعنى أقبل، وبمعنى صعد، وكل في كلام العرب جائز).]] وأبي العباس [["تهذيب اللغة" 2/ 1794، وفي "مجالس ثعلب" 1/ 174 و269 قال: (يقال فيه ضروب، الفراء وأصحابنا يقولون أقبل. ويقال: استوى عليه من الاستواء، والمعتزلة يقولون: استولى) اهـ.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 1/ 107 قال: (فيه قولان: عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: قد فرغ الأمير من بلد كذا وكذا ثم استوى إلى بلد كذا، معناه قصد الاستواء إليه، وقد قيل أيضاً: استوى أي صعد أمره إلى السماء).]]. وقال آخرون: ﴿اسْتَوَى﴾ معناه استولى [[هذا قول أهل التأويل من المعتزلة والجهمية والحرورية وغيرهم، وقد اتفق أهل العلم على إبطاله وأجمعوا على أن المراد بالاستواء على العرش، إنما هو الاستعلاء والارتفاع عليه، فهو سبحانه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته ولا يلزم لهذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين. انظر: "الإبانة" ص 36، و"الأسماء والصفات" 2/ 306 - 308، و"الفتاوى" 5/ 143 - 149، و"مختصر العلو" للألباني ص 26.]] واحتجوا بقول البعيث [[البعيث: هو خداش بن بشير بن خالد المجاشعي، أبو مالك البصري المعروف بالبَعِيث، شاعر أموي مجيد وخطيب بني تميم، كانت بينه وبين جرير مهاجاة دامت نحو 40 سنة، توفي سنة 134. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 386، و"الشعر والشعراء" ص 329، و"معجم الأدباء" 3/ 289، و"الأعلام" 2/ 302.]]: ثم اسْتَوَى بِشْرُ على العِرَاقِ ... من غير سيفٍ ودمٍ مُهْرَاقِ [[الشاهد بدون نسبة فى "الصحاح" 6/ 2385 (سوا)، و"تفسير الماوردي" 2/ 229، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 309، و"زاد المسير" 3/ 213، والقرطبي 7/ 220، و "رصف المباني" ص 434، و"اللسان" 4/ 2163 (سوا)، و"الخازن" == 2/ 339، و"الدر المصون" 1/ 243، ونسب في "تاج العروس" 19/ 551 (سوا)، إلى الأخطل، وفي هذه المراجع (قد استوى)، وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 5/ 146: (لم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة) اهـ. ونسبه ابن كثير في "البداية والنهاية" 9/ 7 إلى الأخطل، وقال: (الأخطل نصراني، والاستدلال به باطل من وجوه كثيرة) اهـ. وهو ليس في ديوان الأخطل والواحدي نسبه هنا وفي "الوسيط" 1/ 192 (إلى البعيث) وانظر: "مختصر الصواعق المرسلة" 3/ 890، 898.]] يعني: بشر بن مروان [[بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي: أمير كان سمحًا جوادًا، ولى إمرة العراق لأخيه عبد الملك، وتوفي سنة 75 هـ، وله نيف وأربعون سنة. انظر: "سر أعلام النبلاء" 4/ 145، و"البداية والنهاية" 9/ 7، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 3/ 251، و"الأعلام" 2/ 55.]]، وعلى هذا خصّ العرش بالإخبار عن الاستيلاء عليه؛ لأنه أعظم المخلوقات. وقال الأخفش: (﴿اسْتَوَى﴾ أي: علا، يقال: استويت على ظهر البيت أي: علوته) [["تهذيب اللغة" 2/ 1794، وانظر: "معاني الأخفش" 1/ 55 - 56.]] وهذا القول اختيار ابن جرير، قال: (معناه: ارتفع ارتفاع ملك وسلطان، لا ارتفاع انتقال وزوال) [["تفسير الطبري" 1/ 192، واختار أن معنى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29]: (علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات) اهـ.]]، وهذا يعود إلى معنى الاستيلاء [[الطبري -رحمه الله تعالى- رجح في معنى الاستواء ما قال به السلف، ثم أخذ يناقش المؤولين، ومن باب إلزام الحجة لهم، قال: (قل علا عليها علو ملك وسلطان) اهـ، وهذه العبارة ليست من نهج السلف في الإثبات، والله اعلم.]]. وقد شرحنا الاستواء في صفة الله تعالى مستقصى في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" البقرة: 29.]]. و ﴿الْعَرْشِ﴾ في كلام العرب [[العرش: سرير الملك وسقف البيت، انظر: "العين" 1/ 249، و"الجمهرة" 2/ 728، و"تهذيب اللغة" 3/ 2391، و"الصحاح" 3/ 1009، و"المجمل" 3/ 658، و "مقاييس اللغة" 4/ 264، و"المفردات" ص 558، و"اللسان" 5/ 2880 (عرش).]] سرير الملك، يدل على ذلك سرير ملكة سبأ، سماه الله عرشًا فقال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)﴾ [النمل: 23]، والعرش في اللغة: قد يكون عبارة عن الملك، يقال: [[هذا مثل يضرب لمن ذهب عزه وزال قوام أمره وساءت حاله. انظر: "جمهرة الأمثال" 1/ 290، و"المستقصى" للزمخشري 2/ 43، و"مجمع الأمثال" 1/ 271.]] ثُلَّ عَرْشُه، إذا ذهب عزه وملكه، ومنه قول زهير: تَدَاركتُما الأَحلافَ قد ثُلَّ عَرْشُهَا [["ديوان زهير" ص 105، و"العين" 1/ 249، و"المنجد" لكراع ص 105، و"تهذيب اللغة" 3/ 2392، و"الصحاح" 3/ 1010، و"مقاييس اللغة" 4/ 265، و"اللسان" 5/ 2881 (عرش)، وتمامه: وَذُبْيَانَ قد زَلَّتْ بِأَقْدامِهَا النَّعْلُ قال ثعلب في "شرحه": (الأحلاف عبس وفزارة وثل عرشها هذا مثل أي: أصابها ما كسرها وهدمها) اهـ.]] غير أنه لا يسوغ أن يكون المراد بالعرش في هذه الآية الملك؛ لأنه يوجب أن الله لم يكن مستويًا على ملكه قبل خلق السموات [[هذا هو الصحيح والآيات والأحاديث والآثار تدفع أن يكون المراد بالعرش الملك، وأهل السنة والجماعة يثبتون العرش واستواء الله تعالى عليه كيف يشاء، قال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 6/ 584 - 585: (العرش موجود بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والآيات والأحاديث فيه صريحة متواترة وهو غير الكرسي والكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع جمهور السلف) اهـ. ملخصًا. وانظر: "الأسماء والصفات" ص 272، و "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز ص 256، 257.]] والأرض. وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ وقرئ ﴿يُغْشِي﴾ [[قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿يُغْشِي﴾ بفتح الغين، وتشديد الشين، وقرأ الباقون بإسكان الغين وتخفيف الشين. انظر: "السبعة" ص 282، و"المبسوط" ص 180 - 181، و"التذكرة" 2/ 419، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269.]] مخففا، والإغشاء [[الغِشَاء: الغطاء والإغشاء، والتغشية: تغطية شيء بشيء. انظر: "العين" 4/ 429، و"المنجد" لكراع ص 274، و"تهذيب اللغة" 3/ 2668، و"الصحاح" 6/ 2446، و"مقاييس اللغة" 4/ 425، و"المجمل" 3/ 696، و"المفردات" ص 607، و"اللسان" 6/ 3261 (غشى).]]. والتغشية: إلباس الشيء [[في (ب): (إلباس الشيء بالشيء).]] الشيء، وقد جاء التنزيل بالتشديد والتخفيف، فمما جاء [[في (ب): (فما جاء).]] بتضعيف [[في "الحجة" لأبي علي 4/ 27 - 28: (غشى فعل متعدٍّ إلى مفعول واحد فإذا نقلت الفعل المتعدي إلى المفعول الواحد بالهمزة أو بتضعيف العين تعدى إلى مفعولين، وقد جاء التنزيل بالأمرين جميعًا) ثم ذكر نحو ما ذكره الواحدي.]] العين قوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: 54]، ومما [[في (ب): (وما جاء).]] جاء بنقل الهمزة: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [[في (أ): (وهو لا ينصرون)، وهو تصحيف.]] [يس: 9]، والمفعول الثاني محذوف على معنى: فأغشيناهم العمى أو فقد الرؤية. قال أبو إسحاق: (والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه ولم يقل: يغشي [[في (ب): (ويغشى).]] النهار الليل؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، وقد قال في موضع آخر: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 342، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 42.]] [الزمر: 5]. قال أبو علي: (وهذا [[في (ب): (فهذا).]] كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81]، ولم يذكر تقيكم البرد للعلم بذلك من الفحوى، ومثل هذا لا يضيق، وكل واحد من الليل والنهار منتصب بأنه مفعول به، والفعل قبل النقل غشي الليلُ النهارَ [[في (ب): (بالنهار).]]، فإذا نقلت قلت: أغشى الله الليل النهار، أو غَشَّى الله الليل النهار، فصار ما كان فاعلًا قبل النقل مفعولًا أول) [["الحجة" لأبي علي 4/ 28، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 408، و"إعراب القراءات" 1/ 185، و"الحجة" لابن خالويه ص 156، ولابن زنجلة ص 284، و"الكشف" لمكي 1/ 464، ونقل قول الواحدي، والرازي في "تفسيره" 14/ 117.]]. وقوله تعالى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، قال الليث: (الحث: الإعجال والاتصال [[في (ب): (والإيصال)، وعند الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 739، عن الليث: (الإعجال في الاتصال).]]، تقول: حثثت فلانًا فاحْتث وهو حثيث محثوث: جاد سريع) [["تهذيب اللغة" 1/ 739، وانظر: "الجمهرة" 1/ 81، و"الصحاح" 1/ 278، و"المجمل" 1/ 221، و"مقاييس اللغة" 2/ 29، و"المفردات" ص 218، و"اللسان" 2/ 773 (حثث).]]. قال الأعشي: تَدَلَّى حثيثًا كَأَنَّ الصِّوَارَ ... أَتْبَعَهُ أَزْرِقيٌّ لَحِمْ [["ديوانه" ص 199، وهو في "تهذيب اللغة" 1/ 740، و"اللسان" 2/ 774 (حثث)، و"الدر المصون" 5/ 342، وجاء في حاشية "الديوان" (الصوار: القطيع من بقر الوحش، وحثيثًا: سريعًا والأزرقي اللحم: الصقر، والمعنى يشبه هذا الفرس بسرعة الصقر الشره إلى أكل اللحم) اهـ.]] شبه الفرس في السرعة بالبازي [[في (ب): (شبه الفرس لسرعته بالبازي). والبازي واحد البُزاة التي تَصِيد، ضَرْب من الصُّقور. انظر: "اللسان" 1/ 278 (بزا).]]. قال ابن عباس: (يريد [[لفظ: (يريد) ساقط من (ب).]] يطلب الليل النهار لا غفلة له) [[ينظر: "تنوير المقباس" 2/ 100، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 193، وأخرج الطبري 8/ 206 بسند جيد عن ابن عباس قال: (يطلبه سريعًا) اهـ.]]. و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال المبرد: (يعني: يطلب الليل النهار دائبًا) [[لم أقف عليه.]]. وقال غيره: (معنى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ هو أن يستمر الليل في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب الاضطراب، كما يكون في السوق الحثيث) [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 206، والسمرقندي 1/ 546، والماوردي 2/ 230، والرازي 14/ 117.]]، وهذا معنى قول ابن عباس: (لا غفلة [له)] [[لفظ: (له) ساقط من (ب).]]. وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾، معنى التسخير: التذليل [[انظر: "الصحاح" 2/ 679، و"المفردات" ص 402، و"اللسان" 4/ 1963 (سخر).]]. قال الزجاج: (وخلق هذه الأشياء جاريات مجاريها بأمره) [["معاني الزجاج" 2/ 342.]]. وقال المفسرون: (معنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منها من طلوع وأفول وسير ورجوع؛ إذ لَسْنَ قادرات ولا مميزات، وإنما يتصرفن في متصرفاتهن على حسب إرادة المدبر فيهن) [[انظر: الطبري 8/ 206، والسمرقندي 1/ 546، والماوردي 2/ 230، والبغوي 3/ 236، وابن الجوزى 3/ 214، و"الخازن" 2/ 240.]]. وقرأ [[في أصل (أ): (وقول) ثم صحح إلى (قرأ).]] ابن عامر [[قرأ ابن عامر: (﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ بالرفع في الأربع، وقرأ الباقون بالنصب غير أن التاء مكسورة من ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ لأنها تاء جمع المؤنث السالم. انظر: "السبعة" ص 282 - 283، و"المبسوط" ص 181، و"التذكرة" 2/ 419، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 169.]]: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ رفعًا كلها، والنصب [[وكذا قال مكي في "الكشف" 1/ 465، ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 14/ 118.]] هو وجه الكلام لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: 37] فكما أخبر في هذه الآية أنه خلق الشمس والقمر، كذلك يُحمل على ﴿خَلَقَ﴾ [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 300، و"إعراب النحاس" 1/ 617.]] في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ [الأعراف:54]، وحجة ابن عامر قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا في اَلسَّمَاوَاتِ وَمَا في اَلأَرْضِ﴾ [الجاثية: 13]، ومما في السماء الشمس والقمر، فإذا أخبر بتسخيرها حسن الإخبار عنها به، كما أنك إذا قلت: ضربت زيدًا استقام أن تقول: زيد مضروب [[هذا نص كلام أبي علي في "الحجة" 4/ 29 غير أنه لم يختر قراءة النصب. وانظر: "معاني القراءات" 1/ 408، و"إعراب القراءات" 1/ 185 - 186، و"الحجة" لابن خالويه ص 156 - 157، ولابن زنجلة ص 284.]]. وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، قال أصحاب المعاني: (﴿لَهُ الْخَلْقُ﴾ لأنه خلقهم، وله أن يأمر فيهم بما أحب [[في (ب): (بما حب).]]، وله الحكم في الخلق يأمرهم بما يشاء)، وعلى هذا [المعنى] [[لفظ: (المعنى) ساقط من (ب).]] ﴿الْأَمْرُ﴾ هاهنا الذي هو نقيض النهي [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 206، والسمرقندي 1/ 546، والماوردي 2/ 230، والبغوي 3/ 236.]]، واستخرج سفيان بن عيينة من هذا أن كلام الله لا يجوز أن يكون مخلوقًا فقال: فرّق الله بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد كفر) [["تفسير سفيان بن عيينة" ص 249، وأخرجه الثعلبي في "الكشف" ص 191/ أ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 556، وزاد السيوطي في "الدر" 3/ 171 نسبته إلى ابن أبي حاتم، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 546، والبغوي 3/ 236، والقرطبي 7/ 221، و"الخازن" 2/ 240، وفي "أصول السنة" لأبي بكر الحميدي في مجلة الحكمة 1/ 286 قال سفيان بن عيينة: (القرآن كلام الله، ومن قال مخلوق فهو مبتدع لم نسمع أحدًا يقول هذا) اهـ. وقال النحاس في "معانيه" 3/ 42 - 43 في تفسير الآية: (فرق بين الشيء المخلوق وبين الأمر وهو كلام، فدل أن كلامه غير مخلوق، وهو قول "كن") اهـ. وقال القرطبي في "تفسيره" 7/ 222: (وفي تفريقه بين الخلق والأمر دليل بيّن على فساد قول من قال يخلق القرآن؛ إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقًا لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق وذلك عِيٌّ من الكلام ومستهجن ومستغث والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه) اهـ. وهذا هو الحق وأهل السنة والجماعة من السلف والخلف متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. انظر: "الإبانة" ص 21، و"الفتاوى" 12/ 37، و"شرح الطحاوية" لابن أبي العز ص 137.]] يعني: من جعل الأمر الذي هو قوله من جملة ما خلقه فقد كفر. وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (يريد: لم يبق شيء، من وجد بعد ذلك شيئًا فليأخذه) [[لم أقف عليه.]]، وهذا كلامه، ومعنى هذا: أن جميع [[في (أ): (أن جميع الخلق ما في العالم). ثم ضرب على لفظ (الخلق) وهو الأولى.]] ما في العالم لله تعالى، فالخلق له لأنه خلقهم، وجميع الأمور تجري بقضائه وقدره، وهو مجريها ومنشئها فلا يبقى بعد هذا لأحد شيء [[ذكره الخازن 2/ 240.]]. وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الليث: (تفسير ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تمجيد وتعظيم) [["تهذيب اللغة" 1/ 319، وانظر: "العين" 5/ 368، و"الجمهرة" 1/ 325، و"الصحاح" 4/ 1575، و"المجمل" 1/ 121، و"مقاييس اللغة" 1/ 230، و"المفردات" ص 119، و"اللسان" 1/ 226 (برك).]]. وقال أبو العباس: (﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ ارتفع، والمتبارك المرتفع) [["تهذيب اللغة" 1/ 319.]]. وقال ابن الأنباري: (﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ باسمه يتبرك في كل شيء) [["تهذيب اللغة" 1/ 319، وفي "الزاهر" 1/ 53، قال ابن الأنباري: (فيه قولان: قال قوم: معنى تبارك: تقدس أي: تطهير، والقدس عند العرب: الطهر، وقال قوم: معنى تبارك اسمك: تفاعل من البركة أي: البركة تُكسب وتنال بذكر اسمك) اهـ.]]. وقال الزجاج: (﴿تَبَارَكَ﴾ تفاعل من البركة، كذلك يقول أهل اللغة) [["تهذيب اللغة" 1/ 319، ولم أقف عليه في "معانيه".]]. وكذلك روي عن ابن عباس: (ومعنى: البركة الكثرة في كل خير، وقال في موضع آخر: (﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وتعاظم) [["تهذيب اللغة" 1/ 319، و"تفسير السمرقندي" 1/ 546، والبغوي 3/ 236، وابن الجوزي 3/ 214، و"الخازن" 2/ 240، و"تنوير المقباس" 2/ 100.]]. وقال أصحاب المعاني: (﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي: ثبت ما به استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال) [[ذكره البغوي 3/ 236، و"الخازن" 2/ 240 عن المحققين.]]، وأصل الحرف من الثبوت والدوام، وقد ذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92].

الأعراف 7:55

قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، التضرع: التذلل والتخشع، وهو إظهار الذل الذي في النفس من قولهم: ضرع فلان لفلان، وتضرع له إذا ما تخشع له وسأله أن يعطيه، ومضى الكلام في هذا في سورة الأنعام عند قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام:42]، والخُفية: خلاف العلانية، وهو من أخفيت الشيء إذا سترته [[في (أ): (أي سترته).]]، ويقال: خِفية أيضًا بالكسر [[انظر: "العين" 4/ 313، و"الجمهرة" 1/ 617 - 618، و"تهذيب اللغة" 1/ 1070، و"الصحاح" 6/ 2329، و"المجمل" 2/ 297، و"مقاييس اللغة" 2/ 202، و"المفردات" ص 289، و"اللسان" 2/ 1217 (خفي).]] وقد قرئ بالوجهين [[قرأ عاصم في رواية أبي بكر هنا وفي الأنعام آية 63: ﴿وَخُفْيَةً﴾ بكسر الخاء، وقرأ الباقون بضمها في السورتين، وهما لغتان مشهورتان. انظر: "السبعة" ص 283، و"المبسوط" ص 170، و"التذكرة" 2/ 400، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259، وانظر: في "توجيه القراءات "الحجة" لأبي علي 4/ 29 - 30، و"معاني القراءات" 1/ 362، و"إعراب القراءات" 1/ 159، و"الحجة" لابن خالويه ص 141، ولابن زنجلة ص 255، و"الكشف" 1/ 435.]]. قال الزجاج: (﴿تَضَرُّعًا﴾ تملقًا، وحقيقته: أن يدعوه خاضعين متعبدين) [["معاني الزجاج" 2/ 344، وفيه: (قال قوم: تضرعوا تملقًا - حقيقته ..).]]. قال [[لفظ: (قال) ساقط من (ب).]] أهل العلم: والسنة [[انظر: "الفتاوى" 15/ 10 - 28، و"بدائع التفسير" 2/ 219 - 238.]] والأدب في الدعاء أن يكون خفيًا لهذه الآية، ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خير الدعاء ما خفي" [[لم أقف عليه بهذا اللفظ بعد طول بحث، وروي وكيع في "الزهد" 1/ 341 == رقم 118، وابن أبي شيبة 6/ 86 (29654)، وأحمد في "المسند" 3/ 44، و"الزهد" ص 16، وابن حبان في "صحيحه" 2/ 125 رقم 797، وابن السني في "القناعة" ص 26 - 27 رقم 28 - 29 بسند ضعيف عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي ﷺ قال: "خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي" اهـ. وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة لين الحديث، كثير الإرسال. انظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 627، وانظر: "المفاسد الحسنة" للسخاوي ص 247.]]. وقال أيضًا لقوم رفعوا أصواتهم بالدعاء: "إنكم لستم تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، إنه معكم" [[أخرجه البخاري رقم (2992) كتاب الجهاد والسير، باب: ما يكره من رفع الصوت في التكبير، ومسلم كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر رقم (2704)، عن أبي موسى الأشعري قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون التكبير فقال النبي ﷺ: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعا قريبًا وهو معكم") اهـ.]]. وقال الحسن: (إن الله يحب القلب النقي والدعاء الخفي، ولقد أثنى علي زكريا فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3]، وبين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] ما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [[أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ص 45 - 46، والطبري في "تفسيره" 8/ 206، 207 بسند جيد، وأخرجه وكيع في "الزهد" 2/ 616، وابن أبي شيبة 6/ 87 (29662)، بلفظ: (كانوا يجتهدون في الدعاء ولا تسمع إلا همسًا) اهـ.]]. وقال الزجاج في قوله ﴿وَخُفْيَةً﴾ (أي: واعتقدوا عبادته في أنفسكم؛ لأن الدعاء معناه: العبادة) [["معاني الزجاج" 2/ 344، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 43.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: المجاوزين ما أمروا به، قال الكلبي: (﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ بالجهر في الدعاء) [["تنوير المقباس" 2/ 100، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 195، وابن الجوزي 3/ 215.]]. وقال ابن جريج: (من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء) [[أخرجه الطبري 8/ 207 بسند جيد، ومحبة الله تعالى لا تنتفي عمن يجهر بالدعاء لمجرد الجهر، فالدعاء مأمور به مطلقًا ﴿الله لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في كل شيء دعاء كان أو غيره، وأعظمهم الذين يدعون معه غيره أو يعتدون بترك التضرع والدعاء، وكل سؤال يناقض حكمة الله أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله، والدعاء خفية أحب إلى الله تعالى وأفضل، وفيه فوائد عظيمة وكثيرة، ذكرها ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 219 - 233، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 784، والقرطبي 7/ 223.]].

الأعراف 7:56

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]. قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: بالشرك بالله، وقطع الأرحام، وتكذيب النبي ﷺ بعد توحيد الله والتصديق بما جاء به النبي ﷺ) [[في "تنوير المقباس" 2/ 100 نحوه.]]. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 207، والسمرقندي 1/ 547، والماوردي 2/ 231.]]: (الإفساد في الأرض: العمل فيها بالمعاصي، وسفك الدماء، وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي: بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسول، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله عز وجل)، وهذا معنى قول الحسن، والسدي، والضحاك [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 195، والبغوي 3/ 238، و"الخازن" 2/ 241 عن الحسن والسدي والضحاك والكلبي، وذكره الماوردي 2/ 231، عن الحسن والكلبى، وذكره ابن عطية 5/ 532، عن الضحاك.]]. وقال عطية: (معناه: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم) [[ذكره الثعلبي 191 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 195، والبغوي 3/ 238.]]، وطى هذا معنى قوله ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي: بعد إصلاح الله تعالى إياها بالمطر والخصب [[والآية عامة في كل فساد قل أو كثر بعد أن أصلح الله خلق الأرض على الوجه الملائم لمنافع الخلق وما جاء من تعيين نوع الفساد والإصلاح ينبغي أن يحمل على التمثيل وهو قول جمهور المحققين. انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 532، والقرطبي 7/ 226، و"بدائع التفسير" 2/ 234، و"البحر" 4/ 311.]]. وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، معنى الخوف [[انظر: "العين" 4/ 312، و"تهذيب اللغة" 1/ 966، و"الصحاح" 4/ 1358، و"مقاييس اللغة" 2/ 230، و"المفردات" ص 303، و"اللسان" 2/ 1291 (خوف).]] الانزعاج لما لا يؤمن من المضار، ومعنى الطمع [[انظر: "العين" 2/ 27، و"تهذيب اللغة" 3/ 2218، و"الصحاح" 3/ 1254، و"مقاييس اللغة" 3/ 425، و"المفردات" ص 524، و"اللسان" 5/ 2704 (طمع).]] توقع المحبوب، قال ابن عباس: (﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا﴾ من عقابه، ﴿وَطَمَعًا﴾ في ثوابه) [["تنوير المقباس" 2/ 100، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 195، وهو بدون نسبة في عامة كتب التفسير. انظر: الطبري 8/ 207، والسمرقندي 1/ 547، والماوردي 2/ 231، والبغوي 3/ 238، وابن الجوزي 3/ 216.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال الفراء: (رأيت العرب [[في (ب): (القراء)، وهو تحريف.]] تؤنث القريبة في النسب لا يختلفون فيها، فإذا قالوا: دارك منا قريب، أو فلانة منك قريب، في القرب والبعد ذكروا وأنثوا، وذلك أن القرب إذا لم يكن في النسب كان في معنى المكان، فكأنه في تأويل هي: في مكان قريب، فجعل القريب خلفًا من المكان، كما قال الله [[لفظ: (الله) ساقط من (ب).]] تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 83] وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: 63]، ولو أنث ذلك فبُني على بعدت فهي بعيدة، وقربت فهي قريبة، كان صوابًا حسنًا. وقال عروة بن حزام [[عُروة بن حِزام بن مُهاجر العُذْرى، شاعر إسلامي أحد المتيمين الذين قتلهم الهوى، وعامة شعره في بنت عمه عفراء، توفي سنة 30 هـ. انظر: "الشعر والشعراء" ص 413، و"الأغاني" 24/ 122، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 415، و"الأعلام" 4/ 226.]]: عَشِيَّةَ لا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ ... فَتدْنُو ولا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ [[الشاهد في "ديوانه" ص 5، و"معاني الفراء" 1/ 381، و"تفسير الطبري" 8/ 208، و"الأغاني" 24/ 129، و"تهذيب اللغة" 3/ 2916، و"الخصائص" 2/ 412، و"تفسير الماوردي" 2/ 232، وابن عطية 5/ 534، وابن الجوزي 3/ 216، و"اللسان" 6/ 3566 (قرب)، و"البحر المحيط" 4/ 313، و"الدر المصون" 5/ 346.]] فمن أنَّث جمع وثنى، ومن ذكر لم يُثنِّ ولم يجمع؛ لأنه ذهب إلى تأويل المكان) [["معاني الفراء" 1/ 381.]]، وهذا الذي ذكره الفراء هو مذهب أهل الكوفة، وبه قال ابن السكيت. أخبرني العروضي [[العروضي: هو أحمد بن محمد الصفار. تقدمت ترجمته.]]، قال: أخبرني الأزهري عن المنذري [[المنذري: هو محمد بن أبي جعفر الهروي. تقدمت ترجمته.]] عن الحراني [[الحراني: هو عبد الله بن الحسن الأموي. تقدمت ترجمته.]] عن ابن السكيت قال: (تقول العرب: هو قريب مني، وهما قريب مني، وهم قريب [[في (أ): (قرايب)، وهو تحريف.]] مني، وكذلك المؤنث، توحد قريبًا وتذكره؛ لأنه وإن كان فاعلًا فهو في تأويل (هو في مكان قريب مني)، وقد يجوز قريبة وجيدة بالهاء تبنيها على قربت وبعدت) [["تهذيب اللغة" 3/ 2916 (قرب)، وانظر: "إصلاح المنطق" ص 119.]]. وأما مذهب البصريين فقال الزجاج: (إنما قيل: ﴿قَرِيبٌ﴾ لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد، وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي) [["معاني الزجاج" 2/ 344.]]. ونحو هذا قال الأخفش قال: الرحمة بمعنى الإنعام [[في "معاني الأخفش" 2/ 300، وكذلك عند الزجاج عن الأخفش (بمعنى المطر).]]، فلذلك ذكر. ومثل هذا قال سعيد بن جبير: (الرحمة هاهنا: الثواب) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 195، والبغوي 3/ 238، و"الخازن" 2/ 242، وأبو حيان في "البحر" 4/ 313.]]. وأما مذهب أهل الكوفة فقال الزجاج [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]]: (وهو غلط؛ كل ما قرب في مكان أو نسب فهو جار على ما يصيبه من التأنيث والتذكير) [["معاني الزجاج" 2/ 345.]]. والذي قاله الفراء هو مذهب أبي عمرو بن العلاء [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 191 ب، والبغوي 33/ 238، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2915.]]، وقول الكسائي [[لم أقف عليه.]] وأبي عبيدة [[في (ب): (أبو عبيد)، وفي مجاز القرآن 1/ 216 قال: (هذا موضع يكون في == المؤنثة والثنتين والجميع منها بلفظ واحد ولا يدخلون فيها الهاء لأنه ليس بصفة، ولكنه ظرف لهن، وموضع والعرب تفعل ذلك في قريب وبعيد، فإذا جعلوها صفة في معنى مقتربة قالوا: هي قريبة، وهما قريبتان، وهن قريبات) اهـ.]]. وقال النضر بن شميل [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 191 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 196، والرازي 14/ 137، والقرطبي 7/ 227، وأبو حيان في "البحر" 313، والسمين في "الدر" 5/ 344.]]: (الرحمة مصدر، ومن حق المصادر التذكير كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾) [[لفظ: (من ربه) ساقط من (أ).]] [البقرة: 275]، وهذا راجع إلى قول الزجاج؛ لأنه الموعظة أريد بها الوعظ، فلذلك ذكر [[في (ب): (ذكرا).]] كما قال: إنَّ السَّمَاحَةَ والمُرُؤءَةَ ضمِّنا [[الشاهد لزياد الأعجم في "ديوانه" ص 54، و"معاني الفراء" 1/ 128، و"الشعر والشعراء" ص 280، و"إعراب النحاس" 1/ 617، و"ذيل أمالي القالي" 3/ 9، و"المدخل" للحدادي ص 168، و"تفسير الثعلبي" 191 ب، والرازي 14/ 137، وعجزه: قَبْرًا بِمَرْوَ عَلَى الطَرِيقِ الوَاضِحِ والشاهد قوله (ضمنًا) والقياس ضمنتا؛ لأن خبر عن مؤنث وهو السماحة والمروءة.]] قيل: أراد بالسماحة السخاء، وبالمروءة الكرم [[ذكر هذه الوجوه في الآية عامة أهل اللغة والتفسير. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 208، و"إعراب النحاس" 1/ 617، و"إعراب القراءات" 1/ 187، و"تفسير السمرقندي" 1/ 547، و"الخصائص" 2/ 411 - 412، و"المشكل" 1/ 294 وقد أطال ابن القيم -رحمه الله تعالى- كما في "بدائع التفسير" 2/ 232 - 258، فذكر اثني عشر مسلكًا في الإخبار عن الرحمة وهي مؤنثة بالتاء بقوله: (قريب) وهو مذكر، وبين ما فيها من الصحيح والمقارب والسقيم، واختار (إن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر تبعًا له، ومعنى من "معانيه"، فالأصل: إن == الله قريب من المحسنين، وإن رحمة الله قريبة من المحسنين، فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الوجود، وسوغ ذلك ظهور المعنى والرحمة صفة قائمة بالموصوف لا تفارقه، وقرب رحمته تبع لقربه هو تبارك وتعالى، وقربه يستلزم قرب رحمته وهما متلازمان، ففي حذف التاء التأكيد على أن ذلك يستلزم القربين قربه وقربه رحمته، والأعم لا يستلزم الأخص بخلاف قربه، فإنه لما كان أخص، استلزم الأعم هو قرب رحمته، ففي العدول عن قريبة إلى قريب من استدعاء الإحسان وترغيب النفوس فيه ما لا يتخلف بعده إلا من غلبت عليه شقاوته ولا قوة إلا بالله).]].

الأعراف 7:57

قوله تعالى: ﴿وهُوَ الذي يرسل الرياح نشرًا [[في (ب): ﴿بُشْرًا﴾، وهي قراءة سبعية كما في "السبعة" ص 283 وستأتي.]] بين يدي رحمته﴾، مضى الكلام في الرياح في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 101 أ.]] بأبلغ الاستقصاء، فأما قوله: ﴿نُشْرًا﴾. يقال [[في (ب): (فيقال).]] أنشر الله الريح مثل أحياها فنشرت هي أي: حييت والإنشار بمعنى: الإحياء يستعمل في الريح، وكذلك لفظ الإحياء [[انظر: "العين" 6/ 251، و"المنجد" لكراع ص 339، و"الجمهرة" 2/ 734، و"تهذيب اللغة" 4/ 3571، و"الصحاح" 2/ 827، و"المجمل" 3/ 868، و"مقاييس اللغة" 5/ 430، و"المفردات" ص 805، و"اللسان" 7/ 4423 (نشر).]]. قال المرّار [[المَرَّارُ بن سعيد بن حبيب الفقْعسي، أبو حسان، شاعر أموي مكثر. انظر: "الشعر والشعراء" ص 467، و"الأغاني" 10/ 366، و"معجم المرزباني" ص 304، و"الأعلام" 7/ 199.]]: وَهَبَّتْ لَهُ رِيحُ الجنُوبِ وأحْيَيَتْ ... لَهُ رَيْدَةُ يُحْي المِيَاةَ نَسِيمُهَا [[الشاهد في "الحجة" لأبي علي 4/ 35 - 36، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 217، و"اللسان" 3/ 1790 (ريد)، و"البحر المحيط" 4/ 316. وَرْيدَة أي: ريح لينة. انظر: "اللسان" 3/ 1790 (ريد).]] ومما يدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت كما وصفت بالحياة. قال: إني لأَرْجُو أَنْ تَمُوتَ الرِّيحُ ... فَأُقْعُدُ اليَوْمَ وأَسْتَرِيحُ [[لم أهتد إلى قائله، وهو في "الحجة" لأبي علي 4/ 36، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 217، و"اللسان" 7/ 4295 (موت) و7/ 4423 (نشر)، و"البحر المحيط" 4/ 317، و"الدر المصون" 5/ 348.]] فقوله: ﴿نُشُرًا﴾ جمع: نشُور مثل رَسُول ورُسُل، والنشور بمعنى: المنتشر؛ كالرَّكوب معنى: المركوب، فكأن المعنى: رياح منتشرة، فمن قرأ ﴿الرِّيَاحَ﴾ [[قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ﴿الرَّيَاحَ﴾ على التوحيد، وقرأ الباقون: ﴿الرِّيَاحَ﴾ بالجمع، وقرأ عاصم ﴿بُشْرًا﴾ بضم الباء وسكون الشين، وقرأ ابن عامر: ﴿نُشْرًا﴾ بضم النون وسكون الشين، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿نَشْرًا﴾ بفتح النون، وسكون الشين، وقرأ الباقون: ﴿نُشُرًا﴾ بضم النون والشين. انظر: "السبعة" ص 283، و"المبسوط" ص 181، و"التذكرة" 2/ 420، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269 - 270.]] بالجمع حسن وصفها بقوله: ﴿نُشُرًا﴾ لأنه وصف الجمع بالجمع، ومن قرأ ﴿الرِّيح﴾ واحدة ﴿نُشُرًا﴾ جمعًا كقراءة ابن كثير، فإنه أراد بالريح الكثرة كقولهم: كثر الدرهم والدينار، والشاء [[في (أ): (الشاة)، وأصل النص في "الحجة" لأبي علي 4/ 23 وفيه: الشاء.]] والبعير، وكقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فلما كان المراد بالريح الجمع وصفها بالجمع، كقول عنترة: فِيهَا اثْنَتَانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرابِ الأَسْحَمِ [["ديوانه" ص 17، و"الحجة" لأبي علي 4/ 33، و"الدر المصون" 5/ 350، والشاهد من معلقته المشهورة قال النحاس في "شرح المعلقات" 2/ 13 - 14: (الحلوبة المحلوبة يستعمل في الواحد والجميع على لفظ واحد، والخوافي أواخر == ريش الجناح مما يلي الظهر، والأسحم: الأسود) اهـ. وانظر: شرحه في "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 305.]] وقرأ ابن عامر: ﴿نُشْرًا﴾ خفف الشين كما يقال: كُتْبٌ ورُسْل، وقرأ حمزة والكسائي ﴿نَشْرًا﴾؛ والنشر مصدر نشرت الشيء ضد طويته، ويراد بالمصدر هاهنا المفعول، والرياح كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية فأرسلها الله تعالى منشورة بعد إنطوائها، فقوله: ﴿نَشْرًا﴾ مصدر حال من الرياح، ويجوز أن يكون النشر هاهنا الذي هو الحياة من قولهم: أنشر الله الميت فنشر. قال الأعشى: يَا عَجَبَا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ [["ديوانه" ص 93، و"مجاز القرآن" 2/ 70، و"الجمهرة" 2/ 734، و"الاشتقاق" ص 242، و"تهذيب اللغة" 4/ 3570، و"الصحاح" 2/ 828، و"الخصائص" 3/ 325، و"مقاييس اللغة" 5/ 430، و"اللسان" 7/ 4423 (نشر)، و"الدر المصون" 5/ 347 وصدره: حتَى يقول النَّاسُ مِمَّا رَأَوا. وفي "حاشية الديوان": (الناشر الذي بعث من قبره، والمعنى: وعندئذٍ يتعجب الناس مما يرون فيقولون: يا عجبا للميت الذي بعث من جديد) اهـ.]] فإذا حملته على ذلك -وهو الوجه- كان المصدر يراد به الفاعل، كما تقول: أتاني ركضًا أي: راكضًا، ويجوز أن يكون انتصاب قوله: ﴿نَشْرًا﴾ انتصاب المصادر لا الحال من باب (صُنْعَ الله)؛ لأنه إذا قال: ﴿يُرْسِلُ اَلريَاحَ﴾ دل هذا الكلام على نشر الريح نشرًا، وقرأ عاصم ﴿بُشْرًا﴾ جمع بشيرًا على (بُشْر) من قوله: ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: 46] أي: تبشر بالمطر والرحمة. قال الفراء: (النُشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب) [["معاني الفراء" 1/ 381.]]. قال ابن الأنباري: (واحدها نشور، وأصل هذا من النَّشْر وهو الرائحة الطيبة) [[لم أقف عليه.]]. ومنه قول امرئ القيس: ............ ونَشْرَ القُطُرْ [["ديوانه" ص 69، و"المنجد" لكراع ص 339، و"تفسير الطبري" 8/ 209، و"تهذيب اللغة" 4/ 3571، و"الصحاح" 2/ 827، و"اللسان" 7/ 4423 (نشر)، والخزانة 9/ 231 وتمامه: كَأنَّ المُدَامَ وصَوْبَ الغَمَام ... ورِدحَ الخُزَامىَ ........ وفي "حاشية الديوان": (المدام: الخمر، وصوب الغمام: ماء السحاب، والخزامى: خيري البر وهو نبت حسن الريح، ونشر القطر: ريح العود الذي يتبخر به) اهـ.]] وقال أبو عبيدة: (﴿نُشُرًا﴾ أي: متفرقة من كل جانب) [["مجاز القرآن" 1/ 217، ومثله قال اليزيدي في "غريب القرآن" ص 146.]]. قال أبو بكر: (هي المنتشرة الواسعة الهبوب، والنشر: التفريق، ومنه نشر الثوب، ونشر الخشبة بالمنشار، والنشر المنتشر) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 218، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 301، و"تفسير غريب القرآن" ص 178، و"معاني الزجاج" 2/ 345، و"تفسير الطبري" 8/ 209، و"نزهة القلوب" للسجستاني ص 454، و"معاني النحاس" 3/ 44.]]. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿نَشْرًا﴾ يجوز أن يكون من باب حذف المضاف على معنى: ذوات نشر أي: ريح طيبة [[ما تقدم في توجيه القراءات هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 32 - 39، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 409، و"إعراب القراءات" 1/ 186، و"الحجة" لابن خالويه ص 157، ولابن زنجلة ص 285، و"الكشف" 1/ 465.]]. وقوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد: بين يدي المطر) [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي: (قدّام مطره) [["تنوير المقباس" 2/ 100، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 196، وهذا قول أكثر المفسرين. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 210، والسمرقندي 1/ 547، والبغوي 3/ 238، وابن عطية 5/ 539.]]. وقال أبو إسحاق: (أي: بين يدي المطر الذي هو رحمته) [["معاني الزجاج" 2/ 345، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 45.]] قال أبو بكر: (اليدان تستعملهما العرب في المجاز على معنى التقدمة، يقال: تكون هذه الفتن بين يدي الساعة، يريدون قبيل [[في (ب): (قبيل أن يكون تقوم)، وهو تحريف.]] أن تقوم، تشبيهًا وتمثيلاً، إذ كانت يد الإنسان تتقدمانه، والرياح تتقدم المطر وتؤذن به) [[ذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 243، ونحوه قال الطبري في "تفسيره" 8/ 210.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾، يقال: أقلَّ فلان الشيءَ أي [[في (ب): (إذا حمله).]] حَمَله، وكذلك استقَلَّه [[انظر: "المفردات" ص 681، و"اللسان" 6/ 3738 (قلل).]]، والمعنى: حتى إذا حملت هذه الرياح سحابًا ثقالًا بما فيها من الماء، قاله المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 210، و"معاني الزجاج" 2/ 345، و"النحاس" 3/ 45، و"تفسير السمرقندي" 1/ 547.]]. وقوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أي: سقنا السحاب، والسحاب لفظه مذكر وإن كان جمع سحابة، لذلك ذكَّر الكناية، وهو من باب تمر وتمرة وجَوْز وجَوْزة [[أصل السَّحْب الجَرُّ، ومنه السحاب لجره الماء ولجر الريح له وانسحابه في الهواء == والجمع سحاب وسُحُب وسحائب. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1637، و"الصحاح" 1/ 146، و"مقاييس اللغة" 3/ 142، و"المفردات" ص 399، و"اللسان" 4/ 1948 (سحب).]]. ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ليس فيه نبات) [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي: (إلى مكان لا ينبُت) [["تنوير المقباس" 2/ 101.]]. وقال أبو بكر: (أي: سقنا السحاب لبلدِ وإلى بلدٍ محتاج إلى المطر لانقطاعها عنه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، وابن الجوزي 3/ 219.]]. فمنهم من يجعل اللام بمعنى إلى، كما يقال: هديته للدين وإلى الدين، ومنهم من يجعله لام أجل فيقول: سقناه لأجل بلدٍ ميتٍ [[انظر: "كتاب اللامات" للزجاجي ص 144، وللهروي ص 23، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 317: (اللام في ﴿لِبَلَدٍ﴾ عندي لام التبليغ كقولك قلت لك) اهـ.]]، وأما البلد فكل موضع من الأرض عامرٍ أو غير عامر خالٍ أو مسكونٍ فهو بلد، والطائفة منه (بَلْدة)، والجميع البلاد، والفلاة تسمى: بلدة [[هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 1/ 383. وانظر: "العين" 8/ 42، و"المنجد" ص 143، و"الجمهرة" 1/ 301، و"الصحاح" 2/ 449، و"المجمل" 1/ 134، و"مقاييس اللغة" 1/ 298، و"المفردات" ص 142، و"اللسان" 1/ 340 (بلد).]]؛ قال الأعشى [[الشاهد في "ديوانه" ص 146، و"تهذيب اللغة" 1/ 383، و"تفسير الرازي" 14/ 142، و"اللسان" 1/ 341 (بلد)، و"الدر المصون" 5/ 352، وهو من معلقة أعشى قيس المشهورة، وفي "حاشية الديوان": (مثل ظهر الترس: شبهها بظهر الدرع في انبساطها وإقفارها لأنها لا شيء فوق ظهرها، وحافاتها: نواحيها، والزجل: الأصوات المختلطة) اهـ.]]: وَبَلْدَةٍ مِثْلِ ظَهْرِ التُّرْسِ مُوحِشَةٍ ... للجِنِّ بِاللَّيْلِ في حَافَاتِهَا [[في (أ): (في حافتها).]] زَجَلُ وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾، قال الزجاج وابن الأنباري [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، وابن الجوزي 3/ 219، والرازي 14/ 142، و"الخازن" 2/ 243.]]: (جائز أن يكون فأنزلنا بالبلد الماء، وجائز أن يكون فأنزلنا بالسحاب الماء؛ لأن السحاب آلة لإنزال الماء) [["معاني الزجاج" 2/ 345، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 45، والسمرقندي 1/ 548، والظاهر عودة الضمير إلى أقرب مذكور وهو بلد أي أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء، أفاده أبو حيان في "البحر" 4/ 317 - 318.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. الظاهر أن الكناية تعود إلى الماء؛ لأن إخراج الثمرات كان بالماء، وقال الزجاج: (وجائز أن يكون فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات؛ لأن البلد ليس يخص به هاهنا بلد دون غيره) [["معاني الزجاج" 2/ 345، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 45، والأول أظهر وهو اختيار الزجاج في "معانيه"، والسمرقندي 1/ 548، وابن عطية 5/ 540، 541، وقال السمين في "الدر" 5/ 351: (الأحسن هو العود على الماء ولا ينبغي أن يعدل عنه) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي: مثل ذلك الإخراج الذي أشرنا إليه نخرج الموتى. وقال أبو بكر: (أي: نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت، فإحياء الأموات بعد أن صاروا رفاتا في التراب كإحياء الأرض بالنبات) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 346، و"بدائع التفسير" 2/ 258.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: كي تتعظوا) [["تنوير المقباس" 2/ 101.]]. وقال الزجاج: (أي: لعلكم بما بينا [[في (ب): (لما بينا).]] لكم تستدلون على توحيد الله عز وجل وأنه يبعث الموتى. و (لعل) ترجٍ، والله يعلم أيتذكرون أم لا، وإنما خوطب العباد على قدر علمهم وما يرجوه بعضهم من بعض) [["معاني الزجاج" 2/ 246، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 46.]]، وقد مضت هذه المسألة في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" البقرة: 21.]].

الأعراف 7:58

وقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ الآية. قال المفسرون: (هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة وبالأرض السبخة الملحة)، وهو قول ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 212، وابن أبي حاتم 5/ 1503 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد والسدي.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 239، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 173.]] والحسن [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 25، والقرطبي 4/ 231، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، والماوردي 2/ 232، عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 320، والطبري 8/ 212 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 173.]] والسدي. قال أبو بكر: (فشبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن فوعاه وعقله وانتفع به فبان أثره عليه بالبلد الطيب؛ إذ كان البلد الطيب يُمرع ويُخصب ويحسن أثر المطر فيه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن ولا يؤثر فيه أثرًا محمودًا بالبلد الخبيث؛ إذ كان لا يمرع ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 197، وابن الجوزي 3/ 220 عن المفسرين.]]. وقال الحسين بن الفضل: (شبه الله المؤمن والكافر بالأرض، وشبه نزول القرآن بالمطر، وعلى قدر طيبة [[في (ب): (طيب).]] التربة ورداءتها زكاء النبت وزيادته) [[لم أقف عليه، وانظر: "الأمثال" للحسين بن الفضل البجلي ص 44.]]. وهذا الذي ذكره أبو بكر والحسين هو [[في (أ): (وهو).]] معنى قول قتادة [[سبق تخريجه.]]. وقال الكلبي: (هذا مثل للمؤمن والكافر، المؤمن يعمل عمله طوعًا لله بإذن ربه من غير كد ولا عناء، والكافر لا يعمل عمله إلا في شدة وكدّ لغير الله) [["تنوير المقباس" 2/ 101، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 25.]]، وفي قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ دليل على أن ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون ذلك إلا بتوفيق من [[لفظ: (من) ساقط من (ب).]] الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾. قال الكلبي: (﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ السبخة من الأرض) [["تنوير المقباس" 2/ 101، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 198.]]. قال الفراء: (يقال: خَبُث الشيء يَخْبثُ خُبْثًا وخَبَاثة) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 145، عن الفراء ولم أقف عليه في "معانيه"، والخَبيث والخُبْث، الرِديء خلاف الطيب، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 973، عن الليث قال: (خَبُث الشيء يخبث خبْثًا فهو خبيث، وبه خُبْث وخباثة، وأخبث فهو مُخْبِث إذا صار ذا خُبْث وشر) اهـ. وانظر: "العين" 4/ 248 - 249، و"الجمهرة" == 1/ 258، و"الزاهر" 2/ 139، و"الصحاح" 1/ 281، و"مقاييس اللغة" 2/ 238، و"المفردات" ص 272، و"اللسان" 2/ 1088 (خبث).]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ النكد العسر الممتنع [[انظر: "الجمهرة" 2/ 680، و"الصحاح" 2/ 545، و"المجمل" 3/ 884، و"مقاييس اللغة" 5/ 475 - 476، و"المفردات" ص 833 (نكد).]] من إعطاء الخير على جهة البخل. وقال الفراء: (النَّكَد المصدر يقال: نَكِد نَكَدًا فهو نَكِدٌ) [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 382.]]. وقال الليث: (النكد الشؤم واللؤم وقلة العطاء وألا يهنأه من يعطاه، ورجل أنَكَد ونَكِد) [["تهذيب اللغة" 4/ 3660، وانظر: "العين" 5/ 331 (نكد) وقوله (من يعطاه) الأولى ما يعطاه.]]. وأنشد: وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ... لاَ خَيرْ في المَنْكُودِ والنَّاكِدِ [[لم أعرف قائله، وهو في "العين" 5/ 331، و"تفسير الطبري" 8/ 211، و"تهذيب اللغة" 4/ 3660، و"تفسير الماوردي" 2/ 232، وابن عطية 5/ 542، والرازي 14/ 145، و"اللسان" 8/ 4538 (نكد)، و"البحر المحيط" 4/ 315، و"الدر المصون" 5/ 352.]] الأزهري: (المنكود: العطاء النزر القليل) [["تهذيب اللغة" 4/ 3660، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 46: (النَكِد في اللغة: النزر القليل) اهـ. ونحوه في "مجاز القرآن" 1/ 217، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"نزهة القلوب" ص 445، و"تفسير المشكل" ص 85.]]. وقال أبو بكر: (النكد معناه في اللغة: العسر المبطي البعيد الخير، وهو في صفة البلد) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 198 مع إنشاد الشاهد.]]. وأنشد غيره: لاَ تُنْجِزُ الوعْدَ إنْ وعَدْتَ وإن ... أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نكدَا [[لم أعرف قائله. وهو في "مجاز القرآن" 1/ 217، و"تفسير الطبري" 8/ 211، وابن عطية 5/ 542، وابن الجوزي 3/ 220، و"اللسان" 1/ 436 (تفه)، و"تفسير الخازن" 2/ 244، و"البحر المحيط" 4/ 315، و"الدر المصون" 5/ 352.]] فقوله: نكدًا نُصب على الحال، وكذلك في الآية كما تقول: لا يخرج فلان إلا راكبًا [[النصب على الحال هو قول الأكثر، ويجوز نصبه على المصدر على معنى ذا نكد. انظر: "إعراب النحاس" 1/ 620، و"المشكل" 1/ 295، و"البيان" 1/ 366، و"التبيان" ص 380، و"الفريد" 2/ 319، و"الدر المصون" 5/ 352.]]. قال قتادة وأبو روق [[لم أقف عليه عنهما.]]: (﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ إلا عسرًا). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ مضى معنى تصريف الآيات في مواضع. وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. قال عطاء: (يريد لنعم الله، ويوحدونه، ويطيعون أمره) [[لم أقف عليه.]]. وقال بعض أهل النظر: (ذكر الشكر في آخر الآية، إشارة إلى نعمتين مذكورتين في الآية للمؤمن، وهو أن الله تعالى لم يجعله كالبلد الخبيث، والثاني: أنه أذن له في الإيمان والطاعات كما أذن للبلد الطيب في إخراج النبات) [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 212، والسمرقندي 1/ 548، والرازي 14/ 145.]].

الأعراف 7:59

قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [قرئ: ﴿غَيْرُهُ﴾ [[في (ب): (قرئ غير).]]، رفعًا وخفضًا [[قرأ الكسائي ﴿غيرِه﴾ بكسر الراء، وقرأ الباقون برفعها. انظر: "السبعة" ص 284، و"المبسوط" ص 181، و"التذكرة" 2/ 420، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 270.]]، فأما من خفض فقال الفراء: (يجعل (غير) نعتًا للإله، وقد يرفع فيجعل تابعًا للتأويل في ﴿إِلَهٍ﴾، ألا ترى أن الإله لو نزعت منه (مِن) [[لفظ: (من) ساقط من (ب).]] كان رفعًا) [["معاني الفراء" 1/ 382.]]، وقال أبو إسحاق: (الرفع على معنى: ما لكم إله غيره ودخلت (مِنْ) مؤكدةَ، و (مِنْ) خفض جعله صفة لإله) [["معاني الزجاج" 2/ 348.]] فقد اتفقا كما ترى على أن (غير) في القراءتين صفة لإلهٍ، الرفع على الموضع، والخفض على [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 621، و"المشكل" 1/ 295، و"البيان" 1/ 367 ، و"التبيان" ص 380، و"الفريد" 2/ 320.]] اللفظ، ولا بد من إضمار محذوف في الكلام، وهو خبر ﴿ما﴾؛ لأنك إذا جعلت (غير) من صفة الإله، لم يكن للنفي خبر، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف كقولك: (زيد العاقل)، وتسكت حتى تذكر خبره، ويكون التقدير: ما لكم من إله غيره في الوجود، ونحو ذلك لا بد من هذا الإضمار [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 40، وقال السمين في "الدر" 5/ 354: (في الخبر وجهان: أظهرهما أنه ﴿لَكُمْ﴾، الثاني: أنه محذوف أي: ما لكم من إله في الوجود أو في العالم غير الله و ﴿لَكُمْ﴾ على هذا تخصيص وتبيين) اهـ.]]. وقال أبو علي: (وجه من قرأ بالرفع قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 62]، فكما أن قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بدل من قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾، كذلك قوله: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾ [[كذا في "النسخ"، و"الحجة" لأبي علي (4/ 40) والأولى: كذلك قوله: ﴿غَيْرُهُ﴾ وجاء في سورهِ الأعراف الآية (3) قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾؛ قرأ حمزة والكسائي ﴿غَيْرِ﴾ خفضًا، وقرأ الباقون رفعًا. انظر: "السبعة" ص 284.]] يكون بدلاً من قوله ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ و (غير) يكون بمنزلة الاسم الذي بعد إلا). وعلى ما ذكره أبو علي (غير) يكون رفعًا بالاستثناء، ولا يحتاج إلى إضمار الخبر، قال: (وهذا الذي ذكرنا أولى أن يُحمل عليه من أن يجعل غير صفةً لإله على الموضع [["الحجة" لأبي علي 4/ 40، وقال: (لأن كون (إلا) استثناء أعرف وأكثر من كونها صفة، وإنما جعلت صفة على التشبيه بغير) اهـ. وانظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 285، و"معاني القراءات" 1/ 410، و"إعراب القراءات" 1/ 189، و"الحجة" لابن خالويه ص 157، ولابن زنجلة ص 286، و"الكشف" 1/ 467.]].

الأعراف 7:62

قوله تعالى [[تنبيه: (لم يتعرض المؤلف -رحمه الله تعالى- لتفسير باقي الآية: 59 والآيتين: 60 و61).]]: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾. وقرأ أبو عمرو [[قرأ أبو عمرو: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ بسكون الباء، وتخفيف اللام، وقرأ الباقون بفتح الباء، وتشديد اللام، انظر: "السبعة" ص 284، و"المبسوط" ص 181، و"التذكرة" 2/ 420، و"التيسير" ص 111، و"النشر" 2/ 270.]] ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ مخففة من الإبلاغ، وكلا الأمرين قد جاء في التنزيل، فالتخفيف قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ [هود: 57] والتشديد قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [[انظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 41 - 42 و"معاني القراءات" 1/ 410، و"إعراب القراءات" 1/ 190، و"الحجة" لابن خالويه ص 157، ولابن زنجله ص 286، و"الكشف" 1/ 467.]] [المائدة: 67]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾. قال الفراء: (والعرب لا تكاد تقول: نصحتك، إنما يقولون: نصحت لك، فأنا أنصح لك نصيحة ونصاحةً ونصحًا وقد يجوز نصحتك) [["معاني الفراء" 1/ 92 فيه: (العرب لا تكاد تقول: شكرتك إنما تقول: شكرت لك ونصحت لك ولا يقولون: نصحتك وربما قيلتا قال النابغة ...) اهـ. يقال: نَصَحْتُك نُصْحا ونَصَاحة وهو باللام أفصح، والاسم النصيحة. انظر: "الصحاح" 1/ 410، و"كتاب الأفعال" للسرقسطي 3/ 192.]]. قال النابغة: نصحتُ بَنِي عَوْفٍ فلم يَتَقَبَّلُوا ... رسولي ولم تَنْجَحْ لديهم رسَائِلي [["ديوان النابغة الذبياني" ص 128، و"الصحاح" 1/ 410، و"تفسير الرازي" 14/ 151، و"اللسان" 7/ 4438 (نصح)، وفي "الديوان" (وصاتي) بدل (رسولي)، و (وسائلي) بدل (رسائلي)، وبنو عرف قومه وهم بنو عوف بن سعد ابن ذبيان. انظر: "نهاية الأرب" ص 344.]] ومعنى النصح: إخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة وهو خلاف الغش [[انظر: "العين" 3/ 119، و"الجمهرة" 1/ 544، و"تهذيب اللغة" 4/ 3582، و"المجمل" 3/ 780، و"المقاييس" 5/ 435، و"المفردات" ص 808 (نصح).]]. قال ابن عباس: (يريد: أدعوكم إلى ما دعاني الله إليه، وأحب لكم ما أحب لنفسي. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يريد: إني أعلم أن ربي غفور رحيم لمن رجع عن معاصيه، وأن عذابه أليم شديد لمن أصرّ على معاصيه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 199، وفي "تنوير المقباس" 2/ 102 نحوه.]]. وقال أهل النظر: (في قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ حثٌّ لهم على طلب العلم من جهته، وتحذير من مخالفته) [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 151.]].

الأعراف 7:63

قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: موعظة من الله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 199، والبغوي 3/ 241.]]. وقوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾. قال الفراء: (﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى: (مع) كما تقول: جاءنا الخير على وجهك ومع وجهك، ويجوزان جميعًا) [["معاني الفراء" 1/ 383، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 214.]]، وقال ابن قتيبة: (أي: على لسان رجل منكم) [["تفسير غريب القرآن" ص 179، وهو قول مكي في "تفسير المشكل" ص 85.]]. وقال غيره [[الظاهر أنه قول الطبري 8/ 214، قال: (أوعجبتم أن جاءكم تذكير من الله وعظة يذكركم بما أنزل ربكم على رجل منكم) اهـ.]]: (معناه: ذكر من ربكم منزل على رجل)، فـ (على) من صلة الإنزال المحذوف، وعلى هذا دل كلام ابن عباس في هذه الآية؛ لأنه قال في قوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾: (يريد أوحى الله إليه، وبعثه إليكم لينذركم) [[في "تنوير المقباس" 2/ 102 نحوه.]]. وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: يعرفون نسبه، فهو منكم نسبًا.

الأعراف 7:64

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾، قال ابن عباس: (عميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته وشدة بطشه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 200، والبغوي 3/ 242، وابن الجوزي 3/ 221، والرازي 14/ 153، و"الخازن" 2/ 246.]]. وقال الزجاج: (أي: قد عَمُوا عن الحق والإيمان) [["معاني الزجاج" 2/ 347، وهو قول الطبري 8/ 215، وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد.]]. قال الليث: (يقال [[لفظ: (يقال) ساقط من (ب).]] رجل عمٍ إذا كان أعمى القلب) [["العين" 2/ 266، وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 2576 من قول الفراء ونفطويه.]]. وقال أبو معاذ النحوي [[أبو معاذ النحوي: الفضل بن خالد المروزي الباهلي مولاهم إمام نحوي، لغوي، مقرئ، روى عنه الأزهري في "تهذيبه" 1/ 25 وقال: (له كتاب في القرآن حسن) اهـ. توفي سنة 211 هـ. انظر: "معجم الأدباء" 5/ 565، و"غاية النهاية" 2/ 9، و"بغية الوعاة" 2/ 245، و"طبقات المفسرين" للداودي 2/ 32.]]: (رجل عم في أمره لا يبصره [[جاء في (أ): (رجل عم لا يبصره)، ثم كتب عليه: لا بصيرة له، والنص في "تهذيب اللغة" 3/ 2577.]]، ورجل أعمى في البصر)، قال زهير [["ديوانه" ص 110، و"تهذيب اللغة" 3/ 2577، والرازي 14/ 153، و"اللسان" 5/ 3115 (عمى)، و"الدر المصون" 5/ 357، وأوله: (وأعلم ما في اليوم والأمس قبله)، وهو من معلقته المشهورة. انظر: "شرح ديوان زهير" لثعلب ص 49، و"شرح القصائد" لابن الأنباري ص 289، وللنحاس 1/ 125.]]: وَلَكِنِّني عَنْ عِلْمِ مَا فيِ غَدٍ عَمِ وعلى هذا الوجه فسر ابن عباس؛ حيث قال: (عميت قلوبهم) [[سبق تخريجه.]]. وهو اختيار الحسين [[لفظ: (الحسين) ساقط من (ب).]] بن الفضل فإنه قال: (عمين في البصائر وأعمى في البصر) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 191 ب.]]، ألا ترى أن قوم نوح لم يكونوا أَضِرَّاءَ مكافيف، إنما وصفوا بعمى القلب، وقد يكون العمي والأعمى كالخَضِر والأخضر [[قال السمين في "الدر" 5/ 357: (عَمين: جمع عَم، قيل: عم إذا كان أعمى البصيرة غير عارف بأموره، وأعمى أي: في البصر، وقيل: عم وأعمى بمعنى كخضر وأخضر، وقيل: عمٍ فيه دلالة على ثبوت الصفة واستقرارها كفرح وضيق ولو أريد الحدوث لقيل عام كما يقال: فارح وضائق) اهـ، وانظر: "الصحاح" 6/ 2439، و"مقاييس اللغة" 4/ 133، و"المجمل" 3/ 628، و"المفردات" ص 588 (عمى).]]، وفَعِل يأتي كثيرًا في النعوت من فَعِلَ يفعل نحو: حذِرٍ وطمِعٍ وهرِمٍ وعَجِلٍ. ومن المعتل: شجي وصدٍ للعطشان، ونسي، إذا اشتكى نساه فهو أنسى ونسي. ذكره ابن السكيت [[قال ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 155 وص180 وص370: (رجل عَمِي القلب وعم عن الصواب ورجل شج: إذا غص باللقمة ورجل صَدٍ للعطشان وصَدْيان وصاد، وإذا اشتكى الرجل نساه قلت: نَسِي يَنْسَى نسى فهو نَسٍ وقد نسيت الشيء: إذا لم تذكره، وقد أنسيته ما كان يحفظه، وأنسأته البيع: إذا أخرت ثمنه عليه) اهـ. ملخصًا.]].

الأعراف 7:65

وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ الآية. انتصب: ﴿أَخَاهُمْ﴾ بقوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ في أول الكلام، وهو قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: 59] و [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] المعنى: وأرسلنا إلى عاد ﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾، وهذا قول الفراء، والزجاج، والأخفش [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 383، والأخفش 2/ 305، والزجاج 2/ 347، وهو قول الأكثر، انظر: "تفسير الطبري" 8/ 215، و"إعراب النحاس" 1/ 622، و"المشكل" 1/ 296، و"التبيان" ص 381، و"الفريد" 2/ 323، و"الدر المصون" 5/ 358.]]، ومعنى ﴿أَخَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ابن أبيهم) [[ذكره القرطبي 7/ 230.]]. وقال الكلبي: (ليس بأخيهم في الدين، ولكنه أخوهم في النسب؛ لأنه منهم، فلذلك جعله أخاهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 200، والرازي 14/ 154، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 177، وقال: (أخرجه ابن المنذر من طريق الكلبي عن ابن عباس) اهـ.]]. قال الزجاج: (وقيل للأنبياء: (أخوهم) وإن كانوا كفرة، يعني: أنه قد أتاهم بشر مثلهم من بني أبيهم آدم وهو أحجّ عليهم، قال: وجائز أن يكون (أخاهم)؛ لأنه من قومهم ليكون أفهم لهم بأن يأخذوا عن رجل منهم) [["معاني الزجاج" 2/ 247.]]. وقال بعض أهل النظر: (قوله تعالى: ﴿أَخَاهُمْ﴾ يعني: صاحبهم ورسولهم، والعرب تسمي صاحب القوم أخ القوم، ومنه قوله ﷺ: "إن أخا صداء [[صُداء: اسم قبيلة من كهلان من القحطانية من اليمن. انظر: "اللباب" لابن الأثير 2/ 236، و"نهاية الأرب " ص 286، والمراد به هنا: زياد بن الحارث الصُدائي، صحابي له وفادة، انظر: "الإصابة" 1/ 557]] قد أذن [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] إنما يقيم من أذن" [[أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 475 - 476، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" 1/ 326 - 327، وابن أبي شيبة 1/ 196 (2246)، وأحمد 4/ 169، وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" ص 214، وابن ماجه كتاب الأذان والسنة فيه، باب: السنة في الأذان رقم (717)، وأبو داود كتاب الصلاة، باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر رقم (514)، والترمذي كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن من أذن فهو يقيم رقم (199)، والبيهقي في "سننه" 1/ 381 وص 399 وفيه عبد الرحمن زياد بن أنعم الأفريقي قاضيها ضعيف في حففه، قاله الحافظ في "التقريب" ص 340 (3862) لكن الحديث له طرق. وقال الترمذي: (العمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم) اهـ.]] يريد [[لفظ: (يريد) ساقط من (أ).]] صاحبهم، ومن هذا قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: 38] أي: صاحبتها وشبيهتها، وهذا كثير في كلامهم) [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 155.]]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: وحدوا الله ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ قال: يريد: أفلا تخافون نقمته) [["تنوير المقباس" 2/ 103، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 200، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1508 بسند جيد، عن ابن عباس قال: (﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحدوه) اهـ.]].

الأعراف 7:66

وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾. قال مقاتل: (أي: في حمق) [["تفسيرمقاتل" 2/ 45.]]. وقال عبد الله بن مسلم: (أي: في جهل) [["تفسير غريب القرآن" ص 179، وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 347: (السفاهة: خِفة الحلم والرأي، يقال: ثوب سفيه إذا كان خفيفًا) اهـ، ونحوه، قال النحاس في "معانيه" 3/ 47، وقال الطبري 8/ 215: (أي: في ضلال عن الحق والصواب) اهـ.]]. قال ابن عباس: [(يريد)] [[لفظ: (يريد) ساقط من (ب).]] تدعونا إلى دين لا نعرفه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 200، والبغوي 3/ 242، وجاء في كتاب "اللغات" لأبي عبيد ص 152، وابن حسنون ص 25، و"الوزان" ص 4 بسند جيد عن ابن عباس قال: (سفاهة: جنون بلغة حمير).]]، ومضى معنى السفاهة في أول سورة البقرة [[انظر: "البسيط" البقرة: 13.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريدون كاذبًا فيما جئت به) [["تنوير المقباس" 2/ 103، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 200.]]. وقال مقاتل: (من الكاذبين فيما تقول من نزول العذاب بنا) [["تفسير مقاتل" 2/ 45.]]. وقال الكلبي: (من الكاذبين في ادعائك بالنبوة) [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ﴾: (فكفروا به ظانين [لا] [[لفظ (لا) عليها طمس في (ب).]] مستيقنين) [["معاني الزجاج" 2/ 347.]]، وهو قول الحسن، قال: (كان تكذيبهم إياه على الظن لا على اليقين) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 156، وأبو حيان في "البحر" 4/ 324، وقال ابن عطية 5/ 549: (هو ظن على بابه لأنهم لم يكن عندهم إلا ظنون وتخرص) اهـ.]]. وقال بعض أهل النظر: (الظن هاهنا معناه: العلم، والظن بمعنى العلم كثير في الكلام)، ذكرنا ذلك [[انظر: "البسيط" [البقرة: 78].]] في سورة البقرة.

الأعراف 7:68

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾. قال الضحاك: (أمين على الرسالة) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 192 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 201، وابن الجوزي 3/ 222.]]. وقال الكلبي: (قد كنت فيكم قبل اليوم أمينًا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 192 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 201، والبغوي 3/ 242، وابن الجوزي 3/ 222.]]. والقولان ذكرهما الفراء [["معاني الفراء" 1/ 384.]]، ومعنى الأمين: الثقة في نفسه، وهو فعيل من أَمِنَ يَأمن أَمنًا فهو آمِن وأمين بمعنى واحد، ويقال أيضاً: ما كان فلان أمِينًا ، ولَقَد أمن يَأمن أمانة فهو أَمِين، والمأمون: الذي يأمنه غيره [[انظر: "العين" 8/ 388، و"تهذيب اللغة" 1/ 209، و"الصحاح" 5/ 2071، و"مقاييس اللغة" 1/ 133، و"المفردات" ص 90، و"اللسان" 1/ 141 (أمن).]].

الأعراف 7:69

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. مضى الكلام في الخلفاء والخليفة [[انظر: "البسيط" البقرة: 30.]] والخلائف في مواضع. قال ابن عباس: (يريد: أنكم من ولد نوح، وقد علمتم ما صنع الله بمن كذبه) [[ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 178.]]. وقال غيره [[هذا قول الأكثر. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 216، وأخرجه من طرق جيدة عن السدي، ومحمد بن إسحاق. وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 550، والبغوي 3/ 243، وابن عطية 5/ 550، والرازي 14/ 157، والقرطبي 7/ 236.]]: (هذا معناه: تذكيرهم النعمة عليهم بأن استخلفهم الله وقال في الأرض بعد هلاك قوم نوح، يقول: اذكروا أن الله أهلكهم واستخلفكم بعدهم. ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾. قال الكلبي: (فضيلة [[في (ب): (فصله)، وهو تصحيف.]] في الطول) [["تنوير المقباس" 2/ 104.]] ومضى الكلام [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 150 أ.]] في هذا عند قوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247]. قال ابن عباس: (يريد: أنكم أجسم وأتم من آبائكم الذين ولدوكم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 201، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1510 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (بصطة) (شدة)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 178.]]. قال الكلبي: (وكان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعًا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 192 أ، و"عرائس المجالس" ص 61، والبغوي 3/ 243، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 384، والزجاج 2/ 348، ونسبه السمرقندي 1/ 550، والواحدي في "الوسيط" 1/ 201، وابن الجوزي 3/ 222 إلى ابن عباس. وجاء عند السمرقندي عن الكلبي قال: (أطولهم مائة وعشرون ذراعًا وأقصرهم ثمانون ذراعًا) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد: نِعَم الله عليكم) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1510 بسند جيد وقال: (وروي عن مجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد نحو ذلك) اهـ. وهذا هو قول أهل اللغة والتفسير، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 217، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 147، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"معاني الزجاج" 2/ 348، و"تفسير الطبري" 8/ 217، و"نزهة القلوب" ص 73، و"معاني النحاس" 3/ 49، و"تفسير المشكل" ص 85]]، وواحد الآلاء: إلْي وأَلْي وألْو وألَى [[في (ب): (واحد الآلاء: إلى وألا وإلو وإلي). وفي "تهذيب اللغة" 1/ 179، قال: (والآلاء النعم واحدتها إلْيُ، وألْيُ، وأبو، وألَى، وإلَى) اهـ. وهي جمع مفرده: (إلى) بكسر الهمزة وسكون اللام كحِمْل وأحمال، أو أُلي: بضم الهمزة وسكون اللام كقفل وأقفال، أو إلى: بكسر الهمزة وفتح اللام كضلع وأضلاع وعنب وأعناب، أو ألى: بفتحها كقَفَا وأقفاء، أفاده السمين في "الدر" 5/ 360، وانظر: المراجع السابقة. "العين" 8/ 356، و"الصحاح" 6/ 2270، و"المجمل" 1/ 101، و"المفردات" ص 84، و"اللسان" 1/ 119 (ألا)، ونقل الرازي 14/ 158، عن الواحدي قال: (واحدها إلى وألو وإلي) اهـ.]]. قال الأعشى [["ديوانه" ص 267، و"مجاز القرآن" 1/ 218، و"معاني الزجاج" 2/ 248، و"المجمل" 1/ 101، و"تفسير الماوردي" 2/ 233، وابن عطية 5/ 551، وابن الجوزي 3/ 222، والرازي 14/ 158، و"اللسان" 1/ 119 (ألا)، و"البحر المحيط" 4/ 315، و"الدر المصون" 5/ 360.]]: أَبْيَضُ لاَ يَرْهَبُ الْهزال وَلاَ ... يَقْطَعُ رِحْمًا وَلاَ يَخُونُ إلا ونظير الآلاء الآناء، واحدها إِنْي وأُنْىً وإنًى [[قال السمين في "الدر" 5/ 360: (ومثله الآناء: جمع إنْي، أو أُنْي، أو إنًى، وقال الأخفش: إنْو، والآناء: الأوقات) اهـ.]]، وحكى الأخفش [["معاني الأخفش" 1/ 213.]] إنْو [[في (ب): (أنوه).]] وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: [كي] [[لفظ: (كي) ساقط من (ب).]] تسعدوا وتبقوا في الجنة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 201، وفي "تنوير المقباس" 2/ 104 نحوه.]].

الأعراف 7:70

قوله تعالى: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾. قال ابن عباس والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 104، وهو قول أهل التفسير. انظر: الطبري 8/ 222، والسمرقندي 1/ 551، والبغوي / 243، وابن الجوزي 3/ 222.]]: (يريدون من العذاب). ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ إنك تأتينا من العذاب، قاله الكلبي [[انظر: المراجع السابقة.]]، وقال ابن عباس: (يريدون أن الله لم يرسلك، يعني: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [[جاء في (ب) تكرار قول ابن عباس والكلبي، وعليه ضرب.]] في نبوتك وإرسالك إلينا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 201، وابن الجوزي 3/ 222 من قول عطاء.]].

الأعراف 7:71

قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. يقال: وَقَعَ القولُ والحكمُ إذا وَجَبَ، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: 82]. معناه: إذا وجب، ومثله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: 134] أي: أصابهم ونزل به، وأصله من الوقوع بالأرض، يقال: وقع بالأرض مطر، ووقعت الإبل إذا بركت [[هذا من "تهذيب اللغة" 4/ 3935، وانظر: "العين" 2/ 176، و"الصحاح" 3/ 1301، و"مقاييس اللغة" 6/ 133، و"المفردات" ص 880، و"اللسان" 8/ 4895 (وقع).]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: عذابًا وسخطًا) [["تنوير المقباس" 2/ 104، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 202، وابن الجوزي 3/ 223، وأخرج الطبري 8/ 223، وابن أبي حاتم 5/ 1511 بسند جيد عن ابن عباس قال: (﴿رِجْسٌ﴾ سخط)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 179.]]. ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾. قال: (يريد: الأصنام التي كانوا يعبدونها) [["تنوير المقباس" 2/ 105.]]. قال المفسرون: (كانت لهم أصنام يعبدونها وسموها أسماء مختلفة، فلما دعاهم الرسول إلى التوحيد استنكروا عبادة الله وحده) [[انظر: الطبري 8/ 223، والسمرقندي 1/ 551، والماوردي 2/ 234، وذكره البغوي 3/ 243 عن أهل التفسير.]]. وقوله: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة وبرهان لكم في عبادتها، ﴿فَانْتَظِرُوا﴾. قال ابن عباس: (يريد العذاب) [["تنوير المقباس" 2/ 105.]]، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ الذي يأتيكم من الله في تكذيبكم آياتي.

الأعراف 7:73

قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ الآية. الكلام في هذا كهو في قوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: 65]، وقد مر، والكلام في (ثمود) وجواز إجرائه يذكر في سورة [[لفظ: (سورة) ساقط من (ب).]] هود إن شاء الله [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 35 ب وص 44 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾. ﴿آيَةً﴾ [[لفظ: (آية) ساقط من (ب).]] نَصْبٌ على الحال [[هذا قول الأكثر. انظر: "معاني الزجاج" 2/ 349، و"الإيضاح العضدي" لأبي علي 1/ 234، والبغوي 3/ 247، و"الكشاف" 2/ 89، والرازي 14/ 163، و"التبيان" 1/ 382، و"الفريد" 2/ 325 - 326، و"البحر" 4/ 328، و"الدر المصون" 5/ 362.]] أي: أشير إليها في حال كونها آية، وهذه تتضمن معنى الإشارة، و (آية) في معنى دالة، فلهذا جاز أن يكون حالاً. قال ابن الأنباري: (وهي آية لهم ولغيرهم، ولكنهم اقترحوها، فخصوا بها، وإن كانت فيها عبرة [[في (ب): (غيره)، وهو تصحيف.]] لجميع الخلق، وكانت هذه الناقة آية من بين سائر النوق؛ لأنها خرجت من حجر صلدٍ بمخض واضطراب كاضطراب المرأة عند الولادة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 202، وابن الجوزي 3/ 224، بلا نسبة وهذا هو قول الأكثر والظاهر. انظر: "معاني الزجاج" 2/ 349، والطبري 8/ 224، و"معاني النحاس" 2/ 551، والسمرقندي 1/ 551، والماوردي 2/ 235، وقال ابن عطية 5/ 559 - 560: (قال الجمهور: كانت الناقة مقترحة وهذا أليق بما ورد في الآثار من أمرهم) اهـ. وقال ابن كثير 2/ 254: (وكانوا سألوا صالحًا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه أن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم) اهـ.]]. قال ابن عباس: (الآية فيها أنها كانت ترد يومًا وتغب يومًا، فإذا وردت شربت جميع الماء وتسقيهم مثله لبنًا لم يُشرب مثله قط ألذ وأحلى) [[لم أقف عليه.]]، فتوسعهم من اللبن ما يصدرون منه بريهم ومقدار حاجتهم، وكانت آية لانفرادها من سائر بعضها بهذا الأمر الذي لم يشاهد مثله في غيرها. وقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾، أي: سهل الله أمرها عليكم فليس عليكم رزقها ولا مؤنتها.

الأعراف 7:74

قوله تعالى: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال أبو علي: (هذا على [[لفظ: (على) ساقط من (ب).]] حذف أحد المفعولين كأنه قيل: بَوأكم في الأرض منازل أو بلادًا) [["الحجة" لأبي علي 4/ 311. وبوأه: أنزله منزلًا وهو يتعدى لاثنين، والثاني: محذوف أي بوأكم منازل. انظر: "القرطبي" 7/ 239، و"الدر المصون" 5/ 363.]]. وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾. قال ابن عباس: (يريد: تبنون القصور بكل موضع). ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾، قال: (يريد: بيوتًا من الجبال تشققونها [[في (ب): (يشقونها).]] منها، فكانوا يسكنونها شتاء ويسكنون القصور بالصيف) [["تنوير المقباس" 2/ 106. وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 203، وابن الجوزي 3/ 225، وهو بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 1/ 552، والبغوي 3/ 247.]]. قال الزجاج: (ويروى أنهم لطول أعمارهم كانوا يحتاجون إلى أن ينحتوا بيوتًا في الجبال؛ لأن السقوف والأبنية [[في (ب): (لأن السقوف في الأبنية).]] كانت تبلى قبل فناء أعمارهم) [["معاني الزجاج" 2/ 350 - 351، وذكره في "معانيه" 3/ 48، والبغوي 3/ 247.]].

الأعراف 7:75

قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ الآية. قال ابن عباس: (يريد الأشراف) [["تنوير المقباس" 2/ 106، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 203، وهو قول الأكثر. انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 46، و"معاني الزجاج" 2/ 346، والنحاس 3/ 46، و"تفسير السمرقندي" 1/ 552، والبغوي 3/ 247.]]. قال أهل اللغة [[المَلأُ، بالفتح مهموز غير ممدود: الجماعة يجتمعون على رأي، ووجوه القوم: ورؤساؤهم وأشرافهم الذي يرجع إلى قولهم، سموا بذلك لأنهم ملاء بما يحتاج إليه أو لأنهم يملئون الصدور هيبة. انظر: "العين" 8/ 346، و"تهذيب اللغة" 4/ 3437، و"الصحاح" 1/ 73، و"مقاييس اللغة" 5/ 346، و"المفردات" ص 776، و"اللسان" 7/ 4252 (ملأ).]]: (هم الذين تملأ الصدورَ هيبتُهم)، كما رُوي في قتلى بدر (أولئك الملأ من قريش) [[لم أقف على سنده، وهو في "تهذيب اللغة" 4/ 3437، و"إعراب القراءات" 1/ 193، و"النهاية" 4/ 351، و"اللسان" 7/ 4252 (ملأ) قالوا: (روي عن النبي ﷺ أنه سمع رجلاً من الأنصار مرجعه من غزوة بدر يقول: ما قتلنا إلا عجائز صلعًا، فقال النبي ﷺ: "أولئك الملأ من قريش لو حضرت فعالهم لاحتقرت فعلك". أي: أشراف قريش) اهـ.]] أي: الأشراف الذين يملؤن النفس هيبة وتعظيمًا. وقال الفراء: (الملأ القوم من الرجال ليس فيهم امرأة) [["معاني الفراء" 1/ 383، ومثله قال الطبري في "تفسيره" 8/ 213.]]. وقوله تعالى [[لفظ: (وقوله تعالى) ساقط من (أ).]]: ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ الآية. قال ابن عباس: (يريد عن عبادة الله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 203 بلا نسبة وهو قول أهل التفسير. انظر: الطبري 8/ 232، والسمرقندي 1/ 552، والبغوي 3/ 247، وابن الجوزي 3/ 225، وفي "تنوير المقباس" 2/ 106 قال: (استكبروا عن الإيمان) اهـ.]]. ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ (يريد المساكين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 204 بلا نسبة، وهو قول الأكثر. انظر: "المراجع السابقة"، وفي "تنوير المقباس" 2/ 107، قال: (استضعفوا قهروا) اهـ.]]، ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [[انظر: "المسائل البصريات" لأبي علي 2/ 831، و"غرائب الكرماني" 1/ 413، و"الكشاف" 2/ 90، و"البيان" 1/ 367، و"زاد المسير" 3/ 225، و"التبيان" 1/ 382، و"الفريد" 2/ 327، و"الدر المصون" 5/ 365.]]؛ لأنهم المؤمنون.

الأعراف 7:77

قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ الآية. قال الأزهري: (العقر عند العرب: كشف عرقوب البعير، ثم تجعل النحر عقرًا؛ لأن العقر سبب النحر، وناحر البعير يعقره ثم ينحره، هذا هو الأصل ثم جعل النحر عقرًا وإن لم يكن هناك قطع للعرقوب) [["تهذيب اللغة" 3/ 2514. والعَقْر: النحر والجرح والقتل، وعَقَرته: أصبت عُقْرَه أي: أصله، وعَقَرت البعير: نحرته، وعقر الفرس بالسيف: إذا ضربت قوائمه. انظر: "العين" 1/ 149، و"الجمهرة" 2/ 768، و"الصحاح" 2/ 753، و"المجمل" 3/ 621، و"المفردات" ص 577، و"اللسان" 5/ 3034 (عقر).]]، قال امرؤ القيس: وَيوْمَ عَقَرْتُ للِعَذارَى مَطيِّتي [["ديوانه" ص 112، و"تهذيب اللغة" 13/ 2514، و"مقاييس اللغة" 4/ 9، و"اللسان" 5/ 3034، و"البحر" 4/ 315، و"الدر المصون" 5/ 366، والبيت من معلقته المشهورة وعجزه: (فَيَا عَجَبًا مِن رَحْلِها المَتحمِّل). قال النحاس في "شرح القصائد" 1/ 9: (العذارى: جمع عذراء، والمطية: الراحلة) اهـ. وانظر: "شرح القصائد" لابن الأنباري ص 33.]] وقوله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾، يقال: عتَا يَعْتُو عُتُوًا [[جاء أيضاً: عتيَّا بالكسر. انظر: "العين" 2/ 226، و"الجمهرة" 2/ 1032، و"تهذيب اللغة" 3/ 2313، و"الصحاح" 6/ 2418، و"المجمل" 3/ 646، و"مقاييس اللغة" 4/ 225، و"المفردات" ص 546، و"اللسان" 5/ 2084 (عتا).]] إذا استكبر، ومنه يقال: جبار عَاتٍ. قال مجاهد: (العتو [[في (ب): (العتو والعلوا)، وهو تحريف، والعلو والغلو كلاهما صحيح وله وجه، وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 239، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1515 ب بلفظ: (غلوا في الباطل)، وأخرجه الطبري 9/ 232 من عدة طرق جيدة بلفظ (علوا)، وفي رواية: (علوا عن الحق لا يبصرون) اهـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 184 بلفظ (غلوا).]]: الغلو في الباطل). قال ابن عباس: (عقروا الناقة عُتُوًا وتكذيبًا بما جاء به صالح) [[في "تنوير المقباس" 2/ 107 نحوه، وقال الزجاج في "معانيه" 2/ 351: (أي: جاوزوا المقدار في الكفر) اهـ، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 49، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 218، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 147، و"نزهة القلوب" ص 325.]]. وقال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 107.]] ومقاتل [[في "تفسير مقاتل" 2/ 47، ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: التوحيد) اهـ.]]: (﴿وَ [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: عصوا الله وتركوا أمره في الناقة). وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، أصل: ﴿ائْتِنَا﴾ [[لفظ: (ائتنا) ساقط من (ب).]] اأتنا بهمزتين [[انظر: مذهب القراء في الهمزتين في كلمة واحدة في "السبعة" ص 139، و"المبسوط" ص 112، و"التذكرة" 1/ 152.]] أحدهما للوصل، والثانية للأصل، إلا أنه لما لم يجز اجتماع همزتين في موضع واحدة من كلمة واحدة لينت الثانية، فإذا وصل بكلام قبله سقط ألف الوصل فظهرت همزة الأصل في قوله: {يَا صَالِحُ ائْتِنَا} [[انظر: كلام أبي علي الفارسي في توجيه ذلك في "البغداديات" ص 77، 80.]] في قراءة من قرأ بالهمز [[قال أبو حيان في "البحر" 4/ 331: (قرأ ورش والأعمش ﴿يَا صَالِحُ ايتنا﴾، وأبو عمرو إذا أدرج أبدل همزة فاء ﴿ائْتِنَا﴾ واوًا لضمة حاء صالح، وقرأ باقي "السبعة" بإسكانها، وقرأ عيسى بن عمرو وعاصم الجحدري ﴿أوتنا﴾ بهمز وإشباع ضم) اهـ. بتصرف، وانظر: "الكتاب" 4/ 338، و"مختصر الشواذ" ص 49، و"تفسير ابن عطية" 5/ 567، و"الدر المصون" 5/ 367.]].

الأعراف 7:78

وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. قال الفراء والزجاج [["معاني الفراء" 1/ 384، والزجاج 2/ 351، وهو قول أكثرهم، انظر: "الزاهر" 2/ 320، و"نزهة القلوب" ص 241، و"معاني النحاس" 3/ 49، و"تفسير السمرقندي" 1/ 552، والبغوي 3/ 248، وابن عطية 5/ 567.]]: (هي الزلزلة الشديدة) وهو قول الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 107، وذكره الثعلبي في "عرائس المجالس" ص 165، والواحدي في "الوسيط" 1/ 204، وقال الطبري 8/ 233: (الرجفة: الصيحة التي زعزعتهم وحركتهم للهلاك؛ لأن ثمود هلكت بالصيحة فيما ذكر أهل العلم) اهـ. وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد والسدي.]]. قال الليث: (يقال: رَجَف الشيء يَرْجُف رَجْفًا وَرَجَفَاناَ كَرَجَفان البعير تحت الرَّحْل، وكما يرجُف الشجر إذا رجفته الريح، وَرَجفت الأرض إذا تزلزلت) [["تهذيب اللغة" 2/ 1371، وانظر: "العين" 6/ 109، و"الصحاح" 4/ 1362 ، و"المجمل" 2/ 422، و"مقاييس اللغة" 2/ 491، و"المفردات" ص 344، وفي "العين": (الرجفة: كل عذاب أنزل فأخذ قومًا فهو رجفة وصيحة وصاعقة) اهـ.]]. وقال عمر بن أبي ربيعة [[ليس في "ديوانه"، وهو في "الدر المصون" 5/ 368، وبلا نسبة في تفسير الثعلبى 192 ب، والقرطبي 7/ 242، و"البحر" 4/ 315.]]: ولَمَّا رَأَيتُ الحجَّ قد حان وقتهُ ... وَظلَّتْ جِمال القومِ بالقومِ تَرْجُفُ وقال أبو عبيدة: (الرجف من قولهم: رجفت بهم الأرض إذا تحركت) [[لم أقف عليه.]]، يذهب إلى أنها الزلزلة، وأنشد [[لم أقف على قائله، وهو في "الزاهر" 1/ 189 - 2/ 320، و"اللسان" 3/ 1595 (رجف)، و"الدر المصون" 5/ 368.]]: تحنَّى العِظامُ الرَّاجفاتُ مِنَ البلى ... وليس لداء الرُّكبْتَيْنَ طَبيبُ وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ يعني: بلدهم، لذلك وحد الدار، كما يقال: دار الحرب، ومررت بدار البزازين [[البَّزَّاز: بالفتح نسبة إلى من يبيع البَزَّ وهو الثياب. انظر: "اللباب" 1/ 146، و"اللسان" 1/ 274 (بز).]]، وجمع في موضع آخر فقال: ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾ [هود: 67] لأنه أراد منازلهم التي ينفرد كل واحد منهم [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 233، و"غرائب الكرماني" 1/ 413.]] بمنزله، وقوله تعالى: ﴿جَاثِمِينَ﴾، قال أبو عبيدة: (الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل) [[ذكره ابن الأنباري في "شرح القصائد" ص 240، وابن الجوزي 3/ 226، والسمين في "الدر" 5/ 369، وفي "مجاز القرآن" 1/ 218 و2/ 116 قال: (أي: بعضهم على بعض جثوم على الركب) اهـ. ملخصًا. وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 147، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"نزهة القلوب" ص 190، و"معاني النحاس" 3/ 49، و"تفسير المشكل" ص 85.]]؛ قال جرير: عَرَفْتُ المُنَتَأى وعَرَفْتُ مِنْهَا ... مَطَايَا القِدْرِ كَالحِدَإ الجُثُومِ [["ديوانه" ص 411، و"مجاز القرآن" 1/ 218، والطبري 8/ 233، وابن عطية 5/ 567، و"الدر المصون" 5/ 369: (والمنتأى: حفر النؤي، ومطايا القدر: الأثافي التي يركبها القدر، والحدأ: جمع حِدأة طائر خبيث معروف) أفاده أحمد شاكر في "حاشية الطبري".]] وقال أبو العباس: (الجاثم المبارك على رجليه كما يجثم الطير) [["تهذيب اللغة" 1/ 539. وانظر: "العين" 6/ 100، و"مجالس ثعلب" ص 485، و"الجمهرة" 1/ 415، و"الصحاح" 5/ 1882، و"المجمل" 1/ 207، و"مقاييس اللغة" 1/ 505، و"المفردات" ص 187، و"اللسان" 1/ 545 (جثم).]]. قال الزجاج: (معنى ﴿جَاثِمِينَ﴾ قد خمدوا من شدة العذاب) [["معاني الزجاج" 2/ 351.]]. وهو قول ابن عباس: (﴿جَاثِمِينَ﴾ يريد: خامدين ميتين) [["تنوير المقباس" 2/ 108، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 205.]]. وقال الكلبي: (احترقوا بالصاعقة فأصبحوا ميتين قد همدوا رمادًا لا يتحركون) [[ذكره الزجاج 2/ 351، والماوردي 2/ 2361 دون نسبة، وقال الطبري 8/ 233: (يعني: سقوطًا صرعى لا يتحركون لأنهم لا أرواح فيهم، والعرب تقول للبارك: جاثم) اهـ.]]، وهو قول الفراء: (صاروا رمادًا جاثمًا) [["معاني الفراء" 1/ 384.]]. وقال ابن الأنباري: (قال المفسرون: معنى ﴿جَاثِمِينَ﴾: بعضهم على بعض، أي: عند نزول العذاب بهم سقط بعضهم على بعض) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 205، وذكره ابن الجوزي 3/ 226 عن المفسرين، وانظر: "شرح القصائد" لابن الأنباري ص 240.]]. قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ الآية [الأعراف: 79]. قال المفسرون: (إن صالحًا أقبل عليهم بالدعاء إلى توحيد الله وطاعته، فلما خالفوا ونزل بهم العذاب تولى عنهم لليأس منهم) [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 385، والطبري 8/ 234، والسمرقندي 1/ 553، والماوردي 2/ 236، وابن عطية 5/ 568، وابن الجوزي 3/ 227.]]. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد قد خوفتكم من الله ومن عقابه) [["تنوير المقباس" 2/ 108، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 206.]]، وخطابه إياهم [[ذهب الفراء والطبري والسمرقندي وغيرهم إلى أنه أعرض عنهم قبل نزول العذاب؛ لأنه لم تهلك أمة ونبيها بين أظهرهم. انظر: "المراجع السابقة"، و"الحلبيات" لأبي علي ص 306، ورجح البغوي 3/ 248، وابن كثير 2/ 2561 أن هذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه بعد هلاكهم وهم يسمعون ذلك؛ لأن الفاء تدل على حصول التولي بعد موتهم، قال القاسمي في "تفسيره" 7/ 2789: (وهو المتبادر لظهور الفاء في التعقيب والله أعلم)، وانظر: "تفسير الرازي" 14/ 167.]] بعد كونهم جاثمين كخطاب النبي ﷺ قتلى بدر، وقيل له: أتكلم هؤلاء الجيف؟ قال: "ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يقدرون على الجواب" [[أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (1370)، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (اطلع النبي ﷺ على أهل القليب فقال: "وجدتم ما وعد ربكم حقاً" فقيل له: أتدعوا أمواتًا؟ فقال: "ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون") اهـ، وأخرجه من وجه آخر برقم (3980، 3981) كتاب المغازي، باب: قتل أبي جهل.]].

الأعراف 7:80

قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾، ذكر الفراء في كتاب المصادر [["كتاب المصادر" للفراء مفقود. انظر: "مقدمة المذكر والمؤنث" للفراء ص 23، قال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 624: (زعم الفراء أن لوطأ مشتقًا من لُطْتُ الحوض) اهـ. وقال الراغب في "المفردات" ص 750: (لوط اسم علم واشتقاقه من لاَط الشيء بقلبي يَلُوط لَوْطا وليطا أي: لصق) اهـ. وأكثرهم على أنه أعجمي معرب. انظر: "المعرب" للجواليقي ص 563، وقال السمين في "عمدة الحفاظ" ص 528: (لوط علم للنبي المشهور، والظاهر أنه لا اشتقاق له لعجمته إلا أنهم قالوا: يجوز أن يكون مشتقاً من لاط الشيء بقلبي يلوط لوطًا أي: لصق) اهـ.]] اشتقاق هذا الاسم، وأنكر عليه ذلك أبو إسحاق وقال: (الاسم الأعجمي لا يقال إنه مشتق كإسحاق، لا يقال إنه مشتق من السُّحق، وكتاب الله لا ينبغي أن يُقدم على تأويله إلا برواية صحيحه أو حجة واضحة) [["معاني الزجاج" 2/ 351 - 352.]]. وقال النحويون: (إنما صرف لوط لخفته بأنه على ثلاثة أحرف ساكن الأوسط) [[انظر: "العين" 7/ 452، و"تهذيب اللغة" 4/ 3219، و"اللسان" 7/ 4099 (لوط). وفي "الكتاب" 3/ 235. قال سيبويه: (وأما لوط فينصرف على كل حال لخفته) اهـ، وقال الجوهري في "الصحاح" 3/ 1158 لوط: (لوط: اسم ينصرف من المعجمة والتعريف، وإنما لزم الصرف، لأن الاسم على ثلاثة أحرف أوسطه ساكن وهو على غاية الخفة فقاومت خفته أحد السببين) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، يعني: إتيان الذكران، في قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 234، و"معاني النحاس" 3/ 50، و"تفسير السمرقندي" 1/ 553، والبغوي 3/ 255، وابن عطية 5/ 569.]]، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، قالوا: (ما نزا [[في (ب): (ما يرى).]] ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط)، قال الزجاج: (وفي هذه الآية دليل على أن فاحشة اللواط لم يفعلها أحد قبل قوم لوط) [["معاني الزجاج" 2/ 352.]].

الأعراف 7:81

قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ الآية كلهم قرءوا: ﴿إِنَّكُمْ﴾ بالاستفهام، إلا نافعًا فإنه رأ: ﴿إِنَّكُمْ﴾ بغير استفهام [[يقرأ هنا بالاستفهام والإخبار، فقرأ نافع وحفص عن عاصم ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ بكسر الهمزة على الخبر، وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام، غير أن ابن كثير يسهل الثانية بين الهمزة والياء، وأبا عمرو يفعل كذلك ويدخل بين الهمزتين ألفاً فيمد. انظر: "السبعة" ص 285 - 286، و"المبسوط" ص 181 - 182، و"التذكرة" 1/ 153 - 154، و"التيسير" ص 111، و"النشر" 1/ 369 - 371.]]، فمن استفهم كان [[في (أ): (فمن استفهم هذا كان استفهاما).]] هذا استفهامًا معناه الإنكار، كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: 80]، وكل واحد من الاستفهامين [[لفظ: (الاستفهامين) غير واضح في (ب).]] جملة مستقلة لا تحتاج في تمامها إلى شيء، فمن ألحق حرف الاستفهام جملة، نقلها به من الخبر إلى الاستخبار، ومن لم يُلحقها بقَّاها على الخبر [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 48، وقال الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 413: (هي لغات كلها جائزة وكل ما قرئ به فهو معروف معانيها متفقة ولا اختلاف في جوازها) اهـ، وانظر: "إعراب القراءات" 1/ 192 - 193، و"الحجة" لابن خالويه ص 158، ولابن زنجلة ص 287 - 288، و"الكشف" 1/ 468.]]. وقوله تعالى: ﴿شَهْوَةً﴾، مصدر. قال أبو زيد: (شَهِي يَشْهى شهوةً، وشَها يشهو إذا اشتَهَى) [["تهذيب اللغة" 2/ 1948، وأصل الشَّهْوَة: نزوع النفس إلى ما تريده انظر: "العين" 4/ 68، و"الجمهرة" 2/ 883، و"البارع" ص 97، و"الصحاح" 6/ 2397، و"المجمل" 2/ 513، و"مقاييس اللغة" 3/ 220، و"الأفعال" للسرقسطي 2/ 363، و"المفردات" ص 468، و"اللسان" 4/ 2354 (شها).]]. قال الشاعر: وَأشْعَثَ يَشْهَى النَّوم قلتُ له ارْتَحِلْ ... إذا ما النُّجُومُ أَعْرَضَتْ وَاسْبَكَرَّتِ [[لم أعرف قائله، وهو في "تفسير الطبري" 8/ 235، و"اللسان" 4/ 2354 (شها)، و"الدر المصون" 5/ 372، واسبكرت أي: جرت وطالت، واسبكر الرجل اضطجع وامتد. انظر: "اللسان" 4/ 1929 (سبكر).]] وانتصابها على المصدر؛ لأن قوله: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ معناه: أتشهونهم شهوة، وإن [شئت] [[لفظ: (شئت) ساقط من (ب).]] قلت: إنها مصدر [[في (أ): (مصادر)، وهو تصحيف.]] وقع موقع الحال [[شهوة مفعول من أجله أي لأجل الاشتهاء أو مصدر في موضع الحال أي مشتهين أو باقٍ على مصدريته ناصبه: ﴿لَتَأْتُونَ﴾ لأنه بمعنى أتشتهون. انظر: "التبيان" ص 382، و"الفريد" 2/ 330، و"الدر المصون" 5/ 372.]]. قال الحسن: (كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم، وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء) [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 29، والثعلبي 194 أ، والبغوي 3/ 255، وابن عطية 5/ 570، والقرطبي 7/ 145.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: (استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 168.]]. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. معنى ﴿بَلْ﴾ هاهنا إضطراب عن الأول إلى جميع المعايب من عبادة الأوثان، وإتيان الذكران، وترك ما قام به البرهان [[انظر: "التبيان" ص 382، و"البحر" 4/ 334، و"الدر المصون" 5/ 372.]]. وعلى هذا المعنى دل [[لفظ: (دل) ساقط من (ب).]] كلام ابن عباس حيث قال: (يريد جمعتم مع الشرك معصية لم يفعلها خلق قبلكم) [["تنوير المقباس" 2/ 108، وذكر السيوطي في "الدر" 3/ 186 نحوه.]].

الأعراف 7:82

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [[في "النسخ": ﴿فَمَا كَانَ﴾، وهو تحريف، وقد جاء بالفاء في الآية: 56 من (النمل) والآية: 24 و29 من (العنكبوت).]]. يعني: لوطًا واتباعه؛ لأنه قال في غير هذه السورة: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [[لفظ: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ ساقط من النسخ.]] [النمل: 56]، أي [[لفظ: (أي) ساقط من (ب).]]: عن إتيان الرجال في أدبارهم، عن ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 235 بسند ضعيف، وهو في "تنوير المقباس" 2/ 109، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 186.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 240، وأخرجه الطبري 8/ 235، وابن أبي حاتم 3/ 164 ب من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 186.]]، وقتادة [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 207 عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وهو قول عامة أهل التفسير. انظر: "معاني الفراء" 1/ 385، والزجاج 2/ 353، والنحاس 3/ 51، والسمرقندي 1/ 553، والماوردي 2/ 237، والبغوي 3/ 255.]]. والعرب [[طهر: أصل يدل على نقاء وزوال دَنَس، والطهْر خلاف الدَّنَس، والتطهير: التنزه والكف عن الإثم وكل قبيح، وفلان طاهر الثياب: إذا لم يكن دَنِس الأخلاق. انظر: "العين" 4/ 19، و"الجمهرة" 2/ 761، و"تهذيب اللغة" 3/ 2226، و"الصحاح" 2/ 727، و"مقاييس اللغة" 3/ 428، و"المجمل" 2/ 588، و"المفردات" ص 525، و"اللسان" 5/ 2713 (طهر).]]، تقول: تطهير الرجل إذا تنزه عن الإثم وعما يوقعه فيه، فمعنى قوله: ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: يتنزهون عما كانوا يأتونه [[في (ب): (يأتوه).]] من المناكير. قال أهل المعاني: (هذه الآية بيان عن حال الجهال في ردهم على نبيهم أقبح جواب، واعتلالهم أفسد اعتلالٍ حين جعلوا تنزههم عن الفاحشة سببًا للمباعدة). وهذا معنى قول قتادة: (عابوهم والله بغير عيبٍ) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 235 بسند جيد عن قتادة بلفظ: (عابوهم بغير عيب وذموهم بغير ذم) اهـ، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 186.]].

الأعراف 7:83

وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾. قال المفسرون [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 385، والزجاج 2/ 353، و"تفسير السمرقندي" 1/ 553، والماوردي 2/ 237، وابن عطية 5/ 571، وابن الجوزي 3/ 228، وقال الطبري 8/ 236، والبغوي 3/ 256 (وأهله: المؤمنين به) اهـ. وقال ابن كثير 2/ 258: (يقول: فأنجينا لوطًا وأهله، ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط إلا امرأته فإنها لم تؤمن به) اهـ.]]: (﴿أَهْلَهُ﴾ ابنتاه)، وهو قول ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 109، وذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 171.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾، يعني: زوجته، وجاز أن يقال: امرأة الرجل بمعنى زوجته، ولم يجز أن يقال: مرؤها: بمعنى زوجها؛ لأن الرجل بمنزلة المالك لها، ليست المرأة بمنزلة المالكة للرجل، فإذا أضيفت إلى الرجل بالاسم العام عرفت الزوجية وملك النكاح، والرجل إذا أُضيف إلى المرأة بالاسم العام لم يعرف الزوجية [[ذكره الرازي 14/ 171، لكن فيه: (فإذا أضيفت إلى الرجل بالاسم العام عرفت الزوجية وملك النكاح، والرجل إذا أضيف إلى المرأة بالاسم العام تعرف الزوجية) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. يقال: غَبَرَ الرجل يَغبُر غبُورًا إذا مكث وبقي [[وهو من الأضداد غير: بقي ومضى، والغابر الباقي، والغابر الماضي. انظر: "العين" 4/ 413، و"الجمهرة" 1/ 320، و"البارع" ص 312، و"تهذيب اللغة" 3/ 2627، و"الصحاح" 2/ 765، و"مقاييس اللغة" 4/ 408، و"المجمل" 3/ 690، و"المفردات" ص 601، و"اللسان" 6/ 3205 (غير).]]، قال الهذلي [[الهذلي: هو أبو ذؤيب خويلد بن خالد، تقدمت ترجمته.]]: فَغَبَرْتُ بَعْدَهُم بِعيشٍ نَاصِبٍ ... وَإخَالُ أَنّي لاَحِقٌ مُسْتَتْبَعُ [["شرح أشعار الهذليين" 1/ 8، و"المفضليات" ص 421، و"جمهرة أشعار العرب" 2/ 684، و"تفسير الثعلبي" 194 أ، والرازي 14/ 171، و"البحر" 4/ 315، و"الدر المصون" 5/ 373، قال السكري في "شرحه": (فغبرت، بقيت، ناصب، ذو نصب أي: جهد وتعب، إخال: أظن، وهي هاهنا يقين، لاحق: مُلحِق، مستتبع: مُستلْحَق أي: مذهوب بي إلى ما صاروا إليه) اهـ.]] يعني: بقيت. قال المفسرون [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 533، والماوردي 2/ 237، والبغوي 3/ 256، وابن عطية 5/ 571.]]: (إنها كانت من الباقين في عذاب الله)، وهو قول الحسن [[لم أقف عليه]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 233، والطبري 8/ 236، وابن أبي حاتم 5/ 1519 بسند جيد.]]، ويجوز أن يكون المعنى: من الغابرين عن النجاة، أي: من الذين بقوا عنها ولم يدركوا النجاة. يقال: بقي فلان عن هذا الأمر أي: لم يدركه، وإلى هذا أشار أبو إسحاق [["معاني الزجاج" 2/ 353.]] وابن الأنباري. وقال أبو بكر: (أي: لم تسر مع لوط وأهله، ولم تدخل في جملة الناجين، وأقامت في الموضع الذي نزل بأهله العذاب) [["الزاهر" 2/ 324، وفيه: (الغابر: الباقي وهو الأشهر عندهم، وقد يقال أيضًا: للماضي وقوله: ﴿الْغَابِرِينَ﴾ أراد في الباقين) اهـ. وانظر: "الأضداد" ص 129، و"نزهة القلوب" ص 343.]]. فعلى هذا يحتمل تأويلين: أحدهما: من الغابرين في موضع الهلاك، والثاني: من الغابرين عن النجاة كما ذكرنا [[وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 218، والطبري 8/ 236: (أي: من المعُمرين قبل هلاكهم ثم هلكت لما جاءهم العذاب) اهـ. والأكثر في اللغة أن == يكون الغابر: الباقي، أفاده النحاس في "معانيه" 3/ 52، وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 147، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"تفسير المشكل" ص 85.]].

الأعراف 7:84

قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ الآية. يقال: مطرتنا السماء وأمطرتنا، والأول أفصح [[انظر: "العين" 7/ 425، و"الجمهرة" 2/ 760 و 3/ 1259، و"تهذيب اللغة" 4/ 3412، و"الصحاح" 2/ 818، و"مقاييس اللغة" 5/ 332، و"المجمل" 3/ 834، و"المفردات" ص 770، و"اللسان" 7/ 4223 (مطر).]] وأمطرهم الله مطرًا وعذابًا، وكذلك أمطر عليهم [[قال السمين في "الدر" 5/ 374 - 375 قال بعضهم: (مطر في الرحمة، وأمطر في العذاب، وهذا مردود بقوله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24] فإنهم إنما عنوا بذلك الرحمة وهو من أمطر رباعيًا وَمَطَر وأمْطَر بمعنى واحد يتعديان لواحد يقال: مطرتهم السماء وأمطرتهم، و (أمطرنا) ضُمِّن معنى (أرسلنا) ولذلك عدي بعلى) اهـ. بتصرف.]]. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 109، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 228.]] والمفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 237، والسمرقندي 1/ 553، والبغوي 3/ 256، وابن عطية 5/ 573.]]: (أمطر الله عليهم حجارة من السماء). كما قال في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: 74].

الأعراف 7:85

قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 237، والسمرقندي 1/ 554، والبغوي 3/ 256، وابن عطية 5/ 573، وابن الجوزي 3/ 228، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 258: (مدين تطلق على القبيلة وهم من سلالة مدين بن إبراهيم، وعلى المدينة وهي التي بقرب معان من طريق الحجاز وهم أصحاب الأيكة) اهـ. وانظر: "تاريخ الطبري" 1/ 326 - 327، و"عرائس المجالس" ص 164 - 165، و"معجم البلدان" 5/ 77، 78، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 157، و"البداية والنهاية" 1/ 184، وقال الخازن 2/ 261: (أكثر المفسرين على أن مدين اسم رجل وهو الصحيح لقوله == ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ يعني في النسب لا في الدين) اهـ.]]: (مدين: اسم ولدٍ لإبراهيم، وهو مدين بن إبراهيم الخليل، وشعيب بعث إلى أولاد مدين، ومدين صار اسمًا للقبيلة، كما يقال: بكر وتميم). قال الزجاج: (ولم يصرف (مدين) لأنه اسم للقبيلة، وهو أعجمي) [[قال الزجاج في "معانيه" 2/ 353: (مدين لا ينصرف لأنه اسم للقبيلة أو البلدة، وجائز أن يكون أعجميًّا) اهـ. وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 625: (لم تنصرف لأنها اسم مدينة وقيل: إنها اسم قبيلة وقيل: للعجمة وأصحها الأول) اهـ. وانظر: "الفريد" 2/ 331، و"الدر المصون" 5/ 375.]]. وقوله تعالى: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (هو شعيب ابن توبة بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 194 أ، والبغوي 3/ 256 من قول عطاء فقط، والمشهور أنه شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام. انظر: "تاريخ الطبري" 1/ 325، و"تفسيره" 8/ 237، و"عرائس المجالس" ص 164، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 157، و"البداية والنهاية" 1/ 185، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 6/ 319.]]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال بعض أهل التفسير: (البينة شعيب) ومعناه: قد جئتكم بالرسالة، ومجيء البينة هاهنا مجيء شعيب. وبهذا قال الفراء؛ فإنه قال: (لم يكن له آية إلا [[في (أ): (لم يكن له آية النبوة) ثم صحح في الهامش (إلى إلا النبوة).]] النبوة) [["معاني الفراء" 1/ 385.]]، وأنكر الزجاج ذلك وجعله (غلطًا فاحشًا؛ لأن شعيبًا دعا إلى أنه رسول، ولا سبيل إلى علم ذلك إلا بمعجزة [[في (ب): (إلا المعجزة).]]. ولو ادعى مدعٍ النبوة بغير آية لم تقبل منه [[في (ب): (لم يقبل منه ومعجز شعيب لم يذكر في القرآن).]]، ومعجزة شعيب لم تذكر في القرآن) [[هذا كله كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 353 - 354، وقال ابن كثير في "البداية" 1/ 185: (﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (أي: دلالة، وحجة واضحة، وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به، وأنه أرسلني، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلاً، وإن كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالًا) اهـ. وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 256، والزمخشري 2/ 93، وابن عطية 5/ 574، والرازي 14/ 173.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يريد موعظة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 208 من قول عطاء فقط. وانظر "الخازن" 2/ 261.]] ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾. قال المفسرون: (إن قوم شعيب كانوا أهل كفر بالله وبخس للمكيال والميزان [[في (ب): (وبخس المكيال والميزان).]]. فأمرهم شعيب بتوحيد الله وإتمام الكيل والوزن) [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 555، والرازي 14/ 174، وفي "الدر المنثور" 3/ 189، أن ابن عباس قال: (كانوا قومًا طغاة بغاة أهل بخس في مكايلهم وموازينهم مع كفرهم بربهم وتكذيبهم نبيهم) اهـ. ملخصًا.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. أي: بعد إصلاح الله تعالى إياها ببعثه شعيب. وهذا معنى قول ابن عباس [[ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 189، وانظر: "تهذيب تاريخ ابن عساكر" 6/ 319 - 320.]]، وإلى هذا أشار الزجاج، فقال: (أي: لا تعملوا فيها بالمعاصي وبخس الناس بعد أن أصلحها الله عز وجل بالأمر بالعدل، وإرسال الرسول) [["معاني الزجاج" 2/ 354، ونحوه ذكره الطبري في "تفسيره" 8/ 237، والنحاس == في "معانيه" 3/ 52، والسمرقندي 1/ 555، وقال ابن عطية 5/ 574: (هو لفظ عام يشمل دقيق الفساد وجليله، وكذلك الإصلاح عام، والمفسرون نصوا على أن الإشارة إلى الكفر بالفساد وإلى النبوات والشرائع بالإصلاح) اهـ. بتصرف.]]. وتفسير هذا سابق في قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: 56].

الأعراف 7:86

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾، قال الكلبي: (ولا تقعدوا على طريق الناس تخوفون أهل الإيمان بشعيب بالقتل) [["تنوير المقباس" 2/ 110، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 208 عن السدي وقتادة والكلبي.]]، ونحو ذلك قال السدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 238 بسند جيد عن السدي وقتادة ومجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1521، عن السدي ومجاهد.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 48، وذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 238، عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة، وذكره القرطبي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي. وقال: (وهو ظاهر الآية) اهـ، وهو قول عامة أهل التفسير. انظر: "معاني الفراء" 1/ 385، والزجاج 2/ 354، والنحاس 3/ 53، و"تفسير الطبري" 8/ 238، والسمرقندي 1/ 555.]]، وقتادة؛ قالوا: (إن مفعول الإيعاد مضمر على معنى: توعدون من أتى شعيبًا وأراد [[في (ب): (وأراد به الإيمان به).]] الإيمان به)، والإيعاء إذا أطلق اقتضى الشر [[قال أهل اللغة: الوَعْد يستعمل في الخير والشر، ويقال في الخير: الوَعدُ والعِدَة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإذا أدخلوا الباء في الشر جاءوا بالألف أوعدته بالشر. انظر: "العين" 2/ 222، و"الجمهرة" 2/ 668، و"الزاهر" 2/ 129 ، و"تهذيب اللغة" 4/ 3915، و"الصحاح" 2/ 551، و"مقاييس اللغة" 6/ 125، و"المجمل" 3/ 931، و"المفردات" ص 875، و"اللسان" 8/ 4871 (وعد).]]. وقوله تعالى: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾. يقال: قعد له بمكان كذا، وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا، وهذه الحروف تتعاقب [[انظر: "حروف المعاني" ص 47، و"معاني الحروف" للرماني ص 36، والصاحبي ص 132، و"مغني اللبيب" 1/ 101. وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 13/ 342: (والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين) اهـ. وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 306، و"تفسير الطبري" 8/ 239، و"إعراب النحاس" 1/ 625، و"الدر المصون" 5/ 376.]] في هذا الموضوع لاجتماع معانيها فيه، وذلك أنك إذا قلت: قعد بمكان كذا فـ (الباء) للالتصاق، وهو قد لاصق المكان، و (على) للاستعلاء، وهو قد علا المكان، و (في) للمحل، وهو قد حلّ المكان. وقوله تعالى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [[في (ب): (ويصدون) بالياء، وهو تصحيف.]] [[في (أ): (من آمن باللهِ)، وهو تحريف.]]. قال ابن عباس: (كانوا يجلسون على الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيبًا كذّاب فلا يفتنكم عن دينكم) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 238، وابن أبي حاتم 5/ 1521 بسند جيد.]]. وقال مقاتل: (وتصدون عن دين الله من آمن به) [["تفسيرمقاتل" 2/ 48.]]. وقال الكلبي: (وتصرفون عن دين الله الإِسلام من آمن بشعيب) [["تنوير المقباس" 2/ 110.]]. فالكناية في ﴿بِهِ﴾ يجوز أن تعود إلى ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ لأن المراد به دين الله على قول مقاتل، وعلى قول الكلبي الكناية تعود إلى شعيب، وقال عكرمة: (﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [[في (ب): (من آمن بي).]] يعني: بالله) [[لم أقف عليه. وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 576. وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 339: (والظاهر أن الضمير عائد على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذكره لأن السبيل تذكر وتؤنث وقيل: عائد إلى الله. وأجاز ابن عطية أن يعود على شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للرد عن شعيب وهو بعيد لأن القائل ﴿وَلَا تَقْعُدُوا﴾ هو شعيب، ولا يسوغ أن يكون من باب الالتفات إذ لا يحسن أن يقال: يا هذا أنا أقول لك، لا تُهِن من أكرمه أي: من أكرمني) اهـ. بتصرف، وانظر: "الدر المصون" 5/ 377 - 378.]]. وقوله تعالى: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. قال مجاهد: (يلتمسون لها الزيغ) [[أخرجه الطبري 8/ 239، وابن أبي حاتم 5/ 1522 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وقتادة والسدي.]]. وقال السدي: (وتبغون هلاك الإِسلام). وقال قتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 233 بسند جيد.]]: (وتبغون عوج السبيل عن الحق)، [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] قال الحسن: (لا تستقيمون على طريق الهدى) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 208، وانظر: "الخازن" 2/ 262.]]. قال ابن زيد: (وتبغون اعوجاج السبيل) [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو إسحاق: (أي: وتريدون الاعوجاج والعدول عن القصد) [["معاني الزجاج" 2/ 354، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 219 - 220، و"إعراب النحاس" 1/ 626.]]. وقد ذكرنا مستقصى معنى ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ في سورة آل عمران [: 99]. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾. قال الزجاج: (يحتمل ثلاثة أوجه: كثر عددكم، وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالمقدرة بعد الضعف) [["معاني الزجاج" 2/ 355، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 54.]]، ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل في قلة الغناء، وإلى هذه المعاني أشار ابن عباس فقال: (فكثركم بعد القلة وأعزكم بعد الذلة) [["تنوير المقباس" 2/ 110، وذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 239، -وهذا هو قول الأكثر- قال أبو حيان في "البحر" 4/ 340: (والتكثير هنا بالنسبة إلى الأشخاص، أو إلى الفقر والغنى، أو إلى قصر الأعمار وطولها، أقوال ثلاثة أظهرها الأول، وقيل: المراد مجموع الأقوال فإنه تعالى كثر عددهم وأرزاقهم وطول أعمارهم وأعزهم ..) اهـ. وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 239، والسمرقندي 1/ 555، والبغوي 3/ 257، والزمخشري 2/ 94، وابن عطية 5/ 576.]]. وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال الكلبي: (يعني: آخر أمر قوم لوط) [["تنوير المقباس" 2/ 110، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 109.]]. وقال في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾، (فكثر عددكم، وذلك أنه كان مدين بن إبراهيم وزوجه ريثاء [[في (ب): (ربتاء) بالباء والتاء، وقد اختلف العلماء في ذلك فقال (بعضهم: كان زوج بنت لوط، وذهب البعض إلى أنه ابن بنت لوط). انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 247.]] بنت لوط، فولدت حتى [[في (ب): (حين)، وهو تحريف.]] كثر عدد أولادها) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 209، وهو قول السمرقندي 1/ 554 - 555، والرازي 14/ 176، وذكره الماوردي 2/ 239، وعنده (زينا بنت لوط) وعند الرازي (رئيا).]].

الأعراف 7:88

قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾. قال الزجاج [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 355.]] وابن الأنباري [[ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 230 - 231 عن ابن الأنباري.]] وجماعة أصحاب المعاني [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 1، و"معاني النحاس" 3/ 54 - 55، والسمرقندي 1/ 555، والماوردي 2/ 240.]]: (هذا يحتمل وجهين [[في (ب): (في هذا وجهين).]]: أحدهما أن المعنى: (أو لتصيرن إلى ملتنا)، فوقع (العود) على معنى الابتداء كما تقول العرب: قد عاد عليَّ من فلان مكروه، يريدون قد صار إليَّ منه المكروه ابتداءً وأنشدوا على هذا: فإنْ تكُنِ الأيَّامُ أَحْسَنَّ مَرَّةً ... إليَّ فقَدْ عادَتْ لهنَّ ذُنوبُ [[الشاهد لكعب بن سعد الغنوي في: "الاختيارين" ص 753، و"جمهرة أشعار العرب" ص 251، و"أمالي القالي" 2/ 149، و"ديوان المعاني" 2/ 179، وبلا نسبة في "تفسير الماوردي" 2/ 240، وابن عطية 6/ 2، و"البيان" لابن الأنباري 1/ 368، وابن الجوزي 3/ 231، والرازي 14/ 177، و"الخازن" 2/ 362، وفي "الأصمعيات" ص 99، نسب إلى عزيقة بن مسافع العبسي، وقال الشيخ أحمد شاكر وعبد السلام هارون -رحمهما الله تعالى- في "حاشية الأصمعيات" ص 94: (القصيدة مرثية مشهورة لكعب بن سعد الغنوي يرثي فيها أخاه، لم يخالف في ذلك أحد فيما علمنا) اهـ.]] أراد: لقد صارت لهن ذنوب ولم يخبر أن ذنوبًا كانت [لهن] [[لفظ: (لهن) ساقط من (ب).]] قبل الإحسان، والثاني: أن أتباع شعيب كانوا قبل دخولهم في دينه على الكفر موافقين لقومهم، فخاطبوا شعيبًا بخطاب أتباعه وغلَّبوا خطابهم على خطابه لكثرتهم وانفراده. ومعنى الآية: ليكونن أحد الأمرين: إما الإخراج من القرية، أو عودكم في ملتنا ، ولا نُقارّكم [[في (أ): (ولا نقاركم على مخالفتنا).]] في مخالفتنا [[قال أكثرهم: (عاد تكون بمعنى صار ولا إشكال في ذلك، والمعنى: لتصيرن في ملتنا بعد إن لم تكونوا، وتكون بمعنى رجع إلى ما كان عليه، وشعيب عليه السلام لم يكن قط على دينهم وأجيب على ذلك بأوجه منها: - إن رؤساءهم قالوا ذلك على سبيل الإبهام والتلبيس على العامة. - إن المراد رجوعه إلى حال سكوته عنهم قبل بعثته. - تغليب الجماعة على الواحد لأنهم لما صحبوه سحبوا عليه حكمهم في العود. قال صديق خان في "فتح البيان" 4/ 410: (الأولى ما قاله الزجاج أن العود بمعنى الابتداء). ورجح شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 15/ 29 - 31 أن شعيبًا والذين آمنوا معه كانوا على ملة قومهم لظاهر الآية ولأنه هو المحاور لهم، وذكر عدة أدلة على ذلك. وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 257، والزمخشري 2/ 96، وابن عطية 6/ 3، والرازي 14/ 177، و"البحر" 4/ 342، و"الدر المصون" 5/ 379 - 380.]]، وذكرنا الكلام في هذا مشروحًا عند قوله: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: 13] في سورة إبراهيم. فقال شعيب: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾. [وهذا مختصر معناه: أو لو كنا كارهين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] تجبروننا عليه؟ كقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]. ومعناه: يتبعونهم وإن كانوا بهذه الصفة؟ وقد ذكرنا [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 104 أ.]] ذلك.

الأعراف 7:89

قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾، معنى العود هاهنا: الابتداء كما ذكرنا، والذي عليه أهل العلم [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 2، و"معاني النحاس" 3/ 55، والسمرقندي 1/ 555، والماوردي 2/ 240، والبغوي 3/ 257، وابن عطية 6/ 2.]] والسنة في هذه الآية: إن شعيبًا وأصحابه قالوا: ما كنا لنرجع في ملتكم [[في (ب): (ملتهم).]] بعد إذ وقفنا على أنها ضلالة تُكسبُ دخول النار إلا أن يريد الله إهلاكنا، فأمورنا راجعة إلى الله [[في (ب): (راجعة إليه).]]، غير خارجة عن قبضته، يسعد من يشاء بالطاعة، ويشقي من يشاء بالمعصية، وهذا من شعيب وقومه استسلام للمشيئة، ولم يزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل عليه السلام ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]، وكثيرًا ما كان يقول [[في (ب): (وكثير ما كان نبينا محمد ﷺ يقول).]] نبينا محمد ﷺ: "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك" [[أخرج مسلم في "صحيحه" رقم (2654) كتاب القدر، باب: تعريف الله القلوب كيف يشاء، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ مُصَرَفَ القُلُوب صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ" اهـ، وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 168 (30396)، وأحمد في "المسند" 2/ 168 و173، وابن ماجه كتاب المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية رقم (199)، رقم 3834، والترمذي كتاب القدر، باب: ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن رقم (2140)، (3522)، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 101 - 104، والآجري في "الشريعة" 2/ 730، والحاكم في "المستدرك" 2/ 288 - 289، من عدة طرق جيدة أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، قال الترمذي: (حديث حسن)، وصححه الألباني في "ظلال الجنة في تخريج السنة"، وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 4/ 261 رقم (1689).]]. وقال أبو إسحاق: (المعنى: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن [يكون] [[لفظ: (يكون) ساقط من (ب).]] قد سبق في علم الله جل وعز و [[لفظ: (الواو) ساقط من (أ).]] في مشيئته أن نعود فيها. وتصديق ذلك قوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، قال: وهذا مذهب أهل السنة)، ثم ذكر وجهين آخرين، هما من قول من لا يؤمن بإرادة الله تعالى الخير والشر: أحدهما: إن هذا على طريق التبعيد، كما يقال: لا نفعل ذلك إلا أن يبيض القار ويشيب الغراب [[انظر: شرح ذلك فيما تقدم (سورة الأعراف: آية 40 من هذا المجلد).]]، وهذا لا يصح مع قوله: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: 31]، وقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ [الأنعام: 39]، وآيات كثيرة تصرح بأن الله تعالى يشاء [كل] [[لفظ: (كل) ساقط من (أ).]] ما يحدث في العالم. والثاني: أن في ملتهم ما يجوز التعبد به من وجوه البر الذي كانوا يتقربون به إلى الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).]]، ويكون معنى الآية: وما يكون لنا أن نعود في بعض ملتكم، وفي معنى من معاني شرائعكم إلا أن يردنا الله إليه بأن يتعبدنا به). قال ابن الأنباري: (و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] هذا قول مُتَنَاولُهُ بعيد؛ لأن فيه تبعيض الملة) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 383.]]. وقال الزجاج: (والقول هو القول [[لفظ (القول) ساقط من (أ).]] الأول؛ لأن قوله: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} أنه النجاة من الكفر ومن أعمال المعاصي، لا من أعمال البر) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 355 - 357، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 2، و"إعراب النحاس" 1/ 626، والسمرقندي 1/ 555 - 556، والماوردي 2/ 239 - 240، والبغوي 3/ 257، وابن عطية 6/ 4، و"البحر" 4/ 343 - 344، وقال ابن كثير في معنى الآية 2/ 259: (هذا رد إلى الله مستقيم فإنه يعلم كل شيء وقد أحاط بكل شيء علمًا) اهـ. وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 261، ونقل قول الواحدي الخازن في "تفسيره" 2/ 263.]]. وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ منصوب على التمييز [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 357، و"الفريد" 2/ 333، و"الدر المصون" 5/ 383.]]. قال ابن عباس: (يريد يعلم ما يكون قبل أن يكون) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 210، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 231.]]. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:89]. قال ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 2 - 3 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي. وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1523 بسند جيد عن ابن عباس وفي "صحيح البخاري" 8/ 297 كتاب التفسير، في تفسير سورة الأعراف قال ابن عباس: (الفتاح: القاضي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾: اقض بيننا).]]، والحسن، وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/233 بسند جيد وهو قول الأكثر. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 220، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 148، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 179، و"تفسير الطبري" 12/ 563، و"الزاهر" 1/ 93، و"نزهة القلوب" ص 126، و"معاني النحاس" 3/ 55، و"تفسير المشكل" ص 85.]]، والسدي: (احكم واقض). قال الفراء: (وأهل عُمَان يسمون القاضي الفاتح والفتاح) [["معاني الفراء" 1/ 385، وجاء في "مجاز القرآن" 1/ 221، والطبري 9/ 2 - 3، == (أن هذا لغة مراد بطن من كهلان من القحطانية) وفي "تهذيب اللغة" 3/ 2732، (أنها لغة أهل اليمن).]]. وروي أبو العباس عن ابن الأعرابي: (الفتاح: الحكومة، ويقال للقاضي: الفَتَّاح لأنه يفتح مواضع الحق) [["تهذيب اللغة" 3/ 2732، والفَتْح أصله من فتح الباب بعد إغلاقه ثم كثر واتسع فيه حتى سمي الحاكم فاتحًا لأنه يفتح المستغلق بين الخصمين ويفتح الباب إلى الحق ويبينه. انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 39، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 189.]]. وروي عن ابن عباس أنه قال: (ما كنت أدري قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزن [[ذو يَزَن -ملك من ملوك اليمن- اسمه النعمان بن قيس الحِمْيَري، وقيل: عامر بن أسلم بن غَوْث، ويزن وادٍ باليمن أضيف إليه، انظر: "معجم البلدان" 5/ 436، و"نزهة الألباء" لابن حجر 1/ 313.]] تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أي: أحاكمك) [[أخرجه الطبري 9/ 2 - 3، وابن أبي حاتم 5/ 1523 بسند جيد عن قتادة عن ابن عباس، لكن قتادة لم يسمع من ابن عباس. انظر: "المراسيل" ص 168، وذكر الأثر عن ابن عباس. وابن دريد في "الجمهرة" 1/ 386، والسمرقندي 1/ 556، والثعلبي في "الكشف" 194 ب، والماوردي 2/ 241، والرازي 14/ 180 ، والسيوطي في "الدر" 3/ 191.]]. قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أي: أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وبين قومنا وينكشف، فجائز أن يكون يسألون بهذا أن ينزل بقومهم من العذاب والهلكة ما يظهر أن الحق معهم) [["معاني الزجاج" 2/ 358.]]. وعلى هذا فالفتح يراد به الكشف والتبيين، ويؤكد هذا ما روى سعيد [[سعيد بن أبي عروبة العدوي مولاهم أبو النضر بن مهران البصري، إمام حافظ ثقة من أثبت الناس في قتادة، وله تصانيف، واختلط في آخر عمره، توفي سنة 157 هـ أو قبلها. انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 65، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 413، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 177، و"تهذيب التهذيب" 2/ 33.]] عن قتادة في هذه الآية قال: (اقض بيننا وبين قومنا) [[سبق تخريجه.]].

الأعراف 7:92

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾. هذا ترجمة وتفسير للأسماء المكنية التي في قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ [[في (ب): ﴿فىِ دِيَارِهِمْ﴾ والجمع جاء في سورة هود: 67 و94 ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.]] [الأعراف: 91] علي تأويل: فأصبح ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ ﴿فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود:67 - 68] ، مثل قوله: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 71]، قاله أبو علي الجرجاني [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. يقال: غني [[الغِنَى مقصور مكسور الأول من اليسار وكثرة المال والغناء ممدود ومفتوح الأول النفع والكفاية، والغناء ممدود مكسور الأول من الصوت، وغَني القوم في دارهم: أقاموا كأنهم استغنوا بها، ومَغَانيهم: منازلهم. انظر: "العين" 4/ 450، و"الجمهرة" 2/ 964، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 119، و"البارع" ص 419، و"تهذيب اللغة" 3/ 2703، و"الصحاح" 6/ 2449، و"مقاييس اللغة" 4/ 397، و"المجمل" 3/ 687، و"المفردات" ص 615، و"اللسان" 6/ 3308 (غنى).]] القوم في دارهم: إذا طال مقامهم فيها، والمغاني: المنازل التي كان بها أهلوها، واحدها مَغْنى، قال الأسود [[الأسْوَد بن يَعْفُر بن عبد الأسود النَّهْشَلي، أبو الجراح، أعشى نَهْشل، شاعر جاهلي مقدم فصيح فحل جواد، كان ينادم النعمان بن المنذر، ولما أسن كف بصره. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 143 و147، و"الشعر والشعراء" ص 152، و"الأغاني" 13/ 17، و"الأعلام" 1/ 330.]] بن يعفر: وَلَقَد غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ ... فيِ ظِلِّ مُلْكٍ ثَابتِ الأَوتادِ [[الشاهد في "المفضليات" ص 217، و"الحماسة البصرية" 2/ 412، و"وضح البرهان" للغزنوي 1/ 362، و"تفسير الرازي" 14/ 182، و"الخازن" 2/ 264، و"الدر المصون" 5/ 387، وهو من قصيدته الدالية المشهورة التي كانت مثار إعجاب الخلفاء والولاة، انظر: "الأغاني" 13/ 22.]] أراد: أقاموا فيها. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 5، وأخرجه من عدة طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة وابن زيد، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 55، والسمرقندي 1/ 556، والماوردي 2/ 240، والبغوي 3/ 259.]]: (كأن لم يقيموا فيها ولم ينزلوا فيها). قال الزجاج: (ويكون ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأن لم يعيشوا فيها مستغنين، كما قال الشاعر: غَنينا زمانًا بالتصَعْلُكِ والغِنى ... وكُلاًّ سَقَاناهُ بكَأسَيهِما الدّهْرُ [[الشاهد لحاتم الطائي في "ديوانه" ص51، و "معاني الزجاج" 2/ 258، و"تفسير الثعلبي" 1/ 6، وابن عطية 6/ 11، وابن الجوزي 3/ 232، والقرطبي 7/ 252، و"البحر" 4/ 346، وفي "الديوان": غنينا زمانًا بالتصعلك والغنى ... كما الدّهرُ في أيّامِه العُسْرُ واليُسرُ كَسَينا صُرُوفَ الدَّهرِ لِينًا وغِلظَة ... وكُلا سَقَاناه بكأسيهما الدهرُ]] قال: فمعنى (غنينا زمانًا) أي: عشنا زمانًا، بالتصعلك وهو الفقر) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 258.]]. ووافقه ابن الأنباري على هذا المعنى، فقال في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: (كأن لم يستغنوا فيها، يقال: غني الرجل يغنى [[لفظ: (يغنى) ساقط من (ب).]]: إذا استغنى) [[لم أقف عليه.]] وعلى هذا هو من الغنى الذي هو ضد الفقر، وليس من الإقامة [[قال ابن عطية في "تفسيره" 6/ 10: (الذي استقريت عن العرب أن غنيت في المكان إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة بتنعم وعيش مرضي) اهـ. والمشهور عن أهل اللغة والتفسير أنها لمطلق الإقامة، قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 221: (أي: لم ينزلوا فيها ولم يعيشوا فيها) وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 148، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"نزهة القلوب" ص 487، و"تفسير المشكل" ص 86.]] في شيء، يؤكد هذا المعنى ما روي عن قتادة أنه قال في هذه الآية: (كأن لم ينعموا فيها) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/233، والطبري 9/ 5، وابن أبي حاتم 5/ 1524 بسند جيد بلفظ: (كأن لم يعيشوا فيها كأن لم ينعموا فيها) اهـ.]]. ووجه التشبيه في: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أن حال المكذبين يشبه حال من لم يكن قط في تلك الديار، كما قال الشاعر: كأنْ لم يكُن بينَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكَّةَ سَامِرُ بَلَى نحنُ كنَّا أهلَهَا فأبادَنا ... صُروُفُ الليالي والجُدُودُ العَواثرُ [[البيتان في "السيرة" لابن هشام 1/ 126، و"العقد الفريد" 5/ 59، و"شرح القصائد" لابن الأنباري ص 256، و"الأغاني" 15/ 10 - 16 - 23، و"وضح البرهان" للغزنوي 1/ 362، و"الروض الأنف" 1/ 127، والرازي 14/ 182 ، و"معجم البدان" 2/ 225، و"الحماسة البصرية" 2/ 411، و"اللسان" 2/ 792 == (حجن) والبيت الأول في "الصحاح" 5/ 1097 (حجن)، و"الأفعال" للسرقسطي 3/ 554، وابن عطية 6/ 9، و"البحر" 4/ 346، وعند الأكثر هما لعمرو بن الحارث الجُرْهُمي، وقيل هما لمُضَاض بن عمرو الجرهمي، وقيل هما للحارث الجرهمي. (والحَجُون) جبل بأعلى مكة. انظر: "معجم البلدان" 2/ 225 (والصَّفَا) مكان مرتفع من جبل أبي قبيس بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق، انظر: "معجم البلدان" 3/ 411، والعواثر: جمع عاثرة، وهي الحادثة التي تعثر بصاحبها. انظر: "اللسان" 5/ 2807 (عثر).]] وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ إبانة عن سوء حال المكذب نبيًا من أنبياء الله في أنه بمنزلة من لم يستمتع بالدنيا؛ إذ حصل في العذاب وصار إلى الخسران. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾، هذا ابتداء منقطع من الفصل الأول، جملة من المبتدأ والخبر [[انظر: "البيان" 1/ 368، و"التبيان" 1/ 384، و"الفريد" 2/ 333 - 334، و"الدر المصون" 5/ 385 - 387.]]. قال ابن الأنباري: (ووقع التكرير لتعظيم الذم لهم و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] تفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم، فيقول الرجل [للرجل] [[لفظ: (للرجل) ساقط من (ب).]]: أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي شتم أعراضنا) [[ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 233، وهو عند الرازي 14/ 182 بدون نسبة.]].

الأعراف 7:93

قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾، قال الكلبي: (خرج من بين أظهرهم ولم يعذب قومُ نبي حتى يخرج من بينهم) [["تنوير المقباس" 2/ 112، وذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 182.]]. وقال أهل المعاني: (أعرض عنهم إعراضَ آيِسٍ منهم لما نزل العذاب بهم، وذلك أنه كان مقبلًا عليهم بالوعظ والدعاء إلى الحق، فلما تمادوا في غيهم، فأخذهم الله عز وجل ببأسه، تولى عنهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 6، والسمرقندي 1/ 556، وقد سبق لمثل هذا زيادة بيان.]]. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. أي: كيف يشتد حزني [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 222، و"معاني الزجاج" 2/ 359، و"نزهة القلوب" ص 73، و"معاني النحاس" 3/ 56.]]. يقال: أسِيت [[الأسى مفتوح مقصور: الحزن. انظر: "العين" 7/ 332، و"الجمهرة" 1/ 238، و"تهذيب اللغة" 1/ 163، و"الصحاح" 6/ 2268، و"مقاييس اللغة" 1/ 106، و"المفردات" ص 77، و"اللسان" 1/ 82 (أسَى).]] على الشيء آسَى [[في (ب): (أسًا).]] أسًى إذا اشتد حزنه عليه. قال امرؤ القيس: يَقُولونَ لاَ تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّلِ [["ديوانه" ص 111، و"طبقات فحول الشعراء" 1/ 59، و"الشعر والشعراء" ص 64، و"جمهرة أشعار العرب" ص 95، و"الصناعتين" ص 229، وهو من معلقته المشهورة وأوله: وُقوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ قال النحاس في "شرح المعلقات" 1/ 5: (الصحب الجماعة ومطيهم، واحده مطية وهي: الراحلة، والأسى: الحزن، وتجمل أي: أظهر جميلًا) اهـ. وانظر: "شرح القصائد" لابن الأنبارى ص 24.]] وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ استفهام معناه الإنكار، أي: لا آسى عليهم. ومعنى الآية: أن شعيبًا -عليه السلام- يتسلى عنهم بما يتذكر من حاله معهم في مناصحته لهم، وبتأديته رسالة ربه إليهم، وأنه لا ينبغي له أن يأسى عليهم مع تمردهم في كفرهم [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 6، والسمرقندي 1/ 556.]].

الأعراف 7:94

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾، قال ابن عباس: [(يريد] [[لفظ: (يريد) ساقط من (أ).]] في مدينة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 211.]]، والقرى [[قال الزجاج في "معانيه" 2/ 359: (يقال لكل مَدينة: قَرية، سميت قرية لاجتماع الناس فيها) اهـ. وانظر: "الزاهر" 2/ 100 - 101.]] في كتاب الله كلها المدائن، وقوله: ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ محذوف الصفة، والتقدير: من نبي [[لفظ: (نبي) ساقط من (أ).]] فكُذب، أو فكذبه أهلها، إلا أخذناهم. كذلك قال أهل التفسير [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 556 - 557، والبغوي 3/ 259، وابن عطية 6/ 13، وابن الجوزي 3/ 233، والرازي 14/ 183.]]، وعلى هذا يصح المعنى. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الفقر والأسقام) [[ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1525، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 7، والماوردي 2/ 242، وقد سبق له زيادة تخريج.]]. وقال السدي: (يعني: الفقر والجوع) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 2.]]. قال [[في (ب): (وقال).]] أبو إسحاق: (قيل: ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ كل ما نالهم من شدة في أموالهم، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: ما نالهم من الأمراض، قال: وقيل: على العكس من ذلك) [["معاني الزجاج" 2/ 359، وقال ابن عطية 6/ 13: (البأساء المصائب في == الأموال والهموم وعوارض الزمن، والضراء المصائب في البدن كالأمراض ونحوها، هذا قول ابن مسعود وكثير من أهل اللغة ..) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: كي يستكينوا ويرجعوا) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 2، والواحدي في "الوسيط" 1/ 211 بلا نسبة.]].

الأعراف 7:95

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾، مضى الكلام في حقيقة التبديل عند قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56]، ومعنى: ﴿السَّيِّئَةِ﴾ و ﴿الْحَسَنَةَ﴾ هاهنا: الشدة والرخاء. عن ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 7، وابن أبي حاتم 5/ 1526 بسند جيد.]] والحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 242، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 233، والطبري 9/ 7 بسند جيد.]] ومجاهد [[ذكره الماوردي 2/ 242، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 240 - 241: (مكان الشر الرخاء والعدل والعافية والولد) اهـ، وأخرجه الطبري 9/ 7، وابن أبي حاتم 5/ 1526 بسند جيد، وفي رواية عند الطبري قال: (السيئة الشر، والحسنة الخير) اهـ.]]. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: بدل البؤس والمرض الغنى والصحة) [[في "تنوير المقباس" 2/ 113 نحوه، وذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 211 بلا نسبة.]]. وقال أهل اللغة: (السيئة [[انظر: "العين" 7/ 327، و"تهذيب اللغة" 2/ 1583، و"مقاييس اللغة" 3/ 113، و"المفردات" ص 441 (سوء).]] كل ما يسوء صاحبه، والحسنة [[انظر: "العين" 3/ 143، و"تهذيب اللغة" 1/ 821، و"المفردات" ص 235 (حسن).]] ما يحسن عليه أثره). وقال أبو علي: (السيئة والحسنة قد جاءتا في التنزيل على ضربين: أحدهما: سيئة مأخوذ بها، وحسنة مُثَاب عليها، لقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [[نص الآية (160) من سورة الأنعام: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.]] [الأنعام: 160]، والثاني: لما يستثقل [[في (ب): (ما يستثقل).]] في الطباع أو يُسْتَحفُّ [[في (ب): (ويستخف).]] كما في هذه الآية، وكقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ الآية [الأعراف: 131]، وكذلك الفساد، قد يكون [[(وقد يكون).]] فسادًا معاقبًا عليه كقوله: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [القصص: 77]، ويكون على غير ذلك، كقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ﴾ [الروم: 41] يعني: الجدب) [["الحجة" لأبي علي 5/ 103.]] والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة وبالرخاء تارة [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 7، و"معاني النحاس" 3/ 56، والسمرقندي 1/ 557.]]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [[العفُوّ على فَعُول: الكثير العفو وهو: ترك العقوبة، وعفا الشيء: إذا درس ونقص، وعفا إذا زاد وكثر، وأعفيت الشعر وعفوته: إذا كثرته وزدت فيه. انظر: "العين" 2/ 258، و"الأضداد" لقطرب ص 114، و"الجمهرة" 2/ 938، و"أشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 134، و"الصحاح" 6/ 2431، و"مقاييس اللغة" 4/ 56، و"المجمل" 3/ 615، و"المفردات" ص 574 (عفا).]]. قال أبو عبيد: (قال الكسائي: يقال: قد عفا الشعر وغيره إذا كثر، يَعْفُو فهو عافٍ، ومنه قوله تعالى: {حَتَّى عَفَوْا} يعني: كثروا، وفي بعض الحديث: (إذا عفا الوَبَر وبرأ الدبر حلت العمرة لمن اعتمر) [[هذا طرف من كلام ابن عباس -رضي الله عنهما- أخرج البخاري رقم (1564) كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد، وفي رقم (3832) كتاب مناقب الأنصار، باب: أيام الجاهلية، ومسلم في "صحيحه" كتاب الحج، باب: تقليد الهدى وإشعاره عند الإحرام رقم (1240)، عن ابن عباس قال: (كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من الفجور ويجعلون المحرم صفر، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر ..) قال الإمام النووي في "شرح مسلم" 3/ 308 - 309: (يعني: أهل الجاهلية، والدبر: يعنون دبر ظهور الإبل بعد انصرافها من الحج فإنها كانت تدبر بالسير عليها للحج، وعفا الأثر أي: درس وامحى والمراد أثر الإبل وغيرها في سيرها عفا أثرها لطول مرور الأيام) اهـ، وانظر: "النهاية" 3/ 266.]]. ويقال للشعر إذا طال ووَفَى: عما [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2490، عن أبي عبيد عن الكسائي، وانظر: "الكامل المبرد" 1/ 430.]] ومنه قول زهير: أَذَلكَ أم أَقَبُّ البَطْنِ جأبٌ ... عليه من عَقِيقَتِهِ عِفَاءُ [[الشاهد في "شرح ديوان زهير" لثعلب ص 75، و"تهذيب اللغة" 3/ 2490، و"اللسان" 5/ 3020 (عفا)، و"الدر المصون" 5/ 389، (والأقب الضامر، والجأب، الغليظ، وعقيقته وبره، والعفاء: صغار الوبر والريش، وهو هنا شعر الحمار الذي ولد وهو عليه، يقول: أذلك الظليم أم هذا الحمار يشبه ناقتي أفاده ثعلب وقال ويروي: أذلك أم شَتِيم الوجهِ جأْب، وشتيم كريه الوجه صاحب شر) اهـ. وهو كذلك في "ديوانه" ص 15.]] وقد عَفَّيت الشيء وأعْفَيتهُ لغتان إذا كثرته [[في (ب): (إذا كثر به).]] ومنه قوله عليه السلام أنه: "أمر أن تحفى الشوارب وتُعفي اللِّحى" [[أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (5893) كتاب اللباس، باب: إعفاء اللحى، ومسلم كتاب الطهارة، باب: خصال الفطرة رقم (259)، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ، أنه قال: "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى". وفي رواية لمسلم عن النبي ﷺ: أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى.]]، يعني: توفر وتكثر) [[أبي عبيد في "غريب الحديث" 1/ 93، ونحوه قال ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 428 - 429، و"شرح القصائد" ص 21 - 22، وانظر: "النهاية" 3/ 226، 1/ 410.]]. وقال ابن الأنباري [["الأضداد" لابن الأنباري ص 87، و"الزاهر" 1/ 429، و"شرح القصائد" ص 21.]]: (يقال: عما الشيء: إذا زاد وكثر، وأنشد للبيد: ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنهَا ... بأسْوُقِ عَافيَاتِ اللَّحْمِ كُوم [["ديوانه" ص 186، و"مجاز القرآن" 1/ 222، و"تهذيب اللغة" 3/ 2493، و"اللسان" 5/ 3021 (عفا)، و"الدر المصون" 5/ 389 وبلا نسبة في "الكامل" للمبرد 1/ 430، و"تفسير ابن عطية" 6/ 15.]] أراد: كثيرات اللحم)، فمعنى قوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي: كثروا [[وهو قول عامة أهل اللغة والتفسير، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 222، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 148، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"الكامل" للمبرد 1/ 430، و"تفسير الطبري" 9/ 8، و"معاني الزجاج" 2/ 359، و"نزهة القلوب" ص 325، و"معاني النحاس" 3/ 56، و"تفسير السمرقندي" 1/ 557، و"تفسير المشكل" ص 86.]]، في قول ابن عباس [[ذكره البخاري في "صحيحه" 5/ 195، في تفسير سورة الأعراف، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 9، وابن أبي حاتم 5/ 1526 من عدة طرق جيدة.]]، ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 241، وأخرجه الطبري 9/ 8 من عدة طرف جيدة.]] والسدي وابن زيد [[أخرجه الطبري 9/ 8، من عدة طرف جيدة عن السدي وابن زيد، وأخرجه عن إبراهيم النخعي والضحاك، وذكره الماوردي 2/ 242، عن ابن عباس ومجاهد والسدي.]]. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: حتى كثروا فسمنوا، وكثرت أموالهم) [[قوله: كثروا، وكثرت أموالهم، سبق تخريجها، أما قوله: (سمنوا)، فلم أقف عليها عن ابن عباس، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1527، بسند جيد عن الحسن قال: (حتى سمنوا). وذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 32، والماوردي 2/ 242، عن الحسن.]]. وروى عنه أيضاً: (حتى جموا) [[أخرجه الطبري 9/ 8 بسند ضعيف، وذكره الثعلبي 6/ 2، وجَمّ الشيء واستجم: كثر، ومال جَمٌّ: كثير. انظر: "اللسان" 2/ 686 (جمم).]]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾، يعني: لما صاروا إلى الرخاء ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا﴾ من الدهر الشدة والرخاء، وتلك عادة الدهر، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم ولم يقلعوا [[في (ب): (ولم يفعلوا)، وهو تحريف.]] عن الكفر بما مسهم من الضراء، والله تعالى أخذهم بالضراء ليعتبروا ويقلعوا عن الكفر، وتكذيب الأنبياء فلم يعتبروا، وقالوا من غرّتهم وجهلهم: قد أصاب آباءنا في الدهر مثل ما أصابنا. وهذا معنى قول المفسرين [[هذا كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 359 - 360، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 57، والماوردي 2/ 243، والبغوي 3/ 260، وابن عطية 6/ 14، وابن الجوزي 3/ 234، والرازي 14/ 183 - 184، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 8، والسمرقندي 1/ 557، وابن كثير 2/ 260.]] في هذه الآية؛ قال ابن عباس: وهذا كما قال في سورة الأنعام: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [[لم أقف عليه.]] [الأنعام: 44]. وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 9، والسمرقندي 1/ 557، والبغوي 3/ 260.]]: (لما فسدوا على الأمرين جميعًا أخذهم الله بغتة آمن ما كانوا؛ ليكون أعظم في الحسرة. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد بنزول العذاب) [["تنوير المقباس" 2/ 114، وهو قول الأكثر، انظر: السمرقندي 1/ 557، والثعلبي 2/ 1 ب، و"الوسيط" للواحدي 1/ 212، والبغوي 3/ 260، وابن الجوزي 3/ 234، والرازي 14/ 184.]]. وقال أبو إسحاق: (بيّن الله عز وجل تأولهم بخطئهم في قولهم: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾، وقد علموا أن الأمم قد أهلكت قبلهم بكفرهم، وإنما أخبر الله تعالى بهذا عن الأمم السالفة لتعتبر أمة محمد ﷺ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 360.]] [الأعراف:96]، قال ابن عباس: (وحدوا الله واتقوا الشرك) [["تنوير المقباس" 2/ 114، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 212.]]. وقال عطاء عنه: (يريد آمنوا بالله وحده، وصدقوا أنبياءه، وخافوا الوعيد) [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. قال المفسرون: (بركات السماء بالقطر، وبركات الأرض بالنبات والثمار) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 360، والنحاس 3/ 57، و"تفسير السمرقندي" 1/ 557، والماوردي 2/ 243، والبغوي 3/ 260، وابن عطية 6/ 16 - 17، وقال أبو حيان == في "البحر" 4/ 348: (الظاهر أن قوله: ﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يراد بها معين، ولذلك جاءت نكرة، والمعنى: لأتيناهم بالخير من كل وجه) اهـ. بتصرف.]]. وقال ابن عباس: (يريد: الأمطار والخصب وكثرة المواشي والأنعام) [["تنوير المقباس" 2/ 114، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 212.]] ومضى الكلام في معنى [[انظر: لفظ: (مبارك) في "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 199 ب.]] البركة والمبارك. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يعني: الرسل، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالجدوبة والقحط، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الكفر والمعصية. قال ابن عباس: (يعني: مدائن معروفة أهلكت بالجدب) [[لم أقف عليه.]]. قال أصحاب المعاني: (والآية بيان أن الإيمان بالله والاتقاء يوجب إسباغ الإنعام، والتكذيب يوجب الإهلاك والعذاب).

الأعراف 7:97

قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ الآية. هذه ألف الاستفهام ومعناها: الإنكار [عليهم أن يأمنوا، وقد ذكرنا قديمًا لم [[انظر: "البسيط" البقرة: 75 قوله تعالى: ﴿أفتطمعون﴾.]] دخل الاستفهام معنى الإنكار، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، والفاء في ﴿أَفَأَمِنَ﴾ للعطف، وهو عطف جملة على جملة [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 307، والزجاج 2/ 360، و"المسائل المنثورة" لأبي علي الفارسي ص 197، و"تفسير الزمخشري" 2/ 98، وابن عطية 6/ 18، و"البحر" 4/ 348 - 349.]]. قال ابن عباس: (يعني: مكة وما حولها) [["تنوير المقباس" 2/ 114، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 212.]]. قال الزجاج: (أفأمنت الأمة التي كذبت النبي ﷺ ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 360، ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 58.]]، فعلى هذا المراد بأهل القرى الذين كذبوا محمدًا ﷺ وكفروا به، وقال آخرون: (هذا عام و [[لفظ (الواو) ساقط من (ب).]] معناه البيان عما ينبغي أن يكون عليه العباد من الحذر لبأس الله عز وجل وسطواته [[في (ب): (وسلطانه).]] بالمبادرة إلى طاعته واتباع مرضاته) [[وأكثرهم على الأول وأنه وعيد للكافرين المعاصرين للرسول أن ينزل بهم مثل ما نزل بالأمم السابقة. انظر: "تفسير البغوي" 3/ 260، وابن عطية 6/ 17، والقرطبي 7/ 253، و"البحر" 4/ 249.]]

الأعراف 7:98

قوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ الآية. قرأ أكثر القراء [[يقرأ: ﴿أَوْ أَمِنَ﴾ بإسكان الواو وتحريكها، فقرأ ابن عامر ونافع وابن كثير: ﴿أَوْ أَمِنَ﴾ بإسكان الواو غير أن ورشًا يلقى حركة الهمزة من ﴿أَمِنَ﴾ على الواو من ﴿أَوْ﴾ على أصله، وقرأ الباقون بفتح الواو. انظر: "السبعة" ص 286، و"المبسوط" ص 182، و"التذكرة" 2/ 421، و"التيسير" ص 111، و"النشر" 2/ 270.]] ﴿أَوَأَمِنَ﴾ بفتح الواو، وهو حرف العطف دخلت على همزة الاستفهام، كما دخل في قوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: 51]، وقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: 100]. وهذه القراءة أشبه بما قبله وما بعده؛ لأن ما قبله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: 97]، وما بعده: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 99]، ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ [[قال أبو علي في "الحجة" 4/ 55: (فكما أن هذه الأشياء في هذه الآيات حروف عطف دخل عليها حرف الاستفهام كذلك يكون قوله: ﴿أَوَأَمِنَ﴾) اهـ.]] [الأعراف: 100]. وقرأ نافع وابن عامر: ﴿أَوَأَمِنَ﴾ ساكنة الواو، و (أو) يستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون بمعنى أحد الشيئين كقولك: زيدٌ أو عمرو جاء، كما تقول: أحدهما جاء، وهي إذا كانت للإباحة والتمييز كذلك أيضاً؛ لأنها لأحد الشيئين كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، ويدلك على أنها ليست بمعنى الواو أنه إذا جالس أحدهما فقد ائتمر [[في (ب): (فقد أتم الأمر) وائْتَمر الأمر أي امتثله، انظر: "اللسان" 1/ 127 (أمر).]] الأمر ولم يخالف، وإنما جاز له الجمع بين مجالستهما من حيث كان كل واحد منهما مجالسته بمعنى مُجالسة الآخر، ليس من حيث كانت (أو) بمعنى (الواو). والضرب الثاني: أن يكون للإضراب [[في (ب): (الإضراب)، وهو تحريف.]] عما قبلها. كقولك: (أنا أخرج) ثم تقول: (أو أقيم)، أضربت عن الخروج وأثبتَّ الإقامة. كأنك قلت: (لا بل أقيم)، كما أنك في قولك: (إنها لإبل أو [[النص كله من "الحجة" لأبي علي 4/ 54، وفيه في قولك: (إنها الإبل أم شاء).]] شاء) مُضرِب عن الأول، فوجه هذه القراءة: أنه جعل (أو) للإضراب، لا على أنه أبطل الأول، ولكن كقوله: ﴿الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة:1 - 3]، فكأن المعنى في هذه الآية: أأمنوا هذه الضروب من معاقبتهم والأخذ لهم، وإن شئت جعلت (أو) هاهنا التي لأحد الشيئين، ويكون المعنى: أفأمنوا إحدى هذه العقوبات [[ما تقدم هو نص كلام أبي علي في "الحجة" 4/ 53 - 55، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 414، و"إعراب القراءات" 1/ 196، و"الحجة" لابن خالويه ص 158، ولابن زنجلة ص 289، و"الكشف" 1/ 468.]]. وقوله تعالى: ﴿ضُحًى﴾، الضحى [[الضحى: أصل يدل على بروز الشيء وظهوره، وهو انبساط الشمس وامتداد النهار وسمى الوقت به، والضحى بالضم والقصر لأول ارتفاع الشمس، والضحاء بالفتح والمد لقوة ارتفاعها قبل الزوال. انظر: "العين" 3/ 265، و"الجمهرة" 2/ 1050، و"الصحاح" 6/ 2406، و"مقاييس اللغة" 3/ 391، و"المجمل" 2/ 574، و"المفردات" ص 502، و"اللسان" 5/ 2559 (ضحى).]] صدر النهار في وقت انبساط الشمس، وأصله الظهور من قولهم: ضَحَا للشمس [[في "تهذيب اللغة" 3/ 2094: (يقال: ضَحِيَ بفتح ثم كسر يَضْحَى إذا برز الشمس).]]: إذا برز لها. قال أبو الهيثم [[أبو الهيثم خالد بن يزيد الرازي لغوي، تقدمت ترجمته.]]: (والضُّحَى على فُعَل حين تطلع الشمس فيصفو ضوؤها) [["تهذيب اللغة" 3/ 2094 (ضحى).]]. قال الحسن: (والمعنى: إنهم لا يجوز لهم أن يأمنوا ليلاً ولا نهارًا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 212.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. قال الزجاج: (يقال لمن كان في عمل لا يُجدي عليه أو في ضلال: (إنما أنت لاعب)، وإنما قيل لهم ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: وهم في غير ما يجدي عليهم) [["معاني الزجاج" 2/ 360، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 58، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 557، والبغوي 3/ 260، وابن عطية 6/ 18، والرازي 14/ 185، والقرطبي 7/ 254، و"البحر" 4/ 349، وأكثرهم قال: (ساهون لاهون في غاية الغفلة والإعراض والاشتغال بما لا يجدي).]].

الأعراف 7:99

قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ الآية. قد ذكرنا معنى المكر في اللغة، ومعنى مكر الله في سورة آل عمران عند قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 54]. قال المفسرون: (معنى مكر الله: استدراجه إياهم بالنعمة والصحة، وذلك مما يبطرهم ويحملهم على المعصية والتمادي في الغي فيكون في الحقيقة إضرارًا بهم من حيث لا يشعرون) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 9، والبغوي 3/ 260، وابن عطية 6/ 18.]]. وقال الزجاج في هذه الآية [["معاني الزجاج" 2/ 360، وهو قول النحاس في "معانيه" 3/ 58، و"السمرقندي" 1/ 557، والمكر: إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي لمن يستحقه عقوبة له. وهو صفة ثابتة لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، والمكر يحمل حقيقة على بابه. انظر: "الفتاوى" 3/ 111 - 112، وقال ابن القيم (كما في "بدائع التفسير" 2/ 261): (قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ إنما هو في حق الفجار والكفار، ومعنى الآية: فلا يعصي ويأمن مقابلة الله على مكر السيئات بمكره به ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، والذي يخافه العارفون بالله من مكره أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال فيحصل منهم نوع إغترار، فيأنسوا بالذنوب فيجيئهم العذاب على غرة وفترة). اهـ.]]: (أي: فأمنوا [[في (ب): (أي أفأمنوا) وهو الأنسب بالسياق، وعند الزجاج في "معانيه" 2/ 360: (أي وأمنوا).]] عذاب الله أن يأتيهم بغتة). وهذا القول غير الأول.

الأعراف 7:100

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 10 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1529 بسند جيد عن مجاهد، وهو في "تفسيره" 1/ 241 قال ابن أبي حاتم: (وروي عن السدي وعطاء الخراساني مثل ذلك)، وهذا القول هو قول عامة أهل التفسير واللغة. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 223، و"معاني الأخفش" 2/ 307، والزجاج 2/ 361، و"تفسير الطبري" 9/ 9، و"معاني النحاس" 3/ 58، و"تفسير السمرقندي" 1/ 558.]]: (أولم يتبين)، والمراد بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ كفار مكة ومن حولهم، قاله ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 115، وذكره أبو حيان في "البحر" 4/ 350.]] ومجاهد [[لم أقف عليه، وهو قول السمرقندي 1/ 558، والقرطبي 7/ 254.]]، و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] أما فاعل الهداية في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ فقال [[في (ب): (قال الزجاج فقال المعنى أو لم يبين)، وهو تحريف.]] الزجاج: (كأن المعنى: أولم يبين الله أنه لو يشاء) [["معاني الزجاج" 2/ 361، وهو قول السمرقندي 1/ 558.]]. وقال غيره: [المعنى [[لفظ: (المعنى) ساقط من (ب).]] أولم يهد لهم مشيئتنا) فـ (أن) [[في (ب): (وأن) بالواو.]] في قوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ في موضع رفع لأنه فاعل (يهد)، والمعنى: أولم يهد لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم؛ كما قال في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ [السجدة: 26]، وهذا هو قول أبي عبيد [[في (ب): (أبو عبيدة) ولم أقف عليه عنهما، وقال السمين في "الدر" 5/ 393: (الأظهر في فاعل يهدي أنه المصدر المؤول من أن وما في حيزها والمفعول محذوف والتقدير: أو لم يهد أي يبين ويوضح للوارثين مآلهم وعاقبة أمرهم وإصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك، فقد سبكنا المصدر من أن ومن جواب لو) اهـ. وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 627، و"المشكل" 1/ 296 - 197، و"غرائب الكرماني" 1/ 415، و"البيان" 1/ 369، و"التبيان" ص 384، و"الفريد" 2/ 336، وفي الجميع الفاعل قوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾.]]. وقوله تعالى: ﴿أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد أخذناهم) [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 115.]] ومجاهد [[لم أقف عليه.]]: (عذبناهم). وقوله تعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. قال ابن الأنباري: (هذا فعل مستأنف و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] منقطع من الذي قبله؛ لأن قوله أصبنا ماضٍ، ﴿وَنَطبَعُ﴾ مستقبل) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 213، والسمين في "الدر" 5/ 394.]]. وقال أبو إسحاق: (المعنى: ونحن نطبع على قلوبهم) [["معاني الزجاج" 2/ 361 وفيه: (لأنه لو حمل على ﴿أَصَبْنَاهُمْ﴾ لكان و (لطبعنا) لأنه على اللفظ الماضي وفي معناه. ويجوز أن يكون محمولًا على الماضي ولفظه لفظ المستقبل، كما ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ معناه: لو شئنا) اهـ.]]. قال أبو بكر: (ويجور أن يكون معطوفاً على أصبنا إذ كان بمعنى: نصيب، والتأويل: أن لو نشاء نصيبهم ونطبع، فوضع الماضي في موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال؛ كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: 10] والمعنى: يجعل؛ يدل علي ذلك قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 213، وابن الجوزي 3/ 235، وأبو حيان في "البحر" 4/ 351، والسمين في "الدر" 5/ 394.]] [الفرقان: 10]. قال الفراء: (وجاز أن تُرد (يَفْعَلُ) على (فَعَلَ) في جواب (لو) كما قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ﴾ [يونس: 11]، قوله: ﴿فَنَذَرُ﴾ مردودة على ﴿لَقُضِيَ﴾ وإذا جاءك جواب (لو) آثرت فيه (فَعَلَ) على (يَفْعَلُ)، وعطف (فَعَلَ) على (يَفْعَلُ)، و (يفعل) على (فَعَلَ)، جائزة لأن التأويل كتأويل الجزاء) [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 386، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 350 - 351: (الظاهر أنها جملة مستأنفة أي: نحن نطبع على قلوبهم والمعنى: إن من أوضح الله == له سبل الهدى وذكر له أمثالًا ممن أهلكه الله تعالى بذنوبهم وهو مع ذلك دائم على غيه لا يرعوي يطبع الله على قلبه فينبو سمعه عن سماع الحق) اهـ، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 627، و"الكشاف" 2/ 99، وابن عطية 6/ 20، والرازي 14/ 187، و"الفريد" 2/ 336، و"الدر المصون" 5/ 395.]]. وفي قوله: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ تكذيب للقدرية، ودليل على أن الله تعالى إذا شاء وطبع على قلبٍ فلا يعي خيراً ولا يسمع هدى [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 187.]].

الأعراف 7:101

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾، قال ابن عباس: (﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ التي أهلكتْ أهلها، يعني: قرى قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وشعيب، ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ نتلو عليك من أخبارها كيف أهلكت. قال: يعزي نبيه بما صنعوا بأنبيائهم، وما صنع الله بهم) [[في "تنوير المقباس" 2/ 115 نحوه، وذكره الثعلبي 6/ 3/ أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 214، والبغوي 3/ 261، والقرطبي 7/ 255، و"الخازن" 2/ 266 بلا نسبة، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 352: (الخطاب للرسول ﷺ والقرى هي بلاد قوم نوح وهود وصالح وشعيب بلا خلاف بين المفسرين) اهـ.]]. وقال أهل المعاني: (إنما قصّ الله أنباء القرى لما في ذلك من الاعتبار بما كانوا عليه من الاغترار بطول الإمهال مع اتساع النِعَم حتى توهموا أنهم على صواب) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 10، والرازي 14/ 188.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الأنبياء الذين أُرسلوا إليهم) [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾. قال ابن عباس [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 3، والبغوي 3/ 261، وابن الجوزي 3/ 236، والرازي 14/ 188، والقرطبي 7/ 255، و"الخازن" 2/ 267، عن ابن عباس والسدي.]] والسدي [[أخرجه الطبري 9/ 11، وابن أبي حاتم 5/ 1530 بسند جيد.]]: (فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرهأ وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب). وقال مجاهد: (فما كانوا -لو أحييناهم بعد هلاكهم- ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم) [["تفسير مجاهد" 1/ 241، وأخرجه الطبري 9/ 11، وابن أبي حاتم 5/ 1530، 170 أبسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 194، ورد هذا القول الطبري في "تفسيره" 9/ 12، وقال: (وهو تأويل لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل ولا من خبر عن الرسول صحيح) اهـ. وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 2/ 329: (هو قول بعيد من ظاهر الآية) اهـ.]]. وقال آخرون: (﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات والآيات التي سألوها، فما كانوا ليؤمنوا -بعد ما رأوا العجائب- بما كذبوا من قبل رؤيتهم تلك العجائب) [[ذكر هذا القول الثعلبي في "تفسيره" 6/ 3 ب، وابن الجوزي 3/ 236، وهو اختيار الواحدي في "الوسيط" 1/ 213، والبغوي 3/ 261، واختار الطبري 9/ 11، أن المعنى: فما كانوا ليؤمنوا بما سبقَ في علم الله يوم أخذ الميثاق أنهم يكذبون به ولم يؤمنوا به؛ لاستحالة التغيير فيما سبق به العلم الأزلي، وأخرجه بسند جيد عن أبي بن كعب والربيع بن أنس، وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 2/ 329: (ومعنى الآية: فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم وهذا القول حكاه ابن عطية واستحسنه ابن كثير وهو من أقرب الأقوال لظاهر الآية ووجهه ظاهر لأن شؤم المبادرة إلى تكذيب الرسل سبب للطبع على القلوب والإبعاد عن الهدى والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة) اهـ. وانظر: == "تفسير ابن عطية" 6/ 21، و"بدائع التفسير" 2/ 262، وابن كثير 2/ 262.]]. وهذا الوجه كأنه اختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال: (هذا إخبار عن قوم لا يؤمنون، كما قال عز وجل لنُوح: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: 36]، واحتج على هذا بقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾، قال: وهذا يدل على أنه قد طبع على قلوبهم، قال: والكاف في ﴿كَذَلِكَ﴾ نصب؛ المعنى: مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب عليهم أن لا يؤمنوا أبداً) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 361 - 362، والأخفش 2/ 317، والنحاس 3/ 59، و"إعراب النحاس" 1/ 627.]].

الأعراف 7:102

قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾. قال ابن عباس: (يريد الوفاء. بالعهد الذي عاهدهم وهم في صلب آدم حيث يقول: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 214، وابن الجوزي 3/ 236، والرازي 14/ 188، والقرطبي 7/ 255، وأبو حيان في "البحر" 4/ 354.]] [الأعراف: 172]، ونحو هذا قال مجاهد [[أخرجه الطبري 9/ 12، عن أبي بن كعب ومجاهد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 195.]] ومقاتل [["تفسيرمقاتل" 2/ 52.]]. قال أصحاب المعاني: (إذا أُخذ على الإنسان العهد فنقضه قيل: ليس له عهد، أي: كأنه لم يعهد إليه، فلما أخذ الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).]] على هؤلاء العهد بالتوحيد والمعرفة، وأقروا بذلك، فلما خالفوا ذلك لم يكن لهم عهد، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [[انظر: "تهذيب اللغة" / 606 (عهد)، و"إعراب النحاس" / 67، و"تفسير الرازي" 14/ 88.]]. وروي عن ابن مسعود: (أن العهد هاهنا معناه: الإيمان، كقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [[لفظ: (الرحمن) ساقط من (ب).]] [مريم: 87]. يعني: آمن، وقال: لا إله إلا الله) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 88، وأبو حيان في "البحر" 4/ 354، وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 223، (أي: وفاء ولا حفيظة).]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. [[لفظ: (أكثرهم) مكرر في (أ).]] قال الزجاج: (دخلت ﴿إِنْ﴾ واللام على معنى التوكيد واليمين) [["معاني الزجاج" 2/ 362، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 627، و"المشكل" 1/ 297، و"التبيان" ص 385، و"الفريد" 2/ 337، و"الدر المصون" 5/ 399.]]. قال ابن عباس: (يريد: لعاصين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 214 بدون نسبة]]. وقال الضحاك: (لناقضين) [[لم أقف عليه، وهذا القول هو قول السمرقندي في "تفسيره" 1/ 558، والثعلبي 6/ 4 أ، والبغوي 3/ 261، وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 223، (أي: الكافرين) وقال الطبري 9/ 12: (أي: ما وجدنا أكثرهم إلا فسقة عن طاعة ربهم تاركين عهده ووصيته) وانظر: الماوردي 2/ 244.]].

الأعراف 7:103

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، الكناية يجوز أن تعود إلى الأنبياء الذين [[وهو قول الأكثر. انظر: الطبري 9/ 13، والسمرقندي 1/ 558، والبغوي 3/ 262، وابن الجوزي 3/ 237، والقرطبي 7/ 256.]] جرى ذكرهم، ويجوز أن تعود إلى الأمم الذين تقدم إهلاكهم [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 558 - 559، و"الكشاف" 2/ 100، والرازي 14/ 189، و"البحر" 4/ 254، وقال ابن عطية 6/ 24: (الضمير عائد على الأنبياء المتقدم ذكرهم وعلى أممهم) اهـ، والجمع أولى.]]. وقوله تعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [[سقط من (ب) تفسير قوله تعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الآيات 103، 105 الأعراف، وهو سقط من الناسخ حيث جاء في نصف ص 159 أتفسير باقي الآية 105 بعد الآية 103.]]، (قال ابن عباس [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 214، وابن الجوزي 3/ 237.]]: (فكذبوا بها) يعني: بالعصا والتسع الآيات) [[انظر: تفصيل ذلك في "عرائس المجالس" ص 190، و"تفسير ابن كثير" 2/ 263.]]. وقال أبو إسحاق: (قوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: فظلموا بالآيات التي جاءتهم؛ لأنهم إذا جاءتهم الآيات فكفروا فقد ظلموا أبين الظلم؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فجعلوا بدل الإيمان بها الكفر، فذلك معنى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 362، ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 60.]]، وقوله: ﴿فَانْظُرْ﴾ أي: بعين قلبك كيف كان عاقبتهم وكيف فعلنا بهم.

الأعراف 7:105

قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، وقرأ نافع [[قرأ نافع: ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ بتشديد الياء مع فتحها على أنها ياء إضافة وقرأ الباقون ﴿عَلَى﴾ بتخفيف الياء وإسكانها على أنها حرف جر. انظر: "السبعة" ص 287، و"المبسوط" ص 183، و"التذكرة" 2/ 421، و"التيسير" ص 111، و"النشر" 2/ 270.]] ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ مشددة الياء، و ﴿حَقِيقٌ﴾ على هذه القراءة يجوز أن يكون بمعنى: فاعل. قال شمر: (تقول العرب: حَق عليَّ أن أفعل ذلك) [["تهذيب اللغة" 1/ 875 (حق).]]. وقال الليث: (حَق الشيء معناه: وجب، ويحِق عليك أن تفعل كذا، وحقيق عليَّ أن أفعله، فهذا بمعنى: فاعل) [["تهذيب اللغة" 1/ 876، وانظر: "العين" 3/ 6 (حق).]]. قال الزجاج: (والمعنى: واجب علي ترك القول على الله جل وعز إلا بالحق) [["معاني الزجاج" 2/ 362.]]. ونحو هذا قال ابن عباس في تفسيره هذه الآية فقال: (يقول: الواجب علي ﴿أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [[لم أقف عليه.]]، ويجوز أن يكون بمعنى: مفعول. قال الليث: (وحقيق فعيل في موضع مفعول) [["تهذيب اللغة" 1/ 876 (حق).]]. قال شمر: (وتقول العرب: حق عليّ أن أفعل كذا، وإني لمحقوق عليَّ أن أفعل خيراً، أي: حقّ عليّ ذاك، بمعنى: استحق) [["تهذيب اللغة" 3/ 374.]]، هذا معنى كلامه، وعلى هذا تقول: فلان مَحْقُوق عليه أن يفعل كذا، ومَحْقُوق بأن يفعل كذا، ومَحْقُوق أن يفعل كذا [[انظر: "الجمهرة" 1/ 100، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 178، والصحاح 4/ 1460، و"مقاييس اللغة" 2/ 15، و"المجمل" 1/ 215، و"المفردات" ص 246، و"اللسان" 2/ 941 (حق).]] قال الأعشى: لَمَحْقوقَةٌ أَنْ تَسْتَجِيبِي لصْوتِهِ ... وَأَنْ تَعْلَمِي أَنَّ الْمُعَانَ مُوفَّقُ [["ديوانه" ص 120، و"العين" 3/ 6، و"مجاز القرآن" 1/ 44، والصاحبي ص 359، و"الصناعتين" ص 143، و"أمال ابن الشجري" 2/ 56، و"اللسان" 2/ 941 (حق)، و"الدر المصون" 5/ 405، وقبله: وَإنَّ امْرءًا أَسْرى إلَيْكِ وَدُونَهُ ... فَيَافٍ تَنُوفَاتٌ وَبَيْداءُ خَيْفَقُ يقول: إن الذي قطع في سبيلك الليالي الطوال وتفصله عنك الصحارى والقفار التي يخفق فوقها السراب لمن البديهي أن تستجيبي له لأنه أقرب للرشد والصواب، أفاده في "حاشية الديوان".]] وقال جرير [["ديوانه" ص 312، و"تهذيب اللغة" 1/ 876، و"اللسان" 2/ 941 (حق)، و"الدر المصون" 5/ 405، وصدره: قُلْ للأُخَيْطلِ إِذْ جَدّ الجِراءُ بنا وفي "الديوان" (أقصر) بدل (قصر) وهو هنا يهجو الأخطل والجراء: الإقدام والشجاعة. انظر: "اللسان" 1/ 581 (جرأ).]]: قصِرْ فإِنَّكَ بالتَقصِيرِ مَحْقُوقُ وحجة نافع في تشديد الياء أن حق يُعَدى بعلى. قال الله تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ [الصافات: 31]، وقال: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: 16]. فحقيق يُوصل بعلى من هذا الوجه أيضاً، فإن ﴿حَقِيقٌ﴾ بمعنى: واجب، فكما أن (وجب) يتعدى بعلى كذلك تعدّى ﴿حَقِيقٌ﴾ به إذا أريد به ما أريد بواجب، وقراءة العامة ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ مرسلة الياء، و ﴿حَقِيقٌ﴾ على هذه القراءة بمعنى: محقوق، و ﴿عَلَى﴾ بمعنى الباء [[ما تقدم في توجيه القراءة قول أبي علي في "الحجة" 4/ 56 - 57، وانظر: "معاني المفردات" 1/ 414، و"الحجة" لابن خالويه ص 159، ولابن زنجلة ص 289، و"الكشف" 1/ 469 - 470.]]. قال الفراء: (والعرب تجعل الباء [[انظر: "مغني اللبيب" 1/ 104 وسبق: أن (الظاهر عدم التناوب والأولى التضمين). قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 224: (مجازه حق علي أن لا أقول إلا الحق، ومن قرأها ﴿حَقِيقٌ﴾ على أن لا أقول ولم يضف ﴿عَلَى﴾ إليه فإنه يجعل مجازه حريص على أن لا أقول أو فحق أن لا أقول) اهـ.]] في موضع على فتقول: رميت على القوس وبالقوس، وجئت على حال حسنة وبحال حسنة) [["معاني الفراء" 1/ 386، وذكر مثله الطبري في "تفسيره" 9/ 13.]]. قال الأخفش: (هذا كما قال: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف:86] [["معاني الأخفش" 2/ 307.]]، وكما وقعت الباء في قوله: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ موقع على، كذلك ﴿عَلَى﴾ وقعت موضع الباء في قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ ويؤكد هذا الوجه قراءة عبد الله: ﴿حقيق بأن لا أقول﴾ [[قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في "معاني الفراء" 1/ 386، والنحاس 3/ 61، و"مختصر الشواذ" ص 50، و"إعراب القراءات" 1/ 197، و"تفسير ابن عطية" 6/ 25، والرازي 14/ 191، وذكرها البغوي 3/ 262، والقرطبي 7/ 256 عن أبي ابن كعب والأعمش. وانظر: "الكشاف" 2/ 100، و"البحر" 4/ 355.]] و ﴿حَقِيقٌ﴾ على هذه القراءة يرتفع بتقدير: أنا حقيق بأن لا أقول، وعلى قراءة نافع يرتفع بالابتداء، وخبره ﴿أَنْ لَا أَقُولَ﴾ [[انظر: "إعراب النحاس" ص 628، و"المشكل" 1/ 297، و"البيان" 1/ 369، و"التبيان" ص 385، و"الفريد" 2/ 338، و"البحر" 4/ 355، و"الدر المصون" 5/ 401، وعلى قراءة العامة ﴿حَقِيقٌ﴾ عند الواحدي خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنا، وعلى قراءة نافع أكثرهم على أنه صفة لرسول أو خبر، وقوله: ﴿أَنْ لَا أَقُولَ﴾ فاعل بحقيق كأنه قال: يحق، ويجب أن لا أقول). قال السمين: (وهذا أعرب الوجوه لوضوحه لفظًا ومعنى) اهـ.]]. ومعنى قوله: ﴿إِلَّا الْحَقَّ﴾) [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب)، كما سبق الإشارة إليه.]]]؛ قال ابن عباس: (يريد: أنه لا إله غيره) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 215 دون نسبة.]]. ومعنى هذا: أن موسى يقول: واجب عليّ أن لا أقول في وصف الله إلا ما هو الحق، وهو توحيده وتنزيهه عن الشرك. وقوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد بالعصا) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 215، وابن الجوزي 3/ 237.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. أي: أطلق عنهم وخلهم، وكان [[في (ب): (وقال وكان).]] فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة من نحو ضرب اللبن، ونقل التراب [[أخرج الطبري في "تاريخه" 1/ 386 عن محمَّد بن إسحاق قال: (كان فرعون يعذب بني إسرائيل ويجعلهم خدمًا وخولًا وصنفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يزرعون له، ومن لم يكن في صنعة فعليه الجزية) اهـ، وانظر: "عرائس المجالس" ص 167، و"البداية والنهاية" 1/ 237.]].

الأعراف 7:107

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ أي: العصا، وهي مؤنثة، والثعبان: الحية الضخم الذكر في قول جميع أهل اللغة [[انظر: "العين" 2/ 111، و"الجمهرة" 1/ 260، و"تهذيب اللغة" 1/ 480، والصحاح 1/ 92، و"مقاييس اللغة" 1/ 378، و"المجمل" 1/ 159، و"المفردات" ص 173، و"اللسان" 1/ 481 - 482 (ثعب).]]، وهو أعظم الحيات في قول الفراء [["معاني الفراء" ص 387، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 225، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 148، و"معاني النحاس" 3/ 61.]]. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾. قال الزجاج: (أي: بين أنه حية لا لبس فيه) [["معاني الزجاج" 2/ 363، وفيه: (أي مبين أنها حية).]].

الأعراف 7:108

وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾، قال ابن عباس: (وكان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 4 ب، 5 أ، وابن الجوزي 3/ 238، والرازي 14/ 196، والقرطبي 7/ 257، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 216 عن الكلبي.]].

الأعراف 7:110

قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: من ملككم) [[لم أقف عليه.]]. قال المفسرون: (لما قال موسى لفرعون: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: 105] وآراه الآية، قال الأشراف من قومه: إن هذا ساحر يريد أن يخرجكم معشر القبط من أرضكم ويزيل ملككم بتقوية أعدائكم بني إسرائيل عليكم) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 16، والسمرقندي 1/ 559، والثعلبي 6/ 5 أ، والبغوي 3/ 263.]]. قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. ذكر أبو إسحاق فيه ثلاثة أوجه: (إحداها [[في (أ): (أحد لها)، وهو تحريف.]] أن يكون هذا جواباً من فرعون لما قال الملأ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ قال فرعون مجيباً لهم: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: تشيرون به عليّ) [["تنوير المقباس" 2/ 117، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 216، وابن الجوزي 3/ 238، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1533 بسند جيد عن ابن عباس قال: (استشار الملأ فيما يرى) اهـ.]]، فعلى هذا أضمر القول، وتم كلام الملأ عند قوله: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾. والتقدير: قال ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، وهذا [[في (أ): (وعلى هذا).]] الوجه ذكره الفراء [["معاني الفراء" 1/ 387 ولم يذكر غيره، وهو قول أكثرهم. انظر: الطبري 9/ 16، والسمرقندي 1/ 559، والثعلبي 6/ 5 أ، والبغوي 3/ 263.]] أيضاً. قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ من قول الملأ [[وهو اختيار ابن عطية 6/ 30 قال: (الظاهر أنه من كلام الملأ بعضهم إلى بعض) اهـ.]]؛ كأنهم خاطبوا فرعون ومن يخصه)، قال: (وجائز أن يكون الخطاب لفرعون وحده؛ لأنه يقال للرئيس المطاع: ما ترون [[في (أ): (ما ترى)، وهو تحريف.]] في هذا، أي: ما ترى أنت وحدك) [[في "معاني الزجاج" 2/ 264 - 265: (أي ما ترى أنت وجندك). وانظر: "إعراب النحاس" 2/ 142.]]. قال ابن الأنباري على هذا الوجه: (والملوك الغالب عليها [[في (ب): (عليهم).]] أن يكون لها أتباع يأتمرون بأمرها [[في (ب): (بأمرهم).]] ويقفون عند قولها [[في (ب): (قولهم).]]، فلما كان هذا معروفاً للملوك خاطبوه وهو واحد بخطابه ومعه أتباعه وأهل مملكته) [[لم أقف عليه، وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 416 - 419.]].

الأعراف 7:111

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، وقرئ ﴿أرجِئه﴾ مهموزاً [[فيها ست قراءات ثلاث مع الهمز وهي: أ- قراءة ابن كثير وهشام عن ابن عامر: (أرجئهو) بهمزة ساكنة متصلة بواو في الوصل. ب- قراءة أبو عمرو: (أرجئه) بضم الهاء من غير إشباع. ج- قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر بهمزة ساكنة وكسر الهاء من غير إشباع. وثلاث من غير همز وهي: أ- قراءة عاصم وحمزة بكسر الجيم وسكون الهاء وصلًا ووقفًا: ﴿أَرْجِهْ﴾. ب- قراءة الكسائي بكسر الهاء متصلة بياء في الوصل: (أرجهي) وهي رواية عن عاصم ونافع. ج- قراءة نافع بكسر الهاء من غير إشباع: ﴿أَرْجِهْ﴾. انظر: "السبعة": ص 287، و"المبسوط" ص 183، و"التذكرة" 2/ 421، و"التيسير" ص 111.]]، وهما لغتان قرئ بهما، يقال: أرجأت الأمر وأرجيته: إذا أخرته، ومنه قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: 106]، ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51]، قرئ في الآيتين [[في (ب): (بالآيتين).]] باللغتين [[قرأ نافع وحمزة والكسائي في آية التوبة 106: ﴿مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ وفي آية الأحزاب 51: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ بغير همز فيها، وقرأ الباقون بالهمز: (مرجئون) و: (ترجئ)، وروي عن عاصم الوجهان فيهما، وانظر: "السبعة" ص 287 و523، و"المبسوط" ص 196، 301، و"التذكرة" 2/ 443، و"التيسير" ص 119، و"النشر" 1/ 406.]]، وكان حمزة وعاصم يقرآن بغير همزة، وجزم الهاء من ﴿أَرْجِهْ﴾؛ قال الفراء: وهي لغة العرب يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها، أنشدني بعضهم: فَيُصْلِحُ اليَوْمَ وَيُفْسدُهْ غَدَا [[هذا رجز لدويد بن زيد بن نهد القضاعي في "طبقات فحول الشعراء" 1/ 31 - 32، و"الشعر والشعراء" ص 48، و"جمهرة الأمثال" 1/ 84، وبلا نسبة في "معاني الفراء" == 1/ 388، و"تفسير الطبري" 9/ 16، وابن عطية 6/ 31، والرازي 14/ 198، وقبله: أَنْحَى عَليَّ الدَّهْرُ رِجْلًا وَيدَا ... يُقْسِمُ لاَ يُصْلِحُ إِلا أَفْسَدَا فَيُصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُهْ غَدُا]] قال: وكذلك يفعلون بهاء التأنيث فيقولون: هذه طلحهْ قد أقبلت وأنشد: لَمَّا رَأى [[هذا رجز لمنظور بن حبَّة الأسدي في "تهذيب إصلاح المنطق" 1/ 282 - 283، و"شذا العرف" ص 136، وبلا نسبة في "معاني الفراء" 1/ 288، و"إصلاح المنطق" ص 95، و"تفسير الطبري" 9/ 17، و"تهذيب اللغة" 3/ 2 (ضجع)، و"المحتسب" 1/ 107، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 321، و"الخصائص" 3/ 163، و"المنصف" 2/ 329، و"الصحاح" 6/ 2358 (رطا)، و"المخصص" 8/ 24، و"كنز الحفاظ" 1/ 302، و"اللسان" 5/ 2554 (ضجع) وعجزه: مَالَ إِلى أرْطَأةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ وهو يصف الذئب، والحقف: ما اعوج من الرمل.]] أَنْ لَا دَعَةْ وَلَا شِبَعْ [["معاني الفراء" 1/ 388، ومثله قال الطبري 9/ 17.]] ولا وجه لهذا عند البصريين في القياس ولا الاستعمال. قال الزجاج: (وهذا شعر لا يعرف قائله، ولا هو بشيء، ولو قاله شاعر مذكور لقيل له: أخطأت؛ لأن الشاعر قد يجوز أن يخطئ) قال: (وهذا مذهب لا يعرج عليه) [["معاني الزجاج" 2/ 365 - 366. وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 308، و"إعراب النحاس" 1/ 360، و"معاني القراءات" 1/ 415، و"إعراب القراءات" 1/ 198، و"الحجة" لابن خالويه ص 159، ولأبي علي الفارسي 4/ 60، ولابن زنجلة ص 289، و"الكشف" 1/ 470، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 360: (وما ذهب إليه من غلط هذه القراءة وأنها لا تجوز قول فاسد؛ لأنها قراءة ثابتة متواترة روتها == الأكابر عن الأئمة وتلقتها الأمة بالقبول ولها توجيه في العربية فلا وجه لإنكارها) اهـ. وقال السمين في "الدر" 5/ 412: (تسكين هاء الكناية لغة ثابتة له شواهد كثيرة) اهـ. بتصرف.]]. فأما التفسير فقال ابن عباس في قوله: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾: (يريد: أرجئ أمره وأمر أخيه ولا تعجل) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1533 بسند ضعيف بلفظ: (أخِره وأخاه)، وذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 245، والقرطبي 7/ 257.]]، ففسره بالتأخير، وهو قول الحسن [[ذكره الماوردي 2/ 245، وهو قول أكثرهم، قال الطبري 9/ 16: (الإرجاء في كلام العرب التأخير) اهـ، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 225، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 148، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"نزهة القلوب" ص 73، و"معاني النحاس" 3/ 62، و"تفسير المشكل" ص 86.]]. قال الزجاج: (تفسير ﴿أَرْجِهْ﴾ آخره)، وقال: (ومعنى آخره: أخر أمره، ولا تعجل في أمره بحكم فتكون عجلتك حجة عليك) [["معاني الزجاج" 2/ 365.]]. وقال أهل المعاني [[انظر: الرازي 14/ 198.]]: (إنهم طلبوا معارضة المعجزة بالحيلة توهماً من أنهم يقابلون السحر بالسحر على طريق المكيدة). وقال الكلبي وقتادة [[أخرجه الطبري 9/ 17، وابن أبي حاتم 5/ 1533 بسند جيد عن قتادة.]] في تفسير ﴿أَرْجِهْ﴾: (احبسه)، قال الكلبي: (احبسه وأخاه هارون حتى تنظر في أمره ولا تقتلهما [[في (ب): (ولا تقبلهما).]] ولا تؤمن بهما) [["تنوير المقباس" 2/ 117، وهو قول السمرقندي 1/ 559.]]. قال أصحاب النظر: (القول في تفسير ﴿أَرْجِهْ﴾ هو الأول؛ لأن فرعون قد علم أنه لا يقدر على حبسه بعد ما رأى أمر العصا، مع أن الإرجاء في اللغة التأخير لا الحبس) [[هذا قول الثعلبي في "الكشف" 5/ 6.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. قال الليث: (المدينة فَعِيلة تهمز في الفعائل؛ لأن الياء زائدة، ولا تهمز ياء (المعايش) لأنها مفاعل والياء أصلية، ونحو ذلك قال الفراء [[لم أقف عليه في "معانيه".]] وغيره، قال: وكل أرض يبنى بها حصن فهي مدينة) [["تهذيب اللغة" 4/ 3363، وانظر: "العين" 8/ 53، و"الجمهرة" 2/ 683، والصحاح 6/ 2201، و"مقاييس اللغة" 5/ 306، و"المجمل" 3/ 826، و"المفردات" ص 763، و"اللسان" 7/ 4161 (مدن).]]. وقال أبو القاسم الزجاجي [[أبو القاسم الزَّجَّاجي هو عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي النحوي، تقدمت ترجمته.]]: (اختلف أصحابنا في المدينة فمنهم من يجعلها (فَعِيلة)، ومنهم من يجعلها (مَفْعِلة)، ومنهم من يجعلها مَفْعُولة، أما من قال: إنها فعيلة ذهب إلى قولهم: مَدَن بالمكان يمدن مدُوناً: إذا أقام به، ويستدل بإطباق القراء على همز ﴿الْمَدَائِنِ﴾ وهي فعائل كصحيفة وصحائف، وسفينة وسفائن، والياء إذا كانت زائدة في الواحدة همزت في الجمع كقبيلة وقبائل، وإذا كانت [[في (ب): (كان).]] من نفس الكلمة لم تهمز في الجمع نحو معيشة ومعايش. قال ابن الأنباري: (مدن الرجل إذا أتى المدينة) [[لم أقف عليه.]]. وهذا يقوي قول من يقول: إنها فعيلة والميم فيها أصل، وكذلك قولهم في الجمع: مُدن هو على فُعل، والميم أصل، والمدن [[في (ب): (مدن).]] في الحقيقة: جمع المدين؛ لأن المدينة لا تجمع على مُدن، ولكن تجمع على المداين ومثل هذا سُفن كأنهم جمعوا سفينة على سفين ثم جمعوها على سفن، كذلك المدن، وأما من قال إنها مفعلة فإنه يقول: معنى المدينة: المملوكة من دانه يدينه أي: ساسه وأذاله [[كذا في (أ)، وفي (ب): (وأذاله)، ولعله وأذله.]]، فقولنا: مدينة من (دان) مثل معيشة، وجمعها مداين على مفاعل كمعايش غير مهموز يكون اسماً للمكان والأرض التي دانهم [[في (ب): (ذانهم).]] السلطان أي: ساسهم وقهرهم، وقال المبرد [[لم أقف عليه في كتبه، وذكره الرازي 14/ 199، والسمين في "الدر" 5/ 413.]]: (مدينة أصلها (مَدْيونة) من دانه يدينه: إذا قهره وأذله فاستثقلوا حركة الضمة على الياء فسكنوها ونقلوا حركتها إلى ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الواو المزيدة [[في (ب): (والمزيدة).]] التي هي واو المفعول، والياء التي هي من نفس الكلمة، فحذفت الواو لأنها زائدة، وحذف الزائد أولى من حذف الأصلي، ثم كسروا الدال لتسلم الياء فلا تنقلب واواً لانضمام ما قبلها فيختلط [[في (أ): (فتختلط).]] ذوات الواو بذوات الياء، وكذلك المبيع والمخيط والمكيل) [[لم أقف عليه في كتبه، وذكره عند الرازي 14/ 199، والسمين في "الدر" 5/ 413.]]. وكان الأخفش [[قال الأخفش في "معانيه" 2/ 293: (إنما يهمز ما كان على مفاعل إذا جاءت الياء زائدة في الواحد والألف والواو التي تكون الهمزة مكانها نحو مدائن لأنها فعائل، ومن جعل المداين من دان يدين لم يهمز لأن الياء حينئذ من الأصل) اهـ.]] يذهب إلى أن المحذوف الياء لأنها من نفس الكلمة فهي أولى بالحذف من الواو التي جلبت للمعنى وهي واو المفعول، فقال له أبو عثمان المازني [[انظر: "المصنف" 1/ 296 - 301 و311 - 314.]]: (فإذا كان المحذوف الياء عندكم، فلم قلبت الواو ياء وقبلها حرف مضموم؟) فقال: (كسرت ما قبل الواو لتنقلب الواو ياء فيفرق بين ذوات الواو [[لفظ: (فيفرق بين ذوات الواو) مكرر في (ب).]] وذوات الياء)، فالياء في قولنا: مبيع ومخيط هي ياء يبيع ويخيط عند سيبويه [[انظر: "الكتاب" 4/ 348 - 349.]]. وعند الأخفش [[انظر: "المصنف" 1/ 297.]] هي واو (مبيوع) قلبت ياء لانكسار ما قبلها، والمدينة [[في (ب): (فالمدينة).]] على رأي المبرّد (مفعوله) وتأنيثها من جهة المعنى، والمراد: الأرض المدينة أو البقعة أو البلدة التي اساسها السلطان. وقال الفراء: (تقول العرب: دنته أدينه إذا ملكته، والمدينة الأرض التي ملكها سايسها [[في (ب): (أسايسها).]] ومن هذا يقال للأمة مدينة أي: مملوكة وهي في الأصل مديونة [[لم أقف عليه. وانظر: "الصحاح" 6/ 2201 (مدن).]]. ومنه قول الأخطل [[ما الأخطل: غِيَاث بن غَوْث بن الصَّلت التغلبي، شاعر نصراني، تقدمت ترجمته.]]: ربَتْ وزكى في كومها ابنُ مَدِينَةٍ ... يَظَلُّ على مِسحاتِهِ يَتركَّلُ [["ديوانه" ص 224، و"العين" 8/ 53، و"المعاني الكبير" 1/ 472، و"الجمهرة" 2/ 684، و"تهذيب اللغة" 4/ 3363، و"المصنف" 1/ 312، و"الصحاح" 4/ 1713 (ركل)، و"مقاييس اللغة" 1/ 334، و"اللسان" 7/ 4116 (مدن) ورواية "الديوان": ربتَ وربَا في حَجرِها ابن مدينة وهو يصف الخمر، وابن مدينة أي: العالم بأمرها، ويتركل أي: يفتت الرمل، أفاده في "حاشية الديوان".]] يعني: ابن أمةٍ. فهذا ذكر اختلافهم في هذا الحرف) [[ذكره الرازي 14/ 199، والسمين في "الدر" 5/ 413 عن الزجاجي ولم أقف عليه فيما لدي من كتبه، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 342: (المدينة معروفة مشتقة من مدن فهي فعيلة، ومن ذهب إلى أنها مفعلة من دان فقوله ضعيف لإجماع العرب على الهمز في جمعها قالوا (مدائن) بالهمز ولا يحفظ فيه مداين بالياء، ولا ضرورة تدعو إلى أنها مفعلة، ويقطع بأنها فعيلة جمعهم لها على فُعُل قالوا: مدن كما قالوا: صحف في صحيفة) اهـ، ونحوه قال السمين في "الدر" 5/ 412.]]، والصحيح أنها (فعيلة) لاجتماع القراء على همز ﴿الْمَدَائِنِ﴾، والذين قالوا: إنها مفعلة أو مفعولة. قالوا: إنما همزت المدائن تشبيهاً بالقبائل والصحائف كما همز نافع ﴿المعائش﴾، وقد ذكرنا ذلك مستقصًى عند قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ [الأعراف: 10]. وأما التفسير فقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾: (يريد: في مدائن صعيد مصر [[الصعيد بمصر بلاد واسعة كبيرة فيها عدة مدن عظام. انظر: "معجم البلدان" 3/ 408.]] رجالاً يحشروا إليك ما في الصعيد من السحرة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 217، وأخرج الطبري 9/ 18، وابن أبي حاتم 5/ 1534، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ قال: (الشرط).]]. قال الكلبي: (وكانت له مدائن فيها السحرة عُدَّة للأشياء؛ إذا حزبه أمر أرسل إليهم) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 5 ب، والبغوي 3/ 263 بلا نسبة.]]. قال ابن عباس: (وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 217، والرازي 14/ 199، وذكره الثعلبي في "عرائس المجالس" ص 185، عن عطاء.]].

الأعراف 7:112

قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾، وقرئ [[قرأ حمزة والكسائي: (سَحَّار) على وزن فعال بتشديد الحاء وألف بعدها، وقرأ الباقون: ﴿سَاحِرٍ﴾ على وزن فاعل بتخفيف الحاء وكسرها وألف قبلها. انظر: "السبعة" ص 289، و"المبسوط" ص 183، و"التذكرة" 2/ 422، و"التيسير" ص 112، و"النشر" 2/ 270.]] ﴿سَحَّار﴾؛ فمن قرأ ﴿سَاحِرٍ﴾ فحجته قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ [طه: 70] ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [الشعراء: 40]، والسحرة جمع ساحر مثل كاتب وكتبه، وفاجر وفجرة، ومن حجته أيضًا [[لفظ: (أيضاً) ساقط من (ب).]] قوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: 116]، واسم الفاعل من سحروا ساحر، ومن قرأ ﴿سَحَّار﴾ فحجته أنه قد وصف بـ (عليم) ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه به؛ فحسن لذلك أن يذكر بالاسم [[في (ب): (أن يذكر الاسم).]] الدال على المبالغة في السحر [[ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 64، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 416، و"إعراب القراءات" 1/ 199، و"الحجة" لابن خالويه ص160، ولابن زنجلة ص 291، و"الكشف" 1/ 471.]].

الأعراف 7:113

قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ الآية. في الكلام محذوف يدل عليه باقي الكلام وهو: فأرسل وجاء السحرة، ولا يجوز أن يتأول على أنهم تسامعوا، وجاءوا من غير أن يرسل؛ لأنه خلاف ظاهر الكلام والقصة [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 18.]]. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: المال والجوائز) [[في "تنوير المقباس" 2/ 117: (أي: هدية تعطينا) اهـ.]]، ولم يقل: فقالوا [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 413 - 414، عن الزمخشري ثم قال: (وهذا قد سبقه إليه الواحدي والأظهر أن الجملة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها استئناف جواب لسؤال مقدر ولذلك لم تعطف بالفاء) اهـ، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 631، و"الكشاف" 2/ 102.]] لأن المعنى: لما جاءوا قالوا، فلم يصح دخول الفاء على هذا الوجه. وقرأ ابن كثير ونافع [[قرأ ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم ﴿إِنَّ لَنَا﴾ بهمزة واحدة مكسورة على لفظ الخبر، وقرأ أبو عمرو بهمزة ممدودة والباقون بهمزتين على الاستفهام. انظر: "السبعة" ص 289، و"المبسوط" ص 183، و"التذكرة" 1/ 152 - 154، و"التيسير" ص 112، و"النشر" 1/ 372.]]: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ مكسورة الألف على الخبر، والاستفهام أحسن في هذا الموضع؛ لأنهم يستعملون [[كذا في النسخ: (يستعملون)، ولعلها: (يستعلمون أو يسألون).]] عن الأجر وليس يقطعون على أن لهم الأجر. ويقوي ذلك إجماعهم في الشعراء [[آية الشعراء هي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: 41].]] على الهمز للاستفهام، وحجة ابن كثير ونافع أنهما أرادا همزة الاستفهام ولكنهما حذفا ذلك من اللفظ، وكثيراً ما تحذف همزة الاستفهام من اللفظ، وهي ثابتة في المعنى كقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: 22]، فذهب [[في (ب): (يذهب).]] كثير من الناس إلى أن معناه: (أو تلك) الاستفهام [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 426، و"معاني الزجاج" 4/ 86 - 87، و"تفسير الطبري" 19/ 68 - 69، و"إعراب النحاس" 2/ 484، 485، قال الأخفش: == (قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ فيقال: هذا استفهام كأنه قال: أو تلك نعمة تمنها. ثم فسر فقال: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وجعله بدلًا من النعمة) اهـ.]] وقد جاء ذلك في الشعر [[ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 65 - 66، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 417، و"إعراب القراءات" 1/ 200، و"الحجة" لابن خالويه ص 161، و"الكشف" 1/ 472.]]: أَفْرَحُ أَنْ أُزْرَأَ الكِرَامَ وَأَنْ ... أُوْرَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبَلاً [[الشاهد: لحضرمي بن عامر الأسدي في "أمالي القالي" 1/ 67، و"اللسان" 1/ 613 (جزأ) و7/ 47 (شص)، وبلا نسبة في "العين" 8/ 329، و"أدب الكاتب" ص 179، و"الكامل" للمبرد 1/ 62، و"الجمهرة" 1/ 379، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 93، و"تهذيب اللغة" 2/ 1874، و"الصحاح" 3/ 1043 (شص)، و"مقاييس اللغة" 5/ 383، و"الدر المصون" 1/ 258، قال ابن منظور في "اللسان" 1/ 613 (جزأ) في شرحه للبيت: شصائص جمع شصوص وهي الناقة قليلة اللبن، نبلًا أي: صغارًا، يريد: أأفرح فحذف الهمزة على طريق الإنكار أي: لا وجه للفرح بموت الكرام من إخواني لإرث شصائص لا ألبان لها) اهـ.]] وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾، ﴿نَحْنُ﴾ يجوز أن يكون تأكيداً للضمير المتصل في ﴿كُنَّا﴾، ويجوز أن يكون فصلاً بين الخبر والاسم فلا موضع له حينئذٍ [[انظر: "البحر" 4/ 361، و"الدر المصون" 414 - 415.]].

الأعراف 7:114

قوله تعالى: ﴿قَالَ نَعَمْ﴾، هذه إجابة من فرعون للسحرة في سؤالهم المال والأجر على الغلبة، ووعد منه إياهم بذلك [[انظر: الطبري 9/ 19، والسمرقندي 1/ 560.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، معطوف على معنى الجملة؛ كأنه قيل: نعم [[لفظ: (نعم) ساقط من (ب).]] لكم ذلك، ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [[انظر: "الفريد" 2/ 341، و"البحر" 4/ 361، و"الدر المصون" 5/ 415.]]. قال ابن عباس: (يريد: أشرككم في ملكي وأوليكم على أرضي) [[في "تنوير المقباس" 2/ 117، نحوه وأخرج الطبري 9/ 19، وابن أبي حاتم 5/ 1535 بسند جيد عن ابن عباس قال: (قالوا: فما أجرنا إن غلبنا؟ فقال لهم: أنتم قرابتي وخاصتي وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم) اهـ.]]. وقال الكلبي: (﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عندي في المنزلة، يعني: أول من يدخل علي وآخر من يخرج) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 6 أ، والبغوي 3/ 265، و"الخازن" 2/ 271.]]. وقال الزجاج: (أي: ولكم من الأجر المنزلة الرفيعة عندي) [["معاني الزجاج" 2/ 366، وفيه: (أي: لكم مع الأجر المنزلة الرفيعة عندي) اهـ.]].

الأعراف 7:115

قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾. روى أبو العباس [[أبو العباس: هو ثعلب أحمد بن يحيى، إمام، تقدمت ترجمته.]] عن سلمة [[سلمة بن عاصم البغدادي، صاحب الفراء، إمام، تقدمت ترجمته.]] عن الفراء قال: (قال الكسائي في باب إِمَّا وأَمَّا: إذا كنت آمراً أو ناهياً أو مخبراً فهي مفتوحة، وإذا كنت [[في (ب): (وإذا كان)، وهو تحريف.]] مشترطاً أو شاكاً أو مخيراً فهي مكسورة، تقول من ذلك في المفتوحة: أَمَّا الله فاعبد [[في (أ): (فاعبدوا).]]، وأما الخمر فلا تشربها، وأما زيد فقد خرج، وتقول [[في (ب): (فتقول).]] في النوع الثاني إذا كنت مشترطاً: إِمَّا تعطينّ زيداً فإنه يشكرك، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ﴾ [الأنفال: 57]. وتقول في الشك: لا أدري من قام إمَّا زيد وامَّا عمرو. وتقول في التخيير [[في "تهذيب اللغة" 1/ 207: ذكر (إذا كنت مخيرًا أو مختارًا فهي المكسورة تقول في التخيير: تعلم إما الفقه وإما النحو، وتقول في المختار: لي بالكوفة دار وأنا خارج إليها فإما أن أسكنها وإما أن أبيعها).]]: لي بالكوفة دار فإما أن أسكنها وإما أن أبيعها) [["تهذيب اللغة" 1/ 207، (إما، وأما)، وذكره الرازي 14/ 202، عن الفراء والكسائي.]]، والفرق بين (إما) إذا كانت للشك وبين (أو) إنك إذا قلت: جاءني زيد أو عمرو فقد يجوز أن يكون بنيت كلامك على اليقين، ثم أدركك الشك فقلت: أو عمرو. فصار الشك فيهما جميعاً. فأول الاسمين [[في (أ): (فالأول أسمين)، وهو تحريف.]] في (أو) يجوز أن يكون خبراً يحسن السكوت عليه، ثم يعترض الشك فيستدرك بالاسم الآخر، ألا ترى أنك تقول: قام أخوك، وتسكت، ثم تشك فتقول: أو أبوك، وإذا ذكرت (إمّا) فإنما تبني كلامك على الشك من أوله فليس يجوز أن تقول: ضربت إما [[في (ب): (أبا)، وهو تحريف.]] عبد الله وتسكت [[ما تقدم هو قول الفراء في "معانيه" 1/ 389، وانظر: "الكتاب" 1/ 95 و142، و3/ 332، و4/ 235، و"حروف المعاني" ص 63 - 64، و"معاني الحروف" 129 - 131، و"الصاحبي" ص206، و"المغني" لابن هشام 1/ 55، 61.]]، وأما [[في (ب): (في أما).]] دخول (أن) في قوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ [الأعراف:115] وسقوطها من قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 106]، قال الفراء: (أدخل ﴿أَنْ﴾ في ﴿إِمَّا﴾ في هذه الآية لأنه في موضع أمر بالاختيار وهي في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا. كأنهم قالوا: اختر أن تُلقي أو نلقي، وقوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ ليس [[لفظ: (ليس) ساقط من (ب)، قال الهمداني في "الفريد" 2/ 341: (دخلت أن في آية الأعراف لأنه أمر كأنه قيل: اختر إما أن تلقي أنت وإما نحن، والأمر مستقبل و (أن) عَلَم للاستقبال فدخلت لتحقيق هذا المعنى، ولم تدخل في آية التوبة لأنه خبر والخبر لم يحتج إلى أن) اهـ. ملخصًا.]] فيه أمر بالتخيير؛ ألا ترى أن الأمر لا يصلح هاهنا فلذلك لم يكن فيه أن) [["معاني الفراء" 1/ 389، وقال السمين في "الدر" 5/ 415 - 416: (إنما أتى هنا بأن المصدرية بخلاف آية التوبة؛ لأن أن وما بعدها هنا إما مفعول وإما مبتدًا والمفعول به والمبتدأ لا يكونان فعلاً صريحًا بل لا بد أن ينضم إليه حرف مصدري يجعله في تأويل اسم وأما آية التوبة فالفعل بعد إما، إما خبر ثان لآخرون وإما صفة له، والخبر والصفة يقعان جملة فعلية من غير حرف مصدري) اهـ.]]. وأما التفسير فقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾، فقال ابن عباس: (يريد: عصاه، ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أي: ما معنا من الحبال والعصي) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1535 بسند جيد.]]، فمفعول الإلقاء محذوف من الموضعين جميعاً [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 631، وقال السمين في "الدر" 5/ 416: (حذف مفعول الإلقاء للعلم به والتقدير: إما أن تلقي حبالك وعصيك لأنهم كانوا يعتقدون أن يفعل كفعلهم، أو نلقي حبالنا وعصينا) اهـ.]].

الأعراف 7:116

قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا﴾، يقال على هذا: لم جاز أن يأمرهم موسى بالإلقاء، وهو كفر منهم؟ والجواب: إن معناه: ألقوا إن كنتم محقين، وألقوا على ما يصح، ويجوز دون ما يفسد [[في (أ): (ما يفسده)، وهو تحريف.]] ولا يجوز [[وقيل: إن هذا تهديد أي: ابتدئوا بالإلقاء فسترون ما يحل بكم من الافتضاح، وقيل: أمرهم بذلك ليبين كذبهم وتمويههم، انظر: "تفسير الرازي" 14/ 203، والقرطبي 7/ 259.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾، يعني: تلك العصي والحبال، وهي مذكررة في قوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ [طه: 66] في سورة طه. وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: حيث رأوها حيات) [[لم أقف عليه]]، قال العلماء من أصحاب المعاني [[لفظ: (المعاني) ساقط من (ب).]]: (﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ أي: قلبوها عن صحة إدراكها بما تخيل من الأمور المموهة بلطف الحيلة التي تجري مجرى الخفّة والشعبذة مما لا يرجع إلى حقيقة، والمُحدث في العين ذلك التخيل هو الله عز وجل عندما أظهروا من تلك المخاريق، إلا أنه منسوب إليهم لأنهم عرضوها بما لو لم يعملوه لم يقع، كمن جعل طفلاً تحت الثلج فهو القاتل له في الحكم، والله خلق الموت فيه وأماته) [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 203، وفيه قال: (قال الواحدي: بل المراد ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ أي: قلبوها عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾. قال المبرد: (أرهبوهم، والسين زائدة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 218، والرازي 14/ 203، والسمين في "الدر" 5/ 416.]]. وكذلك قال المؤرج: (أفزعوهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 218.]]. وقال الزجاج: (أي استدعوا رهبة الناس حتى رهبهم الناس) [["معاني الزجاج" 2/ 366، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 63، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 225، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 179.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. قال أهل التفسير: (وذلك أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، فإذا هي حيات قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 20، وأخرج عن السدي وابن إسحاق والقاسم بن أبي بزة بسند جيد نحوه. وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 560.]]. قال أهل المعاني: (قوله: ﴿بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، أي: عظيم الشأن عند من يراه من الناس بما يملأ الصدر بهوله ويوفي على غيره من السحر ببعد مرام الحيلة فيه وشدة التمويه به فهو لذلك عظيم).

الأعراف 7:117

قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: وألهمنا موسى ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 204، عن الواحدي عن ابن عباس.]]، ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ أي: فألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾، وقرأ حفص [[قرأ حفص عن عاصم: ﴿تَلْقَفُ﴾ بإسكان اللام وتخفيف القاف، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد القاف. انظر: "السبعة" ص 290، و"المبسوط" ص 148، و"التذكرة" 2/ 423، و"التيسير" ص 112، و"النشر" 2/ 271، وانظر في توجيه القراءات: "معاني القراءات" 1/ 418، و"إعراب القراءات" 1/ 200، و"الحجة" لابن زنجلة ص 292، و"الكشف" 1/ 473.]]: ﴿تَلْقَفُ﴾ مخففاً. قال ابن السكيت: (اللقف [[انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 966، و"الصحاح" 4/ 1428، و"المجمل" 3/ 812، و"المفردات" ص 744، و"اللسان" 7/ 4062 (لقف).]] مصدر لقفْت الشيء ألقفه لقفًا إذا أخذته فأكلته أو ابتلعته، ورجل ثقف لقف سريع الأخذ) [["تهذيب اللغة" 4/ 3288، وفيه: (ويقال: رجل ثقف لقف إذا كان ضابطًا لما يحويه قائمًا به) اهـ. وانظر: "إصلاح المنطق" ص 64.]]. وقال اللحياني: (ومثله ثقْف لَقْفُ، وثَقِف [[في (أ): (وثقف ولقف)، وهو تحريف.]] لقف، وثقيف لقيف بين الثقافة واللقافة) [[في "تهذيب اللغة" 1/ 489: (روى أبو عبيد عن الأحمر، إنه لثَقْف لقْف، وثَقِف لَقِف، وثقيف لقيف بين الثقافة واللقافة) اهـ. وذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 204، عن اللحياني.]]. قال الفراء: (لقِفت الشيء ألقفه لقفاً ولقفاناً). قال: (وهو في التفسير يبتلع) [["معاني الفراء" 1/ 390، و"تهذيب اللغة" 7/ 4062.]]. وقال الليث: (لقفني تلقيفاً فلقفته والتقفته وتلقفته) [["تهذيب اللغة" 7/ 4062 وفيه: (لقَّفَني تلقِيفًا فلقفْتُه والتَقفْتُه) اهـ، وفي "العين" 5/ 164: (لقفني تلقيفًا فلقفته وتلَقَّفْتُه والتَقَفْتُه أعم) اهـ.]]. وقال أبو عبيدة: (تلقف وتلقم واحد) [["الحجة" لأبي علي 4/ 66، وفي "مجاز القرآن" 1/ 225: (أي: تلهم ما يسحرون ويكذبون. أي: تلقمه) اهـ.]] وأنشد: أنت عَصَا موسى التي لم تَزَلْ ... تلقف ما يأْفِكُه السَّاحرُ [[لم أقف على قائله وهو في "معاني الزجاج" 2/ 366، و"تفسير الماوردي" 2/ 246، والقرطبي 7/ 260، و"الدر المصون" 5/ 417.]] قال ابن عباس في قوله: ﴿تَلْقَفُ﴾ (يريد: تبتلع) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1536 بسند جيد.]]. قال المفسرون: (لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 21. وقد أخرج عن قتادة والسدي وابن إسحاق، والقاسم بن أبي بزة، وابن عباس نحوه.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾. معنى الإفك في اللغة: قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذب: إفك؛ لأنه مقلوب عن وجهه [[انظر: "العين" 5/ 416، و"تهذيب اللغة" 1/ 174، و"الصحاح" 4/ 1572، و"المجمل" 1/ 99، و"مقاييس اللغة" 1/ 118، و"المفردات" ص 79، و"اللسان" 1/ 97 (إفك).]]. قال ابن عباس: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ [[لفظ: (ما) ساقط من (ب).]] (يريد: يكذبون) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 204.]]. وقال الزجاج: (معنى ﴿يَأْفِكُونَ﴾: يأتون بالإفك [[في (ب): (يأتون في الأفك).]]: وهو الكذب، وذلك أنهم زعموا أن عصيهم وحبالهم حيات، وكذبوا في ذلك، إنما جعلوا فيها الزئبق وصوروها يصور الحيات، فاضطرب الزئبق لأنه لا يستقر. قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 366.]] [طه: 66].

الأعراف 7:118

قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾. قال مجاهد: (ظهر) [["تفسير مجاهد" 1/ 242، وأخرجه الطبري 9/ 22 من عدة طرق جيدة.]]، وهو قول الحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 246، والواحدي في "الوسيط" 1/ 219، والبغوي 3/ 265، والرازي 14/ 205، عن مجاهد والحسن.]] وغيره [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1536 بسند جيد عن ابن عباس.]]، وقال الفراء: (فتبين الحق من السحر) [["معاني الفراء" 1/ 391.]]. قال أهل المعاني: (الوقوع: ظهور الشيء بوجوده نارلاً إلى مستقره) [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 205.]]. قال المفسرون: (وذلك أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا وعادت إلى حالها الأولى ولم تُفقد، فلما فُقدت علموا أن ذلك أمر من أمر الله تعالى، فذلك قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [[هذا قول الفراء في "معانيه" 1/ 391.]]. ﴿مَا﴾ يجوز أن يكون بمعنى (الذي)، فيكون المعنى: بطل الحبال والعصي الذي عملوا به السحر، أي: زال وذهب بفقدانها، ويجوز أن يكون بمعنى المصدر كأنه قيل: بطل عملهم [[انظر: "الفريد" 2/ 342، و"الدر" للسمين 5/ 417، ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 14/ 205.]].

الأعراف 7:119

قوله تعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: فرعون وملأه وجيشه) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1536 بسند جيد.]]، ومعنى ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: عند ذلك المجمع، وهو ظرف مبهم، و (هنا) و (هناك) و (هنالك) كقولك: (ذا) و (ذاك) و (ذلك) [[انظر: "الكتاب" 2/ 78، وقال السمين في "الدر" 5/ 418: (هنالك يجوز أن يكون مكانًا أي: غلبوا في المكان الذي وقع فيه سحرهم، وهذا هو الظاهر. قيل: ويجوز أن يكون زمانًا، وهذا ليس أصله، وقد أثبت له بعضهم هذا المعنى ..) اهـ. ملخصًا.]]، ودخلت اللام في (هنالك) للدلالة على بعد المكان المشار إليه، كما دخلت في (ذلك) لبعد المشار إليه، فـ (هناك) لما بعد قليلاً، و (هنالك) لما كان أشد بعداً، والكاف للمخاطبة. وقوله تعالى: ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾، أي: انصرفوا ذليلين، والصاغر: الذليل من الصغر والصَغار، وقد ذكرنا ذلك [[سورة الأنعام، الآية: 124.]].

الأعراف 7:120

قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: خروا لله عابدين سامعين مطيعين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 219.]]. وقال مقاتل: (ألقاهم الله ساجدين) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 6 ب، والبغوي 3/ 266، وفي "تفسير مقاتل" 2/ 54: قال: (﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ لله) اهـ.]]. وقال الأخفش: (من سرعة ما سجدوا كأنهم أُلقوا؛ لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين، وكأن ملقياً ألقاهم) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 561، والثعلبي 6/ 6 ب، والبغوي 3/ 266، ولم أقف عليه في "معانيه".]]. وقال غيره [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 9/ 22، وانظر: "تفسير الماوردي" 2/ 246.]]: (ألقاهم ما رأوا من عظيم آيات الله عز وجل؛ بأن دعاهم إلى السجود له).

الأعراف 7:121

قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قيل في التفسير: (إن موسى قال للسحرة: أتؤمنون بي إن غلبتكم؟ فقالوا: لنأتين اليوم بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتنا لنؤمنن بك، فلما غلبهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 22، عن ابن عباس، وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله ﷺ.]].

الأعراف 7:122

قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. إنما خصهما بالذكر بعد دخولهما في جملة العالمين؛ لأن فيه معنى الذي دعى إلى الإيمان به موسى وهارون، وقيل: خصهما بالذكر تفضيلاً وتشريفاً كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]. وقيل في التفسير: (إنهم لما ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال لهم فرعون: إياي يعنون. قالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 561، والثعلبي 6/ 6 ب، والبغوي 3/ 266.]].

الأعراف 7:123

قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾. قال الكلبي: (يقول: صدقتم بموسى من قبل أمري إياكم) [["تنوير المقباس" 2/ 118، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 45، وذكره عن مقاتل الثعلبي 6/ 7 أ، والبغوي 3/ 266.]]. ونحو ذلك قال الفراء [["معاني الفراء" 1/ 391.]]. وفي: ﴿آمَنْتُمْ﴾ ثلاثة أوجه من القراءة [[قرأ حفص عن عاصم: ﴿آمَنْتُمْ﴾ بهمزة واحدة غير ممدودة على لفظ الخبر، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿أءامنتم﴾ بهمزتين، وقرأ الباقون: ﴿ءَآمَنْتُمْ﴾ بهمزة واحدة ممدودة. انظر: "السبعة" ص290، و"المبسوط" ص 184، و"التذكرة" 2/ 423، و"التيسير" ص 112، و"النشر" 1/ 368.]]: إحداها: تحقيق الهمزتين وهو مذهب أهل الكوفة، وأصل ﴿آمَنْتُمْ﴾ أآمنتم على (أفعلتم) إحدى الهمزتين للإفعال، والثانية ألفان فخففت الثانية فدخلت هاهنا همزة الاستفهام واجتمعت مع همزة أفعل فحققهما الكوفيون، وقرأ أبو عمرو ونافع بهمزة بعدها ألف ممدودة تكون في التقدير ألفين، فالهمزة همزة الاستفهام، والألفان الأولى منهما الهمزة التي هي في [[لفظ: (في) ساقط من (ب).]] أفعلتم خففت، والثانية [[في: (أ): (والثالثة)، وهو تحريف.]] المنقلبة عن فاء الفعل. وقرأ حفص ﴿أامنتم﴾ بلفظ الخبر من غير مد، ووجه [[في (ب): (ولفظ الخبر).]] الخبر أنه يخبرهم بإيمانهم على وجه التقريع لهم [[لفظ: (لهم) ساقط من (ب).]]، والإنكار عليهم، وكذلك أيضاً وجه الاستفهام يوبخهم به وينكره عليهم [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 68 - 71. وانظر: "معاني القراءات" 1/ 419، و"إعراب القراءات" 1/ 201، و"الحجة" لابن خالويه ص 161، ولابن زنجلة ص 293، و"الكشف" 1/ 473.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾. قال الكلبي: (لصنيع صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 219، وابن الجوزي 3/ 243.]]، أي: أنكم تواطأتم على هذا الأمر لتستولوا على مصر فتخرجوا منها أهلها وتتغلبوا عليها بسحركم. وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد تهدداً [[في (ب): (يريد تهديدًا).]] منه للذين آمنوا بالله) [[لم أقف عليه.]]. قال أهل المعاني: (معنى التهديد في هذا اللفظ: أن فيه معنى أقدمتم بالجهل على سبب الشر، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما [[في (ب): (من).]] يظهر لكم مما [[في (ب): (ما).]] يؤدي إليه إقدامكم على ما فعلتم، وهذا أبلغ من الإفصاح به) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 23.]].

الأعراف 7:124

قوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. استعمل لفظ التقطيع هاهنا لمكان الأيدي وهي جمع. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. قال عبد العزيز بن يحيى: (على مخالفة، وهو أن يقطع من كل شق طرف كاليد اليمنى مع الرجل اليسرى) [[لم أقف عليه.]]. قال سعيد بن جبير: (وفرعون أول من فعل ذلك) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1537 بسند جيد، وذكره الثعلبي 7/ 6 أ، وأخرجه الطبري 9/ 23 بسند لا بأس به عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.]].

الأعراف 7:125

قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. هذا جواب السحرة لفرعون لما توعدهم بالقطع والصلب. قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد: راجعون إلى ربنا بالتوحيد والإخلاص) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 220.]]. وقال غيره [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 24، والسمرقندي 1/ 561.]]: (راجعون إلى ثواب ربنا وجنته، ولكنه فخم بالإضافة إلى لله، وهذا يدل على أنهم صبروا على وعيده بما توقعوا من الله تعالى من عظيم الثواب).

الأعراف 7:126

قوله [[في: (ب) (وقوله).]] تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾. يقال: نقمتُ أنقِم إذا بالغت في كراهية الشيء، وقد مرّ عند قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ [المائدة: 59]. قال [[في: (ب) (وقال).]] عطاء عن ابن عباس: (يريد: ما لنا عندك من ذنب ولا ركبنا منك مكروهاً تعذبنا عليه ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾ [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 220، والرازي 14/ 209، وذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 7 أ، والبغوي 3/ 266 من قول عطاء فقط.]]. وقال الضحاك: وما تطعن علينا [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 7 أ، والبغوي 3/ 266.]] ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾، أي. إلا إيماننا ﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يعنون: ما أتى به موسى من الآيات في العصا واليد، آمنوا بها أنها من عند الله لا يقدر على مثلها إلا الله تعالى [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 24، والسمرقندي 1/ 561.]]. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، معنى الإفراغ في اللغة: الصّب، يقال: درهم مُفْرَغ إذا كان مصبوباً في قالب ليس بمضروب، وأصله من إفراغ الإناء؛ وهو صب ما فيه أجمع حتى يخلو الإناء، وهو من الفراغ، فاستعمل في الصب على التشبيه بحال إفراغ الإناء [[انظر: "العين" 4/ 408، و"تهذيب اللغة" 3/ 2777، و"الصحاح" 4/ 1324، و"مقاييس اللغة" 4/ 493، و"المفردات" ص 632، و"اللسان" 6/ 3396 (فرغ).]]. قال مجاهد: (اصبب علينا الصبر عند الصلب والقطع حتى لا نرجع كفاراً) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 220، وابن الجوزي 3/ 243، والرازي 4/ 209.]]. وقال الزجاج: (أي: أنزل علينا صبراً يشتمل علينا) [["معاني الزجاج" 2/ 367، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 64.]]، وإنما ذكر لفظ الاشتمال لمعنى [[في (ب): (بمعنى).]] الإفراغ وهو أنك إذا صببت شيئاً على شيء شمله وعمّه. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. قال مجاهد: (مخلصين بالعبادة) [[لم أقف عليه.]] وقال ابن كيسان: (أي: على دين موسى) [[لم أقف عليه.]].

الأعراف 7:127

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. هذا إغراء من الملأ وتحريض لفرعون على موسى، وإنكار أن يتركه مقيماً على مخالفته. قال سعيد بن جبير: (كان فرعون قد ملئ رعباً من موسى، وكان إذا رآه بال كما يبول الحمار، ولم يعلم قوم فرعون ذلك الرعب من فرعون، فأنكروا عليه خلاف عادة الملوك في السطوة لمن خالف عليهم، وشقِّ العصّا ولم يعلموا أنه غير قادر على قهره) [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: يعبدوا الله ويوحدوه) [["تنوير المقباس" 2/ 119.]]. وقال غيره: (أراد بالإفساد في الأرض دعاؤهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته وتجهيلهم إياه) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 24، 25، والسمرقندي 1/ 562، والماوردي 2/ 248.]]، وهذا راجع إلى ما قاله ابن عباس؛ لأن عبادة الله وتوحيده تتضمن مخالفة فرعون وتجهيله. وقوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ﴾. قال ابن الأنباري: (إنه ينتصب على الصرف [[واو الصرف: هي واو المعية عند الكوفين. انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" ص 125.]] عن الأول، يراد به ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وقد ترك أن يطيعك وأن يعبد ألهتك). وهذا قول الفراء [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 391، وهو قول الطبري في "تفسيره" 9/ 25.]]، واحتج على هذا بقراءة أبيّ: (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوا أن يعبدوك) [[ذكر القراءة أيضًا عن أبي: أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 127، والطبري في "تفسيره" 9/ 25، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 632، وابن عطية 6/ 42، والقرطبي 7/ 262، وأبو حيان في "البحر" 4/ 367، وجاء عند الجميع إلا النحاس: (وقد تركوك أن يعبدوك).]]. قال أبو بكر: (وقال بعض النحويين: الواو نائبة عن الفاء، والتقدير: فيذرك وآلهتك) [[انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 663، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 221، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 419 - 420.]]، وهذا قول أبي إسحاق، قال: (نصب ﴿وَيَذَرَكَ﴾ على جواب الاستفهام بالواو، والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك موسى) [["معاني الزجاج" 2/ 367، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 632.]]. قال أبو بكر: (وحمله بعض الناس على إعراب (يُفسدوا)، وفي هذا بُعدٌ؛ لأن توحيده مع جمع (يفسدوا) يدل على انقطاعه منه) [[قال ابن الأنباري في "الإيضاح" 2/ 663: (قال اليزيدي: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ منصوب على معنى: ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وليذرك وآلهتك) اهـ. وقال السمين في "الدر" 5/ 423: (في النصب وجهان: أظهرهما أنه على العطف على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾، والثاني: النصب على جواب الاستفهام) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾. قال أبو بكر: (كان ابن عباس ينكر قراءة العامة ويقرأ: (وإلاهتك) أي: عبادتك، ويقول: [[أخرج الطبري 9/ 25، 26، وابن أبي حاتم 5/ 1538 من طرق جيدة عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ بكسر الألف، وقال: (إنما كان فرعون يُعْبدَ ولا يَعْبُد) == اهـ وأخرج أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 172، القراءة بسند جيد، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 200.]] إن فرعون كان يُعبد ولا يَعبد) [[ذكره عن ابن الأنباري السمين في "الدر" 5/ 424، وانظر: "تفسير الرازي" 14/ 211.]]، وبه قرأ الضحاك وابن مسعود والشعبي وابن أبي إسحاق [[ذكرها الثعلبي في "الكشف" 6/ 7 ب، 6/ 8 أعن ابن مسعود وابن عباس وابن أبي إسحاق والضحاك والشعبي، وذكرها البغوي 3/ 267، و"الخازن" 2/ 273، عن ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك وذكرها عن ابن مسعود وابن عباس أكثرهم. انظر: "مختصر الشواذ" ص 55، و"المحتسب" 1/ 256، وابن عطية 6/ 43، وابن الجوزي 3/ 244، و"البحر" 4/ 367 وهي قراءة مجاهد كما أخرجه الطبري 9/ 26 بسند جيد.]]. قال الزجاج: (والمعنى: ويذرك وربوبيتك فـ (إلاهتك) بمنزلة ربوبيتك) [[لم أقف عليه في "معانيه"، وذكره عن الزجاج ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 244.]]. وقرأ العامة ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ على جمع إله مثل إزار وآزرة، وقد مرّ مستقصًى شرحه في أول الكتاب [[انظر: "البسيط" تفسير البسملة من الفاتحة.]]، وعلى هذه القراءة فقد روي عن ابن عباس أنه قال: (كان فرعون صنع لقومه أصناماً صغاراً، وأمرهم بعبادتها، وقال: أنا ربكم ورب هذه الأصنام، فذلك قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 7 ب، وابن الجوزي 3/ 244، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 221 من رواية الكلبي عن ابن عباس.]] [النازعات: 24]، ونحو ذلك قال الزجاج، فقال: (إن فرعون كان له أصنام يعبدها قومه تقرباً إليه) [["معاني الزجاج" 2/ 367.]]. وقال الحسن: (كان فرعون يعبد الأصنام) [[أخرجه الطبري 9/ 25، وابن أبي حاتم 5/ 1538 من عدة طرق جيدة، وذكره الثعلبي 6/ 7 ب، والماوردي 2/ 248، والبغوي 3/ 267.]]، فعلى هذا كان يَعبد ويُعبد. وقال السدي: (كان يعبد ما يستحسن من البقر، وكانوا إذا رأوا بقرة حسناء، أمر قومه أن يعبدوها، وعلى ذلك أخرج السامري عجلاً) [[أخرجه الطبري 9/ 25 بسند جيد.]]، ونحو هذا روي عن سليمان التيمي [[أخرج ابن أبي حاتم 5/ 1538 بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 65.]]. وقوله تعالى: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (كان فرعون قد ترك قتل أبناء بني إسرائيل، فلما أتاه موسى بالرسالة -وكان من أمره ما كان- أمر بإعادة القتل عليهم، فذلك قوله: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 8 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 221، والبغوي 3/ 267.]]. قال أهل المعاني: (إنما دعي فرعون إلى قتل موسى، لكنه لم يطمع في ذلك لما رأى من قوة أمره وعلوّ شأنه، فعدل عن ذلك إلى إضعاف بني إسرائيل بقتل أبنائهم واستحياء نساءهم للمهنة والخدمة) [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 248، والرازي 14/ 211، 212.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: وإنا على ذلك قادرون) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 221.]].

الأعراف 7:128

قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾، وهم الذين اتبعوه وآمنوا به. قال ابن عباس: (لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل)، ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ (وذلك أنهم شكوا إلى موسى إعادة قتل أبنائهم، فقال موسى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ على ما يفعل بكم). قاله ابن عباس [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 8 أ، والبغوي 3/ 267 - 268، وأخرج الطبري 9/ 27 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. هذا إطماع من موسى قومه في أن يورثهم الله أرض فرعون وقومه، أي: يعطيهم بعد إهلاكهم، وذلك معنى الإرث، وهو جعل الشيء للخلف بعد السلف. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن عباس: (أي: الجنة لمن اتقى الله في الآخرة) [["تنوير المقباس" 2/ 119، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 221.]]. وقال غيره: (العاقبة [[في: (ب) (وقال غيره معنى العاقبة)، وهو تحريف.]] هاهنا النصر والظفر) [[هذا قول الثعلبي في "الكشف" 6/ 8 أ، والبغوي 3/ 267، وانظر: "الماوردي" 2/ 249، والظاهر من الآية مجموع الأمرين النصر والظفر والجنة.]]، ومعنى العاقبة: ما تؤدي إليه البادئة [[في: (ب) (التادية).]] من خير أو شر، إلا أنه إذا قيل: العاقبة له فهو في الخير [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2504، و"اللسان" 5/ 3022 (عقب)، وقال الراغب في "المفردات" ص 575: (العاقبة إطلاقها يختص بالثواب وبالإضافة قد تستعمل في العُقوبة) اهـ.]].

الأعراف 7:129

قوله تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا﴾. قال ابن عباس: (أي: بالقتل الأول، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالة، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بإعادة القتل عليهم والإتعاب في العمل). ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ﴾، قال [[لفظ: (قال) ساقط من (ب).]]: (وعسى من الله واجب) [["تنوير المقباس" 2/ 120، وأخرج البيهقي في "سننه" 9/ 13 بسند جيد عنه قال: (كل عسى في القرآن فهي واجبة) اهـ. وذكره السيوطي في "الإتقان" 2/ 241.]]، قال سيبويه: (عسى [[في (ب): (وعسى).]] طمع وإشفاق) [["الكتاب" 4/ 233.]]. قال الزجاج: (وما طمع الله عز وجل فيه فهو واجب، وهو معنى قول المفسرين: عسى من الله واجب) [["معاني الزجاج" 2/ 367، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 225.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾، يعني: فرعون وقومه. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: (يملككم ما كان يملك فرعون) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 222 بلا نسبة، ونقل ابن الجوزي 3/ 246 عن ابن عباس أنه قال: (أرض مصر) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. قال أبو إسحاق: (أي: يرى ذلك بوقوع ذلك منكم؛ لأن الله لا [[لفظ: (لا) ساقط من (ب).]] يجازيهم على ما يعلمه منهم، إنما يجازيهم على ما يقع منهم) [["معاني الزجاج" 2/ 367.]]، وهذه الآية تسلية من موسى لقومه بما وعدهم عن ربه من إهلاك فرعون وقومه وجعلهم بدلاً منهم ليعملوا بطاعته، ثم حقق الله ذلك، فغرق فرعون وقومه واستخلفهم في ديارهم وأموالهم.

الأعراف 7:130

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية. السنين: جمع السنة [[انظر: "العين" 4/ 8، و"الجمهرة" 1/ 135، و"تهذيب اللغة" 2/ 1782، و"الصحاح" 6/ 2235، و"المجمل" 2/ 474، و"مقاييس اللغة" 3/ 103، و"المفردات" ص 429، و"اللسان" 4/ 2127 (سنة).]]، وقد ذكرنا [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 156 أ.]] كيف كانت السنة في الأصل والاختلاف فيها عند قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259]. قال أبو علي الفارسي: (السنة على معنيين؛ أحدهما: يراد بها الحول والعام، والآخر: يراد بها الجدب، وهو [[لفظ: (هو) ساقط من (ب).]] خلاف الخصب، فمما أريد به الجدب هذه [[في (ب): (في هذه الآية).]] الآية، وقوله ﷺ: "اللهم سنين كسني يوسف" [[الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب الاستسقاء، باب دعاء النبي ﷺ رقم (1006)، ومسلم رقم (675) عن أبي هريرة رضي الله عنه، كتاب المساجد، باب: استحباب القنوت، وأخرجه البخاري برقم (4821) كتاب التفسير، باب: يغشى الناس في تفسير سورة الدخان، ومسلم رقم (2798) كتاب صفة الجنة والنار، باب: الدخان، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، وقول عمر -رضي الله عنه-: (إنا لا نقطع في عام السنة) [[الأثر أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 10/ 242، وابن أبي شيبة 5/ 516 (28577) بسند ضعيف عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لا يقطع في عذق، ولا في عام السنة) اهـ، وأورده الحافظ في "تلخيص الحبير" 4/ 70 وقال: (أخرجه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في "جامعه" عن أحمد بن حنبل وقال: سألت أحمد عنه فقال: العذق النخلة وعام سنة عام المجاعة، فقلت لأحمد تقول به؟ قال: إي لعمري) اهـ، وذكره الألباني في "إرواء الغليل" 8/ 80 وقال: (ضعيف أخرجه ابن أبي شيبة) اهـ.]]. أي: في عام الجدب. وقول حاتم [["ديوانه" ص62، و"البحر المحيط" 4/ 369، و"الدر المصون" 5/ 427، وفي الديوان (وما) بدل (ولا).]]: فإنَّا نُهِينُ المالُ منْ غَيْرِ ظنَّهٍ ... ولا يَشْتَكِينا في السنينَ ضَرِيرُها أي: لا يشتكينا الفقر في المحل لأنا نسعفه ونكفيه، ولما كانت السنة يعني بها الجدب اشتقوا منها كما يشتق من الجدب فقيل: أسنتوا كما يقال: أجدبوا) [["الحجة" لأبي علي 2/ 369 - 372.]]. قال الشاعر [[الشاهد لعبد الله بن الزِّبَعْرَى في "ديوانه" ص 53، و"الصحاح" 5/ 2058 (هشم)، والقرطبي 7/ 264، و"اللسان" 4/ 2111 (سنن)، ولمطرود بن كعب الخزاعي في "الاشتقاق" ص 13، و"تهذيب اللغة" 4/ 3764 (هشم) ولبنت هاشم بن عبد مناف في "العين" 3/ 405، و"المبهج" لابن جني ص 60، و"اللسان" 8/ 4668 (هشم) وبلا نسبة في "النوادر" لأبي زيد ص 167، و"الكامل" للمبرد 1/ 209، و"المقتضب" 2/ 311، 315، و"سر صناعة الإعراب" 535، والرازي 14/ 214، و"البحر" 4/ 369، و"الدر المصون" 5/ 427، وصدره: عَمْرُو العُلاَ هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ وعمرو هو ابن هاشم جد النبي ﷺ سمي هاشمًا؛ لأنه هشم الخبز فجعله ثريدًا، ومسنتون: أي أصابتهم سنة وقحط وعجاف: هزل وضعف. انظر: "حاشية ديوان عبد الله بن الزبعرى" ص 52 - 54.]]: وَرِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ وقالوا في جمع السنة: سنون وسنين، وإنما جمعت هذا الجمع للنقصان الذي لحقها، وقد مرّ بيان هذا في هذا الكتاب [[انظر: "البسيط" النسخة الآزهرية 1/ 73 أو 156 أ]]. قال أبو زيد: (وبعض العرب يقول: هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون) [["تهذيب اللغة" 2/ 1782 وزاد: (وبعضهم يجعلها نون الجمع فيقول: هذه سنون،== ورأيت سنين، وهذا هو الأصل لأن النون نون الجمع والسنة سنة القحط) اهـ.]]. ونحو ذلك قال الفراء [["معاني الفراء" 2/ 92 وفيه: (وهي لغة كثيرة في أسد وتميم وعامر وأنشدني بعض بني عامر) ثم ذكر الشاهد.]]؛ فمن ذلك قول الشاعر [[الشاهد للصمة بن عبد الله القشيري في "ديوانه" ص 60 وبلا نسبة في "مجالس ثعلب" ص 147، 266، و"الحجة" لأبي علي 2/ 374، و"التكملة" لأبي علي ص 503، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 261، والرازي 14/ 214، و"اللسان" 7/ 4346 (نجد)، و"الدر المصون" 5/ 426، والشاهد: (فإن سنينه) حيث نصب سنين بالفتحة ولم يعاملها معاملة المذكر السالم في نصبها بالياء انظر: "الخزانة" 8/ 58.]]: دَعَاني مِنْ نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ... لَعِبْنَ بِنَا شِيبًا وَشَيَّبْننَا مُرْدًا وقال أبو إسحاق: (السنين في كلام العرب: الجدوب، يقال: مستهم السنة، [ومعناه: جدب السنة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وشدة السنة) [["معاني الزجاج" 2/ 368 وفيه: (وشدة السنة ونقص الثمرات) اهـ.]]. قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾، (يريد: بالجوع) [["تنوير المقباس" 2/ 120 وفيه: (بالقحط والجوع عامًا بعد عام) اهـ.]]. وقال الفراء: (﴿بِالسِّنِينَ﴾ بالقحط والجدوبة عاماً بعد عام) [["معاني الفراء" 1/ 392.]]. قال ابن عباس [[لم أقف عليه.]] وقتادة [[أخرجه الطبري 9/ 29، وابن أبي حاتم 5/ 1542 بسند جيد.]] والمفسرون [[انظر: "الكشف" للثعلبي 6/ 9 أ، والبغوي 3/ 268 والرازي 14/ 214.]]: (السنون لأهل البوادي، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ لأهل القرى). وقال الزجاج: (إنما [[في (ب): (وإنما).]] أخذوا بالضر لأن أحوال الشدة ترق القلب وترغب فيما عند الله وفي الرجوع، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 67]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 368.]] [فصلت: 51]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: كي تتعظوا) [[سبق تخريجه.]]. وقال أهل المعاني: (في العل) من الله تعالى أن معناه: أنه عاملهم معاملة الشاك إظهاراً للعدل بعد معرفته وعلمه أنَّهم يذّكرون أم لا. كما جاء الابتلاء والاختبار من الله تعالى للعبد على هذا التقدير) [[نقل هذا القول الرازي 14/ 215، عن الواحدي، وقال الطبري 9/ 28 في تفسير الآية: (يقول: عظة لهم وتذكيرًا لهم لينزجروا عن ضلالتهم ويفزعوا إلى ربهم بالتوبة) اهـ، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 67.]].

الأعراف 7:131

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 120، وذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 215.]] والمفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 29، وأخرج عن مجاهد وابن زيد من طرق جيدة نحوه، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 368، و"تفسير السمرقندي" 1/ 563، والثعلبي 6/ 9 أ، والماوردي 2/ 251.]]: (معنى ﴿الْحَسَنَةُ﴾ يريد بها: الغيث والخصب والثمار والمواشي والألبان والسعة في الرزق، والعافية والسلامة). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾. أي: أنَّا مستحقوه [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 179، و"تأويل مشكل القرآن" ص 391.]] على العادة التي جرت لنا من نعمنا وسعة أرزاقنا في بلادنا ، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروا عليه، ويقوموا بحق النعمة فيه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يريد: القحط والجدب والمرض والبلاء والضرّ، ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾، أي: يتشاءموا، وقالوا: إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه، والتطير: التشاؤم في قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 29، وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد. وانظر: "معاني النحاس" 3/ 568، و"تفسير السمرقندي" 1/ 563، والثعلبي 6/ 9 أ، والماوردي 2/ 251.]]. وقوله تعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ هو في الأصل يتطيروا، فأدغمت التاء في الطاءة لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 368.]]. وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (يريد شؤمهم عند الله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 223، والبغوي 3/ 269 بلفظ: (شؤمهم عند الله ومن قبل الله). وأخرج الطبري 9/ 30 بسند جيد عن ابن عباس قال: (يقول مصائبهم عند الله) اهـ. وفي رواية قال: (الأمر من قبل الله) اهـ، وذكره الثعلبي 6/ 9 أ، والبغوي 3/ 269 عنه أنه قال: (طائرهم ما قضى الله عليهم وقدر لهم) اهـ.]]، يريد من قبل الله، أي: إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله وجرأتهم [[في (ب): (وجرأتهم على الله عليه)، وهو تحريف.]] عليه. وقال الكلبي: (يقول إن الذي أصابهم هو من الله) [["تنوير المقباس" 2/ 120.]]، وهذا قول أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 29، 30، و"معاني الزجاج" 2/ 368 - 369، والنحاس 3/ 68، و"تفسير السمرقندي" 1/ 563، والماوردي 2/ 251.]] في الطائر أن معناه هاهنا: الشؤم، ومثل هذا قوله تعالى في قصة ثمود وتشاؤمهم بنبيهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: 47]. قال الفراء: (كما تشاءمت اليهود بالنبي ﷺ بالمدينة، فقالوا [[لفظ: (فقالوا) ساقط من (أ).]]: غلت أسعارنا، وقلت أمطارنا مُذْ أتانا) [["معاني الفراء" 1/ 392.]]. قال الأزهري: (وقيل للشؤم: طائر وطَيْر وطِيَرة؛ لأن العرب كان من شأنها عِيَافَةُ الطير وزجرها، والتَّطيُّر ببارحها، وبِنَعيق غربانها، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فَسَمَّوا الشؤم طَيْراً وطائِراً وطِيَرَة لتشاؤمهم بها. ثم أعلم الله تعالى على لسان رسوله أن طِيَرَتهم باطلة فقال: "لا طِيَرة ولا هام" [[حديث متفق عليه. أخرجه البخاري رقم (5770) كتاب الطب، باب: لا هامة، ومسلم رقم (2220) كتاب السلام، باب: لا عدوى ولا طيرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" اهـ. والهامة: طائر معروف. وقيل إن عظام الميت وروحه تنقلب هامة تطير، والصفر: داء يأخذ البطن. انظر: "صحيح مسلم بشرح النووي" 14/ 310.]]، وكان النبي ﷺ [[في (أ): (عليه السلام).]] يتفاءل ولا يَتَطَير [[أخرج البخاري رقم (5757) كتاب الطب، باب: الفأل. ومسلم رقم (2223 - 2224) كتاب السلام، باب: الطيرة والفال، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: == "لا طيرة وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم". وفي رواية لمسلم قال: "أحب الفأل الصالح" وأخرجا عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة" اهـ.]]، وأصل الفأل الكلمة الحسنة يَسمعُها عليل فيتأول فيها ما يدل على برئه، والطيرة مضادة للفأل، وكانت العرب مذهبها في الفأل والطِّيَرة واحد [[في (أ): (واحدًا).]]، فأثبت النبي ﷺ الفأل واستحسنه، وأبطل الطِّيَرة ونهى عنها) [["تهذيب اللغة" 3/ 2150 (طير).]]. وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: (أي: حظهم) [["مجاز القرآن" 1/ 226 وفيه: (مجازه إنما طائرهم وتزاد (ألا) للتنبيه والتوكيد، ومجاز طائرهم حظهم ونصيبهم) اهـ.]]، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: (طائرهم ما قُضِي عليهم وقُدر لهم) [[سبق تخريجه.]]. والعرب تقول: أطرت المال وَطيَّرته بين القوم فَطَار لكل [[في (ب): (فطار لكل واحد منهم سهمه).]] منهم سَهْمُه، أي: صار له [[النص من "تهذيب اللغة" 3/ 2150.]]. ومنه الحديث: "أطره خُمراً بين نسائك" [[أخرج مسلم في "صحيحه" رقم (2071) كتاب اللباس والزينة، باب: استعمال إناء الذهب والفضة، وأبو داود 4/ 322 رقم (4043)، والنسائي 8/ 197 - 198 كتاب الزينة، باب: ذكر الرخصة للنساء في لبس السيراء، وباب النهي عن لبس الإستبرق، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة سيراء فبعث بها إلى فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه فقال: "إني لم أبعثها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء". وفي رواية: (فأمرني == فأطرتها بين نسائي) اهـ. وحلة سيراء: أي: مضلعة بالحرير، وأطرتها: أي قسمتها بأن شققتها بينهن، أفاده الخطابي في "حاشية سنن أبي داود".]] أي: فرقة، وطائر كل واحد ما يطير له أي: يخصه، ومنه قول لبيد: تَطِيرُ عَدَائِدُ الأشْرَاكِ شَفْعاً ... وَوِتْراً والزَّعَامَةُ لِلْغُلَامِ [["ديوانه" ص 200، و"تهذيب اللغة" 3/ 2150، و"الدر المصون" 5/ 429، وتطير: أي تخرج، والعدائد: المال والميراث وقيل: الأنصباء. والأشراك: الشركاء، والزعامة: الرياسة والحظ من المغنم.]] الأشراك: الأنصباء واحدها شرك أي: قسم المال للذكر مثل حظ الأنثيين فطارت الأنصاب شفعاً ووتراً لمستحقيها، وخلصت الرئاسة للذكور من الأولاد [[هذا من "تهذيب اللغة" 3/ 2150.]]، وليس هذا من باب الشؤم والتطير في شي، وكلا القولين قد حكاه الزجاج؛ فقال في قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: (ألا إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا [[في النسخ: (إلى ما ينالهم في الدنيا)، وهو تحريف.]] ما ينالهم في الدنيا). [قال: (وقال بعضهم [[هذا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 226.]]: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ حظهم، والمعنى واحد) [["معاني الزجاج" 2/ 369.]]، فجعل تفسير قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ما وعدوا في الآخرة مما ينالهم في الدنيا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، يريد: أن جميع ما يصيبهم في الدنيا والآخرة هو من الله تعالى، وجعل معنى القولين في الطائر واحداً وإن اختلف الأصلان؛ لأن المعنى فيهما: ما يصيبهم من شرّ وضرّ. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال الكلبي [[لم أقف عليه.]]: (يعني: أهل مصر لا يعلمون أن الذي أصابهم من الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).]].

الأعراف 7:132

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: آل فرعون لموسى ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا﴾؛ اختلف النحويون [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 532، و"الأصول" لابن السراج 2/ 159 و220، و"حروف المعاني" للزجاجي ص 20، و"الصاحبي" ص 275، و"مغني اللبيب" 1/ 330.]] في أصل ﴿مَهْمَا﴾ على قولين: أحدهما: أن أصلها (ما ما) الأولى هي (ما) الجزاء، والثانية: هي التي [[لفظ: (التي) ساقط من (ب).]] تزاد توكيداً للجزاء، كما تزاد في سائر حروف الجزاء كقولهم: أمَّا ومتى وكيفما [[في النسخ: (كقولهم: أما، ومتى ما وكيفما). وأصل النص في "تهذيب اللغة" 4/ 3460 وفيه: (مثل إنما ومتى وكيفما).]]، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: 57] وهو كقولك: إن تثقفنهم، ثم أبدلوا من ألف (ما) الأولى هاء [[في (ب): (ما)، وهو تحريف.]] كراهة لتكرار اللفظ فصار (مهما)، هذا قول الخليل [[انظر: "الكتاب" 3/ 59 - 60، و"العين" 3/ 358.]] ومذهب البصريين. وقال الكسائي: (الأصل مه [[في (ب): (الأصل فيه التي بمعنى الكف)، وهو تحريف.]] التي بمعنى: الكف، أي: اكفف دخلت على (ما) التي للجزاء كأنهم قالوا: اكفف ما تأتنا به من آية) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 9 ب عن الكسائي، وقال سيبويه في "الكتاب" 3/ 60 بعد ذكر قول الخليل السابق: (وقد يجوز أن يكون مَهْ كإذ ضم إليها ما) اهـ.]]. قال الزجاج: (والتفسير الأول هو الكلام، وعليه استعمال الناس) [["معاني الزجاج" 2/ 369، ونحوه قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3460 قال: (والقول الأول أقيس) اهـ. وانظر: "البيان" 1/ 371، و"التبيان" ص 387.]]. وقال بعضهم: (هي كلمة على حيالها يجازى بها فيجزم ما بعدها على تقدير إن) [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 633، و"المشكل" 1/ 299، و"غرائب الكرماني" 1/ 419، و"الدر المصون" 5/ 431.]].

الأعراف 7:133

قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. اختلفت الرواية عن ابن عباس في تفسير ﴿الطُّوفَانَ﴾؛ فقال في رواية عطاء: (الموت [[في (ب): (هو الموت).]]) [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وإنما ذكره أكثرهم من قول عطاء بن أبي رباح، وقد أخرجه الطبري 13/ 51 من عدة طرق جيدة عن عطاء، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 69، والثعلبي في "تفسيره" 6/ 9 ب، والماوردي 2/ 251 عن عطاء.]] قال: (وكل طوفان في القرآن هو الغرق سوى هذا) [[لم أقف عليه.]]. وهو قول مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 244، وأخرجه الطبري 9/ 31 من عدة طرق جيدة.]]. وروي ذلك مرفوعاً، أخبرناه العروضي رحمه الله قراءة وسعيد بن العباس القرشي [[لفظ: (القرشي) ساقط من (ب).]] كتابة قالا: أبنا [[في (ب): (أخبرنا الأزهري أخبرنا المنذري).]] الأزهري، أبنا المنذري عن أبي بكر الخطابي [[لم أستطع معرفته بعد طول بحث.]] عن محمد بن يزيد [[محمد بن يزيد بن كثير العجلي أبو هشام الرفاعي الكوفي، قاضي المدائن، إمام، فقيه، مقرئ، محدث، صدوق، فيه لين. توفي سنة 248 هـ. انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 129، و"تاريخ بغداد" 3/ 375، و"سير أعلام النبلاء" 12/ 153، و"ميزان الاعتدال" 4/ 68، و"تهذيب التهذيب" 3/ 735.]]، عن يحيى بن يمان [[يحيى بن يمان العجلي أبو زكريا الكوفي، إمام، عابد، مقرئ، محدث، == صدوق، يخطئ، وتغير بآخر عمره. توفي سنة 189 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 14/ 120، و"سير أعلام النبلاء" 8/ 356، و"ميزان الاعتدال" 4/ 416، و"تهذيب التهذيب" 4/ 401.]] عن المنهال بن خليفة [[المنهال بن خليفة العجلي، أبو قدامة الكوفي، ضعيف، روى عن عطاء بن أبي رباح، وحجاج بن أرطأة وغيرهما، وروى عنه وكيع وعبد الله بن المبارك وغيرهما. انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 357، و"ميزان الاعتدال" 4/ 191، و"تهذيب التهذيب" 4/ 162، و"تقريب التهذيب" ص 547 (6917).]] عن الحجاج [[حجاج بن أرطأة بن ثور النخعي أبو أرطأة الكوفي، القاضي، إمام، فقيه، صدوق، كثير الخطأ والتدليس، توفي سنة 145 هـ. انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 153، و"تاريخ بغداد" 8/ 230، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 68، و"ميزان الاعتدال" 1/ 458، و"تهذيب التهذيب" 1/ 356.]] عن الحكم بن ميناء [[الحكم بن ميناء الأنصاري المدني من أولاد الصحابة، روى عن بلال وعائشة وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم، وهو إمام ثقة. انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 127، و"تهذيب التهذيب" 1/ 470، و"تقريب التهذيب" ص 176 (1463).]] عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "الطوفان الموت" [[هذا حديث ضعيف، أخرجه الطبري 9/ 31، 32، وابن أبي حاتم 5/ 1544، والأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2154، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 268، وقال: (هو حديث غريب)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 519 وزاد نسبته (إلى أبي الشيخ وابن مردويه). وضعفه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في "حاشية الطبري" لضعف المنهال بن خليفة العجلي.]]. وقال في رواية الضحاك [[قوله: وقال، أي: ابن عباس رضي الله عنهما وقد أخرجه الطبري 9/ 31، وابن أبي حاتم 5/ 1545 بسند ضعيف.]]: (الطوفان الغرق). وقال في رواية أبي ظبيان [[أبو ظبيان هو حصين بن جندب بن عمرو بن الحارث الجنبي الكوفي، إمام، تابعي، ثقه، فقيه، روى عن جرير بن عبد الله، وأسامة بن زيد، وابن عباس وغيرهم، توفي سنة 90 هـ. انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 224، و"الجرح والتعديل" 3/ 190، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 362، و"تهذيب التهذيب" 1/ 441.]]: (الطوفان أمر من أمر الله [طاف] [[لفظ: (طاف) ساقط من (أ).]] بهم) ثم قرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [[أخرجه الطبري 9/ 31، وابن أبي حاتم 5/ 1544 بسند لا بأس به.]] [القلم: 19]. وروي عنه أيضاً أنه قال: (الطوفان هو الماء؛ أرسل الله عليهم السماء) [[أخرجه الطبري 9/ 32، ص 61، وابن أبي حاتم 5/ 1545 من عدة طرق جيدة.]]، وهذا القول اختيار الفراء فقد قال: (أرسل الله عليهم [السماء] [[لفظ: (السماء) ساقط من (ب).]] سبتاً [[أي أسبوعًا من السبت إلى السبت.]] فلم تقلع ليلاً ولا نهاراً، فضاقت بهم الأرض من تهدم بيوتهم وشغلهم عن ضياعهم فسألوه أن يرفع عنهم فرفع فلم يتوبوا) [["معاني الفراء" 1/ 392.]]، وهذه الأقوال غير خارجة عن مذهب أهل اللغة [[انظر: "المنجد" لكراع ص 255، و"البارع" ص 682، و"الصحاح" 4/ 1397، و"المجمل" 2/ 589، و"مقاييس اللغة" 3/ 432، و"المفردات" ص 532، و"اللسان" 5/ 2723 (طوف).]]؛ فقال الليث [[النصر في "العين" 7/ 458.]]: (الطوفان الماء الذي يغشى كل مكان، وشبه العجاج ظلام الليل بذلك فسماه طوفاناً حيث يقول: وَعمَّ طُوفَانُ الظلامِ الأثأبَا [["ملحق ديوان العجاج" 2/ 268، و"المنجد" ص 255، و"البارع" ص 682، == و"تهذيب اللغة" 3/ 2154،و"الصحاح" 4/ 1397، و"المجمل" 2/ 589، و"مقاييس اللغة" 3/ 432، و"اللسان" 5/ 2724 (طوف)، و"الدر المصون" 5/ 433، وأوله: حتَّى إذا مَا يَوْمُهَا تَصَّبْصَبَا وفي "العين" قال: (الأثأب: شجر شبه الطرفاء إلا أنه أكبر منه) اهـ.]] وقال أبو إسحاق: (الطوفان من كل شيء ما كان كثيراً محيطاً مطيفاً بالجماعة كلها كالغرق الذي يشمل المدن الكثيرة، يقال له: طوفان، وكذلك القتل الذريع طوفان، والموت الجارف طوفان) [["معاني الزجاج" 4/ 164، و"تهذيب اللغة" 3/ 2154.]] انتهى كلامه. وهو فعلان [[وعليه يكون اسم جنس كقمح وقمحة وشعير وشعيرة، أفاده السمين في "الدر" 5/ 432.]] من الطواف [[في (ب): (من الطوف)، وهو تحريف.]]؛ لأنه يطوف حتى يعم، قاله الأخفش، قال: (وواحدته في القياس طوفانة) [["معاني الأخفش" 2/ 308 وزاد فيه: (وهي من طاف يطوف) اهـ.]]. وأنشد: غيَّرَ الْجِدَّةَ من آياتها ... خُرُقُ الرِيحِ وطُوفَانُ المَطَرْ [[البيت لحسيل بن عرفطة الأسدي، شاعر جاهلي، في "النوادر" لأبي زيد ص 77، و"تفسير الطبري" 9/ 32، والماوردي 2/ 252، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 3/ 2154، و"الصحاح" 4/ 1397، و"المنصف" 2/ 228، و"تفسير ابن عطية" 6/ 49، و"اللسان" 5/ 2724، و"البحر" 4/ 373، و"الدر المصون" 5/ 433.]] وقال أبو العباس: (الطوفان مصدر مثل الرجحان والنقصان، ولا حاجة به إلى أن نطلب له واحداً) [["تهذيب اللغة" 3/ 2154، وجعله السمين في "الدر" 5/ 432، من قول المبرد في آخرين.]]. وأكثر المفسرين على أن معناه هاهنا: المطر الكثير [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 226، و"تفسير غريب القرآن" ص 180، و"معاني النحاس" 3/ 69، و"تفسير المشكل" ص 86.]]، فقد قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 34، من عدة طرق جيدة عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1550 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 234، بسند جيد عن قتادة.]]: (لما أبى [[في (ب): (لما أتى)، وهو تصحيف.]] فرعون وقومه الإيمان دعا عليهم موسى، فقال: يا رب إن عبدك فرعون بغى وعتا، وإن قومه قد نقضوا عهدك، رب فخذهم بعقوبة، فأرسل الله عليهم السماء بالماء فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم من جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، ودام ذلك عليهم سبعة أيام، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا فنؤمن لك، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان، فلم يؤمنوا، فأنبت الله لهم في تلك السنة ما لم ينبته قبل ذلك من الكلأ والزرع، فقالوا: هذا ما كنا [[لفظ: (كنا) ساقط من أصل (أ)، وملحق بالهامش.]] نتمنى وما كان ذلك الماء إلا نعمة علينا، فبعث الله عليهم الجراد) وهو معروف، والواحدة: جرادة [[الذكر والأنثى فيه سواء يقال: جرادة ذكر وجرادة أنثى، كنملة وحمامة، مشتق من الجَرْد، أفاده السمين في "الدر" 5/ 434.]] ونبت مجرود قد أكل الجراد زورقه [[زورقه: أي: خضرته، انظر: "اللسان" 3/ 1827 (زرق). وفي أصل (أ): (زورقها ثم صحح إلى زورقه)، ولعله ورقه، وفي (ب): (ونبت مجرود قد أكل الجراد والزرع) اهـ. وعند الرازي 14/ 218: (ونبت مجرود قد أكل الجراد ورقه) اهـ.]]. [وقال اللحياني: (أرض جَرِدَة ومَجرُودَة قد لحسها الجراد) [["تهذيب اللغة" 1/ 573 (جرد).]] وإذا أصاب الجراد الزرع] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] قيل: جُرِد الزرع، وأصل هذا كله من الجَرْد وهو: أخذك الشيء من الشيء جرفاً وسحقاً، ومن هذا يقال للثوب الذي قد ذهب زِئْبِرُه [[الزئبر، بالكسر مهموز: ما يعلو الثوب الجديد ويظهر من درز الثوب. انظر: "اللسان" 3/ 1799 (زأبر).]]: جَرْد، وأرض جَرْداء: لا نبات فيها، ومكان أجْرَد [[انظر: "العين" 6/ 75 - 77، و"المنجد" ص 165، و"الجمهرة" 1/ 446، و"الصحاح" 2/ 455، و"المجمل" 1/ 186، و"مقاييس اللغة" 1/ 452، و"المفردات" ص 191، و"اللسان" 1/ 587 (جرد).]]. قالوا: (فأكلت الجراد عامة زروعهم [[في (ب): (زرعهم).]] وثمارهم حتى إن كانت لتأكل الأبواب والسقوف حتى تقع دورهم ولا تدخل بيوت بني إسرائيل فعجّوا وأعطوا موسى عهد الله لئن كشف الله ذلك أن يؤمنوا، فدعا موسى فكشف الله الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام، وكان قد بقيت من غلاتهم بقية. فقالوا: قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا، فبعث الله عليهم القُمّل). واختلفوا فيه. فقال ابن عباس في رواية عطاء: (هو الدبى) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 228 من رواية عطاء عن ابن عباس.]] [ومثل ذلك روى الوالبي عنه [[أخرجه الطبري 9/ 32، 33 من عدة طرق جيدة عن علي بن أبي طلحة، وعطية العوفي، والضحاك عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1546 من طرق عن عكرمة والضحاك عن ابن عباس.]]. وهو قول مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 244.]] والسدي وقتادة [[أخرجه الطبري 9/ 33 من طرق جيدة عن مجاهد وقتادة والسدي، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 234 بسند جيد عن قتادة.]] والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 121. وذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 38 - 39، والثعلبي 6/ 10 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 228، والبغوي 3/ 270.]] قالوا: (القمل الدبى [[الدبى: قال في "اللسان" 3/ 1325 (دبى): (الدبى الجراد قبل أن يطير، وقيل: هو أصغر ما يكون من الجراد والنمل، وقيل: هو نوع يشبه الجراد) اهـ.]]: الصغار التي لا أجنحة لها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]). وقال عكرمة: (هي بنات الجراد) [[أخرجه الطبري 9/ 33 بسند ضعيف.]]. وهذا القول هو اختيار الفراء قال: (القُمّل الدبا التي لا أجنحة لها) [["معاني الفراء" 1/ 392، وانظر: "الزاهر" 1/ 222.]]. وقال [[قوله: (وقال) أي ابن عباس، وقد أخرجه الطبري 9/ 32، وابن أبي حاتم 5/ 1547 بسند جيد عنه.]] في رواية سعيد بن جبير: (القُمّل: هو السوس الذي يخرج من الحنطة). وهو قول الحسن وسعيد بن جبير قالا [[في (ب): (قال)، وهو تحريف.]]: (القُمّل: دواب سود صغار) [[أخرجه الطبري 9/ 33 بسند ضعيف عن سعيد بن جبير والحسن، وأخرجه الطبري 9/ 33، عن سعيد بن جبير بسند جيد من وجه آخر.]]. وهو قول الليث في القُمَّل. قال: (هو الذّر الصغار) [["تهذيب اللغة" 3/ 3047، وانظر: "العين" 5/ 176.]]. وقال ابن السكيت: (القُمَّل شيء يقع في الزرع ليس بجراد فيأكل السنبلة وهي غضة قبل أن تخرج، فيطول الزرع ولا سنبل له) [["تهذيب اللغة" 3/ 3047.]]، [قال] [[لفظ: (قال) ساقط من (ب).]] الأزهري: (وهذا هو الصحيح) [["تهذيب اللغة" 3/ 3047، وانظر: "الجمهرة" 2/ 974، و"الصحاح" 5/ 1805، و"المجمل" 3/ 734، و"مقاييس اللغة" 5/ 29، و"المفردات" ص 684، و"اللسان" 6/ 3743 (قمل).]]. وذكره عطاء [[ذكره ابن أبي حاتم 5/ 1547، والثعلبي 6/ 10 أ، والبغوي 3/ 270 عن عطاء الخرساني قال: (هو القَمْل) اهـ.]]. قالوا: (فتتبع القُمّل ما بقي من حروثهم وأشجارهم فأكله ولحس الأرض كلها) هذا على قول من قال: إنه الدبى، ومن قال: إنه السوس، فقال سعيد بن جبير: (كان الرجل يخرج عشرة أقفزة [[القفيز: من المكاييل معروف، وهو مكيال تتواضع الناس عليه. انظر: "اللسان" 6/ 3701 (قفز)، والأثر أخرجه الطبري 9/ 34 بسند جيد فيه: (فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة) اهـ.]] إلى الرحى فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة). وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 226.]] والأخفش [[ذكره الثعلبي 6/ 10 أعن الأخفش ولم أقف عليه في "معانيه".]]: (القُمل عند العرب: الحمنان وهي ضرب من القردان). وروى أبو عبيد عن أبي الحسن العدوي [[أبو الحسن الأعرابي العدوي، لعله علي بن الحسن بن عبيد بن محمد الشيباني أبو الحسن المعروف بابن الأعرابي البغدادي، صاحب أدب ورواية للأخبار، روى عن أبي خالد يزيد بن يحيى الخزاعي وأبي العتاهية الشاعر وغيرهم، انظر: "تاريخ بغداد" 11/ 373، و"اللباب" لابن الأثير 1/ 74.]]: (القمل دواب صغار من جنس القردان إلا أنها أصغر منها، واحدتها قُمَّلة) [["معاني النحاس" 3/ 70، و"تهذيب اللغة" 3/ 3047، وقال بعده النحاس: (وليس هذا بناقض لما قاله أهل التفسير لأنه يجوز أن تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم وهي كلها تجتمع في أنها تؤذيهم) اهـ.]] ويؤكد هذا القول ما روي عن أبي العالية [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 10 ب.]] في تفسير هذا الحرف قال: (أرسل الله الحمنان على دوابهم فأكلها حتى لم يقدروا على الميرة) [[الميرة: الطعام يمتاره الناس ونحوه مما يجلب للبيع. انظر: "اللسان" 7/ 4306 (مير).]]. قالوا: (وكان القمل يدخل [[في (ب): (دخل)، وهو تحريف.]] بين ثوب أحدهم وبين جلده [[في (ب): (جلدهم).]] فيعضه، وأخذت أشعارهم وأبشارهم ولزم جلودهم كأنه الجُدري عليهم، ومنعهم النوم والقرار، وكل هذا من فعل القُراد، فصرخوا وصاحوا إلى موسى: إنا نتوب ولا نعود فادعُ لنا ربَّك، فدعا [[في (ب): (لدعا)، وهو تحريف.]] موسى، فرفعَ الله القملَ عنهم، فنكثوا وعادوا لأخبثِ أعمالِهم، فدعا موسى عليهم فأرسل الله عليهم الضفادع يدخل في طعامهم وشرابهم وأوانيهم وفرشهم، فكان أحدهم يُصبح وهو [[في (أصل) (أ): (وهي) ثم صحح في الأعلى إلى (وهو) وهو الأولى.]] على فراشه متراكب، ويجلس الرجل إلى ذَقَنه في الضفادع ويهمّ أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، فبكوا وشكوا إلى موسى وقالوا: هذه المرة نتوب ولا نعود، فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع فعادوا لكفرهم وتكذيبهم، فدعا عليهم موسى فأرسل الله [[لفظ: (الله) ساقط من (ب).]] عليهم الدم، فسأل النيل عليهم دمًا، وصارت مياههم كلها دمًا، فكان الإسرائيلي إذا اغترف صار ماء، والقبطي يغترف دمًا) [[سبق تخريجه.]]. وقوله تعالى: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾. قال المفسرون: (كان العذاب يمكث [[في (ب): (نكث)، وهو تحريف.]] عليهم من السبت إلى السبت، وبين العذاب إلى العذاب شهر، فذلك معنى قوله: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 39، 40، أخرجه عن ابن عباس وابن جريج وابن إسحاق من طرق جيدة، انظر: "معاني الفراء" 1/ 393 والزجاج 2/ 370، و"تفسير السمرقندي" 1/ 565، الماوردي 2/ 253.]]. وقال مجاهد: ﴿مُفَصَّلَاتٍ﴾: مبينات ظاهرات) [[ذكره الهمداني في "الفريد" 2/ 349، القرطبي 7/ 271، أخرج الطبري 9/ 40 بسند ضعيف عن مجاهد قال: (معلومات) اهـ. وقال ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 180: (أي: بين الآية والآية فصل ومدة) اهـ. وانظر: "معاني النحاس" 3/ 71.]]. قال الزجاج: (و ﴿آيَاتٍ﴾ منصوبة على الحال [["معاني الزجاج" 2/ 370 انظر: "إعراب النحاس" 1/ 634، و"المشكل" 1/ 299، و"البيان" 1/ 371، و"التبيان" ص 388، و"الفريد" 2/ 349، و"الدر المصون" 5/ 434.]]، [وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾. قال ابن عباس [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 229، "الرازي" 14/ 218 بلا نسبة، وفي "تنوير المقباس" 2/ 122 (أي: عن الإيمان ولم يؤمنوا) اهـ.]]: (يريد: عن عبادة الله)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].

الأعراف 7:134

قوله [[في (ب): (وقوله تعالى).]] تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾، ذكرنا معنى ﴿وَقَعَ﴾ عند قوله: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: 71]. وذكر [[لفظ: (وذكر) ساقط من (ب).]] الكلام في ﴿الرِّجْزُ﴾ عند قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ [البقرة: 59] في البقرة، وهو اسم للعذاب الذي كانوا فيه من الجراد وما ذكر بعده، في قول ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 34، 35 بسند ضعيف، أخرج الطبري 9/ 41، ابن أبي حاتم 5/ 1550، عن ابن عباس بسند جيد قال: (الطاعون).]] والحسن [[ذكره الماوردي 2/ 253، عن الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد.]] ومجاهد وقتادة [[أخرجه الطبري 9/ 41 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وقتادة وابن زيد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1550 بسند جيد عن مجاهد، أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 234 بسند جيد عن قتادة.]]. وقال سعيد بن جبير: ﴿الرِّجْزُ﴾ معناه هاهنا: الطاعون، وهو العذاب السادس؛ أصابهم فمات به من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد) [[أخرجه الطبري 9/ 40 بسند لا بأس به. والظاهر أن المراد به العذاب المتقدم الذكر من الطوفان وغيره وهو قول الجمهور. قال ابن عطية 6/ 53 بعد ذكر قول سعيد بن جبير المتقدم: (هذا ضعيف، هذه الأخبار وما شاكلها إنما تؤخذ من كتب بني إسرائيل فلذلك ضعفت) اهـ. وقال الرازي 14/ 219: (القول الأول أقوى؛ لأن لفظ الرجز مفرد محلى بالألف واللام فينصرف إلى المعهود السابق، وأما غيرها فمشكوك فيه، فحمل اللفظ على المعلوم أولى من حمله على المشكوك فيه) اهـ. وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 227، و"تفسير غريب القرآن" ص 180، و"تفسير الطبري" 9/ 41، و"معاني الزجاج" 2/ 370، والنحاس 3/ 71، و"تفسير السمرقندي" 1/ 565.]]. وقوله تعالى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾. معنى العهد [[أصل العهد حفظ الشيء ومراعاته، والعهد: الوصية والتقدم إلى صاحبك بشيء. واليمين والأمان والموثق والذمة انظر: "العين" 1/ 102، الجمهرة 2/ 668، و"تهذيب اللغة" 3/ 2606، و"الصحاح" 2/ 515، و"المجمل" 3/ 634، و"مقاييس اللغة" 4/ 167، و"المفردات" ص 591، و"اللسان" 5/ 3148 (عهد).]] في اللغة: المتقدم في الأمر، ومن هذا يقال للوصية: عهد؛ لأنه يتقدم فيه بالوثيقة، فمعنى قوله: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾، (أي: بما أوصاك وتقدم إليك أن تدعوه به)، وهو قول أبي العالية [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 230 دون نسبة.]]. وقال عطاء عن ابن عباس [[ذكره البغوي 3/ 272 عن عطاء فقط.]]: (بما نبأك واستخصك). وقال المؤرج: (بما أعلمك) [[لم أقف عليه.]]. وكل هذا يعود معناه إلى [معنى] [[لفظ: "معنى" ساقط من (ب).]] الوصية والتقدم [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 227، و"تفسير الطبري" 9/ 41، والماوردي 2/ 253، ابن الجوزي 3/ 252.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، كانوا قد اخذوا بني إسرائيل بالكد الشديد [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 370 ، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 41 و"معاني النحاس" 3/ 71.]]، فوعدوا موسى -على دعائه بكشف العذاب عنهم- الإيمان به، والتخلية عن بني إسرائيل وإرسالهم معه يذهب بهم أين يشاء. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: 105]

الأعراف 7:135

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾. قال ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1550 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 207.]]: (يريد: إلى الأجل الذي غرقهم [[في (ب): (عرفهم) وكذلك جاء عند الواحدي في "الوسيط" 2/ 230 وقال البغوي 3/ 272: (يعني إلى الغرق في اليم) اهـ. وقال ابن عطية 6/ 54: (الأجل يراد به غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك، والموت هذا اللازم من اللفظ كما تقول: أخذت كذا إلى وقت وأنت لا تريد وقتا بعينه، وقيل: الأجل هنا: الغرق؛ لأن أكثر هذه الطائفة مات منه فالإشارة هنا بالأجل إنما هي إلى الغرق، وهذا ليس بلازم لأنه لا بد أنه مات منهم قبل الغرق عالم وبقي بمصر خلق لم يغرق فأين الغرق من هؤلاء؟ وذكر بعض الناس أن معنى الكلام: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ المؤجل ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ومحصول هذا التأويل أن العذاب كان مؤجلاً، والمعنى الأول أفصح لأنه تضمن توعدا ما) اهـ. بتصرف.]] الله فيه). وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾، أي: ينقضون العهد ولا يوفون بما عاهدوا، وأصل النكث أن تنكث أخلاق [[الأخلق: اللين الأملس المصمت، وثوب خلق بال. انظر: "اللسان" 2/ 1247.]] الأخبية والأكسية فتغزل ثانية، وهي تسمى: أنكاثًا وواحدها نِكْثُ، والذي ينكثها نكاث، ثم يقال: نكَث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث مخيط الصوف بعد إبرامه [[انظر: "العين" 5/ 351، و"الجمهرة" 1/ 431، و"تهذيب اللغة" 4/ 3658، و"الصحاح" 1/ 295، و"المجمل" 3/ 884، و"مقايس اللغة" 5/ 475، و"المفردات" ص 822، و"اللسان" 8/ 4536 (نكث)]].

الأعراف 7:136

قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، معنى الانتقام في [اللغة] [[لفظ: "اللغة" ساقط من (ب).]] سلب النعمة بالعذاب [[انظر: "الجمهرة" 2/ 977، و"الصحاح" 5/ 2045، و"المجمل" 3/ 880، و"مقاييس اللغة" 5/ 464، و"المفردات" ص 822، و"اللسان" 8/ 4531 (نقم).]]، قال الليث: (انتقم إذا كافأه عقوبة بما صنع) [["تهذيب اللغة" 4/ 3654، وانظر: "العين" 5/ 181.]]. وقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، أي: في البحر [[هذا هو قول أهل اللغة والتفسير، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 227، و"تفسير غريب القرآن" ص 180، و"تفسير الطبري" 9/ 42، و"معاني الزجاج" 2/ 371، والنحاس 3/ 72، و"تفسير السمرقندي" 1/ 565، وانظر: "العين" 8/ 431، و"تهذيب اللغة" 4/ 3984، و"الصحاح" 5/ 2065، و"مقاييس اللغة" 6/ 153، و"المفردات" ص 893، و"اللسان" 8/ 4966 (يمم).]] وأظنه [[الظاهر أن لم يمر لأن أول موضع ورد فيه لفظ ﴿الْيَمِّ﴾ في هذه الآية، وانظر تعريف البحر عند الواحدي في "البسيط" البقرة: 50.]] قد مرَّ. وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾؛ اختلفوا في الكناية في ﴿عَنْهَا﴾؛ فقيل: إنها تعود إلى النقمة التي دلت عليها (انتقمنا)، والمعنى: وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿غَافِلِينَ﴾ [[هذا هو قول الطبري في "تفسيره" 9/ 42، والبغوي 3/ 273.]]، وعلى هذا دل كلام ابن عباس؛ لأنه قال في قوله: ﴿عَنْهَا﴾: (عما يراد بهم من الغرق) [[لم أقف عليه.]]. وقيل: الكناية تعود إلى الآيات، وهو اختيار الزجاج لأنه قال: (أي: كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم) [["معاني الزجاج" 2/ 371، والنقمة من الآيات، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 3/ 252، والرازي 14/ 220.]]. فإن قيل على هذا: إن الغفلة حال تعتري الإنسان تنافي [[في (ب): (تعتري الإنسان ما في الفطنة)، وهو تحريف.]] الفطنة، وليست من فعل الإنسان، فلم جاء الوعيد على الغفلة؟ والجواب: أنهم تعرضوا [[في (ب): (يعرضوا).]] لها حتى صاروا لا يفطنون بها، وقيل: إن الغفلة هاهنا المراد بها الإعراض [[في (أ): (الإعراب).]] عن الآيات، وهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 42، وابن عطية 6/ 55، والرازي 14/ 221، وقال السمين في الدر 5/ 438: (قال الجمهور: إنهم تعاطوا أسباب الغفلة فذموا عليها كما يذم الناسي علي نسيانه لتعاطيه أسبابه) اهـ.]].

الأعراف 7:137

قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾ الآية. معنى أورثناهم الأرض أي: مكناهم فيها بعد إهلاك من كان بها مع الحكم بأن لهم أن [[لفظ: (أن) ساقط من (ب).]] يتصرفوا فيها [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 76.]]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾. معنى الاستضعاف في اللغة: طلب الضعف [[الضَّعْف والضُّعْف بالفتح والضم لغتان خلاف القوة، وقيل: الضعف بالفتح في العقل والرأي، والضُعف بالضم في البدن، واستضعفته: وجدته ضعيفًا، وأضعفته أي: صيرته ضعيفًا. انظر: "العين" 1/ 281، و"الجمهرة" 2/ 903، و"تهذيب اللغة" 3/ 2119، و"الصحاح" 4/ 1390، و"المجمل" 2/ 562، و"مقاييس اللغة" 3/ 362، و"المفردات" ص 506، و"اللسان" 5/ 2587 (ضعف).]] بالاستطالة والقهر، ثم كثر حتى صار استضعفته بمعنى: وجدته ضعيفًا بامتحاني إياه، كأنه طلب حال ضعفه بمحنته فوجده. قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 59.]]، والمفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 43، والماوردي 2/ 254، والبغوي 3/ 273.]]: ﴿يُسْتَضْعَفُونَ﴾ أي: بقتل الأبناء واستحياء النساء. وقوله تعالى: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾. [قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 123.]] وغيره [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 565، والماوردي 2/ 254، والبغوي 3/ 273، وابن الجوزي 3/ 253.]]: (يريد: مشارق أرض الشام ومصر، ومغاربها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، أي: جهات الشرق بها [[لفظ: (بها) ساقط من (ب).]] والغرب)، وهو قول الحسن وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 234 - 235، والطبري 9/ 43، وابن أبي حاتم 5/ 1551 من عدة طرق جيدة عن الحسن وقتادة، وهو قول سفيان الثوري في "تفسيره" ص 113. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 526.]]. وقال مقاتل: (مشارق الأرض المقدسة ومغاربها) [["تفسير مقاتل" 2/ 59، وزاد فيه: (وهي الأردن وفلسطين) اهـ.]]، فالأرض على هذا مخصوصة. وقال الزجاج: (فكان منهم داود وسليمان ملكا الأرض) [["معاني الزجاج" 2/ 371، وهو قول النحاس في "معانيه" 3/ 72.]]، ذهب إلى أن الأرض هاهنا اسم الجنس ولم يخص [[أكثرهم على أن المراد: الشام؛ لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون والمتصفة بأنها التي بارك فيها، وهو اختيار الطبري 9/ 43، وابن عطية 6/ 56، والرازي 14/ 221.]]. وقوله: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي: بإخراج الزروع والثمار والنبات والأشجار والعيون والأنهار. وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: مواعيد ربك التي لا خلف فيها ولا ناقض لها [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 231.]]. ونحو ذلك قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 371 وهو قول الطبري 9/ 44، وأخرجه بسند جيد عن مجاهد.]] وغيره: (يعني: ما وعدهم الله من إهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض). قال مقاتل: (وهي الكلمة التي في القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ [["تفسير مقاتل" 2/ 59، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 72 - 73: (قيل: يعني بالكلمة: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 129]) اهـ.]] [القصص: 5، 6] وقال أهل المعاني: (معنى تمام الكلمة الحسنى: إنجاز الوعد الذي [[في أصل (أ): (التي ثم صحح إلى الذي).]] تقدم بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض، وإنما كان الإنجاز تمامًا [[في (أ): (تمام).]] للكلام لتمام [[لفظ: (لتمام) ساقط من (ب).]] النعمة به، وإنما قيل: ﴿الْحُسْنَى﴾ لأنه وعد بما يحبون) [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 254، والرازي 14/ 222]]. وقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾. قال ابن عباس: (يريد: على عذاب فرعون وصنيعه بهم) [["تنوير المقباس" 2/ 123، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 231 بلا نسبة.]]، وهذا إخبار عن حسن عاقبة الصبر على الحق. وقوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا﴾. قال الليث [["تهذيب اللغة" 2/ 1225، وانظر: "العين" 8/ 39، و"الجمهرة" 2/ 638، و"الصحاح" 2/ 659، و"المجمل" 2/ 335، و"مقاييس اللغة" 2/ 300، و"المفردات" ص 318، و"اللسان" 3/ 1420 (دمر).]]: (الدمار استئصال الهلاك، يقال: دَمَرَ القومُ يَدْمُرُون دَمَارا، أي: هلكوا ودَمَرَهم مَقَتَهم ودمَّر عليهم تدميرًا) [[في "تهذيب اللغة" (ودمرهم الله تدميرًا).]]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: المصانع [[ذكره الرازي 14/ 222.]]، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، أي: يسقفون من القصور) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 231، وأخرج الطبري 9/ 44، وابن أبي حاتم 5/ 1552، عن ابن عباس بسند جيد قال: (يبنون).]] ونحو ذلك. قال مجاهد: (أي: يبنون البيوت والقصور والمساكن) [["تفسير مجاهد" 1/ 245، وأخرجه "الطبري" 9/ 44، و"ابن أبي حاتم" 5/ 1552 من طرق جيدة، وفيه: (يبنون البيوت والمساكن ما بلغت وكان عنبهم غير معروش) اهـ.]]. قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 371.]]: (يقال: عَرَشَ يعرُش [ويعرِش] [[لفظ: (ويعرش) ساقط من (ب)، وهو بكسر الراء، والثاني بضمها عَرش يَعْرش ويَعْرُش. وانظر: "اللسان" 5/ 2881 (عرش).]] إذا بني). وقال مقاتل: (أهلكنا ما عمل فرعون وقومه بأرض مصر وما بنوا من المنازل والبيوت) [["تفسر مقاتل" 2/ 60.]].

الأعراف 7:138

قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾، يقال: جاوز الوادي إذا قطعه وخلفه وراءه، وجاوز بغيره عبر به [[الجوز: قطع الشيء يقال: جُزْت الموضع سلكته وسرت فيه وأَجَزتْه خلفته وقطعته وأجزْته نَفذتُه، وجَاوَزْت الشيء إلى غيره وَتَجاوَزته بمعنى جزته. انظر: "العين" 6/ 165، و"تهذيب اللغة" 1/ 519، و"الصحاح" 3/ 870، و"المجمل" 1/ 203، و"مقاييس اللغة" 1/ 494، و"المفردات" ص 211، و"اللسان" 2/ 724 (جوز).]]. ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يعبدونها مقيمين عليها) [["تنوير المقباس" 2/ 123، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 231.]]. قال الزجاج: (يواظبون عليها و [[(الواو) ساقطة من (ب).]] يلازمونها، يقال لكل من لزم شيئًا وواظب عليه [[في (ب): (عليها)، وهو تحريف]]: عكَف يعكُف ويعكِف، ومن هذا قيل لملازم المسجد: معتكف) [["معاني الزجاج" 2/ 371، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 73، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 227، و"تفسير غريب القرآن" ص 180.]]، وكل واحد من الكسر والضم في عينى الكلمتين لغة مثل: يعرُش ويعرِش ويبطُش [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 74 - 75 والضم والكسر في ﴿يَعْرِشُونَ﴾ و ﴿يَعْكُفُونَ﴾ لغة وقراءة سبعية، قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ بضم الراء، وقرأ الباقون بكسرها، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿يَعْكُفُونَ﴾ بكسر الكاف، والباقون بضمها. انظر: "السبعة" ص 292، و"المبسوط" ص 184، و"التذكرة" 2/ 424، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 271، وانظر توجيه القراءة في "معاني القراءات" 1/ 421، و"إعراب القراءات" 1/ 204، و"الحجة" لابن خالويه ص 162، ولابن زنجلة ص 294، و"الكشف" 1/ 475.]] ويبطِش. قال قتادة؛ [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 232، والبغوي 3/ 273، وابن الجوزي 3/ 254، وأخرج الطبري 9/ 45، وابن أبي حاتم 5/ 1553 بسند ضعيف عن قتادة قال: (على أصنام لهم على لخم).]]: (كان أولئك القوم من لخم [[لَخْم: قبيلة من كهلان، ولخم أخو جُذام عم كندة وهم حي من اليمن ومنهم كانت ملوك العرب في الجاهلية، ونزلوا الحيرة وهم آل عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، وقيل هم آل المنذر. انظر: "اللسان" 7/ 4018 (لخم)، و"نهاية الأرب" ص 367.]] وكانوا نزولا بالرقة) [[الرَّقَّة، بالفتح: مدينة مشهورة على الفرات من بلاد الجزيرة بينها وبين حَران ثلاثة أيام، ويقال لها: الرقة البيضاء. انظر: "معجم البلدان" 3/ 59.]] وقال ابن جريج: (كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل) [[أخرجه الطبري 9/ 45 بسند جيد.]]. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، قال عطاء: (يريد: من دون الله. ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ يريد: جهلتم نعمة ربكم وما صنع بكم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 232، عن ابن عباس قال: (جهلتم نعمة ربكم فيما صنع بكم).]]. قال أهل المعاني: (هذه الآية تخبر عن جهل عظيم من بني إسرائيل؛ حيث توهموا أنه يجوز عبادة غير الله بعد ما رأوا الآيات التي توالت على قوم فرعون حتى غرّقهم الله في البحر بكفرهم وعبادتهم غيره، فلم يردعهم ذلك عن أن قالوا لنبيهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 45، والسمرقندي 1/ 566، وابن الجوزي 3/ 254.]].

الأعراف 7:139

قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾. قال الليث: (التَّبار [[التبر: الكسر والإهلاك وتبرة تتبيرًا أي: كسره وأهلكه وكل شيء كَسَرته فقد تبرته. انظر: "الجمهرة" 1/ 253، و"الصحاح" 2/ 600، و"المجمل" 1/ 153، و"مقاييس اللغة" 1/ 362، و"المفردات" ص 162، و"اللسان" 1/ 416 (تبر).]] الهلاك، تَبِرَ الشيءُ يَتْبَرُ تبارًا، والتتبير الإهلاك) [["العين" 8/ 117، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 425، عن الليث قال: (تَبِر الشيء يَتْبِرُ تَبارًا).]]. ومنه قوله: ﴿تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [[جاء في النسخ: (تبرناهم تتبيرًا)، وهو تحريف.]] [الفرقان: 39]. قال المفسرون: ﴿مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ مهلك ومدمر [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 227، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، و"تفسير غريب القرآن" ص180، و"تفسير الطبري" 9/ 46، وأخرجه بسند جيد عن السدي، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 371، والنحاس 3/ 73، و"تفسير السمرقندي" 1/ 566، والماوردي 2/ 255.]]. وقوله تعالى: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أن عملهم للشيطان، وليس لله فيه نصيب) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 233.]]. قال أهل المعاني [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 46، والرازي 14/ 224]]: (ومعنى البطلان انتفاء الشيء بعدمه أو بعدم معناه، والمعنى في بطلان عملهم: إنه لا يعود عليهم بنفع ولا بدفع ضر، فكأنه بمنزلة ما لم يكن من هذا الوجه، وهذا بيان عن حال من عمل لغير الله كيف يصير أمره إلى الهلاك وعمله إلى الشيطان [[في: (ب): (إلى البطلان).]]).

الأعراف 7:140

قوله تعالى: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾، يقال: بغيت [[البغي: بالفتح طلب الشيء. يقال: بَغَيْت الشيء أبغيه: إذا طلبته، وَبَغَيتك الشيء: إذا طلبته لك، وأَبغْيتُك الشيء: إذا أَعْنتُك على طلبه، وأبغيتك الشيء أيضًا جعلتك طالبًا له. انظر: "العين" 4/ 453، و"الجمهرة" 1/ 371، و"البارع" 434، و"الصحاح" 6/ 2282، و"المجمل" 2/ 129، و"مقاييس اللغة" 1/ 271، و"المفردات" ص 136، و"اللسان" 1/ 322 (بغي).]] فلانا شيئا وبغيته له، قال الله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: 47] أي: يبغون لكم، وقال كعب بن زهير: إذا ما نَتَجْنَا أَرْبَعًا عام كُفْأَةٍ ... بَغَاها خَنَاسِيرًا فأهْلَكَ أَرْبَعا [["ديوانه" ص 43، و"إصلاح المنطق" ص 113، و"تهذيب اللغة" 1/ 367، و"اللسان" 1/ 322 (بغى)، والكفأة: نتاج عام واحد، والخناسير: الدواهي والمصائب. يقول: إنه لا حظ له إذ أنتج أربع نوق عدت عليه عوادي الزمن فأهلكتها ، ولم تبق منها شيئًا. انظر: "حاشية الديوان"، و"تهذيب إصلاح المنطق" 1/ 315.]] أي: بغى لها خناسير وهي الدواهي، وفي انتصاب قوله: ﴿إِلَهًا﴾ وجهان: أحدهما: الحال كأنه قيل: أطلب لكم غير الله معبودًا، ونصب (غير) في هذا [[في (ب): (ونصب غير في هذا الوجه على المفعول به).]] على المفعول به. [الثاني: أن ينصب: ﴿إِلَهًا﴾ على المفعول به] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، و (غير) على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة، كما تقول: أبغيكم إلهًا غير الله [[قال السمين في "الدر" 5/ 445: (في نصب (غير) وجهان أحدهما: أنه مفعول به لأبغيكم تقديره: أبغي لكم غير الله أي: أطلب لكم، وفي (إلهًا) على هذا وجهان: == أحدهما: وهو الظاهر أنه تمييز لغير. والثاني أنه حال. وفيه نظر. والثاني من وجهي غير: أنه منصوب على الحال من (إلها) و (إلهًا) هو المفعول به لأبغيكم، والأصل: أبغي لكم إلهًا غير الله، فغير الله صفة لإله، فلما قدمت صفة النكرة عليها نصت حالاً) اهـ. ملخصًا. وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 635، و"المشكل" 1/ 301، و"البيان" 1/ 373، و"التبيان" ص 389، و"الفريد" 2/ 354.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أكرمكم من بين الخلائق أجمعين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 233.]]. وفي هذا قولان: أحدهما تخصيص ﴿الْعَالَمِينَ﴾ بأن يقال: عالمي زمانهم، وهو قول الحسن [[لم أقف عليه.]] والمفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 46، والسمرقندي 1/ 566، وقال ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 254: (قال المفسرون منهم ابن عباس ومجاهد: العالمون هاهنا عالمو زمانهم) اهـ.]]، والثاني: التفضيل [[في (ب): (والثاني تخصيص الفضل وهو أن يقال ..).]]، وهو أن يقال: أراد بقوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ما خصهم [[في (ب): (ما خصصهم).]] به من الآيات وإرسال موسى وهارون نبيين منهم، وإهلاك عدوهم في البحر وإنجائهم منهم، إلى غير ذلك مما فضلوا فيه خاصًا على جميع العالمين، ثم غيرهم يفضلهم في غير هذه الآيات، مثال هذا: رجل يعلم علماً واحداً ففاخره إنسان يعلم كثيرا من العلوم ولا يعلم ذلك العلم الواحد، فصاحب العلم الواحد يفضل عليه [[قوله: (يفضل عليه بذلك العلم الواحد) مكرر في (ب).]] بذلك العلم الواحد، ثم يفضل صاحب العلوم ويصير حقيقة الفضل له، ولكن لا ينكر تفضيل الأول عليه بما خُص به، وهذا قول أهل النظر [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 225، وقال ابن عطية في "تفسيره" 6/ 62: (العالمين لفظ عام يراد به تخصيص عالم زمانهم لأن أمة محمد ﷺ أفضل منهم بإجماع، اللهم إلا أن يراد بالفضل كثرة الأنبياء منهم فإنهم فضلوا في ذلك على العالمين بالإطلاق) اهـ.]]، وهذه الأية تضمنت توبيخا لهم حين [[في (ب): (حتى).]] طلبوا إلها غير الله، وهو الذي ينال كل الخير وكل النعم منه.

الأعراف 7:141

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. مفسر إلى آخر الآية في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" البقرة: 49.]].

الأعراف 7:142

قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾، قال أبو على الفارسي [[انظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 64 - 65، و"الإغفال" ص 1102.]] وغيره من النحويين [[انظر: "معاني الأخفش" 1/ 93، و"معاني الزجاج" 1/ 133، و"تفسير الطبري" 1/ 280، و"إعراب النحاس" 1/ 635، و"المشكل" 1/ 94، قال الطبري 1/ 280 في معنى آية البقرة 52: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. المعنى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة بتمامها، فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد، وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة أي: رأس الأربعين - وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل وخلاف ظاهر التلاوة) اهـ. وقال ابن عطية 6/ 65: (وكل المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد) اهـ.]]: (تقدير الآية: وواعدنا موسى انقضاء ثلاثين ليلة يترقب بعدها المفاجأة). وقد بينا هذا بيانًا شافيا في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" البقرة: 52.]]. قال ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1556 بسند جيد، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 234، وابن الجوزي 3/ 255، والسيوطي في "الدر" 3/ 214.]] والمفسرون [[أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 236، والطبري 9/ 47 - 48 من طرق جيدة عن مجاهد نحوه، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 372، والنحاس 3/ 74، و"تفسير السمرقندي" 1/ 567، وابن كثير 2/ 271.]]: (كانت [[في النسخ: (كان) والأولى (كانت).]] تلك الثلاثين ذو القعدة، أمره الله تعالى أن يصوم فيها ويتفرد للعبادة، ويعمل فيها بما يقربه إلى الله عز وجل ليكلمه، فلما انسلخ الشهر استاك موسى لمناجاة ربه يريد إزالة [[في (ب): (يريد لإزالة الخلوف).]] الخلوف) [[الخلوف، بالضم: تغير رائحة الفم لتأخر الطعام. انظر: "اللسان" 2/ 1241 (خلف).]]. وقال أبو العالية: (أكل من لحاء شجرٍ فأوحى الله إليه: يا موسى لا كلمتك حتى يعود فوك على [[في (ب): (يعود فوك كما كان عليه).]] ما كان عليه، أما علمت أن رائحة الصائم أحب إلي من ريح المسك، وأمره بصيام عشرة أيام من ذي الحجة ليكلمه بخلوف فيه، فذلك قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 196 أ، والبغوي 3/ 275.]]. وقوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. الميقات [[الميقات: مصدر الوقت، وهو الوقت المضروب للفعل والموضع. قال السمين في "الدر" 5/ 446 - 447: (الفرق بين الميقات والوقت، أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال، والوقت وقت للشيء من غير تقدير عمل أو تقديره) اهـ. وانظر: "العين" 5/ 199 ، و"تهذيب اللغة" 4/ 3928، و"الصحاح" 1/ 269، و"مقاييس اللغة" 6/ 131، و"المفردات" ص 879، و"اللسان" 8/ 4887 (وقت).]] ما قدر ليعمل فيه عمل من الأعمال، ولهذا قيل: مواقيت الحج، وهي المواضع التي [[في أصل: (أ): (الذي) ثم صحح إلى (التي).]] قدرت للإحرام به، فمعنى قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. أي: تم الوقت الذي قدره الله لصوم موسى وعبادته أربعين ليلة [[لفظ: (ليلة) ساقط من (أ).]]. قال أبو علي الفارسي: (هذا كقولك: تم القوم عشرين [[في النسخ: (عشرون)، وهو تحريف.]] رجلاً، والمعنى: تم القوم معدودين هذا العدد، كذلك تم الميقات معدودًا هذا العدد [[وعليه يكون نصب: أربعين على الحال أي: تم ميقات ربه معدودًا أربعين ليلة. انظر: "المشكل" 1/ 301، و"البيان" 1/ 374، و"التبيان" ص 390، و"الفريد" 2/ 356، و"الدر المصون" 5/ 447.]]، وقد جاء (الميقات) في موضع (الميعاد)، كما جاء (الوقت) في موضع الوعد في قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: 38]، ومما يبين تقاربهما قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ [[لفظ: (فتم) ساقط من (ب).]] [الأعراف: 142]، وفي الأخرى ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: 51]، وقال: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: 2]، وقال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: 38]، وقال: ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [["الحجة" لأبي علي 2/ 65.]] [الواقعة: 50]، فإن قيل فلم قال: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، وقد دل ما تقدم على هذا؟، قيل: للبيان الذي لا يجوز معه توهم [[جاء في هامش (أ) زيادة: (توهم مضاف للجملة ..) وزيادة كلام لم أستطع معرفته.]] أتممنا الثلاثين بعشر منها. كأنه كان عشرين ليلة ثم أتم بعشر فصار ثلاثين [[أكثرهم على أن الجملة تأكيد وإيضاح، وقيل: إنها لإزالة توهم أن تكون عشر == ساعات، وقيل: فائدتها إزالة توهم العشر من الثلاثين، وقال السمين في "الدر" 5/ 448: (الجملة الظاهر أنها للتأكيد، وقيل: هي للتأسيس لاحتمال أن يتوهم متوهم بعشر ساعات أو غير ذلك وهو بعيد جدًّا) اهـ. ملخصًا. وانظر: "معاني النحاس" 3/ 74، و"إعراب النحاس" 1/ 635، و"المشكل" 1/ 301، و"تفسير الماوردي" 2/ 256، وابن عطية 6/ 66، وابن الجوزي 3/ 255، الرازي 14/ 226، و"الفريد" 2/ 355، و"البحر" 4/ 381.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾. يقال: [[في (ب): (فقال)، وهو تحريف.]] خَلَفَ فلان مكان فلان يَخْلُفُ [[الخلافة: النيابة عن الغير، وخلف فلان فلانا قام بالأمر عنه. انظر: "العين" 4/ 265، و"تهذيب اللغة" 1/ 1089، و"الصحاح" 4/ 1354، و"مقاييس اللغة" 2/ 210، و"المفردات" ص 294، و"اللسان" 2/ 1235 (خلف).]] إذا كان في مكانه. قال المفسرون: (فلما أراد موسى الانطلاق إلى الجبل استخلف أخاه هارون على قومي) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 48، والسمرقندي 1/ 567، والبغوي 3/ 275.]]. وقال الفراء: (يقال: خلفتك، أي: كنت خليفتك، فأنا أخلفك خلافة) [[لم أقف عليه بعد طول بحث عنه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الرفق بهم والإحسان إليهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 234، والبغوي 3/ 275، والخازن 2/ 281.]]، فعلى هذا معناه: وأصلح أمرهم، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، (أي: طريق العاصين). قاله ابن عباس والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 125.]]؛ كأنه يقول: لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره.