Lafzullah

Al-Basit — الحج 22:1 – الحج 22:78

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. الحج 22:1
  2. الحج 22:2
  3. الحج 22:3
  4. الحج 22:4
  5. الحج 22:5
  6. الحج 22:6
  7. الحج 22:7
  8. الحج 22:8
  9. الحج 22:9
  10. الحج 22:10
  11. الحج 22:11
  12. الحج 22:12
  13. الحج 22:13
  14. الحج 22:14
  15. الحج 22:15
  16. الحج 22:16
  17. الحج 22:17
  18. الحج 22:18
  19. الحج 22:19
  20. الحج 22:20
  21. الحج 22:21
  22. الحج 22:22
  23. الحج 22:23
  24. الحج 22:24
  25. الحج 22:25
  26. الحج 22:26
  27. الحج 22:27
  28. الحج 22:28
  29. الحج 22:29
  30. الحج 22:30
  31. الحج 22:31
  32. الحج 22:32
  33. الحج 22:33
  34. الحج 22:34
  35. الحج 22:35
  36. الحج 22:36
  37. الحج 22:37
  38. الحج 22:38
  39. الحج 22:39
  40. الحج 22:40
  41. الحج 22:41
  42. الحج 22:42
  43. الحج 22:43
  44. الحج 22:44
  45. الحج 22:45
  46. الحج 22:46
  47. الحج 22:47
  48. الحج 22:48
  49. الحج 22:49
  50. الحج 22:50
  51. الحج 22:51
  52. الحج 22:52
  53. الحج 22:53
  54. الحج 22:54
  55. الحج 22:55
  56. الحج 22:56
  57. الحج 22:57
  58. الحج 22:58
  59. الحج 22:59
  60. الحج 22:60
  61. الحج 22:61
  62. الحج 22:62
  63. الحج 22:63
  64. الحج 22:64
  65. الحج 22:65
  66. الحج 22:66
  67. الحج 22:67
  68. الحج 22:68
  69. الحج 22:69
  70. الحج 22:70
  71. الحج 22:71
  72. الحج 22:72
  73. الحج 22:73
  74. الحج 22:74
  75. الحج 22:75
  76. الحج 22:76
  77. الحج 22:77
  78. الحج 22:78

الحج 22:1

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة [[ذكره أبو حيان في "البحر" 6/ 349 من غير نسبة، وقال: والظاهر أن قوله: "يا أيها الناس" عام.]] ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ احذروا عقابه بطاعته [[الطبري 17/ 109.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ الزلزلة: شدة الحركة على الحال الهائلة، وكأنَّ أصله من قولهم: زلَّت [[في (د)، (ع): (زلزت).]] قدمه، إذا [[في (أ): (أي).]] زالت عن الجهة بسرعة، ثم ضُوعف فقيل: زَلْزَل الله قدمه، كما قيل: دكَّه ودَكْدَكَه [[في (أ): (دكدك له)، وهو خطأ.]] [[من قوله: الزلزلة: شدة ... إلى ضوعف. نقلا عن الكشف والبيان للثعلبي 3/ 46 ب.]]. واختلفوا في هذه الزلزلة: فقال علقمة، والشعبي: هي من أشراط [[في (د)، (ع): (شرائط).]] الساعة، وهي في [[(في): ساقطة من (أ).]] الدنيا قبل [[في (د): (قيل)، وهو خطأ.]] يوم القيامة [[رواه سفيان في "تفسيره" ص 258، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 410، والطبري 17/ 109 عن علقمة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 7 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. ورواه الطبري 17/ 109 عن الشعبي، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 7 وعزاه لابن جرير وابن المنذر.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء لأنه قال: يريد النفخة الأولى [[ذكره القرطبي 12/ 4، وأبو حيان في "البحر" 6/ 349 من غير نسبة لأحد.]]. يعني أن هذه الزلزلة تكون معها. وقال الحسن والسدي: هذه الزلزلة تكون يوم القيامة [[ذكره عنهما البغوي 5/ 363، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 403.]]. ورويا بإسناديهما أن النبي -ﷺ- قرأ هذه الآية والتي بعدها، فقال له الناس: يا رسول الله أي يوم هذا؟ قال: "هذا يوم يقول الله لآدم يا آدم قم فأبعث بعث النار" [[رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" 155 أ، والترمذي في "جامعه" كتاب التفسير. ومن سورة الحج 9/ 9 - 10، والنسائي في "تفسيره" 2/ 82، والطبري 17/ 111، والحاكم في "مستدركه" 2/ 233 من طريق، عن الحسن البصري، عن عمران بن حصين، نحو ما ذكر هنا لكن في سائر الروايات أن النبي -ﷺ- هو القائل "أتدرون أيّ يوم ذلك". وليس الناس كما في الرواية التي ساقها الواحدي. وأما رواية السدي لهذا الحديث فلم أجدها.]]. والحديث مشهور [[الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب التفسير -سورة الحج 8/ 441)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال النبي -ﷺ-: "يقول الله -عَزَّ وَجَلَّ- يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادي بصوت: == إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى الله" الحديث .. وفط: "فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد". الحديث.]]. وقال أبو إسحاق: وقيل إنّها الزلزلة التي تكون معها الساعة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 409.]]. وهذا قول الكلبي، قال [[قال: ساقطة من (د)، (ع).]]: إن زلزلة الساعة قيام الساعة [[مثله في "تنوير المقباس" ص 205.]] [[في (د) زيادة بعد قوله الساعة: (يعني أن هذه الزلزلة الساعة قيام الساعة. وهو تكرار وخطأ من الناسخ.]]. يعني أن هذه الزلزلة تقارن قيام الساعة وتكون معها. وهذا كما روي عن ابن عباس أنه قال في ﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ قيام الساعة [[ذكره عنه البغوي 5/ 363، وابن الجوزي 5/ 403.]]. قوله ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ يعني أنه لا يوصف لعظمه. وهذه الآية بيانٌ عما يوجبه شدة أهوال القيامة من التأهّب لها.

الحج 22:2

قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ يعني [[في (ع): (معنى).]]: ترون [[في (أ): (يرون).]] تلك الزلزلة [[استظهر هذا القول أبو حيان 6/ 249، والسمين الحلبي 8/ 222. وقيل الضمير في قوله "ترونها" عائدٌ إلى الساعة، يعني: ترون الساعة. وقال ابن كثير: هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسرًا له: "تذهل كل مرضعة ... " 3/ 205. وانظر: القرطبي 12/ 4، "البحر المحيط" 6/ 349 - 350، "الدر المصون" 8/ 222.]]. وانتصب ﴿يَوْمَ﴾ لأنه ظرف لقوله ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أي في ذلك اليوم تذهل [[وهذا قول الزمخشري 3/ 4، وأبي حيان 6/ 349. وجوز أبو البقاء العكبري 2/ 139 وتبعه السمين الحلبي 8/ 222 أن يكون انتصاب (يوم) على أنه ظرف لـ"عظيم"، أو على إضمار: اذكر.]]. قال الفرَّاء: ذَهَلْتُ عن كذا. وَذَهِلْتُ قليلة [[(قليلة): ساقطة من (ع).]] تذهل فيها جميعًا بفتح الهاء ليس غيره، وأذهلتُه: أنسيته [[(أنسيته): ساقطة من (أ).]] إذْهالاً [[ليس في المطبوع من الفراء، وفي الطبري 17/ 113 نحوه باختصار.]]. ويقال: ذَهَلَ ذَهلاً وذُهولاً، إذا ترك الشيء وتناساه [[من قوله "وتناساه" يبدأ الموجود من نسخة الظاهرية [ظ].]] على عمد أو شغله عنه شغل. هذا معنى الذهول في اللغة [[انظر: "ذهل" في: "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 261، "الصحاح" للجوهري 4/ 1702، "لسان العرب" 11/ 259.]]. فأما تفسير قوله [[في (د)، (ع): (فأما التفسير في قوله).]] ﴿تَذْهَلُ﴾ فقال الليث [[قول الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 261 (ذهل). وانظر: "العين" 4/ 49. (ذهل).]] والضحاك [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 46 ب، وذكره ابن حجر في "الفتح" 8/ 441 من رواية ابن المنذر عن الضحاك.]] وابن قتيبة [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 290.]] وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 44.]]: تَسْلو. وأنشدوا قول كثير [[هو أبو صخر، كثير بن عبد الرحمن بن الأسود، الخزاعي، المدني. شاعر == مشهور، يعرف بكثير عزة؛ لأنه تتيم بعزة بنت جميل الصخرية، وشبب بها، وهو من غلاة الرافضة القائلين بالرجعة. مات سنة 105 هـ، وقيل 106 هـ، وقيل 107 هـ. "طبقات فحول الشعراء" 2/ 540، "الشعر والشعراء" ص 334 - 344، "معجم الشعراء" ص 243، "سير أعلام النبلاء" 5/ 152، "شذرات الذهب" 1/ 131.]]: صحا قلبه يا عَزَّ أو كادَ يَذْهَلُ [[المنشد من قول كثير هو صدر بيت له من قصيدة يمدح بها عبد الملك بن مروان، وعجزه: وأضْحى يريد الصَّرمَ أو يتبدَّل. وهو في "ديوانه" ص 254، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 44، و"الكامل" للمبرد 2/ 299.]] وقال الزجاج: تحير [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 409.]]. وقال الكلبي: تلهى فلا تحرف ولدها صغيرًا كان أو كبيرًا، اشتغالًا بنفسها [[ذكره عنه الماوردي في النكت والعيون 4/ 6 مختصرًا.]]. وقال المفسرون: تنسى وتترك ولدها للكرب الذي نزل بها [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 17/ 113، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 46 ب.]]. وهذا قول مقاتل بن حيان [[ذكره عنه الثعلبي في الكشف والبيان 3/ 46 ب.]]. وقال ابن عباس: تُشْغل [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 46 ب. قال القرطبي 12/ 4 بعد ذكره للأقوال المتقدمة: والمعنى متقارب.]]. وقوله: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ قال أبو إسحاق: مرضعة جاءت على الفعل على أرضعت، ويقال: امرأة موضع أي: ذات رضاع [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 409 - 410. وفي المطبوع: ومرضحة جَارٍ على المفعل على ما أرضعت، ويقال ...]]. وهذا [[في (ظ)، (د)، (ع): (هذا).]] معنى قول الأخفش: إنما أراد -والله أعل - الفعل ولو أراد الصفة لقال: موضع [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 635. قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في "بدائع الفوائد" 4/ 21 - 22: المرضع: من لها ولد تُرضعه، والمرضعة من ألقمت الثدي للرضيع. وعلى هذا فقوله تعالى "يوم ترونها ذهل كل مرضعة عما أرضعت" أبلغ من موضع في هذا المقام؛ فإن المرأة قد تذهل عن الرضيع إذا كان غير مباشر للرضاعة، فإذا التقم الثدي واشتغلت برضاعه لم تذهل عنه إلا لأمر هو أعظم عندها من اشتغالها بالرَّضاع.]]. قال المبرد: ولما [[في (ظ): (لما).]] قال تبارك وتعالى ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ كان حق هذا مرضعه. قوله: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ قال الحسن في هذه الآية: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام [[رواه الطبري 17/ 114.]]. وعلى هذا -وهو قول جميع المفسرين [[انظر: الطبري 17/ 114.]] - يكون التقدير: عمن أرضعت (ما) يكون بمعنى (من) [[فتكون "ما" على هذا الوجه موصولة بمعنى: الذي. انظر "الأملاء" للعكبري 2/ 139، "البحر المحيط" 6/ 350، "الدر المصون" 8/ 224.]]. وقال المبرد: (ما) بمعنى المصدر أي: تذهل عن الإرضاع [[ذكره عنه القرطبي 12/ 4.]]. يعني لا ترضع ولدها الصغير. والأول الوجه [[واستظهره أبو حيان 6/ 350 وقال: ويقويه تعدي "تضع" إلى المفعول به في قوله "حملها" لا إلى المصدر، وانظر: "الدر المصون" 8/ 224.]]. وقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ قال الكلبي: كل حبلى تضع ولدها لتمام أو غير تمام. يعني: من هول ذلك اليوم، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا؛ لأنَّ بعد البعث لا يكون حبلى. وعند شدة الفزع تلقي المرأة جنينها، وقد ذكرت العرب هذا في أشعارها [[في (ظ): (أشعار).]]، ووصفوا شدة [الفزع به قال مُزَرِّدُ [[هو مُزَرِّد بن ضرار بن حرملة، المازني، الذبياني، العطفاني يقال: اسمه يزيد، ومزرد لقبه. وهو فارس وشاعر جاهلي. وكان هجاء في الجاهلية، أدرك الإسلام فأسلم. وهو الأخ الأكبر للشماخ الشاعر. "طبقات فحول الشعراء" 1/ 132، "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 195، "معجم الشعراء" للمرزباني ص 483، "الاستيعاب" لابن عبد البر 4/ 1470، "أسد الغابة" 4/ 351، "الإصابة" 3/ 385.]] أخو [[في (د)، (ع): (أخ).]] الشَّمَّاحْ في] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]] مرثيّة عمر -رضي الله عنه-: تضل [الحصان البكر تُلقي جنينها ... نثا خبر فوق المُطيّ مُعلّق] [[كشط في (ظ).]] [[هذا البيت أحد أبيات قيلت في رثاء عمر -رضي الله عنه- كما قال الواحدي، وقد اختلف في نسبتها. قال ابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" 12/ 194: والأكثرون يروونها لمزرّد أخي الشَّمَّاخ، ومنهم من يرويها للشَّمَّاخ نفسه. وقال التبريزي في "شرح ديوان الحماسة" 3/ 65 - معلقًا على قول أبي تمام: وقال الشَّمَّاخ يرثي عير بن الخطاب-: وقال أبو رياش: الذي عندي أنه لمزرّد أخيه، وقال أبو محمد الأعرابي: هو لُجزء بن ضرار أخيه. والبيت في "ديوان الحماسة" لأبي تمام 1/ 541 منسوبًا للشماخ، وفي ملحق == "ديوان الشماخ" ص 448 - 449 وذكر الخلاف فيه، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 3/ 1092، و"شرح ديوان الحماسة" للتبريزي 3/ 65، و"شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد 12/ 194، والرواية عندهم: "يلقى" مكان "تُلقي"، على تقدير: يُلقى نثا خبر -يعني ظهوره- جنينها قال المرزوقي في "شرحه": الحصان العفيفة، .. والبكر: التي حملت أول حملها، والنثا: يستعمل في الخير والشر، يقال: نثوت الكلام أنثوه نثوا، إذا أظهرته. فيقول: ترى الحامل يسقط حملها ما ينثى من خبر سار به الركبان وتقاذفته الأقطار استفظاعًا لوقوعه واستشعارًا لكل بلاءً وخوف منه. اهـ. وذكر التبريزي مثل قول المرزوقي وزاد: و"نثا خبر" يجوز أن يكون مرفوعًا على أنه فاعل ومنصوبا على أنه مفعول به، وإذا كان منصوبًا يروى: تلقى -بالتاء، ومعلق نعت للخبر جعله .. لأنَّ الراكب أخبر بقتله.]] أي: لهول ما تسمع من نعي [عمر تلقي جنينها. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ﴾ قال صاحب النظم: خاطب] [[كشط في (ظ).]] جماعة الناس بقوله ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ ثم أفرد وترك مذهب الجمع في قوله ﴿وَتَرَى﴾ وذلك [[في (أ): (ذلك).]] من فنون الخطاب كما جاز [[في (ظ)، (د): (أجاز).]] أن يخاطب عينًا ثم يترك مخاطبته إلى الحكاية عن غائب كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] جاز أن ينادي جميعًا ويخاطبه [[في (د)، (ع): (وتخاطبه)، وفي (ظ): (مهملة).]] ثم يرجع [[في (د)، (ع): (ترجع).]] إلى واحد، ويجوز على الضد من هذا كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [[النساء: ليست في (أ).]] [الطلاق: 1]. قال الحسن: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ وما هم بسكارى من الشراب [[رواه الطبري 17/ 115.]]. وهذا قول ابن عباس [[ذكره عنه الرازي في "تفسيره" 23/ 4.]]، وجميع المفسرين [[انظر الطبري 17/ 115، و"الدر المنثور" للسيوطي 6/ 7 - 8]]. وقال أهل المعاني: وترى [[وفي (ظ): (ويرى).]] الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم فيضطربون اضطراب السكران من [[في (ظ): (في)، وهو خطأ.]] الشراب [[ذكره الثعلبي في الكشف والبيان 3/ 546 باختصار، وعزاه لأهل المعاني.]]. يدل على صحة هذا قراءة من قرأ "وتُرَى [[في (ظ): (ويرى).]] الناس" بضم التاء [[نُسبت هذه القراءة لأبي هريرة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وأبي نهيك وقراءة الجمهور: "وترى" بفتح التاء. "الشواذ" لابن خالويه ص 94، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 85، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 46 ب، القرطبي 12/ 5، "البحر المحيط" 6/ 350، "الدر المصون" 8/ 224.]]. أي: تَظُنّهم. قال الفرّاء -في هذه القراءة-: وهو وجه جيّد [["معانى القرآن" للفراء 2/ 215.]]. وحكى صاحب النظم عن بعض النحويين: أن قوله (ترى) كلمة موضوعة على الإفراد وتأويلها التشبيه، كأنَّه -عَزَّ وَجَلَّ- قال: وكأنَّ الناس سكارى. واحتج بقول: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: 11] معنى ﴿أَرَأَيْتَ﴾ هاهنا للتنبيه على السؤال والإجابة، وكذلك قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: 62] وقد مرَّ. قال: ولا ينكر أن تكون "ترى" كلمة ضمنت معنى لا يظهر في بنية صورتها [[العبارة في (أ): (ولا ينكر أن تكون "ترى" كلمة في معنى لا يطهر ضمنت نيه صورتها)، وهي عبارة ركيكة.]] ولذلك تركت على حال واحدة بعد العطف بها على مخاطبة جماعة. و ﴿سُكَارَى﴾ جمع سكران. وقرئ (سكرى) [[قرأ حمزة والكسائي: "سكرى" بفتح السين من غير ألف، وقرأ البافون: "سكارى" بضم السين وبألف بعد الكاف. "السبعة" ص 434، "التبصرة" ص 265، "التيسير" ص 156.]]. قال أبو الهيثم: النعت [[في (ظ): (البعث)، وهو خطأ.]] [الذي على فعلان يجمع] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]] على فُعالى [[في (ظ): (فعال)، وهو خطأ.]] وفَعالى مثل: غَيْرانَ وغُيَارَى وغَيارى [[غيارى: سا قطة من (ظ)، وفي (أ): (عبارى). وغيارى: جمع غيران وهو فعلان من المغيرة وهي الحمية والأنفة. انظر: "لسان العرب" 5/ 42 "غير".]]، وسكران [وسكارى. وإنما قالوا سكرى، وأكثر] [[غيارى: ساقطة من (ظ)، وفي (أ): (عبارى). وغيارى: جمع غيران وهو فعلان من المغيرة وهي الحمية والأنفة. انظر: "لسان العرب" 5/ 42 "غير".]] ما يجيء فَعلى جمعًا لفعيل بمعنى مفعول، [مثل قتيل وقتلى وجريح وجرحى وصريع وصرعى] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]]؛ لأنه شبه بالنَّوكى [[في (أ): (بالنكوى)، هو خطأ. والنَّوْكى: جمع أنوك، وهو: الأحمق. "الصحاح" للجوهري 4/ 1613 (نوك).]] والجمعى [والهلكى لزوال عقل السكران [[قول أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 57 (سكر).]]. وقال سيبريه: قالوا رجل سكران] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]] وقوم سكرى. قال: وذلك أنهم جعلوه كالرضى [["الكتاب" لسيبويه 3/ 649.]]. قال أبو علي: ويجوز "سكرى" من وجه آخر وهو أن سيبويه حكى رسول سَكِرٌ [["الكتاب" لسيبويه 3/ 646.]]، وقد جمعوا هذا البناء على فَعْلَى [[في (أ): (فعل)، وهو خطأ.]] فقالوا: هَرِمٌ وهَرْمى وزَمِنٌ وزَمْنى وضَمِنٌ وضَمْنى [[زَمن: أي مبتلى بين الزَّمانة، والزمَّانة: العاهة. "لسان العرب" 13/ 199 (زمن). ضمن: هو الذي به ضمانة في جسده من زمانة أو بلاء أو كسر أو غيره. "الصحاح" للجوهري 6/ 2155، "لسان العرب" 13/ 260 (ضمن).]]؛ لأنه من باب الأدواء والأمراض التي ورصاب بها، فَفَعلى في هذا الجمع -وإن كان كعطشى- فليس يراد بها المفرد، إنّما يراد بها تأنيث الجمع كما أن الباضعة [[(الباضعة): مهملة في (أ). والباضعة هي: الفرق من الغنم، أو القطعة التي انقطعت من الغنم. "الصحاح" للجوهري 3/ 1186 (بضع)، "القاموس المحيط" للفيروزآبادي 3/ 5.]] والطَّائفة [[تصحفت في المطبوع من "الحجة" إلى: الطائعة. والطائفة من الشيء: القطعة والجزء منه. ومنه الجماعة من الناس. "الصحاح" للجوهري 4/ 137 (طوف)، "لسان العرب" 9/ 226 (طوف).]] وإن كان على لفظ الضّاربة والقائمة فإنّما لتأنيث الجمع دون تأنيث الواحد من المؤنث [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 266 - 267. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 419، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 472، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 116.]]. ونحو هذا قال الفراء في قراءة من قرأ (سكرى) قال: وهو وجه جيد في العربية؛ لأنه بمنزلة الهلكى والجرحى، والعرب تجعل فَعَلى علامة لجمع كل ذي زمانة وضرر وهلاك، ولا يبالون أكان واحده فاعلاً أم فحيلاً أم فعلان. قال: ولو قيل "سكرى" على أن [[(أنَّ): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] الجمع يقع عليه التأنيث فيكون كالواحدة كان وجها، كما قال الله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: 180] و ﴿الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [[طه: 51، القصص: 43.]] و ﴿النَّاسَ﴾ جماعة فجائز [[في (ظ): (فجاز).]]: أن يقع ذلك عليهم، وأنشد: أضحت بنو عامر غَضْبَى أنُوفُهم ... أنَّى عفوت [[في (أ): (عفرت)، وهو خطأ.]] فلا عارٌ ولا باس فقال غضبى للأنوف على ما فسَّرت لك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 214 - 215. والبيت الذي أنشده الفراء قال عنه: وأنشدني بعضهم.]]. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ دليل على سكرهم من خوف العذاب.

الحج 22:3

قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ قال المفسرون: نزلت في النَّضْر بن الحارث، كان كثير [[في (ظ): (كبير).]] الجدال، وكان ينكر أن الله قادرٌ على إحياء من بَلِيَ وصار ترابًا [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 47 أ.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة [[لم أجد من ذكره عن ابن عباس، وقد ذكر الماوردي 4/ 6، وابن الجوزي 5/ 405 عن ابن عباس أنها نزلت في النَّضر بن الحارث. والصواب أنه لم يثبت أنها نزلت في واحد من هؤلاء بعينه، بل هي نازلة فيمن جادل في الله بغير علم ومنهم هؤلاء المذكورون، ثم هي بعد عامة في كل من اتصف بهذه الصفة. انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 10/ 226، "البحر المحيط" 6/ 351.]]. والمعني: أنه يخاصم [[في (أ): (فخاصم).]] في الله فيزعم أنه غير قادر على البعث. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني أنه لا علم له في ذلك إنما [[في (ظ): (وإنّما).]] [يقوله بإغراء من الشيطان وطاعته إياه] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]]. وهو قوله ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ أي يتبع ما يسول له الشيطان قال ابن عباس] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]]: والمريد الذي يتمرد على الله -عَزَّ وَجَلَّ- [[انظر: "تنوير المقباس" ص 206.]]. وقال [[في (ظ): (قال).]] أهل اللغة في المريد قولين [[انظر: (مرد) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 118 - 119، "لسان العرب" لابن منظور 3/ 400 - 401.]]: أحدهما: أنه المتجرد للفساد. والثاني: أنَّه العاري من الخير. وذلك أن أصله في اللغة: الإملاس، والمريد [[في (ظ): (فالمريد).]]: المتملس من الخير، ومنه قوله: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: 44] وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 101].

الحج 22:4

قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. قال ابن عباس: قضى الله تعالى أن من أطاع إبليس أضله ولم يرشده وصيره إلى عذاب السعير [[ورد نحوه باختصار عن مجاهد وقتادة. انظر الطبري 17/ 116، "الدر المنثور" 6/ 8.]]. والكناية في قوله ﴿عَلَيْهِ﴾ [[(عليه): ساقطة من (ظ).]] عائدة على [[في (ظ): (إلى).]] الشيطان، وكذلك في قوله ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ﴾ [[(فأنّه): ساقطة من (ظ).]] [[وقيل الكناية في "عليه"، "أنّه"، تعود على "من" الأولى، أي المجادل. واستظهره أبو حيّان. وقيل الضميران في "عليه"، "أنه" عائدان على "من" الأولى. والضمير في "فأنّه" ضمير الشأن. وقال ابن عطية -بعد أن ذكر أن الضمير في "عليه" عائد على الشيطان ثم ذى احتمالاً أنه يعود على المتولي-: والذي يظهر لي أن الضمير في "أنّه" الأولى للشيطان، وفي الثانية لـ"من" الذي هو المتولي. "المحرر" لابن عطية 10/ 27، "البحر المحيط" 6/ 351، "الدر المصون" 8/ 229 - 230.]]. وهذه الآية دليل على أنَّ [[(أن): ساقطة من (أ).]] الله قد كتب في الأزل وقضى على الشيطان إضلال من تولاه، وأنَّ ذلك من الله تعالى حكم [[(حكم): ساقطة من (ظ).]] لا نكير [[في (ع): (لا يكبر)، وهو خطأ.]] عليه فيه. وفيه تكذيب للقدرية في امتناعهم عن إضافة القدر إلى الله تعالى في الضلال والكفر، وعندهم أن شيئًا من اللطف لم يبق إلا وقد فعله الله بعباده فلم يؤمنوا، ولو منع شيئًا من اللطف خرج عن الإلهية، فإلاههم بزعمهم في صورة عاجز على الحقيقة لا يقدر أن يفعل ما يصير الناس به [[في (ظ)، (د)، (ع): زيادة (إليه) بعد قوله الناس.]] مؤمنين وهم أبدا يقولون [[في (أ): (يقول)، وهو خطأ.]]: إضلاله إياهم وقضاؤه عليهم بالكفر سفه. فيقال [[في (ظ): (فقال)، وهو خطأ.]] ففي خلقه إيّاهم مع علمه بما سيكون منهم مثل ذلك السفه فلم خلقهم وهو يعلم أنهم لا يتعاطون سوى الكفر؟ وفي خلق القدرة لهم حتى يكفروا بها!. فبان بهذا أن الدين كله في الاستسلام للقدرة وتفويض الأمر إلى المشيئة من غير تحكم، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال [[في (ظ): (يزعمون).]] أبو إسحاق: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ (أنَّه) في] [[في (أ): (وقال).]] موضع أرفع (فأنَّه] [[بين المعقوفين كشط من (ظ).]] يضله) عطف عليه، والفاء الأجود فيها أن تكون [في معنى الجزاء، وجائز كسر إنَّ مع الفاء وتكون [[في المعاني: ويكون.]] جزاءً] [[بين المعقوفين كشط في (ظ).]] لا غير. والتأويل: كتب على الشيطان [إضلال متوليه [[في (أ): (متوالية)، وهو خطأ.]] وهدايتهم إلى عذاب السعير. وحقيقة "أن"] [[ما بين المعقوفين كشط في (ظ).]] الثانية أنها مكررة على جهة التوكيد؛ لأن المعنى: كتب عليه أنه من تولاه أضله. انتهى كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 411.]]. قال أبو علي: إعراب هذه الآية مشكل، وأنا أشرحه -إن شاء الله- وأبيّن موضع السَّهو فيه. قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ (أنه) في موضع رفع وهي توصل من الجمل [[في "الإغفال" ص 1031: وهي ما توصل بالجمل.]] بالابتداء والخبر. وخبر الابتداء معلومٌ وجوهه. وقوله ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ لا تخلو "مَن" مِن أن تكون [[في "الإغفال" ص 1031: فلا يخلو "من" فيه من أن تكون ...]] بمنزلة "الذي" وتكون بمعنى الجزاء. [فإن كان بمعنى الجزاء] [[ساقط من (ظ)، (د)، (ع) وليس موجودًا في الإغفال.]] فالفاء في "فأنَّه" إنّما هو جواب الجزاء، ولا تكون العاطفة [لأنَّها إذا كانت جوابًا للجزاء لم يجز أن تكون العاطفة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] كما أنها إذا كانت داخلة على خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ موصولاً، وكانت جملته بمعنى الجزاء لم تكن العاطفة نحو قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: 274] فـ"من" على هذا الوجه في موضع رفع، و ﴿تَوَلَّاهُ﴾ في موضع جزم لكونه شرطًا، والفاء وما بعدها في موضع جزم لوقوعه موقع جزاء الشرط، و"أن" من قوله "فأنه يضله" موضعه رفع بإضمار مبتدأ بين الفاء و"إنّ"، لترتفع "أنَّ" على أنَّه [[(أنه): ساقطة من (ظ).]] خبرُ مبتدأ [[في (أ): (لمبتدأ).]] محذوف تقديره: فشأنه أنَّه يُضلّه، أو أمره، أو نحو ذلك مما يصلح أن يكون مبتدأ لهذا الخبر، إذ كانت "أنَّ" لا تكون مبتدأة وإنَّما تكون مبنية على شيء، ومثل هذا قوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 63] فارتفاع "أنَّ" بما ارتفع به "أنّ" في قوله ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ وقوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ في موضع رفع لوقوع جميع ذلك خبرًا لـ"أنّ". كما أنَّ ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ إلى قوله ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [[فيها: ساقطة من (أ).]] في موضع رفع لوقوعها خبرًا لـ"أنَّ"، فالفاء في "فإنه" ليست بعاطفة في [[في "الإغفال" ص 1035: على.]] هذا الوجه. وإن كان "من" من قوله ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ بمعنى "الذي" [[هذا هو شرح الاحتمال الثاني في معنى "من" من قول "من تولاه" الذي ذكره أبو علي في أول كلامه بقوله: وقوله "من تولاه" لا تخلو "من" من أن تكون بمنزلة الذي أو تكون بمعنى الجزاء.]] فالتقدير: كتب على الشيطان أن الشيطان الذي تولاه. فاسم "أنَّ" الهاء التي هي ضمير الشيطان و"من" اسم مبتدأ وخبره ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ فالقول في ارتفاع "أنَّ" من قوله "فأنه" على هذا الوجه كالقول في الوجه الأول وما يقدر فيه من الإضمار الذي يكون "أنَّ" مبنيًّا عليه، وتقديره: الذي تولاه ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] فله إضلاله [أو"فشأنه إضلاله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] وهدايته إياه إلى عذاب السعير. فالفاء في هذا الوجه أيضًا داخلة لمعنى الجزاء، ولا يجوز أن تكون العاطفة. ألا ترى أنك لا تقول: زيد فمنطلق. فتعطف الخبر على مبتدأه، وإنّما دخلت هنا لما في الصلة من معنى الجزاء كقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: 274]، وقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. ومثله في التنزيل كثير. فإذا لم يخل من الوجهين اللذين ذكرنا، وكانت الفاء في كلا الوجهين متعلقة بها لا على جهة العطف لما بينا ثبت أنَّ قول أبي إسحاق: أنّ [[أنّ: ساقطة من (ظ).]] "فأنه" عطف على "أنَّ" خطأ؛ إذ كانت الفاء لا تخلو: إما أن تكون مع ما بعدها في موضع جزم لوقوعه جزاء للشرط، واما أن تكون مع ما بعدها في موضع رفع لوقوعها خبرًا لمبتدأ واقع مع خبره موقع خبر "أنَّ" من قوله ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾. وإذا بطل أن تكون الفاء للعطف بطل قول أبي إسحاق في "أنَّ" من قوله "فأنّه يضله" موضعها رفع أيضًا أن يكون مرفوعًا من الجهة التي ذكر وهو خطأ [[في (أ): (التي ذكره)، هو خطأ.]] ثانٍ [[في (أ): (فإن)، وهو خطأ.]] لزمه لجعله الفاء عاطفة و"أن" من قوله "فأنّه يضله" لا يجوز أن تكون معطوفة على الأولى [[في (ظ)، (د)، (ع): (الأول)، والمثبت مش (أ). وهو الموافق لما في "الإغفال" ص 1040.]]؛ لأنه لا يخلو من أن يكون خبر مبتدأ، أو يكون جواب شرط، ومحال أن يعطف خبر المبتدأ على المبتدأ بحرف [[في (أ): (لحرف)، وهو خطأ.]] عطف أو يعطف جواب الشرط على شىء قبل الشرط [["الإغفال" لأبي علي الفارسي 2/ 1031 - 1040. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 86، "مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب 2/ 486، "البيان في غريب إعراب القرآن" للأنباري 2/ 168 - 169، "البحر المحيط" 6/ 351، "الدر المصون" 8/ 227 - 228.]].

الحج 22:5

قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة [[مثله في "تنوير المقباس" ص 206، وذكره ابن الجوزي 5/ 406 من غير نسبة لأحد.]] ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ قال: يريد إن كنتم في شك من القيامة ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ زيد آدم [[مثله في "تنوير المقباس" ص 206.]]. قال أبو إسحاق: قيل للذين جحدوا البعث وهم المشركون إن كنتم في شك من [[) من): ساقطة من (أ).]] أن الله يبعث الموتى فتدبَّروا أمر خلقكم وابتدائكم فإنكم [[(فإنكم): ساقطة من (ظ).]] لا تجدون في القدرة فرقًا بين ابتداء الخلق وبين إعادته. ثم بين لهم ابتداء خلقهم فأعلمهم [[في (ظ): (وعلَّمهم).]] أنَّهم خلقوا من تراب، وهو خلق آدم -عليه السلام-، ثم خُلِقَ ولده من نطفة، ثم من علقة ثم من مضغة، فأعلمهم أحوال خلقهم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 412.]]. وقال [[في (أ): (قال).]]: صاحب النظم: معنى الآية إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من تراب. وقوله ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ولد آدم [[آدم: ساقطة من (ظ).]]، خلقه من مني الأب. ومعنى النطفة في اللغة: الماء القليل. يقال: في الغدير نطفة زرقاء، أي بقية ماء صاف. وأصلها من النَّطف [[في (ظ): (النطفة).]] وهو: القطر، يقال: نطفت السحابة وهي تُنْطُفُ -بالضم- نَطْفًا. وليلةٌ نَطُوف: تمطر حتى الصباح، والذي يخلق منه الولد يسمى نطفة، لأنه ماء يقطر [[انظر: (نطف) في: "تهذيب اللغة" 13/ 365 - 366، "الصحاح" 4/ 1434، "لسان العرب" 9/ 335 - 336.]]. وقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ العلق الدم الجامد قبل أن ييبس، والقطعة علقة منه [[منه: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] [[انظر: "علق" في "تهذيب اللغة" 11/ 243، "الصحاح" 4/ 1529، "لسان العرب" 10/ 267.]]، ومنه قول القُطامي: تَمجُّ عُروقُها عَلَقًا مُتَاعا [[هذا عجز بيت للقطامي من قصيدة يمدح بها زفر بن الحارث الكلابي، وصدره: وَظَلَّتْ تَعْبِطُ الأيدي كُلُوما وهو في "ديوانه" ص 33، "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 144 (تدع)، "لسان العرب" 7/ 348 (عبط). والمتاع: القيء. "لسان العرب" 8/ 38 (تيع).]] وذلك أن النطفة المخلوق منها الولد تصير دمًا غليظًا. وقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ المضغة قطعة لحم، وقلب الإنسان مضغة من جسده وإذا صارت العلقة لحمة فهي مضغة. قال ابن عباس. يريد من [[(من): ساقطة من (ظ).]] لحم. وهذا كله في الأطوار أربعة أشهر، وهذا معنى ما روي في الحديث: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة، ثم يبعث الملك فينفخ فيها الروح" [[رواه البخاري كتاب "القدر" 12/ 477، ومسلم كتاب "القدر" 4/ 2036 من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق، فذكره.]]. قال ابن عباس: [ثم يصوّر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] في العشر بعد الأربعة الأشهر، ثم ينفخ فيه الروح، فذلك عدة المُتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، فإذا تحرَّك في جوفها علمت أن فيه ولدًا [[في (ظ)، (ع)، (د): (ولد)، وهو خطأ.]] [[ذكره عنه القرطبي 12/ 6 باختصار.]]. قوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال ابن الأعرابي: ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ قد بدا خلقه ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ بعد [[(بعد): ساقطة من (ظ)، (ع) وهي في (د): (قد).]] لم يصور [[في (أ): (يتصور). وغير واضحة في (د).]] [[قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 28.]]. هذا الذي ذكره ابن الأعرابي: مخلقة قدرًا [[(مخلقة قدرًا): ساقطة من (أ). وسقط من (ع): (قدرا).]] هو معنى المخلقة في اللغة. وأما أهل التفسير: فإن مجاهدًا والسدي اتفقا [[(اتفقا): زيادة من (ظ).]] على أنَّ المخلقة وغير المخلقة: يعني بهما السقط. قال [[في (ظ): (وقال).]] مجاهد -في رواية ابن نجيح- ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال: السقط مخلوق وغير مخلوق [[رواه الطبري 17/ 117 عن مجاهد من رواية ابن أبي نجيح.]]. وقد كشف السدي عن هذا المعنى الذي ذكره مجاهد فقال: هذا في السقط، المرأة تسقط النطفة بيضاء والعلقة، وتسقط اللحم لم يخلق، وتسقط قد صور [بعضه، وتسقط قد صور] [[ما بين المعقوفين في حاشية (ظ).]] كله [[ذكره عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 407.]]. ويدل على أن هذا [[العبارة في (ظ): (ويدل على هذا أنه).]] في السقط قوله ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ يعني ما يولد لتمام المدة ولم تسقطه [[في (أ): (ولم تسقط).]] المرأة [[سيأتي بيان ضعف هذا القول مع القول الذي بعده.]]. وذهب آخرون إلى أنَّ المخلقة في غير السقط، وغير المخلقة: هو السقط. قال [[في (ظ)، (د)، (ع): (وقال).]] ابن عباس -في رواية عكرمة-: المخلقة ما [[في (ظ): (ما قد كان حيًا).]] كان حيًّا، وغير المخلقة ما كان من سقط [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 10.]]. ونحو هذا قال مجاهد -في رواية خُصَيف- قال: المخلقة: الولد، وغير مخلقة: السقط [[رواه عنه سعيد بن منصور في "تفسيره" 155 ب من رواية خصيف.]] وقال ابن عباس في رواية عطاء: المخلقة: ما أخذ منه الميثاق، وغير المخلقة: ما لم يؤخذ منه الميثاق ولا يكون مخلوقًا. ويدل على صحة هذا التفسير ما روى علقمة، عن عبد الله بن مسعود [[في (ظ): (ابن عباس)، وهو خطأ.]]: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله -عَزَّ وَجَلَّ- ملكًا فقال: يا رب مخلقة أم غير مخلقة؛ فإن قال غير مخلقة مجّتها [[صحتها: رمتها. "الصحاح" 1/ 340 (مجج).]] الأرحام، وإن قال مخلقة، قال: يا رب ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه [[(منه): ساقطة من (ظ).]] صفة هذه النطفة [[رواه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" 17/ 117، قال ابن حجر في "الفتح" 1/ 419: وإسناده صحيح. وهو موقوف لفظا، مرفوع حكمًا. اهـ. ورواه بنحوه مطولاً ابن أبي حاتم (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 207 و"الدر المنثور" 6/ 9)، والواحدي في "الوسيط" 3/ 259. والأثر لا يدل كما قال الواحدي على صحة هذا التفسير؛ لأنّ الأثر في النطفة: "إذا وقعت النطفة". وظاهر القرآن أن قوله تعالى "مخلقة وغير مخلقة" وصفٌ للمضغة لا للنطفة.]]. وعلى هذا القول معنى (المخلقة): المخلوقة كما ذكره ابن عباس -في رواية عطاء- وهو: أنه أكمل خلقه بنفخ الروح فيه، فما أكمل خلقه بالروح ولد لتمام حيًّا، وما سقط كان غير مخلقة، أي: غير حي بإكمال خلقه بالروح [[ذكره ابن الجوزي 5/ 406 - 407 عن ابن عباس.]]. وقال [[في (د)، (ع): (وقد قال).]] الكلبي: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ يقول مخلوق وغير مخلوق، فالمخلوق: هو التمام من الولد، وغير المخلوق: هو السقط. وهذا القول مذهب أكثر أهل التفسير [[وهو اختيار الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 17/ 117. قال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 5/ 22 - 23 - بعد أن ذكر أن هذا القول اختيار الطبري. وغير واحد من أهل العلم-: هذا القول الذي اختاره الإمام الجليل الطبري -رحمه الله- لا يظهر صوابه، وفي الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك وهي قوله -جل وعلا- في أول الآية "فإنا خلقناكم من تراب" لأنّه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى: ثم خلقناكم من مضغة مخلقة وخلقناكم من مضغة غير مخلقة. وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة فيه من التناقض كما ترى. فافهم. فإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة السقط، لأن قوله "ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى" يفهم منه أن هناك قسمًا آخر لا يقره الله في الأرحام إلى ذلك الأجل المسمى وهو السقط؟. فالجواب: أنَّه لا تعين فهم السقط من الآية؛ لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقرّه إلى أجل مسمّى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة وقد يقره أكثر من ذلك كيف شاء. أما السقط فقد دلت الآية على أنّه غير مراد بدليل قوله "فإنا خلقناكم" الآية؛ لأن السقط الذي تلقيه أمُّه ميتًا -ولو بعد التشكيل والتخطيط- لم يخلق الله منه إنسانًا واحداً من المخاطبين بقوله ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، فظاهر القرآن يقتضي أن كلا من المخلقة وغير المخلقة يخلق منه بعض المخاطبين في قوله "يا أيها الناس .. " الآية اهـ. وفي جواب الشنقيطي أيضًا ردّ على قول من قال السقط مخلوق وغير مخلوق.]]، وهو قول أبي عبيدة في المخلقة: أنها المخلوقة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 44.]]. وفي هذا مذهب ثالث وهو: أن المخلقة وغير المخلقة كلاهما [[في (أ): (كلاها).]] من صفة الولد الذي يولد، وليسا ولا أحدهما من صفة السقط. وهو مذهب قتادة، واختيار أبي إسحاق وثعلب. قال قتادة في قوله ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾: تامة وغير تامة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 32، والطبري 17/ 117. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 11 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير.]]. وقال [[في (ظ): (قال).]] أبو إسحاق: وصف أحوال الخلق أنَّ منهم من يتم [[في (ظ): (تتم)، وفي (د): (تتم)، مهملة، وفي (ع): (يتم)، وما أثبتنا هو الموافق لما في المعاني.]] مضغته فيخلق له الأعضاء التي تكمل آلات الإنسان، ومنهم من لا يتمم الله [[الاسم الجليل كتب في حاشية (ظ)، وعليه علامة التصحيح.]] خلقه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 412.]]. وقال أبو العباس [[هو ثعلب.]]: الناس خلقوا على ضربين: منهم تام الخلق، ومنهم خَدِيخٌ ناقصٌ غيرُ تام [[ذكره عن أبي العباس الأزهري في "تهذيب اللغة" 7/ 28 (خلق).]]. وعلى هذا القول معنى المخلقة: التام الخلقة والأعضاء [[قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 5/ 23 - 24 عن هذا القول أنه أولى الأقوال في الآية وهو القول الذي لا تناقض فيه؛ لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضًا لا == ليتناقض بعضه مع بعض. وعزاه إلى قتادة والضحاك. قال: واقتصر عليه الزمخشري ثم نقل الشنقيطي عن الزمخشري -وقول الزمخشري في "الكشاف" 3/ 5 - أنه قال: والمخلقة: المسوّاه الملساء من النقص والعيب، يقال: خلق السواك والعود: إذا سواه وملسه، من قولهم: صخرة ملساء، إذا كانت ملساء، كانَّ الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو كامل الخلقة أملس من الجوب ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم. قال الشنقيطي: وهذا المعنى الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام. ثم ذكر الشنقيطي شواهد من شعر العرب وكلامهم في هذا المعنى.]]. فحصل في المخلقة ثلاثة أقوال في معناها وتفسيرها. قوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اختلفوا في مفعول [[في (ظ): (معنى).]] التبيين [[في (د)، (ع): (لنبين).]]. فقال [[في (ظ)، (د)، (ع): (قال).]] ابن عباس: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون [[ذكره البغوي 5/ 366، وابن الجوزي 5/ 407 من غير نسبة لأحد.]]. يعني أن الله تعالى خلق بني آدم ليبين لهم من أشدهم وما يحتاجون إليه في العبادة. وقال الزجاج: أي. ذكرنا أحوال خلق الإنسان لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء ونعرفكم ابتداءنا [[في (ظ): (ابتداء).]] خلقكم [[ليس في المطبوع من "معاني الزجاج" 3/ 412 إلا قوله: أي ذكرنا أحوال خلق الإنسان.]]. وقال [[في (ظ): (قال).]] صاحب النظم: لنبين لكم أن البعث حق يدل على هذا أن الآية أنزلت دلالة على البعث [[ذكر ابن عطية في "المحرر" 10/ 229، وابن الجوزي 5/ 407 هذا القول مختصرًا من غير نسبة لأحد.]]. وقال ابن مسلم: لنبين لكم كيف نخلقكم في الأرحام [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 290.]]. وقال [[في (ظ): (قال).]] أهل المعاني: لندلكم على مقدورنا بتصريف ضروب الخلق [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 47 أمن غير نسبة لأحد. وانظر: "الكشاف" للزمخشري 3/ 5. حيث قال: 3/ 5: وورود الفعل غير معدى إلى المبيَّن إعلامٌ بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه الا يكتنهه ولا يحيط به الوصف.]]. قوله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ أي [[في (د): (أن)، وهو خطأ.]]: نثبت [[في (أ): (يثبت)، وفي (ظ): (يثيب)، ومهملة في (د)، وفي (ع): (نبت)، وما أثبتنا هو الصواب.]] في الأرحام ما نشاء فلا يكون سقطا ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى أجل الولادة. ويجوز أن يكون المعنى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ فلا يخرج [[في (ظ)، (د)، (ع): (فلا يكون سقطا بخرج)، بزيادة: (يكون سقطا)، وهذه الزيادة تخل بالمعنى ويظهر لي أن ناسخ النسخة التي نسخت منها تلك النسخ رجع نظره إلى الجملة التي قبل هذه الجملة فهي مشابهة لها.]] الأجل المعتاد ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ سماه الله لذلك [[في (أ): (كذلك)، وهو خطأ.]] الولد في أم الكتاب، وذلك أن مدة الحمل تختلف فيمتد من ستة أشهر إلى أربع سنين. والقراءة في "ونقرُّ" بالرفع، وروى المفضل [[هو المفضل بن محمد، الضبي، الكوفي، اللغوي، أبو محمد. كان من جلّة أصحاب عاصم، قرأ عليه، وتصدَّر للإقراء. وهو صاحب المفضليات" المشهورة. قال الخطيب البغدادي: كان إخباريا علامة موثقا. لكن قال أبو حاتم الرازي: متروك القراءة والحديث. قال الذهبي -معلقًا على قول أبي حاتم: قلت: قد شذ عن عاصم بأحرف. وقال أبو حاتم السجستاني: ثقة في الأشعار، غير ثقة في الحروف. توفي سنة 168 هـ. "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 8/ 318، "تاريخ بغداد" 13/ 121، "إنباه الرواة" 3/ 298، "معرفة القراء الكبار" للذهبي 1/ 131، "غاية النهاية" 2/ 357 "لسان الميزان" لابن حجر 6/ 81.]]، عن عاصم: "ونقرَّ" بالنصب [[ذكرها النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 87 من رواية المفضل، عنه. وهي رواية شاذة لا تصح عن عاصم؛ لأنَّ المفضل متروك القراءة.]]. قال أبو إسحاق: ولا يجوز فيه إلا الرفع، ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنقر في الأرحام؛ لأنَّ الله -عَزَّ وَجَلَّ- لم يخلق الأنام ليقرهم في الأرحام، وإنَّما خلقهم ليدلَّهم على رشدهم وصلاحهم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 412.]]. وقال [[في (ظ): (قال).]] صاحب النظم: انقطع الخبر عند قوله ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ثم ابتدأ خبرًا آخر فقال [[في (ظ)، (د): (قال)، وفي (أ): (وقال)، والمثبت من (ع).]]: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ ولذلك ارتفع؛ لأنه منقطع مما قبله. وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ث﴾ قال الزجاج: "طفلًا" في معنى أطفال، ودلَّ عليه ذكر الجماعة، وكأنَّ طفلا يدل على معنى: ونُخْرِج [[في (أ): (يخرج)، مهمل الأول. وفي (ط)، (د): (يخرج)، مهملة. والمثبت من (ع). وفي المطبوع من المعاني: ويخرج.]] كل واحد منكم [[في (أ): (منهم).]]. طفلاً [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 412.]]. وقال المبرد: انتصب "طفلاً" على المصدر الذي هو في موضع الحال. وقد قال قوم: تمييز. والذي قال جائز في هذا الموضع كقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: 4] فهذا لا يكون إلا تمييزا، إلا أنّا قدمنا المصدر؛ لأنَّه قد استعمل مصدرًا كالرّضا والعدل الذي يقع على الواحد والجماعة، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: 31] فهذا فيه دليل على أنه مصدر [[ذكر هذا القول عن المبرد باختصار القرطبي 12/ 12، وأبو حيان 6/ 352 والسمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 232.]]. وقال أبو عبيدة: طفلاً في موضع أطفال [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 44.]]. وأنشد [[هذا الشطر من الرجز أنشده أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 195 ونسبه للغنوي. وهو بلا نسبة في "الكتاب" 9/ 201، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 437، المقتضب للمبرد 2/ 172، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 83. ونسبه السيرافي في شرح أبيات سيبويه 1/ 212، والشنتمري في "تحصيل عين الذهب" 1/ 107، وابن منظور في "لسان العرب" 14/ 423 "شجا" للمسيب بن زيد بن مناة الغنوي يخاطب به حنظلة بن الأعرف الضبابي، وكان حنظلة قد غزا غَنيّ فأخذ غلامًا منتهم، فبيع ذلك الغلام، فخفي شأنه زمانًا، ثم وجدته غنيّ في بيت ختنٍ لحنظلة بن الأعراف فأخذوا الغلام وقتلوا ختن حنظلة، فبلغهم أن == الأعرف يتبعهم ويتوعدهم، فقال المسيب: مالك يا أعرف تبتغينا إلى أن قال: في حلقكم عظمٌ وقد شجينا. قال السيرافي: الشاهد فيه قوله "في حلقكم" فوحّد وهو يريد في حلوقكم، فوضع الواحد في موضع الجمع .... وقوله "في حلقكم عظم وقد شجينا" هو على طريق المثل، يعني أنهم بمنزلة من قد غصّ بشيء في حلقه لأجل قتل ختنهم، ونحن قد شجينا بشيء في حلوقنا من أجل العلام الذي قد سبي هنا. اهـ.]]: في حلقكم [[في (أ)، (د)، (ع) خلقكم. والمثبت من (ظ) وباقي مصادر التخريج.]] عظم وقد شجينا وقال أبو الهيثم: الصبي يدعى طفلا حين يسقط من بطن أمه إلى أن يحتلم. قال: والعرب تقول: جاريةٌ طِفْلٌ، وجاريتان طِفْلٌ، وجَوارٍ طفلٌ وغلامٌ طفلٌ، وغلمان طفل [[وغلمان طفل: ليست في المطبوع من "تهذيب اللغة" 3/ 348.]]. [ويقال: طفل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] وطفلة وطفلان وطفلتان في القياس وأطفال، ولا يقال: طفلات [[في "تهذيب اللغة" 13/ 348 نقلاً عن أبي الهيثم: ويقال: طفلٌ، وطفلةٌ، وطفلان، وأطفال، وطفلتان، وطفْلات في القياس. وكذا في "اللسان" 11/ 402 (طفل). وعند القرطبي 12/ 12: ويقال أيضًا: طفل وطفلة وطفلان وطفلتان وأطفال، ولا يقال: طفلات مثل ما عند الوحدي.]] [[قول أبي الهثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 348.]]. وأطفلت المرأةُ والظبيةُ [[في (ظ): (الضبية).]]، إذا صارت ذات طفل [["تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 348 (طفل) نقلا عن الليث.]]. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ ذكر صاحب النظم منه وجهين: أحدهما: أَن يكون فيه إضمار على تأويل: ثم نخرجكم طفلا، ثم نعمركم [[في (ظ): (نقمكم).]] لتبلغوا أشدكم [[ذكر ابن الجوزي 5/ 40 هذا الوجه، ولم ينسبه لأحد.]]. والوجه الآخر: أن تكون "ثم" في قوله ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا﴾ مقحمة [[في (أ): (مفخمة، تفخّم).]] [كما تقحم الواو؛ لأنها من حروف النسق ومعناه: ثم نخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم [[ذكر القرطبي 12/ 12 هذا الوجه، وصدره بقوله: وقيل. وهذا الوجه الذي ذكره الواحدي عن صاحب النظم -مردود؛ قال أبو حيان في البحر 5/ 110: وغير ثابت من "لسان العرب" زيادة "ثم".]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]]. قال ابن عباس: يريد ثماني عشرة سنة [[ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 149 عند قوله تعالى ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: 153] عن ابن عباس -من رواية أبي صالح- أنه قال: ما بين ثماني عثمرة إلى ثلاثين سنة. ثم ذكر قولاً آخر أنه: ثماني عشرة سنة، وعزاه لسعيد بن جبير ومقاتل.]]. قال الزَّجَّاج: وتأويله الكمال والقوة والتمييز وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين [["معاني القرآن" للز جاج 3/ 413.]]. وهذا مما قد تقدم القول فيه. قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ قال ابن عباس: يريد من قبل ذلك. يعني من قبل بلوغ الأشد [[ذكره ابن الجوزي 5/ 408 ولم ينسبه لأحد.]]. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي: أخسّه وأدونه، وهو الخرف، يخرف حتى لا يعقل، وبيَّن ذلك بقوله ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. قال ابن عباس: يريد يبلغ من السن ما يتغير [[في (ظ)، (ع): (سعد) مهملة. وفي (أ): (يتعين)، والمثبت من (ع).]] عقله حتى لا يعقل شيئًا [[في "الوسيط" 3/ 260 عن ابن عباس: يبلغ السن من بعد ما يتغير عقله حتي لا يعقل شيئا.]]. قال: وليس ذلك إلا في أهل الشرك [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 468 عنه من رواية عطاء بمعناه. عند قوله تعالى ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: 70]. وهذه الرواية لا تصح عن ابن عباس، وكم شوهد من أهل الإسلام من ردّ إلى أرذل العمر، وقد كان النبي -ﷺ- يقول في دعائه: "وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر" رواه البخاري كتاب الدعوات، باب التعوذ من البخل 11/ 178.]]. وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة، واحتجّ بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: 5، 6] قال: إلا الذين قرأوا القرآن [[رواه الطبري 30/ 346 بنحوه، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 8/ 558 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير. وقد روى سعيد بن منصور في تفسيره (ل 155 ب) وابن أبي شيبة في مصنفه 10/ 468 عنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمل. ثم قرأ ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: 70]. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 146 وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. قوله ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ قال الزَّجَّاج: ثم دلَّهم على إحيائه [[في (أ): (إحياء).]] الموتى بإحيائه الأرض [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 413.]]. وقال صاحب النظم: هذا فصل منقطع مما قبله؛ لأنَّ الأول مخاطبة جماعة وهذا مخاطبة واحد، وهو معطوف على ما قبله بمثل معناه لأنّه من تبيين وجوب البعث [[ذكره القرطبي 12/ 13 بمعناه من غير نسبة لأحد.]]. قال الليث: أرض جامدة مقشعرةٌ لا نبات فيها إلاَّ يبيس [[في (أ): (مهملة). وفي (ظ): (يبس).]] مُتَحطّم [[من (أ): (فيحكم)، وهو خطأ.]]، والهامد [[في (ظ): (والهادرة).]] من الشجر: اليابس [[قول الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 228 "همد". وهو في "العين" 4/ 31 "همد" بنصه.]]. وقال شمر: الهامد: الأرض المسنتة [[في (أ): (المسننة)، وفي (ظ)، (د): (المسنة). وفي (ع): (المسه)، مهملة. والتصويب من "تهذيب اللغة" 6/ 228. وفي "تهذيب اللغة" 12/ 385: قال ابن شميل: أرضٌ مسنته: لم يصبها مطرٌ فلم تُنبت.]]، وهمودها [[في (أ): (وهودها)، وهو خطأ.]] ألا يكون فيها حياة [[في جميع النسخ: (حيا)، والتصويب في "تهذيب اللغة" 6/ 228.]] والرَّماد [[في (ظ)، (د)، (ع): (والمراد)، وهو خطأ.]] الهامد: المتلبّد البالي بعضه فوق بعض. وهمد [[في (أ): (وهذا)، وهو خطأ.]] الثوب يهمد همودًا، إذا تناثر من البِلى [["تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 228 (همد).]]. قال [[قال: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] الأصمعى: همدت [[في (أ): (همت)، وهو خطأ.]] النار إذا طفئت ألبتة [[ألبتة مهملة في (د).]] [["تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 228 "همد" من رواية أبي عبيد، عن الأصمعي.]]. قال الأعشى: قالت قُتَيْلةُ ما لجسمك شاحبًا ... وأرى ثيابك باليات هُمَّدا [[همدا: ساقطة من (ظ).]] [[البيت في "ديوانه" ص 227، والرواية فيه (سايئا) في موضع (شاحبا)، والطبري 17/ 119، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 174، والقرطبي 12/ 13.]] قال ابن عباس: هامدة يريد التي قد تلبَّدت وذهب عنها النَّذى. وقال مجاهد: هالكة. يعني جافة [[في (أ): (حاقة)، وهو خطأ.]] يابسة؛ لأن هلاك الأرض يُبسها. وقال قتادة: غبراء متهشمة [[قال السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 11: وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله "وترى الأرض هامدة" أي: غبراء متهشمة. وهذه الرواية عن قتادة ليست موجودة في تفسير عبد الرزاق والطبري في هذا الموطن من سورة الحج كما عزى إليها السيوطي، وإنما موجودة في تفسير قوله تعالى "ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة" [فصلت: 39] فروى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 188 والطبري 24/ 122 عن قتادة في قوله "ترى الأرض خاشعة" قال: غبراء متهشمة.]]. [يعني متهشمة] [[ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] النبت. وقال أبو إسحاق: يعني جافة ذات تراب [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 413.]]. وقال ابن مسلم: ميتة يابسة كالنار إذا طفئت فذهبت [[غريب القرآن لابن قتيبة ص 290.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ قال المفسرون: تحركت بالنبات [[الطبري 17/ 119، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 47 ب.]]. والمعنى على هذا تحركت بالنبات عند وقوع الماء، وذلك أن الأرض ترتفع عن النبات إذا ظهر فذلك تحركها، وهو معنى قوله ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت وزادت. وقال الليث: يقال اهتزت الأرض [[(الأرض): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] إذا أنبتت [["تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 350 (هزَّ) بنصِّه، لكن من غير نسبة لأحد. وكأنَّ في المطبوع سقطًا، وهو في العين 2/ 346 "هزّ" مع اختلاف يسير جدًّا.]]. وقال المبرد: أراد [[أراد: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] اهتز نباتها [[ذكره عن المبرد ابن الجوزي 5/ 408، والقرطبي 12/ 13.]]. وعلى هذا حذف المضاف الذي هو النبات [فقيل: اهتزت. والاهتزاز في النبات أظهر، ويقال: اهتز النبات] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] إذا طال [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 350 (هز)، "لسان العرب" 5/ 424 (هزز). وقال أبو حيان في البحر 5/ 353: واختزازها: تخلخلها واضطراب بعض أجسامها لأجل خروج النبات.]]. وقوله ﴿وَرَبَتْ﴾ أي زادت ونمت، أي الأرض أو نباتها على ما ذكرنا. ويقال: ربا الشيء، إذا زاد، ومنه الرَّبوة والرِّبا [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 272 - 274 (ربا).]]. وقوله ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قال ابن عباس: من كل صنف حسن [[روى ابن أبي حاتم (كما في "الدر المنثور" 6/ 11) عنه قال: "بهيج" أي حسن.]]. والبهجة: حسن الشيء ونضارته [["تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 64 "بهج" عن الليث، وهو في العين 3/ 394 (بهج).]]. والبهيج بمعنى المبهج، وهو الحسن الصورة الذي تمتع العين برؤيته. قال المبرّد: هو الشيء المشرق الجميل [[ذكره الرازي 23/ 9 عن المبرّد.]]، ومنه قوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: 60]. وعلى هذا هو فعيل من بهج [[في (أ): (بهيج)، وهو خطأ.]]، وهو قول أبي زيد [[في جميع النسخ: (ابن زيد)، وهو تصحيف. والتصويب من "تهذيب اللغة" وغيره.]]، قال: بهيج حسن [[(حسن): ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]]، وقد [[في (ظ)، (د)، (ع): (قد).]] بَهُج بَهاجة وبَهْجة [[قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" 6/ 65 (بهج).]]. ويقال: تباهج الروض إذا كثر نواره [[في "تهذيب اللغة" 6/ 64، "لسان العرب" 2/ 216: نَوْرُهُ.]]. وأنشد الليث [[هذا الشطر أنشده الليث في العين 3/ 394 من غير نسبة، والرواية فيه: "نوارها" في موضع "نواره". وقال: يصف الروضة. وهو في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 64 (بهج)، و"لسان العرب" 2/ 9216 (بهج)، وتاج العروس 5/ 431 (بهج). وفي "التكلمة" للصاغاني 1/ 403 أن القائل هو أسد بن ناعصة، وصدره فيها: في بَطْنِ وادٍ مُسْجَهرٍّ رَفْرَفِ]]: نوَّارُهُ مُتَباهج يَتَوَهَّجُ وأكثر أهل [[في (ظ)، (د)، ع): (هذا).]] النحو على أنَّ بهيج هاهنا [[العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (علي بهيج يقال هاهنا)، وهي عبارة ركيكة.]] فعيل بمعنى فاعل، وهو قول الأخفش وابن مسلم [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص290.]].

الحج 22:6

قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى الأمر ذلك. أي الأمر ما وصف لكم وبين بأن الحق هو الله [قال: ويجوز أن يكون نصبًا علي معنى: فعل الله ذلك بأنه هو الحق] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]]، والأجود أن يكون موضع "ذلك" رفعًا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 413 مع تقديم وتأخير.]]. قال أبو علي: موضع "ذلك" من الإعراب لا يخلو من أحد وجهين: أحدهما [[أحدهما: ساقطة من (أ).]] رفع، أو نصب. أمَّا جهة النصب فعلى أن يكون مفعولاً بفعل مضمر يدل عليه ما قبله من الأفعال المذكورة كما ذكره أبو إسحاق. وأمّا جهة الرفع فلا يخلو من أن يكون مبتدأً أو خبرًا، ولا يجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف وهو الأمر والشأن على ما ذكره أبو إسحاق لأنه إذا قدر كذلك [[في (أ): (ذلك)، وهو خطأ.]] بقى الجار في [[(في): ساقطة من (أ).]] قوله "بأنَّ الله" [[في (أ): (وقوله "أن الله")، وهو خطأ.]] غير متعلق بشيء وذلك لأنَّ الجار إنّما يتعلق بقوله "ذلك" إذا قَدَّرته مبتدأ بتوسط [[في (أ): (يتوسط)، وهو خطأ.]] فعل مقدر محذوف لدلالة الجار على، والمعنى: ذلك فعله الله أو بَيَّنَه [[في "الإغفال" ص 1046: أو نَبَّه.]] الله بأن الله هو الحق، ثم حذف الفعل وصار الجار مع المجرور في موضعه خبرًا لـ"ذلك". وإذا قدرت "ذلك" خبر مبتدأ لم يجز أن يتعلق به الجار؛ لأن تعلق حرف الجر بالاسم لا يخلو من أمرين: إما أن يتعلق به على التقدير الذي تقدم، أو يتعلق به [[في (ظ): (بهما).]] كما يعلق إذا كان الخبر اسم فاعل، نحو: ذاهب وقائم فيتصل الجار به [كما يتصل بالفعل نحو: هذا ذاهب به، أو قائم إلى عَمْرو وليس قولنا ذلك اسم فاعل فيتصل به هذا الاتصال، ولا يجوز أن يكون بتعلق الجار به [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]]] واتصاله بذلك، وهو مقدر خبر مبتدأ من حيث اتصل به وهو مقدر مبتدأ، وذلك أنَّك إذا قدرت مثل الفعل الذي يوصل الجار إلى ذلك وتعلقه به وجب أن يكون ذلك الفعل خبره، وإذا كان خبره كان ذلك مبتدأ، إذ لا متصل للفعْل [[في (ظ): (إذْ لا يتصل الفعل)، وفي (د): (إذ لا يتصل للفعل).]] بقوله ذلك إلا من هذه الجهة، واتصاله به يخرجه عن أن يكون خبرًا [فإذا لم يجز أن يكون موضع "ذلك" رفعًا على أنه خبر مبتدأ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] وجب أن يكون موضعه رفعًا على أنه مبتدأ، والجار مع المنجر به في موضع خبره لا يجوز غير ذلك [["الإغفال" لأبي علي الفارسي 2/ 1044 - 1047.]]. وأما معنى الآية فهو أن يقول: فعل الله ذلك -يعني ما ذكر من ابتداء الخلق وإحياء الأرض، ذلك الذي ذكر فعله [[ي (ظ)، (د)، (ع): (فعل الله).]] الله بأنه هو [[هو: ليست في (ظ)، (د)، (ع).]] الحق أي: ذو الحق. يعني أنَّ جميع ما يأمر به ويفعله هو الحق لا الباطل كما يأمر به الشيطان من الباطل. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي: وبأنه يحي الموتى. والمعنى أحيا الأرض وفعل ما فعل بقدرته على إحياء الموتى وبأنه قادر على ذلك، وقادر على كل [[(كل): ساقطة من (ظ).]] ما أراد وهو قوله ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

الحج 22:7

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ موضع "أنَّ" خفض فيِ الظاهر بالعطف على ما قبله من قوله [[من قوله: (ليست) في (ظ)، (د)، (ع).]] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إلا أنه لا يصح في المعنى حمله بالعطف على ما قبله؛ لأنه لا يمكن أن يقال: فعل الله ما ذكر بأن الساعة آتية، ولكن يضمر لـ"أنَّ" فعلاً ينصبه، ودلَّ عليه ها تقدم، وهو أن يقول: المعنى: ولتعلموا أن الساعة آتية [أي بَدْءُ الخلق وإحياء الأرض بالماء دلالة لكم لتعلموا بها أن القيامة آتية] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] وأن البعث حق وهو قوله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.

الحج 22:8

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ أي في قدرة الله على البعث والإعادة. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل [[ذكره عنه الزمخشري 3/ 6، والقرطبي 12/ 15، وأبو حيان 6/ 354.]]. وقال الكلبي: نزلت في النضر بن الحارث [[ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" 4/ 8. وذكره أبو حيان 6/ 354 وعزاه للجمهور. ولم يثبت من هذا شيء.]]. وقوله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مضى تفسيره في هذه السورة. ﴿وَلَا هُدًى﴾ قال ابن عباس: ليس معه من ربه رشاد ولا بيان ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ له نور [[قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 5/ 40: قال بعض العلماء في قوله في هذه الآية الكريمة "بغير علم" أي بدون علم ضروري حاصل لهم بما يجادلون به "ولا هدى" أي استدلال ونظر عقلي يهتدي به العقل للصواب "ولا كتاب منير" أي وحي نّير واضح يعلم به ما يجادل به، فليس عنده علم ضروري، ولا علم مكتسب بالنظر الصحيح العقلي، ولا علم من وحي، فهو جاهلٌ محضٌ من جميع الجهات.]].

الحج 22:9

وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ يقال: ثنيت الشيء، إذا حنيته [[في (أ): (حسه)، مهملة.]] وعطفته [["تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 134 (ثنى) بنصِّه.]]. ذكرنا ذلك في قوله: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: 5]. والعِطْفُ: الجانب [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 47 ب.]]. وعِطْفَا الرجل: ناحيتاه عن يمين وشمال، ومنكب الرجل: عطفه وإبطه. قال ابن الإعرابي: عطف كل إنسان ودابة: شقاه من لَدُنْ رأسه إلى وركيه [[من قوله: وعطفا الرجل ... إلى هنا، نقلاً عن "تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 180 (عطف).]]. وأصله من العطف، وهو: اللي، والعطف: الموضع الذي يعطفه الإنسان، أي: يلويه ويميله عند الإعراض والانحراف عن الشيء [[انظر: (عطف) في: "الصحاح" للجوهري 4/ 1405، "لسان العرب" 9/ 250 - 251، "القاموس المحيط" 3/ 176.]]. واختلفت [[في (أ): (واختلف).]] عبارة المفسرين في تفسير قوله ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾: قال ابن عباس: مستكبرًا في نفسه [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 47 ب. ورواه الطبري 17/ 121 وإسناده حسن، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 13 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال الضحاك: شامخًا [[في (ظ): (سافحًا)، وهو خطأ.]] بأنفه [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 47 ب.]]. وقال مجاهد وقتادة: لاويًا عنقه [[ذكره عنهما الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 47 ب. ورواه عن مجاهد الطبري 17/ 121. ورواه عن قتادة عبد الرزاق 2/ 33، والطبري 17/ 121. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 12 وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال ابن زيد والعوفي: معرضًا عما يُدعى إليه كبرًا [[ذكره عنهما الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 47 ب. وعن ابن زيد رواه الطبري 17/ 121، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 12. وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. وعن العوفي رواه الطبري 17/ 121 من طريق العوفي عن ابن عباس.]]. ونحوه [[في (ظ): (ونحو ما قال)، وفي (د)، (ع): (ونحو قال).]]. قال ابن جريج [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 47 ب. ورواه الطبري 17/ 121.]]. وقال السدي: معرضًا من العظمة ينظر في جانب واحد [[ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 12 عن قتادة مثل هذا القول.]]. وهذه الألفاظ تعود إلى معنى واحد وهو الإعراض والتكبر. قال أبو إسحاق: وهذا يوصف به المتكبر. والمعنى: ومن الناس من يجادل في الله متكبرًا [[في (أ): (مكبرا).]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]]. وقال المبرد: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ عبارة عن التكبر والتهاون. تقول العرب: أتانا فلان ثاني عطفه وثاني جيده وشماخًا بأنفه. وأنشد [[في (أ) زيادة: (فقال قوله وأنشد).]]: يَهْدِي إلى خَنَاهُ ثاني الجيد [[هذا عجز بيت للشمَّاخ من قصيدة يهجو بها الربيع بن علباء السلمي، وصدره: نبئت أن ربيعًا إن رعى إبلا وهو في "ديوانه" ص 115، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 46، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة 1/ 496، و"الكامل" للمبرد 1/ 10، 2/ 403 و"الاقتضاب" للبطليوسي 3/ 411. قال ابن قتيبة في المعاني: أي صارت له إبل يرعاها، أرادك أن استغنى واستطال بذلك. "ثاني الجيد" أي رخي البال غير مكنز. وقال البطليوسي: يقول لما كثرت إبله وحسنت حاله أبطرته النعمة. وقيل معناه: أنا نغزوه في أيام الربيع حين يهيج الحيوان وطلب السفاد، وفي ذلك الوقت يغزو بعضهم بعضا.]] أي: متهاونًا. قال: والعطف ما انعطف من العنق والمنكبين. وسمي الرداء العطاف؛ لأنه يقع في ذلك الموضع [[انظر: "الكامل" للمبرّد 1/ 10، 2/ 403 ففيه نحو من هذا، وفيه البيت. وفي "معاني القرآن" للنحاس 4/ 382 عن المبرد: العطف: ما انثنى من العنق ... الموضع.]]. وانتصب "ثاني" على الحال، والتنوين فيه مقدر، والإضافة في تقدير الانفصال [[انظر: "المعاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]]، كما ذكرنا في قوله: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] و ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: 1] ومواضع أخرى [[عند قوله تعالى ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97].]]. ومثل قوله ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ في المعنى قوله: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: 5] الآية وقوله ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [قال ابن عباس: عن طاعة الله [[لفظ الجلالة لم يرد في (أ).]] [[ذكره القرطبي 12/ 13 من غير نسبة لأحد.]]. والمعنى: يجادل في الله بغير علم مستكبرًا لاويًا عنقه ليضل عن سبيل الله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] ويذهب عنه لا [[في (ظ): (إلا)، وهو خطأ.]] أنّ له على ما يجادل فيه محجة أو دلالة [[(أو دلالة): ساقط من (أ).]] أو لديه فيه بيانًا. ومثل هذا في المعنى قوله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا﴾ [[في (ظ): (يكفرون) بدلا من (يشركون)، وهو خطأ.]] [النحل: 54. 55] فيمن جعل اللام الجارة، أي أشركوا ليكفروا بما بيناه لهم، لا لأنَّ [[في (أ): (أنَّ).]] لهم على ذلك حجة وبيانًا. وقوله: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ قال ابن عباس: يريد الذي [[بعد قوله: (الذي) يبدأ المفقود من نسخة الظاهرية (ظ) ومقداره صفحتان.]] أصابه يوم بدر [[ذكره عنه الرازي 23/ 12، وانظر: "تنوير المقباس" ص 206.]].

الحج 22:10

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: يقال له هذا العذاب بما قدمت يداك، وموضع "ذلك" رفع بالابتداء، وخبره ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، وموضع "أنَّ" من قوله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ خفض؛ لأن المعنى: بما قدمت وبأنّ الله. قال: ويجوز أن يكون موضع "ذلك" رفعًا على خبر الابتداء، المعنى: الأمر ذلك بما قدمت يداك، ويكون موضع "أنَّ" الرفع على معنى: والأمر أنَّ الله ليس بظلام للعبيد [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]]. وأبطل أبو علي أن يكون "ذلك" خبر الابتداء؛ لأنَّ الجار يبقى غير متعلق بشيء. والقول في هذه الآية كالقول في قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ لا فصل بينهما وإذا بطل هذا بطل أن يكون موضع "أنَّ" في قوله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ رفعًا؛ لأنه إذا لم يجز إضمار الأمر الذي يكون مبتدأ لقوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ لم يجز إضماره هاهنا، وإذا لم يجز ذلك كان موضعه جرًا بالعطف [[في (أ): (جوابًا لعطف).]] على "ما" المنجر بالباء [[كلام أبي علي في "الإغفال" 2/ 1048 - 1049.]]. وأما معنى هذه الآية فهو مما ذكرناه في سورة الأنفال عند قوله ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: 51].

الحج 22:11

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أكثر المفسرين على أن المعنى: على شك [[انظر الطبري 17/ 123، والدر المنثور 6/ 14.]]. وهو قول مجاهد [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 483 أ. ورواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 155 ب، والطبري 17/ 123. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 14 وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] والسدي وقتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 33، والطبري 17/ 123 عن قتادة، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 14 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.]]، واختيار أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]] وأبي زيد وابن الأعرابي. روى ابن اليزيدي [[في (أ): (ابن الزيدي)، وهو خطأ. وابن اليزيدي هو: إبراهيم بن يحيى بن المبارك بن المغيرة، أبو إسحاق بن أبي محمد العدوي مولاهم، المعروف بابن اليزيدي. بصري سكن بغداد وسمع من أبيه وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وغيرهم. وكان ذا قدر وعلم بالنحو واللغة والقراعة والأدب. له مصنفات كثيرة منها: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" كبير جدًّا، و"مصادر القرآن" بلغ فيه إلى سورة الحديد. توفي سنة 225 هـ. واليزيدي: نسبة إلى يزيد بن منصور الحميري خال المهدي، وكان أبوه يحيى بن المبارك مؤدبًا، لأولاده منقطعًا إليه، فنسب إليه. انظر: "تاريخ بغداد" 6/ 209، "إنباه الرواة" 1/ 224 - 226، "اللباب" لابن الأثير 3/ 411، "غاية النهاية" 1/ 29، "طبقات المفسرين" للداود 1/ 25 - 27.]] عن أبي زيد: على حرف على شك [[ذكره الأزهرى في "تهذيب اللغة" 5/ 12 من رواية ابن اليزيدي، عن أبي زيد.]]. وقال ابن الأعرابي: [الحرف] [[زيادة من "تهذيب اللغة".]] الشك في قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} أي شك [[ذكره عنه ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 1/ 14.]]. ونحو هذا قال أحمد بن يحيى [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 15 من رواية أبي العباس -وهو ثعلب: أحمد ابن يحيى- عن ابن الأعرابي.]]. وهذا الذي قالوا هو معنى "حرف" في هذه الآية لا تفسيره. وتفسير الحرف في اللغة: الطرف وهو منتهى الجسم، والحرف والطرف والجانب نظائر في اللغة. والانحراف: الانعدال إلى الجانب وقلم محرف قد عدل بقطعة عن الاستواء والحرف منعدل إلى الجانب عن [[في (ع): (إلى)، وهو خطأ.]] الوسط [[انظر: "حرف" في "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 12، 14، "الصحاح" للجوهري 4/ 1132، "لسان العرب" 9/ 41 - 43.]]. وقال أبو الفتح الموصلي: أما الحرف فالقول فيه أن (ح ر ف) أينما وقعت في الكلام [[في (أ): (الكلاف)، وهو خطأ.]] يراد به حد الشيء وحدته، من ذلك حرف الشيء إنما هو حده وناحيته، وطعام حريف: يراد به [[به: ساقطة من (د)، (ع).]] حدته. ورجل محارف: أي محدود عن الكسب والخير، ومثله محرف كأنَّ الخير قد حرف عنه ما يحرف القلم [[العبارة في "سر صناعة الإعراب": ومثك مجرَّف ومجلَّف، كأنَّ الخير قد جُرِّف عن وجلف، كما يجلف القلم ونحوه.]]. وقولهم: انحرف فلان عني، من هذا، كأنّه جعل بيني وبينه حدًّا بالبعد والاعتزال. ومنه قولهم لهذه البقلة الحادة: الحُرْف [[الحُرْف: حبَّ الرشاد. "القاموس المحيط" 3/ 127.]]، سمي بذلك لحدته. هذا كلامه [["سر صناعة الإعراب" لابن جني 1/ 14، 15.]] وعلى القول الأول أصل الحرف من الميل سمي الطرف حرفًا لميله عن [[في (أ)، (د): (على).]] الوسط، وعلى قول أبي الفتح أصله من الحدّة والطرف حرفٌ لحدته. قال أبو إسحاق: وحقيقته أنه يعبد الله على حرف الطريقة في الدين، لا يدخل فيه دخول متمكن [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]]. وقال أبو عبيدة -في قوله: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ -: أي لا يدوم. قال: وتقول [[في (د)، (ع): (ويقولون).]]: إنَّما أنت على حرف [[هكذا في جميع النسخ و"سر صناعة الإعراب"، وفي مجاز القرآن: إنما أنت لي على حرف. بزيادة (لي).]]، أي لا أثق بك [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 46.]]. قال أبو الفتح: وهذا راجع إلى ما قدمناه لأن تأويله أنه قلق في دينه، على غير ثبات ولا طمأنينة ولا استحكام بصيرة، فكأنه معتمد [[في (د)، (ع): (متعمّد).]] على حرفٍ دينه غير واسط فيه، كالذي هو على حرف جبل ونحوه، يضطرب اضطرابا ويضعف قيامه، فهو يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف، فقيل للشاك في دينه أنه يعبد الله على حرف؛ لأنه لو عبده على يقين وبصيرة لم يكن في حرف يسقط عنه بأدنى شيء يصيبه. وهذا المعنى ظاهر في قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ الآية [["سر ساعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 1/ 14.]]. وقال بعض أهل المعاني: إنما قيل للشاك في دينه: يعبد الله علي حرف؛ لضعفه واضطرابه في طريق العلم إذْ [[في (أ): (إذا).]] لم يتمكن في الدلائل المؤدية إلى الحق، فأدنى شبهة تعرض له ينقاد لها ولا يعمل في حلها. وقال المبرد: والعرب تقول: فلان على حرف، إذا كان بين قوم يظهر الميل إلى أحدهم وفي نفسه من الآخرين شيء. ومعناه الشك وأصله من حرف الشيء، نحو: الحيل والدكان والحائط الذي القائم عليه غير مستقر. هذا الذي ذكرناه كله يعود إلى معنى واحد. وقال [[في (د)، (ع): (قال).]] ابن قتيبة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [[إلى هنا ينتهي المفقود من نسخة (ظ)، والموجود يبدأ من قوله: (يعبد الله).]] واحد [[هكذا في جميع النسخ، والأظهر حذفا فليس (واحد) عند ابن قتيبة.]] أي: على وجه واحد ومذهب واحد [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 290.]]. واختار الأزهري هذا القول فقال: كأنَّ الخير والخصب ناحية، والضر والشر والمكروه ناحية أخرى، فهما حرفان، وعلى العبد أن يعبد خالقه على الحالتين [[في (أ) زيادة بعد قوله (الحالتين): (فقد عبده عباده)، وهي زيادة ناشئة من انتقال نظر الناسخ إلى الكلام الذي بعده. وليست في "تهذيب اللغة" للأزهري.]]. أعني السَّرّاء والضراء، ومن عبد الله على السرَّاء وحدها دون أن يعبده على الضراء فقد عبده على حرف، ومن عبده على الحالتين فقد عبده عبادة العبد المقر بأنَّ له خالقًا [[في (أ): (بأنه خالق)، وهو خطأ.]] يصرفه كيف يشاء، وهو في ذلك عادل غير ظالم له [["تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 12 - 13 مع تصرف في العبادة.]]. فعلى هذا معنى قوله [[في (ظ): (فعلى هذا المعنى في قوله).]] ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ على وجه واحد، وهو إذا أصاب خيرًا عبده، وإن أصابه شر ترك عبادته، على ما ذكره الأزهري. وقال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 48 أ، والبغوي 5/ 268 - 269، والقرطبي 12/ 18.]]. ويكون معنى ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ في هذا القول: على شك. قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ إن أصابه رخاء [[في (أ): (رجاء). وهو تصحيف.]] وعافية وخصب، وكَثُر ماله اطمأن على عبادة الله بذلك الخير الذي أصابه. والكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى الخير. ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ اختبار بجدب وقلة مال ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ قال أبو إسحاق: رجع عن دينه إلى الكفر وعبادة الأوثان [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]]. وقال المبرد: تأويله قلب وجهه عمَّا كان عليه من الدين والعبادة. ويجوز أن يكون المعنى انقلب على وجهه الذي توجه [[توجَّه: مهملة في (أ).]] منه، وهو الكفر. ويكون معنى الوجه على هذا: طريقه الذي جاء منه [[في (ظ)، (د)، (ع): (منهما).]]، وهو الكفر. قال الكلبي وغيره من المفسرين: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله -ﷺ- المدينة. وكان أحدهم إذا صح جسمه، ونتجت [[نتجت: ولدت. لسان العرب 2/ 374 (نتج).]] فرسه مهرًا حسنًا، وولدت امرأته غلامًا، وكثر ماله، رضي واطمأن، وقال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرًا. وإن أصابه وجع في [[(في): ليست في (ظ)، (د)، (ع).]] المدينة، وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه [[في (ظ): (رماله). ورماكه: جمع رمكه، والرمكة: الفرس والأنثى من البراذين. الصحاح للجوهري 4/ 1588 (رمك)، "لسان العرب" 10/ 434 (رمك).]]، وذهب ماله، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان، فقال له [[(له): ساقطة من (أ)، (ع).]]: والله ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرًا. فينقلب عن دينه. وذلك الفتنة [[ذكره بهذا اللفظ الثعلبي في الكشف والبيان 3/ 47 ب، 48 أمن غير نسبة لأحد. وذكره عن الكلبي الرازي في "تفسيره" 23/ 13. وقد رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" 17/ 122 من رواية العوفي عن ابن عباس. وروى البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الحج، باب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ 8/ 442 نحوه مختصرًا عن ابن عباس قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء. وروى ابن أبي حاتم، كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 209 بإسناد حسن عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي -ﷺ- فيسلمون. فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا: إن ديننا هذا لصالحٌ فتمسكوا به. وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط قالوا ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله على نبيه "ومن الناس .. " الآية.= وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 13 وقال: بسند صحيح، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه.]]. وقوله تعالي: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ يعني هذا الشاك خسر دنياه حيث لم يظفر بما طلب من المال، وخسر آخرته بارتداده عن الدين ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي الضرر الظاهر. يعني ذلك الذي فعل من انقلابه على وجهه وذلك [[في (أ): (أو ذلك).]] الخسران الذي لحقه هو الخسران المبين. وخسر يدل على الخسران؛ لأنّ الفعل يدل على المصدر.

الحج 22:12

قوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: هذا المرتد يدعو [[(يدعو): ساقط من (أ).]] راجعًا إلى الكفر يعبد سوى الله ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ في معاش إن لم يعبده، ولا ينفعه إنْ أطاعه، يعني الحجارة التي كانوا يعبدونها، ذلك الذي فعل ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ أي: عن الحق والرشد.

الحج 22:13

قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ هذه الآية كثير [[هكذا في جميع النسخ.]] الاختلاف في إعرابها، ووجه دخول اللام في قوله ﴿لَمَنْ﴾، وأذكر الأقوال التي حكاها أبو إسحاق، وأتبع كل قول منها ما ذكر عليه إن شاء الله. قال أبو إسحاق: قد اختلف الناس في تفسير هذه [[في (ظ)، (د)، (ع) في تفسير هذه الآية، في اللام وفي يدعو. وما أثبتنا من (أ) هو الموافق لمعاني الزجاج.]] اللام وفي ﴿يَدْعُو﴾ بأي شيء هي متعلقة، ونحن نفسر [[في (أ): (وعن تفسير)، وهو خطأ.]] جميع ما قالوه وما أغفلوه مما هو أبين من جميع ما قالوه: إنْ شاء الله. قال البصريون والكوفيون: اللام معناها [[في (أ): (معناه).]] التأخير، المعنى: يدعو من لضره [[في (أ): (يدعوا لمن يضره)، وهو خطأ.]] أقرب من نفعه. ولم يشبعوا الشرح ولا قالوا من أين جاز أن تكون اللام في غير موضعها [[في (ظ)، (د)، (ع): (موضع. وفي (د) علامة .. بعدها.]]؟ وشرح ذلك: أنَّ اللام لليمين والتوكيد، فحقها أن تكون أول الكلام، فقدِّمت لتُجعل في حقها وإن كان أصلها أن تكون في "لضرّه" [[هكذا في (ظ)، (د)، (ع). والمعاني للزجاج. وفي (أ): (يضره)، ولعل الصواب في (ضره).]] كما أنَّ لام "إن" حقها أن تكون في الابتداء، فلمَّا لم يجز أن تلي "إنَّ" جعلت في الخبر في مثل قولك: إن زيدًا لقائم. ولا يجوز: إن لزيدًا قائم، فإذا أمكنك [[في المطبوع ص المعاني 3/ 415: أمكن. وقد أشار المحقق في الحاشية إلى أنه في الأصل (أمكنك)، فقام بتغييرها.]] أن تكون في الاسم كان ذلك أجود في الكلام تقول [[في (ظ): (ويقول).]] إنَّ في ذلك لآية. فهذا قول [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 415.]]. قال أبو علي: من زعم أنَّ هذه اللام في قوله "لمن ضره" كان حكمها أن تكون في المبتدأ الذي في صلة "من" وهو الضُرّ ثُمَّ قُدِّم [[في جميع النسخ: (ثم أخر)، والتصوب من "الإغفال" للفارسي 2/ 1507.]] إلى الموصول -وهو "من"- فهو مخطىء؛ لأنَّا قد أحاط علمنا بهذه اللام والمواضع التي [[في (ظ): (الذي).]] يستعملونها فيها، وتلك المواضع: منها المبتدأ، وهي فيه [[في "الإغفال" 2/ 1507: وهي فيه.]] على ضربين: إمَّا أن تكون للتأكيد مجردًا من تلقّي السم. وإمّا أن يكون لتلقي القسم والتأكيد. ومنها "إنَّ" وهي تستعمل معها على ضربين أيضًا: إمَّا أن تدخل على اسم "أنّ" إذا فصل بينها وبين "إنَّ" نحو: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [[(إنَّ): ساقطة من (أ).]]، ولا تمنع "إنَّ" من أن تعمل في اسمها النصب؛ لأنَّ التقدير بها أول الكلام قبل "إنَّ". وإمَّا أنْ تدخل على خبرها، وهي تدخل على جميع أنواع خبر "أنَّ" من المفرد والجملة، نحو: إن زيدًا لأبوه منطلق، والفعل المضارع، ولا تدخل على الفعل الماضي إذا كان خبرًا لإنَّ، ومنها دخولها [[في جميع النسخ: دخوله. وأشار محقق "الإغفال" 2/ 1060 إلى أنّها في الأصل: دخولها. وفي نسختين من الإغفال: دخوله. فأثبتنا ما في النسخة الأصل للإغفال.]] على خبر المبتدأ في الشذوذ والضرورة كقوله [[هذا شطر من الرجز، وشطره الآخر: ترضى من اللحم بعظم الرَّقَبة وهو بلاد نسبة في: الطبري 16/ 181، و"الصحاح" للجوهري 1/ 159 (شهرب) ، و"اللسان" 1/ 510، "تاج العروس" 3/ 169 (شهرب). قال العيني في "المقاصد النحوية" 1/ 535: قائلة رؤبة بن العجاج، ونسبة الصاغاني في "إيجاب" إلى عنترة بن عروس، وهو الصحيح. اهـ وهو في "ديوان رؤبة" ص 170. قال العيني 1/ 535 - 536: والحُليس بضم الحاء المهملة وفتح اللام وآخره سين مهملة. والشهربة: العجوز الكبير. وانظر ما تقدم من مراجع في اللغة.]]: أم الحليس لعجوز شهربة [[في (ظ). (شهرة).]] وكما حكى أبو الحسن [[هو الأخفش سعيد بن مسعدة.]] في حكايته نادرة: إنَّ زيدًا وجهه لحسن [[في (أ): (إن زيدًا لوجهه لحسن)، وهو خطأ.]]. فإذا كان حق هذه اللام أنْ تدخل على المبتدأ، أو على اسم "إن" وخبرها من حيث دخلت على المبتدأ، وكان دخولها على خبر المبتدأ ضرورة وشذوذًا [[في "الإغفال" 2/ 1056: أو شذوذًا.]] مع أنَّ خبر المبتدأ في المعنى هو المبتدأ، أو راجع [في المعنى إلى ما هو المبتدأ فدخوله في الموصول والمراد به] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] الصلة ينبغي أن لا يجوز؛ لأن الصلة ليست بالموصول، كما أن خبر المبتدأ [هو] المبتدأ [[هو: زيادة من الإغفال.]]. فتبين بهذا أن قول من قال التقدير بها في الآية التأخير إلى الصلة خطأ، وأنّه تارك [[في (أ): (لتارك).]] لمذهب العرب في تأويله إياها هذا [[في (ظ): (بهذا).]] التأويل. ويفسد هذا القول أيضًا أن اللام إذا كان حكمه [[في الإغفال 2/ 1060: حكمها، وأشار المحقق إلى أنه في بعض النسخ: حكمه.]] أن تكون في الصلة، ثم قدم إلى الموصول فغير سائغ، كما أن سائر ما يكون في الصلة لا يتقدم على الموصول. وأما تشبيهه تقدّم هذه اللام في الآية بتأخرها عن الاسم إلى الخبر في "إنَّ" فلا يشتبهان، وهو بعيد من الصواب؛ لأنه لا شيء يجب ويلزم له أن تقدم هذه اللام إلى الموصول من الصلة، كما كان في اسم "إنّ" سبب يوجب تأخيرها إلى الخبر وهو اجتماع حرفين بمعنى واحد، ففساد هذا التشبية بين. وأما قوله: ولا يجوز إنَّ لزيدا قائم، فتمثيل سوء فيه إيهام [[في (أ): (إبهام).]] أنَّ اللام التقدير بها أن تكون بعد "إنّ" وليس كذلك [[في (أ): (ذلك)، وهو خطأ.]]؛ لأنَّ تقدير اللام أن [[في (أ): (بأن).]] تكون قبل "إن" يدلك على ذلك تعليقه الفعل وَوَقْعُهُ [[في (أ): (وومعه) مهملة، وفي (ظ): (ووقعه)، وفي (د)، (ع): (ووقفه)، ولعل الصواب ما أثبتنا، ففي "الإغفال" 2/ 1067: ووقوعه على "إنَّ" المكسورة في نحو قولك: علمت إنّ زيدًا لمنطلق.]] به عن "إنَّ" في نحو علمت إنَّ زيدًا لمنطلق. ولو [[في (ظ): (فلو)]] كان التقدير بها [[في (ظ): (فيها).]] الوقوع بعد "إن" لفتح الفعل [في] "إنَّ" [[زيادة من "الإغفال" 2/ 1607.]]؛ لأنّه لم يكن له كاف عن "إنّ" وفتحها، ويدل أيضًا [[أيضًا: ليست في (ظ)، (د)، (ع).]] على أن التقدير بها التقديم قوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ فلو لم يكن التقدير بها التقديم على "إن" لكفت "إنَّ" عن العمل كما كفت الفعل عن العمل في نحو: علمت لزيد خيرٌ منك. فلما لم تكفّ "إنَّ" عن أن تعمل في اسمها كما كف الفعل ولم يعلقه؛ علمنا أن التقدير بها التقديم على "إن"، ويقوّي ذلك من [[من: ساقطة من (ط).]] السمع قولهم: لهنك [[في (أ): (لمعنك).]] رجل صدق [[(صدق): ساقطة من (أ).]]. فاللام قبل "إنَّ" فتأمَّل هذا الكلام أي على هذا القول [["الإغفال" 2/ 1051 - 1068 مع تصرّف.]]. قال أبو إسحاق: وقالوا أيضًا: إنَّ "يدعو" معه هاء مضمرة وأنَّ "ذلك" من قوله ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ﴾ في موضع رفع و"يدعو" في موضع الحال المعنى: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه. المعنى في حال دعائه إياه، ويكون ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ مستأنفًا مرفوعًا بالابتداء، وخبره ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 415 - 416.]]. قال أبو علي: إنْ قال قائل: على هذا القول كيف يجوز هذا التأويل في التنزيل وحذف الهاء إنما يسوغ في الصلة والصفة، وليس هذا بصلة ولا صفة؟ والقول عندي أنَّ ذلك غير ممتنع لمضارعة الحال الصفة. ألا ترى أنَّك إذا قلت: جاء زيد راكبًا، فقد فصل راكب بين مجيئين أو أكثر كما أن قولك: جاءني رجل ظريف يفرق بين رجلين أو رجال والحال في هذا كالصفة، فتقدير قوله "ذلك هو الضلال البعيد" يدعو أشير إليه مدعوا [[في "الإغفال" 2/ 1069: يدعو على هذا، أشير إليه مدعوًّا.]] [["الإغفال" لأبي علي 2/ 1068 - 1069 مع تصرّف.]]. وزاد أبو الفتح الموصلي بيانا لهذا القول فقال: في "يدعو" من قوله ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ هاء منصوبة بـ"يدعو" محذوفة، وتكون الجملة في موضع نصب على الحال من "ذلك" في قوله ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [التقدير: ذلك هو الضلال] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] البعيد مدعوًّا. وغير منكر حذف الهاء من الحال؛ لأنها تضارع الصفة، والصفة يجوز فيها حذف الهاء جوازًا حسنًا، من ذلك قولك: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت. ومن أبيات الكتاب [[في (أ) زيادة: (فقال)، بعد قوله: (الكتاب).]]: أبحتَ [[في (أ): (أبحب).]] حِمَى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح [[البيت في الكتاب 1/ 87 منسوبًا لجرير، وهو في "ديوانه" 1/ 89. وأمالي ابن الشجري 1/ 5، و"المقاصد النحوية" 4/ 75. قال الشنتمري في "تحصيل عين الذهب" 1/ 45: يخاطب عبد الملك بن مروان فيقول: ملكت .. وأبحت حماها بعد مخالفتها لك، وما حميت لا يصل إليه من خالفك لقوة سلطانك، وتهامة ما تسفل من بلاد العرب ونجد ما ارتفع، وكنى بهما عن جميع بلاد العرب.]] أي حميته. فعلى هذا تقول: نظرت إلى زيد تضرب [[في (ظ)، (د)، (ع): (نظرت)، وهو خطأ.]] هند، [أي: ضربه هند] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]]، فحذف الهاء من الحال لمضارعتها الصفة. وتكون اللام في "لمن" لام الابتداء و"من" مرفوعة بالابتداء، وقوله "لبئس المولى" خبر "من" كأنَّه قال: للذي ضره أقرب من نفعه لبئس المولى. واللام التي في "لبئس" هي اللام التي يتلقى بها القسم في نحو: لناموا فما إنْ مِنْ رقيب ولا صالي [[البيت لامرئ القيس وأوله: حَلَفتُ لها باللهِ حَلْفة فاجرٍ وهو في "ديوانه" ص 32، "سر صناعة الإعراب" 1/ 374، "شرح المفصل" == لابن يعيش 9/ 20، "لسان العرب" 9/ 53. (حلف)، "همع الهوامع" 2/ 115، "خزانة الأدب" 10/ 71، 78. وعندهم (حديث) مكان (رقيب). والفاجر هنا: الكاذب. والصالي: الذي يصطلي بالنار.]] وهي تدل على يمين محذوفة، فكأنه قال: للذي ضَرُّه أقرب من نفعه والله لبئس المولى. كما تقول: زيد والله لقد قام. هذا كله كلام أبي الفتح [["سر صناعة الإعراب" 1/ 402 - 403 مع تقديم وتأخير.]] في بيان القول الثاني من [[في (أ): (عين).]] الأقوال التي حكاها الزَّجَّاج. قال الزجاج: وفيه وجه ثالث: يكون "يدعو" في معنى يقول. ويكون "من" في موضع رفع، وخبره محذوف. ويكون المعنى: يقول لمن ضره أقرب من نفعه هو مولاي. ومثل يدعو [[(يدعو): ساقطة من (أ).]] في معنى يقول قول عنترة: يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم [[البيت أنشده الزجاج لعنترة في "معاني القرآن" 3/ 416. وهو في ديوانه ص 9216 من معلقته، وفي "لسان العرب" 13/ 237 (شطن) قال الشنتمري في شرحه لديوان عنترة ص 216: (قوله: يدعون عنتر، أي: ينادونني يا ضتر يا عنتر، ... والأشطان: الحبال، شبَّه الرماح بها في طولها واستقامتها. وقوله: في لبان الأدهم: يعني فرسه، واللبان: الصدر، أي: إذا نظر القوم إلى الرماح وقد كثرت وأشرعت في لبان الأدهم نادونني.]] قال: ويجوز أن يكون يدعو في معنى يسمّى كما قال ابن أحمر [[في (ظ)، (د)، (ع): (ابن الأحمر). وهو عمرو بن أحمر بن العمّرد بن عامر، الباهلي، أبو الخطابى شاعر مخضرم، أسلم وغزى مغازي الروم، وعُمِّر تسعين سنة، ومات نحو 65 هـ. == "الشعر والشعراء" 223، "معجم الشعراء" للمرزباني ص 24، "الإصابة" 3/ 112، "الأعلام" 5/ 72.]]: أهوى لها مشقصا حشرًا [[في (أ): (حش)، وفي (ظ): (فردا).]] فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا [[اليت أنشده الزجاج لابن أحمر في "معاني القرآن" 3/ 416. وهذا البيت ضمن أبيات قالها ابن أحمر لما رماه رجلٌ يقال له مخشي بسهم فذهبت عينه، فقال: شلت أنامل مخشي فلا جبرت ... ولا استعان بضاحي كفِّه أبدا أهوى لها ... وهو في "ديوانه" ص 49، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 13، "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 223، "المعاني الكبير" لابن قتيبة أيضًا 2/ 988، والطبري 16/ 131. والمشقص: نصل السهم، أو السهم الذي فيه نصل طويل أو عريض. حَشْر: لطيف القُذذ وهي الريش قد بُريت وحدّدت وسويت. شبرقها: مزّقها، أدعو: أسمّي، الإثمد: الكحل، القرد: المتلبِّد. انظر "لسان العرب" 4/ 192 (حشر)، 10/ 171 (شبرق)، 3/ 348 (قرد)، "تاج العروس" 18/ 15 - 16 (شقص)، 7/ 468 (ثمد). قال ابن قتيبة في "المعاني الكبير" 2/ 988: يقول: كنت من إشفاقي عليها أسمي ما يصلحها -يعني الإثمد- قذى، فكيف ما يؤذيها؟ وقوله: أدعو: أسمِّي.]] ووجه هذا القول كوجه الذي قبله [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 416.]]. انتهت الحكاية عنه. قال أبو علي: أقول إنَّ الدعاء بمعنى القول سائغ، وهذا الوجه الذي أجازه ممكن، أعني أن يصرف يدعو إلى معنى يقول فيحكى [[في (ظ)، (د)، (ع): (فيحلى).]] ما بعدها إذا [[في "الإغفال" 2/ 1071: إذْ.]] كان في معنى القول وضربًا منه، واللام في "لمن" لام ابتداء، وموضع "من" رفع، والخبر مضمر. ولا يجوز أن يكون الخبر ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ أعني خبر "لمن" لأن الكافر المتمسك بعبادة الأصنام لا يقول للصنم لبئس المولى [["الإغفال" لأبي علي الفارسي 2/ 1071 - 1072 مع تصرف.]]. وزاد أبو الفتح لهذا القول بيانًا فقال: "يدعو" بمنزلة [[في (أ): (يميله).]] يقول، أي يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله [[إله: ساقطة من (ظ).]] أو رب، فتكون "من" [[من: ساقطة من (أ).]] مرفوعة بالابتداء، وخبرها محذوف مقدر، ويدل على أن "يدعو" بمنزلة يقول قول عنترة: يدعون عنترة أي يقولون: يا عنترة، فدل يدعون عليها. فإن قيل: فلم جعلوا خبر "من" محذوفا دون أن يكون قوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ كما أجزتم في القول الثاني؟ قيل: إنَّ الكفار ليسوا [[(ليسوا): ساقطة من (ظ).]] يقولون لمن يدعونه إلها: لبئس المولى، ولو قالوا ذلك لما عبدوه. ومعنى ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ ذم لمعبودهم لا على الحكاية عنهم ولكن على الإخبار، أخبر الله تعالى أن من ضره أقرب من نفعه فإنَّه بئس المولى. فإنْ قيل: فإذا كان الأمر كذلك فكيف جاز أن يقول يدعو بمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله، والكافر لا يقول ذلك؟ قيل: إنَّ ذلك على حكاية [[في (ظ)، (د)، (ع): (الحكايهَ).]] قولنا [[في (ظ): (وقولنا).]] نحن فيه أي يقول لمن ضره أقرب من نفعه عندنا وفي قولنا إله عنده. وقد جاءت هذه الحكاية عنهم مجيئًا واسعًا من ذلك قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: 49] وقالوا هذا بعد إيمانهم وتقديره: يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرًا، فأمَّا نحن فنعلم [[في (ظ)، (د)، (ع): (نعلم).]] أنك لست بساحر. انتهى كلامه [["سر صناعة الإعراب" 1/ 404 - 406 مع تقديم وتأخير وتصرّف.]]. وهذا القول -أنَّ "يدعو" بمعنى: يقول- هو قول الأخفش ذكره في كتابه [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 635 - 636.]]، واختيار المبرّد. قال المبرد: يدعو بمعنى: يقول، كقول [[في (ظ)، (د)، (ع): (كما يقول القائل).]] القائل: ما يدعى فلان فيكم أي: ما يقال له. فمعناه: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله، فالخبر [[في (ظ): (والخبر).]] محذوف لما دل عليه من قوله "يدعو من دون الله". قال أبو علي: فأما قوله: يجوز أن يكون يدعو [[في (أ): (يدعوه).]] في معنى يسمى، فقدل ممتنع غير جائز في الآية وقد أجاز سيبويه فقال: يقول دعوته زيدًا إذا أردت مني سميته فتعديه إلى مفعولين [["الكتاب" 1/ 37.]]. والذي منع من (إجازة ذلك في الآية دخول لام [[في (ظ)، (د)، (ع): (اللام).]] الابتداء في الكلام وإذا حمله على هذا التأويل لزمه أن] [[ما بين المعقوفين في حاشية (د)، وعليه علامة التَّصْحيح.]] يعلقه، لأنّه لا يعمله في اللفظ. والتعليق [[التعليق: هو إبطال عمل الفعل القلبي لفظًا لا محلاً لمانع، وسمي تعليقًا لأنه إبطال في اللفظ مع تعليق العامل بالمحل وتقدير إعماله. انظر: "شرح التسهيل" لابن عقيل 1/ 368 - 369، و"همع الهوامع" للسيوطي 1/ 155، "معجم المصطلحات النحوية" لمحمد اللبدي ص 155.]] فيه لا [[في (ظ)، (د)، (ع): (فلا).]] يجوز؛ لأنَّ التعليق إنَّما يجوز فيما [[في (أ): (فيها)، وهو خطأ.]] يجوز فيه الإلغاء [[الإلغاء: هو إبطال العمل لفظًا ومحلاً لغير مانع لضعف العامل. انظر: "شرح التسهيل" لابن عقيل 1/ 364، "همع الهوامع" 1/ 153، "موسوعة النحو والصرف" لإميل بديع ص 261.]]، وهو علمت وبابه، ولو جاز التعليق [[في (د)، (ع): (التعلق).]] في سمَّيت لجاز أن تقول: سميت [[انظر: "الإغفال" 2/ 1078.]] أخوك زيد، كما تقول: علمت لزيد منطلق. وهذا قول الخليل وسيبويه وجميع البصريين [[انظر: الكتاب 3/ 149، "شرح المفصل" لا بن يعيش 7/ 86، "أوضح المسالك" لابن هشام 1/ 313 - 317، "همع الهوامع" للسيوطي 1/ 153 - 154.]]. إذ التعليق لا يجوز فيما عدا علمت وبابه، والبيت الذي أنشده يجوز أن يكون يدعو فيه بمعنى يسمى؛ لأنه لا شيء فيه يمنع من ذلك كما منع منه في الآية دخولُ اللام. ألا ترى أنَّ [[في (ظ): (إلي).]] قوله: وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا أنه بمنزلة [[في (ظ)، (د)، (ع). (بمعنى كنت).]] "كنت أدعو أخاك زيدًا". فلا يجوز أن يكون يدعو بمعنى يسمى في الآية كما جاز [في تأويله الذي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] في [[(في): ساقطة من (أ).]] هذا البيت [["الإغفال" للفارسي 2/ 1073 - 1078 مع تصرف.]]. قال أبو إسحاق: وفيها وجه رابع -وهو الذي أغفله الناس-: أنَّ "ذلك" في موضع نصب بوقوع "يدعو" عليه، ويكون "ذلك" في تأويل الذي، ويكون المعنى: الذي هو الضلال البعيد يدعو، ويكون ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ مستأنفًا. وذا مثل قوله ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 17] على معنى: ما التي بيمينك؟ [["معاني القرآن" للزجاج 30/ 416.]]. قال أبو علي: وهذا الوجه هو الحسن، أعني أن يتأوّل [[في (أ): (تناول)، وهو خطأ.]] "ذلك" بمعنى "الذي"، ويجعل قوله "هو الضلالة البعيد" صلته، ويجعل [[في (ظ): (ويحتمل).]] الموصول في موضع نصب [[في "الإغفال": نصب بيدعو.]]، فتكون اللام حينئذٍ داخلاً [[في (ظ)، (د)، (ع): (داخلٌ)، وهو خطأ، وفي الإغفال: فتكون اللام حينئذ داخلة.]] على اسم مبتدأ موصول، وقوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ في موضع رفع لوقوعه خبر المبتدأ، واللام التي في [[(في): ساقطة من (ظ).]] قوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ لام اليمين، وهي التي إذا دخلت على المضارع لزمته النون، وهذا ما يجب أن تحمل الآية عليه [[في (ظ)، (د)، (ع): (ما يجب على الآية).]] [["الإغفال" للفارسي 2/ 1062 - 1063 مع تصرف.]]. وتعقَّب الموصلي هذا القول وزاده بيانًا، وقال: وجه هذا القول أن تجعل "ذلك" بمنزلة "الذي" وتجعل الجملة التي هي قوله ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ صلة له، وتنصب [[في (ظ)، (د)، (ع): (وانتصب)، والمثبت من (أ)، و"سر صناعة الإعراب".]] "ذلك" التي بمعنى "الذي" بيدعو، فيصير التقدير: يدعو الذي [هو الضلال البعيد، ثم تقدم المفعول الذي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] هو "الذي"، فصار كما تقول: زيد يضرب [[العبارة في "سر صناعة الإعراب": ثم يقدم المفعول الذي هو "الذي" فيصير التقدير: الذي هو الضلال البعيد يدعو، كما تقول: زيدًا يضرب. و"ذا" ..]]، و"ذلك" قد استعملت بمعنى "الذي" نحو قوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 219] فيمن رفع الجواب فقال "قل العفو" [["سر صناعة الإعراب" لابن جني 1/ 403.]]. وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم. هذا الذي ذكرنا هو الأقوال التي ذكرها أبو إسحاق في كتابه، وكلام الإمامين أبي علي وأبي الفتح عليها. ثم ذكر أبو علي -من عند نفسه- قولاً خامسًا وهو: أن تجعل يدعو في قوله ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ تكرارًا للفعل الأول على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء من فاعله، ولا تعديه إذ قد عديته مرة. هذا كلامه [["الإغفال" للفارسي 2/ 1062.]]. وشرحه أبو الفتح فقال: يجعل [[(يجعل): ساقط من (ظ)، (د)، (ع)،]] "يدعو" تكرارًا و"يدعو" الأولى وهو قوله ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وترك إعمال الثاني؛ لأنَّها قد أعملت متقدمة، فاستغني فيها عن إعادة العمل، كما تقول: ضربت زيدًا ضربت. حكى ذلك سيبويه، وتكون اللام في "لمن" لام الابتداء و"من" مرفوعة بالابتداء، وقوله "لبئس المولى" خبر "من" [[في (ظ): (خبره من ضره)، وفي (د)، (ع): (خبر من ضره).]] [["سر صناعة الإعراب" 1/ 402 - 403.]]. على ما بينا في القول الثاني. وقال الفراء -في هذه الآية-: جاء التفسير: يدعو من ضره أقرب من نفعه، وكذا هو في قراءة عبد الله [[انظر: الطبري 17/ 124، "الشواذ" لابن خالويه ص 94، الثعلبي 3/ 48 أ، القرطبي 12/ 20، "البحر المحيط" 6/ 357.]] "يدعو من ضره" وقد حالت اللام بين الفعل والمفعول في قراءة العامة. ولم نجد العرب تقول: ضربت لأخاك، ولا رأيت لزيدًا. وترى أن جواز ذلك في الآية لأن "من" حرفٌ لا يتبين فيه [[في (أ): (فيها).]] الإعراب؛ فاستجيز الاعتراض باللام دون الاسم. وذكر عن العرب أنَّهم قالوا: عندي لما غيره خير منه، فحالوا باللام دون الرافع، وموقع اللام كان ينبغي أن يكون في "ضره" [[في (ظ)، (د)، (ع): (خبره)، وهو خطأ.]] وفي قولك: عندي ما لغيره خير منه. فهذا وجه [["معاني القرآن" 2/ 217. وتتمته: هذا وجه القراءة للاتّباع.]]. واعتمد ابن الأنباري هذا فذكره في كتاب "الوقف والابتداء" [[انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 871.]]. وأما معنى الآية: فقال السدي: ضره في الآخرة بعبادته [[في (أ): (بعبادة)، وهو خطأ.]] إياه أقرب من النفع [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 15.]]. قال الزَّجَّاج: فإن قال قائل: كيف يقال ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ولا نفع [[في (أ): (ولا يقع)، وهو خطأ.]] من قبله ألبَتَّة. فالعرب تقول لما لا يكون: هذا بعيد. والدليل على ذلك قوله ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3] هذا كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 415.]]. ومعنى هذا [[في (ظ)، (د)، (ع): (ومعنى الآية هذا).]]: أنه لما كان يقال لما لا يكون هذا بعيد، فنفع الصنم بعيد؛ لأنه لا يكون، فلمَّا كان نفعه بعيدًا قيل لضره أنَّه [[أنه: ليست في (ظ)، (د)، (ع).]] أقرب من نفعه، على معنى أنَّه كائن [[ذكر البغوي في "تفسيره" 5/ 369 أن هذه الآية -يعني قوله ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ من مشكلات القرآن ثم قال: وفيها أسئلة. أولها: قالوا: قد قال الله في الآية الأولى "يدعو من دون الله ما لا يضره" وقال -هاهنا- "لمن ضره أقرب من نفعه" فكيف التوفيق بينهما؟. وللعلماء أجوبة أخرى أقربها جوابان: الأول: ما ذكره أبو حيان في البحر 6/ 355 بقوله: ونفى هنا التفسير والنفع وأثبتهما في قوله "لمن ضره أقرب من نفعه" وذلك لاختلاف المتعلق، وذلك أن قول "ما لا ينفعه" هو الأصنام والأوثان ولذلك أتى التعبير عنها بـ"ما" التي لا تكون لآحاد من يعقل، وقوله "يدعو لمن ضره" هو من عبد باقتضاء وطلب من عابديه من المدعين الإلهية كفرعون وغيره من ملوك بني عبيد الذين كانوا بالمغرب ثم ملكوا مصر فإنهم كانوا يدعون الإلهية ويطاف بقصرهم في مصر وينادون مما ينادى به رب العالمين من التسبيح والتقديس، فهؤلاء -وإن كان منهم نفع مّا لعابديهم في دار الدنيا- فضررهم أعظم وأقرب من نفعهم إذْ هم في الدنيا مملوكون للكفّار وعابدون لغير الله، وفي الآخرة معذبون العذاب الدائم، ولهذا كان التعبير هنا بـ"من" التي هي لمن يعقل. == قال الشنقيطى في "أضواء البيان " 5/ 47 - بعد ذكره لجواب أبي حيان-: وله اتجاه. ثم ذكر البغوي قول السدي وكلام الزجاج من غير نسبة لهما، واقتصر عليه. الثاني: ما ذكره أبو العباس ابن تيمية في الفتاوى 15/ 269 - 275 وخلاصة جوابه: أن قوله تعالى: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ هو نفي لكون المدعو المعبود من دون الله يملك نفعا أو خيرا، وهذا يتناول كل ما سوى الله من الملائكة والبشر والجن والكواكب والأوثان كلها، فما سوى الله لا يملك -لا لنفسه ولا لغيره- ضرا ولا نفعا، كما قال الله تعالى في سياق نهيه عن عبادة المسيح ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: 76]. وقد قال لخاتم الرسل ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 188]. وقال على العموم ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38]. فالمنفي في قوله ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ هو قدرة من سوى الله على النفع والضر، فنفى الله فعلهم، وأما قوله "ضره أقرب من نفعه" فالمثبت اسم مضاف إليه فإنّه لم يقل: يضر أعظم مما ينفع، بل قال "لمن ضره أقرب من نفعه" والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسه، فقد يضاف إلى محله وزمانه ومكانه وسبب حدوثه وإن لم يكن فاعلا كقوله ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: 33]، وكقول الخليل عن الأصنام ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: 36] فنسب الإضلال إليه. ولا ريب أن بين المعبود من دون الله وبين ضرر عابديه تعلق يقتضي الإضافة. فما يدعى من دون الله هو لا ينفع ولا يضر، ولكن هو السبب في دعاء الداعي له وعبادته إياه. وعبادة ذلك ودعاؤه هو الذي ضره، فهذا الضر المضاف إليه غير الضر المنفي عنه. فضرر العابد له بعبادته يحصل في الدنيا والآخرة وإن كان عذاب الآخرة أشد. اهـ. وقد ارتضى هذا الوجه في الجمع ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 17/ 216 حيث قال: ولما كان الضُرّ الحاصل من الأصنام ليس ضرًا ناشئا عن فعلها بل هو =]]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ أي: الناصر ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ أي: الصاحب والمخالط. قال المبرد: والعشير: المعاشر وهو المخالط. والعشيرة تأويلها: المجتمعة إلى أب واحد. وقولهم: بُرمة [[في (أ): (تُرمه)، وهو خطأ. والبُرْمة: قدر من حجارة. "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 220 (برم). وفي "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 411 (عشر): (والعرب تقول: بُرمة أعشار، أي متكسرة.]] أعشار، إنما هي كسور عن أصل واحد [[انظر (عشر) في: "تهذيب اللغة" 1/ 411، "الصحاح" 2/ 747، "لسان العرب" 4/ 574.]]. ولما ذكر الشاك في الدين بالحيرة [[في (ظ): (بالخير).]] والرجوع إلى الكفر، وذمه بالخسران وعبادة ما لا ينفعه، ذكر [[في (ظ): (وذكر).]] ثواب المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.

الحج 22:14

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ قال ابن عباس: يريد أوليائه وأهل طاعته. وقال غيره: ﴿يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فيعطي ما شاء [[في (ظ)، (د)، (ع): (وقوله).]] من كرامته أهل طاعته، وما شاء [[في (ظ): (يشاء)، في الموضعين.]] من الهوان أهل [[في (ظ): (لأهل).]] معصيته [[هذا قول الطبري 17/ 125 بنصه.]]. وهذا يدل على تكذيب [[(تكذيب): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] من [[في (ظ)، (د)، (ع): (أن)، وهو خطأ.]] زعم أن المؤمن يدخل الجنة باستيجابة [[(باستيجابة) مهملة في (أ)، (ظ)، (د)، والمثبت من (ع).]] ذلك على الله بطاعته [[هذا قول المعتزلة. انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني 1/ 45.]]. وعلى تصديق قول [[(قول): ساقطة من (ظ).]] الرسول -ﷺ-: "لن يدخل الجنة أحدٌ إلا برحمة الله" [[روي هذا الحديث بعدة ألفاظ، أقربها إلى لفظ المصنف رواية الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 390 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه البخاري في "صحيحه" كتاب: المرضى، باب: تمني المريض الموت 10/ 127، ومسلم في "صحيحه" كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بحمله، بل برحمة الله 4/ 2170 بلفظ: "لن يُدْخِل أحدًا منكم عمله الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: "ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة".]]. ورحمته: إرادته الخير [[هذا تأويل. والصواب أن الرحمة صفة من صفات الله وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله. فنثبتها لله سبحانه من غير تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل.]].

الحج 22:15

قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أكثر أهل التفسير على أن الهاء في (ينصره) كناية عن محمد -ﷺ- [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 48 ب وانظر الطبري 17/ 125 - 127.]]. قال ابن عباس: يريد أن لن ينصر الله محمدًا [[رواه الطبري 17/ 126 - 127، والحاكم في "مستدركه" 2/ 386، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 15 وعزاه للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه.]]. وهو قول قتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 33، والطبري 17/ 126.]]، والسدي، والكلبي [[ذكره عن السدي والكلبي الرازي 23/ 15، وأبو حيان في "البحر" 6/ 357.]]، وابن زيد [[رواه الطبري 17/ 126، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 16.]]، واختيار الفراء والزجاج. قال الزجاج: أي من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا حتى يظهره على الدين كله فليمت غيظًا، وهو تفسير قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [[في (ظ): (من)، وهو خطأ.]] فليشدد حبلاً في سقفه [[في (أ): (شقفه).]] ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ أي: ليمد الحبل حتى ينقطع [[في (ظ) زيادة: (الحبل)، بعد قوله (ينقطع)، وليست عند الزجاج.]] فيموت مختنقًا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 417.]]. وقال الفراء: من كان منكم يظن أن الله لن ينصر محمدًا [[العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (أن لن ينصر الله محمدا)، وما أثبتنا من (أ) هو الموافق لمعاني الفراء.]] بالغلبة حتى يظهر دين الله فليجعل في سماء بيته حبلاً ثم ليختنق، فذلك قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [[في (ظ)، (د)، (ع) زيادة: (فذلك) بعد قوله: (ثم ليقط) ، ولا معنى لها.]] أي: اختناقًا. وفي قراءة عبد الله (ثم ليقطعه) يعني السبب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 218.]]. وعلى هذا القول النصر معناه: حسن المعونة وعون المظلوم والإظهار بالغلبة. ومعنى (فليقطع) فليختنق في قول جميع المفسرين [[القول بأن معنى (فليقطع) فليختنق في قول جميع المفسرين محل نظر، فقد قيل (فليقطع) أي فليقطع النصر أو الوحي عن محمد -ﷺ- إن تهيأ له ذلك. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 90، "النكت" للماوردي 4/ 12، "زاد المسير" 5/ 414.]]. ووجه ما ذكره [[في (أ): (ذكرناه)، وهو خطأ.]] الزجاج والفراء أنه يقطعه بجذبه إياه حتى ينقطع، فيموت اختناقًا. وذكر الأزهري وجها آخر فقال: أجمع المفسرون على أن تأويل قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ثم ليختنق، وهو محتاج إلى شرح يزيد في بيانه، ومعنى ﴿لْيَقْطَعْ﴾ ليمد الحبل مشدودًا على حلقه مدًا شديدًا حتى يقطع [[في (ظ): (تنقطع).]] حياته ونفسه خنقًا [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 188 (قطع).]]. وعلى هذا معنى ﴿لْيَقْطَعْ﴾ ليقطع نفسه. والقول هو الأول، ويدل عليه قراءة عبد الله (ليقطعه) بالهاء الراجع إلى السبب. قال الأزهري: والمعنى: فليختنق غيظًا حتى يموت، فإن الله [[لفظ الجلالة لم يرد في (د)، (ع). وفي (ظ): (فإنه مظهره).]] مظهره ولا ينفعه غيظه [["تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 160 (نصر) وفي المطبوع: ولا ينفعه موته خنقًا. وفي "اللسان" 5/ 210: ولا ينفعه غيظه وموته خنقًا. فيظهر أن (غيظه) ساقطة من المطبوع.]]. قوله تعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ أي: صنيعه وحيلته ﴿مَا يَغِيظُ﴾ (ما) بمعنى المصدر، أي: هل يذهبن كيده غيظه؟ ويجوز أن يكون (ما) بمعنى: (الذي)، والمعنى [[في (ظ)، (د)، (ع): (وهو المعنى).]]: هل يذهبن كيده الذي يغيظه؟ [["تفسير الطبري" 17/ 128، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 48 ب.]]. والأول قول الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 218، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 417.]]. ويقال: غظتُ فُلانًا أغيظُه غَيْظًا [["تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 173 (غاظ) نقلاً عن الليث. وهو في "العين" 4/ 439 (غيظ).]]. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: غاظهُ وأغَاظَهُ وغَيَّظه بمعنى واحد [["تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 173 (غاظ) عن ثعلب، عن ابن الأعرابي.]]. وشرح ابن قتيبة هذه الآية على هذا القول بأبلغ بيان فقال: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطؤون ما وعد الله رسوله [[في (أ): (ورسوله)، وما أثبتناه هو الموافق للمشكل ص 358.]] من النصر، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم له أمره، فقال الله ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يعني محمدًا -ﷺ- على مذهب العرب في الإضمار لغير مذكور [[العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (لغيره في الإضمار مذكور. وهي عبارة غير مفهومة.]]، وهو يسمعني أعده النصر والإظهار والتمكين، أو كان [[في (ظ)، (د)، (ع): (إذ كان)، وفي "المشكل" ص 358: (وإن كان.]] يستعجل به قبل الوقت الذي قضيت أن يكون ذلك فيه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ أي: بحبل ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني سقف البيت، وكل شيء علاك [[في (أ): (وكل ما علاك)، والمثبت هو الموافق للمشكل ص 358.]] وأظلك فهو سماء، والسحاب: سماء، يقول الله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [[في جميع النسخ: (وأنزلنا)، وهو خطأ.]] [ق: 9]، وقال سلامة بن جندل [[هو: سلامة بن جندل بن عبد عمرو، من بني كعب بن سعدة التميمي، أبو مالك. شاعر جاهلي قديم، وهو من فرسان تميم المعدودين، في شعره حكمة وجودة، وهو ممن يصف الخيل فيحسن. "طبقات فحول الشعراء" 1/ 155، "الشعر والشعراء" ص 166، "خزانة الأدب" 4/ 29، "الأعلام" للزركلي 3/ 106.]] يذكر قتل [[في (أ): (قبل)، وفي (د): (قبل): بإهمال ثانية. ومهملة في (ظ)، (ع).]] كسرى النعمان [[هو: النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، أبو قابوس. من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية، ملك الحيرة بعد أبيه، وكانت متابعة للفرس، وهو صاحب إيفاد العرب على كسرى، نقم عيله كسرى أمرًا فعزله وسجنه حتى مات، وقيل ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته، فهلك نحو 15 ق. هـ. انظر: "الكامل" لابن الأثير 1/ 246، "البداية والنهاية" 1/ 199، "الأعلام" للزركلي 8/ 43.]]: هُوَ المُدْخِلُ النُّعمانَ بيتًا سماؤه نُحورُ ... الفُيول [[في (أ): (القبول).]] بعد بَيْتِ مُسَرْدَق [[البيت أنشده ابن قتيبة لسلامة في "مشكل القرآن" ص 358. وهو في "ديوانه" ص 184، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 399 ومنه (المولج) في موضع (المدخل)، و (صدور) في موضع (نحور). والطبري 15/ 238 بمثل رواية أبي عبيدة، و"لسان العرب" 10/ 158 وفيه صدور). وبيت مُسردق: هو أن يكون أعلاه وأسفله مشدود كله. "لسان العرب" 10/ 158 (سردق) "القاموس المحيط" 3/ 244.]] يعني: سقفه، وذلك أنه أدخله بيتًا فيه فيلة فتوطأته حتى قتلته [[في (أ): (فيه قبله)، وانظر قصة قتل كسرى للنعمان في: "الكامل" لابن الأثير 1/ 287 - 289، "خزانة الأدب" للبغدادي 3/ 383 - 386.]]. وقوله [[في (أ): (قوله).]] ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ قال المفسرون: ليختنق. وقوله ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [[من بعد (فلينظر) ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] هل يذهب ذلك ما [[في (ظ): (مما).]] في قلبه؟. وفعل هذا رجل وَعَدْتَه شيئًا مرة بعد مرة، ووكدت على نفسك الوعد [[في (ظ)، (د)، (ع): (الوعيد)، وهو خطأ.]]، وهو يراجعك في ذلك، ولا تسكن نفسه إلى قولك، فتقول له: إن كنت لا تثق بما أقول، فاذهب فاختنق [[في (أ): (واختنق).]]. تريد: اجهد جهدك. هذا معنى قول المفسرين. انتهت الحكاية عنه [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 358 - 359 مع اختلاف يسير.]]. ومعنى ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ إلي آخر الآية إنما أمر بالخنق لا على وجه الإلزام، ولكن [[في (ظ)، (د)، (ع): (لكن).]] إشارة إلى أنه لا حيلة له، وليس يتوصل إلى تقديم النصر قبل وقته، وإخراج ما يظن من [[(من): زيادة من (أ).]] أن محمدًا -عليه السلام- لا ينصر عن قلبه فلم يبق له [[(له): ليست في (ظ)، (د)، (ع).]] إلا الخنق ليستريح [[في (أ): (لتستريح).]] من غيظه بتأخر النصر عن محمد -ﷺ- كما قال الشاعر: إنْ كنت لا ترضى بما قد ترى [[في (أ): (إن كنت لا ترى بما قد ترضى)، وهو خطأ.]] ... فدونك الحبل به فاختنق [[لم أهتد لهذا البيت.]] أي: لا سبيل إلى تغييره [[مهملة في (أ).]]، فإنْ غاظك ما تراه ولا ترضاه فخذ الحبل واختنق حتى تستريح. وذُكر أنَّ هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان [[أسد: قبيلة عظيمة، تنسب إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهذه ذات بطون كثيرة. انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 11، 479، "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" للقلقشندي ص 47 - 48، "معجم قبائل العرب" لكحالة 1/ 21. وغطفان: بطن عظيم متسع كثير الأفخاذ، وهم بنو غطفان بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. انظر: "الجمهرة" ص 248، "نهاية الأرب" ص 348، "معجم قبائل العرب" لكحالة 3/ 888 - 889.]] تباطؤوا عن الإسلام، وقالوا نخاف أن لا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا [[يميروننا: يعني: يجلبوا لنا الطعام. "لسان العرب" 5/ 188 (مير).]] ولا يؤوننا، فنزلت هذه الآية ذما لهم على هذا الظن واستعجالهم ما [[في (ظ): (بما).]] قد وعدهم [[في (أ): (وعده).]] الله [[ذكره الطبري 17/ 128 من غير سند، وذكره ابن الجوزي 5/ 412 عن مقاتل. وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 21 أ.]]. ولابن زيد طريق آخر في تفسير هذه الآية، وهو أن جعل السماء في قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ السماء المعروفة، وقال: معناه: من كان يظن [[في (أ): (نظر)، وهو خطأ.]] أن لن ينصر الله نبيه، ويكايده [[في (أ): (لكابده).]] في أمره، فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه، فإن أصله في السماء، فذلك قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ عن النبي -ﷺ- الوحي الذي يأتيه من الله، فلينظر هل يقدر على إذهاب [[في (أ): (ذهاب).]] غيظه بهذا الفعل؟ [[ذكر عنه بهذا اللفظ الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 48 ب. وقد رواه الطبري 17/ 126، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 16 بنحوه.]]. وهذا التفسير لا يوافق معنى قوله ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ [[في (أ): (بنصر الله): وهو خطأ.]] لأن من ظن ذلك لا يقال له: إن كنت تظن أنه غير منصور فاقطع النصر عنه. ولو كان أول الكلام: من يغيظه أن ينصره الله، أو ما أشبه هذا؛ حج [[في (أ): (أصح)، وهو خطأ.]] تفسير ابن زيد، وليس في أوائل [[في (ظ)، (د)، (ع): (أواخر).]] الآية: من أراد أن يكايده، أو يقطع النصر عنه، أو شيء من هذا المعنى الذي بني ابن زيد تفسير باقي الآية عليه. هذا الذي ذكرنا كله على قول من يقول الهاء في (ينصره) كناية عن النبي -ﷺ-. ومذهب مجاهد والضحاك [[يظهر أن الواحدي اعتمد في نسبة هذا القول على الطبري، فقد قال الطبري في "تفسيره" 17/ 127: وقال آخرون: الهاء في (ينصره) من ذكر (من) ... ثم قال == الطبري: ذكر من قال ذلك. ثم ذكر الطبري آثارًا عن مجاهد وغيره، ثم قال 175/ 128: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (فليمدد بسبب) يعني: بحبل (إلى السماء) يعني: سماء البيت. أهـ. والنص -كما ترى- ليس فيه ما يدل على أن الضحاك يرى أن الهاء عائدة إلى (من). وقد جاء عن الضحاك ما يخالف ما نسب إليه، فقد روى عبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 6/ 16 عنه في الآية قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا، فليجعل حبلاً في سماء بيته، فليختنق به، فلينظر هل يغيظ ذلك إلا نفسه؟.]]: أن الهاء كناية عن (من) في قوله ﴿مَنْ كَانَ﴾. قال مجاهد: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ أن لن يرزقه الله [[رواه الطبري 17/ 127، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 15 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.]]. وهذا القول هو اختيار أبي عبيدة، قال: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ أن لن يرزقه [[في (د)، (ع): (أن لن ينصره) أن لن يرزقه.]]. قال: ووقف علينا رجل من بني أبي بكر [[في المطبوع من "المجاز" 2/ 46، بني بكر، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة: بني أبي بكر. وما ذكره الواحدي هنا من قوله (ابن كلاب) ليس في المجاز لأبي عبيدة فيحتمل أن يكون السائل من بني أبي بكر -كما وقع في إحدى نسخ المجاز وكما نسبه الواحدي إلى بني أبي بكر ابن كلاب- وهو كما قال ابن الأثير في تهذيب الأنساب 1/ 170 نسبة إلى أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، واسمه عبيد، ينسب إليه كثير. أهـ. ويحتمل أن يكون السائل من بني بكر -كما وقع في بعض نسخ المجاز- وهو كما قال ابن الأثير (1708) نسبة إلى بكر بن وائل، أبو بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة، أو بكر بن عوف بن النخع. وقد وقع عند ابن الجوزي 5/ 4، والرازي 17/ 23، وأبي حيان 3/ 357، والشنقيطي 5/ 51، من بني بكر.]] بن كلاب فقال: من ينصرني نصره الله. أي: من يعطيني أعطاه الله. وأنشد للراعي: أبوك الذي أجْدى عليَّ بَنَصْرِهِ ... فأنْصت عنّي بعده كُلَّ قائل [[البيت أنشده أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 25/ 46 - 47. وهو في "ديوانه" ص 209 من أبيات يمدح بها يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وفيه (فأسكت) في موضع (فأنصت). و"الاشتقاق" لابن دريد ص 110 وفيه (فأسكت). وهو من غير نسبة في: "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 155، و"اللسان" 2/ 99، و"تاج العروس" 5/ 123 (نصت).]] وأصل هذا من قولهم: نصرت السماء أرض كذا، إذا سَقَتْها [[انظر (نصر) في: "تهذيب اللغة" 12/ 160، "الصحاح" 2/ 829، "لسان العرب" 5/ 211.]]. قال أبو عبيد: نُصَرت البلاد، فهي منصورة. ونُصِرَ القوم، إذا غِيثُوا [[هكذا في جميع النسخ و"اللسان" لابن منظور 5/ 211. وفي المطبوع من "تهذيب الأزهري": أعيثوا.]]. وأنشد [[في (أ): (وأنشد الشاعر فقال).]]: من كان أخْطاه الربيع فإنّما ... نُصرَ الحجاز بغَيث عبد الواحد [[قول أبي عبيد وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 159 - 160 منسوبًا إليه. والبيت لابن ميادة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك. وهو في "ديوانه" ص 112)، و"الوحشيات" (الحماسة الصغرى) لأبي تمام ص 270، وفيه: (يجود) في موضع (يغيث). ومن غير نسبة في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 160 (نصر)، و"المخصص" لابن سيدة 9/ 121، و"اللسان" 5/ 211 (نصر).]] قال ابن قتيبة -على هذا القول-: كأنه يريد من كان قانطا من رزق الله ورحمته فليفعل ذلك الذي ذكره [[في (أ): (ذكر).]] من الاختناق، ولينظر هل يذهب كيده - أي: حيلته- غيظه لتأخر الرزق عنه؟ [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 365. وليس فيه: الذي ذكره من الاختناق.]]. وقوله: ﴿مَا يَغِيظُ﴾ يعني حنقه أن لا يرزق. وهذا ذم على سوء الظن بالله. وفي قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ قراءتان: كسر اللام وتسكينها [[قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع: (ثم ليقطع) بكسر اللام، وقرأ الباقون بسكون اللام: (ثم ليقطع). "السبعة" ص 434 - 435، "التبصرة" ص 265، "التيسير" ص 156، "الإقناع" 2/ 705.]]. والأصل [[في (ظ)، (د)، (ع): (فالأصل).]] الكسر عند الابتداء، فإذا تقدمها الواو والفاء أو (ثم) [[في (أ): (وثم)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في الحجة.]] فمن أسكن مع الفاء [[في (أ): (مع الواو والفاء).]] والواو فلأنهما [[في (ظ): (فإنهما)، وهو خطأ.]] يصيران كشيء من نفس الكلمة؛ لأن كل واحد منهما لا ينفرد بنفسه. فسكن اللام، كما ذكرنا فيمن سكن (وهي) (فهي) [[في (أ): (وفي)، وهو خطأ.]] [[في "الحجة" للفارسي 5/ 270: وقبل ذلك قولهم: ﴿وَهِىَ﴾ [هود: 42]، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: 74].]]. وأما (ثم) فإنه ينفصل بنفسه ويسكت عليه، فليس في هذا كالفاء والواو [ولهذا لم يسكن أبو عمرو بعد (ثم). ومن سكن بعده شبه الميم من (ثم) بالواو والفاء] [[ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] وجعله كقولهم: (أراك [[في (أ)، (د): (اذاك)، وفي (ظ)، (ع): (اداك)، والتصويب من "الحجة" 5/ 270.]] منتفخًا). وعلى هذا قول العجاج: فَبَاتَ مُنْتَصْبًا وما تكَرْدَسا [[في (أ): (بكردشا).]] [[هذا الشطر من الرجز للعجاج بهذه الرواية (منتصبا) في "الحجة" للفارسي 1/ 408، 5/ 270، و"الخصائص" لابن جني 2/ 338، وفي "اللسان" 1/ 758 (نصب) من غير نسبة. وروايته في "ديوان العجاج" ص 130، و"تهذيب اللغة" 10/ 423 (كردس)، و"اللسان" 6/ 195 (كردس): (فبات منتصا وما تكردسا. ولا شاهد فيه على هذه الرواية. وهو يصف فيها حمارًا وحشيًّا، وبعده: إذا أحس نبأة توجسا. قال الأصمعي في "شرحه لديوان العجاج" ص 130: (قوله (منتصبا) أي منتصبًا. والمكردس: الذي قد رمى بنفسه.]] وهذا مما تقدم الكلام فيه. ومن قرأ بعض هذا بالسكون وبعضه بالحركة [[قرأ بعض هذا بالسكون وبعضه بالحركة: أبو عمرو، وابن عامر في غير رواية ابن ذكران، وورث عن نافع، وابن كثير في رواية قنبل. فقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع: (ثم ليقطع)، (ثم ليقضوا) بكسر اللام، ووافقهم في (ليقضوا) وحدها ابن كثير في رواية قنبل. ووافق هؤلاء المتقدمون بقية القراء في قراءة (وليوفوا)، (وليطوفوا) بإسكان اللام. أمَّا رواية ابن ذكوان عن ابن كثير فبالكسر في المواطن الأربعة. "السبعة" ص 434 - 435، "المبسوط" لابن مهران 257، "التبصرة" ص 215، "التيسير" ص 156، "النشر" 2/ 326.]] من ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ ﴿وَلْيُوفُوا﴾ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: 29] فإنه أخذ بالوجهين لاجتماعهما في الجواز [[من قوله: (والأصل) إلى هنا هذا كلام الفارسي في "الحجة" 5/ 269 - 270 مع تصرف وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 420 - 421، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 73، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 473 - 474.]].

الحج 22:16

وقوله ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثل ذلك. يعني ما تقدم من آيات القرآن [[انظر البغوي 5/ 371، و"زاد المسير" لابن الجوزي 5/ 414 - 415.]]. وإن شئت قلت: وهكذا. وهو مذهب مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 2/ 21 أ.]]. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أنزلنا القرآن. ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد لأهل التوحيد. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أي: وأنزلنا إليك أن الله يهدي. قال ابن عباس: يعني [[في (ظ): (يريد).]] يرشد إلى دينه ﴿مَنْ يُرِيدُ﴾. وهذا الآية دليل على أن مِلاك الهدى والضلالة منوط بالإرادة تكذيبًا للقدرية.

الحج 22:17

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، تقدم الكلام في تفسير هؤلاء الفرق المذكورة [[انظر: "البسيط" 1/ 756، 57 أ، ب أزهرية.]] إلى قوله ﴿وَالْمَجُوسَ﴾. قال الأزهري: والمجوس معرب، أصله: منْج كُوش، وكان رجلاً صغير الأذنين، هو أول من دان بدين المجوس، ودعاهم إلى المجوسية، فعربته [[في (ظ)، (د)، (ع): (فعربت).]] العرب فقالت: مجوس، وربما تركت العرب صرف مجوس تشبيهًا بالقبيلة وذلك أنه اجتمع فيه التأنيث والعجمة، ومنه قوله [[هذا عجز بيت أنشده الأزهري في "تهذيب اللغة" 10/ 602 من غير نسبة وهو للتوأم اليشكري، أجاز به قال امرؤ القيس، وكان امرؤ القيس قد نازع التوأم وقال له: إن كنت شاعرًا فملط -التمليط: أن يقول الشاعر نصف بيت ويتمه الشاعر الآخر. "القاموس المحيط" 2/ 387 (ملط) - أنصاف ما أمول وأجزها، فقال == التوأم: نعم، فقال امرؤ القيس: أصاح أريك برقا هب وهنا ويروى: أحارِ ترى بُريقا هب وهنا فقال التوأم: كنَارِ مَجُوس تَسْتَعرُ اسِتْعَارا وهذا البيت مع الخبر في "ديوان امرئ القيس" ص 174 من رواية الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، وفي "لسان العرب" 6/ 213 (مجس)، و"تاج العروس" للزبيدي 20/ 123 (ملط). ونسب سبيويه في "الكتاب" 3/ 254، والجوهري في "الصحاح" 3/ 977 (مجس) البيت لامرئ القيس. وهو من غير نسبة في: كتاب "ما ينصرف وما لا ينصرف" للزجاج ص 82، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 2/ 139، "تاج العروس" للزبيدي 16/ 496 (مجس).]]: كنَارِ مَجُوس تَسْتَعرُ اسِتْعَارا وقد تمجَّس الرجل إذا دان [[في (أ): (كان)، وهو خطأ.]] بدين المجوس، ومَجَّس غَيره إذا علَّمه دين المجوسية [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 601 - 602 (مجس). وانظر: "الصحاح" للجوهري 3/ 977 (مجس)، "لسان العرب" 6/ 213، 215 (مجس).]]. وقال غير الأزهري: المجوس يقال إنهم سموا بذلك لأن الميم جُعلت بدلاً من النون، كان يقال لهم النجوس [[في (ظ)، (ع)، (د): (المجوس)، وهو خطأ.]] لنجاستهم وتدينهم باستعمال النجاسة، وقد تعتقب الميم النون مثل الغيم [[في (أ): (الغنم والغنن)، وهو خطأ.]] والغين والأيم والأين [[لم أجد من ذكر هذا القول فيما وقفت عليه من المصادر اللغوية. وقد ذكره == باختصار السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 245 ولم ينسبه لأحد. والغيم والغين: السحاب. والأيم والأين: الحية. انظر: "الإبدال والمعاقبة والنظائر" للزجاجي ص 105، "الإبدال" لأبي الطيب اللغوي 2/ 423، 434.]]. والقول ما ذكره الأزهري. قوله ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني مشركي العرب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ قال أبو إسحاق: خبر (إن) الأولى جملة الكلام مع (إن) الثانية [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 417.]]. يعني قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ﴾. قال الفراء: وربما قالت العرب: إن أخاك إن الدين عليه لكثير. فيجعلون (إن) في خبره. وأنشد: إن الخليفة إن الله سربله ... البيت [[كلام الفراء وإنشاده في "معاني القرآن" له 2/ 218. والبيت لجرير من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن عبد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وتتمته: سِرْبال ملك به تُرْجَى الخواتيمُ وهو في "ديوانه" 2/ 672 وروايته فيه: يكفي الخليفة أن الله سربله، ولا شاهد فيه على ذلك. و"خزانة الأدب" 10/ 364 - 368 وعجزه عنده: لباس ملك به تُرْجى الخواتيم. قال البغدادي 10/ 364: سربله: ألبسه، يتعدى لمفعولين أولهما ضمير الخليفة، والثاني اللباس بمعنى الثوب .. وتُرجى -بالزاي والجيم- والإرجاء: السوق. والخواتيم: جمع خاتام لغة في الخاتم. يريد إن سلاطين الآفاق يرسلون إليهم خواتمهم خوفًا منه، فيضاف ملكهم إلى ملكه. ويروى (ترجى) بالراء المهملة من الرجاء. وهذه الرواية أكثر من الأولى.]] وهذا كما ذكرنا [[في (ع): (ذكره)، وهو خطأ.]] في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]. قال الفراء: وإنما جاز هذا لأن الاسمين قد اختلفا، فحسن رفض الأول وجعل الثاني كأنه هو المبتدأ، فحسن لاختلاف اسمي [[في (أ): (إسم).]] (إن)، ولا يجوز: إنك إنك [[إنك (الثانية): ساقطة من (ظ).]] قائم، ولا: إن أباك إنه قائم؛ لاتفاق الاسمين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 218 مع تصرف واختلاف في العبارة.]]. قال الزجاج: وليس بين البصريين خلاف في أن (إن) [[(إن): ساقطة من (ظ).]] تدخل على كل ابتداء وخبر، تقول: إن زيدًا إنه قائم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 418.]]. فأجاز أبو إسحاق ما استقبحه الفراء ولم يجزه. وقال صاحب النظم: لما قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وما تبع ذلك [[ذلك: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] من الكلام وطال صارت (إن) كأنها مُلغاة لتباعدها عن خبرها [[في (أ): (حيزها).]] فأعاد [[في (أ): (وأعاد).]] ذكرها عند الجواب؛ ليعلم أن الجواب متصل بالابتداء توكيدًا للشرح. قال: ويجوز أن يكون إنما وجب أن يقدم ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- في مبتدأ الخبر [[في (أ): (الخير). وهو تصحيف.]] على نظم: إن الله يفصل [[في (ظ) زيادة (بينهم) بعد قوله (يفصل).]] يوم القيامة بين الذين آمنوا والذين هادوا. فلما قدم ذكرهم في الابتداء أعاد ذكر اسمه بالتقديم ليدل على أن وضع مبتدأيه [[في (أ): (مبتدأ به).]] على هذا النظم. ومعنى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقضي بينهم يوم القيامة. وفسر الزجاج هذا الفصل والقضاء بين هؤلاء الفرق بإدخال المؤمنين الجنة والآخرين النار، واحتج بقوله بعد هذا ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ من أعمال هؤلاء الفرق. قال ابن عباس: شهيد على ما في قلوبهم عالم به. وقال أهل المعاني: إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- يفصل بين الخصوم في الدين يوم القيامة بما يضطر إلى العلم بصحة الصحيح فيبيض وجه المحق ويسود وجه المبطل [[انظر القرطبي 12/ 23 فقد ذكر هذا القول مختصرًا بمعناه، وصدره بقول: قيل.]]. ومعنى الشهيد: العلم بما شاهده، والله -عَزَّ وَجَلَّ- يعلم كل شيء قبل أن يكون بأنه علام الغيوب.

الحج 22:18

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَر﴾ ألم تعلم؛ لأن المراد الرؤية بالقلب والفعل. وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: 243] الآية. وقوله: ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قال الفراء: يعني أهل السموات ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: يعني كل خلق [من الجبال ومن الجن وأشباه ذلك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 219.]]. وقوله ﴿وَالشَّمْسُ﴾ إلى قوله ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ وصف الله تعالى هذه الأشياء كلها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] بالسجود واختلفوا في معنى سجود هذه الأشياء، والصحيح أن المراد بسجودها خضوعها وذلتها وانقيادها لمولاها فيما [[في (أ): (بما).]] يريد منها [[بل الصحيح ما قاله الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 340 بعد ذكره لهذه الآية: فسجود هذه المخلوقات عبادة منها لخالقها لا نفقهها عنها كما لا نفقه تسبيحها. أهـ.]]. وهذا القول هو اختيار الزجاج والنحاس. قال الزجاج: السجود هاهنا الخضوع لله، وهو طاعة مما خلق الله من الحيوان والموات فالسجود هاهنا سجود طاعة واحتج بقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] [["معاني القرآن" 3/ 418.]]. وقال النحاس: هذا القول صحيح بيّن، فكل شيء منقاد لله -عَزَّ وَجَلَّ- على ما خلقه، وعلى ما رزقه، وعلى ما أصحه وعلى ما أسقمه، وليس هذا سجود العبادة [[من قوله: وقال قوم .. إلى قوله: أثر الصنعة فيها. منقول عن "معاني القرآن" للزجاج 3/ 418. ومن قوله: "والتسخير ... إلخ" منقول عن "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 49 أ.]]. وقال قوم: إن السجود من هذه الأشياء التي هو موات ومن الحيوان الذي لا يعقل إنما هو أثر الصنعة فيها والتسخير والتصوير الذي يدعو العارفين إلى السجود لله -عَزَّ وَجَلَّ- [["القطع والائتناف" للنحاس 489.]] وهذا القول كالأول لأن تسخيرها وأثر الصنعة فيها لخضوعها وذلتها لخالقها ويدل على أن غير العاقل يوسف بسجود الخضوع قول الشاعر [[هذا عجز بيت لزيد الخيل، وصدره: بجيش تضلُّ البُلْق في حَجَراته وهو في "ديوانه" ص 66، وتأويل "مشكل القرآن" ص 322، و"المعاني الكبير" 2/ 890 كلاهما لابن قتيبة، والطبري 2/ 242، و"الكامل" للمبرد 2/ 201، والرواية عندهم: (منه) في موضع (فيها). وهو من غير نسبة في: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 418، "الأضداد" لابن الأنباري ص 295، و"الصحاح" للجوهري 2/ 483 (سجد)، و"للسان" 3/ 206 (سجد). والرواية عندهما: فيها. والبلق: جمع بلقاء، والبلقاء: هي الفرس التي يكون فيها بلق يعني: سواد وبياض. أو البلقاء: الفرس التي ارتفع التحجيل فيها إلى الفخذين. و (حجراته): نواحيه، والأكم: جمع أكمه: وهي التل أو الموضع يكون أشد ارتفاعًا مما حوله. انظر: "لسان العرب" 10/ 25 (بلق)، 4/ 168 (حجر)، "القاموس المحيط" 3/ 214 ، 4/ 75. قال ابن قتيبة في "المعاني الكبير" 2/ 89: يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف فغيرها أحرى أن تضل، يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر.]]: ترى الأكْمَ فيها سُجَّدًا للحَوافِرِ أي: خشعت من وطي الحوافر عليها. هذا الذي ذكرنا مذهب أرباب المعاني [[نسب الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 49 أهذا القول لأرباب الحقائق.]]. وقال مجاهد: سجود الجماد وكل شيء سوى المؤمنين تحول ظلالها كما قال: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: 15] [[ذكره عن مجاهد: الثعلبي 3/ 49 أوبنحوه رواه الطبري 17/ 130. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 17 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.]]. قال أهل المعاني: كأنه يجعل ذلك لما فيه من العبرة بتصريف الشمس في دورها عليه سجودًا [[ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 268، والجشمي في "التهذيب" 6/ 171 ب من غير نسبة لأحد.]]. وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع إلى مطلعه [[ذكره الثعلبي 3/ 49 أ، ورواه الطبري 17/ 130. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 18 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.]]. وعلى هذا فكل شيء مما خلقه [[في (ظ)، (د)، (ع): (خلق).]] الله تعالى يسجد لله حقيقة السجود ويدل عليه قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74] وقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: 79] إلا أنا لا نعلم كيفية ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]. وقال أرباب الأصول: الجمادات لا تعقل ولا يتميز فإن حدثت لها حالة [[في (ظ)، (د)، (ع): (حال).]] في التمييز فذلك [[في (ظ)، (د)، (ع): (فذاك).]] بأن الله تعالى يحدث لها في تلك الحالة عقلاً وتمييزًا، وإلا فالتمييز منها محال ما دامت على حقيقة صنعتها الأولى. قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ يعني المؤمنين الذين يسجدون لله تعالى. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بكفره وهو مع ذلك يسجد لله ظله، قاله مجاهد [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 49 أعن مجاهد بنصه. وقد رواه الطبري 17/ 130. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 17، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.]]. فعلى هذا قوله ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ من جملة الساجدين. وقال قوم: تم الكلام في وصف الساجدين عند قوله ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [[انظر: "المكتفى في الوقف والابتدا" للداني ص 393.]]. روى ابن الأنباري عن ابن عباس أنه قال: وكثير من الناس في الجنة [[رواه ابن الأنباري في كتابه "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 872. وذكره القرطبي 12/ 24 عن ابن عباس من رواية ابن الأنباري. وذكره أبو عمرو الداني في كتابه "المكتفى في الوقف والابتدا" ص 393 عن ابن عباس.]]. وقال في رواية عطاء: وكثير من الناس يوحده وليس كلهم وكثير حق عليه العذاب ممن لا يوحده [[ذكره الرازي 23/ 20 من رواية عطاء، عن ابن عباس.]]. وعلى هذا يصح الوقف على ﴿وَالدَّوَابُّ﴾، ثم ابتدأ بذكر فريقي الجنة والنار والإيمان والكفر. وقال آخرون؛ التمام عند قوله ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ وانقطع ذكر الساجدين ثم ابتدأ فقال ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي: بإبائه وامتناعه من السجود وهؤلاء غير داخلين في جملة الساجدين [[انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 782، "القطع والائتناف" == للنحاس ص 488 - 489، "منار الهدى في بيان الوقف والابتدا" للأشموني ص 255.]]. قال الفراء: قوله ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يدل على أن المعنى: وكثير أبى السجود؛ لأنه لا يحق عليه العذاب إلا بتركه السجود [["معاني القرآن" للفراء 2/ 219.]]. وهذا القول هو اختيار نافع والكسائي وأبي حاتم [[ذكره عنهم النحاس في "القطع والائتناف" ص 488.]] وهو أن الوقف على (الناس). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ قال الفراء: يريد من يُشقْهِ الله فما له من مُسْعد [["معاني القرآن" للفراء 2/ 219.]]. وكذا روى عن ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" ص 207.]]. وقال في رواية عطاء: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ يريد [[يريد: ساقطة من (ظ)، وفي (د)، (ع): (يريد: ومن يهن الله) من تهاون.]]: من تهاون بعبادة الله [[ذكره عنه القرطبي 17/ 24.]]. يعني أن تهاونه بعبادة الله [من إهانة الله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] إياه وطرده ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يريد أن مصيره إلى النار وليس إلى الكرامة كما يُكْرم أولياؤه [[قال الطبري 17/ 130: (فما لي من مكرم) بالسعادة يسعده بها.]]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: في خلقه من الإهانة والكرامة والشقاء والسعادة.

الحج 22:19

وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ يعني: الفرق الخمسة الكافرة والمؤمنين، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. فالخصم: اسم للواحد وللجميع، فقدله هذان ﴿خَصْمَانِ﴾ كالفئتين، لذلك قال ﴿خَصْمَانِ﴾ لأنهما جمعان. قاله الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 419.]]. وزاد الفراء: وليسا برجلين، ولو قيل: اختصما كان صوابًا، ومثله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9] يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز [["معاني القرآن" للفراء 1/ 220.]]. وذكرنا معنى الاختصام عند قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]. وقوله: ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ أي: في دين ربهم. قال الكلبي: وذلك أن اليهود والنصارى قالوا نحن أولى بالله منكم يا معشر المسلمين؛ لأن نبينا قبل نبيكم وديننا قبل دينكم وكتابنا قبل كتابكم. فقال المسلمون: بل نحن أولى وأحق بالله، آمنا بكتابنا ونبينا ونبيكم، وكفرتم أنتم بنبينا حسدًا. فكان هذا خصومتهم في ربهم [[روى الطبري 17/ 132 عن عاصم والكلبي أنهما قالا: أهل الشرك والإسلام حين اختصموا أيهم أفضل. وذكر الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 49 أعن الكلبي قال: هم المؤمنون والكافرون.]]. هذا قول مجاهد والحسن [[رواه الطبري 17/ 132 عن مجاهد والحسن قالا: هم المؤمنون والكافرون.]]، وابن عباس في رواية عطاء [[لم أجد من ذكره من رواية عطاء، لكن رواه الطبري 17/ 132 من رواية العوفي == بنحو ما ذكره الواحدي هنا عن الكلبي. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 20 وعزاه لابن جرير وابن مردويه.]]، وأكثر المفسرين [[انظر: الطبري 17/ 132، " الكشف والبيان" 3/ 49 أ، و"الدر المنثور" 6/ 20.]]، واختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 419 فقد ذكر نحو رواية الكلبي.]] والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 219، فقد ذكره نحو رواية الكلبي.]]، وقالوا: الخصمان هم المؤمنون والكافرون. وروي عن أبي ذر وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الذين بارزوا يوم بدر من الفريقين، وكان من المسلمين حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث [[هو: عبيدة بر الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، القرشي، المطلبي. أحد السابقين الأولين. أسلم قديما، وكان مع النبي -ﷺ- بمكة، ثم هاجر، وشهد بدرًا وبارز فيها وأصيب في المبارزة، فاحتمل وبه رمق، ثم توفي بالصفراء -قرية بين المدينة وينبع- في العشر الأخير من رمضان سنة اثنين من الهجرة رضي الله عنه. وكان ابن ثلاث وستين سنة. "طبقات ابن سعد" 3/ 50، "الاستيعاب" 3/ 1020، "أسد الغابة" 3/ 356، "سير أعلام البنلاء" 1/ 256، "الإصابة" 2/ 442.]]، ومن الكفار عتبة وابنه الوليد وشيبة ابنا ربيعة [[هو: شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، أحد زعماء قريش في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، وناصبه العداء، قتله حمزة رضي الله عنه يوم بدر بعد مبارزته. "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 356، "البداية والنهاية" 3/ 277، "الأعلام" للزركلي 3/ 181.]] وأقسم أبو ذر أن هذه الآية نزلت في هؤلاء الستة [[روى البخاري كتاب: التفسير -سورة الحج- باب: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ 8/ 443، ومسلم كتاب: التفسير، باب: في قوله تعالى ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ 4/ 2323 عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقسم قسمًا إن هذه == الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في حمزة وصاحبه وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر. وروى البخاري كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل 7/ 297، والنسائي في "تفسيره" 2/ 85 عن علي رضي الله عنه قال: فينا نزلت هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾.]]. والظاهر هو الأول للإشارة بقوله ﴿هَذَانِ﴾ إلى الفئتين المذكورتين في قول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [[واختاره الطبري 17/ 133. قال ابن كثير 3/ 212: وقول مجاهد وعطاء أن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله -عَزَّ وَجَلَّ- والكافرون يريدون إطفاء نور إيمان وخذلان الحق وظهور الباطل، وهو اختيار ابن جرير وهن حسن، ولهذا قال "فالذين كفروا ... أهـ.]]. وروي عن عكرمة أنه قال: الخصمان هما الجنة والنار [[رواه الطبري 17/ 132 - 133.]]. وهذا ليس بالقوي ولا المرضي [[قال الألوسي في "روح المعاني" 17/ 134: وأما ما قيل من أن المراد بهذين الخصمين الجنة والنار فلا ينبغي أن يختلف في عدم قبوله خصمان أو ينتطح فيه كبشان.]]. ثم بيّن الله تعالى حال الفريقين فقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يعني أهل الخمسة الأديان [[ذكره القرطبي 12/ 26 بمعناه من غير نسبة.]]. ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ قال الأزهري: أي [[(أي): ساقط من (ظ) ، (د)، (ع).]]: خيطت وسويت وجعلت لبوسًا لهم [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 188 (قطع).]]. قال ابن عباس: يريد حين صاروا إلى جهنم لبسوا المقطعات مقطعات النيران [[ذكره عنه بمعناه ابن الجوزي 5/ 417، وذكره البغوي 8/ 374 وصدره بقوله: وقال بعضهم. وذكره القرطبي 12/ 26 من غير نسبة.]]. قال شمر: المقطعات من الثياب كل ثوب يقطع ثم يخاط [[قول شمر في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 188 - 189 (قطع).]]. وهذا القول هو الصحيح في تفسير المقطعات [[قال أبو حيان 6/ 36: والظاهر أن هذا المقطع من النار.]]. قال أبو إسحاق: وجاء في التفسير أن الثياب التي من (نار) [[في (أ): (من النار)، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المعاني.]] من نحاس قد أذيب [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 419.]]. وهذا الذي ذكره هو قول سعيد بن جبير [[رواه الطبري 17/ 133، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 21 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.]].

الحج 22:20

قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. قال الليث: الصهر: إذابة الشحم، والصهارة ما ذاب منه، ويقال صهرته فاصطهر، ويقال للحرباء [[في (أ): (للحوباء)، وهو خطأ. والحِرْباء: دويبة ذات قوائم أربع، دقيقة الرأس، مخططة الظهر، تستقبل الشمس بنهارها. قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 24 (حرب).]] إذا تلألأ ظهرها [[في "تهذيب اللغة": ظهره. ولعله أصوب لأن الحرباء ذكر أم حبين، انظر الأزهري.]] من شدة الحر قد صَهَرَهُ الحر واصطهر الحرباء [["تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 109 (صهر) نقلا عن الليث. == وهو في "العين" 3/ 412 مادة (صهر). مع اختلاف يسير جدًا وفيه إذا تلألأ ظهره.]]. وقال ابن السكيت: يقال صهرته الشمس إذا اشتد وقعها عليه [["تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 109 مادة (صهر) عن ابن السكيت.]]. وأنشد أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 48.]] وغيره [[الطبري 17/ 134. والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 49 ب.]] لابن أحمر [[في (ظ)، (د)، (ع): (ابن الأحمر).]]: تروى [[في جميع النسخ: (تردي)، والتصويب من مجاز القرآن والطبري وغيرهما.]] لقى ألقي في صفصف ... تصهره الشمس فما ينصهر [[البيت أنشده أبو عبيدة لابن أحمر في "مجاز القرآن" 2/ 48. وهو في ديوان ابن أحمر ص 68، "الأضداد" لابن الأنباري ص 165، و"مقاييس اللغة" لابن فارس 5/ 261 (لقى) وعنده: (تؤوي) في موضع (تروي)، و"الصحاح" للجوهري 2/ 717 (صهر)، 6/ 2364 (روى)، و"لسان العرب" 4/ 472 (صهر)، ومن غير نسبة في الطبري 17/ 134. وهو من أبيات له يصف فيها فرخ قطاة. وقوله (تروى) تسقي، قال أبو عبيدة: تفسير له راوية .. كما رواية القوم عليهم. أهـ (لقى) قال ابن الأنباري: اللقى: الشيء الملقى لا يلتفت إليه، فشبه الفرخ به. أهـ و (صفصف) الصفصف: المستوى من الأرض. قاله الفيروزآبادي 3/ 163. (تصهره الشمس فما ينصهر) قال الجوهري: أي تذيبه الشمس فيصبر على ذلك.]] وقال أبو زيد في قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ هو الإحراق، صَهَرتُه بالنار [[في (ظ): (النار).]] أصهره أنضجه [[في (أ): (نضجته)، وفي "تهذيب اللغة": أنضجته.]] [[قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 109 (صهر).]]. ونحو هذا قال الكسائي في تفسير الصهر: أنه الإحراق والإنضاج [[لم أقف عليه.]]. قال قتادة: يُذاب [[في (أ): (بدأت)، وهو خطأ.]] بذلك الحميم ما في بطونهم [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34، والطبري 17/ 135.]]. وهذا عبارة الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 225.]]، وهو معنى الحديث الذي ذكرنا. وهو قول جاهد [[رواه الطبري 17/ 134، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 22 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. ولفظ ابن عباس في رواية نافع بن الأزرق [[روى ابن الأنباري والطستي في "مسائله" كما في "الدر المنثور" 6/ 22 عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله (يصهر) قال: يذاب.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: ينضج. وذكر [[في (أ): (وذكرنا)، وهو خطأ.]] الأزهري عن أهل التفسير: يُغلي به ما في بطونهم حتى يخرج من أدبارهم [["تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 109.]]. وهذا هو اختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 419.]]. وهو من قولهم صهرته الشمس، إذا اشتد وقعها عليه. فمعنى ﴿يُصْهَرُ﴾: يُنضج، وُيحرَّق، وُيذَاب، وُيغْلى. كل هذا صحيح مروي. والمعنى: أن أمعاءهم وشحومهم تذاب وتحرق بهذا الحميم، وتنشوي جلودهم فتتساقط من حره [[انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 49 ب.]].

الحج 22:21

وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ قال الليث: المقمعة: شبه الجُرز [[في (أ): (الجوز)، وفي (ظ): (الحر)، وفي (د): (الحرز)، وفي (ع): (الحرر)، وفي "تهذيب اللغة" 7/ 293: الجرزة، والصواب ما أثبتنا. والجُرْز (بالضم، وبضمتين كما قال الزبيدي في "تاج العروس" 15/ 52 قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 10/ 69 (جرز): (هو عمود من حديد). ونقل الأزهري عن الليث قال: والجُرز من السلاح، والجميع: الجِرَزَة.]] من الحديد والعمد يضرب بها الرأس وجمعها المقامع [[في (أ): (مقامع)، والمثبت من باقي النسخ والعين والتهذيب.]] [[قول اليث في "العين" 1/ 189، وهو في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 293 (قمع) من غير نسبة.]]. وأنشد [[هذا الشطر أنشده الليث في "العين" 1/ 185 (قمع) ولم ينسبه لأحد. وذكره الفيروزآبادي في "بصائر ذوي التمييز" 4/ 297 نقلاً عن اليث، ولم ينسبه. وفي المطبوع من البصائر: وتمشي معد.]]: ويمشي معد حوله بالمقامع وأصله من قولهم: قمعت رأسه إذا ضربته ضربًا عنيفًا. قال أبو عبيد: يقال: قمعت الرجل وأقمعته، بمعنى واحد [[قول أبي عبيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 291 (قمع).]]. قال الضحاك في قوله [[في جميع النسخ: (قولهم).]] ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: هي المطارق [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 166. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 22 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.]]. وقال ابن عباس: يريد أن زبانية جهنم تقمعهم بمقامع الحديد يضربونهم بها كلما أرادوا أن يخرجوا منها [[(منها): ساقطة من (أ).]]. وقال الحسن: إن [[في (ظ)، (د)، (ع): (من)، وهو خطأ.]] النار ترميهم بلهبها، إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفا، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها فلا يستقرون ساعة [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 417، وذكره الزمخشري في "الكشاف" 3/ 9 والرازي 23/ 22 إلى قوله سبعين خريفًا.]]

الحج 22:22

فذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ يعني: كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي أخذ بأنفاسهم، حتى ليس لها مخرج ردوا إليها بالمقامع. قال المفسرون: إن جهنم لتجيش [[تجيش: أي تغلي وترتفع، "لسان العرب" 6/ 277 (جيش).]] بهم، فتلقيهم إلى أعلاها، فيريدون الخروج، فيردهم الخزان فيها [[انظر الطبري 17/ 135، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 49 ب.]]. وهذا كما قال الحسن. ويقول لهم الخزنة: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ والحريق: الاسم من الإحتراق. قال أبو إسحاق: وهذا لأحد الخصمين.

الحج 22:23

وقال في الخصم الذين هم المؤمنون: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 419.]] وهي مفسرة في سورة الكهف إلى قوله ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف، واللؤلؤ [[في (ظ)، (د)، (ع): (فاللؤلؤ).]] كباره، والمرجان صغاره. ويجوز فيه تخفيف الهمزتين [[في (ظ)، (د)، (ع): (الهمزة).]] ويجوز تخفيف إحداهما وتحقيق الثانية [[انظر: "الحجة" للفارسي 5/ 268، "إعراب القراءات السبع عللها" لابن خالويه 2/ 73. فقد ذكرا ذلك. قال ابن خالويه: والأصل الهمز. قال ابن خالويه: العربية تحتمل همزتهما، وترك الهمز فيهما، وهمز إحداهما كل ذلك جائز، والأصل الهمز، وتركه تخفيف بالواو.]]. والمعنى: أنهم يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ. أي منهما؛ بأن يُرصع اللؤلؤ في الذهب. وقرئ (ولؤلؤا) بالنصب [[قرأ نافع وعاصم (ولؤلؤا) بالنصب، وقرأ الباقون (ولؤلؤ) بالخفض. "السبعة" ص 435، "التبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157.]] على: ويحلون لؤلؤا. ويجوز أن يحمل على موضع الجار والمجرور؛ لأن موضعهما نصب، ألا ترى أن معنى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [يحلون فيها أساور] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]. فحمله على الموضع [[من قوله: والمعنى: (أنهم يحلون أساور .. إلى هنا) نقلاً عن "الحجة" للفارسي 5/ 268 مع اختلاف يسير. وانظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 73، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 474.]]. وقوله ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ يعني أنهم يلبسون في الجنة ثياب [[في (أ): (لباب)، وهو خطأ.]] الإبريسم [[الإبريسم: نوع من الحرير. "القاموسر المحيط" 4/ 79.]]، وهو الذي حرم لبسه في الدنيا على الرجال. قال رسول الله -ﷺ-: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" [[رواه البخاري كتاب. اللباس، باب: لبس الحرير للرجال 10/ 284، ومسلم كتاب: == اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال .. والحرير على الرجل .. 3/ 1641 - 1642 من حديث ابن الزبير: سمعت عمر يقول: قال النبي -ﷺ- .. فذكره. ورواه البخاري في الموطن السابق ومسلم في الكتاب والباب السابقين 3/ 1645 من حديث أنس رضي الله عنه.]].

الحج 22:24

قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: أرشدوا إلى الطيب من القول. قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله والحمد لله [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 418، والقرطبي 12/ 30، وأبو حيان 6/ 361. وذكره البغوي عنه 5/ 376 بدون قوله الحمد لله. وذكره الرازي 23/ 22 عنه من رواية عطاء: هو قولهم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾.]]. وزاد ابن زيد: والله أكبر [[رواه الطبري 17/ 136، وذكره الثعلبي 3/ 50 أ.]]. وقال السدي: إلى القرآن [[ذكره عنه البغوي 5/ 376، وابن الجوزي 5/ 418. والرازي 23/ 22، وأبو حيان 9/ 361 بنفس عبارة الواحدي. قال أبو حيان 6/ 361: والطيب من القول إن كانت الهداية في الدنيا فهو قول لا إله إلا الله والأقوال الطيبة من الأذكار وغيرها، ويكون الصراط طريق الإسلام، وإن كان إخبارًا عما يقع منهم في الآخرة فهو قولهم (الحمد لله الذي صدقنا وعده) وما أشبه ذلك من محاورة أهل الجنة.]]. ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ إلى الإسلام، وهو دين الله وطريقه [[انظر الطبري 17/ 136، فعلى هذا القول معنى صراط الحميد، أي طريق الله تعالى الذي دعا عباده إليه.]]. والحميد: المحمود في أفعاله [[والحميد: اسم من أسماء الله. واستظهر هذا القول أبو حيان 6/ 361. وقال ابن عطية 10/ 253 - بعد ذكره للقول الأول: ويحتمل أنه يريد بالحميد نفس == الطريق، فأضاف إليه على حد إضافته في قوله تعالى ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: 109]. أهـ.]].

الحج 22:25

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الفراء: رد يفعلون على فعلوا [[أي عطف (يصدون) على (كفروا).]]؛ لأن المعنى: أن الصد منهم كالدائم فاختير له يفعلون، كأنك قلت: إن الذين كفروا [[عند الفراء 2/ 221: إن الذين كفروا [و] من شأنهم الصد. زيادة واو.]] من شأنهم الصد، ومثله قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ [الرعد: 28] قال: وإن شئت [[في (أ): (إن شئت).]] قلت: رد [[(رد): ساقطة من (ظ).]] يفعلون على فعلوا، لأن معناهما كالواحد فلو قيل: إن الذين كفروا وصدوا لم يكن فيه ما يسأل عنه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 220 - 221 مع اختلاف.]]. وهذا معنى قول الكسائي: إن الذين كفروا ويصدون ولم يقل وصدوا وهي هيئة [[(هيئ) ة: مهملة في (ظ)، (د)، (ع).]] يعني أنه بمعنى الماضي. ونحو هذا قال الزجاج: لفظ المستقبل عطف به [[في (ظ)، (د): (به عطف).]] على الماضي، لأن معنى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين هم كافرون، وكأنه قال: إن الكافرين والصادين [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 420.]]. فهؤلاء جعلوا لفظ المستقبل هاهنا بمنزلة الماضي. قال أبو علي: المعنى عندي إن الذين كفروا وصدوا [فلما كان المعطوف عليه ماضيًا بل على أن المراد بالمضارع أيضًا الماضي، ويقوي هذا قوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [محمد: 1]. قال: ويجوز أن يكون المضارع على بأبه كأنه قال: إن الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون مع ما تقدم من كفرهم. والأول كأنه أقوى. والإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه لأنه قال [["الكتاب" 3/ 24.]]: ويقع يفعل في موضع فعل في بعض المواضع وأنشد الشاعر [[في (أ): (وأنشد)، والمثبت من باقي النسخ.]] فقال: ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني [[البيت أنشده سيبويه في "الكتاب" 3/ 24 منسوبًا لرجل مولد من بني سلول، وذلك في "المقاصد النحوية" للعيني 4/ 58 وفيه. وأعف ثم أقول ما ... ، و"تحصيل عين الذهب" للشنتمري 1/ 416. ونسبه الأصمعي في "الأصمعيات" ص 126 لشمر بن عمرو الحنفي، وروايته فيها: (مررت) في موضع (أمر)، ولا شاهد فيهما على هذه الرواية. والبيت بلا نسبة في: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 323، والطبري 2/ 351 وروايته فيه: فمضيت عنه وقلت: لا يعنيني، و"الخصائص" لابن جني 3/ 330. وانظر: "الخزانة" 1/ 357.]] على معنى: ولقد مررت. انتهت الحكاية عن أبي علي [[لم أجده بنصه. وانظر: "الحجة" 3/ 35.]]. وذكرنا هذا وبيانه عند قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: 102] الآية. قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ [قال أبو إسحاق: ﴿جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)]]] وقف التمام، ومعنى {جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} كما قال ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 96] ويكون ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ رفعا على الابتداء والخبر [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 420.]]. وهذا معنى قول الفراء: جعل الفعل -يعني جعلناه- واقعًا على الهاء واللام التي في الناس، ثم استأنف وقال: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. قال: ومن شأنِ العرب أن يستأنفوا بسواء [[في (أ): (السواء)، وهو خطأ.]] إذا جاءت بعد حرف قد تم به الكلام، فيقولون: مررت برجل سواءٌ عنده الخير والشر. والخفض جائز. وإنما اختاروا الرفع لأن سواء بمعنى واحد. ولو قلت: مررت على رجل واحد عنده الخير والشر لرفعت [["معاني القرآن" للفراء 2/ 222. والعبارة الأخيرة فيه: لأن سواء في مذهب واحد، كأنك قلت: مررتُ على رجل واحدُ عند الخير والشر. وليس فيه لرفعت.]]. قال أبو علي: قوله ﴿جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ أي مستقرًا ومنسكًا [[في (أ): (أو منسكا).]] ومتعبدًا. والمعنى على أنه نصبه لهم منسكًا ومتعبدًا [[في (أ): (كررت جملة:، (والمعنى أنه نصب لهم منسكًا ومتعبدًا).]] كما قال ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾، وقوله ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ﴾ رفع على أنه خبر ابتداء مقدم، المعنى: العاكف والبادي فيه سواء. ومن نصب فقال (سواء [[قرأ حفص عن عاصم: (سواء) نصبًا، وقرأ الباقون (سواء) رفعا. "السبعة" ص 435، "التبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157.]]) أعمل المصدر عمل [[في (ظ)، (ع): (على)، وهو خطأ.]] اسم الفاعل فرفع (العاكف) [[في "الحجة" 5/ 271: فرفع (العاكف فيه) كما يرفع.]] [به كما يرفع بمستواه لو قال: مستويًا فيه العاكف والباد. فرفع العاكف] [[ما بين المعقوفين ساقط عن (أ).]] بمستوٍ كذلك يرفعه بسواء. والأكثر الرفع في نحو هذا وأن لا تجعل هذا النحو من المصدر بمنزلة اسم الفاعل في الإعمال. ووجه إعماله أن المصدر قد يقام مُقَام اسم الفاعل في الصفة في نحو: رجل عدل. فيصير عدل كعادل [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 270 - 272. مع اختلاف يسير وتقديم وتأخير وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 423، "إعراب القراءات وعللها" لابن خالويه 2/ 74. وذكر مكي بن أبي طالب وأبو شامة وجهاً آخر في قراءة النصب، قال أبو شامة: ويجوز أن يكون حالاً من الهاء في (جعلناه)، و (للناس) هو المفعول الثاني، أي جعلناه لهم في حال استواء العاكف والبادي فيه. "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 2/ 118، "إبراز المعاني" لأبي شامة ص 604.]]. قال المفسرون في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ خلقناه وبنيناه [[هكذا في جميع النسخ. وفي "الكشف والبيان" للثعلبي (جـ 3 ل 50 أ) المنقول منه النص، و"البسيط" 3/ 265: بنيناه.]] للناس كلهم لم يخص به منهم بعضا دون بعض [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 50 أ، وانظر الطبري17/ 137.]]. ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قال ابن عباس: يريد الحاضر، والبادي: الذي يأتيه من البلاد، هم فيه سواء [[روى ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 24 من ابن عباس (العاكف) أهل مكة (والباد) من كان من غير أهلها.]]. وقال سفيان: العاكف فيه: المقيم، والبادي: الذي ينتابه [[انظر: "المحرر" لابن عطية 10/ 256 عن سفيان الثوري.]]. [وقال قتادة: العاكف: أهله، والبادي: غيرهم [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34، والطبري 17/ 137.]]. وقال السدي: العاكف المقيم فيه من أهل البلد، والبادي الذي ينتابه] [[ما بين المعقوفبن ساقط من (ظ).]] من غير أهله. وقال عطاء: العاكف أهل مكة، والبادي من أتاه من أرض غربة [[رواه الطبري 17/ 138 بمعناه.]] وقال الفراء: العاكف من كان من أهل مكة، والبادي من نزع إليه بحج أو عمرة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 221.]]. وقال الزجاج: العاكف المقيم بها، والبادي النازع إليها من أي بلد كان [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 421.]]. وقال ابن قتيبة: البادي الطارئ من البدو [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 291.]]. ومعنى البادي: النازع إليه من غربة. من قولهم: قد بدا القوم إذا خرجوا من الحضر إلى الصحراء والمسافر باد وهو خلاف الحاضر [[انظر: "لسان العرب" 14/ 67 (بدا).]]. واختلفوا في أن العاكف والباد في إيش [[غير منقوطة في (أ). ومعنى إيشٍ: أي شيء.]] يستويان؟. فذهب [[في (ظ): (فذكر).]] الأكثرون إلى أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس أحدهما بأحق بالمنزل يكون فيه من الآخر. وقال عبد الرحمن بن سابط: العاكف فيه ومن يجيء من الحجاج والمعتمرين سواء في المنازل غير أن لا يخرج أحد من بيته [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 79 - 80، ورواه الطبري 17/ 137 بنحوه.]]. وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وابن زيد، وأبي صالح [[روى الطبري 17/ 137 هذا القول عن هؤلاء جميعًا. وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 50 أعنهم سوى قتادة.]]. ومن مذهب هؤلاء: أن كراء دور مكة وبيعها حرام لقوله تعالى ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ فجعل الطارئ كالمقيم فيه فليس أحد أحق بمنزلة من أحد إلا أن يكون سبق إلى منزل. قال أبو علي: واستواء العاكف والبادي فيه دلالة على أن [[أن: ساقطة من (ظ)، (د).]] أرض الحرم لا تملك، ولو ملكت لم يستويا فيه وصار العاكف فيها [[في (ظ): (فيه).]] أولى بها من البادي لحق ملكه، ولكن سبيلها كسبيل المساجد الذي من سبق إليها كان أولى [بالمكان لسبقه، وسبيل المباح الذي من سبق إليه كان أولى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] به [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 271.]]. وهذا مذهب ابن عمر، قال: سواء أكلت مُحرّمًا أو كراء دار مكة [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" (جـ3ل 50أ)]]. وعلى قول هؤلاء المسجد الحرام في هذه الآية معناه الحرم كله كقوله: ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: 1] وقد مر. وقال آخرون [[في (ظ): (وقال آخرون) مكررة مرتين.]]: معنى ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ في تفضيله وتعظيم حرمته وإقامة المناسك به [[(به): ساقطة من (أ).]]. وهو مذهب مجاهد [[رواه الطبري 10/ 137 - 138.]] والحسن [[لم أقف عليه.]]، وقول من أجاز بيع [[بيع: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] دور مكة. وعلى قول هؤلاء المراد بالمسجد الحرام عين المسجد الذي يصلي فيه اليوم. قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: فظاهر القرآن يدل على أن المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك وقضاء الصلاة، وكان المشركون يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام والطواف فيه، ويدعون أنهم أربابه وولاته [[في (أ): (وولاه).]]، وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 19] الآية. فأما المنازل فلم تزل [[في (ط)، (د)، (ع): (يزل غير منقوط أوله.]] لأهل مكة الدور والمساكن، غير أن المواساة تجب في أيام الموسم. وجرت في هذه المسألة مناظرة بين الشافعي وإسحاق الحنظلي -رحمهما الله- بمكة [[انظر خبر هذه المناظرة مفصلًا في: "آداب الشافعي ومناقبه" لابن أبي حاتم ص 180 - 181، "مناقب الشافعي" للبيهقي 1/ 213 - 215، "طبقات الشافعية" للسبكي 2/ 89 - 90.]]، وكان إسحاق [[في (ظ)، (د): (أبو إسحاق)، وهو خطأ.]] لا يرخص في كراء بيوت مكة، فاحتج الشافعي عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: 40] فنسب الديار إلى مالكيها، وقال النبي -ﷺ- يوم فتح مكة: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 292، ومسلم في "صحيحه" كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة 3/ 1408 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وقال -ﷺ-: "وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟ " [[رواه البخاري كتاب: الحج، باب: توريث دور مكة وبيعها وشرائها 3/ 450، ومسلم كتاب: الحج، باب: النزول بمكة للحاج وتوريث دورها 2/ 984 من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. والربع: الدار. الصحاح للجوهري 3/ 1211 (ربع).]]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جميع أهل المعاني قالوا في (بإلحاد) زيادة [[قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1276: تكلم الناس في دخول الباء (هاهنا)، فمنهم من قال: إنها زائدة. وهذا مما لا يحتاج إليه في سبيل العربية؛ لأن حمل المعنى على الفعل أولى من حمله على الحرف، فيقال المعنى: ومن يهم فيه بميل يكون ذلك الميل ظلمًا؛ لأن الإلحاد هو الميل في اللغة، إلا أنه قد صار في عرف الشريعة ميلا مذمومًا، فرفع الله الإشكال، وبين أن الميل بالظلم هو المراد هنا. وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 363 - بعد ذكره لقول من قال إن الباء زائدة: والأولى أن تُضَمَّن (يرد) معنى (يتلبس) فيتعدى بالباء. وقال ابن كثير 3/ 214: والأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى (يهم)، ولذا عداه بالباء فقال (ومن يرد فيه بإلحاد) أي يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار (بظلم) أي عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأول.]]، معناه: ومن يُرِدْ فيه إلحادًا بظلم، وهو قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 223.]]، والأخفش [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 636.]]، والمبرد [[في نسبة هذا القول للمبرد والزجاج لظر. فإن أبا جعفر النحاس في كتابه "معاني القرآن" 4/ 395 بعد أن حكى عن الأخفش القول بأن الباء زائدة قال: وهذا عند أبي العباس خطأ؛ لأنه لا يزاد شيء لغير == معنى. والقول عنده أن يريد ما يدل على الإرادة، فالمعنى: ومن إرادته بأن يلحد بظلم كما قال الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تَمثّلُ لي ليلى بكل سبيل وأما الزجاج فقد قال في كتابه "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 421. وقال أهل اللغة إن معنى الباء الطرح. المعنى: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم وأنشدوا: ثم ذكر الزجاج بيتين من الشعر. ثم قال: والذي يذهب إليه أصحابنا أن الباء ليست بملغاة، المعنى عندهم: ومن إرادته فيه بأن يلحد بلظم، وهو مثل قوله: أريد لأنسى ذكرها. البيت.]]، والزجاج [[المرجع السابق.]]. قال الفراء: سمعت أعرابيًّا من ربيعة [[ربيعة اسم لقبائل كثيرة. ولم يتميز لي المراد بهاهنا. انظر: "اللباب" لابن الأثير 2/ 15 - 16، "معجم قبائل العرب" لكحالة 2/ 420 - 426.]] -وسألته عن شيء- فقال: أرجو بذاك [[في جميع النسخ: بذلك. وأثبتنا ما في كتاب الفراء 2/ 223.]]. يريد أرجو ذاك [[في (ظ)، (د)، (ع): (بذلك)، وهو خطأ.]] قال: ودخلت الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ لأن تأويله: ومن يرد بأن [[في (ظ): (أن).]] يلحد فيه. ودخول الباء في (أن) أسهل منه في الإلحاد؛ لأن (أن) تُضمر [[في (د)، (ع): (يضم)، وهو خطأ.]] الخافض [[عند الفراء في "المعاني" 2/ 223: "الخوافض" وكذا الطبري 17/ 139 حيث نقل نص الفراء من غير تصريح باسمه.]] معها كثيرًا، فاجتمعت [[عند الفراء في "المعاني": فاحتملت، وكذا الطبري 17/ 139 حيث نقل نص الفراء من غير تصريح باسمه.]] [دخول الخافض وخروجه؛ لأن الإعراب لا يتبين فيها وقل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] دخولها في المصادر لتبين الإعراب [[عن الفراء في "المعاني": لتبين الخفض والرفع فيها.]] فيها وأنشد [[في (أ) قلا دة: (الشاعر)، بعد قوله: وأنشد. والأولى حذفها.]]: ألا هل أتاها والحوادث جَمَّة ... بأنَّ أمرأ القيس بن تَمْلِك بيقرا [[البيت أنشده الفراء2/ 222 لامرئ القيس، وهو في "ديوانه" 392 من رواية السكري وغيره، والطبري 17/ 139، و"الصحاح" للجوهري 2/ 595 (بقر)، "لسان العرب" 4/ 75 (بقر)، و"خزانة الأدب" 9/ 524 - 527. وهذا البيت من قصيدة طويلة قالها بعد أن ذهب إلى الروم مستنجدًا بقيصر للأخذ بثأر أبيه. قال البغدادي في "الخزانة" 9/ 526. قوله: (ألا هل أتاها) الضمير لحبيبته، وقوله (والحوادث جمة) أي كثيرة، جملة اعتراضية بين الفعل وفاعله ... ، وفائدة الاعتراض: الإخبار بأن هجرته عن بلاده حادئة من الحوادث، والعرب تتمدح بالإقامة في البدو .. و"تملك" -بفتح المثناة الفوقية: اسم امرأة. فمنهم يعني من الشراح- من قال: أمه تَمْلك، ومنهم من قال جدته، ويحتمل أن تكون جدته من قبل أمه أو أمهاتها. والله أعلم. أهـ و (بيقرا): (قيل: بَيْقَرا لرجل بيقرة، إذا هاجر من أرض إلى أرض، وقيل: بَيْقر الرجل أقام بالحضر وترك قومه بالبادية. وقيل: بيقر الرجل إذا خرج من الشام إلى العراق. "الصحاح" للجوهري 2/ 595، "لسان العرب" 4/ 75.]] فأدخل الباء على (أن) وهي في موضع رفع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 222 - 223.]]. وقال المبرد: قال آخرون: إنما يحمل هذا على مصدره. والمعنى: من كانت إرادته واقعة بالإلحاد [[في (ظ)، (د)، (ع): (على الإلحاد).]]، فدخلت الباء للمصدر. وأنشد الزجاج [[البيت أنشده الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 421 من غير نسبة، وهو بتمامه: أريد لأنسى ذكرها فكأنَّما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل وهو في "ديوان كثير" ص 108، "الكامل" للمبرد 3/ 97، و"أمالي القالي" 2/ 63، "لسان العرب" 3/ 188 (رود)، و"المقاصد النحوية" للعيني 2/ 249، و"خزانة الأدب" 10/ 329.]] على هذا المذهب قول كثير: أُريد لأنْسى ذكرها ... البيت قال: والمعنى: إرادتي لهذا، ومعنى الإلحاد في اللغة: العدول عن القصد [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 421.]]. وذكرنا ذلك في سورة النحل [[عند قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: 103].]]. واختلفوا في المراد بالإلحاد بالظلم المتوعد عليه بالعذاب الأليم: فقال مجاهد وقتادة: هو الشرك وعبادة غير الله [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 50 ب عنهما. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34، والطبري 17/ 140 عن قتادة.]]. وهو قول عطاء [[رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 155 ب) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عنه قال: القتل والشرك. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 29 وعزاه لسعيد وعبد ابن حميد وابن المنذر. وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 394: وروى هشيم، عن الحجاج، عن عطاء (ومن يرد فيه بإلحاد) قال: من عبد غير الله عز وجل. وقد تقدم أن الرواية عن عطاء هي من طريقه. وجاء عنه تفسير آخر، فروى الطبري 17/ 141 عنه قال: هم المحتكرون الطعام بمكة.]]، وهو قول حبيب بن أبي ثابت، والكلبي. وذكر هو سبب نزوله قال [[في (ظ): (وقال).]]: نزل في عبد الله بن خطل [[هو: عبد الله بن هلال بن خطل، وقيل: غالب بن هلال بن خطل، اسم خطل:== عبد بن مناف، من بني تيم بن فهو بن غالب، كان اسمه عبد العُزى فأسلم فسمي عبد الله، ثم أن النبي -ﷺ- بعثه مصدقا، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان له مولى مسلم فغضب عليه غضبة، فقتله، ثم ارتد مشركا، وكان له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله -ﷺ- والمسلمين، فلهذا أهدر النبي -ﷺ- دمه فقتل وهو معلق بأستار الكعبة يوم فتح مكة، واشترك في قتله أبو برزة الأسلمي وسعيد بن حريث المخزومي. "السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 29، "الكامل في التاريخ" لابن الأثير 2/ 169، "البداية والنهاية" 4/ 297، "فتح الباري" لابن حجر 4/ 61.]] حين قتل الأنصاري، وارتد وهرب إلى مكة [[المصادر السابقة.]]، فنزل فيه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ يعني يميل عن الإسلام، ثم يظلم، فيدخل الحرم بشرك [[ذكره الرازي 23/ 25 عن مقاتل. وقد روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 215 من طريق ابن لهيعة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في قوله (ومن يرد فيه بإلحاد): (نزلت في عبد الله بن أنيس أن رسول الله -ﷺ- بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، ثم هرب إلى مكة، فنزلت فيه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. وسنده ضعيف، لضعف ابن لهيعة.]]. وقال آخرون: هو كل شيء كان منهيا عنه، حتى قال ابن مسعود: لو أن رجلًا بـ (عدن أبين) [[في (أ): (بعدان أيبن)، وهو خطأ. و (عدن أبين) مدينة مشهورة على ساحل بحر اليمن، ويقال لها (عدن أبين) للتمييز بينها وبين (عدن لاعة) في بلاد حجة باليمن. انظر: "معجم البلدان" لياقوت 6/ 126 - 127، "مراصد الاطلاع" للبغدادي 2/ 923، "معجم المدن والقبائل اليمنية" للمقحفي ص 279.]] همَّ أن [[(أن): ساقطة من (ج)، (د)، (ع).]] يعمل بسيئة عند البيت أذاقه الله عذابًا أليما [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 65 - 66 وإسحاق بن راهويه في "مسند == كما في "المطالب العالية" لابن حجر ص 515، و"إتحاف المهرة" للبوصيري (جـ 3 ل 90 ب)، والبزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" للهيثمي 3/ 60، والطبري في "تفسيره" 17/ 141، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 214 - 215، والحاكم في "مستدركه" 2/ 387 - 388. قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 215 - بعد أن ذكر سند ابن أبي حاتم ورواية الإمام أحمد: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 70: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح. وقال ابن حجر في "المطالب العالية" 3/ 352 والمسندة ص 515: (قوي الإسناد). وقال البوصيري في "إتحاف المهرة" 3/ 90 ب بعد ذكره لرواية إسحاق: هذا إسناد موقوف صحيح.]]. وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى، فتكتب عليه ولم يعلمها [[رواه الطبري 17/ 141، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 29 وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر.]]. وهذا قول السدي [[انظر الطبري 17/ 140 - 141.]]، وابن زيد [[في الطبري 17/ 141 عنه قال: الإلحاد: الظلم في الحرم.]]، ومجاهد في رواية عثمان بن الأسود [[روى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34 عن الثوري، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 55 ب) عن ابن المبارك كلاهما يعني الثوري وابن المبارك عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: بيع الطعام بمكة إلحاد. ورواه سعيد بن منصورل 55 ب عن إسماعيل بن زكريا عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد، وليس الجالب كالمقيم.]]. وقال ابن عباس: هو استحلال ما حرم الله [[رواه الطبري 17/ 140 عنه من رواية العوفي.]]. وهذا قول ابن جريج [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 50]]. وقال في رواية عطاء: هو قتل ما نهى الله عنه من الصيد، ودخول مكة بغير إحرام، وأخذ حمام مكة، وأشياء كثيرة لا يجوز للمحرم أن يفعلها [[في (ظ)، (د)، (ع): (لا يجوز أن يفعلها المحرم).]]. وعلى هذا القول هذا الإلحاد والظلم يختص باستحلال محظورات الإحرام وركوبها [[قال الطبري 17/ 141: وأولى الأقوال: التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس من أنه معني بالظلم في هذا الموضع: كل معصية لله، وذلك لأن الله عم بقوله (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) ولم يُخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه. وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 394: وأبين ما قيل فيه أن معنى (بإلحاد بظلم) لكل معصية؛ لأن الآية عامة. وقال أبو حيان في "البحر" 6/ 363 - بعد ذكره للأقوال: والأولى حمل هذه الأقوال على التمثيل لا على الحصر، إذ الكلام يدل على العموم. وقال ابن كثير 3/ 215: وهذا الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها.]]. وقوله ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال أبو إسحاق [[(إسحاق): مكان بياض في (أ). ثم (أ) بعد ذلك (وعلى هذا القول) وقد ضرب عليه الناسخ، لأنه مكرر بسبب إنتقال نظره إلى السطر الذي قبله.]]: هو خبر (إن) للمذكور في أول الآية. قال: والمعنى أن الكافرين والملحدين [[(والملحدين): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] في المسجد الحرام نذيقهم [[عند الزجاج: (نُذقُهم).]] من عذاب أليم. قال: ويجوز أن يكون محذوفا فيكون المعنى: إن الذين هذه صفتهم هلكوا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 420 مع تصرف يسير.]]. والعرب ربما تحذف الخبر إيجازا واختصارا كما روي أن النبي -ﷺ- رأى عبد الله بن عمر، فقال: "إن عبد الله" [[رواه الطبراني كما في "مجمع الزوائد" 9/ 246 عن مجاهد قال: شهد ابن عمر -رحمه الله- الفتح: وهو ابن عشرين ومعه فرس حرور ورمح ثقيل فذهب ابن عمي يختلي لفرسه فقال رسول الله -ﷺ-: "إن عبد الله". قال الهيثمي في "المجمع" 9/ 246: ورجاله رجال الصحيح إلا أن مجاهدًا أرسله. تنبيه: وقع في المطبوع من "مجمع الزوائد": (إن عبد الله رجل صالح) ولفظ (رجل صالح) زادها المعلق على المجمع كما نبه هو على ذلك في الحاشية حيث قال: (رجل صالح) مستدركة من "شذرات الذهب". وهذا خطأ من المعلق، فإن حديث (إن عبد الله رجل صالح) بزيادة (رجل صالح) حديث آخر رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: التعبير، باب: الاستبرق ودخول الجنة في المنام 12/ 403 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت في المنام كأن في يدي سرقة من حرير، لا أهوي بها إلى مكان في الجنة إلا طارت بي إليه، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي -ﷺ- فقال: (إن أخاك رجل صالح)، أو قال: (إن عبد الله رجل صالح) أهـ.]]. ولم يزد على هذا كأنه أراد: إن عبد الله رجل صالح، أو ما أشبهه. قال أبو إسحاق: والأول الوجه [[في (أ): (أوجه)، وهو خطأ.]] [["معاني القرآن" للز جاج 3/ 420.]].

الحج 22:26

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الكلام في (بوأنا) قد سبق في مواضع منها قوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 121] وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: 93]. وقوله ﴿لِإِبْرَاهِيمَ﴾ أدخل اللام ولم يدخلها في ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [[في (أ): (بوأنا بني إسرائيل).]]. وذكر الفراء فيه وجهين: أحدهما: أن اللام دخلت [[في (أ) زيادة: (على) بعد قوله (دخلت)، ولا معنى لها.]]؛ لأن المعنى: جعلنا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 223.]] [وكذلك [[في (أ): (ولذلك)، وهو خطأ.]] فسره ابن عباس [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 أ.]]. قال أبو إسحاق: جعلنا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] مكان البيت مُبوَأً لإبراهيم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 422.]]. وقال مقاتل بن حيان: هيأنا [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 أ.]]. وعلى هذا اللام من صلة معنى (بوأنا) لا من صلة لفظه [[في (ظ)، (د)، (ع): (لفظ).]]. الوجه الثاني [[(الثاني): ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]]: أن اللام صلة للتأكيد كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 223، وفيه: وإن شئت كان بمنزلة قوله: (قل عسى أن يكون ردف لكم) معناه: ردفكم.]]. وقال بعض أهل اللغة: تفسير ﴿بَوَّأْنَا﴾ هاهنا: بيّنا له مكان البيت، يدل على هذا ما ذكره السدي: أن الله لما أمره ببناء البيت لم يدر أين يبنى، فبعث الله ريحا خجوجا [[عند الطبري: يقال لها ريح الخجوج. والخجوج: هي الريح الشديدة المرأ والملتوية في هبوبها. "القاموس المحيط" 1/ 184.]]، فكنست له ما حول الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه قبل أن رفع [[في جميع النسخ: (رفع)، وفي "الوسيط" 2/ 266: يرفع.]] أيام الطوفان [[رواه الطبري 17/ 143 عنه دون قوله: الذي مكان البيت .. الطوفان. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 31 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل. والله أعلم بصحة ذلك فهو من الإسرائيليات.]]. وقال الكلبي: بعث الله سحابة على قدر البيت في العرض والطول فيها رأسٌ يتكلم له لسان وعينان، فقامت بحيال [[بحيال: أي بإزاء. "الصحاح" للجوهري 4/ 1679 (حيل).]] البيت، وقالت: يا إبراهيم ابن علي قدري. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [[انظر: "الدر المنثور" 6/ 30. والله أعلم بصحة ذلك.]]. وقال بعض أهل المعاني: ﴿بَوَّأْنَا﴾ أصله من (باء) إذا رجع [[ذكرهذا المعنى الطوسي في "التبيان" 7/ 274، والجشمي في "التهذيب" 6/ 173 من غير نسبة لأحد.]]، وتفسير ﴿بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ جعلنا مكان البيت له مبوأ يرجع إليه بعلامة، [وتلك العلامة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] ما ذكره السدي والكلبي. قوله تعالى ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [قال الكلبي: لما فرغ إبراهيم من البيت، وطاف به أسبوعًا، أوحى الله إليه: أن يا إبراهيم لا تشرك بي شيئًا] [[ساقط من (ظ).]]. وعلى هذا في الكلام محذوف وهو: وأوحينا إليه، أو: وعهدنا إليه. ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي لا تعبد معي غيري. قال ابن عباس: وفي هذا رد على مشركي مكة؛ لأنهم كانوا يَدّعون أنهم [[(أنهم): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] على دين إبراهيم، فأخبر الله تعالى أنهم قد كَذَبُوا؛ لأن إبراهيم كان موحدًا قد أوحى [[في (ظ): (وأوحي).]] إليه: أن لا تشرك باللهِ شيئًا. وقال المبرد: معنى لا تشرك باللهِ شيئًا: وحد الله كأنه قيل له [[(له): ساقطة من (أ).]]: وحدني في هذا البيت. قوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قال قتادة: من الشرك وعبادة الأوثان [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34، والطبري 17/ 143.]]. وقال عبيد بين عمير: من الآفات والريب [[رواه الطبري 17/ 143.]]. وهذا مما سبق تفسيره في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: 125].]]. قوله: ﴿وَالْقَائِمِين﴾ يعني: المصلين [[في (ظ): (والمصلين).]] الذين هم قيام في صلاتهم.

الحج 22:27

قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ معنى التأذين: النداء والتصويت للإعلام [[انظر: (أذن) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 17 - 18، "الصحاح" للجوهري 5/ 2068، "لسان العرب" 13/ 9، 12.]] وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 44] وقوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ [يوسف: 70] وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 3]. قال جماعة المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن [[في (أ): (فأذن).]] في الناس بالحج. قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. فصعد إبراهيم على أبي قبيس والمقام معه، ثم صاح: يا أيها الناس إن الله يدعوكم إلى حج بيته الحرام، ليثيبكم به الجنة ويجيركم [[في (ظ): (يخرجكم)، وهو خطأ.]] من عذاب النار. نادى ما شاء الله من ذلك، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك. من [[في (ظ): (فمن).]] أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة، إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين على قدر ذلك. فذلك [[(فذلك): ساقطة من (أ).]] قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [[ذكر نحو هذا ابن كثير في "تفسيره" 3/ 216 ثم قال: هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف والله أعلم. أهـ. وانظر الطبري 17/ 144 - 145، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 51 أ، و"الدر المنثور" للسيوطي 6/ 32 - 35.]]. هذا الذي ذكرنا هو [[(هو): ساقطة من (ط).]] قول جماعة المفسرين إلا الحسن، فإنه قال: هذا الأمر بالتاذين للنبي -ﷺ- أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع، ففعل ذلك حيث قال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 أوصدره بقوله: وزعم الحسن. أهـ. وهذا القول المروي عن الحسن خلاف الظاهر.]]. وإنما قال: ﴿يَأْتُوكَ﴾ [[(رجالا): في (أ): (يأتوك رجالا).]] وإن كانوا يأتون الكعبة، لأن المنادي كان إبراهيم فمن أتى الكعبة حاجًا فكأنه قد أتى إبراهيم عليه السلام، لأنه مجيب نداه. وفيه أيضا تشريف لإبراهيم حين خوطب بالإتيان. ورجال: جمع راجل، مثل: صَاحِب وصِحَاب، وقَائِم [[وقائم: ساقطة من (أ).]] وقِيَام [[من قوله: (ورجال) إلى هنا منقول عن "معاني القرآن" للزجاج 3/ 422 بنصه.]]. وبُدئ بذكرهم تشريفًا لهم لزيادة تعبهم. وقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: وركبانًا. والضمور: الهزال، ومثله الضُّمْرُ [[الضُّمْر: بالضم وبضمتين. و (ضمر) كنصر وكرم. قال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 2/ 76 (ضمر).]]، ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا [["تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 36 مادة (ضمر) نقلا عن الليث.]]. قال ابن عباس: يريد الإبل وغيره [[رواه الطبري 17/ 146 دون قوله (وغيره).]]. قال الكلبي: لا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلا وقد ضمر. وقوله ﴿يَأْتِينَ﴾ جمع الفعل لمعنى [[في (ظ): (بمعنى).]] كل، ولو قال يأتي على اللفظ صح [[صح: ساقطة من (أ).]]. قوله ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: طريق بعيد. قاله الجميع [[انظر الطبري 17/ 146، وابن كثير 3/ 216، و"الدر المنثور" 6/ 36.]]. وذكرنا الكلام في الفج عند قوله: ميه ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: 31]. والعميق: البعيد. قال الليث: الفج: المضرب البعيد [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 290 (عمق) نقلا عن الليث. وانظر: "العين" 1/ 186 - 187 (عمق)، (معق).]]. وقال غيره [[القائل: وقال غيره. هو الأزهري انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 295.]]: هو الشعب الواسع بين جبلين. قال [[يعني الليث كما في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 290 (عمق)، انظر: "العين" 1/ 186 - 187.]]: ويقال: مَعِيق وعَميق، العميق في الطريق أكثر. قال الفراء لغة أهل الحجاز عميق، وبنو تميم تقول [[تقول: ساقطة من (ظ).]]: معيق [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 295 (عمق)، وليس هذا النص موجودًا في معاني الفراء انظر 2/ 224.]]. وتقول العرب [[في (ظ)، (د)، (ع): (والعرب تقول).]]: بئر عميقة ومعيقة، [وقد] [[زيادة من "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 290.]] أعمقتها وأمعقتها، وقد عمُقَت ومَعُقَت مَعَاقَةَ، وإنها لبعيدة العَمْق والمَعْق [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 290 (عمق) غير منسوب لأحد.]]. والأمْعَاق والأعْمَاق: أطراف المفازة البعيدة [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 290 (عمق) منسوبًا لليث. وهو في كتاب "العين" 1/ 187 (عمق) مع اختلاف يسير، ومعه بيت رؤية كاملا منسوبا إليه.]]. قال رؤبة [[هذا شطر من أرجوزة لرؤبة في وصف مفازة، وهو في ديوانه ص 104، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 380، والطبري 15/ 88، و"تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 290 (عمق)، و"اللسان" 10/ 271 (عمق)، "خزانة الأدب" 10/ 25 - 26. قال البغدادي في "الخزانة" 10/ 25، 1/ 81: (وقاتم) مجرور بـ (رب) المحذوفة بعد الواو. وهو صفة لموصوف محذوف، أي: رب بلد قاتم. قال الأصمعي: القُتْمةُ: الغبُرة. وأسود قاتم أي رب بلد مُغْبَرّ. والأعمال: جمع عمق بفتح العين وضمها، وهو ما بعد من أطراف المفاوز. والخاوي: الخالي. و"المخترق" بفتح الراء: مكان الاختراق، من الخرق وهو الشق، استعمل في قطع المفازة.]]: وقاتم الأعماق خاوي المخترق

الحج 22:28

قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ أي: ليحضروا مشاهد مكة ومشاعرها. يعني: الناس الذين ذكروا في قوله ﴿يَأْتُوكَ﴾. قولى: ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس في رواية أبي رزين: هي الأسواق [[ذكره الثعلبي 3/ 51 أعنه من رواية أبي رزين. ورواه الطبري 17/ 146 عنه من رواية أبي رزين. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 37 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.]]. وهو قول سعيد بن جبير والسدي: يعني التجارة [[ذكره عن سعيد الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 ب، ورواه عنه الطبري 17/ 146. وذكره عن السدي ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 424.]]. واختيار ابن قتيبة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 292.]]. وعلى هذا المنافع تختص بمنافع الدنيا. وقال في رواية عطاء: منافع لهم في الدنيا والآخرة [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 37 عنه، وذكره ابن كثير 3/ 216 عنه رضي الله عنه ولم يبين من رواه عنه.]]. وهو قول مجاهد: يعني التجارة، وما يرضي الله سبحانه من عمل الدنيا والآخرة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 36، والطبري 17/ 147.]]. والمنافع على هذا القول شائعة في الأجر والتجارة [[قال ابن الجوزي 5/ 425: وهو أصح.]]. وقال العوفي، وسعيد بن المسيب، والباقر [[في (أ): (النامر).]]: هي العفو والمغفرة [[ذكره عنهم جميعًا الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 ب. وعن الباقر رواه الطبري 17/ 147.]]. فخصوا المنافع بمنافع الآخرة. وهذا القول اختيار أبي إسحاق، قال: ليشهدوا ما ندبهم الله إليه مما فيه النفع لهم في آخرتهم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 423 قال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 17/ 147: وأولى الأقوال بالصواب: قول من قال: عني بذلك ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة، وذلك أن الله عم لهم منافع جميع ما يشهد له الموسم ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة ولم يخصص من ذلك شيئا من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت.]]. قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أيام الحج، وهي يوم عرفة والنحر وأيام التشريق [[ذكره عن ابن عباس من رواية عطاء البغوي في "تفسيره" 5/ 378. وذكره الرازي 23/ 29 عنه من رواية عطاء لكن ليس فيها ذكر يوم عرفة. وهذه الرواية التي ذكرها الواحدي هنا عن ابن عباس ضعيفة. وقد جاء عن ابن عباس روايات في المراد بالأيام المعلومات أصحها أن الأيام المعلومات هي أيام العشر. رواه البخاري عنه تعليقًا بصيغة الجزم كتاب: العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق 2/ 457، ووصله ابن حجر في "الفتح" 2/ 458، و"تغليق التعليق" 2/ 377 من رواية عبد بن حميد في "تفسيره" من طريق عمرو بن دينار: سمعت ابن عباس -وفيه: والأيام المعلومات أيام العشر. ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" 5/ 228 من طريق هُشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: المعلومات: العشر. وإسناده صحيح. وذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 216 من رواية شعبة وهشيم، عن أبي بشر، عن== سعيد عن ابن عباس. وذكر هذا القول عن ابن عباس السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 562 فقال: وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والمروزي في العيدين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "الشعب والضياء" في "المختاره" من طرق، عن ابن عباس قال: الأيام المعلومات أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق.]]. وهذا القول اختيار أبي إسحاق [[اختار أبو إسحاق الزجاج في كتابه "معاني القرآن" 3/ 423 أن الأيام المعلومات هي يوم النحر والأيام التي بعده ينحر فيها -قال: لأن الذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله: (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام). فلم يذكر الزجاج يوم عرفة؛ لأن يوم عرفة ليس من أيام النحر، فقول الواحدي: وهذا القول -يعني قول ابن عباس في رواية عطاء- اختيار أبي إسحاق. خطأ.]]. وقال الحسن وقتادة: الأيام المعلومات أيام عشر ذي الحجة، والمعدودات أيام التشريق [[رواه عن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 37، والطبري 17/ 148. وذكره عن الحسن الزمخشري 3/ 11، وابن الجوزي 5/ 425، وابن كثير 3/ 216. وهذا القول هو أصح الروايات عن ابن عباس كما قدمنا. وهو قول أكثر المفسرين كما قال الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 ب. وقال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 216 - بعد ذكره هذا القول عن ابن عباس: وروى مثله عن أبي موسى الأشعري، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، وسعيد بن حبير، والحسن والضحاك، وعطاء الخراساني، وإبراهيم النخعي، وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل. أهـ.]]. وإنما قيل لهذه معدودات لأنها قليلة، وقيل لتلك معلومات للحرص على علمها [[في (أ): (عملها)، وهو خطأ.]] بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها [[هذا قول الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" (جـ 3 ل 51 ب).]]. وقال مقاتل: المعلومات: أيام التشريق [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 51 ب.]]. وهذا قول القرظي، لأنه جعل المعدودات والمعلومات واحدة [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 ب.]]. والاختيار قول ابن عباس. قال أبو إسحاق: لأن الذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 423.]]. [يعني أن هذه الأيام يجب أن تختص بأيام الذبح، لأن قوله ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] المراد به التسمية عند الذبح. قال قتادة: كان [[(كان): ساقطة من (أ).]] يقال: إذا ذبحت نسيكتك فقل: بسم الله والله أكبر، اللهم منك عن فلان [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 37 وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.]]. ونحو هذا ذكر الكلبي. وأول وقت الذبح يوم النحر إذا طلعت الشمس، ومضى من اليوم مقدار صلاة رسول الله -ﷺ-، فمن ذبح قبل هذا لم يحتسب من الضحايا، وآخر أيام الذبح إذا غربت الشمس يوم الثالث عشر، فهي أربعة أيام، والليالي في خلال هذه الأيام وقت [[في (ظ): (للذبح).]] ذبح [[انظر: "الأم" 2/ 187، "الحاوي الكبير" للماوردي 4/ 378، "المغني" لابن قدامة 5/ 300 - 301، "روضة الطالبين" للنووي 3/ 199 - 200، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 42 - 44.]]. ومن فسر المعلومات بالعشر من ذي الحجة قال: لما كان يقع هذا النوع من الذكر في آخر يوم منها جاز أن يوصف الذكر بأنه فيها كلها، لأن هذا اليوم وهو اليوم العاشر من جملة العشر فالذكر واقع في العشر، والعشر ليس تخلو من هذا الذكر. قوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ أي: على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام. قال ابن عباس: يريد البدن من الإبل والبقر والضأن والمعز، كل ذلك يريدون بها الله سبحانه وتعالى. و ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ هي الأنعام، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في أول سورة المائدة. وفي هذا دليل على أن الضحايا والهدايا مختصة بالأنعام، وتفسيرها ما ذكره ابن عباس، وذكرناه في مواضع [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196].]]. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: أجاز الله تعالى الأكل مما أهديت، وأما الكفارة فلا يأكل منها أصحابُها. قال أبو إسحاق: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ليس بأمر لازم، من شاء أكل من أضحيته ومن شاء لم يأكل، وإنما هو إباحة كما قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]، وإنما قال ﴿فَاصْطَادُوا﴾ لأنه قد كان حظر عليهم الصيد وهم محرمون، فأباح لهم الصيد، وكذلك هذا الأمر هاهنا بعد حظرهم كان [[كان: ليست عند الزجاج، وهي في جميع النسخ.]] على أنفسهم أكل الأضاحي، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا لم يستحلوا أن يأكلوا من نسائكهم شيئًا، فأعلم الله عز وجل أن ذلك جائز [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 423.]]. هذا معنى قول ابن عباس: أجاز الله الأكل بما أهديت. وقوله [[يعني ابن عباس.]] (أما الكفارة فلا يأكل منها أصحابها): كل هدي كان صاحبه متطوعًا به جاز له الأكل، فأما إذا كان كفارة وجبرانًا لنقصان نسك أو ترك نسك، فلا يجوز له أن يأكل منه، وذلك مثل دم القرآن والتمتع [[هذا مذهب الشافعي. وذهب جمهور العلماء إلى جواز الأكل من دم القرآن والتمتع، لأن النبي -ﷺ- أكل من هديه وكان قارنًا، وأزواج النبي -ﷺ- تمتعن معه في حجة الوداع، وأدخلت عائشة الحج على العمرة فصارت قارنة، ثم ذبح عنهن النبي -ﷺ- البقرة، فأكلن من لحمها. انظر تفصيل ذلك في: "صحيح البخاري" كتاب: الحج، باب: ما يأكل من البدن 3/ 557 - 558، "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 236، "المغني" لابن قدامة 5/ 444 - 446.]]؛ لأنه وجب بترك أحد الميقاتين، وكذلك دم الإساءة لأنه وجب بسبب مجاوزة الميقات وكذلك دما [[في (ظ): (دم).]] القَلَمِ والحلق وسائر المحظورات [[انظر: "الأم" 2/ 184، "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 337، "الحاوي" 4/ 187، "المغني" 5/ 444 - 446، "روضة الطالبين" 3/ 221 - 222، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 44.]]، وإنما أكل رسول الله -ﷺ- من لحم هديه [[روى مسلم في "صحيحه" كتاب: الحج، باب: حجة النبي -ﷺ- 2/ 892 من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي -ﷺ- أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها.]]، لأنه أفرد الحج فلم يجب عليه في حجه دم [[الصواب أن النبي -ﷺ- كان قارنًا للأحاديث الصحيحة الصريحة، ومن ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" كتاب: الحج، باب: جواز التحلل بالإحصار وجواز القرآن 2/ 904 عن ابن عمر أنه أوجب حجا مع عمرته، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثم قال: هكذا فعل رسول الله -ﷺ-. وانظر بسط القول في هذا الأمر وتحقيقه في "زاد المعاد" لابن القيم 2/ 107 - 122.]]. والذي ذكرنا في قوله ﴿فَكُلُوا﴾ أنه أمر إباحة هو قول جميع المفسرين [[انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 235.]]. قال إبراهيم ومجاهد: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل. وكان أهل الجاهلية إذا نحروا لم يستحلوا أكل ذبائحهم [[رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 156 ب، والطبري 17/ 148 عن إبراهيم دون قوله (وكان أهل .. وذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 217 عن إبراهيم بنحو ما ذكره الواحدي مع تقديم وتأخير. وذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 37 بلفظ (كان المشركون لا يأكلون ذبائح نسائكهم) فأنزل الله (فكلوا ..) فرخص للمسلمين فمن شاء .. وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وعن مجاهد رواه الطبري 17/ 148 دون قوله: وكان المشركون.]]. قوله ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ قال ابن عباس: البائس: الذي ظهر بؤسه في ثيابه ووجهه، وبان البؤس عليه. والفقير الذي لم يظهر بؤسه، وثيابه نقيه، ووجهه وجه غني [[ذكره عنه الرازي 23/ 29.]]. وهذا الذي ذكره يوجب الفرق بينهما، وحينئذ فيجب أن يكون (والفقير) بواو العطف، وإذا ذكر معه [[(معه): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] بغير حرف العطف فهو من صفة البائس. والبائس: الذي ناله [[في (أ): (يناله).]] بؤس، وهو شدة الفقر. يقال: قد بؤس وبئس، إذا صار ذا بؤس. ذكر ذلك الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 423.]]. وروي عن ابن عباس: أنه فسر البائس هاهنا بالزَّمِن [[رواه الطبري 17/ 148 من رواية العوفي عنه.]]. وقال عطاء ومجاهد: هو الذي يسألك [[في (أ): (يسأل).]] ويمد إليك يده [[رواه الطبري 17/ 149. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 38. وعزاه لعبد بن حميد.]]. قال أصحابنا: من أهدى أو ضحى فحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ فتقسم الأضحية على هذين الأمرين [[انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي 4/ 385، "روضة الطالبين" للنووي 3/ 223.]]، ومنهم من قال: يقسمها أثلاثًا لما روى أن النبي -ﷺ- قال: "إنما نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت، ألا فكلوا [[في (ظ)، (د)، (ع): (كلوا).]] وادخروا [[في (أ): (فادخروا).]] وائتجروا" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 51، ومسلم في "صحيحه" كتاب: الأضاحي 3/ 1561، وأبو داود في "سننه" كتاب: الأضاحي باب: حبس لحوم الأضاحي 8/ 7 - 8، والنسائي في "سننه" كتاب: الضحايا، باب: الادخار من الضحايا 7/ 235 من حديث عائشة رضي الله عنها باللفظ المذكور هنا، لكن في روايتهم (وتصدقوا) بدل (وائتجروا). وقد وردت هذه اللفظة في الحديث الذي رواه أبو داود في "سننه" كتاب: الأضاحي، باب: حبس لحوم الأضاحي 8/ 9 من حديث نبيشة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إنا كنا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاث لكي تسعكم، فقد جاء الله بالسعة، فكلوا وادخروا وائتجروا".]] أي: اطلبوا الأجر بالإطعام. فيقسمها أثلاثًا على الأوامر الثلاثة [[انظر: "الحاوي الكبير" 4/ 380، "روضة الطالبين" 3/ 223.]]. الدافة: الجماعة التي [[(التي): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] يدفون أي: يسيرون سيرًا ليس بالشديد [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 14/ 72 (دف) من رواية أبي عبيد، عن أبي عمرو.]]. ولعل قومًا وردوا على رسول الله -ﷺ-، فنهى أصحاب الضحايا عن أكلها لتشبع الواردة [[في حديث عائشة الذي تقدم تخريجه: (دف أهل أبيات من أهل البادية حُضرة الأضحى زمن رسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: "ادخروا ثلاثًا ثم تصدقوا بما بقي" الحديث.]].

الحج 22:29

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 423.]]. وقال النضر: التفث: النسك من مناسك الحج، رجل تَفِث: أي: مُغْبرٌّ [[في (أ): (مغير).]] شعث، لم يدَّهن ولم يستحد [[قول النضر بن شميل في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 266 (تفث).]]. قال الأزهري: لم يفسر أحد من اللغويين التفث كما فسره ابن شميل، جعل التفث الشعث، وجعل قضاءه إذهاب الشعث بالحلق وما أشبهه [["تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 266 (تفث).]]. وقال ابن الأعرابي في قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال: قضاء حوائجهم من الحلق والتنظيف [[قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 267 (تفث).]]. وقال المبرد: التفث هاهنا فضول الشعر والأظفار من شعر الإبطين والعانة، وأصل التفث في كلام العرب: فعل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها و ﴿لْيَقْضُوا﴾ أي: ليحكموا [[في (أ): (فيحكموا).]] الأمر فيه [[ذكره الرازي 23/ 30 عن المبرد.]]. هذا كلام أهل اللغة في التفث، والأمر على ما قاله الزجاج، وليس له أصل في اللغة يسند إليه وإنما عرف ذلك من التفسير. ويشبه أن يكون الأمر على ما ذكره المبرد من [[من: ساقطة من (أ).]] أن التفث معناه في اللغة: الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار. والقلم والحلق من أعمال الحج، ثم سمى أعمال الحج كلها التفث. يدل [[في (ظ): (ويدل).]] على هذا ما روي عن عكرمة أنه قال: التفث. الشعر والظفر [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 ب. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 84، والطبري 17/ 149.]]. يعني ما طال منهما. قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الذبح، وحلق الرأس والشعر كله، وقص الأظفار [[روى سعيد بن منصور في "تفسيره" 156 أ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 85، الطبري في "تفسيره" 17/ 149، والأزهري في "تهذيب اللغة" 14/ 266 من طريق عبد الملك بن أبي سيمان، عن عطاء، عن ابن عباس قال في التفث: حلق الرأس، والأخذ من العارضين، ونتف الإبط، وحلق العانة، والموقف بعرفة، والسعي بين الصفا والمروة، ورومي الجمار، وقص الأظفار وقص الشارب والذبح. هذه رواية سعيد بن منصور وليس في رواية ابن أبي شيبة ذكر الموقف بعرفة أو السعي، ورواية الطبري نحو رواية سعيد، ورواية الأزهري نحو رواية ابن أبي شيبة.]]. وقال في رواية الوالبي: هو وضع الإحرام بحلق الرأس، وقص الأظفار، ولبس الثياب، ونحوها [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 ب من رواية الوالبي. ووراه الطبري 17/ 150 من رواية الوالبي، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 40 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال في رواية عكرمة: قضاء النسك كله [[ذكره ابن الجوزي 5/ 426 وابن كثير في "تفسيره" 3/ 217 من رواية عكرمة، عنه.]]. وهو قول ابن عمر [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 85، والطبري 17/ 149. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 39 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.]]، ومجاهد [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 85، والطبري 17/ 149. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 40 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، والقرظي [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 85، والطبري 17/ 149. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 40 وعزاه لابن أبي شيبة.]] أنه: مناسك الحج: من الوقوف والطواف، والسعي، ورمي الجمار، وأخذ الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة، وقص الأظفار. قال أبو إسحاق: كأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 424.]]. قال أصحابنا: ذكر الله تعالى النحر في الآية الأولى في قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ ثم عقب ذلك بقضاء التفث؛ فدل على أن ترتيب أفعال يوم النحر: أن يبدأ الحاج بنحو الهدي بعد رمي الجمار ثم بالحلق وهذا من طريق الندب بالسنة لا من طريق الوجوب [[انظر: "الحاوي" 4/ 186، "المغني" 5/ 320، "روضة الطالبين" 3/ 102.]]. وأفعال يوم النحر أربعة: الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، وهو طواف القرض. ويسعى بين الصفا والمروة إن لم يكن سعى على إثر طواف القدوم، وإن كان قد سعى يحسب له ذلك [[(ذلك): ساقطة عن (أ).]] من فرض حجه؛ لأن السعي يجوز أن يتقدم على الوقوف بعرفة، ولكن لا يصح سعي إلا في إثر طواف [[انظر: "الحاوي" 4/ 157، "المغني" 5/ 240، "روضة الطالبين" 3/ 90.]]. وطواف الفرض لا يصح إلا بعد الوقوف بعرفة. وتقديم أفعال يوم النحر بعضها على بعض يجوز [[وهذا قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: إن قدم الحلق على الرمي أو على النحر فعليه دم. والحديث الآتي ذكره دليل عليه. انظر: "الأم" 2/ 183، "الحاوي" 4/ 186 - 187، "المغني" 5/ 320، "روضة الطالبين" 3/ 102.]]، وما [[في (د)، (ع): (ومما)، وهو خطأ.]] سئل رسول الله -ﷺ-[يوم النحر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] عن شيء [[في (ظ): (عن شيء يوم النحر)، تقديم وتأخير.]] قدم أو أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" [[رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الحج، باب: الفتيا على الدابة عند الجمرة 3/ 569، ومسلم في "صحيحه" كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر أو نحو قبل الرمي 2/ 948 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]]. والقراءة في تسكين لام ﴿لْيَقْضُوا﴾ وتحريكها ذكرنا وجهها عند قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [[في (أ): (ثم ليقضوا)، وهو خطأ.]]. وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال ابن عباس: هو نحو ما نذروا من البدن [[رواه الطبري 17/ 150 من رواية علي بن أبي طلحة، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 40 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال مجاهد: يعني نذر الحج والهدي، وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج [[رواه الطبري 17/ 40. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 40 مختصرًا، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. والمعنى: وليوفوا بما [[في (أ): (مما).]] نذروا لله من هدي وبدنة وغير ذلك. وقال بعضهم: يعني الذين نذروا أعمال البر في أيام حجهم أمرهم الله بالوفاء بها [[ذكره ابن الجوزي 5/ 427 من غير نسبة لأحد.]]. وربما ينذر الرجل أن يتصدق إن رزقه الله لقاء الكعبة [[يعني رؤية الكعبة.]]. وإن كان على الرجل نذور مطلقة لا يتقيد بأهل بلدة [[في (ظ)، (د)، (ع): (بلد).]] مخصوصة فالأفضل [[في (أ): (والأفضل).]] أن يتصدق ويهدي إلى الكعبة وأهلها فذلك قوله ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أي: وليتموها بقضائها، ولذلك لم يقل بنذورهم كما قال ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 111] وقال ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: 10]؛ لأن المراد به الإتمام. والإتمام لا يقتضي الجارة. قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يعني الطواف الواجب ويسمى [[في (أ): (وسمي).]] طواف الإفاضة، لأنه يكون بعد الإفاضة من عرفات، ويُسمى طواف الزيارة لأنه يزور البيت [[في (أ): (إليها)، وهو خطأ.]] بعد الوقوف [[في (أ): (الطواف)، وهو خطأ.]]. ويكون هذا الطواف في يوم النحر أو بعده. قال عطاء عن ابن عباس: إن كانت معك امرأة فإذا رميت [[في (ظ): (فارميت)، وهو خطأ.]] جمرة العقبة وزرت البيت حلت لك، وإن لم [[(لم): ساقطة من (ظ).]] تكن معك امرأة فلا [[في (د)، (ع): (ولا).]] عليك أن تزور البيت حتى تفرغ من جميع أيام الجمار. يعني بالزيارة الطواف. قال أصحابنا: الآية تدل على وجوب الطواف بالبيت. فلو طاف فدخل [[في (ظ): (ودخل)، وفي (د)، (ع): (أو دخل).]] الحجر أو مشى على جدار الحجر لم يحسب طوافه؛ لأنه طاف في البيت [[في (ظ): (بالبيت).]]، وذلك أن الحجر من البيت [[انظر: "الأم" 2/ 150 - 151، "الحاوي الكبير" للماوردي 4/ 149، "روضة الطالبين" للنووي 3/ 80 - 81.]]. وقوله ﴿الْعَتِيقِ﴾ روى [[في (أ): (وروى).]] ابن الزبير قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إنما سَمَّى الله [[في (د)، (ع): (إنما سمي البيت العتيق).]] البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر عليه جبار قط" [[رواه البخاري في "التاريخ الكبير" 1/ 201، والترمذي في "سننه" كتاب: التفسير، سورة الحج 9/ 14، والبزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" 2/ 45، والطبري في "تفسيره" 17/ 151 - 152، والحاكم في "مستدركه" 2/ 389، والواحدي في "الوسيط" 3/ 268 - 269 كلهم من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث، عن ابن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن ابن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، به. وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 296، بعبد الله بن صالح كاتب الليث. وضعف هذا الحديث الألباني كما في "ضعيف الجامع" 2/ 210.]]. وهذا قول مجاهد وقتادة وابن عباس والكلبي [[ذكره عن مجاهد وقتادة وابن عباس: الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 ب. وعن مجاهد رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 37، والطبري 17/ 151، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 41 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. وعن قتادة رواه الطبري 17/ 151. وعن ابن عباس رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 41.]]، قالوا: أُعتق من الجبابرة، فلم يسلط عليه جبار أراد دخوله، ولكن يذل له ويتواضع. وهذا القول أكثر ما جاء في التفسير [[انظر: الطبري 17/ 151، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 51 ب.]]. وقال سفيان بن عيينة: سمي بذلك لأنه لم يملك قط [[ذكره عن ابن عيينة الثعلبي في "الكشف والبيان" (جـ 3 ل 52 أ). والبغوي 5/ 382، وابن الجوزي 5/ 428.]].-هو قول مجاهد- في رواية عبيد المكتب [[هو عبيد بن مهران المكتب، الكوفي، مولى لبني ضَبَّة. روى عن مجاهد والشعبي وغيرهما. وهو ثقة قليل الحديث. "طبقات ابن سعد" 6/ 340، "الكشاف" للذهبي 2/ 239، "تهذيب التهذيب" 7/ 74، "تقريب التهذيب" 1/ 545.]] - قال: ليس لأحد فيه شيء [[ذكره الثعلبي 3/ 52 أ. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 37 - وقد تصحف فيه المكتب إلى المكتري- والطبري 17/ 151 عن مجاهد من رواية عبيد المكتب.]]. فعلى هذا يُسمي العتيق؛ لأنه لم يدعه أحد من الناس. قال الزجاج: وقيل ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الذي أعتق من الغرق أيام الطوفان [[وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة. انظر ابن كثير 3/ 218، و"الدر المنثور" 6/ 41.]]، ودليل هذا القول ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: 26] وهذا دليل أن البيت رفع وبقي مكانه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 424.]]. وعلى هذه الأقوال العتيق بمعنى: المعتق. يقال: أعتقت المملوك فهو معتق وعَتِيقٌ [[هذا قول الزجاج بنصه 3/ 424.]]. فالبيت [[في (أ): (قال فالبيت).]] مُعتقٌ من الجبابرة ومن ملك الناس ومن الغرق. وقال الحسن: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: البيت القديم [[ذكره عنه الزجاج 3/ 424. وذكره السيوطي بمعناه في "الدر المنثور" 6/ 41 وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وهو قول ابن زيد [[رواه الطبري 17/ 151.]] ودليل هذا التأويل قوله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 96] الآية. وعلى هذا القول ﴿الْعَتِيقِ﴾: فعيل من عتق يعتق إذا صار عتيقًا قديمًا [[انظر (عتق) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 210، "الصحاح" للجوهري 4/ 1250.]]. وقول من قال إن العتيق: بمعنى الكريم من قولهم: فرس عتيق ليس بشيء؛ لأن معنى العتيق في الخيل: السابق، يقال عتقت الفرس إذا سبقت الخيل فنجت [[(فنجت): ساقطة من (أ).]] [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 210 من رواية أبي عبيد عن الأصمعي.]]. وليس يحسن هذا المعنى في البيت.

الحج 22:30

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع (ذلك) رفع. المعنى: الأمر ذلك [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 424.]]. يعني ما ذكر من أعمال الحج. وقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قال الليث: الحرمة ما لا يحل انتهاكه، وتقول: فلان له حُرمة، أي تحرم منا لصحبة [[في (ظ)، (د)، (ع): (الصحبة)، وهو خطأ. وعند الأزهري: تحرم بنا بصحبة أو بحق.]] أو حق [["تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 44 (حرم) نقلا عن الليث، وهو في "العين" 3/ 223 وفيه: بصحبة وبحق.]]. وقال الزجاج: الحرمة: ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 424.]]. وأما معنى الحرمات -هاهنا- فقال عطاء: هي معاصي الله [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 44 عنه، وعزاه لعبد بن حميد.]]. وعلى هذا الحرمات: هي ما نهي عنها، ومنع من الوقوع فيها وانتهاكها، وتعظيم حرمات الله ترك ما حرمه الله. وقال مجاهد: الحرمة مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه [[رواه الطبري 17/ 153، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 44 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. فزاد مجاهد المناسك والمأمور بقيامها، وقد جمع في هذا القول المأمور به والمنهي عنه [فالمأمور به من مناسك الحج حرم التفريط فيه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] والمنهي عنه من المعاصي حرم ملابستها فهي كلها حرمات. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد فرائض الله عز وجل وسننه [[ذكره القرطبي 12/ 54 من غير نسبة.]]. وهذا القول هو أجمع الأقوال لأنه يجمع المأمور به والمنهي عنه. وكثير من أهل التأويل اختاروا في معنى الحرمات هاهنا أنها المناسك، لدلالة ما يتصل بها من الآيات عليه، فقال أبو إسحاق: ﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: الحج والعمرة وسائر المناسك. ثم قال: وكل ما فرضه الله فهو من حرمات الله [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 424.]]. يعني أن تفسير الحرمات في هذه الآية ما ذكر، ويجوز أن يسمى الفرائض كلها حرمات الله؛ لأنها مما يحرم التفريط فيها. وقال ابن قتيبة: يعني رمي [[(رمي): ساقطة من (ظ).]] الجمار، والوقوف بجمع، وأشباه ذلك، وهي شعائر الله [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 292.]]. وهذه كلها [[في (ظ)، (د)، (ع): (وهذا كله).]] من المناسك. وعلى هذا تعظيم المناسك: القيام بها. وخص ابن زيد الحرمات بما يقع عليه اسم الحرام، فقال: الحرمات: هي خمس: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام [[(والإحرام): ساقطة من (أ).]] [[رواه الطبري 17/ 153 وليس في روايته هي خمس، والإحرام وكذا ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 أبمثل رواية الطبري. وذكره البغوي 5/ 383 بمثل رواية الواحدي دون قوله: هي خمس. وذكره أبو حيان في "البحر" 6/ 366 بمثل رواية الواحدي لكن بدل الإحرام: المحرم حتى يحل.]]. ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194] وقد مر. وقوله: ﴿فَهُوَ﴾ أي: التعظيم. والفعل يدل على المصدر، فكنى عنه [[انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 366.]]. وقوله ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يعني في الآخرة. وقال ابن عباس: فإن ذلك زيادة له في طاعة الله والمخافة منه. وقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: تحريمه يعني في سورة المائدة من الميتة والمنخنقة. الآية [[وهي الآية الثالثة من سورة المائدة.]]. قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ الرجس: الشيء القذر. وكل قذر رجس [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 581 (رجس).]]. وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90] وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ [الأنعام: 125]. والأوثان: جمع وثن. قال شمر: الأوثان عند العرب: كل تمثال من خشب أو حجارة أو ذهب أو فضة أو نحاس ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها، وكانت النصارى تنصب الصليب وتعظمه، وهو كالتمثال، ولذلك سماه الأعشى وثنًا، فقال: تطوف [[في (ظ)، (ع): (تطوف): وفي (د): (يطوف) وفي (أ): (بطوف)، وفي "تهذيب اللغة" (تطوف).]] العُفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن [[البيت في "ديوانه" ص 21 ص قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 88، و "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 224 (عفا)، 15/ 144 (وثن)، و"اللسان" 13/ 443 (وثن).= والعفاة: جمع عاف ومعتف، وهو كل من جاءك يطلب فضلا أو رزقًا. "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 224 (عفا).]] أراد بالوثن: الصليب. وسمى رسول الله -ﷺ- الصليب وثنًا كما سماه الأعشى [[قوله: وسمى .. الأعشى. هذا من كلام الواحدي. أما شِمْر فإنه بعد أن فسَّر الوثن في البيت بالصليب قال: وقال عدي بن حاتم: قدمت.]]، وهو ما روي أن عدي بن حاتم قال: قدمت على النبي -ﷺ-، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "ألق هذا الوثن عنك" [[أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" 7/ 106، والترمذي في "جامعه" كتاب: التفسير، سورة براءة 8/ 492، والطبري في "تفسيره" 14/ 210 (شاكر)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 42 ب، والطبراني في "الكبير" 17/ 92، والبيهقي في "سننه" 10/ 116. وقد حسن هذا الحديث أبو العباس بن تيمية في كتابه "الإيمان" ص 64، وحسنه الألباني في كتاب "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام" ص 19، 20.]] أراد به الصليب [[قول شمر في "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 144 (وثن).]]. واشتقاق هذا اللفظ من قولهم: وَثَن الشيء، إذا قام في مكانه وثبت. والواثن: الشيء المقيم الراكد في مكانه. قال رؤبة: على أخلاء الصَّفاء الوُثَّن [[هذا الشطر من الرجز لرؤبة أنشده الأزهري في "تهذيب اللغة" 10/ 145 في سياق كلام نقله عن الليث، ثم قال الأزهري: قال الليث: يروى بالثاء والتاء. قال الأزهري: المعروف: وتَنَ يَتِنُ وتونا، بالتاء .. ولم أسمع (وثن) بهذا المعنى لغير الليث، ولا أدري أحفظه عن العرب أم لا؟ أهـ. وهذا الشطر في "لسان العرب" 13/ 442 (وتن، وثن). وهو في "ديوان رؤبة" ص 163 ضمن أرجوزة يمدح بها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وروايته في الديوان (الوُتَّنِ).]] [يعني الدوم [[(الدوم): ساقط من (د)، (ع).]] على العهد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] [[من قوله: الواثن: الشيء .. إلى هنا. نقلا عن "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 145 (وثن) وهو منسوب فيه إلى الليث.]]. فسمى الصنم وثنًا، لأنَّه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه. والمعنى: كونوا على جانب من الأوثان فإنها رجس. قال ابن عباس: يريد عبادة الأوثان [[روى الطبراني 17/ 154 من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: فاجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.]]. وعلى هذا فالرجس عبادة الأوثان، لأنها سبب الرجس، وهو المأثم في قول الكلبي [[ذكره عنه البغوي في "تفسيره" 3/ 187.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: الرجس: العذاب [[ذكره البغوي3/ 187، وابن الجوزي 3/ 121 عن عطاء.]]. وهو قول ابن زيد [[رواه عنه الطبري 12/ 111 (شاكر).]]. وقال الزجاج: الرجس: اللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 290.]]. وهذا الأقوال ذكروها في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ [الأنعام: 125]. قال الأخفش في هذه الآية: المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي يكون منها. أي: عبادتها [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 638.]]. وعلى هذا سميت عبادتها رجسًا؛ لأنها تؤدي [[في (أ): (لا تؤدي)، وهو خطأ.]] إلى الرجس الذي هو اللعنة والعذاب. وعلى قول الكلبي هي رجس؛ لأنها مأثم. وقال أبو إسحاق: (من) هاهنا تخليص [[عند الزجاج في "معانيه": لتخليص.]] جنس من أجناس [[هو أن تذكر شيئًا تحته أجناس، والمراد أحدها، فإذا أردت واحدًا منها بينته، كهذه الآية. فلو اقتصر على الرجس لم يعلم المراد، فلما صرح بذكر الأوثان علم أنها المراد من حسن الرجس. وقرنت بـ (من) للبيان. انظر: "شرح المفصل" لابن يعيش 8/ 12، "مغني اللبيب" لابن هشام 1/ 349 - 350، "البرهان" للزركشي 4/ 417.]]، المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 425.]]. وهذا قول أكثر أهل التأويل جعلوا (من) هاهنا تبيينًا للجنس. وعلى هذا الرجس: الوثن، سمي رجسًا كما سمي عبادتها [[في (أ): (عادتها).]] رجسًا في القول الأول. وليس الرجس في هذه الآية من القذارة والاستقذار في شيء. وقال المبرد: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ والأوثان كلها رجس، وتأويله -والله أعلم: فاجتنبوا الرجس [[(الرجس): ساقط من (أ).]] المضاف إلى هذا الاسم، كما قال -عز وجل- في وصف أصحاب نبيه ﷺ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29] وكلهم مؤمن، ولكن تأويله -والله أعلم-: المضافين إلى هذا الوصف. قال: ومن ذلك قول سيبويه في أول كتابه: هذا باب علم ما الكلم من العربية [["الكتاب" لسيبويه 1/ 12.]]، أي: ما الكلم المضاف إلى هذه اللغة التي يقال لها العربية؛ لأن الكلم بعضها، كما أن الرجس ليس بعض الأوثان. انتهى كلامه [[لم أقف عليه.]]. وهذا هو معنى ما ذكره الزجاج. قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الزور [[(الزور): ساقطة من (أ). ومكانها: (حنفاء لله).]]: الباطل والكذب [["تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 238 نقلاً عن ابن السكيت.]]. واختلفوا في معنى قول الزور -هاهنا- فذهب قوم إلى أنه الشرك بالله. وهو أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك [[هكذا في جميع النسخ. وفي "البسيط"، وعند الثعلبي: إلا شريكًا.]] هو لك [[هذا قول مقاتل بن حيان رواه عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 45.]] يريدون الصنم. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد قولهم: الملائكة بنات الله. وروى خريم بن فاتك [[هو: خُريم بن فَاتِك بن الأخْرم -ويقال: خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك- الأسدي أسد خزمة، أبو أيمن، ويقال: أبو يحيى. له صحبة. قيل إنه شهد بدرًا، وقيل لم يشهدها وإنما شهد الحديبية، وقيل إنما أسلم يوم الفتح، توفي في عهد معاوية. "طبقات ابن سعد" 6/ 38، "الاستيعاب" 2/ 46، "أسد الغابة" 2/ 112، "الإصابة" 1/ 423.]]: أن النبي -ﷺ- قام خطيبًا، فقال: "عدلت شهادة الزور بالشرك بالله". مرتين، ثم قرأ هذه الآية [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 4/ 321، وأبو داود في "سننه" كتاب: القضاء، باب: في شهادة الزور 10/ 7، وابن ماجه في "سننه" كتاب: الأحكام، شهادة == الزور 2/ 50 كلهم من طريق سفين بن زياد العصفري، عن أبيه، عن حبيب بن النعمان، عن خريم بن فاتك: أن النبي -ﷺ- صلى الصبح فلما انصرف قام قائمًا فقال: .. الحديث. وليس في رواية الإمام أحمد تكرار القول. وعند أبي داود وابن ماجه: ثلاث مرات. ورواه الطبري 17/ 154 مختصرًا. ورواه الطبراني في "الكبير" 4/ 209 بمثل رواية أبي داود وابن ماجة. قال الزيلعي في كتابه "تخريج أحاديث الكشاف" 2/ 383 - 384: قال ابن القطان في كتابه "الوهم والإيهام": حديث خريم -وتصحف في المطبوع- إلى خزيم -بن فاتك لا يصح؛ لأنه من رواية زياد العُصفري وهو مجهول، عن حبي بن النعمان الأسدي ولا يعرف بغير هذا ولا يعرف حاله. أهـ. وضعفه أيضًا الألباني في تعليقه على كتاب الإيمان لأبي عبيد ص 100، وأعله بالجهالة والاضطراب.]]. يريد أنه قد جمع في النهي بين عبادة الوثن وشهادة الزور [[قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "الإيمان" ص 100 معلقًا على الحديث والآية: نهى الله عنهما معًا في مكان واحد، فهما في النهي متساويان، وفي الأوزار والمأثم متفاوتان.]]. وهذا قول عبد الله بن مسعود [[رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 9327، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 7/ 257، والطبري في "تفسيره" 17/ 154، والطبراني في "الكبير" 9/ 114. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 4/ 201. وإسناده حسن. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 45 وعزاه لعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والخرائطي في "مكارم الأخلاق"، والبيهقي.]]، ووائل بن ربيعة [[وائل بن ربيعة، روى عن ابن مسعود، يُعَدّ في الكوفيين، روى عنه المسيب بن رافع وشمر بن عطية. هذا مجموع ما قاله عنه ابن سعد في "طبقاته" 6/ 204، والبخاريَ في "التاريخ الكبير" 8/ 1760، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" 9/ 43، وابن حبان في "الثقات" 5/ 495. == وروى هذا الأثر عنه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 156 أ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 7/ 259، والطبري في "تفسيره" 17/ 154.]]. وذكر أبو إسحاق قولا آخر، فقال: الآية تدل على أنهم نُهُوا أن يُحرِّمُوا ما حرم أصحابُ الأوثان نحو قولهم ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: 139] ونحو تحريمهم [[تصحفت في المطبوع من "معاني الزجاج" إلى: نحرهم.]] البحيرة والسائبة [[البحيرة: هي الناقة التي كان أهل الجاهلية يشقون في أذنها شقًا، والبحر في كلام العرب: الشق. والسائبة: هي المسيبة المُخَلاة. وكان أهل الجاهلية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه، فيحرم الانفاع به على نفسه، أو يجعله لبعض آلهته. وبين أهل التفسير خلاف في صفة البحيرة والسائبة وكيفية عمل أهل الجاهلية فيها والسبب الذي من أجله كانوا يفعلون ذلك. انظر: "تفسير الطبري" 11/ 116 - 134، "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 37 - 38 (بحر)، 13/ 99 (سيب)، تفسير ابن كثير 2/ 107 - 108.]]، فأعلمهم الله عز وجل أن الأنعام محللة إلا ما حرم منها، ونهاهم الله عن قول الزور وهو أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام ليفتروا على الله كذبًا [[في (أ): (الكذب)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في معاني الزجاج.]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 425. قال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 46 - بعد ذكره للأقوال في معنى الزور: والمعاني متقاربة، وكل كذب وزور، وأعظم ذلك الشرك. ثم قال: والذي يوجب حقيقة المعنى. فذكر قول أبي إسحاق من غير نسبة.]].

الحج 22:31

وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد موحدين. وهذا كقول من قال: مسلمين مستقيمين على الدين [[ذكر الماوردي في "النكت" 4/ 23 عن الضحاك قال: مسلمين لله.]]. والحنيف: المائل عن الأديان كلهاه إلى دين الإسلام [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 110 (حنف).]]. وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: تأويله: مسلمين لا يميلون إلى دين غير [[دين: زيادة من (أ).]] الإسلام [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 425.]]. وقال مجاهد: ﴿حُنَفَاءَ﴾ [[في (أ): (حنيفًا)، وهو خطأ.]] متبعين [[رواه الطبري 3/ 107 (شاكر)، عند قوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: 135]. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. والحنيفية عند مجاهد إتباع الحق. وقال السدي والحسن: حَجَّاجًا [[روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 396 - 397 عن ابن عباس في قوله (حنيفا) يقول: حاجا. ثم قال ابن أبي حاتم: وروى الحسن، والضحاك، وعطية، والسدي، نحو ذلك. وروى الطبري في "تفسيره" 3/ 104، 106 عن كثير بن زياد قال: سألت الحسن عن الحنيفية قال: هو حج هذا البيت. وروى الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 110 بإسناده عن مرزوق قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (حنفاء لله غير مشركين به) قال: حجاجًا. وكذلك قال السدي قال. حنفاء: حجاحًا.]]. والحنيفية عند العرب: حج البيت [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 110 (حنف)، "لسان العرب" 9/ 57 (حنف).]]. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: 135]. قوله: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ قال الكلبي: غير مشركين بالله في التلبية، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم بقولهم [[في (ظ): (يقولون).]]: إلا شريك هو لك. وقال عبد الله بن القاسم [[هو: عبد الله بن القاسم، التيمي، البَصري، مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. رأى عمر، وروى عن جابر وابن عباس وغيرهما. وثقه ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول. وقال ابن حجر: مقبول. "التاريخ الكبير" للبخاري 5/ 173، "الثقات" لابن حبان 5/ 46، "الكاشف" للذهبي 2/ 118، "تهذيب التهذيب" 5/ 359، "تقريب التهذيب" 1/ 441.]] مولى أبي بكر -رضي الله عنه-: كان الناس يحجون وهم مشركون، وكانوا يُسمون الحنفاء، لأن العرب تسمى الحاج: الحنيف، فلما أسلموا نزلت ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [[رواه الطبري 3/ 106 (شاكر) بنحوه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 45 بنحوه وعزاه لابن أبي حاتم.]]. أي: كما أنهم كانوا حنفاء مشركين فأنتم حنفاء غير مشركين بالله. ثم ضرب لمن أشرك مثلا، فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ﴾ [أي سقط] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] ﴿مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ يقال: خَطِفَ يَخْطَفُ، إذا أخذ بسرعة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 425.]]. وخَطَفَ يَخْطِفُ أيضًا [[انظر: "تهذيب اللغة" الأزهري 7/ 241 - 243 (خطف).]]. وذكرنا الكلام فيه عند قوله ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20]. وقرأ نافع (فتخطِّفه الطير) بالتشديد [["السبعة" ص 436، "التبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157. وقرأ الباقون بإسكان الخاء وتخفيف الطاء.]]. وإنما هو فتتخطِفه فحذف تاء التّفعّل [[هكذا في (أ): وهو الموافق لما في "الحجة" للفارسي. وفي (ظ): (الفعل)، وفي (د)، (ع): (التفعيل).]]، وكلتا القراءتين حكايته حال تكون [[هذا كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 5/ 276. وقال أبو منصور الأزهري في "علل القراءات" 2/ 424: من قرأ (فتخطفه) والأصل (فتختطفه) فأدغم التاء في الطاء، وألقيت حركة التاء على الخاء ففتحت. وبنحوه قال ابن خالويه في "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 77. وانظر أيضًا: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 476، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 119.]]. قال ابن عباس: يريد تخطف لحمه. وقوله: ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: تسقطه. يقال: هوى إذا سقط من أعلى إلى أسفل [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 488 (هو ى).]]. وقد مر [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: 81].]]. قوله ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ قال ابن عباس وغيره: بعيد [[انظر الطبري 17/ 155، و"الدر المنثور" 6/ 46.]]. والسحق: البُعد. يقال: سحقًا له وبعدًا، وأسحقه الله سحقًا، وإنه لسحيق: بعيد [["تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 24 (سحق) عن الليث مع اختلاف يسير. وانظر: "العين" 3/ 37 (سحق).]]. والفعل منه [[في (أ): (به).]] سَحُقَ يَسْحَقَ [[قال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 3/ 244: والسحق -بالضم وبضمتين-: البعد، وقد سَحُق -ككرم وعلم- سُحقا بالضم.]]. قال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به [[(به): ساقطة من (ظ).]] في بعده من الهدى وهلاكه [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 38، والطبري 17/ 155، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 وعزاه لعبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم.]]. وذكر أهل المعاني قول قتادة، فقال الزجاج: هذا مثل ضربه الله للكافر في بُعده من الحق، فأعلم أن بُعد من أشرك به من الحق كبعد من خر من السماء، فذهبت به الطير أو هوت به الريح في مكان بعيد [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 425.]]. ونحو هذا قال ابن قتيبة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 293.]]. وقال غيره: شبه حال المشرك [[في (أ)، (د)، (ع): (الشرك).]] بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه في المكان السحيق، كذلك الكافر لا يملك لنفسه شيئًا ولا دفع ضر يوم القيامة حتى يقع في النار، فهو هالك لا محالة [[ذكر الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 أنحو هذا المعنى باختصار، ونسبه إلى أهل المعاني. وذكره البغوي 5/ 384 إلى قوله: المكان السحيق. ولم ينسبه لأحد.]]. وقال أبو علي الفارسي: المعنى في هذا [[في (ظ): (هذه). وفي (ع): (ذلك).]] أنه قوبل به قوله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ﴾ [البقرة: 256] فكما كان المؤمن في إيمانه متمسكًا بالعروة الوثقى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]]، كان المشرك بعكس ذلك فلم يتمسك لكفره [[في (ظ): (مكفره). وفي (د)، (ع): (بكفره).]] وشركه بشيء يتعلق به، ولم يتمسك بما له فيه أمان من الخُرُور ونجاةٌ من الهُوي واختطاف الطير له، كالمؤمن المتمسك بإيمانه فصار كمن خر من السماء، فهوت به الريح، فلم يكن له في شيء من ذلك مُتعلق ولا معتصم فيكون له ثبات [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 276.]].

الحج 22:32

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، كما قلنا في قوله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ ذكره المبرد عن سيبويه في هذه الآية [[لم أقف عليه.]]. قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال مجاهد في رواية الحكم وابن أبي نجيح يعني استعظام البدن، واستسمانها، واستحسانها [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" القسم الأول من الجزء الرابع ص 295 من رواية الحكم، ولكن ليس فيها: واستسمانها. ورواه عبد بن حميد في "تفسيره" كما في "تغليق التعليق" لابن حجر 3/ 87، والطبري 17/ 156 من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الهدي إذا أشعر وقلد، ثم نحر حتى يسيل دمه، ثم وقف في موقف عرفة. فعلى هذا يعني بتعظيم شعائر الله: استعظام الهدايا والضحايا. والشعائر: جمع شعيرة، وهي البدن يقال: أشعر الرجل بدنته، إذا جعل عليها علامة ليعلم أنه أوجبها بدنة [[انظر: (شعر) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 417، "الصحاح" للجوهري 2/ 698 "لسان العرب" 4/ 413.]] وهو مذهب الشافعي [[انظر: "الأم" 2/ 183، "الحاوي الكبير" 4/ 372 - 373، "روضة الطالبين" 3/ 189.]] رحمه الله في الإبل والبقر بجرح سنامها من الجانب الأيمن وهي مستقبلة القبلة كما فعل رسول الله -ﷺ-. وأما الغنم فإنها ضعيفة لا تحتمل الإشعار. والشعيرة بمعنى المُشْعَرة، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]. وعلى هذا القول المُهْدِي مندوب إلى طلب الأسمن والأعظم من الهدايا لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ومن الشعائر التي أريد بها الضحايا قول الكُميت: نُقَتِّلهُم جيلًا فجيلاً نَرَاهُمُ ... شَعَائِر قُرْبَانٍ بِهِم يُتَقَرَّبُ [[البيت في "هاشميات الكميت" ص 67، بمثل الرواية هنا. وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 146 منسوبًا للكميت، وفيه: تراهم ... بها يتقرب. وهو في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 418 (شعر)، و"اللسان" 4/ 414 (شعر)، و"تاج العروس" للزبيدي 12/ 190 (شعر) من إنشاد أبي عبيدة وبمثل روايته، من غير نسبة للكميت. قال أبو رياش القيسي في "شرحه لهاشميات الكميت" ص 67: (جيلًا فجيلا: جيشًا وخلقًا بعد خلق. يقول: نجعل قتل الخوارج قربة إلى الله كما تُقرب الشعائر إلى الله.]] وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: والذي يعني به هاهنا البُدن [["معانى القرآن" للزجاج 3/ 426.]]. وقوله: ﴿فَإِنَّهَا﴾ قال الفراء: يريد: فإن الفعلة كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: 153] ومن بعده جائز. ولو قيل: فإنه من تقوى القلوب كان جائزًا. هذا كلامه [["معانى القرآن" للفراء 2/ 225.]]. وليس بقوي ولا ظاهر هاهنا، والصحيح أن المعنى: فإن تعظيمها، فحذف المضاف لدلالة ﴿يُعَظِّمْ﴾ على التعظيم كما قال ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج: 30] فكنى عن التعظيم لما دل يعظم عليه، كذلك هاهنا حذف التعظيم لما كان يعظم يدل عليه، والمعنى: فإن [[(فإن): ساقطة من (ظ).]] اتخاذ البدن من أعظمها وأسمنها من تقوى القلوب. قال ابن عباس: يريد من التقوى الذي اتقاه المتقون. وأضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب [[انظر: القرطبي 12/ 56.]]، كما روي في الحديث أن النبي -ﷺ- وقال: "التقوى هاهنا" وأشار إلى صدره [[هذا قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 277، ومسلم في "صحيحه" كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم 4/ 1986 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].

الحج 22:33

قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الشعائر ﴿مَنَافِعُ﴾ أكثر أهل التفسير على أن المراد بهذا: أن [[أن: ساقطة من (أ).]] في الهدايا منافع لصاحبها إلى أن يسميها هديا ويشعرها، فله منافع رسلها [[رسلها: أي لبنها. "لسان العرب" 11/ 282 (رسل).]] ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها [[في (أ): (ظهرها).]] ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو أن يسميها هديًا فتنقطع المنافع بعد ذلك. وهذا قول مجاهد، وعطاء، والضحاك، وقتادة، ورواية مقسم عن ابن عباس، والكلبي [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 عنهم جميعًا إلا الكلبي. ورواه الطبري في "تفسيره" 17/ 157 - 158 عنهم إلا الكلبي. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 عن مجاهد، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير. وابن أبي حاتم. ورواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 156 أعن عطاء والضحاك، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 عنهما، وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، قال: تُحلب وتركب إلى أن تُقلَّد وتُسمَّى. وهؤلاء لا يرون الانتفاع بلبنها ولا بوبرها ولا بظهرها بعد أن سُميت هديًا، ويقولون: لا ينتفع بها غير أهل الله [[يعني: فقراء الحرم.]]، إلا عند الضرورة المخوف معها الموت. وروى ابن أبي نجيج، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الهديا منافع، قال: هو ركوبها وشرب لبنها إن احتاج ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أن تنحر [[رواه الطبري 17/ 158 عن عطاء من طريق ابن أبي نجيح إلى قوله: إن احتاج. أما قوله (إلى أجل مسمى) إلى أن تنحر، فرواه الطبري 17/ 158 من رواية ابن جريج قال: قال عطاء: فذكره.]]. وهذا مذهب الشافعي [[انظر: "الأم" 2/ 183، "الحاوي" للماوردي 4/ 376 - 377، "فتح الباري" 3/ 537.]] رحمه الله، وعنده أن المُهْدِي لو ركب هديه ركوبًا غير فادح [[غير فادح: غير مثقل. "لسان العرب" 2/ 540 (فدح).]] فلا بأس، لما روي أن النبي -ﷺ- مر برجل يسوق بدنة، فأمره بركوبها، وقال: (اركبها) فقال: إنها هدي فقال: (اركبها)، فقال: إنها هدي فقال: (اركبها ويحك) [[رواه بنحوه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 275 من حديث أنس رضي الله عنه، لكن فيه (بدنه) بدل قوله (هدي). ورواه بنحوه البخاري في "صحيحه" كتاب: الحج، باب: ركوب البدين 3/ 536، ومسلم كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها 2/ 960 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه لكن عندهما (بدنه) بدل (هدى) و (ويلك) بدل (ويحك).]]. وله أن يحلب لبنها، والآية تدل على هذا؛ لأن قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الشعائر، فالكناية عنها، ولا تسمى شعائر قبل إيجابها وتسميتها [[في (أ): (تسمينها)، وهو خطأ.]]. وهذا يدل على إباحة الانتفاع بها وهي تسمى شعائر [[انظر: "الأم" 2/ 183، "الحاوي" للماوردي 4/ 376، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 3/ 282، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 56 - 57.]]. وعلى هذا القول المراد بالأجل المسمى: نحرها وذبحها. وقوله ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ أي: حيث يحل [نحرها. وذكرنا هذا عند قوله ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. وقوله ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يعني عند البيت العتيق. وهو] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] الحرم كله، قال رسول الله -ﷺ-: "كلُّ فِجاج مكة منحرٌ ومَذبح، وكلُّ فِجاجِ مِنى مَنْحر ومَذْبح" [[رواه أبو داود في "سننه" كتاب: الحج، باب: الصلاة بجمع 5/ 413، وابن ماجه في "سننه" كتاب. المناسك، باب. الذبح 2/ 186 من حديث جابر رضي الله == عنه مرفوعًا، بلفظ: (كل عرفة موقف، وكل مني منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر). وحسن هذا الحديث الزيلعي في "نصب الراية" 3/ 162. ومعنى فجاج: جمع فج وهو الطريق الواسع بين الجبلين. "الصحاح" للجوهري 1/ 332 (فجج).]]. وكثيرمن المفسرين يقولون: عني بالبيت العتيق: الحرم كله؛ لأن الحرم كله منحر [[انظر: الطبري 17/ 160، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 52 ب.]]. وهذا وَهْمٌ لا يعبر عن الحرم بالبيت العتيق ولا يفهم ذلك منه؛ لأن البيت اسم للبنية المعروفة، فلا يقع على الحرم كله. واحتج من قال بهذا بقول ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] يعني الحرم كله. وهذا لا يُشبه قوله ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ لأن الحرم كله مسجد، على معنى أنه يجوز الصلاة فيه [[(فيه): ساقطة من (أ).]] كما روي في الحديث: "جُعِلت لي الأرضُ مسجدًا" [[هذا قطعة من حديث رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الصلاة، باب: قول النبي -ﷺ- "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" 1/ 533 ومسلم في "صحيح" كتاب: المساجد، ومواضع الصلاة 1/ 37 من حديث جابر رضي الله عنه، وأوله: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي".]]. فسماها كلها مسجدًا على المعنى الذي ذكرنا. والبيت لا يقع على الحرم كله، لو كان الأمر على ما قالوا لقيل: ثم محلها البيت العتيق، أي: الحرم، فلما قيل ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [[(العتيق): زيادة من (أ).]] دل على أن المعنى: عند البيت وما يقرب منه؛ لأن (إلى) تضم الشيء إلى الشيء، وتقربه منه [[انظر "الأزهية في معاني الحروف" ص 282، "رصف المباني" ص169، "الجنى الداني" 385 - 386.]]. هذا الذي ذكرنا كله على قوله من يقول: الشعائر: الهدايا. وقال آخرون: الشعائر المناسك [[في (ع): (الهدايلك).]] كلها، ومشاهد [[في (ظ): (أي مشاهد).]] مكة. وهي المعالم التي أمر الله بالقيام بها، وندب إليها منها: عرفة، والجمار، والصفا والمروة، والمشعر الحرام. وهذا قول ابن زيد [[رواه الطبري 17/ 156، 159.]]، ورواية أبي رزين عن ابن عباس [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب من رواية أبي رزين، عن ابن عباس.]]. وعلى هذا معنى تعظيم الشعائر: توقيرها، وترك الاستهانة بها. قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: بالتجارة والأسواق، قال ابن عباس: لم يذكر منافع إلا للدنيا [[في (أ): (الدنيا).]] ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أن يخرج من مكة [[رواه الطبري 17/ 159 عنه من طريق أبي رزين إلى قوله: للدنيا. وذكر باقيه الثعلبى في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب عنه من رواية أبي رزين.]]. وقيل: ﴿مَنَافِعُ﴾ بالأجر والثواب لإقامة المناسك وتعظيم الشعائر ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى انقضاء أيام الحج [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 52 ب وصدره بقوله: وقال بعضهم.]]. وقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ المحل [[(المحل). ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] على هذا القول مصدر أضيف إلى المفعول أي: الحل من هذه الأعمال إلى البيت العتيق، وهو الطواف به بعد قضاء المناسك. و ﴿إِلَى﴾ هاهنا صلة لفعل محذوف، وهو القصد أو الحج. والمعنى: ثم محلكم أيها المحرمون حجكم وقصدكم ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ بالزيارة والطواف. وهذا معنى قول محمد بن أبي [[(أبي): ساقطة من (ظ).]] موسى [[محمد بن أبي موسى. روى عن زياد الأنصاري عن أبي بن كعب، وروى عنه داود ابن أبي هند. وهو مجهول. انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 1/ 236، "تهذيب التهذيب" 9/ 483.]]: محل المناسك الطواف بالبيت [[رواه الطبري 17/ 160 من طريق داود بن أبي هند، عنه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 47، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].

الحج 22:34

قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: جماعة مؤمنة. يعني من الذين سلفوا وتقدموا ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ المنسك هاهنا: المصدر من نَسَك يَنْسُك، إذا ذبح القربان [[في (أ): (القران)، وهو خطأ.]] [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 74 (نسك).]]. وذكرنا معنى النسك في سورة البقرة [[عند قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: 128].]]. قال مجاهد في قوله ﴿مَنْسَكًا﴾: يريد إهراقة الدماء [[رواه الطبري 17/ 161 وذكره السيوطي "الدر المنثور" 6/ 47 وعزاه لعبد بن حميد وابن، أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال عكرمة [[رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 213 عن أبيه، عن عكرمة بلفظ: ذبائح هم ذابحوها. وذكره النحاس في "معاني القرآن" 4/ 409 من رواية سفيان، بلفظ. ذبحًا. وبمثل لفظ النحاس ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 47 وعزاه لابن أبي حاتم.]]، وقتادة [[ذكر الماوردي في "النكت والعيون" 4/ 24، والقرطبي 12/ 58 عن قتادة أنه قال: (منسكا) حجًّا.]]، ومقاتل بن حيان: يعني ذبحًا. وقراءة العامة بفتح السين، وقرأ حمزة والكسائي بكسرها [["السبعة" ص 436، "التبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157، "الإقناع" لابن الباذش 2/ 607.]]. قال أبو علي [[في (أ): (أبو الفتح) سقطت لفظة (على)، فتحرفت الكلمة إلى (أبو الفتح).]]: الفتح أولى لأنه لا يخلو من أن يكون مصدرًا أو مكانًا، وكلاهما مفتوح العين إذا كان الفعل على: فَعَل يَفْعُل، نحو: قَتَل يَقْتُلُ مَقْتَلا، وهذا مَقْتَلُه. ووجه الكسر: أنه قد يجيء اسم المكان على المَفْعِل من هذا النحو، نحو: المَطْلِع من طَلَع يَطْلُع، والمسجد من سجد يسجد، فيمكن أن يكون هذا بما شذَّ عن قياس الجمهور، فجاء اسم المكان على غير القياس، ولا يقدم على هذا إلا بالسمع، ولعل الكسائي سمع ذلك. هذا كلامه [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 278، وقوله: (الفتح أولى) لا وجه له، لأن القراءة سنة متبعة. وقوله. (ولعل الكسائي سمع ذلك) ذكره نحوه السمينُ الحلبي في "الدر المصون" 8/ 274 عن ابن عطية، ثم تعقبه بقوله: وهذا الكلام منه غير مرضي، كيف يقول: ويشبه أن يكون الكسائي سمعه. الكسائي يقول: قرأت به فيكف يحتاج إلى سماع مع تمسكه بأقوى السماعات، وهو روايته لذلك قرآنًا متواترًا؟ وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 424، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 477، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 119.]]. والذي يدل على أن الكسائي سمع ذلك أنه قال في كتابه [[لعله ذكره في كتاب "معاني القرآن" له، وهو مفقود.]]: (منسكًا). و"منسكا" لغتان، كل [[كل: زيادة من (أ).]] قد قرئ بها [[انظر: "إعراب القراءات وعللها" لابن خالويه 2/ 77.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿مَنْسَكًا﴾ يريد شريعة. يعني الذبح لأنه من جملة ما شرع. وقال الكلبي: عيدًا [[ذكره عنه الماوردي 4/ 25.]]. يعني وقتًا للذبح. فعلى هذا المنسك، اسم لزمان الذبح. قال [[في (أ) بعد قوله قال: (فومله)، وليست في باقي النسخ، ولا معنى لها.]] أبو إسحاق: المنسك في هذا الموضع يدل على معنى النحر، فكأنه قال: لكل أمة أن تتقرب بأن تذبح الذبائح لله، ويدل على ذلك قوله ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ المعنى: ليذكروا اسم الله على نحو ما رزقهم من بهيمة الأنعام [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 426.]]. وخص بهيمة الأنعام، لأنَّ البهيمة من غير الأنعام لا يحل ذبحها وأكلها كالخيل والبغال والحمير [[الطبري 17/ 160، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 52 ب.]]، فالبهيمة من الأنعام هي التي يجوز أن تُذبح في المناسك. في هذه الآية دليل على أنَّ الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة بل كانت لكل أمة، وعلى أنَّ الضحايا لم تزل من الأنعام، وأنَّ التسمية على الذبح كانت مشروعة. قوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ قال أبو إسحاق: أي لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم [[في (أ): (ذبائحهم).]] إلا الله وحده [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 427.]]. وقوله ﴿أَسْلِمُوا﴾ أي: انقادوا وأطيعوا. وقال ابن عباس: أخلصوا [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 48 عن مقاتل بن حيان، وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك: المتواضعين [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب عن ابن عباس وقتادة. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 38 والطبري 17/ 161 عن قتادة. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 580 عن الضحاك، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 49 عنه وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال مجاهد: المطمئنين إلى الله سبحانه [[ذكره عنه بهذا اللفظ الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب. ورواه الطبري 17/ 161 مقتصرًا على أدلة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 48 بمثل رواية الطبري وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال الأخفش: الخاشعين [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب. ولم أجده في كتابه "معاني القرآن".]]. وقال ابن جرير: الخاضعين [[قوله في "تفسيره" 17/ 161 بأطول من هذا حيث قال: الخاضعين لله بالطاعة، المذعنيق له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة.]]. قال الزَّجَّاج: اشتقاقه من الخَبْت [[في (أ): (الخبت، مخبث)، وهو خطأ.]]، وهو المنخفض من الأرض. فكل مخبت [[في (أ): (الخبت، مخبث)، وهو خطأ.]] متواضع [["معاني القرآن" 3/ 427. مع اختلاف يسير.]]. وذكرنا معنى الإخبات عند قوله ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 23].

الحج 22:35

قوله تعالى ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد: خافت. قال مقاتل بن حيان: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ عندما يخوّفون [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 49 وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وهذا على أنهم إنما توجل قلبوهم إذا خوفوا بالله، ليس [[في (أ): (وليس).]] أنهم يخافونه حتى لا يرجونه. وقوله ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ يعني من البلاء والمصائب في طاعة الله. قاله ابن عباس ومقاتل [[ذكره عن مقاتل السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 49 وعزاه لابن أبي حاتم.]]. ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ في أوقاتها، يؤدونها كما استحفظهم الله. قال أبو إسحاق في قوله] [[ساقط من (أ).]] ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾: القراءة الخفض وإسقاط النون، والخفض على الإضافة. [ويجوز: والمقيمين الصلاة [[هذه القراءة مروية عن ابن مسعود. "الشواذ" لابن خالويه ص 95. وانظر: "تعليل القراءات الشواذ" للعكبري ص 267.]]، إلا أنه بخلاف المصحف] [[ساقط من (ظ).]]. ويجوز أيضًا -على بعد-: والمقيمي الصلاةَ [[هذه قراءة ابن أبي إسحاق والحسن، ورويت عن أبي عمرو. "الشواذ" لابن خالويه ص 95، "المحتسب" لابن جني 2/ 80.]]، على حذف النون ونصب الصلاة لطول الاسم [[قال أبو الفتح عثمان بن جني في "المحتسب" 2/ 80: أراد "المقيمين" فخذف النون تخفيفا، لا لتعاقبهما الإضافة. وقال العكبري في "تعليل القراءات الشواذ" ص 267: (والنون محذوفة للتخفيف لطول الكلمة، مثل قولهم: الحافظو ..]]، وأنشد سيبويه [[ذكر الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 427 إنشاد سيبويه لهذا البيت، لكن في المعاني "نطف" في موضع "وكف". والبيت أنشده سيبويه في الكتاب 1/ 185 - 186 ونسبه لرجل من الأنصار وروايته فيه: والحافظو ... من ورائنا نطف. وهو في "شرح شواهد الإيضاح" للقيسي 127، و"خزانة الأدب" 4/ 272 - وفيه: من ورائنا نطف، 4/ 275 - 279 وفيه:- من ورائنا وكف) منسوبًا لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي، وفي الاقتضاب للبطليوسي 3/ 207 منسوبًا لقيس بن الخطيم، وهو في ديوان قيس 115، وفي "لسان العرب" 9/ 363 "وكف" منسوبًا لعمرو بن امرئ القيس أو قيس بن الخطيم. ومن غير نسبة في "الإيضاح العضدي" للفارسي ص 175، "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 393 "وكف". قال البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 207: العورة: المكان الذي نخاف منه العدو، والوكف هاهنا- العيب، ويروى: نطف وهو نحو الوكف. يقول: نحن نحفظ عورة عشيرتنا فلا يأتيهم من ورائنا شيء يعابون به من بيع ثغرهم وقلة رعايته، هذا على رواية من روى من ورائنا، ومن روى من ورائهم أخرج الضمير مخرج الغيبة على لفظ الألف واللام؛ لأن معنى "الحافظو العشيرة" نحن الذين يحفظون عورة العشيرة، كما تقول: أنا الذي قام، فيخرج الضمير مخرج الغيبة وإن كنت تعني نفسك؛ لأن معناه: أنا الرجل الذي قام، وقد يقولون: أنا الذي قمت، فعلى هذا رواية من روى: من ورائنا. اهـ. وانظر: "الخزانة" 4/ 274 - 275.]]. والحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائهم وكف وزعم أنه شاذ. انتهت الحكاية عن أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 427.]]. ويحتاج هاهنا إلى أن نذكر طرفًا [[العبارة في (ظ): (ويحتاج إلى أن يذكرها هنا طرفا).]] من شرح باب الإضافة مع الألف واللام. قال أبو علي في كتاب "الإيضاح": إذا ألحقت الألف واللام اسم الفاعل قلت: هذا الضارب زيدًا، ولا يجوز إضافة الضارب إلى زيد. فإن ثنيت [[في (أ): (نسيت)، وهو خطأ.]] قلت: الضاربان زيدًا، فإن حذفت النون قلت: الضاربا زيد، وكذلك الجميع، وقد يجوز إذا حذفت النون من اسم الفاعل في الاثنين والجميع إذا ألحقته [[في (ظ): (ألحقتهما)، وفي باقي النسخ: (لحقته)، والتصويب من كتاب "الإيضاح".]] الألف واللام أنْ تنصب فتقول: الضاربو زيدًا، وهكذا أنشدوا: الحافظو عورة العشيرة قال: والأكثر الجر كما قال تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ هذا كلامه [["الإيضاح العضدي" لأبي علي الفارسي 1/ 175.]]. ومعنى الضارب زيدًا أي: الذي ضرب زيدًا، ولا تجوز الإضافة في هذا، ويجوز في التثنية والجمع [[في (ظ)، (د)، (ع). (الجميع).]] نحو: الضاربا زيد والضاربو زيد، وذلك لأنَّ زيدًا في التثنية والجمع يعاقب نون التثنية والجمع، والنون قد تكون مع الألف واللام، وزيد في الضارب زيد لا يعاقب تنوينًا، لأنه لا يكون التنوين مع الألف واللام، فلا يكون في الإضافة فائدة، وذلك أن الغرض في الإضافة اللفظية أن يحذف التنوين، فيحصل في اللفظ اختصار وتخفيف بسقوط التنوين ويعاقبه المفعول المنصوب فينجرّ [[في (أ): (فيجر).]] لقيامه مقام التنوين في اللفظ، وليس في الضارب تنوين فيحذف لذلك، فإذا قلت: "الضارب زيد" كنت قد عدلت عن الأصل الذي هو النصب لغير غرض لفظي ولا حقيقي، وفي التثنية والجمع جاز الإضافة في اللفظ وعلى هذا قوله عز وجل ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾، كما قال: الفاتحو باب الأمير المبهم، وأما من قال الضاربا زيدا والضاربو زيدا فإنه لم [[موضع (لم) بياض في (ظ).]] يحذف النون لأجل الإضافة، ولكنه يحذفه لطول الاسم، ولا يجعل لحذفه تأثيرًا [[تأثيرًا ليست واضحة في (ظ).]] في الحكم، ويبقى النصب على أصله كالبيت الذي أنشده سيبويه، والأصل [[في (ظ). (أصل).]] في حذف النون لامتداد الاسم في بيت الكتاب [[البيت في "الكتاب" 1/ 186 منسوبًا للأخطل. وهو في "ديوانه" ص 387 أو ص 44، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 536 و"أمالي ابن الشجري" 2/ 306، و"شرح المفصل" لابن يعيش 3/ 154، "المقاصد النحوية" للعيني 1/ 324، و"خزانة الأدب" 6/ 6 - 7. قال البغدادي في الخزانة 6/ 7: البيت من قصيدة للأخطل يفتخر بقومه ويهجو جريرًا، والألف للنداء، وبنو كليب ابن يربوع: رهط جرير. فخر الأخطل على جرير بمن اشتهر من قوله من بني تغلب وساد كعمرو بن كلثوم التغلبي قاتل عمرو بن هند ملك العرب، وعضم أبي حنش قاتل شرحبيل بن عمرو بن حجر وغيرهم من سادات تغلب. والأغلال جمع غل == وهو طوق من حديد يجعل في عنق الأسير، ... إي إنَّ عميّه يفكان الغل من عنق الإسراء وينجونهم من أسر أعدائهم قسرًا عليهم. اهـ قال السكري في "شرح ديوان الأخطل" 1/ 108 - 159، أحد عميه أبو حنش عصم بن النعمان قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمرو آكل المراء يوم الكلاب الأول، والآخر دوكس بن الفدوكس بن مالك بن جشم. وانظر الخلاف في أسماء عميه في "الخزانة" 6/ 8 - 9.]]: أبني كليب إن [[(إن): ساقطة من (أ).]] عمي اللذا قتلا ... الملوك وفككا الأغلالا أراد اللذان فحذف النون لطول الاسم بالصلة، إذ قد اجتمع الذي والفعل والفاعل والمفعول، لأن جميع ما يتعلق بالموصول واصل في جملته وجار مجرى الجزء [[في (ظ)، (ع): (الجرّ).]] من الاسم، ألا ترى أن تقديمه ممتنع، والأحسن إذا حذفت النون الكسر، لأجل أن النون إذا حذف وجب أن يكون له أثر في اللفظ، وإذا قصد النصب وجب أن تبقى النون لفظًا، غير أن الذي ينصب مع الحذف لا يعتد بالحذف [[في (أ): (الحرف).]] حرصًا على إبقاء لفظ [[في (أ): (اللفظ).]] النصب. هذا الذي ذكرنا شرح ما ذكره أبو إسحاق مجملًا وهو مذهب البصريين [[انظر: "شرح المفصّل" لابن يعيش 2/ 122 - 123، "الفوائد الضيائية" للجامي 2/ 14.]]. وقال الفراء: إنَّما جاز النصب مع حذف النون؛ لأنَّ العرب لا تقول في الواحد إلا بالنصب. فيقولون: هو الآخذ حقه، ينصبون الحق، لا يقولون إلا ذلك، والنون مفقودة، فبنوا الاثنين والجميع على الواحد، فنصبوا بحذف النون، والوجه في الاثنين والجميع الخفض؛ لأنَّ نونهما قد تظهر إذا شئت وتحذف إذا شئت، وهي في الواحد لا تظهر، فلذلك نصبوا، ولو خفض في الواحد لجاز ذلك، ولم أسمعه إلا في قولهم: الضّارب الرجل، فإنّهم يخفضون الرجل وينصبونه، فمن خفضه شَبَّهَه بمذهب قولهم: مررت بالحسن الوجه، فإذا أضافُوه إلى مكنّى قالوا: أنْت [[(أنت): ساقطة من (أ).]] الضَّارِبُهُ، وأنتما [[في (ظ)، (د)، (ع): (وأنتم).]] الضَّارِبَاهُ [[في (ظ): (الضاربان).]]، وأنتم الضَّاربوه. والهاء في القضاء عليها خفض في الواحد والاثنين والجمع، ولو نويت بها النصب كان وجهًا. وكان ينبغي لمن نصب أن يقول: هو الضارب إيّاه، ولم أسمع ذلك. هذا كلامه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 226.]]. وهو كما ذكرنا من مذهب البصريين إلا في إضافة الواحد، فإنه يجوزه وعندهم لا يجوز ذلك. وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يريد يتصدقون من الواجب وغيره. وقال مقاتل: يؤذون الزكاة في طاعة ربهم [[أنظر: "تفسير مقاتل" 2/ 25 ب.]].

الحج 22:36

قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ قال الزجاج: البدن بتسكين الدال وضمها، بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، مثل قولك: ثَمَرَةٌ وثُمْر وثُمُرٌ قال: وإنما سميت بدنة لأنها تبدن أي: تسمن [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.]]. وقال الليث وغيره: البدنة بالهاء تقع على الناقة والبقرة والبعير مما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة، وسميت بدنة لعظمها [["تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144 نقلاً عن الليث وغيره.]]. قال ابن السكيت: يقال: بدن [[(بدن): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع). وبدن كبصر وكرم. قاله الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 4/ 200.]] الرجل يبدن بَدْنًا وبدانة فهو بادن إذا ضخم، وهو رجل بَدَنٌ إذا كان كبيرًا، وأنشد [[البيت أنشده ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 330، للأسود بن يعفر، وأوله: هل لشباب فَاتَ من مَطلْبِ هو في "ديوان الأسود" ص 21 وروايته فيه: "البائس" في موضع "البدن"، و"أدب الكاتب" لابن قتيبة ص 265، و"تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144 (بدن)، وفيه: "بقاء" في موضع "بكاء"، و"لسان العرب" 13/ 48 (بدن). قال البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 209: يقول: هل يمكن طلب الشباب الغائب واسترجاعه، بل كيف يبكي الرجل الأشيب شوقًا إلى أحبته؟. وذلك لا يليق به.]]: أمْ [[في (أ)، (ظ): (أمّا).]] ما بكاءُ البدن الأشيب [[قول ابن السكيت وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144، وهو في "إصلاح المنطق" ص 330.]] وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون سميت بدنة لعظمها وضخامتها. ويجوز أن يكون سميت لسنّها، رجل بدن إذا كان كبير السنن، وبدنت أي أسنت، وبدنت أي: سمنت وضخمت [[لم أجد من ذكره عنه. وانظر: "بدن" في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144، "الصحاح" للجوهري 5/ 2077، "لسان العرب" 13/ 48 - 49.]]. والمفسرون يقولون في تفسير البدنة: إنّها الإبل والبقر. وهو قول عطاء والسدي [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب. ورواه الطبري 17/ 163 عن عطاء بلفظ: البقرة والبعير. وللمفسرين في البدن قول آخر وهو أنها الإبل خاصّة، ذكره الماوردي 4/ 26 وعزاه للجمهور. وحكاه القرطبي 12/ 61 عن ابن مسعود وعطاء والشافعي. وحكى القول الأول عن مالك وأبي حنيفة. ثم قال القرطبي: والصحيح ما ذهب إليه الشافعي وعطاء، لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح في يوم الجمعة: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة" الحديث. فتفريقه -عليه السلام- بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال لها بدنة. والله أعلم. وأيضًا قوله تعالى: "فإذا وجبت جنوبها" يدل على ذلك، فإن الوصف خاصٌ بالإبل، والبقر يضجع ويذبح كالغنم. انتهى من القرطبي 12/ 61. والحديث الذي أشار إليه القرطبي رواه البخاري في صحيحه (كتاب الجمعة -باب فضل الجمعة 2/ 366، ومسلم في صحيحه (كتاب الجمعة -باب الطيب والسواك يوم الجمعة 2/ 582 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وصحح ابن كثير 3/ 221 أنَّ البقرة يطلق عليها بدنة شرعًا. ونقل ابن الجوزي 5/ 432 عن القاضي أبي يعلى أنه قال: البدنة اسمٌ يختص الإبل في اللغة، والبقرة تقوم مقامها في الحكم؛ لأن النبي -ﷺ- جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. اهـ. والذي يظهر أن البدن في الآية هي الإبل للتعليل الذي ذكره القرطبي، والبقرة تدخل في مسمى البدن من حيث اتحاد الحكم بينهما.]]. وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: من أعلام دينه. والمعنى: جعلنا لكم فيها عبادة لله -عز وجل-، من سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها، ونحرها، والإطعام منها. ومضى الكلام في تفسير الشعائر [[في (ظ): (الشعيرة).]]. وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قال ابن عباس: يريد في الدنيا والآخرة [[ذكره عنه الزمخشري في "الكشاف" 3/ 14، وأبو حيان في "البحر" 6/ 369. وذكره القرطبي 12/ 61 من غير نسبة، وصوبه.]]. قال المفسرون: يعني النفع في الدنيا والأجر في العقبى [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 52 ب، 53 أ.]]. وذكرنا هذا [[(هذا): ساقطة من (أ).]] المعنى [[في (ع): (الكلام).]] مستقصىً عند قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلا أن المراد بتلك المنافع الدنيا لقوله ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ والمراد بالخير هاهنا خير الدنيا والآخرة، كما ذكر ابن عباس. قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أي: على نحرها، لأنَّ السنة أن يذكر الله عند نحرها. قال ابن عباس: هو أن يقول: بسم الله، والله أكبر لا إله إلا الله، اللهم منك ولك [[هذا مجموع روايات رواها الطبري 17/ 164 من طريق أبي ظَبيان، عن ابن عباس.]]. وقوله ﴿صَوَافَّ﴾ جمع صافّة، وهي فاعلة من الصَفّ، وهو جعل الأجسام يلي أحدها الآخر على منهاج واحد [[انظر: "لسان العرب" 9/ 194 (صفف)، "القاموس المحيط" 3/ 162 - 163.]]. قال ابن عباس في رواية ابن أبي مليكة: قيامًا [[رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 4/ 83 عنه من رواية ابن أبي مليكة.]]. وقال ابن عمر: قيامًا مقيدة، سنة محمد -ﷺ- [[رواه البخاري في صحيحه كتاب الحج -باب نحر الإبل مقيَّدة 3/ 553، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الحج- باب نحر البدن قيامًا، مقيّدة 2/ 956).]]. وقال مجاهد: الصَّواف: إذا عُقلت [[في (أ): (علّقت).]] إحدى يديها وقامت على ثلاث [[في (أ): (ثلاثة).]]، وتنحر كذلك [[ذكره عنه الثعلبي في الكشف والبيان 3/ 53 أ. وفيه: إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت ... كذلك. وبنحوه مختصرًا رواه الطبري 17/ 164.]]. وعلى هذا هي صواف، لأنها قد صفت أيديها وأرجلها إذا وقفن على منهاج واحد، كما روى ليث، عن مجاهد قال [[قال: ساقطة من (ط).]]: يسوى بين أوظافها [[في (ظ)، (د)، (ع): (أوطانها. والصواب ما في (أ). وأوظافها: جمع وَظيف، قال الجوهري في الصحاح 4/ 1439 "وظف": الوظيف: مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل ونحوها.]] [[رواه الطبري 17/ 164 من رواية ليث، عن مجاهد.]]. يعني لئلا يتقدم بعضها على بعض فلا تكون صواف. وفي هذا دليل على أنها تُنْحر قائمة واقفة مصفوفة، لأنها إن كانت باركة أو ماشية لا تكون صافة، ولا يتصور الصف في البدنة الواحدة إلا أن يقال إنها إذا وقفت صفت يديها أو رجليها [[في (ظ)، (د)، (ع): (رجليها أو يديها).]] إذا لم يعقل إحداهما، ولكن يتصور في البدن إذا وقفن فصففن أيديهن معقولة وغير معقولة، والدليل على أنها تعقل إحدى يديها قراءة عبد الله: "صوافن" [[انظر الطبري 17/ 165، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 99، "الشواذ" لابن خالوية ص 95، "المحتسب" لابن جني 2/ 81.]] وهي القائمة على ثلاث قوائم، ونذكر تفسيرها عند قوله ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: 31]. وقال أبو إسحاق -في قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ -: أي قد صفت قوائمها [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.]]. وقال أبو عبيدة: تصفّ بين أيديها [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 50.]]. وقال ابن قتيبة: أي: قد صُفَّت أيديها [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 293.]]. وقال ابن عباس في رواية أبي ظبيان في قوله ﴿صَوَافَّ﴾ قال: معقولة [[رواه الطبري 17/ 164، والبيهقي في "السنن" 5/ 237 من طريق أبي ظبيان.]]. ونحوه قال عطاء، والفرَّاء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 226.]]. وهو معنى وليس بتفسير، وذلك أنها إذا عقلت إحدى يديها وقفت فصفت يدها مع يد التي إلى جنبها. وكثير من الصحابة قرؤوا "صوافي" [[رويت هذه القراءة عن أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما. ونسبت إلى الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وسليمان التيمي وجماعة. انظر: الطبري 17/ 163، "الشواذ" لابن خالويه ص 95، "المحتسب" لابن جني 2/ 81، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 53 أ، "البحر المحيط" 6/ 369.]] على معنى: خالصة لله، جمع صافية، أي: لا يشركوا في التسمية على [[في (ظ)، (د)، (ع): (إلي).]] نحرها أحدًا. وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين [[وهو ومروي عن الحسن وطاووس والزهري وابن زيد. انظر الطبري 17/ 165، وابن كثير 3/ 222.]]. ويدل من الآية على أنها تُنْحر قيامًا. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن " لأبي عبيدة 2/ 51.]]، والزَّجَّاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.]]، وجميع أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 222 (وجب)، "لسان العرب" 1/ 794 (وجب).]]: سقطت إلى الأرض. يقال: وجب الحائط يجب وَجْبَةَ إذا سقط، وسمعت له وجْبَةً، أي. وقعة، ووجبت الشمس إذا وقعت للغروب في المغيب، ووجب الشيء إذا (وقع لازمًا، ووجب القلب وجيبًا إذا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).]] وقع وتحرك باضطراب [[انظر "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428، "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 222 - 223 مادة "وجب"، "لسان العرب" 1/ 794 "وجب".]]، وأنشدوا لأوس بن حجر يرثي [[يرثي: ساقطة من (أ).]]: ألم تكسف الشمس والبدر ... والكواكب للجبل الواجب [[البيت في "ديوانه" ص 10، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51، والطبري 17/ 166، و"التعازي والمراثي" للمبرد ص 33، و"السمط اللآلي" ص 466. وهو من أبيات يرثي بها فضالة بن كلدة، وبعده: لفقد فضالة لا تستوي الـ ... فُقُود ولا خُلّة الذَّاهب]] وقال الكميت: ألم ترني لقيت ضباء [[في (أ): (طلبا)، وهو خطأ.]] أنس ... بخيف مني ولم تجب الجنوب [[في (و)، (ع): (الجبوب)، وهو خطأ.]] [[هذا البيت والذي بعده أثبتها المعلق على "مجاز القرآن" 2/ 51 في الهامش، == وذكر أنهما كتبا في حاشية نسخة "س" منسوبين للكُميت. واعتمد جامع ديوان الكميت على هذه الحاشية فأورد الأول في "ديوانه" 1/ 81، والثاني في 1/ 125 وأحال على حاشية المجاز.]] وقال آخر: حلفت برب مكة والهدايا ... غداة النحر واجبة الجنوب [[في (د)، (ع): (الجبوب)، وهو خطأ.]] قال ابن عباس ومجاهد، والضحاك: خرت لجنوبها [[ذكره عن ابن عباس السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 53 بلفظ: سقطت على جنبها. وعزاه لابن أبي حاتم. ورواه الطبري 17/ 166 عن مجاهد بلفظ سقطت على الأرض.]]. وذلك عند نزف دمها وخروج الروح منها، ولذلك قال ابن زيد في تفسيرها: فإذا ماتت [[رواه الطبري 17/ 166.]]. لأنها تقف ما دامت الروح تبقى فيها، فإذا سقطت إلى الأرض فذلك حين تهدأ [[في (أ): (يهدى)، وهو خطأ.]] وتسكن حركتها، وهو وقت الأكل منها، ولذلك عقَّب الله تعالى هذه الحالة بالأمر بالأكل منها فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهذا يدل على أنّه لا ينبغي للمرء أن يعجل فيقطع منها ليأكل قبل أن يتم نحرها، ولكن يصبر حتى تسكن حركتها وكذلك السلخ يُبْتدأ بعد السكون، وهذا معنى قول عمر -رضي الله عنه-: لا تعجلوا الأنفس أن تزهق [[في (ظ): (قبل أن تزهق).]] [[رواه الثوري في جامعه (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 22، ومسند عمر بن الخطاب له أيضًا 1/ 335، والبيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 278 عن عمر رضي الله عنه، به). ورواه عنه عبد الرزاق "المصنف" 4/ 495، وابن أبي شيبة في مصنفه 5/ 292 - 293 عنه بلفظ: وذر، وعند ابن أبي شيبة: وأقرّوا الأنفس حتى تزهق.]]. ولهذا ايضا نُهي عن النَّخْع [[روى البخاري في صحيحه (كتاب الذبائح والصيد- باب النحر والذبح 9/ 640) تعليقا عن نافع أن ابن عمر نهى عن النَّخع. وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 167 ففيه: وفي الحديث: "ألا لا تنخعوا الذبيحة حتى تجب". ومثله في "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري 3/ 414، و"غريب الحديث" لابن الجوزي 2/ 389. ولم أجد هذا الحديث.]]، وهو أن يقطع الحلقوم والمريء بعد الذبح وفري الأوداج [[الأوداج: جمع ودج، والودج: عرق في العنق، وهما ودجان. الصحاح للجوهري 1/ 347 (ودج).]]، وذلك غير جائز؛ لأنه زيادة جراحة بعد تمام الذبح. ومعنى النخع: قطع النخاع، وهو العرق الذي في الفقار [[انظر: (نخع) في "تهذيب اللغة" 1/ 67، "الصحاح" للجوهري 3/ 1288، "القاموس المحيط" 3/ 87. والفقار: جمع فقرة -بالكسر- وفقرة وفقارة -بفتحهما- وهو: ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب. "لسان العرب" 5/ 61 (فقر)، "القاموس المحيط" 2/ 111.]]. وذكرنا وجه هذا الأمر فيما تقدم من هذه السورة. قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ القانع في الآية بمعنيين: أحدهما: أنه من القُنُوع بمعنى المسألة. يقال: قنع [[كمنع. قاله الفيروزآبادي في "القاموس" 3/ 76.]] يقنع قنوعًا، إذا سأل. والقانع: السائل. ومنه الحديث في ذكر من لا تجوز شهادته: "ولا شهادة القانع مع أهل البيت" [[هذا طرف حديث رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 156، والترمذي في "جامعه" كتاب الشهادات 6/ 580 - 581، والدراقطني في "سننه" 4/ 244، == والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 202 من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا. قال الترمذي بعد روايته للحديث: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد ابن زياد الشَّامي، ويزيد يضعّف في الحديث. وضَعّف هذا الحديث بيزيد: الدارقطني والبيهقيُ.]]. قال أبو عبيد [[في (ظ)، (د)، (ع): (أبو عبيدة)، وهو خطأ.]]: هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم ويسأل معروفَهُم، وأنشد [[البيت أنشده أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 156 للشمَّاخ. وهو في "ديوانه" ص 56، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة 1/ 489 - 499، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428، والطبري 17/ 68، "الأضداد" لابن الأنباري ص 66 - 67.]]: لمالُ المرء يُصلِحُه فيغني ... مَفَاقِرَةُ أعفُّ من القُنُوع أي: من المسألة [[قول أبي عبيد وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 59 "قنع" كتاب "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 156 لكن فيه: هو الرجل يكون مع الرجل يطلب فضله ويسأل معروفه. وهو في كتاب "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 156، والكلام مفسر فيه مثل ما نقله الأزهري عنه.]]. ومن هذا قول لبيد: وإعطائي المَوْلَى على حين فقره ... إذا قال أبْصِرْ خَلَّتي وقُنُوعي [[البيت في "ديوانه" ص 71، وفيه "خشوعي" في موضع "قنوعي". وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 52، والطبري 17/ 170 بمثل الرواية هنا. قال الطوسي في شرحه لديوان لبيد ص 71: (المولى: ابن العم، الخلّة. الحاجة، خلَّتي وقنوعي: الاستكانه وسوء الحالة.]] المعنى الثاني: أن القانع الذي لا يسأل وهو من القناعة. يقال: قَنِعَ يقنع قناعة وَقَنعًا [[قنعًا: ساقطة من (أ).]] وقُنعَانًا [[في (ظ): (وقناعًا)، وفي (د)، (ع): (وقناعًا).]]، إذا رضي بما قُسم له وترك المسألة والتعرض [[انظر: "قنع" في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 259، "الصحاح" للجوهري 3/ 1273، "لسان العرب" 8/ 298.]] قال ابن السكيت: ومن العرب من أجاز القُنُوع بمعنى القناعة، وكلام العرب الجيد هو الأول [[قول ابن السكيت في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 259 (قنع).]]. قال أبو زيد: قال بعضهم: القانع: السائل، وقال بعضهم: المتعفف؛ وكلُّ يصلح [[قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 259 (قنع).]]. فذكر الوجهين. وكقول أبي زيد ذكر أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51 - 52.]] والزَّجَّاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.]] الوجهين. وأما المعتر: فقال الأزهري: قال أهل اللغة: المعتر: الذي يُطِيف بك يطلب ما عندك سألك أو سكت عن السؤال [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 99 (عَرَّ).]]. وقال ابن الأعرابي: عررت [[في المطبوع من "تهذيب اللغة" 1/ 99: عروت.]] فلانًا واعتررته وعروته [[في المطبوع من "تهذيب اللغة" 3/ 99: وعررته.]] واعتريته [[في (د)، (ع): (واعتروته).]]، إذا أتيته تطلب معروفه [[قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 99 (عرَّ)]]. ونحو هذا قال أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51.]]، وأنشد لحسان: لعمرك ما المعتر يأتي بيوتنا ... لنمنعه بالضّايع المتهضم [[البيت أنشده أبو عبيدة لحسان في "مجاز القرآن" 2/ 52، وروايته عنده: لعمرك ما المعترُّ يأتي بلادنا ... لنمنعه ..............]] فحصل من هذا أن القانع يجوز أن يكون السائل وغير السائل، وكذا المعتر إلا أنه لا ينفك من تعرض ونوع طلب. وعلى هذين الوجهين كلام المفسرين. منهم من يقول: القانع: الذي يسأل والمعتر الذي يأتيك بالسلام ويريك وجهه ولا يسأل، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء [[ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 55 هذا القول عن ابن عباس من غير ذكر من رواه عنه، وعزاه لابن المنذر. وذكر هذا القول عن ابن عباس النحاس في "معاني القرآن" 4/ 413. وذكره ابن الجوزي وعزاه لابن المنذر. وذكر هذا القول عن ابن عباس النحاس في "معاني القرآن" 4/ 413. وذكره ابن الجوزي 5/ 433 وقال: رواه بكر بن عبد الله عن ابن عباس. وذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 22.]]، وزيد بن أسلم [[وقوله ذكره عنه بنحوه الثعلبي في "الكشف" 3/ 53 أ. ورواه الطبري 17/ 169 بنحوه.]]، وابنه [[ذكره عنه بنحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 53 أ.]]، وسعيد بن جبير [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 38، والطبري 17/ 168، والبيهقي في "سننه" 9/ 294.]]، والكلبي [[ذكره الثعلبي 3/ 53 أ، والطبري 17/ 168]]، والحسن [[رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 156 ب)، وابن أبي شيبة في مصنّفه == 4/ 72، والطبري 17/ 168، والبيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 294.]]، وبكر بن عبد الله. ومنهم من يقول بعكس هذا فيقول: القانع: المتعفف الجالس في بيته، والمعترّ: السائل الذي يعتريك ويسأل. وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي [[ذكره الثعلبي 3/ 53 أمن رواية الوالبي. ورواه الطبري 17/ 167.]]، وعكرمة، وقتادة [[رواه الطبري 17/ 167 عن عكرمة - وقتادة.]]، وإبراهيم، ومجاهد [[رواه الطبري 17/ 168، والبيهقي في "السنن" 9/ 294.]]، قالوا: القانع الذي يقنع ويجلس، والمعتر الذي يعتريك ويسأل. وروي عن ابن عباس قول ثالث وهو: أن كلاهما الذي لا يسأل، وهو رواية العوفي عنه، قال: القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك [[ذكره الثعلبي 3/ 53 أمن رواية العوفي. ورواه الطبري 17/ 167.]]. ونحو هذا روى ليث عن مجاهد قال: القانع: جارك وإن كان موسرًا، والمعتر: الذي يعتريك ولا يسألك [[رواه الطبري 17/ 167 من رواية ليث، عنه.]]. وهذا أيضًا رواية خصيف عنه [[روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 72، والطبري 17/ 167 من طريق خصيف، عن مجاهد قال: القانع: أهل مكة، والمعتر الذي يعتريك فيسألك.]]. وعلى هذا إنما يُطْعم القانع بأن يرسل إليه، كما روى قابوس، عن أبيه [[هو: أبو ضبيان حصين بن جندب.]]، عن ابن عباس قال: القانع من أرسلت إليه في بيته [[رواه البيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 294 من طريق قابوس، عن أبيه، عن ابن == عباس بلفظ: القانع بما أرسلت ... وهذا الأثر ضعيف لضعف قابوس. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 54 - 55 بمثل لفظ البيهقي، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في "سننه". واختار الطبري 17/ 170 أن القانع: السائل، والمعتر هو الذي يأتيك معترًا بك لتعطيه وتطعمه، وعّلل ذلك بقوله: لأنه لو كان المعني بالقانع -في هذا الموضع: المكتفى بما عنده والمستغني به- لقيل: وأطعموا القانع والسائل، ولم يقل "وأطعموا القانع والمعتر" وفي اتباع ذلك قوله "والمعتر" الدليل الواضح على أن القانع معني به السائل .. وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 413 عن القول بأن القانع هو السائل والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك، إنه أحسن ما قيل في هذا وهو الصحيح في اللغة. واستظهر هذا القول الشنقيطي في "أضواء البيان" 5/ 695.]]. والمستحب للمُهْدي أن يطلب القانع والمعتر، فيعطيهما جميعًا، قيامًا بالأمر وامتثالًا له. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ كذلك أي: مثل ما وصفنا من نحرها قيامًا، والإطعام منها ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ نعمة منا عليكم لتتمكنوا من نحرها على الوجه المسنون. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لكي تطيعوني. وشكر الله طاعة له واعتراف بإنعامه.

الحج 22:37

قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ قال الكلبي: كان أهل الجاهلية إذا نحروا البدن نضحوا دماءها حول البيت قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل الله هذه الآية [[ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 55 - 56 نحوه عن ابن عباس، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه. == وذكر ابن الجوزي 5/ 434 نحوه من رواية أبي صالح، عن ابن عباس. وذكر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 225 نحوه من رواية ابن أبي حاتم عن ابن جريج. ولم يثبت في سبب نزول هذه الآية شيء صحيح.]]. وقال الزَّجَّاج: كانوا إذا ذبحوا لطَّخُوا البيت بالدم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 429.]]. والمعنى: لن يصل إلى الله اللحوم ولا الدماء أي: لن يتقرب إليه بها. وقال مقاتل بن حيّان: لن يُرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يرفع إلى الله منكم الأعمال الصالحة والتقوى [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 56، وعزاه لابن أبي حاتم.]]. والمعنى لن يتقبل الله اللحوم ولا الدّماء، ولكن يتقبل التقوى فيها وفي غيرها بإيجاب الثواب عليها. وقيل: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يبلغه التقوى منكم [[ذكر هذا القول الطوسي في "التبيان" 7/ 284، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 179 ب، ولم ينسباه لأحد.]]. وقال الأزهري: لن يصل إلى الله ما يُنيلكم به ثوابه غير التقوى، دون اللحوم والدماء [["تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 372 دون قوله: دون اللحوم والدماء.]]. قوله: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد النيّات. وقال إبراهيم: التقوى ما أُريد به وجهه [[رواه الطبري 17/ 170. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 56، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ: ما التمس به وجه الله تعالى.]]. وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الذي يصل إليه تقواه وطاعته فيما يأمر به [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 429.]]. وحقيقة معنى هذا الكلام يعود إلى القبول. وذلك أنّ [[أن: ساقطة من (د)، (ع).]] ما يقبله الإنسان يقال: قد ناله ووصل إليه. فخاطب الله تعالى الخلق كعادتهم في تخاطبهم والمعنى. لن يقبل الله اللحوم ولا الدماء إذا كانت من غير تقوى الله، وإنما يقبل منكم ما تتقونه به. وهذا دليل على أن شيئًا من العبادات لا يصح إلا بالنية، وهو أن ينوي بها التقرب إلى الله وأداء [[في (أ)، (ع): (وإذا)، وهو خطأ.]] أمره واتقاء عقابه. وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ تقدم تفسيره قبيل. ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما بين لكم وأرشدكم لمعالم [[في (أ): (إلى دينه).]] دينه [[في (د)، (ع): (دينكم).]] ومناسك حجه. وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا [[ذكره البغوي 5/ 388 من غير نسبه.]] ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: يريد الموحّدين [[في (أ): (المحدين).]] [[ذكره عنه البغوي 5/ 388، وأبو حيان في "البحر" 6/ 370.]].

الحج 22:38

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال المفسرون: يعني غائلة المشركين [[الطبري 17/ 171، والثعلبي 3/ 53 ب.]]. وقال أبو إسحاق: هذا يدل على النصر من عنده، أي: فإذا فعلتم هذا وخالفتم الجاهلية فيما يفعلونه في نحرهم وإشراكهم بالله، فإنّ الله يدفع عن حزبه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 429.]]. وقُرئ: "إنَّ الله يدافع" [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يدفع) بغير ألف. وقرأ الباقون (يدافع) بالألف. "السبعة" ص 437، "التبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157.]]. من دافع. وهو بمعنى دفع، وإن كان من المفاعلة، مثل: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وعافاه الله [["الحجة" للفارسي 5/ 279 مع اختلاف يسير. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 425، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 79، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 120. وذكر ابن زنجلة في "حجة القراءات" ص 478 وجها آخر في توجيه قراءة (يدافع) فقال: وحجتهم أنَّ "يدافع" عن مرات متواليات. اهـ وبينه مكي في "الكشف" 2/ 15 بقوله: وقد تكون "فاعل" للتكرير، أي: يدفع عنهم مَرَّة بعد مرة.]]. قال الأخفش: أكثر الكلام "إن الله يدفع" بغير ألف. قال: ويقولون دفع الله عنك. قال: ودافع عربية إلا أن الأولى [[في "الحجة": الأول.]] أكثر [[قول الأخفش في "الحجة" للفارسي 5/ 279. ولم أجده في "معاني القرآن" للأخفش.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ قال ابن عباس: يريد: خانوا الله، وجعلوا معه شريكًا، وكفروا نعمه [[ذكره عنه البغوي 5/ 388.]]. وقال أبو إسحاق: إنَّ من ذكر غير اسم الله، وتقرب إلى الأصنام بذبيحة؛ فهو خوان كفور [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 429.]]. وقال أهل التفسير: كل خوان في أمانة الله كفور لنعمته [[في (ط)، (د)، (ع): (لنعمه)، وعند الثعلبي: بنعمته.]] [[هذا قول الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 53 أ.]].

الحج 22:39

وقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 39، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 261 - 262، والنسائي في "التفسير" 2/ 88، والطبري في "تفسيره" 17/ 172، والحاكم في "مستدركه" 2/ 66 كلهم من طريق سفيان الثوري، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند 3/ 261: إسناده صحيح.]]، وقتادة [[رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 39، والطبري 17/ 173.]]، والزهري [[رواه عنه النسائي في "تفسيره" 2/ 89 - 90.]]: هذه أول آية نزلت في القتال. وقال سعيد بن جبير: لما أخرج النبي -ﷺ- من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيَّهم ليهلكن. فنزلت هذه الآية. قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال [[رواه الترمذي في جامعه (كتاب التفسير -باب ومن سورة الحج 9/ 15) من رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ثم قال: وقد رواه غير واحد عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير مرسلا وليس فيه عن ابن عباس.]]. قال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله -ﷺ- فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك فيقول لهم النبي -ﷺ-: "اصبروا فإنّي لم أؤمر بالقتال"، حتى هاجر فأنزل الله هذه الآية [[ذكره الثعلبي 3/ 53 ب بنصَّه. قال الزيلعي في كتابه "تخريج أحاديث الكشاف" 2/ 388 - بعد ذكره لما ساقه الزمخشري من وهو مثل الرواية هنا-: غريب جدًّا، وعزاه للواحدي في الوسيط. == وقال ابن حجر في "الكافي": لم أجده هكذا. ثم قال: وهو منتزع من أحاديث أقربها ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان في قوله "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا": وذلك أن مشركي مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة، فأستاذنوا النبي -ﷺ- في قتالهم بمكة فنهاهم؛ ليمتحن بذلك النبي -ﷺ- عن ذلك، فلما خرج النبي -ﷺ- إلى المدينة أنزل عليه "أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا". وذكر الطبري عن الضحاك: أن الصحابة رضي الله عنهم استأذنوا رسول الله -ﷺ- في قتال الكفار إذ آذوهم واشتطوا عليهم بمكة قبل الهجرة غيلة وسرا، فأنزل الله "إن الله لا يحب كل خوان كفور، فلما هاجروا أطلق لهم قتلهم وقتالهم، فقال "أذن للذين يقاتلون" الآية.]]. وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد -في هذه الآية- قال: ناس مؤمنون مهاجرون خرجوا من مكة إلى المدينة، وكانوا يمنعون، فأدركهم كفار قريش، فأذن الله للمؤمنين بقتال الكفار [[رواه الطبري 17/ 173 عنه من رواية ابن أبي نجيح، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 57 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الدلائل".]]. وعلى هذا القول الآية نازلةٌ في قوم مخصوصين بأعيانهم. والقول الأول عليه أهل التفسير. قال مقاتل بن حيان: إن مشركي مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة، فاستأذنوا النبي -ﷺ- في قتالهم، فنهاهم فلما خرج إلى المدينة أنزل عليه بالمدينة هذه الآية، وهي أول آية نزلت عليهم [[(عليهم): ساقطة من (ط)، وفي (د)، (ع): (نزلت في القتال عليهم).]] في القتال [[تقدم في كلام ابن حجر أنَّ ابن أبي حاتم أخرجه عنه.]]. وقرئ "أذن" بفتح الألف وبضمها [[قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وابن عامر: "أذن" مفتوحة الألف، وقرأ == الباقون بضمها. "السبعة" ص 437، "التَّبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157، "الإقناع" 2/ 706.]]. فمن فتح الألف بني الفعل للفاعل لما تقدم [[في (ظ): (علي ما تقدّم)، وفي "الحجة" للفارسي: فلما تقدم.]] من ذكر الله تعالى [[يعني أنَّه قرب من قوله -قبلها-: "إن الله لا يحب كل خوان كفور"، فأسندوا الفعل إلى الله لتقدم اسمه وأنَّ الفعل قرب منه. قاله ابن زنجلة في "حجة القراءات" ص 478.]]، وقوله ﴿لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ في موضع نصب ومن ضم الألف بني الفعل للمفعول به، والمعنى على أن الله سبحانه وتعالى أذن لهم في القتال، والجار والمجرور في موضع رفع لإسناد الفعل المني للمفعول إليهم. والمأذون لهم في القتال أصحاب رسول الله -ﷺ- [[من قوله: من فتح الألف إلى هنا. هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 280 - 281 مع تقديم وتأخير. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 426، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 478، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 120.]]. وقوله: "يقاتِلون" أي: الذين يقاتلون عدوهم الظالمين لهم بإخراجهم عن ديارهم. وهم المؤمنون. وقرئ "يقاتَلون" بفتح التاء [[قرأ نافع، وحفص عن عاصم، وابن عامر: "يقاتلون" بفتح التاء، وقرأ الباقون بكسر التاء. "السبعة" ص 437، "التبصرة" ص 266: "التيسير" ص 157، "الإقناع" 2/ 706.]]، أي: الذين يقاتلهم المشركون، وهم المؤمنون، ويقوي هذه القراءة أن الفعل الذي بعده مسند إلى المفعول به وهو قوله: "ظلموا" [[من قوله: الذين يقاتلون عدوهم ... إلى هنا. هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 280 - 281 مع تقديم وتأخير. == وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 478 - 479، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 121.]]. وفي الآية محذوف يدل على ظاهر الكلام. قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 227.]] والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 430.]]: المعنى: أذن لهم أن يقاتلوا. وقال أبو علي: المعنى فيه: أذن للذين يقاتَلون بالقتال. قال [[(قال): ساقطة من (ظ).]]: وحذف مثل هذه من الكلام للدلالة [[في (ظ): (بالدلالة).]] عليه حسن كثير [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 281.]]. وقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال المبّرد: أي من أجل أنّهم ظلموا. وقال أبو إسحاق: بسبب ما ظلموا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 430.]]. قال ابن عباس: اعتدوا عليهم وظاهروا عليهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ قال مقاتل: يعني نصر أصحاب النبي -ﷺ- فنصرهم عليهم [["تفسير مقاتل" 2/ 26 أ.]]. وقال أبو إسحاق: هذا وعبد من الله بالنَّصر [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 430 بنحوه.]].

الحج 22:40

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ["الذين" في موضع خفض، المعنى: أذن للذين أخرجوا من ديارهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] [[هذا كلام الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 430. ويكون "الذين" في موضع خفض؛ لأنه بدل من "الذين" الأولى، أو صفة له. وجوز أبو البقاء في الإملاء 2/ 145 أن يكون "الذين" في موضع نصب بأعْني، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ تقديره: هم الذين. وتبعه في ذلك أبو حيّان 6/ 374، والسمين الحلبي 8/ 282. وانظر أيضًا: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 100، "البيان في غريب إعراب القرآن" للأنباري 2/ 176 - 177.]]. قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 227.]]، والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 430.]]: أي لم يخرجوا إلا بأن وحَّدُوا الله، فأخرجتهم [[في (ظ): (فأخرجهم).]] عبدة الأوثان لتوحيدهم. وعلى هذا: "لم يخرجوا" مضمر في الآية، ودل عليه ذكر الإخراج في أول الآية والاستثناء المذكور [[وعلى قول الفراء والزجَّاج يكون الاستثناء في قوله: "إلا أن يقولوا". متصلاً، ويكون "أن يقولوا" في محل جر على البدل. وتبع الفراء والزجاج في هذا الزمخشري 3/ 16 فقال: أي لغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإفراج والتيسير. ومثله ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 59]. وذكر أبو حيان 6/ 374 قول الزجاج والزمخشري وتعقبهما بقوله: وما أجازاه من البدل لا يجوز؛ لأنَّ البدل لا يكون إلا إذا سبقه نفي أو نهي أو استفهام في معنى النفي .. وأما إذا كان الكلام موجبًا أو أمرًا فلا يجوز البدل .. ولو قلت في غير القرآن: أخرج الناس من ديارهم إلا بأن يقولوا لا إله إلا الله، لم يكن كلاما. وانظر: "الدر المصون" 8/ 282 - 283، "فتح القدير" للشوكاني 3/ 457.]]. وقال سيبويه: هذا من الاستثناء المنقطع، المعنى: لكن بأن يقولوا ربنا الله [["الكتاب" لسيبويه 2/ 325.]]. والمعنى: ولكن أخرجوهم بتوحيدهم. وذكر الفرَّاء هذا القول أيضًا، فقال: وإن شئت جعلت "أنْ" مستثناة كما قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 20] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 227.]]. وحكى المبرد عن بعضهم قولاً آخر، وهو: أنَّ المعنى أخرجوا من ديارهم بأن جعل الحق في إخراجهم، أي: الذين استحقوا به الإخراج قولهم: ربنا الله، كما تقول: ما غبت علي إلا أنّي منصفٌ، أي: جعلت سبب غضبك إنصافي. أي: عدوانًا وظلمًا [[في (ظ)، (د)، (ع): (ظلمًا وعدوانا).]]. هذا كلامه [[لم أقف عليه.]]. وعلى هذا الاستثناء متصل، واستثنى التوحيد من الباطل لضرب من المبالغة كقول النابغة: ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفَهم ... بهن فلول [[في (ظ): (كلول).]] من قِرَاعِ الكتائب [[البيت في "ديوانه" ص 44، و"الكتاب" 2/ 326، "المعاني الكبير" لابن قتيبة 1/ 360، "الكامل" للمبرد 1/ 51، "همع الهوامع" للسيوطي 1/ 132، "شرح أبيات مغني اللبيب" للبغدادي 3/ 16. قال البغدادي 3/ 19: وهو من قصيدة يمدح بها عمرو بن الحارث الأصغر من ملوك الشام الغسَّانيين، ويقال نهم: بنو جفنه. قال السيرافي في "شرح أبيات سيبويه" 2/ 51: يمدح آل جفنه الغسانيين. والفلول == جمع فل، وهو الثلم الذي يكون في السيف. والمعنى: أنهم يغزون كثيرًا ويضاربون الأقران، فسيوفهم قد تفلّلت. والقراع والمقارعة: المضاربة بالسيوف، وقوله "ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم مفللة هو بمنزلة: ليس فيهم عيب على وجه، لأنه إذا كان تفليل سيوفهم هو عيبهم -وهذا المعنى يمدح به- فلا عيب فيه على وجه. وهذا يقوله الناس على طريقة المبالغة في المدح.]] فاستثنى ما ليس بعيب من جملة العيب، وهو ضرب من المبالغة في الكلام، والمعنى على أنَّهم لا يعابون إلا بما ليس بعيب، كذلك هؤلاء ما أخرجوا من ديارهم إلا بما لا يوجب الإخراج. وقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ وقرئ: "ولولا دفاع الله" [[قرأ نافع: "ولولا دفاع الله" بالألف وكسر الدال، وقرأ الباقون "ولولا دفع الله" بغير ألف وفتح الدال. "السبعة" ص 437، "المبسوط" لابن مهران ص 258.]]. ومضى الكلام في هذا في الآية السابقة. قال أبو علي: ويجوز أن يكون الدفاع من دفع، كالكتاب من كتب، ولا يراد به مصدر فاعل، ولكن مصدر الثلاثة مثل: الكتاب والقيام والغياث [[في "الحجة": العتاب.]] [["الحجة" للفارسي 5/ 278.]]. وقوله: ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ الهَدَم: مصدر هدمت البناء، إذا نقضته. يقال: هدمته فانهدم. والهدم: المهدوم [[انظر: (هدم) في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 222، "الصحاح" للجوهري 5/ 2057، "لسان العرب" 12/ 603.]]. وقرئ "لهدمت" بالتخفيف والتشديد [[قرأ ابن كثير، ونافع: "لهدمت" بتخفيف الدال، وقرأ الباقون "لهدمت" بتشديد الدال. "السبعة" ص 438، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 157، "الإقناع" 2/ 706.]]. فالتخفيف يكون للكثير والقليل، يدلك على ذلك أنّك تقول: ضربت زيدًا ضربة، وضربته ألف ضربة. فاللفظ في الكثرة والقلة على حال واحدة. والتشديد يختص به الكثير [[من قوله: فالتخفيف يكون ... إلى هنا هذا كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 5/ 279. وانظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 78، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 121.]]. وقوله: ﴿صَوَامِعُ﴾ جمع صومعة، وهي مُتَعبّد الراهب. قال الأزهري: الصومعة من البناء سميت صومعة لتلطيف أعلاها. يقال: صَمَّع الثريدة، إذا رفع رأسها وحدَّده [[في (ظ)، (د)، (ع): (وحدده)، وفي (أ): (وحدّده)، وهو الموافق لما في "تهذيب اللغة".]]، وكذلك صعنبها [[في (أ)، (ع): (وصعسها) مهملة، وفي (ظ): (وصعبتها)، وفي (د): (وصعنبها)، وهو الموافق لما في "تهذيب اللغة".]]. وسُميت الثريدة إذا سويت كذلك صومعة. ومن هذا يقال: رجل أصمع إذا كان حادّ الفطنة [["تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 61 (صمع)، وقوله "ومن هذا يقال: رجل ... في 2/ 60.]]. قال مجاهد، والضحاك [[ذكره الثعلبي 3/ 53 ب عنهما. ورواه الطبري 17/ 175 عنهما. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 60 وعزه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.]]: يعني صوامع الرهبان. وقال قتادة: الصوامع للصابئين [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 53 ب. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 39، والطبري 17/ 176. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 60 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق [[ذكره عنه ابن كثير في "تفسيره" 3/ 226.]]. وقوله: ﴿وَبِيَعٌ﴾ [جمع بِيعة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]، وهي كنيسة النصارى في قول أهل اللغة [[انظر: (بيع) في "تهذيب اللغة" 3/ 239، "الصحاح" للجوهري 3/ 1189.]] والمفسرين [[هذا قول أبي العالية وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم. قال ابن كثير 3/ 226. وقيل "بيع" كنائس اليهود، حكاه ابن جرير 17/ 176 والثعلبي 3/ 53 ب عن مجاهد وابن زيد. وأما في اللغة فإن ابن منظور قال في "لسان العرب" 8/ 26 (بيع): والبيعة -بالكسر- كنيسة النصارى، وقيل: كنيسة اليهود.]]. وقوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ قال أبو إسحاق وأبو العباس [[قول أبي إسحاق في كتابه "معاني القرآن". وقول أبي العباس -ثعلب- في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 239 (صلى).]]. هي كنائس اليهود، وهي بالعبرانية صلوتا [[في (أ): (صلاتا)، وهو خطأ.]]. وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والضحاك [[ذكره الثعلبي 3/ 53 ب عن ابن عباس والضحاك وقتادة. وعن ابن عباس رواه الطبري 17/ 176 من طريق العوفي بلفظ: الكنائس. وليس فيه تقييدها باليهود، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 59 عن ابن == عباس بلفظ: كنائس الهود. وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 59 عن ابن عباس رواية أن الصلوات: كنائس النصارى. وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم. وعن قتادة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 39، والطبري 17/ 176، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 60 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم. وعن الضحاك رواه الطبري 17/ 176، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 6 وعزاه لابن أبي حاتم.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 26 أ. وفي الصلوات قول آخر أنَّها مساجد للمسلمين وأهل الكتاب. رواه الطبري 17/ 177 وغيره عن مجاهد وابن زيد.]]. وقوله: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ يعني مساجد المسلمين من أمة محمد -ﷺ- في قول ابن عباس وغيره [[ذكره عن ابن عباس السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 59 وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.]]. وأما معنى الآية: فقال أبو إسحاق: تأويل هذا: لولا أن الله دفع بعض الناس ببعض لهُدّم في كل شريعة نبي [[في المعاني: لهم في شريعة كل نبيّ.]] المكان الذي يصلى فيه، فكان لولا الدفع لهدم في زمن موسى -عليه السلام- الكنائس التي كان يصلى فيها في شريعته، وفي زمن عيسى [[(عيسى) ساقطة من (أ).]] -عليه السلام- الصوامع والبيع، وفي زمن محمد -ﷺ- المساجد [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 431.]]. وقال الأزهري: أخبر الله جل ثناؤه أنه لولا دفعه الناس [[في (ظ): (للناس).]] عن الفساد ببعض الناس لهدمت متعبدات كل فريق من أهل دينه وطاعته في كل زمان. فبدأ بذكر البيع لأن صلوات من تقدَّم من أنبياء بني إسرائيل وأصحابهم [[في "تهذيب اللغة": وأمهم، الفرقان.]] كانت فيها قبل نزول القرآن، وأحدثت المساجد وسمّيت بهذا الاسم بدهم. فبدأ جلَّ ثناؤه بذكر الأقدم، وأخَّرَ ذكر الأحدث [["تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 239. قال ابن كثير 3/ 226: وقال بعض العلماء: هذا ترق من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عمارًا وأكثر عبادًا وهم ذوو القصد الصحيح.]] وهذا مذهب أكثر أهل التأويل في هذه الآية. وقال ابن زيد: الصَّلوات: صلوات أهل الإسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدو [[رواه الطبري 17/ 177، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 60 وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وقال الأخفش: وعلى هذا فالصلوات لا تهدم، ولكن يحمل على فعل آخر كأنه قال: وتركت صلوات [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 636.]]. وقال أبو عبيدة: إنَّما يعني مواضع الصلوات [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 52 وعبارته: مجازه مصليات.]]. والقول هو الأول. وقال الحسن: يدفع عن هدم [[في (أ): (هم).]] مصليات أهل الذمة بالمؤمنين [[ذكره عنه الثعلبي 54/ 3 أ.]]. وعلى هذا القول لا يحتاج إلى التفسير [[في (د)، (ع). (تفسير).]] الذي ذكرنا في القول الأول، غير أن الأول [[في (أ): (الأولى)، وهو خطأ.]] أولى؛ لأنهم قبل أن صاروا أهل الذمة حين كانوا على الحق كانت متعبداتهم مدفوعًا عنها، وأيضَّا فإنه يلزم أن يبدأ بدكر المساجد لفضلها، إذ بطلت البيع والكنائس في الإسلام. وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ينصر [[في (أ): (لينصر).]] دينه وشريعته ونبيه. قال ابن عباس: يريد ينصر محمدًا -ﷺ-. قال مقاتل: وقد فعل، نَصر محمدًا [[في (أ): (محمد)، وهو خطأ.]] ونَصر أهل دينه [["تفسير مقاتل" 3/ 26 أ.]]. وقال أبو إسحاق: أي: من أقام شريعة من شرائعه نصر على إقامة ذلك [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 431]]. وهذا وعد من الله بنصر من ينصر دينه وشريعته. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ قال ابن عباس: على خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ منيع في سلطانه وقدرته [[انظر: الطبري 17/ 178، وابن كثير 3/ 226.]]. وقال مقاتل: ﴿عَزِيزٌ﴾ في انتقامه من عدوه [[انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 26 أ]].

الحج 22:41

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ ذهب بعض النحويين [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 101.]] إلى أن هذا بدل من قوله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ كل هذا من وصف قوم واحد [[وعلى هذا القول فـ"الذين" في موضع خفض. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 101، "الإملاء" للعكبري 2/ 145، "البيان في إعراب غريب القرآن" للأنباري 2/ 177.]]. وعلى هذا ذكر الله تعالى المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، ثم ذكر أنه كان ينصر في كل زمان أهل دينه، ويدفع عنهم بالغزاة، ولولا ذلك لغلب عدوهم حتى تخرب [[في (ظ): (تحرب)، وفي (د): (بحرب)، وفي (ع): (نحرب).]] متعبداتهم، وكذا يفعل بهذه الأمة، ينصرهم حتى يأمنوا في مساجدهم وديارهم، ثم عاد إلى وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾. وقال أبو إسحاق: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ من صفة ناصِريه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 431.]]. يعني قوله ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ وعلى هذا هو في محل النصب [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 101، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 494، "البيان في غريب إعراب القرآن" للأنباري 2/ 177. وذكر أبو البقاء العكبري في "الإملاء" 2/ 145 أن إعراب: "الذين إن مكناهم" مثل إعراب "الذين أخرجوا" واستظهره أبو حيان 6/ 376، وجوَّز ذلك السمين 8/ 286، 8/ 286 وقال: ويزيد هذا عليه -يعني: "الذين إن مكناهم"- بأن يجوز أن يكون بدلاً من "من ينصره" ذكره الزجَّاج، أي: ولينصرن الله الذين إن مكناهم في الأرض.]]. ومعنى ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نصرناهم على عدوهم حتى يتمكنوا من البلاد غير مقهورين. وقوله: {أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان [[ذكره عنه القرطبي 12/ 73، وأبو حيان في "البحر" 6/ 376.]]. وقال قتادة: هم أصحاب محمد -ﷺ- [[ذكره عنه الثعلبى 3/ 54 أ.]]. ونحو هذا قال مقاتل [[انظر: "تفسيره" 3/ 26 أ.]]. وقال محمد بن كعب: هم الولاة [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 60 وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وقال أبو العالية: هم هذه الأمة [[ذكره عنه الثعلبى 3/ 54 أ. وذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 60 عنه أنه قال: أصحاب محمد -ﷺ- وكذا ذكره ابن كثير 3/ 226.]]. وهذا قول الحسن [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 54 أ، والنحاس في "معاني القرآن" 4/ 419.]]. وعكرمة: أهل الصلوات الخمس [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 154 أ.]]. وهذه الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ قرنا بالصلاة والزكاة. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]. والمعنى: أنه يبطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور إليه بلا منازع ولا مُدَّع.

الحج 22:42

ثم عزى نبيه -ﷺ- عن تكذيبهم إياه، وخوف مخالفيه بذكر من كذَّب نبيه فأُهلك [[في (ظ): (وأهلك).]] بقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ [قال بعض أهل المعاني. إنما قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾،] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ط).]] ولم يقل: وقوم موسى كما ذكر [[في (أ): (ذكره).]] قوم غيره من الأنبياء؛ لأن قوم موسى كانوا بني إسرائيل وهم آمنوا به، وإنما كذّبه فرعون وقومه، وغيره من الأنبياء كذَّبه قومه الذين كانوا من نسبه [[ذكر القرطبي 12/ 73 وأبو حيان 6/ 376 هذا المعنى، ولم ينسباه لأحد.]]. وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخَّرت العقوبة عنهم وأمهلتهم [[انظر الطبري 17/ 179، والثعلبي 3/ 54 أ.]]. يقال: أمْلى الله لفلان في العمر، إذا أخَّر عنه أجله [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 405 (ملا)، "الصحاح" للجوهري 6/ 2497 (ملا).]]. وأصل هذا من المَلَوين [[الملوان: اللفعل والنهار، أو طرفاهما. انظر: "الصحاح" للجوهري 6/ 249، (ملا)، و"لسان العرب" لابن منظور 15/ 291 "ملا".]]. وذكرنا هذا عنِد قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46]. وقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: بالعذاب. قال ابن عباس: يريد: فعذبتهم [[في (أ): (تعذيبهم).]]. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ استفهام معناه التقرير، والنكير اسم من الإنكار. يقول: كيف أنكرت عليهم بالعقوبة. ألم أبدلهم بالنعمة نقمة، وبالكثرة [[في (ج): (والكثرة).]] قلة، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا؟ [[هذا كلام الطبري 17/ 179 مع تصرف.]]. وقال أبو إسحاق: أي: ثم أخذتهم، فأنكرت أبلغ إنكار [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 431.]].

الحج 22:43

ثم عزى نبيه -ﷺ- عن تكذيبهم إياه، وخوف مخالفيه بذكر من كذَّب نبيه فأُهلك [[في (ظ): (وأهلك).]] بقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ [قال بعض أهل المعاني. إنما قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾،] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ط).]] ولم يقل: وقوم موسى كما ذكر [[في (أ): (ذكره).]] قوم غيره من الأنبياء؛ لأن قوم موسى كانوا بني إسرائيل وهم آمنوا به، وإنما كذّبه فرعون وقومه، وغيره من الأنبياء كذَّبه قومه الذين كانوا من نسبه [[ذكر القرطبي 12/ 73 وأبو حيان 6/ 376 هذا المعنى، ولم ينسباه لأحد.]]. وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخَّرت العقوبة عنهم وأمهلتهم [[انظر الطبري 17/ 179، والثعلبي 3/ 54 أ.]]. يقال: أمْلى الله لفلان في العمر، إذا أخَّر عنه أجله [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 405 (ملا)، "الصحاح" للجوهري 6/ 2497 (ملا).]]. وأصل هذا من المَلَوين [[الملوان: اللفعل والنهار، أو طرفاهما. انظر: "الصحاح" للجوهري 6/ 249، (ملا)، و"لسان العرب" لابن منظور 15/ 291 "ملا".]]. وذكرنا هذا عنِد قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46]. وقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: بالعذاب. قال ابن عباس: يريد: فعذبتهم [[في (أ): (تعذيبهم).]]. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ استفهام معناه التقرير، والنكير اسم من الإنكار. يقول: كيف أنكرت عليهم بالعقوبة. ألم أبدلهم بالنعمة نقمة، وبالكثرة [[في (ج): (والكثرة).]] قلة، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا؟ [[هذا كلام الطبري 17/ 179 مع تصرف.]]. وقال أبو إسحاق: أي: ثم أخذتهم، فأنكرت أبلغ إنكار [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 431.]].

الحج 22:44

ثم عزى نبيه -ﷺ- عن تكذيبهم إياه، وخوف مخالفيه بذكر من كذَّب نبيه فأُهلك [[في (ظ): (وأهلك).]] بقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ [قال بعض أهل المعاني. إنما قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾،] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ط).]] ولم يقل: وقوم موسى كما ذكر [[في (أ): (ذكره).]] قوم غيره من الأنبياء؛ لأن قوم موسى كانوا بني إسرائيل وهم آمنوا به، وإنما كذّبه فرعون وقومه، وغيره من الأنبياء كذَّبه قومه الذين كانوا من نسبه [[ذكر القرطبي 12/ 73 وأبو حيان 6/ 376 هذا المعنى، ولم ينسباه لأحد.]]. وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخَّرت العقوبة عنهم وأمهلتهم [[انظر الطبري 17/ 179، والثعلبي 3/ 54 أ.]]. يقال: أمْلى الله لفلان في العمر، إذا أخَّر عنه أجله [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 405 (ملا)، "الصحاح" للجوهري 6/ 2497 (ملا).]]. وأصل هذا من المَلَوين [[الملوان: اللفعل والنهار، أو طرفاهما. انظر: "الصحاح" للجوهري 6/ 249، (ملا)، و"لسان العرب" لابن منظور 15/ 291 "ملا".]]. وذكرنا هذا عنِد قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46]. وقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: بالعذاب. قال ابن عباس: يريد: فعذبتهم [[في (أ): (تعذيبهم).]]. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ استفهام معناه التقرير، والنكير اسم من الإنكار. يقول: كيف أنكرت عليهم بالعقوبة. ألم أبدلهم بالنعمة نقمة، وبالكثرة [[في (ج): (والكثرة).]] قلة، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا؟ [[هذا كلام الطبري 17/ 179 مع تصرف.]]. وقال أبو إسحاق: أي: ثم أخذتهم، فأنكرت أبلغ إنكار [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 431.]].

الحج 22:45

﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [[في (أ)، (ظ)، (د): (وكأيّن)، وهو خطأ.]] أي: وكم من قرية. ومعنى وكم من قرية: عدد كثير [[هذا من كلام الزجاج. انظر: "معاني القرآن" 3/ 431.]]. يعني القرى المهلكة بظلم أهلها حين كذبوا نبيهم. وذكرنا الكلام في "كأين" في سورة آل عمران [[عند قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: 146].]]. وقوله [[(وقوله): ليست في (أ).]]: "أهلكتها" وقرئ "أهلكناها" [[قرأ أبو عمرو: "أهلكتها" بالتاء مضمومة من غير ألف على لفظ التوحيد، وقرأ الباقون: "أهلكناها" بالنّون بلفظ الجمع. انظر: "السبعة" ص 438، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 157.]] والاختيار التاء؛ لقوله ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ [[قال مكي في الكشف 2/ 121 - 122: وحجة من قرأ بالتاء أنه حمله على لفظ التوحيد الذي أتى بالتاء قبله وهو قوله: "فأمليت للكافرين ثم أخذتهم"، وحمله أيضًا على لفظ التوحيد بعده في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: 48] فكان حيل الكلام على ما قبله وما بعده أحسن وأليق.]]. ومن قرأ بالنون ذهب إلى أمثاله مما ذكر بلفظ الجمع كقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: 11] و ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: 4] و ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾ [يونس: 13] [[هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 281 - 282 مع تصرف. == قال مكي في "الكشف" 2/ 122. وحجة من قرأ بلفظ الجمع أنه أفخم، وفيه معنى التعظيم، وبه جاء القرآن في مواضع. وانظر "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 480.]]. وقوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: أهلها ظالمون بالتكذيب والكفر ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ مضى تفسيره مستقصى في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: 259].]]. وقوله: ﴿وَبِئْرٍ﴾ ذكر الفراء في كسره ثلاثة أوجه: أحدها: العطف على العروش [[قال أبو حبان 6/ 377: وجعل "وبئر معطلة وقصر مشيد" معطوفين على "عروشها" جهل بالفصاحة، وقال السمين الحلبي 8/ 287 عن هذا القول، وليس بشيء. وكذا قال الألوسي 17/ 166.]]. والثاني: الإتباع كقراءة من قرأ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: 22] بالخفض. الثالث: العطف على ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [[انظر كلام الفراء في "معاني القرآن" 2/ 228.]]. وهذا هو المختار [[وقال عنه السمين الحلبي 8/ 287، هذا هو الوجه. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 102، "البحر المحيط" 6/ 377.]]، والأولان خلفٌ [[أي خطأ. قال الجوهري: الخلف: الرديء من القول. يقال سكت ألفًا وتكلم خلفًا، أي: سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ. الصحاح 4/ 1354 (خلف).]]؛ لأن المعنى وكم من بئر معطلة وقصر مشيد تركوها بعد إهلاكهم [[في (ط)، (د)، (ع): (هلاكهم).]]. قوله تعالى: ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: متروكة من العمل والاستقاء. ومعنى التعطيل: الترك من العمل. قال الليث: وإذا [[في (أ): (فإذا)، وفي (د)، (ع): (إذا)، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في "تهذيب اللغة".]] ترك الثغر بلا حام يحميه فقد عطل، وبئر معطلة: لا يستقى منها، ولا ينتفع بمائها [["تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 166 (عطل) نقلا عن الليث. وفي "العين" 2/ 9 (عطل): وبئر معطلة: أي لا تورد ولا يستقى منها.]]. قال المبرد: والمعطل: المتروك على هيئته، وأصله مأخوذ من العطل، وهو: الجسم. وكأنها متروكة كما هي [[لم أجد من ذكره عنه.]]. قل ابن عباس: يريد: بئر لا يستقى منها [[روى الطبري 17/ 180 عن ابن عباس "وبئر معطلة" قال: التي قد تركت وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 61 وعزاه لابن جرير وابن المنذر.]]. قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى المشيَّد، وهو المطول [[في (أ): (المطلول)، وهو خطأ.]] المرفوع، وذكرنا ذلك في قوله: ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]. وهو قول قتادة، والضحاك، ومقاتل [[ذكره الثعلبي 3/ 54 أعنهم جميعًا. وعن قتادة رواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 40، والطبري 17/ 181 بلفظ: كان أهله شيدوه وحصنوه. وعن الضحاك رواه الطبري 17/ 181 بلفظ: طويل. وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 26 ب.]]. والثاني: أنه المجصص يقال: شاده يشيده، إذا بناه بالشِّيد وهو الجص والنورة [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 394 (شاد)، "الصحاح" للجوهري 2/ 495 "شيد"، "لسان العرب" 3/ 244 (شيد). والنورة بالضم: الهناءُ، وهو من الحجر يُحرق ويسوّى منه الكلس. "لسان العرب" 5/ 244 "نور"، "تاج العروس" للزبيدي 14/ 306 "نور".]] وأنشد أبو عبيدة [[في (د)، (ع): (أبو عبيد)، والصواب ما في (أ)، (ظ).]] لعدي بن زيد: شماده مرمرًا وجلله كِلْسًا ... فللطير في ذراه وكور [[البيت أنشده أبو عبيدة لعدي بن زيد في كتابه "مجاز القرآن" 2/ 53. وهو في ديوان عدي بن زيد ص 88، "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 13، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 294، "الكامل" 1/ 90، والطبري 17/ 182، "الجمهرة" لابن دريد 3/ 45 "كلس"، "لسان العرب" 6/ 197 "كلس". والرواية عندهم "جلله" إلا الديوان والجمهرة فإن الرواية فيهما: "خلله"، ثم قال ابن دريد بعد روايته للبيت: هكذا رواه الأصمعي بالخاء معجمة، وقال: ليس جلله -بالجيم- بشيء -وروى غيره بالجيم- وقال الأصمعي: إنَّما هو "خلله" أي: صير الكلس في خلل الحجارة، وكان يضحك من هذا ويقول: متى رأوا حصنًا مصهرجًا. المرمر: الرخام. "الصحاح" للجوهري 2/ 814 (مرر). و"الكلس" -بالكسر-: ما طلبي به حائط أو باطن قصر شبه الجص من غير آجر، وقيل هو الصاروج -يعني النورة وأخلاطها التي تطلى بها النزل، فارسي معرب- أو مثل الصاروج. انظر: "لسان العرب" 6/ 197 (كلس)، 2/ 310 (صرج)، "تاج العروس" للزبيدي 16/ 448 (كلس). (ذراه): أعلاه. الصحاح للجوهري 6/ 2345 (ذرا). (كُور): جميع وكر، وهو العش. "لسان العرب" 5/ 252 "وكر".]] وقال أبو إسحاق: أصل الشيد: الجص والنورة، وكل ما بني بهما أو بأحدهما فهو مَشِيد [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 432. وقوله: "بفتح الميم وكسر الشين" هذا من كلام الواحدي.]] بفتح الميم وكسر الشين. وهذا قول عطاء، وعكرمة، وأبي صالح، والسّدي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأكثر المفسرين [[ذكره الثعلبي 3/ 54 أعن عطاء وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير. ورواه عن هؤلاء الأربعة الطبري 17/ 180 - 181. ورواه عن عطاء وعكرمة عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 39. ولم أجده من ذكره عن أبي صالح والسدي. قال ابن كثير 3/ 227 بعد ذكره للأقوال: والأقوال متقاربة، ولا منافاة بينهما، فإنه لم يحمل أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله بهم كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]. وقال العلامة عبد الرحمن بن سعدي في "تيسير الكريم الرحمن" 3/ 327 - 328: وكم من قصر تعب عليه أهله، فشيدوه ورفعوه وحصنوه وزخرفوه، فحين جاءهم الأمر لم يغن عنهم شيئا، وأصبح خاليًا من أهله.]]. ومن المفسرين من يخصص البئر المذكورة في هذه الآية -وهو قول الضحاك، والسدي- قالا: كانت هذه البئر باليمن [[ذكره الثعلبي 54/ 3 أعن الضّحاك. وذكر فيها قصّة. وذكره القرطبي 12/ 75 عن الضحاك وغيره، وساق عنه قصّة طويلها في خبر هذه البتر وأصحابها. الله أعلم بصحة هذا الخبر.]]. وليس بالوجه.

الحج 22:46

ثم حث على الاعتبار بحال من مضى من الأمم المكذبة فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد: أفلم يسر قومك في أرض الشام وأرض اليمن ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ أي يعلمون بها مدلول ما يرون من العبر. (والمعنى: أفلم يسيروا فيعقلوا بقلوبهم ما نزل بمن كذب قبلهم. والتأويل: فتكون لهم قلوبٌ عاقلة [عالمة؛ لأن قوله) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ صفة للنكرة، وقبل أن يسيروا لهم قلوب ولكن غير عاقلة، فإذا ساروا واعتبروا كانت لهم قلوب عاقلة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] وعلى هذا النحو قوله ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. قال ابن عباس: يريد من يسمع فلم يجب فلم يسمع. يعني أنهم غير سامعين إذا صمُّوا عن دعائك، أفلا يسيرون فيسمعوا [[في (أ): (فيسمعون)، وهو خطأ.]] أخبار الأمم المكذبة فيعتبروا. قال ابن قتيبة -في هذه الآية والتي قبلها-: وهل شيء أبلغ في العظة والعبرة من هذه الآية؟ لأن الله تعالى أراد [[(أراد): موضعه بياض في (ظ).]]: أفلم يسيروا في الأرض، فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله بالعتو، وأبادهم بالمعصية، فيروا من تلك الآثار بيوتًا خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرًا لشُرب أهلها قد عُطّلت [[في (أ): (غلطت)، وهو خطأ.]] [[العبارة عند ابن قتيبة: وبئرًا كانت لشُرب أهلها قد عطل رشاؤها وغار معينها، وقصرًا.]]، وقصرًا بناه ملكها [[عند ابن قتيبة: ملكه.]] بالشيد قد خلا من السكن وتداعى بالخراب؛ فيتعظوا بذلك، ويخافوا من عقوبة الله وبأسه، مثل الذي [[(الذي): ساقطة من (أ).]] نزل بهم. ونحو هذا قوله ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25]. انتهى كلامه [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 10.]]. ثم ذكر الله تعالى أنَّ [[(أن): ساقطة من (أ).]] أبصارهم الظاهرة لم تعم عن النظر، وإنما عميت أبصار [[(أبصار): ساقطة من (أ).]] قلوبهم فقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾. قال الفراء: الهاء هاء عماد يوفى [[عند الفراء. تُوَفّى.]] بها "إنَّ" ويجوز مكانها "إنَّه"، وكذلك هي في قراءة عبد الله [["معاني القرآن" للفراء 2/ 228.]]. وقال غيره: هي إضمار على شريطة التفسير. والمعنى: فإنَّ الأبْصار لا تعمى. ويجوز أن تكون الهاء لإضمار القصة. وذكرنا هذه الأقوال مشروحة في تفسير قوله ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: 97]. وقوله: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ذكر الفراء وأبو إسحاق [["معاني القرآن" للفراء 2/ 228، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 432.]]: أن هذا من التوكيد الذي تزيده العرب في الكلام، كقوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]. وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: 167]، وقوله ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: 38]. والتوكيد جار في الكلام مبالغ في الإفهام. وقال غيرهما: هذا التوكيد فائدته أنه يمنع من ذهاب الوهم إلى غير معنى القلب المعروف، لأنَّه قد يذهب إلى أنَّ فيه اشتراكًا كقلب النَّخلة، فإذا [[في (أ): (وإذا).]] أكد كان أنس للبس بتجويز الاشتراك.

الحج 22:47

قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ قال ابن عباس: كانوا يقولون للنبي -ﷺ-: ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، فأنزل الله هذه الآية [[في "تنوير المقباس" ص 209: (استعجله النضر بن الحارث قبل أجله. وذكر الثعلبي 3/ 54 ب، والبغوي 5/ 391، والقرطبي 12/ 88 أنها نزلت في النضر بن الحارث. ذكروا ذلك من غير سند ولا نسبة لأحد. قال القرطبي: وقيل نزلت في أبي جهل بن هشام. وجميع ما ذكر لا يثبت بمثله سبب في نزول الآية، والله أعلم.]]. والمعنى: يسألونك أن تأتي بعذابهم عاجلًا غير مؤخّر. وقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: في أن ينزل بهم العذاب [[في (د)، (ع): (في نزول العذاب بهم).]] في الدنيا. قاله الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 229.]]. وقال ابن عبَّاس: يريد بهذا يوم بدر [[ذكر هذا القول الثعلبي 543 ب ولم ينسبه لأحد.]]. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال مجاهد وعكرمة وابن زيد: هو من أيَّام الآخرة [[ذكره الثعلبي 3/ 54 ب عن مجاهد وعكرمة، ورواه عنهما الطبري في "تفسيره" 17/ 183. وذكره البغوي 5/ 392 عن ابن زيد.]]. ويدل على هذا ما روي في الحديث: "أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم: خمس مائة عام" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 343، والترمذي في "جامعه" (أبواب الزهد - باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم 7/ 21 - 23) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال المنذري: ورواته محتج بهم في الصحيح. وقال ابن القيم في "حادي الأرواح" ص 110: (ورجال إسناده احتج بهم مسلم في "صحيحه".]]. وعلى هذا معنى الآية أنَّهم يستعجلون بالعذاب [[في جميع النسخ: يستعلجون العذاب إنّ. والتصويب من "الوسيط" للواحدي 3/ 275.]] وإنّ يومًا من أيّام عذابهم في الآخرة ألف سنة. قال الفراء: ففي هذه الآية وعبد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 229 بمعناه.]] وقال [[في (أ): (قال).]] أبو إسحاق: الذي تدل عليه الآية [[في (ظ): (الآخرة)، وهو خطأ.]] أنهم استعجلوا العذاب، فأعلم الله أنه لا يفوته شيء، وأن يومًا عنده وألف سنة في قدرته واحد، ولا فرق بين وقوع ما يستعلجون به [[به: ساقطة من (أ).]] من العذاب وتأخره في القدرة، إلا أنَّ الله تفضَّل بالإمهال، فالفرق بين التأخير والتقديم تفضل الله بالنَّظرة [[في (أ): (بالنظر).]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 433 مع اختلاف يسير.]]. وهذا الذي ذكره معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[ذكر البغوي 5/ 392 أن هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء.]]. والمعنى: إنَّ يومًا عنده في الإمهال وألف سنة سواء؛ لأنَّه قادرٌ عليهم متى شاء [[في (أ): (متى ما شاء).]] أخذهم. وقد كشف أبو إسحاق عن هذا بأبلغ بيان [[(بيان): ساقطة من (ظ).]]. وذُكر وجه ثالث [[هكذا في (ظ)، (د)، (ع). وفي (أ): (وذكر وجهًا ثالثًا)، فيعود على أبي إسحاق. والصواب ما أثبتنا؛ لأنه أبا إسحاق لم يذكر هذا الوجه، ولقول الواحدي بعد ذلك: وهذا الوجه لأصحاب المعاني ..]] في تفسير هذه الآية وهو: أنَّ المعنى: وإنَّ يومًا عند ربك من أيَّام عذابهم في الآخرة كألف سنة في الثِّقل والاستطالة، فكيف يستعجلون بالعذاب لولا جهالتهم. وهذا الوجه لأصحاب المعاني، ذكره الأخفش وغيره [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 638. وقد ذكر هذا الوجه الثعلبي 3/ 54 ب وعزاه لأهل المعاني.]]. قال أبو علي: وقد جاء في كلامهم وصف اليوم ذي الشدائد والجهد بالطول، وجاء وصف [[في (ظ): (وجه)، وهو خطأ.]] خلافه بالقصر. أنشد أبو زيد [[البيت ذكره أبو علي في "الحجة" 5/ 283 من إنشاد أبي زيد ومن غير نسبة لأحد، ولم أهتد لقائله.]]: تطاولت أيام معن بنا ... فيومٌ كشهرين إذ يُسْتَهل [[في (أ): (يسهل).]] وقال آخر: يطول اليوم لا ألْقاك فيه ... وحَوْلٌ [[في "الحجة": ويوم.]] نلتقي فيه [[في (ظ)، (د). (ع)، (حول).]] قصير [[البيت في "الحجة" 5/ 283 من غير نسبة لأحد.]] وقال جرير: ويومٌ كإبْهام الحُبارى لَهَوتُه [[هذا الشطر من البيت لم أجده في "ديوانه"، وهو في "الحجة" 5/ 283 من غير نسبة. وإبهام الحُبارى يضرب به المثل، فقال: أقصر من إبهام الحبارى. انظر مجمع الأمثال للميداني 2/ 536.]] [[قول أبي علي، والأبيات في "الحجة" 5/ 283.]] وهذا كما يقال: أيّام الهُموم طوال، وأيام السرور قصار [[قوله: وهذا كما يقال ... هذا كلام الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 54 ب.]]. فهذه أوجه ثلاثة [[في (ظ): (ثلاث)، وهو خطأ.]] في تأويل هذه الآية. وروي عن ابن عباس أنه قال -في قوله ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية: هو من الأيَّام التي خلق الله فيها السَّموات والأرض [[رواه الطبري 17/ 173، وابن أبي حاتم (كما في تفسير ابن كثير 3/ 228). وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 62 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وهذا لا يتوجّه في معنى الآية؛ لأن تلك الأيام قد مضت، إلا أن يُحمل على أن [[أن: ساقطة من (ظ).]] المراد أنّ أيّام الآخرة بمقدار هذه المدة فيعود المعنى إلى القول الأول. روى [[في (ظ): (وروى).]] ابن أبي مليكة: أنّ ابن عباس سئل عن هذا وعن قوله [[في (ظ): (وعن قوله يوم كان ...)، وفي (د)، (ع): (وعن قوله كان مقداره ...).]] ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] فقال: يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه أكره أنْ أقول في كتاب الله ما لا [[في (ظ): (مما لا أعلم)، وفي (د)، (ع): (بما لا أعلم).]] أعلم [[رواه عبد الرزاق 2/ 108، والطبري 29/ 72. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 537 وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف والحاكم.]]. وقرئ "مما يعدّون" و"تعدّون" [[قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: "مما يعدون" بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. "السبعة" ص 439، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 158.]]. فمن قرأ بالياء فوجهه قوله ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ فيكون الكلام من وجه واحد، ومن قرأ بالتاء فوجهه أنه أعمّ، ألا ترى أنه يجوز أن يُعنى به المستعجلون وغيرهم من المسلمين [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 283 مع اختلاف يسير. وانظرة "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 480، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 122.]].

الحج 22:48

ثم أعلم الله أنه قد أخذ قومًا بعد الإملاء والتأخير فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ الآية وهي مفسرة فيما سبق قبيل. وما بعدها ظاهر التفسير إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي: عملوا في إبطالها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ قال ابن عباس: مشاقين معاندين مغالبين [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 54 ب دون قوله معاندين. ورواه الطبري 17/ 185 بلفظ: مشاقين.]]. وقال الأخفش: مسابقين [[ذكره عنه الثعلبي 543 ب.]]. ومعنى المعاجزة في اللغة: محاولة عجز المغالب [[انظر: "عجز" في: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 340، "لسان العرب" 5/ 369 - 370.]]. قال أبو أسحاق وأبو علي: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ ظانين ومُقدرين أن يعجزوننا [[في (أ): (يعجزونا).]]، لأنهم ظنوا أن لا بعث ولا نشور، وأنه لا جنة ولا نار [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 433، "الحجة" للفارسي 5/ 284.]] وهذا معنى قول قتادة: ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليه، ولن يعجزوه [[ذكره بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 54 ب. وقد رواه عبد الرزاق 2/ 40، والطبري 17/ 185 دون قوله: فلا يقدر عليهم. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وهذا [في المعنى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: 4]. ومن قرأ "مُعجِّزين" [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "معجِّزين" بتشديد الجيم من غير ألف. وقرأ الباقون: "معاجزين" بألف بعد العين وتخفيف الجيم. "السبعة" ص 439، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 158.]] فالمعنى أنهم كانوا يُعجزون من اتبع النبي -ﷺ-، أي: ينسبونهم إلى العجز، كقولهم: جهلته وفسقته. وهذه قراءة مجاهد، وزعم [[في "الحجة": وزعموا أن مجاهدًا فسَّر.]] في تفسير معجزين: مثبطين، أي: يئبطون الناس عن الإيمان بالنبي -ﷺ- [[تفسير مجاهد رواه الطبري 17/ 1786: مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع النبي -ﷺ-. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 مثل لفظ الطبري وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] [[من قوله: وهذا في المعنى .. إلى هنا. هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 284 مع تصرّف. وانظر أيضًا في توجيه القراءة: "علل القراءات" للأزهري 2/ 428 - 429، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 481، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 123.]]. وعلى هذا ليس المراد بالتعجيز النسبة إلى العجز، والمراد به طلب عجزهم [[أي: عجزهم الناس.]] وجعلهم عاجزين بالتثبيط وأسبابه؛ كي يعجزوا فلا يؤمنوا. ثم أخبر عن هؤلاء أنّهم أصحاب النار بقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.

الحج 22:49

ثم أعلم الله أنه قد أخذ قومًا بعد الإملاء والتأخير فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ الآية وهي مفسرة فيما سبق قبيل. وما بعدها ظاهر التفسير إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي: عملوا في إبطالها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ قال ابن عباس: مشاقين معاندين مغالبين [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 54 ب دون قوله معاندين. ورواه الطبري 17/ 185 بلفظ: مشاقين.]]. وقال الأخفش: مسابقين [[ذكره عنه الثعلبي 543 ب.]]. ومعنى المعاجزة في اللغة: محاولة عجز المغالب [[انظر: "عجز" في: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 340، "لسان العرب" 5/ 369 - 370.]]. قال أبو أسحاق وأبو علي: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ ظانين ومُقدرين أن يعجزوننا [[في (أ): (يعجزونا).]]، لأنهم ظنوا أن لا بعث ولا نشور، وأنه لا جنة ولا نار [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 433، "الحجة" للفارسي 5/ 284.]] وهذا معنى قول قتادة: ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليه، ولن يعجزوه [[ذكره بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 54 ب. وقد رواه عبد الرزاق 2/ 40، والطبري 17/ 185 دون قوله: فلا يقدر عليهم. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وهذا [في المعنى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: 4]. ومن قرأ "مُعجِّزين" [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "معجِّزين" بتشديد الجيم من غير ألف. وقرأ الباقون: "معاجزين" بألف بعد العين وتخفيف الجيم. "السبعة" ص 439، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 158.]] فالمعنى أنهم كانوا يُعجزون من اتبع النبي -ﷺ-، أي: ينسبونهم إلى العجز، كقولهم: جهلته وفسقته. وهذه قراءة مجاهد، وزعم [[في "الحجة": وزعموا أن مجاهدًا فسَّر.]] في تفسير معجزين: مثبطين، أي: يئبطون الناس عن الإيمان بالنبي -ﷺ- [[تفسير مجاهد رواه الطبري 17/ 1786: مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع النبي -ﷺ-. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 مثل لفظ الطبري وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] [[من قوله: وهذا في المعنى .. إلى هنا. هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 284 مع تصرّف. وانظر أيضًا في توجيه القراءة: "علل القراءات" للأزهري 2/ 428 - 429، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 481، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 123.]]. وعلى هذا ليس المراد بالتعجيز النسبة إلى العجز، والمراد به طلب عجزهم [[أي: عجزهم الناس.]] وجعلهم عاجزين بالتثبيط وأسبابه؛ كي يعجزوا فلا يؤمنوا. ثم أخبر عن هؤلاء أنّهم أصحاب النار بقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.

الحج 22:50

ثم أعلم الله أنه قد أخذ قومًا بعد الإملاء والتأخير فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ الآية وهي مفسرة فيما سبق قبيل. وما بعدها ظاهر التفسير إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي: عملوا في إبطالها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ قال ابن عباس: مشاقين معاندين مغالبين [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 54 ب دون قوله معاندين. ورواه الطبري 17/ 185 بلفظ: مشاقين.]]. وقال الأخفش: مسابقين [[ذكره عنه الثعلبي 543 ب.]]. ومعنى المعاجزة في اللغة: محاولة عجز المغالب [[انظر: "عجز" في: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 340، "لسان العرب" 5/ 369 - 370.]]. قال أبو أسحاق وأبو علي: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ ظانين ومُقدرين أن يعجزوننا [[في (أ): (يعجزونا).]]، لأنهم ظنوا أن لا بعث ولا نشور، وأنه لا جنة ولا نار [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 433، "الحجة" للفارسي 5/ 284.]] وهذا معنى قول قتادة: ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليه، ولن يعجزوه [[ذكره بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 54 ب. وقد رواه عبد الرزاق 2/ 40، والطبري 17/ 185 دون قوله: فلا يقدر عليهم. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وهذا [في المعنى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: 4]. ومن قرأ "مُعجِّزين" [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "معجِّزين" بتشديد الجيم من غير ألف. وقرأ الباقون: "معاجزين" بألف بعد العين وتخفيف الجيم. "السبعة" ص 439، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 158.]] فالمعنى أنهم كانوا يُعجزون من اتبع النبي -ﷺ-، أي: ينسبونهم إلى العجز، كقولهم: جهلته وفسقته. وهذه قراءة مجاهد، وزعم [[في "الحجة": وزعموا أن مجاهدًا فسَّر.]] في تفسير معجزين: مثبطين، أي: يئبطون الناس عن الإيمان بالنبي -ﷺ- [[تفسير مجاهد رواه الطبري 17/ 1786: مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع النبي -ﷺ-. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 مثل لفظ الطبري وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] [[من قوله: وهذا في المعنى .. إلى هنا. هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 284 مع تصرّف. وانظر أيضًا في توجيه القراءة: "علل القراءات" للأزهري 2/ 428 - 429، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 481، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 123.]]. وعلى هذا ليس المراد بالتعجيز النسبة إلى العجز، والمراد به طلب عجزهم [[أي: عجزهم الناس.]] وجعلهم عاجزين بالتثبيط وأسبابه؛ كي يعجزوا فلا يؤمنوا. ثم أخبر عن هؤلاء أنّهم أصحاب النار بقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.

الحج 22:51

ثم أعلم الله أنه قد أخذ قومًا بعد الإملاء والتأخير فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ الآية وهي مفسرة فيما سبق قبيل. وما بعدها ظاهر التفسير إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي: عملوا في إبطالها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ قال ابن عباس: مشاقين معاندين مغالبين [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 54 ب دون قوله معاندين. ورواه الطبري 17/ 185 بلفظ: مشاقين.]]. وقال الأخفش: مسابقين [[ذكره عنه الثعلبي 543 ب.]]. ومعنى المعاجزة في اللغة: محاولة عجز المغالب [[انظر: "عجز" في: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 340، "لسان العرب" 5/ 369 - 370.]]. قال أبو أسحاق وأبو علي: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ ظانين ومُقدرين أن يعجزوننا [[في (أ): (يعجزونا).]]، لأنهم ظنوا أن لا بعث ولا نشور، وأنه لا جنة ولا نار [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 433، "الحجة" للفارسي 5/ 284.]] وهذا معنى قول قتادة: ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليه، ولن يعجزوه [[ذكره بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 54 ب. وقد رواه عبد الرزاق 2/ 40، والطبري 17/ 185 دون قوله: فلا يقدر عليهم. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وهذا [في المعنى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: 4]. ومن قرأ "مُعجِّزين" [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "معجِّزين" بتشديد الجيم من غير ألف. وقرأ الباقون: "معاجزين" بألف بعد العين وتخفيف الجيم. "السبعة" ص 439، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 158.]] فالمعنى أنهم كانوا يُعجزون من اتبع النبي -ﷺ-، أي: ينسبونهم إلى العجز، كقولهم: جهلته وفسقته. وهذه قراءة مجاهد، وزعم [[في "الحجة": وزعموا أن مجاهدًا فسَّر.]] في تفسير معجزين: مثبطين، أي: يئبطون الناس عن الإيمان بالنبي -ﷺ- [[تفسير مجاهد رواه الطبري 17/ 1786: مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع النبي -ﷺ-. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 مثل لفظ الطبري وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] [[من قوله: وهذا في المعنى .. إلى هنا. هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 284 مع تصرّف. وانظر أيضًا في توجيه القراءة: "علل القراءات" للأزهري 2/ 428 - 429، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 481، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 123.]]. وعلى هذا ليس المراد بالتعجيز النسبة إلى العجز، والمراد به طلب عجزهم [[أي: عجزهم الناس.]] وجعلهم عاجزين بالتثبيط وأسبابه؛ كي يعجزوا فلا يؤمنوا. ثم أخبر عن هؤلاء أنّهم أصحاب النار بقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.

الحج 22:52

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الرسول: الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانًا، ومحاورته إيَّاه [[في (أ): (ومجاورته إياها)، وهو خطأ.]] شفاهًا. والنبي: الذي [[في (ظ): (التي).]] تكون نبوته إلهامًا أو منامًا. فكلّ رسول نبيّ، وليس كل نبي رسولاً [[هذا كلام الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 55 أمع اختلاف يسير. وقد اختلف في الفرق بين الرسول والنبي على أقوال: أحدها: ما ذكره المؤلف. الثاني: أن النبي الرسول هو من أنزل عليه كتاب وشرع مستقل يدعو الناس إليه، والنبي المرسل -الذي هو غير الرسول- هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة كما قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44]. الثالث: أن الرسول هو الذي أرسله الله تعالى، وهو مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه، والنبي هو المنبأ عن الله، فالله ينبئه بالغيب، وهو ينبئ الناس بالغيب. وقريب من هذا القول قول من قال: النبي هو من أوحي إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، والرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه. وهذا الأخير أضعف الأقوال، قال الشنقيطي 5/ 735 معللًا عدم صحة هذا القول-: لأن قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآيه يدل على أن== كلًا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير. وانظر: "النكت والعيون" للماوردي 4/ 36، "تفسير الرازي" 23/ 46، "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 18/ 7، "روح المعاني" للألوسي 17/ 172 - 173، "أضواء البيان" للشنقيطي 5/ 735.]]. وهذا معنى قول الفراء: الرسول: النبي المرسل، والنبي: المحدَّث [[المحدث: هو الملهم. "لسان العرب" 2/ 134 (حدث).]] الذي لم يرسل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 229. وقوله عن النبي أنه الذي لم يرسل يردُّه كما تقدم قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية.]]. قوله: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء- إلا إذا قرأ [[روى البخاري في "صحيحه" 8/ 438 تعليقًا، والطبري في "تفسيره" 17/ 190 من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله (إذا تمنى) إذا حدث.]] وهذا معنى قول المفسرين: تلا [[انظر: الطبري 17/ 190، الثعلبي 3/ 55 أ، "الدر المنثور" 6/ 69.]] وقال مجاهد: إذا قال [[رواه الطبري 17/ 190.]]. وذكرنا التَّمنّي بمعنى التلاوة والقراءة مستقصى بذكر الحجج [[في جميع النسخ: (الحج)، والصواب ما أثبتناه.]] في سورة البقرة عند قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: 78]. قوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: تلاوته. قال المفسرون -بألفاظ مختلفة ومعاني متفقة-: إنَّ رسول الله -ﷺ- كان حريصًا على إيمان قومه أشد الحرص، فجلس يومًا في ناد من أنديتهم [[في (أ): (أيديهم)، وهو خطأ.]]، وقرأ عليهم سورة النجم [[في (د)، (ع): (سورة والنجم).]]، فلما أتى على قوله {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19، 20] ألقى الشيطان في أمنيته حتى وصل به "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي" ثم قرأ السورة كلها حتى بلغ آخرها، فسجد رسول الله -ﷺ-، وسجد أصحابه معه، وسجد المشركون لذكره [[في (أ): (لذكر).]] آلهتهم، وفرحوا بذلك، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه [[في (د)، (ع): (فأتى).]] جبريل -عليه السلام-، وأخبره بما جرى من الغلط على لسانه، وقال: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا. فاشتد ذلك على رسول الله -ﷺ-، فأنزل الله هذه الآية، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه، فقال المشركون: قد ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله، وازدادوا شرًّا إلى ما كانوا عليه، وأما المؤمنون فقالوا -حين نسخ الأولى-: آمنا بما قال محمد -ﷺ-، وهذا قول ابن عباس [[ورد هذا القول عن ابن عباس من طرق، وكلها لا تخلو من مقال. الطريق الأول: طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس: رواه أبو بكر البزار في "مسنده" (كما في "كشف الأستار عن زوائد البزار" للهيثمي 3/ 72)، والطبراني في "الكبير" 12/ 53 من طريق أميَّة بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب، أشك في الحديث-: إن النبي -ﷺ- كان بمكة، فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ فجرى على لسانه -وفي رواية الطبراني: ألقى الشيطان على لسانه- تلك الغرانيق العلي فذكره بنحوه مختصرًا. ثم قال البزار: لا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد، وأميّة بن خالد ثقة مشهور، وإنما يعرف هذا من حديث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس. اهـ.= قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 115: رواه البزار والطبراني ... ورجالهما رجال الصحيح. وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 65 وزاد نسبته لابن مردويه، وقال: بسند رجاله ثقات. وتعقَّب الألباني في "نصب المجانيق" ص 6، قول السيوطي: "بسند رجاله ثقات"، فقال ذلك يوهم أنَّه ليس بمعلول، وهذا خلاف الواقع، فإنَّه معلول بتردَّد الراوي في وصله. اهـ. وذكر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 229 رواية البزار، وقبل أن يسوقها قال: ولم أرها -يعني قصة الغرانيق- مسندة من وجه صحيح. وجاءت هذه الرواية عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس دون شك من الراوي في وصله، رواها ابن مردويه في "تفسيره" (كما في تخريج "أحاديث الكشاف" للزيلعي 2/ 394، من طريق أبي بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي، ثنا عثمان بن الطيالسي، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله -ﷺ- قرأ. فساق الحديث. قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 8 - 9: (وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال "التهذيب" إلا من دون ابن عرعرة، ليس فيهم من ينبغي النظر فيه غير أبي بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي. وقد أورده الخطيب في "تاريخ بغداد" ... ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، فهو علة هذا الإسناد الموصول. ثم ذكر الألباني أن الصواب عن عثمان بن الأسود إنما هو عن سعيد بن جبير مرسلاً كما رواه الواحدي في "أسباب النزول" ص 256 - 257، خلافا لرواية ابن مردويه عنه. ثم قال الألباني: وبالجملة، فالحديث مرسل، ولا يصح عن سعيد بن جبير موصولا بوجه من الوجوه. اهـ. وقد تقدَّم كلام ابن كثير أنه لم ير هذه القصة مسندة من وجه صحيح. الطريق الثاني: طريق العوفي، عن ابن عباس: رواه من هذا الطريق الطبري 17/ 189 قال: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره بمعناه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 66 من طريق العوفي، عن ابن عباس، =]]، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والسدي [[رواه ابن أبي حاتم (كما في "الدر المنثور" 6/ 69 عن السدي قال: خرج النبي -ﷺ- إلى المسجد ليصلي، فقرأ ... وساق الحديث بمعناه، وهو مرسل.]]، ومجاهد [[رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" 6/ 69 عنه، مختصرًا.]]، وقتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 40، والطبري 17/ 191. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 86 وعزاه لابن أبي حاتم فقط. قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 12: وهو صحيح إلى قتادة، ولكنه مرسل أو معضل.]]، والزهري [[رواه ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 229 - 235، و"الدر المنثور" للسيوطي 6/ 66 عن الزهري مطولاً. قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 9: فهو مرسل، بل معضل. اهـ ورواه الطبري 17/ 189 عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فذكره مختصرًا. == وذكر ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 439 هذه الرواية وذكر أنها مرسلة وأنّ رجال إسنادها على شرط الشيخين. وقال السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 66 - بعد عزوه هذه الرواية لعبد بن حميد وابن جرير: مرسل صحيح الإسناد. قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 9: وإسناده إلى أبي بكر بن عبد الرحمن صحيح كما قال السيوطي تبعًا للحافظ، لكن علته أنّه مرسل.]]، والضحاك [[رواه الطبري 17/ 189 قال: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ..) الآية: أن نبي الله -ﷺ- وهو بمكة، فذكره بنحوه. قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 15: (وهذا إسناد ضعيف منقطع مرسل).]]، وسعيد بن جبير [[رواه الطبري 17/ 188 - 189، وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "فتح الباري" 8/ 439، "الدر المنثور" 6/ 65 - 66 من طرق عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير. وقد صحح إسناده ابن حجر في "الفتح" والسيوطي في "الدر المنثور"، وقال الألباني في "نصب المجانيق" ص 5: (وهو صحيح الإسناد إلى ابن جبير كما قال الحافظ. اهـ. ورواه الواحدي في "أسباب النزول" ص 257 من طريق يحيى القطان، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، بنحوه مختصرًا.]]، ومحمد بن كعب [[رواه الطبري 17/ 187 - 188 من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي، فذكره مطولاً. قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 12: ويزيد هذا ثقة، لكن الراوي عنه ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه. اهـ. وقد رواه الطبري 17/ 186 - 187 من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب ومحمد بن قيس قالا ... فذكره بنحوه. قال الألباني ص 11: وأبو معشر ضعيف كما قال الحافظ في "التقريب".]] وغيرهم [[ورد هذا القول أيضًا عن أبي العالية، وعروة بن الزبير. فأمّا قول أبي العالية فرواه الطبري 17/ 439، وذكره السيوطي في "الدر المنثور": == 6/ 68، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال: بسند صحيح. وذكر ابن حجر في "الفتح" 8/ 439 أن رجال إسناده رجال الصحيحين. وقال الألباني في "نصب المجانيق" ص 11: وإسناده صحيح إلى أبي العالية، لكن علته الإرسال. ورواية عروة بن الزبير رواها الطبراني في "المعجم الكبير" 9/ 23 وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 72: فيه ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة. وهذه الرواية المعروفة بقصّة الغرانيق اختلف العلماء فيها، وهم فريقان: الفريق الأول: القائلون بثبوتها؛ وهم على قولين: القول الأول: أن الشيطان ألقى على لسان رسول الله -ﷺ- تلك الكلمات، ثم إنَّ الله أحكم آياته ودحر الشيطان ولقَّن نبيه حجته. وممن صحت عنه الرواية ممن قال بهذا القول من المفسرين: سعيد بن جبير وقتادة وأبي العالية. وبهذه القصة فسر هؤلاء آيات الحجّ. وتبعهم في ذلك طائفة من المفسرين ذكروا هذه القصة في كتبهم ولم ينكروها، وبها فَسَّروا الآيات، منهم: الطبري، والثعلبي، والواحدي، والزمخشري. وحكى الآلوسي 17/ 178 هذا القول عن بعض المتأخرين، فقال: وذهب إلى صحة القصّة أيضًا خاتمة المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني ثم المدني. القول الثاني: أنَّ هذه القصّة ثابتة، لكنَّ فيها ما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه .. فيتعين تأويله. قال الآلوسي 17/ 186: وتوسَّط جمع في أمر هذه القصّة فلم يثبتوها كما أثبتها الكوراني -عفا الله تعالى عنه- من أنَّه -ﷺ- نطق بما نطق عمدًا معتقدًا للتلبيس أنه وحي حاملاً له على خلاف ظاهره، ولم ينفوها بالكلية كما فعل أجلة أثبات وإليه أميل، بل أثبتوها على وجه غير الوجه الذي أثبته الكوراني، واختلفوا فيه على أوجه .... ثم ذكر الآلوسي هذه الأوجه، وخلاصة ما ذكره -وذكره قبله البغوي 5/ 94، والقاضي عياض في الشفا 4/ 163 - 177، وابن حجر في "الفتح" 8/ 439 - 440:- قيل: جرف ذلك على لسانه -ﷺ- حين أغفى إغفاءه وهو لا يشعر. وقد ردَّ هذا القول القاضي عياض. وقيل: لعل النبي -ﷺ- قاله أثناء تلاوته على تقدير التقريع والتوبيخ للكفّار، وأنَّه ليس =]]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما وجه جواز هذا الغلط على رسول الله -ﷺ- فقال ابن عباس في رواية عطاء: إن شيطانًا يقال له الأبيض كان قد أتى النبي -ﷺ- في صورة جبردل وألقى في قراءة النبي -ﷺ- فإنهن [[في (ظ)، (ع): (وإنّهن).]] الغرانقة العلى وإن شفاعتهن لترتجى [[ذكره الرازي 23/ 53 من روايه عطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي 12/ 84 عن ابن عباس، وذكره البغوي 5/ 394 من غير نسبه. وهذا قول لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه.]]. وقال السدي عن أصحابه: لما وقع من هذا ما وقع أنزل الله هذه الآية يطيب نفس محمد ويخبر [[في (أ): (ويخبر).]] أن الأنبياء قبله قد كانوا مثله ولم يبعث نبي [[في (أ)، (ظ): (نبيًّا).]] قط إلا تمنى [[في (ع): (يتمنى).]] أن يؤمن قومه ولم [[لم: ساقطة من (أ).]] يتمن ذلك نبي قط إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضي قومه [[في جميع النسخ: (قومه قوله "فينسخ ...) بزيادة قوله، وهي زيادة يختل بها المعنى فحذفناها، وهي ليست موجودة في الوسيط 3/ 277.]] ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [[لم أجد هذه الرواية عن السدي عن أصحابه. وقد ذكرها البغوي 5/ 394 عن ابن عباس بأخصر مما هنا. والرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة. أما ما سوى ذلك فيجوز عليهم الخطأ والنسيان لكن لا يقارّون على ذلك. وعلى ذلك دل الكتاب والسنة. انظر: "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 10/ 290، 295 وما بعده.]]. وعلى هذا (تمنى) في قوله ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ من الأمنية، لا بمعنى قرأ، ويكون المعنى إذا أحب شيئًا ألقى الشيطان في محبته. وهذا دليل على جواز الخطأ والنسيان على الرسل، ثم لا يقارُّون على ذلك [[حكي القرطبي 21/ 86 هذا القول عن الثعلبي ثم قال: ولكن إنَّما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا، فأمَّا أنَّ يضاف إليه من قولهم: "تلك الغرانيق العلى" == فكذبٌ على النبي -ﷺ-؛ لأن فيه تعظيم الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء. اهـ]]. وعلى ما قال ابن عباس إنما قاله الشيطان على لسان رسول الله -ﷺ- في أثناء قراءته، وأوهم أنَّه من القرآن، ولم يكن للنبي -ﷺ- إحساس بذلك، بل كان فتنة من الله لعباده المؤمنين والمشركين، وعلى هذا يدل قوله ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ الآية [[قد تقدم بيان بطلان هذا القول.]]. قال أبو إسحاق: وذلك محنة من الله -عز وجل-، وله أن يمتحن بما شاء [[في (د)، (ع): (يشاء).]]، فألقى الشيطان على لسان النبي -ﷺ- شيئًا من صفة الأصنام فافتتن بذلك أهل الشقاق والنفاق ومن في قلبه مرض [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 433 - 434.]]. وروي عن الحسن أنه قال في هذه الآية: أراد [[في (د)، (ع): زيادة إنّه قبل (أراد).]] بالغرانيق العلى الملائكة [[ذكره عنه الماوردي 4/ 35، والقرطبي 12/ 85]]. وهذا غير مرضي من القول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [أن [[هكذا في جميع النسخ، ولعلها: أي.]] يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة، ثم وإنْ أُخذَ] [[ساقط من (ظ).]] بهذا [[في (ظ). (فهذا).]] فليس يمنع هذا القول من أن يكون النبي -ﷺ- قد سمع منه ما ليس بقرآن [[انظر الثعلبي 3/ 55 أ - ب.]]. وذهب بعض المتأولين [[انظر: "النكت والعيون" للماوردي 4/ 35، "الشفا" للقاضي عياض 4/ 173، "فتح الباري" لابن حجر 8/ 440.]] إلى أنَّ "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" ليس بثناء على آلهة المشركين ولا مدح لها، ولكن يكون التقدير فيه: تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهن لترتجى عندكم وفيما تذهبون إليه، لا أنَّها في الحقيقة كذلك، كما قال ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] أي عند نفسك. وهذا في البعد، كما روي عن الحسن؛ لأن هذا التأويل لا يمنع من سماع هذا عن النبي -ﷺ- فيما بين القرآن. فإذًا [[في (أ): (فإذن).]] الصحيح في هذا أن يقال: إنّه من السهو الذي لا يعرى منه بشر، ثم لا يلبث أن ينبهه الله [[لفظ الجلالة ليس في (ظ).]] عليه، وإما أن يقال إنَّه كان من الشيطان فتنة للناس كما ذكرنا. وقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [إن قلنا] [[ساقط من (أ).]] أن الشيطان تكلم بهذا على لسانه فهو ظاهر، وإن قلنا إنّه سهى وغلط [[في (د)، (ع): (سهو وغلط).]]؛ فإن ذلك السهو من جهة الشيطان ووسوسته فهو من إلقائه. ومفعول ﴿أَلْقَى﴾ غير مذكور في اللفظ لأنه كان معلومًا للنبي -ﷺ- ولأصحابه حين نبه على غلطه ألا ترى أنه نقل نقلًا مستفيضًا. وقوله ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي: يرفعه ويبطله بتنبيه النبي -ﷺ- على ذلك ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ ينسخ ما ليس منها. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إليه نبيه ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه. قاله ابن عباس [[ذكره القرطبي 12/ 86 من غير نسبة.]].

الحج 22:53

قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هذه اللام تتعلق بقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [[في معلّق اللام في قوله "ليجعل" ثلاثة أوجه: أحدها: ما ذكره المؤلف وهو أنها متعلقه بـ"ألقى"، واستظهره الشنقيطي 5/ 733. الثاني: أنها متعلّقة بـ"يحكم" أي: يحكم الله آياته ليجعل. وهذا القول: عزاه أبو حيان 6/ 382 للحوفي، واستظهره السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 298. الثالث: أنها متعلقة بـ"ينسخ" وإليه ذهب ابن عطية 10/ 308.]] أي: ليجعل الله ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض. قال ابن عباس: شك ونفاق، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نسخ ورفع، وازدادوا تحيرًا، وظنوا أن محمدًا يقول الشيء من عند نفسه ثم يندم فيبطله، وكذلك المشركون ازدادوا شرًّا وضلالة وتكذيبًا [[ذكره البغوي 5/ 395 هذا القول إلى قوله: فيبطله. من غير نسبة لأحد. وانظر "النكت" للماوردي 4/ 36، و"البحر" لأبي حيان 6/ 382.]]، وهو قوله ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد المشركين، وهم الذين لا تلين قلوبهم لأمر الله [[روى الطبري 17/ 191 عن ابن جريج هذا القول مختصرًا. وذكر الماوردي 4/ 36، والبغوي 5/ 395 هذا القول من غير نسبة.]]. وهذا صريح في أن الله تعالى أراد فتنتهم وضلالتهم [[في (ظ): (وضلالهم).]]. قوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة. ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ قال ابن عباس: لفي اختلاف شديد [[ذكره البغوي 5/ 395 من غير نسبة لأحد. وذكر الماوردي 6/ 36 في الآية وجهين: أحدهما: لفي ضلال بعيد. وعزاه للسدي، والثاني: لفي فراق للحق بعيد إلى يوم القيامة. وعزاه ليحيى بن سلام.]]. وقال الزجاج: الشقاق غاية العداوة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 434.]].

الحج 22:54

قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هذه اللام تتعلق بقول ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ في المعنى لقوله [[في (ظ): (كقوله).]]: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: نسخ ذلك وإبطاله ورفعه وأحكام الله آياته من الباطل حق من الله. والمراد بالذين أوتوا العلم المؤمنون، الذين أوتوا التوحيد والقرآن. قاله ابن عباس، والكلبي، وغيره [[ذكره هذا القول البغوي 5/ 395، وابن الجوزي 5/ 443 من غير نسبة لأحد.]]. وقال السدي: صدقوا بما نسخ الله [[ذكره عنه البغوي 5/ 395، وابن الجوزي 5/ 443.]]. وهو معنى قوله ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾. وقوله: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ قال الكلبي: ترق [[في (ظ): (يرق القرآن).]] للقرآن قلوبهم. ثم بين أنَّ [[(أنَّ): ساقطة من (أ).]] هذا [[في (ع): (هذه).]] الإيمان والتصديق والإخبات إنما هو بلطف الله وهدايته إيّاهم فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

الحج 22:55

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين. ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ المِرية والمُرية -بالكسر والضم- لغتان [[(لغتان): ساقطة من (ظ).]] [[انظر: "الصحاح" للجوهري 9/ 2491 (مرا)، "لسان العرب" 15/ 277 (مرا).]] معناها: الشك. ومنه الامتراء والتماري [[قوله: "الشك ومنه الامتراء والتَّماري" في "تهذيب اللغة" 15/ 285 (مري) منسوبًا إلى الليث.]]. وقوله ﴿مِنْهُ﴾ أي: مما ألقى الشيطان على لسان رسول الله -ﷺ-. يقولون: ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها؟ قاله السدي عن أصحابه [[ذكره البغوي 5/ 397، والقرطبي 12/ 87 من غير نسبة.]]. وقال ابن جريج: من القرآن [[ذكره الثعلبي 3/ 55 ب. ورواه الطبري 17/ 192. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 69 - 70 وعزاه لابن المنذر. واختار هذا القول الطبري 17/ 192 - 193 وقال: وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أقرب منه من ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ والهاء من قوله (أنّه) أي من ذكر القرآن وإلحاق الهاء في قوله: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أولى من إلحاقها بما التي في قوله: ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ مع بعد ما بينهما.]]. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ يعني: القيامة ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة. وهذا وعيد لهم بالقيامة، وهم لم يدركوها [[في (ظ): (يذكروها).]] في حياتهم، ولكن الله تعالى أوعدهم وذكر أنَّهم يترددون في حيرتهم [[في (أ): (حياتهم).]] وشكّهم إلى أن تفجأهم الساعة أو يقتّلوا، وهو قوله ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال أبو إسحاق: أصل [العقم] [[زيادة من "معاني القرآن" للزجاج.]]. العقم في الولادة. قال: هذه امرأة عقيم، كما قال الله -عز وجل-: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: 29] وكذلك: رجل عقيم، إذا كان لا يولد له [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 434.]]. الأصمعي: يقال: عَقَامٌ وعَقيم [[كسحاب وأمير. قاله الفيروزآبادي 4/ 152.]] مثل بَجَال وبَجيل [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 288 (عقم) من رواية أبي عبيد، عن الأصمعي. قال ابن منظور: رجل بجال وبجيل: يبجله الناس. وقيل: هو الشيخ الكبير العظيم السيد مع جمال ونبل. "لسان العرب" 11/ 44 (بجل).]]. وجمعها: عقمٌ، ويقال: عقمت المرأة فهي معقومة وقد عقم الله رحمها وأعقمها [[من قوله: (وجمعها ...) إلى هنا، هذا كلام أبي الهيثم كما في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 288 (عق)، دون قوله: وأعقمها.]]. وروى عمرو [[هو: عمرو بن إسحاق بن مرار، الشيباني، اللغوي.]]، عن أبيه: عَقِمَت المرأة تَعْقَمُ عَقْمًا، وعَقَمَت تَعْقُم عُقْمًا، وعَقُمَت تَعْقُم عَقَمًا [[كفرح ونصر وكرم. قاله الفيروزابادي 4/ 152.]]، وهي عقيم إذا كانت لا تحمل [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 289 (عقم) من رواية عمرو عن أبيه.]]. وقال أبو العباس: عقمت المرأة إذا لم تحمل، وهي عقيم [[لم أجد من ذكر هذا القول عن أبي العباس ثعلب، ولا عن أبي العباس المبرّد.]]. وأنشد أبو إسحاق [[البيت أنشده أبو إسحاق الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 434 ولم ينسبه لأحد. ووقع في المطبوع: عقيم)، وهو خطأ. والبيت ذكره أبو عمرو الشيباني في روايته لديوان أبي دهْبل الجمحي ص 66، قال: حدثني موسى بن يعقوب قال: أنشدني أبو دهبل قوله في مدح رسول الله -ﷺ-: ثم ساق أبياتًا ومنها هذا البيت. ونسب البيت أيضًا لأبي دهبل في: "عيون الأخبار" لابن قتيبة 1/ 279، و"نسب قريش" لأبي عبد الله المصعب الزبيري ص 331، لكن عنده قالها في مدح عبد الله الأزرق بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس، و"الحماسة" لأبي تمام ص 257، و"شرح ديوان الحماسة" للتبريزي 4/ 75، وقال: قالوا يمدح رسول الله -ﷺ-. والبيت نسبه ابن منظور في "لسان العرب" 12/ 412 (عقم) لأبي دهبل -وروايته فيه "نسبه" في موضع (ما) - ثم قال: وقيل: هو للحزين الليثي.]]: عقم النساء فما يلدن ... شبيهه إن النساء بمثله عُقْم وأصل هذا من العقم، وهو القطع. ومنه يقال: المُلْك عقيم؛ لأنه تقطّع فيه الأرحام بالقتل والعقوق. هذا قول أبي عمرو [[قول أبي عمرو الشيباني في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 289 "عقم". وانظر: "لسان العرب" 12/ 413 (عقم).]]. وعلى هذا العقيم: التي قطعت ولادتها. وقال أبو عبيد: العقم: الشَّد [[في (أ). (السدَّ).]]. يقال للمرأة: معقومة الرحم كأنَّها مشدودتها، ومنه الحديث: "وتعقم أصلاب المنافقين فلا يقدرون على السجود" [[هذا قطعة من حديث رواه أبو عبيد في كتابه "غريب الحديث" 4/ 71 عن عبد الله == ابن مسعود موقوفًا. قال أبو عبيد: حدثنيه عبد الرحمن مهدي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود. ورواه الطبري في "تفسيره" 29/ 39 من حديث عبد الرحمن، به موقوفاً بلفظ: ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كانَّما فيها السَّفافيد. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 15/ 191 - 195، والحاكم في "مستدركه" 4/ 598 - 600 والطبراني في الكبير 9/ 413 - 416 من حديث سفيان به، مطولاً جدًا، موقوفا، بمثل لفظ الطبري. وقال الحاكم بعد إخراجه 4/ 600: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه. وقال الذهبي -متعقبًا قول الحاكم-: قلت: ما احتجا بأبي الزعراء. أهـ. وهذا الخبر عن المنافقين رواه من وجه آخر عن ابن مسعود مرفوعا إسحاقُ بن راهوية في مسنده (كما في المطالب العالية لابن حجر 4/ 365 - 367)، والطبراني في الكبير 9/ 416 - 421، والحاكم في "مستدركه" 4/ 590 ولفظ إسحاق: "وتدمج أصلاب المنافقين، فتكون عظمًا واحدا، كأنها صياصي البقر، ويخرّون على أقفيتهم". قال ابن حجر في "المطالب" 4/ 367 بعد ذكره لرواية إسحاق: هذا إسناد صحيح متصل، ورجاله ثقات. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 343: رواه كله الطبراني في طرق، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة. وقال الذهبي في "تلخيص المستدرك" 4/ 592 - 593 ما أنكره حديثًا على جودة إسناده، وأبو خالد -يعني الدالاني- شيعي منحرف. اهـ. وذكر هذا الحديث السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 257 وعزاه لإسحاق بن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والطبرابي والآجري في "الشريعة" والدارقطني في "الرؤية" والحاكم وابن مردويه والبيهقي في "البعث".]] أي: تشد وتيبس مفاصلهم. هذا هو الكلام في أصل العقيم في اللغة. ثم يقال: "يوم عقيم" للذي لا يأتي فيه خير. ويوم القيامة عقيم على الكفّار؛ لأنّه لا يأتي لهم بخير كما يأتي للمؤمنين. والريح العقيم: التي لا تأتي بمطر ولا سحاب ولا تلقح [[في (أ): (الذي، يلقح).]] شجرًا [[انظر: (عقم) في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 288، "الصحاح" للجوهري 5/ 198، "لسان العرب" 12/ 413.]]. وأما التفسير: فقال ابن عباس: يريد يوم بدر [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 70 وعزاه لابن مردويه والضياء في المختارة.]]. وهو قول قتادة [[رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 41، والطبري 17/ 193.]]، ومجاهد [[رواه الطبري 17/ 193.]]، والسدي [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 444.]]، وأبيّ بن كعب [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 41 عن قتادة قال: بلغني أن أبيّ بن كعب كان يقول: أربع آيات أنزلت في بدر. هذه إحداهن "يوم عقيم" يوم بدر. وهو منقطع. ورواه الطبري 17/ 193 من هذا الوجه مختصرًا. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 70 وعزاه لابن مردويه.]]. واختلفوا: لم سُمِّي يوم بدر عقيمًا. فقال ابن عباس: لأنّه ليس ليوم بدر نظير من الأيام لا قبله ولا بعده، لم تقاتل الملائكة مع نبيّ قط إلاّ مع محمد -ﷺ-، ولم تقاتل مع محمد إلا يوم بدر. وعلى هذا سمي عقيمًا، لأنه لا نظير له في عِظَمِه بقتال الملائكة فيه، فكأنَّ الدهر عقيم عن مثل ذلك اليوم. وقال الكلبي: يوم عقيم لا فرج [[في (أ)، (ظ)، (د): (لا فرح)، والمثبت من (ع).]] فيه وهو يوم بدر. وهذا اختيار الزَّجَّاج، قال: اليوم العقيم هو الذي لا يأتي فيه خير كالريح العقيم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 434.]]. وقال ابن جريج: لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء [[ذكره الثعلبي 3/ 55 ب بهذا اللفظ، ورواه الطبري 17/ 193.]]. وعلى هذا القول سُمّي عقيمًا لانقطاع أعمارهم وفناء آجالهم، فلم يروا بعد ذلك اليوم ليلاً ولا نهارًا، فكأنَّ ذلك اليوم عليهم يومًا لا ليل لهم بعده. وروي عن عكرمة والضحاك في قوله ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: إنه القيامة [[ذكره عنهما الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 55 ب. ورواه عنهما الطبري 17/ 193. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 70 عن الضحاك، وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.]]. والوجه القول الأول [[وهو اختيار الإمام الطبري 17/ 193 قال: وذلك أنَّ الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضًا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ، وذلك لا معنى له.]]؛ لأن ذكر القيامة قد تقدّم في قوله ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾.

الحج 22:56

قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يعني يوم القيامة لله وحده يحكم بينهم بما ذكر من قوله ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.

الحج 22:57

قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يعني يوم القيامة لله وحده يحكم بينهم بما ذكر من قوله ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.

الحج 22:58

ثم ذكر فضل المهاجرين وقال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: من مكة إلى المدينة في طاعة الله. ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ تسوية بين حالتهم من القتل أو الموت على الفراش. ولهذا قال فضالة بن عبيد [[هو: فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس الأنصاري، الأوسي. صاحب رسول الله -ﷺ-، أسلم قديمًا، وشهد أحدًا وما بعدها، وشهد بيعة الرضوان. ولي الغزو لمعاوية، ثم ولي له قضاء دمشق، وكان ينوب عن معاوية في الإمرة إذا غاب. توفي سنة 53 هـ، وقيل بعدها. "طبقات ابن سعد" 7/ 401، "الاستيعاب" 3/ 1262، "أسد الغابة" 4/ 182، "سير أعلام النبلاء" 3/ 113، "البداية والنهاية" 8/ 78، "الإصابة" 3/ 201.]] ورأى جنازتين أحدهما قتيل والآخر متوفى-: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثتُ. وقرأ هذه الآية [[رواه الطبري 17/ 194 - 195 وابن أبي حاتم (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 232) عن فضالة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 71 وعزاه لا بن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. قوله تعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قال ابن عباس: يريد لا انقطاع له [[ذكر البغوي 5/ 396 هذا القول ولم ينسبه لأحد.]]. وقال السدي: هو رزق الجنة [[انظر: "الدر المنثور" 6/ 71.]]. وقرئ قوله ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ بالتخفيف والتشديد [[قرأ ابن عامر: "قتلوا" مشددة التاء، وقرأ الباقون: "قتلوا" خفيفة التاء. "السبعة" ص 439، "المبسوط" لابن مهران ص 258، "النشر" 2/ 327.]]. فالتخفيف يكون للكثير [[في (د)، (ع): (للكثرة).]] والقليل، والتشديد حسن؛ لأنهم قد أكثر فيهم القتل في وجوه توجهوا إليها [[هذا كلام أبي على في "الحجة" 5/ 284. وانظر: "إعراب القراءات وعللها" لابن خالويه 2/ 83، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 481.]].

الحج 22:59

قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد الجنة. وقرىء: ﴿مُدْخَلًا﴾ بضم الميم وفتحها [[قرأ نافع "مدخلا" بفتح الميم، وقرأ الباقون بضمها. "السبعة" ص 439، "التبصرة" ص 182، "التيسير" ص 95، "الاقناع" 2/ 629.]]، فالضمّ [[في "الحجة": المدخل يجوز أن يراد به الإدخال.]] يجوز أن يراد به الإدخال، ويكون المعنى أنهم إذا أدخلوا أكرموا، فلم يكونوا كمن ذكر في قوله ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: 34]. ويجوز أن يعني به الموضع، ويرضونه لأن لهم فيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فهو خلاف المدخل الذي قيل فيه ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: 71] الآية. والفتح يجوز أن يكون الدخول [[في "الحجة": وحجة من قال مدخلا أن المدخل يجوز أن يكون الدخول.]]، ويجوز أن يكون موضعه كالمدخل. ودل ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ﴾ على الدخول؛ لأنَّهم إذا أدخلوا دخلوا، فكأنه قال: ليُدْخلنهم فيَدخلون مَدْخلًا [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 284 - 285 مع تقديم وتأخير. وانظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 83، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 481 - 482.]]. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم [[ذكره عنه القرطبي 12/ 89. وذكره ابن الجوزي 5/ 446 والبغوي 5/ 397 من غير نسبة.]].

الحج 22:60

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: "ذلك" في موضع رفع، المعنى: الأمر ذلك، أي [[(أي): ساقطة من (أ).]]: الأمر ما قصصنا عليكم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 435. وعلى هذا "ذلك" خبر مبتدأ مُضمر، وانظر "الإملاء" للعكبري 2/ 146، "الدر المصون" 8/ 296.]]. ثم قال: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ أي: من جازى الظالم بمثل ما ظلمه. وسمي جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين في جنس المكروه كقوله ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، فالأول سيئة والمجازاة عليها سميت سيئة بأنها وقعت إساءة بالمفعول به، لأنه فعل [به] [[زيادة من معاني الزجاج يستقيم بها المعنى.]] ما يسوؤه [["معاني القرآن" للزجاج 30/ 435 مع اختلاف يسير.]]. وذكرنا هذا في قوله ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15]. قال الحسن: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ يعني: قاتل المشركين كما قاتلوه [[ذكره عنه البغوي 5/ 397.]]. ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ أي: ظلم بإخراجه من منزله. قيل: إنها نزلت في قوم من المسلمين قاتلوا قومًا من المشركين غير مبتدئين بالقتال بل دفعًا لهم عن أنفسهم، ثم أخرجوا من ديارهم [[انظر: "التهذيب في التفسير" للجشمي 6/ 186 ب.]]. قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾: يعني ما أتاه المشركون من البغي على المسلمين حين أحوجوا [[في (أ): (حين أخرجوا)، وفي (ظ): (حتى أخرجوا).]] إلى مفارقة أوطانهم [[ذكره البغوي 5/ 397 من غير نسبة لأحد.]]. قوله: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ يعني: هذا المظلوم الذي بغي عليه وعده الله النَّصر. قال ابن جريج: يعني نصرته محمدًا -ﷺ- وأصحابه [[رواه الطبري 17/ 195 بمعناه]]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ قال ابن عباس: يريد عفى عن المؤمنين مساوءهم، وغفر لهم ذنوبهم [[ذكره البغوي 5/ 397 من غير نسبة.]]. وذكر مقاتل بن سليمان السَّبب في نزول هذه الآية وتفسيرها فقال: إنَّ مشركي مكة لقوا المسلمين في ليلتين بقيتا من المحرم، فقال بعضهم لبعض: إنَّ أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا القتال، فبغوا على المسلمين، فقاتلوهم وحملوا عليهم، وثبت المسلمون فنصر الله المسلمين عليهم، فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام فأنزل الله هذه الآية [["تفسير مقاتل" 2/ 27 ب. وهذا القول غير معتمد في سبب نزول هذه الآية لأن مقاتل بن سليمان كذّبوه. انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 272.]]. فالمعني بـ"من" [[في (أ): (مَّمن).]] في قوله ﴿وَمَنْ عَاقَبَ﴾ المؤمنون، جازوا الكفار وقاتلوهم كما قاتلوهم، وبغيهم عليهم: أنَّهم لم يرتدعوا ولم يكفوا عن القتال بمناشدتهم إياهم. 59 - وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾ قال مقاتل: عنهم ﴿غَفُورٌ﴾ لقتالهم في الشهر الحرام [["تفسيره مقاتل" 2/ 27 ب.]].

الحج 22:61

قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك النصر الذي أنصره من بُغي عليه بأنّي القادر على ما أشاء، فمن قدرته أنَّه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ الآية [["تفسير الطبري" 17/ 195، الثعلبي 3/ 56 أ.]]. ومن قدر على ذلك قدر على نصرة من شاء ومعنى ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ قد سبق فيما مضى. قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعاء محمد ومن معه من المؤمنين ﴿بَصِيرٌ﴾ بهم حيث جعل فيهم البرَّ [[في (د)، (ع): (البر والفاجر)، بزيادة (والفاجر)، وهو خطأ.]] والتقوى والدين [[ذكره ابن الجوزي 5/ 447 مختصرًا من غير نسبة.]].

الحج 22:62

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: ذلك الذي فعل من نصر المؤمنين بأنّه [[في (أ): (وأنَّه).]] ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: ذو الحق في قوله وفعله، فدينه حق وعبادته حق، كل ما يصدر عنه من أمر ونهي حق، والمؤمنون الذين آمنوا به وصدقوا رسوله هم المحقون؛ فيستحقون من الله النصر. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ أي: الذي ليس بشيء ولا ينفع عبادته. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 27 أ.]]. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ العالي على كل شيء بقدرته، والعالي عن الأشباه والأشكال [[الحق أنَّ "العلي" يتضمن ثلاثة أمور، وهي علو الذات وعلو القدر وعلو القهر. وكلام المؤلف هنا حيدة منه عن إثبات علو الذات. وانظر بيان ذلك في قسم الدراسة عند الكلام على عقيدة المؤلف.]] ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي كل شيء سواه يصغر مقداره.

الحج 22:63

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الآية. حكى المبرد [["المقتضب" 2/ 21.]] والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 436.]] عن سيبويه [[انظر: "الكتاب" 3/ 36.]]: أنه سأل الخليل عن هذه الآية ورفع قوله ﴿فَتُصْبِحُ﴾ وهو جواب الاستفهام بالفاء ووجهة النصب؟ فقال: هذا ليس بجواب لقوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، لأنه [[في (أ): (الآية)، وهو خطأ.]] لو كان كذلك لكان التقدير: ألم تر فتصبح، بل هذا واجب و ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنبيه، وكأنَّه في التقدير-والله أعلم-: اسمع يا فلان: أنزل الله من السماء ماء فكان [[في (أ): (وكان).]] كذا وكذا. وأنشد الخليل للنّابغة [[إنشاد الخليل لبيتي النابغة في "الكتاب" 3/ 36 ورواية البيت الأول فيه: ولا زال قبرٌ بين تُبْنى وجاسم ... عليه من الوَسْمِى جَوْدٌ ووابل والبيتان في "المقتضب" للمبرد 2/ 19 بمثل الرواية التي ساقها الواحدي، ويظهر أنه نقل البيتين من المبرد؛ فقد قال قبل قليل: حكى المبرد .... وهما في: "ديوان النابغة" ص 121 من قصيدة يرثي بها النعمان بن الحارث الغَسَّاني مع اختلاف ففيه: سقى الغيث قبرا بين بصري وجاسم ... بغيث من الوسمي قطر ووابل وينبت .... قال الشنتمري في "شرحه لديوان النابغة" ص 121 - 122: ("بُصْرى وجاسم" هما موضعان بالشام، والوسمي: أول المطر؛ لأنه بسم الأرض بالنبات، .... والوابل: أشد المطر، وينبت حوذانًا: أي ينبت هذا المطر الذي دعا للقبر به، والحوذان والعوف: ضربان من النبت طيب الرائحة، وقوله "سأتبعه" أي: سآتي عليه بخير القول وأذكره بأجمل الذكر. اهـ. والسَّح: الصَبّ المتتابع. "لسان العرب" 2/ 476 (سحح).]]: فلا زال قبرٌ بين بصرى وجاسم ... عليه من الوسمي سح ووابل فينبتُ حوذانًا وعوفًا مُنورًا ... سأتبعه من خير ما قال قائل [وقال: لم يرد لا زال فينبت، ولكنَّه لما دَعَى بالغيث] [[ساقطة من (ع).]] قال: فينبت أي: فهو ينبت كأنَّه خبرٌ لقصة تكون عن هذا الغيث. ونحو هذا قال الفراء -في هذه الآية- فقال: (ألم تر) معناه خبر، كأنَّك قلت في الكلام: اعلم أنَّ الله يُنزل من السماء ماء فتصبح الأرض. وهو مثل قول الشاعر [[البيت أنشده الفراء في "معاني القرآن" 2/ 229 من غير نسبة، وتتمته: وهل تُخْبرَنْكَ اليوم بيداءُ سملقُ وهو بلا نسبة في الكتاب 3/ 37 وفيه: (القواء) في موضع (القديم)، والطبري 17/ 197 بمثل رواية الفرّاء. والبيت لجميل بن معمر، وهو في "ديوانه" ص 144، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 2/ 201، "شرح المفصل" لابن يعيش 7/ 36، 37، "شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 474، "لسان العرب" 10/ 164 (سملق)، "خزانة الأدب" 8/ 524، 526 - 527، وروايتهم جميعًا: القواء. قال الشنتمري في "تحصيل عين الذهب" 1/ 422: الشاهد فيه رفع "ينطق" على الاستئناف والقطع، على معنى: فهو ينطق .. والرَبْع المنزل، والقواء: القفر. وجعله ناطقًا للاعتبار بدروسه وتغيره. ثم حقق أنه لا يجيب ولا يخبر سائله لعدم القاطنين به. والبيداء: القفر. والسملق: التي لا شيء بها. اهـ وعند السيرافي 2/ 201: البيداء: الصحراء الواسعة. قال البغدادي 8/ 528: وقوله: (وهل تخبرنك) إلخ ردَّ على نفسه بأن مثله لا ينطق فيجيب.]]: ألم تسأل الربع القديم فينطقُ [["معانى القرآن" للفراء 2/ 229.]] قال الخليل: المعنى فهو مما ينطق [[قول الخليل في "معاني القرآن" للزجاج 3/ 346. وهو بنحوه في "الكتاب" 3/ 37.]]. هذا كلامهم. وعند النحويين [[انظر: "الكتاب" 3/ 31، "ارتشاف الضرب" لأبي حبان 2/ 408 - 409، "شرح المفصل" لابن يعيش 7/ 36 - 37.]] يجوز الرفع في الجواب بالفاء على تقدير الاستئناف، كقراءة من قرأ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ﴾ [البقرة: 245] بالرفع [[قرأ أبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي: "فيضاعفه" بالألف ورفع الفاء. وقرأ ابن كثير: "فيضعّفُه" بغير ألف وتشديد العين ورفع الفاء. وقرأ ابن عامر: "فيضعّفَه" بغير ألف وتشديد العين ونصب الفاء. وقرأ عاصم: "فيضاعفه" بألف ونصب الفاء. "السَّبعة" ص 184 - 185، "التبصرة" ص 161، "التيسير" ص 81.]]، أي: فهو يضاعفه [[أو يكون معطوفًا على "يقرض الله"، انظر "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 139، "إبراز المعاني" لأبي شامة 363.]] وكما رفع في هذه الآيات. وذكرنا عند قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: 243] أن [[أنّ: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تكون بمعنى التنبيه. فحصل في هذه الآية وجهان: أحدهما: أن قوله [فتصبح] ليس بجواب الاستفهام؛ لأنَّ هذا استفهام معناه التنبيه. والثاني: أنه جواب الاستفهام بالرفع على ما ذكره النحويون. قال ابن عباس وغيره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني المطر [[ذكره ابن الجوزي 5/ 447 من غير نسبة لأحد.]] ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بالنبات [[ذكره البغوي 5/ 397، وابن الجوزي 5/ 447 من غير نسبة لأحد.]] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ بأرزاق عباده [[ذكره عنه الرازي 23/ 62، والقرطبي 12/ 92. وذكره البغوي 5/ 397 من غير نسبة.]]. وقال مقاتل: باستخراج النبات من الأرض [["تفسير مقاتل" 2/ 27 ب.]]. ﴿خَبِيرٌ﴾ قال ابيت عباس: خبير بما في قلوب العباد من القنوط [[ذكره عنه الرازي 23/ 62، والقرطبي 12/ 92.]]. يعني عند تأخر المطر. وقال غيره: خبير بما يحدث من ذلك الماء ومن ذلك النبت [[في (أ): (النبات)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما عند الطبري.]] [[هذا قول الطبري 17/ 196.]].

الحج 22:64

قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: عبيده وفي ملكه [["تفسير مقاتل" 2/ 27 ب.]]. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن عباده ﴿الْحَمِيدُ﴾ إلى أوليائه وأهل طاعته. قاله ابن عباس.

الحج 22:65

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد البهائم التي تركب وتؤكل [[ذكره البغوي 5/ 398، وابن الجوزي 5/ 448 من غير نسبة. قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 233: أي من حيوان وجماد وزروع وثمار كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13].]]. قوله: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ "الفلك" بالنصب نسق على "ما" و"تجري" حال أي: وسخر لكم الفلك في حال جريها [[هذا قول الزجاج بنصَّه في "معاني القرآن" 3/ 437. وجوَّز أبو البقاء في الإملاء 2/ 146 أن يكون انتصاب "الفلك" عطفًا على لفظ الجلالة على تقدير: وأن الفلك تجري في البحر، و"تجري" خبرٌ على هذا. وتبع السمين الحلبي 8/ 302 أبا البقاء في هذا. واستظهر أبو حيان 6/ 387 ما قاله الزجاج، واستبعد ما جوزه أبو البقاء، وقال: وهو إعراب بعيدٌ عن القصاحة.]]. ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ قال الزجاج: المعنى: كراهة [[في (أ): (كراهية)، والمثبت هو الموافق لما في كتاب الزجاج.]] أن تقع، [وموضع "أنْ" نصب بيمسك، وهو مفعول له، المعنى: لكراهة أن تقع] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 437.]]. وقال مقاتل: لئلا تقع [["تفسير مقاتل" 2/ 27 ب.]]. وهذا على مذهب الكوفيين [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: 31].]]. وذكرنا الكلام في هذه المسألة في مواضع [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176].]]. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قال مقاتل: يعني لرفيق رحيم بهم فيما سخر لهم وحبس عنهم السماء فلا تقع عليهم فيهلكوا [["تفسير مقاتل" 2/ 27 ب.]].

الحج 22:66

قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ بعد أن كنتم نطفًا ميتة. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند آجالكم. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث والحساب والثواب والعقاب [[الطبري 17/ 198، الثعلبي 3/ 56 أ.]]. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ قال ابن عباس: يعني جماعة من المشركين [[ذكر الرازي 23/ 63 والقرطبي 12/ 98 وأبو حيان 6/ 387 عنه أنه قال: هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف. قال الرازي: والأولى تعميمه في جميع المنكرين. وقال أبو حيان بعد ذكره لقول ابن عباس-: وهذا على طريق التمثيل. وقيل: هذا وصفٌ للجنس؛ لأن الغالب على الإنسان كفر النّعم كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].انظر: القرطبي 12/ 93.]]. قال الكلبي: هو الكافر [[ذكر الرازي 23/ 63، وأبو حيان 6/ 387 هذا القول عن ابن عباس.]]. ﴿لَكَفُورٌ﴾ قال مقاتل: لكفور لنعم الله في حسن خلقه حين لا يوحده [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]].

الحج 22:67

قوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: لكل قرن مضى ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال ابن عباس: يريد شريعة هم عاملون بها [[ذكره عنه البغوي 5/ 398. وروى عنه الطبري 17/ 198 - من طريق الوالبي، قال: عيدا.]]. وقال مقاتل وغيره: يعني ذبيحة في عيدهم هم ذابحوه [[انظر: تفسير مقاتل 2/ 28 أ. وجاء نحوه عن عكرمة. انظر: "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 73.]]. وهذا ممَّا [[في (أ): (ما).]] تقدم الكلام فيه في هذه السورة [[عند قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34].]]. ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ يعني في أمر الذبائح. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في بديل بن ورقاء الخزاعي [[هو: بُديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى بن ربيعة الخزاعي، كتب إليه النبي -ﷺ-، يدعوه إلى الإسلام، وأسلم قبل الفتح، وقيل يوم الفتح، وشهد حنينًا، واستعمله -ﷺ- على سبى هوازن، وسار مع النبي -ﷺ- إلى تبوك، وشهد حجة الوداع. "طبقات ابن سعد" 4/ 294، "الاستيعاب" 1/ 150، "أسد الغابة" 1/ 170، "الإصابة" 1/ 145.]] وبشر بن سفيان الخزاعي [[هو: بشر -قال ابن هشام: ويقال: بسر- بن سفيان بن عمر بن عويمر الكعبي الخزاعي، كتب إليه النبي -ﷺ-، وأسلم سنة ست، وبعثه النبي -ﷺ- عينًا إلى قريش إلى مكة، وشهد الحديبية، وله ذكر في حديث الحديبية، وسكن مكة. "طبقات ابن سعد" 4/ 458، "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 356، "الاستيعاب" 1/ 166، "الإصابة" 1/ 153.]]، ويزيد بن خنيس وغيرهم من كفار قريش وخزاعة، خاصموا النبي -ﷺ- والمؤمنين في أمر الذبيحة، فقالوا: ما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه أو ما قتلتم أنتم بسكاكينم؟ [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]]. قال أبو إسحاق: معنى قوله ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ لا تنازعهم ولا تجادلهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾، وكان هذا قبل القتال. فإن قيل [[في (أ) زيادة: (لهم) بعد قوله: (قيل)، وهو خطأ.]]: فلم قيل: فلا ينازعنك في الأمر وهم قد نازعوه؟ فالمعنى: إنَّ هذا نهيٌ للنبي -ﷺ- عن منازعتهم كما تقول: لا يخاصمنّك فلان في هذا أبدًا، أي: لا تخاصمه. وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا من اثنين؛ لأنَّ المجادلة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا [[في (أ): (وإذا).]] قلت: لا يجادلنّك فلان، فهو بمنزلة لا تُجادلنَّه. ولا يجوز هذا في قولك: لا يضربنك فلان، وأنت تريد لا تضربه. ولكن لو قلت: لا يضاربنّك فلان، لكان [[(لكان): ساقط من (ظ).]] كقولك: لا تضاربن فلانًا. هذا كلام أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 437. مع اختلاف يسير. وقيل معنى "فلا ينازعنك في الأمر": فلا تتأثر بمنازعتهم لك ولا يصرفك ذلك عمّا أنت عليه من الحق. وهذا كقوله ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: 87] أشار إليه ابن كثير 3/ 334.]]. وقوله: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ قال مقاتل بن سليمان: يعني إلى معرفة ربك وهو التوحيد [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]]. وقال ابن عباس: يريد قم بشرائع الحنيفية. والمعنى على هذا: ادع إلى الإيمان به وإعمال ما شرع من الشريعة. قوله: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى﴾ دين ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو قال ابن عباس: لم يخلق دينًا أقوم ولا أفضل منه ولا أحب إلى الله -عز وجل-

الحج 22:68

قوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ قال الكلبي: خاصموك في أمر الذبيحة [[ذكره ابن الجوزي 5/ 449 ولم ينسبه لأحد.]]. وقال مقاتل: جادلوك في أمر الذبائح [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]]. يعني هؤلاء النفر. ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من تكذيبهم النبي -ﷺ- [[ذكره عنه القرطبي 17/ 94.]]. وقال مقاتل: الله أعلم بما تعملون وما نعمل، فذلك قوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]]. وعلى هذا في الآية محذوف حذف لدلالة الباقي عليه. والمعنى: أيضًا يحكم بيننا وبينكم. يعني: أنَّه عالم بأعمالنا فهو يحكم بيننا وبينكم يوم القيامة ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: تذهبون فيه إلى خلاف ما نذهب. وهو معنى قول ابن عباس: يريد في خلافكم إيّاي [[ذكره القرطبي 12/ 94 من غير نسبة، وفيه: آياتي بدل إيّاي.]]. قال الكلبي ومقاتل: نسختها آية السيف [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ. وانظر: "الناسخ والمنسوخ" لهبة الله بن سلاهه ص66، "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" لابن البارزي ص 41. والمراد بآية السيف هي قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]. وقيل: في قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36]. وقيل هما معًا. انظر: الإتقان للسيوطي 2/ 67، "روح المعاني" للألوسي 10/ 50. والقول بالنسخ محل نظر؛ لأنه لا دليل على النسخ، ولا تعارض بينها وبين آية السيف.]]. وهذا النسخ الذي قالا لا يرجع إلى الحكم، لأنَّ الله يحكم يوم القيامة بين المحق والمبطل فيدخل المحق الجنة والمبطل النار، ولكن النسخ يعود إلى النبي -ﷺ- لما أمر بالقتال كان يقاتل من خالفه ولم يصدقه، ولا يدفع بالقول والمداراة كما أمر في هذه الآية بأن يقول إذا جادلوه: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾.

الحج 22:69

قوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ قال الكلبي: خاصموك في أمر الذبيحة [[ذكره ابن الجوزي 5/ 449 ولم ينسبه لأحد.]]. وقال مقاتل: جادلوك في أمر الذبائح [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]]. يعني هؤلاء النفر. ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من تكذيبهم النبي -ﷺ- [[ذكره عنه القرطبي 17/ 94.]]. وقال مقاتل: الله أعلم بما تعملون وما نعمل، فذلك قوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]]. وعلى هذا في الآية محذوف حذف لدلالة الباقي عليه. والمعنى: أيضًا يحكم بيننا وبينكم. يعني: أنَّه عالم بأعمالنا فهو يحكم بيننا وبينكم يوم القيامة ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: تذهبون فيه إلى خلاف ما نذهب. وهو معنى قول ابن عباس: يريد في خلافكم إيّاي [[ذكره القرطبي 12/ 94 من غير نسبة، وفيه: آياتي بدل إيّاي.]]. قال الكلبي ومقاتل: نسختها آية السيف [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ. وانظر: "الناسخ والمنسوخ" لهبة الله بن سلاهه ص66، "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" لابن البارزي ص 41. والمراد بآية السيف هي قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]. وقيل: في قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36]. وقيل هما معًا. انظر: الإتقان للسيوطي 2/ 67، "روح المعاني" للألوسي 10/ 50. والقول بالنسخ محل نظر؛ لأنه لا دليل على النسخ، ولا تعارض بينها وبين آية السيف.]]. وهذا النسخ الذي قالا لا يرجع إلى الحكم، لأنَّ الله يحكم يوم القيامة بين المحق والمبطل فيدخل المحق الجنة والمبطل النار، ولكن النسخ يعود إلى النبي -ﷺ- لما أمر بالقتال كان يقاتل من خالفه ولم يصدقه، ولا يدفع بالقول والمداراة كما أمر في هذه الآية بأن يقول إذا جادلوه: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾.

الحج 22:70

قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج: 70]. [قال ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]]: يريد قد علمت وأيقنت أني أعلم ما في السماء والأرض. وهذا استفهام يراد [[في (أ): (يريد).]] به التقرير كقوله: ألستم خير من ركب المطايا قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ يعني ما يجري في السماء والأرض، كلّ ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، وذلك أن الله تعالى خلق القلم واللوح، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة [[روى أبو يعلى في مسنده 4/ 217، والطبراني في "المعجم الكبير" 12/ 8 - 96 واللفظ له عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -ﷺ- قال: "لما خلق الله القلم قال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 190: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وروى مسلم في "صحيحه" (كتاب القدر 4/ 2044) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء".]]. قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: علمه بجميع ذلك ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. فلا يخفى عليه شيء يتعذر العلم به. وقال ابن جريج: إنَّ الحكم بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة على الله يسير [[رواه الطبري 17/ 200 - 201. واختار الأول لأنَّه أقرب مذكور إلى قوله: "يسير"، هو وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾.]].

الحج 22:71

قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة [[ذكر ابن الجوزي 5/ 9451، والقرطبي 12/ 95 هذين القولين من غير نسبة لأحد.]]. ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس: يريد حجة [[ذكر ابن الجوزي 5/ 9451، والقرطبي 12/ 95 هذين القولين من غير نسبة لأحد.]]. ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أنها آلهة ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ وما للمشركين من مانع من العذاب.

الحج 22:72

قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد: بان لهم ما هم فيه من الضلالة وما جاء به محمد -ﷺ- من الهدى. ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ قال مقاتل: ينكرون القرآن أن يكون من الله [["تفسيرمقاتل" 2/ 28 أ.]]. والمنكر بمعنى: الإنكار، والتأويل: أثر الإنكار من الكراهية والعبوس. وذهب بعضهم [[هو: الإمام الطبري رحمه الله. وقوله هذا في "تفسيره" 17/ 201.]] إلى أنَّ المنكر هاهنا مفعول الإنكار وليس بمعنى المصدر وقال: وتأويله: يتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان من تغيّرها [[في (أ): (تغييرها)، وهو خطأ.]] عند سماع القرآن. قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ قال الليث: السطو: شدة البطش. والفحل يسطو على طروقته [[قوله في "تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 24، 25 (سطا). وهو في "العين" 7/ 277 مادة (سطا). وطروقته: أنثاه. "لسان العرب" 10/ 216 (طرق).]]. وقال أبو زيد والفراء: كادوا يبطشون بهم [["تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 24 عن الفراء وأبي زيد. وقول الفراء في "معاني القرآن" له 2/ 230.]]. ومنه يقال: الأيدي السواطي، التي تتناول الشيء. والساطي من الرجال الذي يسطو بقرنه فيبطش به ويتناوله. والله ذو سطوات أي: أخذات شديدة. ويقال: سطوت به وسطوت عليه [[انظر: (سطا) في "تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 24، "الصحاح" للجوهري 6/ 2376، "أساس البلاغة" للزمخشري ص 439، "لسان العرب" 14/ 384.]]. وقال المبرد: يقال سطا زيد على عمرو وبعمرو. إذا تطاول عليه ليضع منه. وقال أبو إسحاق: يكادون يبطشون [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.]]. وقال مجاهد [[رواه الطبري 17/ 202 عن مجاهد مختصرًا.]] ومقاتل [["تفسيرمقاتل" 2/ 28 أ.]]: يكادون يقعون بمحمد -ﷺ- وأصحابه، وهو قوله: ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: يبسطون إليهم أيديهم بالسوء. قوله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ قال المفسرون: قل يا محمد لهم: أفأنبئكم بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 56 ب.]]. ثم ذكر [[في (أ) زيادة (من) بعد قوله: (ذكر)، وهو خطأ.]] ذلك فقال: ﴿النَّارُ﴾. قال أبو إسحاق: أي هو النار أو هي النار، كأنهم [[في (ط)، (د)، (ع): (وكأنهم)، والمثبت من (أ) هو الموافق لما في المعاني.]] قالوا: ما ذلك الذي هو شر؟ فقيل: النارُ. قال: ويجوز الخفض على البدل من (شر) والنصب على أعني [[في (أ): (أعلى) والعبارة عند الزجاج: فهو على معنى: أعني النار.]]. قال: والرفع أثبت في النحو [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.]]. ونحو هذا قال الفراء: سواء ترفع (النار) لأنها معرفة فسرت الشر وهو نكرة، كما تقول: مررت برجلين: أبوك وأخوك. ولو نصبتها بما عاد من ذكرها ونويت بها الاتصال بما قبلها كان وجهًا. ولو خفضتها على الباء: أنبئكم بشر من ذلكم [بالنار، كان صوابًا. والوجه الرفع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 230.]]. وذهب مقاتل في تفسير قوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾] [[ما بين المعقوفين كرره ناسخ (أ) مرتين.]] إلى غير ما ذكرنا وهو أنه قال: إن المشركين لما سمعوا القرآن قالوا: ما شأن محمد وأصحابه أحق بهذا الأمر منا والله إنهم لشر خلق الله، فأنزل الله ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ من النبي وأصحابه من وعده الله النار وصار إليها يعني الكافر فهم أشرار الخلق [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]]. وهذا تعسف وتفسير لا يساعده اللفظ. وقال بعض أهل المعاني: معنى الآية: بشر عليكم مما يلحق التالي منكم، أوعدهم الله تعالى على سطوتهم بأهل الحق عقوبة هي شر من سطوتهم بالذي يتلو القرآن [[ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 302، والقرطبي 12/ 96 ولم ينسبه لأحد.]].

الحج 22:73

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ قال أبو إسحاق: لما عبدوا من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر وما لم ينزل به حجة، أعلمهم الله الجواب فيما جعلوه له مثلاً، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ يعني الأصنام [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.]]. قال ابن عباس، والكلبي، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهو يعني كفار مكة ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ يعني ذكر شبه الصنم ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾. ثم أخبر عنه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: تعبدون من دون الله من الأصنام، وكانت ثلاثمائة وستين صنمًا حول الكعبة ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ لن يستطيعوا أن يخلقوا ذبابًا في صغره وقلته. وقال الأخفش في هذه الآية: إن قيل فأين [[في (ظ)، (د)، (ع): (أين).]] المثل الذي ذكره الله في قوله ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾؟ قلت: ليس هاهنا مثل؛ لأن المعنى أن الله تعالى قال: ضرب لي مثل، أي: شبه بي الأوثان، ثم قال: فاستمعوا لهذا المثل الذي جعلوه مثلي في قولهم، إنهم لن يقدروا على خلق ذباب ولو اجتمعوا له، أي: فكيف تُضرب هذه الآلهة في ضعفها وعجزها مثلاً لله وهو رب كل شيء ليس له شبه ولا مثل [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 637 مع تصرف. وقول الأخفش هذا محل نظر، فإن == الظاهر المتبادر أن في الآية مثلا، والضارب للمثل هو الله -عز وجل- ضرب مثلا لما يعبد من دونه. انظر "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 390، والألوسي 17/ 200. وانظر: شرح الإمام ابن القيم لهذا المثل في كتابه "إعلام الموقعين" 1/ 181 فقد بين -رحمه الله- أنه حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قبله، ثم شرع في بيان المثل.]]. وتأويل الآية: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي، فاستمعوا حالها وصفتها، ثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. الآية. والذُّبَاب اسم واحد للذكر والأنثى، وجمعه القليل: أذِبَّة، والكثير: ذِبَّان مثل غُراب وأغْرِبَة وغِرْبان [[هذا كلام الطبري 17/ 203 والثعلبي 3/ 56 ب لكن ليس عندهما للذكر والأنثى. وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 451/ 14 (ذب)، "الصحاح" للجوهري 1/ 126 (ذبب)، "لسان العرب" 1/ 382 (ذبب).]]. قال الزجاجي [[في (أ): (الزجاج)، والأظهر ما في باقي النسخ لأن هذا الكلام ليس موجودًا في كتاب "معاني القرآن". والزجاجي هو: عبد الرحمن بن إسحاق، أبو القاسم الزجاجي، أحد أئمة العربية. لزم أبا إسحاق الزجاج -وإليه ينسب- حتى برع في النحو، وأخذ عن أبي بكر بن السراج وعلي بن سليمان الأخفش وغيرهما. صنف "الجمل في النحو" الكتاب المشهور -وبه يعرف- وغيره من المصنفات. توفي سنة 339 هـ وقيل 340 هـ. "طبقات النحويين واللغويين" ص 129، "نزهة الألباء" ص 306، "إنباه الرواة" 2/ 160، "سير أعلام النبلاء" 15/ 475، "بغية الوعاة" 2/ 77.]]: وسُمي هذا الطائر ذبابًا لكثرة حركته واضطرابه وسرعة انتقاله إلى الموضع الذي يُذَبّ عنه وينحى [[لم أجده.]]. وأصل (ذب ب) [[في (أ): (ذب).]] على هذا الترتيب موضوع [[في (أ): (موضع)، وهو ساقط من (ظ).]] في كلامهم لسرعته في [[(في): ساقطة من (أ).]] الحركة والانتقال والاضطراب والمجيء والذهاب، ومنه قولهم: ذبب الرجل وذبذب، إذا أخذ في السير وأسرع. وذباذبُ الهودج: ما تعلق منه فيتردد في الهواء. والذَّبْذَبُ: ذكر الرجل، سُمّي بذلك لتردده. الذبّ: الرجل الخفيف الحركة [[انظر (ذبب) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 414، "الصحاح" للجوهري 1/ 126 - 127، "مقاييس اللغة" لابن فارس 2/ 348 - 349 (ذب)، "لسان العرب" 1/ 384 (ذبب).]]. قوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي: إن سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم لا يقدرون أن يستردوا وينزعوا ذلك من الذباب. ومعنى الاستنقاذ والإنقاذ: التخليص [[انظر (نقذ) في "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 74، "الصحاح" للجوهري 2/ 572، "لسان العرب" 3/ 516.]]. وذكرنا ذلك عند قوله ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 103]. قال ابن عباس: كانوا يطلون أصنامهم الزعفران فيجف، ويأتي الذباب فيختلسه [[ذكره عنه البغوي 5/ 400، وابن الجوزي 5/ 452، والقرطبي 12/ 97.]]، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ يريد من العطر ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ يريد الذباب. وقال السدي عن أصحابه: كانوا يجعلون للأصنام طعامًا فيقع عليه الذباب فيأكل، فلا يستطيع أن يستنقذه منه [[رواه ابن أبي حاتم عنه كما في "الدر المنثور" 6/ 75. وذكره عنه البغوي 5/ 400، وابن الجوزي 5/ 452، والقرطبي 12/ 97.]]. وقال مقاتل: أي فكيف [[في (أ): (كيف).]] يعبدون من لا يخلق ذبابًا، ولا يمتنع من الذباب [["تفسيرمقاتل" 2/ 28 ب.]]. وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الذين عُبدوا من دونه لا يقدرون على خلق واحد قليل ضعيف من خلقه ولا على استنقاذ تافه حقير منه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.]]. قوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قال ابن عباس: ﴿الطَّالِبُ﴾: الصنم، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الذباب. هذا قوله في رواية عطاء [[ذكره ابن الجوزي 5/ 452 عن عطاء، عن ابن عباس. ورواه الطبري 17/ 203 هذا القول عن ابن عباس من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 75 وعزاه لابن جرير وابن المنذر.]]. وهو قول الكلبي، وابن زيد [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 ب.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]]، قالوا: ﴿الطَّالِبُ﴾ هو [[(هو): ساقطة من (ظ).]] الصنم الذي سلبه الذباب ولم يمتنع منه، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ هو الذباب. وعلى هذا معنى الآية: ضعف ﴿الطَّالِبُ﴾ الذي هو الصنم فلم يطلب ما سلب منه، وضعف المطلوب منه وهو الذباب السالب. وهذا القول اختيار الفراء، فقال: ﴿الطَّالِبُ﴾: الآلهة، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ الذباب، وفيه معنى المثل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 230.]]. وروى عن ابن عباس: ﴿الطَّالِبُ﴾: الذباب، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الصنم [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 ب.]]. وذلك أن الذباب يطلب ما يسلب الصنم من طيب أو طعام والصنم المطلوب منه السلب. وقال الضحاك: يعني العابد والمعبود [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 أ.]]. وهذا معنى قول السدي: الطالب: الذي يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه، والصنم المطلوب إليه [[(إليه): ساقطة من (ظ).]] [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 75. قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" 1/ 182 - بعد ذكره للأقوال المتقدمة في معنى الطالب والمطلوب-: والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع فضعف العابد والمعبود والمُستلِب والمُستلَب.]].

الحج 22:74

قوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قال ابن عباس [[ذكره ابن الجوزي 5/ 453، والقرطبي 12/ 98 من غير نسبة لأحد.]]، ومقاتل [["تفسيرمقاتل" 2/ 28 ب.]]، والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.]]: ما عظموا الله حق عظمته حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له. وقال أبو عبيدة: ما عرفوا الله حق معرفته ولا وصفوه حق صفته [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 54. وفيه: مبلغ صفته.]]. وهذا مما قد تقدم [[في (ظ)، (د)، (ع): (مما تقدم الكلام)، دون قد.]] فيه الكلام [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91].]]. ثم أعلم الله -بعد ذكره ضعف المعبودين- قوته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قال ابن عباس: على خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ في ملكه. وقال مقاتل: إن الله لقوي في أمره منيع في ملكه، والصنم لا قوة له ولا منعة [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]]. وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في جماعة من يهود المدينة قالوا: فرغ الله من خلق السموات والأرض فأعيا فاستلقى فاستراح، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وكذب أعداء الله فنزل قوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [[ذكره الرازي 23/ 69 عن الكلبي. وذكره الماوردي 4/ 40 وعزاه لابن عباس. وهذا القول في سبب نزول هذه الآية لا يصح قال الآلوسي 17/ 203: الظاهر أن قوله (ما قدروا) إلخ إخبار عن المشركين وذم لهم. وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" 1/ 182: فمن جعل هذا -يعني الذي قال الله فيه ضعف الطالب والمطلوب- إلها مع القوي العزيز فما قدره حق قدره.]].

الحج 22:75

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد إسرافيل وجبريل وميكائيل وملك الموت ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ يريد النبيين [[انظر الطبري 17/ 204، والثعلبي 3/ 57 أ.]]. قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]] وغيره [[ذكره الطبري 17/ 204 وصدره بقوله: قيل. والثعلبي 3/ 57 أ، وصدره بقوله: ويقال. ولا يعتمد على هذا في سبب نزول هذه الآية.]]: إن الوليد بن المغيرة قال: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [[في (أ): (أنزل).]] [ص: 8] فأنزل الله هذه الآية فأخبر بأن الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه فيجعلهم رسله وأنبياءه، ذلك كله بيد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لمقالتهم ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يتخذه رسولاً [[الطبري 17/ 254، الثعلبي 3/ 57 أ.]].

الحج 22:76

قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد ما قدموا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يريد ما خلفوا [[ذكره عنه البغوي 5/ 401.]]. وقال الحسن: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما عملوه ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وما [[في (ظ): (مما)، وفي (ع): (ما).]] هم عاملون مما لم يعلموا بعد [[ذكره عنه البغوي 5/ 401.]]. وقال مقاتل: يعلم ما كان قبل خلق الملائكة ويعلم ما يكون بعد خلقهم [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]].

الحج 22:77

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ قال المفسرون: أي: صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود [[الطبري 17/ 204. وانظر البغوي 5/ 401.]]. ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ قال مقاتل: يقول: وحّدوا ربكم [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.]]. يعني: أن من أشرك بعبادته غيره لم [[في (ظ): (ولم).]] يوحده، وعبادته إنما تصح مع التوحيد فجاز أن يسمي التوحيد عبادة؛ لأنه أصل العبادة وأعظمها. وقال أبو إسحاق: أي: اقصدوا بركوعكم وسجودكم الله -عز وجل- وحده [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 439.]]. ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ قال مقاتل: الخير الذي أمرتم به [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.]]. كأنه بمعنى [[في (ظ)، (د)، (ع): (يعني).]] الصلاة. وقال ابن عباس: يريد صلة الرحم ومكارم الأخلاق [[ذكره عنه البغوي 5/ 401، والزمخشري 3/ 23، وأبو حيان 6/ 391.]]. وقال الزجاج: الخير كل ما أمر الله به ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال: لترجوا أن تكونوا على فلاح [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 439.]]. وقال ابن عباس: يريد: كي تسعدوا وتبقوا في الجنة [[ذكره عنه البغوي 5/ 401، وذكره ابن الجوزي 5/ 454 من غير نسبة لأحد.]]. وذكرنا قديمًا هذين المذهبين في ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ أينما كان في القرآن [[انظر: "البسيط" ظهر قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].]].

الحج 22:78

قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء: بنية صادقة [[ذكر هذا القول البغوي 5/ 402، وعزاه لأكثر المفسرين.]] - وعلى هذه حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة لله تعالى. وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ يعني العمل أن تجتهدوا [[في (ظ): (يجهدوا).]] فيه [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" 6/ 78.]]. وقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" 6/ 78.]]. وقال مقاتل بن سليمان: يقول اعملوا لله بالخير حق عمله، نسختها الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.]]. ونحو هذا قال الضحاك [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ، وذكر الطبري 17/ 205 هذا القول ثم قال: وهذا قول ذكره عن الضحاك عن بعض من في روايته نظر.]] سواء. واختاره الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 439. والقول بنسخ هذه الآية لا دليل عليه، ولا تعارض بين هذه الآية وآية التغابن، ولهذا قال أبو عثمان النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص 577: وهذا لا نسخ فيه. وقال مكي بن أبي طالب في "إيضاح ناسخ القرآن ومنسوخه" ص 310: والقول في هذا أنه محكم، ومعناه: جاهدوا في الله بقدر الطاقة، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وقال ابن عطية 10/ 326: ومعنى الاستطاعة في هذه الأوامر هو المراد من أول الأمر، فلم يستقر تكليف بلوغ الغاية شرعًا ثابتًا فيقال إنه نُسِخ بالتخفيف، وإطلاقهم النسخ في هذا غير محدق. وقال ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 8: ولم يصب من قال إن الآيتين -يعني هذه الآيهَ وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]- منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يطاق، وحق تقاته وحق جهاده. هو ما يطيقه كل عيد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين في القدرة والعجز والعلم والجهل. فحق == التقوى وحق الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيء، وتأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ والحرج الضيق، بل جعله واسعًا يسع كل أحد.]]. وروي عن ابن عباس: جاهدوا في سبيل الله أعداء الله باستفراغ الطاقة فيه [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ.]]. وروي عنه [[في (ظ): (عن ابن عباس).]] أيضًا: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أي لا تخافوا [[في (أ)، (ظ)، (د): (تخاف. والمثبت من (ع) هو الموافق لما عند الطبري والثعلبي.]] في الله لومة لائم [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ. ورواه الطبري 17/ 205.]]. وقال عبد الله بن المبارك: حق الجهاد مجاهدة النفس والهوى [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ.]]. قوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أي: اختاركم واصطفاكم واستخلصكم لدينه ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قالوا جميعًا: من ضيق [[انظر: الطبري 17/ 206، "الدر المنثور" 6/ 79 - 80.]]. واختلفوا في وجه رفع الحرج. فروي عن ابن عباس أنه قال: جعل الله [[لفظ الجلالة زيادة من (أ).]] الكفارات مخرجًا [[سيأتي تخريجه.]]. يعني أن [[(أن): ساقطة من (ظ)، (ع).]] من أذنب ذنبًا جعل له منه مخرجًا [[في (د)، (ع): (مخرج).]]، إما بالتوبة، أو بالقصاص، أو برد المظلمة، أو بنوع كفارة فلم يُبتل المؤمن بشيء من الذنوب إلا جُعل له منه مخرج. وهذا رواية الزهري عنه [[روى الطبري في "تفسيره" 17/ 205 - 206 عن الزهري قال: سأل عبد الملك بن مروان علي بن عبد الله بن عباس عن هذه الآية ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فقال علي بن عبد الله: الحرج: الضيق، فجعل الله الكفارات مخرجًا من ذلك. سمعت ابن عباس يقول ذلك. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 79 وعزاه لمحمد بن يحيى الذهلي في "الزهريات" وابن عساكر. وروى ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 78 - 79 من طريق ابن شهاب، أن ابن عباس كان يقول في قوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: توسعة الإسلام، وما جعل الله من التوبة ومن الكفارات.]]. وروي عنه قول آخر، قال: هذا في هلال شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شكوا في الهلال، وفي الفطر [[في (أ): (الفطرة).]] وأشباهه حتى يتيقنوا [[رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 156 ب، والطبري 17/ 207 وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 6/ 79 من طريق عثمان بن يسار -وتصحف في المطبوع من الطبري والدر المنثور إلى: بشار، والصواب يسار كما في "التاريخ الكبير" للبخاري 6/ 173، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 6/ 257 - عن ابن عباس. وليس قوله (حتى يتيقنوا) في رواية أحد منهم، وإنما أدخلها الواحدي من كلام الثعلبي 3/ 57 ب، حيث ذكر الثعلبي هذا القول ولم ينسبه لأحد.]]. وعلى هذا رفع الحرج يعود إلى أنا أمرنا بالأخذ باليقين عند الاشتباه. وروي عن أبي هريرة أنه قال لابن عباس: أما علينا في الدين من حرج أن نسرق أو نزني؟ قال: بلى. قال [[(قال): ساقطة من (ظ).]]: قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}؟ قال: ذلك الإصر [[في (ج)، (د)، (ع): (الأمر).]] الذي كان على بني إسرائيل، وضعه الله عنكم [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 78 عن محمد قال: قال أبو هريرة لابن عباس، فذكره.]]. وقال مقاتل بن حيان: يعني إباحة الرخص عند الضرورات، كالقصر في الصلاة، والتيمم، وأكل الميتة، والإفطار عند المرض والسفر [[ذكره السيوطي عنه في "الدر المنثور" 6/ 80 بأطول من هذا، وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وهو قول الكلبي [[ذكره عنه البغوي 5/ 403.]]، واختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 440. وما ذكر هنا من الأقوال داخل في معنى الآية، وكل ذكر مثلا على رفع الحرج. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1305 - بعد أن ذكر وجوهًا من رفع الحرج: ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحرج لطال المرام. وقال ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 8 - 9: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ والحرج: الضيق، بل جعله واسعًا يسع كل أحد، .. ، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجه ما .. وقد وسع الله -سبحانه وتعالى- على عباده غاية التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته .. ثم ذكر -رحمه الله- أمثلة لذلك.]]. قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال أكثر النحويين [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 106، "الإملاء" للعكبري 2/ 147، "البحر المحيط" 6/ 391، "الدر المصون" 8/ 309.]]: (ملة) منصوب على الأمر، معناه: اتبعوا ملة أبيكم. وقال المبرد: أي عليكم ملة أبيكم [[لم أجده.]]. وتأويل عليكم: اتبعوا واحفظوا. وهذا قول الأخفش [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 638.]]، والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 231 وفيه: وقد تنصب (ملة إبراهيم) على الأمر بها.]]، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 440.]]. قال الفراء: ويجوز أن يكون المعنى كملة أبيكم فإذا ألقيت [[في (أ): (الغيت).]] الكاف نصبت [[عبارة الفراء في "معانيه" 2/ 231 هي: وقوله: (ملة أبيكم) نصبتها على: وسع عليكم كملة إبراهيم؛ لأن قوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يقول: وسعة وسمحه كملة إبراهيم، فإذا ألقيت الكاف نصبت. وقد تنصب (ملة إبراهيم) على الأمر بها؛ لأن أول الكلام أمر كأنه قال: اركعوا والزموا ملة إبراهيم. انتهى كلامه. فليس في عبارة الفراء: ويجوز، بل إنه ذكر هذا القول ثم ذكر قولا آخر وصدره بقوله: وقد -وهو القول الذي ذكر الواحدي أنه قول الفراء- فعكس الواحدي الأمر. والله أعلم. وهذا الوجه الذي ذكره الفراء استبعده مكي في "مشكل إعراب القرآن" 2/ 495، والأنباري في "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 179.]]. وقال أبو إسحاق: وجائز أن يكون منصوبًا بقوله: [[في (أ)، (ظ): (اعبدوا)، وهو هكذا في "معاني الزجاج".]] ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ فعل أبيكم إبراهيم [["معاني القرآن" للزجاج 30/ 440. ونحو هذا قال الزمخشري 3/ 24: كأنه قال: وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم. ثم حذف المضاف -يعني توسعة- وأقيم المضاف إليه -يعني ملة- مقامه. وعلى هذا القول انتصاب (ملة) على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف. واستظهر هذا الوجه السمين الحلبي 8/ 310. وقيل (ملة) منصوبة على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم. == وقيل: منصوبة بـ (جعلها) مقدرًا. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 106، "الإملاء" للعكبري 2/ 147، "البحر المحيط" 6/ 390، "الدر المصون" 8/ 309 - 310.]]. وعلى هذا أقيم قوله (ملة) مقام المصدر، وذلك أن فعل إبراهيم هو ملته وشرعه [[في (ظ): (شرعه).]]. وقوله: ﴿أَبِيكُمْ﴾ إن حمل الكلام على تخصيص العرب [[(العرب): ساقطة من (أ). فأصبحت العبارة في (أ): (على تخصيص الخطاب).]] بالخطاب في هذه الآية، فإبراهيم أبو العرب قاطبة، وإن حمل [[في (أ): (عمل)، وهو خطأ.]] على التعميم فهو أبو المسلمين كلهم؛ لأن حرمته على المسلمين كحرمة الوالد كما قال -ﷺ-: "إنما أنا لكم مثل الوالد" [[هذا قطعة من حديث رواه الدارمي في "مسنده" 1/ 172، الإمام أحمد في "مسنده" 13/ 100، والنسائي في "سننه" كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستطابة بالروث 1/ 38، وابن ماجة في "سننه" كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاد بالحجارة والنهي عن الروث والرمة 1/ 3 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال العلامة أحمد شاكر في "قعليقه على المسند" 13/ 100: إسناده صحيح.]]. وكقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]. وهذا معنى قول الحسن [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 ب.]]. قال المفسرون: وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم، لأنها داخلة في ملة محمد عليهما [[عليهما السلام: في حاشية (أ) وعليها علامة التصحيح. وفي (ظ): (عليهم السلام)، وفي (د)، (ع): (صلى الله عليهما وسلم)، وأثبتنا ما في (أ) لأنه الموافق لما عند الثعلبي. فالنص منقول منه.]] السلام [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 57 ب.]]. وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال جماعة المفسرين وأهل المعاني: هو كناية عن الله تعالى [[انظر الطبري 17/ 207 - 208، الثعلبي 3/ 57 ب، ابن كثير 3/ 236 "الدر المنثور" 6/ 80 - 81، "معاني القرآن" للفراء 2/ 231، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 440.]]. أي [[في (ظ): (أن).]]: الله تعالى سماكم المسلمين قبل إنزال القرآن في الكتب التي أنزلت قبله. وقال مقاتل بن حيان: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ وهو يعني [في أم الكتاب [[ذكره ابن الجوزي 5/ 457 ولم ينسبه لأحد.]]. ﴿وَفِي هَذَا﴾ قالوا [[قالوا: يعني جماعة المفسرين وأهل المعاني. وانظر فقرة (3).]]: يعني القرآن. وقال ابن زيد: هو كناية عن إبراهيم [[ذكره الثعلبي 3/ 57 ب، ورواه الطبري 17/ 208، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 81 وعزاه لابن أبي حاتم. قال الطبري 17/ 208: ولا وجه لما قال ابن زيد من ذلك؛ لأنه معلوم أن إبراهيم لم يُسم أمة محمد مسلمين في القرآن؛ لأن القرآن أُنزل من بعده بدهر طويل، وقد قال الله تعالى ذكره ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ ولكن الذي سمانا مسلمين من قبل نزول القرآن وفي القرآن الله الذي لم يزل ولا يزال. أهـ. وقال الشنقيطي 5/ 750 وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم غير صواب، ثم ذكر الشنقيطي الأولى وهو مثل ما قال الطبري، وأشار إلى أن ابن جرير نبه عليها. ثم قال: القرينة الثانية. أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله لا إلى إبراهيم، فقوله (هو اجتباكم) أي الله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي الله. أهـ. فظهر بذلك أن القول الأول هو الصحيح، وصوبه ابن كثير 3/ 236 وغيره.]]. يعني] [[ما بين المعقوفين في حاشية (ظ)، وعليه علامة التصحيح.]] أن إبراهيم سماكم المسلمين من قبل هذا الوقت، وفي هذا الوقت وهو قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: 128] [[الثعلبي 3/ 57 ب مع تصرف.]]. وذكر أبو إسحاق القولين، وقال في القول الثاني: أي حكم إبراهيم أن كل من آمن بمحمد موحدًا لله فقد سماه إبراهيم مسلمًا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 440.]]. قوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ أي: اجتباكم وسماكم المسلمين ليكون محمد [[في (ظ)، (ع): (محمدًا)، وهو خطأ.]] عليه السلام ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ يوم القيامة بالتبليغ ﴿وَتَكُونُوا﴾ أنتم ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أن الرسول قد بلغهم. وهذا قول ابن عباس، وقتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 42، والطبري 17/ 208. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 81 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وجميع المفسرين [[انظر: الطبري 17/ 208، الثعلبي 3/ 57 ب، "الدر المنثور" 6/ 81.]]. وقد سبق الكلام في هذا عند قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]. الآية. وقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ قال ابن عباس: سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يسخط ويكره [[ذكره عنه البغوي 5/ 404، وابن الجوزي 5/ 457.]]. وقال الحسن: تمسكوا بدين الله [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 ب.]]. وقال مقاتل: وثقوا بالله [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.]]. ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: ناصركم [[انظر البغوي 5/ 404، وابن كثير 3/ 237.]]. والمعنى: هو الذي يتولى أموركم. وذكرنا معنى المولى فيما تقدم [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 150].]]. ثم مدح نفسه فقال: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ قال مقاتل: يقول: نعم المولى هو لكم، ونعم النصر هو لكم [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.]] [[هنا ينتهي الموجود من نسخة (د). وكتب في ختامها: انتهت. العاشر، ويتلوه في الحادية عشر سورة المؤمنون -عليهم السلام- وهو قوله -عز وجل- ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال الليث: (قد) حرف، وفي آخر الأصل: (والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم).]].