Al-Basit — النحل 16:80 – الإسراء 17:84
المحتويات
- النحل 16:80
- النحل 16:81
- النحل 16:82
- النحل 16:83
- النحل 16:84
- النحل 16:85
- النحل 16:86
- النحل 16:87
- النحل 16:88
- النحل 16:89
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:93
- النحل 16:94
- النحل 16:95
- النحل 16:96
- النحل 16:97
- النحل 16:98
- النحل 16:99
- النحل 16:100
- النحل 16:101
- النحل 16:102
- النحل 16:103
- النحل 16:105
- النحل 16:106
- النحل 16:107
- النحل 16:108
- النحل 16:109
- النحل 16:110
- النحل 16:111
- النحل 16:112
- النحل 16:113
- النحل 16:114
- النحل 16:115
- النحل 16:116
- النحل 16:117
- النحل 16:118
- النحل 16:119
- النحل 16:120
- النحل 16:122
- النحل 16:124
- النحل 16:125
- النحل 16:126
- النحل 16:127
- النحل 16:128
- الإسراء 17:1
- الإسراء 17:2
- الإسراء 17:3
- الإسراء 17:4
- الإسراء 17:5
- الإسراء 17:6
- الإسراء 17:7
- الإسراء 17:8
- الإسراء 17:9
- الإسراء 17:10
- الإسراء 17:11
- الإسراء 17:12
- الإسراء 17:13
- الإسراء 17:14
- الإسراء 17:15
- الإسراء 17:16
- الإسراء 17:17
- الإسراء 17:18
- الإسراء 17:19
- الإسراء 17:20
- الإسراء 17:21
- الإسراء 17:22
- الإسراء 17:23
- الإسراء 17:24
- الإسراء 17:25
- الإسراء 17:26
- الإسراء 17:27
- الإسراء 17:28
- الإسراء 17:29
- الإسراء 17:30
- الإسراء 17:31
- الإسراء 17:33
- الإسراء 17:34
- الإسراء 17:35
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:37
- الإسراء 17:38
- الإسراء 17:39
- الإسراء 17:40
- الإسراء 17:41
- الإسراء 17:42
- الإسراء 17:44
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:46
- الإسراء 17:47
- الإسراء 17:48
- الإسراء 17:49
- الإسراء 17:50
- الإسراء 17:51
- الإسراء 17:52
- الإسراء 17:53
- الإسراء 17:54
- الإسراء 17:55
- الإسراء 17:56
- الإسراء 17:57
- الإسراء 17:58
- الإسراء 17:59
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:61
- الإسراء 17:62
- الإسراء 17:63
- الإسراء 17:64
- الإسراء 17:65
- الإسراء 17:66
- الإسراء 17:67
- الإسراء 17:68
- الإسراء 17:69
- الإسراء 17:70
- الإسراء 17:71
- الإسراء 17:72
- الإسراء 17:73
- الإسراء 17:75
- الإسراء 17:76
- الإسراء 17:77
- الإسراء 17:78
- الإسراء 17:79
- الإسراء 17:80
- الإسراء 17:81
- الإسراء 17:82
- الإسراء 17:83
- الإسراء 17:84
النحل 16:80
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ الآية. السَّكَن: المَسْكَن، أنشد الفراء [[نسبه الأزهري لابن الأعرابي.]]: جاء الشِّتاءُ ولَمَّا أتَّخِذْ كِنَنًا [[في (أ)، (د): (كِنانًا)، والمثبت من: (ش)، (ع)، وقد انفرد الواحدي برواية (كِنًا)، بينما ورد في غيره (سنكنًا) و (ربضًا)، وليس في رواية الواحدي ولا رواية (ربضًا) شاهد -إلا بالمعنى-، إنما الشاهد في رواية "سكنًا" كما سيأتي في توثيق البيت.]] ... يا وَيْحَ نَفْسِيَ [[في (أ)، (د) زيادة كلمة (قلبي) كالتالي: (ياويح قلبي نفسي) والمثبت من: ش، ع وهو الصحيح؛ لإغناء كلمة نفسي عنها، ويؤكد ذلك خلو رواية التهذيب منها.]] من حَفْر القراميص [[ورد في "تهذيب اللغة" (قرمص) 3/ 2946، وفيه: (رَبَضَاً) بدل (كناناً)، وبدون كلمة (قلبي)، وورد بلا نسبة برواية:
جاء الشتاء ولمّا أتخذ ربضًا ... يا ويح كفَّيَّ من حفْرِ القراميص
في "جمهرة اللغة" 1/ 314، 2/ 1201، و"تهذيب اللغة" (ربض) 2/ 1344، و"مقاييس اللغة" 2/ 478، و"الصحاح" (قرمص) 3/ 1051، (ربض) 3/ 1076، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 91، وفيه: (سكنًا) بدل (ربضًا، و"الأساس" 2/ 247، و"اللسان" (قرمص) 6/ 3606، (ربض) 3/ 1559، و"التاج" (قرمص) 9/ 333، و"تفسير أبي حيان" 5/ 523، و"الدر المصون" 7/ 273، فيهما برواية: (سكناً) و (نفسي)، (ربض): قال ابن فارس: الراء والباء والضاد أصل يدل على سكون واستقرار، والرَّبَض: ما حول المدينة؛ ومسكن كلِّ قوم رَبَضٌ، ويقال: لفلان رَبَضٌ يأوي إليه: وهو كل ما سكن إليه من امرأة أو قرابة أو بيت. (قرمص): قال ابن السكيت: القراميص: حُفَرٌ صغارٌ يستكِنُّ فيها الإنسان من البرد، الواحدة: قُرْمُوص.]]
والسَّكَنُ: ما سَكَنْت، وقال الزجاج: أي مَوْضِعًا تَسْكُنُون فيه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 215، بنصه.]]، قال مجاهد وغيره: يعني المساكن من الحجر والمدر [[ورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 154، بنصه، والثعلبي 2/ 161 أ، بنصه، والبغوي 5/ 35، والخازن 3/ 128، والذي في "تفسير مجاهد" ص 423، قال: تسكنون فيها، وأخرجه الطبري عن مجاهد بهذه الرواية، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 237، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال ابن عباس: يريد مساكن تستر عوراتكم وحُرَمَكُم، وذلك أن الله تعالى خلق الخشب والمدر والآلة التي بها يمكن تسقيف البيوت وبناؤها [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 476، بنحوه وبلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ﴾ يعني الأنطاع [[جمع: نِطَعٌ ونِطْعٌ ونَطَعٌ ونَطْعٌ؛ هو بساطُ من الجلد. انظر: "المحيط في اللغة" 1/ 406، و"المعجم الوسيط" 2/ 930.]] والأُدم، ﴿بُيُوتًا﴾ يعني القِبَاب والخِيَام والفَسَاطِيط [[جمع الفِسْطَاط والفُسْطَاط؛ وهو ضَرْبٌ من الأبنية؛ وهو بيتٌ يتخذُ من الشَّعر. انظر: "المحيط في اللغة" 8/ 271.]]، ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾، أي: يَخِفُّ عليكم حَمْلُها في أسفاركم [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 215، بنصه.]]، قال ابن عباس: يريد إذا ظعنتم الربيع، وفيه قراءتان: تسكين العين [[قرأ بها: عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر. انظر: "السبعة" ص375، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 359، و"علل القراءات" 1/ 308، و"الحجة للقراء" 5/ 77، و"المبسوط في القراءات" ص 225، و"التيسير" ص 138.]] وتحريكها [[بفتح العين، قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو. (انظر: المصادر السابقة).]]، وهما لغتان؛ كالشعْر والشعَر، والنهْر والنهَر، قال الفراء: والعرب تفعل ذلك بما كان ثانيه إحدى الستة الأحرف [[يريد الحروف الحلقية؛ وهي: الهمزة والهاء، والعين والحاء، والغين والخاء.]]، وأنشد [[لكُثَيِّر بن عبد الرحمن بن الأسود، المعروف بكُثَيِّر عزّة (ت 105 هـ).]]:
له نَعَلٌ لا تَطَّبِي الكَلْبَ ريحُها ... وإن وُضِعت بين المجالس شُمَّت [["معاني القرآن" للفراء 2/ 112، بنصه تقريبًا.]] [["ديوانه" ص 85، وروايته: == إذا طُرِحَتْ لم تَطَّبِ الكلبَ ريحُها ... وإن وُضِعَتْ في مجلس القوم شُمَّتِ
وورد في "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 502، و"الخصائص" 2/ 9، وفيه: (جُعِلت وسْطَ) بدل (وُضعت بين)، و"اللسان" (نعل) 7/ 4477، وفيه: (وسط) بدل (بين)، وورد في "البيان والتبيين" برواية ليس فيها الشاهد 3/ 788، (تطبي): يقال طبى فلانٌ فلانًا عن رأيه وأمْره: أي صرفه، وأطْبَأه وطَبَأه: دعاه واستماله، (شُمّت): يُقبل شَمُّها؛ لأن جلدها جيد الدباغة لا تفوح منه روائحُ كريهة منتنة تستميل الكلاب، والشاعر يصف نعله برقتها وطيب ريحها، وأنها لطيب ريحها وعدم انبعاث الروائح الكريهة عنها لا تستميل الكلاب. والشاهد: أنه حرَّك حرف الحلق (ع) لانفتاح ما قبله. وانظر: "المحيط في اللغة" (طبى) 9/ 228.]] قال أبو علي: لا يجوز أن يكون الظَّعْنُ مخففًا من الظَّعَنِ، كعَضْد من عَضُد، ألا ترى أن من خفف عَضْدًا لم يخفف؛ نحو: حَمَلٍ [[هكذا في جميع النسخ بالحاء، وفي المصدر (جمل) بالجيم، وهو خطأ؛ لأن (جمل) لا تأتي في الفصيح إلا محركة. انظر: "متن اللغة" 1/ 571.]] وَرَسَنٍ [["الحجة للقراء" 5/ 77، بتصرف يسير. (رسن): الرسن: الحبل تقاد به الدابة؛ وهو ما كان على الأنف من الأزمَّة. انظر: "اللسان" (رسن) 3/ 1647، و"متن اللغة" 2/ 588.]]، قال الأزهري: والظَّعْنُ: سير البادية لنُجْعة أو حضور ماء أو طلب مَرْتَع أو تَحَوُّل من ماء إلى ماء ومن بلد إلى بلد، وقد ظَعَنوا يَظْعَنون، وقد يقال لكل شاخص لسفر: ظاعِن، وهو ضدّ الخافض [["تهذيب اللغة" (ظعن) 3/ 2241، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ قال مقاتل: أي لا يثقل عليكم الحالتين [["تفسير مقاتل" 1/ 205 ب، بمعناه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 161 أ، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ قال المفسرون وأهل اللغة: الأصواف للضأن، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 205 ب، بنصه، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 215، بنصه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 96، بنصه، و"تفسير الثعلبي" 2/ 161 أ، بنصه، والطوسي 6/ 413، وانظر: "تهذيب اللغة" (صاف) 2/ 1962 - 1963، (وبر) 4/ 3826 - 3827، و"المحيط في اللغة" (صوف) 8/ 196، (وبر) 10/ 272، و"اللسان" (وبر) 8/ 4752 - 4753، (صوف) 4/ 2527 - 2528.]].
وقوله تعالى: ﴿أَثَاثًا﴾ الأثاث: أنواع المتاع من متاع البيت؛ من الفُرُش والأكسية [[ورد في الغريب لابن قتيبة 1/ 248، بنصه، ورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 96، و"تفسير الثعلبي" 2/ 161 أ، وانظر: (أث) في "العين" (8/ 253، و"تهذيب اللغة" 1/ 118، و"اللسان" (أثث) 1/ 24 - 25، و"التاج" (أثث) 3/ 164.]]، قال الفراء: ولا واحد له، كما أن المتاع لا واحد له، قال: ولو جمعت لقلت: أَثِثَّة في القليل وأُثُثٌ في الكثير [[لم أجده في معانيه، وورد في "تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118، بنصه تقريبًا، وفيه: ولو جمعت لقلت: ثلاثة آثَّةٍ، وأُثُثٌ كثيرة. وانظر: "اللسان" (أثث) 1/ 24 - 25، و"التاج" (أثث) 3/ 164، وأورد السمين قول الفراء، وقال عن جمع الكثرة: فيه نظر؛ حيث يلزم هذا الوزن جمعه على أفْعِلَة في القلة والكثرة، ولا يجمع على فُعُل. انظر: "الدر المصون" 7/ 275.]].
وقال أبو زيد: واحدتها أَثَاثَةٌ [[لم أجده في نوادره، وورد في "تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118، بلفظه، وورد عنه بنحوه في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 248، و"أدب الكاتب" له ص 61، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 97، و"تفسير الثعلبي" 2/ 161، و"الدر المصون" 7/ 275، وأورد الطبري قول أبي زيد -بلا نسبة- ورده، قائلاً: ولم أر أهل العلم بكلام العرب يعرفون ذلك -أي أن الأثاث واحد- والحق أن أبا زيد إمام وحجة في العربية، والذين أوردوا قوله -وهم من أهل اللغة- لم أجد من اعترض عليه، وحسبك بابن قتيبة وقد أورد قوله مستشهدًا به.]].
قال ابن عباس في قوله: ﴿أَثَاثًا﴾ يريد طَنَافِس [[جمع طَنْفَس، وهي البساط الذي له خَمْلٌ رقيق، وقيل: هو ضرب من السجاد. انظر: "اللسان" (طنفس) 5/ 2710، و"متن اللغة" 3/ 637.]] وبُسطًا وثيابًا وكسوة [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 92، بنصه، والمشهور عن ابن عباس أنه فَسَّرَ ﴿أَثَاثًا﴾ بالمال، أخرجه الطبري 14/ 155 - 156 من طريق العوفي ضعيفة، و"الدر المنثور" 4/ 237، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.]]، قال الخليل: وأصله من قولهم: أثَّ النَّباتُ والشَّعر إذا كثر [["العين" (أث) 8/ 253، بنصه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 92، وقد نقل المقطع كله؛ من بداية قول الأزهري بنصه تقريبًا دون نسبته للواحدي.]]
وقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا﴾ أي ما يمتعون به.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد إلى حين البلى [[انظر: "تنوير المقباس" ص 290، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 205 ب، والثعلبي 2/ 161 أ، والبغوي 5/ 35، والزمخشري 2/ 339، وابن الجوزي 4/ 477، والفخر الرازي 20/ 92، والخازن 3/ 129.]].
وروي عنه: ﴿إِلَى حِينٍ﴾: الموت [[أخرجه الطبري 14/ 155 بلفظه عن مجاهد، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 477، عن ابن عباس ومجاهد، وأبي حيان 5/ 524، عن ابن عباس، و"تفسير الألوسي" 14/ 204، عن ابن عباس، وورد غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 381، والثعلبي 2/ 161 أ، والبغوي 5/ 35، والزمخشري 2/ 339، والفخر الرازي 20/ 92، والخازن 3/ 129، وورد عن ابن عباس تفسيره بقوله: ينتفعون به إلى حين، أخرجه الطبري 14/ 154 - 155 من طريق العوفي ضعيفة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 237 وعزاه إلى ابن أبي حاتم.]]، ومثله قال مجاهد، وأَبْهَم قتادة؛ فقال: إلى أجل [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 359) بلفظه، والطبري 14/ 155 بلفظه، == وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 97، بلفظه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 237، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]]، وحكى الفراء القولين فقال: يقول: يكتفون بأصوافها إلى أن يموتوا، ويقال: إلى الحين بعد الحين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 112. بنصه.]].
النحل 16:81
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد ظلال الغمام والسحاب [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 477، وأبي حيان 5/ 524، و"تفسير الألوسي" 14/ 205]]؛ كما قال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: 57] يريد لتقيكم من حر الشمس ومن شدة البرد، وقال الكلبي: ﴿مِمَّا خَلَقَ﴾ يعني البيوت [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 477، وأبي حيان 5/ 524، و"تفسير الألوسي" 14/ 205]]، وقال قتادة: يعني الشجر [[أخرجه الطبري 14/ 155 بلفظه من طريقين، ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 245 بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 477، وأبي حيان 5/ 524، و"الدر المنثور" 4/ 238، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، واختاره الزجاج. فقال: أي جعل لكم من الشجر ما تَسْتَظِلُّون به [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 215، بنصه.]] [[هذه الأقوال -في معنى الظلال- من اختلاف التنوع، ولا يجوز تخصيصها بأي منها، والأَوْلَى حَمْلُه على العموم؛ لعدم وجود مخصص، ولكونه جاء على سبيل الامتنان، والمنّة حاصلة بكل ذلك، لذلك فالأرجح ما قاله أبو سليمان الدمشقي: إنه كل شيء له ظل؛ من حائط، وسقف، وشجر، وجبل، وغير ذلك. "تفسير ابن الجوزي" 4/ 477.]].
وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ قالوا: يعني الغيران والأسْرَاب [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 245، بنصه، والثعلبي 2/ 161 أ، بنصه، وانظر: == "تفسير البغوي" 5/ 36، وابن الجوزي 4/ 478، و"تفسير القرطبي" 10/ 159، والخازن 3/ 129، (الغيران): جمع غار؛ وهو مغارةٌ في الجبل كالسَّرب، وقيل: الغارُ كالكَهْف في الجبل، (الأسْرَاب): جمع سَرْب، وهو المسلك في خفية، وأصله جُحر الثعلب والوحشي، وهو حفير تحت الأرض، وقيل: بيت تحت الأرض. انظر: (سرب) في "المحيط في اللغة" 8/ 312، و"اللسان" 4/ 1980، (غور) 6/ 3313، و"معاني اللغة" 3/ 133.]]، وواحد الأَكْنَان كِنٌّ، على قياس حِمْل وأَحْمَال [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 215، بنصه.]]، والكِنُّ: كل شيء وقى شيئًا، ويقال: اسْتَكَنَّ واكْتَنَّ، إذا صار في كِنّ [[ورد في "تهذيب اللغة" (كن) 4/ 3196، بنصه، وهو قول الليث.]] [[انظر: (كن) في "تهذيب اللغة" 4/ 3196، و"المحيط في اللغة" 6/ 144، و"الصحاح" 6/ 2188، و"اللسان" 7/ 3942، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 93، بنصه بلا نسبة.]] ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ السرابيل: القُمُص، واحدها سربال [[انظر: (سربل) في "تهذيب اللغة" 2/ 1664، و"الصحاح" 5/ 1729، و"اللسان" 4/ 1983، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 93، و"تفسير القرطبي" 10/ 160.]]، قال الفراء: سَرْبَلْتُ الرجلَ إذا لَبَّسْتَه سَرْبَلَةً وسِرْبَالًا [[ليس في معانيه.]]، وأنشد:
عَمّى أبو مالك بالمجدِ سَرْبَلَني ... ودَنَّس العبد عبد القيس سربالي [[لم أقف عليه.]]
قال أبو إسحاق: كلُ ما لَبِسْتَه فهو سربالٌ؛ من قميص أو دِرْع أو جَوْشَنٍ أو غيره [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 215، بنصه. (جوشن): درع أو زَرَدٌ يُلْبَس على الصدر، والجمع: جواشن. انظر: "متن اللغة" 1/ 603.]]، قال ابن عباس وقتادة: هي القُمُص من الكَتّان، والقطن والصوف [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 359)، بنحوه، والطبري 14/ 155 - 156 بنصه من طريقين، وبنحوه من طريق، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 97، و"تفسير السمرقندي" 2/ 245، والطوسي 6/ 413، بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 256أ، والثعلبي 2/ 161أ، وهود الهواري 2/ 381.]]، قال الفراء: ولم يقل: والبرد، وهي تقي الحرّ والبرد، فترك؛ لأن معناه معلوم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 112، بنصه.]]، قال الزجاج: ولم يقل: وتقيكم البردَ؛ لأن ما وَقَى من الحرّ وَقَى من البرد [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 112، بنصه.]]، فعندهما أنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لدلالة المذكور على الآخر، وقال عطاء الخرساني: الذين خوطبوا بهذا أهل حَرّ في بلادهم فحاجتهم إلى ما يقي الحرّ أشد، لذلك لم يذكر البرد؛ لأن القوم خُوطبوا على قدر معرفتهم، كما قال: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾: وما جعل من غير ذلك أعظم، ولكنهم كانوا أصحابَ وَبَر وشَعَر، وكذلك قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: 43] يُعَجِّبُهم بذلك، وما أنزل من الثلج أعظم ولكنهم كانوا لا يعرفونه [[أخرجه الطبري 14/ 153 - 155 بنصه تقريبًا مع تقديم وتأخير، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 98، مختصرًا، و"تفسير الثعلبي" 2/ 161أ، بنصه تقريبًا مع تقديم وتأخير، و"تفسير الماوردي" 3/ 207، مختصرًا، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 36، والفخر الرازي 20/ 93، و"تفسير القرطبي" 10/ 160، والخارن 3/ 129، وابن كثير 2/ 639، وهذا القول هو الذي رجَّحه الطبري.]]، قال المبرد: والقرآن قد أحاط بمن يخاطب وبمن يكون بعده، وأحاط بالغائب كما أحاط بالحاضر، ولكن العرب من شأنها إذا كان الشيئان مجازهما واحدًا في ضر أو نفع فذكروا أحدهما علم أن الآخر مثله، فلما ذكر الحرَّ صار كأنه ذكر البرد أيضًا، لما يعلم أنها لا تقي شيئًا دون شيء [[أورده في "التعازي والمراثي" ص39، مختصرًا جدًا؛ قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾، ولم يذكر البرد، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 94، عنه بمعناه، وأبي حيان 5/ 524 مختصرًا، و"تفسير الألوسي" 14/ 205، مختصرًا.]].
وقوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ قال المفسرون: يعني دروع الحديد [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 206 أ، بلفظه، والسمرقندي 2/ 245، بنصه، وهود الهواري 2/ 381، بلفظه، والثعلبي 2/ 161 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 339، وابن كثير 2/ 639 - 640.]]، ومعنى البأس: الشدة، ويريد هاهنا شدة الطعن والضرب والرمي [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 94، بنصه بلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي مِثْل ما جعل هذه الأشياء، وخلقها لكم وأنعم بها عليكم، ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ يريد: نعمة الدنيا؛ لأن [[في (أ)، (د): (أن) ومطموسة في (ع)، والمثبت من (ش).]] الخطاب لأهل مكة يدل على هذا.
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تُخْلِصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذا أحدٌ غيره [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 94، والخازن 3/ 129، بلا نسبة.]]، فتوحدوه وتصدقوا أنبياءه، ثم قال بعد أن بَيَّنَ لهم الآيات:
النحل 16:82
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي عليك أن تُبلِّغَ الرسالةَ والآياتِ الدالةَ على التوحيد وصدقك، ولا يَلْزَمك تقصيرٌ مِنْ أجل تَوَلِّيهم، وهذا تسلية للنبي -ﷺ- عما يلحقه عند توليهم عنه.
النحل 16:83
قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال السدي: يعني محمدًا -ﷺ- [[أخرجه الطبري 14/ 157 بنصه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 99، بنصه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 245، بنصه، والثعلبي 2/ 161 ب، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 207، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 36، وابن عطية 8/ 487، وابن الجوزي 4/ 479، و"تفسير القرطبي" 10/ 161، والخازن 3/ 129، وأبي حيان 5/ 524، و"الدر المنثور" 4/ 238، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وهذا القول اختيار أبي إسحاق؟ قال: يعرفون أن أمر النبي -ﷺ- حقٌّ ثم يُنكرون ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 216، بنصه.]]، وقال مجاهد: يعني ما عَدَّدَ من النِّعَم في هذه السورة، يعرفون أنها كلَّها نِعَمٌ عليهم، ولكن ينكرون أنها من الله تعالى، يقولون: هذه النعم كانت لآبائنا فورثناها منهم [["تفسير مجاهد" 350، بمعناه، أخرجه الطبري 14/ 158 بمعناه من طريقين، وورد في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 100، بمعناه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 245، بمعناه، وهود الهواري 2/ 382، مختصرًا، والثعلبي 2/ 161ب، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 207، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 36، وابن الجوزي 4/ 479، و"تفسير القرطبي" 10/ 161، والخازن 3/ 129.]]، وقال الكلبي: أقروا بأنها كلها من الله، وقالوا: لكنها بشفاعة آلهتنا [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 245، بنحوه، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1161 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 36، وابن الجوزي 4/ 479، و"تفسير القرطبي" 10/ 162، والخازن 3/ 129.]]، [وهذا] [[في جميع النسخ (وقال) ولا يستقيم بها الكلام، والصحيح المثبت.]] القول اختيار الفراء؛ قال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ يعني الكفار، إذا قيل لهم مَنْ رزقكم؟ قالوا: الله، ثم يقولون: بشفاعة آلهتنا فيشركون، فذلك إنكارهم نعمته [["معاني القرآن" للفراء 2/ 112، بنصه.]]، ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس، قال: يُقِرُّون أنه لا يفعل هذا أحدٌ غيرُه، وهو المستحق للعبادة؛ لأنه المنعم عليهم دون غيره [[انظر: "تنوير المقباس" ص290، و"تفسير القرطبي" 10/ 162، بلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال أصحاب التأويل: إنما قال وأكثرهم؛ لأن فيهم من لم تقم عليه الحجة ممن [لم] [[إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام.]] يبلغ حَدَّ التكليف؛ ومنهم من هو ناقص العقل مأووف [[في اللسان (مَأُوُوف) و (مؤُوف): وهو الذي أصابته آفة؛ أي عاهة، يقال: آفت البلادُ تؤُوف أوفًا وآفةً وأُوُوفًا: صارت فيها آفةٌ، والمقصود هنا: العاهة العقلية التي تعيقه عن الفهم والتمييز. انظر: "اللسان" (أوف) 1/ 171.]] فأراد بالأكثر: البالغين الأصحاء الذين هم المقصودون بالخطاب وإقامة الحجة عليهم [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 414، بنحوه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 95، وقد ذكر تعليلات أخرى.]]، وقال الحسن: المعنى: وجميعهم الكافرون [[ورد بنصه في "تفسير الماوردي" 3/ 207، والطوسي 6/ 415، وانظر: ابن الجوزي 4/ 479، وأبي حيان 5/ 525.]]، وعلى هذا ذكر الأكثر والمراد الجميع؛ لأن عُظْمَ الشيءِ يقوم مقام جميعه، فَذِكر الأكثرِ كذِكْرِ الجميع، وهذا كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 75] وذكرنا هناك وجهين آخرين، وهذه الآية تدل على أن المعاند كافرٌ، وإن عرف بقلبه إذا لم يُقِرّ بلسانه وأنكر في الظاهر.
النحل 16:84
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، أي: وذَكِّرهم يوم نبعث أو وأَنْذرهم يوم نبعث، قال ابن عباس: يريد يوم القيامة [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 95، والخازن 3/ 130، بلا نسبة فيهما.]]، ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ يريد الأنبياء يشهدون على الأمم بما فعلوا من التصديق والتكذيب.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال الكلبي: لا يؤذن لهم في الكلام والاعتذار [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 95، و"تفسير القرطبي" 10/ 162، والخازن 3/ 130، كلها بلا نسبة.]]؛ كقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ استعتَبَ فلان إذا طلب أن يُعْتَب، أي: يُرْضَى [[ورد في "تهذيب اللغة" (عتب) 3/ 2314، بنصه، وهو قول الليث.]]، واستعتبت فلانًا إذا طلبت منه أن يرجع إلى رضا صاحبه [[انظر: (عتب) في "تهذيب اللغة" 3/ 2314، و"مقاييس اللغة" 4/ 226، و"اللسان" 5/ 2791.]]، فمعنى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي لا يُطلب منهم أن [[(أن) ساقطة من (أ)، (د) وفي (ع): (أي).]] يرجعوا إلى ما يُرضي اللهَ؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف، كما قال ابن عباس في هذه الآية، قال: يريد انقطع العتاب وانقطعت المعذرة وحَلّ بهم الخزي، تلخيص معنى الآية: أنهم لا يُمَكَّنُونَ من عذر فيتكَلَّمون به، ولا يُكَلَّمُون أيضًا في الرجوع في العُتْبَى، وأصل هذا الحرف من العتب وهو الموجدة، يقال: عتب عليه إذا وجد عليه، وأعتبه إذا زال عنه عتبُه؛ بأن ترك ما كان يعتب عليه من أجله، واستعتبه إذا طلب منه الإعتاب [[انظر: (عتب) في "تهذيب اللغة" 3/ 2314، و"المحيط في اللغة" 1/ 446، و"مقاييس اللغة" 4/ 226، و"اللسان" 5/ 2791.]].
النحل 16:85
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: يريد أشركوا [[انظر: "تنوير المقباس" ص291، ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 382، والثعلبي 2/ 161ب، والبغوي 5/ 37، وابن الجوزي 4/ 480، والفخر الرازي 20/ 96، و"تفسير القرطبي" 10/ 162، والخازن 3/ 130.]]، ﴿الْعَذَابَ﴾ يريد النار، ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾، أي: العذاب، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، أي: لا يؤخرون ولا يمهلون؛ لأن التوبة هناك غير مرجوة؛ لانقضاء الأمد المضروب لقبول التوبة ودخول وقت العذاب، وهذه الآية تأكيد لما قبلها؛ يريد أنهم يعجل لهم العقوبة في الآخرة من غير إنصات [[في جميع النسخ: (أنصار) والصواب ما أثبته، ويدل عليه ما بعده، ولعلها تصحفت.]] لعذر منهم أو عتاب معهم.
النحل 16:86
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين اتخذوهم [[في (أ)، (د): (اتخذو لهم)، وفي (ش)، (ع): (اتخذوا لهم)، والمثبت هو الصحيح وينسجم مع السياق.]] من دون الله آلهة [[انظر: "تفسير أبى حيان" 5/ 526، و"تفسير الألوسي" 14/ 208، بنحوه غير منسوب.]]، وذلك أن اللهَ يبعثُ كلَّ مَنْ كان يَعْبُدون من دون الله، فيتبعوهم حتى يوردوهم النار، وَوُصِفُوا بأنهم شركاؤهم: لأنهم جعلوا لهم نصيبًا في أموالهم، ولأنهم جعلوهم شركاء في العبادة [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 416، بنصه.]]، ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾، أي: كنا نعبدهم من دونك، ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ قال الكلبي: أجابوهم [[ورد بلا نسبة في "تفسيره "الوسيط"" تحقيق سيسي 2/ 428، وابن الجوزي 4/ 480.]]، وقال مجاهد: حدثوهم [["تفسير مجاهد" ص 350، بلفظه، أخرجه الطبري 14/ 159 بلفظه من طريقين، و"الدر المنثور" 4/ 239، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال الفراء: رَدَّت عليهم قولهم [[في جميع النسخ: (قولها)، والتصويب من المصدر.]]: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 112، بنصه.]]، وذكر المفسرون في تكذيب الأصنام إيّاهم وجوهًا؛ أحدها: أنها كذبتهم في استحقاق العبادة، والمعنى: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في أَنَّا نستحق العبادة [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 416، بنصه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 97.]]، الثاني: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في أَنَّا دعوناكم إلى العبادة، وهذا قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 112، بمعناه.]]، وقيل: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في تسميتنا آلهة وأربابًا [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 417، بنحوه، وانظر: "تفسير الخازن" 3/ 130.]]، وكل هذا تكذيب من الآلهة [[في جميع النسخ: (الإله) والصحيح الآلهة؛ لأنها هي التي كذبت عابديها.]] للكفار بما لم يُخْبِر به عنهم؛ لأنه ليس في الآية أن الكفار ادعوا أنها دعتهم إلى عبادتها، ولا أنها كانت تستحق العبادة، ولا أنهم سموها آلهة، وإن كانوا قد فعلوا ذلك، ولكن لم يُخبِر عنهم في هذه الآية بهذه الأشياء حتى ينصرف التكذيب إلى ذلك، والمفسرون قالوا هذا على الاحتمال، ولم أر لواحد من أئمة التفسير قولًا منسوبًا إليه مما حكيت غير الفراء، والذي يوافق الظاهر أن يقال: إن الشركاء كانت جمادًا مواتًا ما كانت تعرف عبادة عابديها، فقالت: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في عبادتكم إيَّانَا، ما كنا نعرف ذلك ولا علم لنا بعبادتكم، فظهر عند ذلك فضيحة الكفار، حيث عبدوا من لم يشعر بالعبادة، يدل على هذا قوله: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم: 82]، والله أعلم.
النحل 16:87
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ قال ابن عباس: يريد استسلموا وأقروا لله بالربوبية [[ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 206 أ، والسمرقندي 2/ 246، والثعلبي 2/ 161 ب، وابن الجوزي 4/ 481.]]، قال الكلبي: استسلم العابد والمعبود [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 97، بنصه، وابن الجوزي 4/ 481، بمعناه، وأبي حيان 5/ 527، بمعناه، و"تنوير المقباس" ص291، بنصه.]]، وقال قتادة: يقول: ذَلُّوا واستسلموا يومئذ لحكم الله [[أخرجه الطبري 14/ 160، بنحوه، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 101، بنحوه، و"تفسير الطوسي" 6/ 417، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 640، و"الدر المنثور" 4/ 239، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، وذكرنا معنى إلقاء السَّلَم عند قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ [النساء: 94].
وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ذهب ما زَيَّنَ لهم الشيطان أن لله شريكًا أو ولدًا وصاحبة [[ورد بنصه غير منسوب في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 429، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 481، والفخر الرازي 20/ 97، و"تفسير القرطبي" 10/ 163.]]، وقال غيره: بطل ما كانوا يُؤَمِّلُون ويكذبون؛ من أن آلهتم تشفع لهم [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 97، و"تفسير القرطبي" 10/ 163.]].
النحل 16:88
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد عن طاعة الله [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 481، و"تنوير المقباس" ص 291.]]، ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال ابن مسعود: عقارب لها أنيابٌ أمثالُ النخلِ الطِّوالِ [[أخرجه الطبري 14/ 160 بنصه من عدة طرق، والطبراني في "الكبير" 9/ 258، بنحوه من عدة طرق، والحاكم (2/ 356) بنحوه، وقال: على شرط الشيخين؛ ووافقه الذهبي، والثعلبي 2/ 161 ب، بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 101، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 246، بنحوه، وهود الهواري 2/ 383، بنحوه، والطوسي 6/ 417، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 36، وابن الجوزي 4/ 482، و"تفسير القرطبي" 10/ 164، والخازن 3/ 130، وأبي حيان 5/ 527، وابن كثير 2/ 641.]]، وروي عنه: أفاعي [[أخرجه الطبري 14/ 160 بلفظه من عدة طرق، والسمرقندي 2/ 246، بلفظه، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 417، وهو جزء من الرواية السابقة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 239، وعزاه إلى هناد.]]، وقال السدي. إن أهل النار إذا جزعوا من حَرّها استغاثوا، بضحضاحِ ماءٍ في النار، فإذا أتوه بلغتهم عقارب كأنها البغال، وأفاعي كأنها البَخَاتِي [[جمع بُخْت؛ وهي الإبلُ الخُراسانِيَّةُ، وهي طوال الأعناق. انظر: (بخت) في "تهذيب اللغة" 1/ 283، و"التاج" 3/ 12.]]، فضربتهم فذلك الزيادة [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 239 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وانظر: "تفسير الألوسي" 14/ 212.]]، وقال أبو المنهال [[أبو المنهال هو سَيَّار بن سَلاَمة الرِّياحي البصري، ثقة، روى عن أبي العالية وشهر ابن حوشب، وعنه: شعبة وحماد، مات سنة (129 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 254، و"الكاشف" 1/ 475، و"تقريب التهذيب" ص261 (2715)، و"تفسير الطبري" تحقيق شاكر 5/ 217.]]: إنهم يستغيثون بالنار فرارًا من تلك الأفاعي والعقارب وهربًا [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 430، بنصه.]].
النحل 16:89
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ قال ابن عباس: يريد الأنبياء [[انظر: "تفسير الخازن" 3/ 131، وورد بلا نسبة في "تفسير الماوردي" 3/ 208، و"تفسير القرطبي" 10/ 164.]]، قال المفسرون: كل نبي شاهد على أمته، وهو أعدل شاهد عليها [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 216، بنصه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 100، بنحوه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 98، والخازن 3/ 131.]]، ووجه انتصاب (ويوم) ذكرنا عند قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: 84] و ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ هاهنا كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: 36] فيجوز أن يكون من صلة الشهيد؛ كأنه قيل: ويوم نبعث شهيدًا في كل أمة.
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: الأنبياء شهداء [[في (أ)، (د): (شهيدًا).]] على أممهم بما فعلوا، وهم من أنفسهم؛ لأن كلَّ نبي بُعث من قومه إليهم، ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ قال ابن عباس: يريد على قومك [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 482، و"تنوير المقباس" ص291، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 206 ب، والطبري 14/ 161، والسمرقندي 2/ 246، والطوسي 6/ 418، والخازن 3/ 131.]]، وتم الكلام هاهنا، ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قال مجاهد: يعني لِمَا أَمَر به وما نهى عنه [[أخرجه الطبري 14/ 161 - 162 بنصه وبنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 101، بنحوه، وانظر: "تفسير الخازن" 3/ 131، وابن كثير 2/ 641، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 206ب، والسمرقندي 2/ 246، وهود الهواري 2/ 383، والثعلبي 2/ 161 ب، و"الدر المنثور" 4/ 140 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]]. وقال أهل المعاني: يعني لكل شيء من أمور الدين بالنص عليه أو الإحالة على ما يوجب العلم به من بيان النبيّ -ﷺ- أو إجماع، فهو الأصل والمفتاح لعلوم [[في (أ)، (د): (بعلوم)، والمثبت من (ش)، (ع)، هو الصحيح المناسب للسياق، وهكذا وردت في تفسيره "الوسيط".]] الدين [[ورد في تفسيره "الوسيط" 2/ 431، بنصه، و"تفسير الطوسي" 6/ 418، بنحوه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 341، وابن الجوزي 4/ 482، والخازن 3/ 131، وأبي حيان 5/ 527، و"تفسير الألوسي" 14/ 215.]]، أخبرني سعيد بن محمد بقراءتي عليه عن ابن مُقْسِم عن الزجاج، قال: تبيان اسمٌ في معنى البيان، ومِثلُ التِّبْيَان [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 217، بنصه.]] [التِّلْقَاء] [[ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها الكلام، وبدونها يبدو الكلام ناقصًا، وهي ثابتة في المصدر، فلعلها سقطت.]]، وأخبرني أبو الحسين الفسوي [[أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي ثم النيسابوري، كان عالماً عابدًا جليل القدر عُمر طويلاً، روي صحيح مسلم عن أبي عمرو به وغريب الخطابي عن المؤلف، توفي سنة (448 هـ) وله (96) سنة. انظر: "المنتخب من السياق" ص361، 387، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 19، و"شذرات الذهب" 3/ 277.]] فيما قرأته عليه عن حمد بن محمد عن أبي عمر [[أبو عمر محمد بن عبدالواحد، اللغوي الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، تقدمت ترجمته.]] عن ثعلب عن الكوفيين، والمبرد عن البصريين، قالا: لم يأت من المصادر على تِفْعَال إلا حرفان تبيان وتلقاء، فإذا تركت هذين استوى لك القياس، فقلتَ في كل مصدر: تَفْعَال بفتح التاء مثل: تَسْيَار وتَهْمَام، وقلت في كل اسم: تِفْعَال بكسرها، مثل: تِقْصَار وتِمْثَال [[ورد في "تهذيب اللغة" (بان) 1/ 264، بنحوه غير منسوب، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 99، بنحوه ونسبه للواحدي، وأبي حيان 5/ 527، و"تفسير الألوسي" 14/ 214.]]، وانتصاب قوله: ﴿تِبْيَانًا﴾ على أنه مفعول له؛ أي للبيان.
النحل 16:90
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: العدل: شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان: أداء الفرائض [[أخرجه الطبري 14/ 162 بنصه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 134، مجملاً، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 161 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 38، وابن عطية 8/ 494، وابن الجوزي 4/ 483، والفخر الرازي 20/ 101، و"تفسير القرطبي" 10/ 165، والخازن 3/ 131، وأبي حيان 5/ 529، وابن كثير 2/ 642، و"الدر المنثور" 4/ 241 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال في رواية عطاء: العدل: خلع الأنداد، والإحسان: تعبد الله كأنك تراه [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 161 ب، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 483، والفخر الرازي 20/ 101.]]، وأن تحب للناس ما تحب لنفسك. إن كان مؤمنًا أحببت أن يزداد إيمانًا، وإن كان كافرًا أحببت أن يكون أخاك في الإسلام [[نقله الفخر الرازي والخازن بنصه دون عزو. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 101، والخازن 3/ 131.]].
وقال في رواية باذان [[باذان هو أبو صالح مولى أم هانىء، وقد تقدمت ترجمته.]]: العدل: التوحيد، والإحسان: الإخلاص فيه [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 161ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 38، وابن الجوزي 4/ 483، والفخر الرازي 20/ 101، والخازن 3/ 131.]]، وقال آخرون: يعني بالعدل: في الأفعال، والإحسان: في الأقوال [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 162 أ، بنصه.]]، ولا يفعل إلا ما هو عدل ولا يقول إلا ما هو حسن [[نقله الفخر الرازى والخازن بنصه دون عزو. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 101، والخازن 3/ 131.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد صلة القرابة [[أخرجه الطبري 14/ 162 من طريق ابن أبي طلحة، قال: الأرحام، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 100، و"تنوير المقباس" ص291، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 247، والماوردي 3/ 209، والطوسي 6/ 419، والبغوي 5/ 38، وابن عطية 8/ 495، وابن الجوزي 4/ 483، والخازن 3/ 131.]] من فضل ما رزقك الله، فإن لم يكن عندك فضل فدعاء [[نقله الفخر الرازي بنصه دون عزو. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 101.]]، وروى أبو سلمة [[أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، أحد الأعلام بالمدينة، روى عن أبيه وعن زيد بن ثابت وأبي هريرة، وعنه: ابنه عمر والزهري، كان ثقة فقيهًا كثير الحديث، مات سنة (94 هـ)، وقيل: (104 هـ) والأول أصح، وعمره (72 سنة). انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 155، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 287، و"الكاشف" 3/ 431، و"تقريب التهذيب" ص 645 (8142).]] عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- قال: "إنّ أعْجَلَ الطاعةِ ثَوابًا صِلةُ الرحم، [حتى] [[ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في مكارم الأخلاق، وفي بعض المصادر زيادة (واو) بدل حتى.]] إن أهل البيت ليكونون فُجَّارًا فَتُنْمَى أموالُهُم ويَكثُرُ عددُهم إذا وصلُوا أرحامَهُم" [[أخرجه الخرائطي في "مكارم الأخلاق": باب ما جاء في صلة الأرحام 1/ 264 بالنص سندًا ومتنًا، وابن حبان [موارد الظمآن]: البر والصلة، صلة الرحم وقطعها ص 499 بنصه تقريبًا عن أبي بكرة، والطبراني في الأوسط [مجمع البحرين] 5/ 167، بنحوه عن أبي سلمة عن أبي هريرة، والبيهقي في "السنن" 10/ 35 - 36، بنحوه عن أبي هريرة، وبنحوه مرسلاً عن مكحول، وورد في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 101. بنصه، وأورده الهيثمي في "المجمع" 8/ 152، بنصه، وقال: وفيه أبو الدهماء البصري، وهو ضعيف جدًا، وورد في "كنز العمال" 3/ 364، وقد ذكره الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 2/ 670 - 671 تحت (978)، وأورد جميع طرقه وشواهده، ثم قال: وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق والشواهد صحيح ثابت.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ قال في رواية علي: يقول: الزنى [[أخرجه الطبري 14/ 163 بلفظه من طريق علي صحيحة، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 162 أ، بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 38، وابن عطية (8/ 496، وابن الجوزي 4/ 483، و"تفسير القرطبي" 10/ 167، والخازن 3/ 131، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال في رواية عطاء: يريد البخل عن حقوق الله، وجميع الذنب صغيره وكبيره [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 101، بلا نسبة.]]، وقال آخرون: الفحشاء: ما قبح من قول أو فعل [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 167، والخازن 3/ 131، وأبي حيان 5/ 530، وهو الأرجح لكونه عامًّا وشاملاً لكل الفواحش.]].
(وقوله تعالى ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ قال في الروايتين: الشرك والكفر بالله [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 484، والخازن 3/ 131، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 101، بلا نسبة.]]، وقال غيره: المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 247، بنصه، والثعلبي 2/ 162 أ، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 38، وابن الجوزي 4/ 484، والفخر الرازي 20/ 101، و"تفسير القرطبي" 10/ 167، والخازن 3/ 131، والأولى ترك اللفظ على عمومه ليشمل كل منكر قولي أو فعلي، عرف بالشرع أو العقل أو الحرف، كما أنه ليس كل ما لم يعرف في شريعة أو سنة يعد منكرًا.]]) [[ما بين القوسين مكتوب على الهامش الأيمن من نسخة (ش).]].
وقوله تعالى: ﴿وَالْبَغْيِ﴾ قال علي عن ابن عباس: الكِبْر والظلم [[أخرجه الطبري 14/ 163 بنصه من طريق علي صحيحة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 38، وابن الجوزي 4/ 484، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 2/ 162 أ، بنصه، والفخر الرازي 20/ 101، و"تفسير القرطبي" 10/ 167، والخازن 3/ 131.]]، وقال عطاء عنه: أن تبغي على أخيك [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 101.]].
وقال أهل المعاني في هذه الآية: إنما جمعت الأوصاف الثلاثة للبيان عن تفصيل المنهي عنه؛ فالفحشاء قد تكون بما يفعله الإنسان مما لا يظهر أمره وهو مما يعظم قبحه، والمنكر: ما يظهر للناس مما يجب إنكاره، والبغي: ما يتطاول به من الظلم لغيره، ولا يكون إلا من الفاعل على غيره، والظلم قد يكون ظلم الفاعل لنفسه [[ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 190، بنحوه، و"تفسير الطوسي" 6/ 419، بنصه.]]، وفي حديث أبي سلمة عن أبيه: "وإن أعجلَ المعصيةِ عقابًا: البغي واليمين الفاجرة؛ تُذهبُ المالَ وتَتركُ البيتَ بَلَاقِع" [[سبق تخريجه قريبًا، أما هذه الزيادة فقد وردت بنحوها عن أبي هريرة: في معجم الطبراني الأوسط [مجمع البحرين] 4/ 68، و"السنن" للبيهقي 10/ 35، (بَلاَقِع) جمع بَلْقَع وبلقعة، وهي الأرض القَفْر التي لا شيء بها، يريد أن الحالف بها يَفْتَقِر ويذهب ما في بيته من الرزق، وقيل: هو أن يفرِّق الله شمله ويُغَيِّر عليه ما أولاه من نِعَمِه. النهاية 1/ 153، وانظر: "اللسان" (بلقع) 1/ 348.]].
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: لو [[في جميع النسخ: (لو قال) ولا معنى لها، والظاهر أنها تكررت.]] أن جبلًا بغى على جبل لدُكَّ الباغي منهما [[ورد في تفسير هود الهواري 2/ 384، بنصه، وانظره بلا نسبة في "تفسير القرطبي" 10/ 167، والخازن 3/ 131.]]، وقال خالد الربعي [[خالد بن بَاب الربعى الأحدب، روى عن شهر بن حوشب وصفوان بن محرز، وعنه: أبو الأشهب وحميد بن مهران، قال أبو زرعة: متروك الحديث. انظر: "التاريخ الكبير" 3/ 141، و"الجرح والتعديل" 3/ 322، و"ميزان الاعتدال" 2/ 151.]]: إن مما يعجل عقوبته ولا يؤخر الأمانة تُخَان، والإحسانُ يُكْفَر، والرحم تُقْطَع، والبغي على الناس [[لم أقف عليه.]].
وقوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ينهاكم عن هذا كله ويأمركم أن تتحاضوا على ما فيه لله رضا؛ لكي تتعظوا [[أخرجه الطبري 14/ 163 من طريق ابن أبي طلحة، قال: يوصيكم، وانظر: "تفسير الخازن" 3/ 131، بنحوه غير منسوب.]]، قال ابن مسعود: إن أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية [[أخرجه البخاري ص166 (489) في "الأدب المفرد" /الألباني: باب الظلم ظلمات، بنحوه، والطبري 14/ 163 بنصه وبنحوه، والطبراني في "الكبير" 9/ 142 من عدة طرق بنصه وبنحوه، والحاكم: تفسير النحل 2/ 356 بنصه، وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والبيهقي في "الشعب" 2/ 473 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 162أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 39، وابن عطية 8/ 493، وابن الجوزي 4/ 484، والفخر الرازي 20/ 100، والخازن 3/ 131، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور ومحمد بن نصر في الصلاة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال أهل المعاني: ذكر الله تعالى في الآية الأولى؛ فقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ثم بين في هذه الآية المأمور به والمنهي عنه مجملًا، فما من شيء يُحتاجُ إليه في أمر دينهم مما يجب أن يؤتى أو يترك إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية [[انظر: "تفسير الخازن" 3/ 131، بنصه، وحَمْلُ الآية على العموم أولى من التخصيص، خاصة أن بعض الروايات ضعيفة، وقد ضَعَّفَ الفخر الرازي تخصيص الآية بما ورد من أقوال منسوبة أو مطلقة، ورأى أن تخصيص الآية تَحَكُّم بدون داعٍ أو دليل، وقبله ضعف ابن عطية القول الأول في تفسير العدل والإحسان لكونه مخالفًا لتفسير الرسول -ﷺ- للإحسان، وعزا ذلك إلى احتمال ضعف الأثر عن ابن عباس؛ وقال: فإن صح هذا عن ابن عباس -رضي الله عنهما - وقد صح- فإنما أراد أداء الفرائض مكمَّلة. انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 494، والفخر الرازي 20/ 101، و"تفسير القرطبي" 10/ 166.]].
النحل 16:91
قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قال المفسرون وأهل العلم: العهد الذي يجب الوفاء به فهو الذي يحسن فعله، فإذا عاهد يجب الوفاء به [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 433 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 484، بنصه.]]، قال ابن عباس في هذه الآية: والوعد من العهد [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 106، بنصه، وبلا نسبة في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 484.]]، وقال ميمون بن مِهْران: من عاهدته فَفِ له بعهده مسلمًا كان أو كافرًا؛ فإنما العهد لله [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 107، بنصه، وأبي حيان 5/ 530.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ قال مجاهد: يعني تغليظ الحلف [["تفسير مجاهد" ص 424، بنحوه، أخرجه الطبري 14/ 164، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 101، بنحوه، و"الدر المنثور" 4/ 242، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال ابن عباس بعد تشديدها [[ورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 249، وهود الهواري 2/ 384، والثعلبي 2/ 162 أ، والبغوي 5/ 39، وابن الجوزي 4/ 484، وأخرجه الطبري 14/ 164 بلفظه عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 242، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة.]]، وإنما قال: بعد توكيدها؛ فرقًا بين الأيمان المؤكدة بالعزم والعقد، وبين لغو اليمين [[نقله الفخر الرازي والقرطبي بنصه بدون عزو. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 107، و"تفسير القرطبي" 10/ 170.]].
قال أبو إسحاق: يقال: وَكَّدتُ وأَكَّدْتُ لغتان جيدتان، والأصل الواوُ والهمزة بدل منها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 217، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ هذه واو الحال؛ أي لا تنقضوها، وقد جعلتم الله كفيلًا عليكم بالوفاء، وذلك أن من حلف بالله تعالى فكأنه أكفل الله تعالى بالوفاء بما حلف عليه [[نقله الفخر الرازي بنصه تقريبًا بدون عزو. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 108.]]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يخفى عليه شيء [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 433، بنصه.]].
النحل 16:92
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ الآية. قال ابن عباس: هي امرأة من قريش كان لها وسوسة، وكانت تغزل عند الحجر يومها ثم تغدو فتنقضه [[ورد بنحوه بلا نسبة في "تفسير ابن عطية" 8/ 500، و"التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن للسهيلي" ص 172، وعُزِي للمهدوي في "تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 2/ 115، بنحوه، وعُزِي للسدي في "مُفْحِماتُ الأقران" ص 97، مختصرًا.]]، وقال الكلبي: كان يقال لها: رايطة، وقيل: رَيْطة [[قال ابن الأنباري: واسمها ريطة بنت عمرو المريّة "تفسير ابن الجوزي" 4/ 485، وفي "تفسير أبي حيان" 5/ 531 أنها بنت سعد بن تيم، وفي "المبهمات في القرآن" للبلنسي 2/ 115: أنها بنت سعد بن زيد بن مناة بن تميم بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، ولم يظهر لي إن كانت صحابية أم لا، ولم يتبين لي إن كانت هي رَيْطَة أو رائطة بنت الحارث بن جُبيلة بن سعد بن تيم بن مرة القرشية، وقد ذكرت -دون الإشارة إلى قصة الغزل- في "الاستيعاب" 4/ 404، و"أسد الغابة" 7/ 105، و"الإصابة" 4/ 299.]]، وتُلَقَّب جعر [[في "تفسير مقاتل" 1/ 206 ب، و"التعريف والإعلام" ص172: (جعرانة)، وفي "تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 2/ 115: (الجعرانية)، وفي "تفسير الثعلبي" 2/ 163ب: (جَعْير)، وفي "تفسير الماوردي" 3/ 211: (جعدة)، وفي "تفسير ابن الجوزي" 4/ 485: (جعراء)، وكلمة: (جعر) تستعمل في الذم ووصف الدُّبر والرجيع، يقال: جَعَرَ الكلبُ جعْرًا يجْعَر، والجاعرتان حيث يكوى من الحمار من مؤخّره، وفي اللسان: والجِعِرَّى: كلمة يلام بها الإنسان؛ كأنه يُنْسبُ إلى الاست، وبنو الجعراء: حيّ من الحرب يُعيّرون بذلك، وقال ابن السِّكيت: تُشتمُ المرأة فيقال لها: قُومي جَعارِ، تُشبه بالضبع. انظر: "مقاييس اللغة" 1/ 463، و"اللسان" (جعر) 2/ 633.]]، وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها، فإذا غزلت وأبرمت أمرتهنَّ فنقضنَ ما غزلن [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 162 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 39، والخازن 3/ 133، و"تفسير الألوسي" 14/ 221، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 206 ب، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 113، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 102، و"تفسير الطوسي" 6/ 421، والزمخشري 2/ 342، وابن الجوزي 4/ 485، والفخر الرازي 20/ 108، و"تفسير القرطبي" 10/ 171 وسواءً تعينت هذه المرأة -كما في رواية الكلبي- أم لم تتعين -كما في رواية ابن عباس-، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمقصود من الآية تشبيه الناقضين للعهود مع الله تعالى أو مع الرسول -ﷺ- أو مع خلقه بهذه الحالة العجيبة التي يستنكرها العقلاء، تنفيرًا لهم من هذا الخلق الذميم والفعل الشنيع.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ قال مجاهد: من بعد إمرارٍ [[في (ش)، (ع): (إبرام)، وكلاهما صحيح؛ لأن معناهما واحد، ففي اللغة: المِرَّة: شِدَّةُ الفَتْلِ، والمَرِير: الحبل المفْتُول، أمْرَرْتُه إمْرَارًا وفَتَلَ الحبلَ فتْلاً: لواهُ وبَرَمَهُ، والبرمة: اسم من إبرام الحبل، وبرمتُ الحبلَ وأبرمْتُه، والمِبْرَمُ: شيءٌ كالمِغزَلِ. انظر: "المحيط في اللغة" (مر) 10/ 218، (برم) 10/ 242، و"المعجم الوسيط" 2/ 673.]] وفتلٍ [["تفسير مجاهد" ص 424، بنحوه، أخرجه الطبري 14/ 166، بنحوه من طريقين، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 501، وأبي حيان 5/ 531.]]، يعني من بعد قوة للغزل؛ بإمرارها [[في (ش)، (ع): (بإمرارها)، والمعنى واحد كما سبق.]] وفَتْلِها.
وقوله تعالى: ﴿أَنْكَاثًا﴾ قال: واحدها نِكْث، وهو الغَزْل من الصوف والشَّعَر؛ يُبْرَم ويُنْسَج، فإذا أَخْلَقَت النَّسِيْجَة، قُطِّعَتْ ونُكِثَتْ خُيوطُها المُبْرمة وخُلِطَت بالصوفِ ومِيشتْ [[في (ش)، (ع): (ونُفِشت)، ومعنى (المَيْشُ): خَلْطُ الصُّوفِ والشَّعَرِ. "المحيط في اللغة" (ميش) 7/ 400.]]، ثم غُزِل ثانية، والنَّكْثُ المصدر، ومن هذا قيل: نَكَث فلانٌ عهدَه إذا نقضه بعد إحكامه؛ كما يُنْكَث خيطُ الصوف بعد إبرامه [[ورد في "تهذيب اللغة" (نكث) 4/ 3658، بنحوه، وانظر: (نكث) في "اللسان" 8/ 4536، و"التاج" 3/ 273.]]، وأنشد أبو عبيدة [[في جميع النسخ: أبو عبيد، والصحيح المثبت.]] للمُسَيَّب بن عَلَس [[زهير بن عَلَس، ولقبه المسيَّب، وهو خال الأعشى، وكان الأعشى راويته، وهو جاهلي ولم يدرك الإسلام، عدَّه الجمحي في الطبقة السابعة من فحول شعراء الجاهية، وكان من المُقِلِّين. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 21، و"الشعر والشعراء" ص95، و"شرح اختيار المفضل" 1/ 302، و"الخزانة" 3/ 240.]]:
عن غَيرِ مَقْلِيَةٍ وأنَّ حِبَالَها ... لَيْسَتْ بأنكاث ولا أقطاع [["مجاز القرآن" 1/ 367، وورد برواية: (بأرْمامٍ) بدل (بأنكاث)، في "المفضليات" ص61، و"أمالي القالي" 3/ 130، و"شرح اختيارات المفضل" 1/ 304، وفي كل المصادر -ما عدا- الأمالي: (من) بدل (عن)، (المقلية): البغض، (حبالها): ما احتلبته من مودة، حبلٌ أرمام، وحبلٌ أقطاع: إذا كان قِطعًا مُوَصَّلة. والشاعر. يخاطب نفسه معاتبًا إياها على الرحيل من أرض سلمى وديارها ولمّا يستمتع بما أو يرى منها مكروها، ويواصل عتابه في هذا البيت قائلاً: أثرت ذلك، وهَوَى النفس كما كان لم يتسلَّط عليه تحيُّفٌ، وحبل الوصل برْمته لم يَضعُف.]] قال أبو إسحاق: ﴿أَنْكَاثًا﴾ منصوب؛ لأنه بمعنى المصدر؛ لأن معنى: نكثت نَقَضْتُ، ومعنى نقضت: نكثت [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 217، بنصه.]]، وهذا غلط منه لأن الأنكاث جمع نكث، وهو [[في (د): (وهم).]] اسم لا مصدر، فكيف يكون الأنكاث بمعنى المصدر، ولو كان [[(كان) ساقطة من (د).]] نكثًا لصح ما قال، ولكن أنكاثًا مفعول ثانٍ، كما تقول: كسره أقطاعًا، وفرقه أجزاءً على معنى جعله أقطاعًا وأجزاءً [[نقله الفخر الرازي 20/ 108، وعزاه للواحدي.]]، وهاهنا تم الكلام، والآية متصلة بما قبلها، والمعنى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ فتكونوا إن فعلتم كامرأة غزلت غزلًا وقَوَّتْ مِرَّتَهُ فلما اسْتَحْكَم نقضته فجعلته أنكاثًا، وهذا كلام [ابن] [[ساقطة من جميع النسخ.]] قتيبة [["تأويل مشكل القرآن" ص 386، بنصه تقريبًا.]]، ثم قال: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ الدَّخَلُ والدَّغَلُ: الغِش والخيانة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 162 ب، بنحوه، والطوسي 6/ 421، بنحوه، ونقله الفخر الرازي 20/ 108، بنصه وعزاه للواحدي. وانظر: (دخل) في "تهذيب اللغة" 2/ 1159، و"الصحاح" 4/ 1696، و"اللسان" / 1342.]]، قال الليث: ويخفف الدَّخل ويُثَقَّل [[ورد في "تهذيب اللغة" (دخل) 2/ 1159، بنحوه.]]، قال الفراء: يعني دَغَلًا وخديعة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 113، بنصه.]].
(وقال الزجاج: أي غِشًّا وغِلاًّ، وكل ما دخله عيب قيل: هو مَدْخُول، وفيه دَخَل، قال: و ﴿دَخَلًا﴾ منصوب) [[ما بين القوسين ساقط من (د).]]؛ لأنه مفعول له، والمعنى: تتخذون أيمانكم للغش والدَّغَل [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 217، بتصرف يسير بالتقديم والتأخير.]]، قال غيره: الدَّخَل: ما أُدْخِل في الشيء على فساد [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 421، بنصه، وقال: وإنما قيل: الدخل؛ لأنه داخل القلب على ترك الوفاء، والظاهر على الوفاء.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾، أَرْبَى: أي أكثر، من رَبَا الشيءُ يَرْبُو إذا كثر [[انظر: "تهذيب اللغة" (ربا) 2/ 1334، و"المحيط في اللغة" (ربو) 3/ 1545، و"اللسان" (ربا).]]، قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حِلْف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ، فنُهوا عن ذلك [["تفسير مجاهد" ص 351، بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 167 بنصه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 103، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 248، بنحوه، وهود الهواري 2/ 385، بنصه، والثعلبي 2/ 162 ب، بنحوه، والطوسي 6/ 422، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 40، وابن الجوزي 4/ 486، والفخر الرازي 20/ 109، وابن كثير 2/ 644، و"الدر المنثور" 4/ 243، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، والمعنى: بأن يكون أو لأن يكون، فموضع (أن) نصب بإسقاط الخافض، على قول من نصب، (ومن أبقى حُكْمَ الخافض) [[ما بين التنصيص ساقط من (ش)، (ع).]] قال موضعه خفض، قال ابن قتيبة: أي لأن يكون قوم أغنى من قوم، وقوم أعلى من قوم، تريدون أن تقْتَطِعوا بأيمانكم حقوقًا لهؤلاء، (فتجعلوها لهؤلاء) [["تأويل مشكل القرآن" ص 386، بنصه، وما بين التنصيص مصوَّبٌ من المصدر، وفي النسخ: (فتجعلونها كهؤلاء).]]، وقال الفراء: معناه لا تغدروا بقوم لقلّتهم وكثرتكم أو قِلّتكم وكثرتهم، وقد غَرَّرتموهم بالأيمان فسكَنُوا إليها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 113، بنصه.]].
وبيان هذه الجملة: أن القوم إذا عاهدوا قومًا أكثر من الذين عاهدوا فهم أمة أربى من أمة، لا يجوز لهم أن يغدروا، وكذلك إن كان على القلب من هذا [[أي على العكس من الحالة الأولى؛ بأن كانوا هم الأكثر والأقوى.]] وعاهدوهم؛ دخلوا في حلفهم خوفًا منهم لم يجز لهم الغدر، وتلخيص التأويل: النهي عن أن يحلف على ما هو منطوٍ على خلافه وأن يغر غيره بيمينه.
وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ﴾ ظاهره إخبار ومعناه النهي، والتقدير: لا تكونوا كتلك المرأة؛ متخذين أيمانكم للغش، بأن يكون قوم أكثر من قوم، قال الفراء: وموضع ﴿أَرْبَى﴾ نصب، وإن شئت رفعت؛ كما تقول: أظن رجلًا يكون هو أفضل منك، و (أفضل) النصبُ على العِمَاد [[العماد تَسْمِيةٌ كوفية لضمير الفصل، سمي بذلك لأنه يُعتمد عليه في التفرقة بين النعت والخبر؛ حيث يأتي ليبين أن ما بعد المبتدأ هو الخبر لا التابع، وله شروط. انظر: "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 83، و"الدر المصون" 7/ 282، و"معجم القواعد العربية" للدّقر ص294، و"المعجم المفصل في النحو العربي" 2/ 696، و"معجم المصطلحات النحوية والصرفية" ص 173.]]، والرفع على أن تجعل (هو) اسمًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 113، بنصه.]]، قال الزجاج: موضع ﴿أَرْبَى﴾ رفعٌ ولا يجوز أن تكون نصبًا وهي تكون عمادًا؛ لأن العماد والفصل لا يكون مع النكرات وإنما يكون مع المعارف، كقوله: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ [المزمل: 20]، والهاء في تجدوه معرفة، و ﴿أُمَّةٌ﴾ هاهنا نكرة [[ليس في معانيه، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 421، بنحوه.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم، وقد تَقَدَّم ذكر الأمر والنهي، والكناية راجعة إلى الأمر، أي يختبركم الله بالأمر بالوفاء، وقال بعضهم: الكناية راجعة إلى التكليف [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 486، و"تفسير القرطبي" 10/ 171، وأبي حيان 5/ 531.]]، وأمره ونهيه بمعنى التكليف، ومعنى ﴿يَبْلُوكُمُ﴾: يعاملكم معاملة المختبر، وذكرنا هذا في قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: 155].
وقوله تعالى: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي في الدنيا، قال المفسرون: أي من شأن البعث والقرآن [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 435، بنصه.]]، وقال أهل المعاني: هو عام فيما يقع الاختلاف فيه من الأصول والفروع [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 435، مختصرًا.]].
النحل 16:93
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: يريد على ملة وعلى دين واحد [[انظر: "تنوير المقباس" ص 292، بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 168، والسمرقندي 2/ 248، والثعلبي 2/ 162ب، والبغوي 5/ 40، و"تفسير القرطبي" 10/ 172، والخازن 3/ 132.]]، ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قال: يريد الضلالة بعينها والهدى بعينه، ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال: يريد في الدنيا، وهذه الآية صريحة [[في جميع النسخ: (صريح)، ومما أثبته هو الصواب؛ لكون الآية مؤنثة، والخبر يتبع المبتدأ في التذكير والتأنيث.]] في تكذيب القدرية؛ حيث أضاف الضلالة والهداية إلى نفسه، وجعلها لمن شاء من خلقه بالمشيئة الأزلية التي لا يجوز عليها الحدوث، ثم أخبر أنهم يسألون عن أعمالهم، فبان أن الأمر على ما أخبر الله تعالى في قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23] وقد قال نوف البكالي: قال [عُزير] [[ما بين المعقوفتين ساقط من جميع النسخ، وقد ذكرها الفخر الرازي نقلاً عن الواحدي.]]: يارب خلق خلقًا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء، فقيل: يا عُزير أعرض عن هذا، فأعاد ذلك، فقيل: أعرض عن هذا، فأعاد فقيل: أعرض عن هذا وإلا مُحِيْتَ عن النُّبُوة، أنا لا أسئل عما أفعل وهم يسألون [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 109، بنصه وعزاه للواحدي، وليس لهذه الرواية سند، ويبدو أنها من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب.]].
النحل 16:94
قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ الآية. استأنف نهيًا عن أيمان الخديعة والمكر، توكيدًا للمنع عنها، ولِمَا ذكر من الوعيد بعدها؛ وهو قوله: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ قال ابن عباس: يريد تزل عن الإيمان بعد المعرفة بالله، قال أبو عبيدة: وزليل القدم مثل لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في وَرْطَة بعد سلامة [["مجاز القرآن" 1/ 367، بنصه تقريبًا.]]، وأنشد ابن جرير على هذا:
سَيَمْنَعُ منكَ السَّبْقُ إن كُنْتَ سابِقًا ... وتُقْتَلُ إن زَلَّتْ بِكَ القدمان [["تفسير الطبري" 14/ 169، برواية: (تُلْطَعُ) بدل (تُقتل)، و (النَّعْلان) بدل (القدمان)، وورد في: "تفسير الثعلبي" 2/ 162ب، برواية: (تُلْطَمُ)، و"تفسير القرطبي" 10/ 172.]]
لم يُرد حقيقة زلَّة القدم، ولكن أراد إن تأخر فرسُك عن غاية السباق وقعت في ورطة التأخر، وهذا البيت في قصة رهان داحس [[يوم داحس والغبراء من أيام العرب المشهورة، بدايتها حرب وقعت بين قبيلتي عبس وذبيان، بسبب خلاف على سباق خيل بين أفراس لحذيفة سيد ذبيان، == وأخرى لقيس بن زهير سيد عبس، لكنها شملت قبائل أخرى هي شيبان وضبة وأسد وقبائل أخرى، واستمرت فترة طويلة، وامتدت حتى بزوغ فجر الإسلام، وكثرت وقائعها، واقترن بها شهرة بعض الأبطال، كعنترة بن شداد، وقيل فيها شعر كثير. انظر: أحداث الحرب وأسبابها وملابساتها بالتفصيل في "الأغاني" 17/ 191 - 210، و"الكامل في التاريخ" 1/ 343 - 355، و"تاريخ العرب القديم" ص 216.]]، قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله -ﷺ- عن نقض عهده [[ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 14/ 169، وهود الهواري 2/ 423، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 487، والفخر الرازي 20/ 110، و"تفسير القرطبي" 10/ 172، والخازن 3/ 133.]]؛ لأن هذا الوعيد إنما يُستَحقُّ في نقض معاهدة رسول الله -ﷺ- لا [[(لا) ساقط من (أ)، (د).]] في نقض عهد قبيلة، (ولكن من عاهد رسول الله -ﷺ-) [[ما بين التنصيص ساقط من (د).]] على الإسلام ونصرة الدين ثم نقض العهد سقط عن درجة الإيمان، يدل على هذا قوله: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ أي العذاب، ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ﴾ أي بصدكم عن سبيل الله، (يريد أنهم إذا نقضوا العهد مع النبي -ﷺ-) [[ما بين التنصيص كتب على هامش لوحة 259 أ، من نسخة (ع).]] صدوا الناس عنه واستحقوا العذاب، فنهوا عن ذلك بذكر الوعيد عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد في الآخرة [[انظر: "تنوير المقباس" ص292، وورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 169، والسمرقندي 2/ 249، والزمخشري 2/ 343، وابن الجوزي 4/ 487، و"تفسير الألوسي" 14/ 224.]]، وهذا قطعٌ بإيجاب العذاب إن فَعلوا ما نُهوا عنه، كأنه قيل: ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إن اتخذتم أيمانكم دخلًا، ودلَّ ما تَقَدَّم من النهي على هذا المحذوف، ثم زاد توكيدًا، فقال:
النحل 16:95
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد عرض الدنيا وإن كان كثيرًا [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 111، بلا نسبة.]]؛ لأن ما يذهب ويبلى قليل، وذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية. [آل عمران: 77] قال المفسرون: يقول: لا تنقضوا عهودكم، تطلبون بنقضها عِوضًا من الدنيا [[ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 14/ 169، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 41، وابن الجوزي 4/ 488، والخازن 3/ 133.]] ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: من الثواب على الوفاء ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ذلك، ثم بين أن ما عنده خير بقوله:
النحل 16:96
﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾، أي: يفنى وينقطع، يعني الدنيا، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: من الثواب والكرامة، ﴿بَاقٍ﴾: دائم لا ينقطع، قال ابن عباس: يريد لا ينفد؛ كلما أخذت منه وأكلت منه صار مكانه مثلُه، فمعنى [لا] [[إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، واحتمال أن الجملة انقلبت على النساخ؛ وأصلها: (فهذا معنى لا يفنى).]] يفنى هذا، وهذا ردّ على من قال: إن نعيم أهل الجنة ينقطع، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس: يريد على دينهم وعمّا نهاهم الله [[ورد بنصه غير منسوب في تفسيره "الوجيز" 1/ 619.]]، ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني الطاعات، وجعلها أحسن أعمالهم؛ لأن ما عداها من الحَسَن مباح، فما كان مباحًا من العمل فهو حسن ولا يستحق عليه جزاء [[إلا إذا انضمت إليه النية الصالحة، فإنه يصبح عملاً مباحاً متقرباً به إلى الله، فينال صاحبه الأجر من الله، كما في حديث "وفي بضع أحدكم صدقة" أخرجه مسلم (1005) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.]]، وما كان طاعة لله تعالى فهو الأحسن الذي وعد الله عليه الجزاء، ومن جزاه الله بأحسن عمله غفر له ذنوبه، وهذه الآيات زجر عن الأيمان الكاذبة فيما كانت، وحَثٌّ على الوفاء بالعهود والأيمان، وذكر الكلبي: أن هذه الآيات نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي [[امرؤ القيس بن عابس الكندي -رضي الله عنه- صحابي، وفد إلى النبي -ﷺ- فأسلم وثبت على إسلامه، ولم يكن فيمن ارتد من كندة، وكان شاعرًا نزل الكوفة في أواخر عمره وتوفي بها نحو سنة (25 هـ). انظر: "الاستيعاب" 1/ 194، و"أسد الغابة" 1/ 137، و"الأعلام" 2/ 11.]]، وفي خصمه عيدان ابن أشوع [[عيدان بن أشوع -رضي الله عنه- هو رَبِيعَةُ بن عَيْدَان بن ذي العرف بن وائل الكِنْدِي، ويقال: الحضرمي، شهد فتح مصر، وله صحبة، وهو الذي تخاصم مع امرئ القيس في أرض إلى النبي -ﷺ-. انظر: "أسد الغابة" 2/ 266، و"الإصابة" 3/ 51.]]؛ كان يَدَّعي عليه أرضًا اقتطعها له، وأراد امرؤ [[في جميع النسخ: (امرئ)، وهو خطأ نحوي ظاهر.]] القيس أن يحلف، فلما سمع هذه الآيات بكى وأقَرَّ له بحقه [[أخرج القصة الطبراني في "الكبير" 1/ 233، عن الأشعث، ووردت في "تفسير السمرقندي" 2/ 249، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 487، عن ابن عباس، و"تنوير المقباس" ص 292، ووردت بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 207 أ، باختصار، وهود الهواري 2/ 386، و"تفسير القرطبي" 10/ 173.]].
النحل 16:97
قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال ابن عباس في رواية أبي الربيع [[لم أقف عليه.]] وأبي مالك: هي الرزق الطيب الحلال [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 360، بنحوه من طريق أبي الربيع، والطبري == والطبري 14/ 170، بنحوه بعدة روايات من الطريقين؛ [وطريق أبي مالك ضعيفة]، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 103، بنحوه، و"تفسير الثعلبي" 2/ 162 ب بنصه، والماوردي 3/ 212، بنحوه، والطوسي 6/ 424، بنحوه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 343، و"تفسير ابن عطية" 8/ 506، وابن الجوزي 4/ 488، و"تفسير القرطبي" 10/ 174، و"تفسير أبي حيان" 5/ 534، وابن كثير 2/ 645، و"الدر المنثور" 4/ 244 وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، ونحو هذا روى الكلبي عن أبي صالح عنه قال: لنجعلن رزقه حلالًا [[لم أقف عليه، وهي أوهى الطرق إلى ابن عباس.]].
وقال في رواية عطاء: يريد عبادة الله وأكل الحلال [[لم أقف عليه، وهي طريق منقطعة.]].
وقال في رواية عكرمة: هي القناعة [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 104، بلفظه، و"تفسير الثعلبي" 2/ 162 ب، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 488، و"تفسير القرطبي" 10/ 174، وأبي حيان 5/ 534، وابن كثير 2/ 645، وطريق عكرمة جيدة.]]، وهو قول القرظي ووهب [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 488، عن وهب، و"تفسير القرطبي" 10/ 174، عن وهب، وأبي حيان 5/ 534، عن وهب، وابن كثير 2/ 645، عن وهب، و"الدر المنثور" 4/ 645، ونسبه إلى وكيع في الغرر عن القرظي.]] ومجاهد. وقال في رواية الوالبي: هي السعادة [[أخرجه الطبري 14/ 171 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة عن ابن عباس، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 162 ب، بلفظه، و"تفسير الماوردي" 3/ 212، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 506، وابن الجوزي 4/ 489، و"تفسير القرطبي" 10/ 174، و"الدر المنثور" 5/ 645، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال قتادة: هي رزق يوم بيوم [[انظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 534، و"تفسير الخازن" 3/ 133، بلا نسبة.]].
وكان النبيّ -ﷺ- يقول في دعائه: "قنعني بما رزقتني" [[جزء من دعاء النبي -ﷺ- رواه ابن عباس -رضي الله عنه-، وطرفه: (اللهم قنعني ... ، وقد أخرجه السهمي في تاريخ جرجان ص 91، والحاكم: كتاب الدعاء 1/ 510، والتفسير: النحل 2/ 356، وقال: صحيح ووافقه الذهبي، والبيهقي في "الشعب" 7/ 291، وورد في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 112، و"تلخيص الحبير" 2/ 248، و"الدر المنثور" 5/ 645، وزاد نسبته إلى ابن جرير -لم أقف عليه- وابن المنذر وابن أبي حاتم، و"تفسير الألوسي" 14/ 227.]].
وفيما روى أبو هريرة: أن النبي -ﷺ- كان يدعو: "اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا" [[أخرجه مسلم (1055/ 19) كتاب: الزهد والرقائق بنصه، وورد في "الكنز" 6/ 490، 612، وأخرجه برواية: (قوتاً) بدل (كفافاً) أحمد 2/ 446، 481، والبخاري (6460): الرقاق/ كيف كان عيش النبي -ﷺ- وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا، ومسلم (1054): الزكاة / في الكفاف والقناعة، والترمذي (2362) كتاب: الزهد/ ما جاء في معيشة النبي -ﷺ- وأهله، وابن ماجة (4139) كتاب: الزهد/ القناعة، والبيهقي في: السنن: النكاح/ ما أمره الله تعالى به من اختيار الآخرة 7/ 46، والشُّعَب (7/ 291، والدلائل: باب زهده في الدنيا وصبره على القوت 1/ 339، وفي باب دعائه لأهله وهو يريد نفسه 6/ 87، وورد في "الشفا" 1/ 278، و"الكنز" 6/ 490.]].
فقول من قال: إنه القناعة، حسن مختار؛ لأنه لا يطيب في الدنيا إلا عيش القانع، والمكدود بطلبها لا تطيب حياته [[وهذا القول هو الذي اختاره الطبري وصوَّبه. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 172.]].
وقال السدي: ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ يعني في القبر [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 113، والخازن 3/ 133، وابن الجوزي 4/ 489، عن شريك.]].
قال الحسن وسعيد بن جبير: ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: في الآخرة [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 104، عن سعيد، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 506، عن الحسن، وابن الجوزي 4/ 489، عنهما، والفخر الرازي 20/ 113، عنهما.]]، فعلى هذا هذه الحياة في الجنة، روى عوف [[عوف بن أبي جميلة العبدي البصري، المعروف بالأعرابي، صاحب الحسن وابن سيرين، ثقة ثبت، روى عن أبي العالية، وعنه: شعبة والقطان، مات سنة (147 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 15، و"ميزان الاعتدال" 4/ 225، و"الكاشف" 2/ 101، و"تقريب التهذيب" ص 433، و"تفسير الطبري" تحقيق شاكر 1/ 134.]] عن الحسن قال: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة [[أخرجه الطبري 14/ 171 بنصه وبنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 104، بنصه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 249، بنصه، والثعلبي 2/ 162 ب، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 2/ 42، و"تفسير القرطبي" 10/ 174، والخازن 3/ 133، و"الدر المنثور" 4/ 245، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وهذا قول صحيح لكن السياق يدل علي أن الحياة الطيبة في الدنيا، يقابلها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124] وهذه المعيشة الضنك هي في الدنيا، أما الأقوال التي ذكرت أنها: الرزق الحلال، أو القناعة، أو السعادة، ... فهي من باب التفسير بالمثال، لأن الحياة الطيبة تشمل كل ذلك.]].
النحل 16:98
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال الزجاج وجميع أصحاب المعاني: معناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ [[بعض الكلمات هنا ساقطة من (أ)، (د).]]، ليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن؛ ومثله إذا أكلت فقل: بسم الله [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 218، بتصرف يسير، وورد بنحوه في "تفسير الطبري" 14/ 173، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 105، و"تفسير الجصاص" 2/ 191، == والسمرقندي 2/ 250، والثعلبي 2/ 163أ، و"تفسير الماوردي" 3/ 212، والطوسي 6/ 424، وانظر: "تفسير الكيالهراسي" 4/ 175، والبغوي 2/ 42، والزمخشري 2/ 343، وابن عطية 8/ 507، وابن الجوزي 4/ 489، والفخر الرازي 20/ 114، و"تفسير القرطبي" 10/ 175.]]، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 6]، وبينا حكم (إذا) في وقوع (ما) بعدها مستقبلًا في أوائل سورة البقرة وإجماع الفقهاء أن الاستعاذة تكون قبل القراءة [[في دعوى الإجماع نظر، وقد خالفه بعض السلف وكبار الفقهاء -وإن كان استدلالهم ضعيفًا أو مشكوكًا في نسبته إليهم-، قال الثعلبي: اختلف الفقهاء في وقت الاستعاذة؛ فقال أكثرهم: قبل القراءة، وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح المشهور، وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: يتعوذ بعد القراءة، وإليه ذهب داود، وقال مالك يتعوذ بعد القراءة، واحتجوا بظاهر الآية، وقال الكيالهراسي: ونُقل عن بعض السلف التعوذ بعد القراءة مطلقًا، احتجاجًا بالآية، وقال النووي: وأما محله فقال الجمهور هو قبل القراءة، وقال أبو هريرة وابن سيرين والنخعي: يتَعوذ بعد القراءة، وكان أبو هريرة يتعوذ بعد فراغ الفاتحة لظاهر الآية، وقال الجمهور معناه: إذا أردت القراءة فاستعذ، وهو اللائق السابق إلى الفهم، وقال القرطبي: رُوي عن أبي هريرة أن الاستعاذة بعد القراءة، وقاله داود، وقال ابن كثير: حُكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية، وأبهم ابنُ العربي القائلين ووصفهم وصفًا قاسيًا لا يليق بهم، قال: انتهى العِيُّ بقوم إلى أن قالوا: إن القارئ إذا فرغ من قراءة القرآن حينئذ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذه الأقوال تجعل دعوى الإجماع غير صحيحة، بل الصحيح أنه قول الأكثر والجمهور؛ كما نص الثعلبي والنووي. انظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 163أ، و"الكيالهراسي" 4/ 175، و"ابن العربي" 3/ 1175، والفخر الرازي 20/ 114، و"تفسير القرطبي" 1/ 88، و"المجموع" 3/ 325، و"تفسير ابن كثير" 1/ 14 - 17، 2/ 645.]].
وبه وردت الأخبار [[منها: ما رواه أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، == ولا إله غيرك"، ثم يقول: "الله أكبر كبيرا"، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه" ثم يقرأ. وقد أخرجه أبو داود (775) كتاب: الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك، والترمذي (242) كتاب: أبواب الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة، [قال عمر -رضي الله عنه-: همزه الموتة؛ وهي الجنون، نفخه: الكبر، نفثه: الشعر. "تفسير البغوي" 5/ 42].]]، وذهب أبو هريرة -رضي الله عنه- إلى أن الاستعاذة بعد القراءة، وهو مذهب مالك [[وقد استغرب ابن العربي نسبة هذا القول إلى مالك، وقال هذه دعوى عريضة لا تُشْبِهُ أصولَ مالك ولا فهمه، والله أعلم بسرِّ هذه الرواية. انظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1176.]]، وداود [[داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان، فقيه حافظ، أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام، وإليه ينسب المذهب الظاهري، وكان فاضلاً صدوقًا ورعًا، سمع من إسحاق بن راهويه ومسدد بن مسرْهَد، وعنه: ابنه محمد ويوسف ابن يعقوب، من مصنفاته: "الإفصاح"، "الأصول"، ولد بالكوفة سنة (202 هـ) وسكن بغداد، ومات سنة (270 هـ). انظر: "الفهرست" ص 299، و"الأنساب" للسمعاني 4/ 99، و"وفيات الأعيان" 2/ 255، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 573.]]، كأنهم أخذوا بظاهر الآية [[لا شك أن ظاهر الآية يقتضي ذلك، ولكنه مدفوع ومفسرٌ بفعل النبي -ﷺ- يقول الجصاص: يقتضي ظاهره أن تكون الاستعاذة بعد القراءة، ولكنه قد ثبت عن النبي -ﷺ- وعن السلف الاستعاذة قبل القراءة، وقد جرت العادة بإطلاق مثله. انظر: "تفسير الجصاص" 2/ 191، و"المحلى" 3/ 350، و"تفسير الكيالهراسي" 4/ 175، ومن توجيهات القائلين بهذا القول، أن الاستعاذة بعد القراءة هي لوقاية العمل من الحبوط، إذ ربما أورث حسن القراءة العجب في نفس القارئ، والعجب من الشيطان، فكان من المناسب أن يؤمر بالاستعاذة منه. انظر: "تفسير ابن كثير" 4/ 14 - 47.]]، وذلك جهل بمقاييس العربية [[عبارته هذه قاسية، ولا يليق وصف الصحابة وأئِمة الأمة بالجهل.]].
النحل 16:99
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والمفسرون: ليس له حجة [["تفسير مجاهد" ص 352، أخرجه الطبري 14/ 174 بلفظه عن مجاهد، وورد في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 105 بلفظه عن مجاهد، و"تفسير الماوردي" 3/ 213 بلفظه عن مجاهد، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 490، عن مجاهد، و"تفسير القرطبي" 10/ 175 عن مجاهد، وورد بلفظه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 250 والثعلبي 2/ 163 ب، والطوسي 6/ 425، ولم أقف عليه عن ابن عباس وعكرمة.]].
وقال أهل المعاني: طريق يتسلط به عليهم [[ورد نحوه في "تفسير البغوي" 5/ 43، وابن الجوزي 4/ 490، و"تفسير القرطبي" 10/ 175، و"تفسير البيضاوي" 2/ 283، والخازن 3/ 134، و"تفسير الألوسي" 14/ 230.]]، وقد بينا هذا عند قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ في سورة الحجر [آية: 42]، والمختار أن يقال: ليس له سلطان الإغواء، وهو معنى قول المفسرين: ليس له حجة، أي: لا حجة له على المؤمنين في إغوائهم إلى الضلالة.
النحل 16:100
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قال ابن عباس: يطيعونه [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 115، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 246 بمعناه عن ابن عباس وعزاه إلى الطبري -لم أقف عليه- وابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري 14/ 174 بلفظه عن مجاهد وقتادة، وابن كثير 2/ 646، عن مجاهد، وورد بلفظه بلا نسبة في: "تفسير السمرقندي" 2/ 250، و"تفسير هود الهواري" 2/ 388، والثعلبي 2/ 163 ب، والبغوي 5/ 43، وابن الجوزي 4/ 491، و"تفسير القرطبي" 10/ 176.]]، يقال: توَلَّيْتُه، أي: أطعته، وتَوَلَّيْتُ عنه، أي: أعرضت عنه، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 56].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ قال مجاهد: يعني يعدلون برب العالمين [["تفسير مجاهد" ص 351، بنحوه، وأخرجه الطبري 14/ 175 بنصه وبنحوه ورجحه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 105، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 213، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 491، و"تفسير القرطبي" 10/ 176، و"الدر المنثور" 4/ 246، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، فعلى هذا الكناية في به تعود إلى اسم الله تعالى.
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد يطيعونه في الشرك، وعلى هذا الكناية راجعة إلى الشرك، وهذا قول الربيع [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وعن الربيع أخرجه الطبري 14/ 175، بنحوه، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 213، بمعناه، والطوسي 6/ 425، بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 176، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، والمعنى على هذا القول: والذين هم بسببه وطاعته فيما يدعو إليه مشركون، قال صاحب النظم: وهذا كما تقول للرجل إذا تكلم بكلمة مؤدية إلى الكفر، كفرت بهذه الكلمة؛ أي: من أجلها وبقولك إياها [[ورد بمعناه غير منسوب في "الغريب لابن قتيبة" ص 249، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 105.]]، فلذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾، أي: من أجله وحمله إياه مشركون بالله [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 163 ب، بنحوه.]].
النحل 16:101
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ قال الكلبي وغيره: كان إذا نزلت آية ألين منها، يقول كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وغدًا بأمر؛ وأنه ليتكذَّبه ويأتيهم به من عند نفسه، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [[لم أقف عليه منسوبًا إلى الكلبي، وورد منسوبًا إلى ابن عباس من طريق أبي صالح وهي طريق الكلبي [وهي ضعيفة]، وانظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 250، بنحوه عن ابن عباس، وابن الجوزي 4/ 491، عن أبي صالح عن ابن عباس، والفخر الرازي 20/ 116، عن ابن عباس، وورد بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 207 ب، بنحوه، و"تفسير هود الهواري" 2/ 388، بمعناه عن الحسن، والثعلبي 2/ 163 ب، بنحوه، والبغوي 5/ 43، والزمخشري 2/ 344، والخازن 3/ 134.]]، قال مجاهد: رفعناها وأنزلنا غيرها [["تفسير مجاهد" ص 452 بنصه، أخرجه الطبري 14/ 176 بنصه وبنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 106، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 646.]]، وقال قتادة: هو كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [[أخرجه الطبري 14/ 176 بنصه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 646.]] الآية [البقرة: 106] وقال الفراء: إذا نسخنا آية فيها تشديد مكان آية ألينَ منها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 113، بنصه.]]، ومعنى التبديل: رَفْعُ الشيء مع وضع غيره مكانه [[انظر: (بدل) في "المحيط في اللغة" 9/ 318، و"اللسان" 1/ 231، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 116، و"تفسير القرطبي" 10/ 176.]]، وتبديل الآية: رفعها [[في جميع النسخ: (ورفعها) بزيادة (و)، والصواب ما أثبته كما في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 116.]] بآية غيرها، وهو نسخها بآية سواها.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾، أي: مِن الناسخ والمنسوخ، والتغليظ والتخفيف؛ هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد، وهذا اعتراض دخل في الكلام يتضمن توبيخ الكفار على قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾، أي إذا كان هو أعلم بما ينزل، ما بالهم ينسبون محمدًا إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون حقيقة القرآن، وفائدة النسخ والتبديل في أن ذلك لمصلحة العباد؛ كالاستصلاح بإرسال نبي بعد نبي، والكلام في ذكر أكثرهم دون جميعهم قد مضى في موضعين من هذه السورة [[عند آية: [75] و [83].]].
النحل 16:102
قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾، أي: نَزَل به، أي بالقرآن، ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل، ومضى تفسير روح القدس في سورة البقرة [87]، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ (من) صلة للقرآن، أي نَزَّل القرآنَ من ربك، أي: من كلام ربك جبريلُ، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالأمر الحق الصحيح الثابت لا الباطل، ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما فيه من الحجج والآيات، فيزدادوا بها تصديقًا ويقينًا.
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى﴾، أي: وهو هدى، فهو خبر ابتداء محذوف.
النحل 16:103
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ اختلفوا في هذا البشر الذي نَسبَ المشركون النبي -ﷺ- إلى التعليم منه؛ فقال ابن عباس في رواية عكرمة: هو عَبْدٌ لبني عامر بن لُؤيّ، يقال له: يعيش [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 492، وأخرجه الطبري 14/ 178، بنحوه عن عكرمة، وفيه أنه غلام لبني المغيرة، وأخرجه بنصه عن قتادة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 106، بنصه عن عكرمة، و"تفسير الثعلبي" 2/ 163 ب، بنصه عن عكرمة وقتادة، لكنه قال: لبني المغيرة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 44، عن عكرمة، وابن عطية 8/ 510، عن عكرمة، و"القرطبي" 10/ 177، عن عكرمة، والخازن 3/ 135، عن عكرمة، وابن كثير 2/ 646، عن عكرمة وقتادة، و"الدر المنثور" وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن قتادة.]]، وهذا قول قتادة إلا أنه قال: كان لبني الحضرمي، وكان يقرأ الكتب، وقال في رواية عطاء: يريد عداس؛ غلام عتبة بن ربيعة [[ورد بلا نسبة في: "تفسير هود الهواري" 2/ 389، والفخر الرازي 20/ 117، و"تفسير القرطبي" 10/ 178، والخازن 3/ 135.]].
وروى طلحة بن عمرو [[في جميع النسخ: طلحة عن عمرو، وفي "تفسير السمرقندي" (2/ 251) طلحة بن عمير -ولم أجد له ترجمة-، والصحيح المثبت كما في تفسير الثعلبي 2/ 164 أ، ويؤيده أن طلحة هذا مشهور الرواية عن عطاء، وصفه الذهبي بصاحب عطاء. وطلحة بن عمرو: هو الحضرمي المكي، روى عن عطاء وسعيد بن جبير، وعنه: الثوري ووكيع، وهو ضعيف بل متروك كما قال أحمد والنسائي، مات سنة (152 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 478، و"ميزان الاعتدال" 3/ 54، و"الكاشف" 1/ 514، و"تقريب التهذيب" ص 283 (3030).]] عن عطاء أن خديجة [[أم المؤمنين، خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية -رضي الله عنها- أول امرأة تزوجها رسول الله -ﷺ-، وكان ذلك قبل البعثة بخمس عشرة سنة، وهي أول من أسلم على الإطلاق، وكانت امرأة موسرة، وهي أم أولاد النبي -ﷺ- ومناقبها كثيرة معروفة، توفيت بعد البعثة بعشر سنين، وهي بنت خمس وستين سنة. انظر: "الاستيعاب" 4/ 379، و"أسد الغابة" 7/ 78، و"الإصابة" 4/ 281.]] كانت تختلف إلى صَيْقَل [[الصَّقْل: مصدر صَقَلْتُ السيفَ والثوبَ، والصَّيْقَل: صَقال السيف، أي شَحَّاذُ السُّيوف وجلاَّؤها، والجمع: صياقل وصياقلة. انظر: (صقل) في: "جمهرة اللغة" 2/ 894، و"تهذيب اللغة" 2/ 2035، و"اللسان" 4/ 2474.]] على الصفا والمروة؛ عبد لبني الحضرمي صاحب كتب، فكانت تخبره بما كان يرى محمد -ﷺ- فكان يقول لها لئن كنت صادقة ليوشكن نبي العرب أن يخرج، وكان اسمَه جَبرٌ وكانت قريش تقول: إنما عبد بني الحضرمي يعلم خديجة، وتعلم خديجة محمدًا، زاد شبل: وكان يتكلم بالرومية [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 251، بنحوه، والثعلبي 2/ 164 أ، بنحوه.]]، وهذا قول مجاهد وابن إسحاق [["تفسير مجاهد" ص 352، مختصرًا؛ يشير فيه ذكر خديجة -رضي الله عنها-، و"سيرة ابن == هشام"، بنحوه، دون ذكر خديجة -رضي الله عنها-. وأخرجه الطبري 14/ 178 - 179، عنهم بنحوه -دون ذكر خديجة -رضي الله عنها-، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 106، مختصرًا عن مجاهد، و"تفسير هود الهواري" 2/ 389، عن مجاهد مختصرًا، وورد بنحوه منسوبًا إلى ابن إسحاق في "تفسير الثعلبي" 2/ 164أ، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 44، عن ابن إسحاق، وابن عطية 8/ 510، عن ابن إسحاق، و"القرطبي" 10/ 177، عن ابن إسحاق، والخازن 3/ 135، عن ابن إسحاق، و"الدر المنثور" 4/ 247، وزاد نسبته إلى آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن مجاهد.]].
وروي عن ابن عباس أنه قال: هذا كان قينًا [[قال الليث: القَيْنُ: الحَدّادُ، وقيل: كلُّ صانعٍ قَيْنٌ، وقيل: كل عامل بالحديد عند العرب قَيْن، والجمعُ قُيُون وأقْيَان، وقال الليث: والقَيْنُ والقَيْنَةُ: العبْدُ والأمَةُ. انظر: (قين) في "تهذيب اللغة" 3/ 2866، و"المحيط في اللغة" 6/ 35، و"اللسان" 6/ 3798.]] بمكة نصرانيًّا أعجمي اللسان اسمه بَلْعَام [[أخرجه الطبري 14/ 177، بنحوه من طريق مجاهد جيدة، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 163 ب، بنحوه، والطوسي 6/ 427، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 44، وابن عطية 8/ 510، وابن الجوزي 4/ 493، و"تفسير القرطبي" 10/ 178، والخازن 3/ 135، وأبي حيان 5/ 536، و"الدر المنثور" 4/ 247، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، بسند ضعيف.]].
وقال السدي: هو رجل نصراني كان بمكة، يقال له: أبو ميسرة، يتكلم بالرومية [[ورد في "تفسير الثعبلي" 2/ 164 أ، بنصه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 117 بلا نسبة، و"تفسير القرطبي" 10/ 178، عن ابن قتيبة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 247 وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن السدي، لكنه قال: واسمه: (أبو يسر)، وفي "الإصابة" 1/ 165: (أبو البشر) فعلها تصحفت من (أبو ميسرة).]].
وقال الكلبي: هو عايش -غلام حويطب بن عبد العزى-، ويسار -أبو فكيهة مولى ابن الحضرمي-، وكانا قد أسلما فأنزل الله تعالى ردًّا عليهم وتكذيبًا لهم فيما قالوا: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [[أخرج الطبري 14/ 177 نحوه من طرق عن عبد الله بن مسلم الحضرمي، لكنه قال: كان يقال لأحدهما: يسار، والآخر: جبر، وكانا يقرآن التوراة، وورد هذا الخبر في "الإصابة" 1/ 221، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد، وقال: ولم يذكر أنهما أسلما. وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 207ب، أنه أبو فكيهة، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 113، أنه عايش، و"تفسير الطوسي" 6/ 427 أنه عايش أو يعيش، و"تفسير القرطبي" 10/ 178، عنهما. وهذه الأقوال في اسم البشر المعني -وقد بلغت تسعة عند ابن الجوزي- لاتعارض بينها -كما قال النحاس في معانيه-؛ لجواز أن يكونوا قد أومأوا إلى هؤلاء جميعًا؛ بسبب تخبطهم وحيرتهم في الطعن في القرآن، ولاحتمال مجالسة الرسول -ﷺ- لهؤلاء كلهم لتعليمهم. انظر: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 107، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 492.]].
معنى الإلحاد في اللغة: الميل، يقال: لَحَدَ وأَلْحَدَ؛ إذا مال عن القصد، ومنه يقال للعادل عن الحق: ملحد [[انظر: (لحد) في "تهذيب اللغة" 4/ 3242، و"المحيط في اللغة" 3/ 41، و"اللسان" 7/ 4005، و"التاج" 5/ 237.]]، وقراءة العامة ضم الياء من الإلحاد [[أي: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ من ألْحَدَ، قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر. انظر: "السبعة" ص 375، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 359، و"الحجة للقراء" 5/ 78، و"المبسوط في القراءات" ص 226، و"التيسير" ص 138، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 745.]] وهو أشهر اللغتين، وقرئ بفتح الياء من لحد [[أي ﴿يُلْحِدُونَ﴾ من لَحَدَ قرأ بها: حمزة والكسائي. انظر: المصادر السابقة.]]، والأوْلى ضَم الياء؛ لأنه لغة التنزيل [[وكذلك فتح الياء لغة التنزيل؛ فالفتح والضم قراءتان سبعيتان، ليس احداهما بأولى من الأخرى، ولا فرق حقيقيًّا -في المعنى- بين القراءتين، قال الطبري: وهما عندي لغتان بمعنى واحد. "تفسير الطبري" 14/ 179.]]، يدل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: 25]، والإلحاد قد يكون بمعنى: الإمالة، ومنه يقال: أَلْحَدْتُ له لَحْدًا إذا حفرته في جانب القبر مائلٍ عن الاستواء، وقَبْرٌ مُلْحَدٌ ومَلْحُودٌ [[ورد بنحوه في "تفسير الطوسي" 6/ 427، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 345، والفخر الرازي 20/ 117، بنصه، و"تفسير الألوسي" 14/ 233.]]، وفُسِّر الإلحاد في هذه الآية بالقولين، فقال الفراء: يُمِيلُون من الميل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 113، بنحوه.]].
وقال الزجاج: لسانُ الذي يميلُون القَوْلَ إليه أعجميٌّ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 219 بنصه.]].
وقال ابن قتيبة: أي يُومِئون إليه ويزعمون أنه يُعلِّمك [["الغريب" لابن قتيبة 2/ 250، وفيه (يميلون).]].
وقوله تعالى: ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ قال أبو الفتح الموصلي: اعلم أن (ع ج م) إنما وضعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء، وضد البيان والإيضاح، من ذلك قولهم: رجل أعْجم وامرأة عَجْماء، إذا كانا لا يُفصحان ولا يُبينان كلامهما، وكذلك [[في جميع النسخ: (ولذلك) وهو تصحيف، والتصويب من المصدر، وبه يستقيم المعنى.]] العُجْمُ والعَجَمُ، وعَجَمُ الزبيب [[هو النَّوَى الذي في جوفه، الواحدة: عَجَمة، متل: قَصبة وقصب. انظر: "اللسان" (عجم) 5/ 2825.]] سُمّي لاستتارته وخفائه بما هو عَجَمٌ له، والعَجْماء: البهيمة؛ لأنها لا توضِّح عما في نفسها، ومن ذلك تسميتهم صلاتي الظهر والعصر العَجْماوتين؛ لما كانتا لا يُفْصَح فيهما بالقراءة، قال أبو علي: ومن ذلك: عَجَمْتَ العُودَ؛ إما لأنك لما أدخلتَه لتِعُضَّه [[في جميع النسخ (لبعضه)، والتصويب من المصدر.]] وقد أخفيته، وإما لأنك قد ضغطت بعض أجزائه بالعَجْمِ، وأدخلت بعضها في بعض فأخفيتها، وربما سمّت [[في جميع النسخ (سميت)، والتصويب من المصدر.]] العرب الأخرسَ الأعجم؛ وعُجْمة الرمل [[أي كثرته، وقيل: آخره، وقيل: ما تعقَّد منه. انظر: "اللسان" (عجم) 5/ 2825.]]: أشدّه تراكمًا، سمي بذلك لتداخله واستبهام أمره على سُلاَّكِه، يقال: استعجمت الدارُ إذا صَمَّت فلم تجب سائلها، قال امرؤ القيس:
صَمَّ صَداها وعَفا رسمُها ... واستَعجمتْ عن مَنْطق السائلِ [["ديوانه" ص133، وورد في "تهذيب اللغة" (صم) 2/ 2059، (صدى) 2/ 1994، و"الأساس" 2/ 101، و"اللسان" (صمم) 4/ 2502، (عجم) 5/ 2827، (صدى) 4/ 2422، وورد بلا نسبة في: "العين" (صدي) 7/ 139؛ (الصَّدى): ما يرجع من صوت الجبل، و (صمَّ صداها): أي غدت مقفرة لا حياة بها ولا أنيس، وهو يصف دارًا درَسَتْ، (عفا رسمها): أمست وليس لها رسم ولا بها أثر.]]
وأما قولهم: أعْجمتُ الكتاب، فمعناه: أزلت عجمته واستعجامه بالإيضاح والتبين، وأَفْعَلْتُ قد يأتي والمراد به: السَّلْب؛ كقولهم: أشكيت، إذا أزلتَ ما يشكوه [["سر صناعة الإعراب" 1/ 36 - 37، نقل طويل تَصرَّف فيه بالاختصار والتهذيب.]]، وهذا الذي ذكرنا هو أصل معنى هذا الحرف [[انظر: (عجم) في "العين" 1/ 237، و"جمهرة اللغة" 1/ 484، و"تهذيب اللغة" 3/ 2342، و"المحيط في اللغة" 1/ 274، و"اللسان" 5/ 2827.]]، والعرب تسمي كل من لا يعرف لغته [[هكذا في جميع النسخ، والأولى (لغتهم) حتى تنسجم مع السياق.]] ولا يتكلم بلسانهم أعجم وأعجميًّا، قال كثير: وما زال كتمانيك حتى كأنني ... بِرَدِّ جَوابِ السائِلي عنك أعجمُ [[لم أجده في ديوانه، وورد في "الأغاني" 15/ 167، منسوبًا لنُصَيب بن رباح أبي محجن مولى عبد الملك (ت: 108 هـ)، وقد ورد في شعر نصيب بن رباح ص 123 وفيهما: (بي الكتمان) بدل (كتمانيك)، (بِرَجْع) بدل (بِردِّ).]]
قال الفراء وأحمد بن يحيى: الأعجم: الذي في لسانه عُجمة وإن كان من العرب، والأعجمي والعجمي: الذي أصله من العجم [[لم أجده في معاني الفراء، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 118، بنصه عنهما، وورد نحوه غير منسوب في "المحتسب" 2/ 12، و "تفسير ابن عطية" 8/ 511، قال ابن قتيبة: لا يكاد عوام الناس يفرقون بين العجمي والأعجمي، والعربي والأعرابي؛ فالأعجمي الذي لا يُفصح وإن كان نازلاً بالبادية، والعجمي: منسوب إلى العجم وإن كان فصيحًا، والأعرابي: هو البدوي، والعربي: منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويًا. "تفسير ابن الجوزي" 4/ 494.]].
قال ابن الأنباري: وقولهما هو الصحيح عندنا.
وقال أبو علي الفارسي: الأعجمي: الذي لا يُفصح من العرب كان أو من العجم، ألا تراهم أنهم قالوا: زياد الأعجم؛ لأنه كانت في لسانه عُجمة [[(عجمة) ساقطة من (أ)، (د)، وفي المخصص: (رُتَّةُ).]] وكان عربيًّا [[ورد في "المخصص" 2/ 121، بنصه، وانظر: "تفسير الرازي" 20/ 118 بنصه، والخازن 3/ 135، بلا نسبة.]]، وقال [[هكذا في جميع النسخ، والأظهر (يقال) أو (قيل).]] لصلاة النهار عَجْمَاء أي: تُخفى فيه القراءة ولا تبَيَّن، وتُسمي العربُ من لا يتبين كلامه من أي صنف كان من الناس أعجم، ومنه قول الحِمَّاني [[هو أبو الأخْزر الجماني، ولم أقف على ترجمته.]]:
سَلُّومُ: لو أَصْبَحتِ وسْطَ الأَعْجمِ بالرومِ أو بالتُّركِ أو بالديلم
إذًا لَزُرناكِ ولو بِسُلَّمِ [[ورد في "المخصص" 2/ 121 شطران، 16/ 102، و"شرح شواهد الإيضاح" ص 440، وفيه حرف الجر (في) بدل الباء في الكلمات الثلاث، وورد الشطر الأول فقط في "اللسان" (وسط) 8/ 4832، و"التاج" (وسط) 10/ 445، وورد بلا نسبة في "اللسان" (عجم) 5/ 2825، وورد في الاقتضاب باختلاف في الشطرين الأخيرين برواية:
في الروم أو فارسَ أو في الديلمِ
إذًا لزرناكِ ولو لم نسلمِ
(سَلُّومُ): منادى مرخم، أراد: ياسَلُّومة، (الدّيلم): الجماعة الكثيرة من الناس، وقيل: جيل من الناس، وقيل: هم من ولد ضَبَّةَ بن أُدد، قال ابن بري: وقوله: بِسُلم: أي لتسببنا إلى زيارَتِك بكل سبب، فضرب السُّلَّم مثلاً لذلك.
وقال ابن السيد: وهذا البيت يصحفه كثير من الناس فيرونه ولو بسلّم، ولا وجه لذلك؛ لأن السلّم لا يستعمل في قطع المسافات وإنما يستعمل في صعود العلالي المشرفات والمواضع المرتفعات، ولو قال قائل لصاحبه: لو كنت ببغداد لنهضت إليك ولو بسلم لم يكن له معنى يعقل، وقد يسمل السلَّم بمعنى السبب، وليس له هاهنا أيضًا وجه؛ لأنه كان يجب أن يقول: ولو بغير سبب يوجب النهوض. وانظر: "اللسان" (دلم) 3/ 1415.]]
قال: وسط الأعجم ولم يقل: وسط العجم؛ لأنه جعل كل من لا يتبين كلامه أعجم، فكأنه قال: وسط القبيل الأعجم، وينبغي أن يكون الأعجمي بالياء فيه للنسب، نسب إلى الأعجم الذي لا يُفْصِح، وهو في المعنى كالأعجمي، ويجوز أن يقال: رجل أعجمي فيراد به ما يراد بالأعجم بغير ياء النسب، كما يُقال: أحمر وأحمريّ، ودَوّارٍ ودَوَّارِي [[ورد نحوه في "المحتسب" 2/ 12.]].
ومعنى الآية هو [[في (أ)، (د): (وهو) بزيادة الواو، ويستقيم الكلام بدونها.]] أن الله تعالى قال: لسان هذا البشر الذي يزعمون أنه يعلمك أعجمي لا يُفصح ولا يتكلم بالعربية، فكيف يُتَعَلَّم عنه ما هو أعلى طبقات البيان؟! وهو قوله: ﴿وَهَذَا﴾ يعني القرآن، ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، قال ابن عباس: يريد الذي نزل على محمد عربي مبين، أفصح ما يكون من العربية، وأبْيَنه لسان سعد بن بكر بن هوازن الذين أرضعوا النبي -ﷺ- [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 445.]]؛ واللسان بمعنى الكلام واللغة، وذكرنا هذا مستقصى عند قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4]، ومعنى العربي واشتقاقه ذكرنا عند قوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ [التوبة: 97] وقال الفراء والزجاج في هذه الآية: يقال: عَرَبَ لِسَانُه عَرابَةً وعُروبةً [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 220، بنحوه، وفيه (عرب الإنسان)، وهو خطأ وتصحيف ظاهر، ولم أجده في معاني الفراء، وانظر: "الرازي" 20/ 118، بنصه عنهما.]].
النحل 16:105
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ الآية. قال الكلبي: نافح الله تعالى بهذه الآية عن رسول الله -ﷺ- ودافع عنه حيث قالوا: تَقَوَّله واخترعه وأتى به من عند بشر وافتراه، فقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾: المشركون، ثم سَمَّاهم الكاذبين، وحصر فيهم الكذب بقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، وقال أبو إسحاق: أي إنما يفتري الكذب الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذَّبُوا بها، فهؤلاء أكذبُ الكَذَبَةِ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 219، بنصه.]]، وفي الآية أبلغ زجر عن الكذب؛ حيث أخبر الله تعالى أنه إنما يفتري الكذب من لا يؤمن، ولذلك قال النبيّ -ﷺ- حين قيل له: (هل يَكْذِبُ المؤمن؟ قال: "لا"، ثم قرأ هذه الآية) [[جزء من حديث رواه عبد الله بن جراد، وطرفه: قلت: يا رسول الله، المؤمن يزني؟ == قال "قد يكون". وقد أخرجه بنحوه الثعلبي 2/ 164 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 446، والبغوي 5/ 45، وورد في "إحياء علوم الدين" 3/ 135، و"تفسير الرازي" 20/ 120، والخازن 3/ 136، قال الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء": أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" بسند ضعيف، ورواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الصمت" (ص 243) مقتصرًا على الكذب، والسائل أبو الدرداء، والرواية التي أشار إليها العراقي أخرجها مالك عن صفوان بن سليم أنه قيل لرسول الله -ﷺ-: أيكون المؤمن جبانًا .. فقيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟ فقال: "لا" موطأ مالك [شرح الزرقاني] باب ما جاء في الصدق 4/ 408، و"التمهيد" 16/ 253، وقال: لا أحفظ هذا الحديث مسندًا بهذا اللفظ من وجه ثابت، وأخرجها ابن أبي الدنيا في "الصمت" ص 248، عن ابن مسعود وسعد -رضي الله عنه- موقوفًا قالا: كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب. والحديث ضعيف.]].
وقال صاحب النظم في هذه الآية: أعلم الله أن الذي يفتري الكذب هو الذي لا يؤمن بآيات الله، ثم عطف على هذا قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وفائدة ذلك؛ أن قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ فِعْلٌ وليس بنعت، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ نعتٌ، والفعل قد يكون لازمًا وقد لا يكون، والنعت [[في (أ)، (د): (البعث).]] لا يكون إلا دائمًا، يبين هذا أنه تعالى قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121]، ولا يجوز أن يقال: إن آدم عاصٍ وغاوٍ؛ لأن النعت أبلغ من الفعل، ولهذا قال الله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي أن هذا نعت لازم لهم وعادة من عاداتهم، لا فِعْلٌ يزول عن قريب، وهذا كما تقول: كذبت وأنت كاذب، فيكون قولك: أنت كاذب، زيادة في الوصف بالكذب [[ورد بنحوه مختصرًا في "تفسير البغوي" 5/ 45، و"الرازي" 20/ 119، و"القرطبي" 10/ 179.]].
النحل 16:106
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ الآية. أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في عمار بن ياسر؛ أخذه المشركون فلم يتركوه حتى سَبَّ النبيّ -ﷺ- وذكر آلهتم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله -ﷺ- قال: "ما وراءك؟ قال: شَرٌّ يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتى نِلتُ مِنْك، وذكرتُ آلهتم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان. قال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت" [[أخرجه ابن سعد 3/ 249 بنصه، وعبد الرزاق 2/ 360، بنحوه، والطبري 14/ 181، بنحوه عن ابن عباس من طريق العوفي ضعيفة، وأخرجه بنحوه عن قتادة وأبي مالك وغيرهما، والحاكم 2/ 357 بنصه، وصححه وقال: على شرط الشيخين، والبيهقي: المرتد/المكره على الردة (8/ 208) بنصه، وورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 252، وهود الهواري 2/ 390، والثعلبي 2/ 164 ب، عن ابن عباس، والطوسي 6/ 428، وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 288، عن ابن عباس، و"تفسير البغوي" 5/ 45، عن ابن عباس، والزمخشري 2/ 345، و"تفسير القرطبي" 10/ 180، عن ابن عباس، والخازن 3/ 136، وابن كثير 2/ 647، عن ابن عباس، و"الدر المنثور" 4/ 248، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.]].
واختلفوا في محل (مَنْ) مِن الإعراب، فقال الأخفش: هو ابتداء، وخبره محذوف مكتفى منه بخبر (مَنْ) الثانية في قوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [["معاني القرآن للأخفش" 2/ 608، بمعناه، وانظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 164 ب، بنحوه بلا نسبة.]]؛ كقولك: من يأتينا فمن يحسن نكرمه [[ورد بنصه في "تفسير الطبري" 14/ 180، والثعلبي 2/ 164 ب، والطوسي 6/ 428، ومعناه: من يحسن ممن يأتينا نكرمه.]]، فجواب الأول محذوف قد كفى منه الثاني، وقال أبو إسحاق: (مَنْ) في موضع رفع على البدل مِن الكاذبين [[وتقديره: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، وقد رده الطبري، وقال: هذا قول لا وجه له، وحجته أن ذلك يقتضي تخصيص وصف افتراء الكذب بمن آمن ثم ارتد دون من نشأ على الكفر أصلاً، ودلل على ذلك أن الآية جاءت في سياق الرد على الذين نسبوا الكذب والافتراء إلى رسول الله -ﷺ- في الآية السابقة، وهم الكفار الأصليون. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 181.]]، ولا يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء؛ لأنه لا خبر هاهنا للابتداء؛ لأن قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾: على الكفر، يكفر بلسانه وقلبه مطمئن [[في (أ)، (د) زيادة (واو): (ومطمئن).]] بالإيمان [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 219، بتصرف يسير.]]، والقول الأول أظهر في معنى الآية؛ لأن [[في (أ)، (د): (أن).]] هذه قصة مستأنفة، وكلام لا تعلق له بما تقدم، يدل عليه من التفسير ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية، قال: أخبر الله سبحانه أنه من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أُكره فتكلم بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لِيَنْجُو بذلك من عدوه فلا حرج عليه؛ لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم [[أخرجه الطبري 14/ 182 بنصه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، والبيهقي: المرتد/ المكره على الردة (8/ 209) بنصه، و"الدر المنثور" 4/ 250، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، فجعل ابن عباس قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ خبر قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾، أي: فتحه ووسعه لقبول [[في (أ)، (د): (لقول)، والمثبت من (ش)، (ع) أصح.]] الكفر، وذكرنا معنى الشرح في سورة الأنعام [[آية [125].]]، وانتصب صدرًا على أول مفعول للشرح، والتقدير: ولكن من شرح بالكفر صدره، وحذف الهاء منه لأنه لا يُشْكِل بصدر غيره، إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره، فهو نكرة يراد بها المعرفة، ويدل عليها معنى الكلام، "وهذه الآية تدل على أنّ المُكْرَهَ على كلمة الكفر إذا تَلَفَّظ بها مُكْرَهًا لا يحكم بكفره إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 165 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 46، و"تفسير القرطبي" 10/ 182.]]، ولذلك أبطل الشافعي طلاق المكره وعتاقه وعقوده، ولم يجعل لها حكمًا [[وهذا القول هو قول جمهور العلماء خلافًا للحنفية، وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 165 أ، ونسبه أيضًا إلى بعض الصحابة ومالك والأوزاعي، انظر: بسط المسألة في "تفسير الجصاص" 3/ 192، و"المحلى" 8/ 331، و"تفسير ابن العربي" 3/ 1180، و"المجموع" 17/ 65، و"المغني" 10/ 350، و"تفسير القرطبي" 10/ 184، و"رفع الحرج في الشريعة الإسلامية" ص 246، و"الإكراه وأثره في التصرفات الشرعية" ص 196، و"عوارض الأهلية عند الأصوليين" ص 496.]]، ودلّت الآية على أن حقيقة الكفر إنما تكون بالقلب دون اللسان [[ذكره الثعلبي 2/ 164 ب، بنحوه.]].
النحل 16:107
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا﴾، أي: ذلك الشرح وذلك الكفر [[مطموسة في: (ش).]]، بأنهم أحبّوا الدنيا واختاروها على الآخرة، قال الكلبي: والمراد بقوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ عبد الله بن سعد بن أبي سرح ومن ارتد عن الدين وطابت نفسه بالكفر [[انظر: "تنوير المقباس" ص 293، وورد بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 208 أ، والسمرقندى 2/ 252، وهود الهواري 2/ 390، وفي إدراج عبد الله بن أبي السرح مع الذين انشرحت صدورهم للكفر نظر؛ لأنه قد رجع إلى الإسلام وحسن == إسلامه، كما أن الآية التالية قد حكمت عليهم بالطبع على قلوبهم، ولا يليق هذا الوصف بمن أسلم ومنّ الله عليه بالهداية، ويؤيده أن الرواية وردت عن طريق الكلبي، وحسبك بهذا؛ فروايات الكلبي محكوم عليها بالضعف بل بالوضع.]]، وذلك باستحبابهم الدنيا وبأن الله لا يهديهم ولا يريد هدايتهم، ثم وصفهم بأنهم مطبوع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
النحل 16:108
فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ﴾ الآية. والكلام في هذا مضى [[النساء [آية: 155].]].
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ قال ابن عباس: عما يراد بهم [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 124، وأبي حيان 5/ 540، و"تفسير الألوسي" 14/ 239، والخازن 3/ 137، بلا نسبة.]]، ثم حكم لهم بالخسار وأكَّدَ ذلك،
النحل 16:109
فقال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد حقًا إنهم في الآخرة هم المغبونون [[انظر: "تنوير المقباس" ص 293، و"تفسير البغوي" 5/ 47، بلا نسبة.]]، قال أبو إسحاق: (أنَّ) يصلح أن تكون في موضع رفع، على أَنّ (لا) رَدٌّ لكلام، والمعنى: وجب أنَّهُم، قال: ويجوز أن تكون في موضع نَصْبٍ على أن المعنى: جَرَمَ فِعْلُهُمْ هذا، ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي كَسَب [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 220، بنصه تقريبًا.]].
النحل 16:110
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ قال المفسرون: نزلت في المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة، عَمَّار وصُهيب وبلال، ودونهم الذين عُذِّبُوا في الله وارتدوا على الكفر وأعطوهم بعضَ ما أرادوا لِيَسْلَمُوا من شَرِّهم، ثم (هاجروا إلى النبيّ -ﷺ- [[أخرجه الطبري 14/ 184، بنحوه عن ابن إسحاق، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 108، مختصرًا، و"تفسير السمرقندي" 2/ 252، بنحوه عن ابن عباس، والثعلبي 2/ 165 أ، مفصلاً، والطوسي 6/ 431، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 47، وابن الجوزي 4/ 497، عن ابن عباس، والفخر الرازي 20/ 125، عن الحسن، والخازن 3/ 137، وابن كثير 2/ 649، ولا يثبت هذا سببًا للنزول؛ لأن إسناده منقطع، أخرجه الطبري بسنده إلى ابن إسحاق، وهو ضعيف كما في "تقريب التهذيب" ص 467 (5725).]].
[قال ابن عباس: يريد الذين كانوا يُعَذَّبون بمكة، ﴿هَاجَرُوا) [[ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).]] مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ قال: من بعد ما عُذِّبُوا، ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾: مع النبي -ﷺ-] [[ما بين المعقوفين ساقط من (د).]]، ﴿وَصَبَرُوا﴾: على الدين والجهاد [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 497، و"الدر المنثور" 4/ 250، وعزاه إلى البيهقي في سننه -لم أجده- وابن مردويه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 208 أ، والثعلبي 2/ 165 أ، والسمرقندي 2/ 252، والبغوي 5/ 47، والخارن 3/ 137.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ إعادة وتكريرٌ لما ذكر في الآية؛ وذلك لتطاول الكلام، وأجيب كلاهما بجواب واحد، وهذا من القبيل الذي ذكرنا في قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾: تلك الفتنة وتلك الفعلة التي فعلوها وهي تلفظهم بكلمة الكفر، ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وذلك أن الرخصة لم تكن نازلة في ذلك الوقت حين تلفظوا بالكفر تقية، وإنما نزلت بعد ذلك فأخبر الله تعالى بعد ذلك أنه قد غفر لهم ذلك، هذا قول عامة أهل التأويل [[ورد مختصرًا في "تفسير مقاتل" 1/ 208 أ، والطبري 14/ 183، والثعلبي 2/ 165 أ، والسمرقندي 2/ 253، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 47، وابن عطية 8/ 525، وابن الجوزي 4/ 498، والخازن 3/ 137.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ يريد من بعد ما خرجوا إلى النبيّ -ﷺ- وصاروا عنده بالمدينة، غفر الله لهم مقامهم بمكة وتثبطهم بها، عفا الله ذلك عنهم [[ورد مختصرًا غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 253، والزمخشري 2/ 345، وابن عطية 8/ 525، وابن الجوزي 4/ 499، والفخر الرازي 20/ 126.]]، فعلى هذا الكناية في ﴿بَعْدِهَا﴾ تعود إلى الهجرة، ودلّ عليها: ﴿هَاجَرُوا﴾، والمغفرة لمقامهم بمكة وتخلفهم عن النبيّ -ﷺ- بعد خروجه، وقرأ ابن عامر فَتنوا، بفتح الفاء [[انظر: "السبعة" ص 376، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 360، و"علل القراءات" 1/ 309، و"الحجة للقراء" 5/ 79، و"المبسوط في القراءات" ص 226، و"التبصرة" ص 466، و"التيسير" ص 138، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 745.]]، ومعنى هذا ﴿للذينَ هاجَروا مِن بعدِ ما فَتنُوا﴾ أنفسهم بإظهار ما أظهروا للتقية، وجعل ذلك فتنة؛ لأن الرخصة فيه لم تكن نزلت بعد [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 79، بنصه تقريبًا، لكنه قال: لأن الرخصة فيه لم تكن نزلت بعد، وقد تصحفت في المصدر (الرخصة) إلى (الرحمة). وورد بنحوه في "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 41، و"تفسير الطوسي" 6/ 431، وانظر: "المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 745، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 125.]].
وذهب قوم من المفسرين إلى أن الآية نزلت في قوم من الذين كانوا يُعذِّبون المستضعفين بمكة، آمنوا وهاجروا إلى النبيّ -ﷺ- [[ورد بنحوه في "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 361، و"الكشف عن وجوه == القراءات" 2/ 41، و"تفسير الثعلبي" 2/ 165أ، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 125، ويفتقر هذا القول إلى دليل صحيح مسند.]] فقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية.
النحل 16:111
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ لآية. قال أبو إسحاق: ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على أحد شيئين، على معنى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾، ويجوز ذَكِّرْهم يوم، أو اذْكُر يوم؛ لأن معنى القرآن العِظة والإنْذَارُ والتَّذْكير [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 221، بتصرف يسير.]].
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أراد كلَّ إنسان وكلَّ واحد، ولقوله: ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ ولم يقل يُجَادَل عنها، قال المفسرون: وهذا يوم القيامة كل أحد لا يهمه إلا نفسه، فهو مخاصم ومحتج عن نفسه لا يتفرغ إلى غيره؛ وذلك أن لجهنم زفرة يقع كل أحد جاثيًا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم ليدلي بالخُلَّة، فيقول: يارب، أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك إلا نفسي [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 363)، بنحوه عن قتادة، والواحدي في تفسيره "الوسيط"، تحقيق سيسي 2/ 450، بنحوه عن كعب، وورد بنحوه في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 221، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 108، عن كعب، و"تفسير السمرقندي" 2/ 253، والثعلبي 2/ 165 أ، عن كعب، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 48، عن كعب، وابن الجوزي 4/ 499، عن كعب، والفخر الرازي 20/ 126، و"تفسير القرطبي" 10/ 193، والخازن 3/ 138، و"الدر المنثور" 4/ 251 وعزاه إلى ابن المبارك وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب. والظاهر أن هذا الخبر من الإسرائيليات، خاصة أن موقوف على كعب؛ هو من مصادر الإسرائيليات.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ قال ابن عباس: يريد ثوابها غير منتقص، والتقدير: ثواب ما عملت أو جزاء ما عملت، فحذف المضاف، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال: يريد لا ينقصون.
النحل 16:112
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ الآية. معنى ضَرْبِ المثلِ بيان المُشبَّه والمُشبَّه به، وهاهنا ذَكَرَ المُشبَّه به ولم يذكر المُشَبَّه لوضوحه عند المخاطبين، والآية عند عامة المفسرين: نازلة في أهل مكة وما امتُحِنوا به من الخوف والجوع، بعد الأمن والنعمة، بتكذيبهم النبيّ -ﷺ-، وتقدير الآية: ضربَ اللهُ لقريتكم مَثَلاً، أي: بين الله لها شَبَهًا، ثم قال: ﴿قَرْيَةٍ﴾ فيجوز أن تكون القرية بدلاً من مثلًا؛ لأنها هي الممثل بها؛ فهي المثل، ويجوز أن يكون المعنى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: مَثَلَ قرية، فحذف المضاف وهذا قول الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 221 بنصه.]].
والمفسرون كلهم قالوا: (أراد بالقرية مكة، يعنون أنه أراد مكة في تمثيلها بقرية صفتها ما ذُكِر [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 360) بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 186 بلفظه عن ابن عباس [طريق العوفي] ومجاهد وقتادة وابن زيد، وورد بلفظه في "تفسير مقاتل" 1/ 208 أ، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 109، و"تفسير السمرقندي" 2/ 253، وهود الهواري 2/ 392، والثعلبي 2/ 165 ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 217، والطوسي 6/ 432، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 48، وابن عطية 8/ 526، وابن الجوزى 4/ 499، والفخر الرازى 20/ 127، والخازن 3/ 138، وابن كثير 2/ 649.]]؛ كما قالوا) [[ما بين القوسين ساقط من (ش) ، (ع).]] في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17]، أراد بالذي استوقد: المنافقين؛ أي أرادهم بهذا المثل، لا أنهم كانوا يستوقدون النار، ولكن أَشْبَه حالُهم حالَه، كذلك أشبهت حالُ مكة حالَ هذه القرية، والكلام في جميع صفات القرية جرى على القرية، والمُرادُ أهلُها؛ لأن الطمأنينة والأمن وإتيان الرزق حقيقتها لأهلها لا لها، يدل على هذا قوله في آخر الآية: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون﴾، ولم يقل: بما صنعت.
وقوله تعالى: ﴿كَانَتْ آمِنَة﴾، أي: ذات أمن؛ يأمن فيها أهلها لا يُغَارُ عليهم، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 67]، وجاز وصفها بالأمن وإن كان لأهلها؛ لأنها مكانُ الأمن وظرفٌ له، والظروف من الأزمنة والأمكنة توصف بمحالها، كما يقال: يوم طيب وبارد وحار.
وقوله تعالى: ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾، أي: قارة ساكنة بأهلها، لايحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق، وهو قوله: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾؛ لأن الله جعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، فأرزاقهم تأتيهم في بلدهم، يُجْلَب إليها من كل بلد، كما قال تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: 57].
وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّه﴾، الأنعم: جمع نِعْمة، مثل شِدَّة وأَشُدّ، هذا قول سيبويه [["الكتاب" 3/ 582، بلفظه.]]، وقال غيره: يجوز أن يكون جمع نُعْمَى؛ كما يقال: بؤسى وأبؤس [[قال الفراء في "المقصور والممدود" ص 41: باب ما يفتح فيمد ويضم فيقصر، ومَثَّلَ لذلك بقوله: وكذلك .. ، والنُّعمى والنَّعماء، والبؤسى والبأساء، وهي بالألف الممدودة أشهر منها بالمقصورة، وفي القرآن: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ [هود: 10]، وكذلك نقل الطبري عن جعفر أهل الكوفة -ولعله يقصد == الفراء- أن أنعم جمع نعماء، مثل بأساء وأبؤس، لكنه استشهد بالبيت على أن أنعم جمع نُعْم كطُعْم، وهو قول أبي عبيدة وابن قتيبة؛ وردّ ابن قتيبة قول سيبويه، قائلاً: وليس قول من قال: إنه جمع نعمة بشيء؛ لأن فِعلة لا يجمع على أفعل. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 369، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 250، و"تفسير الطبري" 14/ 186، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 165 ب، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 49، و"تفسير القرطبي" 10/ 194.]]، وأنشد: وعندي قروض الخير والشر كله ... فبُؤسِي لذي بُؤسَى ونُعْمَى بأنْعُمِي [[ورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 186.
برواية:
فَبُؤْسٌ لذي بؤسٍ ونُعْمٍ بأنْعُمِ
وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 433، برواية:
فبؤس لدى بؤسي ونعمى بأنعم]]
وكفرانهم بأنعم الله تكذيبهم النبيّ -ﷺ- ومخالفتهم أمر الله فيما يأمرهم به.
وقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ قال المفسرون: عذَّبهم اللهُ بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجِيَفَ والعظام المحرقة والعلهز [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 208 ب، بمعناه، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 114، بنحوه، والطبري 14/ 187، بنحوه، والثعلبي 2/ 165 ب، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 217، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 49، وابن الجوزي 4/ 501، والفخر الرازي 20/ 128، و"تفسير القرطبي" 10/ 195، والخازن 3/ 139، وابن كثير 2/ 649، قال الطبري: العلهز: الوبر يعجن بالدم والقُراد يأكلونه، قلت: والقراد: دويبة متطفلة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالْخَوْف﴾، قالوا: يعني من النبيّ -ﷺ- ومن السرايا التي كان يبعثها إليهم فيطوفون بهم [[ورد بنحوه في "الطبري" 14/ 187، والسمرقندي 2/ 253، والثعلبي 2/ 165 ب، == وانظر: البغوي 5/ 49، وابن الجوزي 4/ 501، و"القرطبي" 10/ 194، والخازن 3/ 139، وابن كثير 2/ 649، وهذا التفسير مشهور بين المفسرين، وهو من قبيل التفسير بالمثال، والآية عامة في كل زمان ومكان.]].
قال ابن قتيبة: وأصل الذَّوَاقِ بالفم، ثم قد [[ساقطة من (د).]] يُستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول في الكلام: نَاظِرْ فُلانًا وذُقْ ما عنده، أي تعرَّف واختبر، واركب الفرسَ وذقه، وأنشد الشماخ في وصف قوس:
فذاقَ فأعْطَتْهُ من اللّين جَانبًا ... كفى [[في النسخ: لفي، ورواية الديوان وجميع المصادر (كفى)، وظاهر أنها تصحفت إلى (لفي).]] ولَهَا أن يُغْرِقَ السَّهْمَ حَاجِزُ [["ديوانه" ص 190، وورد في "جمهرة أشعار العرب" ص 299، و"الحيوان" 5/ 179، و"الشعر والشعراء" ص 195، و"المعاني الكبير" 2/ 1042، و"الأساس" 1/ 306، و"اللسان" (ذوق) 3/ 1891، وفيه (النبل) بدل (السهم)، قال في اللسان: أي ولها حاجز يمنع من الإغراق؛ أي فيها لين وشدّة. وأغرقتُ النَّبل: إذا بلغت به غاية المدِّ في القوس. "المحيط في اللغة" (غرق) 4/ 528.]]
يريد أنه راز [[في (أ)، (د): (زار)، وفي المصدر: ذاق، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصحيح الذي يؤدب المعنى، وهكذا في "المعاني الكبير". (راز) من الروز: التجربة، يقال: رُزْ ما عند فلان. "المحيط في اللغة" (روز) 9/ 84.]] القوس بالنزع ليعلم؛ ألَيِّنَةٌ هي أم صلبةٌ.
قال: ولباس الجوع والخوف: ما ظهر عليهم من سوء آثارهما بالضُّمْرِ والشُّحوب، ونَهْكَةِ [[في (ش)، (ع): (وبهلكة)، من الهلاك، والمثبت أصح وموافق للمصدر.]] البدن، وتغيّر الحال، وكُسُوف البال، فكما يقول: تَعَرَّفْتُ سوء أثرِ الخوف والجوع على فلان، وذقت بمعنى: تعرفتُ، واللِّبَاسُ بمعنى: سوء الأثر [[في (أ)، (د): (الأتراء).]]، كذلك تقول: ذقتُ لِبَاسَ الجوع والخوف، وأذاقني الله ذلك [["تأويل مشكل القرآن" ص 164 - 165، نقل طويل تصرَّف فيه واختصره.]].
وقال أبو علي: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ المعنى فيه: مقارنة [[في (أ)، (د): مفارقة، والمثبت من: (ش)، (ع)، وفي المصدر: مقاربة، وهو أيضًا تصحيف.]] الجوع لهم ومَسُّه إيّاهم؛ كمخالطة الذائق ما يذوقه، واللابس ما يَلْبَسُه، واتصاله بما وقع عليه الذوق، وكذلك لباس الجوع هو مَسُّه لهم كمَسّ الثوب للابسه، وأنشد لجرير:
وقد لَبِسَتْ بَعْدَ الزّبَيرِ مُجَاشعٌ ... ثيابَ التي حاضَتْ ولَمْ تَغْسلِ الدّمَا [["ديوانه" ص 448، وورد في: "المعاني الكبير" 1/ 593، و"تفسير ابن عطية" 8/ 528، وورد بلا نسبة في "تفسير أبي حيان" 5/ 543، و"الدر المصون" 7/ 295، وجرير هنا يهجو البَعِيث، ومجاشع: قبيلة الفرزدق والبعيث.]]
يريد أن العار والسُّبَّة لحقتهم، واتصل بهم لغدرهم، فجعل ذلك لباسًا [["الحجة للقراء" 5/ 80، بتصرف يسير.]]، فعلى ما ذكر ابن قتيبة معنى ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ عَرَّفَها سوءَ أثرهما، وعلى ما ذكر أبو علي، جعل الجوع والخوف تَمَسَّانها وتُلابِسَانِها.
وروي عن أبي [[في جميع النسخ: ابن، والصحيح المثبت، وهو أبو عمرو أحد القراء السبعة.]] عمرو أنه قرأ: ﴿وَالْخَوْف﴾ نصبًا [[انظر: "السبعة" ص 376، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 362، و"علل القراءات" 1/ 309، و"الحجة للقراء" 5/ 80، و"تفسير الثعلبي" 2/ 165 ب، والطوسي 6/ 433، وابن عطية 8/ 529، و"تفسير القرطبي" 10/ 194.]] بأنْ على الإذاقة [[قال الثعلبي: ﴿وَالْخَوْفِ﴾ بالنصب بإيقاع أذاقها عليه، وذكر السمين أربعة أوجه == -غير هذا الوجه- في نصب ﴿وَالْخَوْفِ﴾. انظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 165 ب، و"الدر المصون" 7/ 293.]]، والوجه قراءة العامة على معنى: فأذاقهم الله لباس الجوع ولباس الخوف، يدل عليه أن في حرف أُبي: لباسَ الخوف والجوع [[انظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 544، وقال: وهذا عندي في مصحفه قبل أن يجمعوا على ما في سواد المصحف الموجود الآن، وعليه فهي قراءة شاذة.]]، فقد جعل للخوف لباسًا كما جعل للجوع، وحَمْلُه على الخفض باللباس أولى من حمله على الإذاقة؛ لأن اللباس أقرب إليه، فحمله على الأقرب أولى، وليكونا محمولين على عامل واحد، كما كان في قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: 155]، الحمل على عامل واحد [["الحجة للقراء" 5/ 82، بنصه تقريبًا.]].
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبيّ -ﷺ- حيث كذبوه وأخرجوه من مكة وما هموا به من قتله [[انظر: "تفسير الرازي" 20/ 129 بنصه، وابن الجوزي 4/ 501، بنحوه بلا نسبة.]].
قال الفراء: ولم يقل بما صنعت، ومثله في القرآن كثير، منه قوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُون﴾ [الأعراف: 4] ولم يقل: قائلة، فإذا قال: ﴿قَائِلُون﴾ ذهب إلى الرجال، وإذا قال: قائلة، فإنما يعني أيضًا أهلها، ومثله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿فَذَاقَتْ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 114، بنصه تقريبًا.]] [الطلاق: 8 - 9].
النحل 16:113
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ يعني أهل مكة، ﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ يعني مِنْ نسبهم يعرفونه بأصله ونسبه، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَاب﴾، قال ابن عباس: يعني الجوع الذي كان بمكة [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 501، والفخر الرازي 20/ 130، وأخرجه الطبري 14/ 187، بنحوه عن قتادة، وورد بلا نسبة في "تفسير القرطبي" 10/ 195، و"تفسير الألوسي" 14/ 245، ورجحه.]]، وقال مجاهد: يعني القتل ببدر [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 434، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 501، بنصه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 187.]]؛ وهو اختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 221، بنحوه.]].
النحل 16:114
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية.
قال ابن عباس: ﴿فَكُلُوا﴾: يا معشر المؤمنين، ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، يريد من الغنائم [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 130، بنصه، والخازن 3/ 139، و"تفسير الألوسي" 14/ 245، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 208 ب، بنحوه، و"تفسير الطبري" 14/ 188 بمعناه، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 501، و"تفسير القرطبي" 10/ 195، وهذا من قبيل التفسير بالمثال، والآية عامة في جواز الأكل من كل طيب.]].
وقال الكلبي: إن رؤساء أهل مكة كَلَّمُوا رسولَ الله -ﷺ- حين جُهِدوا، قالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان، وكانت المِيرَة [[المِيرَةُ: جلب الطعام للبيع وللعيال، وهم يَمِيرون غيرهم ويَمْتَارون لأنفسهم. "المحيط في اللغة" (مير) 10/ 285.]] قد قطعت عنهم بأمر رسول الله -ﷺ- فأَذِن في الحَمْل إليهم، فَحُمِل إليهم الطعام [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 130، بنصه، والخازن 3/ 139، بنحوه، و"تفسير الألوسي" 14/ 245، بنصه، وعزياه للواحدي، ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 255، والثعلبي 2/ 165 ب، والبغوي 5/ 49، وابن الجوزي 4/ 501، و"تفسير القرطبي" 10/ 195.]]، فقال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. والقول ما قاله ابن عباس، يدل عليه قوله بعد هذه الآية:
النحل 16:115
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ وهذا خطاب للمسلمين لا لكفار مكة، وهاتان الآيتان سبق تفسيرهما في سورة البقرة [[آية [172 - 173].]].
النحل 16:116
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية. قال مجاهد: يعني البحيرة والسائبة [["تفسير مجاهد" ص 354، بنصه، أخرجه الطبري 14/ 189 بنصه من طريقين، وورد في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 110، بنحوه، وانظر: "تفسير الخازن" 3/ 140، و"الدر المنثور" 4/ 252، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وورد بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 2/ 165ب، والبغوي 5/ 49 - 5/ 50.]].
وقال ابن عباس: يعني قولهم: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [[انظر: "تفسير الخازن" 3/ 140.]] [الأنعام: 139]، واختلفوا في وجه انتصاب الكذب؛ فقال الأخفش: جعل (ما تصف) اسمًا للفعل؛ كأنه قال: ولا تقولوا لوصف ألسنتِكم الكذب [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 608، بنصه.]]، ونحو هذا قال الكسائي [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 131، وأبي حيان 5/ 545، و"الدر المصون" 7/ 297، و"تفسير الألوسي" 14/ 247.]]. والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 222، بنصه.]]، سِوى أنْ قال صاحب النظم: واللام في (لِمَا) لامُ سبب وأجل، كما يقال: فعلت هذا لك، أي لأجلك وبسببك [[انظر. "تفسير ابن الجوزي" 4/ 502، بنحوه عن ابن الأنباري.]]، والمعنى: ولا تقولوا لأجل وصفكم الكذب هذا حلال وهذا حرام؛ أي إنكم تُحِلُّون وتُحَرِّمون لأجل الكذب لا لغير، فليس لتحريمكم وتحليلكم معنى وسبب إلا الكذب فقط، فلا تفعلوا ذلك، هذا معنى قوله: إن دخول اللام في (لِمَا) سبب لقوله: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾، وذكر وجهين آخرين في انتصاب الكذب؛ أحدهما: أن نصبه على نفي الخافض [[أي لما تصف ألسنتكم من الكذب. "تفسير القرطبي" 10/ 196.]]، على تأويل لِمَا تصف ألسنتكم كذبًا؛ على جهة التفسير [[أي التمييز. انظر: "المعجم المفصل في النحو العربي" 1/ 365.]] أو الحال، ثم ألحق به الألف واللام؛ كما قال الشاعر [[هو الحارث بن ظالم (جاهلي).]]:
وما قومي بِثَعْلَبةَ بنِ بَكْرٍ ... ولا بفَزَارة الشُّعْرِ الرِّقابَا [[ورد في "الكتاب" 1/ 201، و"البيان والتبيين" 4/ 1008، و"المقتضب" 4/ 161، و"الأغاني" 11/ 123، و"الإنصاف" 109، 110، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 398، و"شرح المفصل" 6/ 89، وفي بعض المصادر برواية: (الشُّعْرى رِقابا)، وفي جميع المصادر -ما عدا الإنصاف- (سعد) بدل (بكر)، قال في الانتصاف من الإنصاف: والمحفوظ (بثعلبة بن سعد)، وكذلك هو في نسب ثعلبة؛ فإنه ثعلبة بن سعد بن ذبيان، وفزارة هو ابن ذبيان أخو سعد بن ذبيان أبي ثعلبة، والشاعر في هذا البيت ينتفي من بني سعد بن ذبيان. (الشُّعْر): جمع أشعر، والشعرى مؤنث الأشعر، والأشعر: الكثير شعر القفا ومقدم الرأس، فهذا عندهم مما يتشاءم به، ويحمدون النّزع، وهو انحسار الشعر عن مقدم الرأس. والشاهد: أنه نصب الرقابا بقوله: (الشُّعْر) جمع أشعر، وهو هنا صفة مشبهة.]]
انتصب الرقاب على معنى التفسير هذا كلامه [[ذكر الواحدي أن صاحب النظم ذكر وجهين آخرين للنصب ولم يذكر إلا وجهًا واحدًا، وذكر السمين أربعة أوجه للنصب. انظر: "الدر المصون" 7/ 297.]]، والقول قول الأخفش والكسائي، والإشارة بقوله ﴿هَذَا﴾ و ﴿وَهَذَا﴾ إلى ما كانوا يحلونه ويحرمونه.
وقوله تعالى: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، وذلك أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم إلى الله تعالى، ويقولون إنه أمَرَنا بذلك، وقوله: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بدل من قوله: ﴿لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾؛ لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله، ففسر ذلك الوصف والكذب بالافتراء على الله، ثم أوعد المفترين، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.
النحل 16:117
ثم بين أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب، فقال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾، قال الزجاج: المعنى: متاعهم متاع قليل، أي يَتَمتَّعون [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 222، بتصرف يسير.]]، وقال ابن عباس: يريد متاع الدنيا قليل [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 132، ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الطبري" 7/ 658، وهود الهواري 2/ 393، والثعلبي 2/ 165 ب، والبغوي 5/ 50.]]، وقيل: لهم متاع قليل ثم يردون إلى عذاب أليم [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 189، بنحوه، والثعلبي 2/ 165 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 50، و"القرطبي" 10/ 196.]]، وهو قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [[نقل الفخر الرازي هذا المقطع بنصه تقريبًا مع العزو للواحدي. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 132.]].
النحل 16:118
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال السدي وقتادة: يعني ما ذَكر في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 360، بنحوه عن قتادة، والطبري 14/ 189، بنحوه عن قتادة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 110، بنحوه عن قتادة، و"تفسير الطوسي" 6/ 436، بنصه عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 252، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 393، والثعلبي 2/ 166 أ، والبغوي 5/ 50، وابن الجوزي في 4/ 503، و"تفسير القرطبي" 10/ 197، والخازن 3/ 140 وابن كثير 2/ 651.]] [الآيه: 146].
وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، أي: بتحريم ما حرمنا عليهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ثم عطف على هذا بالمغفرة لمن تاب منهم ومن غيرهم بعد المعصية، فقال:
النحل 16:119
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾، قال ابن عباس في (هذه الآية: يريد بـ ﴿السُّوءَ﴾: الشرك [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 197، وأبي حيان 5/ 546، و"تفسير الألوسي" 14/ 249، والتعميم أولى من هذا التخصيص.]]، ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: السوء، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾، قال ابن عباس) [[ما بين القوسين ساقط من (د).]]: يريد آمنوا وصدقوا وقاموا لله بفرائضه وانتهوا عن معاصيه [[انظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 546، بنحوه بلا نسبة.]].
وقال أهل المعاني: شَرَطَ مع التوبة الإصلاح؛ للاستدعاء إلى الصلاح وترك الاغترار بما سلف من التوبة [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 437، بنصه تقريبًا.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي من بعد تلك الجهالة [[ورد بلفظه في "تفسير هود الهواري" 2/ 393، والثعلبي 2/ 166 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 50، وبمعناه قال السمرقندي 2/ 254، قال: من بعد السيئة، وفي هذا التفسير نظر؛ لأن المغفرة لا تحصل بعد تلك الجهالة أو السيئة، بل بعد التوبة من الجهالة والسيئة، لذلك قال الطبري وغيره 14/ 190: أي من بعد توبهم.]] ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
النحل 16:120
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ قال ابن مسعود وابن عباس في رواية الكلبي: مُعَلِّمًا للخير، وهو قول أكثر أهل التفسير [[أخرجه الطبري 14/ 191، بنحوه من طرق عن ابن مسعود، وورد بنحوه عن ابن == مسعود في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 110، و"تفسير السمرقندي" 2/ 254، و"تفسير الماوردي" 3/ 218 والطوسي 6/ 437، كذلك ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 209 أ، بنحوه، والثعلبي 2/ 166أبلفظه، وانظر: بنحوه عن ابن مسعود في "تفسير البغوي" 5/ 50، والزمخشري 2/ 348، وابن عطية 8/ 540، وابن الجوزي 4/ 503، و"تفسير القرطبي" 10/ 198، والخازن 3/ 141، وأبي حيان 5/ 547، عنهما، و"تفسير الألوسي" 14/ 249، بنحوه عن ابن عباس.]].
قال ابن الأعرابي: يقال للرجل العالم: أُمَّة، والأُمَّةُ: الرجل الجامع للخير [[ورد في "تهذيب اللغة" (أم) 1/ 203، بنصه.]].
وقال ابن عباس في رواية [[ساقطة من: (أ)، (د).]] الضحاك في قوله: ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ قال: كان على الإسلام ولم يمكن في زمانه أحدٌ على الإسلام غيرُه [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 503، و"الدر المنثور" 4/ 253، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 254، بنحوه بلا نسبة.]]، فلذلك قال الله تعالى: ﴿كَانَ أُمَّةً﴾.
وقال مجاهد: كان مؤمنًا وحده والناس كفار كلهم، وهو قول إبراهيم [[لم أجده في تفسير مجاهد، وورد عنه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 111، بنصه، و"تفسير الثعلبي" 2/ 166 أبنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 50، والفخر الرازي 20/ 134، والخازن 3/ 141، وأبي حيان 5/ 547، وابن كثير 2/ 652، و"الدر المنثور" 4/ 253، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ولم أقف عليه منسوبًا إلى إبراهيم.]]، وقال ابن قتيبة: أي إماما يَقْتَدِى به الناس؛ لأنه ومن اتبعه أُمَّة، فَسُمِّي أُمَّة؛ لأنه سبب الاجتماع [["تأويل مشكل القرآن" ص 445، بنصه.]]، هذا وجه قول من قال: أُمَّةً: معلمًا للخير.
ومن قال: أُمَّةً أي: مؤمنًا وحده؛ فلأنه اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مِثْلُه في أُمَّة، ومن هذا يقال: فلان أُمَّة وحْدَه، أي هو يقوم مقام أمة [[المصدر السابق بنصه.]]، والكلام في وجوه الأمة ومعانيها قد تقدم [[سورة البقرة [128].]].
وقوله تعالى: ﴿قَانِتًا لِلَّه﴾ قال ابن عباس والجميع: مطيعًا لله [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 135، و"تنوير المقباس" ص 295 و"الدر المنثور" 4/ 253، وعزاه إلى ابن المنذر، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 360، بنحوه عن قتادة، وورد بلفظه في "تفسير مقاتل" 1/ 209 أ، و"تأويل مشكل القرآن" ص 452، و"تفسير الطبري" 14/ 192، عن مجاهد، وهود الهواري 2/ 394، و"الماوردي" 3/ 219، عن ابن مسعود، والطوسي 6/ 437، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 50، والخازن 3/ 141.]].
وقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ قال ابن عباس: يريد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضَحَّى، هذه صفة الحنيفية [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 135، بنصه، والخازن 3/ 141، بلا نسبة.]]، والقنوت والحنيفية مما تقدم القول فيه [[سورة البقرة آية: [135، 238].]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد أخلص لله التوحيد صبيًّا وكبيرًا [[انظر: "تفسير الخارن" 3/ 141، بنحوه بلا نسبة.]]، وذكرنا وجه حذف النون مِنْ يكن عند قوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ [[منها أنها حذفت لكثرة استعمال هذا الحرف، وهو قول سيبويه وجُلّ البصريين.]] في سورة هود [109].
النحل 16:122
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يقول: الذكر الحسن [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 504، وأبي حيان 5/ 547.]]، وقال في رواية عطاء: يريد الصدق والوفاء والعبادة [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 136، بنصه بلا نسبة.]].
وقال الحسن: النبوة [[ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 219، بلفظه، والطوسي 6/ 438، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 504، وأبي حيان 5/ 547، و"القرطبي" 10/ 198، بلا نسبة.]]. وقال مجاهد: لسان صدق في الآخرين [["تفسير مجاهد" ص 354، بنحوه، أخرجه الطبري 14/ 193، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 111، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 219، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 504، وأبي حيان 5/ 547، وابن كثير 2/ 651، و"الدر المنثور" 4/ 253 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال الكلبي: الثناء الحسن من بعده [[ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 255، وهود الهواري 2/ 394، والثعلبي 2/ 166 أ، والبغوي 5/ 51، و"تفسير القرطبي" 10/ 198، والخازن 3/ 141، و"تنوير المقباس" ص 295.]].
وقال مقاتل: يعني الصلوات عليه مقرونًا بالصلاة على محمد -ﷺ-؛ وهو قول المتشهد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم [[الخبر عن مقاتل بن حيان كما صرَّح البغوي وابن الجوزي؛ لذلك لم أجده في تفسير مقاتل بن سليمان، وقد ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 166 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 51، وابن الجوزي 4/ 504، والفخر الرازي 20/ 136، بلا نسبة، والخازن 3/ 141 بلا نسبة.]]، وهذه الأقوال متقاربة وجملتها تعود إلى تنويه الله بِذِكْره في الدنيا بطاعته لربه، ومسارعته إلى مرضاته، وإخلاصه في عبادته، حتى صار إمامًا يُقْتَدَى به، قال قتادة: فليس من أهل دين إلا يتولونه ويرضون به [[أخرجه الطبري 14/ 193، بنحوه، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 166 أ، بنصه تقريبًا، و"تفسير الماوردي" 3/ 291، بنحوه، والطوسي 6/ 438، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 51، والزمخشري 2/ 348، وابن الجوزي 4/ 504، والخازن 3/ 141، و"الدر المنثور" 4/ 253، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وهو أيضًا كان في الدنيا من الصالحين، فلذلك قال: إن [من] [[إضافة يقتضيها السياق ليستقيم المعنى، ولعلها سقطت.]] بمعنى (مع)، وقال أهل المعاني: إنما قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ولم يقل: في أعلى منازل الصالحين بحسب ما تقتضيه حاله من الفضل؛ لمدح من هو منهم، والترغيب في الصلاح ليكون صاحبُه في جَنْبِه إبراهيم، وناهيك بهذا الترغيب في الصلاح، وبهذا المدح لإبراهيم أن يُشَرَّفَ جُمْلة هو فيها، حتى يصير الاستدعاء إليه بأنه فيها [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 438، بنصه تقريبًا.]].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية. هذا يدل على أن دين محمد -ﷺ- دين إبراهيم، وشريعته كشريعته؛ حيث أُمر باتباعه وأُمرنا باتباعه، وهو الأفضل بسبقه إلى القول بالحق والعمل به من غير تقصير، وفيه قال عبد الله بن عمرو: أُمر باتباعه في مناسك الحج كما علَّم جبريلُ إبراهيمَ عليهما السلام [[أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 3/ 317، مفصلًا عن عبد الله بن عمرو عن النبي -ﷺ-، والثعلبي 2/ 166 أ، مفصلًا عنه عن النبي -ﷺ-، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 198، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 254، مفصلًا وزاد نسبته إلى عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب موقوفًا.]].
النحل 16:124
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية. قال مجاهد: اختلفوا فيه واتبعوه وتركوا الجمعة [["تفسير مجاهد" ص 355، بنصه، أخرجه الطبري 14/ 193 بنصه من طريقين، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 255 بنصه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 652.]].
وقال السدي: إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى، إن الله لم يخلق يومًا أثقل علينا ولا أبغض إلينا من يوم الجمعة، فاجعل لنا يوم السبت، فلما جعل لهم السبت استحلوا منه ما حرم عليهم [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 254، بنحوه وعزاه إلى ابن أبي حاتم.]].
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أمرهم موسى بالجمعة فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يومًا واحدًا فاعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئًا من صنعتكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نبغي إلا اليوم الذي فُرغ فيه من الخلق، يوم السبت، فجُعل عليهم السبت وشُدِّدَ عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى بالجمعة، فقال النصارى: لا نريد أن يكون عِيدُهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد، هذا الذي ذكرنا هو قول أكثر المفسرين في هذه الآية [[ورد بنحوه منسوبًا إلى الكلبي في: "تفسير هود الهواري" 2/ 395 وليس فيه الخبر عن عيسى عليه السلام، والثعلبي 2/ 166 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 52، وابن الجوزي 4/ 505، والفخر الرازي 20/ 137، والخازن 3/ 141، وورد في "تفسير مقاتل" 1/ 209 أ، بنحوه، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 114، بنحوه، والسمرقندي 2/ 255، بنحوه.]]، وهو معنى ما روى أبو هريرة أن النبيَّ -ﷺ- قال: "إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غدًا والنصارى بعد غد" [[في جميع النسخ: (غدًا)، وهو خطأ نحوي ظاهر.]] [[ورد في جميع المصادر بزيادة، وطرفه: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" أخرجه أحمد (2/ 249، 274، 241)، البخاري (876) كتاب: الجمعة، باب: فرض الجمعة، ومسلم (855) كتاب: الجمعة، باب: هداية هذه الأمة، والدارقطني (2/ 3)، والثعلبي 2/ 166 ب، والبيهقي: الطهارة/ الغسل على من أراد الجمعة (1/ 297، والبيهقي في "الدلائل" 5/ 475، والبغوي 5/ 52، والبغوي في شرح السنة: الجمعة/ فرض الجمعة 4/ 200، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 255، وهود الهواري 2/ 395، والخازن 3/ 141، وابن كثير 2/ 652.]].
وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، أي: اختلفوا فيه على نبيهم موسى؛ حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافًا على نبيهم في ذلك اليوم [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 209 أ، وهود الهواري 2/ 395.]]، أي لأجله لأنهم اختاروه ولم يختلفوا في اختياره، وهذا مما أشكل على كثير من المفسرين حتى قال بعضهم: معنى الاختلاف في السبت أن بعضهم قال هو أعظم الأيام حرمة؛ لأن الله فرغ فيه من خلق الأشياء، وقال آخرون: لا بل الأحد؛ لأن الله ابتدأ خلق الأشياء فيه [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 193، بنصه، والثعلبي 2/ 166 أ، بنصه، و"تفسير الماوردى" 3/ 220، بنصه، والطوسي 6/ 438، بنصه.]]، وهذا غلط؛ لأن اليهود لم يكونوا فريقين في يوم السبت، وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان طويل.
وقال بعض المفسرين أيضًا: أكثر اليهود قالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق الأشياء، وكان شرذمة منهم يرغبون في الجمعة، فهذا اختلافهم [[انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 348، وابن عطية 8/ 544، وأبي حيان 5/ 548، و"تفسير الألوسي" 14/ 253.]]، وهذا القول أيضًا في الفساد كالأول، ولم يرو [[في (ش)، (ع): (يروا) من الرؤية، والمثبت أصح من الرواية؛ كما هو السياق.]] أحدٌ أن اليهود اختلفوا في اختيار السبت حتى مال بعضهم إلى الجمعة، ولكن لمّا أشكل على هؤلاء وجه اختلافهم في السبت تخبطوا واضطربوا حتى أتوا بما لا وجه له.
وفي الآية قولٌ ثانٍ، وهو ما رواه عطاء عن ابن عباس قال: ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، يريد تهاونوا وصادوا فيه وتعدوا [[ورد غير منسوب في "تفسير الطوسي" 6/ 438، بمعناه.]].
وقال قتادة: استحله بعضهم وحرمه بعضهم [[أخرجه الطبري 14/ 194 بنصه، عن سعيد عن قتادة، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 112، بنصه، عن سعيد عن قتادة، و"تفسير الثعلبى" 2/ 166 ب، بنصه عن قتادة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 52، عن قتادة، وابن الجوزي 4/ 505، عن قتادة، والخازن 3/ 142، عن قتادة، وورد غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 395، بنصه.]].
وهذا قول سعيد بن جبير، وعلى هذا معنى اختلافهم في السبت: اختلافهم في استحلاله بالصيد فيه، وتحريمُه: ما ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الأعراف [163] زمن داود، والوجه هو القول الأول؛ لأن السبت جعل عليهم من أول ما اختاروه لا من زمن داود -عليه السلام-، ومعنى فجعل عليهم: أي جعل ذلك اليوم عقوبة وتشديدًا عليهم، ولم يجعل لهم ذلك اليوم كما ذكر الكلبي: أنهم لما تركوا الجمعة وأرادوا السبت بَدَلَها، جعل عليهم السبت وشدّد عليهم فيه، والآية تدل على نسخ ما سبق من الشريعة في السبت بشريعة محمد -ﷺ-، حيث أخبر أن السبت جعل عليهم ولم يجعل علينا.
وذكر بعض أهل المعاني أن وجه اتصال معنى هذه الآية بمعنى الآية السابقة هو: أنه لمّا أُمر النبيّ -ﷺ- باتباع الحق، حذر من الاختلاف عليه فيه بما ذكر من حال الذين اختلفوا على نبيهم في السبت بما ليس لهم أن يختلفوا فيه، فشدد عليهم أمره وضيق [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 438، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 200.]].
وذكر أبو إسحاق القولين في هذه الآية فقال: جاء في التفسير أنهم أُمروا بأن يتخذوا الجمعة عيدًا، فخالفوا وقالوا: نريد يوم السبت، واختار القول الأول فقال: هو أدل على ما جاء في الاختلاف في السبت [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 223، بنصه.]].
النحل 16:125
قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: دين ربك [[انظر: "تنوير المقباس" ص 295، وورد بلفظه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 209 أ، والسمرقندي 2/ 255، والثعلبي 2/ 166 ب، والخازن 3/ 142.]].
﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ قال أهل التفسير: بالنبوة [[ورد بلفظه في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 223، و"تفسير السمرقندي" 2/ 255، و"تفسير الماوردي" 3/ 220، والطوسي 6/ 440، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 506، والخازن 3/ 143، وأبي حيان 5/ 549.]]، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ يعني مواعظ القرآن، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي افتلهم عما هم عليه، غير فظ ولا غليظ القلب في ذلك، أي ألن لهم جانبك [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 223، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 506.]]، ومعنى: {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بالكلمة التي هي أحسن.
قال مجاهد: أي أعرض عن أذاهم إياك كله [["تفسير مجاهد" ص 355 بنصه، أخرجه الطبري 14/ 194 بنصه من طريقين، و"الدر المنثور" 4/ 255، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، قال: لا تقابلهم بسوء، وهذا قبل الأمر بالقتال.
وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بلا إله إلا الله [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 506، بنصه، و"تنوير المقباس" ص 295 بنصه.]]، كأنه قال: جادلهم بهذه الكلمة، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ إلى آخرها، معناه: هو أعلم بالفريقين، فهو يأمرك فيهما بما فيه الصلاح.
النحل 16:126
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ الآية. هذه الآية فيها ثلاثة أقوال للمفسرين:
أحدها: وهو الذي عليه العامة، أنها نزلت لمّا قال النبيّ -ﷺ- حين نظر إلى حمزة وقد مُثِّلَ به: "والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك"، فنزل جبريل والنبيّ -ﷺ- واقف بعد، بخواتيم سورة النحل، فصبر رسول الله -ﷺ- وكفّر عن يمينه وأمسك عما أراد، هذا قول ابن عباس في رواية عطاء وأبي بن كعب والشعبي [[أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (7/ 366) بمعناه عن الشعبي، وأحمد 5/ 135، بنحوه من طريقين عن أُبي، والترمذي كتاب: التفسير/النحل، بمعناه عن أُبي وحسنه، والنسائي في "التفسير" 1/ 641، بمعناه عن أُبي، والطبري 14/ 195، بنحوه عن عطاء بن يسار، إلا أن فيها: لنُمثلنَّ بثلاثين رجلاً منهم، والطبراني في "الكبير" 11/ 62، بنحوه عن ابن عباس، وفيه: لأمثلن بثلاثين، والحاكم: التفسير، النحل (2/ 359) بمعناه عن أبي وقال صحيح الإسناد، والبيهقي في "الدلائل" 31/ 288 - 289، بنحوه عن ابن عباس، وبمعناه عن أُبي، والواحدي == في "أسباب النزول" ص 291 بنحوه عن أبي هريرة وابن عباس، وورد بنحوه في "سيرة ابن هشام" 3/ 47، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 113 وقال: فأمَّا حديث أبي هريرة وابن عباس فإسنادهما ضعيف، وورد في: "تفسير الجصاص" 3/ 194، بنحوه عن الشعبي وعطاء، والسمرقندي 2/ 256، بنحوه عن ابن عباس، والطوسي 6/ 440، عن الشعبي وعطاء، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 507، عن ابن عباس وأُبي، وابن كثير 2/ 652 - 653، عن عطاء بن يسار، وقال: وهذا مرسل، وفيه رجل مبهم لم يسم، كما ذكر أنه روي متصلاً وعزاه إلى البزار عن أبي هريرة، وقال: وهذا إسناد فيه ضعف؛ لأن صالحاً هو ابن بشير المري ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري هو منكر الحديث، وأورده كذلك بنحوه عن الشعبي وأُبي، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 255، بمعناه وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه عن أبي بن كعب، وأورده بنحوه، 4/ 255، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس، والحديث يرتقي بكثرة طرقه إلى الحسن لغيره، وقد حسّنه الترمذي كما صححه الحاكم، وقال الألباني: حسن صحيح الإسناد. "صحيح سنن الترمذي" (3129).]]، وعلى هذا قالوا: سورة النحل كلها مكية إلا هذه الآيات الثلاث، فإنها نزلت بالمدينة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 166 ب، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 425، والفخر الرازي 19/ 217.]].
القول الثاني: أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد حين كان المسلمون قد أمروا بقتال من يقاتلهم ولا يبدؤوا بالقتال، وهو قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190]، وفي هذه الآية أُمروا أن يعاقبوا بمثل ما أصابهم من العقوبة ولا يزيدوا، فلما نزلت سورة برآءة نُسخت هذه الآية، كما نُسخ قولُه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. وهذا قول ابن عباس والضحاك [[أخرجه الطبري 14/ 196، بمعناه عن ابن عباس من طريق العوفي ضعيفة، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 112، عن الضحاك، و"تفسير الثعلبي" == 2/ 167 أ، عنهما، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الطوسي" 6/ 441، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 53، عنهما، وابن الجوزي 4/ 508، عنهما، والخازن 3/ 143، عنهما، و"الدر المنثور" 4/ 256، وزاد نسبته إلى ابن مردويه عن ابن عباس، وقد مضى الرد على المبالغة في دعوى نسخ بعض الآيات بآية السيف عند آية [85]، من الحجر 1/ 359.]].
القول الثالث: أن هذه الآية نزلت في نهي المظلوم أن ينال من ظالمه أكثر مما نال منه ، وهذا قول مجاهد وإبراهيم وابن سيرين وسفيان [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 167 أ، بنحوه عنهم، والطوسي 6/ 441، بنحوه عنهم عدا سفيان.]]؛ قال مجاهد في هذه الآية: لا تعتدوا [["تفسير مجاهد" 355، بلفظه، أخرجه الطبري 14/ 197 بلفظه من طريقين، وورد في: "تفسير الجصاص" 3/ 194، بمعناه، و"تفسير الماوردي" 3/ 221 بمعناه، وانظر:"تفسير ابن كثير" 2/ 652، و"الدر المنثور" 4/ 256، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.]].
وقال ابن سيرين: يقول: إنْ أَخذَ رجلٌ منك شيئًا فخذ منه مثله [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 361 بنصه عنهما، والطبري 14/ 197، بنصه عنهما، وورد في: "تفسير الجصاص" 3/ 194، بمعناه، و"تفسير الماوردي" 3/ 221، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 652، عنهما، و"الدر المنثور" 4/ 256، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، ونحوه لفظ إبراهيم.
وقال سفيان: لا تأخذ دينارًا مكان درهم [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 361 بمعناه، والطبري 14/ 197 بمعناه.]]، وعلى هذا القول: الآية محكمة [[وهو ما رجحه الطبري في 14/ 197، والفخر الرازي 20/ 143.]].
غير أن علي بن أبي طلحة روى عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ الآية، [البقرة: 194] وقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: 41]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية، [الشورى:41] بمكة، والمسلمون يومئذ قليل، ليس لهم سلطان يقهر المشركين، فأمر الله المسلمين أن يجازوا بمثل ما أتى إليهم أو يصبروا فهو أمثل، فلما هاجر رسول الله -ﷺ- إلى المدينة وأعز الإسلام، أَمرَ المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى [[في (أ)، (د): (أي)، والمثبت هو الصحيح وموافق للمصادر.]] سلطانهم، وأن لا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية، فقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ الآية. [الإسراء: 33] يقول: ينصره السلطان حتى ينصفه من ظالمه، فمن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم الله [[أخرجه الطبري 2/ 199، بنحوه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، والبيهقي في السنن: الجنايات/الولي لا يستبد بالقصاص دون الإمام (8/ 61) بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 373، بنصه وزاد نسبته إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، فعلى هذا نُسخ من الآية أن يتولى المظلوم أخذَ القصاص، بل يجب أن يرفع ذلك إلى السلطان حتى يعاقب خصمه بمثل ما عاقبه، ثم أخبر أن الصبر خير وأفضل، فقال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُم﴾، أي: عن المجازاة بالمُثْلَة، أو على ما يصيبكم من أذى المشركين، أو على ظلم من ظلمكم، ﴿لَهُوَ﴾، أي: الصبر، ﴿خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.
النحل 16:127
ثم أمر نبيه -عليه السلام- بالصبر عزمًا، فقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، أي: بتوفيقه ومعونته، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، أي: على المشركين بإعراضهم عنك، وقيل: على قتلى [[في جميع النسخ: (قتل)، والصحيح المثبت.]] أُحد؛ فإنهم أفضوا إلى رحمة الله وكرامته [[انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 550، وصوب الأول؛ وعليه يكون عود الضمائر على جهة واحدة، وذكر كذلك ابن الجوزي 4/ 508، الوجهين، ونسب الأول لابن عباس، وعزا الثاني للواحدي.]].
وقوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُون﴾، قراءة العامة بفتح الضاد [[انظر: "السبعة" ص 376، و"علل القراءات" 1/ 310، و"الحجة للقراء" 5/ 80، و"المبسوط في القراءات" ص 226، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 41، و"التيسير" ص 139، و"تلخيص العبارات" ص 111، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 746.]]، واختاره أبو عبيد، وقال: لأن الضِّيق بالكسر في قلة المعاش والمساكن، وما كان في القلب فإنه الضَّيْق [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 167 أ، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير الخازن" 3/ 144.]].
وقال أبو عمرو: الضَّيْق، بفتح الضاد: الغَمُّ، والضِّيق، بالكسر: الشدة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 167 أ، بنصه، وفي "علل القراءات" 1/ 311، عن أبي عمرو: والضَّيق الشيء الضَّيِّق، والضِّيق المصدر.]]، ونحو هذا قال الفراء: الضَّيْق: ما ضاق عنه صدرك، والضَّيق: ما يكون في الذي يتسع؛ مثل الدار والثوب وأشباه ذلك [["معاني القرآن" 2/ 155، بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" (ضيق) 3/ 2082، بنصه.]].
وقال أبو عبيدة: ضَيْق تخفيف ضَيِّق، مثل مَيِّت، يقال: أمر ضَيْق وضَيّق [["مجاز القرآن" 1/ 369، بنحوه، وهو قول ابن قتيبة كذلك. انظر: "الغريب" لابن قتيبة ص 249.]].
وقال أبو الحسن الأخفش: الضيق: مصدر ضاق يضيق ضَيْقًا، وضِيْقًا، لغتان في المصدر [[لم أجده في معانيه، وورد في "الحجة للقراء" 5/ 80، بنحوه، وفي تفسيره "الوسيط"، تحقيق سيسي 2/ 461، بنصه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 203.]].
قال أبو علي: وينبغي أن يحمل ضيق هاهنا على أنه مصدر لا على ما قال أبو عبيدة؛ لأن فيه [[أي في حمله على أنه مخفف من ضَيّق.]] إقامة الصفة مقام الموصوف من غير ضرورة [[ودعواه هذه بينها ابن عطية؛ فقال: إن الصفة إنما تقوم مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف من نفس الصفة، كما تقول رأيت ضاحكًا فإنما تخصص الإنسان، ولو قلت رأيت باردًا لم يحسن كما قال سيبويه وضيق لا يخصص الموصوف، وقد أجاز الفخر الرازي إقامة الموصوف مقام الصفة في هذه الآية لفائدة، وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب، وصار كالقميص المحيط به، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى. انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 551، والفخر الرازي 20/ 143، وأبي حيان 5/ 550.]]، ولأن المعنى: لا تكن في ضيق، أي لا يضق [[في جميع النسخ: (لا يضيق)، وهو خطأ نحوي، والتصويب من المصدر.]] صدرك من مكرهم، كما قال: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: 12]، وليس المعنى: ولا تَكُ في أمرٍ ضَيِّق [["الحجة للقراء" 5/ 80، بتصرف يسير.]]، وقرأ ابن كثير في ﴿ضِيق﴾ بكسر الضاد [[انظر: "السبعة" ص 376، و"علل القراءات" 1/ 310، و"الحجة للقراء" 5/ 79، و"المبسوط في القراءات" ص 226، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 41، و"التيسير" ص 139، و"تلخيص العبارات" ص 111، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 746.]]، وهما لغتان كما قال أبو الحسن، فمن كسر في معنى من فتح [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 80، بنصه تقريبًا، وإليه ذهب ابن السِّكِّيت في "الإصلاح" ص 32 فقال: ويقال في صدر فلان ضِيقٌ وضَيْق، ومكانٌ ضَيِّقٌ وضَيْقٌ، وكذلك ابن قتيبة في "أدب الكاتب" ص 528، وقال السمرقندي 2/ 256: ومعناهما واحد؛ أي: لا يضق صدرك مما يقولون لك ويصنعون بك.]]، وذكرنا أبلغ وأتم من هذا في سورة النمل [آية: 70].
النحل 16:128
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قال ابن عباس: يريد خَافَوْني ولم يشركوا بي شيئًا، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ يريد موحدون، وقال الحسن: اتقوا الله فيما حرم عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم [[أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 364) بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 198 بنصه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 114، بنحوه، وانظر: "الدر المنثور" 4/ 256، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، ونحوه قال الكلبي: اتقوا الفواحش والكبائر [[ورد بنصه غير منسوب في "تفسير الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 461، و"تفسير القرطبي" 10/ 203، و"تنوير المقباس" ص 295.]].
﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾: في العمل. وقال الزجاج في هذه الآية: قد وعدوا النصر [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 224، بنحوه.]]، أي أن الله ناصرهم كما قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].
الإسراء 17:1
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية. قال النحويون: ﴿سُبْحَانَ﴾: اسم موضوع في موضع مصدر سبَّحتُ الله تسبيحًا وسبحانًا، فالتسبيح هو المصدر، وسبحان اسم منه [[انظر: "الكتاب" 1/ 322، و"المقتضب" 3/ 217، و"تفسير الطبري" 15/ 1، و"المخصص" 17/ 163، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 107، و"شرح المفصل" 1/ 37، و"الخزانة" 7/ 245.]]؛ كقولك: كَفَّرتُ اليمين تكفيرًا وكُفْرانًا [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 444 بنصه وعزاه إلى أبي عبيد، وليس في غريبه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 145، و"القرطبي" 10/ 204.]]، وتأويله في المعنى: أنه البراءة والتنزيه لله مما يُنْفَى عنه، والتسبيح يُذْكر بمعنى الصلاة، ومنه قوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: 143]، أي: من المصلين [[ورد في "غريب الحديث" 1/ 98 بلفظه، و"الغريب" لابن قتيبة 2/ 96 بلفظه، أخرجه "الطبري" 15/ 1 بلفظه عن ابن عباس وابن جبير والسديّ، وورد بلفظه في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 313، و"تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1610، و"المفردات" ص 392، و"تفسير الماوردي" 3/ 224، و"الطوسي" 6/ 445، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 146.]]، والسُّبْحةُ: الصلاة النافلة [[ورد بنحوه في "غريب الحديث" 1/ 198، و"تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1610، عن الليث، و"المحيط في اللغة" (سبح) 2/ 495، و"تفسير الطوسي" 6/ 445، انظر: "تفسير الفخر الرازى" 20/ 146، و"اللسان" (سبح) 4/ 1916.]]، وإنما قيل للمصلي: مُسَبِّح؛ لأنه معظم لله بالصلاة تعظيم المنزه له عما لا يجوز في صفته، وورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله -عزوجل-: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُون﴾ [القلم: 28]، أي: [لو] [[ما بين المعقوفين إضافة ليتلاءم لفظ التفسير مع لفظ الآية.]] لا تستثنون [[أخرجه "الطبري" 15/ 1، بنحوه عن مجاهد من طريقين، وورد في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 209، بنحوه، و"المحيط في اللغة" (سبح) 2/ 495، بنحوه، و"المفردات" ص 393، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 224 بنصه، والطوسي 6/ 445، بنحوه.
انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 146، و"عمدة الحفاظ" 2/ 189.]]، وهو لغة لبعض اليمن، وتأويله يعود إلى تعظيم الله في الاستثناء بمشيئته [[قال الزجاج: فالاستثناء تعظيم الله والإقرار بأنه لا يقدر أحدٌ أن يفعل فعلًا إلا بمشيئة الله -عزوجل-.
انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 209.]].
وجاء في الحديث: "لولا ذلك لأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما أدرَكَتْ مِنْ شَيء" [[طرفه: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام .. "، عن أبي موسى، أخرجه أحمد 4/ 401، 405، بنحوه، ومسلم (179) كتاب: الإيمان، باب: قوله (: "إن الله لاينام" بنحوه، ابن ماجه (195) كتاب: المقدمة فيما أنكرت الجهمية 1/ 39، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 272، بنحوه، والآجري في "الشريعة" ص 291، 304، والسهمي في "تاريخ جرجان" ص 130 - بنحوه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 391، بنحوه، والبغوي في "شرح السنة" الإيمان الرد على الجهمية 1/ 173، بنحوه، وورد في "غريب الحديث" 1/ 457 - بنحوه، و"تفسير الطبري" 8/ 3 بنصه.]] فيقال: إنه نور وجهه [[ورد في "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 610 بنصه، قالي ابن شميل.]].
قال أبو عبيد: ولم نَسمع هذه الكلمة ولا نَعرف لها شاهدًا في كلامهم إلا في الحديث [["غريب الحديث" 3/ 173، بنحوه.]].
وقال غيره: (سُبُحات وجهه): نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال: سبحان الله [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 445 بنصه، وعزاه إلى المبرد.]]، قال سيبويه معنى سبحان الله: براءة الله من السوء [["الكتاب" 1/ 324 بنصه، وورد في "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609 بنصه.]]، و (سبحان) اسم لهذا المعنى معرفة، يدل على ذلك قول الأعشى:
سبحانَ مِنْ عَلْقمَةَ الفَاجِرِ [[وصدره:
أقولُ لما جاءني فجرُهُ.
"ديوانه" ص 93، وورد في "الكتاب" 1/ 324، و"مجاز القرآن" 1/ 36، و"جمهرة اللغة" 1/ 278، و"الخصائص" 2/ 435، و"وتهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609، و"مجمل اللغة" 1/ 482، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 107، 578، و"تفسير الثعلبي" 7/ 93أ، و"الطوسي" 6/ 445، و"الأساس" 1/ 418، و"شرح المفصل" 1/ 37، و"اللسان" (سبح) 4/ 1914، و"الدر المنثور" 4/ 258، و"الخزانة" 7/ 237، وورد بلا نسبة في "المقتضب" 8/ 213، و"الخصائص" 2/ 197، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 118، و"المخصص" 15/ 187 و"المفردات" ص 393، و"تفسير الماوردي" 3/ 223، و"عمدة الحفاظ" 2/ 188. وفي جميع المصادر -عدا الديوان- فخره، الفاخر، فلعلها تصحفت فيه، فرواية المصادر أصح؛ لأن الكلام في الفخر لا الفجْر، كما قال أبو عبيدة: قال الأعشى تبرؤا وتكذيبًا لفخر علقمةَ. "مجاز القرآن" 1/ 36.]]
أي براءة منه، وهو ذِكْرٌ بِعِظَمِ اللهِ لا يصلح لغيره، وإنما ذَكَرَه الشاعرُ نادرًا؛ بأن ردَّه إلى الأصل وأجراه كالمثل [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 445 بنصه تقريبًا، قال الراغب: تقديره سُبحان علقمة، على طريق التهكم، فزاد فيه (منْ) ردًا إلى أصله، وقيل: أراد سبحان الله == من أجل علقمة، وقد اعترض السمين والبغدادي على قوله الأول؛ فقال السمين: وفيه نظر، وقال البغدادي: وهو ضعيف لغةً وصناعة، انظر: "الدر المصون" 1/ 259، و"الخزانة" 7/ 245.]].
وقال صاحب النظم: السبح في اللغة: التباعد، يدل عليه قوله -عز وجل-: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7] أي متباعدًا في المذهب والمدة لما تريد من قضاء حوائجك، ومعنى سَبَّحَ الله: بعّده ونزهه عما لا يليق به [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 145 بنصه.]]، والتنزيه معناه: التبعيد [[انظر (سبح) في "تهذيب اللغة" 2/ 1609، و"اللسان" 4/ 1914.]]، و ﴿سُبْحَنَ﴾ اسم بمعنى المصدر، موضوع موضع الفعل، وكثيرًا ما تضع العربُ المصادرَ مواضع الأفعال؛ كقوله عز وجل: ﴿فَضَرْبَ اَلرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] أي اضربوها، ومثله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ [الزخرف: 88] أي ويقول، فعلى هذا معنى ﴿سُبْحَنَ﴾ أي سَبِّحوه ونَزِّهوه عن الشريك والولد و [[الواو ساقطة من (أ)، (د).]] ما لا يجوز في صفته، ويجوز أن يكون هذا التنزيه راجعًا إلى الله تعالى، وبذلك فسَّر ابن عباس فقال: نزّه [[في جميع النسخ: نزّهه، والصحيح المثبت كما في سورة النحل [آية: 1] عن ابن عباس أيضًا.]] نفسه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 282، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 200 أ، و"هود الهواري" 2/ 359، و"السمرقندي" 2/ 228، و"الفخر الرازي" 19/ 218.]]، وعلى هذا يجوز أن ينتصب ﴿سُبْحَنَ﴾ على النداء بمعنى: يا سبحان الذي أسرى بعبده.
قال الزجاج: معناه سَيَّر عبدَه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 225 بنصه.]]، يعني محمدًا -ﷺ-، ومضى الكلام في السُّرَى والإسراء [[سورة هود آية [81].]].
وقوله تعالى: ﴿لَيْلًا﴾ قال مقاتل: كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة [["تفسير مقاتل" 1/ 210 بنصه.]]، ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ اختلفوا فيه، فقال الحسن وقتادة: يعني نفس المسجد [[ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 195 بنصه عنهما، و"الطوسي" 6/ 446 بنصه عنهما، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 4، عنهما.]]، يدل عليه ما روى أنس والحسن: أن النبي -ﷺ- قال: "بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق .. " [[ثبت حديث الإسراء والمعراج بعدة روايات مختصرة ومطولة وفي بعض الروايات زيادات لا تصح، فرواه أنس بن مالك ومالك بن صعصعة -رضي الله عنهما- برواية: "بينما أنا في الحطيم- الحِجْر- مضطجعًا إذ أتاني .. " أخرجه أحمد 4/ 208، والبخاري (3207) كتاب: بدء الخلق، باب: ذِكْر الملائكة 3/ 1173 وفي: فضائل الصحابة/المعراج (3/ 1410، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 377، وابن عبد البر في "التمهيد" 8/ 38، والبغوي في "شرح السنة" الفضائل/المعراج 13/ 336، ورواه أنس بن مالك وأبو سيد برواية: (أُتيت بالبراق) و (أُتيت بدابة) أخرجه أحمد 3/ 148، ومسلم (162) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء، و"عبد الرزاق" 2/ 365، و"الطبري" 15/ 3 - 4، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 382، والبغوي في "شرح السنة" 13/ 343، وراه أبو ذر برواية: (فُرج سقف بيتي وأنا بمكة)، وأخرجه مسلم (163) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء، و"البغوي" 5/ 60، ورواه مالك بن صعصعة برواية: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان) أخرجه مسلم (164)، كتاب: الأيمان، باب: الإسراء، و"الطبري" 15/ 3، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 373، وورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 211 أ، وسيرة ابن هشام 2/ 2 - 10، و"تفسير السمرقندي" 2/ 258، و"هود الهواري" 2/ 397، و"الثعلبي" 7/ 93 ب، و"تفسير == البغوي" 5/ 59، و"القرطبي"10/ 205، و"الخازن" 3/ 145، وابن كثير 3/ 3 - 28، و"مجمع الزوائد" 1/ 64 - 73، و"الدر المنثور" 4/ 258، و"الكنز" 11/ 385 - 391، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 1/ 380.]] وذكر حديث المعراج.
وقال عامة المفسرين: أُسري برسول الله -ﷺ- من دار أمِّ هانئ [[أخرجه "الطبري" 15/ 2، بنحوه عن الكلبي عن أبي صالح عنها طريق واهية، وورد بنحوه في: "تفسير الجصاص" 3/ 194، عنها، و"السمرقندي" 2/ 258، عن ابن عباس، و"الثعلبي" 7/ 93 أ، عن الكلبي، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 4، و"الفخر الرازي" 20/ 146.
تقدمت ترجمتها.]]، وعلى هذا أراد بالمسجد الحرام مكة، ومكة والحرم كله مسجد [[ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 195 بنصه، و"الماوردي" 3/ 225، بنحوه عن أبي صالح عن أم هانئ، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 350، عن ابن عباس، و"ابن الجوزي" 5/ 5، عن أبي يعلى، و"الفخر الرازي"20/ 146، عن ابن عباس.]]، وهو اختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 115، بنحوه.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 225، بنحوه.]]، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ قالوا كلهم: يعني بيت المقدس [[ورد بنصه في "تفسير مقاتل" 1/ 210 أ، و"السمرقندي" 2/ 258، و"هود الهواري" 2/ 397، و"الثعلبي" 7/ 93 أ، و"الماوردي" 3/ 226 بنصه، و"الطوسي" 6/ 446، انظر: "تفسير الخازن" 3/ 145.]]، وقيل له: الأقصى؛ لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 93 أبنصه، و"الماوردي" 3/ 226 بنصه، و"الطوسي" 6/ 446، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 9، و"ابن الجوزي" 5/ 5، و"الفخر الرازي" 20/ 146، و"القرطبي" 10/ 212، و"الخازن" 3/ 145.]].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، الأكثرون قالوا: باركنا حوله بالثمار والأنهار [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 211 أ، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 115، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 225، و "معاني القرآن" للنحاس 4/ 119، و"تفسير السمرقندي" 2/ 259، و"الثعلبي" 7/ 93 ب، و"الماوردي" 3/ 226، و"الطوسي" 6/ 446، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 10، و"ابن الجوزي" 5/ 5، و"الفخر الرازي" 20/ 146، و"القرطبي" 10/ 212، و"الخازن" 3/ 145، و"ابن كثير" 3/ 3، و"الدر المنثور" 5/ 236، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.]]، وقيل: بمن جعلنا حوله من الأنبياء والصالحين [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 447 بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 212.]]، وهو قول مجاهد؛ قال: لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة [[ليس في تفسيره، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 93 ب بنصه، و"الماوردي" 3/ 226 بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 58، وبلا نسبة في "تفسير ابن الجوزي" 5/ 5، و"الفخر الرازي" 20/ 146، و"الخازن" 3/ 145.]].
وقوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله وعظمته، وأخبر بها الناس من غد تلك الليلة (وهي معروفة مشهورة في الأخبار.
﴿إِنَّهُ﴾ أي الذي أسرى بعبده، ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، قال العلماء في هذه الآية: أخبر الله تعالى عن إسرائه بعبده) [[ما بين القوسين كتب على الهامش في نسخة (أ).]] إلى بيت المقدس ليلاً، وأصبح بمكة وأخبر أهلها بذلك فلم يصدقوه حتى بَيَّنَ لهم العلامات التي رآها في الطريق، ووصف لهم المسجدَ، ولم يكن رآه قبل ذلك، وكان الأمر على ما قال فثبت بذلك صدقه وظهر إعجازه [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 211 أ، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 116، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 226، و"تفسير هود الهواري" 2/ 406، و"الثعلبي" 7/ 99 ب، و"الطوسي" 6/ 446.]]، ثم أخبر هو -ﷺ- أنه عرج به تلك الليلة إلى السماء على ما يروى في الحديث [[سبق ذكر الحديث وعزوه.]] واجتمعت الرواة أصحاب الأخبار على صحته، فيثبت عروجه إلى السماء بخبر الصادق الذي يجب قبول قوله.
الإسراء 17:2
قوله تعالى: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ الآية. ذكر الله تعالى في الآية الأولى كرامة محمد -ﷺ- بأن أَسرى به، ثم ذكر أنه أكرم موسى أيضًا قبله بالكتاب الذي آتاه فقال: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 212 أبلفظه، و"السمرقندي" 2/ 259، و"الماوردي" 3/ 227، و"الطوسي" 6/ 447.]].
﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال قتادة: جعله الله هدى لهم يخرجهم من الظلمات إلى النور [[أخرجه "الطبري" 15/ 18 بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 294، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
وقال الزجاج: أي دللناهم به على الهدى [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 226 بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ قرأ أبو عمرو بالياء [[انظر: "السبعة" ص 378، و"علل القراءات" 1/ 313، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 363، و"الحجة للقراء" 5/ 83، و"المبسوط في القراءات" 227، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 42، و"التيسير" ص 139.]]؛ لأن المتقدم [[في جميع النسخ: (التقدم)، والمثبت هو الصحيح والموافق للمصدر.]] ذكرهم على لفظ الغَيبة، والمعنى: هديناهم؛ لأن لا يتخذوا من دوني وكيلاً، ومن قرأ بالتاء [[وهم الباقون. انظر المصادر السابقة.]] فهو على الانصراف إلى الخطاب بعد الغَيبة، مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:1] ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [[ورد بنصه تقريبًا في "الحجة للقراء" 5/ 83.]] [الفاتحة:5].
قال أبو علي الفارسي: يجوز في (أَنْ) في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ [ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن تكون (أَنْ) الناصبة للفعل، فيكون المعنى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ لأن لا تتخذوا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).]].
والآخر: أن تكون معنى (أي) التي للتفسير، وانصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قراءة العامة؛ كما انصرف منها إلى الخطاب والأمر في قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: 6] فكذلك انصرف مِن الغَيبة إلى النهي في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾.
والثالث: أن تكون زائدة [[انظر التعليق على القول بالزيادة في القرآن، عند آية [10] من سورة إبراهيم.]]، ويحمل ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ على القول المُضْمَر، فيكون التقدير: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فقلنا: لا تتخذوا من دوني شريكًا [["الحجة للقراء" 5/ 84 تصرف فيه بالتقديم والتأخير والاختصار.]].
قال المبرد: ولا أعرف لهذا وجهًا في العربية [[أي تفسير وكيلًا بـ (شريكًا)، وهو قول مجاهد، أخرجه "الطبري" 15/ 1817، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 120، و"تفسير الماوردي" 3/ 227، و"الطوسي" 6/ 447، و"الدر المنثور" 4/ 294 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقد ورد قول المبرد في "تفسير الطوسي" 6/ 447، بنحوه.]]؛ لأنه لا يكون الوكيل الذي يوكله موكله ليخلفه فيما وكله فيه شريكًا، والوكيل هو الذي يفعل ما يفعله المُوَكِّل، والله -عز وجل- يتعالى عن أن يكون دونه من يُدْعى كما يُدْعَى، وَيفْعل كما يفعل، فنهاهم أن يضعوا أحدًا بهذا الموضع؛ إذ لا كافي غيره [[لم أقف عليه.]].
قال أبو علي: أفرد الوكيل وهو في معنى الجميع؛ لأن فعيلًا يكون مفردًا في اللفظ والمعنى على الجميع، كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [["الحجة للقراء" 5/ 85 بنصه.]] [النساء: 69]، وقد مر.
الإسراء 17:3
قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ يجوز في نصب ذرية وجهان؛ أحدهما: أن يكون منصوبًا على النداء، يعني: يا ذُرِّيّةَ من حملنا مع نوح، وهذا قول مجاهد؛ قال: هذا نداء [[انظر: "تفسير البغوي" 5/ 67، و"ابن الجوزي" 5/ 6، و"الفخر الرازي" 20/ 154، و"القرطبي" 10/ 213، و"الدر المنثور" 4/ 294، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.]]، وإنما يصح هذا على قراءة من قرأ بالتاء؛ كأنه قيل لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلًا يا ذرية من حملنا مع نوح في السفينة، (قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح ومن أنجى الله في تلك السفينة [[أخرجه "الطبري" 15/ 19 بنصه، وتضمن الخبر قول الحسن اللاحق بنحوه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 6، و"الفخر الرازي" 20/ 154؛ كالطبري.]].
وقال الحسن: وكان معه في السفينة) [[ما بين القوسين ساقط من (د).]] ثلاثة بنين: يافث وسام وحام، والناس كلهم من ذرية أولئك [[ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 407.]].
قال الزجاج: وإنما ذُكِّروا بنعمة الله عندهم؛ إذ أنجى آباءهم [[في جميع النسخ: (آباؤهم)، وهو خطأ نحوي ظاهر، وفي المصدر (أبناءهم)، وهو خطأ كذلك، لكن في اللفظ.]] من الغرق بأنهم حُمِلُوا مع نوح [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 226 بنصه تقريبًا.]]، الوجه الثاني؛ في نصب ذرية: أن يكون مفعول الاتخاذ؛ لأنه فعلٌ يتعدى إلى مفعولين؛ كقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 85 بنصه.]] [النساء: 125]، ويجوز هذا الوجه في القراءتين جميعًا، والمعنى: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلاً، ذكر هذا أبو إسحاق وأبو علي [[انظر المصدرين السابقين.]].
ثم أثنى على نوح فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، قال المفسرون: كان نوح إذا أكل طعامًا أو لبس ثوبًا حمد الله تعالى، فَسُمِّي عبدًا شكورًا [[أخرجه "الطبري" 15/ 19 بنصه وبنحوه من عدة طرق، ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 212 أ، و"السمرقندي" 2/ 259، و"هود الهواري" 2/ 407، و"الثعلبي" 7/ 100 أ، و"الماوردي" 3/ 228، والطوسي (6/ 447، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 67، و"الزمخشري" 2/ 251، و"ابن الجوزي" 5/ 7، و"الفخر الرازي" 20/ 155، و"القرطبي" 10/ 213.]].
الإسراء 17:4
قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: أعلمناهم وأخبرناهم [[أخرجه "الطبري" 15/ 21 بلفظه عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 122 بلفظه عن ابن عباس، و"تفسير السمرقندي" 2/ 260 بلفظه، و"هود الهواري" 2/ 408، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 104 أبلفظه، و"الماوردي" 3/ 228، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 448 بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 67، و"ابن عطية" 9/ 15، و"ابن الجوزي" 5/ 7، عن ابن عباس، و"الفخر الرازي" 20/ 155 ، والخازن (3/ 152، و"أبي حيان" == 6/ 8، عن ابن عباس، و"الدر المنثور" 4/ 295 - 296، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.]].
قال أبو إسحاق: معناه أعلمناهم في الكتاب وأوحينا إليهم، ومثل ذلك: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: 66] معناه أعلمناه وأوحينا إليه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 227 بنصه تقريبًا.]]، ومعنى القضاء في اللغة: قطع الأشياء عن إحكام [[انظر (قضى) في "تهذيب اللغة" 3/ 2986، و"المحيط في اللغة" (5/ 462، و"مجمل اللغة" 2/ 757، "الصحاح" 6/ 2463، و"اللسان" 6/ 3665.
ذكر أصحاب الوجوه والنظائر أن قضى وردت في القرآن على عشرة أوجه، ونقل ابن حجر في الفتح عن إسماعيل النيسابوري أنها وردت في القرآن على خمسة عشر وجهًا، كما ذكر ضابطًا لمعنى القضاء، نقله عن الأزهري؛ وهو: كل ما أحكم عمله أو ختم أو أكمل أو وجب أو ألهم أو أنفذ أو مضى فقد قضى. انظر: "التصاريف" ص 340، و"إصلاح الوجوه والنظائر" ص 385، و"فتح الباري" 8/ 241.]]، ومنه قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: 12] وقول الشاعر [[هو أبو ذُؤَيب الهذلي، مخضرم (ت 27 هـ).]]:
وعليهما مَسْرودَتان قضاهما [[وعجزه:
داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوَابغِ تُبَّعُ
"ديوان الهذليين" ص 19، وورد في "تأويل مشكل القرآن" ص 441، و"تهذيب اللغة" (قضى) 3/ 2986، و"اللسان" 6/ 3665.
وورد برواية: (تعاوَرا مَسْرودَتَيْنِ قضاهما) في "المعاني الكبير" 2/ 1039. وورد غير منسوب في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 227، (مسرودتان): درعان، (قضاهما): فرغ منهما؛ أي داود عليه السلام، أو صنَعُ السوابغ، و (الصَّنَعُ): الحاذق بالعمل، والصَّنَع هاهنا: تُبَّع.]]
قال ابن قتيبة في هذه الآية: أعلمناهم؛ لأنه لما خَبَّرهم أنه [[الأولى أنهم كما في المصدر.]] سيفسدون في الأرض، حَتَّمَ بوقوع الخبر [["تأويل مشكل القرآن" ص 441 بنصه.]]، و ﴿إِلَى﴾ في هذه الآية من صلة الإيحاء؛ لأن معنى: ﴿قَضَيْنَا﴾: أوحينا، فالمعنى: إنا أوحينا إليهم، كذا قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 227 بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد المعاصي وخلاف أحكام التوراة [[انظر: "تنوير المقباس" ص 296، بنحوه، و"تفسير البغوي" 5/ 79، بنحوه عن قتادة، وورد بنصه وبنحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 260، و"الثعلبي" 7/ 104 أ، و"ابن الجوزي" 5/ 7، و"الفخر الرازي" 20/ 155، و"القرطبي" 10/ 214، و"الخازن" 3/ 152.]].
وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ قال الكلبي: يعني أرض مصر [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 7، و"الفخر الرازي" 20/ 155 - بلا نسبة فيهما، وهو تفسير غريب للأرض المعنية بأنها مصر؛ لأن الأحداث كلها تدور في بيت المقدس والشام؛ كما نصت عليه الروايات وأشار إليها بعض المفسرين؛ كالبغوي 5/ 79، و"القرطبي" 10/ 214، و"الخازن" 3/ 152، والغريب أن أبا حيان نسب إلى الكلبي خلافه؛ فقال: وقال الكلبي: لتعصنّ في الأرض المقدسة. انظر: "تفسير أبي حيان" 6/ 9.]]، ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ قال الزجاج: معناه لَتَعْظُمُنَّ ولَتَبْغُنَّ؛ لأنه يقال لكل مُتجبِّرٍ: قَدْ عَلا وتعظَّمَ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 227، بنصه.]].
الإسراء 17:5
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ يعني أُولى [[ساقطة من (ش)، (ع).]] المرتين، ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال عطية: أفسدوا المرة الأولى فأرسل الله عليهم جالوت، وعاد ملكهم كما كان، وهذا قول قتادة ورواية عطية عن ابن عباس [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 373، بنحوه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 28، بنحوه عن ابن عباس من طريق عطية (ضعيفة) وبنحوه من طريقين عن قتادة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 123، بنحوه عن قتادة، و"تفسير الثعلبي" 7/ 104 أ، بنحوه عن ابن عباس، و"الطوسي" 6/ 448، بنحوه عنهما، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 9، عنهما، و"القرطبي" 10/ 215، عن قتادة، وابن كثير 3/ 29، عنهما، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 299 وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن عطية، وأورده وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وأورده 5/ 244 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن قتادة.]]، وعلى هذا القول: ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ هم جالوت وجنوده.
ومعنى: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس: البأس: القتال [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 5/ 45 بلفظه، وأخرجه "الطبري" 15/ 27 بلفظه من عدة طرق عن ابن مسعود ومجاهد وقتادة والضحاك، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 315 وزاد نسبته إلى وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والحاكم وصححه عن ابن مسعود.]]، ومنه قوله: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177].
ومعنى ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾: أرسلنا عليكم وخَلَّيْنَا بينكم وبينهم خاذلين إياكم [[ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 229، بنحوه عن الحسن، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 352، و"الفخر الرازي" 20/ 155.]].
وقال مجاهد في قوله: ﴿عِبَادًا لَنَا﴾ الآية. قال: جند جاءهم [[هكذا في جميع النسخ، والأولى جاؤوهم؛ لأن جند جمع، ويتناسب مع قوله: يتحسسون، وهكذا في المصدر.]] من فارس، يتحسسون أخبارهم ويسمعون حديثهم، معهم بختنصر فوعى [[في (د): (مرفوعًا).]] حديثهم من بين أصحابه، ثم رجعت إلى فارس ولم يكن قتال، ونُصر عليهم بنو إسرائيل، فهذه وعد الأولى، وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير [["تفسير مجاهد" ص 428 وعبارته مضطربة ومخالفة لجميع المصادر، وأخرجه "الطبري" 15/ 30 بنصه عن مجاهد من ثلاثة طرق، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 215، و"الدر المنثور" 4/ 299 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، ولم أقف عليه منسوبًا إلى ابن عباس.]].
وقوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ قال الليث: الجوس والجوسان: التردد خلال الدور والبيوت في الغارة ونحو ذلك [[ورد في "تهذيب اللغة" (جاس) 1/ 521 بنصه تقريبًا.]]، ومعنى جاسوا: ترددوا وتخللوا [[انظر: (جوس) في "تهذيب اللغة" 1/ 521، و"المحيط في اللغة" 7/ 146، و"مجمل اللغة" 1/ 203، و"الصحاح" 3/ 915، و"اللسان" 2/ 726 "جوس".]].
وقوله تعالى: ﴿خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ يعني ديار بيت المقدس، والخلال: الانفراج بين الشيئين [[انظر: "المحيط في اللغة" (خل) 4/ 175، و"مجمل اللغة" 1/ 276، و"الصحاح" (خلل) 4/ 1687، و"المحكم" (خلل) 4/ 371، و"اللسان" 2/ 1249.]] واختلفت العبارات في تفسير جاسوا؛ فقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: مشوا [[في جميع النسخ: (فتشوا)، والتصويب من المصادر؛ فقد أخرجه "الطبري" 15/ 27 - 28 بلفظه من الطريق نفسه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 123 بلفظه، و"تفسير الثعلبي" 7/ 104 أبلفظه، و"الماوردي" 3/ 229 بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 9، و"القرطبي" 10/ 216، و"الدر المنثور" 4/ 299، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم]].
وقال أبو عبيدة: طلبوا مَنْ فيها [[ليس في مجازه 1/ 370، والذي فيه قال: قتلوا. وقد ورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 104 أ.]].
وقال الفراء: يقول: قتلوكم بين بيوتكم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 116 بنصه.]].
وقال ابن قتيبة: عاثوا وأفسدوا [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 252 بنصه تقريبًا.]].
وقال الزجاج: أي فطافوا خلال الدّيار هل بقي أحدٌ لم يقتلوه، والجَوْس: طلب الشيء باستقصاء [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 227 بنصه تقريبًا.]]، هذا كلامهم، والجَوْس يحتمل هذه المعاني التي ذكروها، إنّ معنى الجوس هو التردد للطلب، فيحتمل أنهم جاسوا لطلب الخبر على قول مجاهد [[تقدم قوله في الصفحة السابقة حاشية (2).]]، ويحتمل أنهم جاسوا بالقتل والعبث وطلب من يقتلونه [[ورد في "تفسير الطبري" 15/ 28، بنحوه.]]، ويشهد لهذا قول حسان:
ومِنَّا الذي لاقَى بِسَيْفِ محمدٍ ... فَجَاس به الأعداءَ عَرْضَ العَسَاكر [[لم أجده في ديوانه المطبوع، وورد في "تفسير الطبري" 15/ 28، و"الماوردي" 3/ 229، و"الطوسي" 6/ 449، و"القرطبي" 10/ 216، والشوكاني 3/ 300، و"الدر المصون" 7/ 314.]]
أي: تخللهم قتلًا بسيفه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ قال قتادة: قضاء قضاه على القوم كما تسمعون [[أخرجه "الطبري" 15/ 28 بنصه.]].
الإسراء 17:6
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس في رواية عطية: وقتل داود جالوت وعاد ملكهم كما كان [[أخرجه "الطبري" 15/ 30 - 31 مفصلًا من طريق العوفي (ضعيفة)، النظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 29، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الماوردي" 3/ 230، و"الزمخشري" 2/ 352، و"ابن الجوزي" 5/ 10، و"الفخر الرازي" 20/ 156، و"القرطبي" 10/ 217، و"أبي حيان" 6/ 10، و"الألوسي" 15/ 18.]].
وقال مجاهد: نُصِرَ عليهم بنو إسرائيل [[ليس في تفسيره، أخرجه "الطبري" 15/ 30 - 31 جزء من أثر بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 299 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
والكرة معناها: الرجعة والدولة [[ورد بنحوه في: "غريب القرآن" لليزيدي ص 211، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 252، و"تهذيب اللغة" (كر) 9/ 442 و"المحيط في اللغة" (كر) 6/ 138، و"مجمل اللغة" 2/ 767، و"الصحاح" (كرر) 2/ 804، و"تفسير الثعلبي" 7/ 104 ب) بنصه، و"الطوسي" 6/ 449، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 79، و"ابن الجوزي" 5/ 10، و"القرطبي" 10/ 217.]]، وهذه الآية تدل على أنهم هُزِمُوا في المرة الأولى وقُتِلَ منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾، قال أبو عبيدة: النفير: العدد من الرجال [[ليس في مجازه 1/ 371 والذي فيه، قال: مجازه: من الذين نفروا معه، وورد نحوٌ من هذا القول عن أبي عبيد؛ قال: النفر والرَّهط: ما دون العشرة من الرجال. "تهذيب اللغة" (نفر) 4/ 3627.]].
(وقال الزجاج: أي جعلناكم أكثر منهم نُصَّارًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 22 بنصه.]].
قال ابن قتيبة: أكثر عددًا، وأصله مَنْ يَنْفِرُ مع الرجل مِنْ عشيرته وأهل بيته، وهو [[ضمير الفصل هو غير موجود في المصدر.]] النَّفِيرُ والنافر واحد؛ كما يقال: قدير وقادر [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 252 بنصه.]]، وذكرنا معنى نفر عند قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ [[في كلا الموضعين لم يتكلم عن المعنى اللغوي لنفر!]] [التوبة: 122] وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا﴾ [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] [التوبة: 41].
وقال الزجاج: ويجوز أن يكون النفير جمعًا [[قال ابن عطية: وعندي أن النفير اسم للجمع الذي يَنْفُر، سُمِّي بالمصدر، ومنه قول أبي سفيان لبني زهرة: لا في العير ولا في النفير، أي: ولا في جمع قريش الخارج من مكة إلى بدر. انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 21.]]؛ كالكليب والعبيد والضَّئين والمَعِيز [[الضَّئينُ: جمع ضأن، والضَّأْن ذوات الأصواف من الغنم. انظر (ضأن) في "جمهرة اللغة" 2/ 1078، و"تهذيب اللغة" 3/ 2083، و"محيط في اللغة" 8/ 47، و"الصحاح" 6/ 2153.
والمَعِيْزُ: جمع مِعْزَى وماعز، والمَعْز: ذوات الشعر من الغنم. انظر (معز) في "جمهرة اللغة" 2/ 816، و"تهذيب اللغة" 4/ 3420، و"المحيط في اللغة" 1/ 398 ، و"الصحاح" 3/ 896.]]، ونفيرًا منصوب على التَّمييز [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 228 بنصه.]].
الإسراء 17:7
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية. يحتاج هاهنا إلى إضمار القول على تقدير: وقلنا: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد إن أطعتم الله فيما بقي عفا عنكم المساوئ، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ قال: يريد الفساد وعصيان الأنبياء وقتلهم، ﴿فَلَهَا﴾، قال: يريد فعلى أنفسكم يقع الوبال.
قال النحويون: إنما قيل: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ للتقابل، والمعنى: فإليها أو فعليها [[ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 15/ 31، و"الثعلبي" 7/ 104 ب، و"الطوسي" 6/ 451، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 10، و"الفخر الرازي" 20/ 158 بنصه، و"الدر المصون" 7/ 316.
وذهب النحاس إلى أن لها على بابها، وقال: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: أي يحصل العقاب لها، ثم قال: و (لها) بمعنى (عليها) لا يقوله النحويون الحذاق، وقد رجحه العكبري والمنتجب؛ قال العكبري: وقيل: هي على بابها، وهو الصحيح؛ لأن اللام للاختصاص، والعامل مختص بجزاء عمله حسنة وسيئة. انظر "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 231، و"الإملاء" 2/ 88، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 260.]]، مع أن حروف الإضافة تقع بعضها موقع بعض إذا تقاربت، كقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5] أي إليها.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي وعد المرة الآخرة من إفسادكم، قال المفسرون: فأفسدوا المرة؛ فقتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم (بخت نصر) البابلي المجوسي [[هذا القول مشهور، بل قال "الطبري" 15/ 27: لا اختلاف بين أهل العلم أن إفسادهم في المرة الآخرة كان قتلهم يحيى بن زكريا، ومع ذلك فقد رده كثير من العلماء، قال الثعلبي: ومن روى أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا، فغلط عند أهل السير والأخبار؛ لأنهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شَعْيَا وفي عهد أرمياء، قالوا: ومن عهد أرمياء وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا -عليهما السلام- أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة، وقال السهيلي: وهذا لا يصح؛ لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بن مريم -عليهما السلام- بزمان طويل، .. ولكنه أريد بالمرة الأخرى حين قتلوا شَعْيَا؛ فقد كان بختنصر إذ ذاك حيًا، فهو الذي قتلهم وخرَّب بيت المقدس. وقال الفخر الرازي: التواريخ تشهد بأن == بختنصر كان قبل وقت عيسى عليه السلام، ويحيى بن زكريا -عليهما السلام- بسنين متطاولة. انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 103 أ، و"ابن الجوزي" 5/ 11، و"الفخر الرازي" 20/ 158، و"القرطبي" 10/ 220.]] -أبغض خلقه إليه- فَسَبَا وقتل وخَرَّب بيت المقدس، وسامهم سوء العذاب [[أخرجه "الطبري" 15/ 35 - 43، بنحوه عن ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وقتادة وابن جبير، وورد بنحوه في "تفسير هود الهواري" 2/ 409، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 80، و"ابن الجوزي" 5/ 11.
اختلف في فسادي بني إسرائيل من حيث الوقوع وعدمه على ثلاثة أقوال:
الأول: أن كلا الفسادين وقع قبل بعة النبي -ﷺ- ونزول القرآن، ووقعا في بيت المقدس، وإليه ذهب القدامى من المفسرين، واختلفوا في الفساد الأول؛ فذهب علي وابن مسعود وابن عباس وابن زيد -رضي الله عنهم- إلى أنه قتلهم زكريا عليه السلام، وروى ابن إسحاق أنه كان قتلهم شعياء، وأيَّد قوله بأن بعضَ أهلِ العلم أخبره أن زكريا مات موتًا ولم يُقتل، أما فسادهم في المرة الآخرة، فقد ذكر ابن جرير أنه لا خلاف بين أهل العلم أنه كان قتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام. انظر: "تفسير الطبري" 15/ 27 - 28، و"الدر المنثور" 4/ 296.
القول الثاني: أن الفساد الأول مضى قبل الإسلام والثاني هو فسادهم الحالي، قاله بعض المعاصرين، ومنهم الدكتور مصطفى مسلم، فقد ذكر أن الإفساد الأول كان بعد مملكة سليمان عليه السلام، وأن الإفساد الثاني لمَّا يأت بعد، لكنه قال: وبدأت بذوره من بداية مؤتمر اليهود في بال بسويسرا عام 1897 م والتي وضعوا فيها المخطط المدروس لإفساد العالم، ويرى أن اللبنة الأولى قيام دولة إسرائيل، ومنذ ذاك الوقت -إلى الآن- وعلو بني إسرائيل في تزايد مستمر. انظر: "معالم قرآنية في الصراع مع اليهود" ص 252.
وأما الشيخ سعيد حوى فقد وضع ضابطًا لترجيح أَيِّ قول حول إفسادهم؛ فقال: إن النص يحدثنا عن إفسادتين لبني إسرائيل يرافقهما علو كبير، وهذا مهمّ جدًّا في فهم الموضوع؛ لقد أفسد بنو إسرائيل إفسادات كثيرة ولكن لم يكن يرافق كل ذلك علوّ كبير لهم ودولة، كما أنهم قد علوا علوًّا كبيرًا في مراحل -كما حدث في زمن داود وسليمان -عليهما السلام- ولكنه علو لا يرافقه فساد. ثم قال: ويبدو بما لا == يقبل الجدل أن الإفسادة الأولى هي التي سلط عليهم بها بختنصر، فهي الإفسادة التي رافقها بغي وطغيان وعتو، ثم قال: فهل الإفسادة الثانية هي ما نراه الآن؟ إذ لهم دولة وسلطان، وإفساد وطغيان .. وبعد مناقشات رجح أن الإفسادة الثانية هي الآن، فقال: والآن إفسادهم في الأرض كلها معروف، وسيطرتهم الخفية على بعض بلدان العالم معروفة، واجتمع لهم سلطان ودولة. انظر: "الأساس في التفسير" 6/ 3037، وعلى هذا القول يكون مكان الإفسادتين بيت المقدس أيضًا.
القول الثالث: أن الفسادين وقعا بعد بعثة النبيّ -ﷺ- ونزول القرآن؛ فالأول وقع إبان بعثة النبي -ﷺ- والثاني هو الحالي، قاله أيضًا بعض المعاصرين؛ يقول الشيخ سعيد حوى: ويمكن أن نفهم المسألة فهمًا آخر؛ بأن نعتبر الإفسادة الأولى هي محاولتهم الوقوف في وجه الدعوة الإِسلامية، وتسليط الله المسلمين عليهم وعلى ديارهم حول المدينة المنورة، والإفسادة الثانية هي الإفسادة الحالية، ويكون المسلمون الذين غلبوهم أول مرة هم الذين سيغلبونهم المرة الثانية، إذا اجتمع لهم العبودية لله والبأس الشديد. انظر: "الأساس في التفسير" 6/ 3040.
وقد انتصر الدكتور صلاح الخالدي للقول الثالث، بل لم ير غيره، وناقش قول القدامى ورد عليه، وأهم منطلقاته أن قول القدامى اعتمد على الإسرائيليات وعلى روايات تاريخية لم تثبت تاريخيًا ولا علميًا، ودلل على أن إفسادهم الأول المقرون بالعلو الكبير لم يكن أثناء وجودهم في بيت المقدس، إنما كان أول إفساد لهم مقرونًا بالعلو الكبير بالحجاز قبل بعثة النبي -ﷺ- وبعدها، وذكر صورًا من مظاهر إفسادهم الأول، ثم دلل على أن الإفسادة الثانية هي الحالية بتحليل مفردات الآية السادسة ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ..﴾، والاستدلال بواقعهم المعاصر الذي وصلوا فيه الذروة في العلو الكبير. انظر: "حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية" (150 - 190)، و"الشخصية اليهودية من خلال القرآن" (327 - 349).]].
وجواب قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ﴾ محذوف، تقديره: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ بعثنا ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ودل عليه ما تقدم، من قوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ فَحُذف لتقدم ذكره، ولأنه جواب (إذا) وشرطها يقتضيه، فحُذف للدلالة عليه، قاله الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 116، بنحوه.]] وأبو علي [["الحجة للقراء" 5/ 86 بنصه تقريبًا.]] وصاحب النظم.
وقوله تعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يقال: ساءه يسوؤه، أي: أحزنه، وذكرنا ذلك في مواضع [[منها في سورة البقرة آية [49].]]، قال أبو علي: قال: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ على أنَّ الوجوهَ مفعول ﴿لِيَسُوءُوا﴾، وعُدِّيَ إلى الوجوه، ولأن الوجوه قد يُراد بها ذَوو الوجوه؛ لقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، وكأن الوجوه إنما خُصَّت بذلك؛ لأنها تدل على ما كان من ذوي الوجوه من الناس من حزنٍ ومسرةٍ وبشارةٍ وكآبةٍ [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 450 بنصه تقريبًا.]]، والمعنى: بعثناهم ليسوؤوا [["الحجة للقراء" 5/ 86 بتصرف واختصار.]]، وهذه قراءة العامة [[وهم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم، قرؤوا بالياء وضم الهمزة وإشباعها، انظر: "السبعة" ص 378، و"علل القراءات" 1/ 313، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 363، و"الحجة للقراء" 5/ 85، و"المبسوط في القراءات" ص 227، و"التبصرة" ص 567، و"النشر" 2/ 306.]]، وهي وَفْق المعنى واللفظ؛ أما المعنى: فإن المبعوثين هم [[ساقطة من (د).]] الذين يسوؤونهم في الحقيقة؛ لقتلهم إيّاهم وأسرهم لهم، وأما اللفظ: فإنه يوافق قوله: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾، وقرأ حمزة: ﴿لِيَسُوءُوا﴾ على واحد بالياء [[أي: (لِيَسُوءَ)، وقرأ بها كذلك عاصم وابن عامر. انظر المصادر السابقة.]]، وفاعلُ يَسُوء يجوز أن يكون أحدَ شيئين: إما اسم الله سبحانه؛ لأن الذي تقدم بعثنا ورددنا وأمددنا، وإما أن يكون البعث، ودل عليه ﴿بَعَثْنَا﴾ المتقدم [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 86 بنصه تقريبًا.]]، والفعل يدل على المصدر؛ كقوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 180] وقال الزجاج: ليسوء الوعدُ وجُوهَكم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 228 بنصه.]]، وقرأ الكسائي بالنون [[أي: (لِنَسُوءَ) انظر المصادر نفسها الصفحة السابقة حاشية رقم (5).]]، وهذا على إسناد الفعل إلى الله تعالى لقوله: بعثنا وأمددنا.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ يقال: تَبِرَ الشيءُ يَتْبَرُ تَبارًا إذا هلك، وتَبَّرَه: أهلكه [[انظر: (تبر) في "جمهرة اللغة" 1/ 253، و"المحيط في اللغة" 9/ 429، و"الصحاح" 2/ 600، و"اللسان" 1/ 416]].
قال أبو إسحاق: وكل شيء كَسَرْتَه وفَتَّتَّهُ فقد تَبَّرْتَهُ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 228 - بمعناه، وورد في "تهذيب اللغة" (تبر) 1/ 424 بنصه.]]، ومن هذا تِبْرُ الزجاج وتِبْرُ الذهب لِمُكَسَّره [[في جميع النسخ (لتكسره)، والمثبت هو الصحيح، ويؤيده ما في التهذيب، قال: ومن هذا قيل لِمُكَسَّر الزجاج.]]، قال المفسرون: أي لِيُدَمِّروا وُيخَرّبُوا ما غَلبُوا عليه [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 212 أ، و"الطبري" 15/ 36 بنصه، و"السمرقندي" 2/ 261، وهود الهواري 2/ 409، و"الطوسي" 6/ 451، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 11، و"الفخر الرازي" 20/ 159، بنصه.]]، جعلوا (ما) بمنزلة الذي، وهذا قول قتادة [[أخرجه بنحوه: "عبد الرزاق" 2/ 373، و"الطبري" 15/ 36، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 299 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
وقال الزجاج: معناه لِيُدَمِّروا [[في (ع) زيادة (ما) أي: ليدمروا ما، وأغلب الظن أنه خطأ من النساخ.]] في حال عُلُوِّهِم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 228، بنصه.]]، (ما فجعل ظرفًا) [[هكذا وردت العبارة -بين القوسين- في جميع النسخ، ويبدو أن (ما) تقدمت على (فجعل)، فتكون العبارة فجعل (ما) ظرفًا.]]. قال أبو علي: ولهذا عبارةٌ أجودُ مما ذكر وأوضح في المعنى؛ وهو أن يقول: وليتبروا في وقت علوهم؛ لأن هذه (ما) التي أصلها المصدر، ثم يتسع فيها وتستعمل ظرفًا من الزمان [["الإغفال" 2/ 153 بنصه تقريبًا، ولا فرق كبير بين المعنيين، مع وصفه لعبارته بأنها أجود وأوضح.]].
الإسراء 17:8
قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ هذا مما أخبر الله تعالى أنه قضى به إلى بني إسرائيل في كتابهم، والمعنى: لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل، قال المفسرون: فعاد الله بعائدته ورحمته عليهم حتى كثروا وانتشروا [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 261، بمعناه، و"هود الهواري" 2/ 410، بنحوه مختصرًا، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 12، و"القرطبي" 10/ 223.]].
قال الأخفش: في الآية محذوف، تقديره: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ إن فعلتم ذلك؛ يعني أحسنتم وتركتم المعاصي [[ليس في معانيه.]]، ثم قال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ قال الحسن: وإن عدتم بالمعصية عدنا بالعقوبة [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 126، بنصه.]].
قال قتادة وإبراهيم وغيرهم: فعاد [[في (أ)، (د): (فعادو).]] القوم لشر ما يحضر بهم، فبعث الله عليهم من شاء لنقمته وعقوبته [[أخرجه الطبري 15/ 43، بنصه تقريبًا عن قتادة، وبمعناه عن ابن عباس وقتادة، == ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 104 ب - بمعناه عن قتادة، و"الماوردي" 3/ 231 - بمعناه عن قتادة، و"الطوسي" 6/ 452 - بمعناه عن ابن عباس وقتادة، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 80، عن قتادة، و"ابن الجوزي" 5/ 12، عن قتادة، و"القرطبي" 10/ 224، عن قتادة، و"أبي حيان" 6/ 11، و"ابن كثير" 3/ 30.]]، ثم كان آخر ذلك أن بعث عليهم هذا الحي من العرب فهم في عذاب منهم أبدًا إلى يوم القيامة، يُعْطُون الجزية عن يد وهم صاغرون، وهو معنى قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ [[أورد المؤلف في تفسير هذه الآية قول ابن عباس والحسن وابن جبير وقتادة؛ قالوا: هم العرب ومحمد -ﷺ- وأمته، بعثهم الله على اليهود يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية.]] الآية [الأعراف: 167].
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون كلهم: سجنًا ومحبسًا [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 212 ب بلفظه، وأخرجه "عبد الرزاق" 2/ 374 بلفظه عن قتادة، وورد بلفظه في: غريب القرآن لليزيدي ص 212، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 252، وأخرجه "الطبري" 15/ 45 بلفظه عن ابن عباس -من طريق ابن أبي طلحة- وأبي عمران وقتادة وابن زيد، وبمعناه عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، وورد كذلك في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 126 بلفظه عن قتادة، و"تفسير السمرقندي" 2/ 261 بنصه، و"هود الهواري" 2/ 410 بلفظه، و"الثعلبي" 7/ 104 ب بلفظه، و"الطوسي" 6/ 452 بلفظه ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 80، و"ابن الجوزي" 5/ 12، و"القرطبي" 10/ 224، و"الخازن" 3/ 158، و"ابن كثير" 3/ 30.]]، وذكرنا الكلام في الحصر عند قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، قال الأخفش في قوله: ﴿حَصِيرًا﴾، أي: مَحْبِسًا ومَحْصِرًا [[ليس في معانيه، وورد في "تهذيب اللغة" (حصر) 1/ 839، بنصه.]]، وهو قول جميع أهل اللغة؛ قال الليث: يُفَسَّر على أنهم يُحْصَرُون فيها [[ورد في "تهذيب اللغة" (حصر) 1/ 839 بنصه.]]، وقال ابن قتيبة: هو فعيل بمعنى فاعل [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 252 بنصه.]].
وقال أبو إسحاق: حصيرًا معناه حَبْسًا؛ من حصرته، أي حَبَسْتُه فهو محصور، وهذا حَصِيرُهُ أي مَحْبِسُهُ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 228 بتصرف يسير.]]، والحصير الملك لأنه محجوب فكأنه محصور [[ورد بنصه تقريبًا في "تفسير الطبري" 15/ 45، و"الثعلبي" 7/ 104 ب، و"الطوسي" 6/ 452، انظر: "الصحاح" (حصر) 2/ 631، و"مجمل اللغة" 1/ 239، و"اللسان" (حصر) 2/ 896، و"عمدة الحفاظ" 1/ 482.]]، والحصير الجَنْبُ؛ لأن بعض الأضلاع محصور مع بعض [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 229 بنصه، (الجَنْبُ): شِقُّ الإنسان وغيره. "اللسان" (جنب) 1/ 275.]]، ومن هذا يقال للذي يُفْرَش: حصير؛ لحصر بعضه على بعض بالنسج [[قاله القُشَيْرِي؛ كما في "تفسير القرطبي" 10/ 224، انظر (حصر) في "تهذيب اللغة" 1/ 839، و"اللسان" 2/ 897، و"عمدة الحفاظ" 1/ 481، وقال: سمي الحصير حصيرًا لكونه يَحصرُ من يجلس عليه.]].
وإلى هذا ذهب الحسن في تفسير هذه الآية. فقال في قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أي مهادًا وفراشًا [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 374 بنصه، و"الطبري" 15/ 45 - 46 بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 126 بنصه، وتصحفت فيه: مهادًا إلى معادًا، و"المفردات" ص 238 بلفظه، و"تفسير الثعلبي" 7/ 104 ب بنصه، و"الماوردي" 3/ 231، بنصه، و"الطوسي" 6/ 452 بلفظه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 80، و"ابن الجوزي" 5/ 12، و"القرطبي" 10/ 224، و"عمدة الحفاظ" 1/ 482، و"تفسير ابن كثير" 3/ 30.
وقد رجح الطبري قول الحسن هذا، وقال: إن الحصير بمعنى البساط في كلام العرب أشهر منه بمعنى الحبس، كما أن فعيلًا في الحصر بمعنى وصفه بأنه الحاصر لا وجود له في كلام العرب، وقال الثعلبي: وهو وجه حسن.]]؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف: 41].
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ﴾ إلى آخر الآية. فصلٌ يحتمل أن يكون ابتداءَ إخبارٍ عن الله تعالى في عقاب جميع الكافرين، ويحتمل أن يكون عطفًا على ما قبله؛ فيتضمن الإخبار عن تمام عقابهم على عودهم، والمراد بالكافرين اليهود؛ كأنه قيل: وإن عدتم للمعاصي والفساد عدنا عليكم بالتسليط، هذا في الدنيا، وجعلنا جهنم لكم مَحْبَسًا في الآخرة، وصرف الخطاب إلى المعاينة في قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾.
الإسراء 17:9
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي﴾، أي: يُرْشد ويدعو للتي، أي إلى التي ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾، أي: أعدل وأرشد [[في (أ)، (ش)، (ع): (أشد)، والمثبت من (د)، وهو المناسب للسياق.]] وأصوب؛ من قولهم: رمح قويم وقوام، أي مستقيم [[ورد في "تهذيب اللغة" (قام) 3/ 2864 بنصه.]]، وفلان أقوم كلامًا من فلان، أي أعدل، و ﴿لِلَّتِي﴾ نعت لموصوف محذوف على تقدير: يهدي للكلمة التي هي أقوم أو الطريقة والحالة؛ وهي كلمة التوحيد على ما قاله المفسرون [[ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 117 - بمعناه، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 127، و"تفسير السمرقندي" 2/ 261، و"الثعلبي" 7/ 104 ب، و"الماوردي" 3/ 232 - بمعناه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 80، و"ابن عطية" 8/ 26، و"الخازن" 3/ 158.]]، وإن شئت قلت طريقة التوحيد والإسلام [[ورد نحوه في "تفسير الطوسي" 6/ 453، وهو أعمّ من الأول، ورجحه ابن عطية 9/ 26.]]، وقال الزجاج: للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمانُ بِرُسُلِه والعملُ بطاعته [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 229 بنصه تقريبًا.]].
الإسراء 17:10
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ الآية. فيجب ﴿أَن﴾ للعطف بها على ﴿أَن﴾ الأولى؛ وذلك أنهم بُشِّرُوا بالنّعيمِ الذي لهم والعذاب الذي لأعدائهم، قال الفراء: أُوقعت [[في (ش)، (ع): (وقعت)، والمثبت موافق للمصدر.]] البشارة على قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا﴾ وعلى قوله: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية. على أن يكون المؤمنون بُشِّرُوا بهما جميعًا؛ كما تقول: بَشَّرت عبد الله أنه سيُعطى وأن عدوّه سيُمنَع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 117 بتصرف يسير.]]، وذلك أن المؤمنين كانوا في أذى من المشركين فجعل الله لهم البشرى في الدنيا بعقاب الكافرين.
الإسراء 17:11
قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ الآية. القياس إثبات الواو في ويدعو، وحُذف في المصحف من الكتابة؛ لأنها لا تظهر في اللفظ، ولم تحذف في المعنى؛ لأنها في موضع رفع، فكان [حذفها باستقبالها اللام الساكنة، ومثلها:] [[ما بين المعقوفين إضافة من المصدر ليتضح المراد، ويبدو أنها سقطت.]] ﴿يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: 41] و ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: 5] فلو كان بالياء والواو كان صوابًا، هذا كلام الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 117 بتصرف.]]، والمعنى: أن الإنسان ربما دعا عند الضجر والغضب على نفسه وأهله وولده بما لا يحب أن يستجاب له؛ كما يدعو لنفسه بالخير [[ورد نحوه في "تفسير الطبري" 15/ 47، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 13، و"الفخر الرازي" 20/ 162، و"القرطبي" 10/ 225، و"أبي حيان" 6/ 13.]]، والمعنى: كدعائه بالخير، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ أي في طلب ما هو شَرٌّ له، يَعْجل بالدعاء في الشر عجلته بالدعاء في الخير، هذا قول مجاهد وقتادة وعامة المفسرين [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 374 - بمعناه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 48 بمعناه عن قتادة ومجاهد، وورد بمعناه في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 127، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، و"الماوردي" 3/ 232، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، والطوسي 6/ 453، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 81، و"ابن عطية" 9/ 27، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، و"الفخر الرازي" 20/ 162، و"القرطبي" 10/ 226، و"ابن كثير" 3/ 30.]]، والإنسان في هذه الآية اسم الجنس.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني النضر بن الحارث؛ قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [[انظر: "تنوير المقباس" ص 297، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 213 أبنصه، و"السمرقندي" 2/ 262، بنصه، و"ابن عطية" 9/ 28، و"ابن الجوزي" 5/ 13، و"الفخر الرازي" 20/ 162، و"القرطبي" 10/ 225، و"أبي حيان" 6/ 14، والتعميم أولى من التخصيص في مثل هذا.]] الآية [الأنفال: 32] ﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ يريد كما يدعو المؤمنون بالمغفرة والرحمة، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ يعني آدم حين نهض قبل أن يجري الروح فيه؛ وذلك أن آدم لما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى، فذهب لينهض فلم يقدر، وهو قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 213 أ، بنحوه، أخرجه "الطبري" 15/ 47 - 48، بنحوه عن ابن عباس وسلمان، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 128، عن سلمان، و"السمرقندي" 2/ 262، عنهما، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، عنهما، و"الماوردي" 3/ 232، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 28، و"ابن الجوزي" 5/ 13، و"الفخر الرازي" 20/ 163، و"القرطبي" 10/ 226، و"أبي حيان" 6/ 13، و"ابن كثير" 3/ 30، وأغلب الظن أن هذا الخبر من الإسرائيليات.]].
الإسراء 17:12
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: جعلناهما علامتين تدلان على قدرة خالقهما ووحدانيته [[ورد بنحوه في: "تفسير مقاتل" 1/ 213 أ، و"السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 81، و"ابن الجوزي" 5/ 14، و"القرطبي" 10/ 227، و"الخازن" 3/ 158، و"أبي حيان" 6/ 14، و"الدر المصون" 7/ 321.]].
وقال آخرون: المعنى جعلناهما ذوي آيتين [[انظر: "الإملاء" 2/ 89، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 262، و"تفسير أبي حيان" 6/ 14، و"الدر المصون" 7/ 321، و"تفسير الألوسي" 15/ 26.]]؛ فحذف المضاف، يدل عليه أنه قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، ولم يقل: فمحونا الليل ولا فمحونا أحديهما، فلما أضاف الآية إلى الليل والنهار دل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما.
وقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، أي: طمسنا نورها بما جعلنا فيها من السواد، وهذا قول عامة المفسرين [[ذكر الفخر الرازي قول الجمهور وذكر قولاً آخر ورجحه؛ وهو: أن المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور؛ يبدأ هلالاً ولا يزال يكبر حتى يصير بدرًا كاملاً، ثم يبدأ في الانتقاص قليلاً قليلاً، وذلك هو المحو، ثم ذكر مسوغات ترجيح هذا القول. انظر: "الرازي" 20/ 164، ويضاف إلى ما ذكره أن الأثر الذي اعتمد عليه عامة المفسرين أثر ضعيف عن علي وابن عباس، فهو عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن علي من طريق ابن الكَوَّاء الخارجي؛ رؤوس الخوارج، قال عنه البخاري: لم يصحَّ حديثه. انظر: "لسان الميزان" 3/ 329.]]؛ قالوا: السواد الذي يُرى في القمر هو أثر المحو [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 213 أ، بنحوه، وأخرجه "الطبري" 15/ 49 - 50، بنحوه عن علي وابن عباس ومجاهد من عدة طرق، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 128، و"تفسير السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، و"الماوردي" 3/ 232، و"الطوسي" 6/ 454، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 81، و"ابن عطية" 9/ 30، و"ابن الجوزي" 5/ 14، و"القرطبي" 10/ 228، و"ابن == كثير" 3/ 31، و"الدر المنثور" 4/ 302 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن علي -رضي الله عنه-، وأورده كذلك وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.]]، وروي في حديث مرفوع: "إن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء، فأرسل الله -عز وجل- جبريل فأمَرّ جناحه على وجه القمر فطَمس عنه الضوء" [[ورد بنحوه موقوفًا على ابن عباس في "تفسير السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، مفصلاً، و"البغوي" 5/ 81، و"القرطبي" 10/ 227 مرفوعًا وموقوفًا، و"الخازن" 3/ 158، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 302 وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه -بسند واه- عن ابن عباس مرفوعًا.]]. ومعنى المحو في اللغة: إذهاب الأثر، يقول: محوته أمحوته وأمحاه، وامحى الشيء وامتحى: إذا ذهب أثره [[انظر: "تهذيب اللغة" (محا) 4/ 3347، و"المحيط في اللغة" (محو) 3/ 231، و"اللسان" (محا) 7/ 4150.]].
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، أي: يبصر فيها، فكأن المعنى أنها مضيئة؛ كما قال: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: 67]، أي: مضيئًا، وقد مر، قال أبو عبيد: هذا قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 126 بلفظه، وورد في "تهذيب اللغة" (بصر) 1/ 342 بلفظه عن الفراء.]].
وفيه وجه آخر يقال: قد أبصر النهار، إذا صار الناس يبصرون فيه فهو مبصر؛ كقولك: رجلٌ مُخْبِث إذا كان أصحابُه خُبَثاء، ورجلٌ مُضعِف إذا كانت دوابُّه ضعافًا، وكذلك النهار مبصرًا، أي: أهله بُصَرَاء [[ورد في "تفسير الطبري" 15/ 50، بنحوه، لكنه قال: كقولهم: رجلٌ مجبن، إذا كان أهله جبناء، ورجلٌ مضعف، إذا كانت رواته ضعفاء، وورد بنصه تقريبًا في "تفسير الثعلبي" 7/ 105 أ، و"الطوسي" 6/ 454، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 166، و"القرطبي" 10/ 228، و"أبي حيان" 6/ 14.]]، وهذا كقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: 59]، وسنذكر ما فيها إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ بمحو آية الليل، ولولا ذلك ما كان يُعرف الليلُ من النهار، وكان لا يَتبَيَّن [[العبارة في جميع النسخ: فكان الآيتين، وهو تصحيف، وفي "تفسير الثعلبي" 7/ 105 أ: ولا يتبين العدد، والمثبت من تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 477.]] العدد، ونظير هذه الآية قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ الآية [يونس: 5].
وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ﴾، أي: مما يُحْتَاج إليه، ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾: بيناه تبيينًا لا يَلْتَبِس معه بغيره [[في جميع النسخ: لغيره، والتصويب من تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 477.]]، وهذا معنى قول ابن عباس: يريد فَصَّلنا ما خلقت [[هكذا في جميع النسخ: ما خلقت، والأولى: ما خلقنا لينسجم مع فصَّلنا.]] للنافع تفصيلًا.
الإسراء 17:13
قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ الآية. روى الحكم عن مجاهد قال: مكتوب في ورقة شقي أو سعيد معلقة في عنقه [[أخرجه "الطبري" 15/ 51، بنحوه، وورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 ب، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"ابن الجوزي" 5/ 15، و"الدر المنثور" 4/ 303 - 304 وزاد نسبته إلى أبي داود في كتاب القدر [لم أجده في سننه] وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وهذا كما روي عن الحسن في قوله: ﴿طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قال: شَقَاوَته وسعادته [[ورد في "تفسير مجاهد" 1/ 359 بنصه عن الحسن، أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 374، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"ابن الجوزي" 5/ 15.]].
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: عمله من شَقَاوَة أو سعادة [["تفسير مجاهد" ص 359 بمعناه، وأخرجه "الطبري" 15/ 51 مختصرًا من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 130 مختصرًا.]].
وقال السدي: ما كُتبَ له من خير أو شر [[انظر: "تفسير أبي حيان" 6/ 15 بمعناه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 303 - 304 وعزاه إلى ابن أبي حاتم بمعناه.]].
وروي عن ابن عباس: أنه قال عَمَلُه وما قُدّر عليه فهو ملازمه أينما كان [[أخرجه "الطبري" 15/ 51 بنصه من طريق عطاء الخرساني (منقطعة)، وأخرجه مختصرًا من طريق العوفي (ضعيفة)، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 130، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 262 - بمعناه، و"الثعلبي" 7/ 105 ب بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"ابن عطية" 9/ 31، و"الخازن" 3/ 159، و"أبي حيان" 6/ 15، و"الدر المنثور" 4/ 303 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، هذا قول المفسرين في هذه الآية، وإنما قيل لما يأتيه الإنسان ويعمله [[في (أ)، (د) تصحفت إلى: (يعلمه).]] من خير وشر: طائر، على مذهب العرب وتعارفهم في ذلك؛ نحو قولهم: جرى طائرُه بكذا من الخير، وجرى له الطائرُ بكذا من الشر؛ على طريق الفأل والطِّيرة، أنشد أبو زيد لحسان بن ثابت:
ذَرِيني وعِلْمي بالأمور وسيرتي ... فما طائري فيها عليكِ بأَخْيَلا [[" ديوانه" ص 206 برواية: (وشيمتي) بدل (وسيرتي)، (ويومًا) بدل (فيها)، وورد في: "الحجة للقراء" 5/ 89، و"تفسير الطوسي" 6/ 456 برواية: (وشيمتي)، و"شرح شواهد الإيضاح" ص 392 عجزه، و"اللسان" (خيل) 3/ 1306، و"شرح التصريح" 214، وورد بلا نسبة في: "الاشتقاق" ص 300 عجزه، و"أوضح المسالك" 4/ 120 عجزه، و"شرح الأشموني" 3/ 436، (الأخيل): طائر يُتشاءَم به، وهو ما يسمونه الشّقِرَّاق، تقول العرب: أشأَم من أخْيَل.]] أي ليس رأي بمشؤوم، قال أبو زيد: كلما مرَّ من طائر أو ظبي أو غيره، وكل ذلك عندهم طائر وطير [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 456 بنصه تقريبًا.]]، وأنشد لكثير:
جرت لي بهجرانك يا عز لا جرت ... ظباء اللوى لو أنني أتطير
ذكر في هذا البيت الظباء ثم جعلهن طيرًا؛ فقال:
فقلت لأصحابي ازجروا لا ... أبا لكم لعلكم للطير مني أزجر
فقالوا نراها طير صدق وقد جرى ... لي الطير منها بالذي كنت أحذر [[لم أجده في "ديوانه"، ولم أقف عليه.]]
ومذهبهم في العِيَافة والزجر [[العيافة: زَجْر الطير؛ وهو أن يرى طائرًا أو غرابًا فيتطيَّر، قاله الأزهري، وفي اللسان، العيافة: زجْرُ الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها ومَمَرِّها، وهو من عادة العرب كثيرًا، وهو كثير في أشعارهم، يقال: عافَ يعيف عيفًا إذا زجَرَ وحدَس وظن، والعائف: الذي يَعيفُ الطير فيَزْجُرُها.
انظر: "تهذيب اللغة" (عاف) 3/ 2285، و"المحيط في اللغة" (عيف) 2/ 172، و"اللسان" (عيف) 5/ 3193. الزَّجْرُ للطير وغيرها: التَّيَمُّنُ بِسُنُوحها، أو التَّشاؤم بِبُرُوحها، وإنما سُمّي الكاهنُ زاجرًا؛ لأنه إذا رأى ما يظن أنه يُتَشَاءمُ به زَجَرَ بالنَّهي عن المُضيِّ في تلك الحاجةِ برفع صوتٍ وشدَّةٍ، قاله الزجاج، وقال الليث: الزَّجرُ: أن يَزْجُرَ طائرًا أو ظَبْيًا سانِحًا أو بارحًا فيتطيَّر منه. [والسانحُ: ما وَلاَّك مَيَامِنَه، والبارح: ضِدُّه] انظر زجر في "تهذيب اللغة" 2/ 1513، و"المحيط في اللغة" 7/ 20، و"اللسان" 3/ 1813.]] معروفٌ، وأشعارهم في ذلك كثيرة، وهو باطل من أهل الجاهلية، إلا أنهم لما كانوا يتفاءلون [[في جميع النسخ: (يتألفون)، والصحيح المثبت؛ لأن الكلام في التفاؤل لا التألف، فهو تصحيف.]] في الخير والشر في الطائر والطير، سموا ما تفاءلوا [[في جميع النسخ: (ما تعالوا)، ولا معنى لذلك، والصواب المثبت، فلعلها تصحفت عنها.]] به طائرًا وطيرًا، وإن لم يكن من ذوات الأجنحة.
ثم سموا الخير والشر أيضًا طائرًا وطيرًا على مذهبهم في تسمية الشيء بما كان له سببًا، فخاطبهم الله بما يستعملون، وهذا كلام ابن قتيبة [["الغريب" لابن قيبة 1/ 252 باختصار.]] وأبي علي الفارسي [["الحجة للقراء" 5/ 88 باختصار.]]، ويدل على صحة هذا الذي ذكرناه قراءة الحسن ومجاهد: (أَلْزَمْنَاهُ طَيره فِي عُنُقِهِ) [[وهي قراءة شاذة وردت عن الحسن ومجاهد وأبي رجاء. انظر: "القراءات الشاذة" لابن خالويه ص 79، و"إعراب القراءات الشاذة" 1/ 778، و"تفسير الرازي" 20/ 167، و"القرطبي" 10/ 229، و"أبي حيان" 6/ 15.]]، وعلى هذا معنى طائره: أي عمله من خير وشر.
قال الفراء: الطائر معناه عندهم العمل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 118، بنحوه.]].
وقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ [["مجاز القرآن" 1/ 372، بنحوه.]]، وهو الذي تسميه الفرس البخت، وعلى هذا يجوز أن يكون معنى الطائر: ما طار له من خير أو شر، أي صار له عند القسمة؛ من قولهم: أَطَرْتُ المالَ وطَيَّرته بين القوم فطار لكل منهم سهمه، أي صار له [[ورد في "تهذيب اللغة" (طار) 3/ 2149 بنصه.]]، وقد بينا هذا المعنى في سورة الأعراف عند قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [[الأعراف [131].]].
قال الأزهري: والأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم عَلِمَ المطيعَ من ذريته والعاصي، فكتب ما علمه [[في جميع النسخ: (ما عمله)، وهو تصحيف.]] منهم أجمعين، وقضى سعادة مَنْ عَلِمَه مطيعًا وشقاوة مَنْ عَلِمَه عاصيًا، فصار لكلٍّ ما هو صائرٌ إليه عند خلقه وإنشائه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، أي: ما طار له في علم الله بدءًا [[في (أ)، (د): (بريًا)، وفي (ش)، (ع): (بمريًا)، ولم أجد لذلك معنى في هذا السياق، والمثبت من المصدر.]] من الخير والشر [["تهذيب اللغة" (طار) 3/ 2150 بتصرف، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 15 بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ عبارة عن اللزوم، قال أبو إسحاق: وإنما يقال للشيء اللازم: هذا في عنق فلان؛ أي لُزُومه له كلزوم القلادة من بين ما يُلْبَس في العنق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 230 بنصه.]].
وقال أبو علي: وهذا مِثْلُ قولهم: طَوَّقتُك كذا وقَلَّدتك كذا؛ أي صرفته نحوك، وألزمته [[في جميع النسخ: (ألزمت) بدون الضمير، والسياق يقتضيه، وهو كذلك في المصدر.]] إياك، ومنه: قَلَّده السلطانُ كذا؛ أي صارت الوِلَاية في لزومها له في موضع القلادة [و] [[إضافة يقتضيها السياق، وهي مثبتة في المصدر.]] مكان الطوق [[في جميع النسخ: (الطرق) والتصويب من المصدر.]]، قال الأعشى:
قَلَّدتُك الشِّعرَ يا سَلَامةُ ذا الـ ... تّفْضَالِ والشيءُ [[في جميع النسخ: (الشعر)، والصواب ما أثبته من الديوان وتفسير ابن عطية.]] حيثُ ما جُعِلَا [["ديوانه" ص 138، وورد في "تفسير ابن عطية" 9/ 33، (التفضال): الإحسان.]] [["الحجة للقراء" 5/ 89 بنصه.]] هذا قول الجمهور [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 213 أ، و"الطبري" 15/ 51، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 130، و"تفسير السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 ب، و"الماوردي" 3/ 233، و"الطوسي" 6/ 455، و"الفخر الرازي" 20/ 168.]]، وقال بعض أهل المعاني: إنما خص العنق؛ لأن عمله لا يخلو إما أن يكون خيرًا يَزِينُه أو شرًا يَشِينُه، وما يُزَيِّنُ كالطوق والحُلِي، أو يَشِينُ كالغل، فإضافته إلى الأعناق [[ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 15/ 51، و"الثعلبي" 7/ 105 ب، و"الطوسي" 6/ 457، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"الفخر الرازي" 20/ 168، و"الخازن" 3/ 159، و"أبي حيان" 6/ 15.]]، وعلى ما ذكر مجاهد [[تقدم قريبا.]]: ما قُسِمَ له أُثبت في ورقة وعُلّقت من عنقه، غير أنَّا لا نشاهد ذلك مرئيًا [[في (ش)، (ع): (بمريًا).]]، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ قال الحسن: يا ابن آدم، بُسِطت لك صحيفة، ووُكِلَ بك ملكان، فهما عن يمينك وعن شمالك، فأما الذي [[في جميع النسخ: (الذين)، والمثبت هو الصحيح.]] عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، حتى إذا مِت طُويت صحيفتُك وجُعلت معك في قبرك حتى تُخْرَج لك يوم القيامة [[أخرجه الطبري 15/ 52 - 53، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 105 ب، بنحوه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 168، و"ابن كثير" 3/ 32، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 304، و"تفسير الألوسي" 15/ 32.]]، فعلى هذا معنى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾، أي: من قبره معه، ويجوز أن يكون معنى: ﴿نُخْرِجُ﴾ نظهر له ذلك؛ لأنه لم ير كتابه في الدنيا، فإذا بُعث أُظهر له ذلك وليبرز من الستر.
وقرأ يعقوب: (ويَخْرُجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) [[قرأ يعقوب: ﴿وَيَخرُج﴾ بالياء مفتوحةً والراء مضمومةً، قال الطبري: وكأن من قرأ هذه القراءة وجَّه تأويل الكلام إلى: ويخرج له الطائرُ الذي ألزمناه عنق الإنسان يوم القيامة، فيصير كتابًا يقرؤه منشورًا، وقال الزمخشري: والضمير للطائر؛ أي يَخْرجُ الطائرُ كتابًا، وانتصاب (كتابًا) على الحال.
انظر تفسير "الطبري" 15/ 52، و"المبسوط في القراءات" ص 227، و"تفسير الزمخشري" 2/ 354، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 750، و"النشر" 2/ 306، و"الإتحاف" ص 282.]] على معنى ويَخْرُجُ له طائرُه، أي عملُه، ﴿كِتَابًا﴾، أي: ذا كتاب، ومعنى (ذا كتاب) أنه مثبت في الكتاب الذي قيل فيه: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: 49]، وعلى هذا المعنى قرأ أبو جعفر [[أبو جعفر يزيد بن القعقاع، أحد القراء العشرة، تابعي مشهور، انتهت إليه القراءة بالمدينة، قرأ على زيد بن ثابت وسمع ابن عمر -رضي الله عنهم-، توفي سنة 130 هـ. انظر: "وفيات الأعيان" 6/ 274، و"معرفة القراء الكبار" 1/ 72، و"غاية النهاية" 2/ 382، و"النشر" 1/ 178.]]: (ويُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) [[قرأ أبو جعفر: ﴿وَيُخْرَجْ﴾ بضم الياء وفتح الراء، على ما لم يُسَمَّ فاعله، ونائب الفاعل: ضمير الطائر. قال الطبري: وكأنه وجَّه معنى الكلام إلى: ويُخْرَج له الطائر يوم القيامة كتابًا، يريد: ويخرج الله ذلك الطائر قد صيَّره كتابًا. انظر: "تفسير الطبري" 15/ 53، و"المبسوط في القراءات" ص 227، و"النشر" 2/ 306، و"الإتحاف" ص 282.]] أي يُخْرَجُ له الطائر؛ أي عمله، ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ كقوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: 10]، وقرأ ابن عامر: (يُلَقَّاهُ) [[قرأ ابن عامر: (يُلَقَّاهُ) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، جعل الفعلَ لغير الإنسان؛ أي: الملائكة تلقاه بالكتاب الذي فيه نسخة عمله وشاهده؛ أي: يستقبل به. انظر: "السبعة" ص 378، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 364، و"علل القراءات" 1/ 316، و"المبسوط في القراءات" ص 227، و"النشر" 2/ 306.]] من قولهم: لَقَّيْتُ فلانًا الشيءَ، أي: استقبلته به، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: 11]، وهو منقول بالتشديد؛ من لَقَّيْتُ الشيءَ ولَقَّانِيهِ زيدٌ [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 90، بنحوه.]].
الإسراء 17:14
قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ قال الفراء والكسائي: (يُقَال) هاهنا مضمرة كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا﴾ [غافر: 46]، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 119 بنصه، ولم أقف عليه منسوبًا إلى الكسائي.]] [آل عمران: 106]، وقد مر.
قال الحسن يقرأه أُمِّيًا كان [[ساقطة من (د).]] أو غير أمِّي [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أ، بنحوه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 16، و"الفخر الرازي" 20/ 169، و"القرطبي" 10/ 150.]].
وقال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا [[أخرجه "الطبري" 15/ 53 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أبنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"الزمخشري" 2/ 354، و"ابن عطية" 9/ 35، و"أبي حيان" 6/ 15، و"الدر المنثور" 4/ 304 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، و"تفسير الشوكاني" 3/ 306، والألوسي 15/ 33.]].
وقال بكر بن عبد الله [[بكر بن عبد الله المزني البصري، أبو عبد الله، ثقة ثبت جليل، روى عن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهما- وعنه: قتادة وحبيب بن الشهيد مات سنة (108 هـ) انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 388، و"الكاشف" 1/ 274 (628)، و"تقريب التهذيب" ص 128 (743)، و"تفسير الطبري" شاكر 1/ 274 (628)]] يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفة حسناته في ظهره يغبطه الناس عليها، وسيئاته [في] [[إضافة يقتضيها السياق؛ كما في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 169.]] جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته، قال الله له: اذهب فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك، فَيُسَرُّ ويُشْرِقُ لونُه ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 169 بنصه تقريبًا، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 262، بنحوه عن ابن عباس.]] [الحاقة: 19].
وقوله تعالى: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، الحَسِيْبُ بمعنى الحاسب، كالشريك والنديم، وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: 39]، أي: محاسبًا.
قال الحسن: عدلٌ واللهُ عليك، مَنْ جعلك حَسِيبَ نَفْسِك [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أبنصه تقريبًا، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"الزمخشري" 2/ 354، و"ابن الجوزي" 5/ 16، و"الفخر الرازي" 20/ 169، و"الخازن" 3/ 159، و"أبي حيان" 6/ 16، و"الألوسي" 15/ 33.]].
وقال السدي: يقول الكافر يومئذ: إنك قضيتَ أنك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أُحاسبُ نفسي، فيقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 169، و"الدر المنثور" 4/ 304، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، ومثل هذه الأخبار لا تثبت إلا بخبر صحيح عن المعصوم.]].
الإسراء 17:15
قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾، أي: ثواب اهتدائه له ولنفسه؛ يعني الخير باهتدائه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾، أي: على نفسه عقوبة ضلاله؛ فهُداه له كما أن ضلاله عليه، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الوليد بن المغيرة قال: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 481، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 17، و"القرطبي" 10/ 151، و"الألوسي" 15/ 35، وورد بلا نسبة في "تفسير ابن عطية" 9/ 36، و"أبي حيان" 6/ 16، وحمل الآية على العموم أولى من التخصيص.]].
قال قتادة: لا والله، ما يحمل اللهُ على عبدٍ ذَنْبَ غيرِه، ولا يُؤاخَذ إلا بعمله [[أخرجه "الطبري" 15/ 54 بنصه.]]. قال أبو إسحاق يقال: وَزَرَ يَزِرُ فهو وَازرٌ وَزْرًا وَوِزْرًا، [و] [[هذه الواو إضافة يقتضيها المقام؛ كما في "تفسير ابن الجوزي" 5/ 17.]] وِزْرَةً، معناه: أثِمَ يَأْثَمُ إثمًا، قال: وفي تأويل هذه الآية وجهان؛ أحدهما: أن الآثِمَ والمُذْنِبَ لا يؤاخذ بذنب غيره، ولا يؤاخذ بذنبه غيرُهُ، والوجه الثاني: أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسانُ بالإثم لأن غيرَه عَمِلَه؛ كما قالت الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 231 بنصه، إلا أنه أورد الآية [22] التي قبلها وهي: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾.]] [الزخرف: 23]، ومضى الكلام في معنى الوِزْر والأوْزَار في سورة الأنعام [[آية [31].]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ قال ابن عباس: يريد اتخاذ الحجة على خلقه.
وقال قتادة: إن الله ليس معذبًا أحدًا حتى يسبق من الله إليه خبرٌ [[في جميع النسخ: (خير)، والصحيح المثبت، كما في المصادر.]] ويأتيه من الله بَيِّنَة [[أخرجه "الطبري" 15/ 54 بنصه تقريبًا.]].
وقال أبو إسحاق: أي حتى [[في جميع النسخ: (حين)، والمثبت هو الصحيح، وموافق للمصدر.]] نبين ما به نُعَذِّبُ وما من أَجْله نُدْخِلُ الجنَّةَ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 231 بنصه.]]، وهذا يدل على أن الواجبات إنما تجب بالشرع لا بالعقل؛ لأن الواجبَ ما لا يؤمن العقاب في تركه، وقد أخبر أنه لا يعذب قبل بعثته الرسول، فدل أنه إنما يُعرفُ الواجبُ بقول الرسولِ، ولا يجبُ شيءٌ على أحدٍ قبل بَعْثِ الرسولِ [[وهو بهذا يرد على المعتزلة القائلين بأن الواجبات تجب بالعقل أولاً ثم بالشرع .. ، انظر: "فضل الاعتزال" ص 139 نقلاً عن كتاب "الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة" 1/ 166.]]، ولذا وجبتْ الدعوةُ قبلَ القتالِ، حتى لو أن المسلمين أناخوا بساحةِ قومٍ لم تبلغهم الدعوةُ، لم يجز لهم أن يهجموا عليهم بالقتال والثُّباتِ [[جمعُ ثُبَةٍ، وهي الفرقة، والمقصود النفير بفرق وسرايا. انظر: "عمدة الحفاظ" 1/ 317.]] قبل تقديم الدعوة، ولو فعلوا ذلك ضَمِنوا دماءهم، كذلك قال الشافعي -رضي الله عنه- [[كتاب "الأم" 4/ 157، بنحوه، وقد نص على ذلك الماوردي، وقال: فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى الإسلام وإنذارهم بالحجة، وقتلهم غرة وبياتًا ضمن ديات نفوسهم وكانت -على الأصح من مذهب الشافعي- كديات المسلمين، وقيل: بل كديات الكفار على اختلافها اختلاف معتقدهم. "الأحكام السلطانية للماوردي" ص 46، انظر: "حواشي تحفة المحتاج على المنهاج" 9/ 242، "الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته" 1/ 206.]].
الإسراء 17:16
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ هذا يُتَأول على وجهين:
أحدهما: أنهم أُمروا بالطاعة فعصوا، وهذا قول سعيد بن جبير [[أخرجه "الطبري" 15/ 55، بنحوه، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 195 بنصه، و"الطوسي" 6/ 461، بنحوه.]]، والمعنى على هذا: أَمَرْناهم على لسان رسولٍ بالطاعة ففسقوا، هذا نحو قولك: أمرتُك فعَصَيْتني، فقد عُلِمَ أن المعصية مخالفة للأمر [[في المصدر: (الأمر).]]، ولذلك؛ الفسق مخالفة أمر الله [[ورد في "تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 197، بنصه تقريبًا.]]، فقوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ يدل على أنه أمر بالطاعة وإن لم يُذْكر؛ كما تقول: أمرتك فعصيتني؛ معناه: أمرتك بطاعتي، فإن قيل: لِمَ خص المترفين بالأمر بالطاعة، وأمره بالطاعة لا يكون مقصورًا على المترفين، وقد أمر الله بطاعته جميع خلقه من مترف وغيره؟! قيل: لأنهم الرؤساء الذين من عداهم تبع لهم، كما أن موسى بُعث إلى فرعون ليأمره بطاعة الله وكان من عداه من القبط تبعًا له [[في جميع النسخ: (لها)، والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يرجع إلى فرعون، وورد هذا التعليل في "تفسير الجصاص" 3/ 195، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 460 بنصه تقريبًا.]]، هذا إذا قلنا: إن قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ من الأمر الذي هو ضد النهي.
الوجه الثاني: أن معنى قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ أكثرنا، وهو قول مجاهد في رواية عبد الكريم [[ذكر محقق "تفسير مجاهد" 3/ 359 أن راويين اسمهما عبد الكريم رويا عن مجاهد؛ أحدهما: عبد الكريم بن مالك الجَزَري: تقدمت ترجمته. والآخر: عبد الكريم بن أبي المُخارق: هو أبو أميّة المعلِّم البصري، نزيل مكة، وهو ضعيف، قال يحيى: ليس بشيء، روى عن سعيد بن جبير، وعنه مالك والسفيانان، قال ابن حجر: وقد شارك الجَزَري في بعض المشايخ فربما التبس به على من لا فهم له، مات سنة 126 هـ انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 58 - 59، و"ميزان الاعتدال" 3/ 360 - 361، و"الكاشف" 1/ 661 (3432)، و"تقريب التهذيب" ص 361 (4156).]]، قال: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾: أكثرنا فساقها [["تفسير مجاهد" 1/ 359 بنصه، أخرجه "الطبري" 15/ 55 - 56، بنحوه عن عكرمة وسعيد، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 134 ، بنحوه عن مجاهد، و"تفسير الجصاص" 3/ 195، بنحوه عن مجاهد وعكرمة، و"الدر المنثور" ص 359 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.]]، ونحوه روى سِمَاك [[سِمَاك بن حرب بن أوس الهُذلي الكوفي، أبو المغيرة، تابعي أدرك ثمانين رجلاً من أصحاب النبي -ﷺ-، صدوق صالح من أوعية العلم، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وتغير بأخرة، مات سنة (123 هـ) انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 279، و"ميزان الاعتدال" 2/ 422، و"الكاشف" 1/ 465 (2141)، و"تقريب التهذيب" ص 255 (2624).]] عن عكرمة وعمر بن ثابت [[عمر بن ثابت الأنصاري الخزرجي، ثقة، سمع أبا أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-، وروي عنه الزهري ومالك بن أنس. انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 101، و"الكاشف" 2/ 56، و"تقريب التهذيب" ص 410 (4870).]] عن أبيه عن سعيد بن جبير، والعرب: تقول أَمِر القومُ إذا كثروا، وأمرهم اللهُ، أي: كَثَّرَهم، وآمَرَهم أيضًا بالمد [[ورد بنحوه في "غريب الحديث" 1/ 208، و"تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 196، و"الحجة للقراء" 5/ 92.]].
روى الجَرْميُّ [[أبو عمر، صالح بن إسحاق الجَرْميّ البصري، مولى جَرْم بن زَبّان؛ من قبائل اليمن، إمام في النحو، ناظر الفراء ببغداد، أخذ عن الأخفش وغيره، ولقي يونس وأخذ عن أبي زيد اللغة، وعن أبي عبيدة والأصمعي. انظر، "أخبار النحويين البصريين" ص 84، و"نزهة الألباء" ص 114، و"البلغة" ص 113، و"البغية" 2/ 8.]] عن أبي زيد: أمِرَ اللهُ القومَ وآمرهم أي كَثَّرَهم، قال: مِثلُ نَضَّرَ اللهُ وجهه وأنضره، ومثل أَمِرَ القوم وأمَرَهم غيرُهم، ورَجَعَ ورَجَعْتُه، وسَلَكَ وسَلَكْتُه، قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42]، وشَتِرتْ [[الشَّتَرُ: انقلاب في جفن العين قلّما يكون خلقةً. انظر: "اللسان" (شتر) 4/ 2193.]] عَيْنُه وشَتَرْتُهَا [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 92، عن الجرمي مختصرًا، و"المحتسَب" 2/ 17، عن أبي زيد مختصرًا، والمقصود بهذه الأمثلة، التدليل على أن بعض الأفعال يعدى بالهمزة، وبعضها -الذي من باب فَعِل بكسر العين- يتعدى بفتح العين والمعنى واحد. انظر: "المُوضح في القراءات" 2/ 752، و"تفسير الطوسي" 6/ 461.]].
قال أبو عبيدة [[في جميع النسخ (أبو عبيد)، والتصويب من "الحجة للقراء" 5/ 92.
وهو في "مجاز القرآن" 1/ 373 بمعناه، وورد في "الحجة للقراء" 5/ 92 بنصه، وواضح أنه نقله من "الحجة" لا من "المجاز".]]: وقد وجدنا تثبيتًا لهذه اللغة، وهو قوله -ﷺ-: "سِكّة مَأْبُورة، ومُهْرة مَأْمورة" [[وطرفه: (خيْرُ المال سِكَّة ..) أخرجه أحمد 3/ 468 بنصه عن سويد بن هبيرة عن النبي -ﷺ-، والطبري 8/ 51 بنصه، والطبراني في "الكبير" 7/ 91، بنحوه من طريقين عن سويد بن هبيرة، وورد بنصه في "غريب الحديث" 1/ 208، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 232، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 135، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 365، و"علل القراءات" 1/ 317، و"تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 197، و"تفسير الثعلبي" 7/ 106 أ، و"الماوردي" 3/ 236، وأورده الهيثمي في "المجمع" 5/ 258 وقال: ورجال أحمد ثقات، والسيوطي في الجامع [فيض القدير] 3/ 491 ورمز له بالصحة، وفي بعض هذه المصادر تقديم مهرة على سِكَّة، (السِّكة): السَّطْر من النَّخل، (المأبورة): المُصْلَحةُ المُلقحةُ، يقال: أبَرت النخل آبُرُه أبْرًا إذا لَقَّحْته وأصلحته، (المُهْرَة): قال الليث: المُهْر ولد الرَّمَكَةِ -البرذون- والفرس، والأنثى مُهرة، والجميع مِهار، وقيل: أول ما نُتِجَ من الخيل والحُمُر الأهلية، قال ابن خالويه: يعني بالمُهرة: الكثيرة النِّتاج. انظر "أمالي القالي" 1/ 103، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 365، و"تهذيب اللغة" (مهر) 4/ 3462، و"متن اللغة" 4/ 3339.]].
قال أبو زيد: هي التي قد كَثُر نَسْلُها، يقولون: أمَر اللهُ المُهْرةَ؛ أي كَثَّر ولَدَها [[ورد في "تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 197، بنصه.]]، وأبى قوم أن يكون (أَمَر) بمعنى أكْثَر، وقالوا: أمِرَ القوم إذا كَثُروا، وآمرهم اللهُ بالمد، أي: أكثرهم، وتأولوا في قوله: (مهرة مأمورة) أنها على الإتْبَاع لمأبورة؛ نحو الغدايا والعشايا [[ورد بنحوه في "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 366، و"تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 197، و"الطوسي" 6/ 461.]].
وروى أبو العباس [[أحمد بن محمد بن عبد الله أبو العباس الليثي المعروف بختن ليث، روى القراءة عن أبي عمرو بن العلاء، وروى عنه هارون بن حاتم التيمي. "غاية النهاية" 1/ 121.]] -ختن ليث- عن أبي عمرو أنه قرأ ﴿أَمَّرْنا﴾ بالتشديد [[انظر: "السبعة" ص 379، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 366، و"علل القراءات" 1/ 317، و"الحجة للقراء" 5/ 91، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 752.]]، وهو يوافق تفسير ابن عباس فيما روى عنه الوالبي، يقول: سَلَّطنا شرارها فعَصوا [[ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 119 - بمعناه، وأخرجه "الطبري" 15/ 55 بنصه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 136 مختصرًا، و"تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 197 بمعناه، و"الدر المنثور" 4/ 307 بنصه وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن ابن عباس.]].
وقال أبو إسحاق: أي جعلنا لهم إمْرةً وسلطانًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 232، بنصه.]]، وقال في رواية عطاء: يريد سَلَّطنا مُلُوكَها [[انظر: "تنوير المقباس" ص 298، بنحوه.]].
قال أبو علي الفارسي: حَمْلُ أَمَّرْنا على أنه مثل: آمَرْنا؛ نحو: كَثَّرَهُ اللهُ وأَكْثَرَه، ولا يُحْمَل أمَّرْنا على أن المعنى: جعلناهم أُمراءَ؛ لأنه لا يكاد يكون في قرية واحدة عدّةُ أُمراءَ [["الحجة للقراء" 5/ 93، بنصه.]].
وهذا الذي قاله أبو علي لا يقدح في قول ابن عباس؛ لأن القريةَ الواحدة قد يكون فيها أمراء كثير تبعًا لواحد هو أكبرهم، فهم يُسَمَّون أمراء ويكونون مُسَلَّطين، وإن كان فوقهم غيرُهم هو الأعظم، فهؤلاء لا يخرجون عن سِمَة الإمارة، ويُقَوّيَ ما قاله أبو علي: أن يونس روى عن أبي عمرو أنه قال: لا يكون أمَرْنا مخففة بمعنى كثرنا [["الحجة للقراء" 5/ 92، بنحوه.]]، ولمّا أراد معنى الكثرة شَدَّد الميم ولم يقرأ بمد الألف لمّا لم يكن بالمصحف إلا ألف [[في (أ)، (د): (الألف).]] واحدة.
وروى حماد بن سلمة عن ابن كثير: آمَرْنا بالمد [[انظر: "السبعة" ص 379، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 366، و"علل القراءات" 1/ 316، و"الحجة للقراء" 5/ 91.]]، وهي اللغة العالية [[قاله ابن قتيبة في "غريبه" 1/ 253.]]؛ يقال: أمِرَ القوم وآمرهم الله، أي: أكثرهم، فهم مؤمَّرُون [[ورد بنحوه في "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 365.]].
ونحو هذا روى خارجة [[خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، أبو زيد، وينسب إلى جده، ضعيف الحديث، روى عن أبيه ونافع، وعنه مَعْن والقَعْنبي، مات سنة (165 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 374، و"الكاشف" 1/ 361 (1302)، و"ميزان الاعتدال" 1/ 625، و"تقريب التهذيب" ص 186 (1/ 16).]] عن نافع [[انظر: "السبعة" 379، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 366، و"علل القراءات" 1/ 316، و"الحجة للقراء" 5/ 91.]]، قال أبو إسحاق: ويكون لقوله [[في جميع النسخ: (كقوله)، والصواب المثبت؛ كما يدل عليه السياق.]]: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ معنى آخر غير كثرة العدد، وهو أن تكثر [[في جميع النسخ: (أن يكون)، وهو تصحيف ظاهر، والتصويب من المصدر.]] جِدَتُهم ويَسَارُهُم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 232 بنصه تقريبًا.]].
قال أبو عبيد: الوجه قراءة العامة؛ لاحتماله معنى الأمر والكثرة [[لم أجده في كتابه "غريب الحديث"، وأخرجه ابن خالويه عنه في "إعراب == القراءات السبع وعللها" 1/ 366، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 106 أ، بنحوه، وقد رجّح الطبري القول الأول، وعلله: بأن الأغلب من معنى أمرنا، الأمر الذي هو خلاف النهي دون غيره، ثم قال: وتوجيه معاني كلام الله جلّ ثناؤه إلى الأشهر الأعرف من معانيه أولى -ما وجد إليه سبيل- من غيره. انظر: "تفسير الطبري" 15/ 54، 57.]]، فإنه يقال: أمير غير مأمور، أي: غير مؤمّر [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أبنصه.]].
وأما المترف فمعناه في اللغة: المُنَعَّم الذي قد أبطرته النعمة وسِعةُ العيش [[انظر: (ترف) في "المحيط في اللغة" 9/ 426، و"الصحاح" 4/ 1333، و"العباب الزاخر" [ف/ 42]، و"اللسان" 1/ 429 وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 19، و"الفخر الرازي" 20/ 175.]].
والمفسرون يقولون في تفسيرها: الجبارين والمسلطين والملوك [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 263، بنحوه، و"تهذيب اللغة" (ترف) 1/ 436 بلفظه عن قتادة، و"تفسير الثعلبي" 7/ 106 أ - بمعناه، و"الماوردي" 3/ 236 بلفظه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 19.]].
وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ أي تمردوا في كفرهم، إذ الفسق في الكفر: الخروج إلى أفحشه [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 461 بنصه تقريبًا، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 19.]].
﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد استوجبت العذاب [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 234، بنحوه، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أ، بنحوه، و"الفخر الرازي" 20/ 175 بنصه.]]، يعني قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ﴾ الآية [القصص: 59]، وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ} الآية [هود: 117]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فقد قال -عز وجل- وحكم بأنه لا يُهلك قرية حتى يخالفوا أمره [[في (أ)، (د): (أمر).]] في الطاعة، فإذا خالفوا الأمر حق عليهم قوله بالعذاب.
وقوله تعالى: ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، أي: أهلكناها إهلاكَ الاستئصال، والدمارُ هلاكٌ بالاستئصال. وهذه الآية تأكيد لما سبق في الآية الأولى؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ وبَيَّنَ أن العقاب إنما يحق على الناس بعد مخالفتهم أمر الله.
الإسراء 17:17
ثم ذكر سُنته في إهلاكِ القرون الماضية تخويفًا لكفار مكة، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ الآية. وهذه الآية كقوله [[في جميع النسخ: (لقوله)، وهو تصحيف ظاهر.]]: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام: 6]، وقد مر.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ ذَكَرنا الكلام في هذه الباء في مواضع [[وقد ذكر الواحدي عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: 6] أن استقصاء الحديث عن الباء في السورة نفسها عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [آية: 45]، لكن الجزء المتضمن لهذه الآية مفقود -كما ذكر محقق هذا الجزء.]].
وقال الفراء: لو ألقيت الباء كان الحرف مرفوعًا، وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يُمدح به صَاحبُه أو يذم؛ كقولك: كفاكَ به، ونهاكَ به، وأكرِم به رجلاً، وبِئس به [[(به): ساقطة من (د).]] رجلاً، ونِعْمَ به رجلاً، وطاب بطعامك طعامًا، وجاد بثوبك ثَوبًا، ولو لم يكن مدحًا أو ذمًا لم يجز دخولها، ألا ترى أنه لا يجوز: قام بأخيك، وأنت تريد: قام أخوك، ولا قعد به، وأنت تريد: قعد هو [["معاني القرآن" للفراء 2/ 119 بتصرف يسير، انظر: "تفسير الطبري" 15/ 58.]].
الإسراء 17:18
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ قال المفسرون: أىِ الدنيا [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 213 ب بلفظه، وأخرجه الطبري 15/ 59 بلفظه عن ابن زيد، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 138 بلفظه، و"تفسير الجصاص" 3/ 196، والثعلبي 7/ 106 ب، و"الدر المنثور" 4/ 308 وعزاه نسبته إلى ابن أبي حاتم عن الضحاك.]]، والعاجلة نقيض الآجلة؛ وهي الدنيا عُجّلَت وكانت قَبْل الآخرة، ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾، هذا ذم لمن أراد بعمله وطاعته وإسلامه الدنيا ومنفعتها وعروضها، وقد بين الله تعالى أن من أرادها [[في جميع النسخ: (أراد بها)، والصواب ما أثبته بإسقاط الباء؛ لأنها تجعل المعنى مضطربًا.]] لم يدرك منها إلا ما قَدَّره اللهُ له إذا أراد أن يُقَدّر له؛ لأنه قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾، أي: القَدْر الذي نشاء، نُعَجّل له في الدنيا لا الذي يشاء هو.
ثم بَيّن أن ما يُعَجَّل ليس عامًّا لكل أحد، فقال: ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾، أي: لمن نريد أن نعجل له شيئًا قدرناه له، فإذًا قد يخيب كثير ممن يتعب للدنيا ويطلبها بسعيه [[مطموسة في (ع)، وفي (أ)، (د): (بسعته)، والمثبت من (ش)، وهو الصواب.]]، والذي يدركها لا يدرك إلا ما قُدِّر له، ثم يدخل النار في الآخرة ﴿مَذْمُومًا﴾، قال ابن عباس: ملومًا [[أخرجه الطبري 15/ 59 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، و"الدر المنثور" 4/ 309، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، ﴿مَدْحُورًا﴾: منفيًا مطرودًا، وذكرنا معنى ﴿مَدْحُورًا﴾ في سورة الأعراف [آية 18]، ومعنى هذه الآية كقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 145]، وقد مر، قال أبو إسحاق: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾؛ لأنه لم يرد الله بعمله [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 233، بنصه.]]، ﴿مَدْحُورًا﴾: مباعدًا من رحمة الله.
الإسراء 17:19
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ قال ابن عباس: يعني الجنة [[انظر: "تنوير المقباس" ص 298، بلفظه.]]. وقال أهل المعاني: يريد ثواب الآخرة أو خير الآخرة؛ كما قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 145].
﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ قال ابن عباس: يريد العمل بفرائض الله والقيام بحقوقه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 298، بنحوه.]]، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فإن الله لا يقبل حسنة إلا من مُصدِّق، ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ قال: يريد: يُضَعِّف لهم الحسنات، ويمحي عنهم السيئات، ويرفع لهم الدرجات.
الإسراء 17:20
قوله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ﴾ يعني من أراد العاجلة، ومن أراد الآخرة، ثم فصل الفريقين، فقال: ﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾، قال الحسن: كلاًّ نعطي من الدنيا البَرَّ والفاجر [[أخرجه "الطبري" 15/ 60 بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 264 بنصه، و"الدر المنثور" 4/ 308، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي نُعيم في الحلية -لم أقف عليه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 21]].
وقال قتادة: إن الله قَسَّم الدنيا بين البَرّ والفاجر، والآخرة خصوصًا عند ربك للمتقين [[أخرجه الطبري 15/ 60 بنصه، و"الدر المنثور" 4/ 308 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
وقال أبو إسحاق: أعلم الله أنه يعطي المسلم والكافر، وأنه يرزقهما، فقال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ﴾، أي: نُمِدَّ المؤمنين والكافرين من عطاء ربك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 233، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، أي: ممنوعًا [[أخرجه "الطبري" 15/ 61 بلفظه ابن جريج وابن زيد، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 237، عن ابن عباس.]]، يقال: حَظَرَه يَحْظُره حَظْرًا وحِظارة وحِظارًا، وكل من حال بينك وبين شيء فقد حظره عليك [[انظر (حظر) في "تهذيب اللغة" 1/ 856، و"المحيط في اللغة" 3/ 59، و"مقاييس اللغة" 2/ 80، و"اللسان" 2/ 918.]].
الإسراء 17:21
قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: في الرزق؛ فمن مُقِلٍّ ومِنْ مكثر، ومن مُوَسَّع عليه ومُقَتَّر، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ يحتمل معنيين:
أحدهما: أن هذا خاص في المؤمنين الذين يدخلون الجنة، فتتفاوت درجاتهم في الآخرة أكبر مما تتفاوت درجات المرزوقين في الدنيا في الرزق، وهذا التفضيل بين المؤمنين خاصة.
والثاني: أن هذا التفصيل بين المؤمنين والكافرين، ويكون المعنى: أن المؤمنين يدخلون الجنة، والكافرين يدخلون النار، فتبين درجاتهم، وَيفضل [[في جميع النسخ: (وتفضيل)، والمثبت أصوب.]] أحد الفريقين على الآخر، وعلى هذا لا تدل الآية على تفاوت درجات المؤمنين بينهم، وإنما تدل على تفضيلهم على الكفار بدرجات الجنة، والمفسرون على القول الأول:
قال ابن عباس: إذا دخلوا الجنان اقتسموا المنازل والدرجات على قَدْر أعمالهم، ألا تسمع قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا﴾ الآية.
الإسراء 17:22
قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ المفسرون على أن هذا خطاب للنبيّ -ﷺ-، والمعنى عام لجميع المكلفين [[ورد بنحوه في الطبري 15/ 62، والثعلبي 7/ 106 ب، والطوسي 6/ 464.]]؛ على نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1]، ويحتمل أن يكون الخطاب للإنسان، كأنه قيل: ﴿لَا تَجْعَلْ﴾: أيها الإنسان مع الله إلهًا آخر.
وقوله تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ﴾ انتصب؛ لأنه وقع بعد الفاء جوابًا للنهي، وانتصابه بإضمار (أن)؛ كقولك: لا تنقطع عنا فنجفوك، وتقديره: لا يكن منك انقطاع، فإن جوابه [[في جميع النسخ (صوابه)، والصواب ما أثبته، ويدل عليه سياق الكلام بعده.]] فإن تنقطع نجفوك، أي فجفاء [[في (أ)، (د): (نجفا)، والمثبت من (ش)، (ع).]]، فما بعد الفاء متعلق بالجملة المتقدمة بالفاء التي هي حرف العطف، وإنما سماه النحويون جوابًا -وإن كانت جملة واحدة ولم تكن كالجزاء- لمشابهته له في أن الثاني سببه [[في (أ): (سنه)، وفي (د): (سننه)، وفي (ش)، (ع): (شبيه)، والصواب ما أثبته، وهو الأنسب للسياق.]] الأول؛ ألا ترى أن المعنى: إن انقطعت جفوتك، كذلك المعنى في الآية: إن جعلت مع الله إلهًا آخر قعدت ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾، والمخذول: الذي لا عاصم له ولا ناصر؛ يقال: خذله يخذله خِذْلانًا [[ساقطة من (د).]] وخذلاً، وقد مر.
الإسراء 17:23
قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد وأَمَرَ ربك، ليس هو قضاء حكم، ونحو هذا روى عنه الوالبي [[أخرجه الطبري 15/ 62 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد بلفظه في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 ب، و"الماوردي" 3/ 237، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 309 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]]، وهو قول مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد وعامة المفسرين [["تفسير مجاهد" 1/ 360 بلفظه، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 376 بلفظه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 62 - 63 بلفظه عنهم ما عدا مجاهد، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 139، عن الحسن، و"تفسير الجصاص" 3/ 196، والسمرقندي 2/ 264، وهود الهواري 2/ 414، والثعلبي 7/ 106 ب، عن الحسن وقتادة، و"الماوردي" 3/ 237، عن الحسن وقتادة.]] وأهل اللغة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 374، و"تهذيب اللغة" (قضى) 3/ 2986، و"الإملاء" 2/ 90، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 266، و"اللسان" (قضى) 6/ 3665.]]. قال الفراء: العرب تقول: تركته يقضي أمور الناس، أي يأمر فيها فينفُذ أمرُه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 120، بنصه.]].
وقال أبو إسحاق: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ معناه أمَر [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 233، بلفظه.]]؛ لأنه أمرٌ قاطعٌ حَتْمٌ، وذكرنا أن قضى في اللغة على وجوه، كلها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه [[انظر ما تقدم في تفسير سورة البقرة [آية: 117].]].
وروى ميمون بن مِهران عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إنما هو (ووصى ربك) فالتصقت إحدى الواوين [[أي التصقت بالصاد.]]، فقرئت: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ ولو كان على القضاء ما عصى الله أحدٌ [[ورد في "القراءات الشاذة" لابن خالويه ص 79 - مختصرًا، وأورده السيوطي في == "الدر المنثور" 4/ 309، بنحوه، وعزاه إلى أبي عبيد وابن منيع وابن المنذر وابن مردويه من طريق ميمون عن ابن عباس.]]، ونحو هذا روى عنه الضحاك وسعيد ابن جبير [[أخرجه "الطبري" 8/ 58، عن الضحاك، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 ب، عن الضحاك، و"الماوردي" 3/ 237، عن الضحاك، وانظر غرائب التفسير 1/ 624، عن ابن عباس والضحاك واستغربه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 257 - وعزاه إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأورده -كذلك- وعزاه إلى ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس، وأورده وزاد نسبته إلى أبي عبيد وابن المنذر عن الضحاك.]]، وهو قراءة علي وعبد الله: (ووصى ربك) [[أخرجها عن ابن مسعود: مقاتل 1/ 213 ب، و"عبد الرزاق" 2/ 376، و"الطبري" 15/ 63، والطبراني في "الكبير" 9/ 149، ووردت عن ابن مسعود في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 139، و"تفسير السمرقندي" 2/ 264، و"الثعلبي" 7/ 106 ب، عنهما، وهذه القراءة شاذة وقد استنكرت وضعفت، قال الكرماني: وهذه القراءة عند القراء مقبولة في جملة الشواذ، والحكاية مردودة على الراوي، وقال ابن عطية: وهذا ضعيف، وإنما القراءة مروية بسند، ونقل تضعيف ابن أبي حاتم لها وقال: لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، وقال ابن الجوزي: وهذا على خلاف ما انعقد عليه الإجماع، فلا يلتفت إليه.
انظر: "غرائب التفسير" 1/ 624، و"تفسير ابن عطية" 9/ 52، و"ابن الجوزي" 5/ 22، و"فتح الباري" 8/ 241، و"تفسير الألوسي" 15/ 54، وهي أشبه بالتفسير من القراءة، وبذلك فسرها مجاهد، -كما أخرجه "الطبري" 15/ 62 - 63.]].
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ قال الزجاج: أي: وأَمَرَ بالوالدين إحسانًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 234، بنحوه.]]، والعرب تقول: أوصيك به خيرًا، وآمرك به خيرًا، وكأن معناه: آمرك أن تفعل به، ثم تحذف (أن) فينصب الخبر بالوصية وبالأمر، وأنشد:
عَجِبْتُ مِنْ دَهْماءَ أنْ تَشْكُونا ومِنْ (أبي) دَهْماء أنْ يُوصِينا
خَيْرًا (بها كأننا) [[في جميع النسخ (أين) بدل (أبي)، و (بهل كأنها) بدل (بها كأننا)، والتصويب من المصادر.]] جافُونا) [[ورد ما بين التنصيص بنصه تقريبًا في "معاني القرآن" للفراء 2/ 120، و"تفسير الطبري" 15/ 63، وبنحوه في "تفسير الطوسي" 6/ 467، وفي جميع المصادر: (إذ) بدل (إن)، والشاهد -كما ذكره الطبري والطوسي: أعمل يوصينا في الخير، كما أعمل في الإحسان.]]
فعلى هذا ينصب إحسانًا بمضمر دلَّ عليه الكلام، و (الباء) في: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ من صلة الإحسان، وقُدّمت عليه كما تقول: يزيد فامرر [[أورد الفخر الرازي هذا الوجه وعزاه للواحدي، وتعقبه قائلاً: وهذا المثال الذي ذكره الواحدي غير مطابق؛ لأن المطلوب تقديم صلة المصدر عليه، والمثال المذكور ليس كذلك، وقد أورد السمين القولين وبين أن كلا منهما صحيح من وجه. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 186، و"الدر المصون" 7/ 334.]]، ويجوز أن يكون العامل فيه ما أُضمر من الإيصاء؛ كأنه: وأوصى بالوالدين إحسانًا.
وقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾، يرفع ﴿أَحَدُهُمَا﴾ بـ ﴿يَبْلُغَنَّ﴾، و ﴿كِلَاهُمَا﴾ عطف عليه، وقرأ حمزة والكسائي: (يَبْلُغَانِّ) [[انظر: "السبعة" ص 379، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 368، و"علل القراءات" 1/ 319، و"الحجة للقراء" 5/ 96، و"المبسوط في القراءات" ص 228.]] قال الفراء: ثنَّى؛ لأن الوالدين قد ذُكِرا قبله، فصار الفعل على عددهما، ثم قال: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ على الائتناف، كقوله: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: 71] ثم استأنف فقال: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾، وكذلك قوله: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾، ثم استأنف فقال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 120، بنصه.]] [الأنبياء: 3] وقال أبو علي: من قرأ: (يَبْلُغَانِّ) جعل قوله: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ معادًا على التأكيد، وعلى ذكر إفراد كل واحد منهما، ولا يكون الرفع فيهما بمعنى الفعل كما يكون في قراءة الباقين [["الحجة للقراء" 5/ 96 بتصرف.]].
وقال أبو إسحاق: من قرأ (يَبْلُغَانِّ) [يكون ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ بدلاً من الألف، وموضع ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ و (يَبْلُغَانِّ)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).]] جزمٌ بإمّا؛ لأن أصله (إن) التي للشرط، فأكدت بـ (ما) التي للشرط؛ نحو: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ [البقرة: 106] ليكون حرف الشرط مؤكِّدًا مِثل توكيد الفعل بالنون، وعلامةُ الجزم لا تبين مع نون التأكيد [[أي المباشرة.]]؛ لأن الفعل يُثَنّى معها، ألا ترى أنك تقول ليفعلَنَّ بفتح [[في جميع النسخ: (ففتح)، والصواب المثبت؛ حيث به يستقيم الكلام.]] اللام وبترك الضمة، وبترك النون التي تُلْحَق [[في (ش)، (ع): (لحق).]] في التثنية والجمع والواحدة المؤنث علامةً للرفع [[بسبب توالي النونات والثقل.]]؛ كما تُركت الضمةُ في الواحدة.
ذكرنا هذا [عند] [[زيادة يقتضيها السياق.]] قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ [البقرة: 96] وعند قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس: 89].
وأَمَّا قوله: ﴿كِلَاهُمَا﴾ فإن كلا اسم مفرد يفيد [[في (أ)، (د): (بعيد).]] معنى التثنية [[في جميع النسخ: (للتثنية)، والصحيح المثبت، والتصقت الألف باللام.]]، ووزنه فِعَل، ولامُه بمنزلة لام حِجَى ورِضَى، وهي كلمة وضعت على هذه الحلقة يُؤَكّدُ بها الاثنان خاصةً، ولا تكون إلا مضافة، والدليل على أنها ليست تثنية: أنها لا تُفردُ فتقومَ بنفسها، ولو كانت تثنيةً لوجب أن تقال بالنصب والخفض، والخفض مررت بكلي الرجلين بكسر الياء، كما تقول بين يدي الرجل، و ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: 20] و ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: 39] و ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114]، فدل هذا على أنها ليست بحلقة تثنية، وأنها وضعت دلالة على التثنية لا أنها تثنية، كما تقول في (كل) فإنه اسم واحد موضوع للجماعة، فإذا أخبرت عنه بلفظه، أخبرت كما تخبر عن الواحد؛ كقوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95] وكذلك إذا أخبرت عن كلا، أخبرت عن الواحد فقلت: كلا أَخَوَيْك كان قائمًا، وكلا عَمَّيْكَ كان فقيهًا، وقال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: 33]، ولم يقل: آتتا، وقال:
كلا الرَّجُلَيْنِ أفَّاكٌ أَثِيمُ [[ورد في "تهذيب اللغة" (كلا) 4/ 3169 بنصه بلا نسبة، والشاهد: أنه أفرد أفَّاك وهي تعود على مثنى. وانظر أيضا "لسان العرب" (كلا)، و"تاج العروس" (باب الواو الهاء، فصل الكاف).]]
وقال لبيد:
فَغَدَتْ كلا الفَرْجَينِ تَحْسَبُ أنَّهُ ... مَوْلى المخافة خلفُها وأمامُها [["شرح ديوان لبيد" ص 311، وورد في "الكتاب" 1/ 407، و"المقتضب" 4/ 341، و"شرح القصائد السبع الطوال" ص 565، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 166، 2/ 582، و"البسيط في شرح جمل الزجاجي" 1/ 502، و"الإيضاح" للعضدي ص 211 - بلا نسبة. (فغدت): من الغدوّ، وتروى (فعدت): من العدو، (كلا الفرجين): في كلا، الفرجين؛ والفرج: الواسع من الأرض أو الثَّغر؛ وهو موضع المخافة، والفروج == هي الثُّغور، (مولى) قال ثعلب: المولى في هذا البيت معناه: الأَوْلى؛ كأنها تحسب أن كلَّ فرج أولى بالمخافة من الثاني؛ لحيرتها، والضمير يعود على بقرة وحشية، أضلت ولدها أو حُبِست خيفة من صائد، فهي حذرة في خوف، تخال كلا طريقيها من خلفها وأمامها ثغرة له يسلك منها إليها. وخلفُها وأمامُها رفعٌ على البدل من كلا؛ لأن ككلا الفرجين هما خلفُها وأمامُها، والتقدير: وخلفُها وأمامُها تحَسَب أنه يلي المخافة، وجائز رفعه بتقدير: هو خلفُها وأمامُها.]] يريد كلا فرجيها، فأقام الألف واللام مقام الكناية، وقال: أنه، ولم يقل: أنهما، ثم ترجم عن كلا؛ فقال: خلفُها وأمامُها، يجوز أن يذهب إلى المعنى فيقول: كلا الرجلين كانا قائمين، كما يقول في كل، كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: 87]؛ وهذا الذي ذكرنا في كِلا كلام أبي الهيثم الرازي [[ورد في "تهذيب اللغة" (كلى) 4/ 3169 بتصرف.]] وأبي الفتح الموصلي [["المنصف" 2/ 107 - مختصرًا.]] وأبي علي الجرجاني، وأمّا كلتا فالكلام فيه يأتي عند قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ [الكهف: 33] إن شاء الله.
قال مجاهد في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ قال: يخريان ويبولان [[أخرجه "الطبري" 15/ 64، بنحوه.]]، و ﴿الْكِبَرَ﴾ هاهنا مصدر الكبير في السن.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ قال أبو إسحاق: فيه سبع لغات؛ الكسر بغير تنوين وبتنوين، والضم بغير تنوين وتنوين، وكذلك الفتح بهما [[ذكر الواحدي عن الزجاج أن في (أف) سبع لغات، ولم يورد إلا ستة، مع أن الزجاج ذكر اللغة السابعة، فقال: وفيها لغة أخرى سابعة لا يجوز أن يقرأ بها، وهي (أُفِّي) بالياء. "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 224، لكن الواحدي أشار إلى هذه اللغة بعد ذكر كلام الزجاج بقوله: واللغة الشائعة (أُفِّي) بالياء.]]، فأما الكسر فلالتقاء الساكنين، و (أُف) غير متمكن [[أي غير منصرف. انظر "المعجم المفصل في النحو العربي" ص 946.]] بمنزلة الأصوات، فإذا لم يُنَوَّن فهو مَعْرفة، وإذا نُوِّن فهو نكرة بمنزلة غاقٍ وغاقِ [[غاقِ: حكاية صوت الغراب، فإن نكَّرته نوَّنته، ويقال: سمعت غاقِ غاقِ وغاقٍ غاقٍ، ثم سمي الغراب غاقًا، فيقال: سمعت صوت الغاقِ. "اللسان" (غوق) 6/ 3317.]] في الصوت، والفتح لالتقاء الساكنين أيضًا، والفتح مع التضعيف حَسَنٌ؛ لخفةِ الفتحة وثِقَلِ التضعيفِ والضَّمِّ؛ لأن قبله مضمُومًا -حسنٌ [[في (أ)، (د): (ما حسن) بزيادة ما.]] أيضًا- والتنوين فيه على جهة النكرة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 234، بنصه تقريبًا.]].
واللغة الشائعة (أُفِّي) بالياء، قال الأخفش: كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 610، بنصه.]]؛ فقال: قَوْلي هذا.
وزاد ابنُ الأنباري لغات ثلاثًا فقال: و (إِفَّ لك) بكسر الألف وفتح الفاء، و (أُفَّة لك) بضم الألف وإدخال الهاء، و (أُفْ لك) بضم الألف [[ما بين التنصيص من (ش)، (ع)]] وتسكين الفاء، وأنشد لحسان:
فأُفًا لحِبَان على كلِّ حالة ... على ذكرهم في الذكر كلُّ عَفاءِ [["ديوانه" ص 259 وروايته:
فأفٍ للحيان على كلّ حالةٍ ... فذكرهم في الذكرِ شر ثناءِ
وورد في "الزاهر" 1/ 181، وصدره:
فأُفٌّ للِحْيانٍ على كلِّ آلَةٍ]] وأنشد لأبي حية:
حَيَاءً وبُقْيَا أَنْ تَشِيعَ نَمِيمَةٌ ... بِنَا وبِكُمْ أُفٍّ لأهْلِ النَّمَائِمِ [["شعر أبي حَيَّة النُّميْري" ص 87، وورد في "الكامل" 1/ 100، و"الزاهر" 1/ 181.]]
ثم ذكر وجهَ كلٍّ لغة فقال: من قال (أُفَّ) جعله بمنزلة قولهم: مُدَّ يدك، ومن قال: (أُفِّ) جعله بمنزلة مُدِّ، ومن قال: (أُفُّ) جعله بمنزلة مُدُّ، وأنشد [[اختلف في نسبة البيت؛ فنسب للنابغة الجعدي، وهو في "شعر النابغة الجعدي" ص 246، ونسب لقيس بن الخَطيم، وهو في "ديوانه" ص 170، ونسب في "شواهد المغني" 1/ 507 للنابغة الذبياني -وليس في ديوانه- أو النابغة الجعدي، ونسب في "الخزانة" 8/ 499 لهما ولقيس بن الخَطيم، ورجح البغدادي الأخير، وكذلك نُسب في "الصناعتين" ص 315، و"إعجاز القرآن" للباقلاني ص 83 لقيس ابن الخَطيم.]]:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَإِنَّمَا ... يُرَجَّى الفتى كَيْمَا يَضُرَّ وَينْفَعَا [[وورد بلا نسبة في "الزاهر" 1/ 181، و"البغداديات" ص 291، 352، و"الجنى الداني" ص 262، و"مغني اللبيب" ص 241.]]
قال: كذا رواه يونس بضم الراء [[أي في كلمة: فَضُرُّ، ووردت بالفتح، وكذلك وردت يضُرُّ وينفعُ بالرفع. انظر المصادر السابقة.]]، وأنشد:
قال أبو ليلى لحبلي مُدِّه
حتى إذا مددته فشُدِّه
إن أبا ليلى نسيجُ وحدِه [[ورد في "الزاهر" 1/ 182.]]
ومن قال: (أُفًّا)، نصبه على مذهب الدعاء؛ كما يقال: ويلًا له، ومن قال: (أُفٌّ لك) رفعه باللام؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:1] ومن قال [(أُفٍّ) خفضه على التشبيه بالأصوات كما يقال: صَهٍ ومَهٍ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).]] ومن قال: (أُفَّةً لك) نصبه أيضًا على مذهب الدعاء، ومن قال (أُفّي لك) إضافة إلى نفسه، ومن قال (أُفْ لك) شبّهه بالأدوات؛ نحو: (مَنْ) و (كم) و (بل) و (هل) [["الزاهر" 1/ 181 - 182 وهو نقل طويل من قوله: وزاد ابن الأنباري .. نقله بنصه تقريبًا.]].
وقال الفراء: العرب تقول: جَعَل فلان يتأفّف من ريح وجدها، معناه: يقول أُفِّ أُفِّ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 121، بنصه.]].
وقال الأصمعي: الأُفُّ: وسخ الأُذن، والتُّفُّ: وسخ الأظفار، يقال ذلك عند استقذار الشيء، ثم كثر حتى استعملوه عند كل ما يتأذون به.
وقال غيره: أُف معناه: قلّة، وتُف إتْباع، مأخوذ من الأفف؛ وهو الشيء القليل [[ورد في "الزاهر" 1/ 180 بتصرف، و"تهذيب اللغة" (أف) 1/ 172، بنصه.]].
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأُفُفُ: الضجر.
وقال القتيبي في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [أي لا تستثقل شيئًا من أمرهما، قال: والناس يقولون لما يكرهون ويستثقلون: أُفٍّ] [[ما بين المعقوفتين ساقط من (أ)، (د).]] له.
وأصل هذا نَفْخك للشيء يَسْقط عليك من تراب أو رماد، وللمكان تريد إماطة أذى عنه فقيل لكل مُسْتَثقل [["تأويل مشكل القرآن" ص 147، بتصرف يسير.]].
وقال الزجاج: معنى (أُفّ) النَّتن، ومعنى الآية: ولا تَقُل لهما ما فيه أدنى تَبَرُّم إذا كَبُرا وأسَنَّا؛ أُفْ، بل تَوَلَّ خدمتهما [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 234، بنحوه، وورد في "تهذيب اللغة" 1/ 172، وظاهرٌ أنه نقله من "التهذيب" لا المعاني.]]، هذا قول أهل اللغة في معنى هذه الكلمة ووجوهها [[ورد في "تهذيب اللغة" (أف) 1/ 172 بنصه تقريبًا، من قوله: وقال الأصمعي.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد بالأُف الرديء من الكلام؛ أن يقول لهما: أماتكما الله، أراحني الله منكما [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 488 بنصه، انظر: "تنوير المقباس" ص 298 مختصرًا، وورد بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 214 أمختصرًا.]]، فهذا الرديء من الكلام، كقول إبراهيم لقومه: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء: 67].
وروى ليث عن مجاهد: لا تتقذرهما كما كنت تخرأ وتبول فلا يتقذرانك [[ورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 140، و"تفسير الثعلبي" 7/ 107 أ، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 86، و"الفخر الرازي" 20/ 189.]].
وروى أبو يحيى عنه، قال: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما: (أُف) [[انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 56، و"الفخر الرازي" 20/ 189 بنصه، و"القرطبي" 10/ 242، و"أبي حيان" 6/ 27.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره [[ورد في "تهذيب اللغة" (نهر) 4/ 3674 بنصه، وانظر (نهر) في "المحيط في اللغة" 3/ 476، و"مجمل اللغة" 2/ 845، و"اللسان" 8/ 4557.]]، قال عطاء عن ابن عباس: يريد الجواب والغلظة [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 489 بنصه، انظر: "تنوير المقباس" ص 298، بنحوه.]].
وقال أبو إسحاق: لا يكلمهما ضَجِرًا صائحًا في أوجُهِهِما [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 234، بنصه.]].
﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ قال ابن عباس: يريد لينًا لطيفًا [[انظر: "تنوير المقباس" ص 298.]].
وقال ابن جريج: أحسن ما تجد من القول [[أخرجه "الطبري" 15/ 65، بنصه.]].
وقال عمرو -رضي الله عنه- أي لا تمتنع من شيء يريدانه [[أخرجه "الطبري" 15/ 65، بنصه.]].
وقال عطاء: لا تُسَمِّهما ولا تُكَنِّهما، وقيل لهما: يا أبتاه ويا أماه [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 107 أبنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 243.]]
وقال أبو الهدَّاج التُّجيبي [[في جميع النسخ (الهداد)، والصحيح -كما في تفسير الطبري و"الدر المنثور" و"الجرح والتعديل"- أبو الهداج التجيبي: سمع سعيد بن المسيب قوله، روى عنه حرملة بن عمران. "الجرح والتعديل" 9/ 455.]]: سألت سعيد بن المسيب، فقلت: أصلحك الله، كل ما ذَكر اللهُ في القرآن من بِرّ الوالدين قد عرفته إلا قوله: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ فما هو؟ قال [[ساقط من (أ)، (د).]]: قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ [[أخرجه "الطبري" 15/ 65 بنصه تقريبًا، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 197 بنصه، و"الثعلبي" 7/ 107 أبنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 86، و"ابن عطية" 4/ 310، و"ابن الجوزي" 5/ 25، و"القرطبي" 10/ 243، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 310 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
الإسراء 17:24
قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قال عروة بن الزبير في هذه الآية: يكون لهما ذلولًا، لا يمتنع من شيء أحَبَّاه [[أخرجه البخاري (8) "الأدب المفرد": باب لين الكلام لوالديه، بنحوه، وابن أبي شيبة 5/ 220 - بنحوه، و"الطبري" 15/ 66، بنحوه من عدة طرق، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 141، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 265 بنصه، و"الثعلبي" 7/ 107 أ، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 310 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره الألباني في "صحيح الأدب المفرد" رقم (8) ص 15.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: لا يريدان منك أمرًا إلا أجبتهما إليه.
وقال مقاتل: أَلِنْ لهما جانبك واخضع لهما، ولا تستصعب عليهما [["تفسير مقاتل" 1/ 214 أ، بمعناه.]]، هذا قول المفسرين.
والخفض في اللغة ضد الرفع، والجناح هاهنا استعارة، وخفض الجناح: عبارة عن السكون، ويريد هاهنا تَرْكَ التعصب والإباء عليهم، والانقياد لهما، وأضاف الجناح إلى الذُّل؛ لأنه أراد تذَلَّلْ لهما، كما قال أبو إسحاق: أَلِنْ لهما جانبك مُتَذَلِّلًا لهما [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235، بنصه.]].
وقال عطاء بن أبي رباح في هذه الآية: لا ترفع يدك عليهما [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 141 بنصه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 265، بنحوه، و"الدر المنثور" 4/ 310، ونسبته إلى ابن جرير -لم أجده- وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وهذا ظاهر؛ لأن الجناح يُستعار كثيرًا في اليد؛ كقوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: 32].
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قال الزجاج: أي من مبالغتك في الرحمة لهما [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ الآية. قال قتادة: هكذا علمتم وبهذا أمرتم فخذوا بتعليم الله وأدبه [[أخرجه "الطبري" 15/ 67، بنصه.]]، والمعنى: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾: مثل تربيتهما إياي صغيرًا؛ أي مثل رحمتهما [إياي في صغري حتى ربياني، ولكنْ ذكرت التربية لأنها [[في (أ)، (د): (أنها)، والصحيح المثبت؛ لأنها تعليل.]] تدل على رحمتهما] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (ش)، (ع).]]، وتُذَكِّرُ الولدَ شفقة الأبوين وما أصابهما من النصب في تربيته، فكأنه قيل: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾: لرحمتهما [[في (ش): (كرحمتهما)، ومطموسة في (ع).]] إياي في صغري، والكاف في موضع نصب؛ لأنه نعت مصدر محذوف [[أي الكاف في قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي﴾، وقد قدَّر المحذوف الحوفي بقوله: ارحمهما رحمةً مثلَ تربيتهما لي، ووردت أقوال أخرى في الكاف وفي تقدير المحذوف. انظر: "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 269، و"الدر المصون" 7/ 344.]].
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ثم أنزل الله بعد هذا قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [[أخرجه "الطبري" 15/ 67 بنصه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 311 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]] الآية [التوبة: 113]، وقال قتادة: قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ (منسوخ؛ لا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين [[ورد في "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 490، بنحوه، انظر: "غرائب التفسير" 1/ 625 ذكره واستغربه ورده ورجح عدم النسخ، و"تفسير القرطبي" 10/ 244، == و"أبي حيان" 6/ 28، و"الدر المنثور" 4/ 311 وعزاه إلى ابن المنذر والنحاس وابن الأنباري في المصاحف، وروي النسخ عن ابن عباس كذلك، انظر: "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 337، و"تفسير البغوي" 5/ 86، و"ابن عطية" 9/ 58، و"ابن الجوزي" 5/ 26، و"القرطبي" 10/ 244.]]، ولا يقول: رب ارحمهما) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]].
وذهب قوم إلى تخصيص قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾؛ يعنون أن هذا في الوالدين المسلمين [[ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 15/ 68، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 490، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 337.]]، فالآية عامة، ومعناها خاص في المسلمين، ونحو هذا روى عطاء الخرساني عن ابن عباس في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ قال: ثم استثنى فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. فجعل النهي عن استغفار المشركين -وإن كانوا أقارب- استثناءً عن قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾: في المعنى [[ورد في "الناسخ والمنسوخ" للهروي ص 283، بنحوه.]]، وهذا أحسن من أن يحكم بالنسخ على الدعاء للوالدين بالرحمة [[وهذا القول هو الراجح، وأولى من دعوى النسخ؛ لإمكان الجمع بين الدليلين، ومتى أمكن الجمع فهو أولى من القول بالنسخ؛ لأن في النسخ إبطال أحد الدليلين، وفي القول بالتخصيص جمع بينهما، وعليه فالآية محكمة غير منسوخة.
انظر: "الإيضاح" لمكي ص 338.]].
وقال سفيان، وسئل كم يدعو لوالديه: في اليوم مرةً أو في الشهر أو في السنة؟ قال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في دبر الصلوات؛ كما أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ الآية [الأحزاب: 56]، وكانوا يرون أن التشهد يجزي من الصلاة على النبيّ -ﷺ-، وكما أن الله قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]، فهم يكبرون في دبر الصلوات [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 192، بنصه.]].
الإسراء 17:25
قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ الأعلم من قولك: فلانٌ أعلمُ، له معنيان؛ أحدهما: أكثر معلومًا، والثاني: أثبت علمًا، وهذان يجوز في صفة الله تعالى؛ فإنه أكثر معلومًا وأثبت علمًا.
قال سعيد بن جبير في قوله: ﴿بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ هو البادرة تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك بأسًا [[أخرجه "الطبري" 15/ 68 بنصه تقريبًا من طريقين، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 107 أبنصه تقريبًا، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 88، و"الزمخشري" 2/ 358، و"الدر المنثور" 4/ 311 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، فقال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ أي النِّية صادقة ببرِّه، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾: البادرة التي بدرت منه.
والمعنى: ربكم أعلم بما تضمرون من البِرّ والعقوق؛ فمن بدرت منه بادرة وهو لا يضمر عقوقًا فأغفر له ذلك، وهو معنى قوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد طائعين لله، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال: يريد الراجعين عن معاصي الله -عز وجل-، التاركين لسخط الله، النادمين على الزلات [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 490، بلا نسبة.]].
وقال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 376 بنصه، و"الطبري" 15/ 69 - 70 بنصه من عدة == طرق، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 197، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 107 أبنصه، و"الماوردي" 3/ 239، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 468، بنحوه.]].
وقال الحسن: هو الذي يريد اللهَ بقلبه وعمله [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 265، بنحوه.]].
وقال سعيد بن جبير: يعني الراجعين إلى الخير [[أخرجه "الطبري" 15/ 70 بنصه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 142 بنصه، و"تفسير الجصاص" 3/ 197 - بمعناه، و"الثعلبي" 7/ 107 أبنصه، و"الماوردي" 3/ 239، بنحوه، وأخرجه البيهقي في الشعب (5/ 438 بنصه، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 468، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 310 وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا.]].
وقال عبيد بن عمير: الذين يذكرون لأبويهم ويستغفرون [[لم أقف على هذا القول، والذي ورد عنه في المصادر، أنه قال: الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء فيستغفرون الله. انظر: "تفسير الطبري" 15/ 70، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 143، و"تفسير الثعلبي" 7/ 107 أ، و"ابن الجوزي" 5/ 26، و"القرطبي" 10/ 247، و"الدر المنثور" 4/ 318 وعزاه إلى هناد.]].
ورُوي أنه قال: الأوَّابُ: هو الذي يقول: اللهم اغفر لي [ما] [[زيادة يقتضها السياق -كما في جميع المصادر- وفي جميع النسخ: أصبت بدون (ما).]] أصبت في مجلسي هذا [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 377 بنصه، و"الطبري" 15/ 71 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 107 أبنصه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 41.]].
وقال أبو إسحاق: الأوَّاب: هو الراجع إلى الله سبحانه في كل ما أمر به، المُقْلع عن جميع ما نهى عنه، يقال: آب يؤوب أوْبًا: إذا رجع [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235 بنصه، وهذا القول -وهو قول ابن عباس وابن المسيب- هو الذي رجحه الطبري؛ قال: لأن الأواب إنما هو فعَّال، من قول القائل: آب فلان من كذا؛ إما من سفره إلى منزله، أو من حال إلى حال.]].
الإسراء 17:26
قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ الآية. قال ابن زيد: بدأ الله تعالى بالوالدين، فلما فرغ من الوالدين وحقهما ذكر هؤلاء [[أخرجه "الطبري" 15/ 74 بنصه.]].
وقال ابن عباس: هذه الآية حضٌّ على صلة القرابة، بدأ بحق القرابة لِمَا جعل في الأرحام من الصلة [[انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 60، بنحوه.]]، ونحو هذا قال الحسن: إن هذه الآية في بر الأقارب وصلة رحمهم بالإحسان إليهم [[انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 60، بنحوه.]].
وقد فسّر النبيّ -ﷺ- هذه الآية فيما روى عنه أنس؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله: إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد، فكيف تحب لي أن أصنع أو أنفق؟ قال: "أد الزكاة طُهرةً يطهرك، وآت صلة الرحم، واعرف حق السائل والجار والمسكين وابن السبيل، ولا تبذر تبذيرًا" [[أخرجه الحاكم 2/ 360، بنحوه عن أنس، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 3/ 42، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 320، بنحوه وزاد نسبته إلى أحمد -ولم أجده، وأورده في "الكنز" 6/ 294، بنحوه وعزاه إلى البيهقي- ولم أجده.]].
ومعنى التبذير في اللغة: إفساد المال وإنفاقه في السرف [[انظر (بذر) في "تهذيب اللغة" 1/ 297، و"المحيط في اللغة" 10/ 74، و"اللسان" 1/ 237.]].
وقال ابن مسعود: التبذير: النفقة في غير حق [[أخرجه "الطبري" 15/ 73 بنصه من عدة طرق، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 144، بنحوه، و"تفسير الجصاص" 3/ 198 بنصه، و"الثعلبي" 7/ 107 ب بنصه، و"الطوسي" 6/ 469، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 320.]].
قال عثمان بن الأسود [[عثمان بن موسى بن باذان المكي، مولى بني جُمَح، ثقة ثبت، روى عن مجاهد وعطاء، وعنه: الثوري وابن المبارك، مات سنة (150 هـ).
انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 144، و"الكاشف" 2/ 5 (3680)، و"تقريب التهذيب" ص 382 (4451).]]: كنت أطوف مع مجاهد حول الكعبة، فرفع رأسه إلى أبي قُبَيْس [[بالتصغير، هو الجبل المشرف على الصفا، قال الأزرقي: وسمي أبا قبيس؛ لأن أول من بني فيه رجلٌ يقال له: أبو قبيس، هذا هو المشهور، وقيل غير ذلك، وهو أحد الأخشبين، وكان يسمى في الجاهلية (الأمين)، ويقال: إنما سمي الأمين؛ لأن الحجر الأسود كان فيه مستودعًا عام الطوفان.
انظر: "أخبار مكة" للأزرقي 2/ 266، و"معجم البلدان" 1/ 80.]] فقال: لو أن رجلًا أنفق مثلَ هذا في طاعة الله لم يكن من المسرفين [[ورد في "تفسير الطبري" 15/ 74 بمعناه، و"السمرقندي" 2/ 266، بنحوه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 193.]].
الإسراء 17:27
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا﴾، أي: المنفقين في غير طاعة الله، قاله ابن عباس [[أخرجه "الطبري" 15/ 73 - 74 بنصه من طريق العوفي [ضعيفة]، ومن طريق عكرمة [جيدة]، وورد في: "تفسير الجصاص" 3/ 198 بنصه، انظر: "تفسير أبي حيان" 6/ 30.]]، ﴿كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ قال: يريد أولياءهم، قال أبو إسحاق: أي يفعلون ما يُسَوَّل لهم الشيطان [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235، بنصه.]].
وقال أهل المعاني: مؤاخاة الشيطان: موافقته فيما دعا إليه، وكل من أجاب الشيطان إلى ما سَوَّلَ له، فهو من إخوان الشياطين؛ [لأنه يتبع أثره ويجري على سنته [[ورد بنحوه في "تفسير الجصاص" 3/ 198، و"الطوسي" 6/ 469.]].
وقيل: معنى إخوان الشياطين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).]]: الذين يُقْرَنون به في النار [[ورد بنصه في "تفسير الجصاص" 3/ 198، و"الطوسي" 6/ 469.]].
ثم ذم الشيطان بقوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾؛ ليرتدع المؤمن عن اتباعه فيما يدعو إليه، وفيه أيضًا إشارة إلى ذم المبذّر؛ حيث أخبر أنه أخو الشيطان، ثم ذم الشيطان؛ فإنه كفور لربه، فهو يتضمن أن المنفق في السرف كفور لربه فيما أنعم عليه.
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ يريد جاحدًا لأنعمه.
الإسراء 17:28
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ قال [ابن] [[التصويب من الطبري، وفي جميع النسخ: (زيد).]] زيد: أي عن هؤلاء الذين أوصيناك بهم [[أخرجه "الطبري" 15/ 75 بنصه.]]، ونحو هذا قال الزجاج؛ فقال: هذه الهاء والميم ترجعان على القُربى والمساكين وابن السبيل [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235 بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ قال الحسن وعكرمة: انتظار رزق من الله يأتيك [[أخرجه "الطبري" 8/ 70 بنصه عن عكرمة.]].
قال الزجاج: وهو نصب؛ لأنه مفعول له، المعنى: وإن أعرضت عنهم لابتغاء رحمة من ربك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235 بنصه.]]، لا يحتمل أن يكون سببًا لإعراضه على ظاهر اللفظ إلا أنْ يُرَدَّ إلى معناه الباطن؛ ومعناه الباطن أن يكون قوله: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾، قد أومئ به إلى الإضاقة والإعسار؛ لأن معناه: رجاء صنيع الله وكفايته، وفيه إشارة إلى الإضاقة، فيكون المعنى أن تُعرض عن السائل إضاقة وإعسارًا.
وذكر الكلبي وغيره: أن النبيّ -ﷺ- (كان إذا سأله فقراء أصحابه فلا يجد ما يعطيهم، أعرض عنهم حياءً منهم ويسكت، فعلمه الله كيف يصنع، فقال: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [[وورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 214 أ.]].
وقال الزجاج: يُروى أن النبيّ -ﷺ- كان إذا سُئل وليس عنده ما يعطي أمسك انتظار الرزق يأتي من الله؛ كأنه يكره الرَّدّ، فلما نزلت هذه الآية: (كان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال: "يرزقنا الله وإياكم من فضله") [[أخرجه الطبراني في "الأوسط" [مجمع البحرين] 6/ 197، بنحوه عن علي، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 107 ب بنصه، و"القرطبي" 10/ 249، و"ابن عطية" 9/ 62، وأورده الهيثمي في "المجمع" 9/ 13 وقال: وفيه محمد بن كثير الكوفي، وهو ضعيف. فالحديث ضعيف.]] [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235 بنصه.]]، فذلك قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾، قال ابن زيد: قولًا جميلًا، رزقك الله وبارك الله فيك [[أخرجه "الطبري" 15/ 75 - 76 بنصه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 29، و"الدر المنثور" 4/ 321 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
وقال الكلبي: عِدْهم عِدَةً حسنة [[ورد عن ابن عباس والحسن، كما في "تفسير ابن الجوزي" 5/ 29، و"تنوير المقباس" ص 299، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 266 بنصه، و"الطوسي" 6/ 470، بنحوه.]]، وهو قول الفراء ومجاهد [["معاني القرآن" للفراء 2/ 122 بنصه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 29، عن مجاهد.]].
وأما الميسور فقال الكسائي: يَسَرْتُ أَيْسِرُ له القول، أي لَيَّنْتُه [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 194.]].
وقال أبو الدُّقيش [[أبو الدُّقيش القنانيّ الغنوِيّ، لم أجد له ترجمة، وذكره القفطي في إنباه الرواة 4/ 121، ولم يترجم له.]]: يَسّرَ فلانٌ فرسه فهو مَيْسُور؛ مصنوعٌ سمين [[ورد في "تهذيب اللغة" (يسر) 4/ 3980 بنصه، ويعني بالصناعة هنا الاجتهاد في تغذيته وتربيته، وفي "المحيط في اللغة" (صنع) 1/ 337: يقال: صنعت الفرس: أحسنت القيام عليه.]]، فالقول الميسور: هو القول المصنوع اللين السهل.
الإسراء 17:29
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية. روى المنهال بن عمرو قال: بعثت امرأة إلى رسول الله -ﷺ- ابنها فقالت: قل له: اكسني ثوبًا، فقال رسول الله -ﷺ-: "ما عندي شيء"، قالت: فارجع إليه وقل له: اكسني قميصك، قال: فأتاه فقال: إنها تقول: اكسني قميصك، قال: فنزع قميصه فأعطاه إياه، فنزلت هذه الآية. [[ورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 266، و"الثعلبي" 7/ 107 ب، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 287، بنحوه من طريق ابن مسعود، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 322 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأورده بنحوه -كذلك- وعزاه إلى ابن جرير من طريق ابن مسعود- لم أجده، وأورده في "لباب النقول" ص 136، بنحوه من طريق ابن مسعود وعزاه إلى ابن مردويه. وهذه الرواية مقطوعة؛ لأن المنهال لم يحفظ له سماع عن الصحابة، إنما روايته عن كبار التابعين -كما في "الميزان"- كما أن إسناد هذا الحديث -من طريق ابن مسعود- ضعيف، بسبب ضعف: سليمان بن سفيان الجهني، وقيس بن الربيع الأسدي. انظر: "الضعفاء" للبخاري رقم (301) وللنسائي رقم (246)، (499) و"الضعفاء والمتروكين" للدارقطني رقم (254)، و"ميزان الاعتدال" 2/ 209، 3/ 393.]].
قال أهل اللغة: معنى الغل: الإدخال [[انظر (غلل) في "تهذيب اللغة" (غلل) 3/ 2690، و"مقاييس اللغة" 4/ 376، و"الصحاح" 5/ 1784، و"اللسان" 6/ 3288.]]، قال امرؤ القيس:
لها مُقْلَةٌ حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... إلى حاجبٍ غُلّ فيه الشُّفُرْ [[ورد في "الديوان" ص 72 برواية أخرى ليس فيها الشاهد وهي:
وعَينٌ لها حَدْرةٌ بَدْرةٌ ... شُقّت مآقيها منْ أُخُرْ
وورد -بلا نسبة- في "مقاييس اللغة" 4/ 376، برواية:
وعينٌ لها حَدْرةٌ بَدْرَةٌ ... إلى حاجبٍ غُلّ فيه الشُّفُر
وورد عجزه -بلا نسبة- في "مجمل اللغة" 2/ 679، (حدْرة): واسعة، (بدْرة): تامَّة، ومنه قيل: ليلة البدر لتمام قمرها، (المأقي): مؤخر العينين، (أخُر): آخرهما، (الشُّفُر): بالضم شُفْر العين، وهو ما نبت عليه الشعر.]]
أي عورٌ وأدخل فيه الشُّفُر [[في جميع النسخ: (الشعر)، والصواب ما أثبته، ويبدو أنها تصحفت على النساخ.]]، ومنه قولهم: غَلَّ في الغنيمة إذا خان؛ لأن ما خان شيئًا أو سرقه أدخله في كُمِّه، ومعنى غُلَّتْ يدُ فلان: أي أدخلت في الحديد، ولعل هذا مما سبق ذكره [[عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161].]].
قال ابن عباس والمفسرون في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: يريد البخل ومنع حق الله في الزكاة والصلة [[أخرجه "الطبري" 15/ 77 مختصرًا، من طريق ابن أبي طلحة صحيح، و"الدر المنثور" 4/ 322 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
والمعنى: لا تمسك يدك عن البذل كل الإمساك، حتى كأنها مقبوضة إلى عنقك بالغل لا تُبْسَط لخير.
قال صاحب النظم: لا تكاد العرب تقول جعلت يدي مغلولة، ولا جعلت رجلي مقيدة، ولا جعلت رأسي معممًا، إنما يقولون: غَلَلتُ يدي، وقَيَّدتُ رجلي، وعَمَّمتُ رأسي، والعلة في هذا النظم؛ أن الفعل أقل من النعت، والنعت ألزم وأكثر من الفعل؛ كما قلنا في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121]؛ لأنه قد كان منه، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ غاوٍ؛ لأن هذا نعت لازم، وكانوا يقولون: يد فلان مغلولة، أي أن المنع عادةٌ له، ولا يكادون يقولون: غُلَّت يده؛ لأن هذا فعل غير لازم، والأول لازم، وقد يمنع الإنسان في مواضع المنع ولا يُرْجَع عليه بلوم، فلذلك قال -عز وجل-: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، أي: لا تكن ممسكًا عن البذل عادة، ولم يُرِدْ أن لا يمسك عند وقت الإمساك، يدل على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾؛ ومما يشبه هذا النظم، قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: 40] وقد مر، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]، وسنذكره في موضعه إن شاء الله [[قال الواحدي عند تفسير هذه الآية: وذكر صاحب النظم وجهًا آخر من الهجر؛ فقال: ويجوز أن يكون المهجور مصدرًا؛ كالهجر والهجير، ويكون المعنى: اتخذوا هذا القرآن هُجرًا، أي: إذا سمعوه قالوا فيه الهجير، وقالوا: إنه هجر، كما يقال: اتخذنا فلانًا ضحكة أو سُخرة، أي إذا رأيناه ضحكنا منه وسخرنا منه، وهذا النظم أبلغ من أن لو قيل: هجروا القرآن، أو هجروا فيه؛ لأنه يدل على أنهم جعلوا عادتهم هجر القرآن.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ قال ابن عباس: يريد في النفقة والعطية [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 266 - بمعناه، وتفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 493 بنصه، انظر: "تنوير المقباس" ص 299 بنصه.]].
وقال مجاهد وقتادة: يعني التبذير والإنفاق في معصية الله تعالى، وفيما لا يصلح [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 493 بنصه عن مجاهد، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 64، عن قتادة.]]، فحصل في قوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وجهان من التفسير؛ أحدهما: أنه نهي عن بذل جميع ما يملك، حتى لا يبقى له شيء، وإن كان في طاعة الله، على ما ذكر من سبب النزول، وفي معنى قول ابن عباس. والثاني: أنه نهي عن التبذير؛ على قول مجاهد وقتادة.
وقوله تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ قال السدي: تلوم نفسك وتُلام [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 493 بنصه.]]، ﴿مَحْسُورًا﴾ قال ابن عباس: ليس عندك شيء [[أخرجه "الطبري" 15/ 77 بمعناه، من طريق العوفي ضعيفة، ورد في تفسيره الوسيط، تح: سيسي (2/ 493 بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 322 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، وقال مجاهد: مقطوعًا بك [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 146، بنحوه.]].
قال الفراء: والعرب تقول للبعير: هو محسور إذا انقطع سَيْرُه، وحَسرتُ الدَّابة إذا سَيَّرتَها حتى ينقطعَ سَيْرُها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 122 بنصه.]].
وقال ابن قتيبة: أي تَحْسِرُكَ العطيةُ وتَقْطعك؛ كما يَحْسِرُ السفرُ البعيرَ، فيبقى منقطعًا [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 255 بنصه.]]، هذا هو الأصل، ثم يُقال: حَسَرْتُ الرجلَ بالمسألة حَسْرَةً: إذا أفنيتَ جميعَ ما عنده، وحُسِرَ فهو يُحْسَرُ: إذا لم يبق عنده شيء، من قولهم: حَسَرَتِ الدابةُ والعينُ [[ساقطة من (ع).]]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: 4].
وقال قتادة في قوله: ﴿مَحْسُورًا﴾، (أي نادمًا على ما سلف منك [[أخرجه بنحوه عبد الرزاق 2/ 377، والطبري 15/ 77، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 146 - مختصرًا، والثعلبي 7/ 108 أ، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 9، و"القرطبي" 10/ 251.]]، فجعله من الحَسْرَة، والفاعل من الحسرة يكون حَسْرُا، وحُسْرَان، ولا يقال في الفاعل منه: محسور) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]].
الإسراء 17:30
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ قال المفسرون: يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 214 ب، و"الطبري" 15/ 78، و"السمرقندي" 2/ 267، و"الثعلبي" 7/ 108 أ، و"الطوسي" 6/ 471.]]، والقَدْرُ في اللغة: التضيق [[انظر: قدر في "تهذيب اللغة" 3/ 2897، و"اللسان" 6/ 3547، و"التاج" 17/ 373.]]، ومنه قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7]، وقوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16] أي ضَيَّقَ، فمعنى الآية: أنه يُوَسِّعُ في الرزق ويُضيّقُ بحسب مصالح العباد؛ كما قال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ الآية [الشورى: 27]، وهو معنى قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، حيث أجرى رزقهم على ما علم فيه صلاحهم.
وقال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: يريد لو أردت أن أبسط [[في (أ): (أسبط).]] عليك الرزق وأجعل جبال الدنيا لك ذهبًا وفضة لفعلت، ولم أجعل لك الدنيا لكرامتك علي جعلت لك الآخرة.
الإسراء 17:31
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ الآية. سبق تفسير هذه الآية في أواخر سورة الأنعام [[آية [151].]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ قال أبو إسحاق: معناه: إثمًا كبيرًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 236 بلفظه.]]، يقال: خَطِىءَ يُخْطِئ خِطْئًا، مثل: أَثِمَ يَأْثَمُ إثمًا، قال الله تعالى [[لعل الأولى أن يقول: قال الله تعالى، عن إخوة يوسف؛ حتى لا يوهم معنى غير مقصود.]]: ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 97]، أي: آثمين، وقال: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: 37].
وقرأ ابن عامر ﴿خَطَئًا﴾ بالفتح [[أي بفتح الخاء والطاء وبالهمز من غير مدّ: ﴿خَطَئًا﴾. انظر: "السبعة" ص 379، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 370، و"علل القراءات" 1/ 320، و"الحجة للقراء" 5/ 96، و"المبسوط في القراءات" ص 228.]]؛ وهو اسم من أخطأ، يقال: أخطأ يُخْطِىءُ، إِخْطَاءً وخِطَاءً، إذا لم يصب عن غير تعمد [[يقول ابن دريد: الخطأ؛ مقصور مهموز؛ يقال خَطِئَ الشيءَ يخطَأ خَطاءً وخِطاءً: إذا أراده فلم يُصبْه؛ ويكون أيضًا خَطئ الرجلُ، إذا تعمّد الخَطَأ؛ وأخطأ يُخطئ إخطاءً: إذا لم يتعمّد الخَطَأ فهو مخطئ، والأول خاطئ، ومنه قتل الخَطَأ؛ لأنه لم يُردْ قتله. "جمهرة اللغة" 2/ 1054، انظر معاني القرآن للأخفش (2/ 611، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 147، و"تهذيب اللغة" (خطئ) 1/ 1060، و"شرح الهداية" 2/ 386، و"العباب الزاخر" أ / 50، و"اللسان" (خطأ) 2/ 1205، و"تاج العروس" (خطأ) 1/ 145.]]، وقد يكون الخطأ الاسم من هذا لا المصدر، ويكون المعنى على هذه القراءة: إن قتلهم كان على غير الصواب، هذا قول أبي إسحاق في معنى هذه القراءة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 236 بتصرف يسير.]].
وقال أبو علي: قد جاء أخطأ بمعنى خَطِئ أي أثم، كما جاء خَطِئ بمعنى أخطأ، إذا لم يصب الصواب؛ فمن الأول قوله: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] بمعنى خَطِئْنَا؛ لأن المؤاخذة عن المخطئ موضوع، وأنشد [[لأمية بن أبي الصلت؛ جاهلي من أهل الطائف، قدم على النبي -ﷺ- وسمع منه، ولم يسلم.]]:
عبادُك يُخْطِئُونَ وأنت ربٌّ ... كريم لا تَليقُ بك الذمومُ [["ديوانه" ص 481، برواية:
بِكَفَّيْكَ المَنَايَا والحُتُومُ
وورد برواية الديوان في "تهذيب إصلاح المنطق" ص 632، و"المحتسَب" 2/ 20، وورد برواية المؤلف بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (خطئ) 1/ 1060، و"علل القراءات" 1/ 321، و"تفسير الطوسي" 6/ 472، و"تفسير ابن عطية" 9/ 68، و"اللسان" (خطأ) 2/ 1205. وبرواية: لا تَمُوتُ. بدل: الحتوم في "أدب الكاتب" 444، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 370.]]
ومن الثاني قول امرئ القيس:
يا ويحَ هِنْدٍ إذْ خَطِئنَ كاهِلًا [[وعجزه:
تالله لا يذهبُ شيْخي باطلًا
"ديوانه" ص 136، وفيه وفي جميع المصادر: (لهف) بدل (ويح)، وورد في: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 611، و"إصلاح المنطق" ص 294، و"تهذيب اللغة" (خطئ) 1/ 1060، و"تهذيب إصلاح المنطق" ص 632، و"الأساس" 1/ 238، و"العباب الزاخر" أ/ 50، و"التاج" (خطأ) 1/ 145، وورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 15/ 79، و"الحجة للقراء" 2/ 115، 5/ 98، (يا لهف): يا حسرة هند، وهي أخته وقيل: امرأة أبيه، (خطئن): أخطأن ولم يصبن؛ يعني: أن خيله التي أغار بها لم تصب بني كاهل؛ وهم حي من بني أسد، كان فيمن اشترك في قتل حُجْر والد امرئ القيس، (شيخه): أبوه، (باطل): هدر.]] وإذا كان أخطأ بمعنى خَطِئ كان خَطَأً بمعنى خِطْأً [["الحجة للقراء" 5/ 97، بتصرف.]]، فيكون معنى قراءة ابن عامر كمعنى قراءة العامة، وقرأ ابن كثير: (خِطاءً) مكسور الخاء ممدودًا [[انظر: "السبعة" ص 379، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 370، و"علل القراءات" 1/ 320، و"الحجة للقراء" 5/ 96، و"المبسوط في القراءات" ص 228.]]، وهو مصدر خاطأ وإن لم يسمع خَاطَأ، ولكن قد جاء ما يدل عليه، وهو ما أنشده أبو عبيدة [[البيت لأوْفَى بن مَطَر المازنيّ (جاهلي).]]:
تَخَاطأتِ النَّبْلُ أحشاءَه [[وعجزه:
وأُخِّر يَومِي فلم يَعْجَلِ
"الدِّيباج" لأبي عبيدة ص 39، وورد في: "ذيل الأمالي" للقالي 3/ 91، و"العباب الزاخر" أ/ 51، و"اللسان" (خطأ) 2/ 1205، وورد غير منسوب في "الحجة للقراء" 5/ 97، و"تفسير الطوسي" 6/ 472، و"ابن عطية" 9/ 69، و"القرطبي" 10/ 253، و"أبي حيان" 6/ 32، و"الدر المصون" 7/ 347.]]
فتخاطأ يدلّ على خَاطَأ؛ لأن تفاعل مطاوعُ فَاعَل، كما أن تَفَعَّلَ مطاوع فَعَّل، وهذا وجه بعيد ذكره أبو علي [["الحجة للقراء" 5/ 97، بنصه تقريبًا.]]، والقراءة هي الأولى.
الإسراء 17:33
قوله تعالى: [﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 15/ 80، و"السمرقندي" 2/ 267، و"الثعلبي" 7/ 108 أ. وقد أخذوا هذه الخصال الثلاث -الموجبة للقتل- من الحديث الصحيح: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتاركُ لدينه المفارقُ للجماعة" أخرجه البخاري == (6484) كتاب: الديات، باب قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، ومسلم (1676) كتاب: القسامة، باب: ما يباح به دم المسلم، وأخرجه "الطبري" 15/ 80 من عدة طرق.]]: حقها الذي تُقْتل به: كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بتعمد، ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾] [[ما بين المعقوفين معظمه مطموس في (ع).]] أي بغير أحد هذه الخصال، ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ يعني وارثه الذي بينه وبينه قرابة توجب له المطالبة بدمه، فإن لم يكن له ولي فالسلطان وليه.
وقوله تعالى: ﴿سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس: يريد حجة [[أخرجه "الطبري" 15/ 81 بمعناه من طريق العوفي (ضعيفة)، ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 200 بلفظه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 32.]]، قال مجاهد: سلطانه: حجته التي جُعلت له أن يقتل قاتله [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 149 بنصه، ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 200، بنحوه.]].
وقال الضحاك في قوله: ﴿سُلْطَانًا﴾ إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدّية [[أخرجه "الطبري" 15/ 81، بنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 149 بنصه، وورد بنحوه في "تفسير الجصاص" 3/ 200، و"الماوردي" 3/ 240، و"الطوسي" 6/ 475، وورد بنصه غير منسوب في: "تفسير مقاتل" 1/ 214 ب، و"السمرقندي" 2/ 267، و"الثعلبي" 7/ 108 أ.]].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ اختلفوا في معنى الإسراف هاهنا؛ فقال ابن عباس: هو أن يقتل غير القاتل [[انظر: "تفسير البغوي"، 5/ 91، و"ابن الجوزي" 5/ 33، و"الخازن" 3/ 163، و"أبي حيان" 6/ 33، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 327 وعزاه إلى ابن المنذر من طريق أبي صالح (ضعيفة).]].
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: هو أن يقتل بالواحد الاثنين والثلاثة [[أخرجه عن سعيد: "عبد الرزاق" 2/ 377 - بمعناه، وابن أبي شيبة (5/ 454، بنحوه، و"الطبري" 15/ 82، بنحوه، والبيهقي في السنن: الجنايات/ إيجاب القصاص على القاتل دون غيره 8/ 25، بنحوه، وورد بنحوه عن سعيد بن جبير في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 150، و"تفسير الثعلبي" 7/ 108 ب، و"الماوردي" 3/ 241، و"الدر المنثور" 4/ 327 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
قال طَلْقُ بن حَبِيب [[طلق بن حبيب العَنَزي، الزاهد البصري من صلحاء التابعين، ثقة لكنه كان يرى الإرجاء، روى عن ابن عباس وجندب بن سفيان، وعنه: عمرو بن دينار وسليمان التميمي، مات بعد التسعين. انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 490، و"ميزان الاعتدال" 3/ 59، و"الكاشف" 1/ 515، و"تقريب التهذيب" ص 283 (3040).]]: هو أن يمثل بالقاتل [[أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 454، بنحوه، و"الطبري" 15/ 82، بنحوه من طريقين، والبيهقي في "السنن" كتاب: الجنايات، باب: إيجاب القصاص على القاتل دون غيره 8/ 25، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 150، و"تفسير الجصاص" 3/ 201، و"الثعلبي" 7/ 108 ب، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 255، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 326 - 328 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال الحسن وابن زيد: هو أن لا يرضى بالقاتل إذا كان خسيسًا فيعمد إلى أشرف قبيلة القاتل فيقتله، كفعل أهل الجاهلية [[أخرجه "الطبري" 15/ 83، بنحوه عنهما، والبيهقي في "السنن" كتاب: الجنايات، باب: إيجاب القصاص على القاتل دون غيره 8/ 25، بنحوه عن ابن زيد، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 108 أ، بنحوه عنهما، انظر: "تفسير ابن الجوزى" 5/ 33، عن ابن زيد.]]، وهذا معنى قول ابن عباس: هو أن يقتل غير القاتل، والمعنى: فلا يسرف الوليُّ في القتل، أي لا يتجاوز ما حُدَّ له.
﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾، أي: أن الولي كان منصورًا بقتل قاتل وليه والاقتصاص منه، وقد حكم الله تعالى بالسلطان والنصرة لولي المقتول ظلمًا، وقد روي عن زَهْدَم الجَرْمي [[زَهْدَم بن مضرب أو مُضَرِّس -كما في "التقريب"- الجَرْمي، أبو مسلم البصري، ثقة، روى عن ابن عباس وعمران بن حصين، وعنه: قتادة وأبو التياح.
انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 617، و"الكاشف" 1/ 406، و"تقريب التهذيب" (2039).]] عن ابن عباس: أنه قال: قلت لعلي ابن أبي طالب: وأيم الله لَيَظْهَرنَّ عليكم ابنُ أبي سفيان؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 203 بنصه، و"ابن كثير" 3/ 44، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 328 وعزاه إلى الطبراني وابن عساكر - لم أقف عليه.]].
(وقال الحسن: والله ما نُصِرَ معاويةُ على علي إلا بقول الله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 204 بنصه.]].
وروى العلاء [[العلاء بن عبد الكريم اليَامي، أبو عَوْن الكوفي، ثقة عابد، سمع مجاهد ومرة الهمداني، وعنه: الثوري ووكيع، توفي في حدود سنة (150 هـ) انظر: "التاريخ الكبير" 6/ 514، و"الجرح والتعديل" 6/ 358، و"تقريب التهذيب" (5248).]] عن مجاهد في قوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قال: المسرف: الذي قتل القتيل الأول [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 151، بنحوه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 33، و"القرطبي" 10/ 255.]]؛ فهو الذي أسرف في القتل، وعلى هذا المنهي عن الإسراف القاتل الأول [[في هذا القول تكلُّف وبعد عن الظاهر؛ فالخطاب -حسب الظاهر- موجه إلى ولي المقتول وليس للقاتل، وكيف يخاطب القاتل الأول ويقال له: لا تسرف في == القتل؟! لذلك قال الألوسي: إن هذا الوجه غير وجيه فلا ينبغي التعويل عليه. انظر: "تفسير الألوسي" 15/ 70.]]، ويكون التقدير: فلا يُسرف القاتل في القتل، وجاز أن يضمر وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الحال تدل عليه، ومعنى نهيه عن الإسراف: نهيه عن القتل؛ لأنه يكون بقتله مسرفًا، ويكون الضمير على هذا في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ للمقتول المذكور في قوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ﴾، ويكون التقدير: فلا يُسرف القاتل -الذي يبتدئ- بالقتل؛ لأن من قُتل مظلومًا كان منصورًا؛ بأن يقتصَّ له وليُّه، أو [[في (ب)، (ع): (و).]] السلطان إن لم يكن له ولي، وهذا الاقتصاص إنما هو للمقتول انتقل إلى الولي، بدلالة أن المقتول لو أبرأ من السبب [[في جميع النسخ: (النسب)، وبالمثبت يستقيم الكلام.]] المؤدي إلى الهلاك؛ وهو الجراحة لم يكن للولي أن يقتص، وتكون الآية على هذا ردعًا للقاتل عن القتل [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 99 - 100 بتصرف.]].
وقرأ حمزة والكسائي: (فَلا تُسْرِفْ) بالتاء [[انظر: "السبعة" ص 380، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 372، و"علل القراءات" 1/ 322، و"الحجة للقراء" 5/ 99، و"المبسوط في القراءات" ص 228.]]، وهذه القراءة تحتمل أيضًا وجهين؛ أحدهما: أن يكون الخطاب للمبتدئ؛ القاتل ظلمًا، قيل له: فلا تسرف أيها الإنسان، فتقتل ظلمًا [من ليس] [[هذه إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، وهي ثابتة في المصدر.]] لك قتله؛ إن من قتل مظلومًا كان منصورًا بأخذ القصاص له.
والآخر: أن يكون الخطاب للولي، فيكون التقدير: لا تسرف في القتل أيها الولي فتتعدى قاتل وَلِيّك إلى من لم يقتله؛ إن المقتول ظلمًا كان منصورًا، وكل واحد من المقتول ظلمًا ومن ولي المقتول قد تقدم ذكره في قوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [[ورد الوجهان في "الحجة للقراء" 5/ 100، بنصه تقريبًا.]].
وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾، أي: أن المقتول إذا قتل بغير حق فهو منصور في الدنيا والآخرة؛ فأما نصرته في الدنيا فقتل قاتله، وأما في الآخرة فإجزال الثواب له وتعذيب قاتله في النار [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 238 بتصرف يسير لكنه مهم؛ إذ غير عبارة الزجاج: ويخلَّد قاتله النار إلى: وتعذيب قاتله في النار، هربًا من قول الوعيدية.]].
الإسراء 17:34
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال الكلبي: يعني بالقيام عليه وأن يُثَمِّر مالَ اليتيم بالأرباح [[انظر: "تنوير المقباس" ص 299، بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 268.]].
وقال ابن زيد: يعني الأكل بالمعروف؛ أن تأكل معه إذا احتجت إليه، كان أُبَيّ يقول ذلك [[أخرجه "الطبري" 15/ 84، بنصه.]].
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: إن احتاج أكل بالمعروف، (فإذا أَيْسَر قضاه، فإن لم يوسر فلا شيء عليه [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 204، بنصه.]].
وروى الحكم عن إبراهيم قال: يأكل بالمعروف) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] وإن أتى على آخره [[لم أقف عليه.]].
وقال قتادة: هذه الآية كانت جَهْدًا عليهم؛ لا يخالطوهم، ثم أنزل الله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220]، فرُخِّص لهم أن يخالطوهم [[أخرجه "الطبري" 15/ 84، بنحوه من طريقين.]].
فمعني ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: الحالة التي هي أحسن؛ وهو الكف عنه، وتثميره في قول بعضهم، وفي قول آخرين: الأكل بالمعروف عند الحاجة إليه، على ما ذكرنا، وهذه الآية ذكرنا تفسيرها في أواخر سورة الأنعام [[آية [152].]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ قال أهل المعاني: كل عقد يُقَدَّم للتوثق من الأمر فهو عهد [[ورد نحوه في "تفسير الطوسي" 6/ 476.]]، فدخل في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ كُلّ عقد من العقود بين المسلمين؛ كعقد النكاح وعقد الشركة وعقد البيع وعقد اليمين وعقد الصلح بين المسلمين والمشركين، وكل هذا مما يجب حفظه والوفاء به وترك الخيانة فيه.
وقال أبو إسحاق: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 238، بمعناه.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ ذكر صاحب النظم وغيره في هذا وجهين [[ورد بنحوه في "تفسير الجصاص" 3/ 203، و"الماوردي" 3/ 242، و"الطوسي" 6/ 477، انظر: "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 274، و"تفسير الألوسي" 15/ 71.]]؛ أحدهما: أن المعنى: كان مسئولًا عنه بالجزاء، فحذف الصلة، كقوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50]، أي: يؤمرون به، وكقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: 60]، أي: يعدلون بالله.
والثاني: أن العهد يُسأل فيقال: لم [[في (أ)، (د): (لهم)، والمثبت من (ش)، (ع). وهو الصحيح المنسجم مع السياق.]] نُقِضت، تبكيتًا للناقض؛ كما تُسأل الموؤودة تبكيتًا لوائدها وإنكارًا عليه؛ كما جاء قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ الآية. [المائدة: 116] والمخاطبة لعيسى [[في (أ)، (د): (بعيسى)، والمثبت من (ش)، (ع). وهو الصحيح.]] والإنكار على غيره.
الإسراء 17:35
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾، أي: أتموه ولا تبخسوا منه، ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ قال الحسن: هو القَبَّان [[أخرجه "الطبري" 15/ 85 بلفظه، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 203 بلفظه، و"الثعلبي" 7/ 108 ب بلفظه، و"الماوردي" 3/ 242، و"الطوسي" 6/ 476، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 268. القَبَّان: الذي يوزن به، وهو عربيٌّ أو معرب. انظر (قبن) في "تهذيب اللغة" 3/ 2880، و"اللسان" 6/ 3523.]]، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 497 بلفظه.]].
وقال مجاهد: هو العدل، بالرومية [[أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 122 بنصه، و"الطبري" 15/ 85 بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 154، بنحوه، و"تفسير الثعلبي" 7/ 108 ب بنصه، و"الماوردي" 3/ 242، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 476 بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 328 وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. واختُلف في أصل كلمة القسطاس: فقال الفخر الرازي 20/ 206: وقيل إنه بلسان الروم أو السرياني، والأصح أنه لغة العرب، وهو مأخوذ من القسط؛ وهو الذي يحصل فيه الاستقامة والاعتدال، وبالجملة فمعناه المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الجانبين، وقال الألوسي 15/ 72: وعلى القول بأنه رومي معرب وهو الصحيح، لا يقدح استعماله في القرآن في عربيته المذكورة في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: 2]؛ لأنه بعد التعريب والسماع في فصيح الكلام يصير عربيًا، فلا حاجة إلى إنكار تعريبه أو ادعاء التغليب أو أن المراد عربي الأسلوب.]].
وقال الليث: هو أقوم الموازين [[انظر: "تفسير الألوسي" 15/ 72.]].
وقال أبو إسحاق: هو ميزان العدل؛ أيُّ ميزان كان من موازين الدراهم وغيرها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 238، بنصه.]].
[ذكر أبو [[ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.]] علي جواز [[في (ش)، (ع): (جواب).]] اللغتين فيه؛ ضم القاف [[أي: (القُسْطاس) قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. انظر السبعة ص 380، و"المبسوط في القراءات" ص 228، و"حجة القراءات" ص 402، و"التيسير" ص 140، و"النشر" 2/ 307.]] وكسرها [[أي: (القِسْطاس) قرأ بها: حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. انظر المصادر السابقة.]]، وهذا كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 9]، وكقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ﴾ [هود: 85]، وقوله: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: 84]، وقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا﴾ الآية [["الحجة للقراء" 5/ 101، بنحوه.]] [المطففين: 2].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قال عطاء: يريد أقرب إلى الله [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 497.]]، وقال قتادة: يقول: خيرٌ ثوابًا، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ قال: وأحسن عاقبة في الخير [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 378، بنحوه، و"الطبري" 15/ 85، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 155، بنحوه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 45، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 329 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، المعنى: أحسن ما يؤول إليه أمر صاحب الوفاء.
الإسراء 17:36
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية. تقف من قوله: قفوت أثر فلان، أَقْفُو قَفْوًا [[ساقطة من (أ)، (د).]] وقُفُوًّا، إذا اتَّبَعْتَ أثره، وسُمِّيت قافية الشِّعْر قافية؛ لأنها تَقْفو البَيْت، ثم يُثَقَّل قَفَّا بالتشديد، فيصير واقعًا كقوله: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا﴾ [الحديد: 27]، هذا معنى القفو في اللغة [[انظر: (قفو)، (قفا) في: "تهذيب اللغة" 3/ 3013، و"المحيط في اللغة" 6/ 38، و"الصحاح" 6/ 2466، و"اللسان" 6/ 3708.]].
قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في هذه الآية: لا تقل ما ليس لك به علم [[أخرجه "الطبري" 15/ 86 مختصرًا من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 155 بنصه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 45، و"الدر المنثور" 4/ 329 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، وقال مجاهد: لا تَرْمِ [[أخرجه "الطبري" 15/ 86 بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 155، و"تهذيب اللغة" (قفا) 3/ 3015، و"تفسير الثعلبي" 7/ 108 ب، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 92، و"اللسان" (قفا) 6/ 3708.]].
وقال قتادة: لا تقل: سمعت، ولم تسمع؛ ورأيت، ولم تَرَ؛ وعلمت، ولم تعلمْ [[أخرجه بنصه "عبد الرزاق" 2/ 378، و"الطبري" 15/ 86 من طريقين، وورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 108 ب، و"الماوردي" 3/ 243، و"الطوسي" 6/ 477، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 329 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]].
وقال الحسن: لا تكذب على فؤادك؛ تقول: علمت ما لم تعلم، ولا على سمعك تقول: سمعت ما لم تسمع، ولا على بصرك تقول: أبصرت ما لم تبصر [[لم أقف عليه.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: لا تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك، ونحو هذا القول روي عن ابن الحنفية أنه قال: هذه الآية في شهادة الزور [[أخرجه "الطبري" 15/ 86 بنصه، وورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 155، و"تهذيب اللغة" (قفا) 3/ 3015، و"تفسير الثعلبي" 7/ 108 ب، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 35، و"الدر المنثور" 4/ 329 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، هذا جملة ما ذكره المفسرون في هذه الآية، وحقيقة تأويله ما قاله الزجاج: لا تقولنَّ في شيء بما لا تعلم، والتأويل لا تُتْبِعَنْ لسانَك من القول ما ليس لك به علم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 239، باختصار.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ﴾ إلى آخرها. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يسأل الله العباد فيما استعملوها [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 497، بنصه.]]، وفي هذا زجر عن النظر إلى ما لا يحل، والاستماع إلى ما يحرم، وإرادة ما لا يجوز.
قال صاحب النظم: هذه أحساس هذه الأعضاء التي هي: أذن وعين وقلب؛ فالسمع حس الأذن، والبصر حس العين، والفؤاد حس القلب.
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ قال أبو إسحاق: كل جمع أَشَرْتَ إليه من الناس وغيرهم من الموات، فلفظه ﴿أُولَئِكَ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 239، بنصه.]]، ونحو هذا قال الأخفش [["معانى القرآن" للأخفش 2/ 612، بنحوه.]]، وأنشد لجرير:
ذُمَّ المنازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ... والْعَيْشَ بَعْدَ أُولئِكَ الأَيامِ [["ديوانه" ص 452 وفيه: (الأقوام) بدل (الأيام) ولا شاهد في هذه الرواية، وورد بهذه الرواية في: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 612، و"معاني القرآن وإعرابه" == 3/ 240، و"تفسير الماوردي" 3/ 244، و"ابن الجوزي" 5/ 35، وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 15/ 87، و"الثعلبي" 7/ 108 ب، و"الطوسي" 6/ 478، و"ابن عطية" 9/ 86، (اللِّوى): اسم وادٍ من أودية بني سُلَيْم. "المحيط في اللغة" (لوى) 10/ 371.]] أشار بأولئك إلى الأيام، وكذلك أُشير في هذه الآية بأولئك إلى البصر والسمع والفؤاد.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ عادت الكناية إلى لفظ (كان) لا إلى معناه.
الإسراء 17:37
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ المَرَحُ: شدة الفَرَحِ، يقال: مَرِحَ يَمْرَحُ مَرَحًا، وهو مَرِحٌ مَرُوحٌ [[انظر (مرح) في "تهذيب اللغة" 4/ 3371، و"المحيط في اللغة" 3/ 96، و"مجمل اللغة" 2/ 829، و"اللسان" 7/ 4170.]]، قال ابن عباس: يريد بالكبرياء والعظمة.
وقال عبد الله بن مسلم: أي بالكبر والفخر [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 256، بنصه.]].
وقال الزجاج: تأويل الآية: لا تَمْشِ في الأرض مختالًا ولا فخورًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 240، بنصه.]]، قال الأخفش: ولو قُرئ مرِحًا بالكسر كان أحسن في القراءة [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 612، بنحوه، وخالفه الطبري، فقال: وقيل: ولا تمش مرَحًا ولم يقل: مرِحًا؛ لأنه لم يُردْ بالكلام: لا تكن مرِحًا، فيجعله من نعت الماشي، وإنما أريد لا تمرح في الأرض مرَحًا، ففسّر المعنى المراد من قوله: ﴿وَلَا تَمْشِ﴾ "تفسير الطبري" 15/ 88، انظر كلام الزجاج بعده فقد تضمن الردّ عليه أيضًا.]].
قال أبو إسحاق: مَرِحًا اسمُ الفاعل، ومَرَحًا مصدر، وكلاهما في الجودة سواء، غير أن المصدر أَوْكَدُ في الاستعمال، تقول: جاء زيد رَكْضًا وراكضًا، فركضًا أَوْكَدُ؛ لأنه يدل على توكيد الفعل [["معانى القرآن وإعرابه" 3/ 240 بتصرف يسير.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ﴾ الآية. الخرق معناه في اللغة كالشق، يقال: خرق الثوب إذا شَقَّه، وخرق الأرض إذا قطعها حتى بلغ أقصاها [[انظر: (خرق) في "تهذيب اللغة" 1/ 1015، و"المحيط في اللغة" 4/ 193، و"اللسان" 2/ 1141.]].
قال ابن عباس: يريد ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾: بِكِبْرِك ومشيك عليها، ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾: بعظمتك، وإنما أنت مخلوق عبد ذليل [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 498 بنصه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 36، والقرطبي 10/ 261، بلا نسبة.]].
قال الزجاج: والتأويل: إن قدرتك لن تبلغ هذا المبلغ فيكون لك [[في المصدر: (ذلك).]] وُصْلَة إلى الاختيال [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 240، بنصه.]]، وهذا [[ساقط من (د).]] الذي ذكره موافق لتفسير ابن عباس، والمعنى: إنك عبد لا تقدر أن تنقص الأرض حتى تبلغ آخرها، ولا أن تُطَاول الجبال، فمن أين تستحق الكبر والفخر؟!
قال ابن قتيبة: يريد أنه ليس ينبغي للعاجز [[هذه الكلمة أصح مما في المصدر، وهي: (للفاجر)، ولعل ما في المصدر تصحيف.]] أن يَبْذَخَ [[البَذْخُ: الكبر، وتبذَّخ: تطاول وتكبَّر وفَخَر وعلا، والباذخ: العالي، وشرف باذخٌ: عال، والبواذخ من الجبال: الشوامخُ. انظر بذخ في "المحيط في اللغة" 4/ 321، و"الصحاح" 1/ 418، و"اللسان" 31/ 236.]] ويستكبر [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 256 بنصه تقريبًا.]]، ومعنى خَرْق الأرض في هذه الآية: نَقْبُها لا قطعها بالمسافة، وذُكِرَ في هذه الآية معنى آخر، قال قتادة: لا تمش كِبرًا ولا فَخرًا، فإن ذلك لا يبلغ بك أن تبلغ الجبال، ولا أن تخرق الأرض بكبرك وفخرك [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 378 بنصه، و"الطبري" 15/ 88 بنصه تقريبًا، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 330 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، ومعنى هذا أن مشي المرح يكون على ضربين: مَشيٌ باختيال على الأرض وتؤدة؛ بجر قدمه على الأرض كأنه يريد أن يخرقها، ومَشيٌ يتطاول في السماء بذخًا، فنهى الله تعالى في هذه الآية عنهما، وأخبر أنه لا يبلغ مما يريد كبير مبلغ، وإلى هذا أشار مجاهد؛ فقال في قوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ قال: الذي يمشي على عقبه، ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ قال: الذي يمشي على صدور قدميه [[لم أقف عليه.]].
الإسراء 17:38
قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ أشار إلى جميع ما تقدم ذكره مما أمر به ونهى عنه من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ و ﴿ذَلِكَ﴾ يصلح للواحد والجميع، والمؤنث والمذكر، على ما ذكرنا في مواضع.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾ قُرئ بالإضافة [[أي ﴿سَيِّئُهُ﴾ مضافًا مذكرًا، قرأ بها: عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: "السبعة" ص 380، و"علل القراءات" 1/ 323، و"الحجة للقراء" 5/ 102، و"المبسوط في القراءات" ص 228، و"تلخيص العبارات" ص 113.]] والتنوين [[أي ﴿سَيِّئَةً﴾ منونًا مؤنثًا، قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو. انظر المصادر السابقة.]]، قال أبو إسحاق: والإضافة أحسن [[هذا مما يؤخذ على النحويين من المفاضلة بين القراءات، مع أن كليهما سبعية متواترة.]]؛ لأن فيما جرى من الآيات سيئًا وحسنًا، فسيئُهُ بلا تنوين أحسن [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 240 بنصه تقريبًا.]]، ويؤكد ما ذكره أبو إسحاق: ما روي أن الحسن كان يقرأ بالإضافة، ويقول قد ذَكَرَ أمورًا قَبلُ؛ منها حسن ومنها سيء، فقال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ لأن ما ذُكر الحَسَنُ، والسَّيِّئُ من المذكور المكروه، ويقوّي ذلك قوله: ﴿مَكْرُوهًا﴾ والتذكير فيه، ولو كان ﴿سَيِّئَةً﴾ غير مضاف لزم أن يكون مكروهةً، سيّما وقد تقدم ذِكْرُ المؤنث، ألا ترى أن قوله [[البيت لعامر بن جُوَيْن الطائي (جاهلي).]]:
ولا أرضَ [[في جميع النسخ: (والأرض)، والتصويب من المصادر.]] أبْقَلَ إبْقَالَها [[وصدره:
فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها
وهو من شواهد سيبويه في "الكتاب" 2/ 46، وورد في "شرح المفصل" 5/ 94، و"اللسان" (بقل) 1/ 328، وورد غير منسوب في "الخصائص" 2/ 411، و"المحتسَب" 2/ 112، و"الحجة للقراء" 4/ 238، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 242، 246، و"تفسير القرطبي" 10/ 263، و"الخزانة" 1/ 45، 49، 50، 7/ 437.
(مزْنة): واحد المزن، وهو السحاب يحمل الماء، (الودق): المطر، (أبقل): أخرج البقل، وهو من النبات ما ليس بشجر؛ وهو الذي لا تبق له أُرُومة على الشتاء بعدما يُرعى.
والشاعر يصف أرضًا مخصبة بكثرة ما نزل بها من الغيث، والشاهد: حذف علامة التأنيث مع إسناد الفعل إلى ضمير المؤنث، على تأويل أن الأرض مكان، فكأنه قال: ولا مكان أبقل إبقالها، والمكان مذكر.]] مستقبح [[هكذا في جميع النسخ، وفي "الحجة للقراء" 5/ 102 مستقيم، وهو خطأ أو تصحيف.]] عندهم، ولو قال: أبقل الأرض، لم يُستقبح، فليس ما تقدّم ذكره مما أُنّث بمنزلة ما لم يتقدم ذِكْره؛ لأن المتقدم الذكر ينبغي أن يكون الراجعُ وَفْقَه، كما يكون وَفْقَه في التثنية والجمع [["الحجة للقراء" 5/ 102، بتصرف واختصار يسير.]].
وأما من قرأ بالتنوين فقال أبو إسحاق: جعل كلًّا إحاطة بالمنهي عنه قَطْ، المعنى: كل ما نهى الله عنه كان سيئةً [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 241، بنصه.]]، ومعنى هذا أن من قرأ بالتنوين رأى الكلام انقطع عند قوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وكان الذي بعدُ؛ من قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ لا أمرًا حسنًا فيه، فقال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ فأفرد ولم يضف، وعلى هذه القراءة قوله: ﴿مَكْرُوهًا﴾ ليس بنعت للسيئة، وإنما هو بدل منها، على تقدير: كان سَيِّئَةً وكان مكروهًا.
الإسراء 17:39
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾ يعني ما تقدم ذِكْره، ﴿مِنَ الْحِكْمَةِ﴾، قال ابن عباس: يريد من الفرائض والسُّنَن [[ورد بلا نسبة في "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 499، و"تفسير ابن الجوزي" 5/ 37.]].
وقال المفسرون: يعني من القرآن ومواعظه [[أخرجه "الطبري" 15/ 90 بلفظه عن ابن زيد، ورد عند "الثعلبي" 7/ 109 أبنصه.]].
وقال أهل المعاني: الحكمة هاهنا الدلائل التي تؤدي إلى المعرفة بالحَسَن من القبيح، والواجب مما لا يجب [[ورد نحوه في "تفسير الطوسي" 6/ 479.]]، وذلك يعرف بإخبار الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ﴾ إلى آخر الآية. قال ابن عباس: هذا أدب من الله لخلقه، ومخاطبة للمؤمنين، يعني أن هذا خطاب لكل واحد من المؤمنين؛ كأنه قيل: ولا تجعل أيها الإنسان مع الله إلهًا آخر، وذكرنا معنى الملوم والمدحور في هذه السورة [آية 18 و29].
الإسراء 17:40
قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ يقال: أصفاه بالشيء: أي آثره به، ويقال للضِّياع التي يستخلصها السلطان لخاصَّته: الصَّوافي [[ورد في "تهذيب اللغة" (صفا) 2/ 2022، بنحوه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 215، و"اللسان" (صفا) 4/ 2468.]].
قال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾: خَصَّكم [["مجاز القرآن" 1/ 380، بنحوه.]].
وقال المفضل: أخلصكم [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 499، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 37، و"الفخر الرازي" 20/ 215.]]. وقال أبو إسحاق: كانت الكفرة من العرب تزعم أن الملائكة بنات الله، فَوُبِّخُوا، وقيل لهم: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ﴾، أي: اختار لكم ربكم صفوة البنين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 241، بنصه تقريبًا.]].
وقال النحويون: هذه الألف ألف إنكار على صيغة السؤال عن مذهبٍ ظاهرِ العَوار لا جواب لصاحبه، إلا بما فيه أعظم الفضيحة [[ورد نحوه في "تفسير الطوسي" 6/ 480، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 215 بنصه، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 278، و"الدر المصون" 7/ 358.]]، فإن قيل ما معنى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ مع أن لهم بنات؟ قيل: معناه: أَخَلَصَ لكم البنين دونه، وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه، فاختصكم بالأَجَلّ وجعل لنفسه الأدون؟!
الإسراء 17:41
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ معنى التَّصْرِيف في اللغة: صَرْفُ الشيء من جهة إلى جهة، نحو تَصْرِيف الرِّيَاحِ، وتصريف الأمور والآيات [[انظر: (صرف) في "المحيط في اللغة" 8/ 128، و"العباب الزاخر" ف/ 349، و"اللسان" 4/ 2434.]]، قال أبو إسحاق: ﴿صَرَّفْنَا﴾، أي: بينا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 241 بلفظه.]]، وهو قول ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" ص 300، وورد بلا نسبة في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 216، و"القرطبي" 10/ 264.]]، والأصل ما ذكرنا، ثم يصير بمعنى التَّبْيِين؛ لأن تصريفه إنما هو لِيَتَبَيَّن، ومفعول التصريف محذوف.
قال صاحب النظم: تأويله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾: بما أوجب تصريفه، كما قال في موضع آخر: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الكهف: 54] قال: وفيه وجه آخر، وهو أن تكون (في) زائدة، كما في موضع آخر: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: 15]، أي: أصلح لي ذريتي [[وقد رد هذا القول أبو حيان، وقال: وهذا ضعيف لأن (في) لا تزاد. "تفسير أبي حيان" 6/ 39.]].
وقال أبو علي: أي صَرَّفنا ضروبَ القولِ فيه؛ من الأمثال وغيرها مما يوجب الاعتبار به والتفكر فيه؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ الآية [["الحجة للقراء" 5/ 104، مختصرًا.]] [القصص: 51]، فعند أبي علي تقدير الآية: ولقد صَرَّفنا القول [[ساقط من (أ)، (د).]] في هذا القرآن.
قوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قال ابن عباس: يريد ليتعظوا [[ورد بلفظه بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 2/ 269، و"الثعلبي" 7/ 109 أ، و"الخازن" 3/ 165.]]، والأصل ليتذكروا، فأدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما، هذا قراءة العامة [[انظر: "السبعة" ص 380، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 374، و"الحجة للقراء" 5/ 104، و"المبسوط في القراءات" ص 229، و"التبصرة" ص 140، و"تلخيص العبارات" ص 113.]]، وقرأ حمزة والكسائي: لِيَذْكُرُوا [[انظر المصادر السابقة.]] من الذكر، والتَّذَكُّرُ هاهنا أشبه [[أي: أولى.]] من الذكر؛ لأنه كأنَّ يُرادُ به التَّدَبُّر وليس التذكر الذي بعد النسيان، ولكن كما قال: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]، أي: ليتدبروه بعقولهم، وليس المراد ليتذكروه بعد نسيانهم، ويدل على هذا، أن التذكر قد لا يكون من النسيان، كقوله [[للكميت بن زيد (ت 126 هـ).]]:
تَذَكَّرَ مِنْ أَنَّى ومِنْ أَيْنَ شِرْبُهُ .... يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأَبِلْ [["ديوانه" 1/ 396، وورد في: "الحجة للقراء" 1/ 317، و"اللسان" أبل 1/ 10، والشاعر يذكر حمارًا أراد ورورد الماء، (يؤامر نفسيه): المؤامرة هي المشاورة، والمعنى: يشاور نفسه مترددًا بين ورود الماء أو تركه، فكأنه يشاور نفسين؛ إحداهما تريد الورود، والأخرى تأباه. (الهجمة): الهجمةُ من الإبل: ما بين التسعين إلى المائة، وجمعها هَجَمَاتٌ وهِجَامٌ، (أَبِلَ): قال الأصمعي: أَبِلَ الرجُل يأبل أبالةً، إذا حَذِق مصْلحة الإبل والشاء، والأبِلُ والآبلُ: الحاذق برِعْيةِ الإبلِ الرفيقُ بسياستها، انظر: "تهذيب اللغة" (أبل) 1/ 109، و"المحيط في اللغة" (هجم) 3/ 385، (أمر) 10/ 284، (أبل) 10/ 350، و"اللسان" (أبل) 1/ 9.]]
يعني تَدَبَّر في ذلك وتفَكَّر من أين يشرب، وأمّا [مَنْ] [[زيادة يقتضيها السياق، ولعلها سقطت.]] قرأ بالتخفيف، فإن التخفيف قد جاء بهذا المعنى، كقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا﴾ [البقرة: 63] هذا ليس على لا تنسوه ولكن تَدَّبروه [[في جميع النسخ: تذكروه وهو تصحيف ولا يؤدي المعنى المستشهد له، وما أثبته هو الصواب ويؤيده ورودها في "الحجة للقراء" 5/ 104، وهو مصدره.]]، ويجوز أن يكون المراد ذكر اللسان، والمعنى: صَرَّفنا في هذا القرآن ليذكروه، وإذا كان الكلام مُصَرَّفًا فيه على أنواع، كان أقرب من الذكر وأبعد من السأمة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد ينفرون من الحق ويتبعون الباطل [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 38، بنصه.]]، قال أبو علي: أي ما يزيدهم تصريف الآيات إلا نفورًا [["الحجة للقراء" 5/ 105، بتصرف يسير.]]، أضمر الفاعل بدلالة ما تقدم عليه؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: 42]، أي: مجيء النذير.
قال أهل المعاني: إنما زادهم نفورًا؛ لأنهم اعتقدوا أنها شُبَه وحِيَل، فنفروا منها أشد النفور؛ لهذا الاعتقاد الفاسد، ومنعهم ذلك من التَدبُّر لها، وإدراك منزلتها في عظم الفائدة وجلالة المنزلة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 109 أ، بنحوه مختصرًا، و"الطوسي" 6/ 480 بنصه تقريبًا.]].
وقال أبو علي: هذا على أنهم ازدادوا نفورًا عند تفصيل الآي لهم؛ [لا] [[إضافة من المصدر ليستقيم الكلام، وبدونها يضطرب المعني.]] لأن تصريف الآي نَفَّرهم [["الحجة للقراء" 5/ 105 بنصه.]]؛ ولكنهم لما ازدادوا نفورًا عند تصريف الآي نُسب ذلك إليه على الاتساع؛ كما قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: 42]، والمعنى: ازدادوا هم نفورًا عند مجيئه فَنُسب ذلك إلى مجيء النذير.
الإسراء 17:42
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ وقرأ ابن كثير بالياء [[وكذلك قرأ حفص عن عاصم بالياء، وقرأ الباقون بالتاء (كَمَا تَقُولُونَ)، انظر: "السبعة" ص 381، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 375، و"علل القراءات" 1/ 323، و"الحجة للقراء" 5/ 106، و"المبسوط في القراءات" ص 229.]] والمعنى: كما يقول المشركون من إثبات الآلهة من دونه، فهو مثل قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ﴾ [[[آل عمران: 12] قرأ حمزة والكسائي بالياء. انظر: "السبعة" ص 202، و"علل القراءات" 1/ 106، و"المبسوط في القراءات" ص 140.]]؛ لأنهم غيب [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 106، بنصه تقريبًا.]].
وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ذكر المفسرون في هذا قولين؛ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد منازعة وقتالًا؛ كما يفعل ملوك [[(أ)، (د): (مملوك).]] الدنيا [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 265.]].
وقال سعيد بن جبير: لأزالوا ملكه [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 159، بنحوه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 38، و"القرطبي" 10/ 265.]].
وقال أبو بكر الهذلي: إذًا لابتغت الآلهة أن تزيل مُلك صاحب العرش [[ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 7/ 109 ب.]]، والمعنى على هذا القول: إذًا لابتغوا سبيلًا إلى ممانعته ومضادته ومعاداته؛ كما قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22].
القول الثاني: ما ذهب إليه السدي وقتادة؛ قال السدي: إذًا لابتغت الآلهة الحوائج من الله [[لم أقف عليه.]]، وقال قتادة: لابتغوا التقرب إليه، وعرفوا فضله ومرتبته ومنزلته عليهم [[أخرجه بنحوه مختصرًا "عبد الرزاق" 2/ 378، و"الطبري" 15/ 92، من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 159 - بمعناه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 269 - بمعناه، و"الثعلبي" 7/ 109 ب، بنحوه، والطوسي 6/ 481 - بمعناه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 95، و"القرطبي" 10/ 266.]]، والمعنى على هذا القول: لابتغوا ما يقربهم إليه لِعُلُوِّه إليهم [[الأصوب عليهم؛ لأنه هو الأظهر في المعنى، وقد جاءت في "تفسير الطوسي" 6/ 481: عليهم.]] وعِظَمِه عندهم، وهذا كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: 19]، والأول هو قول الحسن والكلبي [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 481، بنحوه عن الحسن، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 38، عن الحسن.
وقد رجح هذا القول الخازن والألوسي، والشنقيطي وقال: ولا شك أن المعنى الظاهر المتبادر من الآية بحسب اللغة العربية هو القول الأول؛ لأن في الآية فرض المحال؛ والمحال المفروض الذي هو وجود آلهة مع الله مُشَارِكة له لا يظهر معه أنها تتقرب إليه، بل تنازعه لو كانت موجودة، ولكنها معدومة مستحيلة الوجود. انظر: "تفسير الخازن" 3/ 165، و"الألوسي" 15/ 82، والشنقيطي 3/ 594.]].
الإسراء 17:44
قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ الآية. في هذه الآية مذهبان:
أحدهما: أن المراد بالتسبيح هاهنا حقيقة التسبيح، فعلى هذا السموات السبع والأرضون تسبح لله تسبيحًا حقيقيًا، ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾: من الملائكة والجن والإنس، والمراد بهذا التخصيص؛ لأن الشياطين وعبدة الأصنام لا يسبحون لله تسبيحًا حقيقيًّا.
وقوله تعالي: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال عكرمة: كل شيء حي [[أخرجه "الطبري" 15/ 92، بنحوه، وورد بمعناه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 159، و"تفسير الثعلبي" 7/ 109 ب، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 333 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن أبي حاتم.]]، ونحوه قال الحسن والضحاك: كل شيء فيه الروح [[أخرجه "الطبري" 15/ 92 بنصه عنهما، وأبو الشيخ في العظمة ص 523 بنصه عن الضحاك، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 109 ب بنصه، و"الماوردي" 3/ 245 - بمعناه، و"الطوسي" 6/ 483 - بمعناه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 39، عنهما، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 333 وعزاه إلى أبي الشيخ عن الحسن- لم أجده.]]، وقال قتادة: يعنى الحيوانات والنَّامِيات [[أخرجه بمعناه "عبد الرزاق" 2/ 379، و"الطبري" 15/ 93، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 270 - بمعناه، و"الثعلبي" 7/ 109 ب بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 96.
والنَّامِيات: جمع نَامٍ، والنَّامِي، مثل: النبات والشجر ونحوه؛ أي كل ما ينمو ويكبر، ويقابله الصامت؛ كالحجر والجبل ونحوه. انظر (نمي)، (نمو) في "المحيط في اللغة" (10/ 417، و"اللسان" 8/ 4552.]]، وقال بعضهم: هذا عام في كل شيء، وكل ما خلق الله فهو يسبح بحمده، وأن صَرِيرَ السَّقْفِ وصَرِيرَ البابِ من التسبيح لله [[وهو قول النخعي -كما في البغوي وغيره- وورد بنحوه في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 242، و"تفسير الطوسي" 6/ 483، انظر: "تفسير البغوى" 5/ 96 بلفظ: صرير الباب ونقيض السقف، و"ابن الجوزي" 5/ 39، و"القرطبي" 10/ 268.]]، ولكل شيء تسبيح لا نفقه نحن ذلك؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
المذهب الثاني: أن المراد بالتسبيح هاهنا: الدلالة على أن الله -عز وجل- خالقٌ حكيمٌ مُبَرَّأٌ من الأَسْوَاءِ [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 242، بنحوه، و"تفسير الثعلبي" 7/ 109 ب بنصه.]]، فالمخلوقون والمخلوقات كلها تدل على أن الله -عز وجل- خالقها؛ كما قال في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ، أي: يخشع له ويخضع [[والقول الأول هو الراجح، لموافقته لظاهر القرآن، وتأييد السنة له، فقد أسمع الله نبيه -ﷺ- وصحابته تسبيح الجمادات، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: إنكم تعدون الآيات عذابًا، وإنا كنا نعدها على عهد رسول الله -ﷺ- بركة، لقد كنا نأكل الطعام مع النبيّ -ﷺ- ونحن نسمع تسبيح الطعام ... أخرجه مالك في الموطأ [التمهيد] 1/ 219، والترمذي (4633) كتاب: المناقب، باب: آيات إثبات نبوة النبي -ﷺ- واللفظ له، وقال: حسن صحيح، وذكره الألباني في "صحيح الترمذي" (4633)، انظر أمثلة أخرى في هذا الباب في "الشفا" 1/ 588.
وقد رجح هذا القول كثير من العلماء؛ منهم: القرطبي 10/ 268، و"الخازن" 3/ 166، و"ابن كثير" 3/ 48 و"الألوسي" 15/ 84، وغيرهم.]]، وقد ذكرنا هذا المعنى مستقصى عند ذكر سجود الجمادات في آيات قد مضت في هذا المعنى [[سورة الرعد: آية [15]، وسورة النحل: آية [49].]]، وعلى هذا قوله: ﴿لَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ﴾ مخاطبة للكفار؛ لأنهم لا يستدلون ولا يعتبرون.
الإسراء 17:45
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ في هذه قولان؛ أحدهما: أن هذه نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله إذا قرأ القرآن؛ قال الكلبي: وهم أبو سفيان، والنضر بن الحارث، وأبو جهل، وأم جميل بنت حرب بن أمية؛ امرأة أبي لهب، وحويطب، حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 41 بنصه، و"أبي حيان " 6/ 41، بنحوه، و"القرطبي" 10/ 271 - بلا نسبة، وورد بنسبة ودون ذكر المؤذين للنبيّ -ﷺ- في "تفسير الثعلبي" 7/ 110 أ، و"الماوردي" 3/ 246، و"الطوسي" 6/ 483، و"ابن == الجوزي" 5/ 41، و"الفخر الرازي" 20/ 220. وأورد بعضُ المفسرين عند هذه الآية حادثة أم جميل مع النبي -ﷺ- التي شهدها أبو بكر، وحجب الله رسوله عنها لما جاءت تريد إيذاءه، قال أبو بكر -رضي الله عنه-: وقرأ قرآنًا اعتصم به منها، وهو هذه الآية. وهذا الخبر لا يعد من قبيل أسباب النزول عند أهل الفن، بل ولا هو من صيغه، أما قول الواحدي وغيره: نزلت في قوم .. فأيضًا لا يمكن عدّه سببًا في النزول؛ لعدم تحقق شروط قبوله؛ وهي:
1 - أن يثبت عن صحابي بإسناد صحيح فيكون له حكم الرفع.
2 - إن ثبت عن تابعي فهو مرسل، ويشترط لقبوله صحة الإسناد وأن يكون صريحًا، ويرد من طريقين عن أئمة التفسيرة كمجاهد وعكرمة.
ويؤيّد ردّه أن الرواية وردت عن الكلبي، وهو مُضَعَّفٌ عند العلماء، ودليل آخر أن الواحدي -نفسه- لم يوردها في أسباب نزوله، وكما قال ابن عطية: الآية إخبار من الله لنبيه أنه يحميه من الكفرة الذين كانوا يؤذونه، في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد. فلا يلزم إذًا أن يكون للآية سببُ نزول خاص. انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 270، و"الثعلبي" 7/ 110 أ، و"البغوي" 5/ 97، و"ابن عطية" 9/ 98، و"أبي حيان" 6/ 42، و"ابن كثير" 3/ 49، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 336 - 337، وعزاه إلى أبي يعلى وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي معًا في الدلائل، و"الإتقان" 1/ 90 - 91، و"التحبير" ص 86، و"مباحث في علوم القرآن" ص 83.]].
وقوله تعالى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ قال الأخفش: أراد: ساترًا، والفاعل قد يكون في لفظ المفعول كما تقول: إنك لمَشْؤوم علينا ومَيْمُون، وإنما هو شَائِم ويَامِن؛ لأنه من قولهم: شأمَهُم وَيمَنَهم، والحجابُ هاهنا هو الساتر، فقال: ﴿مَسْتُورً﴾ [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 613، بتصرف يسير.]]، وهذا نادر أن يكون الفاعل في لفظ المفعول [[هذه الجملة ليست في معانيه، والظاهر أن الواحدي أراد تلخيص قوله؛ لأنه يفهم من قال هذا، ولأنه قال بعده: هذا قوله، لا أنه تقرير قاعدة.]]، هذا قوله، وتابعه على هذا كثير من أهل اللغة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 242، و"جمهرة اللغة" 1/ 263، و"تهذيب == اللغة" (ستر) 4/ 1625، و"الإملاء" 2/ 92، و"البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 91، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 279.
ولم يرتض ابن عطية هذا التاويك وعدّه تكَلُّفًا من غير حاجة داعية إليه، وقال: وليس مثاله بمُسلَّم، وكذلك رده السمين، وقال: هو على بابه كما حققناه. انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 99، و"عمدة الحفاظ" 2/ 14، 196.]].
وقال آخرون: ﴿مَسْتُورً﴾ هاهنا مفعول، والمعنى أنه حجابٌ مستورٌ لا يُبْصر [[ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 93/ 15، و"الثعلبي" 7/ 110 أ، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 97، و"الزمخشري" 2/ 363، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 280 وهذا القول هو الذي مال إليه الطبري -ولم يرد الأول- فقال: وهذا القول الثاني أظهر بمعنى الكلام؛ أن يكون المستور هو الحجاب، فيكون معناه: أن لله سترًا عن أبصار الناس فلا تدركه أبصارهم، وإن كان للقول الأول وجه مفهوم.]]، وإنما كان قُدْرةً من قُدَرِ الله تعالى وأُخْذَةً من أُخَذِه [[الأُخْذةُ، بالضم: رُقية تأخذُ العين ونحوها كالسحر، ويقال بعينه اخُذٌ: وهو الذي لا يقدر صاحبه على النظر. انظر المنتخب من غريب كلام العرب 2/ 482، و"اللسان" (أخذ) 1/ 36، و"التاج" (أخذ) 5/ 346.]] حجبَ النبيّ -ﷺ- بحجاب [[في جميع النسخ: (حجاب)، ولا معنى لها، وما أثبته هو الصواب وبه يستقيم الكلام.]] يحجبه عنهم، بحيث لا يرى النبيُ -ﷺ- ذلك الحجابَ ولا المشركون، حكى هذا صاحب النظم، وهو حسن.
وقال الزجاجي: يجوز أن يكون المستور هاهنا بمعنى النسب، كما تقول في الفاعل في مثل: لابِن وتَامِر [[أي: ذو لبن، وذو تمر.]] [[لم أقف على مصدره، وورد نحوه بلا نسبة في "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 91، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 279، و"تفسير أبي حيان" 6/ 42، و"الدر المصون" 7/ 362.]]، وتأويله: حجابٌ ذو ستْرٍ؛ كقولهم: جاريةٌ مَغْنوْجة [[الغُنْجُ: الدَّلّ، والغنج في الجارية: تكسُّرٌ وتدلُّلٌ، وقيل: الغنج: ملاحةُ العينين. انظر: "اللسان" (غنج) 6/ 3305.]]، أي ذات غُنْجٍ، ولا يقال: غَنَجْتُها؛ ومكان مَهُول: فيه هَوْل، ولا يقال: هُلْتُ المكان؛ جعلت فيه الهَوْل؛ ورجلٌ مَرْطُوب: ذو رُطوبة، ولا يقال: رَطَبْتُه [[وردت هذه الأمثله في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 222، و"أبي حيان" 6/ 42، و"الدر المصون" 7/ 362.]].
القول الثاني: أن معنى الحجاب هاهنا: الطبع الذي على قلوبهم، والمنع الذي منعهم عن أن يدركوا ما يأتي به من الحكمة في القرآن فينتفعوا به، وهذا قول قتادة؛ قال: هو الأكنة [[أخرجه بلفظه: "عبد الرزاق" 2/ 379، و"الطبري" 15/ 93، وورد بلفظه في "تفسير السمرقندي" 2/ 270، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 97، و"ابن الجوزي" 5/ 40.]]، وعلى هذا قوله: ﴿جَعَلنَا بَيتَكَ﴾، أي: بين قولك وقراءتك وفهم ما تأتي به، ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾، وهو ما لا يرونه ولا يعلمونه من الطبع على قلوبهم، وإن شئت قلت: حجابًا ساترًا، على ما ذكرنا.
الإسراء 17:46
قوله تعالى: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ جمع كنان، وهو ما ستر الشيء [[انظر: (كنن) في "تهذيب اللغة" 4/ 3196، و"المحيط في اللغة" 6/ 144، و"الصحاح" 6/ 2188، و"اللسان" 7/ 3942.]]، قال ابن عباس: يريد مثل كنانة النبل [[ورد غير منسوب في "تفسير ابن عطية" 9/ 99، و"الفخر الرازي" 20/ 222.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، أي: كراهية أن يفقهوه، وأن لا يفقهوه، وقد ذكرنا هذا في مواضع، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176]، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: ثقلًا وصممًا، وفيه إضمار حذف لدلالة الكلام عليه، وهو: أن يسمعوه، ودلّ عيه قوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، وهذا صريح في الرد على القدرية؛ إذ أخبر تعالى أنه حال بين قلوبهم وبين فهم القرآن؛ بما جعل عليها من الأكنة بين آذانهم وبين استماع الوحي استماعًا ينتفعون به، بما جعل فيها من الوَقْر، وهذه الآية مما سبق تفسيره في سورة الأنعام [[آية [25].]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ قال المفسرون: يعني قلت: لا إله إلا الله، وأنت تتلو القرآن [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 215 أ، بنحوه، و"الطبري" 15/ 94 بنصه، و"السمرقندي" 2/ 271، بنحوه، و"هود الهواري" 2/ 422، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 110 ب بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 97، و"ابن الجوزي" 5/ 41.]].
﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد: كارهين أن يُوَحَّدَ [[في الوسيط: يُوحِّدوا، أي هم الكارهون، وعلى رواية البسيط: الضمير عام يعود عليهم وعلى غيرهم.]] الله [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 504 بنصه تقريبًا.]].
وقال قتادة: إن النبيّ -ﷺ- لما قال: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون وكبر عليهم [[أخرجه "الطبري" 15/ 94، بنحوه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 49، وورد بنحوه بلا نسبة في" تفسير هود الهواري" 2/ 422.]].
وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿نُفُورًا﴾ يحتمل مذهَبَيْن؛ أحدهما: المصدر، المعنى: وَلَّوْا نافرين نُفُورًا، والثاني: أن يكون نفورًا جمع نافر مثل شاهد وشهود [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 243 بتصرف يسير.]].
الإسراء 17:47
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ الآية. قال المفسرون: أمر رسولُ الله -ﷺ- عليًّا -رضي الله عنه- أن يتخذ طعامًا ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل ذلك علي، ودخل عليهم رسول الله -ﷺ- وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد، وقال: "قولوا: لا إله إلا الله، لتطيعكم العرب وتدين لكم العجم، فأبوا ذلك عليه" [[في جميع النسخ: (عليهم)، والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يعود على الرسول -ﷺ-.]].
وكانوا يسمعون من النبيّ -ﷺ- ويقولون -بينهم متناجين-: هو ساحرٌ، وهو مسحور، وما أشبه ذلك من القول [[ورد هذا المقطع في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 243 بنصه.]]، فأخبر الله نبيه -عليه السلام- بذلك، وأنزل عليه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ [[ورد بنحوه مختصرًا -ودون ذكر قول النبيّ -ﷺ- في "تفسير الثعلبي" 7/ 110 ب، وورد بنصه -ودون قول النبيّ -ﷺ- في "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 505، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 42، و"الفخر الرازي" 20/ 223 بنصه، و"القرطبي" 10/ 272، ولم أقف على أثر -في كتب أسباب النزول ولا في كتب التفسير المتقدمة المتداولة- غير الثعلبي - بأن الآية نزلت في هذه الحادثة، والمعلوم أن إثبات سبب نزول آية ما يفتقر إلى دليل صحيح. وورد نحوٌ من هذه الحادثة - وفيها قول النبيّ -ﷺ- في سبب نزول صدر سورة (ص)؛ جاء في السيرة أن أشراف قريش جاؤوا أبا طالب في شأن النبيّ -ﷺ- فبعث إليه أبو طالب، فجاءه فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله -ﷺ-: "يا عم، كلمةٌ واحدةٌ يُعْطُونيها تملكون بها العرب وتدينُ لكم بها العجم"، فقال أبو جهل: نعمْ وأبيك وعَشْر كلمات، قال: تقولون: لا إله إلا الله، فنفروا وقالوا ما حكاه القرآن: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: 5]، فأنزل الله صدر سورة (ص). ورواية الطبري فقال أبو طالب: وإلام تدعوهم؟ قال. أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدينُ لهم بها العرب ويملكون بها العجم. يفي رواية أحمد والترمذي والبيهقي: "تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجمُ الجزية". قال== الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه أحمد شاكر، ورواية الحاكم والواحدي في "أسباب النزول": تَذِلّ، بدل: تدين. قال الحاكم: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. انظر سيرة النبي لابن هشام 2/ 27، و"المسند" 1/ 227، 362، و"سنن الترمذي" (3232): تفسير، سورة ص، و"تفسير الطبري" ط. شاكر 10/ 553، و"المستدرك " 2/ 108، و"دلائل البيهقي" 2/ 345، و"أسباب النزول" ص 380، و"تفسير ابن كثير" 3/ 50، و"شرح المسند" 2/ 314، وكل الروايات جاءت عن ابن عباس - ما عدا رواية الطبري فهي عن السدّي.]] يحتمل أن تكون التاء زائدة.
والمعنى: نحن أعلم بما يسمعون إذ يسمعون إليك، وأنت تقرأ القرآن وتدعوهم إلى الإسلام، أخبر الله تعالى أنه عالمٌ بتلك الحالة، وبذلك الذي كانوا يسمعونه إذ يستمعون إلى الرسول.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ قال ابن عباس: يريد يتناجون بينهم بالتكذيب والاستهزاء [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 505، بنصه.]] قال أبو عبيدة:
نجوى مصدر ناجيت [["مجاز القرآن" 1/ 381، بنصه.]]، وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: 80]، قال أبو إسحاق: النجوى اسم المصدر، والمعنى: وإذ هم ذَوُو [[في (ع) مطموسة، وفي باقي النسخ (ذوي)، وهو خطأ نحوي ظاهر، والمثبت موافق للمصدر.]] نجوى [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 243 بتصرف يسير.]]؛ أي يتناجون ويُسَارّ [[من الإسرار، وهو: الكتم والإخافاء.]] بعضهم بعضًا.
﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾، قالوا: يعني الوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأبا جهل وحويطبًا، وقرناءهم من المشركين [[ورد بنحوه مختصرًا في "تفسير مقاتل" 1/ 215 ب، و"الثعلبي" 7/ 110 ب، و"الماوردي" 3/ 237.]].
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾: ما تتبعون، ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، كلام المفسرين في هذه الآية يدل على أنهم قالوا هذا القول فيما بينهم مُسَارِّين، فأطلع الله نبيه على ذلك، وعلى هذا يحتاج إلى تقدير محذوف في الآية؛ لأن هؤلاء لم يتبعوا رسول الله -ﷺ- فيصحَّ أن يقال لهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾، ولكن التقدير: إذ يقول الظالمون، إذا تبعتموه لم تتبعوا إلا رجلاً مسحروًا، وإن كان هذا القول منهم للمسلمين فهو ظاهر ولا يحتاجون إلى إضمار، والمسحور [[في جميع النسخ: (المستحق)، والصواب ما أثبته.]]: الذي قد سُحِرَ فاختلط عليه أمرُه، وأُزيل عن حدّ الاستواء، هذا قول أكثر أهل اللغة [[ورد في "تهذيب اللغة" (سحر) 2/ 1645، بنحوه، انظر: (سحر) في "جمهرة اللغة" 1/ 511، و"المحيط في اللغة" 2/ 479، و"مجمل اللغة" 1/ 487، و"مقاييس اللغة" 3/ 138، و"الصحاح" 2/ 678، و"المحكم" 3/ 131.]].
وقال ابن الأعرابي: المسحور: الذَاهبُ العَقْلِ المُفْسد، وأنشد [[للنابغة الذبياني.]]:
فقالتْ: يَمينُ اللهِ أفعَلُ إنّني. . .رأيتُكَ مَسْحورًا يمينُكَ فاجرَهْ [["ديوانه" ص 121، وورد في "تهذيب اللغة" (سحر) 2/ 1640، و"اللسان" (سحر) 4/ 1952.]]
قال: وطعامٌ مَسْحورٌ إذا أُفْسِدَ عَمَلُه، وأرضٌ مسحورة: أصابها من المطر أكثرُ مما ينبغي فأفْسَدَها [[ورد في "تهذيب اللغة" (سحر) 2/ 1640، بنصه تقريبًا]]. وقال أبو عبيدة: يريد بشرًا ذا رِئَةٍ [["مجاز القرآن" 1/ 381 - باختصار، وواضح أنه اقتبسه من "الغريب" لابن قتيبة 1/ 256 لوروده بنصه. وبقيةكلام أبي عبيدة- كما في "تفسير القرطبي" 10/ 272 == فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو مثلكم وليس بمَلَك، وتقول العرب للجبان: قد انتفخ سَحْره، ولكل من أكل من آدمي وغيره أو شرب مسحور ومُسَحَّر، انظر: "تفسير الطبري" 15/ 96، و"أبي حيان" 6/ 44.]].
قال ابن قتيبة: ولست أدري ما الذي اضطره إلى هذا التفسير المُسْتَكْرَه، وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه. قال مجاهد في قوله: ﴿رَجُلًا مَسْحُورًا﴾: أي مخدوعًا [[ورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 161، و"السمرقندي" 2/ 271، و"الماوردي" 3/ 247، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 246، و"البغوي" 5/ 98.]]؛ لأن السحر حيلة وخديعة [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 256 بنصه.]].
وروى عطاء عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَسْحُورًا﴾ قال: يريد مخلوقًا [[أي بشرًا مخلوقًا.]].
وهذا يؤكد قول أبي عبيدة: ذو سحْر [["مجاز القرآن" 1/ 381 بمعناه، والظاهر أن القول مقتبس من "الغريب" لابن قتيبة ص 256 لوروده بنصه]]، ويجوز أن يكون من السَّحْر بمعنى: الغذاء [[وهو قول الليث؛ ورد في "تهذيب اللغة" (سحر) 2/ 1641 بلفظه.]]، ومنه قول امرئ القيس:
ونُسْحَرُ بالطَّعام وبالشرابِ [[صدره:
أَرَانا مُوْضِعِين لأمْر غَيْب
"ديوانه" ص 43، وورد في: "البيان والتبيين" 1/ 198 و"الغريب" لا بن قتيبة 1/ 256، و"جمهرة اللغة" 1/ 511، و"تهذيب اللغة" (سحر) 2/ 1641، "الصحاح" (سحر) 2/ 679، و"المحكم" (سحر) 3/ 132، و"تفسير ابن عطية" 9/ 102، و"ابن الجوزي" 6/ 42، و"اللسان" (سحر) 4/ 1952، وفي بعض المصادر (لحَتْمِ) بدل == (لأمر)، قال ابن بري: (مُوضِعِين): سائرين مسرعين، و (لأمر غيب): يريد الموت، وأنه قد غُيِّب عنا وقتُه، ونحن نُلْهَى عنه بالطعام والشراب؛ فكأنَّما نُخدع.]] والاختيار هو القول الأول؛ لقوله تعالى إخبارًا عن فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: 101] لا يجوز أن يكون أراد مخلوقًا، وذاسحْر، وإنما أراد: مخدوعًا، والمشركون كانوا يذهبون إلى أن النبيّ -ﷺ- يُعَلَّم ما يأتي به ويُخْدع بذلك، يدلّ على هذا قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: 103]، فلذلك قالوا له: ﴿مَسْحُورًا﴾.
الإسراء 17:48
قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾، أي: بينوا لك الأشباه؛ حين شبهوك بالكاهن والساحر والشاعر والمعلَّم والمجنون.
قال ابن قتيبة: وهذه الآية تدل على أن المسحور في الآية الأولى بمعنى المخدوع؛ لأنهم لو أرادوا رجلاً ذا رِئَةٍ لم [[في جميع النسخ، (ولم)، وهذه الواو رائدة أن إلى اضطراب المعنى، ويستقيم بدونها؛ كما في المصدر.]] يكن في ذلك مَثَلٌ ضربوه، ولكنهم لما أرادوا رجلاً مخدوعًا -كأنه بالخديعة سُحِر- كان مثلًا ضربوه وتشبيهًا شبهوه [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 257، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿فَضَلُّوا﴾: أي عن الحق والطريق المستقيم، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، قال مجاهد: مخرجًا [["تفسير مجاهد" 1/ 363 بلفظه، وأخرجه "الطبري" 15/ 97 بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير هود الهواري" 2/ 423.]]، وقال ابن عباس: يريد سبيل الهدى [[ورد بلا نسبة في "تفسير ابن عطية" 9/ 104، و"القرطبي" 10/ 273، و"أبي حيان" 6/ 44.]].
الإسراء 17:49
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾، الرَّفَتُ: كَسْرُ الشيء بيدك، يقال: رَفَتُّه، أرْفِتُه بالكسر، كما تَرْفِتُ المدَرَ والعَظمَ البالي، والرُّفاتُ: الحُطامُ من كل شيء تَكَسَّر، ويقال: رَفَتَ عظامَ الجَزُور رَفْتًا إذا كسَرَها ليطْبُخَها، ومن هذا يقال للتِّبْن: الرُّفَتُ [[انظر: (رفت) في "جمهرة اللغة" 1/ 393، و"تهذيب اللغة" 2/ 1436، و"مجمل اللغة" 1/ 390، و"اللسان" 3/ 1686.]]؛ لأنه دُقَاقُ [[الدُّقَاقُ: فُتَاتُ كُلِّ شيء دُقَّ، وقيل: هو التراب اللَّيِّن الذي كسحته الريح من الأرض، ومنه الدَّقيقُ: الطحين. انظر دقق في "المحيط في اللغة" 5/ 197، و"اللسان" 3/ 1401.]] الزرع.
وقال الأخفش: يقال: رُفِتَ رَفْتًا فهو مرفوت؛ نحو حُطِم حطمًا فهو محطوم [[ليس في معانيه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 224 بنصه، و"القرطبي" 10/ 273، وورد نحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 162 منسوبًا للكسائي وأبي عبيدة وهو بمعناه في المجاز.]]، والرُّفات والحُطام الاسم؛ كالجُذاذ والرُّضاض [[الرَّضُّ: دقُّك الشيءَ، ورُضاضُ الشيء: فتاته، وكلُّ شيء كسّرته فقد رَضَضْتَه. "اللسان" (رضض) 3/ 1956.]].
وقال الفراء: الرفات لا واحد له؛ نحو الدُّقاق والحُطام [["معاني القرآن" للفراء 2/ 125 بنصه تقريبًا.]].
وقال ابن قتيبة: الرفات مثل الفُتَات [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 257 بنصه.]]، هذا كلام أهل اللغة.
قال ابن عباس في رواية عطاء: أي إذا ذهب اللحم والعروق والدم و [[الواو ساقطة من (أ)، (د).]] بقيت عظام قد رَثَّتْ [[الرَّثُّ: الخَلَقُ الخَسيسُ البالي من كل شيء، ورثَّ الشيء وأرثَّ: أي خَلُقَ. انظر: "المحيط في اللغة" (رث) 10/ 124، و"اللسان" (رثث) 3/ 1580.]] وبَلِيَتْ ورَمَّت [[قال ابن الأثير: أصل هذه الكلمة من رَمَّ الميّتُ، وأرَمَّ: إذا بَلِيَ، والرِّمَّة: العظمُ البالي. "النهاية" 2/ 266.]]، فإذا مسسته وجعلته بين إصبعيك انسحق [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 506 بنصه.]].
وقال في رواية الوالبي في قوله: ﴿وَرُفَاتًا﴾ قال: غبارًا [[أخرجه "الطبري" 15/ 97 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد بلفظه في "تفسير الثعلبي" 7/ 110 ب، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 105، و"القرطبي" 10/ 273، و"ابن كثير" 3/ 51، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال مجاهد: ترابًا [["تفسير مجاهد" 1/ 363 بلفظه، وأخرجه "الطبري" 15/ 97 بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 162، و"تفسير هود الهواري" 2/ 423، و"الثعلبي" 7/ 110 ب، و"الطوسي" 6/ 486، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وهو قول الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 244، بلفظه.]] والفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 125، بلفظه.]].
وقوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ انتصب خلقًا على المصدر؛ لأنه بمعنى: بعثًا جديدًا، أي: أنُبْعثُ إذا صرنا ترابًا؟!.
الإسراء 17:50
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ الآية. اختلفوا في معنى قوله: {خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} فقال ابن عباس في رواية عطاء: يعني الموت [[أخرجه "الطبري" 15/ 98 من طريق العوفي (ضعيفة) قال: إن كنتم الموت أحييكم، والحاكم: تفسير، الإسراء 2/ 362 بلفظه من طريق مجاهد (صحيحة) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 248، و"الطوسي" 6/ 487، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.]]، وهو قول مجاهد في رواية خُصَيف وعكرمة والحسن وابن جريج وسفيان وأبي صالح وابن عمر والكلبي، قالوا: ليس شيء أكبر في صدور بني آدم من الموت، يقول: لو كنتم الموت لأماتكم الله ثم أحياكم [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 379، بنحوه عن الكلبي، وابن أبي شيبة 7/ 134، بنحوه عن ابن عمر، و"الطبري" 15/ 98، بنحوه عن ابن عمر وابن جريج عن ابن جبير، وعن أبي صالح والحسن قالا: الموت، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 212 مختصرًا عن الحسن، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 163 - مختصرًا عن ابن عمر ومجاهد وعكرمة وأبي صالح، و"تفسير السمرقندي" 2/ 272، بنحوه عن الكلبي والحسن وعكرمة، و"هود الهواري" 2/ 424، بنحوه عن الحسن، و"الثعلبي" 7/ 110 ب مختصرًا عن مجاهد وعكرمة، و"الماوردي" 3/ 248 مختصرًا عن ابن عمر، وأورده السيوطي في "الدرالمنثور" 4/ 339، بنحوه، وزا د نسبته إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر.]].
قال الكلبي: قالوا: يا محمد، أرأيت لو كنا الموت، من يميتنا؟ فأنزل الله تعالى ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [[لم أقف عليه، وقد انفرد المؤلف بإيراد هذا القول على أنه سببٌ في النزول، ولم يورده في كتابه: "أسباب النزول" أو تفسيره الوسيط، وهذا القول لا يعتد به -في باب أسباب النزول- لعدم وروده بسند، وحتى مع إسناده فإن الرواية عن طريق الكلبي ضعيفة كما هو معلوم.]]: يعني الموت.
وروي عن مجاهد أيضًا أنه قال: يعني السماء والأرض والجبال [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 379 بنصه، وورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 110 ب، و"الماوردي" 3/ 248، و"الطوسي" 6/ 487، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 248، و"ابن عطية" 9/ 107، و"ابن الجوزي" 5/ 44.]].
وروي عن ابن [أبي] [[ساقطة من جميع النسخ.]] نجيح عنه قال: ما شئتم فكونوا، سيعيدكم الله كما كنتم [["تفسير مجاهد" 1/ 263 بنصه، وأخرجه "الطبري" 15/ 98 بنصه من طريقين، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 163، و"تفسير السمرقندي" 2/ 271، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجحه الطبري وتبعه ابن عطية ونصره، وحجته أن الله عَزَّ وَجَلَّ أطلق القول ولم يخصصه بشيء، لذلك فكل ما كبر في صدور بني آدم من خلقه يكون مقصودًا.
انظر: "تفسير الطبري" 15/ 99، و"ابن عطية" 9/ 107.]].
قال أبو إسحاق: ومعنى هذه الآية فيه غموض؛ لأن القائل يقول: كيف يقال لهم: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ وهم لا يستطيعون ذلك، فالجواب في ذلك أنهم كانوا يُقِرُّون أن الله خالقهم وينكرون أن الله يعيدهم [[في جمبع النسخ: (يعيدكم)، والعواب ما أثبته، وبه يستقيم الكلام وتنسجم الضمائر.]]، فقيل لهم: إن تستشعروا أنكم لو خلقتم من حجارة أو حديد أو كنتم الموت -الذي هو أكبر الأشياء في صدوركم- لأماتكم الله ثم أحياكم؛ لأن القدرة التي بها أنشأكم [[ساقطة من (أ)، (د).]] بها يعيدكم [["معاني القران وإعرابه" 3/ 244 بتصرف يسير.]]، وهذا معنى قوله: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَاَ}، فقل: ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قال الفراء: نَغَض فلان رأسَه يَنْغُضه إنغاضًا؛ إذا حَرّكه إلى فوق وإلى أسفل، ونَغَض رأسُه إذا تَحَرَّك، ونَغَضَتْ سِنُّهُ، تَنْغَضُ وتَنْغُضُ وتَنْغِضُ، نَغْضًا ونَغَضَانًا ونُغُوضًا، وسُمِّيَ الظَّلِيمُ [[الظليم: هو الذَّكر من النَّعَام، وجمعه: ظِلْمان. انظر: "لتلخيص" 2/ 641، و"الصحاح" (ظلم) 5/ 1978.]] نَغْضًا لأنه يُحَرِّك رأسه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 125، بنحوه بعض الفقرات، وورد بعضها بنحوه في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 24، و"تهذيب اللغة" (نغض) 4/ 3621، ولعله قد ركب النص من هذه المصادر الثلاث، ولمّا كان أغلب النقل عن الفراء نسبه إليه من دونهم - والله أعلم.]]، وأنشد [[الضمير يعود على الفراء، لكن الذي أنشد البيت هو الزجاج وليس الفراء.]] للعَجّاج:
أَسَكَّ نَغْضًا لا يَنِي مُسْتَهْدَجًا ... مُسْتهرِجٌ يحمل على أن يَهْرِجَ هَرْجَانًا [["ديوانه" 2/ 17، وروايته مختلفة ومقلوبة:
واستبدلت رُسومُهُ سَفَنَّجَا. . . أصَكَّ نَغْضًا لا يَنِي مستهدجًا
وورد برواية الديوان في: "المعاني الكبير" 1/ 329، والاقتضاب ص 420، وورد صدره في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 245، و"تهذيب اللغة" (هدج) 4/ 3738، و"الصحاح" (نغض) 3/ 1109، و"تفسير الطوسي" 6/ 487، و"اللسان" (هدج) 8/ 4630، (نغض) 8/ 4489، وفي بعض هذه المصادر: (أصكَّ) بدل (أسكَّ)، (أسكَّ)؛ السَّكَكُ: الصمم، يقال: ظليم أسكّ؛ لأنه لا يسمع، وقيل: السكك: صِغَرُ الأذن ولزوقها بالرأس، (أصك)؛ الصكك: اضطراب الركبتين والعرقوبين، وظليم أصكّ: لتقارب ركبتيه؛ يصيب بعضها بعضًا إذا عدا، (سفنَّجًا): يعني بالسفنج الظليم؛ وهو ذكر النعام، (لا يَني): لا يزال، (مستهدَجا): يُحمل على الهدَج؛ وهو تقارب الخطو مع سرعة المشي. قال ابن الأعرابي: مستهدِجا: == مستعجلاً؛ أي أُفْزعَ فمرّ، ومن رواه بكسر الدال أراد أنه لا يزال عَجْلان في عَدْوِه، (مستهرج): الهَرْجُ: الاختلاط؛ وأصل الهرج: الكثرة في الشيء. انظر: "اللسان" (هرج، سكك، صكك).]] وهو [[الضمير يعود على الاسْتِهْدَاج.]] ضرب من العَدْو.
وقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أُخْبِر بشيء فحَرَّك رأسَه إنكارًا له: قد أَنْغَضَ رأسه [[ورد في "تهذيب اللغة" (نغض) 4/ 3738، بنصه تقريبًا.]].
قال ابن عباس في رواية الوالبي، في قوله: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ قال: يهزون [[أخرجه "الطبري" 15/ 100 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة).]]. وقال مجا هد: [فسيحركونها [[" تفسير مجاهد" ص 1/ 364، بنحوه.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: يحركون رؤوسهم تكذيبًا لهذا القول [[أخرجه "الطبري" 15/ 100، بنحوه، عن عطاء الخرساني (منقطعة)، وورد بنحوه في "تفسير الماوردي" 3/ 248، و"الطوسي" 6/ 487، وورد بنحوه عن عطاء في "تفسير مجاهد" 1/ 364، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال الزجاج] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).]]: فسيحركون رؤوسهم تحريك من يبطل الشيء ويسْتبطئه [[في جميع النسخ: (يستطيعه)، ولا معنى لها، والتصويب من المصدر، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 244، بنصه.]]، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾.
وقال ابن قتيبة: أي يحركونها تحريك المستبعدِ رأسَه [["الغريب" لابن قتيبة ص 257، بنحوه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾، أي: البعث أو الإعادة، وقد تَقدّم الفعل منهما [[في قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ، وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾]]، والفعل يدل على المصدر، ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ قال المفسرون: يعني هو قريب [[ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 15/ 101، و"السمرقندي" 2/ 272، و"الثعلبي" 7/ 111 أ، و"الطوسي" 6/ 488.]]، قال ابن عباس: وعسى من الله واجب [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 438 بنصه، وعزاه إلى ابن المنذر والبيهقي في سننه -لم أقف عليه- من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة).]]، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216].
الإسراء 17:51
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ الآية. اختلفوا في معنى قوله: {خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} فقال ابن عباس في رواية عطاء: يعني الموت [[أخرجه "الطبري" 15/ 98 من طريق العوفي (ضعيفة) قال: إن كنتم الموت أحييكم، والحاكم: تفسير، الإسراء 2/ 362 بلفظه من طريق مجاهد (صحيحة) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 248، و"الطوسي" 6/ 487، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.]]، وهو قول مجاهد في رواية خُصَيف وعكرمة والحسن وابن جريج وسفيان وأبي صالح وابن عمر والكلبي، قالوا: ليس شيء أكبر في صدور بني آدم من الموت، يقول: لو كنتم الموت لأماتكم الله ثم أحياكم [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 379، بنحوه عن الكلبي، وابن أبي شيبة 7/ 134، بنحوه عن ابن عمر، و"الطبري" 15/ 98، بنحوه عن ابن عمر وابن جريج عن ابن جبير، وعن أبي صالح والحسن قالا: الموت، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 212 مختصرًا عن الحسن، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 163 - مختصرًا عن ابن عمر ومجاهد وعكرمة وأبي صالح، و"تفسير السمرقندي" 2/ 272، بنحوه عن الكلبي والحسن وعكرمة، و"هود الهواري" 2/ 424، بنحوه عن الحسن، و"الثعلبي" 7/ 110 ب مختصرًا عن مجاهد وعكرمة، و"الماوردي" 3/ 248 مختصرًا عن ابن عمر، وأورده السيوطي في "الدرالمنثور" 4/ 339، بنحوه، وزا د نسبته إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر.]].
قال الكلبي: قالوا: يا محمد، أرأيت لو كنا الموت، من يميتنا؟ فأنزل الله تعالى ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [[لم أقف عليه، وقد انفرد المؤلف بإيراد هذا القول على أنه سببٌ في النزول، ولم يورده في كتابه: "أسباب النزول" أو تفسيره الوسيط، وهذا القول لا يعتد به -في باب أسباب النزول- لعدم وروده بسند، وحتى مع إسناده فإن الرواية عن طريق الكلبي ضعيفة كما هو معلوم.]]: يعني الموت.
وروي عن مجاهد أيضًا أنه قال: يعني السماء والأرض والجبال [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 379 بنصه، وورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 110 ب، و"الماوردي" 3/ 248، و"الطوسي" 6/ 487، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 248، و"ابن عطية" 9/ 107، و"ابن الجوزي" 5/ 44.]].
وروي عن ابن [أبي] [[ساقطة من جميع النسخ.]] نجيح عنه قال: ما شئتم فكونوا، سيعيدكم الله كما كنتم [["تفسير مجاهد" 1/ 263 بنصه، وأخرجه "الطبري" 15/ 98 بنصه من طريقين، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 163، و"تفسير السمرقندي" 2/ 271، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجحه الطبري وتبعه ابن عطية ونصره، وحجته أن الله عَزَّ وَجَلَّ أطلق القول ولم يخصصه بشيء، لذلك فكل ما كبر في صدور بني آدم من خلقه يكون مقصودًا.
انظر: "تفسير الطبري" 15/ 99، و"ابن عطية" 9/ 107.]].
قال أبو إسحاق: ومعنى هذه الآية فيه غموض؛ لأن القائل يقول: كيف يقال لهم: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ وهم لا يستطيعون ذلك، فالجواب في ذلك أنهم كانوا يُقِرُّون أن الله خالقهم وينكرون أن الله يعيدهم [[في جمبع النسخ: (يعيدكم)، والعواب ما أثبته، وبه يستقيم الكلام وتنسجم الضمائر.]]، فقيل لهم: إن تستشعروا أنكم لو خلقتم من حجارة أو حديد أو كنتم الموت -الذي هو أكبر الأشياء في صدوركم- لأماتكم الله ثم أحياكم؛ لأن القدرة التي بها أنشأكم [[ساقطة من (أ)، (د).]] بها يعيدكم [["معاني القران وإعرابه" 3/ 244 بتصرف يسير.]]، وهذا معنى قوله: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَاَ}، فقل: ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قال الفراء: نَغَض فلان رأسَه يَنْغُضه إنغاضًا؛ إذا حَرّكه إلى فوق وإلى أسفل، ونَغَض رأسُه إذا تَحَرَّك، ونَغَضَتْ سِنُّهُ، تَنْغَضُ وتَنْغُضُ وتَنْغِضُ، نَغْضًا ونَغَضَانًا ونُغُوضًا، وسُمِّيَ الظَّلِيمُ [[الظليم: هو الذَّكر من النَّعَام، وجمعه: ظِلْمان. انظر: "لتلخيص" 2/ 641، و"الصحاح" (ظلم) 5/ 1978.]] نَغْضًا لأنه يُحَرِّك رأسه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 125، بنحوه بعض الفقرات، وورد بعضها بنحوه في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 24، و"تهذيب اللغة" (نغض) 4/ 3621، ولعله قد ركب النص من هذه المصادر الثلاث، ولمّا كان أغلب النقل عن الفراء نسبه إليه من دونهم - والله أعلم.]]، وأنشد [[الضمير يعود على الفراء، لكن الذي أنشد البيت هو الزجاج وليس الفراء.]] للعَجّاج:
أَسَكَّ نَغْضًا لا يَنِي مُسْتَهْدَجًا ... مُسْتهرِجٌ يحمل على أن يَهْرِجَ هَرْجَانًا [["ديوانه" 2/ 17، وروايته مختلفة ومقلوبة:
واستبدلت رُسومُهُ سَفَنَّجَا. . . أصَكَّ نَغْضًا لا يَنِي مستهدجًا
وورد برواية الديوان في: "المعاني الكبير" 1/ 329، والاقتضاب ص 420، وورد صدره في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 245، و"تهذيب اللغة" (هدج) 4/ 3738، و"الصحاح" (نغض) 3/ 1109، و"تفسير الطوسي" 6/ 487، و"اللسان" (هدج) 8/ 4630، (نغض) 8/ 4489، وفي بعض هذه المصادر: (أصكَّ) بدل (أسكَّ)، (أسكَّ)؛ السَّكَكُ: الصمم، يقال: ظليم أسكّ؛ لأنه لا يسمع، وقيل: السكك: صِغَرُ الأذن ولزوقها بالرأس، (أصك)؛ الصكك: اضطراب الركبتين والعرقوبين، وظليم أصكّ: لتقارب ركبتيه؛ يصيب بعضها بعضًا إذا عدا، (سفنَّجًا): يعني بالسفنج الظليم؛ وهو ذكر النعام، (لا يَني): لا يزال، (مستهدَجا): يُحمل على الهدَج؛ وهو تقارب الخطو مع سرعة المشي. قال ابن الأعرابي: مستهدِجا: == مستعجلاً؛ أي أُفْزعَ فمرّ، ومن رواه بكسر الدال أراد أنه لا يزال عَجْلان في عَدْوِه، (مستهرج): الهَرْجُ: الاختلاط؛ وأصل الهرج: الكثرة في الشيء. انظر: "اللسان" (هرج، سكك، صكك).]] وهو [[الضمير يعود على الاسْتِهْدَاج.]] ضرب من العَدْو.
وقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أُخْبِر بشيء فحَرَّك رأسَه إنكارًا له: قد أَنْغَضَ رأسه [[ورد في "تهذيب اللغة" (نغض) 4/ 3738، بنصه تقريبًا.]].
قال ابن عباس في رواية الوالبي، في قوله: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ قال: يهزون [[أخرجه "الطبري" 15/ 100 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة).]]. وقال مجا هد: [فسيحركونها [[" تفسير مجاهد" ص 1/ 364، بنحوه.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: يحركون رؤوسهم تكذيبًا لهذا القول [[أخرجه "الطبري" 15/ 100، بنحوه، عن عطاء الخرساني (منقطعة)، وورد بنحوه في "تفسير الماوردي" 3/ 248، و"الطوسي" 6/ 487، وورد بنحوه عن عطاء في "تفسير مجاهد" 1/ 364، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال الزجاج] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).]]: فسيحركون رؤوسهم تحريك من يبطل الشيء ويسْتبطئه [[في جميع النسخ: (يستطيعه)، ولا معنى لها، والتصويب من المصدر، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 244، بنصه.]]، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾.
وقال ابن قتيبة: أي يحركونها تحريك المستبعدِ رأسَه [["الغريب" لابن قتيبة ص 257، بنحوه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾، أي: البعث أو الإعادة، وقد تَقدّم الفعل منهما [[في قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ، وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾]]، والفعل يدل على المصدر، ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ قال المفسرون: يعني هو قريب [[ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 15/ 101، و"السمرقندي" 2/ 272، و"الثعلبي" 7/ 111 أ، و"الطوسي" 6/ 488.]]، قال ابن عباس: وعسى من الله واجب [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 438 بنصه، وعزاه إلى ابن المنذر والبيهقي في سننه -لم أقف عليه- من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة).]]، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216].
الإسراء 17:52
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ انتصب يومَ على البدل من قوله: ﴿قَرِيبًا﴾ على معنى: قل عسى أن يكون يوم يدعوكم، ويكون تأويله: عسى أن يكون البعث قريبًا يوم يدعوكم، وهذا معنى قول أبي إسحاق: أي يعيدكم يوم القيامة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 245، بنصه.]]، ومعنى يدعوكم: أي بالنداء الذي يُسْمِعكم، وهو النفخة الأخيرة؛ كما قال: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: 41].
وقوله تعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾، أىِ: تجيبون، والاستجابة: موافقة الداعي فيما دَعا إليه؛ وهي الإجابة، إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة، فهي أوكد من الإجابة [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 489، بنصه تقريبًا.]].
وقوله تعالى: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، يقول: بأمره [[أخرجه "الطبري" 15/ 101 بلفظه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 أبلفظه ، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 99، و"ابن الجوزي" 5/ 45، و"ابن كثير" 3/ 53، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، وهو قول سفيان [[ورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 165، و"الماوردي" 3/ 249.]]، ولا أدري وجه هذا القول من اللغة، وقال سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم يقولون: سبحانك وبحمدك، فهو قوله: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 أ، بنحوه، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 364، و"ابن الجوزي" 5/ 45، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 339 وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال قتادة: يقول: بمعرفته وطاعته يوم القيامة [[أخرجه "الطبري" 15/ 101 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 أبنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 340 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، ومعنى هذا أنهم إذا أجابوا بالتسبيح والتحميد كان ذلك معرفة منهم وطاعة، ولكنه لا ينفعهم الحمد.
وقال أبو إسحاق: يستجيبون مقرّين بأنه خالقهم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 245 بنصه.]]، وهذا معنى قول قتادة.
قال أهل المعاني: تستجيبون بحمده: تستجيبون حامدين [[وقد ذكر الزمخشري (2/ 363) هذا القول وزاده بيانًا فقال: (بحمده) حال منهم؛ أي حامدين، وهي مبالغة في انقيادهم للبعث، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ويمتنع: ستركبه وأنت حامد شاكر، يعني أنك تُحمل عليه وتُقسر قسرًا، حتى أنك تلين لين المسمح الراغب الحامد عليه. وإلى هذا القول نحا "أبو حيان" 6/ 47 أيضًا.]]، كما تقول: جاء بغضبه، أي: جاء غضبان، وخرج زيد بثيابه، وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه [[ورد في "تفسر الطوسي" 6/ 489 بنصه تقريبًا، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 227.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد بين النفختين الأولى والثانية يُكَفُّ عنهم العذاب فينامون [[ورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 272، و"الثعلبي" 7/ 111 أ، و"الماوردي" 3/ 249، وقال السمرقندي والثعلبي: هذا أصح ما قيل فيه؛ لأن بعض المبتدعة قالوا: إذا وضع الميت في قبره لا يكون عليه العذاب إلى وقت البعث، فيظنون أنهم مكثوا في القبر قليلاً.]]، مثل قوله في سورة يس: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [آية:52] وهم يعذبون من حين يموتون إلى النفخة الأولى، فعلى هذا القول ظنهم اللَّبْثَ القليل يعود إلى لُبْثهم بين النفختين، وقيل: معنى هذا: تقريب وقت البعث؛ كما قال الحسن: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تَزَل [[ورد بنصه في "تفسير الجصاص" 3/ 204، و"الماوردي" 3/ 249، و"الطوسي" 6/ 488.]]، فهؤلاء إذا رأوا يوم القيامة وشاهدوا البعث، استقصروا مدة لُبْثِهم مع ما يعلمون من طول لَبْثِهم في الآخرة، وعند الحسن وقتادة: هذا اللَّبْثُ يعود إلى لَبْثهم في الدنيا لا إلى لَبْث البرزخ.
قال قتادة في قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ، ذاكم والله لَمّا تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقَلَّت؛ حين عاينوا يوم القيامة [[أخرجه "الطبري" 15/ 102، بنحوه، وورد بنحوه في "تفسير الجصاص" 3/ 204، و"الماوردي" 3/ 249، و"الطوسي" 6/ 489، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 340 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
وقال الحسن: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: في الدنيا بطول لُبْثِكم في الآخرة [[ورد بنصه في "تفسير الماوردي" 3/ 249، و"الطوسي" 6/ 489.]]، وهذه ثلاثة أقوال في معنى استقصارهم اللَّبْث [[وأظهرها القول الثالث؛ قول قتادة وقول الحسن الثاني، وقد اقتصر الطبري وابن كثير على ذكره، وأيّده ابن كثير بعدة شواهد قرآنية، اما القول الثاني فهو قريب == من هذا، وأما القول الأول فطريقه إلى ابن عباس ضعيفة، لذلك نجد السمرقندي مع ترجيحه لهذا القول فقد أورده بصيغة التمريض.]].
ومن المفسرين من ذهب إلى أن هذا الخطاب للمؤمنين دون الكافرين، قال: وهذا أظهر في المؤمنين؛ لأنهم يستجيبون [[في جميع النسخ: (لا يستجيبون) بزيادة لا، ويضطرب المعنى بذلك، والتصويب من تفسيره "الوسيط" 2/ 508.]] الله بحمده، ويحمدونه على إحسانه إليهم، ويستقلون مدة لَبْثِهم في البرزخ؛ لأنهم كانوا غير معذبين [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 558 بنصه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 228، و"أبي حيان" 6/ 48.]]، والمفسرون على الأول.
الإسراء 17:53
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال الأخفش: جعل ﴿يَقُولُوا﴾ جوابًا للأمر [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 614 بنصه.]] -في اللفظ- كما قال: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: 31]
قال الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب النبيّ -ﷺ- بمكة [[ساقطة من (د).]] بالقول والفعل، فشكوا ذلك إلى رسول الله -ﷺ- وقالوا: يا رسول الله، ائذن لنا في قتالهم، فيقول لهم رسول الله -ﷺ-: "لم أؤمر فيهم بشيء"، فأنزل الله هذه الآية [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 أبنصه تقريبًا، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 495، بنحوه دون إسناد، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 272، بنحوه عن ابن عباس، والظاهر أن الكلبي يرويه عنه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 99، و"ابن الجوزي" 5/ 46، عن أبي صالح عن ابن عباس، و"القرطبي" 10/ 277، عن الكلبي.= والحادثة تفتقر إلى إسناد لإثبات أنها سبب في النزول، وهو ما لم أقف عليه، وحسبك أنها رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومصدرها الثعلبي! وهذه الطريق هي أوهى الطرق إلى ابن عباس.]].
ومعنى الآية: قل لعبادي المؤمنين يقولوا للكافرين الكلمة التي هي أحسن. قال الحسن: يقول له: يهديك الله [[أخرجه "الطبري" 15/ 102 بمعناه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 أ، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 489 - بمعناه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 99 بنصه، و"ابن الجوزي" 5/ 47 بنصه، و"القرطبي" 10/ 277، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 340.]]، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾: هو الذي يفسد بينهم. [[ورد بلفظه في "تفسير الطبري" 15/ 102، و"الثعلبي" 7/ 111 أ، و"الطوسي" 6/ 489.]]
الإسراء 17:54
قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ الآية. فيها قولان؛ أحدهما: أن هذا الخطاب للمشركين، يقول: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾: يوفقكم فتؤمنوا، ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾: بأن يميتكم على الكفر فيعذبكم، هذا قول ابن جريج [[أخرجه "الطبري" 15/ 102، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" بنصه تقريبًا، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 99، و"القرطبي" 10/ 278، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 341 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]].
القول الثاني: أن الخطاب للمؤمنين يقول: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾: بالإنجاء من كفار مكة وأذاهم، ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾: بتسليطهم عليكم، وهذا قول الكلبي [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 أ، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 250، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" 2/ 100، و"القرطبي" 10/ 278، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 272.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي حافظًا وكفيلاً، يعني لا شيء عليك من كفرهم، فإن عليك التبليغ، وما وُكل إليك إيمانهم، والله أعلم بهم إن شاء هَدْيَهم [[مطموسة في (ع)، وفي (د): (يهديهم).]] وإن شاء خَذْلَهم.
الإسراء 17:55
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: هو أعلم بهم؛ لأنه خلقهم، فهدى بعفبهم، وأضل بعضهم؛ كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: 2].
وقال أهل المعاني: إنما ذكر أنه أعلم بهم بعد قوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾؛ ليدل به على أن تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض وقع موقع الحكمة؛ لأنه من عالم بباطن الأمر [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 490 بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ كلام المفسرين في هذا يدل على أن المعنى فيه: أن كل واحد منهم خُصّ بفضيلة؛ فقال قتادة: نعم فضّل الله بعض النبيين على بعض؛ فاتخذ إبراهيم خليلاً، وكلّم موسى تكْليمًا، وجعل عيسى كلمته وروحه، وآتى سليمان ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبورًا، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر [[أخرجه "الطبري" 15/ 103، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 أ، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 100، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 341، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
وقال الكلبي: فضّل موسى بالكلام، وإبراهيم بالخُلَّة، واصطفى محمد -ﷺ-، وآتى داود زبورًا [[انظر: "تنوير المقباس" ص 301 مختصرًا.]].
وقال ابن عباس في هذه الآية: يريد لذلك فَضَّلت ولد آدم؛ فمنهم من عَصَمْتُ، ومنهم من خَذَلْتُ، وفَضَّلتُ داود حيث أعطيته الزبور، يعني أن ذكر تفضيل النبيين هاهنا يكون [[يكون ثابتة في جميع النسخ، وقد أدت إلى اضطراب المعنى، والأولى حذفها؛ لأن الكلام يستقيم بدونها.]] يدلّ على تفضيل ولد آدم.
وقال أبو إسحاق: معنى ذكر داود هاهنا، أن الله أعْلَمَ أنه فضَّل بعض النبيين على بعض، أي فلا تُنْكِروا تفْضِيلَ محمد، وإعطاءه القرآن، فقد أعطى الله داود الزبور [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 245 بنصه.]]، وقرأ حمزة ﴿زُبُوًا﴾ بضم الزاي [[انظر: "السبعة" ص 382، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 376، و"الحجة للقراء" 5/ 108.]]، وذكرنا وجه ذلك في أواخر سورة النساء [[آية [163].]].
الإسراء 17:56
قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ قال المفسرون: ابتلى الله قريشًا وأهلَ مكة بالقحط سنين، فشكوا إلى رسول الله -ﷺ- فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 ب مختصرًا، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 250، و"البغوي" 5/ 100، و"ابن الجوزي" 5/ 48، و"القرطبي" 10/ 279، ولا يُعدّ هذا سببًا في النزول -وإن عبر عنها بالصيغة الصريحة- لعدم تحقق شروطه.]] قال ابن عباس: كل شيء (زَعَمَ) في كتاب الله فهو كَذَبَ [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 231، و"الألوسي" 5/ 97.]]، فعلى هذا نظم الآية: الذين ادّعيتم كذبًا من دونه، أي ادّعَيتم أنهم آلهة.
وقال أبو إسحاق: أي ادْعُوا الذين زعمتم أنهم آلهتكم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 245 بنصه.]]، ثم أخبر عن الآلهة فقال: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾، أي: فهم لا يملكون، ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾، يعني البؤس والشدة.
﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد من السقم والفقر إلى الصحة والمغنى [[ورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 ب، و"السمعاني" 3/ 250، و"القرطبي" 10/ 279.]]، وفي هذا احتجاج عليهم وبيان أنهم في عبادتهم على الباطل، والتَّحْويل: النقل من حال إلى حال، ومكان إلى مكان، يقال: حَوَّلَه فتحوَّل، ويُذكر تمام هذا الحرف عند قوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 108] ، إن شاء الله.
الإسراء 17:57
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾، أي: أولئك الذين يدعونهم المشركون، واختلفوا فيهم؛ من هم؟ فرُوي بطرق مختلفة عن ابن مسعود أنه قال: كان نفر من الإنس -قال المفسرون: وهم خزاعة [[ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 125، انظر: "تفسير أبي حيان" 6/ 51.]] - يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجنّ، واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 379، بنحوه من طريقين، والبخاري (4715) كتاب: التفسير، الإسراء، باب: قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ﴾ بنحوه من طريق الأعمش، وليس فيه التصريح بالنزول، ومسلم (3030) كتاب: التفسير باب: في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ بنصه من طريق الأعمش، والنسائي في "تفسيره" 1/ 652، بنحوه، و"الطبري" 15/ 104 بنصه وبنحوه من عدة طرق ورجحه، والحاكم: التفسير/ الإسراء 2/ 362، بنحوه من طريق الأعمش، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 165، و"تفسير السمرقندي" 2/ 273، و"هود الهواري" 2/ 426، و"الثعلبي" 7/ 111 ب، و"الماوردي" 3/ 250، و"الطوسي" 6/ 491، انظر: "لباب النقول" ص 137.]]. روى هذا قتادة عن عبد الله بن معبد الزِّمَّاني [[عبد الله بن معبد الزِّمَّاني البصري، من جِلّة التابعين، ثقة، روى عن أبي هريرة وعبد الله بن عتبة -رضي الله عنهما- وعنه قتادة وثابت. انظر: "الجرح والتعديل" 5/ 173، و"ميزان الاعتدال" 3/ 221، و"الكاشف" 2/ 600 (2997)، و"تقريب التهذيب" ص 324 (324).]] عن ابن مسعود.
وقال أبوصالح عن ابن عباس في هذه الآية: هم عيسى وعزير والملائكة، وما كان عُبِدَ من دون الله وهو لله مطيع [[أخرجه "الطبري" 15/ 105 من طريق أبي صالح (واهية) بروايتين، وفيهما قال: عيسى وأمه وعُزير، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 166 مختصرًا، و"تفسير السمرقندي" 2/ 273 بنصه، و"الثعلبي" 7/ 111 ب بزيادة وأمه والشمس والقمر والنجوم، و"الماوردي" 3/ 251 مختصرًا، و"الطوسي" 6/ 491، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 101، و"الدر المنثور" 4/ 343 بزيادة وحذف، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.]]، ونحو هذا قال مجاهد والسدي والحسن [["تفسير مجاهد" 1/ 364، وأخرجه "الطبري" 15/ 106، عن السدي ومجاهد من طريقين، وورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 426، عن الحسن، و"الثعلبي" 7/ 111 ب عن مجاهد، و"الماوردي" 3/ 251 عن مجاهد، و"الطوسي" 6/ 491 عن الحسن، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 53، عن السدي.]]، قال الفراء: قوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ فِعلُ الآدميين العابدين، وقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ فِعلٌ للمعبودين الذين عبدوهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 125 بمعناه.]].
ومعنى ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال ابن عباس: يتضرعون إلى الله في طلب الجنة [[ورد بنصه غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 ب، و"القرطبي" 10/ 279.]]، والوسيلة: الدرجة العليا [[ومن ذلك ماورد في حديث الأذان: (.. آت محمدًا الوسيلة والفضيلة ..) أخرجه البخاري (4719) كتاب: الَتفسير، باب: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم == الوسيلة ... ، (614) كتاب: الأذان، الدعاء عند النداء، قال ابن الأثير: وسل في الأصل: ما يُتَوَصَّلُ به إلى الشيء ويُتقرَّبُ به، والمراد بها في الحديث: القرب من الله تعالى، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هي منزلة من منازل الجنَّة. انظر: "النهاية" 5/ 185.]].
وقال الزجاج: الوسيلة والسؤال والطِّلْبَةُ في معنى واحد [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 246 بنصه تقريبًا.]]، وقد مرَّ ذكرى الوسيلة [[في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35].]]، و ﴿أُولَئِكَ﴾ رُفع بالابتداء، و ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لهم، و ﴿يَدْعُونَ﴾ صلة، و ﴿يَبْتَغُونَ﴾ خبر الابتداء.
وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قال الزجاج: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ لأنه بدل من الواو في ﴿يَبْتَغُونَ﴾، والمعنى: يبتغي أيّهم هو أقرب الوسيلة إلى الله؛ أي يتقرب إليه بالعمل الصالح [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 246، بنصه.]]، ونحو هذا قال ابن عباس في قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قال: يتقربون إلى الله بصالح الأعمال؛ فيرجون رحمته، ويريدون جنته، ويخافون عذابه.
قال أبو إسحاق: أي الذين يزعمون أنهم آلهة يرجون ويخافون [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 246، بنصه.]].
وقرأ ابن مسعود: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ بالتاء [[ورد في إعراب القرآن للنحاس 2/ 245، انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 111 ب- وذكر أن ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أيضًا بالتاء، وهو مما انفرد به، وقد قال القرطبي: ولا خلاف في ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أنه بالياء، و"تفسير السمعاني" 3/ 250، و"البغوي" 5/ 101، و"ابن عطية" 9/ 119، و"القرطبي" 10/ 279، ووردت ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء مبنيًّا للمجهول== في "القراءات الشاذة" لابن خالويه ص 80، و"إعراب القراءات الشاذة" 1/ 792، والقراءة بالتاء في (تدعون) و (تبتغون) شاذة أيضًا.]]، ﴿يَبْتَغُونَ﴾ بالياء، قال أبو عبيد: ولولا كراهة الخلاف كانت هذه القراءة آثر عندي؛ للخطاب الذي قبلها [[لم أقف عليه، وُيردّ عليه بأن الالتزام بالقراءة السبعية المتواترة مقدم على مراعاة السياق.]]، وذهب بعضُ المفسرين إلى أن هذه الآية من صفة الأنبياء الذين تقدم ذكرهم [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 491 - منسوبًا إلى أبي علي، ونسب لابن فُورك في "تفسير ابن عطية" 9/ 121، و"أبي حيان" 6/ 51.]].
وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية، قال: ثم ذكر أولياءه، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية. وعلى هذا القول الآية صفة المؤمنين.
الإسراء 17:58
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ الآية. قال مجاهد: كل قرية في الأرض سيصيبها بعضُ هذا [["تفسير مجاهد" 1/ 364 بنصه، أخرجه "الطبري" 15/ 106 بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 274 بنحوه.]]؛ هلاكٌ أو عذابٌ بالقتل والبلاء، وقال قتادة: قضاء من الله كما تسمعون، ليس منه بُدّ؛ إما أن يهلكها بموت، فقد قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، وإما أن يهلكها بعذاب مُستأصِل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله [[أخرجه "الطبري" 15/ 107 بنصه.]].
وقال ابن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في أهل قرية أذن الله في هلاكها [[أخرجه "الطبري" 15/ 107 بنصه عن عبد الرحمن بن عبد الله، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 ب بنصه، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 252، و"القرطبي" 10/ 280، و"الخازن" 3/ 168.]].
وقال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب [["تفسير مقاتل" 1/ 216 أ، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 ب بنصه.]].
وقال ابن عباس في هذه الآية: فَهَلْكُ أهلها قبل يوم القيامة أو يعذبهم مثل ما فعل بأهل مكة؛ عذبهم بالجوع حتى أكلوا العلهز [[العلهز: هو الوبر يعجن بالدم والقُراد يأكلونه والقراد: دويبة متطفلة انظر: "تفسير الطبري" 14/ 186 - 187.]].
﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ قال: يريد مكتوبًا في اللوح المحفوظ.
وقال أبو إسحاق: أي ما من أهل قرية إلا سَيُهلك [[في المصدر: (سيهلكون) مراعاة لمعنى ما، أما الواحدي فقد راعى لفظها.]]؛ إما بموت وإما بعذاب يستأصلهم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 247 بنصه.]].
الإسراء 17:59
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ قال ابن عباس وقتادة والمفسرون: "سأل أهل مكة النبيّ -ﷺ- أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن يُنَحِّي الجبال عنهم فيزْدرعوا [[يقال: ازْدرع إذا زرع أو أمر به لنفسه خُصوصًا. "المحيط في اللغة" (زرع) 1/ 383.]] فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان ما سأل قومك، ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يناظروا، وإن شئت استأنيت بهم، قال: لا بل أستأن بهم، فأنزل الله هذه الآية" [[أخرجه -بنحوه عن ابن عباس من طريق ابن جبير (جيدة) - أحمد 1/ 258، والبزار [كشف الأستار] (3/ 55، والنسائي في تفسيره 1/ 655، و"الطبري" 15/ 108، والحاكم: التفسير/الإسراء 2/ 362 وقال: صحيح الإسناد وأقره الذهبي، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 271 بعدة روايات، وأخرجه "الطبري" 15/ 108، بنحوه عن قتادة، وأخرجه المؤلف في "أسباب النزول" 295، وأورده ابن كثير في "البداية والنهاية" 3/ 52 - بروايتين عن ابن عباس وقال: وهذان إسنادان جيدان،== وأورده الهيثمي في "المجمع" 7/ 50، عن ابن عباس بروايتين وقال: ورجال الروايتين رجال الصحيح، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 343 وزاد نسبته إلى ابن المنذر والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس، وقال شاكر في "شرح المسند" 2/ 96. إسناده صحيح، وورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 274، عن ابن عباس، و"هود الهواري" 2/ 427، و"الثعلبي" 7/ 111 ب، انظر: "لباب النقول" ص 137.]].
قال أبو إسحاق: (أن) الأولى نصب والثانية رفع، المعنى: ما منعنا الإرسالَ إلا تكذيبُ الأولين، والتأويل: أنهم سألوا الآيات التي استوجب بها الأولون العذاب لما كذبوا بها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 247 بنصه.]]، وحقيقة المعنى: إنّا لم نرسل بالآيات؛ لئلا يكذب بها هؤلاء كما كذب مَنْ قبلهم، فيستحقوا المعاجلة بالعقوبة.
فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا﴾ والله تعالى لا يجوز أن يكون ممنوعًا عن شيء؟! قلنا: معناه هاهنا المبالغة في أنه لا يفعل ذلك، فكأنه قد مُنع منه؛ وذلك أن الإرادة الأزلية قد سبقت بتدبير الأمور وإمضائها؛ لا يؤخرُ منها مَقَدّم ولا يُقَدمُ مؤخّر، فإذا منعت الإرادة والمشيئة أمرًا جاز إطلاق لفظ المنع على الوجه الذي ذكرنا، والباء في قوله: ﴿بِالْآيَاتِ﴾ زيادة [[يقصد زيادة للتأكيد، انظر التعليق على اتاقول بالزيادة في القرآن، عند آية [10] من سورة إبراهيم.]]، والمعنى: أن نرسل الآيات، والآية مختصرة؛ لأن التقدير: ﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ فأهلكناهم، قال المفسرون: وسنة الله في الأمم إذا سألوا الآيات فأتتهم ثم لم يؤمنوا أن يعذبهم ولا يمهلهم [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 ب بنصه تقريبًا، انظر: "تفسير الخازن" 3/ 169.]].
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ قال ابن عباس: يريد كانت لهم عيانًا، وقال قتادة؛: بينة [[أخرجه "الطبري" 15/ 108 بلفظه، انظر: "تفسير الخازن" 3/ 169 بلا نسبة.]]، وقال مجاهد: آية مبصرة [["تفسير مجاهد" 1/ 364 بلفظه، أخرجه "الطبري" 15/ 109 بلفظه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 167 بلفظه، و"تفسير هود الهواري" 2/ 427 بلفظه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 325 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]].
قال الأخفش: المُبْصِرةُ: البَيِّنَة، كما تقول: المُوضِحَة والمُبَيِّنَة [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 614 بنصه.]]، فعلى هذا أبصر واقع بمعنى بصر [[ساقطة من (أ)، (د).]].
وقال الفراء: جعل الفعل لها، ومعنى ﴿مُبْصِرَةً﴾: مضيئة، كما قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: 67]، أي: مضيئًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 126، باختصار.]].
قال الأزهري: والقول ما قال الفراء؛ أراد: آتينا ثمود الناقة آية مبصرة، أي مضيئة [["تهذيب اللغة" (بصر) 1/ 342، بلفظه.]]، وقد ذكرنا هذا في سورة يونس [[آية [67].]] وفي هذه السورة عند قوله: ﴿آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [آية: 12].
وقوله تعالى: ﴿ظَلَمُوا بِهَا﴾ قال الزجاج: أي فظلموا بتكذيبها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 247 بنصه.]]، وعلى هذا المعنى: ظلموا أنفسهم بتكذيب تلك الآية، ويكون المضاف محذوفًا، وقال المفسرون: كذبوا وجحدوا بها [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 217 أ، و"السمرقندي" 2/ 274، و"الثعلبي" 7/ 111 ب.]].
قال ابن قتيبة: ويكون الظلم: الجَحْد؛ كقوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، أي: جحدوا بأنها من الله، وكقوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 9] ، أي: يجحدون [["تأويل مشكل القرآن" ص 468، بنصه]]، وذكرنا معاني الظلم في سورة البقرة [[آية [35].]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ﴾، أي: العبر والدلالات، ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: للعباد؛ ليتعظوا ويخافوا، قال قتادة: إن الله يخوف الناس بما يشاء من آياته، لعلهم يعتبرون [[في جميع النسخ: يعينون، وفي "الدر المنثور" والألوسي: (يعتبون)، والتصويب من تفسير الطبري والثعلبي، ويحتمل الرسم أنها يفيئون؛ والله أعلم.]] أو يتذكرون أو يرجعون [[أخرجه "الطبري" 15/ 109 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أبنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 102، و"ابن كثير" 3/ 55، و"الدر المنثور" 4/ 345، و"تفسير الألوسي" 15/ 104.]].
الإسراء 17:60
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ قال مجاهد: أحاط بالناس فهم في قبضته [["تفسير مجاهد" ص 438 بنصه، وأخرجه "الطبري" 15/ 110 بنصه من طريقين، وورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 1/ 364، و"تفسير هود الهواري" 2/ 428، و"الماوردي" 3/ 253.]]، وقال قتادة: يقول: يمنعك من الناس حتى تبلغ رسالة ربك [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 380 مختصرًا، وأخرجه "الطبري" 15/ 110 بنصه وبنحوه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 274 بنصه، و"الماوردي" 3/ 253، بنحوه.]]، وقالا الحسن: أي حال بينهم وبين أن يقتلوك [[أخرجه "الطبري" 15/ 110 - بمعناه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 168 - بمعناه، والماوردي 3/ 253 - بمعناه. انظر: "تفسير السمعاني" == 3/ 253 بنصه، و"ابن الجوزي" 5/ 53، و"الفخر الرازي" 20/ 235.]]؛ كما قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67].
فعلى هذه الأقوال: معنى الآية: أن الخلق في قبضة الله وأنه محيط بهم بالعلم والقدرة، فهو مانعك منهم وحافظك، فامض لما أمرك من تبليغ الرسالة ولا تهتم.
وروي عن ابن عباس من طريق عطاء أن المراد بالناس هاهنا: أهل مكة [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 282، وورد بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 216 ب، و"الفخر الرازي" 20/ 235.]]، وإحاطته بهم إهلاكه إيّاهم عن قريب؛ إمّا موتًا وإمّا قتلاً، وإلى هذا القول ذهب مقاتل والفراء وقالا: أي أنها ستفتح لك [["تفسير مقاتل" 1/ 216 ب، بنحوه، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 126 بنصه.]]، وعلى هذا القول معنى الإحاطة بهم: الإهلاك؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:66] وقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: 81] وقد مرّ، والمعنى: أن الله أهلكهم، أي سيهلكهم، ولكن ذُكر بلفظ الماضي لتحقق كونه، وفي إهلاكه إياهم فتحها لمحمد -ﷺ- ثم أهلكهم يوم بدر قتلًا بالسيف، وأكثر ما يُذْكر أهلُ مكة في القرآن بلفظ الناس.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ اختلفوا في معنى هذه الرؤيا؛ فأكثر المفسرين على أن المراد بها: ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء [[وهذا القول رجحه "الطبري" 15/ 183، و"الفخر الرازي" 20/ 236.]].
قال عكرمة: أمَا إنه ليس برؤيا ولكنّه رَأْيُ عَين، وهي رؤيا يقظة ليست رؤيا [[في جميع النسخ: (ليسترونا)، والظاهر أنها كلمتان اشتبكتا في الرسم، والصحيح المثبت.]] في المنام [[ورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 198 و"تفسير السمرقندي" 2/ 274.]]، وهو قول سعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم والسدي ومجاهد وقتادة والحسن والضحاك وابن زيد وابن جريج [["تفسير مجاهد" 1/ 365، أخرجه "الطبري" 5/ 110 - 112، عنهم كلهم عدا السدي، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 168، عن ابن جبير ومجاهد والضحاك، و"تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ، عنهم عدا إبراهيم والسدي، و"الماوردي" 3/ 253، عنهم عدا أبي مالك وإبراهيم والسدي وابن جريج، و"الطوسي" 6/ 494، عنهم- عدا أبي مالك والسدي.]]، وابن عباس في رواية عكرمة: قال: هي رؤيا عين أُرِيَهَا النبيّ -ﷺ- ليلة أُسري به إلى بيت المقدس [[أخرجه بنصه: "عبد الرزاق" 2/ 380، والبخاري (4716) كتاب: التفسير، الإسراء، و"الطبري" 15/ 110 من ثلاث طرق، و"السمرقندي" 2/ 274، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ، و"الماوردي" 3/ 253، و"الطوسي" 6/ 494.]]، وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 126، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 258.]]، وعلى هذا يصح أن يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا [[قال ابن الأنباري: لا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانًا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين. "تفسير ابن الجوزي" 5/ 53.]].
ومعنى قوله: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ هو أنه ارتد بعضهم حين أعلمهم قصة الإسراء، وأنكروا وكذبوا، وازداد المؤمنون المخلصون إيمانًا.
وقال ابن عباس في رواية الوالبي: هي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه، فلما صُدّ عن البيت عام الحُدَيْبِيَة [[عام الحديبية كان في السنة السادسة من الهجرة، والحديبية: قرية متوسطة سميت باسم بئر كانت هناك، عند الشجرة التي حصلت تحتها بيعة الرضوان، قال الخطابي: وسميت الحديبية بشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع، وبين الحديبية ومكة مسافة (25) كم تقريبًا، ويقع بعضها في الحل وبعضها في الحرم، وتعرف الآن باسم الشميسي، وتقع في طريق مكة جدة القديم. انظر: "الروض المعطار" ص 190، و"معجم البلدان" 2/ 229.]] كان ذلك فتنة لهم، فلما كان العام المقبل دخلها وأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [[أخرجه "الطبري" 15/ 112، بنحوه من طريق العوفي (ضعيفة)، وورد بنحوه في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ، و"الماوردي" 3/ 253، و"الطوسي" 6/ 494، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 127، و"ابن الجوزي" 5/ 54.]] [الفتح: 27]، غير أن هذا القول يَضْعُف من حيث إن هذه الرؤيا كانت بالمدينة، وهذه السورة مكية، والله أعلم.
وقال سعيد بن المسيب: أُري بني أمية يَنْزُون [[النَّزْو: هو الوَثَبَان، والمقصود يتعاقبون. انظر: "المحيط في اللغة" (نزو) 9/ 93، و"اللسان" (نزا) 7/ 4402.]] على منابرهم فساءه ذلك، فقيل له: إنما هي الدنيا أُعْطُوها فسُرِّي عنه [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 274، بنحوه، وأخرجه البيهقي في "الدلائل" 6/ 509 - بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ - بنصه، وأورده "ابن الجوزي" 5/ 54 وقال: وإن كان مثل هذا لا يصح، ولكن ذكره عامة المفسرين، كذلك أشار ابن حجر إلى هذا القول ورواياته، وقال: وأسانيد الكل ضعيفة. "فتح الباري" 8/ 250.]]، ونحو هذا روي عن سهل بن سعد قال: "رأى رسول الله -ﷺ- بني أمية يَنْزُون على منبره نَزْوَ القِرَدةِ فساءه ذلك" [[أخرجه "الطبري" 15/ 112 بنصه تقريبًا، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ - بنصه، و"الماوردي" 3/ 253 بنصه تقريبًا، و"الطوسي" 6/ 494، بنحوه، وهذا الأثر ضعيف كما قال ابن كثير 3/ 55 قال: وهذا السند ضعيفٌ جدًّا؛ فإن محمد == ابن الحسن بن زبالة متروك، وشيخه -أي عبد المهيمن بن عباس- أيضًا ضعيفٌ بالكلية، وأورد الشوكاني الأثر وضعفه، وقال: وفيه ضعف؛ فإنه لا فتنة للناس في هذه الرؤيا، إلا أن يراد بالناس رسول الله -ﷺ- وحده، ويراد بالفتنة ما حصل من المساءة لرسول الله -ﷺ-، أو يحمل على أنه قد كان أخبر الناس بها فافتتنوا. "تفسير الشوكاني" 3/ 342، وظاهرٌ أن هذا القول وأمثاله من المُحدث.]].
وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء قال: رأى رسول الله -ﷺ- في المنام أن ولد مروان يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة [[ورد بنصه بلا نسبة في: "تفسير الخازن" 3/ 169، و"أبي حيان" 6/ 55.]]، وهذه الآية مكية، ولم يكن للنبيّ -ﷺ- بمكة منبر، غير أنه لا يبعد أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة، كأنه رأى أن له بالمدينة منبرًا يتداوله بنو أمية.
قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ هذا على التقديم والتأخير، ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ ، ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ واختلفوا في هذه الشجرة؛ فالأكثرون أنها شجرة الزقوم التي ذَكر في قوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 43، 44] وهذا قول مسروق وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم ومجاهد وقتادة والكلبي وعكرمة والضحاك، وقول ابن عباس في رواية عكرمة من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عنه [["تفسير مجاهد" 1/ 365، أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 381، عن ابن عباس وابن جبير، والبخاري (4716) كتاب: التفسير، الإسراء، عن ابن عباس، و"الطبري" 15/ 113 - 115، عنهم كلهم عدا الكلبي، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 169، عن ابن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك، و"تفسير الجصاص" 3/ 205، عنهم عدا مسروق وأبي مالك والكلبي وعكرمة، و"تفسير هود الهواري" 2/ 429، عن مجاهد، و"الماوردي" 3/ 253، عن مجاهد وقتادة والضحاك وابن جبير، و"الطوسي" 6/ 494، عنهم عدا الكلبي وعكرمة.]]، وكانت فتنتهم في هذه الشجرة ما ذكر قتادة قال: خَوَّفَ الله بها عباده ففتنوا [[في جميع النسخ: (فَنُبِؤا) والتصويب من تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 515.]] بذلك، حتى قال أبو جهل: زعم صاحبكم أن في النار شجرًا، والنار تأكل الشجر، وقال ابن الزِّبَعْري [[عبد الله بن الزِّبَعْري بن قيس السهمي، أحد شعراء قريش، كان شديدًا على المسلمين في الجاهلية، يهجوهم ويحرِّض عليهم كفار قريش في شعره، فلما فتحت مكة هرب إلى نجران، فقال فيه حسان بيتًا فلما بلغه عاد إلى مكة وأسلم، واعتذر إلى النبي -ﷺ- فقبل عذره وحسن إسلامه، وشهد ما بعد الفتح. انظر: "الأغاني" 15/ 174، و"الاستيعاب" 3/ 36، و"أسد الغابة" 3/ 239.]]: ما نعلم الزقوم إلا التَّمْر والزُّبْد، فتزقموا منه، فأنزل الله حين عجبوا أن يكون في النار شجرًا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ الآيات. [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 381 مختصرًا، و"الطبري" 15/ 114، بنحوه، وورد بنحوه بلا نسبة في: "تفسير مقاتل" 1/ 216 ب، و"الثعلبي" 7/ 112 أ.]] [الصافات: 63 - 66].
وروى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: الشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 237 بنصه، و"القرطبي" 10/ 286 وقال: وهذا قول ضعيف محدَث. وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 494 بنصه عن أبي جعفر، وقال ابن كثير 3/ 55: وقيل: المراد بالشجرة الملعونة بنو أمية، وهو غريب ضعيف.]].
وقال في رواية عطاء: يعني الحكم بن أبي العاص [[الحكم بن أبي العاص الأموي القرشي، عمّ عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وهو أبو مروان بن الحكم، من مسلمة الفتح، أخرجه رسول الله -ﷺ- من المدينة وطرده عنها، فنزل في الطائف مع ابنه مروان، ولم يزل بها حتى رده عثمان -رضي الله عنه- إلى المدينة في خلافته، وبقي فيها، وتوفي في آخر خلافة عثمان. انظر: "الاستيعاب" 1/ 414، و"أسد الغابة" 2/ 48، و"الإصابة" 1/ 345.]]، قال: "وكان رأى رسول الله -ﷺ- في المنام ولد مروان يتداولون منبره، فقصّ رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما، فلما تفرقا سمع رسول الله -ﷺ-، فاشتد ذلك عليه، واتهم عمر في إفشاء سره، ثم ظهر أن الحكم كان يَتسمَّعُ إليهم، فنفاه رسولُ الله -ﷺ-" [[انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 255، بنحوه، وأشار ابن حجر إلى هذا القول، وقال: وإسناده ضعيف. "فتح الباري" 8/ 251.]]، وهذه القصة كانت بالمدينة والسورة مكية، فيبعد هذا التفسير، إلا أن تكون هذه الآية مدنية، ولم يقل ذلك أحد، والله أعلم. ويؤكد أن يكون المراد بالشجرة الملعونة: الحكم، قول عائشة لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه، فأنت فَضَضٌ [[قال ثعلب: معناه: أي خرجت من صُلْبه متفرقًا، يعني ما انفضَّ من نطفة الرجل وتردد في صُلبه، وقيل في قولها: فأنت فَضَضٌ من لعنة الله: أرادت إنك قِطعة منها وطائفة منها. "اللسان" (فضض) 6/ 3427.]] من لعنة الله [[ورد في "تهذيب اللغة" (فضض) 3/ 2800، بنحوه، و"الاستيعاب" 1/ 415، بنحوه، انظر: "أسد الغابة" 2/ 38 بنحوه، و"اللسان" (فضض) 6/ 3427 بنصه، وأورده الألوسي 15/ 107 بمعناه وعزاه إلى ابن مردويه عنها.]]. والأكثرون على القول الأول، وهو الظاهر [[وهو ما رجحه "الطبري" 15/ 115، وقال ابن حجر: وهذا هو الصحيح، وذكره ابن أبي حاتم عن بضعة عشر نفسًا من التابعين. "فتح الباري" 8/ 251.]].
قال أبو إسحاق: فإن قال: قائل ليس في القرآن ذكر لعنها، فالجواب في ذلك أنه لُعِنَ الكفارُ وهم آكلوها -فعلى هذا يكون التقدير: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: آكلوها- قال: وجواب آخر: وهو أن العرب تقول لكل طعام مكروه ضَارّ: ملعون [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 248 - بنصه- الكلام المعترض.]].
وقال بعضهم: يعنى الشجرة الملعونة التي ذُكرت في القرآن؛ وهي شجرة الزقوم [[وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 43، 44].]]، وعلى هذا (في) هاهنا ظَرَفٌ للذِّكر لا لِلَّعن.
وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ قال: المذمومة [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 55، بلفظه.]]، ويدل أن المراد بالشجرة هاهنا شجرة الزقوم: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، أي: نخوفهم بالزَّقوم فما يزدادون إلا كفرًا وعتوًا، وهو ما زادوا من التكذيب والإنكار حين سمعوا بذكر هذه الشجرة في القرآن، وقد روي عن ابن عباس: أنه فسر الشجرة الملعونة بالكَشُوث [[أخرجه "الطبري" 15/ 115، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 254 بلفظه، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 366، و"ابن الجوزي" 5/ 56، و"القرطبي" 10/ 286، و"الخازن" 3/ 170.]]، وهو قول ضعيف وتفسير لا يليق بالآية.
الإسراء 17:61
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ الآية. ذكر أهل المعاني في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها وجهين؛ أحدهما: أنه على معنى ما يزيدهم إلا طغيانًا كبيرًا، محققين لظن [[في (أ)، (د): (بظن)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح، والأصح ظن كما في تفسير الطوسي.]] إبليس فيهم، مخالفين موجب نعمة ربهم على أبيهم وعليهم [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 496، بنصه تقريبًا.]]، والثاني: أن المعنى: واذكر بتمادي هؤلاء المشركين وازديادهم عتوًّا قصة إبليس حين عصى وأبى السجود [[ورد نحوه في "تفسير الطبري" 15/ 116، و"الثعلبي" 7/ 113أ، و"القرطبي" 10/ 287.]]، وذكرنا معنى هذه الآية وهذه القصة في سورة البقرة [[آية [34].]].
وقوله تعالى: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ قال المفسرون وأهل المعنى: امتنع إبليس من السجود لآدم وأنكر أن يسجد له وقال: أنا ناري، وهذا طيني [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 216 ب، و"الطوسي" 6/ 496، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 256، و"ابن الجوزي" 5/ 57، و"الفخر الرازي" 21/ 3.]]، (وذلك أن الفروع ترجع إلى الأصول؛ فتكون على قدرها في التكبير أو التصغير، فلما اعتقد إبليس لعنه الله أن النار أكرم أصلاً من الطين خامنه أنه أكرم ممن خلق من طين، وذهب عليه بجهله أن الجواهر كلها من جنس واحد، وأن الله يُعرِّفُها بالأعراض كيف شاء، مع كرم جوهر الطين بكثرة ما فيه من المنافع التي تقاوم منافع النار أو تُوفِي عليها) [[ما بين القوسين ورد بنصه تقريبًا في "تفسير الطوسي" 6/ 496.]]، وقال أبو إسحاق: المعنى: لمن خلقته طينًا، وطينًا منصوب على الحال، المعنى: أنك أنشأته في حال كونه من طين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، بتصرف.]].
الإسراء 17:62
قوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ يعني إبليس، ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ قال الزجاج: هو في معنى أخبرني، والكاف لا موضح لها؛ لأنها ذكرت في المخاطبة توكيدًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، بنصه.]]، وذكرنا الكلام في هذا الحرف مستقصى في سورة الأنعام [[آية [40].]]، ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾: لِمَ كرمته عليّ؟! قال: موضح هذا نصب بأَرَأَيْتَ، والجواب محذوف، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمت عليّ لم كَرَّمْتَه عَليَّ، وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟! فَحُذف هذا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، بنصه.]]، ومعنى ﴿كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾: أي فَضَّلت، قال ابن عباس: والكرم اسم جامع لكل ما يحمد [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 287، بلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: لأستولين [[أخرجه "الطبري" 15/ 117 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 254، و"الطوسي" 6/ 497، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 56، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 347 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال الحسن: لأغوينَّ [[لم أقف على هذا القول، وورد عنه تفسيره بـ: لأستأصلن ذريته، في "تفسير هود الهواري" 2/ 429.]]، وقال مجاهد: لأحتوينَّ [["تفسير مجاهد" 1/ 365 بلفظه، وأخرجه "الطبري" 15/ 117 بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "تفسير هود الهواري" 2/ 429، و"الطوسي" 6/ 497، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 347 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]]، وروي عنه أنه قال مثل الزِّيَاق [[لم أقف عليه، والزياق: هو ما أحاط بالعمق من القميص. انظر (زيق) في: "الصحاح" 4/ 1492، و"اللسان" 3/ 190، و"متن اللغة" 3/ 80.]]، هذا قول المفسرين.
وقال ابن زيد: لأضلنهم [[أخرجه "الطبري" 15/ 117 بنصه، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 497 - بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 57، و"القرطبي" 10/ 287، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 347 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، وقيل: لأستأصلنَّهم بالإغواء [[ورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب، و"الماوردي" 3/ 254، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 366، و"الفخر الرازي" 21/ 4.]].
فأما كلام أهل اللغة في هذا الحرف، فروى محمد بن سَلاَّم أنه سأل يونس عن هذه الآية فقال: يقال: كأن في الأرض كلأً فاحتنكه الجراد؛ أي أتى عليه، ويقول أحدُهُم: لم أجد لِجاماً فاحْتَنَكْتُ دَابَّتي، أي ألقيتُ في حَنَكها حبلًا قُدْتُها به [[ورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944، بنصه.]].
وتفسير هذا الحرف لا يخرج عن هذين الأصلين الذين ذكرهما يونس، فمن قال: لأستأصلنهم ولأستولين عليهم، فأصله من احتِناكِ الجرادِ الزرعَ، وهو أن يأكلها ويستأصلها باحتناكها فيفسدها، ومن هذا يقال للجماعة المنتجعين: الحنك، يقال: ما تركَ الأحْنَاكُ في أرضنا شيئًا، يعنون: الجماعات المارة، ومنه قول أبي نُخَيْلَة [[الرَّاجز أبو نُخيلة، اسمه يَعْمر، وكني أبا نُخَيلة لأن أمه ولدته إلى جنب نخلة -كما قال ابن قتيبة- وفي "الأغاني" عن الأصمعي وابن حبيب أنه لا يعرف له اسم غيره، وله كنينان: أبو الجُنيد وأبو العِرماس، كان عاقًا لأبيه فنفاه أبوه عن نفسه، فخرج إلى الشام وأقام هناك إلى أن مات أبوه، ثم عاد وبقي مشكوكًا في نسبه، مطعونًا عليه، مات سنة (145 هـ) انظر: "الشعر والشعراء" ص 399، و"الأغاني" 20/ 403، و"الخزانة" 1/ 165.]]:
إنا وكُنَّا حَنَكًا نَجْدِيًّا [[وعجزه:
لمَّا انْتَجَعْنا الورقَ المرْعِيَّا
ورد في "الأساس" ص 203، و"اللسان" (حنك) 2/ 1028.]] [[ورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 943، بنصه.]]
هذا هو الأصل، ثم يُسمى الاستيلاء على الشيء وأخذ كله احتناكًا، حتى يقال: احتَنَكَ ما عند فلان، أي أخذه كله من علم أو مال أو غير ذلك [[ورد نحوه في "مجاز القرآن" 1/ 384.]]، واحتنكت السَّنَةُ [أموالنا] [[زيادة يقتضيها السياق؛ كما في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249.]] إذا استأصلتها، وأنشد أهل اللغة: نَشْكو إليْك سَنَةً قد أجْحَفَتْ
واحْتَنَكَتْ أموالَنَا وجلَّفَتْ [[ورد بلا نسبة في "مجاز القرآن" 1/ 384، و"تفسير الطبري" 15/ 116، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، و"تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب، و"الماوردي" 3/ 254، و"الطوسي" 6/ 497، و"ابن عطية" 9/ 134، و"القرطبي" 10/ 287، و"الدر المصون" 7/ 380، في بعض الروايات: جَنَّفَتْ واجتلفت بدل جلَّفَتْ؛ (الجَلْفُ): القَشْرُ، والجالفةُ: السَّنة التي تذهبُ بأموال الناس؛ من جلفت الشيءَ: إذا قلَعْتَه واستأصلْتَه. "العباب الزاخر" ف/ 67.]]
ومن قال: لأغوينّهم ولأقودنّهم إلى المعاصي؛ كما روي عن مجاهد أنه قال: مثل الزِّياق، فأصله من قولهم: حَنَكَ الدابةَ يَحْنُكُها، إذا ربط في حنكِها الأسفل حَبْلًا يقودها به [[ذكره ابن السكيت في "الإصلاح" ص 71 بنصه، وورد بنحوه في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 258، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 171، انظر (حنك) في: "تهذيب اللغة" 1/ 944، و"المحيط في اللغة" 2/ 383.]]، ومثله: احتنك، وأنشد ابن الأعرابي [[البيت لزَبَّان بن سَيَّار الفزَاري، كما في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944، وتصحفت في اللسان إلى: زياد، والصحيح أنه زبان، كما في "الاشتقاق" ص 283.]]:
فإنَّ لدَينا مُلْجِمِينَ وحانِكًا [[صدره:
فإن كنتَ تُشْكَى بالجِماع ابنَ جعفر
ورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944 ، و"اللسان" (حنك) 2/ 1028.]]
والمعنى على هذا الأصل: لأقودنّهم حيث شئت، كمن يُربط في حَنَكه الزياق فيقاد.
قال الأخفش في قوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾: لأستأصلَنَّهم ولأستميلَنَّهم [[ليس في معانيه، وورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944، بنصه.]]، فذكر القولين، ونحوه قال أبو عبيدة سواءً [["مجاز القرآن" 1/ 384، بنصه]]، واختار الفراء والزجاج وابن قتيبة الأول [["معاني القرآن" للفراء 2/ 127، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 260.]]، وهو أنه مأخوذ من احتناك الجراد الزرع، وكلا القولين مأخوذ من الْحَنَك على ما بَيَّنَا.
وقوله تعالى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني المعصومين، قال ابن عباس: يريد بالقليل أولياء الله الذين عصمهم [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 57، بنصه.]]، وهم الذين استثناهم الله -عز وجل- في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42]
فإن قيل: كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟ فالجواب عن هذا: أن الله تعالى كان قد أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك [[في (أ)، (د): (ولا يسفك) بزيادة (لا) والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح المتسق مع السياق.]] الدماء، على قول بعض المفسرين [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 497، بنصه.]]، وكان إبليس قد علم بذلك، وقيل: إنما قال ذلك لأنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزمًا، فقال بَنُو هذا مِثلُه في ضعف العزيمة، وهذا معنى قول الحسن [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 498 بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 287، و"أبي حيان" 6/ 58 وقال: وهذا ليس بظاهر؛ لأن قول ذلك كان قبل وسوسته لآدم في أكل الشجرة. وما قاله أبو حيات متوجه، إلا أن يكون الحسن أراد بقوله ما ورد عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: "لما صوَّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقًا لا يتمالك" أخرجه مسلم (2611) كتاب: البر والصلة، باب. خلق الإنسان خلقًا لا يتمالك.]].
الإسراء 17:63
قوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ أي قال الله تعالى لإبليس: اذهب، وهذا اللفظ يتضمن معنى إنظاره وتأخير أجله، ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ﴾ أي أطاعك وتبع أمرك وتسويلك ﴿مِنْهُمْ﴾: أي من ذرية آدم، ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾ الفاء تتضمن ها هنا جواب الشرط، وهذه المسألة قد مضت في مواضع، ﴿جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ من وَفَرْته أفِره وَفْرًا وفِرَةً، وهذا مُتعد، واللازم قولك: وَفر المالُ يَفر وُفُورًا فهو وافر [[ورد في "تهذيب اللغة" (وفر) 4/ 3925 بنصه.]]، قال الزجاج: ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾، أي: مُوَفَّرًا، يقال: وَفَرْته أَفِرُهُ وهو مَوْفُورٌ، وأنشد لزهير:
ومن يَجْعَلِ المعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ ... يَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ [["شرح ديوان زهير" ص 30، و"شرح القصائد السبع" ص 287، وورد في "الأغاني" 2/ 160، و"تفسير الطوسي" 6/ 497، و"الفخر الرازي" 21/ 5، و"الدر المصون" 7/ 381، وورد بلا نسبة في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 172، و"الخزانة" 2/ 410، (8/ 127، (يَفِرْه): يجعله وافرًا، ومعناه: من اصطنع المعروف إلى الناس وقَى عرضه.]] [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، بنصه.]]
وانتصب جزآءً على المصدر.
الإسراء 17:64
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ قال الفراء: اسْتَخِف [["معاني القرآن" للفراء 2/ 127، بلفظه.]].
وقال أبو إسحاق: معناه: استدعه استدعاءً تستخفه به إلى جانبك [["معاني القرآن وإعرإبه" 3/ 250 بنصه تقريبًا، وقد نقله من "تهذيب اللغة" (فز) 3/ 2785 لوروده بنصه.]]، ويقال له: فَزَّه [[في (أ)، (د): (أفزوه)، والمثبت من (ش)، (ع) هو الصواب.]] الخوف واستفزه، أي أزعجه واستخفه، قال أبو ذؤيب: شَبَبٌ أفزَّتْهُ الكلابُ مُرَوَّعُ [[صدره:
والدّهرُ لا يبقى على حَدَثَانِهِ
"ديوان الهذليين" ص 10، وورد في "الصحاح" (فز) 3/ 890، و"اللسان" (فزز) 6/ 3409، و"التاج" (فزز) 8/ 123، وورد بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (فز) 3/ 2785، و"المخصص" 8/ 33، (الشَّبب): الثور المسنّ، (أفزّته): استخفته وطردته.]]
ومعنى صيغة الأمر هاهنا: التهدد، كما يقال للإنسان: اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 499، بنصه تقريبًا.]].
وقال الزجاج: الأمر إذا تقدمه نهي عما يؤمر به، كان المعنى في الأمر: الوعيد؛ لأنك قد تقول: لا تدخل هذه الدار، فإذا حاول أن يدخلها قلت: ادخلها، فَلَسْتَ تأمره بدخلولها، ولكنك تُوعِده، وهذا في الاستعمال كثير، ومثله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40]، وقد نهوا أن يتبعوا أهواءهم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 251، بتصرف يسير.]].
ومعنى الآية: يقول: ازعج واستخفف من استطعت من بني آدم.
﴿بِصَوْتِكَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: صوته كلّ داعٍ دعا [[انقلب الكلام في جميع النسخ كالتالي: صوته دعا كل داعٍ إلى. والتصويب من "تفسير الطبري" و"الدر المنثور".]] إلى معصية الله تعالى [[أخرجه "الطبري" 15/ 118 بنصه، وورد بنحوه في "تفسير الجصاص" 3/ 205، و"الثعلبي" 7/ 113 ب، و"الطوسي" 6/ 499، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 348 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال عطاء عنه: كل متكلم في غير ذات الله فهو صوت الشيطان [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 518، بنصه.]]
وقال مجاهد: هو الغناء والمزامير [[أخرجه "الطبري" 15/ 118، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 172، بنصه، و"تفسير الجصاص" 3/ 205، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 113 ب، بنصه، و"الماوردي" 3/ 255، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 499، بنحوه.]]، وهو قول عكرمة [[لم أقف عليه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ قال الفراء في كتاب المصادر، يقال: أجلب إجلابًا، والجلَبة: الصوت، وربما قالوا: الجَلَبُ، كما قالوا: الغَلَبَةُ والغَلَبُ، والشَّفَقَةُ والشَّفَقُ [[لم أقف عليه، وورد بنحوه في "تفسير الطبري" 15/ 118، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 6/ 21.]].
وقال الليث: أجْلَبُوا وجَلَّبوا من الصّياح [[ورد في "تهذيب اللغة" (جلب) 1/ 626 بنصه.]]، ونحوه قال أبو عبيدة [[ليس في "مجاز القرآن".]].
وقال أبو إسحاق في (فعل وأفعل): وأجلب على العدو إجلابًا إذا جمع عليه الخيول [["فعلت وأفعلت" ص 21، بنصه تقريبًا.]].
وقال ابن السكيت: يقال: هم يُحْلِبون عليه، وُيجْلِبون عليه بمعنى؛ أي يُعينون عليه [[و (¬9) ورد في " تهذيب اللغة" (جلب) 11/ 90 بنصه.]].
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: أجْلَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، إذا تَوَعَّدَه الشر وجَمَعَ عليه الجمع، بالجيم (¬9)، هذا قول أهل اللغة في معنى الإجلاب، ومعنى الآية على قول الفراء وأبي عبيدة: (صِح عليهم بخيلك ورجلك) [[تكررت العبارة ما بين القوسين في (أ)، (د)، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 105.]]، وأخْبِثهم [[يقال: أخبث فهو مُخبث؛ إذا صار ذا خُبثٍ وشرّ. "تهذيب اللغة" (خبث) 1/ 973.]] عليهم بالإغواء، وعلى قول أبي إسحاق، معناه. ما ذُكِر؛ أي اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكائدك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 250، بنصه.]]، وتكون الباء في: ﴿بِخَيْلِكَ﴾ زائدة في هذا القول، وعلى قول ابن السكيت، معنى الآية: أعن عليهم بخيلك ورجلك؛ أي أعن نفسك عليهم بخيلك، ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف؛ كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله، وهذا معنى قول مقاتل في هذه الآية [["تفسير مقاتل" 1/ 217 أ، بنحوه.]].
واختلفوا في تفسير الخيل والرجل، فروى أبو الضحى عن ابن عباس قال: كل راكب أو راجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده [[أخرجه "الطبري" 15/ 118، بنحوه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد بنحوه في "معانى القرآن" للنحاس 14/ 73، و"تفسير الجصاص" 3/ 250، و"الثعلبي" 7/ 113 ب، و"الطوسي" 6/ 499.]]، ونحو هذا القول روى مجاهد عنه، والوالبي وعطاء [[لم أقف عليه.]]، وروى ليث عن مجاهد قال: خيله: من استخف منهم معه على الخيل في المعاصي، ورجله: من استخف منهم معه على رجليه في المعاصي [[أخرجه "الطبرى" 8/ 108، بخحوه.]].
وقال الفراء: يعني خيل المشركين ورجالهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 127، بنصه.]]، ويدخل في هذا كل راكب وماش في معصية الله، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: 95] والجند يَعُمُّ الفارسَ والراجلَ، هذا قول جماعة أهل التفسير وعامتهم، ومن أهل التأويل من يقول: يجوز أن يكون هذا مَثَلاً؛ كما تقول للرجل المجدّ في الأمر: جئت بِخيلك ورجْلك [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 111، بنصه.]]، والرَّجْلُ جمع رَاجِل، كما قالوا: تَاجرٌ وتَجْرٌ، وصاحِبٌ وصَحْبٌ، وراكبٌ ورَكْبٌ [[ورد في "تفسير الطبري" 5/ 119، بنحوه، و"الحجة للقراء" 5/ 110، بنصه.]]، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239]
وروى حفص عن عاصم ﴿وَرَجِلِك﴾ مكسورة الجيم [[انظر: "السبعة" ص 382، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 377، و"علل القراءات" 1/ 324، و"الحجة للقراء" 5/ 109، و"المبسوط في القراءات" ص 229، وقرأ أبو بكر عن عاصم والباقون ساكنة الجيم.]]، قال أبو زيد: يقال: رَجْلٌ ورَجِلٌ بمعنى واحد، ومثله: حَذْرٌ وحَذِرٌ، ونَدْسٌ ونَدِسٌ [[النَّدُس: الصوت الخفي، ورجل نَدْسٌ ونَدُسٌ وندسٌ أي فَهِمٌ سريع السمع فَطِن، وقال يعقوب: هو العالم بالأمور والأخبار. وقال الليث: السريع الاستماع للصوت الخفي."اللسان" (ندس) 7/ 4383.]]، وأنشد [[البيت لحيي بن وائل.]]:
أما أُقَاتِلُ عن دِيني على فَرسٍ ... ولا كذا رَجُلًا إلا بأصْحَابِ [[ورد في "النوادر" ص 148؛ و"اللسان" (رجل) 3/ 1597، وورد بلا نسبة في "الحجة للقراء" 5/ 110، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 1/ 464 ، و"تفسير ابن عطية" 9/ 137، و"شرح المفضل" 5/ 133 ، وفي النوادر، قال أبو حاتم: وقوله رجُلاً: معناه رَاجلاً، كما تقول العرب: جاءنا فلان حافيًا، ورَجُلاً أي راجلاً]] كأنه قال: أمَا أقاتل فارسًا ورَاجِلًا [["النوادر" ص 148. ذكر البيت والتعليق، وورد في "الحجة للقراء" 5/ 110، بنحوه، والظاهر أنه نقله من الحجة.]]، وعلى هذه القراءة: ﴿وَرَجِلِكَ﴾ واحدٌ يعني به الكثرة، وقال ابن الأنباري: أخبرنا ثعلب عن سلمة عن الفراء قال: يقال هو رَاجِلٌ ورَجِلٌ ورَجْلٌ ورَجْلان بمعنى [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 6، وفي "اللسان" (رجل) 3/ 1597 رَجلَ الرَّجُلُ رَجَلاً، فهو راجل ورَجُلٌ ورَجِلٌ ورَجِيلٌ ورَجْلٌ ورَجْلان.]] ، وأنشد [[البيت لمجنون بني عامر، وهو قيس بن الملّوح (ت 68 هـ).]]:
عَلَيَّ إذا أبْصَرتُ ليلى بخَلْوَةٍ. . . أن ازدار بيتَ اللهِ رَجْلانَ حافياً [[ورد في "ديوانه" ص 301، 306. بروايتين:
الأولى:
حلفت لئن لاقيت ليلى بخلوة ... أطوف ببيت الله رَجْلاَنَ حافيا
والثانية:
عليّ لئن لاقيتُ ليلى بخلوة ... زيارةُ بيت الله رَجْلان حافيا
وورد بلا نسبة في "اللسان" (رجل) 3/ 1597، و"مغني اللبيب" ص 601، و"شرح التصريح" 1/ 385، و"شرح شواهد المغني" 2/ 859، و"شرح الأشموني" 2/ 312، وفي بعض الروايات: لاقيت، وزُرتُ وجئتُ بدل أبصرت، وبخُفْيةٍ بدل بخلوة.]]
وقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ اختلفت الروايات في تفسير مشاركة الشيطان بني آدم في الأموال والأولاد عن ابن عباس؛ فقال في رواية الوالبي: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ وهو كل مال أصيب من حرام أو أنفق في حرام، ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ ما قَتَلوا منهم وأتوا فيهم الحرام [[أخرجه "الطبري" 15/ 121 من طريق ابن أبي طلحة صحيحة ولفظه: ماقتلوا من أولادهم وأتوا فيهم الحرام، ومن الطريق نفسها في رواية أخرى 15/ 119. قال: == كل مال في معصية الله، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب وفيه ذكر الأموال فقط، وفي رواية أخرى ذكر الأولاد فقط، فلعل الواحدي -رحمه الله- جمع الروايتين في سياق واحد.]]، ونحو هذا روى عنه مجاهد؛ فقال: كل مال أُخذ بغير حقه، وكل ولد زنا [[ورد عن مجاهد في "تفسيره" 1/ 366 قال: شركته في الأموال: الحرام، وفي الأولاد: الزنا، وأخرج الطبري 15/ 120 من عدة طرق عن مجاهد قال: أولاد الزنا.]]، وهو معنى ما روى عنه عطاء، ويدخل في هذا: الزنا والغصوب والمعاملات الفاسدة والربا وقتل الأولاد والوأد، وروى عنه عكرمة في مشاركته في المال: بتبتكهم آذان الأنعام [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 6/ 21، بنصه.]].
وقال في رواية العوفي: هو ما كانوا يحرمونه من الأنعام [[أخرجه "الطبري" 15/ 120 بنصه (ضعيفة)، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب- بمعناه، و"الماوردي" 3/ 255، بمعناه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 58.]]، وهو قول قتادة قال: أما في الأموال: فأمرهم أن يجعلوا بحيرة وسائبة، وأما في أولادهم: فإنهم هودوهم ونصّروهم ومجّسوهم [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 381، بنحوه، وأخرجه "الطبري" 15/ 121 في روايتين، ذكر في إحداهما الأموال 15/ 121، وفي الثانية الأولاد، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب. دون ذكر الأولاد.]].
وقال في رواية أبي صالح: مشاركته إياهم في الأولاد: تسميتهم أولادهم [عبد] [[إضافة يقتضيها السياق.]] الحارث وعبد شمس وعبد فلان [[أخرجه "الطبري" 15/ 121 بنصه (ضعيفة)، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 205، بضه، و"تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب، بنصه، و"الماوردي" 3/ 256، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 499، بنحوه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 348 وزاد نسبته إلى ابن مردويه.]].
قال أبو إسحاق: أي أمرهم بأن يجعلوا من أموالهم شيئًا لغير الله، كما قال الله: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: 136] ، والشركة في الأولاد: قولهم: عبد العزى وعبد الحارث [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 250، بتصرف يسير.]].
وقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ قال الفراء: أي قل لا جنة ولا نار [["معاني القرآن" للفراء 2/ 127، بنصه.]]، قال الزجاج: ﴿وَعِدْهُمْ﴾: بأنهم لا يبعثون [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 250، بنصه.]]، ثم قال الله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾
الإسراء 17:65
قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. قال عطاء عن ابن عباس والكلبي: يريد أوليائي ليس لك عليهم حجة في الشرك [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 520، بنصه عن ابن عباس.]].
وقال قتادة: عباده الذين لا سلطان له عليهم المؤمنون، وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [[أخرجه "الطبري" 15/ 122، بنصه.]] [النحل: 100].
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ قال أبو إسحاق: وكيلًا لأوليائه يعصمهم من القبول من إبليس [["معانى القرآن وإعرابه" 3/ 251، بنصه.]]، وهذا يدل على أن المعصوم من عصمة الله.
الإسراء 17:66
قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ الإزجاء: سوق الشيء حالاً بعد حال، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: 88]، قال السدي: يُسَيِّر [[لم أقف عليه.]]، ونحوه قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 251، بلفظه.]]، ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: في طلب التجارة.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس: يريد بأوليائه وأهل طاعته [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 520، بنصه.]]، والخطاب في قوله: ﴿رَبَّكُمُ﴾ عام، وفي آخر الآية خاص.
الإسراء 17:67
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ قال ابن عباس: يريد يا معشر المشركين، يعني أن الخطاب للمشركين، وفَسَّرَ الضر هاهنا نجوف الغرق.
وقوله تعالى: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ﴾، أي: زال وبطل من تدعون من الآلهة، ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾: إلا الله تعالى، و ﴿إِيَّاهُ﴾: استثناء بعد الإيجاب، فيكون موضعه نصبًا كما تقول: بطلت الآلهة إلا الله، قال ابن عباس: نسيتم اتخاذ الأنداد والشركاء وتركتموهم وأخلصتم لله [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 521، بنصه.]]، ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾: من الغرق والبحر وأخرجكم ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾: عن الإيمان والإخلاص، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة [[انظر: "تنوير المقباس" ص 303، بلفظه.]].
وقال أبو إسحاق: الإنسان هاهنا يعني به الكفار خاصة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 251، بنصه.]]، وفي هذا احتجاج على الكفار حيثُ لمَّا وقعوا في الشدة التي لا يُطْمَع في قدرة أحد على كشفها أخلصوا الدعاء لله بكشف ذلك البلاء، فلما نَجَّاهم بطروا النعمة وكفروا به.
الإسراء 17:68
ثم بَيَّن أنه قادر أن يهلكهم في البر بمثل ما يهلك في البحر، فقال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ﴾ قال الليث: الخسف سُؤوخُ الأرض بما عليها [[ورد في "تهذيب اللغة" (خسف) 1/ 1029 بنصه.]]، يقال: خسف الله به الأرض، أي غاب به فيها، ومعني الخسف والخسوف: الدخول في الشيء، يقال: عين خاسفة؛ وهي التي غابت حدقتها في الرأس، وعين من الماء خاسفة، أي: غائرة الماء، والشمسُ تُخْسَفُ خُسُوفًا، وهو دخولها في السماء كأنها تكون في جُحْرٍ [[ورد في "تهذيب اللغة" (خسف) 1/ 1030، بنحوه، انظر: (خسف) في "المحيط في اللغة" 4/ 267، و"اللسان" 2/ 1157.]]، فمعنى قوله: ﴿يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ﴾: يُغَيِّبُكم ويُذْهِبُكم في جانب البر، وهو الأرض، وإنما قال: ﴿جَانِبَ الْبَرِّ﴾ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى، فهو جانب، والبر جانب، أخبر الله تعالى أنه [[في (أ)، (د): (أنه قال)، والطاهر أن (قال) زائدة، وقد أن إلى اضطراب المعنى، والمثبت من (ش)، (ع).]] كما قدر أن يغيبهم في الماء قادر أن يغيبهم في الأرض، قال ابن عباس في قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ يريد: حيث أعرضتم حين سلمتم من هول البحر.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ معنى الحَصْبِ في اللغة الرمي، يقال: حَصَبَ أحْصُبُ حَصْبًا إذا رميت، والحَصْبُ: الرمي [[انظر: (حصب) في "تهذيب اللغة" 1/ 834، و"الصحاح" 1/ 112، و"اللسان" 2/ 894.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] أي تلقون فيها، ومعنى قوله: ﴿حَاصِبًا﴾ عذابًا يحصبهم، أي: يرميهم بحجارة، ويقال للريح التي تحمل الترب والحصباء: حاصب، وللسحاب يرمي بالثلج والبرد: حاصب؛ لأنه يرمي بهما رميًا، ومنه قول الفرزدق:
مُسْتَقْلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُنا ... بِحاصبٍ كَندِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ [["ديوانه" 1/ 213، وورد في "مجاز القرآن" 1/ 385، و"الكامل" 3/ 57، و"الموشح" ص 127 وفيه: تضربهم، و"تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ، و"السمعاني" 3/ 262، و"ابن الجوزي" 5/ 61، و"القرطبي" 10/ 292، وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 15/ 124، و"الطوسي" 502/ 6، و"ابن عطية" 9/ 142.]]
أي سحاب حاصب ثلجًا كنديف القطن، فحذف الموصوف والمشبه وأقام المشبه به، وهو قوله: كنديف القطن، وقال أبو إسحاق: الحاصب: التراب الذي فيه حصباء [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 251، بنصه.]]، والحاصب على هذا ذو الحصباء، مثل: اللابن والتامر، وعلى هذا فُسِّرَ بيتُ الأخطل:
تَرْمي الخصال [[في الديوان وجميع المصادر: (العِضَاهُ)، والمعنى واحد.]] بِحَاصِبٍ مِنْ ثَلْجها ... حتى يَبِيتَ على العِضَاهِ جِفالا [["ديوانه" 1/ 108، وورد في "تفسير الطبري" 15/ 124، و"ابن عطية" 9/ 142، و"شرح ديوان الأخطل" ص 387 (ترمي): الضمير يعود على ريح الشمال، (الخصال): جمع خَصْلة وخُصْلة؛ وهو العُنقود، والخَصْلة والخُصْلة والخَصَلة كل ذلك: عُودٌ فيه شوك ، (العضاه): من شَجر الشوك؛ وهو ما كان له أُرومَةٌ تبقى على الشتاء، قيل: واحده عضة وعِضَهةَ وعِضاهَة، (جفالاً)؛ الجفال: ما تراكم من الثلج بعضه فوق بعض. انظر: "المحيط في اللغة" (عضه) 1/ 109، و"اللسان" (خصل).]]
أي ترميها بذي حصباء من ثلجها، يعني: سحابًا فيه ثلج، فهو يرمي بها.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ قال قتادة: يقول: مانعًا ولا ناصرًا [[أخرجه "الطبري" 15/ 123 بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 349 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، والمعنى: لا تجدوا أحدًا وكلتم إليه أموركم أو تكلون إليه أموركم فهو يمنعكم وينصركم.
الإسراء 17:69
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾، أي: في البحر، ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾، أي: مرة أخرى، قال الليث: ﴿تَارَةً﴾ ألفها واو وجمعها تِيَرٌ، وتجمع تارات أيضًا [[ورد في "تهذيب اللغة" (تار) 1/ 418، بنصه.]]، قال الفراء: والفعل منها: أترت، أي: أعدت تارة وتارتين وتِيَرًا، مثل: قَامَة وقِيَم [[لم أقف عليه، انظر: "الشامل لجموع التصحيح والتكسير" 3/ 319.]]، وقال لبيد يصف عِيرًا:
يُديم سَحِيلَهُ وَيُتِيرُ فيه ... وَيُتْبِعُها خِنَافًا في زِمَالِ [["شرح ديوان لبيد" ص 84، وورد في "تهذيب اللغة" 1/ 419، و"اللسان" (تور) 1/ 455، وفي الجميع (يُجِد) بدل (يديم)، (يُجِدُّ): من أجدَّ يجد من الجد في الأمر، (سحيلًا)؛ السحيل: الصوت يقطّعه في جوفه، (خنافًا): يقال خنفت الدابة: مالت بيديها في أحد شقيها من النشاط، والخانف: الذي يشمخ بأنفه من الكبر، (زمال)؛ الزمال: العدو في جانب. انظر: "اللسان" (خنف) 2/ 1279.]]
أي يديم نهيقه ويعيده مرة أخرى.
وقوله تعالى: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾، القاصف: الكاسر، يقال: قَصفَ الشيءَ يقصفه قصفًا، إذا كسر [[هكذا في جميع النسخ، والأولى كسره.]] كسرًا بشدّة، والقاصف من الريح التي [[ساقطة من (أ)، (د).]] تكسر الشجر وتدق كل شيء وتحطمه [[انظر (قصف) في "تهذيب اللغة" 3/ 2978، و"المحيط في اللغة" 5/ 271، و"الصحاح" 4/ 1416، و"اللسان" 6/ 3654.]]، وأراد هاهنا ريحًا شديدة تقصف الفلك وتغرقهم.
وقوله تعالى: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾، أي: بكفركم، حيث سَلِمتم ونجوتم في المرة الأولى، ويُقرأ قوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾ وأخواته من الأفعال [[هي: (أو نرسل)، (أن نعيدكم)، (فنرسل عليكم)، (فنغركم)]] بالياء والنون، فمن قرأ بالياء [[هم: نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: "السبعة" ص 383، و"علل القراءات" 1/ 325، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 377، و"الحجة للقراء" 5/ 111، و"المبسوط في القراءات" ص 229.]] لأن ما قبله على الواحد الغائب، وهو قوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾، ومن قرأ بالنون [[هم: ابن كثير أبو عمرو، انظر المصادر السابقة.]] فلأن هذا النحو قد ينقطع بعضه من بعض، وهو سهل؛ لأن المعنى واحد، ألا ترى أول قد جاء: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 2] ، فانتقل من الجمع إلى الإفراد، كذلك ها هنا يجوز أن ينتقل من الغيبة إلى الخطاب، والمعنى واحدٌ، وكلٌّ حَسَنٌ [["الحجة للقراء" 5/ 111 بتصرف يسير، وهناك توجيه آخر لابن خالويه: فالحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله عن نفسه، والحجة لمن قرأه بالياء: أنه جعله من إخبار النبي -ﷺ- عن ربه. "الحجة في القراءات" ص 219.]]، ويؤكد النون:
الإسراء 17:70
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ قال ابن عباس: يريد فضلنا [[ورد في تفسير"الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 522.]]، وهو كقوله: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: 62] روى ميمون بن مهران عنه في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ قال ابن عباس: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم يأكل بيديه [[أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" 5/ 77 - مختصرًا، وهو في "تفسير الثعلبي" == 7/ 114 أ، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 350 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. وورد بنحوه منسوبًا للكلبي في "تفسير الماوردي" 3/ 257.]].
وروى عنه أيضًا أنه قال: بالعقل [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ - بلفظه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 63، و"الخازن" 3/ 172.]].
وقال الضحاك: بالنطق والتميز [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 277، لكنه قال: بالعقل والتمييز، و"تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ، بنصه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 63، و"الفخر الرازي" 21/ 13، و"القرطبي" 10/ 294.]].
وقال عطاء: بامتداد القامة وتعديلها [[ورد في "تفسير الثعلبي" 14/ 17 أ. لكنه قال: بتعديل القامة وامتدادها، انظر المراجع السابقة.]].
وقال يمان: بحسن الصورة [[ورد في "الثعلبي" 7/ 114 أ، بنصه، وانظر: "زاد المسير"، و"القرطبي".]].
وقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد في البحر على السفن، وفي البر على الإبل والخيل والبغال والحمير [[ورد بنصه بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ، وتفسير "الوسيط" 2/ 523.]].
وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال: يريد الثمار والحبوب والمواشي.
وقال مقاتل: السمن والزُّبْدُ والحلاوى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم [[ليس في تفسيره، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ، بنصه، انظر: "تفسيرالبغوي" 5/ 108، و"القرطبي" 10/ 295.]].
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾؛ روى مكحول عن ابن عباس في هذا، قال: البهائم تأكل بأفواهها، وابن آدم يأكل بيده [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 176، بنحوه.]]، ونحو هذا قال عكرمة [[أخرجه البيهقي في "الشعب" 5/ 77 مختصرًا، عن عكرمة عن ابن عباس.]].
وقال محمد بن جرير: فضلناهم بتسليطهم على البهائم والوحوش، وكثيرٌ من خلق الله سخرناها لهم [["تفسير الطبري" 15/ 125، بنحوه.]]. وقال السدي: فُضِّلوا على البهائم والدواب والوحوش، وهم الكثير [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 523، بنصه.]].
وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا [[ساقطة من (د)، وفي (ش)، (ع): (غير).]] عن طائفة من الملائكة؛ جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ، بنصه، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 263، و"البغوي" 5/ 108، و"الخازن" 3/ 172، وورد عن ابن عباس في "تفسير السمرقندي" 2/ 277، و"ابن الجوزي" 5/ 62.]].
وقال أبو إسحاق: قال ﴿عَلَى كَثِيرٍ﴾، ولم يقل: على كل من خلقنا؛ لأن الله فضل [[في جميع النسخ: (لأن الله فضل الله الملائكة)، بزيادة لفظ الجلالة بعد فضّل.]] الملائكة [[لم ينقل الدليل على هذه الدعوى مع أنه أشار إليها في المصدر، وهو قوله: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: 172]، ودلالته ليست صريحة، ولعل هذا السبب في عدم نقله إيّاه، ولذلك حال ابن عطية في تفسيره 9/ 146: وهذا غير لازم الآية، بل التفضيل بين الإنس والجن لم تعن له الآية، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي.]]، ولكن ابن آدم مفضل على سائر الحيوانات التي لا تعقل ولا يتميز.
ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا﴾، قال: يريد غير [[في (أ)، (د): (عزل)، والمثبت هو الصحيح المتسق مع السياق.]] الملائكة في هذا الموضع، لم يُفَضَّل ولدُ آدم عليهم.
وذهب قوم إلى تفضيل ولد آدم على الملائكة، واحتجوا بما روي عن زيد بن أسلم في هذه الآية، قال: قالت الملائكة: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا؛ يأكلون فيها ويتمتعون، ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في [[ساقطة من (د).]] الآخرة فقال: "وعزتي وجلالي، لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان" [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 382، بنصه، و"الطبري" 15/ 126 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ، بنصه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 58، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 350، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. قال ابن كثير 3/ 58: وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روي من وجه آخر متصلًا وذكره، وكذلك أورده في "التاريخ" 1/ 55، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً، وقال: هو أصح، والحديث المرفوع رواه الطبراني بسنده عن عبد الله بن عمرو وهو بنحوه، وللحديث طريقان يلتقيان عند صفوان بن سليم فمن بعده، قال الطبراني [كما في مجمع البحرين (1/ 119)]: لم يروه عن صفوان إلا طلحة وأبو غسان محمد بن مطرف. والحديث ضعيف بالروايتين؛ قال الهيتمي في "المجمع" 1/ 82: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه إبراهيم بن عبد الله المصيصي، وهو كذاب متروك، وفي سند الأوسط طلحة بن زيد وهو كذاب أيضًا، وقال ابن حجر في "تخريج أحاديث الكشاف" بذيل الكشاف 4/ 100: وقد لفقوا أخبارًا منها: أن الملائكة قالت .. الحديث. وذكر رواياته وعزاها إلى أصحابها. وللحديث شاهد عن ابن عمر، وأخرجه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" 1/ 36، بنحوه وقال: هذا حديث لا يصح. والخلاصة أن الحديث بجميع رواياته وشواهده ضعيف لكونه مرسلاً -كما هنا- والموصول ضعيف لضعيف رواته، وحسبك إيراد ابن الجوزي له في العلل ، وقول ابن حجر فيه.]].
قال أبو هريرة: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده [[أخرجه البيهقي في "الشعب" 1/ 174 بنصه تقريبًا، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 277، بنصه، و"الثعلبي" 7/ 114 أ، بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 109، و"ابن عطية" 5/ 64. مرفوعًا، و"الخازن" 3/ 173، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 350، وورد في "الكنز" 1/ 145، ومثل هذا القول مما لا يقال بالعقل فله حكم الرفع، وقد أخرجه ابن ماجه (3954): الفتن، كتاب: باب: المسلمون في ذمة الله من طريق أبي المُهَزِّم عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. وهو ضعيف لضعف أبي المهزم، قال عنه في "التقريب" ص 676 رقم (8397): متروك، وقد ضعف الحديث الألباني وذكره في "ضعيف ابن ماجه" ص 318 (857).]]، وهذا الخلاف في التفضيل إنما يجري بين الناس في تفضيل صالحي المؤمنين على الملائكة -ما عدا الرسل والأنبياء من بني آدم (وجبريل وميكائيل وإسرافيل [[في (أ): (اسرآيل)، والمثبت من (د)]] وعزرائيل [[قال ابن كثير: وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل، والله أعلم. "البداية والنهاية" 1/ 47.]] من الملائكة، فإن هؤلاء في الملائكة كالرسل من بني آدم) [[ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).]] - وأصحابنا أيضًا مختلفون في هذه المسألة؛ فمنهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة، ومنهم من يأبى ذلك، كما ذكرنا عن ابن عباس والسدي، وهو اختيار أبي إسحاق.
قال العلماء من أصحابنا: هذه من المسائل التي لا يستحب الخوض فيها والإبلاغ، وكذلك الكلام في تفضيل الأنبياء على مشاهير الملائكة [[مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر مما تنازع فيها العلماء قديمًا، قال ابن كثير في "البداية والنهاية"1/ 54: وقد اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على == أقوال، فأكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين، والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم، وأقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن العاص. ثم ساق حادثة جرت بين يدي عمر بن عبد العزيز في المسألة. وقد فَصَّل شارح العقيدة الطحاوية القول في المسألة وصنَّفَ الذين تكلموا في المسألة، فقال: وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيلُ الملائكة، وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضلُ الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولاً، وحكي عن بعضهم ميلهم إلى تفضيل الملائكة، وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السنة وبعض الصوفية، وقالت الشيعة: إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة، ومن الناس من فصَّل تفصيلًا آخر، ولم يقل أحد ممن له قول يؤثر: إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض. ثم بَيّنَ أن الإمام الطحاوي لم يتعرض إلى هذه المسألة بنفي أو إثبات، وعزا ذلك إلى متابعة أبي حنيفة -رحمه الله- حيث توقف في الجواب عن هذه المسألة، وقد مال هو كذلك إلى التوقف وقال: فالسكوت عن الكلام في هذه المسألة نفيًا وإثباتًا .. أولى. "شرح العقيدة الطحاوية" ص 275، وإذا كان بعض السلف قد أمسك عن الحديث في هذه المسألة فإن آخرين قد تكلموا فيها، وقد أشار ابن تيمة إلى ذلك فقال: قد كان السلف يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل صالحي البشر على الملائكة، وتروى على رؤوس الناس، ولو كان هذا منكرًا لأنكروه، فدل على اعتقادهم ذلك "مجموع الفتاوى" 4/ 371، ومن هؤلاء الذين تحدثوا في هذه المسألة: إمام أهل السنة أحمد بن حنبل فقد كان يقول: بنو آدم أفضل من الملائكة ويقول أيضًا: يخطئ من فضل الملائكة، ومنهم الإمام أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي، فقد قال: الصحيح تفضيل الأنبياء والصالحين على الملائكة، والملائكة أفضل من الفسقة، وقال أيضًا: الأنبياء أفضل من الملائكة، وجبريل وإسرافيل وميكائيل أفضل من الأولياء. انظر: "لوامع الأنوار" 2/ 198 - 399. وقد ذهب ابن تيمة إلى تفضيل صالحي البشر على الملائكة، وذكر ثلاثة عشر دليلًا على ذلك؛ ثم قال: فهذا -هداك الله- وجه التفضيل بالأسباب المعلومة، ذكرنا أنموذجًا نهجنا به السبيل ، وفتحنا به الأبواب إلى درك =]]، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما لا يستحب الكلام في المخايرة بين الأنبياء؛ لنهي رسول الله -ﷺ- عن ذلك فقال: "لا تخايروا بين الأنبياء و [[لم يتبين لي إن كانت هذه الواو عاطفة لمقطعين أو لحديثين، وهو الأرجح لعدم ورود حديث واحد يجمع بين النهي عن التخيير بين الأنبياء والنهي عن تفضيل رسولنا -ﷺ- على يونس عليه السلام -فيما وقفت عليه في كتب التخريج- ولم أجد هذا التركيب إلا ما ذكر ابن كثير -على سبيل الحكاية- في "البداية والنهاية" 1/ 237، قال: حيث قد ورد في بعض الأحاديث: "لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى". أما على اعتبار أنهما مقطعين لحديثين فقد وردت عدة == روايات للمقطعين كل على حدة؛ فمن روايات المقطع الأول: قول رسول الله -ﷺ-: "لا تخيروا بين الانبياء" أخرجه مسلم (2373/ 160) كتاب: الفضائل، باب: فضائل موسى 4/ 1845، عن أبي سعيد الخدري، وأبو داود (4669) كتاب: السنة، باب: في التخيير بين الأنبياء 5/ 51، و"مشكل الآثار" 1/ 452، و"شرح السنة": كتاب: الفضائل، باب: فضائل سيد الأولين والآخرين 13/ 204، وورد برواية: (لا تفضلوا بين أنبياء الله) في: "مشكل الآثار" 1/ 452، و"دلائل النبوة" للبيهقي 5/ 492، و"شرح السنة" 13/ 204. أما المقطع الثاني: قوله -ﷺ-: (لا تفضلوني على يونس بن متى) فقد ورد في "الشفا" 1/ 265، و"إتحاف السادة المتقين" للزبيدى 2/ 105، و"مناهل الصفا" ص 22. قال السيوطي: لم أقف عليه بهذا اللفظ، والذي في صحيح البخاري: (لا يقولن أحدكم أني خير من يونس بن متى). وفي الصحيحين من حديث ابن عباس وأبي هريرة: (ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى). ولأبي داود من حديث عبد الله بن جعفر: (لا ينبغي أن يقول أنا أفضل من يونس بن متى). انظر الروايات الأخرى بنحوها في: "صحيح البخاري" (3413) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب قوله: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ومسلم (2376)، (2377) كتاب: الفضائل، باب: في ذكر يونس -عليه السلام-، و"دلائل النبوة" للبيهقي 5/ 494.]] لا تفضلوني على يونس بن متى"، وحديث اليهودي الذي قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر فَلُطم، ثم أتى النبيّ -ﷺ-، مشهور في الصحيح [[ونصه؛ قال رسول الله -ﷺ-: "لا تخيروني على موسى، فإن الناس يَصْعَقُون يوم القيامة، فأكون أول من يُفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صَعِق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله"، ولهذا الحديث عدة روايات، أخرجه أحمد 3/ 41، والبخاري في عدة أماكن، منها (3408) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: وفاة موسى، الرقاق باب: نفخ الصور (7472) كتاب: التوحيد باب: في المشيئة والإرادة، ومسلم (2373/ 160) كتاب: الفضائل ، فضائل موسى، وأبو داود: السنة: باب: في التخيير بين الأنبياء، و"دلائل النبوة" للبيهقي 5/ 493، وورد في "الشفا" 1/ 439، و"الكنز" 11/ 507.]]، فالأحسن التأدب بأدب رسول الله -ﷺ-، ومِثلُ هذه الطريقة حَسَنٌ في الصحابة، بترك الخوض في تفضيل بعضهم على بعض [[دلَّت نصوص القرآن على وجود التفاضل بين الناس، كما في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 21]، كما وردت نصوص في الكتاب والسنة تدل على وقوع التفاضل بين الصحابة -رضي الله عنهم-، لذلك ذهب أهل السنة والجماعة إلى القول بالتفاضل بين الصحابة -رضي الله عنهم- عمومًا والخلفاء الأربعة خصوصًا، بعد إثبات فضيلة الصحبة لكل صحابي. يقول شيخ الإسلام -في بيان أصول أهل السنة والجماعة في الصحابة-: ويقبلون ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع؛ من فضائلهم ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل الفتح وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة- كما أخبر النبي -ﷺ-. بل قد -رضي الله عنهم- ورضوا عنه .. ، ويقرون بما تواتر به النقل عن علي -رضي الله عنه- وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي -رضي الله عنه- كما عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة -رضي الله عنهم- على تقديم عثمان في البيعة. انظر: "مجموع الفتاوى" 3/ 152، 4/ 421.]]، وإن كنت تعلم بالدليل والاعتقاد ما تعلم [[الظاهر من كلام الواحدي -رحمه الله- إثبات التفاضل على النحو السابق، لكنه يرى عدم الخوض في هذه المسألة على سبيل التعصب لأحدهم مما قد يؤدي معه إلى انتقاص الآخرين.]]، فالأحسن ترك الخوض والإبلاغ، والجري على مثل عادة بعضهم مع بعض.
الإسراء 17:71
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال أبو إسحاق: يعني به يوم القيامة، وهو منصوب على معنى: اذكر يوم ندعو، قال: وجوز أن يكون منصوبًا بمعنى يعيدكم الذي فطركم يوم يدعو [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 252، بنصه تقريبًا.]].
قال أبو علي الفارسي: الظرف ها هنا بمنزلة إذا؛ لأنه لا يجوز أن يكون العامل فيه ما قبله من قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾؛ لأنه فعل ماض، وليس العامل أيضًا يدعو؛ لأنه فعل مستقبل، فإذا لم يكن في هذا الكلام فعل ظاهر يتعلق به الظرف تعلق بما دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [[لم أقف عليه، وذُكر هذا القول في:"الإملاء" 2/ 94، و"البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 94.]]؛كما أن قوله: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: 82] على تقدير: أإذا متنا بعثنا، كذلك هاهنا يُجعل الظرفُ بمنزلة إذا، فيصير التقدير: إذا دُعي كل أناس لم يُظْلموا، ومثل هذا سُوّي قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ الآية [فصلت: 19].
وقوله تعالى: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ الإمام في اللغة معناه: كل من ائتَمَّ به قوم كانوا على هدى أو ضلالة، والنبيّ إمام أُمّته، والخليفة إمام رعيته، والقرآن إمام المسلمين، وإمام الغلام في المكتب: ما يتعلمه كل يوم [[ورد في "تهذيب اللغة" (أم) 1/ 205، بنصه، انظر: "العين" (أمم) 8/ 428، و"مقاييس اللغة" 1/ 28، و"اللسان" (أمم) 1/ 133.]]، واختلفوا في معنى الإمام هاهنا، فروى معمر عن قتادة، وشبل عن أبي نجيح عن مجاهد: بنبيهم [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 382 بلفظه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 126 بلفظه عنهما من طرق، وورد بلفظه في "تفسير الجصاص" 3/ 205، عنهما، و"السمرقندي" 2/ 277، عن مجاهد، و"الثعلبي" 7/ 114 ب، و"الماوردي" 3/ 258، و"الطوسي" 6/ 504، عنهما، و"الدر المنثور" 4/ 351 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن مجاهد.]]، ورُوي ذلك مرفوعًا عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- [[لم أقف عليه مسندًا، وورد عنه بلفظه في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب ،"الفجر الرازي" 21/ 17.]].
ويكون المعنى على هذا: أن ينادي يوم القيامة فيقول: هاتوا متبعي إبراهيم، هاتوا متبعي في موسى، هاتوا متبعي محمد -ﷺ-، فيقوم أهلُ الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم يقال: هاتوا متبعي الشيطان، هاتوا متبعي الطغاة في عبادة الأوثان، هاتوا متبعي رؤساء الضلالة في اعتقاد الجهالة، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: إمام هدى أو إمام ضلالة [[ورد في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 252 بنصه، و"تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب، بنحوه، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 263، بنصه، و"البغوي" 5/ 109، و"ابن الجوزي" 5/ 64، و"الدر المنثور" 4/ 351 وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.]]، ونحو هذا روى علي بن أبي طلحة فقال: بأئمتهم في الخير والشر [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه.]].
وقال في رواية أبي صالح: برئيسهم [[ورد في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 260 بلفظه (ضعيفة)، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 64.]]، ويدخل في هذا كل من كانوا يأتمون به في الدنيا، وعلى هذا التفسير قال أبو علي: الباء في بإمامهم تكون على ضربين؛ أحدهما: أن تكون متعلقة بالفعل الذي هو ندعو في موضع المفعول الثاني؛ كأنه قيل: ندعو كل أناس بكونهم تبعة وشيعة لإمامهم؛ كما تقول: أدعوك باسمك، فيكون كقولك: أدعوك زيدًا، ويجوز أن تتعلق بمحذوف، ذلك المحذوف في موضع الحال؛ كأنه ندعو كل أناس مُخَلَّطين بإمامهم، أي يُدعون وإمامهم فيهم [[في جميع النسخ: (فيه) والصحيح المثبت؛ لأن الضمير يعود على جمع.]]؛ نحو: ركب شأنه [[أي قصده. "القاموس" (شأن) ص 1208.]]، وجاء في جنوده [[لم أقف عليه، وذكر نحوه في "مشكل إعراب القرآن" 2/ 32، و"البيان في غريب == إعراب القرآن" 2/ 94، و"تفسير الفخر الرازي" 21/ 17، و"الإملاء" 2/ 94، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 291، و"الدر المصون" 7/ 390.]]، فيكون الدعاء على هذا الوجه متعديًا إلى مفعول واحد خلاف الوجه الأول.
وقال الضحاك وابن زيد: يعني بكتابهم الذي أنزل عليهم [[أخرجه "الطبري" 15/ 127 بلفظه عنهما، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 177، بلفظه عن الضحاك، و"تفسير الثعلبي" 4/ 117 ب بنصه عنهما، و"الماوردي" 3/ 258 بنصه عن ابن زيد، انظر "تفسير البغوي" 5/ 109.]].
وهو رواية وَرْقَاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 367 بلفظه، وأخرجه "الطبري" 15/ 127 بلفظه، وورد بلفظه في: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 252، و"تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 59.]]، ونحوه قال أبو صالح [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 109، بنصه.]].
ويكون المعنى على هذا: أن ينادى يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، وتقدير الباء على ما ذكرنا.
وقال الحسن: بكتابهم الذي فيه أعمالهم [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 382، بنصه، و"الطبري" 15/ 127، بنصه، وورد في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 260، بنصه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 177 - بلفظه، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 32، بنصه، و"تفسير الجصاص" 3/ 205، بنحوه، و"السمرقندي" 2/ 277، بنصه.]]، وهو قول الربيع وأبي العالية [[أخرجه "الطبري" 15/ 127 بلفظ بأعمالهم عنهما، وورد بهذا اللفظ في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 434، عن أبي العالية، و"تفسير السمرقندي" 2/ 277،عن أبي العالية، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 109؛ عن أبي العالية.]]، وابن عباس في رواية عطية قال: إمَامُه ما عمل وأملى فكُتب عليه [[أخرجه "الطبري" 15/ 126 بنصه (ضعيفة)، وورد في "الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه.]]، وعلى هذا سُمِّي الكتاب إممامًا [لأنه يؤتم بما أحصاه، قاله ابن قتيبة [["تأويل مشكل القرآن" ص 459، بنحوه.]]، وهذا كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12] فسمى الكتاب إمامًا) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]]، وأما تقدير الباء على هذا القول، فهو بمعنى مع، أي يدعى كل أناس ومعهم كتابهم، كقولك: ادفعه إليه برُمَّته [[الرُّمّة: هي القطعة من الحبل، وأصله البعير يُشد في عنقه حبل، فيقال أعطاه البعير برُمَّته، قال الجوهري: أصله أن رجلاً دفع إلى رجل بعيرًا بحبل في عنقه، فقيل ذلك لكل من دفع شيئًا بجملته.
انظر: "المحيط في اللغة" (رم) 10/ 216، و"الصحاح" (رمم) 5/ 1936، و"اللسان" (رمم) 3/ 1736.]]، أي ومعه رُمَّته، قاله أبو علي [[لم أقف عليه.]]، وهذا القول اختيار أبي إسحاق، قال: ويدل عليه سياق الآية [[ليس في معانيه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، الفتيل: القشرة التي في شق النواة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء وعكرمة [[ورد في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 252، بنحوه من طريق عكرمة (جيدة).]]، وهو قول أكثر المفسرين [[أخرجه بنحوه عن قتادة: "عبد الرزاق" 2/ 382، و"الطبري" 15/ 127، وورد بنحوه في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 260، و"نزهة القلوب" ص 351، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 177، و"المفردات" ص 623، و"تفسير المشكل" ص 230، و"تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه.]].
وأهل اللغة قالوا: وهذا يضرب مثلًا للشيء الحقير التافه [[ورد في "تهذيب اللغة" (فتل) 3/ 2738 بنصه، انظر: (فتل) في "مقاييس اللغة" 4/ 472، و"الصحاح" 5/ 1788، "اللسان" 6/ 3344.]]، ومثله: القطمير والنقير في ضرب المثل به، والمعنى: لا يُنْقَصون من الثواب بمقدار فتيل. قال عطاء عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، يريد. لا يُنقصون فتيلًا من الثواب، وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الفتيل: ما خرج بين إصبعك فتفتله؛ كالشيء الحقير [[ورد في "تهذيب اللغة" (فتل) 3/ 2738، بنحوه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 18، و"تنوير المقباس" ص 303.]]، وهو فعيل، من الفتل.
الإسراء 17:72
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ الآية. قال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية، فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ إلى قوله: ﴿تَفْضِيلًا﴾ فقال ابن عباس: من كان أعمى في هذه النِّعَم -التي قد رأى وعاين- فهو في أمر الآخرة -التي لم ير ولم يعاين- أعمى وأضل سبيلًا [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 177، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 110، و"ابن الجوزي" 5/ 66، و"الفخر الرازي" 21/ 18، و"القرطبي" 10/ 298، و"الدر المنثور" 4/ 357 وعزاه إلى الفريابي وابن أبي حاتم، من طريق عكرمة جيدة.]].
وروى أبو رَوْق عن الضحاك عن ابن عباس قال: من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب، فهو عما وصفت لك في الآخرة ولم تره أعمى وأضل سبيلا [[أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص 36، 56 بنصه من طريق الضحاك، (منقطعة)، ورد بمعناه في: "تفسير الجصاص" 3/ 205، و"الطوسي" 6/ 504، انظر: "تفسير == ابن عطية" 9/ 150، و"ابن الجوزي" 5/ 66، و"الفخر الرازي" 21/ 19، و"القرطبي" 10/ 128، و"الدر المنثور" 4/ 352 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، يقول: وأبعد حجة، قال قتادة: من عاين الشمس والقمر فلم يؤمن فهو أعمى عما يغيب عنه أن يؤمن به [[أخرجه "الطبري" 15/ 128 بمعناه، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 55، بنحوه، وورد بمعناه في: "تفسير الجصاص" 3/ 205، و"السمرقندي" 2/ 278، و"الطوسي" 6/ 504، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 150، و"ابن كثير" 2/ 59.]]؛ هذا قول المفسرين في هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿في هَذِهِ﴾ الإشارة إلى النِّعَم التي ذكرها على رواية عكرمة، وبه قال السدي [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 66.]]، وعلى قول الآخرين: الإشارة إلى الدنيا [[وقد رجح هذا القول "الطبري" 15/ 129، و"ابن عطية" 9/ 151.]]، وبه قال مجاهد [[أخرجه "الطبري" 15/ 128 بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير الجصاص" 3/ 205، و"السمرقندي" 3/ 277، و"الطوسي" 6/ 505، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 150، و"ابن الجوزي" 5/ 65، و"ابن كثير" 2/ 59.]].
وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ﴾، أي: في أمرها على تقدير المضاف، وقال الحسن: من كان في الدنيا ضالًّا كافرًا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً؛ لأنه [[في (أ)، (د): (الآية)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.]] في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته [[ورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 433 - بمعناه، و"الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 110، و"ابن الجوزي" 5/ 66، و"الفخر الرازي" 21/ 19، و"القرطبي" 10/ 298.]].
واختار أبو إسحاق هذا القول، فقال: تأويله أنه إذا عَمِيَ في الدنيا وقد عَرَّفَه الله الهدى وجعل له إلى التوبة وُصْلَةً، وفَسَحَ له في ذلك إلى وقت مماته، فعمي عن رشده ولم يَتُبْ، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ ، أي: أشد عمى، ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لأنه لا [[في (د): (لم).]] يجد طريقًا إلى الهداية [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 253، بتصرف يسير.]].
وقال أبو علي: معنى قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾، أي: أشد عمى، إنه في الدنيا كان مُمَكَّنًا من الخروج عن عَمَاه بالاستدلال، ولا سبيل له في الآخرة إلى الخروج من عماه؛ لأنه قد حصل على عمله، ولذلك قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لأن ضلاله في الآخرة لا سبيل له إلى الخروج منه [["الحجة للقراء" 5/ 113، بتصرف.]].
وعلى هذا القول: لا يُحتاج إلى تقدير المضاف في قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾، وهذا قول الحسن وقتادة؛ روينا ذلك عنه في مسند التفسير، والعمى في الآية المراد منه: عمى القلب، ولذلك جاز ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ بمعنى أشد عمى، ولو كان من عمى العين لم يجز أعمى بمعنى أشَدَّ عمى.
قال الفراء: [العرب إذا قالوا: هو أفعل منك، قالوه فيما كان فعله على ثلاثة أحرف، فإذا زاد على ثلاثة أحرف لم يقولوا: هو أفعل منك، حتى يقولوا: هو أشدّ حمرة منك؛ لأنه يقال في الفعل منه: أحمر، وأما في العمى فإنه يقال: فلان أعمى من فلان في القلب، ولا يقال: هو أعمى منه في العين؛ وذلك أنه لما جاء على مذهب أحمر وحمراء تُرك فيه أفعل منه كما ترك] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د)]] في كثير من أشباهه.
قال: وبعض النحويين يقول: أجيزه في الأعمى والأعشى والأعرج والأزرق [[هذه من مسائل الخلاف المشهورة بين البصريين والكوفيين، فذهب الكوفيون إلى جواز استعمال ما أفعله في التعجب من البياض والسواد خاصة من بين سائر الألوان، وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز فيهما كغيرهما من سائر الألوان. انظر التفصيل حول هذه المسألة في: "الإنصاف" ص 124، و"شرح المفصل" 6/ 93، و"المقرب" 1/ 72، و"الخزانة" 8/ 230.]]؛ لأنا نقول: عَمِي وزَرِق وعَرِج وعَشِي، ولا نقول: حَمِر ولا بَيِض ولا صَفِر.
قال الفراء: وليس ذلك بشيء؛ إنما يُنظر في هذا إلى ما يجوز أن يكون أقل أو أكثر، فيكون أفعل دليلًا على قلة الشيء وكثرته، ألا ترى أنك تقول: فلان أجمل من فلان؛ لأن جماله يزيد على جماله، ولا تقول للأعشى: هذا أعمى من ذلك، ولا لميتين هذا أموت من ذا، فأمّا قول الشاعر [[هو طرفة بن العبد (جاهلي).]]:
أمَّا الملوكُ فأنتَ اليومَ ألأَمُهُم ... لُؤمًا وأبيضُهُم سِرْبالَ طبَّاخِ [["ديوانه" ص 18، و"اللسان" (بيض) 1/ 397، وورد بلا نسبة في "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 379، "تفسير الثعلبي" 4/ 117 ب، و"الطوسي" 6/ 505، و"القرطبي" 10/ 299، و"اللسان" (عمي) 5/ 3115، و"شرح التصريح" 1/ 324، وله رواية اخرى استشهد بها النجاة في باب أفعل التفضيل، وهي:
إذا الرجالُ شتَوْا واشتدَّ أَكلهمُ ... فأنت أبيضهُم سربالَ طبَّاخِ
ورد هذه الرواية في: "الإنصاف" ص 124، و"شرح المفصل" 6/ 931، و"المقرب" 1/ 73، و"الخزانة" 8/ 230.]]
فهو شاذ؛ هذا كلامه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 128، نقل طويل تصرف فيه.]]، وعلى هذا التحديد إنما يجوز أن يقال: أفعل منك فيما يكون فعله على ثلاثة أحرف، وذلك الشيء مما يقل ويكثر، وما عدا هذا فإنما يقال فيه: أفعل منه، شاذًّا.
وقرأ أبو عمرو ﴿فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ بكسر الميم، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ بفتح الميم [[انظر: "السبعة" ص 383، و"علل القراءات" 1/ 325، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 378، و"الحجة للقراء" 5/ 112، و"المبسوط في القراءات" ص 229.]]، قال أبو علي الفارسي: أمال الألف من الكلمة الأولى ولم يملها من الثانية؛ لأنها بمعنى أفعل من كذا، مثل أَبْلَه من فلان، وليست عبارة عن الموؤفِ [[في (ش)، (ع): (المألوف)، وفي هامش (ش) كتب: (أحسبه المؤوف).]] الجارحةِ المصاب ببصره، فإذا كان كذلك لم تقع الألف في آخر الكلمة؛ لأن آخرها إنما هو من كذا، وإنما تحسنُ الإمالةُ في الأواخر؛ لأنها موضع الوقف، والألف تخفى في الوقف، فإذا أمالها نحا بها نحو الياء ليكون أظهر لها وأبين، ومما يقوِّي ذلك أن من العرب من يقلب هذه الألفات ياءات في الوقف فيقول: أَفعي، بإظهار الياء في اللفظ، وحُبْلي، وقد حذف في الآية من أفعل -الذي هو للتفضيل- الجار والمجرور، وهما مرادان في المعنى مع الحذف، وذلك نحو قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7]، المعنى: وأخفى من السر، فلذلك قوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾، أي: منه في الدنيا.
ومعنى العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إلى طرق الثواب، ويدل على أن المراد بقوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾: أشد عمى، قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فكما أن هذا لا يكون إلا على أفعل من كذا، كذلك المعطوف عليه، انتهى كلامه. [["الحجة للقراء" 5/ 112، وهو نقل طويل تصرف فيه بالحذف والإضافة والتقديم والتأخير والاختصار.]] فأراد أبو عمرو أن يفرق بين ما هو اسم وبين ما هو بمعنى أفعل منه، فغاير بينهما بالإمالة وتركهما.
الإسراء 17:73
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في وفد ثقيف، أتوا رسول الله -ﷺ- فسألوه شططًا، وقالوا: متعنا باللات سنة وحرّم وادينا كما حَرَّمت مكة، شجرها وطيرها ووحشها، فأبى ذلك رسول الله -ﷺ- ولم يجبهم، فأقبلوا يردون على النبيّ -ﷺ- مسألتهم ويكررون، وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن كرهت ما نقول وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل: الله أمرني بذلك، فأمسك رسول الله -ﷺ- عنهم وداخلهم الطمع، فصاح عليهم عمر -رضي الله عنه-: أما ترون رسول الله قد أمسك عن جوابكم كراهية لما تجيئون [[في جميع النسخ: (تحبون) والتصويب من أسباب النزول للمؤلف.]] به، وقد هَمّ رسول الله -ﷺ- ليعطيهم ذلك فأنزل الله هذه الآية. [[أخرجه "الطبري" 15/ 130 مختصرًا من طريق العوفي (ضعيفة)، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 115 أ، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 259 مختصرًا، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 297 بنصه -بلا سند- من طريق عطاء (منقطعة)، انظر: "تفسير البغوي" 3/ 111، و"ابن الجوزي" 5/ 67، و"الفخر الرازي" 21/ 20، والأثر ضعيف من الطريقين؛ طريق العوفي وعطاء.]]
قال أبو إسحاق: معنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت (إن) واللام للتوكيد [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 253، بنصه.]]، وذكرنا معنى (إن) إذا دخل على الفعل أنها مخففة من الثقيلة في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: 46]، وقيل: إنه بمعنى قد، وقد مرّ هذا في مواضع [[في (أ)، (د). (موضع).]]، ومعنى كادوا: هَمّوا وقاربوا ذلك.
وقوله تعالى: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾، أي: ليستزلونك عن الذي أوحينا إليك، أي: يزيلونك ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك، يعني القرآن، والمعنى عن حكمه، وذلك في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن.
وقوله تعالى: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾، أي: لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، وهو قولهم: قل: الله أمرني بذلك، ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾، قال أبو إسحاق: أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك [[في (أ)، (د): (اتخذوك).]] (خليلاً.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾، أي: على الحق بعصمتنا إياك، ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] إِلَيْهِمْ﴾، أي: تميل، ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾، شيئًا: عبارة عن المصدر، أي ركونًا قليلاً.
قال ابن عباس: يريد: حيث سكت عن جوابهم، والله أعلم بنيته [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 68، بنصه، و"الفخر الرازي" 21/ 21.]].
وروي عن قتادة: أن النبيّ -ﷺ- قال -لما نزلت هذه الآية-: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين" [[أخرجه "الطبري" 15/ 131 بنصه، وورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 115 ب، و"الماوردي" 3/ 260، و"الطوسي" 6/ 507، و"البغوي" 15/ 112، و"الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف" [ذيل الكشاف] 4/ 101، وهذا الأثر مرسل كما قال ابن حجر، وورد في "المجمع" 10/ 181 متصلاً عن ابن عمر، وقال رواه البزار -لم أجده- وفيه راوٍ متروك، وورد في: "كشف الخفاء" 1/ 217، و"الكنز" 2/ 186، وورد نحوٌ من هذا الدعاء ضمن حديث أبي بكرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله". أخرجه أحمد 5/ 42، والبخاري في "الأدب المفرد": باب الدعاء عند الكرب، ص 242، وأبو داود (5090) في الأدب، باب ما يقول أذا أصبح، وحسنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" ص 242 (701).]].
الإسراء 17:75
ثم توعده في ذلك أشدّ التوعد لو فعله، فقال: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ}، أي: ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، قال ابن عباس والمفسرون كلهم [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 218 أ، بنصه، وأخرجه "عبد الرزاق" 2/ 383 بنصه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 131 بنصه عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن قتادة ومجاهد والضحاك، وورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 179، و"تفسير السمرقندي" 2/ 279، عن ابن عباس ومجاهد وأبي الشعثاء، و"تفسير الثعلبي" 7/ 115 ب، والماوردي 3/ 260، و"الطوسي" 6/ 506 في الأخيرين عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك.]]، ومعنى ضِعفِ العذاب: ضِعفُ ما يعذب غيره.
قال أبو إسحاق: لأنه نبيّ يضاعف له العذاب على عذاب غيره لو جنى هذه الجناية؛ كما قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: 30] لأن درجة النبيّ -ﷺ- ودرجة آله الذين وصفهم الله فوق في درجة غيرهم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 254، بنصه تقريبًا.]]، قال ابن عباس: ورسول الله معصوم، ولكن هذه مخاطبة لأمته لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 300، و"أبي حيان" 6/ 65، وحمل الآية على ظاهرها أولى، ولها نظائر في القرآن وهو ما أشار إليه "الطبري" 15/ 131، و"البغوي" 5/ 112، و"القرطبي" 10/ 301]].
الإسراء 17:76
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. قال قتادة: هَمَّ أهلُ مكة بإخراج نبي الله -ﷺ- من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نوظروا؛ ولكن الله كَفَّهم عن إخراجه [[في جميع النسخ. إخراجهم والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يعود على الرسول -ﷺ-.]] حتى أمره الله بالخروج، ولَقَلَّ ما لبثوا بعد خروج النبيّ -ﷺ- من مكة حتي بعث الله عليهم القتل يوم بدر [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 383 - بمعناه، و"الطبري" 15/ 132، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 115 ب، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 261 - مختصرًا، و"الطوسي" 6/ 508 - مختصرًا، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 298 مختصرًا، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 353 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وهذا قول مجاهد [[أخرجه "الطبري" 15/ 133 بمعناه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 115 ب، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 508 مختصرًا، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 298 مختصرًا.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: حسدت اليهود مقام النبيّ -ﷺ- بالمدينة فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام فإن كنت نبيًا فالحق بها، وإن خرجت إليها صدقناك وآمنا بك، فوقع ذلك في قلبه لما يحب من إسلامهم، فرحل من المدينة على مرحلة، فأنزل الله هذه الآية [[أورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 298 بنصه -بلا سند- بهذه الرواية (منقطعة)، وقد ضعف هذا القول ابن عطية، وقال: وهذا ضعيف لم يقع في سيرة ولا كتاب يعتمد عليه. كما ضعف ابن كثير القولين قائلاً: قيل: نزلت في اليهود إذ أشاروا على رسول الله -ﷺ- بسكنى الشام بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة بعد ذلك، وقيل إنها نزلت بتبوك، وفي صحته نظر. انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 157، و"ابن كثير" 3/ 60.]]، وهذا قول الكلبي وعبد الرحمن بن غنم، واختيار الفراء [[أخرجه البيهقي في "الدلائل" 5/ 254، عن ابن غنم بزيادة منكرة؛ هي: فصدَّق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله الآية، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 115 ب، بنحوه عنهما، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 298، بنحوه عن ابن غنم، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 112، عن الكلبي، وذكره ابن كثير3/ 60 وقال: وفي هذا الإسناد. نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي -ﷺ- لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالاً لقوله== تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [التوبة: 29]، وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه، والله أعلم. وأورده السيوطي في "لباب النزول" ص 139 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وقال: هذا مرسل ضعيف الإسناد وله شاهد من مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم.
وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، اختلف في صحبته، فأثبت له الصحبة البخاري وابن لهيعة والليث ورجحه ابن حجر، وذكره ابن سعد وابن حبان في ثقات التابعين ورجحه ابن عبد البر وابن الأثير، وقالا: كان مسلمًا على عهد النبي -ﷺ- ولم يره، ولم يفد عليه، وقال الذهبي: ويحتمل أن تكون له صحبة، ويعرف بصاحب معاذ، لملازمته له، وهو أفقه أهل الشام، وكانت له جلالةٌ وقَدْر، مات سنة (78 هـ).
انظر: "الاستيعاب" 2/ 390، و"أسد الغابة" 3/ 482، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 45، و"الإصابة" 2/ 417، و"تهذيب التهذيب" 2/ 543، انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 129.]].
والقول الأول اختيار أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 154.]]، وهو الوجه؛ لأن السورة مكية؛ [[وهو ما رجحه جمهور المفسرين، وقال الطبري: لأن الآية جاءت في سياق خبر الله -عز وجل- عن قريش وذكره إياهم، ولم يجر لليهود قبل ذلك ذكر ... فهو بأن يكون خبرًا عمن جرى له ذكر أولى من غيره. "تفسير الطبري" 15/ 133.]]، فإن صح القول الثاني كانت الآية مدنية، وقد قال عبد الرحمن بن غنم: هذه الآية أنزلت بعد ما ختمت السورة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 115 ب، بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 301، وهو بهذا القول يؤكد مدنية السورة؛ وفي القرطبي زيادة بيان وهو قوله: وأنها نزلت في تبوك.]]، والأرض في قوله: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ على القول الأول: مكة، وعلى القول الثاني: المدينة، وكثر في التنزيل ذكر الأرض، والمراد منها مكان مخصوص؛ كقوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] يعني: من حيث كانوا يتصرفون فيه لمعاشهم، وقوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ [يوسف: 80] يعني: الأرض التي كان قَصَدَها للامتيار [[في جميع النسخ: (الامتيار)، والتصويب من الحجة للقراء. (المِيرَةُ): جلب الطعام للبيع وللعيال، قال الأصمعي: يقال: ماره يَمُورُه إذا أتاه بمِيرة؛ أي بطعام. أنظر: (مير) في "المحيط في اللغة" 10/ 285، و"اللسان" 7/ 4306.]] منها، ومثله كثير [[ورد نحوه في "الحجة للقراء" 5/ 115.]].
فإن قيل: أليس قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: 13] يعني مكة، والمراد أهلها فذكر أنهم أخرجوه، وقال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ فكيف الجمع بينهما، على قول من قال: الأرض في هذه الآية: مكة؟! قلنا هَمُّوا وقصدوا إخراجه، كما قال الله -عز وجل-: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوك﴾ [الأنفال: 30]، ثم قبل أن يُتِمُّوا ذلك أمر الله تعالى نبيه -عليه السلام- بالخروج، فخرج منها بأمر الله خائفًا منهم ومن مكرهم، وكان خروجه بأمر الله سببًا لسلامته مما كانوا يدبرونه فيما بينهم، ألا ترى أن قتادة قال: هموا بإخراجه ولو فعلوا ذلك ما نوظروا على ما حكينا عنه في هذه الآية، وجاز إضافة الإخراج إليهم في قوله: ﴿أَخْرَجَتْكَ﴾؛ لأنهم هموا بذلك وأُمر بالخروج منها لقصدهم إخراجه، فلما كانوا سببًا في خروجه أضيف ذلك إليهم.
﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أعلم الله أنهم لو فعلوا ذلك لم يلبثوا بعده إلا قليلاً، أي لو أخرجوك لاستأصلناهم كسنتنا فيمن قبلهم، وقرئ ﴿خَلَفكَ﴾ [[بفتح الخاء وسكون اللام، قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر.
انظر: "السبعة" 383، و"علل القراءات" 1/ 326، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1380، و"الحجة للقراء" 5/ 113، و"المبسوط في القراءات" ص 230.]]، و ﴿خَلَفكَ﴾ [[بكسر الخاء وفتح اللام وبعدها ألفٌ، قرأ بها: ابن عامر حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. (المصادر السابقة).]]، وهو في القراءتين جميعًا على تقدير حذف المضاف كأنه؛ لا يلبثون بعد خروجك.
وزعم الأخفش: أن خلافك في معنى خلفك، وروى ذلك يونس عن عيسى [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 113 بنصه، وزاد: وأن معناه: بَعْدَكَ]]، وهذا كقوله: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 81]، وقد مرّ.
قال أبو علي الفارسي: الآية على تقدير حذف المضاف؛ كقول ذي الرُّمَّة:
له واحفٌ فالصُّلْبُ حتى تَقَطَّعَتْ ... خِلَافَ الثُّرَيَّا من أرِيكٍ مآرِبُه [["ديوانه" 2/ 842، وورد في: "الحجة للقراء" 5/ 114، (واحف والصلب): هما موضعان للرعي، (خلاف الثريا): يريد بعد طلوع الثريا، (أريك): اسم جبل بالبادية، يقول: تقطعت حوائج هذا الحمار من هذا الموضع؛ لأنه يبس مرعاه، فتحوَّل إلى غيره.]]
المعني: خلاف طلوع الثريا [["الحجة للقراء" 5/ 114، بنصه تقريبًا.]] ،وذكرنا الكلام في إذا وإلغائها في سورة النساء [[أشار الواحدي -رحمه الله- في سورة النساء: [67] أنه استوفى الكلام في أحكام (إذًا) عند قوله تعالى: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [آية: 53]، وهذه الآية داخلة في السقط الذي وقع في التفسير.
وقد ذكر السمين ثلاثة أوجه في رفع ﴿لَا يَلْبَثُونَ﴾ وإعمال (إذًا) فقال: == أحدهما: أنها توسطت بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون ﴿لَا يَلْبَثُونَ﴾ عطفًا على قوله ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾.
الثاني: أنها متوسطة بين قسمٍ محذوفٍ وجوابه فألغيت لذلك، والتقدير: ووالله إذا لا يلبثون.
الثالث: أنها متوسطة بين مبتدأ محذوف وخبره، فألغيت لذلك، والتقدير: وهم إذًا لا يلبثون.
وفي قراءة أبي شاذًا (لايلبثوا) على إعمال (إذا) ووجه النصب أنه لم يجعل الفعل معطوفًا على ما تقدم ولا جوابًا ولا خبرًا؛ لأنه قد يقع مستأنفًا، والتقدير: إن فعلوا ذلك إذا لا يلبثوا خلافك. انظر: "الدر المصون" 7/ 394، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 293، و"القراءات الشاذة" لابن خالويه ص 80.]].
الإسراء 17:77
قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا﴾ قال الفراء: نصب سُنّة على العذاب المضمر، أي يعذبون كسنة من قد أرسلنا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 129، بنصه.]].
وقال الزجاج: سُنَّة منصوب بمعنى لا يلبثون [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 255، بمعناه]]، هذا كلامهما ويحتاج إلى شرح وبيان في هذا، وهو أن يقول: سُنَّة منصوبة؛ لأنها وضعت موضع المصدر، ومعنى السنّة هاهنا: التعذيب، وتأويل الآية: أنهم يعذبون تعذيب الأمم قبلهم إذا أخرجوا رسلهم أو قُتلوا، ودل قوله: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾: على تعذيبهم، وكأنه قيل: وإذًا يعذبون تعذيب غيرهم، ومعنى قول الزجاج: سُنَّة منصوب بمعنى لا يلبثون، هو ما ذكرنا من أنه يدل على يعذبون، ومعنى قول الفراء: أنه منصوب بالعذاب المضمر هو هذا سواء، فاعرفه فإنه مشكل الظاهر.
وقال صاحب النظم: أضاف هذه السنة إلى الرسول، والسنة لله -عز وجل- كما قال في أثره: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾، وإنما حسن أن ينسبها إلى الرسل؛ لأنه من أجلهم سَنَّها، فأضافها إليهم، هذا كلامول، وهو على ما قال، فإن التعذيب يقع بالأمم لا بالرسل، ولكن أضيف إلى الرسل لما كان بسببهم ومن أجلهم، وتحقيق هذا أن يقال: إنه حذف المضاف، على معنى: سنة أمم من قد أرسلنا، فحذف المضاف، وحَسّن حذف المضاف هاهنا ما ذكره صاحب النظم، وهو: أن هذه السنة كانت لأجلهم، يدل على صحة ما ذكرنا قول ابن عباس والمفسرين في هذه الآية.
قال ابن عباس: يريد هذه سنتي فيمن كذب أوليائي، وتَقوَّل عليّ الباطل.
وقال سفيان بن عيينة: يقول: لم نرسل قبلك رسولاً فأخرجه قومه إلا أُهلكوا [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 530، بنصه.]].
وقال أبو إسحاق: يقول: إنا سننا هذه السُّنّة فيمن أرسلنا قبلك إليهم أنهم إذا أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم وقتلوه [[في (ش): (قتلوهم)، وفي (ع): (قتلوا).]]، لم يلبثهم العذاب أن ينزل بهم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 255، بنصه.]]، والسُّنّة لله -عز وجل- في الأمم، ولما كان المراد بالسُّنّة هاهنا التعذيب أضيف مرة إلى المفعول على حذف المضاف -كما بينا-، ومرة إلى الفاعل في قوله: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾، قال ابن عباس: يريد لا خُلف لسُنّتي ولا لقضائي ولا لموعدي [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 530، بنصه.]].
وقال أهل المعاني: أي ما أجرى الله به العادة لم يتهيأ [[في (أ)، (د): (ننهنا).]] لأحد أن يقلب تلك العادة [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 530، بنصه بلا نسبة.]].
الإسراء 17:78
قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ اختلف أهل المعاني والمفسرون في معنى (دلوك الشمس) على قولين؛ أحدهما: أن دلوكها غروبها، وهو اختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 129.]] وابن قتيبة [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 261.]]، واحتج الفراء بقول الشاعر [[نسب لقطرب في: "تفسير القرطبي" 10/ 303، و"اللسان" (برح) 1/ 245.]]:
غُدْوَةً حتى دَلَكَتْ بَرَاحِ [[وصدره:
هذا مَقَامُ قدَمَيْ رَبَاحِ
ورد بلا نسبة في "مجاز القرآن" 1/ 387، و"نوادر أبي زيد" ص 315، و"تفسير الطبري" 15/ 136، و"جمهرة اللغة" 1/ 274، و"الأزمنة والأمكنة" ص 286، و"المخصص" 9/ 25، و"تهذيب الألفاظ" ص 393 وفيه: (اليوم) بدل (غدوة)، و"تفسير الثعلبي" 7/ 116 أ، و"ابن عطية" 9/ 163، و"أبي حيان" 6/ 68، وورد برواية (ذبَّبَ) بدل (غُدْوَة) في "معاني القرآن" للفراء 2/ 129، و"تهذيب اللغة" (برح) 1/ 302، (دلك) 2/ 1220، و"الصحاح" (برح) 1/ 356، و"تفسير الماوردي" 3/ 263، و"شرح المفصل" 4/ 60، و"تفسير القرطبي" 10/ 303، و"اللسان" (برح) 1/ 245، وورد برواية: (للشمس) بدل (غدوة) في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 255، و"تفسير الطوسي" 6/ 509، (رباح): اسم ساقٍ على بئر، قال الفراء: يعني الساقي (ذَبَّب). طرد الناس، (براح)؛ يقول: حتى قال بالراحة على العين، فينظر هل غابت ، وقال "الطبري" 15/ 136: (براج) يروى بفتح الباء فمن روى ذلك بكسرها، فإنه يعني: أشبه يضع الناظركفه على حاجبه من شعاعها == لينظر ما لقي من غبارها، وهذا تفسير أهل الغريب ... ومن روى بفتح الباء، فإنه جعله اسمًا للشمس، (دلكت): مالت للغُيوب.]] أي غابت، واحتج ابن قتيبة بقول ذي الرُّمَّة:
ولا بالآفلات [[في جميع النسخ: (بالأفلاف)، والتصويب من الديوان وجميع المصادر.]] اللّوَالِكِ [[وتمامه كما في "الديوان" 3/ 1734:
مصابيحُ ليست ليست باللَّواتي تقودُها ... نُجومٌ .................
وورد في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 261، و"تفسير الثعلبي" 7/ 116 أ، و"الماوردي" 3/ 262، و"ابن عطية" 9/ 163، و"ابن الجوزي" 5/ 72، و"القرطبي" 10/ 303، و"اللسان" (دلك) 3/ 1412، و"تفسير أبي حيان" 6/ 68، وفي "اللسان" (صبح) 4/ 2389: المصباح من الإبل: الذي يبرك في معرَّسه فلا ينهض حتى يصبح وإن أثير، وقيل: المِصْبَحُ والمِصْباح من الإبل: التي تُصبحُ في مبركها لا ترعى حتى يرتفع النهار، وهو مما يستحب من الإبل؛ وذلك لقوتها وسمنها. والمقصود هنا: أنها من الشبع لا تبالي ألَّا ترحل، (الآفلات): الغائبات.]]
القول الثاني: أن دلوك الشمس زوالها وزيغوغتها عن كبد السماء، والصحابة مختلفون في هذا، فروى نافع وسالم عن ابن عمر قال: دلوك الشمس: زيغها حين تزول [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 384 بمعناه من طريق سالم، وابن أبي شيبة 2/ 44 بمعناه من طريق نافع، و"الطبري" 15/ 135 بمعناه من طريق نافع، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 181 بمعناه من طريقها، و"تفسير السمرقندي" 2/ 280، بنحوه من طريق سالم.]]، هذا قول ابن عباس في رواية داود بن الحصين [[داود بن الحصين، أبو سليمان المدني، مولى عثمان بن عفان ، محدّث مشهور ، ثقة إلا في عكرمة ، رُمي برأي الخوارج، روى عن أبيه والأعرج، وعنه: إسحاق ومالك، مات سنة (135 هـ). == انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 408، و"ميزان الاعتدال" 2/ 195، و"الكاشف" 1/ 379، و"تقريب التهذيب" ص198 (1779).]] قال: دلوكها إذا فاء الفيء [[أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 44) بنصه من هذه الطريق، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 354 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]].
وقال في رواية عطاء: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ يريد لزوالها [[ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 129 - بمعناه، أخرجه "الطبري" 15/ 135 بلفظه من طريق الشعبي، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 508 - بلفظه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 354 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور.]]، ونحو هذا روى مجاهد عنه، وهذا قول الحسن وعمر بن عبد العزيز والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة [["تفسير مجاهد" 1/ 368 بمعناه، وأخرجه "عبد الرزاق" 2/ 384 - بمعناه عن قتادة وعطاء، وابن أبي شيبة 2/ 45، بلفظه عن الشعبي، وبنحوه عن مجاهد، و"الطبري" 15/ 135 بلفظه عن الشعبي عن ابن عباس والحسن وقتادة، وبنحوه عن مجاهد، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 181 بلفظه عن الشعبي عن ابن عباس، و"تفسير السمرقندي" 2/ 280 بمعناه عن قتادة والشعبي عن ابن عباس، و"الثعلبي" 7/ 116 أبلفظه عن مجاهد والحسن وعطاء، و"الماوردي" 3/ 262 - بلفظه عن الشعبي عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، و"الطوسي" 6/ 508، عن الحسن ومجاهد وقتادة.]].
ويدل على هذا ما روي عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله -ﷺ- وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس، فقال النبيّ -ﷺ-: "هذا حين دلكت الشمس" [[أخرجه "الطبري" 15/ 137، بنحوه، من طريق ابن أبي ليلى عن رجل عن جابر -رضي الله عنه- قال: دعوت نبي الله -ﷺ- ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي -ﷺ- فقال: "اخرج يا أبا بكر قد دلكت الشمس"، فيه== رجل مجهول، وأخرجه -كذلك- من طريق الأسود بن قيس عن نُبيح العَنزي عن جابر -رضي الله عنه- عن النبي -ﷺ- بنحوه. ورجاله ثقات، لكن الطبري لم يجزم بصحته؛ حيث قال في ترجيح هذا القول: وبذلك ورد الخبر عن رسول الله -ﷺ- وإن كان في إسناد بعضه بعض نظر، وقال بعد إيراد هذه الأخبار: فإذا كان صحيحًا ما قلنا بالذي به استشهدنا .. ، وقد استشهد بالحديث كذلك: "ابن عطية" 9/ 161، و"ابن الجوزي" 5/ 72، و"أبي حيان" 6/ 70، و"ابن كثير" 3/ 61، والحديث ضعيف.]].
وروى جماعة عن ابن مسعود أنه قال حين غربت الشمس: هذا والذي نفسي بيده وقت الصلاة حين دلكت الشمس، ثم قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 384 بمعناه، وابن أبي شيبة 2/ 45، بنحوه، و"الطبري" 15/ 134، بنحوه من طرق، والطبراني في "الكبير" 9/ 262، بنحوه من عدة طرق، والحاكم: التفسير، الإسراء2/ 363، بنحوه وصححه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 116 أ، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 354 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق.]].
وروى زِرّ بن حُبَيْش [[أبو مريم زِر بن حبيش الأسدي الكوفي، ثقة جليل مخضرم، سمع عمر وعليًّا -رضي الله عنهما- وعنه: عاصم بن أبي النجود والشعبي، مات سنة (82 هـ) وله (127) سنة. انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 622، و"الكاشف" 1/ 402، و"تقريب التهذيب" ص 215 (2008).]] أن عبد الله بن مسعود قال: دلوك الشمس غروبها [[أخرجه الطبراني في "الكبير" 9/ 263 بلفظه من هذه الطريق، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 181، و"تهذيب اللغة" (دلك) 2/ 1220، و"تفسير الجصاص" 3/ 206، و"السمرقندي" 2/ 280، و"هود الهواري" 2/ 436، و"الماوردي" 3/ 262، و"الطوسي" 6/ 508.]]، وقال علي -رضي الله عنه-: دلوك الشمس غيبوبتها [[أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 45) عنه بمعناه، قال: دلوكها غروبها، وانظر: "تفسير أبي حيان" 6/ 70 - بمعناه، وأورده السيوطي في "الدرالمنثور" 4/ 354 بمعناه == وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
وفي جميع النسخ: (غببوبته) مذكرًا، وحقها التأنيث؛ لأن الضمير يعود على الشمس وهي مؤنثة.]]، وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير، وإبراهيم والسدي وابن زيد [[أخرجه "الطبري" 15/ 134 بمعناه عن ابن عباس من طريق مجاهد (صحيحة)، وابن زيد، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 262 - بمعناه عن ابن عباس وابن زيد، و"الطوسي" 6/ 508 بمعناه عن ابن عباس وابن زيد، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 72، عنهم- ما عدا السدي، و"الخارن" 3/ 174، عن إبراهيم والسدي.]]، وهذا قول المفسرين واختلافهم.
وأما المحققون من أهلِ اللغة: فإنهم ذهبوا إلى أن دلوك الشمس ميلها في الوقتين.
قال الزجاج: دلوك الشمس زوالها ومَيْلها في وقت الظهر، وكذلك ميلها للغروب، وهو دلوكها أيضًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 255، بنصه.]].
وقال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها عند العرب [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 530، بنصه.]].
وقال الأزهري: القول عندي في دلوك الشمس أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، والمعنى: أقم الصلاة؛ أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل، فيدخل فيها الأولى والعصر وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم قال: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، فهذه خمس صلوات، وإذا جعلت الدلوك: الغروب، كان الأمر في الآية مقصورًا على ثلاث صلوات.
قال: ومعنى الدلوك في كلام العرب: الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار: دالكة، وقيل لها إذا أقلت: دالكة؛ لأنها في الحالتين زائلة، انتهى كلامه. [["تهذيب اللغة" (دلك) 2/ 1220 بتصرف يسير. وقد رجح الطبري هذا القول، قائلاً: وأولى القولين بالصواب قول من قال: عني بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: صلاة الظهر؛ وذلك أن الدلوك في كلام العرب: الميل. ثم قال: فإذا كان معنى الدلوك في كلام العرب هو الميل، فلا شك أن الشمس إذا زالت عن كبد السماء، فقد مالت للغروب، وذلك وقت صلاة الظهر، وكذلك رجحه البغوي 5/ 114، و"ابن عطية" 9/ 162، وذهب بعضهم إلى أن اللفظ يشمل الأمرين؛ لأن أصل الدلوك في اللغة هو الميل، والشمس تميل عند زوالها وغروبها، فلذلك انطلق على كل واحدٍ منهما. انظر: "تفسير الماوردي" 3/ 263.]] واللام في قوله: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ لام الأجل والسبب؛ وذلك أن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس، فيجب على الصلي إقامتها لأجل دلوك الشمس.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، غسق الليل: سواده وظلمته، قاله الفراء والزجاج وأبو عبيدة وابن قتيبة [[جاء بنحوه في "معاني القرآن" للفراء 2/ 129، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 255، و"مجاز القرآن" 1/ 388، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 261.]].
قال الكسائي: غسق الليل غسوقًا، والغسق الاسم بفتح السين [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 26، و"أبي حيان" 6/ 68، و"القرطبي" 10/ 304 بلا نسبة.]].
وقال ابن شميل: غَسقُ الليلِ دخولُ أولِه، وأتيته حين غسق الليل، أي حين يختلط وَيسُدُّ المناظر [[ورد في "تهذيب اللغة" (غسق) 3/ 2664، بنصه.]].
وقال الفراء في المصادر: أغسق الليل إغساقًا وغسق غسوقًا [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 304، و"أبى حيان" 6/ 68.]].
وقال الزجاج في باب الوفاق: غسق الليل وأغسق [["فعلت وأفعلت" ص 69، بنحوه]].
وأصل هذا الحرف من السَّيَلان، قال أبو زيد: غَسَقت العينُ تَغْسِقُ، وهو هَملانُ العينِ بالغَمَص والماء [[ورد في "تهذيب اللغة" (غسق) 3/ 2664، بنصه.]]، والغاسق السائل، وأنشد شمر:
أبْكي لِفَقْدِهِمُ بِعَيْن ثَرَّةٍ ... تَجْرِي مَسَارِبُها بِعَيْنٍ غاسقٍ [[ورد في "تهذيب اللغة" (غسق) 3/ 2664، و"اللسان" (غسق) 6/ 3255.]]
أي سائل، وليس من الظلمة في شيء، ومن هذا قيل لما يسيل من أهل النار: الغَسَّاق، فمعنى غسق الليل: أي انصب بظلامه، وذلك أن الظلمة تنزل من فوق.
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: الغَسَقان: الانْصِبَابُ، وغَسَقَتِ السماء: أرشَّتْ [[الراء والشين أصلٌ واحد يدلّ على تفريق الشيء، والرشُّ يكون للماء والدم والدمع، ويقال: رشَّت السماءُ وأرشت، وكذلك أرشّت الطعنةُ الدم، وأرشّت العينُ الدمع. انظر: "مقاييس اللغة" 2/ 373، و"اللسان" (رشش) 3/ 1650.]].
ومنه قول عُمرَ حين غسقَ الليلُ على الظِّرابِ [[ورد أثر عمر -رضي الله عنه- في: "النهاية" 3/ 156، و"اللسان" (ظرب) 5/ 2745، (غسق) 6/ 3255. والظِّراب: جمع ظَرِبٍ بوزن كَتِفٍ، وهي الروابي الصغار. قال الليث: الظَربُ من الحجارة ما كان ناتئًا في جبلٍ أو أرض خَربةٍ]]، أي انصَّبَ الليلُ على الجبال [[ورد في"تهذيب اللغة" (غسق) 3/ 2664، بنصه.]].
وأما قول المفسرين؛ فقال ابن عباس: غسق الليل: اجتماع الليل وظلمته [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 182 بنصه، و"تفسير الجصاص" 3/ 206 == بنصه، انظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1219، و"القرطبي" 10/ 304، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 354 وعزاه إلى ابن المنذر.]]. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما غسق الليل؟ قال: أوله حين يدخل [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 384 بنصه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 27.]]
وقال ابن مسعود: غسق الليل إظلام الليل [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 531.]].
وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس: ما الغسق؟ قال: دخول الليل بظلمته، وأنشد بيت زهير:
ظلَّتْ تَجُوب يَدَاهَا وهي لاهِيَةٌ ... حتى إذا جَنَحَ الإظلامُ والغَسَقُ [[لم أجده في ديوانه، وورد في: "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 89، و"الإتقان" 2/ 86، و"الدر المنثور" 4/ 354، وبرواية تجود في "تفسير الماوردي" 3/ 263، و"القرطبي" 10/ 304، و"أبي حيان" 6/ 68، و"شرح القصائد السبع الطوال" ص 559 بلا نسبة.]] [[ورد في "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 89، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 27، و"أبي حيان" 6/ 68 بدون الشعر فيهما، و"الإتقان" 2/ 86، و"تفسير الآلوسي" 15/ 132، و"مسائل ابن الأزرق" [ذيل الإعجاز البياني لبنت الشاطئ] ص 574.]]
وقال الأزهري: غسق الليل عندي: غَيْبُوبةُ الشَّفق الأحمر حين تحِلُّ صلاةُ عِشاء الآخرة، يدل على ذلك سِيَاقُ الآية في الأمر بالصلوات الخمس، فيدخل الظهر والعصر والمغرب والعشاء في قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [["تهذيب اللغة" (غسق) 3/ 2664، بتصرف.]].
وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ قال ابن عباس: يريد صلاة الصبح [[أخرجه "الطبري" 15/ 140، بنصه من طريق العوفي (ضعيفة)، وأورده في "الدر المنثور" 4/ 355.]]، وكذلك قال ابن مسعود ومجاهد ومسروق وقتادة وجميع المفسرين [["تفسير مجاهد" ص 368 بنصه، وأخرجه "الطبري" 15/ 139 - 140، عنهم - عدا مسروق، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 355 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد.]]، وانتصابه على أنه معطوف بالعطف على الصلاة في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ قاله الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 129، بمعناه.]] والزجاج، قال الزجاج: أي: وأقم قرآن الفجر، قال: وفي هذا الموضع فائدة عظيمة؛ تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة؛ لأنه قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، وأقم قرآن الفجر، فأمر أن يقيم الصلاة بالقراءة، حيث سميت الصلاة قرآنًا، فلا تكون صلاةٌ إلا بقراءة؛ انتهى كلامه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 255، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِكَانَ مَشْهُودًا﴾، كلهم قالوا: صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار [[انظر: "تفسير الطبري" 15/ 139، و"ابن عطية" 9/ 166.]].
وروى أبو هريرة أن النبيّ -ﷺ- قال: "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح"، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ الآية. [[وطرف الحديث: "فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل .. " الحديث، أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 522 بنصه، وأحمد 2/ 474، بنحوه، والبخاري (4717) كتاب: التفسير، سورة الإسراء، باب: قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ ...﴾ بنصه، ومسلم (649/ 246) كتاب: المساجد، فضل الجماعة، وابن ماجه (670) كتاب: مواقيت الصلاة؛، وقت الصلاة الفجر، بنحوه، والترمذي (3135) كتاب: التفسير، الإسراء، بنحوه وقال: حسن صحيح، والنسائي: الصلاة، فضل الصلاة الجماعة == 1/ 241 بنصه، و"الطبري" 15/ 141، بنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 183، بنحوه، و"تفسير الثعلبي" 7/ 117 أ، بنصه، و"الدر المنثور" 4/ 355 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.]] وقال ابن مسعود: يتدارك الحارسان؛ حارس الليل وحارس النهار من الملائكة في صلاة الفجر، وإن شئتم فاقرءوا: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [[أخرجه "الطبري" 15/ 141، بنحوه، والطبراني في "الكبير" 9/ 265، بنحوه، وورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 437، بنحوه، و"الدر المنثور" 4/ 355 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.]].
وقال الكلبي: ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الغداة خلف الإمام، تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة قبل أن تعرج ملائكة الليل، فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار، فتقول ملائكة الليل إذا صعدت إلى ربها: ربنا إنا تركنا عبادك يصلون لك، ويقول الآخرون: ربنا أتينا عبادك وهم يصلون، فيقول الله لملائكته: اشهدوا أني قد غفرت لهم [[لم أقف عليه، وقد ورد بهذا المعنى حديث صحيح مشهور، رواه أبو هريرة عن النبي -ﷺ- وطرفه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ..) أخرجه البخاري (555) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاتى العصر، ومسلم (632) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر.]]، وهذا معنى قول ابن عباس، ويريد أن ذلك كفارة لما صنعت، وفي هذا أيضًا دليل على أن السُنَّة التبكير بهذه الصلاة؛ لأنه إنما يشهدها القبيلان من الملائكة إذا بُكِّرَ بها، فإذا لم يُبَكَّر بها في أول الفجر كانت ملائكة الليل قد عرجت فلم تشهدها، والسُنَّة أن يصلى في الوقت الذي يشهدها القبيلان جميعًا.
الإسراء 17:79
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾، أصل معنى الهجود في اللغة النوم [[انظر: (هجد) في "المحيط في اللغة" 3/ 370، و"الصحاح" 2/ 555، و"اللسان" 8/ 4616.]]، وهو معروفٌ كثيرٌ في الشعر، وأهجدته وهجدته أي أنمته، ومنه قول لبيد قال:
هجِّدْنا فقد طال السُّرى [[وتمامه:
قال هَجِّدْنا ........... ... وقَدَرْنَا إن خَنَا الدَّهْرِ غَفَل
"شرح ديوان لبيد" ص 182، وورد في: "الأضداد" لابن السِّكِّيت [ثلاثة كتب في الأضداد] ص 194، و"مجاز القرآن" 1/ 389، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 256، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 51، و"تهذيب اللغة" (هجد) 4/ 3716 ، و"الصحاح" (هجد) 2/ 55، و"تفسير الطوسي" 6/ 511، و"تفسير ابن الجوزي" 5/ 74، و"اللسان" (هجد) 4/ 4616 (خنا) 3/ 1283، (السُّري): سير الليل عامة، (قدرنا): أي وقدرنا على ورود الماء، وذلك إذا قربوا منه، (الخنى): الآفة والفساد، أي إن غفل عنا فساد الدهر فلم يعقنا، وقيل قدرنا: أي على التهجد، وقيل: على السير، والشاعر يصف نفسه بالجلد في السفر وكثرة السهر حتى تأذى رفيقه بذلك وقال له: خلنا ننام ونسحريح، قد قدرنا على ما نريد ووصلنا إلى ما نحب إن غفل عنا الدهر ولم يفسد علينا أمرنا.]]
كأنه قال: نَوِّمْنَا فإن السُّرى قد طال علينا النوم، هذا هو الأصل، وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة: الهاجد النائم، والهاجد: المصلِّي بالليل [[ورد في "تهذيب اللغة" (هجد) 4/ 3716 ، بنصه.]].
وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: هجَّد الليلَ الرجلُ إذا صلى من الليل، وهَجَّد: إذا نام بالليل، قال: والمتهجد يكون مصليًا ويكون نائماً [[ورد في "تهذيب اللغة" (هجد) 4/ 3716، بنصه تقريبًا.]].
وروى عمرو عن أبيه قال: هَجد وهَجَّد: إذا قام مصلِّيًا، وهَجَد: إذا نام [[و [[ورد في "تهذيب اللغة" (هجد) 4/ 3716 بلفظه، انظر: "تفسير الألوسي" 15/ 138.]] ورد في "تهذيب اللغة" (هجد) 4/ 3716، بنصه.]]، وقال الليث: تهجد إذا استيقظ اللصلاة (¬3).
وقال ابن بُزُرْج: هَجّدْتُه: أيقظته [[في (أ)، (د): (الليل)، وهو خطأ ظاهر، والمثبت من (ش)، (ع) هو الصواب.]]، وهذا قول أهل اللغة [[انظر: "ثلاثة كتب في الأضداد": للأصمعي ص 40، والسجستاني ص 123، وابن السكت ص 194، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 50.]] في تفسير هذا الحرف، وعلى ما ذكروا هو من الأضداد [["تهذيب اللغة" (هجد) 4/ 3716، بنصه.]]؛ كما بَيّنا، وأجاد الأزهري في تفسير التهجد فقال: المعروف في كلام العرب: أن الهاجد: النائم، وقد هجد هجودًا إذا نام، وأما المتهجِّد فهو القائم إلى الصلاة من النوم، وكأنه قيل له: متهجد؛ لإلقائه الهجود عن نفسه؛ كما قيل للعابد: متحنث؛ لإلقائه الحِنْثَ عن نفسه، وهو الإثم [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 74، بنصه.]]، وعلى ما ذكر، التهجد: بمعنى الصلاة، هو من باب تَحَرَّج وتأثَّم وتحوَّب، وهو ترك الهجود، ثم صار بمعنى الصلاة لمّا كان المصلي بالليل يترك النوم.
قال ابن عباس في قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ فَصَلِّ بالقرآن [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 74، بنصه.]]، وقال مجاهد: التهجد: بعد النوم [[عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو حفص، ثقة، روى عن أبيه == وعلقمة، وعنه الأعمش وهارون بن عنترة، مات سنة (99 هـ)، انظر: "الجرح والتعديل" 5/ 209، و"الكاشف" 1/ 621 (3141)، و"تقريب التهذيب" (3803).]]، وهذا قول عبد الرحمن بن الأسود (¬10) وعلقمة وإبراهيم وجميع المفسرين [[أخرجه "الطبري" 15/ 141 - 142 بنصه من طرق عنهم، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 183 بنصه عن علقمة والأسود، و"تفسير الجصاص" 7/ 203 بنصه عن الأسود وعلقمة، و"الثعلبي" 7/ 117 أبنصه، و"الطوسي" 6/ 511 بنصه عن الأسود وعلقمة، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 61، عنهم، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 355 وزاد نسبته إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن علقمة والأسود.]].
قال الحجاج بن عمرو المازني [[الحجاج بن عمرو المازني الأنصاري الخزرجي -رضي الله عنه-، له صحبة، روى عن النبي -ﷺ- حديثين؛ أحدهما في الحج والآخر في التهجد، وهو الذي ضرب مروان يوم الدار -يوم حصر عثمان -رضي الله عنه- في داره- فأسقطه، وشهد صفين مع علي.
انظر: "الاستيعاب" 1/ 378، و"أسد الغابة" 1/ 692، و"الإصابة" 1/ 313، و"تقريب التهذيب" ص 153 (1132).]]: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد؟! إنما التهجد: الصلاة بعد رقدة ثم صلاة بعد رقدة ثم صلاة بعد رقدة، وتلك كانت صلاة [[ساقطة من (د).]] رسول الله -ﷺ- [[أخرجه "الطبري" 15/ 142 مختصرًا، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 207 بنصه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 142 و"الفخر الرزي" 21/ 30، و"القرطبي" 10/ 308، و"الألوسي" 15/ 138.]]، وهذا يدل على صحة قول الأزهري في تفسير التهجد، حيث لم يجعلوا الساهر ليله كله متهجدًا، وجعلوا التهجد بعد النوم، ولو كان ضدًا للنوم لكان الساهر جميع ليله متهجدًا.
وقوله تعالى: ﴿بِهِ﴾ قالوا: بالقرآن نافلة لك، معنى النافلة في اللغة: ما كان زيادة على الأصل، ذكرنا هذا في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، ومعناها أيضًا في هذه الآية: الزيادة.
قال مجاهد: النافلة للنبيّ -ﷺ- خالصة؛ من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهي نافلة له، من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل له خاصة وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتهم فليس لهم نوافل [[أخرجه "الطبري" 15/ 143 بنصه، والبيهقي في "الدلائل" 5/ 487 بنصه تقريبًا، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 184، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 280 مختصرًا، و"الثعلبي" 7/ 117 أ، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 264 مختصرًا، و"الطوسي" 6/ 512 مختصرًا، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 356 وزاد نسبته إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر، ولم ير الطبري هذا القول، ورده وحكم عليه بالفساد، وقال: لا معنى له؛ لأن النبي -ﷺ فيما ذكر عنه- أكثر ما كان استغفارًا لذنوبه بعد نزول قول الله عز وجل: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]، وكان يعد له في المجلس الواحد استغفار مئة مرة، ومعلوم أن الله لم يأمره أن يستغفر إلا لما يغفر له باستغفاره ذلك. ا. هـ. نعم كان النبي -ﷺ- يكثر من الاستغفار، لكن لا على أنه استغفار من الذنوب كذنوبنا، بل كما قال: "إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" رواه مسلم (2702) كتاب: الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار، قال ابن الأثير: الغين: الغيم، أراد ما يغشاه من السّهو الذي لا يخلو منه بشر؛ لأن قلبه أبدًا كان مشغولًا بالله تعالى. "النهاية" 3/ 403.]].
وقال السدي: نافلة لرسول الله -ﷺ- خاصة؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وليست لنا بنافلة لكثرة ذنوبنا إنما نعمل لكفاراتها [[انظر: تفسير الفخر الرازي" 21/ 30، بنحوه، و"أبي حيان" 6/ 71.]]، وهذا قول أكثر المفسرين.
قال أبو أمامة: إنما النافلة للنبيّ -ﷺ- [[أخرجه الطيالسي ص 155 بنصه تقريبًا، و"الطبري" 15/ 143 بنصه، والطبراني في "الكبير" 8/ 145، بنصه، والبيهقي في الشعب 3/ 28، بنصه، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 207 بنصه، و"السمرقندي" 2/ 280 - بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 356 وزاد نسبته إلى ابن نصر وابن مردويه.]].
وقال الحسن: لا تكون نافلة إلا للنبيّ -ﷺ- [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 75، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 356 وعزاه إلى محمد بن نصر.]].
وقال ابن عباس خاصة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 117 أ- بلفظه، انظر: "تنوير المقباس" ص 304.]]، وهذا كله مما ذكره مجاهد والسدي: أن صلاة الليل كانت زيادة للنبيّ -ﷺ- للدرجات لا للكفارات.
ولا يدل قوله: ﴿نَافِلَةً﴾ على أنها لم تكن واجبة عليه، فقد روى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ يريد فريضة عليك زائدة على الفرائض خُصِصتَ بها من بين أمتك [[أخرجه "الطبري" 15/ 142، بنحوه من طريق العوفي (ضعيفة)، ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 117 أ، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 264 - مختصرًا، و"الطوسي" 6/ 511، بنحوه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 355 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.]]، هذا الذي ذكرنا مذهب أكثر أهل التفسير [[انظر: "تفسير الطبري" 15/ 142 - 143 ورجحه، و"هود الهواري" 2/ 437، و"الثعلبي" 7/ 117 أ، و"السمعاني" 3/ 269، و"البغوي" 5/ 115.]].
وذهب قوم إلى أن معنى النافلة: التطوع الذي يتبرع به الإنسان، وقالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة عليه ثم نُسخت عنه فصارت نافلة، أي تطوعًا وزيادة على الفرائض يتبرع بها، وهو قول قتادة والمبرد وعبد الله بن مسلم [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 261 قال: تطوعًا، وأخرجه "عبد الرزاق" 2/ 386، و"الطبري" 8/ 130، عن قتادة، قال: تطوعًا وفضيلة لك، وورد عن قتادة -كروابة الطبري- في "تفسير الجصاص" 3/ 207، و"الثعلبي" 7/ 117 أ، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 356 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر عن قتادة.]] وانتصب نافلة بوقوع التهجد عليه؛ لأن معى التهجد: صل بالليل نافلة، أي صلاة نافلة.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ قال ابن عباس: عسى من الله واجب [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 185، بنحوه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، انظر: "تنوير المقباس" ص 304، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 438 بنصه، وعزاه إلى ابن المنذر والبيهقي في سننه.]]، وكذلك قال المفسرون كلهم في عسى من الله [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 218 ب، و"الطبري" 143/ 15، و"هود الهواري" 2/ 437، و"الطوسي" 6/ 512.]].
قال أهل المعاني: وإنما كان كذلك لأن معنى عسى في اللغة: التقريب والإطماع، ومَنْ أطمع إنسانًا في شيء ثم حَرَمَه كان غارًّا، والله أكرم من أن يُطمع أحدًا في شيء ثم لا يعطيه ذلك [[ورد نحوه في "تفسير الطبري" 15/ 143، و"الثعلبي" 7/ 117 أ، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 31، و"الخازن" 3/ 175.]].
قوله تعالى: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة [[انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 369، و"تفسير مقاتل" 1/ 218 ب، و"عبد الرزاق" 2/ 386، و"الطبري" 8/ 131 - 132، و"هود الهواري" 2/ 437، و"الثعلبي" 7/ 117 أ، و"الماوردي" 3/ 265، و"الطوسي" 6/ 512، وأورده السيوطي في == "الدر المنثور" 4/ 356 - 359 بعدة روايات عن: ابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وكعب بن مالك وحذيفة وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وسلمان -رضي الله عنهم-.]]؛ كما قال النبيّ -ﷺ- في هذه الآية: "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي" [[أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 323 بمعناه، وأحمد 2/ 441، 528 بنصه، والترمذي (3137) كتاب: التفسير، باب: ومنه سورة بني إسرائيل. بمعناه وحسنه، و"الطبري" 15/ 146 بنصه، والبيهقي في "الدلائل" 5/ 484 - بمعناه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 185، بنصه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 356 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه. والحديث ضعيف- كما قال شاكر في "شرح المسند" 9/ 204 - لضعف داود الأَوْديّ الذي روى الحديث عن أبيه عن أبي هريرة، وقد ضعفه كثير من العلماء، انظر: ترجمته في "ميزان الاعتدال" 2/ 211، و"تهذيب التهذيب" 1/ 572.]]، رواه أبو هريرة.
قال ابن عباس: عسى من الله واجب، يريد أعطاك الله يوم القيامة مقامًا محمودًا يحمدك فيه الأولون والآخرون، تَشْرُف فيه على جميع الخلائق، وتَسأل فتُعطى وتَشفع فتُشَفَّع، ليس أحدٌ إلا تحت لوائك [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 534، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 372، و"تنوير المقباس" ص 304.]]
وروي عن مجاهد في تفسير قوله: ﴿يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسه معه على العرش [[أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 308، بنحوه، و"الطبري" 15/ 145 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 118 أبنصه، و"الماوردي" 3/ 265، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 121، و"ابن الجوزي" 5/ 76، و"العلو" للذهبي ص 94.]].
وروي عن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية: يقعده على العرش [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 118 أبنصه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 76، و"العلو" للذهبي ص 75.]]، وهذا تفسير فاسد وقول رذل، وقول مجاهد: معه، قولٌ موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير؛ وهو قوله: ﴿يَبْعَثُكُمْ﴾ والبعث لا يكون بمعنى الإجلاس، ومن فَسَّر البعث بالإجلاس فقد فَسَّره بضد ما وُضع له؛ لأن البعث وضع للإثارة؛ يقال: بعثت المبارك والقاعد فانبعث، هذا هو الأصل، ثم يقال: بعث الله الميت، وبعث بمعنى أرسل راجع إلى هذا، لأنه يقيمه إلى ما يرسله إليه وله، ولأن الله تعالى قال: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ولم قل: مقعدًا، والمقام موضع القيام، يدل على هذا قوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97]، وهو موضع قدميه في حال قيامه، وقول الشاعر:
هذا مقام قدمي رباح [[سبق.]]
وإذا فسد هذا الفساد الظاهر لم يُعتد به [[لقد أجاد الواحدي -رحمه الله- في رد هذا القول، لكن الغريب أن الطبري -مع ترجيحه لقول الجمهور- لم يستنكر هذا القول، بل قال: إن ما قاله مجاهد قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله -ﷺ- ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك. "تفسير الطبري" 15/ 147، ومعلوم أن عدم ورود الخبر عن المعصوم بذلك يكفي لإبطال هذا القول لا العكس، ولأن هذا الخبر غيبي عقدي فلا يثبت إلا بالخبر الصحيح ولا يجدي النظر في إثبات هذه القضية، لذلك لا محيد عن قول الجمهور في هذه القضية، وهو الذي أيّدته الأخبار الصحيحة، وكذلك الأخبار التي اعتمد عليها الطبري في تسويغ الجلوس لا تثبت؛ فقد ردها علماء الحديث، وفي مقدمتهم الذهبي، فقد أورده في "العلو" ص 75 من طريقين عن أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن ابن مسعود بنحوه، ثم قال: هذا حديث منكر لا يفرح به، وسلمة هذا متروك الحديث، وأشعث لم يلحق ابن مسعود، وذكر الذهبي للأثر شاهدًا بنحوه عن عبد الله بن سلام موقوفًا عيه، وقال: هذا كوقوف ولا == يثبت إسناده، وإنما هذا شيء قاله مجاهد. كما أن له شاهدًا آخر من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في "الكبير" 12/ 61 - بنحوه، من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن ابن جبير عن ابن عباس، وأورده الهيثمي في "المجمع" 7/ 51 وقال: وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف إذا لم يتابع، وعطاء بن دينار قيل لم يسمع من سعيد بن جبير.
أما أثر مجاهد فقد أورده الذهبي في "العلو" ص 94 وقال: لهذا القول طرق خمسة، وأخرجه ابن جرير في تفسيره، وعمل فيه المروزي مصنفًا. وفي سند الطبري ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط- كما في "ميزان الاعتدال" 3/ 420، وهذا الأثر مما أُنكر على مجاهد حتى قُرن في ترجمته، قال الذهبي في ترجمة مجاهد في "ميزان الاعتدال" 4/ 359: ومن أَنْكَر ما جاء عن مجاهد في التفسير في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يُجلسه معه على العرش. وقال ابن عبد البر: مجاهد وإن كان أحد الأئمة بالتأويل، فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم؛ أحدهما هذا القول، والثاني في تأويل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22، 23] قال: معاه تنتظر الثواب. انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 311، و"أبي حيان" 6/ 72، والشوكاني 3/ 360.
فالحديث باطل لا يثبت لا من جهة الخبر ولا النظر، والأغرب من قول الطبري تشبث بعض المحدثين بهذا الخبر والمبالغة في قبوله إلى حد الغلو، فقد ذكر الذهبي في "العلو" ص 100 - 101 - 117 - 118 أن بعض المحدثين قال: لو أن حالفًا حلف بالطلاق ثلاثًا أن الله يقعد محمدًا -ﷺ- على العرش واستفتاني، لقلت له: صدقت وبررت! وعقب الذهبي قائلاً: فابصر -حفظك الله من الهوى- كيف آل الغلو بهذا المحدث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر .. ، وذكر النقاشر عن أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكرَ هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا. انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 171، و"القرطبي" 10/ 311، و"أبي حيان" 6/ 72، و"تفسير الماوردي" 3/ 265 حاشية رقم (449)، و"سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (865) 2/ 255.]].
وفي القول الذي عليه الناس معنى قوله: ﴿يَبْعَثَكَ﴾ يقيمك في ذلك المقام، يدل على هذا ما رُوي في حديث الشفاعة: " .. فأكون أول من يدعى وأول من ينادى فأقول: لبيك وسعديك .. " الحديث [[أحاديث الشفاعة كثيرة وبعدة روايات في الصحيحين وغيرهما، لكني لم أقف على حديث بهذا اللفظ، وأقرب لفظ وجدته حديثان؛ أحدهما: موصول، والآخر: مرسل، أما الحديث الموصول، فعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: (يُجْمَعُ الناس في صعيد، فلا تكلم نفسٌ، فأول من يتكلم محمد -ﷺ- فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك .. قال حذيفة: فذلك المقام المحمود) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 387، وابن أبي شيبة 6/ 323، 7/ 153، والنسائي في "تفسيره" 1/ 660، والبزار [البحر الزخار] 7/ 329، و"الطبري" 15/ 144، والحاكم: التفسير/ الإسراء 2/ 363 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة ووإفقه الذهبي، وأبو نعيم في "الحلية" 1/ 278، وأورده الهيثمي في "المجمع" 10/ 377 وقال: رواه البزار موقوفًا ورجاله رجال الصحيح، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 357 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والخطيب في المتفق والمفترق. أما الحديث المرسل؛ فأخرجه "عبد الرزاق" 2/ 387، عن معمر عن الزهري عن علي بن الحسين، أن النبي قال: (إذا كان يوم القيامة مدّ الله الأرض مد الأديم .. قال النبي -ﷺ- فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها ..) الحديث.]].
وانتصب قوله: ﴿مَقَامًا﴾ على الظرف؛ كأنه قيل في مقام.
وقوله تعالى: ﴿مَحْمُودًا﴾ يجوز أن يكون انتصابه على الحال مِنْ ﴿يَبْعَثَكَ﴾، أي: يبعثك محمودًا يحمدك فيه الخلق، وبجوز أن يكون نعتًا في اللفظ، وهو في المعنى لمحمد -ﷺ-، تقديره: مقامًا محمودًا فيه أنت، ويدل على هذا الوجه ما رُوي في الحديث: "وابعثه المقام المحمود حتى يغبطه به الأولون والآخرون" [[لم أجد حديثًا بهذا اللفظ، وأقرب لفظ لهذا الحديث ما ورد في فضل الدعاء عند النداء، وروايته: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -ﷺ- قال: "من قال حين يسمع == النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" أخرجه أحمد 3/ 354، والبخاري (614): الأذان، الدعاء عند النداء، والنسائي: الأذان، الدعاء عند الأذان 2/ 27، سنن البيهقي: الصلاة، ما يقول إذا فرغ من ذلك 1/ 410.]]، والمعنى: ابعثه المقام المحمود فيه هو.
الإسراء 17:80
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية. روى قابوس [[قابوس بن أبي ظِبْيان بالكسر والفتح، وأبو ظبيان والده هو حُصين بن جُنْدب الجَنْبي الكوفي، ضعيف الحديث، قال أبو حاتم: لين يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ؛ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، وربما رفع المراسيل وأسند الموقوف، روى عنه الثوري وجرير، مات سنة (129 هـ).
انظر: "المجروحين" لابن حبان 2/ 215، و"الجرح والتعديل" 7/ 145، و"الكاشف" 2/ 126، و"ميزان الاعتدال" 4/ 287، و"تقريب التهذيب" (449).]] عن أبيه عن ابن عباس قال: كان رسول الله -ﷺ-بمكة، ثم أُمر [[في (د): (أمرنا).]] بالهجرهَ، وأُنزل عليه هذه الآية [[أخرجه الترمذي (3139): التفسير، الإسراء 5/ 304 وقال: حديث حسن صحيح، و"الطبري" 15/ 148 - 149 بنصه (طريق ضعيفة لضعف قابوس)، وورد عند الثعلبي 7/ 118 ب بمعناه، و"الطوسي" 6/ 512 بمعناه، وأورده المصنف في "أسباب النزول" ص 298 بلا سند عن الحسن، وورد في "لباب النقول" ص 139.]]، فعلى هذا يريد ﴿أَدْخِلْنِي﴾: المدينهَ واصرفني من مكة، وهذا قول الحسن وقتادة [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 389، بنحوه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 149، بنحوه عنهما، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 185، عنهما، و"تفسير السمرقندي" 2/ 281، عن الحسن، و"الثعلبي" 7/ 118 ب، عنهما، و"الماوردي" 3/ 266، عن قتادة، و"الطوسي" 6/ 512، بنحوه عنهما.]].
وقال الكلبي: هذا حين خرج من المدينة يريد الشام لقول اليهود، وقد ذكرنا القصة [[عند آية [76].]]، فقال الله له: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعنى المدينة، ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾: (منها إلى مكة) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]]، ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، أي: افتحها، واختار الفراء هذا القول [["معاني القرآن" للفراء 2/ 129، وهو ما رجحه "الطبري" 15/ 150 وأيّده بالسياق.]].
وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مُدْخل صدق، وأخرجني منه مُخْرج صدق [["تفسير مجاهد" ص 441، بنحوه، أخرجه "الطبري" 15/ 149، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 186 بمعناه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 281، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 118 ب، بنصه، و"الماوردي" 3/ 266، بنحوه.]]، ومُدخل بضم الميم مصدر الإدخال؛ يقال: أدخلته مُدخلاً، كما قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: 29]، ومعنى إضافة المدخل والمخرج إلى الصدق: مزجهما؛ كأنه سأل الله تعالى إدخالًا حسنًا لا يرى فيه ما يكره، وكذلك الإخراج.
قال الليث: يقال: هذا رجل صدق، مضافٌ، بكسر الصاد، معناه: نِعْم الرجل هو، وامرأة صدق؛ كذلك [[ورد في "تهذيب اللغة" (صدق) 2/ 1990، بنصه.]].
وذكرنا فيما تقدم أن موضوع (ص د ق) للصحة والكمال، فكأنه سأل الله أن يخرجه من مكة إخراجًا لا يلتفت إليها قلبُه، ويدخله المدينة إدخالًا يطمئن فيها قلبُه، ولذلك كان يدعو فيقول: "اللهم حبب إلينا المدينة كلما حببت إلينا مكة" [[أخرجه أحمد 6/ 56، والبخاري (1889): فضائل المدينة، كراهية النبي -ﷺ- أن تُعْرَى المدينة، ومسلم (1376): الحج، الترغيب في سكنى المدينة واللفظ له، == والبيهقي: الجنائز، قول العائد للمريض: كيف نجدك 3/ 382، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 566، والبغوي في "شرح السنة" 7/ 317، وكلهم عن عائشة، وكلهم -إلا مسلم- بلفظ: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة .. ".]]، وكل شيء أضفت إلى الصدق، فقد مدحته وجودته.
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد: أي حُجَّة بينة تنصرني بها على جميع من خالفني [["تفسير مجاهد" 1/ 368 مختصرًا، وأخرجه "الطبري" 15/ 151 مختصرًا عن مجاهد من طريقين، وورد مختصرًا عن مجاهد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 186، عن مجاهد، و"تفسير هود الهواري" 2/ 438، و"الثعلبي" 7/ 118 ب، و"الماوردي" 3/ 267،و"الطوسي" 6/ 512]].
وقال الحسن وقتادة: ملكًا قويًا تنصرني به على من ناوأني، وعزًا ظاهرًا أقيم به دينك [[أخرجه " الطبري" 15/ 151 بمعناه عنهما، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 186 بمعناه عن الحسن، و"تفسير الثعلبي" 7/ 118 ب بنصه عن الحسن، و"الماوردي" 3/ 267 بمعناه عن قتادة، و"الطوسي" 6/ 512 بمعناه عنهما، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 122 بنصه عن الحسن.]]، وهذا معنى قول الحسن: اجعلني أقيم الحدود [[ورد في "تفسر الماوردي" 3/ 267 بمعناه، انظر: "تفسير أبي حيان" 6/ 73، وفييما تقيد إقامة الحدود على المنافقين، وفيه نظر!]] ، وعلى هذا القول: سأل الله تعالى سلطان القدرة، وعلى القول الأول: سأل الحجة. وقد جمع بينهما أبو إسحاق فقال: أي اجعل نصرتي من عندك تسليطي بالقدرة والحجة.
وقد أجاب الله دعاءه وأعلمه أنه يعصمه من الناس فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]، وقال: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56]، وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 257، بنصه.]] [الصف: 9]، وذهب الكلبي أيضًا إلى سلطان القدرة، فَفسَّر السلطان النصير هاهنا بِعَتَّاب بن أَسيد حين استعمله نبيّ الله -ﷺ- على أهل مكة، فاشتد عليهم وقال: لا يبلغني من محتلم ترك الصلاة إلا ضربت عنقه [[أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" 4/ 339 مختصرًا من طريق الكلبي عن ابن عباس، ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 118 ب، بنحوه، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 372، و"تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 2/ 133، و"الإصابة" 2/ 451.]].
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].
الإسراء 17:81
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ قال المفسرون في شى ﴿وَزَهَقَ﴾: بطل واضمحل [[ورد في "تهذيب اللغة" (زهق) 2/ 1571 بنصه، و"تفسير هود الهواري" 2/ 438 - بمعناه، و"الطوسي" 6/ 512، بنحوه.]]، وأصله من قولهم: زَهَقَتْ نَفْسُه تَزْهَقُ زُهُوقًا، وأزهقتها أنا، أي: أهلكتها [[انظر (زهق) في "المحيط في اللغة" 3/ 338، و"الصحاح" 4/ 1493، و"مجمل اللغة" 1/ 443، و"اللسان" 3/ 1879.]]، فكأن معنى: ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾: خرج إلى الهلاك، قال الليث: وكل شيء هلك وبطل فقد زهق [[ورد في "تهذيب اللغة" (زهق) 2/ 1571، بنصه.]].
واختلفوا في معنى الحق والباطل هاهنا؛ فقال السدي: الحق: الإسلام، والباطل: الشرك [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 أبنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 122، بنصه.]].
وقال قتادة: الحق: القرآن، والباطل: الشيطان [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 389، بنصه، و"الطبري" 15/ 152 بنصه، وورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 186، و"الثعلبي" 7/ 119 أ، و"الماوردي" 3/ 267، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 360 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال ابن جريج: الحق: الجهاد والقتال، والباطل: الشرك وما هم فيه [[أخرجه "الطبري" 15/ 152 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 أمقتصرًا على معنى الحق بنصه، والماوردي 3/ 267، بنصه.]].
قال ابن عباس [[في (أ)، (د)، (ش): (قال الله تعالى)، والصواب المثبت من (ع)]]: أمر الله نبيه -ﷺ- إذا دخل مكة أن يقف على الأصنام التي كانوا يعبدونها ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾.
وروي عن ابن مسعود أنه دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون نُصُبًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾، فجعل الصنم ينكب لوجهه [[أخرجه بنحوه: "عبد الرزاق" 2/ 388، وابن أبي شيبة 7/ 403، عن جابر؛ والبخاري (4720) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾، ومسلم (1781) كتاب: الجهاد، باب: إزالة الأصنام من حول الكعبة، والترمذي (3138): التفسير، الإسراء، والنسائي في تفسيره 1/ 665، و"الطبري" 15/ 152، و"البغوي" 3/ 133، وورد بنصه تقريبًا في "تفسير السمرقندي" 2/ 281 ، و"الثعلبي" 7/ 119 أ، و"الطوسي" 6/ 512، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 360 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ قال ابن عباس: يريد كل ما كان من الشيطان كان خارجًا من الحق [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 537، بنصه.]].
الإسراء 17:82
قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (من) هاهنا ليست للتبعيض بل هو للجنس، [كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30]، والمعنى: ﴿وَنُنَزِّلُ﴾: من هذا الجنس] [[ما بين معقوفين ساقط من (أ)، (د).]] الذي هو قرآن، ﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾، فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، قال قتادة: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه [[أخرجه "الطبري" 15/ 153 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 9/ 117 أبنصه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 66، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 360 وزاد نسبته إلى عبد الرزاق -لم أجده- وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، فعلى هذا، معنى كونه شفاءً: أنه [[ساقطة من (ع).]] ببيانه يزيل عمى الجهل وحَيْرَة الشك، يُستشفى به من الشبهة، ويهتدى به من الحيرة، فهو شفاء من داء الجهل.
وقال ابن عباس: يريد شفاءً من كل داء [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 537، وورد بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 أ.]]، وعلى هذا، معناه: أنه يُتَبَرَّك به؛ فيدفع الله به كثيرًا من المكاره والمضار، ويؤكد هذا الوجه ما روي أن النبيّ -ﷺ- قال: "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" [[وورد في "تفسير الثعلبي" 9/ 117 أب نصه عن رجاء الغنوي، و"الزمخشري" 2/ 373، و"الفخر الرازي" 21/ 34، و"أسد الغابة" 2/ 271 في ترجمة رجاء، وورد في "تفسير القرطبي" 10/ 315، و"كنز العمال" 10/ 9 وعزاه إلى الدارقطني في الأفراد، وقد أشار إلى ضعف الحديث الذهبي -فيما نقله المناوي عنه في "الفيض" 1/ 491 في تاريخ الصحابة- فقال في ترجمة رجاء: هذا له صحبة، نزل البصرة، وله حديث لا يصح في فضل القرآن. أما الشوكاني فقد ذكره في "الموضوعات" [الفوائد المجموعة] ص 296 وقال: هو موضوع، وقال الألباني: ضعيف جدًا. "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (152) (1/ 283)]].
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد ثوابًا من الله لا انقطاع له [[ورد في تفسير "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 537]]، يعني: في تلاوته، يرحمهم الله بها ويثيبهم عليها.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ يعني لا يزيد ما هو شفاء للمؤمنين إلا خسارًا للظالمين، والفعل الذي هو (يزيد) مسند إلى ما في قوله: ﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾، المراد بـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾: المشركين، قاله ابن عباس.
قال قتادة: لأنه لا يحفظه ولا ينتفع به ولا ينتفعون بمواعظه [[أخرجه "الطبري" 15/ 153، بنحوه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 67، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 360 وزاد نسبته إلى عبد الرزاق -لم أجده- وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، فالقرآن سبب لهداية المؤمنين وزيادة لخسار الكافرين.
الإسراء 17:83
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 538، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 80، و"الفخر الرازي" 21/ 35، والآية عامة في كل من اتصف بما فيها، وذكر الوليد من قبيل التفسير بالمثال.]]، ﴿أَعْرَضَ﴾، معنى أعرض في اللغة: وَلَّى عَرْضَه، أي ناحيته [[انظر عرض في "المحيط في اللغة" 1/ 306، و"الصحاح" 3/ 1084، و"اللسان" 5/ 2889.]]، والمعنى: أنه لا يُقْبِل على الدعاء والابتهال على حسب ما يُقْبل في حال البلوى والمحنة [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 116، بنصه تقريبًا.]].
﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ قال مجاهد وابن عباس: تباعد [["تفسير مجاهد" 1/ 368 بلفظه، وأخرجه "الطبري" 15/ 153 بلفظه عن مجاهد من طريقين، وورد بلفظه عن مجاهد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 187، و"تفسير هود الهواري" 2/ 438، و"الطوسي" 6/ 514، وأورده المسيوطى في "الدر المنثور" 4/ 361 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وروى شِبْل عن مجاهد: بَعُدَ مِنّا [[انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 67.]]، وقال عطاء: تَعَظَّم وتَكَبَّر [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 أ، بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 123، و"تفسير ابن الجوزي" 5/ 80 بلا نسبة.]].
وقال أهل المعاني: بَعَّد نفسه عن القيام بحقوق نعم الله -عز وجل- [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 514، بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 321.]]، ومعني. النَّأْي في اللغة: البُعْد، ونَأَى الشيءَ إذا بَعّده [[انظر: "تهذيب اللغة" (ناء) 4/ 3472، و"المحيط في اللغة" (نأى) 10/ 419، و"اللسان" (نأي) 7/ 4314.]]، وذكرنا الكلام في النَّأْي عند قوله: ﴿وَيَنْئَوْنَ عَنهُ﴾ [الأنعام:26] ، ومعنى ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ كمعنى أعرض، وفيه زيادة معنى البعد، وفي قوله: ﴿وَنَأَى﴾ وجوه من القراءة؛ أحدها: وهو قراءة العامة (نَئَا) بفتحتين [[قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص وغيرهم. انظر: "السبعة" ص 384، و"علل القراءات" 1/ 327، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 382، و"الحجة للقراء" 5/ 115، و"المبسوط في القراءات" ص 230.]]، وقرأ ابن عامر (نآء) مثل بَاعَ [[انظر المصادر السابقة.]]، وهذا على القلب، وتقديره: فلعَ [[أي مقلوب الميزان فعل: فلع.]]، ومثل هذا في القلب: رأى وراءَ، قال كثير:
وكلُّ خليلٍ راءني فهو قائلٌ ... مِن أجلِكِ هذا هامَةُ اليومِ أو غَدِ [["ديوانه" ص 133، وورد في "الكتاب" 3/ 467، و"الكامل" 2/ 806، و"الحلبيات" ص 47، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 202، و"اللسان" (هوم) 8/ 4723، (رأى) 3/ 1545، (هامةُ اليوم أو غد): كناية عن اقتراب المريض من أجله؛ أي سيموت أليوم أو غدًا، وذلك من تأثير الشوق والحزن فيه، وأصل الهامة: طائر يخرج من رأس الميت -كما تزعم العرب. والشاهد: راءني يريد رآني، ولكنه قلب فأخّر الهمزة.]] [[ورد في"الحجة للقراء" 5/ 117، بنصه.]] قال أبو عبيدة: والعرب تقول ذلك، تُقَدّم الهمزة وتؤخرها [[ليس في مجازه]] وأنشد [[للحارث بن خالد المخزومي (جاهلي).]]:
ولقد أراكَ تُشَآء بالأَظْعَانِ [[وصدره:
مرّ الحُمُولُ فما شَأَوْنَكَ نَقْرَةً
"شعر الحارث بن خالد" ص 107، وورد في: "المعاني الكبير" 1/ 70، و"تهذيب اللغة" (شأي) 2/ 1817، و"المنصف" 3/ 77، و"اللسان" (شأي) 4/ 2179، و"المزهر" 1/ 479، و"نوادر أبي زيد" ص 224 نسبه للأصمعي، وورد بلا نسبة في "المخصص" 14/ 27، و"الخزانة" 8/ 167 (الحمول): الإبل عليها النساء، (شَأَوْنَكَ): شَآني الشيءُ شَاوًا: أعجبني، وقيل: حَزَنَنِي، (نقرة): النقر هو الصوت العالي، كضرب الرّحى والحجر، (الأظعان): واحده ظعينة، وهو الهودج تكون فيه المرأة، يقول: مرت الحمول فما هيجن شوقك وكنت قبل ذلك يهيج وجدك بهن إذا عاينت الحمول. انظر: "اللسان" (نقر) 8/ 4518، (ظعن) 5/ 2748.]]
أراد تُشَاء فأَخَّر الهمزة، ومما [[ساقطة من (ع).]] قدَّموا قولهم في جمع البِئْر: آبار، وأصلها: أبآر [[ساقط من (أ)، (د).]]، فقدَّموا الهمزة مثل: جِذْع وأجْذَاع، وقِطع وأقطاع.
وقرأ حمزة والكسائي: (نِئى) بإمالة الفتحتين [[انظر: "السبعة" ص 384، و"علل القراءات" 1/ 327، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 382، و"الحجة للقراء" 5/ 115، و"المبسوط في القراءات" ص230.]]، ووجه ذلك: أنه أمال فتحة الهمزة لأن الألف منقلبة من الياء التي في (النَّأي)، فأراد أن ينحو نحوها، فأمال فتحة النون لإمالة فتحة الهمزة، ولم يمل خلاَّد [[في جميع النسخ: (خلف)، والصحيح (خلاَّد)، كما ورد في المصدر "الحجة"، و"السبعة" ص 384، و"المبسوط في القراءات" ص230، أما رواية خلف عن سُليم فهي: بإمالة النون وكسر الهمزة، كما في السبعة والحجة.
وخلاَّد هو: ابن خالد، أبو عيسى الصَّيرفي الكوفي، الأحول، إمام في القراءة ثقة عارف محقق أستاذ، أخذ القراءة عرضًا عن سليم، وهو من أضبط أصحابه وأجلهم، روى القراءة عنه عرضًا أحمد الحلواني وعنبسة بن النضر، حدث عنه أبو زرعة وأبو حاتم، مات سنة (220 هـ).
انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 210، و"غاية النهاية" 1/ 274، و"النشر" 1/ 166.]] عن سُلَيْم [[سُلَيْم بن عامر بن غالب، أبو عيسى الحنفي الكوفي، المقرئ صاحب حمزة الزيات وأخص تلامذته وأحذقهم بالقراءة، وهو الذي خلف حمزة في الإقراء بالكوفة، قرأ عليه خلف وخلاد، ولد سنة (130 هـ)، وتوفي سنة (188 هـ) انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 138، و"غاية النهاية" 1/ 318، و"النشر" 1/ 166.]] فتحة النون لأجل إمالة فتحة الهمزة، وقرأ (نَئِيَ) بفتح النون وكسر الهمزة [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 117، باختصار وتصرف.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ قال ابن عباس: يريد إذا أصابه مرض أو فقر يئس من رحمة الله [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 539، انظر: "تنوير المقباس" ص 304.]].
وقال أهل المعاني: هذا من صفة الجاهل بالله، وهو ذمّ له بأنه لا يثق بفضل الله على عباده، فيطمع في كشف تلك البلية من جهته، وحَسِبَ أن الشَّرّ ضَرْبَة لازب [[أي لازم، يقول الفراء: اللاّزب واللاصق واحد ، والعرب تقول: ليس هذا بِضَرْبة لازم ولازب ، يبدلون الباءَ ميمًا. ورد في "تهذيب اللغة" (لزب) 4/ 3258.]]، ويؤوس: فعول من اليأس، ومضى الكلام في اليأس عند قوله: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ [يوسف: 80]
الإسراء 17:84
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ اختلفت العبارة في تفسير الشاكلة؛ فقال ابن عباس في رواية الوالبي وعطاء: على ناحيته [[أخرجه "الطبري" 15/ 154 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 ب- بلفظه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 123، و"ابن عطية" 9/ 178، و"الدر المنثور" 4/ 361 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]] ، وهو قول الأخفش [[ليس في معانيه، وورد في "تهذيب اللغة" (شكل) 2/ 1915، بلفظه.]]، والفراء قال: ومِثْلُه الطريقة والجَدِيلة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 130، بلفظه.]].
وقال مجاهد: على جديلته [[أخرج الطبري عنه 15/ 154 بمعناه، قال: على ناحيته. (الجديلة): هي الشاكلة والناحية. انظر: (جدل) في "المحيط في اللغة" 7/ 43، و"القاموس المحيط" (977).]]، وروي عنه: على طبيعته [[أخرجه "الطبري" 15/ 154 بلفظه، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 188، و"تفسير الجصاص" 3/ 207، و"الطوسي" 6/ 514، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 322.]].
قال شمر: ما رأيت تصحيفًا أشبه بالصواب مما قرأ مالك بن سليمان الهروي [[في المصدر سليمان بن مالك والصحيح ما ذكره الواحدي، ومالك بن سليمان الهروي، قاضي هراة، روى عن إسرائيل وشعبة، قال عنه العقيلي: فيه نظر، وضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم: لا أعرفه. انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 210، و"الضعفاء الكبير" 4/ 173، و"ميزان الاعتدال" 4/ 347.]] في التفسير عن مجاهد في قوله: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ أي جديلته، فصَحَّفَ وقال: حَدٍ يليه، وهو قريب بعضه من بعض [[ورد في "تهذيب اللغة" (جدل) 1/ 560، بنصه تقريبًا.]].
وقال الحسن وقتادة: على نيته [[أخرجه "الطبري" 15/ 154، بنحوه عن قتادة، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 188، عن الحسن، و"تفسير الثعلبي" 7/ 119 ب، عن قتادة، و"الماوردي" 3/ 269، انظر: "تفسير البغوي" 3/ 133، عنهما، و"ابن الجوزي" 5/ 80، عن الحسن، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 361 وعزاه إلى هناد وابن المنذر عن الحسن.]]، وقال ابن زيد: على دينه [[أخرجه "الطبري" 15/ 154 بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 269، انظر "تفسير ابن عطية" 9/ 178، و"ابن الجوزي" 5/ 80، و"القرطبي" 10/ 322.]].
وقال الزجاج: على مذهبه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 257، بلفظه.]].
وقال أبو عبيدة والقتيبي: على خليقته [["مجاز القرآن" 1/ 389 - بلفظه، و"الغريب" لابن قتية 1/ 261، بلفظه.]]، هذا كلامهم، وأصل هذا في اللغة من المشابهة؛ يقال لِشِبْهِ الشيء: شَكْلُه، يقال: في فلان شَكْلٌ من أبيه، وأَشْكَلَةٌ وشُكْلَةٌ وشاكلٌ ومشاكلةٌ [[ورد في "تهذيب اللغة" (شكل) 2/ 1915، بنصه.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ﴾ [ص: 58]، أي: من مثل ذلك الأول.
وقال الأخفش: يقال: هذا من شكل هذا، أي: من ضربه ونحوه [[ورد في "تهذيب اللغة" (شكل) 2/ 1916، بنصه.]].
وقال الليث: الشاكلة من الأمور ما وافق فاعله [[ورد في "تهذيب اللغة" (شكل) 2/ 1916، بنحوه.]]، والمعنى: أن كل أحد يعمل على طريقته التي تُشاكل أخلاقه، وعبارات المفسرين في تفسير الشاكلة متقاربة، والكل ينبئ عما يشاكل طبيعة الإنسان، وكل إنسان يجري على مذهبه وطريقته وعادته التي أَلِفَها وجُبِل عليها، والإشارة في هذا؛ أن الكافر يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء، والصبر والاحتساب عند البلاء، ألا ترى أنه قال: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾، أي: بالمؤمن الذي لا يعرض عند النعمة ولا ييأس عند المحنة.