Lafzullah

Al-Basit — هود 11:1 – هود 11:120

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. هود 11:1
  2. هود 11:2
  3. هود 11:3
  4. هود 11:5
  5. هود 11:7
  6. هود 11:8
  7. هود 11:9
  8. هود 11:10
  9. هود 11:11
  10. هود 11:12
  11. هود 11:13
  12. هود 11:15
  13. هود 11:17
  14. هود 11:18
  15. هود 11:19
  16. هود 11:20
  17. هود 11:22
  18. هود 11:23
  19. هود 11:24
  20. هود 11:25
  21. هود 11:26
  22. هود 11:27
  23. هود 11:28
  24. هود 11:29
  25. هود 11:30
  26. هود 11:31
  27. هود 11:34
  28. هود 11:35
  29. هود 11:36
  30. هود 11:37
  31. هود 11:38
  32. هود 11:39
  33. هود 11:40
  34. هود 11:41
  35. هود 11:42
  36. هود 11:43
  37. هود 11:44
  38. هود 11:45
  39. هود 11:46
  40. هود 11:47
  41. هود 11:48
  42. هود 11:49
  43. هود 11:50
  44. هود 11:51
  45. هود 11:52
  46. هود 11:53
  47. هود 11:54
  48. هود 11:55
  49. هود 11:56
  50. هود 11:57
  51. هود 11:58
  52. هود 11:59
  53. هود 11:60
  54. هود 11:61
  55. هود 11:62
  56. هود 11:63
  57. هود 11:64
  58. هود 11:65
  59. هود 11:66
  60. هود 11:68
  61. هود 11:69
  62. هود 11:70
  63. هود 11:71
  64. هود 11:72
  65. هود 11:73
  66. هود 11:74
  67. هود 11:76
  68. هود 11:77
  69. هود 11:78
  70. هود 11:79
  71. هود 11:80
  72. هود 11:81
  73. هود 11:82
  74. هود 11:83
  75. هود 11:84
  76. هود 11:85
  77. هود 11:86
  78. هود 11:87
  79. هود 11:88
  80. هود 11:89
  81. هود 11:90
  82. هود 11:91
  83. هود 11:92
  84. هود 11:93
  85. هود 11:94
  86. هود 11:95
  87. هود 11:96
  88. هود 11:99
  89. هود 11:100
  90. هود 11:101
  91. هود 11:102
  92. هود 11:103
  93. هود 11:104
  94. هود 11:105
  95. هود 11:106
  96. هود 11:107
  97. هود 11:108
  98. هود 11:109
  99. هود 11:110
  100. هود 11:111
  101. هود 11:112
  102. هود 11:113
  103. هود 11:114
  104. هود 11:115
  105. هود 11:116
  106. هود 11:117
  107. هود 11:118
  108. هود 11:119
  109. هود 11:120

هود 11:1

﴿الر﴾ قال ابن عباس [[الطبري 11/ 91، وابن أبي حاتم 6/ 1994، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 534، "زاد المسير" 4/ 4، ابن عطية 7/ 94.]]: يريد أنا الله الرحمن. وذكرنا الكلام في تفسير هذا الحرف في فاتحة يونس [[مسألة الحروف المقطعة في أوائل سور القرآن من المسائل التي كثرت فيها أقوال العلماء فسأذكر أبرز أقوالهم بإيجاز، مع تعيين الراجح منها: القول الأول: أنها من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. الثاني: أنها حروف كل حرف يرمز إلى معنى، واختلفوا فيما يرمز إليه كل حرف. الثالث: أنها للتنبيه ولفت نظر المشركين إلى القرآن وتدبره. الرابع: أنها أسماء السور التي افتتحت بها. الخامس: أنها من أسماء الله تعالى. السادس: أنها أقسام أقسم الله بها. السابع: أنها ذكرت بيانًا لإعجاز القرآن، فمع أن القرآن مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها ومع ذلك فهم عاجزون عن معارضته بمثله. وهذا هو القول الراجح الذي ذهب إليه جمهور المحققين، ويدل عليه أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائما عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه. وممن قال بهذا القول: الفراء، وقطرب، والمبرد، وابن كثير، وابن تيمية، وأبو الحجاج المزي، والزمخشري، وغيرهم. انظر: الطبري 1/ 86 - 96، البغوي 1/ 58، 4/ 159، "زاد المسير" 1/ 20، ابن عطية 1/ 138 - 141، ابن كثير 1/ 38 - 41، الألوسي 1/ 99، المنار 1/ 103، "أضواء البيان" 3/ 3، رسالة "الحروف المقطعة في القرآن"، دراسة ورأي عبد الجبار شرارة.]]. وقوله تعالى ﴿كِتَابٌ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 3.]]: رفعت بالهجاء الذي قبله. قال الزجاج [["معاني القرآن إعرابه" للزجاج 3/ 37.]]: وهذا غلط [[وتعقب هذا القول أيضًا الطبري 11/ 179 فقال: "فأما قول من زعم أن قوله ﴿الر﴾ مراد به سائر حروف المعجم التي نزل بها القرآن، وجعلت هذه الحروف دلالة على جميعها، وأن معنى الكلام: "هذه الحروف كتاب أحكمت آياته" فإن الكتاب على قوله ينبغي أن يكون مرفوعًا بقوله: ﴿الر﴾ اهـ.]]؛ لأنه جعل كتاب خبر ﴿الر﴾ و ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ليس هو ﴿الر﴾ وحدها، قال الفراء: وإن شئت أضمرت له ما يرفعه، كأنك قلت: هذا كتاب، ووافقه الزجاج على هذا القول. وقول تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، ذكرنا أن معنى الإحكام في اللغة منع الفعل من الفساد [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 886 (حكم)، "مقاييس اللغة" 2/ 91، "لسان العرب" 2/ 952 (حكم).]]، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أحكمت آياته: أي لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها، وقال قتادة [[الطبري 11/ 180، وعبد الرزاق 2/ 301، وابن أبي حاتم 6/ 1995، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 578، و"زاد المسير" 4/ 73، والبغوي 4/ 159.]] ومقاتل [[تفسير مقاتل 143 ب، الثعلبي 7/ 32 ب، "زاد المسير" 4/ 73.]]: أحكمت آياته من الباطل. قال ابن الأنباري [[انظر: "زاد المسير" 4/ 74.]]: فعلى قول الكلبي: المعنى أحكمت بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ، وما نسخ من القرآن لا يدخل في هذا الإحكام، وأوقعت الآيات على بعضها على مذهب العرب في إيقاع اسم الجنس علي النوع حين يقولون: أكلت طعام [[في (ي): (الطعام).]] زيد، يعنون بعض طعامه، وعلى قول قتادة تلخيص معنى الآية: أحكمت آياته بعجيب النظم، وبديع المعاني، ورصين اللفظ الذي يحسم طمع كل مفتر في التشبيه به، وآيات القرآن كلها معجزة غير مقدور على مثلها لبديع نظمها. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 138، "زاد المسير" 4/ 74، البغوي 4/ 159.]] في رواية الكلبي: بينت بالأحكام من الحلال والحرام، وهو قول قتادة [[الطبري 11/ 180، وابن أبي حاتم 6/ 1959، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 578.]]. وقال الحسن [[الطبري 11/ 179، الثعلبي 7/ 532، ابن أبي حاتم 6/ 1995، ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 578، "زاد المسير" 4/ 74.]]: فصلت بالثواب والعقاب، وهو معنى قول أبي العالية [[الثعلبي 7/ 32 ب، القرطبي 9/ 3.]]: بالوعد والوعيد. قال أبو إسحاق [["معانى القرآن وإعرابه" 3/ 37.]]: المعنى -والله أعلم-: إن آياته أحكمت وفصلت بجميع ما يحتاج إليه من الدلالة على التوحيد وتثبيت نبوة الأنبياء وإقامة الشرائع. وقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 138 بمعناه.]]: من عند حكيم في خلقه، خبير بمن يصدق نبيه ويوحده، وبمن يكذب نبيه ويتخذ معه إلهًا.

هود 11:2

قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 38.]]: [المعنى أحكمت وفصلت لئلا تعبدوا إلا الله، وهو معنى قول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 3.]]، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 38.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، ويجوز أن يكون المعنى: أمركم ألا تعبدوا إلا الله، وموضع (أن) نصب على كل حال [[أي على القولين وأنها منصوبة.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ﴾، قال صاحب النظم [[هو: أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني،]]: هذا مضاف إلى النبي ﷺ، ولو كان الخطاب عن الله تعالى لقال إنه لكم، والتأويل في النظم: قل لهم يا محمد ﴿الر كِتَابٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ إلي قوله: ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾، فهذا كله من كلام النبي ﷺ مأمورًا به أن يقوله، وقد قيل: إن نظمه مثل نظم قوله: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ [إبراهيم: 1] الآية .. وعلى تأويل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ليقول للناس ويأمرهم ألا يعبدوا إلا الله.

هود 11:3

قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآية، (أن) هذه معطوفة على (أن) في قوله (أن لا تعبدوا)، وهي في محل النصب بإلقاء الخافض في قول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 3.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 38.]]. وقال الكسائي [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 272.]] في قوله ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾: التقدير فيه (بأن لا تعبدوا) و (بأن استغفروا)، وعلى هذا الجار يتعلق بالنكرة الموصوفة وهي قوله ﴿كِتَابٌ﴾ كأنه قيل كتاب بهذا، وما بعد قوله ﴿كِتَابٌ﴾ إلى قوله ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ من صفة النكرة، ويعود التأويل إلى ما قاله الفراء [["معاني القرآن" 2/ 3.]]: كتاب فصلت آياته بأن لا تعبدوا، وبأن استغفروا ثم ألقى الخافض [[ما سبق موجود في الثعلبي 7/ 32 بمعناه.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، قال أهل المعاني [[القرطبي 9/ 3 بنحوه، "فتح القدير" 2/ 695.]]: إنما رتبت التوبة بعد الاستغفار؛ لأن المعنى اطلبوا المغفرة تم توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة [[في (ي): (بالمغفرة فالتوبة).]]، فالمغفرة أول في الطلب وآخر في السبب، وقيل: المعنى استغفروا ربكم من ذنوبكم السالفة، ثم توبوا من المستأنفة متى وقعت منكم المعصية. وحكي عن الفراء [[البغوي 6/ 159، "زاد المسير" 4/ 75، الثعلبي 7/ 32.]] أنه قال: ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا بمعنى الواو، ومعناه: وتوبوا إليه. وقوله تعالى: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، قال ابن عباس [["زاد الميسر" 4/ 75.]]: [في رواية عطاء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي). قال ابن حجر: "ومن طريق ابن جريج رضي الله عنه عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس لكن فيما يتعلق بالبقرة وآل عمران، وما عدا ذلك يكون عطاء -رضي الله عنه- هو الخراساني، وهو لم يسمع من ابن عباس رضي الله عنهما فيكون منقطعًا إلا إن صرح ابن جريج بأنه عطاء بن أبي رباح. "العجاب في بيان الأسباب" / 5 أ. وانظر: "الدر" 3/ 578.]]: يريد أن يتفضل عليكم بالرزق والسعة [[ساقط من (ي).]] حلالًا طيبًا إلى أجل الموت، قال مقاتل [[القرطبي 9/ 4، "تفسير مقاتل" 143ب.]]: فأبوا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ [[أخرجه البخاري (4821، 4822)، كتاب: تفسير سورة الدخان، باب: قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، باب: قوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، وأحمد 1/ 381 بلفظ: "إنما كان هذا؛ لأن قريشا لما استعصت على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهدوا حتى أكلوا العظام .. الحديث". وأخرجه البخاري بلفظ "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم السنة حتى حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والجلود".]] وابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة، والقد [[القد: الجلد. انظر: "تهذيب اللغة" (قدد) 3/ 2895، "اللسان" (قدد) 6/ 3543.]]، والكلاب، والجيف. وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 38. وانظر: "التهذيب" (متع) 4/ 3459.]] في قوله: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾: أي يبقكم ولا يستأصلكم بالعذاب كما استأصل أهل القرى الذين كفروا. وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ قال قتادة [[الطبري 15/ 231، البغوي 4/ 160، القرطبي 9/ 4، ابن أبي حاتم 16/ 1997.]]: يعني في الآخرة، والمعنى: يعطي كل ذى عمل صالح أجره وثوابه، فسمى الجزاء باسم الابتداء [[العبارة السابقة من كلام الثعلبي 7/ 33 أ.]] وأراد: ويؤت كل ذي فضل ثواب فضله أو جزاء فضله، فحذف المضاف، وهذا أقوى بما قال ابن عباس: يريد أن منازل الآخرة بعضها أفضل من بعض، كما أن صلاح الناس في الدنيا بعضهم أفضل من بعض، ونحو هذا قال أبو العالية [[الثعلبي 7/ 33 أ، البغوي 4/ 160.]]: من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجات في الجنة؛ لأن الدرجات تكون بالأعمال. وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 38.]]: أي من كان ذا فضل في دينه، فضله الله في الثواب، وفضله في المنزلة. وهذه الأقوال معناها واحد، والفضل معناه فضل الدين والصلاح وكثرة الطاعة. وقال مجاهد [[الطبري 11/ 182، الثعلبي 7/ 33 أ، القرطبي 9/ 4، ابن أبي حاتم 6/ 1998.]]: هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، أو ما تطوع به من ماله؛ وعلى هذا، الفضل يعني به: ما تبرع به الإنسان من عمل صالح ببدنه أو بماله. وقوله تعالى: ﴿فَضْلَهُ﴾ أي ثواب ذلك الفضل وجزاؤه. وقال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 33 أ، البغوي 4/ 160.]]، وابن مسعود [[الطبري 11/ 182، الثعلبي 7/ 33أ، ابن عطية 7/ 236، ابن كثير 2/ 477.]]، والكلبي [["تنوير المقباس" 138.]]: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ كل من فضلت حسناته على سيئاته ﴿فَضْلَهُ﴾ يعني الجنة، وهي فضل الله، والكناية في ﴿فَضْلَهُ﴾ على هذا تعود إلى الله تعالى ذكره. وهذا القول أحسن الأقوال وعليه المفسرون [[الطبري 11/ 182، الثعلبي 7/ 33 أ، القرطبي 9/ 4. والقول الآخر هو: أن الكناية في ﴿فَضْلَهُ﴾ تعود على العبد، والمعنى: ويؤت كل من زاد في إحسانه وطاعاته ثواب ذلك الفضل الذي زاده". "زاد المسير" 4/ 75، ابن عطية 7/ 236.]]، قال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة. وقال ابن مسعود في هذه الآية: الحسنة بعشر، والسيئة واحدة، فويل لمن غلبت آحادُه أعشارَه. وهذا ترغيب في عمل الخير. وقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 138 بمعناه، "زاد المسير" 4/ 76.]]: يريد عن الإسلام، ﴿أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ في الآخرة، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾، وهو يوم القيامة.

هود 11:5

قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الآية، قوله: ﴿يَثْنُونَ﴾ أصله من ثنيت الشيء إذا حنيته وعطفته وطويته، وانثوى [[في (ي): (أثوى)، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 504: (اثنوني صدره ..).]] صدره على البغضاء، أي انحنى وانطوى [[ما سبق من "تهذيب اللغة" 1/ 504، وانظر: "اللسان" 1/ 511 - 512.]]. وروي عن ابن عباس [["معاني القرآن" للفراء 2/ 3، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 39، "الطبري" 11/ 185. ونسب ابن عطية هذه القراءة أيضًا إلى مجاهد، وابن يعمر، وابن بزي، ونصر بن عاصم، والجحدري، وابن إسحاق، وأبي رزين، وعلي بن الحسين، وأبي جعفر محمد بن علي، ويزيد بن علي، وجعفر بن محمد، والأسود، والضحاك. ابن عطية 7/ 239، البحر المحيط 5/ 202.]]: [أنه قرأ ﴿ثنوني صدورهم﴾ وكل شيء عطفته فقد ثنيه. قال ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] في رواية الكلبي: نزلت في الأخنس [[الثعلبي 7/ 33 أ، "أسباب النزول" للواحدي ص 271، "زاد المسير" 4/ 76، "البحر المحيط" 5/ 202. والقول بأنها نزلت في الأخنس بن شريق فيه نظر من وجوه: أولاً: عدم ثبوت الرواية بذلك. ثانيًا: قد صحت الرواية في سبب نزول الآية غير هذا، وهو ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: أناس كانوا يستحبون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. ثالثًا: أن الآية مكية، والنفاق ظهر في المدينة فكيف تكون الآية نازلة في المنافقين؟! رابعًا: أن الأخنس في عداد الصحابة كما ذكر ابن حجر في "الإصابة" 1/ 25 قال: "أسلم الأخنس فكان من المؤلفة، ثم شهد حنينا، ومات في أول خلافة عمر .. وذكر الذهلي في الزهريات بسند صحيح عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا سفيان وأبا جهل والأخنس اجتمعوا ليلاً يسمعون القرآن سرًا فذكر القصة: وفيها أن الأخنس أتى أبا سفيان فقال: ما تقول؟ قال: أعرف وأنكر، قال أبو سفيان: فما تقول أنت؟ قال: أراه الحق" وقد عدّه في الصحابة: ابن شاهين، وابن فتحون عن الطبري ا. هـ. انظر: "روح المعاني" للآلوسي11/ 211، "أضواء البيان" 3/ 12.]] بن شريق؛ وكان رجلا حلو المنطق، يلقى رسول الله ﷺ بما يحب، وينطوي له [[ساقط من (ب).]] على ما يكره، ويضمر في قلبه خلاف ما يظهر، واختار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 3.]] هذا القول وقال: "نزلت في بعض من كان يلقى النبي ﷺ بما يحب، وينطوي له على العداوة والبغض، فذلك الثني وهو الإخفاء، وبنحو من هذا قال الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 38. وانظر: "تهذيب اللغة" (غشى) 3/ 2969.]] فقال: قيل إن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد، كيف يعلم بنا، فأنبأ الله -عز وجل- عما كتموه، ومعنى: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ أي: يعطفونها ويطوونها على عداوة محمد ﷺ، وفي الآية محذوف تقديره: يثنون صدورهم على عداوته أو على بغضه؛ لأنَّ ثنَي الصدر عطفُه على ما أضمره. وقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾، أي ليتواروا عنه ويكتموا عداوته؛ لئلا يظهروا [[في (ب): يظهر.]] بعداوته، والهاء تعود على محمد ﷺ. وقال الحسن [[الطبري 11/ 184، القرطبي 9/ 5، ابن أبي حاتم 6/ 2000.]] ومجاهد [[الطبري 11/ 184، والثعلبي 7/ 33 ب، وابن أبي حاتم 6/ 2000، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 579، والبغوي 4/ 161، وابن عطية 7/ 241.]]: يعني من الله، وهذا جهل منهم بالله -عز وجل-، فقال الله تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ قال قتادة [[الطبري 11/ 184، ابن أبي حاتم 6/ 2000، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 580، والثعلبي 7/ 33 ب، و"زاد المسير" 4/ 78، والقرطبي 9/ 6، وعبد الرزاق 2/ 301.]]: وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حتى صدره واستغشى ثوبه وأضمر ما كنه في نفسه. وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 78. "البحر المحيط" 5/ 203.]]: أعلم الله أن سرائرهم يعلمها كما يعلم مظهراتهم، فإن الذي يسترونه ويغيبونه ظاهر عند الله غير غائب عنه، وفي الآية قولان آخران [[ساقط من (ي).]]: أحدهما: أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا لشدة عداوتهم لرسول الله ﷺ[وبعدهم عن الحق إذا سمعوا رسول الله ﷺ]، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] يقرأ القرآن حنوا صدورهم، ونكسوا رؤوسهم، وتغشوا ثيابهم ليبعد عنهم صوت رسول الله ﷺ ولا يدخل أسماعهم شيء من القرآن [[من كلام ابن الأنباري. انظر: "زاد المسير" 4/ 77، "البحر" 5/ 203.]]، فنعى الله عليهم هذا القبيح من فعلهم، وأعلم أنه يعرف معتقداتهم، ولا يخفى عليه مخبآتهم، ومن كان علمه بهم هذا العلم كان حقيقًا أن تتقى سطواته، وهذا معنى قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 143 ب.]] وقتادة: كانوا ينكسون رؤوسهم على صدورهم كراهية لاستماع القرآن. وقال قتادة [["زاد المسير" 4/ 77، والطبري 15/ 235، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2000، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 580.]]: يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله -عز وجل- ولا ذكره. قال ابن الأنباري: فالهاء في هذا القول عائدة على رسول الله ﷺ، وعلى القول الأول احتمل أمرين. القول الثاني -وهو قول عبد الله بن شداد [[هو: عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي أبو الوليد المدني، ولد على عهد النبي ﷺ، وذكره العجلي من كبار التابعين الثقات، وكان معدودًا في الفقهاء، قتل سنة 81، وقيل 83 هـ. انظر: "التقريب" ص 307 (3382)، "الكاشف" 1/ 561.]] - قال: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مرَّ برسول الله ﷺ ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه، وغطى وجهه لئلا يراه النبي ﷺ [[الطبري 11/ 183، وسعيد بن منصور وابن المنذر وأبي حاتم 6/ 1999، == وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 579، والبغوي 4/ 161، و"زاد المسير" 4/ 76، والقرطبي 9/ 5.]]، وهذا القول هو الأليق بظاهر اللفظ، ولا يحتاج معه إلى إضمار [[قلت: بل الراجح بخلاف ذلك، فإن الهاء في (منه) تعود على اسم (الله) ولم يرد ذكر النبي ﷺ، ولذا أخبرهم جل وعلا أن استخفاءهم عن الله جهلٌ منهم فقال: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. وقد رجح هذا القول الطبري 11/ 185، وابن عطية 7/ 241 قال: "هذا هو الأفصح الأجزل في المعنى" وابن كثير 2/ 478.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 138.]]: يريد بما [[بياض في (ب).]] في النفوس: يعني من الخير والشر. قال أبو بكر: معناه بحقيقة ما في القلوب من المضمرات؛ فتأنيث ﴿بذات﴾ لهذا المعنى. قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، قال القرظي [[هذا القول ذكره البغوي 4/ 161، "زاد المسير" 4/ 78.]] يعني [[ساقط من (ب).]]: ما من حيوان يدب، وأدخلت الهاء في الدابة؛ لأنه أريد به الجماعة التي تدب. وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 50 عند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ النور: 45.]]: الدابة اسم لكل حيوان مميز وغيره، وعلى هذا، الدابة: اسم من الدبيب، بني على هاء التأنيث وأطلق على كل حيوان ذي روح ذكر [[كذا في النسخ، والصحيح (ذكرًا) بالنصب.]] كان أو أنثى. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، قال المفسرون [[الثعبي 7/ 533، البغوي 4/ 161، "زاد المسير" 4/ 78، القرطبي 9/ 6.]]: فضلا لا وجوبا، والله تعالى تكفل بذلك بفضله، وذهب بعض أهل المعاني إلى أن ﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى (من) كقول الشاعر [[هو: قحيف العقيلي، وعجزه: لعمر الله أعجبني رضاها وهو في "النوادر" ص481، "الكامل" 2/ 190، "الخصائص" 2/ 311، 389، "الهمع" 4/ 176، "اللسان" 3/ 1663 (رضي)، "الخزانة" 10/ 132.]]: إذا رضيت عليَّ بنو قشير أي: مني، ويدل على صحة هذه قول مجاهد [[الطبري 12/ 1، ابن أبي حاتم 6/ 2001، ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 580. الثعلبي 7/ 33 ب، البغوي 4/ 161 - 162، "زاد المسير" 4/ 78، القرطبي 9/ 6.]]: ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعًا. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ أي: حيث تؤوي إليها، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموت، وهو قول ابن عباس [[الطبري 12/ 2، عبد الرزاق 2/ 320، ابن أبي حاتم 6/ 2001، 2003، ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 581، البغوي 4/ 162، الثعلبي 7/ 34 أفي الهامش، القرطبي 9/ 8.]] والربيع [[الثعلبي 7/ 34 أ، القرطبي 9/ 8، الطبري 12/ 2، ابن أبي حاتم 6/ 2003.]] واختيار الفراء [["معانى القرآن" 2/ 4.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 39.]] وابن الأنباري. قال الفراء: ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تأوي ليلاً أو نهارًا، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه أو تدفن، ونحو هذا قال الزجاج وأبو بكر، ومضى استقصاء تفسير المستقر والمستودع في سورة الأنعام [[خلاصة ما ذكره في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أن المستقر في الرحم والمستودع في أصلاب الرجال.]]. قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 138.]] والمفسرون [[الثعلبي 7/ 34 أ، البغوي 4/ 162، "زاد المسير" 4/ 79، "تفسير مقاتل" 144 أ.]]: اللوح المحفوظ. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 39.]]: والمعنى أن ذلك ثابت في علم الله -عز وجل- ومثله قوله [[ساقط من (ب).]]: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22] وذكرنا قبل هذا فائدة إثبات ذلك في قوله: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [[الأنعام: 59. وقد نقل هنالك عن ابن الأنباري قوله: "وفائدة كتب الله ذلك في اللوح المحفوظ مع علمه، وأنه لا يفوته شيء، هو أنه -عز وجل- كتب هذه الأشياء وأحصاها قبل أن تكون؛ لتقف الملائكة على نفاذ علمه، وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء، فيكون في ذلك عبرة للملائكة الموكلين باللوح؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث من الأمور فيجدونه موافقًا له".]].

هود 11:7

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ مضى تفسير هذا القدر من الآية في سورة "الأعراف" [54]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ يعني قبل أن يخلق السماء والأرض، قال كعب [[الثعلبي 7/ 34 أ، البغوي 4/ 162، القرطبي 9/ 8. قلت: هذا من الإسرائيليات، ويؤيدها ما روى الطبري 12/ 5، وابن أبي حاتم 6/ 2005 من طريق سعيد بن == جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. قال: على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح. قال أحمد شاكر: رواه الحاكم في المستدرك 2/ 341، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي.]]: خلق الله ياقوتة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء. وقال أهل المعاني: وفي وقوف العرش على الماء، والماء غير قرار أعظم الاعتبار لأهل الأفكار. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 40.]]: وهذا يدل على أن العرش والماء كانا قبل السموات والأرض. وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 79، الثعلبي 7/ 34 أ، القرطبي 9/ 9.]]: أيكم أعمل بطاعة الله. قال أبو بكر: معناه: ليختبركم فيعلم وقوع الفعل منكم، الذي به تستحقون الثواب أو العقاب؛ وذلك أن الله تعالى لا يثيب ولا يعاقب بالسابق في علمه، لكنه يجازي بأفعال الفاعلين بعد وقوعها، فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ وهو يعني [ليعلم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] إحسان المحسن وإساءة المسيء بعد وقوعها، وهذا معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 40.]]. وقال آخر من أهل المعاني: ليعاملكم معاملة المختبر المبتلي مظاهرة في العدل؛ لئلا يتوهم أنه مجازي العباد بحسب ما في المعلوم أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه. قال أبو بكر: واللام في ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ متعلقة بالفعل الأول ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني لكي يختبركم بالمصنوعات فيها من آياتها، فيثيب المطيع المعتبر بما يرى ويشاهد، ويعاقب أهل العناد للحق. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ إلى آخر الآية، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 40.]]: أعلمهم الله -عز وجل- أن القدرة على خلق [السموات والأرض] [[في (ج): (الأشياء).]] تدل على بعث الموتى، ومعنى هذا ما ذكره؛ أبو بكر؛ وهو أنه قال: إنما ذكر الله تعالى جحد أهل الكفر البعث بعد خلق السموات والأرض للابتلاء؛ لأن الكفار كانوا معترفين بابتداء خلق الله الأشياء وأنكروا البعث، فعجب من أنهم يجحدون من البعث ما ابتداء [[هكذا في (ب)، وفي (ي): يجحدون من البعث من ما ابتداء الخلق أعظم منه. اهـ.]] الخلق أعظم منه، فمن اعترف بالعظيم لزمه أن لا يجحد ما يصغر شأنه في جنب ما قد صدقه. وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وليس هذا القول الذي ذكره الله -عز وجل- يوجب أن ينسب إلى السحر؛ لأن هذا خبر وليس بفعل ناقض للعادة، وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 40.]]: السحر باطل عندهم، وكأنهم قالوا إن هذا إلا باطل بيّن، يعني هذا القول الذي يقول لنا: أنا نبعث بعد الموت. وقال صاحب النظم: معنى السحر هاهنا الخداع، ومن هذا قوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [[الإسراء: 47، الفرقان: 8.]] أي مخدوعًا؛ لأن به سحرًا قد عمل به.

هود 11:8

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ﴾ الآية، اللام في ﴿وَلَئِنْ﴾ لام القسم، وقوله تعالى: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾: إلى أجل وحين معلوم، قاله ابن عباس [[الطبري 12/ 7، عبد الرزاق 2/ 302، ابن أبي حاتم 6/ 2007.]]، ومجاهد [[الطبري 12/ 6، ابن أبي حاتم 6/ 2007.]]، وأهل التفسير [[الطبري 12/ 6، الثعلبي 7/ 34 ب، البغوي 4/ 163، القرطبي 9/ 9، "زاد المسير" 4/ 80. وقد روي هذا القول عن قتادة والضحاك وغيرهما كما في: الطبري 12/ 6.]]. قال ابن الأنباري [["الزاهر" 1/ 150.]]: والأمة هاهنا: المدة من أوقات الزمان. وفي قوله تعالى: ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ [إشارة إلى القلة أو إلى العلم بتلك المدة؛ لأن الله تعالى قضى في سابق علمه لعذابهم وقتًا مؤقتًا وأمة معدودة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. وذكرنا ما قيل في الأمة عند قوله ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [[البقرة: 128. وقال هناك: وقال الضحاك: "الأمة في اللغة تكون على وجوه: الأمة: الجماعة من كل شيء، من ذلك أمة محمد ﷺ، ويقال: فلان أمة وحده، أي يسد مسد جماعة، ويقال: فلان حسن الأمة، إذا مدح بالتمام واستجماع الخلق على الاستواء، ومنه قوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، بعد حين من الدهر وذلك لجماعة الشهور والأعوام .. ".]]. وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ أي: ما يحبس العذاب عنا؛ تكذيبًا واستهزاءًا وإنكارًا لوقوعه. فقال الله -عز وجل-: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 10، وغيره، وراجع هذا القول في تفسير سورة الحجر: 95، "البحر المحيط" 5/ 205.]]: وهو قتل جبريل المستهزئين، وقتل المؤمنين [[في (ي): (المستهزئين).]] المشركين يوم بدر. قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 80.]]: يريد: إذا أخذتهم سيوف محمد ﷺ وأصحابه [لم تغمد عنهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] حتى يباد أهل الكفر وتعلوا كلمة الإخلاص، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 40.]]: ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بمصروف، والمعنى: ليس العذاب مصروفًا عنهم يوم يأتيهم. قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾، قال ابن عباس [[ابن عطية 7/ 246 - 247.]]: حلّ بهم، وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 44 أ.]]: دار بهم، وقال يمان [[ابن عطية 7/ 247، القرطبي 9/ 111،"معاني القرآن للنحاس" 3/ 333.]]: أحاط بهم، وقال الأخفش [[البغوي 4/ 163، "زاد المسير" 4/ 80، القرطبي 9/ 10، "مجاز القرآن" 1/ 285، الطبري 12/ 7، "هو سعيد بن مسعدة مولى بني مجاشع يلقب بالراوية، أحذق أصحاب سيبويه توفي سنة 215 هـ. انظر: "تاريخ العلماء النحويين" ص 85، الأعلام 3/ 102.]]: نزل، [وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 41، "تهذيب اللغة" 1/ 708 (حاق).]]: أحاط بهم العذاب الذي هو جزاء ما كسبوا، وكانوا به يستهزءون، فقوله: ﴿مَا﴾ المضاف إليه محذوف أي: جزاء ما كانوا به يستهزءون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وهو العذاب؛ لأنهم كانوا يستهزءون وينكرون وقوع العذاب بهم.

هود 11:9

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾، قال المفسرون [["زاد المسير" 4/ 80 نسبة إلى ابن عباس. القرطبي 9/ 10، "معاني القرآن" للنحاس 3/ 334، البغوي 4/ 163، وضعف هذا القول ابن عطية 7/ 247 - 248.]] يعني بهذا الوصف المذكور في هذه الآية والتي بعدها: الكافرين. وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 41.]]: الرحمة هاهنا: الرزق، والإنسان اسم الجنس في معنى الناس، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 80، "البحر المحيط" 5/ 206، والقرطبي 9/ 10.]]: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقال غيره [["زاد المسير" 4/ 80، القرطبي 9/ 10.]]: في عبد الله بن أبي أمية المخزومي. وقوله تعالى: ﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾، قال ابن عباس [[رواه الطبري 12/ 7 عن ابن جريج بنحوه. البغوي 4/ 163، الثعلبي 7/ 34 ب.]]: يريد يؤوسٌ [[في (ب): (مؤنس).]] من رحمته كافر بالنعمة. وقال أهل المعاني: الآية صفة ذم؛ لأنه للجهل بسعة رحمة الله التي توجب قوة الأمل يستشعر اليأس [[في (ب): (الناس).]]، وبيان عما يوجبه الخلق السوء من القنوط من الرحمة عند نزول الشدة.

هود 11:10

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 80، القرطبي 9/ 11، الطبري 12/ 8 بمعناه.]]: يريد صحة وسعة في الرزق بعد مرض وفقر، وقال أهل المعاني: النعماء: إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة تظهر الحال بها؛ لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة من نحو (حمراء) و (عوراء)، وهذا فرق بين النعمة والنعماء. وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾، يريد: الضُّرَّ والفقر، ومعنى السيئات: الخصال التي تسوء صاحبها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 81.]]: يريد يفاخر أوليائي بما وسعت عليه، وهذا بيان عما يوجبه بطر النعمة من تناسي حال الشدة، وترك الاعتراف بنعمة الله وحمده على ما صرف عنه من الضرّ مع المرح والتكبُّر على عباد الله.

هود 11:11

قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُو﴾ يعني [["زاد المسير" 4/ 81. ابن أبي حاتم 6/ 2008 عن زيد بن أسلم.]] أصحاب النبي ﷺ، والمؤمنين، مدحهم بالصبر على الشدة والمكاره، وهذا استثناء منقطع، وليس من الأول، ومعناه: لكن الذين صبروا، وهذا قول الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 575.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 41.]]، وابن الأنباري. وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 4.]]: هو استثناء متصل من قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ لأنه [[في (ي): (الآية).]] في تأويل جمع كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: 2، 3]. قال أبو بكر: هذا ضعيف؛ لأنه يوجب أن تحت "الإنسان" مؤمنين وكافرين، وقد بين الله اختصاص الكفر معه بقوله: {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ}، فإن ذهب ذاهب إلى أن المراد به كفر النعمة كان اتصال الاستثناء محتملا على ضعفه، وأهل العلم بالقرآن على الأول. وقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: في الشدة والنعمة.

هود 11:12

قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ﴾ الآية، قال أهل التفسير [[الثعلبي 7/ 35 أ، البغوي 4/ 164، "زاد المسير" 4/ 82، الرازي 17/ 193، "البحر المحيط" 5/ 207.]]: قال المشركون للنبي ﷺ: ائتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك. وقال له بعضهم: هلا ينزل عليك ملك يشهد لك بالصدق، أو تعطى كنزًا تستغني به أنت وأتباعك، قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 144 أبمعناه، "زاد المسير" 4/ 82، البغوي 4/ 164، القرطبي 9/ 12، ورد على هذا القول ابن عطية 7/ 249 قال: "فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي إليه ولا ضاق صدره، وإنما ذكر ذلك للرد على أقوالهم".]]: فَهَمَّ رسول الله ﷺ أن يدع سب آلهتهم، فأنزل الله هذه الآية. ومعنى قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أي أنه لعظيم ما يرد على قلبك من تخليطهم، تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربك. قال ابن الأنباري: وقد علم الله تعالى أن النبي ﷺ لا يترك شيئًا مما يوحى إليه إشفاقًا من موجدة أحد أو غضبه، ولكنه أكد عليه في متابعة الإبلاغ، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67] الآية، وقال ابن عباس: هذا أدب من الله لنبيه ﷺ، وتحريض على طاعته، والله من وراء ذلك له في العصمة. قوله تعالى: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾، الضائق بمعنى الضيق، والفرق بينهما أن الضائق يكون بضيق عارض خلاف اللازم وضائق هاهنا أحسن، من وجهين: أحدهما: أنه عارض. والآخر: أنه أشكل بـ (تارك). وقوله تعالي: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 5.]]: تقديره: مخافة أن يقولوا وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 41.]]: كراهة أن يقولوا. وقال غيرهما [[الثعلبي 7/ 35 أ.]]: التقدير (بأن يقولوا) أو (لأن يقولوا)، والمعنى: لعلك تارك بعض ما يوحى إليك مخافة [هذا القول منهم، أو كراهة هذا القول، أو تارك إياه لهذا القول منهم [[هنا زيادة: (أو لهذا القول منهم).]]، على ما ذكرنا من التقديرات، ومحل (أن) نصب؛ لأن الخافض ألقي فوصل الفعل، و (أن) من صلة قوله ﴿تَارِكٌ﴾؛ لأن هذا القول منهم هو الحامل على أن يترك بعض ما يوحى إليه] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ي).]]، والتأويل: قولهم (لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك) باعثك على أن نترك بعض ما يوحى إليك، والكناية في قوله ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ تعود إلى (ما) [[ساقط من (ي).]] ﴿بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [[هكذا في جميع النسخ والأولى أن يقول: في قوله تعالى: ﴿بَعْضَ مَا يُوحَى﴾.]]، وإنما يضيق صدرك؛ لأنه يخاف الله في كتمانه وترك إظهاره، ويخاف لائمتهم في الإظهار فيضيق صدره. وقال ابن الأنباري: التأويل وضائق بإظهاره صدرك. قال: ويجوز أن تكون ﴿أَنَ﴾ في موضع خفض بالرد على الهاء في به، يراد: وضائق صدرك بأن يقولوا لولا أنزل عليه [[في (ي): (عليه).]] كنز. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 41.]]: أي إنما عليك أن تنذرهم وتأتيهم من الآيات بما يوحى إليك، وليس عليك أن تأتيهم بشهواتهم في الاقتراح، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي حافظ لكل شيء، وذكرنا بيان هذا عند قوله ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [[في الأصل: (عند قوله .. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾) وهو خطأ.]] في آخر سورة يونس [[قال عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ يونس: 108: "أي: في منعكم من اعتقاد الباطل، فانظروا لأنفسكم نظر من يطالب بعمله، من غير أن يطالب غيره بحفظه، كأنه قيل: بحفيظ من الهلاك، كما يحفظ الوكيل المتاع من الهلاك".]].

هود 11:13

قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ يعني مثل القرآن في البلاغة؛ وذلك أن القرآن من البلاغة في أعلاها، وأعلى البلاغة معجز. وقوله تعالى ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ أي: بزعمكم، أي إن أصبتم في تكذيب القرآن وقولكم فيه إنه مُفترى، يوجب عليكم أن تأتوا بالمعارضة، كما ادعيتم على النبي ﷺ، فقوله ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ للمقابلة لا لتحقيق وصف القرآن بأنه مفترى [[وهذا كثير في أسلوب القرآن، ومنه قوله تعالى: كلي وَ {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ == مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} النحل: 126، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الشوري: 40.]] ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي إلى المعاونة على المعارضة، وهذا أتمّ ما لِكون من التحدي [[ساقط من (ب).]] في المحاجة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم افتراه. وتفسير مثل هذه الآية قد سبق في سورة يونس عند قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: 38]. قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ [يعني المشركين، لم يستجيبوا لكم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] إلى المعارضة، والخطاب في قوله ﴿لَكُمْ﴾ [[ساقط من (ي).]] للنبي ﷺ[وأصحاب في قول مجاهد [[الطبري 12/ 10، الثعلبي 7/ 35 أ، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 583.]]؛ لأنه قال: عني به أصحاب محمد ﷺ. قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 5.]]: هذا كقوله: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾، [يونس:83] يريد أن خطاب النبي ﷺ في الآية الأولى كخطاب أصحاب النبي ﷺ]، [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، فكأنه قال: قولوا: فأتوا بعشر سور، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1]. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 83، القرطبي 9/ 13، الثعلبي 7/ 35 أ، البغوي 4/ 165.]]: العرب قد تذكر الاسم موحدًا ثم ترجع إلى قوم الاسم وأهله وأصحابه فيجمعون، من ذلك قول الشاعر [[لم أقف عليه، وهو من بحر البسيط.]]: دالت علينا [[في (ب): (عليها).]] يمينًا لا تكلمنا ... من غير [[في (أ، ب، ج): بزيادة (ما) وبها ينكسر البيت.]] بأس ولا من ريبة حلفوا فجعل دالت لواحدة مؤنثة ثم رجع إليها وإلى قومها فجمع وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾، قال ابن الأنباري: هذا خطاب لأهل الكفر بإضمار قول قبله، يراد به: فقولوا لهم: اعلموا أنما أنزل بعلم الله، أي أنزل والله عز وجل عالم بإنزاله، وعالم أنه حق من عنده، ويجوز أن يكون معنى (بعلم الله) أي بما أنبأ الله به من غيب ودلَّ [[ساقط من (ب).]] على ما سيكون وما سلف مما لم [[ساقط من (ي).]] يقرأ به النبي ﷺ كتاباً، والوجهان ذكرهما أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 42.]]. وقال أبو بكر: اعلموا أنما أنزل بعلم الله الذي لكم فيه النفع والشفاء والرشد من أمره ونهيه ووعده ووعيده، وغير ذلك من تعليمه وتشديده، هذا الذي ذكرنا من أن قوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ خطاب للنبي ﷺ وأصحابه، مذهب المفسرين وأصحاب المعاني [[الثعلبي 7/ 35 أ، البغوي 4/ 165، ابن عطية 7/ 252، "زاد المسير" 4/ 83، القرطبي 9/ 13، ابن كثير 2/ 481.]] وقال بعضهم [[رجحه الطبري 12/ 10، واستبعد الأول، ابن عطية 7/ 252، القرطبي 9/ 13، ورجحه الرازي 17/ 196، أبو حيان في "البحر" 5/ 209.]]: الخطاب فيه للمشركين؛ أي فإن لم يستجيبوا [[في (ب): (يستجيب).]] لكم من تدعونهم إلى المعاونة ولا تهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليه الحجة ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ استفهام [[ساقص من (ب).]] معناه الأمر، وقد ذكرنا ما فيه [[في (ب): قبله.]] عند قوله في تحريم الخمر: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [[المائدة:91. وقال هناك: "بين تحريم الخمر في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إذ كان معناه فانتهوا، قال الفراء: ردد عليّ أعرابي: هل أنت ساكت؟ هل أنت ساكت؟ وهو يريد: اسكت! اسكت!. وقال غيره: إنما جاز في صيغة الاستفهام أن تكون على معنى النهي؛ لأن الله تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها، وإذا ظهر قبح الفعل للمخاطب، ثم استفهم عن تركه لم يسعه إلا الإقرار بالترك".]]، والآية بيان عما يوجبه ترك المعارضة -مع التحدي بها، وتوفر الدواعي إليها- من ظهور المعجز المؤدي إلى العلم بصحة الأمر فيه.

هود 11:15

قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، المعنى: من يريد الحياة الدنيا، و (كان) في تقدير الزيادة، ولذلك جزم جوابه، وهو قوله: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾، هذا معنى قول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 5.]]؛ لأن المعنى فيما بعد ﴿كَانَ﴾ [[في (ي): (قدكان).]]؛ فكأن ﴿كَانَ﴾ تبطل في المعنى، وحكى الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 42. وانظر: "معاني الأخفش" 1/ 455.]] عن المبرد أن معنى ﴿كَانَ﴾ و (تكون) العبارة عن الأحوال فيما مضى وفيما يستقبل، و ﴿كَانَ﴾ تستعمل فيهما جميعًا، فعلى هذا معنى ﴿كَانَ﴾ في الشرط والاستقبال؛ لأن الشرط لا يقع بالماضي، والمعنى: من يكن يريد الحياة الدنيا كقول زهير: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه أي من يهبها، واختلفوا في نزول هذه الآية والتي بعدها، فقال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 84.]] في رواية عطاء: من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب ولا [[ساقط من (ب).]] بالعقاب، وهذا يدل على أن الآية نازلة في أهل الكفر. وقال قتادة [[الطبري 12/ 12، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 585، والثعلبي 7/ 35 أ، وابن كثير 2/ 481، ورواه الدارمي في المقدمة 1/ 81 عن الحسن.]]: من كانت الدنيا همه وسدمه [[السَّدَم -بفتحتين-: الولوع بالشيء واللهج به، وفي الحديث: "من كانت الدنيا همه وسدمه .. ". لسان العرب (سدم) 4/ 1976، "تهذيب اللغة" 2/ 1660.]] ونيته وطلبته، جازاه الله في الدنيا بحسناته، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها، وأما المؤمن فيجازى في الدنيا بحسناته ويثاب عليها في الآخرة، واختار قوم [[البغوي 4/ 165، "زاد المسير" 4/ 84، الرازي 17/ 198، الثعلبي 7/ 35 ب.]] هذا الوجه في النزول، وقالوا: الآية في الكفار بدليل الآية التي بعدها، وقالوا: المؤمن يريد الدنيا والآخرة، وإرادته الآخرة غالبة على إرادته الدنيا، وعلى هذا معنى الآية أن من أتى من الكافرين فعلاً حسناً من إطعام جائع، وكسوة عار، ونصرة مظلوم من المسلمين عجل له ثواب ذلك في دنياه؛ بالزيادة في ماله، والتوسعة عليه في الرزق، وإقرار العين فيما خول، وهذا معنى قول سعيد بن جبير [[الطبري 12/ 11، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 584 - 585، و"المحرر الوحيز" 7/ 254، و"زاد المسير" 4/ 84.]]: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾، قال: ثواب ما عملوا من خير أعطوا في الدنيا، وليس له في الآخرة إلا النار، فإذا جاء هذا الكافر في الآخرة رد منها على عاجل الحسرة؛ إذ لا حسنة لها هناك. وقال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 84.]] في رواية الكلبي عن أبي صالح عنه أنها نزلت في أهل القبلة، وقال مجاهد [[الطبري 12/ 12، الثعلبي 7/ 35 ب، "المحرر الوجيز" 7/ 253، البغوي 4/ 165، "زاد المسير" 4/ 84، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 584.]]: هم أهل الرياء. وقال الضحاك [[الطبري 12/ 12، ابن أبي حاتم 6/ 2011.]]: من عمل عملًا صالحًا من أهل الإيمان من غير تقوى، عجل له ثواب عمله في الدنيا، واختار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 6.]] هذا القول وقال: يقول [[ساقط من (ب).]]: من أراد بعمله من أهل القبلة ثواب [الدنيا عجل له] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ثوابه ولم يبخس أي لم ينقص في الدنيا، ويؤكد هذا ما يروى أن معاوية لما أخبر بحديث أبي هريرة [[أخرج الترمذي (2382) كتاب: الزهد، باب الرياء والسمعة، وأخرجه مسلم (1905) كتاب: الإمارة، باب: من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، "شرح النووي" بنحوه، والطبري 12/ 13، الثعلبي 7/ 35 ب.]] عن النبي ﷺ في أهل الرياء من القراء وأصحاب الأموال والمقاتلين، إذا قيل لهم في الآخرة إنما فعلتم ليقال فلان قارئ، فلان سخي، وفلان جريء، فقد قيل ذلك، والحديث طويل، وفي آخره أن هؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة، ولما أخبر معاوية بهذا بكى بكاء شديدًا، ثم قال: صدق الله ورسوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾، وقرأ الآيتين. قال ابن الأنباري: فعلى هذا القول، المعني [بهذا الوصف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] قوم من أهل الإسلام يعملون العمل الحسن لتستقيم به دنياهم، غير متفكرين في الآخرة وما ينقلبون إليه، فهؤلاء يعجل لهم جزاء حسناتهم في الدنيا، فإذا جاءت الآخرة كان جزاؤهم عليها النار، إذا لم يريدوا بها وجه الله، ولم يقصدوا التماس ثوابه وأجره، فإن قيل: على هذا القول الآية الثانية توجب تخليد المؤمن في النار؛ لأنه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾، قيل: من مات على الإيمان [لم يخلد في النار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وظاهر هذه الآية يدل على أن من راءا بعمله ولم يلتمس ثواب الآخرة، ونوى بعمله الدنيا، بطل إيمانه عند الموافاة؛ لأن قوله تعالى ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ شامل للإيمان وفروعه. وقال ابن الأنباري: إن القوم لا يخلدون في النار، إذ كان عموم التوحيد معهم، وإنما يحرقون بالنار بالذنوب السابقة، ثم يخرجون منها إلى الجنة [[مذهب أهل السنة والجماعة أن الموحد لا يخلد في النار وإن دخلها فإن مآله إلى الجنة، قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: فإن قيل الآية تقتضي تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار، قيل: إن الله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الدنيا وزينتها وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فهذا أحبط ما ينجو به وبطل، لم يبق معه ما ينحيه، فإن كان معه إيمان لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها بل أراد به الله والدار الآخرة لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذي حبط وبطل، ونجاه هذا الإيمان من الخلود في النار، وإن دخلها بعمله الذي به النجاة المطلقة، فالإيمان إيمانان. إيمان يمنع دخول النار وهو الإيمان الباعث على أن == تكون الأعمال لله وحده، وإيمان يمنع الخلود في النار، فإن كان مع المرائي شيء منه، وإلا كان من أهل الخلود، فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد. "تيسير العزيز الحميد" ص 536.]].

هود 11:17

قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾، يعني بهذا النبي ﷺ في قول عامة المفسرين [[الثعلبي 7/ 36 أ، الطبري 12/ 14 - 15، "الدر المنثور" 3/ 586، "المحرر الوجيز" 7/ 257، "زاد المسير" 4/ 85.]]، وأما البينة فقال ابن عباس [[انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 218، "البحر" 5/ 201.]] في قوله ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾: يريد على يقين، وقال الكلبي [["زاد المسير" 4/ 85.]]: البينة هاهنا الدين، وقال مقاتل ابن سليمان [["زاد المسير" 4/ 85، "تفسير مقاتل" 144 ب.]]: البينة البيان، وقيل [[ذكره ابن أبي حاتم 6/ 2013 عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.]]: يعني بها القرآن. وقوله تعالى: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾، أي ويتبعه، [والهاء تعود على (من)، (شاهد منه)؛ اختلفوا في هذا الشاهد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]؛ فقال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 36 ب، والطبري 12/ 16، وابن أبي حاتم 6/ 2014، وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 587.]] في رواية الضحاك: الشا هد جبريل عليه السلام، ونحو ذلك روى عكرمة [[الثعلبي 7/ 36 ب، الطبري 12/ 16، ابن أبي حاتم 6/ 2014.]] عنه، وهذا قول علقمة [[الثعلبي 7/ 36 ب.]] وإبراهيم [[الثعلبي 7/ 36 ب، الطبري 15/ 273.]]، ومجاهد [[الثعلبي 7/ 36 ب، الطبري 12/ 16.]]، وأبي صالح [[الثعلبى 7/ 36 ب، الطبري 12/ 16.]] وأبي العالية [[الثعلبي 7/ 36 ب، الطبري 12/ 16.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 6.]]، والزجاج [["معاني القرآن" 3/ 43.]]، وابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" 1/ 209.]]. قال ابن قتيبة: والشاهد من الله للنبي ﷺ جبريل؛ يريد أنه يتبعه ويؤيده ويسدده ويشهده. وقال ابن عباس [["تفسير عطاء" / 106، وانظر: "الدر المصون" 6/ 300.]] في رواية عطاء ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ يريد: لسان النبي ﷺ، وهو قول الحسن [[الطبري 12/ 14، الثعلبي 2/ 377، "زاد المسير" 4/ 85، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 218.]]، وقتادة [[الطبري 12/ 15، الثعلبي 7/ 36، ابن أبي حاتم 6/ 2014، البغوي 4/ 167، "زاد المسير" 4/ 85.]]، ورواية محمد بن الحنفية [[الطبري 12/ 14، والثعلبي 7/ 36 ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2014، والطبراني في "الأوسط" 7/ 224 برقم (6824). قال الهيثمي: وفيه خليد بن دعيج وهو متروك "المجمع" 7/ 37، وأبوالشيخ كما في "الدر" 3/ 586، "زاد المسير" 4/ 85.]] عن علي رضي الله عنه قال: قلت لأبي أنت التالي، قال: وما تعني بالتالي؟ قلت: قوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾، قال: وددت أني هو، ولكن لسان الرسول ﷺ، وعلى هذا المعنى قال الزجاج [["معاني القرآن" 3/ 43.]]: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ وكان معه من الفضل ما يبين تلك البينة، وعلى هذا الكناية في ﴿مَنْ﴾، تعود على ﴿مِّن﴾ وقيل: الشاهد هو: النبي ﷺ، وهو قول الحسين [[الطبري 12/ 15، الثعلبي 7/ 36 ب، "زاد المسير" 4/ 86، ابن أبي حاتم 6/ 2014. وقد خطأ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري 15/ 271 النسبة إلى الحسين؛ لأن في "التاريخ الكبير" للبخاري 2/ 2/ 31، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 2/ 1/153 عند ترجمة سليمان العلاف الراوي هنا عن الحسين قالا: (إنه بلغه عن الحسن) والله أعلم.]] بن علي رضي الله عنهما، وابن زيد [[الطبري 12/ 15، القرطبي 9/ 17، ذكره الثعلبي 7/ 36 ب، ولم يعزه.]]، وعلى هذا أراد أن صورة النبي ﷺ ووجهه ومخائله كل ذلك يشهد له؛ لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون ولا كذاب ولا ساحر ولا كاهن، والكناية في ﴿مِنْهُ﴾ تعود على ﴿مَنْ﴾ ويراد به: النبي ﷺ. وحكى ابن الأنباري أن بعض أهل العلم ذهب إلى أن الشاهد ما يشهد بإعجاز القرآن العالمين وإفحامِه أهلَ البلاغة، فالشاهد ما يشهد بأن القرآن غير مقدور على مثله وهو معنى تحت ألفاظ القرآن، وهذا قول الحسين بن الفضل [[الثعلبي 7/ 36 ب، "زاد المسير" 4/ 86، البغوي 4/ 167، القرطبي 9/ 17.]]، قال: هو نظم القرآن وإعجازه، وعلى هذا الكناية في (منه) تعود إلى معنى البينة، ومعناها البيان والبرهان، أي ويتلوه شاهد من ذلك البيان وهو نظمه وإعجازه، قال ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" 1/ 209.]]: وهذا أعجب إليّ؛ لأنه يقول: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ يعني التوراة قبل القرآن تشهد له بما قدم الله فيها من ذكره، قال أبو بكر: وذهب آخرون إلى أن الشاهد الإنجيل، ومعنى ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ على هذا القول أي: ويتلو البينة التي معناها القرآن [في التصديق] [[ساقط من (ب).]]، شاهد من الله وهو الإنجيل، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 6.]]: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ يعني الإنجيل يتلو القرآن، وإن كان قد [[ساقط من (ي).]] أنزل قبله، يذهب إلى أن يتلوه بالتصديق، فعلى هذا جعله الإنجيل تاليا للقرآن في تصديق محمد ﷺ. وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 86.]]: معنى يتلوه على هذا القول هو: أن الله تعالى ذكر محمدًا في الإنجيل وأمر بالإيمان به، فهو تال لمحمد ﷺ لهذا المعنى، وإن كان نزوله قبل مولده وزمانه. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾، أي ومن قبل القرآن، أو من قبل محمد ﷺ، أو من قبل الإنجيل، وارتفع ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ بمضمر بعده، تأويله: ومن قبله كتاب موسى كذلك، أي تلاه في التصديق على ما ذكرنا في الإنجيل، قاله ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 87]]، قال: ويجوز أن يكون رفعًا على أنه فاعل، أي ويتلوه كتاب موسى في التصديق. وذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 44.]] أيضًا هذا الوجه فقال: ويكون ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ عطفًا على قوله ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أي: وكان يتلوه ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾؛ لأن النبي ﷺ بشر به موسى وعيسى في التوراة والإنجيل. قال: ويجوز أن يكون المعنى: وكان من قبل هذا كتاب موسى دليلًا على أمر النبي ﷺ، قال: ونصب ﴿إِمَامًا﴾ على الحال لأن كتاب موسى معرفة. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ وما اتصل به إلى قوله: ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ يقتضي جوابًا بحرف التشبيه وضد معناه، كما قال في موضع آخر: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: 18] وهاهنا ترك الجواب. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن" 3/ 43 بنحوه.]]: والتقدير أفمن هذه حاله كان هو وغيره ممن ليس على [[ساقط من (ب).]] بينة سواء، فترك ذكر المضاد له؛ لأن فيما بعده دليلًا عليه وهو قوله: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ [هود: 24] الآية، ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 6.]] فقال: ربما تركت العرب [[ساقط من (ب).]] جواب الشيء المعروف معناه، كما قال الشاعر [[هو امرؤ القيس يريد: لو شيء أتانا رسوله سواك دفعناه بدليل قوله: "ولكن لم نجد لك مدفعًا". وفي الديوان 242 (أجدك لو شيء ..). "الخزانة" 4/ 227، الطبري 12/ 18، "تهذيب اللغة" 3/ 3845 (وحد)، "معاني القرآن" 2/ 7، "شرح المفصل" 9/ 7، 94، كتاب "الصناعتين" / 182، "اللسان" (وحد) 8/ 4783.]]: فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعًا ومثل هذا من التنزيل قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 9] الآية. ولم يؤت له بجواب، اكتفاء بما بعده من قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ فالقانتون آناء الليل والنهار الذين يعلمون، [وأضدادهم الذين لا يعملون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، فاكتفى من الجواب بما تأخر من القول إذ كان فيه دليل عليه. وقال ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" 1/ 208، وفيه اختلاف يسير.]]: هذا كلام مردود على ما قبله، محذوف منه الجواب للاختصار، وذلك أن الله تعالى ذكر قبل هذا الكلام قومًا ركنوا إلى الدنيا، ورضوا بها عوضًا من الآخرة فقال [[ساقط من (جـ).]]: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [هود: 15] الآية. ثم قايس بين هؤلاء وبين النبي ﷺ، وصحابته فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [هود: 17] كهذا الذي يريد الحياة الدنيا وزينتها، فاكتفى من الجواب بما تقدم، إذ كان فيه دليل عليه، وفي ذكر النبي ﷺ ذكر لأصحابه ولمن آمن واتبعه، ألا ترى أنه قال ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" /139، الثعلبي 7/ 37 ب.]] في رواية عطاء: يريد الذين صدقوا النبي ﷺ من أهل الكتاب، فمن قال بهذا القول قال: يعني أصحاب موسى وعيسى من كان منهم على الطريقة المثلى، واستقام على المنهاج، آمن بمحمد ﷺ. وقال عبد الله بن مسلم [[هو ابن قتيبة، ذكره في "مشكل القرآن وغريبه" 1/ 209.]]: يعني أصحاب محمد ﷺ. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 88.]] قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هو إشارة إلى أهل الحق والمتمسكين بالصواب من أمم موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، وذلك أنه عز وعلا لما وصف محمدًا بما فضله به؛ من تمسكه بالهدى، وشهادة التوراة والإنجيل بصدقه، أشار إلى المؤمنين به، المتمسكين بما يوجد في التوراة والإنجيل والقرآن من صدقه ووضوح أمره، فكانت الإشارة إلى القوم الذين دلَّ ما تقدم على ذكرهم، والكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى محمد ﷺ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، قال ابن عباس [[روي من طرق عن سعيد بن جبير. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، الطبري 12/ 19.]]: يريد الذين كذبوا الأنبياء. والأحزاب: الفرق الذين كذبوا الأنبياء، سموا أحزابًا لأنهم تحزبوا على مخالفة أنبيائهم أي اجتمعوا. وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 8.]]: من الأحزاب أي من أصناف الكفار، فيدخل فيهم اليهود، والنصارى، والمجوس. وقال قتادة [[الطبري 12/ 20، و"زاد المسير" 4/ 88، وأخرجه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 587، وابن أبي حاتم 6/ 2016.]]: هم اليهود والنصارى؛ يدلّ على صحة هذا ما روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي، إلا كان من أهل النار" [[أخرجه أحمد 4/ 396، وأخرجه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 261، 262، وقال: رواه الطبراني واللفظ له، وأحمد بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح، والبزار أيضًا باختصار. وأخرجه النسائي في "التفسير" 1/ 585. وأخرجه الحاكم 2/ 342 من حديث ابن عباس مرفوعًا وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه مسلم (153) كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته من حديث أبي هريرة، والطبري 12/ 19 من طرق.]]، قال أبو موسى: فقلت في نفسي: إن النبي ﷺ لا يقول مثل هذا إلا عن [[في (ب): (علي).]] القرآن، فوجدت الله يقول: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال صاحب النظم: لما قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ دل ذلك على أن من يؤمن به فهو في الجنة؛ لأنه إذا أوجد الشيء بصفة وجب أن يوجد بضد تلك الصفة ضد ذلك الشيء. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، قال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 144 ب، "زاد المسير" 4/ 89.]]: الهاءان تعودان على القرآن، والمعنى فلا تك في مرية من القرآن إنه من الله، إن القرآن هو الحق من ربك [لا كما يقول المشركون من أنك تأتي به من قبل نفسك، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 89، "تنوير المقباس" 139.]]: فلا تك في مرية من أن موعد الكافر النار، إن ذلك هو الحق من ربك] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]. قال أبو بكر: فمن بني على هذا التأويل أعاد الهاءين على التعذيب؛ لأن قوله ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ معناه: فهو معذب، فرجعت الهاء على معنى الكلام، وكان تلخيصها (فلا تك في مرية من تعذيبه؛ إن تعذيبه الحق من ربك)، ولا يستنكر رجوع الهاء على حرف غير مذكور إذا كان المذكور يدلّ عليه. وقال ابن قتيبة [["تأويل مشكل القرآن" 396.]]: الخطاب في قوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ للنبي ﷺ والمراد به غيره. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني أهل مكة [["زاد المسير" 4/ 89.]].

هود 11:18

وقوله تعالي: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ معناه لا أحد أظلم منه، إلا أنه خرج مخرج الاستفهام، مبالغة في أنه أظلم لنفسه من كل ظالم، إذ لا يصح الجواب عمن هو أظلم منه، قال ابن عباس: يريد كذب على الله، مثل قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وذكرنا ما في هذا في سورة الأنعام [[آية:21. وقد نقل هنالك عن ابن عباس قوله: "ومن أكفر ممن اختلق على الله كذبًا فأشرك به الآلهة"، وقال أهل المعاني: (هذا الاستفهام معناه الجحد، أي لا أحد أظلم منه؛ لأنه جوابه كذلك فاكتفى من الجواب بما يدل عليه).]]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾، ذكرنا معنى العرض عند قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [[البقرة:31. قال هنالك: "ومعنى العرض في اللغة: الإظهار، ومنه عرض الجارية وعرض الجند، الليث: ويقال أعرض الشيء، أي بدا وظهر".]]، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 44.]]: والخلق كلهم يعرضون على ربهم، وذكر عرض هؤلاء، توكيدًا لما لهم في الانتقام منهم. قال ابن الأنباري: ومعناه أن العذاب نازل بهم غير مندفع [[في (ي): (منتفع).]] عنهم، فذكر عرضهم تصحيحًا لتعذيبهم، وتحقيقًا لما ينزل بهم، فوقع الاختصاص في الآية لما كان المعنى: أولىك لا يفوتون الله ولا يسبقون [[في (ب): (يشفعون).]] عذابه. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾، الأشهاد: يجوز أن يكون جمع شاهد، مثل صاحب وأصحاب، وناصر وأنصار، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل: شريف وأشراف [[ما سبق من كلام أبي عبيدة. "مجاز القرآن" 1/ 286.]]، قال أبو علي: وهذا كأنه أرجح؛ لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على (فعيل) كقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143] و ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: 89]. قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 89، والبغوي 4/ 168، و"القرطبي" 9/ 18، وهو قول الطبري 12/ 20.]]: يريد الأنبياء والملائكة، وقال مجاهد والأعمش [[الطبري 12/ 20 - 21 عن مجاهد والأعمش وغيرهم. وانظر: "زاد المسير" 4/ 89، والبغوي 4/ 168، والقرطبي 9/ 18.]]: هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا. وقال قتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 304، وابن أبي حاتم 4/ 158 ب.]]: يعني الخلائق، ونحو هذا قال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 144 ب، "زاد المسير" 4/ 89.]]: الأشهاد: الناس؛ كما يقال على رؤوس [الأشهاد، يعني على رؤوس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الناس، فالأشهاد على هذه الأقوال: الأنبياء والملائكة والمؤمنون. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 89.]]: والفائدة في إخبار الأشهاد بما الله يعلمه، تعظيم الأمر على المشهود عليه، وحسم طمعه من أن يجد سبيلا إلى التخلص، بمجاحدة أو مدافعة. وقال غيره: هو توبيخ لهم من الشهداء، وهتك سترهم، وإظهار فضيحتهم. وقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾، قال ابن عباس: زعموا أن لله ولدًا وشريكًا، ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ قال: يريد المشركين، قال الزجاج [[في (ي): (الحجاج).]]: ومعنى لعنة الله: إبعاده من رحمته وعفوه [["معاني القرآن" 3/ 44.]].

هود 11:19

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ مضى تفسيره مشبعًا في سورة آل عمران [[آل عمران: 99، وخلاصة ما ذكره هنالك ما نقله عن أهل المعاني "تأويل الآية: يطلبون أن يعوجوا سبيل الله، وأن يكون فيها عوج؛ لأن معنى ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ الطريق التي هي الوصلة إلى رضا الله، فهم يطلبون أن يعوجوا هذا الطريق، حتى لا يصل إلى رضا الله من سلكها.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 45.]]: ذكر ﴿هُمْ﴾ ثانية على جهة التوكيد لشأنهم في الكفر.

هود 11:20

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، معنى الإعجاز: الامتناع من المراد بما لا يمكن معه إيقاعه؛ يقال: أعجزني فلان: أي امتنع عن مرادي فيه، ومعنى ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ فائتين هربًا فيها، كما يهرب الهارب من عدو قد جدّ في طلبه، هذا معنى قول المفسرين في (معجزين)، فإن ابن عباس قال [[ابن أبي حاتم 8/ 20.]]: سابقين. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 145 أ.]]: فائتين، وقال قتادة: هُرَّابا [[ما سيق ذكره عنهم الثعلبي 7/ 38 أ، وقال به مقاتل بن حيان، ولم أجده في تفسير مقاتل بن سليمان. وانظر: ابن عطية 7/ 264، "زاد المسير" 4/ 90، القرطبي 9/ 19، ابن كثير 2/ 483.]]. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 90 بنحوه.]]: خصّ الله الأرض بالذكر، وهم لا يخرجون عن قبضته في كل موضع، على عادة العرب في قولهم: لا مهرب لك مني، ولا وزر [[الوزر هو: الجبل المنيع عند أهل اللغة. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3883، اللسان (وزر) 8/ 4823 - 4824.]] ولا نفق يعصمانك من عقابي، يعنون بالوزر الجبل، وبالنفق السَّرَب، وكلاهما من الأرض يلجأ إليه الخائف المطلوب، أعلم الله أن هؤلاء الكافرين لا يسبقونه هربًا، ولا يجدون ما يحجز بينهم وبين عذابه من جميع ما يستر من جبال الأرضين وغوامض أمكنتها، وقد قال عطاء عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 90، القرطبي 9/ 19.]] في هذه الآية: يريد لم يعجزوني أن آمر الأرض فتخسف بهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 90، وهو قول الطبري 12/ 22 - 23.]]: يريد ممن يعبدون فتمنعهم مني. وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 45 بنحوه.]] في هذه الآية: أخبر الله أنه لا يعجزه انتقام في دار الدنيا، وأنه لا وَليّ لهم يمنعهم من انتقام الله عز وجل. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 90.]]: وهذا يقتضي محذوفًا تلخيصه: من أولياء يمنعونهم من عذاب الله، ويحاولون نصرتهم، فحذف عند شهرة المعنى، ثم استأنف فقال: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾، قال ابن عباس: يعني يوم القيامة، وقال الزجاج [["معاني القرآن" 3/ 45.]]: وصف مضاعفة العذاب على قدر ما وصف من عظيم كفرهم بنبيه ﷺ وبالبعث والنشور، وقال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 90، والبغوي 4/ 169.]]: استحقوا مضاعفة العذاب لإضلالهم الأتباع، واقتداء غيرهم بهم [[في (ب): (به).]]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا شيئًا من عظمتي وجبروتي، يريد: أني حلت بينهم وبين الإيمان [[الطبري 12/ 22 - 23، الثعلبي 7/ 38 أ، صحيفة علي بن أبي طلحة / 284، "زاد المسير" 4/ 91، البغوي 4/ 169.]]. وقال قتادة [[الطبري 12/ 22، الثعالبي 7/ 38 أ، ابن أبي حاتم 6/ 2018.]]: هم صم عن الحق فلا يسمعون، وعمي فلا يبصرون ولا يهتدون، وقال الوالبي عن ابن عباس [[الطبري 12/ 22، الثعلبي 7/ 38 أ، البغوي 4/ 169، ونصه: "أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة ... إلخ ".]]: حال الله بين أهل الكفر وبين أهل الطاعة في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا ففي قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وأما في الآخرة ففي قوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42]، وهذا مذهب المفسرين في هذه الآية، ذكره الفراء وابن الأنباري. قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 8.]]: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أي أضلهم الله عن ذلك في اللوح المحفوظ. وقال ابن الأنباري: ما كانوا يستطيعون السمع للحق والإبصار إليه لما سبق لهم عند الله من الشقاء. وذكر الفراء [["معاني القرآن" 2/ 8.]] وجها آخرًا فقال: فسره بعض المفسرين: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولا يفعلون، ثم حذفت الباء، ومثله في الكلام: لأخزينك بما عملت وما عملت، قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 91.]]: وموضع (ما) [[ساقط من (ي).]] على هذا الجواب نصب بسقوط الخافض، والناصب لها ﴿يُضَاعَفُ﴾؛ كما يقولون: تعلقت بعبد الله، وتعلقت عبد الله، قال الشاعر [[البيت لرجل من قيس في "جمهرة اللغة" 3/ 1317، و"أساس البلاغة" (غلو)، ومعناه: نشتريه غاليًا ثم نبذله ونطعمه إذا نضج في قدورنا. وبلا نسبة في: "تهذيب اللغة" 2/ 1385، 3/ 2682، "اللسان" مادة (رخص) 3/ 1616، "زاد المسير" 3/ 398، "معاني الفراء" 2/ 383، "تاج العروس" 9/ 288 (رخص)، (غلا)، "ديوان الأدب" 4/ 121.]]: نغالي اللحم للأضياف نيا ... ونبذله إذا نضج القدور وذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 45.]] وجهًا آخر: أي من شدة كفرهم وعداوتهم للنبي ﷺ ما كانوا يستطيعون أن يتفهموا ما يقوله. قال أبو بكر [["زاد المسير" 1/ 346، "البحر" 2/ 766.]]: ومعنى هذا: ما كانوا يستمعون الحق ولا يبصرون ما فيه لهم [[ساقط من (ي).]] الرشد؛ لعنادهم وشدة عداوتهم، فصاروا لملازمتهم الإعراض عن الخير بمنزلة من لا يستطيعه، وإن كان مستطيعًا له في الحقيقة، كما تقول للرجل: ما تستطيع أن تنظر إلى من شدة العداوة، أي أنت بإيثارك الإعراض عني، بمنزلة من لا يستطيع النظر إلى، ومعلوم أنه لو شاء أن ينظر إليه لنظر. ثم بين جل وعز أن ضرر ذلك راجع عليهم، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قال ابن عباس: أي صاروا إلى النار، وخسران النفس أعظم الخسران؛ لأنه ليس منها عوض. وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: بطل افتراؤهم في الدنيا فلم ينفعهم في الآخرة شيئًا [[انظر: "البحر المحيط" 5/ 212، ابن كثير 2/ 483، القرطبي 9/ 20، ابن عطية 7/ 266.]]، قال الحسن [[انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 221.]]: ذهبت عنهم الأوثان التي كانوا يؤملون بها الانتفاع.

هود 11:22

قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [اختلفوا في معنى "لا جرم"؛ فقال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 91.]]: يقول: حقا إنهم في الآخرة هم الأخسرون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، وكذلك قال أكثر [[ساقط من (ي).]] المفسرين. قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 8.]]: "لا جرم" كلمة كانت في الأصل بمنزلة [[ساقط من (ي).]] (لا بد) و (لا محالة)، فكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة (حقا)، ألا ترى أن العرب يقول: لا جرم لآتينك، فتراها بمنزلة اليمين، وكذلك فسرها المفسرون [[انظر: الطبري 12/ 23، البغوي 4/ 169، ابن عطية 7/ 266 - 268، "البحر المحيط" 5/ 212، الرازي 17/ 208، القرطبي 9/ 20.]] في قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾ حقا [[ساقط من (ب).]]، انتهى كلامه، وعلى هذا معنى ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي لا قطع قاطع عن أنهم في الآخرة هم الأخسرون، إلا أنه كثر حتى صار كالمثل، فإذا قالوا: لا جرم، فكأنهم قالوا: حقًا، والأصل مما ذكرنا، ووضع موضع القسم في قولهم: لا جرم لأفعلن كذا، كما قالوا: حقًا لأفعلن، إذ جعلوه بدلاً من اليمين، وهذا قول في هذه الكلمة. وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 46.]]: معنى لا جرمِ: (لا) نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، كأن المعنى: لا ينفعهم ذلك، ﴿جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أي: كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وذكرنا ﴿جَرَمَ﴾ هو بمعنى كسب في قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [[المائدة: 2. قال هنالك: وأكثر أهل اللغة والمعاني يقولون: لا يكسبنكم، ونقل ذلك عن جماعة منهم الفراء وابن الأنباري وأبو علي الفارسي وغيرهم.]]. قال الأزهري [["تهذيب اللغة" 1/ 587 - 588 (جرم)، قال: "وهذا من أبين ما قيل فيه".]]: وهذا من أحسن ما قيل فيه. قال ابن الأنباري: (جرم) على هذا القول فعل ماض، وفاعله مضمر فيه [[ساقط من (ي).]] من ذكر الكفر، و (أنَّ) منصوبة بـ (جرم) كما يقول القائل: كسب جفاؤك زيدًا غضبه عليك، وقد قال الأزهري: [وقد قيل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]: (لا) صلة في ﴿لَا جَرَمَ﴾ والمعنى: كسب لهم عملهم الندامة، وقال قوم: (لا) رد على أهل الكفر كما ذكرنا، وجرم معناه أحق صحيح، والتأويل: حق كفرهم ووقوع العذاب والخسران بهم، وهذا مذهب الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 459.]]، وسيبويه [["الكتاب" 3/ 138، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 84 - 85.]]، واحتجوا بقول الشاعر [[هو: أبو أسماء بن الضريبة، أو عطية بن عفيف، كما في "مجاز القرآن" 1/ 358، وقد ورد في "معاني القرآن" للأخفش 2/ 459، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 9، والزجاج 2/ 45، والخزانة 4/ 310، والكتاب 3/ 138. وقبله: يا كرز إنك قد قتلت بفارس ... بطل إذا هاب الكماة وجببوا كان كرز قد طعن أبا عيينة حصن بن حذيفة الفزاري في يوم الحاجر فقتل به فرثاه الشاعر، وقوله "جببوا" أي فروا. وانظر: "اللسان" (جرم) 1/ 605، "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 588، (جرم).]]: ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أراد: أحقت الطعنة فزارة الغضب، ورواه بعضهم فزارةُ بالرفع يعني: حققت فزارة الغضب، وأنكر الفراء وأبو العباس هذا القول، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 9.]]: جرمت فزاره بالنصب، والمعنى جرمتهم الطعنة أن يغضبوا.

هود 11:23

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾، معنى الإخبات في اللغة: الخشوع والتواضع والطمأنينة، وأصله من الخبت وهو ما تطامن من الأرض، قال العدوي [["تهذيب اللغة" 1/ 973، مادة (خبت)، و"اللسان" 2/ 1087 (خبت)، والعدوي هو: أبو النضر سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري، محدث، ثقة، حافظ، توفي سنة 155هـ أو سنة ست أو سبع. انظر: العبر 1/ 225، "التهذيب" 2/ 33 - 35، "تاريخ العلماء النحويين" /96.]]: الخبت الخفي المطمئن، وخبت ذكره أي خفي، ومنه المخبت من الناس. أخبت إلى ربه أي اطمأن إليه، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 10.]]: ومعنى الإخبات الخشوع. وقال غيره: هو سكون الجوارح على جهة الخصوع لله، هذا معناه في اللغة. فأما التفسير فقال مجاهد [["الطبري" 12/ 24، والثعلبي 7/ 38 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 590، وابن أبي حاتم 6/ 2019، والبغوي 4/ 170، و"زاد المسير" 4/ 93.]] فيما روى عنه ابن جريج وابن أبي نجيح [[هو: أبو يسار عبد الله بن أبي نجيح المكي الثقفي بالولاء، ثقة رمي بالقدر والاعتزال ربما دلس، توفي 131هـ. انظر: "الميزان" 2/ 515، "التقريب" ص 326 (3662).]]: اطمأنوا، قال ابن الأنباري: ولهذا المعنى عدي بـ"إلى"؛ لأنه أريد بالإخبات الطمأنينة، والطمأنينة [[زيادة من (ي).]] تصحبها (إلى)، والإخبات يستعمل مع اللام يقال: قد أخبت فلان لفلان. وقال قتادة [[الطبري 12/ 24، وابن أبي حاتم 6/ 2020، الثعلبي 7/ 38 ب، البغوي 4/ 170، "زاد المسير" 4/ 92، وكلهم نقلوا عنه: أنابوا إلى ربهم.]]: تابوا إلى ربهم، ودخلت (إلى) على هذا القول لمعنى التوبة [[في (ي): (التوحيد).]]. وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 145 أ، "زاد المسير" 4/ 93.]]: أخلصوا إلى ربهم، ودخلت (إلى) علي هذا القول؛ لأنه محمول على: وجهوا إخلاصهم إلى ربهم. وقال عطاء عن ابن عباس [[رواه الطبري عن قتادة 15/ 290، وعبد الرزاق 2/ 304، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 590، وهو في "تنوير المقباس" / 139.]] خشعوا، وهو اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 10.]]، وعلى هذا جعلت (إلى) بدلاً من اللام لتضارعهما في قولك: هديته للموضع وإلى الموضع، ذكره الفراء. قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 93، والقرطبي 9/ 22.]]: ويصلح أن يقال (إلى) [[في (ي): (أن).]] مصروفة إلى معنى وجهوا خشوعهم إلى ربهم.

هود 11:24

قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ الآية، قال المفسرون [["زاد المسير" 4/ 93.]]: قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ إلى قوله ﴿هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ نزل في المستهزئين ورؤساء المشركين، ثم نزل في أصحاب رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، ثم نزلت هذه الآية مثلا جامعًا للفريقين فقال: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أي مثل [[ساقط من (ب).]] فريق الكافرين وفريق المسلمين. والفريق: الطائفة من الناس. ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ ذكرنا معناه في قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: 20]، قال قتادة [[الطبري 12/ 25، ابن أبي حاتم 6/ 2020، "زاد المسير" 4/ 93، القرطبي 9/ 21.]]: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر؛ فأما الكافر فصمّ عن الحق فلا يسمعه، وعمي عنه فلا يبصره، وأما المؤمن فسمع الحق فانتفع به، وأبصره فوعاه قلبه وعمل به. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 7.]]: كان حقه هل يستوون، ولكن الأعمى والأصم [والبصير والسميع] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] كأنهما واحد؛ لأنهما من وصف المؤمن والكافر [[ساقط من (ي).]]، وشرح ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 94، وانظر: الطبري 12/ 25، وابن عطية 7/ 268.]] هذا الجواب فقال: الأعمى والأصم صفتان لكافر، والبصير والسميع لمؤمن، فرد الفعل إلى الموصوفين بالأوصاف الأربعة، وليس بمحظور [[في (ب): (بمخصوص).]] عطف النعوت بعضها على بعض بحرف العطف والموصوف واحد، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [[البقرة: 53. وفي الأصل: (وآتينا موسى ..) وهو خطأ. وقد ذكر عند هذه الآية ما ملخصه: أن الكتاب هو الفرقان، والعرت تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه. ويمكن أن يراد بالفرقان انفراق البحر، ويمكن أن يكون الفرقان نعتًا للكتاب، يريد: وإذ == آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي الفارق بين الحلال والحرام، زيدت الواو كما تزاد في النعوت، فيقال: فلان حسن طويل وسخي. ولعل هذا القول هو المناسب لإيراده هنا.]] وأنشد [[البيت من الطويل، ولم ينسبه الواحدي، وهو بلا نسبة في "زاد المسير" 4/ 78، والمخاطب بهذا البيت هو سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان.]]: يظن سعيد وابن عمرو بأنني ... إذا سامني ذلا أكون به أرضى فنسق ابن عمرو على سعيد في المعنى، وهذا أعرب من الأول، إذا [[كذا في النسخ ولعله (إذْ).]] نسق نعتًا [[ساقط من (ب).]] على اسم، ونسق النعت [على النعت] [[ساقط من (ب).]] أبعد من اللبس. وقوله تعالى: ﴿مَثَلًا﴾ نصب على التفسير، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" /139، البغوي 4/ 170.]]: أفلا تتعظون يا أهل مكة.

هود 11:25

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي﴾ ويقرأ بكسر الألف، فمن فتح [[وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، انظر: "السبعة" 332، "التبصرة" 5/ 537، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 1/ 525، "الحجة" 4/ 315، الثعلبي 7/ 38 ب.]] حمل على أرسلنا، أي أرسلناه بأني لكم نذير، وكان الوجه بأنه لهم نذير، ولكنه على الرجوع من الغيبة إلى خطاب [[في (ي): (الخطاب).]] نوح قومه كما قال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: 145] ثم قال: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}، ذكره أبو علي [["الحجة" 4/ 315.]]، ومن كسر [[سيأتي تخريج القراءة بعدُ.]] حمله على القول المضمر؛ لأنه مما قد أضمر كثيرًا في القرآن، والتقدير: فقال لهم: إني نذير مبين، والكلام في هذا على وجهه ولم يرجع إلى الخطاب بعد الغيبة.

هود 11:26

قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، حمل أبو إسحاق قوله ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ على معنى نذير مبين؛ فقال [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 46.]]: المعنى: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه بالإنذار ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي [[في (ي): (أني).]] أنذركم لتوحدوا الله وتتركوا عبادة غيره، وحمل أبو علي [["الحجة" 4/ 316.]] ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ على الإرسال، كما حمل ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كأنه قال نوح: أرسلت بأني لكم نذير مبين، وبأن لا تعبدوا إلا الله، ومن قرأ "إني" بكسر الألف [[بها قرأ نافع وابن عامر وحمزة. انظر: "السبعة" 332، "التبصرة" 538، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكى 1/ 525، "الحجة" 4/ 315، الثعلبي 7/ 38 ب.]] كان قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعتراضًا بين الفعل والمفعول، هذا معنى كلامه، وقول أبي إسحاق أظهر. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 46، وعبارته (إنما وصف اليوم بالألم؛ لأن الألم فيه يقع، والمعنى عذاب يوم مؤلم أي: موجع).]]: إنما وصف اليوم بالأليم؛ لأن الإيلام فيه يقع، والمعنى عذاب يوم مؤلم.

هود 11:27

قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 140.]] والمفسرون [[البغوي 4/ 171، ابن عطية 7/ 270، ابن كثير 2/ 484، الرازي 17/ 211، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 47، "تفسير مقاتل" 145 أ.]]: يعني: الأشراف ورؤساء القوم وكبراءهم ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ لا فضل لك علينا ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ أي لم يتبعك الملأ منا وإنما اتبعك أخساؤنا، قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 23.]]: يريد: المساكين الذين لا عقول لهم ولا شرف ولا مال، وهذا كقوله في الشعراء: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111]. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 95، القرطبي 9/ 23، "تهذيب اللغة" 2/ 1397 (رذل).]]: نسبوهم إلى الحياكة، والصناعات لا تضر في باب الديانات، والرذل [[في (ب): (الرذال).]] الدون من كل شيء في منظره وحالاته، ورجل رذل الثياب، والفعل رذل يرذل رذالة، وأرذل الشيء جعله رذلًا؛ يقال: أرذل فلان دراهمي، فالأراذل [[في (ب): (فالأرذال).]] يجوز أن تكون جمع الجمع، والواحد رذل والجمع أرذل [[في (ب): (أرذال).]] ثم يجمع على أراذل، كقولك: كلب وأكلب وأكالب، ويجوز أن يكون جمع الأرذل إذا جعلته اسمًا كالأساود في جمع الأسود من الحيات، هذا قول بعضهم، قال: الأصل فيه هو أرذل من كذا ثم كثر حتى قالوا هو الأرذل، فصارت الألف واللام عوضًا من الإضافة. وقوله تعالى: ﴿مَا نَرَاكَ﴾، ﴿نَرَاكَ﴾ عند الفراء [["معاني القرآن" 2/ 11، ولم يقل الفراء بأنها لغو، وإنما قال: "كأنه حذف (نراك)، وقال ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾.]] لغو اعترض به وكأنه قيل: وما اتبعك، قال أبو علي [["الحجة" 4/ 320.]]: لا يجوز أن يكون "نراك" اعتراضًا؛ لأنه قد تعدى إلى المفعول فلا يحسن الاعتراض به، ولو لم يتعد لحسن، كما تقول: زيد ظننت منطلق، ولو ألغيته وقد عديته إلى مفعول لم يجز، فإن قلت فقد قال الشاعر [[ابن هرمة. هو: أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة القرشي من الخلج وهم من قيس بن الحارث بن فهر. سكن المدينة وهو من آخر الشعراء الذين يحتج بشعرهم، مات سنة 150هـ تقريبًا. انظر: "طبقات الشعراء" 20، و"تاريخ بغداد" 6/ 127. والبيت في "ديوانه" (56) وفيه: تظهر لي قرحة وتنكؤها، وانظر: السيوطي 277، 279، "تاج العروس" (اقط) 19/ 134، أساس البلاغة /402 (لبأ)، الدرر 1/ 81، 207، وهو بلا نسبة في الهمع 1/ 111، 248، "تهذيب اللغة" 15/ 483، "اللسان" (أنف) 9/ 14.]]: وما أراها تزال ظالمة ... تحدث لي قرحة وتنكأها فعدى أرى إلى الضمير، وجعل أراها اعتراضًا، قيل: إن الضمير في قوله (أراها) كناية عن المصدر [فلا يقتضي مفعولًا ثانيًا، وفي قوله "نراك" المفعول للخطاب، والخطاب لا يكون كناية عن المصدر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، فلا تكون الآية في قياس البيت. وقوله تعالى: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، البادي [["تهذيب اللغة" (بدا) 1/ 287 - 288.]]: الظاهر، من قولك: بدا الشيء إذا ظهر، ومنه يقال للبرية: بادية لظهورها وبروزها للناظر، واختلفوا في معنى ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ فذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 47، وانظر: "تهذيب اللغة" (بدا) 1/ 287 - 288.]] فيه وجهين: أحدهما: اتبعوك في الظاهر، وباطنهم على خلاف ذلك. قال: ويجوز أن يكون: اتبعوك في ظاهر الرأي، ولم يتدبروا ما قلت ولم يتفكروا. والوجه الأول روى معناه عطاء الخراساني عن ابن عباس [[الطبري 12/ 28، وابن المنذر كما في "الدر" 3/ 590.]]: في قوله ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ قال: فيما ظهر لنا. وذكر ابن الأنباري [[" الزاهر" 1/ 226، "زاد المسير" 4/ 96.]] وجهًا آخر، فقال: معناه اتبعك سفلتنا أو سقطاؤنا، فيما يظهر من أمرهم لنا ولغيرنا، أي الذي وصفناهم به من الانتقاص لهم والازدراء بهم ظاهر لجميع من يراهم، وليس ذلك أمرًا يغيب ويغمض فيخالفنا فيه غيرنا. قال: وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل بن سليمان [["زاد المسير" 4/ 96، "تنوير المقباس" 145 أ.]]، و ﴿الرَّأْيِ﴾ على هذا من رأي العين، لا من رأي القلب، وكذلك في الوجه الأول الذي ذكره الزجاج، ويؤكد ما ذكره ابن الأنباري من مذهب مقاتل بن سليمان: ما رواه عبد الوهاب بن مجاهد [[هو: عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر، روي عن أبيه، كذبه الثوري وضعفه وكيع وأحمد وابن معين وأبو حاتم، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 496، "تهذيب التهذيب" 2/ 640.]]، عن أبيه [[في (ب): (مجاهد).]] قال: معناه إلا الذين هم أراذلنا رأي العين [[البغوي 4/ 171، الثعلبي 7/ 39 أ.]]. هذا كله على قراءة من قرأ (بادي) من غير همز [[وقرأ بها السبعة غير أبي عمرو، "السبعة" ص 332، "التبصرة" ص 538، "الكشف" 1/ 526، "الحجة" 4/ 316.]]، ومن قرأ بادئ بالهمز [[وقرأ بها أبو عمرو، "السبعة" 332، "التبصرة" ص 538، "الكشف" 1/ 526، "الحجة" 4/ 316.]] فقال أبو عليّ الفارسي [["الحجة" 4/ 317.]]: هاتان الكلمتان يعني: بادي وبادئ متقاربتان في المعنى؛ لأن الهمز فيها بمعنى: ابتداء الشيء وأوله، واللام إذا كانت واوًا كان المعنى: الظهور، وابتداء الشيء يكون ظهورًا، وإن كان الظهور قد يكون ابتداء وغير ابتداء، ولذلك ما [[هكذا في النسخ، ولعل الصواب: ولذلك كثيرًا ما تستعمل. "الحجة" 4/ 317.]] تستعمل كل واحدة من الكلمتين في موضع الأخرى كقولهم: أما بادي بدء فإني أحمد الله، وأما بادئ باد فإني أحمد الله. وأما المعنى على هذه القراءة، فقال أبو إسحاق [[هو الثعلبي 7/ 39 أ.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 47.]]: اتبعوك ابتداء الرأي، أي حين ابتدأوا ينظرون، ولو فكروا [لم يتبعوك، ونحو هذا قال ابن الأنباري [["تهذيب اللغة" (بدا) 1/ 287 - 288، "زاد المسير" 4/ 96.]]: أي ابتدءوك أول ما ابتدؤوا ينظرون، ولو فكروا] [[ما بين القوسين، ساقط من (ب) و (ج).]] لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك. ونحوه قال أبو علي [["الحجة" 4/ 317.]]: أراد اتبعوك في أول الأمر من غير أن يتبعوا الرأي بفكر وروية فيه. وهذه الأقوال معناها واحد، وذكرتها لزيادة البيان، قال غير هؤلاء: معنى قوله: ﴿أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أول ما نراهم نزدريهم ونسترذلهم. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 96.]]: ويجوز لمن ترك الهمز في بادي أن ينوي اصطحاب الهمز ويحتج بأن الهمز مُلَيَّن ومعناه مطلوب، وبنحو من هذا قال أبو علي [["الحجة" 4/ 318 بنحوه.]]، وقد يجوز في قول من همز أن يخفف ويقول: بادي، فتقلب الهمزة ياء لانكسار ما قبلها، فيكون كقولهم [[في (ب): (قولهم من غير كاف).]]: (مِيَر) في جمع ميرة، و (ذِيَب) في جمع ذيبة. قال أبو بكر: وانتصاب المهموز وغير المهموز بالاتباع على مذهب المصدر، أي اتبعوك اتباعًا ظاهرًا أو اتباعًا مبتدأ. وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 47.]]: فأما نصب ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ فعلى اتبعوك في ظاهر الرأي، وعلى ظاهر الرأي، ومن قال: بادي فعلى ذلك نصبه. وهذا الذي قاله أبو إسحاق مخالف لما قاله أبو بكر، وشرح أبو علي [["الحجة" 4/ 318 بتصرف.]] قولة أبي إسحاق، وذلك أنه لما قال: في ظاهر الرأي، وعلى ظاهر الرأي جعله ظرفًا فقال أبو علي: اسم الفاعل جاز أن يكون ظرفًا كما جاز في (فعيل) نحو قريب ومليء؛ لأن (فاعلًا) و (فعيلاً) يتعاقبان على المعنى، نحو عالم وعليم وشاهد وشهيد ووالي وولي، قال: والعامل في هذا الظرف هو قولى: "اتبعك"، التقدير: ما اتبعك في أول رأيهم، أو في ما ظهر من رأيهم، إلا أراذلنا، فأخّر الظرف، وأوقع بعد (إلا) ولو كان بدل الظرف غيره لم يجز، ألا ترى أنك لو قلت: ما أعطيت أحدًا إلا زيدًا درهمًا، فأوقعت بعد (إلا) اسمين لم يجز؛ لأن الفعل أو معنى الفعل في الاستثناء يصل إلى ما انتصب بتوسط الحرف [ولا يصل الفعل بتوسط الحرف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] إلى أكثر من مفعول، ألا ترى أنك لو قلت: استوى الماء والخشبة، فنصبت الخشبة لم يجز أن تتبعه اسمًا آخر ينصبه، كذلك المستثنى إذا لحقته (إلا) وأوقعت بعدها اسمًا مفردًا لم يجز أن تتبعه آخر، وجاز ذلك في الظرف لأن الظرف قد اتسع فيه في مواضع، ألا ترى أنهم قالوا: كم في الدار رجلاً ففصلوا بينهما في الكلام [[إلى هنا انتهى النقل من "الحجة" 4/ 319.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، قال ابن عباس [[لم أجده عن ابن عباس، وهو قول الطبري 12/ 27، ابن عطية 7/ 273، القرطبي 9/ 24.]]: يريد التكذيب له ولما جاء به من النبوة، وهل الفضل كله إلا بالنبوة، ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ يريد ليس هذا من الله. قال ابن الأنباري [[الطبري 12/ 27 - 28.]]: وجمعت الكاف في خطاب نوح بعد توحيدها في أول الآية؛ لأنه ذهب إلى مخاطبة نوح وأصحابه، كما قال عزت أسماؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] فجمع بعد التوحيد.

هود 11:28

قوله تعالى: ﴿قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾، قال ابن عباس: يريد على يقين من ربوبية ربي [[ساقط من (ي).]] وعظمته، وروي عنه: على بصيرة ومعرفة [[البغوي 4/ 171، "زاد المسير" 4/ 96، الطبري 12/ 28، "مشكل القرآن وغريبه" ص 210.]]. وقال أهل المعاني: عني بالبينة هاهنا: البرهان من جهة المعجزة التي تشهد بصحة النبوة، وخصهم بهذا في المناظرة؛ إذ هو طريق العلم بالحق، لا ما التمسوا من [[في (ي): (أما).]] اختلاف الخلق في قولهم ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 96.]]: ودخول الشرط في قوله ﴿إِن كُنتُ﴾ لا يوجب شكًا لحق النبي في أمره، لكن الشك لاحق للمخاطبين، وتلخيص الكلام: قل أرأيتم إن كنت على بينة من ربي عندكم، وفيما يصح من عقولكم وتقبله أفهامكم، فدخل الشرط في كلام [[ساقط من (ب).]] النبي ﷺ لهذا الترتيب. وقوله تعالى: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" /140، "زاد المسير" 4/ 97، القرطبي 9/ 25، ابن كثير 2/ 485.]]: يريد النبوة، قال أبو بكر: وإنما جعلت رحمة؛ لأن الله عز وجل ينتاش [[في (ي): (ساتين). ومعنى ينتاش، من نوش، ومن التناوش أي التناول. مختار == الصحاح 685. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ سبأ: 52.]] بها الخلق من العطب والهلكة، وقال بعض أهل المعاني [["زاد المسير" 4/ 97.]]: وذكر الرحمة هاهنا نقضًا عليهم فيما ادّعوه من أنه ليس عليهم [[في (ب): تكرار (فيما ادعوه من أنه ليس عليهم). وقوله: (ليس عليهم فضل) كذا في جميع النسخ ولعل فيه سقط هنا (له) فيكون: ليس له عليهم فضل.]] فضل، فبين ذلك بالنبوة والهداية إلى الحق من جهة البرهان المؤدي إلى العلم. وقوله تعالى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾، ذكر ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 97.]]، وأبو علي [["الحجة" 4/ 322.]] وغيرهما، فيه وجهين: أحدهما: أن معناه: فخفيت عليكم؛ لأن الله عز وجل سلبكم علمها ومنعكم معرفتها لعنادكم الحق، وأنشد أبو علي قول رؤبة [[البيت لرؤبة بن العجاج، من أرجوزة يصف بها نفسه، برواية "الجاهلين" بدلاً من "الحائرين" في ديوانه، والرجل العمه: المتردد في رأيه أو أعمى القلب. انظر: ديوانه / 166، و"اللسان" 5/ 3114، (عمه)، و"شرح شواهد الشافية" 202، و"شرح شواهد العيني" 3/ 345.]]: ومهمه أطرافه في مهمه ... أعمى الهدى في الحائرين العمه أي خفي الهدى. ألا ترى أن الهدى ليس بذي جارحة تلحقها هذه الآفة، قال: ومن هذا قيل للسحاب العما؛ لإخفائه ما يخفيه كما قيل له الغمام. الوجه الثاني: أن يكون عموا هم عنها، ألا ترى أن الرحمة لا تعمى وإنما يُعمى عنها، فيكون هذا كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، ونحو ذلك مما يقلب إذ لم يكن فيها إشكال، وفي التنزيل: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [[إبراهيم: 47.]]، قال الشاعر [[من شواهد سيبويه، أراد مدخل رأسه الظل، الكتاب 1/ 92، أمالي المرتضى 1/ 55، "تأويل مشكل القرآن" /194، "معاني القرآن" 2/ 80، السيرافي 1/ 245، "الدرر" 2/ 156، الهمع 2/ 123.]]: ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع وهذا مذهب الفراء [["معاني القرآن" 2/ 12.]]، والوجه الأول معناه [[ساقط من (ي).]]: خفيت عليكم بإخفاء الله تعالى؛ لأنكم لم تسلكوا الطريق المؤدي إليها، والوجه الثاني معناه القلب، وهو تصرف في الكلام من غير إخلال بالمعنى [[ساقط من (ب).]]، إذ هو ظاهر للأفهام، وهذا قراءة عامة القراء [[قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، (فعميت) بتخفيف الميم وفتح العين، "السبعة" /332، "الحجة" 4/ 321، "التبصرة" / 538، "الكشف" 1/ 527، إتحاف ص 255 - 256، النشر 3/ 114.]]، ويؤكده إجماعهم على قوله ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [[القصص / 66، وقد قرئت بالتخفيف بإجماع القراء. انظر: "التبصرة" 5/ 538، "الكشف" 1/ 527، "إتحاف فضلاء البشر" ص 255 - 256، "النشر" 3/ 114.]] أنه بالتخفيف. وقرأ أهل الكوفة [[قرأ بها حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، السبعة / 332، "الحجة" 4/ 322، "التبصرة" / 538، "الكشف" 1/ 527، "إتحاف" ص 255 - 256، "النشر" 3/ 114.]] ﴿فَعَمِيَتْ﴾ مشددة مضمومة العين، قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 97.]]: معناه: فعماها الله تعالى عليكم؛ إذ كنتم ممن حكم عليه بالشقاء، يؤكد هذا التأويل وهذه القراءة: قراءة أبي "فعماها عليكم" [[ذكرها مكي في كتاب الكشف 1/ 527، وعزاها للأعمش، وعزاها في الإتحاف ص 255 - 256 لأبي والأعمش، وعزاها القرطبي 9/ 25، لأبي، وعزاها الطبري 12/ 28 لابن مسعود.]]؛ يعني: الله؛ لأنه اتصل بذكره جل وعز، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 47.]]: هذا ما أجابهم به من قولهم: إن الذين اتبعوك إنما اتبعوك غير محققين، [فأعلمهم أنهم محققون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] بهذا القول؛ لأنه إذا كان على بينة فمن آمن به فعالم بصير، ومن لم يفهم البينة فقد عمي عليه الصواب. قوله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾، قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 97.]]: الهاء تعود على الرحمة والمعنى: أنلزمكم قبولها، قال: وإلي هذا المعنى ذهب مقاتل بن سليمان قال المفسرون وأهل المعاني [[الطبري 12/ 28، "زاد المسير" 4/ 97، القرطبي 9/ 25، ابن عطية 7/ 276، "مشكل القرآن وغريبه" 1/ 210، "معاني القرآن" للنحاس 3/ 343.]]: يقول: لا نقدر أن نلزمكم من ذات أنفسنا ما أنتم له كارهون، والدليل على صحة هذا التأويل قراءة ابن عباس "أنلزمكموها من شطر أنفسنا" [[الطبري 12/ 28، 29، وذكر أيضًا أنها قراءة أبي، ابن عطية 7/ 276، "الدر المنثور" 3/ 591.]] يعني من تلقاء أنفسنا، وهذا استفهام معناه الإنكار، يعني لا نقدر على ذلك، والذي عليّ أن أدل بالبينة، وليس عليّ أن أضطركم إلى المعرفة إذ كرهتم. وروى سعيد عن قتادة [[الطبري 12/ 29 وفيه (ولكن لم يستطع ذلك ولم يملكه)، ابن أبي حاتم 6/ 2023. وانظر البغوي 4/ 171، "زاد المسير" 4/ 97، القرطبي 9/ 26، "الدر المنثور" 3/ 591.]] قال: والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكنه لم يملك ذلك ولم يملكه [[في (ي): (لم يهلك ذلك ولم يملكه).]]، وفي ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ ثلاث مضمرات: ضمير المتكلم، وضمير المخاطب، وضمير الغائب، وأجاز الفراء [["معاني القرآن" 2/ 12.]] إسكان الميم الأولى، وروى ذلك عن أبي عمرو؛ قال: وذلك أن الحركات توالت فسكنت الميم، وهي أيضًا مرفوعة وقبلها كسرة، وتستثقل كسرة بعدها ضمة، أو ضمة بعدها كسرة، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 48، وعبارته: "وسيبويه والخليل لا يجدان إسكان حرف الإعراب إلا في اضطرار، فأما ما روي عن أبي عمرو من الإسكان فلم يضبط ذلك عنه".]]: وجميع النحويين البصريين لا يجيزون إسكان حرف الإعراب إلا في اضطرار الشعر، فأما ما يروى عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه الفراء [[الصحيح (القراء). انظر: "البحر المحيط" 5/ 217.]]، وروى عنه سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها، وهذا هو الحق، وإنما يجوز الإسكان في الشعر كقوله [[البيت لامرئ القيس، عجزه: إثما من الله ولا واغل وفي "ديوانه" ص 122: (فاليوم أسقي ..)، وانظر: "الكتاب" 2/ 297، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 87، == واحتقب الإثم واستحقبه احتمله، ومعناه: "حلت لي الخمر فلا آثم بشربها إذ قد وفيت بنذري فيها. وكان قد نذر ألا بشربها حتى يدرك ثأر أبيه" القرطبي 9/ 26 وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 275.]]: فاليوم أشربْ غير مستحقب

هود 11:29

قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْه﴾، قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 97.]]: الكناية تعود [[في (ي): (تفرد).]] على معنى الرحمة في قوله: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً﴾، وهي معنى الهدى والإيمان. وقال غيره [[الثعلبي 7/ 39 أ، الطبري 12/ 29، البغوي 4/ 171، القرطبي 9/ 26.]]: الهاء [[في (ي): (إنها).]] كناية عن تبليغ الرسالة، وقد سبق معناه فاستدل عليه وكنى عنه، وكذا قال المفسرون: لا أسألكم جعلاً على تبليغ الرسالة، وقال عطاء: يريد على ما أدعوكم إليه. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قال ابن جريج [[الطبري 12/ 29 - 30، "زاد المسير" 4/ 98.]]: إنهم سألوه طرد الذين آمنوا به ليؤمنوا به؛ أنفة من أن يكونوا معهم على سواء. وقال أبو إسحاق [[كذا في جميع النسخ ولعله ابن إسحاق. البغوي 4/ 171، ابن عطية 7/ 276.]]: هذا يدل على أنهم سألوه أن يطردهم. وقال ابن الأنباري: سألوه [[في (ب): (ساموه).]] طرد المؤمنين عنه، الذين هم سفلة عندهم، [فقال: لا يجوز لي طردهم إذ كانوا يلقون ربهم فيجزيهم بإيمانهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، ويأخذ لهم ممن ظلمهم وصغر شؤونهم، وهذا معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 48.]] في قوله ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: تجهلون ربوبية ربكم وعظمته [[الطبري 12/ 35، "زاد المسير" 4/ 98.]]، وقال أهل المعاني: تجهلون أن هؤلاء خير منكم لإيمانهم بربهم وكفركم به.

هود 11:30

قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 13، وفيه "من يمنعني من الله".]]: يقول: من يمنعني من عذاب الله، وكذلك ما في القرآن منه [[يعني: ما جاء في القرآن بهذا اللفظ فهو بالمعنى الذي ذكره.]]، والنصر من كذا: المنع منه، ومعنى الآية إذا طردت المؤمنين كان ذلك ذنبًا ارتكبته، فمن يدفع عني عذاب الله، وهذا دليل على أن العالم يلزمه مصابرة المتعلم، ولا يجوز له طرده والامتناع عما يطلب من العلم، ولو لم يصبر كان تعرض للعقوبة.

هود 11:31

قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، ذكرنا معنى الخزائن في مثل هذه الآية في سورة الأنعام [[وهو قوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:50]. قال: "الخزائن جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء: إحرازه بحيث لا تناله الأيدي. والخزانة أيضاً: عمل الخازن" اهـ.]]، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد مفاتيح الغيب. قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 98، والبغوي 4/ 172، "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 1027، (خزن).]]: الخزائن هاهنا يعني بها غيوب الله وما هو مطوي عن الخلق، وإنما وجب أن يكون هذا جوابًا من نوح عليه السلام لهم لما قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ﴾ الآية، فادَّعوا أن هؤلاء المؤمنين اتبعوه في ظاهر ما يرى منهم، وهم في الحقيقة غير متبعين له، فقال مجيبًا لهم: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ غيوب الله التي يعلم منها ما ينطوي عليه الناس ويضمرونه، ولا أعلم ما يغيب عني مما يسترونه في نفوسهم؛ فسبيلي قبول إيمانهم الذي يظهر لي، ومضمراتهم لا يعلمها إلا الله، فقيل للغيوب: خزائن لغموضها على الناس واستتارها عنهم، كما يقال: خزن المال: إذا غيبه. [وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾، هذا جواب لقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أي: لا ينبغي أن تحتجوا عليّ بأمر لا أدعيه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 38 بنحوه.]]: ﴿تَزْدَرِي﴾ تستقل وتستبخس [[في (ب): (تستحسن)، وهو وهم من الناسخ.]]، يقال: أزريت على [[في (ب): (في).]] الرجل: إذا عبت عليه وخسست فعله، وأصل تزدري: تزتري، إلا أن هذه التاء تبدل بعد الزاي دالاً؛ لأن التاء من حروف الهمس، وحروف الهمس خفية، والتاء بعد الزاي تخفى فأبدل منها الدال لجهرها، وكذلك (يفتعل) من الزينة والزيادة [[يعني: تزدان، وتزداد.]]. وقال ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 30، "زاد المسير" 4/ 99، البغوي 4/ 172، القرطبي 9/ 27.]]: ﴿لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ يريد: تحتقر وتستصغر، يعني المؤمنين. ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [وذلك أنهم قالوا: هم أراذلنا، فقال نوح: لا أقول إن الله لا يؤتيهم خيرًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 49 بمعناه.]]: أي إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعوني في ظاهر الرأي، فليس علي أن أطلع على ما في نفوسهم، فإذا رأيت من يوحد الله عملت على ظاهره، ورددت علم ما في نفوسهم إلى الله. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 99.]]: أي إن طردتهم تكذيبًا لظاهرهم ومبطلاً لإيمانهم.

هود 11:34

قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 100، البغوي 4/ 172، ابن عطية 7/ 281، القرطبي 9/ 28.]] في رواية عطاء: يريد أن يضلكم، وقال الحسن [[قال به الطبري 12/ 32، وانظر: ابن عطية 7/ 281، "زاد المسير" 4/ 100، القرطبي 9/ 28.]]: يهلككم، وهو معنى وليس بتفسير؛ وذلك أنه لما كان يؤدي إلى الإهلاك فسر به. وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 100، "البحر المحيط" 5/ 219.]]: في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ثلاثة أجوبة للمفسرين وأهل اللغة: منها أن يوقع الغي في قلوبكم لما سبق لكم من الشقاء، وقال بعضهم: أن يهلككم، قال: وهذا الجواب مرغوب عنه؛ لأنه يخالف الآثار، ومذاهب الأئمة، ولا يعرف الصادقون من أهل اللغة هذا من كلام العرب؛ إذ المعروف عندهم: أغويت فلانًا إذا أضللته بشر دعوته إليه وحسنته له، وغوي هو إذا ضل، [ويروى عن غير واحد من الصحابة أنه فسر يغويكم: يضلكم، هذا كلامه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]. قال أصحابنا: فبان بهذه الآية أن الإغواء بإرادة الله تعالى، وأنه إذا أغوى فلا هادي لذلك الغاوي [[لا شك أن الهداية والضلال من الله تعالى كما قال عز وجل: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: 186]، وقال: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 39]، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: 37]، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء: 97]، فالهداية من الله، والاهتداء من العبد، فالاهتداء الذي هو فعل العبد هو أثر فعله سبحانه، فهو الهادي والعبد المهتدي. انظر: "شفاء العليل" لابن القيم ص 170.]]. ثم ذكر نوح عليه السلام دليل المسألة فقال: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: هو إلهكم وسيدكم وخالقكم، وتأويله: أنه إنما يتصرف في ملكه فله التصرف كيف شاء [["زاد المسير" 4/ 100.]].

هود 11:35

قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، هذا من الاستفهام المتوسط [[قلت: المراد بالاستفهام المتوسط أن يكون معنى الآية: أيكتفون بما أوحيت إليك من القرآن، أم يقولون إنه ليس من عند الله. قاله ابن القشيري. انظر: "البحر المحيط" 5/ 208، "الدر المصون" 4/ 83.]]، وقد ذكرناه في مواضع، ومعنى ﴿افْتَرَيْتُهُ﴾ اختلقه وافتعله وجاء به من عند نفسه، والهاء تعود إلى الوحي الذي أتاهم به. وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾، الإجرام: اقتراف السيئة واكتسابها. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 49 بنحوه.]]: ويقال جرم في معنى أجرم، ورجل مجرم وجارم، وهذا من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى فعليّ إثم إجرامي أو عقوبة إجرامي. قاله أبو علي [[انظر:"الحجة" 3/ 197.]] وغيره. وقال أهل المعاني [[القرطبي 9/ 29، البغوي 4/ 173.]]: في الآية محذوف دل عليه الكلام، وهو أن المعنى إن كنت افتريته فعلي عقاب إجرامي، وإن كانت الأخرى فعليكم عقاب تكذيبي، فحذف ما حذف لدلالة الباقي عليه، كقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 9]، ولم يذكر المشبه به. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: من الكفر والتكذيب، والمعنى: أنه ليس علي من إجرامكم عائدُ ضرر، وإنما عائد الضرر عليكم، فاعملوا على تذكر هذا المعنى، وأكثر المفسرين [[البغوي 4/ 173، القرطبي 9/ 29، ابن عطية 7/ 283.]] على أن هذا من محاورة نوح قومه. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 145ب، البغوي 4/ 173، القرطبي 9/ 29، وبه قال الطبري 12/ 32، ابن عطية 7/ 282.]]: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعني [[ساقط من (ي).]] محمدًا ﷺ، يقول المشركون: افترى القرآن، وهذه الآية معترضة بين قصة نوح عليه السلام.

هود 11:36

قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، قال ابن عباس [[رواه الطبري 12/ 33 عن الضحاك، وأحمد في "الزهد"، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 592 عن الحسن، والبغوي 4/ 173، و"زاد المسير" 4/ 100، وابن عطية 7/ 284، والقرطبي 9/ 29.]] وغيره: لما جاءه هذا من عند الله دعا على قومه، فقال: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26] الآية وما بعدها. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 13.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50.]]: لا تحزن ولا تستكن، قال ابن عباس [[الطبري عن ابن عباس "فلا تحزن" 12/ 32، وكذا عن مجاهد أيضًا وقتادة. وابن أبي حاتم 6/ 2025 في الحاشية.]]: يريد فلا تُغم، وقال أبو زيد [["تهذيب اللغة" 1/ 411 (بئس).]]: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه، وأنشد أبو عبيد [["تهذيب اللغة" 1/ 411 (بئس). والبيت لحسان كما في "ديوانه" ص 189، اللسان (بأس) 1/ 200، "التنبيه والإيضاح" 2/ 261، "تاج العروس" (بأس) 8/ 196، "أساس البلاغة" (بأس)، وبلا نسبة في "مقاييس اللغة" 1/ 338، و"المخصص" 12/ 317.]]: ما يُقْسِمِ الله أَقْبَلَ غير مبتئسٍ ... منه وأقعُدْ كريمًا ناعم البال أي غير حزين ولا كاره، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 39 ب، والطبري 12/ 33.]]: يقول لا تحزن فإني مهلكهم ومنقذك، وهذا تسلية من الله عز وجل لنوح عن قومه بما أعلمه [[في (ي): (أعلمهم).]] من حالهم.

هود 11:37

قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، قال ابن عباس [[البغوي 4/ 173، "زاد المسير" 4/ 101، "تنوير المقباس" / 140، الثعلبي 7/ 40أ، ابن أبي حاتم 6/ 2026 عنه قال: بعين الله.]]: بمرأى منا، وقال الضحاك [[الثعلبي 7/ 40 أ.]]: بمنظر منا، وقال الربيع [["زاد المسير" 4/ 101، البغوي 4/ 173، القرطبي 9/ 30، الثعلبي 7/ 40 أ.]]: بحفظنا، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50.]]: بإبصارنا إياك وحفظنا لك. هذا كلامهم، والمعنى بحيث نراها، فكنى عن يرى بأعين على طريق البلاغة، وتأويله: بحفظنا إياك حفظ من يراك، ويملك [[في (ي): (يعلم).]] دفع السوء عنك، وقيل [[القرطبي 9/ 30، "البحر المحيط" 5/ 220.]]: بأعين أوليائنا من الملائكة [[ساقط من (ي).]] الموكلين بك، وحكى ابن الأنباري عن بعض المفسرين بأبصارنا إليك، وهذا معنى ما ذكرنا، هذا [[هكذا في النسخ.]] طريقة المحققين، وهي موافقة لما حكينا من أقوال أئمة المفسرين. وقال أبو بكر [["تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2293، "زاد المسير" 4/ 101.]]: جمع العين هاهنا على مذهب العرب في إيقاعها الجمع على الواحد، وهذا قول أصحاب الأثر والنقل يقولون الأعين يُعنى بها العين، وعين الله لا تفسر بأكثر من ظاهرها، ولا يسع أحدًا أن يقول: كيف هي أو ما صفتها، وهذه طريقة السلف [[انظر: "اللسان" 5/ 3196 (عين)، ومذهب السلف في هذه الصفه وغيرها == من الصفات هو الإثبات، أعني إثبات الصفة وتفويض الكيفية إلى الله تعالى، على ما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، أما تفويض الصفة والكيف فهو مذهب المبتدعة الذين لا يثبتون الصفة بل يفوضونها، وما نقله المؤلف هنا ظاهره الحق، ولكنه لا يتسق مع مذهبه الأشعري فلعله فهم منه التفويض والله أعلم. انظر: "التوحيد" لابن خزيمة ص 42، "الإبانة" لأبي الحسن 53، "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" لللالكائي 2/ 412، "الاعتقاد" للبيهقي 41، "شرح الواسطية" 67.]]. وقوله تعالى: ﴿وَوَحْيِنَا﴾، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 34، الثعلبي 7/ 40 أ، وابن أبي حاتم 6/ 2025 - 2026، وانظر: "الدر" 3/ 592.]]: وذلك أنه [[في (ي): (أنهم).]] لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثل جؤجؤ الطائر، فعلى هذا المعنى اصنعها على ما أوحينا إليك من صفتها وحالها، ويجوز أن يكون المعنى بوحينا إليك أن اصنعها. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾، قال الخليل [["العين"4/ 222، "تهذيب اللغة" 1/ 1053، (خطب)، "اللسان" 2/ 1194. عن الليث.]]: الخطاب مراجعة الكلام، يقال: خاطبته خطابًا. فجعل الخطاب اسمًا لما يتردد بين المتكلمين من ابتداء وجواب، والكلام إذا تضمن المسألة قيل فيه خاطب، ومنه قوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ أي لا تسألني في معناهم [[هكذا في النسخ والمعنى غير واضح.]]، قال ابن عباس [[رواه الطبري 12/ 34 عن ابن جريج، وأبو الشيخ عن ابن جريج أيضًا كما في "الدر" 3/ 592، وأخرج ابن أبي حاتم 6/ 2026، وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. "الدر المنثور" 3/ 592.]]: يريد: لا تراجعني ولا تحاورني ولا تسألني. وقوله تعالى: ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50.]] وأبو بكر: في إمهال الذين ظلموا، أو في تأخير العذاب عنهم، ويراد بالذين ظلموا قومه، قال ابن الأنباري: فدعا نوح بعد هذا القول طاعة لله واتباعًا لأمره علي قومه، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ﴾ [نوح: 26] الآية، وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان [[البغوي 4/ 174، "البحر المحيط" 5/ 121.]].

هود 11:38

قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾، قال أبو علي الجرجاني: معناه: وأقبل يصنع فاقتصر على قوله: ﴿وَيَصْنَعُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾، قال محمد بن إسحاق [[الطبري 12/ 36، "زاد المسير" 4/ 103، البغوي 4/ 175، ابن عطية 7/ 290.]]: قالوا: يا نوح صرت بعد النبوة نجارًا؟ وقال عامة المفسرين [[البغوي 4/ 175، "زاد المسير" 4/ 103، القرطبي 9/ 32.]]: إنهم رأوه ينجر الخشب، ويبني شبه البيت العظيم، فإذا سألوه عن ذلك قال: أعمل سفينة تجري في الماء، ولم يكونوا رأوا قبل ذلك السفينة، ولا ماء هناك يحمل مثلها، فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من عمله لها، فقال نوح: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50 بمعناه.]]: إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلون. وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 103.]]: إن تسخروا منا لما ترون من صنعة الفلك فإنا نعجب من غفلتكم عما قد أظلكم من العذاب. وقال بعض المفسرين [[البغوي 4/ 175، "زاد المسير" 4/ 103، القرطبي 9/ 33، "تفسير مقاتل" 146 أ.]]. إن تسخروا منا الساعة، فإنا نسخر منكم بعد الغرق، ووقوع البوار بكم. وقال أهل المعاني [[البغوي 4/ 175، "زاد المسير" 4/ 103.]]: سمى الثاني سخرية، [وليس بسخرية] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] في الحقيقة؛ ليتفق اللفظان فيكون اتفاقهما أخف على اللسان، وقد مضى لهذا نظائر.

هود 11:39

قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ الآية، قال ابن عباس [[انظر: ابن عطية 7/ 290، "زاد المسير" 4/ 104، القرطبي 9/ 33، "البحر المحيط" 5/ 222، ابن كثير 2/ 487.]]: هذا وعيد وتهديد، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50.]]: أعلمهم ما يكون عاقبة أمرهم، أي فسوف تعلمون من أحق بالخزي ومن هو أحمد عاقبة. وفي قوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون استفهامًا بمعنى (أي)، كأنه قيل: فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب، وعلى هذا محله رفع بالابتداء. والثاني: أن يكون بمعنى (الذي) ويكون في محل النصب. وقوله تعالى: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أي: يجب عليه وينزل به، وسنذكر استقصاء هذا الحرف عند قوله: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ في سورة طه [81] إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ يعني عذاب الآخرة.

هود 11:40

قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي: أمرنا بعذابهم وإهلاكهم. وقوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾، اختلفوا في معنى التنور؛ فقال ابن عباس [[الطبري 12/ 38، الثعلبي 7/ 41 ب، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2029، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 596، ابن عطية 7/ 291.]] في رواية الضحاك: ظهر الماء على وجه الأرض، وقيل لنوح عليه السلام: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت وأصحابك، وهذا قول عكرمة والزهري وابن عيينة [[رواه عنهم الطبري 12/ 38، الثعلبي 7/ 41 ب، "زاد المسير" 4/ 105، البغوي 4/ 176.]]، ورواية الوالبي أيضاً عن ابن عباس [[ابن أبي حاتم 6/ 2029.]]. وقال قتادة [[الطبري 12/ 39، الثعلبي 7/ 41 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 596، وروي هذا القول عبد بن حميد وابن أبي حاتم 6/ 2029، وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في "الدر" 3/ 596.]]: ذكر لنا [[في (ي): (له).]] أنه أرفع الأرض وأشرفها، جعل ذلك علامة بين نوح عليه السلام وبين ربه عز وجل. قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 105.]]: والمعنى على هذا: ونبع الماء من أعالي الأرض ومن الأمكنة المرتفعة، فشبهت لعلوها بالتنانير. روي عن علي [[الطبري 12/ 39، الثعلبي 7/ 41 ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2029، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 596.]] رضي الله عنه أنه قال: هو تنوير الصبح، ومعناه: طلع الفجر، قال أبو بكر: ومن ذهب إلى هذا قال: المعنى وبرز النور وظهر الضوء، وتقضى الليل، فشبه تتابع الأضواء والأنوار بخروج النار من التنور. وقال ابن عباس [[الطبري 12/ 39، الثعلبي 7/ 42 أ، "زاد المسير" 4/ 105، البغوي 4/ 176، ابن عطية 7/ 291.]] في رواية عطية وعطاء: يريد التنور الذي يخبز فيه، قال الحسن [[الطبري 12/ 40، الثعلبي 7/ 41 ب، البغوي 4/ 176، وذكره ابن الجوزي عن ابن عباس. انظر: "زاد المسير" 4/ 105.]]: وكان تنورًا من حجارة، وكان لآدم وحواء حتى صار إلى نوح، وقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك. وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 146 أ، "زاد المسير" 4/ 106، البغوي 4/ 176.]] عن عدة من أهل التفسير: فار التنور من أقصى دار نوح بعين وردة من أرض الشام. وقال مجاهد [[الطبري 12/ 40، الثعلبي 7/ 42 أ، "زاد المسير" 4/ 105، البغوي 4/ 176.]]: نبع الماء من التنور فعلمت به امرأته فأخبرته، وكان ذلك بناحية الكوفة، وهو قول الشعبي [[الطبري 12/ 40، الثعلبي 7/ 42 أ، البغوي 4/ 176، "زاد المسير" 4/ 105.]] واختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 14.]]، قال: هو تنور الخابز، ونحو هذا قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 105.]]. قال أبو بكر [[ما ذكره عن ابن الأنباري هو الذي رجحه الطبري 12/ 40، وهو قول أكثر المفسرين كما قال البغوي 4/ 176، وقال ابن كثير 2/ 488: هذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف.]]: والقول الذي يذهب إليه: هو أن التنور تنور الخبز؛ لأن الحمل على الظاهر الذي [[ساقط من (ب).]] هو حقيقة أولى من العمل على المجاز، والتمثيل. وأما التنور في اللغة [[هذا النقل إلى نهايته من "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 456 (تنر).]]؛ فقال الليث [[الليث هو: ابن نصر بن سيار الخراساني، ويقال ابن المظفر بن نصر، إمام لغوي، من أصحاب الخليل، ويقال هو صاحب (العين). انظر: "تهديب اللغة" 1/ 47، "معجم الأدباء" 17/ 43.]]: التنور عمت بكل لسان وصاحبه تنار [[ساقط من (ي).]]. قال الأزهري: وهذا يدل على أن الاسم أعجمي فعربته العرب [فصار عربيًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] علي بناء فعول، والدليل على ذلك أن أصل بنائه تنر، ولا يعرف في كلام العرب نون قبل راء، وهو نظير ما دخل من كلام العجم في كلام العرب، مثل الديباج والدينار والسندس والاستبرق ولما تكلمت بها العرب صارت عربية. وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، قال أبو الحسن الأخفش [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 327، "الحجة" 4/ 324.]]: يقال للاثنين هما زوجان، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] قال الحسن [[ذكره الطبري 12/ 41 من غير إسناد.]]: السماء زوج، والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله جل جلاله الفرد الذي لا يشبهه شيء، ويقال للمرأة هي زوج، وللرجل [[ساقط من (ب).]] هو زوجها، وقال تعا لي: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1] [يعني المرأة، فالواحد يقال له زوج كما ذكرنا، وقد يقال للاثنين هما زوج] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]؛ قال لبيد [[من معلقته، وصدره: من كل محفوف يُظلُ عصيه المحفوف: الهودج الذي ستر بالثياب، عصيه: عصى الهودج، والزوج: النمط الواحد من الثياب، والكلة من الستور: ما خيط فصار كالبيت، القرام: الغطاء، وهو الستر المرسل على جانب الهودج، انظر: "ديوانه" ص 96، "شرح المعلقات السبع" ص 531، "اللسان" 3/ 1886 (زوج)، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 328، "تهذيب اللغة" 2/ 1574.]]: زوج عليه كِلَّة وقِرامُها ففسر الزوج بشيئين، ويدل على أن الزوج يقع على الواحد قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [[الأنعام: 143، 144، ومن هنا بدأ النقل عن "الحجة" 4/ 327.]] فالزوجان في قوله: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ يراد بهما الشياع، وليس يراد بذلك الناقص عن الثلاثة، قال ابن عباس [[البغوي 4/ 176، "زاد المسير" 4/ 106، الطبري 12/ 40.]] في قوله: ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ يريد في السفينة ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾؛ الذكر زوج والأنثى زوج، وهو قول الحسن [[انظر: الرازي 17/ 226.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 40، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2030 وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 601.]] وقتادة [[الطبري 12/ 41.]] والضحاك [[الطبري 12/ 41.]]، قالوا ذكرا وأنثى. وقرأ حفص [["التبصرة" / 538، "السبعة" 333، "النشر" 3/ 114، "إتحاف" 2/ 125، "الحجة" 4/ 324.]] ﴿مِن كُلٍّ﴾ بالتنوين أراد من كل شيء، ومن كل زوج زوجين اثنين، فحذف المضاف إليه، ويكون انتصاب اثنين على أنه صفة لزوجين، أتي به للتأكيد، كما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: 51] وقد جاء في غير هذا من الصفات ما مصرفه إلى التأكيد، كقولهم: نعجة أنثى، وأمس الدابر، وقوله: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [[الحاقة: 13. وفي (ي): (نعجة)، وهي في سورة ص: الآية 23.]]، وعلى قراءة العامة نصب اثنين بالحمل، وليس صفة لزوجين [[إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 328 بتصرف.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾، أي احمل أهلك، قال المفسرون [[الطبري 12/ 41، الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 176، "زاد المسير" 4/ 106.]]: يعني ولده وعياله، ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾، قال ابن عباس: يريد من كان في علمي أنه يغرق بفعله وكفره، قالوا [[الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 176 - 177، "زاد المسير" 4/ 106، القرطبي 9/ 35.]]: يعني: امرأته واعلة، وابنه كنعان، ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾، يريد واحمل من صدقك، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 43، الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 177، "زاد المسير" 4/ 107، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2032، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 601، القرطبي 9/ 35.]]: ثمانون إنسانًا وكان فيهم ثلاثة من بنيه: سام وحام ويافث، وثلاث كنائن له، ونحو ذلك قال مقاتل بن سليمان [[الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 177، "زاد المسير" 4/ 107.]] وغيره، وقالوا: قرية الثمانين [[قال ياقوت الحموي: بُليدة عند جبل الجودي، قرب جزيرة ابن عمر التغلبي فوق الموصل، كان أول من نزله نوح -عليه السلام -، لما خرج من السفينة ومعه ثمانون إنسانًا، فبنوا لهم مساكن بهذا الموضع وأقاموا به، فسمي الموضع بهم، "معجم البلدان" 2/ 84.]] بناحية الموصل، إنما سميت لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بوها، فسميت بهم، وعلى هذا سمى الله ثمانين قليلاً. قال أبو إسحاق: لأن ثمانين [[في جميع النسخ (ثمانون) والصواب ما ذكرته، كما هو في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 52.]] قليل في جملة أمة نوح. قال ابن الأنباري: ووحد القليل؛ لأنه لفظ مبني للجمع لما كان الواحد لا يوصف [[في (ب): (يصف).]] به ولا الاثنين، فلما كان مبناه للجمع استغنى عن علامة الجمع، وجمع في قوله: ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: 54] استيثاقًا من الجمع، لما كان (قليل) لفظه لفظ الواحد، كما جمعت العرب البيوت وهي جمع؛ للاستيثاق فقالوا: بيوتات، قال: ويجوز أن يقال في توحيد القليل إنه وصف لجمع خرج على تقطيع الواحد، تقديره وما آمن معه إلا نفر قليل، وقيل: أراد الجمع فاكتفى بالواحد منه، كقوله [[البيت لجرير من قصيدة له في هجاء تيم بن قيس من بكر بن وائل، وصدره: الواردون وتيم في ذرى سبأ والشاهد أنه قال: جلد ولم يقل جلود. انظر: ديوانه ص252، "معاني القرآن" 1/ 308، ومعني البيت أن تيم يحتمون بسبأ ويمتنعون بها، ولا عصمة لهم من == أنفسهم. "الخزانة" 3/ 372، "الطبري" 14/ 117، "اللسان" 5/ 2590، "المخصص" 1/ 31، 4/ 41.]]: قد عض أعناقهم جلد الجواميس وقد مرَّ.

هود 11:41

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾، يعني قال نوخ لقومه الذين أمر بحملهم: "اركبوا"، والركوب العلو على ظهر الشيء، فمنه ركوب الدابة، وركوب السفينة، وركوب البر، وركوب البحر، وكل شيء علا شيئاً فقد ركبه، وركبه الدين، قال الليث: وتسمي العرب من يركب السفينة ركاب السفينة، وأما الرُّكْبَانُ والأرْكوب والرَّكب فراكبو الدّواب والإبل، قال الأزهري [["تهذيب اللغة" 2/ 1456 (ركب).]]: وقد جعل ابن أحمر ركاب السفينة ركباناً فقال [[قائل البيت هو ابن أحمر، عمرو بن أحمر الباهلي، كان من شعراء الجاهلية، وأدرك الإسلام فأسلم ومدح عمر فمن بعده إلى عبد الملك بن مروان. وقيل: توفي في خلافة عثمان. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 571، 580، "خزانة الأدب" 6/ 256. والبيت يعني قومًا ركبوا سفينة فغمت السماء ولم يهتدوا، فلما طلع الفرقد كبروا لأنهم اهتدوا للسمت الذي يؤمونه، انظر: "ديوانه" ص 66، "تهذيب اللغة" 2/ 1456، مادة (ركب)، اللسان 3/ 1714، "جمهرة اللغة" ص 772، "ديوان الأدب" 3/ 164، "تاج العروس" 2/ 35 (ركب)، "أساس البلاغة" (هلل)، وبلا نسبة في "اللسان" (هلل) 8/ 4689، و"تاج العروس" (هلل).]]: يهل بالفرقد ركبانها ... كما يُهِلُّ الراكب المعتمر وقوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾ لا يجوز أن تكون (في) من صلة الركوب؛ لأنه يقال: ركبت السفينة، ولا يقال: ركبت في السفينة، والوجه هاهنا أن يقال: مفعول (اركبوا) محذوف على تقدير: اركبوا الماء في السفينة، فيكون قوله: ﴿فِيهَا﴾ حالاً من الضمير في (اركبوا)، ويجوز أن يقال المعنى: اركبوها أي الفلك، وزاد (في) للتأكيد كقوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43]، وفائدة هذه الزيادة أنه أمرهم أن يكونوا [في جوف الفلك لا على ظهرها، فلو قال: (اركبوها) لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] على ظهر السفينة. وقوله: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ المُجرى: مصدر كالإجراء، ومثله قوله: ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: 29]، و ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [[الإسراء: 80. في الأصل (وأدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) وهو خطأ.]]، وقرئ ﴿مَجْراها﴾ [[قرأ بها حمزة والكسائي وحفصر عن عاصم وخلف، "السبعة" 333، "التبصرة" 538، "النشر" 3/ 114، "إتحاف" ص 256.]] بفتح الميم وهو أيضًا مصدر مثل الجري، واحتج صاحب هذه القراءة بقوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: 42] ولو كان (مُجراها) لكان (وهي تُجرَى بهم)، فكأنه قال: (وهي تجريهم) [["الحجة" لأبي على 4/ 331، وأيّد هذا الوجه الطبري 12/ 43 - 44.]]. وأما المرْسَى: فهو أيضًا مصدر كالإرساء يقال: وما الشيء يرسو: إذا ثبت، وأرساه غيره، قال الله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: 32]. قال ابن عباس [[روى الطبري 12/ 44 نحوه عن مجاهد.]] في رواية عطاء: يريد تجرى باسم الله وقدرته، وقال الضحاك [[الطبري 12/ 44 - 45، الثعلبي 7/ 43 ب، وابن أبي حاتم 6/ 2033.]]: كان إذا أراد أن تجري قال: باسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: (باسم الله) فرست [[في (ب): عكس الجملتين.]]. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 52.]]: أي بالله تجري وبه تستقر، ومعنى قولنا: باسم الله أي بالله، وهذه الأقوال معناها واحد، وأما تقدير الإعراب فقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 14.]]: إن شئت جعلت (مجراها) و (مرساها) في موضع رفع بالباء، كما يقال: إجراؤها وإرساؤها باسم الله، وبأمر الله، وإن شئت جعلت (باسم الله) ابتداء مكتفيًا بنفسه، كقول القائل عند المأكل: بسم الله، ويكون (مجراها) و (مرساها) في موضع نصب، يريد: بسم الله في مجراهما ومرساها، وزاد ابن الأنباري لهذا بيانًا فقال: في هذه الآية [[ساقط من (ب).]] قولان: أحدهما: أن يرتفع المجرى بالباء الزائدة، وتفتقر الباء إلى المجرى؛ لأنها خبره ورافعته، والتقدير: إجراؤها باسم الله، وموضع الباء نصب لخلافها المجرى، إذ المجرى اسم، والباء ليست باسم، إنما هي حرف معنى ملحق بالمَحَالّ، يريد أن التقدير: إجراؤها يقع باسم الله، أو يحصل باسم الله، فالباء في محل النصب بهذا التقدير وهي في الظاهر رفع لخبر المبتدأ، وليس هذا كقولهم: زيد قائم؛ لأن قائمًا هو زيد، وليس بمخالف [[في (ب): (المخالف).]] له، وهذا كقوله: زيد عندك، هذا معنى قول أبي بكر لخلافها المجرى المفصل. القول الثاني: أن يكون المجرى في موضع نصب على مذهب الوقت ومنهاج المحل، تلخيصه باسم الله في مجراها ومرساها، فإذا سقط الخافض قضى على ما بعده بالنصب، كما تقول: أتيتك يوم الخميس، هزان القولان هما قولا الفراء [["معاني القرآن" 2/ 14.]] وشرحهما. وقال أحمد بن يحيى: الباء منصوبة بفعل محذوف يدل عليه ويكنى [[في (ي): (يكفى).]] منه، والمجرى مرفوع بالباء التي خلفت الفعل الذي لو ظهر لكان هو الرافع للمجرى، وتمثيله: يقع باسم الله مجراها ومرساها، فكان افتقار الباء إلى المجرى كافتقار الفعل لو ظهر إلى فاعله. قال أبو علي الفارسي [["الحجة" 4/ 330 باختصار وتصرف.]]: قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون حالاً من الضمير في (اركبوا)، على حد قولك: ركب في سلاحه، وخرج بثيابه، والمعنى ركب مستعدًا بسلاحه، وملتبسا بثيابه، وفي التنزيل: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: 61]، فكان المعنى: اركبوا متبركين باسم الله ومتمسكين بذكر اسم الله، والمجرى والمرسى على هذا ظرف، بنحو (مَقْدَمَ الحاج)، و (خُفُوقَ النجم)، كأنه: متبركين بهذا الاسم، أو متمسكين في وقت الجري والإجراء على حسب الخلاف بين القراء فيه، ولا يكون الظرف متعلقًا باركبوا؛ لأن المعنى ليس [[في (ب): (يسمى).]] عليه، ألا ترى أنه لا يراد اركبوا فيها في وقت الجري، والثبات، إنما المعنى اركبوا الآن متبركين باسم الله في الوقتين الذي لا ينفك الراكبون فيها منهما، فموضع مجراها نصب على هذا الوجه بأنه ظرف عمل فيه المعنى [[إلى هنا انتهى النقل من أبي على الفارسي، "الحجة" 4/ 331.]]، وهذا الوجه الذي ذكره أبو علي وجه آخر في التفسير سوى ما ذكرنا عن ابن عباس والضحاك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 37، "البحر المحيط" 5/ 225.]]: يريد غفور لأصحاب السفينة رحيم بهم، قال أهل المعاني: اتصال هذا بما قبله اتصال المعنى بما يشاكله؛ لأنه لما ذكرت النجاة بالركوب في السفينة، ذكرت النعمة بالمغفرة والرحمة لتجتلب بالطاعة [[في (ب): (باتصال).]] كما اجتلبت النجاة.

هود 11:42

قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ [هود: 42] أي الفلك ﴿فِي مَوْجٍ﴾ جمع موجة، وهي قطعة عظيمة ترتفع عن جملة الماء الكثير، وأعظم ما يكون ذلك إذا اشتدت [[ساقط من (ب).]] الريح وماج البحر، وتموج: إذا اضطربت أمواجه وتحركت، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، قال محمد بن إسحاق [["زاد المسير" 4/ 109، القرطبي 9/ 38، ابن كثير 2/ 489، الطبري 12/ 45.]]: كان كافرًا واسمه يام، وقال الكلبي ومقاتل [["تفسير مقاتل" 146 أ، البغوي 4/ 178، "زاد المسير" 4/ 109، القرطبي 9/ 38، الثعلبي 7/ 43 ب.]]: اسمه كنعان. ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 54.]] وابن الأنباري: أي من دين نوح؛ لأنه كان كافرًا مخالفاً عن نوح، خارجا عن [[في (ب): (من).]] جمعه أهل دينه، قالا: ويجوز أن يكون في معزل من السفينة، قال أبو بكر: وهذا أشبه بظاهر القرآن، لأنه اعتزل السفينة وهو يظن أن الجبل يمنعه من الغرق، والمعزل في اللغة معناه: موضع منقطع عن غيره، وأصله من العزل وهو التنحية والإبعاد. يقال: كنت بمعزل عن كذا، أي بموضع قد عزل منه. وقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾، وقرئ [[اختلف القراء في (يا بني) فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة وابن عامر والكسائي (يا بُني) مضافة بكسر الياء. وقرأ حفص عن عاصم (يا بنيَّ) بالفتح في كل القرآن، ووافقه في هذا الموضع فقط أبو بكر عن عاصم. "السبعة" 334، "التبصرة" 539، "النشر" 3/ 115، "إتحاف" ص 256، "الحجة" 4/ 333.]] بفتح الياء، قال أبو علي [["الحجة" 4/ 333 - 341 باختصار وتصرف.]]: الوجه الكسر، وذلك أن اللام من ابن "ياء" [[ساقط من (ي).]] أو "واو"، فإذا حقرت ألحقت ياء التحقير، فلزم أن ترد اللام التي حذفت؛ لأنك لو لم تردها لوجب أن تحرك ياء التحقير بحركات الإعراب، وتعاقبها عليها، وهي لا تحرك أبدًا بحركة الإعراب ولا غيرها؛ لأنها لو حركت للزم أن تنقلب كما تنقلب سائر حروف اللين، إذا كانت حرف إعراب نحو: عصا وقفا، ولو انقلبت بطلت دلالتها على التحقير، فلهذا ردت اللام، فإذا رددتها وأضفت إلى نفسك اجتمعت ثلاث ياآت: الأولى منها للتحقير، والثانية لام الفعل، والثالثة التي للإضافة، تقول: (هذا بني)، فإذا ناديته جاز فيه وجهان: إثبات الياء وحذفها، والاختيار حذف الياء التي للإضافة وإبقاء الكسرة دلالة عليه نحو: يا غلامِ، وهذا الوجه هو الجيد عنهم؛ وذلك أن الياء ينبغي أن تحذف في هذا الموضع لمشابهتها التنوين، وذاك من أجل ما بينهما من المقاربة، ومن ثم أدغم في الواو والياء وهو على حرف، كما أن التنوين كذلك، فأجريت الياء مجرى التنوين في حذفها من المنادى، ومن قرأ (يا بنيَّ) بفتح الباء فإنه أراد الإضافة [[في (ي): (إضافته).]] أيضاً كما أرادها من قرأ بالكسر، لكنه أبدل من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف فصار يا بنيا كما قال [[القائل هو: أبو النجم العجلي في أرجوزة له يخاطب امرأته أم الخيار. وهي ابنة عمه، ولها يقول: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... عليّ ذنبًا كله لم أصنع وقوله: (واهجعي) أي: اسكني أو نامي. انظر: سيبويه 1/ 318، "المحتسب" 4/ 238، "شرح أبيات المغني" 6/ 159 - 161، "الحجة" 4/ 91. "تهذيب اللغة" (هجع) 4/ 3720، "اللسان" (هجع) 8/ 4621، "خزانة الأدب" 1/ 364، "الدرر" 5/ 58، اللسان (عمم) 5/ 3111، "المقاصد النحوية" 4/ 224، "نوادر أبى زيد" 19.]]: يا ابنة عما لا تلومي واهجعي ثم حذف الألف كما تحذف الياء في ياء بني، وقد حذفت الياء التي للإضافة إذا أبدلت الألف منها، أنشد أبو الحسن [[البيت لم ينسب، وهو من شواهد "الخصائص" 3/ 135، "المحتسب" 1/ 277 ، 323، الخزانة 1/ 63، "اللسان" 7/ 4087، (لهف)، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 241، "الأشباه والنظائر" 2/ 63، 179، "الإنصاف" ص 330 ، "أوضح المسالك" 4/ 37، "سر صناعة الإعراب" 2/ 521، "المقاصد النحوية" 4/ 248.]]: فلست بمدرك ما فات مني ... بـ (لهف) ولابـ (ليت) ولا (لو اني) قال: قوله بلهف إنما هو بلهفا فحذف الألف، والألف بدل عن ياء الإضافة. وقال أبو عثمان [[" الخصائص" لابن جني 3/ 135.]]: وضع الألف مكان الياء في الإضافة مطرد، وأجاز: يا زيدا أقبل إذا أردت الإضافة، قال: وعلى هذا قراءة من قرأ: (يا أبت) بالفتح، وأنشد [[البيت لعمرة الخثعمية في "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي / 1082، ولها أو لدرنا بنت عبعبة في "المقاصد النحوية" 3/ 472، البيت مع آخر بعده في "النوادر" 365، نسبهما لامرأة من بني سعد جاهلية، وفي "اللسان" 1/ 17 مادة (أبي) ونسبهما إلى درني بنت سيار بن ضبرة ترثي أخويها، ويقال لعمرة الخيثمية، وقولها (وابأبا هما) تريد: وإبأبي هما. وبلا نسبة في "شرح المفصل" 2/ 12.]]: لقد زَعَموا أنّي جَزعتُ عَليهما ... وهل جزعٌ أن قلتُ وابأبا هما [[إلى هنا انتهى النقل عن أبي علي من "الحجة" 4/ 333 - 341، باختصار وتصرف.]] وكل ما ذكرنا هاهنا معنى كلام أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 54.]] وزاد فقال: يجوز أن يكون حذف ياء الإضافة في قول من كسر؛ لسكونها وسكون الراء في ﴿أرْكَب﴾، والآية بيان عن حال ما عظم شأنه، وتفاقم أمره، من سفينة تجري في موج كالجبال، بماء قد طبق الأرض وعمّ الخلق إلا من نجاه الله، ومع ذلك فابن نوح يرى هذا كله فلا يؤمن ويقول: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾

هود 11:43

قوله تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، قال ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 45، البغوي 4/ 187، "زاد المسير" 4/ 110، القرطبي 9/ 39.]]: يريد أنضم إلى جبل يعصمني من الماء، يريد: يمنعني من الماء فلا أغرق، والعصمة: المنع من الآفة، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 54.]]: والمعنى يمنعني من تغريق الماء. قال نوح: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ لا مانع اليوم من عذاب الله ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ استثناء منقطع، المعنى: لكن من رحم الله فإنه معصوم، وعلى هذا محل ﴿مَن﴾ نصب كقوله [[جزء من بيت للنابغة، والبيت هو: إلا أواريّ لأيًا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد وقبل هذا البيت بيتان هما: يا دار ميّة بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيَّت جوابًا وما بالربع من أحد وهذه الأبيات مقدمة قصيدة، قالها في مدح النعمان بن المنذر، ويعتذر إليه مما بلغه عنه، وفي الديوان (إلا الأواري). انظر: ديوانه ص 14 تحقيق الطاهر بن عاشور، "الخزانة" 2/ 125، "معاني القرآن" 1/ 480، "المقتضب" 4/ 414، "شرح شواهد المغني" 27.]]: إلا أوّاري ....................... وهذا قول الفراء والزجاج، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 15.]]: ومن أجاز في الاستثناء المنقطع أن يكون رفعًا نحو: ................. . إلا اليعافير [[قطعة من الرجز لعامر بن الحارث المعروف بجران العود، والبيت: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس انظر: "ديوانه" / 97، "خزانة الأدب" 10/ 15 - 18، "الدرر" 3/ 162، "شرح أبيات سيبويه" 2/ 140، "شرح المفصل" 2/ 271، "المقاصد النحوية" 3/ 170 ، وبلا نسبة في "الأشباه والنظائر" 2/ 91، "الإنصاف" ص 234، "تهذيب اللغة" 1/ 1771 (إلا)، اللسان (كنس) 7/ 3938، أوضح المسالك 2/ 261.]] لم يجز له الرفع في (من)؛ لأن الذي قال إلا اليعافير جعل أنيس البر اليعافير والوحوش، فيكون الاستثناء كالمتصل ولا يجوز هاهنا أن يكون المعصوم عاصما، هذا وجه في الاستثناء. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 54.]]: ويجوز [[ساقط من (ي).]] أن يكون ﴿عَاصِمَ﴾ في معنى معصوم ويكن معنى ﴿لَا عَاصِمَ﴾ هو: لا ذا عصمة، كما قالوا: (عيشة راضية) على جهة النسب، أي ذات رضا، ويكون ﴿مَنْ﴾ هو على هذا التفسير في موضع رفع ويكون المعنى: لا معصوم إلا المرحوم، ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 16، "تهذيب اللغة" (عصم) 3/ 2465.]] وقال: لا ينكرون أن يخرج المفعول على فاعل، ألا ترى قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] معناه: مدفوق، وقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] معناها: مرضية، وقال [[القائل هو الحطيئة، والبيت من قصيدة يهجو فيها الزبرقان بن بدر التميمي، "ديوانه" 54، "معاني القرآن" للفراء 2/ 16، "الأغاني" 2/ 55، الطبري 12/ 46، "اللسان" (ذرق) 3/ 1499، "خزانة الأدب" 6/ 299، "شرح المفصل" 6/ 15، "الشعر والشعراء" ص 203، "شرح شواهد المغني" 2/ 916.]]: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي ومعناه: المكسو، فعلى قول الفراء يجوز أن يكون الفاعل بمعنى المفعول على ما ذكر، وقال علماء البصرة [["معاني القرآن" للنحاس 3/ 353، و"الدر المصون" 3/ 101، 102.]]: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق، باطل من الكلام؛ لأن الفرق بين بناء الفاعل وبناء المفعول واجب، وهذا عند سيبويه وأصحابه يكون على طريق النسب، من غير أن يعتبر فيه فعل، فهو فاعل نحو: رامح، ولابن، وتامر، وتارس، ومعناه: ذو رمح، وذو لبن، كذلك هاهنا "عاصم" بمعنى ذو عصمة من قبل الله تعالى، ليس أنه عصم فهو عاصم بمعنى معصوم على الإطلاق الذي ذكره الفراء، وقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 17.]]: حال بين ابن نوح وبين الجبل ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.

هود 11:44

قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ﴾ بعد ما تناهي أمر الطوفان: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾، يقال: بلع الماء يبلعه بلعًا: إذا شرب، وابتلع الطعام ابتلاعًا: إذا لم يمضغه. وقال أهل اللغة: الفصيح بلع بكسر اللام يبلع بفتحها، ونحو ذلك روى أبو عبيد [["تهذيب اللغة" 1/ 386 (بلع).]] عن الكسائي، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 17.]]: يقال: بلِعت وبلَعت. وقوله تعالى: ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، يقال: أقلع الرجل عن عمله: إذا كف عنه، وأقلعت السماء بعدما أمطرت إذا أمسكت. قال ابن الأنباري [["زاد الضمير" 4/ 111.]]: أي عن إنزال الماء، فلما تقدم ذكر الماء لم يعد هاهنا. وقوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، يقال: غاض الماء يغيض غيضًا ومغاضًا: إذا نقص، وغضته أنا، وهذا من باب فعل الشيء وفعلته أنا، ومثله جبر العظم وجبرته، وفغر الفم وفغرته، ودلغ اللسان ودلغته، ومد النهر ومده نهر آخر، وسرح المال إلى المرعى وسرحته، ونقص الشيء ونقصته، قال المفسرون: ونقص الماء، وما بقي مما نزل من السماء فهي هذه البحار المالحة. وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 112، "البحر المحيط" 5/ 228.]] وغيره: معناه: وأحكم هلاك قوم نوح، ومعنى القضاء الأحكام وإتمام الأمر والفراغ منه، كأنه قيل [[ساقط من (ي).]]: أوقع الهلاك بقوم نوح على تمام وإحكام، وفرغ من ذلك. قال مجاهد [[الطبري 12/ 47، "زاد المسير" 4/ 111، ابن أبي حاتم 6/ 2037، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 605.]] في قوله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: أهلك قوم نوح، قال كثير من المفسرين [[الرازي 17/ 235، القرطبي 9/ 41.]]: إن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة، فلم يغرق إلا ابن أربعين، فعلى هذا لم يهلك الله بالغرق طفلًا ولا وليدًا لم تقم عليه الحجة. وقال ابن جرير [[رواه الطبرى 12/ 49 عن الضحاك.]]: هلك الولدان بالطوفان، كما هلك الطير والسباع، وافق الغرق آجالهم، فذهب إلى أن الغرق لم يكن عقوبة للولدان، وإنما كان سببا للموت عند حضور الأجل، والله أعلم، ويؤكد هلاك الولدان ما روي في الخبر: أن امرأة أتت بصبي لها إلى جبل، فلما رهقها الماء رفعته، فلما كثر الماء رفعته رقة له، حتى غرقت وغرق الصبي، فلو رحم الله أحدًا من قوم نوح [من المشركين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] لرحم أم [[ساقط من (ي).]] ذلك الصبي [[أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 2036 من حديث عائشة عن النبي ﷺ. والطبري 12/ 35، والحاكم في "المستدرك" 2/ 342 وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وخالفه الذهبي في التلخيص، وقال: إسناده مظلم بسبب موسى بن يعقوب الزمعي وليس بذاك، قال فيه ابن المديني: ضعيف منكر الحديث. انظر: "تهذيب التهذيب" 4/ 192.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 48.]] وعامة المفسرين [[أخرجه الطبري 12/ 48 عن مجاهد وسفيان وقتادة والضحاك. وانظر: البغوي 4/ 179، "زاد المسير" 4/ 112، ابن أبي حاتم 6/ 2037.]]: استوت السفينة على جبل بالجزيرة يقال له الجودي، قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 112.]]: كان استواؤها عليه دلالة على نفاد الماء وانقطاع ما يزيل عنها الاستواء بتحريكه وتنحيته ومنعه من الثبات في موضع واحد، وفي الحديث [[أخرجه الطبري 12/ 47 عن عبد العزيز بن عبد الغفور عن أبيه مرفوعًا، وقد علق عليه أحمد شاكر بقوله: (وهذا خبر هالك من نواحيه جميعًا وقال: وأما عبد العزيز ابن عبد الغفور، فهذا اسم مقلوب، وإنما هو (عبد الغفور بن عبد العزيز) ويقال: عبد الغفار، ويروي عنه عثمان بن مطر وهو كذاب خبيث كان يضع الحديث. انظر: "تعليقه على الطبري" 15/ 335.]]: "أن نوحًا ركب السفينة في رجب، فجرت بهم ستة أشهر، ومرت بالبيت فطافت به سبعاً، وقد رفعه الله من الغرق، وأرسيت على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح، وأمر جميع من معه فصاموا شكرًا لله". وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 112.]]: يريد بعدًا من رحمة الله للقوم المتخذين من دونه إلها، قال أهل المعاني: معناه أبعدهم الله من الخير بعدًا على جهة الدعاء، ويجوز أن يكون [الله قال لهم ذلك] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، ويجوز أن يكون من قول المؤمنين، وهو منصوب على المصدر.

هود 11:45

قوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، اختلف المفسرون في قوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾؛ فقال عكرمة عن ابن عباس [[الطبري 12/ 51، الثعلبي 7/ 45 أ، ورجحه البغوي 181، "زاد المسير" 4/ 113، القرطبي 9/ 45 ورجحه. وابن كثير 2/ 489 ورجحه وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2039، وسعيد بن منصور كما في "الدر" 3/ 603.]]: إنه لَابنُه ولكنه خالفه في النية والعمل، فذلك الذي فرق بينهما، ونحو هذا قال محمد بن إسحاق [["الوسيط" 2/ 575، "البداية والنهاية" 1/ 113.]]، والكلبي [["الوسيط" 2/ 575.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 146 أ.]]: قالوا هو وابنه من صلبه. وروى ابن عيينة عن عمار الدهني قال: قلت لسعيد بن جبير كان ابنه؟ فقال: يا بني إن الله لا يكذب [["تفسير سفيان بن عيينة" 268.]]، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وذهب طائفة إلى أن هذا الذي خالف نوحًا كان ابن امرأته، ولم يكن ابن صلبه [[الطبري 12/ 49، الثعلبي 7/ 45 أ، البغوي 4/ 181، "زاد المسير" 4/ 113.]]. روي عن علي رضي الله عنه أنه قرأ [[أخرجه ابن الأنباري في "المصاحف" وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 603.]]: (ونادى نوح ابنها وكان في معزل) وروى إسرائيل عن جابر عن ابن جعفر الباقر [[الطبري 12/ 50، والرواية عن أبي جعفر الباقر، الثعلبي 7/ 44 ب، البغوي == 4/ 181، ابن كثير 2/ 490، وابن المنذر، وابن أبي حاتم 6/ 2039، وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي كما في "الدر" 3/ 603.]] في قوله ﴿إِنَّ ابْنِي﴾ قال: هذا بلغة طيء لم يكن ابنه، إنما كان ابن امرأته. [ونحو ذلك قال الهيثم بن عدي الطائي [[هو: الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الطائي، الكوفي المؤرخ، قال ابن معين وأبو داود: كذاب، قال البخاري: سكتوا عنه، والنسائي: متروك الحديث، توفي سنة 207 هـ. انظر: "سير أعلام النبلاء" 10/ 103، "الجرح والتعديل" 9/ 85.]]، وقال مجاهد [[الطبري 12/ 50، الثعلبي 7/ 44 ب، البغوي 4/ 181، "زاد المسير" 4/ 113.]] أيضًا: كان ابن امرأته] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. وقال قتادة [[الطبري 12/ 50، الثعلبي 7/ 44 ب، البغوي 4/ 181، "زاد المسير" 4/ 113.]]: سألت عنه الحسن فقال: والله ما كان ابنه، [قلت إن الله حكى عنه أنه قال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ وأنت تقول لم يكن ابنه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، وإن أهل الكتابين لا يختلفون في أنه كان ابنه، فقال الحسن: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب، واستدل على صحة ما قال يقول [[ساقط من (ي).]]: نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، ولم يقل مني [[البغوي 4/ 181، الثعلبي 7/ 44 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾، قال ابن عباس [[ابن كثير 2/ 490.]]: يريد الذي وعدتني أنك تنجيني وأهلي، وفي هذا سؤال النجاة لابنه، أي فأنجه من الغرق على ميعادك من إنجاء أهلي، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 113.]]: يريد: أعدل العادلين.

هود 11:46

قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، [من قال: إن هذا الابن كان ابن نوح لصلبه، قال: معنى قوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] أي: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، كذا قال ابن عباس [[الطبري 12/ 51، الثعلبي 7/ 44 ب.]] فيها روى عنه الضحاك، وروى هشيم [[هشيم هو: ابن بشير بن أبي خازم، الإمام شيخ الإسلام، محدث بغداد وحافظها، أبو معاوية السلمي مولاهم، الواسطي، ثقة ثبت، توفي سنة 183 هـ. انظر: "التقريب" ص 574 (7312)، "السير" 8/ 287.]] قال: سألت أبا بشر [[هو: جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري أبو بشر، أحد الأئمة والحفاظ، ثقة، من أثبت الناس في سعيد بن جبير. توفي سنة 125هـ، وقيل: 126هـ. انظر: "التقريب" ص 139 (930)، "السير" 5/ 465.]] عن هذه الآية فقال [[الطبري 12/ 51.]]: معناه: ليس من أهل دينك. والقولان ذكرهما الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 55.]]، وحكاهما أبو علي [["الحجة" 4/ 342 بتصرف.]]، وقال في القول الأول: بعَّد المخالفة، في الدين قربَ النسب الذي بينهما، كما تقرب الموالاة في الدين بعد النسب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] وهذا إطلاع من الله تعالى نوحًا على باطن أمره، كما أطلع رسوله محمدًا ﷺ ما استبطنه المنافقون، وقال في القول الثاني: إنه من باب حذف المضاف، وعلى هذا كان سؤال نوح إنجاءه؛ لأنه كان يظن أنه على دينه، فقد روي أنه كان منافقًا يظهر الإيمان ويسر الكفر، وكذا يقول من قال إنه ابن امرأته، وذهب جماعة إلى أنه ولد على فراش نوح، وكان ولد خبثه، وكان يظن نوح أنه ابنه، حتى أخبره الله تعالى أنه ليس ابنه، بقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، وهذا قول ابن جرير [[لعله ابن جريج كما في الطبري 12/ 50، أما ابن جرير فيقول بخلاف ذلك. انظر: الطبري 12/ 51.]]، والحسن [[الطبري 12/ 49 - 50، وابن أبي حاتم 6/ 2040، "زاد المسير" 4/ 113.]]، قال الحسن: إن امرأته فجرت. وقال الشعبي [["زاد المسير" 4/ 113.]]: لم يكن ابنه، إن امرأته خانته، واحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿فَخَانتاهُمَا﴾ [التحريم: 10] [[من هنا يبدأ السقط في (ب).]]، والعلماء على أنه كان ابنه، وعليه ابن عباس فقد روى الضحاك عنه أنه قال [[الطبري 12/ 51، ابن أبي حاتم 6/ 2040، "زاد المسير" 8/ 315.]]: ما بغت امرأة نبي قط. وروى سليمان بن قتة [[هو: سليمان بن قتة التيمي، مولاهم البصري، المقرئ من فحول الشعراء، وثّقه ابن معين وقتة هي أمه، ولم تذكر سنة وفاته. انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 596، "غاية النهاية" 1/ 314.]] أن ابن عباس سئل: ما كانت خيانة امرأة نوح وامرأة لوط؟ فقال [[الطبري 12/ 51، عبد الرزاق 2/ 310، القرطبي 9/ 47، "زاد المسير" 8/ 315، "الدر المنثور" 6/ 377.]]: كانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، وكانت امرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزل به، وروى عكرمة عنه [[أخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن الضحاك نحوه كما في "الدر" 6/ 377.]] أنه قال: لم يكن الله ليجعل خائنة الفرج لأحد من أنبيائه، وإنما خيانتهما الكفر، قال أبو بكر ابن الأنباري: وهذا أولى من الأخذ بتأويلٍ فيه رميُ زوج نبي بالفاحشة، ومتى وجدنا سبيلا إلى تطهير حرم الأنبياء لم نعدل عن ذلك إلى وصفهن بما يسمج، وهذا أيضًا مذهب ابن مسعود [[لم أجده في مظانه.]]: فقد قال: إنه ابنه، ولم يبتل الله -عزوجل - نبيا في أهله بمثل هذه البلوى. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، يجوز أن تكون الهاء راجعة على السؤال، والمعنى: إن سؤالك إياي أنجي كافرًا، عمل غير صالح؛ لأنه قد تقدم دليل السؤال في قوله: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، ويجوز أن تكون الهاء راجعة على ابن نوح، ويكون التقدير: إن ابنك ذو عمل أو صاحب عمل غير صالح، فحذف المضاف كما قالت الخنساء: ..... فإنما هي إقبال وإدبار [[تقدم تخريج البيت في سورة البقرة: 177.]] وهذا الذي ذكرنا قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 55.]]، وأبي بكر [["زاد المسير" 4/ 114.]]، وأبي علي [["الحجة" 4/ 342.]]؛ قال أبو علي: ويجوز أن يكون ابن نوح جعل عملًا غير صالح، كما يجعل الشيء لكثرة ذلك منه، كقولهم: الشعر زهير، فعلى هذا لا حذف، ومن ذهب إلى أنه كان لزنية، قال: معنى قوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ أنه ولد زنى [[وممن قال بهذا الحسن كما في الطبري 12/ 53، وابن أبي حاتم 6/ 2040.]]، والمفسرون على القول الأول؛ أن المعنى أن سؤالك ما ليس لك به علم عمل غير صالح [[رواه الطبري 12/ 53 عن إبراهيم، وقتادة، وابن عباس، ومجاهد، وابن أبي حاتم 6/ 2040 عن ابن عباس.]]، وهو قول الكلبي وقتادة، وقال عطاء عن ابن عباس: سؤالك [[في (ي): (مسألتك).]] إياي عمل غير صالح، وقرأ الكسائي [[ويعقوب من العشرة، انظر: "السبعة" / 334، "الكشف" 1/ 531، "النشر" 3/ 115، "إتحاف" ص 256، وقرأ بها ابن عباس كما في الطبري 12/ 53، والأخفش كما في "معاني القرآن" 2/ 578.]]: "إنه عَمِلَ غيرِ صالح"، وهذه القراءة قراءة النبي ﷺ [[هذا الكلام فيه إيهام بأن ما عدا هذه القراءة ليس قراءة للنبي ﷺ وهذا غير مراد، وإنما المراد أنها قراءة ثابتة عن النبيﷺ.]]؛ روى ذلك عنه عائشة وأسماء بنت يزيد [[هي: الصحابية أم سلمة، أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع الأنصارية وقيل كنيتها أم عامر، شهدت اليرموك وعاشت بعدها دهرًا. انظر: "الإصابة" ص 234 - 235، "التقريب" ص 743 (8532).]] وأم سلمة [[هذا الحديث رواه أحمد في "مسنده" من حديث أسماء بنت يزيد في ثلاثة مواضع 6/ 454، 459، 460، وعنها أيضًا، أبو داود (3982)، والطيالسي في مسنده ص 256 ح 1631، وأبو نعيم في "الحلية" 8/ 301، عن أم سلمة أم المؤمنين، والحاكم في "المستدرك" 2/ 249، وأحمد عن أم سلمة 6/ 294، 322، وأيضاً الطيالسي 223 برقم 1594، قال الترمذي بعد أن ساق الخبر: "سمعت عبد بن حميد يقول: أسماء بنت يزيد هي أم سلمة الأنصارية، كلا الحديثين عندي واحد" وذهب أحمد شاكر في تعليقه على الطبري إلى أنهما حديثان 15/ 350، وأن شهر ابن حوشب يروي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية التي تكنى بأم سلمة، ويروى عن أم المؤمنين أم سلمة، وأما حديث عائشة الموافق لحديث أم سلمة فقد رواه البخاري في "الكبير" 1/ 1/ 286، 287، ورواه الحاكم في "المستدرك"، وقال الذهبي تعليقًا عليه: "إسناده مظلم".]]، ومعناه أن الابن عمل عملًا غير صالح، يعني الشرك، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة التي هي "غير" مقامه. وقوله تعالى: ﴿فَلَا [[في النسخ: (9 ولا).]] تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، قال أبو بكر: سأل نوح ربه من نجاته وانصراف الغرق عنه ما يسأله الوالد، وهو لا يعلم أن ذلك محظور عليه مع إصراره على الكفر، حتى أعلمه ذلك، وكأن المعنى: ما ليس لك علم بجواز مسألته. وقال أبو علي [["الحجة" 4/ 343.]]: قوله "به" يحتمل وجهين: أحدهما: أنه مقدم يراد به التأخير أي ما ليس لك علم به [[في (ي): (به علم).]] فيكون كقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: 20]، و ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:21]، و ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 56]، وزعم أبو الحسن [[هو أبو الحسن الأخفش.]] أن ما يكون من هذا القبيل يتعلق بمضمر، يفسره هذا الذي ظهر بعد، وإن كان لا يجوز تسلط هذا الظاهر عليه قال: ومثل ذلك قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى﴾ [الفرقان: 22] فانتصب ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ بما دلَّ عليه ﴿لَا بُشْرَى﴾، ولا يجوز لما بعد ﴿لَا﴾ هذه أن تتسلط على ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾، وكذلك ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 21] يتعلق بما يدل عليه النصح المظهر، وإن لم يتسلط عليه، والتقدير: إني ناصح لكما من الناصحين، وكذلك "ما ليس لي به علم" يتعلق بما يدل عليه قوله علم الظاهر، وإن لم يجز أن يعمل فيه، قال أبو علي: ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن تكون الباء متعلقًا بما دل عليه قوله "ليس لك" والمعنى ليس لك [[ساقط من (جـ).]] أن يستقر لك به علم، كتعلق الظرف بالمعاني، والعلم هاهنا يراد به العلم المتيقن الذي يعلم به الشيء على حقيقته [[في (جـ): (على ظاهره).]]، ليس العلم الذي يعلم به الشيء على ظاهره كالذي في قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:10] ونحو ما يعلمه الحاكم من شهادة الشاهدين [[إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 344 (بتصرف).]]. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ﴾، قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 48، "تنوير المقباس" 141.]]: يريد: إني أنهاك. ﴿أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، [قال: يريد الآثمين؛ لأن عمل المؤمنين وذنوبهم جهل ليس بكفر، كما قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: 67]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (جـ).]]، وقال الله تعالى ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: 17] وجهل المؤمن ذنب وليس بكفر.

هود 11:47

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾، قال ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 54.]]: يريد أنك علام الغيوب، وأنا لا أعلم ما غاب عني. وقال ابن الأنباري: لما أعلمه الله أنه لا يجوز له أن يسأل ما لا علم له بجواز مسألته تلك [[ساقط من (ي).]] اعتذر أجمل اعتذار بقوله: {أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ}. وقال أهل المعاني: لما كان السؤال منه ما يحسن ومنه ما يقبح، وجب ألا يسأل إلا عما يعلم أنه يحسن. ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾، قال ابن عباس: يريد جهلي ﴿وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وهذه الآية تدل على جواز وقوع الصغيرة من الأنبياء عليهم السلام [[هذا القول هو قول أهل السنة، بل قول أكثر علماء الإسلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول"."مجموع فتاوى ابن تيمية" 4/ 319.]]؛ لأن المغفرة لا تكون للطاعة وإنما تكون للمعصية.

هود 11:48

قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 115، وقال به الطبري 12/ 54، والثعلبي 7/ 45 أ، والبغوي 4/ 181، والقرطبي 9/ 48.]]: يريد من السفينة إلى الأرض ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾، قالوا: بسلامة منا، وقالوا: بتحية منا ﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾، معنى البركة في اللغة: ثبوت الخير حالاً بعد حال، وأصله الثبوت، ومنه البروك، والبركة لثبوت الماء فيها، وبراكاء للقتال في قول الشاعر [[البيت لبشر بن أبي خازم، وصدره: ولا ينجي من الغمرات إلا والبراكاء: الثبات في الحروب. انظر: "ديوانه" ص 79، و"اللسان" (برك) 1/ 267، "الخزانة" 3/ 359، "تهذيب اللغة" 1/ 319، "الدر المصون" 5/ 41، "جمهرة اللغة" /325، "شرح التصريح" 2/ 291، "شرح المفصل" 4/ 50.]]: بَراكاءُ [[في (جـ): (براك).]] القِتالِ أَوِ الفِرارُ الثبوت للقتال، وتبارك الله: ثبت تعظيمه، قال المفسرون [["زاد المسير" 4/ 115.]]: معنى البركات على نوح أنه صار أب البشر والأنبياء؛ لأن جميع من بقي كانوا من نسله، قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 48، "البحر المحيط" 5/ 231.]]: يريد أنك آدم الأصغر، فعلى هذا قالوا: لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته، ولم يتناسل إلا من كان من ذريته، فالخلق كلهم من نسله، وهذا معنى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: 77]، وقال جماعة من المفسرين [[البغوي 4/ 182، القرطبي 9/ 48.]]: لم يكن مع نوح في السفينة من الناس إلا من كان من ذريته. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 115.]]: يريد من ولدك. قال أبو بكر [[المرجع السابق.]]: معناه من ذراري من معك، ولذلك قال (على أمم) ولم يكن الذين كانوا مع نوح أمما. قال المفسرون [[الطبري 12/ 55، الثعلبي 7/ 45 أ، البغوي 4/ 182، القرطبي 9/ 48.]]: وهم المؤمنون وأهل السعادة، وقال القرظي [[الطبري 12/ 55، الثعلبي 7/ 45 أ، البغوي 4/ 182، القرطبي 9/ 48.]]: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ [الآية، قال المفسرون: يعني الأمم الكافرة من ذريته إلى يوم القيامة، كما قال القرظي: دخل في السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في المتاع والعذاب كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة. قال ابن الأنباري [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 578.]]: والأمم يرتفعون بإضمار "مَنْ" تقديره: وفي مَنْ نَصِفُ لك وفي مَنْ نقُصُّ عليك أمره أمم سنمتعهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]].

هود 11:49

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾، الإشارة بتلك إلى الأنباء، كأنه قيل تلك الأنباء من أنباء الغيب؛ لأنه قد تقدم ذكرها، واتصلت ببيان عنها، وقال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 116، "البحر المحيط" 5/ 232.]]: ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات القرآن، وقال في هذه السورة [[ساقط من (ي).]]: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ [هود: 100]، فأشار بذلك إلى الخبر والحديث، وقال غيره [["زاد المسير" 4/ 116، ابن كثير 2/ 492، الطبري 12/ 56، ابن عطية 7/ 317.]]: الإشارة بتلك إلى القصة. وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾، أي من أخبار ما غاب عن جميع الخلق؛ لأنه لم يشاهد هذه القصص النبي ﷺ، ولا أحد من قومه، ولا من الناس كلهم في ذلك الوقت. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي كما صبر نوح على أذى قومه، فإن آخر الأمر بالظفر والنصرة والتمكين لك ولقومك، كما كان لمؤمني قوم نوح، هذا قول عامة المفسرين [[الطبري 12/ 56، الثعلبي 7/ 45 ب، البغوي 4/ 182، "زاد المسير" 4/ 117، القرطبي 9/ 49، ابن عطية 7/ 317، ابن كثير 2/ 492، الرازي 18/ 8.]]. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 173 ب نسخة أخرى من المخطوط محفوظة بجامعة الإمام تحت رقم 486/ ف، "تنوير المقباس" 141.]] وجماعة معناه: أن الجنة لمن اجتنب الفواحش والآثام.

هود 11:50

وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾، هذا عطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾، فكأنه قيل: وأرسلنا إلى عاد أخاهم، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 45 ب، البغوي 4/ 182، ابن عطية 7/ 318.]]: كان هودٌ أخاهم في النسب لا في الدين، قال ابن عباس: يريد ابن أبيهم. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾، قال: يريد: فيما تعبدون من دونه، يعني ما أنتم إلا كاذبون في إشراككم معه الأوثان.

هود 11:51

قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الآية، قد مضى نظير هذه الآية في قصة نوح في هذه السورة، وبينا ما فيه.

هود 11:52

قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، مضى الكلام في هذا في أول السورة. وقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 46 أ، الطبري 12/ 58 عن ابن زيد، "زاد المسير" 4/ 117، البغوي 4/ 182 - 183.]]: إن الله تعالى كان قد حبس عنهم المطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم، فقال لهم هود: إن آمنتم أحيا الله بلادكم، ورزقكم الماء والولد، فذلك قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، والمعنى يرسل المطر وماء السماء، والمدرار: الكثير الدر وهو من أبنية المبالغة. قال أبو بكر [["زاد المسير" 3/ 6.]]: وهو من النعوت التي انعدلت عن منهاج الفعل فيستوي فيه التذكير والتأنيث، وجرى في وصف المؤنث مجرى ما يستغني بقيام معنى التأنيث فمِه عن العلامة، كالنعل والفأس، ونصبها على الحال، وذكرنا هذا في أول سورة الأنعام [آية: 6]. وقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، فسرت القوة هاهنا بالمال والولد والشدة، وكل هذا مما يتقوى به الإنسان، ذكر ذلك الفراء [["معاني القرآن" 2/ 19.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 57.]]، وابن الأنباري، وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 146 ب، ابن عطية 7/ 321 - 322، "زاد المسير" 4/ 117، القرطبي 9/ 51.]]: يعني العدد وكثرة الأولاد، وهو قول ابن عباس في رواية الكلبي، وذهب مجاهد [[الطبري 5882، الثعلبي 7/ 46 أ، "زاد المسير" 4/ 117، البغوي 4/ 182 - 183، القرطبي 9/ 51.]] إلى الشدة.

هود 11:53

قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ أي بحجة واضحة نفصل بها الحق من الباطل. وهذا بهت منهم وطغيان ودفع للاستدلال. وقوله تعالى ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي بقولك، و (الباء) و (عن) تتعاقبان كقوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: 187] أي بها، وقد مرَّ، وكقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 59] أي عنه.

هود 11:54

قوله تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾، يقال: عراه أمر كذا يعروه، واعتراه يعتريه، وعرَّه واعتره كل ذلك إذا غشيه وأصابه، قال ابن الأعرابي: إذا أتيت رجلا تطلب منه حاجة فقد عروته وعررته واعتريته واعتررته [[ما سبق من "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 2373 (عرا).]]. وقال المفسرون وأهل المعاني [["معاني الفراء" 2/ 19، "معاني الزجاج" 3/ 57، "تهذيب اللغة" (عرا) 3/ 2373.]] في قوله تعالى: ﴿اعْتَرَاكَ﴾: أصابك ومسك، والمعنى: أنهم قالوا لهود: ما نقول في سبب مخالفتك إيانا إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون، فأفسد عقلك وأجنك وخبلك، فالذي تُظهِر من عيبها وطعنها لما لحق عقلَك من التغير، هذا قول عامة أهل التأويل؛ ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة [[رواه عنهم الطبري 12/ 59 - 60، وانظر: الثعلبي 7/ 46 أ، البغوي 4/ 183، ابن عطية 7/ 323، القرطبي 9/ 51، "الدر المنثور" 3/ 610، عبد الرزاق 2/ 304، ابن أبي حاتم 6/ 2046.]] وغيرهم، فقال نبي الله عند ذلك: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ الآية، يعني إن كانت عندكم عاقبتني لطعني كان [[هكذا في النسخ التي بين يدي، ولعل (كان) زائدة.]] عليها، فإني الآن أزيد في الطعن أي إني متيقن بطلان ما تقولون؛ لبصيرتي في البراءة منها والعيب لها والإنكار لعبادتها. وقوله تعالى: ﴿وَاشْهَدُوا﴾، قال أهل المعاني [[القرطبي 9/ 51.]]: أشهدهم وليسوا أهلًا للشهادة؛ ليقيم [[في (ي): (لتقوم).]] عليهم الحجة لا لتقوم بهم؛ لأنهم كفرة، فقيل لهم هذا القول للإعذار والإنذار. وقال أبو علي [["الحجة" 5/ 178.]]: قوله: ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ﴾ على إعمال الثاني كما أن قولى تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96] كذلك، والتقدير: أشهد الله أني بريء وأشهدوا الله أني بريء، فحذف الأول على حد ضربت وضربني زيد، وحذف حرف الجر مع [[في (جـ): بحذف مع أن.]] أنّ؛ لأنه يقال: أشهد بكذا وعلى كذا ولكن حرف الجر يحذف مع (أن) و (أنّ).

هود 11:55

وقوله تعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾، أي احتالوا أنتم وأوثانكم في عداوتي وغيظي وضربي، ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلون، في قول ابن عباس [[البغوي 4/ 183، "زاد المسير" 4/ 118.]] وقال الضحاك [[الطبري 12/ 59، القرطبي 9/ 52، ابن عطية 7/ 323.]]: لا تؤجلون. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 58، "معاني القرآن" للنحاس 3/ 358، ابن عطية 7/ 323.]] وغيره من أهل المعاني: هذا من أعظم آيات الأنبياء أن يقبل النبي على قومه مع كثرة عددهم واجتماع كلمتهم على عداوته، فيقول لهم هذا القول، وهذا للثقة بنصر الله تعالى إياه، وأنهم لا [[ساقط من (جـ).]] يصلون إليه، وكذلك قال نوح لقومه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: 71].

هود 11:56

قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، قال الليث [["تهذيب اللغة" 4/ 3580، من هنا يبدأ النقل بتصرف مادة: (نصا).]]: الناصية هي: قصاص الشعر في مقدمة الرأس، وقال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 279.]]: الناصية: مقدم الرأس. قال الأزهري: الناصية عند العرب: منبت الشعر في مقدمة الرأس، ويسمى الشعر الثابت هناك: ناصية باسم منبته؛ يقال: نصوت الرجل أنصوه، إذا مددت ناصيته. وناصيته إذا جاذبته وأخذ كل واحد منكما بناصية صاحبه، ومنه قول عمرو بن معدي كرب [[هو: أبو ثور الزبيدي من مذحج باليمن، من فرسان العرب المشهورين، أدرك الإسلام ووفد على النبي ﷺ وأسلم ثم ارتد ثم أسلم واستشهد في فتح نهاوند سنة 21 هـ. انظر: "الشعر والشعراء" 235، "معجم الشعراء" 208، "الإصابة" 4/ 18. والبيت في "ديوانه" 125، و"ديوان الأدب" 3/ 375، و"تاج العروس" (حمس) 8/ 249. والبيت في "اللسان" (شور) 4/ 2357، وفي "تهذيب اللغة" 4/ 3580 (نصا). وشيار أي: سمان حسان يقال: جاءت الإبل شيارًا أي: سمانًا حسانًا.]]: أعباسُ لو كانت شيارًا جيادُنا ... بتثليثَ ما ناصيتَ بعدي الأحامسا ومعنى ﴿إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي: هي في قبضته وتنالها بما شاء قدرته. قال أبو إسحاق [[لعل العبارة (قاله أبو إسحاق) وهي في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 58، ونصها: "أي هي في قبضته، وتنالها بما تشاء قدرته".]]، وهذا معنى هذا الكلام، وإن اختلفت العبارات في تفسيره، والأصل فيه ما ذكره ابن جرير [[الطبري 12/ 60 بتصرف، ولعله نقله عن الثعلبي 7/ 46 أ.]] فقال: العرب إذا وصفت إنسانًا بالذلة والخضوع قالوا: (ما ناصية فلان إلا بيد فلان)، أي أنه: مطيع له يصرفه كيف شاء؛ لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه، جزوا ناصيته ليعتدوا بذلك فخرا عليه، ويكون علامة لقهره [[كذا في النسخ ولعل الصواب: (لقهرهم).]] إياه، فخوطبوا بما يعرفون في كلامهم، وأخبروا أن كل دابة بهذه المنزلة في الذلة والانقياد لله عز وجل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، [قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 58.]]: أي: هو وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فهو لا يشاء إلا العدل، وزاد ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 119.]] لهذا بيانًا فقال: لما قال ﴿إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ كان في معنى: لا يخرج عن قبضته، لكنه قاهر بعظيم سلطانه كل دابة، فأتبع قوله ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] [أي أنه وان كان قادرًا عليهم فهو لا يظلمهم ولا يلحقهم بقدرته عليهم - إلا ما يوجب الحق وقوعه بهم، وهذا معنى قول مجاهد ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (جـ).]] قال: على الحق [[الطبري 12/ 60 - 61، "زاد المسير" 4/ 118.]]، وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا رجلاً بحسن السيرة والعدل والإحسان، قالوا: فلان على طريقة حسنة وليس ثم طريق. وذكر وجهًا آخر قال: لما ذكر أن سلطانه قد قهر كل دابة، أتبع هذا قوله ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي أنه لا يخفى عليه مستتر، ولا يعدل عنه هارب، فذلك الصراط المستقيم، وهو يعني به الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه؛ كما قال ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14] وقال عطاء عن ابن عباس [[البغوي 4/ 184.]] في هذه الآية يريد أن الذي بعثني الله به دين مستقيم. وقال الكلبي [["تنوير المقباس" 142.]]: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول: قائم دائم، وهو الإسلام والطريق عليه، فمن شاء هداه إلى الإسلام. فعلى هذين القولين المراد بالصراط المستقيم: دين الإسلام، ومعناه: إنَّ ربي أمر بذلك، ودعا إلى ذلك؛ كما يقول الإنسان لمن دعا غيره إلى أمر: أنا على هذه الطريقة، ولهذا المعنى ذهب بعض أهل المعاني [["زاد المسير" 4/ 118، البغوي 4/ 184.]] إلى إضمار في الآية، فقال: معناه: إن ربي على صراط مستقيم أو [[هكذا في النسخ ولعل الصواب: (أي).]] يحث أو يحملكم على الدعاء إليه. وقال بعضهم [[ابن عطية 324/ 7.]]: هذا من باب حذف المضاف؛ على معنى أن أمر ربي وتدبيره لخلقه، على صراط مستقيم لا خلل فيه.

هود 11:57

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، أي إن تتولوا، بمعنى تعرضوا عما دعوتكم إليه من الإيمان بالله وعبادته ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 58.]] وابن الأنباري: معناه قد ثبتت الحجة عليكم، وأثبت فساد مذهبكم، فليس توليكم بعد هذا لتقصير في الإبلاغ، وإنما هو لسوء اختياركم في الإعراض عن النصح، وذهب مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 147 أ، "زاد المسير" 4/ 119.]] وجماعة معه أن ﴿تَوَلَّوْا﴾ هاهنا فعل ماض، بمعنى أعرضوا، ويكون المعنى على هذا: فإن أعرضوا فقل لهم قد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾، قال ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 61، والبغوي 4/ 184، القرطبي 9/ 53، ابن عطية 7/ 325، الثعلبي 7/ 46 أ.]]: يريد ويخلق بعدكم من هو أطوع لله منكم ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ بتوليكم وإعراضكم إنما تضرون أنفسكم؛ لأن ضرر كفركم عائد عليكم. وقوله: ﴿إنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾، قال أكثر أهل المعاني [["زاد المسير" 4/ 120.]]: حفيظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها، وقيل معناه [["تفسير البغوي" 4/ 184، "زاد المسير" 4/ 120، "القرطبي" 9/ 53، "البحر المحيط" 5/ 235، "الثعلبى" 7/ 46 أ.]]: يحفظني عن أن تنالوني بسوء [[في (ي): (بشر).]]، وقيل [[الرازي 18/ 14.]]: حفيظ على كل شيء، يحفظه من الهلاك إذا شاء، ويهلكه إذا شاء.

هود 11:58

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾، أي بهلاك عاد ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾، ذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 58.]] فيه وجهين: أحدهما: أن يريد بالرحمة ما أراهم من الهدى والبيان الذي هو رحمة. والثاني: أنه أراد لا ينجو أحد وإن اجتهد إلا برحمة منا [[في (ي): (الله). ويشهد لهذا المعنى قول النبي ﷺ "لن بدخل الجنة أحدٌ منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" أخرجه البخاري رقم (5673)، كتاب: المرضى، باب: نهى تمني المريض الموت، ومسلم رقم (2818) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى.]]. والأول هو قول ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 120، الرازي 18/ 15.]]؛ لأنه قال: يريد حيث هديتهم للإيمان وعصمتهم من أن يكفروا بي. وقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 120، القرطبي 9/ 54.]]: يريد الذي عذبت [[كذا في النسخ ولعل الصواب: (الذي عذب) بدون تاء.]] به الذين كفروا، وقال بعضهم [[الطبري 12/ 61، الثعلبي 7/ 46 ب، البغوي 4/ 184، القرطبي 9/ 54، الرازي 18/ 15.]]: يعني عذاب القيامة، وهذا أحسن؛ لأن الإنجاء من عذاب الدنيا قد سبق، كما نجيناهم في الدنيا من العذاب كذلك نجيناهم في الآخرة من العذاب.

هود 11:59

قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا﴾، قال ابن عباس [[قال به الثعلبي 7/ 47 أ، البغوي 4/ 184، "زاد المسير" 4/ 120، القرطبي 9/ 54. ويعني بالقبيل: القبيلة.]] يعني القبيل، يريد: أن التأنيث في تلك إنما كان لأجل القبيل ﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾. قال: يريد كذبوا أنبياء الله، ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾، قال: يريد [[البغوي 4/ 184، "زاد المسير" 4/ 121، القرطبي 9/ 54، الزاري 18/ 15، الثعلبي 7/ 47 أ.]] هودًا وحده. قال أهل المعاني: وإنما جمع؛ لأن من كذب رسولا واحداً فقد كذب [[في (جـ): (كفر).]] بجميع الرسل. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾، قال أبو بكر [[البغوي 4/ 184، "زاد المسير" 4/ 121، القرطبي 9/ 54، الرازي 18/ 15.]]: معناه: واتبع السفلة والسقاط الرؤساء وأُولي المقدار عندهم، فقلدوهم الكفر. فقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا﴾ خبر عامٌّ، معناه في الباطن التخصيص، قال المفسرون: قال الرؤساء للسفلة -يعنون هودًا- ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ الآيتان [[المؤمنون: 33، 34.]]، ومضى الكلام في معنى الجبار من الناس عند قوله: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [[المائدة: 22. وخلاصة ما ذكره قال: وللجبار معنيان، أحدهما: أراد الطول والقوة والعظم. والثاني: من أجبره على الأمر إذا أكرهه عليه".]] والعنيد: الذي لا يقبل الحق، ولا يذعن له، من قولهم: عَنَدَ الرجل يَعْنُدُ عُنُودًا وعانَدَ مُعاندة، إذا أبى أن يقبل الشيء وإن عرفه، وقال أبو عبيد: العنيد والعنود والعاند: المعاند المعارض لك بالخلاف [[ما سبق نقل عن الثعلبي 7/ 47 أ، وانظر: البغوي 4/ 184، "مشكل القرآن وغريبه" 1/ 211، القرطبي 9/ 54.]] وأظن أن هذا مما تقدم الكلام فيه.

هود 11:60

قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي [["زاد المسير" 4/ 122، البغوي 4/ 184.]]: أردفوا لعنة تلحقهم وتنصرف معهم، هذا معنى الإتباع، وهو أن يتبع الثاني الأول، ليتصرف معه بتصرفه، ومعنى اللعنة [[البغوي 2/ 390.]]: الإبعاد من رحمة الله ومن كل خير. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [أي وفي يوم القيامة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] كما قال: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾؛ قيل: أراد الباء فحذف الجار فوصل الفعل، وقيل: هو من باب حذف المضاف أي: كفروا نعمة ربهم، وهو معنى قول ابن عباس: يريد: كفروا بما كانوا فيه من نعيم ربهم، وذكر الفراء [["معاني القرآن" 2/ 20.]] الوجهين جميعًا. ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾، قال: يريد بعدوا من رحمة الله. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 59.]]: و ﴿بُعْدًا﴾ منصوب على معنى (أبعدهم الله فبَعُدُوا بعدًا)، ومثله قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17] فأما الكلام في تكرير هذه القصة، وقد ذكرت في سورة الأعراف [[من الآية 65 حتى الآية 72.]] وكذلك سائر القصص المكررة [في القرآن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]: قال أهل المعاني: إن تصريف المعنى في الوجوه المختلفة بالألفاظ المتباينة، في الدرج العالية من البلاغة والإعجاز، ومنها تستبط الدلالة على حقيقة الإعجاز؛ لأن الله تعالى أنزل قصصًا مكررة، بعبارات مختلفة، وأنزل قصة واحدة ولم يكررها، وهي قصة يوسف [فلا يمكن لأحد من الملحدين أن يعارض لا قصة موسى المكررة ولا قصة يوسف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (جـ).]] التي لم تكرر، وفي تكرارها أيضًا تجديد تسلية رسول الله ﷺ وتصبيره على أذى المشركين.

هود 11:61

قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 142، الطبري 12/ 62، الثعلبي 7/ 47 أ، البغوي 4/ 185 ابن عطية 7/ 329 "زاد المسير" 4/ 123، القرطبي 9/ 56، ابن كثير 2/ 493، "البحر المحيط" 5/ 238، الرازي 18/ 17.]]: يريد: من صلب آدم، يعني أن آدم خلق من تراب الأرض وكلهم لآدم. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء [[قال به الطبري 12/ 63، الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 185 وغيرهم.]]: يريد جعلكم عمارًا لها، وهذا اختيار أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 291.]]، وأكثر أهل اللغة قالوا معناه: جعلكم عمار الأرض، قال ابن الأنباري: ومعناه: أن الله تعالى تابع النعم عندهم حتى صاروا بها عمرة الأرض وخلفاء الماضين الذين سبقوهم إلى سكناها، فكأن المعنى: أورثكم الأرض، وقال مجاهد [[الطبري 12/ 63، الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 185، "زاد المسير" 4/ 123، ابن أبي حاتم 6/ 2048، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 611.]] أي أعمركم بأن جعلها لكم طول أعماركم. قال أبو بكر: وهذا (استفعل) بمعنى (أفعل) مثل (استجاب) بمعنى (أجاب) و (استو قد) و (أوقد). وروي عن ابن عباس [[الثعلبي 7/ 47 ب، القرطبي 9/ 56.]]: أعاشكم فيها، ونحوه قال الضحاك [[الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 185، "زاد المسير" 4/ 123.]]: أطال عمركم؛ فعلى القول الأول هو من العِمَارة، وعلى الثاني من العُمْرى، وعلى الثالث من العُمُر الذي هو الحياة.

هود 11:62

قوله تعالى: ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 185، "زاد المسير" 4/ 123، القرطبي 9/ 59.]]: كان صالح -عليه السلام - يعدل عن دين قومه ويشنأ [[شنأ يشنأ معناه أبغض يبغض ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3] أي مبغضك. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1940 (شنأ).]] أصنامهم، وكانوا يرجون رجوعه إلى دين أبيه وعشيرته، فلما أظهر ما أظهر من دعائهم إلى الله، وترك عبادة الأصنام، زعموا أن رجاءهم انقطع منه، ويئسوا من دخوله في ملتهم. وقال آخرون [[الطبري 12/ 63، الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 185، "زاد المسير" 4/ 123، القرطبي 9/ 59.]]: قالوا: كنا نرجو أن تكون فينا سيدًا؛ لما كنت عليه من الأحوال الجميلة، فالآن أيسنا منك إذ أظهرت خلافنا. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾، وقال في سورة إبراهيم [9]: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ﴾، قال الفراء [["زاد المسير" 4/ 124.]]: من قال: (إننا) أخرج الحرف على أصله؛ لأن كناية المنصوبين المتكلمين (نا) [[ساقط من (ي).]] فاجتمعت ثلاث نونات نونا (إن) والنون المضمومة إلى الألف، ومن قال ﴿إِنَّا﴾ استثقل الجمع بين ثلاث نونات فأسقط الثالثة وأبقى الأوليين، وكذلك يقال أني وأنني وقال هاهنا: ﴿تَدْعُونَا﴾؛ لأن الخطاب لواحد وهو صالح، وفي إبراهيم [: 9] ﴿تَدْعُونَنَا﴾ لأن الخطاب للرسل. [[من هنا بدأت مراجعة النسخة (ب).]] وقوله ﴿لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ذكرنا الكلام في معنى المريب عند قوله ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [[البقرة: 2. وملخص ما ذكره: أن الريب بمعنى الشك، وذكر الخلاف في الفرق بين (راب) و (أراب) ورجح التفريق بين المعنيين بحيث يكون راب بمعنى علمت منه الريبة وتيقنتها، وأراب: توهمت الريبة ولم أتحقق منها.]].

هود 11:63

قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ مفعول (أرأيتم) هاهنا لا يظهر في التفصيل؛ لأنه دخل على جملة قائمة بنفسها لو لم يذكر ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، إلا أنه يتعلق بمعناها كقولك: رأيتُ لَزَيْدٌ خيرٌ منك، ومعنى ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: أعلمتم، وجواب ﴿إنْ﴾ الأولى في قوله ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي﴾، وقد قام مقام ﴿إنْ﴾ الثانية في المعنى؛ لأن التقدير: فمن ينصرني إن عصيته، فاستغنى بجواب الأولى عن الثانية، ومعنى الآية: أعلمتم من ينصرني من الله إن عصيتُه بعد بينة من ربي ونعمة، وأكثر تفسير هذه الآية قد مضى في هذه السورة في نظير هذه الآية في قصة نوح [[آية: 28.]]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 20.]]: التخسير: التضليل. وقال ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (خسر) 1/ 1029، "زاد المسير" 4/ 124.]]: هو الإبعاد من الخير، وأكثر أهل العلم على أن هذا التخسير لقوم صالح. قال ابن عباس [[الئعبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 186،"زاد المسير" 4/ 124، القرطبي 9/ 60.]]: أي غير بَصَارَةٍ في خسارتكم [[في حاشية (ي) زيادة نصها: (والمعنى على هذا ما تزيدونني باحتجاجكم بعبادة آبائكم الأصنام إلا بصيرة في خسارتكم).]]. وهذا مذهب مجاهد [[الطبري 12/ 64.]] واختيار الفراء وابن الأعرابي [والحسين بن الفضل [[الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 186.]]، قال الفراء: يريد غير تضليل لكم، أي: كلما اعتذرتم بشيء زادكم تخسيرًا، قال: هو كقولك للرجل: ما تزيدني إلا غضبًا، أي غضبًا عليك. وقال ابن الأعرابي] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ب). وانظر: "تهذيب اللغة" (خسر) 1/ 1029، "زاد المسير" 4/ 124.]]: أي تخسيرًا لكم لا لي، وشرح الحسن [[الثعلبي 7/ 47 ب، البغوي 4/ 186.]] فقال: لم يكن صالح في خسارة حين قال لهم: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾، وإنما المعنى: ما تزيدونني بما تقولون حين قولهم: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة، والتخسير مثل التفسيق والتفجير، وأجاز قوم [[ذكر هذا القول "زاد المسير" 4/ 125، الرازي 18/ 18 "البحر المحيط" 5/ 239.]] أن يكون التخسير مضافًا إلى صالح، وهو مذهب ابن عباس في رواية عطاء والحسن، قال عطاء: ما تزيدوني إلا الهوان والذل. فعلى هذا الإضافة إلى صالح بمعنى لا ناصر لي إن عصيته، وإن كنتم أنصارى لم تزيدونني غير تخسير، وتقدير الكلام (فما تزيدونني غير تخسير إن كنتم أنصاري)، فحذف ما حذف لدلالة الباقي عليه، وهو قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾، ومعنى قول الحسن: إن أجبتكم إلى ما تدعونني إليه وعصيت ربي كنت بمنزلة من يزداد الخسران.

هود 11:64

قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، مفسر ومشروح في سورة الأعراف [[آية: 73. وقد ذكر هناك وجه كونها آية حيث خرجت من حجر صلد، وحيث أنها ترد الماء يومًا فتشربه وتبدلهم به لبنًا لم يشرب مثله قط ألذ ولا أحلى بحيث ترويهم، وآية لانفرادها عن غيرها من النوق بهذا الأمر الذي لم يشاهد مثله في غيرها.]]، إلا أن [[ساقط من (ي).]] في هذه الآية {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ}، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 142.]]: يريد: اليوم الثالث، وهو قوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾.

هود 11:65

قوله تعالى ﴿فَعَقَرُوهَا﴾، ذكرنا معنى العقر في سورة الأعراف [[آية: 77. ونقل عن الأزهري قوله: "العقر عند العرب: كشف عرقوب البعير، ثم يجعل النحر عقرًا؛ لأن العقر سبب النحر، وناحر البعير يعقره ثم ينحره، هذا هو الأصل، ثم جعل النحر عقرًا وإن لم يكن هناك قطع للعرقوب". وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2513 مادة: (عقر).]]. وقوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا﴾، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 48 أ، الطبري 12/ 64، البغوي 4/ 186، "زاد المسير" 4/ 125، القرطبي 9/ 60.]]: عيشوا، ومعنى التمتع التلذذ بالمنافع والملاذ التي تدرك بالحواس، ولما كان التمتع للحي عبر به عن الحياة؛ لأن الميت لا يتمتع. وقوله تعالى: ﴿فِي دَارِكُمْ﴾ أي في بلدكم، وسُمِّيَ دارًا لأنه يجمعهم كما تجمع الدار أهلها، وقيل: يعني في دنياكم يريد دار الدنيا. وقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، قال المفسرون: لما عقرت الناقة صعد فصيلها الجبل وبكى حتى سألت دموعه، ثم رغا رغوة [[الرُّغاء صوت ذوات الخف، رغا البعير والناقة ترغو رغاءً، انظر: "تهذيب اللغة" (رغا) 2/ 1431، اللسان (رغا) 3/ 1684.]] ثلاثا، فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم، فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام [["زاد المسير" 4/ 125، "القرطبي" 9/ 60، "الطبري" 12/ 64.]]، ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ﴾ أي للعذاب ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أي: غير كذب، والمصدر قد يرد بلفظ المفعول كالمجلود والمعقول و ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: 6] وقيل: غير مكذوب فيه.

هود 11:66

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾، قال ابن عباس: عذابنا ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ قد مضى مثل الآية في قصة عاد [[ساقط من (ب)، وانظر: آية 58 من هذه السورة.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾، قال ابن الأنباري [["المذكر والمؤنث" 619، "زاد المسير" 4/ 126، الرازي 18/ 21.]]: نسقت الواو (مِنْ) على محذوف قبلها تأويله: نجينا صالحًا والذين آمنوا معه برحمة منا، من العذاب الذي أهلك قومه، ومن الخزي الذي لزمهم، وبقي العار فيه مأثورًا عنهم منسوبًا إليهم؛ لأن معنى الخزي: العيب الذي تظهر فضيحته، ويستحيى من مثله، فحذف ما حذف اعتمادًا على دلالة ما بقي عليه، قال: ويجوز أن تكون الواو دخلت لفعل مضمر تأويله: ونجيناهم من خزي يومئذ. أو من خزي يومئذ نجيناهم، فقدر فعل مع الواو، قال: ويجوز أن تكون الواو مقحمة زائدة، وهذا قول صاحب النظم. قال أبو بكر: والعرب [[ساقط من (ي).]] ما زادت الواو قط إلا مع (لما) و (حتى)، وهذا الذي قاله أبو بكر إنما يجوز عند الكوفيين، وعند البصريين لا يجوز زيادة الواو في موضع قط، وقد ذكرنا هذا. واختلفوا في قوله ﴿يَوْمِئِذٍ﴾، فقرئ بفتح الميم وكسرها [[قرأ نافع والكسائي وأبو جعفر بفتح الميم، وبقية القراء بكسرها. "إتحاف" ص 257، "السبعة" ص 336، "الكشف" 1/ 532، "الحجة" 4/ 346.]] و (يوم) [[من هنا ابتدأ النقل عن أبي علي الفارسي عن "الحجة" 4/ 347 - 352 بتصرف.]] من قوله ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ ظرف كَسَرْتَ أو فَتَحْتَ في المعنى، إلا أنه اتسع [[في (ب): (أشبع).]] فيه فجعل اسما كما اتسع [[في (ب): (أشبع).]] في قوله ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: 33] فأضيف المكر إليهما [وإنما هو فيهما] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، فكذلك العذاب والخزي والفزع أضفن إلى اليوم والمعنى على أن ذلك كله في اليوم، فمن كسر الميم فلأن (يوما) اسم معرب فانجر با لإضافة ولم يُبْنَ، وإن كان مضافًا إلى مبني؛ لأن الأضافة لا تلزم، ألا ترى أنك تقول ثوب خز ودار زيد، فلا يجوز في المضاف إلا إعرابه، وإن كان الاسمان عملا على معنى الحرف، ولا يلزمها البناء كما يلزم ما لا ينفك عنه معنى الحرف [نحو أين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] وكيف ومتى، فكما لم يبن المضاف وإن كان قد عمل في المضاف إليه بمعنى اللام أو بمعنى (من) حيث كان غير لازم، كذلك لم يبن (يوم) للإضافة إلى (إذ)؛ لأن إضافته [[في (ي): (الإضافة).]] لا تلزم، ومن فتح الميم مع أنه في موضع جر، فلأنه على مضاف إلى مبني غير متمكن، والمضاف إلى المبني يجوز بناؤه كقول النابغة [[البيت في "ديوانه" ص 53، "الخزانة" 3/ 151، "الكامل" 1/ 185، "اللسان" (وزع) 4/ 4825، السيوطي 276، 298، "مجاز القرآن" 2/ 93 "معاني القرآن" 1/ 327، 3/ 245.]]: على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصبا ... وقلتُ ألمَّا أصحُ والشيبُ وازعُ وكذلك قول جرير [[البيت اختلف في نسبته فنسب لأعشى همدان، وأخرى للأحوص، وأخرى لجرير. وهو في "الحماسة البصرية" 209، "الكامل" 1/ 185، العيني 3/ 46، 523، سيبويه والشنتمري 1/ 59، "المقاصد النحوية" 3/ 46، ملحق ديوان جرير 1021، وزريق وابن عامر بن زريق، ولي البحرين، فقال هذا البيت.]]: على حينَ ألهى الناسَ جلُّ أمورهم ... فندلًا زريقُ المالَ ندلَ الثعالبِ وكذلك قول آخر: على حينَ لم [[في (ي): (من).]] تلبث عليه ذَنوبُه ... يَرِثْ شِرْبُهُ إذ في اليقام تراثر [[البيت للبيد، (تدابر) بالباء، وهو في ديوانه 217، سيبويه والشنتمري 1/ 441، "الإنصاف" 251، الخزانة 3/ 649، "همع الهوامع" 2/ 62، "الدرر" 1/ 77. وهو في وصف مقام فاخر فيه غيره، وكثرت المخاصمة فيه والمحاجة، الذنوب: الدلو مملوءة ماء، ضربه مثلا لما يدلى به من الحجة، الريث: الإبطاء، الشرب: الحظ من الماء المقام: المجلس، يريد مجلس الخصام والمفاخرة، التداثر: التزاحم والتكاثر.]] فلما بنيت هذه الأشياء من حيث كانت مضافة إلى مبني، فكذلك بني (يوم) لإضافته إلى (إذ) المبنية، والعلة في ذلك أن المضاف يكتسي من المضاف إليه [التعريف والتنكير، ومعنى الاستفهام والجزاء، فلما كان يكتسي منه هذه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] الأشياء اكتسى منه البناء أيضًا، إذا كان المضاف من الأسماء الشائعة نحو (يوم) و (حين) و (مثل)، وشبه، ومن ذلك قوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: 23] فـ (مثل) في موضع رفع في قول سيبويه، وقد أجري وصفا على النكرة، إلا أنه فتح للإضافة إلى (أنَّ)، فأما الكسر في (إذ) فلالتقاء الساكنين؛ وذلك أن (إذ) من حكمها أن تضاف إلى الجملة من المبتدأ [[في (جـ): (الابتداء).]] والخبر، فلما اقتطعت عنها الإضافة نونت، ليدل التنوين على أن المضاف [إليه قد حذف، فصار التنوين هنا يدل على قطع الإضافة من المضاف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (جـ).]]، كما صار يدل على انقضاء البيت في قول من نون في الإسناد أواخر البيت فقال [[هذه أبيات مختلفة، فالأول: مطلع أرجوزة للعجاج وبعده: من طلل أمسى تخال المُصْحفا وهو في "ديوانه" 2/ 219، "خزانة الأدب" 3/ 443، سيبويه 2/ 299، "شرح الأشموني" لألفيه ابن مالك 4/ 220، "الكتاب" 4/ 207، "المقاصد النحوية" 1/ 26. والثاني: صدر بيت لجرير. وعجزه: وقولي إن أصبت لقد أصابن "ديوانه" 58، ويروى (العتابا) (أصابا). "خزانة الأدب" 1/ 69، "الخصائص" 2/ 60، الدرر 5/ 176، "شرح أبيات سيبويه" 2/ 349، سر صناعة الإعراب 2/ 481، "شرح شواهد المغني" 2/ 762، "شرح المفصل" 9/ 29، "الكتاب" 4/ 205. والثالث: عجز بيت لرؤبة وصدره: تقول بنتي قد أنى أناكا وهو في "ديوانه" ص 181، سبيويه 1/ 388، "الخصائص" 2/ 96، "المقتضب" 3/ 71، "الإنصاف" 181، "الخزانة" 2/ 441.]]: يا صاح ما هاج الدموعَ الذُّرَّفَنْ أقلي اللوم عاذل والعتابَنْ يا أبتا علك أو عساكَنْ فكما دل التنوين في هذه الأواخر على انقطاع الإضافة عن المضافة إليه، كذلك يدل في (يومئذ) و (حينئذ) على ذلك، فكسرت الدال لسكونها وسكون التنوين [[إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 347 - 352 بتصرف.]]. قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، قال ابن الأنباري [["تهذيب اللغة" (صاح) 2/ 1958، "زاد المسير" 4/ 126.]]: إنما ذكَّر ﴿وَأَخَذَ﴾ لأن الصيحة محمولة على الصياح؛ ولأنه قد فصل بين الفعل والاسم المؤنث بفاصل، فكان الفصل كالعوض من تاء التأنيث، وقد سبق لهذا نظائر. قال المفسرون [[الطبري 12/ 68، "زاد المسير" 4/ 125، البغوي 4/ 187.]]: لما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾، ومضى تفسير ﴿جَاثِمِينَ﴾ في سورة الأعراف [[عند قوله تعالى ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ آية 78. وخلاصة ما ذكره ما أن جثم بمعنى برك وخمد وهمد من أثر العذاب.]].

هود 11:68

قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ مشروح المعنى في سورة الأعراف [[آية: 92. قال هناك ما نصه: (إبانة عن سوء حال المكذب نبيًا من أنبياء الله، في أنه بمنزلة من لم يستمتع بالدنيا إذ حصل في العذاب وصار إلى الخسران).]]. ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾؛ قرئ ثمودا [[في هذا الموضع قرأ حفص وحمزة ويعقوب من غير تنوين، وقرأ الباقون بالتنوين، "إتحاف" 2/ 129، "السبعة" 337، "الكشف" 1/ 533 "الحجة" 4/ 354.]] بالإجراء وتركه، فمن أجراه قال: هو اسم مذكر أريد به الحي وهو مذكر فصار كثقيف وقريش، ومن ترك إجراءه قال هو اسم للقبيلة فلا ينصرف، قال أبو علي [["الحجة" 4/ 355 باختصار وتصرف. وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 578، 579.]]: فإذا استوى في ثمود أن تكون مرة للقبيلة ومرة للحي، ولم يكن لحمله على أحد الوجهين مزية فمن صرف كان حسنًا، ومن لم يصرف فكذلك، ومثل هذا (يهود) و (مجوس)، قال الشاعر [[القائل الأسود بن يعفر، والبيت في: ديوانه 61، العيني 4/ 112 راجع: "الحجة" 3/ 342، "مجالس ثعلب" 589، "اللسان" (صمم) 4/ 2502، "المقاصد النحوية" 4/ 112.]]: فَرَّتْ يَهُودُ وأَسْلَمَتْ جِيرانها .... صَمَّي لِما فَعَلَتْ يَهُودُ صَمامِ وكذلك في الحديث "تقسم يهود" [[الحديث لم أجده بهذا اللفظ، وهو كما ترى قد نقله عن أبي علي الفارسي في كتاب "الحجة" 4/ 358، وقد أخرج أصل حديث القسامة البخاري (6142)، (6143)، كتاب الأدب، باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال. وأخرجه مسلم (1669)، كتاب القسامة المحاربين باب القسامة ح 1669 (3/ 1291).]]، فبهذا النحو علم أن هذا الاسم أريد به القبيلة، وقال آخر [[القائل امرؤ القيس، وصدره: أحار أريك برقًا هب وهنا (كنار بالنون) انظر "ديوانه" ص 147، "اللسان" (مجس) 7/ 4140، سيبويه والشنتمري 2/ 28، "شرح شواهد الإيضاح" 438، "الكتاب" 3/ 254.]]: كنار [[في (ب): (كفار).]] مجوسَ تستعر استعارا ألا ترى أن هذا الاسم لو كان للحي دون القبيلة لانصرف ولم يكن فيه مانع من الصرف، و (يهود) لو كان للحي لانصرف.

هود 11:69

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ الآية، قال أهل المعاني: دخلت "قد" هاهنا لأن السامع لقصص الأنبياء عليهم السلام يتوقع قصة بعد قصة، و"قد" للتوقع، ودخلت اللام في ﴿لَقَدْ﴾ لتأكيد الخبر، والمراد بالرسل هاهنا الملائكة الذين أتوه على صورة الآدميين، وظنهم أضيافا، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 48 أ، البغوي 4/ 187، "زاد المسير" 4/ 127.]]: وهم جبريل ومكائيل وإسرافيل، وهم الذين ذكرهم الله في الذاريات ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الذاريات: 24]، وفي الحجر ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: 51]. وقال الضحاك [[البغوي 4/ 187، الثعلبي 7/ 48 أ، "زاد المسير" 4/ 127.]]: كانوا تسعة. وقال السدي [[البغوي 4/ 187، الثعلبي 7/ 48 أ، "زاد المسير" 4/ 127 قال: (الوضاء وجوههم) بزيادة وجوههم وهي زيادة مهمة.]]: كانوا أحد عشر ملكًا على صورة الغلمان الوضاء. وقوله تعالى: ﴿بِالْبُشْرَى﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 60.]]: أي بالبشرى بالولد، وقد ذكر بعد هذه الآية بأيش [[هكذا وهو مختصر من: أي شيء، وهو صحيح لغة.]] بشروه. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 127.]]: نصب (سلامًا) بوقوع القول عليه؛ لأنه قول مقول فصار كقولك: (قلت: خيرًا أو شرًّا)، ويخالف هذا قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف: 22]؛ من أجل أن الثلاثة اسم غير قول مقول، وأما قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ فمرفوع بإضمار (عليكم سلام)، ولو نصبا جميعًا أو رفعا جاز في العربية، هذا كلامه، وهو قول الفراء في رفع الثاني وأنشد [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 21، "تهذيب اللغة" 4/ 3958، اللسان (ومأ) 8/ 4926 "البحر المحيط" 2/ 452.]]: فقلنا السلام فاتقت من أميرها ... فما كان إلا ومؤها بالحواجب وقال أبو علي [["الحجة" 4/ 360.]]: أما انتصاب قوله: ﴿سَلَامٌ﴾ فلأنه لم يحك شيئًا تكلموا به فيحكى كما تحكى الجمل، ولكن هو معنى ما تكلمت به الرسل، كما أن القائل إذا قال: (لا إله إلا الله) فقلت (حقًّا) أو قلت (صدقًا)، أعملت القول في المصدرين؛ لأنك ذكرت معنى ما قال ولم تحك نفس الكلام الذي هو جملة تحكى، وأما قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ التقدير فيه: سلام عليكم، فحذف الخبر كما حذف من قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [[يوسف: 18، 83.]] [أي صبر جميل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] أمثل، أو يكون المعنى أمري سلام وشأني سلام، كما أن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يصلح أن يكون المحذوف منه المبتدأ، ومثل ذلك قوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الزخرف: 89] على حذف الخبر أو المبتدأ الذي سلام خبره، قال: وأكثر ما يستعمل سلام بغير ألف ولام، وذلك أنه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم: خير بين يديك، وأمت [[في (ي): (أمه).]] في حجر [[ساقط من (ي).]] لاقيك، لما كان في معنى المنصوب استجيز فيه الابتداء بالنكرة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: 47]، وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ﴾ [الرعد: 23 - 24]، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ [الصافات: 79]، وقد جاء بالألف واللام، قال: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: 47]، قال الأخفش [[ذكره نقلاً عن "الحجة" 4/ 363.]]: من العرب من يقول: سلامٌ عليكم، ومنهم من يقول: السلام عليكم؛ فالذين ألحقوا الألف واللام حملوه على المعهود، والذين لم يلحقوا [[في (ي): (يلحقوه).]] حملوه على غير المعهود. وزعم أن منهم من يقول: سلامُ عليكم، فلا ينون، وحمل ذلك على وجهين، أحدهما: أنه [حذف الزيادة من الكلمة كما تحذف الأصل من نحو: لم يك، ولا أدر، والآخر: أنه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لما كثر استعمال هذه الكلمة فيها الألف واللام حذفا منه لكثرة الاستعمال، كما حذف من (اللهم) فقالوا: (لاهم)، وذكرنا معنى السلام في التحية عند قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الأنعام: 54] [[الأنعام: 54. وخلاصة ما ذكره أنه يحتمل وجهن، أحدهما: أن يكون مصدر سلمت تسليمًا وسلامًا أي دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه، الثاني: أن يكون السلام جمع السلامة بمعنى قولك: السلام عليكم أي السلامة عليكم.]]، [وقرأ حمزة والكسائي هاهنا (وقال سِلْم) بكسر السين [[قرأ حمزة والكسائي (قال سلم) بغير ألف بكسر السين وتسكين اللام، والباقون بفتح السين وألف. انظرت "السبعة" 338، "إتحاف" 258، "الكشف" 1/ 534، "الحجة" 4/ 364.]]، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 21.]]: وهو في المعنى سلام] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]؛ كما قالوا: حِلّ وحلال، وحِرْم وحرام؛ لأن التفسير جاء: سلموا عليه فرد عليهم، وأنشد [[لم أهتد إلى قائله. انظر: "معاني القرآن" 2/ 21، اللسان (كل)، اكتل السحاب عن البرق أي لمع به، واللوائح التي لاح برقها أي: لمع وظهر. الطبري 12/ 69، "البحر المحيط" 5/ 241، ابن عطية 6/ 340، "الدر المصون" 6/ 352.]]: مررنا فقلنا إيه سلم فسلمت ... كما اكتلى [[في (جـ): (أكل)، وفي (ص): (اكبلى)، وفي الفراء 2/ 21: (كما اكتل).]] بالبرق الغمام اللوايح فهذا دليل على أنهم سلموا فردت عليهم، فعلى هذا: القراءتان بمعنى واحد، وإن اختلف اللفظان، قال أبو علي [["الحجة" 4/ 364.]]: ويحتمل أن يكون: سلم، خلاف العدو والحرب، كأنهم قالوا لما كفوا عن تناول ما قدمه إليهم فنكرهم وأوجس منهم خفية قال: أنا سلم ولست بحرب ولا عدو، فلا تمتنعوا عن تناول طعامي، كما يُمتنع من تناول طعام العدو. وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ﴾، قال عبيد بن عمير: مكث إبراهيم خمس عشرة [[في (ي): (خمسة عشر).]] ليلة لا يأتيه ضيف، فاغتم لذلك، فلما جاءته الملائكة فرأى أضيافًا لم ير مثلهم عجل [[ساقط من (ي).]] فجاءهم بعجل حنيذ، فذلك قوله: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 21.]]: ﴿أَن﴾ في موضع نصب؛ لوقوع ﴿لَبِثَ﴾ عليها كأنك قلت: فما أبطأ عن مجيئه بعجل، فلما ألقيت الصفة وقع الفعل عليها، قال: وقد يكون رفعا بـ (لبث) وتقديرها المصدر، أي فما لبث مجيئه بعجل، أي ما أبطأ ذلك المجيء. وقوله تعالى: ﴿حَنِيذٍ﴾، قال الليث [["تهذيب اللغة" (حنذ) 1/ 938، "اللسان" (حنذ) 2/ 1021.]]: الحنذ: اشتواء اللحم بالحجارة المسخنة، تقول حنذته حنذًا. وقوله تعالى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ محنوذ مشوي، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 21.]]: ما حفرت له في الأرض ثم غممته، وهو من فعل أهل البادية معروف، وهو محنوذ في الأصل، كما قيل: طبيخ ومطبوخ، وقال [[نقله الطبري 12/ 69، الثعلبي 7/ 48 ب، "تهذيب اللغة" (حنذ) 1/ 938، اللسان (حنذ) 2/ 1021.]] في كتاب "المصادر": والخيل تحنذ إذا ألقيت عليها الجلال بعضها على بعض لتعرق. وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 292.]]: الحنيذ: المشوي، قال: ويقال قد حنذت الفرس إذا سخنته وعرقته. وأنشد للعجاج [[انظر: "ديوانه" ص 9، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 292، "اللسان" (حنذ) 2/ 1021، "الطبري" 12/ 69، والحنذ شدة الحر وإحراقه، أهرج البعير: تحير وسدد من شدة الحر. "تهذيب اللغة" 1/ 938 (حنذ). "التنبيه والإيضاح" 1/ 215، "تاج العروس" 5/ 361، كتاب "العين" 6/ 106.]]: ورهبًا من حنذه أن يهرجا قال ابن عباس في رواية [[الطبري 12/ 69، "زاد المسير" 4/ 128، القرطبي 9/ 64، ابن المنذر كما في "الدر" 4/ 446.]] ابن جريج: الحنيذ النضيج، وهو قول مجاهد وقتادة [[الطبري 12/ 69، الثعلبي 7/ 48 ب، "زاد المسير" 4/ 128.]]. وقال في رواية عطاء: هو الذي نتف شعره وشوي. وقال عبد الله بن مسلم [["مشكل القرآن وغريبه" ص 211، الثعلبي 7/ 48 ب.]]: هو المشوي في خد من الأرض بالرضف [[ساقط من (ب).]] وهي الحجارة المحماة، ومنه الحديث: "أنه أتي بضب محنوذ" [[أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 323.]].

هود 11:70

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى العجل، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 21.]]: إلى الطعام وهو العجل؛ لأنه طعام، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي: أنكرهم [[ساقط من (ي).]]، يقال: نكرته وأنكرته واستنكرته، قال الأعشى [[البيت في "ديوانه" ص 105، "الخصائص" 3/ 310، "المحتسب" 1/ 347، "شرح المفصل" 3/ 13، "مجاز القرآن" 1/ 293. وقال أبو عبيدة: قال يونس: قال أبو عمرو: أنا الذي زدت هذا البيت في شعر الأعشى إلى آخره فذهب، فأتوب إلى الله منه، وهو في الطبري 12/ 71، والثعلبي 7/ 48 ب، "البحر المحيط" 5/ 242، "الدر المصون" 6/ 353، "اللسان" (نكر) 8/ 4539.]]: وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا قال الليث [["تهذيب اللغة" (نكر) 4/ 3660.]]: النكرة: إنكارك الشيء، وهو نقيض المعرفة [[في (ي): (المعروف).]]، ويقال: أنكرت الشيء إنكارًا ونكرته مثله، قال: ولا يستعمل في غابر ولا أمر ولا نهي ولا مصدر. قال المفسرون: كان امتناعهم من الطعام لأنهم ملائكة، والملائكة لا تأكل ولا تشرب، وإنما أتوه في صورة الأضياف؛ ليكونوا على صفة يحبها، وهو كان يقري الضيوف، هذا معنى قول الحسن، وقيل: أروه معجزًا من مقدور الله في صورتهم. قوله تعالى: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي: أضمر منهم خوفًا، قاله أبو عبيدة [[في (ي): أبو عبيد. وهو في "مجاز القرآن" 1/ 293.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 61.]] وابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 211.]] وهو قول أبي روق عن الضحاك [[الثعلبي 7/ 48 ب، "زاد المسير" 4/ 129، القرطبي 9/ 65.]]. وقال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 48 ب، القرطبي 9/ 65.]]: أحس. وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 21، الثعلبي 7/ 48 ب.]]: استشعر. وقال الأخفش [[ذكره الثعلبي 7/ 48 ب، "الدر المصون" 4/ 113.]]: خامره. قال الليث [["تهذيب اللغة" (وجس) 8/ 4772، "الدر المصون" 4/ 113.]]: الوجس: فزعة القلب، يقال أوجس القلب فزعًا وتوجست الأذن: إذا سمعت فزعًا، فالوجس: الفزع يقع في القلب أو في السمع؛ من صوت، أو غير ذلك، ومنه قول ذي الرمة [[البيت في "ديوانه" 1/ 449 كالتالي: (إذا توجس قرعًا من سنابكها أو كان صاحب أرض أو به المؤم) القرع: الوقع، ويُروى (ركزًا) وهو الحسُّ، "توجس": تسع، يعني: الصائد (قرعًا من سنابكها) يعني: قرع حوافرها، (السنبك) طرف الحافر، أو كان صاحب أرض (رعدة)، (الموم): مرض شبه الجدري، المعنى: من خشية == الإخطاء يُحم، والبيت من قصيدته في خرقاء يتثمبب بها، انظر: "اللسان" (وجس) 8/ 4772، (أرض) 1/ 62، (فوم) 6/ 3491 "تهذيب اللغة" 1/ 148 (أرض)، 4/ 3468 (ميا)، "جمهرة اللغة" 1120،"تاج العروس" 9/ 28، (وجس) 10/ 6 (أرض).]]: إذا توجس ركزًا [[في (ي): (ذكرًا).]] في سنابكها ... أو كان صاحب أرض أوشكت صدعًا وقال عامة المفسرين [[هذا قول قتادة. انظر: الطبري 12/ 71، الثعلبي 7/ 49، البغوي 4/ 188.]]: لما رآهم إبراهيم شبابًا أقوياء، ولم يتحرموا بطعامه لم يأمن أن يكونوا جاءوا لبلاء، وذلك أن سنتهم كانت في ذلك الدهر إذا ورد عليهم القوم فأتوا بالطعام فلم يمسوه ظنوا أنهم عدو أو لصوص، فهنالك أوجس في نفسه فزعًا، ورأوا علامه ذلك في وجهه، وفقالوا له: لا تخف فإنَّا ملائكة الله أرسلنا إلى قوم لوط، فذلك قوله تعالى: ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 129.]]: ومعناها أرسلنا بالعذاب إلى قوم [لوط، فأضمر؛ لقيام الدليل عليه بذكر الله ذلك في قوله في سورة أخرى: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: 32، 33] ونحو هذا قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 61.]] سواء.

هود 11:71

قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 49 أ، الطبري 12/ 711، البغوي 4/ 188.]]: يعني سارة بنت هاران بن ناحور ابنة عم إبراهيم. وقوله تعالى: ﴿قَائِمَةٌ﴾، قيل: كانت قائمة من وراء الستر تتسمع إلى الرسل، وقيل: كانت قائمة تخدم الأضياف، وإبراهيم جالس معهم، ويؤكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود [[ساقط من (ب)، والقراءة ذكرها الطبري 12/ 72، والثعلبي 7/ 49 أ، والقرطبي 9/ 66.]] (وامرأته قائمة وهو قاعد فضحكت) واختلفوا في معنى الضحك هاهنا وفي سببه، فرُوي عن ابن عباس [[أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر في "الدر" 2/ 613، "زاد المسير" 4/ 130.]] أنه قال: ضحكت أي: عجبت من فزع إبراهيم، وهذا قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 147 ب، الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 188، القرطبي 9/ 67، "زاد المسير" 4/ 130.]] والكلبي [[الطبري 12/ 72، الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 189.]] قالا: ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة وهو [[ساقط من (ب).]] فيما بين حشمه وخدمه، فقيل لها: يا أيتها الضاحكة ستلدين غلامًا، فذلك قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾، فعلى هذا القول ضحكت للتعجب [[في (ب): (للتعجب).]] ففسر ضحكت: تعجبت لما كان بسبب العجب. وروى سعيد عن قتادة [[الطبري 12/ 72، الثعلبي 7/ 49 ب، عبد الرزاق 2/ 306، وابن المنذر، وابن أبي حاتم 6/ 2054، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 616، البغوي 4/ 189، ورجح هذا القول الطبري 12/ 74.]] قال: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وحكى الفراء [["معاني القرآن" 2/ 22.]] في هذه الآية قولين: أحدهما: أنها [[في (ب): (أنه).]] ضحكت سرورًا بما زال عنها من الخوف؛ لأنها قد كانت خافت كما خاف إبراهيم، فلما قالوا إنَّا أرسلنا إلى قوم لوط زال عنهما جميعًا الخوف فضحكت سرورًا بالأمن. الثاني: أن هذا على التقديم والتأخير، بتقدير: وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق فضحكت سرورًا بالتبشير، فقدم الضحك ومعناه التأخير، وعلى هذا التقدير يحمل أيضاً ما روي عن ابن عباس [[الثعلبي 7/ 49 ب، "زاد المسير" 4/ 130، البغوي 4/ 189.]] ووهب [[الطبري 12/ 72، الثعلبي 7/ 49 ب، وابن المنذر كما في "الدر" 3/ 616، "زاد المسير" 4/ 130، البغوي 2/ 393.]] أنهما قالا: ضحكت تعجبًا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها. وحكى أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 61.]] قولاً آخر؛ وهو أن سارة قالت لإبراهيم: اضمم إليك ابن أخيك لوطًا، فإن العذاب سينزل بقومه، فلما قالت الرسل: إنا أرسلنا إلى قوم لوط، ضحكت سرورًا بموافقتها الصواب لما أتى الأمر على ما توهمت. وقال مجاهد [[الطبري 12/ 73، الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 188، "زاد المسير" 4/ 130، ابن عطية 7/ 345، القرطبي 9/ 66.]] وعكرمة [[الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 188، "زاد المسير" 4/ 130، القرطبي 9/ 66.]]: فضحكت أي: حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف، وجعل حيضها علامة لقرب وقت المولود الذي تبشر به، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 22.]]: ضحكت: [حاضت لم يسمعه من ثقة، وقال الزجاج [["معانى القرآن وإعرابه" 3/ 62.]]: ليس بشيء ضحكت: حاضت] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 130.]]: قد أنكر الفراء [["معاني القرآن" 2/ 22، "تهذيب اللغة" (ضحك) 3/ 2099.]] وأبو عبيد [["الدر المصون" 4/ 114.]]، وأبو عبيدة [[لم أجده في "مجاز القرآن" في موضعه 1/ 293.]] أن تكون ضحكت بمعنى [[ساقط من (ب).]] حاضت، وعرفه غيرهم وأنشد [[القائل: تأبط شرًّا، والبيت في "المحتسب" 1/ 324، "جمهرة ابن دريد" 2/ 167، "اللسان" (ضحك) 5/ 2558، "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي ص 837، "تهذيب اللغة" (ضحك) 3/ 2099، "المعاني الكبير" 1/ 214، وينسب البيت أيضًا للشنفرى، ولابن أخت تأبط شرًّا أو لخلف الأحمر، انظر: "ديوان الشنفرى" 84، و"الأغاني" 6/ 83، ولخلف الأحمر في "ديوان الحماسة" 2/ 837، و"شرح الحماسة" للتبريزي 2/ 164.]]: يضحك الضبع [[في (ي): (الذئب).]] لقتلى هذيل ... وترى الذئب لها يستهل قال: أراد تحيض فرحًا، وحكى الليث [["تهذيب اللغة" (ضحك) 3/ 2099.]] في هذه الآية. فضحكت طمثت، وحكى الأزهري [["تهذيب اللغة" (ضحك) 3/ 2099.]] أن أصله ضحاك الطلعة إذا انشقت، قال. وقال الأخطل [[البيت في "تهذيب اللغة" (ضحك) 3/ 2099، "اللسان" (ضحك) 5/ 2558،"تاج العروس" (ضحك) 13/ 603.]] فيه بمعنى الحيض: تضحك الضبع من دماء سليم ... إذ رأتها على الحداب تمور قال الكميت: وأضحكت الضباع سيوف سعد ... بقتلى ما دفن ولا ورينا وقال أبو عمرو [[البيت في: "شرح هاشميات الكميت" 286، "الطبري" 12/ 74، "اللسان" (ضحك) 5/ 2558.]]: سمعت أبا موسى الحامض [[أبو موسى الحامض هو: سليمان بن محمد بن أحمد، نحوي، من العلماء باللغة والشعر، تلميذ ثعلب روى عنه أبو عمر الزاهد، من أهل بعداد، كان ضيق الصدر سيء الخلق، فلقب بالحامض، توفي سنة 305 هـ. انظر: "وفيات الأعيان" 1/ 214، "إنباه الرواة" 2/ 21، "الأعلام" 3/ 132، "تاريخ بغداد" 9/ 61.]] قال: سُئل ثعلب عن قوله ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي: حاضت، وقيل: إنه جاء في الخبر، فقال ثعلب: ليس في كلام العرب، والتفسير مسلم لأهل التفسير، فقيل له: فأنت أنشدتنا: تضحك "الضبع" لقتلى هذيل فقال ثعلب: تضحك هاهنا تكشر، وذلك أن الذئب ينازعها على القتلى فتكشر في وجهه وعيدًا، فيتركها ويمر. وقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾، قال المفسرون [[القرطبي 9/ 69.]]: كان إبراهيم قد ولد له من هاجر إسماعيل وكبر وشب، فتمنت سارة أن يكون لها ابن، وأيست من ذلك لكبر سنها، فبشرت على كبر السن بولد يكون نبيًا، ويلد نبيًا وهو قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 62.]]: بشروها بأنها تلد إسحاق وأنها تعيش إلى أن ترى ولد ولده. ﴿وَرَاءِ﴾ هنا تُفسر تفسيرين، أحدهما بمعنى: بعد، وهو قول ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 131، وابن أبي حاتم 6/ 2056.]] في رواية الكلبي ومقاتل [["زاد المسير" 4/ 131، ولم أجده في "تفسير مقاتل".]]؛ قالوا: ومن بعد إسحاق يعقوب. وروى حيان بن أبحر [[ذكره في "الدر" 3/ 616 عن ابن الأنباري في الوقف والابتداء. وقال عن حسان، وانظر: الثعلبي 7/ 49 ب، الطبري 12/ 75.]] قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل من هذيل فقال له: ما فعل فلان؟ لرجل منهم، قال: مات وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ يعني: ولد الولد، وهو قول الشعبي [[أخرجه ابن الأنباري في "الوقف والابتداء". انظر: "الدر" 3/ 616، وانظر: الثعلبي 7/ 49 ب، الطبري 12/ 75.]] في هذه الآية، ورُوي أنه أقبل ومعه ابن ابن له، فقيل له: هذا ابنك؟ فقال: هذا ابني من الوراء، ونحو هذا قال قتادة، فإن قيل يعقوب ولد إسحاق لصلبه فكيف يكون وراء له وإنما هو وراء للجد، كما قال الشعبي لولد ولده هذ ابن ي من الوراء [ونحو هذا] [[ساقط من (ي).]]. قال ابن الأنباري [["الأضداد" 69، "زاد المسير" 4/ 131، "اللسان" (ورى) 8/ 4821.]]: معناه من الوراء المنسوب إلى إسحاق يعقوب؛ لأنه قد كان الوراء لإبراهيم -عليه السلام -، من جهة إسحاق وإسماعيل عليهما السلام، فلو قال من الوراء يعقوب لم يعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق أم إلى إسماعيل، فأضيف إلى إسحاق لينكشف المعنى، ومثل هذا من الإضافة قوله -عز وجل-: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: 74،62]. يريد أين الشركاء المنسوبون إليّ بزعمكم، قال: ومن حمل وراء على (بعد) [[في (ي): (البعد).]] لزم ظاهر العربية، إذ العرب تقول: ليس وراء هذا شيء أي بعده قال النابعة [[النابغة الذبياني "ديوانه" ص 27،وفي معاهد التنصيص 7/ 2 (مطلب) بدل (مذهب). "تهذيب اللغة" 4/ 3878.]]: حلفتُ فلم أتركْ لنفسكَ ريبةً .... وليس وراءَ الله للمرء مذهبُ يعني: بعد الله، قال ورُفع يعقوب بـ (من) لأن المعنى فبشرناها [بإسحاق وبشرناها من وراء إسحاق] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] بيعقوب، فلما لم يظهر التبشير ثانيًا ولم يعد معه باء غلَّب الظاهر فرفع يعقوب بمن، وهو داخل بالتبشير في المعنى، كما تقول العرب: أمرت لزيد بإبل ولأخيه غنم، فيرفعون الغنم باللام والمعنى وأمرت لأخيه بغنم، فلما لم يعد الأمر مع الباء غلب الظاهر فرفعت الغنم بلام الصفة، وذلك منوي مراد. وقال أبو إسحاق [["معانى القرآن وإعرابه" 3/ 63.]]: رفعه على ضربين؛ أحدهما: ابتداء مؤخر معناه التقديم، المعنى: ويعقوب يحدث لها من وراء إسحاق، وهذا هو القول الذي ذكره أبو بكر؛ لأن من رفعه بـ (من) جعله ابتداء مؤخرًا، كما تقول (في الدار زيد). الثاني مما ذكره أبو إسحاق أنه مرفوع بالفعل الذي يعمل في [[ساقط من (ي).]] ﴿مِنْ وَرَاءِ﴾؛ كأنه قال: ويثبت لها من وراء إسحاق يعقوب، وقرأ ابن عامر وحمزة ﴿يَعْقُوبَ﴾ [[قرأ حفص وابن عامر وحمزة بفتح الباء، والباقون بالرفع، انظر: "السبعة" ص 338، "إتحاف" 258، "الكشف" 1/ 534، "الحجة" 4/ 364.]] بفتح الباء، قال [الفراء [["معاني القرآن" 2/ 22.]]: من قرأ ذلك نوى به الخفض يريد: ومن وراء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] إسحاق بيعقوب قال: ولايجوز هذا إلا بإظهار الباء. قال أبو بكر [["تهذيب اللغة" (عقب) 3/ 2508، "اللسان" (عقب) 5/ 3030.]]: من قال: إن (يعقوب) على قراءة حمزة في موضع خفض بالباء فقد غلط عند الفراء [["معاني القرآن" 2/ 22.]] وسيبويه [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 101، وانظر: "الكتاب" 1/ 48 - 49.]]؛ لأن واو النسق لا يفصل بينها وبين المنسوق بالصفات ولا غيرها، فلا يقال: مررت بأخيك ومن بعده أبيك؛ لأن الواو مع الأب بمنزلة الشيء الواحد فلا تدخل بينهما الصفة، ولا يجوز أن يضمر بعد الواو في الآية تبشير آخر معه باء؛ لأنه لا يصلح ضمير شيئين على هذه الشريطة، ولا تعمل الباء مضمرة إذا كانت صلة لفعل يتصل به ضمير، كما لا تعمل إلا مظهرة حتى يظهر الفعل معها، ألا ترى أن الذي يقول مررت أبيك لا يضمر الباء هاهنا ويخفض بها، فامتناعها هناك من أن تظهر وتعمل كامتناعها هاهنا، قال: والصحيح في إعراب ﴿يَعْقُوبَ﴾ النصب بفعل مضمر يشاكل معناه معنى [[ساقط من (ب).]] التبشير على تقدير: ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب، كما تقول العرب: مررت بأخيك وأباك، يريدون بـ (مررت) (جُزْت) كأنه قيل: جزت أخاك وأباك وكما قال جرير [[القائل جرير في هجاء الأخطل، والبيت في "ديوانه" ص163، سيبويه والشنتمري 1/ 48، 86، "المقتضب" 4/ 153، وهو بلا نسبة في الطبري 12/ 75، "المحتسب" 2/ 78، "معاني القرآن" 2/ 21، 3/ 124، وهو في هذه القصيدة يفخر ببني قيس عيلان بن مضر بن نزار جميعًا علي بني ربيعة بن نزار وهم قوم الأخطل التغلبي، فذكر "بني بدر" الفزاريين من قيس عيلان، و"منظور بن سيار الفزاري" العبسي و"عامر بن الطفل" من بني جعفر بن كلاب، انظر: تعليق محمود شاكر على الطبري 15/ 396 - 397.]]: جئني بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيار أو عامرَ بن طفيل في مركبة ... أو جارنا يوم نادى القوم يا جار أراد: أعطني مثل بني بدر أو مثل [[ساقط من (ي).]] أسرة. وقال آخر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 22 قال: أنشدني بعض بني باهلة.]]: لو جئت بالتمر له ميسرًا والبيضَ مطبوخًا معًا والسكرا لم يرضه ذلك حتى يسكرا أراد لو أطعمته التمر والبيض. قال رؤبة [[من أرجوزة له. انظر: "ملحق ديوانه" ص 190، "أساس البلاغة" (فسق)، وينسب للعجاج كما في سيبويه والشنتمري 1/ 49، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في "شرح شذور الذهب" 402، "المحتسب" 2/ 43، "الخصائص" 2/ 432، "شرح التصريح" 1/ 288.]]: يهوين في نجد وغورا غائرًا ... فواسقا عن قصدها جوائرا أراد: يدخلن نجدًا. وكل ما ذكره أبو بكر من ردّ وجه الخفض وتوجيه النصب هو قول الفراء والزجاج وشرح كلامهما. وذكر أبو علي [["الحجة" 4/ 364 - 367 بتصرف.]] أن قومًا ذهبوا في قراءة حمزة إلى العمل على موضع الجار [[ساقط من (ب).]] والمجرور كقوله [[عجز بيت لكعب بن جعيل، وصدره: ألا حيّ ندماني عُمْيدَ بن عامرٍ انظر: سيبويه والشنتمري 1/ 34 - 35، ابن السيرافي ص 253، وبلا نسبة في "الإنصاف" 285، و"المقتضب" 4/ 112، 154، و"المحتسب" 2/ 362.]]: إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدًا وقوله [[عجز بيت لعقيبة الأسدي، أو لعبد الله بن الزبير، وصدره: معاوي إننا بشر فأسجح انظر: سيبويه 1/ 34، 352، "الخزانة" 1/ 343، 2/ 143، "شرح المفصل" 2/ 109، "شرح أبيات المغني" 7/ 53، "الإنصاف" 284، "سر صناعة الإعراب" 1/ 294، 131، "سمط الآلئ" /148، "نسبه في الأزمنة والأمكنة" 21/ 317 لعمرو بن أبي ربيعة.]]: فلسنا بالجبال ولا الحديدا كذلك هاهنا قوله: ﴿إِسْحَاقَ﴾ الجار والمجرور في موضع النصب فحمل عليه قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ بالعطف، قال أبو علي: وهذا الوجه في الفتح كوجه قول من جعل يعقوب في موضع الخفض، وذلك أن الفصل في هذا بين واو العطف والحرف المعطوف بالظرف قبيح، سواء عطفت على المرفوع أو المنصوب أو المجرور، وذلك أن الفعل [يصل بحرف العطف، وحرف العطف هو الذي يشرك في الفعل وبه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] يصل الفعل إلى المفعول به، كما يصل بحرف الجر إذا قلت (مررت يزيد) [[قائمًا كما في "الحجة" 4/ 365.]]، ولا يجوز الفصل بين الباء وزيد، كذلك لا يجوز الفصل في قولك ضربت زيدًا وعمرًا بين الواو وعمرو؛ لأن الحرف العاطف مثل الجار في أنه يشرك في الفعل، كما يوصل الجار الفعل وليس نفس الفعل العامل في الموضعين جميعًا وإذا كان كذلك قبح الفصل بالظرف في العطف، وقد جاء [[في (ب): (جاز)، والصحيح ما أثبتهُ كما في "الحجة" 4/ 366.]] ذلك في الشعر، قال ابن أحمر [[من قصيدة يذكر فيها جماعة من قومه لحقوا بالشام فصار يراهم في النوم إذا أتى الليل، انظر: "ديوانه" ص 129، "الحماسة البصرية" 1/ 262، " أمالي ابن الشجري" 1/ 192، "الخصائص" 2/ 378، "الإنصاف" 299، المذكور (أثالا). "الكتاب" 2/ 270، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 487، "اللسان" (حنش) 2/ 1023، "المقاصد النحوية" 2/ 421.]]: أبو حنش يؤرقنا وطلق ... وعبّادٌ وآونةً أثالُ ففصل بالظرف في العطف على المرفوع. وقال الأعشى: يوما تراها كشبه أرديه الـ ... ـعصب ويومًا أديمها نغلا [[البيت من قصيدة له يمدح فيها سلامة ذا فائش، في "ديوانه" ص 170 (أردية الخمس)، والعصب: ضرب من البرود، ونغل الأديم: فسد في الدباغ. وانظر: "شرح أبيات المغني" 2/ 163 - 164، "اللسان" (نغل) 8/ 4490، وبلا نسبة من "الخصائص" 2/ 395، "الإيضاح" / 148.]] ففصل بالظرف بين المشرك في النصب وما أشركه فيه، فإذا قبح هذا فالوجه أن تحمل قراءة حمزة ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنصب على فعل آخر مضمر يدل عليه (بشرنا) كما تقدم، ولا يحل على الوجهين الآخرين لاستوائهما في القبح [[إلى هنا انتهى النقل من "الحجة" 4/ 364 - 367 بتصرف.]].

هود 11:72

قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى﴾. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 63.]]: الأصل فيه يا ويلتي فأبدل من الياء والكسرة [الألف؛ لأن الألف أخف من الياء والكسرة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، وقد ذكرنا مثل هذا في قراءة من قرأ ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ﴾ [هود: 42] بفتح الياء، قال [[القائل أبو إسحاق الزجاج في الموضع السابق 3/ 63.]]: والاختيار في الكلام إن وقف عليه بالهاء "يا ويلتاه" فأما المصحف فلا يخالف، ويوقف إذا [[في (ي): (إن).]] اضطر واقف بغير هاء، وذكرنا معنى هذا النداء في قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ [المائدة: 31] [[وقد نقل هناك عن الزجاج قوله: المعنى يا ويلتا تعالى، فإنه من إبّانك، أي: قد لزمني الويل، قال: والوقف في غير القرآن: يا ويلتاه. اهـ. وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 167.]]، وهذه الكلمة إنما تقال عند الإيذان بورود الأمر الفظيع. وقوله تعالى: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾، قال الليث [["تهذيب اللعة" (عجز) 3/ 2337.]]: العجوز المرأة الشيخة والجميع العجز والعجائز، والفعل عجزت تعجز عجزًا، وعجّزت تعجِّز تعجيزًا فهي مُعَجِّزة والتشديد أكثر، قال يونس [["تهذيب اللغة" (عجز) 3/ 2337.]]: امرأة مُعجِّزة: طعنت في السن، ويقال للمرأة [اتقي الله في شبيبتك وعجزك. قال ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (عجز) 3/ 2337.]]: ويقال للمرأة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] عجوزة بالهاء أيضًا. قال ابن إسحاق [[الطبري 12/ 77، الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 133، القرطبي 9/ 70.]]: كانت [[ساقط من (ي).]] ابنة تسعين سنة، وقال عطاء ومجاهد [[الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 132، القرطبي 9/ 70.]]: تسع وتسعين سنة، جعل الله -عز وجل- الولد على تلك الحال معجزًا لنبيه إبراهيم -عليه السلام -، وإنما تعجبت من مقدور الله تعالى -مع إيمانها- بطبع البشرية إذا ورد مثلُ هذا على النفس من غير فكر ولا روية، كما ولى موسى عليه السلام مدبرًا حتى قيل له: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [القصص: 31]. وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾، ذكرنا معنى البعل والبعولة في سورة البقرة [[البقرة: 228.]] والنساء [[النساء: 128. وخلاصة ما ذكره أن المراد بالبعل الزوج، وإنما سمي بذلك لأحد أمرين: إما لأنه مستبعل لها وقد غلطه الأزهري، وإما لأنه سيدها ومالكها. وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل).]]، وقال عطاء ومجاهد [[الثعلبي 7/ 50 أ، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 132.]]: كان إبراهيم عليه السلام في ذلك الوقت ابن مائة سنة. وقال ابن إسحاق [[الطبري 12/ 76، الثعلبي 7/ 50 أ، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 133.]]: ابن عشرين ومائة سنة. وقال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 143، "زاد المسير" 4/ 132.]]: ابن تسع وتسعين سنة. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 63، وانظر: "تهذيب اللغة" (بعل) 1/ 362.]]: (شيخا) منصوب على الحال، والحال هاهنا نصبه من لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائمًا، فإذا كنت تقصد أن تخبر من لم يعرف زيدًا أنه زيد لم يجز هذا؛ لأنه لا يكون زيدًا ما دام قائمًا فإذا زال عن القيام فليس يزيد، وإنما تقول للذي يعرف زيدًا هذا زيد قائمًا فيعمل في الحال التنبيه، المعنى [[ساقط من (ب).]]: انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 132.]]: وهذا إنما وقعت الإشارة معه إلى الشيخوخة، أي: تنبهوا على شيخوخة بعلي، كما يقول القائل: هذا الله لطيفًا كريمًا. يريد تنبهوا على لطفه وكرمه، وما يجهله -عز وجل- ذو عقل وتمييز. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، العجيب بمعنى المُعْجِب يقال: أعجبني الشيء فهو معجب وعجيب، قال ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 77، "زاد المسير" 4/ 133، القرطبي 9/ 70.]]: يريد أن يولد لابن مائة سنة ولكبرها وأنها حرمت الولد في شبابها وأعطيته في كبرها.

هود 11:73

قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 77، "زاد المسير" 4/ 133، القرطبي 9/ 70.]]: يريد من قضاء الله وقدرته؟ وقال أهل المعاني: أنكرت الملائكة عليها لما تعجبت من ولادتها على كبر السن؛ لأن ما عرف سببه لا يتعجب منه، والله تعالى قادر لا يعجزه شيء. قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل أن يكون هذا دعاء من الملائكة لهم بالرحمة والبركة، ويحتمل أن يكون إخبارًا عن ثبوت ذلك لهم فيكون تذكيرًا بالنعمة عليهم، قال المفسرون [["زاد المسير" 4/ 133.]]: ومن هذه البركات أن الأسباط وجميع الأنبياء كانوا من إبراهيم وسارة. وقوله تعالى: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يعني: بيت إبراهيم، قالوا: وفي هذا دليل على أن أزواج النبي ﷺ من أهل بيته تكذيبًا لمن أنكر ذلك؛ لأن الملائكة خاطبوا سارة بأهل البيت، وسموها أهل بيت إبراهيم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾، الحميد الذي تحمد فعالُه، وهو بمعنى المحمود، والله تعالى الحميد المحمود والمستحمد إلى عباده، والمجيد: الماجد وهو ذو الشرف والكرم، يقال مجد الرجل يمجد مجدًا ومجادة، ومجُد يمجُد لغتان. قال الحسن والكلبي [[البغوي 4/ 190، "تنوير المقباس" ص 143.]]: المجيد: الكريم، وهو قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 308.]]، وقال ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (مجد) 4/ 3345.]]: المجيد: الرفيع، وقال أهل المعاني: المجيد: الكامل الشرف والرفعة والكرم والصفات المحمودة، وأصله من قولهم: مجدت الدابة إذا أكثرت علفها، رواه أبوه عبيد عن أبي عبيدة [["تهذيب اللغة" (مجد) 4/ 3345.]]، وقال النضر [["تهذيب اللغة" (مجد) 5/ 3344، وهو النضر بن شميل.]]: مجدت الإبل تمجد مجدًا إذا شبعت، وقال الأصمعي [["تهذيب اللغة" (مجد) 4/ 3345.]]: أمجدتُ الدبة علفًا أكثرت لها ذلك، وقال أبو حية [[أبو حية النميري هو: الهيثم بن الربيع بن كثير، من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، شاعر مجيد متقدم، يروي عن الفرزدق وكان كذابًا بخيلاً. توفي سنة 183هـ. انظر: "الشعر والشعراء" ص 522، "الأغاني" 12/ 61. والبيت قاله في وصف امرأة. "ديوانه" ص 123، وانظر: "البحر المحيط" 5/ 237، "الدر المصون" 6/ 359، "اللسان" (مجد) 4/ 3345.]]: تزيد على صواحبها وليست ... بماجدة الطعام ولا الشراب أي: ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب، وقال الليث [["تهذيب اللغة" (مجد) 10/ 683.]]: أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره، واستمجد المرخ والعفار [[هما شجرتان في الحجاز يستوقد منهما النار. والمثل هو (في كل الشجر نار، واستمجد المرخ والعفار) أي: استكثرا من النار فصلحا للاقتداء بهما، شبها بمن يكثر من االعطاء طلبًا للمجد، "تهذيب اللغة" 4/ 3345.]] أي: استكثر من العفار [أي: استكثر من النار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أي).]].

هود 11:74

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الآية، الروع: الإفزاع، يقال: راعه يروعه روعًا [[ساقط من (ي).]] إذا أفزعه، قال عنترة [[البيت من معلقته المشهورة، انظر: "ديوانه" ص 123، والخمخم، بقلة لها حب أسود، وذلك أنهم كانوا مجتمعين في الربيع، فلما يبس البقل، سفت حب الخمخم، فكان ذلك نذيرًا بوشك فراقهم. وانظر: الطبري 12/ 78، "اللسان" (حمم) 3/ 1270، (خمم) 3/ 1270، "ديوان الأدب" 3/ 105، "كتاب العين" 3/ 43، "تاج العروس" (خمم)، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 1106.]]: ما راعني إلا حمولةُ أهلها ... وسْط الديار تَسَفُّ حب الخمخم [[في حاشية (ب): (والحمحم أيضًا بالحاء والخاء).]] والرُّوع النفس وهو موضع الرَّوْع، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 134، الطبري 12/ 78.]]: يريد الفزع؛ قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 64.]]: يعني ارتياعه لما أنكرهم حين لم يأكلوا العجل. قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾، قال ابن عباس [[رواه الطبري عن ابن إسحاق 15/ 401، البغوي 2/ 394، القرطبي 9/ 72.]]: يريد بإسحاق ويعقوب. وقوله تعالى: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾، (لمَّا) [[في (ي): (إلى)،]] تصحبها الأفعال الماضية؛ لأنها جعلت في الكلام لما قد وقع بوقوع غيره، تقول: (لَمَّا جاء زيد جاء عمرو)، وهاهنا قيل: (يجادلنا) على لفظ المستقبل، وذلك أن (لما) لما كانت شرطًا للماضي جاز أن يقع بعدها المستقبل بمعنى الماضي، كما أن (إنْ) [[ساقط من (ي).]] لما كانت شرطًا للمستقبل، جاز أن يقع بعدها الماضي بمعنى المستقبل، نحو: إن جاء زيد، حيث قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: 10]. وفيه وجه آخر وهو أن يكون قوله: ﴿يُجَادِلُنَا﴾ [حكاية لحال قد مضت، المعنى: لما ذهب عنه الروع أخذ يجادلنا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] وأقبل يجادلنا، فأضمر هذا الفعل قبل المستقبل؛ لأن (لما) تقتضيه، وفي كل كلام يخاطب به معنى (أخذ) و (أقبل) إذا أردت حكايته حال، والوجهان ذكرهما الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 94 بتصرف.]] وابن الأنباري. قال الزجاج: والوجه الثاني هو الذي أختاره، ومعنى يجادلنا: يجادل رسلنا من الملائكة في قول جميع المفسرين [[الطبري 12/ 78، الثعلبي 7/ 50 أ، البغوي 4/ 190، ابن عطية 7/ 354، "زاد المسير" 4/ 134، القرطبي 9/ 72، ابن كثير 2/ 495.]]؛ قالوا جميعًا: إن الرسل لما قالوا لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: [فأربعون؟ قالوا: لا. قال:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] فثلاثون؟ قالوا: لا. فما زال ينقص، فيقولون: لا، حتى قال: فواحد؟ قالوا: لا، فاحتج عليهم بلوط وقال: إن فيها لوطًا؛ فقالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، وهذا معنى جدال إبراهيم في قوم لوط. وقال أهل المعاني [[ذكر هذا القول الطبري 12/ 79 ورده، والثعلبي 7/ 50 أ.]]: معنى (يجادلنا) يسألنا ويكلمنا فيهم ويراجعنا في ذلك، إلا أنه استعير لفظ يجادل؛ لأنه كان يحرص في السؤال حرص المجادل، والآية الثانية ذكرنا تفسيرها في سورة التوبة [[عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [آية: 114]. وخلاصة ما ذكره أن الأوّاه كما قال أبو عبيدة: المتأوّه شفقًا وفرقًا، المتضرع يقينًا ولزومًا للطاعة. والحليم، قال ابن عباس: لم يعاقب أحدًا إلا لله، ولم ينتصر من أحدٍ إلا لله.]].

هود 11:76

قوله تعالى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾. قال الزجاج: المعنى: فقلنا يا إبراهيم، وقال المفسرون: قالت الرسل عند ذلك يا إبراهيم أعرض عن هذا، وأشير بـ (هذا) إلى الجدال.

هود 11:77

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾، قال ابن عباس [[انظر: القرطبي 9/ 73.]] في رواية الكلبي: لما قفلت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط، توضأ إبراهيم وقام يصلي، وكان بين قريته وقرية لوط أربعة فراسخ، فانتهوا إلى قرية لوط، فبصرت ابنتا لوط -وهما يستقيان- بالملائكة فرأتا هيئة حسنة، قالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ وأين تريدون؟ قالوا: من موضع كذا، نريد هذه القرية، قالتا: فإن أهلها يفعلون كذا وكذا. فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم، هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط، فلما جاؤوه ورأى هيئتهم خاف قومه عليهم فسيء بهم وضاق بهم ذرعًا، وقال: هذا يوم عصيب، ومعنى سِيء بهم ساءه مجيؤهم، وساء يسوء فعل لازم ومجاوز، يقال: سؤته فسيء مثل شغلته فشغل، وسررته فسر. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 66.]]: أصله سُوِءَ بهم إلا أن الواو أسكنت ونقلت كسرتها إلى السين، قال عامة أهل التأويل [[الطبري 12/ 81، البغوي 4/ 190، ابن عطية 7/ 357، "زاد المسير" 4/ 135.]]: إنما سيء بهم لوط؛ لأنه لما نظر من حسن وجوههم، وطيب روائحهم، أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بما يقصدون به غيرهم من المطالبة بالفعل الخبيث، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن [[في (ب): (علي).]] أضيافه. وقوله تعالى: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (ذرع) 2/ 1278.]]: الذرع يوضع موضع الطاقة، والأصل فيه أن يذرع البعير بيديه في سيرة ذرعًا على قدر سعة خطوه، فإذا حمل على أكثر من طوقه ضاق ذَرْعُهُ عن ذلك فضعف ومد عنقه، فجُعِلَ ضيق الذرع عبارةً عن ضيق الوسع والطاقة،، فيقال: ما لي به ذرع ولا ذراع، أي: ما لي به طاقة، الدليل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بالأمر ذراعًا، قال القطامي [["ديوانه" ص 44، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 256، و"اللسان" (ت ى ز).]]: إذا التَّيَّازُ ذو العضلات قُلْنا ... إليكَ إليكَ ضاق بها ذراعًا فمعنى ضاق بهم ذرعا: ضاق صبره وعظم المكروه عليه، وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 66.]] يقال: ضاق زيد بأمره ذرعًا: إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصًا، ولم أر أحدًا ذكر في أصل الذرع أحسن مما ذكره الأزهري، وغيره [[القرطبي 9/ 74، الثعلبي 7/ 50 ب.]] يقول: ضاق ذرعًا أي: ضاق بهم صدرًا، وليس يعرف أصله، وذكر ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 136. وذكر قولًا ثالثًا عنه هو أن معناه: وقع به مكروه عظيم لا يصل إلى دفعه عن نفسه.]] قولين: أحدهما: أصله (من ذرع فلان القيء) إذا غلبه وسبقه، ومعنى ضاق ذرعه: ضاق حبس المكروه في نفسه، وهذا ليس بظاهر، والقول الثاني [[ساقط من (ب).]]: أن الذرع كناية عن الوسع؛ لأن الذراع من اليد، والعرب تقول ليس هذا في يدي يعنون ليس في وسعي، وهذا قريب مما قاله الأزهري، ولكن لم يبين بيانه. وقال الفراء [["معاني القرآن" 1/ 79، "زاد المسير" 4/ 136.]]: الأصل فيه (وضاق ذرعٌ بهم)، فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط [[في (ي): (لفظ).]]، ونصب الذرع بتحول الفعل عنه، كما قال ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]. وقد ذكرنا نظير هذا في قوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. قال المفسرون وجميع أهل المعاني [[الطبري 12/ 82، البغوي 4/ 190، الرازي 18/ 31، "البحر المحيط" 5/ 246، "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 67.]]: يوم شديد، قال أبو بكر: قال الكسائي [["تهذيب اللغة" (عصب) 3/ 2454.]]: العصيب: الشديد يقال منه عصب اليوم يعصب عصابة. وقال الفراء [["تهذيب اللغة" (عصب) 3/ 2453.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 27.]] وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 293.]]: العصيب الشديد، وأنشد أبو عبيدة قول هانئ العنبري [[بيتان من الرجز وقد نسبهما الواحدي هنا إلى هانئ العنبري، وبلا نسبة في: "مجاز القرآن" 1/ 294، الطبري 12/ 82، القرطبي 9/ 74، "زاد المسير" 4/ 107، "مجمع البيان" 5/ 277.]]: يوم عصيب يعصب الأبطالا عصبَ القوي السُّلَّم الطوالا قال أبو عبيدة: وإنما قيل له عصيب؛ لأنه يعصب الناس بالشر، وأنشد لعدي بن زيد [[هذا البيت من قصيدة قالها وهو في حبس النعمان بن المنذر، و (لزاز الخصم) الشديد المعاند ذو البأس في الملمات، و (عرد عن خصمه) أحجم ونكص، انظر: "ديوانه" ص 39، "مجاز القرآن" 1/ 294، "الأغاني" 2/ 111، الطبري 12/ 82، "اللسان" (سلك) 4/ 2073، "كتاب الجيم" 3/ 208.]]: وكنتُ لِزازَ خصمِك لم أعرِّدْ ... وقد سلكوك في يوم عصيب

هود 11:78

وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ الآية. قال المفسرون [[الطبري 12/ 83، الثعلبي 7/ 51 أ، "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 67، البغوي 4/ 191، "زاد المسير" 4/ 137.]]: لما أضافهم لوط مضت امرأته عجوز السوء، فقالت لقومه: إنه استضاف لوطًا قوم لم أر أحسن وجوهًا ولا أنظف ثيابًا ولا أطيب رائحة منهم، فجاءه قومه ليراودوه عن ضيفه؛ فذلك قوله: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾. قال عامة المفسرين وأهل المعاني: يهرعون: يسرعون، قال الكسائي [["تهذيب اللغة" (هرع) 4/ 3751، القرطبي 9/ 74، "اللسان" (هرع) 8/ 4653.]] وأبو زيد [["تهذيب اللغة" (هرع) 4/ 3751.]]: أهرع الرجل إهراعًا إذا أسرع في رعدة [[في النسخ (عدوه) وفي (ب) ما أثبته وهو الصحيح. انظر: "زاد المسير" 4/ 137.]]. قال أهل اللغة: وهذا من الفعل الذي خرج الاسم معه مقدرًا تقدير المفعول [[في (ي): (الفعل).]]، وهو صاحب الفعل [لا يُعرف له فاعلٌ غيره، نحو: أولع فلان بالأمر؛ جعلوه مفعولًا وهو صاحب الفعل]، ومثله: أرعد زيد وزُهي عمرو، من الزهو، ونُخي بكر من النخوة، وذكر أبو عبيد [["تهذيب اللغة" (هرع) 4/ 3751، "اللسان" (هرع) 8/ 4653 - 4654.]]: المهرع: الحريص في باب ما جاء في لفظ مفعول بمعنى فاعل، وحكى أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 137.]] عن بعض النحويين قال: لا يجوز للفعل أن يجعل فاعله مفعولًا، وهذه الأفعال حذف فاعلوها، فتأويل أرعد الرجل أرعده غضبه، وأولع زيدٌ معناه أولعه طبعه، وزُهي عمرو معناه: جعله ماله أو جهلُه زاهيًا، وكذلك نُخِيَ وأهْرع معناه [أهرعه خوفُه، أو حرصه، ويؤكد هذا ما ذكره أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 294.]] في تفسير قوله: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ قال: معناه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: يستحثون إليه، وأنشد [[بيت من الرجز، وهو بلا نسبة في: "مجاز القرآن" 1/ 294، الطبري 12/ 83 (العلمية)، القرطبي 9/ 75.]]: بمعجلات نحوه مهارع فعلى هذا، الفعل واقع على القوم من المستحثين، ودل عليه ما أنشده؛ لأنه قال: بمعجلات وهن اللاتي [أُعْجِلْنَ أي] [[ساقط من (ب).]] أعجلهن غيرهن، كذلك المهارع اللاتي أهرعهن غيرهن، ويدل على هذا قول مهلهل: فجاءوا يُهرعون وهم أسارى ... نقودهم على رغم الأنوف فقوله: يُهرعون، معناه: يساقون ويعجلون، لا أنهم يسرعون من عند أنفسهم؛ لأنه قال: وهم أسارى، أي: يقودهم، فبيَّن أنهم محمولون على ذلك الإسراع لا من عند أنفسهم، غير أن أكثر أهل اللغة على أن أُهْرعَ الرجل بمعنى أسرع على لفظ فعل لم يسم فاعله، ولا يعرفون أَهْرَعَ. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل مجيئهم إلى لوط ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، قال عطاء: يريد الشرك، وقال آخرون [[الطبري 12/ 84 رواه عن ابن جريج، الثعلبي 7/ 51 أ، البغوي 4/ 191، "زاد المسير" 4/ 137.]]: يعني: فعلهم المنكر. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾. قال أكثر المفسرين [[الثعلبي 7/ 51 ب، البغوي 4/ 191، "زاد المسير" 4/ 137، القرطبي 9/ 76.]]: يعني: بنتيه زيتا [[في الطبري 12/ 84 "رثيا" و"زغرتا"، وفي الثعلبي 7/ 51 ب (زعورا) و (ريثا).]] وزعورا، وعلى هذا سمي الاثنان بالجمع كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: 11]. وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 78]، يعني: حكم داود وسليمان، ومن المفسرين من ذهب إلى أنه كان له أكثر من بنتين، وعلى هذا سهل الأمر. وقوله تعالى: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. قال المفسرون: أراد: أنا أزوجكموهن فهن أطهر لكم من نكاح الرجال، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 51 ب، القرطبي 7/ 51 أ.]] وغيره: كان رؤساء من قومه خطبوا إليه فلم يزوجهم قبل ذلك فلما راودوه عن ضيفه أراد أن يقي أضيافه ببناته فعرضهن عليهم شريطة الإسلام قبل عقد النكاح. وقال الحسن [[" زاد المسير" 4/ 138، الثعلبي 7/ 51 أ.]]: كان يجوز في شريعة لوط تزويج المسلمة من الكافر، وكذلك كان في صدر الإسلام؛ فقد زوج النبي ﷺ ابنتيه من عتبة ابن أبي لهب [[هو: عتة بن أبي لهب بن عبد المطلب القرشي ابن عم النبي ﷺ، أسلم في الفتح وشهد حنينًا. انظر: "الإصابة" 2/ 455، "الاستيعاب" 3/ 149.]]، وأبي العاص بن الربيع [[هو: أبو العاص بن الربيع بن عبد العز بن العبسي، زوج بنت النبي ﷺ زينب، أسلم بعد الهجرة، توفي سنة 12هـ على خلاف في ذلك. انظر: "الإصابة" 4/ 121، "سير أعلام النبلاء" 1/ 330.]]. وقال مجاهد [[الطبري 12/ 84، الثعلبي 7/ 51 أ، البغوي 4/ 191 "زاد المسير" 4/ 138، القرطبي 9/ 76.]]: لم يكنَّ بناته كُنَّ من أمته، وكل نبي أبو أمته. وقال سعيد بن جبير [[الطبري 12/ 84، الثعلبي 7/ 51 أ، البغوي 4/ 192، "زاد المسير" 4/ 138، القرطبي 9/ 76.]]: دعاهم إلى نسائهم؛ يعني: أن قوله: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي: نساؤكم، فجعلهن بناته؛ لأنه نبيهم، وكل نبي أبو أمته؛ كما روي في بعض القراءة: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) [الأحزاب: 6] [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 23.]]. وروي عن الحسن وعيسى بن عمر [[الطبري 12/ 85، الثعلبي 7/ 51 ب، القرطبي 9/ 76.]] أنهما قرأ: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ بالنصب على الحال كما ذكرنا في قوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: 72] إلا [[ساقط من (ب).]] أن أكثر النحويين [[كالخليل وسيبويه والأخفش، انظر: "القرطبي" 9/ 76، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 102، "البحر المحيط" 5/ 247، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 412، "الطبري" 12/ 85.]] على أن هذا خطأ؛ لامتناع أن يجوز كون ﴿هُنَّ﴾ هاهنا عمادًا، وأجاز الكسائي [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 104.]] ذلك وقال: من نصب جعلهن عمادًا كما يقال كان الهندات هن أفضل من غيرهن. قال الفراء [[لم أجده في مظانه.]]: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ﴾ بالنصب خطأ؛ لأن هذا وهؤلاء في باب التقريب لا يدخل معه العماد، فلا يقال (هذا عبد الله هو أفضلَ منك)؛ لأن هذا اسم [[في (ي): (الاسم).]] جامد لا يتصرف تصرف (كان)، وزاد ابن الأنباري بيانًا، فقال: هذا الأولى به والغالب عليه؛ أن يكون اسمًا للمشار إليه غير مقرب خبرًا، فلما نقل إلى التقريب ونصب الخبر معه نحو: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: 72] منع العماد ولم يجر مجرى (كان) في هذا الباب، كما لم يجر مجراها في توسيط الخبر وتقديمه، لا يجوز (هذا قائمًا زيد) ولا (قائمًا هذا زيد) كما يجوز في (كان)، ولو قيل: (هؤلاء بناتي أطهرَ لَكُم) بالنصب جاز من غير عماد، وجميع البصريين ينكرون هذه القراءة ولا يجيزونها، وذكر الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 67.]] ذلك على قريب مما ذكرنا. وقال سيبويه [[انظر: "الكتاب" 2/ 397، "البحر المحيط" 5/ 247، "الدر المصون" 4/ 117 - 118، "إملاء ما منَّ به الرحمن" 2/ 43.]]: ولكن الفصل يدخل على الأخبار ولا يدخل على الحال، لا يجوز: (قام زيد هو مسرعًا). وليس الشرط أن أذكر قراءة غير مشهورة، إلا أن النصب في ﴿أطهرَ﴾ هاهنا اشتهر ذكره، فأردت أن أذكر ما قيل فيه. والألف في قوله: ﴿أطهر﴾ ليس لتفضيل [[هذا النص منقول عن الثعلبي 7/ 51 ب.]] نكاح البنات على نكاح الرجال في الطهارة [[ساقط من (ي).]]؛ لأنه لا طهارة في نكاح الرجال البتة، ولكن هذا كقولنا: الله أكبر ولم يكابر الله أحد، وكقول النبي ﷺ لعمر لما قال أبو سفيان يوم أحد: اعلُ [[في (ب): (أعلى).]] هبل، قال: الله أعلى وأجل [[أخرجه البخاري (4043) في المغازي، باب غزوة أحد: لما انكشف المسلمون، وظن المشركون أن النبي ﷺ قتل وفيه نداء أبي سفيان وإجابة عمر له، فقال أبو سفيان: اعل هبل. فقال ﷺ: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: فذكره، وأحمد 1/ 463، 4/ 293.]]، ولا مقارنة بين الله وبين الصنم، ولهذا نظائر كثيرة. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾، قال الكلبي عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 138.]]: لا تفضحون في أضيافي [[ساقط من (ي).]]، يريد: أنهم إذا هجموا على أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحة، وقال بعض المفسرين [[الثعلبي 7/ 51 ب، البغوي 4/ 192.]]: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أراد لا تسوؤون [[في (ب): (تشوروني).]] فيهم. قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 138.]]: ومعنى هذا لا تفعلوا بأضيافي فعلا يلزمني الاستحياء منه؛ لأن مُضَيِّف الضيف يلزم الاستحياء من كل فعل قبيح يوصل إلى ضيفه، فتخزوني من باب الاستحياء؛ من قولهم: خزي الرجل خزاية إذا استحيا، والضيف هاهنا نائب عن الأضياف، كما ناب الطفل عن الأطفال في قوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: 31]، ويجوز أن يكون الضيف مصدرًا مستغنى عن جمعه؛ كقولهم: رجال صوم، وسنذكر اشتقاق الضيف وفعله عند قوله: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: 77] إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، قال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 143.]] وابن إسحاق [[الطبري 12/ 86، البغوي 4/ 192، وقد روى هذا القول عن ابن عباس وأبي مالك كما في "الدر" 4/ 458، "زاد المسير" 4/ 139.]]: [يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو معنى قول ابن عباس [[الثعلبي 7/ 51 ب، البغوي 4/ 192.]]: رجل رشيد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: يقول الحق ويرد هؤلاء عن أضيافي، وعلى هذا: (رشيد) بمعنى (مرشد)، قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 139.]]: ويجوز أن يكون (رشيد) بمعنى (مرشد) أي: أليس فيكم رجل مرشد قد أسعده [[في (ب): (أستعده).]] الله بما منحه من الرشاد يصرفكم عن هذه الخزية؟ فيكون ﴿رَشِيدٌ﴾ هاهنا كالحكيم، في قوله: ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] بمعنى المحكم، والقول الأول عليه أهل التفسير.

هود 11:79

قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾، قال عطاء عن ابن عباس [[البغوي 4/ 192.]]: يريد من شهوة، وقال الكلبي [["زاد المسير" 4/ 139، البغوي 4/ 192.]]: من حاجة. جعلوا تناول ما لا حاجة لهم فيه بمنزلة تناول ما لا حق لهم فيه. وقال ابن [[في (ي): (أبو) والصحيح ما أثبته، وانظر: "زاد المسير" 4/ 139، البغوي 4/ 192، الثعلبي 7/ 51 ب، الطبري 12/ 86.]] إسحاق: لسن لنا بأزواج فنستحقهن، وهذا القول أولى؛ لأنه رد على ظاهر اللفظ حين قال لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾. فقالوا: لسن لنا بأزواج، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾. قال عطاء [["زاد المسير" 4/ 139، ونقله الطبري عن السدي 12/ 86، الثعلبي 7/ 51 ب، البغوي 4/ 192.]]: وإنك تعلم أنا نريد الرجال لا النساء، وقال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 143.]]: يريدون عملهم الخبيث.

هود 11:80

وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾. قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 52 أ، البغوي 4/ 192، "زاد المسير" 4/ 140، القرطبي 9/ 78.]]: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار، فقال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 139، البغوي 4/ 192.]] في رواية عطاء: لو أن معي جماعة أقوى بها عليكم، وقال في رواية الكلبي [["تنوير المقباس" ص 143.]]: القوة: الولد وولد الولد، وعلى هذا جعل ما يتقوى به قوة، كما سمى العدة من السلاح قوة في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. وقال آخرون: أراد بالقوة: القدرة على دفعهم ومنعهم، هذا معني قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 148 أ.]]، قال: القوة البطش. وقوله تعالى: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ﴾، [قال ابن الأنباري] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]: عطف آوي على القوة؛ لأن القوة مصدر، والمصدر يتأول بـ (أن) وتكون (أن) بمعناه [[في (ب): (معناه).]] فيقال: يعجبني قيامك ويعجبني أن تقوم، فنسق ﴿آوِي﴾ على القوة؛ لأن معه (أن) مُقدرة وتلخيصه: لو أن لي أتقوى أو أن آوي، فلما فقد المستقبل (أن) وقع بالزيادة التي في أوله ومثله [[القائل ميسون بنت بحدل الكلبية، والبيت في: "الخزانة" 3/ 593، 621، السيوطي ص 224، "الدر" 2/ 100، "المحتسب" 1/ 236، "شرح شذور الذهب" ص 381، "سر صناعة الإعراب" 1/ 273، "شرح شواهد الإيضاح" ص 250، "اللسان" (مسن) 6/ 4205، "المقاصد النحوية" 4/ 397.]]: للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلى من لبس الشفوف على تقدير لأن [[في (ي): (لا أن).]] ألبس وأن [[ساقط من (ي).]] تقر عيني، ومعنى ﴿آوِي﴾ أرجع وأضم؛ يقال: فلان يأوي إلى قوة وإلى ثروة. وقوله تعالى: ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، الركن: كل ناحية قوية من نواحي الجبل والدار والقصر ونحو ذلك، وركن الرجل قوته وعُدده الذين يعتز بهم، وهو المراد في هذه الآية. قال ابن عباس [[هذا القول رواه الطبري 12/ 87 عن قتادة، وذكره البغوي 2/ 192، وأخرجه ابن أبي حاتم 6/ 2064 عن ابن عباس. وانظر: "الدر" 3/ 621.]] في قوله: ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: يريد [[ساقط من (ب).]]: من العشيرة أو مؤمنين معي. وقال ابن إسحاق [[الطبري 12/ 87، الثعلبي 7/ 52 أ.]]: شيعة تمنعني وعشيرة تنصرني، وهذا قول جميع المفسرين وأهل التأويل: أن المراد بالركن الشديد هاهنا العشيرة، قال قتادة [[الطبري 12/ 87.]]: وذكر لنا أن الله لم يبعث نبيًا بعد لوط إلا في عز من قومه ومنعة من عشيرته، وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولكنه -عليه السلام- عني العشيرة" [[أخرجه البخاري (3272) كتاب: الأنبياء، باب: قول الله -عز وجل-: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ "الفتح" 6/ 473، وأخرجه مسلم رقم (151) كتاب: الإيمان، باب: زيادة طمأنية القلب بتظاهر الأدلة، وفي الفضائل ح (152) 4/ 1839، والترمذي (3116) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة يوسف. وقال حديث حسن، والطبري 12/ 87 - 88، والحاكم 2/ 561. وقال: حديث صحيح على شرط مسلم.]]. قال أبو بكر: أراد رسول الله ﷺ ما كان يرجع إليه لوط من عون الله له ودفع المكروه عنه، وروى الأثرم [[هو: أبو بكر الأثرم صاحب الإمام أحمد.]] عن أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 294.]] في قوله: {إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}. قال: إلى عشيرة عزيزة [[في (ب): (شديدة).]] كثيرة منيعة وأنشد [[بيتان من الرجز وهما بلا نسبة. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 294، الطبري 12/ 88، "زاد المسير" 4/ 109، وهو فيها جميعًا هكذا (يأوي) وهو الصواب حتى لا ينكسر البيت.]]: أو [[ساقط من (ي).]] آوي [[في (ي): (يأوى).]] إلى رُكْنٍ مِنَ الأَرْكَانِ ... في عدد طَيسٍ ومجدٍ ثان الطيس الكثير، والثاني المقيم. وجواب (لو) محذوف. قال محمد بن إسحاق [["زاد المسير" 4/ 139.]]: لو أن لي بكم قوة معناه: لحُلْتُ بينكم وبين المعصية. وحذف الجواب هاهنا أبلغ [[ساقط من (ي).]]؛ لأنه يحضر النفس ضروب المنع، واستقصاء هذا قد سبق في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: 27] [[قال: وقد حذف الجواب تفخيمًا للأمر وتعظيمًا. وجاز حذفه لعلم المخاطب بما يقتضي. ونقل عن ابن جني ما يبين أن هذا أبلغ في اللغة من إظهار الجواب. انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 649.]]. وهذه الآية بيان عن حال المحق إذا رأى منكرًا لا يمكنه إزالته من التحسير على قوة أو معين على دفعه لحرصه على طاعة ربه وجزعه من معصيته.

هود 11:81

قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾. قال المفسرون [[الطبري 12/ 90، الثعلبي 7/ 52 أ، البغوي 4/ 192 - 193، "زاد المسير" 4/ 140.]]: لما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب والنصب بسبب الدفع عنهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنَّا رسل ربك لن يصلوا إليك، فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فضرب جبريل بجناحه وجوههم، فطمس أعينهم وأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق، ولا يهتدون إلى بيوتهم، وذلك قوله [تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: 37]، ومعنى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ أي: بسوء ومكروه فإنَّا نحول بينهم وبين ذلك، وقالوا له: ﴿فَاسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ وقرئ [[قرأ ابن كثير ونافع ﴿فاسر بأهلك﴾ من سريت، بغير همز، وقرأ أبو عمرو وعاصم، وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ من أسريت. انظر: "السبعة" ص 338، "إتحاف" ص 259، "الكشف" 1/ 535، "الحجة" 4/ 367، الطبري 12/ 80، الثعلبي 7/ 52 ب.]] بقطع الألف وهما لغتان، يقال: سريت بالليل وأسريت. وأنشد أبو عبيد لحسان [[عجز بيت، وصدره: إن النضيرة ربة الخدر "ديوانه" ص 96، "اللسان" (سرا) 4/ 2003، "المخصص" 9/ 48، 14/ 240، "تاج العروس" (سرا) وبلا نسبة في "مقاييس اللغة" 3/ 154.]]: أسرت إليك ولم تكن تسري فجاء باللغتين، وجاء بيت النابغة [[صدر بيت للنابغة الذبياني، وعجزه: تزجي الشمالُ عليه جامد البرد وسرت إذا أمطرت، وقوله: (من الجوزاء سارية) كقولك: سقينا بنوء كذا وكذا، أي. أصابة المطر ليلًا، و (تزجي) تسوق وتدفع على الثور جامد البرد، انظر: == "ديوانه" ص 11 "شرح ابن السكيت"، "مجاز القرآن" 1/ 295، "مختار الشعر الجاهلي" 1/ 150، "اللسان" (سرت) 4/ 2003، القرطبي 9/ 79، "مجمل اللغة" 3/ 479.]]: سرت إليه من الجوزاء سارية يروى بالوجهين سرت وأسرت. قال الأزهري: وهذا ما لا أعلم فيه بين أهل اللغة اختلافًا، فمن قرأ بقطع الألف فحجته قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] ومن قرأ بوصل الألف [[في (ب): ومن قرأ بالوصل.]] فحجته قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: 4]. وقوله تعالى: ﴿بِأَهْلِكَ﴾، روى السدي عن [["زاد المسير" 4/ 141، وذكر أن اسم الكبرى (ريَّة) بالياء المثناة.]] أبي مالك: لم يؤمن بلوط إلا ابنتاه، الكبرى اسمها ربه والصغرى اسمها عروبة، فالأهل على هذا ابنتاه. وقوله تعالى: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾، ذكرنا معنى القطع في سورة يونس [[عند قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [الآية 27]. وقال هناك: "القِطْع: اسم لما قطع فسقط، ويراد به هاهنا بعض من الليل".]]، قال عطاء عن ابن [[الطبري 12/ 93، عن ابن عباس قال: جوف الليل، وفي رواية أخرى: بطائفة من الليل. وابن أبي حاتم 6/ 2065، وذكره عنهما السيوطي في "الدر" 3/ 623 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]] عباس: [يريد: في ظلمة الليل. وقال نافع بن الأزرق [[هو: نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي، رأس الأزارقة وهي فرقة من الخوارج، كان أمير قومه وفقيههم صحب أول أمره ابن عباس وله معه أسئلة مشهورة. انظر: "تاريخ الطبري" 5/ 613، "الأعلام" 7/ 351.]] لعبد الله بن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: أخبرني عن قول الله -عز وجل- (بقطع من الليل)، قال: هو آخر [[ابن الأنباري في "الوقف والابتداء" 1/ 85، وانظر: "الدر" 3/ 623، "زاد المسير" 4/ 142، مسائل نافع بن الأزرق في "الإتقان" 1/ 167.]] الليل، بسحر [[في (ي): (سحرًا).]]. وقال قتادة [[الطبري 12/ 93، عبد الرزاق 2/ 309.]]: بعد طائفة من الليل. وقال بعض أهل المعاني: هو نصف الليل؛ فإنه قطع بنصفين. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾، نهى من معه من الالتفات إذا خرجوا من قريتهم، قال مجاهد [[الطبري 12/ 93، وابن أبي حاتم 6/ 2065، وابن المنذر كما في "الدر" 3/ 623، "زاد المسير" 4/ 142.]]: لا ينظروا وراءهم كأنهم تعبدوا بذلك. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾، قرئ بالنصب [[قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالنصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالرفع، انظر: "السبعة" ص 338، "الكشف" 1/ 536، "إتحاف" ص 259، الطبري 12/ 80، الثعلبي 7/ 52 ب.]] والرفع؛ فمن قرأ بالنصب -وهو الاختيار- جعلها مستثناة من الإهلال على معنى فأسر بأهلك إلا امرأتك، والذي يشهد بصحة هذه القراءة أن في قراءة [[الطبري 12/ 89، الثعلبي 7/ 52 ب، البغوي 4/ 193، القرطبي 9/ 80، "الدر المنثور" 3/ 623.]] عبد الله (فأسر بأهلك إلا امرأتك) وليس بينهما ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾، ومن رفع المرأة حمله على (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك)، فإن قيل: على هذا هذه القراءة توجب أنها أمرت بالالتفات؛ لأن القائل إذا قال: لا يقم منكم أحد إلا زيد، كان أمر زيدًا بالقيام. قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 142.]]: معنى [[في (ي): (معناه).]] ﴿إِلَّا﴾ هاهنا الاستثناء المنقطع على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت، فيصيبها ما أصابهم، فإذا كان الاستثناء منقطعًا كان التفاتها بمعصية منها لله -عز وجل-، ويؤيد هذه القراءة ما قال قتادة [["زاد المسير" 4/ 142، الطبري 12/ 90 - 91.]]: ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت [هدة العذاب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] التفتت وقالت: يا قوماه، فأصابها حجر فأهلكها. وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 48 أ، الطبري 12/ 89، الثعلبي 7/ 52 ب، البغوي 4/ 193، "زاد المسير" 4/ 142.]]: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وهذا يدل على أنه خرج بامرأته ثم التفتت، ويقوى وجه الرفع؛ لأن من نصب لا يُجوِّز أن تكون خارجة [[في (ي): حاله.]] مع أهله؛ لأن الاستثناء يكون من الأهل، كأنه أمر لوط بأن يخرج بأهله ويترك هذه المرأة فإنها هالكة في جملة من يهلك. قال أبو بكر: والاختيار النصب؛ لأن الناصبين أخرجوا المرأة من الأهل، فكان الاستثناء متصلًا، والرافعين جعلوا الاستثناء منقطعًا، والاتصال أولى من الانقطاع. قال أبو علي [["الحجة" 4/ 370.]]: ويجوز في قول من نصب أن يكون الاستثناء من ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ﴾ على قول من قال (ما جاءني أحد إلا زيدًا) وقد بينا هذا في قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ في قراءة من قرأ: ﴿قَلِيلًا﴾ [[قرأ بهذه القراءة ابن عامر، انظر: "السبعة" ص 235، "الكشف" 1/ 392.]]، وإن جعلت الاستثناء من ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ لم يكن إلا النصب، ووجه التفسير في قراءة من قرأ بالنصب ما قاله المفسرون [[الثعلبي 7/ 52 ب، الطبري 12/ 89 ورجحه، البغوي 4/ 193.]]: أن الملائكة قالوا للوط فأسر بأهلك إلا امرأتك فلا تسر بها وخلفها مع قومها فإنَّ هواها إليهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾، الكناية في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ كناية عن الشأن والأمر، تأويلها فإنَّ الأمر مصيبها ما أصابهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾، [أي: للعذاب. قال عامة المفسرين [[الثعلبي 7/ 52 ب، "زاد المسير" 4/ 142، البغوي 4/ 193، القرطبي 9/ 81.]]: لما قالوا للوط إن موعدهم الصبح] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، قال: أريد أعجل من ذلك بل الساعة يا جبريل، فقال [[في (ي): (فقالوا).]] له: أليس الصبح بقريب، قالوا: فخرج لوط بأهله عند طلوع الفجر، فلما طلع الفجر احتمل جبريل مدينتهم حتى أدناها من السماء بما فيها ثم نكسوا على رءوسهم وأتبعهم الله الحجارة.

هود 11:82

فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾. قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 52 ب، "زاد المسير" 4/ 143، البغوي 4/ 193، القرطبي 9/ 81.]]: عذابنا، وعلى هذا يكون الأمر نفس الإهلاك. وقال آخرون [[الطبري 12/ 89، "زاد المسير" 4/ 143.]]: يعني: جاء أمرنا الملائكة بالعذاب. ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾، قال ابن عباس وعامة المفسرين [[الثعلبي 7/ 52 ب، البغوي 4/ 193، ابن عطية 7/ 369، "زاد المسير" 4/ 143، القرطبي 9/ 81.]]: أدخل جبريل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط حتى قلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير، ونباح الكلاب، وصياح الديوك، لم ينكفئ لهم جرة، ولا ينكسر لهم إناء، ثم غشاها بالجناح الآخر بالحجارة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: 53]، يريد: أهوى بها جبريل ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: 54]، يريد غشاها جبريل بالحجرة وكانت خمس مدائن فدمرت وقلبت ظهرًا لبطن إلا (زغر) [[زُغَر بوزن: زُفَر، قرية بمشارف الشام، وقيل: زُغَر اسم بنت لوط -عليه السلام-، نزلت بهذه القرية فسميت باسمها. انظر: "معجم البلدان" 3/ 142، 143.]] وحدها تركها الله فضالا منه لعيال لوط، والكناية ﴿عَالِيَهَا﴾ تعود إلى المؤتفكة والمؤتفكات وهي مذكورة في موضع من القرآن وإن لم تذكر هنا، فإذا ذكرت قصتهم وأعيدت الكناية إليها عرف ذلك ويستغنى عن إعادتها. وقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾، الإمطار: إحدار المطر من السماء، وأنزلت الحجارة على هؤلاء بدل المطر، والكناية في عليها يجوز أن تعود على القرية [[في (ي): (قوم لوط).]] كما عادت في ﴿عَالِيَهَا﴾، ويجوز أن تعود على قوم لوط؛ لأن العرب تُعيد الهاء والألف على جميع الذكران إذا كان غير مختص بالواو والنون، و [الياء والنون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، تقول: الرجال لقيتها والقوم حضرتها، قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: 105]. فأنث الفعل، ويؤكد هذا الوجه قوله في الحجر: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [آية: 74] فكنى عنهم بالهاء والميم. وقوله تعالى: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾؛ اختلفوا في السجيل، والذي عليه أعظم أهل التفسير أنه معرب عن (سنك كل) [[وضع على الكاف من كلا الكلمتين ثلاث نقط وذلك علامة على أن الكاف تنطق كالجيم القاهرية في اللغة الفارسية. انظر كتاب: "كيف تتعلم الفارسية".]] وهو قول ابن عباس [[أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر" 3/ 624، وابن أبي حاتم 6/ 2068، والثعلبي 7/ 53 أ، البغوي 4/ 194، القرطبي 9/ 82.]] وقتادة [[المروي عن قتادة قوله السجيل: الطين، انظر: الطبري 12/ 94، عبد الرزاق 2/ 309، وأبا الشيخ كما في "الدر" 4/ 364، البغوي 4/ 194، القرطبي 9/ 82، الثعلبي 7/ 53 أ.]] وسعيد بن جبير [[الطبري 12/ 94، الثعلبي 7/ 53 أ، "زاد المسير" 4/ 144، البغوي 4/ 194، القرطبي 9/ 82.]]. قال أهل اللغة [["تهذيب اللغة" (سجل) 2/ 1634.]]: هذا فارسي، والعرب لا تعرف هذا. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 70.]]: والذي عندي في هذا التفسير أنه فارسي أعرب، ومن كلام الفرس ما لا يحصى مما قد أعربته العرب نحو جاموس وديباج، ولا ينكر أن يكون هذا مما أعرب. وقد أعاد الله تعالى ذكر هذه الحجارة فقال: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ فقد سمَّى للعرب ما عني بسجيل، وهذا القول اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 24.]]، وابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" 1/ 212.]] قالا: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ من طين قد طبخ حتى صار كالآجر فهو (سنك كل) بالفارسية، ونحو هذا قال الليث [["اللسان" (سجل) 4/ 1946.]] في تفسير السجيل: إنه حجارة كالمدر وهو دخيل معرب، وقال الضحاك [[الثعلبي 7/ 53 أ، "زاد المسير" 4/ 144، البغوي 4/ 194، القرطبي 9/ 82.]]: يعني: الآجر. وقال الحسن [[الطبري 12/ 95، الثعلبي 7/ 53 أ، البغوي 4/ 194، القرطبي 9/ 82.]]: كأن أصل الحجارة طينًا، فشددت. وهذه الأقوال كلها سواء. وقال ابن زيد [[الطبري 12/ 94، الثعلبي 7/ 53 أ، "زاد المسير" 4/ 144، البغوي 4/ 194، القرطبي 9/ 82.]]: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ أي: من السماء الدنيا وهي تسمى سجيل. وقال عكرمة [[الثعلبي 7/ 53 أ، "زاد المسير" 4/ 144، القرطبي 9/ 82.]]: هو بحر في الهواء معلق بين الأرض والسماء منه أنزلت الحجارة. وحكى الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 71.]] عن بعضهم [[ساقط من (ي).]] أنه فعيل من أسجلته أي: أرسلته، وكأنها [[في (ب): (وكأنه).]] مرسلة عليهم، قال: وقيل سجيل: كقولك من سجل أي: مما كتب لهم أن يعذبوا بها، قال: وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 296.]]: السجيل عند العرب: الشديد، وأنشد لابن مقبل [[عجز بيت لابن مقبل، وصدره: وَرَجلة يضربون البَيْض عن عُرُض رجلة: جمع رجل، البيض: جمع بيضة، هو الحديد الذي يلبس للوقاية في الحرب، وفي العجز "تواصت" انظر: "ديوانه" ص 333، "مجاز القرآن" 1/ 296، الطبري 12/ 94، "اللسان" (سجل) 4/ 1946، "جمهرة أشعار العرب" ص 310، "منتهى الطالب" ص 44، "المعاني الكبير" ص 991، "تهذيب اللغة" 2/ 1634، 2/ 1636، "جمهرة اللغة" ص 464، 1192، "مقاييس اللغة" 3/ 137، "مجمل اللغة" 2/ 487.]]: ضربًا تواصى به الأبطال سجينًا ورد هذا القول عليه من وجهين: أحدهما: قوله ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾، ولو كان معناه ما ذكر لقيل حجارة سجيلا، والآخر: ما ذكره ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 211.]]، فقال: لست أدرى ما (سجيل) من (سجين) وذلك باللام وهذا بالنون، وإنما سجين في بيت ابن مقبل فعيل من سجنت أي: حبست، كأنه ضربٌ يثبت صاحبه بمكانه أي: يحبسه مقتولا، وفعيل يأتي لمن دام منه الفعل، نحو فسيق وسكيت كذلك سجين ضرب يدوم منه الإثبات والحبس. وأما ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (سجن) 2/ 1636.]] فإنه رواه سخينًا أي: سخنًا يعني: حارًّا. قال أبو بكر بن الأنباري [[هذا القول ذكره النحاس في "معاني القرآن" 3/ 370.]]: وهذا الإلزام لا يفسد قوله، أما زيادة (من)، فإن سجيلا وصف لموصوف مضمر معناه حجارة من عذاب سجيل، فلا ينكر على هذا دخول (من) ويجوز أن تدخل (من) في الكلام زيادة للتوكيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: 15]، وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: 31]، وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30]، وأما إنكار ابن قتيبة عليه فقد فسر أبو عمرو [["تهذيب اللغة" (سجل) 2/ 1634.]] السجين في بيت ابن مقبل بأنه الشديد، فإذا صح الشديد في معنى السجين لم ينكر إبدال النون باللام كقول الشاعر [[النابغة الذبياني في "ديوانه" ص 138، وبلا نسبة في "ديوان الأدب" 2/ 3، ونسبه في "اللسان" (رفن) 3/ 1697 إلى الجعدي وهو في "ديوانه" 249، "تهذيب اللغة" 1446 (زمن)، "مقاييس اللغة" 2/ 366، قال البطليوسي في "الاقتضاب" ص 339: هذا البيت للنابغة الجعدي، وهو من الشعر المنحول له.]]: بكل مُدجَّج كالليث يسموا ... على أوصال ذيَّال رِفَنِّ أردا: رفل فأبدل اللام بالنون [[ساقط من (ي).]]. وقوله تعالى: ﴿مَنْضُودٍ﴾ هو مفعول من النضد، وهو وضع الشيء بعضه على بعض، ومعناه في قول أكثر المفسرين: الذي يتلو بعضه بعضًا عليهم، فذلك نضده، ونحو هذا قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 72.]]، وقال قتادة [[الطبري 12/ 95، الثعلبي 7/ 53 ب، "زاد المسير" 4/ 145، القرطبي 9/ 83، عبد الرزاق 2/ 309.]]: ﴿مَنْضُودٍ﴾ المصفوف، وهذا القول كالقول الأول. وقال الربيع [[الطبري 12/ 95، الثعلبي 7/ 53 ب، "زاد المسير" 4/ 145، القرطبي 9/ 83، عبد الرزاق 9/ 205.]]: هو الذي نضد بعضه على بعض، يعني: حتى صار حجرًا، يريد: أنه قد جمع أجزاؤه، ونحو هذا قال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 148 أ.]]، ﴿مَنْضُودٍ﴾: الملزق بعضه ببعض، وقال أبو بكر الهذلي [[الطبري 12/ 95، الثعلبي 7/ 53 ب، القرطبي 9/ 83. وأبو بكر الهذلي هو: البصري، اسمه سُلمى بن عبد الله، وقيل: اسمه روح، روى عن الحسن وابن سيرين والشعبي وعكرمة وهو ضعيف الحديث. توفي سنة 167 هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" 6/ 1005، "تهذيب التهذيب" 4/ 498.]]: معناه مُعَدّ للظَّلَمة. فقد حصل في المنضود ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحجارة بعضها فوق بعض في النزول تأتي تباعًا. الثاني: أن كل حجر منضود بجمع أجزائه، حتى صار بالقدر الذي أراد الله أن يكون على ذلك القدر. الثالث: أنها حجارة من سجيل منضود بعضه فوق بعض في السماء، مخلوق للظلمة، معد لهم، والذي أمطر [[في (ي): (أمطرنا).]] على قوم لوط كان من جملة تلك الحجارة المعدة التي نضد بعضها فوق بعض، وفي قوله ﴿مَنْضُودٍ﴾ دليل على صحة القول الأول في سجيل، وهو قول أكثر المفسرين؛ لأن المنضود من صفة السجيل، وإنما يصح أن يكون وصفًا له إذا كان السجيل مُعَرَّبًا من (سك كل) وعلى سائر الأقوال لا يصح أن يكون المنضود من نعت السجيل، إلا أن يقال على بُعد إنَّ المنضود من نعت قوله حجارة ولكن أجرِي في اللفظ والإعراب على سجيل بحق الجوار، كقولهم [[الشاهد أنهم أجروا خرب على ضب، وهو في الحقيقة صفة للحجر؛ لأن الضب لا يوصف بالخراب. انظر: "الإنصاف" لابن الأنباري ص 83.]]: حُجْر ضَبٍّ خَرِبٍ. وكقوله [[عجز بيت لامرئ القيس، وصدره: كأن ثبيرًا في عرانين وَبْله انظر: "ديوانه" ص 122، السيوطي ص 298، "الخزانة" 2/ 327، 3/ 639، "الخصائص" 1/ 192، 3/ 221، "المحتسب" 2/ 135، "أمالي ابن الشجري" 1/ 134، "تذكرة النحاة" ص 308، "اللسان" (زمل) 3/ 1864، "مغني اللبيب" 2/ 515.]]: كبيرُ أناسٍ في بجادٍ مزمَّلِ

هود 11:83

قوله تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ هي من نعت قوله: ﴿حِجَارَةً﴾ ومعناها المعلمة، ومضى الكلام في مثلها عند قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 125] [[وذكر هنا أقوالًا في معنى (المسومة): 1 - الواعية. 2 - المعلمة. 3 - الحسان.]]. وقوله: (مسومين) [[قال في هذا الموضع: أي معلمين، قد سوَّموا فهم مسوّمين، والسُّومة العلامة يفرق بها الشيء من غيره.]]. واختلفوا في كيفية تلك العلامة، فقال الحسن [[الثعلبي 7/ 53 ب، البغوي 4/ 194.]] والسدي [[الطبري 12/ 96، الثعلبي 7/ 53 ب، البغوي 4/ 194.]]: مختومة، وهو اختيار أبي عبيدة [[في (ب): (عبيد)، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 297.]]، والقتبي [[هو ابن قتيبة، انظر: "مشكل القرآن وغريبه" ص 213.]] قالا: كان عليها أمثال الخواتيم. وقال قتادة وعكرمة [[الطبري 12/ 95، عبد الرزاق 2/ 309، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625، "زاد المسير" 4/ 145.]]: كان بها نضح من حمرة، وهو قول أبي صالح [["زاد المسير" 4/ 145.]]، والحسن [["زاد المسير" 4/ 145.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 24.]]؛ قال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانئ، وهي حجارة فيها خطوط [[في (ب): (خطط).]] حمر على هيئة الجَزْع. قال الحسن: كانت معلمة ببياض وحمرة، وقال الفراء: زعموا أنها كانت مخططة بحمرة في بياض، وذلك تسويمها، وأجمل ابن جريج [[الطبري 12/ 95، الثعلبي 7/ 53 ب، "زاد المسير" 4/ 146، البغوي 4/ 194 وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625.]] القول في تلك العلامة ولم يذكر كيفيتها فقال: كانت [[ساقط من (ج).]] عليها سيما لا تشاكل [[ساقط من (ي).]] حجارة الأرض، واختاره الزجاج [["معانى القرآن وإعرابه" 3/ 72.]] قال: مسومة بعلامة يعلم بها أنها ليست من حجارة أهل الدنيا. قال أهل المعاني: جعل فيها علامات تدل على أنها معدة للعذاب، وذلك أملأ للنفوس وأهول في الصدور، وقال الربيع [[الثعلبي 7/ 53 ب وعزاه السيوطي لابن جرير وابن أبي حاتم 6/ 2069، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625، وفي الطبري 12/ 96 عن الربيع قال: عليها سيما خطوط. وكذا عند ابن أبي حاتم.]]: مكتوب على كل حجر اسم من رمي به. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: في خزائنه التي لا يُتصرف في شيء منها إلا بإذنه [["زاد المسير" 4/ 146.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، يعني: كفار قريش، قال مجاهد [[الطبري 12/ 96، الثعلبي 7/ 53 ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2069، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625.]]: يرهبهم بها، وقال قوم [[رُوي عن عكرمة أيضًا كما في الطبري 12/ 96، والربيع أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 2070، وأبو الشيخ عنه كما في "الدر" 3/ 625، وغيرهم. البغوي 4/ 194.]]: يعني كل ظالم وكافر من ذلك الوقت إلى يوم القيامة، قال قتادة [[الطبري 12/ 96، الثعلبي 7/ 53 ب، وابن أبي حاتم 6/ 2070، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 626، والبغوي 4/ 194، و"زاد المسير" 4/ 146.]]: والله ما أجار الله منها ظالمًا بعد قوم لوط، وحكى الفراء [["معاني القرآن" 2/ 25.]]: يعني: قوم لوط، أي أنها لم تكن لتخطئهم. قال ابن الأنباري على هذا القول: وإنما ذكر هذا بعد تبيين الله تعالى نزول العذاب بهم توكيدًا للمعنى السابق، كما قال: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]، والأكثرون على أن المراد به من ظالمي هذه الأمة وهم كفارها، روي عن أنس أنه قال: سأل رسول الله ﷺ جبريل [[ساقط من (ب).]] عن هذا فقال: يعني ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة [[أخرجه الطبري عن قتادة 12/ 96، كما سبق، وأخرجه أيضًا عن أبي بكر الهذلي قال: يقول: "وما هي من الظالمين ببعيد" فلا يأمنها منهم ظالم، 15/ 440 رقم (18447).]].

هود 11:84

قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ الآية، قد ذكرنا في سورة [الأعراف: 85] أن (مدين) اسم لابن إبراهيم [[في (ي): (ابن إبراهيم).]]، ثم صار اسمًا للقبيلة، وكثير من المفسرين يذهب إلى أن (مدين) اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم. قال ابن الأنباري: وإلى هذا المعنى ذهب الفراء [["معاني القرآن" 2/ 304، ومدين مدينة على بحر القُلزُم محاذية لتبوك على نحو من ست مراحل. انظر: "معجم البلدان" 5/ 77.]] وأنشد [[القائل هو كثير، و (العُصْمُ) جمع الأعصم وهو الوعل، و (العقول) جمع عقل وهو الملجأ وشعف العقول رءوسها وأعاليها، والفارد: الوعل المسن أو الشاب، "معجم البلدان" (مدين) 5/ 77، "معاني القرآن" 2/ 304، وينسب لجرير وهو في "ديوانه" ص 308، "اللسان" (رهب) 3/ 1748، "تاج العروس" (رهب) 2/ 42، وقافيته (الفادر).]]: رهبان مدينَ لو رأوك تنزلوا ... والعُصْمُ من شَعَفِ العقول الفارد قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 72.]]: والمعنى على هذا: وأرسل إلى أهل مدين فحذف الأهل. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾، نهاهم عن التطفيف وبخس الحق في المكيال، وهو ما يكال به، والميزان وهو ما يوزن به، ونقص المكيال أن يجعله على حد هو أنقص مما هو المحدود والمعهود فيما بينهم، ونقص الميزان أن يجعل السنجات [[السنجات التي توضع في "الميزان" لتبين قدر الموزون، ولقال: صنجة بالصاد وبالسين أفصح، فارسي معرب. انظر: "تهذيب اللغة" (سنج) 2/ 1768، "اللسان" (سنج) 4/ 2112.]] التي يوزن بها أخف، وما يوزن به فهو ميزان، والسنجات يوزن بها [[ساقط من (ي).]]، ولا يتصور نقص الميزان في الكفتين. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال عامة المفسرين [[الطبري 12/ 99، الثعلبي 7/ 54 أ، "زاد المسير" 4/ 147.]]: يعني النعمة والخصب وكثرة المال وزينة الدنيا، ومعنى قوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ بعد نهيهم [[في (ي): (نهيكم).]] عن التطفيف يحتمل وجهين: أحدهما: ما قال المفسرون [[روى الطبري 12/ 98 - 99 هذا القول عن ابن عباس والحسن، البغوي 4/ 195، "زاد المسير" 4/ 147.]] أنه حذرهم غلاء السعر وزوال النعمة [إن لم يتوبوا فكأنه قال: لا تطففوا فيحل بكم العذاب وزوال النعمة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. والآخر: ما ذكره الفراء [["معاني القرآن" 2/ 25.]] قال: أراد: لا تنقصوا المكيال وأموالكم كثيرة يعني بعد أن أنعم الله عليكم برخص السعر وكثرة المال، فأي حاجة بكم إلى التطفيف وسوء الكيل والوزن؟ وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾، توعدهم بعذاب يحيط بهم، فلا يفلت منهم أحد، والمحيط من صفة اليوم في الظاهر، وهو في المعنى من صفة [[في (ي): (الموصوف).]] العذاب [[ساقط من (ي).]]، وذلك أن يوم العذاب إذا أحاط بهم [فقد أحاط بهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] العذاب [[الطبري 12/ 101 نحوه.]].

هود 11:85

قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: أتموها بالعدل، والإيفاء: الإتمام، والوفاء: التمام، وكل شيء بلغ التمام فقد وفي، وهذا يدل على صحة التفسير الذي ذكرنا في قوله: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾؛ لأنه قال أوفوا المكيال والميزان، ولو أراد إيفاء المكيل والموزون لقال: أوفوا بالمكيال والميزان.

هود 11:86

قوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال ابن عباس [[ذكره الطبري 12/ 101 ثم قال: وهذا قول رُوي عن ابن عباس بإسناد غير مرتضى عند أهل النقل، الثعلبي 7/ 54 أ، البغوي 4/ 195، "زاد المسير" 4/ 148.]]: ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف، يعني: من تعجيل النفع بالبخس في المكيال والميزان، والمعنى على هذا القول: الذي يبقيه الله لكم من الحلال عند إعراضكم عن الحرام: أبقى [[في (ي): (أنمى).]] لأموالكم في الدنيا وأصلح لأحوالكم في الآخرة. وقال الحسن [[المروي عن الحسن هو قوله: (رزق الله خير لكم من بخسكم الناس) أخرجه أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 627، وابن أبي حاتم 6/ 2072.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 100، الثعلبي 7/ 54 أ، البغوي 4/ 195، وابن أبي حاتم 6/ 2072.]]: بقية الله: طاعة الله، وعلى هذا معني البقية: الطاعة والمسارعة إلى الخيرات؛ وذلك لأنه يبقى ثوابها أبدًا. وقال قتادة [[الطبري 12/ 101، عبد الرزاق 2/ 311، وابن أبي حاتم 6/ 2072، وأبو الشيخ، كما في "الدر" 3/ 626، "زاد المسير" 4/ 149.]]: حظكم من ربكم خير لكم. قال ابن الأنباري: وتفسير البقية على هذا التأويل حظهم من الله وما يجب عليهم من تطلب [[في (ي): (التطلب).]] رضاه بما يتعبدهم به، سميت بقية؛ لأنها تبقى ولا تبيد. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قال أهل المعاني [["زاد المسير" 4/ 149.]]: شرط الإيمان في كونه خيرًا لهم؛ لأنهم [[ساقط من (ي).]] إن كانوا مؤمنين بالله عرفوا صحة ما يقول، وأيضًا فإنه يكون خيرًا لهم إذا كانوا مؤمنين. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾، ذهب بعضهم أنه قال هذا؛ لأنه لم يؤمر بقتالهم وإكراههم [[يفهم من هذا أن من الأنبياء من أمر أن يكره قومه على الإيمان، ونصوص الكتاب والسنة بخلاف ذلك، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]. وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. وقال: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: 28]. فالدين ليس فيه إكراه لأنه يلزم فيه الإختيار، فلو آمن ظاهرًا خوفًا أو طمعًا فلا يصح إيمانه. انظر: الطبرى 12/ 28 - 29، 101.]] على الإيمان، وقد أحكمنا شرح هذا في سورة الأنعام في قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: 104] [[وخلاصة ما ذكره أنه قد جاءهم الحق الواضح البيّن الذي لا يحتاج معه إلى إكراه لأن مهمته البلاغ.]]، في آخر هذه الآية قال بعض أهل المعاني: إن شعيبًا دعاهم إلى حفظ النعمة بترك المعصية، ثم قال: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: لا يحفظ النعمة عليكم إلا الله -عز وجل-، ولست الذي أحفظها عليكم فاتقوه بطاعته يحفظها عليكم.

هود 11:87

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾، وتقرأ (أصلاتك) على واحدة، وتوجيه القراءتين [[قرأ حفص وحمزة والكسائي بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع، وحجة من وحّد أن (الصلاة) بمعنى الدعاء، والدعاء صنف واحد وهي مصدر والمصدر يقع للقليل والكثير بلفظه، وحجة من جمع أنه قدر أن الدعاء مختلف أجناسه وأنواعه فجمع المصدر لذلك، انظر: "الكشف" 1/ 507، "السبعة" ص 317، "إتحاف" ص 259.]] ذكرناه في سورة براءة [[عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [براءة: 103]. ونقل في توجيه القراءة ما ذكره أبو علي حيث قال: "الصلاة مصدر يقع على الجميع والمفرد بلفظ واحد، كقوله سبحانه: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]، فإذا اختلفت جاز أن يجمع، لاختلاف ضروبه، كما قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. ومن المفرد الذي يراد به الجمع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43]، والمصدر إذا سمي به صار بالتسمية وكثرة الاستعمال كالخارج عن حكم المصادر، وإذا جمعت المصادر إذا اختلفت نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ فأنْ يُجْمَع ما صار بالتسمية كالخارج عن حكم المصادر أجدر.]]، قال عطاء عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 149 عن عطاء.]]: يريدون دينك يأمرك، وعلى هذا كنى عن الدين بالصلوات؛ لأنها من الدين مما كانوا يرونه يفعلها تدينًا، والمعنى: أفي دينك الأمر بذا؟ وهو معنى قول الحسن [[القرطبي 9/ 87.]]، ورُوي عن ابن عباس [[الثعلبي 7/ 54 أ، البغوي 4/ 195، "زاد المسير" 4/ 149، القرطبي 9/ 87.]] أيضًا أنه قال: كان شعيب كثير الصلاة [[في (ي): (الصلوات).]] لذلك قالوا هذا. وقوله تعالى: ﴿أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 72.]]: وهذا دليل [[ساقط من (ب).]] على أنهم كانوا يعبدون غير الله -عز وجل-. قال صاحب النظم: قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ وليس للصلاة أمر ولا نهي، وهذا يحمل على أن تكون الصلاة [[ساقط من (ب).]] سببًا للفعل المتصل بها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] من أجل صلاته؛ لأن الصلاة من الإيمان والإيمان مانع منهما، فقد صارت الصلاة سببًا للامتناع منهما، فيصح على هذا الترتيب أن يقال: الصلاة مانعة من ذلك وآمرة به، وكذلك قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ أي: من أجل أنك تصلي تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، أي: صلاتك تحملك على ذلك؟ فلذلك جاز أن يضاف الأمر إليها، فأما قوله: ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ﴾ أوقع الأمر على شعيب وهو في المعنى واقع على قومه، والتأويل: أصلاتك تأمرك أن تأمرنا أن نترك، فلما ذكر معنى الأمر أولًا اقتصر عليه ولم يُعد ذكره. وقوله تعالى: ﴿مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وقد خلوا وماتوا وجاءت الحكاية عن فعلهم على وزن الاستقبال، والتأويل: إن شاء الله أن نترك ما كان يعبد آباؤنا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: 102] أي كانت تتلوا. وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ﴾، قال ابن الأنباري [[في (ي): (ابن عباس)، وانظر: "زاد المسير" 4/ 150.]]: (أن) منسوقة على (ما) في قوله ﴿مَا يَعْبُدُ﴾ على تقدير أو نترك أن نفعل وهذا قول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 52.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.]]، وزاد الفراء قولًا آخر شرحه أبو بكر، وهو: أن تكون (أن) منصوبة بفعل مضمر يراد به تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وتنهانا أن نفعل، فدل الأمر على النهي، فحذف كما حذف البرد لما دل عليه الحر في قوله ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [[النحل:81.]]، ومعنى قوله ﴿أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ قال الكلبي [[نقله ابن الجوزي عن ابن عباس، "زاد المسير" 4/ 150، وانظر: "تنوير المقباس" 144.]]: أي من البخس والظلم ونقص المكيال والميزان، وهو اختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.]]؛ قال: المعنى: إنا قد تراضينا بالبخس فيما بيننا. وقال ابن عباس [["البحر المحيط" 5/ 253 عن ابن المسيب.]] في رواية عطاء: يريد قطع الدنانير والدراهم، وهو قول القرظي [[الطبري 12/ 102، "زاد المسير" 4/ 150، وابن المنذر كما في "الدر" 3/ 627، "البحر المحيط" 5/ 253.]] وزيد بن أسلم [[الطبري 12/ 102، "زاد المسير" 4/ 150، القرطبي 9/ 88، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 627.]]؛ قالوا: كان ينهاهم عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 54 ب، البغوي 4/ 195، "زاد المسير" 4/ 150.]]. يريدون: السفيه الجاهل، وعلى هذا كنوا بالحليم الرشيد عن السفيه الجاهل. قال أبو بكر: وهذا التفسير مشاكل للغة [[في (ب): (اللغة).]]؛ لأن العربي يقول لمخاطبه إذا استحمقه: يا عاقل من يقول هذا غيرك؟ يريد يا أحمق، ويقول لمن يستجهله: يا حليم فكر [[ساقط من (ب).]] فيما تسمع، يعني يا جاهل. قال الشاعر [[البيت لشييم بن خويلد كما في "اللسان" (خفق) 2/ 1214.]]: فقلت لسيدنا يا حليم ... إنك لم تأس أسواء [[في (ب): (تأسوا سواء).]] رفيقًا فآخر البيت يدل على أنه استجهله وخاطبه بالحلم كانيا عن غيره، وهذا قول مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 148 ب.]] قال: معناه: إنك لأنت السفيه الضال، وقال الحسن وابن جريج [[الطبري 12/ 103.]] والكلبي وابن زيد وأكثر أهل التأويل: هذا على طريق الاستهزاء بشعيب. وقال ابن كيسان [[الثعلبي 7/ 54 ب، "زاد المسير" 4/ 150، ورجحه القرطبي 9/ 87.]]: هذا على طريق الصحة، قالوا له: إنك فينا حليم رشيد فليس يليق بك شق عصا قومك ومخالفة دينهم.

هود 11:88

قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾، مضى هذا في موضعين من هذه السورة [[هود 28، 63.]]. وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، قال ابن عباس وأكثر المفسرين [[انظر: الطبري 12/ 103، البغوي 4/ 196، "زاد المسير" 4/ 151، القرطبي 9/ 89، "البحر المحيط" 5/ 254.]]: يعني حلالا، وروى الكلبي [[ذكره في "زاد المسير" 4/ 151 وعزاه لابن عباس، وذكره البغوي 4/ 196 ولم يعزه.]]: أن شعيبًا كان كثير المال، قال ابن الأنباري: اعتد بكثرة المال نعمة من الله تعالى لما كان حلالاً سليمًا من التبعات، وقال جماعة من المفسرين: الرزق الحسن هاهنا: الهدى والتوفيق للرشد. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 33، وانظر الثعلبي 7/ 54 ب، "زاد المسير" 4/ 151 البغوي 4/ 196.]] وغيره: جواب (إن) هاهنا محذوف لعلم المخاطب، المعنى: إنْ كنت على بينة من ربي ورزقني المال الحلال، [أتّبع الضلال فأبخس وأطفف، يريد أن الله قد أغناه بالمال الحلال] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وذكرنا معنى هذا الشرط في قصة نوح [[عند قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [هود: 28].]]. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، [قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 144.]]: يريد وما أريد أن أفعل ما أنهاكم عنه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، وقال قتادة [[الطبري 12/ 103، البغوي 4/ 196، "زاد المسير" 4/ 151، الثعلبي 7/ 54 ب، ابن أبي حاتم 6/ 2074، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 627.]]: لم أكن لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه، ومعنى هذا القول أنه يقول: لا أنهى عن قبيح وأفعله كمن ليس مستنظرًا [[في (ي): (مستنصرًا)، ولعل الصواب "مستبصرًا".]] فيه، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.]]: أي لست أنهاكم عن شيء وأدخل فيه، وإنما أختار لكم ما أختار لنفسي، وتلخيص معنى اللفظ: وما أخالفكم بالقصد إلى [ما أنهاكم عنه؛ يقال: خالفه إلى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] ذلك الأمر إذا أتاه [[في (ب): (أراه).]] مخالفًا له. وقال أبو بكر: بَيَّنَ أن الذي يدعوهم إليه من اتباع طاعة الله، وترك البخس والتطفيف، هو مما يرتضيه لنفسه ولا ينطوي إلا عليه، فكان بهذا ماحضًا لهم النصيحة، إذ اختار لهم ما اختاره لنفسه. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ أي ما أريد إلا الإصلاح فيما بيني وبينكم بأن تعبدوا الله وحده وتفعلوا كما يفعل من يخاف الله، قاله ابن عباس. قوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾، مفعول الاستطاعة محذوف تقديره ما استطعته، أي ما استطعت الإصلاح، واستطاعة الإصلاح هو الإبلاغ والإنذار فقط، ولا يستطيع إجبارهم على الطاعة، وهذا معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.]]؛ لأنه قال في قوله ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾: أي بقدر طاقتي، [وقدر طاقتي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] إبلاغكم وإنذاركم، ولست قادرًا على إجباركم على الطاعة، ثم أعلم أنه لا يقدر هو ولا غيره على الطاعة إلا بتوفيق الله جل وعز، فقال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، أي أرجع إليه في المعاد في قول ابن عباس [[الثعلبي 7/ 54 ب، البغوي 4/ 196، القرطبي 9/ 90.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 103، والبغوي 4/ 196، وابن أبي حاتم 6/ 2074، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 628.]]. وقال الحسن [[انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 244.]]: إليه أرجع بعملي ونيتي، وروي أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر شعيبًا قال: "ذاك خطيب الأنبياء" [[أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 620 عن محمد بن إسحاق قال: "وشعيب بن ميكائيل النبي ﷺ، بعثه الله نبيًا، فكان من خبره، وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن. وكان رسول الله ﷺ إذا ذكره قال: "ذاك خطيب الأنبياء لمراجعته قومه" سكت عنه الذهبي في "التلخيص"، وفيه سلمة بن الفضل بن الأبرش، قال في "الميزان": 2/ 192: (ضعفه ابن راهويه، وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير، وقال ابن معين: كتبنا عنه وليس في المغازي أتم من كتابه، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا يحتج به). والحديث ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 504 وقال: أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر شعيبًا == قال: "ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يرادهم به، فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلاده، وعتوا على الله، أخذهم عذاب يوم الظلة ... إلخ".]] لحسن مراجعته قومه.

هود 11:89

قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾، قال ابن عباس [[ذكر هذا القول من غير عزو الثعلبي 7/ 54 ب، البغوي 4/ 196.]] والحسن [[القرطبي 9/ 90.]] وقتادة [[الطبري 12/ 104، والقرطبي 9/ 90، وابن أبي حاتم 6/ 2074، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 628.]]: لا يحملنكم، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 26.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: لا يكسبنكم، وقد مرَّ في سورة المائدة [[عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [آية: 2].]]. قوله تعالى: ﴿شِقَاقِي﴾ أي خلافي وعداوتي. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾، (أن) في محل النصب؛ لأنه المفعول الثاني لقوله: ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾. ومعنى الآية [[ساقط من (ي).]]: لا تكسبنكم معاداتكم إياي أن يصيبكم عذاب العاجلة ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح العقيم ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الرجفة والصيحة. ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾، قال ابن عباس [[إسحاق بن بشر، وابن عساكر كما في "الدر" 3/ 628 - 629.]]: يريد [[ساقط من (ي).]]: قد كنتم لهم جيرانا وقرابة، وقد رأيتم ما أصيبوا به وما صاروا إليه من سخط الله وعذابه، فعلى هذا أراد: ليسوا ببعيد في الدار والنسب. وقال قتادة [[الطبري 12/ 104، عبد الرزاق 2/ 311، "الدر" 3/ 629، ابن أبي حاتم 6/ 2075 بنحوه.]]: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ في الزمان الذي بينكم وبينهم، واختاره الزجاج فقال [[ساقط من (ي)، وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: كان إهلاك قوم لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها، فكأنه قال لهم: العظة في قوم لوط قريبة منكم. قال ابن الأنباري: فعلى القول الأول [[ساقط من (ي).]] كأنه يقول [[في (ب): (قال).]]: إنكم للعذاب الواقع بهم أذكر وأحفظ منكم لما لحق الأمم السالفة؛ لأن دارهم أقرب إلى داركم، فبحفظكم ذلك يلزمكم الإشفاق والحذر من مثل مصرعهم، وعلى القول الثاني كأنه يقول: إن وقتهم أقرب إليكم من أوقات من مضى من المهلكين، ولقرب وقتهم منكم ما يجب أن تراعوا وتحاذروا، ووحد البعيد [[قاله ابن الأنباري انظر: "زاد المسير" 4/ 151]] على القول الأول؛ لأنه أراد: وما قوم لوط منكم بمكان بعيد، ويجوز أن يكون وَحَّده على لفظ القوم؛ لأنه على لفظ الواحد، وأنشد [[بيتان من الرجز لم أهتد إلى قائلهما. انظر: "شرح المفصل" 9/ 80.]]: لو أن قومي حين تدعوهم حمل على الجبال الصم لارفض الجبل ولم يقل حملوا.

هود 11:90

قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، قال أهل المعاني: معناه: اطلبوا المغفرة بأن تكون غرضكم، ثم توصلوا إليه بالتوبة، وهو ترتيب حسن وقد مرَّ هذا في أول السورة [[آية:4.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 144.]]: بأوليائه ومن صدق أنبياءه. ﴿وَدُودٌ﴾ [[ساقط من (ي).]]، قال الفراء [["تهذيب اللغة" (ود) 4/ 3857.]]: يقال [[ساقط من (ي).]]: ودِدت أوَد هذا أفضل الكلام وقال بعضهم وددت و (يفعل) منها يود لا غير، قال الكسائي [["تهذيب اللغة" (ود) 4/ 3857 ولم أجده من كلام الكسائي بل هو من كلام الفراء.]]: وسمعت ودَدت بالفتح وهي قليلة، وأنكر البصريون ودَدت وهو لحن عندهم. قال الزجاج [["تهذيب اللغة" (ود) 4/ 3857.]]: قد علمنا أن الكسائي لم يحك وددت إلا وقد سمعه، [ولكنه سمعه] [[ساقط من (ي).]] ممن لا يكون قوله حجة. قال ابن الأنباري [["الزاهر" 1/ 88، 89، "زاد المسير" 4/ 152، "تهذيب اللغة" 4/ 3858، "لسان العرب" (ود) 8/ 4794، وفيها (المحب لعبادة).]]: الودود في أسماء الله المجيب لعباده، من قولهم: وددت الرجل أوده وَدا ووُدا ووَدادا ووِدادًا ووِدادة ووَدادة. وقال الأزهري [[الكتاب مفقود، ذكره ياقوت "معجم الأدباء" 17/ 164، وأورده الداودي في طبقات المفسرين (2/ 65) بلفظ تفسير الأسماء الحسنى، وسماه صاحب "كشف الظنون" 2/ 50: "شرح أسماء الله الحسنى".]] من كتاب "شرح أسماء الله": قال بعض أهل اللغة: يجوز أن يكون ودودٌ فعولًا بمعنى مفعول، كركوب وحلوب [[في (ي): (حمول).]] ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه؛ لما [[في (ي): (بما).]] عرفوا من فضله ولما سبغ عليهم من نعمائه، وكلتا الصفتين مدح؛ لأنه جل ذكره إنْ أحب عباده المطيعين فهو فضل منه، وإنْ أحبه عباده العارفون فلما تقرر عندهم من إحسانه.

هود 11:91

قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ الآية، معنى الفقه في اللغة [["تهذيب اللغة" (فقه) 5/ 404، 405.]]: فهم الكلام بما تضمن من المعنى، وقد صار اسمًا لضرب من علوم الدين، فمعنى الفقه في اللغة الفهم، يقال: أوتي فلانٌ فقهًا في الدين، أي فهما، وقوله ﷺ: "فقهه في الدين" [[في (ي): التأويل.]] [[أخرجه البخاري (143) كتاب: الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء، بلفظ "اللهم فقهه في الدين" وأخرجه أحمد في أربعة مواضع بلفظ (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) 4/ 127 برقم 2397، و4/ 315 برقم 2881، و5/ 15 برقم 3033، و5/ 41 برقم 3102، وصححه أحمد شاكر في جميع المواضع السابقة، وأخرجه بلفظ (اللهم فقهه في الدين) دون زيادة (وعلمه التأويل) 5/ 12 برقم 3023، وصححه أحمد شاكر. وأخرجه الطبراني في الكبير 10/ 291 بلفظ (اللهم أعطه الحكمة، وعلمه التأويل) == قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 450: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. ورواه الطبراني في موضع آخر 10/ 293 بلفظ (اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين).]] أي فقهه تأويله، ونحو هذا قال ابن عباس والمفسرون [[البغوي 4/ 197، القرطبي 9/ 91، ابن عطية 7/ 384.]] في قوله ﴿مَا نَفْقَهُ﴾: ما نفهم. فإن قيل: إن شعيبا كان يخاطبهم بلسانهم فلم قالوا ما نفقه؟ قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 152.]]: فيه جوابان: أحدهما [[ساقط من (ي).]]: ما نفقه صحة كثير مما تقول، يعنون ما يذكر من التوحيد والبعث والنشور، وما يلزم من الزكاة، ويحظر من التطفيف، فزعموا أن هذا مما لا يفهمون صحته إذ كانوا منكرين دين شعيب، فحذفت الصحة وقام "كثير" مقامها، والثاني: أنهم كانوا يستثقلون سمع بعض [[ساقط من (ي).]] ما يأتي به عن ربه تعالى من ذم الكفار وعيب ما يرتكبون، فكانوا كأنهم لا يفقهونه، كما تقول لمن تكره كلامه: ما أفهم ما تقول، وما أستطيع أن أسمع كلامك، وأنت [في الحقيقة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] تفهم وتستطيع، إلا أن هذا باب من المجاز، استعملته العرب وعرف في خطابها. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال سعيد بن جبير [[الطبري 12/ 105، وأبو الشيخ وابن عساكر كما في "الدر" 3/ 629، و"زاد المسير" 4/ 152، والقرطبي 9/ 91، وابن أبي حاتم 6/ 2076.]] وقتادة [["زاد المسير" 4/ 152، القرطبي 9/ 91 وروي هذا القول ابن أبي حاتم 6/ 2076 عن سعيد بن جبير، والحاكم 2/ 568 وصححه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس، "الدر" 3/ 629.]]: أعمى. وقال سفيان [[الطبري 12/ 105، والثعلبي 7/ 55 أ، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 129 بلفظ قال: كان أعمى، والقرطبي 9/ 91. وابن أبي حاتم 6/ 2076 بلفظ كان ضعيفًا.]]: كان ضعيف البصر، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: حمير تسمي الضرير ضعيفًا؛ لأنه قد ضعف بذهاب بصره. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾، قال أبو عبيد [["تهذيب اللغة" (رهط) 2/ 1488.]] عن أبي زيد: النفر والرهط [ما دون العشرة من الرجال، وقال أبو العباس [["تهذيب اللغة" (رهط) 2/ 1488.]]: المعشر والنفر والقوم والرهط] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم، وهذا [[في (ي): (وهو).]] للرجال دون النساء، وقال الليث [["تهذيب اللغة" (رهط) 2/ 1488.]]: الرهط عدد يجمع من ثلاثة إلى عشرة، قال المفسرون [[الطبري 12/ 106، الثعلبي 7/ 55 أ، الزجاج 3/ 74، البغوي 4/ 197، القرطبي 9/ 91، ابن عطية 7/ 385.]]: لولا عشيرتك. وقوله تعالى: ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾، قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (رجم) 2/ 1375.]]: الرجم القتل، وقد جاء في غير موضع من كتاب الله تعالى، وإنما قيل للقتل رجم؛ لأنهم كانوا [[في (ي): (قالوا).]] إذا قتلوا إنسانًا رموه بالحجارة حتى يموت، ثم قيل لكل قتل رجم، والرجم السب والشتم؛ ومنه قوله تعالى ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: 46] أي لأسبنك ولأشتمنك، والرجم: القول بالظن، ومنه قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: 22] والرجم اللعن، والشيطان الرجيم من هذا. قال ابن عباس [[أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر كما في "الدر" 3/ 628، الثعلبي 7/ 55 أ، البغوي 4/ 197.]] في قوله: ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾: لقتلناك. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: والرجم من شر القتلات، وقال قوم من المفسرين [[رجحه الطبري 12/ 106، "زاد المسير" 4/ 153، القرطبي 9/ 91، ابن عطية 7/ 385.]]: لشتمناك وسببناك وطعنا عليك. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: وكان رهطه من أهل ملتهم؛ فلذلك أظهروا الميل إليهم، والإكرام لهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾، قال ابن عباس: يريد [["زاد المسير" 4/ 153، القرطبي 9/ 91 من غير نسبه.]]: ما أنت علينا بمنيع.

هود 11:92

وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 153 بنحوه.]]: يريد أمنع عليكم من الله، المنيع القوي، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: وتأويله: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكرامًا لرهطي، والله -عز وجل- أولى بأن يتبع أمره، كأنه يقول: حفظكم إياي في الله أولى منه في رهطي. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾، قال الليث [["تهذيب اللغة" (ظهر) 3/ 2255.]]: الظهري الشيء الذي تنساه وتغفل عنه، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 106.]]: يريد ألقيتموه خلف ظهوركم وامتنعتم من قتلي مخافة قومي، والله أعز وأكبر من جميع خلقه. قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 26.]]: يقول رميتم أمر الله وراء ظهوركم، يعني تعظمون أمر رهطي، وتتركون أن تعظموا الله وتخافوه. وقال ابن الأنباري [["الأضداد" 255.]]: الظهري يقصد به هاهنا إلى الإهمال [والاطّراح تقول العرب: سألت فلانا حاجة فظهر بها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، وسألته حاجة فجعلها ظهرية، أهملها وطرحها [[ساقط من (ي).]] ولم يلتفت إليها. وأنشد للفرزدق: تميمَ بنَ زيد لا تكونَنَّ حاجتي ... بظهر فلا يخفى عليّ جوابُها قال: معناه: لا تكون مهملة مطرحة، وقال قتادة [[الطبري 12/ 106 - 107.]] في هذه الآية: أعززتم قومكم وظهرتم بربكم، قال أبو بكر: يريد بقوله ظهرتم: أهملتم وأعرضتم عن طاعته، وجميع أهل [["معاني الفراء" 2/ 26، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 298، "معاني الزجاج" 3/ 75، "معانى النحاس" 3/ 377.]] المعاني قالوا: الكناية في قوله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ تعود إلى أمر الله، وما جاءهم به شعيب من الله تعالى، وهو في الظاهر يعود على اسم الله تعالى، ولكنه يعرف بالمعنى أن المراد منه الأمر، كما تقول العرب: جعلتني خلف ظهرك ودبر أذنك، يريدون: جعلت أمري وحاجتي وكلامي. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي خبير بأعمال العباد حتى يجازيهم، في قول جميع المفسرين [[الطبري 12/ 108، "زاد المسير" 4/ 153، ابن عطية 7/ 387.]].

هود 11:93

قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾، المكانة الحال التي يتمكن بها صاحبها من عمله، قال ابن عباس: يريد اعملوا ما أنتم عاملون، وذكرنا هذا مستقصى في سورة الأنعام [[آية 135. وخلاصة ما ذكره ما نقله ابن عباس هنا.]]. قال أهل المعاني: هذا تهديدٌ بصيغة الأمر، يقول: اعملوا على ما أنتم عليه، إني عامل على ما أنا عليه من طاعة الله، وسترون منزلتكم من منزلتي، وهذا معنى قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾، وأسقط الفاء هاهنا من ﴿سَوْفَ﴾، وفي سورتي الأنعام [آية 135] والزمر [آية 39] فسوف. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 153.]]: وهما مذهبان معروفان للعرب وكلاهما صواب في القياس، إذا دخلت الفاء دلت على اتصال ما بعدها بما قبلها، وإذا سقطت بني الكلام على التمام، والذي بعده على الابتداء؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا﴾ [البقرة: 67] معناه: (فقالوا)، فحذفت [[في (ي): حذفت.]] الفاء بناء على تمام [[في (ي): إتمام.]] ما قبلها واستئناف ما بعدها، وإنما يمكن هذا في القرآن والشعر؛ لتطاول القصص والأخبار فيهما، فأما الألفاظ القصار فلا يصلح سقوط الفاء كقول القائل: (قد قلت القبيح فيّ فستعلم عاقبته)، لا يجوز أن تسقط الفاء هاهنا؛ لأنه كلام قصير لا يتم فيه الأول ويستأنف الثاني، و (منْ) في محل النصب بقوله: ﴿تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي يفضحه ويذله، وذلك أن العذاب يقع على وجهين؛ عذاب [[في (ي): هذا عذاب.]] فاضح وعذاب غير فاضح فالفاضح، أشد. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 26.]]: إنما أدخلت العرب (هو) في قوله ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ لأنهم لا يقولون (من قائم) ولا (من قاعد)، إنما كلامهم: (من يقوم) و (من قام) أو (من القائم)، فلما كان قوله ﴿كَاذِبٌ﴾ غير معرفة ولا فعل أدخلوا (هو)، قال: وقد يجوز في الشعر (مَنْ قائم) وأنشد [[القائل هو الأخطل، والحصور: البخيل الممسك، والسوار: الذي تسور الخمرة في رأسه سريعًا، فهو يعربد ويثب على من يشاربه. "ديوانه" 168، "معاني الفراء" 2/ 26، "المحتسب" 2/ 241، "اللسان" (حصر) 2/ 896، (سور) 4/ 2147، "إصلاح المنطق" 142، "بغية الوعاة" 1/ 105، وبلا نسبة في "تذكرة النحاة" 332، و"مجالس ثعلب" 1/ 577.]]: مَنْ شاربٌ مُرتجٌ بالكأس نادمني ... لا بالحَصور ولا فيها بسوَّار وقوله تعالى: ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾، معنى الارتقاب: الانتظار، وهو طلب ما يأتي بتعليق النفس به، رقبه يرقبه رقوبًا، وارتقب ارتقابًا، وترقبه ترقبًا، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 154، القرطبي 9/ 92.]] يريد: ارتقبوا العذاب إني مرتقب من الله الرحمة والثواب.

هود 11:94

وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، قال المفسرون [[الطبري 12/ 108، الثعلبي 7/ 55 ب، البغوي 4/ 197، "زاد المسير" 4/ 154، "معاني الزجاج" 3/ 75.]]: صاح بهم جبريل صيحة فماتوا في أمكنتهم.

هود 11:95

وقوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 76.]]: المعني أنهم قد بعدوا من رحمة الله، قال: وهو منصوب على المصدر، المعنى: أبعدهم الله فبعدوا بعدًا. وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، يقال: بعِد يبعَد إذا بعد في الهلاك ولا تستعمل في الحي، وبعُد يبعُد ضد قرب وتستعمل في الحي، والمصدر فيهما جميعًا البُعْد، ويقال في مصدر بعد يبعد: بَعَدًا. وقوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ دليل على أن [[ساقط من (ب).]] مصدره البُعْد، وكذلك قول الشاعر [[القائل هو مالك بن الريب. انظر: "ديوانه" 93، "الخزانة" 1/ 319، "اللسان" (بعد) 1/ 310، "شرح شواهد المغني" 2/ 630.]]: يقولون لا تَبْعَدْ وهم يدفنونني ... وأين مكان البُعْد إلا مكانيا قال ابن الأنباري [["البحر المحيط" 6/ 204.]]: العرب تقول: بعُد الطريق يبعُد وبعِد الميت يبعَد، ومنهم من يسوي بينهما، والأكثر هو الأول، وروى الكلبي عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 153.]] قال: لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح، فأما [[ساقط من (ي).]] قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم.

هود 11:96

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾، قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 93.]]: يريد التوراة وما أنزل الله فيها من الفرائض والأحكام، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 76.]]: أي بعلاماتنا التي تدل على صحة نبوته. وقوله تعالى: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجة بينة وبرهان يتسلط به على إبطال قول من خالفه، مخلص من التلبيس والتمويه. قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 93 ولم ينسبه.]]: يعني عصاه التي جعل الله فيها عذابا ونقمة؛ ليس يقوم لها جميع الخلائق، ولا يقوى عليها أحد. قوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾، أي أمرهم بعبادته واتخاذه إلها فاتبعوا ما أمرهم به، ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾، أي بمرشد إلى خير. قال ابن عباس [[انظر الطبري 12/ 209، "زاد المسير" 4/ 155]]: يريد لم يرشد قومه ولا من اتبعه. قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، يقال: قَدَمَ فلانٌ فلانًا يَقْدُمُه قَدمًا، وزاد الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه " 3/ 76.]]: قدومًا، ويقدم وأقدم واستقدم بمعنى واحد، والمعني: أنه [[في (جـ): (أنهم).]] يقدمهم إلى النار، يدل على هذا قوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ أي أدخلهم النار، والمعنى (فيوردهم)، وذكر بلفظ الماضي لتحققه وتأكد وجوده كأنه قد مضى، قال ابن عباس: يريد كما تَقَدَّم قومه في الدنيا [إلى البحر] [[في (ي): (في الغرق).]] فأغرقهم، وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ﴾ أي النار. قال أبو بكر [[ساقط من (ي) وانظر: "زاد المسير"4/ 155.]]: وذكَّر (بئس النار) لتذكير الوِرْد كما تقول: نعم المنزل دارك [[ساقط من (ب).]]، ونعمت المنزل دارك، من ذكّر غلب المنزل، ومن أنث بني على تأنيث الدار، ويقال أيضًا: نعمت الدار منزلك، [ونعم الدار منزلك] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. وقوله تعالى: ﴿الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ قال الكلبي [["تنوير المقباس" 144.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 149 أ.]] والمفسرون [[الطبري 12/ 110، الثعلبي 7/ 55 ب، البغوي 4/ 198، "زاد المسير" 4/ 155.]]: المدخل المدخول. قال ابن السكيت [["تهذيب اللغة" (ورد) 4/ 3869.]]: الوِرْد وُرُود القوم الماء، [والوِرْد الماء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] الذي يورد، والورد الإبل الواردة، فعلى هذا الورد يجوز أن يكون مصدرًا بمعنى الورود [[في (ي): (الورد).]] كقول الشاعر [[لم أقف عليه، وهو من الطويل.]]: إذا القوم قالوا وردهن ضحى غدا ... تواهفن حتى وردهن طروق يصف إبلا قدّر أنها ترد الماء في وقت الضحى فوردته [[في (ي): (ردته).]] قبل ذلك ليلاً لقوتهن وفضل نشاطهن، ويجوز أن يكون في ﴿الْوِرْدُ﴾ [[في (ب): (الورود).]] بمعنى الموضع والشيء الذي يورد عليه كالماء وغيره، والذي في هذه الآية يراد به الموضع الذي يورد، وهو بمعنى المفعول، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعلين كقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86] أي واردين، وهو في الأصل مصدر ثم يُسمى به المفعول والفاعل. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 155.]]: الورد مصدر معناه: الورود تجعله العرب بمعنى الموضع المورود كالذي في هذه الآية، وتلخيص المعنى [[في (ي): الآية.]] (بئس الشيء الذي يورد النار).

هود 11:99

قوله تعالى ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ يعني في الدنيا، في قول الجميع، قال الكلبي [["زاد المسير" 4/ 156، القرطبي 9/ 94.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" /149 أ، "زاد المسير" 4/ 156]] والمفسرون [[الطبري 12/ 110، "الدر" 3/ 631، البغوي 1/ 198، ابن عطية 7/ 392.]]: لعنة الدنيا الغرق، ولعنة الآخرة عذاب جهنم، وقال أهل المعاني [["زاد الميسر" 4/ 156.]]: اللعنة في الدنيا يعني بها لعن المسلمين والصالحين إياهم في حياتهم، واللعنة في الآخرة ما يَقْدَمون عليه من عذاب الله، وقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وذكر أبو علي [["الحجة" 1/ 27، 28.]] في انتصابه وجهين [[في (ي): (على وجهين).]] أحدهما: أن يكون التقدير: ولعنة [[في (ي): ولكنه.]] يوم القيامة، فحذف المصدر وأقيم اليوم مقامه فانتصب انتصاب المفعول به، والآخر: أن يكون ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ محمولًا على موضع في ﴿هَذِهِ﴾ كما قال [[سبق تخريجه.]]: إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدًا ومثل هذه الآية قوله تعالى في القصص: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: 42] ونذكرها في موضعها إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، الرفد معناه في اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (رفد) 3/ 1437.]]: العطاء والمعونة، وكل شيء أعنت به غيرك فهو رفد، يقال: [رفد يرفده] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] رَفْدًا ورِفْدًا بفتح الراء وكسرها، ويقال: الرفد بالكسر اسم وبالفتح مصدر، وسميت اللعنة هاهنا رفدًا؛ لأنه جعل بدلا منها، كما يقال عتابك السيف وتحيتك الشتم، يذهب إلى أنه بدل منه وواقع موقعه. قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 298.]] في قوله ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾: بئس العون المعان. وقال قتادة [[الطبري 12/ 111، البغوي 4/ 198، عبد الرزاق 2/ 312، ابن أبي حاتم 6/ 2081.]] في تفسير هذه الآية: ترافدت عليهم لعنتان من الله، لعنة الدنيا ولعنة الآخرة. وقال مجاهد [[الطبري 12/ 110، وابن أبي حاتم 6/ 2081. وانظر: "الدر" 3/ 631.]]. رُفِدوا يوم القيامة بلعنة أخرى زيدوها، فتانِك لعنتان. وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، فقال [[أخرجه ابن الأنباري في "الوقف والابتداء"، والطسي عن ابن عباس كما في "الدر" 3/ 631.]]: هو اللعنة بعد اللعنة، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 77.]]: وكل شيء جعلته عونا لشيء فقد رفدته به، فعلى هذه الأقوال معنى الرفد هاهنا: اللعنة التي لعنوا بها في الدنيا، ثم وصف هذا الرفد بأنه مرفود أي مشفوع معانٌ بلعنة الآخرة [[في (ي): (أخري).]].

هود 11:100

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾، قال أهل المعاني [[الطبري 12/ 112، "زاد المسير" 4/ 156]]: الإشارة بقوله ﴿ذَلِكَ﴾ تعود إلى النبأ الذي تقدم، وقد ذكرنا في مواضع من هذا الكتاب أن (ذلك) يشار به إلى الواحد والاثنين والجماعة، كقوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 68]. وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾، أراد: ومنها حصيد؛ لأن الحصيد غير القائم. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 77.]]: أي من القرى التي أهلكت: (قائم) أي: بقيت حيطانه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾: مخسوف وما قد محي أثره، وعلى نحو هذا دار كلام المفسرين. قال ابن عباس [[الطبري 12/ 112، الثعلبي 7/ 55 ب، البغوي 4/ 198، القرطبي 9/ 95.]]: ﴿قَائِمٌ﴾: ينظرون إليه وإلى ما بقي من أثره، و (حصيد) قد خرب ولم يبق له أثر. قال ابن الأنباري: الحصيد هاهنا عني به الاستئصال بالهلكة ويعقبه الأثر، كالزرع إذا حصد وأزيل عن موضعه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: 15].

هود 11:101

قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قال المفسرون [[الطبري 12/ 113، الثعلبى 7/ 56 أ، ابن عطية 7/ 394.]]: وما ظلمناهم بالعذاب والإهلاك، ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد وما نقصناهم في الدنيا من النعيم ولا من الرزق، ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله، وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ أي ما نفعتهم [[في (ي): (ولا).]] وما دفعت عنهم [[ساقط من (ي).]]، ﴿الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي التي يعبدون سوى الله وغيره. وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾، ابن عباس [[روي هذا القول الطبرى 12/ 113 عن ابن عمر ومجاهد وقتادة. وذكره في "زاد المسير" 4/ 156 عن ابن عباس "تنوير المقباس" ص 145.]] وغيره من المفسرين [[في (ي): (قال ابن عباس والمفسرون).]] يقولون: غير تخسير، وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 339.]] وأهل اللغة يقولون: هو الإهلاك، والتباب الهلاك، وأحدهما قريب من الآخر، وذكرنا معنى التخسير في هذه السورة [[عند قوله تعالى ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: 63].]]. قال ابن الأنباري [[انظر: "الزاهر" 1/ 466.]]: في قوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ قولان؛ أحدهما: (وما زادتهم عبادتها غير تتبيب) فحذفت العبادة على حذف المضاف، والآخر: أن الآلهة زادتهم بلاءً، وإن كانت من الموات؛ لأنهم ادعوا أن عبادتهم إياها [تنفعهم عند الله، فلما جرى الأمر بخلاف ما قدروا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي)]] وصفها الله بأنها زادتهم بلاءً وهلاكًا وخسارًا [[ساقط من (ي).]].

هود 11:102

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾، أي وكما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعقاب أخذ ربك إذا أخذ القرى، ومعنى أخذ الله نقلهم إلى جهة عقابه. ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ من صفة القرى وهي في الحقيقة لأهلها ومن كان يسكنها، ونحو هذا قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: 11] وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، [القصص: 58] يعني أن أهلها بطروا المعيشة، ويكون هذا من باب حذف المضاف.

هود 11:103

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، يعني: ما ذكر من عذاب الأمم الخالية وإهلاكهم ﴿لَآيَةً﴾ [[ساقط من (ي).]]، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 114، الثعلبي 7/ 56 أ، البغوي 4/ 199، "زاد المسير" 4/ 157، القرطبي 9/ 96 من غير نسبة.]]: لعبرة وعظة ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ يعني يوم القيامة، وقد سبق ذكره [في قوله تعالى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: 99] ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾؛ لأن الخلق كلهم يحشرون ويجمعون لذلك اليوم. ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 156، القرطبي 9/ 69.]]: يشهده البر والفاجر، وقال آخرون [[أخرجه الطبري 12/ 115 عن الضحاك، الثعلبي 7/ 256، البغوي 4/ 199، "زاد المسير" 4/ 157 القرطبي 9/ 69.]]: يشهده أهل السماء وأهل الأرض، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 77.]]: أعلم الله أنه يحيي الخلق ويبعثهم في ذلك اليوم ويشهدون.

هود 11:104

قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، قال المفسرون [[الطبري 12/ 115، الثعلبي 7/ 56 أ، البغوي 4/ 199، "زاد المسير" 4/ 157، ابن عطية 7/ 497 القرطبى 9/ 96.]]: وما نؤخر ذلك اليوم فلا نقيمه عليكم إلا لوقت معلوم لا يعلمه أحد غير الله، وقال أبو علي [["الحجة" 4/ 75.]]: أي ما نؤخر إحداثه، وهو كما قال؛ لأن ذلك اليوم لم يحدثه الله [[ساقط من (ي).]] بعدُ، فتأخيره [[في (ي): (تأخيره).]] تأخير إحداثه.

هود 11:105

وقوله تعالى: (يوم يأتي) ويقرأ ﴿يَأْتِ﴾ [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي "بياء" في الوصل ويحذفونها في الوقف، غير ابن كثير فإنه يثبت الياء في الوصل والوقف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة بغير "ياء" لا في وصل ولا وقف. انظر: "السبعة" 338، "الإتحاف" ص 261، "الحجة" 4/ 373، الطبري 2/ 115.]] بحذف الياء، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 27.]]: كل ياء أو واو يسكنان وما قبل [الواو مضموم وما قبل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الياء مكسور، فإن الحرب تحذفها وتجتزئ بالضمة من الواو وبالكسرة من الياء، وأنشد [[الشاهد بلا نسبة في: "الإنصاف" 329، "اللسان" (ليق) / 4115، "الأشباه والنظائر" 1/ 23 "أمالي ابن الشجري" 2/ 228، "الخصائص" 3/ 90، 133، "معاني القرآن" 2/ 27، 118، 3/ 260، الطبري 12/ 116، وقوله "لا تليق" يقال: ألاقه أي حبسه، يصفه بالجود والغلظة على عدوه.]]: كفاك كفٌّ لا تُلِيقُ درهمًا ... جودًا وأخرى تُعْطِ بالسيف الدما وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 77.]]: هذيل تستعمل حذف هذه الياءات كثيراً، وقد حكى سيبويه والخليل أن العرب تقول: لا أدر فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة. قال أبو علي الفارسي [["الحجة" 4/ 373 - 378 بتصرف.]]: قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾، فاعل يأتي لا يخلو من أن يكون اليوم الذي أضيف [[في (ي): (إليه).]] إلى يأتي، أو اليوم المتقدم ذكره، فلا يجوز أن يكون فاعله اليوم الذي أضيف إلى يأتي؛ لأن اليوم هو الفاعل، فلا يجوز أن يضاف إلى فعل نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: جئتك يوم يسرك، على أن يكون فاعل السرور اليوم، ويجوز أن يكون جئتك يوم يخرج زيد؛ لأن المعنى فيه: يوم خروج زيد، فتضيف المصدر إلى الفاعل فيتعرف اليوم بفعل مضاف إلى فاعل غير اليوم. وإذا قلت: (يوم يسرك) يكون معناه وتقديره: (يوم سروره إياك)، ويصير كأنك عرفت اليوم بنفسه؛ لأن الفعل يعرفه الفاعل، واليوم مضاف إلى الفعل المعروف باليوم، وحدُّ جواز هذا أن يكون الظرف مضافا إلى فعل معرف [بفاعل نحو قولك: يوم يخرج زيد، فاليوم معرف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] بالفعل، والفعل معرف بالفاعل، وإذا قدرت الظرف فاعلاً يعرف به الفعل، والفعل هو الذي يعرف الظرف، كأنك إنما عرفت الظرف بنفسه؛ لأنك أضفته إلى الفعل المعرف به [[ساقط من (ي).]] فصار هذا نظير قولك: هذا يوم حره، تريد: حر اليوم، ويوم برده، فلا يصح أن يعرف اليوم بشيء مضاف إلى اليوم، وليس هذا [[ساقط من (ي).]] مثل سيد قومه، فتضيفه إلى ما هو مضاف إليه؛ لأن قومه وما أشبه ذلك شيء معروف يقصد إليه، وقولك يوم سروره زيدًا ويوم يسرك إنما هو مضاف إلى فعل، وإنما يقوم الفعل بفاعله، ليس أن الفعل شيء منفصل يقصد إليه في نفسه، و (واحد أمه)، و (عبد بطنه)، مضافان إلى الأم والبطن، وكل واحد منهما ظاهر يقوم بنفسه، وكذلك لا يجوز أن [تضيف الظرف إلى جملة معرف يضمره [[كذا في الأصل، ولعل الصواب (معرفة بضميره) أي معرفة بضمير عائد على الظرف. حتى يستقيم السياق.]] وإن كانت ابتداءً وخبرًا؛ لا يجوز أن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] تقول: (آتيك يومَ ضحوتُه باردة)، ولا (ليلةَ أولها مطير)، فإن نوّنت في هذا وفي الأول حتى يخرج من حد [[في (ي): (وجه).]] الإضافة جاز، فقلت: آتيك يومًا ضحوته باردة، وآتيك يومًا يسرك. وهذا قول أبي عثمان، فإذا لم يجز أن يكون (يوم) في قوله ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ [فاعل يأتي] [[ساقط من (ب).]] ثبت أن في (يأتي) ضمير اليوم المتقدم ذكره في قوله: ﴿لِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾، وتقديره: يوم يأتي هذا اليوم الذي تقدم ذكره ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾، واليوم في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ هو المراد به الحين والبرهة، ليس [[في (في): (بإضافة على).]] وضح النهار. فأما قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون حالاً من الذكر الذي في ﴿يَأْتِ﴾، ونقدر فيه ضميرًا يرجع إلى ذي الحال، وتقديره: يوم يأتي ذلك اليوم غير متكلم فيه نفس، ومن قدَّر هذا التقدير كان أجدر بأن يحذف الياء من ﴿يَأْتِ﴾؛ لأنه كلام مستقل [[في (ب): (مستقبل).]] فيشبه [[ساقط من (ي).]] -من أجل ذلك- الفواصل وإن لم يكن فاصلة، كما أن حذف الياء من قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: 64] لما كان كلامًا تامًّا أشبه الفواصل فحسن الحذف له. الضرب الثاني: أن يكون قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ صفة اليوم المضاف إلى ﴿يَأْتِ﴾؛ لأن اليوم في (يوم يأتي) مضاف إلى الفعل، والفعل نكرة، فإذا كان كذلك لم يمتنع أن يوسف به اليوم، كما يوسف النكرة بالجملة من الفعل والفاعل، والمعنى: لا تكلم فيه نفس، فحذف فيه أو حذف الحرف وأوصل الفعل إلى المفعول به، ثم حذف الضمير من الفعل الذي هو صفته، كما يحذف من الصلة، ومثل ذلك قولهم: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت. وعلى هذا أيضًا لا يمتنع حذف الياء من في ﴿يَأْتِ﴾؛ لأن الصفة قد يستغني عنها الموصوف كما أن الحال كذلك، إلا أن من الصفات ما لا يحسن أن يحذف فيصير لذلك أشبه بغير الكلام التام، فأما إثبات الياء في الوصل والوقف وإسقاطها؛ فمن أثبتها في الوصل فهو القياس البين؛ لأنه لا شيء يوجب حذف الياء إذا وصل، وأما من حذف في الوقف فلأنها -وإن لم تكن فاصلة- أمكن أن تشبه بالفاصلة قياسا عليها؛ لأن هذه الياء تشبه الحركة؛ لأن الجازم يسقطها كما يسقط الحركة، فكما أن الحركة تحذف في الوقف، فكذلك ما أشبهها، ومن وقف بالياء فهو حسن؛ لأنها أكثر من الحركة في الصوت، فلا ينبغي إذا حذفت الحركة للوقف أن تحذف الياء له، كما لا تحذف سائر الحروف، ويدل على أن الياء [[في (ب): (تترك).]] تنزل عندهم منزلة سائر الحروف تقديرُهم الحركة فيها في نحو [[صدر بيت لقيس بن زهير العبسي، وعجزه: == بما لاقت لبون بني زياد قالها في إبل للربيع بن زياد العبسي، استاقها قيس وباعها بمكة؛ لأن الربيع كان قد أخذ منه درعًا ولم يردها عليه. انظر: "شعره" 29، "الكتاب" 2/ 32، "حاشية النوادر" ص 523، "سر صناعة الإعراب" 78، 631، "الإيضاح" للفارسي ص 233، "الإنصاف" ص 22، "الدر المصون" 6/ 397، "الخصائص" 1/ 333، "شرح شواهد الشافية" ص 48، "الحجة" 1/ 93.]]: ألم يأتيك والأنباء [[في (ب): (ألم تأتيك الأنباء).]] تنمي فكأنهم قدروا أنها [[ساقط من (ي).]] كانت متحركة ثم سكنت للجزم كسائر الحروف، وتحريكهم لها في الشعر يدل أيضًا على [[ساقط من (ي).]] أنها عندهم بمنزلة سائر الحروف، وذلك نحو قول الشاعر [[صدر بيت لجرير من قصيدة هجا بها الأخطل، وعجزه: ويومًا ترى منهن غُولًا تَغَوَّلُ ويُروى (ماضيًا) مكان ماض أي من غير ميل منهن إليَّ، وتغول: تتلون. انظر: "الديون" 455، "النوادر" 203، "الحجة" 1/ 325، "الكتاب" 3/ 314، "المقتضب" 1/ 144، "خزانة الأدب" 8/ 358، "الخصائص" 3/ 159، "شرح المفصل" 10/ 101، "اللسان" (غو) 6/ 3318، (مضى) 7/ 4222.]]: فيومًا يوافين الهوى غير ماضِيٍ وأما من حذف في الوصل والوقف، فلأنه جعلها بمنزلة ما استعمل محذوفًا مما لم يكن ينبغي في القياس أن يحذف، نحو ولم يكُ ولا أدر [[نهاية النقل عن "الحجة" 4/ 373 - 378 بتصرف.]]. وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من الأنفس في ذلك اليوم؛ لأن النفس في قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ لم يرد به واحداً، فصار كقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47] وقوله تعالى: (شقي) يقال: شقي [["تهذيب اللغة" (شقو) 2/ 1908، "اللسان" (شقى) 4/ 2304.]]، يشقى، شقاء، وشقاوة، وشِقْوة، وأصل معنى الشقاء في اللغة: الشدة والعسرة يقال: شاقيت فلانا مشاقاة [[في (ب): (مشاقة).]]: إذا عاسرته وعاسرك قال [[الرجز بلا نسبة في اللسان (شقا) 4/ 2304، "تهذيب اللغة" 8/ 1902، "أساس البلاغة" (شقو)، "تاج العروس" (شقي) وبعده: يكاد من ضعف القوى لا ينبعث]]: إذا تشاقى الصابرات لم يرث يعني: جملاً يصابر جمالًا على شدة المشي والتعب، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 56 ب، "زاد المسير" 4/ 158.]]: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾ كتبت عليه الشقاوة، ﴿وَسَعِيدٌ﴾ كتبت عليه السعادة.

هود 11:106

قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِير﴾، قال الليث [["تهذيب اللغة" (زفر) 2/ 1537، (شهق) 2/ 1946.]]: الزفر والزفير أن يملأ الرجل صدره غمًا ثم هو يزفر به، فالزفير إخراج النفس، والشهيق رد النفس. يقال شهق يشهق، وبعضهم يقول: شهوقًا، ونحو هذا روى أبو عبيد [["تهذيب اللغة" (زفر) 2/ 1537 (شهق) 2/ 1946.]] عن أبي زيد، وهو قول جميع أهل اللغة، والإنسان إذا زفر فمد نفسه للإخراج ارتفع صدره وانتفخ جنباه، ومن هذا يقال للفرس: إنه عظيم الزفرة، أي عظيم الجوف. وأنشد للجعدي [[البيت في "ديوانه" 37، "الخصائص" 2/ 168، "اللسان" (هضم) 8/ 4673، "شرح شواهد الشافية" للبغدادي/ 48، "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي/ 165، "تهذيب اللغة" (زفر) 2/ 1538.]]: خِيطَ على زَفْرَةٍ فتمَّ ولم ... يَرْجع إلى دِقةٍ ولا هَضَمِ يقول: كأنه زافر أبدًا من عظم جوفه، فكأنه زفر فخيط على ذلك، وقال ابن السكيت [["تهذيب اللغة" (زفر) 2/ 1538.]] في قول الراعي [[أبو جندل، تقدمت ترجمته. والبيت في "ديوانه" 218، "تهذيب اللغة" (زفر) 2/ 1538، "تاج العروس" (زفر)، و"أساس البلاغة" (زفر)، و"المعاني الكبير" 140، و"اللسان" (زفر) 3/ 1841، وينسب للأعشى في اللسان (حوز) 2/ 1046، و"تاج العروس" (حوز) 8/ 57، وليس في ديوانه. وبلا نسبة في "جمهرة اللغة" 918.]]: حوزيَّة طويت على زفراتها ... طي القناطر قد نَزَلن نُزُولًا يريد كأنها زفرت ثم خَلِقتْ على ذلك. وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 79 بمعناه، و"تهذيب اللغة" (شهق) 2/ 1946.]]: هما من أصوات المكروبين المحزونين، وحكي عن أهل اللغة جميعًا أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوته، ونحو هذا قال المفسرون. قال الضحاك [[الثعلبي 7/ 56 ب، البغوي 4/ 200، "زاد المسير" 4/ 158.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 149 ب، وفيه (زفير: آخر نهيق الحمار، شهيق في الصدر أول نهيق الحمار)، الثعلبي 7/ 56 ب، البغوي 4/ 200، "زاد المسير" 4/ 158.]]: الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخره حين يفرغ من صوته [[في (ف): (والشهيق آخر صوته حين يفرغ).]] إذا ردده في الجوف، وقال أبو العالية [[الطبري 12/ 116، الثعلبي 7/ 56 ب، البغوي 4/ 200، "زاد المسير" 4/ 159، وفي "تهذيب اللغة" (شهق) 2/ 1946 عن الربيع.]]: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، ويبين هذا قول رؤبة [[البيت من قصيدة له يصف فيها حمار الوحش، وفيه (سحيلاً) وليس "صهيلًا"، و"حشرج" ردد الصوت في حلقة ولم يخرجه، و"السحيل" الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه، قاله في "اللسان". انظر: "ديوانه" ص 106، "اللسان" (حشرج) 2/ 884، الطبري 15/ 479، القرطبي 9/ 98، "البحر المحيط" 5/ 251، "الدر المصون" 6/ 390، "تاج العروس" (حشرج) 3/ 326.]]: حَشْرَجَ في الجوفِ صهيلا أو شَهقْ ... حتى [[ساقط من (ب).]] يقالَ ناهقٌ وما نَهَقْ وكلام ابن عباس قريب مما قاله أهل اللغة والمفسرون، فإنه قال [[الطبري 12/ 116، الثعلبي 7/ 56 ب، البغوي 4/ 200، "زاد المسير" 4/ 159.]]: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال في رواية عطاء في قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ يريد: ندامة ونفسا عاليًا [[ساقط من (ب).]] وبكاء لا ينقطع.

هود 11:107

قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، الأكثرون من أهل المعاني والتفسير على أن قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ للتأبيد [[الطبري 12/ 117، البغوي 4/ 200، "زاد المسير" 4/ 159، ابن عطية 7/ 401، القرطبي 9/ 99.]] والمراد به خالدين فيها أبدًا. قال الضحاك [[الثعلبي 7/ 56 ب، البغوي 4/ 200، القرطبي 9/ 99.]]: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما، وكل ما علاك وأظلك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك وثبت فهو أرض. وقال الحسن [[الثعلبي 7/ 56 ب. وأخرج ابن أبي حاتم 6/ 2086، وأبو الشيخ عن الحسن قال: "تبدل سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السموات وتلك الأرض" "الدر" 3/ 634.]] أراد: ما دامت الآخرة كدوام السماء والأرض في الدنيا. وقال ابن قتيبه [["مشكل القرآن وغريبه" 1/ 213.]]: للعرب في معنى الأبد ألفاظ يستعملونها في كلامهم، يقولون: لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل، وما دامت السماء والأرض، في أشباه كثيرة لهذا، يريدون: لا أفعله أبدًا، فخاطبهم الله بما يستعملون. وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 159.]]: إن الله تعالى خاطب العرب على ما تعقل، ومن ألفاظهم في التأبيد أن يقولوا: لا أفعل ذلك ما دامت السموات والأرض، وما أن السماء سماء، وما بلَّ بحر صوفة [["البيان والتبيين" 3/ 7.]]، وما ناحت الحمام وتغنت، وما أطت الإبل، وما اجترت الناب [[في (ب): (النار).]]، وما لألأت الفور [[في الثعلبي 7/ 57 أ "وما لألأت العُفْر بأذنابها". ويقال "ما لألأت الفوز بأذنابها" أي لا أفعل ذلك ما حركت الظباء أذنابها. انظر: "جمهرة الأمثال" 2/ 281، "اللسان" (لأ لأ، فور)، "سمط اللآلئ" ص 5، وفيه (ما لألأت العفر).]] فلما كانوا يستعملون هذه الألفاظ ظنًّا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير، خاطبهم الله على سبيل ذلك فقال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ عندكم وليست عندنا دائمة، كما قال -يعني أبا جهل-: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] أي عند نفسك، فأما عندنا فلا. فعلى هذا القول معنى الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾؛ قال الفراء: [["معاني القرآن" 2/ 28.]] هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزيمتك على ضربه، فكذلك قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، ولا يشاؤه. هذا كلامه وزاده أبو بكر بيانا فقال: يجوز أن يكون الاستثناء ذكره الله تعالى وهو لا يريد أن ينقصهم من الخلود شيئًا، كما يقول الرجل لغلامه: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وهو لا ينوي إلا ضربه، فمعنى الاستثناء منه أني لو شئت أني لا أضربك لقدرت، غير أني مجمع على ضربك، وكذلك معنى الآية خالدين فيها أبدًا إلا أن يشاء ربك، وهو لا يشاء إلا تخليدهم، فوقع الاستثناء على معنى لو شاء أن لا يخلدهم لقدر، والدليل على أن الاستثناء هاهنا لا يعود إلى [[في (ي): (على).]] نقص الخلود أن الله تعالى بين في مواضع من كتابه أنه يخلد الكافرين في النار، والمؤمنين في الجنة، فإذا ذكر في هذه الآية الاستثناء، كان ذلك استثناء لا يكون ولا يوجد، فجرى مجرى قول العرب: والله لأهجرنك أبدًا [[ساقط من (ب).]] إلا أن يشيب الغراب [[هذا المثل يضرب في الاستحالة، انظر: "المستقصى" 2/ 59، "فصل المقال" 474، 482، "تمثال الأمثال" 422.]]، وهذا الاستثناء لا يفيد نقص شيء من التأبيد؛ لأن الغراب لا يشيب، كذلك الله تعالى [لا يريد أن ينقصهم من الخلود شيئًا بعد أن أخبر به. وهذا القول ذكره أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 79.]] في أحد قولي أهل اللغة، وحكى قولا آخر، قال بعضهم]: [[ما بين المعقوفين مطموس في (ب).]] الاستثناء وقع من الخلود بمقدار موقفهم للحساب، المعنى: خالدين فيها أبدًا إلا مقدار موقفهم للحساب. وقال ابن كيسان: الاستثناء وقع بمقدار تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار، واختاره ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" (1/ 214، "تأويل مشكل القرآن" / 76.]] فقال: خالدين في النار إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك. وقيل: الاستثناء يعود إلى حبس الفريقين في البرزخ، وهذه الأقوال قريبة من السواء؛ لأنه يمكنك الجمع بينها فتقول: خالدين فيها أبدًا إلا مقدار مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب، ثم يصيرون إلى النار أبدًا أو إلى الجنة أبدًا. وقال جماعة [[ذكره الطبري 12/ 120 عن قتادة وأبي سنان، والضحاك، وخالد بن معدان. الثعلبي 7/ 57 أ، البغوي 4/ 250، "زاد المسير" 4/ 160 وعزاه لابن عباس والضحاك.]] من المفسرين: هذا الاستثناء يعود إلى إخراج أهل التوحيد [من النار] [[ساقط من (ي).]] وقدر مدة إدخال مذنبي المسلمين النار، وكأنه قال: خالدين في النار أبدًا إلا ما شاء ربك من [إخراج المذنبين إلى الجنة، وخالدين في الجنة أبدًا إلا ما شاء ربك من] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] إدخال المذنبين النار مدة من المدد ثم يصيرون إلى الجنة، وهذا معنى قول ابن عباس [[الثعلبي 7/ 57 أ، وأخرجه ابن أبي حاتم 6/ 2086، وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس كما في "الدر" 6/ 634، "زاد المسير" 4/ 160.]]، وعلى هذا الاستثناء وقع من الخلود، ولهذا قال: ﴿مَا شَاءَ﴾ ولم يقل من شاء؛ لأن المذنبين من المؤمنين لا يكونون أشقياء، والأشقياء هم الكافرون. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 80.]]: ويجوز أن يكون الاستثناء من الزفير والشهيق على أن لهم فيها زفيرًا وشهيقًا إلا ما شاء ربك [من أنواع العذاب الذي لم يذكر، وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذكر ولهم ما لم يذكر ما شاء ربك] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. هذا كله إذا قلنا إن المراد بقوله ما دامت السموات والأرض التأبيد، [فإذا قلنا ليس المراد به التأبيد، وهو قول ابن عباس؛ لأنه قال في قوله ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: من ابتداء كونهما إلى وقت فنائهما [["تنوير المقباس" ص 145، والثعلبي 7/ 56 ب.]]، وهذا لا يدل على التأبيد، لكنه يتبين بما قد حصل طول مدته وتصورت حالة مشاهدته، فكأنه قال: خالدين فيها مدة العالم، وسَهُلَ أمر الاستثناء لأن للسموات والأرضِ وقتا تتغيران فيه عن هيئتهما، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: 48]، فأراد أنهم خالدون فيها مدة العالم، إلا ما شاء ربك من الزيادة المضاعفة لا إلى نهاية، و (إلا) هاهنا تكون بمعنى سوى أو (الواو) كما تقول في الكلام: لك عندي ألف إلا ألفين؛ أي سوى الألفين الذين لك عندي، والمعنى على هذا: خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض سوى ما شاء ربك أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم، وهذا أحد قولي الفراء [["معاني القرآن" 2/ 28.]]، واحد قولي أهل اللغة فيما حكاه الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 79.]]، وذكرنا في مواضع من هذا الكتاب كون (إلا) بمعنى الواو وبمعنى سوى [[ذهب الكوفيون وعلى رأسهم الفراء وثعلب -كما ذكر أبو حيان- ومن تبعهم كأبي عبيدة والأخفش والهروي وابن فارس والجرجاني وبعض أصحاب المعاجم كالجوهري وابن منظور والفيروزآبادي إلى أن (إلا) تأتي بمعنى الواو العاطفة، واحتجوا بكثرة مجيئه في كتاب الله وكلام العرب. وذهب البصريون ومن تبعهم كالطبري ومكي القيسي وأبي البركات الأنباري وابن مالك والمالقي والمرادي وابن عقيل وابن القيم إلى أن (إلا) لا تأتي بمعنى الواو، وعللوا صحة ما ذهبوا إليه بأمرين: أحدهما: أن الأصل أن ينفرد كل حرف بمعنى، ولا يقع حرف بمعنيين؛ لما في ذلك من الاشتراك الملبس، وما صح منه عن العرب يقتصر عليه، ولا يقاس. الثاني: أن (إلا) للاستثناء، وهو إخراج الثاني من حكم الأول، والواو للجميع، وهو يقتضي إدخال الثاني في حكم الأول، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر؛ لأن المعنيين متباينان. وأجابوا عما احتج به الكوفيون من الآيات والأبيات بأنها جميعًا محمولة على الاستثناء المنقطع. == ورجح أبو حيان مذهب البصريين، قال: وإثبات (إلا) بمعنى الواو لا يقوم عليه دليل والاستثناء سائغ فيما ادُّعي فيه أن (إلا) بمعنى (الواو). راجع: "الإنصاف" 1/ 266 - 272، "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 219، "معاني القرآن" للفراء 1/ 89 - 90، 2/ 287 - 288، "مجاز القرآن" 1/ 60، "البحر المحيط" 1/ 442، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 152، "التبيين" 403، "الصحاح" (إلا) 6/ 2545، "لسان العرب" (إلا) 1/ 104، "القاموس المحيط" (إلا) 962، "معاني الحروف" / 128، "سر صناعة الإعراب" 1/ 303، "بدائع الفوائد" 3/ 70 - 71.]]. قال النحويون: إذا استثنينا [[في (ي): (استثنى).]] زائدًا من ناقص لحق بالأول، كما لو قال: لك عندي ألف إلا الألفين، فقد أقر بثلاثة الآلاف لأنه استثنى زائدًا من ناقص، ومعنى (إلا) هاهنا كمعنى الواو، وكذلك في الآية، الذي يشاؤه [[في (ب): (يشاء).]] الله من الخلود أكثر من مدة كون السموات والأرض، وكأن المعنى ما دامت السموات والأرض وما شاء ربك مما يريد إلى ما لا يتناهى [[قال القرافي -بعد أن ذكر الأقوال الذي الاستثناء في هذه الآية-: وهذه كلها أقوال لا حاجة إليها ولا ضرورة، بل الاستثناء صحيح على بابه لمقتضى ظاهر اللفظ، وأنه ما تقدم من الدوام قبل الدخول هذا كله إذا قلنا سموات الدنيا وأرضها، وإن قلنا سموات الجنة وأرضها وسماء النار وأرضها فهي تدوم لا إشكاك في الدوام. أ. هـ "الاستغناء في معنى الاستثناء" /420.]]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد من إخراج أهل التوحيد من النار.

هود 11:108

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾، يقال [["تهذيب اللغة" (سعد) 2/ 1690، اللسان (سعد) 4/ 2012.]] سَعِدَ فلان يَسْعَدُ سعادة وسَعْدًا فهو سعيد نقيض شقي، وقرأ أهل الكوفة ﴿سُعِدُوا﴾ بضم السين [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (سَعِدوا) بفتح السين وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم (سُعِدوا) بضم السين، "السبعة" 339 "الكشف" 1/ 536 "إتحاف" ص 260، الطبري 12/ 119.]]. وسيبويه والمحققون من أهل اللغة على أن كلام العرب (أسعده الله) وأنه لا يبني في الثلاثة من هذا للمفعول به، فلا يقال (سُعِدَ) كما لا يقال (شُقِي)؛ لأن السعادة مصدر لا يتعدي فعله، وقالوا في هذه القراءة: إنها لغة خارجة عن القياس، أو تكون من باب (فَعَلَ وفَعَلْتُه)، نحو: غاض الماء وغِضْتُه، وحَزَن وحَزَنْته، كذلك يقال سَعَد وسَعَدْتُه، فإن احتج صاحب هذه القراءة بقولهم (مسعود) وهو على (سعد)، فلا دلالة قاطعة في هذا؛ لأنه يجوز أن يكون مثل (أجنه الله فهو مجنون)، و (أحبه الله فهو محبوب)، جاء المفعول في نحو هذا على حذف الزيادة، كما جاء الفاعل بحذف الزيادة من نحو: [يكشف عن] [[ساقط من (ي).]] جمَّاته دلو الدالْ [[من رجز ينسب للعجاج وبعده: عباءة غبراء من أجن طال انظر: "ديوانه" 321/ 2 الملحقات، "اللسان" (دلا) 3/ 1417، "أدب الكاتب" / 612، "تاج العروس" 7/ 193 (غثر)، "تهذيب اللغة" 2/ 1213.]] وإنما هو المدلي، وكذلك قوله [[القائل العجاج وقبله: عصرًا وخُضْنا عيشَهُ المعُدْلَجا والمعنى: من أقام بهذا المهمه فقد هلك: "ديوانه": 2/ 43، "الخصائص" 2/ 210، "المحتسب" 1/ 92 "المخصص" 6/ 127 "المقتضب" 4/ 180.]]: ومَهْمَهِ هالك من تعرجا في أحد القولين، والقول الآخر: أن تميمًا تقول: هلكني زيد، ومن الحذف قوله [[من أرجوزة لرؤبة يمدح فيها بلال بن أبي بردة، وبعده: نضو قداح النايل النواضي انظر: "ديوانه" 82، "المقتضب" 4/ 179، "المحتسب" 2/ 242، "اللسان" (غضا).]]: يخرجن من أجواز ليل غاض يريد: مُغْض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:22] وهي تلقح الشجر فإذا لقحتها وجب أن يكون الجمع: ملاقح: فجاء على حذف الزيادة، [وكذلك (مسعود) يجوز أن يكون على حذف الزيادة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، ثم يمكن أن يقال: ﴿سُعِدُوا﴾ أيضًا من أسعده الله، وقد جاء على حذف الزيادة كما ذكرنا في مسعود، هذا كلام المحققين من أهل اللغة [[ما سبق نقله بتصرف عن أبي علي الفارسي في كتابه "الحجة" 4/ 378 - 380.]]، والمتأخرون أجازوا: سعده الله وأسعده، فقد ذكر الزجاج [[باب الوفاق هو من كتاب "فعلت وأفعلت" للزجاج، وهو مرتب على الحروف فيذكر ما ورد على صيغة (فعلت وأفعلت) في كل حرف ويقسمه إلى قسمين: الوفاق: وهو ما اتفق في المعنى، والخلاف: ما اختلف في المعنى. انظر: الإحالة هنا في كتاب "فعلت وأفعلت" ص 21.]] في باب الوفاق: سَعَدَ الله جَدَّه، فهو مسعود، وأسعد جده فهو مُسْعَد، وذكر الفارابي: السعد معنى [[كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (بمعنى) بالباء.]] الإسعاد في باب فَعَلَ يَفْعَل [[في (ي): (معنى الإسعاد في باب الفعل فعل يفعل). وينظر: "ديوان الأدب" للفارابي 2/ 201.]]، وأجاز الأزهري [["تهذيب اللغة" (سعد) 2/ 1690.]] أيضًا: سعد وأسعد، ولعل هؤلاء ذهبوا في هذا الذي أجازوه إلى هذه القراءة، وقال الفراء [["الدر المصون" 4/ 131.]]: كلام العرب سعد الرجل وأسعده الله، إلا هذيلًا فإنهم يقولون: سُعد الرجل بالضم، وبذلك قرأ أصحاب [["البحر" 5/ 264، وهي قراءة حمزة والكسائي وحفص، وابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش.]] عبد الله، وقال الكسائي [["البحر" 5/ 264، "الدر المصون" 4/ 131.]]: سُعدوا وأسعدوا لغتان. وقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، انتصب (عطاء) على المصدر بما دل عليه الأول، كأنه قيل: إعطاهم النعيم عطاءً غير مجذوذ، ويكون العطاء اسما أقيم مقام المصدر، كقول القطامي [[القطامي وصدره: أكفرًا بعد رد الموت عني انظر: "ديوانه" / 37، "الخزانة" 1/ 391 "شرح الشواهد" للعيني 3/ 505، "اللسان" (عطا) 5/ 3001، السيوطي / 287، "الدرر" 1/ 161، 2/ 127، "تذكرة النحاة" ص 456، "معاهد التنصيص" 1/ 179، "المقاصد النحوية" 3/ 505.]]: وبعد عطائك المائة الرتاعا والمجذوذ: المقطوع في قول المفسرين [[رواه الطبري 15/ 490 عن الضحاك وقتادة وابن عباس ومجاهد وأبي العالية وابن زيد، وانظر: الثعلبي 7/ 58 أ، البغوي 4/ 201، "زاد المسير" 4/ 162، القرطبي 9/ 103 ابن كثير 2/ 504.]] كلهم، يقال: جذه يجذه جذًّا، وجذ الله دابرهم. وقال النابغة [[النابغة الذبياني من قصيدته المشهورة في مدح عمرو بن الحارث الأعرج يقول في وصف سيوف الغسانين، و (السلوقي) الدروع منسوبة إلى سلوق مدينة باليمن،== "الصفاح": الحجارة العراض، "الحباحب" الشرر الذي يسقط من الزناد، وانظر: "ديوانه" ص 32 "أمالي ابن الشجري" 2/ 269، "اللسان" (سلق)، "تهذيب اللغة" 2/ 1737، الطبري 15/ 489، الزجاج 3/ 80 والقرطبي 9/ 103.]]: تَخُذّ السَّلُوقيَّ المضاعف نَسجُهُ ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب والآية تدل على أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع أبدًا.

هود 11:109

قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾: و ﴿لَا تَكُ﴾ أصلها: لا تكن، وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 222.]] في قوله ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [[النحل: 120.]]: ذكر الجلة من البصريين أنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال، ومع ذلك أشبهت النون حروف اللين بأنها تكون علامة كما تكون حروف اللين علامة، وأنها غنة تخرج من الأنف فلذلك احتملت الحذف. وقال أبو الفتح الموصلي [["سر صناعة الإعراب" 2/ 238 باختصار.]]: أشبه الحروف الصحيحة بحروف المد: النون؛ لأنها ضارعت بالمخرج والزيادة والغنة والسكون في (لا تكن) حروفَ المد، فحذفت كما يحذفن إذا وقعن طرفًا. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ يعني المشركين، قال أبو بكر الأنباري: قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ ليس على ظاهره؛ لأنه لا حجة ولا طعن عليهم بمعرفة أعيان معبوداتهم، ولكنه من باب حذف المضاف، تلخيصه: ولا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع. وقوله تعالى: ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي إلا كعبادة آبائهم من قبل، ﴿مَا﴾ [[ساقط من (ي).]] مع الفعل بمنزلة المصدر؛ يريد: أنهم على طريق [[في (ي): (تقدير).]] التقليد يعبدون الأوثان كعبادة آبائهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، أي من العذاب في قول ابن عباس [[هذا القول مروي عن ابن زيد كما في الطبري 12/ 123، والمروي عن ابن عباس هو "ما وعدوا فيه من خير أو شر" كما في الطبري 12/ 122، "زاد المسير" 4/ 162.]] وغيره.

هود 11:110

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 58 ب، البغوي 4/ 202، "زاد المسير" 4/ 162، ابن عطية 7/ 407.]]: يعزّي النبي ﷺ، يعني أن هذا تسلية للنبي ﷺ بالحال التي تعم من التكذيب، أي إنْ كذبوا بالكتاب الذي [آتيناك، فقد كذب من قبلهم بالكتاب الذي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] آتينا موسى. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 162، الطبري 12/ 232 من غير نسبة.]]: يريد أني أخرت أمتك إلى الموت أو إلى يوم [[ساقط من (ي).]] القيامة، ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك، قال ابن الأنباري [[الرازي 18/ 69.]]: أعلم الله أنه لولا ما تقدم من حكمه بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، لكان الذي يستحقونه عند عظيم كفرهم إنزال عاجل العذاب بهم، لكن المتقدم من قضائه أخر ذلك عنهم في دنياهم، فابن عباس والكلبي [["تنوير المقباس" ص 145.]] وأكثر أهل التفسير على أن هذا في كفار مكة، وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 149 ب.]]: يُعني بهذا قوم من أصحاب موسى، والظاهر هو الأول؛ لأن الذين كذبوا بالتوراة أهلكوا في الدنيا عاجلًا، ولم تؤخر عقوبتهم إلى الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ يعني من القرآن، وفي قول مقاتل [[ساقط من (ي).]]: من كتاب موسى، ﴿مُرِيبٍ﴾ هو موقع للريبة.

هود 11:111

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية، اختلف القراء [[قرأ ابن كثير ونافع بالتخفيف فيهما، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر تخفيف النون وتشديد الميم، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد النون، واختلفا في الميم فشددها حمزة وخففها الكسائي. وقرأ أبو عمرو مثل قراءة الكسائي، وقرأ ابن عامر مثل قراءة حمزة، وقرأ ابن عامر مثل قراءة حمزة، وقرأ حفص عن عاصم بالشديد فيهما مثل حمزة وابن عامر. انظر: "السبعة" 339، الطبري 12/ 232 - 124 ، "إتحاف" ص 260، "الكشف" 1/ 536.]] في تشديد ﴿إِنَّ﴾ و ﴿لمَّا﴾ وتخفيفهما؛ فقرأ أبو عمرو والكسائي: ﴿وَإِنَّ﴾ مشددة النون ﴿لمَا﴾ خفيفة، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 81.]]: تخفيف ﴿لمَا﴾ هو الوجه والقياس، ولام ﴿لمَا﴾ لام ﴿إِنَّ﴾ و (ما) زائدة مؤكدة لم تغير المعنى ولا العمل. وقال أبو علي [["الحجة" 4/ 381 - 386 بتصرف واخصار.]]: هذه القراءة وجهها بين، ومثاله من الكلام (إن زيدًا [لما لينطلقن)]، [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]]، فاللام في (لما) هي اللام التي تقتضيه (إنَّ)، و (إنَّ) تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[ساقط من (ي).]] [النحل: 18]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الحجر: 77]، واللام الأخرى هي التي لتلقّي القسم، نحو: (والله لتفعلن)، ودخلت (ما) لتفصل بين اللامين؛ لأنه إذا كره أن تجتمع "اللام" و"أن" مع اختلاف لفظيهما لاتفاقهما في معنى التأكيد ففصل بينهما فأنْ يفصل بين اللامين مع اتفاق اللفظين أجدر، فقوله ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾، نصب ﴿كُلًّا﴾ بـ (أن) ودخلت اللام -وهي لام الابتداء- على خبر "إن" وهو قوله ﴿لمَّا﴾، وقد دخلت في الخبر لام أخرى وهي التي يتلقى [[ساقط من (ي).]] بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل ويلزمها في أكثر [[ساقط من (ب).]] الأمر أحد النونين، فلما اجتمعت اللامان فصل بينهما بـ (ما) كما فصل بين "أن" و"اللام"، فدخلت (ما) لهذا المعنى -وإن كانت زائدة- لتفصل. وقال الفراء [["معانى القرآن" 2/ 28.]] في وجه هذه القراءة: جعل (ما) اسما للناس؛ كما قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] ثم جعل اللام التي فيها جوابًا لـ (إنَّ)، وجعل اللام التي في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لامًا دخلت على نية يمين فيما بين "ما" وصلتها، كما تقول: (هذا مَنْ لَيَذْهَبَنَّ)، و (عندي ما لَغَيْرُهُ خيرٌ منه)، ومثله ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72]، وهذا القول كالأول إلا أنه أجاز أن تكون "ما" هاهنا اسمًا بمعنى "مَنْ"، وعند الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 81.]] والبصريين (ما) صلة زائدة كما ذكرنا، وقرأ ابن كثير ونافع ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ مخففتين. ووجه هذه القراءة ما ذكره سيبويه [["الحجة" 4/ 386.]]، وهو أنه قال: حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: (إنْ عمروًا [[في (أ)، (ب): (إن عمرًا).]] لمنطلق)، قال: وأهل المدينة يقرؤون ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ يخففون وينصبون. قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (إن) 1/ 223، وفيه "وقال أبو طالب النحوي، فيما روى عنه المنذري، قال: أهل البصرة غير سيبويه وذويه يقولون: إن العرب تخفف (إن) الشديدة وتعملها .. " والصحيح ما أثبته كما في "الكتاب" 1/ 283.]]: أخبرني المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: أهل البصرة أعني به سيبويه وذويه يقولون العرب تخفف (أنّ) الشديدة وتعملها وأنشدوا [[في رواية (ووجه مشرق النحر) وهو من شواهد سيبويه التي لم تنسب، والنقل مع الشاهد في "الكتاب" 2/ 135، وانظر: "الخزانة" 4/ 358، ابن الشجري 1/ 362، الطبري 12/ 125، "تهذيب اللغة" (إن) 1/ 223، "الإنصاف" ص 166، "أوضح المسالك" 1/ 378، "تلخيص الشواهد" ص 389، "شرح المفصل" 8/ 82، "اللسان" (أنن) 1/ 19، "المقاصد النحوية" 2/ 305.]]: ووجه حسن النحر ... كأنْ ثدييه حقان أراد (كأنّ) فخفف وأعمل، قال أبو علي [["الحجة" 4/ 386.]]: ووجه النصب بها مع التخفيف من القياس أن (أنَّ) مشبهة في نصبها بالفعل، والفعل يعمل محذوفًا كما يعمل غير محذوف [[في (ي): (كما يعمل في غير محذوف).]]، وذلك في نحو: (لم يك زيد منطلقًا)، وكذلك (لا أدر). قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 29.]]: لم نسمع العرب تخفف (أنَّ) وتعملها إلا مع المكني؛ لأنه لا يتبين فيه إعراب، نحو قوله [[البيت لم أعثر على قائله وهو في "الإنصاف" 169، "شرح المفصل" لابن يعيش 8/ 71، 73 "خزانة الأدب" 2/ 465، 4/ 452، "شرح الشواهد" للسيوطي ص 31، "همع الهوامع" 2/ 187، "الدر" 1/ 120، "الإنصاف" 1/ 205، "الجنى الداني" / 218، "شرح ابن عقيل" 1/ 384، "اللسان" (حرر) 2/ 830، "المقاصد النحوية" 1/ 311.]]: فلو أنْكِ في يوم الرخاء سألتني ... فراقكِ لم أبخل وأنتِ صديق فأما مع الظاهر فلا، لكن إذا خففوها رفعوا، قال: ومن قرأ ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ فإنهم نصبوا (كلًا) بـ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ كأنه قال: وإن ليوفينهم كلا. قال: وهذا وجه لا أشتهيه؛ لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعدها [[ساقط من (ب).]] على شيء قبله، وقرأ حمزة وابن عامر وحفص ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ مشددتان. والكلام في تخفيف "إنَّ" وتشديدها قد ذكرناه، وبقي الكلام في تشديد ﴿لَمَّا﴾ هاهنا. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 81.]]: زعم بعض النحويين أن معناه (لمن ما) ثم قلبت النون ميمًا، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت إحداها وهي الوسطى فبقيت (لمّا). قال: وهذا القول ليس بشيء؛ لأن (من) لا يجوز حذفها لأنها اسم على حرفين، ولكن التشديد فيه قولان: أحدهما يروى عن المازني [["تهذيب اللغة" (لم) 4/ 3295.]] زعم أن أصلها "لَمَا" ثم شددت الميم. قال: وهذا القول ليس بشيء أيضًا [[في (جـ)، (ي): (أصلا).]]؛ لأن الحروف نحو: (ربّ) وما أشبهها تُخفف، ولسنا نثقل ما كان على حرفين. قال: وقال بعضهم قولا [[ساقط من (ي).]] لا يجوز غيره والله أعلم، أن (لما) في معنى (إلا) كما تقول: سألتك لما فعلت وإلا فعلت، ومثله ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4] معناها إلا عليها. وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 29.]]: أما من شدد (لما) فإنه والله أعلم أراد لمن [[في (ي): لما.]] ما ليوفينهم، فلما اجتمعت ثلاث ميمات حذفت واحدة فبقيت ثنتان فأدغمت في صاحبتها كما قال [[لم أهتد إلى قائله، وانظر: "معاني القرآن" 2/ 29، الطبري 12/ 123 - 124 القرطبي 9/ 105، "الدر المصون" 6/ 403.]]: واني لمما [[في (ب): (فلما).]] أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره قال: وربما تحذف بعض الحروف إذا اجتمعت كما أنشد الكسائي [[لم أهتد إلى قائله. وانظر: "معاني القرآن" 2/ 29، الطبري 12/ 124، "الدر المصون" 6/ 403.]]: وأشمتَّ العداة بنا فأضحوا ... لَدَيَّ تباشرون بما لقينا معناه لَدَيَّ يتباشرون فحذف لاجتماع الياءات، ومثله [[لم أهتد إلى قائله. وانظر: "معاني القرآن" 2/ 29، "اللسان" (قدم) 6/ 3554، الطبري 15/ 495، "الدر المصون" 6/ 404.]]: كأن من آخرها إلقادمِ ... مَخْرِمَ نجدِ فارع المخارمِ أراد (إلى القادم)، فحذف اللام عند اللام، قال: وأما من جعل (لما) بمنزلة (إلا) فإنه وجه لا نعرفه، وقد قالت العرب: بالله لما قمت عنا، وإلا قمت عنا وأما (لما) بمعنى (إلا) في الاستثناء فلم يقولوه في شعر ولا غيره؛ لا يجوز: ذهب الناس لما زيد بمعنى [[في (ب): (المعنى).]] إلا، هذا كلامه، ومعنى (ما) في قوله "لمن ما" معنى (من)، وقد أنكر ما أجازه الزجاج. قال أبو علي [["الحجة" 4/ 387.]]: من قرأ ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ بالتشديد [فيهما [[ساقط من (ي).]] فقراءته مشكلة، وكذلك قراءة أبي بكر عن عاصم: ﴿وإن كُلا﴾ بالتخفيف، ﴿لمَّا﴾ بالتشديد] [[و (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] وذلك أن ﴿إِنَّ﴾ إذا نصب بها وإن كانت مخففة كانت بمنزلتها مثقلة، و ﴿لمَّا﴾ إذا شددت كانت بمنزلة إلا، فكما لا يحسن [(إن زيدًا إلا منطلق) كذلك لا يحسن] (¬7) تثقيل ﴿إِنَّ﴾ وتثقيل ﴿لَمَّا﴾، فأما مجيء ﴿لَمَّا﴾ هو في قولك: نشدتك الله لما فعلمت وإلا فعلت؛ فقال الخليل: الوجه لتفعلن كما تقول أقسمت عليك لتفعلن، وأما دخول إلا ولما فلأن المعنى الطلب، فكأنه أراد ما أسألك إلا فعل كذا فلم يذكر حرف النفي في اللفظ وإن كان مرادًا [كما كان مرادًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] في قولهم [[مثل عربي، انظر: "الإيضاح في علوم البلاغة" للخطيب القزويني 2/ 48، "المستقصى في أمثال العرب" للزمخشري 2/ 130.]] شرٌّ ما أَهَرَّ ذا ناب، أي ما أهره إلا شرٌ، وليس في الآية معنى نفي ولا طلب، وهذا إنما كان يحسن ﴿إِنَّ﴾ لو خففت فخفف ﴿إِنَّ﴾ ورفع ﴿كُلًّا﴾ بعدها ثم ثقل ﴿لَمَّا﴾، فكان يجوز تثقيل ﴿لَمَّا﴾ على أن يكون المعنى: ما كل إلا ليوفينهم، فيكون ذلك كقوله ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 35] فأما تثقل ﴿لمَّا﴾ مع النصب في (كل) فلا وجه له. وهذا كله في إبطال ما أجازه الزجاج في تشديد ﴿لمَّا﴾؛ قال [[أي: أبو علي؛ انظر: "الحجة" 4/ 387، بتصرف.]]: وأما قول الفراء: المعنى (لمن ما) فادعم النون في الميم بعد ما قلبها ميمًا ثم حذفت إحدى [[ساقط من (ب).]] الميمات، فإن ذلك لا يسوغ، ألا ترى أن في هذه السورة مميات أكثر مما اجتمعن في (لمن ما) ولم يحذف منها شيء، وذلك في قوله ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: 48] فإذا لم يحذف شيء من هذا فلأن لا تحذف ثَمَّ أجدر، وقد قرئ ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ بالتنوين، والمعنى [[في (ب). (ومعنى).]] أن كلا جميعًا ليوفينهم، ومعنى اللم: الجمع فوصف بالمصدر كقوله ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19]. فإن قال قائل: إن (لما) فيمن ثقل أنها هي ﴿لمًّا﴾ هذه ووقف عليها بالألف تم أجري الوصل مجرى الوقف فذلك مما يجوز في الشعر. قال الكسائي [["مشكل إعراب القرآن" ص 416.]]: من شدد ﴿إِنَّ﴾ وشدد ﴿لمَّا﴾ فالله أعلم بذلك ليس لي به علم، ولا من خفف "إنّ" ثم نصب (كلاّ) أيضًا وشدد "لمّا" فلست أدري أيضًا، قال أبو علي: ولم يبعد الكسائي فيما قال [[انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 387 - 388، بتصرف.]]. وقوله تعالى ﴿رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 126، البغوي 4/ 203، "زاد المسير" 4/ 164، القرطبي 9/ 104 من غير نسبة.]]: يريد جزاء بما عملوا، وعلى هذا هو من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، خبير قال: يريد بطاعة أوليائه وخبير بمعصية أعدائه.

هود 11:112

قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، الاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة، وذلك خلاف الأخذ في جهات اليمين والشمال، قال المفسرون [[الطبري 12/ 126، الثعلبي 7/ 59 أ، البغوي 4/ 203.]]: معناه فاستقم على العمل بأمر ربك والدعاء إليه في ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ في القرآن. وقال ابن عباس [[قلت: بل المروي عن ابن عباس خلاف هذا حيث قال: ما نزلت على رسول الله ﷺ آية هي أشد عليه من هذه الآية، ولذلك قال: "شيبتني هود وأخواتها" البغوي 2/ 404، القرطبي 9/ 107. قال في "كشف الخفاء" 2/ 20، رواه ابن مردويه في "تفسيره".وانظر: "المقاصد الحسنة" للسخاوي 255، 256، والترمذي (3297) == كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الواقعة، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى بعد: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾.]]، والسدي [[الثعلبي 7/ 59 أ، القرطبي 9/ 107.]]: الخطاب له والمراد منه أمته. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ (مَنْ) في محل الرفع من وجوه؛ أحدها: أن تكون عطفا على الضمير في ﴿فَاسْتَقِمْ﴾، أي فاستقم أنت وهم، والثاني: أن تكون عطفا على الضمير في ﴿أُمِرْتَ﴾، والثالث: أن تكون ابتداء على تقدير ومن تاب معك فليستقم، ومعنى ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 164.]]: يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، معنى الطغيان تجاوز المقدار، قال ابن عباس [[الرازي 18/ 71.]]: يريد تواضعوا لله ولا تَجَبَّروا على أحد. وقال الكلبي [["زاد المسير" 4/ 164 ونسبه إلى ابن عباس.]]: ولا تطغوا في القرآن فتحلوا أو تحرموا ما لم يأمركم به الله، وقيل [[أخرجه الطبري 12/ 126 عن ابن زيد، وابن أبي حاتم 6/ 2089، وانظر. "الدر" 3/ 636، و"زاد المسير" 4/ 164، والثعلبي 7/ 59 أ.]]: لا تجاوزوا أمري ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، قال ابن عباس: لا تخفى عليه أعمال بني آدم، علم قبل أن يعملوا ما هم عاملون.

هود 11:113

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾، يقال: ركِن يركَن ركونا، ومعنى الركون السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة، ونقيضه النفور عنه، ولغة أخرى ركَن يركُن. قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (ركن) 2/ 1463.]]: وليست بفصيحة، وكان أبو عمرو أجاز ركَن يركَن بفتح [الكاف من الماضي والغابر، وهو خلاف ما عليه الأبنية في السالم. وقال الكسائي [["البحر" 5/ 269، "الدر المصون" 4/ 144.]]: قريش تقول: ركِن يركَن وأهل نجد يقولون: ركَن يركُن؛ ومنه قراءة [[قراءة "تركُنوا"، بضم الكاف، قرأ بها عبد الوارث عن أبي عمرو، وهي قراءة قتادة وطلحة بن مصرِّف. انظر: "زاد المسير" 4/ 165، القرطبي 9/ 108 وطلحة بن مصرف هو: طلحة بن مصرف بن عمرو الهمداني ثقة حجة، أحد القراء الكبار، وأقرأ أهل زمانه، أدرك أنسًا ولم يسمع منه. توفي 12 اهـ. انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 473، "تهذيب التهذيب" 2/ 243، "غاية النهاية" 1/ 343.]] طلحة بن مصرف ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ بضم الكاف. قال ابن عباس [[رواه الطبري بمعناه عن بعض المفسرين 12/ 172، الثعلبي 4/ 103، البغوي 2/ 404، "زاد المسير" 4/ 165.]] في قوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال: لا تميلوا؛ يريد في المحبة ولين الكلام والمودة. وقال السدي وابن زيد [[روى عنهما الثعلبي 7/ 59 ب، "زاد المسير" 4/ 165، وانظر: البغوي 2/ 304 عن السدي، والطبري 12/ 127 عن ابن زيد، وكذا القرطبي 9/ 108.]]: لا تداهنوا الظلمة. وقال أبو العالية [[الطبري 12/ 127، الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 2/ 204، "زاد المسير" 4/ 165، القرطبي 9/ 108.]]: لا ترضوا بأعمالهم] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (ب)]]. وقال قتادة [[الطبري 12/ 127، قال: لا تلحقوا بالشرك، الثعلبي 7/ 59 ب، "زاد المسير" 4/ 165.]]: لا تلحقوا بالمشركين. وقوله تعالى: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، قال ابن عباس: هو أدب للمؤمنين ليس كمثل عقوبة الكفار، يريد أن قوله: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [[ساقط من (ي).]] يتضمن عذابًا دون عذاب الكفار؛ لأنهم مخلدون في النار، وفي هذا دليل على أن المؤمن لا يخلد في النار، ودليل أيضاً على المنع من مصادقة المشركين وموالاة الظالمين، والميل إليهم بالمحبة والسكون. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 2/ 204، "زاد المسير" 4/ 165، من غير نسبة.]]: يريد من مانع يمنعكم من عذاب الله. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ استئناف كقوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [[آل عمران/ 111.]].

هود 11:114

قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية، قال عامة المفسرين [[الطبري 12/ 134 - 138، الثعلبي 7/ 60 أ، البغوي 2/ 204، "زاد المسير" 4/ 165، ابن عطية 4/ 415، القرطبي 9/ 110، ابن كثير 2/ 506.]]: نزلت في رجل أتى النبي ﷺ فقال: ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له ما يصيبه الرجل من امرأته غير الجماع؟ فقال له النبي ﷺ: "توضأ وضوءًا حسنًا ثم قم فصل"، وأنزل الله تعالى هذه الآية فقيل للنبي ﷺ، أهي له خاصة أم للناس عامة؟ [فقال: "بل هي للناس عامة"] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] [[الحديث أخرجه الطبري 12/ 136، ورواه الترمذي (3113) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة هود من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل، وقال: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابن ست. وقد وردت أحاديث بمعنى هذا الحديث ومنها ما أخرجه البخاري (4687) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾، ومسلم (2763) كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وأحمد 1/ 385 والترمذي (3114) كتاب التفسير، باب ومن سورة هود، والطبري 15/ 519 من حديث ابن مسعود: أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فنزلت هذه الآية، فقال الرجل: ألي هذه الآية؟ فقال: "لمن عمل بها من أمتي". والآخر ما أخرجه مسلم (2763/ 42) كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، والترمذي (3112) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة هود، والطبري 15/ 516 عن ابن مسعود أن رجلاً قال للنبي ﷺ: إني أخذت امرأة في البستان فقبلتها وضممتها إليَّ، وباشرتها، وفعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، فسكت النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية، فدعا الرجل فقرأها عليه، فقال عمر: أهي له خاصة أم للناس كافة؟ قال: "لا، بل للناس كافة".]]. قال ابن عباس [[المروي عن ابن عباس أنه قال. صلاة الغداة وصلاة المغرب، انظر الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 204، "زاد المسير" 4/ 167، الطبري 12/ 128.]] في رواية عطاء في قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ يريد الصبح والظهر والعصر، وهو قول مجاهد [[الطبري 12/ 127، الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 4/ 204، "زاد المسير" 4/ 167.]] في رواية منصور والقرظي [[الطبري 12/ 282، الثعلبي 7/ 59 ب، "زاد المسير" 4/ 167.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 30، ولم يذكر الفجر في طرفي النهار.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 82.]]، قال الزجاج: وصلاة طرفي النهار: الغداة والظهر والعصر، وزاد مقاتل [["تفسير مقاتل" 149 ب، الثعلبي 7/ 59 ب. وفيه (وزلفا من الليل يعني صلاة المغرب والعشاء) ولم يجعل المغرب في طرفي النهار.]]: المغرب، وقال: صلاة الفجر والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف، والصحيح ما ذكره الزجاج، وذلك أن أحد طرفي النهار صلاة الصبح والآخر فيه صلاتا [[في (ي): (صلاة).]] العشاء، وهما الظهر والعصر، والمغرب من صلاة الليل لا من صلاة النهار. ويروى عن ابن عباس ومجاهد [[انظر: الطبري 12/ 127 - 128 قال مجاهد: صلاة الفجر وصلاتي العشى، يعني الظهر والعصر، وعند ابن أبي حاتم بلفظ: صلاة الفجر وصلاة العشاء 6/ 2091.]] أنهما قالا: صلاة طرفي النهار الفجر والمغرب، وهو قول الحسن [[الطبري 12/ 128. وعند ابن أبي حاتم 6/ 2091 أن الحسن قال: الغداة: الظهر والعصر.]] وابن زيد [[الطبري 12/ 128.]]، وظاهر الكلام يدل على هذا، وحذف ذكر الظهر والعصر لظهور أمرهما في صلاة النهار؛ لأنهما أفردا بالذكر في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: 78] ودلوكها زوالها. وقوله تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، قال الليث [[انظر: "الدر المصون" 4/ 145.]]: زلفة من أول الليل طائفة والجميع الزلف، وروى أبو عمرو عن أبي العباس في هذه الآية قال: الزلف أول ساعات الليل واحدتها زلفة [["تهذيب اللغة" (زلف) 13/ 214.]]. وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 300.]] والأخفش [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 585، الثعلبي 7/ 59 ب.]] وابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 215.]]: الزلف ساعات الليل وآناؤه، وكل ساعة زلفة، ومعنى (زلفًا من الليل) أي ساعة بعد ساعة، وأنشدوا [[الرجز للعجاج، وفيه (ناج طواه الأين) وليس الليل، والأين: التعب، و (وجفا) من الوجيف: سرعة السير، "سماوة الهلال": شخصه إذا ارتفع في الأفق شيئاً، "احقوقف": اعوج، وانظر: ديوانه / 84، "مجاز القرآن" 1/ 300، الطبري 12/ 129 اللسان (حقف) 2/ 939، "الكامل" للمبرد 3/ 99، سيبويه 1/ 180، "تهذيب اللغة" (زلف) 2/ 1549، "ديوان الأدب" 2/ 492، "تاج العروس" (زلف) 12/ 256، "مجمل اللغة" 2/ 246، "كتاب العين" 7/ 319.]]: ناج طواه الليل مما وجفا ... طى الليالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 30.]]. وقال ابن عباس [[المروي عن ابن عباس أنه قال: العشاء، الطبري 12/ 130.]]: يريد المغرب والعشاء قرب أول الليل [[ساقط من (ب).]]؛ لأن الزلف القرب، وهذا قول عامة المفسرين [[رواه الطبري 12/ 130 - 131 عن الحسن ومجاهد والقرظي والضحاك، وانظر: الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 4/ 204.]] غير مقاتل [["تفسير مقاتل" /150 أ، البغوي 4/ 204.]] فإنه يقول: هو صلاة العشاء؛ لأنه أدخل المغرب في طرفي النهار، [وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 82.]]: هو منصوب على الظرف، كما تقول: جئت [[ساقط من (ي) في الزجاج "كما تقول حينا طرفي النهار .. ".]] طرفي النهار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وأول الليل، قال: ومعنى زلفًا من الليل: الصلاة القريبة من أول الليل، وأصل الكلمة من الزلفة والزلفى، وهي القربة، يقال: أزلفته فازدلف أي قربته فاقترب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، قال ابن عباس والمفسرون [[الطبري 12/ 132، الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 4/ 204، "زاد المسير" 4/ 168، ابن عطية 7/ 416 - 417. وفي الحديث "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهنّ" أخرجه مسلم (ح 233) في الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات .. عن أبي هريرة.]]: يريد [إن الصلوات الخمس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] تكفر ما بينها من الذنوب إذا اجتنبت الكبائر، وروى ليث عن مجاهد [[الطبري 12/ 133 رواه منصور عن مجاهد، الثعلبي 7/ 59 ب، ابن عطية 7/ 417، "زاد المسير" 4/ 168.]] قال: هي قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد: هذا موعظة فـ (ذلك) عنده بمعنى (هذا)، وذكرنا وجهه في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [[البقره: 2. وخلاصة مما ذكره: "أنه إنما يجوز ذلك بمعنى هذا لما مضى وقرب وقت تقضيه أو تقضى ذكره".]] وقال غيره [[الثعلبي 7/ 60 أ، البغوي 4/ 205، "زاد المسير" 4/ 169.]]: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى﴾ يعني القرآن عظة لمن ذكره، والكلام في (ذلك) وأن الإشارة بها إلى الجملة جائزة قد مضى في عدة مواضع، وقال أبو علي الفارسي: الذكرى مصدر جاء بألف التأنيث، كما جاء على فَعْلى نحو العدوى والدعوى والطغوى وتترى فيمن لم يصرف، وعلى فُعْلى نحو شورى، [وقالوا في الجمع (للذِّكَر) فجعلوه بمنزلة (سدرة وسدر)، كما جعلوا (العُلَى) مثل (الظُّلَم)، وقالوا: الذكر بالدال حكاه سيبويه [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 331.]] وكذلك روي بيت ابن مقبل [[لابن مقبل، وصدره: يا ليت لي سلوة تشفى النفوس بها وفيه (من بعض) بدل (من بعد) هنا، انظر: "ديوانه" 81، "الخصائص" 1/ 351، "المقرب" 2/ 166، "سر صناعة الإعراب" 1/ 188، "الممتع في التصريف" 1/ 359، "المنصف" 3/ 140.]]: من بعد ما يعتري قلبي من الدكر وذلك لما كثر تصرف الكلمة بالدال نحو ﴿وَادَّكَرَ﴾ [يوسف: 45]، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [[في النسخ: (وهل).]] أشبهت تقوى، وتقية، وتقاة.

هود 11:115

قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ قيل [[الثعلبي 7/ 60 أ، البغوي 4/ 205، "زاد المسير" 4/ 170.]] على الصلاة، كقوله ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ] [[ما بين المعقوفتين: بياض في (ب).]] عَلَيْهَا﴾ [طه:132]، {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 60 أ، البغوي 4/ 205، "زاد المسير" 4/ 170، القرطبي 9/ 113.]]: يعني المصلين.

هود 11:116

قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يعني القرون المهلَكة، ومعنى (لولا) هاهنا نفي عند المفسرين، وهو قول ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 170، ورواه الطبري 12/ 139 - 140 عن قتادة، ورجحه، وانظر الثعلبي 7/ 60 ب، البغوي 4/ 206، القرطبي 9/ 113.]]: يريد ما كان من القرون من قبلكم، وهذا مثل قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: 98] وقد استقصينا الكلام هناك، ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 30.]] في هذه الآية: لم يكن منهم أحد كذلك. ومن الناس [[ابن قتيبة في "مشكل القرآن وغريبه" 216، الثعلبي 7/ 60 أ، "زاد المسير" 4/ 170، القرطبي 9/ 113، "معاني الأخفش" 1/ 294.]] من يقول: (لولا) هاهنا على ظاهره، بمعنى (هَلَّا كان)، و (لم لا كان)، وهو تعجب وتوبيخ للكفار الذين سلكوا سبيل من قبلهم في [[في (ي): (من).]] الفساد. وقوله تعالى: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾، [قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 170.]]: يريد: أولو دين، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 83.]]: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] معناه أولو تمييز، ويجوز أولو طاعة، قال: ومعنى البقية إذا قلت (في فلان بقية) فمعناه فيه فضل فيما يمدح به، وقال القتبي [["مشكل القرآن وغريبه" ص 216، وفيه: (إذا كانت فيهم مسكة وفيهم خير)، وانظر: "تهذيب اللغة" (بقي) 1/ 374.]] ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أي [أولو بقية] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] من دين، يقال (قوم لهم بقية) و (فيهم بقية) إذا كانت فيهم مسكة وخير. وقوله تعالى ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد عن الشرك والاعتداء في حقوق الله والمعصية. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 30.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 83]]: هو استثناء على الانقطاع مما قبله؛ المعنى: لكن قليلاً ممن نجينا منهم نهوا عن الفساد، كما قال: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: 98] قال المفسرون [[الطبري 12/ 139، الثعلبي 7/ 60 ب، البغوي 4/ 206.]]: وهم أتباع الأنبياء وأهل الحق. وقوله تعالى ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾، الترفة النعمة وصبي مترف [[في (ب)، (جـ): (متروف).]] إذا كان منعم البدن، والمترف الذي أبطرته النعمة وسعة العيش [[انظر: "تهذيب اللغة" (ترف) 1/ 436.]]. قال الفراء [["معانى القرآن" 2/ 31.]]: يقول اتبعوا في دنياهم ما عودوا من النعيم وإيثار اللذات على أمر الآخرة وركنوا إلى الدنيا والأموال وما أعطوا من نعيمها. قال عطاء عن ابن عباس [[انظر: الطبري 12/ 139 - 140 روى كلامً بنحوه، وابن المنذر وابن أبي حاتم 4/ 194 ب عن مجاهد وقتادة، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 644.]] يريد: اتبعوا [[ساقط من (ي).]] ما وسعت عليهم وأنعمت، وروي [[الثعلبي 7/ 60 ب.]] عنه نعموا وأبطروا أيضًا.

هود 11:117

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾، قال أبو بكر الأنباري: أراد بالقرى أهلها وسكنها وكان ذكره الأهل بعدها في قوله ﴿وَأَهْلُهَا﴾ تبيينا لما تتضمنه. وذكر المفسرون [[الطبري 12/ 140 كأنه يميل إلى الأول، الثعلبي 7/ 60 ب، البغوي 4/ 206، "زاد المسير" 4/ 171، ابن عطية 7/ 423 ورجح الأول، القرطبي 9/ 114، "معاني القرآن للفراء" 2/ 31، "معاني الزجاج" 3/ 83.]] وأهل المعاني كلهم في هذه الآية قولين: أحدهما: وما كان الله ليهلك [أهل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] القرى وهم مسلمون [صالحون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، فيكون ذلك منه ظلمًا لهم. الثاني: وهو قول أهل السنة [[ذكر هذا القول الطبري 12/ 140، والبغوي 4/ 206.]] (وما كان ربك ليهلك أهل القرى بشركهم وظلمهم لأنفسهم، وهم مصلحون يتعاطون الحق بينهم)، أي ليس من سبيل الكفار -إذا قصدوا الحق في المعاملة وتنكبوا الظلم- أن ينزل الله بهم عذابا يجتاحهم. وهذا معنى قول ابن عباس [[روي عن جرير نحوه، قال الهيثمي في "المجمع" 7/ 39: وفيه عبيد بن القاسم الكُوفي وهو متروك.]]، فقد قال الذي رواية عطاء: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾، يريد الرجال، (بظلم) يريد بشرك، و (أهلها مصلحون): يريد فيما بينهم، كقوم لوط عذبهم الله باللواط، وقال فيهم: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 78] يريد الشرك، وكذلك قوم شعيب عذبوا ببخس الكيل. وهذا التفسير يدل على أن الاجتراء على أنواع المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك.

هود 11:118

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، [قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 171.]]: يريد على دينك الذي بعثت به. وقال قتادة [[الطبري 12/ 141، القرطبي عن سعيد بن جبير 9/ 114، ابن عطية 7/ 423.]]: لجعل الناس أمة واحدة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: أن يجعلهم مسلمين، وهذا دليل على تكذيب القدرية حيث قالوا: ما بقي في مقدوره من اللطف في أن يجعل الخلق مؤمنين إلا وقد فعل، قالوا: ولو قدر فلم يفعل [[في (ي): (ولو قدره لم يفعله).]] لم يجز في الحكمة [[انظر: "شفاء العليل" لابن القيم 1/ 18، 19.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، قال مجاهد وقتادة وعطاء والأعمش [[روى ذلك عنهم الطبري 12/ 141 - 142، وابن أي حاتم 6/ 2093 - 2094.]]: أي في الأديان من بين يهودي ونصراني ومجوسي وغير ذلك من اختلاف [[ساقط من (ي).]] الملل.

هود 11:119

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 83.]] ﴿مَنْ﴾ استثناء على معنى (لكن مَنْ رحم ربك فإنه غير مخالف). وقال الفراء [["معاني القرآن" 31/ 2.]]: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾: يعني أهل الباطل، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: أهل الحق، وهذا قول مجاهد [[الطبري 12/ 141، وأخرجه ابن أبي حاتم 6/ 2094 عن ابن عباس.]] نفسه. وقال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 172، القرطبي 9/ 115، عبد الرزاق 2/ 316.]]: هما فريقان: فريق اختلف فلم يرحم، وفريق رحم فلم يختلف، وهو كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: 105]. وقال عكرمة [["زاد المسير" 4/ 172.]]: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني أهل الأهواء والبدع ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: أهل السنة والجماعة. وقوله تعالى ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال ابن عباس والضحاك ومجاهد وقتادة [[روى ذلك عنهم جميعًا الطبري 12/ 143 - 144، والثعلبي 7/ 61 أ، والبغوي 4/ 206، و"زاد المسير" 4/ 172، والقرطبي 9/ 115، وابن كثير 2/ 509.]]: وللرحمة خلقهم، يعني الذين رحمهم. قال أبو بكر: وعلى هذا أشير إلى الرحمة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾؛ لأن تأنيثها ليس تأنيثا حقيقيًا، فحملت على معنى الفضل والغفران، كقوله -عز وجل-: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98] أي فضل، وقالت الخنساء [["ديوانها" 44، برواية: (ونيران حرب حين شب وقودها) بزيادة حين، وبه يستقيم الوزن.]]: فذلك يا هند الرزية فاعلمي ... ونيران حرب شب وقودها أرادت فذلك الرزء، قال: ويجوز أن يكون المراد بالرحمة: التوحيد، فأشير إليها بالتذكير لهذا المعنى، وقد بينا جواز تذكير الرحمة بأبلغ [[في (ي): (أبلغ).]] من هذا عند قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [[الأعراف: 56. وذكر هنالك ما خلاصته: أنه ذهب أهل الكوفة إلى أن التذكير هنا بناءً على تقدير المكان، أي: في مكان قريب، وأما مذهب البصريين فقال الزجاج: "إنما قيل قريب؛ لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد، وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي".]]. وقال الحسن [[الطبري 12/ 143، وابن أبي حاتم 6/ 2096، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 645، والثعلبي 7/ 60 ب والبغوي 4/ 206، والقرطبي 9/ 115.]] ومقاتل بن حيان [[الثعلبي 7/ 60 ب، القرطبي 9/ 115.]] ويمان [[الثعلبي 7/ 60 ب، القرطبي 9/ 115.]] وعطاء [[الثعلبي 7/ 560 ب، القرطبي 9/ 114، البغوي 4/ 206.]]: وللاختلاف خلقهم، يعنون المختلفين. وفي الآية قول ثالث وهو الاختيار، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 172، وأخرجه الطبري 143/ 12 بمعناه، وابن أبي حاتم 6/ 2095، وانظر: "الدر" 3/ 645، "تنوير المقباس" 146.]] في رواية عطاء في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ يريد: خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف، وقال الكلبي عن أبي صالح عنه [[الرازي 12/ 141، القرطبي 9/ 115، "زاد المسير" 4/ 172.]]: خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا، وأهل العذاب لأن يختلفوا، وخلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلًا. وروى منصور بن عبد الرحمن الغُدَّاني عن الحسن [[الطبري 12/ 141، وعنده وابن أبي حاتم بلفظ قال: خلق هؤلاء لجنته، وهؤلاء للنار وخلق هؤلاء للنار وخلق هؤلاء لرحمته وهؤلاء لرحمته وهؤلاء للعذاب، والغداني، وهو: منصور بن عبد الرحمن الغُدَّاني الأشل النضري وثقة ابن معبن وأبو داود، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به. انظر: "تهذيب التهذيب" 4/ 158، "تهذيب الكمال" 28/ 541.]] ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ قال: الناس مختلفون في الأديان، إلا من رحم ربك فإنه غير مختلف، قال: فقلتُ له: فقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال: خلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه، وخلق هؤلاء للجنة، وخلق هؤلاء للنار، فعلى هذا الإشارة بقوله (ولذلك) تعود إلى الاختلاف والرحمة، ثم يعبر عنهما بالشقاء والسعادة، فيقال: ولذلك خلقهم أي خلقهم للسعادة والشقاء، وهو قول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 31.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 84.]]. قال أبو بكر: من ذهب إلى أن ﴿ذَلِكَ﴾ هو إشارة إلى الشقاء والسعادة قال: إنهما يرجعان إلى معنى واحد تقديره: وللامتحان خلقهم، على أنَّا ذكرنا في مواضع أن الإشارة بلفظ (ذلك) إلى شيئين متضادين يجوز، قال أبو عبيد [[البغوي 4/ 207، وقال أبو عبيدة.]]: الذي أختاره في تفسير الآية قول من قال خلق فريقًا لرحمته وفريقًا لعذابه لأنه موافق للسُّنة. وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 84.]]: ويدل على صحة هذا القول. قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، قال الكلبي [["زاد المسير" 4/ 172، "القرطبي" 9/ 115.]]: يريد من كفار الجن وكفار الإنس. وقال الفراء [["معاني القرآن للفراء" 2/ 31.]]: صار قوله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يمينًا، كما تقول: حَلِفي لأضربنك، وبدا لي لأضربنك، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35] ولو كان (أن يسجنوه كان صوابًا).

هود 11:120

قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 84.]]: ﴿كُلًّا﴾ منصوب بـ (نقص)، المعنى: وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك، و ﴿مَاَ﴾ منصوبة بدلا من (كل)، المعنى نقص عليك ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ قال ابن عباس [[البغوي 4/ 207.]]: يريد لنزيدك يقينا، وفسر التثبيت هاهنا بالتشديد [[في (ي): (التشديد).]] عن ابن عباس [[الثعلبي 7/ 61 أ، القرطبي 9/ 116.]]، وبالتقوية عن الضحاك [[الثعلبي 7/ 61 أ.]] والتصبير عن ابن جريج [[الثعلبي 7/ 61 أ، القرطبي 9/ 116.]]، وهو الأقرب؛ لأن ما يقص عليه من أنباء الرسل إنما هو للاعتبار بها؛ لما فيها من حسن صبرهم على أممهم، واجتهادهم في دعائهم إلى عبادة الله، فإذا سمعها النبي ﷺ كان في ذلك تقوية لقلبه على الصبر على أذى قومه. وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 84، وانظر: "تهذيب اللغة" (ثبت) 1/ 470.]]: وتثبيت الفؤاد وتسكين القلب هاهنا ليس للشك، ولكن كما كانت الدلالة والبرهان أكثر كان القلب أثبت، قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]، وهذا الذي قال الزجاج معنى قول ابن عباس: لنزيدك يقينا. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 146، عبد الرزاق 2/ 316، والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2096، وأبو الشيخ وابن مردويه، كما في "الدر" 3/ 646، القرطبي 9/ 116.]] والحسن [[الطبري 12/ 146، "زاد المسير" 4/ 173.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 146، "زاد المسير" 4/ 173.]] والأكثرون: يعني في هذه السورة. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 84.]] وابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 174.]]: وخصّت هذه السورة؛ لأن فيها أقاصيص الأنبياء ومواعظ، وذكر ما في الجنة والنار. وقيل [[ساقط من (ب)، ذكر هذا القول الزجاج في معانيه 3/ 84.]]: وجاءك في هذه الآيات التي ذكرت قبل هذا الموضع؛ وهو قوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: 109] وقوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: 111] وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: 105] الآيات، ويعني بالحق ما ذكر من أن الخلق يجازون بأنصبائهم، وأن بعضهم يصير إلى النار بشقائه، وبعضهم يصير إلى الجنة بسعادته، وخصت هذه السورة أو هذه الآيات بمجيء الحق فيها -وإن كان جميع ما أنزله الله حقا- تشريفًا للسورة ورفعًا لمنزلتها، وغيرها من السور غير منتقص الفضل بما لحق هذه السورة [[ساقط من (ي).]] من الاختصاص [[انظر: "زاد المسير" 4/ 174، "القرطبي" 9/ 116.]]، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] [فاختصاص الوسطى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لا يزيل عن غيرها معنى التشريف ووجوب المحافظة عليها، ومثله كثير، وهذا الذي ذكرنا معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 84.]] وابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 174.]]. وقال الحسن [[الطبري 12/ 147، الثعلبي 7/ 61 أ، "زاد المسير" 4/ 173، البغوي 4/ 207، القرطبي 9/ 116.]] وقتادة [[الطبري 12/ 147، الثعلبي 7/ 61 أ، "زاد المسير" 4/ 173، البغوي 4/ 207، وابن أبي حاتم 6/ 2096، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 646، القرطبي 9/ 116.]]: وجاءك في هذه الحق: في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يريد أنهم يتعظون إذا سمعوا هذه السورة بما نزل بالأمم لما كذبوا أنبياءهم، فتلين قلوبهم لسلوك طريق الحق، ويتذكرون بها الخير والشر، وما يدعو إليه كل واحد منهما من عاقبة النفع والضر، كما دعا إليه الأمم المكذبة الكافرة، والمصدقة المؤمنة. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ تهديد ووعيد، يقول ما أنتم عاملون ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ وستعلمون عاقبة أمركم ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ ما يعدكم الشيطان ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ما يعدنا ربنا من النصر والعلو، عن ابن جريج [[الطبري 12/ 148، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 646.]]. وقال ابن إسحاق [[انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 255.]] ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ ما يحل بكم من العذاب ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ لذلك. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال أبو علي [[القرطبي 9/ 117.]]: الغيب مصدر مضاف إلى المفعول على الاتساع وحذف حرف الجر؛ لأنك تقول (غبت في الأرض)، و (غبت ببلد كذا) فتعديه بحرف الجر، فحذف وأضيف المصدر إلى المفعول به في المعنى، نحو: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49] و ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾، [ص: 24] ويحتمل وجهين: أحدهما: ذو [[في (ي)، (جـ): (ذوو).]] غيب السموات والأرض، أي ما غاب فيهما من أولي العلم، والآخر: أن يكون المعنى: ولله علم [[ساقط من (ي).]] غيب السموات والأرض، ويدل على هذا قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: 73]. قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 61 أ، القرطبي 9/ 117.]] في رواية الوالبي: يعني خزائن السموات والأرض، وقال الضحاك [[الثعلبي 7/ 61 أ، البغوي 2/ 407، القرطبي 9/ 117، "زاد المسير" 4/ 175.]]: يعني جميع ما غاب عن العباد. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعاد حتى لا يكون للخلق أمركما يكون في الدنيا للفقهاء والأمراء، وقرئ ﴿يَرجع﴾ [[قرأ نافع وحفص عن عاصم (يُرجَع) بضم الياء وفتح الجيم، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم (يَرجعُ) بفتح الياء وكسر الجيم، انظر: "السبعة" ص 340، "الكشف" 1/ 538، "إتحاف" 2/ 137.]]، وذكرنا هذا مستقصى في المعنى والتوجيه عند قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [[البقرة: 210. قال هنالك: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي من الجزاء ومن الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء .. ويكون المعنى على أن الله ملّك عبيده في الدنيا الأموال والتصرف فيها، ثم يرجع الأمر في ذلك كله إلى الله تعالى في الآخرة فلا يملك أحد شيئًا".]] في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، أي أنه يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، والمعنى في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ينصرف إلى جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، وقرئ [[قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. انظر: "السبعة" ص 340، "الكشف" 1/ 538، "إتحاف" 2/ 137.]] (تعملون) بالتاء على معنى قل لهم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.