Lafzullah

Al-Basit — المؤمنون 23:2 – المؤمنون 23:118

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. المؤمنون 23:2
  2. المؤمنون 23:3
  3. المؤمنون 23:4
  4. المؤمنون 23:5
  5. المؤمنون 23:6
  6. المؤمنون 23:7
  7. المؤمنون 23:8
  8. المؤمنون 23:9
  9. المؤمنون 23:10
  10. المؤمنون 23:11
  11. المؤمنون 23:12
  12. المؤمنون 23:13
  13. المؤمنون 23:14
  14. المؤمنون 23:15
  15. المؤمنون 23:17
  16. المؤمنون 23:18
  17. المؤمنون 23:20
  18. المؤمنون 23:21
  19. المؤمنون 23:23
  20. المؤمنون 23:24
  21. المؤمنون 23:25
  22. المؤمنون 23:26
  23. المؤمنون 23:27
  24. المؤمنون 23:28
  25. المؤمنون 23:29
  26. المؤمنون 23:30
  27. المؤمنون 23:31
  28. المؤمنون 23:32
  29. المؤمنون 23:33
  30. المؤمنون 23:34
  31. المؤمنون 23:35
  32. المؤمنون 23:36
  33. المؤمنون 23:37
  34. المؤمنون 23:38
  35. المؤمنون 23:39
  36. المؤمنون 23:40
  37. المؤمنون 23:41
  38. المؤمنون 23:42
  39. المؤمنون 23:43
  40. المؤمنون 23:44
  41. المؤمنون 23:45
  42. المؤمنون 23:46
  43. المؤمنون 23:47
  44. المؤمنون 23:49
  45. المؤمنون 23:50
  46. المؤمنون 23:51
  47. المؤمنون 23:52
  48. المؤمنون 23:53
  49. المؤمنون 23:54
  50. المؤمنون 23:55
  51. المؤمنون 23:56
  52. المؤمنون 23:57
  53. المؤمنون 23:58
  54. المؤمنون 23:59
  55. المؤمنون 23:60
  56. المؤمنون 23:61
  57. المؤمنون 23:62
  58. المؤمنون 23:63
  59. المؤمنون 23:64
  60. المؤمنون 23:65
  61. المؤمنون 23:66
  62. المؤمنون 23:67
  63. المؤمنون 23:68
  64. المؤمنون 23:69
  65. المؤمنون 23:70
  66. المؤمنون 23:71
  67. المؤمنون 23:72
  68. المؤمنون 23:73
  69. المؤمنون 23:74
  70. المؤمنون 23:75
  71. المؤمنون 23:76
  72. المؤمنون 23:77
  73. المؤمنون 23:78
  74. المؤمنون 23:80
  75. المؤمنون 23:84
  76. المؤمنون 23:85
  77. المؤمنون 23:86
  78. المؤمنون 23:88
  79. المؤمنون 23:89
  80. المؤمنون 23:90
  81. المؤمنون 23:92
  82. المؤمنون 23:94
  83. المؤمنون 23:95
  84. المؤمنون 23:97
  85. المؤمنون 23:98
  86. المؤمنون 23:99
  87. المؤمنون 23:100
  88. المؤمنون 23:101
  89. المؤمنون 23:102
  90. المؤمنون 23:104
  91. المؤمنون 23:106
  92. المؤمنون 23:107
  93. المؤمنون 23:108
  94. المؤمنون 23:110
  95. المؤمنون 23:111
  96. المؤمنون 23:112
  97. المؤمنون 23:113
  98. المؤمنون 23:114
  99. المؤمنون 23:115
  100. المؤمنون 23:116
  101. المؤمنون 23:117
  102. المؤمنون 23:118

المؤمنون 23:2

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال الزهري [[في (ع): (الأزهري)، وهو خطأ.]]: هو سكون المرء في صلاته [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 43، والطبري 18/ 2، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 85 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.]]. وذكرنا أن معنى [[معنى): ساقطة من (ع).]] الخشوع في اللغة: السكون [[انظر: (خشع) في "تهذيب اللغة" 1/ 152، "لسان العرب" 8/ 71، "القاموس المحيط" 3/ 18.]]. وعلى هذا المعنى يدور كلام المفسرين في تفسير الخاشعين في الصلاة. فقال السدي: متواضعون [[لم أجده عنه، وهذا تفسير مقاتل. انظر: "تفسيره" 29 أ، والثعلبي 3/ 58 أ.]]. وقال مجاهد وإبراهيم: ساكنون [[رواه ابن المبارك في "الزهد" ص 55، والطبري 18/ 2، عن مجاهد بلفظ: السكون فيها، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 85 بلفظ: الخشوع في == الصلاة: السكوت فيها. وعزاه لابن المبارك وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر. ورواه عن إبراهيم الطبري في "تفسيره" 18/ 2 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 84 بلفظ: ساكتون، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير. قال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 442: وقول مجاهد وإبراهيم في هذا حسن؛ وإذا سكن الإنسان تذلل ولم يطمح ببصره ولم يحرك يديه.]]. وقال عمرو بن دينار: هو السكون وحسن الهيئة [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 58 أ.]]. وقال الحسن وقتادة: خائفون [[ذكره عنهما الثعلبي و"الكشف والبيان" 3/ 58 أ. ورواه عبد الرزاق 2/ 43، والطبري 14/ 3 عن الحسن. وذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 84 أن عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر أخرجوا عن قتادة قال: الخشوع في القلب هو الخوف. ولم أر زيادة هو الخوف عند الطبري 18/ 3.]]. وهذا معنى؛ لأن [[في (ع): (لا من. وبينهما بياض.]] من سكن في صلاته إنما هو لخوفه من الله. فالخوف معنى للخشوع وليس بتفسير له. وكذلك قول من فسره بغض البصر وخفض الجناح [[هذا تفسير الحسن البصري كما عزاه إليه الطبري 18/ 2، وتفسير مجاهد كما عزاه إليه الثعلبي 3/ 58 أ.]]. كل ذلك يؤول إلى السكون، يدل عليه ما روي عن ابن عباس -في هذه الآية- قال: خشع [[في (أ): (يخشع).]] من خوف الله، فلا يعرف مَنْ على يمينه ولا مَنْ على يساره [[ذكره البغوي 5/ 408 بنحوه، وعزاه لسعيد بن جبير.]]. وروي عن ابن سيرين قال: كان النبي -ﷺ- إذا صلى نظر في السماء، حتى نزلت هذه الآية، وكان بعد ذلك يضع [[في (ز): (يغض)، وهو خطأ.]] بصره حيث يسجد [[رواه أبو داود في كتابه "المراسيل" ص 41، وعبد الرزاق في "المصنف" 2/ 254، والبيهقي في "السنن الكبرى" 2/ 283 عن ابن سيرين بنحوه. قال الألباني في "إرواء الغليل" 2/ 71: ضعيف.]].

المؤمنون 23:3

قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء -وهو قول الضحاك: عن الشرك بالله [[ذكره البغوي 5/ 409 من رواية عطاء عن ابن عباس. وذكره ابن الجوزي 5/ 460 من رواية أبي صالح عن ابن عباس. وذكره عن الضحاك النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 109، والقرطبي 12/ 15.]]. وقال الحسن: عن المعاصي [[ذكره الثعلبي 3/ 58 ب، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 43، والطبري 18/ 3، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 87 وعزاه لعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر. قال النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 109: ومن أحسن ما قبل فيه قول الحسن .. ، فهذا قول جامع ... وبمثل قول النحاس قال القرطبي 12/ 15.]]. وروي عن ابن عباس: عن الحلف الكاذب [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 58 ب.]]. وقال مقاتل: الشتم والأذى إذا سمعوا من كفار مكة [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.]]. وقال الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 6.]] وغيره [[عند الثعلبي (جـ3 ل 58 ب): (غيرهم: ما لا يحمل في القول والفعل.]]: هو كل باطل ولهو وهزل، ومعصية وما لا يحمد [[في (ع): (يحمل) مهملة. وعند الثعلبي: يجمل.]] في القول والفعل. وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى بالإعراض عن اللغو شغلهم الجدُّ فيما أمرهم الله به عن اللغو. وهذا معنى قوله قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما شغلهم عن الباطل [[رواه ابن المبارك في "الزهد" ص 55، وأبو نعيم في "الحلية" 2/ 339 وفيهما: ما وقذهم عن الباطل. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 87 وعزاه لابن المبارك.]]. وذكرنا الكلام في اللغو عند [[في (ع): (في).]] قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225].

المؤمنون 23:4

قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ قال ابن عباس: يزكون أموالهم ابتغاء مرضات الله. وقال الكلبي: للصدقة الواجبة مُؤدون [[ذكره البغوي 5/ 409 من غير نسبة لأحد.]]. وقال أبو إسحاق: معنى ﴿فَاعِلُونَ﴾: مؤتون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 6.]]. يعني أن الإيتاء فعلٌ، فعبر الله عنه [[في (ع): (فعبر عنه).]] بلفظ الفعل كما قال أمية: المُطْعمُون الطَّعَام في السَّنَة ... الأزْمَة والفاعلون للزكوات [[البيت في "ديوانه" ص 165، و"الكشاف" للزمخشري 3/ 26، و"الجامع" للقرطبي 12/ 105، و"البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 396. والسَّنَة الأزْمَة: الشديدة المجدة. انظر: "لسان العرب" 12/ 16 (أزم).]] وحكى الأزهري عن بعضهم: والذين هم للعمل الصالح فاعلون. قال: وكذلك قوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [[(أ)، (ع): (هو خير منه زكاة)، وهو خطأ.]] [الكهف: 81] أي: خير منه عملًا صالحًا [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 320، (زكا)]].

المؤمنون 23:5

قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ قال الليث: الفرج اسم يجمع سوءات الرجال والنساء. فالقبلان [[في (أ) زيادة: (هما) بعد قوله: (فالقبلان)، وليست في (ع) ولا في "تهذيب اللغة".]] وما حواليهما كله فرج، وكذلك من الدواب [[قول الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 44 - 45 (فرج)، وهو في "العين" 6/ 109 (فرج).]]. ومعنى الفرج في اللغة: الفرجة بين الشيئين [[انظر (فرج) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 44، "لسان العرب" 2/ 341.]]. ولهذا سُمي ما بين قوائم الدابة الفروج. ومنه قول الشاعر [[في (ع): (ومنه قوله: وقائل هذا البيت هو: امرؤ القيس. وقد تقدم تخريج هذا البيت.]]: لها ذَنَبٌ مثلُ ذيل العروس ... تَسُدُّ به فرجها من دُبُر والمراد بالفروج هاهنا: فروج الرجال خاصة، لدلالة ما بعدهما عليهما. قال الكلبي: يعني يعفون عما لا يحل لهم. وقال الزجاج: يحفظون فروجهم عن المعاصي [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 6.]].

المؤمنون 23:6

قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ قال الفراء: معناه إلا من أزواجهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 231.]]. وعلى هذا القول ﴿عَلَى﴾ بمعنى: من. وحروف الصفات متعاقبة [[حروف الصفات: هي حروف الجر، أو حروف الإضافة كما يسميها البصريون. قال ابن يعيش في "المفصل" 8/ 7: (وقد يسميها الكوفيون حروف الصفات، لأنها تقع صفات لما قبلها من المنكرات) أهـ. وفي تعاقب حروف الصفات أو الجر مذهبان للنحويين: 1 - مذهب الكوفيين: أنها تتعاقب وينوب بعضها عن بعض. وهو الذي ذكره == الواحدي هنا. 2 - مذهب البصريين: أن حروف الجر لا ينوب بعضها عن بعض بقياس، وما أوهم ذلك فهو عندهم إما مؤول تأويلا يقبله اللفظ، وإما على تضمين فعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف، وإما على شذوذ إنابة كلمة عن أخرى. انظر: "مغني اللبيب" لابن هشام 1/ 129 - 130، "همع الهوامع" للسيوطي 2/ 35. وانظر ما كتبه ابن جني في "الخصائص" 2/ 306 - 315، وابن القيم في "بدائع الفوائد" 2/ 20 - 22 حول هذا الموضوع فهو مفيد.]]. وقال الزجاج: دخلت ﴿عَلَى﴾ هاهنا لأن المعنى [[في (أ): (معنى).]]: أنهم يلامون [[في (ع): (لا يلامون).]] في إطلاق ما حُظر عليهم، إلا على أزواجهم فإنهم لا يلامون، والمعنى: أنهم يلامون على سوى أزواجهم وملك أيمانهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 6.]]. وعلى هذا القول ﴿عَلَى﴾ من صلة اللوم المضمر، ودل عليه ذكر اللوم في آخر الآية [[وهذا الوجه الذي ذكره الزجاج وبينه الواحدي، ذكره الزمخشري في "الكشاف" 3/ 26 ضمن وجوه منها: أن (على) متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير (حافظون) والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي حافظون لفرجهم في جميع الأحوال إلا حال كونهم والين وقوامين على أزواجهم. من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلانة. ونظيره كان زياد على البصرة، أي: واليًا عليها. وقد اعترض أبو حيان 6/ 396 على هذه الوجوه وذكر أنها متكلفة، وقال: والأولى أن يكون من باب التضمين، ضمن (حافظون) معنى: ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بـ (على) كقوله ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: 37]. وانظر أيضًا: "الإملاء" للعكبري 2/ 146، "الدر المصون" 8/ 317 - 318، "روح المعاني" للألوسي 18/ 6.]]. قال مجاهد: يحفظ فرجه إلا من امرأته أو أمته، فإنه لا يلام على ذلك [[ذكره البغوي 5/ 410 من غير نسبة لأحد.]]. وقال مقاتل: يعني [[في (ع): (معنى).]] حلايلهم والولايد، فإنهم لا يلامون على الحلال [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ. وفيه: الحلائل.]]. وقال أهل المعاني: هذه الآية مخصوصة بالحالة التي تصح [[في (ع): (يصح).]] فيها وطء الزوجة والأمة، وهي أن لا تكون حائضًا ولا مُظاهرًا عنها، فلا تكون الأمة مزوجة ولا في عدة زوج. ولم يذكر [[في (ع): (تذكر).]] هذه الأحوال هاهنا للعلم بها [[ذكر هذا المعنى: الطوسي في "التبيان" 7/ 309، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 193 أ - ب، ولم ينسباه لأحد.]] [[هنا ينتهي الخرم. في نسخة (ظ).]]. وقيل: المعنى أنهم لا يلامون من جهة وطء زوجة أو ملك يمينه، وإن استحق اللوم من وجه آخر إذا كان وطؤه في إحدى هذه الحالات [[ذكر هذا المعنى: الطوسي في "التبيان" 7/ 309، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 193 أ - ب، ولم ينسباه لأحد.]].

المؤمنون 23:7

قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أي [[في (ظ): (وإن).]]: طلب سوى الأزواج والولائد. و ﴿وَرَاء﴾ هاهنا [[في (أ): (هنا).]] بمعنى: سوى. قاله ابن الأعرابي [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 3051 من رواية أبي العباس ثعلب، عنه.]] وغيره [[هو قول الطبري 18/ 4، والثعلبى 3/ 58 أ.]]، كقوله [[في (أ): (لقوله).]]: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: 91] وقد مر. [وعلى هذا الوراء مفعول الابتغاء. قال أبو إسحاق: فمن طلب ما بعد ذلك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 7.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ظ).]]. وعلى هذا الوراء ظرف، ومفعول الابتغاء محذوف [[انظر: "القرطبى" 12/ 107، "البحر المحيط" 6/ 397.]]. وذكره مقاتل فقال: فمن ابتغى الفواحش بعد الأزواج والولائد [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ - ب.]]. وذلك إشارة إلى الأزواج والإماء. وذكرنا قديمًا أن (ذلك) يجوز أن [[في (ع): (إلى).]] يشار به إلى كل مذكور مؤنثًا كان أو مذكرًا [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2].]]. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يعني المبتغين ﴿هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال الزجاج: الجائرون الظالمون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 7.]]. وقال المبرد: المتجاوزون إلى ما ليس لهم. يعني: يتعدون الحلال إلى الحرام [[ذكر هذا المعنى: الطوسي في "التبيان" 7/ 309، والجشمي في "التهذيب" 6/ 193 أ - ب ولم ينسباه لأحد.]]. فالأول من عدا أي: جار وظلم، والثاني من عدا، أي: جاوز [[انظر: (عدا) في "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 108 - 109، "الصحاح" للجوهري 6/ 2420 - 2421، "القاموس المحيط" للفيروزآبادي 4/ 260.]]. وهما يرجعان إلى أصل واحد؛ لأن الظالم مجاوز ما حُدَّ له.

المؤمنون 23:8

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها [[(أنها): ساقطة من (ع).]] أمانات الناس التي ائتمنوا عليها. وهو قول ابن عباس [[ذكره الثعلبي 3/ 58 ب من غير نسبة لأحد.]]. والثاني: أنها أمانات بين الله وبين عبده مما لا يطلع عليه إلا الله، كالوضوء والغسل من الجنابة والصيام وغير ذلك. وهو قول الكلبي [[ذكر الجشمي في "تهذيبه" 6/ 193 هذا القول باختصار ولم ينسبه لأحد.]]. وأكثر المفسرين على القول الأول [[انظر: "الطبري" 18/ 5، والثعلبي 3/ 58 ب، وابن كثير 3/ 239. قال أبو حيان 6/ 397، والظاهر عموم الأمانات، فيدخل فيها ما ائتمن الله تعالى عليه العبد من قول وفعل واعتقاد، فيدخل في ذلك جميع الواجبات من الأفعال والتروك وما ائتمنه الإنسان قبل، ويحتمل الخصوص في أمانات الناس ... قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].]]. وقرأ ابن كثير (لأمانتهم) واحدة [[وقرأ الباقون (لأماناتهم) جماعة. "السبعة" ص 444، "التبصرة" ص 269، "التيسير" ص 158.]]، ووجهه: أنه مصدر واسم جنس فيقع على الكثرة، وإن كان مفردًا في اللفظ، كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [[في (أ): (وكذلك)، وهو خطأ.]] [الأنعام:108] وجمع [[في (أ): (رجع)، وهو خطأ.]] في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: 63]. والأمانة تختلف ولها ضروب نحو: الأمانة التي بين الله وبين عبده كالصيام والصلاة والاغتسال، والأمانة التي بين العبيد في حقوقهم كالودائع والبضائع [[في (أ): (والصنائع)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في "الحجة"، وعند البغوي: الصنائع.]]، ونحو ذلك بما تكون اليد فيه [يد] [[(يد): زيادة من "الوسيط" 3/ 284 يستقيم بها المعنى.]] أمانة، واسم الجنس يقع عليها كلها [[من قوله: (ووجهه ... إلى هنا) نقلا عن "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 287. وليس فيه: (واسم الجنس يقع عليها كلها). وذكر ابن خالويه وابن زنجلة أن وجه الإفراد أن الله قال بعد ذلك (وعهدهم) ولم يقل: وعهودهم. وقال مكي بن أبي طالب: فآثر التوحيد -يعني ابن كثير- لخفته، ولأنه يدل على ما يدل عليه الجمع، ويقوي التوحيد أن بعده (وعهدهم) وهو مصدر. "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 85، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 482 - 483، "الكشف" لمكي 2/ 125.]]. ووجه الجمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] [["الحجة" للفارسي 5/ 288. وانظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 85، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 483. وقال مكي بن أبي طالب في "الكشف" 2/ 125: فأما من جمع فلأن المصدر إذا اختلفت أجناسه وأنواعه جمع، والأمانات التي تلزم الناس مراعاتها كثيرة، فجمع لكثرتها، ... وقد أجمعوا على الجمع في قوله ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ [النساء: 58].]]. وقد مر. والأمانة مصدر سُمِّي به المفعول. وقوله: ﴿وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. وقال الكلبي: يقول وحلفهم الذي يؤخذ عليهم. وقيل: يعني العقود التي عاقدوا الناس عليها [[هذا قول الطبري 18/ 5، والثعلبي 3/ 58 ب.]]. ومعنى ﴿رَاعُونَ﴾ حافظون. قال أبو إسحاق: أصل الرعي [[مكان (الرعي) بياض في (ظ).]] في اللغة: القيام على إصلاح ما يتولاه من كل شيء، تقول: الإمام يرعى رعيته، والقيّم بالغنم يرعى غنمه، وفلان يرعى ما بينه وبين فلان، أي: يقوم على إصلاحه [["معاني القرآن" للزجاج 6/ 7.]]. يقال: رَعَى يَرْعَى رَعْيا وَرعَاية [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 162 (رعى)، "القاموس المحيط" 4/ 335.]].

المؤمنون 23:9

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾ وقرئ: صلاتهم [[قرأ حمزة، والكسائي: (صلاتهم) على التوحيد، وقرأ الباقون: (صلواتهم) بالألف على الجمع. "السبعة" ص 444، "التيسير" ص 158، "الإقناع" 2/ 708.]]. فمن أفرد فلأن الصلاة في الأصل مصدر كالعمل والأمانة [[في (ظ): (والإعانة).]]، ومن جمع فلأنه قد صار اسمًا شرعيًا لانضمام ما لم يكن في أجل اللغة أن ينضم إليها [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 288. وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 483، "الكشف" لمكي 1/ 505 - 506.]]. قال إبراهيم: عني الصلوات المكتوبة [[رواه الطبري 18/ 5.]]. وقوله: ﴿يُحَافِظُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد على مواقيتها [[لم أجده عن ابن عباس، وهو مروي عن ابن مسعود. انظر: "الدر المنثور" 6/ 89.]]. وهو قول الكلبي، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.]]، ومسروق [[رواه الطبري 18/ 5.]]، والجميع [[انظر: الطبري 18/ 5، و"الدر المنثور" 6/ 89.]]. قال أبو إسحاق: المحافظة على الصوات أن تُصلى في أول وقتها [[عند الزجاج: في أوقاتها.]]، فأما [[في (ظ): (وأما).]] الترك فداخل في باب الخروج عن الدين [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 7.]].

المؤمنون 23:10

قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة. ﴿هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم يرثون منازل أهل النار من الجنة. روى أبو هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، قال: فدلك [[في (ع): (وكذلك).]] قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ " [[رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" 156 ب، وابن ماجه في "سننه" أبواب الزهد، صفة الجنة 2/ 458، والطبري 18/ 5 - 6، وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 239. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 90 وعزاه لمن تقدم وزاد نسبته لابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في "البعث". قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" 3/ 327: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 3/ 442. وذكره الألباني في صحيح الجامع 2/ 1010 وقال: صحيح.]]. وهذا تفسير النبي -ﷺ-. القول الثاني: أنهم يرثون بيوتهم ومنازلهم التي بنيت بأسمائهم في الجنة. وهو قول الكلبي ورثوا الجنة دون الكفار خلصت لهم بأعمالهم - واختيار أبي إسحاق [[قول الواحدي إن هذا اختيار أبي إسحاق محل نظر؛ لأن أبا إسحاق قال في كتابه "معاني القرآن" 4/ 6: "أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس" روى أن الله - جل ثناؤه جعل لكل امرئ بيتًا في الجنة وبيتًا في النار، فمن عمل عمل أهل النار ورث بيته من الجنة من عمل عمل أهل الجنة، ومن عمل عمل أهل الجنة ورث بيته من النار من عمل عمل أهل النار. والفردوس أهله .. فأبو إسحاق اقتصر على هذا القول ولم يحك غيره.]]. والمعنى: أنهم يؤول أمرهم إلى نعيم الجنة [[ذكر هذا المعنى الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 58 ب وعزاه لبعضهم.]]. قال المبرد: وأصل الميراث: العاقبة وإن لم يكن للأول منها شيء بسبب نسب، وإنما معناه الانتقال عن [[في (ع): (من).]] هذا إلى هذا كما قال -عز وجل- ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا﴾ [الأعراف: 137] الآية. وقد مر. فعلى [[في (ظ): (زيادة (هذا)، بعد قوله (فعلى).]] القول الأول: هم وارثون [[في (ع): (الوارثون).]] ورثوا من [[(من): ساقطة من (أ)، (ظ).]] أهل النار منازلهم من الجنة. ويجوز أن يُسمى ميراثًا وإن لم يستحقوا ذلك بنسب. وعلى القول الثاني: صارت عاقبتهم الجنة. فهم وارثون ورثوا منازلهم التي بنيت لهم في الجنة.

المؤمنون 23:11

ثم ذكر ما يرثون فقال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ وهو البستان بلغة الروم [[هذا قول مجاهد وسعيد بن جبير. انظر: "الطبري" 16/ 36، و"الدر المنثور" 5/ 468، "المهذب للسيوطي" ص 120 - 121.]]. وقيل: بلغة الحبشة [[هذا قول عكرمة. ذكره عنه الثعلبي 3/ 58 به قال الفراء في "معاني القرآن" 2/ 231: وهو عربي أيضًا، العرب تُسمى البستان الفردوس.]]. ومضى الكلام في تفسير الفردوس في آخر سورة الكهف. قال ابن عباس: يريد خير الجنان. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يريد خلود [[في (ظ): (خلودًا، وملكًا).]] لا موت معه [[في (ظ): (فيه).]]، ولذة لا انقطاع لها، وملك لا زواله له، وشيء لا يعلمه إلا الله.

المؤمنون 23:12

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ السلالة: فعالة من السل، وهو استخراج الشيء من الشيء. يقال: سللت الشعر من العجين فانسل، وسللت السيف من غمده فانسل. ومن هذا يقال للنطفة: سُلَالة، وللولد: سَلِيل [[في (ظ): (السليل).]] وسلالة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 8، "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 292 (سل) فقد نسب فيه بعض ما ذكر هنا لأبي الهيثم والليث، "الصحاح" للجوهري 5/ 1731 (سلل)، "لسان العرب" 11/ 339 (سلل).]]. قالت ينت النعمان بن بشير [[هي: هند بنت النعمان بن بشير الأنصاري -رضي الله عنه- فصيحة، كانت تحت روح بن رنباع ثم تزوجها الحجاج، ثم عبد الملك بن مروان. ولها معهم أخبار. انظر: "وفيات الأعيان" لابن خلكان 3/ 95، "أعلاء النساء" لكحالة 5/ 256 - 259.]] لزوجها روح بن زنباع [[هو: روح بن زنباع بن روح بن سلامة، الجذامي، أبو زرعة، أمير فلسطين وسيد == قومه وقائدها وخيبها وشجاعها، وكان شبه الوزير لعبد الملك يستشيره في أمره. توفي سنة 84 هـ. "سير أعلام النبلاء" 4/ 251، "البداية والنهاية" 9/ 52، 54 - 55، "شذرات الذهب" 1/ 951، "الأعلام" للزركلي 3/ 34.]]: وهل كنت إلا مُهرة عربية ... سَلِيلَة أفْراس تَحَلَّلَها بَغْلُ [[البيت في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 55 منسوبًا لبنت النعمان بن بشير الأنصارية، وفيه: سلالة، تَجللها: بالجيم. وهو منسوب لهند بنت النعمان في "أدب الكاتب" لابن قتيبة ص 35، وروايته فيه: وهل هذه إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجَلَّلها نَغْل و"اللآلى في شرح أمالي القالي" لأبي عبيد البكري ص 179، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه الأندلسي 6/ 115 وروايتها مثل ابن قتيبة لكن عند البكري: بغل، وفي المطبوع من العقد: بعل. و"نسب الأصبهاني في الأغاني" 9/ 229 هذا البيت لحميدة بنت النعمان تهجو زوجها روحًا. وروايته: وهل أنا .. تجللها بَغْل. والبيت من غير نسبة في الطبري 18/ 8، "اللسان" 11/ 339 (سلل). قال البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 49 عن رواية (بغل): (وأنكر كثير من أصحاب المعاني هذه الرواية، وقالوا: هي تصحيف؛ لأن البغل لا ينسل، والصواب: (نغل) بالنون، وهو الخسيس من الناس والدواب. أهـ. ونقل هذا أيضًا ابن منظور في "لسان العرب" 11/ 339 عن ابن بري. قال البطليوسي 3/ 50: (وهل هند إلا مهرة) مثل ضربته. وذلك أنها انصارية، وكان روح بن زنباع جذاميا، والأنصار أشرف من جذام، فقالت: إنما مثلي ومثل روح: مهرة عربية عتيقة علاها بغل.]] وقال آخر [[ذكر محقق "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 55 أنه كتب في حاشية نسخة (س) من المجاز: وقال الشاعر - يعني بني علي بن أبي طالب: سوى أنهم ... البيت. وفي المجاز (ألقوا) في موضع (قالوا). ولم أهتد لقائل هذا البيت.]]: سوى أنهم للحق أهل وأنهم ... إذا نسبوا قالوا: سلالة أحمد واختلفوا في المعنى بالإنسان في هذه الآية: فقال ابن عباس -في رواية عطاء- يريد آدم [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 462، والرازي 23/ 84، وأبو حيان 6/ 398.]]. وهو قول قتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 44، والطبري 18/ 7.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.]]، واختيار الفراء [[يظهر أن الواحدي اعتمد في نسبة هذا القول إلى الفراء على الأزهري، فإن الأزهري في "تهذيب اللغة" 12/ 293 ذكر قول قتادة: استل آدم ... ، ثم قال: وإلى هذا ذهب الفراء. أما كتاب الفراء "معاني القرآن" 2/ 231 فليس فيه ذكر لشيء من ذلك، وإنما فيه: السلالة ...]]. قال قتادة: استل [[في (ظ)، (ع): (أسل).]] آدم من طين، وخلقت ذريته من ماء مهين. ونحو هذا قال الفراء: السلالة التي تسل من كل تربة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 231.]]. وكذا روي في خلق آدم -عليه السلام- أن طينه استل من الأرض طيبها وسبخها [[سبخها: السبخُ: المكان يسبخ فيبنت الملح، والسبخة - محركة ومسكنة: أرض ذات نَزٍّ وملح. انظر: "لسان العرب" 3/ 2224 (سبخ) "تاج العروس" 7/ 269 (سبخ).]] وجميع أنواعها [[روى أبو داود في "سننه" كتاب: السنة، باب: في القدر 12/ 455، والترمذي في "جامعه" كتاب: التفسير، سورة البقرة 8/ 290 وغيرهما عن أبي موسى الأشعري == -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب". وصححه الألباني. انظر: "صحيح الجامع" 1/ 362.]]. وقال الكلبي: السلالة: الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك، فذلك الذي يخرج هو السلالة [[ذكره عنه أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" 2/ 135، والقرطبي 12/ 109.]]. ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.]]. وعلى هذا أريد بالسلالة ذلك الطين الذي يخرج من الأصابع عند العصر. والوجه قول قتادة والفراء [[قال ابن كثير 3/ 240 عن هذا الوجه: وهذا أظهر في المعنى وأقرب إلى السياق، فإن آدم خلق من طين لازب.]]. وروي عن ابن عباس ما يدل على أن المراد بالإنسان في هذه الآية: ابن آدم، لا آدم، وهو ما رواه أبو يحيى الأعرج [[هو: مصدع، أبو يحيى الأعرج، المعرقب. مولى عبد الله بن عمرو، ويقال مولى معاذ بن عفراء. روى عن علي وابن عباس وغيرهما. قال عمار الدهني: كان مصدع عالمًا بابن عباس. قال ابن المديني: وهو الذي مر به علي بن أبي طالب وهو يقص فقال له: تعرف الناسخ والمنسوخ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت. قال ابن حبان: كان يخالف الأثبات في الروايات وينفرد بالمناكير. وقال الذهبي في "الكاشف": صدوق. وقال في "المغني": تكلم فيه. وقال ابن حجر: مقبول. "الكاشف" للذهبي 2/ 47، "المغني في الضعفاء" للذهبي 2/ 659، "تهذيب التهذيب" 10/ 158، "تقريب التهذيب" 2/ 251.]] أنه قال: السلالة صفوة [[في (أ): (صفو).]] الماء الرقيق الذي يكون منه الولد [[رواه الطبري 18/ 7 عنه من رواية أبي يحيى الأعرج: مقتصرًا على: صفوة الماء.== وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 91 بمثل السياق هنا، وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وهذا قول مجاهد وعكرمة. قال مجاهد: ﴿سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾: من مني [[في (ع): (بني)، وهو خطأ.]] آدم [[رواه الطبري 18/ 7، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 91 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.]]. قال عكرمة: هو الماء يسيل من الظهر [[في (ظ): (الطين).]] سلًا [[ذكره عنه البغوي 5/ 411.]]. وعلى هذا القول أراد بالإنسان: ولد آدم. جعله اسمًا للجنس وهو اختيار الكلبي، لأنه قال في قوله: ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [[في (ظ)، (ع): (خُلق)، وهو خطأ.]] هو ابن آدم [[ذكره عنه أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" 2/ 135.]]. وقوله: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ أراد تولد السلالة من طين خلق آدم منه كما قال الكلبي: يقول من نطفة، سُلت تلك النطفة من طين والطين آدم [[ذكره عنه البغوي 5/ 411.]].

المؤمنون 23:13

ويدل على أن المراد بالإنسان ابن آدم قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ يعني ابن آدم؛ لأن آدم لم يكن نطفة في رحم. وعلى القول الأول عادت الكناية إلى ابن آدم لا إلى الإنسان المذكور في الآية الأولى [[في (أ): (الأول).]]، وجاز ذلك لأنه [[لأنه: ساقط من (ظ)، (ع).]] لما ذكر [[في (ع): (ذكرنا).]] الإنسان - والمراد به آدم- دل [[في (ظ): (ودل).]] ذلك على إنسان مثله [[العبارة في (ظ): (على أن له إنسان مثله).]]، وعرف ذلك بفحوى الكلام فكُني عنه وهذا قول صاحب النظم. ومثل هذا في القرآن [[في (ع) زيادة: (كثير) بعد قوله (القرآن).]] قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾ [المائدة: 101] فالكناية في (عنها) ليست [[(ليست): ساقطة من (ع).]] تعود على (أشياء) المذكورة في قوله: ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾ ولكنها تعود على [[في (أ): (إلي).]] أشياء أخر [[(أُخَر): ساقطة من (أ).]] سواها لا هي، وجاز ذلك لأن المذكورة دلت عليها من حيث اجتمعتا في اللفظ. وقد مر. وقوله: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ يعني مستقر، وموضع قرار، فسماه بالمصدر. قوله: ﴿مَّكِينٍ﴾ قال المفضل: مطمئن غير مضطرب [[لم أجده.]]. يقال: مكين: بين المكانة [[قوله: (يقال: مكين) إلى هنا في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 292 (مكان) منسوبًا لأبي زيد.]]. قال ابن عباس والمفسرون في قوله: ﴿مَّكِين﴾: يريد الرحم، مُكن فيه بأن هُيىء لاستقراره فيه إلى بلوغ أمده الذي جعل له [[انظر: "الطبري" 18/ 9.]].

المؤمنون 23:14

قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ﴾ مفسر في سورة الحج إلى قوله: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ﴾ [[انظر: "البسيط" [لحج: 5].]]. ﴿عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ وقرئ كلاهما (عظمًا) على الواحد [[قرأ ابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر بن عياش: (عظما فكسونا العظم) واحدًا ليس قبل الميم ألف بفتح العين وإسكان الظاء فيهمها. وقرأ الباقون: (عظاما فكسونا العظام) بالجمع فيهما، بكسر العين وفتح الظاء وألف بعدها. "السبعة" ص 444، "التبصرة" ص 269، "التيسير" ص 158، "النشر" 2/ 328.]]. قال الزجاج [[قوله: (على الواحد قال الزجاج): (كررت مرتين في (ظ).]]: التوحيد والجمع هاهنا جائزان؛ لأنه يعلم أن الإنسان ذو عظام، وإذا ذكر على التوحيد فلأنه يدل على الجمع، ولأن معه اللحم ولفظه لفظ الواحد فقد علم أن العظم يراد به العظام. قال: وقد [[(قد): ساقطة من (ع).]] يجوز من التوحيد إذا [[في جميع النسخ: وإذا. والتصحيح من المعاني.]] كان في الكلام دليل على الجمع ما هو أشد من هذا. قال الشاعر: في حلقكم عظم [[في (ع): (عظما).]] وقد شجينا [[تقدم تخريج هذا الشطر.]] يريد في حلوقكم عظام [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 8 - 9.]]. وقال أبو علي: الجمع أشبه بما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع كقوله [[في (ظ): (في قوله).]] ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ [الإسراء: 49] ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: 11] ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ [يس: 78]. والإفراد لأنه اسم [[(اسم): ساقط من (ع).]] جنس، فأفرد كما أفرد [[في "الحجة": تفرد.]] المصادر [[في (ع): (الهادر).]] وغيرها من الأجناس نحو: الإنسان والدرهم والشاء والبعير [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 288 - 289. وانظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 85 - 86، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 484، "الكشف" لمكي 2/ 126.]]. قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾ قال ابن عباس: يعني نفخ الروح فيه [[رواه الطبري 18/ 9، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 91 وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وهو قول السدي، ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، والربيع، وأبي العالية [[في (ظ): (وأبو العالية).]]، وابن زيد [[ذكره الثعلبي 3/ 58 ب عنهم سوى السدي والربيع. ورواه الطبري 18/ 10 عنهم سوى السدي. ذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 241 عن هؤلاء جميعاً. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 92 عن مجاهد وعكرمة وأبي العالية، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.]]. واختيار القتيبي [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 296.]]. وقال قتادة: هو نبات الشعر والأسنان [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 44، والطبري 18/ 10 عنه دون قوله: الأسنان. وذكره بهذا اللفظ البغوي في "تفسره" 5/ 412.]]. وهو قول الضحاك [[رواه الطبري 18/ 10. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 92 وعزاه لعبد بن حميد.]]. وروي [[في (أ): (يروى).]] عن ابن عمر أنه قال: هو استواء الشباب [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 58 ب.]]. وهو قوله مجاهد [[(مجاهد): ساقط من (ع).]] في بعض الروايات [[ذكره الثعلبي 3/ 58 ب عنه من رواية ابن أبي نجيح وابن جريج. ورواه الطبري 18/ 10 - 11 عنه من الطريقين المتقدمين. وذكره عن مجاهد السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 92 وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] وحكى الزجاج قولاً آخر وهو: أن جُعل ذكرًا وأنثى [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 9. والقول الذي حكاه الزجاج مروي عن الحسن البصري. ذكره النحاس في "معاني القرآن" 4/ 449، والبغوي في "تفسيره " 5/ 412. قال ابن عطية في "المحرر" 10/ 336 - بعد أن ذكر الأقوال المتقدمة- وغيرها: وهذا التخصيص كله لا وجه له، وإنما هو عام في هذا وغيره من وجوه النطق والإدراك وحسن المحاولة هو بها آخر، وأول رتبة من كونه آخر هو نفخ الروح فيه، والطرف الآخر هو تحصيله المعقولات إلى أن يموت. وصحح القرطبي 12/ 110 ما ذكره ابن عطية.]]. واختار صاحب النظم القول الأول، وقال [[في (ع) زيادة (في) بعد (وقال).]]: قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحْمًا﴾ قصة واحدة، ثم قال ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ﴾ فجاء به على نظم سوى اللفظ الأول الذي درج عليه ما قبله من قوله خلقنا وخلقنا، والإنشاء هو الابتداء، فدل هذا على أنه أراد به نفخ الروح؛ لأنه لا يحتمل أن يكون خلقًا آخر إلا بأن يزول عن كيفيته [[في (أ)، (ظ): (كيفية).]] الأولى وهي أنه كان لحمًا وعظمًا مواتًا، فلما حصل فيه الروح صار خلقًا آخر، حيوانًا بعد أن كان مواتًا. قال: وفي هذا دليل على أن الجنين إذا استوى عظمه ولحمه على العظم فقد صار إنسانًا تكون به الأمة أم ولد، والجنين ولدًا [[في (ع): (ولد)، وهو خطأ.]] إن شاء الله. قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي استحق التعظيم والثناء بأنه [[في (أ): (بالله)، وهو خطأ.]] لم يزل ولا يزال. والكلام في هذا مما قد [[في (ظ)، (ع): (مما سبق).]] سبق [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].]]. قوله: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي: المصورين والمقدرين. والخلق في اللغة: التقدير. والعرب تقول: قدرت الأديم وخلقته، إذا قسِته [[في "تهذيب اللغة": والعرب تقول: خلقت الأديم، إذا قدرته وقسته.]] لتقطع منه مزادة أو قربة أو خُفًا [[في (أ): (وخفا).]] [[هذا كلام الأزهري في "تهذيب اللغة" 7/ 26 (خلق).]]. وقال مجاهد: وتصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين [[رواه الطبري 8/ 11.]]. قال الليث: رجل خالق، أي: صانع. وهن الخالقات، للنساء [[قول الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 27 (خلق). وفي "العين" 4/ 151 (خلق) والخالق: الصانع. وليس فيه وهن الخالقات للنساء. وإنما فيه. وامرأة خليقة: ذات جسم وخلق.]]. وقال مقاتل بن سليمان: يقول: هو أحسن خَلْقًا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء [["تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.]]. ومعنى يخلقون: يصنعون.

المؤمنون 23:15

قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد [[(بعد): ساقطة من (ظ)، (ع).]] ما ذكرنا من تمام الخلق. قال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.]]. ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ [[(لميتون) لم تكتب في (ع) في هذا الموضع. بل كتبت ضمن الآية التي قبلها.]] عند آجالكم.

المؤمنون 23:17

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ قال المفسرون [[انظر: الطبري 18/ 12، والثعلبي 3/ 60 أ.]] وأهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري، "المستدرك" (ص 228 - 229)، "لسان العرب" 10/ 220 (طرق).]] كلهم: يعني: سبع سموات، كل سماء طريقه. قيل: سميت طريقة لتطارقها، وهو أن بعضها فوق بعض [[ذكره الثعلبي 3/ 60 ب وصدره بقوله: قيل. وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 56، والطبري 18/ 12 وغيرهما.]]. قال الليث: السموات السبع والأرضون السبع طرائق بعضها فوق بعض [["تهذيب اللغة" للأزهري "المستدرك" ص 228 - 229 (طرق) نقلاً عن الليث. وهو في "العين" 5/ 97 (طرق).]]. يقال: طارق الرجل نعليه، إذا أطبق نعلًا على نعل. وطارق الرجل بين ثوبين، إذا لبس ثوبًا على ثوب، وهو الطِّرَاق [["تهذيب اللغة" للأزهري "المستدرك" ص 233 (طرق)، مع اختلاف يسير.]]. وقال أبو عبيدة: كل شيء فوقه مثله، فهو طريقة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 56 ولفظه: كل شيء فوق شيء، فهو طريقه.]]. وقال ابن قتيبة: إنما سميت طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض، ويقال: ريش طراق [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 296. وفيه: ريش طرائق.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ قال مقاتل: يعني خلق السماء وغيره [["تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.]]. وقال الزجاج: أي لم يكن ليغفل عن حفظهن. كما قال الله -عز وجل-: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32] [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 9.]]. وهذا معنى قول الفراء: عما خلقنا غافلين: يقول: كنا له حافظين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 232.]]. وهذا الذي ذكراه [[في (ظ): (ذكرنا).]] هو ما قاله [[في (ظ): (قال).]] المفسرون: وما كنا عن [[في (أ): (عن. والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما عند الثعلبي.]] خلقنا غافلين من أن تسقط السموات عليهم، بل أمسكنا السماء بقدرتنا لكيلا [[في (أ): (كيلا).]] تسقط على الخلق فتهلكهم [[هذا كلام الطبري 18/ 12 والثعلبي 3/ 60 أ. وذكره الرازي 23/ 87 وعزاه لسفيان بن عيينة.]]. قال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: إنا لِحِفْظِنَا إياهم خلقنا السموات [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 9 وفيه: خلقنا هذا الخلق.]]. أي لم نغفل عن الخلق إذ [[في (أ): (إلا)، وهو خطأ.]] بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب، التي بها ينتفعون، وأنزلنا منها عليهم الماء. وكأن هذا أقوى الوجوه. وهو معنى قول الحسن، يعني: ننزل [[في (أ): (نزل).]] عليهم ما يحييهم من المطر [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 60 أ.]].

المؤمنون 23:18

قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بقدر يعلمه الله. وقال مقاتل: بقدر ما يكفيهم للمعيشة [["تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.]]. قال ابن عباس: يريد النيل. وعلى هذا القول الماء المذكور في الآية مخصوص [[ولا وجه لهذا التخصيص، لعدم الدليل.]]. وقال الكلبي: هو المطر. وعلى هذا معنى ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ يريد ما يبقى في الغُدران والمستنقعات والدُّحلان [[في (اْ): (الدجلان)، وفي (ع): (الدخلان)، والصواب ما في (ظ). وهو جمع دحل، والدحل والدُّحل: هوة تكون في الأرض وفي أسافل الأودية، فيها ضيق ثم تتسع. "الصحاح" 4/ 1695 (دحل)، "لسان العرب" 11/ 237 (دحل). والغُدْران: جمع غدير، وهو القطعة من الماء يغادرها السيل. "الصحاح" 2/ 766 - 767 (غدر).]]، أقر الله الماء فيها لينتفع به الناس في الصيف وعند انقطاع الأمطار. وقال آخرون [[ذكره البغوي 5/ 413 وصدره بقول: قيل.]]: هو العيون والينابيع التي يخرج الماء منها، وذلك من ماء السماء أودعه الله الأرض. وهذا معنى قول مقاتل بن سليمان، فقد قال: يعني العيون [["تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.]]. وقال أبو إسحاق: هو دجلة والفرات وسيحان وجيحان، فقد روي أن هذه الأنهار الأربعة من الجنة [[روى مسلم في صحيحه كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: ما في الدنيا من أنهار الجنة 4/ 2183 عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ- "سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة". وروى النحاس في "معاني القرآن" 4/ 450، وابن عدي في "الكامل" 6/ 2316، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" 1/ 57، والواحدي في "الوسيط" 3/ 286 كلهم من طريق مسلمة بن علي عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض ... فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ .. " الحديث. وهذا الحديث قال عنه ابن عدي بعد روايته أنه منكر المتن. وضعف إسناده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 95.]]. ومعنى ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [[في (أ): (أسكناه)، وهو خطأ.]] جعلناه ثابتًا فيها لا يزول [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 10.]]. قوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه سيغيض ويذهب. يعني النيل. وعلى هذا كأن الله تعالى وعد أنه يذهب النيل حتى ينقطع [[لا دليل على هذا من كتاب أو سنة صحيحة.]]. وعلى [[في (ظ)، (ع): (وعلى هذا قول ...) بزيادة (هذا).]] قول الكلبي معناه: وإنا لقادرون على أن لا ننزل عليكم المطر، حتى تهلكوا وتهلك حروثكم وأنعامكم. وقال مقاتل: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ فتغور العيون في الأرض فلا يقدر عليه [["تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.]].

المؤمنون 23:20

قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ﴾ عطف على (جنات) في قوله: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ﴾ [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 112، "البيان في غريب إعراب القرآن" للأنباري 2/ 181.]]. وأجمع المفسرون كلهم على أن هذه شجرة الزيتون [[انظر: "الطبري" 18/ 13، الثعلبي 3/ 60 أ، "الدر المنثور" 6/ 95.]]. وخصت هذه الشجرة بالذكر؛ لأنه لا يتعاهدها أحد بالسقي ولا يراعيها [[في (أ): (ولا يرا عليها).]] أحد من العباد. وهي تخرج الثمرة التي يكون منها الدهن الذي [[في (ظ): (الذي يطعم وتعظم به الفائدة).]] تعظم به الفائدة وتكثر [[في (ظ): (وتذكر).]] المنفعة، فذكرت للنعمة [[في (ظ): (النعمة).]] فيها والمن بها [[ذكر مثل هذا الطوسي في "التبيان" 7/ 316، ولم يعزه لأحد.]]. قوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ مضى الكلام في الطور [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم﴾ [البقرة: 63].]]. واختلفوا في ﴿سَيْنَاءَ﴾ فقال ابن عباس - في رواية عطاء: يريد الجبل الحسن [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 466 من رواية أبي صالح، وذكره عن عطاء.]]. [وهو قول قتادة [[رواه عبد الرزاق 2/ 45، والطبري 18/ 13، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 95، وعزاه لعبد الرزاق وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال الضحاك: وهو بالنبطية [[في (أ): (بالقبطية)، وهو خطأ.]] [[رواه الطبري 18/ 13، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 95 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.]]. وقال عكرمة: بالحبشية [[رواه عنه الطبري 30/ 240 عند قوله ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [التين: 2]. وذكره عنه السيوطي في كتابه: "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب" ص 102 من رواية ابن جرير وابن أبي حاتم.]] وقال مقاتل: كل جبل يحمل الثمار فهو سيناء، يعني: الحسن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] [["تفسير مقاتل" 2/ 29 ب.]]. وقال الكلبي: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾: الجبل المشتجر [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 45 بلفظ: ذو شجر. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 96 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر.]]. وقيل: معنى ﴿سَيْنَاءَ﴾ البركة، كأنه قيل: جبل البركة. وهذا قول ابن عباس في رواية عطية [[ذكره الثعلبي 3/ 60 أمن رواية عطية. ورواه الطبري 18/ 3.]]. وقال مجاهد: ﴿سَيْنَاءَ﴾ حجارة [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 96 وعزاه لعبد بن حميد. وذكره عنه البغوي 5/ 414، وابن الجوزي 5/ 466.]]. يعني أن سيناء اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده. والأصح في هذا أن يقال: ﴿سَيْنَاءَ﴾ اسم ذلك المكان الذي به هذا الجبل؛ لأن سيناء لا تعرف في العربية [[انظر: "الطبري" 18/ 14.]]. وهذا قول ابن زيد. قال: هو الجبل الذي نودي منه موسى -عليه السلام- وهو بين مصر وأيلة [[ذكره عنه بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 60 أ. ورواه الطبري 18/ 14 بنحوه. وأيلة: بلدة على ساحل البحر الأحمر مما يلي الشام. انظر: "معجم البلدان" 1/ 391، "مراصد الاطلاع" 1/ 138.]]. ونحو هذا روى الضحاك عن ابن عباس [[روى الطبري 18/ 14 نحوه عن ابن عباس من رواية عطاء الخراساني.]]. واختار [[(واختار): ساقطة من (ع).]] الزجاج أنه اسم المكان [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 10.]]. وخُص هذا الجبل بنبات الزيتون فيه، لأن أول ما نبت الزيتون نبت هناك. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 29 ب. وما ذكره يحتاج إلى دليل. فالله أعلم.]]. واختلف القراء في قوله [[(قوله): زيادة من (أ).]] ﴿سَيْنَاءَ﴾ فقرئ بفتح السين وكسرها [[في (أ)، (ع): (وكسره).]] [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: (سيناء) مكسورة السين. وقرأ الباقون بفتحها. "السبعة" ص 444 - 445، "التبصرة" ص 269، "التيسير" ص 158.]]. قال أبو إسحاق: من قال (سَيْنَاء)، فهو على وزن صحراء، لا ينصرف، ومن قال [[في (ظ): (قرأ).]] بكسر السين فليس في الكلام فعلاء نحو: عِلباء [[في (أ، ع): (علياء)، وفي (ظ): (علياء) مهملة. وعلباء: عصب العنق، واسم رجل. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 406، "الصحاح" للجوهري 1/ 188 (علب).]]، غير منصرف، إلا أن سيناء هاهنا اسم للبقعة ولا [[في (ع): (لا ينصرف).]] ينصرف [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 10 مع حذف واختصار.]]. وشرح أبو علي هذا الفصل فقال: من فتح السين لم ينصرف الاسم [[في (ع): (والاسم).]] عنده في المعرفة ولا النكرة؛ لأن الهمزة في هذا البناء لا تكون إلا للتأنيث ولا تكون للإلحاق، ألا ترى أن فَعْلَالَا [[في (أ، ع): (فعلال)، وهو خطأ.]] لا يكون إلا في المضاعف نحو: الزَّلزال، والقَلْقَال [[القلقال: يقال: قلقل الشيء قَلْقَله وقِلْقَالا وقَلْقَالا وقُلقَالا، أي حرَّكه فتحرك فاضطرب فإذا كسرته فهو مصدر، وإذا فتحته فهو اسم مثل الزلزال والزُّلزال، والاسم: القُلقال والقَلْقال. ورجل قلقال: صاحب أسفار. "لسان العرب" 11/ 566 (قلل).]]، وإذا اختص هذا البناء هذا الضرب [[في "الحجة": اختص البناء هذا الضرب.]] لم يجز أن يُلحق به شيء. وأمَّا من كسر السين فالهمزة فيه منقلبة عن الياء [[في (أ): (التاء) وفي (ظ): (مهملة).]] كعِلباء وحِرباء، وهي الياء [[في (ع): (جرباء)، وهو خطأ.]] التي ظهرت في نحو: درحاية [[في (أ): (درجاف)، وفي (ع): (درجايه)، وفي (ظ): مهملة. والتصويب من "الحجة". و (درحَايه): (في "تهذيب اللغة" 4/ 416: قال أبو عبيد: إذا كان مع القصر سمن فهو درحاية.]] لما بنيت على التأنيث، وإنما لم ينصرف على [[في جميع النسخ: (وعلى)، والتصويب من "الحجة".]] هذا القول وإن [[في (أ): (فإن).]] كان غير مؤنث؛ لأنه جعل اسم بقعة أو أرض، فصار بمنزلة امرأة سميت بجعفر [["الحجة" للفارسي 5/ 289 - 290. وانظر: "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 127، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 326 - 328.]]. قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ وقرئ: تُنبت [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (تُنْبُتُ) بضم التاء وكسر الباء، وقرأ الباقون: (تَنْبُتُ) بفتح التاء وضم الباء. "السبعة" ص 445، "التبصرة" ص 269، "التيسير" ص 159.]]. قال الزجاج: يقال: نبت الشجر وأنبت في معنى واحد، قال زهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينًا لهم حتى إذا أنبت البَقْل [[هذا البيت أنشده الزجاج لزهير في "معاني القرآن" 4/ 10. وهو في "ديوان زهير" ص 41 من قصيدة يمدح بها سنان بن أبي حارثة المُري، وفيه: (بها) مكان (لهم)، و (نبت) مكان (أنبت). و"المعاني الكبير" لابن قتيبة 1/ 539، "جمهرة اللغة" لابن دريد ص 257، 1262، "مغني اللبيب" لابن هشام 1/ 102، "لسان العرب" 2/ 96 (نبت)، و"خزانة الأدب" 1/ 50. وقبل هذا البيت: إذا السَّنة الشَّهْباء بالناس أجحفت ... ونال كِرامَ المال في السَّنةِ الأُكْلُ رأيت ... قال الشنتمري في "شرحه لديوان زهير" ص 41: (قوله: (رأيت ذوي الحاجات يعني الفقراء والمحتاجين. والقطين: أهل الرجل وحشمه، والقطين أيضًا: الساكن في الدار النازل فيها، وأراد هنا الساكن. يعني أن الفقراء يلزمون بيوت هؤلاء القوم يعيشون من أموالهم حتى يَخصِب الناس وينبت البقل). وانظر "شرح ثعلب لديوان زهير" ص 920، و"شرح شواهد المغني" 1/ 315.]] [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 10.]] قال [[في (ظ)، (ع): (وقال).]] أبو علي: قد قالوا أنبت في معنى: نبت، وكأن الهمزة في أنبت مرة للتعدي ومرة لغيره، يكون من باب: أحال وأجرب وأقطف، أي: صار ذا حيال وجرب، والأصمعي ينكر أنبت، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها: [حتى إذا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] أنبت البقل، متهمة. وإذا [[في (ع): (إذا).]] جاء الشيء مجيئًا كان للقياس فيه مسلك وروته الرواة لم يكن بعد ذلك موضع مطعن [["الحجة" 5/ 292.]]. وأما وجه القراءة [[في (ظ): (القراء).]]، فمن قرأ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ احتمل وجهين: أحدهما: أن يجعل الجار زائدًا، يريد: تنبت الدهن [[في (أ): (بالدهن)، وهو خطأ.]]. ولحقت الباء كما لحقت في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] أي: لا تلقوا أيديكم، يدلك على ذلك قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 8] [[قوله [أن تميد بكم] ساقط من (ظ)، (ع).]] [[وعلى هذا الوجه تكون حجة من ضم التاء من قوله (تُنبت) أنه جعله رُباعيًا من: أنبت ينبت، وتكون الباء في (بالدهن) زائدة، لأن الفعل يتعدى إذا كان رباعيًا بغير حرف، كأنه قال: تنبت الدهن، لكن دلت بالباء على ملازمة الإنبات للدهن، كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] فأتى بالباء، و (اقرأ) يتعدى بغير حرف لكن دلت الباء على الأمر بملازمة القراءة. أهـ من "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 127.]]. وقد زيدت هذه الباء مع الفاعل كما زيدت مع المفعول، وزيادتها مع المفعول به أكثر، وذلك نحو قوله [[هذا البيت أول أبيات لقيس بن زهير بن جُذيمة بن رواحة القيسي، وكان سيد قومه، ونشأت بينه وبين الربيع بن زياد القيسي شحناء في شأن درع ساومه فيها، ولما نظر الربيع إلى الدرع وهي على ظهر فرس قيس أخذها ثم ركض بها فلم يردها عليه، ثم إن قيسًا طرد إبلا للربيع، وقيل إبله وإبل إخوته، فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان التيمي، معاوضة بأدراع وأسياف، وفي هذا يقول قيس: ألم يأتيك ............ وبعده: ومَحْبَسُها على القُرشي تُشُرى ... بأدْراع وأسياف حداد انظر: "خزانة الأدب" 8/ 365 - 369. والبيت في "ديوانه" ص 29 وروايته فيه: ألم يبلغك: "معاني القرآن" للفراء 2/ 223، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 340، "المقاصد النحوية" للعيني 1/ 230، "لسان العرب" 14/ 14 (أتى)، "شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 328، 2/ 808. "خزانة الأدب" 8/ 361. وهو غير منسوب في "الكتاب" 1/ 316، "الخصائص" لابن جني 1/ 336، "سر صناعة الإعراب" 1/ 87، 2/ 631. قال البغدادي في "الخزانة" 8/ 364: و"الأنباء": جمع نبأ وهو خبرٌ له شأن. و (اللبون): (قال أبو زيد: هي من الشاء، والإبل ذات اللبن .. وقيل: اللبون: الإبل ذوات اللبن. وبنو زيادهم: الربيع، وعمارة، وقيس، وأنس، بنو زياد بن سفيان بن عبد الله العبسي، والمراد لبون الربيع بن زياد فإن القصة معه. وانظر: "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 340 - 343.]]: ألم يأتيك والأنْبَاء تَنْميِ ... بما لاقَتْ لَبُون بني زياد وقد زيدت مع هذه [[في (ع): (بهذه).]] الكلمة بعينها قال: بِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ [[في (أ): (الشت)، وفي (ظ)، (ع): (الشب)، والتصويب من "الحجة".]] صَدْرُه [[في "الحجة": حوله.]] ... وأسفله بالمرخ والشِّمبُهان [[البيت أنشده أبو علي في "الحجة" 5/ 291 من غير نسبة، وعنده: (حوله) مكان (صدره). ونسبه الأصفهاني في "الأغاني" 19/ 112 ليعلى الأحوال اليشكري من قصيد قالها في سِجنه لما سجنه عبد الملك بن مروان وروايته: (السدر). وليعلى نسبهُ ابن السيد البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 341، والبغدادي في "الخزانة" 5/ 276 ضمن قصيدة له. ثم ذكر 5/ 278 أنه يقال: إنها لعمرو بن عمارة الأزدي من بني خنيس، ويقال: إنها لجواس بن حيان من أزد عمان. ونسبه ابن منظور في "لسان العرب" 13/ 506 (شبه) لرجل من عبد القيس، ثم قال -بعد روايته للبيت: قال ابن بري: قال أبو عبيدة: البيت للأحول اليشكري واسمه يعلى. وهو من غير نبسة في: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 48، " أدب الكاتب" لابن قتيبة ص 416، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 626، الطبري 16/ 72 وعندهما- الأخفش والطبري: (السدر) مكان (الشث)، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 421، وتصحف (الشث) في المطبوع إلى: البث. قال البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 393 - 394: الشثُّ: شجر طيب الريح مر الطعم فيما ذكر الخليل، وقال أبو حنيفة: أخبرني بعض الأعراب قال: الشَّث: مثل شجر التفاح الصغار. والمرخ: شجر خوار خفيف العيدان ليس له ورق ولا شوك، تصنع منه الزناد، وهو من أكثر الشجر نارا. والشبهان: شجر يشبه السمر. كثير الشوك وهو من العضاة. وقال الخليل: الشبهان: الثمام. أهـ. والشبهان: ضبطه البغدادي 5/ 276 بفتح الشين المعجمة وضم الموحدة وفتحها.]] أي: المرخ [[في "الحجة": حمله على: ويُنْبِتُ أسْفَلهُ المرخَ.]]. ويجوز أن يكون الباء متعلقًا بغير هذا الفعل الظاهر، ويقدر [[في (ظ): (ونقدر).]] مفعولاً محذوفًا تقديره: وينبت جناها أو ثمرها وفيها دهن وصبغ [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 291 - 292 مع تقديم وتأخير. وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 485، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 127.]]. قال أبو الفتح الموصلي في شرح هذا الوجه الثاني: ذهب كثير من الناس إلى أن الباء في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ زائدة، وأن تقديره: تنبت الدهن. وهذا عند حذاق أصحابنا على غير وجه الزيادة، وتأويله عندهم: تنُبْت ما تنبته والدهن فيه، كما تقول: خرج زيد بثيابه، أي: وثيابه عليه، وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه، كما أنشده الأصمعي [[إنشاد الأصمعي لهذا البيت في "سر صناعة الإعراب" لابن جني 1/ 134، وفي "المحتسب" 2/ 88 لابن جني أيضًا ولم يذكر قائله. وقد ذكر الجوهري في "الصحاح" 4/ 1348 (خرف) أن الأصمعي أنشده في كتاب (الفرس) ونسبه لرجل من بني الحارث. وكذا قال ابن منظور في "لسان العرب" 9/ 66 (خرف). والبيت بلا نسبة في: "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 350 (خرف)، "المخصص" لابن سيده 6/ 137. قال ابن منظور 9/ 66 - 67: وقوله: (مستنة): (يعني طعنة فار دَمُها باستنان، والاستنانُ والسنُّ: المَرُّ على وجهه، يريد أن دمها مر على وجهه كما يَمْضي المُهْر .. والمِرْودَ: حديدة توتد في الأرض يُشَدّ فيها حَبْل الدَّابة. قال الجوهري 4/ 1348: والخروف: الحَمَلُ، وربَّما سُمِّي المُهْرُ إذا بلغ ستَّة أشهر أو سبعة أشهر خروفا، حكاه الأصمعي.]]: وَمُسْتَنّةٍ كاسْتِنان الخَرُو ... ف قَدْ قَطَعَ الحَبْلَ بِالمِرْوَدِ أي: قطع الحبل ومروده فيه [["سر صناعة الإعراب" 1/ 134]]. وأنشد أبو علي في هذا الوجه فقال [[(فقال): ليست في (ظ)، (ع).]]: يَعْثُرْنَ في حَدِّ الظُّبَاتِ [[في (أ): (الظهات، وفي (ع): (الطهات)، ومثلها في (ظ) مهملة. والتصويب من "سر صناعة الإعراب" وغيره من مصادر تخريج الخبر.]] كَأنَّما ... كُسِيَتْ بُرُودَ بني يَزِيدَ الأذْرُعُ [[البيت في "سر صناعة الإعراب" 1/ 134، و"المحتسب" 2/ 88 من غير ذكر لإنشاد أبي علي، بل نسب البيت للهذلي. وهو منسوب لأبي ذؤيب الهذلي في "ديوان الهذليين" 1/ 10، "المفضليات" ص 425 وفيها: (تزيد) مكان (يزيد)، "اللسان" 2/ 95 (نبت) وفيه (تزيد)، "خزانة الأدب" (ب 1/ 274) وهو من قصيدة له مشهورة أولها: أمن المنون وريبها ..... تتوجع. وهو في هذا البيت يصف حُمَر وحش أصابتها السهام، فقوله (في حد الظبات) الظُّبات: جمع (ظبة) وهو طرف النصل من أسفل، وبنو يزيد: قوم كانوا تجارًا بمكة نسبت إليهم هذه البرود، وهي برود حمر، فشبه طرائق الدم على أذرع تلك الحُمر بطرائق تلك البرود الحمر. انظر: "شرح ديوان الهذليين" للسكري 1/ 25 - 26، "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف" لأبي أحمد العسكري ص 446، وفيه الكلام على رواية (يزيد)، و (تزيد). وتصويب ابن دريد تصويب رواية (يزيد) وتخطئة (تزيد)، "خزانة الأدب" للبغدادي 1/ 274 - 277.]] أراد يعثرن مطعونات، فالجار [[في (ظ): (والجار).]] والمجرور في موضع الحال، ويكون الوجه في الآية على أن المفعول محذوف والباء للحال، والتقدير: تنبت ثمرة بالدهن [[في (ع): (والدهن).]]، [فحذف المفعول، و (بالدهن) في موضع الحال كأنه نبت وفيه دهن] [[ساقط من (ع).]] [[لم أقف على قول أبي علي وإنشاده.]]. وذكر أبو علي [[(أبو علي) ساقط من (ظ)، (ع).]] وجهين آخرين [[ذكر أبو علي هذين الوجهين في "الحجة" 5/ 55 عند قوله تعالى: ﴿ينبت﴾ [النحل: 11].]]: أحدهما: أن الآية من باب حذف المضاف، فيكون [[في (ظ)، (ع): (ويكون).]] معنى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أي: بذي الدهن أي: تنبت ما فيه دهن. والوجه الثاني: أن يكون أنبت بمعنى نبت، وتكون الباء للتعدي [[في "الحجة": وإذا ثبت (أنبت) في معنى: نبت، جاز أن تكون الباء للتعدي. وأبو علي يشير بهذا إلى إنكار الأصمعي لهذا كما تقدم.]]. كما أنها لو كانت في [[في "الحجة": مع.]] نبت فكان كذلك [[وعلى هذا الوجه تكون القراءتان على هذه اللغة بمعنى واحد. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 433 - 434، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 127.]]. ومن قرأ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ جاز [[في (ع): (أجاز).]] أن يكون الجار فيه للتعدي أنبته ونبت به [[به ساقطة من (أ). وفي (ظ): (ونبته)، والمثبت من (ع) وهو الموافق لما في "الحجة".]]، ويجوز أن يكون الباء في موضح حال كما كان في القراءة الأولى، ولا تكون للتعدي ولكن: تنبت وفيها دهن [[في (ع): (ودهن).]] [[من قوله: ومن قرأ .. إلى هنا نقلا عن "الحجة" لأبي علي 5/ 292. وفي الباء في قوله (بالدهن) وجه آخر ذكره ابن كثير 3/ 243 وهو أنها دخلت لأن فعل (ينبت) مضمن لمعنى فعل آخر، قال: وأما على قول من يضمن الفعل، فتقديره: تخرج بالدهن، أو: تأتي بالدهن، ولهذا قال: (وصبغ) أي أدم. قاله قتادة (للآكلين) أي فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ.]]. قوله: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ وصبغ للآكلين) قال الليث: الصبغ والصباغ: ما يصطبغ به من الأدم [["تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 27 (صبغ) نقلا عن الليث. وهو في "العين" 4/ 374 ما يصطبغ في "الأطعمة" ونحوها أي يؤتدم.]]. وقال غيره: الأصل [[(الأصل): ساقطة من (ظ).]] في الصبغ [[في (أ): (والصبغ).]] والصباغ: هو ما يلون [[في (ظ): (يكون)، وهو خطأ.]] به الثياب، فشبه به ما يصطبغ به. وذلك أن الخبز [[في (أ)، (ع): (الحر). مهملة وفي (ظ): (الحبر).]] يُلون بالصبغ إذا غمر فيه، والاصطباغ بالزيت الغَمْس فيه للائتدام به [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 28 - 29 (صبغ)، "لسان العرب" 8/ 437 (صبغ).]]. والمراد بالصبغ: الزيت. في قول ابن عباس. فإنه يُدَّهن به ويؤتدم [[في (ظ): (ويؤتدم به).]]. وهو اختيار الفراء [[الفراء ساقطة من (ظ)، (ع). وانظر: كلام الفراء في "معاني القرآن" 2/ 233.]]. جعل الصبغ الزيت. وقال مقاتل: جعل الله في هذه الشجرة أدمًا ودهنًا [["تفسير مقاتل" 30 أ، وفيها: إدامًا.]]. وعلى هذا الأدم: الزيتون، والدهن: الزيت. وهو اختيار الزجاج، قال: يعني بالصبغ: الزيتون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 11. قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 8/ 27 بعد حكاية هذا القول عن الزجاج: وهذا أجود القولين؛ لأنه قد ذكر الدهن قبله.]].

المؤمنون 23:21

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ مفسرة [[في (ظ)، (ع): (مفسر).]] في سورة النحل [[عند قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: 66].]]. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ في ظهورها، وألبانها، وأوبارها، وأصوافها، وأشعارها. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قال ابن عباس: من لحومها وأولادها والكسب عليها [[و [[ذكره البغوي 5/ 415، وابن الجوزي 5/ 468 من غير نسبة.]] ذكرهما ابن الجوزي 5/ 468 من غير نسبة لأحد. وانظر: "تنوير المقباس" ص 212.]]. قوله: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ قال ابن عباس: يريد الإبل خاصة (¬4). ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ قال الكلبي: أما في البحر فالسفن، وأما في البر فالإبل [[في (ظ): (يعني).]]. وهذه الآية تدل على أنه يجوز أن يذكر أشياء، ثم يكنى [[رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الحرث، باب: استعمال البقر للحراثة 5/ 8، ومسلم في "صحيحه" كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضل أبي بكر الصديق 4/ 1855.]] عن بعضها، فتعود الكناية إلى البعض لا إلى الجميع، وذلك أن الأنعام اسم للإبل والبقر والغنم، ولسنا نحمل على شيء منها إلا الإبل، فعادت الكناية إليها من جملة الأنعام. والبقر منهي عن ركوبها في الحديث الذي ورد: "أن رجلاً ركب بقرة، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحراثة". والحديث مشهور (¬7). ونظير هذه الآية في تذكير النعمة بالحمل على الإبل والسفن قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: 70].

المؤمنون 23:23

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ﴾ قال ابن عباس: يعزي نبيه -ﷺ- بأن غير أمته قد كذبوا أنبياءهم وجحدوا بالبعث [[في (ظ)، (ع): (البعث).]] [[ذكره ابن الجوزي: 5/ 469 بمعناه وعزاه للمفسرين.]]. ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: أطيعوا الله. وقال مقاتل: وحدوا الله [["تفسير مقاتل" 2/ 30 أ.]]. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ما غيره لكم رب ومعبود. ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أو لا تتقونه بالطاعة والتوحيد. قال ابن عباس: يريد: أفلا تخافون الله [[انظر: "الطبري" 18/ 16، والبغوي 5/ 415.]].

المؤمنون 23:24

قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد أن يرأسكم ويسودكم [[انظر: "القرطبي" 12/ 118.]]. والمعنى: يريد أن يصير له الفضل عليكم فيكون متبوعًا، وأنتم له تبع [[هذا قول الطبري ونصه 18/ 16.]]. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن لا نعبد [[في (ط): (يعبدوا). وفي (ع): (يعبد). والمثبت من (أ) هو الموافق لما عند الطبري.]] شيئًا سواه ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ لأرسل ملائكة فكانوا [[في (ظ)، (ع): (وكانوا).]] رسله، ولم يرسل بشرًا آدميًّا. ﴿مَا سَمِعْنَا﴾ الذي يدعونا إليه نوح من التوحيد. ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ قال ابن عباس: في الأمم الماضية [[ذكره عنه القرطبي 12/ 118.]]. والباء قوله ﴿بِهَذَا﴾ [[في (ع): (هذا).]] زائدة [[هذا القول محل نظر، والأظهر في هذا أن فعل (سمعنا) مُضمن لمعنى فعل آخر فلذا عُدي بالباء. قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" 18/ 43: ولما كان السماع المنفي ليست سماعًا بآذانهم لكلام في زمن آبائهم، بل المراد ما بلغ إلينا وقوع مثل هذا في زمن آبائنا، عُدي فعل (سمعنا) بالباء لتضمينه معنى الاتصال. أهـ.]]، و ﴿فِي﴾ ظرف لمحذوف. كأنه قيل: ما سمعنا بهذا سابقًا أو كائنًا في آبائنا الأولين.

المؤمنون 23:25

قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي حالة جنون، وهي غمرة تغطي العقل وتستره [[انظر: "لسان العرب" 13/ 92 (جنن).]]. وقال الفراء: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي إلى وقت ما. ولم يعنوا بذلك وقتًا معلومًا، وهو كقول القائل: دعه إلى يوم ما [["معاني القرآن" للفراء 2/ 234 مع اختلاف يسير. وهذا كلام الطبري 18/ 17 بنصه، ولم ينسبه الطبري لأحد.]].

المؤمنون 23:26

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ قال ابن عباس ومقاتل: انصرني بتحقيق قولي في العذاب أنه نازل بهم في الدنيا على من لم يطعني ولم يسمع رسالتي [["تفسير مقاتل" 2/ 30 أإلى قوله: نازل بهم في الدنيا. وذكر الرازي 23/ 93 هذا القول، ولم ينسبه لأحد.]]. ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي بتكذيبهم إياي. والمعنى: انصرني بإهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم. قال أهل المعاني: وهذا دعاء عليهم بالإهلاك [[في (ظ): (بإهلاكهم).]] من أجل التكذيبة [[ذكر الجشمي في "تهذيبه" 6/ 197 ب نحو هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.]]

المؤمنون 23:27

قوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ مفسر في سورة هود إلى قوله. ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ﴾ [[انظر: "البسيط" سورة هود: 37 - 38.]]. قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ أي ادخل في سفينتك. وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: 12].

المؤمنون 23:28

قوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ مفسر في سورة هود إلى قوله. ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ﴾ [[انظر: "البسيط" سورة هود: 37 - 38.]]. قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ أي ادخل في سفينتك. وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: 12].

المؤمنون 23:29

قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ المنزل يجوز أن يكون مصدرًا بمنزلة: أنزلني إنزالاً مباركًا، وعلى هذا يجوز أن يعلى الفعل إلى مفعول آخر. ويجوز أن يكون المنزل موضعًا للإنزال كأنه قيل: أنزلني مكانًا أو موضعًا. وعلى هذا الوجه قد استوفى الإنزال مفعوليه. وقرأ أبو بكر عن عاصم (مَنزِلًا) بفتح الميم وكسر الزاي [[وقرأ الباقون: (منزلا) بضم الميم وفتح الزاي. "السبعة" ص 445، "التبصرة" ص 269،"التيسير" ص 159.]]. ويجوز على هذه القراءة الوجهان، أحدهما: أن يكون موضع نزول. والآخر أن يكون مصدرًا. ودل (أنزلني) على أنزل [[في "الحجة": على نزلت.]] فانتصب (منزلًا) على أنه مصدر. وعلى الوجه الأول على أنه محل [[هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 294 - 294 مع تقديم وتأخير وتصرف. وانظر في توجيه القراءتين أيضًا. "علل القراءات" للأزهري 2/ 434، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 128.]]. والمفسرون على أنه أُمر أن [[(أن): ساقطة من (ظ).]] يقول عند استوائه على الفلك: الحمد لله، وعند نزوله منها [[في (أ): (فيها).]] ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [[انظر: "الطبري" 18/ 18، و"الدر المنثور" 6/ 97.]]. قال مجاهد [[في (ع) (مقاتل)، وهو خطأ.]]: [قال نوح] [[ما بين المعقوفين في (ع): (يعني ...).]] حين خرج من السفينة ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [[رواه الطبري 18/ 18 بلفظ: قال نوح حين نزل من السفينة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 97 بمثل لفظ الطبري وعزاه لابن أبي شيبة وعبدين حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال مقاتل: يعني بالبركة أنهم توالدوا وأكثروا [[في (أ)، (ظ): (وكثروا)، والمثبت من (ع) هو الموافق لما في "تفسير مقاتل".]] [["تفسير مقاتل" 2/ 30 ب.]]. وهذا يدل على أن هذا الدعاء كان عند الهبوط. وقال الكلبي: منزلا مباركًا بالماء والشجر. وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ يريد من السفينة، مثل قوله: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: 48] [[ذكره عنه القرطبي 12/ 120.]]. وذهب بعض أهل المعاني إلى أن المنزل المبارك هو السفينة؛ لأنها كانت سبب النجاة [[ذكر الطوسي في "التبيان" 7/ 321 هذا القول ونسبه للجبائي، وكذا ذكرِه الجشمي في "التهذيب" 6/ 198 أ، وذكر الماوردي 4/ 53 وابن الجوزي 5/ 47، والقرطبي 12/ 120 هذا القول من غير نسبة لأحد. == قال القرطبي 12/ 120: وبالجملة فالآية تعليم من الله-عز وجل-لعباده إذا ركبوا وإذا نزلوا أن يقولوا هذا.]].

المؤمنون 23:30

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني في أمر نوح والسفينة وهلاك أعداء الله. ﴿لَآيَاتٍ﴾ لدلالات على قدرة الله ووحدانيته، وعبرًا لمن اعتبر. ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ وما كنا إلا مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره [[في (أ): (وتنكيره).]].

المؤمنون 23:31

قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يعني عادًا قوم هود، [وأراد [[(وأراد): في هامش (أ) وعليها علامة التصحيح.]] بقوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هودًا. والباقي ظاهر إلى قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية. قال الفراء: أعيدت (أَنَّكُمْ) مرتين ومعناهما واحد، إلا أن ذلك حسن لما فرق بينهما بإذا، وهي في قراءة عبد الله (أيعدكم إذا مُتم وكنتم ترابا وعظامًا أنكم مخرجون) [["معاني الفراء" للفراء 2/ 234 مع اختلاف يسير.]]. وقال أبو إسحاق: ﴿أَنَّكُمْ﴾ موضعها نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم إذا متم. وموضع (أن) الثانية عند قوم كموضع الأولى، وإنما ذكرت توكيدًا. والمعنى على هذا القول: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. فلما بعد ما بين (أن) الأولى والثانية بقوله (إذا متم وكنتم تربًا وعظامًا) أعيد ذكر (أن) كما قال -عز وجل-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 63] المعنى: فله نار جهنم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 11.]]. قال أبو علي الفارسي: لا يخلو (أن) الثانية في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية، وفي [[في (ع): (في).]] قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[قوله: [سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح] ساقط من (ع). وفي (أ): (بيان)، وفي (ظ) قوله: (سوءًا بجهالة). ثم سقط ما بعده وهو قوله (ثم تاب من بعده وأصلح). وفي الإغفال الآية كاملة.]] [الأنعام: 54] من أن يكون: بدلاً من الأول [[هكذا في (أ)، (ظ)، والإغفال. وفي (ع): (الأول. وقد غيرها محقق الإغفال إلى الأولى. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]]، أو يكون مكررًا [[هكذا في جميع النسخ وفي الإغفال أيضا، وقد غيرها محقق الإغفال إلى: تكون مكرره. وغير ما بعدها أيضًا. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]] للتأكيد وطول الكلام، أو يكون زائدًا غير معتد [[في (ظ)، (ع): (غير متعد)، وفي (أ): (غير متعديه)، وانظر: "الإغفال" 2/ 1081.]] به كما في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [[النساء: 155، المائدة: 13.]]، أو يكون مرتفعًا بالظرف. فمذهب [[في (أ): (فذهب).]] سيبويه [["الكتاب" 3/ 132 - 133.]]: أن الثانية بدل من الأولى، ومذهب أبي العباس [[هو: المبرد وانظر قوله في "المقتضب" 2/ 356.]] وأبي عمر الجرمي أنه مكرر للتأكيد، ومذهب أبي الحسن [[هو: الأخفش.]] أنه مرتفع بالظرف [[ذكر الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 289 في هذه الآية ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ أن الآخرة بدل من الأولى.]]، ولم يقل أحد أنه زائد غير معتد به [[في (ظ)، (ع): (غيرمتعد به).]]. قال سيبويه [["الكتاب" لسيبويه 3/ 132 - 133.]]: مما جاء مبدلًا قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ ...﴾ الآية، فكأنه [[في (ع): (وكأنه).]] قال: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. وذلك أريد بها ولكنه إنما قدمت (أن) الأولى. ليعلم بعد أي شيء الإخراج. قال ت وزعم الخليل أن مفعل ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾. قال أبو على: لا يجوز عندي [[(عندي): ساقطة من (ع).]] أن تكون (أن) الثانية في شيء من الآي بدلاً من الأولى، وذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تبدل (أن) من (أن) [[من أن: ساقط من (ظ).]] وحدها من غير أن تتم بصلتها، وإما أن تبدل منها [[في (ظ): (منهما).]] بعد تمامها بصلتها. فلا يجوز أن تبدل منها من غير أن تتم بصلتها [[في "الإغفال" 2/ 1083، خ ل 112 أ: (من غير أن تتم كل واحدة بصلتها). وأشار محقق الإغفال إلى سقوطها من بعض النسخ.]]؛ لأنها قبل أن تتم بصلتها حرف؛ ولم [[في (ع): (ولا). وفي ساقطة من (ظ).]] نرهم أبدلوا الحرف من الحروف كما أبدلوا [[في جميع النسخ: أبدل. والتصويب من "الإغفال" 2/ 183، (خ) 121 أ.]] الاسم من الاسم والفعل من الفعل. ولا يجوز أن يكون مبدلًا منها في الآية بعد تمام الصلة؛ لأن صلة الأولى لم تتم، وإنما تتم اسمًا إذا استوفت صلتها تامة. وصلتها يكون اسمًا كان مبتدأ قبل دخولها عليه مع خبره، وقوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يكون خبرًا لاسم (أن) كما لا يجوز أن يكون خبرًا له قبل دخول (أن)، ألا ترى أنك لو قلت: أنتم [[في (ع): (أنكم).]] إذا متم، لم يجز؛ لأن الظرف من الزمان لا يكون خبرًا عن الجثث [[في (أ): (الجثث). وفي (ظ): (الجثب). والمثبت من (ع)، والإغفال.]]، فكذلك [[في (ظ)، (ع): (فلذلك).]] لا يجوز أن تكون (إذا) خبرًا لاسم (أن) من قوله: ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾، وإذا لم يجز أن يكون خبرًا له فقد ثبت أن ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى لم تستوف صلتها، وإذا لم تستوف صلتها لم يجز البدل منها؛ لأن الاسم المبدل منه حكمه أن يكون تامًا. وكذلك لا يجوز أن تكون الثانية بدلاً من الأولى في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ لأن الشرط وحده دون الجزاء لا يكون خبرًا لاسم (أن)، كما لم يجز أن يكون خبرًا للمبتدأ [[في (ظ)، (ع): (لمبتدأ).]]. وأبو العباس يذهب إلى أن الثانية مكررة توكيدًا، ولست تريد بها إلا ما أردت بالأولى. قال [[القائل هو: أبو العباس المبرد.]]: وهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية [[انظر: "المقتضب" 3/ 356 - 357.]]. قال أبو علي: قول أبي العباس [[في (أ): (يقول أبو العباس)، وهو خطأ.]] لا يجوز عندي أيضًا، لأنه لا يخلو من أن يقع التكرير للتأكيد في (أن) وحدها دون صلتها أو مع صلتها. فلا يجوز التكرير [[في (أ): (التكرار)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] فيها وحدها، كما لا تكرر سائر الموصولات دون صلاتها، ولو كررت اسمًا موصولاً نحو: ضربت الذي في الدار [الذي في الدار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]، لم تكرره إلا مستوفيًا لصلته [فلا يجوز أن يكون (أن) أيضًا مكررًا مفردًا من صلتها غير مستوفية لها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]. فلا يجوز في شىِء من الآي الثلاث التكرير؛ لأن الأولى لم تستوف صلتها في واحدة منها. فقد بان الدخل في هذا القول أيضًا. وهو عندي أشبه من القول الأول. وإذا بان فساد القولين ثبت أنها مرتفعة بالظرف الظاهر الذي هو (إذا) كأنه [[في (أ): (فكأنه)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] في التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم. كما تقول: وقت موتكم إخراجكم. فموضع (إذا متم) إلى قوله (مخرجون) رفع، لكون ذلك جملة ووقوعه [[في (ع): (وقوعه).]] كله خبرًا لـ (أن) الأولى. فأما موضع [[في (أ): (مواضع)، وهو خطأ.]] (إذا) فنصبٌ من حيث انتصب مثل: يومَ الجمعة القتالُ، واليومَ الإخراج. وحكم هذا أن تُضمر للمرفوع خبرًا [[في "الإغفال" أن يضمر له خبر. وقال المحقق: في (ش): (خبرًا).]] يكون إياه في المعنى، أو يكون له [[في الإغفال: أو يكون له خبر. وأشار المحقق إلى سقوط (خبر) من (ش).]] فيه ذكر؛ لأن يوم الجمعة ليس بالقتال ولا له فيه ذكر، وذلك الخبر المُضْمَر: كائن أو حادث أو يحدث، وما أشبه [[في (ع): (أو ما أشبه).]] ذلك. فإذا أضمر هذا لعلما: الذي لابد من إضماره عمل في الظرف. ولا يجوز أن يكون العامل في الظرف الإخراج نفسه من جهة أن الكلام لا يتم ولا يكون له خبر، فيحتاج إلى ما يصير خبرًا له ثم يحذف هذا [[في جميع النسخ: (وهذا)، والتصويب من "الإغفال" 2/ 1092.]] الخبر الذي ذكرت لك أنه لابد من إضماره [[في (أ، ع): (إضمار)، والمثبت من (ظ) و"الإغفال".]]، ويدل على حذفه هذا المنتصب. وكذلك (إذا) في الآية حكمه حكم قولك: غدًا الرحيل. كأن التقدير في الأصل: إذا متم إخراجكم كائن أو حادث أو يحدث، فـ (إذا) منتصب [[في (ظ)، (ع): (انتصب).]] بالخبر المقدر انتصاب غد [[في (ظ): (غدا).]]، وحذف الخبر كما حذف من غد، ثم قام (إذا) مقام الخبر المحذوف فصار فيه ضميره كما صار في سائر الظروف، ثم قام مقام الفعل فرفع [[في "الإغفال" 2/ 1095: فرفع أن.]] كما رفع قوله غدًا الرحيل. فـ (غدًا) و (إذا)، و (في الدار)، وما أشبه ذلك من الظروف كان أصله ما عرفتك من الانتصاب بالفعل الذي تقدم [[في "الإغفال" 2/ 1095: (الذي يقدر).]] أو ما يقوم مقامه، ثم يختزل فتقوم هي مقام المختزل، فتصير مواضعها لذلك [[في (أ): (بذلك)، والمثبت من باقي النسخ و"الإغفال" 2/ 1095.]] رفعًا نحو: زيد في الدار، ونحو: القتال إذا أتيت زيدًا، فيرفع [[في (ط)، (ع): (فرفع).]] الظاهر كما يرفع المضمر [[في "الإغفال" ص 1095 بعد قوله زيدًا: ثم تقدم فترفع الظاهر كما رفع المُضمر.]]، فإذا قدم الظرف [[في (ظ)، (ع): (فرفع).]] لم يكن له موضع من الإعراب، كما أنه ليس لقولك مبتدئًا: (قام زيد) موضع من الإعراب يخالف لفظه [كما أن لقولك عندك [[في (ع): (عندي)، والتصويب من "الإغفال".]] من قولك: زيد عندك موضع يخالف لفظه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ظ).]] وهو الرفع لوقوعه موضع خبر الابتداء، فكذلك [[في جميع النسخ: وكذلك، مقدمه .. له .. للفظه)، والمثبت من "الإغفال".]] حكم (إذا) في الآية، إلا أنه لما وقع موضع الخبر مع ما بعده قلنا إن الجملة بأسرها معها في موضع رفع، وأنها إذا كانت متقدمة [[نفسه.]] مرتفعًا بها الاسم لا موضع لها [[نفسه.]] من الإعراب مخالفًا للفظها [[نفسه.]] من حيث لم يكن لقولك [[في (ظ): (كقولك)، وهو خطأ.]]: في الدار، وعندك -من قولك: في الدار زيد، وعندك عمرو- موضع من الإعراب لقيامهما [[في (ظ): (لمقامها).]] مقام ما لا موضع له، فعلى هذا حكم هذه الظروف في قيامها [[في (أ): (مقامها)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في "الإغفال".]] مقام الفعل. وأبو العباس يقول- في هذه الآية: إن ارتفاعه بالظرف حسن جميل. هذا كله كلام أبي علي في كتاب [[في (أ): (وكتاب).]] الإصلاح [["الإغفال" لأبي علي الفارسىِ 2/ 1081 - 1097 مع تصرف واختصار.]]. وقال في كتاب "الحجة": من قدر [في] [[(في): زيادة من "الحجة" يستقيم بها المعنى.]] (أنَّ) الثانية البدل فإنه ينبغي أن يقدر محذوفًا ليتم بذلك الكلام فيصح البدل، إذ لا يبدل من الاسم إلا بعد تمام الكلام فيكون التقدير: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم، فيكون خبرًا لـ (أنَّ) وهو اسم الزمان، والإخراج حدث واسم الزمان يصح أن يكون خبرًا عن الأحداث. وإذا لم يقدر هذا المحذوف لم يتم الكلام؛ لأن قوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يصح أن يكون خبرًا عن المخاطبين بقوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ لأنهم أعيان [[في (ع): (أعوان).]]، وأسماء الزمان لا يصح أن تكون خبرًا عن الأشخاص، وإذا [[في (ظ)، (ع): (فإذا).]] قدرت هذا التقدير صح أن يكون (أَنَّكُم) الثانية بدلاً من الأولى. ومن قدر في الثانية التكرير لم يحتج إلى تقدير محذوف [["الحجة" 2/ 61.]]. قال: فأما [[في (ظ). (وأما).]] قول أبي إسحاق ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ إن موضع (أنَّ) الأولى نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم فإن [[في (أ): (قد).]] وعدت تتعدى إلى مفعولين، وتعديه إلى المفعول الثاني بغير حرف، ولا حاجة إلى تقدير الباء ألا ترى أن ما جاء في التنزيل من هذا بغير الباء فمن ذلك قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: 20] ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ﴾ [طه: 80] وجانب مفعول ثان ولا يكون ظرفًا لاختصاصه ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] و ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: 29] و ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: 114] فلم يتعد وعدت في كل هذا إلى المفعول الثاني بالباء، وكذلك ينبغي أن يكون المفعول الثاني في ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ لا تحتاج فيه إلى تقدير حرف الخفض [["الإغفال" للفارسي 2/ 1101 - 1103.]].

المؤمنون 23:32

قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يعني عادًا قوم هود، [وأراد [[(وأراد): في هامش (أ) وعليها علامة التصحيح.]] بقوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هودًا. والباقي ظاهر إلى قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية. قال الفراء: أعيدت (أَنَّكُمْ) مرتين ومعناهما واحد، إلا أن ذلك حسن لما فرق بينهما بإذا، وهي في قراءة عبد الله (أيعدكم إذا مُتم وكنتم ترابا وعظامًا أنكم مخرجون) [["معاني الفراء" للفراء 2/ 234 مع اختلاف يسير.]]. وقال أبو إسحاق: ﴿أَنَّكُمْ﴾ موضعها نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم إذا متم. وموضع (أن) الثانية عند قوم كموضع الأولى، وإنما ذكرت توكيدًا. والمعنى على هذا القول: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. فلما بعد ما بين (أن) الأولى والثانية بقوله (إذا متم وكنتم تربًا وعظامًا) أعيد ذكر (أن) كما قال -عز وجل-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 63] المعنى: فله نار جهنم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 11.]]. قال أبو علي الفارسي: لا يخلو (أن) الثانية في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية، وفي [[في (ع): (في).]] قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[قوله: [سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح] ساقط من (ع). وفي (أ): (بيان)، وفي (ظ) قوله: (سوءًا بجهالة). ثم سقط ما بعده وهو قوله (ثم تاب من بعده وأصلح). وفي الإغفال الآية كاملة.]] [الأنعام: 54] من أن يكون: بدلاً من الأول [[هكذا في (أ)، (ظ)، والإغفال. وفي (ع): (الأول. وقد غيرها محقق الإغفال إلى الأولى. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]]، أو يكون مكررًا [[هكذا في جميع النسخ وفي الإغفال أيضا، وقد غيرها محقق الإغفال إلى: تكون مكرره. وغير ما بعدها أيضًا. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]] للتأكيد وطول الكلام، أو يكون زائدًا غير معتد [[في (ظ)، (ع): (غير متعد)، وفي (أ): (غير متعديه)، وانظر: "الإغفال" 2/ 1081.]] به كما في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [[النساء: 155، المائدة: 13.]]، أو يكون مرتفعًا بالظرف. فمذهب [[في (أ): (فذهب).]] سيبويه [["الكتاب" 3/ 132 - 133.]]: أن الثانية بدل من الأولى، ومذهب أبي العباس [[هو: المبرد وانظر قوله في "المقتضب" 2/ 356.]] وأبي عمر الجرمي أنه مكرر للتأكيد، ومذهب أبي الحسن [[هو: الأخفش.]] أنه مرتفع بالظرف [[ذكر الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 289 في هذه الآية ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ أن الآخرة بدل من الأولى.]]، ولم يقل أحد أنه زائد غير معتد به [[في (ظ)، (ع): (غيرمتعد به).]]. قال سيبويه [["الكتاب" لسيبويه 3/ 132 - 133.]]: مما جاء مبدلًا قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ ...﴾ الآية، فكأنه [[في (ع): (وكأنه).]] قال: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. وذلك أريد بها ولكنه إنما قدمت (أن) الأولى. ليعلم بعد أي شيء الإخراج. قال ت وزعم الخليل أن مفعل ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾. قال أبو على: لا يجوز عندي [[(عندي): ساقطة من (ع).]] أن تكون (أن) الثانية في شيء من الآي بدلاً من الأولى، وذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تبدل (أن) من (أن) [[من أن: ساقط من (ظ).]] وحدها من غير أن تتم بصلتها، وإما أن تبدل منها [[في (ظ): (منهما).]] بعد تمامها بصلتها. فلا يجوز أن تبدل منها من غير أن تتم بصلتها [[في "الإغفال" 2/ 1083، خ ل 112 أ: (من غير أن تتم كل واحدة بصلتها). وأشار محقق الإغفال إلى سقوطها من بعض النسخ.]]؛ لأنها قبل أن تتم بصلتها حرف؛ ولم [[في (ع): (ولا). وفي ساقطة من (ظ).]] نرهم أبدلوا الحرف من الحروف كما أبدلوا [[في جميع النسخ: أبدل. والتصويب من "الإغفال" 2/ 183، (خ) 121 أ.]] الاسم من الاسم والفعل من الفعل. ولا يجوز أن يكون مبدلًا منها في الآية بعد تمام الصلة؛ لأن صلة الأولى لم تتم، وإنما تتم اسمًا إذا استوفت صلتها تامة. وصلتها يكون اسمًا كان مبتدأ قبل دخولها عليه مع خبره، وقوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يكون خبرًا لاسم (أن) كما لا يجوز أن يكون خبرًا له قبل دخول (أن)، ألا ترى أنك لو قلت: أنتم [[في (ع): (أنكم).]] إذا متم، لم يجز؛ لأن الظرف من الزمان لا يكون خبرًا عن الجثث [[في (أ): (الجثث). وفي (ظ): (الجثب). والمثبت من (ع)، والإغفال.]]، فكذلك [[في (ظ)، (ع): (فلذلك).]] لا يجوز أن تكون (إذا) خبرًا لاسم (أن) من قوله: ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾، وإذا لم يجز أن يكون خبرًا له فقد ثبت أن ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى لم تستوف صلتها، وإذا لم تستوف صلتها لم يجز البدل منها؛ لأن الاسم المبدل منه حكمه أن يكون تامًا. وكذلك لا يجوز أن تكون الثانية بدلاً من الأولى في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ لأن الشرط وحده دون الجزاء لا يكون خبرًا لاسم (أن)، كما لم يجز أن يكون خبرًا للمبتدأ [[في (ظ)، (ع): (لمبتدأ).]]. وأبو العباس يذهب إلى أن الثانية مكررة توكيدًا، ولست تريد بها إلا ما أردت بالأولى. قال [[القائل هو: أبو العباس المبرد.]]: وهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية [[انظر: "المقتضب" 3/ 356 - 357.]]. قال أبو علي: قول أبي العباس [[في (أ): (يقول أبو العباس)، وهو خطأ.]] لا يجوز عندي أيضًا، لأنه لا يخلو من أن يقع التكرير للتأكيد في (أن) وحدها دون صلتها أو مع صلتها. فلا يجوز التكرير [[في (أ): (التكرار)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] فيها وحدها، كما لا تكرر سائر الموصولات دون صلاتها، ولو كررت اسمًا موصولاً نحو: ضربت الذي في الدار [الذي في الدار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]، لم تكرره إلا مستوفيًا لصلته [فلا يجوز أن يكون (أن) أيضًا مكررًا مفردًا من صلتها غير مستوفية لها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]. فلا يجوز في شىِء من الآي الثلاث التكرير؛ لأن الأولى لم تستوف صلتها في واحدة منها. فقد بان الدخل في هذا القول أيضًا. وهو عندي أشبه من القول الأول. وإذا بان فساد القولين ثبت أنها مرتفعة بالظرف الظاهر الذي هو (إذا) كأنه [[في (أ): (فكأنه)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] في التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم. كما تقول: وقت موتكم إخراجكم. فموضع (إذا متم) إلى قوله (مخرجون) رفع، لكون ذلك جملة ووقوعه [[في (ع): (وقوعه).]] كله خبرًا لـ (أن) الأولى. فأما موضع [[في (أ): (مواضع)، وهو خطأ.]] (إذا) فنصبٌ من حيث انتصب مثل: يومَ الجمعة القتالُ، واليومَ الإخراج. وحكم هذا أن تُضمر للمرفوع خبرًا [[في "الإغفال" أن يضمر له خبر. وقال المحقق: في (ش): (خبرًا).]] يكون إياه في المعنى، أو يكون له [[في الإغفال: أو يكون له خبر. وأشار المحقق إلى سقوط (خبر) من (ش).]] فيه ذكر؛ لأن يوم الجمعة ليس بالقتال ولا له فيه ذكر، وذلك الخبر المُضْمَر: كائن أو حادث أو يحدث، وما أشبه [[في (ع): (أو ما أشبه).]] ذلك. فإذا أضمر هذا لعلما: الذي لابد من إضماره عمل في الظرف. ولا يجوز أن يكون العامل في الظرف الإخراج نفسه من جهة أن الكلام لا يتم ولا يكون له خبر، فيحتاج إلى ما يصير خبرًا له ثم يحذف هذا [[في جميع النسخ: (وهذا)، والتصويب من "الإغفال" 2/ 1092.]] الخبر الذي ذكرت لك أنه لابد من إضماره [[في (أ، ع): (إضمار)، والمثبت من (ظ) و"الإغفال".]]، ويدل على حذفه هذا المنتصب. وكذلك (إذا) في الآية حكمه حكم قولك: غدًا الرحيل. كأن التقدير في الأصل: إذا متم إخراجكم كائن أو حادث أو يحدث، فـ (إذا) منتصب [[في (ظ)، (ع): (انتصب).]] بالخبر المقدر انتصاب غد [[في (ظ): (غدا).]]، وحذف الخبر كما حذف من غد، ثم قام (إذا) مقام الخبر المحذوف فصار فيه ضميره كما صار في سائر الظروف، ثم قام مقام الفعل فرفع [[في "الإغفال" 2/ 1095: فرفع أن.]] كما رفع قوله غدًا الرحيل. فـ (غدًا) و (إذا)، و (في الدار)، وما أشبه ذلك من الظروف كان أصله ما عرفتك من الانتصاب بالفعل الذي تقدم [[في "الإغفال" 2/ 1095: (الذي يقدر).]] أو ما يقوم مقامه، ثم يختزل فتقوم هي مقام المختزل، فتصير مواضعها لذلك [[في (أ): (بذلك)، والمثبت من باقي النسخ و"الإغفال" 2/ 1095.]] رفعًا نحو: زيد في الدار، ونحو: القتال إذا أتيت زيدًا، فيرفع [[في (ط)، (ع): (فرفع).]] الظاهر كما يرفع المضمر [[في "الإغفال" ص 1095 بعد قوله زيدًا: ثم تقدم فترفع الظاهر كما رفع المُضمر.]]، فإذا قدم الظرف [[في (ظ)، (ع): (فرفع).]] لم يكن له موضع من الإعراب، كما أنه ليس لقولك مبتدئًا: (قام زيد) موضع من الإعراب يخالف لفظه [كما أن لقولك عندك [[في (ع): (عندي)، والتصويب من "الإغفال".]] من قولك: زيد عندك موضع يخالف لفظه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ظ).]] وهو الرفع لوقوعه موضع خبر الابتداء، فكذلك [[في جميع النسخ: وكذلك، مقدمه .. له .. للفظه)، والمثبت من "الإغفال".]] حكم (إذا) في الآية، إلا أنه لما وقع موضع الخبر مع ما بعده قلنا إن الجملة بأسرها معها في موضع رفع، وأنها إذا كانت متقدمة [[نفسه.]] مرتفعًا بها الاسم لا موضع لها [[نفسه.]] من الإعراب مخالفًا للفظها [[نفسه.]] من حيث لم يكن لقولك [[في (ظ): (كقولك)، وهو خطأ.]]: في الدار، وعندك -من قولك: في الدار زيد، وعندك عمرو- موضع من الإعراب لقيامهما [[في (ظ): (لمقامها).]] مقام ما لا موضع له، فعلى هذا حكم هذه الظروف في قيامها [[في (أ): (مقامها)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في "الإغفال".]] مقام الفعل. وأبو العباس يقول- في هذه الآية: إن ارتفاعه بالظرف حسن جميل. هذا كله كلام أبي علي في كتاب [[في (أ): (وكتاب).]] الإصلاح [["الإغفال" لأبي علي الفارسىِ 2/ 1081 - 1097 مع تصرف واختصار.]]. وقال في كتاب "الحجة": من قدر [في] [[(في): زيادة من "الحجة" يستقيم بها المعنى.]] (أنَّ) الثانية البدل فإنه ينبغي أن يقدر محذوفًا ليتم بذلك الكلام فيصح البدل، إذ لا يبدل من الاسم إلا بعد تمام الكلام فيكون التقدير: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم، فيكون خبرًا لـ (أنَّ) وهو اسم الزمان، والإخراج حدث واسم الزمان يصح أن يكون خبرًا عن الأحداث. وإذا لم يقدر هذا المحذوف لم يتم الكلام؛ لأن قوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يصح أن يكون خبرًا عن المخاطبين بقوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ لأنهم أعيان [[في (ع): (أعوان).]]، وأسماء الزمان لا يصح أن تكون خبرًا عن الأشخاص، وإذا [[في (ظ)، (ع): (فإذا).]] قدرت هذا التقدير صح أن يكون (أَنَّكُم) الثانية بدلاً من الأولى. ومن قدر في الثانية التكرير لم يحتج إلى تقدير محذوف [["الحجة" 2/ 61.]]. قال: فأما [[في (ظ). (وأما).]] قول أبي إسحاق ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ إن موضع (أنَّ) الأولى نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم فإن [[في (أ): (قد).]] وعدت تتعدى إلى مفعولين، وتعديه إلى المفعول الثاني بغير حرف، ولا حاجة إلى تقدير الباء ألا ترى أن ما جاء في التنزيل من هذا بغير الباء فمن ذلك قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: 20] ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ﴾ [طه: 80] وجانب مفعول ثان ولا يكون ظرفًا لاختصاصه ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] و ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: 29] و ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: 114] فلم يتعد وعدت في كل هذا إلى المفعول الثاني بالباء، وكذلك ينبغي أن يكون المفعول الثاني في ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ لا تحتاج فيه إلى تقدير حرف الخفض [["الإغفال" للفارسي 2/ 1101 - 1103.]].

المؤمنون 23:33

قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يعني عادًا قوم هود، [وأراد [[(وأراد): في هامش (أ) وعليها علامة التصحيح.]] بقوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هودًا. والباقي ظاهر إلى قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية. قال الفراء: أعيدت (أَنَّكُمْ) مرتين ومعناهما واحد، إلا أن ذلك حسن لما فرق بينهما بإذا، وهي في قراءة عبد الله (أيعدكم إذا مُتم وكنتم ترابا وعظامًا أنكم مخرجون) [["معاني الفراء" للفراء 2/ 234 مع اختلاف يسير.]]. وقال أبو إسحاق: ﴿أَنَّكُمْ﴾ موضعها نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم إذا متم. وموضع (أن) الثانية عند قوم كموضع الأولى، وإنما ذكرت توكيدًا. والمعنى على هذا القول: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. فلما بعد ما بين (أن) الأولى والثانية بقوله (إذا متم وكنتم تربًا وعظامًا) أعيد ذكر (أن) كما قال -عز وجل-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 63] المعنى: فله نار جهنم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 11.]]. قال أبو علي الفارسي: لا يخلو (أن) الثانية في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية، وفي [[في (ع): (في).]] قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[قوله: [سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح] ساقط من (ع). وفي (أ): (بيان)، وفي (ظ) قوله: (سوءًا بجهالة). ثم سقط ما بعده وهو قوله (ثم تاب من بعده وأصلح). وفي الإغفال الآية كاملة.]] [الأنعام: 54] من أن يكون: بدلاً من الأول [[هكذا في (أ)، (ظ)، والإغفال. وفي (ع): (الأول. وقد غيرها محقق الإغفال إلى الأولى. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]]، أو يكون مكررًا [[هكذا في جميع النسخ وفي الإغفال أيضا، وقد غيرها محقق الإغفال إلى: تكون مكرره. وغير ما بعدها أيضًا. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]] للتأكيد وطول الكلام، أو يكون زائدًا غير معتد [[في (ظ)، (ع): (غير متعد)، وفي (أ): (غير متعديه)، وانظر: "الإغفال" 2/ 1081.]] به كما في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [[النساء: 155، المائدة: 13.]]، أو يكون مرتفعًا بالظرف. فمذهب [[في (أ): (فذهب).]] سيبويه [["الكتاب" 3/ 132 - 133.]]: أن الثانية بدل من الأولى، ومذهب أبي العباس [[هو: المبرد وانظر قوله في "المقتضب" 2/ 356.]] وأبي عمر الجرمي أنه مكرر للتأكيد، ومذهب أبي الحسن [[هو: الأخفش.]] أنه مرتفع بالظرف [[ذكر الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 289 في هذه الآية ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ أن الآخرة بدل من الأولى.]]، ولم يقل أحد أنه زائد غير معتد به [[في (ظ)، (ع): (غيرمتعد به).]]. قال سيبويه [["الكتاب" لسيبويه 3/ 132 - 133.]]: مما جاء مبدلًا قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ ...﴾ الآية، فكأنه [[في (ع): (وكأنه).]] قال: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. وذلك أريد بها ولكنه إنما قدمت (أن) الأولى. ليعلم بعد أي شيء الإخراج. قال ت وزعم الخليل أن مفعل ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾. قال أبو على: لا يجوز عندي [[(عندي): ساقطة من (ع).]] أن تكون (أن) الثانية في شيء من الآي بدلاً من الأولى، وذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تبدل (أن) من (أن) [[من أن: ساقط من (ظ).]] وحدها من غير أن تتم بصلتها، وإما أن تبدل منها [[في (ظ): (منهما).]] بعد تمامها بصلتها. فلا يجوز أن تبدل منها من غير أن تتم بصلتها [[في "الإغفال" 2/ 1083، خ ل 112 أ: (من غير أن تتم كل واحدة بصلتها). وأشار محقق الإغفال إلى سقوطها من بعض النسخ.]]؛ لأنها قبل أن تتم بصلتها حرف؛ ولم [[في (ع): (ولا). وفي ساقطة من (ظ).]] نرهم أبدلوا الحرف من الحروف كما أبدلوا [[في جميع النسخ: أبدل. والتصويب من "الإغفال" 2/ 183، (خ) 121 أ.]] الاسم من الاسم والفعل من الفعل. ولا يجوز أن يكون مبدلًا منها في الآية بعد تمام الصلة؛ لأن صلة الأولى لم تتم، وإنما تتم اسمًا إذا استوفت صلتها تامة. وصلتها يكون اسمًا كان مبتدأ قبل دخولها عليه مع خبره، وقوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يكون خبرًا لاسم (أن) كما لا يجوز أن يكون خبرًا له قبل دخول (أن)، ألا ترى أنك لو قلت: أنتم [[في (ع): (أنكم).]] إذا متم، لم يجز؛ لأن الظرف من الزمان لا يكون خبرًا عن الجثث [[في (أ): (الجثث). وفي (ظ): (الجثب). والمثبت من (ع)، والإغفال.]]، فكذلك [[في (ظ)، (ع): (فلذلك).]] لا يجوز أن تكون (إذا) خبرًا لاسم (أن) من قوله: ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾، وإذا لم يجز أن يكون خبرًا له فقد ثبت أن ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى لم تستوف صلتها، وإذا لم تستوف صلتها لم يجز البدل منها؛ لأن الاسم المبدل منه حكمه أن يكون تامًا. وكذلك لا يجوز أن تكون الثانية بدلاً من الأولى في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ لأن الشرط وحده دون الجزاء لا يكون خبرًا لاسم (أن)، كما لم يجز أن يكون خبرًا للمبتدأ [[في (ظ)، (ع): (لمبتدأ).]]. وأبو العباس يذهب إلى أن الثانية مكررة توكيدًا، ولست تريد بها إلا ما أردت بالأولى. قال [[القائل هو: أبو العباس المبرد.]]: وهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية [[انظر: "المقتضب" 3/ 356 - 357.]]. قال أبو علي: قول أبي العباس [[في (أ): (يقول أبو العباس)، وهو خطأ.]] لا يجوز عندي أيضًا، لأنه لا يخلو من أن يقع التكرير للتأكيد في (أن) وحدها دون صلتها أو مع صلتها. فلا يجوز التكرير [[في (أ): (التكرار)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] فيها وحدها، كما لا تكرر سائر الموصولات دون صلاتها، ولو كررت اسمًا موصولاً نحو: ضربت الذي في الدار [الذي في الدار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]، لم تكرره إلا مستوفيًا لصلته [فلا يجوز أن يكون (أن) أيضًا مكررًا مفردًا من صلتها غير مستوفية لها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]. فلا يجوز في شىِء من الآي الثلاث التكرير؛ لأن الأولى لم تستوف صلتها في واحدة منها. فقد بان الدخل في هذا القول أيضًا. وهو عندي أشبه من القول الأول. وإذا بان فساد القولين ثبت أنها مرتفعة بالظرف الظاهر الذي هو (إذا) كأنه [[في (أ): (فكأنه)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] في التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم. كما تقول: وقت موتكم إخراجكم. فموضع (إذا متم) إلى قوله (مخرجون) رفع، لكون ذلك جملة ووقوعه [[في (ع): (وقوعه).]] كله خبرًا لـ (أن) الأولى. فأما موضع [[في (أ): (مواضع)، وهو خطأ.]] (إذا) فنصبٌ من حيث انتصب مثل: يومَ الجمعة القتالُ، واليومَ الإخراج. وحكم هذا أن تُضمر للمرفوع خبرًا [[في "الإغفال" أن يضمر له خبر. وقال المحقق: في (ش): (خبرًا).]] يكون إياه في المعنى، أو يكون له [[في الإغفال: أو يكون له خبر. وأشار المحقق إلى سقوط (خبر) من (ش).]] فيه ذكر؛ لأن يوم الجمعة ليس بالقتال ولا له فيه ذكر، وذلك الخبر المُضْمَر: كائن أو حادث أو يحدث، وما أشبه [[في (ع): (أو ما أشبه).]] ذلك. فإذا أضمر هذا لعلما: الذي لابد من إضماره عمل في الظرف. ولا يجوز أن يكون العامل في الظرف الإخراج نفسه من جهة أن الكلام لا يتم ولا يكون له خبر، فيحتاج إلى ما يصير خبرًا له ثم يحذف هذا [[في جميع النسخ: (وهذا)، والتصويب من "الإغفال" 2/ 1092.]] الخبر الذي ذكرت لك أنه لابد من إضماره [[في (أ، ع): (إضمار)، والمثبت من (ظ) و"الإغفال".]]، ويدل على حذفه هذا المنتصب. وكذلك (إذا) في الآية حكمه حكم قولك: غدًا الرحيل. كأن التقدير في الأصل: إذا متم إخراجكم كائن أو حادث أو يحدث، فـ (إذا) منتصب [[في (ظ)، (ع): (انتصب).]] بالخبر المقدر انتصاب غد [[في (ظ): (غدا).]]، وحذف الخبر كما حذف من غد، ثم قام (إذا) مقام الخبر المحذوف فصار فيه ضميره كما صار في سائر الظروف، ثم قام مقام الفعل فرفع [[في "الإغفال" 2/ 1095: فرفع أن.]] كما رفع قوله غدًا الرحيل. فـ (غدًا) و (إذا)، و (في الدار)، وما أشبه ذلك من الظروف كان أصله ما عرفتك من الانتصاب بالفعل الذي تقدم [[في "الإغفال" 2/ 1095: (الذي يقدر).]] أو ما يقوم مقامه، ثم يختزل فتقوم هي مقام المختزل، فتصير مواضعها لذلك [[في (أ): (بذلك)، والمثبت من باقي النسخ و"الإغفال" 2/ 1095.]] رفعًا نحو: زيد في الدار، ونحو: القتال إذا أتيت زيدًا، فيرفع [[في (ط)، (ع): (فرفع).]] الظاهر كما يرفع المضمر [[في "الإغفال" ص 1095 بعد قوله زيدًا: ثم تقدم فترفع الظاهر كما رفع المُضمر.]]، فإذا قدم الظرف [[في (ظ)، (ع): (فرفع).]] لم يكن له موضع من الإعراب، كما أنه ليس لقولك مبتدئًا: (قام زيد) موضع من الإعراب يخالف لفظه [كما أن لقولك عندك [[في (ع): (عندي)، والتصويب من "الإغفال".]] من قولك: زيد عندك موضع يخالف لفظه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ظ).]] وهو الرفع لوقوعه موضع خبر الابتداء، فكذلك [[في جميع النسخ: وكذلك، مقدمه .. له .. للفظه)، والمثبت من "الإغفال".]] حكم (إذا) في الآية، إلا أنه لما وقع موضع الخبر مع ما بعده قلنا إن الجملة بأسرها معها في موضع رفع، وأنها إذا كانت متقدمة [[نفسه.]] مرتفعًا بها الاسم لا موضع لها [[نفسه.]] من الإعراب مخالفًا للفظها [[نفسه.]] من حيث لم يكن لقولك [[في (ظ): (كقولك)، وهو خطأ.]]: في الدار، وعندك -من قولك: في الدار زيد، وعندك عمرو- موضع من الإعراب لقيامهما [[في (ظ): (لمقامها).]] مقام ما لا موضع له، فعلى هذا حكم هذه الظروف في قيامها [[في (أ): (مقامها)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في "الإغفال".]] مقام الفعل. وأبو العباس يقول- في هذه الآية: إن ارتفاعه بالظرف حسن جميل. هذا كله كلام أبي علي في كتاب [[في (أ): (وكتاب).]] الإصلاح [["الإغفال" لأبي علي الفارسىِ 2/ 1081 - 1097 مع تصرف واختصار.]]. وقال في كتاب "الحجة": من قدر [في] [[(في): زيادة من "الحجة" يستقيم بها المعنى.]] (أنَّ) الثانية البدل فإنه ينبغي أن يقدر محذوفًا ليتم بذلك الكلام فيصح البدل، إذ لا يبدل من الاسم إلا بعد تمام الكلام فيكون التقدير: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم، فيكون خبرًا لـ (أنَّ) وهو اسم الزمان، والإخراج حدث واسم الزمان يصح أن يكون خبرًا عن الأحداث. وإذا لم يقدر هذا المحذوف لم يتم الكلام؛ لأن قوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يصح أن يكون خبرًا عن المخاطبين بقوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ لأنهم أعيان [[في (ع): (أعوان).]]، وأسماء الزمان لا يصح أن تكون خبرًا عن الأشخاص، وإذا [[في (ظ)، (ع): (فإذا).]] قدرت هذا التقدير صح أن يكون (أَنَّكُم) الثانية بدلاً من الأولى. ومن قدر في الثانية التكرير لم يحتج إلى تقدير محذوف [["الحجة" 2/ 61.]]. قال: فأما [[في (ظ). (وأما).]] قول أبي إسحاق ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ إن موضع (أنَّ) الأولى نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم فإن [[في (أ): (قد).]] وعدت تتعدى إلى مفعولين، وتعديه إلى المفعول الثاني بغير حرف، ولا حاجة إلى تقدير الباء ألا ترى أن ما جاء في التنزيل من هذا بغير الباء فمن ذلك قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: 20] ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ﴾ [طه: 80] وجانب مفعول ثان ولا يكون ظرفًا لاختصاصه ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] و ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: 29] و ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: 114] فلم يتعد وعدت في كل هذا إلى المفعول الثاني بالباء، وكذلك ينبغي أن يكون المفعول الثاني في ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ لا تحتاج فيه إلى تقدير حرف الخفض [["الإغفال" للفارسي 2/ 1101 - 1103.]].

المؤمنون 23:34

قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يعني عادًا قوم هود، [وأراد [[(وأراد): في هامش (أ) وعليها علامة التصحيح.]] بقوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هودًا. والباقي ظاهر إلى قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية. قال الفراء: أعيدت (أَنَّكُمْ) مرتين ومعناهما واحد، إلا أن ذلك حسن لما فرق بينهما بإذا، وهي في قراءة عبد الله (أيعدكم إذا مُتم وكنتم ترابا وعظامًا أنكم مخرجون) [["معاني الفراء" للفراء 2/ 234 مع اختلاف يسير.]]. وقال أبو إسحاق: ﴿أَنَّكُمْ﴾ موضعها نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم إذا متم. وموضع (أن) الثانية عند قوم كموضع الأولى، وإنما ذكرت توكيدًا. والمعنى على هذا القول: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. فلما بعد ما بين (أن) الأولى والثانية بقوله (إذا متم وكنتم تربًا وعظامًا) أعيد ذكر (أن) كما قال -عز وجل-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 63] المعنى: فله نار جهنم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 11.]]. قال أبو علي الفارسي: لا يخلو (أن) الثانية في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية، وفي [[في (ع): (في).]] قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[قوله: [سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح] ساقط من (ع). وفي (أ): (بيان)، وفي (ظ) قوله: (سوءًا بجهالة). ثم سقط ما بعده وهو قوله (ثم تاب من بعده وأصلح). وفي الإغفال الآية كاملة.]] [الأنعام: 54] من أن يكون: بدلاً من الأول [[هكذا في (أ)، (ظ)، والإغفال. وفي (ع): (الأول. وقد غيرها محقق الإغفال إلى الأولى. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]]، أو يكون مكررًا [[هكذا في جميع النسخ وفي الإغفال أيضا، وقد غيرها محقق الإغفال إلى: تكون مكرره. وغير ما بعدها أيضًا. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]] للتأكيد وطول الكلام، أو يكون زائدًا غير معتد [[في (ظ)، (ع): (غير متعد)، وفي (أ): (غير متعديه)، وانظر: "الإغفال" 2/ 1081.]] به كما في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [[النساء: 155، المائدة: 13.]]، أو يكون مرتفعًا بالظرف. فمذهب [[في (أ): (فذهب).]] سيبويه [["الكتاب" 3/ 132 - 133.]]: أن الثانية بدل من الأولى، ومذهب أبي العباس [[هو: المبرد وانظر قوله في "المقتضب" 2/ 356.]] وأبي عمر الجرمي أنه مكرر للتأكيد، ومذهب أبي الحسن [[هو: الأخفش.]] أنه مرتفع بالظرف [[ذكر الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 289 في هذه الآية ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ أن الآخرة بدل من الأولى.]]، ولم يقل أحد أنه زائد غير معتد به [[في (ظ)، (ع): (غيرمتعد به).]]. قال سيبويه [["الكتاب" لسيبويه 3/ 132 - 133.]]: مما جاء مبدلًا قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ ...﴾ الآية، فكأنه [[في (ع): (وكأنه).]] قال: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. وذلك أريد بها ولكنه إنما قدمت (أن) الأولى. ليعلم بعد أي شيء الإخراج. قال ت وزعم الخليل أن مفعل ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾. قال أبو على: لا يجوز عندي [[(عندي): ساقطة من (ع).]] أن تكون (أن) الثانية في شيء من الآي بدلاً من الأولى، وذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تبدل (أن) من (أن) [[من أن: ساقط من (ظ).]] وحدها من غير أن تتم بصلتها، وإما أن تبدل منها [[في (ظ): (منهما).]] بعد تمامها بصلتها. فلا يجوز أن تبدل منها من غير أن تتم بصلتها [[في "الإغفال" 2/ 1083، خ ل 112 أ: (من غير أن تتم كل واحدة بصلتها). وأشار محقق الإغفال إلى سقوطها من بعض النسخ.]]؛ لأنها قبل أن تتم بصلتها حرف؛ ولم [[في (ع): (ولا). وفي ساقطة من (ظ).]] نرهم أبدلوا الحرف من الحروف كما أبدلوا [[في جميع النسخ: أبدل. والتصويب من "الإغفال" 2/ 183، (خ) 121 أ.]] الاسم من الاسم والفعل من الفعل. ولا يجوز أن يكون مبدلًا منها في الآية بعد تمام الصلة؛ لأن صلة الأولى لم تتم، وإنما تتم اسمًا إذا استوفت صلتها تامة. وصلتها يكون اسمًا كان مبتدأ قبل دخولها عليه مع خبره، وقوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يكون خبرًا لاسم (أن) كما لا يجوز أن يكون خبرًا له قبل دخول (أن)، ألا ترى أنك لو قلت: أنتم [[في (ع): (أنكم).]] إذا متم، لم يجز؛ لأن الظرف من الزمان لا يكون خبرًا عن الجثث [[في (أ): (الجثث). وفي (ظ): (الجثب). والمثبت من (ع)، والإغفال.]]، فكذلك [[في (ظ)، (ع): (فلذلك).]] لا يجوز أن تكون (إذا) خبرًا لاسم (أن) من قوله: ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾، وإذا لم يجز أن يكون خبرًا له فقد ثبت أن ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى لم تستوف صلتها، وإذا لم تستوف صلتها لم يجز البدل منها؛ لأن الاسم المبدل منه حكمه أن يكون تامًا. وكذلك لا يجوز أن تكون الثانية بدلاً من الأولى في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ لأن الشرط وحده دون الجزاء لا يكون خبرًا لاسم (أن)، كما لم يجز أن يكون خبرًا للمبتدأ [[في (ظ)، (ع): (لمبتدأ).]]. وأبو العباس يذهب إلى أن الثانية مكررة توكيدًا، ولست تريد بها إلا ما أردت بالأولى. قال [[القائل هو: أبو العباس المبرد.]]: وهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية [[انظر: "المقتضب" 3/ 356 - 357.]]. قال أبو علي: قول أبي العباس [[في (أ): (يقول أبو العباس)، وهو خطأ.]] لا يجوز عندي أيضًا، لأنه لا يخلو من أن يقع التكرير للتأكيد في (أن) وحدها دون صلتها أو مع صلتها. فلا يجوز التكرير [[في (أ): (التكرار)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] فيها وحدها، كما لا تكرر سائر الموصولات دون صلاتها، ولو كررت اسمًا موصولاً نحو: ضربت الذي في الدار [الذي في الدار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]، لم تكرره إلا مستوفيًا لصلته [فلا يجوز أن يكون (أن) أيضًا مكررًا مفردًا من صلتها غير مستوفية لها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]. فلا يجوز في شىِء من الآي الثلاث التكرير؛ لأن الأولى لم تستوف صلتها في واحدة منها. فقد بان الدخل في هذا القول أيضًا. وهو عندي أشبه من القول الأول. وإذا بان فساد القولين ثبت أنها مرتفعة بالظرف الظاهر الذي هو (إذا) كأنه [[في (أ): (فكأنه)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] في التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم. كما تقول: وقت موتكم إخراجكم. فموضع (إذا متم) إلى قوله (مخرجون) رفع، لكون ذلك جملة ووقوعه [[في (ع): (وقوعه).]] كله خبرًا لـ (أن) الأولى. فأما موضع [[في (أ): (مواضع)، وهو خطأ.]] (إذا) فنصبٌ من حيث انتصب مثل: يومَ الجمعة القتالُ، واليومَ الإخراج. وحكم هذا أن تُضمر للمرفوع خبرًا [[في "الإغفال" أن يضمر له خبر. وقال المحقق: في (ش): (خبرًا).]] يكون إياه في المعنى، أو يكون له [[في الإغفال: أو يكون له خبر. وأشار المحقق إلى سقوط (خبر) من (ش).]] فيه ذكر؛ لأن يوم الجمعة ليس بالقتال ولا له فيه ذكر، وذلك الخبر المُضْمَر: كائن أو حادث أو يحدث، وما أشبه [[في (ع): (أو ما أشبه).]] ذلك. فإذا أضمر هذا لعلما: الذي لابد من إضماره عمل في الظرف. ولا يجوز أن يكون العامل في الظرف الإخراج نفسه من جهة أن الكلام لا يتم ولا يكون له خبر، فيحتاج إلى ما يصير خبرًا له ثم يحذف هذا [[في جميع النسخ: (وهذا)، والتصويب من "الإغفال" 2/ 1092.]] الخبر الذي ذكرت لك أنه لابد من إضماره [[في (أ، ع): (إضمار)، والمثبت من (ظ) و"الإغفال".]]، ويدل على حذفه هذا المنتصب. وكذلك (إذا) في الآية حكمه حكم قولك: غدًا الرحيل. كأن التقدير في الأصل: إذا متم إخراجكم كائن أو حادث أو يحدث، فـ (إذا) منتصب [[في (ظ)، (ع): (انتصب).]] بالخبر المقدر انتصاب غد [[في (ظ): (غدا).]]، وحذف الخبر كما حذف من غد، ثم قام (إذا) مقام الخبر المحذوف فصار فيه ضميره كما صار في سائر الظروف، ثم قام مقام الفعل فرفع [[في "الإغفال" 2/ 1095: فرفع أن.]] كما رفع قوله غدًا الرحيل. فـ (غدًا) و (إذا)، و (في الدار)، وما أشبه ذلك من الظروف كان أصله ما عرفتك من الانتصاب بالفعل الذي تقدم [[في "الإغفال" 2/ 1095: (الذي يقدر).]] أو ما يقوم مقامه، ثم يختزل فتقوم هي مقام المختزل، فتصير مواضعها لذلك [[في (أ): (بذلك)، والمثبت من باقي النسخ و"الإغفال" 2/ 1095.]] رفعًا نحو: زيد في الدار، ونحو: القتال إذا أتيت زيدًا، فيرفع [[في (ط)، (ع): (فرفع).]] الظاهر كما يرفع المضمر [[في "الإغفال" ص 1095 بعد قوله زيدًا: ثم تقدم فترفع الظاهر كما رفع المُضمر.]]، فإذا قدم الظرف [[في (ظ)، (ع): (فرفع).]] لم يكن له موضع من الإعراب، كما أنه ليس لقولك مبتدئًا: (قام زيد) موضع من الإعراب يخالف لفظه [كما أن لقولك عندك [[في (ع): (عندي)، والتصويب من "الإغفال".]] من قولك: زيد عندك موضع يخالف لفظه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ظ).]] وهو الرفع لوقوعه موضع خبر الابتداء، فكذلك [[في جميع النسخ: وكذلك، مقدمه .. له .. للفظه)، والمثبت من "الإغفال".]] حكم (إذا) في الآية، إلا أنه لما وقع موضع الخبر مع ما بعده قلنا إن الجملة بأسرها معها في موضع رفع، وأنها إذا كانت متقدمة [[نفسه.]] مرتفعًا بها الاسم لا موضع لها [[نفسه.]] من الإعراب مخالفًا للفظها [[نفسه.]] من حيث لم يكن لقولك [[في (ظ): (كقولك)، وهو خطأ.]]: في الدار، وعندك -من قولك: في الدار زيد، وعندك عمرو- موضع من الإعراب لقيامهما [[في (ظ): (لمقامها).]] مقام ما لا موضع له، فعلى هذا حكم هذه الظروف في قيامها [[في (أ): (مقامها)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في "الإغفال".]] مقام الفعل. وأبو العباس يقول- في هذه الآية: إن ارتفاعه بالظرف حسن جميل. هذا كله كلام أبي علي في كتاب [[في (أ): (وكتاب).]] الإصلاح [["الإغفال" لأبي علي الفارسىِ 2/ 1081 - 1097 مع تصرف واختصار.]]. وقال في كتاب "الحجة": من قدر [في] [[(في): زيادة من "الحجة" يستقيم بها المعنى.]] (أنَّ) الثانية البدل فإنه ينبغي أن يقدر محذوفًا ليتم بذلك الكلام فيصح البدل، إذ لا يبدل من الاسم إلا بعد تمام الكلام فيكون التقدير: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم، فيكون خبرًا لـ (أنَّ) وهو اسم الزمان، والإخراج حدث واسم الزمان يصح أن يكون خبرًا عن الأحداث. وإذا لم يقدر هذا المحذوف لم يتم الكلام؛ لأن قوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يصح أن يكون خبرًا عن المخاطبين بقوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ لأنهم أعيان [[في (ع): (أعوان).]]، وأسماء الزمان لا يصح أن تكون خبرًا عن الأشخاص، وإذا [[في (ظ)، (ع): (فإذا).]] قدرت هذا التقدير صح أن يكون (أَنَّكُم) الثانية بدلاً من الأولى. ومن قدر في الثانية التكرير لم يحتج إلى تقدير محذوف [["الحجة" 2/ 61.]]. قال: فأما [[في (ظ). (وأما).]] قول أبي إسحاق ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ إن موضع (أنَّ) الأولى نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم فإن [[في (أ): (قد).]] وعدت تتعدى إلى مفعولين، وتعديه إلى المفعول الثاني بغير حرف، ولا حاجة إلى تقدير الباء ألا ترى أن ما جاء في التنزيل من هذا بغير الباء فمن ذلك قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: 20] ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ﴾ [طه: 80] وجانب مفعول ثان ولا يكون ظرفًا لاختصاصه ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] و ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: 29] و ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: 114] فلم يتعد وعدت في كل هذا إلى المفعول الثاني بالباء، وكذلك ينبغي أن يكون المفعول الثاني في ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ لا تحتاج فيه إلى تقدير حرف الخفض [["الإغفال" للفارسي 2/ 1101 - 1103.]].

المؤمنون 23:35

قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يعني عادًا قوم هود، [وأراد [[(وأراد): في هامش (أ) وعليها علامة التصحيح.]] بقوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هودًا. والباقي ظاهر إلى قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية. قال الفراء: أعيدت (أَنَّكُمْ) مرتين ومعناهما واحد، إلا أن ذلك حسن لما فرق بينهما بإذا، وهي في قراءة عبد الله (أيعدكم إذا مُتم وكنتم ترابا وعظامًا أنكم مخرجون) [["معاني الفراء" للفراء 2/ 234 مع اختلاف يسير.]]. وقال أبو إسحاق: ﴿أَنَّكُمْ﴾ موضعها نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم إذا متم. وموضع (أن) الثانية عند قوم كموضع الأولى، وإنما ذكرت توكيدًا. والمعنى على هذا القول: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. فلما بعد ما بين (أن) الأولى والثانية بقوله (إذا متم وكنتم تربًا وعظامًا) أعيد ذكر (أن) كما قال -عز وجل-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 63] المعنى: فله نار جهنم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 11.]]. قال أبو علي الفارسي: لا يخلو (أن) الثانية في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية، وفي [[في (ع): (في).]] قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[قوله: [سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح] ساقط من (ع). وفي (أ): (بيان)، وفي (ظ) قوله: (سوءًا بجهالة). ثم سقط ما بعده وهو قوله (ثم تاب من بعده وأصلح). وفي الإغفال الآية كاملة.]] [الأنعام: 54] من أن يكون: بدلاً من الأول [[هكذا في (أ)، (ظ)، والإغفال. وفي (ع): (الأول. وقد غيرها محقق الإغفال إلى الأولى. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]]، أو يكون مكررًا [[هكذا في جميع النسخ وفي الإغفال أيضا، وقد غيرها محقق الإغفال إلى: تكون مكرره. وغير ما بعدها أيضًا. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]] للتأكيد وطول الكلام، أو يكون زائدًا غير معتد [[في (ظ)، (ع): (غير متعد)، وفي (أ): (غير متعديه)، وانظر: "الإغفال" 2/ 1081.]] به كما في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [[النساء: 155، المائدة: 13.]]، أو يكون مرتفعًا بالظرف. فمذهب [[في (أ): (فذهب).]] سيبويه [["الكتاب" 3/ 132 - 133.]]: أن الثانية بدل من الأولى، ومذهب أبي العباس [[هو: المبرد وانظر قوله في "المقتضب" 2/ 356.]] وأبي عمر الجرمي أنه مكرر للتأكيد، ومذهب أبي الحسن [[هو: الأخفش.]] أنه مرتفع بالظرف [[ذكر الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 289 في هذه الآية ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ أن الآخرة بدل من الأولى.]]، ولم يقل أحد أنه زائد غير معتد به [[في (ظ)، (ع): (غيرمتعد به).]]. قال سيبويه [["الكتاب" لسيبويه 3/ 132 - 133.]]: مما جاء مبدلًا قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ ...﴾ الآية، فكأنه [[في (ع): (وكأنه).]] قال: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. وذلك أريد بها ولكنه إنما قدمت (أن) الأولى. ليعلم بعد أي شيء الإخراج. قال ت وزعم الخليل أن مفعل ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾. قال أبو على: لا يجوز عندي [[(عندي): ساقطة من (ع).]] أن تكون (أن) الثانية في شيء من الآي بدلاً من الأولى، وذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تبدل (أن) من (أن) [[من أن: ساقط من (ظ).]] وحدها من غير أن تتم بصلتها، وإما أن تبدل منها [[في (ظ): (منهما).]] بعد تمامها بصلتها. فلا يجوز أن تبدل منها من غير أن تتم بصلتها [[في "الإغفال" 2/ 1083، خ ل 112 أ: (من غير أن تتم كل واحدة بصلتها). وأشار محقق الإغفال إلى سقوطها من بعض النسخ.]]؛ لأنها قبل أن تتم بصلتها حرف؛ ولم [[في (ع): (ولا). وفي ساقطة من (ظ).]] نرهم أبدلوا الحرف من الحروف كما أبدلوا [[في جميع النسخ: أبدل. والتصويب من "الإغفال" 2/ 183، (خ) 121 أ.]] الاسم من الاسم والفعل من الفعل. ولا يجوز أن يكون مبدلًا منها في الآية بعد تمام الصلة؛ لأن صلة الأولى لم تتم، وإنما تتم اسمًا إذا استوفت صلتها تامة. وصلتها يكون اسمًا كان مبتدأ قبل دخولها عليه مع خبره، وقوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يكون خبرًا لاسم (أن) كما لا يجوز أن يكون خبرًا له قبل دخول (أن)، ألا ترى أنك لو قلت: أنتم [[في (ع): (أنكم).]] إذا متم، لم يجز؛ لأن الظرف من الزمان لا يكون خبرًا عن الجثث [[في (أ): (الجثث). وفي (ظ): (الجثب). والمثبت من (ع)، والإغفال.]]، فكذلك [[في (ظ)، (ع): (فلذلك).]] لا يجوز أن تكون (إذا) خبرًا لاسم (أن) من قوله: ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾، وإذا لم يجز أن يكون خبرًا له فقد ثبت أن ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى لم تستوف صلتها، وإذا لم تستوف صلتها لم يجز البدل منها؛ لأن الاسم المبدل منه حكمه أن يكون تامًا. وكذلك لا يجوز أن تكون الثانية بدلاً من الأولى في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ لأن الشرط وحده دون الجزاء لا يكون خبرًا لاسم (أن)، كما لم يجز أن يكون خبرًا للمبتدأ [[في (ظ)، (ع): (لمبتدأ).]]. وأبو العباس يذهب إلى أن الثانية مكررة توكيدًا، ولست تريد بها إلا ما أردت بالأولى. قال [[القائل هو: أبو العباس المبرد.]]: وهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية [[انظر: "المقتضب" 3/ 356 - 357.]]. قال أبو علي: قول أبي العباس [[في (أ): (يقول أبو العباس)، وهو خطأ.]] لا يجوز عندي أيضًا، لأنه لا يخلو من أن يقع التكرير للتأكيد في (أن) وحدها دون صلتها أو مع صلتها. فلا يجوز التكرير [[في (أ): (التكرار)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] فيها وحدها، كما لا تكرر سائر الموصولات دون صلاتها، ولو كررت اسمًا موصولاً نحو: ضربت الذي في الدار [الذي في الدار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]، لم تكرره إلا مستوفيًا لصلته [فلا يجوز أن يكون (أن) أيضًا مكررًا مفردًا من صلتها غير مستوفية لها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]. فلا يجوز في شىِء من الآي الثلاث التكرير؛ لأن الأولى لم تستوف صلتها في واحدة منها. فقد بان الدخل في هذا القول أيضًا. وهو عندي أشبه من القول الأول. وإذا بان فساد القولين ثبت أنها مرتفعة بالظرف الظاهر الذي هو (إذا) كأنه [[في (أ): (فكأنه)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] في التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم. كما تقول: وقت موتكم إخراجكم. فموضع (إذا متم) إلى قوله (مخرجون) رفع، لكون ذلك جملة ووقوعه [[في (ع): (وقوعه).]] كله خبرًا لـ (أن) الأولى. فأما موضع [[في (أ): (مواضع)، وهو خطأ.]] (إذا) فنصبٌ من حيث انتصب مثل: يومَ الجمعة القتالُ، واليومَ الإخراج. وحكم هذا أن تُضمر للمرفوع خبرًا [[في "الإغفال" أن يضمر له خبر. وقال المحقق: في (ش): (خبرًا).]] يكون إياه في المعنى، أو يكون له [[في الإغفال: أو يكون له خبر. وأشار المحقق إلى سقوط (خبر) من (ش).]] فيه ذكر؛ لأن يوم الجمعة ليس بالقتال ولا له فيه ذكر، وذلك الخبر المُضْمَر: كائن أو حادث أو يحدث، وما أشبه [[في (ع): (أو ما أشبه).]] ذلك. فإذا أضمر هذا لعلما: الذي لابد من إضماره عمل في الظرف. ولا يجوز أن يكون العامل في الظرف الإخراج نفسه من جهة أن الكلام لا يتم ولا يكون له خبر، فيحتاج إلى ما يصير خبرًا له ثم يحذف هذا [[في جميع النسخ: (وهذا)، والتصويب من "الإغفال" 2/ 1092.]] الخبر الذي ذكرت لك أنه لابد من إضماره [[في (أ، ع): (إضمار)، والمثبت من (ظ) و"الإغفال".]]، ويدل على حذفه هذا المنتصب. وكذلك (إذا) في الآية حكمه حكم قولك: غدًا الرحيل. كأن التقدير في الأصل: إذا متم إخراجكم كائن أو حادث أو يحدث، فـ (إذا) منتصب [[في (ظ)، (ع): (انتصب).]] بالخبر المقدر انتصاب غد [[في (ظ): (غدا).]]، وحذف الخبر كما حذف من غد، ثم قام (إذا) مقام الخبر المحذوف فصار فيه ضميره كما صار في سائر الظروف، ثم قام مقام الفعل فرفع [[في "الإغفال" 2/ 1095: فرفع أن.]] كما رفع قوله غدًا الرحيل. فـ (غدًا) و (إذا)، و (في الدار)، وما أشبه ذلك من الظروف كان أصله ما عرفتك من الانتصاب بالفعل الذي تقدم [[في "الإغفال" 2/ 1095: (الذي يقدر).]] أو ما يقوم مقامه، ثم يختزل فتقوم هي مقام المختزل، فتصير مواضعها لذلك [[في (أ): (بذلك)، والمثبت من باقي النسخ و"الإغفال" 2/ 1095.]] رفعًا نحو: زيد في الدار، ونحو: القتال إذا أتيت زيدًا، فيرفع [[في (ط)، (ع): (فرفع).]] الظاهر كما يرفع المضمر [[في "الإغفال" ص 1095 بعد قوله زيدًا: ثم تقدم فترفع الظاهر كما رفع المُضمر.]]، فإذا قدم الظرف [[في (ظ)، (ع): (فرفع).]] لم يكن له موضع من الإعراب، كما أنه ليس لقولك مبتدئًا: (قام زيد) موضع من الإعراب يخالف لفظه [كما أن لقولك عندك [[في (ع): (عندي)، والتصويب من "الإغفال".]] من قولك: زيد عندك موضع يخالف لفظه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ظ).]] وهو الرفع لوقوعه موضع خبر الابتداء، فكذلك [[في جميع النسخ: وكذلك، مقدمه .. له .. للفظه)، والمثبت من "الإغفال".]] حكم (إذا) في الآية، إلا أنه لما وقع موضع الخبر مع ما بعده قلنا إن الجملة بأسرها معها في موضع رفع، وأنها إذا كانت متقدمة [[نفسه.]] مرتفعًا بها الاسم لا موضع لها [[نفسه.]] من الإعراب مخالفًا للفظها [[نفسه.]] من حيث لم يكن لقولك [[في (ظ): (كقولك)، وهو خطأ.]]: في الدار، وعندك -من قولك: في الدار زيد، وعندك عمرو- موضع من الإعراب لقيامهما [[في (ظ): (لمقامها).]] مقام ما لا موضع له، فعلى هذا حكم هذه الظروف في قيامها [[في (أ): (مقامها)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في "الإغفال".]] مقام الفعل. وأبو العباس يقول- في هذه الآية: إن ارتفاعه بالظرف حسن جميل. هذا كله كلام أبي علي في كتاب [[في (أ): (وكتاب).]] الإصلاح [["الإغفال" لأبي علي الفارسىِ 2/ 1081 - 1097 مع تصرف واختصار.]]. وقال في كتاب "الحجة": من قدر [في] [[(في): زيادة من "الحجة" يستقيم بها المعنى.]] (أنَّ) الثانية البدل فإنه ينبغي أن يقدر محذوفًا ليتم بذلك الكلام فيصح البدل، إذ لا يبدل من الاسم إلا بعد تمام الكلام فيكون التقدير: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم، فيكون خبرًا لـ (أنَّ) وهو اسم الزمان، والإخراج حدث واسم الزمان يصح أن يكون خبرًا عن الأحداث. وإذا لم يقدر هذا المحذوف لم يتم الكلام؛ لأن قوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يصح أن يكون خبرًا عن المخاطبين بقوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ لأنهم أعيان [[في (ع): (أعوان).]]، وأسماء الزمان لا يصح أن تكون خبرًا عن الأشخاص، وإذا [[في (ظ)، (ع): (فإذا).]] قدرت هذا التقدير صح أن يكون (أَنَّكُم) الثانية بدلاً من الأولى. ومن قدر في الثانية التكرير لم يحتج إلى تقدير محذوف [["الحجة" 2/ 61.]]. قال: فأما [[في (ظ). (وأما).]] قول أبي إسحاق ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ إن موضع (أنَّ) الأولى نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم فإن [[في (أ): (قد).]] وعدت تتعدى إلى مفعولين، وتعديه إلى المفعول الثاني بغير حرف، ولا حاجة إلى تقدير الباء ألا ترى أن ما جاء في التنزيل من هذا بغير الباء فمن ذلك قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: 20] ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ﴾ [طه: 80] وجانب مفعول ثان ولا يكون ظرفًا لاختصاصه ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] و ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: 29] و ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: 114] فلم يتعد وعدت في كل هذا إلى المفعول الثاني بالباء، وكذلك ينبغي أن يكون المفعول الثاني في ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ لا تحتاج فيه إلى تقدير حرف الخفض [["الإغفال" للفارسي 2/ 1101 - 1103.]].

المؤمنون 23:36

قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ معنى (هيهات): بَعُدَ الأمرُ جدًّا حتى امتنع. وهو صوت بمنزلة صَهْ ومَهْ، إلا أن هذه الأصوات الأغلب عليها الأمر والنهي، وهذا في الخبر، ونظيره شتان، أي: بعد ما بينهما جدًا. وهذا الذي ذكرنا هو معنى ما ذكره أبو علي في كتاب "الإيضاح". فإنه ذكر فيه باب الأسماء التي سميت بها الأفعال فذكر فيه (رويد) بمعنى: أروِد أي: أمهل، و (إيه) بمعنى: حدث، وصَه ومَهْ بمعنى: أُسكت. وقال: أكثر ما تستعمل هذه الأسماء في الأمر والنهي، وقد جاء شيء من ذلك في الخبر، وذلك قولهم: شتان زيد وعمرو، فهذا بمنزلة: بعد زيد وعمرو، وقالوا: سرعان ذا إهالة [[سرعان -مثلثة السين- بمعنى: سرع، والإهالة: الودك. و (سرعان ذا إهالة) مثل أصله: أن رجلا كانت له نعجة عجفاء، ورُغامها يسيل من منخريها لهزالها، فقيل له: ما هذا الذي يسيل؟ فقال: ودكها. فقال السائل ذلك القول. وقيل إن أصل هذا المثل أن رجلاً كان يُحَمّق، اشترى شاة عجفاء يسيل رُغامها هزالا وسوء حال، فظن أنه ودك فقال: (سرعان ذا إهالة). و (إهالة) منصوب على الحال، و (ذا) إشارة إلى الرغام، أي: سرع هذا الرغام حال كونه إهالة وهو مثل يضرب لمن يخبر بكينونة الشيء قبل وقته. انظر: "مجمع الأمثال" للميداني 2/ 11 - 112، "لسان العرب" 8/ 152 (سرع)، "القاموس المحيط" 3/ 37، "تاج العروس" للزبيدي 21/ 186 (سرع).]]، بمعنى: سَرُع، وقالوا [[(قالوا): ساقطة من (أ).]]: هيهات زيد، يريدون: بعد. هذا كلامه [["الإيضاح العضدي" ص 191.]]. وقد ثبت أن هيهات اسم سمي به الفعل وهو بعد في الخبر لا في الأمر كما عليه أكثر بابه، وتفسير هيهات: بَعُدَ، وليس له اشتقاق؛ لأنه بمنزلة الأصوات، وفيه زيادة معنى ليس في بَعُدَ، وهي أن المكلم بهيهات يخبر عن اعتقاده استبعاد ذلك الشيء الذي يخبر عن بُعْدِه، وكأنه بمنزلة أن تقول: بعد جدًّا وما أبعده، لا على أن يعلم المخاطب مكان ذلك الشيء في البعد فـ[حسب، كما لو قال: بعد زيد، يفهم من هذا أنه يخبر عن مكانه في البعد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]]. ففي هيهات زيادة معنى على بعد وإن كنا [[في (ظ): (كان).]] نفسره ببعد. قال الفراء - في قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾: لو لم تكن اللام في (ما) كان صوابًا. ودخول اللام عربي، ومثله في الكلام: هيهات لك، وهيهات أنت منا، وهيهات لأرضك. وأنشد [[البيت أنشده الفراء في "معانيه" 2/ 235 من غير نسبة، وروايته عنده: فأيهات أيهات العَقيقُ ومَن به ... وأيْهات وَصْل بالعقيق نواصله والبيت لجرير، وهو في "ديوانه" 2/ 965 بمثل رواية الفراء لكن فيه (تواصله) مكان (نواصله)، و"النقائض" لأبي عبيدة 2/ 632: و"الخصائص" لابن جني 3/ 42 بمثل رواية الواحدي لكن فيه (ومن به) مكان (وأهله). و"شرح المفصل" لابن يعيش 4/ 35 بمثل رواية الواحدي. و"اللسان" 13/ 553 (هيه) بمثل رواية الواحدي لكن فيه (نحاوله) مكان (نواصله) قال أبو عبيدة في "النقائض" 2/ 632. والعقيق: وادٍ لبني كلاب بالعالية.]]: فَهَيْهات هيهات الحقيقُ وأهلُه [[في (ع): (وأرضه).]] ... وهيهات خِلُّ بالعقيق نُوَاصِلُه فمن لم يدخل اللام رفع الاسم. ومعنى هيهات: بعيد [[في (ع): (بعد).]] كأنه قال: بعيد [[عند الفراء: كأنه قال: بعيد (ما توعدون) وبعيد العقيق ...]] العقيق وأهله، ومن أدخل اللام قال (هيهات) أداة ليست [[في (ظ)، (ع): (ليس).]] بمأخوذة من فعل [فأدخلت لها اللام كما يقال: هَلُمَّ لك، إذْ لم تكن مأخوذة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] من فعل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 235 مع اختصار.]]. وقال أبو إسحاق: ﴿هَيْهَاتَ﴾ موضعها الرفع، وتأويلها [[في (ظ): (تأويلها).]]: البعد لما توعدون. قال: ويقال: هيهات ما قلت، وهيهات لما قلت، فمن قال: هيهات لما قلت فمعناه البعد لقولك [[عند الزجاج: فمن قال: هيهات ما قلت، فمعناه: البعد ما قلت، ومن قال: هيهات لما قلت.]]، ومن نون هيهات جلها نكرة، ويكون المعنى: بُعدًا [[عند الزجاج: بعد.]] لما توعدون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 13.]]. قال أبو علي: فيما أصلح [[في (ظ): (مما يصلح).]] عليه قوله في هيهات [أن موضعه] رفع وإجراؤه [[في "الإغفال" 2/ 1125: (إجراؤه)، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة (ش): وإجراؤه.]] إياها [[في "الإغفال" 2/ 1125: (إياه).]] مجرى البعد في أن موضعه رفع، كما أن البعد رفع في قولك: "البعد لزيد" خطأ، وذلك أن هيهات اسم [سُمي به الفعل فهو اسم لبعد [[(لبعد): ساقط من (أ).]] كما أن شتان كذلك، وهيهات] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] أشبه الأصوات نحو: مَه وصه وما لا حظ في الإعراب، وكما لا يجوز أن يحكم لشتان بموضع من الإعراب -من حيث كان اسمًا للفعل فلا موضع له من الإعراب كما لا موضع لقام من قولنا: قام زيد، وما أشبهه- كذلك لا يجوز أن يحكم لهيهات بأن موضعه رفع، ولو جاز أن يكون موضعه رفعًا لدلالته على معنى البعد لكان شتان أيضًا مرتفعًا لدلالته على ذلك، وليس [[في "الإغفال" 2/ 1126: (فليس) وهي ساقطة من (ظ).]] للاسم الذي سُمي [[في "الإغفال" 2/ 1126: تُسمى.]] به الفعل موضع من الإعراب، كما لم يكن للفعل الذي جعل هذا اسمًا له موضع، فإذا ثبت أنه اسم سمي به الفعل كشتان لم يجز أن يخلو من فاعل ظاهر أو مضمر كما أن الفعل لا يخلو من ذلك، ولولا أن شتان وهيهات كبعد قولك: شتان زيد وهيهات العقيق لما تم الكلام به وبالاسم، فلما تم الكلام به علمنا أنه بمنزلة الفعل وأن الاسم مرتفع به، إذ لا يخلو من أن يكون بمنزلة الفعل أو بمنزلة المبتدأ، فلا يجوز أن يكون بمنزلة المبتدأ [[في "الإغفال" 2/ 1128: (الابتداء).]]؛ لأن المبتدأ هو الخبر في المعنى أو يكون له فيه ذكر وليس هيهات العقيق [[في "الإغفال" 2/ 1128: وليس هيهات بالعقيق.]] ولا شتان يزيد [[هكذا في (ع) والإغفال. وفي (أ): (يريد)، وهي مهملة في (ظ).]] ولو كان هيهات اسمًا للمصدر لما وجب بناؤه لأن المعنى الواحد قد يسمى بعدة أسماء ويكون ذلك كله معربًا، وأيضًا فإنك تقول: هيهات المنازل وهيهات الديار، فلو [[في "الإغفال" 2/ 1129: ولو.]] كان هيهات مبتدأ لوجب أن يجمع، إذ لا يكون المبتدأ واحدًا والخبر جمعًا. وأظن الذي حمل أبا إسحاق على أن قال: (هيهات: معناه البعد، وموضعه رفع كما أنك لو قلت: البعد لزيد كان البعد رفعًا). أنه لم ير [[في "الإغفال" 2/ 1130: لم يرد، والصواب ما هنا.]] في قوله: ﴿هَيْهَاتَ﴾ فاعلا ظاهرًا مرتفعًا فحمله على أن موضعه رفع كالبعد. والقول في هذا أن في (هيهات) ضميرًا مرتفعًا، وذلك الضمير عائد إلى قوله: ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ الذي هو بمعنى الإخراج، كأنهم لما قالوا -مستبعدين للوعد بالبعث ومنكرين له- ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ فكان قوله: ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ بمعنى الإخراج وصار [[في "الإغفال" 2/ 1130: صار.]] في (هيهات) ضمير له، والمعنى: هيهات إخراجكم للوعد، أي [[في (ع): (الذي).]]: بعد إخراجكم للوعد إذ كان الوعد إخراجكم بعد موتكم ونشركم بعد إضمحلالكم، فاستبعد أعداء الله إخراجهم ونشرهم لما كانت العِدة به بعد الموت، إغفالاً منهم للتدبر وإهمالاً [[في (ع): (وإمهالا).]] للتفكر في قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ففاعل هيهات هو هذا الضمير العائد إلى ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ التي هو بمعنى الإخراج كما أن فاعل هيهات في قول الشاعر: فهيهات هيهات العقيق الاسم الظاهر: وإنما كرر [[في (ع): (تكرر).]] هيهات في الآية والبيت للتأكيد. وأما [[في "الإغفال" 2/ 1132: فأما قوله.]] قوله: (ويقال: هيهات ما قلت وهيهات لما قلت، فمن قال هيهات ما قلت فمعناه البعد ما قلت ومن قال لما قلت فمعناه البعد لقولك) فقد ذكرنا أن هيهات لا يجوز أن يكون كالبعد وأنه اسم سمي به الفعل فإجازته في هيهات ما قلت [[في "الإغفال" 2/ 1132: فإجازته هيهات ما قالت.]] على أنه البعد ليس بجائز وإنما ما قلت يرتفع بهيهات كما يرتفع ببعد، أما [[في "الإغفال" 2/ 1132: فأما.]] إجازته هيهات لما قلت فإنما قاسه على قوله [[قوله: ساقط من (ع).]] ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ وليس قولك مبتدئًا: (هيهات لما قلت) مثل الآية، لأن التي في الآية فيها ضمير كما أعلمتك ولا ضمير فيها مبتدأ [[في "الإغفال" 2/ 1133: مبتدأ، وفي (أ): (مبتدأه)، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة ش: مبتداه.]]. فبان [[في "الإغفال" 2/ 1133: (فتبين)، وفي بعض النسخ كما أشار المحقق. فبين.]] أن قولك: (هيهات لما قلت) ليس كما قاسه عليه [[في (ع): (عليك).]]؛ لأنه حال [[في "الإغفال" 2/ 1133: خال بالمعجمة، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة (ش): (حال).]] من ضمير الفاعل، فإن قال: هيهات لقولك، وكانا [[في (ظ)، و"الإغفال": (فكان).]] في هيهات [[في "الإغفال" 2/ 1133: (فكان في هيهات ضمير كما في الآية ....]] كما في الآية جاز وإلا امتنع. وقوله: (فأما من نون هيهات فجعلها نكرة ويكون المعنى: بعدًا لما قلت منه اختلاف) [[في "الإغفال" 2/ 1133: (ويكون المعنى: بعدٌ لما قلت ففيه اختلاف.]]. قيل: إنه إذا نُوَّن كان نكرة، ووجه هذا القول أن هذه التنوين [[في بعض نسخ "الإغفال" كما أشار المحقق 2/ 1133: أن التنوين.]] في الأصوات [إنما تُثْبت] [[ساقط من (ظ).]] علمًا للتنكير وتحذف علمًا للتعريف، كقولهم: عَاقِ وعاقٍ، وإيه وإيهٍ، ونحو ذلك، فجائز أن يكون المراد بهيهات إذا نون التنكير. وقيل: إنه إذا نون أيضًا كان معرفة كما كان قبل التنوين كذلك، وذلك أن التنوين في (مسلمات) ونحوه نظير النون في (مسلمين)، فهي إذا ثبتت لم تدل على التنكير كما تدل عليه في (عاق)؛ لأنه بمنزلة ما لا يدل على تنكير [[في (ع): (التنكير).]] ولا تعريف، فهو على تعريفه الذي كان عليه قبل دخول التنوين، إذ ليس التنوين فيه كالذي في (عاق). قال أبو العباس في هذا الوجه: هو قول قوي. انتهى كلام أبي علي [["الإغفال" للفارسي 2/ 1125 - 1134 بتصرف.]]. وحصل في معنى هيهات ثلاثة أقوال: أحدهما. أنه بمنزلة الصفة كقولك [[في (ع): (لقولك).]] بعيد. وهو قول الفراء. والثاني: أنه بمنزلة البُعد. وهو قول الزجاج وابن الأنباري. والثالث [[من (ظ): وفي باقي النسخ: (والآخر).]]: أنه بمنزلة بَعُدَ. وهو قول أبي علي وغيره من حذاق النحويين. فهو إذن على هذه الأقوال تكون بمنزلة الصفة والمصدر [[في (ظ): (والبُعْد).]] والفعل. وفيه لغات: فتح التاء بلا تنوين. قال الفراء: إنهما أداتان [[في (ع): (أداأتان)، وهو خطأ.]] جمعتا فصارتا بمنزلة خمسة عشر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 235.]]. قال: ويجوز أن يكون نصبها [[في (ع): (نصبها نصبها).]] كنصب قولك: رُبت وتُمت، وأنشد [[قول الفراء وإنشاده نقله عنه الواحدي بواسطة "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 485 (هيه)، وهو مع اختلاف في بعض ألفاظه في "معاني القرآن" 2/ 236. والبيت أنشده الفراء في "معانيه" 2/ 236 من غير نسبة، وفيه (بل ربتما) مكان (ياربتما). والبيت منسوب لضمرة بن ضَمْرة النَّهشلي في "النوادر" لأبي زيد ص 2532، "المعاني الكبير" لابن قتيبة 2/ 1005، وروايتهما: (بل ربتما)، و"خزانة الأدب" 9/ 384 وفيها (ياربتما). ومن غير نسبة في: الطبري 18/ 21، "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 64 (شعا)، "لسان العرب" 14/ 435 (شعا). قال البغدادي في "الخزانة" 9/ 384 - 385. ماوي: منادي مرخَّم ماوية. اسم امرأة. و (يا) في قوله (ياريتما) للتنبيه لا للنداء .. (ب). التاء لحقت (رب) للإيذان == بأن مجرورها مؤنث، و (ما) زائدة بين رب ومجرورها .. ، والغارة: اسم من أغار القوم إغارة، أي: أسرعوا في السير. (الشعواء): (الغارة المنتشرة، وهي بالعين المهملة، واللذعة بالذال المعجمة والعين المهملة، ثم لذعته النار، إذا أحرقته، والميسم: ما يوسم به البعير بالنار. أهـ. قال ابن قتيبة في "المعاني" 2/ 1005: يريد كأنها -يعني الغارة- في سرعتها لذعه بميسم في وَبْر.]]: مَاويّ ياربتما غارةٍ ... شَعْواءَ كاللَّذْعَةِ بِالميسَمِ ونحو هذا ذكر أبو إسحاق فقال: من فتحها فلأنها بمنزلة الأصوات وليست مشتقة من فعل فبنيت هيهات كما بنيت [[في (ع): (كما بنيت هيهات)، كررت هيهات خطأ.]] ذَيَّة [[في (أ): (إيه)، وفي (ع): (ربه). والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في "معاني القرآن" للزجاج. يقال: كان من الأمر ذَيَّة وذَيَّة بمعنى: كَيْتَ وكيْت. "تاج العروس" للزبيدي 4/ 423 (ذيت).]] [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 12.]]. ويجوز التنوين مع الفتح. قال ابن الأنباري: من قال هيهاتًا بالتنوين [[(بالتنوين): ساقطة من (ط)، (ع).]] شبهه بقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 88] [[قول ابن الأنباري في "تهذيب اللغة" 6/ 484 (هيهات) بنصه.]]. يعني أن هيهاتًا بمنزلة بعيدًا. ويجوز هيهات بكسر التاء. قال الفراء: هو بمنزلة دَرَاكِ ونَظَارِ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 235. قال الجوهري: وقولهم: دَرَاكِ أي أدْرِكْ، وهو إسم لفعل الأمر، وكسرت الكاف لاجتماع الساكنين؛ لأن حقها السكون للأمر. وقولهم: نَظَارِ، مثل قَطَامِ، أي: انتظره. "الصحاح" 2/ 830 (انظر)، 4/ 1589 (درك).]]. يعني أن دراك اسم للأمر بمعنى أدرك مبني على الكسر، كذلك هيهات اسم لبَعُدَ مبني على الكسر. ويجوز التنوين مع الكسر. قال [[في (ع): (قال قال) تكرار.]] ابن الأنباري: من نون مع [[في "تهذيب اللغة": من قال هيهات لك بالتنوين.]] الكسر شبه بالأصوات كقولهم: غاقٍ وطاقٍ [[غاق: حكايته صوت الغراب. "الصحاح" للجوهري 4/ 1539 (غيق).]]. قال: ويجوز الرفع بغير تنوين وبتنوين [[في "تهذيب اللغة" 6/ 485، ومن قال هيهات لك بالرفع ... ومن رفعها ونون. وليس فيه ويجوز الرفع بغير تنوين وبتنوين.]]، ومن العرب من يقول: أيْهات في هذه اللغات كلها، ومنهم من يقول: (أيْهان) بالنون، ومنهم من يقول: (أيها) بلا نون، ومن قال (أيها) حذف التاء كما حذف الياء من حاشَى فقيل [[في (أ): (وقيل).]]: حاش لله. وأنشد [[إنشاد ابن الأنباري في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 485 (هيه) ولم يذكر قائله. وهو أيضًا في "لسان العرب" 13/ 554. والأعراض: جمع عرض، والأعراض: قرى بين الحجاز واليمن. والقِنْعِ بالكسر. ثم السكون: جبل وماء لبني سعد بن زيد بن مناة بن تميم باليمامة. انظر: "معجم البلدان" 1/ 289 - 290، 7/ 175.]]: ومن دُونِي الأعْراضُ والقِنْعُ [[في (أ): (والنَّفع)، وفي (ظ): (والقع) وفي (ع): (والعنع)، مهملة.]] كلُّه ... وكُتْمانُ أيْها ما أشَتَّ وأبْعَدا قال: والمستعمل من هذه اللغات كلها استعمالًا غالبًا [[في المطبوع من "تهذيب اللغة". عاليًا. وأشار المحقق الحاشية إلى (غالبا).]] الفتح بلا تنوين [[كلام ابن الأنباري في "تهذيب اللغة" 6/ 485 (هيهات) مع اختلاف يسير في العبارة. وانظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 439 - 440.]]. قال الأزهري. واتفق أهل اللغة على أن تاء هيهات ليست بأصلية أصلها هاء. قال أبو عمرو بن العلاء: إذا وصلت [هيهات فدع التاء [[في (ع): (الهاء)، وهو خطأ.]] على] [[ما بين المعقوفين كشد في (ظ).]] حالها، وإذا وقفت فقل: هيهاه [["تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 484 (هيهات).]]. ويدل على هذا ما روي [عن سيبويه أنه قالما هي بمنزلة علقاه [[عَلْقَاة: شجرة تدوم خضرتها في القَيْظ، وقضبانها دقاق طوال عَسرٌ رضها، وأورقها لطاف، يتخذ منها المكانس، "لسان العرب" 10/ 264 (علق)، "القاموس المحيط" 3/ 267.]]. يعني في] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]] التأنيث [[روى ذلك عنه الزجاج 4/ 12 وهذا نصه. وانظر: "الكتاب" 3/ 291.]]. وإذا كان كذلك كان الوقف [بالهاء. قالما الفراء: كان الكسائي يختار الوقوف على الهاء] [[ما بين المعقوفين كشط في (ف).]] وأنا أختار [التاء في] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] الوقوف على [هيهات [["معاني القرآن" للفراء 2/ 236 مع تصرف في العبارة.]]. وعنده] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]] أن هذه التاء ليست بهاء تأنيث. وأما [[في (أ): (أما).]] ما ذكره المفسرون في هذا: فقال ابن عباس -في رواية عطاء- في هذه الآية: يعنون أنَّ ذلك لا يكون [[ذكر ابن الجوزي 5/ 472 هذا القول وعزاه المفسرين.]]. وقال الكلبي: يقول بعيدًا بعيدًا ما يعدكم ليوم البعث. وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: هي كلمة بَعُد [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 61 أ، والبغوي 4/ 37 والقرطبي 12/ 122. وقد أخرج الطبري 18/ 20 عن ابن عباس أنه قال: بعيد، بعيد، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 98 وعزاه لابن جبير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].

المؤمنون 23:37

قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ (هي) كناية عن الحياة، ودل عليها قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ كأنهم قالوا: ما الحياة إلا ما نحن فيه لا الحياة الآخرة التي يَعِدُ بعد البعث. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ قال مجاهد: أي نهلك نحن ويبقى أبناؤنا، ويهلك أبناؤنا ويبقى أبناؤهم [[ذكر النحاس في "معاني القرآن" 4/ 458 هذا المعنى، ولم ينسبه لأحد.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" 4/ 53 بنحوه.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 30 ب.]]. وقال آخرون: أي يموت قوم منا ويحيا آخرون [[ذكر الماوردي 4/ 53 هذا القول ونسبه لابن عيسى. وذكره البغوي 2/ 417 ولم ينسبه لأحد. وذكر السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 342 هذا القول واستظهره. وفيه وجه ثالث ذكره النحاس 4/ 458 وهو أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، والمعنى: وما هي إلا حياتنا الدنيا نحيا فيها ونموت كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: 43].]].

المؤمنون 23:38

قوله تعالى: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي في ذكره البعث.

المؤمنون 23:39

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ تقدم تفسيره هاهنا.

المؤمنون 23:40

قوله: ﴿قَلِيلٍ﴾ أي قال الله تعالى للنبي الذي دعاه بالنصرة ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ أي عن قليل من الزمان والوقت. قال ابن عباس: يريد بعد الموت. ويجوز أن يحمل على وقت نزول العذاب بهم في الدنيا لأنهم يندمون عند معاينة العذاب. قوله: ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ هذه اللام لام القسم على معنى: والله ليصبحن نادمين [[انظر: "القرطبي" 12/ 124، "البحر المحيط" 6/ 406، "الدر المصون" 8/ 343.]]. قال الكلبي وغيره: على التكذيب والكفر [[ذكره البغوي 5/ 418 من غير نسبة. وانظر: "الطبري" 18/ 22، والثعلبي 3/ 60 أ.]].

المؤمنون 23:41

قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة واحدة ماتوا عن آخرهم بتصدع قلوبهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 30 ب. والله أعلم بصحة ذلك.]]. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي باستحقاقهم العذاب بكفرهم [[انظر هذا المعنى عند الطبري 18/ 22.]]. وهو معنى قول ابن عباس: يريد حيث كذبوا. يعني: أن العذاب نزل بهم بتكذيبهم. وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ الغثاء: ما جاء به السيل من نبات قد يبس. وقياس جمعه أغثيـ[ـة وأغْثَاء] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]] قال امرؤ القيس: من السَّيْلِ والأغْثَاءِ فَلْكَةُ مِغْزَ [ل [[هذا عجز بيت لامرئ القيس، وهو من معلقته، وصدره: كأن طمية المُجيمر غدوة وهو في "ديوانه" ص 25 لكن فيه (الغُثَّاء) مكان (الأغثاء) شرح القصائد السبع == الطوال لابن الأنباري ص 108، "تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 339 (عرف)، "شرح القصائد" العشر للخطيب التبريزي ص 129، "لسان العرب" 13/ 283 (عرف)، وعندهم جميعًا (الغثاء). وذكر ابن الأنباري في "شرحه" ص 108 أن الفراء رواه: من السيل والأغثاء، قال ابن الأنباري: وهو قليل في جمع المدود. وذكر محقق "ديوان امرئ القيس" ص 375 أن (الأغثاء) وردت في رواية الطوسي والبطليوسي وأبي سهل لديوان امرئ القيس. قال ابن الأنباري ص 108: (المُجَيْمر: أرض لبني قزارة، و (طمية): (حبلٌ في بلادهم. فيقول: قد امتلأ المجيمر، فكأن الجبل في الماء فُلكة مِغْزل لما جمع السيل حوله من الغثاء. أهـ.]]. وكل ما يحمله السيل] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]] على رأس الماء من قصب وحشيـ[ش وعيدان شجر ونحو ذلك فهو غثاء [[انظر: "الصحاح" 6/ 243 - 244 (غثا)، "لسان العرب" 15/ 114 - 115 (غثا).]]. وقال أبو زيد:] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]] غثاء الماء يَغْثُو [وغُثَاء، إذا كثر فيه البَعَرُ والورق والقصب [[قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 176 (غثى).]]. قال المفسرون:] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]] صيرناهم هلكى [[الطبري 18/ 22.]]. قال الكلبي: [يبسوا كما يبس الغثاء من نَبْت الأرض فهمدوا. وقال] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]] مقاتل: جعلناهم كالشيء البالي من نبت [[في (أ): (نبات)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في "تفسير مقاتل".]] الأرض يحمل السيل، شبَّه أجسادهم بالشيء اليابس البالي [["تفسير مقاتل" 2/ 30 ب.]]. وقوله: ﴿فَبُعْدًا﴾ أي بُعدًا لهم من الرحمة، وهي كاللعنة التي هى إبعاد من رحمة الله [[ذكر الماوردي 4/ 54 هذا المعنى وعزاه لابن عيسى.]]. والمعنى على: ألزمهم الله [[لفظ الجلالة زيادة من (ع).]] بُعدًا لهم. وقال مقاتل: فبعدًا في الهلاك [["تفسير مقاتل" 2/ 30 ب.]]. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ [هود: 95] الآية. قوله: ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يعني المكذبين. وقال مقاتل: يعني المشركين [["تفسير مقاتل" 2/ 30 ب.]].

المؤمنون 23:42

قوله: ﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد بني إسرائيل [[ذكره عنه القرطبي 12/ 125، وأبو حيان 6/ 407. وهو محمول -إن صح عن ابن عباس- على التمثل.]]. وقيل: يعني جماعات مثل قوم صالح ولوط وشعيب وسائر الأنبياء [[وهذا القول أظهر، ويدخل فيه الأول.]].

المؤمنون 23:43

﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي أمة [[أمه، الوقت: ساقطان من (ع).]] من هذه القرون. ﴿أَجَلَهَا﴾ الوقت [[نفسه.]] الذي حدد لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [[في (أ): (وما يتأخرون)، وهو خطأ في الآية.]] عن الوقت الذي قدر لهلاكهم. وهذا الآية مما قد [[(قد): زيادة من (ظ)، (ع).]] سبق تفسيره [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: 5]]].

المؤمنون 23:44

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ اختلفوا في تترى، فأكثر القراء على ترك التنوين فيها [[في (ظ): (منها).]] [[قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (تترا) بلا تنوين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو؛ كما سيذكر الواحدي: (تترا) منونة. "السبعة" ص 446، "التبصرة" ص 269، "التيسير" ص 159.]]؛ لأنها فَعْلى من المواترة، وفعلى لا يُنون كالتقوى والدعوى. قال أبو علي: والأقيس أن لا يصرف لأن المصادر تلحق أواخرها ألف التأنث كالدعوى والعدوى والذكرى والشورى [["الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 295. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 435، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 488، "الكشف" لمكي 2/ 129.]]. وقال الفراء: أكثر العرب على ترك التنوين يُنزل بمنزلة تقوى [["معاني القرآن" للفراء 2/ 236.]]. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (تَتْرَا) منونة. وهذا القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن تترى بمنزلة فعلا [[في (ظ)، (ع): (فعلاء).]]، والألف فيه بمنزلتها في رأيت زيدًا وعَمرًا. والآخر: أن تكون الألف للإلحاق نحو أرطى [[في (أ): (رطى) وأرطى: شجر من شجر الرمل. والواحدة: أرطأة. "الصحاح" للجوهري 6/ 2358 (رطا).]] ومعزى. وهذان [[في (أ)، (ع): (والوجهان ...).]] الوجهان ذكرهما الفراء وأبو علي. أما الفراء فإنه يقول: من نون جعل الألف كألف الإعراب [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 236.]]. يعني التي في (زيدًا) و (عمرًا). قال: وإن شئت جعلت [[في "معاني القرآن": جعلت بالياء.]] كأنها أصلية فتكون بمنزلة المعزى، ويكون الوقف [[في (ظ)، (ع): (الوقوف)، أثبت محقق كتابه الفراء: الوقوف وأشار إلى أن في بعض النسخ: الوقف.]] عليها حينئذ بالياء وإشارة إلى الكسر، وإن جعلتها ألف إعراب لم تُشر إلى الكسر، لأنك لا تشير إلى ألفات الإعراب بالكسر، لأنك لا تقول: رأيت زيدًا [[أثبت محقق كتاب الفراء: زيدي ولا عمري. وقال في الحاشية: كتبت الألف فيهما ياء للإمالة كما يكتب الفتى والندى. ورسما في (أ): (وزيدًا وعمرا) وكتب فوق كل منهما. (يقال).]] ولا عَمْرا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 236.]]. وقال أبو علي: من قرأ (تَتْرا) أمكن أن يريد به فعلا [[في "الحجة": فعلى.]] من المواترة فتكون الألف بدلاً من التنوين، وإن [[في (ظ): (ولو)، في (أ)، (ع) و"الحجة": (وإن).]] كان في الخط بالياء كان للإلحاق، والإلحاق في غير المصادر ليس بالقليل نحو: أرطى ومعزى، فإن كان في الخط ياء لزم أن يحمل على فعلى دون فعل [[في "الحجة": فعلا.]]. ومن قال: تترى وأراد به فعلا فحكمه أن يقف بالألف مفخمًا، ولا يميلها إلا في قول من قال: رأيت عنتًا [[في (أ): (عثتًا)، وفي (ظ): (مهملة)، وفي (ع) و"الحجة": (عنتًا).]]، وهذا ليس بالكثير، ولا تحمل عليه القراءة ومن جعل الألف للإلحاق أو التأنيث أمال الألف إذا وقف عليها [["الحجة" لأبي علي 5/ 296.]]. والزجاج وأبو العباس يختاران [[في (أ): (يختار).]] أن تكون الألف في قراءة من قرأ بالتنوين ألف الإعراب. قال أبو العباس: من قرأ (تترى) بغير تنوين فهو مثل شكوى غير منونة، ومن قرأ تترًا [[في "تهذيب اللغة" 14/ 311: تترى.]] مثل شكوت شكوى [[قول أبي العباس في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 311 (تترى) مع تقديم وتأخير.]]. وقال أبو الفتح: من نون جعل ألفها للإلحاق بمنزلة ألف أرطى ومعزى، ومن لم ينون جعل ألفها للتأنيث بمنزلة ألف سكرى وغضبى [["سر صناعة الإعراب" (146 - 147).]]. وعلى القراءتين التاء الأولى بدل من الواو وأصلها: (وترى) و (وترا) [[في (أ): (موتري).]]، فأبدل التاء من الواو كما قالوا: تولج وأصله وولج من ولج. وأنشد أبو إسحاق [[أنشد أبو إسحاق الزجاج هذا الشطر من الرجز في "معاني القرآن" 4/ 14 ومن غير نسبة وهو للعجاج كما في "ديوانه" ص 224، "الكتاب" 4/ 32، "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 311 (تترى)، "لسان العرب" 5/ 290 (وقر).]]: فإن يَكُنْ أمْسَى البِلَى تَيْقُورِي أي: وْيقُوري فَيْعُول من الوقار [[قوله: وعلى القراءتين إلى هنا نقلا عن "معاني" الزجاج 4/ 106 مع اختلاف يسير.]]. والمعنى: إن يكن أمسى الكبر وقاري، أي صوت وقورًا لبلاي وكبري [[قال السيرافي في "شرح أبيات" سيبويه 2/ 423 - 424: يقول: إن كن بلي جسمي وضعف جسمي قد صيراني وقورًا قليل الحركة، يريد أنه صار وقورًا لكبره وبلاه وضعفه، وفي (يكن) ضمير الأمر والشأن، و (البلى) اسم أمسى، و (تيقوري): خبر أمسى. أهـ.]]. فقوله ﴿تترى﴾ فعلى أو فعلا من المواترة. قال الأصمعي: واترت الخبر: أتبعت بعضه بعضًا، وبين الخبرين هُنَيْهة [[قول الأصمعي في "تهذيب اللغة" 14/ 311 (تترى). وأصله عند الزجاج في "معانيه" 4/ 14 لكن فيه: هنيفة.]]. وقال أبو عبيدة: (تترى) بعضها في أثر بعض، يقال: جاءت كتبه تترى [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 95.]]. وقال غيرهما: المواترة: المتابعة. أصل هذا كله من الوِتْر وهو الفرد [[في (أ): (الفر).]]، ومعنى واترت: جعلت كل واحد بعد صاحبه فردًا فردًا. حكاه الزجاح [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 14.]] والأزهري [["تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 311 (تترى).]]. وقال محمد بن سلّام: سألت يونس عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ فقال [[في (أ): (قال).]]: متقطعة [[في (أ)، (ع): (منقطعة)، والمثبت من (ظ) وهو الموافق للتهذيب.]] متفاوتة، وجاءت الخيل تترى [[(تترى): ساقطة من (أ).]] إذا جاءت متقطعة، وكذلك الأنبياء بين كل نبيين دهر طويل [[قول ابن سلام في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 311 (تترى).]]. وقال أبو هريرة: لا بأس بقضاء رمضان تترى [[قول أبي هريرة -رضي الله عنه- في "تهذيب اللغة" 14/ 311 (تترى) بهذا اللفظ. وقد رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 3/ 32 بلفظ: لا بأس بقضاء رمضان متفرقًا. وبنحو رواية أبي شيبة رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 4/ 243، 244، والبيهقي في "سننه" 4/ 258.]]، [أي متقطعًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ع).]]. وكلا المعنيين قريب من السواء؛ لأن أصل [[في (ظ)، (ع): (الأصل).]] المعنى من الإفراد، فإذا جاء الشيء فردًا فردًا [[(فردا) الثانية: ساقطة من (ظ).]] يقال فيه: تترى، سواء اتصل أو انقطع. وفي الآية المراد إرسال الرسل بعضها في إثر بعض غير متصلين كما قال يونس. ونحو هذا ذكر المفسرون في تفسير (تَتْرَا). فقال ابن عباس: يريد بعضها خلف بعض [[روى الطبري 18/ 23 من طريق علي بن أبي طلحة، عنه قال: يتبع بعضها بعضًا. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 99 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال: وفي لفظ قال: بعضهم على أثر بعض.]]. وقال السدي ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.]]: بعضهم في أثر بعض. وقال مجاهد: أتبع بعضها بعضًا [[رواه الطبري 18/ 24، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 99 وعزاه لابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وتترى في القراءتين مصدر أو اسم أقيم مقام الحال؛ لأن المعنى متواترة. قوله: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ قال ابن عباس: فأهلكنا الأول والآخر. والمعنى: أهلكنا الأمم بعضهم [[في (أ): (بعضها).]] في أثر بعض. وقال مقاتل: فأتبعنا بعضهم بعضًا في العقوبات والإهلاك [["تفسر مقاتل" 2/ 31 أ.]]. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد لمن بعدهم من الناس يتحدثون بأمرهم وشأنهم [[ذكره البغوي 5/ 418 من غير نسبة، وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.]]. والأحاديث جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به [[انظر: "حدث" في: "تهذيب اللغة" 4/ 405، "الصحاح" 1/ 278 - 279.]]. والمعنى: أنهم يتحدث بهم على طريق المثل في الشر [[في (أ): (النشر)، وفي (ع): (الشيء)، وهما خطأ.]]، ولا يقال: جعلته [[في (أ): (جعل)، وهي ساقطة من (ظ).]] حديثًا في الخير [[في (أ)، (ظ): (الخبر)، وهو خطأ.]] [[هذا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 59، وعزاه الثعلبي 3/ 61 ب للأخفش، وهو قول الطبري 18/ 24. وانظر: "تاج العروس" للزبيدي 5/ 221 "حدث" فقد نقل عن بعضهم أنها تقال أيضًا في الخير واستشهد لذلك.]].

المؤمنون 23:45

قوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يعني الدلائل التي كانت لها من الجراد والقُمَّل وأخواتهما [[في (أ): (وأخواتها).]]. ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس: وحُجَّة بينة [[ذكره البغوي 5/ 418 من غير نسبة.]]. قال مقاتل: يعني اليد والعصا [["تفسير مقاتل" ل 31 أ.]].

المؤمنون 23:46

قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ قال ابن عباس: عن عبادة الله. وقال الكلبي ومقاتل [["تفسير مقاتل" ل 31 أ.]]: تكبروا [[(تكبروا): ساقطة من (أ).]] عن الإيمان بالله. ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم. وهو معنى قول ابن عباس. علوا [[في (أ): (علا).]] علوًا على بني إسرائيل علوًا كبيرًا. قال المبرد: يقال: علا فلان، إذا ترفع وطغى وتجاوز، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل: 31] أي لا تطغوا ولا تتكبروا [[في (ظ): (وتتكبروا)، بدون (لا).]] علي، ومنه قوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14] يعني استعلاءً بالباطل وبما لا يجب، وهو من تعدى الحق تجبرًا وتكبرًا [[انظر: (علا) في "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 183، "الصحاح" للجوهري 6/ 2435، "لسان العرب" 15/ 83، 85.]]. وقال مقاتل: يعني متكبرين عن توحيد الله [["تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.]].

المؤمنون 23:47

وذكر تفسير هذا العلوّ فيما [[في (أ): (فيها).]] بعد وهو قوله: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أنصدّق إنسانين مثلنا من لحم ودم ليس [[في (ز): (وليس).]] لهما علينا فضل [["تفسير مقاتل" ل 31 أوليس فيه قوله (من لحم ودم).]]. ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ يعني بني إسرائيل. ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ قال ابن عباس: مطيعون [[في (أ): (يطيعون).]] [[ذكره الثعلبي 3/ 61 ب، والبغوي 5/ 419، وابن الجوزي 5/ 475، وذكره الماوردي في النكت 4/ 55 وعزاه لابن عيسى.]]. قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابدًا له، ومن ذلك قيل [[في (ظ)، (ع): (قال).]] لأهل الحيرة [[الحيرة -بكسر لحاء ثم سكون الياء-: مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة. "معجم البلدان" 3/ 376.]]: العباد؛ لأنَّهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 589. والعبارة فيه: وكل من دان لملك هو عابد له، ومنه سمي أهل الحيرة العباد. أمّا ما ذكره الواحدي (العرب تسمي ...) وكذلك زيادة (لأنهم كانوا أهل طاعة ... العجم) فهذه العبارة من قول (والعرب ... العجم) ذكرها الطبري في "تفسيره" 18/ 25 وكذلك الثعلبي 3/ 61 ب. فالواحدي نقلها إمّا من الطبري أو من الثعلبي وهو الأقْرب، ثم نسبها إلى أبي عبيدة. والله أعلم.]]. وقال المبرد: العابد: المطيع والخاضع، ومنه اشتق العبد. ومنه قوله: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: 44] أي: لا تطعه [[في (ظ): (لا تطيعه).]] [[انظر: (عبد) في "تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 234، 236، "الصحاح" للجوهري 2/ 503.]].

المؤمنون 23:49

قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ قال الكلبي ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.]]: يعني التوراة جملة واحدة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لكي يهتدوا به [[(به): ساقطة من (أ).]] من الضلالة. قال مقاتل: يعني بني إسرائيل؛ لأن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون وقومه [["تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.]].

المؤمنون 23:50

وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي دلالة على قدرتنا وعبرة يعتبر بها ويتوصل [[في (ع): (فيتوصل).]] بها إلى العلم بتوحيدنا وقدرتنا. هذا معنى قول المفسرين [[انظر: "الطبري" 18/ 25، والثعلبي 3/ 61 ب.]]. قال أبو إسحاق: لم يقل آيتين لأن المعنى فيها [[في (ظ)، (ع): (لأن المعنى فيهما معنى آية. بزيادة معنى. وليست هذه الزيادة عند الزجاج.]] آية واحدة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 14.]]. وهي ولادة من غير أبْ، فكانت الآية فيها واحدة [[انظر: "الطبري" 18/ 25.]]. قال: ولو قيل آيتين لجاز؛ لأنَّهما قد كان في كل واحد منهما ما لم يكن في ذكر ولا أنثى، من أن مريم ولدت من غير فحل وعيسى كان روحًا من الله ألقاه [[في (أ): (ألقاها).]] إلى مريم ولم يكن هذا في أحد قط [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 14.]]. قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي جعلناهما يأويان إلى ربوة، وهي المكان المرتفع من الأرض [[انظر: "الطبري" 18/ 25، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 14، "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 273 (ربو).]]. وقد مر في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: 265].]]. واختلفوا في هذه الربوة: فقال عبد الله بن سلام: هي دمشق [[رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 193، 194، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 61 ب - 62 أ.]]. وهو قول سعيد بن المسيب [[رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 45، وابن أبي شيبة في مصنفه 12/ 191، والطبري 18/ 26، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 194، 195 وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 101 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم والطبراني.]]، وسعيد بن جبير [[ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" 4/ 56.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.]]، ورواية عكرمة عن ابن عباس [[رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 192، 193 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 101 وقال: بسند صحيح. وزاد نسبته لوكيع والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وتمام الرازي في "فضائل النبوة" بلفظ: أنبئنا أنها دمشق. وذكره النحاس في "معاني القرآن" 4/ 462 من رواية عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: نبئت أنّها دمشق.]]. وقال الحسن والضحاك: هي غُوطَة دمشق [[رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 197 عن الحسن. وذكره الثعلبي 3/ 62 أعن الضحّاك.]]. وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد بيت المقدس [[ذكره عنه من رواية عطاء: البغوي 5/ 419، وابن الجوزي 5/ 476.]]. وهو قول قتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 45، والطبري 18/ 27، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 201، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 100 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد.]]، وكعب وقال: [[في (ظ)، (ع): (قال: وهو أقرب).]] هو أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلًا [[رواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 46، والطبري 18/ 27، والله أعلم بصحة ذكره.]]. وهذا القول يروى أيضًا عن سعيد بن جبير [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر. ولم أره عند ابن جرير.]]، وعكرمة [[لم أجد من ذكره عنه.]]، والحسن [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 476.]]. وروي عن أبي هريرة أنّه قال: هي الرَّمْلة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 46، والطبري (ب 18/ 26)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 251. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وأبي نعيم وابن أبي حاتم. وإسناده ضعيف، لأنَّ بشر بن رافع قال عنه الذهبي في "المغني" 1/ 105: قال أحمد وغيره: ضعيف. وقال ابن حجر في "التقريب" 1/ 99: ضعيف الحديث. وفيه أيضًا أبو عبد الله الدوسي ابن عم أبي هريرة قال الذهبي في "المغني" 2/ 795: لا يعرف. وتعقب الطبري هذا القول بأن الرملة لا ماء بها معين. انظر: الطبري 18/ 27. والرَّملة: مدينة بفلسطين، وكانت قصبتها. "معجم البلدان" لياقوت 4/ 286.]]. وقال السدي عن أصحابه: أنها أرض فلسطين من الشام [[ذكره البغوي 5/ 419 عن السدي. قال الطبري 18/ 27 - بعد حكايته للأقوال في المكان الذي وصفه الله بهذه الصفة-: وأولى الأقوال بتأويل ذنك. أنَّها مكان مرتفع ذو استواء وماء ظاهر. وصَوَّب النحاس في "معاني القرآن" 4/ 463 هذا القول.]] قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ أي مستوية يستقر عليها. قال ابن عباس: هي أرض مستوية مرتفعة منبسطة [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 بنحوه وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال قتادة: ذات ثمار [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 45، والطبري 18/ 28. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن عساكر.]]. ذهب إلى أنّه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها [[هذا قول الطبري. انظر تفسيره 18/ 28.]]. و"قرار": مصدر يراد به موضع قرار كقوله: ﴿مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: 26] وقد مر. قوله: ﴿وَمَعِينٍ﴾ قال ابن عباس -في رواية عكرمة-: يعني أنها دمشق [[رواه ابن عساكر 1/ 192 - 193، وانظر تخريج الأثر عن ابن عباس ص 66 فهذا بقيته.]]. وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: المعين: الماء [[رواه الطبري 18/ 27 من طريق ابن أبي نجيح.]]. وروى جابر [[هو: جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، روى عن مجاهد وآخرين. واختلف فيه فوثقه شعبة والثوري، وضعفه الإمام أحمد وآخرون، وكدّبه بعضهم، وكان يؤمن بالرجعة. قال ابن حجر: ضعيف، رافضي. توفي سنة 127 هـ، وقيل: 128 هـ، وقيل: 132 هـ. انظر: "تهذيب الكمال" للمزي 4/ 456 - 472، "المغني" للذهبي 1/ 126، "تهذيب التهذيب" 2/ 46 - 51 و"تقريب التهذيب" 1/ 123 كلاهما لابن حجر.]]، عنه أنه: الماء البخاري [[ذكره عن مجاهد بهذا اللفظ -السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم. ولم أره عند ابن جرير الطبري.]]، وهو قول مقاتل [[انظر "تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.]]. وروى سفيان، عنه أنه قال: المعين: الماء الظاهر [[في (ظ)، (ع): (الطاهر)، بالمهملة، وهو خطأ لأن المراد أنه ظاهر تراه العيون.]] [[ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 8/ 329 عند قوله: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ == [الملك: 30] رواية عن بن عباس في قوله: "بماء معين" قال: ظاهر. ثم قال السيوطي: وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة مثله.]]. وهذا قول عكرمة، وسعيد [[في (أ): (سعيد وعكرمة). وروى هذا القول عن سعيد: الطبري 18/ 27 وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 198 ووقع فيه: "الظاهر" بالمهملة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.]]، والسدي. واختلفوا في اشتقاق معين: فقال الفَرَّاء: لك [[(لك): ساقطة من (أ).]] أن تجعل المعين مفعولًا من العين [[في (أ): (المعين)، وهو خطأ.]]، وأن تجعله فعيلًا من الماعون، يكون أصله المَعْن، والمعن: الاستقامة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 237.]]. واختار الزَّجَّاج وابن قتيبة القول الأول. واستبعد [[في (أ): (فاستبعد).]] الزَّجَّاج أن يكون فعيلًا من المعن وقال: هذا بعيد؛ لأنَّ المعن في اللغة: الشيء القليل، ومعين: ماء جار من العيون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 15 مع تقديم وتأخير.]]. وقال ابن قتيبة: ﴿وَمَعِينٍ﴾ ظاهر من الماء، وهو مفعول من العين، كأنَّ أصله معيون، كما يقال: ثوبٌ مخيط، وبرٌ مكيل [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 297.]]. واختار أبو علي القول الثاني، وزيف القول الأول، وقال: ليس المعن في اللغة الشيء القليل، ولكنَّه السهل الذي ينقاد ولا يعتاص [[في (ظ)، (ع): (ولا يعتاض)، وهو خطأ. ويعتاص: يصعب استخراجه. انظر: "لسان العرب" 7/ 58 (عوص).]]، ومن هذا يقال: أمعن بحقِّه إذا أقرَّ، ومعنان [[مُعنان بالضمّ: كذا ضبطه الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 4/ 272 (المعن).]] الماء: مسايله ومجاريه. والماعون: ما يسهل على معطيه من غير أن يكرثه، كالكلأ والماء والنار وسمي الزكاة ماعونًا لهذا [["الإغفال" لأبي علي الفارسي 2/ 1135 - 1137، وما نقله الواحدي عن أبي علي من قوله: ومن هذا يقال: أمعن ... ماعونا لهذا. هو في الإغفال منسوبًا لابن الأعرابي من رواية أحمد بن يحيى.]]. وروى أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي: معن الماء يمعن إذا جرى. [وأمعن أيضًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]، وأمعنته أنا، ومياه معنان [[قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" 3/ 16 من رواية ثعلب -أحمد بن يحيى- عنه. ورواه النحاس في "معاني القرآن" 4/ 465 بإسناده عن ابن الأعرابي من طريق أحمد بن يحيى "ثعلب".]]. ومعنان [[(ومعنان): ساقط من (أ).]]: جمع معين، كقضيب وقضبان [[انظر: "لسان العرب" 13/ 410 - 411 "معن".]]. قال [[يعني أبا علي الفارسي.]]: ويدلك على [[في (ظ): (أن).]] أن الميم فيه فاء [وليس من العين [[(من العين): ساقط من (ظ).]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] أن أبا الحسن قال [["العبارة في الإغفال" 2/ 1137: أن أبا الحسن قد حكى في قوله ... وأبو الحسن هو الأخفش، ولم أجد كلامه في معاني القرآن.]]: قد حكي في قوله: ﴿وَمَعِينٍ﴾: معن يمعن معانة. فمعين فعيل من هذا، لا يتجه على غير ذلك. فأما من ذهب فيه [[(فيه): ساقطة من (ظ).]] إلى أنه من العين فما أرى قوله لا بعيدًا من الصواب ممتنعًا، ألا ترى أنه لا يقال: عين الماء إذا رؤى جاريًا من العين، وإنّما يقال: عين، إذا أصيب بعين، وله عندنا وجيه [[في (أ): (وجه).]] ضعيف، وذلك أنَّ أبا زيد حكى أنهم يقولون للجبان: مفؤود، ولا فعل [[في الإغفال 2/ 1138: قال: ولا فعل له.]] له. وحكى أبو زيد أيضًا أنهم يقولون: مُدَرْهَمٌ [[مُدَرْهَم: -بفتح الهاء-: كثير الدوام. "لسان العرب" 12/ 699 "درهم"، "القاموس المحيط" 4/ 111.]] ولم [[في (ع): (ولا).]] يقولوا دُرْهِمَ، فيجوز على قياس هذا الذي حكاه أبو زيد أن يكون معين مفعولاً، وإن لم يقل: عين. والقياس على هذا الشَّاذ النادر لا يراه سيبويه [[انظر: "الكتاب" 2/ 402، 4/ 8.]]، وليس ينبغي أن يؤخذ بهذا لضعفه، مع [[(مع): ساقطة من (ظ).]] فُشوّ [[في (ظ): (فشؤه).]] الأول وكثرته وظهور المعنى الذي وصفناه [[في (أ): (وصفت)، وفي (ظ)، (ع) والإغفال. (وصفاه).]]. ثم ذكر [[يعني أبا علي الفارسي.]] بإسناد له [[في (أ): (بإسناده).]] عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ قال: سائح [["الإغفال" لأبي علي الفارسي 2/ 1137 - 1140 مع تصرف -وأثره سعيد- الذي روه أبو علي في الإغفال رواه الطبري 29/ 23 من طريق سالم، عنه بلفظ: ظاهر.]]. وذكر بعض أصحاب المعاني أن معينًا فعيل من أمعن إذا أسرع. فهو فعيل بمعْنى مفعل [[لم أقف عليه. وانظر: "لسان العرب" 13/ 409 (معن).]].

المؤمنون 23:51

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا﴾ اختلفوا في هذا الخطاب: فذهب قوم إلى أنه خطاب لجميع الرسل، كأنَّه إخبار عمل قيل لهم. وهذا قول الضحاك، ومعنى قول ابن عباس- في رواية عطاء [[ذكر البغوي 5/ 420، والرازي 23/ 104، والقرطبي 12/ 128 هذا القول من غير نسبة لأحد. وهذا القول هو أقرب الأقوال، لأنَّه أوفق للفظ الآية. قاله الرازي 23/ 104 ولدلالة الحديث الذي ساقه الواحدي. وهو نداء خطاب لجميع الرسل باعتبار زمان كل واحد منهم، فدخل فيه محمد -ﷺ- وهو القول الثاني- وعيسى -ﷺ- وهو قول ابن جرير- دخولاً أوّليًّا. وإنَّما ذكر أن الرسل نودوا بذلك ووصُّوا به، ليعتقد السامع أن أمرًا نودي له جميع الرسل ووصُّوا به حقيقٌ أن يؤخذ به ويعمل عليه. قاله الزمخشري 3/ 34.]]. ويدل على هذا حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- "وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172] الحديث [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 328، ومسلم في "صحيحه" كتاب الزكاة - باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها 2/ 703، والترمذي في "جامعه" (كتاب التفسير- باب: ومن سورة البقرة 8/ 333 - 334.]]. وهذا يدل على أن الله تعالى عمَّ المرسلين بهذه الآية. وقال الحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والكلبي [[ذكره الثعلبي 3/ 62 أعنهم سوى الكلبي. وذكره ابن الجوزي 5/ 477 مثل الثعلبي وزاد ابن عباس ثم قال: في آخرين.]]، ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.]]: يعني: محمدًا -ﷺ- وحده. واختاره الفراء، والقتيبي، والزَّجَّاج. قال الفراء: أراد النبيَّ -ﷺ- فجمع كما يقال في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كُفُّوا عنا أذاكم. قال: ومثله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [[آل عمران: 173.]] وهو [[في (أ): (وهم).]] نعيم بن مسعود، كان رجلاً من أشجع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 237. وما ذكره الفراء من أن المراد بالناس في قوله (الذين قال لهم الناس) هو نعيم بن مسعود قول حكاه القرطبي 12/ 279 عن مجاهد وعكرمة ومقاتل والكلبي. وأنَّ أبا سفيان بعد وقعة أحد جعل لنعيم بن مسعود جُعْلا على أنْ يأتي النبي -ﷺ- فيخبره أن قريشًا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها. ثم حكى القرطبي عن جماعة من أهل العلم: أن المراد بالناس: ركب عبد القيس، مرُّوا بأبي سفيان فدَسَّهم إلى المسلمين ليثبطوهم. وقيل: الناس هنا: المنافقون. وقيل: هم ناس من هذيل سألهم أصحاب رسول الله -ﷺ- عن أبي سفيان فقالوا: "قد جمعوا لكم". قال القرطبي 12/ 280: فالناس على هذه الأقوال على بابه من الجمع. وقد صوَّب ابن عطية 3/ 298 - 299 القول بأن الناس هم ركب عبد القيس. وعزاه للجمهور. وضعف القول بأن لفظة "الناس" تطلق على رجل واحدإن هذه الآية، ووصف القول بأن الناس هو نعيم بن مسعود بالشذوذ. وانظر: الطبري 7/ 405 - 413، وابن كثير 1/ 428 - 430.]]. وقال الزَّجَّاج: إنّما خوطب بهذا رسول الله -ﷺ-، قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾، وتضمن هذا الخطاب أن الرسل جميعًا كذا أمروا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 15.]]. وقال ابن قتيبة: خوطب به النبي -ﷺ- وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد مخاطبة الجميع [["غريب القرآن" لابن قتيبة 3/ 297.]]. وذهب أخرون إلى أن هذا إخبار عما قيل لعيسى -عليه السلام- وهذا الخطاب له [[هذا قول الطبري 18/ 28، والثعلبي 3/ 62 أ.]]. واختار محمد بن جرير هذا القول، واحتج بحديث أبي إسحاق السبيعي [[هو: عمرو بن عبد الله، الهمداني، السبيعي، الكوفي، أبو إسحاق. شيخ الكوفة، وعلامها، ومحدثها. كان من العلماء العاملي، وقال علي بن المدينة: حفظ العلم على هذه الأمة ستة: ذكر منهم أبا إسحاق. قال الذهبي ثقة، حجة بلا نزاع، كبر وتغير حفظه تغير السن ولم يختلط. وقال ابن حجر: ثقة، عابد، اختلط بآخرة. توفي سنة 127 هـ، وقيل: 128 هـ. "طبقات ابن سعد" 9/ 313، "سير أعلام النبلاء" 5/ 392، "غاية النهاية" 1/ 602، "تهذيب التهذيب" 8/ 63، "تقريب التهذيب" 2/ 73، "طبقات الحفاظ" للسيوطي ص 43.]]، عن عمرو [[في (أ): (عمرة)، وهو نصحيف.]] بن شرحبيل في هذه الآية قال: كان عيسى يأكل من غزل أمّه [[رواه الطبري في "تفسيره" 18/ 28 عن عمرو، به. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقد تعقَّب ابن عطية في "المحرر" 10/ 365 هذه الرواية بقوله: والمشهور أنه كان يأكل من بقل البرية.]]. وروي هذا القول مرفوعًا أن النبي -ﷺ- قال في هذه الآية: "ذاك عيسى ابن مريم كان يأكل من غزل أمه" [[رواه عبدان في الصحابة كما في "الدر المنثور" 6/ 102 عن حفص بن أبي جبلة مرفوعًا. ثم قال السيوطي: مرسل، حفصٌ تابعي.]]. قوله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال الضحّاك: أمرهم أن لا يأكلوا إلا حلالاً طيبًا [[(طيبا): ساقطة من (ظ).]]، كلهم أمرهم بذلك [[رواه عنه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 157 أ) دون قوله: كلهم أمرهم بذلك.]]. والمعنى: كلوا من الحلال. قاله ابن عباس. قال الزَّخَّاج: وكل مأكول حلال مستطاب [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 15 وتتمته: فهو داخل في هذا.]]. ويقول قوم: إذا قلنا إنَّ هذا خطاب لمحمد -ﷺ- فالمراد بالطيبات الغنائم وأنها ما أحلت إلا لرسول الله -ﷺ- [[لم أجده.]]. قال الزَّجَّاج: وأطيب الطيبات الغنائم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 15.]]. ومضى الكلام في الطيبات عند قوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [[البقرة: 57، 172.]]. قوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ أي اعملوا [[(اعملوا): ساقطة من (أ).]] بما أمركم الله به، وأطيعوه في أمره ونهيه. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليَّ شيء من أعمالكم.

المؤمنون 23:52

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ في "إنَّ" ثلاثة أوجه من القراءة: أحدها: فتح الألف مع تشديد النّون [[في (أ): (مع التشديد للنّون).]] [[أي: "وأنَّ هذه". وبها قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو. "السبعة" ص 446، "المبسوط" لابن مهران ص 262، "التبصرة" ص 270، "التيسير" ص 159.]]. قال الفراء: الفتح على قوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وبأن هذه [[عند الفراء: وعليم بأن هذه.]] أمتكم، فموضعها خفض لأنها مردودة على (ما). قال: وإن شئت كان منصوبًا بفعل مُضْمرَ كأنك قلت: واعلمْ هذا. هذا [[(هذا): الثانية ساقطة من (ظ).]] كلامه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 237.]]. والوجه في هذه القراءة ما ذكره أبو إسحاق وشرحه [[في (أ): (شرحه)، بدون واو.]] أبو علي. قال أبو إسحاق -في قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ -: أي فاتقون لهذا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 15.]]. قال أبو علي: المعنى في هذه القراءة في قول الخليل وسيبويه [["الكتاب" 3/ 126 - 127.]] أنّه محمول على الجار، التقدير: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. أي اتقون [[في "الحجة": اعبدوني.]] لهذا. ومثل ذلك عندهم قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18] أي لأن المساجد لله لا تدعوا معه غيره. وكذلك عندهما قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: 1] [كأنَّه فليعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلاف قريش] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]، أي: ليقابلوا هذه النّعمة بالعبادة للمنعم عليهم بها [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 297. ويتحصل في نقل الواحدي عن الفراء والزجاج وأبي علي أن في قراءة من قرأ "أنَّ هذه" ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّها على حذف اللام، أي: ولأنّ هذه، وهذه اللام تتعلق بـ"اتقون". الثاني: أنها معطوفة على ما قبلها وهو قوله "بما تعملون" أي: إني عليم بما تعملون وبأنَّ هذه. الثالث: أن في الكلام حذفًا، تقديره واعلموا أنَّ هذه أمتكم. "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 488، "الكشف" لمكي 4/ 129، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 2/ 150، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 349.]]. الوجه الثاني من القراءة: فتح الألف مع تخفيف "أن" [[أي: "وأنْ هذه" بفتح الألف وسكون النون، وهي قراءة ابن عامر. "السبعة" ص 446، "المبسوط" لابن مهران ص 262، "التبصرة" ص 270، "التيسير" ص 159.]]. ومعنى هذه القراءة على تقدير الأولى. ألا ترى أنّ "أنَّ" إذا خُفِّفت اقتضت ما يتعلق به [[في (ظ)، (ع): (بها)، والمثبت من (أ) و"الحجة".]] اقتضائها وهي غير مخفّفة [[هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 297. وانظرت "علل القراءات" للأزهري 2/ 436، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 129.]]. قال أبو علي: والتخفيف حسن في هذا؛ لأنَّه لا فعل بعدها ولا شيء مما يلي [[في "الحجة": ما لا يلي.]] أن، وإذا كان كذلك كان تخفيفها حسنًا، ولو [[في (ظ): (وإن).]] كان بعدها فعل لم يحسن حتى تُعوّض السّين أو سوف أو (لا) إذا كان في نفي. فإذا لم يكن فعل بعدها [[(بعدها): ساقطة من (أ).]] ساغ التخفيف، ومثله قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10] [["الحجة" للفارسي 5/ 297. وانظر: "أوضح المسالك" لابن هشام 2/ 265.]]. الوجه الثالث: كسر الألف مع التشديد [[أي: "وأنَّ هذه"، وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي. "السبعة" ص 446، "المبسوط" لابن مهران 262، "التَّبصرة" ص 270، "التيسير" ص 159.]]، على الاستئناف [["الحجة للفارسي" 5/ 297. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 436، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 488.]]. ومعنى الآية: أنتم أهل دعوة واحدة ونصرة؛ فلا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا [[هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 297 بنصِّه.]]. قال مقاتل: يقول: هذه ملتكم التي أنتم عليها يعني ملة الإسلام ملة واحدة. عليها كانت الأنبياء والمؤمنون الذين نجوا من العذاب الذين ذكرهم الله في هذه السورة [["تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.]]. ومضى الكلام في تفسير هذه الآية في سورة الأنبياء [آية: 92]. وأعلم الله [[في (ظ): (والله أعلم).]] أن قومًا جعلوا دينهم أديانًا فقال [[من قوله: وأعلم الله إلى هنا. هذا قول الزجاج في "معانيه" 4/ 15.]]:

المؤمنون 23:53

﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ قال مجاهد: هؤلاء أهل الكتاب [[رواه الطبري 18/ 30.]]. وقال الكلبي: يعني مشركي العرب واليهود [[في (ظ): (اليهود).]]، والنصارى تفرّقوا أهواءً وأحزابًا [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 478، والرازي 23/ 105.]]. والكلام في هذا قد سبق في نظيرتها [[في (ظ): (نظيرها).]] في سورة الأنبياء [آية: 93]. قوله: ﴿زُبُرًا﴾ قال مجاهد وقتادة: كتبًا [[رواه عن مجاهد الطبري في "تفسيره" 18/ 30، وذكره السيوي في "الدر المنثور" 6/ 103 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم. ورواه عن قتادة: عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 46، والطبري 18/ 29، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 103 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.]]. قال أبو إسحاق: وتأويله جعلوا دينهم كتبًا مختلفة جمع زبور [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 16.]]. وهي كتب أحدثوها- يحتجون فيها لمذاهبهم [[هذا كلام الطبري 18/ 30، والثعلبي 2/ 62 أ.]]. وقرئ (زبرًا) بفتح الباء [[وهي قراءة الأعمش وأبي عمرو في رواية. انظر: "الشواذ" لابن خالويه ص 99، "البحر المحيط" 6/ 338، القرطبي 12/ 130.]]. ومعناه: قطعًا. جمع زُبْرة كقوله: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: 96] [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 238 و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 46.]]. قال ابن عباس: يريد فِرقًا [[ذكره البغوي 5/ 42 ولم ينسبه لأحد.]]. وقال السدي ومقاتل: قِطعًا فرقًا، فصاروا أديانًا: يهودًا ونصارى وصابئين ومجوسًا وأصنافًا شتى كثيرة [[ذكر الماوردي 4/ 57 أوَّله عن السدّي. وقول مقاتل في "تفسيره" 2/ 31 أ.]]. وقال الفراء: المعنى في زُبُر وزُبَر واحد [["معاني القرآن" للفراء 2/ 238.]]. يعني أن الزُبْرة بمعنى القطعة تجمع على زُبُر وزُبَر، وعلى هذا ليس للكتب في الآية معنى، ويدل على هذا أنّ الذين قالوا من المفسرين في الآية فرقًا وقطعًا لم يقولوه في قراءة من قرأ بفتح الباء، وإنَّما فسروه على قراءة العوام. وقد قال المبرد: ﴿زُبَرًا﴾ أي فرقًا مختلفة وأحدها زَبُور. والزُّبَر واحدها زُبْرة وهي القطعة [[لم أجده.]]. وعلى هذا الزبور الفرقة والطائفة. وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بما عندهم من خلاف النبي -ﷺ- مسرورون. وقال مقاتل: يقول: كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون [["تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.]]. ومضى الكلام في الفرح عند قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 170]. وقال الفراء: يقول معجبون بدينهم يرون أنهم على الحق [["معاني القرآن" للفراء 2/ 238.]].

المؤمنون 23:54

قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة، يقول: خل عنهم في غفلتهم [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]]. وقال ابن عباس: يريد في ضلالتهم [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 62 أ.]]. وهو قول قتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 46.]]. وقال ابن زيد: عماهم [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 62 أ.]]. وقال الفراء: في جهالتهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 238.]]. وقال الزَّجَّاج: في عمايتهم وحيرتهم [["معاني القرآن" اللزجاج 4/ 16. قال الشنقيطي في أضواء "البيان" 5/ 795: وأقوال أهل العلم في معنى غمرتهم راجع إلى شيء واحد .. وهو أنَّه أمره أن يتركهم فيما هم فيه من الكفر والضلال والغي والمعاصي.]]. ومعنى الغمرة في اللغة: هي ما يغمرك ويعلوك ويغطي عليك. يقال: ما أشد غمرة هذا النهر، أي: يغطي على من دخله [[انظر: (غمر) في "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 128 - 129، "الصحاح" للجوهري 2/ 772، "لسان العرب" 5/ 29.]]. ثم الجهالة والضلالة والحيرة مما يغطي على قلب الإنسان وعقله، فيقال لها: غمرة. وذكرنا [[في (أ): (ذكرنا).]] الكلام فيها عند قوله: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: 93]. وقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ قال ابن عباس: يريد نزول العذاب بالسيف أو بالموت [[ذكره الرازي 23/ 105 بمعناه من غير نسبة.]].

المؤمنون 23:55

قوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ قال الفراء: (ما) في موضع الذي، وليست بحرف واحد: يقول: أيحسبون أنَّ ما نعطيهم في هذه الدنيا من الأموال والبنين أنّا جعلناه لهم ثوابًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 238.]]. وقال الزجاج: تأويل الآية: أيحسبون أنّ إمداد الله لهم بالمال والبنين مجازاة لهم؟ وإنَّما هو استدراج لهم من الله -وهو معنى قوله: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ [[قوله: وهو معنى قوله "بل لا يشعرون" مدرجة من كلام الواحدي وليست من كلام الزجاج.]] - و (ما) في معنى الذي، المعنى: أيحسبون أنّ الذي غرهم به [[(به): ساقطة من (ظ).]] من مال وبنين نسارع [[عند الزجاج: نسارع لهم به.]] لهم في الخيرات [["معاني القرآن" للزجَّاج 4/ 16، وفي "ما" وجهان آخران: أحدهما: أن تكون مصدرية، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةٌ منا لهم في الخيرات. الثاني: أنَّها مهيئة كافَّة. وبه قال الكسائي، وحينئذ يجوز الوقف على "زبنين". انظر: "القرطبي" 12/ 131، "البحر المحيط" 6/ 409، "الدر المصون" 8/ 351.]]. ومثل هذا ذكر صاحب النظم فقال: انتظام الآيتين بإضمار الباء على تأويل: نسارع لهم به في الخيرات [[مراد صاحب النظم أن "ما" بمعنى الذي وهي اسم "أنّ"، وصلتها ما بعدها، وخبر "أنَّ" هو الجملة من قوله "نسارع لهم في الخيرات" والرابط لهذه الجملة ضمير محذوف لفهم المعنى تقديره: نسارع لهم في الخيرات. قال أبو حيان وحسَّن حذفه استطالة الكلام مع أمْن اللَّبس. وقيل: الرابط بين هذه الجملة واسم "أنَّ" هو الظاهر الذي قام مقام الضمير من قوله "من الخيرات" إذْ الأصل: نسارع لهم فيه، ثم أظهْر فأوقع "الخيرات" موقعه تعظيمًا وتنبيها على كونه من الخيرات، ولا حذف على هذا التقْدير. انظر: "القرطبي" 12/ 130، "البحر المحيط" 6/ 409، "الدر المصون" 8/ 351.]] كما قال -عز وجل-: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [[النحل: 50، التحريم: 6.]] [أي: يؤمرون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] به وكما [[في (أ): (فكما).]] قال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: 60] بالله غيره. قال ابن قتيبة: ﴿نُسَارِعُ﴾ بمعنى [[(بمعنى): ساقطة من (ظ).]]: نُسرع [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 298.]]. والمعنى: [أيحسبون أنَّا تقدم لهم ثواب أعمالهم لرضانا عنهم. وقال ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]]: أيحسبون أن الذي بسطت لهم في الرزق فأغنيتهم وأكثرت أموالهم [[(أموالهم): ساقطة من (أ، ظ)، وفيهما: وأكثرت أولادهم.]] وأولادهم إن ذلك خير لهم بل هو شر لهم ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ لا يعلمون غيبي [[في (أ): (غبني).]]. وقال مقاتل: يقول: لا يشعرون أن الذي أعطاهم من المال والبنين هو شر لهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178] [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]].

المؤمنون 23:56

قوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ قال الفراء: (ما) في موضع الذي، وليست بحرف واحد: يقول: أيحسبون أنَّ ما نعطيهم في هذه الدنيا من الأموال والبنين أنّا جعلناه لهم ثوابًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 238.]]. وقال الزجاج: تأويل الآية: أيحسبون أنّ إمداد الله لهم بالمال والبنين مجازاة لهم؟ وإنَّما هو استدراج لهم من الله -وهو معنى قوله: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ [[قوله: وهو معنى قوله "بل لا يشعرون" مدرجة من كلام الواحدي وليست من كلام الزجاج.]] - و (ما) في معنى الذي، المعنى: أيحسبون أنّ الذي غرهم به [[(به): ساقطة من (ظ).]] من مال وبنين نسارع [[عند الزجاج: نسارع لهم به.]] لهم في الخيرات [["معاني القرآن" للزجَّاج 4/ 16، وفي "ما" وجهان آخران: أحدهما: أن تكون مصدرية، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةٌ منا لهم في الخيرات. الثاني: أنَّها مهيئة كافَّة. وبه قال الكسائي، وحينئذ يجوز الوقف على "زبنين". انظر: "القرطبي" 12/ 131، "البحر المحيط" 6/ 409، "الدر المصون" 8/ 351.]]. ومثل هذا ذكر صاحب النظم فقال: انتظام الآيتين بإضمار الباء على تأويل: نسارع لهم به في الخيرات [[مراد صاحب النظم أن "ما" بمعنى الذي وهي اسم "أنّ"، وصلتها ما بعدها، وخبر "أنَّ" هو الجملة من قوله "نسارع لهم في الخيرات" والرابط لهذه الجملة ضمير محذوف لفهم المعنى تقديره: نسارع لهم في الخيرات. قال أبو حيان وحسَّن حذفه استطالة الكلام مع أمْن اللَّبس. وقيل: الرابط بين هذه الجملة واسم "أنَّ" هو الظاهر الذي قام مقام الضمير من قوله "من الخيرات" إذْ الأصل: نسارع لهم فيه، ثم أظهْر فأوقع "الخيرات" موقعه تعظيمًا وتنبيها على كونه من الخيرات، ولا حذف على هذا التقْدير. انظر: "القرطبي" 12/ 130، "البحر المحيط" 6/ 409، "الدر المصون" 8/ 351.]] كما قال -عز وجل-: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [[النحل: 50، التحريم: 6.]] [أي: يؤمرون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] به وكما [[في (أ): (فكما).]] قال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: 60] بالله غيره. قال ابن قتيبة: ﴿نُسَارِعُ﴾ بمعنى [[(بمعنى): ساقطة من (ظ).]]: نُسرع [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 298.]]. والمعنى: [أيحسبون أنَّا تقدم لهم ثواب أعمالهم لرضانا عنهم. وقال ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]]: أيحسبون أن الذي بسطت لهم في الرزق فأغنيتهم وأكثرت أموالهم [[(أموالهم): ساقطة من (أ، ظ)، وفيهما: وأكثرت أولادهم.]] وأولادهم إن ذلك خير لهم بل هو شر لهم ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ لا يعلمون غيبي [[في (أ): (غبني).]]. وقال مقاتل: يقول: لا يشعرون أن الذي أعطاهم من المال والبنين هو شر لهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178] [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]].

المؤمنون 23:57

ثم ذكر المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ الخشية من الله خشيته [[في (أ): (خشية).]] من عذابه [[في (ظ)، (ع): (عقابه).]] وسخطه. والإشفاق: الخوف، يقول: أشا مشفق [[في (ع): (مشفوق)، وفي (ظ): (مشفقون).]] من هذا الأمر. أي: خائف [[في (ظ): (خائفون).]] [[هذا القول في "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 332 "شفق" منسوبًا إلى الليث. وانظر: "لسان العرب" 10/ 179 - 180 "شفق".]]. قال ابن عباس: يريد أشفقوا [[في (أ): (شفقوا).]] من [[(من): ساقطة من (أ)، (ع).]] عذابي، ولم يأمنوا مكري. وقال الكلبي: خائفون من عذابنا [[ذكره عنه الرازي 23/ 106، وأبو حيان 6/ 410.]]. وهذه صفة أهل طاعته في الدنيا. وقال مقاتل: مشفقون من عذابه [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]]. هذا قول المفسرين، وقد ذكروا ما يشفقون منه وهو العذاب، وحذف ذكره للإحاطة به والمعنى: والذين هم لما هم عليه من خشية الله مشفقون من عذابه [[في (ظ)، (ع): (عقابه).]]. ولا يصح نظم الآية إلا بإضمار ما أشفقوا منه؛ لأنّه لا يقال: خشي من خشية الله إلا بإضمار مفعول لخشي. فإن جعلت من خشية الله مفعول خشي لم يحسن، لأنَّه لا يُخشى من الخشية، كذلك هؤلاء لم يشفقوا من الخشية إنما أشفقوا من العذاب لما انطووا عليه من خشية الله وحذر عذابه.

المؤمنون 23:58

قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يصدقون بالقرآن أنه من عند الله [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]].

المؤمنون 23:59

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ الأوثان في العبادة، ولا يعبدون معه غيره، لكنهم يوحدون ربهم. قاله الكلبي ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]]. وقال أهل المعاني: هذا بيان بأن [[في (أ)، (ع): (أن).]] خصال الإيمان لا تصلح إلا بترك الإشراك، وليس [[في (أ)، (ع): (ليس).]] على ما يقوله أهل الجاهلية: إنا مؤمنون بالله، وهم يعبدون معه غيره [[ذكر هذا المعنى الطوسي في "التبيان" 7/ 334 ولم ينسبه لأحد.]].

المؤمنون 23:60

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد يعملون الأعمال الصالحة ويتصدقون [[في (أ): (ويصدّقون).]] بالصدقة الكثيرة وقلوبهم خائفة من الله -عز وجل- أن لا يقبل ذلك منهم [[روى الطبري 18/ 33 عن ابن عباس قال: يعملون خائفين.]]. وقال الكلبي: قلوبهم خائفة ألا تقبل منهم. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من البر والعمل الصالح [[في (ظ): (من العمل الصالح. سقط فيها البر).]] وقلوبهم وجلة أيتقبل منهم أم لا [[روى وكيع في "الزهد" 1/ 390، وأحمد في "الزهد" ص 286، والطبري 18/ 32 عن الحسن الشطر الأول مه، ولفظ باقيه عندهم: وهم مشفقون -وعند الطبري: يخافون- أن لا ينجيهم ذلك من عذاب ربَّهم.]]؟. وقال مجاهد في هذه الآية: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل [[رواه الطبري 18/ 32، وذكره السيوطي في الدر المنثور" 6/ 106، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.]]. وقال قتادة والسدي: يُعطون ما أعطوا ويعملون ما عملوا من خير وقلوبهم خائفة من الله [[رواه عن قتادة: عبد الرزاق في تفسيره 2/ 46، والطبري 18/ 33، وذكره السيوطي في الدر المنثور 6/ 106 وزاد نسبته لعبد بن حميد. ولم أجد من ذكره عن السدي.]]. وهذا المعنى الذي ذكره المفسرون هو ما ذكره النبي -ﷺ- في حديث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق [[(ويسرق): ساقطة من (ظ)، (ع).]]؟ قال: "لا كما ابنة الصديق! ولكنّه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 159، والترمذي في (كتاب التفسير -ومن سورة المؤمنين 9/ 9، 20، وابن ماجه في أبواب الزهد- باب التوقي على العمل 2/ 425، والطبري في "تفسيره" 18/ 34، والحاكم في "مستدركه" 2/ 393 - 394، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 421. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 105 وعزاه لمن تقدم سوى البغوي، وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين. وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان. والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 1/ 95 - 97.]]. وكانت عائشة تقرأ: (يأتون ما أتوا) [[بفتح الياء، وألف بعدها، و"ما أتوا" مقصور. انظر: "الشواذ" لابن خالويه ص 98، "المحتسب" لابن جني 2/ 895، "تعليل القراءات الشواذ" للعكبري ص 275.]] أي يعملون ما عملوا. يقال: فلان يأتي العمل الصالح ويأتي العمل الخبيث، ولهذا [[في (ظ): (وهذا).]] ذهب وَهْمُها [[وهمها: أي ظنها. انظر: "الصحاح" للجوهري 5/ 2054 (وهم).]] إلى أنّه الذي يزني ويشرب [[ويشرب: ساقط من (أ).]] ويسرق. وسألها عبيد بن عيير عن قراءتها فقالت: أشهد لكذلك [[في (أ): (كذلك).]] كان رسول الله يقرؤها، وكذلك أنزلت [[رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 157 أ)، والإمام أحمد في مسنده 6/ 95، 144. والبخاري في كتابه "الكنى" ص 28. قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 248: فيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. قال ابن كثير 3/ 248: والمعنى على القراءة الأولى -يعني يؤتون- وهي قراءة السبعة وغيرهم أظهر، لأنَّه قال "أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون" فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى -يعني: يأتون ما أتوا- لأوشك أن لا يكونوا من السابقين بل من المقتصدين أو المقصرين. والله أعلم. اهـ.]]. والقراء اليوم مجمعون على ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾. قال ابن عمر: يؤدون الزكاة [[رواه الطبري 18/ 32 من رواية ابن أبجر، عن ابن عمر. وفي سنده جهالة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 106 وزاد نسبته للفريابي. وذكر ابن عطية 10/ 370 عن ابن عباس وابن جبير أنهما قالا: هو عام في جميع أنواع البرّ. ثم قال ابن عطية: وهذا حسن، كأنَّه قال: والذين يعطون من أنفسهم في طاعه الله ما بلغه جهدهم.]]. وإنّما خَصَّ إيتاء الزكاة من بين الطاعات؛ لأن من أدّى الزكاة وأطاع الله فيها فهو في غيرها أطوع، وكأنَّ إيتاء الزكاة عبارة عن الأعمال الصالحة، إذْ هو الأفضل والأشق على النفس. قال الحسن في هذه الآية: المؤمن جمع إحْسانًا وشفقة [[رواه الطبري 18/ 32. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 105 وزاد نسبته لابن أبي حاتم.]]. فأما نظم الآية فقد ذكر الفراء وجهًا، وذكر الزَّجَّاج وجها آخر، وجمعها صاحب النظم وشرحهما. قال الفراء: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أنّهم [[عند الفراء: وجلةٌ من أنّهم.]] من أنَّهم فإذا ألقيت (مِنْ) نصبت [["معاني القرآن" للفراء 2/ 238.]]. وقال الزَّجَّاج: قلوبهم خائفة؛ لأنهم إلى ربهم راجعون، أي لأنهم يوقنون بأنّهم يرجعون إلى الله يخافون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 17.]]. وقال صاحب النظم: في هذه الآية قولان: أحدهما: أن يكون قوله: ﴿وَجِلَةٌ﴾ واقعًا على قوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ وهو على تأويل: خائفون [[في (أ)، (ع): (خائفة).]] رجوعهم. أي يخافون رجوعهم إلى ربِّهم. [فيكون الخوف منهم واقعًا على البعث والحساب وما يكون فيهما. وهذا معنى قول الفراء. والقول الآخر: أن يكون الخوف واقعًا على مضمر، وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ سببًا له على تأويل: وقلوبهم وجلةٌ أنَّها لا تقبل منهم لعلمهم أنهم إلى ربهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] راجعون. والخوف واقع [[في (أ): (واقع عليه على أنّه) بزيادة عليه.]] على أنه لا يقبل منهم نفقاتهم. وقوله [[في (أ): (قوله) سقطت الواو.]] ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ سببٌ لهذا الخوف [[والمعنى على هذا: سبب الوجل الرجوع إلى ربهم. انظر: "الدر المصون" 8/ 353.]]. وهذا معنى قول أبي إسحاق وأكثر المفسرين لأنهم جعلوا الخوف واقعا على أن لا يقبل [[في (ظ)، (ع): (يتقبّل).]] منهم [[انظر: "الطبري" 18/ 32، القرطبي 12/ 132.]].

المؤمنون 23:61

وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ يبادرون في الأعمال الصالحة التي ذكر الله لهم قبل هذه الآية. قال الزَّجَّاج: يقال: أسرعت وسارعت في معنى واحد إلا أن سارعت أبلغ من أسرعت [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 17. قال السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 353 - مبينا قول الزجاج-: يعني من حيث إنّ المفاعلة تدل على قوة الفعل لأجل المغالبة.]]. وهذا كقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: 90] وقد مرّ. وقوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ قال أبو إسحاق: فيه وجهان: أحدهما: هم إليها سابقون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 17.]]. وهذا قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 238.]]، ومعنى قول ابن عباس: ينافسون فيها أمثالهم من أهل البر والتقوى [[ذكره عنه الماوردي 4/ 59، والبغوي 5/ 422.]]. وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. وعلى هذا المعنى: هم إلى الخيرات سابقون غيرهم لإسراعهم فيها ومبادرتهم إليها. والوجه الآخر: هم من أجلها، أي من أجل اكتسابها، كما تقول: أنا أكوم فلانا لك، أي: من أجلك [[في (ظ): (لأجلك).]] [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 17.]]. والمعنى على هذا القول: وهم لأجل الخيرات سابقون غيرهم، أي إنما يسبقون غيرهم لأجل اكتسابها. وذكر صاحب النظم على هذا الوجه معنى آخر لقوله: ﴿سَابِقُونَ﴾ فقال: تأويل الآية: وهم من أجلها، أي: من أجل مسارعتهم في الخيرات سابقون يوم القيامة إلى الجنَّة يسبقون [[في (ظ)، (ع): (أي يسبقون).]] غيرهم ممن لا يسارع في الخيرات [[ذكر مكي في "الهداية إلى بلوغ النهاية" 3/ 116 هذا القول ولم ينسبه لأحد. وانظر: "الكشاف" 3/ 35، "الدر المصون" 8/ 354.]]. وعلى هذا، الكناية في لها تعود [إلى المسارعة ودل عليها قوله: ﴿يُسَارِعُونَ﴾، وعلى ما قال أبو إسحاق يعود] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] إلى الخيرات [[قال الطبري 18/ 34 - بعد أن ذكر أن بعضهم تأوّل ذلك بمعنى: وهم إليها سابقون، وبعضهم بمعنى: وهم من أجلها سابقون-: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب القول الذي قاله ابن عباس من أنَّه سبقت لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم في الخيرات، ولما سبق لهم من ذلك سارعوا فيها. قال: وإنَّما قلت ذلك أولى التأويلين بالكلام؛ لأنَّ ذلك أظهر معنييه، وأنَّه لا حاجة بنا إذا وجهنا == تأويل الكلام إلى ذلك إلى تحويل اللام التي في قوله "وهم لها" إلى غير معناها الأغلب عليها. اهـ. وقول ابن عباس الذي أشار إليه رواه هو في "تفسيره" 18/ 34 وابن أبي حاتم (كما في "تغليق التعليق" لابن حجر 5/ 190، ورواه البخاري في صحيحه (كتاب القدر- باب حق القلم على علم الله 11/ 491) معلقا. قال ابن حجر في "الفتح" 11/ 492: ويجمع بين تفسير ابن عباس وظاهر الآية أن السعادة سابقة وأن أهلها سبقوا إليها، لا أنهم سبقوها.]].

المؤمنون 23:62

قوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قال الكلبي: إلا طاقتها من العمل فمن لم يستطع أن يصلي قائمًا فليصل جالسًا [[في (ظ): (قاعدًا).]] [[ذكر البغوي 5/ 422 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.]]. وهذا مما سبق الكلام فيه في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].]]. ولا تعلق للقدرية بهذه الآية إن احتجوا بها علينا في تكليف الكافر الإيمان مع إرادة الله كفره، لأنّ الآية تحمل على ما [[في (أ): (عليها).]] لا يتوهم وجوده في المعقول مثل تكليف الأعمى أن ينظر والزَّمِن أن يمشي. فأمّا إيمان الكافر فذلك جائز في الموهوم أن يكون منه والإرادة مغيبة عنا وعنه. ثم يلزمهم مثل هذا في العلم وذلك أنّ كلّ من سبقت الإرادة له بالكفر فقد سبق العلم بأنه يموت كافرا والعلم لا يتبدل والمعلوم لا يتغير. فإن لزمنا على الإرادة تكليف ما لا يطاق لزم القدرية على العلم تكليف ما لا يطاق. وقوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد اللوح المحفوظ [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب. وفي الكتاب. هنا- قول آخر حكاه الثعلبي 3/ 62 ب وهو أنه كتاب إحصاء الأعمال الذي تكتبه الحفظة. واستظهر هذا القول ابن عطية 10/ 376، والقرطبي 12/ 134. وقال عنه الشنقيطي في "أضواء البيان" 5/ 796 إنّه الحق. واستدل له بقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29].]] وفيه مكتوب كل شيء سبق في علم الله. ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ يبين بالصدق [[الطبري 18/ 35.]]. والنطق مستعارٌ للكتاب يراد به التبيين. ومعنى الآية: أنا لا نكلّف نفسًا إلا ما أطاقت من العمل، ونعلم إيش يعمل [[في (أ): (استعمل).]]؛ لأنا قد أثبتنا عمله في اللوح المحفوظ، فهو ينطق به ويبينه. قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثقال ذرَّة [[ذكر ابن الجوزي 5/ 481 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.]].

المؤمنون 23:63

قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال مقاتل: يعني الكفار ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ في غفلة [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]]. وقال الكلبي: في جهالة [[ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" 4/ 58 عند قوله "في غمرتهم حتى حين".]]. وقد مَرَّ قبيل [[عند قوله تعالى ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾.]]. وقوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال مجاهد: يعني القرآن [[رواه الطبري 18/ 35، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 106 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.]]. وهو قول مقاتل يقول: في غفلة من الإيمان بهذا القرآن [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]]. وذكر أبو إسحاق وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون هذا إشارة إلى [ما وصف من أعمال البر في الآيات المتقدمة. والثاني: أن يكون إشارة إلى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] الكتاب الذي ينطق بالحق وأعمالهم محصاة فيه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 17 - 18 مع اختلاف يسير.]]. قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ قال ابن عباس: يريد مما سبق في علمي وكان في اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ قال الكلبي: ولهم أعمال خبيثة من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله في الآيات [[في (أ): (الإيمان)، وهو خطأ.]] السابقة [[ذكره البغوي 5/ 422 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.]]. وقال مقاتل: يعني غير الأعمال الصالحة التي ذكرت عن المؤمنين [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]]. وعلى هذا الإشارة بقوله ذلك تعود إلى ما ذكر من أعمال البر على المؤمنين. وقال السدي: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ قبل أن يقع بهم العذاب، وذلك يوم بدر. وعلى هذا الإشارة تعود إلى قوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ يعني يوم بدر. يقول: لهم أعمال مكتوبة عليهم لا بد من [[(من): ساقطة من (أ).]] أن يعملوها قبل يوم بدر. وقال صاحب النظم: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ من غير ذلك كما قال: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [[يونس: 38، هود: 13.]] أي لهم أعمال سوى ما في قلوبهم من الغمرة التي غمرتها وغلبت عليها. قوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [قال ابن عباس: يريد لا بد أن يعملوها [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 107 وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال مقاتل: يقول وهم لتلك الأعمال الخبيثة عاملون،] [[ما بين المعقوفبن ساقط من (ع).]] أي أنهم سيعملونها لا بد لهم من أن يعملوها [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]]. وقال مجاهد: أعمال لا بد لهم من أن يعملوها [[رواه الطبري 18/ 36، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 107 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال حميد [[هو: حميد الطويل.]]: سألت الحسن عن قوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: أعمال لم يعملوها سيعملون بها [[رواه الطبري 18/ 36 عن حميد، به. وفيه: سيعملونها.]]. وقال أبو إسحاق: أخبر الله -عز وجل- بما سيكون منهم، فأعلم أنهم سيعملون أعمالاً تباعد [[في (ع): (لا تباعد)، وهو خطأ.]] من الله غير الأعمال التي ذكروا بها [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 18.]]. وقال الفراء: أعمال منتظرة مما سيعملونها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 238.]]. قال صاحب النظم: ﴿لَهَا عَامِلُونَ﴾ أي بها فتقوم اللام مقام الباء، وقد تكون بمنزلة قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] وقد يكون بمنزلة من أجل أي: ولهم أعمال سواها هم [[(هم): ساقطة من (أ).]] من أجل الغمرة التي على قلوبهم عاملون إياها. وفيه دليل على ثبوت القدر لإيجابه -عز وجل- إتيانهم [[في (أ): (إيتنافهم) وفي (ظ)، (ع): (إيتنامهم) ولعل الصواب: إتيانهم.]] أعمالاً يعملونها قبل كونها هذا كلامه. وقد ترى إجماع المفسرين وأصحاب المعاني على أنَّ هذا إخبار عمّا سيعملونه من أعمالهم [[في (أ): (أعمال).]] الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم أن يعملوها. ففي هذا دليل على أن كلا ميسر لما خلق له وأن هؤلاء كتب عليهم ما هم عاملون.

المؤمنون 23:64

قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ قال ابن عباس، والكلبي، ومقاتل، والسدي: جبابرتهم وأغنياءهم ورؤوسهم [["تفسر مقاتل" 2/ 31 ب. وذكر الماوردي 4/ 6 عن الكلبي أنه قال: الموسع عليهم بالمال والولد. وذكر الثعلبي 3/ 62 عن بعضه من غير نسبة الأحد.]]. قال المبرّد: المترف: المتقلب في لين العيش [[(العيش): ساقطة من (ظ)، (ع).]]. ومنه قوله -عز وجل- ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون: 33] [[انظر: "ترف" في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 271، "لسان العرب" 9/ 17.]]. وقوله: ﴿بِآلْعَذَابِ﴾ يعني بالسيوف يوم بدر. وهو قول ابن عباس [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 62 ب.]]، ومجاهد [[رواه الطبري 18/ 37، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 107 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقتادة [[رواه عبد الرزاق 2/ 47، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 107 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]]، والسدي. وقال الكلبي [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 482.]]، والضحاك [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 62 ب. وذكره ابن الجوزي 5/ 482. مع القائلين بالقول الأول.]]: يعني بالجوع سبع سنين، حين دعا عليهم رسول الله -ﷺ- [[روى البخاري في الدعوات -باب الدعاء على المشركين 11/ 194 - 195، ومسلم في المساجد- باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة 1/ 466 - 467 من حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- كان إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم كسني يوسف".]]. والقول هو الأول. وهو اختيار أبي إسحاق قال: العذاب الذي أخذوا به السيف [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 18. والأولى عدم تقييده بعذاب معين. قال ابن كثير 3/ 249: أي إذا جاء مترفيهم وهم المنعمون في الدنيا، عذاب الله وبأسه ونقمته بهم.]]. قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يتضرعون [[أخرج الطبري 18/ 37 وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 6/ 108 عن ابن عباس قال: يستغيثون.]]. وقال السدي ومقاتل: يصيحون إلى الله [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 11/ 177 "جأر" عن السدّي. وانظر: "تفسير مقاتل" 312 ب وفيه: يضجون.]]. وقال الزجاج: يضجون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 18.]]. قال المبرد: هو الضجيج الشديد. وأنشد أبو عبيدة [[في (أ): (أبو عبيد)، وهو خطأ.]]: إنَّنِي والله [[في (ظ)، (ع): (واه).]] فاقْبَلْ حَلِفي [[في (ع): (خلفي) ومهملة في (ظ).]] ... بأبِيلٍ [[في جميع النسخ: (بابيل) مهملة. والمثبت من مجاز القرآن وغيره.]] كلَّما صَلَّى جَأرْ [[البيت أنشده أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 60 عند هذه الآية من سورة "المؤمنون" ونسبه لعدي بن زيد، وروايته "فاسمع" مكان "فأقبل". وأنشد قبل ذلك 1/ 361 عند قوله ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: 53] منسوبًا لعدي وروايته هناك: (فاقبل). وهو في "ديوان عدي بن زيد العبادي" ص 61، "المعاني الكبير" لابن قتيبة 2/ 837، "الأغاني" للأصفهاني 2/ 113، "مقاييس اللغة" 1/ 42 والصاحبي في "فقه اللغة" (ص 107) كلاهما لابن فارس، "الصحاح" للجوهري 4/ 1619 "أبل"، "لسان العرب" 11/ 7: (أبل)، "خزانة الأدب" 1/ 65. ورواية "الديوان" و"الأغاني": (لأبيل) مكان (بأبيل). ورواية "الديوان" و"الصاحبي": "حلفتي" مكان (حلفي). وهذا البيت من قصيدة ذكر "صاحب الأغاني" 2/ 113 أنه قالها عندما سجنه == النعمان بن المنذر ومطلعها: أبلغ النعمان مني مَألكا قال ابن منظور 11/ 7: الأبيل -بوزنه الأمير- الراهب. سُمّي به لتأبّله عن النساء وترك غشيانهن ... ، وقيل: هو راهب النَّصارى. والباء في قوله (بأبيل) تحتمل وجهين: الأول: أن تكون بمعنى الكاف، وهذا ما ذكره ابن فارس في الصاحبي، وقال: قالوا: معناه: كأبابيل، وهو ... الثاني: أن تكون باء القسم، فهو يريد استحلاف النعمان بالله أن يقبل حلفه بالأبيل. وهذا ما أشار إليه ابن منظور 11/ 7 بعد إنشاده للبيت، حيث قال: وكانوا يعظمون الأبيل فيحلفون به كما يحلفون بالله.]]

المؤمنون 23:65

قوله: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾. أي يقال لهم: لا تجأروا اليوم. فأضمر القول. قال ابن عباس: يريد لا تتضرعوا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] عندما أتاكم العذاب. ﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ قال مقاتل: يقول: لا تمنعون منا [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب.]]. والمعنى: لا تُحفظون من أمر يريده الله بكم. يعني القتل ببدر. قال قتادة: نزلت في الذين قتلوا يوم بدر [[رواه عبد الرزاق 2/ 47، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 107 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.]]. ثم ذكر أن إعراضهم عن القرآن أوجب أخذهم بالعذاب بقوله:

المؤمنون 23:66

﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد القرآن [[انظر: "الطبرني" 18/ 38، والثعلبي 3/ 63 أ.]]. قوله: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ قال مقاتل: تتأخّرون عن الإيمان به تكذيبًا بالقرآن [["تفسير مقاتل" 2/ 31 ب، 32 أ.]]. ومضى الكلام في النكوص [[في (ع): (النكص).]] عند قوله: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: 48]

المؤمنون 23:67

قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله: ﴿بِهِ﴾ [[(به): ساقطة من (ظ).]] تعود إلى الحرم، أو إلى البيت، أو إلى البلد مكة. قال مجاهد: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ بالبلد مكة [[رواه الطبري 8/ 38، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 108 وزاد نسبته لعبد ابن حميد وابن أبي حاتم.]]. وقال أبو صالح: بالبيت [[لم أجد من ذكر عنه هذا القول. وقد روى عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 108 عن أبي صالح قال: بالقرآن.]]. وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير [[رواه النسائي في "تفسيره" 2/ 98، والحاكم في "مستدركه" 2/ 394 من رواية سعيد بن جبير، عنه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 109 وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه.]]. قال قتادة: مستكبرين بالحرم، يقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف [[رواه عبد الرزاق 2/ 47، والطبري 18/ 39، 40، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 108 وزاد نسبه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.]]. ونحو هذا قال السدي، ومقاتل، وإبراهيم [[قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 32 أ، ولم أجد من ذكره عن السدي وإبراهيم.]]. واختاره الفراء، والزجاج، وابن قتيبة، [وأبو علي. قال الفراء: ﴿بِهِ﴾ بالبيت العتيق، يقولون: نحن أهله [["معاني القرآن" للفراء 2/ 239.]]. وقال الزجاج: ﴿بِهِ﴾ بالبيت الحرام [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 18.]]. وقال ابن قتيبة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي بالبيت العتيق، يفخرون ويقولون: نحن ولاته [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 298.]]. وقال أبو علي: مستكبرين بالبيت والحرم لأمنكم فيه، مع خوف سائر الناس في مواطنهم [[في (أ): (مواصلتهم).]] [["الحجة" لأبي علي 5/ 298.]]. وعلى هذا فالكناية عن غير مذكور. وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ يريد بالقرآن [[تقدّم أن هذا القول قال به أبو صالح.]]. وذكر أبو إسحاق هذا الوجه فقال: ويجوز أن تكون الهاء للكتاب، فيكون المعنى: فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين بالكتاب، أي: يحدث لكم بتلاوته عليكم استكبارًا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 18 - 19. وجوَّد ابن عطية 10/ 378 هذا الوجه. وذكر الزمخشري 3/ 36 وأبو حيان 6/ 412، والسمين الحلبي 8/ 358 وجهًا == أجود من هذا وهو أن الكناية في "به" تعود للقرآن و"مستكبرين" ضُمِّن معنى مكذِّبين فعدى بالباء. وهو مناسب لقوله تعالى قبل ذلك ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ فهؤلاء جمعوا بين التكذيب والاستكبار.]]. والمعنى على هذا القول: مستكبرين بسبب القرآن أو الكتاب. قوله: ﴿سَامِرًا﴾ السَّمر [[في (ع): (السمر: الحديث، حديث).]]: حديث القوم بالليل. يقال: سمر يسمر سمرًا، فهو سأمر [[انظر: (سمر) في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 419، "الصحاح" للجوهري 2/ 688، "لسان العرب" 4/ 377.]]. ومنه الحديث: "جدب [[في (أ): (جدب)، وفي (ظ): (حدث)، وهي ساقطة من (ع).]] عمر السمر بعد العشاء" [[رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" 3/ 308، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 2/ 279 عن حذيفة -رضي الله عنه-: أن عمر جدب لنا السمر بعد العشاء. وعند أبي عبيد: العتمة. ورواه ابن أبي شيبة 3/ 279 أيضًا عن سلمان بن ربيعة قال: كان عمر بن الخطاب يتجدب لنا السمر بعد العتمة. وذكره ابن كثير في "سند عمر بن الخطاب" 1/ 199 من حديث ابن مسعود: أجدب لنا عمر السمر بعد العشاء. قال أبو عبيد في "غريب الحديث" 3/ 308: قوله: جدب السمر يعني: عابه وذَمَّه. وانظر: "تهذيب اللغة" 10/ 673 "جدب" فقد ذكر الحديث وتفسير أبي عبيد له.]]. وذكر أبو إسحاق اشتقاق السَّمر فقال: إنما سموا سمارا من السمر وهو [[(وهو): ساقطة من (أ)، (ع).]] ظل القمر، وكذلك السمرة في الألوان مشتقة من هذا. هذا كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 18، وليس في المطبوع: في الألوان.]]. والسمر عنده ظل القمر. وقال الفراء: السمر كل ليلة ليس فيها قمر، ومنه قول العرب: لا أفعل ذلك السمر والقمر، أي: ما طلع القمر وما لم يطلع [[كلام الفراء في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 419 من رواية سلمة عن الفراء، وليس في "معاني القرآن".]]. وجعل ابن أحمر السمر ليلاً فقال [[بيت ابن أحمر بهذه الرواية في: "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 419 (سمر)، "لسان العرب" 12/ 550 (لملم)، "تاج العروس" للزبيدي 12/ 73 (سمر). وهو في "ديوان ابن أحمر" ص 92، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 60، "الذيل والتكملة" للصاغاني 3/ 35 (سمر) مع اختلاف في المصراع الثاني، فروايته عندهم: عزف القيان ومجلس غمر وصدر البيت في "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 298 منسوبًا لابن أحمر. وقوله "حي حلال" قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 439 "حلل": قال أبو عبيد: الحلال: جماعات بيوت الناس، واحدها حلة، قال: وحي حلال، أي: كثير. اهـ. و"لملمٌ": مجتمعٌ. "لسان العرب" 12/ 550 (لملم). و"عكر": مختلط. "الصحاح" للجوهري 2/ 756 (عكر).]]. من دونهم إن جئتهم سمرًا ... حَيُّ [[في (ع): (حتى).]] حلالٌ لملمٌ عكرُ [[في (ظ): (عكرا).]] أراد إنْ جئتهم ليلاً [[من قوله: وجعل ابن أحمر ... إلى هنا. نقلاً عن "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 419 (سمر).]]. [والحديث بالليل سُمّي سمرًا باسم [[في (أ): (اسم).]] الليل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]]، أو لأنهم كانوا يتحدثون [[في (ع): (يحدثون).]] بالليلة المقمرة في ظلّ القمر [[انظر: "لسان العرب" 4/ 377.]]. وذكر المفضل على العكس من هذا فقال: السمر الحديث بالليل، ثم كثر ذلك حتى سموا الظلمة سمرًا [[ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 12/ 420 نحو هذا القول عن الأصمعي.]]. ومنه قولهم: حلف فلان بالسمر والقمر [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 420، "لسان العرب"4/ 377.]]. واختلفوا في السمر هاهنا: فالأكثرون على أن السامر هاهنا: اسم للجماعة الذين يسمرون. وهو معنى قول ابن عباس [[ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 109 عن ابن عباس في قوله: "سامرًا تهجرون" قال: كانت قريش يتحلقون حلقا تحدثون حول البيت. وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه.]] وأكثر المفسرين [[انظر: "الطبري" 18/ 39، "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 108 - 109.]]. قال أبو إسحاق: السامر: الجماعة الذين [[(الذين): موضعها بياض في (ظ).]] يتحدثون ليلاً [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 18.]]. وقال المبرّد [[ذكر النحاس في "معاني القرآن" 4/ 475 عن المبرد أوَّله بمعناه.]]: السامر: اسم للجماعة [[في (ظ): (الجماعة).]]، ويقال: هو في السَّامر. أي: السُّمّار [[في (أ): (السما).]]، وأنشد لوضَّاح اليمن [[هو: عبد الرحمن- وقيل: عبد الله، وقيل: وضاح- بن إسماعيل بن كلال، من آل حولان، الحميري، شاعر غزل ونسيب. قيل أنه قدم مكة حاجًا في خلافة الوليد بن عبد الملك فرأى "أم البين" بنت عبد العزيز بن مروان زوجة الوليد فغزل بها، فقتله الوليد. "فوات الوفيات" 1/ 253، "الأغاني" 6/ 30 - 44، "النجوم الزاهرة" 1/ 266، "الأعلام" 3/ 299.]]: قالت: إذا جئت أبا جابر فَأتِ إذا ما هجع السَّامر [[البيت في "الأغاني" للأصبهاني 6/ 216 ورواية صدره فيه: قالت: لقد أعييتنا حُجَّةَ ..... فَأتِ وفي "ديوان المعاني" لأبي هلال العسكري 1/ 226 ورواية صدره: قالت: فأمَّا كنت أعييتنا أحد أبيات قصيدة يذكر فيها "روضة" صاحبة، ومطلعها: قالت: ألا لا تَلِجْن دارنا ... إن أبانا رجل غائر]] وقال الأزهري: قد جاءت للعرب حروف على لفظ فاعل وهي جمع. فمنها الجامل وهي الإبل تكون فيها المذكور [[في (أ): (الذكورة).]] والإناث، والسَّامر: القوم يسمرون ليلاً، والحاضر: الحي النَّازل على الماء، والباقر: البقر [[في (ظ)، (ع): (والبقر).]] [[تهذيب اللغة" 12/ 419 "سمر" مع اختلاف في بعض الألفاظ وتقديم وتأخير.]]. وذهب قوم إلى أن السامر هاهنا واحد في معنى الجمع كما يراد بالواحد الجمع كقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: 5]. وهو مذهب المفضل وأبي عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 60. ولم أجد من ذكره عن المفضل، وقد ذكره الثعلبي 3/ 62 ب - 63 أهذا القول وصدره بقوله: قيل، والثعلبي ينقل عن المفضّل.]]، وأنشد [[ورد البيت في حاشية نسخة (س) من المجاز من غير نسبة كما ذكر ذلك محققه 2/ 60. وهو بلا نسبة في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 200 (حضر)، "المحكم" لابن سيده 3/ 86، "لسان العرب" 4/ 197 (حضر). وعجزه بلا نسبة في "مقاييس اللغة" لابن فارس 4/ 106. == والحاضر: الحيّ العظيم، والحي إذا حضروا الدار التي بها مجتمعهم. ابن سيدة 3/ 86. لجب: أي ذو جلبة وكثرة. "الصحاح" 1/ 218 (لجب). والصواهل: قال ابن منظور 11/ 386: الصَّواهِل: جمع الصَّاهلة، مصدر على فاعلة بمعنى الصهيل، وهو الصوت كقولك: سمعت رواي الإبل. والصَّهيل للخيل. والرايات: الأعلام، واحدها راية. "القاموس المحيط" 4/ 338 (روى). والعكرُ: قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" 4/ 106: العكرُ: القطيع الضَّخْم من الإبل فوق الخمسمائة. ثم أنشد عجز البيت.]]: في حاضر لجب بالليل سامره ... فيه الصَّواهلُ والرَّاياتُ والعكر وقال مجاهد: بالقول في القرآن [[رواه الطبري 18/ 40، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 108 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.]]. وقال الكلبي: يقولون الهُجْرَ من سب النبي -ﷺ- [[روى عبد الرزاق 2/ 47 عن الكلبي قال: يقولون هجرًا. والهجر: القبيح من الكلام. "القاموس المحيط" 2/ 158.]]. وقال السدي: تهجرون محمدًا بالشتيمة [[لم أجد من ذكره عنه.]]. وقال إبراهيم: تقولون فيه غير الحق [[روى الطبري 19/ 9، وابن أبي حاتم 7/ 180 عن إبراهيم النخعي في قوله تعالى ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30] قال: قالوا فيه غير الحق، ألم تر إلى المريض قال غير الحق.]]. ونحو هذا قال عكرمة [[روى عبيد بن حميد كما في "الدر المنثور" 6/ 109 عنه قال: تهجرون الحق. وذكر النحاس عنه في "معاني القرآن" 4/ 476 أنه قال: تشركون.]]. وقال الحسن: تهجرون رسول الله -ﷺ- وكتاب الله [[رواه عبد الرزاق 2/ 47، والطبري 18/ 41، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 108 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.]]. وقال مقاتل: تهجرون القرآن فلا تؤمنون به [["تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.]]. وذكر الفراء، والكسائي، والزجاج، القولين جميعًا. قال الفراء: إذا كان الليل وسمرتم هجرتم القرآن والنبي -ﷺ-، فهذا من الهجر، أي تتركون ذلك وترفضونه. قال: ويجوز أن تجعله من الهذيان قال: هجر الرجل في منامه، إذا هذى. أي أنكم تقولون فيه ما ليس فيه ولا يضره فهو كالهذيان [["معاني القرآن" للفراء 2/ 239 مع اختلاف يسير.]]. ونحو هذا ذكر الكسائي [[ذكر النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 118 عنه أنه قال: تهجرون: تهذون.]]، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 18.]]. واختار [[في (أ): (واختيار).]] المفضل، وأبو علي القول الثاني. فقال المفضل: يعني تهجرون القرآن وترفضونه فلا تلتفتون إليه. وقال أبو علي: المعنى أنكم كنتم [[(كنتم): ساقطة من (أ).]] تهجرون آياتي وما يتلى عليكم من كتابي، فلا تنقادون له وتكذبون به، كقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 298.]]. وقرأ نافع ﴿تُهجِرون﴾ بضم التاء [[وكسر الجيم. وقراءة الباقين بفتح التاء وضم الجيم. "السبعة" ص 446، "التيسير" ص 159، "النشر" 2/ 329.]]، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد [[قراءة ابن عباس في "معاني القرآن" للفراء 2/ 239، "معاني القرآن" للنحاس 4/ 476. وقد روى الأزهري في "علل القرآن" 2/ 437 من طريق مجاهد، عن ابن عباس هذه القراءة.]]، وقالا: هو من الهجر وهو الُفحْش، وكانوا يسبُّون النبي -ﷺ- إذا خلوا حول البيت [[من قوله "وهو قراءة ابن عباس" إلى هنا. هذه عبارة الفراء كما في "معاني القرآن" 2/ 239 و"تهذيب اللغة" 6/ 41 مع اختلاف يسير في أوله وزاد الواحدي مجاهدًا. وقد روى الطبراني في "الكبير" 11/ 74 من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف "مستكبرين به سامرًا تهجرون" قال: كان المشركون يهجرون رسول الله -ﷺ- في شعرهم. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 73: وفيه يحيى بن سلمة بن كهيل وهو ضعيف. اهـ. ورواه الحاكم في "مستدركه" 2/ 246 مرفوعًا من طريق يحيى به، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله -ﷺ- كان يقرأ ... الحديث. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فتعقّبه الذهبي بقوله: قلت: بل يحيى متروك، قال النسائي. وقد ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 109 بمثل رواية الحاكم، ونسبه إليه وإلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه.]]. يقال: هجر يهجر هجرًا وهجرانا [[بالكسر قاله الفيروزآبادي 2/ 157.]]، إذا صرم [[صرم: قطع. "لسان العرب" 12/ 313 (صرم).]] وتباعد ونأى. وهجر يهجر هجرا، إذا قال غير الحق [[انظر: (هجر) في "الصحاح" للجوهري 2/ 851، "لسان العرب" 5/ 251 - 254.]]، ومنه قول أبي سعيد الخدري لبنيه: إذا طفتم [[في (أ): (حلفتم).]] بالليل فلا تلغوا ولا تهجروا [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 6/ 42 عن أبي سعيد. ورواه أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 63 - 64.]]. أي: لا تهذوا [["تهذيب اللغة" 6/ 42 منسوبًا لأبي عبيد، وهو في "غريب الحديث" 2/ 64.]]. والهجر هو الإفحاش في النطق. قاله الكسائي والأصمعي [[ذكره عنهما الأزهري في "تهذيب اللغة" 6/ 42 (هجر) من رواية أبي عبيد عنهما. وهو في "غريب الحديث" 2/ 63 لأبي عبيد.]]. ومنه قوله -ﷺ- في زيارة القبور: "فزوروها ولا تقولوا هُجرا" [[رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 63، والإمام أحمد في "مسنده" 5/ 361، والنسائي في "سننه" (كتاب الجنائز- باب زيارة القبور 4/ 89) من حديث بريدة. قال الألباني في "الصحيحة" 3/ 576 عن رواية النسائي: بسند صحيح.]] ويقال من هذا: أهْجَر الرجل يهجر. قال الشَّمَّاخ: كما جدة الأعراق قال ابنُ [[في (أ): (لضرة)، وفي (د)، (ع): (لي ضرة)، والتصويب من غريب الحديث والتهذيب وغيرهما.]] ضَرَّةٍ عليها كلامًا جار فيه وأهْجَرا [[بيت الشمَّاخ في "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 63، "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 42 "هجر"، "المحتسب" لابن جني 2/ 96 - 97 وفيه: الأعراف، وهو تصحيف، "الصحاح" للجوهري 2/ 851 (هجر)، "لسان العرب" 5/ 253 "هجر". كلهم بمثل الرواية هنا. والبيت في "ديوانه" ص 135 وروايته فيه: مَمجّدة الأعراق. وقال عبد الله بن بَرَّي في كتابه "التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح" 2/ 235: المشهور في رواية البيت عبد أكثر الرواة "مبرأة الأخلاق" عوضًا من قوله: كما جدة الأعراق، وهو صفة لمخفوض في بيت قبله، وهو: كأن ذراعيها ذراعا مدلة ... بعيد السباب حاولت أن تَعَذَّرا يقول: كأنَّ ذراعي هذه الناقة في حسنهما وحسن حركتهما ذراعا امرأة مدلة بحسن ذراعيها أظهرتهما بعد السَّباب لمن قال فيها من العيب ما ليس فيها، وهو قول ابن ضرتها، ومعنى تعذّر: أي تعتذر من سوء ما رميت به. اهـ.]]. والاختيار القراءة الأولى؛ لأنها تجمع [[في (أ): (جمع).]] المعنيين [[انظر في توجيه القراءتين: "علل القراءات" للأزهري 2/ 437، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 92 - 93، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 489.]]. وتقدير الآية: مستكبرين به سامرين هاجرين. غير أن الحال ترد بعبارات [[في (أ): (بمسارات).]] فتكون أحسن، كما تقول: رأيت فلانًا راكبا يحدث وهو غضبان. [فتغير عبارات الحال، ويكون أحسن [[في (أ): (من احسن).]] من أن تقول: رأيته راكبًا محدثًا غضبان] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]. واختلفوا في موضع الوقف في هذه الآية: فالأكثرون على أن الوقف في آخرها؛ لأنّه منتهى ذكر الأحوال، ولا يحسن الوقف في أثنائها [[في (أ): (أبنائها).]] [[انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 503، "منار الهدى" للأشموني ص 263.]]. وقال أبو حاتم [[هو: أبو حاتم السجستاني.]]: يحسن الوقف على قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ ثم يبتدئ ﴿بِهِ سَامِرًا﴾ [[ذكره عنه النحاس في "القطع والائتناف" ص 503، "الداني في المكتفى" ص 402، الأشموني في "منار الهدى" ص 263.]] وهذا مذهب النحاس وابن الأنباري. قال النحاس: ﴿بِهِ﴾ أي بالبيت ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ آياتي أو تهذون [["القطع والائتناف" ص 503. ووقع في المطبوع: إبنيائي أو تهزؤن.]]. وقال ابن الأنباري: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ وقف حسن، ثم تبتدئ ﴿بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ على معنى: بالبيت العتيق تهجرون النبي -ﷺ- والقرآن في وقت سمركم. قال: ويجوز أن يكون معنى ﴿تَهْجُرُونَ﴾ تهذون [["إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 792 - 793.]]. وقال العباس بن الفضل [[هو: أبو القاسم، العباس بن الفضل بن شاذان بن عيسى، الرازي، المقرئ. إمام في القراءة متقن مشهور. صاحب القاطع والمبادئ. روى عنه القراءة ابن مجاهد وغيره. وبقي إلى سنة 310 هـ. "معرفة القراءة" للذهبي 1/ 236، "غاية النهاية" لابن الجزري 1/ 352 - 353.]]: الوقف الكافي ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ [[ذكر قوله النحاس في "القطع والائتناف" ص 503، و"الدّاني في المكتفى" (ص 402).]]. وعلى هذا يكون قوله: (سامرًا) حالا مؤخرة في التقدير، أي: تهجرون سامرين بالليل.

المؤمنون 23:68

قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ أي: أفلم يتدبروا القرآن فيعرفوا ما فيه من العبر والآيات الدالة على صدق محمد -ﷺ-. وذكرنا معنى التدبّر عند قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]. وقوله: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: يريد: أليس قد أرسلنا نوحًا وإبراهيم والنبيين إلى قومهم؟ فكذلك بعثنا محمدًا -ﷺ- [[ذكر هذا المعنى البغوي 5/ 423 وابن الجوزي 5/ 484 من غير نسبة لأحد.]]. وهذا استفهام يتضمن الإنكار. وكذلك ما بعده من قوله:

المؤمنون 23:69

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ قال ابن عباس: أليس هو محمد بن عبد الله؟ يعرفونه صغيرًا وكبيرًا، صادق اللسان يفي بالعهد ويؤدي الأمانة [[ذكره عنه البغوى 5/ 423.]]. وفي هذا توبيخ لهم وإنكار عليهم بالإعراض عنه بعد ما عرفوا نسبه وصدقه وأمانته. قال سفيان، وأبو صالح في هذه الآية: بلى، قد عرفوه [[في (ع): (عرفوا).]] ولكنهم [[ذكره القرطبي 12/ 140 عن سفيان. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 110 عن أبي صالح، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. ولم أره في المطبوع من الطبري.]] حسدوه.

المؤمنون 23:70

قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد: وأيّ جنون يرون به؟. ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالتنزيل الذي هو الحق. يعني القرآن في قول ابن عباس [[ذكر ابن الجوزي 5/ 484 هذا المعنى من غير نسبة لأحد.]]. وقال مقاتل: يعني بالتوحيد [["تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.]]. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ للقرآن أو التوحيد [[في (ع): (للتوحيد).]] ﴿كَارِهُونَ﴾.

المؤمنون 23:71

قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ قال أبو صالح [[رواه الطبري 18/ 42، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 110 وزاد نبته لعبد ابن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وابن جريج [[رواه عنه الطبري 18/ 43.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.]]، والسدي [[ذكره عنه البغوي 5/ 424، وابن الجوزي 5/ 484.]]، والكلبي [[رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 47.]]: الحق هو الله. والمعنى: لو جعل مع نفسه كما يحبون شريكًا لفسدت السموات والأرض. وقال الفراء والزجاج: ويجوز أن يكون المراد بالحق -هاهنا-: التنزيل، أي: نزل بما [[في (ظ): (ما).]] يريدون ويحبون [["معاني القرآن" للفراء 2/ 239، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 19.]]. يعني [[(يعني): ساقطة من (أ).]] من جَعْل [[في (ظ): (فعل).]] شريك وإثبات آلهة. ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. وقد مرَّ. وقال بعض أهل المعاني: الحقّ لما كان يدعو إلى المحاسن والأهواء تدعو إلى المقابح؛ فلو أَتبع الحق داعي الهوى لدعى إلى المقابح التي فيها الفساد والاختلال [[في "التبيان" 7/ 338: والاختلاط.]]، فكان يوجد بطلان الأدلة وامتناع الثقة بالمدلول عليه، فكان [[في (أ): (وكان).]] ينقلب الأمر ويكثر الفساد [[ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 338 ولم ينسبه لأحد.]]. قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: جاء فيه فخرهم وشرفهم. قال ابن عباس: هو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا﴾ [الأنبياء: 10]: وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] [[ذكره عنه البغوي 5/ 424.]]. وقوله: ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ قال: يريد تولوا عما جاء به من شرف الدنيا والآخرة [[ذكر الماوردي 4/ 63 هذا المعنى عن السدي.]].

المؤمنون 23:72

قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾. قال ابن عباس: يريد مالا يعطونك. وقال مقاتل: يعني لم يسألهم محمدٌ أجرًا على الإيمان بالقرآن [["تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.]]. وقال أبو إسحاق: أي لم تسألهم على ما أتيتهم به أجرا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 19.]]. قوله: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ قال ابن عباس: فعطاء ربك خير [[ذكر البغوي 5/ 424 وابن الجوزي 5/ 485 هذا المعنى من غير نسبة لأحد. وذكره أبو حيان 6/ 415 نحو هذا المعنى عن الكلبي.]]. وقال مقاتل: فأجر ربك أفضل من خراجهم [["تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.]]. والمعنى: أنّ أجر ربك وثوابه خير لك. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أفضل من أعطى وأجزل [[(وأجزل): ساقطة من (أ)، (ظ).]] وآجر. وقال أهل المعاني: قد دلت الآية على أن غير الله يرزق، ولولا ذلك لم يجز ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [[ذكر الرازي 23/ 112 هذا القول وعزاه للجبَّائي.]]. ويقال: رزق الأمير جنده فارتزقوا ارتزاقا [["تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 429 (رزق) منسوبًا إلى الليث.]].

المؤمنون 23:73

﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَتَدْعُوهُمْ﴾ يعني كفار قريش {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وهو دين الإسلام.

المؤمنون 23:74

قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: بالبعث والثواب والعقاب ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ عن الدين لعادلون [[روى الطبري 18/ 44 عن ابن عباس قال: عن الحق عادلون. وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.]]. وقال الفراء: لمعرضون عن الدين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 240.]]. يقال: نكب فلان عن الطريق تنكب نكوبًا، إذا عدل عنه، والنعت منه: ناكب. ويقال: نكَّبَ عن الصَّواب تنكيبًا، ونكَّب غيره، يتعدّى ولا يتعدّى [[انظر: (نكب) في "تهذيب اللغة" 10/ 286، "الصحاح" 1/ 228، "لسان العرب" 1/ 770، "القاموس المحيط" 1/ 134، "تحفة العروس" 4/ 304 - 305.]]. وفي الحديث [[هذا من كلام عمر -رضي الله عنه- أنه قال لهني مولاه: نكّب ... وهذا الأثر ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 10/ 286، وابن منظور في "لسان العرب" 1/ 770، والزبيدي في "تاج العروس" 4/ 305. ولم أقف عليه مسندًا.]]: "نكَّبْ عنا ابن [[في (أ): (إبر).]] أم عبد" أي: نَحِّه عنا. ويقال: تنكب عنا فلان تنكبا، أي: مال عنا [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 286، وانظر: "تحفة العروس" 4/ 305 (نكب).]]. وينشد قول سعد بن ناشب [[في (أ): (ناسب)، وفي (ظ): (نابت)، وفي (ع): (نائب)، والتصويب من مصادر ترجمته. وهو سعد بن ناشب بن معاذ بن جعدة المارني، التميمي، من بني العنبر. شاعر فاتك من مردة العرب، من أهل البصرة، وهو شاعر إسلامي في الدولة المروانية. "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 464، "خزانة الأدب" 8/ 145، "الأعلام" 3/ 88.]]: وَنَكَّبَ عَنْ ذِكْر العَوَاقِبِ جَانِبًا [[هذا عجز بيت لابن ناشب، وصدره: إذا هم ألقى بين عينيه عزمه وهو من أبيات قالها سعد وكان أصاب دمًا، فهدم بلال بن أبي بردة داره بالبصرة وحرَّقها، وقيل: إن الحجاج هو الذي هدم داره. ويقال: إن سعدًا قُتل له حميم، وإنَّه أوْعَده بلال بهدم داره إن طالب بثأره، فقال: سَأغْسلُ عَنِّي العارَ بالسَّيف جالبا ... عليَّ قضاء الله ما كان جالبا وأذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من باقي المذَمَّة حاجبا الأبيات ..... والبيت في "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 464، "الزهرة" لابن داود 2/ 211 "الحماسة" لأبي تمام 1/ 70، "الكامل" للمبرد 1/ 206 وفيه "فأعرض" عوضًا من "فنكّب". قال المرزوقي في "شرح الحماسة" 1/ 73: قوله: "ألقى بين عينيه عزمه" أي جعله بمرأى منه لا يغفل عنه، وقد طابق في المعنى لما قابله قوله: "ألقى بين عينيه عزمه" بقوله: "نكّب عن ذكر العواقب جانبا" ... وانتصب "جانبًا" على أنه ظرف، ونكَّب يكون بمعنى: تنكّب، والمعنى: أنه إذا هَمَّ بالشيء جعله نَصْب عينيه إلى أن ينفذ فيه ويخرج منه، ويصير في جانب من الفكر في العواقب. ويجوز أن ينتصب "جانبًا" على المفعول، ويكون "نكّب" بمعنى: حَرَّف، والمراد انحرف عن ذكر العواقب وطوى كشحه دونه. اهـ]] [على اللزوم] [[ساقط من (ظ)، (ع).]]. وقال الطُّهَوي [[هو: أبو الغُول الطُّهَويّ، وهو من قوم من بني طُهَيَّة يقال لهم: بنو عبد شمس بن أبي سود، وأبو سود هو ابن مالك بن حنظلة التميمي، وأمّ أبي سود: طُهَيَّة بنت == عبد شمس بن سعد بن مناة بن تميم. وكان أبو الغُول يكنى أبا البلاد، وقيل له: أبو الغول؛ لأنه -فيما زعم- رأى غولا فقتلها. وذكر التبريزي أنه شاعر إسلامي، وأمَّا البغدادي فذكر أنَّه لم يقف على كونه جاهليا أو إسلاميا. "المؤتلف والمختلف" للآمدي ص 163، "شرح الحماسة" للتبريزي 1/ 14، "خزانة الأدب" للبغدادي 6/ 438.]]: فَنَكَّبَ عَنْهمُ دَرْأ الأعاَدِي [[هذا صدر بيت لأبي الغُول، وعجزه: وداوَوْا بالجُنون من الجُنون وقبله: هُمُ مَنَعُوا حِمَى الوَقْبَى بِضَرْبٍ ... يؤلِّف بين أشتات المنُونِ فنكّب ... وهو في "الحماسة" لأبي تمام 1/ 62، "الحيوان" للجاحظ 3/ 107، "أمالي القالي" 2/ 261، "بهجة المجالس" لابن عبد البر 1/ 516 وفيه "ظلم" عوضًا من "درأ"، "خزانة الأدب" للبغدادي 6/ 434. قال التبريزي في "شرح ديوان الحماسة" 1/ 17: نكَّب قد جاء متعديًا إلى مفعولين، ... ، والأكثر نكبته عن كذا، ... معناه: أن الضَّرْب حَرَّف عن هؤلاء القوم اعوجاج الأعداء وخلافهم، والدرء: أصله الدفع، ثم استعمل في الخلاف؛ لأن المختلفين يتدافعان. "وداوَوْا بالجنوب من المجنون" أي داوَوْا الشر بالشر، كما قالوا: الحديد بالحديد يفلح، والجنون هاهنا مثل ومعناه: اللجاج في الشر وركوب الرأس فيه. اهـ.]] يُروى بالوجهين [[يعني على التعدي واللزوم. فعلى رواية التعدّي: نكّبَ عنهم درأ الأعادي. يكون المعى: أن الضرب حَرَّف وأمال عن هؤلاء القوم درأ الأعادى. كما ذكر التبريزي. وعلى رواية اللزوم: فنكب عنهم درأ الأعادي. يكون نكَّب بمعنى تنكّب، والمعنى أن درأ الأعادي عَدَل وتنحّى عنهم.]]. ويقال أيضا: نكب ينكب [[كفرح ونصر. "لسان العرب" 1/ 770، "القاموس المحيط" 1/ 134.]] إذا مال، والنعت منه أنكب [[في (ظ): (نكب).]] ونكباء [[انظر: (نكب) في "تهذيب اللغة" 10/ 285، "الصحاح" 1/ 228، "أساس البلاغة" للزمخشري 2/ 474.]].

المؤمنون 23:75

﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ قال المفسرون: يعني الجوع الذي أصابهم بمكة سبع سنين [[ذكره ابن الجوزي 5/ 485 عن ابن عباس، وهو معنى قول الطبري 18/ 44 ورواه عن ابن جريج باختصار.]]. قوله: ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ لتمادوا في ضلالتهم يترددون. يقال: لجَّ فلان يلج ويلج لغتان [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 492 (لج) نقلاً عن الليث.]]. قال: لججنا ولجت هذه في التغضّب [[لم أجده.]] قال الفراء: يقال: لَجَجْت -بالفتح والكسر- لَجاجَة ولَجَجَا [[قول الفراء في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 493 (لج). وليس في كتابه معاني القرآن. وفي التهذيب. لَجِجْتُ ولجَجْت]].

المؤمنون 23:76

قوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد بالأمراض والحاجة [[ذكر القرطبي 12/ 143 هذا القول ولم ينسبه لأحد. وقد روى النسائي في "تفسيره" 2/ 98 - 99، وابن حبان في صحيحه "الإحسان" 2/ 252)، والطبراني في "الكبير" 11/ 370 كلهم من طريق علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى النبي -ﷺ- فقال يا محمد: أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العِلْهِز -يعني الوبر والدم- فأنزل الله -عز وجل- "ولقد أخذناهم بالعذاب ... " الآية. == قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 73: وفيه علي بن الحسين بن واقد وثَّقه النسائي وغيره وضعفه أبو حاتم. اهـ. لكن رواه الحاكم في "مستدركه" 2/ 394 من طريق علي بن الحسين بن شقيق، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. وعلي هذا ثقة حافظ روى عن الحسين بن واقد وغيره وروى عنه البخاري وغيره. قاله ابن حجر في "تهذيب التهذيب" 7/ 298، "تقريب التهذيب" 2/ 34. فهذه الطريق تقوي الأولى. وقد رواه إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" 2/ 727 من طريق آخر عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، لكن ليس فيه ذكر لآية.]]. وقال مقاتل: يعني الجوع [["تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.]]. قال أبو إسحاق: والذي أُخذوا به الجوع [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 19.]]. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي ما تواضعوا. يقال: أكانه يكينه إكانة إذا أخضعه [[في (ظ): (خضعه).]] حتى استكان وأدخل عليه من الذل ما أكانه [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 374 "كان" منسوبًا إلى أبي سعيد البغدادي الضرير.]]. وقال ابن عباس: يريد ما رجعوا عن معاصي الله. وقال الكلبي: لم يذلوا ولم تذل قلوبهم. وقال مقاتل: يقول: فما استسلموا، يعني الخضوع [["تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.]] ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ يقول: وما يرغبون إلى الله في الدعاء [["تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.]].

المؤمنون 23:77

قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس -في رواية الوالبي-: ذاك يوم بدر [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 14/ 357، والطبري 18/ 45 من رواية الوالبي.== وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 114 ونسبه أيضًا لابن مردويه.]]. وهو قول مجاهد [[ذكره عنه البغوي 5/ 425. وقد روى عنه الطبري 18/ 46 أنّه الجوع، وذكر عنه الثعلبي 3/ 63 ب أنه القحط.]]. واختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 4/ 19 وقد صدره بقوله: قيل، ثم قال: السيف والقتل. قال ابن عطية 10/ 388 وهذا القول يردّه بأن الجدب الذي أصابهم كان بعد وقعة بدر.]]. وقال -في رواية عطاء- يريد الموت [[ذكره البغوي 5/ 425: هذا القول وصدَّره بقول: قيل.]]. وقال مقاتل وغيره: يعني الجوع [["تفسير مقاتل" 2/ 32 أ. وهو اختيار الطبري 18/ 46. واستشهد على ذلك بخبر ابن عباس في المجاعة التي أصابت قريش واستظهره أبو حيان 6/ 415. وقيل: هو يوم القيامة. والمعنى: حتى إذا عذّبوا بنار جهنم أبلسوا، كقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: 12] وقوله ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 74، 75]. ذكر هذا القول أبو حيان 6/ 416 - 417. وقيل: هو توعّد بعذاب غير معين. وصوّب هذا القول ابن عطية 10/ 389.]]. وقال السدي: هو فتح مكة [[ذكر القرطبي 12/ 143 هذا القول عن عكرمة.]]. ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ قال: أُبلسوا يومئذ تغيرت ألوانهم حين نظروا إلى أصنامهم تُنكّس على وجوهها. ومعنى ﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من كل خير. وتقدم [لكلام في] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] معنى المبلس في سورة الأنعام [[عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44].]].

المؤمنون 23:78

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ خلق ﴿لَكُمُ السَّمْعَ﴾ الذي تسمعون به ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ الذي تبصرون بها ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ القلوب التي بها يعقلون. ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ قال مقاتل: يعني أنهم لا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه [["تفسير مقاتل" 2/ 32 ب.]]. وذكر نا الكلام في مثل هذا عند قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. [البقرة: 88].

المؤمنون 23:80

قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ قال ابن عباس: يولد المولود حيًا ثم يمته ثم يبعثه. ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال الفراء: هو الذي جعلهما مختلفين، كما تقول في الكلام: لك الأجر والصلة، أي أنك تصل وتؤجر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 240.]]. وفسرنا اختلاف الليل والنهار في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 164].]]. قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [قال ابن عباس: حيث تجعلون لي شريكًا من خلقي. وقال مقاتل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ع).]] توحيد ربكم فيما ترون من صنعه فتعتبرون [["تفسير مقاتل" 2/ 32 ب.]]. ثم عَيَّرهم بقولهم وأخبر عنهم أنهم قالوا مثل من كان قبلهم فقال: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ قال الكلبي: بل كذبت قريش حين [[في (أ): (حى).]] أخبرتهم [[في (ع): (أخبرهم).]] بالبعث مثل ما كذب الأولون رسلهم.

المؤمنون 23:84

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ﴾ قال الكلبي: لما كذبوه أتاه جبريل فقال: يا محمد قل لأهل مكة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ من خلق [[ذكره الماوردي 4/ 62 عن الكلبي في قوله ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ قال: ما بينهم من خلق.]] ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ من خالقها ومالكها [[ذكر البغوي 5/ 426 هذا المعنى من قوله: يا محمد إلى هنا. ولم ينسبه لأحد.]].

المؤمنون 23:85

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [[في (ط): (الله)، وهو خطأ.]] قال ابن عباس: يريد إقرارهم له بالربوبية، ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قال: يريد: أفلا تتعظون حيث تجعلون لإله السماء والأرض شريكًا. المعنى: أنكم لو تذكرتم وتفكرتم لعلمتم أن من قدر على خلق ذلك ابتداءً فهو قادرٌ على إحيائهم بعد موتهم [[انظر هذا المعنى عند الطبري 18/ 47، والثعلبي 3/ 63 ب.]].

المؤمنون 23:86

قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ وقرئ (الله) [[قرأ أبو عمرو وحده: ﴿سيقولون لله﴾ بالألف في هذه الآية والتي بعدها. وقرأ الباقون: ﴿سيقولون الله﴾ وكذلك ما بعده. "السبعة" ص 447، "التبصرة" ص 270، "التيسير" ص 160.]]، وكذلك ما بعده. فمن قرأ (الله) فهو على ما يقتضيه اللفظ من جواب السؤال لأنّك إذا قلت: من رب السموات؟ فالجواب: الله. ومن قرأ (لله) فعلى المعنى [[في (أ): (الوجهين)، وهو خطأ.]]، وذلك أنه إذا قال: من مالك هذا الدار؟ فقال في جوابه: لزيد. إجابة على المعنى دون ما يقتضيه اللفظ؛ لأن معنى من صاحب هذه الدار؟: لمن هذه الدار. والذي [[في (ظ): (الذي).]] يقتضيه اللفظ أن يقال في جوابه: زيد ونحوه، وإنّما استقام أن يقال في الجواب: لزيد؛ لأن معنى من مالك هذه الدر؟ ولمن [[في (ظ): (لمن).]] هذه الدار؟ واحد. فلذلك حملت تارة على اللفظ وتارة على المعنى. وهذا الذي ذكرنا هو معنى كلام الفراء [[انظر: "معانى القرآن" للفراء 2/ 240.]] والزَّجَّاج [[(والزجاج): ساقطة من (أ). وانظر: قوله في "معاني القرآن" له 4/ 20.]] وأبي علي [[انظر: كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 301. وانظر في توجيه القراعتين أيضًا: "علل القراءات" للأزهري 2/ 439 - 440، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 93 - 94، "الحجة" لابن زنجلة 490 - 491، "الكشف" لمكي 2/ 130.]]. وأنشد الفراء فقال: أعْلم أنني سأكون رَمْسًا ... إذا سار النَّواجعُ لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم ... فقال المخبرون لهم: وزير [[البيتان أنشدهما الفراء عن بعض بني عامر في كتابه "معاني القرآن" 2/ 240. ونسبهما الجاحظ في "البيان والتبيين" 3/ 184 للوزيريّ، وروايتهما عنده: واعلم أنَّني سأصير ميتًا ... إذا سار النَّواجع لا أسيرُ وقال السائلون: من المُسَجَّى ... فقال المخبرون لهم: وزيرُ وهما في الطبري 18/ 48 بمثل رواية الفراء. وذكر البيتين أيضًا ابن خالويه في كتابه "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 93 وصدرهما بقوله: أنشدني ابن مجاهد. == وذكرهما الأزهري في "علل القراءات" 2/ 439 - 440 من أنشاد الفراء عن بعض العامريين، ثم قال: وكان وجه الكلام أن يقول: فقال المخبرون لهم: لوزير. فرفعه وأراد: الميت وزيرٌ. النواجع: الذين يخرجون إلى البادية من المرْتع. انتهى كلامه رحمه الله. والرَّمْسُ: تراب القبر، والقبر نفسه. "لسان العرب" 6/ 102 (رمس).]] فأجاب المخفوض [[في (ظ): (المحفوظ)، وهو خطأ.]] بمرفوع [[في (ظ): (بالمرفوع).]]؛ لأن معنى الكلام: فقال السائلون: من الميت؟ فقال المخبرون: الميت وزير [[من قوله: (فأجاب ... إلى هنا) هذا كلام الثعلبي 3/ 63 ب بنصِّه. وكذلك الطبري 8/ 48.]]. قال أبو علي: والجواب على اللفظ هو الوجه [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 301.]]. قوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: أفلا تخافون حيث جعلتم لي ما تكرهون لأنفسكم، زعمتم أن الملائكة بناتي وكرهتم لأنفسكم البنات [[ذكر القرطبي 12/ 145 هذا القول ولم ينسبه لأحد.]]. وقال الكلبي: أفلا تتقون عبادة غير الله [[ذكر ابن الجوزي 5/ 487 هذا القول ولم ينسبه لأحد.]].

المؤمنون 23:88

قوله: ﴿قُلْ﴾ لهم كما محمد ﴿مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: يريد السموات وما فوقها وما بينها [[في (أ): (وما بينهما).]] والأرضين وما تحتها وما بينها وما لا يعلمه أحدٌ غيره [[ذكره هذا القول القرطبي 12/ 145 ولم ينسبه لأحد.]]. قال أهل اللغة: معنى الملكوت: عظم الملك. وفعلوت [[في (أ): (وفعلون).]] من صفة المجالغة نحو جبروت ورحموت ورهبوت [[في (ظ)، (ع): (ورهبوت ورحموت).]] [[انظر: (ملك) في "الصحاح" 4/ 160، "لسان العرب" 10/ 492، "القاموس المحيط" 3/ 320.]]. والذي ذكره [ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] في تفسير الملكوت موافق لهذا المعنى لأنّه أخبر عن عظيم [[في (ع): (عظم).]] ملكه. وقال مجاهد: ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خزائن كل شيء [[رواه الطبري 18/ 48، 49، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 113 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وهذا أيضًا راجع إلى المعنى الذي ذكرنا. قوله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يقال أجرت فلانًا إذا استغاث بك فحميته. وأجرت عليه، إذا حميت عنه من يَرُومه [[انظر: (جور) في "تهذيب اللغة" 11/ 175 - 176، "المحكم" لابن سيده 7/ 376 - 377، "لسان العرب" 4/ 154 - 155.]]. ومعنى الآية: أنّه يمنع من السوء من يشاء، ولا يمكن منع من أراده بسوء [[في (أ): (بشيء).]] منه [[انظر: "الطبري" 18/ 490.]]. قال مقاتل: يُؤَمِّن ولا يؤمِّن عليه أحد [["تفسير مقاتل" 2/ 32 ب]]. وقال الزَّجَّاج: يجير من عذابه ولا يجير [[في (ع): (ولا يجار).]] عليه أحدٌ من عذابه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 20.]].

المؤمنون 23:89

قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 241.]] والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 20.]] وابن قتيبة [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 229.]]: تصرفون عن الحق وتخدعون. والمعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلا والصحيح فاسدًا [[انظر: "الطبري" 18/ 49.]].

المؤمنون 23:90

قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ قال الكلبي: فقال لهم رسول الله -ﷺ- ذلك الذي أمره الله به في هذه الآية فكذبوه [[في (أ): (فكذبوا).]]، وقالوا: بل الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه، فنزل فيهم ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ يعني بالقرآن [[لم أجد من ذكره عن الكلبي. ولا يعتمد على الكلبي فيما يرويه فهو متهم بالكذب.]]. وقال مقاتل: بالتوحيد [["تفسير مقاتل" 2/ 32 ب.]]. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك [[انظر: الطبري 18/ 49.]]. ثم نفى الولد والشريك عن نفسه فقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ قال مقاتل: يعني الملائكة [["تفسير مقاتل" 2/ 32 ب.]]. ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ قال ابن عباس: ولا له شريك [[ذكر البغوي 5/ 427 هذا القول ولم ينسبه لأحد.]]. ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ هذا جواب لكلام مضمر [[في (ظ): (الكلام مضمرًا).]] التقدير: لو كانت معه آلهة إذن لذهب كل إله بما خلق، أي لاعتزل وانفرد بخلقه [[من قوله: هذا جواب إلى هنا. هذا كلام الطبري رحمه الله في "تفسيره" 18/ 49 مع اختلاف يسير جدًّا وتقديم وتأخير. و"أصل الكلام" للفراء 2/ 241.]]، فلا يرضى أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، ومنع [[في جميع النسخ: (ومنع)، وفي المطبوع من "البسيط" 3/ 296: ولمنع. وأشار المحقق في الحاشية إلى أنه في بعض النسخ: منع. وعند ابن الجوزي 5/ 488: ولمنع. وعند البغوي 5/ 427: ومنع.]] الإله الآخر عن [[في (ظ): (من)، وفي باقي النسخ والوسيط والبغوي وابن الجوزي: عن.]] الاستيلاء على ما خلق [[في (ع): (في).]]. قوله: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ دليل آخر على [[من قوله: "فلا في .. " إلى هنا ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 345 - 346 من غير نسبة لأحد.]] نفي الشريك معطوف على الأول. قال الفراء: بغى بعضهم على بعض [["معاني القرآن" للفراء 2/ 241.]]. وقال الزجاج: طلب بعضهم مغالبة بعض [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 20.]]. وهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين: لقاتل بعضهم بعضًا كما يفعل الملوك في الدنيا يقاتل هذا هذا [[ذكر البغوي 5/ 427 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.]]. قال أهل العلم في هذه الآية: ذكر الله تعالى في أول الآية نفي الولد ونفي الشريك، ثم ذكر الدليل على نفي الشريك واقتصر عليه ولم يذكر الدليل على نفي الولد؛ لأن الدليل على نفي الشريك يتضمن نفي الولد، وذلك أن الولد ينازع الأب في الملك منازعة الأجانب، فلو كان لله ولد لأظهر المنازعة كما يكون بين الإلهين [[في (ظ): (الأهلين).]]، والملكين [[ذكر القرطبي 12/ 146 هذا المعنى باختصار ولم ينسبه لأحد.]]. ثم نزّه عما وصفوه به فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.

المؤمنون 23:92

قوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ قرئ (عَالِمُ الْغَيْبِ) [[(الغيب) ليست في (ع).]] رفعًا وجرًا [[قرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي: "عالمُ" رفعًا. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وابن عامر: "عالمِ" جرًا. "السبعة" ص 447، "التبصرة" ص 271، "التيسير" ص 160.]]. قال الأخفش: الجر أجود ليكون الكلام من وجه واحد، وأما الرفع فعلى أن يكون خبر ابتداء محذوف. قال: ويقوي [[في (ظ): (ويقول)، وهو خطأ.]] ذلك [[في (أ): (ذاك).]] أن الكلام الأول قد انقطع [[كلام الأخفش في "الحجة" للفارسي 5/ 302 بنصِّه. ولم أجده في كتابه المعاني.]]. واختار الفراء الرفع، فقال: وجه الكلام الرفع بالاستئناف، الدليل [[في (ظ): (والدليل). والمثبت من (أ)، (ع): وهو الموافق لما عند الفرّاء.]] على ذلك دخول الفاء في قوله: ﴿فَتَعَالَى اللهُ﴾ ولو خفضت لكان وجه الكلم أن يكون "وتعالى" بالواو لأنه إذا خفض أراد: سبحان الله عالمِ الغيب والشهادة وتعالى، فدخول [[في (ظ): (ودخول).]] الفاء دليلٌ على أنه أراد: هو عالمُ الغيب والشهادة فتعالى؛ ألا ترى أنك تقول: مررت بعبد الله المحسنِ وأحسنت إليه. فلو رفعت "المحسنُ" لم يكن بالواو لأنك تريد: هو المحسنُ فأحسنت إليه. قال: وقد [[(وقد): ساقطة من (ع).]] يكون الخفض في ﴿عَالِمِ﴾ تتبعه ما قبله وإن كان بالفاء؛ لأن العرب قد [[(قد): ساقطة من (ظ).]] تستأنف بالفاء كما يستأنفون بالواو [["معاني القرآن" للفراء 2/ 241. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 440، "الكشف" لمكي 2/ 131.]]. ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا﴾ قال صاحب النظم: "ما" قد تكون شرطًا كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: 106] و"إمَّا" إنَّما هو [إنْ ما، فـ] [[زيادة من القرطبي 12/ 147 بها يستقيم المعنى.]] "إنْ" شرط و"ما" [[في (أ): (وأما)، وهو خطأ.]] أيضًا شرط؛ فجمع بين الشرطين توكيدًا، فلما وكّد الشرط أدخل النون الثقيلة في الفعل توكيدًا، لأن النون الثقيلة تجيء [[في (ع): (تجيء في افعل)، ويظهر أن تكرار.]] توكيدًا للأفعال [[ذكر القرطبي 12/ 147 هذا المعنى باختصار إلى قوله بين الشرطين توكيدًا. ولم ينسبه لأحد.]]. وقوله: ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ قال ابن عباس: من النقمة فيهم. وقال مقاتل: يعني القتل ببدر [["تفسير مقاتل" 2/ 33 أ.]].

المؤمنون 23:94

﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي﴾ قال الفراء: هذه الفاء جواب لقوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ اعترض النداء بينهما كما تقول: إن تأتني كما زيد فعجّل [[في (أ)، (ظ): (فجعل).]]، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز أن تقول: يا زيد فقم، ولا أن تقول: يا رب فاغفر لي؛ لأن النداء مستأنف، [وكذلك الأمر بعده مستأنف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] لا تدخله الفاء ولا الواو [["معاني القرآن" للفراء 2/ 241.]]. قوله تعالى: ﴿فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي: يعني مع [[في (ع): (في).]] الفئة الباغية [[ذكر الرازي 23/ 118 نحو هذا القول ولم ينسبه لأحد.]]. قال أبو إسحاق: أي إن أنزلت بهم النقمة كما رب فاجعلني خارجًا عنهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 21.]]. قال مقاتل: وذلك أنَّ النبي -ﷺ- أراد أن يدعو على كفار مكة [["تفسير مقاتل" 2/ 33 أ.]].

المؤمنون 23:95

فعلّمه الله كيف يدعو، وأخبر أنه قادر على إنزال العذاب بهم بقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. ثم أمره بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب للعذاب فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال المفسرون: يعني الإعراض والصفح ﴿السَّيِّئَةَ﴾ [[في (ظ)، (ع): (والسيئة).]] وهي أذى المشركين إيّاه [[الطبري 18/ 51 مع اختلاف يسير.]]. والمعنى: ادفع بالخلّة التي هي أحسن -وهي الصبر والصفح- أذاهم وجفاهم [[الثعلبي 3/ 64 أ.]]. وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم [[ذكر هذا الطبري 18/ 51، والثعلبي 3/ 64 أ. وانظر: "الناسخ والمنسوخ" لهبة الله بن سلامة ص 67، "الناسخ والمنسوخ" لابن حزم ص 46، "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" لابن البارزي ص 42. وهي على قول هؤلاء منسوخة بآية الأمر بالقتال، والصواب أنَّها محكمة غير منسوخة، ولا تعارض بينها وبين آيات الأمر بالقتال، ولذا نقل ابن الجوزي في "ناسخ القرآن ومنسوخه" ص 467 عن بعض المحققين من العلماء أنَّه قال: لا حاجة بنا إلى القول بالنسخ، لأن المداراة محمودة ما لم تضر بالدين، ولم تؤد إلى إبطال حق وإثبات باطل. اهـ. وقال ابن كثير 3/ 254: قال تعالى مرشدًا له -يعني للنبي -ﷺ- إلى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان إلى من يُسيء إليه ليستجلب خاطره فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة .. وهذا كما قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. وانظر: "البحر المحيط" 6/ 422، "أضواء البيان" 5/ 818.]]. وقال أهل المعاني: إذا ذكروا المنكر فاذكر الحجَّة في فساده والموعظة التي تصرف عنه إلى ضدّه من الحق بتلطّف في الدعاء إليه والحث عليه [[ذكر الماوردي في "النكت والعيون" 4/ 66 هذا المعنى باخصار. وقال: حكاه ابن عيسى.]]. وروي عن مجاهد وعطاء أنهما قالا في قوله: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: السلام يسلم عليهم إذا لقيهم [[رواه عن مجاهد عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 48، والطبري 18/ 51، وذكره عن عطاء السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 13 وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. ولا أدري هل كان يسلم على المشركين أم لا؟ فإنَّه -ﷺ- نهانا أن نبدأهم بالسلام [[روى البخاري في الاستئذان -باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين 11/ 38، ومسلم في الجهاد- باب في دعاء النبي -ﷺ- وصبره على المنافقين 3/ 1422 - 1423، من حديث أسامة -رضي الله عنه-: أن النبي -ﷺ- مر بمجلس فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ... فسلم عليهم النبي -ﷺ-" الحديث وروى مسلم في السلام - باب في السلام على أهل الذمة 14/ 111، والترمذي في السير- باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب 5/ 227، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -ﷺ- قال "لا تبدؤا اليهود والنَّصّارى بالسلام" الحديث.]]. قوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بما يقولون من الشرك [[ذكر ابن الجوزي 5/ 489، والقرطبي 12/ 147 هذا القول ولم ينسبه لأحد.]]. وقال مقاتل: بما يقولون من الكذب [["تفسير مقاتل" 2/ 33 أ.]]. ومعنى ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ إنَّا [[في (ع): (بما). والمثبت من باقي النسخ والوسيط.]] نجازيهم بما يستحقون [[في (ظ)، (ع): (بما يستحقون به).]] من الجزاء في الوقت الذي يصلح للأخذ بالعقوبة. أي [[(أي): ساقطة من (أ).]]: فليس يخفى علينا ما يقولون، ولسنا نغفل عن مجازاتهم. ثم أمره أن يتعوذ من الشيطان ليسلم في دينه فقال:

المؤمنون 23:97

﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾ أي اطلب الاعتصام بك ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ الهمزات جمع همزة كقوله: تمرات [[في (أ): (ثمرات وثمرة)، ومهملة في (ظ).]] وتمرة. ومعنى الهمز في اللغة: الدفع [[انظر: "لسان العرب" 5/ 426 (همز)، "القاموس المحيط" 2/ 196.]]. روى أبو عبيد عن الكسائي: همزته ولمزته ولهزته [[(ولهزته): ساقطة من (أ).]] ونهرته إذا دفعته [["تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 164 (همز) من رواية أبي عبيد عن الكسائي.]]. وكان رسول الله -ﷺ- يقول: "اللهمَّ إني أعوذ بك من هَمزْ الشيطان ونَفثه ونفخه" فقيل: كما رسول الله ما همزه ونفثه ونفخه؟ قال: "أما همزه فالموتة، وأما نفثه فالشِّعْرُ، وأما نفخه فالكبر" [[ذكره بهذا اللفظ أبو عبيد في "غريب الحديث" 3/ 77 ولم يذكر له إسنادًا، وكذا ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 6/ 165. وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 403، وابن ماجه في "سننه" (أبواب إقامة الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة 1/ 145، وابن خزيمة في "صحيحه" 1/ 240، وأبو يعلى الموصلي في مسنده 9/ 258، والحاكم في "مستدركه" 1/ 207، من حديث عبد الله بن مسعود، عن النبي -ﷺ- أنه كان يتعوذ من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه، قال: وهمزه: المُوتة، ونفثه: الشعر، ونفخه: الكبر. وهذا الحديث ضعف إسناده البوصيري في "مصباح الزجاجة" 1/ 285. وحسَّن إسناده الحلامة أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" 5/ 318. وله شاهدان مرسلان يتقوى بهما: أولهما: ما رواه أحمد في "مسنده" 5/ 156 من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن== قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا قام من الليل يقول: اللهم إنّي أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزة ونفثه ونفخه. قال: وكان رسول الله -ﷺ- يقول: تعوذوا من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، قالوا: كما رسول الله وما همزه ..... الحديث. والثاني: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه 2/ 84 عن الحسن: أن النبي -ﷺ- كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه، فقالوا: ما أكثر ما نستعيذ من هذا! لمن هذا؟ قال: أمّا همزه فهو المجنون، وأما نفخه فالكبر، وأما نفثه فالشعر. وبمرسل أبي سلمة صحّحه الألباني في "صحيح ابن ماجه" 1/ 135. وانظر: "إرواء الغليل" للألباني 2/ 53 - 57. والموتة: بضم الميم وفتح التاء بدون همز.]]. قال أبو عبيد [[في جميع النسخ: (أبو عبيدة)، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب.]]: والموتة: المجنون. وإنَّما سمّاه همزًا؛ لأنَّه جعله من النخس والغمز، وكل شيء دفعته [[في (ظ): (رفعته)، وهو خطأ.]] فقد همزته [["تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 165 (همز) نقلاً عن أبي عبيد. وكلام أبي عبيد في كتابه "غريب الحديث" 3/ 78.]]. وعلى هذا معنى [[(معنى): ساقطة من (ع).]] ﴿هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. وهو معنى قول ابن عباس والحسن: نزغات الشياطين ووساوسهم [[ذكره عنهما الثَّعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 64 أ.]]. وذلك أنّه إنما يدفع الناس إلى [[(إلى): ساقطة من (ظ).]] المعاصي بما يوسوس إليهم من التسويل والتَّمنية [[كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120].]]. وقد يكون الهمز في اللغة بمعنى: العيب [[هذا قول ابن الأعرابي كما في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 164 (همز). وانظر: "الصحاح" للجوهري 3/ 902 (همز)، "لسان العرب" 5/ 426 (همز).]]. ومنه قوله -عز وجل-: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1] وهو الذي يهمز أخاه في قفاه من خلفه [[في (1): (خلف)، وفي (ع): (خلقه).]] أي [[في (أ): (إلي).]]: يغتابه ويعيبه [[قوله: (الذي يهمز .. خلفه). في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 164 - 165 (همز) منسوبًا إلى الليث.]]. قال المبرد: والهمز في كلام العرب: إنما هو أن [[في (ع): (لمن).]] يهمز الرجل بقول قبح من حيث لا يسمع، وسميت مكايدة [[في (ظ): (مكايد).]] الشيطان همزًا؛ لأن مكايدته خفيّة بالنزغة والوسوسة [[لم أجده.]]. ومن هذا قول مجاهد في تفسير الهمزات: نفخهم ونفثهم [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 64 أ. قال الإمام ابن القيم في "إغاثة اللهفان" 1/ 155: وظاهر الحديث -يعني استعاذة النبي -ﷺ- من همز الشيطان ونفخه ونفثه- أن الهمز نوع غير النفخ والنفث، وقد يقال -وهو الأظهر- إن همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم وإذا قرنت بالنفخ والنفث كانت نوعًا خاصا، كنظائر ذلك.]]. وذلك أن الشطان ينفخ في الإنسان عند الغضب وغيره، وينفث فيه من حيث لا يشعر به. وقد يكون الهمز في اللغة بمعنى: العصر. يقال: همزت رأسه، وهمزت الجوز بكفي. ومنه: ومن همزنا رأسه تهشَّما [[من قوله: (الهمز .. إلى هنا). في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 1645 (همز) منسوبًا إلى الليث. وهو في العين 4/ 17 (همز) وفيه: الجوزة. وليس فيه الإنشاد. وهذا الشطر من الرجز لم ينسبه الأزهري. وهو لرؤبة في "ديوانه" (1843)، "التنبيه والإيضاح" لا بن بزي 2/ 253، "اللسان" 5/ 425 (همز)، "تاج العروس" للزبيدي 15/ 388 (همز).]] وهذا معنى قول ابن زيد في هذه الآية ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ قال: خنقهم الناس [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 63 أ. ورواه الطبري 18/ 51.]]. ومعنى قول [[في (ع): (تفسير).]] أبي إسحاق في تفسير الهمزات أنها مس الشيطان [["معاني القرآن" للزجَّاج 4/ 21.]]. وذكرنا معنى مسّ الشيطان عند قوله: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275].

المؤمنون 23:98

قوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ قال ابن زيد: يحضروني [[(يحضروني): ساقطة من (أ).]] في أموري [[في (ع): (أمري).]] [[رواه الطبري 18/ 51، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 114 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.]]. وقال الكلبي: عند تلاوة القرآن [[ذكره عنه ابن القيم في "إغاثة اللهفان" 1/ 155. وذكر الزمخشري 3/ 42 هذا القول ونسبه لابن عباس.]]. وقال عكرمة: عند النزع والسياق [[ذكره عنه الزمخشري 3/ 42، وابن القيم في "إغاثة اللهفان" 1/ 155.]]. قال صاحب النظم: هذا من باب الإيماء؛ لأن معنى قوله: ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ إيماءً إلى أن يصيبوني بسوء، ومنه قولهم: حضر فلان، إذا دنى موته. ويقال: اللبن [[في (ظ): (الناس).]] محضور ومحتضر، أي: يصاب منه، وكذا [[في (أ): (وكذا).]] الحُشُوش والكُنُف [[الحُشُوش: جمع: حُش -بضم الحاء وفتحها- وهو المخرج والمتوضأ. "لسان العرب" 9/ 286 (حشش). والكنف: جمع كَنِيف وهو المرحاض. "القاموس المحيط" 3/ 192.]] مُحْتَضَرة، أي يصاب الناس [[(الناس): ساقطة من (ظ). والعبارة في (ظ): (أي يصاب منه أي يصاب فيها).]] فيها، ومنه قوله-عز وجل-: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: 28] أي مصاب منه يصيب صاحبه. هذا كلامه. والصحيح أن يقال: المعنى: وأعوذ بك ربِّ [[(ربِّ) ليست في (أ).]] أن يحضرون بسوء، بحذف ذكر السوء اختصارًا على أنه مفهوم المعنى، وذلك قولهم اللبن محتضر [[(محتضر): ساقطة من (ع).]] فغط إناك، يعنون: تحتضره الدابة وغير ذلك من أهل الأرض [[قولى: (قولهم اللبن محتضر ... إلى هنا). هذا كلام الأصمعي كما في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 201 (حضر).]]، والكُنُف تحتضره الشياطين والجن، وقوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ باحتضار صاحبه. وهذا معنى ما ذكره صاحب النظم من قوله: أن يصيبوني بسوء؛ لأنهم إذا حضروه بسوء أصابوه به [[(به): ساقطة من (أ).]]. وحذف ذكر السوء؛ لأن الشيطان لا يحضر ابن آدم إلا بسوء [[ذكر ابن الجوزي 5/ 489 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.]]، فلذا [[في جميع النسخ: (فإذا). وما أثبتناه هو الصواب.]] أمر أن يتعوذ من أن يأتيه الشيطان أو يقربه.

المؤمنون 23:99

ثم أعلم -تعالى ذكره- أن هؤلاء الذين ذكروا قبل هذا الموضع ودفعوا البعث يسألون المرجع إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ قال مقاتل: يعني [[(يعني): لست في (أ).]] الكفار [["تفسير مقاتل" 2/ 33 أ.]]. ﴿الْمَوْتُ﴾ قال الكلبي ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 33 أ.]]: يعني ملك الموت. وقال غيرهما: يعني [[(يعني): ساقطة من (أ).]] أسباب الموت ومقدماته كقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [[في (ظ): (فيأتيه).]] [إبراهيم: 17]. وقد مرّ. ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد إلى الدنيا [[انظر: "الطبري" 18/ 52.]]. قال الفراء، والزجاج، وجميع أصحاب العربية: قوله: ﴿ارْجِعُونِ﴾ وهو يريد الله -عز وجل- وحده [[في (أ). (الله وحده -عز وجل-).]]، فجاء الخطاب في المسألة على لفظ الإخبار، لأن الله -عز وجل- قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ [ق: 43] وهو وحده يحيي، وهذا لفظ تعرفه العرب للجليل الشأن يخبر عن نفسه بما يخبر به [[في (ع): (عن الجماعة).]] الجماعة، فكذلك جاء الخطاب في ﴿ارْجِعُونِ﴾ [[هذا كلاء الزجاج بنصِّه في "معاني القرآن" 4/ 21 - 22. وانظر: "معاني القرآن" == للفراء 2/ 241 - 242. وقد جَوَّد هذا الوجه السمين الحلبي 8/ 366، واستظهره الشنقيطي في "تفسيره" 5/ 821.]]. وروي عن ابن جريج أنه قال -في هذه الآية-: إنّهم استغاثوا [[في (أ): (استعانوا)، ومهملة في (ظ).]] بالله أولاً ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة المرجع [[في (ظ): (المرجع).]] إلى الدنيا [[ذكره القرطبي 12/ 149 وأبو حيان 6/ 421 عن ابن جريج. وذكر البغوي 5/ 428 هذا القول وصدَّره بقيل. وفي نسبة هذا القول إلى ابن جريج نظر؛ والأظهر أن هذا قول الطبري، وبيان ذلك: أنَّ الطبري روى في "تفسيره" 18/ 52 عن ابن جريج قال: قال النبي -ﷺ- لعائشة: "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا؟ فيقول: إلى دار الهموم والأحزان! فيقول: بل قدَّماني إلى الله. وأما الكافر فيقال: نرجعك؟ فيقول: لعلّي أعمل صالحا فيما تركت ... " الآية. ثم قال الطبري بعد ذلك: وقيل "ربِّ ارجعون" فابتدأ الكلام بخطاب الله تعالى، ثم قيل "ارجعون" فصار إلى خطاب الجماعة، والله تعالى ذكره واحد. وإنما فعل ذلك كذلك؛ لأن مسألة القوم الرّد إلى الدنيا إنّما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحهم كما ذكر ابن جريج أن النبي -ﷺ- قاله. وإنما ابتدئ الكلام بخطاب الله جل ثناؤه لأنَّهم استغاثوا به ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة الرجوع والرد إلى الدنيا. اهـ. فظاهر العبارة أن قائل "وإنما ابتدىء ... الدنيا" هو الطبري. والله أعلم.]]. واختار المبرد هذا الوجه فقال: ﴿ارْجِعُونِ﴾ خطاب للملائكة بعد أن قال: رب، مستغيثا. ومثل هذا يكثر [[في (ظ): (كثر).]] في الكلام عن العرب أن يخاطبوا أحدًا ثم يصرف المخاطبة إلى غيره، لأنَّ المعنى مشتمل على ذلك. وأنشد للأحوص [[في (ظ)، (ع): (للأخوص).]]: يا دارُ غَيَّرها البلى تغييرا [[في (ظ): (تغيَّرا).]] ... وسفت [[في (أ): (وسقت)، وفي (ظ) مهملة.]] عليها الريح بعدك مورا [[البيت في "ديوان الأحْوص" ص 130، "الكتاب" 2/ 201، "تحصيل عين الذهب" للشنتمري 1/ 312 وعندهم: "حسَّرها البلى تحسيرا" عوضًا من "غيرها البلى تغييرًا". ونسبه الأصبهاني في "الأغاني" 3/ 336، والسيرافي في "شرح أبيات سيبويه" 1/ 523 للحارث بن خالد المخزومي. وروايتهما مثل رواية الديوان إلا أنَّه وقع في الأغاني: "بورا" عوضًا من "مورا". والبيت بمثل رواية الواحدي في "معاني القرآن" للفراء 2/ 376 من غير نسبة. قال الشنتمري 1/ 312: البلى: القدم، ومعنى "سفت": طيرت، والمور: ما تطيره الريح من التراب.]] فدعا الدار، ثم أخبر عنها، ثم خاطب صاحبها [[انظر: "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 523.]]. قال: وذلك قول [[(قول): ساقطة من (أ).]] النابغة [[بيت النابغة هذا أول أبيات قصيدته المشهورة التي يعذر فيها للنعمان بن المنذر من وشاية بلغته عنه، ويمدحه فيها. وهو في "ديوانه" ص 14، "شرح القصائد التسع" للنَّحَّاس 2/ 733، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 512. قال أبو جعفر النحاس في شرحه 2/ 733: قوله: "يا دار ميَّة" داء مضاف، و"ميَّه" معرفة، فذلك لم يصرفها. قال الأصمعي: "العلياء": مرتفع من الأرض. و"السَّند": سند الوادي في الجبل، وهو ارتفاعه حيث يُسند فيه، أي يُصعد. و"أقوت" خلت من أهلها .. السالف: الماضي .. و"الأبد": الدَّهْر. اهـ.]]: يا دار ميَّة بالعلياء فالسند [[في (ظ): (والسَّند).]] ... أقوت [[في (أ)، (ظ): (أموت).]] وطال عليها سالف الأبد فدعا أولاً ثم حدث عنها.

المؤمنون 23:100

قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: يريد أشهد أن لا إله إلا الله [[رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص 108، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 115 وعزاه للبيهقي.]]. وقال مقاتل: يعني الإيمان [["تفسير مقاتل" 2/ 33 أ.]]. وقال قتادة: إما والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا عشيرة، ولكنه تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر فاعملوا فيها [[ذكره عنه البغوي 5/ 428، وابن كثير 3/ 255.]]. قوله تعالى: ﴿فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ قال ابن عباس: فيما مضى من عمري [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 490.]]. وقال الكلبي: فيما كذّبت. وقال غيره: فيما ضيعت [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 18/ 52، والثعلبي 3/ 64 ب.]]. قال الله تعالى ﴿كَلَّا﴾ قال ابن عباس: يقول لا ترجع إلى الدنيا ﴿إِنَّهَا﴾ إن مسألته الرجعة ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يريد لابد أن يقولها عند الموت حين [[(حين): ساقطة من (ع).]] يعاين عذاب الله [[ذكر ابن الجوزي 5/ 490 هذا القول إلى قوله: الرجعة. ولم ينسبه لأحد.]]. ونحو هذا ابن زيد [[روى الطبري 18/ 53 عنه قال: لابد أن يقولها.]]. وقال آخرون [[ذكر الثعلبي 3/ 64 ب نحو هذا المعنى مختصرًا، ولم ينسبه لأحد. وذكره ابن الجوزي 5/ 49 مختصرًا.]]: ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يعني أن سؤاله الرجعة كلام يقوله [[في (ع): (هو يقوله).]] ولا فائدة له؛ لأنّه لا يجاب إلى ما يسأل، فهو كلام يقوله ولا فائدة له، كقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: 30] [وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]. وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ قال أبو عبيدة: ومن أمامهم [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 62.]]. وهذا مما يجوز أن يكون المراد به: ومن بين أيديهم، كما قال أبو عبيدة، ويجوز أن يكون المراد به [[(به): ساقطة من (أ).]]: ومن خلفهم، كما ذكرنا في قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [[في (أ)، (ظ): (ورائهم)، وهو خطأ.]] [إبراهيم: 16]. وقد مرّ. قوله تعالى: ﴿بَرْزَخٌ﴾ معنى البرزخ في اللغة: الحاجز بين الشيئين كيفما [[في (ظ): (كيف).]] كان من عين أو معنى، نحو المسافة والجدار والأيام والعداوة وغير ذلك [[انظر: (برزخ) في "تهذيب اللغة" 7/ 671، "الصحاح" 1/ 419، "اللسان" 3/ 8.]]. وهذا معنى قول الفراء، قال: البرزخ والحاجز والمهلة [[في (ظ): (وأنهله).]] متقاربات في المعنى وذلك أنك تقول: بينهما حاجز أن يتزاورا، فتنوي بالحاجز [[في (ع): (بالحاجة)، وهو خطأ.]] المسافة وتنوي الأمر المانع [[في (ع): (المانع من المسافة). وهو انتقال نظر من الناسخ إلى ما بعده.]]، مثل اليمين والعداوة، فصار المانع من المسافة كالمانع من الحوادث فوقع عليهما البرزخ [[كلام الفراء بنصَّه في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 671 (برزخ). وهو في "معاني القرآن" للفراء 2/ 242 مع اختلاف يسير.]]. ومنه حديث علي -رضي الله عنه- أنه صلى بقوم فأسْوى [[في (أ)، (ع): (بما سوى). وفي (ظ): (فاستوى).]] برزخا [[ذكره بهذا اللفظ الأزهري في "تهذيب اللغة" 7/ 671. وذكره أبو عبيد في غريب الحديث 3/ 448 بهذا اللفظ، ثم رواه من حديث أبي عبد الرحمن السلمي قال: ما رأيت أحدًا أقرأ من علي، صلينا خلفه فقرأ برزخًا فأسقط حرفًا فرجع فقرأه ثم عاد إلى مكانه.]]. أي أسقط، وأراد بالبرزخ ما بين الموضع الذي [أسقط منه إلى الموضع الذي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] انتهى إليه. قاله أبو عبيد [[في جميع النسخ: (أبو عبيدة)، وهو خطأ.]] [[كلام أبي عبيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 671 (برزخ). وهو في كتاب "غريب الحديث" لأبي عبيد 449/ 3.]]. وبرازخ الإيمان ما بين اليقين والشك. والبرزخ: ما بين كل شيئين. ومنه قيل للميت: هو في البرزخ؛ لأنّه بين الدنيا والآخرة [[من قوله: (وبرازخ إلى ... إلى هنا) في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 671 منسوبًا إلى أبي عبيد. وهو في "غريب الحديث" لأبي عبيد 3/ 448 - 449.]]. وقال أبو إسحاق: البرزخ في اللغة: الحاجز، وهو هاهنا ما بين موت الميت وبعثه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 52.]]. وهذا قول الضحاك وابن زيد: ما بين الموت إلى البعث [[في (ظ): (والبعث).]] [[ذكره عنهما بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 64 ب. ورواه عنهما الطبري 18/ 53 بنحوه.]]. وروي عن ابن عباس: ([بَرْزَخٌ]: حجاب [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 64 ب.]]. وقال السدي ومقاتل: أجل [[ذكره الثعلبي 3/ 64 ب عن السدي. وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 33 أ.]]. وقال مجاهد: حجاب بينهم وبين [[في (أ): (وعن).]] الرجوع إلى الدنيا وهم فيه إلى يوم يبعثون [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 64 ب. ورواه هنّاد بن السري في "الزهد" 1/ 195، والطبري 18/ 53، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 115 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي نعيم في الحلية.]]. وقال قتادة: بقية الدنيا [[ذكره الثعلبي 3/ 64 ب، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 48، والطبري 18/ 53، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 115 ونسبه أيضًا لحبد بن حميد.]]. يعني [[(يعني): ساقطة من (ع).]] أنهم يكونون في البرزخ إلى أنْ تفنى الدنيا فيبعثوا. والكناية [[في (ع): (فالكناية).]] في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ كالكناية في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ﴾. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿يَوْمِ﴾ مضاف إلى (يُبْعَثُونَ) لأن أسماء الزمان تضاف إلى الأفعال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 22.]].

المؤمنون 23:101

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قال ابن عباس- فيما روى عنه سعيد بن جبير-: هي النفخة الأولى، نفخ [[هكذا في جميع النسخ. وعند الثعلبي: "ونفخ".]] في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله [[رواه الثعلبي 3/ 64 ب بإسناده من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به، إلا أن فيه "ونفخ" كالآية. ورواه البخاري في "صحيحه" (كتاب التفسير- سورة حم السجدة 8/ 555 - 556) عن سعيد قال: قال رجلٌ لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال: "فلا أنساب بينهم" ... الحديث مطولاً، وفيه قال ابن عباس: في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور ... ورواه الطبري 18/ 54 عن سعيد عن ابن عباس بنحوه.]]. قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي لا يتناسبون [[في (ظ): (لا يتساءلون).]] في ذلك الوقت ليعرف [[في (أ): (لنعرض).]] بعضهم بعضًا لاشتغال كل أحد بنفسه عن غيره، ولا يسأل بعضهم بعضًا عن حاله أو لا يتعاطفون بالإنساب [[ذكر الطوسي في "التبيان" 7/ 349 هذا المعنى وصدَّره بقوله: وقيل وذكر عن الحسن أنه قال: معناه: لا أنساب بينهم يتعاطفون بها.]]. وقال -في رواية عطاء-: هي [[في (أ): (في).]] النفخة الثانية ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ قال: يريد لا تفاخر بينهم كما كانوا يتفاخرون في الدنيا ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ كما تسأل العرب في الدنيا من أي قبيلة أنت؟ [[ذكره عنه البغوي 5/ 429 من رواية عطاء. وذكر ابن الجوزي 5/ 490 عنه أوله من رواية عطاء. وذكر الثعلبي 3/ 64 ب عنه قوله: يريد فلا تفاخر بينهم كما كانوا يتفاخرون في الدنيا. ولم يذكر من رواه عنه.]]. وهذا قول ابن مسعود ومقاتل: أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخة الثانية [[ذكره الثعلبي 3/ 64 ب عن ابن مسعود. وقول مقاتل في "تفسيره" 2/ 33 أ.]]. قال ابن مسعود: الخلق يومئذ أشد تعلقًا بعضهم ببعض منهم في الدنيا، الأب بابنه والابن بأبيه والأخ بأخته والأخت بأخيها والزوج بامرأته والمرأة بزوجها. وتلا هذه الآية [[لم أجده بهذا اللفظ. وقد رواه الطبري في "تفسيره" 8/ 362 - 365 (شاكر) مطولاً، 18/ 54 مختصرًا)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (كما في تفسير ابن كثير 2/ 497)، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 64 ب - 65 أ، وأبو نعيم في "الحلية" 4/ 202، كلهم من طريق زاذان عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، ولفظه: فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو ابنها أو على أخيها أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: "فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون". وقد صحح العلامة أحمد شاكر إسناد ابن أبي حاتم كما في "تعليقه على الطبري" 8/ 364.]]. ولابد من تقدير محذوف في الآية على تأويل: فلا أنساب يومئذٍ يتفاخرون بها ويتعاطفون بها؛ لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ إنما يرتفع التواصل والتعاطف والتفاخر بها والتَّساؤل. وهذه الآية لا تنافي قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] لأن للقيامة أحوالًا، ومواطن، منها ما يشغلهم عظم الأمر الذي ورد عليهم عن المسألة، ومنها حال يفيقون فيها فيتساءلون. وهذا معنى قول ابن عباس -في رواية المنهال بن عمرو- لما سئُل عن الآيتين فقال: هذه تارات [[تارات: جمع تارة، وهي الحين والمرّة. والمراد أحوال يوم القيامة مرة بعد مرة وحينًا بعد حين. انظر: "القاموس المحيط" 1/ 381.]] يوم القيامة [[لم أجده بهذا اللفظ، وقد روى البخاري في "صحيحه" (كتاب التفسير- سورة حم، السجدة 8/ 555 - 556)، والطبري في الكبير 10/ 301 - 302 من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ... فقال ابن عباس: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وروى سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 157 أ) من طريق أبي إسحاق الأشجعي عن ابن عباس أنه سُئل عن الآيتين فقال: إنها مواقف، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون. ورواه الطبري 18/ 54 من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: بمعناه.]]. وأجاب في رواية سعيد بن جبير يحمل آية التساؤل على أن ذلك في الجنة فقال: إنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون [[رواه الطبري 18/ 54، والحاكم في "مستدركه" 2/ 395 من رواية المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.]]. قال أبو علي: لا يجوز أن يكون "إذا" نصبا بـ"نُفِخَ" ولا بقوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ لأن ما بعد "لا" لا يعمل فيما قبلها، فإذا لم يجز نصبه على هذين انتصب بفعل مضمر يُفسره ويدل عليه قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، على تقدير: تنقطع الأنساب إذا نفخ في الصور، أو لا تنفع الأنساب وما أشبه ذلك. وشرح هذه المسألة أن يذكر عند قوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 7] الآية.

المؤمنون 23:102

قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ هذه والآية [[في (ظ)، (ع): (الآية).]] التي بعدها ذكرنا تفسيرهما في أوائل سورة الأعراف [[انظر: "البسيط" [الأعراف: 8 - 9].]].

المؤمنون 23:104

قوله تعالى. ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ معنى اللفح: الإحراق. يقال: لفحته [[في (أ): (ألفمه).]] النار والسموم، إذا أحرقته [[انظر: "لفح" في "تهذيب اللغة" 5/ 73، "الصحاح" 1/ 401، "لسان العرب" 2/ 578.]]. وقال الزجاج: تلفح وتنفح بمعنى واحد، إلا أن اللفح أنهم تأثيرًا [[في (أ): (تأخيرًا)، وهو خطأ.]] من النفح [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 23. وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 73.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكلوح: بدو الأسنان [[في (أ): (الإنسان).]] عند العبوس. يقال: كلح كلوحًا، وأكلحه [[في (أ)، (ع): (وكلمه). وفي (ظ): (إذا كلمه). والتصويب من "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 102.]] كذا [["تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 102 (كلح) منسوبًا إلى الليث.]]. ويقال: دَهْرٌ كالح وبردٌ كالح. إذا كان شديدًا [[في (ظ)، (ع): (شديد)، وهو خطأ.]] [[هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 102 (كلح) دون قول: وبرد كالح. وانظر: "الصحاح" للجوهري 1/ 399 (كلح)، "المحكم" لابن سيده 3/ 31 (كلح)، "لسان العرب" 2/ 574 (كلح).]]. وقال الزَّجَّاج: الكالح: الذي قد شمرت شفتاه عن أسنانه، نحو ما ترى [من] [[زيادة من "معاني الزجاج" 4/ 23، و"تهذيب الأزهري" 4/ 102.]] رؤوس الغنم إذا برزت الأسنان وتشمرت الشفاه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 23.]]. قال ابن مسعود -في هذه الآية-: ألم تر إلى الرأس المشيَّط [[المشيط: يقال: شيطت رأس الغنم ... إذا أحرقت صوفه. "الصحاح" للجوهري 3/ 1139 (شيط).]] بالنار، وقد [[في (ظ): (قد).]] بدت أسنانه وقلصت [[قلصت: أي انزوت. "لسان العرب" 7/ 79 (قلص).]] شفتاه [[رواه سفيان في "تفسيره" ص 218، وابن المبارك في "الزهد" (زوائد الزهد لأبي نعيم ص 84)، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 48 - 49، وهناد في "الزهد" 1/ 190، والطبري 18/ 59 من طريق أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بمثله. ورواه من هذا الوجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 174 - 175، والحاكم في "مستدركه" 2/ 395، والبيهقي في "البعث والنشور" ص 276 بنحوه مختصرًا. وفي إسناده عند هؤلاء أبو إسحاق السبيعي قال ابن حجر في "التقريب" 2/ 73 ثقة عابد، من الثالثة، اختلط بآخرة. لكن الرواي عنه هو سفيان الثوري وهو من قدماء أصحابه الذين سمعوا منه قبل الاختلاط انظر: "هدى الساري" لابن حجر ص 430. قال ابن الكيال في كتابه "الكواكب النيرات في معرفة ص اختلط من الروا"الثقات" ص 351: (وقد أخرج الشيخان في الصحيحين لجماعة من روايهم عن أبي إسحاق، وهم ... وسفيان الثوري. اهـ. ولهذا قال الحاكم 2/ 395: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. == ووافقه على ذلك الذهبي. فإسناد هذا الأثر صحيح. وقد رواه الطبراني في "المعجم" 9/ 261 من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بنحوه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 73: ورجاله ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. اهـ. لكن يعضده ما تقدم. والله أعلم.]]. وروى الخدري، عن رسول الله -ﷺ- في هذه الآية قال: "تشويه النار فتقلص [[في (أ): (فتلصق).]] شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتشترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" [[رواه ابن المبارك في "مسنده" ص 76، و"زوائد الزهد" لأبي نعيم ص 84، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 88، والترمذي في "جامعه" (كتاب التفسير- ومن سورة المؤمنين 9/ 20)، وأبو يعلى في "مسنده" 2/ 516، والحاكم في "مستدركه" 2/ 246، 395، والبيهقي في "البعث والنشور" ص 275، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 65 أ، والواحدي في "الوسيط" 3/ 298، وأبو نعيم في "الحلية" 8/ 182 كلهم من طريق أبي السمح -درَّاج بن سمعان- عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، به. وقد اختلف العلماء في هذا الطريق: فقال الإمام أحمد: أحاديث درَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف. وقال أبو داود عن درَّاج: أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. وقال أبو حاتم: في حديثه ضعف. وضعفه النسائي والدارقطني وغيرهما. ووثقه ابن معين، وقال -لما سئل عن أحاديث دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد-: هذا إسناد صحيح. ووثقه ابن حبان وابن شاهين. واختار ابن حجر قول أبي داود فقال في "التقريب" 1/ 235: صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. انظر: "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي 3/ 979، "تهذيب التهذيب" لابن حجر 3/ 208 - 209، "مستدرك الحاكم" 2/ 246. وعلى هذا فإسناد هذا الحديث ضعيف، وقد ضعَّف إسناده الألباني في تخريج أحاديث المشكاة 3/ 1582.]]. ويقال له: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ قال مقاتل والكلبي: يعني القرآن [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب. وقد ذكره البغوي 5/ 430، وابن الجوزي 5/ 492 ولم ينسباه لأحد.]]. ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد: ألم تخوفوا بها [[ذكر البغوي 5/ 430 هذا المعنى لوم ينسبه لأحد.]]. ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ فكنتم في الدنيا تكذبون القرآن ومحمدًا -عليه السلام- بالنار وعذابها.

المؤمنون 23:106

﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ وتقرأ "شقاوتنا" [[قرأ حمزة، والكسائي: "شقاوتنا" بالألف مع فتح الشين والقاف. وقرأ الباقون: "شقوتنا" بكسر الشين مع إسكان القاف. "السبعة" ص 448، "التبصرة" ص 271، "التيسير" ص 160.]] ومعناها واحد، وهما مصدران. فالشقاوة [[في (ظ). (والشقاوة).]] كالسعادة، والشقوة كالردة والفطنة [[من قوله: فالشقاوة إلى هنا. هذا كلام أبي علي في الحجة 5/ 302. وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 491، "الكشف" لمكي 2/ 131.]]. قال الكلبي: غلبت علينا شقاوتنا في الدنيا فلم نهتد [[ذكر البغوي 5/ 430 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.]]. وقال القرظي [[رواه الطبري 18/ 57 - 58.]]، ومجاهد [[رواه الطبري 18/ 57، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 1 أ. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 118 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]]: غلبت علينا شقاوتنا التي كتبت علينا.

المؤمنون 23:107

﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ قال الكلبي: من النار [[ذكره البغوي 5/ 430، وابن الجوزي 5/ 492 ولم ينسباه لأحد.]]. قال ابن عباس: سألوا الرجعة إلى الدنيا [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 492.]]. ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ إلى الكفر والتكذيب والمعاصي ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.

المؤمنون 23:108

قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال عبد الله بن عمرو [[في (ع): (عمر)، وهو خطأ.]]: إنهم لا يجابون إلا بعد مُضي مثل عُمر الدنيا ثم يجابون بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" 13/ 152 - 153، وهنّاد في "الزهد" 1/ 158، والطبري في "تفسيره" 25/ 99 عند قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: 77]، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 1 أ - ب، والبيهقي في "البعث والنشور" ص 312، والبغوي في "شرح السنَّة" 15/ 154 كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو. وفي سنده قتادة وهو ثقة لكنه مدلس، وقد عنعنه.]]. وقال مقاتل: يرد عليهم بعد مقدار الدنيا منذ يوم [[(يوم): ساقطة من (ع).]] خلقت إلى أن تفنى سبع مرات [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب. وقوله يحتاج إلى دليل. فالله أعلم.]]. ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ قال الكلبي ومقاتل: اصغوا في النار [[في (ع): (الدنيا)، وهو خطأ.]] [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]]. قال المبرد: الخسأ: إبعاد بمكروه [[في (أ): (الخساو).]]. وقال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط. وقال: ابعدوا بعد الكلب [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 24 وليس في المطبوع قوله: أبعدوا بعد الكلب. == وقوله: أبعدوا ... ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 4/ 68 بنصِّه، ونسبه لابن عيسى. فلعله سقط من النسخ بعد قوله وقال: بعض أهل المعاني أو نحوها.]]. وذكرنا الكلام في الخسأ عند قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال الكلبي: لا تسألون [[في (ظ): (تسألوني).]] الخروج منها. وقيل: لا تكلمون في رفع العذاب عنكم [[ذكره الثعلبي 3/ 65 أولم ينسبه لأحد.]]. والمفسرون على أن هذا نهيٌ لهم عن جميع أجناس الكلام [[انظر: "الطبري" 18/ 59، الثعلبي 3/ 65 أ، "الدر المنثور" 6/ 120.]]. قال عبد الله بن عمرو: فلم ينبس [[في (أ): (ييس)، وفي (ظ)، (ع): (ييس) مهملة. والتصويب من سائر الروايات ومعنى ينبس: ينطق. انظر: "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري 3/ 403.]] القوم بعد ذلك بكلمة، إنْ كان إلا الزَّفير والشهيق [[هذا بقية الأثر السابق، فانظر تخريجه فيما تقدم.]]. وقال مقاتل: فلا يتكلم أهل النار بعد هذا غير أن لهم فيها زفيرًا وشهيقا [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]]. وقال قتادة: صوت الكافر في النار مثل صوت الحمار، أوله زفير وآخره شهيق [[في (أ): (نهيق)، والمثبت من باقي النسخ وتفسير عبد الرزاق والطبري.]] [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 49، والطبري 18/ 60.]]. وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يصير لهم همهمة كنباح الكلاب [[ذكره عنه القرطبي 12/ 154.]]. وقال القرظي: إذا [[) إذا): ساقطة من (أ).]] قيل لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ انقطع عند ذلك رجاؤهم ودعاؤهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، وأطبقت عليهم [[رواه الطبري 18/ 57 - 58.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ الآية. يعني المؤمنين. وقال ابن عباس: يريد المهاجرين [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 492.]].

المؤمنون 23:110

﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ وقرئ بكسر السين هاهنا وفي سورة "ص". وأجمعوا على الضم في سورة الزخرف [[قرأ نافع، وحمزة، والكسائي: "سُخريا" بضمّ السين هنا، وفي قوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: 63]. وقرأ الباقون: "سخريا" بكسر السين في السورتين. وأجمعوا على الضم في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32]. "السبعة" ص 448، "التبصرة" ص 271، "التيسير" ص 160.]]. قال الليث: السُّخْرِيّ والسُّخْرِيَّة مصدران. يقال: سخر منه وبه سُخْرِيَّة وسُخْرِيّا [["تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 167 "سخر". وهو في "العين" 4/ 196 "سخر" بنحوه.]]. وزاد أبو زيد: سَخرَا [[انظر: "الحجة" 5/ 303، و"النوادر" ص 288.]]. ومنه قوله: لا عجيب منها ولا سَخَر [[هذا جزء من شطر بيت لأعشى باهلة عامر بن الحارث بن رباح الباهلي، ذكره أبو زيد في "النوادر" (ص 288) فقال: وقال أعشى باهلة: إني أتاني شيء لا أسربه ... من علُ لا عجيب فيه ولا سخرُ وهو من قصدة رائية هي أشهر شعره، يرثي بها أخاه لأمه المنتثمر بن وهب بن سلمة لما بلغه مقتله. قال البغدادي في "الخزانة" 1/ 191 - 192: وقوله "لا عجب" أي لا أعجب منها وإن كانت مصيبة عظيمة، لأن مصائب الدنيا كثيرة، "ولا سخر" بالموت، وقيل لا أقول ذلك سخرية، وهو بفتخين وضمتين.]] قال: ويكون نعتًا كقولك: هم لك سخري وسخرية [[انظر: "الحجة" 5/ 303، و"النوادر" ص 288.]]. قال القراءة الضم أجود [["معاني القرآن" للفراء 2/ 243.]]. وقال الزجاج: كلاهما جيد [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 24.]]. وحكى الكسائي اللغتين جميعًا، قال: وسمعت العرب تقول: بَحْرٌ لُجّي ولجي، ودري ودري، وكرسي وكرسي [[ذكره عن الكسائي: الفراء في "معاني القرآن" 2/ 243، والنحاس في "إعراب القرآن" 3/ 124، وذكره عنه أيضًا الأزهري في "علل القراءات" 2/ 442.]]. وذهب قوم إلى الفرق [[في (أ): (إلى أن الفرق).]] بينهما. قال يونس [[هو يونس بن حبيب.]]: سُخريا من السُّخْرة مضموم، ومن الهُزء سُخري [[قول يونس في "الحجة" للفارسي 5/ 303، وهو أيضًا في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 168.]]. وقال أبو عبيدة: سِخريًّا يسخرون منهم، وسُخريًّا يسخرونهم [[قول أبي عبيدة في "الحجة" 5/ 303. وهو في "مجاز القرآن" 2/ 62 مع اختلاف في العبارة.]]. وهذا قول الحسن وقتادة، قالا: ما كان من العُبُودة [[في (أ): (المعبودة)، وهو خطأ. وفي الحجة: العبودية. قال ابن منظور في "لسان العرب" 3/ 270 (عبد): يقال: فلان بين العُبودة والعبودية.]] فهو بالضم، وما كان من الهزء فهو بالكسر [[قولهما في الحجة للفارسي 5/ 303. وذكره عنهما النحاس في "معاني القرآن" 4/ 488 - 489، وابن الجوزي 5/ 493.]]. وذكر الزجاج أن الضم والكسر واحد في معنى الهزء [[قال الزجاج في "معانيه" 4/ 24 بعد حكايته قول بعض أهل اللغة أن ما كان من الاستهزاء فهو بالكسر وما كان من جهة التسخير فهو بالضم: وكلاهما عند سيبويه والخليل واحد.]]. وقال -من عند نفسه-: الكسر أحسن لاتباع الكسر [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 24.]]. قال أبو علي: القراءة بكسر السين أرجح من قراءة من ضَمّ؛ لأنه من الهزء، والأكثر في الهُزء كسر السين فيما حكوه. ونرى [[في (أ): (وقرئ): وفي الحجة: وترى.]] أنَّه إنّما كان أكثر لأنَّ السَّخّر مصدر سَخِرْتُ. حكاه أبو زيد [[لم أجده في "النوادر" لأبي زيد، فعل أبا علي نقله من كتاب آخر لأبي زيد.]]. وفَعَلٌ وفعلٌ يكونان بمعنى، نحو: المثل والمثل والشَّبَه والشَّبْه، فكذلك السَّخَر والسّخْر إلا أنَّ المكسورة أُلزمت ياء النسب دون المفتوحة كما اتفقوا في القسم على الفتح في: لعمر [[في (أ): (لعمرو).]] الله، ولم يخرج مع إلحاق ياء النسب عن حكم المصدر، يدلك على ذلك قوله: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [[في جميع النسخ: (اتخذتموهم).]] فأفرد [[في (ع): (فرد).]]، وقد جرى على الجمع كما تفرد المصادر، فكأنَّ ياء النسب لم يقع بها [[في (ع): (بعدها). وفي الحجة: به.]] اعتداد في المعنى، كما لم يُعتدّ بها [[في الحجة: به.]] ولم يكن حكم للنسب في نحو: أحمر وأحْمري ودؤاري [[في (ع): (ودرار ودراري).]]، فكانت ياء النسب في حكم الزيادة كـ (لا) في قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: 29]. وقال الأخفش: سخري إذا أردت من سخرتُ به ففيه لغتان: الضم والكسر [[كلام الأخفش ليس في معاني القرآن، وإنَّما هو في "الحجة" لأبي علي 5/ 305.]]. والتي يراد بها السُّخْرة فالضم لا غير، ومن ثمَّ اتفقوا على الضم في التي في الزخرف. وقولهم [[في الحجة: فأما ما حكاه أبو زيد من قوله ...]]: اتخذت فلانا سُخريّا وسُخْرة السُّخري مصدر وسُخْرة [[في (أ): (سخر).]] ليست بمصدر في الهزء ولكنه كقولهم: ضُحْكَةٌ وهُزْأةٌ إذا كان يُضْحك منه. وأما وجه الضم إذا كان من الهزء فإن سَخَرًا فَعَل، وفَعَل وفُعْل [[(وفعل) الثانية: ساقطة من (ظ)، (ع).]] يتعاقبان علي الكلمة كالحزن والحزن والبخل والبخل [[في (أ)، (ظ): (الحِل والحل). مهملة.]]، كما كان فَعَلٌ وفِعْلٌ كذلك، إلا أنَ المضموم خُصَّ [[في (أ): (حض).]] بالنسب كما خُصَّ المكسور به وبقي على حكم المصدر كما بقي عليه المكسور. وإذا ثبت هذا فقوله (سخريا) في القراءتين جميعًا مصدر وصف به ولذلك أفْرد [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 303 - 305 مع تقديم وتأخير وتصرّف. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 441 - 442، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 95، "حجة القراءات" ص 492، "الكشف" لمكي 2/ 131.]]. قال ابن عباس -في هذه الآية-: يريد يستهزئون بهم. وقال مقاتل: إنّ رؤوس كفار قريش كانوا يستهزئون من بلال وعمار وخَبَّاب وصهيب وسالم وفقراء العرب، ازْدَرَوْهُم [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]]. قوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ﴾ يريد تركتم موعظتي. وقال مقاتل: ترككم الاستهزاء لا تؤمنون بالقرآن [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]]. قال أبو علي: ﴿أَنْسَوْكُمْ﴾ يجوز [[في (أ): (ويجوز).]] أن يكون منقولًا من الذي بمعنى الترك، ويمكن أن يكون (من) [[زيادة من الحجة.]] الذي هو خلاف الذكر، واللفظ على أنهم فعلوا بكم النسيان، والمعنى: أنكم أنها المتخذون عبادي سُخْريا نسيتم ذكري باشتغالكم باتخاذكم إيّاهم سخريا وبالضحك منهم. أي: تركتموه من أجل ذلك، فنسب الإنساء إلى عبادِه المخلصين وإن لم يفعلوه لما كانوا كالسبب لإنسائهم، وهذا كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: 36] فنسب الإضلال إلى الأصنام لما كانت سببًا في الإضلال [["الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 191 - 192 عند كلامه على قوله "أو ننسها" [البقر ة: 106].]].

المؤمنون 23:111

قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بما صبروا على أذاكم واستهزائكم [[ذكره البغوي 5/ 431، وابن الجوزي 5/ 494 ولم ينسباه لأحد. وانظر: "الطبري" 18/ 61، والثعلبي 3/ 65 ب.]]. ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ وقرئ [[في (ظ): (قرئ).]] "إنَّهم" بالكسر [[قرأ حمزة، والكسائي: "إنَّهم" بكسر الألف. وقرأ الباقون بفتحها. "السبعة" ص 448 - 449، "التَّبْصرة" ص 271، "التيسير" ص 160.]]. فمن فتح كان على معنى: جزيتهم لأنَّهم هم الفائزون. ويجوز أن يكون "أنَّهم" [[في (ظ): (أنَّهم هم).]] في موضع المفعول الثاني لجزيت؛ لأنَّ جزيت يتعدّى إلى مفعولين، قال الله تعالى ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 12]. والتقدير: جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز. ومن كسر استأنف وقطعه [[في (ظ): (فقطعه).]] مما قبله، والمعنى: إنِّي جزيتهم اليوم بما صبروا، ثم أخبر فقال: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ومثل هذا في الكسر والاستئناف والاتباع لما قبله: لبيك إن الحمد والنعمة لك وإن الحمد [[من قوله: (فمن فتح إلى هنا) هذا كلام أبي علي في الحجة 5/ 306 عدا قوله: "والمعنى: إني جزيتهم ... الفائزون". فإنه كلام أبي إسحاق الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 24. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 442 - 443، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 492 - 493، و"الكشف" لمكي 2/ 131 - 132.]]. وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 243، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 24.]]. ومعنى ﴿الْفَائِزُونَ﴾ الذين نالوا ما أرادوا. والمفسرون يقولون: الناجون [[انظر: الطبري 18/ 62، الثعلبي 3/ 65 ب.]].

المؤمنون 23:112

وقوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ قال الله تعالى للكفار يوم البعث توبيخًا لهم على إنكار [[في (ظ): (انكارهم)، وفي (أ): (الإنكار).]] البعث: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني في القبور ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾. قال الزجاج: (كم) في موضع نصب بقوله: (لبثتم) و (عَدَدَ سِنِينَ) منصوب بـ (كم) [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 25. وعلى هذا فـ"كم" ظرف زمان في محل نصب بـ"لبثتم"، و"عدد سنين" بدل من "كم". وذهب أبو حيان 6/ 424 إلى أن "عدد" تمييز لـ"كم". وصحح هذا الوجه السمين الحلبي 8/ 373. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 125، "الإملاء" للعكبري 2/ 152.]]. وقرئ: (قل كم لبثتم) [[قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: "قل كم لبثتم" بغير ألف على الأمر. وقرأ الباقون: "قال" بألف على الخبر. "السبعة" ص 449، "التَّبصرة" ص 271، التيسير ص 160.]]، وهذا له معنيان: أحدهما: قل أيها الكافر المسؤول عن قدر لبثه ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [[قال أبو زرعة بن زنجلة في حجة القراءات ص 493 تتميمًا لهذا الوجه: فإخراج الكلام على وجه الأمر به للواحد والمراد الجماعة، إذْ كان المعى مفهوما، والعرب تخاطب الواحد ومرادهم خطاب جماعة إذا عرف المعنى.]]. والآخر: أن هذا أمرٌ [[في (ظ): (الأمر).]] لمن يسألهم يوم البعث [[في (ظ): (يوم القيامة البعث).]] عن قدر مكثهم. والمعنى: قل أيها السائل عن لبثهم [[قوله: (والمعنى: قل أيها السائل عن لبثهم). هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 307.]].

المؤمنون 23:113

قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن الله أنساهم ما كانوا فيه من العذاب [[ذكره عنه الزمخشري 3/ 45، والرازي 23/ 126، والقرطبي 12/ 155، وأبو حيان 6/ 424.]]. وقال مقاتل: استقلوا ذلك، يرون أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا يومًا أو بعض يوم [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]]. قال المفسرون: نسوا لعظم ما هم فيه من العذاب مدة مكثهم في الدنيا [[ذكره البغوي 5/ 432، والقرطبي 12/ 155 ولم ينسباه لأحد.]]. وقوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ قال ابن عباس: يريد العارفين بالحساب [[لم أجده.]]. وقال قتادة ومقاتل: سل الحُسّاب [[رواه عن قتادة عبد الرزاق 2/ 49، والطبري 18/ 63، وابن أبي حاتم 7/ 2 ب، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 121 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر. وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]]. قال مجاهد: هم الملائكة [[رواه الطبري 18/ 63، وابن أبي حاتم 7/ 3 أ، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 122 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.]]. قال مقاتل: يعني ملك الموت وأعوانه [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]]. وقال الكلبي: فأسأل الملائكة الذين كانوا معنا في الدنيا [[لم أجده. قال الطبري 18/ 63 - بعد ذكره للأقوال-: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله -جل ثناؤه-: "اسأل العادين". وهم الذين يعدّون عدد الشهور والسنين وغير ذلك، وجائز أن يكونوا الملائكة، وجائز أن يكونوا بني آدم وغيرهم، ولا حجَّة بأي ذلك من أيّ ثبتت صحتها، فغير جائز توجيه معنى ذلك إلى بعض العادين دون بعض. وقال ابن عطية 10/ 410: وظاهر اللفظة أنَّهم أرادوا من يتصف بهذه الصّفه ولم يعينوا ملائكة ولا غيرها.]]. قوله: (قَالَ) أي قال الله تعالى، أو قال الذي سألهم عن قدر لبثهم. وقرئ (قل) [[قرأ حمزة والكسائي: "قل إن لبثتم ... " الآية، على الأمر. وقرأ الباقون: "قال" على الخبر. "السبعة" ص 449، "التبصرة" ص 271، "التيسير" ص 160.]] وهو أمرٌ للذي سألهم عن قدر لبثهم، ولا يجوز [[في (أ): (يجوز).]] أمرًا للكافر كما قلنا في قوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾، ولهذا فصل ابن كثير بينهما، فقرأ الأولى (قل) على الأمر وهاهنا (قال) [[انظر: "السبعة" ص 449، "التَّبْصرة" ص 271، "التيسير" 160.]].

المؤمنون 23:114

قوله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما لبثتم في الأرض إلا قليلاً. قال الكلبي: لأنَّ كل ما هو آت قريب. يعني أن مكثهم في القبور وإن طال فإنه قليل لأنه متناه، ويجوز أن يكون قليلاً عند طول مكثهم في عذاب جهنم لأنّه خلود لا يتناهى. قوله -عز وجل- ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي قدر لبثكم. وقال مقاتل: لو أنكم كنتم تعلمون إذن لعلمتم أنكم لم تلبثوا إلا قليلًا [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]].

المؤمنون 23:115

قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ العبث في اللغة: اللعب. يقال: عبث يعبث عبثا فهو عابث لاعبٌ بما لا يعنيه وليس من باله [["تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 332 بنصِّه. وهو في "العين" 2/ 111 مع اختلاف يسير جدًّا. وانظر: "الصحاح" للجوهري 1/ 286 (عبث).]]. واختلفوا في انتصابه: فمذهب سيبويه وقطرب أنه في موضع الحال [[ذكره عنهما الثعلبي 3/ 65 ب، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 210 أ، والقرطبي 12/ 156، ولم أقف عليه في الكتاب.]]. أي: عابثين. والمعنى أفحسبتم أنّما خلقناكم باطلاً لغير شيء، وهذا استفهام يتضمن الإنكار، أي ما خلقناكم عابثين بل خلقناكم لنثيب المحسن ونعاقب المسيء. وقال أبو عبيدة: هو نصبٌ على المصدر [[ذكره عنه الثعلبي 653 ب، والفرطبي 12/ 156، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 210 أ، وليس في مجاز القرآن.]]. ويكون التقدير: عبثنا [[في (أ): (عبثًا).]] بخلقكم عبثًا. ويكون المعنى كما ذكرنا في الحال. وعلى هذا المعنى بل كلام مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 33 ب وفيه: لعبًا وباطلاً لغير شيء.]]. وقال آخرون: هو مفعولٌ له. أي للعبث [[ذكره الثعلبي 3/ 65 ب ونسبه لبعض نحاة البصرة. وانظر: "الكشاف" 3/ 45، "الإملاء" للعكبري 2/ 152، "البحر المحيط" 6/ 424، "الدر المصون" 8/ 374.]]. وهو اختيار الأزهري [["تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 332 (عبث).]]. وعليه دلّ كلام ابن عباس لأنه قال: يريد كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عذاب عليها، مثل قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36] أي يهمل كما تهمل البهائم [[ذكر هذا القول البغوي 5/ 432، والقرطبي 12/ 156 ولم ينسباه لأحد.]]. والمعنى على هذا القول: أفحسبتم أنكم خلقتم للعبث فتعبثوا ولا تعملوا بطاعة الله [[لفظ الجلالة ليس في (أ).]]. وهذا المعنى أراد علي -رضي الله عنه- في قوله: يا أيها الناس اتقوا الله [[في (ظ): (ربَّكم).]]، فما خلق امرؤ عبثًا فيلهو، ولا أهمل سدى فيلغو [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 65 ب.]]. وهذا الوجه هو الاختيار لقوله: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [[في (أ): (أنَّكم).]] أي: وحسبتم أنكم إلينا لا ترجعون في الآخرة للجزاء.

المؤمنون 23:116

قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ قال مقاتل: ارتفع أن يكون خلق [[(خلق) ساقط من (أ).]] شيئًا عبثا، ماخلق شيئًا إلا لشيء [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب - 34 أ.]]. وقال غيره: تعالي عمّا يصفه به الجهال من الشركاء واتخاذ الأولاد [[هذا قول الطبري 18/ 64 والثعلبي 3/ 65 ب.]]. قال أهل المعاني: تعالى الله بأن كل شيء سواه يصغر مقداره عن معنى صفته، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي الذي يحق له الملك بأنّه ملك غير مُمَلَّك، وكل مُلْك غيره فملكه مستعار لأنه يملّك [[في (أ): (بملك).]] ما ملَّكه الله [[ذكر الطوسي في "التبيان" 7/ 355 هذا القول ولم ينسبه لأحد.]]. ثم وحّد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ قال الكلبي: هو السرير الحسن [[ذكر البغوي 5/ 433، ولم ينسبه لأحد. قال ابن كثير 3/ 259: ووصفه بأنه كريم أي: حسن المنظر بهيّ الشكل، كما قال تعالى ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: 10].]]. وذكرنا أن الكريم في صفة الجماد بمعنى الحسن [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 4].]]. وارتفع [[في (أ): (فارتفع).]] قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾ لأنه صفة قوله: ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾.

المؤمنون 23:117

ثم أوعد من أشرك به فقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ لا بيّنة ولا حجة ولا شهادة له. قاله ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل [[رواه عن مجاهد الطبري 18/ 64، وابن أبي حاتم 7/ 5 أ. وقول مقاتل في "تفسيره" 2/ 34 أ.]]. وقوله: ﴿لَا بُرْهَانَ﴾ من صفة النكرة -أي إلهًا لم ينزل بعبادته كتاب، ولا بعث بها رسول- وليس من جواب الشرط، وجواب الشرط قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [[قال الزمخشري 3/ 45: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ كقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: 151] وهي صفة لازمة نحو قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: 38] جيء بها للتوكد، لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أنه يقوم عليه برهان، ويجوز أن يكون اعتراضًا بين الشرط والجزاء كقولك: من أحسن إلى زيد -لا أحق بالإحسان منه- فالله مثيبه. اهـ، وخرَّجه أبو حيان 6/ 425 على الصفة اللازمة أو على الإعتراض، وقال: وكلاهما تخريج صحيح. وانظر: "الدر المصون" 8/ 375 - 376، "روح المعاني" 18/ 71 - 72.]]. وهذا وعيد، أي أنّ حساب عمله عند ربه فهو- يجازيه بما يستحقّهُ كما قال ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25، 26]. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يسعد من كذب وجحد ما جئت به وكفر نعمتي [[ذكره البغوي 5/ 433 إلى قوله: وجحد. ولم ينسبه لأحد. وذكره القرطبي 12/ 157 ولم ينسبه لأحد.]].

المؤمنون 23:118

ثم أمر رسوله [[في (أ): (رسول الله).]] أن يستغفر للمؤمنين ويسأل لهم الرحمة فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ قال ابن عباس: يريد لمن صدقني. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ يريد أفضل من رحم. قال مقاتل: أي هو أفضل رحمة من الذين يرحمون [[في تفسير مقاتل 2/ 34 أ: يعني أفضل رحمة من أولئك الذين لا يرحمون.]]. سورة النور