Al-Basit — الحجر 15:1 – النحل 16:79
المحتويات
- الحجر 15:1
- الحجر 15:2
- الحجر 15:3
- الحجر 15:4
- الحجر 15:5
- الحجر 15:6
- الحجر 15:7
- الحجر 15:8
- الحجر 15:9
- الحجر 15:10
- الحجر 15:11
- الحجر 15:12
- الحجر 15:13
- الحجر 15:14
- الحجر 15:15
- الحجر 15:16
- الحجر 15:17
- الحجر 15:18
- الحجر 15:19
- الحجر 15:20
- الحجر 15:21
- الحجر 15:22
- الحجر 15:23
- الحجر 15:24
- الحجر 15:26
- الحجر 15:27
- الحجر 15:29
- الحجر 15:30
- الحجر 15:31
- الحجر 15:32
- الحجر 15:33
- الحجر 15:34
- الحجر 15:35
- الحجر 15:38
- الحجر 15:39
- الحجر 15:40
- الحجر 15:41
- الحجر 15:42
- الحجر 15:43
- الحجر 15:44
- الحجر 15:45
- الحجر 15:46
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:49
- الحجر 15:50
- الحجر 15:51
- الحجر 15:52
- الحجر 15:54
- الحجر 15:55
- الحجر 15:56
- الحجر 15:57
- الحجر 15:58
- الحجر 15:59
- الحجر 15:60
- الحجر 15:61
- الحجر 15:62
- الحجر 15:63
- الحجر 15:64
- الحجر 15:65
- الحجر 15:66
- الحجر 15:67
- الحجر 15:68
- الحجر 15:69
- الحجر 15:70
- الحجر 15:71
- الحجر 15:72
- الحجر 15:73
- الحجر 15:74
- الحجر 15:75
- الحجر 15:76
- الحجر 15:77
- الحجر 15:78
- الحجر 15:79
- الحجر 15:80
- الحجر 15:81
- الحجر 15:82
- الحجر 15:84
- الحجر 15:85
- الحجر 15:86
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:89
- الحجر 15:90
- الحجر 15:91
- الحجر 15:92
- الحجر 15:93
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
- النحل 16:1
- النحل 16:2
- النحل 16:3
- النحل 16:4
- النحل 16:5
- النحل 16:6
- النحل 16:7
- النحل 16:8
- النحل 16:9
- النحل 16:10
- النحل 16:11
- النحل 16:12
- النحل 16:13
- النحل 16:14
- النحل 16:15
- النحل 16:16
- النحل 16:17
- النحل 16:18
- النحل 16:20
- النحل 16:21
- النحل 16:22
- النحل 16:23
- النحل 16:24
- النحل 16:25
- النحل 16:26
- النحل 16:27
- النحل 16:28
- النحل 16:29
- النحل 16:30
- النحل 16:31
- النحل 16:32
- النحل 16:33
- النحل 16:34
- النحل 16:35
- النحل 16:36
- النحل 16:37
- النحل 16:38
- النحل 16:39
- النحل 16:40
- النحل 16:41
- النحل 16:42
- النحل 16:43
- النحل 16:44
- النحل 16:45
- النحل 16:46
- النحل 16:47
- النحل 16:48
- النحل 16:49
- النحل 16:50
- النحل 16:51
- النحل 16:52
- النحل 16:53
- النحل 16:54
- النحل 16:55
- النحل 16:56
- النحل 16:57
- النحل 16:58
- النحل 16:59
- النحل 16:60
- النحل 16:61
- النحل 16:62
- النحل 16:63
- النحل 16:64
- النحل 16:65
- النحل 16:66
- النحل 16:67
- النحل 16:68
- النحل 16:69
- النحل 16:70
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:73
- النحل 16:74
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:78
- النحل 16:79
الحجر 15:1
قوله -عز وجل-: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ذكرنا الكلام في هذا مستقصى في أول سورة يوسف ويونس، وكذلك في سورة الرعد. وذكرنا في سورة الرعد أن الكِتَاب هناك يجوز أن يريد به التوراة، ويجوز أن يريد به القرآن، وهاهنا أيضاً يجوز فيه الوجهان؛ أحدهما: أن يراد بالكتاب الذي كان قبل القرآن من التوراة والإنجيل، ثم عطف عليه القرآن، قال صاحب النظم: تقدير هذه الآية في الكلام: زيدٌ هذا صاحب الفرس وحمارٍ تارةً [[المثبت من (ش)، (ع)، وفي (أ)، (د): (فاده)، وهذا المثال صحيح من الناحية النحوية، لكنه لا يليق التمثيل به في هذا الموضع، ولو قال: هذا زيدٌ صاحب الكتاب وقلمٍ تارةً، لكان أليق بالمقام.]]، وهذا معنى قول مجاهد وقتادة [[أخرجه الطبري 14/ 1 عنهما من طريقين، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 317 عنهما، وانظر: "تفسير ابن عطية" 7/ 276، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 171 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة، ولم أجده في "تفسير مجاهد".]].
وقال آخرون: الْكِتَابِ هو القرآن [[ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 147، والطوسي 6/ 317، و"تفسير ابن عطية" 7/ 276، والفخر الرازي 19/ 151، و"تفسير القرطبي" 10/ 2، والخازن 3/ 88.]]، وجمع بين الوصفين لما فيهما من الفائدتين، وإن كانا لموصوف [[في (ش)، (ع): (بالموصوف).]] واحد؛ وذلك أن الْكِتَابَ يفيد أنه مما يُكتب ويُدون، ﴿وَقُرْآنٍ﴾ يفيد أنه بما يؤلف ويجمع بعض حروفه إلى بعض [[انظر: "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 183.]]، ويكون كقوله [[لم أقف على قائله.]]:
إلى المَلِك القَرْمِ .......... (البيت)
وقد مر [[أورده كذلك في نهاية السورة، والبيت كاملاً هو:
إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهُمَام ... ولَيْثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ
وقد ورد بلا نسبة في: "معاني القرآن" للفراء 1/ 105، و"تفسير الطوسي" 6/ 317، والزمخشري 1/ 23، و"الإنصاف" ص 376، و"تفسير القرطبي" 9/ 278، و"الخزانة" 1/ 451، 5/ 107، 6/ 91، (القَرْم) السيد، (الهُمام) الملك العظيم الهمّة، (الكتيبة) جماعة الخيل، وهي الفصيل من الجيش، (المُزدَحمْ) مكان المعركة. والشاهد: أنه عطف ابن الهمام، وليث الكتيبة، على القرم، وكلها أوصاف لشيء واحد؛ هو الملك، وذلك جائز عند أهل اللغة. انظر: "الانتصاف من الإنصاف"، بهامش "الإنصاف" 2/ 470.]]، وذكرنا معنى "الْمُبِين" في فاتحة سورة يوسف.
الحجر 15:2
قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقُرئ ﴿رُبَمَا﴾ بالتخفيف، قال السُّكّري [[الحسن بن الحسين بن العلاء، أبو سعيد النحويّ اللغويّ، المعروف بابن السكري، أخذ عن أبي حاتم السجستاني، والرياشي، كان راوية للبصريين، وكان ثقة ديناً صادقاً، له: كتاب "الوحوش"، وكتاب "النبات"، و"أشعار هذيل" مات سنة 275 هـ، وقيل (290 هـ)، وكان مولده سنة (202 هـ) انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص 183. "الفهرست" ص 217، "نزهة الألباء" ص 160، "البلغة" ص 296، "البغية" 1/ 502.]]: ربّما وربتما ورُبّ، حرف جر عند سيبويه [[انظر: "الكتاب" باب الجر 1/ 419.]]، ويلحقها (ما) على وجهين: أحدهما: أن تكون نكرة بمعنى شيء، وذلك كقوله:
رُبَّما تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْرِ ... لها فَرْجةٌ كَحَلِّ العِقَالِ [["ديوان أمية بن أبي الصلت" ص 444 وفيه: (تجزع) بدل (تكره)، وورد البيت في "الكتاب" 2/ 109، 315، "اللسان" (فرج) 6/ 3369، "الخزانة" 6/ 108، 10/ 9، وورد غير منسوب في "البيان والتبيين" 3/ 224 برواية (تجزع)، "المقتضب" 1/ 42، "جمهرة اللغة" 1/ 463، "إيضاح الشعر" ص295، 445، "معاني الحروف" للرماني ص 156، "تفسير الطوسي" 6/ 314 برواية (تجزع)، "أمالي ابن الشجري" 2/ 554، "أساس البلاغة" 2/ 191 (فرج)، "تفسير ابن عطية" 8/ 277 "تفسير ابن الجوزي" 4/ 382 برواية "تجزع"، "إنباه الرواة" 4/ 134، "شرح المفصل" 3/ 4، "تفسير أبي حيان" 5/ 443، "همع الهوامع" 1/ 22، 316، "شرح الأشموني" 1/ 192، (الفَرجة) بالفتح قيل: الراحة من حزن أو مرض، و (الفُرجة) بالضم: الخلل بين الشيئين، (العقال) بالكسر: الحبل الذي يشد به قوائم الإبل، والمعنى: ربّ شيء تكرهه النفوس من الأمور الحادثة الشديدة، وله فَرجة سهلة سريعة تعقب الضيقَ والشدة؛ كحل عقال الدابة.]]
فـ (ما) في هذا البيت اسم لما يُقَدَّر من عَوْد الذكر إليه من الصفة، المعنى: رب شيء تكره النفوس، وإذا عاد إليها الهاء كان اسمًا ولم يجز أن يكون الحرف [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 460 بنصه.]]، كما أن قوله سبحانه ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ [المؤمنون: 55] ما عاد الذكر إليه علمت بذلك أنه اسم، ويدلك على أن (ما) قد تكون اسمًا إذا وقعت بعد رب وقوع (من) بعدها [[في جميع النسخ: (بحدها)، والمثبت هو الصحيح، وموافق للمصدر.]] في نحو قوله [[هو عمرو بن قميئة جاهلي.]]: يا رُبَّ مَن يُبْغِضُ أذْوادَنا ... رُحْنَ على بَغْضائِه واغْتدَيْنْ [[ملحقات "ديوانه" ص 81، وورد في: "الكتاب" 2/ 108، "الأزهية" ص 101، "أمالي ابن الشجري" 3/ 219،64، وورد بلا نسبة في: "الحيوان" 3/ 466، "المقتضب" 1/ 41، "المسائل البغداديات" ص 566 (صدره)، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 152، "شرح المفصل" 4/ 11، "معجم الشعراء" ص 27 وقد نسبه إلى عمرو بن لأي جاهلي. (الأذواد)، جمع ذود، وهو القطيع من الإبل ما بين الثلاث إلى الثلاثين، يعني أنهم أعزاء لا يستطيع أحد صد إبلهم عن مرعى، مما لهم من قوة ومنعة، (اغتدين) غدا يغدُو غدْوًا وغُدواً، واغتدى: بكَّر، والاغْتداء، الغُدُوُّ. "اللسان" (غدو) 6/ 3221.]]
وكما دخلت على (مَنْ) وكانت نكرة، كذلك تدخل على (ما) فهذا ضرب، والضرب الآخر: أن تدخل (ما) كافة، نحو الآية، والنحويون يسمّون (ما) هذه الكافة؛ يريدون أنها بدخولها كفت الحرفَ عن العمل الذي كان له، وهيأته لدخوله على ما لم يدخل عليه، ألا ترى أن (رب) إنما تدخل على الاسم المفرد؛ نحو: رب رجل يقول ذلك، ولا تدخل على الفعل، فلما دخلت (ما) عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية [["الحجة للقراء" 5/ 36 وهو نقل طويل مع اختصار يسير، وانظر: "تفسير الطوسي" 6/ 314، الفخر الرازي 19/ 152.]]، فإن قيل لم قال: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ فجاء بعد ربما بفعل مستقبل، وسبيلها أن يأتي بعدها الماضي كما يقال: ربما قصدني عبد الله، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها؟ قال ابن الأنباري: المستقبل في هذا بمنزلة الماضي، وإنما جاز الماضي هاهنا وهو لأمر لم يأت؛ لأن القرآن نَزَّل وعده ووعيده وما كان فيه كأنه عيان، فجرى الكلام فيما لم يكن منه كمجراه في الكائن، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: 51] كأنه ماضٍ وهو منتظَر؛ لصدقه، وكذلك قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: 44] وهذا معنى قول الفراء في هذه الآية [["معاني القرآن" للفراء 2/ 82.]]، وقال أبو علي الفارسي: إنما وقع ﴿يَوَدُّ﴾ في الآية على لفظ المضارع؛ لأنه حكايته لحال آتية، كما أن قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [النحل: 124] حكايته لحال آتية أيضًا، ومن حكايته الحال قول القائل [[منسوب لرؤبة وهو في ملحقات "ديوانه" ص 176 وروايته:
لقد أتى في رمضان الماض ... جارية في درعها الفضفاضِ
تُقطّعُ الحديث بالإيماض ... أبيض من أختِ بني إباضِ]]:
جَارِيةٌ في رَمَضَانَ الماضِي ... تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ [[ورد غير منسوب في: "تفسير الطوسي" 6/ 314، "غرائب التفسير" 1/ 585، "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 185 "اللسان" (رمض) 3/ 1730، "الخزانة" 1/ 156، "الإنصاف" ص 124 برواية:
جارية في درعها الفَضْفَاض
والمعنى أن القوم كانوا يتحدثون فأومضت امرأة فتركوا الحديث واشتغلوا بالنظر إليها لبراعة جمالها.]]
قال ومن زعم أن الآية على إضمار (كان) وتقديره: ربما كان يود الذين كفروا، فقد خرج بذلك عن قول سيبويه [[لأن هذا ليس من مواضع إضمار كان عنده؛ فكان لا تضمر عنده إلا حيث يكون حذف مقتضيها، وفي موضع تقوى الدلالة عليها. ذكره المنتجب في "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 185، وانظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 444.]]، ألا ترى (كان) لا تُضمر عنده، ولم يُجِزْ: وعبد الله المقتول، وأنت تريد: كن عبد الله المقتول، قال: ويجوز أن يكون (ما) في هذه الآية صفة بمنزلة شيء، و ﴿يَوَدُّ﴾ صفة له؛ وذلك أن (ما) لعمومها تقع على كل شيء، فيجوز أن يعني بها الودّ؛ كأنه في هذا الوجه أيضًا حكاية حال، ألا ترى أنه لم يكن بَعْدُ، انتهى كلامه. [["الحجة للقراء" 5/ 39 بنصه.]] وقد تلي (ربما) الأسماءُ، وكذلك (ربتما)، أنشد ابن الأعرابي [[والبيت لضمرة بن ضمرة النهشلي (جاهلي).]]:
ماويَّ يَا ربَّتَما غارةٍ ... شَعْواءَ كاللَّذْعةِ بالِمِيسمَ [[ورد البيت منسوباً في: "نوادر أبي زيد" ص 253، "المعاني الكبير" 2/ 1005، "الخزانة" 9/ 384. وورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" (ماء) 9/ 3314، 9/ 3814 (رب) 2/ 1339، (موا) 4/ 3467، "الحجة للقراء" 5/ 35، "الإنصاف" ص90، "شرح المفصل" 8/ 31، "أمالي ابن الشجري" 2/ 413، "اللسان" (ربب) 3/ 1552، "الخزانة" 11/ 196، ورواية "النوادر والمعاني" و"الحجة" و"الأمالي": (بل ربتما). (ماويّ): أراد ماويّ؛ من أسماء النساء، فرخَّم، (الشعواء) الغارة الكثيرة المنتشرة؛ أراد الخيل التي تغير، (المِيسم) ما يوسم به البحير بالنار.]]
وإن قيل لِمَ [[في (أ)، (د): (لو)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح لاستقامة المعنى به.]] لَمْ تكف (ما) (رب) عن العمل كما كفت (إنّ) في قولك: إنما الله، وإنما زيد؟! قيل الفرق بينهما أن (إنّ) حرف الابتداء، فلما سُلب العمل بالكف لم يبق للجملة معنى سوى الابتداء، وحق الابتداء الرفع، ومعنى (رب) وهو التقليل موجود في الاسم كل حال، دخل عليه (ما) أو لم يدخل فتبَيَّن أثره في الاسم، فأما قراءة من قرأه ﴿رُبَمَا﴾ بالتخفيف [[هما نافع وعاصم. انظر: "السبعة" ص 366، "إعراب القراءات السبع" 1/ 339، "علل القراءات" 1/ 293، "الحجة للقراء" 5/ 35.]]؛ فلأنه حرف مضاعف، والحروف المضاعفة قد تحذف نحو: إنّ، وأنّ، ولكنّ، قد حذف [[في جميع النسخ: (خفف)، والمثبت هو الصحيح لاستقامة الكلام، وموافقة المصدر.]] كل واحد من هذه الحروف، وليس كل المضاعف يحذف نحو (ثُمَّ)، لم يُحك فيه الحذف [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 41 بنصه، وانظر: "تفسير الطوسي" 6/ 316.]]، قال أبو إسحاق: العرب تقول: رُبّ رجلٍ جاءني، ويخففون فيقولون: رُبَ رَجُلٍ، وأنشد [[للحادرة أو الحويدرة؛ واسمه قطبة بن أوس الذبياني (جاهلي).]]:
أَسُمَيَّ ما يُدْرِيكِ أن رُبَ فِتْية ... بَاكَرْتُ لذَّتَهُمْ بِأدْكَنَ مُتْرَعِ [["ديوان الحادرة" ص 56، وورد في "المفضَّليات" ص 46، "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 171، "علل القراءات" 1/ 293، "شرح اختيارات المفضل" 1/ 225، وورد بلا نسبة في "إعراب القراءات السبع" وعللها 1/ 340وفيه: (سُخرتهم) بدل (لذتهم)، "المُنصف" (3/ 129) وفيه: (ما أدراك)، وفي الديوان وجميع المصادر ما عدا علل القراءات بدايته برواية: (فَسُمَيَّ)، وهو تَرْخيم سُمَيَّة. (باكرتُ لذتهم) أسرعت إليهم لأمتعهم، (الأدكن المترع) الزِّق المليء بالخمر.]]
ويسكنون أيضًا في التخفيف فيقولون: رُبْ رَجُلٍ، وأنشد بيت الهذلي:
أزُهَيْرُ إن يَشِبِ القَذَالُ فإنني [[في جميع المصادر - ما عدا الديوان والزجاج والطوسي وابن الجوزي (فإنه).]] ... رُبَ هَيْضلٍ مَرِسٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ [["شرح أشعار الهذليين" ص 1070، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 316، "أمالي ابن الشجري" 3/ 48، إيضاح شواهد الإيضاح 1/ 287، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 380، "الخزانة" 9/ 537، وورد غير منسوب في: "المحتسب" (ع) 2/ 343، "أمالي ابن الشجري" 2/ 179، "الإنصاف" ص 247، "شرح المفصل" 8/ 31، "الممتع في التصريف" 2/ 627، "المقّرِب" 8/ 200، "رصف المباني" ص 141، 270، "الخزانة" 9/ 535، وفي الديوان وجميع المصادر - ما عدا "تفسير ابن == الجوزي" و"المقرب" و"الرصف" و"الخزانة"- برواية (لَجِبٍ) بدل (مَرِسٍ) ولا يختلف المعنى. (زهير) مرخَّم زهيرة، وهي ابنته، (القذال) ما بين الأذن والقفا، (مَرِسٍ) ذو مَرَاسَة وشدة، (لَجِبٍ) من قولهم جيشٌ لجب؛ عرمرم، ذو جَلَبة وكثرة.]] والهيضل جماعة متسلِّحة، قال ويقولون: رُبَّتْ بسكون التاء، ورَبَّت بفتح الراء، ومثله: رَبَّ ورُبَمَا ورَبَّتَمَا، حكى ذلك قطرب [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 171 بتصرف يسير.]]، قال أبو على: من الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث نحو: ثُمَّ ثمَّت، ولا ولات [["الحجة للقراء" 5/ 41 بنصمي]]، فأمّا معنى الآية فهو ما رواه أبو موسى أن النبيّ ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القلبة، قال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها فحينئذ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية" [[أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" 2/ 405 بنحوه، والطبري في "تفسيره" 14/ 2 بنحوه، والحاكم في "المستدرك" 2/ 242 بنحوه، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في "البعث" ص 91، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 2/ 600 - 601 وعزاه إلى الطبراني لم أقف عليه وابن أبي حاتم، وأوده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 45، قال وفيه خالد بيت نافع الأشعري، قال عنه أبو داود: متروك، وبقية رجاله ثقات، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 172 وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وورد دون سند في "تفسير البغوي" 4/ 367 - 368، وابن الجوزي 4/ 380، والفخر الرازي 19/ 154 وهذا الحديث يدور على خالد بن نافع الأشعري، وهو ضعيف بل قال عنه أبو داود متروك، ولم يوافق الذهبي على تركه، وقال: هذا تجاوز فلا يستحق == الترك وقد حدث عنه أحمد ومسدد "الميزان" 2/ 166، ومع ذلك فالحديث ضعيف بهذا الإسناد؛ لضعف خالد الأشعري، لكن له شواهد عن ابن عباس وأنس رضي الله عنهما لذلك صحح الألباني الحديث في تحقيقه لكتاب "السنة" لابن أبي عاصم 2/ 406.]] وعلى هذا أكثر المفسرين؛ أبو العالية ومجاهد والسدي ومقاتل وغيرهم، قالوا: أنزلت في تمني الكفار الإسلام عند خروج من يخرج من النار من أهل الإسلام [["تفسير مجاهد" ص 339 مختصرًا، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 345 بنحوه عن مجاهد، والطبري 14/ 3 بمعناه عن مجاهد وأبي العالية، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 7 عن مجاهد، "تفسير السمرقندي" 2/ 214 عن مجاهد وأبي العالية، "الطوسي" 6/ 317 عن مجاهد، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381 عن مجاهد وأبي العالية، وابن كثير 2/ 600 - 601 عن مجاهد وأبي العالية، ولم أقف على القول في تفسير مقاتل ولا منسوباً إليه ولا إلى السدي.]]، قال حماد [[حمّاد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، أحد الأعلام، ثقة عابد، روى عن قتادة وابن أبي مليكة وثابت، وروى عنه ابن المبارك ووكيع وابن مهدي، قال ابن معين: إذا رأيت من يقع فيه فاتهمه على الإسلام، مات سنة (167هـ)، "الجرح والتعديل" 3/ 140، "الكاشف" 1/ 349، "تقريب التهذيب" ص 178 رقم (1499).]]: سألت إبراهيم عن هذه الآية فقال: إن الكفار يقولون لأهل التوحيد ما أغنى عنكم لا إله إلا الله، فيأمر الله الملائكة والنبيين فيشفعون لهم، فيخرجهم من النار [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 345 بنحوه، و"الطبري" 14/ 5 بنصه وبنحوه بعدة روايات، وورد بنحوه في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 7، "تفسير السمرقندي" 2/ 214، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381.]]، ونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء [[أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ص 558، والطبري 14/ 5، والبيهقي في البعث ص 89، كلهم من طريق القاسم بن الفضل، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381، "الدر المنثور" 4/ 172 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.]]، وروى مجاهد عن ابن عباس قال: مايزال [[في (أ)، (د): (ما أنزل)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.]] الله تعالى يرحم ويدخل الجنّة ويشفع حتى يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة، قال فذلك حين يقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [["أخرجه الطبري" 14/ 5 بنصه، من طريق عطاء بن السائب "صحيحة"، وأورده الثعلبي 2/ 145 ب بنصه، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 351 وصححه، والبيهقي في "البعث والنشور" ص 89 بنصه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381، الفخر الرازي 19/ 154، الشوكاني 3/ 124 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وهناد السريّ وابن المنذر.]].
وقال الضحاك: إذا احتضر الكافر وعلم أنه صائر إلى جهنم ودَّ أنه كان مسلمًا [["أخرجه الطبري" 14/ 4 بنحوه، "تفسير البغوي" 4/ 367، وابن الجوزي 4/ 381، الفخر الرازي 19/ 154، "تفسير القرطبي" 10/ 2، والخازن 3/ 88.]]، قال الزجاج: والذي أراه والله أعلم، أن الكافر لما رأى حالاً من أحوال العذاب ورأى حالاً من أحوال المسلم، ودَّ لو كان مسلمًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 172 بنصه.]]. فإن قيل (رب) موضوعة للتقليل وهي في التقليل نظيرة [[في الجميع: (نظره)، والمثبت هو الصحيح وبه يستقيم المعنى.]] (كم) في التكثير، وإذا قال الرجل: ربما زارنا فلان، دلّ بربما على تقليل الزيارة، وتمني الكافر الإسلام يكثر ويتصل فلا يشاكله ربما؟
قال ابن الأنباري: هذا الكلام معناه من الله التهديد، والمعنى: أن هذا لو كان مما يتمنى مرة واحدة من الدهر لكانت المسارعة إليه عند الإمكان واجبة، فكيف والتمني له يتصل ويكثر [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 382، وورد هذا المعنى في "تفسير الزمخشري" 2/ 310، والبيضاوي 1/ 267، وابن جزي 2/ 143.]]، وإنما خوطبت العرب في القرآن بما تعقله، والرجل يتهدَّدُ صاحبه فيقول له: لعلك ستنْدَمُ على فعلك، وهو لا يشك في أنه يندم، ويقول: ربما تندم على هذا، وهو يعلم أنه يندم كثيرًا، ولكن مجازه أن هذا لو كان يخاف منه ندم قليل، لكان تركه واجبًا، فكيف إذا لم يتيقن قلة الندم من جهته؟ والدليل على أن هذا ورد في التهدد قوله بعده: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا﴾ الآية، وهذا كله معنى قول الزجاج، قال: وجائز أن تكون أهوال القيامة تشغلهم عن التَّمَنّي، فإذا أفاقوا من سكرةٍ من سكراتِ العذاب ودّوا ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 172 بتصرف.]]، وعبَّر بعض أهل المعاني عن هذين الجوابين بعبارة وجيزة؛ فقال في الجواب الأول: التقليل أبلغ في التهدد، كما يقول: ربما ندمت على هذا، وهو يعلم أنه يندم ندمًا طويلًا أي: يكفيك قليلُ الندم فكيف كثيرُهُ، وقال في الجواب الثاني: إنه يشغلهم العذاب عن تمني ذاك إلا في القليل [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 153، والخازن 3/ 88.]]، قال أبو إسحاق: ومن قال إن (رُبَّ) يُعْنَى بها الكثير، فهو ضد ما يعرفه أهل اللغة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 173 بنصه.]].
الحجر 15:3
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ يقول: دع الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولاخلاق لهم في الآخرة، وقال صاحب النظم: المعنى ذرهم ولا تَدْعُ عليهم فيهلكوا [[وهو قول غريب لم أجد أحدًا من المفسرين قال به، ووجه الغرابة أنه ثبت دعاؤه على الكفار في بعض المناسبات.]]، وإذا تركهم خاضوا ولعبوا وأكلوا وتمتعوا، وهذا كقوله: ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [الزخرف: 83].
وقوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ يقال: لَهِيتُ عن [[في جميع النسخ (من) والمثبت هو الصحيح وموافق لجميع المصادر.]] الشيء ألْهَى لُهِيًّا [["جمهرة اللغة" 2/ 991، "تهذيب اللغة" (لهى) 4/ 3304 "الصحاح" (لها) 6/ 2488، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 154.]]، وجاء في الحديث: "إن ابن الزبير كان إذا سمع صوت الرعد لَهِي عن [[في جميع النسخ: (من)، والمثبت هو الصحيح وموافق لجميع المصادر.]] حديثه" [[لم أجده في كتب السنة، وورد في "تهذيب اللغة" (لهى) 4/ 3304 بنصه، "الصحاح" (لها) 6/ 2488، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 155.]] قال الكسائي والأصمعي: أي تركه وأعرض عنه، وكلُّ شيء تركته فقد لَهِيْتَ عنه [[المصادر السابقة.]]، وأنشد ابن الأعرابي:
صرَمَتْ حِبالَكَ فالْهَ عنها زَينبُ ... ولَقَد أَطَلْتَ عِتَابَها لو تُعْتِب [[ورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" (لهى) 4/ 3304، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 155.]]
ويقال: ألهاه الشيء، أي: شغله وأنساه وحمله على الترك والإعراض، قال المفسرون في قوله: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ شغلهم الأمل عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 5 بنحوه، والثعلبي 2/ 145 ب بنصه، و"تفسير البغوي" 4/ 368، وابن الجوزي 4/ 382، والفخرالرازي 19/ 155، والخازن 3/ 88.]]، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ وتهديدٌ، أي فسوف يعلمون إذا وردوا القيامة وبال ما صنعوا.
الحجر 15:4
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ قال ابن عباس: يريد من أهل قرية [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 344 بنصه، "تنوير المقباس" ص 276، وورد بلا نسبة في "تفسير البغوي" 4/ 369، وابن الجوزي 4/ 382.]]، ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ يريد أجل ينتهون إليه، يعني: أن لأهل كل قرية أجلًا مؤقتًا قد كتب لهم، لا نهلكهم حتى يبلغوه، نزلت هذه الآية حين استعجلوه بالعذاب [[لم يورده المؤلف في كتابه "أسباب النزول" ولم أقف عليه في كتب الفن أو التفاسير.]]، ألا ترى أن بعد هذه الآية لمحوله: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا﴾ الآية.
قال الفراء: لو لم يكن في (ولها) الواو كان صوابًا، كما قال في موضع آخر، ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] وهو كما تقول في الكلام: ما رأيت أحدًا إلا وعليه ثياب، وإن شئت: إلا عليه ثياب [["معاني القرآن" للفراء 283 بنصه.]].
قال صاحب النظم: والفرق بينهما أن دخول الواو يقلب حال ما بعدها إلى الابتداء، وخروجها منه يدل على أن ما بعدها في موضع حال، اعتبارًا بقولك: ما أهلكنا من قرية إلا ظالمًا أهلها، فيكون نصبًا على الحال، فإذا دخلت الواو قلت: إلا وأهلها ظالمون، فقلبت الواوُ الحالَ [[ساقطة من (د).]] إلى أن جعلتها مبتدأة، فانقلبت رفعًا عن النصب، وهذا فرق من حيث اللفظ، والمعنى واحد، أثبتَّ الواو أو حذفتَها.
الحجر 15:5
قوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ﴾ (من) زائدة مؤكدة كقولك: ما جاءني من أحد، ﴿أَجَلَهَا﴾: ما ضرب لها من الوقت، قال ابن عباس: يريد ما تتقدم الوقت الذي وُقت لها، ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾: لا يتأخرون عنه، وهذا كقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف: 34] وقد مرَّ.
قال صاحب النظم: معنى سَبَقَ إذا كان واقعًا على شخص، جاز وخَلّف، كقولك: سبق زيدٌ عمرًا، أي جاره وخلّفه وراءه فاستأخر، معناه قصر عنه ولم يبلغه، وإذا كان واقعًا على زمان كان بالعكس من هذا؛ كقولك: سبق فلانٌ الحولَ وعامَ كذا، أي مضى قبل إتيانه ولم يبلغه، ومعنى: استأخر عنه، أي: جارُه وخلّفه وراءه، فقوله: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ أي لا تقصر عنه فلا تبلغه؛ بأن تهلك قبل بلوغ الأجل ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي ما يتجاوزونه ويتأخر الأجل عنهم.
وقال الفراء في هذه الآية: لم يقل: تستأخر؛ لأن الأمة لفظها مؤنث، فأخرج أول الكلام على تأنيثها وآخره على معنى الرجال [["معاني القرآن" للفراء 2/ 84 بنصه.]]، قال الكسائي: رجع إلى الجماع لأنه رأس آية، والآيات على النون، وتقول: انطلقت العشيرة ففعلت، وفعلوا، كلٌّ صواب [[لم أقف على قوله.]].
الحجر 15:6
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي: القرآن، قال ابن عباس في رواية عطاء: هذا استهزاء منهم لو أيقنوا أنه نزل عليه الذكر ما قالوا: إنك لمجنون [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 383، وورد بمعناه غير منسوب في "تفسير البيغوي" 4/ 369، والزمخشري 2/ 310، والفخر الرازي 19/ 158، و"تفسير القرطبي" 9/ 4.]]، ولكنهم استهزؤوا، كما قال قوم شعيب لشعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87]. وذكر أبو علي وجهًا آخر هو لأصحاب المعاني فقال: الذين يقولون للنبيّ ﷺ مجنون لا يقرون بإنزال الذكر عليه، فهذا على ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾: عنده وعند من تبعه، كما قال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] أي عند نفسك، وكما أخبر عن السحرة، ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: 49] ومن آمن من السحرة لا يعتقدون فيه أنه ساحر، وإنما التقدير [[من قوله: (ادع لنا ربك) حتى هذا الموضع، ساقط من (أ)، (د).]] فيما يذهب إليه فرعون وقومه، أو فيما يظهرون من ذلك، وقد قال زهرة اليمن [[وفي الخصائص أنه لبعض اليمانية، ولم أقف عليه.]]:
أبْلِغْ كُلَيْبًا وأَبْلِغْ عَنْك شَاعِرَها ... أنَّي الأغَرُّ وأنِّي زهرةُ اليَمَنِ [[ورد البيت في "المسائل الحلبية" ص 82، 161، "الخصائص" 2/ 461، "سر صناعة الإعراب" 1/ 405، "تفسير ابن عطية" 13/ 287، أبي حيان 8/ 40، "الدر المصون" 9/ 629، وبلا نسبة في "المسائل العسكرية" ص 94.]]
(وأجابه جرير:
ألَمْ يَكُنْ في وُسُومٍ قد وَسَمْتُ بِهَا ... مَنْ حانَ موعظةً يازهرةَ اليَمنِ) [["ديوان جرير" ص 467، وليس فيه الشاهد لأنه برواية (ياحارث اليمن)، وورد في "المسائل الحلبية" ص 82، 162، "المسائل العسكرية" ص 94، "الخصائص" 2/ 461، "سر صناعة الإعراب" 1/ 405، "تفسير ابن عطية" 13/ 287، أبي حيان 8/ 40، "الدر المصون" 9/ 629، وفي الأخيرين برواية (كان) بدل (حان)، (وسوم) جمع وسم، وهو أثر الكي بالنار، والمراد الأثر السيء الناتج عن هجائه، (حان) أي هلك. ومعناه: ألم تكن لك موعظة في الشعر الذي هجوتك به من قبل فكان كالنار التي أكويك بها وأقضي عليك يا من تسمي نفسك زهرة اليمن، والشاهد: قوله: (يا زهرة اليمن) أي: يا من سمى نفسه زهرة اليمن، ولست عندي كذلك.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]]
يعني: عند نفسك، لا أنه سَلَّم [[في جميع النسخ: (سلمه) وقد أدى إلى اضطراب المعنى، والمثبت هو الصحيح، ولعله من تصحيف النساخ.]] له هذه التسمية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ يقال: جُنّ فلان فهو مجنون، وقد أجَنّه الله، وبه جنون وجِنّة ومَجِنّة، وأصله من الستر، ومنه قيل للنبت الملتف مجنون؛ لأن بعضَه يستر بعضًا [["جمهرة اللغة" 1/ 92، و (جنن) في: "لمحيط في اللغة" 6/ 409، "الصحاح" 5/ 2093.]]، وهذا الحرف مذكور فيما سبق.
الحجر 15:7
وقوله تعالى: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ قال الفراء والزجاج: (لولا) و (لوما) لغتان معناهما: هلا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 84 بنحوه، "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 173 بمعناه، وانظر: "معاني الحروف" للرماني ص 124.]]، وذمنا الكلام في (لولا) قبل هذا، و (لوما) لغة فيه، ويستعملان في الخبر والاستفهام، فالخبرُ مِثلُ قولِك: لولا أنت لفعلت كذا، ومنه قوله: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 31] والاستفهام كقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 8] وكهذه الآية، هذا قول الفراء، قال: (ولوما) الميم فيه بدل من اللام في (لولا)، ومثله: استولى على الشيء، واستومى عليه [[لم أقف على مصدره، وورد في "تفسير الفخر الرازي" 19/ 159، "تفسير القرطبي" 10/ 4.]]، ومثله ماحكاه الأصمعي من قولهم: خالَمْته وخالَلْتُه، إذا صادقته، وهو خِلِّي وخِلْمي [[ورد في "تهذيب اللغة" (ولي) 4/ 3958 بنصه، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 159، "اللسان" (ولي) 8/ 4924، "الدر المصون" 7/ 144.]]، وقال عبيد:
لَوْمَا على حُجْرِابْنِ أُم ... قَطَامِ تَبْكِي لا عَلَيْنا [[ورد في: "الشعر والشعراء" ص 166، و"الأغاني" 22/ 88 برواية ليس فيها الشاهد، وهي:
هلاَّ على حُجرِ ابن أُمِ .... قَطَامِ تبكي لا علينا= وورد بهذه الرواية البيت في"تهذيب اللغة" (ولي) 4/ 3958، "اللسان" (ولي) 8/ 4924.]] وهذا في الاستفهام، وقال ابن مقبل في الخبر:
لَوْ مَا الحياءُ ولَوْ مَا الدّينُ عِبْتُكُمَا ... بِبَعْضِ ما فيكُمَا إِذْ عِبْتُما عَوَرِي [["ديوانه" ص 76 وفيه: (لولا) بدل (لو ما) في المرتين، وليس في رواية الديوان الشاهد، وورد في "مجاز القرآن" 1/ 346، و"تفسير الطبري" 14/ 6، والثعلبي 2/ 145 ب، والطوسي 6/ 319، والزمخشري (2/ 310، وابن عطية 8/ 283، وابن الجوزي 4/ 383، و"تفسير القرطبي" 1/ 4، "اللسان" (بعض) 1/ 313، وفي جميع النسخ (فوري) بدل (عوري) ولم يظهر لي المعنى به، ولعلها تصحفت، خاصة أنه في الديوان وجميع المصادر (عوري).]]
قال ابن عباس: يريد لولا [[(يريد لولا) ساقط من (أ)، (د).]] جئتنا بالملائكة حتى نصدقك [["تنوير المقباس" ص 276 بمعناه، وورد غير منسوب بمعناه في "تفسير الطبري" 14/ 7. "تفسير السمرقندي" 2/ 215، و"تفسير البغوي" 4/ 369، والزمخشري 2/ 310، وابن الجوزي 4/ 383.]].
الحجر 15:8
قوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ يقول الله تعالى: ما ننزل الملائكة إلا بالعذاب، قاله ابن عباس [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 344 بمعناه، "تنوير المقباس" ص 276 بمعناه، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 215، و"تفسير البغوي" 4/ 369، والخازن 3/ 89.]]، وقال أبو إسحاق: أي: إنما [[في جميع النسخ: (ما إن)، والتصويب من المصدر.]] تنزل بآجال أو بوحي من الله [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 173 نصه.]]، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآية [الأنعام: 8] وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد إذا نزلت الملائكة لم يناظروا؛ أي: لم يمهلوا [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 345 بنصه، "تنوير المقباس" ص 276 بمعناه، وغير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 215، والماوردي 3/ 149، و"تفسير البغوي" 4/ 369، والزمخشري 2/ 311، وابن عطية 8/ 284، والفخر الرازي 19/ 159، و"تفسير القرطبي" 10/ 4، والخازن 3/ 89.]]، ونحوه قال الزجاج: أي: لو نزلت الملائكة لم ينظروا، وانقطعت التوبات [["معاني القرآن واعرابه" 3/ 173 بنصه.]]، يريد أن التكليف يزول ويسقط عند عَيان الغيب.
وقال صاحب النظم: أي: إذا نزل الملك وجب العذاب من غير تأخير ولا انتظار إذا لم يؤمنوا، وذلك أن تأويل (إذا) من كلمتين من (إذ) وهو اسم بمنزلة حين، ألا ترى أنك تقول: أتيتك إذ جئتني، ثم ضم إليها (أن) بضم إذ أن، إلا أنهم استثقلوا الهمزة فحذفوها، ومجيء (أن) دليل على إضمار فعل بعده على تأويل: وما كانوا إذ أن كان ما طلبوا [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 159، وصديق خان 7/ 148.]]، وذكرنا الكلام في (إذًا) عند قوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾ [[انظر: "البسيط"، [النساء: 53] ومن آية [42]، إلى أثناء آية [53] ساقط من النسخ، والكلام عن (إذاً) من الجزء الساقط.]] [النساء: 53]
الحجر 15:9
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ قال ابن عباس: يريد نفسه تبارك وتعالى.
قال أهل اللغة: هذا من كلام الملوك؛ الواحد منهم إذا فعل شيئًا قال: نحن فعلنا، يريد نفسه وأتباعه، ثم صار هذا عادة للملوك في الخطاب، وإن انفرد بفعل الشيء قال: نحن فعلنا، فخوطبت العرب بما تفعل من كلامها [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 384.]].
وقوله تعالى: ﴿نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ يعني القرآن في قول عامة المفسرين [[ورد بنصه في: "تفسير الطبري" 14/ 7، و"تفسير السمرقندي" 2/ 215، والماوردي 3/ 149، و"تفسير البغوي" 3/ 44، وابن الجوزي 4/ 384.]] ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قال قتادة: أنزله الله وحفظه من أن يزيد الشيطان فيه باطلاً أو يسقط منه حقًا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 345 بنصه، والطبري 14/ 8 بنصه، وورد بنصه تقريبًا في: "تفسير السمرقندي" 2/ 215، والطوسي 6/ 320، والماوردي 3/ 149، وانظر: و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 384، و"تفسير القرطبي" 10/ 5، و"الدر المنثور" 4/ 175 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
ونحو هذا قال أبو إسحاق: أن يحفظ من أن يقع فيه زيادة أونقصان، كما قال عز وجل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 174 بنصه.]] [فصلت: 42]
فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في الصحف، وقد وعد الله حفظه، وما حفظه الله [[(وما حفظه الله) ساقط من (أ)، (د) والمثبت من (ش)، (ع).]] فلا خوف عليه؟
الجواب أن يقال: جَمْعُهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، ولما أراد حفظه قيضهم لذلك، وقال ابن الأنباري: إنهم أرادوا تسهيل القرآن على الناس وتقريب مطلبه بالذي فعلوه، لكي يَسْهُلَ تناولُه على من أراد حفظه وقراءته إذا رأه مجموعًا في صحيفة، ولو لم يفعلوا ما كان يضيع إذ [[في (أ)، (د): (إن)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.]] ضمِن الله حفظه.
قال أصحابنا: هذه الآية دلالة قوية على كون التسمية آية من كل سورة [[بين العلماء في مسألة البسملة اتفاق واختلاف، اتفقوا جميعاً على أنها جزء من آية سورة النمل، واختلفوا هل هي آية من الفاتحة ومن كل سورة أم لا؟ على ثلاثة أقوال؛ طرفان ووسط: فذهب الحنفية إلى أنها آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، وليست من الفاتحة، وذهب المالكية إلى أنها ليست آية لا من الفاتحة ولا من بداية السور، وذهب الشافعية إلى أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وهو ما أشار إليه الواحدي رحمه الله، واختلفت الرواية عن أحمد؛ فرويت عنه الأقوال الثلاثة كما في "المغني" 2/ 151 - 152، وما ذكره الحنفية أرجح وتجتمع عنده الأدلة. انظر: تفصيل المسألة مع أدلة كل فريق في: "تفسير الجصاص" 1/ 8، وابن العربي 1/ 2، والفخر الرازي 1/ 194، و"تفسير القرطبي" 1/ 93، والألوسي 1/ 39، "تفسير آيات الأحكام" للصابوني 1/ 47.]]؛ لأن الله تعالى قد وعد حفظ القرآن، وحقيقة حفظه أن يحفظه من الزيادة والنقصان على ما بَيَّنا، فمن لم يجعل التسمية من القرآن لم يجعل القرآن محفوظًا عن الزيادة، ولو جاز أن يُظنَّ بالصحابة أنهم زادوا التسمية جاز أن يظن بهم النقصان أيضًا، وهذا يؤدي إلى الإلحاد، وحكى الفراء جواز رجوع الكناية في (له) إلى محمد -ﷺ- المعنى: وإنا لمحمد حافظون [["معاني القرآن" للفراء 2/ 85 بنصه، انظر: "تفسير الطبري" 14/ 7، والسمرقندي 2/ 215، و"تفسير البغوي" 4/ 370.]].
قال ابن الأنباري: ولمّا ذَكر الإنزالَ والمُنزَلَ دلَّ ذلك على المُنزَلِ عليه، فكنّى عنه كما كنّى عن القرآن في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1] من غير أن يتقدم ذكرُه لمثل هذه العلة، وقال: والقول الأول هو أوضح القولين، وأحسنها مشابهة لظاهر التنزيل، والله أعلم.
الحجر 15:10
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي رسلاً، فحُذف لدلالة الإرسال عليه، ﴿فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد في الأمم الأولين [["أخرجه الطبري" 14/ 8 بلفظه، من طريق علي بن أبي طلحة أصح الطرق، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 145 ب بنحوه، والطوسي 6/ 320 بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 175 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وورد بلا نسبة في "تفسير البغوي" 4/ 370، والفخر الرازي 19/ 162.]]، ونحوه قال قتادة [["أخرجه الطبري" 14/ 8 بلفظه، وورد في الثعلبي 2/ 145ب بلفظه، والطوسي 6/ 320 بنحوه، وورد غير منسوب في "تفسير البغوي" 4/ 370، الفخر الرازي 19/ 162.]] في تفسير الشيع، وقال الحسن والكلبي: فرق [[ورد منسوباً إلى الحسن فقط في: "تفسير الثعلبي" 2/ 145 ب بلفظه، و"تفسير القرطبي" 10/ 6، ونسب إلى الحسن والكلبي في: تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 345، والألوسي 14/ 17.]]، واختاره الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 174 بلفظه.]]، قال الفراء: الشيع: التُبَّاع، واحدهم شيعة، وشيعة الرجل أتباعه، والشيعة الأمة التابعة بعضهم بعضًا فيما يجتمعون عليه من أمر [[لم أجده في معانيه، وورد بنحوه منسوباً إلى الفراء: تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 345، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 385، الفخر الرازي 19/ 162، الخازن 3/ 90، الشوكاني 3/ 175، صديق خان 7/ 150، "تهذيب اللغة" (شاع) 2/ 1807، و (شيع) في: "المحكم" 2/ 154، و"المصباح" 1/ 390.]]، وذكرنا الكلام هذ الحرف عند قوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: 65] قال الفراء: وقوله: ﴿شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ إضافة الشيء إلى نفسه كقوله: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 162، و"تفسير أي حيان" 5/ 447، والثعلبي 2/ 208.]] [الواقعة: 95].
الحجر 15:11
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ قال ابن عباس: يُعَزِّي نبيه -ﷺ- ويُصَبِّره [[ورد غير منسوب في: "تفسير الثعلبي" 2/ 145 ب بلفظه، و"تفسير البغوي" 4/ 370، وابن الجوزي 4/ 385، و"تفسير القرطبي" 10/ 7.]]، يريد كما استَهزأ بك قومك بعد طول إكرامهم لك، قال أهل المعاني: وإنما حمل الأمم على الاستهزاء استبعاد ما دُعوا إليه، والاستيحاش منه والاستنكار له، حتى توهموا أنه مما لا يكون ولا يصح مع مخالفته لِما كان عليه الأسلاف [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 321 بنصه تقريباً.]]؛ وذلك أنهم تعجلوا الراحة بإسقاط النظرِ عن أنفسهم، والتفكرِ فيما أورده الرسول من المعجزات ليدلهم على الحق، وفي هذه الآية دليل على أن كلَّ واحدٍ من الرسل كان مبتلى بطائفة من المشركين، وما خلصت لرسولٍ دعوةً من الاستهزاء والتكبر.
الحجر 15:12
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾، السَلْكُ إدخال الشيء في الشيء، كإدخال الخيط في المخيط، والرمح في المطعون [[انظر: (سلك) في "تهذيب اللغة" 2/ 1738، و"الصحاح" 4/ 1591، و"اللسان" 4/ 2073.
وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 311، الرازي 19/ 162، القرطبي 10/ 7، البيضاوي 1/ 267، الخازن 3/ 90، "الدر المصون" 7/ 148.]].
وقال الليث: الله يَسْلُكُ الكفارَ في جهنم؛ أي يدخلهم فيها [[ورد في "تهذيب اللغة" (سلك) 2/ 1739 بنصه.]]، ومن هذا قوله ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ [المدثر: 42] وكل شيء أدخلته في شيء فقد سَلَكْتَه فيه، قال عديّ: وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ... وَقَدْ سَلَكوكَ في يَوْم عَصِيبِ [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 9، و"الأغاني" 2/ 103، و"تفسير الثعلبي" 2/ 146 أ، والطوسي 6/ 321، وابن عطية 7/ 358، و"تفسير القرطبي" 10/ 7 (عجز)، "اللسان" (سلك) 10/ 442، وغير منسوب في "الدر المصون" 7/ 148. (اللِّزاز) ما يتُرّس به الباب، (العَرْدُ) الشديد من كل شيء الصُّلْبُ المنتصب، وعرَّد الرجل تعريدا أي فرَّ، والمعنى: أي كنت إلى جانبك -يخاطب النعمان- أمنع عنك حتى في الأوقات العصيبة، ولم أحجم ولم أتراجع.]]
وذكر أبو عبيدة وأبو عبيد: سلَكْتُه وأسلكتُه بمعنى [["مجاز القرآن" 1/ 347، بنحوه، وورد في "تهذيب اللغة" (سلك) 2/ 1739 بنصه عن أبي عبيد، وانظر: "جمهرة اللغة" 2/ 854.]]، وينشد بيت الهذلي:
حتَّى إذا أسْلَكُوهُم في قُتاَئِدهِم ... شَلاًّ كما تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدَا [["شرح أشعار الهذليين" 2/ 675، "مجاز القرآن" 1/ 37، "جمهرة اللغة" 2/ 854، "الصحاح" (سلك) 4/ 1591، "الاقتضاب" ص 402، "أمالي ابن الشجري" 3/ 30، "الإنصاف" ص 369، "تفسير القرطبي" 12/ 119، "اللسان" (قتد) 6/ 3525، (سلك) 4/ 2073، "الخزانة" 7/ 39، وورد منسوباً إلى ابن أحمر في "تهذيب اللغة" (سلك) 2/ 1739، وورد غير منسوب في: "تفسير الطبري" 14/ 9، "جمهرة اللغة" 1/ 391، 491، "المخصص" 16/ 101، "تفسير الطوسي" 6/ 322، " أمالي ابن الشجري" 2/ 122، "تفسير ابن عطية" 8/ 287، "الدر المصون" 7/ 148، "معجم البلدان" 4/ 310.
وفي الديوان وجميع المصادر برواية (قُتائِدَةٍ) وهي: ثنية مشهورة، (شَلاًّ) معناه الطرد، (الجمَّالة) أصحاب الجمال، (الشُّرُدَا) جمع شارد، وهي الإبل النافرة، قال ابن السيد: إنه وصَف قوماً هُزمُوا حتى أُلجئوا إلى الدخول في قتائد؛ وهي ثنية ضيقة.]]
بالوجهين، وقد حقق ابن عباس هذا التفسير فقال: يريد يسلكُ الشركَ في قلوب المكذبين، كما يسلك الخرزة في الخيط.
وقال أبو إسحاق: أي كما فُعِلَ بالمجرمين الذين استهزأوا بمن تقدَّم مِنَ الرُّسُلِ، كذلك نَسلُكُ الضلالَ في قلوب المجرمين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 174 بنصه.]].
واختلفوا في المُكنّى في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾؛ فذكر ابن عباس: الشرك [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 385، وصديق خان 7/ 151.]]، وهو قول الحسن [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 345 بلفظه، والطبري 14/ 9 بلفظه، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 385، و"تفسير القرطبي" 10/ 7 وابن كثير 2/ 602، و"الدر المنثور" 4/ 176 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وصديق خان 7/ 151.]]، وذكر الزجاج: الضلال [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 174 بلفظه.]]. وقال الربيع: يعني [الاستهزاء [[لم أقف عليه منسوباً له، ونُسب إلى قتادة في "تفسير الماوردي" 3/ 150، وابن الجوزي 4/ 385، وورد غير منسوب في "تفسير ابن عطية" 8/ 287، الفخر الرازي 19/ 163، "تفسير القرطبي" 7/ 10، "الدر المصون" 7/ 147.]]. وقال الفراء: يعني التكذيب بالعذاب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 85 بلفظه.]].
قال صاحب النظم: الهاء كناية عن الاستهزاء] [[ما بين المعقوفين من (ش)، (ع).]] ودلَّ عليه الفعل؛ كقولهم: من كذب كان شرًا له، والفعل يدل على المصدر؛ كقوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7] أي: الشكر، فأضمره لدلالة الفعل عليه، وذكرنا مثل هذا كثيرًا، وأما ما ذكر المفسرون من الشرك والتكذيب والضلال فكلُّه داخل في الاستهزاء، وهو من معاني الاستهزاء.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ إيماء بهذا التشبيه إلى ما كان منهم من الكفر والاستهزاء، قال: وهذه أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق ولم يعاند.
وقال أصحابنا: أضاف الله تعالى إلى نفسه سَلْكَ الكفر في قلوب الكفار، وحَسُن ذلك منه، فمن آمن بالقرآن فليستحسنه [[يَرُدّ الواحدي -رحمه الله- بقوله هذا على المعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وهي من المسائل المشهورة التي اشتد فيها النزاع بين المعتزلة والأشاعرة، وقد وقع الفريقان في طرفي النقيض وجانبا الصواب في المسألة، على النحو التالي: ذهب المعتزلة إلى أن العقل قد يُعلم به حُسنُ كثير من الأفعال وقُبحُها، ومقتضى ذلك أن يكون فاعل القبيح أو تارك الحسن آثم ومعاقب في الآخرة ولو لم يرد شرع بذلك، فيستحق العذاب لمجرد مخالفته للعقل. انظر: المحصول في "علم أصول الفقه" 1/ 160، "مجموع الفتاوى" 11/ 677، "المواقف في علم الكلام" ص 323، 326.
وذهب الأشاعرة إلى النقيض؛ فقالوا: إن العقل لا يُعلم به حُسن الفعل ولا قبحه، وبالتالي فلا يثبت عندهم حسن ولا قبح قبل ورود الشرع، وعليه فالقبيح ما قيل: لا تفعل، والحسن ما قيل فيه: افعل، أو ما أذن في فعله.
"الملل والنحل" للشهرستاني 1/ 101، "مجموع الفتاوى" 11/ 677، "المواقف في علم الكلام" ص 327.
وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية منشأ الغلط عند الفريقين، فقال: إن الطائفتين اتفقوا على أن الحسن والقبح باعتبار الملاعمة والمنافرة قد يعلم بالعقل، وهذا الذي اتفقوا عليه حق، لكن توهموا بعد هذا أن الحُسن والقبح الشرعيَّ خارج عن ذلك، وليس الأمر كذلك، بل هو في الحقيقة يعود إلى ذلك، لكنَّ الشارع عرَّف بالموجود، وأثبت المفقود، فتحسينه: إمَّا كشفٌ وبيان، وإمَّا إثبات لأمور في الأفعال والأعيان.
انظر: "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 22، "مجموع الفتاوى" 8/ 90.
أما المذهب الحق في هذه المسألة فقد بينه كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: وعامة السلف وأكثر المسلمين على أن الظلم والشرك والكذب والفواخر ونحوها سيءٌ وقبيح قبل مجيء الرسول، لكن العقوبة لا تستحق إلا بمجيء الرسول، == وعليه يدل الكتاب والسنة؛ فإن فيهما بيان أن ما عليه الكفار هو شرٌ وقبيح، وسيءٌ قبل الرسل، وإن كانوا لا يستحقون العقوبة إلا بالرسول. انظر: "مجموع الفتاوى" 8/ 90، 11/ 677، "أصول الدين" للبغدادي ص 205. وفي هذه الآية ينفي المعتزلة سلكَ اللهِ الكفرَ في قلوب الكافرين، بناءً على أصلهم هذا. انظر: كلام القاضي عبد الجبار على الآية في تفسيره "متشابه القرآن" ص 245.]]، وأراد بالمجرمين المشركين الذين كانوا يستهزئون بالنبيّ -ﷺ-.
الحجر 15:13
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا عند الزجاج ابتداء كلام؛ كأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المشركين أنهم لا يؤمنون [[ليس في معانيه.]].
وقال الجرجاني: قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ رفع موضعه نصب علي تأويل أن لا يؤمنوا به، و (أن) الخفيفة تضمر، فإذا أضمرت لم تعمل؛ كقوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: 64] فعلى هذا قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ تفسير للكناية في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾؛ كأنه قيل: نسلك في قلوب المجرمين ألاّ يؤمنوا به، فلما كفّ ذِكْرُ (أن) عاد الفعل إلى الرفع، وهذا معنى قول الفراء؛ لأنه قال: يجعل في قلوبهم ألاَّ يؤمنوا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 85 بنصه.]]، والكناية في (به) تعود إلى الذكر؛ الذي هو القرآن في قول ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 276 ونُسب إليه القولان؛ هذا والذي بعده، وورد غير منسوب في "تفسير الماوردي" 3/ 150، و"البغوي" 4/ 370 وابن عطية 8/ 287، وابن الجوزي 4/ 385، والخازن 3/ 90، و"الدر المنثور"، والثعالبي 2/ 208.]]، وفي قول غيره يجوز أن تعود إلى الرسول [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 215، و"تفسير البغوي" 4/ 370، وابن الجوزي 4/ 385، والخازن 3/ 90، و"الدر المصون" 7/ 147.]]، ونظير هاتين الآيتين في المعنى واللفظ قوله في الشعراء: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشعراء: 200، 201].
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾، المفسرون على أن هذا تهديد لكفار مكة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 146 أ، بمعناه، و"تفسير البغوي" 4/ 370، والزمخشري 2/ 311، الفخر الرازي 19/ 165، والخازن 3/ 90.]]؛ يقول: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذَّبَ الرسولَ في القرون الماضية.
وقال أبوإسحاق: أي: قد مضت سُنّةُ الأولين بمثل ما فعله هؤلاء، فهم يقتفون آثارهم في الكفر [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 173 بنصه، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 165.]]، وهذا أليق بظاهر اللفظ [[والقولان متلازمان، فما ذكره الزجاج هو السبب، وماذهب إليه المفسرون هو العاقبة والمال.]].
الحجر 15:14
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا﴾ يقال: ظل فلان نهاره يفعل كذا، إذا فعله بالنهار، ولا تقول العرب: ظل يظل، إلا لكل عمل بالنهار، كما لا يقولون: بات [يبيت، إلا بالليل، والمصدر] [[ما بين المعقوفين بياض في (أ)، (د)، وفي هامش نسخة (د) كتب [سقطت من النسخة القديمة]، والمثبت من (ش)، (ع).]] الظلول، فأما حذف إحدى اللامين فإنه جائز، وسنذكر اللغة فيه عند قوله: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: 97] إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ يقال: عَرج يَعْرُج عُرُوجًا، ومنه المعارج وهي المصاعد التي يصعد فيها، وفي هذه الآية قولان للمفسرين؛ أحدهما: أن قوله: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ من صفة المشركين.
قال ابن عباس في رواية عطاء: فطفقوا فيه يصعدون، يريد ينظرون فيه إلى ملكوت الله وقدرته وسلطانه، وإلى عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 167.]]، وهذا أيضًا قول الحسن؛ قال: هذا العروج راجع إلى بني آدم، يعني فظل هؤلاء الكافرون فيه يعرجون [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 146 أبنحوه، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 323 بنحوه، "تفسير البغوي" 4/ 370، 371، "تفسير القرطبي" 10/ 8، والخازن 3/ 90.]].
وشرح أبو بكر هذا القول فقال: معناه لو وَصَّلنا هؤلاء المعاندين للحق إلى صعود السماء الذي يزول معه كل شبهة لم يستشعروا إلا الكفر، وجحدوا البراهين كما سائر المعجزات؛ من انشقاق القمرِ وما خُص به النبيّ -ﷺ- من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله.
القول الثاني: أن هذا العروج للملائكة؛ لأنه هو المعروف المشهور، يقول: لو كُشف لهؤلاء عن أبصارهم حتى يعاينوا أبوابًا في السماء مفتحة تصعد منها الملائكة وتنزل، لصَرَفوا ذلك عن وجهه إلى أنهم سُحروا ورأوا بأبصارهم ما لا يتحقق عندهم، وهذا قول ابن عباس [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 346 مختصراً عن ابن عباس من طريق قتادة، والطبري 14/ 10 بنحوه، عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن الضحاك، وأخرجه مختصراً عن ابن عباس من طريق قتادة.
وورد مختصرًا في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 13 عن ابن عباس، "تفسير الطوسي" 6/ 323 عن ابن عباس وقتادة والضحاك، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 386 عن ابن عباس والضحاك، "تفسير القرطبي" 10/ 8 عن ابن عباس وقتادة، الخازن 3/ 90 عن ابن عباس والضحاك.
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 176 وزاد نسته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.]] وابن جريج وجماعة.
قال ابن جريج: فظلت الملائكة تعرج فيه وهم ينظرون إليهم [["أخرجه الطبري" 14/ 10 بنحوه عن ابن جريج عن ابن عباس، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 68 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن جريج عن ابن عباس، وورد غير منسوب في "تفسير البغوي" 4/ 370.]].
قال: وهذا راجع إلى قوله: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
واختار الفراء هذا القول [["معاني القرآن" للفراء 2/ 86.]]، وأبو إسحاق ذكر القولين جميعًا، فقال: اعلم أنهم إذا وردت عليهم الآية المعجزة قالوا: سِحْر، وقالوا: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ كما قالوا حين انشق القمر: هذا سِحْرٌ مُستمر، قال: ويصلح أن يكون ﴿يَعْرُجُونَ﴾ للملائكة والناس، وقد جاء بهما التفسير، وقال في قوله: ﴿يَعْرُجُونَ﴾ أي يصعدون فيذهبون ويجيئون [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 174 مع تقديم وتأخير.]]، وقال الفراء: فظلت الملائكة تصعد من ذلك الباب وتنزل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 86 بنصه.]]، فقد زاد المجيء والنزول في تفسير العروج.
الحجر 15:15
قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قرئ بالتشديد [[قرأ بها القُراء السبعة ماعدا ابن كثير. انظر: "السبعة" ص 366، "إعراب القراءات السبع" وعللها 1/ 343، "علل القراءات" 1/ 295، "الحجة للقراء" 5/ 43، "المبسوط في القراءات" ص 220.]] والتخفيف [[قرأ بها ابن كثير وحده. المصادر السابقة.]] أي: أُغشيت وسُدّت بالسِّحرِ، فنتخايل بأبصارنا غير ما نرى، هذا قول أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719 بنصه]]، قالوا: وأصله من السَّكْر؛ وهو سَدُّ البَثْق لئلا ينفجر الماء [[انظر: (سكر) في "تهذيب اللغة" 2/ 1719 بنصه ونسبه لليث، "المحيط في اللغة" 6/ 184، "اللسان" 4/ 2047، "التاج" 6/ 535.]]؛ فكأن هذه الأبصار مُنعت من النظر، كما يمنع السَّكْرُ الماءَ من الجري، والتشديد يوجب زيادة وتكثيرًا.
وقال أبو عمرو بن العلاء: هو مأخوذٌ من سُكْرِ الشرابِ؛ يعني أن الأبصار حارت ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع بالرجل السكران من تغير العقل وفساد اللب [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 12 مختصراً، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 14، "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 386، الفخر الرازي 19/ 167، "تفسير القرطبي" 10/ 9، "اللسان" (سكر) 4/ 374.]]، فإذا كان هذا معنى التخفيف، فسكران بالتشديد يراد به وقوع هذا الأمر مرة بعد مرة.
وقال أبوعبيدة: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: غُشيت سَمَادِيرُ [[السَّماديرُ: ضعفُ البصر وغشاوة العين، ويقال: هو الشيء الذي يتراءى للإنسان من ضعف بصره عند السُّكر من الشراب وغيره.
انظر: باب الرباعي (سمدد) في "تهذيب اللغة"، 2/ 1751، و"المحيط في اللغة" 8/ 429.]] فذهبت وخبا نظرها، وأنشد [[للمثنى بن جندل الطُّهوي. عاش في العصر الأموي، وأخباره في "سمط اللآلي" ص 644.]]:
جاءَ الشِّتاءُ واجْثَألَّ القُبَّرُ ... وجَعَلَتْ عينُ الحَرُورِ تَسْكَرُ [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 175، "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719، "اللسان" (سكر) 4/ 2048، (قبر) 6/ 3510، وورد في بعض المصادر على النحو التالي: == جاء الشتاء واجْثألَّ القُنْبُرُ ... واستَخْفَتِ الأفْعَى وكانت تظهرُ
وطعلتْ شمشٌ عليها مِغْفَر ... وجعلت عينُ الحرورِ تسكرُ
وقد ورد بهذه الرواية في "مجاز القرآن" 1/ 348، و"تفسير الطوسي" 14/ 13، والطبري 7/ 499 ولم يذكر الشطر الثالث، الماوردي 3/ 151، "تفسير القرطبي" 10/ 8 أوردا البيت الثاني فقط. (اجثأل) اجتمع وتقبّض، (قبّر) قال الأزهري: يقال للقْبرة قُبُّرة وقُبَّرٌ؛ وهو طائر يشبه الحُمَّرة، وجمعها قنابر، (الحَرُوْرُ) حرُّ الشمس. انظر: "تهذيب اللغة" (قبر) 3/ 2871، (سكر) 2/ 1719، "المحيط في اللغة" (حر) 2/ 311، (قبر) 5/ 411، "متن اللغة" 4/ 481.]] أي: يخبو حرها ويذهب [["مجاز القرآن" 1/ 347 بنصه ما عدا الشعر.]].
وعلى هذا القول أصله من السكون؛ يقال: سَكَرَتِ الرّيحُ، إذا سكنت، وسَكَرَ الحرُّ يسْكُرُ، وليلةٌ ساكِرَةٌ؛ لا ريحَ فيها [[انظر: (سكر) في "تهذيب اللغة" 2/ 1719 بنصه، "اللسان" 4/ 2048، "التاج" 6/ 535.]]، قال أوس:
خُذِلتُ على لَيْلهٍ سَاهِرهْ ... فليسَتْ بطَلْقٍ ولا ساكِرهْ [["ديوان أوس" ص 34، وقد ورد بالرواية التالية:
خُذِلْتُ على ليلةٍ ساهِرَهْ ... بصحراء شَرْجٍ إلى ناظِرَهْ
تُزَادُ ليَاليَّ في طُولِهَا ... فلَيْسَتْ بِطَلْقٍ ولا ساكِرهْ
ورد في "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719، "تفسير الماوردي" 3/ 151 بدايته "فصرن"، "الاقتضاب" ص 412، "شرح الجواليقي" ص 239 ورد فيهما برواية الديوان، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 167، "تفسير القرطبي" 10/ 8 بدايته (فصرت)، "اللسان" (سكر) 4/ 2048. يقول: خذلت على أن ليلتي ساهرة؛ أي ساهر صاحبها؛ كما تقول نهاره: صائم؛ أي يصوم فيه، والطلق: اليوم الطيب الذي لا حرّ فيه ولا برد، واستطال الليلة لما لقي فيها من الألم والشدة، وذلك أن أوس بن حجر انطلق مسافراً حتى إذا كان بأرض بني أسد بين مكانين يقال لأحدهما شرج، وللآخر ناظره، جالت به ناقته فصرعته فانكسرت فخده.]] وهذا القول اختيار الزجاج؛ قال: يقال سَكَرَتْ عينُهُ تَسكر، إذا تَحَيَّرَتْ وسكنتْ عن النَّظر [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 175 بنحوه، ويبدو أنه نقل قول الزجاج من "تهذيب اللغة" لتطابقه، "تهذيب اللغة" "سكر" 2/ 1719 بنصه، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 167.]]، وعلى هذا معنى (سُكِّرَتْ أبصارُنا): سكنت عن النظر، ولا يتوجه على هذا القول قراءة من قرأ بالتخفيف.
قال أبو علي الفارسي: معنى ﴿سُكِّرَتْ﴾ صارت بحيث لا ينفذ نورها ولا تُدرِك الأشياءَ على حقيقتها، وكأن معنى التسكير قطع الشيء عن سننه [[في الحجة: (سببه) والصحيح سننه، ولعلها تصحيف من محقق الحجة.]] الجاري، فمن ذلك تسكير الماء؛ هو ردُّهُ عن سيبه [[في جميع النسخ: (سننه)، والمثبت هو الصحيح وموافق لما في الحجة، والسِّيْبُ: مخرج الماء من الوادي، وجمعه سُيُوبٌ، وقد ساب الماء يسيب: إذا جَرَىْ. "تهذيب اللغة" (ساب) 2/ 1584، "المحيط في اللغة" (سيب) 8/ 397.]] في الجِرْيَة، والسُّكْرُ في الشراب هو: أن يَنْقطع عما كان عليه من المَضاء في حال الصحو، فلا ينفذ رأيُه على حدّ نفاذه في صحوه، وعَبَّروا عن هذا المعنى بقولهم: سَكْرَانُ لا يَبُتُّ [[معناه: لا يقطع أمراً، وقيل: ما يُبَيِّن كلاماً. انظر: (بن) في: "تهذيب اللغة" 1/ 269، "المحيط في اللغة" 9/ 415.]]، ووجه التثقيل أن الفعل مسند إلى جماعة، وهو مثل: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: 50]، ووجه التخفيف أن هذا النحو من الفعل المسند إلى الجماعة قد يُخَفّف، كقوله:
ما زِلتُ أُغْلِقُ أبوابًا وأفتحُها [[نُسب إلى الفرزدق في كل المصادر ما عدا الحجة وليس في ديوانه، ونسب -في "الحجة" 3/ 441 - للراعي النميري، وهو في "ديوانه" ص 33 برواية:
ما زال يفتح أبواباً ويغلقها ... دوني وأفتح باباً بعد ارتاجِ= (بعد ارتاج): بعد إغلاق، يقال: أَرْتَجْتُ الباب إرتاجاً: أي أغلقته إغلاقاً، ويقال لغلق الباب: الرتاج، ويقال للرجل إذا امتنع عليه الكلام: أُرتج عليه. وعجزه:
حتى أتيتُ أبا عمرو بنَ عمَّارِ
ورد في: "الحجة للقراء" 5/ 43، "تفسير الطوسي" 6/ 322، وورد في: "الكتاب" 3/ 506، 4/ 63، 65، و"أدب الكاتب" ص 461، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 456، 528، و"الاقتضاب" ص 409، و"شرح الجواليقي" ص 233، و"اللسان" (غلق) 10/ 291، برواية:
ما زِلْتُ أفتحُ أبواباً وأُغلقُها ... حتى أتيت أبا عمرِو بْنَ عَمّار
قال أبو حاتم السجستاني: ويَقصد بأبي عمرو: أبا عمرو بن العلاء المازني النحوي، والمعنى: لم أزل أتصرف في العلم وأطويه وأنشره حتى لقيت أبا عمرو فسقط علمي عند علمه.]] وهذا على أن ﴿سُكِّرَتْ﴾ بالتخفيف قد ثبت تعدِّيه بهذه القراءة [[قال أبو علي: الفعل إذا بُني للمفعول فلا بُدّ من تنزيله معدّى، فيكون تعدّيه على قراءة ابن كثير مثل: شَتِرتْ عينُهُ، وشَترْتُها.
"الحجة" 5/ 44 [الشَّتَرُ: انقلاب في جَفنِ العين الأسفل قلَّ ما يَكُونُ خِلْقَةً] "المحيط في اللغة" "شتر" 7/ 305، وقال المنتجب: بل هو من الأفعال التي سمُع معدى وغيرُ معدى؛ نحو: غاضَ الماء، وغاضَهُ اللهُ، وصَعِقَ زيدٌ، وصُعِقَ، وسعِدَ زيدٌ وسُعِدَ. "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 191.]]،
ويجوز أن يكون من قرأ بالتخفيف أراد التثقيل، فحذفه وهو يريده؛ كما جاء ذلك في المصادر وأسماء الفاعلين؛ نحو: عَمْرَكَ الله [[الشاهد: تخفيفها؛ والأصل تشديدها، قال سيبويه: "وكأنّه حيث قال: عَمْرَك الله، وقعِدك الله، قال: عَمّرتُك الله بمنزلة نَشدتُك الله، فصارت عَمْرَك الله منصوبةً بعمَّرتُك الله .. " "الكتاب" 1/ 322.]]، و:
........... دَلْوُ الدَّالِيَ [[قطعة من بيت من رجز للعجاج يصف ماءً، وتمامه: (يكشفُ عن جَمّاتِهِ دلْوُ الدَّالْ) == ورد في ملحقات "ديوانه" 2/ 321، و"أدب الكاتب" ص 612، "الصحاح" (دلو) 6/ 2339، وورد غير منسوب في: "المقتضب" 4/ 179، "الحجة للقراء" 2/ 254، "إيضاح الشعر" ص 580. 590، "المخصص" 9/ 167 نسبه لأبي علي، وفي جميع المصادر: (الدَّالْ) بدل (الدَّالي) ولا فرق، (الدَّالْ): أي المُدْلِي؛ وهو المستقي، (جماته): جمع جمّة؛ وهي المكان الذي يجتمع فيه ماء البئر، والشاهد: أن الأصل (المُدْلي) فحذف الزيادة، قال ابن قتيبة: ولو قال العَجَّاجُ: (المدلي) لكان أشبهَ بما أراد، ولكنه أراد القافيةَ، وعلم أن الدالي والمُدلي يجوز أن يوصفَ بهما المستقي بالدلو. انظر: "أدب الكاتب" ص 612، "الحجة للقراء" 2/ 254.]] و ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [["الحجة للقراء" 5/ 43 بتصرف يسير. والشاهد في: (لواقح) أن أصلها (ملاقح)؛ لأنها إذا أَلقَحَتْ كانت مُلقِحةً، وجمع المُلْقِحِ: ملاقح، ولواقح على حذف الزيادة. "الحجة للقراء" 2/ 254.]] [الحجر: 22] هذا الذي ذكرنا قول أهل اللغة وأصحاب المعاني.
فأمّا التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء: تحيرت أبصارنا، ورُوي عنه أيضًا: سُدت [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 146 أ، بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 371، "تفسير القرطبي" 10/ 8، الخازن 3/ 90.]]، وهو قول مجاهد [[أخرجه الطبري 14/ 12 بلفظه، وورد بلفظه في: "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719، "تفسير الطوسي" 6/ 323، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 386، ابن كثير 2/ 602، "الدر المنثور" 4/ 176 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال الحسن: سُحرت [[ورد بلفظه في: "الغريب" لابن قتيبة 1/ 238، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 14، و"تفسير السمرقندي" 2/ 216، والثعلبي 2/ 146 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 371، و"تفسير القرطبي" 10/ 8.]]، وقال قتادة: أُخذت [["أخرجه الطبري" 14/ 12 بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير السمرقندي" 2/ 216، والثعلبي 2/ 146 أ، والماوردي 3/ 151، و"تفسير البغوي" 4/ 371، و"تفسير == القرطبي" 10/ 8، وقد روي هذا القول عن ابن عباس أيضًا في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 14، و"الدر المنثور" 4/ 176 روي عن قتادة بلفظ سدّت وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، والمؤكد أن قتادة رواه عن ابن عباس، ويؤيده أن عبد الرزاق 2/ 346، والطبري 14/ 12 أخرجاه بلفظه عن قتادة عن ابن عباس، وكذلك أورده ابن كثير 2/ 652.]].
وقال الكلبي: أُغشيت وعُميت [[" أخرجه الطبري" 14/ 13 بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 146 أ، بنحوه، والماوردي 3/ 151 بلفظه، و"تفسير البغوي" 14/ 371، و"تفسير القرطبي" 10/ 8، وابن كثير 2/ 602.]].
وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ أي: سَحرنا محمد -ﷺ-. قال الكلبي: يقولون سَحرنا فلا نبصر [[وورد غير منسوب في "تفسير البغوي" 4/ 371.]]، ونظير هذه القصة قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا﴾ [[والآية كاملة هي: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ والشاهد ظاهر.
فالآية تؤكد عدم جدّية القوم في الإيمان بالرسول مهما أظهر لهم من المعجزات الحسية التي طالبوه بها.]] [الأنعام: 111] الآية، وقد مر.
الحجر 15:16
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ الآية. قال الليث: البرج واحدٌ من بروج الفَلَك؛ وهي اثنا عشر برجًا؛ كل برج منها منزلان ونصف [[هكذا في جميع النسخ، وفي المصدر: (ثلث) وكذا في "الممتع في شرح المقنع" ص 64.]] منزل للقمر، وهي ثلاثون درجة للشمس، إذا غاب منها ستة طلعت ستة، ولكل بُرج اسم على حدة؛ فأولها الحَمَلُ، وأولُ الحَملِ الشَّرَطان، وهما قَرْنا الحَمَل؛ كوكبان أبيضان، وخَلْفَ الشَّرَطَيْن البُطين، وهذه ثلاثة [[في جميع النسخ: (ثلاث)، وهو خطأ نحوي ظاهر، ولعله من النساخ.]] كواكب، فهذان منزلان، والثريا من بُرج الحمل [[ورد في" تهذيب اللغة" (برج) 1/ 300 بنصه، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 168 ورد مختصرًا، والخازن 3/ 91، وصديق خان 7/ 153.]]، وذكرنا الكلام في معنى البروج في اللغة واشتقاقها في قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد بروج الشمس والقمر؛ يعني منازلهما [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 387، و"تفسير القرطبي" 10/ 9، والخان 3/ 91.]]، وقال الحسن ومجاهد وقتادة: هي النجوم [["تفسير مجاهد" ص 340 بنحوه، "أخرجه الطبري" 4/ 14 عن قتادة بلفظه، وفي
رواية عن مجاهد وقتادة قال: الكواكب، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 15 بنحوه عن مجاهد، "تفسير السمرقندي" 2/ 216 بلفظه، "تفسير الماوردي" 3/ 152 بلفظه عن الحسن ومجاهد، "تفسير ابن الجوزي" 2/ 603 عن مجاهد وقتادة، "تفسير القرطبي" 10/ 9 عن الحسن وقتادة، والخازن 3/ 91 عنهم، وابن كثير 2/ 568 عن مجاهد وقتادة، "الدر المنثور" 4/ 177 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن قتادة.]].
قال أبو إسحاق: يريدون نجوم هذه البروج، وهي نجوم على صورة ما سميت به؛ نحو: الحَمَل والثَّور وغيرهما؛ فالبروج نجوم كما جاء في التفسير [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 175 بنحوه.]]، وقال عطاء [[هكذا في جميع النسخ، ويبدو أنها تصحفت عن عطية؛ لأن هذه الرواية وردت عن عطية [وهو العوفي] في المصادر التالية.]]: وقال بعضهم: قصورًا [[ورد بلفظه في "تفسير السمرقندي" 2/ 216 بلا نسبة، والماوردي 3/ 152 عن عطية. انظر: "تفسير البغوي" 4/ 371 عن عطية، وابن الجوزي 4/ 387 عن ابن عباس وعطية، و"تفسير القرطبي" 10/ 10، والخازن 3/ 91 عن عطية، وابن كثير 2/ 603 عن عطية، و"الدر المنثور" 4/ 177 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن عطية.]]، فعلى هذا أريد بالبروج بيوت وقصور خلقها الله تعالى في السماء، وقيل في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: 1] هي قصور في السماء [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 307 بلفظه.]]، وأصل هذا كله من الظهور وقد ذكرناه [[انظر: "البسيط" [النساء: 78].]].
وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم، ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ أي للمعتبرين بها والمستدلين على توحيد صانعها.
الحجر 15:17
قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ معنى الرجم في اللغة: الرمي بالحجارة، ثم قيل للقتل: رجم؛ لأنه يقصد به القتل، ثم قيل لكل قَتْلٍ رَجْم وإن لم يكن [[في (أ)، (د): (وإن يكن). والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح الذي يستقيم به الكلام.]] بالحجارة، ومنه قوله: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: 20] أي تقتلون، والرجم: السب والشتم؛ لأنه رمي بالقول القبيح، ومنه قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: 5] أي مَرَامي [[في جميع النسخ: (مرامًا) والمثبت هو الصحيح، كما في "تهذيب اللغة" (رجم) 11/ 69.]]، والرجم: القول بالظن ومنه قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: 22] لأنه يرمي الظن إليه، والرجم أيضاً اللعن والطرد والإبعاد والهجران [[انظر: (رجم) في "تهذيب اللغة" 2/ 1376، "الصحاح" 5/ 1928، "اللسان" 3/ 1601، "المفرادات" ص 345.]]، وفسر بكل ذلك الشيطان الرجيم؛ وذلك أن الرمي بالحجارة والقول القبيح يوجب هذه المعاني، فسميت رجمًا.
وقال أبو عبيدة رجيم: مرجوم بالنجوم [["مجاز القرآن" 1/ 348 بلفظه.]]، بيانه قوله: ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: 5] قال ابن عباس: كانت الشياطين لا تحجب عن السموات، فكانوا يأخذونها ويتحرون [[في (ش)، (ع): (ويتخبرون)، من الاستخبار، والمثبت من التحرِّي وكلاهما صحيح.]] أخبارها فليقون على الكهنة، فلما ولد عيسى منعوا من (ثلاث سموات، فلما ولد رسول الله -ﷺ- منعوا من) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] السموات كلها، فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا ورمي بشهاب [[جزء من حديث طويل ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 216، والثعلبي 2/ 146 أ، "تفسير البغوي" 4/ 372 - 373، والزمخشري 2/ 312، والفخر الرازي 19/ 169، و"تفسير القرطبي" 10/ 10، والخازن 3/ 91، وهذا القول غريب، وأغلب الظن أنه من طريق الكلبي -وهي أوهى الطرق إلى ابن عباس، ويؤكده نسبة الماوردي القول للكلبي 3/ 152، وقد ورد حديث صحيح عن ابن عباس عن الحيلولة بين الشياطين وخبر السماء. انظر: "صحيح مسلم" (449) كتاب:. الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجنّ، وطرفه: (انطلق رسول الله -ﷺ- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب ..).]]، فذلك قوله:
الحجر 15:18
﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾، (بيان هذا قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ الآية [الجن: 8]. قال أبو إسحاق: موضع (من) نصب، المعنى: لكن من استرق السمع) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]]، قال: وجائز أن يكون في موضع خفض على معني إلا ممن [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 176 بنصه.]]، قال ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ يريد الخطفة [[في (أ)، (د): (الحفظة)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.]] اليسيرة، وذلك أن المارد من الشيطان يعلو فيُرمَى بالشهاب؛ فتُصيب جبهته أو جبينه أو حيث شاء الله منه فيحرقه ولا يقتله، ومنهم من يُخَبِّله فيصير غُولًا يُضل الناسَ في البراري [[أخرجه الطبري 15/ 14 مختصراً، من طريق الضحاك عن ابن عباس منقطعة، وورد في تفسير الماوردي 3/ 153 مختصراً، و"تفسير ابن عطية" 8/ 292، و"تفسير القرطبي" 10/ 11، والخازن 3/ 91.]].
وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ ذكرنا معناه عند قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 175] ومعناه لحقه، والشهاب شعلة نار ساطع، ثم يُسمى الكوكبُ شهابًا والسنانُ شهابا؛ لبريقهما يُشبّهان بالنار، قال ابن عباس في قوله: ﴿شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ يريد نارًا تَبِيْن لأهل الأرض، قال المفسرون: إن الشهاب لا يخطئه أبدًا وأنهم ليُرْمَون، فإذا توارى عنكم فقد أدركه [[ورد في تفسير الثعلبي 2/ 146 أبنحوه.]].
وقال أبو إسحاق: هذا من آيات النبيّ -ﷺ- ومما حدث بعد مولده؛ لأن الشعراء قبله لم يذكروا هذا في أشعارهم، ولم يشبهوا الشيء السريع به [[(به) ساقط من (أ)، (د) ويقتضيها السياق.]] كما شبهوا بالبرق وبالسيل، ولم يوجد في أشعارهم بيت واحد فيه [[في جميع النسخ: (فيها) والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يعود إلى البيت وهو مذكر.]] ذكر الكواكب المُنْقضَّة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 176 بنحوه.]]، وقال أصحاب المعاني: إن الله تعالى سمَّى ما تُرجم به الشياطين شهابًا، وهو في اللغة النار الساطعة [[انظر: (شهب) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1942، "المحيط في اللغة" 3/ 395، "الصحاح" 1/ 159.]] ونحن في رأي العين نرى كأنهم يرمون بالنجوم، فيجوز أن ذلك كما نرى ثم يصير نارًا إذا أدرك الشيطان، ويجوز أنهم يُرمَون بشعلة نار من الهواء، ولكن لبعده عنا يخيل إلينا أنه نجم، والله أعلم بحقيقة ذلك.
الحجر 15:19
قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ قال ابن عباس وغيره: بسطناها على وجه الماء [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 170، و"تفسير القرطبي" 10/ 12، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 2/ 146 ب، وابن الجوزي 4/ 390، والخازن 3/ 92.]]، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وهي الجبال الثوابت لئلا تميد بأهلها؛ كما قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15]، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ اختلفوا في معنى موزون هاهنا، فذهب الأكثرون إلى أن معناه: المحصل المعلوم المقدور، ذلك [[في (ش)، (ع) زيادة (واو) قبل ذلك.]] أن الوزن إنما يستعمل لبيان المقدار والإشراف على حقيقته، فوُصفَ المعلومُ بالموزون وإن لم يكن هناك وزن؛ لأن أوكد ما يتحصل به معرفة المقادير الوزنُ، قال ابن الأنباري: وأنشد:
وقد كُنْتُ قبْلَ لقائِكُم ذا مِرَّةٍ [[ساقط من (د)، والمرَّة: الشدّة. "المحيط في اللغة" (مر) 10/ 225.]] ... عِنْدِي لكلّ مُخَاصِمٍ مِيزَانُه [[ورد بلا نسبة في "تفسير الماوردي" 3/ 154، "تفسير القرطبي" 15/ 13، "اللسان" (وزن) 8/ 4829، "تفسير الشوكاني" 3/ 180.]]
يعني: قدر ما يستحق أن يجاب به من الكلام.
وهذا معنى قول ابن عباس [["أخرجه الطبري" 14/ 15 من طريق ابن أبي طلحة، صحيحة، ومن طريق العوفي، ضعيفة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 17، "تفسير الماوردي" 3/ 153، الطوسي 6/ 326، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، "تفسير القرطبي" 10/ 13، == الخازن 3/ 92، ابن كثير 2/ 603، "الدر المنثور" 4/ 177 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]] وعكرمة وسعيد بن جبير والحكم ومجاهد؛ قال عكرمة: ﴿مَوْزُونٍ﴾: بقدر [["أخرجه الطبري" 7/ 501، بلفظه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 17، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، الخازن 3/ 92، ابن كثير 2/ 603، "الدر المنثور" 2/ 603، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
ووقال سعيد: معلوم [["أخرجه الطبري" 14/ 16، بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 153، والطوسي 6/ 326، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، "تفسير القرطبي" 10/ 13، الخازن 3/ 92، وابن كثير 2/ 603.]]، وقال الحكم: مقدر [["أخرجه الطبري" 14/ 16 بلفظه، وانظر: تفسيرابن كثير 2/ 603.]].
وقال مجاهد: مقدور بقدر [["تفسير مجا هد" ص 340 بنحوه، و"أخرجه الطبري" 14/ 16 بلفظه، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 17، و"تفسير الطوسي" 6/ 326، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، و"تفسير القرطبي" 10/ 13، والخازن 3/ 92، وابن كثير 2/ 603.]].
وهذا القول اختيار أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 348 قال: بقدر.]] والزجاج وأبي بكر، قال الزجاج: أي من كل شيء مقدور جرى على وزْنٍ مِنْ قَدَرِ الله لا يجاوز ما قدَّره الله عليه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 176 بنصه.]]، ويشهد لهذا التأويل قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: 8] وهذا عام في كل ما خلقه الله تعالى على وجه الأرض ما ليس من جنس الأرض بما يكون في المعادن، وذلك للفظ [[في جميع النسخ: (اللفظ)، وبالمثبت يستقيم الكلام.]] الإنبات؛ لأنه إنما يستعمل فيما ينبت من الأرض، ويستعمل في الحيوانات أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: 37] ويقال الرجل يُنَبِّتُ الجارية، أي يَغْذُوها ويُحسنُ القيامَ عليها، حكاه الليث [[ورد في "تهذيب اللغة" (نبت) 4/ 3491 بنصه.]]، فأما الجواهر فقد دخلت تحت قوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ ولا تدخل في الإنبات.
وذهب آخرون في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ إلى حقيقة الوزن، وقال عطاء: يريد الثمار مما يكال أو يوزن [[لم أقف عليه]].
وقال الكلبي: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾: في الجبال، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والكحل والزرنيخ، وكل شيء يوزن وزنًا [["تفسير هود الهواري" 2/ 345، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، وورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 17، "معاني القرآن" للنحاس 4/ 17، "تفسير السمرقندي" 2/ 217، الثعلبي 2/ 146 ب.]]، وهذا قول ابن زيد والحسن واختيار الفراء.
قال ابن زيد: هي الأشياء التي توزن [[" أخرجه الطبري" 17/ 14 بنصه، وورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 2/ 146 ب، والماوردي 3/ 154، والطوسي 6/ 326، انظر: "تفسير البغوي" 4/ 374، وابن عطية 7/ 293، وابن الجوزي 4/ 391، و"تفسير القرطبي" 10/ 13، والخازن 3/ 92، وابن كثير 2/ 603، و"الدر المنثور" 4/ 177، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، وقال الحسن: الزعفران وما أشبهه [[لم أقف على هذا القول، والمنسوب إليه هو قول الكلبي السابق، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، "تفسير القرطبي" 10/ 13، الخازن 3/ 92.]].
وقال الفراء: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾، يقول من الذهب والفضة والرَّصاص والنحاس، فذلك الموزون [["معانى القرآن" للفراء 2/ 86 بنصه.]]، فذهب بعض هؤلاء الذين ذكرنا إلى ما يتحقق الإنبات فيه، وهو الحسن وعطاء، وعَمَّمَ ابنُ زيد: كل ما يوزن، فدخل فيه ما يتحقق الإنبات فيه كالحبوب والثمار وما لا يتحقق كالذهب والفضة، إلا أنه لا يجوز إطلاق الإنبات عليها [إلا] [[زيادة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، ولعلها سقطت.]] إذا اجتمعت؛ لأن بعضها يتحقق الإنبات فيه، فاستعمل في غيره إذا اجتمع معه لاشتراكهما في الوزن، والجمع بينهما في اللفظ، والكلبي والفراء خصا جواهر المعادن، ولا يليق لفظ الإنبات بها ولا يحسن، قال أبو بكر: والقول الأول أثبت؛ لأنه يحمل الآية فيه على العموم، والقول الثاني يوجب اختصاصًا لم يأت به برهان، على أنه على بُعْدِه غير خارج عن الصواب، والله أعلم.
الحجر 15:20
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ قال ابن عباس: يريد من الثمار والحبوب [["تنوير المقباس" ص 277 بنحوه.]]، وذكرنا الكلام في المعايش في سورة الأعراف [[آية: [10].]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد مما مَلَّكْتُكم وما أنتم له برازقين، إنما رِزْقهم عليّ وأنا خالقهم، وهذا قول مجاهد واختيار الزجاج وأبي بكر، روى ابن جريج عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال: الدواب والأنعام [["تفسير مجاهد" ص 340 بنصه عن ابن أبي نجيح، وأخرجه الطبري 14/ 17 بنصه من طريق ابن جريج وابن أبي نجيح، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 18، "تفسير الماوردي" 3/ 154، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، "تفسير القرطبي" 10/ 13، أبي حيان 5/ 450، ابن كثير 2/ 603، "الدر المنثور" 4/ 178 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال الزجاج: الأجود والله أعلم أن يكون (من) هاهنا أعني في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ يراد بها العبيد والدواب والأنعام، أي: وكُفِيتُمْ مؤنة أرزاقها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 177 بنصه.]].
وقال أبو بكر: تقديره وجعلنا لكم فيها معايش وعبيدًا وإماءً يرزقهم ولا ترزقونهم.
قال أبو إسحاق: وموضع (مَنْ) نصبٌ من جهتين؛ أحديهما: العطف على ﴿مَعَايِشَ﴾: وجعلنا لكم من لستم له برازقين، وجائز أن يكون عطفًا على تأويل (لكم)؛ لأن معنى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: أعشناكم، المعنى: أعشناكم ومن لستم له برازقين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 177 بنصه.]]، أي رزقناكم ومن لستم له برازقين. (وعلى هذا الوجه يجوز أن يدخل الطير والوحش في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] لأن الله تعالى أعاشهم كما أعاشنا، وهو قول الكلبي في قوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال: يعني الوحش والطير [[أخرجه الطبري 14/ 17، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 147 أ، الماوردي 3/ 154، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 391، "تفسير القرطبي" 10/ 14، "الدر المنثور" 4/ 178، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وفي كل هذه المصادر ورد منسوباً إلى منصور، وفسرها بالوحش فقط، ولم أقف عليه منسوباً إلى الكلبي إلا في "تفسر الفخر الرازي" 19/ 172، والظاهر أنه نقله عن الواحدي.]]، ونحوه قال منصور، ولا يجوز أن يفرد الوحش والطير والدواب عن الإماء والعبيد في هذه الآية؛ لأن (من) لا يكاد يكون لغير ما يعقل، فإذا جمع مع من يعقل، غلب من يعقل بفضيلة العقل، فجاز إيقاع (من) عليهم، وهذا هو الاختيار عند جميع النحويين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 177، "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 192، "تفسير أبي حيان" 5/ 450، وهذا القول اختاره الطبري وصوَّبه.
انظر: "الطبري" 14/ 18.]].
ووجه قول الكلبي، حيث أفرد الوحش والطير والدواب والأنعام: أن (من) لمّا [[في (ش)، (ع): (لها).]] وصفت بالمعاش الذي الغالب عليه أن يُوصفَ الناس به، فيقال: الآدمي يتعيش، ولا يقال: الفرس يتعيش، جرت الهَوَامُ والوَحشُ -لمَّا وُصفت بوصف الناس- مجرى الناس في التسمية، ألا ترى أن علامة جمعها جعلت كعلامة جمع الناس في قوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18] و ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]، و ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4] وكان وقوع (من) على غير الناس في هذا الموضع كتصيير الواو و [[(الواو) زيادة يقضيها السياق.]] الياء لجمع [[في (أ)، (د): (الجميع)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو المناسب للسياق.]] غير الناس حين وصفه بأوصاف الناس. هذا كلام أبي بكر، ومعنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 177.]]، وذكر الفراء أن (من) يجوز أن تكون في محل خفض على تقدير: وجعلنا لكم فيها معايش ولمن، ثم قال: وقلما تَردُّ العربُ حرفًا مخفوضًا على مخفوض قد كُنِّيَ عنه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 86، بنصه تقريباً، وهذه مسألة خلافية بين النحويين؛ فأجازها الكوفيون ومنحها البصريون، ولكلٍ حجته في ما ذهب إليه، والصحيح جواز ذلك؛ لورود القراءة الصحيحة بذلك، والقراءة حجة يجب أن تُخضعَ لها قواعد النحو، ويحُكم بها عليها. انظر: المسألة بالتفصيل في "الإنصاف في مسائل الخلاف" مسألة رقم [65] 2/ 463.]]، وهو جائز على قراءة من قرأ: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]، خفضًا [[وهو حمزة وحده، وقرأ الباقون بالنصب؛ والأرْحَامَ، انظر: "السبعة" ص 226، "الحجة في القراءات" ص 118، "علل القراءات" 1/ 137.]]، وقد ذكرنا ذلك.
الحجر 15:21
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾، الخزائن جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يُخزن [[في (أ)، (د): (يحرز)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو المتفق مع لفظ الآية، وموافق للمصدر.]] فيه الشيء أي يحفظ، والخزانة أيضًا عمل الخازن [[ورد في "تهذيب اللغة" (خزن) 1/ 1027 بنصه تقريباً، وانظر: (خزن) في "المحيط في اللغة" 4/ 277، "القاموس" ص 1193.]]، ويقال خَزَنَ الشيءَ يَخْزِنه إذا أحرزه في خِزَانةٍ [[المصدر السابق بنصه، وهو قول الليث.]]، وعامة المفسرين على أن المراد بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي من المطر [[ورد في: "تفسير الطبري" 14/ 18، و"تفسير السمرقندي" 2/ 217، والثعلبي 2/ 147 أ، والماوردي 3/ 155، و"تفسير ابن عطية" 8/ 295، وابن الجوزي 4/ 392، والفخر الرازي 19/ 174، و"تفسير القرطبي" 10/ 14، والخازن 3/ 93، وهذا التخصيص بالمطر فيه تحكم في اللفظ العام دون دليل قوي، وقد اعترض عليه جماعة من المفسرين المحققين، منهم: ابن عطية والفخر الرازي والشوكاني وصديق خان، يقول الشوكاني: (إنْ) هي النافية و (مِنْ) مزيدة للتأكيد، وهذا التركيب عام؛ لوقوع النكرة في حيز النفي مع زيادة من، ومع لفظ شيء المتناول لكل الموجودات الصادق على كل فرد منها، فأفاد ذلك أن جميع الأشياء عند الله خزائنها لا يخرج منها شيء "تفسير الشوكاني" 3/ 182.]]؛ وذلك أنه سبب الرزق ومعايش بني آدم وغيرهم من الطيور والوحوش، فلما ذكر أنه يعطيهم المعاش بيَّن أن خزائن المطر الذي هو سبب المعاش عنده، أي: في أمره وحكمه وتدبيره.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾، قال ابن عباس: يريد ما يكفي خلقي، وقال الحكم: ما من عام بأكثرَ مطرٍ من عام، ولكنه يُمْطَرُ قومٌ ويُحْرَمُ آخرون، وربما كان البحر [["أخرجه الطبري" 14/ 19 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 147 أبنصه، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 174، "تفسير القرطبي" 10/ 14، ابن كثير 2/ 603، "الدر المنثور" 4/ 178 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة، وقد أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص 324، لكن عن الحسن لا عن الحكم كما قال السيوطي.]]؛ يعني أن الله تعالى ينزل المطر كل عام قدر معلوم لا ينقصه ولا يزيده، غير أنه يصرفه إلى من شاء حيث شاء كما شاء، وقال أهل المعاني في هذه الآية: خزائن الله جل وعز مَقْدُوراته [[انظر: "غرائب التفسير" 1/ 589، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 392، الفخر الرازي 19/ 174، "تفسير القرطبي" 10/ 14، الخازن 3/ 93.]]؛ لأنه يُقِّدر أن يوجد ما يشاء من جميع أجناس المعاني، وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ قال: يريد أَمْلِكُ خزائنه، وأقول كن فيكون [[في "تنوير المقباس" ص 277 قال: بيدنا مفاتيحه لا بأيديكم، وعنه في الدر المنثور قال: ما نقص المطر منذ أنزله الله، ولكن تمطر أرض أكثر مما تمطر الأخرى. "الدر المنثور" 4/ 178، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، يعني أنه تعالى ذِكْرُه لما قَدَرَ على إنشاء ما يريد كما يريد، صارت الأشياءُ كأنها عنده في خزائنها مُعَدَّةٌ، وعلى هذا معنى قوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أي ما ننشئه وما نحدثه، والإنزال يكون بمعنى الإنشاء والإحداث كقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: 6]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: 25] وقد مر [[لعل الأولى أن يقول وسيأتي.]]، والمعنى أنّا ما نخلقه إلا بقدر معلوم لنا، ولو شئنا أن نخلق أضعاف ذلك قدرنا عليه.
الحجر 15:22
قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، قال ابن عباس: يريد للشجر وللسحاب [["أخرجه الطبري" 14/ 22 بنصه عن ابن عباس والحسن، وعن الباقين قال: للسحاب، ورواية ابن عباس من طريق الحجاج عن ابن جريج، صحيحة.
وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" ص 351 - 352 عن الحسن بنصه، وعن إبراهيم بنحوه.
وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 19 بنصه عن ابن عباس والحسن، "تفسير السمرقندي" 2/ 217 عن ابن عباس قال: للأشجار، وعن قتادة قال: للسحاب، والماوردي 3/ 155 عن ابن عباس: للشجر، وعن الحسن وقتادة: للسحاب، والطوسي 6/ 329 عن قتادة وإبراهيم والضحاك قالوا: للسحاب، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 394، عن الحسن وإبراهيم، الفخر الرازي 19/ 175 عنهم ما عدا إبراهيم، الخازن 3/ 93 عن ابن عباس والحسن وقتادة، وابن كثير 2/ 604 عنهم ما عدا الحسن.
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 179 وزاد نسبته إلى أبي عبيد وابن المنذر عن ابن عباس، وزاد نسبته إلى أبي عيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن الضحاك، وعن قتادة، وعن إبراهيم.]]، وهو قول الحسن وإبراهيم وقتادة والضحاك، وأصل هذا من قولهم: لَقِحَتْ الناقةُ، وأَلْقَحَها الفحلُ إذا ألقى إليها الماءَ فحملته [[انظر: (لقح) في: "جمهرة اللغة" 1/ 559، "تهذيب اللغة" 4/ 3283، "المحيط في اللغة" 2/ 352. وورد في الطوسي 6/ 328 بنصه.]]، فكذلك الرياح هي كالفحل للسحاب، ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود في هذه الآية؛ قال: يبعث الله الرياح لتُلقحَ السحابَ فتحمل الماءَ وتَمُجُّه في السحاب ثم تَمْريه [[(تَمْريه)؛ المَرْيُ: مَسْح ضَرْع الناقة لتَدرّ، والريح تَمْرِي السحابَ مَرْياً؛ أي تجعل المطر يدرُّ منه. (اللَّقْحَةُ واللِّقْحَةُ): هي الناقة القريبة العهد بالنتاج: الحَلُوب الغزيرة اللبن، تقول: لِقحةُ فلان، ولا تقول: ناقة لَقْحة ولِقْحة، وإذا جعلتها نَعْتًا قُلت: ناقةٌ لَقُوْحٌ، والجمع لِقَحٌ ولِقاح. انظر: "تهذيب اللغة" (لقح) 4/ 3283، (مرى) 4/ 3383، "المحيط في اللغة" (لقح) 2/ 352، (مرى) 10/ 281، "متن اللغة" 5/ 197.]] فيدُرُّ كما تَدُرُّ اللِّقحةُ [["أخرجه الطبري" 14/ 20، بنحوه، والطبراني في "الكبير" 9/ 353، بنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 19 بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 217 بنحوه، والثعلبي 2/ 147 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 375، وابن الجوزي 4/ 394، الفخر الرازي 19/ 175، الخازن 3/ 93، وابن كثير 2/ 604، وأورده الهيثمي في "المجمع" 7/ 45 وقال: وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 179 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي لم أقف عليه.]].
وقال عبيد بن عمير: يرسل الله المبُشَّرة فَتَقُمّ الأرضَ قَمُّا، ثم يرسل المُثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل المؤلِّفة فتؤلفه، ثم يرسل اللواقح فَتُلقِح الشجر [[أخرجه الطبري 14/ 21 بنصه، وأبي الشيخ في "العظمة" ص 344 بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 147 أبنصه، والماوردي 3/ 155، انظر: "تفسير البغوي" 4/ 375، "تفسير القرطبي" 10/ 16، الخازن 3/ 93، "الدر المنثور" 4/ 179 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، والأظهر في هذه الآية إلقاحها السحاب لقوله بعده: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ولأن إلقاحها للسحاب ظاهر كما ذكرنا، وإلقاحها للشجر لم يذكر كيف هو [[ذكر الطبري أن إلقاحها السحاب والشجر: عملها فيه. "تفسير الطبري" 14/ 20.]]، فإن قيل كيف قال (لواقح) وهي مُلْقِحة؟ والجواب ما ذهب إليه أبو عبيدة: أن لواقح هاهنا بمعنى مَلاقِح جمع مُلْقِحَة، فحذفت الميم منه وردت إلى الأصل، وأنشد لنهشل بن حَرِّيّ [[نهشل بن حري بن ضَمرة بن جابر النَّهشلي، شاعر شريف مشهور، هو وأبوه وجدّه شعراء، كان حسن الشعر، عدّه الجمحي في الطبقة الرابعة من فحول شعراء الإسلام. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 583، "الشعر والشعراء" ص 424، "الخزانة" 1/ 312.]] يرثي أخاه:
لِيُبْك يزيدُ بائسٌ ذو ضَرَاعةٍ ... وأشْعَثُ ممن طَوَّحتْه الطَّوائحُ [[اختلف في نسبة البيت لهشل، فنُسب إلى أكثر من واحد، وقد صوّب البغدادي نسبته إلى نهشل. انظر: "الخزانة"1/ 313، وقد ورد البيت في. "تفسير الطبري" 14/ 21، وابن عطية 8/ 298، وابن الجوزي 4/ 393، والفخر الرازي 19/ 175 وورد برواية:
لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... ومُخْتَبِطٌ مما تُطيح الطَّوائِحُ
في: "الكتاب" 1/ 288، 366، "الإيضاح" ص 115، "الخصائص" 2/ 353، "المحتسَب" 1/ 230، "تفسير الطوسي" 6/ 329 "الأساس" 2/ 83، "أمالي ابن الحاجب" 2/ 149، "شرح شواهد الإيضاح" ص 94، "شرح المفصل" 1/ 80، "اللسان" (طيح) 5/ 2734، "الدر المصون" 7/ 153، "معاهد التنصيص" 1/ 203، "الخزانة" 1/ 303، معناه: هذا الممدوح الذي هو (يزيد) كان رجلاً عظيماً يُقْصد في النَّصر وفي العطاء، فيقصده الضارع للخصومة لينصره وهو المائل إليها، ويقصده (المختبطُ): الاختباط: طلب المعروف والكسب، خبطه واختبطه، والمختبط: الذي يسألك بلا وسيلة ولا معرفة، (مما تطيح الطوائح): وهو الذي أصابته شِدَّة السنين، والطوائح: الشدائد؛ فيقصدُه هذا ليدفع عنه بالعطاء شدة ما أصابه من ذلك، فلذلك وصفه بالنَّصر والكَرم. وانظر: "المحيط في اللغة" (خبط) 4/ 294.]]
أراد: المطوحات، فرد الحرف إلى أجل الثلاثي، واحتج أيضًا بقول رؤبة:
يَخْرُجْنَ من أَجْوَازِ [[في جميع النسخ: (أزواج)، والمثبت موافق للديوان وجميع المصادر.]] لَيْلٍ غاضِ [["ديوان رؤبة" ص 82 وروايته: بالِعيسِ فوق الشَرَكِ الرِفاض ... كأنَّما ينْضَحْنَ بالخَضْخاضِ
يخرجنَ من أجواز ليلٍ غاضِ ... نَضْوَ قِداحِ النابلِ النواضي
وورد في: "أدب الكاتب" ص 612، "شرح الجواليقي" ص 300، "اللسان" (دلا) 3/ 1417، (غضا) 6/ 3269، وورد غير منسوب في: "المقتضب" 4/ 179، "المخصص" 9/ 167، (العيس) الإبل البيض، (الشَرَك) أخاديد الطريق، الواحدة: شركة، (الرفاض) المتفرقة يميناً وشمالاً، (ينضحن) يعرقن، (بالخضخاض) القطران الرقيق، شبَّه عرق الإبل به وعرقها أسود، (يخرجن) أي الإبل، (الأجْوَاز) جمع جَوْز، وهو الوسط، (غاض) مظلم، (النضْو) الخروج، شبه خروجها من الليل بخروج القداح من الرمية.]] يريد: مُغضٍ، وبقوله:
تَكْشِفُ عن جَمَّاتِهِ دَلْوُ الدَّالي [[وعجزه:
عَبايةً غَثْراءَ من أَجْنٍ طالْ
ورد في ملحقات "ديوان العجّاج" 2/ 321، وورد في: "أدب الكاتب" ص 612، "شرح الجواليق" ص301، "اللسان" (دلا) 3/ 1417، وورد غير منسوب في: "المقتضب" 4/ 179، "المخصص" 9/ 167. (الجمات): جمع جمّة، وجمّة البئر اجتماع مائها، (الدَّالي أو الدال) هو الجاذب للدَّلْو من البئر ليخرجها، ويقال (الدالي) صاحب الدلو، (عباءة) كساء، (غثراء) مثل غبراء؛ الكدر اللون، (أَجْن) يقال ماءٌ أَجِنٌ، وماءٌ آجِنٌ؛ هو الماء المتغير بطول المَكْث، وهو الذي غشيه العَرْمَضُ -الطُّحْلُبُ- والورق، شبه ما على الماء من الطحالب والورق بسبب طول المكث بالعباءة؛ لأنه لا يورد. انظر: "المحيط في اللغة" (أجن) 7/ 191، "شرح الجواليقي" ص 301، "اللسان" (غثر) 6/ 3214.]] [["مجاز القرآن" 1/ 348 بنحوه.]]
يريد: المُدْلِي، قال أبو بكر وقد قال العرب: أَبْقَلَ النبت فهو بَاقْلٌ، يجعلون باقلًا بدلاً من مُبْقِل، ففي هذا دليل على تعيين لاقح عن مُلْقِح، وإلى قريب من هذا ذهب الفراء؛ فقال: يجوز فاعل لِمَفْعَل، كما جاء لمفعول؛ نحو: ماءٍ دافقٍ، وسرًّ كاتمٍ، وليلٍ نائمٍ، وكما قيل: المَبْرُوز في معنى المُبْرَز في قوله [[البيت للبيد وقد سبق عزوه قريبًا في ص 459.]]:
النَّاطِقُ المَبْرُوزُ والمَخْتُومُ
وذلك أن هذه الأشياء لم يُرَدَّ البناءُ فيها إلى الفعل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 87 بتصرف.]]، واختار أبو علي أيضًا قول أبي عبيدة فقال: لواقح بمعنى مَلاقِح، على حذف الزيادة، قال: وكما حذفت الزيادة من الجمع هاهنا حذفت من المصدر في شعر أبي دُؤَاد يذكر سحابًا:
لَقِحْنَ ضُحَيُّا لِلَقْحِ الجَنُوبِ ... وأصبَحْنَ يُنْتَجْنَ ماءَ الحَيَاءِ [[ورد في "الحجة للقراء" 2/ 253.]]
فقوله: (لِلَقْحِ الجنوب)، تقديره: لإلقاحِ الجنوب، فحذف الزيادة من المصدر [[ورد في "الحجة للقراء" 2/ 253 بتصرف يسير.]].
وقال الزجاج: يجوز أن يقال لها لواقح، وإن ألقحت غيرها؛ لأن معناها النسب [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 177 بنصه.]]، وشرح أبو بكر هذا القول فقال: واحد اللواقح لاقح، ومعنى لاقح ذاتُ لَقْح، كما قالوا: تأمر ولابن ونابل، وأبو الهيثم اختار أيضًا هذا، وقال هذا كما يقال: دِرْهَم وازِنٌ، أي ذو وزن، ورامحٌ وسائفٌ، ولا يقال رَمحَ ولا سافَ [[ورد قوله في "تهذيب اللغة" (لقح) 4/ 3285 بتصرف يسير.]]، وهذا الذي ذكرنا قول هؤلاء وليس هذا بمعنى؛ لأنه كان يجب أن يصح اللاقح بمعنى ذات اللقاح حتى يوافق قول المفسرين، فإن أرادوا بقولهم (ذات لقح) أن الريح في الحامل نفسها لم يحتج فيها إلى القول بالنسب، ويكون معناه ما ذكره الفراء فقال: جعل الريح هي التي تَلْقَح بمرورها على السحاب [و] [[زيادة يقتضيها السياق.]] التراب والماء، فيكون هذا اللَّقَاح، فيقال: ريح لاقح، كما يقال: ناقة لاقح [["معاني القرآن" للفراء 2/ 87 بنصه.]]، واختار ابن قتيبة هذا القول، وكَرِه قولَ أبي عبيدة وقال: العرب تسمى الرياح لواقح، والريح لاقحًا، قال الطَّرِمَّاح:
قَلِقٌ لأَفْنَانِ الرِّيَاحِ ... لِلاَقِحٍ مِنْها وحَائِلْ [[ورد البيت في:"الحجة للقراء" 2/ 252، "الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي ص 524، " تفسير ابن عطية" 8/ 297، ابن الجوزي 4/ 392.]]
فاللاقحُ: الجنوب، والحائلُ: الشمال، يذكر بُرْدًا مَدَّه [[في (د): (يريد أمده).]] على أصحابه في الشمس يستظلون به، وُيسمّون الشمال أيضًا عقيمًا؛ لأنها لا تحمل، وإنما جعلوا الريح لاقحًا، أي حاملًا؛ لأنها تحمل السحاب وتقلبه وتُصَرِّفه، وهذا في قول أبي وَجْزَةَ [[أبو وجزة هو يزيد بن عبيد السعدي المدني، من بني سُلَيم، نشأ في بني سعد بن بكر فغلب عليه نسبهم، كان شاعراً مجيداً، ومحدّثًا ثقة، مات سنة (130 هـ). انظر: "الشعر والشعراء" ص 469، "الأغاني" 12/ 279، "تقريب التهذيب" ص 603 رقم (7753)، "الخزانة" 4/ 182.]]:
حتى سَلَكْنَ الشَّوَى مِنْهُنّ في مَسَكٍ ... مِنْ نَسْلِ جَوَّابَةِ الآفَاقِ مِهْدَاجِ [[ورد في: "تهذيب اللغة" (لقح) 4/ 3285، (هدج) 4/ 3725 "الأزمنة والأمكنة" ص 524 وفيه: (مَسَد) بدل من (مسم)، "اللسان" (هدج) 8/ 4630، (لقح) == 7/ 4059، (مسك) 7/ 4203، (سلكن الشوى): الأُتُنُ الحمير أدخلن شواهُنَّ، أي قوائمهن، (مَسَك): بالتحريك؛ الأسورة والخلاخيل من الذَّبْلِ -وهي قرون الأوْعَال- والعاج، واحدته مَسْكة، (مهداج): الهَدْجةُ: رَزْمة صوت الناقة وحنينُها على ولدها، ويقال للريح الحنون: لها هَدْجة ومِهدْج، فهو يذكر حميرًا وردت ماءً فأدخلت قوائمها في الماء، وهذا الماء من نسل جوابة الآفاق؛ أي ريح تجوب البلاد، أي هي أخرجته من الغيم واستدرَّته، فجعل الماء لها نتاجاً ولداً، فالرياح على هذا هنَّ اللواقح.]] يعني الماء من نسل ريح جوابة للبلاد، فجعل الماء للريح كالولد؛ لأنها حملته في السحاب ثم مَرَت [[أي استدرته، وجعلت المطر يدر.]] السحاب حتى ألقته، قال: ومما يوضح هذا قوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: 57] أي حملت [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 178 بتصرف.]]. وهذا القول اختيار الأزهري، وقال بعد ما حكى قول ابن قتيبة: فهذا على هذا المعنى لا يحتاج أن يكون لاقِحٌ بمعنى ذات لَقْح، ولكنها حامل تحمِلُ السحاب والماء [["تهذيب اللغة" (لقح) 4/ 3285 بنصه.]]، والله أعلم.
ويؤكد هذا الوجه أن المفسرين ذكروا في إلقاحها السحاب أنها تحمل الماء، قال أبو إسحاق: وجائز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير؛ كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بخير [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 177 بنصه.]]، قال ابن الأنباري: الريح اللاقح؛ الذي يحمل الماء والسحاب على جهة التشبيه والتمثيل بالناقة التي تشتمل على ماء الفحل، والذي يتولد عن الريح من السحاب، والمطر بمنزلة الولد الذي تنتجه الناقة، وهذا كما تقول العرب: قد لقحت الحرب وقد نتجت ولدًا أنكدًا [[الكلمة غير واضحة في جميع النسخ كأنها: أيلد، والتصويب من "تفسير الفخر الرازي" 19/ 176 والنّكدُ: الشؤم واللؤم، وكل شيٍ جر على صاحبه شرًّا فهو نَكَدٌ ونَكِدٌ، وصاحبه أنْكَدُ ونَكِدٌ. "المحيط في اللغة" (نكد) 6/ 214.]]، يُشبِّهون ما تشتمك عليه من [[ساقطة من (أ)، (د).]] ضروب الشر بما تحمله الناقة، ويُشبِّهون بما يتولد منها من القتل والنهب بما تضعه الناقة [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 394 ورد مختصرًا، الفخر الرازي 19/ 176 ورد مختصرًا غير منسوب.]]، يشهد لصحة هذا قول الشاعر [[هو الحارث بن عباد (جاهلي).]]:
لَقَحَتْ حُرْبُ وائلٍ عن حِيالِ [[وقدره:
قَرّبا مَرْبِطَ النعامةِ منِّي
ورد في "الأصمعيات" ص 71، "الحيوان" 4/ 361، "أمالي القالي" 2/ 131، "الأزهية" ص 280، " الاقتضاب" ص 443، "شرح الجواليقي" ص 266، "أمالي ابن الشجري" 2/ 612، "الحماسة البصرية" 1/ 16، وورد بلا نسبة في: "معاني الحروف" للرماني ص 95، "المنصف" 3/ 59 (النعامة) اسم فرسه، (المربط) الموضع الذي تربط فيه، (لقحت) حملت، (عن حيال) بعد حيال؛ أراد أنها هاجت بعد سكونها، يقول ابن السيد: والحيال: أن تضرب الناقة فلا تحمل، وإنما ضرب ذلك مثلاً لِمَا تولد عن العرب وأنتج منها من الأمور التي لم تكن تحتسب بعد ذلك.]]
والرياحُ العقيمُ غيرُ لاقح، إذا لم تحمل ما يتولد منه مطر ويصدر عنه روح وفرح [[خلاصة القول في (لواقح) أن فيها ثلاثة أقوال: أن الرياح ملقحة، أو لاقحة، أو == ذات لقحٍ، وهذا الأخير محتمل لأحد القولين، فتؤول المسألة إلى قولين؛ إما ملقحة أو لاقحة، وهو ما رجحه الطبري 13/ 20 وهذا القول موافق للواقع المشاهد؛ فالريح لاقح لأنها تحمل السحاب وما فيه من الماء، وتحمل اللَّقاح من الشجر الذكور إلى الإناث، وهي ملقحة لأنها تلقح السحاب بعضه ببعض؛ فيدرُّ المطر وكذا فعلها في الأشجار، ولا تعارض بين القولين، لكن السياق هنا يرجح القول بأنها ملقحة للسحاب؛ أي تلقح بعضه ببعض فيدرّ المطر، فالآية تشير إلى أثر الرياح في الجمع بين الشحنات الكهربائية الموجبة والسالبة في السحاب، وهو ما أثبته العلم الحديث؛ حيث تقوم الرياح بتلقيح السحاب، وذلك في عملية تتضمن إمداده بأكداس من جسيمات مجهرية صغيرة، تسمى: نوى التكاثف، ومن أهم خواص هذه النويات أنها تمتص الماء أو تذوب فيه، وتحمل الرياح كذلك بخار الماء وتلقح به السحاب لكي يمطر.
انظر: "الإسلام في عصر العلم" ص 406، "المعجزة الخالدة" ص 336، "مباحث في إعجاز القرآن" ص 188.]].
وقوله تعالى: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾، قال الأزهري: العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري: أسْقيْتُ، أي جعلته شُرْبًا له، وجعلت له منها مسقى، فإذا كانت السقيا لشفته قالوا: (سقاه، ولم يقولوا: أسقاه) [["تهذيب اللغة" (سقى) 2/ 1715، وما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).]]، الذي يؤكد ويبين هذا اختلاف القُراء في قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: 66] فقرأوا باللغتين، ولم يختلفوا في قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21] وفي قوله: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: 79].
وقال أبو زيد: اللهم اسقنا إسقاءً رِوَاءً، وأسقيت فلانًا رَكِيَّتي [[الرَّكْوَةُ: شِبْهُ تَوْر من أدم، والجمع الرِّكَاءُ، والرَّكْوُ: أن تحفر حوضاً مستطيلاً، والرَّكيَّة: بئر تُحفر، وجمعها رَكِيُّ ورَكَايا انظر: (ركو) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1456، "المحيط في اللغة" 6/ 317.]]، إذا جعلت له منها مَسْقًى [["النوادر في اللغة" ص 554 بمعناه، وورد في "تهذيب اللغة" (سقى) 2/ 177 بنحوه، وأغلب الظن أنه نقل القول منه.]].
وقال أبو علي: تقول: سقيته حتى روى، وأسقيته: نهرًا، جعلته شِرْبًا له، وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾: جعلناه سُقيا لكم، وربما قالوا في: أسقى سقى؛ كقول لبيد يصف سحابًا:
أَقُولُ وصَوْبُهُ مِنِّي بَعِيدٌ ... يَحُطُّ الشَثَّ من قُلَلِ الجِبَالِ
سَقَى قَومِي بَني مَجْدِ وأَسْقَى ... نُمَيْرًا والقبائلَ مِن هِلالِ [["شرح ديوانه" ص 93، وورد البيت الثاني في "مجاز القرآن" 1/ 355، "النوادر في اللغة" ص540، "تفسير الطبري" 14/ 131 "الحجة للقراء" 75/ 5، "إعراب القراءات السبع" وعللها 1/ 357، "تفسير الطوسي" 6/ 399، ابن عطية 8/ 300، ابن الجوزي 4/ 395، الفخر الرازي 19/ 177، "اللسان" (سقي) 4/ 2043، والألوسي 14/ 31، (صوبه) مصاب مطره، (الشَثَّ) شجر من شجر السراة، (قلل) أعالي، (مجد) ابنة تيم بن غالب بن فهر، وهي أم كلاب وكعب وعامر بني ربيعة بن عامر بن صعصعة.]]
فـ (سقى قومي) ليس يريد به ما يُروي عِطَاشهم، ولكن يريد رزقَهم سَقْيًا لبلادهم يُخْصِبُون بها، وبعيدٌ أن يسألَ لقومه ما يُروي العطاش، ولغيرهم ما يُخْصِبون منه [["الحجة للقراء" 5/ 75 بتصرف.]]، فأما سَقْيَا السَقِيَّة، فلا يقال فيها أسقَاهُ، وأما قول ذي الرُّمَّة:
وأُسْقِيهِ حتى كادَ بما أَبُثُّهُ ... تُكَلِّمُني أَحْجَارُهُ ومَلاعِبُه [["ديوانه" 2/ 821، وورد في "مجاز القرآن" 1/ 350، "النوادر في اللغة" ص 540، "تفسير الطبري" 14/ 22، والطوسي 6/ 329، وابن عطية 8/ 301، وابن == الجوزي 4/ 395، الفخر الرازي 19/ 177، "اللسان" (سقي) 4/ 2042. (أبثه) أي أخبره بكل ما في نفسي، (ملاعبه) مواضع يُلعَبُ فيها.]] فمعنى (أسقيه) أدعو له بالسُقيا، وأقول: سَقاه الله.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ﴾ يعني لذلك الماء المنزل من السماء، ﴿بِخَازِنِينَ﴾ أي بحافظين، يقول ليست خزائنه بيدكم.
الحجر 15:23
قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ يعني إذا مات جميع الخلائق لم يتبق سواه؛ كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ [مريم: 40]. قال أهل المعاني: لمّا كان يزول مُلْكُ كلِّ مَلِكٍ بموته -ويكون اللهُ عَزَّ وَجَلَّ المالكَ الحيَ وَحْدَه- كان هو الوارث لجميع [[في (أ)، (د): جميع، والمثبت من (ش)، (ع) وهو المنسجم مع السياق.]] الأملاك [[ورد هذا المعنى في "تفسير الطوسي" 6/ 329، الفخر الرازي 19/ 177، الخازن 3/ 94.]].
ومعنى ورث: تَمَلَّك ما كان يملكه الميت قبله، وأملاك الخلائق تبطل وتزول بموتهم، ويبقى المُلك خالصًا لله وحده، فكان وارثًا من هذا الوجه.
الحجر 15:24
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ قال الليث: تقول: استقدم، أي: تقدم، وضده استأخر، أي: تأخر [[ورد في "تهذيب اللغة" (قدم) 3/ 2904 بمعناه.]]، واختلف المفسرون في هذه الآية، فقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ يريد أهلَ طاعةِ الله، و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ يريد عن طاعة الله [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 177.]]، وهذا قول الحسن قال: المستقدمون في الطاعة، والمستأخرون عنها [["أخرجه الطبري" 14/ 25 بنحوه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 218 بمعناه، والثعلبي 2/ 147 ب بنحوه، وانظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1127، وابن الجوزي 4/ 397، و"تفسير القرطبي" 10/ 19، والخازن 3/ 94، و"الدر المنثور" 4/ 181 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.]].
وقال في رواية مِقْسَم: المستقدمون الصف المستقدم، والمستأخرون الصف المستأخر [[رواه الحاكم، تفسير الحجر 2/ 353 بنصه عن طريق أبي الجوزاء (منقطعة بالجهالة)، وانظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1127، الفخر الرازي 19/ 178، "الدر المنثور" 4/ 178 وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وقد أخرجه عبد الرزاق 2/ 348، والطبري 14/ 26 بنحوه، عن طريق واحد مسندًا إلى أبي الجوزاء.]]، وهذا قول الربيع، قال: حض رسول -ﷺ- على الصف الأول في الصلاة، فازدحم الناس عليه فأنزل الله هذه الآية [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 147ب بنصه، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 282 بلا سند، وانظر: "تفسير الألوسي" 14/ 32، وابن الجوزي 4/ 396 عن أبي صالح عن ابن عباس، ولا يعتد بمثل هذا في أسباب النزول.]]، واختار الفراء هذا القول، وقال: معنى ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا﴾ أي: إنَّا نجزيهم على نيّاتهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 88 بنصه.]]، فإنا نعلم جميعهم.
وقال الضحاك ومقاتل: في صف القتال [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 178 عنهما، وابن الجوزي 4/ 397 عن الضحاك، و"تفسير البغوي" 4/ 377 عن مقاتل، والخارن 3/ 94 عن مقاتل، و"الدر المنثور" 5/ 181 وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن مقاتل، والذي في تفسير مقاتل هو نفس القول الذي أخرجه الطبري عن الضحاك في الآية؛ قال: الأموات والأحياء، انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 196 ب، والطبري 14/ 24، والماوردي 3/ 156.]].
وقال في رواية أبي الجوزاء: (كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله -ﷺ- فكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتأخرون ليروها -إذا ركعوا وجافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم- فأنزل الله هذه الآية) [[أخرجه بنصه تقريبًا: أحمد 1/ 305، والترمذي (3122) كتاب: تفسير، باب. ومن سورة الحجر، وابن ماجه (1046) كتاب: الصلاة، باب: الخشوع في الصلاة، وابن خزيمة: كتاب: صلاة النساء في الجماعة، باب: التغليظ في قيام المأموم في الصف المؤخر إذا كان خلفه نساء 3/ 97، والطبري 4/ 26، وابن حبان، "موارد الظمأن": التفسير، الحجر ص 433، والطبراني في "الكبير" 12/ 171، والحاكم: التفسير، الحجر 2/ 353 وصححه ووافقه الذهبي، سنن البيهقي: كتاب: الصلاة، باب: الرجل يقف في آخر صفوف الرجال 3/ 98، "أسباب النزول" للواحدي ص 281، كلهم من طريق نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، وورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 217، والثعلبي 2/ 147 ب، والماوردي 3/ 156، وابن عطية 8/ 302، وابن الجوزي 4/ 396، الفخر الرازي 19/ 178، "تفسير القرطبي" 10/ 19، الخازن 3/ 94، وأبي حيان 5/ 451، وابن كثير 2/ 605، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 180 وزاد نسبته إلى أبي داود الطيالسي 2712، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، وانظر: "شرح المسند" 2/ 278، صحيح ابن ماجه (2472). اختلف العلماء في تصحيح الحديث، فصححه ابن خزيمة والحاكم والذهبي وشاكر والألباني، وقد أَعَلَّ الترمذي الحديثَ بالإرسال؛ ورجح وقفه على أبي الجوزاء، وتبعه القرطبي وقال: هو الصحيح، واعتمده ابن كثير وقال: حديث غريب جداً وفيه نكارة شديدة، وقد ناقش الألباني المضعفين للحديث: فبيّن أن الإعلال مردود بورود الحديث موصولاً في مسند الطيالسي ورجاله ثقات، وأما الغرابة فمنفية لورورد عدة روايات للحديث -ذكرها- في أن الآية نزلت في صفوف الصلاة، أما النكارة الشديدة التي ذكرها ابن كثير، فلعه يقصد مضمون الرواية؛ أنها توهم طعنًا في الصحابة، وجوابه: إذا ورد الأثر == بطل النظر، ولأن هذا المسلك يفتح باباً لرد كثير من الأحاديث، ويمكن دفع التهمة عن الصحابة بتخصيص الخبر على بعض المنافقين أوحديثي العهد بالإسلام. انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2472).]].
وعلى هذا القول معنى ﴿عَلِمْنَا﴾: الوعيد والمحاسبة، وروي عنه أيضًا أنه قال: المستقدمون الأموات، والمستأخرون الأحياء [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 348 بنحوه عن قتادة، والطبري 14/ 23 - 24 بنحوه من طريق قتادة عن ابن عباس، ومن طريق العوفي غير مرضية، وأخرجه -كذلك- عن
قتادة، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 218 بمعناه عن قتادة، والثعلبي 2/ 147 ب بنصه عن ابن عباس، وبنحوه عن قتادة، وانظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1127 عن ابن عباس وقتادة، و"تفسير القرطبي" 10/ 19 عنهما، وأبي حيان 5/ 451 عنهما، وابن كثير 2/ 569 عنهما، و"الدر المنثور" 4/ 181 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.]]، وهذا قول قتادة، ومجاهد قال: من مضى من الأمم السالفة ومن بقي؛ وهم أمة محمد -ﷺ- [["تفسير مجاهد" ص 341 بنصه، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 348 بنصه، والطبري 14/ 25 بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 218 بنحوه، والماوردي 3/ 156 بنحوه، و"تفسير البغوي" 4/ 377، وابن العربي 3/ 1127، وابن الجوزي 4/ 397، والخازن 3/ 94، و"تفسير أبي حيان" 5/ 451، وابن كثير 2/ 604 - 605، و"الدر المنثور" 4/ 182 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون "من يخلقه بعد" [[في معظم المصادر: (من لم يخلق)، والمثبت في معناه؛ لأن من يخلقه بعد، أي في المستقبل، هو ممن لم يخلق.]] [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 348 بنحوه، والطبري 14/ 23 بنحوه، والثعلبي 2/ 147 ب بنصه تقريبً، والماوردي 3/ 156 بنحوه، و"تفسير البغوي" 4/ 377، وابن الجوزي 4/ 396، والفخر الرازي: 19/ 1789، و"تفسير أبي حيان" 5/ 451، وابن كثير 2/ 604 - 605.]]، وعلى قول هؤلاء معنى ﴿عَلِمْنَا﴾ والتمدح بالعلم؛ لأن علمه شامل لأعداد من مضى ومن بقي، ومن خلقه ومن سيخلقه فيما بقي.
الحجر 15:26
قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني آدم [[أخرجه "الطبري" 14/ 27 بلفظه من طريق سعيد بن جبير صحيحة، والماوردي 3/ 157 بلفظه عن أبي هريرة والضحاك، وورد بلفظه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 218، والطوسي 6/ 330.]]، والكلام في وزن الإنسان واشتقاقه قد تقدم في أول الكتاب؛ عند قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ [البقرة: 8].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾، اختلفوا في معناه، فقال قوم: هو طين حر يصلصل إذا نقر؛ لِيُبْسِه، يقال: صلَّ الحديدُ وغيرُه يَصِلُّ صليلاً، وصلصل إذا صَوَّت، ومنه قول لبيد:
كلَّ حِرباءٍ إذا أُكْرِهَ [[في جميع النسخ: (أكرم)، والمثبت موافق للديوان وجميع المصادر.]] صلّ [[وصدره:
أَحْكَمَ الجُنْثِيُّ من عَوْرَاتِها
"شرح ديوان لبيد" ص 192، وورد في "العين" 6/ 99، "المعاني الكبير" 2/ 1030، "جمهرة اللغة" 1/ 143، 3/ 1322 وفيه: (نَعْتِها) بدل (عوراتها)، "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 886، (صل) 2/ 2046، "اللسان" (حرب) 2/ 818، (جنث) 2/ 696، (صلل) 4/ 2487، (حكم) 2/ 952، "التاج" (جنث) 3/ 186 (الجُنْثيُّ) بضم الجيم وكسرها، وبالنصب وبالرفع؛ فمن قال: الجنْثِيُّ بالرفع ونصب كلاَّ أراد: الحدّادُ أو الزَّرّادُ، أي أحكم صنعة هذه الدِّرع، ومن قال: الجنْثِيَّ بالنصب ورفع كلاَّ -وهي رواية الأصمعي- أراد: السيف؛ يقول هذه الدِّرع لإحكام صنعتها تمنع السيف أن يمضي فيها، وكل شيء أحكمته فقد منعته، وأحكم هنا بمعنى رَدَّ، (عوراتها) واحدها عورة، وهىِ الفُتُوقُ والفُرَج في الدِّرع، (الحِرْبَاءُ) مسمارُ الدِّرْع، وقيل هو رأسُ المِسمار في حَلْقَةِ الدِّرْع، (صل) يقال صلّ المسمارْ يصلُّ صَليلاً، إذا ضُرب وأكره أن يدخل في الشيء فسمعت صوته.]] وأنشد ابن الأنباري [[البيت للأعشى.]]:
عَنْتَرِيسٌ تَعْدو إذا مَسَّها السَّوْطُ ... كَعَدْوِ المُصَلْصِلِ الجوَّالِ [["ديوان الأعشى" ص 165، وورد في: "اللسان" (صلل) 4/ 2486 برواية (الصوت) بدل (السوط)، وفي "مجاز القرآن" 1/ 351، و"الكامل" 3/ 100 برواية: (حُرّك) بدل (مسها)، الغريب لابن قتيبة 1/ 241 (عجزه)، "تفسير القرطبي" 10/ 21 (عجزه)، (عنتريس)؛ العَتَرَّس: الضخم من الدواب، والمقصود: الناقة الصلبة الغليظة، الكثيرة اللحم، الوثيقةُ الخلق، وقد يُوصَف به الفرسُ. "المحيط في اللغة" (عترس) 2/ 250، "متن اللغة" 4/ 21.]]
قال يريد بالمصلصل الحمار المصوت، وهذا قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 88 بمعناه.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 178 بنحوه.]] وأبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 350 بنحوه]]، ونحوه قال الأخفش، قال: وكل شيء له صوتٌ فهو صلْصالٌ من غير الطين [[ليس في معانيه، وهو في التهذيب بنصه، والغالب أنه نقله منه. انظر: "تهذيب اللغة" (صل) 12/ 2046.]]، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي، قال: الصلصال: الطين اليابس [["أخرجه الطبري" 14/ 28 من طريق العوفي (ضعيفة)، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 157 بنصه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 397، "تفسير القرطبي" 10/ 21، الخازن 3/ 94، ابن كثير 2/ 606، "الدر المنثور" 4/ 182 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وفي رواية إسرائيل [[إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيْعي الهمداني، أبو يوسف الكوفي، أحد الأعلام، ثقة تُكُلِّم فيه بغير حجة، اعتمده البخاري ومسلم في الأصول، روى عن السدي وجَدِّه أبي إسحاق، وعنه وكيع وأبو نعيم، مات سنة (162 هـ) انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 374، "الجرح والتعديل" 2/ 330، "ميزان الاعتدال" 1/ 208، "تقريب التهذيب" ص 104 رقم (401).]]: ّالصلصال الذي إذا قُرعَ صوَّت [[ورد في "تفسير الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 353 بنحوه، والطوسي 6/ 330 بمعناه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 397، "الدر المنثور" 4/ 182 وعزاه إلى ابن أبي حاتم.]] وروى عنه أبو صالح أنه الطين الحر الذي
إذا نَضَب عنه الماء تشقق، فإذا حُرك تقعقع [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 أ، بنصه عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 348 عن قتادة بمعناه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 378 عن ابن عباس، الخازن 3/ 94 عن ابن عباس، "الدر المنثور" 4/ 182 وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن قتادة، ولم أقف عليه منسوباً إلى الحسن.]]، وهذا قول الحسن وقتادة في الصلصال.
قال المفسرون: خلق الله آدم من طين فصوَّره ومكث في الشمس أربعين سنة حتى صار صلصالًا كالخزف لا يدري أحد ما يُراد به، ولم يروا شيئًا من الصورة يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح [[ما أشار إليه هنا جزء من خبر طويل مروي عن ابن عباس وبعض الصحابة، أخرجهما الطبري من طريقين، وأشار إلى التعارض بين الروايتين، ثم قال: وهذا إذا تدبره ذو فهم، علم أن أوله يفسد آخره، وأن آخره يبطل معنى أوله، وأورد ابن كثير الروايتين، وعقَّب على رواية ابن عباس -والتي فيها أنه مكث أربعين ليلة جسداً- قائلاً: هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور، وقال بعد الرواية الأخرى - والتي فيها أنه مكث أربعين سنة جسداً: فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السُّدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة والله أعلم. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 201 - 202، وما بعدها، "العظمة" ص 453 عن ابن زيد، "تفسير السمرقندي" 1/ 108، ابن كثير 1/ 74 وما بعدها، وأورد السوطي في الدر المنثور رواية ابن عباس 1/ 93 - 100، وأورد الرواية الأخرى عن ابن مسعود == مسعود وغيره، وزاد نسبته إلى البيهقي وابن عساكر 1/ 116 ومما يؤيّد رد هذا القول -إضافة إلى انتقاد ابن جرير وابن كثير لأصل الخبر- التعارض بين الروايتين في المدة التي مكثها آدم قبل أن ينُفخ فيه الروح، فإحدى الروايتين ذكرت أنها أربعين ليلة، والأخرى ذكرت أنها أربعين سنة، والغريبُ أن قضية مُكْث أدم فترة قبل نفخ الروح فيه ثابته بالحديث الصحيح، لكن دون تعيين هذه الفترة أو مكان المُكث - في الظل أو الشمس. فعن أنس (أن رسول الله -ﷺ- قال: لمّا صوَّر اللهُ آدمَ في الجنّة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يُطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عَرف أنه خُلِقَ خلقًا لا يتمالك) رواه مسلم (20611) كتاب: البر والصلة، باب: خلق الإنسان، ومعنى لا يتمالك: أي لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، وقيل لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل لا يملك نفسه عند الغضب، والمراد جنس بني آدم. "صحيح مسلم بشرح النووي" 16/ 164.]].
وقال آخرون الصلصال المنتن، من قولهم: صلَّ اللحمُ وأصلَّ، إذا [["تهذيب اللغة" (صل) 2/ 2046 بنصه.]] أنْتَن وتغيَّر، ومنه قول الشاعر [[هو أبو الغُول الطُّهَوي شاعر إسلامي من بني طهيّة.]]:
رأيْتُكمُ بَنِي الْخَذْوَاءِ لمّا دَنَى ... الأضْحَى وصَلَّلَتِ اللِّحَامُ [[ورد في: "نوادر أبي زيد" ص 433 وفيه: (أتى) بدل (دنى)، "تهذيب إصلاح المنطق" ص 416، "اللسان" (لحم) 7/ 4010، (خذا) 14/ 225، (ضحا) 5/ 2560، وورد بلا نسبة في: "إصلاح المنطق" ص 171، 298، 360، "المذكر والمؤنث" للأنباري 1/ 263، "تهذيب اللغة" (ضحا) 3/ 2096، "مقاييس اللغة" 3/ 392 (عجز)، "مجمل اللغة" 1/ 574 (عجز)، "الصحاح" (ضحا) 6/ 2407، "المخصص" 13/ 99، 17/ 26. (الخذواء) المسترخية، وأصل الخذا: استرخاءُ الأذن، يقال: أذن خذواء: مسترخية، (اللحام) جمع لحم، (صلّلت) أنتنت، قال الشاعر البيت وهو يهجو قوماً، يوضحه البيت الثاني وهو:
تبَاعَدْتُمْ بِؤدكمُ وقلْتُمْ ... لَعَكٌّ مِنْكَ أقْربُ أو جُذَامُ
يقول لهم: لمَّا كثرت اللحوم فشبعتم واستغنيتم، توليتم بودّكم عنّي، ومعنى قوله == (لعكٌّ منك أقرب أو جذامُ) يريد أنهم أنكروه حين شبعوا، وأظهروا أنهم لا يعرفونه، فسألوه عن نسبه فقالوا: أأنت من جُذامٍ أم من عكٍ؟ وهما قبيلتان من قبائل اليمن، وهو من تميم، وإنما أنكروه لئلا يقوموا بحقه، فهو يصفهم بالبخل، وإن كان الشيء الذي سألهم كثيراً عندهم.]] وقال زهير:
تُلَجْلِجُ مُضْغَةً فيها أَنِيضٌ ... أَصَلَّتْ فهي تَحْتَ الكَشْحِ داءُ [["شرح ديوان زهير" 82، وورد في "العين" 7/ 62، "جمهرة اللغة" 3/ 1260، "تهذيب اللغة" (لج) 4/ 2732، (أنض) 1/ 218، "مقاييس اللغة" 1/ 145، 5/ 201، "اللسان" (لجج) 7/ 4000، (أنض) (7/ 115)، (صلل) 4/ 2487، "التاج" "أنض" 10/ 10، (لجْلَج): ردّد، ومنه: لجْلج اللقمة في فِيهِ، أدارها من غير مضْغٍ ولا إساغةٍ، (أنيض) يقال: لحمٌ أنيضٌ: إذا بقي فيه نُهُوءةٍ؛ أي لم يَنْضَجْ، وآنَضْتُه إيناضاً، أي أنضَجْتُه فنضِجَ، (الكشح) قال الليث: هو ما بين الخاصرة إلى الضِّلَعِ الخَلْف، قال الأزهري: هما كشْحان؛ وهو موقع السيف من المتقَلِّد، وقيل الكشْحان جانبا البطن من ظاهر وباطن، وقيل غير ذلك، يقول: أخذت هذا المال، فأنت لا تأخذه ولا تردُّه كما يُلجلجُ الرجلُ المضغة، فلا يبتلعها ولا يلقيها. انظر: (كشح) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3146.]]
قال ابن الأنباري: والأصل في صَلْصَال صَلاَل، فأبدلت الصاد من اللام الثانية، ومنه كثير، وهو قول مجاهد، قال: الصلصال المنتن [[الذي ورد في "تفسير مجاهد" ص 341 قال: الصلصال: الطين، والحمأ المسنون: المنتن، ورواية الواحدي أخرجها الطبري 14/ 28 بلفظها، ووردت في: "تفسير هود الهواري" 2/ 447 بلفظه، والثعلبي 2/ 148 أبلفظه، والماوردي 3/ 157 بلفظه، والطوسي 6/ 331 بلفظه، "تفسير البغوي" 4/ 378، وابن الجوزي 4/ 397، و"تفسير القرطبي" 10/ 21، والخازن 3/ 94، وابن كثير 2/ 606.]]، واختاره الكسائي [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 أ، "تفسير البغوي" 4/ 378، ابن الجوزي 4/ 397، "تفسير القرطبي" 10/ 21، الخازن 3/ 94.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ﴾، قال ابن الأنباري: (من) هاهنا مفسرة لجنس الصلصال؛ كما تقول: أخذت هذا من رجل من العرب.
وأما: الحَمَأُ، فقال الليث: الحَمَأةُ بوزن فَعَلة والجميع الحَمَأُ [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 180، و"تفسير أبي حيان" 5/ 443، و"الدر المصون" 7/ 156.]]، وهو الطين الأسود المنتن [[ورد في "العين" 3/ 312 بنصه، "تفسير الطبري" 14/ 28 بنحوه، "تفسير السمرقندي" 2/ 218 بنصه، والماوردي 3/ 157 بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 21، الفخر الرازي 19/ 180، الخازن 3/ 94، أبي حيان 5/ 443، "الدر المصون" 7/ 156.]].
وقال أبو عبيدة والأكثرون: حَمَأ [[في جميع النسخ: (حمأة)، والتصويب من المصدر.]] تقديرها: حَمْأة [["مجاز القرآن" 1/ 413 وعبارته: قال: (من حَمَأ) أي من طين متغير؛ وهو جميع حَمْأة، وضبطها المحقق بالتسكين، وهو الموافق للبيت الذي استشهد به، وهو القائل: ولا يُعرف في كلام العرب الحمْأة إلا ساكنة الميم؛ كما في "تفسير أبي حيان" 5/ 443، و"الدر المصون" 7/ 156، لكن العريب أن صاحب "اللسان" نسب إليه تحريكها، فقال: وقال أبو عبيدة: واحدة الحَمَأ حَمَأة؛ كقَصَبة واحدة القَصب، وتبعه صاحب "التاج". انظر: (حمأ) في: "اللسان" 2/ 986، "التاج" 1/ 140 فلعلهما وَهِمَا.]]، وأنشد لأبي الأسود [[أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان الدُّؤلي البصري التابعي، أول من أسس النحو ووضع قواعده وأول من نقط المصحف، محدثاً فقيهًا شاعراً سريع الجواب، كان ثقة في الحديث روى له البخاري ومسلم، حدّث عن علي وعمر وابن عباس -رضي الله عنه- وشهد صفين مع علي -رضي الله عنه- مات سنة (99 هـ). انظر: "أخبار النحويين البصريين" ص 33 "طبقات النحويين واللغويين" ص 21، "تهذيب الألسماء واللغات" 2/ 175، "إنباه الرواة" 1/ 48، "تقريب التهذيب" ص 619 رقم (7940)، "البغية" 2/ 22.]]: لَعَمْرُكَ ما المَعِيْشَةُ بالتّمَنّي ... ولكنْ ألْق دَلْوَكَ في الدِّلاءِ
تَجِيْءُ بِمِلاَها طَوْرًا وطَوْرًا ... تَجِيْءُ بِحَمْأَةٍ وقليلِ ماءِ [["ديوانه" ص 126، وورد في "المذكر والمؤنث" للأنباري 1/ 411 برواية:
فما طلب المعيشة بالتّمنّي ... تجِئْكَ بِملْئها يوماً ويوماً
وورد البيت الثاني فقط في "مجاز القرآن" 1/ 413 كرواية المذكر بخلاف (تجيء)، "تفسير أبي حيان" 5/ 443 كرواية الواحدي بخلاف (يجئك بملئها)، "الدر المصون" 7/ 156 كالواحدي بخلاف (بملئها).]]
والجمع حَمَأ، كما يقال تَمْرة وتَمْر، ونَخْلة ونَخْل، والحَمَأُ أصله المصدر، نحو الجَزَع والهَلَع، ثم يُسَمّى به، ولا يعرف في كلام العرب الحَمْأَة إلا ساكنة الميم [[انظر: "العين" (حمو) 3/ 312، "المقصور والممدود" للفراء ص 49، "المحيط في اللغة" (حمو) 3/ 229، "الصحاح" (حمأ) 1/ 45، "المفردات" ص 259، "الأساس" ص 140 "عمدة الحفاظ" 1/ 518،"متن اللغة" 2/ 157، وقد وردت متحركة في "العباب الزاخر" للصغاني أ/ 45 قال: الحَمَأُ والحَمَأَةُ: الطينُ الأسودُ، وكذا وردت ساكنة ومتحركة في "التاج" (حمأ) 1/ 140، ونسب تحريها إلى أبي على القالي في كتابه المقصور والممدود [لم أقف عليه]، وقال: الحَمَأُ: الطين المتغيِّر، مقصورٌ مهموزٌ، وهو جمع حَمَأَةٍ، كما يقال قَصَبَةٌ وقَصَبٌ، ومثله قال أبو عبيدة، ثم قال: وقال أبو جعفر: وقد تُسَكَّن الميمُ للضرورة في الضرورة، وهو قولُ ابنِ الأنبارىِ.]]، وهذا هو الصحيح، وقول الليث وهْم، ويُذْكر الفعل من هذا الحرف عند قوله: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: 86] إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿مَسْنُونٍ﴾ قال ابن السَّكِّيت: سمعت أبا عمرو يقول في قوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾ أي متغيِّر [[ورد في "تهذيب اللغة" (سن) 12/ 301 بنصه، الغريب أنه أورد قولين لأبي عمرو لكنه نسب عبارة التهذيب لابن السِّكِّيت -كما ذكرها الأزهري- ولم ينسب عبارة إصلاح المنطق -التالية- لابن السكيت.]]، قال أبو الهيثم يقال: سُنَّ الماء فهو مَسْنُون، أي: تغيِّر [["تهذيب اللغة" (سن) 12/ 301 بنصه.]]، وقال ابن قتيبة: المسنون المتغير الرائحة [["الغريب" لابن قتيبة ص 238 بلفظه.]]، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] قال أبو عمرو الشيباني: أي لم يتغير، من وقوله: ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [["إصلاح المنطق" ص 352 بنصه.]] ذكرنا ذلك في سورة البقرة [: 259].
قال الفراء: المسنون المتغيِّر؛ كأنه أخذ من: سَنَنْتُ الحَجَر على الحَجَر، إذا حككته عليه، والذي يخرج من بينهما يقال له: السَّنِين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 1778 بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 778 بنصه.]]، وسُمِّي المِسَنُّ مِسَنًّا؛ لأن الحديد يتغير بِحَكِّكَ عليه [["تهذيب اللغة" (سن) 2/ 1778 بمعناه، وقد نسبه الأزهري للفراء، ولم أجده في معانيه.]]، وعلى قوله يجب أن يكونَ المسنونُ المحكوكَ لا المتغيرَ، وهذا القول في الحمأ المسنون يقوي قول مجاهد في الصلصال؛ أنه المنتن، ومن قال: الصلصال الذي له صوت، قال: صُوِّرَ آدمُ من حمأ مسنون ثم جف فصار صلصالاً، هذا الذي ذكرنا أحد الأقوال في المسنون، واختار الزجاج هذا القول؛ مسنون: مُتَغَيِّر، وإنما أخذ من أنه على سُنَّةِ الطريق؛ لأنه إنما يتغير إذا قام بغير ماءٍ جارٍ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 1778 بنصه.]].
وقال أبو عبيدة: المَسْنُون المصبوب [["مجاز القرآن" 1/ 351 بلفظه.]]، والسَّنُّ الصبُّ يقال: سنّ الماءَ على وجهه سنًا [["تهذيب اللغة" (سن) 2/ 1778 بنحوه.]]، وقال سيبويه: المسنون المصوَّر على صورة ومثال، من سُنّة الوَجْه، وهي صورته [[لم أقف عليه في الكتاب، وهذه العبارة مطابقة لما في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 أوالظاهر أنه اقتبسها منه، و"تفسير الرازي" 19/ 180، والشوكاني 3/ 185.]].
وروي عن ابن عباس أنه قال: المسنون الطين الرطب [[أخرجه الطبري 14/ 30 بلفظه، من طريق علي بن أبي طلحة (أصح الطرق)، وورد في "تهذيب اللغة" (سن) 2/ 1778 بنحوه، البغوي 4/ 378 بنحوه، وابن الجوزي 4/ 398، والرازي 19/ 180، والقرطبي 10/ 21، والخازن 3/ 94، "الدر المنثور" 4/ 182 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة؛ لأنه إذا كان رطبًا يسيل وينبسط على الأرض فيكون مسنونًا؛ كأنه مصبوب.
الحجر 15:27
قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ﴾ الآية. اختلفوا في الجآن مَنْ هو؟ فقال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 196ب بلفظه، والثعلبي 2/ 148 أ، عن قتادة ومقاتل، والماوردي 3/ 158 عن الحسن "تفسير البغوي" 4/ 379 عن قتادة، وابن الجوزي 4/ 399 عن الحسن، وقتادة ومقاتل، والفخر الرازي 19/ 180 عنهم، و"تفسير القرطبي" 10/ 23 عن الحسن، والخازن 3/ 95 عن قتادة، و"تفسير أبي حيان" 5/ 453 عن الحسن وقتادة، و"الدر المنثور" 4/ 183 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]]، وهو قول الحسن وقتادة ومقاتل، وقال ابن عباس: الجآن هو أبو الجن [[ورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 أ، والماوردي 3/ 158، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 379، وابن الجوزي 4/ 399 من طريق أبي صالح، والفخر الرازي 19/ 180، والخازن 3/ 95، وأبي حيان 5/ 453، و"تنوير المقباس" ص 277، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 218، وأبي السعود 5/ 74، والشوكاني 3/ 189.]]، وهو قول عامة المفسرين، وسُمِّي جانًا لتواريه عن الأعين، كما سُمِّي الجِن جنًّا لأنهم يتوارون عن أعين الناس، والجنين متوار في بطن أمه، ومعنى الجان في اللغة: الساتر، من قولك جنّ الشيء إذا ستره [[انظر: "تهذيب اللغة" (حسن) 1/ 671، "المحيط في اللغة" 6/ 410، "الصحاح" (جنن) 5/ 3094.]]. فالجان الذي ذكر هاهنا يحتمل أنه سُمِّي جانًّا لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم، أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول، كما يقول في: لابن وتامر، وماءٍ دافق، وعِيشة راضية، وقد ذكرنا في مواضع [[منها عند تفسيره آية [45] من سورة الإسرإء.]].
وقوله تعالى: ﴿خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد من قبل خلق آدم [["تنوير المقباس" ص 277 بنصه، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 196 ب، و"تفسير السمرقندي" 2/ 218، والثعلبي 2/ 148 أ، والماوردي 3/ 158، وابن الجوزي 4/ 399، و"تفسير القرطبي" 10/ 23، والخازن 3/ 95.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ اختلفوا في معنى (السموم)، فقال ابن عباس في رواية الكلبي: هي نارٌ لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمرًا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أُمرت، والهدَّة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 23، وورد منسوباً إلى الكلبي -نفسه- في "تفسِر الماوردي" 3/ 159، و"تفسير البغوي" 4/ 379، وابن الجوزي 4/ 400.]]، ونحو هذا القول سواء رَوَى الفراء عن الحسن [["معاني القرآن" للفراء 2/ 88.]].
وقال آخرون: من نار الريح الحارة، وهو قول ابن مسعود، قال: هذه السموم جزء من سبعين جزءًا من السموم التي خلق منها الجان، وتلا هذه الآية [["أخرجه الطبري" 14/ 30 بنصه، والطبراني في "الكبير" 9/ 247 بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 أبنصه، والطوسي 6/ 331، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 400، و"تفسير القرطبي" 10/ 23، والخازن 3/ 95، وابن كثير 2/ 605، "الدر المنثور" 4/ 183 - 184 وزاد نسبته إلى الطيالسي والفريابي وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في الشعب، ولم أقف عليه فيهما.
هذا القول ورد موقوفاً على ابن مسعود (كما في المصادر السابقة)، وروي عنه مرفوعاً في مسند البزار "البحر الزجار" 5/ 250 وإسناده ضعيف كما أشار إلى ذلك الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 388، وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً كما في "تفسير الشوكاني" 3/ 189 - 190، والألوسي 14/ 34.]].
وعلى هذا فالريح الحارة فيها نار، ولها لفح وأُوار [[الأُوار بالضم: شدَّةُ حر الشمس ولفح النار ووهجها والعطش، وقيل الدُّخان واللهبُ. "اللسان" (أور) 1/ 169.]]، على ما ورد في الخبر أنها من لفح جهنم، ومعنى السموم في اللغة: الريح الحارة تكون بالنهار وقد تكون بالليل، قيل: سُميت سمومًا لدخولها بلطف في مسام البدن، وهي الخروق الخفية التي تكون في جلد الإنسان، يبرزُ منها عَرقُهُ وبُخار باطنه [[انظر: "المنتخب من غريب كلام العرب" 1/ 423، "تهذيب اللغة" (سم) 2/ 1762، و (سمم) في "الصحاح" 5/ 1954، و"اللسان" 4/ 2102، و"عمدة الألفاظ" 2/ 256.]].
قال الفراء: يقال أَسَمَّ يومنا هذا، إذا كانت فيه السموم، وإنه ليوم مُسِمٌّ، والعرب تقول: مَسْمُوْمٌ، ولا يُقَال: قد سُمّ، قال: وسمعت من يقول: قد سُمّ يومنا [[لم أجده في معانيه، وبعض هذا الكلام ورد في التهذيب منسوباً إليه. انظر: "تهذيب اللغة" (سم) 2/ 1762.]].
الحجر 15:29
[[لم يفسر الآية: [28].]] قوله تعالى ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ قال الكلبي: يقول جصعت خلقه يعني عدلت صورته وسويته بالصورة الإنسانية [[ورد مختصراً بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 31، و"تفسير السمرقندي" 2/ 218، والطوسي 6/ 332، و"تفسير البغوي" 4/ 380 وابن الجوزي 4/ 400، والفخر الرازي 19/ 182، و"تفسير القرطبي" 10/ 24، والخازن 3/ 95، والشوكاني 3/ 186 بنحوه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ النفخ إجراء الريح في الشيء، والروح جسم رقيق يحيا به البدن، ونذكر الكلام فيها عند قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: 85] إن شاء الله، ولمَّا أجرى الله -عَزَّ وَجَلَّ- الروح في بدن آدم على صفة إجراء الريح؛ كأن قد نفخ فيه الروح، وأضاف روح آدم إليه تكرمةً لِما كَرَّمه وشَرَّفه، وهي إضافة الملك.
وقوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ أمر من الوقوع، قال الكلبي: فَخروا له ساجدين سجدة تحية ولم تكن سجدة طاعة، ونحو هذا قال جميع المفسرين [[ورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 31، و"تفسير السمرقندي" 2/ 219، والثعلبي 2/ 148 أ، والطوسي 6/ 332، "تفسير البغوي" 4/ 380، والفخر الرازي 19/ 182، و"تفسير القرطبي" 10/ 24، والخازن 3/ 95.]]، وذكرناه وجه كيفية سجود الملائكة لآدم في سورة البقرة [[آية [34].]]، ومعنى سجود التحية قد ذكرناه في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: 100]
الحجر 15:30
قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ قال الخليل وسيبويه: (أجمعون) توكيد بعد توكيد [[لم أقف عليه في الكتاب، وورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 179 بنصه عنهما، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 380 بنصه عنهما، "تفسير السمرقندي" 2/ 219 == بنصه عن الخليل، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 309، وابن الجوزي 4/ 400، والفخر الرازي 19/ 182، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 196، و"تفسير الخازن" 3/ 95.]].
وسُئل أحمد بن يحيى عن التوكيد بكلهم ثم بأجمعين في هذه الآية، فقال: لمَّا كانت كلهم تحتمل شيئين تكون مرة اسمًا ومرة توكيدًا، جاء بالتوكيد الذي لا يكون إلا توكيدًا [[في جميع النسخ: (توكيد) وهو خطأ نحوي ظاهر، وقد ورد قوله في "تهذيب اللغة" "كل" 4/ 3178 بنصه.]]. وسُئل المبرد عنها فقال: لو جاء: فسجد الملائكة، احتمل أن يكون سجد بعضهم، فجاء بقوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ لإحاطة الأجزاء، ولو جاء (كلهم) من غير ذكر أجمعين، لاحتمل أن يكونوا سجدوا كلهم في أوقات مختلفة، فجاءت (أجمعون) ليدل أن السجود كان منهم كلهم في وقت واحد، فدخلت (كلهم) للإحاطة ودخلت (أجمعون) لسرعة الطاعة [[ورد في "تهذيب اللغة" (كل) 4/ 3178 بنصه تقريباً، وورد مختصراً في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 194، و"تفسير السمرقندي" 2/ 219، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 7، و"البسيط في شرح جمل الزجاجي" 1/ 383.]].
وهذا معنى ما حكاه الزجاج عنه، فقال: وقال محمد بن يزيد: (أجمعون) يدل على اجتماعهم [[في (ج): (اجماعهم).]] بالسجود، فسجدوا كلهم في حال واحد، ثم قال: وقول سيبويه والخليل أجود؛ لأن أجمعين معرفة، فلا تكون حالاً [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 179 بنصه، ويؤكد هذا أنه لو كان حالاً لا تأكيداً للزمه النصب، كما أن الحال تكون نكرة و (أجمعون) معرفة. انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 7، "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 197.]].
قال النحويون: (كل) و (أجمعون) إذا أُكِّدَ بهما وجب تقديم (كل) على (أجمعين) [[انظر: "شرح ابن عقيل" 3/ 209، "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 1/ 380، "أوضح المسالك" 3/ 331.]]؛ لأن كلًا قد تستعمل مبتدأة كقولك: كلهم منطلقون، ولا يجوز أن يقول: أجمعون (منطلقون، فلما كانت (كل) قد استعملت مبتدأة ليس قبلها ما تتبعه، وكان أجمعون) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] لا تستعمل إلا تابعًا، وجب أن تتقدم الأقوى؛ أعني كل، وأجمعون من ظَرِيْفِ المعرفة؛ لأن أجمع بمنزلة زيد؛ في أن كل واحد منهما تعريفه بالوضع دون الألف واللام، ودون الإضافة ودون الإشارة، فإذا جمعته كان أيضًا معرفة؛ لأن جمعه أقيم مقام إضافته، وكان الأصل أن يقول: مررت بالقوم بأجمعهم، فحذف لفظ الضمير وأقيم الجميع [[(ش)، (ع): (الجمع).]] بالواو والنون مقامه؛ وذلك أن أجمع على وزن أفعل، ومن شرط أفعل إذا أضيف إلى شيء أن يكون بعضه، فلو قالوا: مررت بالقوم أجمعهم، لتُوِهَّم أن [[(أن) ساقطة من (أ)، (د).]] أجمع بعض القوم، وإنما غرضهم أن يخبروا عن جميع القوم، فلذلك عدلوا عن إضافة أجمع في اللفظ، فأتوا بالواو والنون ليدلوا بذلك على استغراق المذكورين.
الحجر 15:31
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ أجمعوا على أن إبليس كان مأمورًا بالسجود لآدم، واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا؟ على ما ذكرنا في سورة البقرة، فمن قال: كان من الملائكة، جعل هذا الاستثناء من الجنس، ومن قال: لم يكن، جعله من الاستثناء المنقطع كما ذكرنا في سورة البقرة، ومن جنس هذا يأتي الكلام عند قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] إن شاء الله.
الحجر 15:32
قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع (أن) نصب بإسقاط (في) وإفضاء الناصب إلى (أن)، المعنى: أيّ شيءٍ يقع لك في أن لا تكون [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 179 بنصه.]].
الحجر 15:33
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ قال ابن عباس: يريد لحمًا ودمًا، وإبليس رُوحاني لا لحم ولا دم.
الحجر 15:34
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد من جنة عدن، وقيل من السموات [[ورد بنصه غير منسوب في: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 183، "تفسير القرطبي" 10/ 26، الخازن 3/ 96، وهو قول غريب؛ لأن الآيات صريحة على أنهم -آدم وحواء وإبليس- كانوا في الجنة، ومنها أخرجوا وأهبطوا، لا من مطلق السماء.]]، وذكرنا هذا في سورة الأعراف [[آية: [13].]]، ومعنى الرجيم قد مضى ذكره في هذه السورة [[آية [17].]].
الحجر 15:35
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال ابن عباس: بريد يوم الجزاء، حيث يجازى العباد بأعمالهم [["تفسير الفخر الرازي " 19/ 183 بنصه، "تنوير المقباس" ص 278 بمعناه.]]؛ مثل قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] وقال الكلبي: يلعنك أهل السماء وأهل الأرض إلى يوم الحساب [[ورد غير منسوب في: "تفسير هود الهواري" 2/ 348، و"تفسير البغوي" 4/ 381 غير منسوب للكلبي، الخازن 3/ 96.]]؛ لأنه أول من عصى الله، وقال أهل المعاني: إن الله عَزَّ وَجَلَّ قد لعنه والمؤمنون، لعنة لازمة إلى يوم الدين، ثم يحصل حينئذ على الجزاء بعذاب النار، فمعنى التوقيت بيوم الدين، أنه يكون ملعونًا مبعدًا عن رحمة الله من غير عذاب النار إلى يوم الدين، ثم يضم له عذاب النار مع اللعنة يوم الدين.
الحجر 15:38
قوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى حين تموت الخلائق [[ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 160 بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 184 وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، وفيهما: (إبليس) بدل (الخلائق)، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 27 بنصه، والألوسي 14/ 48، وورد بنصه غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 2/ 148ب، و"تفسير البغوي" 4/ 381 غير منسوب لابن عباس، والفخر الرازي 19/ 184، وأبي حيان 5/ 453.]]، قال الكلبي: إذا نفخ النفخة الأولى مات الخلائق كلهم ومات إبليس معهم [[لم أقف عليه.]]، وإنما سمي الوقت المعلوم؛ لأنه [[في جميع النسخ (لا) فقط ولا معنى له، والمثبت تصويب من "تفسير الوسيط" 2/ 356.]] تموت (فيه الخلائق وإبليس، واسْتَنْظر إبليس) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] إلى [[في (أ)، (د): (إذ) والمثبت من (ش)، (ع).]] يوم القيامة لئلا يموت؛ إذ يوم القيامة لا يموت فيه أحد، فلم يُجَبْ إلى ذلك، وقيل له: (إلى يوم الوقت المعلوم)، وهو آخر أيام التكليف.
الحجر 15:39
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ قال أبو عبيدة: معنى الباء هاهنا القَسَم [["مجاز القرآن" 1/ 351 بنحوه، وتقديره: بالذي أغويتني.]]، وقال غيره: هي بمعنى السبب [[انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 313، "تفسير الزمخشري" 2/ 314، "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 198، الخازن 3/ 96، أبي السعود 5/ 78، الألوسي 14/ 49.]]، أي: بكوني غاويًا لأزينن لقولك؛ بمعصيتة لَيَدْخُلُنَّ النار، وبطاعته ليدخلنّ الجنة، والكلام في الإغواء وفي هذه الباء، وأكثر هذه القصة مذكور في سورة الأعراف [[آية [16].]]
وقوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ في الْأَرْضِ﴾ يعني: لأولاد آدم، ومفعول التزيين محذوف على تقدير: لأزينن لهم الباطل حتى يقعوا فيه.
الحجر 15:40
قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)﴾ أي الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم لك عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد، ومن فتح اللام [[هم نافع وعاصم وحمزة والكسائي. انظر: "السبعة" ص 348، "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 309، "المبسوط في القراءت" ص 209، "شرح الهداية" 2/ 375، "الإتحاف" ص 274.]] فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية والتوفيق والعصمة، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد الذين عصمتَهم وأخلصتَهم وأخلصوا لك [[لم أقف عليه بنصه، وفي "تنوير المقباس" قال: المعصومين مني. ص 278.]]، قال المفسرون: يعني المؤمنين [[أخرجه الطبري عن الضحاك 14/ 33 بلفظه، وذكره الثعلبي 2/ 148 ب، بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 381، الخازن 3/ 96.]]؛ وذلك أنه لا سلطان لإبليس على المؤمن بالإغواء، وإنما يكون سلطانه على من عدل عن الهدى، كقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: 100] فكأن إبليس قال: لأزشن لهم ولأغوينهم أجمعين، إلا من عصمته بالإخلاص فإني لا أقدر على إغوائه.
الحجر 15:41
فقال الله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ يعني: الإخلاص والإيمان طريق عليّ واليّ، أي: أنه يؤدي إلى جزائي وكرامتي فهو طريق عليّ، وهذا معنى قول مجاهد قال: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يُعَرِّج على شيء [["تفسير مجاهد" ص 341 بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 33 بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 26، "تفسير هود الهواري" 2/ 394، والماوردي 3/ 161، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 28، الخازن 3/ 96، "الدر المنثور" 4/ 184 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ومعنى (لا يعرِّج على شيء) أي لا يميل، لقولهم: عرَّج النهرَ، أي: أماله، وعرَّج عليه، أي: عَطَفَ انظر: "التاج" (عرج) 6/ 94، وقد ذكر ابن القيم قول مجاهد هذا وقال: وهذا مثل فول الحسن وأبين منه، وهو من أصح ما قيل في الآية. "التفسير القيم" ص 15، وقول الحسن الذي أشار إليه هو التالي لهذا القول.]]، ونحو هذا قال الحسن: يقول هذا صراط إليّ مستقيم [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 ب بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 34 بنحوه، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 161، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 189، والخازن 3/ 96. ذكر ابن القيم قول الحسن ثم قال: وهذا يحتمل أمرين؛ أن يكون أراد به أنه من باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض؛ فقامت أداة (على) مقام إلى، والثاني: أنه أراد التفسير على المعنى؛ وهو الأشبه بطريق السلف؛ أي صراط موصل إليّ. "التفسير القيم" ص 15.]]، فعلى هذا الإشارة في قوله تعود إلى ذكر الإخلاص، وقال الفراء: يقول مرجعهم إليّ فأجازيهم، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14] قال: وهذا كما يقول في الكلام: طريقك، عليّ فأنا على طريقك، لمن أوعدته [["معاني القرآن" للفراء 2/ 89 بتصرف يسير.]]، فهذا معنى قول الكلبي [[لم أقف عليه.]]، والكسائي قال: فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إليّ فأجازي كلًا بأعمالهم [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 ب بنصه، وانظر: "تفسير الشوكاني" 3/ 188، صديق خان 7/ 170، وأورد ابن القيم قول الفراء السابق ونسبه للكسائي، وقال إنه على التهديد والوعيد؛ تريد إعلامه أنه غير فائت لك ولا معجز، ثم ردَّه قائلًا: والسياق يأبى هذا، ولا يناسبه لمن تأمله. انظر: "التفسير القيم" ص 16.]]، وعلى هذا الإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ يعود إلى طريق العبودية.
وقال بعض أهل المعاني: لمَّا ذَكر إبليسُ أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه، تضمن هذا الكلام تفويض الأمر إلى الله تعالى وإلى إرادته [[ذكر الفخر الرازي هذا الكلام بنصه قائلاً: قال بعضهم، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 189.]]، فقال الله تعالى: ﴿هَذَا﴾ أي تفويض الأمر إلى إرادتي ومشيئتي طريق عَليَّ مستقيم، ويؤكد هذا التأويل قراءة مَنْ قرأ: ﴿عُليَّ﴾ بضم الياء [[هم: قيس بن عباد، وابن سيرين، وقتادة، ويعقوب وغيرهم، والقراءة من العشر، وفي إيراد ابن جني لها في المحتسب ما قد يوهم أنها شاذة وليس كذلك. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 33، "المحتَسَب" 3/ 2، "المُوضَح في وجوه القراءات" 2/ 720، "النشر" 2/ 301.]]، وهو مدح لذلك الطريق؛ أي: أن طريق التفويض والإيمان بالقَدَر طريق رفيع مستقيم [[انظر: "تفسير الطبري" 14/ 33 مختصراً عن ابن سيرين، "علل القراءات" 1/ 296، "المُوضَح في وجوه القراءات" 2/ 720، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 189 وقد نقل هذا القول بنصه ونسبه للواحدي.]].
الحجر 15:42
قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ قال ابن عباس: استأثر الله عبادًا واصطنعهم لنفسه، فأخبر إبليسَ باصطناعه إيّاهم، وققال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: قوة وحجة في إغوائهم ودعائهم إلى الشرك والضلال. وقال سفيان بن عيينة: هؤلاء ثنية [[أي استثناء، ومنه قول كعب: الشهداء ثنية الله في الأرض، يتأول قول الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَمَنْ في الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ الله﴾ [الزمر: 68] فالذين استثناهم من الصعق -عند كعب- الشهداء. انظر: "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507.]] الذين هداهم واجتباهم [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 ب، بنصه وهو جزء من قوله؛ قال: معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء ثنية الله .. ، "تفسير البغوي" 4/ 382، وابن عطية 4/ 402، و"تفسير القرطبي" 10/ 28، والخازن 3/ 96.]]، وقال الكلبي: هؤلاء هم الذين استثنى إبليس [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 190.]].
الحجر 15:43
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس وأشياعه ومن تبعه من الغاوين [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 190، وورد نحوه غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 35، و"تفسير البغوي" 4/ 382، و"تفسير القرطبي" 10/ 30.]].
الحجر 15:44
﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: يريد لها سبعة أطباق؛ طبق فوق طبق، وقال الفراء: السبعة الأبواب أطباقٌ بعضها فوق بعض [["معاني القرآن" اللفراء 2/ 89 بنصه.]]، وهذا قول الحسن وقتادة وابن جريج [[أخرجه الطبري 14/ 35/ 36 - بمعناه عن قتادة وابن جريج، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 338 عنهم، "تفسير البغوي" 3/ 51، والفخر الرازي 19/ 190 كلاهما عن ابن جريج.]]، قال علي بن أبي طالب: إن الله تعالى وضع النيران بعضها فوق بعض، فأبوابها كإطباق اليد على اليد [[أخرجه أحمد في "الزهد" ص 192 بنحوه، وابن أبي شيبة في "المصنف" 7/ 73 بنحوه، والطبري 14/ 35 بنحوه من عدة طرق، والبيهقي في "البعث" ص 268، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 ب، بنحوه، "تفسير البغوي" 4/ 382، وابن عطية 4/ 403، و"تفسير القرطبي" 10/ 30، وابن كثير 2/ 607، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 185 وزاد نسبته إلى ابن المبارك وهناد وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن أبي حاتم.]]، ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾ أي من أتباع إبليس جزء مقسوم، الجزء بعض الشيء، والجميع الأجزاء، وجزأته: جعلته أجزاء [[انظر: "تهذيب اللغة" (جزأ) 1/ 595، "المحيط في اللغة" (جزأ) 7/ 152، "العباب الزاخر" أ / 33، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 191 نقل هذا القول بنصه بلا نسبة.]]، وهذا وعيد لأتباع الشيطان بالعذاب في جهنم بين أطباق النيران، قال الضحاك في هذه الآية: هي سبعة أدراك بعضها فوق بعض؛ فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون، والثاني فيه اليهود، والثالث فيه النصارى، والرابع فيه الصابئون، والخامس فيه المجوس، والسادس فيه مشركو العرب، والسابع فيه المنافقون [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 ب بنصه، "تفسير البغوي" 4/ 382 - 383، وابن عطية 4/ 403، والفخر الرازي 19/ 190، وابن كثير 2/ 607، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 186 وعزاه إلى ابن أبي حاتم. لا خلاف في أن للنار سبعة أبواب، لكنّ تقسيم أهل النار على الأبواب بهذا التفصيل يفتقر إلى خبر صحيح عن الرسول -ﷺ- وهو ما لم أقف عليه، ولم يذكره القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، ولا ابن رجب في التخويف من النار.]].
الحجر 15:45
(قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الخائفين من الله الموحدين الذين لم يتخذوا له شريكًا، وقال الكلبي عنه: إن المتقين للفواحش والكبائر [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 191، والألوسي 14/ 56، وورد بنحوه غير منسوب في: "تفسير القرطبي" 10/ 32، والخازن 3/ 97.]]، ﴿في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ يعني: عيون الماء والخمر) [[هذا تخصيص بلا دليل، والأولى حمله على عمومه، فإن كان القصد البيان والتمثيل، فيقال. عيون من الماء والخمر.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]].
الحجر 15:46
قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي: يقال لهم ادخلوها بسلام، أي بسلامة، قال ابن عباس: سلموا من سخط الله وأَمِنُوا عذاب جهنم والموت [[ورد في تفسيره "الوسيط" تح: سيسي 2/ 357 بنصه تقريباً.]].
الحجر 15:47
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ يُروى أن المؤمنين يُحبَسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم، ثم يؤمر بهم إلى الجنة وقد نُقُّوا وهُذِّبوا [[يشير إلى الحديث الصحيح الوارد في ذلك؛ قال رسول الله -ﷺ-: "إذا خلص المؤمنون من النار حُبِسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصُّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نُقُّوا وهُذِّبوا أُذن لهم بدخول الجنة" أخرجه البخاري (2440) كتاب: المظالم، باب: قصاص المظالم، والطبري 14/ 37.]]، فخلصت نياتُهُم من الأحقاد، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الأعراف [[آية [43]، وانظر: "البسيط" تح الفايز 2/ 665.]].
وقوله تعالى: ﴿إِخْوَانًا﴾ قال الزجاج: منصوب على الحال [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 180 بنصه.]]، والكلام في الإخوان ذكرناه في قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]
وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾، السَّريرُ معروف، والعدد أسِرة، والجميع السُّرُر [[ورد في "تهذيب اللغة" (سر) 2/ 1671 بنصه، وانظر: (سر) في "المحيط في اللغة" 8/ 240، "مجمل اللغة" 1/ 458، "الصحاح" 2/ 682.]]، قال أبو عبيدهَ: يقال سُرُر وسَرر بفتح الراء، وكل فعيل من المضاعف فإن جمعه فُعُل وفُعَل؛ نحو: سُرُر وجُرُر، وسُرَر وجُرَر [["مجاز القرآن" 1/ 351 بتصرف.]]، قال المفضل: بعض تميم وكلب [[قبيلة كلب هم بنو كلب بن وبرة بن تغلب، بطن من قُضاعة، من القحطانية، كانوا ينزلون دُومة الجندل، وتبوك وأطراف الشام وُلد له: ثور، وكلد، وأبو حُباحب، ومن أضخم قبائل كلب: بنو كنانة بن بكر بن عوف، ينتهي نسبهم إلى ثور بن كلب، تفرع منها بطون ضخمة هم: بنو عدي، وزُهير، وعُليم. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 455، "معجم قبائل العرب" 3/ 991.]] يفتحون؛ لأنهم يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد، وقال بعض أهل المعاني: السرير مجلسُ سُرُوُر، قال الليث: وسَريرُ العيش: مستقرُّه الذي اطمأنَّ عليه خَفْضُه ودَعَتُه [["تهذيب اللغة" (سر) 2/ 1671 بنصه، وانظر: "المحيط في اللغة" (سر) 8/ 240، (الخَفْضُ): نقيضُ الرَّفع، وعيشٌ خَفْضٌ: أي في دَعَةٍ وخِصْبٍ. انظر: "المحيط في اللغة" (خفض) 4/ 237.]]، وأنشد:
وفارَقَ منها عِيشَةً غَيْدَقِيّةً ... ولمْ يَخْشَ يومًا أنْ يَزُولَ سِريرُها [[ورد غير منسوب في: "تهذيب اللغة" (سر) 2/ 1671، "اللسان" (سر) 4/ 1991، "التاج" (سرر) 6/ 515، وورد برواية: (دَغْفَلِيَّةً) بدل (غيدقية) في: "الصحاح" 2/ 682، "مجمل اللغة" 3/ 692، (غيدقية)؛ يقال: ماءٌ غدق، ومطرٌ مغدودِق: كثير، والغيدقُ: الناعم، (دغفليَّة)؛ الدغْفَلُ: الزَّمان الخَصِبُ، وريشٌ دغفلٌ: كثيرٌ، فالمعنى واحد بالروايتن. انظر: "المحيط في اللغة" (غدف) 4/ 528، (دغفل) 5/ 169.]]
قال ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والياقوت والدُر؛ السرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية [[الجابية: قرية من أعمال دمشق وبينها وبين حلب ستة فراسخ، وبالقرب منها تلٌّ يسمى الجاببة، وفي هذا الموضع خطب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خطبته المشهورة وهو في طريقه إلى إيليا. انظر: "معجم البدان" 2/ 91، "الروض المعطار" ص 153.]]، وما بين عدن إلى أيْلَة [[أَيْلة: بفتح أوله، على وزن فَعْلة، مدينة على رأس خليج العقبة من البحر الأحمر - الذي تشترك فيه الحدود المصرية والفلسطينية والأردنية والسعودية، قيل هي آخر الحجاز وأول الشام، وقيل وهي مدينة اليهود الذين حرّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت فخالفوا، قيل: وقد سميت بأيْلة بنت مدين بن إبراهيم، وهي التي يطلق عليها اليهود اليوم: (ميناء إيلات).
انظر: "معجم ما استعجم" 1/ 216، "معجم البلدان" 1/ 292، "أطلس العالم" ص 29.]] [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 193، "تفسير القرطبي" 10/ 33، الخازن 3/ 97، الألوسي 14/ 59.]].
وقوله تعالى: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ التقابل: التواجه، وهو نقيض التدابر، قال ابن عباس: لا يرى [[في (ش)، (ع): (ألا يرى)، بزيادة الألف.]] بعضهم قفا بعض [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 189 وعزاه إلى ابن المنذر وابن مردويه، وانظر: "تفسير الشوكاني" 3/ 195.]]، حيث ما التفت رأى وجهًا يُحبُّه [[في (ج): (يحييه).]] يقابله، وقال مجاهد: لا يرى الرجل من أهل الجنة قفا زوجته ولا زوجته قفاه [[ليس في تفسيره، وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 7/ 67 قال: لا ينظر بعضهم في قفا بعض، والطبري 14/ 38، بنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 28 بنحوه، وانظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 457، وابن كثير 2/ 608، وأورده المسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 189 وزاد نسبته إلى هناد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]؛ لأن الأسرة تدور بهم كيفما شاؤا حتى يكونوا في جميع أحوالهم متقابلين.
الحجر 15:48
قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ النّصَبُ: الإعياءُ والتعب، يقال نَصِبَ يَنْصَب، وأنْصَبَنِي هذا الأمرُ [[ورد بنحوه منسوباً لليث في "تهذيب اللغة" (نصب) 4/ 3581، وانظر: "المحيط في اللغة" (نصب) 8/ 159، "مجمل اللغة" 31/ 870.]]، أي لا ينالهم فيها تعب، قال ابن عباس: مِثْلُ نصب الدنيا، إذا مشى نصب، وإذا جامع نصب [[انظر: "تفسير الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 358.]]، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ قال: يريد خلودًا لا زوال فيه.
الحجر 15:49
قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ أثبت الهمزة الساكنة في ﴿نَبِّئْ﴾ سورة ولم يثبت في ﴿دِفْءٌ﴾ [[في قولى تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: 5].]] و ﴿جُزْءٌ﴾ [[في قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:44].]]؛ لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيرًا وتلغى حركتها على الساكن قبلها [[انظر: "أدب الكاتب" ص 266، "الاقتضاب" ص 168، "القواعد الموحدة في الكتابه والإملاء" ص 17.]]، فـ ﴿نبِّيْ﴾ في الخط على تخفيف الهمزة، وليس قبل همزة ﴿نَبِّئْ﴾ هو ساكن، فأخروها على قياس الأصل.
وقوله تعالى ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ﴾ قال ابن عباس: يريد لأوليائي، ﴿الرَّحِيمُ﴾: بهم.
الحجر 15:50
﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ يريد لأعدائي.
الحجر 15:51
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هذه القصة قد مضى ذكرها في سورة هود [[آية: [69].]] والضيف في الأصل مصدر ضاف يَضِيف؛ إذا أتى إنسانًا لطلب القِرى، ثم يسمى به، ولذلك وحد اللفظ وهم جماعة [[أصل الضيف مصدر بمعنى الميل؛ ومنه ضافت الشمس للغروب، أي مالت، وضاف السهم إذا عدل عن الهدف، ومنه الإضافة النحوية لأن فيها إضافة أحد الاسمين إلى الآخر على المجاز، وسمي الضيف ضيفاً لميله إلى من ينزلُ به، ولأن أصله مصدر استوى فيه الواحد والجمع، وقد يجمع فيقال: أضيافٌ وضُيوفٌ وضِيفانٌ. انظر: (ضيف) في "المحيط في اللغة" 8/ 52، "مجمل اللغة" 1/ 570، "الصحاح" 4/ 1392، "المفردات" ص 513، "عمدة الألفاظ" 2/ 452.]].
الحجر 15:52
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ أي: سلموا سلامًا، فقال إبراهيم: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ مختصر، وشرحه في قوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ﴾ [هود: 69] إلى قوله: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: 70] وقد مر، والوجل: الفزع، قال الكسائي: ومثله الواجل [[لم أقف عليه.]].
الحجر 15:54
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ معنى (على) هاهنا الحال؛ أي: على حالة الكبر، كقول النابغة:
على حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا [[وعجزه:
وقُلتُ ألمَّا أصْحُ والشَّيبُ وازعُ
"ديوان النابغة الذبياني" ص 53، وورد في: "الكتاب" 2/ 330، "جمهرة اللغة" 3/ 1315، "الأضداد" لابن الأنباري ص140، "سر صناعة الإعراب" 2/ 506، "اللسان" (وزع) 8/ 4825، "شرح شواهد المغني" 2/ 816، "الخزانة" 6/ 550، (المشيب):الشيب، (الصبا): بالكسر والقصر، اسم الصَّبوة، وهي الميل إلى هوى النفس، (أصح): من الصحو، وهو خلاف السكر، (وازع): ناهي وزاجر. يذكر الشاعر أنه بكي على الديار في حين مشيبه ومعاتبته لنفسه على طربه وصباه.]]
أي: في ذلك الوقت، ومعنى: ﴿مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ أي: بتغييره إيّاي عن حال الشباب التي أطمع فيها الولد إلى حال الهَرَمِ.
وقوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ استفهام تعجب؛ كأنه عجيب من الولد على كبره، هذا معنى قول مجاهد [[ونص قوله، قال: عجيب من كبره وكبر امرأته. وقد ورد في "تفسيره" ص 416، و"أخرجه الطبري" 14/ 40، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 191 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وفَتْحُ النون في (تُبَشِّرُونَ) قرأه العامة [[قرأ بها: أبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. انظر: "السبعة" ص 367، "علل القراءات" 1/ 296، "وإعراب القراءات السبع"، وعللها 1/ 345، "الحجة للقراء" 5/ 45، "المبسوط في القراءات" ص 221، "التيسير" ص 136، "المُوضَح في وجوه القراءات" 2/ 722.]]، وهذه النون علامة للرفع، والفعل غير معدى إلى مفعول، وقرأ نافع بكسر النون [[وكذا ابن كثير، لكنه شدَّد النونَ، أما نافع فخففها. انظر: المصادر السابقة.]]، وذلك أنه عُدِّي إلى المضمر المنصوب؛ لأن المعنى عليه، فاجتمع نونان [[أي أن الأصل: (تُبَشِّرُونَنِي).]]؛ إحداهما التي هي علامة للرفع، والثانية المتصلة بالياء التي المضمر المنصوب المتكلم، فاستثقل النونين فحذف أحدهما وأبقى الكسرة التي تدل على الياء المفعولة [[انظر: "علل القراءات" 1/ 297، "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 344، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 30، "المُوضَح في وجوه القراءات" 2/ 722.]]، وأنشد أبو عبيدة لأبي حَيّة النُّمَيريّ:
أبِالمَوْتِ الذي لا بُدّ أنّي ... مُلاقٍ لا أبَاكِ تُخَوِّفِينِي [[ورد في "مجاز القرآن" 1/ 352، "شرح شواهد الإيضاح" ص 211، "اللسان" (أبي) 1/ 18، "الدرر اللوامع" 2/ 219، "الخزانة" 4/ 105، وورد غير منسوب في: "الكامل" 2/ 142، "المقتضب" 4/ 375، "الإيضاح العضدي" ص260، "الحجة للقراء" 5/ 46، "المنصف" 2/ 337، "الخصائص" 1/ 345، "الموضع في وجوه القراءات" 2/ 722، "شرح المفصل" 2/ 105.]] فأسقط النون التي هي علامة التأنيث في المخاطبة [[فالأصل: (تخوفينني).]]، وأنشد الفراء والزجاج [[البيت لعمرو بن مَعْدِ يكَرِب الزُّبيدي ت 21 هـ، من أبيات ثمانية قالها في امرأةٍ لأبيه تزوجها بعده في الجاهلية.]]:
تراه كالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكًا ... يَسُوءُ الفَالِياتِ إذا فَلَيْنِي [["شعر عمرو بن معدي كرب" ص 180، وورد في: "الكتاب" 3/ 520، "معاني القرآن" للفراء 2/ 90، "مجاز القرآن" 1/ 352، "شرح شواهد الإيضاح" (عجز) ص 213، "الخزانة" 5/ 372، وورد غير منسوب في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 181، "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 345، "الحجة للقراء" 5/ 46، "المنصف" 2/ 337، "تفسير الطوسي" 6/ 341، "شرح المفصل" 3/ 91. (تراه كالثغام) الضمير يعود على الزوجة، والثغام: واحده ثغامة؛ وهو نبتٌ له نَوْر أبيض يشته به الشيب، وقيل نبتٌ يكون في الجبل يَبْيَضُّ إذا يبس، (يُعلُّ) أي يطيّب شيئاً بعد شيء، وأصل العَلَلُ: الشُرْبُ بعد الشُرب، (يسوء الفاليات) يَحزُنُهن؛ لأنهن يكرهْن الشيب، و (الفاليات)؛ جمع فالنية: وهي التي تفلي الشعَّر، أي تُخْرج القمْلَ منه.]]
أراد فلينني، فحذف إحدى النونين، قالا: والحذف بعد إدغام إحدى النونين (في الأخرى) [[في (أ)، (د): (والأخرى).]] كقراءة ابن كثير: (تُبْشِرُون)، ثم حذفت إحداهما لثقل التضعيف كما قالوا: رُبمَّا ورُبَمَا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 181 بتصرف يسير.]]، وكما قالوا: إنْك في إنَّك، أنشد الفراء [[البيتان من قصيدة لجنوب بنت العجلان بن عامر بن هذيل [شاعرة جاهلية] ترثي أخاها عمرو؛ ذا الكلب "الخزانة" 10/ 390، ونُسب -خطأً- إلى كعب بن زُهير في: "الأُزهية" ص 62، و"أمالي ابن الشجري" 3/ 153، ولم أجده في ديوانه.]]: لقد عَلِمَ الضَّيْفُ والمُرْمِلونَ ... إذا اغْبرَّ أُفْقٌ وهبَّتْ شَمَالا
بأنْكَ الرَّبِيعُ وغَيْثٌ مَرِيعٌ ... وقِدْمًا هُنَاكَ تَكونُ الثِّمَالا [[ورد في "شرح أشعار الهذليين" 2/ 585، وفيه: (المُجْتَدُون) بدل (المرْمِلون)، وأما البيت الثاني فورد برواية:
بأنَّك كنت الربيع المُغِيثَ ... لِمن يَعتريك وكنت الثِّمالا
وورد البيت الثاني في "الخزانة" 10/ 382، "شرح التصريح" 1/ 232 وفيهما: (ربيع)، و (وأنْك) بدل (وقدْماً). وورد البيتين بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 2/ 90، "الإنصاف" ص 169 برواية (الصِّبْيَةُ) بدل (الضيف)، "اللسان" (أنن) 1/ 156، "الخزانة" 5/ 427، وورد البيت الثاني فقط وبرواية (وأنْك) في: "أوضح المسالك" ص 66، "المغني" ص 47، شرح الأشموني 1/ 441. (والمرملون) هو من أرمل القوم؛ إذا نفدَ زادهم، (المُجْتدون) الطالبون، (شَمالا) الشَّمال ريحٌ تهبُّ من ناحية القُطْب، وخصها بالذكر لأن وقتها تقل الأرزاق وتنقطع السُّبُل ويثقل فيه الضيف، مما يجعل الجود فيه غاية لا تدرك، (بأنْك ربيعٌ) ربيع الزَّمان، (والغيثٌ) المطر والكلاء يَنْبُت بماء السماء، (مَرِيعٌ) خَصيب كثير النَّبات، (الثِّمال) الذُّخر، وقيل: الغِياثُ.]]
قال أبو علي: المحذوف النون الثانية؛ لأن التكرير بها وقع، ولم تحذف الأولى التي هي علامة للرفع، وقد حذفوا هذه النونَ في كلامهم لأنها زائدة، ولأن علامةَ الضمير الياءُ دونها، ونظيرُ حذفهم لها من المنصوب حذفهم لها من المجرور في قولهم [[اختلف في نسبته على أقوال، انظرها في عزو البيت.]]:
قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَين قَدِي [[وعجزه:
ليس الإمامُ بالشَّحيحِ المُلْحِدِ
نُسب إلى حميد بن مالك الأرقط [من شعراء الدولة الأموية] في: التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه [ملحق بأمالي القالي] 3/ 61، "اللسان" (خبيب) 2/ 1087، == "شرح شواهد المغني" 1/ 487، "الخزانة" 5/ 393، "الدرر اللوامع" 1/ 207. ونُسب لحميد بن ثور في "اللسان" (لحد) 7/ 4005 وليس في ديوانه.
ونسب لأبي بجدلة في: "شرح المفصل" 3/ 124. وورد بلا نسبة في: "الكتاب" 2/ 371، "مجاز القرآن" 2/ 173، "النوادر" لأبي زيد ص 527، "المحتَسَب" 2/ 223، "أمالي ابن الشجري" 1/ 20، "رصف المباني" ص 424، "أوضح المسالك" ص 23، "شرح ابن عقيل" 1/ 115، "شرح الأشموني" 1/ 148 الشاهد في: (قدني) و (قدي) أثبت نون الوقاية في الأول على الأصل، وحذفها في الثاني على الضرورة، وهو تأكيد للأول، (قدني): بمعنى حسبي، وأراد بـ (الإمام): عبد الملك ابن مروان، وعرَّض بوصف ابن الزبير بكونه شحيحًا، أي بخيلاً، وأراد بـ (الخبيبين): عبد الله بن الزبير -لأنه كان يكنى أبا خُبَيب- وأخاه مصعبًا، على التغليب.]] فحذف وأثبت في بيت، وقال الأعشى في حذف هذه النون اللاحقة مع الياء:
فهل يَمْنَعنّي ارْتِيَادِي البلادَ .... من حَذَرِ المَوْتِ أنْ يأتيَنْ [["ديوان الأعشى" ص 205، وورد في: "الكتاب" 3/ 513، 4/ 187، "المحتَسَب" 1/ 349، "شرح المفصل" 9/ 40، "الدرر اللوامع" 5/ 151، (ارتيادي)؛ الارتياد: المجيء والذهاب، أي لا يمنع من الموت التجول في آفاق الأرض حذراً منه، ولا الإقامة في الديار تقرّبه قبل وقته. "الدرر اللوامع" 5/ 152.]]
وإنّما هو يمنعَنّني [["الحجة للقراء" 5/ 45 - 46 بنصه.]]، وأما ابن كثير فإنه أدغم ولم يحذف [[لذلك شدّد النون.]].
الحجر 15:55
قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد بما قضاه الله [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 197، وورد غير منسوب في "تفسير الوسيط"، تحقيق: سيسى 2/ 360، وابن الجوزى 4/ 406، والخازن 3/ 98.]]؛ يريد أن الله تعالى قضى أن يخرج من ذريته مثل ما أخرج من صلب آدم وأكثر، وذلك أن إسحاق كان هو الذي بُشّر به إبراهيم، ومن نسله جميعُ بني إسرائيل على كثرتهم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ أي من الآيسين، والقنوط: الإياس من الخير، وهذا يدل على يأس إبراهيم من الولد واستبعاده ذلك على الكبر.
الحجر 15:56
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ وقُرئ ﴿يَقْنَطُ﴾ بفتح النون [[قرأ بها ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة انظر: "السبعة" ص 367، "علل القراءات" 1/ 297، " إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 346، "الحجة للقراء" 6/ 47، "المبسوط في القراءات" ص 211، "المُوضَح في وجوه القراءات" 2/ 723.]]، قال أبو علي: قنط يَقْنَطُ أعلى اللغات يدل على ذلك اجتماعهم في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [["الحجة للقراء" 5/ 47 بنحوه، لكنه لم يجزم بأنها أعلى اللغات، بل قال: وكأنّ يقْنَطُ أعلى.]] [الشورى: 28]، وحكاية أبي عبيدة تدل أيضًا على أن قَنَطَ أكثر [["مجاز القرآن" 1/ 353 وليس في كلام أبي عبيدة ما يؤيِّد دعوى الواحدي؛ إذ قال: يقال: قنَط يقنِط، وقنِط يقنَط قنوطاً، وليس في هذا ترجيح لإحدى اللغتين.]]؛ لأن مضارع فَعَل (يجيء على يَفعِل ويَفعُل؛ مثل: فَسَق يَفْسِقُ يَفْسُقُ، ولا يجيء مضارع فَعِل) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] على يَفْعُلُ [[هذا التعليل في "الحجة للقراء" 5/ 47 بنصه.]].
قال ابن عباس: يريد: ومن ييئس [[في جميع النسخ: (يأيس) وهو تصحيف، ولم أجده في كتب اللغة، قال أهل اللغة: يَئِسَ يَيْأَسُ وَييئِسُ لغات بمعنى القنوط. انظر: "أدب الكاتب" ص 483، "الكامل" 2/ 754، "اللسان" (يأس) 8/ 4945، "متن اللغة" 5/ 829.]] من رحمة ربه إلا المكذبون [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 360 بنصه، "تنوير المقباس" ص 279 بنحوه، وورد بنصه غير منسوب في "تفسير الخازن" 3/ 98.]]، وهذا يدل على أن إبراهيم لم يكن قانطًا، ولكنه استبعد ذلك، فظنت الملائكةُ به قنوطًا، فنفى ذلك عن نفسه، وأخبر أن القانط من رحمة الله ضال.
الحجر 15:57
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ قال الكلبي: فما بالكم وما الذي جئتم له [[ورد في "تفسير الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 360، وأغلب المفسرين فَسَّروه بنحوه. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 41، و"تفسير السمرقندي" 2/ 222، والطوسي 6/ 343، و"تفسير البغوي" 4/ 385، وابن الجوزي 4/ 406، و"تفسير القرطبي" 10/ 36، والخازن 3/ 98.]].
الحجر 15:58
﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون: قوم لوط.
الحجر 15:59
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ استثنى ليس من الأول [[أشار الزمخشري إلى أن الاستثناء إما أن يكون من قوم -وهو الأول- فيكون منقطعاً؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في القوم المجرمين البتة، وعلى هذا فالإرسال خاص بالقوم المجرمين، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلاً، وإما أن يكون الاستثناء من الضمير المستكن في (مجرمين)، فيكون متصلاً؛ أي أجرموا كلهم إلا آل لوط، وعلى هذا التأويل يكون الإرسال إلى المجرمين وإلى آل لوط؛ أولئك لإهلاكهم، وهؤلاء لإنجائهم. انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 315، وأبي حيان 5/ 460، و"الدر المصون" 7/ 167، وقد رجح الواحدي -رحمه الله- أنه استثناء متصل، وأيَّد هذا الوجه المنتجب الهمداني وحجته: أن آله من قومه، وإن اختلفت أفعالهم، لكن الجمهور على أنه منقطع؛ لانتفاء وصف الإجرام عن آل لوط. انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 9 "تفسير ابن عطية" 8/ 329، "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 71، "الإملاء" 2/ 76، "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 204، "تفسير أبي حيان" 5/ 460.]]، وآلُ لوط: أتباعه والذين كانوا على دينه.
الحجر 15:60
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ استثناء من الضمير في ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ فعادت إلى القوم المجرمين؛ لأنه استثناء بعد استثناء، فتعود إلى المستثنى منه أولاً؛ كما تقول: لفلان عليّ خمسة إلا درهمين إلا درهمًا، فيصير هذا إقرارًا بأربعة [[وقد وافق الزمخشري على أنه استثناء من الضمير، ولم يوافق على التعليل؛ بدعوى أن الاستثناء بعد الاستثناء إنما يصح عند اتحاد الحكم؛ كالمثال الذي ذكره الواحدي -رحمه الله- وكقول المطلق: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة، أما هنا فقد اختلف الحكمان؛ لأن (آل لوط) متعلق بأرسلنا أو بمجرمين، و (إلا امرأته) قد تعلق بمنجوهم، فكيف يكون استثناء بعد استثناء؟؟! يمكن اعتباره لو قيل: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته. انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 316، وذهب أبو البركات بن الأنباري إلى أنه استثناء من النفي؛ أي من (آل لوط) فيكون إيجاباً؛ وذلك أن الاستثناء من الإيجاب نفي، ومن النفي إيجاب، وهنا استثنى آل لوط من المجرمين، فلم يدخلوا في الإهلاك، ثم استثنى من آل لوط امرأته؛ فدخلت في الهلاك. انظر: "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 71، و"تفسير أبي حيان" 5/ 460.]].
وقوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ معنى التقدير في الغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قَدِّر هذا الشيء بهذا، أي: اجعله على مقداره [[انظر: "المفردات" ص 658، (قدر) في "اللسان" 6/ 3578، "التاج" 7/ 370.]]، وقدَّر الإلهُ الأقواتَ، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثم يفسر التقدير بالقضاء؛ فيقال: قضى الله عليه كذا، وقدَّره عليه؛ أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر، وقيل في معنى قدّرنا هاهنا: كتبنا [[ورد منسوباً إلى علي بن عيسى في "تفسير الماوردي" 3/ 164، وانظر: "تفسير الطوسي" 6/ 343، "تفسير القرطبي" 10/ 37.]]، وحكى الزجاج: دبَّرنا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 181 بلفظه.]]، وقيل: قضينا [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 149 ب بلفظه، وورد منسوباً إلى النخعي في "تفسير == الماوردي" 3/ 164، و"تفسير البغوي" 4/ 385، وابن الجوزي 4/ 406، والفخر الرازي 19/ 199 [نقل الفقرة كلها وبنصها دون عزو]، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 37، والخازن 3/ 99، والشوكاني 3/ 193، وصديق خان 7/ 181.]]، وقرأ عا صم في رواية أبى بكر [[شعبة بن عياش بن سالم، أبو بكر الحناظ الأسدي الكوفي، الإمام العلم راوي عاصم، اختلف في اسمه كثيراً، عرض القرآن على عاصم ثلاث مرات، قرأ عليه أبو الحسن الكسائي وغيره، توفي سنة 193 هـ، انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 134، "غاية النهاية" 1/ 325، "جمال القراء" 2/ 465.]]: ﴿قَدَّرْنَا﴾ مخففًا [[انظر: "السبعة" ص 367، "علل القراءات" 1/ 298، "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 348، "الحجة للقراء" 5/ 48، "المبسوط في القراءات" ص 221، "المُوضَح في وجوه القراءات" 2/ 724، "النشر" 2/ 302.]]، يقال: قدَّرت الشيء وقدْرته، قال الهذلي:
ومفْوِهَةِ عَنْسٍ قَدَرْتُ لساقِها ... فخرَّتْ كما تَتَّايَعُ الرِّيحُ بالقَفْلِ [["شرح أشعار الهذليين" 1/ 92 وفيه: (لِرِجْلِها) بدل (لساقها)، وورد في "الحجة للقراء" 5/ 49، "تفسير ابن عطية" 8/ 331، "اللسان" (تبع) 1/ 460، (قفل) 11/ 561، وورد غير منسوب في: "المنصف" 3/ 70، "المُوضَح في وجوه القراءات" 2/ 725، (مفرهة) هي الناقة التي تلد الفُرْهَ، النوق الجميلات، (عَنْس) الناقة القوية، شُبهت بالصخرة لصلابتها، (تَتَّابع)؛ التتايع: التهافت والإسراع، (القَفْل) بالفتح، ما يَبِس من الشجر، ومعنى البيت، يقول: قدّرت ضربتي لساق هذه الناقة القوية -التي تلد الملاح- فخرت وتهافتت كما تفعل الريح بورق الشجر اليابس.]]
المعنى: قَدَّرْتُ ضربتي لساقها فضربتها [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 48 بنصه.]] فخرت، ومن هذا قراءة ابن كثير ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: 60]، خفيفًا [[انظر: "السبعة" ص 367، "علل القراءات" 1/ 299، "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 350، "الحجة للقراء" 5/ 48، "المُوضَح في وجوه القراءات" 2/ 724.]]، وقراءة الكسائي ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [[انظر: "السبعة" ص 368، "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 349، "الحجة للقراء" 5/ 48، "تلخيص العبارات" ص 166، "المُوضَح في وجوه القراءات" 3/ 1360، "النشر" 2/ 399.]] [الأعلى: 3]، والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالاً، كقوله ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10]، وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ في موضع مفعول التقرير، والمعنى: قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون، ولا تكون ممن يسري مع لوط فينجو.
الحجر 15:61
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ قال أهل المعاني: يعني جاء لوطًا؛ كما قال في سورة هود؛ في ذكر هذه القصة: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ [هود: 77] وآل الرجل يُذْكَر والمراد به الرجل، كما ذكرنا في قوله ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248]
الحجر 15:62
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي: غير معروفين؛ لأنهم أتوه على صورة رجال مرد حِسان [[في (ج): (حسنًا).]] الوجوه فلم يعرفوهم، فلم يعرفهم لوط، وذكرنا معنى الإنكار عند قوله: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ [هود: 70].
الحجر 15:63
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: بالعذاب الذي كانوا فيه يَشُكّون في نزوله على من كَذَّبك، أن المعذب بهذا العذاب الذي جئتنا به هم لا أنت، ومعنى (بل) هاهنا نفي؛ لإنكار لوط إيَّاهم، أي: دع ذلك فإنا رسل ربك جئناك [[في (ج): (جئنا).]] بعذابهم، فلما بَيَّنُوا له الأمر عرفهم.
الحجر 15:64
وقوله تعالى: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي: بالعذاب [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 201 أورد الفقرة كلها بدون عزو، وورد منسوباً لمجاهد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 31، وورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 42، و"تفسير السمرقندي" 2/ 222، والثعلبي 2/ 149 ب بلفظه، والطوسي 6/ 345، و"تفسير البغوي" 4/ 386، وابن الجوزي 4/ 406، و"تفسير القرطبي" 10/ 38.]]، وقيل باليقين [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 42، "تفسير البغوي" 4/ 386، والزمخشري 2/ 316، والنسفي 3/ 99، والخازن 3/ 99، وأبي حيان 5/ 461، والشوكاني 3/ 194، وصديق خان 7/ 182.]]، والمعنى: بالأمر الثابت الذي لا شك فيه من عذاب قومك.
الحجر 15:65
قوله تعالى ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ مفسَّر في سورة هود [[آية: [81].]].
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقول للوط أَتبع آثار بناتك وأهلك لئلا يتخلف منهم أحد فينالَه العذاب [[ورد غير منسوب في "تفسير الفخر الرازي" 19/ 201.]]، وكذلك قيل: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ قال الكلبي: يعني لا يتخلف منكم أحد [[ورد في "تنوير المقباس" ص 279، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 222، والشوكاني 3/ 194، وصديق خان 7/ 183.]]، وقال الزجاج: لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من النبلاء [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 182 بنصه.]]، وقال غيره: معناه الإسراع وترك الاهتمام لِمَا خَلَّفَ وراءه [[انظر: "تفسير الخازن" 3/ 99، وأبي السعود 5/ 84، قال ابن عطية: ونُهوا عن النظر مخافة الغفلة وتعلق النفس بمن خَلَّفَ، وقيل: بل لئلا تتفطَّر قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها. "تفسير ابن عطية" 8/ 335.]]، كما يقول: امض لشأنك ولا تُعرِّج على شيء، وهذا مما تقدَّم في سورة هود [[آية: [81].]].
وقوله تعالى: ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني الشام [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 149ب، انظر: "تفسير البغوي" 4/ 386، وابن الجوزي 4/ 407، والفخر الرازي 19/ 201، والخازن 3/ 99، والألوسي 14/ 69.]]، وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 201، وورد غير منسوب في: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 407، والخازن 3/ 99.]]، قال الكلبي: أمرهم جبريل امضوا إلى صُغَر [[في جميع النسخ: (صفر)، والمثبت أقرب للصواب، والتصويب من تفسيره "الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 362، "تفسير الثعلبي" 2/ 149 ب، وهكذا ضبطه ياقوت، وأشار إلى القصة، بقوله: وهي على البحيرة المقلوبة وبقية مدائن لوط، وإنها نجت لأن أهلها لم يكونوا يعملون الفاحشة، وكذلك ضبطها ابن كثير؛ قال: فذكروا أنه ذهب إلى قرية (صغر) التي يقول الناس (غور زغر)، وقد ضبطت "صعرة". في: تاريخ الطبري و"الروض المعطار في خبر الأقطار"، والحق أنه قد وقع اختلاف كبير في أسماء قرى لوط -عليه السلام- ولم يتفقوا إلا في اسم كبرى هذه القرى وهي: سدوم، وتقع بأرض الشام، لذلك قال السهيلي: وسدوم أعظمها، وقد ذُكرت الأسماء الأُخر ولكن بتخليط لا يتحصل منه حقيقة. انظر: "التعريف والإعلام" ص 162، "تاريخ الطبري" 1/ 118، 122، "معجم البلدان" 3/ 411، "تفسير القرطبي" 9/ 81، "الكامل في التاريخ" 1/ 69، "الروض المعطار" ص 308، "تفسير ابن كثير" 2/ 610، "البداية والنهاية" 1/ 181، "الدر المنثور" 3/ 185.]]؛ وهي إحدى قريات لوط [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 407.]]، ولم يكونوا يعملون مثل عمل سدوم، وهذا قول مقاتل [[الذي في "تفسيره" 1/ 198 أ. قال: إلى الشام، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 149 ب بمعناه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 38.]].
الحجر 15:66
قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ قال المفضل: أي: أوحينا إليه وألهمناه [[لم أقف عليه منسوبًا إليه، وأخرجه الطبري منسوبًا إلى ابن زيد 14/ 43، وورد غير منسوب في: "تفسير السمرقندي" 2/ 222، والماوردي 3/ 165، وأبي حيان 5/ 461، وأبي السعود 5/ 84، والشوكاني 3/ 194.]]، وقال بعضهم: وفرغنا إلى لوط من ذلك الأمر [[ورد بنصه في: "تفسير الطبري" 14/ 42، والثعلبي 2/ 149 ب.]]، يقال. قضيت الأمر، إذا فرغت منه وأتممته، وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ في سورة البقرة [[آية: [117]، وانظر: "البسيط" [النسخة الأزهرية] 1/ 83 أ.]]، وقال ابن قتيبة: أي أخبرناه [["الغريب" لابن قتيبة ص 238 بلفظه.]].
وقال صاحب النظم: أي فرغنا منه [[ورد غير منسوب في "تفسير الخازن" 3/ 99.]]، كقوله ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: 71] وقد مرّ، ويقال: إن معنى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾: من الخبر؛ كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: 4] أي: أخبرناهم به.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: الأمر الذي أعلمناه إبراهيم أنّا نهلكهم، في قوله: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾، فأومأ في قصة لوط إلى ما أخبر به إبراهيم من إهلاك قوم لوط، ثم ترجم قوله: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ قال الزجاج: موضع (أن) نصب، وهو بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ لأنه فَسّر الأمر بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 182 بتصرف يسير.]] المعنى: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، ونحو هذا قال الفراء والكسائي [["معاني القرآن" للفراء 2/ 90 بمعناه، ولم أقف عليه منسوباً إلى الكسائي.]].
قال ابن عباس: يريد أن هلاكهم في الصبح [[أخرجه الطبري 14/ 43 بنحوه، من طريق الحجاج عن ابن جريج صحيحة، "تنوير
المقباس" ص 279.]]، ومضى الكلام في الدابر [[سورة الأنعام [آية: 45]، أورد أقوالاً في معنى الدابر، فقال: قال الأصمعي وغيره: (الدابر الأصل؛ يقال: قطع الله دابره أي أذهب أصله)، وقال ابن بزرج: "دابر الأمر: آخره، ودابر الرجل عقبه، وقولهم: قطع الله دابره: دعاء عليه بانقطاع العقب حتى لا يبقى أحد يخلفه).]].
الحجر 15:67
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ يعني مدينة لوط؛ وهي سدوم، ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قال الكلبي وغيره: بعملهم الخبيث طمعًا منهم في ركوبهم الفاحشة [[ورد في: "تنوير المقباس" ص 285 مختصرًا، تفسيره "الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 362 بنصه غير منسوب، "تفسير البغوي" 5/ 387، ابن عطة 8/ 337، ابن الجوزي 4/ 407، "تفسير القرطبي" 10/ 39، الخازن 3/ 99.]].
قال ابن عباس: قالوا نزل بلوط ثلاثة مرد ما رأينا قط أصبح منهم، فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه:
الحجر 15:68
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ يقال: فضحه يفضحه فضحًا وفضيحة، إذا أبان من أمره ما يلزمه به العار، (يقال: فضحه فافْتَضَحَ [[انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 545، "اللسان" (فضح) 6/ 3425، "عمدة الألفاظ" 3/ 279.]]، قال الفراء) [[ما بين القوسين ساقط من: (د).]]: ويقال فَضَحَك الصبح، أي: بَيّنك للناس [[ليس في معانيه.]]، قال المفسرون: أراد أن من حق الضيف إكرامُه، فلا تفضحوني بقصدكم إيّاه بالسوء [[ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 14/ 43، والثعلبي 2/ 149 ب، و"تفسير البغوي" 4/ 387، والخازن 3/ 99، وأبي السعود 5/ 85، والألوسي 14/ 71.]]، والكريم يحافظ على ضيفه ويحامي عنه، وقال المفضل: لما دَقُّوا على لوط بابَه [[في (أ)، (د): (باب) دون الضمير، والمثبت من (ش)، (ع).]] أشرف عليهم وقال: هؤلاء ضيفي فلا تفضحوني عندهم، فيعلموا أنه ليس لي عندكم قَدْر [[ورد نحوه غير منسوب في تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 363، وأبي السعود 5/ 85، والألوسي 14/ 71.]].
الحجر 15:69
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ مذكور وفي سورة هود [[آية: [78].]].
الحجر 15:70
فقالوا له: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال الكلبي وأكثر المفسرين: المعنى: أولم ننهك أن تَضِيف أحدًا من العالمين [[ورد في "الغريب" لابن قتيبة ص 1/ 241، و"أخرجه الطبري" 14/ 43 بنصه منسوبًا إلى قتادة، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 149 ب بنصه غير منسوب، و"تفسيرالبغوي" 4/ 387، والخازن 3/ 100، وابن كثير 2/ 610، و"الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة، ولم أقف عليه منسوبًا إلى الكلبي.]]، قال الزجاج: معناه: أولم ننهك عن ضيافة العالمين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 183 بنصه.]]، قال المفضل: أولم ننهك أن تُدخل أحدًا بيتك؛ لأنّا نريد منهم الفاحشة [[ورد غير منسوب في "تفسير الخازن" 3/ 100.]]، والتفسير ذكره الكلبي، وتوجيه الكلام ذكره الزجاج، والمعنى ذكره المفضل، وقال ابن عباس في رواية عطاء: لا تتعرض لنا في شيء مما نريد؛ يعني أنهم قالوا نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة، فيكون التقدير على هذا المعنى: أولم ننهك عن منع العالمين أو حفظهم أو حمايتهم، فقال لهم لوط:
الحجر 15:71
﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قال أبو إسحاق معناه: إن كنتم مريدين لهذا الشَّأن [[في جميع النسخ: البنتان، والتصويب من المصدر.]]؛ يعني اللذة وقضاء الوطر فعليكم بالتزويج ببناتي [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 183 بتصرف يسير.]]، قال قتادة: أراد أن يقي أضيافه ببناته [["أخرجه الطبري" 14/ 44 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 149 ب بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. ويلزم من هذا القول جواز زواج الكافر من المؤمنة - في شرعه؛ كما كان جائزًا في بداية الإسلام حتى نسخ بآية الممتحنة [10]،، وقيل عرضهن عليهم شريطة الإسلام قبل عقد النكاح، وقيل قصد بنات أمته؛ لأن النبىّ كالوالد لأمته، وهو قول مجاهد؛ ذكره معظم المفسرين.]]، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في سورة هود [[آية [78].]].
قال الحسن وقتادة: هؤلاء بناتي تزوجوهن [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 347 بلفظه عنهما.]]، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ كناية عن الجماع.
الحجر 15:72
قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ العَمْر والعُمْر واحد، وسمي الرجل عمر إيغالًا أن يبقى [["تهذيب اللغة" "عمر" 3/ 2565 بنحوه، وانظر: (عمر) في: "التاج" 7/ 258 وعزاه للمحكم، ولم أجده في بابه.]]، ومنه قول ابن أحمر: ذَهبَ الشَبَابُ وأَخْلَفَ العَمْرُ [[عجزه:
وتَغيَّرَ الإخوانُ والدَّهْر
"شعر عمرو بن أحمر الباهلي" ص90، وورد في: "الاشتقاق" ص 13، "مقاييس اللغة" (خلف) 2/ 212 وفيه: (وتنكَّر)، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 203، "اللسان" (عمر) 5/ 3103، "التاج" (عمر) 7/ 258 وفيهما: (وتَبدَّل)، وورد غير منسوب في: "جمهرة اللغة" 2/ 772، وفي الديوان وجميع المصادر بروإية: (بان) بدل (ذهب)، والمعنى واحد، (بان): بمعنى انقضى ومضى عصره، (أخلف): تغيير، (العَمر): واحد العُمُوْر؛ اللحم الذي بين الأسنان.]]
وعُمّر الرجلُ يَعْمُر عَمْرًا وعُمُرًا وعُمُرًا، فإذا أقسموا قالوا: لعَمْرُك وعَمْرِك، ففتحوا العين لا غير [[انظر: "المقتضب" 4/ 177، "غرائب التفسير" 1/ 592، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 408، الفخر الرازي 19/ 203، "شرح المفصل" 9/ 96، "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 943، (عمر) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2565، "المحكم" 2/ 105، "اللسان" 5/ 3099، "التاج" 7/ 258.]].
قال أبو إسحاق: لأن الفتح أخف عليهم، وهم يكثرون القسم بِلَعَمْري ولعَمْرك، فلزموا الأخَفَّ عليهم [[معاني القرآن وإعرابه" 3/ 183، بنصه تقريباً.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد وعيشك يا محمد [[أورده البخاري -معلقاً- في "صحيحه" تفسير، الحجر 8/ 379 "الفتح"، و"أخرجه الطبري" 14/ 44 بنحوه، من طريق علي بن أبي طلحة، صحيحة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 33، والماوردي 3/ 166 و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 408، وابن كثير 2/ 611، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
وقال في رواية أبي الجوزاء يقول: بحياتك، وما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة النبيّ -ﷺ- [[أخرجه بنحوه من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء: أبو يعلى في "مسنده" 5/ 139، والطبري في "تفسيره" 14/ 44، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 150 أ، وأبو نعيم في "الدلائل" 1/ 63، والبيهقي في "الدلائل" 5/ 488، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 33، و"تفسير السمرقندى" 2/ 222، والماوردي 3/ 166، و"تهذيب اللغة" (عمر) 3/ 2564 بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 387، وابن الجوزي 4/ 408 وابن عطية 8/ 338، وابن كثير 2/ 611، وأورده عياض في "الشفا" 2/ 87، والهيثمي في "المجمع" 7/ 46 وعزاه لأبي يعلى وقال: إسناده جيد، وابن حجر في "المطالب" 3/ 346 وزاد نسبته للحارث ابن أبي أسامة، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.]]، وهذا قول أكثر أهل التأويل من المفسرين وأصحاب المعاني، قال الزجاج: وفي هذا آية عظيمة في تفضيل النبيّ -ﷺ-، جاء في التفسير أنه أقسم بحياة محمد -ﷺ- [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 183 بنصه.]]. وقال بعض أهل المعاني: إذا قيل: لعَمْرك، فكأنه قيل ومدة بقائك حيًّا [[قال القاضي عياض: اتفق أهل التفسير في أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد -ﷺ- انظر: "الشفا" 1/ 86.]]، وقال النحويون: ارتفع (لعمرك) بالابتداء والخبر محذوف، المعنى لعمرك قَسَمي، ولَعَمْرُك ما أُقْسِمُ به، وحُذِف الخبرُ لأن في الكلام دليلًا عليه، وباب القَسَم يحذف من الفعل نحو: باللهِ لأفعلن، والمعنى: أحلف بالله؛ فيحذف (أحلف) لعلم المخاطب بأنك حالف، فكذلك يحذف خبر الابتداء [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 184 بنصه تقريباً، انظر: "المقتضب" 2/ 318، "الإيضاح العضدي" ص 276، "شرح المفصل" 9/ 99، "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 932، 2/ 943، "المحكم" (عمر) 2/ 105، "زاد المسير" 4/ 408، الرازي 19/ 203.]].
وقال قتادة في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ كلمة من كلام العرب [[أخرجه الطبري 14/ 44 بنصه، وورد بنصه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 198 أ.]]، (يقولون في الإكرام والتبجيل، قال أبو إسحاق: ولستُ أُحِبُ هذا التفسير؛ لأن قوله: كلمة من كلام العرب) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] لا فائدة فيه؛ لأن القرآن كله من كلام العرب فلابد أن يقال ما معناها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 183 بنصه.]]، وحكى أبو الهيثم أن النحويين يقولون في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: لَدِينُك الذي تعمر، وأنشد [[البيت لعمر بن أبي ربيعة (ت 93 هـ).]]:
أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ........... عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيَانِ [["ديوانه" ص 438، وورد في "الشعر والشعراء" 374 وفيه (يجتمعان) بدل: يلتقيان، "الأغاني" 1/ 232، "الصحاح" (عمر) 2/ 756، "أمالي ابن الشجري" 2/ 108، "الروض الأنف" 3/ 135، "شرح المفصل" 9/ 91 (عجز)، "اللسان" (عمر) 5/ 3100 برواية: (يجتمعان)، "الخزانة" 2/ 28، وورد غير منسوب في:
"المقتضب" 2/ 329، القرطبي 10/ 41، وأبي حيان 5/ 462، والألوسي 14/ 73، (كيف يلتقيان): استفهام إنكاري تعجبي من تزويج الثري بنت علي بن عبد الحارث -وكانت مشهورة بالحسن والجمال- بسهيل بن عبد الرحمن الزهري - وكان معروفًا بقبح منظره.]]
قال عَمْرك اللهَ، أي عبادتك الله [["تهذيب اللغة" (عمر) 3/ 2564 بنصه، وانظر: (عمر) في "اللسان" 5/ 3100، و"التاج" 7/ 258.]].
وقال ابن الأعرابي: عَمَرتُ ربي، أي: عبدته، وفلان عامر لربه، أي: عابد، قال: ويقال تركت فلانا يَعْمُر ربه، أي: يعبده [["تهذيب اللغة" (عمر) 3/ 2565 بنصه، "المحكم" 2/ 108، "اللسان" 5/ 3102.]]، فعلى هذا القول: العَمْرُ كالعمارة، والعابد اللهَ عامرٌ لدينه، فسُمِّيَ العابدُ عامرًا، ومعنى قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ أي لَعِبَادَتُك، والمفسرون على القول الأول [[أي أنه قسم بحياة النبي -ﷺ-وهو قول الجمهور كما قال ابن العربي وعياض وأبو حيان.]]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد: أن قومك في ضلالهم يتمادون [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 150 أبلفظه، دون الإشارة إلى المعني بالضمير، وانظر: "تفسير الوسيط"، 2/ 364، بنصه عن عطاء، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 409 مختصرًا عن عطاء، وإلى هذا ذهب الطبري، فقال: أي وحياتك يا محمد، إن قومك من قريش، لفي ضلالتهم وجهلهم يترددون، وإليه ذهب السمرقندي. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 44، "تفسير السمرقندي" 2/ 222.]]، ثم رجع إلى ذكر قوم لوط في الآية الثانية، وقال الكلبي وعامة المفسرين: ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني: قوم لوط [[لم أقف عليه منسوبًا، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 317، وابن عطية 8/ 341، وابن الجوزي 4/ 409 وقال: قاله الأكثرون، وتفسير أبي حيان 5/ 462، وابن جزي 2/ 148، وأبي السعود 5/ 86، و"تنوير المقباس" ص 280، وخلاصة القول في الضمائر في الآية ثلاثة أقوال: الخطاب للرسول -ﷺ- والضمائر تعود على كفار قريش، وهو قول الطبري والسمرقندي، وحجتهم الأثر المروي عن ابن عباس وعلى هذا القول، الآية كلها اعتراض فيما بين القصة، وانتصر لهذا القول علي القاري "شرح الشفا" 1/ 72، واستدلالهم بقول ابن عباس رضي الله عنهما ليس فيه دلالة وليس في محل النزاع، فقول ابن عباس غايته أن القسم برسولنا -ﷺ- وليس بلوط. وليس هذا مختلف مع قول الجمهور الخطاب للرسول -ﷺ- والضمائر لقوم لوط، وهو قول الجمهور، وحجتهم - كما ذكر ابن عطية: عدم مناسبة السباق والسياق؛ إذ يؤدي ذلك إلى انقطاع الضمائر، وعليه فالقسم بنبينا -ﷺ- تشريفًا له؛ لأن القصة تُقص عليه تعجيبًا له من حال قوم لوط، وإقحام القسم أثناء الكلام وقصر القصص أسلوب عربي معروف، وهذا هو القول الراجح الخطاب للوط، == والضمائر لقومه، وانفرد به ابن العربي، فقال: ولا أدري ما الذي أخرجهم عن ذِكْر لوط إلى ذِكْر محمد -ﷺ- وما الذي يمنع أن يُقْسِم الله بحياة لوط، ويبلغ به من الشريف ما شاء؛ فكل ما يعطى الله من فضل ويؤتيه من شرفٍ فلمحمدٍ -ﷺ- ضِعفاه؛ لأنه أكرم على الله منه .. فإذا أقسم الله بحياة لوط فحياة محمد أرفع، ولا يُخرجُ من كلام إلى كلام آخر غيره لم يجر له ذِكرٌ لغير ضرورة. "تفسير ابن العربي" 3/ 1130، وقوله محتمل لولا ما في الآية من خطاب المواجهة.]]، ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: في جهلهم وعماهم يمضون ولا يرجعون منه.
وقال مجاهد: في غفلتهم يضطربون [[ليس في تفسيره، ولم أقف عليه بنصه، وأخرج عبد الرزاق 2/ 349، والطبري 14/ 44 عن مجاهد قال: (يتردّدون)، وكذلك ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 150 أ.]]، ومعنى السَّكرة هاهنا: غمور السهو والغفلة للنفس [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 348 بنصه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 408 عن الأعمش، "تفسير البقاعي" 4/ 231.]]، وذكرنا أصله في اللغة عند قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: 15]، ومعنى العمه مذكور في سورة البقرة [[آيه: [15]، وعندها قال: (ومعنى يعمهون: يتحيرون، وقد عمه يعْمَه عَمَهًا فهو عَمِه إذا حار عن الحق).]]، وقول ابن عباس: إن قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ إخبار عن مشركي قريش، أليق بظاهر الآية [[لكن أثر ابن عباس الذي يشير إليه، ضعيف لأنه من طريق عطاء وهو منقطع.]]؛ لأن [[في (أ)، (د): (أن) والمثبت من (ش)، (ع) وهو الأصح.]] قول العامة نحتاج فيه أن نحمل الآية على حكاية حال ماضية [[وهذا القول هو الراجح - كما سبق.]]؛ كقول الشاعر [[هو رؤبة بن العجاج.]]:
جاريةٌ في رَمَضَانَ الماضي ......... تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ [[سبق عزوه.]]
وقد ذكرنا لهذا نظائر.
الحجر 15:73
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني صيحة العذاب، قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة أهلكتهم [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 198 "تفسير السمرقندي" 2/ 223، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 409، الفخر الرازي 19/ 203، وأبي حيان 5/ 462، والشوكاني 3/ 198، والألوسي 14/ 74، وصديق خان 7/ 187.]]، وقال أهل المعاني: ويجوز أن يكون جاءهم صوت عظيم من فعل الله عَزَّ وَجَلَّ [[انظر: "تفسير الطوسي" 6/ 348 بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ يقال: شَرَق الشَّارقُ يُشْرِق شُروقًا، لكل ما طلع من جانب الشَّرق، ومنه قولهم: ما ذَرَّ شارقٌ [[مثل عربي، وورد برواية: (لا أفعل ذلك ماذَرَّ شارق)، وبرواية: (لا آتيك ما ذرَّ شارقٌ)، ومعناه: لا أفعله أبدًا، أو لا آتيك أبداً. انظر: "الألفاظ الكتابية" ص 186، "جمهرة اللغة" 2/ 731، "جمهرة الأمثال" 2/ 282، "مجمل اللغة" 1/ 527، "الصحاح" (شرق) 4/ 1500، "المستقصى" 2/ 248، "اللسان" (شرق) 4/ 2245.]]، أي طلع طالع، فيدخل في هذا: الفجر والكواكب والشمس والقمر، وأشرق له معان: أشرقت الشمس؛ إذا أضاءت بعد طلوعها، وأشرقت الأرض بضوء الشمس، أضاءت، ومنه أَشْرِقْ ثَبِيْرُ [[ثبير: جبل بمكة، وهذا مثل يضرب في الإسراع والعجلة، ونصه: (أشرق ثَبِيْرُ كَيْمَا نُغِير)، والمعنى: ادخُلْ يا ثبير في الشروق كي نُسرع إلى الإغارة. انظر: "المحيط في اللغة" (شرق) 5/ 235، "مجمع الأمثال" 1/ 362، "المحكم"، (شرق) 6/ 102 "المستقصى" 1/ 205، "اللسان" (ثبر) 1/ 470، (شرق) 4/ 2246.]]، وأشرق القوم: دخلوا في وقت شروق الشمس [[انظر: (شرق) في "جمهرة اللغة" 2/ 731، "المحيط في اللغة" 5/ 234، "مجمل اللغة" 1/ 527، "الصحاح" 4/ 1501، "المحكم" 6/ 101، "اللسان" 4/ 2244.]]؛ مثل صَبَّحوا وأَمْسَوا، والمفسرون على هذا في قوله: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ قالوا: داخلين في الإشراق [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 35، و"تفسبر السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أ، والطوسي 6/ 348، و"تفسير البغوي" 4/ 386، والزمخشري 2/ 318، وابن عطية 8/ 341، والفخر الرازي 19/ 203، و"عمدة الحفاظ" 2/ 304.]].
وقال الزجاج: مصادفين لطلوع الشمس [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 184 بنصه.]].
فإن قيل: أليس قد قال: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ فوعدهم العذاب في وقت الصبح، وهاهنا قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾؟ قيل إن جماعة من أهل المعاني قالوا في معنى ﴿مُشْرِقِينَ﴾: مصبحين؛ لأنهم داخلون في شروق الفجر، وهو شارق، وأما على قول المفسرين فيقال: إن أول العذاب كان مع طلوع الفجر، ثم امتد ذلك إلى وقت شروق الشمس، فكان تمام الهلاك مع الإشراق.
الحجر 15:74
قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾ آخر الآية، مفسَّر في سورة هود [آية: 82].
الحجر 15:75
قوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ يقال: توسمت في فلان خيرًا، إذا رأيت فيه أثرًا منه، وتوسمت فيه الخير أي تَفَرَّست [["تهذيب اللغة" (وسم) 4/ 3893 بنصه.]].
واختلفت عبارة المفسرين وأهل المعاني في تفسير المتوسمين، فقال ابن عباس في رواية عطاء: للمتفرسين [[ذكره في الوسيط، تحقيق: سيسي 2/ 365، "تنوير المقباس" ص 280، وورد غير منسوب في "تفسير هود" 2/ 353.]]، وهو قول مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 342 بلفظه، وأخرجه الطبري 14/ 45 بلفظه من عدة طرق، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 35، و"تفسير السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أ، والماوردي 3/ 167، والطوسي 6/ 349، و"تفسير البغوي" == 4/ 388، وابن عطية 8/ 342، وابن الجوزي 4/ 409، و"تفسير القرطبي" 10/ 42، وابن كثير 2/ 611، و"الدر المنثور" 4/ 193 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]] والفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 91 بلفظه.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 184 بلفظه.]] وابن قتيبة [["الغريب" لابن قتيبة 8/ 241 بلفظه.]].
وقال الضحاك: للناظرين [[أخرجه الطبري 14/ 46 بلفظه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 35، و"تفسير السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أبلفظه، والماوردي 3/ 167، والطوسي 6/ 349، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 342، وابن الجوزي 4/ 410، و"تفسير القرطبي" 10/ 43، و"تفسير أبي حيان" 5/ 463، وابن كثير 2/ 611، وورد منسوباً إلى ابن عباس في تفسير الطبري 14/ 46 بلفظه، والثعلبي 2/ 150 أ، و"تفسير البغوي" 4/ 388، الخازن 3/ 100، وابن كثير 2/ 611، و"الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال مقاتل وابن زيد: للمتفكرين [[أخرجه الطبري 14/ 46 بلفظه عن ابن زيد، وورد في تفسير الثعلبي 2/ 150 أ، بلفظه عن مقاتل، والماوردي 3/ 167 عن ابن زيد، و"تفسير البغوي" 4/ 388 عن مقاتل، وابن الجوزي 4/ 410 عنهما، "تفسير القرطبي" 10/ 43 عنهما، والخازن 3/ 100 عن مقاتل، وأبي حيان 5/ 463 عنهما، ولم أقف عليه في "تفسير مقاتل" 1/ 198 أ، والذي في تفسيره هو قول الضحاك.]].
وقال قتادة: للمعتبرين [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 349 بلفظه، والطبري 14/ 46 بلفظه من طريقين، وأبي الشيخ في "العظمة" ص 50 بلفظه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أ، بلفظه، والماوردي 3/ 167، والطوسي 6/ 346، "تفسير البغوي" 4/ 388، وابن عطية 8/ 342، وابن الجوزي 4/ 410، و"تفسير القرطبي" 10/ 43، الخازن 3/ 100، وأبي حيان 5/ 463، وابن كثير 2/ 611، و"الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال أبو عبيدة: للمتبصرين [["مجاز القرآن" 1/ 354 بلفظه.]] ، وأنشد لزهير:
وفيهنّ مَلْهًى للَّطِيفِ ومنظَرٌ ... أنيقٌ لعَيْنِ النَّاظرِ المُتَوسِّمِ [["شرح ديوان زهير" ص 37، وورد في: "شرح القصائد السبع الطوال" ص 252، وورد برواية: (للصديق) بدل (للطيف) في "تفسير الماوردي" 3/ 167، و"أشعار الشعراء الستة الجاهليين" 1/ 280، و"تفسير القرطبي" 10/ 43. (ملهى) اللهو أو موضعه، (اللطيف) يعني نفسه، يتلطف في الوصول إليهن، (أنيق) المعجِب، (المتوسم) المتثبت، وقيل: الناظر الذي يتفرّس في نظره، كأنه يطلب شيئًا من سِمته، يعرفها به، والوسامة: الحُسن.]]
قال أبو إسحاق: وحقيقته في اللغة؛ المتوسمون النُظَّارُ المُتَثبِّتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء، فالمتوسم: الناظر في السمة الدالة، تقول توَسَّمْتُ في فلان، أي: عرفت ذلك فيه بالنظر [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 184 بتصرف يسير.]].
الحجر 15:76
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا﴾ يعني مدينة قوم لوط، وقد سبق ذكرها في قوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ [الحجر: 67].
وقوله تعالى: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ قال ابن عباس: على طريق قومك إلى الشام [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 410، وورد غير منسوب في "تفسير القرطبي" 10/ 45، وهو قول مقاتل 1/ 198 أ.]]، يريد لبسبيل معروف، وقال قتادة ومجاهد والضحاك: بطريق واضح [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 349 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 47 بلفظه عن قتادة، وبنحوه عن مجاهد والضحاك، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 36، و"تفسير هود الهواري" 2/ 354، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 410، عن قتادة، الخازن 3/ 100 عن مجاهد، وأبي حيان 5/ 463 عن مجاهد وقتادة، وابن كثير 2/ 611 عنهم، و"الدر المنثور" 4/ 193 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.]]، ومعناه: طريق لا يَنْدَّرس ولا يخفى، فهو طريق مقيم للسابلة [[السّابِلَةُ: الطريق المسلوكة، والناس المختلفون عليها في حوائجهم. انظر: (سبل) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1622، "المعجم الوسيط" 1/ 414.]] والمارة، ومعنى الآية: أن الاعتبار بها ممكن لأن الآثار التي يُسْتَدل بها مقيمة ثابتة بها.
الحجر 15:77
قوله تعالى: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: لعبرةً للمصدقين [[وهو قول مقاتل 1/ 198 أبنصه.]]، يريد أن أصحاب النَّبيّ -ﷺ- اعتبروا وصدقوا.
الحجر 15:78
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ قال المفسرون: هم قوم شعيب [[انظر: "تفسير مقاتل" 198ب، والطبري 14/ 48 عن ابن جريج، و"تفسير السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أ، والماوردي 3/ 168، والطوسي 6/ 350، و"تفسير البغوي" 4/ 388، والزمخشري 2/ 318، وابن الجوزي 4/ 410.]] كانوا أصحابَ غِيَاض [[جمع غيْضَة؛ أي الأجَمَة: وهي مجتمع الشجر في مغيض ماء. [المغيض: مصدر، اسم مكان، انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 957، "الصحاح" (غيض) 3/ 1097.]] فكذبوا شعيبًا فأهلكوا بعذاب يوم الظلة، وقد ذُكرتْ قصتهم في سورة الشعراء [[الآيات: [176 - 189].]]، والأيْك الشجر الملتف، يقال: أيْكة وأيْك، كشجرة وشجر [[انظر: "جمهرة اللغة" 3/ 1294، "تهذيب اللغة" (أيك) 1/ 239، "عمدة الحفاظ" 1/ 162، "المصباح المنير" ص13.]].
قال ابن عباس: الأيك هو شجر المُقْل، وهي التي يقال لها الدَّوْم [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 204، وورد غير منسوب بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 198ب، والثعلبي 2/ 155 أ، والماوردي 3/ 168، و"تفسير البغوي" 4/ 388، وأخرج الطبري عن ابن عباس قال: الأيكة ذات آجام -جمع أجَمَة- وشجر كانوا فيها. "تفسير الطبري" 14/ 48، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 193 وزاد نبته إلى ابن المنذر.]].
وقال الكلبي: الأيكة الغَيْضَة [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 304، و"أخرجه الطبري" 14/ 48 بلفظه عن الضحاك، وكذلك في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 36، وورد غير منسوب في: "تفسير هود" 2/ 354، والطوسي 6/ 350، والخازن 3/ 100.]].
وقال أبو إسحاق: هؤلاء أهل موضع كان ذا شجر [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185 بلفظه.]]، ومعنى (إن) و (اللام) التوكيد، و (إن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة.
الحجر 15:79
قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ قال المفسرون: أخذها الحَرّ أيامًا، ثم اضطرم عليهم المكان نارًا فهَلَكوا عن آخرهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 198 ب، والثعلبي 2/ 150 أ، و"تفسير البغوي" 2/ 389، وابن عطية 8/ 345، وابن الجوزي 4/ 410، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 204، والخازن 3/ 100.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ يعني الأيكة ومدينة قوم لوط [[انظر: "تفسير الطبري" 14/ 48، و"هود الهواري" / 354، وابن الجوزي 4/ 410 وقال: قاله الأكثرون.]].
﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾: لبطريق واضح في قول عامة المفسرين [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 349 عن قتادة، والطبري 14/ 49 عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك.
وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 37، و"تفسير السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أ، والماوردي 3/ 168، و"تفسير البغوي" 2/ 389، والزمخشري ص 18، وابن الجوزي 4/ 410، والفخر الرازي 19/ 204، و"تفسير القرطبي" 10/ 45، وابن كثير 2/ 611.]].
قال الفراء والزجاج: إنما جعل الطريق إمامًا؛ لأنه يُؤَمُّ ويُتَّبع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 91، بنصه، "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185، بنحوه ..]].
وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يَأتَمُّ به حتى يصير إلى الموضع الذي يريد [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 241. بنصمى]].
وقال أبو عبيدة: الإمام كل ما ائتممت [[في جميع النسخ: ما تيممت به، والتصويب من المصدر.]] به واهتديت به [["مجاز القرآن" 1/ 354 بنصه.]]، ومن هذا [قيل] [[زيادة يقتضيها السياق.]] للحبل الذي يَمُدُّه البَنَّاء: الإمام [[انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 347.]].
قوله تعالى: (مُبِينٍ) يحتمل أنه مبين في نفسه، ويحتمل أنه بَيِّنٌ لغيره؛ لأن الطريق يهدي إلى المقصد.
الحجر 15:80
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ قال المفسرون: الحِجْر اسم وادٍ [[في (أ)، (د): (إذا)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.]] كان يسكنه ثمود [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 349، والطبري 14/ 49 عن قتادة، وانظر: "تفسير مقاتل" 1/ 198 ب، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 37 عن قتادة، و"تفسير السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أ، والماوردي 3/ 169 عن قتادة، والطوسي 6/ 351.]].
وقوله تعالى: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس والكلبي وعامة المفسرين: يعني صالحًا وحده [[لم أقف عليه منسوباً، وورد في "تفسير مقاتل" 1/ 198 ب، و"تفسير السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 389، وابن الجوزي 4/ 411، والفخر الرازي 19/ 205، و"تفسير القرطبي" 10/ 46، والخازن 3/ 101.]]، وقال أهل المعاني: من كذَّب نبيه الذي بُعث إليه، فكأنه كذَّب جميع الأنبياء؛ لأنهم مبعوثون بدين واحد، ولا يجوز التفريق بينهم بالتصديق، فعلى هذا يحسن وصفهم بتكذيب المرسلين [[انظر: "تفسير البغوي" 4/ 389، والزمخشري 2/ 318، وابن عطية 8/ 348، وابن الجوزي 4/ 411، و"تفسير القرطبي" 10/ 46، وابن كثير 2/ 612، والبقاعي 4/ 233، وأبي السعود 5/ 87، صديق خان 7/ 191.]].
الحجر 15:81
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد الناقة، فكأن في الناقة آيات؛ لخروجها من الصخرة، ودُنُوِّ نِتَاجِها عند خروجها، وعِظَم خلقها؛ حتى لم تشبها ناقة أخرى، وكثرة لبنها؛ حتى كان يكفيهم جميعًا، إلى غير ذلك مما فيها من الآيات [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 411، و"تنوير المقباس" ص280، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 198 ب، والثعلبي 2/ 150 أ، و"تفسير البغوي" 4/ 389، والفخر الرازي 19/ 205، و"تفسير القرطبي" 10/ 53، والخازن 3/ 101.]]، وأضاف الإيتاء إليهم وإن كانت الناقة آية لصالح؛ لأنها آيات رسولهم، فلو صدقوا بها كانت آيات لهم على من خالفهم.
الحجر 15:82
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ قد ذكرنا نحتهم للجبال في سورة الأعراف [[آية: [74].]].
وقوله تعالى: ﴿آمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد من عذاب الله [["تنوير المقباس" ص 280، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 224، والماوردي 3/ 169، والطوسي 6/ 351، والزمخشري 2/ 318، وابن الجوزي 4/ 412، والفخر الرازي 19/ 205، و"تفسير القرطبي" 10/ 53.]]، وقال الفراء وابن قتيبة: آمنين أن يقع عليهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 91 بمعناه، "الغريب" لابن قتيبة 1/ 241 بلفظه.]].
الحجر 15:84
وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ أي ما دفع عنهم الضر، ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من الأموال والأنعام والثمار [[ورد غير منسوب في: "تفسير الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 368، وابن الجوزي 4/ 412، و"تفسير القرطبي" 10/ 53، وابن كثير 2/ 612، وصديق خان 7/ 192.]].
وقال الكلبي: ما كانوا يعملون [["تنوير المقباس" ص 280 بنحوه.]].
قال المفسرون: أي من أعمالهم القبيحة [[انظر: "تفسير الطبري" 14/ 51، والثعلبي 2/ 150 أ، و"تفسير البغوي" 4/ 389، والخازن 3/ 101، وصديق خان 7/ 192.]].
الحجر 15:85
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد الثواب والعقاب، وقال في قوله: ﴿مَا خَلَقَ الله ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: 5] يريد بالعدل والثواب والعقاب، يفسر ذلك العدل الذي ذكره. قال أهل المعاني: يعني أن الأمم التي ذكرها كفروا بالله وكذبوا رسله فأهلكهم؛ لأنه خلق السموات والأرض بالحق، أي بالعدل، وهو أن يثيب المصدق ويعذب المكذب [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 412، والخازن 3/ 101، والبقاعي 4/ 234.]].
ثم قال لنبيه: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ﴾ قال ابن عباس: يريد عن المشركين. ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾، قال الكلبي: يقول أعرض إعراضًا جميلًا بغير فحش ولا جزع [["تنوير المقباس" ص 280 بنصه، وورد بنحوه وبمعناه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 224، والزمخشري 2/ 318، وابن الجوزي 4/ 412، والفخر الرازي 19/ 206، والبقاعي 4/ 234، وأبي السعود 5/ 88.]]، كأنه يقول: إن القيامة تأتي فَيُجازَوْنَ بقبيح أعمالهم فاصفح الآن.
قال المفسرون: والصفح منسوخ بآية السيف [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 198ب، والطبري 14/ 51 عن قتادة والضحاك ومجاهد وسفيان بن عيينة، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 482 عن ابن عباس وقتادة، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 37، و"تفسير هود الهواري" 2/ 354، والثعلبي 2/ 150 ب، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص 329 عن قتادة، "تفسير الماوردي" 3/ 170، والطوسي 6/ 352، و"تفسير البغوي" 4/ 390، والزمخشري 2/ 318، وابن عطية 8/ 349، وابن الجوزي 4/ 412، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 184 عن مجاهد وقتادة، و"تفسير القرطبي" 10/ 54، وابن كثير 2/ 612، ذكر القائلون بالنسخ في هذه الآية، أنها نُسخت بآيات السيف والقتال وبراءة. ودعوى النسخ بآية السيف -كما مرّ في الدراسة- قد توسع فيها المفسرون، فنسخوا بها كثيرًا من الآيات التي تظهر سماحة الإسلام، ومداراة أهل الكفر والنفاق، والحث على الصبر وتحمل الأذى عند الضعف، ومن ذلك هذه الآية، وفي دعوى نسخها نظر؛ لعدم ثبوته عن الصحابة بطريق صحيح، فلم يَنسبه إلا النحاس إلى ابن عباس، ومع كونه من المبالغين في دعاوى النسخ -كما قال الزرقاني- فقد أورد الخبر بصيغة التمريض، ويؤيد القول ببطلان دعوى النسخ في هذه الآية، أنه لا تعارض بين الدعوة إلى الصفح الجميل والقتال -كما قال الجمل- لأن مورد الآيتين مختلف، فالمسالمة مطلوبة عند الضعف، والمسايفة مطلوبة عند القوة، لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدماً، فانتفاء الحكم لانتفاء علته لا يعد نسخاً، بل حتى مع توفر القوة فإن العفو عند المقدرة والصفح الجميل مع الأعداء خُلق محمود، كما فعل رسول الله -ﷺ- يوم الفتح مع كفار قريش، ولهذا أنكر الفخر الرازي النسخ في هذه الآية، وقال: وقيل هو منسوخ بآية السيف، وهو بعيد؛ لأن المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والعفو والصفح، فكيف يصير منسوخاً؟! انظر: "البرهان في علوم القرآن" 2/ 40 - 43، "تفسير الفخر الرازي" 191/ 206، "حاشية الجمل على الجلالين" 2/ 553، "مناهل العرفان" 2/ 150.]].
الحجر 15:86
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (قال ابن عباس: يريد العلم) [[ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).]] بما خلق [[ورد هذا المعنى غير منسوب في "تفسير البيضاوي" 3/ 173، والخازن 3/ 101، وأبي السعود 5/ 88.]].
الحجر 15:87
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ الآية. اختلفوا في السبع المثاني ما هي؟ فأكثر أهل التفسير والأثر أنها فاتحة الكتاب [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 198 ب، وهود الهواري 2/ 355، و"تفسير السمرقندي" 2/ 224.]]، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة [[أخرجه بلفظه: عبد الرزاق 2/ 350 عن أبي هريرة، والطبري 14/ 55 عن علي وابن مسعود بعدة روايات، والدارقطني 1/ 313 عن علي، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 38 عن علي وأبي هريرة، و"تفسير السمرقندي" 2/ 224 عن علي وابن مسعود، والثعلبي 2/ 150 ب عنهم، والطوسي 6/ 353 عن ابن مسعود، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 195 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن عمر، وزاد نسبته -كذلك- إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن الضريس وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن علي، وزاد نسبته -كذلك- إلى ابن الضريس وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود، وزاد نسبته -كذلك- إلى ابن الضريس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة.]] والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير والربيع والكلبي وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 349 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 56 عنهم ماعدا الضحاك والكلبي، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 38 عن مجاهد وقتادة، و"تفسير الثعلبي" 2/ 150 ب بلفظه عنهم ماعدا قتادة، والماوردي 3/ 170 عن الربيع وأبي العالية والحسن، والطوسي 6/ 353 عن الحسن، و"تفسير البغوي" 4/ 390 عن الحسن وسعيد وقتادة، وابن عطية 8/ 350 عن الحسن، وابن الجوزي 4/ 413 عن الحسن وسعيد ومجاهد وقتادة، الفخر الرازي 19/ 207 == عنهم ماعدا الربيع والكلبي، و"تفسير القرطبي" 10/ 54 عن الحسن وأبي العالية والربيع، الخازن 3/ 101 عن الحسن وسعيد ومجاهد وقتادة، وابن كثير 2/ 613 عن الحسن ومجاهد وقتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 196 وعزاه إلى ابن الضريس عن مجاهد، وزاد نسبته إلى ابن الضريس عن قتادة، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبي العالية.]]، وروي ذلك مرفوعًا أن النبيّ -ﷺ- قرأ الفاتحة فقال: "هي السبع المثاني" [[أخرجه البخاري (4704) كتاب: التفسير، باب: الحجر بنصه، وأبو داود (1457) كتاب: الوتر، باب: فاتحة الكتاب بنحوه، والنسائي: كتاب: الافتتاح، باب: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني بنحوه، والطبري 14/ 58 بنصه بعدة روايات، والدارقطني: كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة 1/ 312 بنحوه، والحاكم: كتاب: التفسير، باب: الحجر (2/ 354) بنحوه، وقال على شرط مسلم، والشعبي 2/ 150 ب. بنصه.]] رواه أبو هريرة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء وسعيد بن جبير [[أخرجه الطبري 14/ 56 بنحوه وبروايتين، من طريق الحجاج عن ابن جريج عن سعيد (صحيحة)، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 350، وابن الجوزي 4/ 413، والخازن 3/ 101، وابن كثير 2/ 613، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 197 ونسبه إلى ابن مردويه من طريق سعيد.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 91.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185.]]، وعلى هذا سميت الفاتحة السبع المثاني لأنها [[في (أ)، (د): (أنها) والمثبت من (ش)، (ع).]] سبع آيات، وهي تُثَنى في كل صلاة؛ تقرأ في كل ركعة، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والربيع [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 151أ، بنصه عنهم، "تفسير السمرقندي" 2/ 224 عن قتادة، والطوسي 6/ 353، عن الحسن، "تفسير البغوي" 4/ 390 عنهم ماعدا الربيع، وابن الجوزي 4/ 413 عن ابن عباس، الخازن 3/ 102 عنهم ماعدا == الربيع، وابن كثير 2/ 613 عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 196 وزاد نسبته إلى البيهقي في الشعب عن ابن عباس [لم أقف عليه]، وزاد نسبته -أيضاً- إلى ابن الضريس عن قتادة.]].
وقال أبو إسحاق: لأنه يثنى بها في كل ركعة مع ما يقرأ من القرآن [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185 بنصه.]]، قال أبو الهيثم أي يجعل اثنين، من قولك: ثَنَيْتُ الشيء ثنيًا؛ أي: عطفته أو ضممت إليه آخر [[لم أقف عليه منسوبًا إليه.
وانظر: (ني) في: "الصحاح" 6/ 2294، "اللسان" 1/ 511، "عمدة الحفاظ" 1/ 333.]]، ومنه يقال لركبتي الدابة ومرفقيه: مثاني؛ لأنها تثنى بالفخذ والعضد [[ورد في "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507 بنحوه.]]، قال امرؤ القيس:
ويَخْدِي على صُمٍّ صِلاَبٍ مَلاَطِسٍ ... شَدِيداتِ عَقْدٍ لَيِّناتِ مَثَانِي [["ديوانه" ص 166، وفيه: (وَيرْدي) بدل (ويَخدي)، (عفر) بدل (عقد)، و (مثان) بدون ياء.
وورد في: "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507، "اللسان" (ثنى) 1/ 516. (ويخدي) من الوخدان، وهو ضرب من السير، (صم صلاب) حوافر صلبة مصمتة، (ملاطس) معاول، شبههما بها لأنها تكسر ما تقع عليه من حجر وغيره، (شديدات عقد): يريد أن حوافره شديدات عقد الأرساغ، (المثاني) المفاصل.]]
ومثاني الوادي مجانبُه ومعاطفُه [[ورد في "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507 بنصه.]]، فالفاتحة وآياتها مثاني؛ لأنها تُثَنَّى في كل صلاة بإعادتها في كل ركعة على قول الأكثرين، وعلى ما قال الزجاج: تثنى بغيرها مما يقرأ معها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185 بنحوه.]]، (وقال بعض أهل المعاني: آيات الفاتحة سميت مثاني؛ لأنها) [[ما بين القوسين من (ش)، (ع) وساقط من (أ)، (د).]] قُسِمَتْ قِسْمَيْن اثنين [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 151 أبنحوه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 413، والفخر الرازي 19/ 207.]]؛ بيانه ما رُوي أن النبيّ -ﷺ-قال: "يقول الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاةَ بَيْنِي وبينَ عَبْدي نِصْفَيْنِ .. " الحديث مشهور [[أخرجه بنصه: مالك في الموطأ [شرح الزرقاني] كتاب: الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام 1/ 175، وأحمد 2/ 285، ومسلم (395): كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة عن أبي هريرة، أبو داود (821) كتاب: الصلاة، باب: من ترك قراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، والترمذي (2953) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومِنْ سورة فاتحة الكتاب، النسائي: كتاب الصلاة، باب: ترك قراءة البسملة في الفاتحة.]].
وقال بعضهم: هي مثاني؛ لأنها قسمان اثنان؛ ثناء ودعاء [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 151ب بنصه، و"تفسير البغوي" 4/ 391، والفخر الرازي 19/ 207، والخازن 3/ 102.]]، وهذا كالقول الأول؛ لأن الذي روي في الخبر أن الله تعالى يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ..) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د) والمثبت من (ش)، (ع).]] معناه هذا، وهو أن المصلي يقرأ الفاتحة ونصفها حق الربوبية من الثناء على الله، ونصفها حظ العبودية من الدعاء والسؤال، وقال الحسين بن الفضل: سميت مثاني؛ لأنها نزلت مرتين اثنتين؛ مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن، ومرة بالمدينة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 151ب بنصه، "تفسير البغوي" 4/ 391، وابن الجوزي 4/ 414، والخازن 3/ 102، الفخر الرازي 19/ 207 بلا نسبة. والقول بنزولها مرتين انفرد به الحسين بن الفضل ولم أقف عليه منسوبًا إلى غيره، والذين ذكروه - بلا نسبة -أوردوه بصيغة التمريض- كما في "تفسير البغوي" 1/ 49، وابن كثير == 1/ 10 وغيرهما- وقد نقل عنه ما يخالف ما انفرد به، ففي أسباب النزول للواحدي (ص 22) قال: وعند مجاهد أن الفاتحة مدنية، قال الحسين بن الفضل: لكل عالم هفوة وهذه بادرة من مجاهد لأنه تفرّد بهذا القول والعلماء على خلافه. والصحيح أن مجاهد لم ينفرد بالقول أنها مدنية، بل روي -كذلك- عن أبي هريرة وعطاء بن يسار والزهري. "تفسير ابن الجوزي" 1/ 10، "تفسير القرطبي"10/ 115، وابن كثير 1/ 10 ولعل الحسين رجع عن القول بأنها نزلت مرتين إلى ما ذهب إليه أكثر المفسرين أنها نزلت بمكة. وهذا هو الراجح لأمرين: أن سورة الحجر مكية بالإجماع، وورد فيها هذه الآية، وما كان الله ليمتنّ على رسوله بإيتائه فاتحة الكتاب وهو بمكة ثم ينزلها بالمدينة. أن الصلاة فرضت بمكة، وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير الفاتحة - كما قال (: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) ولا يصح القول أنه النبى -ﷺ- أقام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة، فهذا مما لا تقبله العقول. انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 21.]].
قال أبو إسحاق: ويجوز -والله أعلم- أن يكون من المثاني: أي مما أُثني به على الله؛ لأن فيها حَمْدَ الله وتوحيدَه، وذِكرَ ملائكته يوم الدين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185 بنصه.]]، المعنى: ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يُثْنَى بها على الله [["تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507 بنصه.]]، وقيل سميت آيات الفاتحة مثاني؛ لأن كلماتها مُثَنَّاة؛ مثل الرحمن الرحيم، إيّاك وإيّاك، الصراط وصراط، عليهم وعليهم [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 151 ب، بنصه، وذكره الطبري 14/ 60 مختصرًا، ونسبه إلى أهل العربية وضعفه، وأورده الماوردي 3/ 170 مختصرًا، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 414، والفخر الرازي 19/ 207، والخازن 3/ 102.]]، وفي قراءة عمر: وغير وغير [[بَيَّنَ ذلك الفخر الرازي 19/ 207 فقال وفي قراءة عمر: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) ولم أقف علي هذه القراءة، ولو ثبتت عنه فهي شاذة، ولعلى من قبيل التفسير.]]، وهذه الآية على هذا القول تدل على فضيلة الفاتحة؛ لأن الله تعالى امتن على رسوله بهذه السورة كما امتن عليه بجميع القرآن، فأما دخول (مِنْ) قال أبو إسحاق: فهي على ضربين تكون للتبعيض من القرآن؛ أي: ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يُثْنَى بها على الله، وآتيناك القرآن النبي، قال: ويجوز (من) للصفة، والمعنى آتيناك سبعًا، هي المثاني كما قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30] المعنى: اجتنبوا الأوثان، لا أنَّ بعضها رِجْسٌ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 185 بتصرف يسير.]].
وقال ابن عباس في رواية مجاهد وسعيد بن جبير: المثاني السبع الطوال [[أخرجه أبو داود (786) كتاب: الصلاة، باب من جهر بها، بنحوه من طريق سعيد، والنسائي: الافتتاح، ولقد آتيناك سبعًا من المثاني 2/ 140 بنصه من طريق سعيد، والطبري 14/ 52، 53 بلفظه بعدة روايات من الطريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 38 من طريق مجاهد.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (11/) بنصه من طريق مجاهد، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 224 من طريق مجاهد.
وأخرجه الحاكم: كتاب: التفسير، الحجر 2/ 355 بنحوه من طريق سعيد، وقال على شرط الشيخين، والثعلبي 2/ 151 ب، بلفظه من الطريقين، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 170، و"تفسير البغوي" 4/ 391 من طريق سعيد، وابن عطية 8/ 350، وابن الجوزي 4/ 414، و"تفسير القرطبي" 10/ 55 من طريق سعيد، والخازن 3/ 102، وابن كثير 2/ 613، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 196 - 197 وزاد نسبته إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس، وزاد نسبته -كذلك- إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد.]]، وهذا قول ابن عمر وسعيد بن جبير في بعض الروايات ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح، وهي سبع سور من أول القرآن؛ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة معًا [["أخرجه الطبري" 14/ 52 عن سعيد بن جبير، وانظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 151 ب، و"تفسير السمرقندي" 2/ 224، والماوردي 3/ 170، وقد اختلف في السورة السابعة؛ فقيل: إنها التوبة والأنفال معًا، وقيل: إنها سورة يونس، وهذان القولان مشهوران، لكنهما لا يسلمان من الاعتراض؛ أما الأول: فلأن كلًّا من الأنفال والتوبة سورة قائمة بذاتها فعدهما سورة واحدة خلاف المعقول، وعدهما سورتين -كما هما- يجعل الطوال ثمانية لا سبعًا، وأما القول الثاني: فيعارض بأن سورة يونس يشبهها سور كثيرة في الطول، بل منها ما هو أطول منها كالنحل، لذلك فالأرجح أن السورة السابعة هي سورة التوبة منفردة أفادني به الدكتور فضل عباس، وقد أشار قبله السخاوي إلى احتمال أنها التوبة - دون مناقشة. انظر: "جمال القُراء" 1/ 34، "البرهان في علوم القرآن" 1/ 244، "الإتقان في علوم القرآن" 1/ 201، "مناهل العرفان" 1/ 345، "المدخل لدراسة القرآن الكريم" ص 328، "إتقان البرهان" لفضل عباس 1/ 448.]] وهذه السور سميت مثاني لأن الفرائض والحدود والأمثال والعبر والأخبار ثُنِّيت فيها، قاله ابن عباس [[ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 171، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 414، الخازن 3/ 102، وورد بلا نسبة في: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 208، "تفسير القرطبي" 10/ 55.]]، وأنكر الربيع هذا القول، فقال: لا أدري كيف يكون هذا القول وهذه الآية نزلت بمكة ولم ينزل من الطِّوَل شيء [[أخرجه الطبري 14/ 55 بنحوه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 208، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 196 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم والبيهقي في "الشعب" عن الربيع، وورد بلا نسبة في: "تفسير القرطبي" 10/ 55، والخازن 3/ 102.]] وقال من نَصَّ [[هكذا وردت في جيمع النسخ بتشديد الصاد، ولعل مقصوده من نصّ على هذا القول؛ أي نصره.]] هذا القول: إن الله تعالى أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا وحكم بإنزاله عليه، فهو من جملة ما آتاه وإن لم ينزل عليه بعد [["تفسير الفخر الرازى" 19/ 208، "تفسير القرطبي" 10/ 55، والخازن 3/ 102.]].
وروي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: المثاني السور التي هي دون الطِّوَل والمئين، وفوق المُفَصَّل [[لم أقف عليهم.]]، واختار أبو الهيثم هذا القول، قال: روي ذلك عن رسول الله -ﷺ- ثم عن ابن مسعود وعثمان وابن عباس [[ورد في "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507 بنصه.]]، يدل على صحة هذا ما روى ثوبان أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوارة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل" [[أخرجه أحمد 4/ 107 بنصه، عن واثلة بن الأسقع، وأبو داود الطيالسي ص 136 بنحوه، وأخرجه "الطبري" 1/ 44 بنصه، من طريقين عن أبي قلابة وعن واثلة، وأخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" 2/ 154 بنحوه عن واثلة، وأخرجه الطبراني في "الكبير" 22/ 75 بنصه، من طريقين عن واثلة، وأخرجه الثعلبي 2/ 151ب بنصه، عن ثوبان، وأورده الزركشي في "البرهان" 1/ 244، وقال هو حديث غريب -ولا يقصد الغرابة الاصطلاحية؛ لوروده من عدة طرق- قال: وفيه سعيد بن بشير لين، وأورده الهيثمي في "المجمع" 7/ 46 عن واثلة وعزاه إلى أحمد وقال فيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات، وأورده - كذلك 7/ 158 عن أبي أمامة وعزاه إلى الطبراني، وقال: وفيه ليث بن أبي سليم وقد ضعفه جماعة ويعتبر بحديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد ذكر أحمد شاكر أن رواية أبي قلابة مرسلة، وتوقف في رواية واثلة، والحديث ضعيف في كل طرقه، لكنه ضعف منجبر كما أشار الهيثمي، وقد حسن الألباني رواية أحمد؛ حيث تابع عمران، سعيد بن بشير، وقال: الحديث صحيح بمجموع طرقه. انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1480).]]، والقول في تسمية هذه السورة [[أي سورة الفاتحة.]] مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني [[وهو قول ابن عباسٌ، وقد أنكره الربيع.]].
وقال ابن عباس في رواية عطية: القرآن كله مثاني [[أخرجه الطبري 14/ 57 بنحوه من طريق العوفي (غير مرضية)، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أبلفظه، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 209 عن ابن عباس وطاوس، و"تفسير القرطبي" 10/ 55.]] وهو قول طاوس [[انظر: المصادر السابقة، و"تفسير البغوي" 4/ 392، وابن الجوزي 4/ 414، والخازن 3/ 102.]] وأبي مالك [[انظر: المصادر السابقة، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 414.]]، ودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: 23]، فَسمَّى القرآن كله مثاني، قال أبو عبيد [[في جميع النسخ أبو عبيدة، والمثبت هو الصحيح، وهو: أبو عبيد القاسم بن سلاَّم الهروي (ت 224) صاحب الغريب.]]: وسُمِّي القرآن مثاني لأن الأنباء والقصص ثُنِّيت [[في جميع النسخ: بُيِّنَتْ، والمثبت هو الصحيح.]] فيه [[غريب الحديث له 1/ 443 بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 506 بنصه، ويبدو أنه اقتبسه من التهذيب للتطابق، وورد بلا نسبة في: "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أ، و"تفسير البغوي" 4/ 392، الخازن 3/ 102.]]، وعلى هذا القول المراد بالسبع، أقسام القرآن، وهي سبعة أسباع، فالقرآن سبعة أقسام [[ورد بنحوه في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أ، والماوردي 3/ 171، انظر: "تفسير البغوي" 4/ 392، وابن الجوزي 4/ 415، والفخر الرازي 19/ 209، و"تفسير القرطبي" 10/ 55. وهذه الأقسام قد أشار إليها العلماء عند حديثهم عن نزول القرآن على سبعة أحرف، يقول أبو شامة: هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، أنزله الله على هذه الأصناف، لم يقتصره على صنف واحد منها كغيره من الكتب. وقد اختلف كثيرًا في ماهية هذه الأقسام، فذكر السيوطي نقلاً عن ابن النقيب عن ابن حبان سبع عشرة قولاً، وأشهر هذه الأقوال أنها تدور حول: الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحلال والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمثال. انظر: "البرهان في علوم القرآن" 1/ 216، "الإتقان في علوم القرآن" 1/ 274 - 277، "الأحرف السبعة" لعتر ص 137.]]، ويجوز أن يكون المراد بالسبع الفاتحة؛ لأنها سبع آيات من القرآن الذي هو مثاني [[وهذا القول اختاره الطبري، وهو قول ابن عباس ومجاهد وطاوس وأبي مالك. "تفسير الطبري" 14/ 57.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ على هذا القول هوالسبع المثاني، إلا أنه أدخل الواو فيه لاختلاف اللفظين [[لعل توجيه الزمخشري أحسن؛ إذ قال: فإن قلت كيف صحّ عطف القرآن العظيم على السبع؟ وهل هو إلا عطف الشيء على نفسه؟! قلت: إذا عُني بالسبع الفاتحة أو الطوال فما وراءهن ينطلق عليه اسم القرآن؛ لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل، ألا ترى إلى قوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ يعني سورة يوسف، وإذا عَنَيْت الأسباع فالمعنى: ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم؛ أي الجامع لهذين النعتين؛ وهو الثناء أو التثنية والعظم. "تفسير الزمخشري" 2/ 319، وهناك توجيهات أخرى، انظرها في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 416.]]، كقوله [[سبق عزوه.]]:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَام ... ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ
وقد ذكرنا نظائر هذا كثيرًا.
الحجر 15:88
قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ الآية. قال ابن عباس: نهى الله رسوله عن الرغبة في الدنيا، فحظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها [[أخرجه الطبري 14/ 61 بمعناه من طريق العوفي (غير مرضية)، وورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 370 بنصه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 614، و"الدر المنثور" 4/ 197 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، وقال في رواية عطاء: ولا تتمنّ ما فضلنا به أحدًا من متاع الدنيا، ولا يقع في قلبك حلاوتها ولا شيء من زينتهم [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 210.]]، فدل هذا التفسير على أن المراد بنهيه من مد العين نهيه عن التطلع إليه رغبة فيه، وإنما يكون مادًا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إلى الشيء يدل على استحسانه وتمنِّيه، ولهذا فسره ابن عباس بالنهي عن التمني، فكان -ﷺ- لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا، حتى رُوي أنه نظر إلى نَعَم بني المُصْطَلِق [[قبيلة بني المصطلق بطن من خزاعة، من القحطانية، وهم بنو المصطلق، واسمه جَذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة، وقد غزاهم النبي -ﷺ- في شعبان سنة ست من الهجرة، ولقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع، فهزمهم الله، وقُتل من قُتل، ونفل رسول الله -ﷺ- أبنائهم ونسائهم وأموالهم، فأفائهم عليه. انظر: "الروض الأنف" 4/ 6، "معجم قبائل العرب" 3/ 1104.]] وقد عَبِست في أبوالها وأبعارها، (فَتَقَنَّع بثوبه وقرأ هذه الآية) [[ورد في: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 380 بنحوه، و"تهذيب اللغة" (عبس) 3/ 2307 بنصه، وانظر: "النهاية" لابن الأثير 3/ 171، "الدر المنثور" 4/ 197 وزاد نسبته إلى ابن المنذر، "تفسير الألوسي" 14/ 81.]]، قال أهل المعاني: وذلك أن يجف أبعارُها وأبوالُها على أفخاذها إذا نزلت من العمل أيام الربيع، فيكثر شحومُها ولحومُها وهي أحسن ما تكون [[ورد بنحوه في: غريب الحديث 1/ 380، و"تهذيب اللغة" (عبس) 7/ 2303، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 210 بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ قال الزجاج: أي أمثالًا في النِّعَم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بنصه.]]، يعني أن الأغنياء بعضهم أمثال بعض في الغنى والنعمة فهي أزواج، وقال ابن قتيبة: أي أصنافًا منهم [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 241 بلفظه.]]، والزوج في اللغة الصنف [[انظر: (زوج) في: "المحكم" 7/ 365، و"اللسان" 3/ 1886.]]، وقد ذكرنا ذلك؛ يعني أصناف الكفار من المشركين واليهود وغيرهم، وقال المفضل: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي رجالا ونساءً أغنيناهم، فلا تمدنّ عينيك إلى ما أعطيناهم [[لم أقف عليه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما فاتك من الدنيا، قال أهل المعاني: معناه: لا تحزن لما أنعمت عليهم دونك، وقال الحسن: لا تحزن عليهم بما يصيرون إليه من العذاب بكفرهم [[ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الماوردي" 3/ 171، "تفسير القرطبي" 10/ 57.]]، ونحو هذا قال الكلبي: لا تحزن على كفار قريش إن لم يؤمنوا ونزل بهم العذاب [[انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 370 بنصه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 225، وابن الجوزي 4/ 416.]]، ثم نزل يوم بدر.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخفض معناه في اللغة: نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في صفة القيامة: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: 3] أي: أنها تخفض أهلَ المعاصي وترفع أهلَ الطاعة [[انظر: "تهذيب اللغة" "خفض" 1/ 1066 بنصه.]]، فالخفض معناه الوضع، والجناح من الإنسان يده، قال الليث: يد الإنسان جناحاه [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 211.]]، ومنه قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: 32] والعرب تقول: فلان خافض الجناح، وخافض الطير، إذا كان وقورًا ساكنًا [[ورد في "تهذيب اللغة" (خفض) 1/ 1066 بنصه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 57.]] ومعنى الآية: كأنه يقول لِن واسْكُنْ لهم.
قال ابن عباس: يقول: ألِن لهم الموعظة وارفق بهم ولا تغلظ عليهم [[انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 370 بنحوه، وابن الجوزي 4/ 416، و"تنوير المقباس" ص 281 بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 199 أ، والطبري 14/ 61، والثعلبى 2/ 152 أ.]].
وقال الزجاج: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾: ألِن جانبك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بلفظه.]]، ونحوه قال المفضل [[لم أقف عليه.]]، فعلى هذا جناح الإنسان جانبه، ومنه قوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: 22] والعرب تقول: فلان لين الجانب، إذا كان سهل الخلق منبسطًا، كما تقول في ضده: فلان منيع الجانب، ومنه قوله: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت: 51]
الحجر 15:89
قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد أُنذركم سطواتِ اللهِ وسخطه وعذابه، وأبين لكم ما يقربكم إلى الله ويبعدكم من الله.
الحجر 15:90
﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ اختلفوا في المقتسمين من هم؟ فقال ابن عباس في رواية عطاء: هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن رسول الله ﷺ- والإيمان به، وهم ما بين ثمانية وثلاثين إلى الأربعين [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 211.]]، وقال مقاتل بن سليمان: كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا عِقابَ [[العَقَبَة: طريق وعر في الجبل، والجمع عَقَب وعِقاب. انظر: (عقب) في "جمهرة اللغة" 1/ 364، "المحيط في اللغة" 1/ 197.]] مكة وطرقها، يقولون لمن سلكها: لا تغتروا بالخارج منا والمدعي النبوة فإنه مجنون، فكانوا يُنَفّرون النُزَّاعَ إليه بأنه ساحر وأنه كاهن وأنه شاعر [["تفسير مقاتل" 1/ 199 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أ، بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء 2/ 91، ومعظم الذين ذكروا هذا القول نسبوه للفراء، ومقاتل سابق للفراء.]]، وهذا القول اختيار الفراء قال: سُمُّوا مقتسمين لأنهم اقتسموا طُرُقَ مكة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 92 بنصه.]]، فأنزل الله بهم جَرَبًا فماتوا شر ميتة، وقال في معنى الآية: يقول: أنذرتكم ما نزل بالمقتسمين، قال صاحب النظم المعنى: إني أنذرتكم ما أنزلناه على المقتسمين [[وهو كقول الفراء؛ قال: يقول أنذرتكم ما أُنزل بالمقتسمين 2/ 91.]]، وتكون الكاف زائدة؛ وزيادة الكاف قد توجد في مواضع من الكلام [[انظر: التعليق على القول بالزيادة في القرآن، عند الآية [10] من سورة إبراهيم.]]؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وقول رُؤبة:
لَوَاحِقُ الأقْرَابِ فيها كالمَقَقْ [["ديوانه" ص 106، وورد في: "سر صناعة الإعراب" 1/ 295، "شرح ابن عقيل" 3/ 26، "شرح شواهد المغني" 2/ 764، و"الخزانة" 1/ 89، وبلا نسبة في "المقتضب" 4/ 418، و"المسائل البغداديات" ص 400، و"الإنصاف" ص 257، "شرح الأشموني" 2/ 409، (اللواحق) جمع لاحقة، وهي الهزيلة الضامرة، (الأقراب) جمع قُرْب؛ وهي الخاصرة، (المقق) هو الطُّولُ، وقيل الطول الفاحش في دقة، والمعنى: هذه الخيول أو الأُتن خماص البطون، قد أصابها الهزال وضمرت بطونها مع ما بها من طول فاحش.
والشاهد: (كالمقق) حيث جاءت الكاف زائدة، لا تدل على معنى التشبيه، إذ المقق: الطول، ولا يقال في الشيء كالطُّول، وإنما يقال: فيه طُول. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 292، "الانتصاف من الإنصاف" بهامشه 1/ 300.]]
قال النحويون: الكاف التي هي حرف جار قد تكون زائدة مؤكدة بمنزلة الباء في خبر ليس [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 291 بنصه، "المقتضب" 4/ 418، "شرح ابن عقيل" 3/ 26.]]، وذكر صاحب النظم وجهًا آخر، هو أن يكون التأويل: ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾: عذابًا ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾، وعلى هذا: المفعول محذوف وهو المشبه، ودل عليه المشبه به، وهذا كما تقول في الكلام: رأيت كالقمر في الحُسْنِ [[نقل الفخر الرازي قول صاحب النظم وتوضيح الواحدي له بنصه دون عزو. "تفسير الفخر الرازي" 19/ 212.]]، أي: رجلاً، وما تريد [[يقصد تقديره: رجلاً أو ما تريد أن تقدّره.]]. وقال ابن عباس في رواية أبي ظبيان: (المقتسمين) هم اليهود والنصارى [[أخرجه البخاري (4705) التفسير، كتاب: الحجر، باب: قوله تعالى ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ بنصه، والطبري 14/ 61 بنصه، وورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 43، و"تفسير هود الهواري" 2/ 356، والثعلبي 2/ 152 أ، والماوردي 3/ 172، والطوسي 6/ 354، و"تفسير البغوي" 4/ 393، وابن عطية 8/ 355، وابن الجوزي 4/ 417، والفخر الرازي 19/ 212، و"تفسير القرطبي" 10/ 58، والخازن 3/ 103.]].
واختلفوا لم سُمّوا مقتسمين؟ قال ابن عباس في هذه الرواية: لأنهم جعلوا القرآن عضين؛ آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.
وقال عكرمة: لأنهم اقتسموا القرآن استهزاءً به، فقال بعضهم سورة كذا لي، وقال بعضهم سورة كذا لي [["أخرجه الطبري" 14/ 62 بنحوه، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أ، بنحوه، والماوردي 3/ 172 بنحوه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 355، وابن الجوزي 4/ 417، و"تفسير القرطبي" 10/ 58، والخازن 3/ 103.]].
وقال مجاهد: لأنهم قسموا كتابهم فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه [["أخرجه الطبري" 14/ 63 بنحوه، ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 225 لكنه قال: فرقوا القرآن، والصحيح كما في كل الروايات فرقوا كتبهم، والثعلبي 2/ 152أبمعناه، والماوردي 3/ 172 بمعناه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 355، وابن الجوزي 4/ 417، والخازن 3/ 103.]].
وقال مقاتل بن حيان: أقتسموا القرآن؛ فقال بعضهم: سحر (وقال بعضهم: شعر) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] وقال بعضهم: كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أبنصه، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 212 بنصه.]].
وقال ابن زيد: المقتسمون هم قوم صالح تقاسموا، من القَسَم لا من القِسْمة [["أخرجه الطبري" 14/ 63 بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أبنحوه، والماوردي 3/ 172 بمعناه، والطوسي 6/ 354 بمعناه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 355، وابن الجوزي 4/ 418، والفخر الرازي 19/ 212، و"تفسير القرطبي" 10/ 58، وابن كثير 2/ 614.]]، ونحوًا من هذا قال ابن قتيبة؛ جعل المقتسمين: الذين تحالفوا على تكذيب محمد -ﷺ-وأن يذيعوا ذلك [بـ] [[إضافة يقتضيها السياق؛ كما في المصدر.]] كل طريق [["الغريب" لابن قتيبة ص 241 بنصه.]]، كما ذكرنا في القول الأول [[وقد لخّص الطبري الأقوال الواردة في المقتسمين، فقال: هم قوم صالح أو أهل الكتاب أو كفار قريش، ثم ذكر أن النص محتمل لأي من الفرق الثلاث ما دام أنه لم يخصص، فوجب حمله على كل من اقتسم كتابًا لله بتكذيب بعض وتصديق بعض. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 63 - 64]].
الحجر 15:91
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ من صفة المقتسمين، إلا على قول ابن زيد، فإنه يكون ابتداءً وخبره في (لنسألنهم)، وذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين، أحدهما: أن واحدها عِضَة؛ مثل: عزة ونزة وثبة، وأصلها عِضْوة من: عضَّيتُ الشيء، إذا فرَّقته [[انظر: (عضه) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2477، "الصحاح" 6/ 2241، "عمدة الحفاظ" 3/ 11، "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب.]]، وكل قطعة عضة، وهي مما نقص منها واوٌ؛ وهي لام الفعل -مثل قِلَة وعِزَة- وبابها، والتعضية التجزئة والتفريق، ورواه أبو ظبيان عن ابن عباس في عضين ما ذكرناه في المقتسمين، ويقال: عضيت الشاة والجزور تعضية، إذا جعلتها أعضاءً وقسمتها.
وفي الحديث: "لا تَعْضية في ميراثٍ إلا فيما حمل القَسْمَ" [[أخرجه الدارقطني كتاب: الأقضية والأحكام، باب: المرأة تقتل إذا ارتدت 4/ 219 بنحوه بروايتين عن أبي بكر، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب: آداب القاضي، باب: مالا يحتمل القسمة 10/ 133 بنحوه بروايتين، وورد في "النهاية" 3/ 256، و"الكنز" 11/ 9، والحديث ضعيف كما قال الشافعي: قال ولا يكون مثل هذا الحديث حجة لأنه ضعيف، وهو قول من لقينا من فقهائنا، وقال البيهقي: وإنما ضعفه لانقطاعه، وهو قول الكافة، وعلة أخرى أن الحديث يدور على صديق بن موسى، وهو ليس بحجة كما في "الميزان" 3/ 28، وقد أشار إلى ذلك الآبادي في ذيل "سنن الدارقطني" 4/ 219.]] أي: لا تجزئة فيما [لا]، [[في جميع النسخ بدوك (لا)، ولا يستقيم المعنى إلا بها؛ لأن المراد النهي عن تفريق ما يكون تفريقه ضررًا علي الورثة؛ كأن تقسم جوهرة نفيسة أو ثوب نفيس فتنقص بذلك قيمته.]] يحتمل القَسْم؛ كالجوهرة والسيف وغيرهما، وهذا معنى قول المفسرين وأكثر أهل المعاني؛ قال ابن عباس في قوله: {جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} يريد جَزَّؤُوهُ أجْزاءً، فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولمِن، وقالوا: مفترى [[أخرجه البخاري (4705) كتاب: التفسير، باب: الحجر بنحوه عن ابن عباس، والطبري 14/ 64 - 66 عنهما بنحوه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 225 عنهما، والحاكم: كتاب: التفسير، باب: الحجر 2/ 355 بنحوه، والماوردي 3/ 173 عن ابن عباس، والطوسي 6/ 354 عن قتادة، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 418 عنهما، و"تفسير القرطبي" 10/ 59، والخازن 3/ 103، وابن كثير 2/ 614، و"تنوير المقباس" ص 281، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 198 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس.]]، وهذا قول قتادة واختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بنحوه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 419.]] وأبي العباس [[لم أقف عليه.]] وأبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 355 بمعناه.]]، ولكون المعنى على هذا: جعلوا القول في القرآن عضين حين اختلفت أقوالهم وتفرقت في وصف القرآن.
القول الثاني: أنها عِضَة، وأصلها عِضْهة، فاستثقلوا الجمعَ بين هاءين، فقالوا: عِضَة؛ كما قالوا: شَفَة والأصل شَفْهة [[انظر: (عضة) في "تهذيب اللغة" 3/ 2478، مجمل اللغة 2/ 673، "الصحاح" 6/ 2241، "شرح الفصيح" للزمخشري 2/ 611، "عمدة الحفاظ" 3/ 111، "تفسير الطبري" 14/ 65، الثعلبي 2/ 152ب.]]، بدليل قولك: شافهت مشافهة، وسَنَة وأصلها سَنْهة في أحد القولين [[ذكر أبو علي الفارسي أن لام الكلمة المحذوفة يجوز أن تكون واوًا أو هاءً، لقولهم في (سنة) (أسْنَتُوا) -أجدبوا- ومنها؛ (سنوات)، أصلها واو، وفي قولهم: (ساناه) -عامله بالسنة- ومنها: (نخلة سَنْهاء) -أصابتها السنة- أصلها هاء، وقولهم في (عضه): (عِضوات) أصلها واو، وفي قولهم: (عِضاه، وبعير عاضه، وناقة == عاضهة) أصلها هاء. انظر: "المسائل الحلبيات" ص 345، "المسائل البغداديات" ص 158، "سر صناعة الإعراب" 1/ 418، "المحكم" (عضه) 1/ 59.]]، وعلى هذا؛ الهاء لام وهي من العضة بمعنى الكذب، ومنه الحديث: "إيَّاكم والعِضَة" [[جزء من حديث طويل يتكون من عدة فقرات، كهجر المسلم، والصدق والكذب، وأحسن الكلام .. ، وقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف: باب القدر 11/ 116 بنصه، والطبراني في "الكبير" 9/ 98 بنصه، قال محقق "المعجم الكبير": (قال شيخ الإسلام في إقامة الدليل ص 59: رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم بأسانيد جيدة إلى محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن الأحوص عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله -ﷺ- قال .. فذكره، وهذا إسناد جيد، لكن المشهور أنه موقوف على ابن مسعود. وأفاد كذلك المحقق أن الألباني ضعفه - دون أن يذكر أين. وورد برواية: ألا أُنبِّئكم ما العَضْه؟ هي النميمةُ القالةُ بين الناس)، أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم النميمة.]].
وقال ابن السكيت: العَضِيْةُ أن يَعْضِه الإنسانَ ولقول فيه ما ليس فيه [[إصلاح المنطق ص 353 بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477 بنصه، وفيهما: (العَضِيْهَةُ) بدل (العضية).]]، وهذا معنى قول عكرمة واختيار الكسائي [[انظر: "تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477، "تفسير ابن عطية" 8/ 356.]]، وقول الخليل فيما روى عنه الليث [[كتاب "العين" 1/ 99 بمعناه.]]. قال عكرمة: العضه السحر بلسان قريش، وهم يقولون للساحر: عاضِه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 350 بنصه، والطبري 14/ 66 بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 43، و"تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477 بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 173، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 320، وأبن عطية 8/ 357، وابن الجوزي 4/ 419، وابن كثير 2/ 614، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 198 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.]].
وقال ابن الأعرابي: العضة والتُّوَلة [[التُّولة والتِّوَلة: شيءٌ يُشبه السحر، يُحببُ المرأة إلى زوجها. "المحيط في اللغة" (تول) 9/ 462.]] السحر [[لم أقف عليه.]]. وذكر الفراء القولين جميعًا في المصادر والمعاني [["معاني القرآن" للفراء 2/ 92 مختصرًا، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 213 نقلهما عن الواحدي بنصه بلا نسبة.]]، وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ جعلوه سحرًا مفترى، وجمعت العضة جمع ما يعقل لِمَا لحقها من الحذف؛ فجعل الجمع بالواو والنون عوضًا مما لحقها من الحذف، وقد ذكرنا شرح هذا عند قوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ [[واحد الثُبات: ثُبَةٌ، انظر: " لغريب" لابن قتيبة 1/ 127، "تهذيب اللغة" (ثاب) 1/ 465، "عمدة الحفاظ" 1/ 317.]] [النساء: 71] وفي جمع أرض [[لم أقف على الآية التي أشار أنه تعرض فيها لجمع أرض، وقد جمعت (أرضون)، والقياس يقتضي جمعها (أرضات) لأنها مؤنث، فلما حذفت الهاء -أي من أرضة- عوضوا عنها في الجمع بالواو والنون، فقالوا (أرضون) وفتحوا الراء في الجمع ليدخل الكلمة ضرب من التغيير تميزًا لها لمخالفة الأصل، وليعلم أن سبيلها لو جمعت بالتاء أن يفتح راؤها، فيقال: (أرَضات). انظر: "شرح المفصل" 5/ 5.]].
قال الفراء: ومن العرب من يجعلها بالياء على كل حال، ويعرب نونها فيقول: عِضِينُك، ومررت بعِضِينِك، وأنشد: [[البيت للصمة بن عبد الله القُشَيْري ت 95 هـ.]]
دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سِنينَه .... لَعِبْنَ بَنا شِيبًا وشيَّبْنَنَا مُرْدا [[ورد في:"تكملة الإيضاح" العضدي ص 207، "شرح شواهد الإيضاح" ص 597، "شرح المفصل" 5/ 11، "شرح التصريح" 1/ 77، "الخزانة" 8/ 58، وورد بلا == نسبة في "المخصص" 9/ 66، "الاقتضاب" ص 193، "أمالي ابن الشجري" 2/ 261، "اللسان" (نجد) 7/ 4346، (سنه) 4/ 2127، "أوضح المسالك" ص 14 (صدر)، "شرح ابن عقيل" (1/ 65، وفي بعض هذه المصادر (ذراني) بدل (دعاني)، والمعنى واحد، وهو أمر ومعناه: اتركاني من ذكر نجد، (سنينه): جمع سنة، وهي هنا إما بمعنى العام وإما بمعنى القحط. (شِيباً): جمع أشيب، وهو الذي ابيضَّ شعره، (مُردًا) جمع أمرد، وهو الذي لا شعر بعارضيه. والشاهد قوله: (سِنينَه) بإثبات النون ولم تسقط للإضافة، وعلامة نصبه الفتحة لا الياء وإلا لقال: (سِنِيْه) بحذف النون للاضافة وهذه لغة بني عامر، فإنهم يعربون المعتل اللام بالحركات الثلاث على النون مع لزوم الياء؛ لأنها أخف عليهم، ولأن النون قامت مقام الذاهب من الكلمة، ولو كان الذاهب موجودًا لكان الإعراب فيه كسائر المفردات، وكذلك يكون ما قام مقامه. انظر: "شرح التصريح على التوضيح" 1/ 77.]] قال وأنشدني بعضُ بني أسد [[لم أقف على القائل، وفي المصدرين -الذين وقفت عليهما- نُسب إلى الفراء.]]:
مِثْل المَقَالِي ضُرِبَتْ قُلِينُها [[ورد في: "تهذيب اللغة" (قلا) 3/ 3025، "اللسان" (قلا) 6/ 3732، القُلَة والمِقْلَى والمِقلاء: عودان يلعب بهما الصبيان، فالمِقلى العود الكبير الذي يُضرب به، والقُلَة الخشبة الصغيرة التي تُنصب، وهي قَدر ذراع، وجمع المقلى المقالي، الشاهد: (قُلِينُها) حيث جعل النون كالأصلية فرفعها، وذلك على التوهم، ووجه الكلام فتح النون لأنها نون الجمع.]]
قال وإنما يجوز هذا فيما نقص لامها؛ لأنهم توهموا أن النون أصلية وأن الحرف على فعيل، ألا ترى أنهم لا يقولون هذا في الصالحين والمسلمين! وكذلك قولهم: الثبات واللغات، ربما أعربوا التاء منها بالنصب والخفض فيتوهَّمون أنها هاء وأن الألف قبلها من الفعل، وأنشد [[البيت لأبي ذؤيب الهذلي (جاهلي).]]: إذا ما جَلاَهَا بالإِيَام تَحَيَّزَتْ ........ ثُبَاتًا عليها ذُلُّها واكْتِئَابُها [["ديوان الهذليين" ص 79، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 53 وفيهما برواية: (فلمِّا اجتلاها)، وورد في: "أدب الكاتب" ص 441، "جمهرة اللغة" 1/ 248، 3/ 1334 وفيهما (ثباتٍ) بكسر التاء، "المنصف" 3/ 63، "المحتسب" 8/ 111، الاقتضاب ص 403، "شرح الجواليقي" ص 226، "اللسان" (أيم) 1/ 192، وورد بلا نسبة في: "الخصائص" 4/ 303، "المخصص" 8/ 182، 40/ 11، "شرح المفصل" 5/ 4.
(اجتلاها): كشفها وأبرزها وأخرجها، (الإِيام): الدُّخان؛ وجمعُه أُيُم، وآمَ الدُّخانُ يَئيم إياماً: دخَّن، وآمَ الرجُلُ إيامًا إذا دَخَّن على النَّحْل ليَخرج من الخلِيَّة فيأخذ ما فيها من العسل، وقيل: الإيامُ: عُود يجعل في رأسه نارٌ ثم يُدخَّنُ به على النحل ليُشْتارَ العَسَلُ، (تحيزت): اجتمع بعضها إلى بعض، ويقال: تفرَّقت؛ صارت فِرقًا في كلِّ حيّز شيء، وُيروى (تحيرت) من الحَيرة؛ أي بقيت لا تدري إلى أين تذهب، (ثبات): جمع ثُبَةٍ؛ وهو القطعة من القوم ومن كل شيء، (الاكتئاب): الحزن. والشاهد: (ثباتًا) حيث نُصبت بالفتحة وحقها الكسرة -كما هو الأصل في جمع المؤنث السالم- وحجة من نصبها أن لام الكلمة محذوف ولم تُرَد إليه في الجمع كما حكى الكسائي: سمعت لغاتَهم بفتح التاء؛ لأن أصل ثُبَةٍ ثُبْوَة، وأصل لُغَة لُغْوَة.
انظر: "شرح المفصل" 5/ 8.]]
ولا يجوز ذلك في: الصالحات والأخوات؛ لأنها تامة لم يُنقص من واحدها شيء، قال وما كان من حرف نُقِص من أوّله مثل: زِنة ولِدة [[ساقطة من (د)، ولِدَةُ الرجل: تِرْبُهُ، قال الجوهري: والهاء عوضٌ من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة، وهما لِدَان، والجمع لِداتٌ ولِدُون.
انظر: (ولد) في "المحيط في اللغة" 9/ 357، "الصحاح" 2/ 554، "اللسان" 8/ 4915.]] ودِية فإنه لا يقاس على هذا؛ لأن نقصه من أوَّله لا من لامه، فما كان منه مؤنَّثًا أومذكَّرًا فأجْرِه على التمام؛ مثل: الصالحين والصالحات، تقول: (رأيت لِدَاتِك) [[ما بين القوسين كتب على هامش أ.]] [ولِدِيكَ] [[ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في المصدر.]] ولا تقل [[في جميع النسخ: (ولا هتك) ولم يتبين لي معناها، ولعلها من تصحيفات النساخ، والتصويب من المصدر.]]: لِدِينَك، ولا: لِداتَك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 92 - 93 وهو نقل طويل نقله بتصرف واختصار.]].
الحجر 15:92
قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: عما كانوا يفترون ثم أجازيهم بأعمالهم [[وهذا القول أولى الأقوال، لكونه عامًا وشاملًا لجميع الافتراءات والمعاصي غير مقيد بنوع من المعاصي كما ذكر بعضهم.]]، وقال الكلبي: عن ترك لا إله إلا الله والإيمان برسله [[انظر: تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 371، وورد في "تنوير المقباس" ص 281 بنصه، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 225.]].
قال أهل المعاني: وهذا السؤال توبيخ وتقريع، يُسألون يوم القيامة فيقال لهم: لم عضيتم القرآن وما حجتكم في ذلك؟ فيظهرُ خِزيُهم وفضيحتُهم عند تعذر جواب يصح [[ورد بنصه تقريبًا في: تفسيره "الوسيط" تح: سيسي 2/ 371، والطوسي 6/ 355، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 419.]]، وهذا معنى قول ابن عباس فيما روى عنه الوالبي في الجمع بين هذه الآية وبين قول: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 39] قال: لا يُسألون سؤال استفهام؛ لأنه علم ما عملوا، ولكن يُسألون سؤال تقريع؛ فيقال لهم: لم عملتم كذا وكذا [["أخرجه الطبري" 14/ 67 بنحوه، من طريق علي بن أبي طلحة (صحيحة)، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152ب بنحوه، "تفسير البغوي" 4/ 394، وابن عطية 8/ 358، وابن الجوزي 4/ 420، و"تفسير القرطبي" 10/ 61، والخازن 3/ 104، وابن كثير 2/ 615، رأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم == والبيهقي في البعث، وروي عن ابن عباس توفيقاً آخر للآيتين؛ هو أن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف، فيسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها. انظر: "تفسيرالخازن" 3/ 104، ونُسب لعكرمة في: "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 1/ 497، والصحيح أن عكرمة رواه عن ابن عباس، كما في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب، وورد غير منسوب في: "كشف المعاني في المتشابه من المثاني" ص 224، "فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن" ص300.]]؟ فقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ أي: سؤال استعلام واستخبار، (وقوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ أي سؤال تقريع وتوبيخ، وهذا قول قطرب) [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152ب، بنصه تقريباً، "تفسير البغوي" 4/ 394 - 395، "تفسير القرطبي" 10/ 61، الخازن 3/ 104.]] [[ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).]].
الحجر 15:93
قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: عما كانوا يفترون ثم أجازيهم بأعمالهم [[وهذا القول أولى الأقوال، لكونه عامًا وشاملًا لجميع الافتراءات والمعاصي غير مقيد بنوع من المعاصي كما ذكر بعضهم.]]، وقال الكلبي: عن ترك لا إله إلا الله والإيمان برسله [[انظر: تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 371، وورد في "تنوير المقباس" ص 281 بنصه، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 225.]].
قال أهل المعاني: وهذا السؤال توبيخ وتقريع، يُسألون يوم القيامة فيقال لهم: لم عضيتم القرآن وما حجتكم في ذلك؟ فيظهرُ خِزيُهم وفضيحتُهم عند تعذر جواب يصح [[ورد بنصه تقريبًا في: تفسيره "الوسيط" تح: سيسي 2/ 371، والطوسي 6/ 355، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 419.]]، وهذا معنى قول ابن عباس فيما روى عنه الوالبي في الجمع بين هذه الآية وبين قول: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 39] قال: لا يُسألون سؤال استفهام؛ لأنه علم ما عملوا، ولكن يُسألون سؤال تقريع؛ فيقال لهم: لم عملتم كذا وكذا [["أخرجه الطبري" 14/ 67 بنحوه، من طريق علي بن أبي طلحة (صحيحة)، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152ب بنحوه، "تفسير البغوي" 4/ 394، وابن عطية 8/ 358، وابن الجوزي 4/ 420، و"تفسير القرطبي" 10/ 61، والخازن 3/ 104، وابن كثير 2/ 615، رأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم == والبيهقي في البعث، وروي عن ابن عباس توفيقاً آخر للآيتين؛ هو أن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف، فيسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها. انظر: "تفسيرالخازن" 3/ 104، ونُسب لعكرمة في: "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 1/ 497، والصحيح أن عكرمة رواه عن ابن عباس، كما في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب، وورد غير منسوب في: "كشف المعاني في المتشابه من المثاني" ص 224، "فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن" ص300.]]؟ فقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ أي: سؤال استعلام واستخبار، (وقوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ أي سؤال تقريع وتوبيخ، وهذا قول قطرب) [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152ب، بنصه تقريباً، "تفسير البغوي" 4/ 394 - 395، "تفسير القرطبي" 10/ 61، الخازن 3/ 104.]] [[ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).]].
الحجر 15:94
قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ معنى الصَّدْع في اللغة: الشَّقُّ والفَرْقُ والفَصْلُ [[انظر: (صدع) في "تهذيب اللغة" 2/ 1987، "المحيط في اللغة" 1/ 324، "الصحاح" 3/ 1241.]]، أنشد ابن السِّكِّيت لجرير:
هُو الخَليفهُ فارْضَوْا ماقَضى لَكُمُ .... بالحَقّ يَصْدَعُ ما في قَوْلِهِ جَنَفُ [["ديوان جرير" ص 308، وورد في "تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1987، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 214.]]
يصدع: يفصل، وأنشد الفراء [[ليس في معانيه، والبيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي (جاهلي).]]:
وأنْحَرُ لِلشَّرْبِ الكرامِ مَطِيَّتي ... وأَصْدَعُ [[ساقطة من (د).]] بين القَيْنَتَيْن رِدَائِيا [[ورد في "المفضليات" ص 158، "جمهرة اللغة" 2/ 653، "الأغاني" 16/ 362، "ذيل أمالي القالي" 3/ 133، "الخزانة" 2/ 201، (الشرب) جمع شارب، (المطية) البعير، (القينة) المغنية، يريد أن يعطي كل منها شطر ردائه.]] أي: أشقُّ، وتَصَدَّع القومُ، إذا تفرقوا، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43]، قال الفراء: يتفرقون [["معاني القرآن" للفراء 2/ 325 بلفظه.]]، فأما معنى الآية فقال ابن عرفة: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي فرق بين الحق والباطل [["تهذيب اللغة" "صدع" 2/ 1988 بنصه.]]، وروى أبو العباس [[في جميع النسخ: (ابن عباس)، وهو تصحيف، والتصحيح من التهذيب.]] عن ابن الأعرابي في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي شُقّ جماعتَهم بالتوحيد [["تهذيب اللغة" "صدع" 2/ 1988 بنصه وورد غير منسوب فى "تفسير القرطبى" 10/ 61.]]؛ كأنه يقول: ادعهم إلى التوحيد لتفرق جماعتهم؛ بإجابة بعضهم إيّاك فيكون ذلك تَفَرُّقَ كلمتهم، هذا معنى قول ابن الأعرابي، فالصدع على هذا يعود إلى صدع جماعة المشركين، وقال غيرُه: فَرّق القول فيهم [["تهذيب اللغة" "صدع" 2/ 1988 بنصه وورد فى "تفسير الماوردى" 3/ 174 عن النقاش.]]، وعلى هذا: الصَّدع يعود إلى دعوة النبيّ -ﷺ- وهو أن يفرقها في الناس فيذيعها فيهم وقال أبو إسحاق: يقول أظهر ما تؤمر به؛ أُخذَ من الصِّدِيع وهو الصبح، وقال: وتأويل الصَّدْع في الزُّجَاج، أن يَبِيْنَ بعضُه من بعض [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بتصرف يسير، "تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1987 بنصه، ويبدو أنه نقله مز التهذيب لا المعاني.]]، وهذا الذي ذكره أبو إسحاق يعود إلى الشَّق أيضًا، قال الأزهري: وسُمّي الصبحُ صديعًا كما سُمّي فلقًا، وقد انصدع وانفلق وانفجر الصبح [["تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1988 بنصه.]]، وقال ابن قتيبة: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: أظهر ذلك، قال: وأصله الفَرْق والفتحُ، أي: اصدع بحقِّك الباطلَ [["الغريب" لابن قتيبة ص 240 بنصه.]]، وهذا قولُ أهل اللغة والمعاني، وقال ابن عباس: أظهر [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب، "تفسير البغوي" 4/ 395، الخازن 3/ 104، "تنوير المقباس" ص 281 بلفظه، وهذه الرواية أوهى الطرق؛ لأنها من طريق محمد بن مروان عن الكلبي، أخرجها أبو نُعيم في "الدلائل" ص 270، وقد رويت عن الكلبي -نفسه- في "تفسير هود" 2/ 358، والماوردي 3/ 174، والغريب إيراد الواحدي -رحمه الله- الأقوال الضعيفة عن ابن عباس وتركه للروايات الصحيحة والمشهورة في بعض المواضع، ففي هذه الآية مثلاً؛ ثبت عن ابن عباس تفسيرها بـ: أمضه، وافعل ما تؤمر. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 67 من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، والثعلبي 2/ 152 ب، و"تفسير البغوي" 4/ 395، وابن الجوزي 4/ 420، وابن كثير 2/ 615، و"الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ولعل سبب إيراده للروايات الضعيفة عن ابن عباس -مع ورود الروايات الصحيحة- أنه نظر إليها من جهة اللغة والمعنى لا من جهة السند، فاختارها -على القوية سندًا- لهذه الحيثية، والمعروف عن الواحدي -رحمه الله- أنه يغلب عليه الاهتمام باللغة والعناية بها في تفسيره.]]، وقال الأخفش وأبو عبيدة: افرق [["مجاز القرآن" 1/ 355 بلفظه، ولم أجده في معاني الأخفش، وورد منسوبًا للأخفش في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب بلفظه، و"تفسير البغوي" 4/ 395.]]، وقال المؤرج: افصل [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب بلفظه.]].
وقوله تعالى: ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ قال الفراء: أراد فاصدع بالأمر، و (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، وكذلك لم يعد إليه عائد من الصلة كقولك: ما أحسنَ ما ينطلق؛ لأنك تريد: ما أحسنَ انطلاقك، وما أحسنَ ما تأمر، أي: أمرك، ومثله قوله: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102] كأنه قيل له: افعل الأمر الذي تؤمر، قال ويجوز أن يكون المعنى: بما تؤمر به، فحذف الجار؛ لأن العرب قد تقول: إني لآمرك وآمر بك، وأكفرك وأكفر بك، وأنشد [[البيت لِلُجَيْم بن صعْب، وحَذَامُ امرأتُه، وهي بنتُ الريَّان، سميت بذلك لأن ضرَّتها حذمت -قطعت- يدها بشفرة.]]:
إذا قَالَتْ حَذَامِ فأنْصِتُوها ... فإنّ الأمْرَ ما قَالَتْ حَذَامِ [[في نسخة (أ) أثبت عجز البيت في الهامش. ورد البيت في: "العقد الفريد" 3/ 84، 365، "اللسان" (رقش) 6/ 306، (نصت) 2/ 99، "شرح التصريح" 2/ 225، "شرح شواهد المغني" 2/ 596، وورد غير منسوب في: "ما ينصرف وما لا ينصرف" ص 101، "تفسير الطوسي" 6/ 355، "شرح المفصل" 4/ 64 "أوضح المسالك" 4/ 131، وفي جميع المصادر: (فصدقوها) بدل (فأنصتوها) و (القول) بدل (الأمر).]]
قال: يريد فأنصتوا لها.
وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 94 بتصرف يسير. والشاهد: أي كفروا بربهم.]] [هود: 68]، وقال مجاهد في قوله: ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي بالقرآن، قال: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة [["تفسير مجاهد" ص 419 بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 351 مختصرًا، والطبري 14/ 68 بنحوه من عدة روايات، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 44 بنحوه، و"تفسير هود الهواري" 2/ 358 بنحوه، و"تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1987 مختصرًا، "تفسير الثعلبي" 2/ 153أبنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، فعلى هذا المراد بالصدع الجهر والإظهار، والباء في ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ من صلة معنى الصدع، لا لفظه؛ وهو الجهر، وما تؤمر هو القرآن؛ لأنه إنما تؤمر بما في القرآن، و (ما) في هذا القول موصولة، وليست بمعنى المصدر، وتكون مع الجار في موضع نصب، وأكثر المفسرين على أن المعنى: اجهر بالأمر؛ أي بأمرك، يعني إظهار الدعوة، قالوا: ومازال النبيّ -ﷺ- مستخفيًا حتى نزلت هذه الآية [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 225 بنحوه، والثعلبي 2/ 152 ب، بنصه، "تفسير البغوي" 4/ 395، و"ابن الجوزي" 4/ 420، والفخر الرازي 19/ 315، و"تفسير القرطبي" 10/ 62، والخازن 3/ 104، وابن كثير 2/ 615، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 199.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لائمتهم إياك على إظهار الدعوة ولا تسمعها، قال المفسرون: هذا منسوخ بآية القتال [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 199 أ، بنحوه، و"أخرجه الطبري" 14/ 68 بنحوه عن ابن عباس من طريق العوفي (غير مرضية)، وأخرجه كذلك عن الضحاك بنحوه، وورد في:"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 483 بصيغة التمريض، و"تفسير هود الهواري" 2/ 358 بنحوه، والثعلبي 2/ 153 أ، والماوردي 3/ 175 بنحوه عن ابن عباس، و"تفسير البغوي" 4/ 395، وابن عطية 8/ 359، وابن الجوزي 4/ 421، "تفسير القرطبي" 10/ 62، والخازن 3/ 104، وأبي حيان 5/ 470، "الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي داود في ناسخه عن ابن عباس.]]؛ يعنون الإعراض عنهم وتركهم وما هم فيه، فإن جعلنا معنى الإعراض عنهم ترك المبالاة بهم، لا يكون منسوخًا [[وهذا القول هو الأولى من دعوى النسخ، وانظر: التعليق على دعوى النسخ بآية السيف، عند الآية [851] من هذه السورة.]].
الحجر 15:95
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: بك، وهم خمسة نفر من المشركين [[المشهور أنهم خمسة، وورد أنهم ثمانية، وسبعة كذلك. انظر:"تفسير الطبري" 14/ 68 - 69، وابن الجوزي 4/ 421، وأبي حيان 5/ 470، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 200 وزاد نسبته إلى الطبراني [ليس في روايته الشاهد] وابن مردويه، وكما اختلف في العدد اختلف في صفة إهلاكهم ووقته وما جرى لكل واحد منهم.]]: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعَدِيّ بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد [[(عبد) ساقطة من (ش)، (ع).]] يغوث، سلط الله عليهم جبريل حتى قتل كلَّ واحد منهم؛ أي بآفة وكفى نبيه شرهم، هذا قول عامة المفسرين [[أخرجه بنحوه: عبد الرزاق 2/ 351، والطبري 14/ 70 بعدة روايات، والطبراني [مجمع البحرين] 6/ 46، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 46، و"تفسير هود الهواري" 2/ 358، و"تفسير السمرقندي" 2/ 225، والثعلبي 2/ 153 أ، والماوردي 3/ 175، والطوسي 6/ 356، و"تفسير البغوي" 4/ 395، والزمخشري 2/ 320، وابن الجوزي 4/ 421، والفخر الرازي 19/ 215، و"تفسير القرطبي" 10/ 62، والخازن 3/ 104، وأبي حيان 5/ 470، وابن كثير 2/ 616.]].
الحجر 15:98
قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ رُوي عن ابن عباس: فصَلّ [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 153 ب، بلفظه، "تفسير البغوي" 4/ 397، الخازن 3/ 105، "تنوير المقباس" ص 281.]]، والمعنى: صَلّ حمدًا لله تعالى، والتسبيح يكون بمعنى الصلاة؛ لأن الصلاة لله تعالى تنزيه له عن الشريك.
وقال في رواية عطاء: يقول: أحمد ربك سَيَسُرُّك فيهم، وعلى هذا معناه: سبحه بالتحميد؛ أي: احمده ونزهه عن أن يستحق الحمد غيرُه.
وقال الضحاك: أي قل سبحان الله وبحمده [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 153ب، بنصه، "تفسير البغوي" 4/ 397، وابن الجوزي 4/ 423.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد من المصلين [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 423، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 200 أ، "معاني القرآن" للنحاس 4/ 47، "تفسير السمرقندي" 2/ 226، وهود الهواري == 2/ 358، والثعلبي 2/ 153 ب بلفظه، والماوردي 3/ 176، و"تفسير البغوي" 4/ 397، وابن عطية 8/ 361، الخازن 3/ 105.]]؛ لأن العبد أقرب ما يكون من الله إذا سجد، ويؤيد هذا ما روي أن رسول الله -ﷺ- كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة [["أخرجه الطبري" 1/ 260 بنصه عن حذيفة، وورد في "تفسير الزمخشمري" 1/ 66، وابن عطية 1/ 276، "تفسير القرطبي" 1/ 371، وابن كثير 14/ 616، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 163، وورد برواية: كان إذا حزبه أمر صلى، أخرجها أحمد 5/ 388، وأبو داود (1319) كتاب: التطوع، باب: وقت قيام النبي -ﷺ-، والطبري 14/ 73، وورد في فيض القدير 5/ 120، والكنز 7/ 69، والحديث مشهور، وقد حسّنه الألباني في "صحيح أبي داود" (1192)، و"صحيح الجامع الصغير" (4703) وأوضح من هذا الشاهد حديث "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، رواه مسلم (482) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود (875) كتاب: الصلاة، باب: الدعاء في الركوع والسجود عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.]].
الحجر 15:99
قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال ابن عباس: يريد الموت [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 423، الفخر الرازي 19/ 216، "تنوير المقباس" ص 281.]]، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة والجميع [["تفسير مجاهد" ص 419 بلفظه، وورد في "تفسير مقاتل" 1/ 200 أ، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 352 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 74 بلفظه عنهم، وأورده البخاري في "الفتح" 8/ 383 معلقًا بصيغة الجزم عن سالم بن عبد الله، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 47 عن مجاهد، "تفسير السمرقندي" 2/ 226، و"هود الهواري" 2/ 358 عن مجاهد، والثعلبي 2/ 153 ب، والماوردي 3/ 176 عنهم، والطوسي 6/ 356 عنهم، "تفسير البغوي" 4/ 397، والزمخشري 2/ 320، وابن العربي 3/ 1139، وابن عطية 8/ 362 عنهم، وابن الجوزي 4/ 423 عن مجاهد، "تفسير القرطبي" 10/ 64 عنهم، الخازن 3/ 105، وابن كثير 2/ 616 - 617 عنهم، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 203 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.]]، وسُمّي الموت اليقين؛ لأنه مُوْقِن به جميعُ العقلاء، فاليقين بمعنى المُوْقَنُ به، ولم يعرف الأصمعي فعيلًا بمعنى مُفْعَل، حتى قَرَّرَ له ذلك ابن الأعرابي، واحتج عليه بقولهم: شيء متربّصٌ وتَرَبُّص [[هكذا في جميع النسخ، والقياس يقتضي أن تكون: مُرْبَص ورَبِيْصٌ.]]، وليل مُبْهَم وبَهِيْم، وشراب مُنْقَعٌ ونَقِيْع [[لم أقف عليه.]]، فإن قيل: أي فائدة لهذا التوقيت ولا عبادة على الميت؟ وإذا كانت العبادة تنقطع بالموت، فلم قال حتى الموت، وهو مقطع بالموت لا محالة؟!
قال أبو إسحاق: مجاز هذا الكلام مجاز أبدًا؛ المعنى: اعبد ربك أبدًا؛ لأنه لو قيل: اعْبُدْ ربك بغير توقيت، لجاز إذا عبد الإنسانُ مدةً أن يكون مطيعًا، فإذا قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي: أبدًا وما دمت حيًّا، فقد أُمر بالإقامة على العبادة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 187 بنصه، وفي هذا رد على أهل الضلال الذين جعلوا للعبادة أجلاً تنتهي عنده؛ لذلك فسروا اليقين بالمعرفة، فإذا وصل أحدهم إلى مقام المعرفة سقط عنه التكليف!. انظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 617، والألوسي 14/ 87، والقاسمي 10/ 75.]].
النحل 16:1
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أتى عذابُ الله [[ورد في "تفسير السمرقندي" 7/ 227، بنصه، والثعلبي 2/ 153 ب، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 365، "تنوير المقباس" ص 282.]]، وقال الحسن وابن جريج: أي عقابُه لمن أقام على الإشراك به والتكذيب لرسوله [[أخرجه الطبري 14/ 75 بمعناه عن ابن جريج، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 358، عنهما، و"تفسير الماوردي" 3/ 178، عن ابن جريج، و"تفسير القرطبي" 10/ 65، عنهما.]]، وهذا القول في معنى ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ هاهنا هو اختيار الزجاج؛ قال: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: ما وعدهم الله من المجازاة على كفرهم من أصناف العذاب، واحتج بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40]، أي: جاء ما وعدناهم به، وبقوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 189، بنصه.]] [يونس: 24]. وفسّر آخرون هذا العذاب؛ فقال: هو الأمر بالسيف، وقالوا: هذا جواب النضر بن الحارث حين قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ الآية [الأنفال: 32]، فأنزل الله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 153 ب، بنحوه، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" له ص 284، وانظر: "تفسير البغوي" 7/ 5 - 8.]]، أي: لا تطلبوه قبل حينه، وهذا كما تقول لمن يطلب أمرًا يستعجل فيه، أتاك الأمر فلا تستعجل.
وقال جماعة من المفسرين: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ هاهنا الساعة [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 227، بنحوه، والثعلبي 2/ 153 ب، بلفظه، و"تفسير الماوردي" 3/ 178، عن الكلبي، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 7، عن الكلبي وغيره، وابن عطية 8/ 365، و"تفسير القرطبي" 10/ 66، والخازن 3/ 105، وأبي حيان 5/ 472، وقال: هو قول الجمهور.]]؛ وذلك أن المكذبين بها استعجلوها، فقل لهم: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾. قال أبو إسحاق: استبطاؤا [[في (أ)، (د): (استبطلوا)، والمثبت من (ش)، وهو موافق للمصدر.]] أمْرَ الله، فأعلم اللهُ أن ذلك عنده في القرب بمنزلة ما قد أتى، كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]، وكما قال: ﴿ومَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 189، بنصه تقريباً.]] [النحل: 77]؛ وعلى هذا، إنما قال لِمَا لَم يأت بعد أتى؛ لأنه آت لا محالة، والعربُ إذا ذكرت شيئًا قَرُبَ وقوعه أخرجته مخرج الواجب، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّار﴾ [الأعراف: 44]، وقد مر.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هو قال ابن عباس: نَزَّه نفسه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 282، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 200 أ، وهود الهواري 2/ 359، والسمرقندي 2/ 228، والفخر الرازي 19/ 218.]]، وقال الزجاج: تنزيه له وبراءة من السوء [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 190، بنحوه.]]، ﴿وَتَعَالَى﴾ أي: ارتفع وتعاظم بأعلى صفات المدح عن أن يكون له شريك، و (ما) في قوله: ﴿عَمَّا﴾ يجوز أن تكون (ما) المصدر، والتقدير: عن إشراكهم، والمعنى عن إشراكهم به غيره، فحُذف للعلم، ويجوز أن تكون بمعنى الذي؛ أي: ارتفع عن الذي أشركوا به [[في جميع النسخ: (أشركهم به)، ولا يستقيم بها المعنى، فلعلها تصحفت عن المثبت، أو التبست على النساخ بما قبلها.]]؛ لأنهم ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
النحل 16:2
قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد جبريل وحده [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 428، والفخر الرازي 19/ 219، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 200 أ، والسمرقندي 2/ 228، وفي "تنوير المقباس" ص 282، قال: "جبريل ومن معه من الملائكة".]]، وذكرنا فيما تقدم جوازَ تَسْمِيةِ الواحد باسم الجمع إذا كان ذلك الواحدُ رئيسًا مقدمًا؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية [آل عمران: 173] [[قال الفراء: الناس في هذا الموضع واحد؛ وهو نُعيم بن مسعود الأشجعي، بعثه أبو سمان وأصحابُه فقالوا: ثبط محمدًا -ﷺ- أو خوفه حتى لا يلقانا ببدر الصغرى، وكان معياد بينهم يوم أحد. "معاني القرآن" للفراء 1/ 247، وهو اختيار الزجاج في معانيه 1/ 489، وانظر: "تفسير الزمخشري" 1/ 231.]].
وقوله تعالى: ﴿بِالروحَ من أَمرِهِ﴾ وقال ابن عباس: بالوحي [[أخرجه الطبري 14/ 77 بلفظه، من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 178، والطوسي 9/ 356، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 368، وابن الجوزي 4/ 428، و"تفسير القرطبي" 10/ 67، وأبي حيان 5/ 471، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 205، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، وهو كلام الله، هذا قول الربيع والحسن [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 53، عن الحسن بلفظ: بالنبوَّة، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 178، عن الربيع بن أنس قال: هو القرآن، وعن الحسن أيضًا قال: الرحمة، والطوسي 6/ 359، عن الربيع قال: كلام الله، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 368، عن الربيع، وابن الجوزي 4/ 428، عن الحسن، و"تفسير القرطبي" 10/ 67، عن الحسن، وأبي حيان 5/ 471، عن الحسن، == وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 205، ونسبه إلى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بالنبوة.]]، وهو الاختيار في معنى الروح هاهنا، قال الزجاج: الروح ما كان فيه من أمر الله حياةً للنفوس بالإرشاد إلى أمر الله [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 190، بنصه.]].
وقال أبو العباس في هذه الآية وفي قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر: 15]، ولقوله: ﴿وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52] هذا كله معناه الوحي [["تهذيب اللغة" (روح) 3/ 1768، بنصه.]]؛ سُمّي روحًا لأنه حياةٌ من موت الكفرِ، فصار يحيا به الناس؛ كالروح الذي يحيا [[في جميع النسخ: (يحي)، ويستقيم السياق بالمثبت، وهو موافق لما في المصدر.]] به الجسد.
وقال أبو عبيدة: الروح هاهنا جبريل [[ليس في مجازه، وورد منسوباً إليه في: "تفسير الثعلبي" 2/ 154 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 8، الفخر الرازي 19/ 220، "تفسير القرطبي" 10/ 67، وهو قول ضعيف جدًّا، والصحيح هو الأول كما ذكر.]]، وعلى هذا الباء في بالروح بمعنى (مع) كقولهم: خرج بثيابه، أي: ومعه ثيابه، وركب الأمير بسلاحه، والأول الوجه، ومعنى ﴿مِنَ أَمرِهِ﴾، أي: من فعله في الوحي [[قال القاسمي: ﴿من أَمرِهِ﴾ بيان للروح، أو حال منه، أو صفة، أو متعلق بـ ﴿ينزل﴾، وقال الفخر الرازي: وقوله: ﴿من أَمرِهِ﴾ إن ذلك التنزيل، والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] ونحوها، فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمر الله تعالى وإذنه. انظر. "تفسير الفخر الرازي" 19/ 220، والقاسمي 10/ 78.]].
وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يريد النَّبِيّين الذين يختصهم من عباده بالرسالة والوحي بقوله: ﴿أَن أَنذِرُواْ﴾، قال الزجاج: ﴿أَن﴾ بدل من الروح، المعنى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ بأن أنذروا [[هذا المقطع ليس في معانيه، فلعله ساقط من النسخة المتداولة، بدليل أن النحاس قد نسبه إليه في إعرابه 2/ 391، وقال بهذا مكي في "مشكل الإعراب" 2/ 12، والزمخشري في "تفسيره" 2/ 321، وابن الأنباري في "البيان في غريب الإعراب" 2/ 75، و"المنتجب في الفريد" 3/ 214.]].
والمعنى: أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا أنا، أي مروهم بتوحيدي وأن لا يشركوا بي شيئًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 190، بنصه.]]، والخطاب للنَّبِيّين المعنيين بقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، وهذا يدل أن معنى الروح هاهنا الوحي، إذا بُدّل منه الإنذار، ومعنى إنذارِهم بأنه لا إله إلا هو إعلامهم بذلك مع تخويفهم لو لم يقروا، ثم ذكر ما يدل على توحيده، فقال:
النحل 16:3
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ومعنى هذا مذكور في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ﴾ [الأنعام: 73].
وقوله تعالى: ﴿عَمَّا يشركِوُنَ﴾ ذكرنا معناه آنفًا [[في سورة الأعراف: الآية [190].]].
النحل 16:4
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، قال أبو إسحاق: اختصر هاهنا، وذكر تقلبَ أحوال الإنسان في غير مكان من القرآن [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 190، بنصه.]].
قال ابن عباس: يريد إني خلقت، قال المفسرون: نزلت هذه الآية والتي في آخر سورة يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس: 77] في قصة أُبي بن خلف وإنكاره البعث [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 200 أ، والسمرقندي 2/ 228، والثعلبي 2/ 154 أ، و"تفسير الماوردي" 3/ 179، عن الكلبي، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" == ص 285، بلا سند، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 9، والزمخشري 2/ 321، وابن عطية 8/ 370، وابن الجوزي 4/ 428، و"تفسير القرطبي" 10/ 68، و"تفسير الخازن" 3/ 106.
ولا خلاف أن آية (يس) لها سبب نزول ثابت، وإن اختلف فيمن نزلت؛ أبي بن خلف، أم العاص بن وائل؛ وهو الصحيح [انظر: "المسندرك" للحاكم (2/ 429) وصححه]. لكن هذه الآية ليس لها سبب نزول مسند، وهو شرط في إثبات أسباب النزول، ويكفي لرد هذه الدعوى أنه ورد من طريق الكلبي وحاله معروف، وتشابه الآيتين لا يسوغ إثبات نزول إحداهما للأخرى، إلا إذا لم يُقصد بإطلاق لفظ نزلت هذه الآية .. المعنى الاصطلاحي لأسباب النزول، وأريد التوسع في اللفظ كما فعلوا في النسخ.]].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾، الخصيم بمعنى المخاصم، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]، هذا قول أهل اللغة.
قالوا: خصيمك الذي يخاصمك، وفعيل بمعنى مُفَاعل معروف؛ كالنسيب بمعنى المناسب، والعشير بمعنى المعاشر، والأكيل والشريب، ويجوز أن يكون خصيم فاعلًا من خَصِم يَخْصم بمعنى اختصم، وبه قرأ حمزة [[قرأ حمزة: ﴿يَخْصِمون﴾ ساكنة الخاء خفيفة الصاد. انظر: "السبعة" ص 541، و"المبسوط في القراءات" ص 312، و"تلخيص العبارات" ص 141، وقال في "شرح الهداية" 2/ 486، ومن قرأ ﴿يَخْصِمون﴾ فالمعنى: يخصم بعضهم بعضاً.]] قوله: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُون﴾ [[نقل الفخر الرازي هذا المقطع بنصه ونسبه للواحدي. "تفسير الرازي" 19/ 226.]] [يس: 49].
وقوله تعالى: ﴿مُبِينٌ﴾ أي ظاهر، ومعناه: ظاهر الخصومة، ويجوز أن يكون مبين؛ أي يُبين عن نفسه الخصومة بالباطل، وذكر أهل المعاني لهذه الآية معنيين؛ أحدهما: أنه عرّفنا قدرته في إخراجه من النطفة ما هذه حاله وصفته، والثاني: أنه ذَكر فاحشَ ما ارتكب من تضييع حق نعمة الله بالخصومة في الكفر به [[ورد بنحوه في "تفسير الماوردي" 3/ 179، عن الحسن، والطوسي 6/ 361.]].
النحل 16:5
قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾، يعني الإبل والبقر والغنم، وتم الكلام ثم ابتدأ فقال: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾، ويجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله: ﴿لَكُمْ﴾ ثم يبتدئ فيقول: ﴿فِيهَا دِفٌ﴾.
قال صاحب النظم: أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿خَلَقَهَا﴾؛ لقوله في النسق على ما قبلها: ﴿وَلَكُم فِيهَا جَمَال﴾ [[أي أنه نسق ﴿وَلَكُم فِيهَا جَمَال﴾ على ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾، ولو وقف على ﴿خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ لتعذر هذا العطف. وقد نقل الفخر الرازي 19/ 227، والخازن 3/ 106، قول صاحب النظم، وعزياه للواحدي -رحمه الله-.]].
وأما الدفء، فقال الفراء وجميع أهل اللغة: هو ما انتفع به من أوبارها وأشعارها وأصوافها، أراد ما يلبسون منها ويبتنون [["معاني القرآن" للفراء 2/ 96، مختصرًا، وورد بنصه في "تهذيب اللغة" 2/ 1203 (دفأ)، وهذا يؤكد نقله من التهذيب لا المعاني، وانظر: (دفأ) في "مقاييس اللغة" 2/ 287، و"الصحاح" 1/ 50، و"اللسان" 3/ 1393.]]، فالدفء عند أهل اللغة: ما يُستدفأ به من الأكسية والأبنية [[انظر: (دفأ) في "المحيط في اللغة" 9/ 369، و"مقاييس اللغة" 2/ 287، و"الصحاح" 1/ 50، و"اللسان" 3/ 1393، و"عمدة الحفاظ" 2/ 13.]]، قال الأصمعي: ويكون الدفء السخونة، يقال: اقعد في دفء هذا الحائط، أي في كنّه [[ورد في "تهذيب اللغة" (دفأ) 3/ 120 بنصه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 227.]]، وقال الفراء في المصادر: يقال للرجل: دَفَيْت فأنت تدفأ دَفْأً، ساكنة الفاء مفتوحة الدال، ودِفْآء بالكسر والمد، وزاد غيرُه دَفاءةً ودَفاءً.
وروى الحرَّاني عن ابن السِّكِّيت: يقال: هذا رجل دَفْآنُ وامرأة دَفْأى، ويوم دَفِيءٌ وليلة دفيئةٌ، وكذلك بيت دَفِيء، وغرفة دَفيئةٌ، على فَعيل وفعيلة، وما كان الرجل دَفْآن، ولقد دَفِئَ، وما كان البيت دَفِئًا، ولقد دَفُؤَ [[لم أجده في الإصلاح، وورد في "تهذيب اللغة" (دفأ) 2/ 1203، بنصه. وانظر: "اللسان" (دفأ) 3/ 1393.]]. الفَراء: دَفُؤَتْ ليلَتُنا ويومُنا دفأةً، ويقال: أدفأه فَدَفِئَ [[لم أجده في معانيه.]]، وإبل مُدْفِئة: كثيرة؛ لأن بعضَها يُدْفِئُ بعضًا بأنفاسها [[ورد في "الإصلاح" ص 379، بنحوه، و"التهذيب" (دفأ) 2/ 1203، بنصه، وانظر: (دفأ) في "مقاييس اللغة" 2/ 287، و"اللسان" 3/ 1393.]]، وإبل مُدْفأَةٌ ومدفآت: كثيرات الأوبار [[وهو قول الأصمعي كما في "التهذيب" (دفأ) 2/ 1203، وقال نحوه ابن السِّكِّيت في "الإصلاح" ص 379، وانظر: (دفأ) في "المحيط في اللغة" 9/ 369، و"اللسان" 3/ 1393، و"التاج" 1/ 153.]]، قال الشماخ:
وكيفَ يضيِعُ صاحِبُ مُدْفَآتٍ ... على أثْباجِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ [["ديوان الشماخ" ص 220، وفيه: (مُدْفِئَات)، وورد في "إصلاح المنطق" ص 379، و"المعاني الكبير" 1/ 429، و"جمهرة اللغة" 3/ 1313، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 66، و"أمالي القالي" 1/ 106، و"تهذيب إصلاح المنطق" ص781، و"أساس البلاغة" 1/ 274، و"تفسير القرطبي" 10/ 69، و"اللسان" (دفأ) 3/ 1393، (ثبج) 1/ 468، (ضيع) 5/ 2625، و"التاج" (دفأ) 1/ 153.
(أثباجهن) جمع ثبج؛ وهو الوسط، قال الأصمعي: ثبج كل شيء: وسطه. (الصقيع) البرد والنَّدى، ويقال: الجليد. والشاعر يمدح إبله أنها لن تهلك من البرد؛ لأن أوساطها مغطاة بوبر كثير يقيها البرد.]]
ونحو هذا قال عامة المفسرين في الدفء [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 200 ب، والطبري 14/ 78 - 79، والسمرقندي 2/ 228، وهود الهواري 2/ 360، والثعلبي 2/ 154 أ، والماوردي 3/ 178، والطوسي 6/ 361.]]، إلا ما روي عن ابن عباس من طريق عكرمة، ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ قال: النسل [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 54، و"تفسير الماوردي" 3/ 179، وقد روي عن ابن عباس تفسيرها بتفسير العامة، أخرجه الطبري 14/ 79 بعدة روايات، وانظر: "تنوير المقباس" ص 282، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 206، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ولذلك حمل النحاس تفسير ابن عباس: بالنسل، على المنافع لا الدفء، مع أن قوله التالي الذي رواه عنه ابن هاجك يؤكد تفسيره لـ ﴿دِفْءٌ﴾ بالنسل.]]، وروى الأزهري عن ابن هاجك [[لم أقف عليه.]] بإسناده عن ابن عباس، ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قال: نسل كل دابة [[لم أقف عليه في التهذيب، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 353) بنصه، والطبري 14/ 79، بنصه من طريق عكرمة جيدة، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 228، و"تفسير القرطبي" 10/ 70، وانظر: "اللسان" (دفأ) 3/ 1393، و"عمدة الحفاظ" 2/ 13، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 206، وزاد نسبته إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
قال [[(قال) ساقط من (ش)، (ع).]] الأزهري: وهذا يوافق قول الأموي [[أبو محمد، عبد الله بن سعيد الأموي اللغوي، لقي العلماء، ودخل البادية، وأخذ عن فصحاء الأعراب، وأخذ عنه العلماء كأبي عبيد، وأكثروا في كتبهم، كان حافظًا للأخبار والشعر وأيام العرب، وكان ثقة في نقله، من كتبه: (النوادر)، (رحل البيت). انظر: "طبقات النحويين والبلاغيين" ص 193، و"إنباه الرواة" 2/ 120، و"البلغة" ص 309، و"البغية" 2/ 43.]]، روى أبوعبيد عنه: الدفءُ [[في جميع النسخ: (الدفؤ)، والمثبت موافق لجميع المصادر.]] عند العرب: نتاج الإبل وألبانها والانتفاع بها [[لم أجده في غريبه، وورد في "تهذيب اللغة" (فاد) 2/ 1203، بنصه، وانظر:== (دفأ) في "مقاييس اللغة" 2/ 287، و"اللسان" 3/ 1393، و"عمدة الحفاظ" 2/ 13.]]، قال الفراء: وكتبت دفء بغير همز؛ لأن الهمزة إذا سَكن ما قبلها حُذفت من الكتاب، وذلك لخفاء الهمزة إذا سُكِتَ [[في جميع النسخ: (سكنت)، والصحيح المثبت، وهو موافق للمصدر وبه يستقيم الكلام.]] عليها، فلما سَكَنَ ما قبلها ولم يَقْدِروا على هَمْزِها في الْسَّكْت، كان سكوتهم كأنه على الفاء، وكذلك قوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: 25] و ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 91] [["معاني القرآن" للفراء 3/ 96، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ﴾ يعني النسل والدّر والركوب، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من لحومها [[ورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 200 ب، والسمرقندي 2/ 228، والثعلبي 2/ 154 أ، والبغوي 5/ 9.]].
النحل 16:6
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ أي زينة، كما قال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46]، والمال ليس يخص الورِق والعين، وأكثر مال العرب الإبل، كما أن أكثر أموال أهل البصرة النخل.
وقوله تعالى: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾، الإراحة: ردّ الإبل بالعَشي إلى مُراحِها حيث تأوِي إليه ليلًا [["تهذيب اللغة" (راح) 2/ 1309، بنصه، وهو قول الليث، وانظر: "تفسير الطبري" 14/ 80، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 55، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 228، و"اللسان" (روح) 1/ 1770.]]، قال ابن عباس: يريد حِينَ خروج العرب أيام الربيع بالماشية إلى الخِصب، يعني أن الإراحة أكثر ما تكون أيام الربيع إذا سقط الغيث، وكثر الكلأ، وخرجت العرب للنجعة، وتركت مياهها، وأحسنُ ما تكون النَّعم في ذلك الوقت [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 228، والخازن 3/ 107، أورداه بنصه غير منسوب، والظاهر أنهما نقلاه عن الواحدي.]]، ولذلك ستر رسولُ الله -ﷺ- وجَهه لمّا رأى نَعَمَ بني المصطلق وقد عَبِست في أبوالها، وذكرنا هذا في آخر سورة الحجر.
وقوله تعالى: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ يقال: سَرَّح القومُ إبِلَهم سَرْحًا إذا أخرجوها بالغداة إلى المَرْعَى، واسم ذلك المال السَّرْحُ، وسَرَح المالُ نفسُه سُرُوحًا: رَعَى بالغَدَاة [["تهذيب اللغة" (سرح) 2/ 1665، بتصرف، وانظر: "تفسير الطبري" 14/ 80.]].
النحل 16:7
قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ جمع الثقل، وهو متاع المسافر وحَشَمُه، ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ قال ابن عباس: يريد من مكة إلى اليمن، وإلى الشام، وإلى مصر [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 228، مع زيادة المدينة، والخازن 3/ 107، والألوسي 14/ 100، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 229، و"الشوكاني" 3/ 212.]]، هذا قوله، والمراد: كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير الإبل شق عليكم [[أخرجه الطبري 14/ 80، بنحوه، عن عكرمة، وانظر: "تفسير الماوردي" 3/ 180، وابن الجوزي 4/ 430.]]، وخص ابن عباس اليمن والشام؛ لأن متاجر أهل مكة كانت إلى هذه الوجوه، وليس قول من خص البلد بمكة بشيء [[وهو وابن عباس والربيع بن أنس وعكرمة، وقد أخرجه الطبري 14/ 80 عن عكرمة، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 229، عن عكرمة، وابن عطية 8/ 373، == عنهم، وابن الجوزي 4/ 430 عن عكرمة، و"تفسير القرطبي" 10/ 71، عن عكرمة، وأبي حيان 5/ 476، عنهم، و"تنوير المقباس" ص 282، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 206، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس، وصديق خان 7/ 210، عن ابن عباس، والصحيح حمله على العموم؛ لعدم وجود مخصص، كما أشار الواحدي -رحمه الله-.]]؛ والشِّقُّ المَشَقَّةُ، والشِّقُّ: نصفُ الشيء، وكِلا المعنيين في الشق سائغ في معنى الآية، ذكرهما الفراء؛ وقال أكثر القراء: على كسر الشين [[قرأ أبو جعفر المدني وحده في العشر بفتح الشين. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 81، و"القراءات الشاذة" لابن خالويه ص 76، و"المحتسَب" 2/ 7، و"المبسوط في القراءات" ص 223، و"إعراب القراءات الشاذة" 1/ 756، و"النشر" 2/ 302.]]، ومعناه إلا بِجَهْدِ الأنفس، وكأنه الاسم، وكأن الشِّقَّ فعلٌ، قال: ويجوز في قوله: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ أن يذهب إلى أن الجَهْدَ يُنْقِص من قوةِ الرجل ونَفَسِه حتى يجعله قد ذهب بالنصف من بدنه أو قوته، فيكون الكسر على أنه كالنصف، ويقال: المال بيني وبينكم بشَقِّ الشعر؛ وشِقِّ الشَعَر، وهما متقاربان، فإذا قالوا: شَقَقْتُ عليك شقًّا، نصبوا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 97، بتصرف يسير، وورد في "تهذيب اللغة" (شق) 2/ 1906، بنحوه.]].
وقال في "المصادر": شققت عليه شقًّا، وشق الصبح، وشق بابه إذا طلع، شقوقًا منهما، وشققت الثوب شقًّا لا غير.
قال ابن شميل: شَقَّ عليَّ ذلك الأمر مشقة، أي: ثقل عليّ [[ورد في "تهذيب اللغة" (شق) 2/ 1906، بنصه.]]، فجاء من هذا أن الشَّق بالفتح مصدر شَقَّ عليه الأمر، أي: أثقله عليه، ومنه قوله -ﷺ-: "لولا أن أَشُقَّ على أمتي" [[أخرجه أحمد (2/ 250، 287) بنصه عن أبي هريرة، والبخاري: كتاب: الجمعة، باب: السواك يوم الجمعة، ومسلم: كتاب: الطهارة، باب: السواك 1/ 220، == وأبو داود (46): كتاب: الطهارة، باب: السواك 1/ 11، والترمذي (22) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في السواك (1/ 9)، والنسائي: الطهارة/ الرخصة في السواك بالعشي للصائم 1/ 4، و"معجم الطبراني الكبير" 5/ 243، 244، وأورده الهيثمي في "المجمع" 1/ 221، وورد في تهذيب اللغة (شق) 2/ 1906.]]؛ شَقَّ الأمْرُ عليه مَشَقَّةً، فهو واقع ومطاوع [[الوقوع في اصطلاح النحويين: التعدِّي، والمطاوعة: هو الفعل المتعدي الذي يصير لازمًا إذا تحوَّل إلى صيغة "انفعل" مثل: كَسَرَ الولدُ الزجاج، تقول: انكسر الزجاج انظر: "المعجم المفصل في النحو العربي" 2/ 1012، 1189.]]، والشق: الاسم منه، وشَقَّ الشيءَ شقًّا، وشق بنفسه شُقوقًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يريد أنه مَنّ عليكم وتفضَّل بإنعامه بالنعم التي لكم فيها هذه المنافع والمرافق [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 431.]].
النحل 16:8
قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ قال الفراء: نُصبت ﴿وَزِينَةً﴾ على: وجعلها زينة، مثل قوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [[الآية التي أورد الفراء غير هذه، وهي: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ [الصافات: 7].]] [فصلت: 12] المعنى: وحفظناها حفظًا، ولو لم يكن في (الزينة) ولا في ﴿وَحِفظَا﴾ وَاوٌ لنصبتَها بالفعل الذي قبلها لا بالإضمار، ومثله: أعطيتك درهمًا ورغبة في الأجر، المعنى أعطيتكه [[في جميع النسخ: (أعطيتكه هو) بزيادة ضمير الفصل، وأدى إلى اضطراب المعنى، والتصويب من المصدر.]] رغبةً، فلو ألقيت الواو لم يحتج إلى ضمير؛ لأنه متصل بالفعل الذي قبله [["معاني القرآن" للفراء 2/ 97، بتصرف يسير.]]، وقال أبو إسحاق: نُصبت ﴿وَزِينَةً﴾ على أنها مفعول لها، المعنى: وخلقها للزينة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 192، بنحوه.]].
قال أصحابنا: والآية لا تدل على تحريم لحوم الخيل، وإن ذكرت البغال والحمير؛ لأن القصد بهذه الآية بيانُ إباحةِ الركوب وإظهار المنّة بأنْ خَلق لنا من الحيوان ما نقضي عليه حوائجنا ونتجمَّل به، وكيف تدل على تحريمها والسورة مكية؟ ولحوم الحُمُر الأهلية حُرِّمت عام خيبر [[وقد وردت عدة أحاديث في ذلك، منها: ما رواه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن رسول الله -ﷺ- نهى عن المتعة عام خيبر وعن لحوم حُمُرِ الإنسيَّةِ. (أخرجه البخاري (5523) كتاب: الذبائح والصيد، باب: لحوم الحمر الإنسية (5/ 2102، ومسلم (1407) كتاب: الصيد والذبائح، تحريم أكل الحمر الإنسية، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: نهى النبي -ﷺ- عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. رواه البخاري (5521)، ومسلم (561).]]، فلو دَلَّت على تحريم لحم الخيل لَدَلَّت على تحريم لحم الحُمُر حتى [[هكذا في جميع النسخ، والعبارة مضطربة، فلعل (حين) تصحفت إلى (حتى)، وبها يستقيم السياق.]] تُحَرَّم عند نزولها، ولحوم الخيل حلال بالسنة والأخبار فيها كثيرة [[وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وقد استدلوا على إباحته بما رواه الشيخان عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: نهى النبيُّ -ﷺ- يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل، وفي رواية مسلم: وأذن في لحوم الخيل. (أخرجه البخاري (5520، 5524): الذبائح، باب: لحوم الخيل، ومسلم (1941): الصيد والذبائح، باب: في أكل لحوم الخيل، واستدلوا أيضًا بما روته أسماء -رضي الله عنها- قالت: نحرنا فرسًا على عهد رسول الله -ﷺ- فأكلناه. (أخرجه البخاري (5520، 5519) كتاب: الذبائح والصيد، النحر والذبح (1942)، ومسلم (1942): الصيد والذبائح، في أكل لحوم الخيل (3/ 1541)، والمشهور عن الحنفية والمالكية تحريمه، وروي عنهما الكراهة، والقول بالإباحة هو الراجح؛ لصحة أدلته وصراحة دلالتها، ومع أن الشرع يُجوِّز أكله فإن أكله غير مشهور في بلاد المسلمين اليوم، ولعل سبب ذلك استخدامه في المعارك العسكرية في الأجيال السابقة، لذلك لم يألف الناس أكله ولا بيعه ولا تسويقه لذلك الغرض.
انظر: "بداية المجتهد" 1/ 469، و"شرح الزرقاني" (3/ 91، و"حاشية الرهوني == على عبد الباقي 3/ 39، و"المبسوط" 11/ 233، و"حاشية ابن عابدين" 6/ 305، و"تفسير القرطبي" 10/ 76، و"المجموع" 9/ 4، و"المغني والشرح الكبير" 11/ 69، و"فتح الباري" 9/ 566، و"أضواء البيان" 2/ 254، و"أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية" ص 126.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ روي عن ابن عباس أنه قال: لم يسمه فالله أعلم [[انظر: "تنوير المقباس" ص 282، بنحوه.]]. وروى عطاء عنه، ومقاتل عن الضحاك عنه، قال: يريد أنّ عن يمين العرش نهرًا من نور؛ مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل جبريل فيه كل سحر فيغتسل فيزاد نورًا إلى نوره وجمالًا إلى جماله، وعِظَمًا إلى عِظَمِه، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نفضة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألفًا البيت المعمور، وفي الكعبة سبعون ألفًا، لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة [[ليس في تفسير مقاتل، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة ص 154، بنحوه من طريقين؛ مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- من رواية أبي سعيد، وموقوفًا على وهب بن منبه، لكن ليس في الروايتين أنه تفسير لقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 154 ب، بنصه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 231، و "تفسير القرطبي" 10/ 80، وأبي السعود 5/ 98، و"تفسير الألوسي" 14/ 102، وورد غير منسوب في: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 432 مختصرًا.
وعلى هذا التفسير مأخذان؛ الأول: أنه حدد وخصص ما أبهم الله خلقه بأمور بعيدة عن سياق الآية. الثاني: أن الحديث الوارد موضوع، فقد أورده السيوطي في "اللالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" 1/ 84، عن أبي هريرة مرفوعاً. وأغلب الظن أن الأثر من الإسرائيليات، يؤكده أنه ورد عن أحد مصادر الإسرائيليات، وبذلك جزم محقق كتاب "العظمة" ص 154، رقم (3)، وقد أورده ابن الجوزي بنحوه في كتاب "الموضوعات" 1/ 218.]].
وقال آخرون: يعني مما أعد في الجنة لأهلها وما أعد في النار لأهلها [[انظر: "تفسير الطبري" 14/ 83، والبغوي 5/ 11، وابن الجوزي 4/ 432، و"تفسير القرطبي" 10/ 80، والخازن 3/ 108، وأبي حيان 5/ 477.]].
وقال السدي وقتادة: يعني السوس في الثياب، والدود في الفواكه [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 57، عن السدي، و"تفسير الثعلبي" 2/ 154 ب، بنصه عن قتادة، و"تفسير القرطبي" 10/ 80، وعنهما في الخازن 3/ 108، عن قتادة، وأبي حيان 5/ 477، وهو قول غريب وتخصيص عجيب دون داعٍ أو مناسبة، وهذا التفسير لا يليق بهذا المكان؛ لأن السياق في النعم والمنن، وحتى تخصيصه بما أُعد في الجنة غير مناسب للسياق؛ فالحديث في معرض الامتنان على العباد مؤمنهم وكافرهم بالمركوبات، لذلك فالإطلاق أولى من كل هذه التخصيصات البعيدة عن السياق، وإن لزم الأمر إلى تخصيص، فينبغي أن يكون التخصيص بجنس الممتن به؛ لقوة القرينة، فيكون المقصود بـ ﴿مَا لَا تَعلَمُونَ﴾، أي: من جنس المركوبات، ويؤيد هذا التخصيص ما ألهم الله البشر من اختراع وسائل النقل المتعددة - لم تكن موجودة بل ولا متصورة يومئذٍ، كالسيارات والقطارات والطائرات والمركبات الفضائية، وقد أشار إلى ذلك جماعة من العلماء المعاصرين. انظر: "تفسير سيد قطب" 4/ 2161، و"الطاهر بن عاشور" 14/ 111، و"الشنقيطي" 3/ 218.]].
النحل 16:9
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ القصد: استقامة الطريق، يقال: طريق قصد وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك، وقصد بك ما تريد [[انظر: (قصد) في "المحيط في اللغة" 5/ 256، و"المفردات" ص 672، و"اللسان" 3642.]]، واختلفوا في معنى هذه الآية، فأكثر المفسرين على أن المعنى: وعلى الله بيان قصد السبيل بالكتب والرسل والحجج [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 200 ب، والطبري 14/ 84، والسمرقندي 2/ 229، و"تفسير الماوردي" 3/ 181، والبغوي 5/ 11، وابن عطية 8/ 376، و"تفسير القرطبي" 10/ 81، والخازن 3/ 108، وأبي السعود 5/ 98.]]، وهو قول جابر وقتادة والسدي [[أخرجه الطبري 14/ 84 بمعناه عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 209، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة بمعناه، ولم أقف عليه عن جابر والسدي.]]، ورُوي ذلك عن ابن عباس [[أخرجه الطبري 14/ 85 بمعناه، من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، ومن طريق العوفي غير مرضية، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 363.]] واختاره الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 97، بمعناه.]] والزجاج [[معاني القرآن وإعرابه" 3/ 192، بمعناه.]]، وعلى هذا: الآية من باب حذف المضاف؛ لأن التقدير: وعلى الله بيان قصد السبيل، ثم قال: ﴿وَمِنهَا جَآِئرٌ﴾، أي: عادل مائل، ومعنى الجور في اللغة: الميل عن الحق [[انظر: (جور) في "المحيط في اللغة" 7/ 172، و"مجمل اللغة" 1/ 202، و"الصحاح" 2/ 917، و"اللسان" 2/ 772.]]، والكناية في منها تعود على السبيل، وهي مؤنثة في لغة الحجاز، يعني: ومن السبيل ما هو جاثر غير قاصد للحق [[نقله الفخر الرازي بنصه، ونسبه للواحدي 19/ 231.]]. قال الكلبي: يعني اليهودية والنصرانية والمجوسية [[روي عن ابن عباس في "تفسير ابن كثير" 2/ 620، و"تنوير المقباس" ص 283، وورد غير منسوب في: "تفسير الثعلبي" 2/ 154، دون ذكر المجوسية، والبغوي 5/ 11، وابن عطية 8/ 377، و"تفسير القرطبي" 10/ 81، والخازن 3/ 108.]]. وقال ابن المبارك: يعني الأهواء والبدع [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 154 ب، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 11، وابن الجوزي 4/ 433، والخازن 3/ 108.]].
روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية، قال: من أراد أن يهديه سهل له طريق الإيمان، ومن أراد أن يُضلَّه وعَّر عليه طريق الإيمان [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 82، بنصه.]]، يعني المنافق والكافر؛ شَدُدَ عليه الغُسْلُ من الجنابة والوُضوءُ للصلاة، ويَثْقُلُ عليه صيام شهر رمضان من اثني عشر شهرًا، ثم بين أن المشيئة إليه، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، يريد: فلو شاء لأرشدكم أجمعين حتى لا يختلف عليك يا محمد أحد، هذا كلامه، والذي ذكرنا في هذه الآية هي طريقة المفسرين. وفي الآية وجه آخر، وهو أن المعنى: أن قصد السبيل الذي هو الحنفية والإسلام على الله؛ أن يؤدي إلى رضا الله وثوابه وجزائه [[انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 376.]]؛ كقوله: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: 41]، أي: أنه يؤدي إلى جزائي وكرامتي، فهو طريق عليّ، وهذا مذهب مجاهد، قال: على الله طريق الحق [[تقدم توثيق قوله.]]، وبه قال عبد الله بن المبارك [[لم أقف عليه.]]، وهو أقوى القولين؛ لأنه صح من غير إضمار ولا شبهة للقدرية [[القدرية هم نفاة القدر؛ يزعمون أن الأمر أنف، كان أول ظهورهم في نهاية جيل الصحابة، عندما ظهر معبد الجهني، وقد تبرأ منهم ابن عمر -رضي الله عنهما-، وخلف الجهمية في هذه البدعة المعتزلة، وأصّلوها، وجعلوها من أصولهم الخمسة. انظر: "الفرق بين الفرق" ص 114، و"الفصل في الملل والأهواء" 3/ 82، و"الملل والنحل" 1/ 43، و"الاستقامة" 1/ 179، و"التعريفات" ص 174.]]؛ لأنهم يقولون على التفسير الأول: أضاف قصد السبيل إليه.
ثم قال: ﴿ومنها جائزٌ﴾ وهو ضده، فلم يضف إلى نفسه [[هذه إشارة إلى مذهبهم الفاسد في إخراج أفعال العباد عن قدرة الله وخلقه، والمذهب الحق في هذه القضية هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره، فقال: وأما جمهور أهل السنة، فيقولون: إن == فعل العبد فعل له حقيقة، ولكنه مخلوق لله ومفعول لله؛ لا يقولون: هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول. "منهاج السنة النبوية" 2/ 298.]]، وجوابهم عن هذا أن الجائر أيضًا منه، وإن لم يضف إلى نفسه، ولكنه ذكر ذلك على الإطلاق [[لذلك فإن من كمال الأدب أن لا ينسب إلى الله إلا الخير، وأما الشر فإما أن يذكر مطلقًا غير منسوب إليه، وإما أن ينسب إلى السبب الظاهر، ومن أمثلته في القرآن: ما ورد على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:78 - 80] ، وقال على لسان الخضر: ﴿ومَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63]؛ في حين نسب الخير إليه في قوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82] ، وقال على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: 10]، ومن هنا قال رسول الله -ﷺ- "والخير كله بيديك، والشر ليس إليك" [مسلم (771) كتاب: المسافرين، الدعاء في صلاة الليل].]]، وابن عباس قد بَيَّنَ ذلك كما حكينا، ولا شبهة لهم في الآية على القول الثاني.
النحل 16:10
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ﴾، قال أهل اللغة: الشجر أصناف، فأما جِلُّ الشجر فعظامه التي تبقى على الشتاء، وأما دِقُّ الشجر فصنفان: أحدهما يبقى له أَرُومَةٌ [[الأرُومَةُ: أصلُ كلِّ شجرة، والجميعُ الأرُومُ والأرُومَات، وأرَمْتُ الشيءَ: ذهبتُ بأرُومَته وقَلَعْتُه. انظر: "المحيط في اللغة" (أرم) 10/ 290.]] في الشتاء وَينْبت في الربيع، ومنها ما لا يبقى له ساق في الشتاء؛ كالبقول [[ورد في "تهذيب اللغة" (شجر) 2/ 1830، بنحوه، وانظر: (شجر) في: "جمهرة اللغة" 1/ 458، و "مقاييس اللغة" 3/ 246، و"اللسان" 4/ 2198.]]، وقال أبو إسحاق: كلُ ما يَنْبُت على الأرض فهو شجر: نُطْعِمُها [[في جميع النسخ: (يعظمها) ولا معنى لها، والصحيح أنها تصحيف من (نطعمها) كما في بعض المصادر.]] اللحم إذا عَزَّ الشَّجَرْ [[البيت للنمر بن تَوْلَب [مخضرم (ت 14 هـ)]. وعجزه:
والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرْ
"ديوانه" ص 355، وفيه (عَسَرْ) بدل (ضَررْ)، وورد في "الشعر والشعراء" ص 191 (الشحم) بدل (اللحم) الأولى، و"الأغاني" 22/ 279، و"اللسان" (هشش) 8/ 4667، وورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" (لحم) 4/ 3248، "اللسان" (علف) 5/ 3070، و"تفسير الألوسي" 14/ 105، في الأخيرين برواية: (نعلفها) بدل (نطعمها)، وورد صدره في "تفسير الرازي" 19/ 233، والخازن 3/ 108، وأبي حيان 5/ 478، وسمى اللبن لحماً؛ لأنها تسمن على اللبن.]]
ويعني أنهم يُسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 192، بنحوه.]]، وقال ابن قتيبه في هذه الآية: يعني الكلأ [["الغريب" لابن قتيبة ص 243، بلفظه.]]، ومعنى الآية: أنه ينبت بالماء الذي أنزل من السماء ما يرعاه الراعيةُ من ورق الشجر وجلّها؛ لأن الإبل يرعى جِلَّ الشجر. قال ابن السِّكِّيت: يقال: شاجرَ المالُ، إذا رعى العُشبَ والبَقْلَ فلم يَبْق منها شيء، فصار إلى الشجر يَرْعاه [["إصلاح المنطق" ص 309، بنصه، وانظر: (شجر) في "تهذيب اللغة" 2/ 1831 بنصه، و"الصحاح" 2/ 694، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾، أي: في الشجر تَرْعَون مواشيكم، يقال: أَسِمْت الماشية إذا خليتها ترعى، وسَامَت هي تَسُومُ سَوْمًا إذا رَعَتْ حيثُ شاءت، فهي سَوَامٌ وسَائِمَةٌ [[ورد في "تهذيب اللغة" (سام) 2/ 1602، بنحوه، وانظر: (سوم) في "جمهرة اللغة" 2/ 862، و"المحيط في اللغة" 8/ 403، و"الصحاح" 5/ 1955.]]، قال الزجاج: أُخِذَ ذلك من السّومة؛ وهي العلامة ، وتأويلها أنها تُؤثِّر في الأرض برَعْيِها علامات [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 192، بنصه.]]، وقال غيره: لأنها تُعَلَّمُ الإرسالَ [[في "تفسير الفخر الرازي" 19/ 234، و"تفسير القرطبي" 10/ 82 (للإرسال)، وهو قريب من الأول.]] في المرعى [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 234، و"تفسير القرطبي" 10/ 82.]].
النحل 16:11
قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ﴾ قراءة العامة بالتاء [[انظر: "السبعة" ص370، و"علل القراءات" 1/ 301، و"الحجة للقراء" 5/ 54، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 34.]]، وقرأ أبو بكر عن عاصم بالنون [[أي: (نُنْبِتُ)، انظر: المصادر السابقة.]] والياء أشكل لما تقدم من الإفراد [[وقد رجحه الأزهري فقال: والياء أجودهما، وقال ابن خالويه: فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه أخبر به عن الله عز وجل لتقدم اسمه أول الكلام، والحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله عز وجل عن نفسه بنون الملكوت. انظر: "علل القراءات" 1/ 301، و"الحجة في القراءات" ص 209، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 34.]]، والنون لا يمتنع أيضًا، ويقال: نبت [[في (ش)، (ع): (أنبت)، والصحيح المثبت ليستقيم السياق، وهو موافق للمصدر.]] البقل (وأنبته الله، وقد روي: أنبت البقل) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]]، والأصمعي يأبى إلا نبت، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها:
حتى إذا أنبت البَقْلُ [[البيت كما في الديوان ص 41:
رأيتُ ذَوِي الحاجاتِ حولَ بُيوتِهم ... قطيناً لهم حتى إذا أنبت البقْلُ
أي: نبت.]]
متّهمة [[ورد في "تهذيب اللغة" (نبت) 4/ 3491، بمعناه، و"الحجة للقراء" 5/ 54، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿الزَّرْعَ﴾ قال ابن عباس: يريد الحبوب [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 433، والخازن 3/ 108، بلا نسبة.]]، ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ جمع زيتونة، يقال: الشجرة نفسُها زيتونة، ولثمرها زيتونة، والمجميع الزيتون، ﴿وَالنَّخِيلَ﴾ يقال: نخلة ونخل ونخيل.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، أي: وينبت من كل الثمرات، فحُذف لأن ما سبق يدل عليه.
النحل 16:12
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾، قراءة العامة بالنصب في هذه المنسوقات كلها [[انظر: "السبعة" ص 370، و"علل القراءات" 1/ 302، و"الحجة للقراء" 5/ 55، و"المبسوط في القراءات" ص 223، و"التيسير" ص 137.]]، وهو الوجه لاستقامتها في المعنى، وإذا استقامت في معنى واحد استقامت في إعراب واحد، وقد جاء التسخير في الشمس والقمر والنجوم، وهو قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: 33]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ [الأنعام: 97]، فكما حملت على التسخير في هاتين كذلك وجب أن يحمل على التسخير في هذه السورة.
وقوله تعالى: ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ حال مؤكدة؛ لأن تسخيرها قد عُرف بقوله: ﴿وَسَخَّر﴾ فجاءت الحال مؤكدة، ومجيء الحال مؤكدة في التنزيل وغيره كثير؛ كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: 91]. و:
أنا ابنُ دارَة معروفًا [[جزء من بيت لسالم بن دارة (مخضرم)، وتمامه:
أنا ابن دارة معروفا بها نَسَبي ... وهل بدارة يا للناس من عارِ
وهو من شواهد سيبويه 2/ 79، وورد في "الخصائص" 3/ 60، و"أمالي ابن الشجري"، و"تفسير ابن عطية" 8/ 382، و"الخزانة" 2/ 145، 3/ 266، == و"دارة": أمُّه، سميت بذلك لجمالها، تشبيها بدارة القمر.
والشاهد: قوله (معروفًا) حال مؤكِّدة لمضمون الجملة قبلها: (أنا ابن دارةَ).]] و:
كَفَى بالنأيِ من أسماءَ كاف [[البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي (جاهلي)، وعجزه:
وليس لِحبِّها ما عشتُ شافِ
"ديوانه" 142، وفيه: (إذا طال شافي) بدل (ما عشت شافي)، وورد في "أمالي ابن الشجري" 1/ 282، 432، و"الخزانة" 4/ 439، 10/ 477 (عجز)، وورد غير منسوب في "الكامل" 2/ 910، و"المقتضب" 4/ 22، و"الخصائص" 2/ 268 (صدر)، و"المنصف" 2/ 115، و"الموضح في وجوه القراءات" 2/ 732 (صدر)، و"شرح المفصل" 6/ 50، 10/ 103. (النأي) البعد، (أسماء) امرأة؛ يريد كفى النأي من أسماء كفايةً.
والشاهد قوله: (كافٍ) على أنه حال مؤكدة؛ لأنه إذا كفى فهو كافٍ لا محالة.]]
وقرأ ابنُ عامر: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ رفعًا [[انظر: "السبعة" ص 370، و"علل القراءات" 1/ 301، و"الحجة للقراء" 5/ 55، و"المبسوط في القراءات" ص 223، و"التيسير" ص 137.]]؛ كأنه قطعها عن سخر لئلا يجعل الحال مؤكدة، فابتدأ الشمس والقمر والنجوم، وجعل مسخرات خبرًا عنها؛ لأنه لا يقال: ذللت هذا الشيء مُذللا، ووهبت لك هذا موهوبًا، إلا في التأكيد النادر، وروى حفص عن عاصم: ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ بالرفع وحدها [[انظر: المراجع السابقة.]]؛ ووجه ذلك أنه لم يجعلها حالاً مؤكدة، وجعلها خبر ابتداء محذوف؛ كأنه قال بَعدُ: هي مسخراتٌ، فحذف المبتدأ وأضمر لدلالة الخبر عليه، وقد عُلم التسخير بما تقدم، وكون ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ حالًا مؤكدة أسوغ من كونها خبرَ مبتدأ محذوف؛ لأن الخبر ينبغي أن يكون مفيدًا، لم يجيء إلا كذلك، والحالُ تجيء مؤكِدة [[نقل القراءات في الآية وتوجيهها من "الحجة للقراء" 5/ 55، بتصرف، وانظر: كذلك التوجيه النحوي للقراءات في: "علل القراءات" 1/ 302، و"الحجة في القراءات" ص 209، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 35، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 732.]]؛ ألا ترى إلى قوله:
إذا كان يومٌ ذو كَواكِبَ أَشْنَعَا [[البيت لعمرو بن شَأس مخضرم (توفي نحو سنة20 هـ) وصدره:
بَنِي أسدٍ هلْ تعلمونَ بلاءَنا
"شعر عمرو بن شأس" ص 36، وورد في "الكتاب" 1/ 47، و"الحجة للقراء" 1/ 148، و"الأزهية" ص 186، و"الخزانة" 8/ 521، ويروى (يومًا ذا كواكب)، أراد إذا كان اليوم يومًا، وأضمر لِعلم المخاطب، ومعناه: إذا كان اليومُ الذي يقع فيه القتال، و (كان) في الوجهين بمعنى وقع. (الشناعة) الفظاعة، والتشنيع: التشمير، وشنَّعَ النجم: ارتفع في السماء، والشاعر يصف حربًا وشدةً، والعرب تقول لليوم الذي تلقى فيه شِدَّة: يومٌ مظلمٌ، حتى إنهم ليقولون: يومٌ ذو كواكب؛ أي اشتدّت ظُلْمته حتى صار كالليل. انظر: (شنع) في: "المحيط في اللغة" ا/ 288، و"الصحاح" 3/ 1239، و"اللسان" 4/ 2339.]]
حمله على الحال ولم يحمله على الخبر [[قال أبو علي: فجعل أي سيبويه (أشنعا) حالاً ولم يجعله خبرًا؛ لأن فيما تقدم من صفة الاسم ما يدل علي الخبر، فيصير الخبر لا يفيد زيادة معنى. "الحجة للقراء" 1/ 148.]].
النحل 16:13
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ أي لأجلكم، وهو عطف على ما قبله من المسخرات.
وقوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي هيأته ومناظره، يعني الدواب والأشجار وغيرها، ونصب مختلفًا على الحال، وذو الحال: ﴿وَمَا﴾ العامل فيها قوله: ﴿سَخَّرَ﴾.
النحل 16:14
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ أي ذَلَّله للركوب والغوص، ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ قال ابن الأعرابي: لحم طري غير مهموز، وقد طرو طرواة.
وقال الفراء في "المصادر": ما كان طريًّا، ولقد طري يطرى طراءً ممدود وطراوةً، كما يقال: شقي يشقى شقاءً وشقاوةً، قال ابن عباس: يريد السمك والحيتان [[ورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 200 ب، والسمرقندي 2/ 230، والثعلبي 2/ 155أ، والبغوي 3/ 64.]]، ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ قال: يريد الدر واللؤلؤ والمرجان والزبرجد والياقوت، وربما وجدوا فيه الذهب.
قال أبو علي: الحِلْيَة والحُلِي واحد، كما يقال: بِرْكَة للمصدر وبِرَك [[لم أقف على مصدره، وانظر: "اللسان" (حلا) 2/ 985، بنحوه منسوبًا إليه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ يجوز أن يكون هذا فصلاً مبتدأً غير معطوف على ما قبله، ويجوز أن يكون معطوفًا على ما قبله.
واختلف ألفاظ المفسرين في تفسير الماخر؛ فروى ابن عباس أنه قال: جواري [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 155 أ، بلفظه، وورد غير منسوب في البغوي 3/ 64.]]، وقال في رواية عطاء: يريد ملججين فيه، وأهل البحر يقولون: مَخَرْنا، يريد لججنا؛ إذا انقطع البر عنهم فلم يروه، وقال قتادة ومقاتل: مقبلة ومدبرة [[أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 354 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 89 بلفظه عن قتادة من طريقين، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 155 أ، بلفظه عنهما، والماوردي 3/ 182، عن قتادة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 12، عن قتادة.]].
قال الكلبي: يذهب ويجيء [[ورد بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 2/ 231، وابن عطية 8/ 386، وورد منسوبًا للضحاك في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 59.]].
وقال الحسن: مواقر [[أخرجه الطبري 14/ 88 بلفظه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 155 أ، و"تفسير الماوردي" 3/ 182.]].
وقال أبو عبيدة: صوائح [["مجاز القرآن" 1/ 357 بمعناه، قال: من مخرت الماء، شقَّته بجآجِئها.]]، ونحو هذا قال الفراء [[قال: واحدها ماخرة؛ وهو صوت جري الفلك بالرياح. "معاني القرآن" 2/ 98.]]، وكل هذا معان وليس بتفسير، وتفسير المواخر ما ذكره أهل اللغة.
قال المنذري: سمعت أحمد بن يحيي يقول وسئل عن المواخر، فقال: الماخرةُ السفينةُ التي تَمْخَرُ الماءَ؛ تدفعه وتدفع الموج بصدرها [[ورد في "تهذيب اللغة" (مخر) 4/ 3356، بنصه.]]، قال: وأنشدني الحرَّانيُّ عن ابن السكيت أنه أنشده للراجز في صفة نساء ضرائر:
وصارَ أمثالَ الفغا ضرائري ... مُقَدِّماتٍ أَيْدِيَ المَواخِرِ [[نُسب لابن السِّكِّيت في التهذيب واللسان. ورد في "التهذيب" (مخر) 4/ 3356 برواية:
يافِىَّ مالِي عَلِقَتْ ضَرَائري ... مقدماتٍ أيديَ المواخِرِ
وورد صدره في (فغا) في "تهذيب اللغة" 3/ 2809، و"اللسان" 6/ 3442، وورد عجزه في "مقاييس اللغة" 5/ 303، و"مجمل اللغة" 2/ 825، بلا نسبة فيهما، و"اللسان" (مخر) 7/ 4152.]]
قال: الماخِرُ: الذي يَشقُّ الماءَ إذا سَبحَ، يصف نساءً تَصْخَبْنَ وتَسْتعِنَّ بأيديهن كأنهن سوابح [[ورد في "تهذيب اللغة" (مخر) 4/ 3356، بنحوه.]]، والفغا: ضرب من التمر غليظ [[وهو قول الليث، ورد في "تهذيب اللغة" (فغا) 3/ 3809، وقد خطأه الأزهري، == فقال: هذا خطأ، والفغا: داءٌ يقع على البُسر مثل الغُبار، ويقال: ما الذي أفغاك، أي أغضبك وأورمك، وقال أبو عبيد: إذا غَلُظت التمرةُ وصار فيها مثل أجنحة الجراد فذلك الفغا مقصور، وقد أفغت النَّخلة.]]، يقال: ما الذي أفغاك، أي: أغضبك وورّمك.
وقال أبو الهيثم: مَخْرُ السفينةِ: شَقُّها الماءَ بصدرها [[ورد في "تهذيب اللغة" (مخر) 4/ 3356، بنصه.]].
وقال الفراء: يقال: مَخَرَتْ تَمْخُرُ وتَمْخَرُ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 98، بنصه، وهو في "تهذيب اللغة" بنصه.]] مَخرًا ومخُورًا.
قال الأزهري: والقول في تفسير المواخر ما قاله ثعلب وأبو الهيثم؛ أنها تشق الماء شقًّا [["تهذيب اللغة" (مخر) 4/ 3356، وعبارته: قلت: والمخْرُ أصله الشَّقُّ.]]، وسمعت أعرابيًّا يقول: مَخَرَ الذئبُ شاةً، أي شقَّ بطنَها [[ورد في "تهذيب اللغة" بنحوه.]]، وأصل المخر الشق، ومنه الحديث: "إذا أراد أحدكم الخلا فليتمخر الريح" [[ورد في "تهذيب اللغة"، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 155 أ، برواية: (البول) بدل (الخلاء)، وأورده الطبري بهذه الرواية ونسبه لواصل مولى ابن عيينة 14/ 89، وورد في "تفسير البغوي" 5/ 13، وفي "النهاية" برواية: (إذا بال أحدكم فليتمخر الريح) 4/ 305، وورد بمعناه في "المجروحين" لابن حبان 3/ 108 ، قال: (إذا أراد أحدكم الخلاء فلا يستقبل الريح).]]. قال أبو عبيد: يعني أن ينظر مجراها فلا يستقبلها [["الغريب" لأبي عبيد 1/ 312 بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" (مخر) 4/ 3356، بنصه.]]، فأما ما ذكره المفسرون فإنه يصح في المعنى؛ لأنها لا تشق الماءَ إلا إذا كانت جارية موقرة ويسمع لجريها وشقها الماءَ صوتٌ، وهي تشق الماء مقبلةً ومدبرةً، وذاهبةً وجائيةً.
وقوله تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني لتركبوا للتجارة فتطلبوا الربح من فضل الله.
النحل 16:15
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ يريد جبالًا ثابتة، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يعني لئلا تميد على قول الكوفيين، وكراهة أن تميد على قول البصريين، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176]، والميد: الحركة والاضطراب يمينًا وشمالاً، ماد يميد ميدًا [[انظر: (ميد) في "جمهرة اللغة" 2/ 685، و"المحيط في اللغة" 9/ 383، و"مجمل اللغة" 2/ 820، و"عمدة الحفاظ" 4/ 150.]]، قال ابن عباس: يريد أُوَتّدُها بالجبال لئلا تميد بأهلها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ قال يريد: النِّيل [[النِّيل: بكسر أوله، نهر مشهور بأفريقيا وبمصر خاصة، يعد ثاني أنهار العالم طولاً، يبلغ طوله (6500) كلم، ينبع من بحيرتي فكتوريه وثانا ويصب في المتوسط، ويمر بعدة دول، هي: كينيا وأوغنده وأثيوبيا والسودان ومصر، ويتفرع في عدة جداول فيها. انظر: "الروض المعطار" ص 586، و"معجم البلدان" 5/ 334، و"أطلس العالم الصحيح" ص 121.]] والفُرات ودِجلة [[دجِلة والفُرات: من الأنهر المشهورة، ينبعان من هضبة أرمينية، ويمران بعدة دول، هي: أرمينية وتركية والعراق وسورية، ويجتمعان في شط العرب جنوب العراق ويصبان في الخليج العربي. انظر: "الروض المعطار" ص 439، و"معجم البلدان" 4/ 241، و"أطلس تاريخ الإسلام" ص 114، و"أطلس العالم الصحيح" ص 68.]] وسَيْحَان [[سَيْحان: نهر كبير بالثغور من نواحي المصيصة [منطقة جنوب تركيا]، وهو نهر أذنة [أضنة] بين أنطاكية والروم [تركيا]، يمر بأذنة ثم ينفصل عنها نحو ستة أميال فيصب في بحر الروم [البحر المتوسط] وهو غير سيحون، وذكر صاحب الروض المعطار أنه واحد. انظر: "الروض المعطار" ص 333، و "معجم البلدان" 3/ 293، و"أطلس تاريخ الإسلام" ص 142، و"أطلس العالم" ص 39.]] وجَيْحَان [[جَيْحَان: نهر عظيم بالمصيصة بالثغر الشامي [جنوب تركيا]، ومخرجه من بلاد == الروم، ويمر حتى يصب بمدينة تعرف بكَفَرْ بَيّا بإزاء المصيصة [الإسكندرونة]، ويخرج إلى البحر الرومي [البحر المتوسط]. انظر: "الروض المعطار" ص 185، و"معجم البلدان" 2/ 196، و"أطلس تاريخ الإسلام" ص 142، و"أطلس العالم" ص 39.]]، ونصب: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ بتقدير: وجعل، ودَلَّ: ألقى عليه، قال أبو إسحاق: لأن معنى ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: جعل فيها رواسي، يدل عليه قوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 193، بنصه.]] [النبأ: 7].
وقوله تعالى: ﴿وَسُبُلَاَ﴾ قال ابن عباس: يريد طُرقًا إلى كل بلاد [[انظر: "تنوير المقباس" ص 283، بنحوه.]]، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: لكي تهتدوا إلى مقاصدكم من البلاد فلا تضلون.
النحل 16:16
قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ منسوقة [[في جميع النسخ: (منسوخة) بالخاء، والصواب المثبت؛ لانسجام المعنى، فالكلام هنا عن العطف لا النسخ.]] على ما قبلها، والعلامة صورة يعلم بها المعنى من خط أو لفظ أو إشارة أو هيئة، وأصلها مشتق من العلم، واختلفوا في معناها؛ فقال الكلبي والقرظي: يعني الجبال [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 354) بلفظه عن الكلبي، والطبري 14/ 92 بلفظه عن الكلبي، والسمرقندي 2/ 231، بلفظه عن الكلبي، والثعلبي 2/ 155 ب، بلفظه عنهما، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 13، عنهما، وابن عطية 8/ 389، عن الكلبي، وابن الجوزي 4/ 436، عن الكلبي، و"تفسير القرطبي" 10/ 91، عن الكلبي، والخازن 3/ 110، عنهما، و"الدر المنثور" 4/ 212، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن الكلبي.]]، وهي علامات للطرق بالنهار كالنجوم بالليل، وعلى هذا تَمَّ الكلام هاهنا، وبقية الآية ابتداء مع خبره، وهذا قول الأخفش [[ليس في معانيه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 10، وصديق خان 7/ 222.]]، وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد نجوم السماء، والوجه هو الأول [[وقد ورد عن ابن عباس قولاً لم يورده أعمّ وأولى مما رجحه، وهو ما رجحه الطبري، قال: العلامات: معالم الطرق بالنهار. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 92، وورد في "الدر المنثور" 4/ 212، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.]]؛ لأنها [[في (أ)، (د): (لا)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح، وبه يستقيم الكلام.]] معطوفة على ما خلقت في الأرض، والنجوم لم تخلق في الأرض، ولأنه لو كان المراد بالعلامات النجوم لقال: وبها يهتدون، فلما قال: ﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ دَلَّ أن المراد بالعلامات غيرُ النجم.
وقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال مجاهد وإبراهيم: أراد جميع النجوم [[الذي ورد عن مجاهد وإبراهيم، قالا: منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدى به. أخرجه الطبري (14/ 91، عنهما من طريقين، لكن هذا تفسير لـ ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾، وليس لـ ﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ كما في الطبري، وانظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 155 ب.]]، واختاره الزجاج؛ فقال: النجم والنجوم في معنى واحد، كما يقال: كثر الدِّرهم في أيدي الناس والدَّراهم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 193، بنصه، وهو الأوْلَى من التخصيص الوارد في الأقوال التالية.]]، وقال عطاء عن ابن عباس: يعني الجَدْي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 283، قال: بالفرقدين والجدي. (الجدي): هو الكوكب الذي يتوخى الناس بها القبلة؛ لأنه لا يزول، وتُسَمّيه العرب: جدى بنات نعش. انظر: "الأزمنة والأمكنة" ص 546.]]، وقال السدي: يعني الثُّريا وبَنات نَعْش [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 155ب، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 13، والزمخشري 2/ 325، وابن الجوزي 4/ 436، والفخر الرازي 20/ 10، والخازن 3/ 110. (الثريا): من الكواكب، سميت لغزارة نَوْئها [النوء: هو سقوط نجم بالغداة مع طلوع الفجر وطلوع آخر في حياله في تلك الساعة]، وقيل: سميت بذلك لكثرة كواكبها مع صغر مرْآتها، لا يتكلم بها إلا مصغرًا، وهو تصغير على == جهة التكبير. (بنات نعش) سبعة كواكب؛ أربعة منها نَعْش؛ لأنها مُربعة، وثلاثةٌ بناتُ نعشٍ؛ الواحد ابنُ نَعْش؛ لأن الكواكب مذكر فيذكرونه على تذكيره، وإذا قالوا: ثلاث أو أربع، ذهبوا إلى البنات. انظر: "المحيط في اللغة" (نوأ) 10/ 419، و"الأزمنة والأمكنة" ص 139، 547، و"اللسان" (نعش) 7/ 4474، (ثرا) 1/ 480.]]، وقال الكلبي: يعني الفَرْقَدين والجَدْي [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 436، ورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 231، (الفرقدان) نجمان منيران في بنات نعش، يضرب بهما المثل في طول الصحبة في التساوي والتشاكل، وقيل: نجمان في السماء لا يغربان ولكنهما يطوفان بالجدي، وقيل: كوكبان في بنات نعش الصغرى. انظر: "اللسان" (فرقد) 6/ 3402، "جنى الجنتين في تمييز نوعي المثنيين" ص 86.]]، وهو اختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 98، بلفظه.]]، ﴿همْ يَهْتَدُونَ﴾ أي إلى الطريق والقبلة في البر والبحر.
النحل 16:17
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ قال ابن عباس: يريد ما ذكر في هذه السورة، ومن يخلق هو الله عَزَّ وَجَلَّ، ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ يريد الأوثان؛ كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ الآية. [لقمان: 11] وإنما قال: ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ للوثن لاقترانه في الذكر مع الخالق؛ كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ الآية [النور: 45] قال الفراء: والعرب تقول: اشتَبه عليّ الراكبُ وجمله، فلا أدري مَنْ ذا ومنْ ذا؟ حيثُ جَمَعَها وأحدُهما إنسان؛ صَلحت (مَنْ) فيهما [["معاني القرآن" للفراء 2/ 98، بنصه، وانظر: "تفسير الطبري" 14/ 93.]]، وقيل: إنهم لما عبدوها ذُكرت بلفظ (مَنْ) [[ذكر هذين القولين توجيهًا لاستخدام (منْ) وهي للعاقل كما يقول النحويون للتعبير بها عن غير العاقل؛ وهي الأصنام، وحقها (ما) عندهم؛ لأن الأصنام غير عاقلة.]]؛ كقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ الآية [الأعراف: 195]، وقد مر.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين، يقول: أفلا تتعظون كما اتعظ المؤمنون [[انظر: "تنوير المقباس" ص 283، بنحوه.]]، قال أصحابنا: وهذه الآية دليل على أن الخالق واحد، وإنما يتميز الخالق من المخلوق بالقدرة على اختراع الخلق، فمن جعل نفسه خالقًا لأفعاله التي يفعلها فقد نصب نفسه خالقًا شريكًا لله في الخلق [[هذا ردّ على المعتزلة في زعمهم أن العباد خالقون لأفعالهم.]]، وقال أهل التأويل: معنى هذه الآية: إنكار تشبيه من يخلق بمن لا يخلق بالتسوية بينهما في العبادة، كما [[في جميع النسخ: (كمن)، وبالمثبت يستقيم الكلام.]] لا يجوز أن يُسوّى بين من ينعم ومن لا ينعم في الشكر [[ورد بمعناه في: "تفسير الطبري" 14/ 92، وهود الهواري 2/ 363، والطوسي 6/ 368.]].
النحل 16:18
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ذكرنا تفسيره في سورة إبراهيم [[عند الآية [34].]]، وقال ابن عباس في هذه الآية: يريد أنّ نِعمي أكثر مما يُحصي أو يُعرف؛ منها ظاهر ومنها باطن.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ أي لِما منكم من تقصير شكر نعمه، ﴿رَحِيمٌ﴾: بكم حيث لم يُقصْها عنكم بتقصيركم.
النحل 16:20
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ قراءة العامة بالتاء [[انظر: "السبعة" ص 371، و"علل القراءات" 1/ 302، و"الحجة للقراء" 5/ 58، و"المبسوط في القراءات" ص 2224، و"التيسير" 137.]]؛ لأن ما قبل هذه الآية كلها خطاب للكفار، وقرأ عاصم بالياء في: ﴿يَدْعُونَ﴾ [[المصادر السابقة.]] إخبارًا عن المشركين الذين يعبدون الأصنام من دون الله، ثم وصفها.
النحل 16:21
فقال: ﴿أَمْوَاتٌ﴾، قال الزجاج: أي وهم أموات [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 193، بلفظه.]]، وقال الفراء: وإن شئت رددت على أنه خبر للذين، كأنه قال: والذين تدعون من دون الله أموات، والأموات في هذا الموضع يعني بها أنها لاروح فيها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 98، بنحوه.]].
وقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ تأكيد [[ساقطة من (د).]]؛ إذ قد يقال للحي هو كالميت في البعد من أن يعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيتبرؤون من عابديهم، ثم يؤمر بالشياطين والذين كانوا يعبدونها إلى النار [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 438، والفخر الرازي 20/ 16، و"تفسير القرطبي" 10/ 94.]]، وقال أبو إسحاق: أي وما يشعرون متى يبعثون، و ﴿أيَّانَ﴾ في موضع نصب بقوله: ﴿يُبْعَثُونَ﴾، ولكنه مبني غيرُ مُنَوَّن [[في (ش)، (ع): (معرب).]] لأنه بمعنى الاستفهام، ولا يُعرب كما لا يُعرب متى وكيف وأين، إلا أن النون فتحت لالتقاء الساكنين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 193، بنصه.]]، واختير الفتح على الكسر؛ لأن الفتح أشبه بالألف وأخف معها، وذكرنا معنى أيّان عند قوله: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: 187]، وقد تضمنت هذه الآية البيان عما تُوْجِبه صفة من ليس بحي من الامتناع أن يكون منه فعل، لاستحالة ذلك، ذكر الله ذلك في الآية الأولى؛ أن أصنامهم مخلوقة غير خالقة، وذكر في هذه الآية أنها مع كونها مخلوقةً مواتٌ غيرُ ذات روح وأنها مبعوثة، وهي لا تعلم متى وقت بعثها، وكل هذا يدل على جهل من عبدها أو أشركها بالله تعالى.
النحل 16:22
قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ مضى الكلام في هذا في سورة البقرة [162].
وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ الآية دخلت الفاء للإتباع دون العطف، ذكر الله تعالى دلائل وحدانيته ثم أخبر أنه واحد لا نظير له ولا كفء ولا شريك، ثم أتبع هذا إنكار الكفار وحدانيته، وقال: ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾، أي: جاحدة غير عارفة ولا مُقِرَّة بالحق من توحيد الله، وقال ابن عباس: منكرة لهذا القرآن [[ورد غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 364.]]، وذكرنا معنى الإنكار عند قوله: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ في سورة هود [70].
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾، أي: ممتنعون من قبول الحق، والاستكبار: الترفع بترك الإذعان للحق، قال ابن عباس: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾: عن عبادة الله.
النحل 16:23
قوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ﴾ الآية، ذكرنا معنى لا جرم، والخلاف فيه في سورة هود عند) [[في نسخة (أ) ما بين القوسين كتب على الهامش.]] قوله ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [هود: 22] ، وليس يحتمل هاهنا من تلك الأقوال إلا قولًا واحدًا، وهو أن يكون بمعنى: حقًّا، وبهذا فسره ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" ص 284، وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 94، والسمرقندى 2/ 232، والثعلبي 2/ 155 ب.]] واختاره الزجاج، فقال: حقًّا أن الله [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 194، بنحوه.]]، ومذهبه في لا جرم في سورة هود غير هذا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 46.]]؛ فمعنى لا جرم هاهنا: تأكيدٌ وقَسمٌ ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، وتأكيد ذلك تأكيد جزائهم؛ كأنه قيل: يجازيهم بما يسرون وما يعلنون؛ لأنه يعلم ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾، أي: لا يثيبهم ولا يمدحهم ولا يرضى عنهم [[هذا من تأويلات الأشاعرة للصفات الفعلية لله تعالى، إذ صرفوا اللفظ عن ظاهره دون دليل أو حجة إلا شبهات واهية، فأولوا صفة المحبة: بالإثابة والمدح والرضى عنهم كما هنا، أو بالإحسان إليهم والتفضل بإعطاء الثواب أو إرادة الإنعام والإحسان. أما مذهب أهل الحق: فيثبتون صفة المحبة الله تعالى إثباتًا حقيقيًا على وجه يليق بجلاله وعظمته، كما أنهم يثبتون معه لازم المحبة؛ وهي إرداته سبحانه إكرام من يحبه وإثابته، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء -عليه السلام-. انظر: "مجموع الفتاوى" 2/ 354، و"مدارج السالكين" 3/ 18، و"أقاويل الحقات في تأويل الأسماء والصفات" ص 77، و"شرح العقيدة الواسطية" للهراس ص 53.]].
النحل 16:24
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، معنى أساطير الأولين ذكرناه في سورة الأنعام [25]، قال ابن عباس: نزلت في النضر بن الحارث وأصحابه؛ كان خرج إلى الحِيرَة فاشترى أحاديث كَليلة ودِمنة وأساطير الأولين، وكان يقول: تعالوا أقرأ عليكم ما يقرأ محمد على أصحابه؛ أساطير الأولين [[انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 397. و"تفسير القرطبي" 10/ 95، ورد فيهما بلا نسبة.]].
وقال أبو إسحاق في هذه الآية: (ما) مبتدأة و (ذا) في موضع الذي، المعنى: ما الذي أنزل ربكم؟ وأساطير مرفوعة على الجواب؛ كأنهم قالوا: الذي أَنْزَلَ أساطيرُ الأولين؛ الذي يذكرون أنه منزلٌ أساطيرُ الأولين، أي أكاذيبهم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 194، بنحوه.]]، وشرح أبو علي هذا فقال: رُفِعَ الأساطيرُ؛ لأن ذا بعد [[في (د): (بمعنى).]] ما بمنزلة الذي [[انظر: "رصف المباني" ص 265، و"الجنى الداني" ص 239.]]، ولم يُجعل معها بمنزلة اسم واحد، فكأنه قال: ما الذي أنزل ربكم؟ فقيل: أساطير الأولين، أي الذي أنزله أساطير الأولين، فَيُضَم المبتدأ الذي كان خبرًا في سؤال السائل، على هذا يرتفع الأساطير في قول سيبويه [["الكتاب" 2/ 419، وانظر: "المسائل البغداديات" ص 371 - 372.]]، قال: وروي عن أبي زيد وغيره من النحويين أنهم قالوا: لم يُقِرُّوا بإنزال الله لذلك، فكأنهم لم يجعلوا أساطير الأولين خبر الذي أنزل، وعلى هذا يرتفع الأساطير بخبر ابتداء محذوف؛ كأنه قيل الذي يعنون والذي يسألون عنه أساطير الأولين، فحذف المبتدأ لدلالة ما في السؤال عليه [[لم أقف على مصدره، وورد نحوًا من هذا التوجيه في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 208، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 13، و"البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 77 ، و"الإملاء" 2/ 79، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 222.]]، ووجه قول سيبويه: إذا جعلت أساطير الأولين خبر (ذا) الذي هو بمعنى الذي في قوله: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أن يكون المعنى: الذي أنزله ربكم عندكم وفي قولكم أساطير الأولين؛ كما جاء: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: 49] ، وكما قالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: 6]، أي: عنده وعند من تبعه، فيمكن أن يُجعلَ الأساطيرُ خبر من غير أن يُقِرُّوا بالإنزال على الوجه الذي ذكرنا، وهذا معني قول أبي إسحاق، أي الذي يذكرون أنه منزل أساطير الأولين.
النحل 16:25
قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ الآية، اللام في ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ لام العاقبة، وهم لم يقولوا للقرآن: أساطير الأولين، ليحملوا الأوزار؛ ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك بهذا القول، جاز أن يقال: فعلوا ذلك له؛ كقوله عز وجل: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8]، وهم لم يلتقطوا لذلك، وكما قال النابغة:
جاءت لِتُطعِمَه لحمًا ويَفْجعها بابن ... فقد أطعمتْ لحمًا وقد فَجعا [[لم أجده في "ديوان النابغة"؛ لا الجعدي ولا الذبياني، ولم أقف عليه في المصادر.]]
يعني بقرًا جاءت مع عجلها للرعي، فوقع الذئب على عجلها فأكله، فزعم أنها جاءت لذلك، وهي لم تجئ له.
قوله تعالى: ﴿كَامِلَةٌ﴾، قال صاحب النظم: أي أن غيرهم لا يحمل عنهم من أوزارهم شيئًا، ويجوز أن يكون المعنى: أنهم لا يُكفَّر عنهم شيء من ذنوبهم بما يصيبهم في الدنيا من نكبة وبلية كالمؤمنين [[في هذا المعنى روى البخاري (5641)، (5642) في المرض ، باب ما جاء في كفارة المرض، ومسلم (2573) في البر والصلة والآداب، ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ما يصبب المؤمن من نصبٍ ولا وصب، ولا همّ ولا حزَن، ولا أذى ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفَّرَ الله بها من خطاياه"]]؛ لأنهم [[في (د): (فإنهم).]] كفار، فهم يرِدون الآخرة بما اكتسبوا من الآثام كلها.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ لأنهم كانوا رؤساء، فلما قالوا في القرآن: إنه أساطير الأولين، اقْتُدي بهم فيه، فحُمل عليهم من أوزارهم، يبين هذا ما روي أن النبيّ -ﷺ- قال: "أيّما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتُّبع فإن عليه أوزارَ من اتَّبَعه، من غير أن يَنقصَ من أوزارهم شيء" [[أخرجه ابن ماجه (205) المقدمة، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة بنصه عن أنس، والطبري 14/ 96 بنصه، وورد في "تفسير الرازي" 20/ 18، و"القرطبي" 13/ 331، و"الدر المنثور" 7/ 214 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، والجامع الصغير للألباني (2712)، وقد ورد برواية: "من دعا .. ، وبرواية: "من سن سنة .. " في: مسند أحمد 2/ 397، 4/ 361، وصحيح مسلم (2674) في العلم، باب: من سن سنة حسنة وما بعدها، والترمذي (2674) في العلم، باب: ما جاء فيمن دعا إلى الهدى فاتبع أو إلى ضلالة 5/ 43، والنسائي بالرواية الثانية: الزكاة، التحريض على الصدقة 5/ 75، وسنن ابن ماجه. المقدمة، من سن سنة (206).]].
فهؤلاء لمّا كانوا دعاةَ الضلالة، حُمِّلوا من أوزار من اتبعهم.
و (من) في قوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ ليست للتبعيض؛ لأنها لو كانت للتبعيض لخفَّ عن الأَتْبَاعِ بعضُ أوزارهم يحمل الرؤساء ذلك، ولكنها للجنس، أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع، وإنما ذلك لأن النبيّ -ﷺ- قال: "من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"، ولو جعلنا المحمولَ من أوزار الأتباع نقصت أوزارهم، فليس يأتي التابعُ بجنس من الذنب في ضلالته إلا وعلى المتبوع مثلُ ذلك، كما قال -ﷺ-: "فإن عليه مثل أوزار من اتبعه".
وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، أي: بجهل، يريد أن هؤلاء المتبوعين يُضِلّون من اتبعهم جهلًا منهم بما يفعلون من احتقاب [[أصلها حقب، يقال: حقب البعير واحتقب حقبًا: احتبس بوله وتَعَسَّر عليه، وحَقِب العام: احتبس مطرُه، واحتقبَ الشيءَ: ادَّخره، وكذلك: احتمله، وهو المقصود هناك. انظر: (حقب) في "تهذيب اللغة" 1/ 873، و"المحيط في اللغة" 2/ 363، و"اللسان" 2/ 937، و"معجم متن اللغة" 2/ 129.]] أوزارهم ومثل أوزار من اتبعهم، ثم ذم الله صنيعهم فقال: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، ومضى تفسير هذا وتفسير الوزر عند قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِم﴾ الآية [الأنعام: 31].
النحل 16:26
قوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال جماعة المفسرين: يعني نمرود بن كنعان، بَنَى صرحًا طويلًا ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها [["تفسير مجاهد" 1/ 346، و"مقاتل" 1/ 201 ب، وأخرجه الطبري (7/ 576) عن ابن عباس والسدي وزيد بن أسلم، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 233، والثعلبي 2/ 155 ب، والماوردي (3/ 185، والطوسي 6/ 374، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 16، والزمخشري 2/ 326، وابن عطية 8/ 399، وابن الجوزي 4/ 439، و"الرازي" 20/ 20، و"القرطبي" 10/ 97، والخازن 3/ 112، و"الدر المنثور" 4/ 218، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وتخصيص الآية على النمرود وأصحابه فيه نظر، لأنه ليس في الآية ما يدل على ذلك، لكنهم اعتبروا أن المشار إليهم في هذه الآية هم المذكورون في سورة إبراهيم في قوله: ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾، كما ذكر الطبري؛ وحتى بهذا الاعتبار، لا يسلم لهم، فقد عرفنا موقف العلماء من هذه القصة؛ التضعيف والرد والإنكار، وأغلب الظن أنها إسرائيلية، ومما يؤكده رواية كعب لها، وهو من مصادر الإسرائيليات، ولا يقال: إن الرواية هنا ثبتت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وقوله معتبر، وهو كذلك عند ورودها عن الطرق الصحيحة، والرواية التي أوردها الطبري جاءت من طريق العوفي، وهي طريق غير مرضية، فلا يعتد بها، ولا يعتمد عليها، وقد أشار ابن عطية إلى التعميم بقوله: وقالت فرقة أخرى: المراد به جميع من كافر من الأمم المتقدمة ومكر، ونزلت له عقوبةُ من الله تعالى، وهو ما رجحه الفخر الرازي، والخازن انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 400، والفخر الرازي 20/ 20، والخارن 3/ 112.]]. ومعنى المكر هاهنا: التدبيرُ الفاسد؛ روى ثعلب عن ابن الأعرابي في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: 50] قال: دبروا [[لم أقف عليه.]]، والمراد في هذه الآية [[في (أ): (الأمة) والمثبت هو الصحيح، كما في باقي النسخ.]] تدبيره في بناء الصرح لقتال أهل السماء.
وقوله تعالي: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾، أي: أتى أمرُ الله، وهي الريح التي خربتها وحركتها، وهو ما ذكر المفسرون؛ أن الله تعالى أرسل ريحًا فألقت رأس الصرح في البحر وخَرَّ عليهم الباقي [[انظر: "تفسير البغوي" 5/ 16، عن كعب ومقاتل، والزمخشري 2/ 326، وابن عطية 8/ 399، وابن الجوزي 4/ 440، و"تفسير القرطبي" 10/ 97، والخازن 3/ 112، فيهما عن كعب ومقاتل.]]، فأمْرُ الله الذي أتى البنيان يجوز أن يكون الريح، ويجوز أن يكون أمره للبنيان بالانهدام، فالآية من باب حذف المضاف؛ وحذف المضاف هاهنا للتهويل والتعظيم، وقد سبق بيان هذا في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 210]، والبنيان اسم للبناء.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ قال أبو إسحاق: أي من أساطين البناء التي تَعْمِده [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 195، بنصه.]]، وذكرنا معنى القواعد للبناء في سورة البقرة [127].
وقوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، أي: سقط عليهم البيوت؛ على أصحاب نمرود [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 355 بمعناه عن قتادة، والطبري 14/ 97 - 98 بمعناه عن قتادة ومجاهد ورجحه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 63، عن مجاهد، و"تفسير الثعلبي" 2/ 156 أ، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 185.]]، وذِكْر ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ليدل أنهم كانوا تحته، إذ [[في جميع النسخ: (إذا)، والمثبت هو الصحيح المناسب للسياق.]] يقول القائل: تهدمت عليّ المنازل، ولم يكن تحتها، هذا قول ابن الأنباري، قال: والعرب تقول: تداعت علينا الدار، وخَرِب علينا الحانوت، وإن لم يكونوا تحته [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 441.]]، ويجوز أن يكون للتأكيد.
وقوله تعالى: ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: من حيث ظنوا أنهم منه في أمان، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد بالبعوضة؛ يعني التي أهلك بها نمرود [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 98، وهذا تخصيص بلا دليل، فضلاً أن هذه الطريق إلى ابن عباس منقطعة.]].
النحل 16:27
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِم﴾، معنى الإخزاء ذكرنا عند قوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: 192].
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ قال الزجاج: شركائي حكايته لقولهم، والله لا شريك له، والمعنى: أين الذين في دعواكم أنهم شركائي [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 195، بنصه.]].
قال أبو علي: سبحانه لم يثبت بهذا الكلام له شريكًا، وإنما أُضيف على حسب ما كانوا يقولونه وينسبونه، وكما أُضيفت هذه الإضافة كذلك أضيفت إليهم في قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: 22]، وفي أخرى: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: 28]، فإنما أُضيفوا هذه الإضافة على حسب ما كانوا يسمونه ويعتقدونه فيهم؛ كقوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: 49]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6]، وقد تقع الإضافة لبعض الملابسة دون التحقيق، كقول الشاعر [[هو حُريث بن عَنّاب الطائي، من شعراء الدولة الأموية (ت 80 هـ).]]:
إذا قُلْتُ قَدْني قَال باللهِ حَلْفَةً ... لَتُغْنيَ عَنِّي ذا إنائِكَ أَجْمَعَا [[ورد في: "شرح شواهد المغني" (2/ 558) برواية:
إذا قال قدني قلت آليت حلفة
وفي "الخزانة" 11/ 434، برواية: (قطني) بدل (قدني)، والمعنى واحد، معناه: حسبي، و"الدر" 4/ 217، برواية: (قيل) بدل (قلت)، وورد غير منسوب في "معاني القرآن" للأخفش 2/ 557، و"إيضاح الشعر" ص 214، و "تفسير ابن عطية" 8/ 402، و"شرح المفصل" 3/ 8 برواية: إذا قال، و"المقرب" 2/ 77 برواية: إذا هو آلى، و"الدر المصون" 5/ 118، و"مغني اللبيب" ص 278، و"همع الهوامع" 4/ 242، والمعنى: اشرب جميع ما في الإناء ولا تردّه عليّ.]]
فأضاف الإناء إليه لشربه منه، والإناء في الحقيقة لمن سقى به دون من شرب منه، وهذا كما يقول لمن يحمل خشبة ونحوها: خذ طَرَفَكَ وآخذ طَرَفي، فتَنْسِبُ إليه الطرف الذي يليه كم تنسب إلى نفسك الطرف الذي يليك، فعلى هذا تجري الإضافة في قوله: ﴿شُرَكَائِيَ﴾ [["الحجة للقراء" 5/ 61، بتصرف يسير.]]، ومعنى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ أي: أين هم لا يحضرونكم فيدفعوا عنكم العذاب.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: تخالفون [[أخرجه الطبري 14/ 98 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 218 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
قال أهل المعاني: معناه يكونون في أمر الشركاء في جانب والمسلمون في جانب، لا يكونون معهم يدًا واحدة [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 59، بنحوه.]]؛ يخالفونهم فيها فيعبدونهما ولا يعبدون الله، وقرأ نافع بكسر النون [[أي: ﴿تُشاقُّونِ﴾ مع الكسر التخفيف. انظر: "السبعة" ص 371، و"علل القراءات" 1/ 303، و"الحجة للقراء" 5/ 59، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 137، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 734.]].
ووجهه ما ذكرنا في قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: 54] المعنى على هذه القراءة ما رواه عطاء عن ابن عباس، قال: يريد تنازعوني فيهم وتتخذونهم أولياء من دوني، وعلى هذا معنى مخالفتهم الله في الشركاء [[في (أ)، (د): (الشرع)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو المناسب للسياق والمعنى.]] مخالفتهم أمر الله؛ كما ذكرنا في قوله: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: 130].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قال ابن عباس: يريد الملائكة [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 441، والفخر الرازي 20/ 20، و"تفسير القرطبي" 10/ 98، و"تنوير المقباس" ص 284، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 233، والزمخشري 2/ 327، وابن عطية 8/ 402، والخازن 3/ 112، وهذا التفسير فيه نظر؛ فالملاحظ أن القرآن يصف البشر بالعلم لا الملائكة، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]، وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 18]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: 107].]]، وقال آخرون: هم المؤمنون [[انظر: "تفسير البغوي" 5/ 16، وابن عطية 8/ 402، وابن الجوزي 4/ 441، والفخر الرازي 20/ 20، والقرطبي 10/ 98، والخازن 3/ 112.]]؛ يقولون حين خزى الكفار في القيامة: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾: عليهم لا علينا.
النحل 16:28
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي﴾ ذكرنا معنى هذا في سورة النساء.
وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ قال ابن عباس: استسلموا وأقروا لله بالربوبية [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 20، وورد بنحوه غير منسوب في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 64، و"تفسير القرطبي" 10/ 99.]]، وقال السدّي: انقادوا واستسلموا عند الموت [[ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 99، والسمرقندي 2/ 233، والثعلبي 2/ 156 أ، والبغوي 5/ 17.]].
قال الزجاج: ذكر السَّلَمَ، وهو الصلح، بإزاء المشاقة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 195، بنحوه.]]، يريد أن الله تعالى أخبر عنهم بالمشاقة في الدنيا، فأخبر أنهم عند الموت ينقادون ويتبرؤون من الشرك، كما ذكره ابن عباس.
وقوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ أي قالوا: ما كنا نعمل من سوء، قال ابن عباس: يريد الشرك [[انظر: "تنوير المقباس" ص 284، بنحوه، وورد نحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 233، و"تفسير الماوردي" 3/ 186، والبغوي 5/ 17، وابن عطية 8/ 404 وابن الجوزي 4/ 443، والفخر الرازي 20/ 21، و"تفسير القرطبي" 10/ 99.]]، فقالت الملائكة ردًّا عليهم وتكذيبًا لهم: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [من التكذيب والشرك، ومعنى (بلى): رد لقولهم ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾، وقد ذكرنا معنى (بلى)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).]] عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 210].
النحل 16:29
وقوله تعالى: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد مقام المتكبرين عن التوحيد وعبادة الله عز وجل [[ورد نحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 202 أ، والطبري 14/ 99 بمعناه غير منسوب، والفخر الرازي 20/ 20، و"تفسير القرطبي" 10/ 100.]]، كقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: 35].
النحل 16:30
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قال ابن عباس: يريد الذين خافوا الله وصدقوا نَبِيَّه وأيقنوا أنه لا إله غيره، ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ قال المفسرون: هذا كان في أيام المواسم، يأتي الرجل مكة فيَسأل المشركين عن محمد وأمره، فيقولون: إنه ساحر وكاهن وكذاب، (فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أتى به من الكتاب وما أنزل الله عليه، فيقول) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] المؤمنون خيرًا [["تفسير مقاتل" 1/ 202 أ، بنحوه، والثعلبي 2/ 156 أ، بنحوه، وانظر: الزمخشري 2/ 327، وابن الجوزي 4/ 443، والفخر الرازي 20/ 23، و"تفسير القرطبي" 10/ 100، والخازن 3/ 113.]]، قال ابن عباس: يريد ثوابًا؛ يعني أنهم إذا سُئلوا عن ما أنزل الله على محمد، قالوا: أنزل عليه الخير عن ثواب المحسن، فقالوا: أنزل ثوابًا، أي ذِكْرَه، ولهذا نصب خيرًا؛ لأنه على معنى أنزل خيرًا، ويكون هذا على أن (ما) و (ذا) كالشيء الواحد، والمعنى: أيُّ شيءٍ أنزل؟ ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ على جواب ماذا، أي: أنزل خيرًا، ثم فَسَّرَ ذلك الخير؛ فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ قال ابن عباس: يريد: قالوا: لا إله إلا الله [[ورد غير منسوب في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 443.]]، وهذا على أن قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ إخبارًا عن الله تعالى، أخبر أن من أحسن في الدنيا فله جزاء ذلك عند الله حسنة، قال ابن عباس: يريد مضعفة بعشر [[انظر: "تفسير البغوي" 5/ 17، بنحوه، وورد غير منسوب في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 24.]]، ودلّ بهذا على أن الذي قاله المؤمنون [[في جميع النسخ: (للمؤمنين)، وهو خطأ أدى إلى اضطراب المعنى، وبالمثبت يستقيم الكلام، ويؤيده ما ورد في المصدر.]] اكتسبوا به حسنة، والوجهان ذكرهما أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 196، بتصرف. وذكر الزمخشري قولاً ثالثاً، هو: أن "للذين أحسنوا" وما بعده بدل من خيرًا، حكايته لقول الذين اتقوا، أي قالوا هذا القول، فقدم عليه تسميته خيرًا ثم حكاه. "تفسير الزمخشري" 2/ 327، وعلى القول الأول والثالث تكون ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ من كلام المؤمنين، وعلى الثاني تكون من كلام الله؛ كلامًا مستأنفًا.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ يعني الجنة، ومضى الكلام في هذا في سورة الأنعام [32].
وقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾، أي: ولَنِعْمَ دارُ المتقين دار الآخرة، فحذفت لسبق ذكرها، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها، [وإن جعلتها متصلة] [[زيادة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام.]] قلت: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ فترفع جنات على أنها اسم لنعم؛ كما تقول: نعم الدار دار ينزلها.
النحل 16:31
قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ذكرنا وجهَ ارتفاعها إن كانت موصولة، وإن كانت مقطوعة، فقال الزجاج: جنات مرفوعة بإضمار هي؛ كأنك لمّا قلت: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾، قيل: أي دار هذه الممدوحة؟ فقلت على جواب السائل: جنات عَدْن، أي هي جناتُ عَدْن [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 196، بتصرف يسير.]]، وإن شئت رفعتها على الاستئناف وجعلت يدخلونها الخبر، هذا قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 99، بنحوه.]]، وعند الزجاج: يجوز أن يكون الخبر نِعم دار المتقين؛ لأنه قال: وان شئت رفعت على الابتداء، ويكون المعنى: جناتُ عَدْنٍ نِعْمَ دارُ المتقين [["معانى القرآن وإعرابه" 3/ 196، بنصه.]].
النحل 16:32
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الذين في موضع نصب؛ لأنه صفة المتقين في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾.
قولى تعالى: ﴿طَيِّبِينَ﴾، أي: بأعمالهم الصالحة، خلاف من يتوفاهم خبيثين بأعمالهم القبيحة، قال الكلبي: طيبين من الشرك [[ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير البغوي" 5/ 17، وابن الجوزي 4/ 443، و"تفسير القرطبي" 10/ 101، والخازن 3/ 113، و"تنوير المقباس" ص 285، و"الشوكاني" 3/ 229، والألوسي 14/ 133، وصديق خان 7/ 236.]]، وقال مجاهد: زاكية أفعالهم وأقوالهم [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 156 أ، بلفظه، وانظر: البغوي 5/ 17، والخازن 3/ 113، والألوسي 14/ 133، وورد غير منسوب في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 443، و"القرطبي" 10/ 101، و"الشوكاني" 3/ 230، وصديق خان 7/ 236.]].
النحل 16:33
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ نظير هذه الآية في سورة البقرة [آية: 210]، وآخر سورة الأنعام [آية: 158]، وقد مر، والمعنى: هل ينظرون إلا الموت؛ لأن الملائكة إنما تأتيهم لقبض أرواحهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: يريد القتل وغيره، وقال قتادة ومجاهد: يعني القيامة [[أخرج الطبري 14/ 102 بلفظه عنهما من طريقين، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 2/ 156 أ، والبغوي 5/ 18، و"تفسير القرطبي" 10/ 102، والخازن 3/ 113.]].
وقال الزجاج: ما وعدهم الله به من عذابه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 196، بنصه.]].
قال صاحب النظم: إنهم لا ينتظرون ذلك على الحقيقة؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله، كيف ينتظرون أمره؟! ولكن لمّا كان امتناعهم من الدخول في الإيمان موجبًا عليهم إتيان أمر الله والملائكة بما قدّر عليهم من العذاب، وكان عاقبة أمرهم إلى ذلك، أضيف ذلك إليهم على المجاز والسعة، وجعل مجيء ذلك انتظارًا منهم له؛ فكأنه عز وجل قال: هل يكون مدة إقامتهم على كفرهم إلا مقدار إيقاعي بهم وإنزالي العذاب عليهم، وهذا كما قلنا في لام العاقبة في مواضع، لمّا كانت العاقبة تؤدي إلى ذلك جُعل سببًا له وإن لم يكن في الحقيقة كذلك؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ الآية [القصص: 8]، وقد مر [[في تفسير الآية [25] من هذه السورة.]]، وهذا الذي ذكره صاحب النظم وجه جيد في هذه الآية لم يذكره في نظيرها في سورة البقرة والأنعام.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يريد كفار الأمم الماضية، وفي الآية حذف على قول الزجاج؛ لأنه قال: أي كذلك فعلوا فأتاهم أمرُ الله بالعذاب [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 197، بنصه.]]، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾: بتعذيبهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بإقامتهم على الشرك وكفران ما أنعم الله عليهم، وإن شئت حملت الكلام على التقديم والتأخير فقلت: التقدير: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ الآية، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، وهو قول ابن عباس: يريد جزاء ما عملوا من الشرك [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 445، و"تنوير المقباس" ص 285، بنحوه.]]، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: من العذاب والنقمة.
النحل 16:34
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ نظير هذه الآية في سورة البقرة [آية: 210]، وآخر سورة الأنعام [آية: 158]، وقد مر، والمعنى: هل ينظرون إلا الموت؛ لأن الملائكة إنما تأتيهم لقبض أرواحهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: يريد القتل وغيره، وقال قتادة ومجاهد: يعني القيامة [[أخرج الطبري 14/ 102 بلفظه عنهما من طريقين، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 2/ 156 أ، والبغوي 5/ 18، و"تفسير القرطبي" 10/ 102، والخازن 3/ 113.]].
وقال الزجاج: ما وعدهم الله به من عذابه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 196، بنصه.]].
قال صاحب النظم: إنهم لا ينتظرون ذلك على الحقيقة؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله، كيف ينتظرون أمره؟! ولكن لمّا كان امتناعهم من الدخول في الإيمان موجبًا عليهم إتيان أمر الله والملائكة بما قدّر عليهم من العذاب، وكان عاقبة أمرهم إلى ذلك، أضيف ذلك إليهم على المجاز والسعة، وجعل مجيء ذلك انتظارًا منهم له؛ فكأنه عز وجل قال: هل يكون مدة إقامتهم على كفرهم إلا مقدار إيقاعي بهم وإنزالي العذاب عليهم، وهذا كما قلنا في لام العاقبة في مواضع، لمّا كانت العاقبة تؤدي إلى ذلك جُعل سببًا له وإن لم يكن في الحقيقة كذلك؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ الآية [القصص: 8]، وقد مر [[في تفسير الآية [25] من هذه السورة.]]، وهذا الذي ذكره صاحب النظم وجه جيد في هذه الآية لم يذكره في نظيرها في سورة البقرة والأنعام.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يريد كفار الأمم الماضية، وفي الآية حذف على قول الزجاج؛ لأنه قال: أي كذلك فعلوا فأتاهم أمرُ الله بالعذاب [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 197، بنصه.]]، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾: بتعذيبهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بإقامتهم على الشرك وكفران ما أنعم الله عليهم، وإن شئت حملت الكلام على التقديم والتأخير فقلت: التقدير: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ الآية، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، وهو قول ابن عباس: يريد جزاء ما عملوا من الشرك [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 445، و"تنوير المقباس" ص 285، بنحوه.]]، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: من العذاب والنقمة.
النحل 16:35
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني أهل مكة، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: من البحيرة [[وردت فيها عدةُ أقوال؛ قال سعيد بن جبير: هي التي يمنح دَرُّها للطواغيت، فلا يحتلبها أحدٌ من الناس، وقيل: هي ناقة كانت إذا نُتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرًا، شقُّوا أذنها وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماءٍ ولا تمنع من مرْعى، وقيل غير ذلك. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213، و"تفسير المُشْكِل" ص 156، و"تفسير القرطبي" 6/ 335.]] والسائبة [[فيها أقوال كذلك، قال سعيد بن المسيب: هي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم، == وقال الزجاج: كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو برء من علة أو ما أشبه ذلك، قال: ناقتي هذه سائبة، فكانت كالبحيرة؛ في أن لا ينتفع بها وأن لا تُجْلى عن ماءٍ، ولا تمنع من مرعى. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213، و"تفسير المُشْكِل" ص 156، و"تفسير القرطبي" 6/ 335.]] وسائر ما حرموا، نظير هذه الآية في سورة الأنعام [آية: 148]، ومضى الكلام هناك مستقصى، على أن أبا إسحاق قال هاهنا: إن المشركين قالوا هذا على جهة الهزء؛ كما قال قوم شعيب له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87]، ولو قالوا هذا معتقدين لكانوا مؤمنين ولكنهم قالوا مستهزئين، وكذلك هؤلاء لو قالوا مُحَقِّقِينَ، ما قيل: إنهم مكذبون، كما كَذَّب الذين من قبلهم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 197، بتصرف واختصار.]]، وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي: من تكذيب الرسل وتحريم ما أحل الله، قال ابن عباس: يريد عمرو بنَ لُحَيٍّ وأصحابَه [[تخصيص الآية بعمرو بن لحي وأصحابه لا دليل عليه، وحمل الآية على العموم أولى، إلا أن يراد به التمثيل فيكون مقبولاً، وأغلب الظن أنه نُسب إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- من الطرق الضعيفة.]]، ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ قال: يريد: قد بَلَّغْتَ رسالتي وبَلَّغَ مَن قبلك، يعني ليس عليهم إلا التبليغ، فأما الهداية فهو إلى الله تعالى؛ يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وقد حَقَّقت هذا فيما بعد، وهو:
النحل 16:36
قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، يعني كما بعثناك في هؤلاء، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ تعالى، أي: بعبادة الله تعالى، والتقدير: بأن اعبدوا الله، فحذف الجار، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، أي: الشيطانَ وكلَّ من يدعو إلى الضلالة، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾: أرشده، {وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} قال ابن عباس: يريد في سابق علمي [[انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق سيسي 2/ 393، وورد بلا نسبة في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 446، وورد بمعناه بلا نسبة في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 29، و"تفسير القرطبي" 10/ 104، والخازن 3/ 114.]].
وقال الزجاج: أعلم اللهُ أنه بَعَثَ الرسلَ بالأمر بالعبادة، وهو من وراء الإضلال والهداية، وهذا يدل على أنهم لو قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا﴾ الآية، معتقدين لكانوا صادقين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بتصرف يسير.]]، ومعنى ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾: وجب عليهم الكفر، كما قال: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: 30]، وكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 96]، ثم قال: ﴿فَسِيرُوا﴾ الآية، أي: فسيروا معتبرين في الأرض بآثار الأمم المكذبة، فتعرفوا أن العذاب بإزائكم كما نزل بهم، ثم أكد أن من حقَّت عليه الضلالة لا يهتدي.
النحل 16:37
فقال -عز من قائل-: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ أي إن تطلب بجهدك ذلك، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾، أي: من يُضلُّه، فالراجع إلى الموصول الذي هو (مَنْ) محذوف مقدر [[وهو الهاء المحذوفة، وتَقْديره: (يضلُّه).]]، وهذا كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: 186]، وكقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: 23]، أي: من بعد إضلال الله إياه [[انظر: "الحجة للقراء" 5/ 64، بنحوه.]]، وقرأ أهل الكوفة يَهْدِي بفتح الياء [[وهم عاصم وحمزة والكسائي، انظر: "السبعة" ص 372، و"علل القراءات" 1/ 305، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 353، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 137، و"النشر" ص 2/ 304، قال الأزهري في "علل == القراءات" وغيره: ومن قرأ (لا يُهْدَى) [وهم: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر]، فالمعنى: لا يُهْدى أحدٌ يُضله الله، وهذا نظير قوله جل وعز: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، وقد اختار الطبري هذه القراءة ورجح هذا المعنى، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 104، والثعلبي 2/ 156 ب، و"تفسير القرطبي" 10/ 104.]]، وهو يحتمل وجهين: [[ذكرهما الثعلبي 2/ 156 ب، بنحوه، وذكرهما ابن الجوزي ونسبهما إلى ابن الأنباري. "تفسير ابن الجوزي" 4/ 446.]]
أحدهما: أن المعنى فإن الله لا يُرْشد من أضله، وبهذا فَسَّره ابن عباس [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 30، وورد غير منسوب في "تفسير القرطبي" 10/ 104.]].
والثاني: أنّ يَهْدِي بمعنى يَهْتَدي، قال الفراء: والعرب تقول: قد هَدَّي الرجلُ؛ يريدون قد اهتدى، ومثله قوله: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 99، بنصه.]] [يونس: 35]، قال ابنُ مجاهد [[أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس التميمي البغدادي، المشهور بابن مجاهد، شيخ القراءات وأول من سبّع السبعة، ولد سنة (245 هـ)، قرأ على عبد الرحمن بن قدوس عشرين ختمة، وعلى قُنْبُل المكي، وسمع القراءات من طائفة كبيرة، تصدَّر للإقراء وازدحم عليه أهل الأداء، ورُحِل إليه، قرأ عليه: صالح بن إدريس وأبو الفرج الشَّنَبُوذي، صنَّف كتابه المشهور: "السبعة في القراءات"، مات سنة (324 هـ). انظر: "الفهرست" ص 52، و"معرفة القراء الكبار" 1/ 269، و"غاية النهاية" 1/ 139.]]: ولم يختلفوا في ﴿يُضِلُّ﴾ أنه مضومُ الياء [["السبعة" ص 372، بنحوه، وزاد: مكسورة الضاد.]].
النحل 16:38
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مضى الكلام في هذا في سورة الأنعام [109]، قال ابن عباس: أغلظوا في الأيمان تكذيبًا منهم بقدرة الله على البعث بعد الموت [[انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق سيسي 2/ 394، وورد بلا نسبة في "تفسير ابن كثير" 2/ 627.]]، فقال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، أي: لَيَبْعَثَنَّهم وعدًا عليه حقًّا، وهو مصدر مؤكد؛ أي وعدَ البعثِ وعدًا حقًّا لا خُلْفَ فيه؛ لأنه إذا قال يبعثهم دَلَّ على وعدٍ بالبعث وعدًا.
النحل 16:39
قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ من أمر البعث، واختلافهم فيه: ذهابهم إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون، واللام في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ متعلقة بالبعث، المعنى: بلى يبعثهم ليبين لهم، قال الزجاج: ويجوز أن تكون متعلقة بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، (ويكون المعنى: بعثنا في كل أمة رسولاً) [[ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).]]؛ ليبين لهم اختلافهم وأنهم كانوا من قبله على ضلالة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بنحوه.]]، فعلى هذا لا يعود البيان إلى بيان البعث، وعلى القول الأول: يعود إلى بيان البعث بعد الموت، وهو قول ابن عباس [[لم أقف عليه، وورد هذا المعنى في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 66، و"تفسير السمرقندي" 2/ 236، والثعلبي 2/ 156 ب.]]؛ لأنه قال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾: بهذا الوعد الذي قال: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾: فيما أقسموا فيه.
النحل 16:40
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ الآية. قال ابن عباس: أخبر بقدرته وقوته، يريد ليس كما يتكلف المخلوقون من الأعوان والاله أمر الله أوحى من ذلك [[لم أدرك مقصوده بهذه العبارة المعترضة.]]. وقال الزجاج: أعلمهم الله سهولة خلق الأشياء عليه، فأعلم أنه متى أراد الشيء كان [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 199، بتصرف يسير.]].
قال ابن الأنباري: وقع اسم الشيء على المعلوم عند الله عز وجل قبل الخلق؛ لأنه بمنزلة ما قد عوين وشوهد [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 106، بنصه، وابن الجوزي 4/ 447، بلا نسبة.]].
قال الفراء: القول مرفوع بقوله: ﴿أَنْ نَقُولَ﴾ كما تقول: إنما قولنا الحق، هذا كلامه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 100، بنصه.]]، وبيانه ما ذكره الزجاج، فقال: ﴿قَوْلُنَا﴾ رفع بالابتداء وخبره: ﴿أَنْ نَقُولَ﴾، المعنى: إنما قولنا لكل مراد قولنا كن، فإن قيل كيف خاطب المعدوم بقوله: ﴿كُنْ﴾، قلنا: هذا تمثيل لنفس الكلفة والمعاناة، ومخاطبةُ الخلق بما يعقلون ليس أنه يخاطب المعدوم؛ لأن ما أراد الله عز وجل فهو كائن على كل حال، وعلى ما أراده من الإسراع، لو أراد خلق الدنيا والسموات والأرض في قدر لمح البصر لَقَدَر على ذلك، ولكن العباد خُوطبوا بما يعقلون [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بتصرف.]]، وذكرنا في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آية:117] أجوبة سوى هذا.
واختلفوا في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾، فقرأه أكثرُ القراء بالرفع [[انظر: "السبعة" ص 373، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 354، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 137، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 736.]] على: (فهو يكون)، قال الفراء: الرفع على أن تجعل ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾ كلامًا تامًّا يخبر بأنه سيكون؛ كما تقول للرجل: إنّما يكفيه أن آمره، فيفعلُ بعد ذلك ما يؤمر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 100، بتصرف يسير.]]، برفع فيفعلُ؛ على معنى فهو يفعل وسيفعل، وقرأ ابن عامر والكسائي: ﴿فَيَكُونُ﴾ نصبًا [[انظر: "السبعة" ص 373، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 354، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 736.]]، عطفًا على ﴿أَنْ نَقُولَ﴾، المعنى: أن نقول فيكون، هذا قول جميع النحويين [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، و"تفسير الطبري" 14/ 106، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 210، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 14، وانظر: "الإملاء" 2/ 81، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 228.]].
قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصبًا على جواب كن [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بنصه.]].
قال أبو علي: هذا الوجه الذي أجازه من النصب في يكون لم يجزه أحد من أصحابنا غيرُه، ولم أعلم لغيره إجازةً له على هذا الوجه، ووجدت الكسائي يقول: إنه سمعه من العرب أكثر من خمسين مرة بالنصب، وما علمته حَمَل ذلك على أنه جواب، ولكن على (أنْ)، وحَمْلُه على الجواب غيرُ سائغ؛ لأن (كُنْ) وإن كان على لفظ الأصل فليس القصد به هاهنا الأمر، إنما هو -والله أعلم- الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإلى هذا ذهب أبو العباس وغيره [["المقتضب" 2/ 18، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 910، و"الحجة للقراء" 2/ 205، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 14، و"الإملاء" 1/ 60، و"الدر المصون" 2/ 89. وبالإضافة إلى كون (كن) هنا للحكاية لا الأمر، يشترط في جواب الأمر أن يخالف الأمر؛ إما في الفعل، أو في الفاعل، أو فيهما، فلما اتفق الفعلان، والفاعلان واحد، لم يحسن أن يكون (فيكون) جواباً للأول. (المصادر السابقة).]]، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة [["الإغفال" 2/ 153 أ، بنصه.]].
النحل 16:41
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ الآية. قال الفراء: ﴿وَالَّذِينَ﴾ موضعها رفع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 100، بلفظه.]]؛ يريد أن هذا كلام مستأنفٌ لا تعلق له ما قبله، قال المفسرون: نزلت هذه الآية في قوم آذاهم المشركون وعذبوهم بمكة؛ صهيب وبلال وخَبَّاب [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 203 أ، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 67، و"تفسير السمرقندي" 2/ 236، عن مقاتل والكلبي، والشعبي 2/ 156 ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 189، عن الكلبي، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 285، بلا سند، وهذا القول لا يعتد به في أسباب النزول؛ لوروده بلا إسناد، فضلاً عن كونه من رواية الكلبي، وقد أخرجه الطبري 14/ 107 برواية أخرى عن ابن عباس قال: هم قوم هاجروا إلى رسول الله -ﷺ- من أهل مكة من بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون، وهذه كذلك لا يعتد بها في أسباب النزول؛ لكونها من الصيغ غير الصريحة، ولورودها من طريق العوفي، وهي ضعيفة، وخبَّاب هو: ابن الأرتّ، أبو عبد الله -رضي الله عنه-، سبي في الجاهلية فبيع بمكة، فكان مولى أم أنمار الخزاعية، وقيل غير ذلك، ثم حالف بني زهرة، كان من السابقين في الإسلام، ومن المستضعفين، عذب بمكة عذابًا شديدًا حتى اشتكى إلى رسول الله -ﷺ-، هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وما بعدها، ونزل الكوفة ومات بها سنة (37 هـ). انظر: "الاستيعاب" 2/ 21، و"أسد الغابة" 2/ 114، و"الإصابة" 1/ 416.]]، ومعنى ﴿هَاجَرُوا فِي اللَّهِ﴾: هاجروا في رضا الله وطلب ثوابه.
وقوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال الشعبي وقتادة: بوأهم الله المدينة [[أخرجه الطبري 14/ 107 بلفظه عنهما من طريقين، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 67، عن الشعبي، و"تفسير الثعلبي" 2/ 157 أ، عن قتادة، و"تفسير الماوردي" 3/ 188، عنهما، والطوسي 6/ 383، عنهما، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 221 أو زاد نسبته إلى ابن المنذر عن الشعبي.]]، وعلى هذا يكون التقدير: لنُبَوّئَنهم في الدنيا دارًا حسنة أو بلدة حسنة، يعني المدينة؛ فإن الله تعالى جعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارًا من المؤمنين فيها، وجمعهم فيها مع النبيّ -ﷺ-، وقال مجاهد: لنَرْزُقنّهم في الدنيا [["تفسير مجاهد" 1/ 347، بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 107 بنصه من طريقين، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 188، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 221، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال الضحاك: يعني بالحسنة: النصر والفتح [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 67، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 188، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 448.]]، وعلى هذا تقدير الآية: لنبوئنهم في الدنيا ولنرزقنهم حسنة أو لنعطينهم حسنة، فحذف ذلك اكتفاءً بالأول كقوله [[نسبه الفراء لبعض بني أسد.]]:
علفتها تبنًا وماءً باردًا [[وعجزه:
حتى شَتَتْ هَمّالةً عَيْناها
"معاني القرآن" للفراء 1/ 14، وورد بلا نسبة في "الخصائص" 2/ 431، و"الإنصاف" 488، و"اللسان" (علف) 5/ 3070، و"الدر المصون" 7/ 112، و"أوضح المسالك" 2/ 110، و"همع الهوامع" 5/ 228، و"الدرر اللوامع" 6/ 79، و"الخزانة" 3/ 140، وقال: وأورده الشيرازي والفاضلُ اليمني صدرًا == وبرواية أخرى للصدر:
لما حَطَطْتُ الرحْلَ عنها واردًا ... عَلَفْتُها تبنًا وماءً باردًا
(شتت) بمعنى أقامت شتاء، يقال: شتا بالبلد: أقام به شتاءً، (همَّالة عيناها) من هملَت العينُ؛ إذا صبَّت دمعها وفاضت وسالت. والشاهد: حذف وسقيتها ماءً، اكتفاءً بالأول؛ وهو: علفتها.]] وهذا باب قد مرّ منه كثير، فيكون معنى الآية: أنزلهم المدينة وأطعمهم الغنيمة، وهذا الوجه اختيار الفراء؛ لأنه قال في هذه الآية: نزول المدينة ولنُحَلِّلنَّ لهم الغنائم [["معانى القرآن" للفراء 2/ 100، بنصه.]]، وعلى هذا التفسير حذف من الآية شيئان: المفعول الثاني للتَّبوِئة، والفعل الناصب للحسنة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أن أمر الجنّة أعظم وأكثر [[في جميع النسخ: (أكثر)، وفي تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 396، (أكبر).]] من أن يعلمه أحدٌ ويقدر أحدٌ على وصفه [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 396، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 448، مختصرًا.]]، وما ظنُّك بما قال الله له: أكبر.
النحل 16:42
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾، في محل ﴿الَّذِينَ﴾ وجوه: أحدهما: أن يكون بدلاً من المضمر في: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾، ويجوز أن يكون على تقدير: هم الذين، قال ابن عباس: أثنى عليهم ومدحهم بالصبر، فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ يريد على دينهم وعلى عذاب المشركين إيّاهم، وهم في ذلك واثقون بالله متوكلون عليه.
النحل 16:43
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قال المفسرون [[ساقط من (د).]]: إن مشركي مكة أنكروا نبوة محمد -ﷺ-، قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فهلا بعث إلينا ملكًا [[أخرجه الطبري 14/ 109، بنحوه عن ابن عباس، من طريق الضحاك مقطعة، وورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 203 أ، والسمرقندي 2/ 236، والثعلبي 2/ 157أ، بنصه، وانظر: البغوي 5/ 20، وابن عطية 4/ 423، وابن الجوزي 4/ 449، والفخر الرازي 20/ 35، و"تفسير القرطبي" 10/ 108، والخازن 3/ 116، وأبي حيان 5/ 493، وابن كثير 2/ 628، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 222، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.]]، فقال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ أي إلى الأمم الماضية، ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾: آدميين لا ملائكة، أعلمَ اللهُ أن الرسلَ بشر، إلا أنهم يُوحَى إليهم، فقال: ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾، نظير هذه الآية في أواخر سورة يوسف [[وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [آية: 109].]].
وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فقال ابن عباس: يريد أهل التوراة الذين آمنوا من قريظة والنضير [[هما قبيلتان من قبائل اليهود التي سكنت المدينة وخيبر، وكانوا ثلاث قبائل؛ الثالثة هي بنو قينقاع، وقد أجلاهم النبي -ﷺ- عن المدينة لما خانوا عهده وتآمروا عليه، وآذوا المسلمين. انظر: "سيرة النبي -ﷺ-" لابن هشام 1/ 16، 2/ 442، و"الروض الأنف" 2/ 289، و"زاد المعاد" 3/ 65، و"البداية والنهاية" 4/ 3، 74، 116.]]، قال: والذكر التوراة [[أخرجه الطبري 14/ 109، وهو جزء من رواية الضحاك عن ابن عباس السابقة؛ وفيها: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: يعني أهل الكتب الماضية، وورد بنحوه مختصرًا في "تفسير الماوردي" 3/ 189، والطوسىِ 6/ 384، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 423، وابن الجوزي 4/ 449، والفخر الرازي 20/ 36، وأبي حيان 5/ 493، وابن كثير 2/ 628، والقول في كل المصادر ورد مطلقًا دون تقيده بمن آمن من بني قريظة أو النضير.]]، وتلا قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: 105]، ﴿الذِّكْرِ﴾ يعني التوراة، وهذا قول عامة المفسرين: أن أهل الذكر هم أهل الكتاب؛ يعني المؤمنين منهم في قول الأكثرين [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 203، و"معاني القرآن" للنحاس 5/ 21، و"تفسير السمرقندي" 2/ 236، وهود الهواري 2/ 371، والطوسي 6/ 384، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 70، وابن عطية 8/ 423، و"تفسير القرطبي" 10/ 108، والخازن 3/ 116، وأبي حيان 5/ 493.]].
وقال أبو إسحاق: قيل: فاسألوا أهل الكُتب الذين يشهدون بهذا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 201، بنحوه، وهو أحد قولين ذكرهما في الآية.]]، لا من أجل أنهم من أهل هذه الملة، ولكن أهل الكتاب يعترفون أن [[(أن) ساقط من (ع).]] الأنبياء كلهم بشر، فعلى هذا؛ المراد بأهل الذكر: أهل العلم بأخبار الماضين ومن أُنبِّئهم من الرسل، والذكر المراد به العلم؛ لأنه مقرون بالذكر ومتعلق به، إذ العالم من يذكر الدليل ولا يكون ساهيًا عنه، فحَسُن أن يقع الذكر موقع العلم.
وقال الزجاج: ويجوز -والله أعلم- قيل لهم: سلوا كلَّ من يُذْكَرُ بعلم، وافق هذه الملة أو خالفها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 201، بنصه، وهذا القول هو الراجح؛ لأنه موافق لعموم اللفظ، وحمل اللفظ على عمومه أولى ما لم يرد له مخصص، والرواية المخصص بأهل الكتاب عن ابن عباس، هي من طريق الضحاك وهي منقطعة.]].
قال أهل المعاني: وفي هذه الآية دليل على أن الخصم إذا التبس عليه أمر رَدّ إلى أهل العلم بذلك [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 384، بنحوه.]].
النحل 16:44
قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ اختلفوا في الجالب لهذه الباء [[أورد السمين في ذلك ثمانية أقوال، انظر: "الدر المصون" 7/ 222، وما بعدها.]]؛ فعند الفراء: لا يجوز أن تتعلق بأرسلنا المذكور في الآية الأولى؛ لأن صلة ما قبل إلاَّ لا تتأخر بعد إلاَّ، ولكنّه يقول: تقدير الآية: أرسلناهم بالبينات [[فيكون تأويل الكلام: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم أرسلناهم بالبينات والزبير وأنزلنا إليك الذكر.]]، فالباء تتعلق بأرسلناهم المضمر المدلول عليه بأرسلنا المذكور، قال: ومثله قوله: ما ضرب إلا أخوك زيدًا، وما مرّ إلا أخوك يزيد، تريد ما مرّ إلا أخوك، ثم تقول: مرّ يزيد، فهذا إنما يجوز على كلامين، ولا يجوز أن يكون ما بعد إلاَّ موصولاً بما قبله، ومن هذا الجنس قول الشاعر:
نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بالنّارِ جارَتهَمْ ... وهل يُعذِّبُ إلاّ اللهُ بالنّارِ [[ورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 110، و"الإملاء" 2/ 81، فيه: (لا) بدل (هل)، والثعلبي 2/ 157 أ، والطوسي 6/ 385، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 228، و"الدر المصون" 7/ 222، و"شرح التصريح" 1/ 284، قال الأزهري: فقدم الفاعل المحصور بإلا على المجرور بالباء، وطوى ذكر المفعول، وهل بمعنى ما، وأصل الكلام: ما يعذب أحدٌ أحدًا بالنار إلا الله.]]
وقال الكسائي: (إلاّ) في قوله: ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ بمعنى غير؛ كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]، (قال: المعنى لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]]، واحتجّ بقول الشاعر [[هو أوس بن حجر (جاهلي).]]:
أَبَنِي لُبَيْنَى لَسْتُمُ بِيَدٍ ... إلاّ يَدٍ لَيْسَتْ لَها عَضُدُ [["ديوانه" ص 21، ووردت اليد الثانية منصوبة (إلا يدًا) وليس في هذه الرواية == الشاهد، وورد في: "معاني القرآن" للفراء 2/ 101، و"تفسير الطبري" 14/ 110، والثعلبي 2/ 157 أ، (لُبَيْنى): اسم امرأة، وبنو لبينى من بني أسد بن واثلة، يعيرهم بأنهم أبناء أَمَة إذ ينسبهم إلى الأم تهجينًا لشأنهم.]] فقال. (إلاّ) هاهنا بمعنى غير؛ لأنه لا يمكن إعادة خافض بضمير [[يعني أن الذي خفض اليد قبل (إلا) وهي الباء يتعذر إعادته بعد (إلا) لخفض اليد الثانية، ولا إشكال لو كانت بمعنى غير.]]، قال الفراء: وقد ذهب في هذا مذهبًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 100 - 101، بتصرف واختصار.]]، ومن قال الذكر في الآية الأولى بمعنى العلم [[أشار إلى ذلك الزجاج في "المعاني" 3/ 201، بقوله: قيل لهم: اسألوا كلَّ من يذكر بعلم .. ، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 108، والخازن 3/ 116.]]، جعل الباء من صلته؛ كأنه قيل: سَلوا أهل العلم بالبينات والزبر [[وهذا القول هو الأظهر؛ لأنه لا يحتاج إلى تأويل، وما لا يحتاج إلى تأويل أولى مما احتاج إلى تأويل.]]؛ وهي ما أنزل الله على الأنبياء من الحجج الواضحة والكتب، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يعني القرآن [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 أ، والطبري 14/ 111، وهود الهواري 2/ 373، والسمرقندي 2/ 237، والطوسي 6/ 385، و"تفسير الماوردي" 3/ 190، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 425، والخازن 3/ 116، وابن كثير 2/ 592.]]، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾: في هذا الكتاب من الحلال والحرام، والوعد والوعيد، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: في ذلك فيعتبرون.
النحل 16:45
قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين؛ أهلَ مكة وما حول المدينة [[ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الزمخشري" 2/ 330، وابن عطية 8/ 425، وابن الجوزي 4/ 450، والفخر الرازي 20/ 38، والخازن 3/ 117، وأبي حيان 5/ 494.]].
وقوله تعالى: ﴿مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ قال الكلبي: عملوا السيئات، يعني عبادة غير الله [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 38، وورد غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 372.]]، وكذلك قال قتادة: يعني الشرك [[أخرجه الطبري 14/ 112 بلفظه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 223، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، وعلى هذا سمي عبادتهم الأوثانَ مكرًا، لأن المكر في أصل اللغة: السعي بالفساد [[والمشهور عند أهل اللغة أن أصل المكر: الاحتيال والخداع، ويكون عادة في خُفْيَة، فكأن الواحدي رحمه الله فسرها باللازم؛ انظر: (مكر) في "تهذيب اللغة" 3434، و"المحيط في اللغة" 6/ 263، و"مجمل اللغة" 2/ 838، و"الصحاح" 2/ 819.]]، وذكرنا هذا فيما تقدم [[في تفسير الآية [26] من هذه السورة.]]، وعبادة غير الله من أفسد السعي.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ قال ابن عباس: كما خَسف بقارون [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 109، والخازن 3/ 117، وأبي حيان 5/ 495، وفي الأخيرين بلا نسبة.]]، ومعنى الخسف في اللغة: سُؤُوخُ الأرضِ بما عليها [[ورد في "تهذيب اللغة" (خسف) 1/ 1029، بنصه، وهو قول الليث. وانظر: (خسف) في "المحيط في اللغة" 4/ 267، و"اللسان" 2/ 1157.]]، قال أبو زيد والأصمعي: خَسَفَ المكانُ يَخْسِفُ، وخَسَفَهُ الله [[المصدر السابق نفسه.]]. ومعنى الاستفهام في قوله: ﴿أَفَأَمِنَ﴾ الإنكار؛ أي: يجب أن لا يأمنوا عقوبة تلحقهم كما لحقت المكذبين من قبلهم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال الكلبي: من حيث لا يعلمون بهلاكهم [[ورد بنص غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 237.]]، قال ابن عباس: يريد يوم بدر وما كانوا يُقدِّرون ذلك ولا يشعرونه [[ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير القرطبي" 10/ 109، و"الشوكاني" 3/ 236.]]
النحل 16:46
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد في تجارتهم واختلافهم إلى اليمن وإلى الشام [[أخرجه الطبري 14/ 112 من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وأخرجه بنحوه من طريق العوفي غير مرضية، وورد في تفسير "تفسير الماوردي" 3/ 190، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 21، وابن الجوزي 4/ 450 قال: في أسفارهم، والخازن 3/ 117، و"الدر المنثور" 4/ 223، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وفي جميع المصادر ما عدا ابن الجوزي ورد بلفظ: في اختلافهم.]]، وهذا قول قتادة والكبي، قالا: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: في أسفارهم [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 356 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 112 بلفظه عن قتادة من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 69، بلفظه عن قتادة، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 450، و"تفسير القرطبي" 10/ 109، وابن كثير 4/ 629، و"الدر المنثور" 4/ 223، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، كلها عن قتادة، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 أ، وهود الهواري 2/ 372، ونُسب فيه إلى الكلبي تفسيرها بقوله: في البلاد بالليل والنهار.]]، وقال مقاتل: في ليلهم ونهارهم [["تفسير مقاتل" 1/ 203 أ، بلفظه، وانظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 495.]]، يريد في تقلبهم في كل الأحوال ليلاً ونهارًا، فيدخل في هذا تقلبهم على الفرش يمينًا وشمالًا، ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي بممتنعين ولا فائتين [[في جميع النسخ: (قانتين) ولا معنى لهاهنا، والصحيح المثبت كما في "تفسير السمرقندي" 2/ 237، و"الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 398.]] الله، قال ابن عباس: يريد أن الله لا يعجزه شيء أراده.
النحل 16:47
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، التخوف: تَفَعُّل من الخوف، يقال: خفت الشيء وتخوَّفته، قال الزجاج: أي أو يأخذهم بعد أن يخيفهم؛ بأن يهلك فرقة فتخاف التي تليها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 201، بنصه.]]، وهذا معنى قول الضحاك والكلبي، يعني: (يعذب طائفة ويدع طائفة) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]]، فيتخوف الذين يَدَعْهم مثل ما أصاب الآخرين [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 356 عن الكلبي، والطبري 13/ 114 عن الضحاك، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 69، عن الضحاك، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 أ، عنهما، و"تفسير الماوردي" 3/ 190، عن الضحاك، والطوسي 6/ 386، عن الضحاك، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 21، عنهما، و"تفسير القرطبي" 10/ 110، عن الضحاك، والخازن 3/ 117، عنهما، و"الدر المنثور" 4/ 223، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن الضحاك.]]، ونحو هذا قال الحسن [[انظر: "تفسير الماوردي" 3/ 190، والطوسي 6/ 386، و"تفسير القرطبي" 10/ 110.]]؛ والمعنى يأخذهم على تخوفهم الهلاك لما سبق من هلاك طائفة منهم، وقال ابن عباس وعامة المفسرين: على تَنَقُّص؛ إما [[في جميع النسخ: (أو، ويستقيم المعنى بـ (إما)، والتصويب من "تفسير الشوكاني" 2/ 236، وصديق خان 7/ 250.]] بقتل أو بموت [["تفسير مجاهد" 1/ 347، بنحوه، وأخرجه الطبري 14/ 113، بنحوه، عن ابن عباس من طريق عطاء الخرساني صحيحة، وأخرجه مختصرًا عن مجاهد من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 69، مختصرًا عن ابن عباس ومجاهد، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 451، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، و"تفسير القرطبي" 10/ 110، عن ابن عباس ومجاهد، والخازن 3/ 117، عن ابن عباس ومجاهد، وأبي حيان 5/ 495، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك.]]، يعني: ينقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يُهْلِك جميعَهم [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 أ، بنصه.]]. أخبرني العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري عن الحرّانيِّ عن ابن السِّكِّيت، قال: يقال: هو يَتَخَوَّفُ المالَ ويتَحَوَّفُه، أي يتَنَقَّصُهُ ويأخذُ من أطرافه، وأنشد لابن مقبل [[نُسب في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 ب، لأبي كبير الهذلي، وهو يصف ناقة، ولم أجده في "ديوان الهذليين". وابن مقبل هو: تميم بن أُبيّ بن مُقبل، من بني عجلان، تقدمت ترجمته.]]:
تخوَّفَ السَّيْرُ منها تَامِكًا قَرِدًا ... كما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعةِ السَّفَنُ [[لم أجده في الإصلاح، وورد في "تهذيب اللغة" (خاف) 1/ 966، بنصه.]] [["ديوان ابن مقبل" ص 405، وورد في "تهذيب اللغة" (خاف) 1/ 966، و"اللسان" (خوف) 3/ 1292، ونُسب إلى أبي كبير الهذلي في "تفسير القرطبي" 10/ 110، وأبي حيان 5/ 495، و"تفسير الألوسي" 14/ 153، وصديق خان 7/ 250، والثعلبي 2/ 157 ب، لكن برواية:
تخوف الرحل منها تامكًا صلبًا
ونسبه الزمخشري لزهير 2/ 330، وورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 113، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 202، و"تفسير الطوسي" 6/ 386، وابن عطية 8/ 427، والفخر الرازي 20/ 39، و"الدر المصون" 7/ 225، وفي بعض المصادر: (الرحل) بدل (السير)، (التامك) السنام، (القرد) الذي تراكم لحمه من السمن، (النبعة) ضرب من الشجر الصلب، (السَّفَن) المِبْرَد، والمعنى: أي ينقص السيرُ سنامَها بعد تموكه، كما يُنحت العُودُ فيدِق بعد غِلَظِه.]]
وروى شمر عن ابن الأعرابي: تَخوَّفْتُ الشيء وتَخيّفْتُه، وتَخَوَّفْتُهُ وتَخَيَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصَتُه [[المصدر السابق نفسه وبنصه.]].
قال أهل المعاني: معنى التنقص: أنه يؤخذ الأول فالأول حتى لا يبقى منهم أحد، وتلك حال يُخافُ معها الفناء ويُتخوفُ الهلاكُ [[انظر: "تفسير الطوسي" 6/ 386، بنصه.]]، فمعنى ﴿يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، أي: على حال تنقصهم، يأخذهم الأول فالأول حتي يأتي الأخذ على الجميع.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قال الزجاج: أي من رأفته أمهل وجعل فسحة للتوبة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 202، بنصه.]]، وهو معنى قول المفسرين: إذ لم يعجل عليم بالعقوبة والإهلاك [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 203 أ، والطبري 14/ 114 بمعناه، والسمرقندي 2/ 237، والثعلبي 2/ 157 ب، والماوردي 3/ 190، وابن الجوزي 4/ 451، والفخر الرازي 20/ 39، و"تفسير القرطبي" 10/ 111، والخازن 3/ 117، وأبي حيان 5/ 495، وابن كثير 2/ 629.]]، وأَخَّر عنهم هذه العقوبات التي ذكرها مع قدرته عليها.
النحل 16:48
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ قراءة العامة بالياء [[وهم: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر. انظر: "السبعة" ص 373، و"علل القراءات" 1/ 305، و"الحجة للقراء" 5/ 66، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 138، و"شرح الهداية" 2/ 380، و"تلخيص العبارات" ص 111.]]؛ لأن ما قبله غيبة، وهو قوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾، ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ كذلك: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، وكان النبيّ -ﷺ- وأصحابه قد رأوا ذلك وتيقنوه فلا يحسن أن يقال لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾.
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿تَرَوا﴾ بالتاء [[انظر: المصادر السابقة.]]، على الخطاب لجميع الناس [["الحجة للقراء" 5/ 67، بتصرف يسير.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 72، بنصه، و"تفسير الطبري" 14/ 114 - 116، بنحوه، والثعلبي 2/ 157 ب، بنحوه، والطوسي 6/ 387، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 21، وابن الجوزي 4/ 452، والفخر الرازي 20/ 40، و"تفسير القرطبي" 10/ 111، ونسبه إلى ابن عباس، والخازن 3/ 117، وأبي حيان 5/ 496.]]، وهذا معنى قول ابن عباس: يريد الشجر والنبات.
وقوله تعالى: (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ) إخبار عن قوله: ﴿شَيْءٍ﴾، وليس بوصف له، و ﴿يَتَفَيَّأُ﴾: يتفعل من الفيء، يقال: فاء الظل يفيء فيئًا، إذا رجعَ وعادَ بعد ما كان ضياءُ الشمس نسخَه، وأصلُ الفيء الرجوع [[انظر: "تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، و"مجمل اللغة" (في) 2/ 701، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 63، و"عمدة الحفاظ" 3/ 308.]]، ومنه فَيءُ المولي [[هو الذي يحلف أن لا يجامع زوجته، وقد حدد الشارع مدة الإيلاء بأربعة أشهر؛ إما أن يطلق وإما أن يفي. انظر: "تفسير الجصاص" 1/ 355، والكيا الهراسي 1/ 216 - 219، وابن العربي 1/ 178، و"تفسير القرطبي" 3/ 103.]]، وذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226]، وكذلك فيءُ المسلمين؛ لِمَا يعود على المسلمين من مال مَنْ خالف دينهم بلا قتال [[ورد في "تهذيب اللغة" (فيأ) 3/ 2711، بنحوه، وانظر: "التعريفات" ص 170، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 40.]]، وسنذكر ذلك في قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: 7] إن شاء الله. وأصلُ هذا كله من الرجوع، فإذا عُدِّي (فَاءَ) عُدّي بزيادة الهمزة أو تضعيف العين، فمِمَّا عُدّي بنقل الهمزة قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾، وبالتضعيف فاءَ الظلُّ، وفَيّأه الله فتفيّأ، وتَفيَّأ مطاوع فَيَّأَ [["الحجة للقراء" 5/ 67، بنصه، وانظر. "اللسان" (فيأ) 6/ 3496، و"معجم الألفاظ المتعدية بحرف" ص 282.]].
قال الأزهري: وتفيؤ الظلال رُجوعها بعد انتصاف النهار وانتعال الأشياء [["تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، بنصه، وفي المصدر: وانتعال الأشياءِ ظلالَها. قلت ومعناه: صار ظلها تحتها.]]، قال: وأخبرني المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: التفيؤ لا يكون إلا بالعشي؛ ما انصرفت عنه الشمس، وقد بينه الشاعر [[هو حميد بن ثور. تقدمت ترجمته.]] فقال:
فلا الظلَّ من بَرْد الضُّحى تستطيعُهُ ... ولا الفيءَ من بردِ العشيِّ تذَوُق [[ديوانه ص 70، وورد في "إصلاح المنطق" ص 320، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 63، (بعد) بدل (برد) الثانية، و"تفسير ابن عطية" 8/ 430، و"اللسان" (فيأ) 6/ 3495، وورد غير منسوب في "الحجة للقراء" 5/ 68، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 40، وأبي حيان 5/ 496، والبيت قاله يصف سَرْحَة شجر عظام طوال وكنَّى بها امرأة. والشاهد: أنه جعل الظلَّ وقت الضحى؛ لأن الشمس لم تنسخْه في ذلك الوقت. وكلام الأزهري في "تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، بنصه.]]
وقال أبو علي الفارسي: الظل ما كان قائمًا لم تنسخه الشمس، فإذا نسخته الشمس ثم زال ضياء الشمس الناسخ للظل فاء الظل، أي رجع كما كان أولاً [[ولخصه ابن السِّكِّيت فقال: الظلُّ: ما نسخته الشمسُ، والفيءُ: ما نسخ الشمسَ. "إصلاح المنطق" ص 320.]]، فهذا هو الفيء، وُيسمى الظل أيضًا، ولا يسمى الأول فيأً.
قال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كُلُّ ما كانت عليه الشمسُ فزالت عنه فهو فيءٌ وظلٌّ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظِلٌّ [["الحجة للقراء" 5/ 70، بخصه، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 64، بنصه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 432، والفخر الرازي 20/ 40 ، و"اللسان" (فيأ) 6/ 3495 ، و"تفسير أبى حيان" 5/ 496.]]، على أن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي: فسلامُ الإلهِ يَغْدو [[في جميع النسخ: بعد، والصحيح المثبت لموافقته للمصادر وإفادته للمعنى.]] عليهمْ ... وفُيوءُ الفرْدَوْسِ ذاتُ الظِّلالِ [["شعر النابغة" الجعدي ص 231، وورد في "النوادر في اللغة" ص220، و"تفسير ابن عطية" 8/ 431، والفخر الرازي 20/ 41، و"اللسان" (ظلل) 5/ 2753.]]
فهذا الشعر قد أوقع فيه الفيء على ما لم تنسخه الشمس، وجمعه على فيوء؛ مثل بيت وبيوت؛ لأن ما في الجنة يكون ظلًّا ولا يكون فيئًا؛ لأن ضياء الشمس لم تنسخه، ففاء بعد النسخ، وأكثر ما تقول العرب في جمعٍ [[الأولى (في الجمع)، أو (في جمع فيء) ولعل (فيء) ساقطة.]] أفياء؛ وهو للعدد القليل، وفيوء؛ للكثير كالبيوت والعيون.
وقوله تعالى: ﴿ظِلَالُهُ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال؛ لأن الذي يعود إليه الضمير واحدٌ يدل على الكثرة، وهو قوله: ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾، وهذا مثل: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: 13] ، فأضاف الظهور، وهو جمع، إلى ضمير مفرد؛ لأنه يعود إلى واحدٍ يُرادُ به الكثرة، وهو قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ [["الحجة للقراء" 5/ 67 - 70 نقل طويل تصرف فيه بالحذف والإضافة، والتقديم والتأخير، والتهذيب والاختصار، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 40، نقله بطوله عن الواحدي بتصرف يسير مع نسبته.]] [الزخرف: 12].
وأما قول المفسرين في: (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ) قال ابن عباس: يتميل [[ورد في "تفسير الطوسى" 6/ 387، بلفظه.]]، وهو معنى وليس بتفسير؛ لأنه إذا قرن بقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ صار المعنى: أنه يتميل عن الجوانب، ومعنى تفيؤ الظلال: أن يعود الظل بعد نسخ الشمس إياه، وأما معنى تفيؤها عن اليمين والشمائل (فهو أن يكون للأشجار فيء عن اليمين والشمائل) [[ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).]]، إذا كانت الشمس يمين الشخص كان الفيء عن شماله، وإذا كانت على شماله كان الفيء عن يمينه، فهذا وجه ذكره بعضُ أهل التأويل [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 72، بنصه.]]، والذي عليه المفسرون، قال قتادة والضحاك وابن جريج: أما اليمين فأول النهار، وأما الشمال فآخر النهار [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 356) بنصه عن قتادة، والطبري 14/ 115 بنصه عن قتادة من طريقين، وبمعناه عن الضحاك وابن جريج من طريقين، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 ب، بنصه عن الضحاك وقتادة، و"تفسير الماوردي" 3/ 191، والطوسي 6/ 387، عنهم، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، عن قتادة والضحاك، وابن عطية 8/ 433، عن قتادة وابن جريج، والخازن 3/ 117، عن الضحاك، وأبي حيان 5/ 497، عن قتادة وابن جريج.]]، وقد بين الكلبي هذا، فقال: إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى القبلة كان الظل قدامك، فإذا ارتفعت كان عن يمينك، فإذا كان بعد ذلك كان خلفك، فإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان على يسارك، فهذا تفيؤه عن اليمين والشمائل [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن الجوزي 4/ 452، وأبي حيان 5/ 498، ورد في الأخيرين بلا نسبة.]]، ووحد اليمين والمراد الجمع، ولكنه اقتصر فيه على الواحد في اللفظ للإيجاز؛ كقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45] وقول الفرزدق:
بِفي الشَّامِتِينَ الصَّخْرُ إنْ كانَ هَدَّنِي ... رَزيَّةُ شِبْلَيْ مُخْدِرٍ في الضَّراغمِ [["ديوانه" 2/ 206، وورد في "تفسير الطبري" 14/ 117، والثعلبي 2/ 157 ب، والطوسي 6/ 388، و"الأساس" ص 154، وابن عطية 8/ 433، (الشامتين) == جمع شامت؛ وهو الذي يفرح في بلية الإنسان، (هدني): أوهن أركاني، (المُخدر): الأسد، وكذلك (الضرغام)، يعني أنه يَتَجَلَّد وَيتَحَمَّل مصيبته في فقد ولديه حتى لا يشمت فيه الشامتون الحاقدون. والشاهد: كما قال الطبري: فقال بقي الشامتين، ولم يقل: بأفواه، وهو الشاهد. والبيت يرثي فيه ابنين له.]] هذا قول الأخفش وجميع أهل المعاني [[لم أقف عليه في معاني الأخفش، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 452، بلا نسبة.]].
وقال الفراء: كأنه إذا وَحَّد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 152، بمعناه.]]، وذلك أن قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ لفظه واحد ومعناه الجمع على ما بينا، فيحمل كلا الأمرين.
وقوله تعالى: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ قال المفسرون: ميلانها سجودها، [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 114 - 115، بلفظه واختاره، والسمرقندي 2/ 237، بنحوه، والثعلبي 2/ 157ب بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن عطية 8/ 435، و"القرطبى" 10/ 111، وأبي حيان 5/ 498، وابن كثير 2/ 630.]] وشرح ابن قتيبة هذا شرحًا شافيًا فقال: أصل السجود التّطَأطُؤ والميل، يقال: سجد البعير وأُسجد إذا طأطأ رأسَه لِيُرْكَب، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة العمل، ثم قد يُستعارُ السجودُ فيوضع موضع الاستسلام والطاعة والذل، ومن الأمثال المبتذلة: اسْجُدْ للقرد في زمانه [[ذكره الميداني في المجمع، ونصه: اسْجُدْ لقرْد السُّوء في زمانه. انظر: "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 357.]]، يراد اخضع للئيم في دولته، ولا يُراد معنى سجود الصلاة، والشمس والظل خَلقان مُسخَّران لأَنْ يُعَاقِبَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه بغير فصْلٍ، فالظلُّ في أول النهار قبل طلوع الشمس يَعُمُّ الأرضَ، كما تَعُمُّها ظلمةُ الليل، ثم تطلُع الشمسُ فتَعُمُّ الأرضَ إلا بما [[في المصدر: إلا ما.]] سترته الشُّخُوصُ، فإذا سَتَرَ الشخص شيئًا عاد الظلُّ، فرجوعُ الظلِّ بعد أن كان شمسًا ودورانُه من جانب إلى جانب هو سُجُودُه؛ لأنه مستسلم منقاد مطيع بالتَّسخير، وهو في ذلك يميل، والميل سجود، وكذلك قوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]، أي يستسلِمَان لله بالتسخير [[تأويل مشكل القرآن (ص 416 - 418)، وهو نقل طويل تصرف فيه واختصر.]]، وهذه الآية كقوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: 15]، وقد مر بيانه وشرحه.
وقوله تعالي: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾، أي: صاغرون، وهذا لفظ المفسرين [["تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 356 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 116 بلفظه عن مجاهد وقتادة من طريقين لكل منهما، وورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 373، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 70، و"تفسير السمرقندي" 2/ 237، والثعلبي 2/ 157 ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 190، والطوسي 6/ 388، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن عطية 8/ 436، وابن الجوزي 4/ 453، و"تفسير القرطبي" 10/ 111، والخازن 3/ 118، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 223، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.]]، يقال: دَخَرَ يَدْخَر دُخُورًا، أي صَغُرَ يَصْغُرُ صغَارًا، وهو الذي يَفعلُ ما تأمره شاء أو (أبى [[ورد في "تهذيب اللغة" (دخر) 2/ 1158، بنصه.]].
قال الزجاج: هذه الأشياء مجبولة على الطاعة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 202، بنصه.]].
وقال الأخفش في قوله: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾) [[ما بين القوسين ساقط من (د).]] ذَكَّرَ، وهم من غير الإنس؛ لأنه لما وصفهم بالطاعة أشبهوا ما يعقل [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 606، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 453.]].
النحل 16:49
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. قد ذكرنا السجود يكون على نوعين: سجود هو عبادة؛ كسجود المسلمين لله، وسجود هو خضوع واستكانة؛ وهو سجود ما [لا] [[إضافة يقتضيها السياق ليستقيم المعنى، ويؤيده ثبوتها في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 400.]] يعقل وسجود الجمادات، فإن هذه الأشياء بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى مُدَبَّر وصانع ساجدة؛ أي خاضعة متذللة، وقال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ لأن (ما) و (من) يتعاقبان، و (ما) أعمّ من (من) ألا ترى أنه قد قال في أخرى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: 15].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ قال الفراء: دخل (من) هاهنا؛ لأن (ما) مُبْهم، فلو أسقطت (من) لأشبه أن تكون الدابة حالاً لها، فأدخل (من) ليدُلّ [[في (أ)، (د): (البدل)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصواب، يستقيم به المعنى، ويؤيده المصدر.]] على أنه تفسير لـ (ما) [[في (ش)، (ع): (لها).]]، ومثل هذا كثير في كتاب الله؛ قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ [النساء: 79]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ﴾ [النساء: 124]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: 48] لم يقل في شيء منه بطرح (مِنْ)؛ لما ذكرنا من أنّ (ما) و (مِنْ) غير مؤقّتتين [[أي: غير محددتين.]]، ومثله قول الشاعر: فثبتَ اللهُ ما آتاك من حَسَنٍ ... وحيثُ ما يقض أمرًا صالحًا يكن [[ورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء 2/ 103 بخلاف في رواية الصدر:
حاز لك الله ما آتاك من حَسَنٍ]]
وقال آخر:
عُمْرًا حَييت ومَن يشناك من أحد ... يَلْق الهوان ويلق الذُلَّ والغِيَرا [[ورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء 2/ 103.]]
فدلّ مجيء (من) على أنه لم يرد أن يكون ما جاء من النكرات حالاً للأسماء التي قبلها، ودلَّ على أنه مُترجِم على معنى (مَن) و (مَا)، ومثل هذا قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء﴾ [سبأ: 39]؛ لأن الشيء لا يكون حالاً، ولكنه مترجم، فأمَّا قولهم: لله دَرُّه رجلاً [[ورد في "جمهرة الأمثال" 2/ 210، وانظر: "مجمع الأمثال" 2/ 190، و"اللسان" (عجب) 5/ 2812، (درر) 3/ 1356، وورد برواية: (لله درُّك)، والأصل فيه أن الرجل إذا كَثُر خيرُه وعطاؤهُ قيل له ذلك، إشادةً وتعجبًا، ثم قيل لكل مُتَعَجبٌ منه.]]، فالرجلُ مترجِم لما قبله وتفسير وليس بحال، إنّما الحال الذي ينتقل؛ مثل القيام والقعود، وجاز سقوط (مِنْ) في هذا الموضع [[أي في المثل؛ لأن أصله أن يقال: لله درُّه من رجل.]]؛ لأن الذي قبله مؤقت، فجاز أن يُذكرَ بطرح (مِن) كالحال [["معاني القرآن" للفراء 2/ 103 - 104، نقل طويل تصرف فيه بالتقديم والتأخير، والاختصار والتهذيب، والتمثيل والتوضح.]]، وقال الأخفش في قوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ يريد: (من الدواب، واجتزأ بالواحد؛ كما تقول: ما أتاني من رجل مثله [[أي: ما أتاني من الرجال مثله، فأفاد الإفراد معنى الجمع. "معاني القرآن" للأخفش 2/ 606، بنصه.]]، وقال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]]: يريد كلَّ ما [[في جميع النسخ: كلما، وهو تصحيف ظاهر.]] دَبَّ على الأرض [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 44، وأبي حيان 5/ 498، و"تفسير القرطبي" 10/ 112، بلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ أخرجهم بالذكر تخصيصًا وتفصيلاً؛ كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [[يقصد ذكر الخاص بعد العام؛ فذكر الفاكهة عمومًا، ثم فصل في أنواعها وخص من الأنواع النخل والرمان.]] [الرحمن: 68]، وقوله تعالى: ﴿لَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [[وهنا كذلك، أجمل الملائكة، ثم فصَّلهم وخصّ منهم جبريل وميكال بالذكر.]] [البقرة: 98] وقال الزجاج: المعنى: ولله يسجد ما في السموات من الملائكة، وما في الأرض من دابة والملائكة؛ أي: وتسجد ملائكة الأرض [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 202، بنصه.]]، وفي الأرض ملائكة موكلون بالعباد [[لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18]، وغيرها من الأدلة.]]، وقيل: إنما ذكرهم على التخصيص لخروجهم من صفة الدبيب بما جعل لهم من الأجنحة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158 أ، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 192، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 23، وابن الجوزي 4/ 454، و"تفسير القرطبي" 10/ 113.]]، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد عن عبادة الله [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 113، وابن كثير 2/ 630، وأبي السعود 5/ 119 ، و"الشوكاني" 3/ 238، و"تفسير الألوسي" 14/ 158، كلها بلا نسبة.]]، وهذا صفة من يسجد لله سجود عبادة، فأما من له سجود الخضوع دون سجود العبادة، فمعنى لا يستكبرون في صلتهم أنهم يذعنون للخالق والصانع بالتسخير والتذليل وما فيهم من الضرورة إلى صانع فطرهم وخلقهم وأنشأهم ودبَّرهم، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ من صفة الملائكة خاصة [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بنحوه، وهود الهواري 2/ 373، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 454، و"الشوكاني" 3/ 238.]]؛ لأن الآية التي بعد هذا تختص بصفتهم.
النحل 16:50
قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ الآية. ذكر أهل العلم وأصحاب المعاني في هذه الآية، قولين [[ورد القولان في "تفسير الماوردي" 3/ 192، بنحوه، والطوسي 6/ 389 بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 331، وابن عطية 8/ 437، وابن الجوزي 4/ 455، وأبي حيان 5/ 499، و"الدر المصون" 7/ 234.]]؛ أحدهما: أن الآية من باب حذف المضاف، على تقدير يخافون عقاب ربهم من فوقهم [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بمعناه، والطبري 14/ 117 - 118 بمعناه، والثعلبي 2/ 158، بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 113.]]؛ لأن أكثر ما يأتي العقاب المهلك من فوق، سيّمَا والآية في صفة الملائكة، والآخر: أن الله تعالى لما كان موصوفًا بأنه علىٌّ ومتعال علو الرتبة في القدرة، حَسُن أن يقال: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ليدل على أنه في أعلى مراتب القادرين [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 238، بمعناه.
والقولان باطلان؛ لأن فيهما تعطيلًا وتأويلاً؛ فالأول تعطيل ظاهر لصفة الفوقية، والثاني تأويل وصرفٌ لظاهر النص من فوقية العلو إلى فوقية القدرة والعظمة، وهو خلاف مذهب أهل الحق؛ يقول ابن القيم: ومما ادعى المعطلة مجازه: الفوقية، وقد ورد به القرآن؛ كقوله ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، وحقيقة الفوقية علو ذات الشيء على غيره، فادعى الجهمي أنها مجاز في فوقية الرتبة والقهر، كما يقال الذهب فوق الفضة، والأمير فوق نائبه، وهذا وإن كان ثابتًا للرب تعالى، لكن == إنكار حقيقة فوقيته سبحانه وحملها على المجاز باطل من وجوه عديدة، وقد ذكر سبعة عشر وجهًا. انظر: "مختصر الصواعق المرسلة" ص 355 - 363، و"الفتاوى" 5/ 126.]]، وهذا معنى قول أبي إسحاق: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾: خوف مُجِلِّين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 203، بنصه. وقد ردّ الألوسي القول بأن خوفهم ليس إلا خوف إجلال ومهابة لا خوف وعيد وعذاب، بقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء].]]، ويدل على صحة هذا المعني قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 61]، وقوله إخبارًا عن فرعون: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: 127]، وقد روى مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ قال: ذاك مخافة الإجلال [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 225، وعزاه للخطيب في تاريخه [لم أقف عليه]، وانظر: "تفسير الرازي" 20/ 44، و"تفسير الألوسي" 14/ 159، وأورداه بصيغة التمريض، وانتصر له الفخر الرازي وردّه الألوسي -كما مرّ في الحاشية السابقة-، وورد بلا نسبة في "تفسير أبي حيان" 5/ 499، وأبي السعود 5/ 119.]]، وذهب بعض الناس إلى أن قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ من صفة الملائكة [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 454، و"تفسير القرطبي" 10/ 113، وأبي حيان 5/ 499.]]، والمعنى: أن الملائكة الذين هم فوق بني آدم وفوق ما في الأرض من دابة يخافون الله مع علو رتبتهم، فلأن يخاف من دونهم أولى [[وفي هذا المعنى تكلُّف وصَرْفٌ لِلَّفظ عن ظاهره؛ فالفوقية هنا صفة لله وليس للملائكة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ قال المفسرون: يعني الملائكة [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 192، بمعناه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 23، وابن الجوزي 4/ 454، و"تفسير القرطبي" 10/ 113، و"الشوكاني" 3/ 238.]]، وهذا كقوله في آية أخرى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ الآية [التحريم: 6].
النحل 16:51
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ قال الزجاج: ذكر اثنين توكيدًا لقوله: ﴿إِلَهَيْنِ﴾، كما ذكر الواحد في قوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 204، بنصه، لكنه استشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بالآية نفسها.]] [التوبة: 31]. وقال صاحب النظم: فيه تقديم وتأخير؛ يريد: لا تتخذوا اثنين إلهين [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 47، بنصه، والظاهر نقله عن الواحدي، والخازن 3/ 118، بنحوه.]]، أي: الاثنان لا يكونان ولا واحدٌ منهما إلهًا، ولكن اتخذوا الواحد الذي لا يجوز أن يكون له ثانٍ إلهًا، يدل على هذا قوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ من تلوين الخطاب.
النحل 16:52
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾، الدين: الطاعة هاهنا، والواصب: الدائم، و [هو] [[ساقطة من جميع النسخ، ولا يستقيم الكلام إلا بها.]] قول ابن عباس وجميع المفسرين [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 357 بلفظه عن قتادة، وورد في "الغريب" لابن قتيبة ص 243، بلفظه، وأخرجه الطبري 14/ 119 بلفظه عن ابن عباس، وعن عكرمة من طريقين، وعن مجاهد من طريقين، وعن الضحاك من طريقين، وعن قتادة، وعن ابن زيد، وأخرجه بلفظ واجبًا عن ابن عباس، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 72، بلفظه عن قتادة وعن مجاهد، وعن ابن عباس قال: واجبًا، و"تفسير السمرقندي" 2/ 238 بلفظه، وهود الهوارى 2/ 373، بلفظه، والثعلبي 2/ 158 أ، بنحوه، وفيه عن ابن عباس قال: واجبًا، و"تفسير الماوردي" 3/ 193، بلفظه عن الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك، وعن ابن عباس قال: واجبًا، والطوسي 6/ 390، بنحوه عن ابن عباس، وقال: وبه قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد.]]؛ يقال وصب الشىء يصب وصوبًا إذا دام [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 72، بنصه، وانظر: (وصب) في "جمهرة اللغة" 1/ 351، و"المحيط في اللغة" 8/ 202، و"الصحاح" 1/ 233، و"اللسان" 8/ 4848، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 49، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 225، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: 9] ويقال: واظَبَ على الشيء وواصَبَ عليه إذا داوم [[ورد في "تهذيب اللغة" (وصب) 4/ 3900، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 49.]]، قال أبو إسحاق: أي طاعته واجبة أبدًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 203، بنصه.]]، وقال عبد الله بن مسلم [[هو ابن قتيبة (ت 276 هـ).]]: ليس من أحد يُدان له ويطاوع إلا انقطع ذلك عنه بزوال أو هلكة، غير الله عز وجل؛ فإن الطاعة تدوم له [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 245، بنصه.]]، ثم قال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾، أي: أفغير الله الذي قد أبان لكم أنه واحدٌ، وأنه خالق كل شيء، وأمر أن لا يُتخذ معه إلَهٌ، تتقون.
النحل 16:53
قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد من نعمة الإسلام وصحة الأبدان [[انظر: "تفسير الخازن" 3/ 119، بنصه غير منسوب.]]، أي ما أعطاكم الله من صحة في جسم أو سعة في رزق أو متاع بمال وولد، فكل ذلك من الله، ودخلت الفاء في قوله: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ لأن الباء في: ﴿بِكُمْ﴾ متصلة بفعل مضمر، المعنى: ما يكن بكم أو ما حل بكم من نعمة فمن الله [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 204 ، بنحوه، و"تفسير الطبري" 14/ 120 - 121، بنحوه، وانظر: "تفسير الرازي" 20/ 51، و"الإملاء" 2/ 82، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 232.]]، وقد شرحنا هذه المسألة في قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158] وفي قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية [البقرة: 274].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ قال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة [[أخرجه الطبري 14/ 121 من طريق أبي طلحة صحيحة بلفظ السُّقْم، وكذلك ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 193، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 457 بنصه، والفخر الرازي 20/ 51، والخازن 3/ 119.]]، ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾، أي: (ترفعون أصواتكم بالاستغاثة، وهو معنى قول المفسرين: يتضرعون بالدعاء [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بلفظه، وأخرجه الطبري 14/ 121 بلفظه عن مجاهد من طريقين، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 238، بلفظه، وهود الهواري 2/ 373، بلفظه عن مجاهد، والثعلبي 2/ 158 أ، بمعناه، و"تفسير الماوردي" 3/ 193، بلفظه، والطوسي 6/ 391 بلفظه، قال: وهو قول مجاهد، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 519، وابن عطية 8/ 441، وابن الجوزي 20/ 51.]]، يقال: جأر ويجأر) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] جُؤارًا، وهو الصوت الشديد؛ كصوت البقرة [[انظر: (جأر) في "تهذيب اللغة" 1/ 519، و"المحيط في اللغة" 7/ 172، و"اللسان" 2/ 722، ونقله الفخر الرازي 20/ 51، بنصه.]]، قال الأعشى يصف بقرة:
وكان النَّكيرُ أَنْ تُضيفَ وتَجْأرَا [[لم أجده في ديوانه، وورد منسوبًا إليه في "تفسير الثعلبي" 2/ 158 أ، و"تفسير القرطبي" 10/ 115، برواية:
فطافت ثلاثًا بين يوم وليلة ... وكان النكيرُ أن تُضيفَ وتجأرا
والصحيح أن البيت للنابغة الجعدي كما في شعر النابغة الجعدي ص 41، وصدره:
فجالتْ على وَحْشيتها حتبجَةَ مستتِبَّةً= ونسب إليه كذلك في "الكتاب" 3/ 563، و"أدب الكاتب" ص 275، و"الاقتضاب" ص 367، و"الخزانة" 7/ 407، وبرواية: (أقامت) بدل (فطافت) في "إصلاح المنطق" ص 298، و"تهذيب إصلاح المنطق" ص 641، و"اللسان" (خمس) 2/ 1262، (ضيف) 5/ 2627. (مستتبة) واهنة ضعيفة، يقال: استتبَّني: استضعفني، وأتب الله قوتها، أي: أوهنها. والنابغة يصف بقرة وحشية أكل السبع ولدها، فطافت ثلاثة أيام وثلاث ليال تطلبه ولا إنكار عندها ولا غناء إلا الإضافة؛ وهي: الجزع والإشفاق، و (الجؤار) هو الصياح، و (النكير) الإنكار. وانظر: "المحيط في اللغة" (تب) 9/ 416.]] فهذا [[في (أ)، (د): (بهذا).]] ذهب جُؤَار البقرة، وقال عدي بن زيد في جُؤَار الإنسان:
إنَّني والله فاقْبَلْ حَلْفَتِي ... بأَبِيل كلما صَلَّى جَأَرْ [[ورد في "الأغاني" 2/ 105، وفيه: (لأبيلٌ)، و"مقاييس اللغة" 1/ 42، و"تفسير الطوسي" 6/ 391، و"اللسان" (أبل) 1/ 11، وفيه (فاسمع حَلِفي)، و"شعراء النصرانية قبل الإسلام" ص 453. (الأبيل) الراهب، سمي به لتأبله عن النساء وترك غشيانهنّ، والفعل منه: أبَل يأبُلُ أبالةً: إذا تنسَّك وترهَّب، وفي اللسان: الأبيل: رئيس النصارى، وقيل: هو الراهب، وقيل: الراهب الرئيس، وقيل: صاحب الناقوس، وكانوا يسمون عيسى -عليه السلام- أبيل الأبيليين، وكانوا يعظمون الأبيل فيحلفون به كما يحلفون بالله.]]
(أي رئيس النصارى) [[ما بين القوسين كتب على الهامش في نسخة (أ).]].
النحل 16:54
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس في قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ﴾ يريد أهل النفاق [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 457، وأبي حيان 5/ 502.]]، وقال الكلبي: يعني الكفار [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 457، وأبي حيان 5/ 502، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 238، والزمخشري 2/ 332، وابن عطية 8/ 443.]]، وهو اختيار الزجاج؛ قال: هذا خاص فيمن كفر [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 204، بنصه.]]، وقابل كشف الضّر عنه بالجحود والكفر.
النحل 16:55
قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾، أي: ليجحدوا نعمة الله في كشف الضرّ عنهم، واللام هاهنا يحتمل أن تكون لام كي [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 52، و"تفسير القرطبي" 10/ 115، والخازن 3/ 119، وابن كثير 2/ 630.]]، ويكون المعنى: أنهم أشركوا بالله غيره ليجحدوا نعمته، فاللام بيان عما هو بمنزلة العلة التي يقع لأجلها الشرك، وهؤلاء أشركوا بالعبادة ليكفروا النعمة [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 392، بنحوه.]]، ويحتمل أن تكون اللام للعاقبة [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 52، و"تفسير القرطبي" 10/ 115، والخازن 3/ 119، وابن كثير 2/ 630.]]، ويكون المعنى: أنهم جعلوا ما رزقناهم وأنعمنا به عليهم سببًا إلى الكفر، كما قلنا في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: 88]، وقد مر، وذكر أبو إسحاق الوجهين أيضًا في اللام هاهنا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 204 باختصار.]].
وقوله تعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ لفظ أمر لتهدد؛ كقوله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: 107]، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب.
النحل 16:56
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني الأوثان؛ لا يعلمون ضرًّا ولا نفعًا، ومفعول العلم هاهنا محذوف، والتقدير: لما لا يعلمون له حقًّا ولا فيه ضرًّا ونفعًا، قال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم [[ليس في تفسيره، وأخرجه الطبري 14/ 122 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 53، و"تفسير القرطبي"10/ 115، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 226.]]، ونحو هذا قال قتادة وابن زيد: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم جزءًا من أموالهم [[أخرجه الطبري 14/ 122 بنحوه عن قتادة، وبمعناه عن ابن زيد، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 458، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 226، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]]، وقد بينّا [[في (أ)، (د): (ساء)، ولا معنى له، والصحيح المثبت كما في (ش)، (ع).]] مذهبهم في هذا عند قوله: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: 136] جعلوا نصيبًا من الحرث والأنعام يتقربون به إلى الله تعالى، ونصيبًا يتقربون به إلى الأصنام والحجارة على ما يجب أن يتقربوا إلى الله، وعلى هذا: العِلمُ مسند إلى المشركين، وهو قول عامة المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 14/ 122 - 123، والسمرقندي 2/ 238، وهود الهواري 2/ 374، والثعلبي 2/ 158 أ، والطوسي 6/ 392، والزمخشري 2/ 332، وابن عطية 8/ 444، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 53، وذكر مسوغات ترجيح من رجحه، و"تفسير القرطبي" 10/ 115، والخازن 3/ 119، وأبي حيان 5/ 503.]].
وقال صاحب النظم: قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ هاهنا لازم ليس بمتعَدّ؛ لأنه الأصنام ومضاف إليها، والتأويل لِمَا ليس لها [[أي لما ليس لها علم ولا فهم.]]؛ لأنها موات لا معارف لها ولا حس، وأخرجها في قوله: (ما) مخرج غير الآدميين ومن [لا] [[إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، ولعلها التبست على النساخ بما بعدها.]] يفهم، وفي قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ مخرج من يفهم، ومثله قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [[قال الواحدي: والأكثرون على أن المراد بالآية الأصنام، وبيان صفات ما هي عليه من النقص.]] [الأعراف: 198]، وحمله المعنى ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾، أي. المشركون، ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي للشركاء الذين لا يعلمون شيئًا ولا معرفة لهم ولا حس، ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، هذا كلامه، ولعل هذا القول أقرب؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقدير محذوف، قال صاحب النظم: ولو كان هذا العلم مضافاً إلى المشركين لاستحال المعنى؛ لأنه لا يحتمل أن يجعلوا نصيبًا من رزقهم لما لا يعلمونه [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 53، ذكر القولين كمسوغات لترجيح القول الثاني دون نسبته لصاحب النظم أو الواحدي.]]، ثم خاطبهم بعد الخبر عنهم، فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ﴾ أي سؤال توبيخ حتى يعترفوا به على أنفسهم؛ لأن سؤال التوبيخ هو الذي لا جواب لصاحبه إلا ما يظهر فيه فضيحتة [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 392، بنحوه.]].
وقوله تعالى: ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ أي تتقولونه على الله من أنه أمركم بذلك.
النحل 16:57
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ قال المفسرون: هؤلاء خزاعة [[خزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية، وهم بنو عمرو بن ربيعة، وهو لُحيُّ بن عامر ابن قَمَعَة بن إلياس، وهو أول من بحّر البحيرة وسيَّب السائبة. سُمُّوا بذلك لأنهم انخزعوا عن جماعة الأسد أيام سيل العرم لمّا صاروا إلى الحجاز، فافترقوا بالحجاز فصار قومٌ إلى عُمان وآخرون إلى الشام، وبطونهم هي: بنو كعب، وبنو عديّ، وبنو نصر، وبنو مُلَيح، وبنو جفنة، وبنو المُصْطَلِق، وبنو الحياء. انظر: "الاشتقاق" ص 468، و"جمهرة أنساب العرب" ص 467، و"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص 228، و"معجم قبائل العرب" 1/ 338.]] وكنانة [[كنانة: قبيلة عظيمة من العدنانية، وهم بنو كنانة بن خُزيمة بن مُدْرِكة بن إلياس، كانت ديارهم بجهات مكة، وُلِد له: النَّضر، ومَلْك، وملِكان، وعبد مناة، وترجع جميع أنساب كنانة إلى هؤلاء، ويرجع نسب قريش إلى النَّضر بن كنانة، ومنه يتفرع نسب نبينا محمد -ﷺ-. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 11، و"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص 336، و"معجم قبائل العرب" 3/ 996.]] زعموا أن الملائكة بنات الله [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158أبنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 24، والزمخشري 2/ 332، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 54، و"تفسير القرطبي" 10/ 116، و"تفسير البيضاوي" 3/ 184، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 503.]]، ثم نَزَّه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيهًا عما زعموا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أجاز الفراء في (ما) وجهين؛ أحدهما: أن يكون في محل النصب على معنى: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، والثاني: أن يكون رفعًا على الابتداء؛ كأنه تم الكلام عند قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ يعني البنين، وهذا كقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [[حيث تم الكلام على الآية السابقة [38]، وهي: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، تم ابتدأ بهذه الآية.]] [الطور: 39] ، ثم اختار الوجه الثاني فقال: لو كان نصبًا لقال: ولأنفسهم ما يشتهون؛ لأنك تقول: جعلتَ لنفسِك كذا وكذا، ولا تقول: جَعلتَ لك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 105، بتصرف.]]، و [[ورد في جميع النسخ: (وابن الزجاج)، وهو خطأ، والصواب ما أثبته.]] الزجاج أجاز [[في جميع النسخ: (أجازه)، والصحيح المثبت.]] الوجه الأول [[الصحيح أنه أجاز الوجه الثاني كذلك.]] وقال: (ما) في موضع رفع لا غير، المعنى: ولهم الشيء الذي يشتهونه، ولا يجوز النصب؛ لأن العرب تقول: جَعَل لنفْسِه ما يشتهي، ولا تقول جَعَل زيدٌ له ما يَشْتهىِ، وهو يعني نفسه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 206، بتصرف يسير.]].
النحل 16:58
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ أي أُخبر بولادة بنت، والتبشير هاهنا بمعنى الإخبار أو بمعنى حقيقة التبشير على ما بينا في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 25]؛ لأن الحزن يؤثر في البَشَرة كما يؤثر السرور، يدل على هذا قوله: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ قال الزجاج: أي متغيرًا تَغَيُّرَ مغتم، ويقال لمن لَقِي مكروها: قد اسود وجهه غمَّا وحُزْنًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 206، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 24، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 55.]]، وشرح أبو علي هذا فقال: ليس المعنى على السواد الذي هو خلاف البياض، ولكن على ما يلحق من غضاضة عن مذمة [[لم أقف عليه، وورد نحوه في "تفسير القرطبي" 10/ 116.]]، ونَزَّلُوا ولادةَ الأنثى -وإن لم يكن من فِعْلِهم- منزلةَ ما يكونُ من فِعْلِهم مما يلحق من أجله العار، وعلى ضِدِّ هذا يمدحون بالبياض من لم يلحقه عار، من ذلك قوله [[البيت لامرئ القيس.]]:
وأَوْجُهُهُمْ بيضُ المَسَافِرِ غُرَّان [[وصدره:
ثيابُ بَني عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيةٌ
"شرح ديوان امرئ القيس" ص 167، وفيه (عند المشاهد) بدل (ببض المسافر)، وورد في "العين" 4/ 19، وفي (غرر) في "تهذيب اللغة" 3/ 2652، و"الصحاح" 2/ 767، و"اللسان" 6/ 3234، و"التاج" 7/ 301، وفيه (المشاهد) بدل (المسافر)، و"مقاييس اللغة" 3/ 428، برواية: (عند المسافر)، "الأساس" ص 298. (المَسَافر)؛ أصله: سفر؛ أي أشرق، يقال: سفر وجهه حُسناً، وأسفر، == وأسفر: أشرق، ومنه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة، ومَسَافرُ الوجه: ما يظهر منه، (المشاهد) الوقائع والحروب، (غرَّان) جمع أغرّ، ورجلٌ أغرُّ الوجه إذا كان أبيض الوجه.]] يريد أنهم لا يرتكبون ما يُدَنِّس الوجه، وعلى هذا المعنى وصفهم الرجلَ بالبياض في المدح لا على معنى بياض اللون ونصوعه، قال قتادة في هذه الآية: هذا صنيع مشركي العرب، فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له [[أخرجه الطبري 14/ 123 بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 226، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي ممتلئ غمًّا [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158 أ، بنصه.]]، وفسرنا هذا الحرف في سورة يوسف [84].
النحل 16:59
قوله تعالى: ﴿يَتَوَارَى﴾، أي: يختفي ويتغيب، وقد ذكرنا هذا الحرف وتفسيره في قوله: ﴿مَا وُورِيَ عَنْهُمَا﴾ [الأعراف: 20].
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ضرب امرأتَه المخاضُ توارى إلى أن يعلم ما يُولدُ له، فإن كان ذكرًا سُرَّ به وابتهج، وإن كانت أُنثى اكتأب لها وحزن ولم يظهر للناس أيامًا، يُدبِّر كيف يصنع في أمرها [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 75، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 446، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 55، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 504.]]، وهو قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ أي أيحبسه، والإمساك هاهنا بمعنى الحبس، كقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: 37]، والكناية تعود على ما في قوله: ﴿مَا بُشِّرَ بِهِ﴾، والهُون: الهَوَان [[لم يفرق بعضهم بين الهَوْن والهُون، وذهب الكثير إلى التفريق بينهما؛ فقال بعضهم: الهُون: الهوان، والهَون: الرفق. وقال آخرون: الهُون: العذاب، والهَون: الرفق. وقال الليث: الهَون: مصدر الهيِّن في معنى السكينة والوقار. وقال شمر: الهَوْنُ: الرفق والدعة. وقال الفراء: الهُوْنُ في لغة قريش: الهَوَانُ، وبعض تميم يجعل الهُون مصدرًا للشيء الهيّن؛ أي القليل. انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 106، و"تهذيب اللغة" (هان) 4/ 3699، و"اتفاق المباني وافتراق المعاني" ص 99.]].
قال ابن شميل: إنه لَيَهُون علي هَوْنًا وهَوانًا [[ورد في "تهذيب اللغة" (هان) 4/ 3699، بنصه.]]، وأهنته هَوْنًا وهوانًا، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله: ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [آية: 93].
قال المفسرون: كان أحدُهم في الجاهلية إذا وُلِدت له بنتٌ ضاق بها ذرعًا، فلم يدر ما يصنع بها؛ أَيَدُسُّها تحت التراب أو يتهاون بها فيُلْقِيها [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 124، والسمرقندي 2/ 239، وهود 2/ 374، والثعلبي 2/ 158 أ، ولعل المقصود بقوله: (فيلقيها)، أي: يلقيها من شاهق، فقد ذكر الرازي عدة وسائل كانوا يسلكونها في قتل البنات، أشهرها: أن يحفر لها الحفيرة ويدفنها حتى تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنهم من يذبحها. انظر: "تفسير الرازي" 20/ 56.]]، والهَوان على قول أكثرهم يعود إلى المولودة على معنى أنه سيهينها في التعب والعمل، ويمسكها على هوان منه لها.
وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ يريد على رغم أنفه وعلى الكراهية منه [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 55.]]، وعلى هذا القول، الهوان راجع إلى الوَالِد [[في جميع النسخ: (الولد) والصحيح (الوالد)؛ لأن هذا هو المعنى الثاني، وفي الأول عاد الهوان على الولد، ويؤيده التعليل بعده.]]؛ لأنه يمسكه على رضا بهوان نفسه وكراهته، واختاره الفراء فقال: لا يدري أيدفنها أم يصبر عليها وعلى مكروهها [["معانى القرآن" للفراء 2/ 107، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي يخفيه، والدس: إخفاء الشيء [[انظر: (دس) في "تهذيب اللغة" 2/ 1183، و"المحيط في اللغة" 12/ 235، و"الأساس" 1/ 271، و"عمدة الألفاظ" 2/ 8.]]، وهذا على ما كانوا يفعلونه من الوأد في الجاهلية، والجملة التي وقع عليها الاستفهام من الإمساك أو [[في جميع النسخ: (و)، وما أثبته هو الصواب، والظاهر أن الألف سقطت أو تصحفت.]] الوأد متعلقة بمحذوف يدل عليه القَسَم في الاستفهام، على تقدير ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ مقدرًا: أيمسكه أم يدسه، أو مفكرًا أو مدبرًا، أي يُقَلِّبُ رأيه في أحد الأمرين.
وقال صاحب النظم: قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ متصل في النظم بقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، والكظيم بمعنى الكاظم، ومعنى الكظم: ستر الشيء في القلب وترك إظهاره [[أصل الكَظْم: اجتراعُ الغَيْظ، والكَظَمُ: مخرجُ النفس، يقال: أخذ بكَظَمِه، والكُظُومُ: السكوت، والكُظومُ: إمساكُ البعيرِ عن الجِرَّةِ. انظر: (كظم) في "العين" 5/ 345، و"تهذيب اللغة" 4/ 3151، و"المحيط في اللغة" 6/ 233، و"مجمل اللغة" 2/ 786، و"عمدة الحفاظ" 3/ 469.]]، ومنه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]، والتأويل: وهو كاظم، ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾، أي: أن هذا المعنى في قلبه من شدة الغَمّ وهو يكظمه ولا يظهره.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بئس ما حكموا أن جعلوا لمن يعرفون بأنه خالقهم البنات؛ اللاتي محلهن منهم هذا المحل، ونسبوه إلى اتخاذ الولد، وجعلوا لأنفسهم البنين [[ورد بمعناه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 124، والسمرقندي 2/ 239، والثعلبي 2/ 158 أ، والطوسي 6/ 394، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 333، وابن الجوزي 4/ 459، و"تفسير القرطبي" 10/ 118، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 504.]]، نظير هذه الآية قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:21، 22].
النحل 16:60
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يريد العذاب والنار.
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: شهادة أن لا إله إلا الله [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 357) بنصه عن قتادة، والطبري 14/ 125 بنصه عن قتادة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 77، بنصه عن قتادة، و"تفسير الثعلبي" 2/ 158ب، بنصه عن ابن عباس، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 24، عن ابن عباس، وابن عطية 8/ 448، عن قتادة، و"تفسير القرطبي" 10/ 119، عن ابن عباس، والخازن 3/ 120، عن ابن عباس، وأبي حيان 5/ 505 عن ابن عباس وقتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 226، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]]، وهذا قول قتادة، ورُوي عنه ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: الإخلاص والتوحيد [[أخرجه الطبري 14/ 125 بنصه، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 77، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 195، بنصه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 119، وورد بنصه غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 375، والثعلبي 2/ 158 ب، والطوسي 6/ 394، والقولان عن قتادة متطابقان.]]، وهذا قول المفسرين في هذه الآية، لا أدري لم قيل للعذاب: المثل السَّوء، وللإخلاص: المثل الأعلى.
وقال قوم: المثلُ السَّوء: الصفةُ السَّوء؛ من احتياجهم إلى الولد وكراهيتهم الإناث خوفَ العَيلة والعَار [[ورد في "نفسير الثعلبي" 2/ 158 أ، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 25، وابن الجوزي 4/ 459، والفخر الرازي 20/ 56، و"البيضاوي" 1/ 278.]]، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد، وهذا قول صحيح، والمَثْلُ يَردُ [[في: (أ)، (د): (يريد)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصحيح.]] كثيرًا بمعنى الصفة، وقد بَيَّنا ذلك مستقصي في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ في سورة الرعد [آية: 35] وإن أنكر ذلك بعض المتأخرين [[يقصد محمد بن يزيد المبّرد (ت 285 هـ) فقد قال عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: 35]: فمن قال: إنما معناه: صفة الجنة فقد أخطأ؛ لأن (مَثَل) لا يوضع في موضح صفة، وإنما المثل مأخوذ من المثال والحذو، والصفة تحلية ونعْت. انظر: "المقتضب" 3/ 225.]]، فقد رُوي عن المقدمين من أئمة اللغة المثل بمعنى الصفة [[كيونس بن حبيب (ت 182 هـ)، و"الفراء" ت 207، ومحمد بن سلّام الجمحي (ت 231 هـ)، وإليه ذهب ابن جرير عند آية الرعد [35]،، ومال إليه الأزهري ونصره. انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 65، و"تفسير الطبري" 13/ 162، و"تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341.]].
وقال ابن كيسان: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: ما ضَرب اللهُ للأصنام وعبدتها من الأمثال [[لم أقف عليه.]]؛ مِثلُ قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. [العنكبوت: 41]. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ الآية [الحج: 73]، ولله المثل الأعلى نحو قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ الآية [النور: 35].
فإن قيل كيف جاء ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ مع قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾؟ [النحل: 74] قيل: لأنه بمعنى الأمثال التي توجب الأشباه، فأما الأمثال التي يضربها الله من غير شَبَه له بخلقه فحقٌّ وصوابٌ؛ لما فيها من الحِكم [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 394، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 56، و"تفسير القرطبي" 10/ 119.]].
النحل 16:61
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين، ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ قال: يريد بافترائهم على الله، ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ قال: يريد من [[موضع طمس في (ع) وغير واضح.]] مفتر، هذا قوله في رواية عطاء [[انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 333، وأبي حيان 5/ 506، وفيهما قال: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: من مشرك يدبّ عليها.]]، ومعناه: أنه لو عاجلهم بالعقوبة على كفرهم ما أمهلهم طرفة عين ولأخلى وجه الأرض عنهم، والكناية في: ﴿عَلَيْهَا﴾ تعود إلى الأرض ولم يسبق لها ذكر، ولكن ذكر الدابة تدل على الأرض؛ فإنها تَدُبّ عليها، وكثير ما يُكَنّي عن الأرض وإن لم يتقدم ذكرها؛ لأنه لا يُشْكِل، يقولون: ما عليها مثل فلان، وما عليها أكرم من فلان؛ يعنون على الأرض [[نقله الفخر الرازي بنصه دون عزو، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 60.]]، وعلى هذا التفسير الدابة تختص بالمفتري، وقال سائر المفسرين: يعني دواب الأرض؛ روى السدي عن أصحابه في قوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ يقول لأقحط المطر، فلم يبق في الأرض دابة إلا هلكت [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 459، وأبي حيان 5/ 506، وورد في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، بنحوه غير منسوب.]]، ورُوي عن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية، فقال: كاد [[في (أ)، (د): (كان) والمثبت من (ش)، (ع) يتفق مع السياق والمعنى.]] أن يَهْلِكَ الجُعَلُ [[الجُعَلُ: دويبَّة سوداء صغيرة تألف المواضع النديّة، وهي من الخنافس، أو هو الحرباء، وكنيته أبو جِعْران، وأبو وجزة في لغة طيىء، وجمعه جِعْلاَن. انظر: "المحيط في اللغة" (جعل) 1/ 256، و"متن اللغة" 1/ 538.]] في جُحْره بذنب ابن آدم [[أخرجه الطبري 14/ 126 بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 239 ، بنحوه، والثعلبي 2/ 158 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 74، والزمخشري 2/ 333، و"تفسير القرطبي" 10/ 120، والبيضاوي 1/ 278، والخازن 3/ 121، وابن كثير 2/ 631.]]، وقال قتادة في هذه الآية: قد فَعَل ذلك زمان نوح [[انظر: "تفسير البغوي" 5/ 26، وابن الجوزي 4/ 459، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 506.]]، والمعنى على هذا: أن شؤم ذنوب المشركين كاد أن يصيب دواب الأرض حتى تهلك بسبب ذلك، لولا حلم الله وتأخيره العقوبة، كما روى عن أبي حمزة الثُّمالي [[أبو حمزة ثابت بن أبي صفية الثُّمالي، اسم أبيه دينار، وقيل: سعيد، مولى المهلَّب بن أبي صُفرة، كوفي ضعيف رافضي، روى عن أنس والشعبي، وعنه: وكيع وأبو نعيم، مات في خلافة أبي جعفر. انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 450، و"ميزان الاعتدال" 1/ 363، و"الكاشف" 1/ 282، و"تقريب التهذيب" ص 132 (818).]] أنه قال: يحبس المطر فيَهلكَ كلُ شيء [[أقف عليه.]].
وقال أهل المعاني: معنى الآية، أن الله تعالى لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء [[ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 196، بنصه، والطوسي 6/ 396، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 26، والزمخشرى 2/ 333، والفخر الرازي 20/ 59، ونسبه لأبي علي الجبائي، و"تفسير القرطبي" 10/ 119، و"البيضاوي" 1/ 278، والخازن 3/ 121.]]، فكانت الأرض تبقى خالية، وقد ضرب الله لهلاك الخلق وخلو الأرض عن سكانها أجلاً، فهو يؤخرهم إلى أجل مُسَمّى كي يتوالدوا، والأجل المسمى في هذه الآية: القيامة، في قول عطاء عن ابن عباس [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 60، وورد غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 375، و"تفسير الماوردي" 3/ 195، والخازن 3/ 121.]]، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يريد أجل القيامة، وفي قول الآخرين: يعني منتهى الأجل وانقضاء العمر [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158 ب، بنصه، والطوسي 6/ 396، بمعناه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 26، وابن الجوزي 4/ 460، والفخر الرازي 20/ 60، و"تفسير البيضاوي" 1/ 278، والخازن 3/ 121، وذهب بعضهم إلى أنه الوقت الذي قدّره الله لإنزال العذاب بهم في الدنيا، فيكون الناس من العام المخصوص؛ أي أهل المعاصي والكفر؛ كما في قول ابن عباس القول الأول. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 125 - 126، و"تفسير الماوردي" 3/ 195، والفخر الرازي 20/ 60، و"القرطبي" 10/ 119، والخازن 3/ 120.]]، ولعل الأقرب هذا؛ فإن المشركين يؤاخذون بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من الدنيا، ووجه القول الأول: أن معظم العذاب يوافيهم يوم القيامة، وذكرنا معنى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ في سورة الأعراف: [34].
النحل 16:62
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾، معنى ﴿يَجْعَلُونَ﴾ هاهنا يصفونه بذلك ويحكمون به له، لقولك: جعلت زيدًا أعلى الناس؛ وذكرنا معاني الجَعَل عند قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: 103].
وقوله تعالى: ﴿مَا يَكْرَهُونَ﴾ يعني البنات في قول جميع المفسرين [[ورد بلفظه في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 126، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 78، و"تفسير السمرقندي" 2/ 239، و"تفسير هود الهواري" 2/ 375، والثعلبي 2/ 158 ب، والطوسي 6/ 396.]]، والمعنى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾: لأنفسهم، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ قال الفراء والزجاج: موضع ﴿أَنَّ﴾ نصب؛ لأنه عبارة عن الكذب وبدل منه، المعنى: وتصف ألسنتهم أن لهم الحسنى [["معاني القرآن" للفراء 2/ 107، بنحوه، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 207، بنحوه.]].
وأما تفسير ﴿الْحُسْنَى﴾ فكثير من المفسرين على أنه الغلمان والبنون، وهو [[في جميع النسخ: (وهي)، والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يعود على القول، وهو مذكر.]] قول السدي ومجاهد وقتادة [["تفسير مجاهد" ص 422 بلفظه، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 357 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 127 بلفظه عن مجاهد وقتادة من طريقين لكلٍّ، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 78، بلفظه عن مجاهد، و"تفسير الماوردي" 3/ 196، بنحوه عن مجاهد، والطوسي 6/ 397، بنحوه عن مجاهد، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 333، عن مجاهد، وابن الجوزي 4/ 460، عن مجاهد وقتادة، والقرطبي 10/ 120، عن مجاهد، وأبي حيان 5/ 506، عن مجاهد، وابن كثير 2/ 632، عن مجاهد وقتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 228، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة. ولم أقف عليه منسوبًا إلى السدي.]]، قال يمان بن رِئاب [[في جميع النسخ: (رباب)، وكذا في "لسان الميزان"، والصحيح رِئاب كما ذكره الدارقطني والذهبي، وقد صوَّب محقق كتاب الضعفاء للدارقطني هذه الرواية ورجحها على رواية اللسان.]]: ﴿الْحُسْنَى﴾: الجنة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158 ب بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 26 وورد بلفظه غير منسوب في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 78، و"تفسير السمرقندي" 2/ 239، وابن عطية 8/ 451، والفخر الرازي 20/ 60 ، والخازن 3/ 121.]]، وهو معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[انظر: "تنوير المقباس" ص 288.]]، واختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 207، بنصه.]]، قال: المعنى يصفون أن لهم مع قولهم هذا القبيح من الله الجزاء الحسن [[في (أ)، (د): (الحسنى)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الموافق للمصدر.]]، فحصل في ﴿الْحُسْنَى﴾ هاهنا قولان؛ الأول: على أنهم قالوا: لله البنات ولنا البنون، والثاني: على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله إن كان محمد صادقًا [[في (أ)، (د): (صادق) وهو خطأ نحوي ظاهر، لعله من النساخ، والمثبت من (ش)، (ع). "تفسير الثعلبي" 2/ 158 ب.]] في البعث؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالمعاد، ولعل الأقرب في تفسير الحسنى: الجنة، وفي الآية ما يدل على هذا، وهو قوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّار﴾، فردَّ عليهم قولَهم وأثبت لهم النار، فدلّ هذا أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة، قال الزجاج: (لا) ردٌّ لقولهم، المعنى ليس ذلك كما وصفوا، جَرَمَ فعلُهم هذا، أي كَسَبَ النارَ [[أي: كَسَبَ فعلُهم هذا لهم النارَ.]]، فعلى هذا (أنَّ) يكون في محل النصب بوقوع الكسبِ عليه، وقال قطرب: (أنَّ) في موضع رفع، المعنى: وجب أنَّ لهم النار [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 207، بتصرف يسير.]] ، وقيل: لا بُدَّ ولا محالةَ أن لهم النّار، وذكرنا فيما تقدم استقصاء الكلام في هذا الحرف [[سورة هود: الآية [22]، و"تفسير السمرقندي" 1/ 169، والنحل الآية [23].]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ أي مُتْرَكون [[هكذا في جميع النسخ، ولعلها (متروكون) كما في "مجاز القرآن" 1/ 361، و"تفسير الطبري" 14/ 127، و"الحجة للقراء" 5/ 73.]] مَنْسِيُّون في النار، قاله الكلبي ومجاهد والضحاك [["تفسير مجاهد" ص 422، بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 128 من ثلاث طرق عن مجاهد بلفظ: مَنْسيون، وعن الضحاك بلفظ: متروكون في النار، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 79، بلفظه عن مجاهد، و"تفسير الماوردي" 3/ 186، بلفظه عن مجاهد والضحاك، والطوسي 6/ 395، بنصه عن مجاهد والضحاك، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 452، عن مجاهد، وأبي حيان 5/ 506 عن مجاهد، وابن كثير 2/ 632، عن مجاهد.]].
وقال قتادة: مُعَجَّلُون إلى النار [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 357 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 128 - 129 بنصه عن قتادة من طريقين، ورد في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 79، بنصه عن الحسن، و"تفسير السمرقندي" 2/ 239 بنصه عن قتادة، والثعلبي 2/ 158، بنصه عن قتادة، والماوردي (3/ 196) بمعناه عن قتادة، والطوسي 6/ 395، بمعناه عنهما، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 27، عن قتادة، و"تفسير القرطبي" 10/ 121، والخازن 3/ 121، عن قتادة، وابن كثير 5/ 27، عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 228، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة، وأورده وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن الحسن.]]، وهو قول الحسن، والقول الأول اختيار أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 361، بنصه.]] والفراء [["معانى القرآن" للفراء 2/ 107، بنصه.]]، قال الكسائي: يقال: ما أَفْرَطْتُ من القوم أحدًا [[أي ما تركتُ أحدًا، ورد في "تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 61، ورجَّحَ الطبري هذا القول 14/ 129.]]، وقال الفراء: العرب تقول أَفْرَطتُ منهم ناسًا، أي خَلَّفتهم ونسِيتُهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 107، بنصه.]]، ومَنْ قال: مُعَجَّلُون، وهو الاختيار [[وقد رجحه النحاس كذلك، وقال: قول الحسنِ أشهرُ في اللغة وأعرف، وأيَّده بقول القُطامي كما في "ديوانه" ص 90:
واسْتَعْجَلُونا وكانوا من صَحَابَتِنا ... كما تَعَجَّل فُرَّاطٌ لِروَّادِ
وهذا الذي ذكره أوضح دلالة مما ذكره الواحدي رحمه الله، كما يؤيِّده حديث رسول الله -ﷺ-:"أنا فَرَطكْم على الحوض .. " أي متقدِّمكم وسابقكم إليه حتى تردوه. أخرجه البخاري (6575): الرقاق، في الحوض، ومسلم (2289) كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته، وقد جمع ابن كثير بين القولين -في (مفرطون) - وقال: ولا منافاة؛ [أي بينهما]، لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار وينسون فيها؛ أي يخلدون. "تفسير ابن كثير" 2/ 595.]]؛ فوَجْههُ [[في جميع النسخ: (فوجه) والصحيح ما أثبته؛ وينسجم مع السياق.]] ما قال أبو زيد وعيره: فرَطَ الرجلُ أصحابَه يَفْرُطُهم فِراطا وفُرُوطًا، إذا تقدمهم إلى الماء ليصلح الدِّلاء والأرْسَان [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 73، بنحوه، ونقله الفخر الرازي 20/ 61، بنصه ونسبه للواحدي. (الأرْسانُ) هكذا في جميع النسخ، جمع رَسَن؛ وهو الحبل تقاد به الدابّة، ويحتمل أن يكون (الأرْشَان) جمع رَشْن بسكون الشين وفتحها، وهي مَشْرَبُ الماءِ من النَّهر، أي الثُّلمة في النهر يُستقى منها، وذكر الطبري نحوًا من هذا القول بلفظة (الأرشية) وهو جمع الرَّشاء: وهو حبل الدلو، وهو الأقرب لولا اختلاف مبنى الكلمة، انظر: "تفسير الطبري" 14/ 128 بمعناه، و"المحيط في اللغة" 7/ 320، 374، 8/ 305، و"اللسان" (رشن) 3/ 1652، (رشا) 3/ 1653، و"المعجم الوسيط" 1/ 347، و"متن اللغة" 2/ 588، 592.]]، وأنشدوا [[لطرفة بن العبد (جاهلي).]]:
فأثارَ فارِطُهم غَطَاطًا جُثَّمًا ... أصواتُها كتَراطُنِ الفُرْسِ [[لم أجده في ديوانه، وذكر محقق "مستدرك التهذيب" (غط) 16/ 49، أنه ليس في ديوانه، ولكنه مما نسب إليه في زيادات [ط: أوربا/ باريس]، ورد في "لسان العرب" (رطن) 3/ 1666، وورد بلا نسبة في: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 572 وفيه: (فأراد) بدل (فأثار)، و"تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773، (غط) 3/ 2676، و"مقاييس اللغة" 2/ 404، 4/ 384، و"اللسان" (غطط) 6/ 3271، (فرط) 6/ 3390، و"التاج" (غطط) 10/ 353، (فرط) 10/ 360. (الفارطُ): المتقدّم السابق، (الغَطاطُ) بفتح الغين كسَحَاب، هي القَطَا أو ضرب منه، وقيل: ضربٌ من الطير ليس من القطا، هنَّ غُبرُ الظهور والبُطون والأبدان. سُودُ بْطون الأجنحة، طوال الأرجل والأعناق، لِطافٌ، لا تجتمعُ أسرابًا، أكثرُ ما تكونُ ثلاثًا أو اثنين، وواحدتُها: غَطاطَة، سميت لصوتها غطاطًا، (جُثَّمًا) يقال: جثم الإنسان والطائر، يجْثِم ويجْثُم جَثْمًا وجُثومًا، فهو جاثِم: أي لزم مكانه فلم يبْرح؛ أي تلَبَّد بالأرض، (تراطن) من الرَّطانة بفتح الراء وكسرها، والتراطن: كلام لا يفهمه الجمهور، إنما هو مُواضعةٌ بين اثنين أو جماعة، والعرب تخص بها غالبًا كلام العجم. وانظر: "اللسان" (جثم) 1/ 545.]] وأَفْرَط للقوم الفَارِطُ، وفَرَّطُوه: إذا قدَّموه، فمعنى قوله: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ من هذا، كأنهم أُعجلوا إلى النار؛ فهم فيها فَرْطٌ للذين يدخلون بعدهم [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 73، بنصه.]].
وقال أبو إسحاق: معنى ﴿مُفْرَطُونَ﴾: مُقَدَّمُون إلى النّار [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 208، بنصه.]]، وقرأ نافع بكسر الراء [[قرأ نافع وحده: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ من أفْرَطْتَ، وقرأ الباقون: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ بفتح الراء، من أُفْرِطُوا فهم مُفْرَطُونَ. انظر: "السبعة" ص 374، و"علل القراءات" 1/ 306، و"الحجة للقراء" 5/ 73، و"المبسوط في القراءات" ص 225، و"التيسير" 138.]].
قال الفراء: يقول: كانوا مُفْرِطين على أنفسهم في الذنوب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 108، بنصه تقريبًا.]]، ونحوه قال الزجاج: المعنى على أنهم أَفْرَطُوا في مَعْصِية الله [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 208، بنصه.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: أفرطوا في الافتراء على الله.
وقال أبو علي: كأنه من أَفْرَطَ؛ أي صارَ فَرَطٌ، مِثْلُ: أقْطَفَ [[في (ش)، (ع): (قَطَفٌ). قال الصاحب ابن عباد: يقال: أقطف الرجل، أي: صار صاحبَ دابةٍ قطوف، والقطوف من الدواب والإبل: هو البطئُ المقاربُ. انظر: "المحيط في اللغة" (قطف) 5/ 330.]] وأجْرَبَ، أي هم ذَوو فَرَطٍ إلى النّار [["الحجة للقراء" 5/ 74، بنصه تقريباً.]]؛كأنهم قد أَرْسَلُوا من يُهيئ لهم مواضعَهم منها.
النحل 16:63
قوله تعالى: (﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال ابن عباس: يعزي الله نبيه -ﷺ- بهذا [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 462، والفخر الرازي 20/ 61، و"تفسير القرطبي" 10/ 121، والخازن 3/ 121، وأبي حيان 5/ 507، وابن كثير 2/ 632، وأبي السعود 5/ 123، وهو بلا نسبة في المصادر كلها.]] يقول) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]]: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ﴾ يعني رسلًا وأنبياءَ من قبلك، ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾: حتى عَصَوا وكذبوهم، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ (يحتمل معنيين؛ أحدهما: أن المراد بهذا كفار قريش، يقول: الشيطان وليهم اليوم) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]]؛ يتولى إغواءهم وصرفهم عنك كما فعل بكفار الأمم قبلك [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 129 - 130، بمعناه، والثعلبي 2/ 158 ب، بمعناه، والطوسي 6/ 397، بمعناه، وانظر: "الكشاف" 2/ 334، وابن عطية 8/ 454، وابن الجوزي 4/ 462، و"البيضاوي" 1/ 278، وأبي حيان 5/ 507، ونسبه إلى الزمخشري، واستبعده بحجة اختلاف الضمائر من غير ضرورة، وهذا تحامل منه على الزمخشري كما هو معروف عنه؛ لأن القول قديم كما هو واضح في المصادر، والقول ليس بضعيف، بل هو محتمل كما قال الواحدي رحمه الله.]]، فيكون قد رجع عن الإخبار عن [[في جميع النسخ (إلى)، وما أثبته هو الصواب؛ كما في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 62.]] الأمم الماضية إلى الإخبار عن كفار مكة. الثاني: أنه أراد باليوم يوم القيامة، يقول: فهو ولي أولئك الذين زَيَّن لهم أعمالهم يوم القيامة [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 204 ب، بنحوه، والطوسي 6/ 397، بمعناه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 334، وابن الجوزي 4/ 462، والفخر الرازي 20/ 62، نقل القولين بنصهما بلا نسبة، وأبي حيان 5/ 507، و"الدر المصون" 7/ 249، وابن كثير 2/ 632.]]، ومن كان الشيطان ولِيَّه ذلك اليوم دخل [[في (أ)، (د): (ذلكل)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصحيح الذي يستقيم به الكلام.]] النار، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم.
النحل 16:64
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ قال ابن عباس: يريد ما قص من أخبار الأمم الخالية في القرآن، ﴿إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، قال: يريد لاتخاذ الحجة عليهم، كأن المعنى: إلا لتُبَيِّن لهم ما يختلفون في من الدين والأحكام؛ فيذهبون فيها إلى خلاف ما يذهب إليه المسلمون، فَتقومُ الحجةُ عليهم بدعائك وبيانك.
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ قال أبو إسحاق: بنصب ﴿رَحْمَتَ﴾؛ لأن المعنى: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا للهداية والرحمة، فهو مفعول له [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 208، بنصه.]].
النحل 16:65
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى قوله: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ أخبر الله تعالى أنه هو الذي أنزل المطرَ فأخصبت الأرض به بعد جُدُوبتها وُيبُوستها، وفي ذلك آية ودلالة على قدرته على البعث والإحياء بعد الإماتة لمن سمع ذلك سَماعَ اعتبارٍ وتَفَكُّر.
النحل 16:66
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ الآية. ذكرنا معنى العبرة في سورة آل عمران عند قوله: ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آية: 13].
وقوله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ مَنْ فتح النون [[وهم ابن عامر ونافع وعاصم في رواية أبي بكر. انظر: "السبعة" ص 374، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 357، و"علل القراءات" 1/ 307، و"الحجة للقراء" 5/ 74 و"المبسوط في القراءات" ص 225، "المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 739.]] فحجته ظاهرة يقول: سقيته حتى رَوِي، أسقيه، قال الله تعالى ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:21]، وقال: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: 79]، وقال: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ [محمد: 15]، وما كان للشفة فهو بفتح النون؛ ومن ضَمَّ النونَ [[وهم: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي. انظر: المصادر السابقة.]] فهو من قولك: أسقاه إذا جعل له شِربًا كقوله: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: 27]، وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: 22]، والمعنى هاهنا إنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسُّقْيَا، واختار أبو عبيدة الضَّمَّ وقال: لأنه شِرْبٌ دائم [[لم أجده في مجازه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 64.]]، وأكثر ما يقال في هذا المعنى: أَسْقَيْت، وذكرنا الكلام في سقى وأسقى في سورة الحجر [[آية: [22].]].
واختلف النحويون في علة تذكير الكناية في قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾، وهي راجعة إلى الأنعام، فقال أبو إسحاق: الأنعام لفظه لفظ جمع، وهو اسم للجنس يذكر ويؤنث، يقال: وهو الأنعام، وهي الأنعام، ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾، وفي موضع آخر: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 209، بنصه.]] [المؤمنون: 21].
وهذا مذهب سيبويه، قال في ذِكْرِه إن الاسم الواحد يجيء على أَفْعَال، قال: يقال: هو الأنْعَام، وقال: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ [["الكتاب" 3/ 230، بنحوه، وانظر:"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 401.]]، فذهب إلى أنه اسم مذكر يقع للجميع كالقوم والنفر والرهط، وقال الفراء: النَّعَمُ والأنعامُ شيء واحد، فرجع التذكير إلى معنى النَّعَم إذ كان يؤدي عن معنى الأنعام، وأنشد [[لم أقف على القائل، وفي "تفسير الثعلبي" 2/ 159 أ، أنه رجز لبعض الأعراب.]]:
وطاب ألْبانُ اللِّقَاح وَبردْ [[وصدره:
بالَ سُهَيلٌ في الفَضِيخِ فَفَسَدْ
ورد بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 129، 2/ 108، و"تفسير الطبري" 14/ 131، والثعلبي 2/ 159 أ، والطوسي 6/ 400، وابن الجوزي 4/ 463، و"اللسان" (خرت) 2/ 1124، (كتد) 6/ 3819، و"الدر المصون" 7/ 257، و"التاج" (خرت) 3/ 44 - 45، (كتد) 5/ 218، وفي جميع المصادر عدا الدّر: (فبرد). (سهيل) كوكب يُرى في ناحية اليمن والعراق، ولا يُرى بخُراسان، (الفضِيخ) عصير العنب، وهو أيضًا شراب يتخذ من البُسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه النار، وهو المشدوخ. ومعنى البيت: يقول لما طلع سُهيلٌ ذهب زمن البسر وأرطب، فكأنه بال فيه، وعندها تطيب ألبان النوق، والشاهد: أنه لم يقل: وبردت؛ لأنه رده إلى اللبن، المفرد. انظر: "تهذيب اللغة" (سهل) 2/ 1786 - 1787، و"اللسان" (فضخ) 6/ 3426.]]
وفرحع إلى اللبن [[في جميع النسخ: (اللبن والألبان) بزيادة الألبان، وقد أدى زيادتها إلى اضطراب المعنى، ويؤيّد أنها زائدة، عدم وجودها في المصدر و"الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 410.]]؛ لأن اللبن والألبان في معنى واحد [["معاني القرآن" للفراء 2/ 108، بنصه تقريبًا.]]، والدليل على أن النَّعَمَ مذكر قول الراجز [[هو فيس بن حصين بن يزيد الحارتي (جاهلي).]]:
أَكُلَّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ ... يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وتَنْتُجُونه [[ورد في "الخزانة" 1/ 407، 412، وورد بلا نسبة في "الكتاب" 1/ 129، و"مجاز القرآن" 1/ 362، و "تفسير الطبرى" 14/ 132، "المذكر والمؤنث" للأنباري 1/ 426، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 217،و"تهذيب اللغة" (نعم) 4/ 3617، == و"تفسير الثعلبي" 2/ 159 أ، و"المخصص" 17/ 19، و"تفسير الزمخشري" 2/ 334، وأبي حيان 5/ 509، و"الدر المصون" 7/ 253، و"تخليص الشواهد" ص 191، وفي بعض هذه المصادر ورد برواية: (في كل) بدل (أكل).]] قال الكسائي: أراد مما في بطون ما ذكرنا [[ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 109، بنصه، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 401، بنصه، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 427، بنصه، و"تهذيب اللغة" (نعم) 4/ 3615، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 75، والفخر الرازي 20/ 64.]]، قال الفراء: وهو صواب، أنشدني بعضهم:
مِثْلُ الفِراخِ نَتَقَتْ حَواصِلُه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 109، بنصه.]] [[رجز ورد بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 130، و"تفسير الطبري" 14/ 132، و"تهذيب اللغة" (نعم) 4/ 3616، و"المحتسَب" 2/ 153، و"تفسير ابن عطية" 8/ 456، وابن الجوزي 4/ 463، و"شرح شواهد الإيضاح" ص 347، و"تفسير القرطبي" 10/ 124، و"اللسان" (خلف) 2/ 1237، (نعم) 7/ 4482، و"تفسير أبي حيان" 5/ 509. (نتقت) سمنت وامتلأت شحمًا، (حواصله) جمع حوصلة؛ أسفل البطن، وهي للطير والنعام كالمعدة للإنسان، وهي المصارين لذي الظلف والخُفّ، والشاهد: أنه أعاد على الفراخ ضمير الواحد؛ لأنها في معنى الفرخ، إذا أريد به الجنس والكثرة، وقال الطبرى: لم يقل: حواصلها، أي: ذكَّرها. النظر: "المحيط في اللغة" (نتق) 5/ 367، و"متن اللغة" 2/ 106، ووردت برواية: (نُتِفَتْ).]]
وقال المبرد: هذا فاشٍ في القرآن وفي كلامهم، مثل: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 78]، بمعنى هذا الشيء الطالع، وكذلك قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: 54، 55]، أي: ذَكَرَ هذا الشيء، وكذلك: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ النمل: 35]، ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: 36]، ولم يقل: جاءت؛ لأن المعنى: جاء الشيءُ الذي ذكرنا [[لم أقف على مصدره، وورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 410، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 463، والفخر الرازي 20/ 64، وأبي حيان 5/ 509، و"الدر المصون" 7/ 256، وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 133، بنصه تقريبًا، والثعلبي 2/ 159 أ، بنحوه.]].
قال أبو عبيد: وسمعت الكسائي يُنْشِد ما هو أشد من هذا [[البيت لعروة بن حزام (ت 30 هـ) شاعر إسلامي، أحد المتيَّمِين، لا يُعرف له شعرٌ إلا في عفراءَ بنتِ عمِّه.]]:
وعَفْرَاءُ أَدْنَى الناسِ مِنِّي مَوَدَةً ... وعَفراءُ عَنِّي المُعْرِضُ الْمُتَوَانِي [[ورد في "المذكر والمؤنث" للأنباري 1/ 187، برواية:
فعفراءُ أرجى الناس عندي مودةً
وورد في الأغاني برواية:
فعفراءُ أحظى الناسِ عندي مودَّةً
وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 133، والثعلبي 2/ 159 أ، والشاهد: أنه لم يقل: المعرضة المتوانية، وذكَّرَ المعرض؛ لأنه أراد التشبيه، أي: وعفراء عنّي مثْلُ المُعرضِ، والمؤنث قد يشبَّه بالمذكر.]]
قال وأنشدنا الأحمر [[هو لأَوْس بن حَجَر، كما في ديوانه واللسان.]]:
إذ [[في جميع النسخ: (إذا) والتصويب من الديوان وجميع المصادر عدا الثعلبي.]] الناسُ نَاسٌ والبِلَادُ بِغِرَّةٍ ... وإِذْ أُمُّ عَمَّارٍ صَدِيقٌ مُسَاعِفُ [["ديوانه" ص 74، وفيها: (الزمان) بدل (البلاد)، و (بعزة) بدل (بغرة)، وورد في "اللسان" (سعف) 4/ 2018، وفيه: والزمان، وورد بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (سعف) 2/ 1696، كما للسان، وورد برواية: (بغبطة) بدل (غِرَّة) في "تفسر الطبري" 14/ 133، والثعلبي 2/ 159 أ، وفي "الخزانة" 5/ 429، برواية: (والزمان بعزَّة)، (غِرَّة)، بكسر الغين: الغفلة، يقال: غَرَّ الرجلُ غَرارةً وغِرَّةً: جهلَ الأمور وغفل عنها، (مساعف) قريب، والإسعاف: قضاء الحاجة، وهو المقصود.]] فهذا التذكير في هذه الأشياء أشَدُّ منه في الأنعام، ومثله كثير [[لم أقف على مصدره.]]، وإنما توَجَّه على معنى هذا الشخص والسواد وكل شيء، فالشيء يَشْرَكُه في اسمه، فالأصل التذكير؛ لأن الشيء مذَكَّر، غير أن الشيء إذا كان تأنيثه حقيقيًّا فلا بد من أن يؤنث في مستقيم الكلام، لا يَحْسُن أن يقول: جَارِيتُك ذهب ولا غلامك ذهبت، بحمله على النَّسْمَة [[النَّسمَةُ: النَّفسُ، والنسمة في العتق: المملوك ذكرًا كان أو أنثى. "المحيط في اللغة" 8/ 345.]]، وذهب المؤرج في هذا إلى وجه آخر؛ وهو أن الكناية تعود إلى ما في قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وأضمر اللبن؛ كأنه قيل: نسقيكم مما في بطونه اللبن، ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا﴾ أراد أنه يُسقى من أَيِّها كان ذا لبن؛ لأنه ليس لكلها لبن [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 159، بنحوه، والطبري 14/ 131، بنحوه غير منسوب، وورد في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 217، بنحوه منسوبًا إلى أبي عبيدة عن أبي عبيد، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 28، و"وضح البرهان" ص 507.]]، واختار صاحب النظم هذا الوجه وزاده بيانًا فقال: الأنعام يقع على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحائل [[الحائل: التي لا تحمل تلك السنة، حَالتْ تحُولُ حُؤُولاً وحِيَالاً، والمُحْتالة: الحائل من ذوات الحَمْلِ. انظر: "المحيط في اللغة" (حول) 3/ 210.]] والحامل، وذات الدَّرّ والبِلَى [[يقال: ناقة بَلِيَّة: هي التي يموت صاحبها فيحفر لها حفرة وتشدّ رأسها إلى خلفها، وتُبْلَى: أي تترك هناك لا تعلف ولا تسقى حتى تموت جوعًا وعطشًا. انظر: "المحيط في اللغة" (بلى) 10/ 354، و"اللسان" (بلا) 1/ 355.]]، فلما ذَكَرَ عز وجل مُجْمَلَه في أول الفصل، وليس الدّرُّ إلا لبعضها؛ مَيَّزَ واختص منها في الخبر ذات الدّر دون سائرها. فقوله: ﴿مِمَّا﴾ مِثْلُ قولك: مِنْ الَّتي، إلا أنه لمّا ذَكَرَ (الَّتي) بلفظ (ما) ذَكَرَ الكناية؛ لأن (ما) لا تبين فيه تذكير ولا تأنيث، فكأنه مذكر، والتقدير: نُسقيكم مِن التي في بطونها لبن، ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا﴾، وأضمر ذِكرَ اللبن لعلم المخاطب بذلك، ولمجيء [[في جميع النسخ: (والمجيء)، ويستقيم الكلام بالمثبت.]] ذِكرِ اللبن فيما بعده.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا﴾، الفَرْثُ: سِرْجين الكرش [[يقال: سرجين بالجيم، وسرقين بالقاف، ويسمى فرْثًا ما دام أنه بالكرش، فإذا خرج لا يسمى فرثًا، انظر: (فرث) في "العين" 8/ 220، و"تهذيب اللغة" 3/ 2757، و"المحيط في اللغة" 10/ 138، و"مجمل اللغة" 2/ 719، و"اللسان" 6/ 3369.]]، قال ابن عباس: يريد العلف الذي يكون في الكرش، وروى الكلبي عن أبي صالح عنه أنه قال: إذا استقر العَلَفُ في الكرش صار أسفله فَرْثًا وأعلاه دمًا وأوسطه لبنًا، فيجري الدمُ في العروق واللبنُ في الضَّرع ويبقى الفَرْثُ كما هو [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 240، والثعلبي 2/ 159 أ، بنحوه، (وهذه أوهى الطرق إلى ابن عباس، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 28، وابن الجوزي 4/ 464، والفخر الرازي 20/ 64، و"تفسير القرطبي" 10/ 125، و"تفسير البيضاوي" 1/ 279، والخازن 3/ 123، وأبي حيان 5/ 509، وهذا التفسير مردود لضعف الأثر، وزاد الفخر الرازي تضعيفه لمخالفته للحس، فقال: وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة، ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش، كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم، وذلك باطل قطعًا، ثم بيَّن كيفية توَلُّد اللبن حسيًّا. الفخر الرازي 20/ 65]]، فذلك قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾: لا يَشُوبُه الدم ولا الفرث، ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾: جائزًا في حلوقهم لذيذًا هنيئًا، يقال: ساغَ الشَّرَابُ في الحلق وأَسَاغَهُ صاحِبُه [[انظر: (سوغ) في "جمهرة اللغة" 2/ 846، و"تهذيب اللغة" 2/ 1597،و"المحيط == في اللغة" 5/ 107، و"مجمل اللغة" 1/ 478، و"مقاييس اللغة" 3/ 116، و"الصحاح" 4/ 1322، و"العباب الزاخر" غ/ ص 48، و"اللسان" 4/ 2152.]]، ومنه قوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: 17] وقد مر، والآية بيان عن إقامة الدلالة على الصانع حيث جعل العَلَف وهو جنس واحد أنواعًا في بطن الدابة، فإذا تفكر العاقلُ عَلِمَ أن ذلك بقدرة الله الذي لا إله إلا هو، قال أصحابنا: وهذه الآية تدل على أن مَنِيّ الآدمي لا يكون نجسًا وإن كان في باطنه مجاورًا للنجاسات كاللبن؛ فإنه يخرج طاهرًا من بين نجسين [[هذا مشهور لكن فيه نظر؛ لأن الدم مختلف في نجاسته، فالمذاهب الأربعة على نجاسته، وقد حكى النووي في ذلك الإجماع فقال: "وفيه أن الدم نجس، وهو بإجماع المسلمين" [شرح مسلم (3/ 200)]، وانظر: "أحكام النجاسات في الفقه الإسلامي" ص 187، لكن الذي عليه المحققون -كابن تيمية والشوكاني وصديق خان- أن الدم المسفوح ليس بنجس، وعمدة القائلين بالنجاسة أمران؛ أحدهما: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]، والثاني: حديث أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي -ﷺ- فقالت: (إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال: "تَحُتُّهُ ثم تَقْرُصُهُ بالماء ثم تَنْضِحُهُ ثم تُصَلَّي فيه" [شرح مسلم (3/ 199)].
وقد رد المحققون على هذين الدليلين: أما الآية فدلالتها على نجاسة الدم غير صريحة؛ لأن كون تناول الدم المسفوح محرم لا يقتضي نجاسته، وكلمة ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ وإن كان من معانيها في اللغة النجاسة، إلا أنه مختلف في عودة الضمير، وإذا وقع الاحتمال بطل الاستدلال. أما الحديث فالكلام فيه على دم الحيض ولا خلاف في نجاسته؛ لأنه خارج من أحد السبيلين، لذلك كان قياس سائر الدماء عليه قياسًا مع الفارق، لذلك قال صديق خان: (وأما سائر الدماء فالأدلة فيها مختلفة مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة) [الروضة الندية شرح الدرر البهية (1/ 82)]، وحتى على القول بنجاسة الدم فإن الدم قبل انفصاله عن الجسم يعد طاهرًا، وهو ما ذهب إليه ابن تيمية في == الفتاوى 21/ 598 - 600، ونصره من عدة وجوه، فقال: (إنا لا نسلم أن الدم قبل ظهوره وبروزه يكون نجسًا، فلا بد من الدليل على تنجيسه)، ثم ذكر وجوهًا على طهارته، وهي: أن النجس هو المستقذر المستخبث، وهذا الوصف لا يثبت لهذه الأجناس إلا بعد مفارقتها مواضع خلقها، فوصفها بالنجاسة فيها وصف بما لا تتصف به. أن الدماء في الأبدان وغيرها هي أحد أركان الحيوان التي لا تقوم حياته إلا بها حتى سميت نفسًا، فالحكم بأن الله يجعل أحد أركان عباده من الناس والدواب نوعًا نجسًا في غاية البعد. أن الأصل الطهارة، فلا تثبت النجاسة إلا بدليل، وليس في هذه الدماء شيء من أدلة النجاسة، وخصائصها. أما روث الحيوان فالأرجح فيه الطهارة أيضًا، وهو مذهب الحنابلة والمالكية والهادوية وغيرهم. [انظر: "نيل الأوطار" 1/ 59 - 60، و"الروضة الندية" 1/ 71، و"أحكام النجاسات" ص50 - 98]. ومن أدلتهم: حديث أنس في الصحيحين: (أن النبي ﷺ أمر العُرَنِيين بأن يشربوا من أبوال الإبل) البخاري (233) كتاب الوضوء، أبوال الإبل والدواب، مسلم (1671): القسامة، حكم المحاربين والمرتدين، واستدلوا كذلك (بأن النبي -ﷺ- كان يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم. أخرجه البخاري (234) بنفس الباب، كذلك استدلالات ابن تيمية -السابقة- على طهارة الدم تنطبق على طهارة الروث.]].
كذلك يجوز أن يخرج المنيّ طاهرًا وإن جرى في طريق النجاسة [[الكلمة ساقطة من (أ)، (د).]] [[نسبه القرطبي للنقاش من الشافعية (ت 351 هـ) وقال: وقاله أيضًا غيره، وهذا الاستدلال على طهارة المنيّ فيه تكَلُّف وبُعد، والقياس الوارد قياس مع الفارق، لذا أنكره ابن العربي وشكك في أهلية المسندل على الدعوى بهذه الآية. انظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1152، وقد أنكر ابن تيمية هذه المدعوى -في معرض الرد على القائلين بنجاسة المني- فقال: لا نسلم أنه يجري في مجرى البول، فقد قيل: إن بينهما جلدة رقيقة، وإن البول إنما يخرخ رشحًا، وهذا مشهور. "الفتاوى" == 21/ 602، أما طهارة المني فمختلف فيها، وقد بسط العلماء القول فيها في كتبهم في مظانها. وانظر: "أحكام النجاسات" ص 99 - 124] ومن أقوى أدلة القائلين بطهارته -وهو الراجح- قول عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله -ﷺ- يسْلُت المنيّ من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه". صحيح ابن خزيمة: باب سلت المني من الثوب بالإذخر إذا كان رطبًا (1/ 149).]].
النحل 16:67
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ الآية.
قال صاحب النظم: تأويل الآية: ولكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرًا [[وإلى هذا ذهب الطبري في "تفسيره" 14/ 138، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 28، وابن عطية 8/ 458، قال البغوي: يعني: ولكم أيضًا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب، ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ والكناية في ﴿مِنْهُ﴾ عائدة إلى (ما) محذوفة، أي: ما تتخذون منه ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾.]]؛ لأنه لو كان مبتدأً ومنقطعًا مما قبله لوجب أن يقال: منها؛ لأن تأويله يكون راجعًا على قوله: ﴿ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ على ما نظم، وتتخذون من ثمرات النخيل والأعناب سكرًا.
والعرب تضمر (ما) و (من) كقوله تعالي: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ [[قال الفراء: أي ما ثَمَّ رأيت. "معاني القرآن" للفراء 3/ 218، وانظر: "الدر المصون" 10/ 614.]] [الإنسان: 20]، ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ﴾ [[وتقديره عند الكوفيين: وما منا إلا مَنْ له، فحذف الموصول وأبقى الصلة، واباه البصريون؛ لأن الموصول عندهم لا يحذف. انظر: "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 310، و"الفريد في إعراب القرآن" 4/ 146.]] [الصافات: 164] وذكرنا [[ساقطة من (أ)، (د).]] هذا قديمًا.
والأعناب عطف على الثمرات لا على النخيل؛ لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب، والأعناب ثمار، ولكنه ومن الأعناب، وأمَّا السكر فروى سعيد بن جبير وشهر بن حَوْشب وعمرو [[في جميع النسخ (عمر) والصحيح المثبت كما في "تفسير الطبري" 14/ 134، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 81.]] بن سفيان [[عمرو بن سفيان الثقفي، روى عن ابن عباس وابن عمر وعن أبيه رضي الله عنه، وروى عنه الأسود بن فيس، صحح له الحاكم حديثًا في تفسير السَّكر، وضعفه النحاس في معانيه. انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 234، و"تهذيب التهذيب" 3/ 273، و"تقريب التهذيب" (5038).]] عن ابن عباس أنه قال: السَّكَر ما حُرِّم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أُحلَّ من ثمرتيهما [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 357) بنصه، والطبري 14/ 134 بنصه من طرق كثيرة، والجصاص 3/ 185، بنحوه، والحاكم: التفسير/ النحل (2/ 355) بنصه وصححه، وورد في "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 485، بنصه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 81، بنصه، وقال: وهي روايةٌ تضعفُ من جهة عمرو بن سفيان، و"تفسير هود الهواري" 2/ 376، بنصه، والثعلبي 2/ 159 أبنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 198، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، وابن الجوزي 4/ 464، وابن كثير 2/ 633، و"الدر المنثور" 4/ 228، وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.]]، وقال في رواية عطاء: سَكَرًا يريد ما أَسْكَر، وهذا قبل أن يحرم الخمر.
﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ يريد الخَلَّ والزبيب والتمر وكل ما يُتَّخَذ من النخيل والأعناب [[أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص252، بنحوه من طريق الحجاج عن ابن جريج صحيحة، ومن طريق أبي طلحة صحيحة والطبري 14/ 134 - 135 بنحوه من طريق عمرو، ومن طريق أبي طلحة، والجصاص 3/ 185، بنحوه من طريق الحجاج، والسمرقندي 2/ 241، بمعناه، وانظر:"تفسير ابن عطية" 8/ 458.]]، وهذا قول عامة المفسرين؛ قالوا: السكر هي الخمر بعينها، والسكر حرام، والرزق الحسن حلال، وقالوا: نزلت هذه قبل تحريم الخمر [[أخرجه الطبري 14/ 135، بنحوه من طرق عن سعيد بن جبير وأبي رزين والحسن ومجاهد، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 82، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 241، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 198، بنحوه، والطوسي 6/ 401، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 28.]]، ونزل تحريمها في سورة المائدة [[في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]، وعلى هذا فآية النحل منسوخة بآية المائدة، وهو ما ذهب إليه ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والشعبي والنخعي وأبو رَزين وجمهور المفسرين، وقد ردّ هذه الدعوى جماعة من العلماء، وبينوا أن هذا خبر، ولا يجوز فيه النسخ، قال مكي: وقيل: إن هذا لم ينسخ؛ لأن الله لم يأمرنا باتخاذ ذلك، ولا أباحه لنا في هذه الآية، وإنما أخبرنا بما كانوا يصنعون من النخيل من السَّكَر الذي حرَّمه الله في المائدة. ا. هـ. ومن القائلين بعدم النسخ الطبري، لكنه حمل السَّكر على أن معناه: كل ما حلّ شربه، مما يتخذ من ثمر النخل والكرم، وفَسَّد أن يكون معناه الخمر أو ما يُسْكِر من الشراب. انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 252، و"تفسير الطبري" 14/ 134 - 136، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 486، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص 331، و"أسباب النزول" للواحدي ص 208، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 186، و"تفسير القرطبي" 10/ 130.]].
والسَّكَر في اللغة: الخمر [[أصل السَّكر في اللغة: السَّدُّ، ومنه سَكِرَ فلانٌ؛ لأنه سُدَّ عقله ومنع منه، والسَّكَرُ: الخمر نفسها، وكُلّ ما يُسْكِرُ، وقيل: هو شراب يُتخذ من التَّمر والكَشُوث، والسُّكر: حالةٌ تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب المُسكرِ، انظر: "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1720، و"المفردات" ص 416. و"الأساس" ص 302، و"اللسان" (سكر) 4/ 2047، و"عمدة الحفاظ" 2/ 237 و"التاج" (سكر) 6/ 534، و"متن اللغة" 3/ 179.]]، وقال جرير: إذا رَوِينَ على الخِنْزِيرِ من سَكَرٍ ... نادَيْنَ يا أعظمَ القِسِّين جُرْداناَ [["ديوانه" 1/ 167، وفيه: (لمّا) بدل (إذا)، وورد في "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1720، و"اللسان" (جرد) 1/ 590، (سكر) 4/ 2048، (جردانا): الجُردانُ بالضم: هن أسماء الذَّكَرِ، وهو قضيب ذوات الحوافر، والجمع: جرادين.]]
وهذا القول هو اختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 109، بلفظه.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 209، بلفظه.]].
وقال أبو عبيدة بوحده: السَّكَر: الطعام، واحتج بقوله [[نسبه في المجاز إلى جندل، وهوابن المثنى الطَّهوي.]]:
جَعَلْتَ أعْرَاضَ الكِرَامِ سَكَرا [[ورد في "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1720، و"تفسير الزمخشري" 2/ 335، والفخر الرازي 20/ 68، و"اللسان" (سكر) 4/ 2048، وورد برواية: "جَعَلْتَ عَيْبَ الأكْرمين سكرًا" في "مجازالقرآن" 1/ 363، و"تفسير الطبري" 14/ 138، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 83، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 238، و"تفسير الثعلبي" 2/ 159 ب، والطوسي 6/ 401، وابن الجوزي 4/ 464، و"القرطبي" 10/ 129.]]
أي جعلتَ ذَمَّهم [[في"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 209: دَمَهُم، ولعل الخطأ من المحقق، والمثبت هو الصحيح المتفق مع المعنى.]] طُعْمًا لك [["مجاز القرآن" 1/ 363، بنحوه، وورد في "التهذيب" (سكر) 2/ 1720، بنصه، والظاهر أنه نقله من التهذيب.]].
قال الزجاج: هذا بالخمر أشبَهُ منه بالطعام، المعنى: جعلْتَ تتخمَّرُ بأعراضِ الكرام، وهو أبينُ فيما يقال: يبترك [[يقال: بارك على الشيء: واظب، وأبرك في عدْوه: أسرع مجتهدًا، والاسم: البرُوُك، يقال: ابْتَرك الرجل في عرض أخيه: إذا اجتهد ذمّه وشتمه == وانتقاصه، والابتراك في العدو: الاجتهاد فيه. انظر: (برك) في "تهذيب اللغة" 1/ 319، و"المحيط في اللغة" 6/ 260، و"اللسان" 1/ 267.]] في أعراض الناس [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 209، بنحوه، وورد في "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1720، بنصه تقريبًا، والظاهر أنه نقله منه.]]؛ يتخَمَّر بهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد عقلوا عن الله قدرَته وما لا يقدر عليه أحدٌ غيرُه وحدَه، فصَدَّقوا نَبِيَّه وأيْقَنُوا بالثواب والعقاب.
النحل 16:68
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ﴾ الآية. وَحَى وأوحَى واحد [[يقال: أوْحى لها وَوَحى لها، لكن اللغة الفاشية في القرآن بالألف، وأما في غير القرآن فوحيْتُ إلى فلان هو المشهور. انظر: (وحى) في "تهذيب اللغة" 4/ 3852، و"المحيط في اللغة" 3/ 241، و"الصحاح" 6/ 2519.]]، وهو الإلهام هاهنا، قال المفسرون: ألهَمَها وقذف في أنفسها [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 204 ب، بنحوه، والطبري 14/ 139 بنصه عن معمر من طريقين، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 83، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 241، بنحوه، وهود الهواري 2/ 377، بنحوه، والثعلبي 2/ 159 ب، بنصه، و"الماوردي" 3/ 199، بنحوه، والطوسي 6/ 402، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، وابن الجوزي 4/ 465، والفخر الرازي 20/ 69، و"تفسير القرطبي" 10/ 133.]]، وذكرنا معنى الوحي والإيحاء [[في (أ)، (د): (إيحاء)، والمثبت من (ش)، (ع).]] عند قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: 163] وفي مواضع. وقوله تعالي: ﴿إِلَى النَّحْلِ﴾، النَّحْل: زنبور [[في (أ)، (د): (زبر)، وفي كتب اللغة: (دَبْرُ العسل)، قال الخازن: "النحل: زنبور العسل، ويسمى الدَّبْر أيضًا". "تفسير الخازن" 3/ 123.]] العَسَلِ، والواحدة نَحْلَة [[انظر: (نحل) في "العين" 3/ 230، و"تهذيب اللغة" 4/ 3032 و"المحيط في اللغة" 3/ 103، و"الصحاح" 5/ 1826، و"اللسان" 7/ 4368.]].
قال الزجاج: جائز أن يكون سمي نحلًا؛ لأن الله عز وجل نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها، وقال غيره: النَّحْل يذكر ويؤنث [[ليس في معانيه، وورد في "تهذيب اللغة" 4/ 3532، بنصه، وقال الأزهري في مادة (نحل) "فمن ذكَّر النحل فلأن لفظه مذكَّر، ومن أنث فلأنه جَمْعُ نحْلَة".]]، وهي مؤنثة في لغة الحجاز؛ ولذلك أنثها الله تعالى، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء.
وقال أهل المعاني: الله تعالى أوحى إلى كل دابة وذي روح وحي الإلهام في التماس منافعها واجتناب مضارِّهَا، فذكر من ذلك أمر النحل؛ لأن فيها من لطيف الصنعة وبديع الخلق ما فيه أعظم معتبر، بأن ألهمها اتخاذ المنازل والمساكن [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 210، بنحوه.]]، وذلك قوله: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ﴾، قال ابن عباس: هي تتخذ من الجبال لأنفسها إذا كانت لا أصحاب لها [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 414، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾، أي: يبنون ويسقفون، وفيه لغتان: قُرئ بها ضَمُّ الراء [[قرأ بضم الراء: ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿يَعْرِشُونَ﴾، انظر: "السبعة" ص 374، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 358، و"الحجة للقراء" 5/ 76، و"حجة القراءات" ص 392، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 740.]] وكسرها [[قرأ الباقون بكسر الراء: ﴿يَعْرِشُونَ﴾، وروى حفص عن عاصم بكسر الراء أيضًا. انظر: المصادر السابقة.]] مثل يَعْكِفون ويَعْكُفون.
قال ابن عباس: يريد ما يعرش الناس لها من الجِبَاح [[الأجْبُح: مواضِع النحل في الجبل، والواحد: جِبْحٌ وجِبَحٌ. انظر: "المحيط في اللغة" (جبح) 2/ 416، و"مجمل اللغة" 1/ 205.]]؛ وهو: خلايا النحل [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 70، و"تفسير القرطبي" 10/ 134، وأبي حيان 5/ 512، كلها بنحوه وبلا نسبة.]].
وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ هو الكروم [[أخرجه الطبري 14/ 139 بلفظه، ورد في "تقسير الثعلبي" 2/ 159 ب، بلفظه، و"تفسير الماوردي" 3/ 199، بلفظه، والطوسي (6/ 402) بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، و"تفسير ابن عطية" 8/ 461، وابن الجوزي 4/ 465، وأبي حيان 5/ 512.]]، ولا معنى للكروم هاهنا؛ لأنها لا تأوي الكُرُومَ، والمعنى ما قاله ابن عباس أن معنى يعرشون: يبنون لها من خلاياها، ويعرشون صحيح في البناء للكروم، ولكن المراد هاهنا في البناء للنحل لا الكَرْم.
قال أهل المعاني: لولا التسخير وإلهام الله تعالى ما كانت تأوي إلى ما يبني لها الناس من بيوتها [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 465.]].
النحل 16:69
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ قال ابن قتيبة: أي من الثمرات، وكل هاهنا لا يقع على العموم، كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23]، وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [["الغريب" لابن قتيبة ص 246، بنصه ولم يستشهد إلا بالآية الثانية.]] [الأحقاف: 25].
وقوله تعالى: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ قال ابن عباس: يريد طُرقَ ربك [[ورد بلفظه بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 2/ 241، وهود الهواري 2/ 376، والثعلبي 2/ 159 ب، و"القرطبي" 10/ 135، وأبي حيان 5/ 512.]]، تطلب فيها الرعي، ﴿ذُلُلًا﴾ جمع ذَلُول، وهو المنقاد اللين المُسَخَّر، يقال: فرس ذلول بَيِّن الذُّلِ [[انظر: (ذل) في "تهذيب اللغة" 2/ 1290، و"المحيط في اللغة" 10/ 57، و"مجمل اللغة" 1/ 354، و"الصحاح" 4/ 1701.]].
قال مجاهد: لا يتوعَّرُ عليها مكان سلكته [["تفسير مجاهد" 1/ 349، بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 140 بنصه من طريقين، ورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 377، بنصه، والثعلبي 2/ 159 ب، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 199، بنصه، والطوسي 6/ 404، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، وابن عطية 8/ 462، وابن الجوزي 4/ 466، و"الدر المنثور" 4/ 230، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، فعلى هذا الذُّلُلُ من صفة السُّبُل، والنحل يرعى الأماكن البعيدة ذات الغِيَاضِ [[جمع غَيْضَة: وهي الأجمة؛ وهي مَغِيضُ ماء يجتمع فينبت فيه الشجر. انظر: (غيض) في "الصحاح" 3/ 1097، و"اللسان" 6/ 3327.]]، الأشْبَهُ: لا تتوعر عليها لتذليل الله لها إياها، وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال في قولهه: ﴿سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾، أي: قد ذَلَّلَها الله لك وسَهَّلَ عليك مَسالِكَها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 210، بنصه.]].
وقال قتادة: ذُلُلًا يعني مطيعة [[أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 357) بلفظه، والطبري 14/ 140 بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "تفسير الثعلبي" 2/ 159ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 199، والطوسي 6/ 404، وانظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 512، و"الدر المنثور" 4/ 230، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]]، وهو اختيار ابن قتيبة؛ لأنه قال: منقادة بالتَّسْخِير [["الغريب" لابن قتيبة ص 246، بنصه.]]، وعلى هذا الذُّلُلُ من نعت النَّحل، وحكى الفراء القولين، فقال: ذُلُلًا نعتُ للسبيل، ويقال: نعت للنحل؛ أي ذُلِّلَت لأن يخرج الشراب من بطنها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 109، بتصرف يسير، وكذلك النحاس ذكر القولين في == معانيه 4/ 84، بنحوه، وأورد الطبري الروايات على القولين، ثم قال: وكلا القولين غير بعيد من الصواب ... غير أنا اخترنا أن يكون نعتًا للسُّبل؛ لأنها إليها أقرب. "تفسير الطبري" 14/ 140.]].
وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ رجوع من الخطاب إلى الخبر، ﴿شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ قال ابن عباس: منه أحمر وأبيض وأصفر [[انظر: في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 466، و"تنوير المقباس" ص 288، وورد بلفظه بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 204 ب، والسمرقندي 2/ 241، والثعلبي 2/ 159 ب، والطوسي 6/ 404، والبغوي 5/ 29، و"ابن العربي" 3/ 1157، والفخر الرازي 20/ 72، و"تفسير القرطبي" 10/ 135، وابن كثير 2/ 634.]].
قال أبو إسحاق: هي تأكل الحامضَ والمُرَّ وما لا يُوصفُ طعمُهُ فيحيل اللهُ ذلك عَسَلًا يخرج من بطونها، إلا أنها تلقيه من أفواهها؛ كالريق الذي يخرج من فم ابن آدم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 210، بتصرف يسير.]].
قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أكثرُ المفسرين على أن الكناية تعود إلى قوله: ﴿شَرَابٌ﴾، وهو العسل، وقالوا: إن في العسل شفاء للناس [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 204، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 85، والثعلبي 2/ 159ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 200، والطوسي 6/ 404، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 463، وابن الجوزي 4/ 466، و"تفسير القرطبي" 10/ 136.]]، فإن قيل: قد رأينا من يَضُرُّه العسل، فكيف يكون فيه شفاء للناس؟! أجاب عن هذا الزجاج، وقال: الماء حياة كل شيء، وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما يُضَادُّه من علة في البدن [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 211، بنصه، لكنه في المصدر قال: (ما يصادف من علة).]]، وهذا معنى قول السدي: فيه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 467.]].
وروي عن مجاهد: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾: أي في القرآن [[أخرجه الطبري 14/ 140 بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، والثعلبي 2/ 159 ب، والماوردي 3/ 199، والطوسي 6/ 404، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، و"ابن العربي" 3/ 1157، واستبعده، وقال: ولو صح نقلاً لم يصح عقلاً، وذكره أيضًا ابن عطية 8/ 463، وابن الجوزي 4/ 467، والفخر الرازي 20/ 73، وضعفه. لا خلاف أن القرآن شفاء بنص آية الإسراء [82]، لكن السياق هنا لا يساعد على حمل الشفاء على القرآن، بل هو محمول على العسل.]].
قال أبو [إسحاق] [[في (أ)، (ش)، (د) بياض مكان (إسحاق)، وفي (ع): (علي)، والصحيح المثبت؛ لوروده في "معاني القرآن وإعرابه" بنصه.]] وهذا القول إذا فُسِّرَ عُلم أنه حَسَنٌ، المعنى فيما قصصنا عليكم من قصة النحل في القرآن وسائر القصص التي تدل على أن الله واحدٌ، شفاء للناس [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 211، بنصه.]]، وعلى هذا كون القرآن شفاء؛ أن فيه بيان الحلال والحرام، والدليل على وحدانية الله تعالى، ونفيًا لما يتخالج ويعترض من الشكوك، يدل على هذا قوله تعالى [في] [[إضافة يقتضيها السياق.]] وصفه القرآن: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57].
(وقال ابن مسعود: العسل فيه شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور [[ما بين التنصيص ساقط من: (أ)، (د).]]) [[أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (6/ 127) بنصه، والطبري 14/ 141 بنصه، والثعلبي 2/ 159 ب، بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، والخازن 3/ 124.]]، وذكر الفراء والزجاج القولين جميعًا [["معانى القرآن" للفراء 2/ 109، بنصه، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 211، بنصه.]].
واختار قوم القول الأول؛ وقالوا: إنه أليق بظاهر الكتاب [[منهم: الطبري 14/ 141 وقال: لأن قوله: ﴿فِيِه﴾ في سياق الخبر عن العسل، فأن تكون الهاء من ذكر العسل، إذ كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره، واختاره الثعلبي 2/ 159 ب بنصه، ورجحه البغوي 5/ 29، و"ابن العربي" 3/ 1159، و"الرازي" 20/ 73، وابن كثير 2/ 634، وغيرهم، وذكروا نحو قول ابن جرير.]]، واحتجوا بما أخبرناه أبو إسحاق بن أبي منصور المقرئ [[هو الثعلبي، وقد تقدمت ترجمته ضمن شيوخه.]] أنا عبد الله بن حامد [[عبد الله بن حامد بن محمد، أبو محمد النيسابوري، الواعظ الفقيه الشافعي، ولد في نيسابور، وتفقه على أبي محمد علي البيهقي، سمع مكي بن عبدان، ورحل إلى أبي علي بن أبي هريرة، روى عنه أبو عبد الله الحاكم، توفي سنة (389 هـ)، وعاش (83) سنة انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 306، و"تاريخ الإسلام للذهبي" 27/ 182.]]، أنا مكي بيت عبدان [[أبو حاتم مكي بن عبدان التميمي النيسابوري، ثقة مأمون مقدم على أقرانه، سمع عبد الله بن هاشم ومحمد بن يحيى الذُّهلي، مات سنة (305 هـ). انظر: "تاريخ بغداد" 13/ 119، و"سير أعلام النبلاء" 15/ 70، و"شذرات الذهب" 2/ 307.]]، أنا عبد الرحمن بن بشر [[عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري، أبو محمد، محدث حافظ ثقة، روى عن سفيان بن عيينة، ويحمى بن سعيد، وعنه: البخاري ومسلم، مات سنة (260 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 5/ 215، و"سير أعلام النبلاء" 12/ 340، و"تهذيب التهذيب" 3/ 490.]]، أنا يحيى بن سعيد [[يحيى بن سعيد بن أبَان بن سعيد بن العاص، إمام محدث ثقة، روى عن الأعمش وسفيان الثوري، وعنه: أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي، مات سنة (194 هـ)
انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 150، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 139، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 325، و"تقريب التهذيب" ص 590 (7554).]]، عن شعبة عن قتادة عن أبي المتوكل [[علي بن داود، أبو المتوكل النّاجي البصري، مشهور بكنيته، ثقة، حدّث عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن عباس -رضي الله عنهما-، وعنه: قتادة وحُميد الطويل، مات سنة (102 هـ). انظر: "التاريخ الكبير" 6/ 273، و"الجرح والتعديل" 6/ 184، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 8، و"تقريب التهذيب" ص 401 (4731).]]، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: إن أخي تشتكي بطنه فقال: "اسقه عسلًا" فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئًا، فقال عليه السلام: " اذهب واسقه عسلاً، فقد صدق الله وكذب بطنُ أخيك، وسقاه فبرأ كأنما أُنْشِط من عقال" [[أخرجه بنحوه عبد الرزاق 2/ 358، عن قتادة مرسلاً، وأحمد 3/ 19، والبخاري (5684): الطب، الدواء بالعسل، ومسلم (2217) في السلام، باب: التداوي بسقي العسل، والترمذي (2083): الطب، ما جاء في التداوي بالعسل، والطبري 14/ 141 من طريقين عن قتادة مرسلاً، والحاكم: الطب/العسل لشفاء المعدة، والبيهقي 9/ 344)، والثعلبي 2/ 159 ب، بنصه وإسناده، والبغوي 5/ 29 - 30، بنحوه، وورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 241، وهود الهواري 2/ 378، و"الماوردي" 3/ 200، و"مشكاة المصابيح" (4521)، و"الرازي" 20/ 73، والخازن 3/ 124، و"الدر المنثور" 4/ 231، وزاد نسبته إلى ابن مردويه.]]، وتاوَّلُوا في قوله: "صدق الله" قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد في عظمة الله وقدرته [[ورد في تفسيره "الوسيط" 2/ 419، بنصه بلا نسبة، وبنحوه غير منسوب في "تفسير ابن كثير" 2/ 635.]].
النحل 16:70
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ﴾ الآية. قال المفسرون: ولم تكونوا شيئًا [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 204 ب، بنصه، والطبرى 14/ 141 بنصه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 77، والخازن 3/ 125.]]، ﴿ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ عند إنقضاء آجالكم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ وهو أَرْدَاه وأَوْضَعه، يقال: رَذُلَ الشيء يَرْذُلُ رَذَالَةً، وأَرْذَلَه غيره [[انظر: (رذل) في "تهذيب اللغة" 2/ 1398، و"المحيط في اللغة" 10/ 71، و"الصحاح" 4/ 1708، و"اللسان" 3/ 1633.]]، ومنه قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: 27]، ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111]. روى أسباط عن السُّدّي: ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ قال: الخرف [[انظر: "تفسير الرازي" 20/ 77، و"الدر المنثور" 4/ 232، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وتصحفت الكلمة فيه إلى (الخوف).]]، ونحوه قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5]، ونظير هذه الآية لفظًا ومعنى في الحج [[آية: [5]، وهي ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.]]، وقال مقاتل: ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: الهرم [["تفسير مقاتل" 1/ 204 ب، بلفظه.]]، وقال قتادة: تسعون سنة [[في جميع النسخ: تسعون، وكذلك في "تفسير الثعلبي" 7/ 199 أ، نسخة المحمودية، لكن في نسخة الحرم النبوي (2/ 159 ب) ذكرت أنها سبعون سنة، والصحيح الأول كما دلت عليه المصادر الأخرى، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 30، والزمخشري 2/ 336، وابن الجوزي 4/ 467، والفخر الرازي 20/ 77، والخازن 3/ 125، وأبي حيان 5/ 514.]]، روي عن علي -رضي الله عنه- قال: ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: خمس وسبعون سنة [[أخرجه الطبري 14/ 141 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 159ب، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 200، بنصه، والطوسي 6/ 405 بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 30، والزمخشري 2/ 336، وابن عطية 8/ 464، وابن الجوزى 4/ 467، والفخر الرازي 20/ 77، والخازن 3/ 125، وأبي حيان 5/ 514، وابن كثير 2/ 635، و"الدر المنثور" 5/ 232، وما ذكره علي -رضي الله عنه- هو الأغلب؛ والأمر يختلف من إنسان لآخر؛ فمنهم من يرد إلى أرذل العمر قبل ذلك، ومنهم من يتعدى ذلك وهو بكامل قواه العقلية؛ كالعلماء. انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 464، وأبي حيان 5/ 514.]].
قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أي ليرجع إلى حال الطفولية بنسيان ما كان علم؛ للكِبَر، قال ابن عباس: كي يصير كالصبي الذي لا عقل له [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 140، بنصه، والخازن 3/ 125، بنصه، وورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 378، بنحوه بلا نسبة.]].
وقال أبو إسحاق: معنى قوله: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، أي: ليريكم من قدرته أنه كما قدّر إماتته وإحياءَه، إنه علي نقله من العلم إلى الجهل قادر [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 211، بنصه.]].
قال عطاء عن ابن عباس: ليس هذا في المسلمين، والمسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء عند الله إلا كرامة وعقلاً ومعرفة [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 468، بنصه، والخازن 3/ 125، بنصه، والفخر الرازي 20/ 77، بلا نسبة.]]، وقال في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5]، يريد الكافر، ثم استثنى المؤمنين فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [[الاستدلال بهذه الآية فيه نظر؛ فقد اختلف السلف في تأويلها وفي المراد بقوله تعالى. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة والضحاك والنخعي: معناه الهرم والخرف وذهاب العقل، وهو اختيار ابن جرير، واستحسنه ابن عطية، وقال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وأبو العالية: معناه رددناه إلى النار، وهو اختيار ابن كثير والسعدي والشنقيطي. انظر: "تفسير الطبري" 30/ 244، وابن عطية 15/ 504، وابن كثير 4/ 559، والسعدي 1599، والشنقيطي 10/ 338. والراجح القول الأول؛ وهو رده إلى الهرم، وعليه فيكون الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منقطعًا، ويكون المراد أن المؤمن وإن ردّ إلى الهرم فإن أجر عمله الصالح لا ينقطع لعجزه بل يستمر على ما كان عليه قبل الهرم. أملاه عليّ شيخي.]] [التين: 6].
ونحو هذا روى عاصم [[عاصم بن سليمان الأحول، البصري الحافظ الثقة، من أكبر شيوخه عبد الله بن سرجس، وأنس، وعمرو بن سلمة؛ وعنه: شعبة ويزيد بن هارون، كان على قضاء المدائن، وولي حسبة الكوفة، مات سنة (142هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 343، و"ميزان الاعتدال" 3/ 64، و"الكاشف" 1/ 519 (2501)، و"تقريب التهذيب" ص 285 (3060).]] عن عكرمة، قال: من قرأ القرآن لم يُردَّ إلى أرذل العمر حتى لا يعلم بعد علم شيئًا [[أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (6/ 121) بنصه، والطبري 14/ 141 - 142، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 30، بنحوه، وابن الجوزي 4/ 468، بنصه، والفخر الرازي 20/ 77، بنصه، والخازن 3/ 125، بنصه، وأبي حيان 5/ 514، ونسبه إلى قتادة، فلعله وَهِمَ في ذلك، و"الدر المنثور" 4/ 232، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وذكره الألوسي في "روح المعاني" 14/ 188، وهذا القول غير صحيح وواقع الناس على خلافه؛ فكم رد من المسلمين إلى أرذل العمر، وقد يكونون من العلماء، ومشهور بين علماء الحديث مصطلح اختلط بأخرة. وقد رده الألوسي قائلاً: والمشاهدة تكذب كلا القولين، [أي عدم رد المسلمين ومن قرأ القرآن]؛ فكم رأينا مسلمًا قارئًا القرآن قد رد إلى ذلك، والاستدلال بالآية على خلافه فيه نظر، وكان من دعائه -ﷺ- "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أُرد أرذل العمر" رواه البخاري (6370) كتاب: الدعوات، باب: التعوذ من البخل.]]، وقال في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِخَتِ﴾: قرؤوا القرآن [[انظر: "تفسير الخازن" 3/ 125، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد بما صنع بأوليائه وأعدائه، ﴿قَدِيرٌ﴾: على ما يريد [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 77 بنصه، والخازن 3/ 125 بنصه غير منسوب.]].
النحل 16:71
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾: كَثَّر وقَلَّلَ، وبَسَطَ وقَبَضَ، ووَسَّعَ وضَيَّقَ، ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾: في الرزق وأُعطوا الفضْل، ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، يقول: لا يردّ المولى على ما ملكت يمينه مما رُزق شيئًا حتى يكون المولى والمملوك في المال سواء.
قال أبو إسحاق: أي قد فَضَّلَ اللهُ المُلاَّكَ على ممالِيكِهِم، فجعلَ المملوك لا يقدر على مِلْكٍ من مَوْلَاه، وأعلم أن المالكَ ليس يَرُدُّ على مملوكه من فضل ماله حتى يستوي حالهما في الملك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 212، بنصه تقريبًا.]]، وهذا مَثَلٌ ضربه اللهُ مثلًا للمشركين في تَصْيِيرِهم عباد الله شركاء له، فقال: إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء في الملك، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء؟! وقال صاحب النظم: معنى الفاء في قوله: ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ حتى [[أشار المرادي إلى أن الفاء قد تأتي بمعنى (حتى) عند بعض النحويين؛ كما في قوله ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 139] لكنه ضعف هذا القول، معتبرًا الفاء هنا عاطفة. "الجنى الداني" ص 77، وهذا القول الذي ذكره صاحب النظم قول جيد، وقد إنفرد به، فلم أجده في كتب إعراب القرآن، وقد ذكر المنتجب في "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 239، عند قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ثلاثة أقوال: أن الجملة من المبتدأ والخبر جملة اسمية واقعة في موضع جملة فعلية، ومحلها النصب على جواب النفي بالفاء، والتقدير: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا مع عبيدهم، أو على الحال على تقدير زيادة الفاء. أن محلها الرفع، إما على الاستئناف، أي هم سواء في أني رزقت الجميع، أو على العطف على موضع برادي، على تقدير: فما الذين فضلوا يردون رزقهم على ما ملكت أيمانهم فما يستوون. أنه على إضمار ألف الاستفهام، أي: أفهم فيه سواء؟ على سبيل التوبيخ والتقريع، ومعناه النفي: أي ليسوا مستوين فيه.]]؛ لأن التأويل: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾: بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى يكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك، فقدله: ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ صفة لما تَقَدَّمه من الخبر لا جوابٌ له؛ ولو كان جوابًا له لكان قد أوجب أن يكون المولى والعبيد في ذلك سواء، وهو عز وجل إنما أراد أنهم لا يستوون في الملك، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: 28] بمعنى: حتى أنتم فيه سواء إليّ، هل يشاركونكم في أموالكم حتى تكونوا أنتم وهم فيه سواء.
وهذا الذي ذكرنا هو قول جميع المفسرين في هذه الآية؛ قال مجاهد: هذا مَثَلُ آلهة الباطل مع الله [["تفسير مجاهد" ص 349، بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 143 بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 636، و"الدر المنثور" 4/ 233، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال السدي: يقول: فكما لا يرد أحدهم على مملوكه مما رزقه الله حتى يكون مثله، فلذلك لا أكون أنا وهذا الصنم الذي هو من خلقي ومما ملكت سواءً فيما خلقت [[لم أقف عليه.]].
وقال قتادة: يقول: هذا الذي فُضِّل في المال والولد لا يشرك عبدَه في ماله وزوجته، يقول: قد رضيتَ بذلك لله ولم ترض به لنفسك، فجعلت لله شريكًا في خلقه وملكه [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 358) بنصه، والطبري 14/ 143 بنصه، ومن طريق آخر بمعناه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، بنحوه، وورد بمعناه في "تفسير الجصاص" 3/ 185، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 86، و"تفسير الثعلبي" 2/ 159 ب، والطوسي 6/ 406، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31، و"تفسير القرطبي" 10/ 141، والخازن 3/ 126، وأبي حيان 5/ 514، وابن كثير 2/ 636، و"الدر المنثور" 4/ 233، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: عيسى ابن مريم ابن الله [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بنصه بلا إسناد، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 468، بنصه، و"تفسير القرطبي" 10/ 141، بنصه، وورد بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، ولم أجده في أسباب النزول، ولم يورده المؤلف في أسباب النزول، كما أنه ورد بدون إسناد، فلا يثبت.]].
قال الفراء: فهذا مثل ضربه الله للذين قالوا: إن عيسى ابنه، فقال: أنتم لا تُشركون عبيدكم فيما ملكتم، فتكونون سواءً فيه، فكيف جعلتم عَبْدَه شريكًا له تعالى [["معاني القرآن" للفراء 2/ 110، بنصه.]]، وتلخيص معنى الآية، أنه يقول: إنكم كلكم (من بني آدم وأنتم بينكم فيما ملكت أيمانكم، وأنتم [[(أنتم): ساقطة من (ش).]] كلكم) [[ما بين القوسين ساقط من (ع)، وهو أشبه بكلام معترض، ويستقيم الكلام بدونه، بل بدونه أوضح.]] بشر، فكيف تشركون بين الله وبين الأصنام وأنتم لا ترضون لأنفسكم فيمن هو مثلكم بالشركة.
وقوله تعالى: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ قرأه العامة: يجحدون بالياء [[انظر: "السبعة" ص 374، "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 358، و"علل القراءات" 1/ 308، و"الحجة للقراء" 5/ 76، و"المبسوط في القراءات" ص 225، و"شرح الهداية" 2/ 381، و"التيسير" ص 138.]]؛ لأنه يراد به غير المسلمين، والمسلمون لا يخاطبون بجحدهم نعمة الله، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بالتاء [[انظر: المصادر السابقة.]]؛ على تقدير: قل لهم: أفبنعمة الله -بهذه الأشياء التي تقدم اقتصاصها- تجحدون بالإشراك به.
وذكر الزجاج في هذا وجهين، أحدهما: أفبِأنْ أَنْعَمَ اللهُ عليكم اتَّخَذْتُم النِّعَمَ لتجحدوا وتشركوا به الأصنام؛ فعلى هذا النعمة بمعنى الإنعام.
والثاني: قال أفبما أنعم الله به عليكم بأن بَيَّنَ لكم ما تحتاجون إليه تجحدون [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 212، بنصه.]]، وعلى هذا، النِّعْمَة: اسم لما أَنعمَ اللهُ عليهم لا مصدر، والباء في: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ﴾ يجوز أن تكون زيادة [[انظر: التعليق على دعوى الزيادة في القرآن، عند آية [10]، من سورة إبراهيم.]]؛ لأن الجحود لا يُعدَّى بالباء، وهذا قول المفضَّل كما يقول: خذ الخطام وبالخطام، وتعلقت زيدًا وبه [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 80، بنصه بلا نسبة.]]، ويجوز أن يراد بالجحود: الكفر [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 77، و"تفسير البيضاوي" 3/ 187، وأبي السعود 5/ 127.]]، فعُدِّيَ بالباء لمعنى الكفر [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 80، بنصه دون عزو للواحدي.]].
النحل 16:72
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ قال المفسرون: يعني النساء؛ خَلَقَ حواءَ من ضلع آدم [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 143 بنصه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 87، بنصه، و"تفسير الثعلبي" 2/ 160أ، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 202، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 77، والزمخشري 2/ 336، وابن عطية 8/ 466، والفخر الرازي 20/ 80، وقد ذهب ابن عطية إلى أن الأظهر من قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من نوعكم وعلى خلقتكم، كما قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128]، وكذلك ضعف الفخر الرازي هذا القول، وقال: وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ خطاب مع الكل، فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الدليل، بل الحكم عام في جميع المذكور والإناث؛ والمعنى: == أنه تعالى خلق النساء ليتزوج بهن الذكور، ومعنى: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ مثل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61]، أي: بعضكم على بعض، ونظير هذه الآية، قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: 21] انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 469، والفخر الرازي 20/ 80، وابن كثير 2/ 599.]]، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} اختلفوا في تفسير الحفدة، فقال ابن عباس في رواية الوالبي: هم الأختان [[أخرجه الطبري 14/ 144 بنصه من طريق عكرمة (جيدة)، وأخرج عنه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة) بلفظ: الأصهار، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بنصه، وانظر: "فتح الباري" 8/ 238، والأختان: جمع خَتَن، وهو زوج فتاة القوم ومن كان من قِبَلِه من رجل أو امرأة، فهم كلهم أختانٌ لأهل المرأة، وأم المرأة وأبوها خَتَنَانِ للزَّوْج، وقال الأصمعي: الأسماءُ من قِبَل الزوج، والأختان من قبل المرأة، والصهر يجمعهما، وقيل: الختنُ: الزوج ومن كان من ذوي رَحِمه، والصِّهرُ: من كان من قِبَل المرأة؛ نحو أببها وعمِّها وخالها، وقيل العكس، ومن العرب من يجعلهم كلهم أصهارًا. انظر: (ختن) في "تهذيب اللغة" 2/ 1102، و"المحيط في اللغة" 4/ 312، و"الصحاح" 5/ 2107، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 88.]]، وهو قول ابن مسعود وإبراهيم وسعيد بن جبير، قالوا: هم الأصهار؛ أَخْتَان [الرجل] [[ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في تفسير الثعلبي.]] علي بناته [[ورد في "غريب الحديث" 2/ 96، عن ابن مسعود: الأصهار، وأخرجه الطبري 14/ 143 - 144 من طرق عنهم قالوا: الأختان، وعن ابن مسعود: الأصهار، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 88، عن ابن مسعود قال: الأختان، وورد عنه وعن النخعي: الأصهار، و"تفسير هود الهواري" 2/ 379، عن ابن مسعود: الأختان، والجصاص 3/ 186، عنهم: الأختان، والسمرقندي 2/ 242، عن ابن مسعود: الأختان، وعنه: الأصهار، والثعلبي 2/ 160 أ، بنصه عنهم، و"تفسير الماوردي" 3/ 202، بنصه عنهم، والطوسي 6/ 407، بنحوه عنهم، وانظر: "تفسير البغوي" == 5/ 31، بنصه عن ابن مسعود والنخعي، وابن الجوزي 4/ 469، عنهم، قال البغوي: فيكون معنى الآية على هذا القول: وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهم فيحصل بسببهم الأختان والأصهار، و"فتح الباري" 8/ 238، عنهم.]]، وقال في رواية أبي حمزة [[أبو حمزة السكري، هو محمد بن ميمون المَرْوزي، إمام مشهور، ثقة فاضل، روى عن الأعمش والسدي، وعنه: عبدان ونعيم بن حماد، لقب بالسكري لحلاوة منطقه، توفي سنة (167 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 81، و"ميزان الاعتدال" 5/ 178، و"الكاشف" 2/ 226، و"تقريب التهذيب" ص 510، و"تفسير الطبري" تحقيق شاكر 2/ 372.]] عنه: من أعانك فقد حفدك أما سمعت قول الشاعر [[نسبه أبو عبيد للأخطل، وليس في ديوانه، ونسبه أبو عبيدة لجميل، وهو جميل بثينة، وليس في ديوانه، ونسبه الطبري لحميد.]]:
حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأُسلَمتْ ... بأكُفِّهِنَ أَزِمَّةُ الأجْمَالِ [[ورد في: غريب الحديث لأبي عبيد 2/ 96، و"مجاز القرآن" 1/ 364، و"تفسير الطبري" 14/ 144، ونسب لجميل كذلك في "تفسير الماوردي" 3/ 202، و"تفسير ابن عطية" 8/ 467، وابن كثير 2/ 636، و"تفسير الألوسي" 14/ 190، وورد بلا نسبة في "العين" 3/ 185، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 213، و"تفسير الطبري" 14/ 144، و"جمهرة اللغة" 1/ 504، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 90، و"تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 861، و"تفسير الزمخشري" 2/ 336، و"ابن العربي" 3/ 1163، و"تفسير القرطبي" 10/ 143، وأبي حيان 5/ 500، و"اللسان" (حفد) 2/ 923 وفي بعض المصادر برواية (بينهن) بدل (حولهن). الولائد: الخدم؛ مفردها: وليدة، والبيت يصور ما يقوم به الولائد من خدمة وسعي، ومن إمساكٍ بأزمَّة الأجمال.]] [[أخرجه الطبري 14/ 144 بنصه، ورد في "تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 861 بنصه ما عدا عجز البيت، والثعلبي 2/ 160 أ، بنصه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 143، و"اللسان" (حفد) 2/ 923، و"الدر المنثور" 5/ 149.]] فعلي هذا الحفدة: الأعوان، وهذا قول مجاهد والحسن والسدي وعكرمة، قالوا: هم الأنصار والأعوان والخدم [["تفسير مجاهد" ص 349 بنصه، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 358، عن الحسن: هم الخدم، ورد في غريب الحديث 3/ 374، عن مجاهد: هم الخدم، وأخرجه الطبري 14/ 145 بنصه عن مجاهد، ومن طرق عن الحسن ومجاهد قالا: هم الخدم، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 89، عن الحسن: هم الخدم، و"تفسير الجصاص" 3/ 186، عن مجاهد: هم الخدم، والسمرقندي 2/ 242، بنصه عن مجاهد، والثعلبي 2/ 160، عن عكرمة والحسن: هم الخدم، وعن مجاهد: هم الأنصار والأعوان، و"تفسير الماوردي" 3/ 202، عن الحسن: الأعوان، وعن مجاهد: الخدم، والطوسي 6/ 406، عن مجاهد: هم الخدم، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31، وابن عطية 8/ 467، وأبي حيان 5/ 515، عن مجاهد، وابن كثير 2/ 636، عن مجاهد، وقد استحسن النحاس من قال أنهم الخدم، ثم قال: إلا أنه يكون منقطعًا مما قبله عند أبي عبيد -لم أقف عليه- وُينْوى به التقديمُ والتأخيرُ، كأنه قال: وجعل لكم حَفَدةً، أي خدَماً، وجعل لكم من أزواجكم بنين، وجعل ابن الأنباري التقدير: وجعل لكم من أزواجكم بنين، وجعل لكم حفدةً من غير الأزواج. "تفسير ابن الجوزي" 4/ 470.]]، غير أن السدي وعكرمة قالا: هم ولده الذين يعينونه [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 358)، بمعناه، والطبري 14/ 145 - 146 من طرق بنصه وبمعناه عن عكرمة، وعن السُّديّ، قال: الأعوان، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 89، بمعناه عن عكرمة، و"تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 862، بمعناه عن عكرمة، وانظر: "اللسان" (حفد) 2/ 923، عن عكرمة.]]، ونحوه قال قتادة وعطاء [[أخرجه الطبري 14/ 145، بنحوه عن قتادة، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بنصه عن عطاء، وبنحوه عن قتادة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31، عنهما، والخازن 3/ 126، عن عطاء.]]، وقال في رواية سعيد بن جبير ومجاهد: إنهم ولد الولد [[أخرجه الطبري 14/ 146 بنصه عن سعيد، وعن مجاهد من طريقين قال: البنون، == ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بنصه من طريقهما، و"تفسير الماوردي" 3/ 202) بنصه، والطوسي 6/ 406، بمعناه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31، وابن الجوزي 4/ 470، و"تفسير القرطبي" 10/ 143، والخازن 3/ 126. وقد نصر ابن العربى هذا القول، فقال: فالظاهر عندي من قوله: ﴿بَنِينَ﴾: أولاد الرجل من صُلْبِه، ومن قوله: ﴿وَحَفَدَهً﴾: أولاد ولده، وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا، ويكون تقدير الآية: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، ومن أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة. "تفسير ابن العربى" 3/ 1162.]]، وقال في رواية العوفي: هم بنو امرأة الرجل، ليسوا منه، وهو قول ابن زيد والضحاك [[أخرجه الطبري 14/ 146 بنصه عن ابن عباس ضعيفة، وورد في "تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 862، بنحوه عن الضحاك، والثعلبي 2/ 160 أ، بنصه عن ابن عباس ضعيفة، وبنحوه عن ابن زيد، و"تفسير الماوردي" 3/ 202، بنحوه عن ابن عباس، والطوسي 6/ 406، بنحوه عن ابن عباس، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31، عن ابن عباس، وابن عطية 8/ 467، عن ابن عباس، وابن الجوزي 4/ 470، عن ابن عباس والضحاك، و"اللسان" (حفد) 2/ 923، عن الضحاك، و"تفسير الخازن" 3/ 126، عن ابن عباس، و"الدر المنثور" 4/ 233 - 234، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.]].
وأصلُ الحَفَدَةِ من الحَفْد، وهو: الخِفَّةُ في الخدمة والعمل، يقال: حفد يَحْفِدُ حَفْدًا وحَفُودًا وحَفَدانًا إذا أسرع [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 147، بنحوه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 90، بنحوه، وانظر: (حفد) في "تهذيب اللغة" 1/ 862، و"المحيط في اللغة" 3/ 42، و"اللسان" 2/ 923، و"التاج" (حفد) 4/ 423.]]، ومنه الدعاء: (وإليك نسعى ونحفد) [[هذا جزء من دعاء القنوت الذي ورد عن عمر -رضي الله عنه- موقوفًا عليه، أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" الدعاء/ ما يدعو به في قنوت الفجر (6/ 91) من عدة طرق، والبيهقي، الصلاة/ دعاء القنوت 2/ 210، وورد في "الأذكار" للنووي ص 96، و"كنز العمال" 8/ 74 - 75.]]، قال أبو عبيدة: الحَفَدُ: الأعوان، يقال: حفدني، وهو حافدي [["مجاز القرآن" 1/ 364، بنحوه.]]، وأنشد لطرفة:
يَحْفِدون الضيفَ في أبياتِهمْ ... كَرَمًا ذلك منهم غيرَ ذُلّ [[ليس في ديوانه، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 202، وورد غير منسوب في "تفسير أبي حيان" 5/ 500، و"الدر المصون" 7/ 265، و"تفسير الألوسي" 14/ 190.]]
قال أبو عبيد: وفيه لغة أخرى؛ أَحْفَدَ إِحْفادًا، وأنشد للراعي:
أَخَبَّ بِهن الْمُخْلِفَان وأَحْفَدَا [[وصدره:
مَزَايِدُ خَرْقاَءِ اليَدَيْن مُسِيْفَةٍ
"شعر الراعي النميري" ص 61، وورد في "تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 861، (ساف) 2/ 1598، و"مجمل اللغة" 1/ 481، و"مقاييس اللغة" 3/ 122، و"اللسان" (حفد) 2/ 923، (سوف) 4/ 2153، (سيف) 4/ 2172، و"التاج" (حفد) 4/ 424، ويروى: (مزائدُ)، وقياسها: مزاود؛ لأنها جمع مزادة: وهي وعاء الزاد وراوية يحمل فيها الماء، (خرقاء): بَيِّنَةُ الخرق، وهو الجهل والحمق، (مسيفة): المُسِيفُ المتقلِّد بالسيف، وأساف الخرز: أي خرقه، (أخب): يقال: أخبّ فلان في الأمر: أسرع فيه، (المخلفان): المُخْلِفُ: الذي لم تُصِبْ ماشيته الرَّبيعَ، وقيل: هو الذي يحمل الماء العذب إلى القوم ليس معهم ماء عذب، أو يكونون على ماء ملح، ولا يكون الإخلاف إلا في الربيع، وهو في غيره مستعار منه.]]
قال: خَدَمَا [["غريب الحديث" 2/ 96، بنصه تقريبًا، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 861، بنصه تقريبًا.]]، قال الليث: ومثله الاحْتِفادُ [[ورد في "تهذيب اللغة" (حفد) 1/ 861، وفيه، قال الليث: الاحْتفادُ: السُّرعةُ في كلِّ شيء.]]، فالحفدة جمع الحافد، والحافد: كل من يخف في خدمة أو يسرع في العمل بطاعتك، ويقال في جمعه: الحَفَدُ، بغير هاء، كما يقال: الرصد والعيب، فمعنى الحفدة في اللغة: الأعوان والخدم، ثم هؤلاء الأعوان مَنْ هم على ما ذكره المفسرون، والأولى بأن يفسر بأعوان حصلوا للرجل [نْ قِبَل المرأة؛ لأن الله تعالى قال. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ وأعوان الرجل لا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).]] من قِبَل امرأته لا يكونون ممن عناهم [[في (أ)، (د): (عبادهم)، والمثبت من (ش)، (ع) هو الصحيح.]] الله بقوله هاهنا: ﴿وَحَفَدَةً﴾ [[اختلفت ترجيحات العلماء في المقصود بـ (حفدة) وقد ذكرتها مقترنة بالأقوال، وهنا يرجح الواحدي رحمه الله نوعًا خاصًا من الأعوان؛ هم مَنْ كانوا مِنْ قِبَل المرأة، ولم يرتض الطبري تخصيص المقصود بالحفدة بأحد الأقوال الواردة؛ لأن المنّة تحصل بكل ذلك، لذلك قال: فكل الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا وجه في الصحة، ومَخْرج في التأويل، وهو الصحيح. "تفسير الطبري" 14/ 147.]].
قوله تعالى: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد من أنواع الثمار والحبوب والحيوان [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 470، بنصه، وبلا نسبة في "تفسير القرطبي" 10/ 145، والخازن 3/ 126، وأبي حيان 5/ 515، و"تفسير الألوسي" 14/ 191.]]، ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني بالأصنام [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 470، والفخر الرازي 20/ 81، و"القرطبي" 10/ 145.]]، وقال مقاتل: يعني بالشيطان [["تفسير مقاتل" 1/ 205 أ، بلفظه.]]، وقال عطاء: يعني [[ساقطة من: (أ)، (ش)، (ع).]] تُصدِقوا أن لي شريكًا وصاحبة وولدًا [[لم أقف عليه.]]، ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾، رُوي عن ابن عباس: أنه قال: يعني التوحيد [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 470. وورد بلفظه غير منسوب في "تفسير البغوي" 3/ 77.]]، وقيل: أراد بما أنعم الله عليهم مما أحل لهم يكفرون؛ فيحرمونه ويجحدون تحليله [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 147، بنحوه، والثعلبي 2/ 160 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31.]]، يعني ما حَرَّمُوا على أنفسهم من الأنعام والحرث، وذكرنا وجهين في قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، والوجهان هاهنا جائزان.
النحل 16:73
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ يعني الغيث الذي يأتي من جهتها، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني النبات والثمار التي تخرج منها.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، (من) صفة النكرة التي هي: ﴿رِزْقًا﴾ كأنه قيل: لا يملك لهم رزقًا من الغيث والنبات.
وقوله تعالى: ﴿شَيْئًا﴾ قال الأخفش: جعل الشيء بدلًا من الرزق، وهو في معنى: لا يملكون رزقًا قليلًا ولا كثيرًا [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 606، بنصه، وأورده الطبري 14/ 148 بنصه.]]، أي لا يملكون أن يرزقهم شيئًا من السموات والأرض، وقال الفراء: نصب ﴿شَيْئًا﴾ بوقوع الرزق عليه [[أي أن ﴿شَيْئًا﴾ منصوبة بالمصدر ﴿رِزْقًا﴾ على أنه مفعول به.]]، كما قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25، 26] أي: تكْفِت الأحياء والأموات، ومثله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [["معاني القرآن" 2/ 110، بنصه، وأورده الطبري 48/ 114 بنصه، والشاهد: أنه نصب ﴿يَتِيمًا﴾ بالمصدر ﴿إِطعَامُ﴾.]] [البلد: 15،14].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي لا يقدرون على شيء، وليست لهم استطاعة، وجمع هاهنا؛ لأن (ما) في مذهب جمع لآلهتهم التي يعبدون، فَوَحَّدَ ﴿يَمْلِكُ﴾ على لفظ (ما) [[ساقطة من (أ)، (د).]] وجمع يستطيعون على المعنى [[ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 110 بنصه، وأغلب الظن أنه اقتبسه منه بدون عزو.]].
النحل 16:74
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ قال المفسرون: يعني لا تُشَبِّهُوهُ بخلقه [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 205 أ، والطبري 14/ 148، وهود الهواري 2/ 379، والثعلبي 2/ 160 أ، والطوسي 6/ 408، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 78، وابن الجوزي 4/ 471، والفخر الرازي 20/ 82، والخازن 3/ 126.]]، وقال الزجاج: أي لا تجعلوا لله مِثْلاً؛ لأنه واحدٌ لا مِثْلَ له [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 213، بنصه.]]، فعلى هذا ضَرْبُ المَثَل، استُعْمِل في التَّشْبِيه؛ لأن أكثرَ ما يُضْرَب المَثْلُ إنما يُضْرب لتشبيه وصف بوصف أو ذات بذات، وتعالى الله عن أن يُشْبِهَ شيئًا أو يُشْبِهَهُ شيءٌ في ذاته وصفاته.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ﴾ قال ابن عباس: يريد ما يكون قبل أن يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 422، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 471، وورد عن بعض المفسرين قولٌ آخر في الآية، لعله أكثر مناسبة للسياق، قالوا: المعنى: والله يعلم ما يستحقه وما يليق به من وصف الكمال وأنتم لا تعلمون؛ لذلك تجعلون له أشباهًا وأمثالاً لا تليق به سبحانه. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 148، والشعبي 2/ 160 أ، وابن الجوزى 4/ 471.]]، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: قَدْرَ عظمتي؛ حيث أشركتم بي وعَجَّزْتُمُوني أن أبعثَ خلقي.
النحل 16:75
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلًا﴾ أي بَيَّنَ الله شِبْهًا فيه بيانٌ للمقصود، ثم ذكر ذلك فقال: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ إلى قوله: ﴿سِرًّا وَجَهْرًا﴾ قال مجاهد في هذه الآية والتي تليها: كل هذا مَثَلُ إله الحق وما يُدْعَى من دونه من الباطل [[ليس في تفسيره، وأخرجه الطبري 14/ 150 بنصه من طريقين، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 475، و"الدر المنثور" 4/ 235، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال السُّدي: هذا مَثَلٌ ضربه الله للآلهة؛ يقول: كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حُرٌّ قد رُزق رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سِرًّا وجَهرًا لا يخاف من أحد، فكذلك أنا وهذه الآلهة التي تَدْعُون، ليست تملك شيئًا وأنا الذي أملك وأرزق مَنْ شئت [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 422، بنصه.]]، وهذا القول هو اختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 111، بمعناه.]]، والزجاج قال: بَيَّنَ اللهُ لهم أمرَ ضلالتهم وبعدهم عن الطريق في عبادتهم الأوثان، فذكر أن المالك المقتدر على الإنفاق والعاجز الذي لا يقدر أن ينفق لا يستويان، فكيف يُسَوَّى بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل وبين الله الذي هو على كل شيء قدير، وهو رازقُ جميع خلقه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 213، بتصرف يسير.]].
وفي الآية قول آخر، وهو: أن هذا مثل للمؤمن والكافر؛ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل بن هشام وأبا بكر الصديق [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 ب، بنصه عن ابن جريج عن عطاء ضعيفة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 33، وابن الجوزي 4/ 472، وقد روي عن ابن عباس أنهما: هشام بن عمرو، ومولاه الذي كان ينهاه، انظر: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 93، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 472، و"الدر المنثور" 4/ 235 - 236، وعزاه إلى ابن جرير -روايته ليس فيها الشاهد- وابن أبي حاتم وابن مردويه، وابن == مردويه وابن عساكر وليس لتخصص الآية بهما داع، بل الآية عامة، وكفى بتضارب الأقوال المُعَيِّنة دليلاً على عدم التعيين، وقد أشار الواحدي رحمه الله إلى التعميم بقوله: المراد بقوله: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا﴾، الشُّيوع في الجنس لا التخصيص، وقد ردّ الجصاص هذا التخصيص بأمرين: بضعف الحديث الوارد، وبظاهر اللفظ؛ فقال: وظاهر اللفظ ينفيها؛ لأنه لو أراد عبداً بعينه لعرَّفه ولم يذكره بلفظ منكور، وأيضًا معلوم أن الخطاب في ذكر عبدة الأوثان والاحتجاج عليهم ... إلخ. انظره في: "تفسيره" 3/ 187، وهو كلام نفيس في الردّ على تخصيص هذا المثل والذي يليه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 476، والفخر الرازي 20/ 84، وأبي حيان 5/ 519.]]، وقال قتادة: هو الكافر لا يعمل بطاعة الله ولا ينفق خيرًا، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو المؤمن يطيع الله في نفسه وماله [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 359) بنصه، والطبري 14/ 150 - 151 من طريقين بنصه وبنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 92، بمعناه، و"تفسير الطوسي" 6/ 408، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 472، و"تفسير القرطبي" 10/ 147، و"الدر المنثور" 4/ 234 - 235، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. والغريب أن لابن عباس قولاً مثله -حتى إن كثيرًا من المفسرين نسبوا القول إليهما، بل إن بعضهم اكتفى بنسبته إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- ومع ذلك لم يذكره واكتفى بنسبته لقتادة.]]، فعلى هذا القول: الكافر لمَّا لم ينفق في طاعة الله صار كالعبد الذي لا يملك شيئًا، والمؤمن ينفق في الخير وفي طاعة الله، فليسا يستويان، كذلك قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ وجمع الفعل؛ لأن المراد بقوله: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا﴾، الشُّيوع في الجنس لا التخصيص [[قال الثعلبي: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ ولم يقل: هل يستويان؛ لمكان (مَنْ) لأنه اسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمونث."تفسير الثعلبي" 2/ 160 ب.]].
واختار ابن قتيبة القول الأول [[وكذلك رجحه ابن عطية 8/ 476، والفخر الرازي 20/ 84، وأبوحيان 5/ 519، وابن القيم في "الأمثال" ص 205.]]؛ فقال: هذا مثل ضربه الله لنفسه ولمن عُبد دُونَه، فقدله: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ مَثَلُ من عُبِد مِن دونه؛ لأنه عاجزٌ مُدَبَّرٌ مملوكٌ لا يقدر على نفع ولا ضرّ، ثم قال: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَهْرًا﴾ وهذا مَثَلُه جلَّ وعز؛ لأنه الواسع الجواد القادر الرَّزاق عباده جَهْرًا من حيث يعلمون وسرًّا من حيث لا يعلمون، قال: وهذا القول أعجب إليّ؛ لأن المَثَل توسَّط كلامين؛ هما لله جلّ وعز؛ أما الأول فقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية. فهذا [[في جميع النسخ: (عهد الله)، وهو تصحيف، والتصويب من المصدر.]] لله ومن عُبِدَ من دونه، (وأما الآخر فقوله) [[ما بين القوسين كتب على الهامش في نسخة (أ).]] بعد إنقضاء المثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [["تأويل مشكل القرآن" ص 384 - 385، بتصرف واختصار، وورد نحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 92.]]، ومعنى قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هاهنا: أنه بَيَّنَ أن له الحمدَ على ما فعل بأوليائه، وأنعم عليهم بالتوحيد، هذا معنى قول ابن عباس [[قال: الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 85، بنصه، وأبي حيان 5/ 519، بنصه.]].
وقال غيره: بَيَّنَ أن له جميعَ الحمد، وأنه المستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه؛ لأنه لا يَدَ للأصنام عندهم، ولا نعمة لها عليهم [[ورد في "تفسير الطبرى" 14/ 149، بنحوه، والثعلبي 2/ 160 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 33، وابن الجوزي 4/ 473، والفخر الرازي 20/ 85، و"تفسير القرطبي" 10/ 148، والخازن 3/ 127.]]، ومعنى قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الحمد لي؛ لأن جميع النعمة مني، وذكر الأكثر وهو يريد الجميع.
قال أهل المعاني: عزل البعض احتقارًا له أن يُذْكَر، وقال آخرون: هو من الخاص في صِيَغِهِ، الذي هو عموم في معناه، والمعنى: بل هم لا يعلمون [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 473، و"تفسير القرطبي" 11/ 480، وأبي حيان 5/ 519.]]، ثم زاد في البيان، فقال:
النحل 16:76
﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ قال أبو زيد: رجل أبْكَم وهو العَيُّ المُفْحَمُ، وقد بَكِمَ بَكَمًا وبَكَامَةً، وقال أيضًا: الأبْكَمُ: الأقْطَعُ اللِّسَانِ؛ وهو العَيُّ بالجوابِ الذي لا يُحْسِنُ وَجْهَ الكَلَامِ [[لم أجده في نوادره، وورد في "تهذيب اللغة" (بكم) 1/ 379، بنصه.]]؛ لأنه لا يَفْهَم ولا يُفْهَم عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، أي: هذا الأبكم ثِقْلٌ وَوَبَالٌ على صاحبه وقرينه وابن عمه وَوَلِيِّه، والكلّ: الذي هو عِيالٌ وثِقْلٌ على صاحبه [[ورد في "تهذيب اللغة" (كل) 4/ 3176، بنصه.]].
قال أهل المعاني: وأصله من الغِلَظ الذي هو نقيض الحدة، يقال: كَلّ السكينُ كلولاً، إذا غَلُظَ شفرته فلم يقطع، وكَلَّ لسانه إذا لم ينبعث في القول لِغِلَظه وذهاب حَدّه، وكَلّ عن الأمر يَكَلُّ إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه، فهو يَكَلُّ إذا لم ينفذ في الأمر [[ورد بنحوه في: "أدب الكاتب" ص 333، و"تفسير الطوسي" 6/ 410، و"الفخر == الرازي" 20/ 86، و"تفسير القرطبي" 10/ 150، والخازن 3/ 127، وانظر: (كل) في "المحيط في اللغة" 6/ 141، و"مجمل اللغة" 2/ 765، و"الصحاح" 5/ 1811.]].
وقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾ أي أينما [[في جميع النسخ: (إنما)، والمثبت هو الصحيح.]] يرسله، ومعنى التوجيه: أن ترسل صاحبك في وجه من الطريق، يقال: وجهته إلى موضع كذا فتوَجَّه إليه [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 86، بنصه تقريبًا.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ لأنه عاجز لا يُحْسِن ولا يَفْهَم ما يُقَال له ولا يُفْهَم عنه، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ أي هذا الأبكم الذي هو بهذا الوصف، ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي ومن هو قادر تام التمييز متكلم ناطق بالحق، آمرٌ بالعدل قادرٌ على الأمور مُصَرِّفٌ لها على أحسن الوجوه، ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال ابن عباس: يريد على دين مستقيم [[انظر: "تقسير الخازن" 3/ 127، وأبي حيان 5/ 519، بلا نسبة فيهما.]].
وللمفسرين في هذه الآية قولان كما ذكرنا في الآية الأولى، فمن قال في المثل الأول أنه مَثَلُ الأوثان والله تعالى، قال في هذه الآية أيضًا: إن هذا مَثَلٌ كالأول، وهو قول مجاهد والسدي وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 359 بمعناه عن قتادة، والطبري 14/ 149 - 150 بنصه عن مجاهد من طريقين، وبنحوه عن قتادة، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 244، بنحوه عن السدي، والثعلبي 2/ 160 ب بمعناه عن مجاهد، و"تفسير الماوردي" 3/ 204 ب معناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 473، عن مجاهد وقتادة، والفخر الرازي 20/ 87، و"تفسير القرطبي" 10/ 149، عن مجاهد، وأبي حيان 5/ 519، عن قتادة، وابن كثير 2/ 637 - 638، عن مجاهد، و"الدر المنثور" 4/ 236، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 111.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214.]] وابن قتيبة [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 248.]].
قال مجاهد: كل هذا مَثَلُ إله الحق وما يُدْعَى من دونه من الباطل [[سبق توثيقه.]]
وقال السدي: أما الأبكم فمِثْلُ الصنم؛ لأنه أَبْكَمُ لا ينطق، وهو كَلّ على عابديه؛ يُنْفِقون عليه ولا يُنْفِق هو عليهم ولا يَرْزقُهم، ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾: الصنم من شرق أو غرب لا يأت بخير، يقول: لا يرزقهم ولا ينفعهم، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، والذي يأمر بالعدل: الله تبارك وتعالى، ونحو هذا قال قتادة [[أخرجه الطبري 14/ 155، بنحوه عن قتادة، و"الدر المنثور" 4/ 235 - 236، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، بنحوه عن السدي.]].
وقال الزجاج: هل يستوي القادرُ التامُ التمييزِ والعاجزُ الذي لا يُحْسِن ولا يأتي بخير، فكيف تُسَوُّون بين الله عز وجل وبين الأحجار [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214، بنصه.]].
وقال ابن قتيبة: هذا مَثَلُ آلهتهم؛ لأنها بُكْمٌ صُمّ عُمْيٌ، ثِقْلٌ على من عبدَها في خدمتها، وهي لا تأتيه بخير [["تأويل مشكل القرآن" ص 385، بنحوه تقريبًا.]].
ثم قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فجعل هذا المَثَلَ لنفسه، وقال في قوله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ هذا مثل للصنم الذي عبدوه، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾؛ لأنه يحمله إذا ظَعَن، وُيحَوِّلَه من مكان إلى مكان إذا تحرك، فقال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾: هذا الصنم الكَلّ، ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، وهو استفهام معناه التوبيخ، كأنه قال: لا تُسَوُّوا بين الصنمِ الكَلِّ وبين الخالق عز وجل [[ورد في "تهذيب اللغة" (كل) 4/ 3176، بنصه تقريبًا.]].
وقال آخرون: هذا مثل للمؤمن والكافر، وهو قول ابن عباس في رواية عطية [[أخرجه الطبري 14/ 150، بنحوه ضعيفة، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 ب، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 204، وانظر: "تفسير البغوي" 5 - 23 - 34، وابن الجوزي 4/ 473، وأبي حيان 5/ 519، وابن كثير 2/ 637.]].
ثم اختلفوا فيمن نزل، فروى يَعْلَى بن مُنْيَةَ [[يَعْلَى بن أُمَيَّة التميمي -رضي الله عنه- ينسب حينًا إلى أبيه وحينًا إلى أمه مُنْيَة، وقيل: هي أم أبيه، جزم بذلك الدارقطني، أبو صفوان، صحابي، أسلم يوم الفتح وشهد حنينًا والطائف وتبوك، شهد صفين مع علي -رضي الله عنه-، مات سنة بضع وأربعين. انظر: "الاستيعاب" 4/ 147، و"أسد الغابة" 5/ 523، و"الإصابة" 3/ 668 (9358)، و"تقريب التهذيب" ص 609 (7839).]] عن ابن عباس: أنها نزلت في عثمان بن عفان ومولاه؛ كان عثمان -رضي الله عنه- ينفق عليه ويكفيه المؤونة، وكان مولاه يكره الإسلام، وينهاه عن الصدقة ويمنعه من النفقة [[أخرجه الطبري 14/ 151 بنصه تقريبًا، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 ب، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 204، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 473، والفخر الرازي 2/ 870، و"تفسير القرطبي" 10/ 149، وابن كثير 2/ 638، و"الدر المنثور" 4/ 235 - 236، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر.]].
وقال في رواية عطاء، الأبكم: أُبي بن خلف الجمحي، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ يريد كَلّ على قومه، كان يؤذيهم، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾، يريد أبي ابن خلف، ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، يريد حمزة وعثمان بن مظعون [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 ب، بنصه مختصرًا، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 33 - 34، وابن الجوزي 4/ 473، و"القرطبي" 10/ 149، وهذا كالمَثَلِ الأول؛ لا دليل صحيح على تخصيصه بأحد بعينه، وحسبك تضارب الروايات لرده، والصحيح حمل الآية على العموم. انظر: التعليق على آية [75]، و"تفسير أبي حيان" 5/ 520، و"تفسير الألوسي" 14/ 197.]].
النحل 16:77
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: ولله عِلْمُ غيبِ السموات والأرض [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214، بنصه.]]، وذكرنا الكلام في معنى غيب السموات والأرض في آخر آية من سورة هود [123].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، سُمِّيت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة، فيموت الخلق في صيحة [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 88، و"تفسير القرطبي" 10/ 150، بنصه غير منسوب.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ قال ابن الأعرابي: اللمح: النظر بسرعة [[ورد في لمح 5/ 98، بمعناه.]]، يفال: لمحه ببصره لمحًا ولمحانًا [[اللَّمْحُ: هو النظر الخاطف كرجوع الطَّرْف، يُشَبَّه بلَمَعَان البرق، يقال: لَمَحَ البرقُ والنجْمُ؛ أي لمع، ويقال: لمحه ببصره وألْمَحَه، والاسم: اللَّمْحَةُ. انظر: (لمح) في "العين" 3/ 243، و"تهذيب اللغة" 4/ 3296، و"المحيط في اللغة" 3/ 116، و"الصحاح" 1/ 402.]]، أنشد الفراء:
لمحان أقنى فوق طود يافع ... بعضَ العُدَاة دُجُنَّة وظلالا [[لم أقف عليه. (أقنى): برز، (طود)، الطّوْدُ: الجبل العظيم، (يافع): هو التّل المُشْرِفُ، وقيل: ما أرتفع من الأرض، (دجنة)، الدُّجُنَّةُ: الظَّلْمَاءُ.]] قال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾، يريد: القيامة، ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾، يريد: النظر.
وقال قتادة: هو أن يقول: كن، فهو ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 359) بنصه، والطبري 14/ 151 بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 95، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 236، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال السدي: هو كلمح العين من السرعة، ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾: من ذلك إذا أردناه [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 424، وأورده السيوطي في "الدر المنثور"، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.]]، وشرح أبو إسحاق معنى هذا فقال: الساعةُ اسم لإمَاتَةِ الخَلق وإحْيائِهِم، أعلم الله تعالى أنّ البَعْثَ والإحْيَاءَ في قدرته ومشيئته، ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾، ليس يريد أنَّ السَّاعةَ تأتي في أقربَ من لمح البصر، ولكنه يصف سرعةَ القدرةِ على الإتيان بها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214، بنصه.]]، ومعنى (أو) في قوله: ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾: أن أمرها يكون على إحدى منزلتين: إما لمح البصر، وإما أقرب، فأدخل (أو) لِشَكّ المخاطب؛ أي كونوا في تقدير سرعة كونها على هذا الشك، وهذا معنى قول قطرب: أراد أن يطويه عنّا [[لم أقف عليه.]]، وقيل: إنّ (أو) هاهنا بمنزلة بل [[بذلك فسرها مقاتل 1/ 205 ب، والسمرقندي 2/ 244، وهود الهواري 2/ 380، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 34، والفخر الرازي 20/ 88، و"تفسير القرطبي" 10/ 150، وأورده أبو حيان في تفسيره وأبطله بحجة أن الإضراب هنا يؤدي إلى فساد المعنى، وتعقبه الألوسي وصححه، انظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 521، == و"تفسير الألوسي" 14/ 198، وفي كتب حروف المعاني أن (أو) تأتي بمعنى (بل)، ومنهم من أطلق القول، ومنهم من قيده بشروط، انظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 13، و"الجنى الداني" ص 229، و"مغني اللبيب" ص 91.]].
وأنشدوا [[نُسب لذي الرُّمَّة - ولم أجده في ديوانه، وقال محقق الخزانة؛ عبد السلام هارون: بل هو في ملحقات الديوان ص 664.]]:
أوْ أنتِ في العَينِ أَمْلَحُ [[تمام البيت:
بدتْ مِثلَ قَرْنِ الشَّمس في روْنقِ الضُّحى ... وصُورَتِها ................
ورد في "المحتسَب" 1/ 99، و"الخصائص" 2/ 458، و"الأزهية" ص 121، و"اللسان" (أوا) 1/ 181، و"الخزانة" 11/ 65، وورد بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 72، و"الصحاح" (أو) 6/ 2275، و"الإنصاف" 383، والشاهد: ورود (أو) بمعنى (بل) والمعنى: بل أنتِ في العين أملح.]]
النحل 16:78
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أي أخرجكم غير عالمين بمعنى: أخرجكم جاهلين.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ عطف [[وجعلها الطبري مستأنفة؛ لأن الكلام تمَّ بقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، ثم ابتدأ بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 152، والبغوي 5/ 34.]] على قوله: ﴿أَخْرَجَكُمْ﴾، وجَعْلُ السمعِ كان قبل الإخراجِ ولم يكن بعده، وتأخيره في الذكر وتَقَدُّمُ الإخراجِ لا يدل على أن الجَعْلَ للسمع تأخر عن الإخراج؛ لأن الواو لا توجب الترتيب [[وللخازن توجيه جيد، يقول: لمّا كان الانتفاع بهذه الحواس بعد الخروج من البطن، فكأنما خلقت في ذلك الوقت الذي ينتفع بها فيه، وإن كانت قد خلقت قبل ذلك. "تفسير الخازن" 3/ 128.]]، ذكرنا هذا في مواضع، والمعنى: خلق لكم الحواس التي بها تعلمون وتقفون على ما تجهلون، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد لتسمعوا مواعظ الله وتُبْصِروا ما أنعم الله به عليكم منذ أخرجكم من بطون أمهاتكم إلى أن صرتم رجالًا، وتعقلوا عظمة الله [[انظر: "تفسير الخازن" 3/ 128، بنصه، و"تفسير الألوسي" 14/ 201، بنصه.]]، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ جمع الفؤاد؛ نحو غراب وأغربة [[قال الزمخشري: وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة. انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 339.]].
قال الزجاج: ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد؛ لم يُقَل فيه: فِئْدان، كما قيل في غُراب وغِرْبَان [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214، بنصه.]].
النحل 16:79
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ﴾، أي: مذللات في جَوِّ السماء، وهو الهواء، قال الزجاج: ﴿جَوِّ السَّمَاءِ﴾: الهواءُ البعيدُ من الأرض [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214، بنصه.]]، وهذا حث على الاستدلال بها على مُسَخِّرٍ سَخَّرها، ومُدَبِّرٍ مَكَّنَها من التصرف في جو السماء، وهو الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ يعني في حال القَبْض والبَسْط والاصطفاف، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ الآية. [الملك: 19].