Al-Basit — يوسف 12:1 – يوسف 12:111
المحتويات
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:13
- يوسف 12:14
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:27
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:34
- يوسف 12:35
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:38
- يوسف 12:39
- يوسف 12:40
- يوسف 12:41
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:45
- يوسف 12:46
- يوسف 12:47
- يوسف 12:48
- يوسف 12:49
- يوسف 12:50
- يوسف 12:51
- يوسف 12:52
- يوسف 12:53
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:56
- يوسف 12:57
- يوسف 12:58
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:61
- يوسف 12:62
- يوسف 12:63
- يوسف 12:64
- يوسف 12:65
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:68
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:71
- يوسف 12:72
- يوسف 12:73
- يوسف 12:74
- يوسف 12:75
- يوسف 12:76
- يوسف 12:77
- يوسف 12:78
- يوسف 12:79
- يوسف 12:80
- يوسف 12:81
- يوسف 12:82
- يوسف 12:83
- يوسف 12:84
- يوسف 12:85
- يوسف 12:86
- يوسف 12:87
- يوسف 12:88
- يوسف 12:89
- يوسف 12:90
- يوسف 12:91
- يوسف 12:92
- يوسف 12:93
- يوسف 12:94
- يوسف 12:95
- يوسف 12:96
- يوسف 12:97
- يوسف 12:98
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:102
- يوسف 12:103
- يوسف 12:104
- يوسف 12:105
- يوسف 12:106
- يوسف 12:107
- يوسف 12:108
- يوسف 12:109
- يوسف 12:110
- يوسف 12:111
يوسف 12:1
قوله [[في (ب) بزيادة (تعالى).]] عز وجل ﴿الر﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 4.]]: يريد أنا الله الرحمن. والكلام في الحروف المعجمة قد ذكرناه في مواضع [[ذكر ذلك باستفاضه في أول البقرة.]]، وهذه الحروف لا تعد آية كما تعد ﴿طه﴾؛ لأن آخرها لا يشاكل رؤوس الآي.
وقوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال صاحب النظم وأبو بكر بن الأنباري: [تلك بمعنى (هذه) كما كان (ذلك) [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]] بمعنى: هذا في قوله تعالى ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [[أول البقرة. وقد ذكر هنالك ما ملخصه: أن (ذلك) يكون بمعنى (هذا) عند كثير من المفسرين، وذكر عن الفراء أن (ذلك) يجوز بمعنى (هذا) لما مضى، وقرب وقت تقضيه أو تقضي ذكره.]] وقد فسرناه مستقصًى في موضعه، إلا أن ﴿ذَلِكَ﴾ مذكر؛ لأنه يومئ به إلى الكتاب، و (تلك) تأنيث ذلك؛ لأنه يومئ بها إلى الآيات.
وقال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 4.]]: يجوز أن يكون (تلك) إشارة إلى ما ذكره عز وجل في التوراة والإنجيل، وتلخيصه: هذه الأقاصيص التي تسمعونها ﴿تِلْكَ﴾ الآيات التي وصفت في التوراة، ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ على هذا هو التوراة، وهذا معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 87.]].
قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 4.]]: ويجوز أن يكون (تلك) إشارة إلى ﴿الر﴾ وأخواتها بين حروف المعجم، أي: تلك الحروف المفتتحة بها السور هي آيات الكتاب المبين؛ لأن الكتاب بها يُتلى عليكم، وألفاظه إليها ترجع، و ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ القرآن المبين في قول ابن عباس، قال: والمبين الذي بُيّن فيه الحلال والحرام [["تنوير المقباس" ص 130، وذكره ابن جرير وعزاه لمجاهد 12/ 149.]]، وقال قتادة [[أخرجه عبد الرزاق عن قتادة بقوله "بين الله تعالى رشده وهداه" 2/ 317، وأخرجه الطبري عنه أيضًا 12/ 149، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2099 ب. وانظر: "الدر" 4/ 4، البغوي 4/ 211، و"زاد المسير" 4/ 177.]]: بَيّن فيه الهدى والرشد، فكان الكتاب [[في (ب): والرشد. والمبين من نعت الكتاب مبينًا.]] مبيّنًا لهذه الأشياء.
يوسف 12:2
قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 87. بتصرف.]] وأبو بكر [["البحر المحيط" 5/ 277.]]: هذه الهاء تصلح لشيئين:
أحدهما: أن يكون الكتاب، ويجوز أن يكون ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ خبر يوسف وقصته.
قال أبو بكر: وذلك أن اليهود قالوا للمشركين سلوا محمدًا لم انتقل ولد يعقوب من الشام إلى مصر؟ وسلوه عن خبر يوسف وإخوته؟ فأنزل الله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [[ذكر ذلك البغوي 4/ 417، و"زاد المسير" 4/ 177، والرازي 18/ 83.]] يعني أنزلنا [[في (ب): ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾.]] خبر يوسف وإخوته الذي طالب اليهودُ بشرحه [[هذا القول رجحه النحاس كما في "معاني القرآن" 3/ 396، وضعفه ابن عطيه 7/ 431.]].
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قال: ولا يجوز رجوع الهاء على القرآن المتأخر؛ لأن الكناية لا تصح إلا بسبق ظاهر يوضح تأويلها.
وقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ذكرنا معنى العربي والعرب والأعراب في قوله ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ [[التوبة: 97. قال هنالك: وقال أهل العلم: إنما سمي العرب عربًا؛ لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة، وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم، وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها ونطق بلسان أهلها فهم منهم .. والأعرابي: إذا كان بدويًّا صاحب نجعه وانتواء.]].
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 178، البغوي 4/ 211، القرطبي 9/ 118.]]: يريد كي تفهموا، قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 150 ب.]]: لو لم يكن عربيًا لما فهموا عنه.
يوسف 12:3
قوله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية، قد ذكرنا معنى القص والقصص عند قوله ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [[آل عمران: 62. وقال هناك: القصص مصدر قولهم: قص فلان الحديث يقصة قصًّا وقصصًا، وأصله اتباع الأثر، وقيل للقاص يقص لأتباعه خبرًا لعد خبرًا وسوقه الكلام سوقًا، فمعنى القصص الخبر الذي تتابع في المعاني. اهـ.]] الآية، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 88.]]: أي نبين لك أحسنَ البيان، لا إلى القصة، ولو قيل: أحسن القصص، بكسر القاف على جمع قصة، قلنا [[في (ج): (كنا).]] نحتاج أن نذكر لم قيل هذه القصة أحسن القصص؟.
وقوله تعالى ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ قال الأخفش [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 587، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 120.]] والفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 31.]] والكسائي والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 88.]]: أي بوحينا إليك هذا القرآن، كأنهم جعلوا (ما) [[(ما) ساقطه من (ب).]] مع الفعل بمنزلة المصدر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ﴾ أي ما كنت من قبله، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 146، و"زاد المسير" 4/ 179، والثعلبي 7/ 62 أ.]]: يريد من قبل أن يوحى إليك، ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي: إلا من الغافلين، كقوله ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: 186] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198] قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 146.]]: يريد لا علم لك بحديث يعقوب، ولا حديث ولده، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 88.]]: أي من الغافلين عن قصة يوسف وإخوته؛ لأنه ﷺ إنما علم ذلك بالوحي.
يوسف 12:4
قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 180.]]: (إذ) صلة لفعل مضمر معناه: اذكر إذ قال يوسف لأبيه، واختلفوا في التاء التي في (أبت)، فزعم الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 88.]] -وهو مذهب البصريين- أن التاء علامة التأنيث دخلت على الأب في باب النداء خاصة، لتكون بدلاً من ياء الإضافة، ولأن المذكر قد يدخل عليه علامة التأنيث، فيقال: رجل ربعة ونكحة وهزأة.
وقال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 32، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 120.]] وأصحابه: التاء في (يا أبت) ليست علامة التأنيث [[في (أ)، (ب): (التأنيث) من غير ألف.]] إنما هي هاء أصلاً أدخلوها للسكت، وهو قولهم: يا أباه، ثم سقطت الألف لدلالة فتحة الباء عليها، وانصرف عن الهاء إلى لفظ التاء؛ لكثرة الاستعمال تشبيهًا بتاء التأنيث، وكسرت تقديرًا أن بعدها ياء الإضافة، ولم يستعمل في غير النداء؛ لأن هاء السكت مع الألف لا تدخلان إلا في النداء، وذكرنا مثل هذا [[في (ج): (إلا في الأم) بزيادة إلا.]] في الأم عند قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [[النساء: 23. وقد ذكر هناك نقلاً عن ابن الأنباري أن الأصل: أم، ثم يقال في النداء: يا أماه، فيدخلون هاء السكت. أهـ.]] في حكاية مذهب ابن الأنباري، وأما قول من قال: يا أبتاه، فإنه زاد الألف والهاء على التاء لما انتقلت عن لفظ الهاء، فأما قول الشاعر [[البيت لأبي الحدرجان كما في "نوادر أبي زيد" (239) وفيه:
كأنك فينا يا أباه غريب
وبلا نسبة في "العين" 4/ 253، و"الخصائص" 1/ 339، و"اللسان" (أبي) 1/ 16، و"الدر" 4/ 253، "الهمع" 6/ 342، وهو من الشعراء المجهولين.]]:
تقولُ ابْنَتِي لمّا رأتْنِي شَاحِبًا ... كأنّك فينا يأ أباتَ [[في (أ)، (ب): (يا أباة).]] غَرِيبُ ففيه وجهان:
أحدهما: أن أصله يا أباه فشبهت هاء الموقف بتاء التأنيث، والألف هي التي تزاد للنداء في: يا رباه ويا زيداه، والآخر: أن الألف هي لام الفعل من الأب التي تجدها في قولك: يا با عمرو، والتاء بدل من هاء الوقف، وهذا اختيار أبي علي [["الحجة" 4/ 395.]]؛ لأنه قال: القول فيه أنه رد المحذوف من الأب، وزاد عليها التاء كما يزاد فيه إذا كان اللام ساقطًا. قال ابن الأنباري: ونظير قولهم: يا ابته، في إدخال الألف والهاء على تاء أصلها هاء السكت، قولهم: أهرقت الماء، حين أدخلوا ألف أفعلت على هاء مبدلة من [[في (ب): (عن).]] ألف أفعلت لما كان لفظ الهاء يخالف، وساغ لهم باختلاف اللفظين أن يقدروا أن الهاء فاء الفعل.
ورد الكوفيون مذهب البصريين في هذا، وقالوا: لو كانت هذه التاء تاء تأنيث لدخلت في النداء وغيره، كما ثبتت هاء نكحة في جميع الأبواب، ولو كانت بدلاً من ياء الإضافة لاستُغْني بها عن الكسرة في التاء في [[(في) ساقطة من (ج).]] يا أبت؛ لأنها نائبة عن كل ياء إضافة في قولهم: (يا غلام أقبل) و (يا رب اغفر لي)، فلما وجدنا الكسرة على التاء علمنا أنها هي الكافية من [[في (ب): (عن).]] ياء الإضافة دون التاء، وكان دخول التاء لغير هذه العلة، وأما الهاء في: نكحة وهزأة، فلم يدخل للمعنى الذي ذهب إليه البصريون، لكنهم قصدوا بها قصد المبالغة في الوصف وشبهوا الموصوف بالداهية، فاستحق التأنيث لذلك، ولو كان الموصوف بما فيه الهاء مذمومًا، كان مشبهًا بالبهيمة يؤنث [[(يؤنث) ساقطة من (ج).]] نعته لمعناها، والاختيار في القراءة كسر التاء لأنها أجريت مجرى تاء التأنيث، وكسرت على الإضافة إلى نفس المتكلم على معني: يا أبتي، ثم حذف الياء؛ لأن ياء الإضافة تحذف في النداء.
فأما من فتح التاء [[هي قراءة ابن عامر، انظر "السبعة" (344)، و"الكشف" 2/ 3، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 390.]] فقال علي [[كذا والصحيح أبو علي، انظر كتاب: "الحجة" 4/ 390.]]: له وجهان، أحدهما: أن يكون كقولهم: (يا طلحة أقبل)، ووجه قول من قال: يا طلحة، أن هذا النحو من الأسماء التي فيها تاء التأنيث أكثر ما يدعى مُرخَّى [[في "الحجة" 4/ 390، (مُرَخّمًا).]] فلما كان كذلك رد التاء المحذوفة في الترخيم إليه، وترك الأخرى تجري على ما كان يجري عليه في الترخيم من الفتح فلم يعتد بالهاء، كما أن من قال: اجتمعت اليمامة، وهو يريد أهل اليمامة، رد الأهل ولم يعتد به، وقال اجتمعت أهل اليمامة، فجعله على ما كان يكون عليه عند حذف الأهل، وعلى هذا ينشد [[البيت للنابغة الذبياني وعجزه:
وليل أقاسيه بطئ الكواكب
وقوله (كليني): اتركيني، من وكلت الأمر إليه (ناصب): (متعب).
انظر: ديوانه: 29، سيبويه، والشنتمري 1/ 315، و"الشعر والشعراء" 22، و"الأزهية" 246، و"الحجة" لابن خالويه ص 167، و"الدرر" 1/ 160، و"العيني" 3/ 303، و"معاني القرآن" 2/ 32، و"شرح المفصل" 2/ 107، و"الخزانة" 1/ 370، و"الدر المصون" 6/ 435.]]:
كِلِيني لهَمٍّ يا أمَيْمَةَ ناصبِ بفتح التاء.
والوجه الآخر: أن هون اراد بـ يا ابتي، بالياء، ثم أبدل الياء بالألف، كما ذكرنا في قراءة من قرأ يا بني بفتح الياء [[هذ قراءة حفص عن عاصم في جميع المواضع، وقراءة أبي بكر عن عاصم بالفتح في هود ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾. انظر: "السبعة" (333)، و"إتحاف" ص 262.]]، فقال: يا أبتا، ثم حذف الألف كما تحذف الياء، فتبقى الفتحة دالة على الألف. كما أن الكسرة تبقى دالة على الياء، والدليل على قوة هذا الوجه كثيرة ما جاء من هذ الكلمة على هذا الوجه، كقوله [[البيت سبق تخريجه.]]:
وهل جَزعٌ إن قُلتُ وابِأْبَاهُما
ولذلك قال رؤبة [[روايته في الديوان: (فهي ترثي باب ..) وبعد: (إن تميمًا خلقت ملموما). انظر: ملحق "ديوانه" ص185 "المفصل" 2/ 12، وبلا نسبة في "الإعراب" (51)، و"الإنصاف" 403، و"مجاز القرآن" 2/ 71، 76.]]:
وهي تُرَبِّي يابا وابْنَاهَا
وقال الأعشى [["ديوانه" ص 200، تخترم: يقال اخترمه الموت: أخذه. وانظر: "شرح التسهيل" 3/ 406، و"الدر المصون" 6/ 432.]]
ويا أبَتَا لا تزلْ عِنْدنا ... فإنَّا نَخَافُ بأن تُخْتَرَم
وقال رؤبة [[سبق تخريجه.]]:
يا أبَتَا عَلَّك أو عَسَاكَا وقال آخر [[الرجز لجارية من العرب تخاطب أباها، و"جمهرة اللغة" 1/ 176، و"مقاييس اللغة" 2/ 27، و"اللسان" 1/ 533.]]:
يا أبتا ويا أبه ... خَشَنْتَ إلا الرقبة
فلما كثرت هذه الكلمة في كلامهم هذه الكثرة ألزموها القلب والحذف، على أن أبا عثمان قَدّر [[في "الحجة" 4/ 392 (قد رأى أن ذلك مطردًا).]] هذا مطردًا في جميع هذا الباب، فأجازوا وضع الألف مكان الياء في الإضافة في النداء إجازة مطردة، فأجاز: يا زيدًا أقبل، إذا أردت الإضافة، وهذا الوجه الثاني في فتح التاء من (يا أبت) هو اختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 89.]] وهو مذهب البصريين.
قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن مبناه على لغة شاذة، وهو على لغة مَنْ يقول: قام غلاما، وهذا ثوبَا، يعني غلامي وثوبي، وكقراءة من قرأ: (وأقم الصلاة لذكرا) [[طه: 14.]] أي لذكري، ولا يحمل كتاب الله على هذه اللغة، والعلة في فتح التاء أنهم أرادوا: (يا أبتاه) فأسقطوا الألف والهاء، وأقروا ما قبلها على الفتح، اختصاصًا لما أكثروا استعمال [[في (ب): (الاستعمال).]] الحرف، وهذا أيضًا قول قطرب، وأنكر البصريون هذا، قال الزجاج (يا أبتاه) للندبه، والندبة هاهنا لا معنى لها، وقال أبو عثمان: من قال: يا أبتاه، فهو نداء على جهة الندبة، فإذا حذفت الألف والهاء صار نداءً على غير جهة الندبة فلا يجوز فتح التاء، وذكر قطرب قولًا آخر في فتح التاء وهو أنه قال: أراد يا أبةً، ثم حذف التنوين كما قال الطرماح: يَا دَارَ أقْوَتْ بعد أحْرَامِها
على إرادة التنوين.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 89.]]: وهذا الذي قاله قطرب خطأ؛ لأن التنوين لا يحذف من المنادى المنصوب؛ لأن النصب إعراب المنادى فلا يكون معربًا منصرفًا غير منون في حال النصب، وأما قوله: (يا دار أقوت) بفتح الراء فلم يروه أحد من أصحابنا بالفتح، ولا أعرف له وجهًا، وأنشده الخليل وسيبويه وجميع البصريين بضم الراء، والقول في فتح التاء قول البصريين أن الألف بدل من الياء التي هي للإضافة ثم حذفت وبقيت الفتحة، يدل عليه من يحذف الياء ويجتزئ بالكسرة، وإنكار ابن الأنباري عليهم بأنها لغة شاذة لا يلزم؛ لأنهم أجازوا هذا الإبدال في النداء وهو غير شاذ، وإنما يكون شاذًا في غير النداء، كما ذكر من قولهم: قام غلامًا، وهذا ثوبًا، وأجاز الفراء [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 32.]]: يا أبتُ، بضم التاء على أنها آخر المنادى المفرد، من قبل أنهم لم يلحقوها ياء الإضافة [[في (ب): (بالإضافة).]] ألا وهي عندهم كالدال من زيد، وأبطل البصريون ضم التاء، قالوا: هي بدل من ياء الإضافة، والمنادى المضاف غير مستحق للرفع، واحتج الكوفيون عليهم بأنها لو كانت بدلاً من ياء الإضافة لما كسرت كما بينا.
قال ابن الأنباري: وقراءة من قرأ بالفتح يدل على جواز الرفع؛ لأن الألف والهاء سبيلهما أن يدخلا على آخر حروف الاسم المستحق للرفع، وكان ابن كثير [[انظر: "السبعة" (344)، و"إتحاف" 2/ 262، و"الحجة" 4/ 390.]] يقرأ: يا أبتِ، بكسر التاء، فإذا وقف وقف بالهاء؛ لأن تاء التأنيث يبدل منها الهاء في الوقف، فيغير الحرف في الوقف بذلك كما غير التنوين في حال النصب بالألف، وتغييرات الوقف كثيرة، ولا يلزم اعتبار الإضافة في قراءته لأنه في الوصل بكسر التاء، وذلك أنه إذا وقف عليها سُكنت للوقف، فإذا سكنت كانت بمنزلة ما لا يراد فيه الإضافة، فيساوي ما يراد به الإضافة ما لا يراد في الوقف.
وأما ابن عامر [[انظر: "السبعة" (344)، و"إتحاف" 2/ 262، و"الحجة" 4/ 390.]] فإنه يفتح التاء في الوصل ويقف بالهاء، فإن قلنا: إنه فتح التاء كنحو قولهم: يا طلحة ويا أميمة، فإنه أبدل التاء هاء في الوقف كما تبدل من سائر تاءات التأنيث، وإن قلنا: إنه أراد: يا أبتا، فحذف الألف في النداء كما يحذف التاء، فوقفه بالهاء كوقف ابن كثير بالهاء، والباقون يقفون بالتاء وهم يكسرون، وذلك أن من كسر التاء كان الاسم في تقدير الإضافة، والمضاف إليه على حرف واحد وقد حذف وتركت الحركة تدل عليه، والحركة لا تكون إلا في تقدير الانفصال من المتحرك على أنه قد حكي أن قومًا يقفون على التاء في الوقف ولا يبدلون منها الهاء. وأنشد أبو الحسن [[ورد البيت منسوبًا إلى سُؤر الذئب كما في "اللسان"، والحجفة: الترس يصنع من جلد الإبل، وقوله (بل جوز تيهاء)، يريد: رب جوز تيهاء.
انظر: "الخصائص" 1/ 304، 2/ 98، و"المحتسب" 2/ 92، و"المخصص" 9/ 7 - 16، 84 - 96، و"اللسان" (حجف، بلل) 2/ 787، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 177، و"شرح المفصل لابن يعيش" 2/ 181.]]:
بل جَوْزِ تَيْهَاء كظَهْرِ الحَجَفَتْ
وهذا مما قد مرّ.
قوله تعالى ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية.
قال وهب [[الثعلبي 7/ 63 ب، الرازي 18/ 87.]] والمفسرون [["زاد المسير" 4/ 180.]]: رأى يوسف وهو ابن اثنتي عشرة سنة أن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر سجدن له.
قال ابن عباس [[انظر: الطبري 12/ 152، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 4/ 6، والثعلبي 7/ 63 ب.]] وقتادة [[الطبري 12/ 152، وتفسير عبد الرزاق 2/ 123، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 6.]] ومحمد بن إسحاق [[انظر: ابن كثير 2/ 513، و"زاد المسير" 4/ 180.]] والمفسرون [[الطبري: 12/ 152.]]: هم إخوته وأبواه.
وقال ابن جريج [[الطبري: 12/ 152، ولم يذكر اسمه أمه.]]: الكواكب إخوته، والشمس أمه راحيل، والقمر أبوه.
وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 150 ب.]]: الشمس أبوه والقمر أمه.
وقال السدي [[البغوي 4/ 213، و"زاد المسير" 4/ 180، الثعلبي 7/ 63 ب.]]: الشمس أبوه والقمر خالته، وذلك أن أمه كانت قد ماتت.
وقوله تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ قال ابن الأنباري: لما تطاول الكلام بين الرؤية والسجود أعيدت الرؤية مع السجود؛ ليكون ذلك أكشف للمعنى وأدل على التوكيد والبيان.
وهذا معنى قول [[قل ساقطة من (أ)، (ب)، (ج).]] الفراء [[لم أجده في مظانه، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 123، و"التبيان" للعكبري ص 465، و"البحر المحيط" 5/ 280.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 91.]].
وذكر صاحب النظم أنه يجوز أن يكون أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤيا، وقوله ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ وهي مما لا يَفْهم ولا يُفهم وحسن ذلك؛ لأنه لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل، فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 198] وقد مر، وكذلك قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18]، وهذا معنى قول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 35.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 91.]].
وقيل في معنى سجودهم له قولان، أحدهما [[قال به ابن زيد كما في الطبري 12/ 152، وابن الأنباري كما في "زاد المسير" 4/ 290، وبه قال الطبري 12/ 152.]]: أنه السجود المعروف على الحقيقة تكرمة له لا عبادة كسجود الملائكة لآدم، الثاني [[انظر البغوي 4/ 280.]]: أن السجود هاهنا بمعنى الخضوع كقوله [[عجز بيت لزيد الخيل وصدره:
بجمل تضل البلق في حجراته
انظر: "الكامل" 1/ 358، و"الأغاني" 16/ 52، و"مجمع البيان" 1/ 141، الطبري 1/ 300، 1/ 365 وغير منسوب في "تأويل مشكل القرآن" ص 417، و"الصناعتين" 295، و"البحر المحيط" 1/ 51. ومعناه: تضل البلق في حجراته: لكثرته لا يرى فيه الأبلق، والأبلق مشهور المنظر لاختلاف لونه، وحجراته: نواحيه، وقوله: (ترى الأكم منه سجدًا للحوافر) لكثرة الجيش تطحن الأكم حتى تلصقها بالأرض.]]: تَرَى الأكْمَ مِنْهُ سُجَّدًا للحَوَافِرِ [[في (ب): (حوافر).]]
قال ابن عباس [[ذكر نحوه عند قوله تعالى ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ آية: 100. انظر: "زاد المسير" 4/ 290، القرطبي: 9/ 265.]]: إن ذلك الزمان كان سجود بعضهم لبعض، وقال في رواية الكلبي [[البغوي: 4/ 213، ابن عطية: 7/ 436.]]: رأى يوسف هذه الرؤيا ليلة الجمعة وكانت ليلة القدر، فلما قصَّها على يعقوب أشفق عليه من حسد إخوته له، فقال له: يا بني لا تقصص.
يوسف 12:5
وهو قوله: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ الآية.
قال العلماء وأصحاب الآثار [[الطبري 12/ 152، "زاد المسير" 4/ 185، البغوي 4/ 213، القرطبي 9/ 122، الثعلبي 7/ 63 ب، ابن عطية: 7/ 437، ابن كثير 3/ 512 - 514.]]: أشفق يعقوب على يوسف حسد إخوته بهذه الرؤيا؛ لأن يوسف كان نبيًا في علم الله مذ كان، ورؤيا الأنبياء وحي لا يبطل منها شيء.
قال ابن عباس [[الطبري 12/ 151، وابن أبي حاتم 7/ 2101 أ، وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 6، والبغوي 4/ 213.]]: رؤيا الأنبياء وحي، وعَلِمَ يعقوب أن إخوة يوسف يعرفون تأويلها ويشفقون من علو يوسف عليهم على صغر سنه وتقدم أمرهم أمره، وسبقهم من العلم إلى ما تأخر عنه، بهذا جاءت الآثار.
وقوله تعالى ﴿رُؤْيَاكَ﴾ الرؤيا [[حديثه عن الرؤيا واشتقاقها منقول عن الفراء والزجاج والفارسي كما سيأتي.]] مصدر كالبُشْرى والسُقيا والتقى والشورى، إلا أنه لما صار اسمًا لهذا المتُخيل في المنام جرى مجرى الأسماء، وخرج من حكم الأعمال فلا يعمل واحدٌ منها أعمال المصادر، ومما يقوي خروجه عن أحكام المصادر تكسيرهم لها (رؤى) فصار بمنزلة ظلم، والمصادر في أكثر الأمر لا تكسر.
وفي الرؤيا أربع لغات: تحقيق الهمز، وتحقيقها بقلبها واوًا من غير إدغامها في التاء وإن كانت ساكنة؛ لأنها في تقدير الهمز فهي ليست بواو، وإذا لم يلزم لم يقع الاعتداد بها فلم يدغم، ومن ثم جاء صنو وشي في تخفيف وشي، وبقي الاسم على حرفين أحدهما حرف لين، وجاز تحرك حرف اللين وتصحيحه مع انفتاح ما قبله؛ لأن الهمزة [[في (ب): (الهمز)]] في تقدير الثبات، وقد أدغم قوم فقالوا: ريًا؛ لأنه لما ترك الهمز سكنت الواو وبعدها ياء فتحولتا ياءً مشددة كما يقال: لويته ليًّا، وكويته كيًا، والأصل كويًا ولويا، وكسروا الفاء كما كسروا من قولهم: قرن ألوى وقرون لي، وإن أشرت إلى الضمة فقلت (رُيًا) فرفعت الراء جاز، وتكون هذه الضمة مثلها في قوله: و (حيل) و (سيق).
وأنشد الفراء [[قال الفراء: أنشدني أبو الجراح.
و (العرض) الوادي فيه شجر، و (الغين) جمع الغيناء وهي الخضراء من الشجر، وهو بدل من (أفنانه)، و (يصرف): يصوت، وفي "اللسان" (رنه) ولا شاهد فيه. "اللسان" (عرض) 5/ 2888، (غين) 6/ 3331 (رأى) 3/ 1541، و"معاني القرآن" 2/ 35، و"الزاهر" 2/ 205، و"ديوان الأب" 1/ 122، و"تهذيب اللغة" 2/ 1323 مادة (رأى)، 3/ 2709 مادة (غين)، و"تاج العروس" 13/ 381، و"معجم البلدات" 4/ 102 (العرض).]]: لَعِرْضٌ [[في (ب) زيادة هن فيكون: (لغيرهن). وفي "معاني القرآن" 2/ 35: (لعرض من الأعراض).]] من الأعْراضِ تَمْشِي حَمَامُه ... ويُضَحِي على أفْنَانِه الغِينِ يَهْتِفُ
أحبُّ إلى قَلْبِي مِنَ الدِّيَك رَنَّة ... وبابٍ إذا ما مَالَ للغَلْقِ يَصرِفُ
قال أراد: رؤية، فلما ترك الهمز أدغم على ما ذكرنا، وكل ما ذكرنا في الرؤيا [[(في الرؤيا) ساقطة من (ب).]] من كلام الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 35.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 92.]] وأبي علي [["الحجة" لأبي علي الفارسي 4/ 398، وأغلب النقل السابق عنه.]].
وقوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي: فيحتالوا في هلاكك؛ لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدوك [[هذه عبارة الثعلبي 7/ 63 ب، و"مشكل القرآن وغريبه" ص 216، والقرطبي 9/ 122، والطبري 12/ 152.]]، واللام في قوله ﴿لَكَ﴾ تأكيد للصلة، كقوله ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وقيل هي من صلة الكيد، على معنى: فيكيدوا كيدًا لك.
قال أهل المعاني [[البغوي 4/ 213.]]: وهذا يدل على أنه قد كان لهم علم بالرؤيا وتعبيرها، وأن يعقوب قد علم منهم حسدًا له وبغضًا، فخافهم عليه.
يوسف 12:6
كذلك قوله ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 91.]]: موضع الكاف في (كذلك) النصب، المعنى: ومثل ما رأيت يجتبيك ربك، وعلى هذا قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 181.]]: (ذلك) إشارة إلى قول يوسف: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ فقال له يعقوب: ومثل ذلك التفضيل وتلك الرفعة والحال الجليلة [[في (أ)، (ب): (الجلية).]] التي شاهدتها في رؤياك يجتبيك ربك، فموضع الكاف نصب بيجتبي [وموضع ذلك خفض بالكاف الزائدة، والمعنى: وكما أراك الله من هذه الرؤيا يجتبيك] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]].
[وقال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 36.]]: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ جواب لقوله ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾ فقيل له: وهكذا يجتبيك ربك، كذلك وهكذا سواء في المعنى.
قال أبو بكر: وعلى هذا (كذلك) حرف واحد معناها هكذا، وموضعه نصب بيجتبيي] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ)، (ج).]].
قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 36.]]: ومثله في الكلام أن يقول الرجل: قد فعلت اليوم كذا وكذا من الخير، فيقول له القائل: هكذا السعادة والتوفيق، وكذلك السعادة والتوفيق، فيسوي بينهما، وقد ذكرنا قبل هذا أن (كذلك) تحقيق لما مضى من الكلام، ضد كَلّا.
وقوله تعالى ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ قال ابن عباس [[نقله عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 181، وابن جرير وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 7.]] والمفسرون [[وهو قول عكرمة وقتادة كما في الطبري 12/ 153، وعزاه ابن أبي حاتم 7/ 2103 أ، لقتادة، وانظر "الدر" 4/ 7.]] وأهل اللغة [[قال به أبو عبيدة كما في "مجاز القرآن" 1/ 3025، والفراء كما في "معاني القرآن" 2/ 36.]]: يختارك ويصطفيك.
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 91.]]: وهو مشتق من: جبيت الشيء، إذا خلصته لنفسك، ومنه: جبيت الماء في الحوض.
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 146، و"زاد المسير" 4/ 181.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 153، وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم 7/ 2103 أ، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 7، و"زاد المسير" 4/ 181، وابن عطية 7/ 438.]] وقتادة [[الطبري 12/ 153، وابن أبي حاتم 7/ 2103 أ.]]: يريد تعبير الأحلام، وعبارة الرؤيا.
قال ابن زيد [[الطبري 12/ 153، وابن أبي حاتم 7/ 2103 ب، وانظر: "الدر" 4/ 7.]]: وكان أعبر الناس للرؤيا، فعلى هذا معنى التأويل: المنتهى الذي يؤول إليه المعنى في الرؤيا، والأحاديث هي أحاديث الناس عما يرونه في منامهم، قال الزجاج [["معاني القرآن" 3/ 92.]]: وغير ذلك.
وقيل [["زاد المسير" 4/ 181، القرطبي 9/ 129.]]: يعلمك تأويل أحاديث الأنبياء والأمم، يعني الكتب والأحاديث في آيات الله ودلائله على توحيده، وغير ذلك من أمور دينه.
وقوله تعالى: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 181، القرطبي 9/ 129، البغوي 4/ 214، ابن عطية 7/ 438.]]: يريد بالنبوة، ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال المفسرون [[البغوي 4/ 214، ابن عطية 7/ 438.]]: يعني وعلى النبيين من آل يعقوب، بمعنى [[في (ج): (يعني).]] الخصوص، وإن كان الظاهر ظاهر عموم، كما قال النبي ﷺ: "اللهم [[اللهم: ساقطة من (ب).]] اجعل رزق آل محمد قوتًا" [[أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (6465)، كتاب: الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليهم من الدنيا، ومسلم كتاب: الزكاة، باب في الكفاف والقناعة (1055) كما في مختصر المنذري ص 551، كتاب الزهد والرقاق تحقيق الألباني، وأحمد 19/ 24، برقم (9752)، و20/ 28 برقم (10242) تحقيق أحمد شاكر، والترمذي برقم (2361) أبواب الزهد، باب: ما جاء في معيشة النبي ﷺ وأهله، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]] يريد البعض، فعلى هذا المعنى: ويتم نعمته عليك وعلى المختصين من آل يعقوب بالنبوة، [كما أتمها بالنبوة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب).]]، على أبويك.
وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج: 3/ 92. بتصرف.]]: فسر يعقوب الرؤيا ليوسف بهذه الآية، وذلك أنه لما قال له: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية، تأول الأحد عشر كوكبًا: أحد عشر نفسًا لهم فضل وأنهم يستضاء بهم؛ لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يُهْتدى، فتأويل الكواكب إخوته، وتأويل الشمس والقمر أبواه، تأول له أن يكون نبيًّا، وأن إخوته يكونون أنبياء؛ لأنه أعلمه أن الله جلَّ وعلا يتم نعمته عليه وعلى إخوته، كما أتمها على إبراهيم وإسحاق، فإتمام النعمة عليهم أن يكونوا أنبياء، وعلى هذه الأقوال إتمام النعمة بالنبوة، ﴿آلِ يَعْقُوبَ﴾ الأنبياء منهم أو بنوه.
وقال ابن عباس في رواية الكلبي: ويتم نعمته عليك بتوحيده وعبادته، كما أتمها على أبويك بتوحيد الله وعبادته وإيثار طاعته، وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 150 ب.]]: ويتم نعمته عليك بإعلانك وتحقيق رؤياك كما أتم النعمة على أبيك إبراهيم، بإنجائه من النار، وعلى أبيك إسحاق بالسلامة من الذبح، والفداء، ونحو هذا قال عكرمة [[الطبري 12/ 154، والثعلبي 7/ 64 أ، و"زاد المسير" 4/ 182.]]. وقال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 147.]]: كما أتمها على أبويك بأن ثبتهما على الإسلام حتى ماتا عليه، وعلى هذا المراد بآل يعقوب، قال أبو بكر: يعني أهل دينه فوقع الآل على أهل الدين كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] يعني أهل دين فرعون، قال قتادة [[الطبري 12/ 154.]] في هذه الآية: كل ذلك فعل الله به، اجتباه، واصطفاه، وعلمه من تأويل الأحاديث، وأتم النعمة عليه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ يريد حيث يضع النبوة. قاله عطاء عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 182.]]، ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه.
يوسف 12:7
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 64 أ، والبغوي 4/ 416، و"زاد المسير" 4/ 182.]]: يعني في خبر يوسف وإخوته وقصتهم، ﴿آيَاتٌ﴾ أي عبر وعزائم [[في (ج): (وعجائب)، الطبري 12/ 154، الثعلبي 7/ 64 أ.]]، وقرأ ابن كثير [[قرأ ابن كثير بالإفراد ووافقه ابن محيصن، والباقون بالجمع، انظر: "السبعة" 344، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 396.]] ﴿ءَايَةٌ﴾ كأنه [[في (ب): (كان).]] جعل شأنهم كله آية، ويقوي هذا ما روي أن في مصحف أبي (عبرة) [["البحر المحيط" 5/ 282.]].
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 92.]]: المعنى أنه بصيرة للذين سألوا النبي ﷺ، فأنبأهم بقصة يوسف وهو عنها غافل، لم يقرأ كتابًا، وقال ابن الأنباري وأبو علي [["الحجة" 4/ 397.]]: ويجوز أن يكون المفرد المنكور بالإيجاب يقع دالًّا على الكثرة، كما يكون ذلك في غير الإيجاب.
وقوله تعالى: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ قال المفسرون [[هذه عبارة الثعلبي 7/ 64 أ، والبغوي 4/ 417، و"زاد المسير" 4/ 182. وأخرجه البيهقي في الدلائل 6/ 276 من طريق الكلبي عن أبي صالح عن عبد الله بن عباس بنحوه.]]: سألت اليهود رسول الله ﷺ عن قصة يوسف فأخبرهم بها كما في التوراة فعجبوا منه، وقالوا: من أين لك هذا يا محمد؟. فقال: علمنيه ربي، فمعنى قوله ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ أي عن خبر يوسف وإخوته.
وقال الكلبي عن ابن عباس [[مروي عن قتادة والضحاك كما في "الدر" 4/ 7، وانظر: "زاد المسير" 4/ 182، القرطبي 9/ 129.]]: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ لكل من سأل عن خبر يوسف وإخوته ليعلم علمه.
قال ابن الأنباري: معنى قوله ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ﴾ إلى آخر الآية، أن قوماً سألوا النبي ﷺ عن هذه القصة مُعنتًا ممتحنًا، فكأن الذي ورد من جوابه يضطر عقول أهل التمييز إلى الانقياد لتصديقه؛ لأنه شرح أخبار قوم لم يشاهدهم، ولم ينظر في الكتب إذ هو معروف بالأمية، وكان في هذا أعجب آية وأوضح دلالة للسائلين وغيرهم على صدق النبي ﷺ، وخص السائلين بكون الآيات لهم اكتفاء منهم بغيرهم؛ لأنه إذا كان لهم آية، كان غيرهم أيضًا يعتبر به اعتبارهم؛ لأنهم [[في (أ)، (ب): (لأنه).]] وإن لم يسألوا فإن سؤال غيرهم نتج لهم الأعجوبة، وكشف المعنى لهم [["زاد المسير" 4/ 182.]].
يوسف 12:8
قوله تعالى ﴿إِذْ قَالُوا﴾ يعني: إخوة يوسف ﴿لَيُوسُفُ﴾ هذه لام التأكيد، وهي التي يتلقى بها القسم هاهنا، ﴿وَأَخُوهُ﴾ قال ابن عباس [[انظر: الطبري 12/ 154، و"زاد المسير" 4/ 183.]]: ولد راحيل وهي خالتهم ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ قال الفراء [["معاني القرآن" 29/ 36.]]: العصبة عشرة فما زاد.
وقال أهل اللغة [[قال به أبو عبيد. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2454 (عصب)، وابن قتيبة انظر: "مشكل القرآن وغريبه" ص 216.]]: العصبة من العشرة إلى الأربعين، وقال المبرد [[انظر: القرطبي 9/ 130.]]: العصبة الجماعة، وتعصب القوم: إذا اجتمعوا على هيئة يشد بعضهم بعضًا، ومنه العصبة في النسب، وهم الذين يجمعهم التعصب، فمعنى العصبة: جماعة متعاونة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 183.]]: أي ضل بإيثاره يوسف وأخاه علينا [[هذه عبارة الثعلبي في 7/ 64 ب.]] ضلالا خطأ يلحقه ضرره [[في (أ)، (ب): (ضروره).]] في دنياه، إذ الذي آثره علينا عناؤنا يزيد على عنائه، ذهب إلى هذا الجواب الكلبي [["تنوير المقباس" ص 147.]] وغيره من المفسرين [[الطبري 12/ 155، والبغوي 4/ 217 - 218، و"زاد المسير" 4/ 183.]]، وقال مقاتل بن سليمان [[نقل عنه "زاد المسير" 4/ 183، انظر "تفسر مقاتل" 151 أ.]]: الضلال هاهنا يعني الشقاء، وتلخيصه: إن أبانا لفي شقاء واضح، واحتج بقوله عز وجل ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 47] يعني في شقاء، قال أبو بكر: فكان مقاتل ذهب إلى أن الضلال عني به شقاء الدنيا؛ لأنه لما آثر ولدين صغيرين على عشرة ذوي أسنان عالية، عاد من ذلك عليه إيغار صدور الجماعة وحملهم على العقوق.
وقال أهل المعاني [["زاد المسير" 4/ 183، الثعلبي 7/ 64 ب.]]: إن أبانا في ذهاب عن طريق الصواب الذي فيه التعديل بيننا في المحبة، وقيل معناه: إنه في غلط في تدبير [[في (ب): (تدبر).]] أمر الدنيا، إذ كنا أنفع له في القيام بمواشيه وأمواله من يوسف وأخيه، وهذا هو معنى القول، وليسوا يريدون الضلال في الدين، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 93.]]: ولو وصفوه بالضلال [[في (ج): (بالضلالة).]] في الدين كانوا كفارًا.
يوسف 12:9
قوله تعالى ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ قال النحويون [["إعراب القرآن" للنحاس ص 125، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 93.]]: انتصاب الأرض بإسقاط الخافض، يراد واطرحوه في أرض، فلما سقط الخافض وصل الفعل إليها فنصبها؛ لأن أرضًا ليست من الظروف المبهمة.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 93.]]: أراد أرضًا يبعد فيها عن أبيه؛ لأنه لم يخل من أن يكون في أرض، ودل على هذا المحذوف قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ لأن هذا يدل على أنهم تآمروا في أن يطرحوه في أرض لا يقدر عليه فيها أبوه.
قال ابن الأنباري: تلخيصه: أو اطرحوه أرضًا بعيدة عن أبيه، فلما دل على هذا المضمر قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ كان الإضمار سائغًا، ومعنى قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: يقبل بكليته عليكم، ويخلص لكم عن شغله بيوسف، يعنون أن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه، فإذا فقده أقبل إلينا بالميل والمحبة [[الثعلبي 7/ 64 ب، و"زاد المسير" 4/ 184، البغوي 4/ 218.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ قال ابن عباس [[نقله عنه في "زاد المسير" 4/ 184، وذكره الطبري عن السدي 12/ 155.]]: يريد تحدثوا [[في (ج): (يجدونه).]] توبة بعد ذلك يقبلها الله منكم، وهذا قول عامة المفسرين [[ومنهم الطبري 12/ 150، والبغوي 2/ 218، و"زاد المسير" 4/ 184، وابن عطية 7/ 443.]]، وعلى هذا المعنى ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ بإحداث التوبة.
وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 151أ، نقله عنه في "زاد المسير" 4/ 184، والثعلبي 7/ 64 ب.]]: ليس الصلاح هاهنا مقصودًا به [[في (ج): (مقصودًا).]] قصد صلاح الدين، لكن المعني به: ويصلح شأنكم عند أبيكم وتغلبوا على قلبه بعد فقده يوسف، والآية بيان عما يوجبه الحسد من قتل المحسود أو تعريضه للقتل بالإلقاء في المهالك.
يوسف 12:10
قوله تعالى ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس [[عزاه له القرطبي 9/ 132، و"زاد المسير" 4/ 184.]]: هو يهودا، وهو أكبر ولد يعقوب وأعقلهم، ونحو هذا قال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 147.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 151 أ، وعزاه له "زاد المسير" 4/ 184.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 94.]].
وقال قتادة [[الطبري 12/ 155، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 317، وأخرج ابن أبي حاتم 7/ 2106 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 13، و"زاد المسير" 4/ 185.]] ومحمد بن إسحاق [[الطبري 12/ 156، و"زاد المسير" 4/ 185، والثعلبي 7/ 64 ب من غير عزو.]]: هو روبيل.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 302.]] وأهل اللغة [["اللسان" (غيب) 6/ 3323.]]: الغيابة: كل ما غيب شيئًا وستره، وأنشدوا للمُنَخَّل [[هو المنخل بن سبيع بن زيد بن معاوية بن العنبر، والبيت في "معجم المرزباني" 388، و"مجاز القرآن" 1/ 302، و"شواهد الكشاف" (96)، والقرطبي 9/ 132، و"معاني الزجاج" 3/ 93، و"المحرر" 7/ 444، و"البحر المحيط" 5/ 284، و"الدر المصون" 6/ 446.]]:
فإنْ أنا يَوْمًا غَيّبتني غَيَابتي ... فسِيرُوا بسَيْرِي في العَشِيرَة والأَهل أراد بالغيابة حفرة القبر؛ لأنها يغيب المدفون فيها، وأما الجب فهو الركية قبل أن تطوى، يقال: جب هذه الركية صلب، وقال زيد بن كثوه [["تهذيب اللغة" (حبيب) 1/ 530.]]: جبّ الركية جَرِابُها، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 94.]]: الجب البئر التي ليست بمطوية، سميت جبًّا من أنها قطعت قطعًا ولم يحدث فيها غير القطع من طي ومما أشبهه. الليث [["تهذيب اللغة" (جبب) 1/ 529، وهو كذا في النسخ، ولعل (قال) ساقطة.]]: والجميع جباب وأجباب وجببة.
قال الحسن [[نقله في "زاد المسير" 4/ 185، وقد ذكره الطبري 12/ 156، من غير أن يعزوه لأحد.]]: غيابة قعر الجب، قال [[في (ج): (وقال) بزيادة الواو.]] قتادة [[الطبري 12/ 156، الثعلبي 7/ 64 ب.]]: أسفل الجب.
قال ابن الأنباري: وإنما ذكرت الغيابة مع الجب دلالة على أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين، فأفاد ذكر الغيابة هذا المعنى، إذ كان يحتمل أن يلقى في موضع من الجب لا يحول بينه وبين الناظرين.
وقرأ أهل المدينة [[قرأ بالمجمع نافع وأبو جعفر، والباقون بالإفراد، انظر "السبعة" ص 345، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 399، والطبري 12/ 156.]] ﴿غيابات الجب﴾ بالجمع على معنى أن للجب [[في (أ)، (ب): (الجب).]] أقطارًا ونواحي ويكون فيها غيابات، وأوثر الجمع لذلك، ومن وحد قال: المقصود موضع واحد من الجب يغيمب فيه يوسف فيستره من أبصار المتأملين، فالتوحيد أحصر وأدل على المعنى المطلوب، يدل على صحة التوحيد قراءةُ مجاهد [["زاد المسير" 4/ 185، ونسبها إلى الحسن وقتادة ومجاهد، و"البحر المحيط" 5/ 284 ونسبها إلى الحسن.]] ﴿في غيبة الجب﴾، انتهى كلامه.
وقال أبو علي [["الحجة" 4/ 400.]]: وجه قول من أفرد أن الجب لا يخلو من أن يكون له غيابة واحدة أو غيابات، فغيابة المفرد يجوز أن يعني به الجمع كما يعني به الواحد، ووجه قول من جمع، أنه يجوز أن يكون له غيابة واحدة فجعل كل جزء منه غيابة فجمع لذلك، كقولهم: (شابت مفارقه [[في (أ)، (ب)، (ي): (مفاريقه)، والصواب ما أثبته كما في "الحجة".]] وتغير ذو عثانين) ويجوز أن يكون للجب عدة غياب فجمع لذلك، والدليل على جواز الجمع فيه قول ابن أحمر [[من قصيدة له في هجاء يزيد بن معاوية، انظر: "ديوانه" ص 171، و"المحتسب" 2/ 227 - 228، و"الخصائص" 2/ 460، وابن الشجري 3/ 75، 207، و"الإنصاف" ص 387، و"شواهد كتاب سيبويه" 129.]]:
ألا فالبِثَا شَهْرَيْن أو نِصْفَ ثالث ... إلى ذَاكُما [[(ما): ساقطة من (ج).]] ما غَيّبتْني غَيَابِيَا
يريد جمع غيابة، فجمع مع أن ذا الغيابة واحد، واختلفوا في هذا الجب، فقال قتادة [[الطبري 2/ 156، وعبد الرزاق 2/ 318، وابن أبي حاتم 7/ 2107 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 13، والثعلبي 7/ 64 ب، و"زاد المسير" 4/ 185، و"البحر المحيط" 5/ 284.]]: في بئر بيت المقدس، وقال وهب [[الثعلبي 7/ 64 ب، و"زاد المسير" 4/ 185.]]: هو بأرض الأردن، وقال مقاتل [[الثعلبي 7/ 64 ب، و"تفسير مقاتل" 151أ، و"زاد المسير" 4/ 185.]]: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب.
وقوله تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ الالتقاط: تناول الشيء من الطريق، ومنه اللقط واللقيط، والسيارة: الذين يسيرون في الطريق للسفر. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 147، والثعلبي 7/ 65 أ.]]: يريد المارة.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 185.]]: يريد إن أضمرتم مما تريدون، وهذه الآية بيان عن اختيار أنقص الشرين، كما أشار هذا القائل إذ رأى أنه لابد من أحدهما.
يوسف 12:11
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ قال المفسرون [[الطبري 21/ 157، و"زاد المسير" 4/ 186.]]: لما تآمروا بينهم في إيقاع المكروه بيوسف وعزموا على ذلك قالوا [[في (أ)، (ب): (قال).]] لأبيهم: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ والقراء مجمعون [["الحجة" 4/ 400، و"إبراز المعاني" ص 531، و"السبعة" لابن مجاهد 345، وأبو جعفر يقرأ بالإدغام المحض بلا إشمام ولا روم. "إتحاف" ص 262.]] على إدغام النون الأولى في الثانية، والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم، وذلك أن الحرف المدغم بمنزلة الحرف الموقوف عليه من حيث جمعهما السكون، فكما أشموا الحرف الموقوف عليه إذا كان مرفوعًا عند الإدارج، ليعلم أنه كذلك في الوصل، أشموا الحرف المدغم ليعلم أنه لو ظهر كان مرفوعًا، والإشمام ضم الشفتين فقط، وليس بصوت خارج إلى اللفظ، إنما هو تهيئة العضو لإخراج الصوت به، ليعلم بالتهيئة أنه يريد ذلك المهيأ له، ولا يجوز رَوْم الحركة مع الإدغام، كما جاز الإشمام؛ لأن روم الحركة حركة، وإن كان الصوت قد أضعف بها، ولا يجوز الإدغام مع الحركة وإن كانت قد أضعفت؛ لأن اللسان لا يرتفع مع روم الحركة في الحرف المدغم عن الحرفين ارتفاعة واحدة، وأما من ترك الإشمام؛ فلأنه أخف على اللفظ، وهو قياس الإدغام.
قال أهل المعاني: هذا تلطف منهم مع أبيهم في أمر يوسف، وتشبيب لمساءلتهم إرساله معهم، بدأوا بالإنكار عليه خوفه إياهم على يوسف، وثنوا بإظهار النصح له في قولهم ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾، قال ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" ص 147.]]: يريد في الرحمة والبر.
يوسف 12:12
قوله تعالى [[في (ج): (وقوله) بزيادة الواو.]]: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾، قرأ ابن كثير [[الطبري 12/ 158، و"الحجة" 4/ 402، و"إبراز المعاني" ص 533، و"النشر" 3/ 123.]] ﴿نرتع﴾ هو بالنون وكسر العين من الارتعاء، و (يلعب) بالياء، والارتعاء: افتعال من رعيت، يقال: رعى الماشيةُ الكلأ يرعاها رعيًا، إذا أكلته، والرعي الكلأ، ومثله ارتعى، قال الأعشى [[انظر "البحر المحيط" 5/ 276، و"اللسان" (سفح) 4/ 2023، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 247، و"تاج العروس" (سفح) 4/ 90.]]:
تَرْتَعِي السَّفْحَ فالكثيب فَذَاقَارٍ ... فُرُوضَ القَطَا فَذَاتَ الرِّئالِ
هذا معنى الارتعاء للإبل والمواشي، وقد أضافوه إلى أنفسهم؛ لأن المعنى نرتعي إبلنا، ثم يحذف المضاف فيكون نرتعي، أو يقال حقيقة الرعي والارتعاء للماشية وينسب ذلك إلى أصحابها؛ لأنهم السبب في ذلك بإيرادها الكلأ ومواضعه والقيام عليها، فيسند ذلك إليهم، وعلى هذا يقول العرب: رعينا روضة كذا، ومكان كذا، وهو كثير في أشعارهم، ويحمل على ما ذكرنا من أحد الوجهين.
وأما فصله بين الارتعاء واللعب بالياء والنون، فحَسَنٌ؛ لأنه جعل الارتعاء والقيام على المال لمن بلغ وجاوز [الصغر، وأسند اللعب إلى يوسف لصغره، ولا لوم] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] على الصغير في اللعب، وقرأ نافع [["السبعة" ص 345 - 346، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 402، 403.]] كلاهما بالياء وكسر العين من يرتعي، أضاف الارتعاء إلى يوسف على معنى أنه يقوم على ماله في الارتعاء ليتدرب بذلك، فمرة يرتعي ومرة يلعب كفعل الصبيان، وقرأ أبو عمرو [[في (ج): (قرئ ابن عمرو).]] وابن عامر [["السبعة" ص 345 - 346، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 402، 403.]] (نرتعْ) بالنون وجزم العين، ومثله (نلعبْ)، والعرب تقول: رتع المال، إذا رعى ماشيًا، وارتعتها أنا، والرتع لا يكون إلا في الخصب والسعة، وإبل رتاع، وقوم مرتعون وراتعون [[(راتعون): ساقطة من (ج).]] إذا كانوا مخاصيب.
وقال ابن الأعرابي: الرتع الأكل بشَرَه، يقال رتع يرتع رتعًا ورتاعًا [[ما سبق كله نقل عن الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1356 - 1357. بتصرف.]]، ومنه قولهم [[مثل: وأصله أن عمرو بن الصعق أسرته شاكر من همدان، فأحسنوا إليه وكان فارق قومه نحيفًا، فهرب من شاكر فلما وصل إلى قومه قالوا: أي عمرو خرجت من عندنا نحيفًا، وأنت اليوم بادن؟ فقال (القيد والرتعة) فأرسلها مثلاً، و (الرتعة): الخصب، انظر "الميداني" 2/ 39، و"المفضل الضبي في أمثاله" 62، و"الفاخر" للمفضل بن سلمة ص 170، 241، و"اللسان" (رتع) 3/ 1577، الطبري 12/ 158، و"تعليق شاكر"، ونسبه أبو عبيد في الأمثال ص 56: إلى الغضبان بن القبعثري، قاله للعجاج عندما حبسه. "تهذيب اللغة" (رتع) 2/ 1356.]]:القيد والرتعة، ويقال بسكون التاء ومعناها الخصب ونيل ما يراد.
وقد حصل، للرتع معنيان أحدهما: رعي المال في الخصب، فعلى هذا معني نرتع بالنون كمعنى يرتعي في أنه للمال. ثم يحذف المضاف على ما ذكرنا، الثاني: أن معناه نيل ما يراد، وهذا يوصف به الإنسان كما ذكرنا في المثل، فقرأه أبو عمرو (نرتع) على معنى: نرتع إبلنا، ثم حذف المضاف، أو ينال ما يحتاج إليه.
وأما يلعب فقد روي أنه قيل لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء [["الحجة" 4/ 406، ابن جرير الطبري 12/ 158، الثعلبي 7/ 65 أ.]]، على أنه يجوز أن يراد باللعب هاهنا الذي هو ضد التشمر من الأخذ باللهو نيالاً، الذي هو ضد الحق، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال لجابر: "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" [[أخرج البخاري بنحوه (5079، 508)، كتاب: النكاح، باب: تزويج الثيبات، ومسلم (517/ 55) في كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح البكر.]] وهذا كأنه تشاغل بمباح وتنفس وجمام.
وقرأ أهل الكوفة [[انظر: "السبعة" ص 346، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 403، والطبري 12/ 158.]] كلاهما بالياء وسكون العين والياء ووجهه بيِّن، لأن إسناد الرتع بمعنى النيل من الشيء إلى يوسف لا يبعد، كما لا يمتنع أن ينسب إليه اللعب، على أن أبا عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 303.]] فسَّر نرتع باللهو، فقال نرتع: نلهو، وهذه القراءة أبين من قراءة من قرأ [[وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر كما سبق.]] (نلعبْ) بالنون؛ لأنهم إنما سألوا إرسال يوسف ليتنفس بلعبه لا ليلعبوا هم.
وأما قول المفسرين فقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس [[الطبري 2/ 158، ابن أبي حاتم 7/ 2108 أ، عن مجاهد، وانظر: "الدر" 4/ 13.]]: نرتع: نذهب ونجيء وننشط ونلعب ونلهو.
[وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 151 أبنحوه.]]: نرتع نفرح، ونلعب نتلاهى.
وقال مجاهد [[ابن أبي حاتم 7/ 2108 أ.]] وقتادة [[الطبري 12/ 159، و"زاد المسير" 4/ 187، والقرطبي 9/ 139، وعبد الرزاق 2/ 318.]] نسعى وننبسط] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 303.]]: ﴿نرتع ونلعب﴾ معناه نلهو وننعم، قال: هو من القيد والرتعة، وقال غيره: نقم في المرتع، يقول بعضهم: نرتع نرعى إبلنا، وقال قوم: نرتع نأكل، واحتج يقول الشاعر [[البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري من قصيدة في المفضليات: 190 - 202 تعد عن علي الشعر وأنفسه، وانظر "ديوانه" ص 31، و"الشعر والشعراء" ص 270 (384)، والرواية فيهما (حبيب لي إذا لاقيته ..)، وهو في "الخزانة" 2/ 547 كما هاهنا، و"الزاهر" 2/ 31، و"الدر المصون" 6/ 450، و"اللسان" (رتع) 3/ 1577.]]:
ويُحَيِّينِي إذا لاقَيْتُه ... وإذا يخلو له لَحْمي رَتَعْ أي: أكله، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد [[الطبري 12/ 159، وابن أبي حاتم 7/ 2107 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 14، والثعلبي 7/ 65 ب، وابن عطية 7/ 448.]] في قوله نرتع: نتكالأ ونتحارس بعضنا بعضًا، وعلى هذا فهو افتعال من الرعاية بمعنى الحفظ، لا من رعي الماشية.
وقال بعض أهل المعاني: أصل الرتع للمال، ثم يستعمل في الإنسان على معنيين، أحدهما: الاتساع في البلاد بالذهاب في جهاتها من اليمين والشمال، والآخر: التصرف في الشهوات وضروب الملاذ، يقال: رتع فلان في ماله، إذا أنفقه في شهواته.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 140.]]: يريد من كل ما تخافه عليه.
يوسف 12:13
وقوله تعالى ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ خبر عما يوجبه شدة الإشفاق من الحزن عن الفراق، فقال يحزنني ذهابكم، وأخاف أن يأكله الذئب.
قال الكلبي وغيره من المفسرين [[الثعلي 7/ 65 ب، والبغوي 4/ 220، و"زاد المسير" 4/ 188، و"تنوير المقباس" ص 147.]]: إن يعقوب عليه السلام رأى في النوم ذئبًا عدا على يوسف، فكان حذرًا عليه، خائفًا من تناول الذئب له، لرؤياه التي رآها.
وقال آخرون: إنما خاف عليه يعقوب الذئب؛ لأن أرضهم كانت مذأبة، ذكره مقاتل بن سليمان وغيره [["تفسير مقاتل" 151 أ، و"زاد المسير" 4/ 188، الرازي 18/ 97.]].
ويقرأ الذئب [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة بالهمز، وقرأ الكسائي وحده بغير همز، و"الحجة" 4/ 407، و"السبعة" ص 346، و"البدور الزاهرة" 161، و"التبصرة" ص 545، و"إتحاف" ص 263.]] مهموزًا ومخففًا، وأصله الهمز [[هذا النص منقول عن أبي علي في كتابه "الحجة" 4/ 408. بتصرف.]]؛ لأنه من قول العرب: تذابت الريح وتذأبت، إذا جاءت من كل جهة كالذيب يحتل بالحيلة من كل جهة، فإذا خففت الهمز منه قلبت ياء، وكذلك البير، ويجمع أذؤبًا وذؤبانًا [[في (ب): (وذؤبًا).]] كما قالوا: زق وزقان.
قال [[البيت لذي الرمة في "ديوانه" ص 48، و"البحر المحيط" 5/ 276، و"الدر المصون" 6/ 452، و"شرح شواهد الإيضاح" ص/ 517، وهو في "التكملة" ص 200 بلا نسبة. وازور: يعني الطريق فيه عوج، يمطو: يمد.]]:
وازْوَرّ يَمْطُو في بلادٍ بَعِيدَةٍ ... تَعَاوا به ذُئبَانُه وثَعَالِبُه
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 188.]] يريد لاهون مشتغلون برعيتكم، وهذا بيان عما توجبه الشفقة من سوء الظن بحوادث الزمان وعوارض الآفات.
يوسف 12:14
قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أي إن أكله الذئب ونحن جماعة نرى الذئب قد قصده فلا نرده عنه، إنا إذًا [لجاهلون في قول الكلبي، أي] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ)، (ج).]]: لجاهلون [[القرطبي 9/ 141.]] بما يُعرفُ فضله من إيثار البر وصلة الرحم وتجنب العقوق إن أكله الذئب بحضرتنا ولم نرده عنه.
وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 151 أبنحوه.]]: معناه لئن أكله الذئب ونحن حضور، وعندنا بأس ودفع، إنا إذًا لعاجزون.
قال: فالخسران هاهنا محمول على معنى العجز، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: 34] معناه لعاجزون، ولابد [[في (ج): (لابد) من غير واو.]] من إضمار في الآية على تقدير: ونحن عصبةٌ عنده أو بحضرته؛ لأنه يجوز أن يأكله الذئب وهم عصبة غائبون عنه، فلا يُنْسَبون إلى الجهل ولا إلى العجز، وإنما يلزمهم العجز والجهل إن أكله الذئب بحضرتهم فلم يردوه عنه.
يوسف 12:15
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ ذكرنا معنى الإجماع عند قوله ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71].
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ هذه الواو مقحمة زائدة عند الكوفيين، لأنه جواب لما، وجواب لما لا يقتضي واوًا، وعند البصريين لا يجوز إقحام الواو، وجواب لما عندهم محذوف، على تقدير لما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم، أو كبر ما قصدوا، ثم قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ وحذف الجواب كثير، وهذه المسألة ذكرناها فيما تقدم، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 65 ب، الطبري 12/ 160، البغوي 4/ 221، و"زاد المسير" 4/ 191.]]: أوحى الله [[في (ب): بزيادة (تعالي).]] إلى يوسف تقويةً لقلبه في البئر: لتصدقن رؤياك ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا بعد اليوم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنك يوسف في وقت إخبارك إياهم بأمرهم، وهذا [[في (ب): (هذا). من غير واو.]] قول ابن عباس [[الطبري 12/ 162، الثعلبي 7/ 66 أ، ابن أبي حاتم 7/ 2110 أ، وانظر: "الدر" 4/ 15، و"زاد المسير" 4/ 191، والقرطبي 9/ 143.]] والحسن [[انظر: الرازي 18/ 100.]] وابن جريج [[الطبري 12/ 162.]].
وقال [[في (أ)، (ج): زيادة (محمد).]] مجاهد [[الطبري 12/ 161، وابن أبي حاتم 7/ 2109 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 15، والقرطبي 9/ 143، والثعلبي 7/ 66 أ، و"زاد المسير" 4/ 191.]] وقتادة [[الطبري 12/ 161، عبد الرزاق 2/ 318، وابن أبي حاتم 7/ 2109 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 15، و"زاد المسير" 4/ 191.]]: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنه أوحي [[في (ب): (أوحى الله إليه) بزيادة لفظ الجلالة.]] إليه، وأجمعوا على أنه أوحي إلى يوسف في البئر.
قال الحسن [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 259، القرطبي 9/ 142.]] أعطاه الله النبوة وهو في الجب.
وقال قتادة [[الطبري 12/ 161، وابن أبي حاتم 7/ 2109 أ، وعبد الرزاق 2/ 318.]]: أتاه وحي الله وهو في البئر.
وقال الكلبي [[القرطبي 9/ 142.]]: ألقي في الجب وهو ابن ثماني عشرة سنة.
قال أبو بكر بن الأنباري [[الرازي 18/ 100.]]: الفائدة في استتار الوحي عنهم، أنهم لو وقفوا على الوحي وعلموا أن مدة يوسف تطول، وأن أمره يقوى جاز أن يسبق إلى قلب بعضهم من الحسد ما لعله أن يقدم على إيقاع بلية بيوسف، في وقت إخبارهم بصنيعهم، فإن الله تعالى ألزم يوسف أن لا يطلع أباه ولا أحداً من إخوته على نسبه وموضعه، ليوبخهم على ما سلف من عقوقهم، ويعد عليهم ما فرط من إساءتهم، فهم لا يعرفون عنه، ولا يعرفون أن أخوهم. ولهذه العلة ما كتم يوسف أباه يعقوب نفسه طول تلك المدة مع علمه بوجد أبيه به خوفًا من الخلاف على الله عز وجل، فصبر على تجرع المرارة بما يعلمه من قلق أبيه [[في (ب): (الله).]] إيثارًا لطاعة ربه واتباعًا لأمره، وكان الله تعالى قد قضى على يعقوب أن يوصله إلى درجة عالية لا يصل إليها إلا بعظيم الحسرة التي كان يكابدها، فلذلك أمر يوسف بكتمان شأنه عن أبيه.
والقولان في قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حكاهما الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 95.]] فقال: في قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا جائز أن يكون من صلة ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وجائز أن يكون من صلة ﴿أَوْحَيْنَا﴾، المعنى: وأوحينا إليه [[في (ج): (إليهم).]] وهم لا يشعرون، أي نبأناه بالوحي وهم لا يشعرون أنه نبي قد أوحي إليه.
يوسف 12:16
قوله تعالى ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ﴾ قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 66 ب، الطبري 12/ 163.]]: ثم إنهم ذبحوا سَخْلة وجلوا دمها على قميص يوسف، وكانوا [[في (أ)، (ب)، (ج): (كانا).]] قد ألقوه في الجب عريانًا ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾ ليكونوا أجراً في الظلمة على الاعتذار وترويج ما مكروا [["البحر المحيط" 5/ 288.]]، ﴿يَبْكُونَ﴾ مكرًا لإيهام براءتهم مما عرض [[في (ج): (عرضوا).]] ليوسف من البلية بأكل الذئب على زعمهم. روى مجالد [[هو مجالد بن سعيد بن عمير الكوفي الهمداني، لين الحديث، تغير حفظه في آخره، توفي سنة 144 هـ. انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 361، و"التهذيب" 4/ 24 - 25.]] عن الشعبي قال: خاصمت امرأة إلى شريح وجعلت تبكي فقيل له: يا أبا أمية، أما تراها تبكي، فقال شريح: قد جاء إخوة يوسف أباهم عشاءً يبكون [[أخرجه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 4/ 15.]].
يوسف 12:17
قوله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ قال أكثر المفسرين [[الطبري 12/ 162، والثعلبي 7/ 66 ب، و"زاد المسير" 4/ 191، والبغوي 4/ 222.]]: نتنصل في الرمي، وهذا اختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 95.]] وابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة ص 217.]]، قال نتنصل: يسابق بعضنا بعضًا في الرمي، وعلى هذا هو من السباق في النصال، وفيه قول النبي ﷺ: "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" [[أخرجه أحمد 2/ 474، برقم (10138)، ط. الرسالة، من حديث أبي هريرة، والترمذي (1700) في الجهاد، باب: ما جاء في الرهبان والسبق، وأبو داود "عون المعبود" (2557) في الجهاد، باب: في السبق، وابن ماجه (2878) في الجهاد، باب: السبق والرهان وصححه الألباني. انظر: "صحيح سنن ابن ماجه" للألباني (1326)، كتاب: الجهاد، باب: السبق والرهان وخرجه الألباني في "إرواء الغليل" (1506).]] يعني بالنصل: الرمي، وأصل السبق في الرمي للسهم، وهو أن يرمي اثنان أيهما يكون أسبق بينهما وأبعد غلوة، ثم يوصف المتراميان بذلك، فيقول: استبقا وتسابقا، إذا فعلا ذلك لتبيين أيهما أسبق سهمًا، ويدل على صحة هذا التفسير ما روي أن في قراءة عبد الله ﴿إنا ذهبنا ننتصل﴾ [[الثعلبي 7/ 66 ب، القرطبي 9/ 145.]].
وقال السدي [["زاد المسير" 4/ 192، الرازي 18/ 101.]] ومقاتل [[ذكره الثعلبي بقوله ابن حيان 7/ 67 أ.]]: نستبق: نشتد ونعَدو لنتبين أينا أسرع عَدْوًا، فإن قيل كيف جاز لهم أن يستبقوا وهم رجال بالغون، وهذا من فعل الصبيان؟
فالجواب ما ذكره صاحب النظم، وهو أن الاستباق فيهم كان مثل السباق في الخيل والنصال عندنا، وكانوا يُحْزنُون بذلك أنفسهم ويدربونها على العَدْو؛ لأنه كالآلة لهم في محاربة العدو، ومدافعة الذئب إذا رام ماشيتهم [[الرازي 18/ 101، القرطبي 9/ 145.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ قال ابن عباس [[البغوي 4/ 222، و"زاد المسير" 4/ 192.]]: يريد ثيابهم ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾، قال عامة المفسرين [[الطبري 12/ 162، الثعلبي 7/ 67 أ، البغوي 4/ 222، "زاد المسير" 4/ 192،
القرطبي 9/ 148.]] وأصحاب المعاني [["معاني القرآن وإعربه" 3/ 96، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 303، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة 1/ 217.]]: مصدق لنا، وذكرنا تحقيق هذا في أول سورة البقرة [[ذكر عند قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3] أقوال العلماء في أن الإيمان بمعنى التصديق: ونقل عن الأزهري حكايته اتفاق العلماء على هذا المعنى، وشرح دلالة اللفظ عليه مع الاستشهاد بأقوال أهل اللغة، ثم قال: والقول في معنى الإيمان ما قاله الأزهري.
قلت: إن كان المقصود أن ذلك في اللغة، فالأمر فيه واسع وهو محل خلاف، وإن كان المقصود المعنى الشرعي فهو مردود، والإيمان عند علماء السلف: تصديق القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" ص381، 382.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.]]: ليسوا يريدون أن يعقوب لا يصدق من يعلم أنه صادق، هذا محال لا يوصف الأنبياء بذلك، لكن المعنى: لو كنا عندك من أهل الثقة والصدق لاتهمتنا في يوسف؛ لمحبتك إياه وظننت أنا قد كذبناك.
ونحو هذا قال أبو العباس [[لعله أبو العباس الأصم محمد بن يعقوب السناني النيسابوري الوراق، أحد أئمة الشافعية، إمام ثقة حافظ، توفي سنة 346 هـ. انظر: "طبقات فقهاء الشافعية" 1/ 76، و"طبقات الشافعية" للآسنوي 1/ 42.]] في معنى هذه الآية: قال: معناه: ولو كنا صادقين في كل الأشياء، لاتهمتنا في هذه القصة ولم يقرب قولنا من قلبك، لغلبة استغشاشك لنا وتهمتك إيانا في أمر يوسف.
وقال أبو بكر: أرادوا نحن صادقون عند أنفسنا، وأنت غير مصدق لنا، إن لم تقم أمارات صدقنا عندك، فلو كنا صادقين عند الله أولاً ثم عند أنفسنا ما صدقتنا، إذ لم يقم عندك براهين صدقنا.
يوسف 12:18
قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قال ابن عباس [[الطبري 12/ 163، ابن أبي حاتم 7/ 2111 ب وانظر. "الدر" 4/ 16، وعبد الرزاق 2/ 318.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 163، القرطبي 9/ 149، ابن أبي حاتم 7/ 2111 ب.]] وعامة المفسرين [[الطبري 12/ 163، والبغوي 4/ 222، و"زاد المسير" 4/ 193، والرازي 18/ 102.]]: كان ذلك دم سَخْلة، وقيل جدي [[قاله السدي كما في الطبري 12/ 163، والشعبي كما في الطبري 12/ 164.]]، وقيل: حمل، كل هذا من لفظهم.
قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 38.]] وأبو العباس [["تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 3115.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.]] وابن الأنباري [[الرازي 18/ 102.]] وأصحاب العربية [["معاني القرآن" 2/ 590، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة 1/ 217، و"تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 167.]] ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب فيه، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير: ذي كذب، ولكنه أجري على الوصف بالمصدر للمبالغة، وهذا معنى قول الأخفش [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 590.]]: جعل الدّمَ كذبًا لأنه كذب فيه، كما قال ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16] قالوا: والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال: ماء سكب، أي: مسكوب، ودرهم ضرب الأمير، وثوب نسج اليمن، والفاعل كقوله ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: 30] ورجل عدل وصوم [[(صوم): ساقطة من (ج).]]، ونساء نَوْح ومنه [[بعض بيت من الوافر وتمامه:
هَريْقي منْ دموعها سجالا ... صنباعَ وجاوبي نَوْحًا قيامًا ولم ينسبه الواحدي هنا، وهو بلا نسبة أيضاً في "مجاز القرآن" 1/ 404، الطبري 15/ 249 (العلمية)، القرطبي 10/ 409.]]:
... وجاوبي نَوْحًا قِيَاما ولما سميتا بالمصدر، سُمِّي المصدرُ بهما، فقالوا للعقل: المعقول، وللجلد: المجلود، ومنه قوله تعالي: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: 6] وقالوا للكذب الكاذبه، وللخيانة الخائنة، ومثله العاقبة والعافية.
قال الحسن [[الطبري 12/ 164، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 16، وانظر: "تفسير الحسن" 2/ 29.]] وسعيد بن جبير [[أخرجه الطبري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس 12/ 164 وكذا ابن أبي حاتم 7/ 211 ب.]]: لما جاءوا يعقوب بالقميص ملطخًا بالدم، قال: كذبتم، ما عهدي [[في (أ)، (ج): (ما عهد بي).]] بالذئب حليمًا، لو كان أكله لخرق قميصه.
وقال الكلبي عن ابن عباس [[ذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 38، و"زاد المسير" 4/ 193، والقرطبي 9/ 149.]]: قال لهم: لقد كان هذا الذئب رفيقًا حين أكل ابني ولم يخرق قميصه، قالوا: فقتله اللصوص، قال: كيف قتلوه وتركوا قميصه، وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 147.]] وعامة المفسرين [[الثعلبي 7/ 67 ب، والطبري 12/ 165، والبغوي 4/ 223، و"زاد المسير" 4/ 193، القرطبي 9/ 151، و"مشكل القرآن وغريبه" 217، و"مجاز القرآن" 1/ 303.]]: زينت لكم أنفسكم أمرًا.
قال أهل المعاني: التسويل تقدير معنى في النفس على الطمع في تمامه، وقوله ﴿بَل﴾ رد لقولهم: أكله الذئب، كأنه قال: ليس كما تقولون، بل سولت لكم أنفسكم أمرًا غير ما تصفون.
وقال الأزهري [["تهذيب اللغة" 13/ 67، وهذا السياق نص نسخة (ج)، وفي الأصل [فيزين لطالبها الباطل والغرور].]]: وكأن التسويل تفعيل من سوْل الإنسان، وهي أمنيته التي يطلبها، فيزين لطالبها الباطل وغيره من أمر الدنيا، وأهله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز لما كثر في كلامهم.
وقوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال مجاهد [[الطبري 12/ 165، وعبد الرزاق 2/ 318، وابن أبي حاتم 7/ 2112 أ، والفريابي وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 19.]]، والمفسرون [[الطبري 12/ 165، الثعلبي 7/ 67 ب، البغوي 4/ 223، و"زاد المسير" 4/ 193.]]: أي صبر ليس فيه جزع ولا شكوى، وروي مرفوعًا أن النبي ﷺ، سئل عن الصبر الجميل فقال: "هو صبرٌ لا شكوى فيه" [[أخرجه الطبري 12/ 165، وابن أبي حاتم 7/ 2112 أ. قال المناوي: هو من حديث حبان بن حيلة وهو مرسل، و"الفتح السماوي" 2/ 727.]].
وقال أهل المعاني: الصبر الجميل هو أن يصبر حتى لا يظهر فيه تغير بعبوس وجه وانقباض عما كان يتبسط [[في (ب): (تبسط).]] فيه قبل المصيبة.
واختلفوا في وجه ارتفاع الصبر، فقال الخليل [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 96، و"زاد المسير" 4/ 193.]]: معناه: فالذي أعتقده صبر جميل.
وقال قطرب [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96، و"زاد المسير" 4/ 193، والقرطبي 9/ 151.]]: معناه: فصبري صبر جميل.
وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 53، و"زاد المسير" 4/ 193.]]: فهو صبر جميل، وقال أبو عبيد [[انظر: "البحر المحيط" 5/ 289، و"الدر المصون" 6/ 457.]]: تقديره: فليكن مني صبر جميل.
وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.]]: فشأني صبر جميل، قال ابن الأنباري: والمعاني متقاربة. وقال بعضهم: فصبر جميل أولى بي، وعلى هذا هو ابتداء وخبره محذوف.
وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.]]: ويجوز في غير القرآن: فصبرًا جميلاً، وأنشد [[الأبيات لملبد بن حرملة، في ابن السيرافي ص 228 وبلا نسبه في "معاني الفراء" 2/ 54، و"معاني الزجاج" 3/ 97، و"تأويل مشكل القرآن" ص 107، و"مجاز القرآن" 1/ 303، 304، و"اللسان" (شكا) 4/ 2114، و"تهذيب اللغة" 2/ 1909، والقرطبي 9/ 153، و"كتاب سيبويه" 1/ 321، و"شواهد الكشاف" (شكا إلي جملي).]]:
يَشْكُو إليَّ جَمَلِي طُولَ السّرَى ... يا جَمَلِي ليسَ إليَّ المُشْتَكَى
قال: وروي: صبرًا، على فاصبرْ صبرًا، قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 303.]] وغيره: الأحسن إذا وصف الصبر الرفع، وإذا أفرد النصب.
وأنشدوا [[كذا في النسخ ولعل البيت: (ألا يا نمامي فصبرًا ..) وبه يستقيم الوزن، وهو من الطويل، ولم أقف عليه.]]:
ألا انمامي فصَبْرًا بَليَّة ... وقد يُبْتَلَى المَرْءُ الكَرِيمُ فيَصبِرُ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قال أهل المعاني: هذا بيان عما يوجبه التقى من الصبر الجميل عند المصيبة، والاستعانة بالله عزّ وجلّ عندما يعرض من الأمور الهائلة.
يوسف 12:19
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 67 ب.]]: يعني رفقة تسير للسفر، ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ وهو الذي يرد الماء ليستقي للقوم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ قال عامة أهل اللغة [["تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 1213 مع تقديم وتأخير، (دلا).]]: يقال: أدلى دلوه، إذا أرسلها في البئر، ودَلّاها: إذا نزعها من البئر، يقال: أدلى يدلي إدلاءً إذا أرسل، ودلى يدلو دلوًا، إذا جذب وأخرج.
قال الشاعر [[سبق تخريجه.]]:
يَنْزِعُ من جَمّاتِها دَلْو الدَّالىِ
أي ينزع النازع، والدلو معروف، والجميع الدلاء، والعدد إدل ودُلي، ويقال للدلو دلاة.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 194.]] وقتادة [[عبد الرزاق 2/ 302، والطبري 12/ 167، وابن أبي حاتم 7/ 2113 ب، وابن المنذر كما في "الرد" 4/ 17، القرطبي 9/ 153.]] والسدي [[الطبري 12/ 167، والقرطبي 9/ 153.]]: لما أدلى المدلي تشبث يوسف بالرشا فأخرجه الوارد، فقال: يا بشراي. قال الحسن [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 260.]]: يا بشراي مثل: يا فرحتنا، وهو في موضع نصب؛ لأنه نداء مضاف.
قال ابن الأنباري: وقع النداء في اللفظ بالبشرى، وهو في المعنى واقع لغيرها، تأويله: يا هؤلاء تنبهوا لبشراي. وهذا معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 97.]]، ومعنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة إذا قلت: يا عجباه، فكأنك قلت: اعجبوا، وذكر وجهًا آخر، وهو أن يكون المعنى: يا أيتها البشرى هذا من إيانك وأوانك، وزاد أبو علي [["الحجة" 4/ 412.]] لهذا الوجه بيانًا، فقال: المعنى فيه أن هذا من أوانك ولو كنت ممن يخاطب لخوطبت الآن، وهذا في كل منادى لا يجيب ولا يعقل.
وقرأ أهل [["السبعة" ص 346، و"النشر" 3/ 124، و"إبراز المعاني" ص 533، و"إتحاف" ص 263.]] الكوفة ﴿يَا بُشْرَى﴾ من غير إضافة، وهذه القراءة كالأولى في أنه نداءٌ لمن لا يجيب، إلا أن هذا نداءٌ غير مضاف فيكون رفعًا، قال السدي [[الطبري 12/ 167 - 168، وابن أبي حاتم 7/ 2113أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 17، و"زاد المسير" 4/ 194، والقرطبي 9/ 153.]]: نادى المدلي صاحبه وكان اسمه بشرى، فقال: يا بشراي، كما تقول: يا زيد.
وروي عن الأعمش [[الرازي 18/ 106، و"زاد المسير" 4/ 194.]] أنه قال: دعا امرأة اسمها بشرى.
قال أبو علي [["الحجة" 4/ 411.]]: من جعل البشرى اسمًا للبشارة وهو الوجه، جاز أن يكون في محل الرفع مثل: يا رجل، لاختصاصه بالنداء، وجاز أن يكون في موضع نصب على أن يجعله نداءً شائعًا في جنس البشرى ولم يخص كما فعلت في الوجه الأول، كما يقول: يا رجلاً، و ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: 30]، فالوجه الأول على أنه بشرى مختصة، والآخر أن ينزله من جملة كلها مثلها في الشياع، إلا أن التنوين لم يلحق بشرى لأنه لا ينصرف.
وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال مجاهد [[الطبري 12/ 168، وابن أبي حاتم 7/ 2114أوابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، و"زاد المسير" 4/ 195، والثعلبى 7/ 68 أ، والبغوي 4/ 224.]] والسدي [[الطبري 12/ 169، وابن أبي حاتم 7/ 2114 أ.]] وأكثر المفسرين [[الطبري 12/ 168، الثعلبي 7/ 68 أ، البغوي 4/ 224، و"زاد المسير" 4/ 195، الرازي 18/ 106.]]: أسره الوارد وجاءوا من كان معه من التُّجار من الذين معهم في الرفقة، وقالوا لهم: هو بضاعة استبضعناها بعض أهل الماء إلى مصر، خيفة أن يطلبوا منهم فيه الشركة؛ لرخص ثمنه.
قال إسحاق بن بشر [[هو: إسحاق بن بشر أبو حذيفة البخاري، له كتاب المبتدأ، تركوه وكذبه ابن المديني، وقال الدارقطني: كذاب متروك. توفي سنة 206 هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 184، و"الأعلام" 1/ 294، و"معجم المؤلفين" 1/ 340. وانظر: الرازي 18/ 107.]]: قالوا فيما بينهم: إن قلنا لهم التقطناه شاركونا، وإن قلنا اشتريناه، سألونا الشركة، فنقول: إن أهل الماء أبضعوه معنا على أن نبيعه لهم بمصر، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 168، الثعلبي 7/ 68 أ، "زاد المسير" 4/ 195، ابن عطية 7/ 463.]] في رواية عطية: (أسروه) يعني: إخوة يوسف أسروا شأنه أن يكون أخاهم، وقالوا: هو عبد لنا أبق منا، وتابعهم يوسف على ذلك؛ لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية.
وقوله تعالى: ﴿بِضَاعَةً﴾ البضاعة: القطعة من المال تجعل للتجارة، من: بضعت الشيء، إذا قطعته، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 98.]]: وبضاعة منصوب على الحال، كأنه قال: وأسروه جاعليه بضاعة، [وعلى القول الأول في أسروه، الجاعلون هم الوارده، جعلوه بضاعة على ما بينا وعلى القول الثاني الجاعلون إخوته، جعلوه بضاعة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] حيث باعوه كما تباع الضائع.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 147.]]: يريد بيوسف [[في (ج): (يوسف). من غير باء.]].
قال أهل المعاني: هذه الآية بيان عما يوجبه حسن تدبير الله تعالى من التسبيب لنجاة من يشاء نجاته.
يوسف 12:20
قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ قال ابن عباس [[الرازي 18/ 107، ابن عطية 7/ 464 - 466.]] في رواية الكلبي: لما طرح يوسف في الجب وانصرفوا رجعوا بعد ثلاث، يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب رأوا أثار السيارة اتبعوهم، فحين أبصروا يوسف قالوا: هذا عبدنا أبق منا، فقالوا: لهم فبيعوناه، فباعوه منهم باثنين وعشرين درهمًا، وهم أحد عشر، ونحو هذا قال مجاهد [[الطبري 12/ 173، وابن أبي حاتم 7/ 2116 أوابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، و"زاد المسير" 4/ 197، والقرطبي 9/ 156، والبغوي 4/ 224، والثعلبي 7/ 68 ب.]]: باع يوسف إخوته باثنين وعشرين درهمًا.
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 98.]]: أخذ كل واحد من إخوته درهمين.
وقال ابن عباس [[الطبري 12/ 173، لكنها من رواية ابن جريح، وابن أبي حاتم: 7/ 2116 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 19، و"زاد المسير" 4/ 196، والقرطبي 9/ 155، والبغوي 2/ 224، والثعلبي 7/ 68 ب.]] في رواية عطاء: باعوه بعشرين درهمًا، فأخذ كل واحد منهم، إلا يهودا فإنه لم يأخذ شيئًا، وهذا قول ابن مسعود [[الطبري 12/ 172، الثعلبي 7/ 68 ب، وابن أبي شيبة والطبراني: وقال في "المجمع" 7/ 39: ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه والحاكم: وصححه وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 19، والبغوي 4/ 224، و"زاد المسير" 4/ 196، والقرطبي 9/ 155.]] والسدي [[الطبري 12/ 172، "زاد المسير" 4/ 196، القرطبي 9/ 155، الثعلبي 7/ 68 ب.]]، فذلك قوله ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي باعوه، يقال: شريت الشيء، إذا بعته وإذا اشتريته، قال الشماخ في البيع [[وهو الشماخ بن ضرار الغطفاني، شاعر فحل مخضرم، شهد القادسية وتوفي في خلافة عثمان انظر: "الشعر والشعراء" ص 195، و"الإصابة " 2/ 154، و"الأعلام" 3/ 175، "ديوانه" 190، و"الزاهر" 1/ 371، 2/ 256، والبيت قاله في رجل باع قوسه من رجل، ومعنى (حامز): عامر وقيل: ممض محرق، ويروى (من الوجد) "اللسان" (حزز) 1/ 612، القرطبي 9/ 155. كتاب: "العين" 3/ 17، 167، و"تهذيب اللغة" 1/ 918 (حمز)، و"جمهرة اللغة" (529)، و"مقاييس اللغة" 2/ 8، و"مجمل اللغة" 1/ 212، و"أساس البلاغة" (حزز) 1/ 171.]]:
فلما شَرَاهَا فَاضَتِ العَيْنُ عَبْرةً ... وفي الصَّدْرِ حَزَّازٌ من اللومِ حَامِزُ يريد: باعها، وقال قتادة [[عبد الرزاق 2/ 320، و"زاد المسير" 4/ 196، والطبري 12/ 171، و"الدر" 4/ 18.]] في رواية معمر: السيارة هم الذين باعوه.
وقوله تعالى: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ يريد حرام، وهذا قول الضحاك [[الطبري 12/ 171، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، الثعلبي 7/ 68 ب، "زاد المسير" 4/ 196، القرطبي 9/ 155.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 152 أ، الثعلبي 7/ 68 ب، البغوي 4/ 224.]] والسدي [[الثعلبي 7/ 68 ب، البغوي 4/ 224، القرطبي 9/ 155.]]، وعلى هذا سمى الحرام بخسًا؛ لأنه لا بركة فيه، فهو منقوص البركة.
وقال قتادة [[الطبري 12/ 172، وعبد الرزاق 2/ 320، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، والقرطبي 9/ 155، وابن أبي حاتم 7/ 2116 ب.]]: بخس ظلم، والظلم: النقصان، يقال: ظلمه حقه، أي: نقص. وقال عكرمة [[الطبري 12/ 172، وابن أبي حاتم 7/ 2116 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، والبغوي 2/ 224، و"زاد المسير" 4/ 196.]] والشعبي [[الطبري وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 18، البغوي 4/ 224، "زاد المسير" 4/ 196.]]: قليل.
وقال مقاتل بن حيان [[الثعلبي 7/ 68 ب، وعزاه البغوي لابن عباس وابن مسعود 4/ 224.]]: زيوف من دراهم اليمن، وعلى الأقوال كلها، البخس مصدر وضع موضع الاسم، والمعنى: بثمن مبخوس، أي: منقوص البركة؛ لأنه حرام، أو منقوص لقلته عن ثمن مثله، أو منقوص القيمة لأنه زيف.
وقوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ﴾ بدل من الثمن وتفسير له وواحده درهم، ويقال [["تهذيب اللغة" (درهم) 2/ 1181.]]: رجل مدرهم، أي: كثير الدراهم.
وقوله تعالى: ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ قال ابن إسحاق [[الطبري 12/ 173، الثعلبي 7/ 68 ب، و "زاد المسير" 4/ 196 عن ابن عباس، القرطبي 9/ 156.]]: كانوا يعدون الدراهم، حتى يبلغ أوقية، فقال الله عزّ وجلّ ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾، ليعلم أنها أقل من أوقية، وذلك أنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنه أقل من أربعين درهماً، إنما كانوا يعدونه عدًّا، وقال أصحاب المعاني [["معاني القرآن" للفراء 2/ 40، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبه ص 217.]]: يعني معدودة قليلة، وذكر العدد عبارة عن القلة، وذلك أن الكثير قد يمتنع من عدده لكثرته، والقليل يعد لقلته، وذكرنا الاختلاف في عدد الدراهم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ قال الليث [["تهذيب اللغة" (زهد) 2/ 1568.]]: الزهد: الزهادة في الدنيا، ولا يقال الزهد إلا في الدين خاصة، والزهادة في الأشياء كلها، ومعنى الزهد قلة الرغبة، يقال: زهد فلان في هذا، إذا لم يرغب فيه، وأصله من القلة، ومنه يقال: رجل زهيد، إذا كان قليل الطُّعْم، رجل مزهد قليل المال، ومصدر قوله ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ الزهادة لا الزهد، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 197، القرطبي 9/ 157، البغوي 4/ 225.]]: يريد إخوة يوسف، كانوا في يوسف من الزاهدين.
قال الضحاك [[الطبري 12/ 174، وابن أبي حاتم 7/ 2118 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 19، و"زاد المسير" 4/ 197.]]: لم يعرفوا نبوته، وموضعه من الله، وكرامته عليه، ويجوز أن تعود الكناية في قوله: ﴿فِيهِ﴾ إلى الثمن [["زاد المسير" 4/ 197.]] والمعنى: أن إخوة يوسف كانوا من الزاهدين في الثمن إما لذاته، وإما لأن قصدهم تبعيد يوسف لا الثمن.
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 98.]]: وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (فيه) ليست من صلة الزاهدين؛ لأنها لو كانت من صلته ما جاز أن تقدم عليه، لا يجوز أن تقول: كانوا زيدًا من الضاربين؛ لأن زيدًا [[في (أ)، (ب): (زبدٌ).]] من صلة الضاربين فلا يتقدم الموصول، وهذا في الظروف جائز؛ لأنها أقوى في حذف العامل من غيرها، والتقدير: كانوا زاهدين فيه من الزاهدين، ثم حذف زاهدين الأول؛ لأن العامل في الظروف كثيراً ما يحذف، هذا معنى قوله وبعض لفظه. وأكثر المفسرين [[الطبري 12/ 174، و"الدر المنثور" 4/ 18، والبغوي 4/ 225، و"زاد المسير" 4/ 196.]] على ما ذكرنا في الآية أن إخوته باعوه.
وقال قتادة [[عبد الرزاق 2/ 320، والطبري 12/ 173، و"زاد المسير" 4/ 196.]]: باع يوسف الذين استخرجوه من البئر بعشرين درهمًا.
وقال محمد بن إسحاق [[الرازي 18/ 107.]]: يقال: إن يوسف باعه إخوته، فربك أعلم إخوته باعوه أو السيارة [[في (ب): (والسيارة).]]، وقيل: شروه هاهنا بمعنى اشتروه، أي: السيارة اشتروه من إخوته، وكانوا فيه من الزاهدين؛ لأنهم قالوا لهم: إنه عبد آبق.
قال مجاهد [[الطبري 12/ 186، وابن أبي حاتم 7/ 2117 ب، وابن أبي شيبة: وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18.]]: كانوا يقولون شددوه لا يأبق، وعلى هذا الزهادة فيه من صفة السيارة، ويجوز أن يعود الكناية في قوله (فيه) إلى الثمن، والمعنى أن السيارة كانوا من الزاهدين في ذلك الثمن، لقلته ورداءته.
يوسف 12:21
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ قال جويبر عن الضحاك [[الطبري 12/ 175، القرطبي 9/ 158.]]: الذي اشتراه من مصر هو العزيز ملك مصر.
وقال محمد بن إسحاق [[الطبري 12/ 175، القرطبي 9/ 158، الثعلبي 7/ 68 ب.]] باعه مالك بن ذعر وهو الذي استخرجه من البئر من العزيز وهو اطفير بن روحيب، وكان على خزائن الملك وأمره، وكان الملك في ذلك الدهر الريان بن الوليد رجلاً من العمالقة.
وقال الكلبي عن ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 148، الثعلبي 7/ 68 ب.]]: العزيز لم يكن الملك، إنما كان وزير الملك وصاحب أمره.
وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 152 ب.]]: باع مالك بن ذعر من قطفير بن ميشا بعشرين دينارًا، وزاده حلة ونعلين، ومعنى الاشتراء والشراء هاهنا الاستبدال لا المنعقد بيعًا وشراءً كقوله ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [[البقرة: 16، 175 وقال هناك: حقيقة الاشتراء الاستبدال، وكل شراء استبدال، وليس كل استبدال اشتراء.]] وقد مر، وقوله ﴿لِامْرَأَتِهِ﴾ اللام من صلة القول، أي: قال لامرأته.
قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 148، و"زاد المسير" 4/ 198، والبغوي 4/ 225.]] في رواية الكلبي: اسم امرأة العزيز زليخا، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 152 ب، و"زاد المسير" 4/ 198.]]، وقال شعيب الجبائي [[لم أجده في مظانه، وهذا القول هو قول مقاتل، وانظر: "زاد المسير" 4/ 198، الرازي 18/ 109، البغوي 4/ 225، القرطبي 9/ 158.]]: اسمها زليخة، وقال محمد بن إسحاق [[الطبري 12/ 175، ابن أبي حاتم 7/ 2117 ب، وانظر: "الدر المنثور" 4/ 19، والثعلبي 7/ 69 أ، و"زاد المسير" 4/ 198.]]: اسمها راعيل.
وقوله تعالى: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي أكرمي منزله ومقامه عندك، من قولك: ثويت بالمكان، إذا أقمت به، ومصدره الثواء، يقال: ثوى يثوي [[في (ج): (يثوى ثواء) وهو الصحيح كما في "تهذيب اللغة" 1/ 510.]] ثوًا. قال ابن عباس [[انظر: البغوي 4/ 225، و"زاد المسير" 4/ 198، والقرطبي 9/ 159.]]: يريد أكرميه ما كان عندك.
نحو هذا قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 98.]] المعنى: أحسني إليه في طول مقامه عندنا، فالمثوى على هذا بمنزلة الظرف، كأنه قيل: أحسني إليه مدة مقامه عندنا، والمثوى على هذا مصدر، ومن المفسرين من يجعل المثوى الموضع الذي يقيم فيه، وهو قول قتادة [[الطبري 12/ 175، الثعلبي 7/ 69 أ.]] وابن جريج [[الطبري 12/ 175، الثعلبي 7/ 69 أ.]]، وعلى هذا أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه، دون إكرام نفسه فقط، ومعنى الإكرام، إعطاء المراد على جهة الإعظام.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ أي يكفينا -إذا بلغ وفهم الأمور [[هذه عبارة الثعلبي 7/ 69 أ.]] - بعض شؤوننا، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 160، ابن عطية 7/ 468.]]: [وكان لا يولد له وكان حَصُورًا.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 148، و "زاد المسير" 4/ 198.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] يريد ملكناه في أرض مصر، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 99.]]: أي: ومثل الذي وصفنا مكنا ليوسف في الأرض. وعلى هذا وجه التشبيه في ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا﴾ أنه شبه التمكين له في الأرض بالتوفيق للأسباب التي صار بها إلى ما صار بالنجاة من الهلاك، والإخراج من البئر، يعني: وكما أنجيناه من إخوته حين هموا بقتله وإهلاكه، وأخرجناه من ظلمة البئر، مكنا له في الأرض حتى بلغ ما بلغ، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 148.]] والمفسرون [[الطبري 12/ 176، البغوي 2/ 417، الرازي 18/ 109، "زاد المسير" 4/ 198، الثعلبي 7/ 69 ب.]]: يعني أرض مصر.
وقوله تعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ اختلفوا في هذه الواو، فقال أكثرهم [[انظر: "زاد المسير" 4/ 198.]]: إنها مستأنفة وخبرها مضمر على تقدير: ولنعلمه من تأويل الأحاديث فعلنا ذلك، أو مكنا له في الأرض، كقوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا} [الصافات: 6، 7] أي: وحفظًا زيناها، وعند الكوفيين يجوز أن يكون الواو مقحمة.
وقال بعضهم: هي عاطفة على معنى الكلام المتقدم بتقدير: دبرنا ذلك لنمكنه في الأرض ولنعلمه. وذكرنا معنى (تأويل الأحاديث) عند قوله ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 6].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ قال ابن عباس [[البغوي 2/ 226، و"زاد المسير" 14/ 199.]] في رواية عطاء: يريد على ما أراد من قضائه، وعلى هذا الكناية في (أمره) تعود إلى اسم الله تعالى وعز، ونحو هذا قال في رواية الكلبي عن أبي صالح [["تنوير المقباس" ص 148.]] عنه، فالمعنى: أن الله لا يغلبه على أمره غالب، ولا يبطل إرادته منازع فهو قادر على أمره من غير مانع [[في (أ)، (ج): (صانع).]]، وتفسير مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 152ب، و"زاد المسير" 4/ 199.]] يدل على أن الهاء عائدة على يوسف، والمعنى: والله غالب على أمر يوسف، فلا يبسط عليه يد عدو، ولا يوصل إليه كيد كائد، لما يريد من رفعه وتمكينه وتبليغه منازل آبائه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 191.]]: يريد لا يعلمون غيبي وما أريد بخلقي، وقال غيره [[الطبري 12/ 176، الثعلبي 7/ 70 أ، البغوي 4/ 226.]]: لا يعلمون ما الله بيوسف صانع، وما إليه يوسف صائر، والأكثر هاهنا عبارة عن جميع الناس، لا أحد يعلم ما يأتي في غد، ويجوز أن يقال: إنما قال: (أكثر الناس)؛ لأنه يجوز أن يعلمه من أطلعه الله عليه من نبي أو ولي، والأولى أن يقال: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن قدر الله غالب، وأن مشيئته نافذة في المرادات.
يوسف 12:22
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 305.]]: [العرب تقول: بلغ فلانٌ أشُدَّه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] إذا انتهى منتهاه في شبا [[في (ب): (شأنه) قلت لعلها شبابه، وهو كذلك في "مجاز القرآن" 1/ 305.]] وقوته، قبل أن يأخذ في النقصان، ليس له واحد من لفظه، يستغنون بها في الواحد والجميع، قالوا: بلغ أشده وبلغوا أشدهم، وقال يونس [["تهذيب اللغة" (شُد) 2/ 1843 عن الفراء.]]: واحدها شُد، مثل قولهم: فلان ودي، والجميع أودي، وأنشد للنابغة [["ديوانه" ص 35، و"اللسان" (ودد) 8/ 4794، و"تهذيب اللغة" 4/ 3858، و"جمهرة اللغة" (115)، و"تاج العروس" (ودد) 5/ 306، وروى بلفظ (خبره).]]:
إني كأني لَدَى النُّعْمَان حَدّثَه ... بَعْضُ الأوُدِّ حَدِيثاً غَيْرَ مَكْذُوبِ
وقد ذكرنا الكلام في الأشد مستقصى في سورة الأنعام عند قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [[الأنعام (152) وقد نقل هناك عن جماعة من أهل اللغة في بيان معنى الأشد، خلاصة ما ذكروه أنه بمعنى القوة والجلادة، ومبلغ الرجل الحنكة والمعرفة.]].
وأما التفسير: فروى ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس [[الطبري 12/ 177 قال: بضعًا وثلاثين. وقد أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي حاتم 7/ 2118 أ، وابن الأنباري في كتاب: "الأضداد" والطبراني في "الأوسط" وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 20، والرازي 18/ 110، و"زاد المسير" 4/ 200.]]: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قال: ثلاثًا وثلاثين سنة.
وروى عثمان بن خثيم عن مجاهد عن ابن عباس [[هذه الرواية ذكرها الطبري بلفظ بضعًا وثلاثين سنة 12/ 177.]] ثلاثين سنة، ومجاهد [[الطبري 12/ 177، "زاد المسير" 4/ 200، الثعلبي 7/ 70 ب، البغوي 4/ 226 ابن أبي حاتم 7/ 2118.]] يقول في رواية ابن أبي نجيح: ثلاثًا وثلاثين سنة، وقال في رواية عطاء. يريد الحلم [["زاد المسير" 4/ 200 ونسبه إلى الشعبي وربيعة وزيد بن أسلم وابنه، وكذا ابن أبي حاتم 7/ 2119 عنهم.]].
وقال الضحاك [[الطبري 12/ 177، الثعلبي 7/ 70 ب، "زاد المسير" 4/ 200، البغوي 4/ 226.]]: عشرين سنة، وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 152ب، وأخرجه ابن أبي حاتم 7/ 2119 عن سعيد بن جبير.]]: ثمان عشرة سنة، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 99.]]: الأشد من نحو سبعة عشر [[كذا في النسخ والصواب: سبع عشرة.]] سنة إلى نحو الأربعين.
وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وقال في قصة موسى ﴿وَاسْتَوَى﴾ [القصص: 14] قالوا في معناه: بلغ الأربعين، ولم يقل هاهنا استوى؛ لأن موسى بلغ أربعين سنة حين أوحى إليه وهو منتهى الأشد، فأما يوسف فقد أوحى إليه قبل الأربعين، وأما تفسير قوله: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فقال عطاء عن ابن عباس [[أخرجه الطبري وابن أبي حاتم 7/ 2119 عن مجاهد بنحوه انظر: "الدر" 4/ 20، الثعلبي 7/ 70 ب.]]: يريد عقلاً وفهمًا.
وقال الكلبي [[القرطبي 9/ 162، و"زاد المسير" 4/ 200.]]: والحكم النبوة، والعلم علم الدين، وعلى هذا القول يجب أن يحمل الأشد هاهنا على دون العشرين؛ لأن العلماء على أن يوسف أعطى النبوة وأوحي إليه في البئر، ومن فسر الأشد بثلاث وثلاثين سنة قال: معناه أنه لما بلغ هذه السن زدناه علمًا وفهمًا بعد النبوة.
قال ابن الأنباري [[الرازي 18/ 111.]]: قال اللغويون الحكم والحكمة أصلها حبس النفس عن هواها ومنعها مما يشينها [[في (ج): (لا تشتهي).]]. فجائز أن يعني بهما النبوة، وممكن أن يعبرا عن العقل والفهم؛ لأن كل واحد من الثلاثة يحبس النفس على رشدها ويبعدها عن غيها.
وقال أبو إسحاق [["معاني القرن وإعرابه" 3/ 99.]] في قوله ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: أي جعلناه حكيمًا عالمًا، وليس كل عالم حكيمًا، الحكيم: العالم المستعمل علمه، الممتنع من استعمال ما يجهل فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي مثل ما وصفنا من تعليم يوسف ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس [[أخرج الطبري عن ابن عباس قوله ﴿الْمُهْتَدِينَ﴾ في: "الدر" 4/ 20، و"زاد المسير" 4/ 201.]]: يريد نفعل بالموحدين، وقال أبو روق عن الضحاك [[الثعلبي 7/ 70 ب، القرطبي 9/ 162.]]: يعني: الصابرين عن النوائب، كما صبر يوسف.
يوسف 12:23
قوله تعالى ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ يعني: امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها، طلبت منه أن يواقعها، يقال: راود فلان جاريته عن نفسها، وروادته هي عن نفسه، إذا حاول كل واحد من صاحبه الوطء والجماع، ومعنى المراودة في اللغة: المطالبة بأمر للعمل به، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 99.]]: المعنى أنها راودته عما يريد النساء من الرجال.
وقوله تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ أي أغلقتها، وأصل [["تهذيب اللغة" (غلق) 3/ 2686.]] هذا من قولهم في كل شيء نَشَبَ في شيء فلزمه: قد غلق، يقال: غلق في الباطل، وغلق في غضبه، ومنه: غلق الذهن، ثم يعدّى ما بالألف فيقال: أغلق الباب، إذا جعله بحيث يعسر فتحه، واغلاق القاتل إسلامه إلى ولي المقتول، وذلك أنه صبر بحيث لا يفك منه بعد ذلك، وقد نشب في حيث لا منجا له [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2686، و"لسان العرب" 6/ 3283.]]، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 71 أ، الطبري 12/ 179، البغوي 4/ 227.]]: وإنما قال (غَلَّقت) على التكثير؛ لأنها غلقت سبعة أبواب ثم دعته إلى نفسها.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ هيت: اسم للفعل نحو: رويد، وصه، ومه، وبابه، ومعناه: هلم في قول جميع أهل اللغة [["تهذيب اللغة" 4/ 3816 (هيت)، و"لسان العرب" 8/ 4732 (هيت)، و"مجاز القرآن" 1/ 305.]]، قال الفراء: ولا مصدر له ولا تصرف، قال الأخفش: هيت لك، مفتوحة الهاء والتاء معناها: هلم، ويجوز كسر التاء ورفعه، وكسر بعضهم الهاء وفتح التاء، كل ذلك بمعنى واحد، قال أبو الفضل المنذري: أفادني ابن اليزيدي [[ابن اليزيدي هو: أبو جعفر أحمد بن محمد اليزيدي، كان متقنًا للعلوم، رواية للشعر والأخبار، شاعرًا، توفي قبل سنة 260 هـ. انظر: "تاريخ العلماء النحويين" ص 225.]] عن أبي زيد قال: هيت لك بالعبرانية هيتا لج [[في (أ)، (ب): (هنالخ) والصحيح ما أثبته كما في "تهذيب اللغة" 4/ 3816.]] أي: تعاله، أعربه [[في (ج): (إعرابه).]] القرآن.
وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 40.]]: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها [[ما سبق من "تهذيب اللغة" 4/ 3816 - 3817. بتصرف.]].
قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 202، الرازي 18/ 91.]]: وهذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران، كما اتفقت العرب والروم في القسطاس، [ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]]، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل، في حروف كثيرة، قال: ولا تثنية في هيت ولا جمع ولا تأنيث، يقال للرجلين: هيت لكما، وللجماعة هيت لكم، وللنسوة هيت لكن، ويقال: قد هيت الرجل، إذا قال لصاحبه: هيت وهلم.
وأنشد لطرفه [[والبيت روي بـ (أيها) بدل: هيت، انظر: "ديوانه" 63، و"التكملة" ص 255، و"الخزانة" 4/ 102، و"الخصائص" 2/ 335، و"شرح شواهد الإيضاح" ص 581، و"شرح المفصل" 5/ 60، وبلا نسبة في "المحتسب" 1/ 162، و"اللسان" (غلف) 6/ 3282.]]:
هيت الفِتْيَان في مَجْلِسِنَا ... جَرَّدُوا منها وِرَادًا وشُقُرْ
وقال أيضاً [[البيت من الخفيف وقد نسبه الواحدي إلى طرفة وليس في ديوانه، وقد نسب إلى طرفة بمثل رواية الواحدي في القرطبي 9/ 164، و"النكت والعيون" 3/ 23، ونسب إلى طرفة، ولكن برواية (هَيتُ) بفتح الهاء وضم التاء في الطبري 12/ 181 (العلمية)، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 100، و"المحتسب" 1/ 337، و"مجمع البيان" 5/ 340.]]:
ليس قَوْمِي بالأبْعَدِين إذا ما ... قَالَ دَاعٍ من العَشِيرَةِ هَيْتا قال: وللعرب فيها لغات أجودها فتح الهاء والتاء، وهي قراءة العامة [["السبعة" 347، و"النشر" 3/ 125، و"إتحاف" ص 263 وهي قراءة عاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي.]].
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 100.]]: لأنها بمنزلة الأصوات، ليس فيها فعل يتصرف، ففتحت التاء لسكونها وسكون الياء، واختير الفتح لأن قبل التاء ياءً، كما قالوا: كيف وأين، ومن كسر التاء [[قرأ بها ابن محيصن.]]، فلأن أصل التقاء الساكنين حركة الكسر، ومن ضمها [[وهي قراءة ابن كثير.]]، فلأنها في موضع معنى الغايات كأنما قالت: دعائي لك، فلما حذفت الإضافة وتضمنت هيت معناها، بنيت على الضم، كما بنيت حيث، ومنذ، ومن كسر الهاء [[رواها هشام بن عمار بإسناده عن ابن عامر مع الهمز (هِئتُ) على معنى تهيأتُ لك.
انظر: "السبعة" 347، و"إتحاف" ص 263.]] وضم التاء فهو على لغة قوم يؤثرون كسر الهاء على فتحها.
قال أبو علي الفارسي [["الحجة" 4/ 417، بتصرف. "مجاز القرآن" 1/ 305.]]: قال أبو عبيدة: هيت لك، هلم لك، وأنشد لرجل [[في "مجاز القرآن" 1/ 279، و"المفصل" 4/ 32، و"اللسان" (هيت) 8/ 4772، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 357، و"جمهرة اللغة" 251، 440.]]:
أبْلِغْ أمير المؤمنين أخَا العِرَاقِ إذا انْتَهَيْتا
أنَّ العِرَاقَ وأهْلَه عنق إليك فهَيْتَ هَيْتَا
أي: هلم إليها، قال أبو علي: قولهم: هيت فلان بفلان إذا دعاه، ينبغي أن يكون مأخوذًا من قولهم: هيت لك، كما أن قولهم: أفف، مأخوذ من أف، وجعلوها بمنزلة الأصوات لموافقتها لها في البناء، فاشتقوا منها كما يشتقون الأصوات نحو: دع دع، وسبح، إذا قال: سبحان الله، ولبَّا إذا قال: لبيك، قال: ومثل هذه الكلمة في أن الأخير قد جازت فيه الحركات لالتقاء الساكنين قولهم: كان في الأمر ذَيْتُ وذْيتَ وذيْتِ، قال: و (لك) في قوله ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ للتبيين بمنزلة (لك) في قولهم: هلم لك، والكاف في قولهم رويدك [[في (ب): (ويدك) من في غير راء.]]، ومعاك، وأما [[في (ج): (وأماها روى). بالهاء.]] ما روى هشام [[هشام بن عمار بن نصير، ابن ميسرة السلمي، أبو الوليد، قاض من القراء المشهورين، من أهل دمشق. قال الذهبي: خطيبها ومقرئها ومحدثها وعالمها، توفي سنة 245 هـ انظر: "غاية النهاية" 2/ 354، و"ميزان الاعتدال" 5/ 427، و"الأعلام" 8/ 87.]] عن ابن عامر (هئتُ لك) بكسر الهاء والهمزة وضم التاء، فإنها فعلتُ من الهيئة، والضاء ضمير الفاعل.
قال أبو زيد: هئتُ للأمر هَيئة وتهيأت [[في (أ)، (ب): (وهيأت).]]، ونظير هذا: فئتُ وتفياتُ، بمعنى رجعت، ويجوز على هذا المعنى تخفيف الهمزة كما يخفف من جئت وشئت. وأنكر [[في (أ)، (ج): (وانكسر).]] أبو عمر [[في (ج): (وأبو عمروا أو الكسائي).]] والكسائي هذه القراءة [["مجاز القرآن" 1/ 305، والطبري 12/ 181، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 410، والثعلبي 7/ 71 أ.]] وقالا: هئْتُ بمعنى تهيئت باطل، لم يحك عن العرب.
فأما قول المفسرين في هذا، فروي أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس [[في مسائل نافع بن الأزرق: تهيأت لك، و"الإتقان" 1/ 167، وهذا التفسير في صحيفة علي بن أبي طلحة 291، وهو في الطبري 12/ 179، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم 7/ 2121، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 21.]]: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال: معناه، هلم لك، هو قول الحسن [[الطبري 12/ 179، القرطبي 9/ 164.]] وابن زيد [[الطبري 12/ 180.]] وعامة أهل التفسير، وروى وكيع عن النضر ابن عربي عن عكرمة في قوله ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال: هلم، وزاد وكيع: وهو بالحورانية [[الطبري 12/ 179.]].
وقال محمد بن إسحاق [[في الطبري 12/ 180 عن ابن إسحاق قال: تعال. وابن أبي حاتم 7/ 2122 وفيه تعالى فأنا لك.]]: معناه فأنا لك، فقال يوسف عند ذلك: معاذ الله.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 101.]]: المعنى: أعوذ بالله أن أفعل هذا، ومعاذ مصدر تقول: عذت عياذًا ومعاذًا ومعاذه، ومعناه: أعتصم بالله من هذا، وتقديره في الكلام: أعوذ معاذًا بالله، فحذف الفعل ونصب المصدر بالفعل المحذوف المراد، وأضيف [المصدر إلى اسم الله تعالى، كما يضاف] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] المصدر إلى المفعول، ومثله من الكلام: مررت بعمرو مرور زيد، على أن زيدًا ممرور به، والمعنى: كمروري [[في (ب): (لمروري).]] يزيد، ومثله: ولسْتُ مُسَلِّمًا ما دُمْتُ حيًّا ... على زَيْدٍ كتَسْلِيم [[في (أ)، (ب): (لتسليم).]] الأمِيرِ [[لم أجده.]]
أي: كتسليمي على الأمير، وقد مر.
وقولى تعالى: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ يعني زوجها، في قول مجاهد [[الطبري 12/ 183، القرطبي 9/ 165، ابن عطية 7/ 475.]] وابن إسحاق [[الطبري 12/ 183، القرطبي 9/ 165، ابن عطية 7/ 475.]] والكلبي [["تنوير المقباس" ص 148.]] والسدي [[الطبري 12/ 683، القرطبي 9/ 165، ابن عطية 7/ 475.]] وأكثر المفسرين [[الثعلبي 7/ 72 أ، البغوي 4/ 228، "زاد المسير" 4/ 203.]]، ومعناه: إن الذي اشتراني هو سيدي أنعم علي بإكرامي، فلا أخونه في حرمه، إن فعلت ذلك كنت ظالمًا، ولا يفلح الظالمون.
قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" خلاف ذلك 3/ 101 لأنه قال: (أي إن العزيز ربي).]]: ويجوز أن يكون المعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، أي تولاني في طول مقامي، فلا أرتكب ما قد نهى عنه وحرمه، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يسعد العاصون، وقيل: الزناة، وهو قول الكلبي [["تنوير المقباس" ص 148، الثعلبي 7/ 72 أ، "زاد المسير" 4/ 203.]]، ومضى الكلام في معنى مثواي آنفًا.
يوسف 12:24
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ الآية، الهم مصدر هممت [[في (أ)، (ج): (همت) بميم مشددة.]] بالشيء إذا أردته، وحدثتك نفسك به وقاربته من غير دخول فيه، كل هذا يكون هَمًّا بالشيء، فمعنى قوله: ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ أي أرادته وقصدته، وأما معنى هم يوسف بها، فقال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم: هَمّ [[(هم) ساقط من (أ)، (ج).]] يوسف أيضًا بهذه المرأة همًا صحيحًا، وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت عنه كل شهوة، قال الباقر بإسناده عن آبائه [[(عن آبائه): ساقط من (ج)، والباقر هو: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي الهاشمي، ثقة حافظ، كان يتولى الشيخين، روى له الجماعة، توفي سنة 114هـ. انظر: "التهذيب" 3/ 650 - 651، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 401.]] عن علي [[أخرجه أبو نعيم في "الحلية" 3/ 181، انظر: "الدر" 4/ 22.]] - رضي الله عنه - قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان طمعه فيها أنه هم أن يحل التكة.
وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس [[الطبري 1/ 183 وأبو الشيخ وأبو نعيم في "الحلية" كما في "الدر" 4/ 22، الثعلبي 7/ 72 أ، البغوي 4/ 228، القرطبي 9/ 166.]] قال: حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن، ونحو هذا قال في رواية عطاء، وروي عنه أيضًا [[عبد الرزاق 2/ 321، والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير 12/ 183، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2123 وأبو الشيخ والحاكم وصححه كما في "الدر" 4/ 22، الثعلبي 7/ 72 أ، القرطبي 9/ 166.]] أنه سئل: ما بلغ من هم يوسف؟ قال: استلقت له وقعد بين رجليها ينزع ثيابه، ونحو هذا قال سعيد بن جبير [[الطبري 12/ 184 وابن أبي حاتم 7/ 2122 وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 23، والثعلبي 7/ 72 أ، البغوي 4/ 228، "زاد المسير" 4/ 203، القرطبي 9/ 166.]] ومجاهد [[عبد الرزاق 2/ 321، والطبري 12/ 184، وابن المنذر انظر: ابن أبي حاتم 7/ 2123 بمعناه وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 22 - 23، الثعلبي 7/ 72 أ، البغوي 4/ 232، القرطبي 9/ 166.]] والضحاك [[الطبري 12/ 185، الثعلبي 7/ 72 أ، "زاد المسير" 4/ 203.]] والسدي [[الثعلبي 7/ 72 أ، والبغوي 4/ 232، و"زاد المسير" 4/ 203، وابن أبي حاتم 7/ 2123.]] ومحمد بن إسحاق [[الثعلبي 7/ 72 أ، البغوي 4/ 228، وابن أبي حاتم 7/ 2123.]].
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال الباقر بإسناده عن علي [[أخرجه أبو نعيم في "الحلية"، انظر "الدر" 4/ 24.]] -رضي الله عنه- قال: قامت المرأة إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته [[في (ج): (فسرته).]] بثوب، فقال يوسف: أي شيء تصنعين؟ قال: أستحي من إلهي هرا أن يراني على السوء، فقال: أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع، ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا تنالينها مني أبداً، قال فهو البرهان الذي رآه.
وقال ابن عباس [[عبد الرزاق 2/ 321، والطبري 12/ 187، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2124، وأبو الشيخ والحاكم في "المستدرك" 2/ 346 وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وانظر: "الدر" 4/ 24.]] وعامة المفسرين: مثل له يعقوب فرأى صورته عاضًّا على أصابعه يقول: أتعمل [[في (أ)، (ج): (العمل)، (وأنت) ساقط من (أ)، (ب)، (ج).]] عمل الفجار وأني مكتوب في الأنبياء، فأستحي منه، وهذا قول عكرمة [[الطبري 16/ 42، وابن أبي حاتم 7/ 1124، وأبو الشيخ كما "الدر" 4/ 23، والثعلبي 7/ 74 أ.]] ومجاهد [[عبد الرزاق 2/ 321، الثعلبي 7/ 74 أ، الطبري 12/ 188.]] والحسن [[عبد الرزاق 2/ 321، والطبري 12/ 189، وابن أبي حاتم 7/ 21، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 23، والثعلبي 7/ 74 أ.]] وسعيد بن جبير [[الطبري 12/ 187، ابن أبي حاتم 7/ 2125، أبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 23، الثعلبي 7/ 74 أ.]] وقتادة [[عبد الرزاق 2/ 321، الطبري 2/ 109، وابن أبي حاتم 7/ 2125، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 23، الثعلبي 7/ 74 ب.]] والضحاك [[الطبري 12/ 190، و"الدر" 4/ 524، وا لثعلبى 7/ 74 أ.]] وابن سيرين [[الطبري 12/ 189، وابن أبي حاتم 7/ 2124، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 23، والثعلبي 7/ 74 أ.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 152 ب.]]، قال سعيد بن جبير: مثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله.
وقال ابن عباس [[انظر ابن أبي حاتم 7/ 2124 بمعناه.]] في رواية ابن أبي مليكة: إنه لم يزدجر برؤية صورة يعقوب حتى ركضه جبريل في ظهره، فلم يبق فيه شهوة إلا خرجت، فوثب واستبقا الباب، هذا الذي ذكره قول أئمة المفسرين الذي أخذوا التأويل عمن شاهدوا التنزيل، وأما المتأخرون فإنهم ذكروا في الآية أوجهًا قصدوا بها تنزيه يوسف عن الهم الفاسد.
أخبرنا أبو الفضل العروضي [[هو أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي، سبقت ترجمته في شيوخ المؤلف. انظر: "تهذيب اللغة" (همم) 4/ 3798.]] قال أخبرني الأزهري عن المنذري عن ثعلب أنه سئل عن هذه الآية فقال: همت زليخا بالمعصية مصرة على ذلك، وهم يوسف بالمعصية ولم يأتها ولم يصر عليها، فبين الهمين فرق.
وشرحه ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 203.]] فقال: همت المرأة عازمة على الزنا قاصدة قصده، ويوسف عارضه ما يعارض البشر من خطرات القلب، وحديث النفس ووسوسة الشيطان، فكان هامًا غير عازم، فلم يلزمه هذا الهم ذنبًا، ولم يلحقه عتبًا، إذ الرجل الصالح يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد، والتلذذ بأكل الطعام الطيب، فإذا لم الهمّ لم يوجب معصية، فبرهان ربه عن أي شيء صرفه؟ قيل: إنه وإن لم يوجب معصية، فالنبيون والصديقون يعاتبون على الخطرة واللمحة والوسوسة، وبرهان ربه صرفه عن الإقامة على [[في (ج): (عن).]] الشيء الذي التمادي فيه يؤدي إلى اكتساب ما يوجب عقوبة، فهذه طريقة.
وقال آخرون [[الثعلبي 7/ 72 ب، البغوي 4/ 229، "زاد المسير" 4/ 205.]]: الآية محمولة على التقديم والتأخير، وتلخيصها: ولقد همت به لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فقدم جواب لولا عليها، كما يقال: قد كنت من الهالكين لولا أن فلانًا خَلّصك، ومثله قول الشاعر [[القائل قيس بن زهير، في سيبويه والشنتمري 1/ 427، و"الرد على النحاة" (150)، و"الدر" 2/ 10، وهو الورقاء بن زهير في ابن السيرافي ص 586، وبلا نسبة في "معاني القرآن" 1/ 67، و"الهمع" 2/ 16، و"أمالي المرتضي" 1/ 480.]]:
فلا يَدْعُنِي قَوْمي صَرِيحًا لحُرَّةٍ ... لئن كنتُ مقتولًا ويَسْلَمُ عامرُ
فقدم جواب لئن، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 101.]]: وليس بكثير في الكلام أن تقول: ضربتك لولا زيد، ولا هممت بك لولا زيد، إنما الكلام: لولا زيد لهممت بك، ولولا تجاب باللام، فلو كان في القراءة: ولقد همت به ولهم بها لولا أن رأى برهان ربه، لكان يجوز على بعد.
وقال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 206.]]: تقديم جواب لولا عليها شاذ يستكره، وغير موجود في الفصيح من الكلام، وأما البيت فإنه من اضطرار الشعر، ولا ينبغي أن يحمل كتاب الله تعالى النازل بأفصح اللغات على بيت شعر دعت شاعره ضرورةٌ إلى تقديم ما هو مؤخر في النية، مما لو كان متكلمًا بنثر لم يستجز تقدمته، على أنا نقول: جواب لأن يتقدم عليها لأن مجراه مجرى اليمين، فلما صلح إتيان القسم بعد المقسم عليه في قولهم: يقوم زيد والله، حملت لئن على القسم فأخرت بعد جوابها، و (لولا) ليست قسمًا ولا مشبهة بالأقسام فسبق جوابها بعيد مُسْتَسْمج.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 101.]]: والذي عليه المفسرون أنه هم بها، وأنه جلس منها مجلس الرجل من المرأة، إلا أن الله تفضل بأن أراه البرهان، ألا تراه قال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآية، يعني بهذا ما روي أن يوسف لما دخل على الملك، وأقرت المرأة بقولها: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾، وقال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾، قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟، فقال يوسف عند ذلك: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [[أخرجه الفريابي والطبري 4/ 42 - 43، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2158، وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب كما في "الدر" 4/ 42 - 43.]] الآية.
وقال أبو بكر [["الأضداد" 411 - 414، و"الوقف والابتداء" 2/ 720 - 721، و"زاد المسير" 4/ 203 - 207، والقرطبي 9/ 166.]]: والذي نذهب إليه في هذه الآية ما يروى عن الصحابة والتابعين من تثبيت الهم ليوسف غير عائبين له ولا طاعنين، بل نقول: إن انصرافه بعد ثبات الهم وحل السراويل، وجلوسه من المرأة مجلس الرجل، تعظيمًا لله ومعرفة لحقه، أدل على محافظته على مذهب آبائه، وعلي وفور الثواب وتكامل الأجر له عند إيثار الطاعة على اللذة؛ لأنه انكشف عن المرأة في الحال التي لا ينكشف فيها إلا بَرٌّ مخلص، فكان انكشافه وصبره ماحيًا عنه سيئة الهم، وموجبًا له حسنات مضاعفات بالحديث الصحيح الذي روي في حديث الغار [[أخرجه البخاري (3465)، كتاب: الأنبياء، باب. حديث الغار، وأخرجه مسلم (2743) في كتاب: الرقاق، باب: قصة أصحاب الغار.]] وهو أن ثلاثة لجأوا إلى غار، فانطبق عليهم، فذكر كلُّ رجل أفضل عمله، فذكر أحدهم أنه قام عن امرأة بعد ما قدر عليها، ففرج الله عنهم، والحديث طويل معروف، فدلَّ أن الهم بالزنا إذا أتبعه الانصراف بعد القدرة عليه، لم يكن من الفواحش ولا من الكبائر، مع أن الذين ثبتوا [[في (ب): (بينو).]] الهم ليوسف من علي، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، ووهب، وابن سيرين، والحسن، وقتادة، والكلبي [[(الكلبي): ساقط من (ج).]] وغيرهم كانوا أعرف بحقوق الأنبياء وارتفاع منازلهم عند الله من الذين نفوا الهم عنه، وقد قال الحسن [["زاد المسير" 4/ 207، البغوي 4/ 231، القرطبي 9/ 167.]]: إن الله لم يقصص عليكم ذنوب الأنبياء تعييرًا لهم، ولكنه قصها عليكم لئلا تقنطوا من رحمته وتيأسوا من فضله.
قال أبو عبيد [["زاد المسير" 4/ 207.]]: يذهب الحسن إلى أن الحجة من الله عزّ وجلّ على أنبيائه أوكد وهي لهم ألزم، فإذا كان يقبل التوبة منهم كان إلى قبولها منكم أسرع.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 101.]]: جوابه محذوف، المعنى لولا أن رأى برهان ربه، لأمضى ما هم به.
وقال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 207.]] تلخيصه: لولا أن رأى برهان ربه لزنا، وحذف جواب (لولا) كثير في القرآن، ومثله ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 5]، جوابه: لم تنافسوا وتفاخروا بالدنيا وهو كثير.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 102.]] أي كذلك أريناه البرهان لنصرف عنه السوء والفحشاء.
وقال صاحب النظم: هذا على التقديم والتأخير، التقدير: ولقد همت به وهم بها (كذلك) أي كما همت به، وقوله ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ معترض بينهما واتصاله بقوله: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ أي أريناه البرهان لنصرف عنه ما هَمَّ به من السوء والفحشاء.
قال ابن زيد [[البغوي 4/ 234، القرطبي 9/ 170 من غير نسبة.]]: السوء القبيح، والفحشاء الزنا. وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 102.]]: السوء خيانة صاحبه، والفحشاء ركوب الفاحشة. وقال عطاء [[انظر: الرازي 18/ 121.]]: السوء والفحشاء عبارتان عن الزنا كله باللسان والفرج واليد وجميع الفرج.
عن ابن عباس ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي [[هذا قول الزجاج انظر "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 102.]] الذين أخلصوا دينهم لله، ومن فتح اللام أراد الذين أخلصهم الله من الأسواء.
يوسف 12:25
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ الاستباق [["تهذيب اللغة" (سبق) 2/ 1620.]] طلب السبق إلى الشيء، ومعناه: تبادر إلى الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه، فإن سبق يوسف المرأة فتح الباب وخرج، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 102.]]، [لئلا يخرج، فالاستباق هنا بمعنى المبادرة، قال أبو إسحاق: أي سبق إلى الباب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]].
قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 76 ب، البغوي 4/ 234، و"زاد المسير" 4/ 211.]]: إن يوسف لما رأى البرهان قام مبادرًا إلى الباب هاربًا مما أراد به، واتبعته المرأة تبغي حبسه والتشبث به، فلم تصل إلا إلى دبر القميص فقدته، ووجدا قطفير عند الباب، فحضرها في ذلك الوقت كيد لما فاجأت سيدها لدى الباب، فقالت مُبرئةً نفسها من الأمر، وملزمة يوسف الذنب، وموهمة زوجها أن الذي سمع من العَدْو والمبادرة إلى الباب والهرب كان منها لا من يوسف ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ الآية، فذلك قوله ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ أي: قطعته طولاً، ومعنى القد في اللغة [["تهذيب اللغة" (قدد) 3/ 2895، و"اللسان" (قدد) 6/ 3543.]]: قطع الجلد وشق الثوب ونحو ذلك، وشيء حسن النقد، أي: حسن التقطيع.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ أي من جهة الخلف، قال ابن الأنباري: المعنى من دبر القميص، وكان معنى القميص معروفًا، فأوثر التخفيف، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 76 ب.]]: وشقت قميصه من خلفه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا﴾ أي أدركا وصادفا، قال ذو الرمة [[انظر: "ديوانه" 99، و"الدر المصون" 1/ 697.]]:
ألْفَى أبَاه بدال الكَسْب يَكْتَسِبُ
وقوله تعالى: ﴿سَيِّدَهَا﴾ قال ابن عباس والكلبي وغيرهما [[أخرجه الطبري 12/ 192 عن زيد بن ثابت. وأخرجه الطبري 12/ 192 وابن أبي حاتم 7/ 2127، وأبو الشيخ عن مجاهد كما في "الدر" 4/ 25، و"تنوير المقباس" ص 148.]]: زوجها، وقالت المرأة سابقة بالقول: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ قال ابن عباس: يريد الزنا، مثل قوله: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ أي: يحبس في السجن، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني الضرب بالسياط، وعطف العذاب على قوله: ﴿أَنْ يُسْجَنَ﴾؛ لأنه بمعنى السجن، وقد مر، وهذه الآية بيان عن ما يوجبه مكر النساء من البهت، بطرح الجرم على غير صاحبه لتبرئة النفس من ذلك.
يوسف 12:26
قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ قال نوف: أحْسَبُها الشيباني هكذا في الطبري [[الطبري 12/ 193 عن نوف الشيباني، والثعلبي 7/ 76 ب، وابن أبي حاتم 7/ 2127، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 25.]]: ما كان يوسف يريد أن يذكره، فلما سبقت هي بطرح الجرم عليه غضب يوسف، وقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ اختلفوا في هذا الشاهد، فقال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 77 أ، و"زاد المسير" 4/ 211.]]، في رواية عطاء وابن أبي مليكة: كان رجلاً حكيمًا من أقارب المرأة.
وهو قول الحسن [[الطبري 12/ 195، وابن أبي حاتم 7/ 2129 وانظر: "الدر" 4/ 26، الثعلبي 7/ 77 أ، البغوي 4/ 235، القرطبي 9/ 173، ابن أبي حاتم 7/ 2129.]]، وعكرمة [[الطبري 12/ 194، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 26، الثعلبي 7/ 77 أ، البغوي 4/ 235، القرطبي 9/ 173.]]، وقتادة [[الطبري 12/ 195، وابن أبي حاتم 7/ 2129 وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 26، الثعلبي 7/ 77 أ، البغوي 4/ 235، عبد الرزاق 2/ 322، القرطبي 9/ 173.]]، والضحاك [[الثعلبي 7/ 77 أ، القرطبي 9/ 173، الطبري 12/ 194 بلفظ: ذو رأي برأيه.]]، ومجاهد [[الطبري 12/ 194 - 195، الثعلبي 7/ 77 أ، البغوي 12/ 194، القرطبي 9/ 173.]] برواية منصور، ومحمد بن إسحاق [[الطبرى 12/ 194 - 195.]] قال: كان رجلاً يشاوره أطفير ويسمع قوله، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ أي أعلم معلم، وبين مبين، وقال قائل، غير أن هذا القول والإعلام لما كان كالبينة استعمل فيه لفظ الشهادة، [قال مجاهد [[الطبري 12/ 195.]]: شهد شاهد: حكم حاكم. وإنما قلنا ذلك؛ لأن الشهادة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] لا يصح تعليقها بالشرط؛ ولأنه لو كانت هذه شهادة معهودة لقيل وشهد مشاهد من أهلها، (أنه إن كان قميصه) كما يقال: إن فلانًا فعل كذا، ولفظ الشهادة يستعمل في التبيين، كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 18] أي [[في (ب) بياض.]]: أعلم وبين، وقال تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: 17] يريد بينوا؛ ذلك لعنادهم، الحق وإن لم يكن منهم اعتراف بالكفر.
وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 212.]]:
ويجوز أن يقال: إن الشهادة لم تقع إلا على معلوم عند الشاهد بكلام سمعه من المرأة من وراء الباب، أو لفظة وقعت في أذنه من ألفاظ يوسف في حال هربه، فأوقع في الشهادة شرطًا ليؤكد العلم به للمخاطبين من جهة العقل، وتلخيص الآية: هو الصادف عندي وهي الكاذبة، فإن تدبرتم ما أشرطه [[في (ب): (ما اشترطته).]] لكم، عقلتم صحة قولي، وصار هذا كقول القائل: إن كان القَدَر حقًا فالحرص باطل، فليس هذا الشارط بشاك، لكنه ألزم مخاطبه صحة ما يقول، فدخلت (إن) على جهة التقدير للمعنى الذي يوجب غيره لا للشك، وكذا يكون مقدرات الاستدلال، والأول هو مذهب المفسرين.
قال الكلبي [[القرطبي 9/ 173 ولم ينسبه. وابن أبي حاتم 7/ 2129 عن زيد بن أسلم.]]:
الشاهد ابن عم المرأة، وكان رجلاً حكيمًا، كان مع زوجها، فقال قد سمعنا الاشتداد والجلبة من رواء الباب، وشق القميص، فلا ندري أيكما كان قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة، وإن كان من خلفه، فهو صادق.
ونحو هذا قال السدي [[البغوي 4/ 235، القرطبي 9/ 173، والثعلبي 7/ 77 أ.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 152 ب.]]: أن الشاهد كان ابن عمها فحكم بما أخبر الله تعالى.
وروى عطية العوفي عن ابن عباس أن الشاهد كان صبيًّا أنطقه الله، وهو رواية سالم [[هو: سالم بن عجلان الأفطس الأموي، مولاهم، أبو محمد الحراني، ثقة رمي بالإرجاء، قتل صبرًا سنة 132 هـ. "التقريب" (2183)، و"الميزان" 2/ 302.]] عن سعيد بن جبير [[الطبري 12/ 193، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 26، البغوي 4/ 234.]]، وجويبر عن الضحاك [[الطبري 12/ 194، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 26، البغوي 4/ 234.]]، وقول هلال بن يساف [[الطبري 12/ 194، و"زاد المسير" 4/ 211، والثعلبي 7/ 76 ب، وهو: الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، روى له الجماعة إلا البخاري، روى له في التاريخ. انظر: ا"لتقريب" ص 576 (7352).]] قال: الشاهد صبي في المهد، ولم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، هذا أحدهم.
قال ابن عباس [[أخرجه البخاري في "صحيحه": (3436) كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾، ومسلم (2550/ 8) كتاب: البر، باب: تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، وأحمد 2/ 307، 308، بلفظ (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة).]]: تكلم في المهد أربعة صغار: شاهد يوسف، وعيسى ابن مريم، وصاحب جريح، وابن ماشطة بنت فرعون.
قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 212.]]: فمن ذهب إلى هذا القول قال: الشرط الواقع مصحح لبراءة يوسف، وتحقيق الجرم للمرأة؛ لأن كلام مثله أعجوبة، وآية باهرة معجزة، لا يكون معها لبس.
وروى ابن أبي نجيح وابن جريح عن مجاهد [[الطبري 12/ 195، الثعلبي 7/ 77 أ، "زاد المسير" 4/ 212.]] قال: الشاهد قميصه مشقوقًا من دبر.
قال أبو بكر [[قال به الطبري 12/ 196.]]: وهذا القول لا يوافق اللغة ولا تصححه العربية من أجل أنه قال: ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ [[في (ج): (من أجلها).]] والقميص لا يوسف بهذا ولا ينسب إلى الأهل.
يوسف 12:27
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ إلي قوله ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ﴾ من حكم الشاهد وبيانه عما يوجب الاستدلال به على تمييز الكاذب من الصادق.
يوسف 12:28
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ أي زوج المرأة قميص يوسف ﴿قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾، إخبار عن صفة القميص لا عن الفعل؛ لأنه رأى القميص مقدودًا، ما رآه حين قد، والمعنى: فلما رأى قميصه قد قُدّ من دبر، وهذا مثل قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] وقد مر.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 103.]]: أي أن قولها [[في (ب): (قولهما).]]: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ من كيدكن ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.
يوسف 12:29
قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ﴾ معناه يا يوسف، فحذف حرف النداء، لأنه من الإيجاز الذي لا يخل، ولا يجوز حذفه من المبهم، ويجوز من العلم؛ لأنك تستدل يكون العلم مرفوعًا غير منون على أنه منادى، ولا بيان في المبهم على أنه منادى إذا حذفت حرف النداء.
وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 113.]]: يجوز في المعرفة حذف ياء من النداء، وأنشد [[البيت ينسب لأبي طالب عم رسول الله ﷺ، وللأعشى انظر "الخزانة" 3/ 629، و"شواهد الكشاف"، و"شواهد المغني" (204)، و"شرح شذور الذهب" (211)، وبلا نسبة في سيبويه والشنتمري 1/ 408، السيوطي (204)، و"الدرر" 2/ 71، و"الهمع" 2/ 56، و"الإنصاف" 418، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 375.]]: مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَك كلُّ نَفسٍ ... إذا ما خِفْتَ من أَمْرٍ تَبَالَا
وقوله تعال ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 213.]]: يريد لا يذكر هذا ونحوه. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 104، وفيه: (اكتم هذا الأمر ولا تذكره).]]: اترك هذا الأمر ولا تذكره، وقيل [[الثعلبي 7/ 77 ب، البغوي 4/ 235.]] معناه: أعرض عنه بأن لا تكترث له، فقد بان براءتك.
﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 213، ولم ينسبه لابن عباس، بل نسب إليه القول الآخر (استعفي زوجك لئلا يعاقبك).]]: قال لامرأته: توبي [[في (أ)، (ج): (تولي).]] من ذنبك إنك من الخاطئين، يريد: أنك كنت قد أثمت.
قال المفسرون: إثمها هو أنها راودت شابًا عن نفسه، وأرادته على الزنا، وخانت زوجها، فلما استعصم كذبت عليه وبهتته [[في (أ)، (ب): (نهته).]].
ومعنى ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: من القوم الخاطئين، كما قال: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: 43] وذلك لتغليب المذكر على المؤنث إذا اختلطا، ومثله ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 12] وهذا التفسير الذي ذكرنا يدل على أن هذا من كلام زوج المرأة لها وليوسف.
وذهب الكلبي [[الثعلبي 7/ 77 ب، و"تنوير المقباس" ص 148، و"زاد المسير" 4/ 213.]] وغيره إلى أن هذا من كلام الشاهد الذي هو ابن عم المرأة، وقال في قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ أي سلي [[في (ج): (تبتلى).]] زوجك أن إلا يعاقبك على ما صنعت.
يوسف 12:30
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الآية، أراد بالنسوة الجمع لذلك ذَكَّر فعلهن حملًا على المعنى، وإذا أنث حُمل على اللفظ، قال أبو علي: وتأنيث النساء والنسوة تأنيث جمع، كما أن التأنيث في ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات: 14] كذلك، ولو لم يؤنث، كما لم يؤنث (قال نسوة) لكان حسنًا، وسمعت بعض الكبار من النحويين [[انظر: "المقتضب" 3/ 349، و"الدر المصون" 6/ 474.]] يقول: لو تأخر الفعل عن النسوة لكان: ونسوة قلن، فكانت النون علامة للجمع [[في (أ)، (ج): (للجميع).]] والتأنيث جميعًا، فإذا قدم الفعل وُحِّد؛ لأن فعل الجماعة إذا تقدم كان موحَّدًا، وإذا وُحِّد حذف منه علامة الجمع، فإذا حذفت علامة الجمع فقد حذفت علامة التأنيث؛ [لأن النون علامة لهما جميعًا، على أن تقديم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]؛ على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع.
وقوله تعالى: ﴿نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال ابن عباس [[البغوي 4/ 236 بدون نسبة لابن عباس، القرطبي 9/ 176.]]: يريد نسوة من أشراف النساء. قال الكلبي [["زاد المسير" 4/ 214، والقرطبي 9/ 176، ونسبوه إلى ابن عباس. وانظر: "تنوير المقباس" ص 148.]]: هن أربع: امرأة ساقي العزيز، وامرأة خبازه، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة صاحب سجنه، وزاد مقاتل [["تفسير مقاتل" 153 أ، الثعلبي 7/ 77 ب.]]: امرأة الحاجب، ونحوه قال مجاهد [[لم أجده في مظانه.]]، والأشبه ما قاله ابن عباس؛ لأن زليخا إنما اتخذت مأدبة لأشراف النساء، ولو خاض في حديثها هؤلاء النسوة لأشبه أن لا [[في (أ)، (ج): (أن يؤخذ) بدون لا.]] يؤخذ خوضهن مقالتهن، والمعنى: أن ذلك الذي جرى بينهما شاع وانتشر في مدينة مصر، حتى تحدث بذلك النساء وخضن فيه.
وقوله تعالى: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ يعنين زليخا، والعزيز [[الطبري 12/ 198 لم أجده في "تفسير الطبري" بنصه.]] بلغتهم الملك، يعنون أنه منيع بقدرته، والعرب تسمي الملك عزيزًا، وهو في شعر أبي دؤاد [[هو: أبو دؤاد وقيل أبو داود جارية بن الحجاج، وقيل: جويرية، وقيل: حنظلة، شاعر جاهلي. انظر: "خزانة الأدب" 9/ 590، و"الشعر والشعراء" ص 140.
والبيت من الرمل ونسبه الواحدي هنا إلى أبي دؤاد، ونسب إليه أيضاً في الطبري 12/ 198، والثعلبي 7/ 78 أوفيها: (جلبت عند عزيز ...) وفي "النكت والعيون" 3/ 30، و"مجمع البيان" 5/ 350.]]:
دُرّةٌ غَاصَ عليها تَاجِرٌ ... جُلِبَت يَوْمَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَل
وقوله تعالى: ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [الفتى: الحدث الشاب، والفتاة الجارية الشابة، قال ابن عباس: يريد تراود غلامها عن نفسه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
وقوله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ قال أبو عبيد [["تهذيب اللغة" (شغف) 2/ 1894.]]: الشغف أن يبلغ الحب شغاف القلب، وهو جلدة دونه.
وقال يونس [["تهذيب اللغة" (شغف) 2/ 1894.]]: شغفها أصاب شغافها مثل كبدها، وقال ابن السكيت [["تهذيب اللغة" (شغف) 2/ 1894.]]: الشغاف هو الخلبُ، وهو جليدة لاصقة بالقلب، ومنه قيل: خلبه إذا بلغ حبه خلب قلبه، وشغفها إذا بلغ حبه شغاف قلبها، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 42.]]: (شغفها حبًّا) أي: خرق شغاف قلبها، وقال ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 218.]]: يقال. شغفت فلانًا، إذا أصبت شغافه، كما تقول: كبدته [[في (أ)، (ج): (لبدته). باللام.]]، إذا أصابت كبده.
وقال ابن الأنباري [[" الزاهر" 1/ 509.]]: الشغاف غلاف القلب، وأنشد [[هو لعبد الله بن قيس الرقيات. انظر: "ديوانه" ص 37، و"الزاهر" 1/ 509.]]:
يَعْلَمُ اللهُ أنَّ حُبَّكِ مِنِّي ... في سَوَادِ الفُؤادِ وِسْطَ الشِّغَاف
قال: والمعنى: شغفها حبه، أي: أصاب شغافها، ثم نقل الفعل عن الفاعل [فخرج الفاعل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] مفسرًا نحو قولهم: طاب نفسًا، وقر عينًا، ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾، وهذا من كلامهم للاتساع [[في (ج): (الاتساع).]] في اللغة، والافتنان في اللفظ، وذلك أدل على البلاغة وأحلى في السمع، ولا يتعدى في هذا ما نطقت به العرب، لا يقال: عقل محمد جارية، على معنى عقلت جارية محمد، كما يقال: حسن محمد وجهًا، فعلى هذا (الحب) فاعل نقل عنه الفعل.
وقال غير أبي بكر: المعنى شغفها الفتى بالحب، فحذف الجار ونصب الحب، كما يقال: قتله ضربًا، فعلى هذا، الفاعل هو الفتى.
وأما المفسرون، فقال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 78 أ. وانظر: "الدر" 4/ 27 بمعناه.]] في رواية عطاء: قد دخل حبه شغاف قلبها، وهو موضع الدم، وهي الشغاف، وهذا الذي ذكره ابن عباس قول آخر في الشغاف سوى ما ذكرنا عن أهل اللغة، وقد ذكر الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 105، و"زاد المسير" 4/ 214.]] هذا القول في الشغاف فقال: هو حبَّة القلب وسويداء القلب، وهذا القول أبلغ في وصول الحب إلى القلب، ونحو هذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد [[الطبري 12/ 198، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 28، والقرطبي 9/ 176.]]: دخل حبه في شغافها.
وقال السدي [[الثعلبي 7/ 78 أ، الطبري 12/ 199، البغوي 4/ 236، القرطبي 9/ 176.]]: الشغاف جلدة رقيقة على القلب، يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب.
وقال الكلبي [[الثعلبي 7/ 78 أ، البغوي 4/ 236.]]: الشغاف حجاب القلب، [تقول: حجا حبُه قلبها حتى لا تعقل سواه، وهذه الأقوال كلها تدل على أن الحب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] فاعل، ثم نقل عنه الفعل؛ لأن المفسرين أسندوا الفعل إلى الحب، وقرأ جماعة من الصحابة والتابعين (شعفها) بالعين [[ومن هؤلاء عبد الله بن عمرو، وعلي بن الحسين، والحسن البصري، ومجاهد، وابن محيصن وابن أبي عبلة، وأبو رجاء، انظر: الطبري 12/ 200، و"إتحاف" 264، و"زاد المسير" 4/ 215.]].
قال ابن السكيت [["تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1889.]]: يقال: شعفه الهوى، إذا بلغ منه، وشعف الهناء البعير، إذا بلغ منه ألمه، وقد كشف أبو عبيد [["تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1889 - 1890.]] عن هذا المعنى فقال: الشعف بالعين إحراق الحب للقلب مع لذة يجدها [[في (ج): (يجد) من غير هاء.]]، كما أن البعير إذا هُنئ بالقطران يبلغ منه مثل ذلك، ثم يستروح إليه، ونحو هذا قال أبو سعيد [["تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890. وهو: أبو سعيد الضرير أحمد بن خالد، اعتمده الأزهري في "التهذيب". انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 44، و"معجم الأدباء" 1/ 346، و"إنباه الرواة" 1/ 41.]] في قول امرئ القيس [[البيت في "ديوانه" ص142، و"اللسان" (شعف) 4/ 228، والطبري 12/ 200، والثعلبي 7/ 78 أ، و"تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890، و"الزاهر" 1/ 620، و"شرح أبيات سيبويه" 2/ 222، والقرطبي 9/ 177.
(المهنوءة) المطلية بالقطران، وإذا هنئ البعير بالقطران يجد له لذة مع حرقة كحرقة الهوى مع لذته.]]:
لتقتلني [[في الطبري 12/ 200، والثعلبي 7/ 78 أ: (أتقتلني) وهو أقرب.]] وقد شَعفْتُ فؤادَها ... كما شَعَفَ المهنُوءَةَ الرّجُلُ الطَّالِي
قال يقول: أحرقت فؤادها بحبي كما أحرق الطالي هذا المهنوة.
وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 42.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 105.]]: شعفها بالعين معناه [ذهب بها كل مذهب، مشتق من الشعف وهو رؤوس الجبال، وفلان مشعوف بكذا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] معناه قد ذهب به الحب أقصى المذاهب، وقال أبو زيد [["تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890.]]: شعفه حبها يشعفه، إذا ذهب بفؤاده، ونحو هذا قال شمر [["تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890.]]، قال: والمشعوف الذاهب القلب، وقال الأصمعي [["تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890. والبيت لأبي ذؤيب، وعجزه:
فإذا يرى الصبح المصدق يفزع
"ديوان الهذليين" 1/ 10، و"المفضليات" ص 425، و"اللسان" (شعف) 4/ 2280، و"تهذيب اللغة" (شعف) 2/ 1890.]] في قوله:
شَعَفَ الكلابُ الضَّارِيات فؤادَه
المشعوف، الذاهب القلب، وبه شعاف أي جنون، الأزهري [[كذا في النسخ ولعله (قال الأزهري) وهو في "تهذيب اللغة" 2/ 1890 (شعف).]]: وأهل هجر يقولون للمجنون مشعوف، وعلى هذا معنى (شعفها حبًا)، أي شعفت به، وكاد يذهب حبه بلبها، أي بلغ أقصى المبالغ منها وذهب بها كل مذهب.
وقال أبو بكر: الشعف رؤوس الجبال، ومعنى: شعف بفلان، إذا ارتفع حبه إلى أعلى المواضع من قلبه.
وهذا الذي حكينا عنه أئمة اللغة في معنى قوله (شعفها) بالعين غير المعجمة ثلاثة أصول: أحدها: أنه من الإحراق، والثاني: أنه من الإذهاب، والثالث: أنه من الارتفاع.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي ضلال عن طريق الرشد، بحبها إياه [["زاد المسير" 4/ 215، والرازي 18/ 126.]]، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: 8].
يوسف 12:31
قوله تعالى ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ﴾ يعني زليخا ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد مقالتهن [["زاد المسير" 4/ 215.]]، وقال قتادة والسدي [[الطبري 12/ 201، الثعلبي 7/ 78 أ، البغوي 4/ 236.]]: بقولهن وحديثهن، فإن قيل: لم سمي قولهن مكرًا؟ فالجواب عن ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق [[الطبري 12/ 201، الثعلبي 7/ 78 أ، "زاد المسير" 4/ 215.]]، وهو أن قال: إن النسوة قلن ما قلنه استدعاء لرؤية يوسف والنظر إلى وجهه، فعبنها بحبها يوسف لتريهن يوسف، وكان يوصف لهن حسنه وجماله، فلما كان هذا القول منهن طمعًا في أن يكون سببًا لمشاهدة يوسف، سمي مكرًا، لِمَا خالف ظاهرُه باطنه، وذلك أنهن قدرن أن هذا القول إذا اتصل بها أبرزت لهن يوسف ليعذرنها، ويزلن العيب عنها.
وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 105.]] وابن الأنباري [[الرازي 18/ 126.]]: إن امرأة العزيز كانت أسَرَّت إليهن وَجْدها بيوسف واستكتمتهن شأنها، فلما غدرن بها وأظهرن سرها كان ذلك منهن مكرًا، فلما سمعت بما فعلن أرادت أن توقعهن فيما وقعت فيه، ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾، قال وهب [[الثعلبي 7/ 78 ب، البغوي 4/ 237، القرطبي 9/ 178.]]: اتخذت مأدبة ودعت أربعين امرأة، منهن هؤلاء اللاتي عيرنها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أي أعدت، ومضى الكلام فيه مستقصى [[عند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18]، وقال ما ملخصه: اعتدت الشيء فهو عتيد ومعتد، وقد عتد الشيء عتادة وهو عتيد حاضر، وعتد بتاء أصل على حدة، وقيل: الأصل أعدد من عين ودالين ثم قلبت إحدى الدالين تأء.]] ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ معنى المتكأ في اللغة، ما تتكأ عليه من نُمرقة أو وسادة، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 105.]]: هو ما يتكأ عليه لطعام أو شراب أو حديث، ومتكأ أصله موتكا بالواو، مثل: موتزن أصله من الواو ثم قيل: متزن، واتكيت اتكأ أصله أوتكيت، فأدغمت الواو في التاء وشددت، والتوكؤ التحامل على العصا في المشي، يقال هو يتوكأ على عصاه ومنه قوله تعالى: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: 18] وقولهم: رجل تكأة، إذا كان كثير الاتكاء، هو في الأصل وكأة، هذا الذي ذكرنا معنى المتكأ، وأصله في اللغة [[(في اللغة) ساقط من (أ، ب)، انظر: "تهذيب اللغة" (تكأ) 1/ 445.]].
فأما التفسير، فقال الكلبي عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 216، و"تنوير المقباس" ص 148، والثعلبي 7/ 78 ب.]]: المتكأ الوسائد التي يتكأ عليها، وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 309.]]: المتكأ: النمرق الذي يتكأ عليه، وعلى هذا التفسير لم يذكر الطعام الذي اتخذته لهن؛ لأن الحال وسياق القصة تدلان على أنها اتخذت طعامًا يحتاج إلى قطعه.
وقال ابن عباس [[الطبري 12/ 202 - 203، ومسدد وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2132، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 28.]] في رواية عطاء ومجاهد في تفسير المتكأ قال: هو الأترج، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد [[الطبري 12/ 203، وأبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2133، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 29.]] ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ طعامًا، ومثله روى سعيد عن قتادة [[الطبري 12/ 203، الثعلبي 7/ 78 ب. وابن أبي حاتم 7/ 2133.]].
وقال ابن جريج عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 216، البغوي 4/ 237.]]: المتكأ الأترج، وكل ما نحر بالسكاكين ونحوه. قال الضحاك [[الطبري 12/ 203، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 29، و"زاد المسير" 4/ 216.]] وهو قول سعيد بن جبير [[الطبري 12/ 203، ابن المنذر كما في "الدر" 4/ 29، الثعلبي 7/ 78 ب، البغوي 4/ 237.]] والحسن [[الطبري 12/ 203، الثعلبي 7/ 78 ب، البغوي 4/ 237.]] وابن إسحاق [[الطبري 12/ 203، الثعلبي 7/ 78 ب.]] قالوا: طعامًا، قال ابن الأنباري وابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 218، 219.]] وأهل المعنى: سمي الطعام والأترج متكأً؛ لأنهما من سبب الاتكاء، والعرب تقول: اتكأ الرجل، إذا أكل، فالمتكأ الطعام المأكول، والموضع الذي يؤكل فيه، بناءً على تسمية الشيء باسم سببه، ولما كان المضيف يتخذ لأضيافه نمارق يتكئون عليها للجلوس والأكل، سمي الطعام متكأ، كما يسمى المعلف أريًا [[قال ابن السكيت: في قولهم: (العلف) أري، قال: هذا مما يضعه الناس في غير موضعه، وإنما الآري لحبس الدابة. "تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3881.]]، وهو الحبل الذي يحبس الدابة، وأنشد [[القائل جميل بن معمر، و (القلل) جمع قلة وهي الحب العظيم وقيل الجرة الكبيرة وقيل الكوز الصغير، "ديوانه" ص 53، و"أساس البلاغة" 2/ 273، و"الأغاني" 7/ 79، و"شرح شواهد المغني" 126، و"مشكل القرآن وغريبه" ص 218، والثعلبي 7/ 78 ب، والقرطبي 9/ 178.]]:
فظَلِلْنَا بنِعْمَةٍ واتَّكَأنَا ... وشَرِبْنَا الحَلالَ من قُلَلِه أراد باتكأنا أكلنا، وقال الأزهري [["تهذيب اللغة" (تكأ) 1/ 445.]]: وقيل للطعام متكأ؛ لأن القوم إذا قعدوا على الطعام اتكأوا، وقد نُهيت هذه الأمةُ عن ذلك، قال النبي ﷺ "أما أنا فلا آكل متكئًا، آكل كما يأكل العبيد" [[اللفظ الأول "أما أنا فلا آكل متكئًا"، أخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة (5398) كتاب: الأطعمة، باب: الأكل متكئًا، وأبو داود (3769)، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في الآكل متكئا، والترمذي (1890) باب ما جاء في كراهية الأكل متكئًا، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والبيهقي في "السنن" 7/ 462 برقم (14651) باب الأكل متكئًا، وأما اللفظ الآخر "آكل كما يأكل العبيد" فقد قال البيهقي بعد أن ساق كلام الخطابي في معنى الاتكاء، قال: (وروي أنه كان يأكل مقعيًا ويقول: "أنا عبد آكل كما يأكل العبد"، ويؤيده حديث عبد الله بن بسر ولفظه: (اهديت للنبي ﷺ شاة فجثا على ركبتيه يأكل، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال: "إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا" أخرجه أبو داود (3773)، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة وابن ماجه (3263)، كتاب الأطعمة، باب الأكل متكئًا، والضياء المقدسي في "المختارة" 1/ 112، وصححه الألباني في "الإرواء" (1966).]].
وقرأ جماعة من التابعين [[وممن قرأ بها مجاهد وسعيد بن جبير ونسبت إلى ابن عباس، وقرأ بها أبو جعفر، انظر: الطبري 12/ 202 - 203، و"إتحاف" ص 264، و"زاد المسير" 4/ 216، القرطبي 9/ 178.]] (مُتْكًا) قال ابن عباس [[الطبري 12/ 202، و"زاد المسير" 4/ 216، وابن أبي حاتم 123/ 202.]] ومجاهد [[المرجع السابق.]]: هو الأترج. وقال الضحاك [[الثعلبي 7/ 78 ب، البغوي 4/ 237 بهامش الصفحة، و"زاد المسير" 4/ 216، وابن أبي حاتم 7/ 2133 بلفظتي "البزماورد، البرماورد"، وفي "القاموس": الزماورد: بالضم طعام من البيض واللحم معرب.]]: الزُّمَاوَرْد.
وقال عكرمة [[الثعلبي 7/ 78 ب، البغوي 4/ 237 ابن أبي حاتم 7/ 2133.]]: هو كل شيء يحز بالسكين.
قال ابن زيد [[الطبري 12/ 204، والثعلبي 7/ 78 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 29، وابن أبي حاتم 7/ 2134.]]: يحززن [[في (ب): (يحزرن).]] الأترج بالسكين، ويأكلن بالعسل.
قال أبو زيد [[الثعلبي 7/ 78 ب، "تهذيب اللغة" (متك) 4/ 3338.]]: كل ما حز بالسكين فهو عند العرب متك، والمتك والبتك القطع، والعرب تعاقب بين الميم والباء.
وأنكر أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 309.]] كل هذا، وقال: الذين قالوا المتكأ الأترج، فقد كذبوا، ليس للأترج في كلام العرب اسم إلا الأترج، وإنما لما احتج عليهم بأنه المتكأ من النمارق والوسائد، فروا وقالوا إنما هو المتك، وإنما المتك طرف بصر المرأة.
قال أبو عبيد [[الطبري 12/ 202.]]: والفقهاء الذين رووا هذا وأخذوا به أعلم بتأويل القرآن من أبي عبيدة، فيجوز أن يكون من لغة قوم من العرب درست ومات من يتكلم بها، فقد قال الكسائي إن شيئًا من الكلام سقط لانقراض أهله ومن كان يتكلم به.
قال أبو بكر [["الزاهر" 2/ 21.]]: وأنشدنا رجل في مجلس أبي العباس حُجةً؛ لأن المتك الأترج: تَشْرَبُ الإثْمَ بالصُّواعِ جِهَارا ... وتَرَى المُتْكَ بَيْنَنَا مُسْتَعَارا [[البيت غير منسوب. وهو في "الزاهر" 2/ 25، و"البحر المحيط" 5/ 299، و"المحرر الوجيز" 7/ 493، و"الدر المصون" 6/ 479، والقرطبي 9/ 178، و"اللسان" (إثم) 1/ 29، و"تهذيب اللغة" 1/ 122، و"تاج العروس" (متك) 13/ 638.]]
وأجاز الفراء [["معاني القرآن" 2/ 42.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 106.]] أن يكون المتك بمعنى الأترج.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ قال ابن عباس [[الطبري 12/ 204، وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 28.]]: وأعطت كل واحدة منهن سكينًا وترنجة، فإن قلنا بهذا وحملنا المتكأ على الطعام الذي يقطع أو الأترج، فلا إشكال، وإن حملناه على الوسادة، والموضع الذي تتكأ عليه، فإنما أعطتهن [[في (أ)، (ج): (أعطهن).]] السكين لتقطع فاكهة قدمت إليهن، ولم يذكر الفاكهة لدلالة الحال والسكين، ومعنى ﴿وَآتَتْ﴾ هاهنا ناولت، والسكين يذكر ويؤنث، ومتخذه يقال له: السَّكَّان.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي قالت ذلك ليوسف، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 106.]]: أمرته بالخروج عليهن، ولم يكن تهيأ له [[ساقط من (أ)، (ب).]] ألا يخرج؛ لأنه بمنزلة العبد لها، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ قال ابن عباس [[الطبري 12/ 205، و"زاد المسير" 4/ 218، وابن أبي حاتم 7/ 2135 وروى هذا القول أيضًا عن ابن زيد وابن إسحاق قال: وروى عن السدي مثله.]]، ومعظم المفسرين: أعظمنه وهالهن أمره وبهتن، وهو قول مجاهد [[الطبري 12/ 205، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم (لم أجده في النسخة التي بين يدي) وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 29، و"زاد المسير" 4/ 218.]] في رواية ابن أبي نجيح وقتادة [[الطبري 12/ 204 - 205.]] في رواية سعيد، وروى ليث عن مجاهد [["زاد المسير" 4/ 218.]] أعظمنه فحضن.
وروى عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده [[الطبري 12/ 205، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2135 كما في "الدر" 4/ 29، والثعلبي 7/ 79 ب، وعبد الصمد كان أميرًا على مكة، قال الذهبي: ليس بحجة. انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 50، و"الميزان" 3/ 334، وأبوه هو أبو محمد ثقة عابد، مات سنة 118 هـ على الصحيح وأخرج له الجماعة إلا البخاري. انظر: "الكاشف" 2/ 43، و"التهذيب" 3/ 146 والأثر ضعيف.]] أكبرنه قال: حضن من الفرح [[في (أ)، (ج): (من الفرج) بالعجمة "زاد المسير" 4/ 218، ابن عطية 7/ 494، القرطبي 9/ 180.]].
قال: وفي ذلك يقول الشاعر [[البيت غير منسوب وهو في الطبري 12/ 205، والثعلبي 7/ 79 ب، والقرطبي 9/ 180، و"زاد المسير" 4/ 218، و"تهذيب اللغة" 4/ 3091، وابن أبي حاتم 7/ 2135، و"البحر المحيط" 5/ 303، و"المحرر الوجيز" 7/ 494، و"اللسان" (كبر)، قال الطبري: البيت مصنوع، ط. البابي الحلبي 12/ 205.]]:
يأتي النِّساءَ على أطْهَارِهِنَّ ولا ... يأتي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبَارا
ونحو هذا القول روى أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس [["تهذيب اللغة" (كبر) 4/ 3091، و"زاد المسير" 4/ 218، وفي ابن أبي حاتم 7/ 2135 عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: أعظمنه، فلعل الرواية هنا نقلها عن الأزهري في "التهذيب" فقد روى بسنده هذا القول إلى ابن عباس.]].
وأنكر هذا أكثر أهل اللغة، قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 309.]]: أكبرنه: أعظمنه في جماله وبهائه ونور النبوة، ومن أخذ الإكبار من الحيض فليس بحيض، ولكنه قد يُجْرِ الحيض، وقد تفزع المرأة فتسقط ولدها وتحيض، فإن كان ثم حيض، فعسى أن يكون من فزعهن وما هالهن من هيئته، وهذا الذي ذكره أبو عبيدة هو معنى رواية ليث عن مجاهد.
وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 106.]]: منكر أيضًا أن يكون أكبر بمعنى حاض، هذه اللفظة ليست بمعروفة في اللغة، والهاء في أكبرنه تمنع هذا، لأنه لا يجوز النساء قد حضنه، لأن حضن لا يتعدَّى إلى مفعول.
وقال الأزهري [["تهذيب اللغة" (كبر) 4/ 3091.]]: إن صحت هذه اللفظة في اللغة فلها مخرج، وذلك أن المرأة إذا حاضت أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغار ودخلت في حد الكبار، فقيل لها: أكبرت، أي حاضت على هذا المعنى.
وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم، قال: سألت رجلاً من طي فقلت: ما لك زوجة؟ قال: لا والله ما تزوجت، وقد وعدت في بنت عم لي، قلت: وما سنها، قال قد أكبرت أو كربت، قلت: وما أكبرت؟ قال: حاضت، قال الأزهري أرى اللغة تصحح: أكبرت المرأة، إذا حاضت، إلا أن الكناية في (أكبرنه) تنفي هذا المعنى، فإن صحت الرواية عن ابن عباس سلم له، وجعلنا الهاء في قوله ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ هاء الوقفة لا هاء الكناية.
وقال ابن الأنباري: من أبطل هذا القول إنما أبطله من أجل الهاء، وقد رأو أن الهاء تنصرف إلى يوسف وليست منصرفة إليه، لكنها كناية عن مصدر الفعل يعنى بها أكبرن إكبارًا، أي حضن حيضًا، فكنى عن المصدر كما يقال: قدم زيد فأحببته، يعنون فأحببت قدومه [[في (ب): (وكما) بزيادة الواو.]] كما قال الشاعر [[البيت بلا نسبة في الأزهية ص 293، و"الإنصاف" 2/ 675، و"خزانة الأدب" 5/ 504، و"الدرر" 1/ 255، و"رصف المباني" ص 76، و"اللسان" (ضمن) 13/ 259 (لذا) 15/ 245، و"همع الهوامع" 1/ 82، برواية العجز: (من الأقوام إلا للذي).]]:
وليسَ المَالُ فاعْلَمْهُ بمَالٍ ... وإن أغْنَاكَ إلا للدُنِّي
أراد: فاعلم علمًا، قال: وهذا القول مقبول لقول ابن عباس به، وبناء جماعة من التابعين عليه، والقول في الهاء ما قاله أبو بكر، لا ما قاله الأزهري، لأن هاء الوقفة تسقط في الوصل ولا توصل بواو.
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ قال المفسرون: حززن [[في (ب): جززن.]] أيديهن بالسكاكين، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، قال قتادة [[الطبري 12/ 207، والثعلبي 7/ 79 ب، والبغوي 4/ 238، و"زاد المسير" 4/ 218، وابن أبي حاتم 7/ 2136 بنحوه عن غير قتادة.]]: أبن أيديهن حتى ألقينها، وقال مجاهد [[الطبري 12/ 206، الثعلبي 7/ 79 ب، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2136، وفيه حز حزًّا بالسكين، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 30، البغوي 4/ 238، و"زاد المسير" 4/ 218.]]: لم يحسسن إلا بالدم، ولم يحدث الألم من حز الأيدي لشغل قلوبهم بيوسف.
قال أهل المعاني: قوله ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ يحتمل ضروبًا من القطع: أحدها: أن يكون كما ذكره قتادة، والثاني: أن يجرحن أيديهن في مواضع، وكذلك ذكر بلفظ التكثير، والثالث: أن كل واحدهَ جرحت يدها جراحة واحدة، ولكنهن لما كن عدة حسن فعل التكثير.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ قال أهل اللغة [["تهذيب اللغة" (حشو) 1/ 825، و"الزاهر" 2/ 288.]] والنحويون: حاش وحاشا يستعملان في الاستثناء والتبرئة، فالاستثناء أن تقول: أتاني القوم حاشا زيد، ومعناه: إلا زيد، وموضع الجار مع المجرور نصب، وأكثر ما يستعمل معه اللام، نحو: ضربت القوم حاشا لزيد، وحاش لزيد، فإن أسقطت اللام جررت بحاشا ما بعدها، وقد أجاز النصبَ بها جماعةٌ من النحويين، وكالتي في الآية، وتأويلها: معاذ الله، وهو تنزيه ليوسف على حال البشر أو عما قُرف به.
وأما اشتقاق هذه الكلمة، فقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 107.]]: اشتقاقه من الحشا والحاشية بمعنى الناحية، من قولك: كنت في حشا فلان، أي: في ناحيته، ومعنى قولك: حاشا لزيد: قد تنحى زيد عن هذا وتباعد منه، كما تقول: تنحى من الناحية، كذلك تحاشى من هذا الفعل بمعنى تباعد من حاشية الشيء، وهي ناحيته، ونحو هذا قال أحمد بن عبيد: حاشا مأخوذة من قول العرب: لا أدري أي الحشا أخذ فلان، يعنون أي النواحي، واحتج بقول الهذلي [[لمالك بن خالد الخناعي، ويقال: للمعطل، والحشا: أجواف الأودية، والخليط: الذين يخالطون في الدار، المباين: المفارق المزايل، انظر: "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 446، و"تهذيب اللغة" (حشا) 1/ 826، و"المخصص" 5/ 118، و"شرح المفصل" 2/ 85، و"جمهرة اللغة" 2/ 1049.]]:
يَقُولُ الذي أمْسَى إلى الحزْنِ أهْلُه ... بأيِّ الحَشَا أمْسَى الخَلِيطُ المُبَايِنُ أراد: بأي النواحي، واحتج أيضًا بقول النابغة [[عجز بيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح بها النعمان ويعتذر إليه، وصدره: ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه
انظر: "ديوانه" ص 12، و"الإنصاف" 241، و"الخزانة" 2/ 44، و"الهمع" 1/ 233، و"الدرر" 1/ 98، والقرطبي 9/ 181، و"الدر المصون" 6/ 484.]]:
وما أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أَحَدِ
قال: معناه ما أعدل أحدًا من الأقوام في حشا، أي في ناحية، ولهذا احتمل هذه الكلمة معنى الاستثناء والتنزيه، لأن معنى التنزيه التنحيةُ والإبعاد، وكذلك معنى الاستثناء هو الإخراج عن جملة المذكورين.
وقال أبو علي [["الحجة" 4/ 423.]]: حاشا فاعل من حاشى يحاشي، ومعنى: حاش لله، أي: صار يوسف في حشًى، أي: ناحية مما قُرِف به، أي لم يلابسه، وصار في عزلة عنه وناحية، وإذا كان حاشا فعلًا فلابد له من فاعل وفاعله يوسف، كأن المعنى بعد عن هذا الذي رُمي به، (لله) أي لخوفه ومراقبته أمره، وأما حذف الألف منه، فلأن الأفعال قد حذف منها، نحو: لم يك، ولا أدر، ولم أبل، وقد حذفوا الألف من الفعل، نحو ما حكي عن العرب سماعًا: أصاب الناس جهد ولو نر [[سقط من (أ، ب، ج) وما أثبته في (ي)، وفي "الحجة" 4/ 423: ولو تَرَما أهل مكة.]] أهل مكة، وإنما هو (نرى) فحذفت الألف المنقلبة عن اللام كما حذفت من حاشا، وقد قال رؤبة [[من أرجوذة له في "ديوانه" ص 187، وقبله:
مُسرول في آلة مُربن ... يمشي العرضى في الحديد المتقن
وبلا نسبة في "الأشباه والنظائر" 2/ 449، و"الخزانة" 1/ 131.]]:
وصَّاني العَجَّاجُ فيما وَصنِي ومن أثبث الألف جاء به على التمام والأصل، واختلف النحويون في أن حاشا في الاستثناء حرف جر أم فعل، فهو عند سيبويه [["الكتاب" 2/ 309.]] حرف، وعند المبرد [["المقتضب" 4/ 391، قال محقق الكتاب: وهذه المسألة من المسائل التي رد فيها المبرد على سيبويه، وقد تعقبه ابن ولاد في الانتصار، وانظر: "الحجة" 4/ 422.]] يجوز أن يكون فعلًا، وهو اختيار أبي علي، قال: لأن الحرف الجار لا يدخل على مثله، وقد دخل حاشا على اللام الجارة، ولأن الحروف لا تحذف إذا لم يكن فيها تضعيف، واحتج المبرد بقول النابغة [[سبق التعليق على البيت.]]:
وما أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ من أَحَدِ
قال: لما صرف فاستعمل منه أحاشي، علم أنه فعل.
قال أصحاب سيبويه: قول سيبويه أولى، لأنه يتعلق بالحكاية عن العرب فكان أولى، وحجته في أنها لا تكون إلا حرفًا اجتماع النحويين على أنها لا تكون صلة لما، فلا تقول: جاءني القوم ما حاشا زيدًا، كما تقول: ما خلا زيدًا، فلما امتنعت أن تكون صلة لـ (ما)، دل على أنها ليست بفعل، واحتجاج أبي العباس عليه بقول النابغة لا يلزم؛ لأن قوله (وما أحاشى) ليس بتصريف فعل بل هو بناء فعل على حكاية [قول القائل: حاشا فلان، نحو قولهم: حوقل وبسمل، كأنه قال: ما أقول هذا القول. وأما] [[ما بين المعقوفين في (ب) وهو ساقط من (أ)، (ج).]] قول أبي علي، وقد ذكره أبو العباس أيضًا أن حاشا دخلت على اللام الجارة، فتقدير ذلك أن تكون اللام معلقة بفعل آخر، وتكون زائدة، وأما قوله: الحروف لا تحذف، قيل: إنها تخفف وتشدد فيجوز أن تحذف أيضا من حاشا لكثرة استعمالهم إياه، ولاتصال اللام بها.
وذكر أبو علي [["الإيضاح" ص 33.]] في "الإيضاح" أن حاشا حرف فيه معنى الاستثناء، تقول: أتاني القوم حاشا زيد، فموضع الجار والمجرور النصب، وأكثر أهل العربية على أن معنى قوله ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ تنزيه ليوسف عما رمته به امرأة العزيز كما ذكرنا، وذهبت طائفة إلى أن المراد تنزيهه من [[من هنا يبدأ سقط في نسخة (ب) حتى ص 111.]] شبه البشرية، لفرط جماله وروعة بهائه، ويؤكد هذا المعنى سياقُ الآية بعد هذا، ويكون تقدير الآية على هذا المعنى: حاشا يوسف، أي: بعد عن أن يكون بشرًا، ودخلت (لله) تأكيدًا لهذا المعنى.
وقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 42.]]: نصبت بشرًا؛ لأن الباء قد استعملت فيه، ولا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء، فلما حذفوها أحبوا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه، فنصبوا على ذلك، ألا ترى أن كل ما في القرآن أتى بالياء إلا هذا، وقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2].
وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 107.]]: سيبويه والخليل وجميع النحويين القدماء يزعمون أن بشرًا منصوب لأنه خبر (ما) ويجعلونه بمنزلة (ليس)، و (ما) معناه معنى (ليس) في النفي.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ تأكيد أنه ليس من البشر.
يوسف 12:32
قوله تعالى ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ معنى اللوم في اللغة [["تهذيب اللغة" (لام) 4/ 3221، و"اللسان" (لوم) 7/ 4101.]] الوصف بالقبيح، ونقيضه الحمد، قال المفسرون [[الطبري 12/ 209، الثعلبي 7/ 80 ب.]]: (أرادت امرأة العزيز إظهار عذرها عند النسوة، بما يشاهدن من جمال يوسف) [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]]. فلما بهتن بالنظر إليه، وذهب عقولهن، وجعلن يقطعن أيديهن، قالت: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 219، الرازى 18/ 130.]]: أشارت بذلك إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس، يدل على هذا ما روي أن ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 209.]] قال: في قوله ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ يريد فهو الذي لمتنني فيه، أي في حبه، والشغف به، ثم أقرتْ عندهنَّ فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ قال ابن عباس [[الطبري 12/ 210، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2127، وأبو الشيخ كما في "الدر".]] والمفسرون [[الثعلبي 7/ 80 ب، البغوي 4/ 239، ابن عطية 7/ 501، "زاد المسير" 4/ 220، وأبو الشيخ كما في "الدر".]] وأهل اللغة [["مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة ص 1/ 255، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 423، و"اللسان" (عصم) 5/ 2976.]]: فامتنع، ومعنى الاستعصام الامتناع بطلب العصمة، والعصمة سميت عصمة؛ لأنها تمنع من ارتكاب المعصية، قال الأصمعي [["تهذيب اللغة" (عصم) 3/ 2466.]]: العصمة في كلام العرب المنع، وعصمة الله العبد، أن يمنعه مما يوبقه، واعتصم بالله، إذا امتنع به، واعتصم إذا امتنع وأبى، وقال قتادة [[الطبري 12/ 210، وأبو الشيخ كما في "الدر"، والثعلبي 7/ 80 ب، والقرطبي 9/ 184.]]: فاستعصى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾ قال ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 210، والثعلبي 7/ 80، والبغوي 4/ 239.]]: يريد ما أدعوا إليه ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ توعدته بإيقاع المكروه به، إن لم يطعها فيما تدعوه إليه، و ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾، ومضى الكلام في النون الشديدة والخفيفة، وأن الوقف عليها بالألف كالتنوين في موضع النصب، والصاغر الذليل، ذكرنا ذلك في قوله ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] وقوله ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [[الأنعام: 124. وقد قال هناك الصغار: الذل الذي يصغر إلى المرء نفسه.]].
يوسف 12:33
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [[في (أ)، (ج): (يدنني) بدلا من (يدعونني).]] قال أبو بكر: معناه: رب دخول السجن أحب إلى مما يطالبنني به من معصيتك، والتعرض لسخطك، فحذف المضاف، وهذا قول الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 108.]]، قال أبو بكر ويجوز أن يكون السِّجن بمعنى السَّجْن إذ الاسم المشتق من الفعل يأتي نائبًا عن المصدر، كما يقال: طلعت الشمس مطلعًا، وغربت مغربًا، جعلوها خلفًا من المصدر وهما اسمان، كذلك السجن، وهذا قول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 44.]]، ولابد من أحد التقديرين؛ لأن السِّجن بالكسر اسم للموضع الذي يحبس فيه، وليس يريد أن ذلك الموضع أحب إلى، بل يريد دخوله واللبث فيه، فإن قيل: لم قال: (أحب إلي) ولا واحد من الأمرين محبوب له، لا السجن، ولا ما دعونه إليه، إذ لا يريده؟ قلنا هو على التقدير أي: لو كانا مما أريده لكانت إرادتي لهذا أشد، كمن خير بين خصلتي شر، فاختار أيسرهما وأقربهما إلى النجاة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 109.]]: يعني امرأة العزيز وحدها، إلا أنه أراد كيدها وكيد جميع النساء، وجائز أن يكون أراد كيدها وكيد النسوة اللاتي رأينه حين أرتهن إياه، يؤكد هذا ما قال وهب [["زاد المسير" 4/ 220، البغوي 4/ 239، القرطبي 9/ 185، ابن عطية 7/ 502.]]: أن النسوة أمرنه بمطاوعتها، وقلن له: إنك الظالم وهي المظلومة، فلا تعصها واقض حاجتها.
وقوله تعالى: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ قال ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 211، و"تنوير المقباس" ص 149، الثعلبي 7/ 281، البغوي 4/ 239، "زاد المسير" 4/ 220، القرطبي 9/ 185.]]: أمِلْ إليهن، وقال قتادة [[الطبري 12/ 211، الثعلبي 7/ 81 أ، البغوي 4/ 239، القرطبي 9/ 185، ابن أبي حاتم 7/ 2128، أبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 31.]]: أتابعهن، يقال: صبا إلى اللهو يصبو صبوًا، إذا مال إليه، وقال أبو الهيثم: صبا فلان إلى فلانة، وصبا لها يصبو، صبى منقوص وصبوة، أي مال إليها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المذنبين الآثمين، وقال أهل المعاني: وأكن ممن يستحق صفة الذم بالجهل، في هذه الآية بيان أن يوسف لما أظلته البلية بكيد النساء ومطالبتهن إياه بالفجور فزع إلى الدعاء والرغبة إلى الله تعالى بالدعاء ليكشف ذلك، مع الاعتراف بأنه إن لم يعصمه من المعصية وقع فيها، فدل أنه لا ينصرف واحدٌ عن المعصية [[في (ج): (معصية) من غير آل.]] إلا بلطف الله عز وجل وعصمته، فاستجاب ليوسف ربه دعاءه،
وذلك أن قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ تأويله اللهمَّ اصرف، كما أن تأويل قول القائل: إلا تطعني أعاقبك، أطعني، قاله أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 220.]].
يوسف 12:34
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس [[الطبري 12/ 212، الثعلبي 7/ 81 أ، البغوي 4/ 239.]]: يريد لدعائه، العليم بما يخاف من الإثم.
يوسف 12:35
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ يقال: بدا له في هذا الأمر بداة، إذا تغير رأيه عما كان عليه، وظهر له رأي آخر، قال وهب والسدي [[الطبري 12/ 213، الثعلبي 7/ 81 أ، "زاد المسير" 4/ 221، البغوي 4/ 239، القرطبي 9/ 187.]]: إن امرأة العزيز قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس، يخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني، فظهر للعزيز وأصحابه من الرأي حبس يوسف.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ يعني آيات براءته من قدِّ القميص من دبر، وخمش الوجه وإلزام الحكيم إياها، وقوله: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، هذا قول المفسرين، وذكر قتادة [[الطبري 12/ 212، عبد الرزاق 2/ 323.]] في هذا الآيات حز الأيدي، ولست أدري أي آية فيه على براءة [[قال ابن عطية 7/ 505: (وخمش الوجه وحز النساء أيديهن ليس فيهما تبرئة ليوسف، ولا تتصور تبرئة إلا في خبر القميص).]] يوسف، فإن قيل: أين فاعل بدا؟ قيل هو مضمر دل عليه (ليسجننه)، على تقدير: بدا لهم بداء [[هذا القول رجحه ابن عطية 7/ 504، القرطبي 9/ 186، والتقدير: ثم بدا لهم رأي.]] فقالوا والله (لنسجننه)، واللام في لنسجننه جواب ليمين [[في (أ): (ليمن).]] مضمرة، كقوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: 102] وقد مر، ورد السجن إلى الياء تغليبًا للأسماء الغيب، كما تقول: قال القوم والله ليكرمن ولنكرمن محمدًا، بالياء والنون، هذا الذي ذكرنا جواب ابن الأنباري [["الزاهر" 2/ 61، و"زاد المسير" 4/ 221.]] وغيره من النحويين.
وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 44.]] وأصحابه: قوله ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ قام مقام فاعل بدا؛ لأن تلخيصه: ظهر لهم سجنه، فناب الفعل الذي فيه لام القسم عن فاعل بدا، وذلك لما كان في الكلام معنى قول؛ لأن تأويل قوله (بدا لهم) أي فيما قالوا ودبروا، فصار كقولك: قلت ليقومن عبد الله، فتسد اللام وما بعدها مسد الكلام حين يقال قلن كلامًا فاللام [[في (ج): (واللام).]] في (ليسجننه) هذه قصتها؛ إذ كان الفعل الذي قبلها يرجع إلى القول في المعنى.
وذكر أبو علي الفارسي في "المسائل الحلبية" [["المسائل الحلبية" ص 239.]] هذه الآية، فقال: إن أبا عثمان يقول: إن فاعله مضمر فيه، كأنه عنده: ثم بدا لهم بدو، فأضمر الفاعل لدلالة فعله عليه، وجاز هذا وحسن، وإن لم يحسن أن نقول: ظهر ظهور وعلن علن؛ لأن البدو والبدا قد استعمل على معنى غير المصدر، ألا ترى أن قولهم: بدا لهم بدو، بمنزلة ظهر لهم رأي، كما أن قولهم: قيل فيه قول كذلك، فلهذا أقيم المصدر فيه مقام الفاعل، وأما قوله (ليسجننه) فحمله أبو عثمان على أنه حكاية، تقديره: بدا لهم أمر قالوا ليسجننه، فأضمر القول كما قال ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: 3] أي قالوا، ومثله كثير في التنزيل [[في هذه المسأله ثلاثة أقوال:
1 - مذهب سيبويه أن ليسجننه في موضع الفاعل أي: ظهر لهم أن يسجنوه، وقال محمد بن يزيد: هذا غلط لا يكون من الفاعل جملة ولكن.
2 - الفاعل ما دل عليه بدا أي بدا لهم بداءٌ، فحذف الفاعل لأن الفعل يدل عليه.
3 - أن معنى (بدا له) في اللغة ظهر له ما لم يكن يعرفه، فالمعنى ثم بدا لهم أي لم يكونوا يعرفونه، وحذف هذا لأن في الكلام عليه دليلًا، وحذف أيضًا القول أي قالوا: (ليسجننه) انظر: "الكتاب" 1/ 456، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 141.]].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ قال أهل اللغة [["تهذيب اللغة" (حين) 1/ 714، و"لسان العرب" (حين) 2/ 1073.]]: الحين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه والطويل.
قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 187، وفي البغوي 4/ 239، و"زاد المسير" 4/ 222 ونسبوه إلى عطاء.]] في رواية عطاء: يريد إلى انقطاع القالة وما شاع في المدينة من الفاحشة، وقال في رواية الكلبي [[البغوي 4/ 239، "زاد المسير" 4/ 222، القرطبي 9/ 87، الثعلبي 7/ 81 أ.]]: الحين هاهنا خمس سنين.
وقال سفيان وعكرمة [[الطبري 12/ 213، وابن أبي حاتم 7/ 2141 وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 32، والبغوي 4/ 239، وابن عطية 9/ 297، و"زاد المسير" 4/ 222، القرطبي 9/ 187، عن عكرمة (تسع سنين).]]: سبع سنين.
وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 154 أ.]]: حُبس يوسف اثني عشرة سنة [[قلت الراجح -والله أعلم- هو أنه قد بدا لهم أن يسجنوه من غير تعيين زمن محدد، الذي ذكره المفسرون هو مقدار ما لبث في السجن لا المدة التي قررها الملك حين أدخله السجن. انظر ابن عطية 7/ 506، و"زاد المسير" 4/ 222.]]، وفي هذه الآية بيان أن العزيز أطاع زوجته في حبس يوسف، بعد علمه ببراءته، موافقة لها، وذكر المفسرون [[الثعلبي 7/ 81 أ، القرطبي 9/ 187.]] أن الله تعالى جعل ذلك الحبس [تطهيرًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] ليوسف من همه بالمرأة، وتكفيرًا لزلته، وذكر ابن الأنباري أن الله تعالى أبهم الحين هاهنا، إرادةً لتكرمة العلماء ورفعًا لأقدارهم؛ ليفزع الناس إليهم في المشكلات وهم يعرفون ذلك بتطلب التأويل [[إلى هنا انتهى السقط من نسخة (ب).]] والبحث عن غامض التفسير.
يوسف 12:36
قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ قال السدي [[الطبري 12/ 214، وابن أبي حاتم 7/ 2142.]] وقتادة [[الطبري 12/ 214، وابن أبي حاتم 7/ 2141.]] والمفسرون [[الطبري 12/ 214، الثعلبي 7/ 81 ب، البغوي 4/ 240، "زاد المسير" 4/ 223، القرطبي 9/ 189.]]: هما غلامان كانا لملك مصر الأكبر، أحدهما صاحب طعامه، والآخر صاحب شرابه، رفع إليه أن صاحب طعامه يريد أن يسمه، وظن أن الآخر مالأه على ذلك، فأمر بحبسهما.
والفتى في اللغة [["تهذيب اللغة" (فتى) 2731/ 3، و"اللسان" (فتا) 6/ 3347.]]: الشاب القوي، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 109.]]: ويجوز أن يكونا حَدَثين أو شيخين، لأنهم كانوا يسمون المملوك فتى، قال: ولم يقل: فحبس يوسف ودخل معه السجن فتيان؛ لأن في قوله ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾ دليلًا على أنه حبس.
قال ابن عباس [[انظر: البغوي 4/ 240، الرازي 18/ 133، "زاد المسير" 4/ 222.]] في رواية عطاء: في قوله (فتيان) عبدان للملك، وكان أحدهما على شراب الملك، والآخر على طعامه.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قال المفسرون [[البغوي 4/ 240، الرازي 18/ 133، "زاد المسير" 4/ 222.]] كان يوسف لما دخل السجن قال لأهله: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين: هلم فلنجرب هذا العبد العبراني نترايا له، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئًا.
قال ابن مسعود [[الطبري 12/ 214، الثعلبي 7/ 81 ب، البغوي 4/ 240، "زاد المسير" 4/ 222، ابن عطية 7/ 507، القرطبي 9/ 189.]]: ما رأيا شيئًا، إنما كانا تحالما ليجربا علمه.
وقال مجاهد [[الطبري 12/ 215، الثعلبي 7/ 81 ب، البغوي 4/ 240، "زاد المسير" 4/ 222، ابن عطية 7/ 507، القرطبي 9/ 189.]]: كانا قد رأيا حين أدخل السجن رؤيا، فأتيا يوسف، فقال له الساقي: أيها العالم إني رأيت كأني في بستان، فإذا بأصل حَبَلَة [[الحبلة: يطلق على شجرة العنب قال الليث: يقال للكرمة حبلة، و"تهذيب اللغة" (حبل) 1/ 732، و"لسان العرب" (حبل) 2/ 762.]] حسنة فيها ثلاثة أغصان، عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها، فكأن كأس الملك بيدي، فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه، فذلك قوله ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 109.]]: لم يقل إني أراني في النوم أعصر خمرًا، لأن الحال يدل على أنه ليس يرى نفسه في اليقظة يعصر خمرًا، قال ابن الأنباري: لأنه لو لم يقصد للنوم كان قوله (أعصر) مستغنى به عن ﴿أَرَانِي﴾ وقال غيرهما: قد دل على المنام قولهما ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ وذلك أنه لا يكون لما يرى في اليقظة تأويل.
وقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قال الليث [["تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2458.]]: يقال: عصرت العنب وعصرته، إذا وليت عصره بنفسك، واعتصرت إذا عُصِرَ لك، والعصارة ما يحلب عن شيء بعصره، وذكر المفسرون [["زاد المسير" 4/ 223، البغوي 4/ 240، الرازي 18/ 134.]] وأهل المعاني في قوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يكون المعنى أعصر عنب خمر، أي العنب الذي يكون عصيره خمرًا، فحذف المضاف.
والثاني: أن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس، فيقولون: فلان يطبخ الآجُرّ، يعنون اللّبِن، فيوقعون بالفرع ما هو واقع بالأصل، ويقولون: هو يطبخ دبسًا، وهو يطبخ عصيرًا، هذا [[في (ج): (هو).]] الذي ذكرنا قول الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 109.]] وابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 223.]].
والقول الثالث: أن من العرب من يسمي العنب خمرًا، وأن قريشًا نطقت بهذه اللغة وعرفتها، فذكرها الله عز وجل في كتابه، قال الضحاك [[الطبري 16/ 97، ابن المنذر وابن أبي حاتم 4/ 216 أ، كما في "الدر" 4/ 536، القرطبي 9/ 190، "زاد المسير" 4/ 223.]]: نزل القرآن بكل لسان، والعنب بلغة بعضهم الخمر.
وقال الكلبي عن أبي صالح [["تنوير المقباس" ص 149، و"زاد المسير" 4/ 223، وابن عطية 7/ 507.]]: أزد وعمان يسمون العنب الخمر، وحكى الأصمعي [[الثعلبي 7/ 82 أ، ابن عطية 7/ 507، القرطبي 9/ 190، "لسان العرب" (خمر) 2/ 1259.]] عن المعتمر أنه لقي أعرابيًا معه عنب، فقال: ما معك؟ قال: خمر [[ما سبق من تفسير قوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ والاحتمالات الثلاثة ذكرها صاحب اللسان (خمر) 2/ 1259.]].
وقال صاحب الطعام (ليوسف: إني رأيت) [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش (منه، فذلك قوله) [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] ﴿وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ والخبز المصدر، والخبازة صنعة الخباز، (وقال الليث [["تهذيب اللغة" (طير) 3/ 2149، و"لسان العرب" (طير) 5/ 2735.]]: الطير اسم جامع) [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] مؤنث، والواحد طائر.
وقال أحمد بن يحيى [[المشهور بثعلب، و"تهذيب اللغة" (طير) 3/ 1249، و"اللسان" (طير) 5/ 2735.]]: الناس كلهم يقولون للواحد طائر، وأبو عبيدة [["تهذيب اللغة" (طير) 3/ 1249، "اللسان" (طير) 5/ 2735.]] معهم، ثم انفرد فأجاز أن يقال طير للواحد، وجمعه على طيور، قال: وهو ثقة.
وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 82 ب، البغوي 4/ 239، "زاد المسير" 4/ 223.]]: أخبرنا بتفسيره، قال أبو عبيد [[الطبري 12/ 215 عن أبي عبيد.]]: تأويل الشيء ما يرجع إليه وتصرف من المعنى الذي تحته.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ معناه: إنا نراك تؤثر الإحسان وتأتي مكارم الأخلاق، وجميع [[كذا في جميع النسخ ولعلها (وجميل).]] الأفعال، يدل على هذا ما قاله إبراهيم وقتادة [[الطبري 12/ 216، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 34، وابن عطية 7/ 509، والثعلبي 7/ 82 ب، وابن أبي حاتم 7/ 2143.]]: كان يعود مرضاهم، ويعزي حزينهم، ورأوا منه محافظة على طاعة الله عز وجل فأحبوه، قال [[في (ج): وقال.]] الضحاك [[الطبري 12/ 216، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2143، وأبو الشيخ والبيهقي في "الشعب" كما في "الدر" 4/ 34، البغوي 4/ 239، والقرطبي 9/ 190، والثعلبي 7/ 82 ب.]]: كان إذا مرض رجل في السجن قام عليه، وإذا ضاق وَسَّع له، وإن احتاج جَمَعَ له وسأله، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المعنى: إن عبرت لنا هذين المنامين، فإنك من المحسنين إلينا، بقضائك هذه الحاجة لنا، وهذا معنى قول ابن إسحاق [[انظر الطبري 12/ 216، ابن عطية 7/ 509، "زاد المسير" 4/ 223، الثعلبي 7/ 82 ب.]]: قال: إنا نراك من المحسنين إن فسرت لنا هذين المنامين.
وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 45، الثعلبي 7/ 82 ب.]]: إنا نراك من المحسنين، يقول من العالمين قد أحسنت العلم، قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 224.]]: والتقدير على هذا: من المحسنين العلم، فحذف مفعول الإحسان كما حذف في قوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: 49] أي السمسم والعنب، ونحو هذا قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 110.]]: أي ممن يحسن التأويل [[رجح الطبري 12/ 216 من هذه الأقوال قول قتادة والضحاك، ثم قال: فإن قال قائل: وما وجه الكلام إذا كان الأمر إذاً كما قلت، وقد علمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما، ليست من الخبر عن صفته بأنه يعود المريض، ويقوم عليه ويحسن إلى من احتاج في شيء، وإنما يقال: (نبئنا بتأويل هذا فإنك عالم). وهذا من المواضع التي تحسن منه بالوصف بالعلم لا بغيره؟.
قيل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويل رؤيانا محسنًا إلينا في إخبارك إيانا بذلك، كما نراك تحسن في سائر أفعالك ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ اهـ.]]، قال: وهذا دليل أن أمر الرؤيا صحيح، وأنها لم تزل في الأمم الخالية، ومن دفع أمر الرؤيا وأن منها ما يصح فليس بمسلم، لأنه يدفع القرآن والأثر، وهذه الآية بيان عما يوجبه لطف الله تعالى فيما سببه لنجاة يوسف بالعلم والإحسان في جوابه عما سأله الفتيان؛ لأن تعبيره رؤيا هذين كان سبب نجاته.
يوسف 12:37
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ الآية، هذا ليس بجواب ما سألا عنه، ولكن يوسف عليه السلام لما علم أن تأويل رؤياهما يوجب قتل أحدهما، بدأ بدعائهما إلى الإسلام ليستعدا به قبل استماع جواب الرؤيا، هذا قول جماعة من المفسرين، قال قتادة [[الطبري 12/ 219، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 34.]]: لما علم نبي يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما، وإلى نصيبهما من الآخرة.
وقال آخرون [[أخرجه أبو عبيد، والطبري 12/ 217 وابن المنذر، وابن أبي حاتم 7/ 2144، عن ابن جريج كما في "الدر" 4/ 34.]]: قصد يوسف بهذا الدلالة على أنه عالم بتفسير الرؤيا، فقال: لا يأتيكما طعام ترزقانه في منامكما، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 224، الثعلبي 7/ 83 أ.]]: يريد تأكلان منه، إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة قبل أن يأتيكما التأويل، هذا قول السدي [[الطبري 12/ 217، ابن عطية 7/ 509، القرطبي 9/ 191، ابن أبي حاتم 7/ 2144.]] وابن إسحاق [[الطبري 12/ 217، ابن عطية 7/ 509.]] أن معنى قوله: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ أي في المنام.
وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 110.]]: أحب يوسف أن يدعوهما إلى الإيمان، وأن يعلمهم أنه نبي، وأن يدلهما على نبوته بآية معجزة، وأعلمهما أنه يخبرهما بكل طعام يؤتيان به من قبل أن يرياه، فعلى هذا معنى قوله ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ في اليقظة، يقول: لا يأتيكما طعام إلا أخبرتكما، أي طعام هو، وأي لون هو، وكم هو، وهذا مذهب ابن جريج [[الطبري 12/ 217 بمعناه، وأبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 34 وابن عطية 7/ 510، وهو مروي عن الحسن كما في "زاد المسير" 4/ 224.]]، والأول أوجه، لأن قوله: ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ يوجب أن يكون ذلك إعلامًا بتأويل ما تريان في النوم، ثم أعلمهما أن ذلك مما عرفه الله إياه، فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أي لم أخبركما على جهة التكهن والتنجم، وإنما أخبركما بوحي من الله وعلم، ثم أعلمهما أن هذا لا يكون إلا لمؤمن بالله نبي، فقال {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 45، وهو قول الطبري 12/ 217.]]: كرر (هم) لما فرق بينهما، وكأن الأول مُلغى والاتكاء والخبر عن الثاني، ومثله قوله ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [[النمل: 3، لقمان: 4.]].
يوسف 12:38
(قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 225.]]: يريد أن الله عصمنا من أن نشرك به، و (من) زائدة مؤكدة، كقولك: ما جاءني من أحد) [[ما بين القوسين ساقط من (ب).]].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 110.]]: أي اتباعنا الإيمان بتوفيق الله لنا وبفضله علينا.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ قال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 149، و"زاد المسير" 4/ 225.]]: يعني وعلى المؤمنين، يريد أن من عصمه الله من الشرك وتفضل عليه بالإيمان فهو ممن لله عليه الفضل، وهذا قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 110.]]، لأنه قال: ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بأن دلهم على دينه المؤدي إلى صلاحهم، وروي عن ابن عباس [[الطبري 12/ 218، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2145، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 35، و"زاد المسير" 4/ 225.]] أنه قال: معناه ذلك من فضل الله علينا أن جعلنا أنبياء، وعلى الناس أن جعلنا إليهم رسلًا، ودل على هذا التأويل قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 225.]]: يريد لا يوحدون الله، يعني أنه كان من شكر الإنعام عليهم ببعث [[في (ب): (بعث) بباء واحدة.]] الرسل أن يؤمنوا ويوحدوا.
يوسف 12:39
قوله تعالى ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ لملازمتهما إياه بالكون فيه، كقوله تعالى لسكان الجنة والنار أصحاب الجنة وأصحاب النار [[هذه عبارة الثعلبي 7/ 83 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ يعني الأصنام، قال الحسن [["زاد المسير" 4/ 225، القرطبي 9/ 192.]]: متفرقون من صغير وكبير ووسط، مباين كل واحد للآخر، بما يوجب النقص، (خير) أي أعظم في صفة المدح ﴿أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يعني أن القادر بما يقهر كل شيء أحق بالإلهية من الذليل المقهور، وهذا كقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [[النمل: 59.]].
يوسف 12:40
قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ خاطبهما ومن على [[في (أ)، (ب)، (ج): بزيادة (هذا).]] مثل حالهما من أصحاب السجن ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي من دون الله ﴿إِلَّا أَسْمَاءً﴾ يريد أنه لما كانت الأسماء التي سموها كالأرباب والآلهة لم تصح معانيها، صارت كأنها أسماء فارغة يرجعون في عبادتهم إليها، فكأنهم إنما يعبدون الأسماء؛ لأنه لا معاني تصح لها من إله ورب، بل أنتم وآباؤكم سميتموها آلهة [[ما سبق قريب من كلام الثعلبي 7/ 83 ب.]] ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ما الفصل [[(ما القضاء والأمر والنهي) انظر الثعلبي 7/ 83 ب، و"زاد المسير" 4/ 226.]] بالأمر والنهي إلا بالله ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي الذي أمر به من أن لا تعبدوا إلا إياه هو الدين المستقيم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 226.]]: يريد لا يعلمون ما للمطيعين لله من الثواب، وما للعاصين من العقاب، ومضى الكلام في معنى القيم عند قوله ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [[الأنعام: 161. وقال هناك: (قال ابن عباس: يريد مستقيمًا، ونحو ذلك قال الأخفش والزجاج في "القيم"، وهو من باب الميت والصبيب) اهـ.]].
يوسف 12:41
قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ الآية، قال الكلبي عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 226، "تنوير المقباس" ص 150، البغوي 4/ 243 بنحوه، الرازي 18/ 142، الثعلبي 7/ 84 أ.]]: لما قص الساقي رؤياه على يوسف وقد ذكرنا كيف قص عليه في موضعه، قال له يوسف: ما أحسن ما رأيت، أما حسن الحبلة فهو حسن حالك، وأما الأغصان الثلاثة، فثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن، فيردك إلى عملك، فتعود كأحسن ما كنت فيه، وقال للخباز لما قص عليه: بئس ما رأيت، السلال الثلاث، ثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيقتلك ويصلبك وتأكل الطير من رأسك، فقالا: ما رأينا شيئًا، فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ يعني سيقع بكما ما عبرت لكما، صدقتما أم كذبتما، فإن قيل كيف حكم يوسف بوقوع تأويل المنامين وربما صدق تأويل المنام وكذب؟
والجواب عن هذا: أن حكم [[في (أ)، (ب)، (ج): بزيادة (حكم).]] يوسف حتم بوقوع الأمر بهما من قبل وحي أتاه بذلك من الله تعالى، الذي يدل على هذا أن حكم المنام المكذوب فيه أن يبطل تأويله، فلما وقع ما تؤل لهذين المنامين وكلاهما مكذوب فيه، دل ذلك على أن الجواب وقع بوحي، لا يبطل ولا يزول، على هذا دل كلام المفسرين.
قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 150.]] وابن مسعود [[الطبري 12/ 221، وابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2148، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 36، الثعلبي 7/ 84 أ.]] وقتادة [[أخرجه أبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 36.]] وغيرهم [[وهو قول مجاهد والسدي والطبري وغير واحد، انظر: الطبري 12/ 221، وابن أبي حاتم، و"البحر المحيط" 5/ 311.]]، قالوا: لما عبر رؤياهما، قالا ما رأينا شيئًا، فقال قضى الأمر الذي فيه تستفتيان، قطع الجواب الذي التمساه من جهته، فكأنه قال: هذا عبارة ما سألتما، وتأويل ما قصصتما عندي، ولم يعن أن الذي تأوله واقع لا محالة، فلم يحتم بصحة هذا التأويل، الدليل على ذلك قوله ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ﴾ والظان شاك غير عالم، والصحيح هو الأول؛ لأنه أشبه بحال الأنبياء [[هذا الذي رجحه ابن جرير الطبري 12/ 222 - 223، وابن عطية 7/ 515، والقرطبي 9/ 194.]]، وذكرنا معنى الاستفتاء في سورة النساء [[عند قوله تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [آية: 127]. قال هناك: (الاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة واستفتيته فأفتاني إفتاء، ويقال: أفتيت فلانا في رؤياه إذا عبرتها له. اهـ.]].
يوسف 12:42
قوله تعالى ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص150، و"زاد المسير" 4/ 227.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 154 أ.]] وأكثر المفسرين [["الكشاف" 2/ 322، والرازي 18/ 143، و"الدر المصون" 6/ 499، 500.]]: ظن: أيقن، وهذا التفسير موافق [[في (أ): (موافق القول)، وفي (ج): (موافقًا لقول).]] لقول من يقول: إنه حكم في عبارة الرؤيا بالقطع واليقين، فقال للذي [[في (أ)، (ب)، (ج): (الذي).]] علم أنه ناج من الرجلين ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقال قتادة [[القرطبي 16/ 110، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 37، و"زاد المسير" 4/ 227، والقرطبي 9/ 194، وابن عطية 7/ 515.]]: إنما عبارة الرؤيا على الظن، فيبطل الله ما يشاء ويحق ما يشاء، وفسر الظن هاهنا على الشك والحسبان، وهذا موافق [[في (أ)، (ب)، (ج): بزيادة (من).]] مذهب من يقول لم يحتم يوسف بتأويل الرؤيا، والقول هو الذي عليه العامة.
وقوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي عند الملك [[رواه الطبري 12/ 222 - 223، عن ابن إسحاق ومجاهد وأسباط وقتادة.]] صاحبك، والرب هاهنا بمعنى السيد، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 84 ب، الطبري 12/ 222.]]: قال له يوسف إذا خرجت من السجن، فقل للملك إن في السجن غلامًا محبوسًا ظلمًا، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ الكناية في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ﴾ راجعة على يوسف في قول الأكثرين، قال مجاهد [[الطبري 222 - 224، والثعلبي 7/ 84 ب، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم 7/ 2149، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 39، و"زاد المسير" 4/ 227.]]: أنسى الشيطان يوسف الاستغاثة بربه، وأوقع في قلبه الاستغاثة بالملك، فعوقب بأن لبث في السجن بضع سنين.
وهذا قول ابن عباس [[البغوي 4 - 244، و"تنوير المقباس" ص150، وابن أبي حاتم 7/ 2149 بنحوه بدون سند لابن عباس.]]، واختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 112.]]، قال: أنسى يوسفَ الشيطانُ أن يذكر ربه. وذهب بعض المفسرين إلى أن الكناية راجعة إلى إنساء الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه، وهذا قول الحسن [[أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد وقال ابن كثير 2/ 526: (قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ الضمير عائد إلى الناجي كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد).]]، والكلبي [["تنوير المقباس" ص 150.]] وابن إسحاق [[الطبري 12/ 224، الثعلبي 7/ 84 ب، "زاد المسير" 4/ 227، ابن عطية 7/ 516.]]، وذكر الفراء [["معاني القرآن" 2/ 46.]] القولين جميعًا.
قال ابن الأنباري: فمن أعاد الهاء على يوسف احتج بأنها لو عادت على الساقي دخل الكلام حذف وإضمار، لأنه يكون التقدير: فأنساه الشيطان ذكره لربه، ويكون كقوله ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [[آل عمران: 175.]] أي يخوفكم بأوليائه، وإذا صح المعنى من غير إضمار وحذف، لم يعدل عنه إلى غيره [[وقد ذهب إلى هذا القول عامة المفسرين ومنهم الطبري 12/ 222 وابن عطية 7/ 516، والقرطبي 9/ 196، والبغوي 4 - 244، والرازي 18/ 145، وأما القول الثاني على أن الناسي هو الساقي فرجحه ابن كثير 2/ 526، وأبو حيان 5/ 311.]]، ومن جعل الهاء عائدة على الساقي، قال: لو رجعت على يوسف ما استحق عقوبة من قبل أن الناسي غير مؤاخذ، والجواب عن هذا أن معنى النسيان هاهنا الترك، ومعنى قوله ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عامدًا لا ناسيًا.
وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ قال أبو عبيدة [["تهذيب اللغة" (بضع) 1/ 346، و"اللسان" (بضع) 1/ 298.]]: البضع ما لم يبلغ العقد ولا نصفه، يريد ما بين الواحد إلى الأربعة، وقال الأصمعي [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 112، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 430.]]: ما بين الثلاث إلى التسع، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 112.]]: وهو القول الصحيح، واشتقاقه من بضعت بمعنى قطعت، ومعناه القطعة من العدد، فجعل لما دون العشرة من الثلاث إلى التسع، وهذا قول قتادة [[الطبري 12/ 224، الئعلبي 7/ 84 ب. "معاني القرآن" للنحاس 3/ 429، "الدر المصون" 4/ 185.]].
وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 46، و"التهذيب" (بضع) 1/ 346، و"اللسان" (بضع) 1/ 298، والثعلبي 7/ 84 ب، وا لطبري 12/ 225.]] نحو هذا، وزاد فقال: لا يذكر البضع إلا مع عشر أو عشرين إلى التسعين، وهو نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقال: كذلك رأيت العرب يقولون، وما رأيتهم يقولون: بضع ومائة، وإذا كان بضع للذُّكران قيل بضعة، فعلى هذا الواحد والاثنان يقال لهما: نيف، والثلاثة إلى التسعة: بضع.
وقال المبرد [["تاج العروس" 11/ 19.]]: هو ما بين العقدين، وهذا قول جماعة [["معاني القرآن للفراء" 2/ 46، و"زاد المسير" 4/ 228.]]، قالوا: البضع ما دون العشر، وهو قول الأخفش [["معاني القرآن" للنحاس 3/ 430، و"الزاهر" 2/ 342، 343، و"زاد المسير" 4/ 228.]]، قال: هو من واحد إلى عشرة.
وروى الشعبي [[الحديث أخرجه أحمد 4/ 168، والطبري 21/ 17، والترمذي 2/ 150، وحسنه من حديث ابن عباس، وصححه الألباني في "صحيح الجامع".]] أن النبي ﷺ قال لأصحابة: "كم البضع؟ " فقالوا: من واحد إلى عشرة، وهذا قول ابن عباس [[الثعلبي 7/ 84 ب، الطبري 12/ 225.]]، وقال مجاهد [[الطبري 12/ 224، وابن أبي حاتم 7/ 2150.]]: هو ما بين الثلاث إلى التسع، وهو قول قطرب [["معاني القرآن" للنحاس 3/ 430، وفي "الماوردي" 3/ 40 أنه قال: من ثلاث إلى سبع.]]، وعامة المفسرين [[روى ذلك الطبري 12/ 225 عن قتادة ووهب وابن جريج، وذكره الثعلبي 7/ 84 ب ونسبه إلى أكثر المفسرين.]] على أن المراد بالبضع هاهنا سبع، وقالوا: عاقب الله عز وجل يوسف بأن حبس سبع سنين، بعد الخمس التي حبسها إلى وقت قوله ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وذهب مقاتل [["تفسير مقاتل" 154 أ.]] إلى العكس من هذا، فقال: الأول سبع، والآخر خمس.
قال ابن عباس [[روي عن ابن عباس مرفوعًا نحوه انظر: ابن أبي الدنيا كتاب العقوبات، والطبري 12/ 223، والطبراني وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 37.]] في رواية عطاء: لما تضرع يوسف إلى مخلوق وقد كان اقترب خروجه، أنساه الشيطان ذكر ربه، حيث مال إلى مخلوق وترك الخالق، فلبث في السجن سنين.
وروى الحسن [[الطبري 12/ 223، وأحمد في "الزهد" وابن أبي حاتم 7/ 2148، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 37، الثعلبي 7/ 84 ب، الرازي في 18/ 150.]] أن النبي ﷺ قال: "رحم الله يوسف، لولا الكلمة التي قالها: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ما لبث في السجن طول ما لبث"، ثم بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس [[اختلف العلماء في مسألة البضع، معناها والمراد بهاهنا. والأظهر والله أعلم أن المراد بها هنا سبع سنين.
انظر: "معاني النحاس" 3/ 429 - 431، الماوردي 40/ 3، أبو حبان 5/ 311، "تاج العروس" (بضع) 11/ 19.]].
يوسف 12:43
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ الآية، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 85 أ، وفيه: (لما دنا فرج يوسف) وهو الصحيح.]]: لما ذكرنا فرج يوسف، رأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هالته، وذلك أنه رأى سبع بقرات سمان، وسبعًا عجافًا [[(عجافًا): ساقط من (أ)، (ب)، (ج).]] فابتلعت العجاف السمان، فدخلن في بطونهن فلم ير منهن شيئًا، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعًا آخر يابسات قد استحصدت، والتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فجمع الكهنة وقصها عليهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ الآية، فقوله: ﴿عِجَافٌ﴾ قال الليث [["تهذيب اللغة" (عجف) 3/ 2340.]]: العجف ذهاب السمن، والفعل عجف يعجف، والذكر أعجف، والأنثى عجفاء والجميع عجاف في الذكران والإناث، وليس في كلام العرب أفْعَل وفعلاء، وجُمعا على فعال غير أعجف وعجفاء، وهي شاذة حملوها على لفظ سمان فقالوا: سمان وعجاف، وجاء أفعل وفعلاء على فعل يفعل في أحرف معدودة، منها: الأعجف والآدم والأسمر والأحمق والأخرق والأرعن، على أن ابن السكيت [["تهذيب اللغة" (عجف) 3/ 2340.]] قد حكى عن الفراء: عجف وحمق ورعن وخرق، بالكسر في هذه الأربعة، فمعنى العجاف الهزلى التي لا لحم عليها ولا شحم، وقال ابن دريد [["تهذيب اللغة" (عجف) 3/ 2340، وابن دريد هو: محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية، من الأزد، انتهى إليه علم لغة البصريين، كان من أحفظ الناس، توفي سنة 321 هـ. انظر: "معجم الأدباء" 18/ 129، و"طبقات النحويين" للزبيدي (ص 202)، و"نزهة الألباء" (323).]]: العجف غلظ العظام وعراؤها من اللحم.
وقوله تعالى: ﴿أَفْتُونِي﴾ ذكرنا معنى الإفتاء والاستفتاء في سورة النساء [[عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [آية: 127].]].
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾، يقال: عبرت الرؤيا أعبرها عبرًا وعبارة، وعبرتها تعبيرًا إذا فسرتها، وحكى الأزهري [["تهذيب اللغة" (عبر) 3/ 2305.]]: أن هذا مأخوذ من العبر وهو جانب النهر، ومعنى عبرت النهر والطريق، قطعته إلى الجانب الآخر، فقيل لعابر الرؤيا عابر؛ لأنه يتأمل ناحيتي الرؤيا فيتفكر في أطرافها، ويمضي تفكره فيها من أول ما يرى النائم إلى آخر ما رأى، حتى يقع فهمه على الصحيح منها فيجيب، فأما اللام في قوله ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ فقال أحمد بن يحيى [["تهذيب اللغة" (عبر) 3/ 2304.]]: أراد إن كنتم للرؤيا عابرين، وإن كنتم عابرين للرؤيا، تسمّى هذه اللام لام التعقيب، لأنها عقبت الإضافة، لأن المعنى: إن كنتم عابري الرؤيا.
وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 230.]]: دخلت اللام مؤكدة مفيدة معنى التأكيد، وقيل: إنها أفادت معنى إلى، وكأن تلخيصها: إن كنتم توجهون العبارة إلى الرؤيا، والعرب تقول: هو لزيد ضارب، يعنون: هو يوجه ضربه إلى زيد، وأجاز النحويون: ضربت لك، بمعنى وجهت ضربي إليك. هذا كلامه.
وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 112.]]: هذه اللام أدخلت على المفعول للتبيين، لمعنى إن كنتم تعبرون وعابرين، ثم جاء باللام فقال للرؤيا.
وقال صاحب النظم: وضع الفعل هاهنا موضع النعت كقوله ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] بمعنى حصرة، وقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: 7] أي قائلين، كذلك المعنى هاهنا إن كنتم للرؤيا عابرين، وكما وضعوا الفعل موضع النعت، وضعوا النعت أيضًا موضع الفعل، كقوله تعالى ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: 193] بمعنى أم صمتم، ومضى الكلام في مثل هذا مستقصى في قوله ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [[الأعراف: 154. قال هنالك بعد أن ذكر أقوال النحاة في هذه اللام: "فعلى هذا قوله (لربهم) اللام صلة وتأكيد كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ النمل: 72، وقال بعضهم: إنها لام أجل، والمعنى: هم لأجل ربهم يرهبون، لا رياء ولا سمعة.]].
يوسف 12:44
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 46.]]: أضغاث رفع؛ لأنهم أرادوا: ليس هذه بشيء [[في (أ)، (ب)، (ج): (ليس هذا شيء) والعبارة غير مستقيمة، فإما أن تكون كما ذكرته كما هو في (ي) وفي معاني القراء أو تكون (ليس هذا شيئًا)، والله أعلم.]]، إنما هي أضغاث أحلام، كقوله ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: 24].
وأما الأضغاث، فقال النضر [["تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2121.]]: الضغث كالحزمة من أنواع النبت والحشيش.
وقال الأخفش [["اللسان" (ضغث) 5/ 2590 - 2591 عن أبي حنيفة.]]: هو ملء الكف من الحشيش.
وقال الفراء [["تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120، و"اللسان" (ضغث) 5/ 2591.]]: الضغث ما جمعته مما قام على ساق واستطال، وقال أبو الهيثم [["تهذيب اللغة" (ضعث) 3/ 2120، و"اللسان" (ضعث) 5/ 2591.]]: كل مقبوض عليه بجمع الكف فهو ضغث، هذا معنى الضغث في اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120 - 2121، و"اللسان" (ضعث) 5/ 2590 - 2591.]]، قال ابن مقبل [[الخود: الفتاة الناعمة الشابة، الشمال: الريح المعروفة وهي باردة.
انظر: الطبري 12/ 226، و"البحر" 5/ 300، و"المحرر" 9/ 309، و"الدر المصون" 6/ 506.]]:
خَوْدٌ كأنّ فراشَهَا وضِعَتْ به ... أضْغَاث رَيْحَان غَدَاةَ شَمَال
فأما أضغاث الأحلام، فالأكثرون على أنها الأحلام المختلطة، قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 312.]]: الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا، قال: ونراه مأخوذًا من الخيلا [[في (ج): (الخلا).]] وهو جماعات يضم بعضها إلى بعض من الرؤيا، كالحشيش الذي يجمع، فيقال له: ضغث قدر ملء الكف، فالأضغاث من الرؤيا هي حلم لا تأويل له وأنشد [[البيت من الرجز، وهو بلا نسبة في "مجاز القرآن" 2/ 35، والقرطبي 9/ 200، 11/ 270.]]:
كضِغْثِ حِلْمٍ غُرِّمنه حَالِمَة وقال الكسائي [["اللسان" (ضغث) 5/ 2590، و"تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120.]] وغيره: أضغاث الأحلام ما لا يستقيم تأويله لدخول بعضه في بعض، كأضغاث من نُبُوت [[في (ج): (نبوة).]] مختلفة يُخْلط بعضها ببعض، قال مجاهد [[القرطبي 9/ 199، و"تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2121، و"اللسان" (ضغث) 5/ 2590.]]: أهاويل أحلام، وقال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 150.]]: أباطيل أحلام، وقال قتادة [[الطبري 12/ 226، عبد الرزاق 2/ 324. وأخرجه أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد كما في "الدر" 4/ 39.]]: أخلاط أحلام.
قال ابن الأنباري: ومعنى الآية: أنهم نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له من الرؤيا، ولم ينفوا عن أنفسهم علم تأويل ما يصح منها، فعنوا بقولهم ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ هذه منامات كاذبة لا يصح تأويلها، وما نحن بتأويل الأحلام التي هذا وصفها بعالمين، إذ كنا نعلم تأويل ما يصح، هذا معنى قول أكثر المفسرين [[الطبري 12/ 227، الثعلبي 7/ 58 ب، ابن عطية 7/ 521، "زاد المسير" 4/ 230.]]: الكلبي [["تنوير المقباس" ص 150. وقد روى عن ابن عباس: الأحلام الكاذبة، قال الهيثمي 7/ 39 رواه أبو يعلى وفيه محمد بن السائب وهو متروك.]] وغيره، ونحوه قال ابن عباس في رواية عطاء، وهو اختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 113.]]؛ لأنه قال: إنهم قالوا له رؤياك أخلاط، وليس للرؤيا المختلطة عندنا تأويل، فعلى هذا لم يقرّوا بالجهل والعجز عن تأويل الأحلام، وإنما قالوا: إن رؤياك فاسدة ولا تأويل للفاسدة عندنا، وذهب آخرون إلى أنهم قالوا: هذه منامات مختلطة لا نعلمها نحن؛ إذ لم نكن من أهل العبارة، إنما يعلمها من خص بالنفاذ في البصر، وحسن استخراج ما يغمض من تأويلها، ذهب إلى هذا المعنى مقاتل بن سليمان [["تصير مقاتل" 154أ.]] ونفر معه.
وقالوا معنى قوله ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ لها تأويل يعلمه غيرنا، فالأضغاث على هذا المذهب [الجماعات من الرؤيا التي يجوز أن تصح وأن تبطل، واحتجوا على هذا المذهب] [[ما بين المعقوفين في (ب) وهو ساقط من (أ) و (ج).]] بقول الساقي: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ قالوا: ففي هذا دليل على أن الملأ اعترفوا بالعجز عن الجواب، لأنهم لو كانوا بغير هذا الوصف لم يقل الساقي ما قاله، وعلى هذا؛ الملأ قالوا للملك: ما رأيته جماعات أحلام كثيرة لا علم لنا بتأويلها، واعترفوا بالعجز عنها [[قلت: القول الأول أرجح لعدة اعتبارات، الأول: أنه قول عامة المفسرين من السلف ومن بعدهم، الثاني: أنهم وصفوا رؤيا الملك بكونها أضغاث أحلام أي لا تأويل لها، الثالث: أنه لا يتصور في هؤلاء الملأ الذين هم أهل مشورته أنهم لا يعرفونها، وأيضًا أنهم سيعترفون بعجزهم عن تأويلها، والذي يظهر أنهم علموا من تأويلها ما يسوء الملك فأرادوا أن يصرفوه عن تطلب تأويلها فقالوا "أضغاث أحلام .. ".]].
يوسف 12:45
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ الآية، قال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 150.]]: لما سأل الملك عن رؤياه، جثا الساقي بين يديه بعد انقضاء جواب الملأ، فقال للملك: إني قصصت أنا والخباز على رجل في السجن منامين فخبّرنا بتأويلها فصدق في جميع ما وصف، ولم يسقط من تأويله شيء، إن أذنت مضيت إليه وأتيتك من قبله بتفسير هذه الرؤيا، فإنه رجل صالح فاضل عالم ظاهر المحاسن، فأذن له الملك في قصده، فذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ قال ابن عباس [[الطبري 12/ 227، الثعلبي 7/ 85 ب، البغوي 4/ 246، "زاد المسير" 4/ 231، كلهم من غير نسبة.]]: يريد أحد العبدين، وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا.
وقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ﴾ ذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ في سورة القمر [[الآيات: 15، 17، 22، 32، 40، 51، قال هنالك في أول موضع: "قال مقاتل: فهل من مدتكر، وقال أبو إسحاق: وأصله مدتكر، ولكن التاء أبدل منها الذال، والذال في موضع التاء هي أشبه بالدال من التاء، وأدغمت الذال في الدال".]].
وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ قال ابن عباس [[الطبري 12/ 227، عبد الرزاق 2/ 324، والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2151، وأبو الشيخ من طرق كما في الدر 4/ 39، القرطبي 9/ 201.]] والحسن [[الطبري 12/ 228.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 228.]] وعامة أهل التفسير والمعاني [[الطبري 12/ 227، الثعلبي 7/ 85 ب، البغوي 4/ 246، "زاد المسير" 4/ 231، ابن عطية 7/ 522، "معاني الفراء" 2/ 47، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 313، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة ص 225، "معاني النحاس" 3/ 432، و"معاني الزجاج" 3/ 113.]]: بعد حين. قال بعض أهل المعاني: هي الجملة من الحين، والجماعة من الحين؛ لأن الجماعة الكثيرة من الناس أمة يدل على صحة هذا ما روى عطاء عن ابن عباس [[الطبري 12/ 229، وابن أبي حاتم 7/ 2151 عن سعيد بن جبير.]] "بعد أمة" بعد سنين. فإن قيل أكثر المفسرين على أن معنى قوله: "وادكر" دليل على أن الناسي هو الساقي.
قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 231.]]: يقال إذ ادكر بمعنى: ذكر وأخبر الملك، وصلح أن يكون ادكر بمعنى ذكر، كما تقول احتلب بمعنى حَلبَ، واعتدى بمعنى عدى في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 194]. وذكر لا يدل على نسيان سبقه.
وقد قال الكلبي فيما روى عن ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 150، "زاد المسير" 231/ 4، القرطبي 9/ 202.]]: إنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إلى تعبير رؤياه، خوفًا من أن يكون ذلك إذكارًا لذنبه الذي من أجله حبسه الملك مع الخباز، فكتم أمره ولم يبده للملك لهذه العلة، فهذا يدل على أن الساقي قد نسي ذلك لقضاء الله تعالى في كون يوسف مدة في السجن، أنساه ذلك من غير أن ينسب النسيان إلى الساقي [في قوله ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ ويكون نسيان الساقي غير مذكور، ويستدل عليه بقوله ﴿وَادَّكَرَ﴾. ومن نسب النسيان إلى الساقي] [[ساقط من (ج).]] فَسّر الادّكار على ظاهره ولم ينقله إلى معنى الذكر.
وقوله تعالى ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ وقرأ الحسن [[ابن عطية 7/ 523 قال: "وكذلك في مصحف أبي"، و"البحر المحيط" 5/ 314، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 432، وقال الحسن: (كيف ينبئهم العلج؟).]] (أنا آتيكم بتأويله) وقال: أراد العلج ينبئهم بتأويله حتى لا يأتي به من عند يوسف عليه السلام.
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 113.]]: وأكرهها لمخالفة المصحف.
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ قال أبو بكر: هو خطاب للملك وملئه، لذلك خاطب بالجمع. ويجوز أن يخاطب الملك بخطاب الجمع؛ لأن أصحابه على مثل رأيه وأمره.
يوسف 12:46
قوله تعالى ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ قال أهل المعاني [[الطبري 12/ 229، و"زاد المسير" 4/ 231.]]: في الكلام محذوف يدل عليه الباقي، وهو أن المعنى فأرسل فأتاه فقال: يا يوسف، وذكرنا أنه يجوز حذف "يا" من النداء عند قوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ والصديق قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 113.]]: المبالغ في الصدق. قال المفسرون [[ابن عطية 7/ 524.]] وصفه بهذه الصفة؛ لأنه لم يجرب عليه كذبًا، وقيل [[الثعلبي 7/ 286.]]: لأنه صدق في تعبير رؤياه.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 86 أ، البغوي 4/ 235.]] والكلبي: يريد أهل مصر. وقال مقاتل [[في "تفسير مقاتل" 154 ب (يعني أهل مصر)، القرطبي 9/ 202.]]: يريد الملك وأصحابه. وقال غيره [["زاد المسير" 4/ 232.]]: يريد الملك والعلماء الذين جمعهم الملك ليعبروا رؤياه.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد كي يعقلوا. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 232.]]: وأما إعادة (لعل) فلاختلاف معنييهما، إذ الأولى متعلقة بالإفتاء، والثانية مبنية إلى الرجوع، وكلتاهما بمعنى كي فساغ التكرير لاختلاف متعلقيهما كأنه قال: أفتنا كي أرجع إلى الناس كي يعقلوا؛ فالإفتاء سبب الرجوع والرجوع سبب العلم.
يوسف 12:47
قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ الآية، قال المفسرون [[الطبري 12/ 230، الثعلبي 7/ 86 أ.]]: قال له يوسف: أما السبع البقرات السمان فإنهن سبع سنين مخصبات ذوات نعمة وأنتم تزرعون، أي: فازرعوا. قال صاحب النظم: قوله (تزرعون) جواب لقوله (أفتنا) جاء مجيء المضارع وتأويله أمر، وفيه إيماء إلى تعبير الرؤيا، ودل على ذلك قوله (فما حصدتم فذروه)، وهذا لفظ أمر، معطوف على قوله (تزرعون)، فدل أن قوله (تزرعون) أيضًا أمر وهذا كقوله ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وهذا اللفظ مضارع وتأويله دعاء والدعاء مثل الأمر كقوله ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ [المؤمنون: 118].
وقوله تعالى ﴿دَأَبًا﴾ قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 114.]]: الدأب الملازمة للشيء والعادة. وذكرنا الكلام في الدأب في سورة آل عمران ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [[آل عمران: 11. قال هنالك: "يقال: دأبت أدأب دأبًا ودأبًا ودؤوبًا: إذا اجتهدت في الشيء وتعبت فيه" اهـ.]] قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 150، و"زاد المسير" 4/ 232، والقرطبي 9/ 203.]]: يريد سبع سنين متوالية. وقال أهل المعاني واللغة [["تهذيب اللغة" (دأب) 2/ 1127، و"اللسان" (دأب) 3/ 1311.]]: الدأب استمرار الشيء على عادة، وهو دائب يفعل كذا، إذا استمر في فعله، وقد دأب يدأب دأبًا ودابًا، أي: زراعة متوالية في هذه السنين. وقيل على عادتكم في الزراعة.
قال أبو علي الفارسي [[الحجة: 4/ 425.]]: الأكثر في دأب الإسكان، فلعل الفتح لغة فيكون كشَمْع وشَمَع ونَهْر ونَهَر.
قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 47.]]: وكل حرف فتح أوله وسكن ثانية فتثقيله جائز إذا كان أحد حروف الحلق.
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 114.]]: ذكر جميع الكوفيين أن كل ما كان ثانيه حرفًا من حروف الحلق وكان مِسكنا مفتوح الأول، جاز فيه فتح المسكن نحو: نَعْل ونَعَل، وشَعْر وشَعَر، ونَهْر ونَهَر، وأما البصريون فيزعمون أنه ما جاء من هذا فيه اللغتان تُكُلِّم على ما جاء، وما كان لم يسمع لم يجز فيه التحريك نحو: وعْد لا نقول فيه وعَد، ولا في هذا الأمر وَهًا في معنى وهي، وهذا في بابه مثْلَ دَلَّ ودَلْ، وقَدَّرَ وقَدَرْ، فلا فرق في هذا بين حروف الحلق وغيرها.
قال [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 114.]]: وانتصب (دأبا) على معنى تدأبون دأبًا، ودل على تدأبون تزرعون وفي الزرع علاج ودؤوب، فقد قال تدأبون فانتصب دأبًا به لا بالمضمر، ونحو هذا القول حكاه ابن الأنباري عن الكوفيين قال: وقال غير الكوفيين: دأبًا مِصدر وضع في موضع الحال، تقديره: تزرعون دائبين، فناب دأب عن دائبين.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾ إلى آخره. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 150.]]: يريد كل ما أردتم أكله فدوسوه، ودعوا الباقي في سنبله لا يتسوّس. وقال المفسرون [[الطبري 12/ 230، الثعلبي 7/ 86 ب، البغوي 4/ 247، ابن عطية 7/ 525، ابن كثير 2/ 527.]]: إنما قال (فذروه في سنبله)؛ لأنه أبقى له وأبعد من الفساد، وذلك لأنه إذا ديس ثم طال مكثه فسد، فأشار عليهم بما فيه الصلاح.
واختلفوا في أن جواب يوسف كان من علمه أو بوحي من الله تعالى؟ فذهب بعض المفسرين إلى أنه بنى على ما علّمه الله من تأويل الرؤيا، وذهب بعضهم إلى أنه كان بوحي الله، واحتجوا على هذه بقوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ وهذا العام لم يعلمه إلا بالوحي من أجل أنه لم يدخل في سؤال السائل [[قلت: الراجح والله أعلم أن الإخبار عن سني الجدب بعد سني الخصب هو من قبيل التعبير لرؤيا الملك، وأما قوله ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ فهو من الوحي الذي آتاه الله دلالة على نبوته وحجة على صدقه، انظر: الطبري 12/ 232 ابن عطية 7/ 525، الرازي 18/ 150، القرطبي 9/ 204، الثعلبي 7/ 86 ب.]].
يوسف 12:48
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾.
قال المفسرون: يعني سبع سنين مجدبات، والشداد الصعاب التي يشتد على الناس.
وقوله تعالى: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 233، الرازي 18/ 150.]]: هذا من المجاز الذي يعني به: يفنين ما قدمتم فيه لهن، فشَبّه الإفناء بالأكل، كما تقول العرب: قد أكل السيرُ لحمَ الناقة، وهم يعنون ذهب به وأفناه. وأنشد لذي الرمة [["ديوانه" ص 2/ 678.]]:
وقد أَكَلَ الوجِيفُ بكلّ خَرْق ... عرائِكَهَا وهُلِّلَت الحُرُومُ
وقال غيره [["تفسير الطبري" 12/ 231، و"الثعلبي" 7/ 86 ب، و"ابن عطية" 7/ 528، و"القرطبي" 9/ 204، و"ابن كثير" 2/ 527.]]: إنما قال للسنين (يأكلن) لوقوع الأكل فيها، كما يقال: ليل نائم. وكقوله:
فنام لَيْلِي تَجَلّى هَمِّي [[الرجز لرؤبة في "ديوانه" ص 142، و"المحتسب" 2/ 164 وبلا نسبة في "خزانة الأدب" 8/ 202 و"المقتضب" 3/ 50.]]
ومثله كثير.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ الإحصان [[انظر: "تهذيب اللغة" (حصن) 1/ 843، و"اللسان" (حصن)، و"تاج العروس" 18/ 149.]] الإحراز وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن، يقال: أحصنه إحصانًا، إذا جعله في حرز. قال ابن عباس [[الطبري 12/ 231، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2154، وانظر: "الدر" 4/ 41، وابن عطية 7/ 528.]]: يريد تخزنون، وعنه [[الطبري 12/ 231، وابن عطية 7/ 528، وانظر: الثعلبي 7/ 86 ب، و"زاد المسير" 4/ 233.]] أيضًا تحرزون.
يوسف 12:49
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ الآية، قال المفسرون [[الطبري 12/ 232، الثعلبي 7/ 86 أ، ابن عطية 7/ 525.]]: هذا العام لم يعلمه إلا بالوحي من أجل أنه لم يدخل في سؤال السائل؛ قال قتادة [[الطبري 12/ 232، الثعلبي 7/ 86 أ، ابن عطية 7/ 525، عبد الرزاق 2/ 324، ابن المنذر كما في "الدر" 4/ 41.]]: زاده الله علم عام لم يسألوه عنه.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى السبع في قوله: ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ والسبع [["زاد المسير" 4/ 233، عن ابن القاسم الأنباري.]] أشبهت المذكر من قبل أنها لا علامة للتأنيث في لفظها، كقوله ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] هذا مذهب الكلبي [["تنوير المقباس" ص 150.]]، ومذهب مقاتل [["تفسير مقاتل" 154 ب.]] أن (ذلك) إشارة إلى الجدب.
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ قال ابن السكيت [["تهذيب اللغة" (غاث) 3/ 2616.]]: يقال: غاث الله البلاد يغيثها غيثًا، وهي إذا نزل بها الغيث. وقد غيثت الأرض تغاث غيثًا، وهي أرض مغيثة ومغيوثة، فعلى هذا (يغاث الناس) معناه يمطرون، ويجوز أن يكون من قولهم: أغاثه الله، إذا أنقذه من كرب أو غم. ومعناه ينقذ الناس فيه من كرب الجدب.
وقوله تعالى: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي يعصرون السمسم دهنًا، والعنب خمرًا، والزيتون زيتًا، وهذا قول ابن عباس [[الطبري 12/ 232، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 41، و"زاد المسير" 4/ 234، وابن أبي حاتم 7/ 2154.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 232.]] وقتادة [[الطبري 12/ 233، و"زاد المسير" 4/ 234، وابن أبي حاتم 7/ 2154.]] وأكثر المفسرين [[الثعلبي 7/ 287، و"زاد المسير" 4/ 234، وابن عطية 7/ 529.]] وهذا يدل على ذهاب الجدب وحضور الخصب والخير. وذكرنا معنى العصر في قوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36].
وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 313.]]: يعصرون تفسيره ينجون من العصر وهو المنحاة، ومثله العصرة والمعتصر. [والمعصر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] ومنه قول أبي زبيد [[لأبي زبيد الطائي عجز بيت، وصدره:
صاديًا يستغيث غير مغاث
من قصيدة له يرثي بها اللجاج ابن أخته، وكان من أحب الناس إليه، انظر "ديوانه" ص 44، و"جمهرة أشعار العرب" ص 260، و"الاقتضاب" ص 390، و"اللسان" (عصر) 5/ 2969، و"أمالي اليزيدي" ص 8، و"المحتسب" 1/ 345، والطبري 12/ 233، والقرطبي 9/ 205، و"تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2458.]]:
ولقد كان عُصْرة المَنْجُودِ
أي: ملجأ الكروب.
وقال عدي بن زيد:
لو بغَيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقْ ... كُنْتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعْتِصَارِي [[البيت لعدي بن زيد في "ديوانه" ص 93، و"الأغاني" 2/ 94، و"الحيوان" 5/ 138، 593.
انظر: "الكتاب" 1/ 462، و"مجاز القرآن" 1/ 314، و"الجمهرة" 2/ 154، و"اللسان" (عصر) 5/ 2971، والعيني 4/ 454، و"شواهد المغني" 255، و"الخزانة" 3/ 594، 4/ 460، 524، و"البحر المحيط" 5/ 316، و"تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2459، و"الشعر والشعراء" ص 133، وكتاب "العين" 4/ 342.]]
أي: التجائي، وأنشد أيضًا للبيد [[البيت للبيد، ويروى: (بغير معصَّر) "ديوانه" ص 68.
انظر: "الكتاب" 1/ 410، و"الأغاني" 2/ 26، والشنتمري 1/ 462، والجمهرة 2/ 154، و"اللسان" (عصر) 5/ 2969، العيني 4/ 454، و"شواهد المغني" / 255، و"الخزانة" 3/ 394، و"مجاز القرآن" 1/ 295، 314، والطبري 12/ 234، و"تهذيب اللغة" 3/ 2458.]]: فَباتَ وَأَسْرَى القَومُ آخِرَ لَيلِهِم ... وَما كانَ وَقّافًا بِدَارِ مُعَصَّرِ
وذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 114.]] أيضًا هذا القول فقال: وإن شئت كان على تأويل ينجون من البلاء ويعتصمون بالخصب، وأنشد بيت عدي [[ذكر هذا القول الطبري 12/ 233، وتعقبه فقال: "وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسِّر القرآن على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: "وفيه يعصرون" إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث ويزعم أنه من العصر والعُصْرَة التي بمعنى المنجاة ... إلى أن قال: وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين. اهـ.
وتعقب ابن عطية 7/ 531، الطبري فقال: "ورد الطبري على من جعل اللفظة من العصرة ردًّا كثيرًا بغير حجة".]].
وقال أبو عبيد [["تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2461، و"اللسان" (عصر) 5/ 2970.]]: يعصرون يعني به يصيبون ما يحبون، ويأخذون ما يشتهون. وأنشد قول ابن أحمر [["ديوانه" ص 61، وفيه "مقتفر" بدل "معتصر"، وأمالي القالي 1/ 245، و"مقاييس اللغة" 2/ 483، 4/ 344، و"مجمل اللغة" 2/ 457، و"تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2461، و"اللسان" (عصر) 5/ 2970. وبلا نسبة في "المخصص" 12/ 232.]]:
وإنما العَيْشُ بربَّانه [[في (ج): (ريانة).]] ... وأنْتَ من أفْنَانِه مُعْتَصِرْ
أي آخذ منها ما شئت.
وروي عن ابن عباس [[الطبري 12/ 233، الثعلبي 7/ 87 أ، من رواية علي بن طلحة، وتعقب هذا القول الطبري بقوله "قول لا معنى له، لأنه خلاف المعروف من كلام العرب، وخلاف ما يعرف من قول ابن عباس" 16/ 132.]] في رواية الوالبي: يعصرون يحلبون. وإلى هذا ذهب أحمد بن عبيد [["زاد المسير" 4/ 234.]] قال: تفسير يعصرون يحلبون الألبان، لسعة خيرهم واتساع خصبهم. واحتج بقول الشاعر [[البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في "زاد المسير" 4/ 234 برواية: (من المال).]]:
فما عصمت الأعراب إن لم يكن لهم ... طعامٌ ولا درٌّ من الماء يُعْصَرُ
أي: يحلب.
وروى ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 235.]] عن بعض أصحاب المعاني قال: تفسير يعصرون: يفضلون ويعطون ويحسنون. واحتج بقول طرفة:
لو كان في أمْلاكِنَا واحِدٌ ... يَعْصرُ فينا كالذي يُعْصَرُ [["ديوانه" ص 154، و"تاج العروس" (عصر) 7/ 230، و"مقاييس اللغة" 4/ 344، و"اللسان" (عصر) 5/ 2970، و"كتاب العين" 1/ 297، و"مجمل اللغة" 672/ 3.]]
أي: يعطينا كالذي يعطى ويفضل ويحسن.
وذكر الأزهري [["تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2461.]] هذا المعنى في يعصر عن أبي عبيد وأبي عبيدة.
واختار أبو علي الفارسي [["الحجة" 4/ 425.]] القولين الأولين فقال: قوله: ﴿يَعْصِرُونَ﴾ يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون من العصر الذي يراد به الضغط الذي لحق ما فيه دهن أو ماء نحو الزيتون والسمسم والعنب والتمر، ليخرج ذلك منه. الذي يدل على صحة هذا التأويل ما روي أنهم لم يعصروا في السنين الشداد زيتًا ولا عنبًا، فيكون المعنى: تعصرون للخصب الذي أتاكم كما كنتم تعصرون أيام الخصب، وقبل الجدب الذي دفعتم إليه.
قال: ويكون يعصرون من العصر الذي هو الالتجاء [[في (ج): (التجاء).]] إلى ما يُقْدَر النجاة به وأنشد لابن مقبل [[من قصيدة له قال عنها ابن قتيبة في الشعراء / 426: هي أجود شعره. قوله (صاحبي) يريد فرسه، (الوهوه) من الخيل النشيط سريع الجري، (المستوهل): الفزع النشيط، الزعل: النشيط الأشر (العصر): الملجأ. انظر: "ديوانه" ص 96، و"المعاني" ص 26، و"الجمهرة" 2/ 354، و"اللسان" (وهي) 13/ 563، و"تهذيب اللغة" 4/ 3967، و"كتاب العين" 4/ 88، و"تاج العروس" (وهي) 119/ 19.]]:
وصاحبي وَهْوه مُسْتَوْ [هِلٌ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] زَعِلٌ ... يَحُولُ بين حِمَارِ الوَحْشِ والعصر
فلقوله: "يغاث الناس" جعل الفاعلين الناس لتقدم ذكرهم. ومن قرأ بالتاء [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر (يعصرون) بالياء وقرأ حمزة والكسائي تعصرون) بالتاء.
انظر: "السبعة" ص 349، و"إتحاف" ص 265، والطبري 12/ 233.]] وجه الخطاب إلى المستفتين كقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ ويؤيد القراءة الأولى قرب الناس من الفعل، ويؤيد الثانية أن المخاطبة يجوز أن تكون للمستفتين وغيرهم، إلا أن الخطاب والغيبة إذا اجتمعا غلب الخطاب على الغيبة كما يغلب التذكير على التأنيث.
قال أبو عبيد: في هذه الآيات دليل على أن الرؤيا إنما تكون على ما عبرت عليه إذا أصيب بها وجه العبارة، فإذا عدل عن الصواب في عبارتها لم يكن على ما عبرت. ألا ترى أن الملك لما اقتص رؤياه على الملأ قالوا: أضغاث أحلام، فلم يكن على ما قالوا، ففسرها يوسف بعدهم، فأبان الصواب فيها، وشوهد تأويلها بتفسيره.
يوسف 12:50
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ الآية، قال المفسرون [[هذه عبارة الثعلبي 7/ 87 أ، و"زاد المسير" 4/ 236.]]: لما رجع الذي أرسل إلى يوسف للاستفتاء عن تأويل الرؤيا إلى الملك وأخبره بما أفتاه به، عرف الملك أن ذلك التأويل صحيح، وأن الذي قاله كائن فقال: ائتوني بالذي عبر رؤياي هذه، فجاء الرسول يوسف وقال له: أجب الملك، فأبى أن يخرج مع الرسول حتى يتبين براءته مما قذف به، وقال للرسول: ارجع إلى ربك يعني الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي﴾ أي ما حالتهن [[في (ج): (ماحالهن).]] وشأنهن، والبال: الحال والشأن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد: 2] وقال أبو عبيد [[في "التهذيب" (بال) 1/ 263 قال: قال عبيد وذكر البيت، وانظر: "اللسان" (بول) 1/ 390 من غير نسبه. والبيت لعدي بن زيد، وصدره:
فليت رفعت الهم عني ساعة
انظر: "ديوانه" ص 162، و"الإيضاح" / 106، و"نوادر أبي زيد" / 25 وبلا نسبة في "شواهد التوضيح" ص148 و"الدر" 1/ 114، 123، و"الهمع" 2/ 163، والسيوطي ص 238، و"الإنصاف" ص157، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 183، 295.]]:
فبِتْنا على ما خَيّلتْ نَاعِمِي بَالِ
ومعنى الآية فأسأل الملك أن يتعرف ويسأل ما شأن تلك النسوة وحالهن ليعلم صحة براءتي.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 115.]]: أي سله أن يستعلم صحة براءتي مما قذفت به، فمعنى ردِّه الرسول هو أن يتبين براءته وأنه حبس بظلم من غير اقتراف ذنب، كما قال قتادة [[الطبري 12/ 236.]]: طلب العُذر، وعلى هذا يكون في الآية محذوف على تقدير: فسله أن يسأل أو يتعرف ما بال النسوة، ولكن لما كان قوله: (ما بال النسوة) يتضمن معنى السؤال والاستعلام والتعرف حذف ذلك.
قال عامة المفسرين [[الطبري 12/ 2340، الثعلبي 7/ 87 ب، البغوي 4/ 248، ابن عطية 7/ 532، "زاد المسير" 4/ 236، القرطبي 9/ 207.]]: إن يوسف عليه السلام أشفق من أن يراه الملك بعين مشكوك في أمره، مقروف بفاحشة، فأحب أن يراه بعد أن زال عن قلبه ما كان خامره من الباطل. وقد استحسن النبي ﷺ حزم يوسف وصبره حين دعاه الملك فلم يبادر حتى يعلم أنه قد استقر عند الملك صحة براءته فقال النبي ﷺ: "رحم الله يوسف، لقد كان ذا أناة ولو كنت أنا المحبوس ثم جاءني الرسول لخرجت [[في (ج): (لخرجت إليه) بزيادة إليه.]] مسرعًا" [[أخرجه البخاري (3387) كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ بلفظ: "ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته" ومسلم بنحوه (151) كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة.
وأخرجه الترمذي (3116)، كتاب تفسير القرآن، باب من سورة يوسف بلفظ "إن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ولو لبثت في السجن ما لبث ثم جاءني الرسول أجبتُ .. الحديث".
وأخرجه ابن جرير 12/ 235 من طريق ابن إسحاق عن رجل عن أبي الزناد == بلفظ: "يرحم الله يوسف إن كان ذا أناة لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إلى لخرجت سريعًا، إن كان لحليمًا ذا أناة" ضعفه الألباني في السلسلة الصحيحة 4/ 485، وضعفه أحمد شاكر في تخريجه للطبري 12/ 235.]].
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 115.]]: ولم يفرد يوسف امرأة العزيز حُسْنَ عشرة منه وأدب، فخلطها بالنسوة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ يعني: أن الله عالم بكيدهن وقادر على إظهار براءتي لهذا المخلوق الذي استحضرني، وذكرنا معنى كيدهن عند قوله ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾.
يوسف 12:51
قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ﴾، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 87 ب، والطبري 12/ 236.]]: لما رجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف دعا الملك النسوة وفيهن امرأة العزيز، فقال لهن: ما خطبكن، قال ابن عباس [[ابن عطية 7/ 534، و"زاد المسير" 4/ 237.]]: يريد ما قصتكن، وقال آخرون [[الطبري 12/ 236، الثعلبي 7/ 87 ب، البغوي 4/ 248.]]: ما شأنكن وأمركن.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 237.]]: إنما جمعهن في المراودة؛ لأن الملك اتصل به أن بعض النسوة راود، فجمعهن ليستعلم عين المراودة. ويحتمل أن يقال [[في (ج): (أن يقول كلهن)، وسقطت: (أنهن).]]: إنهن كلهن راودن، فامرأة العزيز راودته عن نفسه، وسائر النسوة راودنه في طاعتها والانقياد لما تلتمسه منه.
قوله تعالى: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ مضى الكلام فيه، ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 151، القرطبي 9/ 207، البغوي 4/ 248.]]: يريد من زنا.
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 115.]]: أعلم النسوة الملك براءة يوسف، فقالت امرأة العزيز: "الآن حصحص الحق" تريد برز وتبين، وهو قول ابن عباس [[الطبري 12/ 236 وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 42.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 236.]] وقتادة [[الطبري 12/ 237.]].
وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 48، وفيه "لما دعا النسوة فبرأنه، قالت: لم يبق إلا أن يُقبل عليَّ بالتقرير فأقرت ... ".]]: لما دُعي النسوة فبرأنه قالت: لم يبق إلا أن يعلن علي بالتقرير فأقرت، فذلك قولها: الآن حصحص الحق، تقول: ضاق الكذب وتبين الحق، وعلى هذا إنما أقرت؛ لأنها خافت أنها إن كذبت شهدت عليها النسوة ببعض ما تقرر عندهن. فلم تجد بدًّا من الإقرار.
قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 238، وانظر: "تهذيب اللغة" (حصص) 1/ 835، و"اللسان" (حصص) 2/ 900.]]: قال اللغويون: (حصحص الحق) معناه: وضح وانكشف وتمكن في القلوب والنفوس، من قول العرب: حصحص البعير بروكه، إذا تمكن فاستقر في الأرض وفرق الحصى.
قال حميد بن ثور [[هو حميد بن ثور الهلالي من بني عامر، إسلامي مخضرم، انظر: "طبقات الشعراء" لابن قتيبة ص 247، "ديوانه" ص 9، و"الزاهر" 2/ 34، و"الدر المصون" == 6/ 513، و"الكشاف" 2/ 326، و"اللسان" (حصص) 2/ 899، و"تهذيب اللغة" 1/ 835، و"ديوان الأدب" 3/ 173، و"تاج العروس" 9/ 257، حصحص: أثبت ركبتيه للنهوض بالثقل، والثفنات: جمع ثفنة وهي من البعير ما يقع على الأرض إذا استناخ.]]: وحَصْحَصَ في صُمّ الحَصَا ثَفِنَاتِه ... ودَامَ القِيَامُ ساعةً ثم صَمَّمَا
يصف بعيرًا.
وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 115.]]: اشتقاقه في اللغة من الحصّة، أي: بانت حصّة الحق من حصة الباطل.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ هو يعني في قوله: (هي راودتني عن نفسي).
يوسف 12:52
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ الآية، قال ابن عباس [[أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2157 كما في "الدر" 4/ 43، ومن طريق آخر أخرج الطبري 12/ 283، والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في "الشعب" كما في "الدر" 4/ 43.]] والحسن [["زاد المسير" 16/ 141، القرطبي 9/ 209، الطبري 13/ 3.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 238، و"زاد المسير" 4/ 239.]] وقتادة [[الطبري 12/ 238، و"زاد المسير" 4/ 239، والقرطبى 9/ 259.]] والضحاك [[الطبري 12/ 238.]] وعامة المفسرين: هذا من كلام يوسف وقوله.
قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 47.]]: ربما وصل الكلام بالكلام حتى كأنه قول واحد، وهو كلام الاثنين كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [[الشعراء: 35.]] اتصل قول فرعون بقول الملأ، وكذلك قوله ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ إلى قوله ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [[النمل: 34.]] انقطع كلامها عند قوله ﴿أَذِلَّةً﴾ ثم قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
ومعنى قوله ﴿ذَلِكَ﴾ قال مقاتل [["تفسير مقاتل" ص 155، و"زاد المسير" 4/ 238.]]: معناه هذا. قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 238.]]: قال اللغويون: "هذا" و ﴿ذَلِكَ﴾ يصلحان في هذا الموضع وأشباهه، ونظيره قوله تعالى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] وقد مر. وقال آخرون [[الطبري 12/ 238، الثعلبي 7/ 88 أ.]]: "ذلك" إشارة إلى ما فعله من رد الرسول يقول: ذلك الذي فعلت من رد رسول الملك إليه في شأن النسوة ليعلم.
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 115.]]: و (ذلك) مرفوع بالابتداء، وإن شئت على خبر الابتداء، كأنه قال: أمري ذلك.
واختلفوا متى قال هذا يوسف، فروى عطاء عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 239، الطبري 12/ 238 عكرمه عن ابن عباس.]] قال: لما صار يوسف عند الملك قال (ذلك ليعلم)، ونحو هذا روى الضحاك [["زاد المسير" 4/ 239.]] عنه، فعلى هذا معنى قوله ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أي الملك.
قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 240.]]: وإنما آثر الياء على التاء توقيرًا للملك، ورفعًا له عن المخاطبة.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ أَخُنْهُ﴾ أي في امرأة [[في (ج): (أمره) وهو قول ابن الأنباري كما في "زاد المسير" 4/ 239.]] وزيره. وقال ابن جريج [[انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (تفسير سورة يوسف المحققة) 214، الثعلبي 7/ 88 أ.]]: لم أخن زوج المرأة، والأكثرون على أن قوله (ليعلم) معناه ليعلم العزيز وهو وزير الملك أني لم أخنه في زوجته بالغيب، وهو قول ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 239 وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة والجمهور، وذكره الثعلبي 7/ 88 أ.]]. واختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 47.]]: ليعلم الملك، هذا على قول من يقول: إن يوسف قال هذا بعد حضوره مجلس الملك.
وقال الكلبي فيما رواه عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 239، القرطبي 9/ 209.]]: لما رجع الساقي إلى يوسف فأخبره وهو في السجن بجواب امرأة العزيز والنسوة، قال -عليه السلام- وهو في السجن: "ذلك ليعلم" أي العزيز "أني لم أخنه" في امرأته بالغيب.
وقال ابن جريج [["زاد المسير" 4/ 239.]]: قاله يوسف في السجن قبل أن يخرج [[في (ب) بياض في موضع قوله (قبل أن).]] منه. وقبل أن يسأل الملك النسوة عما سألهن عنه؛ وذلك أنه أحب أن يصح عذره قبل خروجه من السجن، قال: وهو من تقديم القرآن وتأخيره، وتأويله ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ إلى قوله ﴿عَلِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ فرق بينهما.
قال أبو بكر بن الأنباري: فمن أخذ بهذا التفسير قال: العليم: الملك أو العزيز.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ أي: لا يرشد كيد من خان أمانته، يريد أنه في العاقبة بحرمان الهداية من الله -عز وجل-، والكلام خرج على الكيد ومعناه: الكائد، أي: لا يهدي الكائد الخائن، قال عامة المفسرين [[الطبري 13/ 1 - 3، عن ابن عباس بن سعيد بن جبير وابن أبي الهذيل والحسن وأبي صالح وقتادة وعكرمة، الثعلبي 7/ 88 ب، البغوي 4/ 249، ابن عطية 7/ 536.]]: لما قال يوسف ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ الآية، قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟، فقال يوسف:
يوسف 12:53
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ قال أهل المعاني [[روى عن الحسن "زاد المسير" 4/ 241، وانظر الطبري 13/ 2، الثعلبي 7/ 88 ب.]]: خاف على نفسه التزكية، وتزكية النفس مما يذم وينهى عنه، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32] فاستدرك ذلك بقوله ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ قال ابن عباس: يريد: وما أزكي نفسي، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ قال: يريد [["تنوير المقباس" ص 151.]]: بالقبيح وما لا يحب الله، وذلك لكثرة ما تشتهيه وتنازع إليه.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ قالوا [[انظر: "تهذيب اللغة" (ما) 4/ 3319.]]: "ما" بمعنى "من" أي: إلا من رحم ربي فعصم مما تدعوه إليه نفسه من القبيح، و"ما" بمعنى "من" بمعنى "ما" قد يقعان في مواضع كقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]، وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: 45]، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 48.]]: وهذا استثناء منقطع مما قبله؛ لأن المرحوم بالعصمة استثني من النفس الأمارة، وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 242.]]: والترجمة عن معناها أن النفس لأمارة بالسوء إلا أن رحمة ربي عليها المعتمد وإليها المنتهى.
يوسف 12:54
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ الآية، قال أبو بكر بن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 242.]]: من قال إن يوسف قال في مجلس الملك (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) قال: إن الملك أمر بإحضاره لتقليد الأعمال في غير ذلك المجلس الذي قال فيه "ذلك ليعلم". ومن قال: إن يوسف قال (ذلك) في السجن فالأمر فيه ظاهر.
وقوله تعالى ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 116.]]: أي أجعله خالصًا لي لا يشركني فيه أحد.
وقال غيره [[الرازي 18/ 159.]]: الاستخلاص طلب خُلوص الشيء من شائب الإشراك، وهذا المطلب طلب أن يكون يوسف له وحده دون شريك فيه.
قوله تعالى ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ قال عطاء: عن ابن عباس [[قال به الطبري 13/ 4، وذكره الرازي 18/ 159، والثعلبي 7/ 88 ب.]]: يريد الملك، فجعل الكلام للملك وهو أنه قال له: (إنك اليوم لدينا مكين أمين) والمفسرون على أن ﴿كَلَّمَهُ﴾ أي كلم يوسف الملك، قال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 151.]]: لما صار إلى الملك وكان في ذلك الوقت ابن ثلاثين سنة، فلما رآه الملك حدثًا شابًا قال للساقي: أهذا يعلم من تأويل رؤياي ما لم يعلمه السحرة والكهنة؟! قال: نعم، فأقبل على يوسف وقال: إني [[(إني) ساقط من (ج).]] أحب أن أسمع منك تأويل رؤياي شفاهًا، فأجابه يوسف بما شفاه وشهد قلبه بصحته، فعند ذلك قال له الملك: ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ يقال: فلان مكين عند فلان بين المكانة، أي: المنزلة، وهي حال يتمكن بها مما يريد [[ما سبق في الرازي 18/ 159.]].
وقوله تعالى "أمين" قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 116.]]: أي قد عرفنا أمانتك وبراءتك مما قرفت به.
وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 155 أ، و"زاد المسير" 4/ 243.]]: المكين تفسيره: الوجيه، والأمين الحافظ. وقال عطاء عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 243.]]: يريد مكنتك ملكي، وجعلت سلطانك فيه كسلطاني وائتمنتك فيه.
يوسف 12:55
قوله تعالى ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 89 ب.]]: لما عبّر يوسف رؤيا الملك بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟ قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعًا كثيرا وتبني الأهرا [[كذا في جميع النسخ والصحيح "الأهرام" كما في الوسيط 2/ 618.]] والخزائن وتجمع الطعام فيها؛ ليأتيك الخلق من النواحي، فيمتارون منك بحكمك [[في (ج): (بحكمتك).]]، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا [[في (ب): (هذا) من غير باء.]]، ومن يجمعه ويكفي الشغل فيه؟، فقال يوسف: اجعلني على خزائن الأرض إني على حفظها، ثم حذف المضاف.
وقوله: ﴿الْأَرْضِ﴾ قال المفسرون [[الرازي 18/ 160، البغوي 4/ 251، ابن عطية 8/ 7.]]: يعني أرض مصر.
وقال أهل العربية [[الطبري 13/ 5، الثعلبي 7/ 90 أ.]]: يعني خزائن أرضك، فجعلت الألف واللام بدلاً من تعريف الإضافة كقول النابغة [[جزء من عجز بيت، وتمامه:
لهم شيمة لم يعطها الدهر غيرهم ... من الناس، والأحلام غير عوازب
للنابغة الذبياني. انظر "ديوانه" ص 56، والطبري 13/ 5، وفي القرطبي 9/ 212 عجزه:
من الجود والأحلام غير كواذب]]:
والأحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ
يريد: وأحلامهم.
روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال: قال رسول الله ﷺ: "رحم الله يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة" [[الثعلبي 7/ 90 أ، و"زاد المسير" 243/ 4، والقرطبي 213/ 9 قال الحافظ ابن جر في "الكاف الشاف" ص 90 "أخرجه الثعلبي عن ابن عباس من رواية إسحاق ابن بشر عن جويبر عن الضحاك عنه وهذا إسناد ساقط، وقال الألباني. موضوع، انظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (329).]].
فإن قيل: لِمَ طلب يوسف الإمارة، والنبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة "يا عبد الرحمن لا تسل الإمارة" [[الحديث أخرجه البخاري (6622) كتاب الإيمان والنذور، باب قول الله تعالى == ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ وفي (¬6722) كتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث وبعده وفي مواضع أخرى (¬7146)، (¬7147).
وأخرجه مسلم (¬1824) في الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها.]]؟.
والجواب من هذا ما ذكره أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 116.]] قال: إن الأنبياء بعثوا لإقامة الحق والعدل ووضع الأشياء مواضعها، وعلم يوسف ﷺ أنه لا أحد أقوم بذلك ولا أوضع له في مواضعه منه، فسأل ذلك إرادة للصلاح.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يضيع من ذلك عندي شيء، عليم بما أفعل ويصلح ملكك.
وقال قتادة [[و [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 116.]] الطبري 13/ 5، الثعلبي 7/ 90 أ.]]: حفيظ لما وليت، عليم بأمره ونحوه.
قال ابن إسحاق (¬3) وأبو إسحاق [["زاد المسير" 4/ 244، والرازي 18/ 160.]]: وقال جماعة: يريد أني كاتب حاسب.
فإن قيل [["تفسيرمقاتل" 155 أ، و"زاد المسير" 4/ 243.]]: لِمَ ترك الاستثناء في هذا بأن يقول: إن شاء الله، وإدخال الاستثناء في مثل هذا أوجب في كلام مثله؟. ولِمَ مدح نفسه بالحفظ والعلم؟
والجواب أن يقال: أما تركه الاستثناء فإن ذلك كان منه خطيئة أوجبت عليه من الله العقوبة، بأن أخر تمليكه عن ذلك الوقت، ذكر مقاتل ابن سليمان (¬6): أن النبي ﷺ قال: "إن يوسف قال: إني حفيظ عليم، لو قال: إن شاء الله، لملك من وقته ذلك"، ويمكن أن يقال: إنه أضمر في نفسه الاستثناء دان لم يتلفظ به. أو يقال: أراد أن حفظي يزيد على حفظ غيري، وكذلك علمي، وكان هذا مما لا يدخل فيه شك حتى يحتاج إلى الاستثناء، وأما مدحه نفسه فإن مثل هذا إذا خلا من البغي والاستطالة، وكان المراد فيه الوصول إلى حق يقيمه، وعدل يحييه، وجور يبطله، كان ذلك جائزًا جميلًا. كقول القائل: إني لحافظ كتاب الله، عالم بتفسيره، عارف بشرائع الإسلام، يقصد بهذا القول قصد أن يتعلم منه إنسان فيفيده مما علمه الله حسن ذلك منه، ولم يحمل ذلك على تزكية النفس إذا عري قوله من الخيلاء والكبر، ذكر هذا كله أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 244، 245.]].
وقال الكلبي فيما رواه عن ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 151، الثعلبي 7/ 90 أ.]] في قوله: إنه حفيظ أي: لتقدير الأقوات، عليم بسني المجاعة، وقال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 151، الثعلبي 7/ 90 أ.]]: ويقال معناه: عليم بلغات الناس كلهم، وذلك أن الناس كانوا يفدون على الملك من كل ناحية ويتكلمون بلغات مختلفة.
يوسف 12:56
قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ الآية، قال أصحاب المعاني: جواب الملك ليوسف حين قال له: (اجعلني على خزائن الأرض) محذوف لبيان معناه، ولدلالة قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ عليه.
قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 245، الرازي 18/ 162.]]: وتلخيصه، فقال الملك: قد فعلت. فدل تمكين الله له في الأرض على إجابة الملك إياه إلى ما سأل.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ تحتمل وجهين:
أحدهما [[انظر: "زاد المسير" 4/ 245، الرازي 18/ 163.]]: أن تكون الكاف منصوبة بالتمكين، وذلك إشارة إلى ما تقدم. يعني به: ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبنا إياه من قلب الملك، وإنجائنا إياه من غم الحبس مكنا له في الأرض.
الوجه الثاني: أن (كذلك) بجملته في موضع نصب بالتمكين، وتأويله:
وهكذا، وهو إشارة إلى ما بعده، تقديره: وفي هذا الوقت مكنا له في الأرض. وعلى هذا الآية مستأنفة، وعلى الوجه الأول: الآية موصولة بما قبلها.
وقوله تعالى [[(تعالى) ساقط من (ب).]]: ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ أي أقدرناه على ما يريد برفع الموانع، هذا معنى التمكين من الشيء، ومضى الكلام في هذه اللام التي في قوله "ليوسف" عند قوله ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [[الأنعام: 6. وقال هناك: لم قال (ما لم نمكن لكم) ولم يقل نمكنكم، وهما لغتان تقول العرب: مكنته ومكنت له، كما تقول: نصحته ونصحت له، اهـ.]] وقوله ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 151.]]: يريد أرض مصر.
وقوله تعالى: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ هذا تفسير لقوله ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ لأن معنى التمكين في الأرض: أن يكون هذه الصفة يتبوأ حيث يشاء، و (يتبوأ) في موضع نصب على الحال تقديره: مكناه متبوئًا [[الرازي 18/ 163.]].
وقوله تعالى: ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون في موضع نصب بأنه ظرف، والآخر: في موضع نصب بأنه مفعول به، ودل على هذا الوجه قول الشماخ [[جزء من عجز بيت، وتمامه:
وحلأها عن ذي الأراكة عامر ... أخو الخُضْر يرمي حيث تكوى النواحر
حلأها: منعها الماء، والضمير للحمر، وعامر أخو الخضر: قانص مشهور، ذو الأراكة: نخل بموضع من اليمامة لبني عجل، النواحز: التي بها نحاز فتكوى في جنوبها وأصول أعناقها فتشفى، ويروى: حزاحز، والجزائز. و"ديوانه" 182، و"جمهرة أشعار العرب" ص 297، و"المعاني الكبير" 783، و"الأزمنة" 1/ 106، و"تاج العروس" (خفر) 6/ 354، و"تهذيب اللغة" 1/ 1044 (خضر) "اللسان" 2/ 1182.]]:
يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّواحِزُ [[ما سبق في ابن عطية 8/ 9.]]
وقد مرّ. واختلف القراء [[قرأ ابن كثير وحده: ﴿يتبوأ منها حيث نشاء﴾ بالنون، وقرأ الباقون بالياء، انظر: "السبعة" ص 349، و"إتحاف" ص 266، وابن عطية 8/ 8، والثعلبي 7/ 91 أ، و"البحر المحيط" 5/ 320.]] في قوله ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ فعامة القراء قرأوا بالياء كقوله: ﴿يَتَبَوَّأُ﴾، كقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ وكما أن قوله (نشاء) في هذه الآية وفق فعل المتبؤ كذلك قوله: ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ وفق لقوله: "يتبوأ" في إسناده إلى الغيبة. وقرأ ابن كثير (نشاء) بالنون وذلك أن مشيئة يوسف لما كانت [[في (ج): (كان).]] بمشيئة الله تعالى وإقداره عليها، جاز أن تنسب إلى الله تعالى وإن كان في المعنى ليوسف، وعلى هذا معنى هذه القراءة كمعنى قراءة العامة، ويقوي هذه القراءة أن الفعل المعطوف عليه بالنون وهو قوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يريد أتفضل على من أشاء برحمتي.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال عطاء: يريد ثواب الموحدين وقال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 91 أ، القرطبي 9/ 219.]] ووهب: يعني الصابرين، وذلك لحسن صبر يوسف فيما عانى من أنواع المكاره.
يوسف 12:57
قوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ذكر العلماء في هذه الآية قولين أحدهما: أن المعنى ما يعطي الله تعالى من ثواب الآخرة، خير للمؤمنين الذين يعدلون ويؤثرون الصواب في تقوى الله تعالى، من التمكين في الدنيا (والملك، والمعنى أن ما يعطي الله يوسف في الآخرة خير مما أعطاه في الدنيا) [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ)، (ج).]]، هذا الوجه هو الموافق [[هنا زائد (في) في (أ)، (ب).]] للظاهر وهو الذي عليه العامة [["زاد المسير" 4/ 24، والرازي 18/ 164، و"البحر المحيط" 5/ 320، وابن عطية 8/ 10، والطبري 13/ 7.]].
الوجه الثاني [[ذكره الرازي 18/ 164.]]: أن أجر الآخرة خير من التشاغل في الدنيا الفانية الزائلة. وعلى هذا قيل: (ولأجر الآخرة خير) وإن لم يكن في التشاغل بالدنيا خير، على مذهب العرب من قولهم: زيد أعقل الرجلين، وإن لم يكن للثاني عقل، والشاهد بهذا قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: 24]، وأصحاب النار لا خير في مستقرهم البتة.
وهذا بيان عما يوجب طلب أجر الآخرة والحرص عليه بلزوم طاعة الله واجتناب معصيته.
يوسف 12:58
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ الآية، قال الكلبي [["زاد المسير" 4/ 246، الضحاك عن ابن عباس، وأبو صالح عن ابن عباس.]] والسدي [[الطبري 7/ 13، ابن كثير 2/ 529، ابن عطية 8/ 10.]] وابن إسحاق [[الطبري 13/ 7، ابن كثير 2/ 529.]]: إن يعقوب -عليه السلام- لَحِقَه في سني الجدب والمجاعة ما لحق الناس، فقال لأولاده: يا بني قد بلغني بأن بأرض مصر ملكًا عادلًا منصفًا، فأشخصوا إليه فامتاروا منه، فقالوا: كيف يكون الملك على ما تصف منه وهو كافر يعبد الأوثان؟ فقال لهم: يا بني إنما تعطون دراهم وتأخذون طعامًا فما عليكم مما يغيب عنكم من حالاته، فذلك قوله: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ واختلفوا في سبب معرفته وإنكارهم، فقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 247.]]: لأنهم استشعروا قبل ملاقاته أنه كافر يعبد الأوثان، فلما شاهدوه مقدرين أنه ملك كافر على ما شاهدوا عليه ملوك دهرهم لم يظنوا أنه أخوهم، ولم يتأملوا منه [[(منه) ساقط من (أ)، (ب).]] ما يزول به عنهم الشك فيه والجهل بأمره.
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 247، الثعلبي 7/ 92 ب.]]: أن إخوة يوسف رأوا يوسف وقت دخولهم عليه لابسًا ثياب حرير، وفي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج [[(تاج) ساقط من (ج).]]، وكان قد تزيا بزيّ فرعون مصر، فيحتمل أن يكون ما رأوا من زيّه في ملبسه سببًا لنكيرهم له، وألقاهم يوسف على ما كان عهدهم في الملبس والمركب والحلية فعرفهم. وروى عطاء عن ابن عباس [[البغوي 4/ 254.]] في قوله: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [[في (ج) بزيادة "يريد".]] لم يثبتوه وعليه تاج الملك وحجاب الملك، وعلى هذا يحتمل أنهم رأوه من وراء ستر فلم يعرفوه.
يوسف 12:59
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ قال الليث [["تهذيب اللغة" (جهز) 1/ 679.]]: جهزت القوم تجهيزًا، إذا تكلفت لهم جهازهم للسفر، وكذلك جهاز العروس والميت وهو ما يحتاج إليه في وجهه، وقد تجهز ذا جهاز، قال: وسمعت أهل البصرة يخطئون الجهاز بالكسر، قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (جهز) 1/ 679.]]: والقراء كلهم على فتح الجيم، والكسر لغة ليست بجيدة، قال المفسرون: حمل لكل رجل منهم بعيرًا، فهو قوله: ﴿جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ قال الكلبي فيما رواه عن ابن عباس [[الثعلبي 7/ 92 ب، البغوي 4/ 254، و"زاد المسير" 4/ 246.]]: لما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية، قال لترجمانه قل لهم: لغتكم مخالفة لغتنا، وزيكم يغاير زينا، وأمركم مشكل علينا، فمن أنتم؟ وما أمركم؟ ولعلكم جواسيس، تخرجون أخبارنا إلى أعدائنا؟ قالوا لا والله ما نحن بجواسيس إنما نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق. فقال لهم: فكم عدتكم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أخ لنا معنا إلى البرية فهلك فيها، قال فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا، قال: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟ قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد وقد عرّفنا أنسابنا فبأي شيء تسكن نفسك إلينا؟ وقال يوسف: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين فأنا أرضى بذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ أتمه ولا أبخسه، وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ قال مجاهد [[الطبري 13/ 8، وأخرجه ابن أبي حاتم 7/ 2164، وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في "الدر" 4/ 48.]]: خير المضيفين، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 117.]]: لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم.
يوسف 12:60
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾ الآية، أوعدهم على ترك الإتيان بالأخ بأن لا يبيعهم الطعام، ولا يقربوا بابه وبلاده.
يوسف 12:61
فلما قال لهم يوسف هذا قالوا [[(قالوا) ساقط من (أ)، (ج).]]: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي نطلب منه ونسأله أن يرسله معنا ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ قال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 151، و"زاد المسير" 4/ 248.]]: وإنا لضامنون لك المجيء به.
وقال ابن إسحاق [[الطبري 13/ 9.]]: وإنا لمجتهدون في المصير به إليك، وذلك أنهم جَوَّزوا أن لا يجيبهم أبوهم إلى الإرسال به معهم. وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 117.]]: قوله ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ معناه التوكيد لما قبله، يعني من المراودة، كأنهم قالوا: نراوده عنه ونفعل ذلك.
يوسف 12:62
قوله تعالى ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ قال ابن عباس [[أخرجه الطبري 13/ 9 عن قتادة، وأخرجه سعيد بن منصور عن إبراهيم كما في "الدر" 4/ 255، وذكره الثعلبي 7/ 93 أ، والبغوي 2/ 435، و"وزاد المسير" 4/ 249.]]: يريد لغلمانه. وقرى [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر (لفتيانه) بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي (لفتيانه) بالنون، واختلف عن عاصم فروى أبو بكر عنه بالتاء (لفتيته) وروى حفص عنه (لفتيانه) بالنون.
انظر: "السبعة" ص 349، "إتحاف" ص 266، الثعلبي 7/ 93 أ، ابن عطية 8/ 14.]] ﴿لفتيته﴾ والفتية في هذا الموضع المماليك. وقال أبو علي [["الحجة" 4/ 430 - 431 بتصرف.]]: الفتية جمع فتى في العدد القليل، والفتيان الكثير. فمثل: فتى وفتية، أخ وأخوة، وولد وولدة، ونار ونيرة، وقاع وقيعة، ومثل: الفتيان، برق وبرقان، وخرب وخربان، وجار وجيران، وتاج وتيجان. فوجه البناء الذي للعدد القليل أن الذين يحيطون بما يجعلون بضاعتهم فيه من رحالهم يكفون من الكثير. ووجه [[في (ج): (ووجع).]] الجمع الكثير أنه يجوز أن يقول ذلك للكثير، ويتولى الفعل منهم القليل. ويقوي البناء الكثير قوله: ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ فكما أن الرحال للعدد الكثير [[(الكثير): ساقط من (ج).]]؛ لأن جمع القليل (أرحلٌ) فكذلك المتولون ذلك يكونون كثرة.
قال أبو الحسن: كلام العرب: قل لفتيانك، وما [[في (ج): (الواو) ساقط.]] فعل فتيانك، وإن كانوا في أدنى العدد إلا أن يقولوا ثلاثة وأربعة. وقد يقوم البناء الذي للقليل مقام البناء الذي للكثير، وكذلك الكثير يقوم مقام القليل [[إلى هنا انتهى النقل عن أبي علي في "الحجة" 4/ 431 بتصرف.]].
وقوله تعالى: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء [["زاد المسير" 4/ 249.]]: يريد الدراهم والدنانير التي جاءوا بها في أوعيتهم، وروى الضحاك عنه [[الثعلبي 7/ 93 ب، البغوي 4/ 255، القرطبي 9/ 223.]] قال: كانت بضاعتهم النعال والأدم.
وقال قتادة [[الطبري 13/ 9، الثعلبى 7/ 93 ب.]]: "بضاعتهم" يريد أوراقهم. وأما الرحال فقد فسرها ابن عباس بالأوعية، قال أبو عبيد [["تهذيب اللغة" (رحل) 2/ 138 وفيه، قال أبو عبيدة.]]: الرحل بجميع ربضه وحقبه وحلسه وجميع أغراضه، وعلى هذا الرحل كل شيء معد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن كما ذكر أبو عبيد، والرحل أيضًا مسكن الرجل، ويقال: فلان خصيب الرحل [[نقله في التهذيب عن الليث (رحل) 2/ 1381.]].
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال ابن الأنباري: "لعل" كلتاهما بمعنى "كي" الأولى متعلقة "باجعلوا" والثانية محمولة على "يعرفونها" فالجَعْل سبب المعرفة، والمعرفة سبب الرجوع، وذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 46]. ويجوز أن يكون "لعل" كلتاهما بمعنى "عسى" والمراد: عساهم يعرفون أنها بضاعتهم بعينها، وعساهم يرجعون إذا عرفوا ذلك، وجاز أن يكون بمعنى "عسى"؛ لأنه يحتمل أنهم لا يعرفون أنها بضاعتهم بعينها بل يظنون أن تلك هدية وتكرمة فلا يرجعون. واختلفوا لم أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم؟ فقيل: لأنهم متى ما فتحوا المتاع وجدوا [[في (ج): (فوجدوا) وهو الصحيح.]] بضاعتهم فيه، علموا أن ذلك كرم من يوسف وسخاء، فيبعثهم [[كذا في (أ)، (ب)، (ج) وفي (ي): (فيبعثهم) كما في الرازي 18/ 168.]] على العود إليه والحرص على معاملته، وقال الكلبي [[الثعلبي 7/ 93 ب، البغوي 4/ 256.]]: لخوف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى
وقيل: أراد بذلك التوسعة على أبيه إذ كان الزمان زمان قحط. وقيل: رأى لؤمًا أخذ الثمن من أبيه وإخوته مع حاجتهم إلى الطعام، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 48.]]: لأنهم إذا رأوا بضاعتهم في رحالهم ردوها على يوسف ولم يستحلوا إمساكها فيرجعون، ونحو هذا قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 117.]]، ويجوز أن يكون ليرجعوا إليه متعرفين سبب ردّها.
وكل ذلك أدعى لهم إلى الرجوع من ترك رد البضاعة عليهم [[قلت: أرجح الأقوال السابقة هي الأقوال التي فيها ما يدعوهم إلى الرجوع إليه سواء لكرمه أو لرد البضاعة؛ لأنها ليست ملكهم أو الاستفار عنها لأن هذا هو المناسب للسياق والله أعلم.]].
يوسف 12:63
قوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ أي فيما نستقبل إن لم نأت بأخينا، لقوله ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 250.]]: وتأويله: حكم علينا بمنع الكيل بعد هذا الوقت فأدى (مُنِعَ) عن هذا المعنى، كما تقول لمن رأيته على كبيرة: دخلت والله النار، تعني حكمت عليك بدخول النار.
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 117.]]: أيَ إن أرسلته [[في معاني الزجاج (معنا) (وإلا فقد منعنا).]] اكتلنا وإلا فمنعنا الكيل. وقرئ [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وعاصم وابن عامر (نكتل) بالنون، وقرأ حمزة والكسائي (يكتل) بالياء.
انظر: "السبعة" ص 355، "إتحاف" ص 266، الطبري 13/ 15، ابن عطية 8/ 15.]] "يكتل" بالياء والنون، ويدل على النون قوله "ونمير أهلنا" ألا ترى أنهم إنما يميرون أهلهم مما يكتالونه، فيكون نكتل مثل "نمير"، وأيضاً فإن في قوله "نكتل" بالنون يجوز أن يكون أخوهم داخلًا معهم، وإذا كان بالياء لم يدخلوا هم في هذه الجملة، ووجه الياء كأنه يكتل هو حمله، كما نكتال نحن أحمالنا.
يوسف 12:64
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ قال عطاء عن ابن عباس [[انظر: الرازي 18/ 169، القرطبي 9/ 224، البغوي 4/ 256.]]: يريد قد صنعتم بي هذا من قبل في يوسف فكيف آمنكم علي بنيامين. وقال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 151.]]: (هل آمنكم عليه) يعني علي بنيامين إلا كما آمنتكم على أخيه من قبل، يعني إني أخاف على الثاني مثل الذي وقع بالأول، وان كنتم تعدونني حفظه. وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 118.]]: أي كذلك قلتم لي في يوسف وضمنتم لي حفظه في قولكم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فكذلك ضمانكم هذا عندي، وتأويل هذا أنه يقول: لا آمنكم علي بنيامين إلا كأمني على يوسف، يريد أنه لم ينفعه ذلك الأمن وأنهم خانوه، فهو وإن أمنهم في هذا خاف خيانتهم أيضاً. ثم قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾.
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 118.]]: ﴿حَافِظًا﴾ منصوب على التمييز. قال أبو علي [["الحجة" 4/ 439.]]: قد تبين من قولهم: ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ وقولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أنهم قد أضافوا إلى أنفسهم حفظًا، وإذا كان كذلك فالمعنى: أنه خير حفظًا من خفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم، أي حفظ الله خير من حفظكم، ومن قرأ [[اختلفوا في إدخال الألف وإسقاطها، وفتح الحاء وكسرها من قوله (خيرٌ حفظًا) فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (حِفظًا) بكسر الحاء من غير ألف، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (خيرٌ حَافظًا) بفتح الحاء وألف بعدها، انظر: "السبعة" ص 350، "إتحاف" ص 266، الطبري 13/ 11، ابن عطية 8/ 16.]]: "حافظًا"، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 118.]] حافظًا منصوب على الحال ويجوز أن يكون [[في (ج) بزيادة (منصوب).]] على التمييز، قال ابن الأنباري: "حافظًا" منصوب على الحال من اسم الله تعالى، وتلخيصه [[(وتلخيصه) ساقط من (ج).]]: فالله خير الأرباب والسادات في حال حفظه. وقال أبو علي [["الحجة" 4/ 439، 440.]]: ينبغي أن يكون حافظًا منتصبًا على التمييز دون الحال كما كان حفظًا كذلك، والمعنى: حافظ الله غير من حافظكم، كما قلت: حفظ الله خير من حفظكم؛ لأن الله سبحانه له حفظة كما أنه له حفظًا، فحافظه خير من حافظكم، كما أن حفظه خير من حفظكم، ولا يكون حافظًا في الآية منتصبًا على الحال.
يوسف 12:65
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ الآية. المتاع ما يصلح للاستمتاع عامًّا في كل شيء وهاهنا يجوز أن يراد به ذلك الطعام الذي حملوه، ويجوز أن يراد به أوعية الطعام.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ ذكر الفراء [["معاني القرآن" 2/ 49.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 118.]] وابن الأنباري [["الوقف والابتداء" 2/ 725، 726، و"زاد المسير" 4/ 252.]] في هذا وجهين أحدهما: أن يكون "ما" استفهامًا ويكون في موضع نصب، المعنى: أي شيء نريد وقد ردت علينا بضاعتنا. قال الفراء: وهو كقولك في الكلام: ماذا نبغي بعد الوصول إلى ما لم نكن نقدره ولا نطمع في مثله. أي لا نبغي وراء هذا شيئًا. وهذا معنى قول قتادة [[الطبري 13/ 11، وابن أبي حاتم 7/ 2166 وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 48.]]. قال: وما نبتغي وراء هذا الذي وصلنا إليه.
الوجه الثاني: أن يكون "ما" نفيًا، كأنهم قالوا: ما نبغي شيئًا هذه بضاعتنا. وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 49.]] وأبو بكر [["زاد المسير" 4/ 252.]]: كأنهم قالوا: لسنا نطلب منك دراهم وما نبغي منك بضاعة نرجع بها إليه، بل يكفينا بضاعتنا هذه التي ردّت إلينا، وهو قوله ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ والإشارة إلى البضاعة تحتمل معنيين أحدهما: أنهم لم يثقوا بمعرفة أبيهم لها، فعرفوها بإشارتهم إليها، والآخر: أن معنى الإشارة هاهنا التقريب [[في (أ)، (ب): (للتقريب).]] للرد والتحقيق له، كقول القائل: هذه الشمس قد طلعت، فتقرب بهذه طلوع الشمس وتحققه، ولا يعرف بها عين الشمس، فمن جعل (هذه) إشارة أجاز أن يكون رُدّتْ خبرًا مستأنفًا، ويمكن أن يكون حالاً من البضاعة بإضمار "قد" معه؛ لأن "قد" تقرب الماضي من الحال، والتقدير: هذه بضاعتنا مردودة إلينا. ومن جعل هذه للتقريب لا يجيز استئناف "ردت"؛ لأن خبر التقريب يُفتقر إليه، كما يُفتقر إلى خبر "إن" و"كان"، فلا يجوز الاقتصار على "هذه بضاعتنا" دون ذكر "ردت" في هذا الوجه، وفي الوجه الأول يجوز، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 94 أ، البغوي 4/ 257، و"زاد المسير" 4/ 252.]]: إنهم أرادوا بهذا الكلام أن يطيبوا نفس أبيهم على الإذن لهم بالمعاودة وإرسال [[في (أ)، (ج): وإن سأل).]] بنيامين معهم.
وقوله تعالى ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ عطف على قوله ﴿مَا نَبْغِي﴾ كأنهم قالوا: ما نبغي منك في هذا الوجه شيئًا تصرفنا به، ومع ذلك نمير أهلنا أي نجلب إليهم الطعام، قال الأصمعي [["تهذيب اللغة" (مار) 4/ 3325، الرازي 8/ 171.]]: ماره يميره ميرًا، إذا أتاه بميرة أي بطعام. ومنه يقال: "ما عنده خير ولا مير" [[مثل يضرب لمن ليس عنده خير عاجل، ولا يرجى مه أن يأتي بخير. مجمع الأمثال للميداني 3/ 282، كتاب الأمثال لأبي عبيد 306.]].
وقوله تعالى: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي نزيد حمل بعير من الطعام. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 118.]]: لأنه كان يكال لكل رجل وقر بعير.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ قال الحسن [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 276.]]: أي يأتي ذلك متيسرًا [[في (ب). (مبشر).]] على من يكيل لنا.
ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 155 ب، قال: سريع لا حبس فيه، الرازي 18/ 171.]] قال: معناه ذلك كيل يسير على هذا الرجل المحسن لسخائه وحرصه على البذل، وهو اختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 119.]]: أي سهل على الذي نمضي إليه. وقال آخرون [[هذا القول نسبه في "زاد المسير" 4/ 253 إلى مقاتل.]]: ذلك كيل سهل قصير الوقت والمدة، ليس سبيل مثله أن نشتغل ولا نضطر إلى الاحتباس والتأخير عن الأوبة إليك.
يوسف 12:66
قوله تعالى ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ الموثق [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 266.]]: مصدر بمعنى الثقة، ومعناه: العهد الذي يوثق به، فهو مصدر بمعنى المفعول، يقول: لن أرسله معكم حتى تعطوني عهدًا موثوقًا به.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي: عهدًا يوثق به من جهة إشهاد الله. أو القسم بالله، فالموثق من أنفسهم، وكلهم يؤكدون ذلك بإشهاد الله عليه، وبالقسم بالله عليه، فيوثق بذلك العهد من هذه الجهة.
وقوله تعالى ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ دخلت اللام هاهنا لأن قوله ﴿تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ موثقًا من الله معناه اليمين أي: حتى تحلفوا بالله لتأتنني به.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس [[ذكره الثعلبي 7/ 94 ب عن مقاتل، و"تنوير المقباس" ص 151 بنحوه.]]: يريد إلا أن يأتيكم من الله أمر غالب لا طاقة لكم به. وذكر المفسرون وأهل المعاني [[الطبري 16/ 163، الثعلبي 7/ 94 ب، البغوي 2/ 437، ابن عطية 9/ 336، "معاني القرآن" للنحاس 3/ 441، "معاني الفراء" 2/ 50.]] في هذا قولين أحدهما: أن قوله ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ معناه الهلاك. قال مجاهد [[الطبري 16/ 163، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم 4/ 227 أ، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 556، الثعلبي 7/ 94 ب، البغوي 2/ 437، ابن عطية 9/ 336، "زاد المسير" 4/ 253.]]: إلا أن تموتوا كلكم. وقال ابن إسحاق [[الطبري 16/ 164.]]: إلا أن يصبكم أمر يذهب بكم جميعًا فيكون ذلك عذرًا لكم عندي، والعرب تقول: أحيط بفلان: إذا دنا هلاكه، قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: 42] أي أصابه ما أهلكه، وأصله أن ما أحاط به العدو أو ما يخافه انسدت عليه مسالك النجاة ودنا هلاكه، فقيل لكل ما هلك: قد أحيط به، القول الثاني: ما ذكره معمر عن قتادة [[الطبري 13/ 12، عبد الرزاق 2/ 325، البغوي 4/ 257، ابن عطية 8/ 21، القرطبي 9/ 225.]] ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ قال: إلا أن تغلبوا ولا تطيقوا الرجوع، وهذا اختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 119.]] قال: معنى الإحاطة أن يحال بينهم وبينه فلا يقدرون على الإتيان به. وذكر ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 227.]] الوجهين جميعًا فقال: إلا أن تشرفوا على الهلكة، وتغلبوا، والذي ذكرنا عن ابن عباس يحتمل الوجهين جميعًا، والإحاطة بالشيء يتضمن الغلبة، وذكرنا بعض هذا في قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: 81]، وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [[يونس: 22، وقال هنالك: "قال أبو عبيدة والقتيبي "أي دنوا من الهلاك" وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من الهلاك".]] قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 119.]]: وموضع "أن" في قوله ﴿أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ نصب، والمعنى لتأتونني به إلا للإحاطة بكم، وهذا يسمى مفعولاً، وتقول: ما تأتيني إلا لأخذ الدراهم، وإلا أن يأخذوا الدراهم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 253، و"تنوير المقباس" ص 152، وقال به الطبري 13/ 13، والثعلبي 7/ 94 ب.]]: يريد العهد. قال يعقوب: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: يريد شهيد، وإنما جعل الوكيل بمعنى الشهيد؛ لأن الشهيد وكيل في معنى أنه موكول إليه القيام بما أشهد عليه. وقال ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 227.]]: كفيل.
يوسف 12:67
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ لما أراد بنوه الخروج من عنده قال لهم: لا تدخلوا من باب واحد يعني مصر [[في (أ)، (ب)، (ج) تكرار (يعني مصر وادخلوا).]] ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. أمرهم بالتفرق حذرًا من العين عليهم، إذ كانت العين حقًّا، وكانوا أولي جمال وكمال، وأبناء رجل واحد يجتمعون في الحسن الظاهر والجمال البارع.
وهذا قول ابن عباس [[الطبري 13/ 13، وابن أبي حاتم 7/ 2168 كما في الدر 4/ 49، و"زاد المسير" 4/ 254، والقرطبى 9/ 226.]] وقتادة [[الطبري 13/ 13، عبد الرزاق 2/ 325، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2169 وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 49، و"زاد المسير" 4/ 254، والقرطبي 9/ 226.]] والضحاك [[الطبري 13/ 13، والقرطبي 9/ 226.]] والسدي [[الطبري 13/ 13 وابن أبي حاتم 7/ 2168.]] والحسن [[الرازي 18/ 174.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 254، البغوي 4/ 258.]]: يعني: أن الله إن شاء يهلكهم متفرقين هلكوا وهم متفرقون كما يهلكون وهم مجتمعون، وقال أهل المعاني: أفاد قوله (لا تدخلوا من باب واحد) النصيحة لهم والمنع من الأمر الذي يغلب على من أتاه واستعمله سبق العين إليه، وأفاد قوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ تفويض الأمر إلى الله تعالى وأنّ الحذر لا ينفع من القدر، وأمر العين حق قد رويت فيه أخبار كثيرة، وكان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما فيقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة" ويقول: هكذا كان يعوّذ إبراهيم إسماعيل وإسحق، صلوات الله عليهم أجمعين [[(أجمعين) زيادة من (ج).
والحديث أخرجه البخاري (3371) كتاب أحاديث الأنبياء، 10 - باب، وأخرجه أبو داود في "سننه" (4737) كتاب السنن باب في القرآن من حديث ابن عباس والترمذي (2061) كتاب الطب، باب ما جاء أن العين حق والغسل لها.
وابن ماجه في "سننه" (3525) كتاب الطب، باب ما عوذ بالنبي ﷺ وما عوذ به.]].
يوسف 12:68
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 95 أ، و"زاد المسير" 4/ 253.]]: كان لمصر أربعة أبواب فدخلوها من أبوابها كلها.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 152 بنحوه.]]: يريد ما كان ذلك ليرد قضاء قضاه الله ولا أمرًا قدره الله، وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 119.]] فتأويل ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم مجتمعين، وقال ابن الأنباري: معناه لم يسبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع، فكان تفرقهم كاجتماعهم. وعلى ما ذكر من التأويل يكون التقدير: ما كان يغني عنهم ذلك الدخول من الأبواب المتفرقة من الله شيئًا لو قَضَى وقدر فـ"من" في قوله ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ دخلت على المفعول كقولك: ما رأيت من أحد. وفي الآية محذوف وهو (لو قَضَى) على ما ذكرنا، وذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 119.]] وجهًا آخر فقال: وجائز أن يكون لا يغني عنهم مع قضاء الله شيء، وعلى هذا: "من" دخلت على الفاعل نحو: ما جاءني من أحد، والتقدير: ما كان يغني عنهم من الله شيء مع قضائه، والمحذوف على هذا التقدير (مع قضائه)، قال المفسرون [[الثعلبي 95/ 7 أ.]]: وهذا تصديق من الله تعالى ليعقوب في قوله: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 119.]]: "حاجة" استثناء ليس من الأول. المعنى: لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها، يعني أن ذلك الدخول: قضاء حاجة في نفس يعقوب، وهي إرادته أن يكون دخولهم من أبواب متفرقة شفقة عليهم وخوفًا من العين. والمفسرون [[الثعلبي 7/ 95 أ.]] فسروا الحاجة هاهنا الحزازة والهمة. قال ابن الأنباري: وقد يقال للحاجة: حزازة لأنها تؤثِّر في القلب، ويلزم همها النفس. المعنى أن ذلك الدخول شفى حزازة قلبه، ولما سميت الحزازة حاجة، جعل إزالتها قضاء.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ قال ابن عباس [[انظر: "زاد المسير" 4/ 254.]]: لذو يقين ومعرفة بالله. وقال الكلبي [[انظر: "زاد المسير" 4/ 254، القرطبي 9/ 229، ابن كثير 2/ 531.]]: لذو عمل، ونحو هذا روى سعيد عن قتادة [[الطبري 13/ 14، الثعلبي 7/ 95 أ، "زاد المسير" 4/ 254، ابن عطية 8/ 24، ابن أبي حاتم 7/ 2169، أبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 49.]]: قال: إنه لعامل بما علم. قال سفيان [[الطبري 13/ 15، الثعلبي 7/ 95 أ، البغوي 4/ 259، ابن عطية 8/ 24.]]: من لا يعمل لا يكون عالمًا، قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 354 مختصرًا.]]: والذي قاله الكلبي جائز تحتمله اللغة، من قبل أن العلم أول أسباب العمل، فسمي بما هو من سببه وبما يقع متولدًا منه ومبنيًا عليه. كما قيل لعيسى: كلمة الله؛ لأنه بالكلمة وجد وخلق.
وقوله تعالى: ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ يمكن أن يكون "ما" مصدرًا والهاء عائدة على يعقوب، ويكون التقدير: لأنه لذو علم من أجل تعليمنا إياه. ويكون اللام على هذا كهي في قوله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8] يعني به من أجل حب المال لبخيل. وهذا معنى قول قتادة [[وهو قول الزجاج في "معانيه" 3/ 119، والفراء 2/ 50.]]. ويمكن أن تكون "ما" بمعنى "الذي" والهاء عائدة عليها، ويكون التأويل: وإنه لذو علم لأجل الذي علمناه، وللخير الذي علمناه، وللعلم الذي بيناه له. وقيل في التفسير: وإنه لذو فهم لما علمناه أي ذو حفظ [[هذا القول ذكره الفراء في "معانيه" 2/ 50.]] ومراقبة لما علمناه. وقال أهل المعاني: مدحه الله تعالى بالعلم لقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ علم أن الحذر لا ينفع من القدر وأن المقدور كائن.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذكر في هذا قولين: أحدهما [[ذكره الثعلبي 7/ 95 أ، الطبري 13/ 14.]]: ولكن أكثر الناس لا يعلمون علم [[في (أ)، (ج): (علمه).]] يعقوب. والثاني [[الرازي 18/ 177.]]: لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم. قال ابن عباس في قوله [[الرازي 18/ 177.]]: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يريد المشركين لا يعلمون ما قد ألهم أولياءه.
يوسف 12:69
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ قال محمد بن إسحاق [[الطبري 13/ 15، وابن أبي حاتم 7/ 2170.]] وغيره من المفسرين [[الطبري 13/ 15 عن السدي، وابن أبي حاتم 7/ 2170 عن قتادة، والثعلبي 7/ 95 أ.]]: إن إخوة يوسف لما أقدموا أخاه عليه، قالوا له: قد امتثلنا أمرك وأقدمنا أخانا الذي أحببت حضوره، فقال لهم: قد أحسنتم في ذلك، وأمر صاحب ضيافته أن ينزلهم ويزيد في تكرمتهم وإثرتهم، وأن ينزل كل اثنين منهم في منزل. فبقي أخوه منفردًا فقال: قد أشفقت على هذا من الوحدة والتفرد فأحببت أن أضمه إلى ليأنس ويزل عنه الاستيحاش والذعر. فذلك قوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي ضمه إليه وأنزله معه. قاله الحسن [[انظر: "زاد المسير" 4/ 255، القرطبي 9/ 229، الرازي 18/ 177.]] وقتادة [[الطبري 13/ 15، وابن أبي حاتم 7/ 2170 وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 50، و"زاد المسير" 4/ 255.]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 255.]]: قال له يوسف: أنا يوسف بن راحيل. ونحو هذا قال ابن إسحاق [[الطبري 13/ 15، وابن أبي حاتم 7/ 2170، و"زاد المسير" 4/ 255، وابن عطية 8/ 24.]] وجماعة من المفسرين [[الثعلبي 7/ 96 أ، القرطبي 9/ 229، البغوي 4/ 259، الرازي 18/ 178.]]، قالوا: اعترف له بالنسب، وقال: لا تخبر أحدًا منهم بما ألقيت إليك. وقال وهب [[الطبري 13/ 15، الثعلبي 7/ 96 أ، "زاد المسير" 4/ 255، ابن عطية 8/ 25.]] والشعبي [[الثعلبي 7/ 96 أ.]]: لم يعترف له بالنسبة، ولكنه قال تطييبًا لنفسه: أنا أخوك بدل أخيك المفقود، وذلك أنه لما ضمه إليه خلا به وسأله عن حاله، فذكر وجده بأخ له من أبيه وأمه فُقِد، قال له يوسف: أنا أخوك بدل أخيك الهالك.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 152.]]: يريد فلا تغتم ولا تحزن. ونحوه قال قتادة [[الطبري 13/ 16، وابن أبي حاتم 7/ 2170، والثعلبي 7/ 96 أ، وأبو الشيخ كما في الدر 4/ 50، و"زاد المسير" 4/ 256.]] وغيره، ﴿تَبْتَئِسْ﴾ تفعيل من البؤس وهو الضر والشدة، أي لا يلحقنك بؤس. هذا قول أهل اللغة [["زاد المسير" 4/ 256، وعزاه لابن الأنباري وانظر: "تهذيب اللغة" (بئس) 1/ 411، و"اللسان" (بئس) 1/ 200.]]. وقال أهل المعاني (لا تبتئس): اجتلاب البؤس بالحزن.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 256.]]: ندبه إلى أن لا يحزن على ما يقع به من إخوته في المستقبل حين يسرقونه ويشبهونه بأخيه في السرقة، و (كانوا) بمعنى يكونون، وتقديره: لا تبتئس بما يكونون يعملون بعد هذا الوقت، إلى هذا المعنى ذهب مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 156 أ.]]، والعرب تجعل (كان) في موضع يكون، و (يكون) في موضع (كان) إذا انكشف المعنى، قال الشاعر [[البيت لجرير بن عطية، وهو في "ديوانه" ص 263، و"زاد المسير" 4/ 256.]]:
فأدْرَكْتُ مَنْ قد كان قَبْلِي ولَمْ أدَعْ ... لمن كان بَعْدِي في القَصَائِد مَصْنَعا
أراد: لمن يكون، وقال زياد [[البيت لزياد الأعجم وهو زياد بن سُلْمى، وقيل زياد بن جابر بن عمرو بن عامر، من عبد القيس، وقيل له الأعجم، للكنة كانت فيه، شاعر إسلامي، شهد فتح اصطخر، وتوفي في حدود المائة للهجرة، انظر: "الشعر والشعراء" ص 279، و"معجم الأدباء" 3/ 352.
وهو في "ديوانه" ص 54، و"الخزانة" 3/ 192، و"أمالي المرتضى" 2/ 199، 301، و"الشعر والشعراء" ص 280، و"زاد المسير" 4/ 256، و"اللسان" (كون) 7/ 3962، ونسب للصلتان العبدي في أمالي المرتضى 2/ 199، وبلا نسبه في "تلخيص الشواهد" 512.]]:
وانْضَحْ جَوَانِبَ قَبْرِه بدِمَائِها ... فلَقَد يَكُونُ أخا دَمٍ وذَبَائح
أراد: فلقد كان، وروى الكلبي عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 256، الرازي 18/ 178.]]: أن إخوة يوسف كانوا يعيرون يوسف وأخاه لعبادة جدهما أبي أمِّهما الأصنام، وبأن راحيل أمُّهما أمرت يوسف فسرق جونةً كانت لأبيها فيها أصنام، رجاء أن يترك عبادتها إذا فقدها، فقال له: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من التعيير لنا بما كان عليه جدُّنا.
وقال آخرون [["زاد المسير" 4/ 256، الرازي 18/ 178.]]: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من إقامتهم على حسدنا الحرص على انصراف وجه أبينا عنا، وعلى ما ألزموك من الأسف بما فعلوا بي، فقد جمع الله بيني وبينك، وأرجو أن يجمع الله بيننا وبين يعقوب.
يوسف 12:70
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ الآية، مضى الكلام في الجهاز والرحل [[عند قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: 60]. وقوله تعالى ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: 62].]]. وأما السقاية فقال الليث [["تهذيب اللغة" (سقى) 2/ 1715، و"اللسان" (سقى) 4/ 2043.]]: السقاية: الصواع الذي كان يشرب فيها الملك.
وقال غيره: السقاية [["تهذيب اللغة" (سقى) 2/ 1715، و"اللسان" (سقى) 4/ 2043.]]: الإناء الذي يُسْقى فيه، وهو هاهنا صواع الملك الذي كان يشرب منه.
قال ابن عباس [[الطبري 13/ 17 بنحوه، و"زاد المسير" 4/ 258.]] في رواية عطاء: وكان قدحًا من زبرجد، وكان يشرب فيه الماء، وكان موضوعًا بين يدي يوسف. وقال ابن زيد [[الطبري 13/ 17، و"زاد المسير" 4/ 259، والثعلبي 7/ 96 ب.]]: كان كأسًا من ذهب. وقال ابن إسحاق [[الثعلبي 7/ 96 ب.]] وعكرمة [[أخرج ابن أبي حاتم عنه كما في "الدر" 4/ 50 قوله "كان كأسًا من ذهب على ما يذكرون" قلت في ابن أبي حاتم 7/ 2171 هذا القول عن ابن زيد وأخرج الطبري 13/ 19، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 50 قال: كان فضة، و"زاد المسير" 4/ 258، والثعلبي 7/ 96 ب.]]: كانت مشربة من فضة مرصعة بالجوهر.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ قال المفسرون وأهل اللغة [[الطبري 13/ 17، والثعلبي 7/ 96 ب، والبغوي 4/ 265، و"زاد المسير" 4/ 257، و"تهذيب اللغة" (أذن) 1/ 140، و"اللسان" (أذن) 1/ 53.]]: نادى مُناد وأعلم مُعلم. قال ابن الأنباري [["الزاهر" 1/ 29.]]: (أذَّن) معناه أعلم إعلامًا بعد إعلام؛ لأن (فعَّل) يوجب تكرير الفعل، ويجوز أن يكون إعلامًا واحداً من قبل أن العرب تجعل فعّل بمعنى أفعل في كثير من المواضع، وقال سيبويه [["الكتاب" 4/ 62.]]: الفرق بين أذّنت وآذنت، معناه أعلمت، لا فرق بينهما، والتأذين معناه النداء والتصويت بالإعلام، ومضى الكلام في هذا الحرف مستقصًى في مواضع منها قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 279] وقوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [[الأعراف: 44. وقال هنالك ما ملخصه: "معنى التأذين في اللغة: النداء والتصويت بالإعلام، والأذان للصلاة إعلام بها وبوقتها .. ".]] وقوله ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 3].
وقوله تعالى: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ قال أبو الهيثم [["تهذيب اللغة" (عير) 3/ 2274.]]: كل ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال فهي عير. قال: وقول من قال العير: الإبل خاصة باطل، قال: وقال [[في (ج): (وقتال).]] نُصير [["تهذيب اللغة" (عير) 3/ 2275.]]: الإبل لا تكون عيرًا حتى يمتار عليها.
وقال أبو عبيدة [["زاد المسير" 4/ 257، القرطبي 9/ 230.]]: العير الإبل الرحولة المركوبة، والصحيح في العير أنها القافلة التي فيها الأحمال، والأصل للحمير إلا أنه كثر حتى سمي كل قافلة محملة عيرًا تشبيهًا بتلك.
قال مجاهد [[الطبري 13/ 18 وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2172، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 50، وأبو عبيد كما في "الدر" 4/ 48.]]: كانت العير حميرًا.
وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 156 أ.]] بن سليمان: العير الرفقة.
(قال ابن الأنباري: ولا تكون العير رفقة أبدًا إلا على قيام مقام الرفقة وتأديتها عنها) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (ب)، (ج) وهو في (ي).]].
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 120.]]: معناه يا أصحاب العير، ولكن قال: (أيتها العير)، وهو يريد أهلها، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، ويا خيل الله اركبي.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قال أبو علي: التقدير فقال: إنكم لسارقون. فإن قيل: لم سَرَّق يوسفُ من لم يَسْرِق وهم لم يسرقوا شيئًا؟ قيل [[قال به الزجاج انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 123.]] معناه: إنكم لسارقون يوسف من أبيه، حين طرحتموه في الجب.
وقيل [[وهو قول ابن جرير الطبري انظر: الطبري 13/ 28.]]: إن المنادي نادى وعنده أنهم قد سرقوا السقاية، ولم يعلم أن يوسف أمر بوضعها في رحل أخيه، وإنما كان أمر بذلك على ما أمره الله -عز وجل- فلما فقدها الموكلون بها اتهموهم بسرقتها، على أن النداء بالتسريق كان بغير أمر يوسف ولا علمه، فكان الكذب زائلًا عن نبي الله في الحالات كلها.
يوسف 12:71
قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ هو يعني أصحاب العير وهم إخوة يوسف ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 152، بنحوه وانظر: البغوي 4/ 260، و"زاد المسير" 4/ 258.]]: يريد أقبل هذه الرفقة على غلمان يوسف. فعلى هذا المعنى قال إخوة يوسف، وقد أقبلوا على المؤذن ومن معه، والمؤذن كان معه قوم يقولون بقوله ويصححون دعواه. قاله أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 258.]] قال: ويجوز أن يكون المعنى: قال إخوة يوسف وقد أقبل المنادي ومن معه بالدعوى والمطالبة؛ لأنه قد تقدم ذكر الفريقين، وصلح صَرْف الإقبال إلى كل فريق منهما.
يوسف 12:72
قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 120.]]: الصواع هو الصاع بعينه، وهو يذكر ويؤنث وهو السقاية وكذلك الصاع أيضًا يذكر ويؤنث والدليل على أنهما بمعنًى، قراءة [[ذكر القراءة الزجاج 3/ 120، والثعلبي 7/ 97 أ، والطبري 13/ 18، وابن عطية 8/ 28، وأخرج هذه القراءة عن أبي هريرة سعيد بن منصور وابن الأنباري كما في "الدر" 4/ 55، المذكر والمؤنث لابن الأنباري 1/ 441.]] أبي هريرة ﴿قالوا نفقد صاع الملك﴾ وزاد الفراء [["معاني القرآن" 2/ 51.]] فمن أنثه قال: ثلاث أصوع، مثل ثلاث أدؤر [ومن ذكّره] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]] قال: أصواع، مثل أثواب. وقال الحسن [[الطبري 13/ 16، وقد ذكر هذا القول الثعلبي 7/ 96 ب، والبغوي 4/ 260، و"زاد المسير" 4/ 257، والقرطبي 9/ 229.]]: الصواع والسقاية شيء واحد، ويجمع الصاع أيضاً صيعانًا.
وقال بعض أهل التأويل [[ذكر هذا القول في "زاد المسير" 4/ 257، الرازي 18/ 179.]]: الاسم الحقيقي لهذا الإناء: الصواع، والسقاية وصف، قال: وهذا نحو قولهم: كوز وإناء وسقاء، فالاسم المختص هو الكوز، والوصف هو السقاء إذ كان مشتركًا، وقال جماعة من المفسرين: الصواع كان على [صيغة المكوك أو القفيز يشربون فيه، ويسقون دوابهم] [[ما بين المعقوفين من (ي).]]، ويكيلون به إذا احتاجوا إلى ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي من الطعام ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ قال مجاهد [[الطبري 13/ 20، وابن أبي حاتم 2174.]]: الزعيم: هو المؤذن الذي أذن، وتفسير زعيم كفيل.
وقال الكلبي: الزعيم: الكفيل بلسان أهل اليمن. نحو هذا قال المفسرون وأهل اللغة [[روى هذا القول الطبري 13/ 20 - 21، عن ابن عباس: ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وابن إسحاق، وذكره الثعلبي 7/ 97 أ، والبغوي 4/ 260، و"زاد المسير" 4/ 259، وابن عطية 8/ 29، وغيرهم.
وانظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 315، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة ص 227، "معاني الزجاج" 3/ 120، و"معاني الفراء" 2/ 51.]] في الزعيم أنه الكفيل.
أبو عبيدة [["تهذيب اللغة" (زعم) 2/ 1533 وفيه أبو عبيد بدل أبي عبيدة، الرازي 18/ 179، و"الزاهر" 2/ 130.]] عن الكسائي: زعمت به أزعم زعمًا وزعامة، أي: كفلت به، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شريعتهم، وقد حكم بها رسول الله ﷺ في قوله: "الزعيم غارم" [[الحديث أخرجه الترمذي (1265) كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداه من حديث أبي أمامه وقال عنه: حديثَ حسن، وأبو داود (3565) كتاب البيوع، == باب تضمين العارية، وابن ماجه (2405) كتاب الصدقات باب الكفالة. وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (1412)، وقال: أخرجه الطيالسي (1128) وعنه البيهقي 6/ 88، وأحمد 5/ 267، وأبو داود (3565) وابن عدي 1/ 10 ..).]].
فإن قيل: [[القرطبي 9/ 232، الرازي 18/ 180.]] هذه كفالة بشيء مجهول، قلنا: حمل [[(حمل) مكرر في (ج).]] بعير من الطعام كان معلومًا عندهم فصحت الكفالة به، غير أن هذا كفالة مال لرد سرقة، وهو كفالة ما لم يجب؛ لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئًا على رد السرقة، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم.
يوسف 12:73
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 51 والتُّجاه من واجهك.]]: العرب لا تقول: تالرحمن، ولا يجعلون مكان الواو تاء إلا في الله، وذلك أنها أكثر الأيمان مجرى في الكلام، فتوهموا أن الواو منها لكثرتها في الكلام وأبدلوها تاء، كما قالوا: التراث وتترى، وهو من المواترة والتُّخمة والتُّجاه، وقال البصريون [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 155، الرازي 18/ 180، "زاد المسير" 4/ 259.]]: الواو في (والله) بدل من التاء، والتاء بدل من الواو، فضعفت عن التصريف في سائر الأسماء، وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله جل وعز. وإنما جاز إبدال التاء من الواو؛ لأنهما من حروف الزوائد والبدل، والتاء أقرب حروف البدل إلى الواو.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال المفسرون وجميع أهل المعاني [[الطبري 13/ 21، الثعلبي 7/ 97 ب، البغوي 4/ 261، ابن عطية 8/ 29، "زاد المسير" 4/ 260، الرازي 18/ 180، القرطبي 9/ 234، "معاني الفراء" == 2/ 51، و"معاني الزجاج" 3/ 121، و"معاني النحاس" 3/ 447.]]: حلفوا على علمهم بذلك؛ لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا يظلمون أحدًا ولا يرزأون شيئًا لأحد في سفرهم، ولا يعيثون في بستان أحد ولا زرعه، حتى يُرْوَى أنهم قد كمَّموا [[في (أ)، (ج): (كعموا).]] أفواه إبلهم لئلا تعيث [[في (ب): (تعبث).]] في زرع، ومن كانت هذه صفته فهو غير قاصد لفساد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ وذلك أنهم لما وجدوا بضاعتهم (في رحالهم لم يستحلوا أخذها وبادروا بردها، قالوا: فلو كنا سارقين لم نردد بضاعتكم) [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج) وهو في (ب).]] حين أصبناها مع أمتعتنا، ومن رد ما وجده كيف يكون سارقًا.
يوسف 12:74
قوله تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي ما جزاء السرق إن كنتم كاذبين في قولكم: (ما كنا سارقين)، وقد سبق من الكلام ما يدل على السرق.
يوسف 12:75
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ قال ابن عباس [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 326، والطبري 13/ 22، وابن المنذر عن الكلبي كما في "الدر" 4/ 51، و"تنوير المقباس" ص 152، و"زاد المسير" 4/ 260.]] والمفسرون [[الطبري 13/ 22، الثعلبي 7/ 97 ب، البغوي 4/ 261، ابن عطية 8/ 30، و"زاد المسير" 4/ 51، القرطبي 9/ 234، ابن كثير 2/ 532.]]: كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته، وكان استعباد السراق لهم يجري مجرى القطع لنا، فلذلك قالوا: جزاؤه في وُجد في رحله، أي: جزاء السَّرَق من وجد السرق في رحله ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أي فالسارق جزاء السرق.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 121، وانظر: "معاني الفراء" 2/ 51، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 150، والطبري 13/ 22.]]: جزاؤه ابتداء، و (من وجد في رحله) الخبر والمعنى: حزاء السارق الإنسان الموجود في رحله المسروق، ويكون قوله ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ زيادة في الإبانة [كما تقول: جزاء السارق القطع فهو جزاؤه، فتذكر (فهو جزاؤه) زيادة في الإبانة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
قال: ويجوز أن يكون قوله: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ جملة في موضع خبر الابتداء والعائد منها إلى الابتداء جزاؤه التي بعد، فهو كأنه قيل: قالوا جزاؤه من وجد في رحله، فهو هو، أي: فهو الجزاء، وهو كناية عن السارق، أي فالسارق جزاؤه، ولكن الإظهار كان أحسن هاهنا لئلا [[في (أ)، (ب)، (ج): (لئن لا)، وما ذكرته في (ي) وهو في "معاني القرآن للزجاج" 3/ 121.]] يقع في الكلام لبس، ولئلا يتوهم أن (هو) إذا [[في (ج) "ذا" من غير ألف.]] عادت ثانية فليست براجعة على الجزاء، والعرب إذا فَخَّمتْ [[في الزجاج: "إذا أقحمت أمر الشيء".]] أمرًا جعلت العائد عليه إعادة لفظه بعينه.
أنشد النحويون [[البيت ينسب لعدي بن زيد وهو في "ديوانه" ص 65، و"الأشباه والنظائر" 8/ 30، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي / 36، ولسوادة ابنه، ولأمية بن أبي الصلت انظر: "الخزانة" 1/ 183، و"شواهد المغني" /296، و"اللسان" (نغص) 8/ 4488، وسيبويه 1/ 183، و"معاني الزجاج" 1/ 456، و"شرح شواهد المغني" ص 186.]]: لا أَرى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شِيْءٌ ... نَغّصَ المَوْتُ ذا الغِنَى والفَقِيرَا
ولم يقل: يسبقه شيء.
وأنشد ابن الأنباري:
ليْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِبًا ... كان الغُرَابُ مُقَطّعَ الأوْدَاجِ [[البيت لجرير. انظر: "ديوانه" ص 73، وفيه (ينعب بالنوى) أمالي ابن الشجري 1/ 243، الطبري 1/ 440.]]
فأظهر الغراب لعظيم شره عندهم.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 121.]]: أي مثل هذا الجزاء نجزي الظالمين، قِالِ ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 152، و"زاد المسير" 4/ 260.]]: يريد إذا سرق واستُرق.
يوسف 12:76
قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ قال المفسرون: لما قال إخوة يوسف: ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. وأقروا بأن من وجد المسروق في رحله فجزاؤه أن يسترق، قال لهم المؤذن: إنه لابد من (تفتيش أمتعتكم [[في (ج): (أوعيتكم).]] وانصرف بهم إلى) [[ما بين القوسين بياض في (ب).]] يوسف فبدأ يوسف بأوعيتهم قبل وعاء أخيه؛ لإزالة التهمة، والأوعية [["اللسان" (وعى) 8/ 4876.]] جمع الوعاء وهو كل (ما استودع شيئًا) فأحاط به، يقال: أوعيت الشيء في الوعاء أوعيه إيعاء.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ إن شئت رددت الكناية إلى السقاية، وإن شئت إلى الصواع، على لغة من يؤنث. وإن شئت على السرقة؛ لأن فيما تقدم دليلاً عليها، قاله الفراء [["معاني القرآن" 2/ 52.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 122.]] وابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 261.]].
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ قال الزجاج [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 151، ولم أجده في "معاني الزجاج" 3/ 122.]]: موضع الكاف نصب، المعنى: مثل ذلك الكيد كدنا ليوسف.
قال عطاء عن ابن عباس [[الثعلبي 7/ 98 ب، و"زاد المسير" 4/ 261، القرطبي 9/ 236.]]: يريد ألهمنا يوسف هذا الكيد، ونحوه قال الربيع [[الثعلبي 7/ 98 ب.]].
وقال قتادة [[هذا القول أخرجه الطبري 13/ 25، عن ابن جريح والسدي والضحاك، وابن أبي حاتم 4/ 230 ب عن الضحاك.]]: صنعنا ليوسف.
وقال ابن إسحاق [[الطبري 13/ 25.]]: كذلك كدنا له إخوته حتى ضممنا أخاه إليه.
وقال مجاهد [[الطبري 13/ 24.]]: كاد [[(كاد) ساقط من (ج).]] الله له حتى فعل بأخيه ما فعل.
هذا قول المفسرين في معنى قوله ﴿كِدْنَا﴾، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (كاد) 4/ 3076.]]: الكيد التدبير بباطل أو حق، وعلى هذا معنى قوله {كِدْنَا لِيُوسُفَ} أي دبرنا له بأن ألهمناه أن يجعل السقاية في رحل أخيه ليتوصل به إلى حبسه، وهذا معنى ما حكينا عن المفسرين.
وقال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 261 مختصرًا.]]: ﴿كِدْنَا﴾ وقع خبرًا عن الله تعالى، على خلاف معناه في أوصاف المخلوقين، فإنه إذا أخبر به عن مخلوق كان تحته احتيال. وهو في وصف فعل الله يُعرّى من المعاني المذمومة، ويخلص أنه وقع بمن يكيده ما يريد من حيث لا يشعر به، ولا يقدر على دفعه، فهو من الله مشبه بالذي يكون من المخلوقين، من أجل أن المخلوق إذا كاد المخلوق ستر عنه ما ينويه ويضمر له، والذي يقع به الكيد من الله تعالى يتستر عنه ما كتم الله عاقبته، والذي وقع بإخوة يوسف من كيد الله تعالى ما انتهى إليه شأن يوسف من ارتفاع المنزلة، وتمام النعمة، فحيث جرى الأمر على غير ما قدروا من إهلاكه، وخلوص أبيهم لهم بعده، بتدبير الله وخفي لطفه، جعل ذلك كيدًا لمَّا أشبه كيد المخلوقين [[يراجع مبحث منهجه في تفسير آيات العقيدة، في المقدمة.]] وعلى ما ذكر أبو بكر: كيد الله ليوسف عائد إلى جميع ما أعطاه على خلاف تقدير إخوته من غير أن علموا بذلك. وعلى ما ذكره المفسرون: كيد الله له في هذه الآية خاص بإلهامه الحيلة في حبس أخيه.
وقولى تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 152، و"زاد المسير" 4/ 261.]] في رواية عطاء: في حكم الملك وقضائه. وهو قول قتادة [[الطبري 13/ 25، وعبد الرزاق 2/ 326، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2176، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 52، والثعلبي 7/ 98 ب، وابن عطية 8/ 32، والبغوي 4/ 262.]]، وروى عنه [[الطبري 13/ 25، وابن أبي حاتم 7/ 2176، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 51، والثعلبي 7/ 98 ب، والبغوي 4/ 262، وابن عطية 8/ 32، والقرطبي 9/ 238.]] أيضًا: في سلطان الملك، وهو اختيار ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 227.]].
قال أبو بكر: والدين معناه في اللغة: السلطان.
وأنشد قول زهير [[عجز بيت لزهير، وصدره:
لئن حللت بجوفي بني أسد
من قصيدة له يخاطب بها الحارث بن ورقاء الصيداوي من بني أسد، وكان قد أغار على بني عبد الله بن غطفان فغنم واستاق إبل زهير وراعيه يسارًا، وجو: موضع في ديار بني أسد، وعمرو: هو عمرو بن هند بن المنذر بن ماء السماء، وفدك: قرية بالحجاز وقد روي: (وحالت دوننا). انظر: "ديوانه" ص 83، الكامل 3/ 328، الأمالي 2/ 295، "تأويل مشكل القرآن" ص 453، اللسان (فدك) 6/ 3364، و"جمهرة الأمثال" 1/ 116، و"تاج العروس" (فدك)، وبلا نسبة في "جمهرة اللغة" ص 688.]]:
في دِينِ عَمْرو وحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ
وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 122.]]: في سيرة الملك، وقال غيره [[ذكره القرطبي 9/ 238 ونسبه إلى ابن عيسى، وانظر "تهذيب اللغة" (دين) 2/ 1136، اللسان (دين).]]: في عادة الملك.
وأنشد [[عجز بيت للمُثَقِّب العبدي، وصدره:
تقول إذ درأت لها وضيني
من قصيدة له في "المفضليات" ص 292، "ديوانه" ص 195، والبيت كما يلي:
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دأبه أبدًا وديني
الكامل 1/ 329، الصناعتين ص 86 "اللسان" (درأ) 1349، الطبري 1/ 511، "تأويل مختلف الحديث" 82، "تهذيب اللغة" 2/ 1166، "تاج العروس" (درأ) 1/ 150.]]: أهَذَا دِينُه أَبَدًا ودَينِي
قال أهل التفسير [[انظر: الطبري 13/ 22، ابن أبي حاتم 7/ 2174، الثعلبي 7/ 98 ب، القرطبي 9/ 238، "زاد المسير" 4/ 261.]]: كان حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق، فلم يكن يتمكن يوسف من حبس أخيه عنده في حكم الملك لولا ما كاد الله له تلطفًا حتى وجد السبيل إلى ذلك، وهو ما أجرى على ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فأقروا به وكان ذلك مراده، وهو معنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فكان ذلك بمشيئة الله.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 122، وفيه: (لما سقطت) بدل: (سقط).]]: موضع "أن" نصب، لما سقط الباء أفضى الفعل فنصب، المعنى: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا بمشيئة الله.
وقال أبو بكر: تأويله: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ويستوجب ضمّه إلا بمشيئة الله ذلك، وتقريبه منه ما لا يوصل إليه إلا بتسهيله وتيسيره. وروي عن الحسن [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 280.]] في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي أنه الآمر له بذلك، والمفسرون على أن ذلك كان إلهامًا.
وقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قال أهل المعاني أي [[(أي) ساقط من (ج).]] بما نريه من وجوه الصواب في بلوغ المراد، وفي هذا إشارة إلى رفع درجة يوسف.
وقال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 262.]]: نرفع درجات من نشاء، بضروب عطايانا وكراماتنا وأبواب علومنا، كما رفعنا درجة يوسف على إخوته في كل شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ذكر المفسرون في هذا قولين أحدهما: أن المراد بقوله (عليم) الله تعالى، والمعنى: وفوق كل ذي علم معلّم عليم، وهو الله تعالى الغني بعلمه عن التعليم، وهذا قول ابن عباس [[الطبري 13/ 27.]] والحسن [[الطبري 13/ 27، العلبي 7/ 99 أ، ابن عطية 8/ 35.]] وسعيد بن جبير [[الطبري 13/ 27.]].
وروي عن سعيد أنه قال: "ذكر ابن عباس آية فقال رجل من القوم: الحمد لله وفوق كل ذي علم عليم، قال ابن عباس: بئسما قلت: الله هو العلم وهو فوق كل شيء [[الطبري 13/ 26، وعبد الرزاق 2/ 326 وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي هاشم 7/ 2177، وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات كما في "الدر" 4/ 52، وابن عطية 8/ 35، والقرطبي 9/ 238.]].
قال أبو بكر: وتأويل الآية على هذا: وفوق كل ذي علم اختص به وانكشف له رب العالمين الذي المِنّة له وكل العلوم منه بدأت وإليه تعود.
والقول الثاني: والذي عليه أكثر المفسرين: وفوق كل ذي علم ممن رفعه الله عليم قد رفعه الله بالعلم فهو أعلم منه، وهذا قول ابن عباس [[الطبري 13/ 27، والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2177، وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات كما في "الدر" 4/ 52، الثعلبي 7/ 99 أ، البغوي 4/ 263، القرطبي 9/ 238.]] في رواية عكرمة. قال: يكون هذا أعلم من هذا حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى، وفي هذا إشارة إلى أن علم يوسف في ذلك الأمر كان ألطف من علم إخوته.
قال أبو بكر: قال جماعة من أهل التفسير: إن العالم واجب عليه أن يتهم نفسه ويستشعر التواضع لربه، ولا يطمع نفسه بالغلبة على العلوم؛ لأنه لا يخلو عالم من عالم يفوقه.
يوسف 12:77
قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾ الآية، قال الكلبي وغيره من المفسرين [[الثعلبي 7/ 99 أ، الرازي 18/ 183.]]: لما خُرِّج الصواع من رحل أخي يوسف نكس إخوته رؤوسهم، وقالوا: ما رأينا كاليوم قط ولدت راحيل أخوين لصّين، فقال لهم أخوهم: والله ما سرقته ولا علم لي بمن وضعه في متاعي، وقيل إنه قال لهم: إن الذي وضع بضاعتكم في رحالكم هو الذي وضع السرقة في رحلي. والمفسرون مختلفون في أن يوسف هل كان أخبر أخاه بالكيد الذي يريد أن يكيده في حبسه عنده، فمنهم من يقول: كان قد أخبره بذلك، ومنهم من يقول: لم يخبره، وهذا معنى قوله ﴿قَالُوا﴾ أي: الإخوة ليوسف إن يسرق أي الصواع فقد سرق أخ له من قبل. قال عطاء عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 263.]]: يريدون يوسف، وكان يأخذ الطعام من مائدة أبيه سرًّا منهم فيتصدق به في المجاعة حتى فطن به إخوته، ونحو هذا قال وهب [[الثعلبي 7/ 99 ب، البغوي 4/ 263.]] في معنى السرق الذي وصفوا به يوسف، ومقاتل: عن الضحاك [["تفسير مقاتل" 156 ب.]] عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير [[و (¬6) الطبري 13/ 29، الثعلبي 7/ 99 أ، البغوي 4/ 263، ابن عطية 8/ 37، "زاد المسير" 4/ 263، القرطبي 9/ 239.]] وقتادة (¬6) سرق صنمًا كان لجده أبي أمه وكسره وألقاه على الطريق. وقال محمد بن إسحاق [[أخرجه ابن إسحاق عن مجاهد كما في "الدر" 4/ 53، وانظر: البغوي 4/ 263.]] ومجاهد [[الطبري 13/ 29، وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 53، الثعلبي 7/ 99 ب، و"زاد المسير" 4/ 263، القرطبي 9/ 239.]]: إن جدته خبأت في ثيابه منطقة كانت لإسحاق يتوارثونها بالكبر لتملكه بالسرق محبة لمقامه عندها.
قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 263.]]: وهو في هذه (كلها غير سارق في الحقيقة لكنه أتى) [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] ما يشبه السرق، فوصفه إخوته بذلك عند الغضب على جهة التشبيه والتمثيل، [وقد يوصف بالشيء على جهة التمثيل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، ولا يراد به الحقيقة، كما روي عن النبي ﷺ قال: "كذب إبراهيم ثلاث كذبات" [[أخرجه البخاري (3257)، (3358) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، أخرجه مسلم (3269) في: كتاب الفضائل، باب: فضائل إبراهيم الخليل عليه السلام.]]. تأويله: قال قولًا يشبه الكذب في الظاهر، وهو صدق عند البحث.
وقوله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 52.]]: أسر الكلمة أي: أضمرها في نفسه ولم يظهرها.
قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 264.]]: والكلمة التي أسرها في نفسه: أنتم شرٌّ مكانًا، وزاد من عنده: فأسرّ جوابَ الكلمة التي تكلّموا بها، وتلخيصه وأمرّ جوابها في نفسه فحذف المضاف.
وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 123.]]: الكناية في "فأسرها" إضمار على شريطة التفسير لأن [قوله] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] (قال أنتم شر مكانًا) [بدل من الكناية في (فأسرها) المعنى: فأسر يوسف في نفسه قوله أنتم شرٌّ مكانًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (خ) وهو في (ب).]].
قال أبو علي [["الإغفال" 2/ 897.]] فيما استدرك عليه: اعلم أن الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين:
أحدهما: أن يفسر بمفرد كقولنا: نعم رجلاً زيد، ففي نعم ضمير فاعلها ورجلًا المنصوب تفسير لذلك الفاعل المضمر، وأضمر الفاعل لتفسير هذا المذكور له ودلالته عليه، ومثل هذا قولهم: ربه رجلاً، فرجل تفسير المضمر في رب كما كان تفسير المضمر في نعم، فهذان مفردان مضمران على شريطة التفسير، مفسران بمظهرين منكورين ولم يعلم غيرهما، هذا كلامه هاهنا، وقد قال في "الإيضاح": وقالوا: ربه رجلاً، فأضمروا معه قبل الذكر على شريطة التفسير، كما فعلوا ذلك في: نعم رجلاً، وإنما أدخلت رُبَّ على هذا الضمير، وهي إنما تدخل على النكرات من أجل أن هذا الضمير ليس بمقصود قصده، فلما كان غير معين أشبه النكرة، وهذه الهاء على لفظ واحد، وان وليها المذكر أو الاثنان أو الجماعة فهي موحدة، على كل حال رجعنا في كلامه إلى هذه المسألة.
قال: والآخر أن يفسر بجملة، وأصل هذا يقع بالابتداء كقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: 97]، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [لإخلاص: 1] المعنى القصة [[كذا في جميع النسخ وفي "الإغفال": "القصة أبصار الذين كفروا" 2/ 897.]] الذين كفروا شاخصة، والأمر الله أحد، ثم تدخل عوامل المبتدأ عليه نحو كان وأن، فينتقل هذا المضمر من الابتداء به كما ينتقل سائر المتبدآت كقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: 74]، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: 46] وتفسير المضمر على شريطة التفسير في كلا الموضعين [متصل بالجملة التي فيها الإضمار المشروط تفسيره متعلق بها، وليس يكون في أحد الموضعين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب)، (ج) وهو في (ي).]] خارجًا عن الجملة المتضمنة للمضمر الذي يشرط تفسيره، أما في المبتدأ وما دخل عليه فهو في موضع الخبر كما أريتك، وأما في الضرب الذي هو المفرد فمتعلق بما عمل في الاسم المضمر المفرد، ألا ترى أن (رجلا) في قولك: نعم رجلاً منتصب عن الفعل والفاعل، وإذا كان كذلك قد تبين لك أن المضمر على شريطة التفسير لا يكون إلا متعلقًا بالجملة الذي تتضمن [[في "الإغفال": "التي تتضمن المضمر" 2/ 899.]]، ولا يكون منقطعًا عنها ولا متعلقًا بجملة غيرها.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالذي ذكره أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 123.]] في الآية: أنه إضمار على [شريطة التفسير] [[ما بين المعقوفين من (ي).]]، لا يستقيم لانفصال التفسير عن الجملة التي فيها الضمير الذي زعم أنه إضمار على شريطة التفسير، ووقوعها بعد جمل بعدها وانقطاعها منه، وهذا بين الفساد؛ لأنه لا نظير له ولا نجد شاهدًا عليه إلا دعوى لا دلالة معها، ألا ترى أن تفسير المضمر على شريطة التفسير ضربان: إما جملة تفسر مفردًا نحو: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ وإما مفرد يفسر مفردًا من جملة [نحو: نعم رجلاً، وأما جملة تفسر مفردًا من جملة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، وهو في (ب).]]، فليس في القسمة ولا في الوجود، وإذا كان كذلك فلا اتجاه لهذا التأويل في الآية، فإن قلت: فعلام يحمل هذا الضمير في أسرها؟ قلنا يحتمل أن يكون إضمارًا للإجابة، كأنهم لما قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أسر يوسف إجابتهم في نفسه في الوقت ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ في الحال إلى وقت ثان، وجاز إضمار ذلك؛ لأنه قد دل على إضمارها ما تقدم من مقالتهم، ويجوز أيضًا أن يكون إضمارًا للمقالة كأنه أسر يوسف مقالتهم، والمقالة والقول واحد في المعنى.
فإن قلت: كيف يسر هو مقالتهم؟ قيل: ليس معنى المقالة اللفظ، ولكن المعنى المقول، فيكون المصدر عبارة عن المقول، كما يقول [[في "الإغفال" 2/ 904، "يكون الخلق عبارة عن المخلوق".]] في الخلق، وضَرْب الأمير، ونَسْج اليمن، ومعنى أسرها: أوعاها ولم يطرحها وأكنها في نفسه، إرادة للتوبيخ عليها والمجازاة بها ونحو ذلك، فعلى هذا توجيه هذا الضمير لفساد ما ذكره أبو إسحاق عندنا [[إلى هنا انتهى النقل عن "الإغفال" 2/ 904 بتصرف واختصار.]]، انتهى كلامه.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ هذا يدل على صحة ما ذكره أبو علي؛ لأنه كيف يصح أن يقول أسَرّ يوسف هذه الكلمة، وقد أخبر الله تعالى أنه قد قال ذلك، إلا أن يحمل على أنه قال ذلك في نفسه من غير إظهار، وفي ذلك عدول عن الظاهر. قال عطاء عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 264، القرطبي 9/ 240.]]: يريد: "أنتم شر" فعلاً، طرحتم أخاكم في الجب [[(الجب): زيادة من (ي).]] وزعمتم [[في (ج): (وزعمكم).]] لأبيكم أن الذئب قتله وأنتم كاذبون، ثم بعتموه بعشرين درهما، وهذا الذي ذكره ابن عباس يتضمنه قوله: (أنتم شر مكانا) لا أنه واجه إخوته بكل هذا، وروى الضحاك عنه [["زاد المسير" 4/ 260.]] في قوله (أنتم شر مكانا) قال: شر صنيعا لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم.
وقال أهل المعاني [[ذكر هذا القول الثعلبي 7/ 100 أ، والطبري 16/ 200.]]: أنتم شر منزلًا عند الله ممن رميتموه بالسرقة لأنكم سرقتم من أبيكم أخاكم.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء [[القرطبي 9/ 240، وانظر: الرازى 18/ 185.]]: أراد أن سرقة يوسف كانت لله رضا، ويروى عنه [[القرطبي 9/ 240، وانظر: الرازى 4/ 264.]]، وهو قول الحسن [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 280.]] وقتادة [[الطبري 16/ 200 الثعلبي 7/ 100، "زاد المسير" 4/ 264.]]: (والله أعلم بما تصفون) أنه كذب. وقال أبو إسحاق [["معانىِ القرآن وإعرابه " 3/ 123.]]: أي الله يعلم أسرق أخ له أم لا.
يوسف 12:78
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أي في السنن ويجوز أن يكون بمعنى: كبير القدر، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ قال ابن عباس [[و [["تنوير المقباس" 152.]] انظر: الطبري 13/ 31، و"زاد المسير"4/ 265، القرطبي 9/ 240، ابن كثير 2/ 533.]] والحسن (¬2): خذ واحداً منا تستعبده بدله.
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس [[الطبري 13/ 31، الثعلبي 7/ 101 أ.]] وابن إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 124.]]: إنك إذا فعلت ذلك فقد أحسنت إلينا وفعلت بنا كل خير، قال أبو بكر: تلخيصه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا إن رددت أخانا علينا، وقبلت منا واحداً مكانه، وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 123.]]: طالبوه بأن يحسن؛ لأنه كان أعطاهم الطعام ورد إليهم بضاعتهم، قال أبو بكر: والتأويل على هذا القول ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا في توفيرك علينا الطعام ومسامحتك إيانا في الأثمان.
يوسف 12:79
قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللهِ﴾ أي اعتصامًا بالله، وقال الزجاج [[في (ج): "المعنى" من غير واو.]]: المعنى أعوذ بالله معاذًا، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في أول السورة.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي: أستجير بالله من أن آخذ برئيًا بسقيم، وموضع (أن) نصب، والمعنى [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 124.]]: أعوذ بالله من أخذ أحدٍ، فلما سقطت (من) أفضى الفعل إلى المفعول فنصب. قاله: أبو إسحاق (¬8).
وقوله تعالىِ: ﴿إنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لقد تعديتُ وظلمتُ إن استعبدت غير الذي سرقني.
يوسف 12:80
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ وروي عن ابن كثير: استايسوا [[في (ج): (استياسوا).]]، و (حتى إذا استايس [[في (ج): (استياس).]] الرسل) بغير همز [[روى خلف والهيثم عن عُبيدة عن شبل عن ابن كثير بغير همز، والباقون بالهمز بين الباء والسين، انظر: السبعة ص350، "إتحاف" ص 266.]]، ويئس واستايس [[في (ج): (واستياس).]] واحد، مثل: عجيب واستعجب، وسخر واستسخر، وفي يئس لغتان: يئس وييئس مثل حسب يحسب ويحسب، ومن قال: استايس، قلب العين إلى موضع الفاء فصار استفعل، ولفظه: استأئس، ثم خفف الهمزة وأبدلها الفاء مثل: راس وفاس، وقد قلب هذا الحرف في غير هذا الموضع فقالوا: يئس يائس، وهو مقلوب من: يئس ييئس، وهو الأصل بذلك على ذلك، أن المصدر لا نعلمه جاء إلا على تقديم الياء، فأما قولهم: لا يأس، فليس مصدر آس، ولو كان كذلك لكان من باب جذب وجبذ، في أن كل واحد منهما أصل على حدة، وليس أحدهما مقلوبًا عن صاحبه، ولكن: أياسًا مصدر أُسُّهُ آوُسَهُ أوسًا وإياسًا إذا أعطيتهُ، والإياس مثل القيام والعياذ [[في "الحجة" 4/ 434: "مثل القياس والقياد".]]، وإنما سمي الرجل باياس وَآوس، كما يُسَمى بعطاء وعطية، ومن ذلك قول الجعدي [[عجز بيت للجعدي، وصدره:
ثلاثة أهلية أفنيتهم
والمستآس: المستعاض. انظر: شعره: 78 ، و"اللسان" (أوس) 1/ 170، و"التنبيه == والإيضاح" 2/ 259، كتاب العين 7/ 330 و"مقاييس اللغة" 1/ 150، 156، و"تهذيب اللغة" 1/ 230، و"مجمل اللغة" 1/ 107، و"أساس البلاغة" (أوس)، و"تاج العروس" (أوس) 8/ 194، و"الشعر والشعراء" ص 180.]]:
وكانَ الإله هو المستآسا وهو مستفعل من العطاء، أي: يُسأل أن يعطى، هذا قول أبي علي الفارسي [["الحجة" 4/ 433 - 435 بتصرف.]]. وقال غيره: آيس لغة في: يئس وآيسته، أي: أيأسته، وهو اليأس والإياس.
قال ابن عباس [[انظر: "زاد المسير" 4/ 266، القرطبي 9/ 241.]]: يريد يئسوا أن يخلى سبيله معهم.
وقوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ يقال: خلص الشيء خلوصًا، إذا ذهب عنه الشائب من غيره، ومعنى خلصوا هاهنا: انفردوا من غير أن يكون معهم من ليس منهم، والنجي صفة فعيل بمعنى المناجي، يقع على الكثير كالصديق والرفيق والحميم، ومثله: العري والنجوى مصدر ثم يوصف بهما، فيستوي فيهما الواحد والجمع والمؤنث والمذكر، قال الله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] فوصف به الواحد، وقال في الجمع: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، وقال ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: 52] فجعله جمعًا، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: 7].
والنجوى: الرجال المتناجون هاهنا، وقال في المصدر: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: 10] يقال: نجوت فلانًا أنجوه نجوى، إذا ناجيته، هذا الذي ذكرنا قول جميع أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (نجا) 4/ 3510، و"اللسان" (نجا) 7/ 4361.]] وأنشدوا [[للصلتان العبدي، من وصيته المشهورة لابنه. == انظر: "الحماسة" 3/ 112، و"الشعر والشعراء" ص 333، "الخزانة" 1/ 308، والطبري 13/ 33، والخب (بكسر الخاء): المكر، والخب (بفتحها): المكار.]]: بُنَيّ بدا خَبُّ نَجْوى الرجالِ ... فكُنْ عند سِرّك خَبَّ النَّجِي
والبيت للصلتان العبدي [[وهو قثم بن خبية العبدي من بني محارب بن عمرو، من بني عبد القبس، شاعر حكيم، وله قصيدة في الحكم بين جرير والفرزدق، فضل فيها شعر جرير وقوم الفرزدق، توفي سنة 80 هـ، انظر: "الشعر والشعراء" ص 331، و"الأعلام" 5/ 190.]]، والنجوى فيه مصدر، والنجي صفة، يقول: بدا غش مناجاة الرجال فكن غاشًّا بنجيك الذي تناجيه، أي: لا تطلعه على سرك، ويجمع على أنجية، ومنه قول لبيد [[انظر: "ديوانه" ص 47، وابن عطية 8/ 43، و"البحر المحيط" 5/ 335، و"الدر المصون" 6/ 539، و"مجاز القرآن" 1/ 315، والطبري 13/ 33، و"اللسان" (ردف) 3/ 1626، و"تهذيب اللغة" 1/ 173، و"تاج العروس" (أفق) 13/ 8.
من أبيات يقولها لابنته بسرة يذكر طول عمره، والأفاقة: اسم موضع حيث كان اليوم المشهود بين لبيد، والربيع بن زياد العبسي، وأرداف الملوك: من الردف وهو الذي يكون مع الملك وينوب عنه إذا قام من مجلسه.]]:
وشَهِدْتُ أنْجِيةَ الأفاقةِ عاليًا ... كَعْبي وأرْدَافُ الملوك شُهُودُ
ويجمع النبي أيضًا أنجيا، وأما تفسير ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ فقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 124.]]: انفردوا وليس معهم أخوهم متناجين فيما يعملون في ذهابهم إلى أبيهم من غير أن يرجعوا بأخيهم إليه، وقال ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 227.]]: اعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم يتناجون ويتناظرون، وقال الأزهري [["تهذيب اللغة" (خلص) 1/ 1082.]]: تميزوا عن [[في (ج): (على).]] الناس يتناجون فيما أهمهم، فأبو إسحاق حمل الخلوص على أنهم خلصوا وانفردوا من أخيهم في المناجاة، ونحوه قال ابن الأنباري، وغيرهما: يحمله على اعتزالهم عن غيرهم من الناس وهو الظاهر.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 266، البغوي 4/ 265.]]: يعني يهوذا وكان أعقلهم، وهو قول وهب [[الثعلبي 7/ 101 ب.]] والكلبي [[البغوي 4/ 265، الثعلبي 7/ 101 ب، القرطبي 9/ 241.]] ومقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 156 ب.]]: لم يكن أكبرهم في السن لكنه كان أكبرهم في صحة الرأي.
وقال مجاهد [[الطبري 13/ 34، البغوي 4/ 265، الثعلبي 7/ 101 ب، القرطبي 9/ 241.]]: شمعون، وكان أكبرهم في العلم والعقل لا في السن.
وقال قتادة [[الطبري 13/ 34، البغوي 4/ 265، الثعلبي 7/ 101 ب.]] والسدي [[الطبري 13/ 34، البغوي 4/ 265، الثعلبي 7/ 101 ب.]] والضحاك [[البغوي 4/ 265، الثعلبي 7/ 101 ب.]] وكعب [[الثعلبى 7/ 101 ب.]]: هو روبيل وكان أكبرهم سنًّا، وهذا هو الظاهر [[قلت: وقد رجح هذا القول الطبري 13/ 34، فقال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عني بقوله ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ روبيل، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنًا، ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم: "فلان كبير القوم" مطلقًا بغير وصل، إلا أحد معنيين، إما في الرئاسة عليهم والسؤدد وإما في السنن وإما في العقل، فإنهم إذا أرادوا ذلك وصلوه فقالوا: "وهو كبيرهم في العاقل" == فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك فلا يفهم إلا ما ذكرت، وقد قال أهل التأويل: لم يكن لشمعون على إخوته رياسة وسؤدد، فيعلم بذلك أنه عني بقوله ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ فإذا كان ذلك كذلك، فلم يبق إلا الوجه الآخر وهو الكبر في السن، وقد قال الذين ذكرنا جميعًا: "روبيل كان أكبر القوم سنًا" فصح بذلك القول الذي اخترناه. اهـ" واستظهر هذا القول ابن عطية 8/ 43.]].
[وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ] [[ما بين المعقوفين ساقط من ب.]] مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ أي في حفظكم الأخ ورده إلى أبيه، وذكرنا الكلام في قوله: ﴿مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ [[عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ 67.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ وذكر الفراء [["معاني القرآن" 2/ 53.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 124.]] وابن الأنباري في "ما" ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون المعنى ومن قبل تفريطكم في يوسف أي: وقع وظهر تفريطكم، فـ"ما" يكون موضعها رفعًا، وتكون مع الفعل بمنزلة المصدر.
الثاني: أن يكون "ما" في موضع نصب نسق على المعنى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ﴾، ومن قبل تفريطكم في يوسف.
الثالث: أن تكون لغوًا لا موضع لها من الإعراب، وتلخيصها: ومن قبل فرطتم في يوسف [[قال الزجاج وهو أجود الأوجه. "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 124.]]، وذكرنا معنى التفريط في قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [[الأنعام: 61، وقد قال هنالك: (ومعني التفريط: تقدمة العجز) تفسير البسيط، تحقيق: د. الفايز ص 260.]].
وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ يقال: برح الرجل براحًا وبروحًا، إذا رام من موضعه، ذكره الفراء [[كتاب المصادر مفقود.]] في المصادر، وأراد الأرض [[في (ب): (بالأرض).]] موضعه ذلك في قول ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 153]]، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 125.]]: يريد أرض مصر، وإلا فالناس كلهم على الأرض.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 267.]]: حتى يبعث إلى أبى أن آتيه.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَحْكُمَ الله لِي﴾ قال: يريد أو يقضي في أمري شيئًا، وقال غيره: أو يحكم الله لي لمحاربة [[في (ج): (كمحاربة).]] أو غيرها مما أراد به أخي على أبيه فاحارب مَن حبسه، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: أعدلهم وأفضلهم.
يوسف 12:81
قوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يقوله الأخ المحتبس بمصر لأخوته: ﴿فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ ذكر ابن الأنباري في هذا وجهين:
أحدهما: أن معناه سرق عند الملك، وفيما يقدره الملك وحاضروه، فأما في تقديرنا وما نعلمه من أمره فلا، ومثل هذا كثير كقوله: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87] أي: عند نفسك، و ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:49] أي: عند نفسك، فأما عندنا فلا، قال: وقد قال بعض الناس: تأويله أن ابنك فعل فعلًا يشبه السرق، فسُمي بما يشبه فعله على المجاز، قال: والأول هو الأثبت، لموافقته مذاهب العرب، ومشاكلته ألفاظًا من القرآن، وأكثر المفسرين على أنهم ما عرفوا حقيقة الحال فنسبوا إليه السرق، على ما رأوه من ظاهر الأمر، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 267.]]: يريد بما ظهر.
قال ابن إسحاق [[الطبري 13/ 36، الثعلبي 7/ 102 أ.]]: معناه: ما قلنا أنه سرق إلا بما علمنا؛ لأنه وجدت السرقة في رحله ونحن ننظر.
قال أبو علي الفارسي [["الحجة" 6/ 143، 144، وانظر: 1/ 256 - 264.]]: شهد الذي يراد به علم هو ضرب من العلم مخصوص، وكل شهادة علم، وليس كل علم شهادة، ومما يدل على اختصاصه أنه لو قال عند الحاكم: أعلم أن لزيد على عمرو عشرة، لم يحكم به حتى يقول: أشهد، فالشهادة مثل التيقن في أنه ضرب من العلم مخصوص، فليس كل علم تيقنًا، وإن كان كل تيقن علمًا.
وذكرنا حقيقة التيقن عند قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [[الأنعام: 75 وخلاصة ما ذكره هنالك ما نقله عن أبي علي الفارسي "أن التيقن: ضرب من العلم مخصوص فكل علم ليس تيقنًا، وإن كل تيقن علمًا. لأن التيقن هو العلم الذي قد كان عرضر لعالمه إشكال فيه" تفسير البسيط، تحقيق: د. الفايز، ص 292.]] فمعنى أشهد على كذا: أعلمه علمًا بحصري، وقد تذلل لي التوقف عنه ولا أثبت لوضوحه عندي، ويدل على أن الشهادة يراد بها المعنى الزائد على العلم قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وليس يتجه حمله على هذا، فعلم أن معناه ما ذكرناه، وشهد في هذا الوجه يتعدَّى بحرف جر، فتارةً يكون بالباء كهذه الآية، وكقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: 86]،، وأخرى يكون بعلى كقوله: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: 21]. وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ [فصلت: 20].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 102 أ، البغوي 4/ 266، القرطبي 9/ 245.]]: لم نعلم ما كان يصنع في ليله ونهاره ومجيئه وذهابه، وتلخيص هذا القول [[ذكره في "زاد المسير" 4/ 268 عن ابن الأنباري.]] أنهم قالوا: ما كنا لغيب ابنك حافظين، أي: كنا نحفظه في محضره، فإذا غاب عنا في الأحوال التي ينفرد فيها، استترت عنا أموره وخفيت علينا حالاته.
وقال مجاهد [[الطبري 13/ 36، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 55.]] وقتادة [[الطبري 13/ 36، وعبد الرزاق 2/ 327، وابن أبي حاتم 7/ 2123 وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 55.]] والحسن [[انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 282.]]: ما كنا نشعر أن ابنك سيسرق ويصير أمرنا إلى هذا، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به، وإنما ضمنا حفظه مما لنا إلى حفظه منه سبيل.
وقال ابن كيسان [["زاد المسير" 4/ 268، الثعلبي 7/ 102 ب.]]: لم نعلم أنك تُصاب به كما أصبت بيوسف، ولو علمنا ذلك لم نحرق قلبك ولم نذهب به.
وقال عطاء فيما رواه عن ابن عباس: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: لعله قد غاب عنا أمر ليس هو كما ظهر، وشرح هذا ما ذكره عكرمة [[الثعلبي 7/ 102 ب.]] وابن إسحاق [[الثعلبي 7/ 102 ب، و"زاد المسير" 4/ 268، والطبري 13/ 36.]].
قال عكرمة: لعلها دُسّت بالليل في رحله.
قال ابن إسحاق: معناه قد أخذت السرقة من رحله ونحن ننظر ولا علم لنا بالغيب فلعلهم سرقوه.
وقال أهل المعاني: معنى الآية: أنه يقول لإخوته ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ واشرحوا له كيف كانت الحال.
يوسف 12:82
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ قال ابن عباس [[الطبري 13/ 37.]]: يريد أهل مصر، وهذا قول عامة المفسرين وأهل التأويل [[انظر: الطبري 13/ 37، البغوي 4/ 267، القرطبي 9/ 246، "الدر المصون" 6/ 544، الزاهر 1/ 284، الرازي 18/ 190.]] أن المراد: واسأل أهل القرية، فحذف المضاف للإيجاز من غير إخلال، وقد تقدم لهذا شواهد كثيرة ونظائر عدة من الكتاب.
قال أبو علي [["الإغفال" 2/ 810، وانظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 24، الرازي 18/ 190.]]: ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضرورات، وجاحد المحسوسات في غير اللغة، وإثبات الكتاب في هذا المعنى لاشتهارها يستغنى عن ذكرها، وأنشد أبو زيد والكوفيون [[الشاهد لذي الخرق الطهوي.
انظر: "نوادر أبي زيد" 116، و"مجالس ثعلب" 76، و"اللسان" (بغم) 1/ 320، و"تذكرة النحاة" 18، و"تاج العروس" (بغم)، وبلا نسبة في "الإنصاف" ص 316، و"معاني القرآن" 1/ 62، 2/ 124، و"اللسان" (ويب) 8/ 4937، و"الإغفال" 2/ 810.]]: حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وما هِيَ وْيبَ غَيْركِ بالعَنَاقِ
أي: بغام عناق.
وقد اتسع هذا في كلام، حتى إن الشعراء قد أقاموا المضاف في بعض ما يدخله الناس، من ذلك أنشده النحويون:
يَحْمِلْنَ عَبَّاسَ بنَ عَبْدَ المُطَّلِبْ [[الرجز بلا نسبة في اللسان (نفس) 7/ 446، (وصى) 8/ 4854، و"جمهرة اللغة" 1328 وقبله:
صبّحن من كاظمة الحصين الخرب]]
يريد ابن عباس، وقول آخر [[البيت للصلتان العبدي من قصيدة يحكم فيها بين جرير والفرزدق، و"خزانة الأدب" 4/ 372، وفيه (كلاب) بدل (كليب)، و (بذّ) بدل (بزّ).]]:
أرَى الخُطَفيَّ بزَّ الفَرَزْدَقَ شِعْرَه ... ولَكِن خَيْرًا من كُليبٍ مُجَاشِعُ
أراد جرير بن الخطفي. ومثله كثير، فإذا جاز إقامة المضاف مقام المضاف إليه في هذا النحو مع أن [[في (أ): (مع الإشكال من غير أن).]] الإشكال قد يدخل في بعض الأحوال على كثير من السامعين، كان في غير هذا أجدر وأجود.
وذكر أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 268 و"الدر المصون" 6/ 544.]] في هذا وجهًا آخر وهو: أن يكون المعنى واسأل القرية والعير فإنها تعقل عنك، وتجيبك الجدران والبعران والأبنية والأخبية والعروش والسقوف، إذ كنت نبيًّا يخصك إلهك بالآيات المعجزات، وعلى هذا الآية سليمة من الإضمار والمجاز.
وابن عباس [[الطبري 13/ 37، ابن عطية 8/ 46.]] والحسن [[البغوي 4/ 267، الرازي 18/ 190، القرطبي 9/ 246 من غير نسبة.]] وقتادة [[الطبري13/ 37، وابن أبي حاتم 7/ 2183، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 55.]]: على أن المراد بالقرية مصر، وروى الكلبي عنه [[الثعلبي 7/ 102 ب، البغوي 4/ 267.]] قال: هي قرية من قرى مصر.
وقوله تعالى: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، قال ابن عباس [[قال به الطبري 13/ 37، والثعلبي 7/ 102 ب، و"زاد المسير" 4/ 268.]]: يريد أهل الرفقة التي كنا فيها: أي التي امتاروا معنا، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 102 ب.]]: وكان قد صحبهم قوم من الكنعانيين.
قال ابن إسحاق [[الطبري 3/ 37، الثعلبي 7/ 102 ب، البغوي 4/ 267.]]: عرف الأخ المحتبس أن إخوته أهل تهمة عند أبيهم لما كان من صنيعهم في أمر يوسف، فأمرهم أن يقولوا لأبيهم هذا نفيًا للظنة [[في (ب): (اللظعنة).]] عنهم.
يوسف 12:83
قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ مضى الكلام في هذا أول السورة [[(السورة) ساقط من (أ)، (ب)، (ج)، وقد سبق الحديث عنها عند قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ 18.]]، قال ابن عباس في هذه الآية: لما قدموا على أبيهم وأخبروه اشتد حزنه فقال: يا بني تذهبون وأنتم اثنا عشر وترجعون وأنتم أحد عشر، ثم تذهبون أحد عشر وترجعون عشرة، ثم تذهبون عشرة وترجعون تسعة، سبحان الله كيف هذا؟ ثم قال: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، قال المفسرون [[الطبري 13/ 37 - 38، الثعلبي 7/ 102 ب، البغوي 4/ 267، "زاد المسير" 4/ 269،الرازي 18/ 190.]] وأهل المعاني: هاهنا إيجاز وإضمار، والمعنى: فرجعوا فقالوا ليعقوب ما لَقَّنهم يهوذا، فقال يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 269.]]: لم ينسبهم يعقوب في هذا إلى الكذب والاحتيال كما نسبهم في أمر يوسف حين قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ في ابتداء السورة لكنه عني ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ إخراج بنيامين عني والمصير به إلى مصر، تقديرًا لمنفعة، فعاد من ذلك شر وضرر، وألححتم عليّ في إرساله معكم، ولم تعلموا أن قضاء الله ربما يأتي من فوقكم ويقبض على يدكم.
وقال غيره [[ذكره في "زاد المسير" 4/ 269.]]: معنى قوله هاهنا ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ خيلت لكم أنه سرق وما سرق، ومعنى قول ابن عباس: تذهبون وأنتم اثنا [[في (ج): (اثنى عشر).]] عشر، يعني حين ذهبوا بيوسف معهم وألقوه في الجب، ورجعوا أحد عشر، ثم ذهبوا أحد عشر حين أرسل معهم بنيامين إلى مصر، فعادوا تسعة؛ لأن بنيامين حبسه يوسف عنده، واحتبس بمصر الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ فعادوا تسعة.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى الله أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعني يوسف وبنيامين، والذي قال: فلن أبرح الأرض.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس [[ذكره في "زاد المسير" 4/ 269 من غير نسبة.]]: بشدة حزني ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما حكم عليّ بهذا الحزن وعظم المصيبة بابن بعد ابن.
وقال غيره: ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصدق ما يقولونه من كذبه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه.
يوسف 12:84
قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 102 ب، القرطبي 9/ 247، البغوي 4/ 267.]]: لما بلغ يعقوب خبر حبس بنيامين، تتام حزنه، وبلغ الجهد، وهاج ذلك وجده بيوسف؛ لأنه كان يتسلى بأخيه منه، فعند ذلك تولى عنهم.
قال ابن عباس [[ذكره الثعلبي 7/ 102 ب، البغوي 267، "زاد المسير" 4/ 269.]] وغيره: أعرض عنهم.
﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، الأسف: الحزن على ما فات، قال الليث [["تهذيب اللغة" (أسف) 1/ 161، و"اللسان" (أسف) 1/ 79.]]: إذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه فأنت آسف، أي: حزين ومتأسف أيضاً، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 125.]]: والأصل يا أسفي، إلا أن ياء الإضافة يجوز أن تبدل ألفاً، لخفة الألف والفتحة، ومضى الكلام في هذا وفي نداء غير ما يعقل، ومعنى ذلك في مواضع.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ مما يدل على تجدد وجده بيوسف لفقد بنيامين [[في (ب): (ابن يامين).]]، وكذلك الحزن يجر الحزن ونكاء القرح بالقرح أوجع، وقد قال متمم بن نويرة [[هو متمم بن نويرة بن جمرة بن ثعلبة بن يربوع أبو نهشل، صحابي، شاعر فحل، اشتهر في الجاهلية والإسلام، أشهر شعره رثاؤه لأخيه مالك، توفي سنة 30هـ، == انظر: "الشعر والشعراء" ص 209، والبيتان في "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 2/ 797، الحماسية (265) وفيها: (وقالوا أتبكي ..).]]: فقال أتبكى كلَّ قَبْرٍ رَأيْتَه ... لقَبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللّوَى والدَّكَادِك
فقلتُ له إنَّ الأسَى يَبْعَثُ الأسَى .... فَدَعْني [[) (فدعني) ساقط من (ج).]] فهذا كله قَبْرُ مَالِكِ
وذلك أنه رأى قبرًا فتجدد حزنه على أخيه مالك، وليم على ذلك، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى، عامة أهل العلم [[القرطبي 9/ 249، و"زاد المسير" 4/ 270، ابن عطية 8/ 50، الرازي 18/ 193.]]: على أن قول يعقوب عليه السلام: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ليس منه جزعًا مذمومًا يوجب الإثم؛ لأن الحزن مع حفظ اللسان من الشكوى من الله تعالى كاسب أجرًا وموجب مثوبة، يدل على هذا ما روي [[أخرجه ابن جرير الطبري 13/ 46 بسنده إلى ليث بن أبي سليم في هذه وغيره بأسانيد مختلفة، الطبري 13/ 46 - 48.
وأخرجه ابن أبي شيبة عن خلف بن حوشب، وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2186، وأبو الشيخ عن وهب بن منبه كما في "الدر" 4/ 56.]]: أن يوسف قال لجبريل: هل لك علم بيعقوب، قال: نعم، قال: فكيف حزنه، قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فهل له في ذلك من أجر؟ قال: نعم أجر مائة شهيد.
قال ابن عباس [[الطبري 3883، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2185، وانظر. "الدر" 4/ 56.]] في قوله: ﴿يَا أَسَفَى﴾: يا طول حزني على يوسف.
قال الحسن [[الطبري 13/ 48 وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 56.]]: كان بين خروج يوسف من حجر يعقوب إلى يوم التقى معه ثمانون عامًا، لا تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.
وقال قتادة [[الطبري 13/ 39، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 56، عبد الرزاق 2/ 327.]]: يا حزني على يوسف، وقال مجاهد [[الطبري 13/ 38 - 39، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 56، الثعلبي 7/ 102 ب.]]: يا جزعى على يوسف، قال أبو بكر: فمن بني على هذا المذهب، وجعل الأسف جزعًا وضدًا للصبر، زعم أن هذا خطيئة من يعقوب، كما روي أنه كان يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر، فقال له رجل: ما هذا الذي أراه بك، قال: طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه: أتشكوني يا يعقوب، فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي [[الطبري 13/ 46، وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2186، وأبو الشيخ عن حبيب بن ثابت كما في "الدر" 4/ 57.]].
وقوله تعالى: (﴿وَابْيَضَّتْ) [[ما بين القوسين بياض في (أ).]] عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي انقلبت إلى حال البياض، قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 156 أ، الثعلبي 7/ 103 أ، "زاد المسير" 4/ 270.]]: لم يبصر بهما ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف.
وفسر ابن عباس [[القرطبي 9/ 248، و"زاد المسير" 4/ 271.]] الحزن هاهنا: بالبكاء يريد: أن عيناه ابيضتا لكثرة بكائه، والحزن لما كان سببًا للبكاء جاز أن يسمى به، وذلك أن العين لا تبيض وإن اشتد الحزن حتى يكثر البكاء، واختلفوا في: الحُزْن وَالحَزَن، فقال قوم: الحُزْن: البكاء، والحَزَن: ضد الفَرَح.
وقال قوم: هما لغتان، يقال: أصابه حُزْنٌ شديد وحَزَنٌ شديد، وهذا مذهب أكثر أهل اللغة [["تهذيب اللغة" 1/ 807، و"اللسان" (حزن) 1/ 861، و"الاشتقاق" لابن دريد 100.]]، وروى يونس عن أبي عمرو [["تهذيب اللغة" (حزن) 4/ 364.]] قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاء كقوله: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التربة:92]، وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع فهو بضم الحاء كقوله ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾.
يوسف 12:85
قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ الآية يقال: لمَ أقسموا على هذا وهم على غير يقين منه أن ينقلب فيترك ذكره؟
قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 273.]]: لم يقسموا إلا على ما كان صحيحًا في نفوسهم، وتلخيصه: تالله تفعل ذلك عندنا، وفي تقديرنا: فحلفوا على ما تقرر عندهم بالاستدلال، على ما يجوز في معلوم الله أن يتغير.
وقوله تعالى: ﴿تَفْتَؤُاْ﴾ قال ابن السكيت [[من هنا يبدأ النقل عن الأزهري في التهذيب (فتأ) 3/ 2731.]]: يقال: ما زلت أفعله، وما برحت أفعله، وما فتئت أفعله، ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد، وقال أبو زيد: يقال: ما فتأت أذكره، أي: ما زلت، وهما لغتان: ما فتئت وما فتأت، يقال: فتئت عن الأمر فَتَأ، إذا نسيته وانْقَدَعْت عنه.
وروى [[في (ب): (روى) من غير واو. وابن هانئ هو: أبو عبد الرحمن بن محمد بن هانئ النيسابوري، ويعرف بصاحب الأخفش، توفي سنة 236 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 72، و"تهذيب اللغة" 1/ 44، و"إنباه الرواة" 2/ 131.]] ابن هاني عن أبي زيد: ما أفتأت أذكره إفتاءً، وما فتئت أذكره أفتأ فتأ [[إلى هنا انتهى النقل من الأزهري في التهذيب (فتأ) 3/ 2732، و"اللسان" (فتأ) 6/ 3337.]].
وذكر ذلك أبو إسحاق في باب الوفاق [[في (ج): (الوفات).]] [[كتاب "فعلت أفعلت" / 32.]] وحكى الكسائي [["إعراب القرآن للنحاس" 2/ 156.]]: فتئت، وفتأت، فتأ، وفتوءًا، وأنشدوا لأوس بن حجر:
فما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ... ويَلحقُ منها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ [[البيت في: "ديوان أوس بن حجر" ص 58، و"مجاز القرآن" 1/ 316، والطبري 13/ 41، و"شواهد الكشاف" ص 168، و"البحر المحيط" 5/ 326، و"الدر المصون" 6/ 546، و"زاد المسير" 4/ 272، و"الكشاف" 2/ 339، و"المعاني الكبير" / 1002، وأساس البلاغة (فتأ).]]
وقال القاسم بن معن [[هو القاسم بن معن بن عبد الرحمن النحوي القاضي توفي سنة 175 هـ تقريبًا، انظر "إنباه الرواة" 3/ 30.]]: هي بلغة أهل اليمن، وأنشد قول الأعرج المَعْنى [[البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في "زاد المسير" 4/ 272 برواية (منا).]]:
فما فِتَئَتْ منها رِعَالٌ كأنها ... رِعَالُ القطا حتى احْتَوَيْنَ بني صَخْرِ
قال النحويون [["معاني الفراء" 2/ 54، "إعراب النحاس" 2/ 156، و"الدر المصون" 6/ 546.]]: حرف النفي هاهنا مضمر على معنى: ما تفتؤ ولا تفتؤ، وجاز حذفه لأنه لو أريد الإثبات لكان باللام والنون نحو: والله ليفعلن، فلما كان بغير اللام والنون، عرف أن لا مضمر، وأنشدوا قول امرئ القيس [[صدر بيت، وعجزه:
ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
انظر: "ديوانه" ص 108، و"اللسان" (يمن)، والصناعتين ص 138، و"معاني القرآن" 2/ 540، و"الخصائص" 2/ 284، و"الخزانة" 4/ 209، 231، و"شرح المفصل" 9/ 104، والطبري 13/ 42، والقرطبي 9/ 249، و"تأويل مشكل القرآن" ص 225، و"الدرر" 2/ 43، و"الكتاب" 3/ 504، و"الأضداد" لابن الأنباري 142.]]:
فقلتُ يَمِينُ اللهِ أبْرَحُ قَاعِدًا
وقول الخنساء [["ديوانها" 125، وفيه:
فآليت آسي على هالك ... وأسأل باكية ما لها
"تهذيب اللغة" (لا) 4/ 3211، وانظر: "زاد المسير" 4/ 272، و"اللسان" (لا) 7/ 3973، و"تاج العروس" (لا) "كتاب العين" 8/ 349.]]:
فأقْسَمْتُ آسَى على هَالِكٍ ... أو أسأل نَائِحَةً مَالهَا
ومثله كثير، وهذا قول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 54.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 126.]] وابن الأنباري وجميع النحويين.
وأما المفسرون فقال ابن عباس [[الطبري 13/ 41، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2187، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 59.]] والحسن [[انظر: "تفسر كتاب الله العزيز" 2/ 283.]] ومجاهد [[الطبري 13/ 41، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 59.]] وقتادة [[الطبري 13/ 41.]] والسدي [[ابن أبي حاتم 7/ 2188.]] والكلبي [["تنوير المقباس" ص 153.]]: لا تزال تذكر، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد [[الطبري 13/ 41.]] قال: لا يفتر من ذكره.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 54، ومن هنا يبدأ النقل عن تهذيب الأزهري (حرض) 1/ 787.]]: يقال: رجل حرض وحارض، وهو: الفاسد في جسمه وعقله، فمن قال: حرض، لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث؛ لأنه بمنزلة: دفن وضنى، في أنه مصدر، قال: ولو ثنى وجمع لكان صوابًا، كما قالوا: ضيف وأضياف، ومن قال: حارض، ثنى وجمع.
وقال أبو زيد: الحرض المدنف، ومثله المحرض، وقال الأصمعي: الحرض الهالك، والمحرض المهلك [[في (أ) بياض في هذه الكلمة.]].
وقال أبو الهيثم: الحرض والمحرض: الهالك من ضنى [[في "التهذيب" 4/ 204: "الهالك مرضًا".]]، الذي لا حي فيرجى ولا ميت فيوئس منه، وقال الليث: رجل حرض، لا خير فيه، وجمعه أحراض، والفعل حرُض يحْرُض حُرُوضًا [[إلى هنا انتهى النقل عن تهذيب الأزهري (حرض) 1/ 787. وانظر: "اللسان" (حرض) 2/ 836.]].
وحكى الكسائي: حَرض بالفتح وحُرض بالضم حراضة وحروضًا، وهو حارض، وهم حارضون، وحرضة، وحرض.
قال أهل المعاني [["مجاز القرآن" 1/ 316.]]: أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب، وأنشدوا للعرجي [[البيت لعبد الله بن عمر بن عبد الله العرجي، كان ينزل بموضع قبل الطائف يقال له العرج فنسب إليه.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 381، "ديوانه" ص 5، الطبري 13/ 42، القرطبي 9/ 250، "زاد المسير" 4/ 273، "اللسان" (حرض) 2/ 836، "مجاز القرآن" 1/ 317، "الاشتقاق" 48، "السمط" ص 422، "الدر المصون" 6/ 547، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 403.]]:
إني امْرُؤ لَجَّ بي حُبٌّ فأحَرَضَنِي ... حَتَّى بَلِيت [[في (ج): (مليت).]] وحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ
وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 126.]]: الحرض الفاسد في جسمه، والحرض الفاسد في أخلاقه، وقولهم: حرَّضت فلانًا على فلان، تأويله: أفسدته.
وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 316.]]: الحرض الذي قد أذابه الحزن، هذا كلام أهل اللغة في الحرض.
وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عطاء: حتى تكون كالشيخ الفاني الذي تغير، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال [[أخرج ابن الأنباري، الطستي كما في "الدر" 4/ 59، وأخرجه الطبري 13/ 43، البغوي 4/ 268 وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2187 وأبو الشيخ نحوه كما في "الدر" 4/ 59، والثعلبي 7/ 203 ب، و"الإعجاز البياني ومسائل ابن الأزرق" لبنت الشاطئ ص 502.]]: الفاسد الدنف.
وقال مجاهد [[الطبري 13/ 43، الثعلبي 7/ 103 ب، ابن عطية 8/ 55، البغوي 4/ 268، ابن أبي حاتم 4/ 236 ب.]]: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قال: مرضًا دون الموت، وقال جويبر عن الضحاك [[الطبري 13/ 43، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم 4/ 236 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 59، والثعلبي 7/ 103 ب، وابن عطية 8/ 55 وجويبر ضعيف.]]: كالشيء البالي، وقال قتادة [[الطبري 13/ 43، الثعلبى 7/ 103 ب، ابن عطية 8/ 54.]]: هرمًا، وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 157 أ.]]: مدنفًا، وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ بضم الحاء وتسكين الراء، قال: يعني مثل عود الأشنان، ذكره ابن الأنباري بإسناده عن أبي روق [[انظر: ابن عطية 8/ 54، القرطبي 9/ 251، "الدر المصون" 6/ 548.]].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ أي: من الميتين، قاله قتادة [[الطبري 13/ 44، الثعلبي 7/ 104 أ، البغوي 4/ 268، "زاد المسير" 4/ 273، القرطبي 9/ 251، عبد الرزاق 2/ 327.]]، ومعنى الآية: أنهم قالوا لأبيهم: لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه، حتى تصير بذلك إلى مرض لا ينتفع بنفسك معه، أو تموت بالغم، وأرادوا بهذا القول كفه عن البكاء والحزن إشفاقًا عليه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 104 أ، الطبري 13/ 45.]]: لما رأى غلظتهم وعنفهم به في قولهم ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ قال لهم: إنما أشكو ما بي إلى الله تعالى لا إليكم.
قال أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (بثث) 1/ 273، و"اللسان" (بثث) 1/ 208.]]: البث: الهم الذي تفضي به إلى صاحبك. وأصله من البث وهو النشر والتفريق، يقال: بثوا الخيل في الغارة، وبث الله الخلق، وأبثثتُ فلانًا بسري إبثاثًا، أي: أطلعته عليه.
وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 317.]]: البث: أشد الحزن، والحزن أشد الهم، وقال غيره: الهم ما يستره الإنسان ويكتمه، والبث ما يبديه ويظهره؛ لأنه إذا اشتد لم يصبر على كتمانه حتى يبثه، يقال: قد أبثثتك ما في قلبي، وبثتك، إذا أطلعتك عليه، قال الشاعر [[البيت لكُثَيِّر من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز وهي في "ديوانه" ص 36 كما يلي:
أبثك ما ألقى وفي النفس حاجة ... لها بين جلدي والعظام دبيب
وذكره في "الشعر والشعراء" ص 413 ونسبه لعروة بن حزام، والبيت مختلف عن هذا وهو:
وإني لتعروني لذكراك روعة ... لها بين جلدي والعظام دبيب]]:
أبثّكَ ما ألْقَى وفي النَّفْسِ حَاجَةٌ ... لها بَيْنَ لَحْمِي والعِظَامِ دَبِيبُ
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم من خبر سلامة يوسف ما لا تعلمون أنتم، قال الكلبي عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 275، و"تنوير المقباس" 153، وأخرجه ابن أبي حاتم 7/ 2189، عن النصر بن عربي كما في "الدر" 4/ 60.]]: وذلك أن ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف فيما قبضت من الأرواح؟ قال لا يا نبي الله، وقال ابن عباس [[الطبري 13/ 45، و"زاد المسير" 4/ 275، وابن أبي حاتم 7/ 2189، كما في "الدر" 4/ 60، الثعلبى 7/ 105 أ.]]: وأعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني [[في (ج): (وأنا).]] وأنتم سنسجد له.
قال ابن الأنباري: وهذا يدل على أن يعقوب كان يزيد عليهم في علم العبارة ويصل من حقائقها إلى حيث لا يبلغون ولا يصلون، هذا قول مقاتل ابن سليمان [["تفسير مقاتل" 157 أبنحوه.]].
وقال عطاء عن ابن عباس [[) "زاد المسير" 4/ 275 ونسبه إلى عطاء.]]: وأعلم من رحمة الله وقدرته ورأفته على أوليائه ما لا تعلمون.
وقال قتادة [[الطبري 13/ 46، وابن أبي حاتم 7/ 2187، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 60، والقرطبي 9/ 251.]]: أعلم من اختيار الله عَزَّ وَجَلَّ لي ما يوجب حسن ظني.
يوسف 12:86
وقوله تعالى [[(تعالى) ساقط من (ب).]]: ﴿أَشْكُو [[في (ب): (وأشكو) بزيادة واو خلاف ما عليه الآية.]] بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء.
وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ذكرنا الكلام في الكظم عند قوله ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134] مستقصى، والكظم هاهنا يجوز أن يكون بمعنى الكاظم، وهو الممسك على حزنه فلا يظهره ولا يشكوه.
قال ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 228.]]: يدل عليه قول قتادة [[الطبري 13/ 40، وعبد الرزاق 2/ 327، وابن المبارك وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2187، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 57، والثعلبي 7/ 103 أ.]] قال: كظيم على الحزن، لا يقول بأسًا، قد شد فاه على الحزن في قلبه، فليس يتكلم بسوء، وفي ذلك يقول الشاعر [[هو قيس بن زهير، والبيت من الوافر، وابن الأنباري في "الوقف والابتداء" 1/ 87، وانظر: "الدر" 4/ 57، القرطبي 9/ 249، و"النكت والعيون" 3/ 70.]]: فإنْ أكُ كَاظِمًا لمُصَابِ شَاس ... فإني اليَوْمَ منْطَلِقٌ لِسَاني
ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم، وهو المسدود عليه طريق حزنه فلا، يتكلم بنفثة مصدور، يدل عليه قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [[في النسخ بزيادة "ربه" خلاف ما عليه الآية.]] [القلم: 48]، قال ابن عباس [["الوقف والابتداء" لابن الأنباري 1/ 87.]] في هذه الآية: فهو مغموم مكروب، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 125.]]: محزون.
يوسف 12:87
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ الآية، قال السدي [[الثعلبي 7/ 105 ب، "زاد المسير" 4/ 275، البغوي 4/ 270، القرطبي 9/ 251.]]: لما أخبره بنوه بسيرة الملك وقوله، طمع يعقوب أن يكون يوسف، فلذلك قال لبنيه: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، (وقيل: [[الثعلبي 7/ 105، القرطبي 9/ 252.]] إنه رأى ملك الموت في المنام، فأقسم والله ما قبضت روح يوسف) [[ما بين القوسين مكرر في (أ)، (ج).]]، فاطلبه من هاهنا، وأشار إلى ناحية مصر، فلذلك قال: تحسسوا من يوسف، والتحسس: تطلب الشيء بالحاسة.
قال أبو معاذ [["اللسان" (حسس) 1/ 872، تهذيب 1/ 818، وأبو معاذ هو الفضل بن خالد المروزي الباهلي مولاهم إمام نحوي لغوي مقرئ، توفي سنة 211 هـ، انظر: "معجم الأدباء" 16/ 214، و"غاية النهاية" 2/ 9، و"طبقات المفسرين" للداودى 2/ 32.]]: التحسس: شبه التسمع والتبصر.
وقال أبو عبيد [[انظر: "غريب الحديث" 2/ 392.]]: تحسست الخبر: بحثته وطلبته لأخذه، ومن هذا يقال: أحس الخبر أي: علمه ووجده، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 105ب، و"تنوير المقباس" ص 153.]]: يريد يبحثوا عن يوسف.
قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 276.]]: يقال: تحسست عن فلان، ولا يقال: من فلان، وقيل هاهنا "من يوسف" لأنه أقيم مقام "عن"، كما قال العرب: حدثني فلان من فلان، يعنون: عن فلان، ويجوز أن "من" أوثرت للتبعيض، والمعنى: تحسسوا خبرًا من أخبار يوسف، واستعملوا بعض أخبار يوسف فأوثرت "من" لما فيها من الدلالة على التبعيض.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ قال الأصمعي [["تهذيب اللغة" (روح) 2/ 1313.]]: الروح الاستراحة من غم القلب، وقال أبو عمرو [["زاد المسير" 4/ 276.]]: الروح الفرج، والروح ما يجده الإنسان من نسيم الهوى فيسكن إليه.
وقيل في قوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ الواقعة: 89، الروح: الرحمة، وقال أهل اللغة [[انظر: "مقاييس اللغة" 2/ 454، و"اللسان" (روح) 3/ 1766، و"تهذيب اللغة" (راح) 2/ 1313.]] ما يتركب [[في (ب): (ما تركب).]] من الراء، والواو والحاء كثير، والأصل في ذلك كله الحركة والاهتزاز، فكل ما يهتز الإنسان له ويلتذ بوجوده فهو روح.
قال ابن عباس في رواية عطاء [["زاد المسير" 4/ 276.]]: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ يريد من رحمة الله، وهو قول قتادة [[الطبري 13/ 49، عبد الرزاق 2/ 328، ابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2195، أبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، الثعلبي 7/ 105 ب، القرطبي 9/ 252.]] والضحاك [[الطبري 13/ 49، الثعلبي 7/ 105 ب، "زاد المسير" 4/ 276، القرطبي 9/ 252.]] والكلبي [["تنوير المقباس" ص 153، ويشهد لهذا المعنى قراءة أبي "من رحمة الله" البحر 5/ 339.]].
وروى معمر عن قتادة [[الرازي 18/ 199، عبد الرازق 2/ 328.]]: من فضل الله.
وقال ابن زيد [[الطبري 13/ 49، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، والثعلبي 7/ 105 ب، و"زاد المسير" 4/ 276، والقرطبي 9/ 252، وابن أبي حاتم 7/ 2190 عن ابن إسحاق.]]: من فرج الله، ولا تيأسوا من الروح الذي يأتي به الله.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس [[الرازي 18/ 199.]]: يريد أن المؤمن من الله على خير يرجوه في الشدائد، ويشكره ويحمده في الرخاء، وأن الكافر ليس كذلك.
يوسف 12:88
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ قال أهل اللغة [[انظر: الطبري 13/ 49، الثعلبي 7/ 106 أ، البغوي 4/ 271، ابن عطية 8/ 60، "زاد المسير" 4/ 277، القرطبي 9/ 252.]]: التأويل في الكلام متروك يستدل عليه، والتقدير: فخرجوا إلى مصر فلما دخلوا عليه، أي: على يوسف ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ﴾ أي: أصابنا ومن يختص بنا الجوع والحاجة، {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزجَنةٍ} معني الإزجاء في اللغة [["تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1511، و"اللسان" (زجا) 3/ 1815.]]: السَّوْق [[في (ب): (السرق).]] والدفع قليلاً قليلا، ومثله: التزجية، يقال: الريح يزجي السحاب، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور: 43]، والبقرة تُزَجّى ولدها: اى تسوقه، قال
وأمّ عَيْنَاء تُزَجِّي معها إِزْجَاء [[من الرجز، ولم أقف عليه.]]
وزجيت فلانًا، بالقول أي [[(أي) ساقط من (ب).]]: دافعته.
وقال [[البيان من الرجز، وهما بلا نسبة في تهذيب (زاج) 2/ 1511، "واللسان" (زجا) 3/ 1815 برواية (داجيته).]]:
وصَاحِبٍ ذِي غِمْرةٍ زاجَيْتُه ... زَجَّيْتُه بالقَوْلِ وازدَجَيْته
وفلان يزجِّي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي به، يقال [["تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1511.]]: زاجيت أيامي وزجّيتها أي: دافعتها بقوت قليل، وفلان يتزَجَّى باليسير، أي: يقنع، وأنشد الليث [[الرجز بلا نسبة وهو كما يلي:
تزج من دنياك بالبلاغ
وباكر المعدة بالدِّباغ
بكسرة جيِّدة المضاغ
بالملح أو ما خف من صباغ
وهو في "اللسان" (زجا) 3/ 1815، (بلغ) 1/ 346، (صبغ) 4/ 2395، و"تاج العروس" (بلغ) 12/ 8، (صبغ) 12/ 40، (وضع) 11/ 516، وأساس البلاغة (زجى).]]:
تَزَجَّ من دُنْيَاكَ بالبَلَاغِ بكسْرَةٍ لينةِ المِضَاغِ
بالمِلْحِ أو ما جَفَّ في الصِّبَاغِ
هذا معنى الإزجاء في اللغة، قال ابن عباس [[الطبري 13/ 50، وأبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، الثعلبي 7/ 106 أ، و"زاد المسير" 4/ 278، والقرطبي 9/ 253.]]: كانت دراهم رديئة زيوفًا لا تنفق في ثمن الطعام، هذا قوله في رواية عكرمة وباذان، وفسر في رواية عطاء كيف كانت الدراهم فقال [[القرطبي 9/ 253، الرازى 18/ 201.]]: وذلك أن دراهم مصر كانت يضرب فيها صورة يوسف، والتي جاءوا بها ليست فيها صورة يوسف، فهي أدنى لا تجوز مجاز تلك، وهذا قول سعيد بن جبير [[ذكره الطبري 13/ 51 بسنده عن سعيد بن جبير وعكرمة ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ قال سعيد ناقصة، وقال عكرمة: دراهم فسول، وانظر الطبري 13/ 51، وابن أبي حاتم 7/ 2192.]]: أنها كانت دراهم فُسُولا، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 55.]]: قال قدموا مصر ببضاعة فباعوها بدراهم لا تنفق في الطعام بسعر الجياد.
وروى سعيد عن قتادة [[الطبري 13/ 52، عبد الرزاق 2/ 328.]]: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاة﴾ قال يسيرة، وقال عبد الله بن الحارث [[الطبري 13/ 52.]]: قليلة، وهو قول الحسن [[الطبري 13/ 52، وابن عطية 8/ 62، وابن أبي حاتم 7/ 2192، و"البحر" 5/ 340، الرازى 18/ 201.]] والكلبي [[البغوي 4/ 272 من غير عزو.]] ومجاهد [[الطبري 13/ 52، و"زاد المسير" 4/ 277.]] في رواية عبد الوهاب، وابن عباس [[البخاري "فتح" 8/ 208.]] في رواية ابن جريج، عن محمد بن المرتفع قال: قليلة خلف الغرارة [[الغرارة: الجُوَالق، واحدة الغرائر. "تهذيب اللغة" 3/ 2651، و"اللسان" 6/ 3236.]] والحبل، ونحو هذا قال إبراهيم [[الطبري 13/ 53.]] وابن زيد [[الطبري 13/ 53.]].
ثم اختلفوا في هذه البضاعة الرديئة القليلة أيش كانت، وذكرنا قول ابن عباس فيها في رواية ابن جريج ومثله روى عنه ابن أبي مليكة [[الطبري 13/ 50، وعبد الرزاق 2/ 328، وسعيد بن منصور وابن أي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 64، والثعلبي 7/ 106 أ.]] وهو قول ابن زيد.
وقال الحسن [[الثعلبي 7/ 106 ب، و"زاد المسير" 4/ 277.]]: كانت إقطًا، وقال عبد الله بن الحارث [[الطبرى 13/ 51، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، والثعلبي 7/ 106 أ، وابن عطية 8/ 62، و"زاد المسير" 4/ 277.]]: السمن والصوف كمتاع الأعراب، وقال جويبر عن الضحاك [[الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، "زاد المسير" 4/ 277، القرطبي 9/ 253.]]: النعال والأدم.
وقال مقاتل بن حيان [[الثعلبى 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272.]]: حبة الخضراء [[الحبة الخضراء هي الفستق، و"البحر المحيط" 5/ 340.]]، والضوبر، وهو قول الكلبي [[الطبري 13/ 51 عن أبي صالح، ابن أبي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ عنه أيضًا كما في "الدر" 4/ 62، الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، "تنوير المقباس" ص 153.]].
واختلف أهل المعاني: لِمَ سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة؟ فقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 127.]]: من قولهم: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفى به، والمعنى على هذا: أنا جئنا ببضاعة إنما يُدافع بها ويتقوت ليست مما يتسع به، وعلى ما ذكر يجب أن يكون التقدير ببضاعة مزجاة بها الأيام.
وقال أبو عبيد [[الرازي 18/ 201، و"زاد المسير" 4/ 278، ونسبه إلى أبي عبيدة، ولم أجده في "مجاز القرآن".]]: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة؛ لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها، قال: وهي من الإزجاء، والإزجاء عند العرب: السَّوْق والدَّفْع، وأنشد [[نسبه الطبري 13/ 50 إلى حاتم، وعلق محمود شاكر بقوله: ليس في ديوانه، وأنشده ابن بري غير منسوب "اللسان" (رمل) 3/ 1735، والظاهر أن الشعر لحاتم؛ لأن (ملحان) هوابن عمه -ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي- وكنت وقفت على أبيات من هذا الشعر، ثم أضعتها اليوم.
انظر: "ديوانه" 86، و"الزاهر" 2/ 97، و"السان" (رمل) 3/ 1735، وابن عطية 8/ 61، و"البحر المحيط" 5/ 340، و"الدر المصون" 6/ 550، و"زاد المسير" 4/ 278.]]:
ليَبْكِ على مِلْحَانَ ضَيْفٌ مُدَفَعٌ ... وأرْمَلة تُزْجِي مع اللَّيلِ أرْمَلا
أي: تدفع وتسوق، وقال غيره [[الرازي 18/ 202، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 456.]] (بضاعة مزجاة) مؤخرة مدفوعة عن الإنفاق، لا ينفق [[(لا ينفق) ساقط من (أ)، (ج).]] مثلها إلا من اضطر واحتاج إليها، لفقد غيرها مما هو أجود منها.
وقال الكلبي [[و [[في (أ)، (ج): (لا يدرون).]] و [[الطبري 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، الرازي 18/ 202.]] الرازى 18/ 202.]]: مزجاة لغة العجم.
قال الهيثم بن عدي (¬2): هي من لغة القبط.
قال الأنباري (¬3): لا ينبغي أن يجعل حرف عربي معروف المباني والاشتقاق والتصرف منسوبًا إلى القبط ودونهم؛ إذ كلام أولئك يدور [[الطبري 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، ابن عطية 8/ 63.]] على ألسنة العرب، ولا يتصرف على مباني كلامهم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ قال المفسرون [["زاد المسير" 4/ 278.]]: سألوه مساهلتهم في النقد وإعطائهم بدراهمهم مثل ما يعطى بغيرها من الجياد، إذ كانوا قد باعوا بها متاعهم في مدينته، فسألوه أن يأخذها منهم ولا ينقصهم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أكثر المفسرين [[الطبرى 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، ابن عطية 8/ 63، البغوي 4/ 272، "زاد المسير" 4/ 279، القرطبي 9/ 254.]] على أن هذا التصدق معناه: المسامحة بما بين الثمنين، وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد، وعلى هذا سمي ذلك تصدقًا؛ لأن الذي سألوه كان مُشْبهًا للتصدق، وليس هو تصدقًا على ما يسبق إليه الظن، قاله أبو بكر (¬7)، وعلى هذا لا تدل الآية على أن الصدقة كانت تحل لهم، واستدل سفيان بن عيينة (¬8) على أن الصدقة كانت حلًّا للأنبياء قبل نبينا محمد عليه السلام بهذه الآية، وعلى قول سفيان: سألوه أن يتصدق عليهم بشيء زيادة على ما يستحقونه ببضاعتهم المزجاة، وقول العامة: أشبه بحال الأنبياء وأولاد الأنبياء؛ إذ هم يأنفون عن الخضوع للمخلوقين، ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغناء بأقسامه [[قلت: وهذا هو الراجح أنهم لم يقصدوا الصدقة التي حُرمت على الأنبياء قال ابن عطية 8/ 63 عن قول سفيان: وهذا ضعيف يرده حديث النبي ﷺ في قوله: "نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة". وانظر: الرازي 18/ 202.]]، وروي عن الحسن [[الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، القرطبي 9/ 255، الرازي 18/ 202.]] ومجاهد [[الطبري 13/ 54، وأبو عبيد وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 62، الرازي 18/ 202.]]: أنهما كرها أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق عليّ؛ لأن الصدقة ممن يبتغي الثواب. والتصدق إعطاء الصدقة، فالمتصدق المعطي، وأجاز الليث [[الرازي 18/ 202، وانظر: "تهذيب اللغة" (صدق) 2/ 1991.]] أن يقال: للسائل متصدق، وأبى ذلك أهل اللغة [["تهذيب اللغة" 2/ 1991 (صدق).]].
يوسف 12:89
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 107 أ، البغوي 4/ 271 عن عبد الله بن زيد بن أبي فروة، "زاد المسير" 4/ 279.]]: كان يعقوب قد كتب إلى يوسف كتابًا برد ابنه عليه لما حبسه عنده بعلة السَّرق، وذكر فيه قصته ومحبتهن، فلما قرأ الكتاب ارتعدت مفاصله، واقشعر جلده، ولسان قلبه، وأرخى عينيه بالبكاء، وعيل صبره، ولم يتمالك نفسه فباح بما كان يكتم.
وقال السدي [[الطبري 13/ 54.]] وابن إسحاق [[الطبري 13/ 54، الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، ابن عطية 7/ 65، "زاد المسير" 4/ 279.]]: لما قالوا له ما قالوا في الآية الأولى، رحمهم وأدركته الرقة فدمعت عينه فقال لهم: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ} وهذا استفهام يتضمن التذكير بحال يقتضي توبيخهم عليه، قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 279، و"الدر المصون" 6/ 551.]]: هذا الاستفهام يعني به تعظيم القصة، وتلخيصه: ما أعظم ما ارتكبتم من يوسف، وما أسمج ما أتيتم من قطيعة رحمه وتضييع حقه، كما تقول: هل تدري من عصيت؟ هل تعرف من عاديت؟ قال صاحب النظم: هذه الآية تصديق قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ في غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: 15].
وقوله تعالى: ﴿وَأَخِيهِ﴾ يعني: ما فعلوا به من تعريضه للغم وإدخالهم الجزع والحزن عليه بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه، ولم يذكر أباه يعقوب مع عظيم ما دخل عليه من الهم بفراقه، كما ذكر أخاه، تعظيمًا للأب ورفعًا من قدره، وعلمًا بأن ذلك كان بلاءً من الله له ليزيد في درجته عنده.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ قال ابن عباس: آثمون، قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 280.]]: أراد أنتم تعقون أباكم، وتقطعون رحم أخيكم، جهلًا منكم، وروي عنه [["زاد المسير" 4/ 280، القرطبي 9/ 256، الثعلبي 7/ 107 ب.]]: إذ أنتم صبيان، وعن الحسن [[القرطبي 9/ 256، الثعلبي 7/ 107 ب.]]: شبان، وعلى هذا يعني جهالة الصِّبا والشباب [[في (أ)، (ج): (والشباب).]].
وقال أهل المعاني: هذا يقتضي أنهم الآن على خلاف تلك الحال، لأنه أخبر عما كانوا عليه في ذلك الوقت من الجهالة.
يوسف 12:90
قول تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرأه أكثر [[قرأ جميع القراء بالاستفهام، غير ابن كثير فقرأ: (إنك لأنت يوسف) على الخير، واختلفوا في الهمز، فكان حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر يهمزون همزتين (أئنك) والباقون يهمزون همزة واحدة.
انظر: "السبعة" ص 351، "إتحاف" ص 267، الطبري 13/ 55، ابن عطية 8/ 66.]] القراء بالاستفهام، في قراءة [[الطبري 13/ 55، ابن عطية 8/ 66، و"البحر" 5/ 342، و"المحتسب" 1/ 349.]] أبي: أو أنت يوسف، وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس [[الثعلبي 7/ 108 أ، و"زاد المسير" 4/ 281، البغوي 4/ 273، القرطبي 9/ 256.]]: أن يوسف قال لهم: (هل علمتم) الآية، ثم تبسم فلما أبصروا ثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف فقالوا له استفهامًا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ ويدل على صحة الاستفهام قوله تعالى: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ وإنما أجابهم عما استفهموا عنه، وقرأ ابن كثير: إنك على الخبر، وحجته ما روى عطاء عن ابن عباس (¬3): أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان له في قرنه علامة، وكان ليعقوب وإسحاق مثلها شبه الشامة، فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة، فقالوا: إنك لأنت يوسف، (وقال ابن إسحاق [[الطبري 13/ 55، و"زاد المسير" 4/ 281.]]: رفع الحجاب فعرفوه فقالوا: إنك لأنت يوسف) [[ما بين القوسين مكرر في (أ).]]، ويجوز [[من هنا يبدأ النقل عن كتاب "الحجة" 4/ 447.]] أن يكون ابن كثير أراد: الاستفهام ثم حذفه، كما قال أبو الحسن في قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ [["الشعراء" 22.]] أنه على الاستفهام كأنه أو تلك؛ لأن حرف الاستفهام قلَّ ما يحذف [[إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 447.]] في غير الشعر.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 281.]]: أظهر الاسم وترك الكناية، فلم يقل: أنا هو، تعظيمًا لما وقع به من ظلم إخوته وما عوضه الله من الظفر وبلوغ المحبّة، فكان بمعنى: أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله، فكفى ظهور الاسم من [[في (أ)، (ج): (وهذه).]] هذه المعاني ولهذا قال: وهذا أخي، وهم يعرفونه؛ لأن قصده وهذا المظلوم كظلمي، والمنعم عليه كإنعامي، وقد ذكرنا قبل هذا أن العرب إذا عظمت الشيء أعادته ولم تُكَنَّ عنه كقوله [[سبق تخريجه.]]:
لا أَرَى المَوْتَ يسبق المَوْت شَيء
وقوله تعالى: ﴿قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا﴾ قال ابن عباس [[الرازي 18/ 204، و"زاد المسير" 4/ 280.]]: يريد بكل خير في الدنيا والآخرة، وقال آخرون [[الثعلبي 7/ 108 أ، و"زاد المسير" 4/ 281.]]: بالجمع بيننا بعد التفرقة، وذكرنا معنى المن عند قوله: ﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: 262].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 282، القرطبي 9/ 256.]]: يريد: من يتق الله ويصبر على المصائب وعن المعاصي، قال ابن الأنباري: تلخيصه: من يراقب الله ويصبر على الأذى في ذاته، وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 157 أ.]]: من يَتَّقِ الزنا ويصبر على الأذى، وقال إبراهيم [[الثعلبي 7/ 108أ، و"زاد المسير" 4/ 281.]]: من يتق الزنا ويصبر على العزوبة فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 282.]]: يريد أجر من كان هذا حاله، وتأويله: فإن الله لا يضيع أجره وأجور الفاعلين مثل فعله، وروي عن ابن كثير في طريق قنبل [[انظر: "السبعة" ص 351، و"إتحاف" 267، وابن عطية 8/ 67.]]: أن (من يتقي) بإثبات الياء.
قال أبو علي [["الحجة" 4/ 448 - 449 بتصرف.]]: وله وجهان أحدهما: أن تقدر الحركة في الياء، ثم تحذفها، فتبقى ساكنة للجزم كقوله [[سبق تخريجه.]]:
ألَمْ يَأتِك والأنْبَاءُ تَنْمِي
ولا يحمل على هذا لأنه مما يجيء في الشعر دون الكلام، والآخر: أن يجعل بمنزلة الذي لا يوجب الجزم، ويحمل المعطوف على المعنى؛ لأن الذي يتقي بمعنى الجزاء الجازم كأنه من يتق، والحمل على المعنى كثير، وقد ذكرنا نظائره، ويجوز على هذا الوجه أن يكون: (ويصبر) في موضع الرفع إلا أنه حذفت الضمة للاستحقاق كما حذف نحو: عَضُد وسجُع، وجاز هذا في حركة الإعراب جوازه في حركة البناء، كما زعم أبو الحسن أنه سمع: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ﴾ [[بإسكان اللام من (رسلنا) وقرأ بها حمزة ويعقوب، و"إتحاف" ص 387، و"البدور الزاهرة" 351.]] [الزخرف: 85]، وكقراءة من قرأ: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ [[قرأ حفص بإسكان القاف وكسر الهاء، انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 503.]] [النور: 52] بجزم القاف [[إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 448 - 449 بتصرف.]]، وذكر ابن الأنباري وجهًا آخر وهو: أن الياء في (يتقي) ليست لام الفعل، بل هي ياء مزيدة مختلسة تدغم بها كسرة القاف، ونظير هذه القراءة قراءة حمزة [[انظر: "الغاية" لابن مهران 258، و"السبعة" ص 421، و"التيسير" / 152، و"النشر" 3/ 184، و"إتحاف" ص 306.]] ﴿لا تَخَفْ دركا﴾ بالجزم و ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77] بالرفع، وهناك تشرح المسألة إن شاء الله.
يوسف 12:91
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ الأصمعي [[كذا في جميع النسخ ولعل (قال) ساقطة. انظر: "تهذيب اللغة" (أثر) 1/ 120.]]: آثرتك إيثارًا، أي: فضلتك، وفلان أثير عند [[في (أ)، (ب)، (ج): (عندنا) بزيادة (نا)، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 120.]] فلان وذو أثره، إذا كان خاصًا به، قال الليث: وهو الذي يؤثره بفضله وصلته.
قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 257، "زاد المسير" 4/ 284، بدون نسبة كما في البغوي 4/ 274.]]: لقد فضلك الله علينا.
قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 108 أ، الرازي 18/ 204.]]: أي بالعلم والحلم والعقل والفضل والحسن والملك، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 282، القرطبي 9/ 257، الثعلبى 7/ 108 أ.]]: لمذنبين، وقال غيره: لآثمين في أمرك، والمعنى: وما كنا إلا خاطئين.
وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 282.]]: ويجوز أن يكون (خاطئين) بمعنى: مخطئين، وهو اختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 128.]]، وأنشد [[صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه:
القاتلين الملك الحلاحلا
والحلاحل: القوي الشديد، و"الديوان" / 136، و"مجاز القرآن" 1/ 318، وفي "الشعر والشعراء" ص 51، و"اللسان" (حلل) 2/ 979، و"تهذيب اللغة" (حلل) 1/ 906 نفسي بدل هند.]]:
يالَهْفَ هند إذْ خَطِئْنَ كاهِلا
بمعنى: أخطأن، وذكرنا الكلام في: خطئ وأخطأ، عند قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: 81]، وقوله: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقر ة: 286].
يوسف 12:92
قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ الآية، روى ثعلب عن ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (ثرب) 1/ 476، و"اللسان" (ثرب) 1/ 475.]]: الثارب الموبخ، يقال: ثرب، وثرّب، وأثرب إذا وبخ.
ومنه الحديث [[الحديث أخرجه البخاري (2152) كتاب البيوع، باب بيع العبد الزاني، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "إذا زنت الأمة فتبين زناها، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر" وبلفظ "ولا يثرب عليها" (ح 2233) كتاب البيوع، باب: بيع الرقيق، وأطرافه في (ح 2234، 2555، 6837، 6839)، وأخرجه مسلم (ح 1703) كتاب الحدود، باب رجم اليهود، وأهل الذمة، في الزَّنا، وأحمد في "مسنده" 2/ 249.]]: "إذا زنت أمة أحدكم فليضربها الحد ولا يثربها" أي: ولا يعيرها بالزنا، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 128.]]: معناه: لا إفساد عليكم، وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 318. والسياق يوهم أن البيت أورده أبو عبيدة، ولم أجده في "مجاز القرآن".]]: معناه: لا شغب ولا معاقبة ولا إفساد، وأنشد [[القائل بشر بن أبي خازم وهو في ملحق "ديوانه" ص 229 برواية عجزه:
أولى لهم بعقاب يوم سرمد
أوله في "اللسان" (ثرب) 1/ 475، ونسب لتبع في "اللسان" (ولى) 8/ 4924، وكتاب "العين" 7/ 219، و"أساس البلاغة" (ثرب) / 44، وقيل هو لتبع.]]: فَعَفَوْتُ عنهم عَفْوَ غَيْرِ مُثَرَّبِ ... وتركْتُهُم لعِقَابِ يومٍ سَرْمدِ
وروى ابن الأنباري عن أبي العباس [["تهذيب اللغة" (ثرب) 1/ 476.]]: ثرب فلان على فلان، إذا عَدَّد عليه ذنوبه.
قال ابن عباس: يريد لا لوم عليكم، وقال محمد بن إسحاق [[الطبري 13/ 56.]]: لا [[(لا): ساقط من (ب).]] تأنيبَ عليكم، وقال سفيان [[الطبري 13/ 56.]]: لا تعيير عليكم.
وقال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 153، و"زاد المسير" 4/ 282.]]: يقول لا أعيركم بعد اليوم بهذا أبدًا.
فإن قيل: لِمَ خص اليوم ونيته العفو وترك التوبيخ أبدًا؟.
قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 282 بنحوه.]]: إن يوسف لما قدم توبيخهم، وعدَّدَ عليهم قبيح ما فعلوا، وهو يستر عنهم نفسه، قال لهم عند تبين أمره لهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: قد إنقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب، فكان ذكر اليوم دلالة على انقطاع التأنيب، وعلى أن ما بعده من الأيام يجري مجراه، واليوم قد يذكر ويراد به: الحين والزمان، كقول امرئ القيس:
فاليوم أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِب ... إثمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ
ليس يريد يومًا بعينه، قال [[أي أبو بكر.]]: ويجوز أن يكون المعنى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ ألبتة ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فتعلق اليوم بالغفران وتناول: غفر الله لكم اليوم، قال: وفيه ضعف، إذ الدعاء لا ينصب قبله، وهو على ما فيه محتمل، من قبل أن لفظ (يغفر) لفظ الخبر إذ عرى من الجزم وعوامله فينصرف منصوبه عليه كما ينصرف على الأفعال المرفوعة في الأخبار، وهذا الذي ذكره أبو بكر مذهب الأخفش [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 593.]]، فإن عنده يجوز الوقف على قوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 283.]]: جعلهم في كل حل، وسأل الله لهم المغفرة، وأخبر أن الله أرحم بأوليائه من الوالدين بولدهما.
يوسف 12:93
قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ الآية، قال المفسرون [[الطبري 13/ 57، الثعلبي 7/ 108 ب، البغوي 4/ 274، "زاد المسير" 4/ 283.]]: لما عرفهم يوسف نفسه، سألهم عن أبيه فقال: ما فعل أبي بعدي؟ فقالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه، فقال لهم: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾.
وكان من شأن ذلك القميص ما أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن بن أبي حامد العدل [[لم أجده بهذه الكنية وفي "الوسيط" 2/ 361، ذكره باسمه أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر، فلعل المراد به محمد بن أحمد بن جعفر، أبو حسان الزكي، شيخ التزكية والحشمة بنيسابور، ثقة مشهور بالفضل كان فقيهًا صالحاً خيرًا، حدث عن محمد بن إسحاق المنبعي، وابن نجيد، والطبقة مات سنة 423 هـ، وسبق من شيوخه "السير" 17/ 596، انظر: "شذرات الذهب" 3/ 250، و"المنتخب" / 34.]] رحمه الله، أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه [[هو زاهر بن أحمد بن محمد بن عيسى، أبو علي السرخسي، الفقيه المقرئ، المحدث، إمام من الأئمة، قال الحاكم: شيخ عمر بخرسان، توفي سنة 389 هـ، انظر: "وفيات الأعيان" 3/ 293، و"العبر" 3/ 43، و"اللباب" 3/ 285.]]، أخبرنا أبو لبابة محمد بن المهدي [[هو أبو لبابة محمد بن المهدي بن عد الرحيم الميهني الأبيوردي، روى عن عمار بن الحسن كتاب المغازي، انظر: "تهذيب الكمال" 21/ 186.]]، حدثنا عمار بن الحسن [[هو عمار بن الحسن بن بشير الهمداني، أبو الحسن الرازي، نزيل نسأ، ثقة وثقه النسائي وغيره مولده 159 هـ، وتوفي 242 هـ؛ انظر: "تهذيب الكمال" 21/ 186، و"الثقات" لابن حبان 8/ 517.]]، حدثنا شجاع بن أبي نصر [[شجاع بن أبي نصر البلخي، أبو نعيم المقرئ، قال أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا شجاع بن أبي نصر، وكان صدوقًا مأمونًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، انظر: "التهذيب" 2/ 153.]]، عن عباد بن كثير [[عباد بن كثير الثقفي، البصري العابد، نزيل مكة، وروى عن يحيى بن أبي كثير، وثابت وأبي عمران الجوني وعنه إبراهيم بن أدهم وأبو نعيم، قال البخاري تركوه، وقال ابن معين: ليس بشيء.
انظر: "التهذيب" 2/ 280 - 281، و"ميزان الاعتدال" 3/ 85 - 89، و"السير" 7/ 106.]] عن إسحاق [[إسحاق بن عبد الله بن صاحب رسول الله ﷺ أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري الخزرجي، البخاري المدني الفقيه، أحد الثقات، سمع من عمه أنس بن مالك وغيره. كان مالك يثني عليه، ولا يقدم عليه أحدًا، توفي سنة 132 هـ، وقيل 134 هـ روى له الجماعة.
انظر: "التهذيب" 1/ 122 - 123، وثقات ابن حبان 4/ 23، و"السير" 6/ 336 فالحديث منكر لوجود عباد بن كثير في إسناده.]] بن عبد الله بن أبي طحة، عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: "أما قوله ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾، فإن نمرود الجبار لما ألقى إبراهيم في النار، نزل إليه جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأقعده علي الطنفسة وقعد معه يحدثه، فكسا إبراهيم ذلك القميص إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب، وكساه يعقوب يوسف، فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه، وألقي في الجب والقميص في عنقه"، فذلك قوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ الآية [[قال القرطبي 9/ 259: ذكره القشيري.]].
ونحو هذا قال عامة المفسرين، قال ابن عباس [[أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس نحوه كما في "الدر" 4/ 65، وأخرج ابن أبي حاتم 7/ 2196، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب نحوه كما في "الدر" 4/ 65، وفي إسناده الحسن بن يحيى الخشني وهو ضعيف.]]: أخرجه لهم قصبة من فضة كانت في عنقه لم يعلم بها إخوته فيها قميص، وهو الذي نزل به جبريل من الجنة على إبراهيم، وذكر القصة، وقال مجاهد [[الثعلبي 7/ 109 أ، البغوي 4/ 275، القرطبي 9/ 258.]]: أمره جبريل أن أرسل إليه بقميصك، فإن ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا صح وعوفي، وقال الحسن [[القرطبي 9/ 259.]]: لولا أن الله أعلمه لم يدر أنه يرجع إليه بصره.
قال أهل المعاني [[نسبه الرازي 18/ 206 للمحققين، ولم أعثر عليه في كتب المعاني المتداولة.]]: ويجوز أن يكون قد أوحي إليه أن إلقاء قميصه على وجه أبيه يكون سببًا لإبصاره، وزوال العمى عن عينه، فأرسل إليه بقميص له، وقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قال ابن عباس [[انظر: الرازي 18/ 206، ذكره بدون نسبه كما في البغوي 4/ 274.]]: يريد بصيرًا ويذهب البياض الذي على عينيه، وقال السدي [[الطبري 13/ 57.]]: يعد بصيرًا، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 55.]]: يرجع بصيرًا، وقيل [[الثعلبي 7/ 109أ.]]: أراد يأتني بصيرًا، وكان قد دعاه: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال الكلبي [[الرازي 18/ 207، و"زاد المسير" 4/ 283.]]: وكان أهله نحوًا من سبعين إنسانًا، وقال مسروق [[الرازي 18/ 207، القرطبي 9/ 259.]]: دخل أهل يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون بين رجل وامرأة.
يوسف 12:94
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (فصل) 3/ 2795.]]: يقال. فصل فلان من عند فلان فصولاً، إذا خرج من عنده، وفصل مني إليه كتاب، إذا نفذ، وفصل يكون لازمًا وواقعًا، فإذا كان واقعًا فمصدره الفصل، وإذا كان لازمًا فمصدره الفصول، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 109 أ، "زاد المسير" 4/ 284، القرطبي 9/ 259، الرازي 18/ 207.]]: لما خرجت العير من مصر متوجهة إلى كنعان قال أبوهم لمن حضره من أهله وقرابته وولد ولده؛ لأن ولده كانوا غيبًا عنه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾، قال ابن عباس [[الطبري 13/ 57، عبد الرزاق 2/ 329، والفريابي، وأحمد في "الزهد"، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2197، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 66، الثعلبي 7/ 109 ب، القرطبي 9/ 259.]] في رواية بن أبي الهذيل [[هو: عبد الله بن أبي الهذيل الكوفي أبو المغيرة، مات في ولاية خالد القسري على العراق.
انظر: "تقريب التهذيب" ص 327 (3679)، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 170.]]: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إلى يعقوب، وبينهما مسيرة ثمان ليال.
وعن الحسن [[أخرج ابن أبي حاتم 7/ 2197، وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في "الدر" 4/ 66، القرطبي 9/ 259 عن الحسن.]] قال: وجد يعقوب ريح يوسف من مسيرة عشرة أيام، وقال قتادة [[الطبري 13/ 58، وأخرجه ابن أي حاتم 7/ 2197 عن ابن عباس.]]: ذكر لنا أنه كان بينهما ثمانون فرسخًا.
وذكر مجاهد [[الثعلبي 7/ 109 أ، "زاد المسير" 4/ 284، البغوي 4/ 275.]] السبب في ذلك فقال: هبت ريح فصفقت القميص، ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص فمن ثم قال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ وقال أهل المعاني: إن الله تعالى أوجده ريح يوسف عند تقضّي الامتحان، ومجيء الروح والفرج من المكان النازح، ومنعه ذلك على القرب منه حين ألقي في الجب، وبيع من مالك بن ذعر، للمحنة والبلية التي جعلت سببًا لكمال أجره، ومعنى: (أجد ريح يوسف): أشم، وعبر عنه بالوجود؛ لأنه وجود بحاسة الأنف.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري [[انظر: "الزاهر" 1/ 514، الرازي 18/ 166.]]: أفند الرجل إذا خرّف وتغير عقله، وأفند [[في (ب): (أنفد).]] إذا جهل، ونسب إلى ذلك، الليث [["تهذيب اللغة" (فند): 3/ 2837، وهو هكذا في جميع النسخ من غير (قال) فلعلها ساقطة.]]: الفند إنكار العقل من الهرم، يقال: شيخ مفند.
وروى أبو عبيد عن الأصمعي [["تهذيب اللغة" (فند) 3/ 2837، و"الغريب المصنف" /378.]]: إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو المفْنِدُ، والمُفَنَّد، ابن الأعرابي (5): فنَّد رأيه إذا ضعَّفه، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 55.]] في هذه الآية: لولا أن تكذبوني وتعجزوني وتضعفوني.
وقال أبو عبيد [["مجاز القرآن" 1/ 318.]]: لولا أن تسفهوني، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 128.]]: لولا أن تجهلوني، قال ابن عباس [[الطبري 13/ 61، وابن أبي حاتم 7/ 2198.]]: لولا أن تكذبون.
وقال مجاهد [[الطبري 13/ 59، وابن أبي حاتم 7/ 2198.]]: لولا أن تسفهوني، وتقولوا: ذهب عقلك.
وقال محمد بن إسحاق [[الطبري 13/ 60.]]: لولا أن تضعفوني، وأصل هذا [[(هذا) ساقط من (ج).]] كله من الفند وهو: السفه والجهل ومنه قول النابغة [[انظر: "ديوانه" ص 12، والقرطبي 9/ 260، و"البحر المحيط" 5/ 340، و"الدر المصون" 6/ 557، و"اللسان" (حدد) 2/ 801، وكتاب "العين" 8/ 49، و"مقاييس اللغة" 2/ 3، و"مجمل اللغة" 2/ 210، و"تهذيب اللغة" 1/ 759، و"تاج العروس" (حدد) 4/ 411.
وقد شبه الشاعر النعمان بسليمان -عليه السلام-، واحددها: احبسها.]]:
إلا سليمانَ إذ قَالَ المَلِيكُ له ... قم في البرية فاحْدُدها عن الفَنَدِ
ولي في نظم هذه الآية نظر بعد.
يوسف 12:95
قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 153.]] والسدي [["زاد المسير" 4/ 285، وابن أبي حاتم 7/ 2199.]] والمفسرون [[الثعلبي 7/ 110 أ، البغوي 4/ 276.]]: هذا من قول بني بنيه له، قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 157 ب، و"زاد المسير" 4/ 286.]] بن سليمان وغيره: معنى الضلال هاهنا الشقاء، يعنون شقاء الدنيا، وتلخيصه: إنك لفي شقائك القديم بما تكابد من الأحزان على يوسف، واحتج مقاتل بقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 24]: يعنون لفي شقاء في دنيانا، وقال قتادة [[الطبري 13/ 62، الرازي 18/ 208.]] وابن إسحاق [[الطبري 13/ 62، وابن أبي حاتم 4/ 241 ب.]]: في حبك ليوسف ما تنساه ولا تسلاه، وهذا كقول بنيه: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: 8]، وقد مضى الكلام فيه.
وقال الحسن [[البغوي 4/ 276، القرطبي 9/ 261، الرازي 18/ 208.]]: إنما قالوا له هذا لأنه كان عندهم أن يوسف قد مات، وكان في ولوعه بذكره ذاهبًا عن الصواب في أمره عندهم.
وروي عن قتادة [[الطبري 13/ 62، ابن عطية 9/ 374، ابن أبي هاشم 7/ 2199.]] أنه قال: قالوا كلمة غليظة لم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله -عليه السلام-.
يوسف 12:96
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾: (أن) هاهنا لا موضع لها من الإعراب، وهي تزاد مع لمَّا توكيدًا على جهة الصلة [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 345.]]، قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 286.]]: دخولها لتوكيد مضي الفعل ولا موضع لها، وسقوطها للاستغناء عنها كقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود: 74]، والمذهبان جميعًا موجودان في أشعار العرب.
وقال البصريون: موضع (أن) رفع بفعل مضمر تلخيصه: فلما ظهر أن جاء البشير، أي: ظهر مجيء البشير فأضمر الرافع.
قال ابن عباس [[الطبري 13/ 62، وابن أبي حاتم 7/ 2199، كما في "الدر" 4/ 68، الثعلبي 7/ 110 أ، البغوي 4/ 276، "زاد المسير" 4/ 286، ابن عطية 8/ 76، القرطبي 9/ 261.]] ومجاهد [[الطبري 13/ 63، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2199، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 68.]] والضحاك [[الطبري 13/ 63، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 68.]] والسدي [[الطبري 13/ 63، والثعلبي 7/ 110 أ، و"زاد المسير" 4/ 286، وابن عطية 8/ 76، وا لقرطبي 9/ 261، وابن أبي حاتم 7/ 2199 - 2200.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 157 ب.]]: البشير هو يهوذا قال: أنا ذهبت بالقميص ملطخًا بالدم فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته، فألقاه على وجهه.
قال ابن عباس: ألقي القميص على وجه يعقوب فارتد بصيرًا، يريد: انجلى البياض وذهبت الظلمة.
وقال المفسرون [[الثعلبي 7/ 110 أ، "زاد المسير" 4/ 286، الرازي 18/ 209]]: فعاد ورجع بصيرًا، ومعنى الارتداد: انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها.
قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 286.]]: وهذا من الأفعال المنسوبة إلى المفعولين كقولهم: طالت النخلة، والله أطالها.
يوسف 12:97
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكرنا معناه فيما تقدم.
يوسف 12:98
قوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قال ابن عباس [[أخرجه ابن المنذر وابن مردويه وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 68، و"زاد المسير" 4/ 287، والقرطبي 9/ 262.]] في رواية عطاء: أخر دعاءه إلى السَّحَر [[قال في الحاشية (في الأصل إلى السفر) في النسختين (أ)، (ب).]]، وهو قول ابن مسعود [[الطبري 13/ 64، الثعلبي 7/ 111 أ، القرطبي 9/ 263، ابن عطية 8/ 78، ابن أبي حاتم 7/ 2200.]] وقتادة [[و [[الطبري 13/ 65، أبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 64، "زاد المسير" 4/ 287، الثعلبي 7/ 111أ، ابن عطية 8/ 78.]] "زاد المسير" 4/ 287.]] والسدي (¬5)، وقال [[في (ب): (وقال).]] في رواية الكلبي وعكرمة يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة.
قال [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 129.]] أبو إسحاق [[في (أ)، (ج): (الإجابة).]]: أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وجه السَّحَر في الوقت الذي هو أخلق لإجابة [[الثعلبي 7/ 111 ب، القرطبي 9/ 263، البغوي 4/ 278.]] الدعاء، لا أنه ضنَّ عليهم بالاستغفار.
يوسف 12:99
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ [قال المفسرون [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: إن يوسف] (¬11) بعث مع البشير إلى يعقوب جهازًا ومائتي راحلة، وسأل يعقوب أن يأتيه وولده أجمعين، فتهيأ يعقوب وخرج مع أهله وولده إلى مصر فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ قال ابن عباس وعامة المفسرين [[روى الطبري 13/ 66 ذلك عن السدي وأخرجه أبي حاتم 7/ 2201 عن السدي، وأبو الشيخ عن وهب كما في "الدر" 4/ 71، وأخرجه أبو الشيخ عن سفيان كما في "الدر" 4/ 71، والبغوي 4/ 278، والثعلبي 7/ 112 أ، و"زاد المسير" 4/ 288، والقرطبي 9/ 263.]]: يعني: أباه وخالته، وذلك أن أمه كانت قد ماتت في نفاسها بنيامين [[كذا في جميع النسخ، والصواب والله أعلم: ببنيامين.]].
قال ابن إسحاق [[الطبري 13/ 67، وأخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة كما في "الدر" 4/ 71، و"زاد المسير" 4/ 288، والثعلبي 7/ 112 أ، وابن عطية 8/ 79.]]: يعني أباه وأمه، وهو قول الحسن [["زاد المسير" 4/ 288، والبغوي 4/ 278، والثعلبي 7/ 112 ب، والقرطبي 9/ 263، وابن عطية 8/ 79.]]: قال أنشر الله راحيل أم يوسف تحقيقًا للرؤيا حتى سجدت له.
وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قال لهم هذا القول قبل دخولهم إلى مصر؛ لأنه كان قد استقبلهم، هذا قول السدي [[الطبري 13/ 66، والرازي 18/ 211، ورجحه الطبري 13/ 66.]] وفرقد السبخي [[الطبري 13/ 66، هو أبو يعقوب أحد الصالحين، روى عن أنس، غير محتج بحديثه، انظر: "حلية الأولياء" 3/ 44.]]، وقال عطاء عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 288 من غير نسبة، والرازي 18/ 211 عن ابن عباس.]]: يريد انزلوها آمنين، وعلى هذا سمى النزول دخولاً؛ لاقتران أحدهما بالاخر.
وأما معنى الاستثناء في قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فإنه يقول إلى الأمن لا إلى الدخول، والمعنى: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله؛ لأنه [[(لأنه) ساقط من (ب).]] لا يتقن الأمن، فتقدم الاستثناء وهو منوي به التأخير [[في (ب): (التأخر).]]، ذكره أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 289.]] وغيره، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 112 أ، والبغوي بدون نسبة 4/ 479.]]: وإنما قال آمنين؛ لأنهم كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، ولا يدخلونها إلا بجوارهم، ويجوز أن يعود الاستثناء إلى الدخول على القول الذي يقول إنه قال لهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْر﴾، قيل: أن ادخلوها، وقال ابن جريج [[الطبري 13/ 66، والثعلبي 7/ 112 أ، و"زاد المسير" 4/ 289.]]: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ مقدم إلى قوله: سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله، قال: وهذا من التقديم والتأخير في القرآن وهو كثير.
يوسف 12:100
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن عباس [[الطبري 13/ 67.]] والمفسرون [[أخرجه الطبري 13/ 66 عن أسباط والضحاك ومجاهد وقتادة وسفيان، والثعلبي 7/ 112 ب، والبغوي 4/ 479، والقرطبي 9/ 264.]]: على السرير، قال أهل اللغة [["تهذيب اللغة" (عرش) 3/ 2391، و"اللسان" (عرش) 5/ 2880.]]: العرش السرير الرفيع: وهو سرير الملك، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23]. قال أهل التفسير [[الثعلبي 7/ 112 ب، و"زاد المسير" 4/ 290، والبغوي 4/ 279.]]: أجلسهما عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ وقال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 112 ب، و"زاد المسير" 4/ 290.]] في رواية عطاء: يريد خروا لله عند ذلك سجودًا، ونحو هذا روى الضحاك عنه.
وقال عامة المفسرين [[الطبري 13/ 68، والثعلبي 7/ 112 ب، والبغوي 4/ 280، و"زاد المسير" 4/ 290، وابن عطية 8/ 80، والقرطبي 9/ 265، وابن أبي حاتم 7/ 2202.]]: وخروا ليوسف سجدًا على جهة التحية، لا على معنى العبادة، وكان أهل ذلك الدهر يحييَّ بعضهم بعضًا بالسجود والانحناء، فحظر رسول الله ﷺ هذا ونهى عنه [[أخرجه الترمذي في "جامعه" (2728) كتاب الاستئذان والآداب، باب: ما جاء في المصافحة، وابن ماجه في "سننه" (3702) كتاب الأدب، باب: المصافحة عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟ قال: "لا" قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: "لا" قال: فيأخذه بيده ويصافحه؟ قال: "نعم". قال الترمذي: هذا حديث حسن، وحسنه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (ح 2195).]]، والسجود معناه في اللغة [["تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، و"اللسان" (سجد) 4/ 1941.]]: الانحناء مع الخضوع والتذلل، ذكرنا ذلك فيما تقدم، وعلى هذا كان ذلك سجودًا من غير سقوط على الأرض كما يقال: قد سجد القف [[قال الليث: القف: ما ارتفع من متون الأرض وصلبت حجارته، وقال شمر: القف ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلاً، انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 3021 - 3022، و"اللسان" (قفف) 6/ 3705.]] من الأرض للحوافر، إذا خضع لها فذل ومنه [[القائل زيد الخيل "ديوانه" / 66، و"الزاهر" 1/ 141، و"اللسان" (سجد) 4/ 1941.]]:
تَرَى الأُكْمَ منه سُجَّدًا للحَوَافِرِ
قال ابن الأنباري [["الزاهر" 1/ 47، 48، والرازي 18/ 212.]]: والخرور في هذا القول لا يُعْنى به السقوط والوقوع، لكن المراد به: المرور، سمعت أبا العباس يحكي هذا، واحتج بقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73] يعني: لم يمروا، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 290، و"تنوير المقباس" ص 154.]] في رواية الكلبي: السجود هاهنا مما كانت الأعاجم تستعمله في تعظيمها رؤساءها، ليس سقوط على الأرض، لكنه كالركوع.
قال الأزهري [[و [[ما بين القوسين من (ب)، وانظر: "الدر المصون" 6/ 558.]] "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1631 بتصرف.]]: والأشبه بظاهر الكتاب أنهم سجدوا ليوسف دل عليه رؤياه الأولى حين قال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4] فظاهر التلاوة أنهم سجدوا ليوسف تعظيمًا له، من غير أن أشركوا بالله، وكأنهم لم يكونوا نهوا عن السجود لغير الله في شريعتهم، قال (¬3): وفيه وجه آخر لأهل العربية وهو: أن يجعل اللام لام أجل، المعنى: وخروا من أجله سجدًا، شكرًا للذي أنعم عليهم فجمع شملهم.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أي إليَّ، (يقال) [[البيت في: "ديوانه" ص 53، و"الشعر والشعراء" ص 343، و"أمالي الشجري" 1/ 48، و"الدر المصون" / 558، و"الكشاف" 2/ 195، و"الخزانة" 2/ 381، وقوله (مقلية) من القلي بكسر القاف وهو البغض، تقلت: تبغضت: "اللسان" (سوأ) 4/ 2138، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 21، و"تهذيب اللغة" 1/ 823 (حسن)، و"الأغاني" 9/ 38، و"أمالي القالي" 2/ 109، و"تاج العروس" (سوأ) 1/ 176.]]: أحسن به وإليه، قال كثير [["زاد المسير" 4/ 291، والبغوي 4/ 280، والثعلبي 7/ 113 أ.]]:
أسِيئي بِنَا أو أحْسِنِي لا مَلُومةً ... لدَيْنَا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ
﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ قال أهل المعاني (¬6): ذكر إخراجه من السجن ولم يذكر إخراجه من البئر كرمًا، لئلا يذكر إخوته صنيعهم به، ولأن النعمة في إخراجه من السجن كانت أعظم، إذ كان دخوله السجن سبب ذنب هم به.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ والبدو [["تهذيب اللغة" (بدا) 1/ 287، و"اللسان" (بدا) 1/ 235.]]: بسيط الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد، وأصله من بدا يبدو بدوًا، إذا خرج إلى المراعي في الصحاري، ثم سمي المكان باسم المصدر فيقال: بدو وحضر، قال قتادة [[الطبري 13/ 71، وأخرجه ابن أبي حاتم 7/ 2203 عن قتادة وأبو الشيخ عن علي ابن أبي طلحة كما في "الدر" 4/ 72.]]: كان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مَوَاشٍ وبريَّة.
وقال ابن عباس [[الرازي 18/ 215، والقرطبي 9/ 267.]] في رواية عطاء والضحاك: كان يعقوب قد تحول إلى بدا وسكنها، ومنها قدم على يوسف، وله بها مسجد تحت جبلها.
قال ابن الأنباري [[الرازي 18/ 215.]]: بدا اسم موضع معروف يقال: هو بين شعب وبدا، وهما موضعان ذكرهما جميل أوكثير فقال [[البيت لكثير وهو في "ديوانه" ص 363، و"خزانة الأدب" 9/ 462، و"الدر" 6/ 83، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي ص 1288، و"اللسان" (بدا) 1/ 236، و"معجم ما استعجم" ص230، ونسب لجميل بثينه في "ملحق ديوانه" ص 245، و"ديوان المعاني" 1/ 260، ولكثير ولجميل في "شرح شو اهد المغني" 1/ 464، و"معجم البلدان" 3/ 351، وفيه (التي) بدل الذي، وشغبي: يوضع في بلاد بني عُذرة به منبر وسوق، وبدا: واد قرب إيلة من ساحل البحر، وقيل بواد القرى وقيل بوادي عُذرة قرب الشام. انظر: "معجم البلدان" 1/ 356 - 357.]]:
وأنتِ التي حَبّبْتِ شَغْبًا إلى ... بدا إليَّ وأوْطَانِي بلادٌ سِواهُمَا
والبدو على هذا القول معناه قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا، يقال بدا القوم يبدون بدوًا، إذا أتوا بدًا، كما يقال: غار القوم غورًا، إذا أتوا الغور، فكان تلخيص الحرف: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ﴾ من قصد بدا، وعلى هذا القول كان يعقوب وولده [[في (أ)، (ج): (وولد)، من غير هاء.]] حضريين؛ لأن البدو لم يرد به البادية، لكنه عني به قَصْدُ بدا.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 319.]] معناه: أفسد وحمل بعضنا على بعض، قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 267.]]: دخل بيننا بالحسد، ومضى الكلام في نزغ الشيطان في آخر سورة الأعراف [[عند قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [آية: 200]، وقال هنالك ما ملخصه: نزغ الشيطان وساوسه وتحسه في القلب بما يسول للإنسان من المعاصي، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: نزعت بين القوم إذا أفسدت.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (لطف) 4/ 3267 وفيه عمرو عن أبيه أن قال .. ، وانظر: "اللسان" (لطف) 7/ 4536.]]: اللطيف من أسماء الله عز وجل معناه: الرفيق بعباده، عمرو بن أبي عمرو: اللطيف الذي يوصَّلُ إليك أربك في رفق.
ثعلب عن ابن الأعرابي [["اللسان" (لطف) 7/ 4036، و"تهذيب اللغة" (لطف) 4/ 3267.]]: يقال: لطف فلان لفلان يلطف، إذا رفق لطفًا.
قال أهل التفسير [[الثعلبي 7/ 113 أ، و"زاد المسير" 4/ 291.]]: إن ربي عالم بدقائق الأمور وحقائقها، إنه هو العليم بخلقه الحكيم فيهم بما يشاء.
يوسف 12:101
قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ الآية، قال ابن عباس [[انظر: ابن كثير 2/ 529.]]: ثم دعا ربه وحمده وشكره فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾، وذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 129.]] وأبو بكر في (من) هاهنا قولين:
أحدهما: أنها للتبعيض، وكذلك هي في قوله: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾؛ لأنه كان قد ملك مصر ومُلْك مصر قطعة من الملك، وعبارة الرؤيا جزء من علم تأويل الأحاديث.
الثاني: أن (من) دخلت للتجنيس، وتلخيصها: آتيتني من جنصر الملك ومن جنس تأويل الأحاديث كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30] أي: اجتنبوا الرجس الذي هو وثن، ولم يؤمروا باجتناب بعض الأوثان.
قال أبو بكر: والقول هو الأول؛ لأن [[لأن: زيادة من (ب).]] (من) تأتي مجنسة عند تمام الكلام نحو قولهم: قطعت ثوبًا من الخز، وعليه جبة من الوشي، ولا يكاد يقال: قطعت من الوشي، ولبست من الخز، إلا والمفعول مقدر في النية، و (ءاتيتني) في الآية غير مستغنى عما بعده، فيكون (من) مفسرة في موضع النقص بفتح، وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ أتت فيه من مفسرة مجنسة بعد كلام لو اقتصرت عليه عقل، قال: ويجوز أن يكون المعنى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ الملك، وعلمتني تأويل الأحاديث، فأكد الكلام بمن كما أُكِّد بها في قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: 15].
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 154.]]: يريد تفسير الأحلام وقد مر.
وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس [[الرازي 18/ 217، و"تهذيب اللغة" (فطر) 3/ 2803، و "اللسان" (فطر) 6/ 3433.]]: كنت بما أدري ما (فاطر السموات والأرض)، حتى احتكم إليَّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، وأنا ابتدأت حفرها، وقال ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (فطر) 3/ 2803، و"اللسان" (فطر) 6/ 3433.]]: يقول أنا أول من فطر هذا، أي: ابتدأه، ثم فسر ابن عباس ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ يريد: خالق السموات، ومن هذا قوله: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [هود: 51] أي: خلقني.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: 22] و"كل مولد يولد على الفطرة" [[أخرجه البخاري بنحوه عن أبي هريرة (1358) كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يُصَلّى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ وأطرافه في 1359، 1385، 4775، 9599، وأخرجه مسلم بنحوه أيضًا (2658) كتاب القدر باب معنى (كل مولود يولد على الفطرة ..).]] أي: الخلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة. وقال أهل المعاني [["تهذيب اللغة" (فطر) 3/ 2803 - 2805، و"اللسان" (فطر) 6/ 3432 - 3433، والرازي 18/ 217.]]: أجل الفطر في اللغة: الشق، يقال: فطر ناب البعير، أي: بزل، وفطرت الشيء فانفطر، أي: شققته فانشق، وتفطرت الأرض بالنبات، والشجر بالورق، إذا تصدعت، هذا أصله ثم صار عبارة عن الشق عن الأمر باختراعه، فكل من أظهر أمرًا اخترعه على غير مثال، يقال: قد فطره، وفطر السموات والأرض اختراعهما بما هو كالشق عما يظهر به، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 130.]]: ويكون نصبه من وجهين: أحدهما: على الصفة لقوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي﴾ وهو نداء مضاف في موضع نصب، ويجوز أن ينصب على نداء ثان.
وقوله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ قال قتادة [[الطبري 13/ 73، وأحمد في "الزهد"، وابن أبي حاتم 7/ 2204 كما في "الدر".]]: سأل ربه اللحوق به قال: ولم يتمن نبي قط الموت قبله، وكثير من المفسرين [[أخرجه الطبري 13/ 73، 74، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن إسحاق، و"زاد المسير" 4/ 292، وابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس كما في "الدر" 4/ 73.]] على هذا، وقال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 292.]] في رواية عطاء: يريد لا تسلبني الإسلام حتى تتوفاني عليه، وهذا لا دليل فيه على تمني الموت، بل هو دليل على سؤال أن يكون موته على الإسلام إذا كان.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس [[الطبري 13/ 73، وابن المنذر وابن أبي حاتم 8/ 2781، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 73.]] وغيره من المفسرين [[الثعلبي 7/ 114 أ، وأخرجه أبو الشيخ، عن الضحاك وابن أبي حاتم 7/ 2205، عن وهب، وأحمد وابن أبي حاتم 7/ 2204 - 2205، وابن جرير عن قتادة كما في "الدر" 4/ 73.]] يعني: بآبائه إبراهيم وإسما عيل وإسحاق، والمعنى: ألحقني بهم في ثوابهم ومراتبهم [[(ومراتبهم): زيادة من (ب).]] ودرجاتهم.
يوسف 12:102
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 130.]] المعنى: قصصنا عليك من أمر يوسف وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عنك، فأنزلته عليك دلالة على إثبات نبوتك، قال: وموضع "ذلك" رفع بالابتداء ويكون خبره ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ ويكون ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ خبرًا ثانيًا ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس [[الطبري 13/ 76، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2206 عن قتادة وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 74، وانظر: البغوي 4/ 282، و"زاد المسير" 4/ 293، والقرطبي 9/ 271، و"تفسير عطاء" ص 78.]]: يريد عند إخوة يوسف، (إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) بيوسف، وهذا دليل على صدق محمد ﷺ وصحة نبوته؛ إذ أخبر عن قوم لم يحضرهم ولم يشاهدهم.
يوسف 12:103
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 263، والرازي 18/ 223، و"البحر" 6/ 330.]]: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن قريشًا واليهود سألت رسول الله ﷺ عن قصة يوسف وإخوته مُعنَتين، فشرحها شرحًا شافيًا، وهو يؤمل أن يكون سببًا لإيمانهم، فخالفوا ظنه وحزن رسول الله ﷺ لذلك فعزاه الله بقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا يدخل في الإيمان كل من يكشف له دلائل الحق، ويقيم عنده أعلام الصدق، حتى يشاء الله ذلك، وقال أبو إسحاق معناه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 130.]]: وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على [[في (ب): زيادة (آمنوا) بعد على.]] أن تهديهم؛ لأنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء.
قال أبو بكر [["الدر المصون" 6/ 560.]]: وجواب (لو) محذوف على تقدير وما أكثر الناس بمؤمنين، ولو حرصت على إيمانهم ما آمنوا، ولا يجوز أن يكون جواب (لو) مقدمًا عليها، من قال: لو قمت قمت، لا يقول: قمت لو قمت؛ لأن جواب لو مبني على التأخير. وقال الفراء في المصادر [[انظر: "تهذيب اللغة" (حرص) 1/ 786، و"اللسان" (حرص) 2/ 835.]]: يقال حرص يحرَص حرصًا، ولغة أخرى قليلة: حرِص يحرِص حرصًا، ومعنى الحرص: طلب الشيء باجتهاد.
يوسف 12:104
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 130.]]: وما تسألهم على القرآن وتلاوته وهدايتك إياهم من أجر.
قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 154 بنحوه، وابن أبي حاتم 7/ 2207 بلفظ: عرضًا من عرض الدنيا.]]: من مال يعطونك، ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما هو ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾، إلا تذكرة لهم بما هو صلاحهم ونجاتهم من النار، والمعنى: إنا أنزلنا القرآن تذكرة للعالمين، وبعثناك مبلغًا بلا أجر؛ لئلا يمتنعوا من الإجابة لما يلزمهم من الأجر، فيكون أقرب إلى تصديقهم، وهذه الآية تأكيد للأولى؛ لأنه لما ذكر في الأولى أنه لا يؤمن إلا من شاء الله، وإن حرص النبي على ذلك، ذكر في هذه الثانية أنه أزاح العلة في التكذيب برفع الأجر، وانزال القرآن تذكرة وعظة، غير أنه مع هذا كله لا يؤمن إلا من يهديه الله وأراد إيمانه.
يوسف 12:105
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مضى الكلام في ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ في سورة آل عمران [[عند قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آية: 146].]]، قال المفسرون [[الطبري 13/ 76.]]: آيات السموات: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والأمطار، وكلها تجري بالمشاهدة مجرى القريب غير [[في (ج): (عن).]] القاصي، وآيات الأرض: البحار والجبال والشجر والثمر، ومعنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾: يتجاوزونها غير مفكرين ولا معتبرين.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 131.]]: معناه: وكم من آية في السموات والأرض، تدلهم على توحيد الله، من أمر السماء وأنها بغير عمد لا تقع على الأرض، وفيها أعظم البرهان على أن لها [[في (أ)، (ج): (الهًا). في "معاني الزجاج": وفيها أعظم البرهان والدليل على أن الذي خلقها واحد. وأن خالقًا، وكذلك فيما يشاهد.]] خالقًا، وكذلك فيما يشاهد في الأرض من نباتها وبحارها وجبالها.
وقال عطاء عن ابن عباس [[القرطبي 9/ 272.]] والكلبي [[انظر: "البحر المحيط" 5/ 351.]]: آيات الأرض آثار عقوبات [[في (ج): زيادة (في).]] الأمم السالفة يمر أهل مكة على آثارهم إذا سافروا، ولا تتحرك أفئدتهم ولا يتعظون [[في (ج): (ولا يعظو) من غير نون.]]، هذا معنى قوله: ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.
وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 131.]]: أي لا يفكرون فيما يدلهم على توحيد الله.
يوسف 12:106
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال المفسرون: لما سمع المشركون ما قبل هذه الآية قالوا: فإنا نؤمن بالله الذي خلق هذه الأشياء، فأنزل الله هذه الآية. قال ابن عباس [[الطبري 13/ 77، وابن أبي حاتم 7/ 2207، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 75، و"زاد المسير" 4/ 294.]] ومجاهد [[الطبري 13/ 77، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2207.]] وقتادة [[الطبري 13/ 78، وعبد الرزاق 2/ 328، و"زاد المسير" 4/ 293.]]: وما يؤمن أكثرهم في إقراره بأن الله -عز وجل- خلقه وخلق السموات والأرض، إلا وهو مشرك بعبادة الوثن، ونحو هذا قال عكرمة [[الطبري 13/ 77، 78، والثعلبي 7/ 115 أ، و"زاد المسير" 4/ 293.]] والشعبي [[الطبري 13/ 77، 78، والثعلبي 7/ 115 ب، و"زاد المسير" 4/ 293.]]، وعلى هذا المعنى: أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم ورازقهم، ويجعلون له شركاء من الأصنام، قال الله: ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ يعني: إلا وهم جاعلون [[في (ج): (عاجلون).]] له شركاء في حال إيمانهم به، وهذا القول اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 55.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 131.]].
وقال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 115 ب، و"زاد المسير" 4/ 294، والبغوي 4/ 283.]] في رواية الضحاك: نزلت هذه الآية في تلبية مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، فبين الله -عز وجل- أنهم كانوا يجعلون له شريكًا وقت تعبدهم وتقربهم إليه.
وشرح ابن عباس [[الرازي 18/ 224.]] في رواية عطاء شرحًا شافيًا فقال: قال أهل مكة: ربنا وحده لا شريك له، والملائكة بناته فلم يؤمنوا، وقال عبدة الأصنام: ربنا الله وحده والأصأم شفعاؤنا عنده، فلم يؤمنوا. وقالت اليهود: ربنا الله وحده وعزير ابنه، فلم يؤمنوا، وقالت النصارى: ربنا الله وحده والمسيح ابنه، فلم يؤمنوا، وقال عبدة الشمس والقمر: ربنا الله وحده وهؤلاء يشفعون، فلم يؤمنوا، وقال المهاجرون والأنصار: ربنا الله وحده لا شريك له، فآمنوا وصدقوا.
قال أبو علي الفارسي [["الحجة" 1/ 225.]] في هذه الآية: ليس المؤمن هاهنا الذي آمن حقيقة، ولكن المعنى: أن أكثرهم مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم مشركون، وقد يطلق على المُظْهر الإيمانَ بلسانه اسم مؤمن، ولا يجوز أن يراد بذلك المدح، وكان الاسم البخاري على الفعل.
يوسف 12:107
قوله تعالى [[(قوله تعالى) ساقط من (ج).]]: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 116 أ، القرطبي 9/ 273.]]: يريد المشركين ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ عقوبة مجللة تغشاهم وتنبسط عليهم، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 131، وفيه أن يأتيهم ما يعجزهم من العذاب، وانظر: "الدر المصون" 6/ 560.]]: أن يأتيهم ما يغمرهم من العذاب، ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وبغتة مصدر منصوب على الحال، يقال: بغتهم الأمر بغتًا، إذا فاجأهم من حيث لم يتوقعوا، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 116 أ، والقرطبي 9/ 273 بنحوه.]]: وذلك لا يكون إلا بغتة، وقد جاء أشراطها مع النبي ﷺ.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون هذا تأكيدًا لقوله (بغتة) وتشديدًا لتأويلها، ويجوز أن يكون على التقديم بمعنى: أن تأتيهم غاشية من عذاب الله، وهم لا يشعرون وقوعها بهم.
يوسف 12:108
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قال المفسرون [[الطبري 13/ 79، والثعلبي 7/ 116أ، والبغوي 4/ 284، و"زاد المسير" 4/ 395.]]: قل لهم يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها سبيلي، قال ابن زيد [[الطبري 13/ 80، وابن أبي حاتم 7/ 2209، وانظر: "الدر" 4/ 76، والثعلبي 7/ 116 أ، والقرطبي 9/ 274، و"البحر المحيط" 5/ 353.]]: سُنَّتي ومنهاجي.
وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 158 أ، والثعلبي 7/ 116 ب.]]: ديني، وسمى الدين سبيلًا لأنه الطريق الذي يؤدي إلى الثواب، ومثله قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: 125] أي: إلى دينه
قال أبو علي [["المسائل الحلبيات" ص. 20.]]: معنى السبيل في اللغة المدرجة والممر، ثم أشيع فيه حتى استعمل في المعتقدات والآراء في الديانات وغيرهما، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146] الآية.
وقولى تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أي: معتقدي، وفسر السبيل بقوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا﴾ قال ابن عباس [[البغوي 4/ 284، وابن عطية 8/ 95.]]: يريد على دين ويقين، والبصيرة: المعرفة التي يميز بها الحق من الباطل، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: 104].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يجوز أن يكون (من) عطفًا على المضاف إليه في: ﴿سَبِيلِي﴾ فيكون في [محل الخفض، ويجوز أن يكون عطفًا على الضمير في: ﴿أَدْعُو﴾ فيكون في] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] موضع الرفع، ويكون المعنى: أدعو إلى الله أنا ومن اتبعني يدعو إلى الله، وهذا معنى قول الكلبي [["تنوير المقباس" ص 154، والثعلبي 7/ 116 ب.]] وابن زيد [[الثعلبي 7/ 116ب.]]، فالأحق على من اتبعه أن يدكو إلى ما دعا إليه ويذكر بالقرآن والموعظة، وينهى عن معاصي الله، وهذا الوجه اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 55.]] قال: ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو [[في (أ)، (ج) تكرار: قال ابن الأنباري: وليس من مؤمن إلا وهو يدعو إلى الله كما أدعو.]].
قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 295.]]: وليس من مؤمن إلا وهو يدعو إلى الله جل وعلا، من قبل أنه لا يخلو من تلاوة القرآن، وكل آية من القرآن تدعو إلى الله -عز وجل- وبينة على صدق الرسول -ﷺ-، قال: ويجوز أن ينقطع الكلام عند قوله (الله) ثم ابتدأ فقال: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فيرتفع من بالنسق على (أنا) وترتفع (أنا) بعلى لأنهما ابتداء وخبر، وهذا معنى قول ابن عباس [[الثعلبي 7/ 116 ب، وابن أبي حاتم 4/ 247 أ.]]: قال يعني أصحاب محمد -ﷺ- الذين آمنوا معه، كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية.
وقوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ عطف على قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيَ: قل هذه سبيلي، وقك سبحان الله تنزيهًا لله عما أشركوا، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين اتخذوا مع الله ضدًا أو ندًا أو كفوًا أو ولدًا.
يوسف 12:109
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ قال ابن عباس [["البحر المحيط" 5/ 353، و"زاد المسير" 4/ 295، وابن كثير 2/ 544، والقرطبي 9/ 274.]]: يريد ليس فيهم امرأة ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ قال: يريد أهل المدائن؛ لأن الله تعالى لم يبعث نبيًا من بادية، وقال الحسن [["زاد المسير" 4/ 295، والقرطبي 9/ 274، وابن عطية 8/ 96.]]: لم يبعث الله نبيًا من أهل البادية قط ولا من الجن ولا من النساء.
وقال المفسرون [[الطبري 13/ 80، وهو مروي عن قتادة، والثعلبي 7/ 116 ب، والبغوي 4/ 285، وابن عطية 8/ 96، وابن أبي حاتم 7/ 2210.]]: أهل الأمصار أحدّ فطنًا وأعلم وأشدّ تيقظًا، إذ سكن البادية يغلب عليهم القسوة والجفاء، وقد قال النبي ﷺ: "من بدا جفا، ومن أَتبع الصيد غفل، ومن لزم أبواب الملوك افتتن" [[أخرجه أحمد في "المسند" 2/ 371، 2/ 440، عن أبي هريرة، وفي 4/ 297 عن البراء، وصحح أحمد شاكر إسناده تحت رقم: (8823)، 17/ 24، وانظر: "صحيح الجامع" (6123)، (6124).]] وفي هذا رد لإنكارهم نبوته، يقول: لم يبعث قبلك إلا رجالاً، فكيف تعجبوا من إرسالنا إياك، ومن قبلك من الرسل كانوا على مثل حالك، ومن قبلهم من الأمم المكذبة كانوا على مثل حالهم، فأهلكناهم، فذلك قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هو يعني: المشركين المنكرين لنبوة محمد ﷺ، يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ إلى مصارع الأمم المكذبة فيعتبروا بهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 55.]]: أضيفت الدار إلى الآخرة، وهي الآخرة، وقد تضيف العرب الشيء إلى نفسه، إذا اختلف اللفظ، كقوله: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: 95]، ويوم الخميس، وجميع الأيام يضاف إلى أنفسها لاختلاف لفظها.
وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 131.]] المعنى: دار الحال الآخرة؛ لأن للناس حالين: حال الدنيا وحال الآخرة، ومثله قولهم: صلاة الأولى، أي: صلاة الفريضة الأولى، والساعة الأولى، هذا كلامه، وقد ذكرنا نحو هذا في سورة الأنعام لتوجيه قراءة ابن عامر [[عند قوله تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [الأنعام: 32]، قال هنالك: قرأ ابن عامر: (ولدار الآخرة) بالإضافة، قال الفراء: يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، كقولهم: بارحة الأولى، ويوم الخميس، وحق اليقين. فإذا اتفقا لم تقل العرب: حق الحق ولا يقين اليقين. وعند البصريين لا يجوز إضافة الثسيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظ، وقالوا في قراعه ابن عامر: لم يجعل (الآخرة) صفة (للدار) لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولكنه جعلها صفة الساعة وكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة.]].
وقال ابن الأنباري [[انظر: القرطبي 9/ 275.]]: الدار يعني بها الجنة، وهذا قول ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 154]] في هذه الآية قال: الدار هي الجنة، والآخرة يقصد بها: قصد المدة وتلخيصها: ولجنة [[في (ج): (والجنة).]] المدة الآخرة، والأمة الآخرة، يعني بالأمة: الزمان، خير للمتقين.
وهذا الذي قاله أبو بكر إنما هو على مذهب البصريين؛ لأن عندهم لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظان [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 160، و"البحر المحيط" 5/ 353، والقرطبي 9/ 275، وابن عطية 8/ 98.]]، وقال على مذهب الكوفيين: الدار نوع والآخرة جنس، وكانت إضافة النوع إلى الجنس يجري مجرى قولهم: قميص وَشْي، وجبَّة خَزّ إذ القميص من الوشي، فكانت الدار كأنها بعض الآخرة، إذ الآخرة يقع على معان كثيرة ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ هذا فتؤمنوا.
يوسف 12:110
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ الآية، (حتى) هاهنا حرف من حروف الابتداء يستأنف بعدها كما يستأنف بعد "أما، وإذا"، وذلك أن (حتى) لها ثلاثة أحوال: إما أن تكون جارة، أو عاطفة، [أو كانت من حروف الابتداء، وليست هاهنا جارة ولا عاطفة] [[ما بين المعقوفتين في (ب)، وهو ساقط من (أ)، (ج).]]، وحيث ينصب الفعل إنما ينصبه بإضمار أن، ومما جاء فيه (حتى) حرفًا مبتدأ كقوله [[في (أ)، (ج): (وقوله تعالى).]]:
وحَتّى الجِيَادُ ما يُقَدْنَ بأرْسَانِ [[البيت لامرئ القيس، وصدره:
سريتُ بهم حتى تكلَّ مطيُّهُمْ
وهو في "ديوانه" ص 95، و"الدر" 6/ 141، و"شرح أبيات سيبويه" 2/ 420، و"الكتاب" 3/ 27، و"اللسان" (غزا)، و"شرح شواهد الإيضاح" ص 228، و"شرح شواهد المغني" 1/ 374، و"شرح المفصل" 5/ 79.]]
ألا ترى أنها ليست عاطفة لدخول حرف العطف عليها، ولا جارة لارتفاع الاسم بعدها، ومثله [[البيت للبيد وهو من معلقته البيت رقم (28) في "شرح ديوانه" ص 305، و"تهذيب اللغة" (سلخ) 2/ 1731، و"اللسان" 4/ 2063، و"تاج العروس" (سلخ) 4/ 277، و (جمادى) ستة هي جمادى الآخرة، وهي تمام ستة أشهر من أول السنة.]]:
حتى إذا سَلَخَا جُمَادَى ستةً ... جَزَءًا فطالَ صيامُه وصيامُها
ومعني قوله: ﴿اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أي من إيمان قومهم، قال ابن عباس [[الطبري 13/ 83، وأبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائي في "الكبرى" 6/ 369 (11256)، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2211، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 77، والثعلبي 7/ 117 ب، و"زاد المسير" 4/ 296.]]: يريد من قومهم أن يؤمنوا، وذكرنا الكلام في: ﴿اسْتَيْأَسَ﴾ عند قوله: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ [يوسف: 80].
وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أي: أيقنوا أن قومهم قد كذبوهم، وهذا معنى قول عطاء [["زاد المسير" 4/ 296.]] وقتادة [[الطبري 13/ 88، وعبد الرزاق 2/ 329، والثعلبي 7/ 118 أ، والبغوي 4/ 286.]] والحسن [[الطبري 13/ 88، و"زاد المسير" 4/ 296.]]. وأكثر من قرأ [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿كُذِبُوا﴾ الشديد، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿كُذِبُوا﴾ بالتخفيف. وكلهم بضم الكاف.
انظر: "السبعة" ص 351، 352، و"إتحاف" / 268، والطبري 13/ 85، 87، وابن عطية 9/ 392، و"البحر" 5/ 354.]] (كُذِّبوا) بالتشديد، وقالت عائشة [[الطبري 13/ 87، وأبو عبيد والبخاري (4695) كتاب التفسير، باب قوله ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ والنسائي في "الكبرى" 6/ 369 (11254)، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2211، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 77، والثعلبي 7/ 118أ.]] رضي الله عنها: ما زال النبلاء بهم حتى ظنوا أن من آمن بهم من أتباعهم قد كذبهم [[في (ب): (كذبوهم).]] فأتاهم نصر الله عن ذلك، وعلى هذا القول: الظن بمعنى الحسبان، والتكذيب مظنون من جهة من آمن بهم، والمعنى: ظنت [[في (أ)، (ج): ﴿ظَنَنتُ﴾ بنونين.]] الرسل ظن حسبان أن أتباعهم من الأمم قد كذبتهم في وعد الظفر والنصر لإبطائه وتأخيره عنهم، وطول البلاء بهم، لا أنهم كذبوهم في كونهم رسلاً، وهذا التكذيب أيضًا لم يحصل من أتباعهم المؤمنين؛ لأنه لو حصل لكان نوع كفر، ولكن الرسل ظنت بهم ذلك لبُطء النصر، وعلى القول الأول الظن بمعنى: اليقين والتكذيب المتيقن من جهة الكفار، وعلى القولين جميعا الكناية في (ظنوا) للرسل.
وقرأ أهل الكوفة (كُذِبوا) مخففة، ومعناه: ظن الأمم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم وإهلاك أعدائهم، هذا معنى قول ابن عباس [[الطبري 13/ 82 - 87، وأبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائي في "الكبرى" 6/ 369 (11256)، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2212، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 77.]] وابن مسعود [[الطبري 13/ 85، وعبد الرزاق 2/ 329، وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ كما في "الدر".]] وسعيد بن جبير [[الطبري 13/ 84 - 86، وأبو الشيخ، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 77.]] ومجاهد [[الطبري 13/ 84.]] وابن زيد [[الطبري 13/ 84 - 85.]] والضحاك [[الطبري 13/ 85.]] وعامة المفسرين وأهل المعاني [[الطبري 13/ 85، والثعلبي 7/ 117 أ، والبغوي 4/ 286، و"زاد المسير" 4/ 296، وابن عطية 8/ 100، و"البحر المحيط" 5/ 354، والقرطبي 9/ 275، و"معاني الفراء" 2/ 56، و"معاني الزجاج" 3/ 132.]].
و (كُذبوا) من قولهم: كذبتك الحديث، أي: لم أصدقك، ومنه قوله تعالى [[(تعالى) ساقط من (أ)، (ج).]]: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 90]، قال أبو علي [["الحجة" 4/ 442.]]: والضمير في قوله: ﴿وَظَنُّوا﴾ على هذه القراءة للمرسل إليهم، لتقدير ظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به، من أنهم لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب وإنما ظنوا ذلك لما شاهدوا من إمهال الله إيماهم، ولا يمتنع حمل الضمير في ﴿وَظَنُّوا﴾ هو على المرسل إليهم وإن لم يتقدم ذكرهم؛ لأن ذكر الرسل يدل على المرسل إليهم، وإن شئت قلت: إن ذكرهم جرى في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: 109] فيكون الضمير للذين من قبلهم من مكذبي الرسل، والظن هاهنا على معنى: التوهم والحسبان.
وهذا معنى ما روى سفيان عن أبي حصين [[هو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي، روى له الجماعة، ثقة ثبت سنّي، ربما دلّس، توفي سنة 127 هـ. انظر: "التقريب" ص 384 (4484).
وفي رواية الطبري حصين بدل أبي حصين، وحصين هذا هو حصين بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي، ثقة تغيّر حفظه في الآخر، روى له الجماعة، توفي سنة 136 هـ، انظر: "التقريب" ص 170 (1369).]] عن عمران بن الحارث [[عمران بن الحارث السلمي، أبو الحكم الكوفي: ثقة، روى لي مسلم والنسائي، روى عن ابن عباس. انظر: "التقريب" ص 429 (5147). وهذا الإسناد صحيح.]] عن ابن عباس [[الطبري 13/ 82، وفي الرواية سفيان، عن حصين، عن عمران، عن ابن عباس.]] أنه قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من قومهم الإجابة، وظن القوم أن الرسل قد كُذِبُوا فيما وعدوا من نصرهم وإهلاك من كذبهم، والثاني: وتيقن الرسل أنهم قد كُذِبُوا في وعد قومهم إياهم الإيمان: أي وعدوا أن يؤمنوا ثم لم يؤمنوا.
والأول هو قول سعيد بن جبير [[في الطبري 13/ 84، رواية إسماعيل بن علية، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد (20007)، وفي رواية أخرى: وهيب، عن أبي المعليّ العطار، عن سعيد (20010).]] رواه إسماعيل بن علية [[هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف بابن عُليّه، ثقة حافظ، روى له الجماعة، توفي سنة 193 هـ.
انظر: "التقريب" ص 105 (416).]] عن أبي المعلى [[هو يحيي بن ميمون الضبي، أبو المعلي العطار الكوفي، ثقة، روى له البخاري تعليقًا، والنسائي وابن ماجه، توفي سنة 132 هـ.
انظر: "التقريب" ص 597 (7658).]] عنه.
وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس [[الطبري 13/ 87.]]: أنه قرأ: (وظنوا أنهم كذبوا) يذهب إلى أن الرسل ضُعفوا، فظنوا أنهم قد خُلفوا، قال ابن عباس [[الطبري 13/ 87.]]: وكانوا بشرًا.
قال أبو بكر بن الأنباري: وهذا غير معول عليه من جهتين: إحداهما [[في (ج): (إحديهما).]]: أن التفسير فيه ليس عن ابن عباس، لكنه من [متأول] تأوله عليه، والأخرى: أن في قوله: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ دلالة على أن أهل الكفر لما ظنوا ما لا يجوز ظن مثله واستضعفوا رسل الله، نصر الرسل ولو كان الظن للرسل كان ذلك منهم خطأً عظيمًا لا يستحقون ظفرًا ولا نصرًا، وتنزيه الأنبياء وتطهيرهم واجب علينا إذا وجدنا إلى ذلك سبيلًا.
وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 132.]] منكرًا لهذا التفسير: وذلك بعيد في صفة الرسل. يروى عن عائشة [[الطبري 13/ 87، وصححه أحمد شاكر في تعليقه، و"الفتح" 8/ 140.]] أن النبي ﷺ لم يوعد بشيء يخلف فيه، وعنها [[الطبري 13/ 87، وابن أبي حاتم 7/ 2211، وأخرجه البخاري (4695) كتاب التفسير باب: قوله ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾، والحاكم في "المستدرك" 3/ 349، وقال على شرط الشريخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.]] أيضًا أنها قالت: معاذ الله أن تظن الرسلُ هذا بربها.
قال أبو علي [["الحجة" 4/ 443.]]: وإن ذهب ذاهب إلى أن المعنى: ظن الرسل أن الذي وعد الله أممهم على لسانهم قد كذبوا، فقد أتى عظيمًا لا يجوز أن ينسب مثلُه إلى الأنبياء، لأن الله سبحانه لا يخلف الميعاد ولا مبدل لكلماته، هذا قول من أنكر هذه الرواية.
وقال الأزهري [["تهذيب اللغة" (كذب) 4/ 3115.]]: إن صح هذا عن ابن عباس فوجهه عندي -والله أعلم- أن الرسل خطر في أوهامهم ما يخطر في أوهام البشر، من غير أن حققوا تلك الخواطر، ولم يكن ظنهم ظنًّا اطمأنوا إليه، ولكن كان [[في "التهذيب" 4/ 3115: ونكنه كان خاطرًا بغلبة اليقين.]] ظنًا بخاطر، وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال: "تجاوز الله عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم ينطق به لسان أو تعمله يد" [[أخرجه الترمذي بلفظه (1183) الطلاق واللعان، باب: ما جاء فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وبنحوه في البخاري، (2028) كتاب العتق باب: الخطأ والنسيان في العتاقة، والطلاق وفي مسلم (127) كتاب: الأيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر.]].
وقوله تعالى: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ قال ابن عباس [[الطبري بلفظ فينصر الله الرسل 13/ 83.]]: يريد نصر النبيين.
﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ كتبت في المصحف بنون واحدة كراهة لاجتماع المثلين، كما كتبوا: الدنيا والعليا ومحيا ونحو ذلك، بالألف؛ كراهة لاجتماع المثلين، ولولا ذلك لكتبت بالياء كما كتبت: حبلى ونخشى، وما لم يكن فيه ياء من هذا النحو بالياء، فلما كرهوا اجتماع المثلين في الخط حذفوا النون، وقوى ذلك أنه لا يكون في هذه النون إلا الإخفاء ولا يجوز البيان؛ لأنها لا تتبين عند حروف الفم فأشبه بذلك الإدغام؛ لأن الإخفاء لا يتبين فيه الحروف المخففة [[في (ب): (المخفا الصحيح).]] كما أن الإدغام لا يتبين فيه الحرف المدغم بيانه في غير الإدغام، فلما وافوا هذه النون المدغم استحبوا حذفه من الخط، ولأجل [[في (ج): (لأجل) من غير واو.]] هذه [السورة من الخط قرأ عاصم (فُنُجِّي) [[قرأ ابن عامر وعاصم (فنُجِّي) مشددة الجيم مفتوحة الياء بنون واحدة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي (فنُنْجي) بنونين الأول مضمومة والثانية ساكنة والياء ساكنة وروى عن أبي عمرو (فَنَّجِّي) يدغم. انظر: "السبعة" ص 352، و"إتحاف" /268، والطبري 13/ 89، و"البحر" 5/ 355.]] مشدّدة الجيم مفتوحة الياء بنون واحد، وقوى هذه] [[ما بين المعقوفين في (ب) وساقط من (أ)، (ج).]] القراءة أنه عُطِفَ عليه فعل مسند إلى المفعول وهو قوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ وأما قراءة العامة ﴿فننجي من نشاء﴾ وقال أبو علي [["الحجة" 4/ 445.]]: هو حكاية حال، ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى فعل الحال على ما كانت، كما أن قوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: 15] أشار إلى الحاضر والقصة ماضية لأنه حكى الحال.
يوسف 12:111
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 154، وانظر: الثعلبي 7/ 118 ب، والبغوي 4/ 287، و"زاد المسير" 4/ 297.]]: يريد إخوة يوسف وهم الأسباط، "عبرة" قال [[الطبري 16/ 312، وابن أبي حاتم 7/ 2213، وأبو الشيخ عن ابن عباس: معرفه، كما في "الدر" 4/ 87.]]: يريد فكرة، قال ابن الأنباري: معنى الاعتبار عند أهل اللغة: الاستعلام للشيء بالدلائل والشواهد من خواطر العقول وغيرها، يقول الرجل لغيره: اذهب فاعتبر وزن هذا الدرهم، يريد: استعمله وابحث عن خبره، وهذا يرجع إلى الفكر الذي فسره ابن عباس.
وقال غيره [[انظر "تهذيب اللغة" (عبر) 3/ 3305 - 3306، و"اللسان" (عبر) 5/ 2783.]]: معنى الاعتبار التدبر والنظر في الأمر كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [[الحشر: 2، وفي جميع النسخ: يا أولي الألباب، وهو خطأ.]] أي: تدبروا وانظروا فيما نزل بقريظة والنضير، فقايسوا أفعالهم واتعظوا بالعذاب الذي نزل بهم.
وقال أبو الهيثم [["تهذيب اللغة" (عبر) 3/ 2305.]]: العابر الذي ينظر في الكتاب فيعبره، أي: يعتبر بعضه ببعض حتى يقع فهمه عليه، وهذا كله راجع إلى معنى الفكرة، والتدبر أخذ من العبرة وهو الجانب، كأن المعبر باستدلاله وتفكره يعبر عن جانبه الذي هو فيه إلى جانب البصيرة والعلم، فمعنى العبرة: الدلالة التي بها يعبر إلى العلم والبصيرة من الجهل والحيرة، والعبارة دلالة يعبر المعني من نفس القائل إلى نفس السامع، وقد ذكرنا نحو هذا عند قوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43].
قال أهل المعاني [["زاد المسير" 4/ 297.]]: ووجه الاعتبار بقصصهم هو أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب، وإعلائه بعد حبسه في السجن، وتمليكه مصر بعد أن كان لبعض أهلها في حكم العبد، وجمع بينه وبين والديه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة - لقادرٌ على أن يعز محمدًا، ويعلي كلمته، وينصره على من عاداه.
وقوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إن قيل: إن قوم محمد -ﷺ- كانوا ذوي عقول وأحلام وفيهم من لم يعتبر بهذه القصص فلم عم الله تعالى أهل الألباب بالعبرة؟
قال أبو بكر بن الأنباري [[الرازي 18/ 228.]]: إن جميعهم عُرِّضوا للاعتبار بما سمعوه، فمنهم من اعتبر، ومنهم من أبى ذلك، إيثارًا لهواه وعنادًا، فلم يخرج عن أن يكون له عبرة لو اعتبر.
وقال غيره [[انظر: الطبري 13/ 90، و"البحر المحيط" 5/ 356.]]: أراد بأولي الألباب هاهنا: من اعتبر وتفكر وعلم الحق، وذلك أن من لم يعتبر بمثل هذا لا يكون له عقل سليم، فلا يكون من جملة العقلاء الذين يوصفون بالاعتبار.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: ما كان قصصهم حديثًا يتقوله بشر، على هذا دل كلام ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 155.]]: ويجوز أن يكون المعنى: ما كان القرآن حديثًا يفترى، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، أي: من الكتب، أي: يصدق ما قبله من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب، قاله ابن عباس [[انظر: "زاد المسير" 4/ 297، البغوي 4/ 287، ابن كثير 2/ 546.]] والحسن [[الطبري 13/ 90، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 78 عن قتادة، وابن أبي حاتم 7/ 2213 عن قتادة.]] وقتادة.
ونصب (تصديق) على تقدير: ولكن كان تصديق الذي بين يديه، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 40]: قاله الفراء [["معاني القرآن" 2/ 56.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 133.]]، قالا: ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه من أمور الدين من الحلال والحرام والحجاج والاعتبار، هذا إذا قلنا: ما كان القرآن، وإن قلنا: ما كان القصص، فالمعنى: وتفصيل كل شيء من نبأ يوسف وإخوته.
وهكذا فسر ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 298، و"البحر المحيط" 5/ 356.]] فقال في رواية عطاء والضحاك: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من خبر يوسف وإخوته وأمورهم.
وعلى التفسيرين جميعًا: قوله ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ من العام الذي أريد به الخاص كقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156] يريد كل شيء يجوز أن يدخل فيها. وقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23] أي: من كل شيء يجوز أن يؤتى مثلها.
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 298، و"تنوير المقباس" ص 155]]: يريد بيانًا ورحمةً لقوم يؤمنون: أي يصدقون بما جاء به محمد -ﷺ-.