Lafzullah

Al-Basit — النمل 27:82 – العنكبوت 29:69

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. النمل 27:82
  2. النمل 27:83
  3. النمل 27:84
  4. النمل 27:85
  5. النمل 27:86
  6. النمل 27:87
  7. النمل 27:88
  8. النمل 27:89
  9. النمل 27:90
  10. النمل 27:91
  11. النمل 27:92
  12. النمل 27:93
  13. القصص 28:1
  14. القصص 28:2
  15. القصص 28:3
  16. القصص 28:4
  17. القصص 28:5
  18. القصص 28:6
  19. القصص 28:7
  20. القصص 28:8
  21. القصص 28:9
  22. القصص 28:10
  23. القصص 28:11
  24. القصص 28:12
  25. القصص 28:13
  26. القصص 28:14
  27. القصص 28:15
  28. القصص 28:16
  29. القصص 28:17
  30. القصص 28:18
  31. القصص 28:19
  32. القصص 28:21
  33. القصص 28:22
  34. القصص 28:23
  35. القصص 28:24
  36. القصص 28:25
  37. القصص 28:26
  38. القصص 28:27
  39. القصص 28:28
  40. القصص 28:29
  41. القصص 28:30
  42. القصص 28:31
  43. القصص 28:32
  44. القصص 28:34
  45. القصص 28:35
  46. القصص 28:36
  47. القصص 28:37
  48. القصص 28:38
  49. القصص 28:39
  50. القصص 28:40
  51. القصص 28:41
  52. القصص 28:42
  53. القصص 28:43
  54. القصص 28:44
  55. القصص 28:45
  56. القصص 28:46
  57. القصص 28:47
  58. القصص 28:48
  59. القصص 28:49
  60. القصص 28:50
  61. القصص 28:51
  62. القصص 28:52
  63. القصص 28:53
  64. القصص 28:54
  65. القصص 28:55
  66. القصص 28:56
  67. القصص 28:57
  68. القصص 28:58
  69. القصص 28:59
  70. القصص 28:60
  71. القصص 28:61
  72. القصص 28:62
  73. القصص 28:63
  74. القصص 28:64
  75. القصص 28:65
  76. القصص 28:66
  77. القصص 28:67
  78. القصص 28:68
  79. القصص 28:69
  80. القصص 28:70
  81. القصص 28:71
  82. القصص 28:72
  83. القصص 28:73
  84. القصص 28:74
  85. القصص 28:75
  86. القصص 28:76
  87. القصص 28:77
  88. القصص 28:78
  89. القصص 28:79
  90. القصص 28:80
  91. القصص 28:81
  92. القصص 28:82
  93. القصص 28:83
  94. القصص 28:84
  95. القصص 28:85
  96. القصص 28:86
  97. القصص 28:87
  98. القصص 28:88
  99. العنكبوت 29:1
  100. العنكبوت 29:2
  101. العنكبوت 29:3
  102. العنكبوت 29:4
  103. العنكبوت 29:5
  104. العنكبوت 29:6
  105. العنكبوت 29:7
  106. العنكبوت 29:8
  107. العنكبوت 29:9
  108. العنكبوت 29:10
  109. العنكبوت 29:11
  110. العنكبوت 29:12
  111. العنكبوت 29:13
  112. العنكبوت 29:14
  113. العنكبوت 29:15
  114. العنكبوت 29:16
  115. العنكبوت 29:17
  116. العنكبوت 29:19
  117. العنكبوت 29:20
  118. العنكبوت 29:22
  119. العنكبوت 29:23
  120. العنكبوت 29:24
  121. العنكبوت 29:25
  122. العنكبوت 29:26
  123. العنكبوت 29:27
  124. العنكبوت 29:28
  125. العنكبوت 29:29
  126. العنكبوت 29:30
  127. العنكبوت 29:31
  128. العنكبوت 29:33
  129. العنكبوت 29:34
  130. العنكبوت 29:35
  131. العنكبوت 29:36
  132. العنكبوت 29:38
  133. العنكبوت 29:40
  134. العنكبوت 29:41
  135. العنكبوت 29:42
  136. العنكبوت 29:43
  137. العنكبوت 29:44
  138. العنكبوت 29:45
  139. العنكبوت 29:46
  140. العنكبوت 29:47
  141. العنكبوت 29:48
  142. العنكبوت 29:49
  143. العنكبوت 29:50
  144. العنكبوت 29:51
  145. العنكبوت 29:52
  146. العنكبوت 29:53
  147. العنكبوت 29:54
  148. العنكبوت 29:55
  149. العنكبوت 29:56
  150. العنكبوت 29:57
  151. العنكبوت 29:58
  152. العنكبوت 29:59
  153. العنكبوت 29:60
  154. العنكبوت 29:61
  155. العنكبوت 29:62
  156. العنكبوت 29:63
  157. العنكبوت 29:64
  158. العنكبوت 29:65
  159. العنكبوت 29:66
  160. العنكبوت 29:67
  161. العنكبوت 29:68
  162. العنكبوت 29:69

النمل 27:82

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [[خروج الدابة علامة من علامات الساعة الكبرى التي ذكرها النبي -ﷺ-، عندما اطلع على أصحابه وهم يتذاكرون، فقال: "ما تذاكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم عليهما السلام، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم". أخرجه مسلم 4/ 2225، كتاب الفتن، رقم 2901، والترمذي 4/ 414، كتاب الفتن، رقم 2183.]]. قال ابن عباس: حق العذاب عليهم [[أخرجه ابن جرير 20/ 13، وابن أبي حاتم 9/ 2922، كلاهما عن مجاهد.]]. وقال مقاتل: وإذا نزل العذاب بهم [["تفسير مقاتل" 62 أ.]]. ونحو هذا قال جماعة المفسرين [["تفسير مجاهد" 2/ 475، و"تفسير الهواري" 3/ 265. وأخرج ابن جرير 20/ 13، عن قتادة: وجب القول عليهم.]]. قال الفراء معناه: وجب السَّخَط عليهم. وذكرنا وقع بمعنى: وجب [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: 71]: يقال: وقع القول والحكم إذا وجب، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: 82] معناه: إذا وجب، ومثله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: 134] أي: أصابهم ونزل بهم، وأصله من الوقوع بالأرض؛ يقال: وقع بالأرض مطر، ووقعت الإبل إذا بركت.]]، وهذا كقوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [["معاني القرآن" 2/ 300، دون قوله: وذكرنا وقع بمعنى. وذكره الثعلبي 8/ 135 أ، ولم ينسبه وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2922، عن مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قال: السخط. وقال ابن قتيبة: وجبت الحجة. "غريب القرآن" 327.]] [القصص 63، الأحقاف 18]. والمعنى: حق ووجب أن ينزل بهم ما قال الله، وحكم به من عذابه وسخطه عليهم. والكناية في: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ للكفار الذين تخرج عليهم الدابة، وجازت الكناية عنهم؛ لأن ذكر الكفار قد سبق، وهؤلاء من جنس أولئك. وقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عمر وعطية: وذلك حين لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 85، وابن أبي حاتم 9/ 2921، كلاهما عن عطية بن سعد عن ابن عمر. وأخرجه ابن جرير 20/ 14، عن ابن عمر، وعطية. وكذا الثعلبي 8/ 135 أ.]]. وروي عن حفصة بنت سيرين [[حفصة بنت سيرين، أم الهذيل الفقهية، الأنصارية، البصرية، ثقة، روت عن أم عطية، وأم الرائح، وعن مولاها أنس بن مالك، وعن أبي العالية، وروى عنها أخوها محمد، وقتادة، وأيوب، وابن عون، وغيرهم. ماتت بعد المائة. "سير أعلام النبلاء" 4/ 507، و"تقريب التهذيب" 1349.]] أنها سألت أبا العالية عن هذه الآية، فقال لها مجيبًا: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: 36] [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 83 وابن جرير 20/ 13. وابن أبي حاتم 9/ 2922. وليس في أسانيد الثلاثة مخلد بن الحسين.]]. قال مخلد بن الحسين [[مَخْلَد بن الحُسين، الأزدي، أبو محمد البصري، ثقة فاضل، حدث عن موسى بن عقبة، وهشام بن حسان، ويونس بن زيد، والأوزاعي، وغيرهم، وحدث عنه: الحسن بن الربيع، وموسى بن أيوب، وغيرهم. ت: 191هـ "سير أعلام النبلاء" 9/ 236، وتقريب التهذيب 927.]] -راوي [[هكذا في نسخة: ج، وفي: أ، ب: رأي.]] هذا الحديث- يعني: أنه لا تخرج الدابة حتى لا يبقى أحد يريد أن يؤمن [[ذكر نحو هذا النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 221. ولم يذكر قول مخلد بن الحسين. وهذا مثال على نقل الواحدي عن النحاس.]]. قال ابن عمر: وتخرج الدابة من صَدْع في الصفا [[أخرجه ابن جرير 20/ 14. وابن أبي حاتم 9/ 2925. والثعلبي 8/ 136 أ. قال مقاتل 62 أ: تخرج من الصفا الذي بمكة.]]. وهو قول أكثر المفسرين؛ قالوا: تخرج الدابة من أرض مكة [[أخرج ذلك عبد الرزاق 2/ 84، عن حذيفة بن اليمان، وإبراهيم النخعي. وابن جرير 20/ 14، عن حذيفة، وعبد الله بن عمرو. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2925، عن عبد الله بن عمرو، ولا تعارض بين القولين، فإن الصفا من أرض مكة، والله أعلم.]]. قوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [قال مقاتل: تكلمهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] بالعربية [["تفسير مقاتل" 62 أ. واقتصر عليه الواحدي في "الوسيط" 3/ 385، و"الوجيز" 809. وتخصيص مقاتل كلامها باللغة العربية؛ لأنه قيد الناس بأهل مكة. وظاهر الآية أعم من ذلك. وممن ذهب إلى أن المراد في الآية تحدثهم، ولم يقيده بلغة: السمرقندي 2/ 505. أخرج ابن جرير. 20/ 16 وابن أبي حاتم 93/ 2926، عن ابن عباس، من طريق == علي بن أبي طلحة: تحدثهم. وكذا عن قتادة. وذكر ابن جرير قراءة: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ونسبها لأبي زرعة بن عمرو، ثم قال: والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك ما عليه عامة قراء الأمصار. ولعل من هذا جَزَمَ ابن كثير 6/ 210، أن القول بأن الدابة تكلمهم فتقول لهم: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾؛ اختيار ابن جرير، ثم قال ابن كثير بعد ذلك: وفي هذا القول نظر لا يخفى. والله أعلم. وقال ابن عباس في رواية: تجرحهم. وعنه رواية: قال: كلا؛ تفعل يعني: هذا وهذا، وهو قول حسن، ولا منافاة، والله أعلم. ونسب قراءة: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ ابنُ خالويه وابنُ جني لابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجحدري وأبي زرعة. "الشواذ" لابن خالويه 112، و"المحتسب" 2/ 144. ويشهد لهذا القراءة قول النبي -ﷺ-: "تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير، فيقال: ممن اشتريته، فيقول: من أحد المخرطمين". أخرجه الإمام أحمد 8/ 307، رقم: 22371. والبغوي في "مسند ابن الجعد" 427، رقم: 2919. وذكره الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 1/ 576، رقم: 322. فتلخص من هذا أن الدابة تفعل هذا وهذا، ولا معارضة. والله أعلم.]]. فتقول: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ يعني: أهل مكة [[جعل الهواري 3/ 266، لفظ الناس عامًا في المشركين كلهم، وهو أولى.]] ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: بالبعث [[بالبعث. في نسخة (ج).]] والثواب والعقاب ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ وقيل: تُخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن. واختلف في قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ فقرئ بالفتح والكسر [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، بالكسر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالفتح. "السبعة في القراءات" 487، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 406 ، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 164.]]؛ فمن فتح أراد: تكلمهم الدابة بأن الناس [["معاني القرآن" للفراء 2/ 300، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 651. و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 406. وفيه وجه آخر ذكره أبو عبيد: موضعها نصب بوقوع الفعل عليها، أي: تخبرهم أن الناس. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 222.]]. ومن كسر فلأن معنى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ تقول لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ والكلام قول، فكأن القول قد ظهر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 300. و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 406. قال أبو حاتم: من قرأ بفتح ﴿أَن﴾ فالوقف على ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ ومن كسر ﴿إِنَّ﴾ فالوقف على ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ وهو من الكلام. "معاني القراءات" للأزهري 2/ 247.]]. وقال مقاتل والكلبي في قوله: ﴿بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ يعني: بخروج الدابة؛ لأن خروجها من آيات الله [["تفسير الثعلبي" 8/ 135 أ، ولم ينسبه. و"تنوير المقباس" 322.]]. قال مقاتل: هذا قول الدابة ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا﴾ بخروجي لا يوقنون [["تفسير مقاتل" 62 ب. وقد أطال الثعلبي 8/ 135 أ، في ذكر الأخبار الواردة في شأن الدابة مما لا دليل عليه، وقد أحسن الواحدي في إعراضه عنها.]].

النمل 27:83

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال أبو علي الفارسي: الظرف هاهنا بمنزلة: إذا، ومن ثم أجيب بالفاء في قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ كما يجاب إذا بها؛ لأنه ليس قبله عامل يعمل فيه، وليس العامل أيضًا ﴿نَحْشُرُ﴾ لأنه فعل مستقبل، فإذا لم يكن في هذا الكلام فعل ظاهر يتعلق به الظرف، تعلق بما دل عليه قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ كما أن قوله ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: 16و 82، الواقعة: 47]، الظرف فيه متعلق بما دل عليه ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ كأنه قيل: أنبعث إذا متنا، وذَكر مثل هذا في قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ﴾ [الإسراء 71] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال أبو إسحاق: يعني به يوم القيامة، وهو منصوب على معنى: اذكر يوم ندعو، قال: ويجوز أن يكون منصوبًا بمعنى يعيدكم الذي فطركم يوم يدعو، قال أبو علي الفارسي: الظرف هاهنا بمنزلة إذا؛ لأنه لا يجوز أن يكون العامل فيه ما قبله من قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ لأنه فعل ماض، وليس العامل أيضًا يدعو؛ لأنه فعل مستقبل، فإذا لم يكن في هذا الكلام فعل ظاهر يتعلق به الظرف تعلق بما دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ كما أن قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: 82] على تقدير: أإذا متنا بعثنا، كذلك هاهنا يجعل الظرف بمنزلة إذا، فيصير التقدير: إذا دُعي كل أناس لم يُظْلموا.]] فكأن التقدير في هذه الآية: إذا حشرناهم وزعوا. والفوج: الجماعة من الناس كالزمرة [["مجاز القرآن" 2/ 96. وأخرجه ابن جرير 20/ 17، عن مجاهد.]]. وأما تخصيص الفوج من الأمة المكذبة، فيحتمل أنه أريد بهم الرؤساء حشروا وجمعوا لإقامة الحجة عليهم، وهي ما ذكر في الآية الثانية. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قال ابن عباس: يدفعون [["تفسير الثعلبي" 8/ 136 ب.]]. وقال مقاتل: يساقون [["تفسير مقاتل" 62 ب.]]. وذكرنا الكلام مستقصى في هذا الحرف في هذه السورة [[عند قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ 17.]].

النمل 27:84

قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ أي موقف الحساب وعَرْصة القيامة [[العَرْصة: الأرض الواسعة ليس فيها بناء. "تهذيب اللغة" 2/ 20 (عرص)، و"اللسان" 7/ 52.]]، قال الله لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ قال ابن عباس: كذبتم أنبيائي، وجحدتم فرائضي وحدودي [["تنوير المقباس" 322، بلفظ: بكتابي ورسولي.]]. وهذا استفهام يتضمن الإنكار عليهم، والتهكم بهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [قال ابن عباس: ولم تختبروا حتى تفهموا وتسمعوا. وقال مقاتل: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] أنها باطل [["تفسير مقاتل" 62 ب.]]. ومعنى هذا: كذبتم بآياتي غير عالمين بها. يعني: ولم تتفكروا في صحتها بل كذبتم بها جاهلين غير مستدلين لا عن خبرة ولا عن معرفة ببطلانها ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا فيها. هذا مذهب أهل التفسير في هذه الآية [["تفسير الثعلبي" 8/ 136 ب.]]. وذكر صاحب النظم وجهًا آخر؛ فقال: قوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ منسوق [[أي: معطوف.]] على قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ والاستفهام واقع عليه، إلا أن معنى الفصلين والاستفهامين مختلفان؛ لأن قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ تبكيت وإنكار؛ بمعنى: لمَ كذبتم بآياتي، وقوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ [بمنزلة: أوَ لَمْ تحيطوا بها علمًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج). وفي نسخة (ب): بمنزلة: أو لم تحيطوا، وفي نسخة (أ) بمنزلة: ثم تحيطوا. ويوجد طمس في الحرف الذي قبل: لم.]]، أي: بالآيات، وتأويله: وقد أحطتم بها علمًا، كما قال -عز وجل-: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أي: قد شرحنا، فيكون التأويل: لِمَ كذبتم بآياتي وقد أحطتم بها علمًا، فلما كان ﴿لَمْ﴾ استفهامًا احتمل أن يوضع موضعه ألف الاستفهام؛ ثم بين -عز وجل- كيف أحاطوا بالآيات علمًا فصار ذلك تأييدًا لمذهبنا هذا؛ وهو قوله من بعده: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ الآية، وقد تضع العرب الاستفهام في غير موضعه إذا كان متصلًا بلفظ يتصل به في المعنى، مثل قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34] قد وقع الاستفهام هاهنا على قوله: إن من في الظاهر، وهو في الباطن واقع على قوله: ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾؛ لأن تأويله: ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ إن مت [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34] موضع الاستفهام قوله: ﴿فَهُمُ﴾ ولكنه قدم إلى أول الكلام.]]. ومثله قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144] والاستفهام في الظاهر واقع على الموت والقتل [[والقتل. في نسخة (ج).]]، وهو في الحقيقة واقع على الانقلاب [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ألف الاستفهام دخلت على حرف الشرط؛ ومعناه: الدخول على الجزاء، المعنى: أتنقلبون على أعقباكم إن مات محمد أو قتل، إلا أن شرط الجزاء معلق أحدهما بالآخر، فانعقدا جملة واحدة، وخبرًا واحداً، فدخلت ألف الاستفهام على الشرط، وأَنبأت عن معنى الدخول على الجزاء.]].

النمل 27:85

قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ ووجب العذاب عليهم. قاله ابن عباس والمفسرون [["تفسير ابن جرير" 20/ 18. والثعلبي 8/ 136 ب، و"مجاز القرآن" 2/ 96. وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2927، عن قتادة.]]. قال الحكم [[الحكم بن عُتَيْبَة، أبو محمد الكندي، مولاهم الكوفي، من كبار علماء الكوفة من أقران النخعي، ثقة ثبت، فقيه، وربما دلس، روى عن مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، وحدث عنه: الأعمش وشعبة، والأوزاعي، وغيرهم. ت: 115 هـ، وقيل غير ذلك. "سير أعلام النبلاء" 5/ 208، و"تقريب التهذيب" 262.]] عن السدي: كل شيء في القرآن: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ [معناه: العذاب [[وردت جملة: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ في موضعين في القرآن الكريم من سورة النمل، == ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ [82]، و ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم" 757. وذكر ابن جرير أن معنى ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾: حق العذاب، عن مجاهد، وقتادة، وابن جريج.]]. وقال مقاتل: نزل العذاب [["تفسير مقاتل" 62 ب.]]. وقال الكلبي: ووقع القول] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] عليهم بالسَّخْطة [["تنوير المقباس" 322.]]. ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بما أشركوا [["تفسير مقاتل" 62 ب. و"تفسير الثعلبي" 8/ 136 ب، ولم ينسبه.]] ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه لم يكن عند القوم جواب. وقال الكلبي: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ بحجة عن أنفسهم [["تفسير ابن جرير" 20/ 18، ولفظه: بحجة يدفعون بها عن أنفسهم. وذكره الثعلبي 8/ 136ب، ولم ينسبه.]]. وهذا معنى قول ابن عباس. وقيل: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ ، لأن أفواههم مختومة [["تفسير الثعلبي" 8/ 136 ب، ولم ينسبه.]]. ثم احتج عليهم بقوله:

النمل 27:86

﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: يبصر فيه، كما يقال: ليل فلان نائم إذا نام، ونهار فلان صائم إذا صام بالنهار [["مجاز القرآن" 2/ 96.]]. وذلك أن الفعل لما كان يحصل في الظرف جاز أن يسند إليه، كما قال: فنامَ ليلي وتجلَّى همي ومعنى ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ليبتغى فيه الرزق ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما جعلنا ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

النمل 27:87

وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [[عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما الصور؟ قال: "قَرْن يُنفخ فيه". أخرجه الترمذي 4/ 536، كتاب صفة القيامة، رقم: 2430، وقال: حديث حسن. وأبو داود 5/ 107، كتاب السنة، رقم: 4742. وهو في "صحيح سنن أبي داود" 3/ 898.]] قال بعض النحويين: تقديره: واذكر يوم ينفخ في الصور فيفزع [["إعراب القرآن" للنحاس 3/ 222.]]. والماضي هاهنا يراد به الاستقبال. وقال الفراء: جعل: فَعَل، مردودًا على: يَفْعَل؛ لأن المعنى: إذا نفخ في الصور ففزع، ألا ترى أن قولك: أقوم يوم تقوم، كقولك: أقوم إذا تقوم، فأجبْتَ بفَعَل؛ لأن فَعَل ويَفْعَل تصلحان مع: إذا، فإن قلت: إذا قدرت هذا التقدير، فأين جواب إذا؟ قلت: قد يكون في فَعَل مضمر مع الواو، كأنه قيل: وذلك يقع يوم ينفخ في الصور، وإذا نفخ في الصور يعني وقوع القول عليهم، وإن شئت قلت: جوابه متروك كقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: 165]، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: 51] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 301. وذكره ابن جرير 20/ 20، ولم ينسبه.]]. وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الآية [النمل: 83]، قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى [["تفسير الثعلبي" 8/ 136 ب، ولم ينسبه، ثم قال: وعلى هذا أكثر المفسرين. ونفخة الفزع هي النفخة الأولى، ثم بعد ذلك نفخة الصعق؛ وهو الموت، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين؛ فعل هذا هي ثلاث نفخات، ذهب إلى هذا البغوي 6/ 181، وتبعه على ذلك ابن كثير 6/ 216، والصواب -والله تعالى أعلم-. أنهما نفختان؛ الأولى: نفخة الفزع والصعق، والثانية: نفخة القيام لله تعالى، ويشهد == لذلك قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] ورجح هذا القول القرطبي 13/ 240؛ قال: الصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان لا ثلاث، وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفحة الصعق؛ لأن الأمرين لازمان لهما؛ أي: فزعوا فزعًا ماتوا منه .. والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو تدل على أنهما نفختان لا ثلاث. ويعني به حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ-، قال: "ما بين النفختين أربعون". قالوا: يا رسول الله: أربعون يومًا؟ قال: "أَبيتُ". قال: أربعون سنة؟ قال: "أَبيتُ"، قال: أربعون شهرًا؟ قال: "أَبيتُ، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عَجْب ذَنَبه". أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: 4814، "فتح الباري" 8/ 551، وأخرجه مسلم 4/ 2270، كتاب الفتن وأشراط الساعة، رقم: 2955.]]. قوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فمات ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من شدة الخوف والفزع [["تفسير مقاتل" 62 ب. و"تنوير المقباس" 322.]]. وفزع لا تكون في اللغة بمعنى مات، ولكن قد يبلغ الفزع من الإنسان غايته حتى يموت فزعًا، والدليل على أن المراد بالفزع هاهنا، الموت بالفزع، قوله -عز وجل-: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: 68] أي: مات. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يريد: الشهداء لا يموتون فهم أحياء عند ربهم يرزقون؛ وروي ذلك عن النبي -ﷺ- مرفوعًا في حديث أبي هريرة [[يعني به حديث أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ-، سأل جبريل -عليه السلام- عن هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال: "هم الشهداء متقلدون سيوفهم حول العرش" أخرجه == الواحدي في "الوسيط" 3/ 593، من طريق إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه. وأخرجه ابن جرير 20/ 18، بسياق آخر مطولًا من طريق إسماعيل بن رافع عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة يرفعه، ومن الطريق نفسه رواه الطبراني، "الأحاديث الطوال" 266، رقم 36، وأخرجه أيضًا ابن جرير 20/ 19، من طريق إسماعيل بن رافع موقوفًا على أبي هريرة. وأخرجه مطولاً من الطريق نفسه الثعلبي 8/ 137 أ، وصححه، وقال عنه: حديث صحيح جامع. فمدار الحديث على إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري، القاص، وهو ضعيف الحفظ. "تقريب التهذيب" 139، رقم: 446. وقال الذهبي: ضعفوه جدًّا، وقال الدارقطني: متروك. المغني في "الضعفاء" للذهبي 1/ 132. فلعل الصواب وقف هذا الحديث على أبي هريرة كما أخرجه من طريق إسماعيل بن رافع موقوفًا على أبي هريرة، ابنُ جرير 20/ 19، وابن أبي حاتم 9/ 2930. والله أعلم.]]. وقال الكلبي ومقاتل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت [["تفسير مقاتل" 62 ب. و"تنوير المقباس" 322.]]. ﴿وَكُلٌّ﴾ أي من الأحياء الذين ماتوا ثم أحيوا ﴿أَتَوْهُ﴾ يأتون الله يوم القيامة. وقرأ حمزة: ﴿أَتَوْهُ﴾ [[قرأ حمزة وحفص عن عاصم: [أَتَوْهُ]، مقصورة مفتوحة التاء، وقرأ الباقون: [آتوهُ] ممدودة مضمومة التاء على معنى: جاءوه، وفي رواية أبي بكر عن عاصم كذلك مثل الباقين. "السبعة في القراءات" 487، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 406، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 339.]] على الفعل وهم فعلوه من الإتيان، وحجته: قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ﴾ [الزخرف: 38] فذكر بلفظ الفعل. وحجة قراءة العامة قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95] فكما أن ﴿آتِيهِ﴾ فاعله حمل على لفظ: كل، كذلك: ﴿آتَوْهُ﴾ فاعلوه محمول على معنى كل [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 407. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 130.]]. وقوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: صاغرين [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 86، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير 20/ 20، عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2932، عن ابن عباس، وابن زيد، وقال: روي عن الحسن، وقتادة والثوري مثل ذلك. و"مجاز القرآن" 2/ 96.]]. وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: 48] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: صاغرون؛ وهذا لفظ المفسرين. يقال: دَخَرَ يَدْخَر دُخُورًا، أي صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَارَا، وهو الذي يَفعلُ ما تأمره شاء أو أبى، قال الزجاج: هذه الأشياء مجبولة على الطاعة.]]، وقال مقاتل: يعني بكلٍ: البَرُّ، والفاجر ﴿أَتَوْهُ﴾ في الآخرة صاغرين [["تفسير مقاتل" 62 ب.]].

النمل 27:88

وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [[قال النحاس: من رؤية العين، ولو كانت من رؤية القلب لتعدت إلى مفعولين. "إعراب القرآن" 3/ 223.]] قال مقاتل: تحسبها مكانها [["تفسير مقاتل" 62 ب، وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2933، عن ابن عباس: قائمة. وعن قتادة: تحسبها ثابتة في أصولها لا تحرك. وقال الهواري 3/ 268: ساكنة.]] ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ حتى تقع على الأرض فتستوي بها [["تفسير الثعلبي" 8/ 138 أ.]]. وقال ابن عباس: حتى تكون لا شيء، مِثلُ قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: 20] [[ذكر البخاري عن ابن عباس معلقًا بصيغة الجزم: ﴿جَامِدَةً﴾ قائمة. ووصله ابن جرير 20/ 21، من طريق علي بن أبي طلحة. قال ابن كثير 6/ 217: أىِ: تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [9، 10] وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [105 - 107]. وجمع القرطبي 13/ 242، الآيات الواردة في شأن الجبال وزوالها؛ وجعلها تمر بستة أحوال، وصدر ذكرها بقوله: == ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه. قال الشنقيطي: بعض الناس زعم أن قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يدل على أن الجبال الآن في دار الدنيا يحسبها رائيها جامدة: أي: واقفة ساكنة غير متحركة، وهي تمر مر السحاب. ثم نقض هذا القول من وجهين؛ الأول: وجود القرينة الدالة على عدم صحته؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، أي: ويوم ينفخ في الصور فيفزع من في السموات، وترى الجبال. فدلت هذه القرينة القرآنية الواضحة على أن مر الجبال مر السحاب كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن. الثاني: .. أن جميع الآيات التي فيها حركة الجبال كلها في يوم القيامة "أضواء البيان" 6/ 442. وذكر الألوسي عن بعض علماء الفلك، ولم يسمه أن هذا صفة للجبال في الدنيا، وذكر عدة وجوه يمتنع بها حمل الآية على أن ذلك في يوم القيامة. ثم ذكر كلام المرجاني في مقدمه كتابه: (وفية الأسلاف، وتحية الأخلاف) ذكر أن هذه الآية صريحة في دلالتها على حركة الأرض ومرور الجبال معها، وأنه لا يمكن حمل الآية على أن ذلك يقع في النشأة الآخرة، وذكر أدلة لفظية وسياقية في الآية تدل على ذلك، ولم يعترض عليه الألوسي. روح المعاني 13/ 89 - 92. وممن ذهب إلى هذا القول واختاره ابن عاشور 20/ 48؛ حيث قال: وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأن الرائي يحسب الجبال جامدة، ولا بيان وجه تشبيه سيرها يسير السحاب، ولا توجيه التذييل بقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فلذلك كان لهذه الآية وضع دقيق، ومعنى بالتأمل خليق .. ثم ذكر معنى الآية على هذا القول وفصله تفصيلًا حسناً. ولا مانع من حمل الآية على المعنيين، إذ لا تعارض بينهما. والله أعلم.]]. قال عبد الله بن مسلم في هذه الآية: يريد: أنها تُجمع وتُسَيِّر، فهىِ لكثرتها كأنها ﴿جَامِدَةً﴾ واقفة في رأي العين، وهي تسير سير السحاب، وكذلك كل جمع كثير يقصر عنه البصر، كأنه في حسبان الناظر واقف، وهو يسير، وإلى هذا المعنى ذهب الجعدي في وصف جيش فقال: بِأَرْعَنَ مثلِ الطَّود تحسِبُ أنهم ... وقوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلجُ [["تأويل مشكل القرآن" 6. وذكر قول ابن قتيبة الثعلبي 8/ 138 ب، وصدره بقوله: قال القتبي، ويظهر أن الواحدي نقل قول ابن قتيبة من الثعلبي لتطابق الكلام، ومن مواضع الاختلاف بين ما في كتاب ابن قتيبة، وما نقله عنه الثعلبي، قوله: وكل جيش غص الفضاء به لكثرته، وبُعدِ ما بين أطرافه، فقصُر عنه البصر فكأنه في حُسبان الناظر واقف وهو يسير. وأنشد البيت ابن جرير 20/ 21، وفي الحاشية: الأرعن يريد به الجيش العظيم، شبهه بالجبل الضخم ذي الرعان، والرعن: الأنف العظيم من الجبل تراه متقدمًا، وقيل: الأرعن: المضطرب لكثرته، والطود: الجبل العظيم، والحاج: جمع حاجة، وتهملج: تمشي الهملجة، والهملجة: سير حسن في سرعة، والبيت شاهد على أن الشيء الضخم تراه وهو يتحرك فتحسبه ساكنًا، مع أنه مسرع في سيره جداً. والبيت في "ديوان الجعدي" 187.]] وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ قال الزجاج: هو نصب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ دليل على الصنعة؛ كأنه قيل: صنَع الله ذلك صُنْعًا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 130. وهو قول المبرد. "المقتضب" 3/ 203. وأبي علي، "المسائل الحلبيات" 303. ونسبه النحاس للخليل وسيبويه. "إعراب القرآن" 3/ 224.]]. وقال غيره: هو نصب على الإغراء، على معنى: وأبصروا وانظروا ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [["إعراب القرآن" للنحاس 3/ 224. و"تفسير الثعلبي" 8/ 138 ب، ولم ينسباه.]]. قال ابن عباس: أتقن ما خلق [[أخرجه ابن جرير 20/ 21، من طريقين، بلفظ: أحكم كل شيء. و: أحسن كل شيء خلقه وأوثقه. وباللفظين رواه ابن أبي حاتم 9/ 2933، 2934. وقال: روي عن الحسن وعطاء والثوري مثل ذلك. ورواه عن الحسن: عبد الرزاق 2/ 86.]]. وقال مجاهد: أترص [[هكذا في نسخة: (أ)، (ب). وفي نسخة: (ج): فرض. ومعنى: أترص: أحكم وقوَّم. "مجمل اللغة" 1/ 146، و"اللسان" 7/ 10، مادة: ترص.]] وأبرم وأحكم وأحسن. كل هذه الألفاظ مروية عنه [[أخرجه ابن جرير 20/ 21، بلفظ: أوثق كل شيء وسوى. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2934، بلفظ: أبرم كل شيء. وفي "تفسير مجاهد" 2/ 476: أترص كل شيء، أي: أحسن وأبرم.]]. وقال الكلبي والسدي ومقاتل: أحسن [["تفسير الهواري" 3/ 269. ولم ينسبه. ولفظ مقاتل 62 ب: أحكم. وكذا في "تنوير المقباس" 322.]]. ومعنى الإتقان في اللغة: الأحكام للأشياء؛ قال الفراء: يقال رجل تقن: حاذق بالأشياء. ويقال: الفصاحة من تِقْنه، أي من سُوسِه [[ذكره عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن)، ولم أجده عند الفراء في تفسير هذه الآية.]]. قال الأزهري: الأصل في هذا: ابن تِقْن؛ وهو رجل من عاد، لم يكن يسقط له سهم [["تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن)، ونسبه لابن السكيت، ثم قال الأزهري بعد ذلك: الأصل في التِّقن: ابن تقن هذا، ثم قيل لكل حاذق في عمل يعمله عالم بأمره: تّقن، ومنه يقال: أتقن فلان أمره، إذا أحكمه.]]، وفيه قيل: لأكلةٌ من أَقِطٍ وسمنِ ... ألينُ مسًّا في حوايا البطن من يثربيات قِذاذٍ خشن ... يرمي بها أرمى من ابن تِقن [[أنشده الأزهري عن ابن السكيت، ولم ينسبه. "تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن). وهو في "اللسان" 13/ 73.]] [ثم قيل لكل حاذق بالأشياء: تقن، ومنه يقال: أتقن فلان عمله، إذا أحكمه.] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (أ)، (ب). وهو في "تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن).]] قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بما يفعل أولياؤه وبما يفعل أعداؤه. وقرئ: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ بالياء والتاء [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالياء، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي، بالتاء. "السبعة في القراءات" 487، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 407.]]، [فمن قرأ بالتاء] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).]] فلأن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للكافة، وقد يدخل الغيب في الخطاب، ولا يدخل الخطاب في الغيب [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 408. و"معاني القراءات" للأزهري 2/ 248.]].

النمل 27:89

قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد: شهادة أن لا إله إلا الله. وهو قول ابن مسعود وسفيان ومجاهد وأبي مجلز وأبي صالح والحسن والسدي ومقاتل وإبراهيم وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء؛ كلهم قالوا: الحسنة: كلمة الإخلاص؛ شهادة أن لا إله إلا الله [["تفسير مقاتل" 62 ب. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 86، عن الحسن. وأخرجه ابن جرير 20/ 22، عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وعكرمة. وأخرجه عنهم كذلك ابن أبي حاتم 9/ 2934. و"تفسير مجاهد" 2/ 476. و"تفسير الثعلبي" 8/ 138 ب. وأخرجه الحاكم، عن عبد الله بن مسعود. المستدرك 2/ 441، رقم: 3528. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأما الهواري فقد زاد على ذلك: وعمل صالحًا وعمل جميع الفرائض. "تفسير الهواري" 3/ 269. وهذا بناءً على مذهبه الإباضي، ولذا لما ذكر حديث جابر بن عبد الله؟ في "صحيح مسلم" 1/ 94، كتاب الإيمان، رقم: 94، (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) ورد عنده بهذا اللفظ: "من مات لا يشرك بالله شيئًا وعمل بفرائض الله دخل الجنة". ويشهد لدخول الجنة لمن حقق التوحيد حتى لو كان متلبسًا ببعض المعاصي حديث أبي ذَرَّ؟ عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "أَتَانِي جبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لا يُشْرك باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وإنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ وَإِنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى". أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، رقم: 7487، "فتح الباري" == 13/ 461. ومسلم 1/ 94، كتاب الإيمان، رقم: 94. وانظر تعليق محقق "تفسير الهواري" 1/ 388. فصاحب الكبيرة أمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له، وعفا عنه، وإن شاء عذبه على قدر ذنوبه، لكنه لا يخلد في النار. والله أعلم.]]. والمعنى: من وافى يوم القيامة بالإيمان [["تفسير الثعلبي" 8/ 138 ب.]]، وكلمة الإخلاص ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ والخير يحتمل الاسم من غير تفضيل، ويحتمل التفضيل إذا قلت: خير من كذا. والمذهبان في الآية رُويا عن المفسرين؛ والأكثرون على أنه اسم من غير تفضيل. قال ابن عباس: يريد: فله منها خير [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2935.]]، وهو: الجنة [[ويشهد لهذا حديث جابر رضي الله عنه، قال: أتى النبي -ﷺ- رجل فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار". أخرجه مسلم 1/ 94، كتاب الإيمان، رقم: 93.]]. وقال مقاتل: فيها تقديم؛ يقول: له منها خير [["تفسير مقاتل" 62 ب. وهو مذهب الهواري 3/ 269.]]. قال ابن عباس: أي فمنها يصل إليه الخير [[أخرجه ابن جرير 20/ 23.]]. وقال الحسن مثلَ قول مقاتل [[أخرجه ابن جرير 20/ 23. وذكره الثعلبي 8/ 139 أ.]]. وقال عكرمة وابن جريج: ليس شيء خيرًا من: لا إله إلا الله، ولكن له منها خير [[أخرجه عنهما ابن جرير 20/ 23.]]. والمعنى على هذا القول: له من تلك الحسنة خيرٌ يوم القيامة، وهو: الثواب والأمن من العذاب والجنة [[والجنة. في نسخة (ج).]]. فهذا أحد المذهبين. والمذهب الآخر: أن خيرًا يراد به التفضيل، روي عن ابن عباس: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يعني: الثواب؛ لأن الطاعة: فعل العبد، والثواب: فعل الله سبحانه وتعالى. وقيل: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يعني: رضوان الله، قال الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72]. وقال القرظي وابن زيد: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يعني: الأضعاف يعطيه الله بالواحدة عشرًا فصاعدًا، وهذا خير منها. وعلى هذا الذي قالا، يجب أن يكون تفسير الحسنة: الفِعَلة الحسنة من صلاة وصدقة وتسبيحة، فيضعفها الله تعالى حتى تكتب أضعاف ما عمل، فيكون الإضعاف خيرًا مما عمل. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ قرئ بالإضافة، وبالتنوين في ﴿فَزَعٍ﴾ [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ بالإضافة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ بالتنوين. "السبعة في القراءات" 487، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 408، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 340.]]. واختار أبو عبيد: الإضافة؛ قال: لأنه أعم التأويلين؛ وهو أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم. وإذا قال: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ صار كأنه فزع دون فزع. واختار الفراء الإضافة أيضًا؛ قال: لأنه فزع معلوم، ألا ترى أنه قال: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: 103] فصيَّره معرفة، وإذا أضفته كان معرفةً، فهو أعجب إلى [["معاني القرآن" للفراء 2/ 301. وهو اختيار ابن جرير 20/ 23]]. قال أبو علي: إذا نون ﴿فَزَعٍ﴾ يجوز أن يُعنى به: فزعًا واحداً، ويجوز أن يُعنى به كثرة؛ لأنه مصدر، والمصادر تدل على الكثرة، وإن كانت منفردة الألفاظ، كقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19] وكذلك إذا أضاف يجوز أن يُعنى: به مفرد [[في نسخة (أ)، (ب): منفرد.]]، ويجوز أن يعني به: كثرة [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 409.]]؛ وعلى هذا: القراءتان سواءٌ لا فضل بينهما. قال: ومن نَوَّن قوله: ﴿مِنْ فَزَعٍ﴾ كان في انتصاب: يوم، ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يكون منتصبًا بالمصدر، كأنه: وهم من أن يفزعوا يومئذ. والآخر: أن يكون صفة لفزع؛ لأن أسماء الأحداث توصف بأسماء الأزمان، كما يخبر عنها بها، وفيه ذكر للموصوف، وتقديره في هذا الوجه أن يتعلق بمحذوف؛ كأنه: من فزعٍ يحدث يومئذ. والثالث: أن يتعلق باسم الفاعل كأنه: آمنون يومئذٍ من فزعٍ. وأما القول في إعراب: يوم، وبنائه إذا أضيف إلى: إذ، فقد ذكرناه فيما تقدم [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 409. رجعت إلى كلام الواحدي في "البسيط"، في أكثر المواضع المتقدمة التي وردت فيها كلمة: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فلم أجده فيحتمل أن يكون ذكر ذلك في سورة النساء الآية 42 ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو من القسم المفقود كما أفاد محقق سورة النساء. د المحيميد. وأما إعرابها فيوم: ظرف زمان منصوب، وإذا اسم ظرفي في محل جر مضاف إليه، والتنوين تنوين العوض عن جملة محذوفة. "الجدول في إعراب القرآن" 2/ 366.]]. فأما تفسير الفزع في هذه الآية؛ فإن أريد به: الكثرة فهو شامل لكل فزع؛ وهو الأولى، وإن أريد به واحد، فتفسيره ما ذكرنا في قوله: ﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: 103]. وقال الكلبي عن ابن عباس في هذه الآية: إذا أطبقت النار على أهلها فزع أهل النار فزعة لم يفزعوا مثلها، وأهل الجنة آمنون من فزعهم [["تنوير المقباس" 322، بنحوه.]].

النمل 27:90

وقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ كلهم قالوا: يعني الشرك [["تفسير مقاتل" 62 ب. والثعلبي 8/ 139 أ. وسبق ذكر من قال به عند تفسير الحسنة، بقول: لا إله إلا الله.]] ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ قال الكلبي: أُلقيت [[ذكره الثعلبي 8/ 139 أ، عن ابن عباس. وفي "تنوير المقباس" 322، بلفظ: قلبت.]]. وقال الضحاك: طرحت. وقال أبو العالية: قلبت [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 139 أ.]]. يقال: كَببَتُ الإناء إذا قلبته على وجهه، وكَبَبْتُ الرجل إذا ألقيته لوجهه فانكب، وأكبَّ إذا انتكس [[قال الأصمعي: كبَّ الرجل إناءه يكبه كبًا، وأكب الرجل يُكبُّ إكبابًا، إذا ما نكس. "تهذيب اللغة" 9/ 462 (تقن).]]. [قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ أي: وقيل لهم: هل تجزون. قال مقاتل: تقول لهم خزنة جهنم:] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ﴾ أي: إلا جزاء ما كنتم ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الشرك. قاله ابن عباس والكلبي [["تفسير مقاتل" 62 ب. وذكره ابن جرير 20/ 24، ولم ينسبه. وهو في "تنوير المقباس" 322، بلفظ: تعملون في الدنيا يا محمد.]].

النمل 27:91

وقوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ كأنه قيل للنبي -ﷺ-: قل للمشركين ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: يريد مكة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2936، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير 20/ 24، عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 62 ب، وذكره الهواري 3/ 269، ولم ينسبه. و"تفسير الثعبي" 8/ 139 أ.]] ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ جعلها حرمًا آمنًا من القتل فيها والسبي والظلم، فلا يصاد صيدها، ولا يختلى خلاها [["تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب.]]، وحَدُّ ما حَرُم من أرض مكة معلوم بالأميال حوله والعلامات، وذلك القدر يحرم صيده وكسر أشجاره وقلعها وخبطها، ولكن تحش حشًا رقيقًا، وكذلك حرم المدينة كحرم مكة [[الدليل على هذا التحريم حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي -ﷺ- أنه قال يوم افتتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينظر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها" قال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم. قال: قال: "إلا الإذخر" أخرجه البخاري، كتاب: جزاء الصيد، رقم: 1834، فتح الباري 4/ 46. ومسلم 2/ 986، كتاب الحج، رقم: 1353. وتحريم المدينة دليله حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، عن النبي -ﷺ-: "أن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة". أخرجه البخاري، كتاب البيوع، رقم: 2129، فتح الباري 4/ 346، ومسلم 2/ 991، كتاب الحج، رقم: 1361.]]، وكذلك وَجّ الطائف في تحريم الصيد، وتحريم كسر الأشجار [[وَجّ: قيل: هي بلد بالطائف، وقيل: هي الطائف. "تهذيب اللغة" 11/ 237 (وجج)، و"لسان العرب" 2/ 397. و"معجم البلدان" 4/ 10. هكذا ضُبط بض الواو، وأما أهل الطائف فينطقونه بالكسر، وهو وادي الطائف الرئيس، وقد عُمر اليوم جانباه بأحياء من مدينة الطائف، فإذا تجاوز الطائف كانت عليه قرى ومزارع كثيرة، وأما سكانه ففي أعلاه هذيل، وعند الطائف الأشراف ذوو غالب. "معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية" 331. ما ذكره الواحدي واقتصر عليه من تحريم الصيد، وكسر الأشجار في وادي وج، هو مشهور مذهب الشافعية؛ قال الشيرازي: يحرم صيد وج؛ وهو واد بالطائف لما روي أن النبي -ﷺ- نهى عن قتل صيد وج، فإن قتل فيه صيدًا لم يضمنه بالجزاء؛ لأن الجزاء وجب بالشرع، والشرع لم يرد إلا في الإحرام والحرم. "المهذب" مع == "المجموع" النووي 7/ 404. قال النووي: وقال الشافعي في الإملاء: أكره صيد وج، وللأصحاب فيه طريقان؛ أصحهما عندهم القطع بتحريمه .. والثاني: يكره. المجموع 7/ 408. قال شيخ الإسلام: وج: واد بالطائف؛ فإن هذا روي فيه حديث، رواه أحمد في المسند، وليس في الصحاح، وهذا حرم عند الشافعي؛ لاعتقاده صحة الحديث، وليس حرما عند أكثر العلماء، وأحمد ضعف الحديث المروي فيه فلم يأخذ به "مجموع الفتاوى" 27/ 15. والحديث الوارد فيه هو حديث الزبير بن العوام؟، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن صيد وَجٍّ، وعِضاهَه حَرَم مُحَرَّم لله، وذلك قبل نزوله وحصاره الطائف". أخرجه الإمام أحمد 3/ 10، رقم: 1416، تح/ أحمد شاكر. وأخرجه من الطريق نفسه أبو داود 2/ 528، كتاب المناسك، رقم: 2032، والبيهقي، "السنن الكبرى" 5/ 200. وضعف إسناده محققو المسند، ط/ الرسالة 3/ 32؛ لضعف محمد بن عبد الله بن إنسان. كما ضعفه الألباني، "ضعيف سنن أبي داود" 198، رقم: 441. قال ابن القطان عن هذا الحديث: هو حديث لا يصح؛ فإنه من رواية محمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة، ومحمد بن عبد الله بن إنسان قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، في حديثه نظر، وذكر له البخاري هذا الحديث وقال: لا يُتابع عليه. وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين قال: ليس به بأس، فأما أبوه عبد الله ابن إنسان فلا يعرف روى عنه غير ابنه محمد، قال البخاري: لا يصح حديثه. وممن ضعف الحديث النووي، "المجموع" 7/ 405، وابن حجر، "التلخيص الحبير" 2/ 280. ومع ذلك فقد صحح الحديث الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند؛ لذكر ابن حبان لمحمد بن عبد الله بن إنسان الثقفي، في الثقات. وهذا لا يكفي فإن ابن حبان من المتساهلين في التوثيق، كما هو معروف عند أهل العلم، إضافة إلى أن محمد قد تكلم فيه الحفاظ، ولم يوجد للحديث متابعات تشهد له. والله أعلم.]]؛ إلا أن الصيد في حرم مكة مضمون بالجزاء، وفي الحرمين الآخرين غير [[غير. في نسخة (ج).]] مضمون بالجزاء [[بالجزاء. في نسخة. (أ)، (ب).]]. وقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ لأنه خالقه ومالكه ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال ابن عباس: من الموحدين [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2936.]]. وقال مقاتل: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من المخلصين لله بالتوحيد [["تفسير مقاتل" 62 ب.]].

النمل 27:92

وقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ يعني: تلاوة الدعوة إلى الإيمان قال ابن عباس: يريد قراءته عليهم [["تنوير المقباس" 322.]]. وقال مقاتل: وأمرت ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ عليكم يا أهل مكة [["تفسير مقاتل" 62 ب.]]. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ له ثواب اهتدائه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان بالقرآن [["تفسير مقاتل" 62 ب.]]، [وأخطأ طريق الهدى [[أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2936، عن مقاتل بن حيان: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ يقول: أخطأ.]] ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي: من المخوفين بالقرآن] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] فليس علي إلا البلاغ. قال المفسرون: كان هذا قبل أن أمر بالقتال [["تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب. وفيه: نسختها آية القتال. وهذا ليس بصواب؛ بل الآية محكمة يعمل بها في أوقاتها المناسبة، وقد سبق بيان نظير هذه الآية في سورة الفرقان: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ آية رقم: 63.]].

النمل 27:93

قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: احمده على نعمه. ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ قال الكلبي: وقد أراهم إياها، وكان منها: الدخان وانشقاق القمر [["تنوير المقباس" 322، بلفظ: علامات وحدانيته وقدرته بالعذاب يوم بدر. ذهب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، إلى أن الدخان قد مضى ووقع لأهل مكة؛ عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة فقال يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم يأخذ المؤمن كهيئة الزكام ففزعنا فأتيت بن مسعود == وكان متكئا فغضب فجلس فقال: من علم فليقل ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم، فإن الله قال لنبيه -ﷺ-: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86] وإن قريشا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي -ﷺ-: فقال اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله فقرأ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلي قوله: ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان: 10، 15] أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء ثم عادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: 16]، يوم بدر، و: ﴿لِزَامًا﴾ [الفرقان: 77] يوم بدر ﴿الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ والروم قد مضى. أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: 4774، فتح الباري 8/ 511، ومسلم 4/ 2155، كتاب: صفات المنافقين، رقم: 2798. قال ابن كثير 6/ 247: وقد وافق ابن مسعود على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى، جماعة من السلف؛ كمجاهد، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، والضحاك وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير .. وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد؛ بل هو من أمارات الساعة، ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك، ورجح ابن كثير هذا القول؛ وقال: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن. وأما انشقاق القمر فإنه أمر قد وقع قال ابن كثير 6/ 472: قوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]، قد كان هذا في زمان رسول الله -ﷺ- كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة .. وهو أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمن النبي -ﷺ-، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. ثم ساق الأحاديث في ذلك ومنها حديث أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله -ﷺ- أن يريهم آية فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حِراءَ بينهما. أخرجه البخاري، كتاب: مناقب الأنصار، رقم: 3868، فتح الباري 7/ 182. وعن أنس أيضًا أن ذلك وقع مرتين. أخرجه مسلم 4/ 2159، كخاب صفات المنافقين، رقم: 2802.]]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال مجاهد: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق [[أخرجه ابن جرير 20/ 26. وابن أبي حاتم 9/ 2937. و"تفسير مجاهد" 2/ 476. وذكره الثعلبي 8/ 139 ب.]]. وقال مقاتل: يعني العذاب في الدنيا، والقتل ببدر [["تفسير مقاتل" 62 ب.]]. كقوله في سورة الأنبياء [37]: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ [["تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب.]] وهذا القول يجب أن يكون الصحيح؛ لأنه قال: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [وقد أراهم تلك الآيات التي ذكرها الكلبي ومجاهد، فلم يعرفوها] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] ولم يقروا بها [[جعل الهواري 3/ 260، ذلك في يوم القيامة؛ أي: الوعد والوعيد، ولا مانع من حمل الآية على العموم، والله أعلم.]]. وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعيد لهم. قال مقاتل: فعذبهم الله بالقتل ببدر، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجلهم الله إلى النار [["تفسير مقاتل" 63 أ.]]. وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء [[قرأ عاصم في رواية حفص، ونافع وابن عامر بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. "السبعة في القراءات" 488، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 410، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 263.]]؛ فالتاء للخطاب؛ لأن قبله ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ والياء لأنه وعيد للمشركين [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 410.]].

القصص 28:1

﴿طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قد تقدم ما ذكر في هذا [[في أول سورة الشعراء.]]، و ﴿الْمُبِينِ﴾ يجوز أن يكون من: أبان إذا أظهر، ومن بان: إذا ظهر. قال قتادة في هذه الآية: (مُبِينِ) والله بركته وهداه ورشده [[أخرجه ابن جرير 20/ 26.]]. وقال مقاتل: بين ما فيه [["تفسير مقاتل" 63 أ.]]. وهذا من أبان المطاوع. وقال أبو إسحاق: (مُبِين) الحق من الباطل، والحلال من الحرام، ومبين قصص الأنبياء [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 131.]]. وهذا من أبان الواقع.

القصص 28:2

﴿طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قد تقدم ما ذكر في هذا [[في أول سورة الشعراء.]]، و ﴿الْمُبِينِ﴾ يجوز أن يكون من: أبان إذا أظهر، ومن بان: إذا ظهر. قال قتادة في هذه الآية: (مُبِينِ) والله بركته وهداه ورشده [[أخرجه ابن جرير 20/ 26.]]. وقال مقاتل: بين ما فيه [["تفسير مقاتل" 63 أ.]]. وهذا من أبان المطاوع. وقال أبو إسحاق: (مُبِين) الحق من الباطل، والحلال من الحرام، ومبين قصص الأنبياء [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 131.]]. وهذا من أبان الواقع.

القصص 28:3

﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ قال ابن عباس: يريد: نوحي إليك ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ أي: من خبرهما وحديثهما ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي لا ريب فيه {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يصدقون بالقرآن [["تفسير مقاتل" 63 أ.]]. يعني: أن [["حرف: أن، ساقط من نسخة (ج).]] صدق هذا الكتاب لمن آمن به وصدقه، فأما من لم يؤمن به [[به، في نسخة (ج).]] فليس عنده بحق.

القصص 28:4

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ قال الليث: العلو: العظمة والتجبر، يقال: علا الملك علوًا إذا تجبر [[في نسخة (ب): إذا تكبر وتجبر.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [[كتاب "العين" 2/ 245 (علو)، بنحوه.]] [القصص: 83] قال المفسرون: استكبر وتجبر وبغى وتعظم وطغى. كل هذا من ألفاظهم [["تفسير مقاتل" 63 أ، بلفظ: تعظم. وابن جرير بلفظ: تجبر. "تاريخ الطبري" 1/ 388. وأخرجه في التفسير 20/ 27، عن السدي بلفظ: تجبر في الأرض. وعن قتادة بلفظ: بغى في الأرض. وذكره الثعلبي 8/ 139 ب، عن ابن عباس، بلفظ: استكبر، وعن السدي، بلفظ: تجبر.]]. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أرض مصر [["تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب، ولم ينسبه.]] ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ يعني: أحزابًا وفرقًا [["تفسير مقاتل" 63 أ. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 97. أي: فرق بني إسرائيل فجعلهم خَوَلًا للقبط. "وضح البرهان" 2/ 145. وأخرج ابن جرير 20/ 27، نحوه عن قتادة خولاً: عبيدا. "تهذيب اللغة" 7/ 564 (خال).]]، كقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: 65] وقد مر [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: الشيع جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، والجمع شيع وأشياع، قال الله -عز وجل-: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: 54] وأصله من التشيع وهو التتبع، ومعنى الشيعة: الذين يتبع بعضهم بعضًا.]]. والمعني: جعلهم فرقًا وأصنافًا في الخدمة [["غريب القرآن" لابن قتيبة 328.]]، والتسخير [["تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب، ولم ينسبه. وأخرج ابن جرير 20/ 27، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا، يذبح طائفة منهم، ويستحيي طائفة منهم، ويعذب طائفة، ويستعبد طائفة.]] ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ قال ابن عباس: وهم أسباط النبوة، يعني: بني إسرائيل [["تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 328، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير 20/ 27، وابن أبي حاتم 9/ 2939، عن السدي في خبر طويل.]]. ثم فسر ذلك الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ قال المفسرون: يقتل أبناءهم، ويترك بناتهم فلا يقتلهن [["تفسير مقاتل" 63 أ. وأخرجه ابن جرير 20/ 27، وابن أبي حاتم 9/ 2938، عن السدي.]]؛ وذلك لأن بعض الكهنة قال له: إن مولودًا يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملكك [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 87 عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 63 أ. و"تاريخ الطبري" 1/ 387، عن ابن إسحاق.]]. قال أبو إسحاق: والعجب من حمق فرعون؛ إن كان هذا الكاهن عنده صادقًا فلا ينفع القتل، وإن كان كاذبًا فما معنى القتل [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 132.]]. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي بالعمل في الأرض بالمعاصي. قاله ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 63 أ. و"تفسير الطبري" 20/ 28، ولم ينسبه.]]. وقال الكلبي: من المفسدين بالقتل [["تنوير المقباس" 323. وما ذكره الواحدي هنا أمثلة لإفساد فرعون؛ قال ابن جرير 20/ 28: إنه كان ممن يفسد في الأرض بقتله من لا يستحق القتل، واستعباده من ليس له استعباده، وتجبره في الأرض على أهلها، وتكبره على عبادة ربه.]].

القصص 28:5

قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ﴾ لفظ استقبال أريد به حكاية حال قد مضت. وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو علي: هو حكاية حال ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى فعل الحال على ما كانت كما أن قوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: 15] أشار إلى الحاضر والقصة ماضية لأنه حكى الحال.]] [يوسف: 110] وهو أيضًا حكاية حال. قوله: ﴿أَنْ نَمُنَّ﴾ قال مقاتل: نُنعم ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ مصر، وهم بنو إسرائيل [["تفسير مقاتل" 63 أ. وأخرجه ابن جرير 20/ 28، عن قتادة. و"تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب.]]. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ قال ابن عباس: يريد في الهدى، ونحوه [[ذكره الثعلبي 8/ 139 ب، عن ابن عباس، بلفظ: قادة في الخير يقتدى بهم.]]. قال مقاتل: يُقتدَى بِهم في الخير [["تفسير مقاتل" 63 أ.]]. وقال قتادة: ولاة ملوكًا [[أخرجه ابن جرير 20/ 28، وابن أبي حاتم 9/ 2941. وذكره الثعلبي 8/ 139 ب.]]. وهو اختيار أبي إسحاق؛ قال: نجعلهم ولاة يؤتم بِهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 132.]]. وقال مجاهد: دعاة إلى الخير [[ذكره الثعلبي 8/ 139 ب، عن مجاهد.]]. ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ لملك فرعون، يرثون ملكه، ويسكنون مساكنهم، ويرثون ما يترك فرعون ويخلف بعده [["تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب، بنحوه. وأخرج ابن جرير 20/ 28، عن قتادة: يرثون الأرض بعد فرعون وقومه.]].

القصص 28:6

وقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ قال ابن عباس: نملكهم ما كان يملك فرعون. يقال: مكنته ومكنت له، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 10] [[لم يتكلم الواحدي في تفسير هذه الآية عن دخول اللام في مكن، بل اقتصر على قوله: قال الزجاج: معنى التمكين في الأرض: التمليك والقدرة وهو قول ابن عباس قال: يريد: ملكناكم في الأرض؛ يريد: ما بين مكة إلى اليمن، وما بين مكة إلى الشام.]]، وقال: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: 6] وقد مر [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى ﴿مَكَّنَّاكُمْ﴾ ثم قال: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ولم يقل: نمكنكم، وهما لغتان؛ تقول العرب: مكنته، ومكنت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له. قال صاحب النظم: العرب تتسع في الأفعال التي تتعدى بحروف الصفات، فربما عدوها بغيرها كقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: 26] المعنى: فإلى أين تذهبون .. أ. هـ. حروف الصفات هي: حروف المعاني.]]. ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾ الآية، أي مولود بني إسرائيل الذي يذهب ملكهم على يده، ويهلك القبط بسببه. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿وَيرَى﴾ بالياء ﴿فِرْعَوْنَ﴾ وما بعده رفعًا، على معنى: أنَّهم يرونه إذا أُروه؛ والاختيار قراءة العامة؛ ليكون الكلام من وجه واحد [["السبعة في القراءات" 492. و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 411، ولم يذكر هذا الاختيار. وإعراب القراءات السبع 2/ 168، و"النشر" 2/ 341.]].

القصص 28:7

قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ قال قتادة: أي قذفنا في قلبها، وليس بوحي إرسال [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 87، وابن جرير 20/ 29، وابن أبي حاتم 9/ 2941، == واقتصر عليه ابن قتيبة، في "غريب القرآن" 328، وقال: ومثله ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: 111].]]. وقال مقاتل: أتاها جبريل بذلك [["تفسير مقاتل" 63 ب.]]. قال أبو إسحاق: قيل: إن الوحي هاهنا إلهام؛ والآية تدل على أنه وحي إعلام؛ وهو قوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وجائز أو يُلقي الله في قلبها أنه مردود إليها، وأنه يكون مرسلًا، ولكن أن يكون الوحي هاهنا إعلامًا أبين [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 132. وقيل: إنه كان رؤيا منام. "وضح البرهان" 2/ 145.]]. قال الكلبي ومقاتل [[ومقاتل. في نسخة (ج).]]: لما ولدته أرضعته ثلاثة أشهر، فلما خافت أن يسمع الجيران بكاء الصبي اتخذت لها تابوتًا من بَردي وقَيَّرته [[البردي، بفتح الباء: نبات معروف، واحدته: بردية، ترتفع ساقه إلى نحو متر، أو أكثر، ينمو بكثرة في منطقة المستنقعات بأعالى النيل. "لسان العرب" 3/ 87، و"المعجم الوسيط" 1/ 48، مادة: برد. قيرته: مأخوذ من القار، أو القِير: كل شيء يطلى به، وهو مادة سوداء تطلى بها السفن لمنع الماء أن يدخل. "تهذيب اللغة" 9/ 277. مادة: قرى.]]، ووضعت فيه موسى ثم ألقته في نيل مصر، وذلك قوله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [["تفسير مقاتل" 63 ب. و"تاريخ الطبري" 1/ 389. واليم: النيل، في قول السدي أيضًا؛ أخرجه ابن جرير 20/ 30.]] ونحو هذا قال ابن جريج؛ إنَّها ألقته في اليم بعد أن أرضعته أشهرًا [[أخرجه ابن جرير 20/ 30. وفيه تحديد الأشهر بأربعة.]]. وقال السدي: أُمرت أن ترضعه بعد ولادها، وتلقيه في اليم [[أخرجه ابن جرير 20/ 30.]]. والقول الأول أليق بمنظم الآية؛ للفصل بين الإلقاء والإرضاع بالخوف [[قال ابن جرير 20/ 30: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر أم موسى أن ترضعه فإذا خافت عليه من عدو الله فرعون وجنده أن تلقيه في اليم، وجائز أن تكون خافتهم عليه بعد أشهر من ولادها إياه، وأي ذلك كان فقد فعلت ما أوحى الله إليها فيه، ولا خبر قامت به حجة، ولا فطرة في العقل لبيان أي ذلك كان.]]، وخوفها ما ذكروا أنها خافت أن يسمع الجيران بكاء الصبي [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2942، عن ابن عباس.]]. قوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ قال مقاتل: قالت المرأة: رب إني قد علمت أنك قادر على ما تشاء [[قدرة الله تعالى إذا ذكرت على أنها صفة فلا تقيد بالمشيئة حتى لا يوهم التقييد اختصاصها بما يشاؤه الله تعالى فقط، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20] وإذا ذكرت المشيئة لتقرير أمر واقع فلا مانع من تقييدها بالمشيئة؛ لأن الواقع لا يقع إلا بالمشيئة. المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين 1/ 118، باختصار.]]، ولكن كيف لي أن ينجو صبي صغير من عمق البحر، وبطون الحيتان؟ فأوحى الله إليها: ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ عليه الضيعة فإني أوكل به ملكًا يحفظه في اليم [["تفسير مقاتل" 63 ب.]] ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ لفراقه ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ لتمام رضاعه لتكوني أنت ترضعيه ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى أهل مصر [["تفسير مقاتل" 63 ب. في هذه الآية خبران، وأمران، ونهيان، وبشارتان. "وضح البرهان" 2/ 146.]].

القصص 28:8

قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: من البحر، والالتقاط إصابة الشيء من غير طلب [["تهذيب اللغة" 16/ 249، مادة: لقط. ويطلق الالتقاط على الأخذ فجأة. "وضح البرهان" 2/ 146.]]. والمراد بآل فرعون هاهنا: جواري امرأته اللاتي أخذن تابوت موسى من البحر على ما ذكره المفسرون [[أخرجه ابن جرير 20/ 31، عن السدي. وذكر قولين آخرين: ابنة فرعون، أعوان فرعون. قال ابن جرير: ولا قول في ذلك عندنا أولى بالصواب مما قال الله -عز وجل- ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2943، عن أبي عبد الرحمن الحبلي. وذكره في خبر مطول الثعلبي 8/ 140 أ.]]. ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وقرئ: (وَحُزْنًا) [[قرأ حمزة والكسائي: (وَحُزْنًا) بضم الحاء، وتسكين الزاي، وقرأ الباقون بفتح الحاء، والزاي. "السبعة في القراءات" 492، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 412، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 341.]] وهما لغتان، [مثل السَقَم والسُقْم، والعَرَب والعُرْب، وبابه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 412. قال الفراء: وكأن الحُزْن الاسم، وكأن الحزَن مصدر، وهما بمنزلة: العُدْم، والعَدَم. "معاني القرآن" 2/ 302.]]. قال أبو إسحاق:] [[ما بين المعقوفين زيادة من نسخة (ج).]] ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ أي: ليصير الأمر إلى ذلك، لا أنهم طلبوه وأخذوه لهذا، كما تقول للذي كسب مالاً فأداه ذلك إلى الهلاك: إنما كسب فلان لحتفه، وهو لم يطلب المال طلبًا للحتف. ومثله: فللموت ما تلد الوالدة [[عجز بيت لشتيم بن خويلد، يرثي أولاده الثلاثة، وصدره: فإن يكن الموت أمتاهم]] وهي لم تلد طلبًا أن يموت ولدها، ولكن المصير إلى ذلك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 133. و"تفسير ابن جرير" 20/ 32، وذكره الثعلبي 8/ 141 أ، بمعناه. وفي "الدر المصون" 8/ 651: في اللام الوجهان المشهوران: العِلِّيَّة المجازية بمعنى: أن ذلك لما كان نتيجة فعلهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله، أو الصيرورة.]]. قال مقاتل: ليكون لهم عدوًا في الهلاك، وغيظًا في قلوبهم [["تفسير مقاتل" 63 ب. قال ابن جرير 20/ 33: عدوًا في دينهم، وحزنًا على ما ينالهم منه من المكروه.]]. ثم أخبر عنهم فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿خَاطِئِينَ﴾ أي: عاصين آثمين [["تفسير ابن جرير" 20/ 33.]].

القصص 28:9

وقوله: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ قال ابن عباس: أتت جواري امرأة فرعون يستقين فوجدن التابوت، فذهبن بالتابوت إليها، فلما فتحت امرأة فرعون التابوت فإذا موسى فيه، فألقى الله له المحبة من جميعهم، فحملته حتى أدخلته على فرعون، فهو قوله: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [[أخرجه ابن جرير 20/ 35، وابن أبي حاتم 9/ 2944. والثعلبي 8/ 140 أ. وهو جزء من حديث الفتون؛ الذي أخرجه النسائي، في "السنن الكبرى" 6/ 396، رقم: 11326، وقال عنه ابن كثير بعد أن ساقه بطوله في تفسير سورة: طه: هكذا رواه النسائي في سننه الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير، وابن أبي حاتم، في تفسيريهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس منه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار، أو غيره. والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي، يقول ذلك أيضًا. "تفسير ابن كثير" 5/ 293]]. قال الفراء والمبرد والزجاج: رفعت ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ بإضمار: هو، أو: هذا الصبي قرةُ عين لي ولك يا فرعون [["معاني القرآن" للفراء 2/ 302. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 133.]]. قال أبو إسحاق: ويقبح رفعه على الابتداء، وأن يكون الخبر ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ فيكون كأنها عرفت أنه قرة عين لها. ويجوز ذلك على بُعدٍ على معنى: إذا كان قرة عين لي ولك فلا تقتله [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 133، وا لإشارة في قوله: ويجوز ذلك، أي: رفعه على الابتداء.]]. قال مقاتل: قالت لفرعون: لا تقتله فإن الله أتانا به من أرض أخرى، وليس من بني إسرائيل ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ فنصيب منه خيرًا [["تفسير مقاتل" 63 ب.]]. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ قال المفسرون: وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها [[أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" 6/ 397. وهو جزء من حديث الفتون، الذي سبق الحديث عنه قريبا. وأخرجه ابن جرير 20/ 31، عن السدي.]]. قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا ابتداء من كلام الله تعالى، أخبر أنهم لا يشعرون أن هلاكهم في سببه، وهذا قول قتادة ومجاهد ومقاتل [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 87، عن قتادة وابن جرير 20/ 34، وابن أبي حاتم 9/ 2945، عن قتادة، ومجاهد. و"تفسير مقاتل" 63 ب ورجحه ابن جرير 20/ 35.]]. وقال آخرون: هذا من تمام كلام المرأة، ومعنى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: بني إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه؛ هذا قول محمد بن قيس [[أخرج ابن جرير 20/ 35. والثعلبي 8/ 141 ب، عن محمد بن قيس. وهو الأسدي، الوالبي، الكوفي، روى عن الشعبي، وأبي الضحى، وروى عنه: شعبة، وأبو نعيم، وثقه ابن حجر، وقال عنه الذهبي: صدوق. "الكاشف" 3/ 81، و"تقريب التهذيب" 890.]]. وقال الكلبي: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ لا أنه ولدنا [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 141 ب. وذكر الوجهين الفراء. "معاني القرآن" 2/ 303. وفي "تنوير المقباس" 324: بنو إسرائيل لا يعلمون أنه ليس منا، ويقال: وهم لا يشعرون أن هلاكهم على يديه. والقول الأول الذي عليه أكثر المفسرين هو الأقرب. والله أعلم.]].

القصص 28:10

وقوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ قال أكثر المفسرين: ﴿فَارِغًا﴾ من كل شيء من هم الدنيا والآخرة إلا هم موسى وذكره؛ وهذا قول ابن عباس في جميع الروايات، ومجاهد ومقاتل وعكرمة وقتادة والحسن وسعيد بن جبير والكلبي [[نسب الثعلبي 8/ 141 ب هذا القول لأكثر المفسرين. وذكره البخاري عن ابن عباس معلقًا بصيغة الجزم 8/ 506. وأخرجه عنه الحاكم 2/ 441، رقم 3529. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 88، عن قتادة، وأبي عمران الجوني. وهو في "تفسير مقاتل" 63 ب. و"تنوير المقباس" 323. وأخرجه أبو يعلى 5/ 12، من طريق سعيد بن جبير. وهو جزء من الحديث الطويل حديث الفتون، الذي سبق الحديث عنه قريبا.]]، واختيار الفراء وأبي إسحاق؛ قال الفراء: ﴿فَارِغًا﴾ لهمِّ موسى، فليس يخلط همّ موسى شيء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 303. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 134. واختاره ابن الأنباري، في كتابه "الأضداد" 299.]]. وقال محمد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد: ﴿فَارِغًا﴾ من الوحي الذي أوحى الله إليها، والعهد الذي عهده إليها أن يرده عليها؛ وذلك أنها لما رأت موسى يرفعه موج، ويخفضه آخر جزعت، وأتاها الشيطان فوسوس لها، وقال: لو قتله فرعون كان للآخرة، وقد توليت قتله بالإلقاء في اليم. ثم لما أتاها الخبر بأن موسى وقع في يد آل فرعون [[أخرجه عنهما وعن الحسن ابن جرير 20/ 36، وأخرجه ابن أبيِ حاتم 9/ 2946 عن ابن إسحاق فقط. وذكره عن الحسن وأبو إسحاق وابن زيد الثعلبي 8/ 141 ب.]]، قالت: قد وقع في يد عدوه الذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وهذا أيضًا قول مرضيّ. وقال أبو عبيدة: ﴿فَارِغًا﴾ من الحزن، لعلمها أنه لم يقتل، ولم يغرق [["مجاز القرآن" 2/ 98. وذكر هذا القول ابن الأنباري، "الأضداد" 298، عن بعض أهل اللغة، ولم يسمه، وجعل هذا الاختلاف مما يفسر من القرآن تفسيرين متضادين، وذكر القولين النيسابوري، "وضح البرهان" 2/ 146، وصدر القول الثاني بـ: قيل.]]. قال ابن قتيبة: وهذا من أعجب التفسير، كيف يكون فؤادها فارغًا من الحزن في وقتها ذاك، والله تعالى يقول: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟ قال: والعرب تقول للجبان، والخائف: فؤاده هواء. لأنه لا يعي عزمًا، ولا صبرًا، وقد خالفه المفسرون إلى الصواب؛ فقالوا: ﴿فَارِغًا﴾ من كل شيء إلا من أمر موسى؛ كأنها لم تهتم بشيء مما يهتم به الحيُّ إلا أمرَ ولدها. انتهى كلامه [["غريب القرآن" 328. ويشهد له ما ذكره الفراء بإسناده عن فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- أنه قرأ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من الفزع. "معاني القرآن" 2/ 303، وذكر هذه القراءة ابن جرير 20/ 37، ورد قول أبي عبيدة بقوله: وهذا لا معنى له؛ لخلافه قول جميع أهل التأويل.]]. ووجه قول المفسرين ما ذكر؛ وهو: أن قلبها صار فارغًا من الصبر والعزم، وإنما قال المفسرون: إلا [[كلمة: إلا، ساقطة من نسخة: (ب).]] من ذكر موسى، لدلالة باقي الآية عليه؛ وهو قوله -عز وجل-: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: كادت تخبر أن هذا [[هذا، ساقطة من نسخة: (ب).]] الذي وجدتموه في التابوت هو ابني. وقال في رواية عكرمة، وسعيد بن جبير: كادت تقول [[تقول، ساقطة من نسخة: (ب).]]: وابناه، من شدة وجْدِها به [[رواية عكرمة أخرجها ابن أبي حاتم 9/ 2947، والثعلبي 8/ 141ب ورواية سعيد ابن جبير أخرجها ابن جرير 20/ 37، وابن أبي حاتم 9/ 2947، والحاكم 2/ 441، رقم: 3529. ولم أجد رواية عطاء.]]. وقال مقاتل: خشيت عليه الغرق، وكادت تصيح شفقة عليه، فذلك قوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ تقول: إن همت لتشعر أهل مصر بموسى أنه ولدها [["تفسير مقاتل" 63 ب.]]. وعن مُغِيثِ بن سُمَيّ: كادت تقول: أنا أمه [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2947. مغيث بن سُمي، الأوزاعي، أبو أيوب الشامي، ثقة، روى عن عمر -رضي الله عنه- مرسلاً، وروى عن ابن عمر وطائفة، وروى عنه: زيد بن واقد، وعبد الرحمن بن يزيد، وغيرهم. "الكاشف" 3/ 147، و"تقريب التهذيب" 964.]]. وقال أبو إسحاق: إن كادت لتظهر أنه ابنها [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 134.]]. وقال الفراء: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ يعني: باسم موسى أنه ابنها؛ وذلك أن صدرها ضاق بقول آل فرعون: هو ابن فرعون، فكادت تبدي به؛ أي: تظهره [["معاني القرآن" للفراء 2/ 303. و"تفسير ابن جرير" 20/ 38.]]. وهذا معنى قول الكلبي [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 141 ب. وهو في "تنوير المقباس" 323.]]؛ فالكناية من ﴿بِهِ﴾ تعود على اسم موسى على قول هؤلاء؛ وهو الصحيح. وسبب الإبداء مختلَف فيه، فعند بعضهم: وَجْدًا به. وعند مقاتل: شفقةً عليه من الغرق. وعند الكلبي ضيق صدرها [[في النسخ الثلاث: ضيق صدر.]] بما تسمع من قولهم: موسى بن فرعون [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 141 ب.]]. ويقال أبدى الشيء، ودخلت الباء هاهنا؛ لأنه أريد بالإبداء: الإخبار والإشعار، يدل على هذا ما روي في حرف عبد الله: إن كادت لتشعر به [[ذكر هذه القراءة الفراء 2/ 303.]]. ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بالصبر واليقين والإيمان؛ قاله ابن عباس ومقاتل وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 88، عن قتادة. وكذا ابن جرير 20/ 38، وابن أبي حاتم 9/ 2947. و"تفسير مقاتل" 63 ب.]]. قال الزجاج: ومعنى الربط على القلب: إلهام الصبر وتشديده وتقويته [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 134. وذكره القاضي عبد الجبار في "متشابه القرآن" 543.]]. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: 11] [[قال الواحدي: معنى الربط في اللغة: الشد، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: 200] ويقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه، كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب، ويقال: رجل رابط الجأش؛ قال الأصمعي: هو الذي يربط نفسه يكفها بجرأته وشجاعته.]]. وقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من المصدقين بوعد الله حين قال لها: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قاله مقاتل والمفسرون [["تفسير مقاتل" 63 ب. وأخرجه ابن جرير 20/ 38، وابن أبي حاتم 9/ 2947 ، عن سعيد بن جبير والسدي. و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ.]].

القصص 28:11

قوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ لأخت موسى ﴿قُصِّيهِ﴾: اتبعي أثره [[أخرجه الحاكم 2/ 441، رقم: 3529، عن ابن عباس. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 98. و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ. و"وضح البرهان" 2/ 147.]]. يقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره شيئًا بعد شيء قصًا وقصصًا. قال المبرد: فلان يقص أثر الجيش أي: يتبعه متعرفًا [[لم أجده في "التهذيب"، مادة: قص، وفي "الكامل" 2/ 1018: تقصه: تتبعه، قال الله -عز وجل-: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره.]]. وقد ذكرنا هذا الحرف في القصاص والقصص [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179]: القصاص في اللغة: المماثلة، وأصله من قولهم: قصصت أثره إذا تتبعته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: 11].]]. قال ابن عباس: تريد: اطلبي أثره، وانظري أين وقع، وإلى من صار [[ذكره البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم 8/ 506، بلفظ: اتبعي أثره. وباللفظ الذي ذكره الواحدي هنا أخرجه ابن جرير 20/ 38، وابن أبي حاتم 9/ 2948، وفي رواية عندهما عن ابن عباس: قصي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا؟ أحي ابني أم أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها به.]]. وقال مجاهد: اتبعي أثره كيف يصنع به [[أخرجه ابن جرير 20/ 38.]]. وقال مقاتل: قصي أثره حتى تعلمي علمه من يأخذه [["تفسير مقاتل" 63 ب. واقتصر الأخفش على قول: قُصي أثره. "معاني القرآن" 2/ 652. وكذا قتادة، تفسير عبد الرزاق 2/ 88. وهو كذلك في "تاريخ الطبري" 1/ 389.]]. وقال ابن إسحاق: انظري ماذا يفعلون به [[في نسخة: (أ)، (ب): أبو إسحاق. وخبر ابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2948، وأخرجه ابن جرير 20/ 39، عن قتادة.]]. هذا قول المفسرين. ودل كلامهم على أن القص: تتبع الأثر مع التعرف؛ كما قال المبرد. قوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ قال ابن عباس: أبصرته [[أخرجه ابن جرير 20/ 39، وابن أبي حاتم 9/ 2948، كلاهما بمعناه.]]. قال المبرد: بصرت بالشيء، وأبصرته واحد في المعنى [[في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 98: هما لغتان. ولم أجد قول المبرد في "التهذيب". وذكر قول المبرد، الشوكاني "فتح القدير" 4/ 156.]]. والفصل بينهما مع اجتماعهما في المعنى أن: بصرت به، معناه: صرت بصيرًا بموضعه. وهكذا فعلت، معناه: انتقلت إلى تلك الحال. قوله تعالى: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن بعد [[ذكره البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم 8/ 506. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 98. وحكاه عنه ابن الأنباري، في كتابه "الزاهر" 1/ 430. و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ.]]. وهو مصدر، ثم وصف به. وكذلك قالوا: رجل جنب، ورجال جنب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36] وقد مر [[قال الواحدي في تفسير الجنب في سورة النساء: الجُنُب نعت على: فُعُل، مثل: أُحُد .. وأصله من الجنابة ضد القرابة، وهو البعد .. ورجل جنب إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله.]]. وقال المبرد: وقد يجمع أجنابًا، كما تقول [[كما تقول: ساقط من نسخة (ج).]] في شُغل، وهو مصدر مثله: أشغال. قالت الخنساء ترثي [[ترثي، في نسخة (ج).]]: فابْكي أخاكِ لأيتامٍ وأرملةٍ ... وابكي أخاكِ إذا جاورتِ أجنابا [["ديوان الخنساء" 7. تخاطب في هذا البيت عينها. واستشهد به المبرد "الكامل" 2/ 904، على أنه يجمع: جُنُب: أجناب.]] قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ قال: عن جانب [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2948. وذكره الثعلبي 142 أ.]]. [وقال مجاهد: عن بُعد [[أخرجه ابن جرير 20/ 39، وابن أبي حاتم 9/ 2948.]]. وقال عكرمة وقتادة: بصرت به وهي مجانبة لم تأته [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 88، عن قتادة. وكذا ابن جرير 20/ 39، وابن أبي حاتم 9/ 2948.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]]. وقال مقاتل: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ كأنها مجانبة له ترقبه، وعينها إلى التابوت وهي معرضة عنه بوجهها [["تفسير مقاتل" 63 ب.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: أبصرته من شق عينها اليمنى. وقال أبو إسحاق: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن بُعد، تُبصره، ولا تُوهم أنها تراه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 134. ونحوه في "وضح البرهان" 2/ 147.]]. وقال ابن قتيبة: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ من بُعد منها عنه، وإعراض لئلا يفطنوا [[لها. غير موجودة في النسخ الثلاث.]]، والمجانبة من هذا [["غريب القرآن" 329.]]. وقال الفراء: يقول: كانت على شاطئ البحر حين رأت آل فرعون قد التقطوه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 303.]]. ولم يذكر الفراء ما ذكره غيره من أنها تجتنب أن يفطنوا بها؛ واقتصر من تفسير قوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ على البعد فقط. وليس المعنى في قوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ بُعد المسافة كما توهمه؛ وإنما هو: التباعد والمجانبة أن يعلموا بحالها، وأنها ترقبه، كما ذكره المفسرون، وأهل المعاني، ولا تستعمل الجنب والجنابة في بعد المسافة، ألا ترى إلى قول علقمة بن عبدة: فلا تَحْرِمَنّي نائلًا عن جَنَابةٍ ... فإني امرؤٌ وَسْطَ القِبابِ غريبُ [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 98، ونسبه لعلقمة بن عبدة وكذا المبرد، "الكامل" 2/ 903، وقال: جنابة: غربة وبعد. وأنشده الزجاج 4/ 134، ولم ينسبه. ونسبه لعلقمة: الأزهري 11/ 123، وهو في "ديوان علقمة" 30، آخر بيت من قصيدة له يمدح فيها الحارث بن جبلة الغساني، وكان قد أسر أخاه فرحل إليه يطلبه فيه. يقول: لا تحرمني العطاء بعد غربة وبعد عن دياري، فإنني امرؤ غريب. "حاشية الديوان".]] أراد بعد النسب لا بعد المسافة. فمعنى قوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن تجنب منها وتباعد أبصرته. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال ابن عباس: وهم لا يعلمون أنها أخته [[أخرجه ابن جرير 20/ 40، وابن أبي حاتم 9/ 2949، عن السدي. وأخرجه ابن جرير في التاريخ 1/ 389، عن السدي، عن ابن عباس، وابن مسعود. وذكره الفراء 2/ 303، ولم ينسبه.]]. وقال مقاتل: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنها ترقبه [["تفسير مقاتل" 64 أ.]]. وقال ابن إسحاق: لا يعرفون أنها منه بسبيل [[أخرجه ابن جرير 20/ 40، وابن أبي حاتم 9/ 2949.]].

القصص 28:12

قوله -عز وجل-: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ الآية، ﴿الْمَرَاضِعَ﴾ يجوز أن يكون جمع امرأة مُرْضِعة [[في نسخة (ج): راضعة.]]، أو مُرْضِع: ذات ولد رضيع. ويجوز أن يكون جمع مَرْضِع منى: الإرضاع، ويجوز أن يكون جمع: مَرْضَع من قولهم: رَضَع يَرْضَع بمعنى: المصدر. ذكر ذلك المفضل والمبرد [[لم أجد قول المبرد والمفضل في "التهذيب" مادة: رضع. ولا في "لسان العرب".]]. وكلام المفسرين أيضًا يدل على نحو ما ذكرنا؛ قال ابن عباس في رواية عطاء: إن امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد له مرضعة تأخذه منها ترضعه، فكلما أتوه بمرضعة لم يأخذ ثديها. وقال في رواية سعيد بن جبير: لا يؤتى بمرضع فيقبلها [[أخرجه ابن جرير 20/ 40، وابن أبي حاتم 9/ 2949.]]. وقال محمد بن إسحاق: جمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة فيقبل ثديها [[أخرجه ابن جرير 20/ 41. وأخرجه الحاكم 2/ 441، رقم 3529، عن ابن عباس.]]. فهذا يدل على أن المراضع ذوات الإرضاع. وقال مجاهد ومقاتل: لم يقبل موسى ثدي امرأة [["تفسير مقاتل" 64 أ. وأخرجه ابن جرير 20/ 40، عن مجاهد.]]. وقال قتادة: كان لا يقبل ثديًا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 88. وأخرجه بمعناه ابن جرير 20/ 41.]]. وقال الفراء: يقول معناه: من قبول ثدي إلا ثدي أمه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 303.]]. وهذا يدل على أن المراد بالمراضع [المرضعات، أو يراد: رضاعات. وأما ابن قتيبة فقال: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من نسخة (ج).]] معناه: أن يَرْضَع، والمراضع: جمع مُرْضِع [["غريب القرآن" 329.]]. يعني: الإرضاع. والمراد بالتحريم هاهنا تحريم المنع، وليس هناك نهي، ولكنه منع بالتبغيض، كالمنع بالنهي، وهذا كما يقال: حَرَّم فلانٌ على نفسه كذا بالامتناع بالأكل منه كالامتناع بالنهي [[قال النيسابوري: تحريم منع لا شرع. "وضح البرهان" 2/ 147.]]. قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال المفسرون: من قبل أمه، ومن قبل أن تأته أمه، ومن قبل أن نرده على أمه [["تفسير ابن جرير" 20/ 40. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 135، بمعناه.]]. وذلك أن الله تعالى أراد أن يرده إلى أمه فبغض المراضع إليه حتى يُؤتى بأمه. وقال صاحب النظم: قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن يولد في القضاء والقدر السابق، حرمنا عليه المراضع، وكان تحريم إرضاعهن عليه أن لا يقبل ثدي امرأة. والقول ما قال المفسرون؛ لأن المراضع لو حرمت عليه في القضاء السابق لحرم عليه رضاع أمه أيضًا؛ لعموم اللفظ، ولكن المعنى: حرمنا عليه المراضع قبل إرضاع أمه؛ وذلك أنه إذا رُدَّ إلى أمه فأرضعته يجوز أن يقبل ثدي مرضعة غير الأم. وقوله: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ قال المفسرون: لما تعذر عليهم رضاعه، ورأت حرصهم على ذلك، قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أي: يكفلون لكم رضاعه، ويضمنون لكم القيام به [[أخرجه ابن جرير 20/ 41، وابن أبي حاتم 9/ 2949، عن ابن إسحاق. و"غريب القرآن"، لابن قتيبة 329، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 135. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 99. و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ.]]. قال ابن عباس: قالوا لها: مَنْ؟ قالت: أمي، قالوا: ولأمك لبن؟ قالت: نعم، لبن هارون. وكان هارون ولد في سنةٍ لا يقتل فيها صبي، فقالوا لها [[لها. زيادة من نسخة: (ب).]]: صدقتِ والله. وقوله: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قال مقاتل: هم أشفق عليه، وأنصح له من غيره [["تفسير مقاتل" 64 أ.]]. وقال السدي وابن جريج: لما سمعوا قولها: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قالوا: قد عرفتِ أهلَ هذا الغلام فدلينا على أهله، فقالت: لا أعرف، ولكني عَنيتُ: وهم للملِك ناصحون [[رواه ابن جرير 20/ 41، وابن أبي حاتم 9/ 2949. وذكره عنهما الثعلبي 8/ 142 أ.]]، فدلتهم على أم موسى، فدُفع إليها تربيه لهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 135.]]، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها [["تفسير مقاتل" 64 أ، من قوله: فلما وجد الصبي. و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ.]]، وأتم الله لها ما وعدها.

القصص 28:13

قوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ قال ابن إسحاق: بلغ لطف الله له ولها أن ردَّ عليها ابنها، وعَطَفَ عليه بقلب فرعون وأهل بيته، مع أمانها عليه [[عليه. ساقطة من نسخة (ج).]] من القتل الذي يُتخوَف على غيره، وكأنهم كانوا من بيت آل فرعون في الأمان والسعة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2950.]]؛ فذلك قوله: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ أي: بولدها ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ على فراقه [[في النسخ الثلاث: فراقها.]] ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ برد ولدها إليها ﴿حَقٌّ﴾. قال صاحب النظم: هي كانت عالمة بأن وعد الله حق قبل أن ردَّ إليها ولدها، لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أيَ: المصدقين بوعد الله، فهي مصدقة بوعد الله بربط الله على قلبها؛ ومعنى: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ لتعلم كون ذلك ووقوعه مع علمها بأن الله منجزها ما وعدها. وهذا الفرق بين العيان والخبر، وهو مثل قوله: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] لأن للمعاينة من ثَلَج اليقين ما ليس لغير المعاينة، وإن كان يقينًا [[ثَلَجَتْ نفسي بالأمر: إذا اطمأنت إليه وسكنت وثبت فيها ووثقت به. "تهذيب اللغة" 11/ 21 (ثلج)، و"لسان العرب" 2/ 222.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: أهل مصر لا يعلمون أن الله وعدها رده إليها [["تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ.]].

القصص 28:14

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قال مقاتل: يعني لثمان عشرة سنة إلى أربعين سنة [["تفسير مقاتل" 64 أ، بلفظ: ولما بلغ موسى أشده، يعني: لثمان عشرة سنة، واستوى يعني: أربعين سنة.]]، واستوى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وهذا قول الكلبي [["تنوير المقباس" 324. وذكره عنه الثعلبي 8/ 142 أ، بلفظ: الأشد: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة.]]. وقال مجاهد: ولما بلغ أشده: ثلاثًا وثلاثين سنة، واستواؤه: أربعين سنة [[في نسخة: (ج): واستوى وهو ابن أربعين سنة. وخبر مجاهد أخرجه ابن جرير 20/ 42، وابن أبي حاتم 9/ 2951. ونسب الثعلبي 8/ 142 أ، هذا القول لسائر المفسرين بعد أن ذكر قول الكلبي.]]. وهو قول ابن عباس وقتادة [[أخرج عبد الرزاق 2/ 88، عن قتادة، روايتين؛ أربعون سنة، وأخرجها كذلك عن مجاهد، والثانية: ثلاث وثلاثون. وأخرج الرواية عن ابن عباس ابن أبي حاتم 9/ 2951، والثعلبي 8/ 142 ب. قال أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي في هذه الآية: هو منتهى شبابه وكماله واستقراره، فلا يكون فيه زيادة قبل أن يأخذ في النقصان. "اشتقاق أسماء الله الحسنى" 334. ويشهد لتمام الأشد أربعين سنة قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: 15].]]. وقوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قال مجاهد: الفقه والعقل والعلم قبل النبوة [[أخرجه ابن جرير 20/ 42، وابن أبي حاتم 9/ 2952. وذكره الثعلبي 8/ 142 ب.]]. قال محمد بن إسحاق: آتاه الله علما وفقهًا في دينه، ودين آبائه، وعلمًا بما في دينه من شرائعه، وحدوده [[أخرجه ابن جرير 20/ 43، في موضعين، وابن أبي حاتم 9/ 2952، وأصل الكلام في النسخ الثلاث: وعلمًا في دينه من شرائعه. وأثبت الزيادة من المصدرين السابقين.]]، وكانت له من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه، ويقتدون به، ويجتمعون إليه. وقال أبو إسحاق: فَعَلِم موسى -عليه السلام- وحكم [[وحكم، في نسخة (ج).]] قبل أن يُبعث [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 136.]]. والعالم الحكيم من استعمل علمه، ومن لم يعمل بعلمه فهو جاهل. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قال مقاتل: يقول: هكذا نجزي من أحسن، أي: من آمن بالله [[هكذا في "تفسير مقاتل" 64 أ. وفي نسخة (ج): أي: آمن باللهِ.]]. وقال الكلبي: ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول: الموحدين [["تنوير المقباس" 324، بلفظ: المحسنين: النبيين بالفهم والنبوة، ويقال: الصالحين بالعلم والحكمة.]]. قال الزجاج: جعل الله إيتاء العلم والحكمة إياه مجازاة على الإحسان؛ لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 136.]]، وهذه الآية مفسرة في سورة يوسف [[عند قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [22]، قال الواحدي في تفسيرها: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل ما وصفنا من تعليم يوسف ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد: نفعل بالموحدين. وقال أبو روق عن الضحاك: يعني الصابرين على النوائب، كما صبر يوسف.]].

القصص 28:15

قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ اختلفوا في هذه المدينة، وفي سبب دخول موسى المدينة؛ فقال السدي: دخلها متبعًا أثر فرعون؛ لأن فرعون ركب وموسى غير شاهد، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: مَنْف [[أخرجه ابن جرير في "التاريخ" 1/ 390، عن السدي. و (مَنْف)، بالفتح ثم سكون: اسم مدينة فرعون بمصر، قال القضاعي: أصلها بلغة القبط: مافه، فعربت، فقيل: منف. "معجم البلدان" 5/ 247. وهي الآن جنوب الجيزة، والجيزة تقابل القاهرة من جهة الغرب.]]، فهو قوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ [[أخرجه ابن جرير 20/ 43، وابن أبي حاتم 9/ 2952. وذكره الثعلبي 8/ 142 ب.]]. وقال ابن إسحاق: بل دخلها مستخفيًا من فرعون وقومه؛ وذلك أنه كان قد خالفهم في دينهم، وعاب عليهم ما كانوا عليه، وأنكر عليهم ذلك، حتى أخافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية فرعون إلا خائفًا مستخفيًا فدخلها يومًا على حين غفلة من أهلها [[أخرجه ابن جرير 20/ 43. وذكره الثعلبي 8/ 142 ب.]]. وعلى هذا القول المدينة: مدينة فرعون التي كان يسكنها. وقال مقاتل: هي قرية على رأس فرسخين من مصر تدعى: خانين [["تفسير مقاتل" 64 أ. لم أجد معلومات عن هذه المدينة.]]. وقوله: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال ابن عباس. في الظهيرة، عند المقيل [[أخرجه ابن جرير 20/ 44.]]. وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل والسدي؛ قالوا: دخلها نصف النهار، وليس في طرقها أحد [[أخرجه ابن جرير 20/ 43، وابن أبي حاتم 9/ 2952، عن السدي، وابن عباس، وقتادة. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 89، عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 64 أ. و"وضح البرهان" 2/ 148، ولم ينسبه.]]. وروى عطاء عن ابن عباس: بين [[بين، ساقطة من نسخة (ج).]] المغرب والعشاء [[أخرجه ابن جرير 20/ 44، وابن أبي حاتم 9/ 2953. والمراد به عطاء الخراساني كما صرح به ابن جرير.]]. وهو قول القرظي [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 142 ب.]]. وعلى قول ابن إسحاق: تعمد موسى الدخول على غفلتهم عنه؛ لأنه كان خائفًا مستخفيًا. وقال ابن زيد: لما كبر موسى وأنكر على فرعون وقومه دينهم، أمرَ فرعونُ بإخراجه من مدينته، فخرج منها، ولم يدخل عليهم إلا بعد الكبر، فدخلها عليهم وقد نسوا خبره وأمره؛ لبعد عهدهم به [[أخرجه بنحوه ابن جرير 20/ 44، وابن أبي حاتم 9/ 2953. وذكره الثعلبي 8/ 142 ب.]]. وعلى هذا المدينة: مصر [[مصر، ساقطة من نسخة: (أ)، (ب).]]، وغفلتهم عنه: نسيانهم إياه لطول العهد؛ وهذا القول لا يليق بسياق القصة؛ لأن عَود موسى إليهم بعد طول العهد إنما كان بعد الوحي والنبوة، ونبوته كانت بعد ما ذكر الله تعالى من قصته مع شعيب في هذه السورة. قال الفراء: أراد على غفلة من أهلها، فأدخل: ﴿حِينِ﴾ فضلة في الكلام، ولو لم يكن ﴿حِينِ﴾ فضلة، لقيل: ودخل المدينة حين غفلة من أهلها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 303. لم أجد هذه المسألة عند الزمخشري، ولا ابن عطية، ولا أبي حيان، ولا أبي السعود. وأما النحاس فقال: يقال في الكلام: دخلتُ المدينة حين غَفل أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها، ودخلتْ على في هذه الآية؛ لأن الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول: جئتُ على غفلة، وإن شئت قلت: جئتُ على حين غفلة، فكذا الآية. "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 231. وكلامه تقرير لكلام الفراء؛ والأولى أن يقال: دخلت ﴿حِينِ﴾ لتأكيد معنى الدخول على غفلة؛ فإن وقت القائلة وما بين العشائين قد لا يُغفل فيه، و ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ في موضع الصفة لغفلة، وما في النظم الكريم أبلغ من غفلة أهلها، بالإضافة لما في التنوين من إفادة التفخيم. "روح المعاني" 20/ 53. قال ابن عاشور 20/ 88: ويتعلق ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ بـ ﴿دَخَلَ﴾ وعلى للاستعلاء المجازي كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 5]. فإعراب ﴿عَلَى حِينِ﴾ حال من المدينة، أو حال من الفاعل. "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 2/ 177، و"الدر المصون" 8/ 656، و"الجدول في إعراب القرآن الكريم" 10/ 233.]]. قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: بأن أحدهما من بني إسرائيل، والآخر قبطي. وهو قول الجماعة [[أخرجه أبو يعلى 5/ 16، عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير 20/ 45، عن ابن == عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، وابن أبي حاتم 9/ 2954، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي. و"تفسير مقاتل" 64 أ. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 329.]]. قال ابن إسحاق: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ مسلم، وهذا من دين آل فرعون كافر [[أخرج ابن جرير 20/ 45، وابن أبي حاتم 9/ 2954، وقد خالف في ذلك مقاتل؛ فقال: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ﴾ كافرين. "تفسير مقاتل" 64 أ، وهو أقرب؛ لأن نبي الله موسى -ﷺ-، لم يبعث بعد. وقد ذكر هذا القول الواحدي بعد ذلك، ورجح قول مقاتل. والله أعلم.]]. قال أبو إسحاق: المعنى فوجد فيها رجلين؛ أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه، وقيل فيهما: (هَذَا) (وَهَذَا) وهما غائبان على جهة الحكاية للحضرة، أي: فوجد فيها رجلين إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا من شيعته، وهذا من عدوه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 136.]]. وقال أبو علي: (هَذَا) يشار به إلى الحاضر، والقصة ماضية ولكنها حكاية حال [[كتاب "الشعر" لأبي علي 1/ 236.]]. وقد ذكرنا مثلها في قوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: 110] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو علي: هو حكاية حال ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى فعل الحال على ما كانت كما أن قوله ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: 15] أشار إلى الحاضر والقصة ماضية لأنه حكى الحال.]]. وقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي: استنصر موسى الإسرائيلي على القبطي [[و (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 136، 137. و"تفسير الثعلبي" 8/ 143 أ.]] ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ الوكز: الضرب بجُمعِ الكف في الصدر (¬6). قال الفراء: يريد: فلكزه، وفي قراءة عبد الله: (فَنكَزهُ). وكلٌ سواء [["معاني القرآن" 3/ 302. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 330. وذكر قراءة عبد الله الثعلبي 8/ 143 أ. وفي "الدر المصون" 8/ 657: والفرق بين الوكز واللكز: أن الأول بجميع الكف، والثاني بأطراف الأصابع، وقيل: بالعكس. والنكز كاللكز.]]. قال المفسرون: وكزه موسى وكزة بجمع كله فقتله، وهو قوله: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: قتله. قاله ابن عباس والمفسرون [[أخرجه أبو يعلى 5/ 16، عن ابن عباس. و"تفسير مقاتل" 64 أ. و"معاني القرآن" للفراء 3/ 302. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 330. و"تفسير الثعلبي" 8/ 143 أ. و"وضح البرهان" 2/ 148.]]. قال أبو عبيدة: كل شيء فرغت منه، فقد قضيت عليه وقضيته [["تفسير الثعلبي" 8/ 143 أ. بنصه، ولم ينسبه. وكذا عند ابن قتيبة، "غريب القرآن". وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 99، أي: فقتله وأتى على نفسه.]]. قال المبرد: قضى عليه كقولك: أتى عليه، أي: صادف أجله، ومنه قول جرير: أيُفايشُون وقد رأوا حُفَّاثهم ... قد عَضَّه فَقَضَى عليه الأشجعُ [["ديوان جرير" 270، من قصيدة يهجو فيها الفرزدق، ومعنى الفياش: المفاخرة. "لسان العرب" 6/ 333، واستشهد ببيت جرير على ذلك. والحفاث: حية عظيمة. "لسان العرب" 2/ 138 (حفث).]] أي: قتله. قال المفسرون: كان موسى شديد البطش، قد أوتي بسطة في الخَلْق، وشدة في البطش، ضَبَثَ [[الضَّبْث: قبضك بكفك على الشيء. "تهذيب اللغة" 12/ 7 (ضبث).]] بعدوه فوكزه وكزة قتله منها، وهو لا يريد قتله، فـ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [[أخرجه ابن جرير 20/ 45، وابن أبي حاتم 9/ 2955، عن ابن إسحاق. وأخرجا نحوه عن قتادة، وأخرج نحوه عن ابن عباس ابن أبي حاتم 9/ 2954. و"تفسير الثعلبي" 8/ 143 أ.]] أي: هذا القتل من تسبب الشيطان؛ هيج غضبي حتى ضربت هذا ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾ لابن آدم ﴿مُضِلٌّ﴾ له ﴿مُبِينٌ﴾ عداوته. قال المفسرون: لما قتله موسى ندم على القتل، وقال: لم أومر بذلك، فـ: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2955، عن ابن عباس. و"الثعلبي" 8/ 143 أ، ولم ينسبه.]]. قال أبو إسحاق: هذا يدل على أن قتله كان خطأً، وأنه لم يكن أُمِر موسى بقتل ولا قتال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 137.]]. ثم استغفر الله فقال:

القصص 28:16

﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بقتلي نفسًا لم أومر بقتلها ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ أي: استر علي هذا الذنب ﴿فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [["تفسير ابن جرير" 20/ 47، وأخرج عن قتادة قال: عرف المخرج فقال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾.]].

القصص 28:17

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: مننت عليّ إذ غفرت لي قتل هذه النفس [[في "تفسير الثعلبي" 8/ 143 أ: أنعمت علي بالمغفرة فلم تعاقبني.]]. قال مقاتل: أنعمت علي بالمغفرة [["تفسير مقاتل" 64 أ.]]؛ ولا أدري كيف علم موسى أن الله قد غفر له، وكان هذا قبل الوحي [[قال ابن عطية 11/ 276: ثم قال -عليه السلام- معاهدًا لربه -عز وجل-: رب بنعمتك علي وبسبب إحسانك فأنا ملتزم ألا أكون معينًا للمجرمين. هذا أحسن ما تُؤول. وقال ابن كثير 6/ 225: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: بما جعلت لي من الجاه والعزة والمنعة. وعلى هذا لا يرد الاعتراض الذي أورده الواحدي.]]؟. وقوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: عونًا للكافرين [[ذكره عن ابن عباس ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 209، ثم قال بعده: وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرًا. وذكره ابن الأنباري، الأضداد، 225، ولم ينسبه.]]. قال الأخفش: قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ معناه: فلا أكونن [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 652.]]. وهذا خبر في معنى الدعاء، كأنه قال: فلا تجعلني ظهيرًا. ونحو هذا ذكر الفراء؛ واحتج [[واحتج، ساقطة من نسخة: (ب).]] بأن في حرف عبد الله: (فلا تجعلني ظهيرًا)؛ على الدعاء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 304.]]. ومذهب المفسرين أن هذا خبر وليس بدعاء؛ أخبر عن نفسه أنه لا يكون ظهيرًا للمجرمين بعد ذلك [["تفسير مقاتل" 64 أ. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 89، عن قتادة.]]. قال ابن عباس: لم يستثن فابتُلي [[ذكره عنه الفراء، "معاني القرآن" 2/ 304. والثعلبي 8/ 143 أ.]]. يعني: ما وقع له من غدِ ذلك اليوم؛ وهو قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾. وقال قتادة: لم يستثن -عليه السلام- حين قال: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ فابتلي كما تسمعون [[أخرجه ابن جرير 20/ 47.]]. قال مقاتل: إنما قال ذلك؛ لأن الذي نصره موسى كان كافرًا [["تفسير مقاتل" 64 أ.]]. وقد حكينا عن ابن إسحاق: أنه كان مسلمًا [[سبق ذكره في تفسير قول الله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [15].]]. وسياق اللفظ يدل على صحة قول مقاتل. ومعنى الظهير في اللغة: المعين [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 99.]]. وقد مر تفسيره [[عند قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55].]].

القصص 28:18

قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ قال مقاتل: أصبح موسى من الغد في المدينة خائفًا أن يُقتل ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ ينتظر الطلب [["تفسير مقاتل" 64 أ. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 99.]]. وقال ابن عباس: يتوقع [[أخرجه ابن جرير 20/ 47، بلفظ: يترقب أن يؤخذ.]]. وقال قتادة: ينتظر ما الذي يحدث به [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 89.]]. وقال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به [["تنوير المقباس" 324.]]. قال سعيد بن جبير: يتلفت [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2957.]]. وقال ابن قتيبة: ينتظر سوءًا يناله منهم [["غريب القرآن" لابن قتيبة 330.]]. والترقب: انتظار المكروه [[الترقُب: تَنَظُّرُ الشيءِ وتَوَقُّعُه. كتاب "العين" 5/ 154 (رقب)، و"تهذيب اللغة" 9/ 128.]]. ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قال المفسرون: فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استنقذه بالأمس يقاتل فرعونيًا يريد أن يسخره، وهو يستغيث بموسى [["تفسير مقاتل" 64 أ، بمعناه. و"تفسير ابن جرير" 20/ 48، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 330.]]. والاستصراخ: الاستغاثة والاستنصار [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 137.]]. وأمسِ: اسم لليوم الماضي الذي هو قبل يومك، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين. وقال الكسائي: بُني على الكسر؛ لأنه فعل سمي به، وهو عنده مأخوذ من قولهم: أمسِ، فتركت السين على كسرتها، وهو اسم مبني ومعرفة بغير: (ألف)، ولا: (لام)، نحو هُنَيْدَة، وشَعُوب [[قال الأصمعي: هُنَيْدَة: مائة من الإبل معرِفة لا تنصرف، ولا يدخلها الألف واللام، ولا تجمع، ولا واحد لها من جنسها. "تهذيب اللغة" 6/ 204 (هند). وشَعُوب: المنية؛ يقال: شَعبته شَعوبُ فأشعبَ؛ أي: مات. "تهذيب اللغة" 1/ 443 (شعب). و"القاموس المحيط" 130.]]، ونحو ذلك من المبنيات المعرَّفة بغير اللام. ومن العرب من يبنيه على الفتح، كقول الشاعر: لقدْ رأيتُ عَجَبًا مُذْ أمْسَا ... عجائزًا مثلَ الأفاعي خمسا [[أنشده سيبويه، "الكتاب" 3/ 285، وأبو زيد، "النوادر" 57، وفي حاشية الكتاب: هو للعجاج، والشاهد فيه: إعراب أمس مع منعها من الصرف للعلمية والعدل عن الأمس. ومذ يرفع ما بعدها ويخفض أيضًا كما هنا. وهو في "ديوان العجاج" 400. وأنشده في "اللسان" 6/ 10 (أمس) مقتصرًا على صدره، ولم ينسبه.]] فإذا أضفته أو نكرته أو أدخلت عليه الألف واللام أجريته بالإعراب، تقول: كان أمسُنا طيبًا، ورأيت أَمْسَنا المبارك، وسرت بأَمْسِنا، وتقول: مضى الأمسُ بما فيه [["تهذيب اللغة" 13/ 118 (أمس)، من قوله: فإذا أضفته .. ونسبه للكسائي، ولم أجد فيه ما قبله من الكلام، ولا بيت الشعر.]]. قال الفراء: ومن العرب من يخفض الأمسِ وإن أدخل عليه الألف واللام، وأنشد: وإني قعدت اليومَ والأمسِ قبله ... وأقعد غدًا إن تأخروا في الأجل [[لم أجده في "معاني القرآن" عند تفسير هذه الآية. وقد نقله الزهري في "تهذيب اللغة" 13/ 118 (أمس)، ولم ينسبه. وأنشده في "اللسان"، في موضعين 6/ 8، 10 (أمس) ونسبه لنُصيب، والبيت بتمامه كما في "اللسان" في الموضع الثاني: وإني حُبست اليومَ والأمسِ قبلَه ... ببابِك حتى كادت الشمسُ تغرب= وفي الموضع الأول: وقفت، بدل: حبست. وفي "الدر المصون" 8/ 659: ﴿بِالْأَمْسِ﴾ معرب؛ لأنه متى دخلت عليه أل أو أضيف أُعرب، ومتى عري منهما فحاله معروف؛ الحجاز تبنيه، والتميميون يمنعونه الصرف كقوله: لقدْ رأيتُ عَجَبًا مُذْ أمْسَا. على أنه قد يبنى مع أن ندورًا، كقوله: وإني حُبست اليومَ والأمسِ قبلَه ... إلى الشمس حتى كادت الشمس تغرب]] قال موسى للذي نصره بالأمس: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 137.]] قال ابن عباس: يريد: لمضل بين الضلالة. قال مقاتل: يقول: إنك لمضل بين؛ قتلتُ أمس في سببك [[في نسخة: (ج): سبيلك]] رجلاً، وتدعوني اليومَ إلى آخر [[ذكر نحوه الفراء، "معاني القرآن" 2/ 304. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 330. ولم أجده في "تفسير مقاتل".]]. والغوي هاهنا: فَعيل، من: أغوى يغوي، بمعنى مغوي، كالوجيع والأليم، ويجوز أن يكون الغوي بمعنى: الغاوي فيكون المعنى: إنك لغوي في قتالك من لا يطيق دفع شرِّه عنك [[لم أجده في "تهذيب اللغة"، مادة: غوى. ونقله بنصه ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 209، ولم ينسبه.]]. وقال الحسن: إنما قال للفرعوني: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ يعني بالتسخير والظلم [[ذكره الثعلبي 8/ 143 ب، ولم ينسبه، وصوب القول الأول، وجعله أليق بنظم الآية، وهو أن هذا موجه للإسرائيلي، وليس للقبطي. وهو كذلك. والله أعلم.]]. ثم أقبل موسى إليهما وهمَّ أن يبطش الثانية بالقبطي، وهو قوله:

القصص 28:19

﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أي: بالقبطي، الذي هو عدو لموسى والإسرائيلي، [ظن الإسرائيلي] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).]] أن موسى يريد أن يبطش به لقوله له [[له، من نسخة: (أ)، (ب).]]: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فقال: ﴿يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ وهذا قول جميع المفسرين [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 89، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير 20/ 48، عن ابن عباس. و"تفسير مقاتل" 64 أ. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 137. و"تفسير الثعلبي" 8/ 143 ب. و"وضح البرهان" 2/ 148.]]. قال ابن عباس والكلبي: ولم يكن أحد اطلع ولا علم أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس، حتى أفشى عليه الإسرائيلي أنه هو القاتل بالأمس، وسمع القبطي ذلك فعَلِم به، وأتى فرعون فأخبره [[أخرجه أبو يعلى 5/ 17، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير 20/ 49، عن محمد بن إسحاق.]]. والذي قاله المفسرون: إنه لم يستثن فابتلي، هو هذا، وهو أنه وقع من الغد في مثل ما وقع بالأمس، وهمَّ بالبطش حتى فشت عليه قصته الواقعة بالأمس، حتى احتاج إلى الهرب. قوله تعالى: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ما تريد إلا أن تكون جبارًا. قال المفسرون: قتالًا بالظلم [["تفسير مقاتل" 64 أ. وأخرجه ابن جرير 20/ 49، عن قتادة، وابن جريج. وابن أبي حاتم 9/ 2959، عن أبي عمران الجوني، وقتادة. وانظر: "تفسير الثعلبي" 8/ 143 ب.]]. قال أبو إسحاق: الجبار في اللغة: المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله، والقاتل بغير حق: جبار [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 137. والجبار، له معانٍ متعددة، أوصلها ابن الأنباري إلى ستة، منها: القتَّال، واستدل عليه بهذه الآية "الزاهر" 1/ 80]]. وقوله: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ قال أبو إسحاق: أي ما هكذا يكون الإصلاح [[أخرجه ابن جرير 20/ 50.]]. قالوا: فلما سمع القبطي هذا من قول الإسرائيلي خلاه في يد موسى، وجاء القبطَ [[في نسخة: (ج): القبطي.]] فأخبرهم بأن موسى هو [[هو، ساقطة من: (أ)، (ج).]] القاتل، فأمر فرعون بقتله، وعلم بذلك رجل من شيعة موسى فأتاه، وأخبره بذلك [[أخرجه أبو يعلى 5/ 18، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير 20/ 50، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي. وذكر نحوه مقاتل 64 أ. و"تفسير الثعلبي" 8/ 144 أ.]]، وهو قوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ قال ابن عباس: اسمه حزقيل، وهو الرجل المؤمن من آل فرعون. هذا قول أكثر المفسرين [["تفسير مقاتل" 64 أ. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 89، عن قتادة، دون ذكر الاسم. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2959، عن ابن عباس، بلفظ: من شيعة موسى، ولم يذكر الاسم، ولا الصفة. قال الثعلبي 8/ 144 أ: قال أكثر أهل التأويل: هو حزبيل بن صبورا.]]. وقال ابن إسحاق: يقال له: سَمْعان، ولم يذكر أنه المؤمن من آل فرعون [[أخرجه ابن جرب 20/ 51، وابن أبي حاتم 9/ 2959. وذكره الثعلبي 8/ 144 أ، ولم ينسبه. وهذا خلاف لا فائدة فيه، ولا ثمرة ترجى من ورائه، والإعراض عنه أولى.]] ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ أي: من آخرها وأبعدها ﴿يَسْعَى﴾ قال مقاتل: على رجليه [["تفسير مقاتل" 64 أ.]]. وقال ابن عباس: يشتد. ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ يريد: الأشراف، يعني: أشراف قوم فرعون [["غريب القرآن" لابن قتيبة 330، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 138.]] ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ قال أبو عبيدة: يتشاورون فيك ليقتلوك. واحتج بقول ربيعة بن جُعشم النَّمْرِيُّ [[في النسخ الثلاث: النميري.]]: أَحارُ بنَ عمرٍو كأني خَمِر ... ويعدو على المرء ما يأتمر [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 100. ونسب البيت لربيعة بن جُعشَم النمري. وعنه ابن قتيبة، "غريب القرآن" 330، والأزهري، "تهذيب اللغة" 15/ 294 (أمر). وأنشده البغدادي 1/ 374، ونسبه لامرئ القيس، وهو في ديوانه 111، قال البغدادي: وأثبت هذه القصيدة له أبو عمرو الشيباني، والمفضل وغيرهما، وزعم الأصمعي في روايته عن أبي عمرو بن العلاء أنها لرجل من أولاد النمر بن قاسط يقال له: ربيعة بن جُعشم. وفيه: أحارُ: مرخم: يا حارث، كأني خمر: الخمار بقية السكر. وهو قول ابن جرير 20/ 52، قال: يتآمرون بقتلك، ويتشاورون، ويرتئون فيك. وذكر هذا القول دون البيت النيسابوري، في "وضح البرهان" 2/ 149.]] قال ابن قتيبة: وهذا غلط بَيَّنٌ لمن تدبر، ومضادَّةٌ للمعنى، كيف يعدو على المرء ما شاور فيه، والمشاورة بركة وخير؟ وإنما أراد: يعدو عليه بما يهم به من الشر. قال: وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أي: يَهِمُّون بك. يدلك على ذلك قول النَّمر بن تَوْلب [[النمر بن تولب بن زهير، شاعر جواد، كان يسمى: الكيِّس لحُسن شعره، قدم على النبي -ﷺ-، وأسلم. "الإصابة في معرفة الصحابة" 253، و"الشعر والشعراء" 195]]: اعْلَمن أن كل مُؤْتَمِر ... مُخطئٌ في الرأي أحيانًا [[أنشده ونسبه ابن قتيبة، "غريب القرآن" 330، وذكر بعده بيتًا آخر، هو: فإذا لم يصب رشدًا ... كان بعضُ اللوم ثُنيانًا وعن ابن قتيبة ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" 15/ 294، ولم ينسبه.]] يقول: كلُّ من ركب هواه، وفعل ما يفعل بغير مشاورة أخطأ أحيانًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 6] لم يُرِد: تَشاوروا، إنما أراد: هُمُّوا به، واعتزموا عليه. ولو كان كما قال أبو عبيدة لقال: يتآمرون فيك [["غريب القرآن" لابن قتيبة 330، مختصرًا، ونقل قول ابن قتيبة: الأزهري، "تهذيب اللغة" 15/ 294 (أمر).]]. وقال الزجاج في قوله: ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يأمر بعضهم بعضًا بقتلك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 138. و"وضح البرهان" 2/ 149.]]. قال الأزهري: يقال: ائتمر القوم، وتآمروا: إذا أمر بعضهم بعضًا [[في نسخة: (ب)، زيادة: بقتلك. وهي غير موجودة في "التهذيب".]]، كما يقال: اقتتل القوم وتقاتلوا، واختصموا وتخاصموا. ومعنى: ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يؤامر بعضهم بعضًا بقتلك؛ وهذا أحسن من قول القتيبي: إنه بمعنى: يَهِمُّون بك، وقول الله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ ليأمر بعضكم بعضًا بمعروف. وجائز أن يقال: ائتمر فلان رأيه، إذا شاور عقله في الأمر الذي يأتيه. وقد يصيب الذي يأتمر رأيه مرة، ويخطئ أخرى، وهذا معنى قوله: اعلمن أن كل مؤتمر. أي: من ائتمر رأيه فيما ينوبه يخطئ أحيانًا. انتهى كلامه [["تهذيب اللغة" 15/ 295 (أمر).]]. ومعنى الائتمار في كلام العرب: المشاورة، وهو يعود إلى أن يأمر بعضهم بعضًا [[في نسخة: (أ)، (ب): بعضكم بعضًا.]]، كما ذكره الزجاج. قال شمر: يقال: ائتمرت فلانًا في ذلك الأمر، إذا شاورته، وائتمر القوم، إذا تشاوروا. ثم الائتمار يكون مرة مع ذوي العقل والرأي من الناس، وهو المحمود المسنون، [ومرة يكون مع النفس والهوى، وهو المذموم، الذي ذم في قوله: ويعدو على المرء ما يأتمر] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]]، ومرة يكون مع العقل والرأي، وهو الذي يخطئ مرة ويصيب مرة. وقد ذكره النمر في قوله. ومنه المثل: (لا يدري المكذوب كيف يأتمر). أي: كيف يرى رأيًا ويشاور نفسه [["تهذيب اللغة" 15/ 295 (أمر)، بتصرف. وقد ذكر المثل ولم يتكلم عليه. وهو في مجمع الأمثال 2/ 277، بلفظ: إلا يدري الكذوب كيف يأتمر). أي: كيف يمتثل الأمر ويتْبعه.]]. وقول أبي عبيدة والزجاج في تفسير: ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ هو الصحيح، وقولهما قريب من السواء، وقول ابن قتيبة لا أصل له في اللغة؛ ولا يقال: ائتمر بالشيء إذا هم به، ولم أر للمفسرين لفظًا في تفسير الائتمار. قوله: ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ أي: بالقبطي الذي قتلته بالأمس. قاله ابن عباس ومقاتل [[أخرج ابن جرير 20/ 50، عن ابن عباس. و"تفسير مقاتل" 64 أ.]] ﴿فَاخْرُجْ﴾ من القرية ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أي: في أمري إياك بالخروج [["تفسير ابن جرير" 20/ 52.]].

القصص 28:21

﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ قد مر تفسيره. ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني المشركين، أهل مصر [["تفسير مقاتل" 64 أ.]].

القصص 28:22

قال ابن إسحاق: ذُكر أنه خرج على وجهه ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ما يدري أي وجه يسلك، فهيأ الله له الطريق إلى مدين [[أخرجه ابن جرير 20/ 53، وابن أبي حاتم 9/ 2960.]]، وهو قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصدَها [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 90، عن قتادة.]]. ونحو هذا قال ابن قتيبة: أي تجاه مدين ونحوها، وأصله: اللِّقاء، زيدت فيه التاء، وأنشد: فاليوم قَصَّر عن تلقائكِ الأملُ أي: عن لقائك [["غريب القرآن" لابن قتيبة 332، ولم ينسب البيت. وأنشده كاملًا سيبويه 4/ 84، ونسبه للراعي، وهو في "ديوانه" 112، وصدره: أملت خيرك هل تأتي مواعده.]]. وقال أبو إسحاق: معنى: ﴿تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: سلك في الطريق التي يلقى مدين فيها [[أخرجه ابن جرير 20/ 53، وابن أبي حاتم 9/ 2960، بنحوه.]]. قال محمد بن إسحاق، وغيره: خرج موسى من مصر إلى مدين بغير زاد، ولا حذاء ولا ظَهر، وبينهما مسيرة ثمانية أيام [[أخرجه ابن جرير، في التاريخ 1/ 397، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير. وأخرجه عن محمد بن إسحاق: ابن جرير 20/ 53، وذكر العدد في خبر سعيد بن جبير الذي أخرجه ابن جرير أيضًا. وقال مقاتل 64 ب: عشرة أيام. وذكره الثعلبي 8/ 144 أ، ونسبه للمفسرين.]]. [قال ابن عباس:] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] وليس له بالطريق عِلْمٌ إلا حسن ظنه بربه، فإنه ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [[أخرجه ابن جرير 20/ 53.]]. قال مقاتل: توجه نحو مدين بغير دليل، وخشي أن يضل الطريق فقال: عسى ربي يرشدني قصد الطريق إلى مدين [["تفسير مقاتل" 64 ب. و"تأويل مشكل القرآن" 443. و"تفسير الثعلبي" 8/ 144 أ.]]. ومعنى ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: قصد السبيل في الاستواء [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 101. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 332، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 138، وأخرجه ابن جرير 20/ 54، عن قتادة، والحسن.]].

القصص 28:23

قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ جماعة من الناس [["تفسير مقاتل" 64 ب. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 332، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 139. وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 149، وقد أوصل معاني الأمة إلى ثمانية.]]، وهم: الرعاة يسقون مواشيهم وأنعامهم [[أخرجه ابن جرير 20/ 54، عن ابن إسحاق. وذكره الثعلبي 8/ 144 أ، ولم ينسبه.]]. ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ أي: من سوى الأمة ﴿امْرَأَتَيْنِ﴾ وهما: ابنتا شعيب، في قول أكثر المفسرين [["تفسير مقاتل" 64 ب. وجزم الواحدي هنا باسم أبيهما، تابع فيه ما اشتهر عند أكثر المفسرين، وقد وقع الخلاف في اسمه، وهل هو النبي شعيب -عليه السلام- أم غيره؟ وحكى أنه شعيب: الثعلبي 8/ 153 ب، عن: مجاهد والضحاك والسدي والحسن. قال ابن جرير: وهذا مما لا يُدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر في ذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جل ثناؤه. وساق ابن كثير 6/ 228، الخلاف في هذا الرجل؛ واستبعد كونه نبي الله شعيب عليه السلام، ثم قال: وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبًا إن شاء الله. ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: ثبرون، والله أعلم.]]. ﴿تَذُودَانِ﴾ تحبسان غنمهما. هذا قول أكثر المفسرين؛ الكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير والسدي، وغيرهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 305. ولم ينسبه. وأخرج ابن جرير 20/ 55، وابن أبي== حاتم 9/ 2962، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي، وأبي مالك. و"تفسير الثعلبي" 8/ 144 أ، وذكره في 153 ب، عن قتادة، وابن إسحاق. ورجح هذا القول الثعلبي.]]. قال مقاتل: حابستين الغنم، لتسقيا الغنمَ فضلَ الرِّعاء [[أخرجه أبو يعلى 5/ 18، عن ابن عباس. و"تفسير مقاتل" 64 ب.]]. وقال السدي: تحبسان غنمهما عن الناس حتى يفرغوا، ويخلوا لهم البئر [[أخرجه ابن جرير 20/ 55، وابن أبيِ حاتم 9/ 2962، عن أبي مالك، باللفظ نفسه، وأما لفظ السدي عندهما فهو: تحبسان غنمهما. وهذا بدل على أن قوله: قال السدي خطأ؛ لذكره قبل ذلك، فلعله يعني به أبا مالك. والله أعلم.]]. وقال عبد الله بن مسلم: أي تكفان غنمهما، وحذف الغنم اختصارًا [["غريب القرآن" لابن قتيبة 332.]]. ومعنى الذود في اللغة: الكف والطرد [["تهذيب اللغة" 14/ 150 (ذاد)، و"لسان العرب" 3/ 167.]]، ومعنى: ﴿تَذُودَانِ﴾: تدفعان وتكفان. ولم يُذكر في الآية عن أي شيء تدفعان الغنم، فذهب أكثر أهل التفسير إلى أنهما كانتا تدفعانها عن الماء؛ وهو قول من قال: تحبسان؛ لأن دفعها عن الماء حبس لها عنه. واختاره أبو إسحاق؛ قال: ﴿تَذُودَانِ﴾ غنمهما عن أن تقرب موضع الماء؛ لأنها تطردها عن الماء مَنْ هو على السقي أقوى منهما [["معاني القرآن" للزجاج4/ 139.]]. وقال الحسن: تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 153 ب]]. وقال قتادة: ﴿تَذُودَانِ﴾ الناس عن شائهما [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 90. وابن جرير 20/ 56.]]. وقال الفراء: تحبسانها عن أن تشذ وتذهب، قال: ولا يجوز أن يقال: ذدت الرجل، إذا حبسته، وإنما كان الذياد حبسًا للغنم؛ لأن الغنم إذا أراد شيء منها أن يشذ ويذهب فرددته فذلك: ذود، وهو: الحبس [["معاني القرآن" للفراء 2/ 305. وقد تعقبه ابن جرير 20/ 55، بأنه قد روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "أنا عند عُقْر حوضي أذود عنه الناس لأضربهم بعصاي حتى يرفَضَّ" فقد جعل النبي -ﷺ- الذود في الناس. والحديث أخرجه ابن حبان، كتاب التاريخ، رقم: 6455، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 14/ 367، وقال المحقق: إسناده صحيح على شرط مسلم، ومعنى يرفض: يسيل. وعُقْر الحوض: موضع الشاربة منه "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير 3/ 271.]]. والقول هو الأول؛ لقوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ [[وقد سبقه إلى هذا الترجيح ابن جرير 20/ 56، قال: لدلالة قوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾.]] قال محمد بن إسحاق: ما شأنكما لا تسقيان [["تفسير الثعلبي" 8/ 153 ب. ولم ينسبه.]]. وقال أبو إسحاق: أي ما أمركما [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 139، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 332.]]. ومعناه: ما تخطبان، أي: ما تريدان بذودكما غنمكما عن الماء [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 139.]]. فلولا أنهما كانتا تحبسان غنمهما عن الماء في وقت السقي ما سألهما موسى عن شأنهما، ألا ترى أن في جوابهما دليلًا على أنه سألهما عن السبب في ترك السقي مع الناس، وهو قوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ وقرئ (يَصْدُرَ) [[قرأ أبو عمرو وابن عامر (يَصْدُرَ) بفتح الياء، وضم الدال. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي (يَصْدُرَ) بضم الياء، وكسر الدال. "السبعة في القراءات" 492، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 412، و"النشر" 2/ 341.]] من: صَدَر، وهو ضد: وَرَدَ. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: 6] ومعنى ﴿يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ يرجعوا من سقيهم. ومن قرأ: ﴿يُصْدِرَ﴾ أراد حين يصدروا مواشيهم من وردهم [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 412. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 332، و"وضح البرهان" 2/ 149.]]. قال ابن عباس: فيخلوا لنا الموضع [[أخرجه بنحوه ابن جرير 20/ 57، وابن أبي حاتم 9/ 2964.]]، ولكنه حذف المفعول، ومثله كثير، و ﴿الرِّعَاءُ﴾: جمع راع، كما يقال: تاجر وتجار، وصاحب وصحاب، ويجمع أيضًا على: الرعاة، كالبكاة، والغزاة، والدعاة [[كتاب "العين" 2/ 240 (رعو). وفي "تهذيب اللغة" 3/ 162 (رعى): ويجع الرعي: رعاة ورعيانًا، وأكثر ما يقال: رعاة للولاة، والرعيان لجمع راعي الغنم.]]. قال مقاتل: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ بالغنم راجعة من الماء إلى الرعي فنسقي فضلهم [["تفسير مقاتل" 64 ب. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 90، عن قتادة.]]. وقال ابن إسحاق: ﴿قَالَتَا﴾ نحن امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر على أن يغني ذلك من نفسه، وأن يسقي ماشيته، فنحن ننتظر الناس حتى [[حتى، من نسخة (ج).]] إذا فرغوا سقينا ثم انصرفنا [[أخرجه ابن جرير 20/ 57، وابن أبي حاتم 9/ 2964.]]. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [قال مقاتل: لا يستطيع أن يسقي الغنم من الكبر [["تفسير مقاتل" 64 ب.]]. وقال أبو إسحاق: الفائدة في قولهما: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾] [[ما بين المعقوفين من (ج).]] أي: لا يمكنه أن يَرد ويسقي، فلذلك احتجنا ونحن نساء أن نستقي [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 139.]]. وقال الكلبي: قالتا: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ وليس له عون يعينه غيرنا [["تنوير المقباس" 325.]]. فأتى موسى أهل الماء فسألهم دلوًا من ماء، فقالوا له: إن شئت ائت الدلو فاستق بها؛ قال: نعم، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلاً حتى يخرجوه من البئر، فأخذ موسى الدلو فاستقى به وحده، وصب في الحوض، ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت [["معاني القرآن" للفراء 2/ 305، بمعناه. وأخرجه نحوه عبد الرزاق 2/ 90، عن قتادة. وكذا عند مقاتل 64 ب. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم 9/ 2964، عن السدي.]]. وقال ابن إسحاق [[في نسخة: (أ)، (ب): أبو إسحاق. وهو خطأ.]]: أخذ موسى دلوهما ثم تقدم إلى السقاة بفضل قوته، فزاحم القوم عن الماء حتى أخرهم عنه، ثم سقى لهما [[أخرجه ابن جرير 20/ 58، وابن أبي حاتم 9/ 2964.]]. وقال مقاتل: قال لهما موسى: أين الماء؟ فانطلقتا به إلى الماء، فإذا هو بحجر على رأس البئر لا يزيله إلا عصابة من الناس، فرفعه موسى بيده وحده، ثم أخذ الدلو فأدلى دلوًا واحداً، فأفرغه في الحوض، ثم دعا بالبركة فسقى الغنم، فرويت [["تفسير مقاتل" 64 ب.]].

القصص 28:24

فذلك قوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أي: فسقى أغنامهما لهما، يعني: لأجلهما. فحذف مفعول السقي. قال أبو إسحاق: أي فسقى لهما من قَبل الوقت الذي كانتا تسقيان فيه [[أخرجه ابن جرير 20/ 60، وابن أبي حاتم 9/ 2965.]]. وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ قال السدي: ظل شجرة [[أخرجه ابن جرير 20/ 58. وذكره الثعلبي 8/ 153 ب.]]. وقال مقاتل: ثم انصرف إلى ظل شجرة فجلس تحتها من شدة الحر وهو جائع [["تفسير مقاتل" 64 ب.]] ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال ابن عباس: يريد طعامًا يأكله، يقول: إني إليه لمحتاج [[أخرجه ابن جرير 20/ 58.]]. وقال مجاهد: ما سأل إلا طعامًا يأكله [[أخرجه ابن جرير 20/ 59. في نسخة: ج: سأل طعامًا يأكله.]]. وقال إبراهيم: ما كان مع موسى رغيف ولا درهم [[أخرجه ابن جرير 20/ 59.]]. وروى سعيد بن جبير [عن ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] قال: لقد قال موسى هذا وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 140، ولم ينسبه. ولم أجده بهذا اللفظ عند ابن جرير ولا ابن أبي حاتم. والله أعلم.]]. وعن سعيد بن جبير قال: ما سأل إلا شُبْعَه [[أخرجه ابن جرير 20/ 59، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير.]]. واللام في قوله: ﴿لِمَا أَنْزَلْتَ﴾ معناها: إلى ما أنزلت؛ قال الأخفش: يقال: هو فقير له وإليه، ومحتاج له وإليه، وأوحي إليه وأوحي له [[لم أجده عند الأخفش في كتابه "المعاني". وذكر هذا القول ابن الجوزى، "زاد المسير" 6/ 123، ولم ينسبه. ونسبه للزجاج الشوكاني 4/ 160.]]، كل يقال بما يقوم بعض مقام بعض. ونحو هذا قال قطرب [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 154 أ.]]. قال محمد بن إسحاق: فرجعتا إلى أبيهما في ساعة كانتا لا ترجعان فيها، فأنكر شأنهما وسألهما، فأخبرتاه الخبر [[الخبر، ساقطة من نسخة (ج).]]، فقال لإحديهما [[هكذا في نسخة: (أ)، (ب)، وعند الثعلبي 8/ 154 أ. وفي نسخة: (ج): لإحداهما.]]. اعجلي عليَّ به، فأتته ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ فقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [[أخرجه ابن جرير 20/ 61. و"تفسير الثعلبي" 8/ 154 أ.]].

القصص 28:25

وقال مقاتل: فرجعت المرأتان إلى أبيهما؛ فقال: ما أعجلكما اليوم؟ فأخبرتاه، فقال: بئس ما صنعتما لجئتماني به، فرجعت الكبرى إلى موسى لتدعوه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ يعني: الكبرى ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [["تفسير مقاتل" 64 ب.]] قال عمر رضي الله عنه: مستترة بكم درعها، لم تكن بسَلْفَع من النساء، خَرَّاجةٍ ولَّاجةٍ، قائلة بيدها على وجهها، يعني: واضعة [[أخرجه الحاكم 2/ 441، رقم: 3530، وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن جرير 20/ 60، وابن أبي حاتم 9/ 2965، وصحح إسناده ابن كثير 6/ 228. السَّلْفَع من النساء: البذيئة الفحَّاشة القليلة الحياء، ورجل سلفع: قليل الحياء. والذكر والأنثى فيه سواء؛ يقال: رجل سلفع، وامرأة سلفع. "تهذيب اللغة" 3/ 299، 339 (سلفع).]]. قال أبو إسحاق: أي: تمشي مشي من لم تعتد الدخول والخروج، متحفزة مستحيية [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 140، ومتحفزة: مأخوذ من قول: إذا صلت المرأة فلتحتفز، أي: تتضام وتجتمع. "تهذيب اللغة" 4/ 372 (حفز).]]. قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أي: ليقضيك؛ من: جزى يجزي، إذا قضى، قاله المبرد. قال مقاتل: فقام يمشي معها، ولولا الجوع الذي أصابه ما تبعها، وكان بين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال، ثم أمرها أن تمشي خلفه وتدله بصوتها على الطريق كراهية أن ينظر إليها [["تفسير مقاتل" 65 أ. وأخرج نحوه أبو يعلى 5/ 19، عن ابن عباس.]]. وقال عمر: قال لها: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، فإنا [[في نسخة: (ب): فإننا.]] لا ننظر إلى أدبار النساء [[أخرجه الحاكم 2/ 441 (3530). وأخرجه ابن جرير 20/ 61، عن ابن إسحاق.]]. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾ قال مقاتل: فلما أتى موسى شعيبًا ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ يعني: أمرَه أجمع؛ مِنْ أمر القوابل اللاتي قتلن أولاد بني إسرائيل، وحين وُلد، وحين قُذف في التابوت، وفي اليم، وقتل الرجل القبطي، وأنهم يطلبونه ليقتلوه [["تفسير مقاتل" 65 أ.]]، قال له شعيب: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا سلطان له بأرضنا، ولسنا في مملكته [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2965، عن ابن عباس، و"تفسير ابن جرير" 20/ 61، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 140. و"تفسير الثعلبي" 8/ 154 أ.]].

القصص 28:26

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ قال مقاتل: وهي الكبرى التي تزوجها موسى [["تفسير مقاتل" 65 أ. أخرج ابن مردويه في تفسيره من طريق سليمان بن داود الشاذكوني، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "قال لي جبريل: يا محمد إن سألك اليهود أي الأجلين قضى موسى فقل: أوفاهما. وإن سألوك: أيهما تزوج فقل: الصغرى منهما". "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي 3/ 30، قال ابن == حجر: سليمان الشاذكوني: متروك، من التاسعة. "تقريب التهذيب" 1315، رقم: 8583 فهو لم يلق أبا هريرة فالطبقة التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين. "تقريب التهذيب" 82 وقد ذكر ابن جرير 20/ 62، اختلاف الروايات في أسماء المرأتين، وهو مما لا دليل عليه، وقد أحسن الواحدي في إعراضه عنه.]] ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أي اتخذه أجيرًا {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْأَمِينُ} أي: خير من استعملت مَنْ قوي على عملك، وأدى الأمانة فيه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 140، بنصه.]]. قال عمر رضي الله عنه، وجميع المفسرين: قال شعيب: من أين علمتِ قوته؟ قالت: كان الحجر لا يطيقه إلا عشرة فرفعه، فقال: من أين عرفتِ أمانته؟ قالت: قال لي: لا تمشي أمامي فيصفك الريح لي، ولكن امشي خلفي فدليني [["تفسير مقاتل" 65 أ. وأخرج نحوه عبد الرزاق 2/ 90، عن قتادة. وأخرج نحوه أبو يعلى 5/ 19، عن ابن عباس. وأخرج هذا القول بألفاظ متقاربة ابن جرير 20/ 63، عن ابن عباس، ومجاهد، وعمرو بن ميمون، وقتادة، وغيرهم، وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2967، عن هؤلاء، وعن عمر -رضي الله عنه-، من طريق عمرو بن ميمون. "تفسير الثعلبي" 8/ 154 أ.]]. قال مجاهد: رفع صخرة لا يرفعها إلا فئام من الناس، وغض طرفه عنهما حين سقى لهما [[أخرجه ابن جرير 20/ 63، وابن أبي حاتم 9/ 2976.]].

القصص 28:27

فصدرتا وقد عرفتا قوته وأمانته، فلما ذكرت المرأة من حاله بما ذكرت زاده ذلك رغبة فيه فقال: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ أي: أزوجكها ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: تكون أجيرًا لي ثماني سنين [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 141.]]. وقال الفراء: يقول أن تجعل ثوابي أن ترعى عليَّ غنمي {ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [["معاني القرآن" للفراء 2/ 305.]] وقال ابن قتيبة: أي تجازيني من التزويج، والأجر من الله: الجزاء على العمل [["غريب القرآن" لابن قتيبة 332.]]. وقال مقاتل: على أن تأجرني نفسك ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [["تفسير مقاتل" 65 أ.]]. قال الأخفش: وهي لغة للعرب؛ منهم من يقول: أجَّرت [[هكذا في النسخ الثلاث: أجرت. وعند الأخفش: أجر.]] غلامي أجرًا فهو مأجور، وأَجَرْتُه إيجارًا فهو مُؤجَر، وآجرتُه، على: فاعلته، فهو: مُؤَاجَر [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 652.]]. وقال المبرد: ويقال: أجرت داري ومملوكي، غير ممدود، وآجرت ممدود [[قوله: وآجرت ممدود. ساقط من نسخة (ج). وذكر قول المبردِ الشوكانيُّ 4/ 163.]]، والأول أكثر: إيجارًا وإجارة. والإجارة: اسم لما فعلت، والمصدر: الإيجار [[ذكر نحوه الأزهري 11/ 180، عن أبي زيد، ولم يذكر قود المبرد.]]. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أي ذلك تفضل منك ليس بواجب عليك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 141.]] ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ في العشر [[و [[أخرجه الحاكم 2/ 442، رقم: 3530. وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه، == ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن جرير 20/ 65، وابن أبي حاتم 9/ 2969، عن ابن إسحاق.]] "تفسير مقاتل" 165أ.]] ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال مقاتل: من الرافقين بك (¬10). وعن عمر، أي: في حسن الصحبة، والوفاء بما قلت (¬11).

القصص 28:28

قال موسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿ذَلِكَ﴾ رفع بالابتداء وخبره: ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ ومعناه: ذلك [[ذلك. ساقط من نسخة (ج).]] الذي وصفت ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: ما شرطت عليَّ فلك، وما شرطت لي من تزويج إحداهما [[في (أ): إحديهما.]] فلي، كذلك الأمر بيننا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 141، وليس فيه ذكر الإعراب.]]. وتم الكلام هاهنا. ثم قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ أي من الثمان والعشر [["تفسير مقاتل" 65 أ.]] ﴿قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أي: لا ظلم علي، أكون منصفًا في أيهما قضيت. وأيَّ، في معنى الجزاء، منصوبة بـ ﴿قَضَيْتُ﴾ وما زائدة مؤكدة، وجواب الجزاء: ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ [[قوله: زائدة، يراد به: من ناحية الإعراب فقط. قال الفراء: فجعل: ما، وهي صلة، من صلات الجزاء مع: أي. "معاني القرآن" 2/ 305.]]. ومعنى ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ على ما ذكر أبو إسحاق: لا أوصف بظلم في قضاء أيهما كان من الأجلين [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 142، بمعناه.]]. فإن قيل: العدوان غير موهوم في قضاء العشر، فما معنى قوله: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ قال: المعنى راجع إلى أقصى الأجلين، وإن كان اللفظ شاملًا لهما جميعًا، على أن ابن عباس قال: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ فيما بقي، أي: لا سبيل علي بأن تعتدي بإلزامي أكثر من الأجلين، وتطالبني بالزيادة على الأجل الذي قضيت [["غريب القرآن" لابن قتيبة 332، بمعناه، ولم ينسبه. ولم أجده عند ابن جرير، ولا ابن أبي حاتم.]]. وهذا القول أشبه باللفظ؛ لأن معنى: ﴿لَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا أُظلم ولا يُعتدى علي. ويبعد أن يقال: معناه: لا ظلم مني [[هذا القول اختيار مقاتل 65 أ، قال: فلا سيل علي.]]. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: شهيد فيما بيني وبينك [["تفسير مقاتل" 65 أ. وأخرجه ابن جرير 20/ 66، عن مجاهد. و"تنوير المقباس" 325.]]. فإن قيل: المهر يكون للمرأة، فكيف جعل مهر هذه المرأة إجارة موسى نفسه من أبيها يعمل له؟ قيل: يجوز أن تكون الغنم للمرأة، فيكون العمل لها، ولكن الأب عقد الإجارة عنها لها [[وهو قول النيسابوري، "وضح البرهان" 2/ 149.]]، ويجوز: أن يكون الأب يعطيها عوضًا من ذلك، على أن هذا إخبار عن شرع مَنْ قبلنا، فلا يلزمنا العمل به [[اختلف أهل العلم في شرع من قبلنا إذا لم يصرح شرعنا بنسخه على قولين؛ الأول: أنه شرع لنا، والثانية: ليس بشرع لنا. قال ابن قدامة بعد أن ذكر أدلة الفريقين: الواجب الرجوع إلى ما ثبت منها بشرعنا؛ كآية القصاص، والرجم، ونحوهما، وهو مما تضمنه الكتاب والسنة فيكون منهما؛ فلا يجوز العدول عنه. والله أعلم. "روضة الناظر" 2/ 524. و"الإحكام" للآمدي 4/ 137. قال عبد القاهر البغدادي: في قصة شعيب وموسى عليهما الصلاة والسلام، دلالة لمن أجاز كون منافع الحر مهرًا، وبه قال الشافعي، ولذلك أجاز أن يكون تعليم القرآن مهرًا، وأجاز الإجارة على الأذان، وأبو حنيفة منع من ذلك. "الناسخ والمنسوخ" 88.]].

القصص 28:29

وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ قال أبو عمران الجَوْني: بلغني أن جبريل أتى النبي -ﷺ- فقال: إن سألوك أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: "أكثرهما وأفضلهما". وأيَّ الجاريتين تزوج؟ فقال: "الصغرى منهما" [[هذا حديث مرسل، ولم ينبه الواحدي على ذلك، وذكره الثعلبي 8/ 146 ب، وصدره بقوله: روي، ثم قال: فإن صح هذا الخبر فلا نعدل عنه. ذكر مقاتل في "تفسيره" 65 أ، أن موسى -عليه السلام-، قد تزوج الكبرى منهما، وهذا كله مما لا دليل عليه، ولا يترتب على العلم به فائدة.]]. وقال القرظي: سُئل رسول الله -ﷺ-: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: "أوفاهما وأتمهما" [[وهذا أيضًا حديث مرسل، انظر ترجمة القرظي في "جامع التحصيل" للعلائي 329، رقم: 707. قال الزيلعي عن هذا الحديث: هذا حديث لا يصح. "تخريج أحاديث الكشاف" 3/ 30.]]. وقال سعيد بن جبير: قال لي يهودي وأنا أتجهز للحج: يا سعيد إني أراك رجلاً تَتَبَّعُ العلم [[التَتَبُّع: أن يَتَتَبَّع في مهلة شيئاً بعد شيء، وفلان يَتَتَبَّعُ مَدَاقَّ الأمور. "تهذيب اللغة" 2/ 282 (تبع).]]، أخبرني: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: قلت: لا علم لي، وأنا قادم على حبر العرب [[حبر، بفتح الحاء، وكسرها، لغتان، أي: الرجل العالم. "تهذيب اللغة" 5/ 33 (حبر).]]؛ يعني: ابن عباس، فسائله عن ذلك، فلمَّا قدمتُ مكةَ سألت ابن عباس عن ذلك، وأخبرته بقول اليهودي، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما: عشرًا؛ إن النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمتُ العراقَ فلقيت اليهودي، فأخبرته بقول ابن عباس، فقال: صدق، وما أنزل على موسى، هذا والله العالم [[أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، رقم: 2684، "فتح الباري" 5/ 290. وأخرجه ابن جرير 20/ 68، والثعلبي 8/ 144 أ، وفيه: والله العالم.]]. وقال مجاهد ومقاتل: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ عشر سنين [["تفسير مقاتل" 65 أ. وأما خبر مجاهد فهو يدل على أنه مكث عشرًا أخرى زيادة، أخرج ذلك عنه ابن جرير 20/ 68، والثعلبي 8/ 146 ب. ولفظه: مكث بعد ذلك عند صهره عشرًا أخرى، يعني: عشرين سنة. وظاهر الآية لا يؤيد هذا المعنى.]] ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ وذلك أنه استأذن صهره [[يقال: ختن الرجل: صهره، والمتزوج فيهم: أصهار الختن، والصهر: زوج بنت الرجل، وزوج أخته، والختن: أبو امرأة الرجل، وأخو امرأته. ومن العرب من يجعلهم أصهارًا كلهم. "تهذيب اللغة" 6/ 107، و"اللسان" 4/ 471 (صهر).]] في العود إلى مصر، لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله. وهذه الآية مفسرة في سورتي: طه، والنمل [[عند قوله تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ طه، الآيات: 10 - 12. وسورة النمل، الآيات: 7 - 10.]]. قوله تعالى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ فيها ثلاث قراءات: فتح الجيم، وضمها، وكسرها. وهي كلها لغات [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: ﴿جَذْوَةٍ﴾ بكسر الجيم، وقرأ عاصم: ﴿جَذْوَةٍ﴾ بفتح الجيم، وقرأ حمزة: ﴿جُذْوَةٍ﴾ بالضم. "السبعة في القراءات" 493، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 413، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 341.]]. قال أبو عبيدة: الجذوة، مثل: الجِذمة؛ وهي القطعة الغليظة من الخشب، ليس فيها لهب. وأنشد قول ابن مُقْبلٍ: باتت حواطبُ ليلى يلتمسن لها ... جَزْلَ الجذَا غيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرٍ [["مجاز القرآن" 2/ 102، ونسب البيت لابن مقبل. وأنشده عن أبي عبيدة الأزهري 11/ 167، ولم ينسبه. وأنشده ونسبه المبرد، "الكامل" 2/ 682، وعنه أبو علي == "الحجة" 5/ 5414، وأنشده ونسبه ابن جرير 20/ 69، والثعلبي 8/ 146 ب. وهو في "ديوان ابن مقبل" 80. وفي حاشية "الدر المصون" 8/ 668: الجزل: الحطب اليابس وما عظم منه، والخوار الضعيف، والدعر: الكثير الدخان.]] وقال المبرد والزجاج: الجذوة: القطعة الغليظة من الحطب [["الكامل" للمبرد 2/ 682، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 142.]]. وقال ابن قتيبة: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ أي: قطعة منها، قال: وفي التفسير: الجذوة: عود قد احترق [["غريب القرآن" لابن قتيبة 332، ولم ينسبه.]]؛ قاله مقاتل [[قال مقاتل 65 أ: يعني: شعلة، وهو عود قد احترق بعضه.]]. وقال ابن عباس: قطعة حطب فيها نار [[أخرجه ابن جرير 20/ 70، وابن أبي حاتم 9/ 2972، عنه بلفظ: يقول: شهاب. وعن ابن زيد بلفظ: العود من الحطب الذي فيه النار.]]. وقال مجاهد في قوله: ﴿جَذْوَةٍ﴾ قال: أصل [[أخرجه ابن جرير 20/ 70، وابن أبي حاتم 9/ 2972. بلفظ: أجل شجرة.]]. وقال قتادة: أصل الشجرة في طرفها النار [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 91، وابن جرير 20/ 70، عن قتادة. وفيه: الشجرة والنار، معرفتان بالألف واللام، واتفقت النسخ الثلاث على تعريف: الشجرة، وانفردت نسخة: (ج)، بتنكير النار.]]. وقال الكلبي: شعلة من النار [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 90، عن الكلبي.]].

القصص 28:30

قوله تعالى: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ قال أبو عبيدة: شاطئ الوادي، وشطُّ الوادي: عِدْوتاه [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 103. عِدوة الوادي وعُدوته: جانبه. "تهذيب اللغة" 3/ 110 (عدا).]]. وقال الليث: شاطئ الوادي: جانبه، هكذا من غير فعل، وإن ثني وجمع قيل: شاطئان وشواطئ [[كتاب "العين" 6/ 276 (شطأ)، بلفظ: شاطئ الوادي: شَفَتُه، اسم من غير فعل. وليس فيه ذكر التثنية، ولا الجمع، ولم أجد قول الليث في "التهذيب".]]. وقال أبو خيرة [[أبو خيرة، نهشل بن زيد، أعرابي بدوي من بني عدي، دخل الحاضرة، وأفاد وأخذ عنه الناس، وصنف في الغريب كتبا. "إنباه الرواة على أنباه النحاة" 4/ 117، و"بغية الوعاة" 2/ 317.]]: شاطئ الوادي: شَفَتُه، وجمعه: شُطآن وشواطئ [["تهذيب اللغة" 11/ 392 (شطأ). قال الأخفش: جماعة الشاطئ: الشواطئ، وقال بعضهم: شَطّ، والجماعة: شُطُوط "معاني القرآن" 2/ 653.]]. وقال مجاهد: ﴿الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ عن يمين موسى [[أخرجه ابن جرير 20/ 71، وابن أبي حاتم 9/ 293.]]. وقال مقاتل: عن يمين الجبل [["تفسير مقاتل" 65 ب.]]. وقوله: ﴿الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾: البُقعة: القطعة من الأرض [["تهذيب اللغة" 1/ 285 (بقع).]]. ويقال أيضًا: بَقعة، بالفتح. قال أبو إسحاق: فمن قال بَقعة: فجمعها: بِقاع، مثل: [[في نسخة: (أ): زيادة: حفرة، وحفار. وهي تكرار لما ذكره الزجاج في آخر كلامه، حيث لا يستقيم إيراد حُفرة، مثالًا على الفتح. والله أعلم.]] قَصْعة وقِصَاع، ومن قال: بُقعة فأجود الجمع: بُقَع، مثل: غُرْفة وغُرَف، ويجوز في جمع بُقعة: بِقاع، مثل: حُفْرة وحِفَار [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 143.]]. ﴿الْمُبَارَكَةِ﴾ سميت مباركة؛ لأن الله كلم موسى فيها، وبعثه نبيًّا. قاله مقاتل والزجاج [["تفسير مقاتل" 65 ب، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 143.]]. وقال ابن عباس: يريد: المقدسة. وقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ قال المفسرون: من ناحية الشجرة [["تفسير الثعلبي" 8/ 146 ب.]]. وقال قتادة: من عند الشجرة [[أخرجه ابن جرير 20/ 71.]]. قال ابن عباس: وهىِ العُنَّاب [[نسبه لابن عباس ابنُ الجوزي، "زاد المسير" 6/ 218. والعُنَّاب: شجر شائك، يبلغ ارتفاعه ستة أمتار، ويطلق العناب على ثمره أيضًا، وهو: أحمر حلو لذيذ الطعم. "المعجم الوسيط" 2/ 630 (عنب). لم يذكر في "التهذيب" 3/ 6، و"اللسان" 1/ 630: إلا أنه من الثمر، وأنه معروف. والعَّنَاب بالفتح: بائع العِنَب. "اللسان" 1/ 630، و"القاموس المحيط" 152.]]. وقال مقاتل: وهي: عَوْسَجَة، وهو قول قتادة [["تفسير مقاتل" 65 ب، أخرجه ابن جرير 20/ 71، عن قتادة، وذكره عنه الثعلبى 8/ 147 أ. والعوسج: شجر كثير الشوك، وهو أنواع منها ما يثمر، ومنها ما لا يثمر. "تهذيب اللغة" 1/ 338، و"اللسان" 2/ 324، و"المعجم الوسيط" 2/ 600 (عسج).]]. وقال ابن مسعود: كانت سَمُرة [[أخرج ابن جرير 20/ 71. وذكره عنه الثعلبي 8/ 147 أ.]]. وقال الكلبي: شجرة العوسج [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 91، عن الكلبي.]].

القصص 28:31

وقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ أي: من أن ينالك منها مكروه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 143.]].

القصص 28:32

وقوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ قال مجاهد: اضمم إليك يدك من الفَرَق [[أخرجه ابن جرير 20/ 73، وابن أبي حاتم 9/ 2975، وأخرجاه أيضًا عن قتادة، وابن زيد.]]. وهذا قول جميع المفسرين؛ قالوا: لما ألقى موسى عصاه فصارت جانًا رَهِبَ وفَزعَ، فأمره الله أن يضم إليه جناحه ليذهب عنه الفَزَع [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 89، عن قتادة "تفسير الثعلبي" 8/ 147 أ.]]. قال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع؛ وقرأ هذه الآية [["تفسير الثعلبي" 8/ 147 أ. ولم ينسبه. ونسبه لمجاهد ابنُ الجوزي 6/ 220.]]. قال الزجاج: والمعنى في جناحك هاهنا: العضد. ويقال: اليد كلها جَناح [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 143.]]. وقال الفراء: الجَناح ما بين أسفل العَضُد إلى الرُّفْغ، وهو: الإبْط [["معاني القرآن" للفراء 2/ 306. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333. الرَّفْغُ، والرُّفْغُ: لغتان، وهي: الآباط، والمغابن من الجسد. "تهذيب اللغة" 8/ 108 (رفغ).]]. وقرئ (الرُّهْبِ) و (الرَّهَبِ) [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ بفتح الراء والهاء، وقرا عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ بضم الراء وسكون الهاء. "السبعة في القراءات" 493، و"الحجة" 5/ 414، و"النشر" 2/ 341.]] ومعناهما جميعًا واحد، مثل: الرُّشْد والرَّشَد [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 143.]]. قال أبو علي: قال أبو عبيدة: جناحا الرجل: يداه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 414. بنصه، وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 104: ﴿جَنَاحَكَ﴾ أي: يدك.]]. وقال غيره في الآية: إنه العضد [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 418، ولم ينسبه. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 143، ولم ينسبه، ثم قال: ويقال: اليد كلها جناح.]]. وقول أبي عبيدة أبين عندنا. قال: وقد جاء الاسم المفرد يراد به التثنية، وأنشد أبو الحسن: يداكَ يدٌ إحداهما الجودُ كُلُّه ... وراحتُك الأخرى طِعَانٌ تغامره [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 418، من إنشاد أبي الحسن، والبيت للفرزدق 1/ 276، من قصيدة يمدح فيها أسد ابن عبد الله القسري، ورواية الديوان مختلفة: يداك يد إحداهما النبل والندى ... وراحتها الأخرى طعان تعاوره قوله: وراحتك الأخرى: جعل الراحة موضع اليد، والطعان مصدر: طاعن، وليس بجمع طعنة، وتغامره فاعله: الراحة، أي: تغامر الراحةُ الطعانَ، وتكون أنت أيها المخاطب تغامر الطعان. والشاهد فيه: يد، فإنه وإن أفردها لكن المراد بها: التثنية، كأنه قال: يداك يدان إحداهما. "شرح الأبيات المشكلة" لأبي علي 1/ 209.]] المعنى: يداك يدان؛ بدلالة قوله: إحداهما؛ ولأنك إن جعلت قوله: (يدٌ) مفردًا، بقي لا يتعلق به شيء، ويجوز أن يراد بالإفراد: التثنية، كقوله: وعَينٌ لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... شُقَّتْ مَآقيهما من أُخُر [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 418، من إنشاد أبي الحسن، ونسبه أبو علي لامرئ القيس، "شرح الأبيات المشكلة" 1/ 211، وحدرة بدرة، أي: مكتنزة صلبة ضخمة، بدرة: يبدو بالنظر، وشقت مآقيهما: تفتحت فكأنها انشقت، وقوله: من أخر، أي: من مآخير العين. "شرح الأبيات المشكلة"، وحاشيته. والبيت في "ديوان امرئ القيس" 116، يصف فرسا. وأنشده البغدادي، "الخزانة" 5/ 197، ولم ينسبه.]] فيجوز على هذا القياس في قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أن يراد بالإفراد: التثنية، كما أريد بالتثنية: الإفراد، في قوله: فإن تزجراني يا ابن عَفَّانَ انزجرْ [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 419. وفي الحاشية: صدر بيت لسويد بن كراع، وعجزه: وإن تدعاني أَحمِ عِرضًا ممنعًا وأنشده البغدادي "الخزانة" 11/ 17، ولم ينسبه. وأنشده ابن قتيبة "تأويل مشكل القرآن" 291، ولم ينسبه. وفي حاشيته: كان سويد قد هجا بني عبد الله بن دارم فاستعدوا عليه سعيد بن عثمان بن عفان، فقال سويد قصيدته.]] ومن الناس من يحمل قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] على ذلك. انتهى كلامه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 419، من قوله: وقول أبي عبيدة أبين عندنا.]]. وقد جاء من هذا أن قوله: ﴿جَنَاحَكَ﴾ معناه: يداك، و ﴿الرَّهْبِ﴾: الخوف [["تفسير الثعلبي" 8/ 147 أ، ولم ينسبه.]]. والمعنى ما ذكره مجاهد. ونحو ذلك قال ابن عباس فيما روى عنه عطاء؛ قال: يريد: اضمم يدك إلى صدرك من الخوف، ولا خوف عليك. والمعنى على هذا: أن الله أمره أن يضم يده إلى صدره، فيذهب الله عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية [["تفسير الثعلبي" 8/ 147 أ.]]. وتقدير الآية على هذا المعنى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ معالجًا من الرَّهْبِ، أو ما أشبه هذا من التقدير؛ لأنه أُمر بضم الجَناح إليه ليذهب عنه الفزع، ويعالج بذلك ما ناله من الفزع. وقال الفراء في تفسير الجناح في هذه الآية: إنه العصا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 306.]]. وقال مقاتل: يعني عصاك مع يدك [["تفسير مقاتل" 65 ب.]]. هذا الذي ذكرنا قول المفسرين. وقال أبو علي الفارسي في هذه الآية: ذُكر لموسى الخوفُ في مواضع من التنزيل؛ كقوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21] و ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 25] وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء: 12] وقال: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: 46] ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: 45] ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: 67] وقال ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77]. فلما أضاف -عليه السلام- الخوفَ في هذه المواضع إلى نفسه، أو نُزِّلَ منزلة من أضافه إلى نفسه، قيل له: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ فأُمر بالعزم على ما أُريد له مما أُمر به، وحُضَّ على الجدِّ فيه؛ لئلا يمنعه من ذلك الخوفُ والرهبةُ التي قد تغشاه في بعض الأحوال [[في نسخة: (أ)، (ب): والرهب والذي قد يغشاه في بعض الأحوال.]]، وأن لا يستشعر ذلك فيكون مانعًا له مما أمر بالمضي فيه. وليس يراد بضم الجناح هاهنا: الضم المُزيل للفُرْجة والخصاصة [[الخصاصة: الخَلَل، خصاص المنخل، والباب، والبرقع: خللَّه، واحدته: خصاصة. "تهذيب اللغة" 6/ 551 (خص).]] بين الشيئين، كقول الشاعر: اُشْدُدْ حيازيمَكَ للموت ... فإن الموتَ لاقيكَ [["الحجة" 5/ 416، ولم ينسب البيت. وأنشده المبرد مع بيت آخر، وهو: ولا تجزع من الموت ... إذا حل بواديكا ونسبهما لعلي -رضي الله عنه-، قالهما بعد أن أُتي بابن ملجم وقيل له: إنا سمعنا من هذا كلامًا ولا نأمن قتله لك، فقال: ما أصنع به، ثم قال هذين البيتين. "الكامل" 3/ 1121. وأنشد البيت الأول في "اللسان" 12/ 132 (حزم)، وقال: حيازيمك: جمع: الحيزوم: وهو الصدر، وقيل: وسطه. وهو في ديوان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، 140، مع عدد من الأبيات.]] ليس يريد به الشد الذي هو الربط والضم، وإنما يريد: تأهب له واستعد للقائه حتى لا تهاب لقاءه، ولا تجزع من وقوعه. هذا كلامه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 415.]]. والمعنى على هذا: فشمر واستعد. والتقدير: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ خارجًا من الرهب. وذكر الأزهري قال: قال [[هكذا في جميع النسخ: وذكر الأزهري قال: قال مقاتل. يعني: أن الأزهري قد ذكر قول مقاتل.]] مقاتل في قوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أرادكُمَّ مِدْرَعَته [["تهذيب اللغة" 6/ 292 (رهب)، ولم أجده في "تفسير مقاتل". ولم ترد كلمة: ﴿الرَّهْبِ﴾ في كتاب الله -عز وجل- إلا في هذا الموضع. "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن" 325. وذكره الثعلبي 8/ 146 أ، ونسبه لأهل المعاني. والمدرعة: نوع من الثياب التي تلبس، ولا يكون إلا من صوف. "تهذيب اللغة" 2/ 201 (درع).]]. وروى ثعلب عن عمرو [[عمرو بن أبي عمرو الشيباني.]] عن أبيه قال: يقال لِكُمِّ القميص: القُنُّ والرُّدْن والخِلاف. وحكى عن ابن الأعرابي: أَرْهَبَ الرجلُ: إذا أطال رَهَبَه؛ وهو: كُمَّه. قال الأزهري: وأكثر المفسرين ذهبوا في قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ أنه بمعنى الرهبة [[ذكر ذلك أبو عبيدة "مجاز القرآن" 2/ 104، ولم ينسبه.]]، ولو وجدت إمامًا من أهل التفسير يجعل الرهب كُمًا لذهبت إليه؛ لأنه أشبه بالتفسير، وأليق بمعنى الكلام، والله أعلم بما أراد. هذا كلامه [["تهذيب اللغة" 6/ 292 (رهب). وفيه قال الأزهري: ولو وجدت إمامًا من السلف ..]]. وهو متناقض؛ لأنه حكى عن مقاتل أنه قال في الرهب: إنه كُم مِدْرَعَتِه. ثم قال: لو وجدت إمامًا من أهل التفسير يجعل الرهب كُمًّا لذهبت إليه [[وصف الواحدي للأزهري بالتناقض بإيراده قول مقاتل لعله غير وجيه؛ لأن الأزهري قال: إمامًا من السلف، ولم يقل: إمامًا في التفسير كما نقل الواحدي، فلعله يعني بذلك: إمامًا من الصحابة والتابعين؛ ومقاتل من أتباع التابعين، ت 150 هـ، ويبعد أن يكون الأزهري يجهل قول مقاتل؛ إذ إن ذكرَه لقوله قريبٌ جدا. والله أعلم.]]. ثم قال: لأنه أشبه بالتفسير، وليس الأمر على ما ذكر؛ كيف يكون أشبه ولا معنى لقولك: واضمم إليك جناحك من الكم وكيف يكون ما ذكر أشبه بالتفسير؛ وقد قال مِقْسم في قوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ إنما قيل: في جيبك؛ لأنه لم يكن له كم، كانت زُرْمَانقة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2850، في تفسير سورة النمل، عن ابن عباس، من طريق مقسم، وليس فيها: زرمانقة، بل: جبة من صوف. والزرمانقة: جبة صوف. "تهذيب اللغة" 9/ 402 (زرمانق).]]. وذكر المفسرون: أن موسى كانت عليه تلك الليلة مِدْرَعة من صوف مُضَرَّبة، لا كُمَّ لها [[أخرجه ابن جرير 20/ 138، عن مجاهد وابن مسعود. والضريبة: الصوف يضرب بالمطرَق، ويطلق على: الصوف أو الشعر ينفش ثم يدرج ليغزل. "تهذيب اللغة" 12، 19/ 20 (ضرب).]]. وإذا صح هذا فكيف يجوز أن [[يجوز أن. زيادة من نسخة (ج).]] يحمل الرهب على الكم؟ مع أنا لو ارتكبنا هذا لم يخرج للكلام معنى صحيح. وروى حفص عن عاصم ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ بفتح الراء وجزم الهاء [["السبعة في القراءات" 493، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 414.]]، وهو لغة في: الرَّهَب الذي هو بمعنى: الكُم [["تهذيب اللغة" 6/ 292 (رهب).]]. وقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني اليد والعصا، حجتان من الله تعالى لموسى على صدقه [["غريب القرآن" لابن قتيبة 333، و"الطبري" 20/ 73. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 أ.]]. وقُرئ ﴿فَذَانِكَ﴾ بتخفيف النون وتشديده [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿فَذَانِكَ﴾ مشددة النون، وقرأ الباقون: ﴿فَذَانِكَ﴾ بالتخفيف. "السبعة" 493، و"الحجة" 5/ 419، و"النشر" 2/ 341.]]. قال أبو عبيد: كان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد [من بين إخوانه. ويحكى أن التشديد لغة قريش [["تفسير ابن جرير" 20/ 74، ولم يذكر أبا عبيد.]]، قال أبو إسحاق: التشديد] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).]] يشبه ذلك، والتخفيف يشبه ذاك، جعل بدل اللام في ذلك تشديد النون في: ﴿ذَانَّكَ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 143.]]. وهذا قول الأخفش؛ قال: أدخلوا التثقيل للتأكيد، كما أدخلوا اللام في ذلك [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 653. قال المبرد: تبدل من اللام نونًا، وتدغم إحدى النونين في الأخرى. "المقتضب" 3/ 275. وذكر ذلك أيضًا ابن جني، "سر صناعة الإعراب" 2/ 487.]]. وهذا مما قد تقدم القول فيه في سورة النساء [[ذكره في تفسير الآية: 16 ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾.]]. وروى شِبل عن ابن كثير: ﴿فَذَانِيكَ﴾ خفيفة النون بياء [["السبعة" 493، و"الحجة" 5/ 419، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 174.]]؛ كأنه أبدل من الثانية الياء كراهية التضعيف، كما أنشد أبو زيد: فآليت لا أَشْرِيه حتى يَمَلَّنِي ... بشيء ولا أمْلاهُ حتى يُفارقا [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 420، ونسبه لأبي زيد. وهو في "النوادر" 44، مع بيتين قبله منسوبًا للأسود بن يعفر النهشلي، بلفظ: == فأقسمت لا أشريه حتى أمله ... بشيء ولا أملاه حتى يفارقا وفيه: أشريه: أبيعه، ولا أملاه: أي: لا أَمَلُّهُ.]] يريد: لا أَمَلُّه حتى، فأبدل من التضعيف: الألف، كما أبدل من الأول: الياء [[يعني من قوله تعالى: ﴿فَذَانَّيكَ﴾ على قراءة الياء.]]. والإبدال من التضعيف كثير، ومنه قوله: ﴿يَتَمَطَّى﴾ [القيامة: 33] إنما هو: يتمطط، ومثله: التقصي، والتظني [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 420، باختصار. والتظنَّي: إعمال الظن، وأصله: التظنُّن، أُبدل من إحدى النونات ياء. "اللسان" 13/ 257. و"القاموس" 1566.]]. وقوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ قال أبو إسحاق: أي: أرسلناك إلى فرعون وملأه بهاتين الآيتين [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 144.]]. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ عاصين. قاله ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 65 ب، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2976، عن سعيد بن جبير.]].

القصص 28:34

قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ قال المفسرون: أي: أحسن بيانًا [["تفسير ابن جرير" 20/ 74. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]]. قال ابن عباس: وكان في لسان موسى عُقدة، من قِبَل النار [["تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]]، فذلك قول فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: 52]، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: 27] [[ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية أن العقدة: الربطة في الحبل والخيط، وأراد بالعقدة هاهنا رثة كانت في لسانه تمنعه من الانطلاق في الكلام. قال سعيد بن جبير -وهو قول العامة-: عجمة من جمرة أدخلها في فيه. والقصة في ذلك معروفة. وفي الحاشية نقد لهذه القصة. وسبق بيان أن القول بأن العلة كانت بسبب الجمرة ليس بصحيح، في تفسير سورة الشعراء الآية 13.]]. قال أهل اللغة: الفصيح من الكلام: ما لا لحن فيه ولا خطأ. وأصل الكلمة: ظهور الشيء وصفاؤه. يقال: أفصح الصبح إذا بدا وظهر، وأفصح اللبن إذا زالت الرُّغوة عنه، وبدا صريحه [[الصريح: المحض الخالص من كل شيء، ويقال لِلَبَن: صريح، إذا لم تكن له رغوة. "تهذيب اللغة" 4/ 237 (صرح).]]. وإذا كان الكلام صافيًا من اللحن، خالصًا عما يوجب اللبس من لَجْلَجة أو مَجْمَجة [[اللجلجة: أن يتكلم الرجل بلسانٍ غير بين. "تهذيب اللغة" 10/ 495 (لج). والمجمجة، يقال: مجمج بي: إذا ذهب بك في الكلام مذهبًا على غير الاستقامة، وردك من حال إلى حال. "تهذيب اللغة" 10/ 523 (مجمج)، وفي "اللسان" 2/ 363: مجمج الرجل في خبره: إذا لم يبينه.]] شُبَّه باللبن الخالص من الرُّغوة فسمي: فصيحًا [["تهذيب اللغة" 4/ 253 (فصح)، بنحوه.]]. وقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ قال المفسرون: عونًا ومعينًا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 91، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير 20/ 74، وابن أبي حاتم 9/ 2977، عن مجاهد وقتادة و"تفسير مقاتل" 65 ب و"الأضداد" لابن الأنباري 208. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب. وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2977، عن مسلم بن جندب، أنه قال: ﴿رِدْءًا﴾ أي: زيادة.]]. قال النضر: يقال فلان رِدْءٌ لفلان أي: يَنْصُره ويَشُد ظهره، وأصله من قولهم: ردأت الحائط أردأه، إذا دعمته بخشب أو لَبِن يدفعه أن يسقط. وقال يونس: أردأت الحائط بهذا المعنى. وقال الليث: رَدَأْت فلانًا بكذا أي: جعلتُه قوةً له وعمادًا. وأردأتُ فلانًا أي: ردأته [[كتاب "العين" 8/ 67 (ردء).]]. ابن السكيت: أردأتُ الرجلَ إذا أعنتُه [["تهذيب اللغة" 14/ 167 (ردأ)، من بداية قول النضر بن شميل.]]. أبو عبيدة: أردأته على عدوه، وعلى ضيعته أي: أعنته [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 104. ونقله عنه أبو علي في الحجة 5/ 420.]]. وقرأ نافع: (ردًا) بغير همز [[قرأ نافع وحده: (ردًا) مفتوحة الدال، منونة غير مهموزة. وقرأ الباقون: ﴿رِدْءًا﴾ ساكنة الدال مهموزة "السبعة في القراءات" 494، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 420، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 175، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 341. وقراءة نافع يعبر عنها بالنقل؛ قال السمين الحلبي: وقرأ نافع: (ردا) بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ينونه كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونافع ليس من قاعدته النقل في كلمة إلا هنا، وقيل: ليس فيه نقل وإنما هو من أردى على كذا. "الدر المصون" 8/ 677، وفي الحاشية: النقل: نقل حركة الهمزة إلى الدال ثم حذف الهمزة.]]، خفف الهمزة وألقى حركتها على الساكن الذي قبلها، نحو: ﴿الْخَبْءَ﴾ [النمل: 25] فيمن خفف [[سبق ذكر هذه القراءة في تفسير قوله تعالى ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: 25].]]. وقد جاء [[وقد جاء. ساقطة من نسخة (ج).]] في بعض القوافي: في [[في. ساقطة من نسخة: (ب).]] الردء الرد [[لم يذكر الواحدي مثالاً على ما جاء في بعض القوافي، وبحثت عن ذلك فلم أجد.]]، وذلك على أنه وقف بعد التخفيف على الحرف فشدده، كما ثُقِّل: هذا فَرَجٌّ، وهذا خَالِدٌّ، فضُعَّف الحرف للوقف، ثم يُطلق كما أطلق نحو: سبسبَّا والقَصَبَّا [[هاتان الكلمتان من قول رؤبة بن العجاج 169، من قصيدة له يصف فيها الجراد في انتشاره، وسرعة مره كالسيل إذا امتد، وكالحريق، أي: النار في القصب أو التبن، حاشية "المسائل العسكرية" 224، وفيه ذكرِ أبيات رؤبة، وأما أبو علي في "المسائل العسكرية" فقد ذكر الشطر الآتي ولم ينسبه: مثلُ الحريق وافق القصبَّا. == وذكر الكلمة الأولى: سبسبَّا سيبويه، "الكتاب" 4/ 169، وفي الحاشية: إشارة إلى قول العجاج: تترك ما أبقى الدُّبى سَبْسَبًّا وفي حاشية "الحجة" 1/ 65: ذكر البيت كاملاً، وصدره: وهبت الريح بمور هبَّا ثم قال: المور بضم الميم: الغبار، والسبسب: القفر، والدَّبا بتشديد الدال المفتوحة: الجراد. والشاهد في هذا كله: تفعيف الباء للضرورة؛ قال أبو علي: ويضطر الشاعر فيجري الوصل بهذه الإطلاقات في القوافي مجرى الوقف، وقد جاء ذلك في النصب أيضًا، ثم ذكر بيت رؤبة، ثم قال: وهذا لا ينبغي أن يكون في السعة. "المسائل العسكرية" 224.]]. وقال أبو الحسن: هو فعل من رَددتُ، أي: يَرُدَّ عني [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 420.]]. قوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ قرئ بالرفع، والجزم [[قرأ عاصم وحمزة: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بضم القاف، وقرأ الباقون: ﴿يصْدقني﴾ بجزم القاف. "السبعة في القراءات" 494، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 421، وإعراب القراءات السبع وعللها 2/ 175، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 341.]]. فمن رفع فهو صفة للنكرة، وتقديره: ردءًا مصدقًا، وسأل ربه إرساله بهذا الوصف. ومن جزم كان على معنى الجزاء، أي: إن أرسلته صدقني، وهو جيد في المعنى؛ لأنه إذا أرسله معه صدقه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 421، وهو قول الأخفش، "معاني القرآن" 2/ 653.]]. والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يصدقني فرعون [["تفسير مقاتل" 65 ب.]]؛ والقول هو الأول.

القصص 28:35

وقوله: ﴿قَالَ﴾ أي: قال الله لموسى ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنعينك ونقويك به [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 104. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 144. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]]. وشَدُّ العضد مَثَلٌ في التقوية والإعانة. وذلك أن من قَوّيت عضدَه فقد أعنته. قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: أي: حجة تدل على النبوة [[أخرجه ابن جرير 20/ 76، عن مجاهد، والسدي، و"تفسير مقاتل" 65 ب، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333، ولم ينسبه.]]. قال أبو إسحاق: أي حجة نَيَّرة، والسلطان أبين الحجج، ولذلك قيل للزيت: السَّليط؛ لأنه يستضاء به [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 144.]]. وقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ أي: بقتل ولا بسوء ولا أذى؛ وذلك أنهما خافا من فرعون أن يقتلهما، وهو قوله: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: 45] [[استدل بهذه الآية على هذا المعنى مقاتل 65 ب.]]. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ قال المبرد: فيه تقديم وتأخير، المعنى: سلطانًا بآياتنا ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [[ذكره ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 22، ولم ينسبه.]]. وذكر أبو إسحاق وجهين آخرين؛ أحدهما: أن يكون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ من صلة: ﴿يَصِلُونَ﴾ كأنه قال: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ تمتنعان منهم بآياتنا. والثاني: أن يكون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ مُبِينًا عن قوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ أي: تغلبون بآياتنا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 144، ولم ينسبه.]]. وهذا معنى قول ابن عباس؛ يريد: قد أعطيتك آياتٍ تقوى بها على جميع الخلق، فلا يَصِل إلى أذاك أحدٌ.

القصص 28:36

قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته من قِبل نفسك. أي: لم يأتوا بحجة يدفعون بها ما أظهر من الآيات إلا أن قالوا: إنها سحر. والإشارة في قوله: ﴿مَا هَذَا﴾ تعود إلى ما ذكرنا؛ كأنهم قالوا: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر [["تفسير ابن جرير" 20/ 76، بمعناه.]].

القصص 28:37

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي: هو أعلم بالمحق منا، ومن الذي جاء بالبيان من عنده [["تفسير ابن جرير" 20/ 76، بمعناه. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]]. قال مقاتل: أي فأنا الذي جئت بالهدى من عند الله [["تفسير مقاتل" 66 أ.]]. وقوله: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: وهو أعلم بمن تكون له الجنة [["تفسير مقاتل" 66 أ.]] ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ لا يسعد من أشرك بالله. قاله ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2978، من طريق الضحاك، ولفظه: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ يقول: الكافرون.]]. وهذه القطعة مفسرة في سورة: الأنعام [[عند قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [135] قال الواحدي: موضع ﴿مِن﴾ نصب بوقوع العلم عليه، ويجوز أن يكون رفعًا على معنى: تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار، كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: 12] والوجهان ذكرهما الفراء، قال ابن عباس: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ يعنىِ: الجنة .. إلى آخر كلامه، فانظره هناك.]].

القصص 28:38

وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ قال مقاتل: يقول: أوقد النار على الطين، حتى يصير اللبِن آجرًا. وكان فرعون أول من طبخ الآجر [["تفسير مقاتل" 66 أ. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب، ولم ينسبه.]]. [ونحو هذا قال قتادة: إنه أول من طبخ الآجر [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 91، وابن جرير 20/ 77، وابن أبي حاتم 9/ 2979.]]. وقال أبو إسحاق: أي اعمل لي الآجر] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 145، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333، والآجُرُّ، والأجُرُّ، والآجِرُ، والآجُرُ: طبيخ الطين، وهو الذي يبنى به. "لسان العرب" 4/ 11 (أجر).]]. ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ يعني: قصرًا طويلًا عاليًا مرتفعًا. قاله ابن عباس والمفسرون [["تفسير مقاتل" 66 أ، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 145. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]]. وتفسير الصرح مذكور في سورة: النمل [[عند قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [44].]]. ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ قال ابن عباس: أصعد إليه [[أخرجه ابن جرير 20/ 78، وابن أبي حاتم 9/ 2979، عن السدي. و"تنوير المقباس" 327.]]. وهذا إيهام من فرعون للناس أن الذي يدعوه إليه موسى يجري مجراه في الحاجة إلى المكان والجهة، [[لفظ الجهة والمكان لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولم يتكلم به سلف الأمة، وإنما الذي ورد وصف الله تعالى بالعلو على خلقه واستوائه على عرشه، وأنه تعرج إليه الملائكة والروح، ويصعد إليه الكلم الطيب، قال شيخ الإسلام:. فيقال لمن == نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق فالله تعالى ليس داخلاً في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالَم فلا ريب أن الله فوق العالَم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة؛ أتريد بذلك أن الله فوق العالَم، أو تريد: أن الله تعالى داخل في شيء من المخلوقات فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل. وكذلك يقال في المكان. "التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية" 168، و"مختصر العلو للعلي الغفار" للذهبي 68.]] حيث قال: {لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} أي في ادعائه إلها غيري، وأنه رسوله [["تفسير الثعلبي" 8/ 148 أ.]]. قال أبو إسحاق: قد اعترف بأنه شاكٌ لم يتيقن أن موسى كاذب. وفي هذا بيانُ أنه كَفَرَ بموسى على غير تيقن أنه ليس بنبي [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 145.]]. وقال مقاتل: يقول: إني لأحسب موسى من الكاذبين فيما يقول: إن في السماء إلهًا [["تفسير مقاتل" 66 أ.]]. قال الكلبي: يقول: إني لأظن موسى كاذبًا، ما في السماء من شيء [["تنوير المقباس" 327.]]. وهذان القولان يوهمان التشبيه والقولَ بالجهة [[هذا الكلام من الواحدي -عفا الله عنه- تلميح لنفي صفة العلو. قال شيخ الإسلام: والمقصود هنا أن أهل السنة متفقون على أن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. لكن لفظ التشبيه في كلام الناس لفظ مجمل؛ فإن أراد بلفظ التشبيه ما نفاه القرآن ودل عليه العقل فهذا حق؛ فإن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته وإن أراد بالتشبيه أنه لا يُثبَت لله شيء من الصفات، فلا يقال: له علم ولا قدرة ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات، فلزمه أن لا يقال له: حي عليم قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذلك في كلامه وسمعه وبصره ورؤيته وغير ذلك. "منهاج السنة" 2/ 110.]].

القصص 28:39

قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ أي: تعظموا عن الإيمان، ولم ينقادوا للحق، ولِمَا دعاهم إليه موسى ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في أرض مصر ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [[ولا يفهم من هذا الآية أن الاستكبار قد يكون بحق، فإن هذا غير مراد، وهو كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وأفضل ما يحمل عليه المعنى: دفع أدنى شبهة لهم في الاستكبار فهم تكبروا بدون أدنى شبهة، أو اشتباه في الأمور، وكذا في قتل الأنبياء فإن أولئك قد قتلوا الأنبياء بدون أدنى شبهة يتعلقون بها. والله أعلم. "القواعد الحسان لتفسير القرآن" للسعدي، القاعدة 25، ص: 82.]] قال ابن عباس: بالباطل والظلم والعدوان. وقال مقاتل: بالمعصية [["تفسير مقاتل" 66 أ.]].

القصص 28:40

قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ قال ابن عباس: يريد: في البحر المالح؛ بحر القُلْزُم [[القُلْزُم: مأخوذ من القلزمة؛ وهي ابتلاع الشيء، وسمي بحر القلزم بهذا لالتهامه من ركبه. "معجم البلدان" 4/ 439، قال ياقوت: وهو البحر الذي غرق فيه فرعون. وفي "المعجم الوسيط" 2/ 754: القلزم: بلد قديم بني في موضعه: السويس، وبحر القلزم: البحر الأحمر.]]. وقال قتادة: هو بحر من وراء مصر غرقهم الله فيه [[أخرجه ابن جرير 20/ 78، وابن أبي حاتم 9/ 2980. وذكره عنه الثعلبي 8/ 148 أ.]]. وقال مقاتل: يعني: بحر النيل الذي بمصر [["تفسير مقاتل" 66 أ.]]. والمعروف أنه غرق في بحرٍ غير النيل [[الذي يظهر أن لا دليل على شيء بما ذكر، ولا ينافي حصول هذه الآية الاختلاف في تحديد مكانه، وظاهر الآيات المصرحة بالبحر كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63] تدل على أنه البحر المالح. والله أعلم.]].

القصص 28:41

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ قال ابن عباس: يريد أئمة ضلالة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2980.]]. وقال الكلبي ومقاتل: قادة في الكفر والشرك [["تفسير مقاتل" 66 أ. و"تنوير المقباس" 327.]]. جعل فرعون وملأه قادة في الشرك، فأتبعهم أهل مصر. ومعنى الإمام في اللغة: المقدم للإتَّباع [[الإمام: كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم، أو كانوا ضالين. "تهذيب اللغة" 15/ 638 (أم).]]. ورؤساءُ الضلالة قُدِّموا في المنزلة؛ لأنهم يُتبعون فيما يَدْعون إليه. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يدعون إلى الشرك بالله [["تفسير مقاتل" 66 أ. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2980، عن مجاهد بلفظ: يدعون إلى المعاصي.]]، فمن أطاعهم ضل ودخل النار ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ لا يمنعون من العذاب [["تفسير مقاتل" 66 أ.]].

القصص 28:42

وقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ مفسر في موضعين من سورة: هود [[عند قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [60] وقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال الواحدي في تفسير هذه الآية: أي: أردفوا لعنة تلحقهم وتنصرف معهم؛ هذا معنى الإتباع، وهو أن يتبع الثاني الأول ليتصرف معه بتصرف. ومعنى اللعنة: الإبعاد من رحمة الله ومن كل خير.]]. قال مقاتل في هذه الآية: يعني: الغرق [["تفسير مقاتل" 66 أ.]]. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: من المبعدين الملعونين [[أخرج ابن جرير 20/ 79، عن قتادة: لعنوا في الدنيا والآخرة.]]؛ من القُبْح، وهو: الإبعاد. قال الليث: يقال: قَبَحَه الله، أي: نحَّاه من كل خير [[كتاب "العين" 3/ 53 (قبح). ونقله عنه الأزهري 4/ 75.]]. وقال أبو زيد: قَبَحَ الله فلانًا قُبْحًا وقُبُوْحًا، أي: أقصاه وباعده من كل خير، كقبوح الكلب والخنزير، قال الجعدي: ولَيْسَتْ بْشوهَاءَ مَقْبُوحَةٍ ... تُوافِي الديارَ بوجهٍ غَبِر قال أبو عبيدة: ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ المهلكين [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 106. وقال الثعلبي 8/ 148 أ: الممقوتين. وكذا في "وضح البرهان" 2/ 152.]]. وقال ابن عباس: يريد: تسود وجوههم، وتزرق أعينهم، ويشوه خلقهم [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 148 أ.]]. وقال الكلبي: يعني: سَواد الوجه، وزرقة العين [["تنوير المقباس" 327.]]. وهذا يوجب أن يكون ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ بمعنى: المقبَّحين. وقد روى أبو عبيد عن أبي عمرو: قَبَحْتُ له وجهَه، مخففة؛ بمعنى: قَبَّحت [["تهذيب اللغة" 4/ 75 (قبح).]]. وأهل اللغة في: ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ على القول الأول [[المراد به: ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ المبعدين.]]. قال أبو علي الفارسي في إعراب هذه الآية: يحتمل أن يكون: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ ولعنةً يوم القيامة، فحذف المصدر، وأقيم ﴿يَوْمَ﴾ مقامه، فانتصب انتصاب المفعول به، ويكون ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ جملة استغني عن حرف العطف فيها بما تضمنت من ذكرهم، كما استغني عنه بذلك في قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ولو كانت الواو لكان ذلك حسنًا كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ﴾ [الكهف: 22] قال: ويجوز أن يكون: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ محمولَّا عَلى موضع: في هذه الحياة الدنيا، كما قال الشاعر: إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا [[أنشده كاملًا سيبويه 1/ 68، ونسبه لكعب بن جعيل، وصدره: ألا حيَّ ندماني عمير بن عامر الندمان، ومثله: النديم: الذي يجالسك ويشاربك، وفي الحاشية: شاهده عطف: غدًا، على محل: اليوم،؛ لأنه مسبوق بمن الزائدة. وأنشده المبرد "المقتضب" 4/ 112، وابن جني "المحتسب" 2/ 362، ولم ينسباه. وهو في "الإنصاف" 1/ 335، غير منسوب، قال: فنصب: غدًا، حملًا على موضع: من اليوم، وموضعها نصب.]] ويشهد لهذين الوجهين قوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 23] وقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: 60] ويكون قوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ على ما ذكرنا في الوجه الأول. قال: ويجوز أن يكون العامل فيه: ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ لأن فيه معنى فعل، وإن كان الظرف متقدمًا، كأنه قيل: ويوم القيامة يقبحون. كما أجاز سيبويه: كل يوم لك ثوب.

القصص 28:43

وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قال مقاتل: يعني قوم نوح وعاد وثمود، وغيرهم، كانوا قبل موسى [["تفسير مقاتل" 66 أ.]]. وقال رسول الله -ﷺ-: "ما أهلك الله -عز وجل- قومًا بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة؛ غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أن الله -عز وجل- قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ " [[أخرجه الحاكم 2/ 442، رقم: 3534، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه من هذا الطريق الثعلبي 8/ 148 أ، وأخرجه ابن جرير 20/ 80، وابن أبي حاتم 9/ 2981، موقوفًا على أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد من بعد ما غرق فرعون وقومه، وخسف بقارون [[ذكره القرطبي 13/ 290، ولم ينسبه، وصدره بـ: قيل.]]. والقول هو الأول. وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: ولقد آتينا موسى الكتاب بصائر، أي: هذه حال ايتائنا إياه الكتاب مبينًا للناس [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 146.]]. وقال مقاتل: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ في هلاك الأمم الخالية، بصيرة لبني إسرائيل، وغيرهم [["تفسير مقاتل" 66 أ.]]. وعلى هذا التقديرُ: أهلكناهم بصائر للناس؛ ليتبصروا ويعتبروا بهلاكهم. والقول ما قاله أبو إسحاق؛ لأن المعنى: آتينا موسى الكتاب بصائر للناس؛ ليتبصروا به، فدل على صحة هذا قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ وهو من صفة الكتاب، يعني: التوراة هدى من الضلالة، لمن عمل به، ورحمة لمن آمن به من العذاب [["تفسير مقاتل" 66 أ، بنصه.]].

القصص 28:44

وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ قال قتادة والسدي ومقاتل: يعني جبلًا غربيًّا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 91، وابن أبي حاتم 9/ 2982، عن قتادة، وقد تصحفت فيه كلمة: غربيًّا، إلى: قريبًا، وهذه الطبعة للكتاب مليئة بأخطاء كثيرة جدًا، في الآيات، والأحاديث، والأقوال، فلم تحظ بأدنى قسط من التحقيق. وقول مقاتل في "تفسيره" 66 أ.]]. وهو اختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 146.]]. أي: وما كنت بجانب الجبل الغربي. وقال أبو علي الفارسي: هذا على جانب المكان الغربي، لا يكون على غير ذلك، يعني: أنه لا يكون الجانب مضافًا إلى الغربي؛ لأنه هو الغربي [[قال السمين الحلبي: قوله: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ يجوز أن يكون من حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه؛ أي: بجانب المكان الغربي، وأن يكون من إضافة الموصوف لصفته، وهو مذهب الكوفيين. "الدر المصون" 8/ 680.]]. وقال الكلبي: بجانب الوادي الغربي [[ذكره عنه الشوكاني 4/ 169، وفي "تنوير المقباس" 327: الجبل.]]. قال ابن عباس: يريد: حيث ناجى موسى ربَّه. وقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ قال مقاتل: إذ عهدنا إلى موسى الرسالة إلى فرعون وقومه. وهو قول المفسرين [["تفسير مقاتل" 66 ب، و"تفسير ابن جرير" 20/ 80، بمعناه.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: إذ أخبرناه أن أمة محمد -ﷺ- خير الأمم [[نسبه لابن عباس، القرطبي 13/ 291]]. قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ لذلك الأمر [["تفسير مقاتل" 66 ب.]]. وقال ابن عباس: لم تحضر ذلك [[قال الثعلبي 8/ 148 أ: الحاضرين. ولم ينسبه.]]. وقال الكلبي: لم تشاهد ما هنالك [["تنوير المقباس" 327، بلفظ: من الحاضرين هناك.]]. قال صاحب النظم: ليس للحضور هاهنا معنى؛ لأن قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ قد أغنى عنه، وهو من الشهادة على الشيء، يعني: لم نُشهدك على ما جرى هنالك.

القصص 28:45

قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ أي: خلقنا أممًا من بعد موسى ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي: طالت عليهم المهلة، فنسوا عهد الله، وتركوا أمره [["تفسير الثعلبي" 8/ 148 أ.]]. قال ابن عباس: مِثْلُ قوله في الحديد: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [16] [["تفسير الثعلبي" 8/ 148 أ، ولم ينسبه لابن عباس.]]. قال صاحب النظم: قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ لا يقال إلا لرجل قد كان جرى له ذكر في موضع بخير أو شر، فهو إعلام من الله تعالى لنبيه -ﷺ- أنه أجرى ذكرَه في هذا الموضع لمعنى؛ إلا أنه غير موقوف على حقيقته، فلما قال: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ دل ذلك على أنه قد عهد إلى قوم موسى عهودًا، فلما طال عليهم العمر نسوها، وتركوا الوفاء بها، وطول العهد والعمر ينسي العهودَ والوفاءَ بها، ألا ترى أن موسى لما عاتب قومه في اتخاذ العجل قال لهم: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: 86]، وذكرَ الله -عز وجل- في مواضع ما عهدَه إلى قوم موسى في التوراة من الإيمان بمحمد -ﷺ-، فلم يحتمل أن يكون هذا الذي أُومِئَ إليه في هذا الموضع إلا العهد الذي ذكره في مواضع، فالذي خلص من تأويل هذا الفصل على ما درجنا: أنه -عز وجل- ذكر امتنانه على نبينا محمد -ﷺ- أنه لما بعث موسى نبيًا ورسولًا إلى فرعون، أعلمه في ذلك الوقت أنه يبعث من ولد إسماعيل نبيًا، وأنه أخذ بعد ذلك على أمته عهدًا أن يؤمنوا به، وأن العلة في كفرهم به بعد أخذ العهد إنشاؤه منهم قرنًا بعد قرن، فتطاول العمر عليهم حتى نسوا ذلك، وتهاونوا به فلم يؤمنوا. وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ أي: مقيمًا في أهل مدين [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 107. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333، و"تفسير ابن جرير" 20/ 81، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 146. و"تفسير الثعلبي" 8/ 148 أ. وقال مقاتل 66 ب: شاهدا.]]، كمقام موسى وشعيب فيهم ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ تذكرهم بالوعد والوعيد. قال مقاتل: يقول لم تشهد أهلَ مدين فتقرأ على أهل مكة خبرَهم ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ أرسلناك إلى أهل مكة [["تفسير مقاتل" 66 ب.]]، وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها. قال أبو إسحاق: المعنى أنك لم تشاهد قصص الأنبياء، ولا تُليت عليك، ولكنا أوحيناها إليك، وقصصناها عليك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 147.]].

القصص 28:46

قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ قال مقاتل: يعني: بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليمًا [["تفسير مقاتل" 66 ب.]] ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ قال ابن عباس: إن الله تعالى وتبارك نادى: يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني. ونحو هذا روي عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير موقوفًا عليه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 91، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي مدرك، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، رفع الحديث هكذا في تفسير عبد الرزاق. وأخرج ابن جرير 20/ 81، والثعلبي 8/ 148 ب، من كلام أبي زرعة. وأبو زُرعة، قيل اسمه: هرم، وقيل: عمرو، وقيل غير ذلك، ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البَجلي، الكوفي، من الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين، ثقة. "سير أعلام النبلاء" 5/ 8، و"تقريب التهذيب" 1148. ولا يصح رفع هذا الحديث كما هي رواية عبد الرزاق لأنه برفعه يكون الحديث مرسلاً. والصواب: وقفه، كما قال الواحدي. والله أعلم.]]. وروي عنه عن أبي هريرة مثل ما ذكرنا عن ابن عباس [[أخرجه النسائي في "تفسيره" 2/ 143، رقم: 401، موقوفًا على أبي هريرة من طريق أبي زرعة، وكذا الحاكم 2/ 443، رقم: 3535، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي. ومن طريق أبي زرعة أخرجه ابن جرير 20/ 81، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.]]. قال وهب: وذلك أن موسى لما ذكرَ الله له فضل محمد وأمته، قال: يا رب أرينيهم، قال الله: إنك لن تدركهم، وإن شئت ناديتُ أمته فأسمعتُك صوتَهم، قال: بلى يا رب، فقال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم، ثم قال الله تعالى: قد أجبتكم قبل أن تدعوني [["تفسير الثعلبي" 8/ 148 ب، من كلام وهب بن منه.]]، كما ذكر ابن عباس. وقال مقاتل بن حيان: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ أمتك وهم في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بُعثتَ [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2983.]]. وقال السدي: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2984، عن قتادة.]]. ونحو هذا قال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 66 ب.]]، فعلى هذا المنادى: موسى. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ولكن رحمناك رحمة بإرسالك، والوحي إليك [[قال الأخفش: فنصب ﴿رَحْمَتَ﴾ على: ولكن رحمك ربك رحمة. "معاني القرآن" 2/ 653.]]. قال الزجاج: المعنى: فعلنا ذلك للرحمة، كما تقول: فعلت ذلك ابتغاء الخير، فهو مفعول له [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 147.]]. وقال مقاتل: يقول: ولكن كان [[كان. ساقطة من نسخة (ج).]] القرآن رحمة من ربك، يعني: نعمة، يعني: النبوة حين اختصصت بها، وأوحينا إليك أمرهم ليعرف كفار مكة نبوتك، فذلك قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [["تفسير مقاتل" 66 ب.]] يعني: أهل مكة [["تفسير الثعلبي" 8/ 148 ب.]] ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عباس: يتعظون [["تنوير المقباس" 327.]].

القصص 28:47

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ قال مقاتل: يعني العذاب في الدنيا ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من المعاصي، يعني: كفار مكة [["تفسير مقاتل" 66 ب.]] ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ﴾ هلا أرسلت إلينا رسولاً [["مجار القرآن" لأبي عبيدة 2/ 107.]] ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ يعني القرآن ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدقين بتوحيد الله [["تفسير مقاتل" 66 ب.]]. والمعنى: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة لكفرهم. وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف؛ تقديره ما ذكرنا [[قال الثعلبي 8/ 148 ب: جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف، أي: لعاجلناهم بالعقوبة.]]. وقال مقاتل في تقدير الجواب: لأصابتهم مصيبة [["تفسير مقاتل" 66 ب.]]. قال الزجاج: أي: لولا ذلك لم نحتج إلى إرسال الرسول، ومواترة الاحتجاج [[هكذا في النسخ الثلاث، وكذا في "معاني القرآن" للزجاج 4/ 147؛ أي: متابعة الاحتجاج. والله أعلم.]].

القصص 28:48

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال ابن عباس: جاءهم محمد -ﷺ- [["تفسير ابن جرير" 20/ 83، والثعلبي 8/ 148 ب، ولم ينسباه.]]. قال مقاتل: يعني القرآن [["تفسير مقاتل" 66 ب.]]. قال أبو إسحاق: أي: فلما جاءت الحجة القاطعة التي كان يجوز أن يعتلوا بتأخرها عنهم ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ أي: هلا أوتي محمد من الآيات مثلَ ما أوتي موسى من العصا واليد، وغير ذلك. قاله ابن عباس [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 147، ولم ينسبه. أخرج ابن جرير 20/ 83، وابن أبي حاتم 9/ 2984، عن مجاهد: يهود تأمر قريشًا أن تسأل محمدًا مثل ما أوتي موسى.]]. وقال مقاتل: هلا أعطي محمد القرآن جملة واحدة {مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} التوراة جملة واحدة [["تفسير مقاتل" 66 ب. و"تفسير الثعلبي" 8/ 148 ب، ولم ينسبه. والتأويل الأول أقرب؛ لأنهم سألوا معجزات مادية محسوسة كما ذكر الله عنهم في آخر سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات [90 - 93].]]. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من التوراة [[في نسخة: (أ)، (ب): أي: أولم يكفروا بتوراة موسى.]] قبل القرآن. يعني: كفار مكة احتج الله عليهم لما قالوا: هلا أوتى محمد مثل ما أوتى موسى؟ بكفرهم بما أوتي موسى. أي: فقد كفروا بآيات موسى، كما كفروا بآيات محمد، و ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ قال الكلبي: وذلك أنهم بعثوا رهطًا إلى يهود المدينة يسألونهم عن بعث محمد وشأنه! فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فرجع الرهط إليهم، وأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [[ذكره الثعلبي 8/ 149 أ، عن الكلبي. وظاهر هذا أن الآية خطاب لكفار قريش، وفيها التشنيع عليهم بكفرهم بموسى عليه الصلاة والسلام، وهذا بعيد، والأقرب ما أخرجه ابن جرير 20/ 83، عن مجاهد في تفسير هذه الآية: يقول الله لمحمد -ﷺ-: قل لقريش يقولوا لهم، أي: لليهود: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل.]]. وقرئ (سَاحِرَانِ) [[قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿سِحْرَانِ﴾ ليس قبل الحاء ألف، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: (سَاحِرَانِ) بألف قبل الحاء. "السبعة في القراءات" 495، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 423، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 341.]] وهو اختيار أبي عبيدة؛ لقوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ أي: تعاونا، والمعاونة إنما تكون في الحقيقة للساحرين، لا للسحرين [[ذكر هذا التوجيه أبو علي في "الحجة" 5/ 423، ولم ينسبه لأبي عبيد؛ وإنما نسبه له الثعلبي 8/ 149 أ.]]، والتظاهر بالناس وأفعالهم أشبه. قال ابن عباس: يريدون: موسى وهارون. وهو قول سعيد بن جبير [[أخرجه ابن جرير 20/ 84، وابن أبي حاتم 9/ 2985، عن مجاهد، وسعيد بن جبير.]]. وروى مسلم بن يسار عن ابن عباس قال: يعنون: موسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم، وهو قول الحسن [[أخرجه ابن جرير 20/ 83، وابن أبي حاتم 9/ 2985، عن ابن عباس، من طريق: مسلم بن يسار. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 92، عن الكلبي. وذكره الفراء، ولم ينسبه، وصدره بـ: يقال. "معاني القرآن" 2/ 306. واقتصر عليه النيسابوري، في "وضح البرهان" 2/ 153.]]. ومن قرأ: ﴿سِحْرَانِ﴾ أراد: الكتابين [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 423.]]. قال مقاتل: يعنون التوراة والقرآن [["تفسير مقاتل" 66 ب. وذكره الثعلبي 8/ 149 أ، ولم ينسبه.]]. وهو قول عكرمة والكلبي [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 92، عن الكلبي، وهو في "تنوير المقباس" 328. وأخرج عبد الرزاق 2/ 92، رواية تخالف ما ذكر عن عكرمة؛ فعن مجاهد قال: سألت ابن عباس وهو بين الركن والباب، في الملتزم، وهو متكئ على يد عكرمة مولاه، فقلت: أسحران، أم ساحران قال: فقلت ذلك مرارًا، فقال عكرمة: ساحران، اذهب أيها الرجل، أكثرت عليه. وأخرج القول بأن المراد بهما: القرآن والتوراة، ابن جرير 20/ 84، عن ابن عباس، وابن زيد.]]. وعلى هذا معنى: ﴿تَظَاهَرَا﴾ تعاونا على الضلالة [["تفسير مقاتل" 66 ب. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 107.]]؛ كأن المعنى: كل سِحرٍ منهما يقوي الآخر، ويتفقان، فنسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 423.]]. وقوله تعالى. ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريدون: الذي جئتَ به، والذي جاء به موسى [[أخرج نحوه ابن جرير 20/ 85، وابن أبي حاتم 9/ 2986، عن مجاهد، وابن زيد.]]. وقال مقاتل: بالتوراة والقرآن كافرون لا نؤمن بهما [["تفسير مقاتل" 66 ب. وأخرجه ابن جرير 20/ 86، عن ابن عباس.]]. قال الله لنبيه -عليه السلام-: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

القصص 28:49

﴿قُلْ﴾ لكفار مكة [["تفسير مقاتل" 66 ب.]]: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ قال ابن عباس: يريد: من القرآن والتوراة [[أخرجه ابن جرير 20/ 86، وابن أبي حاتم 9/ 2986، عن ابن زيد.]]. يقول: أنا أتبعه إن جئتم بأفضل مما جئتُ به إليكم، والذي جاء به موسى. وهذا دليل لقراءة من قرأ: ﴿سِحْرَانِ﴾ وذلك أنهم لَمَّا قالوا: القرآن والتوراة ﴿سِحْرَانِ﴾ قيل لهم: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ ومن قال: (سَاحِرَانِ) قال: المعنى: هو أهدى من كتابيهما، فحذف المضاف. ذكر ذلك أبو إسحاق، وأبو علي [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 148، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 423.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال مقاتل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ بأنهما ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [["تفسير مقاتل" 66 ب.]].

القصص 28:50

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ قال مقاتل: فإن لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن [["تفسير مقاتل" 66 ب.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: فإن لم يؤمنوا بما جئت به. والأول أظهر. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أي: فاعلم أن ما ركبوه من الكفر لا حجة لهم فيه، وإنما آثروا فيه الهوى، وقد علموا أن الذي أتيتَ به الحق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 148.]]. ثم ذمهم فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا أحد أضل [["تفسير مقاتل" 66 ب.]] ممن يتبع هواه بغير رشاد، ولا بيان جاءه من الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لا يجعل جزاء المشركين الجاحدين آياته أن يهديهم إلى دينه.

القصص 28:51

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ قال الفراء: أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 307.]]. وقال أبو عبيدة: أتممنا [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 108.]]، كوصل الشيء بالشيء. وقال المبرد: تأويله: بَينَّا، وإنما هو من وصْلِ بعضه ببعض، والتثقيل يدل على المبالغة. وقال الزجاج: أي: فصلناه بأن وصلنا ذكر الأنبياء وأقاصيص مَنْ مضى بعضها ببعض [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 148.]]. وقال ابن قتيبة: أي أتبعنا بعضه بعضًا فاتصل عندهم؛ يعني: القرآن [["غريب القرآن" لابن قتيبة 333.]]. هذا قول أهل المعاني وألفاظهم؛ وهي مأخوذة من ألفاظ المفسرين؛ قال مجاهد: فصلنا القول لقريش [[أخرجه ابن جرير 20/ 87، وابن أبي حاتم 9/ 2987.]]. وقال الكلبي: بينا لهم القول في القرآن [["تنوير المقباس" 328.]]. وهو قول السدي ومقاتل وسفيان بن عيينة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2978، عن السدي، و"تفسير مقاتل" 66 ب.]]. ومن فسر التوصيل بالتفصيل؛ أراد به: البيان؛ فإن القول يفصَّل للبيان، وُيوصَل بعضه ببعض للبيان. قال قتادة: وصلَ لهم القول في هذا القرآن يُخبرهم كيف صَنع بمن مضى [[أخرجه ابن جرير 20/ 87، وابن أبي حاتم 9/ 2988.]]. وقال الكلبي: فصل لهم القرآن بما يدعوهم إليه مرة بعد مرة. وقال ابن زيد: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ في الخبر عن أمر الدنيا والآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا [[أخرجه ابن جرير 20/ 88. وذكره الثعلبي 8/ 149 أ.]]. وقال مقاتل: يقول لقد بينا لكفار مكة بما في القرآن من خبر الأمم الخالية [[في نسخة: (ج): الماضية.]] كيف عذبوا بتكذيبهم [["تفسير مقاتل" 66 ب. وفي مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾ قولان ذكر الواحدي أحدهما، وهو: رجوعه لقريش، والثاني: يرجع لليهود، أخرجه ابن جرير 20/ 88، عن رفاعة القرظي -رضي الله عنه-، قال: نزلت هذه الآية في عشرة، أنا أحدهم. ولا تعارض بين القولين. والله أعلم.]]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لكي يتعظوا ويخافوا فيؤمنوا [["تفسير مقاتل" 66 ب.]].

القصص 28:52

قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن [[قال الثعلبي 8/ 149 أ: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل محمد -ﷺ-. وبين القولين تلازم.]]. قال ابن عباس والسدي: نزلت في عبد الله بن سلام وابن يامين، ومن أسلم من اليهود [[أخرجه ابن جرير 20/ 89، عن ابن عباس، وابن أبي حاتم 9/ 2988، عن ابن عباس، والسدي، وفي خبر السدي ذكر قصة عبد الله بن سلام لما أسلم، وأخرج ابن جرير 20/ 89، عن مجاهد: هم مسلمة أهل الكتاب.]]. وقال قتادة: كنا نُحَدَّث أنها نزلت في أناس من أهل الكتاب؛ كانوا على شريعة من الحق يأخذون بها وينتهون إليها، حتى بعث الله محمدًا -ﷺ- فآمنوا وصدقوا [[أخرجه ابن جرير 20/ 89، وابن أبي حاتم 9/ 2990، عن قتادة، وفيه: منهم: سلمان، وعبد الله بن سلام.]]. وقال ابن عباس: نزلت في أهل الإنجيل [[أخرجه ابن جرير 20/ 89، وابن أبي حاتم 9/ 2988، عن ابن عباس، بلفظ: من آمن بمحمد -ﷺ- من أهل الكتاب.]]. وهو قول مقاتل؛ قال: نزلت في مسلمي أهل الإنجيل، كانوا مسلمين قبل أن يبعث النبي -ﷺ- وكانوا أربعين رجلًا؛ اثنان وثلاثون من الحَبَش قدموا مع جعفر بن أبي طالب، المدينة، وثمانية نفر قدموا من الشام، فنعتهم الله في كتابه [["تفسير مقاتل" 67 أ. أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2988، عن سعيد بن جبير، أن المراد بهذه الآية: النصارى الذين قدموا على النبي -ﷺ-، من الحبشة فآمنوا.]].

القصص 28:53

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني القرآن [["تفسير الثعلبي" 8/ 149 أ.]] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ صدقنا بالقرآن ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [["تفسير مقاتل" 67 أ. و"تفسير ابن جرير" 20/ 89]] وذلك أن ذكرَ النبي -ﷺ- كان مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فلم يعاند هؤلاء وآمنوا وصدقوا، وقالوا للقرآن: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [["تفسير ابن جرير" 20/ 89.]] قال مقاتل: إنا كنا من قبل هذا القرآن مخلصين لله بالتوحيد [["تفسير مقاتل" 67 أ.]]. وقال الكلبي: يقولون: إنا كنا من قبل أن يأتينا محمد مؤمنين به أنه سيكون [["تنوير المقباس" 328. وهو قول الفراء، قال: وذلك أنهم يجدون صفة النبي -ﷺ- في كتابهم فصدقوا به، فذلك إسلامهم، وقال أيضًا: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ هذه الهاء للنبي -ﷺ-، ولو كانت الهاء كناية عن القرآن كان صوابًا؛ لأنهم قد قالوا: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ فالهاء هاهنا أيضًا تكون للقرآن، ولمحمد -ﷺ-. "معاني القرآن" 2/ 307.]]. وقال السدي: يقولون: كنا من قبله على دين إبراهيم وإسماعيل، وتلك الأمم كانوا على دين محمد [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2989.]].

القصص 28:54

ثم أثنى الله عليهم خيرًا فقال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ أجرًا بتمسكهم بدينهم حتى أدركوا محمدًا -ﷺ- فآمنوا به، وأجرًا بإيمانهم بالنبي -ﷺ-. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 67 أ. أخرجه ابن جرير 20/ 90، عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2991، عن الضحاك. وكان الأولى بالواحدي رحمه الله تعالى أن يورد هنا حديث أبي هريرة المتفق عليه؛ أن النبي -ﷺ- قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين؛ الرجل تكون له الأمة فيعلمها فيحسن تعليمها ويؤدبها فيحسن أدبها ثم يعتقها فيتزوجها فله أجران، ومؤمن أهل الكتاب الذي كان مؤمنًا ثم آمن بالنبي -ﷺ- فله أجران، والعبد الذي يؤدي حق الله وينصح لسيده". أخرجه البخاري، كتاب: الجهاد، رقم: 3011، "فتح الباري" 6/ 145، ومسلم 1/ 134، كتاب الإيمان، رقم: 241. وقد أهمل الواحدي إيراده في كتابيه: "الوسيط" و"الوجيز".]]. وهو معنى قول ابن عباس: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على دين عيسى، وآمنوا بمحمد -ﷺ- [[هذا على أن المراد بأهل الكتاب: النصارى، كما سبق أن سعيد بن جبير، جعل الآية في النصارى الذين قدموا من الحبشة فآمنوا. أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2988.]] وقال قتادة: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على الكتاب الأول، والكتاب الثاني [[أخرجه ابن جرير 20/ 89، وابن أبي حاتم 9/ 2990.]] قال مقاتل: فلما تبعوا النبي -ﷺ- شتمهم المشركون فصفحوا عنهم، وردوا معروفًا، فأنزل الله فيهم: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [["تفسير مقاتل" 67 أ.]] أي: يدفعون ما يسمعون من الأذى بالصفح والعفو [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 108، بمعناه.]]. وقال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك [["تنوير المقباس" 328، بلفظ: يدفعون بالكلام الحسن؛ بلا إله إلا الله الكلامَ القبيح؛ الشرك من غيرهم.]]. قال أبو إسحاقِ: يدفعون بما يعملون من الحسنات ما تقدم لهم من السيئات [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 149.]]. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من الأموال ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في طاعة الله [["تفسير مقاتل" 67 أ.]]. قال ابن عباس: يتصدقون على أهل دينهم [[أخرج نحوه ابن جرير 20/ 90، عن قتادة، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 149، بلفظ: يتصدقون، ولم ينسبه.]].

القصص 28:55

﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ قال الكلبي: يعني الباطل [["تنوير المقباس" 328، وأخرجه ابن جرير 20/ 90، عن قتادة]]. وهو ما قال لهم المشركون من الأذى والشتم. ونحو هذا قال مقاتل [["تفسيره" 67 أ. وأخرجه الطبري 20/ 91، وابن أبي حاتم 9/ 2992، عن مجاهد.]]. وقوله تعالى: ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: عن اللغو، فلم يردوا عليهم مثل ما قيل لهم [["تفسير مقاتل" 67 أ.]]. وقال أبو إسحاق: إذا سمعوا ما لا يجوز، وينبغي أن يُلغى لم يلتفتوا إليه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 149.]]. ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ قال مقاتل: لنا ديننا ولكم دينكم، وذلك حين عيروهم بترك دينهم [["تفسير مقاتل" 67 أ.]]. وقال [[في نسخة: (أ)، (ب): وقالوا.]] غيره: لنا ما رضينا به لأنفسنا، ولكم ما رضيتم به لأنفسكم [["تفسير ابن جرير" 20/ 91، بنصه.]]. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال السدي: لما أسلم عبد الله بن سلام، جعل اليهود يشتمونه، وهو يقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2993.]] ومعناه: أمنة لكم من أن تسمعوا منا ما لا تحبون. قال أبو إسحاق: ولم يريدوا بقولهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ التحية؛ والمعنى: أنهم قالوا: بيننا وبينكم المتاركة والتسليم. وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 149، يعني أن هذه الآية منسوخة بآية الجهاد والقتال، وقد سبق الحديث عن نسخ هذه الآية وما شابهها في سورة الفرقان، عند قوله تعالى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ قال مكي بن أبي طالب: والذي عليه أهل النظر -وهو الصواب- أن الآية محكمة غير منسوخة، وأن معنى السلام فيها: == المتاركة والمداراة من الكفار، وليس من السلام الذي هو التحية؛ لأن السلام عليهم محظور بقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: 47]. "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" 375.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ قال مقاتل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه [["تفسير مقاتل" 67 أ.]]. وقال الكلبي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه [["تنوير المقباس" 328. بلفظ: لا نطلب دين المشركين بالله.]]. وعلى هذا يكون التقدير: لا نبتغي دين الجاهلين [[هذا بنصه كلام الكلبي؛ لا نبتغي دين الجاهلين. "تفسير الثعلبي" 8/ 149 أ.]]. وقيل: لا نبتغي محاورة الجاهلين [["تفسير ابن جرير" 20/ 91. و"تفسير الثعلبي" 8/ 149 أ. ولم ينسباه.]]. وقال أبو علي: لا نبتغي مجاراتهم ولا الخوض معهم فيما يخوضون فيه؛ فالمضاف محذوف.

القصص 28:56

قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ قال ابن عباس: يريد أبا طالب [["تفسير ابن جرير" 20/ 91، و"تفسير الثعلبي" 8/ 149 أ.]]. وقال الكلبي: كان رسول الله -ﷺ- حريصًا على أن يسلم عمه أبو طالب، فنزل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [["تنوير المقباس" 328.]]. وقال مجاهد في هذه الآية: قال محمد -ﷺ- لأبي طالب: "قل كلمة الإخلاص أجادلْ بها عنك يوم القيامة"، قال: يا ابن أخي: ملة الأشياخ! [[أخرجه ابن جرير 20/ 92، وابن أبي حاتم 9/ 2994.]]. وقال السدي: نزلت في أبي طالب حين قال له: "قل: لا إله إلا الله، أشهدُ لك بها يوم القيامة"، قال: لولا أن يقولوا: جَزع عمك عند الموت لقلتها! [[أخرجه ابن جرير 20/ 92، عن أبي هريرة.]]. وقال مقاتل: قال رسول الله -ﷺ- لعمه أبي طالب: أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا؛ أن تقول: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله، قال: يا ابن أخي: قد علمتُ أنك صادق، ولكن أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا أن يكون عليك وعلى بني أخيك غضاضة [[يقال: ما أردت بذا غضيضة فلان، ولا مغضته، كقولك: ما أردت نقيصته، ومنقصته. "تهذيب اللغة" 16/ 36 (غض).]] ومَسبَّة بعدي لقلتُها، ولأقررت بها عينك عند الفراق، لِمَا أرى من شدة حرصك ونصيحتك، ولكن سوف أموت على ملة الأشياخ: عبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف!. فأنزل الله هذه الآية [["تفسير مقاتل" 67 أ. وأخرجها النسائي في كتاب "التفسير" 2/ 144، رقم: 403، عن سعيد بن المسيب عن أبيه. وكذا الثعلبي 8/ 149 ب.]]. ونحو هذا قال قتادة والحسن والشعبي وابن عمر [[أخرجه ابن جرير 20/ 92، عن أبي هريرة، وسعيد بن المسيب عن أبيه، وابن عمر، ومجاهد وقتادة وأخرجه النسائي في التفسير 2/ 145، عن ابن عمر.]]. قال أبو إسحاق: أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 149.]]. وقد حدثنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم -رحمه الله- قال: حدثنا الحسن بن أحمد الشيباني [[الحسن بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن مخلد بن شيبان المخلدي، النيسابوري، مع أبا العباس السراج، ومؤمل بن الحسن، وابن الشرقي، == وحدث عنه الحاكم، ويعقوب الصيرفي، وغيرهم. قال الحاكم: هو صحيح السماع والكتب، ومتقن في الرواية، محدث عصره، ت: 389 هـ. "سير أعلام النبلاء" 16/ 539، و"شذرات الذهب" 4/ 477.]]، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ [[أحمد بن محمد بن الحسن النيسابوري، أبو حامد، ابن الشرقي، حافظ خراسان، سمع محمد بن يحيى الذهلي، وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وغيرهم، حدث عنه: أبو علي النيسابوري، وأبو عبد الله الهروي، وغيرهم. "سير أعلام النبلاء" 15/ 37. و"طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 41.]]، حدثنا عبد الرحمن بن بشر، حدثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم، عن أبي هريرة؟ قال: قال رسول الله -ﷺ- لعمه: "قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة"، قال: لولا أن تعيرني نساء قريش؛ يقلن: إنه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله -عز وجل-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [[هذا الحديث ساقه الواحدي بسنده عن شيخه الثعلبي أحمد بن محمد بن إبراهيم. "تفسير الثعلبي" 8/ 149 ب. وأخرجه بهذا اللفظ من طريق يحيى بن سعيد، عن يزيد ابن كيسان، مسلم في صحيحه 1/ 55، كتاب الإيمان، رقم: 25. وأصل الحديث في الصحيحين، من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عيه النبي -ﷺ-، وعنده أبو جهل، فقال: "أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب: ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب!، فقال النبي -ﷺ-: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113] ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، رقم 3884، "فتح الباري" 7/ 193، ومسلم 1/ 54 في الإيمان، رقم 24. وأخرجه الواحدي في "أسباب النزول" 338، وذكر تخريج مسلم له. وأخرجه ابن حرير 20/ 92، وابن أبي حاتم 9/ 2994.]]. قال الزجاج: ابتداء نزولها بسبب أبي طالب، وهي عامة؛ لأنه لا يهدي إلا الله -عز وجل-، ولا يرشد ولا يوفق إلا هو، وكذلك هو ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 149. وذكر الواحدي قول الزجاج في "أسباب النزول" 338، بإسناده.]]. وقال الفراء: ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ يكون على جهتين؛ إحداهما: من أحببته للقرابة، والثانية: من أحببت أن يهتدي، كقولك: إنك لا تهدي من تريد [["معاني القرآن" للفراء 2/ 307.]]. قال مقاتل: إنك لا تهدي للإسلام ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [["تفسير مقاتل" 67 ب.]] ولكن الله يهدي ويرشد [[ويرشد. ساقطة من نسخة (أ)، (ب).]] من يشاء لدينه. قاله ابن عباس. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ يقول: هو أعلم بمن قدر له الهدى. قاله مجاهد ومقاتل [[أخرج ابن جرير 20/ 93، وابن أبي حاتم 9/ 2995، عن مجاهد. و"تفسير مقاتل" 67 ب.]].

القصص 28:57

قوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ قال الكلبي ومقاتل والمفسرون: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف [[الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، من زعماء قريش في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، وقد قتل يوم بدر كافرًا، قتله خبيب بن عدي -رضي الله عنه-، ثم أسر خبيب يوم الرجيع فابتاعه بنو الحارث بن عامر ليقتلوه بأبيهم، وقصته في ذلك مشهورة. "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 180.]]، قال للنبي -ﷺ-: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكن يمنعنا من ذلك أن العرب تخطفنا من أرضنا، يعني: من مكة، فإنما نحن أكلة رأس [[أكلة رأس، مثل يضرب لقلة العدد، فكأنهم لو اجتمعوا على أكل رأس لكان كافيًا لهم. "الزاهر في معاني كلمات الناس" 2/ 14، و"مجمع الأمثال" 1/ 84.]] ، والعرب على ديننا، ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله هذه الآية [["تفسير مقاتل" 67 ب، وفيه: الحارث بن نوفل بن عبد مناف، وذكر نحوه الزجاج 4/ 150، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير 20/ 94، وابن أبي حاتم 9/ 2995، والنسائي، كتاب التفسير 2/ 146 رقم 405. وذكره الثعلبي 8/ 149 ب. والواحدي "أسباب النزول" 338، وفيه: الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف.]]. وقوله: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ قال المبرد: التخطف: الانتزاع بسرعة، كما يتخطف البازي، ولا يكون الخطف إلا بسرعة [[يقال: خَطِفت الشيء، واختطفته: إذا اجتذبته بسرعة. "تهذيب اللغة" 7/ 241 (خطف)، ولم يذكر قول المبرد.]]. وقد مر في في له: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20] [[لم أجد في هذا الموضع إلا قوله: ومعنى الآية: يكاد ما في القرآن من الحجج يخطف قلوبهم من شدة إزعاجها إلى النظر في أمر دينهم.]]. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني: ذا أمن يأمن فيه الناس. قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، وأهل مكة آمنون بحرمة الحرم [["تفسير الثعلبي" 8/ 149 ب.]]. وقال قتادة: كان أهل الحرم آمنين، يذهبون حيث شاءوا، فإذا خرج أحدهم قال: أنا من أهل الحرم، لم يَعْرِض له أحد، وكان غيرهم يقتل ويسلب [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 92، وابن جرير 20/ 94، وابن أبي حاتم 9/ 2996.]]، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. قال مقاتل: يقول: هم آمنون في الحرم من القتل والسبي، فكيف يخافون إذا أسلموا [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]. وقال أبو إسحاق: أعلمهم الله بأنه قد تفضل عليهم بأن أمنهم بحرمة البيت، ومنع منهم العدو. أي: فلو آمنوا لكانوا أولى بالتمكين والسلامة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 150.]]. وقال الفراء: أو لم نسكنهم حرمًا لا يخاف مَنْ دخله، فكيف يخافون أن تَستَحِل العرب قتالَهم فيه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 308.]]. وقال ابن قتيبة: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ أي: أو لم نسكنهم، ونجعله مكانًا لهم [["غريب القرآن" 333، بلفظ: نسكنهم إياه.]]. قوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: يجمع إليه [["تفسير الثعلبي" 8/ 149 ب.]]، وهو من قولك: جِبْتُ الماءَ في الحوض؛ إذا جمعته [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 108. و"تفسير ابن جرير" 20/ 94، ولم ينسبه.]]. وقال الفراء في "مصادر القرآن": جببت المال والماء جباية، إذا جمعته وجبوته جباوة. والجباية: الحوض العظيم. والجبا مقصور: الماء المجموع [["تهذيب اللغة" 11/ 214 (جبا)، من قول الكسائي: الجبا مقصور. ولم أجد فيه ما قبله.]]. وقرئ ﴿يُجْبَى﴾ بالياء والتاء [[قرأ نافع وحده: ﴿تُجْبَى﴾ بالتاء، وقرأ الباقون: ﴿يُجْبَى﴾ بالياء. "السبعة في القراءات" 495، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 424، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 178.]]، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع، وليس بتأنيث حقيقي، وإذا كان كذلك كان بمنزلة الوعظ، والموعظة، والصوت، والصيحة، فإذا ذُكِّرَت كان حسنًا، وكذلك إذا أنثت. ذكر ذلك صاحب الحجة [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 424.]]. وقال الفراء: ذُكَّرَت ﴿تُجْبَى﴾ وإن كانت الثمرات مؤنثة؛ لأنك فرقت بينهما بإليه، كما قال الشاعر: إنَّ امْرَأً غَرَّه منكن واحدةٌ ... بعدي وبعدكِ في الدنيا لمغرورُ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 308، ولم ينسب البيت. واستشهد به ابن جني "الخصائص" 2/ 414، على تذكير المؤنث. واستشهد به كذلك الأنباري، "الإنصاف" 1/ 174، وفي حاشيته: الشاهد فيه: غره منكن واحدة، حيث أسند الفعل إلى اسم ظاهر حقيقي التأنيث، ولم يؤنث الفعل لوجود فاصل بين الفعل وفاعله وهو: منكن. ولم أقف على قائل البيت.]] وبهذه العلة اختار أبو عبيد التذكير؛ فقال: قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ.]]. قال ابن عباس ومقاتل: يعني: يُحمل إلى الحرم ثمرات كل شيء [["تفسير مقاتل" 67 ب. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2996، عن ابن عباس بلفظ: ثمرات الأرض.]]؛ من مصرَ والشام واليمن والعراق. وقوله: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: رزقناهم رزقًا من عندنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ يعني: أهل مكة [["تفسير مقاتل" 67 ب. و"تفسير ابن جرير" 20/ 94.]] ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنا فعلنا ذلك. قال مقاتل: أي: إنهم يأكلون رزقي آمنون في حرمي، وهم يعبدون غيري [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]. وقال ابن عباس. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ قدر ربوبيتي وعظمتي [[أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2996، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعقلون.]].

القصص 28:58

ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ معنى البَطَر في اللغة: الحيرة، والبطر في النعمة هو: أن تكثر عليه النعمة فيدْهشَ فيها، ولا يهتدي للشكر عليها [["تهذيب اللغة" 13/ 336 (بطر). والدَّهَش: ذهاب العقل من الذَّهْل والوَلَه. "تهذيب اللغة" 6/ 77 (دهش).]]. قال الليث: البطر: الحَيرة، يقال: لا يُبْطِرن جَهلُ فلانٍ حِلمكَ. أي: لا يُدْهشكَ عنه [[كتاب "العين" 7/ 422 (بطر). ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 336.]]. ومنه قوله -ﷺ-: "الكِبْر بطر الحق" [[جزء من حديث عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر" قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَة قَالَ: "إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَق وَغَمْطُ النَّاسِ". أخرجه مسلم 1/ 93 في الإيمان" رقم 91. والترمذي 4/ 317، كتاب البر، رقم 1998.]]، وهو أن يتحير في الحق فلا يراه حقًا [["تهذيب اللغة" 13/ 336 (بطر).]]. هذا هو أصل معنى البطر. وقال أبو إسحاق: البطر: الطغيان عند النعمة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 150.]]. وبطر الحق على قوله: أن تطغى عند الحق؛ أي: تتكبر فلا تقبله. وقال أبو علي الفارسي: البطر فيما قال بعض الناس: كراهة الشيء من غير أن يستحق أن يكره. وانتصاب المعيشة عند الفراء بنقل الفعل وتحويله عنها، فإنه قال: نَصبُكَ المعيشةَ، كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] وكنَصْب قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: 4] ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: 77] وقد مر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 308. قال الواحدي في تفسير الآية 4، من سورة النساء: قال الفراء والزجاج: المعنى فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق فنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا: أنت حسن وجهًا، والفعل في الأصل للوجه، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسَّرًا لموقع الفعل، ومثله: قررت به عينًا، وضقت به ذرعًا.]]. وقال الزجاج: نُصب ﴿مَعِيشَتَهَا﴾ بإسقاط في، وأُعملَ الفعلُ، وتأويله: بطرت في معيشتها [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 150.]]. وهذا هو الوجه؛ لأن المعيشة لا تبطر، حتى يقال: كان الفعل لها، فنقل عنها: إنما يُبطر فيها [[وهذا قول الثعلبي 8/ 150 أ: أي: أشرف وطغت وكفرت بربها، وجعل الفعل للقرية، وهو في الأصل للأهل.]]. قال ابن عباس: حملهم البطر والأشر. وقال مقاتل: بطروا وأشروا، وتقلبوا في رزق الله، فلم يشكروا نعمه [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]. وقال عطاء: عاشوا في البطر، فأكلوا رزق الله، وعبدوا الأصنام [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ، عن عطاء بن أبي رباح.]]. قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال مقاتل: لم تسكن بعد هلاك أهلها إلا قليلاً من المساكن، فقد سكن في بعضها [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]. وعلى هذا الاستثناء من المساكن، يعني: أن بعضها مسكون فيه. وهذا القول هو اختيار الفراء؛ قال: يقول: قليل منها سُكن، وأكثرها لم يسكن، وهي خَرِبَة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 309.]]. ورُدَّ عليه هذا بأن قيل: لو كان الاستثناء من المساكن، كان الوجه فيه الرفع، كقولك: القوم لم يُضرب إلا قليلٌ، ترفع إذا كان المضروب قليلاً، فإذا نصبت: كان القليل صفة للضرب أي: لم يُضرب إلا ضربًا قليلاً. وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية؛ قال: لم يسكنها إلا المسافر، ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ. ونقل الرد على الفراء وقول ابن عباس: القرطبي 13/ 301.]]. وعلى هذا التقدير: لم تسكن من بعدهم إلا سكونًا قليلاً. وهذا هو الصحيح معنًى ولفظًا؛ لأن منازل المهلَكين لم يعمر منها شيء، ولم تسكن بتة. وقوله: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ أي: لِما خَلَّفوا بعد هلاكهم [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ.]] [مريم: 40] وقد مر [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة مريم. أي: نميت سكانها فنرثها ومن عليها؛ لأني أميتهم، وهذا كقوله: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: 23] وذكرنا الكلام فيه.]].

القصص 28:59

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ يعني القرى الكفرة أهلها ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بأمَّها: مكة [["تفسير مقاتل" 67 ب. و"تفسير ابن جرير" 20/ 95. و"تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ.]]. وهو اختيار الفراء والزجاج [["معاني القرآن" للفراء 2/ 309. قال: وإنما سميت أم القرى؛ لأن الأرض فيما ذكروا دحيت من تحتها. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 150. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 108.]]. وعلى هذا القول المراد: القرى التي حول مكة، لا البعيدة عنها؛ لأن التي بعدت عنها لا تنتفع ببعث الرسول في مكة. ويكون المعنى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ التي حول مكة بكفرها في زمانك ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ وهي مكة ﴿رَسُولًا﴾ أي: يبعثك رسولاً فتنذرهم، ثم بعثه الله إليهم رسولاً. وهذا قول قتادة في تخصيص القرى [[أخرجه ابن جرير 20/ 95، وابن أبي حاتم 9/ 2997.]]. وأظهر من هذا القول وأصح: أن القرى على عمومها، والمراد بأمها: أعظمها [[وهو قول ابن قتيبة "غريب القرآن" 334. أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2997، عن الحسن: ﴿فِي أُمِّهَا﴾ قال: في أوائلها.]]. يقول: ما كان الله ليهلك القرى الكافرة حتى يبعث في أعظمها رسولاً ينذرهم. وخص الأعظم ببعثة الرسول فيها؛ لأن الرسول إنما يبعث إلى الأشراف، وأشراف القوم وملوكهم يسكنون المدائن الكبيرة، والمواضع التي هي أمُّ ما حولها. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، وقول الكلبي [["تنوير المقباس" 329.]]. قال [[في نسخة (ج)، جاءت الجملة هكذا: وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، وقول الكلبي، وقال الكلبي قول ابن عباس. ففيها زيادة: الكلبي قول.]] ابن عباس: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [يريد: في أهلها، يعني: يسكن معظم أهلها. وقال الكلبي: ﴿فِي أُمِّهَا﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] يقول: في عظيمها [["تنوير المقباس" 329.]]. وهو ما ذكرنا. قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ قال مقاتل: يخبرهم الرسول أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]. وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بظلمهم أهلكتهم [[أخرجه ابن جرير 20/ 96، وابن أبي حاتم 9/ 2998، مطولاً.]]. قال الكلبي: وظلمهم هاهنا: شركهم [["تنوير المقباس" 329، وذكره الثعلبي 8/ 150 أ، ولم ينسبه.]]. وقال مقاتل: يقول: إلا وهم مذنبون. أي: لم نعذب على غير ذنب [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]. ونظير هذه الآية قوله: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 131]. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117].

القصص 28:60

قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الكلبي ومقاتل: يعني كفار مكة، يقول: ما أُعطيتم من خير ومال ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ تتمتعون بها أيام حياتكم، ثم هي إلى فناء وانقضاء [["تفسير مقاتل" 67 ب و"تنوير المقباس" 329.]]. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثواب والنعيم للمؤمنين ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أفضل وأدوم لأهله مما أعطيتم في الدنيا ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أن الباقي أفضل من الفاني الذاهب. قال ذلك ابن عباس ومقاتل [[أخرج نحوه ابن جرير 20/ 96، عن ابن عباس، و"تفسير مقاتل" 67 ب.]]. وروي عن أبي عمرو: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ بالياء [[قرأ أبو عمرو وحده: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ بالياء والتاء، وقرأ الباقون بالتاء. "السبعة في القراءات" 495، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 424. قال ابن الجزري: والأشهر عن أبي عمرو بالغيب. "النشر في القراءات العشر" 2/ 342.]]. والمعنى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ يا محمد ذلك [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 424.]].

القصص 28:61

وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾ قال مقاتل: يعني الجنة [["تفسير مقاتل" 68 أ. و"تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ، ولم ينسبه.]]. والمعنى: أفمن وعدناه على إيمانه وطاعته الجنة والثواب الجزيل ﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ أي: مصيبه ومدركه [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ.]]. والمعنى: فهو لاقيه ما وعد، وصائر إليه. ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كمن هو متمتع بشيء يفنى ويزول عن قريب [["تفسير ابن جرير" 20/ 96، بمعناه.]]. ومتاع في موضع المصدر أي: متعناه تمتيع الحياة الدنيا، أي: تمتيعًا فيها بالمال والولد. والحياةُ الدنيا تنقطع عن قريب فينقطع تمتعه. وقوله: ﴿ثُمَّ هُوَ﴾ أي: هذا المتمتع ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ النار [["تفسير مقاتل" 68 أ. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 334.]]، كقوله: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ.]] [الصافات: 57] وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: 16] يدل على هذا أن ابن عباس قال: يريد: من المعذبين. وقال: نزلت في حمزة، وأبي جهل. وقال مقاتل: نزلت في محمد -ﷺ-، وأبي جهل [["تفسير مقاتل" 68 أ. وذكره الزجاج 4/ 150، ولم ينسبه، وكذا الثعلبي 8/ 150 أ، وصدره الواحدي في "أسباب النزول" 339، بـ: قيل.]]. وقال مجاهد: نزلت في حمزة، وعلي، وأبي جهل [[أخرجه عنه الواحدي "أسباب النزول" 339.]]. وهو قول القرظي [[أخرجه ابن جرير 20/ 97، وذكره عنه الثعلبي 8/ 150 أ.]]. وقال الكلبي: نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل [[في "تنوير المقباس" 329، هو محمد عليه الصلاة والسلام، وأصحابه، ويقال: هو عثمان بن عفان ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: أبا جهل بن هشام.]]. وقال السدي: في عمار، والوليد بن المغيرة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2998. وذكره عنه الثعلبي 8/ 150 أ. وكذا الواحدي في "أسباب النزول" 339.]]. وقال قتادة: نزلت في المؤمن والكافر [[أخرجه ابن جرير 20/ 97، وابن أبي حاتم 9/ 2998.]]. وهو اختيار أبي إسحاق؛ قال: فالمؤمن آمن بالله ورسوله، وأطاعه ووقف عند أمره، فلقي جزاء ذلك الجنة، والذي متع متاع الحياة الدنيا الكافر؛ لم يؤمن بالله، ثم أُحضر يوم القيامة العذاب [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 150. وهذا الاختيار حسن، ويدخل تحته جميع ما ذكره فإنها أمثلة للمؤمن والكافر.]].

القصص 28:62

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ الكلام فيما يتعلق الظرف به هاهنا ذكرناه عند قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال أبو إسحاق: يعني به يوم القيامة، وهو منصوب على معنى: اذكر يوم ندعو، == قال: ويجوز أن يكون منصوبًا بمعنى يعيدكم الذي فطركم يوم يدعو، قال أبو علي الفارسي: الظرف هاهنا بمنزلة إذا؛ لأنه لا يجوز أن يكون العامل فيه ما قبله من قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ لأنه فعل ماض، وليس العامل أيضًا يدعو؛ لأنه فعل مستقبل، فإذا لم يكن في هذا الكلام فعل ظاهر يتعلق به الظرف تعلق بما دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ كما أن قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: 82] على تقدير: أإذا متنا بعثنا، كذلك هاهنا يجعل الظرف بمنزلة إذا، فيصير التقدير: إذا دُعي كل أناس لم يُظْلموا.]] وسنذكر ذلك أيضًا عند قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ [فصلت: 19] إن شاء الله [[لم أجد في تفسير الواحدي لهذه الآية شيئًا عن هذه المسألة التي أحال عليها.]]. والمعنى: ويوم ينادي الله المشركين. قال مقاتل: يعني كفار مكة ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا أنهم شركائي [["تفسير مقاتل" 68 أ. و"تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ، ولم ينسبه. والآية عامة في جميع المشركين.]]. قال أبو إسحاق: هذا على حكاية قولهم، المعنى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ في قولكم، والله -عز وجل- واحد لا شريك له [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 151، وتابعه على ذلك أبو قاسم الزجاجي، فقال. نسبهم إلى نفسه حكاية لقولهم، كأنه قال: أين شركائي الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي. "اشتقاق أسماء الله" 303.]].

القصص 28:63

وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: حقت عليهم كلمة العذاب، وهم: الشياطين. في قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 68 أ. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 92، وابن جرير 20/ 98، وابن أبي حاتم 9/ 3000، عن قتادة، و"قال الزجاج 4/ 151: الجن والشياطين.]]. وقال ابن عباس في رواية الكلبي: هم رؤوس الضلالة [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ، من قول الكلبي. و"تنوير المقباس" 329.]]. ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ يعنون: كفار بني آدم. في قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 68 أ.]]. وفي قول الكلبي: يعنون: الأتباع [["تنوير المقباس" 329.]]. ومعنى ﴿أَغْوَيْنَا﴾: سوَّلنا لهم الغي والضلال [["معانى القرآن" للزجاج 4/ 151، بنصه.]]؛ لأن التزيين إليهم، والله تعالى يهدي ويضل. قوله تعالى: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أضللناهم كما ضللنا ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ منهم [["تفسير مقاتل" 68 أ.]]. تتبرأ الشياطين ممن كان يطيعهم ويعبدهم، والرؤساء ممن كان يقبل منهم ويتبعهم في الدنيا. قال الزجاج: برئ بعضهم من بعض، وصاروا أعداءً كما قال الله -عز وجل-: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الآية [["معانى القرآن" للزجاج 4/ 151.]] [الزخرف: 67]

القصص 28:64

قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: لكفار بني آدم [["تفسير مقاتل" 68 أ. و"تفسير ابن جرير" 20/ 98.]] ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: استعينوا بآلهتكم التي كنتم تعبدونها. أي: لينصروكم ويخلصوكم من العذاب. ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ فلم يجيبوهم [["معانى القرآن" للزجاج 4/ 151.]]. ونظير هذه الآية في: الكهف [52]؛ قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ الآية [["تفسير مقاتل" 68 أ.]]. {وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ}. قال المفسرون وأهل المعاني: جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، على تقدير: لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة، ولما اتبعوهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 151، بنصه. و"تفسير مقاتل" 68 أ، بنحوه.]].

القصص 28:65

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ﴾ يعني: يسأل الله الكفار ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ما كان جوابكم لمن أُرسل إليكم من النبيين؟.

القصص 28:66

﴿فَعَمِيَتْ﴾ أي: فخفيت واشتبهت [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 109. و"تفسير ابن جرير" 20/ 98. و"تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ.]] ﴿عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ قال مجاهد ومقاتل: الحجج [["تفسير مقاتل" 68 أ. وذكره البخاري عن مجاهد. "فتح الباري" 8/ 505. وأخرج عنه ابن جرير 20/ 99، وابن أبي حاتم 9/ 3000. وهو قول ابن قتيبة، "غريب القرآن" 334.]]. و ﴿الْأَنْبَاءُ﴾ معناها: الأخبار [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 109. و"تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ، بلفظ: الأخبار والأعذار والحجج.]]، جمع نبأ. وسميت حججهم: أنباءً؛ لأنها أخبار [[في نسخة: (ج). أنباء.]] يُخبر بها. قال ابن عباس: يريد: الأخبار والجواب، وجوابهم لو أجابوا كان خبرًا. ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضًا عن الحجج؛ لأن الله أدحض حجتهم، وكلل ألسنتهم. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 68 أ. وفيه وأكلَّ ألسنتهم.]]. وهو معنى قول قتادة: لا يحتجون [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 ب.]]. وقال ابن عباس: لا ينطقون؛ يعني: بحجة [[نسبه لابن عباس القرطبي 13/ 304.]]. وذلك أن الله تعالى قد أعذر إليهم في الدنيا ببعث الرسول، ونصب الأدلة، فلا يكون لهم حجة، ولا عذر يوم القيامة [[ذكر نحوه ابن جرير 20/ 99، ولم ينسبه. قال ابن جرير: وقيل: معنى ذلك: فعميت عليهم الحجج يومئذ فسكتوا فهم لا يتساءلون في حال سكوتهم.]]. قال الفراء: جاء في التفسير: عميت عليهم الحجج يومئذ فسكتوا، فذلك قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: في تلك الساعة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 309.]]. وهو معنى قول الكلبي: لم يدروا ما يجيبون به من ذلك الهول حين سئلوا [["تنوير المقباس" 329، بلفظ: لا يجيبون.]]، ثم أجابوه بعد ذلك، يعني: ما ذكر عنهم مما يجيبون به في القيامة، كقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] ونحو ذلك.

القصص 28:67

﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: من الشرك ﴿وَآمَنَ﴾ صدق بتوحيد الله [["تفسير مقاتل" 68 أ. و"تفسير ابن جرير" 20/ 99، ولم ينسبه. وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 3001، نحوه عن ابن عباس.]] ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدى الفرائض ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ من الناجين الفائزين الذين سعدوا. قالوا جميعًا: و: (عسى)، من الله واجب [["تفسير مقاتل" 68 أ. و"معاني القرآن" للفراء 2/ 309. ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3001، عن ابن عباس. و"تفسير ابن جرير" 20/ 99، ولم ينسبه.]].

القصص 28:68

قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ قال المفسرون: نزلت هذه الآية جوابًا للمشركين حين قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ﴾ الآية، [الزخرف: 31] ومعناه: ويختار ما يشاء لنبوته ورسالته [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 ب، قال: هذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 334، وأخرج ابن جرير 20/ 100 وابن أبي حاتم 9/ 3001، في هذه الآية عن ابن عباس: كانوا يجعلون خير أموالهم لآلهتهم في الجاهلية.]]. أي: فكما أن الخلق إليه، فهو يخلق ما يشاء، فكذلك الاختيار إليه في جميع الأشياء، فيختار مما خلق ما يشاء، ومن يشاء. ثم نفى الاختيار عن المشركين؛ وذلك أنهم اختاروا الوليد بن المغيرة من مكة، أو عروة بن مسعود من الطائف، اختاروا إما هذا أو ذاك للرسالة، فقال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: الاختيار. أي: ليس لهم أن يختاروا على الله -عز وجل- [["تفسير مقاتل" 68 أ.]]. قال ابني قتيبة: أي: لا يرسل الله الرسل على اختيارهم [["غريب القرآن" لابن قتيبة 334.]]. و ﴿الْخِيَرَةُ﴾ اسم من [الاختيار، يقام مقام المصدر، والخيرة: اسم للمختار] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]]. يقال: محمد خيرة الله من خلقه. ويجوز التخفيف فيهما، ذكر ذلك الليث والفراء، وغيرهما [["معاني القرآن" للفراء 2/ 309. ولم أجد قول الليث في كتاب "العين"، وإنما ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" 7/ 548 (خار)، وقول: يقال: محمد خيرة الله من خلقه. ذكره الأزهري عن ابن السكيت.]]. وعلى هذا (مَا) تكون نفيًا، وهو الصحيح الذي عليه عامة المفسرين، وأصحاب القراءة؛ وذلك أن جميع أصحاب الوقوف، ذكروا أن تمام الوقف على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ ذكر ذلك نافع، ويعقوب، وأحمد بن موسى، وأبو حاتم، وعلي بن سليمان، ونصير، وغيرهم [["القطع والائتناف" للنحاس 2/ 514، بنصه. وذكره في "إعراب القرآن" 3/ 241، عن علي بن سليمان. وذكر الداني أن كلا الوقفين تام، "المكتفى في الوقف والابتداء" 439. واختار ذلك الثعلبي 8/ 150 ب.]]. وذكر أبو إسحاق وجهًا آخر؛ فقال: ويجوز أن تكون: (مَا) في معنى: [الذي، فيكون المعنى:] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: أ، (ب).]] ويختار الذي لهم فيه الخيرة، ويكون معنى الاختيار هاهنا: ما يتعبدهم به. أي: ويختار فيما يدعوهم إليه من عبادته ما لهم فيه الخيرة، قال: والقول الأول وهو: أن تكون (مَا) نفيًا أجود. انتهى كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 151، نقل النحاس عن علي بن سليمان: ولا يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ ﴿وَيَخْتَارُ﴾؛ لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء. "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 241، و"القطع والائتناف" 2/ 515. وأما ابن جرير 20/ 100، فقد جعل ﴿مَا﴾ في موضع نصب، بمعنى: الذي، وصحح هذا القول ونصره، ورد على من قال بالقول الأول؛ وهو أن ﴿مَا﴾ نافية. وخالفه في ذلك ابن كثير 3/ 397، وقال عن القول الذي اختاره ابن جرير: وقد احتج بهذا المسلك طائفة من المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح، ثم قال: والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وغيره أيضًا، فإن المقام في بيان انفراد الله تعالى بالخلق والتقدير، والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئاً.]]. والقدرية ربما تتعلق بالوجه الثاني الذي ذكره أبو إسحاق؛ فيقولون: إن الله تعالى يريد بنا، ويختار لنا ما فيه الخيرة لنا، ويحتجون بالآية، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن حمل الآية على هذا الوجه إبطال لقول جميع المفسرين والقراء [[وقد ذكر أن في هذا ردًا على القدرية، علي بن سليمان. "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 241. أخرج ابن أبي حاتم 9/ 3002، عن أبي عون الحمصي، أنه إذا ذكر له شيء من قول أهل القدر، قال: أما يقرءون كتاب الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.]]؛ أما المفسرون فإنهم ذكروا سبب نزولها [[ذكره الواحدي في "أسباب النزول" 339، بقوله: قال أهل التفسير: نزلت جوابًا للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله تعالى عنه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31] أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم.]]، وحَمْلُ الآية على الوجه الثاني يُبطل ما قالوا. وأما القراء فكلهم وقفوا على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ ولو كان الأمر على ما يذهبون إليه لم يصح الوقف على: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ وأيضًا فإن الكناية في قوله: ﴿لَهُمُ﴾ عن المشركين، يقول: ما كان للمشركين أن يختاروا على الله، فكيف يصح ما ذهبوا إليه. وقال أبو جعفر النحوي: لو صح ما قالوه لكان وجه الكلام نصب ﴿الْخِيَرَةُ﴾ على خبر كان [["القطع والائتناف" 2/ 515.]]، ثم وإن صح على البُعد فتأويله ما ذكره الزجاج؛ وهو: أن هذا الاختيار يعود إلى ما اختار الله لعباده مما أمرهم به. قال مقاتل: ثم نزه نفسه عن شركهم فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [["تفسير مقاتل" 68 أ.]] وهذا يدل على أن الكناية في ﴿لَهُمُ﴾ عن المشركين خاصة. ثم أخبر -عز وجل- بنفوذ علمه فيما خفي وظهر، فقال: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾

القصص 28:69

﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ ما تستر قلوبهم من الكفر، والعداوة لله ورسوله ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من ذلك [[من ذلك. ساقط من نسخة: (أ)، (ب).]] بألسنتهم من الكفر والمعاصي. قال ذلك ابن عباس والكلبي ومقاتل [["تفسير مقاتل" 68 ب. و"تنوير المقباس" 329. أخرج ابن أبي حاتم 9/ 3002، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ قال: يقول: ما عملوا بالليل والنهار.]].

القصص 28:70

ثم وحد نفسه فقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ قال مقاتل: يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الآخرة يعني: أهل الجنة [["تفسير مقاتل" 68 ب. و"تفسير ابن جرير" 20/ 103.]] ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الفصل بين الخلائق [["تفسير ابن جرير" 20/ 102.]]. وقال ابن عباس: يريد ما حكم لأهل طاعته من المغفرة والرحمة، وما حكم لأهل معصيته من الشقاء والويل [[أخرج نحوه مطولًا ابن أبي حاتم 20/ 3003، عن وهب بن منبه.]].

القصص 28:71

قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: لأهل مكة [["تفسير مقاتل" 68 ب.]] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السرمد: الدائم. في قول جميع أهل اللغة والمفسرين [[أخرجه ابن جرير 20/ 103، عن ابن عباس، ومجاهد، وكذا ابن أبي حاتم 9/ 3003، وعن قتادة أيضًا. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 334، و"معانى القرآن" للزجاج 4/ 152، و"تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 152 (سرمد). و"تفسير الثعلبي" 8/ 151 أ.]]. قال أبو عبيدة. وكل شيء لا ينقطع من عيش، أو غمٍّ أو بلاء دائم، فهو سرمد [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 109.]]. وقال المبرد: يقال: هو يسهر سهرًا [[سهرا. ساقطة، نسخة (ج).]] سرمدًا، إذا لم يكتحل فيه بغمض، ولا يكون السرمد ما يقع فيه فصل. قال المفسرون: دائمًا، لا نهار معه [["تفسير مقاتل" 68 ب. و"معاني القرآن" للفراء 2/ 309.]]. ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ قال ابن عباس: بنور تطلبون فيه المعيشة [[ذكره القرطبي 13/ 308، ولم ينسبه.]]. وقال أبو إسحاق: أي بنهار تبصرون فيه، وتتصرفون في معايشكم، وتصلح فيه ثماركم ومنابتكم؛ لأن الله -عز وجل- جعل الصلاح للخلق بالليل مع النهار، فلو كان واحد منهما دون الآخر هلك الخلق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 152.]]. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ أي: سماع فهم وقبول. يعني: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ هذه الحجة فتتدبرونها وتعملون بموجبها إذا كانت بمنطقة [[هكذا في نسخة: (أ)، (ب)، وفي نسخة: (ج): بموجبها وكانت هذه الناطقة بأن ..]] بأن ما أنتم عليه خطأ وضلال. وقال الكلبي: يقول: أفلا تطيعون من يفعل ذلك بكم [["تنوير المقباس" 330.]].

القصص 28:72

وقوله: ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: تأوون فيه إلى مساكنكم، كما تأوي الطير إلى وكورها [[أخرج ابن أبي حاتم 9/ 3003، عن السدي ﴿تَسْكُنُونَ﴾ تقرون فيه. وفي "تنوير المقباس" 330: تستقرون فيه.]]. وقال مقاتل: تستقرون فيه من النَّصَب [["تفسير مقاتل" 68 ب.]]. وقال أهل المعاني: امتن الله على عباده بالليل للسكون والراحة، ولا ليل في الجنة؛ لأن دار التكليف لابد فيها من التعب الذي يحتاج معه إلى الراحة والحمَّام [[الحميم: الماء الحار، والحمَّام: مشتق منه، تذكَّره العرب. "تهذيب اللغة" 4/ 15 (حمم).]]، وليس كذلك دار النعيم؛ لأنه إنما يتصرف فيها بالملاذ. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أنتم عليه من الخطأ والضلالة والظلم. وقال الكلبي: أفلا تعقلون أنه ليس معه إله غيره يفعل ذلك بكم. قال أصحابنا: الإتيان من دلائل إثبات صانع واحد، وذلك أنه كان يجوز في العقل دوام كون الظلمة، وكذلك الضياء، فلما تعاقبا دلا على صانع يكور أحدهما على الآخر، ولما كان تعاقبهما على حسابٍ معلوم في الزيادة والنقصان، لا يختلفان في عام منذ خلقا، دل ذلك على توحيد الصانع؛ إذ لو كان معه إله لأشبه أن يريدَ أحدُهما بقاءَ الليل حين يريد الآخر انقضاءه، وكذلك ضياء النهار، فيختلفان حينئذ في حسابهما.

القصص 28:73

ثم أخبر أن الليل والنهار رحمة فقال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 152، بنصه.]]: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ قال الكلبي: ومن نعمته أن جعل لكم الليل والنهار [["تنوير المقباس" 330]] ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: جعل لكم الليل لتأووا فيه مع أزواجكم، والنهار لتلتمسوا فيه من فضل الله. وقال الكلبي: السكون بالليل، والتماس المعيشة بالنهار [["تنوير المقباس" 330.]]. وعلي هذا قال الفراء: تجعل الهاء في قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ راجعة على الليل خاصة، وأَضمرتْ للابتغاء هاءً أخرى تكون للنهار، قال: وإن شئت جعلت الليل والنهار كالفعلين؛ لأنهما ظلمة وضوء، فرَجتْ الهاء في ﴿فِيهِ﴾ عليهما جميعًا، كما تقول: إقبالك وإدبارك يؤذيني؛ لأنهما فعل، والفعل يُرَدُّ كثيره وتثنيته إلى التوحيد، فيكون ذلك صوابًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 310.]]. وذكر أبو إسحاق الوجهين أيضًا؛ فقال في الوجه الأول: المعنى: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ بالليل، وتبتغوا من فضله بالنهار، قال: وجائز: أن تسكنوا فيهما، وأن تبتغوا من فضل الله فيهما، فيكون المعنى: جعل الله لكم الزمان ليلاً ونهارًا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 153.]]. وقال المبرد: السكون إنما هو في الليل، والابتغاء من فضله يكون بالنهار، ولكن لما عطف أحدهما على الآخر، أُخرجا مخرج الواحد الجامع للشيئين. ونظير هذا من الكلام: لئن لقيت زيدًا وعمرًا، لتلقين منهما شجاعة وفصاحة؛ على أن الفصاحة لأحدهما، والشجاعة لأحدهما. وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي الذي أنعم عليكم بهما فتوحدونه. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 68 ب.]]. وقال ابن عباس. يريد: لكي تطيعوا [[في نسخة: (أ): تطيعوه.]].

القصص 28:74

وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تكذِبون في دار الدنيا بأنهم شركائي. قال ابن عباس: وكل: زَعَم، في كتاب الله فهو كَذَب. وتفسير هذه الآية قد مر آنفًا [[الآية: 62، من السورة نفسها.]]. قال أهل المعاني: وإنما كرر النداء بـ ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ تقريعًا بالإشراك بعد تقريع. وقيل: إن الأول تعزير بإقرارهم على أنفسهم بالغي الذي كانوا عليه، وهو قولهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ الآية، والثاني: تعجيز عن إقامة البرهان لَمَّا طولبوا به بحضرة الأشهاد، وهو:

القصص 28:75

قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ قال مقاتل: يعني: وأخرجنا، وشهيدها: رسولها الذي يشهد عليها بالبلاغ [["تفسير مقاتل" 68 ب.]]، وبما كان منها؛ في قول ابن عباس والمفسرين [[أخرجه ابن جرير 20/ 104، وابن أبي حاتم 9/ 3004، عن مجاهد وقتادة. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 153. و"تفسير الثعلبي" 8/ 151 أ.]]. قال ابن قتيبة: أي: أحضرنا رسولهم المبعوث إليهم [["غريب القرآن" لابن قتيبة 334.]]. والإحضار معنى، وليس بتفسير. وهو لفظ أبي عبيدة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 110.]]. وهذا كقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: 84] [[ذكر الآيتين، الثعلبي 8/ 151 أ.]]. وقوله: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قال مجاهد: حجتكم بما كنتم تعبدون وتقولون [[أخرجه ابن جرير 20/ 105، وابن أبي حاتم 9/ 3005.]]. وقال مقاتل: حجتكم بأن معي شريكًا [["تفسير مقاتل" 68 ب.]]. وقال أبو إسحاق: أي هاتوا فيما اعتقدتم برهانًا، أي: بيانًا، إن كنتم على حق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 153.]]. قوله: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ قال ابن عباس: فلم يجيبوا، وعلموا أن الذي جاءهم به رسلهم هو الحق. وقال مقاتل: فعلموا أن التوحيد لله ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ في الآخرة ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا أن مع الله شريكًا [["تفسير مقاتل" 68 ب.]]. وافتراؤهم: ادعاؤهم الآلهة مع الله.

القصص 28:76

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ قال ابن عباس: يريد: من بني إسرائيل، ثم في سبط [[السبط في اللغة: الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد، والسبط في الشجرة، فالسبط الذين هم من شجرة واحدة. "معاني القرآن" للزجاج 4/ 217.]] موسى، وهو ابن خالته. وقال قتادة ومقاتل وإبراهيم: كان ابن عمه لخالته [[في نسخة: (أ): لخالاته.]]، كان قارون بن يصهر ابن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث [["تفسير مقاتل" 68 ب. وأخرجه ابن جرير 20/ 106، عن النخعي، وقتادة. ونسبه الثعلبي 8/ 151 أ، لأكثر المفسرين.]]. وقال ابن إسحاق: كان موسى ابن أخي قارون، وقارون كان عم موسى لأبيه وأمه؛ لأن عمران وقارون كانا ابني: يصهر بن قاهث [[أخرجه ابن جرير 20/ 105، وذكره عنه الثعلبي 8/ 151 أ. وهذا الاختلاف مما لا طائل تحته، ولا ترجى من ورائه فائدة، فقارون من قوم موسى كما أخبر الله تعالى عنه، فكونه من قرابته أم لا، لا يغير في المسألة شيئاً. والله أعلم.]]. وقوله: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: بكثرة ماله، كأنه جاوز الحد بالتكبر والتجبر عليهم. وهذا قول قتادة؛ قال: بغى عليهم بكثرة ماله وولده بالكِبْر والبذخ [[أخرجه ابن جرير 20/ 106، وابن أبي حاتم 9/ 3006، عن قتادة. وذكره عنه الثعلبي 8/ 151 أ.]]. ونحوه قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 68 ب.]]. وقال المسيب [[المسيب هو: عيسى بن المسيَّب كما صرح به الثعلبي 8/ 151 أ، البجلي، قاضي الكوفة، روى عن قيس ابن أبي حازم، والشعبي والنخعي، ضعفه يحيى بن معين وغيره. "الكامل في ضعفاء الرجال" 5/ 1892، و"الجرح والتعديل" 6/ 288.]]: كان قارون عاملًا لفرعون على بني إسرائيل، فكان يبغي عليهم ويظلمهم [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 151 أ.]]. وقال الفراء: بغيه عليهم: أنه قال: إذا كانت النبوة لموسى، وكان المَذبح والقربان في يد هارون، فمالي [["معاني القرآن" للفراء2/ 310.]]؟ وهذا قول الكلبي؛ قال: إن قارون قال لموسى: يا موسى ألك النبوة، ولهارون الحُبورَة [[ذكر الواحدي معنى الحبرة في سورة الروم، آية: 15 ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ وسيأتى -إن شاء الله تعالى-.]]؟ ولستُ في شيء من ذلك، لا أصبر على هذا أبدًا [["تنوير المقباس" 330، وذكره الثعلبي 8/ 153 أ. في خبر طويل نسبه للعلماء بأخبار القدماء، ولم يسمهم.]]. وعلى هذا بغيه: طلبه ما ليس له أن يطلبه من مساواة الأنبياء في درجتهم. وقال شهر بن حوشب في تفسير قوله: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾: زاد عليهم في الثياب شبرًا [[أخرجه: "ابن جرير" 20/ 106، و"ابن أبي حاتم" 9/ 3006. وذكره عنه "الثعلبي" 8/ 151 ب.]]. وهذا معنى القول الأول، لأنه يريد: تكبر عليهم وتجبر، وطولُ الثوب من علامات الكبر، ولذلك نُهي عنه [[في أحاديث كثيرة؛ منها حديث أبي ذر -رضي الله عنه-، عن النبي -ﷺ- قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله -ﷺ- ثلاث مرات قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب". أخرجه مسلم 1/ 102، كتاب الإيمان، رقم: 106.]]. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ قال الأخفش: يريد: الذي إن مفاتحه، وهذا موضع لا يكاد يبتدأ فيه بـ: إن [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 654، بلفظ: إن الذي مفاتحه. وفي نسخة: (ب)، (ج): الذي إن مفاتحه، وفي نسخة: (أ): إن مفاتحه. بإسقاط: الذي. وذكر هذا المعنى ابن قتيبة، عن أبي صالح، "غريب القرآن" 335.]]. يعني: أنَّ (إِنَّ) هاهنا من صلة ما لا يبتدأ به هاهنا، فالوقف على (مَا) وإن كان (إِنَّ) من حروف الابتداء؛ لأن ما [[ما: ساقطة من نسخة (أ)، (ج).]] مع ما بعده من صلة الموصول [[قال سيبويه: (إِنَّ) صلة لـ (مَا) كأنك قلت: ما والله. الكتاب 3/ 146، وذكر أبو علي هذه الآية مثالاً لكسر: إن، إذا وقعت بعد الاسم الموصول. "الإيضاح العضدي" 163.]]. والمراد بالمفاتيح هاهنا: الخزائن في قول الأكثرين. وهو قول مقاتل والضحاك وأبي صالح وأبي رزين؛ قالوا: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ خزائنه [[أخرجه ابن جرير 20/ 107، عن أبي صالح، والضحاك، وأخرجه عن أبي رزين ابن أبي حاتم 9/ 3007. و"تفسير مقاتل" 68 ب. والزاهر في معاني كلمات الناس 1/ 464، ولم ينسبه. وذكره الثعلبي 8/ 151 ب، عن أبي صالح، وأبي رزين.]]. وهذا كقِوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: 59] يعني: خزائن الغيب [["غريب القرآن" لابن قتيبة 335.]]، وقد مرَّ [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة الأنعام: قال السدي والحسن: ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ خزائن الغيب. ونحو ذلك قال ابن عباس، والضحاك ومقاتل في المفاتح أنها: الخزائن.]]. وقال آخرون: المفاتح هاهنا جمع: مفتاح، وهو ما يفتح به الباب. وهو قول قتادة ومجاهد وخيثمة؛ قالوا: كانت مفاتيحه من جلود الإبل [[وهو قول أبي عبيدة "مجاز القرآن" 2/ 110. وذكره الزجاج 4/ 154، ولم ينسبه. وذكره الثعلبي 8/ 151 أ، عن مجاهد.]]. والأول اختيار الفراء والزجاج؛ قال: الأشبه في التفسير: ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾: خزائن ماله [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 155.]]. وقال الفراء: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ خزائنه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 310.]]. وأيضًا فإن المفاتح لو كان جمع مفتاح لكان وجه الكلام أن يقال: مفاتيح، وإن كان المفاتح جائزًا. قال الليث: وجمع المفتاح [[من هنا بدأ السقط في نسخة: (ج)، إلى الآية: 79.]] الذي يفتح به المِغلاقُ: مفاتيح، وجمع المَفْتَح الخزانة: مفاتح [[كتاب "العين" 3/ 194 (فتح)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 4/ 447.]]. وقوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ معنى النَّوء في اللغة: النهوض بجهد ومشقة [["تهذيب اللغة" 15/ 536 (ناء).]]. قال ذو الرُّمة يصف الفراخ: يَنُوءنَ ولم يُكْسَيْنَ إلا منازعًا ... من الريش تَنْواءَ الفِصالِ الهَزائلِ [[معنى: ينوءن: ينهضن، يعني: الفراخ، ولم يكسين إلا منازعًا، أي: بقايا ريش، والهزائل: جمع هزيل، أي: مهزول. "ديوان ذي الرمة" شرح الخطيب التبريزي 464.]] ويقال: ناء بحمله، إذا نهض به مثقلًا. قال ذو الرمة: تَنوءُ بأُخراها فَلأيًا قيامُها ... وتمشي الهُوينى عن قريبٍ فَتُبْهرُ [["تهذيب اللغة" 15/ 537 (ناء)، ونسبه لذي الرمة. وأنشده الثعلبي 8/ 151 ب، ولم ينسبه. ومعنى: تنوء: أي: تنهض بعجيزتها، وتنوء بها عجيزتها، فلأيا: أي: بعد بطء قيامها، وتبهر: تعيا، ومعناه: أن أخراها وهي عجيزتها تثنيها إلى الأرض لضخمها وكثرة لحمها. "ديوان ذي الرمة" شرح الخطيب التبريزي 221، ورواية الديوان: وتمشي الهوينى من قريب.]] يريد: أنها تنهض بجهد لما في آخرها، وهي عجيزتها من اللحم. قال الأزهري: وأصل النَّوء: الميل في شِقٍ، أنشد الفراء: حتى إذا ما التأمَتْ مَوَاصِلُه ... وناء في شِقِّ الشمالِ كاهلُه يعني: الرامي لَمَّا نزع القوس مال في جانب الشمال [["معاني القرآن" للفراء 2/ 310، ولم ينسب البيت، وفيه: الثمال، بدل: الشمال وهو تصحيف. وعنه ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" 15/ 540 (ناء). بلفظ: الشمال. ومعنى البيت: أن الرامي لما نزع القوس مال على شقه.]]. وقيل لمن نهض بحمله: ناء به؛ لأنه إذا نهض به وهو ثقيل أناء الناهض، أي: أماله. وكذلك النجم إذا سقط مائلًا عن مغيبه الذي يغيب فيه [["تهذيب اللغة" 15/ 540 (ناء).]]. وذكرنا تفسير العصبة عند قوله: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: 8، 14] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال الفراء: العصبة من العشرة إلى الأربعين. وقال المبرد: العصبة الجماعة، وتعصب القوم إذا اجتمعوا على هيئة يشد بعضهم بعضًا، ومنه العصبة في النسب؛ وهم الذين يجمعهم التعصب، فمعنى: العصبة: جماعة متعاونة.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: كان يحمل مفاتيحه أربعون رجلاً، أقوى ما يكون من الرجال [[أخرج ابن جرير 20/ 107، عن الضحاك: يزعمون أن العصبة: أربعون رجلاً ينقلون مفاتحه من كثرة عددها. وهو قول أبي صالح، ذكره عنه الثعلبي 8/ 151 ب، وذكر عن الضحاك عن ابن عباس، أنه ما بين الثلاثة إلى العشرة.]]. وقال مجاهد: العصبة ما بين العشرة إلى خمسة عشر [[أخرجه ابن جرير 20/ 108، وابن أبي حاتم 9/ 3008. وذكره الثعلبي 8/ 151 ب.]]. وقال مقاتل: العصبة: عشرة نفر إلى أربعين [["تفسير مقاتل" 68 ب. وأخرجه ابن جرير 20/ 106، وابن أبي حاتم 9/ 3007، عن خيثمة، ومجاهد. واقتصر عليه ابن قتيبة، "غريب القرآن" 335، ولم ينسبه. وهو قول أبي زيد، "تهذيب اللغة" 2/ 46 (عصب).]]. وقال الكلبي: ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين [["تنوير المقباس" 330، بلفظ: ذوي القوة وهو أربعون رجلاً يحملون مفاتيح خزائنه.]]. وقال أبو صالح: العصبة أربعون [[أخرجه ابن جرير 20/ 107، وذكره عنه الثعلبي 8/ 151 ب. واختار هذا القول واقتصر عليه الأنباري "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 464. ولم يذكر دليله على ذلك.]]. قال أبو إسحاق: والعصبة في اللغة: الجماعة الذين أمرهم واحد، يتابع بعضهم بعضًا في الفعل، ويتعصب بعضهم لبعض [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 155. وهذا أحسن ما يقال في تعريف العصبة.]]. روى الأعمش عن خيثمة قال: كان إذا ركب قارون حملت المفاتيح على ستين بغلًا أغرَّ محجلًا [[أخرجه ابن جرير 20/ 106، عن خيثمة من طريق الأعمش. وذكره عنه الثعلبي 8/ 151 ب. الغرة: البياض في وجه الفرس. "تهذيب اللغة" 16/ 70 (غرر). والتحجيل: بياض في قوائم الفرس، تقول العرب: فرس مُحجَّل. "تهذيب اللغة" 4/ 145 (حجل).]]. وقال أبو صالح: كانت تُحمل على أربعين بغلاً، وقيل: سبعون بغلًا [[أخرج رواية الأربعين، ابن جرير 20/ 107، وابن أبي حاتم 9/ 3008، وأخرج رواية السبعين، ابن أبي حاتم 9/ 3008، بلفظ: سبعون رجلاً. فلعل بغلًا حرفت إلى: رجلاً.]]. ولست أدري كيف فسروا العصبة بالبغال، وهي في الرجال [[وهذا نقد حسن، وكان الأولى الإعراض عن هذه الأقوال كلها. والله أعلم.]]! قال مقاتل في تفسير: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ عن حمل خزائنه [["تفسير مقاتل" 68 ب.]]. وقال ابن عباس: ليثقلهم حمل المفاتيح [[ذكر البخاري عن ابن عباس، في قوله تعالى ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ قال: لا يرفعها العصبة من الرجال. "فتح الباري" 8/ 506.]]. واختلفوا في وجه: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾؛ فقال أبو زيد: يقال نؤت بالحمل أنوء به، إذا نهضت به. وناءني الحمل إذا أثقلني [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 155، و"تهذيب اللغة" 15/ 536 (ناء).]]. وهذا معنى قول ابن عباس: ليثقلهم [[ذكره البخاري عنه، معلقًا بصيغة الجزم 8/ 506.]]. وعلى هذا الباء في: ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ للتعدية. وشرح ذلك الفراء والمبرد؛ قال الفراء: نوؤها بالعصبة أن تثقلهم. والمعنى: ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ تَنيءُ العصبةَ، أي: تميلهم من ثقلها، فإذا أدخلت الباء قلت: تنوء بهم، كما قال الله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96] والمعنى: ائتوني بقِطْر، فإذا حذفت الباء زدت على الفعل ألفا من أوله [["معاني القرآن" للفراء 2/ 310.]]. وقال المبرد: مجازه في الحقيقة: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي: تجعل العصبة تنوء؛ وهذا كقولك: قم بنا، أي: اجعلنا نقوم، واعدل بنا إلى فلان، وهذا محض كلام العرب. وأنشد لقيس بن الخطيم: ديارَ التي كادت ونحن على مِنًى ... تَحُلُّ بنا لولا نَجاءُ الرَّكائبِ [[أنشده ونسبه المبرد، "الكامل" 2/ 813. وهو في ديوان قيس بن الخطيم 77، وفي الحاشية: يقول: أنا نظرنا إليها ونحن سائرون، فلولا أن الإبل -لَمَّا شُغلنا بالنظر إليها- سارت ونحن لا نعلم لكنا قد نزلنا.]] أي: تجعلنا نحلها [["الكامل" للمبرد 1/ 475، ولفظه: العصبة تنوء بالمفاتيح، أي: تستقل بها في ثقل. وليس فيه إنشاد البيت.]]. ونحو هذا قال أبو إسحاق: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ لتثقل العصبة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 155.]]. وقال أبو عبيدة ومن وافقه: هذا مقلوب، إنما العصبة تنوء بالمفاتيح [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 110. وذكره عنه الأنباري، في "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 463، ولم يعلق عليه.]]، وهذا قول الأخفش، وأنشد: ما كنتَ في الحربِ العَوانِ مُغَمَّرًا ... إذْ شَبَّ حَرُّ وَقودِها أجزَالها [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 654، ولم ينسب البيت. وأنشده ابن جرير 20/ 109، ونسبه للأعشى. المغمر: الذي لم يجرب الأمور بعد، والأجزال، مفردها: جزل: الحطب اليابس، والبيت من قصيدة له يمدح فيها قيس ابن معد يكرب. "شرح ديوان الأعشى" 259.]] والأجزال: هي شَبَّت الحرَّ، فجعل هذا مثل قولهم: أوْ بلغتْ سؤاتُهم هَجَرُ [[أنشده كاملاً الأخفش، "معاني القرآن" 1/ 318، ولم ينسبه، والبيت بتمامه: مثل القنافذ هدَّاجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سؤاتهم هجر قال الأخفش: هو يريد أن السؤات بلغت هجرًا، وهجرُ رفع لأن القصيدة مرفوعة. وأنشده كذلك أبو عبيدة "مجاز القرآن" 2/ 39، ونسبه للأخطل، وقال: إنما السوءة البالغة هجرَ، وهذا البيت مقلوب. وعنه أنشده المبرد "الكامل" 1/ 475، وقال: فجعل الفعل للبلدتين على السعة. ورواية الديوان: على العِيارات هدَّاجون قد بلغت ... نجران أو حُدثت سواءتهم هجرُ العيارات: جمع: عير، أي: الحمار، هدَّاجون: من هدج، أي: سار سيرًا ضعيفاً. والبيت في هجاء بني كُليب. "شرح ديوان الأخطل" 178.]] يريد: بلغت سؤاتهم هجر. قال الفراء: فإن كان سمع بهذا أثرًا فهو وجه، وإلا فإن الرجل جهل المعنى [["معاني القرآن" للفراء 2/ 310، وذكر هذا القول بعد أن قال: وقد قال رجل من أهل العربية: إن المعنى: ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه فحول الفعل إلى المفاتح. وقد رد على أن الآية من باب المقلوب ابن قتيبة، ولم يرتض أن يستشهد على ذلك بما وقع لبعض الشعراء؛ فقال: وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله -عز وجل-، لو لم يجد له مذهبًا؛ لأن الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلام على الغلط، أو على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة وزن البيت، ثم ذكر شواهد من الشعر على وقوع القلب فيها، ثم قال بعد ذلك: وأراد بقوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي: تُميلها من ثقلها. "تأويل مشكل القرآن" 200.]]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ قال مقاتل: بنو إسرائيل [["تفسير مقاتل" 68 ب.]]. وقال الفراء: يعني موسى، وهو من الجمع الذي أريد به الواحد، كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: 173] وإنما كان رجلاً من أشجع؛ يقال له نعيم بن مسعود [["معاني القرآن" للفراء 2/ 311، ولم يذكر الاسم. وقد ذكر الواحدي في تفسير الآية من سورة آل عمران ثلاثة أقوال؛ هذا أحدها، والثاني: ركب من عبد القيس، والثالث: المنافقون.]]. قوله تعالى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال المفسرون: لا تأشر ولا تمرح ولا تبطر ولا تفخر [["تفسير مقاتل" 68 ب. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 111. و"تأويل مشكل القرآن " 491، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 155. و"تفسير الثعلبي" 8/ 151 ب.]]. وأنشد أبو عبيدة في الفرح بمعنى البطر قول هُدبة [[هُدْبة بن خَشرم بن كُرز، من بني عامر بن ثعلبة، من قضاعة، شاعر فصيح، راوية من أهل بادية الحجاز، قتل في المدينة قصاصًا نحو سنة 50 هـ "الشعر والشعراء" 464، و"الأعلام" 8/ 78.]]: ولستُ بِمفْراحٍ إذا الدهرُ سَرَّني ... ولا جازعٍ من صَرْفِه المُتَقَلِب [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 111، ونسبه لهدبة. وأنشد البيت المبرد، في "الكامل" 3/ 1455، في قصة قتل هدبة قصاصًا، وبعد هذا البيت: ولا أبتغىِ الشرَّ والشرُّ تاركي ... ولكنِّي متى أحملْ على الشرِّ أركبُ وأنشده ولم ينسبه ابن قتيبة، "غريب القرآن" 335، وكذا الثعلبي 8/ 151 ب.]] وأنشد لابن أحمر: ولا يُنسِيني الحَدَثانُ عِرْضي ... ولا أُلقِي من الفرحِ إلإزارا [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 111، ونسبه لابن أحمر، وأنشده المبرد في "الكامل" 1/ 59، ولم ينسبه، وفيه: ولا أرخي من المرح.]] يعني من البطر والأشر. وقال ابن قتيبة وغيره: أراد: لا تأشر؛ لأن السرور غير مكروه [["غريب القرآن" لابن قتيبة 335.]]. وهذا نحو قوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [["تفسير الثعلبي" 8/ 151 ب.]] [هود: 10] وقد مر [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: يفاخر أوليائي بما وسعت عليه. وهذا بيان عما يوجبه بطر النعمة من تناسي حالة الشدة، وترك الاعتراف بنعمة الله وحمده على ما صرف عنه من الضر مع المرح والتكبر على عباد الله.]]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ يعني: الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. قاله مجاهد ومقاتل [[أخرجه ابن جرير 20/ 111، وابن أبي حاتم 9/ 3009، عن مجاهد، و"تفسير مقاتل" 68 ب. و"تفسير الثعلبي" 8/ 152 أ، ولم ينسبه.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد: المستهزئين [[ذكر البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصغية الجزم: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ المرحين. "فتح الباري" 8/ 506. وكذا أخرجه ابن جرير 20/ 111، وابن أبي حاتم 9/ 3010، ولم أجد فيهما الرواية التي ذكرها الواحدي.]]. وهو معنى وليس بتفسيرة وذلك أن الاستهزاء من علامات البطر.

القصص 28:77

وقال أبو إسحاق: أراد لا تفرح بكثرة المال في الدنيا، لأن الذي يفرح بالمال يصرفه في غير أمر الآخرة. والدليل على أنهم أرادوا لا تفرح بالمال في الدنيا، قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 155.]] واطلب فيما أعطاك الله من المال [[في نسخة (أ): الأموال. والمناسب الإفراد؛ لإفراد ما بعده.]] والخير والنعمة والسعة: الجنة. قاله ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. والمعنى: اطلب فيما أنعم الله به عليك الجنة، وهو: أن يشكر الله، وينفق مما أوتي في رضا الله، يدل عليه قوله: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: العمل لله فيها بما يحب ويرضى. وقال في رواية الأعمش: أي: تعمل فيها لآخرتك [[أخرجه ابن جرير 20/ 112، وابن أبي حاتم 9/ 3010، من طريق الأعمش.]]. وهو قول مقاتل ومجاهد وابن زيد؛ قالوا: لا تترك أن تعمل لآخرتك [[أخرجه ابن جرير 20/ 112، وابن أبي حاتم 9/ 3010، عن مجاهد وابن زيد. وذكره عنهما الثعلبي 8/ 152 أ. و"تفسير مقاتل" 69 أ.]]؛ لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الذي يعمل به لآخرته [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 155.]]. ونحو هذا روى الوالبي عن ابن عباس [[ذكره الثعلبي 8/ 152 أ، من طريق الوالبي، علي بن أبي طلحة.]]. وهو معنى ما روي عن علي: لا تنس صحتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 152 أ.]]. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: العمل بطاعة الله نصيبه من الدنيا، الذي يثاب عليه في الآخرة [[أخرجه ابن جرير 20/ 112، وابن أبي حاتم 9/ 3010، عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح.]]. وقال قتادة: لا تنس الحلال من الدنيا؛ ابتغ الحلال [[أخرجه ابن جرير 20/ 113، وابن أبي حاتم 9/ 3011.]]. والمعنى على هذا: لا تترك أن تطلب فيها حظك من الرزق الحلال [[اقتصر عليه أبو عبيدة "مجاز القرآن" 2/ 111. وابن قتيبة، "غريب القرآن" 335.]]. وقال الحسن: أُمر أن يأخذ من ماله قدر عيشه، وُيقدَّم ما سوى ذلك لآخرته [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 152 أ.]]. وعنه أيضًا في هذا المعنى: قَدِّم الفضل، وأمسك ما يُبلغك [[أخرجه ابن جرير 20/ 113، وابن أبي حاتم 9/ 3011.]] وعلى هذا المراد بالنصيب: قدر ما يكفيه، يقول: اترك ذلك، وقدِّم ما سواه. ونحو هذا روي عن ابن زاذان [[أخرجه الثعلبي 8/ 152 أ، بسنده عن منصور بن زاذان، قال: قوتك وقوت أهلكْ.]]. قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد أطع الله واعبده كما أنعم عليك. وقال مقاتل: وأحسن العطية في الصدقة والخير ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: لا تبغ بإحسان الله إليك أن تعمل في الأرض بالمعاصي [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. وقال الكلبي: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ فتدعو إلى عبادة غير الله [["تنوير المقباس" 330.]]. فلما أمروه أن يطيع الله في ماله، قال لهم [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]:

القصص 28:78

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قال أبو إسحاق: ادعى أنه أعطي المال لعلمه بالتوراة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 156.]]. وقال الفراء: على فضلٍ عندي، أي: كنت أهله ومستحقًا له [[في نسخة: (ج): ومستحقه.]] إذ أعطيته لفضل علمي [["معاني القرآن" للفراء 2/ 311. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 335، ولم ينسبه. وأخرج نحوه ابن جرير 20/ 113، عن ابن زيد، وكذا ابن أبي حاتم 9/ 3012، وأخرج نحوه أيضًا عن السدي.]]. ويروى أنه كان أقرأَ رجلٍ في بني إسرائيل للتوراة؛ فقال: إنما فضلني الله بهذا المال عليكم كما فضلني عليكم بالعلم [[ذكره نحوه الثعلبي 152 أ، ولم ينسبه.]]. وهذا معنى قول مقاتل: على خيرٍ عَلِمه الله عندي [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فكفر؛ يعني: كفر لَمَّا رأى أن المال حصل له بعلمه، ولم يَرَ ذلك من عطاء الله إياه، فكأنه أراد: بعلمه في التصرف، وأنواع المكاسب؛ ويدل على هذا المعنى ما روى علي بن زيد بن جُدعان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل [[عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث الهاشمي، أبو محمد المدني، أمير البصرة، ولد في حياة النبي -ﷺ- لأبيه وجده صحبة، مجمع على ثقته، حدث عن عمر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وغيرهم -رضي الله عنهم- حدث عنه ابنه إسحاق، وعبد الله، وابن شهاب، وعمر بن عبد العزيز، وآخرون. ت: 79 هـ، وقيل غير ذلك. "سير أعلام النبلاء" 1/ 200، و"تقريب التهذيب" 498.]] أنه ذَكَر سليمان بن داود فيما أوتي من الملك، ثم قرأ قوله: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: 40] ولم يقل: هذا من كرامتي، ثم ذكر قارون فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ يعني أن سليمان -عليه السلام- رأى ما أُعطي فضلاً من الله عليه، وقارون رأى ذلك من نفسه [[أخرجه ابن جرير 20/ 118.]]. وقال الكلبي: قال ابن عباس: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ بصنعة الذهب [["تنوير المقباس" 330.]]. قال الزجاج: والذي روي أنه كان يعمل الكيمياء لا يصح؛ لأن الكيمياء باطل لاحقيقة له [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 156. وذكر الثعلبي 8/ 152 أ، عن سعيد بن المسيب، أن قارون كان يعلم الكيمياء. والكيمياء: الحيلة والحذق، ويراد بها عند القدماء: تحويل بعض المعادن إلى بعض؛ فهو علم يُعرف به طرق سلب الخواص من الجواهر المعدنية، وجلب خاصة جديدة إليها؛ ولا سيما تحويلها إلى ذهب. وأما عند المحدثين فهو علم يبحث فيه عن خواص العناصر المادية والقوانين التي تخضع لها الظروف المختلفة، وبخاصة عند اتحاد بعضها ببعض. "المعجم الوسيط" 2/ 808. ولذلك تكلم عنها أهل العلم وذموا متعاطيها لما فيها من الغش والتدليس والخداع؛ إذ فيها يُشبه المصنوع بالمخلوق، وقصد أهلها أن يُجعل هذا كهذا فينفِّقونه، ويعاملون به الناس، وهذا من أعظم الغش .. ولهذا لا يُظهرون للناس إذا عاملوهم أن هذا من الكيمياء، ولو أظهروا للناس ذلك لم يشتروه منهم فالمصنوع من الكيمياء يستحيل ويفسد ولو بعد حين، بخلاف الذهب المعدني. "مجموع الفتاوى" 29/ 370. وذكر شيخ الإسلام أنه ناظر أحد رؤوس هؤلاء المتعاملين بالكيمياء فكان بما اعترض به على شيخ الإسلام أن قال: إن قارون كان يعمل الكيمياء، فرد عليه الشيخ بقوله: وهذا أيضًا باطل؛ فإنه لم يقله عالم معروف، وإنما يذكره مثل الثعلبي في تفسيره عمن لا يُسمي، وفي "تفسير الثعلبي" الغث والسمين، فإنه حاطب ليل، ولو كان مال قارون من الكيمياء لم يكن له بذلك اختصاص؛ فإن الذين عملوا الكيمياء خلق كثير لا يحصون، والله سبحانه قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ فإخبر أنه آتاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، والكنوز إما أن يكون هو كنزها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآيه، وإما أن تكون اطلع على كنائز مدفونه، وهو الركاز، وهذا لا ريب أنه موجود. "مجموع الفتاوى" 29/ 377. ذكر الداوودي في "طبقات المفسرين" 2/ 96، أن لابن القيم كتابًا في بطلان == الكيمياء من أربعين وجهًا. وذكر هذا الكتاب الشيخ بكر أبو زيد في كتابه: "ابن قيم الجوزية حياته وآثاره" 136، وأفاد أنه لم يقف على نسخة خطية لهذا الكتاب.]]. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ قارون ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ﴾ بالعذاب ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ في الدنيا حين كذبوا رسلهم ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. قال ابن عباس ومقاتل: يريد نمروذ بن كنعان، الجبار، وغيره [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال مجاهد: الملائكة لا تَسأل عنهم [[من هنا بدأت النسخة: (ج)، بعد السقط الذي كان فيها.]] قد عرفتهم زرقًا، سود الوجوه [[أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 20/ 114، وابن أبي حاتم 9/ 2013. وذكره عنه الثعلبي 8/ 152 ب.]]. وقال الكلبي: لا يُسأل الكافر عن ذنبه، كل معروف بسيماه [["تنوير المقباس" 330.]]. واختار الفراء هذا القول [[القول، من نسخة (ج).]]؛ فقال: يقول: يعرفون بسيماهم، كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ الآية، [الرحمن: 39] ثم قال: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 311. وذكره ابن قتيبة، في "معاني القرآن" 335، ولم ينتقده.]]. وهذا القول لا يصح؛ لأن سؤالهم عن ذنوبهم ليس لمعرفتهم وليعرفوا، ولو قيل: ولا يَسأل عن المجرمين، لصح المعنى الذي ذهبوا إليه. والصحيح ما قال قتادة؛ قال: إنهم يدخلون النار بغير حساب [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 94، وابن جرير 20/ 114، وابن أبي حاتم 9/ 3013.]]. فأما قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)﴾ [الحجر: 92] فإنهم يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ؛ كما قال الحسن في هذه الآية: لا يُسألون ليُعلم ذلك مِنْ قِبَلِهم، وإن سئلوا فسؤال تقريع وتوبيخ [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 152 ب.]]. وقال أهل المعاني: ﴿يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤال من لعل له عذرًا يسقط لائمته [[في نسخة: (أ)، (ب): عذرًا سقط عنه.]]. وقال مقاتل: يقول لا يُسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا، فإن الله قد أحصى أعمالهم الخبيثة وعلمها [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. وعلى هذا القول الكناية في: ﴿ذُنُوبِهِمُ﴾ لا تعود [إلى المجرمين] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]]، إنما تعود إلى مَنْ أهلك الله من القرون؛ وهو أيضًا ليس بالقوي.

القصص 28:79

قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ يعني بني إسرائيل ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ قال مقاتل: يعني بالزينة: الشارة [["تفسير مقاتل" 69 أ. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3014، عن الضحاك. يقال: ما أحسن شَوَار الرجل، وشارَته، يعني: لباسه وهيئته. "تهذيب اللغة" 11/ 404 (شار).]]. قال عطاء عن ابن عباس: قالوا: البغال الشُّهْب [[الشهب في ألوان الخيل: أن تشق معظم لونه شعرة، أو شعرات بيض. "تهذيب اللغة" 6/ 88 (شهب).]] حَمَل عليها الكواعب من الجواري [[الكواعب: هي التي نهد ثديها، إذا ارتفع عن الصدر، وصار له حجم. "اللسان" 1/ 719 (كعب) و (نهد) 3/ 429.]]، وألبسهن ثياب الحمرة [[أخرجه نحوه ابن جرير 20/ 117، عن ابن عباس، من طريق عبد الله بن الحارث.]]. وقال مجاهد: خرج بجوارٍ عليهن ثياب حمر، على بَراذينَ بيضٍ، عليها سرج حمر من أُرجوان [[أخرجه نحوه ابن جرير 20/ 115، وابن أبي حاتم 9/ 3013، عن مجاهد. وذكره الثعلبي 8/ 152 ب. والبراذين: جمع: بِرذُون، الدابة، والبراذين من الخيل: ما كان من غير نتاج العِراب. "اللسان" 13/ 51، وفي "المعجم الوسيط" 1/ 48: البرذون يطلق على غير العربي من الخيل والبغال، من الفصيلة الخيلية، عظيم الخِلقة، غليظ الأعضاء، قوي الأرجل، عظيم الحوافر. والسَّرج: رَحْل الدابة. "تهذيب اللغة" 10/ 582 (سرج)، و"اللسان" 2/ 297. والأرجوان: شجر له زهر شديد العمرة، حسن المنظر، وليست له رائحة. "المعجم الوسيط" 1/ 31.]]. وقال قتادة: خرج على أربعة آلاف دابة، عليهم ثياب حمر، منها ألف بغلة بيضاء عليها قطائف الأُرجوان [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 94، وابن جرير 20/ 115، وابن أبي حاتم 9/ 3014.]]. وقال مقاتل: خرج على بغلة شهباء عليها سَرج من ذهب، عليه الأُرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس على الخيل، عليهم وعلى دوابهم الأُرجوان، ومعهم ثلاثمائة جارية بيض، عليهن الحلي، والثياب الحمر، على البغال الشُّهب [["تفسير مقاتل" 69 أ. وذكره عنه الثعلبي 8/ 152 ب.]]. قال أبو إسحاق: والأرجوان في اللغة: صبغ أحمر، وهو: ما روي أنه كان عليهم وعلى خيلهم الديباج الأحمر [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 156.]]. ونحو هذا قال إبراهيم والكلبي [[أخرجه ابن جرير 20/ 115، عن إبراهيم النخعي. وذكره عنه الثعلبي 8/ 152 ب.]]؛ وزاد الكلبي: خرج بثوب أخضر، كان الله أنزله على موسى من الجنة، فسرقه منه قارون. وروى مبارك عن الحسن في قوله: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ قال ثياب صفر [[أخرجه ابن جرير 20/ 115، وابن أبي حاتم 9/ 3014.]]. ونحو هذا روى عثمان بن الأسود عن مجاهد، قال: عليهم ثياب معصفرة [[أخرجه ابن جرير 20/ 115، وابن أبي حاتم 9/ 3013.]]. وهو قول ابن زيد قال: خرج في سبعين ألفًا عليهم المعصفرات [[أخرجه ابن جرير 20/ 115، وابن أبي حاتم 9/ 3014. وهذا كله مما لا دليل عليه؛ والأولى الإعراض عنه؛ إذ المقصود في الآية: أنه خرج على قومه في زينة بهرتهم.]]. قال مقاتل: فلما نظر مؤمنو أهل [[أهل. ساقطة من نسخة: (ب).]] ذلك الزمان في تلك الزينة والجمال، تمنوا مثل ذلك، وهو قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ لذو نصيب وافر من الدنيا [["تفسير مقاتل" 69 أ.]].

القصص 28:80

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قال ابن عباس: يريد الأحبار من بني إسرائيل [[ذكره عنه ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 243.]]. وقال مقاتل: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بما وعد الله في الآخرة؛ قالوا للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ﴾ ما عند الله من الثواب والجزاء ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ صدَّق بتوحيد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ وقام بالفرائض. أي: إن ذلك خير مما أعطي قارون في الدنيا [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ [قال مقاتل: لا يؤتاها يعني: الأعمال الصالحة [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. وعلى هذا الكناية تعود إلى ما دل عليه قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ وقال الكلبي:] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).]] ولا يعطاها في الآخرة ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على أمر الله، يعني: الجنة [["تنوير المقباس" 331.]]. ودل عليها قوله: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ وقال الزجاج: ولا يُلقى هذه الكلمة، يعني قولهم: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 156.]] ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على طاعة الله، وعن زينة الدنيا [[ذكره بنصه الثعلبي 8/ 153 أ.]]. وقال ابن قتيبة: ولا يوفق لها ولا يُرزقَها [["غريب القرآن" لابن قتيبة 336، وهو قول أبي عبيدة "مجاز القرآن" 2/ 111.]]. وهو قول الفراء؛ يقول: ولا يُلقَّى أن يقول: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 311.]].

القصص 28:81

قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ ذكرنا معنى الخسف في سورة: سبحان [[عند قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [68].]]. قال مقاتل وقتادة: فهو يتجلجل في الأرض كلَّ يوم قامةَ رجلٍ إلى يوم القيامة [["تفسير مقاتل" 69 ب. وأخرجه ابن جرير 20/ 119، وابن أبي حاتم 9/ 3020 عن قتادة. ومعنى: يتجلجل في الأرض: أي: ساخ فيها ودخل. "اللسان" 11/ 121 (جلل).]]. وقال ابن عباس: خُسف به إلى الأرض السفلى [[أخرجه ابن جرير 20/ 119، وابن أبي حاتم 9/ 3020، بلفظ: الأرض السابعة.]]. وقال مقاتل: لما خَسف الله بقارون، قالت بنو إسرائيل: إن موسى إنما أهلك قارون ليأخذ ماله وداره، فخسف الله بعد قارون بثلاثة أيام بدار قارون، وماله الصامت وانقطع الكلام [["تفسير مقاتل" 69 ب. والصامت: الذهب والفضة. "تهذيب اللغة" 12/ 156، و"اللسان" 2/ 55 (صمت). وظاهر الآية أن الخسف به وبداره حصل في وقت واحد. والله أعلم.]]. قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يقول: لم يكن له جند يمنعونه من الله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ من الممتنعين مما نزل به من الخسف [["تفسير مقاتل" 69 ب. و"تفسير ابن جرير" 20/ 119. و"تفسير الثعلبي" 8/ 145 أ]]. والمنتصر: الذي قد بلغ حالة النُّصرَة [[النُّصرة: حسن المعونة. "تهذيب اللغة" 12/ 160 (نصر)، و"اللسان" 5/ 210]].

القصص 28:82

وقوله: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ﴾: صار أولئك الذين تمنوا ما رُزق من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني؛ وهو قوله: ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ الآية [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 156، بنحوه.]]. قال سيبويه في هذه الكلمة: سألت عنها الخليل فزعم أنها: (وَيْ)، مفصولة من: (كأن)، وأن القوم تنبهوا، فقالوا: (وَيْ)، متندمين على ما سلف منهم، وكل من يندم أو نُدِّم فإظهار ندامته أن يقول: (وَيْ) [["الكتاب" 2/ 154. بمعناه. وذكره بنصه الزجاج 4/ 156، والأزهري، "تهذيب اللغة" 15/ 653 (وي). والثعلبي 8/ 154 ب. قال ابن قتيبة: وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: هي كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء، كأنه لا يفلح الكافرون، وقال: وي: صلة في الكلام. وهذا شاهد لقول الخليل. "تأويل مشكل القرآن" ص 526.]]. وذكر الفراء في هذه الكلمة قولين؛ أحدهما قال: يذهب بعض النحويين إلى أنهما كلمتان؛ يريد: ويك أنه، أراد: ويلك، فحذف اللام وجعل أنَّ مفتوحة بفعل مضمر، كأنه قال: ويلك أعلم، فأضمر: أعلم. قال الفراء: ولم نجد العرب تُعمل الظن والعلم بالإضمار، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: يا هذا أنك قائم، تريد: علمت أو أعلم [[نقل كلام الفراء ابن جرير 20/ 121، بلفظ: ولم نجد العرب تُعمل الظن مضمرًا، ولا العلم وأشباهه في: أنَّ، وذلك أنه يبطل إذا كان بين الكلمتين، أو في آخر الكلمة، فلما أضمر جرى مجرى المتأخر؛ ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن تقول: يا هذا، أنك قائم، ويا هذا أن قمت، تريد: علمت، أو أعلم، أو ظننت، أو أظن.]]. وهو [[في النسخ كلها: وهو. ولعل المناسب: وهذا.]] الذي ذكره قول قطرب [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 154 ب.]]. قال الفراء: وأما حذف اللام من: ويلك، حتى تصير: ويك، فقد تقوله العرب لكثرتها في الكلام، قال عنترة: ولقد شَفَى نفسي وأبرأَ سُقمها ... قولُ الفوارسِ وَيْكَ عنترَ أَقدِمِ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 312، ونسبه لعنترة، وهو في "ديوانه" 30. وأنشده أبو علي في المسائل الحلبيات 44، ولم ينسبه. وأنشده ونسبه الثعلبي 8/ 154 ب. == وأنشده ولم ينسبه، ابن جني، "الخصائص" 3/ 40. والشاهد فيه: حذف اللام من: ويلك، حتى تصير: ويك.]] قال: وقد قال آخرون: إن معنى: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ وي، منفصلة من: (كأن)، تقول للرجل: (وي)، أما ترى ما بين يديك؟ فقال الله تعالى: وي، ثم استأنف: كأن الله يبسط الرزق، وهي تعجب، (وكأن)، في مذهب الظن والعلم؛ وهذا وجه مستقيم، غير أن العرب لم تكتبها منفصلة، ولو كان على هذا لكتبوها منفصلة، وقد يجوز أن يكون كَثُر بها الكلام فوُصِلت بما ليست منه؛ كما اجتمعت العرب على كتابة: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: 94] فوصلوها لكثرتها [[حكى الداني كتابة ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ في الموضعين من سورة القصص، بوصل الياء بالكاف. "المقنع" 76. وأما (ابنَ أم) فكتبت في كل المصاحف في الأعراف [150] ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ بالقطع، وفي طه [94] كتبت متصلة ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾. المقنع 76.]]. فعلى هذا ﴿وَيْكَأَنَّ﴾: تقرير، كقول الرجل: أما ترى إلى صنع الله، وأنشد النحويون جميعًا: سَأَلَتاني الطلاقَ إذْ رَأتانِي ... قَلَّ مالي قد جِئتُماني بِنُكرِ ويْكأنَّ مَنْ يكن له نَشَبٌ يُحـ ... ـبَبْ ومَنْ يفتقِرْ يعشْ عيشَ ضُرَّ [[أنشده سيبويه، ونسبه لزيد بن عمرو بن نفيل. "الكتاب" 2/ 155، وفي الحاشية: سألتاني، يعني: زوجتيه اللتين ذكرهما في بيت قبله. وأنشده الأخفش 2/ 655 ، ولم ينسبه. والنَّشَب: المال والعقار. وأنشد البيت الثاني: أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 112، وابن قتيبة "تأويل مشكل القرآن" 527، وابن جني، "الخصائص" 3/ 41، ولم ينسبوه. وأنشد البيتين، ولم ينسبهما، الزجاج 4/ 57. والشاهد فيه: ويكأن، فهي عند سيبويه والخليل مركبة من: (وي): للتنبيه، و: كأن، للتشبيه، ومعناها: ألم تر.]] قال الفراء: وأخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنكَ ويلكَ؟ فقال. ويكأنه وراء البيت، معناه: أما ترينه وراء البيت [["معاني القرآن" للفراء 2/ 312. وهذا النقل الطويل من أول قوله: وذكر الفراء في هذه الكلمة قولين إلى هنا، كله عن الفراء.]]، وقال الكسائي: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ في التأويل: ذلك أن الله [[ذكر ابن قتيبة، أن الكسائي قال في معنى هذه الكلمة: ألم تر. "تأويل مشكل القرآن" 526.]]. وهو مأخوذ من قول ابن عباس؛ فإنه قال في هذه الآية: قالوا: ذلك أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وعلى هذا هي كلمة تحقيق وابتداء. وهو قول الحسن. وقال أبو عبيدة: سبيلها سبيل: ألم تر [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 112. بلفظ: مجازه: ألم تر.]]. وقال مجاهد وقتادة: معناها: ألم تعلم [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 94، وابن جرير 20/ 120، وابن أبي حاتم 9/ 2021، عن قتادة. وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عن مجاهد، بلفظ: ألم تعلم. واختاره ابن جرير. قال ابن قتيبة: وهذا شاهد لقول الكسائي، يعني به: ألم تر. تأويل مشكل القرآن 527. وأما مقاتل فقال: يعني: لكن الله. "تفسير مقاتل" 69 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ قال ابن عباس: بالعافية والرحمة [[ذكره ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 247، ولم ينسبه.]]. وقال مقاتل: بالإيمان [["تفسير مقاتل" 69 ب.]] ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ أي: الله تعالى [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 424.]]. ومن قرأ (لَخُسِفَ بِنَا) [[قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿لَخَسَفَ﴾ بالفتح، وقرأ الباقون: ﴿لخُسِفَ﴾ بضم == الخاء. "السبعة في القراءات" 495، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 424، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 179، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 342.]] فإنه يؤول إلى الخسف في المعنى، غير أنه بني الفعل للمفعول [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 425.]] ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ أكثر المفسرين يقولون معناه: ألم تر أنه، و: أما ترى أنه [["تفسير ابن جرير" 20/ 120.]]. قال الزجاج: وهذا مشاكل لتفسير الخليل؛ لأن قول المفسرين: أما ترى، تنبيه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 157، بلفظ: فهذا تفسير الخليل، وهو مشاكل لما جاء في التفسير، لأن قول المفسرين هو تنبيه.]]. ﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يسعد من كفر بالله [["تفسير مقاتل" 69 ب.]].

القصص 28:83

وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد الجنة [[أخرج ابن أبي حاتم 9/ 3022، عن عكرمة، و"تفسير ابن جرير" 20/ 122، ولم ينسبه. و"تفسير مقاتل" 69 ب.]]. ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: تعظمًا في الأرض عن الإيمان [["تفسير مقاتل" 69 ب.]]. ونحوه قال الكلبي: هو الاستكبار عن الإيمان بالله [["تنوير المقباس" 331.]]. وقال ابن عباس: علوًا على خلقي في الأرض [[أخرج ابن جرير 20/ 122، عن عكرمة: العلو: التجبر.]]. وهو: معنى قول سعيد ابن جبير: ﴿عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ بغيًا [[أخرجه ابن جرير 20/ 122.]]. قال علي رضي الله عنه: إن الرجل ليعجبه شرَاك نعله فيدخل في هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [[أخرجه ابن جرير 20/ 122، وابن أبي حاتم 9/ 3023، قال ابن حجر: إسناده ضعيف. "الكافي الشاف" بحاشية الكشاف 3/ 421. والشَّرَاك: سير النعل. "تهذيب اللغة" 10/ 17 (شرك).]]. يعني أن من تكبر على غيره بلباس يعجبه، فهو ممن يريد علوًا في الأرض. وهو قول مسلم البَطِينِ: التكبر في الأرض بغير الحق [[أخرجه ابن جرير 20/ 122، وابن أبي حاتم 9/ 3022. وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عنه، وعن ابن جريج ومقاتل وعكرمة.]]. وقال الحسن: لم يطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطانهم [[هكذا في النسخ الثلاث: عند ذي سلطانهم. ورواية ابن أبي حاتم 9/ 3023: عند ذوي سلطانهم.]]. قوله: ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ قال الكلبي: هو الدعاء إلى عبادة غير الله [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 154 ب، وفي "تنوير المقباس" 331: بالنقش والتصاوير والمعاصي.]]. وقال مقاتل: عملًا بالمعاصي [["تفسير مقاتل" 69 ب. و"تأويل مشكل القرآن" 476.]]. وهو قول ابن جريح [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 154 ب.]]. وقال عكرمة والبطين: هو أخذ المال بغير الحق [[أخرجه ابن جرير 20/ 122، عن ابن جريج، وعكرمة، ومسلم البطين.]]. قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد عاقبة المتقين الجنة [["تنوير المقباس" 331.]]. وقال الكلبي: وهم الذين اتقوا الكبائر والفواحش [["تنوير المقباس" 331.]]. وقال قتادة: أي الجنة للمتقين [[أخرجه ابن جرير 20/ 123، وابن أبي حاتم 9/ 3023. وذكره الثعلبي 8/ 154 ب.]]. وهم الذين اتقوا عقاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.

القصص 28:84

قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ مفسر في سورة: النمل [[سورة النمل [89، 90].]]، إلى قوله: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ والمفسرون كلهم على أن المراد بالحسنة: شهادة أن لا إله إلا الله. وأن السيئة: الشرك. وهو قول ابن عباس وعبد الله وسعيد بن جبير وإبراهيم وأبي صالح وعطاء ومقاتل والجميع [["تفسير مقاتل" 69 ب. وانظر أقوالهم في تفسير ابن أبي حاتم 9/ 3024.]]. قال أبو ذر: قلت يا رسول الله: لا إله إلا الله، من الحسنات؟ قال: "هي أحسن الحسنات" [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3024، من طريق الأعمش، عن شِمْر بن عطية، عن رجل من التيم، عن أبي ذر. وأخرجه الإمام أحمد من طريق الأعمش عن شِمْر بن عطية عن أشياخه عن أبي ذر، قال قلت: يا رسول الله أوصني قال: "إذا عملت سيئة فاتبعها حسنة تمسحها قال: قلت يا رسول الله: أمن الحسنات لا إله إلا الله قال: هي أفضل الحسنات". "المسند" 8/ 113، رقم: 21543. وهذا إسناد لا يصح؛ لأن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، مع كونه ثقة فإنه يدلس، "تقريب التهذيب" 414، رقم: 2630، ولم يصرح هنا بالسماع، وأما شِمْر بن عطية فهو صدوق، والواسطة بينه وبين أبي ذر -رضي الله عنه-، مجهول. والله أعلم.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا [[تفسير ابن الجوزي 6/ 249، ولم ينسبه.]]. وقال مقاتل: يعني الذين عملوا الشرك ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الشرك، فإن جزاء الشرك النار [["تفسير مقاتل" 69 ب.]]. وقال ابن عباس: يريد ليس لعقابهم صفة ينتهي إليها عذابهم أعظم مما يوصف. والتقدير: إلا جزاء ما كانوا يعملون، وجزاء ما عملوا النار، على ما ذكره المفسرون.

القصص 28:85

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ قال ابن عباس: أنزل عليك القرآن [[بنصه عند الفراء، وأبي عبيدة، ولم ينسباه. "معاني القرآن" 2/ 313. و"مجاز القرآن" 2/ 112]]. ونحو ذلك قال مقاتل والمفسرون [[لم أجده عند مقاتل، وأخرجه ابن جرير 20/ 132، وابن أبي حاتم 9/ 3025، عن مجاهد. وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عن أكثر المفسرين، ولم يسمهم.]]. قال أبو إسحاق: معنى ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: أنزله عليك، وألزمك، وفرض عليك العمل بما يوجبه القرآن [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 157، قال ابن قتيبة: أي: أوجب عليك العمل به. "غريب القرآن" 336.]]. وتقدير الآية ما ذكره أبو علي؛ فقال: المعنى: فرض عليك أحكام القرآن، وفرائض القرآن. وعلى هذا: الآية من باب حذف المضاف، وقول المفسرين معنى وليس بتفسير؛ وذلك أن الذي فَرض عليه فرائض القرآن هو الذي أنزله، وفرض فرائضه بإنزاله، فقيل فيه: أنزل القرآن. ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: مكة [["تفسير الثعلبي" 8/ 154 ب، من قول عطاء بن أبي رباح.]]. ونحو ذلك روى العوفي عنه [[أخرجه البخاري، من طريق عكرمة، في التفسير، رقم 4773، "فتح الباري" == 8/ 509، وأخرجه النسائي، في كتاب التفسير 2/ 147، رقم: 406، عن عكرمة عن ابن عباس، وابن جرير 20/ 125، من طريق عكرمة، وسعيد بن جبير. وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عن العوفي عن ابن عباس.]]. وهو قول الكلبىِ ومقاتل؛ قالا: لما نزل النبي -ﷺ- الجُحفة [[الجُحفة: قرية كبيرة على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا على المدينة، فإن مروا على المدينة فميقاتهم ذو الحليفة. "معجم البلدان" 2/ 129. وتوجد اليوم آثارها شرق مدينة رابغ بحوالي 22 كم. "معجم المعالم الجغرافية" 80.]] في مسيره إلى المدينة من مكة لما هاجر اشتاق إليها، وذكر مولده ومولد آبائه، فأتاه جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك، فقال النبي -ﷺ-: "نعم"، فقال جبريل: فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يعني إلى مكة ظاهرًا عليهم، فنزلت هذه الآية بالجُحفة، وليست مكية ولا مدنية [["تفسير مقاتل" 69 ب. و"تأويل مشكل القرآن" 425، ونسبه لأبي صالح، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 336. وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عن مقاتل. ويعني بقوله: ليست مكية ولا مدنية: المكان، أما من ناحية التعريف الاصطلاحي فالراجح أن ما كان قبل الهجرة فهو مكي، وإن نزل خارج مكة، وما كان بعد الهجرة فهو مدني، وإن نزل خارج المدينة، والله أعلم. "البرهان في علوم القرآن" 1/ 239، و"الإتقان في علوم القرآن" 1/ 11.]]. ونحو هذا روى الضحاك عن [[في نسخة: (ب): عن مجاهد وابن عباس.]] ابن عباس في نزول الآية بالجحفة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3026، من قول الضحاك. وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عن الضحاك عن ابن عباس.]]. وروى عكرمة عن ابن عباس، ويونس عن مجاهد: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى مولدك: مكة [[أخرجه ابن جرير 20/ 125، عن ابن عباس من طريق عكرمة وسعيد بن جبير، ومجاهد من طريق يونس بن عمر، وهو ابن أبي إسحاق. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 336، ونسبه لمجاهد.]]. وهو قول الضحاك، واختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 313. واقتصر عليه أبو القاسم الزجاجي، في كتابه: "اشتقاف أسماء الله تعالى" 438.]]. وعلى هذا قيل لمكة: معاد؛ لأن معاد الرجل: بلده، وذلك أنه يتصرف في أسفاره، ثم يعود إلى بلده [["تأويل مشكل القرآن" 425.]]. وذكر الفراء وجهين آخرين؛ فقال: المعاد هاهنا، إنما أراد به حيثُ وُلدتَ، وليس من: العَود. قال: وقد يكون أن يجعل قوله ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ لَمصيرك إلى أن تعود إلى مكة مفتوحة لك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 313.]]. فالوجه الأول: معنى المعاد: المولد. وهو قول أحمد بن يحيى. والوجه الثاني: المعاد: مصدر بمعنى: العود. القول الثاني في المعاد، أنه: الجنة. وهو قول [أبي سعيد الخدري؛ قال: معاده: آخرته الجنة. ورواية السدي عن أبي صالح، و] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] سعيد بن جبير عن ابن عباس، ورواية ليث عن مجاهد [[أخرجه ابن جرير 20/ 124، وابن أبي حاتم 9/ 3026، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأخرجه عن السدي من طريق أبي صالح، وأخرجه عن مجاهد أيضًا. وأخرجه عن ابن عباس، أبو يعلى الموصلي 2/ 370، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. "مجمع الزوائد" 7/ 88]]. وعلى هذا معنى المعاد: الموضع الذي يصير إليه. [فكل شيء إليه] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] المصير فهو: المعاد. ومصيره -ﷺ- في الآخرة إلى الجنة، فهي معاده. القول الثالث في المعاد: أنه القيامة. وهو رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: يحييك يوم القيامة. وهو قول الحسن والزهري؛ قالا: معاده: الآخرة [[أخرجه عنهما عبد الرزاق 2/ 94، وأخرجه ابن جرير 20/ 124، عن عكرمة وعطاء ومجاهد والحسن والزهري، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3026، عن ابن عباس، من طريق عكرمة، وعن مجاهد، وقتادة.]]. واختاره الزجاج؛ فقال: أكثر التفسير: لباعثك، وعلى هذا كلام الناس: اذكر المَعَاد، أي: اذكر مبعثك في الآخرة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 158.]]. وذُكر فيه قولٌ رابع: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى الموت؛ رواه الأعمش عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جبير [عن ابن عباس، وروي ذلك أيضًا عن أبي سعيد الخدري] [[ما ببن المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب). وأخرج هذا القول ابن جرير 20/ 125، عن ابن عباس، وسعيد ابن جبير، وأخرجه أيضًا عن ابن عباس، من طريق الأعمش عن سعيد بن جبير، وكذا ابن أبي حاتم 9/ 3025، عن ابن عباس، من طريق الأعمش عن سعيد بن جبير، وعن عكرمة ومجاهد مثله. وذكره الثعلبي 8/ 155 أ، عن سعيد بن جبير، وابن عباس.]]. وأهل المعاني اختاروا القول الثاني؛ وقالوا: المعنى: إنه يعود في النشأة الثانية إلى الجنة. وتم الكلام عند قوله: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ ثم ابتدأ كلامًا آخر فقال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ قال مقاتل: هذا جواب لكفار مكة لما كذبوا محمدًا، وقالوا له: إنك في ضلال، فأنزل الله: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ [وأنا الذي جئت بالهدى، وهو أعلم بـ ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ نحن أم أنتم [["تفسير مقاتل" 70 أ.]]، وهذا كقوله: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).]] [﴿مِنْ عِندِهِ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (ب).]] وقد تقدم في هذه السورة [[عند الآية: ﴿وَقَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ [37].]]. و (مَنْ) هاهنا في موضع نصب، بإسقاط الخافض منه.

القصص 28:86

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: أن يوحى إليك القرآن [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3027، عن ابن عباس، والحسن.]]. وقال الكلبي: ما كنت ترجو أن تكون نبيًا [["تنوير المقباس" 331.]]. وقال مقاتل: أن ينزل عليك القرآن، يذكره النعم [["تفسير مقاتل" 70 أ.]]. وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: يريد: رحمةً مني سبقت لك، وأنت في صلب آدم. وقال مقاتل: يقول: كان الكتاب رحمة، يعني: نعمة من ربك، حين اختُصِصت بها يا محمد [["تفسير مقاتل" 70 أ.]]. قال الفراء: هذا من الاستثناء المنقطع؛ ومعناه: وما كنت ترجو أن تعلم كتب الأولين وقصصهم، تتلوها على أهل مكة، ولم تحضرها ولم تشهدها إلا أن ربك رحمك [["معانى القرآن" للفراء 2/ 313.]]. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ معينًا للكافرين على دينهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 158.]]. قال مقاتل: وذلك حين دُعي أن يرجع إلى دين آبائه، فذكَّره الله النعمة، ونهاه عن مظاهرتهم على ما كانوا عليه، وأمره بالتحذر منهم بقوله:

القصص 28:87

﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى معرفته وتوحيده [["تفسير مقاتل" 70 أ.]]. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال ابن عباس: هو مخاطبة لأهل دينه [[ذكره ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 251، ولم ينسبه.]]. يعني أن هذا الخطاب وإن كان ظاهره له فالمراد به أهل دينه، أي: لا تظاهروا الكفار ولا توافقوهم [[وليس في توجيه الخطاب للنبي -ﷺ- طعن فيه، بل في ذلك غاية التحذير من الوقوع فيما نُهي عنه، لأنه إذا وجه الخطاب للنبي -ﷺ- بالنهي عن الشرك، وعبادة غير الله تعالى، فغيره من باب أولى، وأنه لا عذر لأحد في ذلك. والله أعلم.]]، وكذلك قوله:

القصص 28:88

﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: لا تعبد معه غيره [["تفسير مقاتل" 70 أ.]]. قال ابن عباس: هذا تخويف للمشركين، وأما النبي -ﷺ- فقد عصمه الله من أن يتخذ معه إلهًا [آخر. أي: لا تعبد معه غيره. قال ابن عباس:] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] يريد: أنه إذا نُهي عن عبادة غير الله، كان ذلك تخويفًا لمن عبد معه غيره. وهذا فائدة النهي عن عبادة غيره بعد أن عُصم عن ذاك، وحكم له بالنبوة في سابق الحكم. ثم وحَّد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [["تفسير مقاتل" 70 أ.]] قال ابن عباس: يريد: إلا ما أريد به وجهه [[ذكره البخاري، ولم ينسبه، وصدره بقوله: ويقال. "فتح الباري" 8/ 505. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3028، عن مجاهد. واقتصر على هذا القول النيسابوري، في "وضح البرهان" 2/ 158، ولم ينسبه.]]. وهو قول الكلبي؛ قال: كل عمل لغيره فهو هالك، إلا ما كان له [["تنوير المقباس" 331.]]. وقال سفيان: إلا ما أريد به وجه الله من الأعمال [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3028.]]. وهو اختيار الفراء، وأنشد قول الشاعر: استغفر الله ذنبًا لستُ مُحصِيه ... ربَّ العباد إليه الوجهُ والعملُ أي: إليه أوجه العمل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 314. ولم ينسب البيت. وأنشده سيبويه 1/ 37، ولم ينسبه، وفي الحاشية: البيت من الأبيات الخمسين التي استشهد بها سيبويه، ولا يعرف قائلها. وذكره ابن جرير 9/ 127، بعد أن قال: وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما أريد به وجهه، واستشهدوا لتأويلهم ذلك بقول الشاعر، فذكر البيت، ولم ينسبه. وفي الحاشية: وهو شاهد عند النحاة على أن أصله: أستغفر الله من ذنب، ثم أسقط الجار فاتصل المجرور بالفعل فنصب مفعولًا به. وأنشده ابن جني، "الخصائص" 3/ 247، ولم ينسبه.]]. فعلى هذا وجهُ الله ما وُجِّه إليه من الأعمال. والمعنى ما ذكره الكلبي. وقال مقاتل: يقول كل شيء من الحيوان ميت، ثم استثنى نفسه بأنه حي لا يموت؛ فقال: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني: إلا هو [["تفسير مقاتل" 70 أ. وهو قول أبي عبيدة "مجاز القرآن" 2/ 112. وهذا أقرب إلى ظاهر الآية، والله أعلم.]]. ونحو هذا روي عن مجاهد [[الذي روي عن مجاهد كما سبق: إلا ما أريد به وجهه.]]، واختاره الزجاج؛ فقال: ومعنى: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إلا إياه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 158، واقتصر عليه ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 254، 480.]]. وعلى هذا: الوجه، صلةٌ في الكلام. وقال ابن كيسان: إلا ملكه [[ذكره البخاري، ولم ينسبه. "الفتح" 8/ 505.]]. والوجه يجوز أن يكون عبارة عن: المُلك؛ لأن الوجه من الوجاهة، والمَلِك مِنْ أوجه الناس، فسمي المَلِك وجهًا. وهذا معنى قول الضحاك في هذه الآية: كل شيء هالك إلا الله، والجنة، والنار، والعرش. والاختيار: القول الأول، وهو الذي يليق بمعنى الآية [[إن كان المقصود من هذا إنكار صفة الوجه لله -عز وجل- فهذا قول باطل؛ فالوجه من الصفات التي يجب الإيمان بها مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق. "أضواء البيان" للشنقيطي 6/ 457. والقول بأن المراد بالوجه في الآية ما أريد به وجه الله من الأعمال قول صحيح، لا ينافي القول الأول فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد بها وجه الله -عز وجل- من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية، وهالكة وزائلة إلا ذاته تعالى، فإنه الأول والآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. "تفسير ابن كثير" 6/ 262. لكن لا يجوز أن يُفهم من القول الثاني إنكار صفة الوجه؛ وكلام الواحدي يُشعر بذلك، حيث قال الواحدي بعد ذكره مؤيدًا له: وهو الذي يليق بمعنى الآية. وصرح الواحدي بنفي صفة الوجه في تفسير: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26، 27] قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي: ربك الظاهر بأدلته ظهور الإنسان بوجهه. "الوسيط" 4/ 221. وفي "البسيط" ذكر القول الذي اقتصر عليه في "الوسيط"، وزاد قولاً آخر؛ وهو: ويبقى ربك، وهو السيد المعظم، والوجه يذكر بمعنى الشيء المعظم، كقولهم: هذا وجه القوم، ووجه التدبير، أي: التدبير المعظم. ولا يجوز أن يكون الوجه هاهنا صلة لقوله: ﴿ذُو﴾ بالرفع وهو من صفة الوجه، ولو كان الوجه صلة لقيل: ذيَ، ليكون صفة لقوله ربك. أهـ وهذا التعليل الذي ذكره الواحدي وصرف به الآية عن ظاهرها ليس بوجيه فإن == ﴿ذُو﴾ صفة للوجه الذي أضيف إلى الله -عز وجل-، فعبر بالوجه عن الذات. قال ابن كثير 6/ 261، في تفسير آية القصص: إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله هاهنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه.]]. وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ قال الكلبي: له الحكم في الآخرة [["تنوير المقباس" 331.]]، يعني: له الفصل بين الخلائق دون غيره ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم [["تفسير مقاتل" 70 أ.]]، ويقضي بينكم [[في نهاية النسخة: (ج)، كتب: تم الجزء السابع من كتاب "البسيط" في التفسير، تصنيف: الإمام: الواحدي، ويتلوه الجزء الثامن، سورة العنكبوت، على يد الفقير إلى رحمة ربه: محمد علي محمد الأنصاري، في رابع ربيع الآخر، سنة سبع وستمائة. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد رسوله وصحبه وسلم تسليما. ا. هـ.]].

العنكبوت 29:1

﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ قال الشعبي: لما نزلت آية الهجرة كتب بها المسلمون إلى إخوانهم بمكة، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق أدركهم المشركون، فردوهم، فأنزل الله: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ عشر آيات من أول السورة [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 95. وابن جرير 20/ 129، وابن أبي حاتم 9/ 3031. وذكره الثعلبي 8/ 155 ب، والواحدي "أسباب النزول" 340.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء؛ وقال: يريد بالناس الذين آمنوا بمكة: سلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد، وعمار بن ياسر، وياسر بن عامر، وسمية أم عمار [[سلمة بن هشام، هو أخو أبي جهل، من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فحبسه أخوه وكان النبي -ﷺ- يدعو له ولعياش بن أبي ربيعة في القنوت، ثم هرب مهاجرًا بعد الخندق، -رضي الله عنه-. "سير أعلام النبلاء" 1/ 316، "الإصابة في معرفة الصحابة" 3/ 120. == - عياش بن أبي ربيعة، اسم أبيه: عمرو بن المغيرة، وكان عياش من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل فرجع إلى مكه، ثم فرَّ مع رفيقيه، الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعاش إلى خلافة عمر -رضي الله عنه-، فمات سنة: خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك. وقيل: استشهد في اليمامة، وقيل: اليرموك. "فتح الباري" 8/ 227، و"الإصابة" 5/ 47. و"سير أعلام النبلاء" 1/ 316. - الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، أُسر مع من أسر من المشركين في بدر، ثم أسلم بعد ذلك، فلما أسلم حبسه أخواله فكان النبي -ﷺ- يدعو له في القنوت مع غيره من المستضعفين، ثم أفلت من أسرهم ولحق بالنبي -ﷺ- في عمرة القضية. "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" 11/ 34، و"الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 323. - ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين، حليف لبني مخزوم، يكنى: أبا عمار بابنه عمار بن ياسر، كان قد قدم من اليمن، وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، وزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها: سمية فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، وجاء الله بالإِسلام فأسلم ياسر وابنه عمار وسمية، وعبد الله أخو عمار بن ياسر، وكان إسلامهم قديمًا في أول الإسلام، وكانوا ممن يعذب في الله، وقتل ياسر وسمية وعبد الله وهم يعذبون -رضي الله عنه-. "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" 11/ 99، و"الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 332. وقد ثبت في الصحيح دعاء النبي -ﷺ- لعياش بن أبي ربيعة، ومن كان معه من المستضعفين في مكة، في حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: "اللَّهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللَّهم أنج سلمة بن هشام، اللَّهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللَّهم اشدد وطأتك على مُضر، اللَّهم اجعلها سنين كسني يوسف". قال ابن أبي الزناد عن أبيه: هذا كله في الصبح. أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، رقم الحديث (1006) ، "فتح الباري" 2/ 492. وأخرجه مسلم 1/ 467، في المساجد، رقم (675)، وفي آخره قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله -ﷺ- ترك الدعاء بعدُ فقلت: أرى رسول الله -ﷺ- قد ترك الدعاء لهم قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا. وفي حاشية صحيح مسلم: وما تراهم قد قدموا، معناه: ماتوا!. ولم أجد هذا المعنى في =]]، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعدة من بني مخزوم، وغيرهم من قريش [[لم أجد هذا القول، وهناك قول آخر في سبب النزول؛ ذكره مقاتل 70 ب؛ قال: نزلت في مِهْجَع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، وهو أول من يدعى إلى الجنة من شهداء أمة محمد -ﷺ-، فجزع عليه أبواه. وذكره عنه الثعلبي 8/ 155 ب. والواحدي في "أسباب النزول" 340. وقال عنه الزيلعي: غريب. "تخريج أحاديث الكشاف" 3/ 39، وساق ما روي في شأن مهجع -رضي الله عنه-. ولا تعارض بين هذه الأسباب فكلها أمثلة لمن حصل لهم البلاء بسبب إيمانهم. وحكمها باقٍ؛ قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة بهذا السبب، وفي هذه الجماعة، فهي بمعناها باقية في أمة محمد -ﷺ-، موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونِكاية العدو، وغير ذلك.]]. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿الم﴾ قال: أنَّ الله أعلم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3029، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير، وأبي الضحى. وسبق ذكر رأي الواحدي في الحروف المقطعة والتعليق عليه في أول سورة الشعراء.]]. وقال عكرمة: ﴿الم﴾ أَن قسم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3030.]]. واختار الزجاج قول ابن عباس [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.]]. وقال في قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ اللفظ لفظ استخبار، والمعنى معني تقرير وتوبيخ، ومعناه: أحسبوا بمعنى الذين جزعوا من أذى المشركين أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط، ولا يمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.]]. وقوله: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (أن) في موضع نصب بحَسِب. وقوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ (أن) في موضع نصب من جهتين؛ ذكرهما الفراء والزجاج؛ إحداهما أن التقدير: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ لأن يقولوا أو بأن يقولوا، فلما حذف حرف الخفض وصل ﴿يُتْرَكُوا﴾ إلى أن فنصب. والثانية: أن تجعل ﴿أَحَسِبَ﴾ مكررة عليها، المعنى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ أحسبوا [[أحسبوا. زيادة من الفراء.]] ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 314. التقدير على هذا القول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ أحسب الناس ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ وجملة ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ متعلقة بالحالين: الترك، والقول. والله أعلم.]] قال أبو إسحاق: الأولى أجود [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.]]. قال أبو علي: إن تَرَك، يتعدَى إلى مفعول واحد، فإنْ بُنِيَ للمفعول لم يتعدَّ إلى آخَر، فـ ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ لا يتعلق به ولا يتعدى إليه، حتى يقدر محذوفٌ [[محذوف، من نسخة: (ب).]] حرفٌ، ثم يُقدَّرُ الحرفُ فيصل الفعل [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" 2/ 221 أ. والحرف المقدر هو ما سبق ذكره في قول الفراء والزجاج: لأن يقولوا، أو: بأن يقولوا.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ قال ابن عباس والسدي ومجاهد وقتادة: لا يفتنون في إيمانهم وأموالهم وأنفسهم [[أخرجه ابن جرير 20/ 128، عن مجاهد. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 96، وابن جرير 20/ 128، عن قتادة بلفظ: لا يبتلون. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3032، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس.]]. قال مقاتل وقتادة: يقول: أحسبوا أن يتركوا على التصديق بتوحيد الله وهم لا يبتلون بالقتل وبالتعذيب في الدنيا بقولهم: آمنا [["تفسير مقاتل" 70 ب، بمعناه. قال ابن قتيبة: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ أي: لا يقتلون ولا يعذبون. "غريب القرآن" 337.]]، وهم لا يعاملون معاملة المختَبَر لتظهر الأفعال التي يُستحق عليها الجزاء، ثم أخبر عن فتنة مَنْ قبل هذه الأمة من المؤمنين [["تفسير مقاتل" 70 ب.]] بقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.

العنكبوت 29:2

﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ قال الشعبي: لما نزلت آية الهجرة كتب بها المسلمون إلى إخوانهم بمكة، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق أدركهم المشركون، فردوهم، فأنزل الله: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ عشر آيات من أول السورة [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 95. وابن جرير 20/ 129، وابن أبي حاتم 9/ 3031. وذكره الثعلبي 8/ 155 ب، والواحدي "أسباب النزول" 340.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء؛ وقال: يريد بالناس الذين آمنوا بمكة: سلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد، وعمار بن ياسر، وياسر بن عامر، وسمية أم عمار [[سلمة بن هشام، هو أخو أبي جهل، من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فحبسه أخوه وكان النبي -ﷺ- يدعو له ولعياش بن أبي ربيعة في القنوت، ثم هرب مهاجرًا بعد الخندق، -رضي الله عنه-. "سير أعلام النبلاء" 1/ 316، "الإصابة في معرفة الصحابة" 3/ 120. == - عياش بن أبي ربيعة، اسم أبيه: عمرو بن المغيرة، وكان عياش من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل فرجع إلى مكه، ثم فرَّ مع رفيقيه، الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعاش إلى خلافة عمر -رضي الله عنه-، فمات سنة: خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك. وقيل: استشهد في اليمامة، وقيل: اليرموك. "فتح الباري" 8/ 227، و"الإصابة" 5/ 47. و"سير أعلام النبلاء" 1/ 316. - الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، أُسر مع من أسر من المشركين في بدر، ثم أسلم بعد ذلك، فلما أسلم حبسه أخواله فكان النبي -ﷺ- يدعو له في القنوت مع غيره من المستضعفين، ثم أفلت من أسرهم ولحق بالنبي -ﷺ- في عمرة القضية. "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" 11/ 34، و"الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 323. - ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين، حليف لبني مخزوم، يكنى: أبا عمار بابنه عمار بن ياسر، كان قد قدم من اليمن، وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، وزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها: سمية فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، وجاء الله بالإِسلام فأسلم ياسر وابنه عمار وسمية، وعبد الله أخو عمار بن ياسر، وكان إسلامهم قديمًا في أول الإسلام، وكانوا ممن يعذب في الله، وقتل ياسر وسمية وعبد الله وهم يعذبون -رضي الله عنه-. "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" 11/ 99، و"الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 332. وقد ثبت في الصحيح دعاء النبي -ﷺ- لعياش بن أبي ربيعة، ومن كان معه من المستضعفين في مكة، في حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: "اللَّهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللَّهم أنج سلمة بن هشام، اللَّهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللَّهم اشدد وطأتك على مُضر، اللَّهم اجعلها سنين كسني يوسف". قال ابن أبي الزناد عن أبيه: هذا كله في الصبح. أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، رقم الحديث (1006) ، "فتح الباري" 2/ 492. وأخرجه مسلم 1/ 467، في المساجد، رقم (675)، وفي آخره قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله -ﷺ- ترك الدعاء بعدُ فقلت: أرى رسول الله -ﷺ- قد ترك الدعاء لهم قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا. وفي حاشية صحيح مسلم: وما تراهم قد قدموا، معناه: ماتوا!. ولم أجد هذا المعنى في =]]، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعدة من بني مخزوم، وغيرهم من قريش [[لم أجد هذا القول، وهناك قول آخر في سبب النزول؛ ذكره مقاتل 70 ب؛ قال: نزلت في مِهْجَع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، وهو أول من يدعى إلى الجنة من شهداء أمة محمد -ﷺ-، فجزع عليه أبواه. وذكره عنه الثعلبي 8/ 155 ب. والواحدي في "أسباب النزول" 340. وقال عنه الزيلعي: غريب. "تخريج أحاديث الكشاف" 3/ 39، وساق ما روي في شأن مهجع -رضي الله عنه-. ولا تعارض بين هذه الأسباب فكلها أمثلة لمن حصل لهم البلاء بسبب إيمانهم. وحكمها باقٍ؛ قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة بهذا السبب، وفي هذه الجماعة، فهي بمعناها باقية في أمة محمد -ﷺ-، موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونِكاية العدو، وغير ذلك.]]. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿الم﴾ قال: أنَّ الله أعلم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3029، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير، وأبي الضحى. وسبق ذكر رأي الواحدي في الحروف المقطعة والتعليق عليه في أول سورة الشعراء.]]. وقال عكرمة: ﴿الم﴾ أَن قسم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3030.]]. واختار الزجاج قول ابن عباس [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.]]. وقال في قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ اللفظ لفظ استخبار، والمعنى معني تقرير وتوبيخ، ومعناه: أحسبوا بمعنى الذين جزعوا من أذى المشركين أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط، ولا يمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.]]. وقوله: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (أن) في موضع نصب بحَسِب. وقوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ (أن) في موضع نصب من جهتين؛ ذكرهما الفراء والزجاج؛ إحداهما أن التقدير: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ لأن يقولوا أو بأن يقولوا، فلما حذف حرف الخفض وصل ﴿يُتْرَكُوا﴾ إلى أن فنصب. والثانية: أن تجعل ﴿أَحَسِبَ﴾ مكررة عليها، المعنى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ أحسبوا [[أحسبوا. زيادة من الفراء.]] ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 314. التقدير على هذا القول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ أحسب الناس ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ وجملة ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ متعلقة بالحالين: الترك، والقول. والله أعلم.]] قال أبو إسحاق: الأولى أجود [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.]]. قال أبو علي: إن تَرَك، يتعدَى إلى مفعول واحد، فإنْ بُنِيَ للمفعول لم يتعدَّ إلى آخَر، فـ ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ لا يتعلق به ولا يتعدى إليه، حتى يقدر محذوفٌ [[محذوف، من نسخة: (ب).]] حرفٌ، ثم يُقدَّرُ الحرفُ فيصل الفعل [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" 2/ 221 أ. والحرف المقدر هو ما سبق ذكره في قول الفراء والزجاج: لأن يقولوا، أو: بأن يقولوا.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ قال ابن عباس والسدي ومجاهد وقتادة: لا يفتنون في إيمانهم وأموالهم وأنفسهم [[أخرجه ابن جرير 20/ 128، عن مجاهد. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 96، وابن جرير 20/ 128، عن قتادة بلفظ: لا يبتلون. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3032، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس.]]. قال مقاتل وقتادة: يقول: أحسبوا أن يتركوا على التصديق بتوحيد الله وهم لا يبتلون بالقتل وبالتعذيب في الدنيا بقولهم: آمنا [["تفسير مقاتل" 70 ب، بمعناه. قال ابن قتيبة: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ أي: لا يقتلون ولا يعذبون. "غريب القرآن" 337.]]، وهم لا يعاملون معاملة المختَبَر لتظهر الأفعال التي يُستحق عليها الجزاء، ثم أخبر عن فتنة مَنْ قبل هذه الأمة من المؤمنين [["تفسير مقاتل" 70 ب.]] بقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.

العنكبوت 29:3

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قالوا جميعًا: ابتلينا [[أخرجه ابن جرير 20/ 129، عن مجاهد، وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3032، عن الضحاك، وسعيد ابن جبير، ومجاهد، وعطاء. و"تفسير مقاتل" 70 ب. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 113. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 337، وقال في "تأويل مشكل القرآن" 472: اختبرنا.]]. قال ابن عباس: منهم إبراهيم خليل الرحمن -عليه السلام-، وقوم كانوا معه ومِنْ بعده نشروا بالمناشير على دين الله فلم يرجعوا عنه [[ورد هذا المعنى في حديث مرفوع أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، رقم الحديث (3852)، "فتح الباري" 7/ 165. من حديث خباب بن الأرت -رضي الله عنه-، قال: أتيت النبي -ﷺ-، وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا فقعد وهو محمرٌ وجهُه فقال: "لقد == كان مَن قبلكم ليُمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرِق رأسه فيُشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه. ولَيُتمن الله هذا الأمر حتى يسيرَ الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله". زاد بيانٌ: "والذئبَ على غنمه". وقول ابن عباس ذكره الطبرسي "مجمع البيان" 7/ 428.]]. وقال غيره: يعني بني إسرائيل ابتلوا بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب [[ذكره الطبرسي "مجمع البيان" 7/ 428، ولم ينسبه.]]. قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ قال مقال: يقول: فليرين الله الذين صدقوا في إيمانهم من هذه الأمة عند البلاء، فيصبروا لقضاء الله ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ يقول: وليرين ﴿الْكَاذِبِينَ﴾ [["تفسير مقاتل" 70 ب.]]، فتنوا عند البلاء والتمحيص؛ يعني: المنافقين. قال أبو إسحاق: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ صِدْق الصادق بوقوع صدقه منه، ووقوع كذب الكاذب منه، وهو الذي يجازَى عليه، والله -عز وجل- قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما؛ ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازَى عليه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 160.]]. يعني أن قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ جاء بلفظ الاستقبال لحدوث المعلوم وهو الصدق والكذب، وإنما يعلم صدق الصادق كائنًا عند حدوثه، وكذلك كذب الكاذب، وقد بينا هذا بيانًا شافيًا عند قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ في سورة البقرة [143] [[قال الواحدي في تفسيرِ هذه الآية: قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ والله تعالى عالم لم يزل، ولا يجوز أن يَحدث له علم، واختلف أهل المعاني في وجه تأويله، فذهب == جماعة إلى أن العلم له منزلتان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحُكم للعلم بعد الوجود؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب، والمتعبَّد بالشيء إذا لم يُطع وعصى علمه الله تعالى عاصيًا، وإذا أطاع علمه مطيعًا، وكان قبل أن أطاع لم يعلمه علمًا يستحق به الثواب؛ وإن كان في معلوم الباري أنه يطمِع فمعنى قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ أي: لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب.]]. واختار صاحب النظم في قوله: ﴿الم﴾ أن يكون قسمًا، وجعله واقعًا على قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ وجعل قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ كلامًا معترضًا بين القَسَم وبين ما هو واقع عليه؛ قال: ودل على هذا دخول النون الثقيلة في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ كما تقول: والله لأضربنَّ عمرًا. فإن قيل: لِمَ دخلت الفاء في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ قيل: إنه لما يجيء بالجواب لقوله: ﴿الم﴾ حتى قال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ صار كأن قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ معطوفًا عليه وجوابًا له فقد اشترك قوله: ﴿الم﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ للعطف على معنى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ وذلك أن الله تعالى لما قال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ الآية، كان إنكارًا لحسبانهم أنهم لا يفتنون، وإذا كان إنكارًا ففيه دليل على أنه -عز وجل- أوجب أن يفتنهم؛ لأنه لا ينكر شيئًا إلا ويوجب ضده، ثم لما قال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ دل بهذا القول على هذا المعنى من إيجاب الفتنة، فيكون تأويله: لنفتنهم كما فتنا الذين من قبلهم، ثم صار قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ معطوفًا على هذا التأويل. وقال في قوله: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ ليس هذا من الصدق اللازم الذي تأويله: صَدَق في قوله، وهو من الصدق المتعدي الذي يقال عنه: صَدَقَنِي فلانٌ، أي: قال لي الصدق، وكَذَبَنِي؛ أي: قال لي الكذب. والمعنى ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ الله ما وعدوه، أي: تَمّوا عليه ووفوا به ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ الذين كذبوا الله ما وعدوه. وقال في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: لا يعني بذكر الفتنة إلا من أضمر الإيمان والإسلام دون الكافر؛ لأن الفتنة تجريب، كما يفتن الذهب والفضة بالنار إذا أحميا ليظهر صفاؤهما وخبثهما، والكافر ظاهر خبثه، فلا حاجة إلى تجريبه بالفتنة. انتهى كلامه.

العنكبوت 29:4

قال مقاتل: ثم أوعد كفار العرب فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني الشرك [["تفسير مقاتل" 70 ب. وأخرجه ابن جرير 20/ 130، وابن أبي حاتم 9/ 3033، عن قتادة. وهو قول الثعلبي 8/ 156 أ.]]. قال ابن عباس: يعني الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والأسود، والعاص بن هشام، وغيرهم من قبائل شتى [["تنوير المقباس" 332، بنحوه. - الأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قتله يوم بدر حمزة ابن عبد المطلب -رضي الله عنه-. "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 370. - العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أخو أبي جهل، قتله يوم بدر عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه-. "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 368، و"الأعلام" 3/ 247.]]. وقال مقاتل: نزلت في بني عبد شمس؛ منهم شيبة وعتبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وحنظلة بن أبي سفيان، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل [["تفسير مقاتل" 70 ب.]]. وقال الكلبي: نزلت في الذين بارزوا عليًّا وحمزة وعبيدة بن الحارث يوم بدر وهم. عتبة وشيبة والوليد بن عتبة [["تنوير المقباس" 332.]]. قوله تعالى: ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: [أن يفوتونا] [[ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، ولا يستقيم الكلام بدونه. وهو في "تفسير مقاتل" 70 ب. و"تنوير المقباس" 332، وتفسير ابن جرير 20/ 130.]]. وقال مجاهد: أن يعجزونا [[أخرجه ابن جرير 20/ 130، وابن أبي حاتم 9/ 3033، عن مجاهد.]]. والمعنى: أن يفوتونا فوت السابق لغيره [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 160. و"تفسير الثعلبي" 8/ 156 أ، بمعناه.]]. قال مقاتل: أن يفوتونا بأعمالهم السيئة، كلا بل نخزيهم بها في الدنيا؛ فقتلهم الله ببدر [["تفسير مقاتل" 70 ب.]]. قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ قال ابن عباس: بئس ما حكموا لأنفسهم [["تنوير المقباس" 332.]]. وقال أبو إسحاق: موضع ﴿مَا﴾ نصب على: ساء حكمًا يحكمون، كما تقول: نعم رجلاً زيدٌ، ويجوز أن يكون رفعًا على معنى: ساء الحكم حكمهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 160.]].

العنكبوت 29:5

قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ أي: يخاف البعث والحساب. قاله المفسرون [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3034، عن سعيد بن جبير، والسدي، بلفظ: يخشى. وهو قول أبي عبيدة، مجاز القرآن 2/ 113. وقال ابن قتيبة: يخافه، "غريب القرآن" 337. وهو قول ابن جرير 20/ 130. والثعلبي 8/ 156 أ.]]. قال مقاتل: يعني من كان يخشى البعث في الآخرة فليعمل لذلك اليوم [["تفسير مقاتل" 70 ب.]]، كقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: 110]. وقال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله [["تفسير الثعلبي" 8/ 156 أ، بنصه، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3034، بلفظ: من كان يخشى، وبلفظ: البعث في الآخرة، وبلفظ: ثواب ربه.]]. واختار أبو إسحاق هذا القول؛ وقال: معناه: من كان يرجو ثواب لقاء الله [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 160، وقد رد على من قال بأن معنى الرجاء هنا الخوف فقال: فأما من قال: إن معناه الخوف، فالخوف ضد الرجاء، وليس في الكلام ضد.]]. أي: ثواب المصير إلى الله. والرجاء على هذا القول معناه: الأمل، وعلى القول الأول معناه: الخوف. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد يوم القيامة [["تفسير مقاتل" 70 ب.]]. وقال صاحب النظم: هذا مقتص من قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 2] والأجل المسمى [[المسمى، من نسخة: (أ).]] عنده: البعث والقيامة، ولذلك أضاف الأجل إلى نفسه -عز وجل-. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس: لقولكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في الدنيا العلم به.

العنكبوت 29:6

قوله: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ قال ابن عباس: يريد لمرضاة الله ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ وقال مقاتل: يقول: من يعمل الخير فإنما يعمل لنفسه [["تفسير مقاتل" 70 ب.]]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ عن أعمالهم وعبادتهم.

العنكبوت 29:7

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد ما عملوا في الشرك. يريد: لَيُبْطِلها حتى تصير بمنزلة من لم يعمل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا﴾ قال مقاتل: نجزيهم بإحسانهم ولا نجزيهم بمساوئهم [["تفسير مقاتل" 71 أ.]]. والمعنى: لنجزيهم بأحسن أعمالهم؛ وهو ما أمرناهم به من الطاعة [["تفسير الثعلبي" 8/ 156 أ.]].

العنكبوت 29:8

وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ قال الأخفش: هو على: ووصيناه بحسن، وقد تقول العرب: وصيته خيرًا، أي: وصيته بخير [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 655.]]. وقال غيره: هو بمعنى: ألزمناه حسنًا، أو وصيناه أن يفعل حسنًا [[قال ابن جرير 20/ 131: وقال بعض نحوي الكوفة: معنى ذلك: ووصينا الإنسان أن يفعل حسنًا، ولكن العرب تسقط من الكلام بعضه إذا كان فيما بقي دلالة على ما سقط. وذكر هذا القول الثعلبي 8/ 156 أ، ونسبه لأهل الكوفة.]]. قال أبو إسحاق: معناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 161.]]. قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك، لما هاجر قالت أمه: والله لا يظلني ظل بيت حمَى ترجع إلى ما كنت عليه، فحثَّ الله سعدًا على البر بأمه، ونهاه أن يطيعها في الشرك؛ وهو قوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [[أخرج سبب نزول هذه الآية مسلم في "صحيحه" 4/ 1877، كتاب: فضائل الصحابة، رقم (1748) بعد حديث رقم (2412). وأخرجه كذلك أبو يعلى == الموصلي، في مسنده 2/ 116، رقم (782). وروى بعضه البخاري، في "الأدب المفرد"، باب: بر الوالد المشرك، رقم (24)، "صحيح الأدب المفرد" (40). وأخرجه ابن جرير 20/ 131، عن قتادة. وابن أبي حاتم 9/ 3036، عن قتادة، ومصعب بن سعيد. وذكره مقاتل 71 أ. والثعلبي 8/ 156 أ. وأخرجه الواحدي بإسناده في "الوسيط" 3/ 414، وكذا في أسباب النزول 340، لكن صدَّره في "أسباب النزول" بقوله: قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص .. فلعله يريد بذلك: الاتفاق على نزولها في سعد -رضي الله عنه-، والله أعلم.]] أي: لتشرك بي شريكًا لا تعلمه لي ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ وقال عطاء عن ابن عباس: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أخي أبي جهل لأمه، والقصة في ذلك مشهورة [[ذكر الواحدي هذه القصة في كتابه "أسباب النزول" 169، عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92] ولم أجدها في تفسيره البسيط؛ حيث أفاد محقق سورة النساء أن تفسير هذه الآية من القسم المفقود من الكتاب، "البسيط". وذكر هذه القصة الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف"، في سورة النساء 1/ 339، وفي سورة العنكبوت 3/ 41، وملخص هذه القصة: أن عياش هاجر مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، مترافقين، حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمه .. فنزلا بعياش فقالا له: إن من دين محمد صلة الأرحام، وبر الوالدين، وقد تركت أمك لا تطعم، ولا تأوي بيتًا حتى تراك وهي أشد حبًا لك منا، فاخرج معنا فاستشار عمر، فقال: هما يخدعانك ولك عليَّ أن أقسم مالي بيني وبينك، فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر، فقال عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها، فإن رابك منهما ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد خلأت فاحملني معك، قال: نعم، فنزل ليوطئ لنفسه وله فأخذاه وشدا وثاقه، ونزلا فجلداه كل واحد منهما مائة جلدة، وذهبا به إلى أمه، قالت له: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد ففتناه فافتتن. قال الزيلعي: رواه البزار في مسنده، ثم ساق سنده، ثم قال: وكذلك رواه ابن هشام في السيرة، عن ابن إسحاق بسنده المذكور ومتنه سواء، ونقله الثعلبي بلفظ المصنف عن مقاتل. وقد ألمح ابن حجر إلى نقد هذه == الرواية فقال: أخرجه الثعلبي بغير سند، والواحدي عن ابن الكلبي، ورواه الطبري من طريق أسباط عن السدي بتغيير يسير. الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 1/ 538. ومعنى: خلأت: بركت فلم تقم. "تهذيب اللغة" 7/ 577 (خلأ).]]. ثم أوعد بالمصير إليه فقال: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها لأجازيكم عليها؛ لأن فائدة الإخبار هنا: المجازاة عليها. والمعنى: أن طاعة الله في البر بالأم عمل صالح، [وطاعة الأم بالشرك بالله عن شيء يجازي الله عليها من عمل بأجرها] [[ما بين المعقوفين هكذا كتب في النسختين؛ ولعل الصواب -والله أعلم-: وطاعة الأم بالشرك بالله عمل سيئ يجازي الله عليها من عمل بها.]].

العنكبوت 29:9

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ قال مقاتل: لندخلنهم مع الصالحين الجنة [["تفسير مقاتل" 70 ب.]]. وقال ابن جرير: أي في مُدخل الصالحين؛ وهو: الجنة [[تفسير ابن جرير 20/ 132. وقد ذكره عنه بنصه الثعلبي 8/ 156 ب.]]. وقال صاحب النظم: تأويله: لندخلنهم الجنة في زمرة الصالحين. وهو من باب الاختصار. والمراد بالصالحين: الأنبياء والأولياء [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3037، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وذكره بنصه الثعلبي 156 ب، ولم ينسبه.]].

العنكبوت 29:10

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في قصة عياش بن أبي ربيعة أسلم وهاجر، فلما ضرب على الإسلام وعوقب ارتد ورجع إلى الكفر [["تفسير مقاتل" 71 أ، في خبر طويل. و"تنوير المقباس" 332، مختصرًا. وذكره == الثعلبي 8/ 156 ب، بطوله، ونسبه لمقاتل والكلبي. وأخرج ابن جرير 20/ 133، وابن أبي حاتم 9/ 3037، عن ابن عباس، أنها نزلت في قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم فاصيب بعضهم، وقتل بعض، قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمون وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: 97] قال: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم، خرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن شريك، وهو ثقة. "مجمع الزوائد" 7/ 10. وهذا هو الصواب جعل الآية عامة، أما ما ذكره الواحدي عن ابن عباس ومقاتل من ارتداد عياش، وجعل نزول الآية فيه؛ فهذا ليس بصواب؛ لما سبق في ترجمة عياش من أنه لم يرتد، بل صبر على فتنة قومه.]]. وهو معنى قوله. ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ يعني: ضرب إخوته وأمه إياه ليفتنوه عن دينه، وهو قوله تعالى: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. وقال مقاتل: يقول: جعل عذاب الناس في الدنيا كعذاب الله في الآخرة [["تفسير مقاتل" 71 أ.]]. وقال أبو إسحاق: جزع من عذاب الناس، كما يجزع من عذاب الله [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 161.]]. وقال صاحب النظم: أي جزع من أذى الناس ولم يصبر عليه فأطاع الناس، كما يطيع الله من خاف عذابَه، وفي نزول هذه الآية قول آخر؛ قال مجاهد: نزلت في أناس يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم أو أموالهم افتتنوا، فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة [[أخرجه ابن جرير 20/ 132، وابن أبي حاتم 9/ 3037، وذكره الثعلبي 156 ب.]]. ونحو هذا قال السدي ومقاتل؛ قال: هو المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين وكفر [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3037، عن السدي، بمعناه. و"تفسير مقاتل" 71 ب، بمعناه.]]. قال أبو إسحاق: وينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذية في الله -عز وجل- [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 161.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ابتداء كلام آخر على القول الأول [[أي: على القول بأنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة.]]، وهو: إخبار عن المنافقين. قال مقاتل: ثم استأنف: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: دولة للمؤمنين [["تفسير مقاتل" 71 ب.]]. وقال ابن عباس: نصر لأولياء الله وأهل طاعته [[في "تنوير المقباس" 332: فتح مكة.]]. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ يعني: المنافقين للمؤمنين ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ على عدوكم [["تفسير مقاتل" 71 ب.]]. وعلى القول الثاني يتصل قوله: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ بما سبقه. وهو اختيار صاحب النظم؛ أخرج ﴿مِنْ﴾ موحدًا في أول الآية، وأخرجه مخرج الجمع في قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ موحد مرةً على اللفظ، وجُمع مرةً على المعنى. وكذلك القراء يختلفون في الوقف عند قوله: ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ فهو عند نافع تمام، وعند غيره ليس بتمام؛ لاتصاله بما قبله [[هكذا في النسختين: لاتصاله بما قبله؛ وهو خطأ؛ والصواب: لاتصاله بما بعده. قال النحاس: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ عن نافع تم، قال غيره: والتمام ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾. "القطع والائتناف" 2/ 519]]. قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ بضمائر العالمين وأسرارهم من الإيمان والنفاق، وغير ذلك، أي: لا يخفى عليه كذبهم فيما قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ننصركم على عدوكم. قال صاحب النظم: دَلَّ بقوله: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ على أنهم كاذبون في قولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾.

العنكبوت 29:11

وقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال مقاتل: وليرين الله الذين صدقوا عند البلاء فثبتوا على الإسلام ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ بالشك عند البلاء [["تفسير مقاتل" 71 ب.]] وترك الإيمان ورجوعهم إلى دينهم الأول. وذكرنا معنى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ آنفًا. وقال صاحب النظم: دل بهذه الآية أن انقيادهم لمن آذاهم، وميلهم إليهم، وترك الصبر على الأذى في الله خروج من الإيمان، ودخول في الشرك في جملة المنافقين الذين لا يصبرون عند البلاء.

العنكبوت 29:12

وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ قال مجاهد: هذا من قول كفار مكة لمن آمن منهم؛ قالوا لهم: لا نُبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، فإن كان عليكم شيء فهو علينا [[أخرجه ابن جرير 20/ 134، وابن أبي حاتم 9/ 3039، عن مجاهد، وأخرجا نحوه عن الضحاك.]]. ونحو هذا قال الكلبي [["تنوير المقباس" 333.]]. وقال مقاتل: قال أبو سفيان بن حرب، لعمر بن الخطاب، وعمار، وخباب، ومن آمن من قريش: اتبعوا ديننا ملة آبائنا، ونحن الكفلاء [[في نسخة: (ب): الكفلة.]] بكل تبعة من الله تصيبكما فذلك قوله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [["تفسير مقاتل" 71 ب.]]. قال الأخفش: جزم على الأمر؛ كأنهم أمروا أنفسهم [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 655.]]. وقال الفراء: هو أمر فيه تأويل جزاء، كما أن قوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: 18] نهي فيه تأويل الجزاء، وهو كثير في كلام العرب؛ قال الشاعر: فقلتُ ادعِي وأَدْعُ فإنَّ أندى ... لِصَوتٍ أن يُناديَ داعيانِ أراد: ادعِي ولأَدْعُ، كأنه قال: إن دعوتِ دعوتُ [[أنشده سيبويه 3/ 45، ونسبه للأعشى، وفي الحاشية: لم يرد في ديوانه، وروي أيضًا للحطيئة، أو ربيعة بن جشم، أو دثار بن شيبان النمري. وقبله: تقول خليلتي لما اشتكينا ... سيدركنا بنو القرم الهجان وأنشده الفراء، "معاني القرآن" 2/ 314، ولم ينسبه. وأنشده الثعلبي 8/ 157 أ، عن الفراء. واستشهد به في الإنصاف 2/ 531، على إعمال حرف الجزم مع الحذف، ولم ينسبه. وفي الحاشية: محل الاستشهاد من البيت قوله: وأدع، فإن المؤلف أنشده على لسان الكوفيين على أن الشاعر أراد: ولأدع، بلام الأمر، وبجزم الفعل المضارع بحذف الواو، والضمة قبلها دليل عليها.]]. وقال صاحب النظم: قال لهم ارجعوا إلى ديننا لنضمن عنكم كلَّ ما يجئكم من ذلك. وذكر أبو إسحاق نحو ما قال الفراء؛ فقال: هو أمرٌ في تأويل الشرط والجزاء؛ المعنى: إن تتبعوا طريقنا الذي نسلكه في ديننا حملنا خطاياكم، إن كان فيه إثم فنحن نحتمله [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 161.]]. وقال المبرد: ﴿اتَّبِعُوا﴾ أمر ﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ معطوف عليه، وإنما أمروهم ثم عادوا فأمروا أنفسهم، ولا تحذف اللام إلا من الأمر المواجهة وما سوى ذلك فلابد من اللام، تقول: قم وليقم زيد [[أراد المبرد بقوله: الأمر المواجهة: صيغة الأمر الصريحة الأصلية التي يلزم منها حضور المأمور الموجه إليه الخطاب، كقولك: قم يا زيد، فإن كان الأمر بغيرها كالأمر بالمضارع لزم دخول اللام الدالة على الأمر كقولك: ليقم زيد. والله أعلم.]]. وهذا وجه غير ما ذكره الفراء والزجاج؛ وهو أحسن. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ معناه: من شيء يخفف عن المحمول عنه العذاب [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 162، بنصه.]] ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: إنهم ليعدونهم الباطل.

العنكبوت 29:13

﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ قال مقاتل: أوزارهم التي عملوها ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ وأوزارهم لقولهم للمؤمنين: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ [["تفسير مقاتل" 71 ب.]]، وهذا كقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: 25] قاله مقاتل وابن عباس ومجاهد [[أخرجه ابن جرير 20/ 135، عن ابن زيد، وفيه ذكر آية النحل. وذكره مقاتل 71 ب، دون ذكر آية النحل.]]. قال قتادة في هذه الآية: من دعا قومًا إلى ضلالة فعليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 96، وابن أبي حاتم 9/ 3040. وذكره ابن قتيبة، "غريب القرآن" (337).]]؛ وهو معنى قوله -ﷺ-: "ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" [[الحديث أخرجه مسلم 2/ 704، كتاب: الزكاة، رقم الحديث (1017)، وله قصة ذكرها جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: كنا عند رسول الله -ﷺ- في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله -ﷺ- لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: 18] تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كله تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله -ﷺ- يتهلل كأنه مُذهَبة، فقال رسول الله -ﷺ-: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". وأخرجه مختصرًا الترمذي 5/ 42، كتاب: العلم، رقم (2675)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه بسنده الثعلبي 8/ 157 ب، من حديث جرير بن عبد الله -رضي الله عنه-.]] وقوله: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال أبو إسحاق: ذلك سؤال توبيخ لا سؤال إعلام [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 162.]]. وقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يقولون على الله الكذب [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3040.]]. وقال مقاتل: يعني قولهم: نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله [["تفسير مقاتل" 71 ب.]].

العنكبوت 29:14

قال ابن عباس: ثم عزَّى نبيه فأخبره بما ابتلي به النبيون من قبله من قومهم؛ فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾ يريد: أقام فيهم يدعوهم إلى الله ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ روى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: بُعث نوح لأربعين سنة، فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الغرق ستين عامًا، حتى كثر الناس وفشوا [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3041، من طريق يوسف بن مهران. وذكره الثعلبي 157 ب. وأخرجه من هذا الطريق الحاكم 2/ 595، كتاب تواريخ المتقدمين، رقم (4005)، ولم يتكلم عنه الحاكم، وسكت عنه الذهبي.]]. ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ قال مقاتل: يعني الماء طغى فوق كل شيء فغرقوا [["تفسير مقاتل" 71 ب. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 100، وابن جرير 20/ 136، عن قتادة. وقال ابن قتيبة: المطر الشديد. "غريب القرآن" 337.]] ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: مشركون [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3043.]]. وذكرنا الطوفان فيما تقدم [[عند قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: 133]، حيث تكلم الواحدي عن معنى الطوفان والمراد به في الآية في أربع صفحات، ومما ذكره قول الزجاج: الطوفان من كل شيء ما كان كثيرًا محيطًا مطيفًا بالجماعة كلها كالغرق الذي يشمل المدن الكثيرة يقال له: طوفان.]].

العنكبوت 29:15

﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ يعني نوحًا من الغرق [["تفسير مقاتل" 71 ب.]] ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ يعني الذين ركبوها معه ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد تركت السفينة آية لمن بعد نوح [[أخرجه ابن جرير 20/ 136، وابن أبي حاتم 9/ 3043، عن قتادة، بنحوه.]]. وقال مقاتل والكلبي: يعني عبرة لمن بعدهم من الناس [["تفسير مقاتل" 71 ب. "تنوير المقباس" 333.]]، إن عصوا رسلهم فعلنا بهم مثل ذلك [[قال ابن جرير 20/ 136: ولو قيل: معنى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وجعلنا عقوبتنا إياهم آية للعالمين، وجعل الهاء والألف في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ كناية عن العقوبة أو السخط ونحو ذلك، إذ كان تقدم ذلك في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ كان وجهًا من التأويل.]].

العنكبوت 29:16

﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ قال الزجاج: المعنى: وأرسلنا إبراهيم، عطفًا على نوح [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 164.]]. ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ قال ابن عباس: أطيعوا الله وخافوه. وقال مقاتل: وحدوا الله واخشوه ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعني: عبادة الله خير لكم من عبادة الأوثان ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ولكنكم لا تعلمون [["تفسير مقاتل" 71 ب.]]. وقال الكلبي: إن كنتم تعلمون أن الله ربكم [["تنوير المقباس" 333.]].

العنكبوت 29:17

وقوله: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ قال أبو عبيدة: الأوثان: كل ما كان منحوتًا من خشب أو حجر، والصنم: ما كان من ذهب أو فضة أو نحاس [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 114، بلفظ: الوثن: ما كان من حجارة أو جص. وليس فيه ما يتعلق بالصنم، وما ذكره أبو عبيدة في المجاز ذكره ابن قتيبة بنصه في "غريب القرآن" 337، ولم ينسبه. وقد تتبعت الآيات التي وردت فيها كلمة: أصنام، فلم أجد أبا عبيدة تكلم عن هذه المسألة في كتابه "المجاز". وقريب مما ذكر الواحدي عند الأزهري؛ قال: وقال شمر فيما قرأت بخطه: أصل الأمثال == عند العرب: كل تمثال من خشب، أو حجارة، أو ذهب، أو فضة، أو نحاس، ونحوها. "تهذيب اللغة" 15/ 144 (وثن).]]. وهذا كما قال ابن عباس: يريد الأصنام التىِ تتخذ من الحجارة [[أخرجه ابن جرير 20/ 137، وابن أبي حاتم 9/ 3043، عن قتادة، بلفظ: أصناما.]]. قوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ قال أبو عبيدة: خلق واختلق، وخرق واخترق وافترى؛ واحد كله [[في مجاز القرآن لأبي عبيدة 2/ 114: مجازه: تختلقون وتفترون. ولم أجده عند الأزهري، مادة. خلق.]]. وفي هذا قولان للمفسرين؛ أحدهما: أن هذا محمول على الكذب في القول. وهو قول السدي؛ قال: تقولون إفكًا [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3044.]]. يعني: زعمهم أنها آلهة. وروي عن ابن عباس: تقولون كذبًا [[أخرجه ابن جرير 20/ 137. وهو قول ابن قتيبة، قال: تخرصون كذبا. "تأويل مشكل القرآن" 506. وفي "غريب القرآن" 337، قال: تختلقون كذبا.]]. القول الثاني: أن هذا محمول على الصنع باليد؛ قال مجاهد: وتصنعون أصنامًا بأيديكم فتسمونها آلهة [[ذكره الثعلبي 8/ 157 ب، بنصه عن مجاهد. وأخرج نحوه ابن جرير 20/ 137، عن ابن عباس، من طريق عطاء. ولم أجد فيه القول الذي نسبه لمجاهد، لكن أخرج ابن جرير 20/ 137، وابن أبي حاتم 9/ 3044، عنه: تقولون كذبا.]]. ويكون التقدير على هذا: وتخلقون ما تأفكون عنه بزعمكم أنه إله، والخلق يكون بمعنى: التقدير [[وبهذا المعنى فسر الآية ابن الأنباري، فقال: والخلق: التقدير، قال الله جل اسمه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ أي: تقدرون كذبا. "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 88، و"الأضداد" (159).]]، وقد ذكرناه [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: == 14]: أي: المصورين المقدرين، والخلق في اللغة: التقدير، والعرب تقول: قدرت الأديم وخلقته؛ إذا قِسته لتقطع منه مزادة أو قربة أو خفًا.]]. وقال الكلبي: جعلتم بأيديكم من العيدان والحجارة إفكًا [["تنوير المقباس" 333، بمعناه.]]. وقال قتادة: تصنعون أصنامًا وتنحتونها [[أخرجه ابن جرير 20/ 137، وابن أبي حاتم 9/ 3044، عن ابن عباس، وقتادة.]]. وقال الحسن: وتنحتون إفكًا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 96.]]. وقال مقاتل: تعملونها بأيديكم، ثم تزعمون أنها آلهة كذبًا [["تفسير مقاتل" 71 ب.]]. قال أبو إسحاق: ويكون التأويل على هذا القول: إنما تعبدون من دون الله أوثانًا وأنتم تصنعونها [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 165.]].

العنكبوت 29:19

وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني الكفار. قال مقاتل: ألم تعلم كفار مكة [["تفسير مقاتل" 72 أ.]]. ومن قرأ بالتاء فهو خطاب لهم، ويدل عليه ما تقدم من الخطاب [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء. "السبعة في القراءات" 498، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 426، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 182، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.]]. وقوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ قال ابن عباس: عند الميلاد. قال مقاتل: خلق الإنسان من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فذكر اختلاف أحوال الخلق [["تفسير مقاتل" 72 أ، ويعني بقوله: فذكر اختلاف الخلق، أن مقاتل ذكر بقية == الأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته؛ قال .. ثم من مضغة، ثم عظامًا، ثم لحمًا، ولم يكونوا شيئًا، ثم هلكوا، ثم يعيدهم الله في الآخرة.]]. وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قالا. يعني في الآخرة عند البعث [[يعني بـ: قالا: ابن عباس، ومقاتل، لتقدم ذكرهما. وقول مقاتل في "تفسيره" 72 أ. وأخرجه ابن جرير 20/ 139، وابن أبي حاتم 9/ 3045، عن قتادة. ولم أجده لابن عباس إلا في "تنوير المقباس" 333.]]. ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس: يريد الخلق الأول، والخلق الآخر [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3045، بلفظ: يعني: هينا.]].

العنكبوت 29:20

قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ قال ابن عباس: يريد: هل تجدون فيما تبحثون من البلاد وتسيرون خالقًا غيري، والمعنى على هذا: سيروا لتعلموا أن الذي بدأ الخلق هو الله لا خالق غيره، فإذ أقروا بابتداء الخلق وعلموا أن ذلك من الله، لزمتهم الحجة في الإعادة. وقال مقاتل: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ يعني خلق السموات والأرض وما فيهما من الخلق [["تفسير مقاتل" 72 أ.]]. والمعنى على هذا: أنهم إذا ساروا رأوا من مخلوقات الله ومصنوعاته ما يدلهم على قدرته، فيستدلون بذلك على أن مَنْ بدأ خلقها قادر على الإعادة بعد الإهلاك. قال مقاتل: وذلك لأنهم يعلمون أن الله خلق الأشياء كلها [["تفسير مقاتل" 72 أ.]]. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ أي: ثم الله الذي خلقها وبدأ خلقها يُنشؤها نشأة ثانية [["تفسير مقاتل" 72 أ، بمعناه.]]. وأكثر القراء. ﴿النَّشْأَةَ﴾ بالقصر. وقرأ أبو عمرو بالمد [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: [النَّشَاءَةَ] ممدودة في كل القرآن، وقرأ الباقون بالقصر. "السبعة في القراءات" 498، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 427، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 183، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.]]، والأحسن القصر؛ يقال: نَشَأَ ينشأ نَشئًا ونشأة، ولم يذكر أبو زبد وأبو عبيدة المد [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 427، بتصرف.]]، وذكره الفراء؛ فقال: هو كما تقول العرب: الرأفة والرآفة، والكأْبة والكآبة، كلٌ صواب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 315.]].

العنكبوت 29:22

وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ اختلفوا في تقدير الآية على وجهين، فقال الفراء: يقول القائل: كيف وَصَفهم بأنهم لا يُعجزون في الأرض ولا في السماء، وليسوا من أهل السماء فالمعنى والله أعلم: ما أنتم [[أنتم، غير موجودة في نسخة: (أ)، (ب).]] بمعجزين في الأرض، ولا مَنْ في السماء بمعجز، وهو من غامض العربية؛ للضمير الذي لم يظهر في الثاني، ومنه قول حسان: أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحُهُ وينصرُه سواءُ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 315. ونسب البيت لحسان، وعن الفراء أنشده ابن جرير 20/ 140. وهو في "ديوانه" 9، من قصيدة له في مدح النبي -ﷺ-، قبل فتح مكة. بلفظ: فمن يهجو.]] أراد: ومن يمدحه ومن ينصرهُ فأضمر. ومثله في الكلام: أكرم من أتاك، وأتى أباك؛ يعني: وأكرم مَنْ أتى أباك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 315. ونحوه عند ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 217، و"غريب القرآن" 338.]]. وهذا موافق لتفسير ابن عباس والكلبي، قال ابن عباس: يريد: لا يُعجزني أحدٌ من أهل الأرض، ولا من أهل السماء [[أخرج نحوه ابن جرير 20/ 139، وابن أبي حاتم 9/ 3047، عن ابن زيد.]]. وقال الكلبي: يقول: وما أنتم بسابقي في الأرض هربًا، ولا أحدٌ من أهل السماء سابقي [["تنوير المقباس" 333، مثل قول ابن عباس.]]. وهذا وجه. والوجه الثاني: قال قطرب: معناه: ولا في السماء لو كنتم فيها، كقوله: ما يفوتني فلان بالبصرة، ولا هاهنا في بلدي. يعني: ولا بالبصرة لو صار إليها [[ذكره عن قطرب ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 266. وهو قول الأخفش؛ قال: أي: لا تعجزوننا هربًا في الأرض ولا في السماء. "معاني القرآن" 2/ 656.]]. وهذا الوجه موافق لتفسير مقاتل؛ فإنه يقول في معنى الآية: وما أنتم يا كفارُ سابقي الله فتفوتونه؛ في الأرض كنتم، أو في السماء كنتم، أينما تكونوا حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة [["تفسير مقاتل" 72 أ.]]. وذكر أبو إسحاق القولين موجزًا؛ فقال: معناه: ما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا أهل السماء بمعجزين. ويجوز: وما أنتم بمعجزين في الأرض، لا ولو كنتم في السماء. أي: لا ملجأ من الله إلا إليه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 165.]]. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يمنعكم منِّي ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينصركم من عذابي. قاله ابن عباس [["تنوير المقباس" 334، بنحوه.]].

العنكبوت 29:23

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ بالقرآن والبعث بعد الموت ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ يعني من جنتي. قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل [["تفسير مقاتل" 72 أ. و"تنوير المقباس" 334.]]. وهذه الآيات معترضة في قصة إبراهيم؛ تذكيرًا لأهل مكة وتحذيرًا، ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم [[تفسير ابن جرير 20/ 140، بمعناه.]]، وهو قوله:

العنكبوت 29:24

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ يعني حين دعاهم إلى الله، ونهاهم عن عبادة الأصنام [["تفسير مقاتل" 72 أ.]] ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ وهذا تسفيه لرأيهم، وتجهيل لأحلامهم حين أجابوا مَنْ احتج عليهم بأن يُقتل أو يُحرق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 166، بمعناه.]]. قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ قال ابن عباس: يريد: ففعلوا فأنجاه الله [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3048، بمعناه.]]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في إنجاء الله إبراهيم من النار حتى لا تحرقه بعد ما ألقي فيها ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بتوحيد الله وقدرته [["تفسير مقاتل" 72 أ.]].

العنكبوت 29:25

﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ اختلف القراء في هذه الآية؛ فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: (مَّوَدَّةُ) بالرفع ﴿بَيْنِكُمْ﴾ [["السبعة في القراءات" (498)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 428، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.]] ولهذه القراءة ثلاثة أوجه: أحدها: أن يجعل: ما اسم: إن، ويضمر ذكرٌ مَّا يعود إلى: ما، فيكون التقدير: إن الذين اتخذتموهم من دون الله ﴿أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ فتصير (مَّوَدَّةُ): خبر إن، وتجعل المودة: ما اتخذوا على الاتساع؛ لأنها كانت سبب مودتهم، أو يقدر المضاف على تقدير: إن الذين اتخذتموهم أوثانًا ذوو مودةِ بينكم. الوجه الثاني: أن يضمر: هو، ويجعل: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ خبرًا عنه، والجملة في خبر إن. هذا قول أبي علي [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 428.]]، وذكر الزجاج هذين الوجهين؛ فقال: من رفع (مَّوَدَّةُ) فمن وجهين؛ أحدهما: أن تكون: (مَا) في معنى: الذي، ويكون المعنى: إن ما اتخذتموه من دون الله أوثانًا مودةُ بينكم، فتكون (مَّوَدَّةُ): خبر إن، قال: ويجوز أن ترفع (مَّوَدَّةُ) على إضمار: هي، كأنه قال: تلك مودةُ بينكم في الحياة الدنيا، أي: أُلْفَتُكم واجتماعكم على الأصنام مودةُ بينكم في الحياة الدنيا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 167.]]. الوجه الثالث: ذكره الفراء؛ فقال: من رفع فإنما يرفع بالصفة بقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وينقطع الكلام عند قوله: (أَوْثَانًا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 316.]]. وعلى هذا: (مَّوَدَّةُ) رُفع بالابتداء، وخبره: (في) الظرف، والمعنى: إنما مودةُ ما بينكم في الحياة الدنيا ثم تنقطع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 316، من قوله: إنما مودة بينكم.]]. قال أبو علي: وإضافة المودة إلى بينكم اتساع في الظرف؛ لأنه جعل اسمًا بالإضافة إليه، ومثل ذلك: قراءة من قرأ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 429. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر == وابن عامر وحمزة: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ رفعًا، وقرأ نافع والكسائي: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ نصبا. "السبعة في القراءات" 263. و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 164، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 260.]] قال الشاعر: صلاءة وَرْسٍ وسطُها قد تفلَّقا [[أنشده أبو علي، ولم ينسبه، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 429. وأنشده كاملاً، ونسبه للفرزدق أبو زيد، في النوادر 163، وابن جني، "الخصائص" 2/ 369، وصدره: أتته بمجلوم كأن جبينه وفي حاشية "الخصائص": المجلوم: المحلوق، أراد به من المرأة، والصلاءة: مدق الطبيب، والورس: نبت أصفر. وعند أبي زيد: بمحلوم، وصلاية. والشاهد فيه: إخراج: وسط، عن الظرفية. قال البغدادي، الخزانة 3/ 92: فوسطها مرفوع على أنه مبتدأ، وجملة: قد تفلق خبره. لم أجده في ديوان الفرزدق.]] وقرأ عاصم في بعض الروايات: (مَّوَدَّةٌ) بالرفع والتنوين (بَيْنَكُمْ) نصبًا [[قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾، ورواية الأعشى عن أبي بكر: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾. "السبعة في القراءات" 499، و"الحجة للمَراء السبعة" 5/ 428، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 184.]]. ووجه هذه القراءة: الوجهان [[لعل بعد هذه الكلمة سقطت كلمة: اللذان؛ ليستقيم الكلام بها.]] ذكرهما الزجاج وأبو علي في القراءة الأولى، و (بَيْنَكُمْ) منصوب على الظرف، والعامل فيه المودة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 167، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 428.]]. وقرأ حمزة (مَّوَدَّةَ) نصبًا من غير تنوين (بَيْنِكُمْ) خفضًا [[قرأ بها حمزة وعاصم في رواية حفص. "السبعة في القراءات" 499، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 429، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 184.]]، جعل (مَا) مع (إِن) كافة، ولم يجعلها بمعنى: الذي، ونصب (مَّوَدَّةَ) على أنه مفعول له، أي: اتخذتم الأوثان للمودة، ثم أضافها إلى (بَيْنِكُمْ) كما أضاف مَنْ رفع [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 429.]]. وقرأ نافع وابن عامر: (مَّوَدَّةً) بالنصب والتنوين (بَيْنَكُمْ) بالنصب [["السبعة في القراءات" 499، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 428، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 184.]]، وهذه القراءة كقراءة حمزة في المعنى؛ إلا إنه لم يُضف المودة إلى (بَيْنَكُمْ) فلمَّا لم يضف نوَّن، وانتصب (بَيْنَكُمْ) على الظرف [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 429.]]. قال المفسرون: يقول إنكم جعلتم الأوثان تتحابون على عبادتها، وتتواصلون عليها في الحياة الدنيا ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [["تفسير الثعلبي" 8/ 158 ب.]]. وقال مقاتل: بين الأتباع والقادة مودةٌ على عبادة الأصنام، ثم إذا كان ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ يتبرأ القادة من الأتباع ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ويلعن الأتباع القادة؛ لأنهم زينوا لهم الكفر ﴿وَمَأْوَاكُمُ﴾ ومصيركم جميعًا ﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ من مانعين من النار [["تفسير مقاتل" 72 ب.]].

العنكبوت 29:26

قوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فصدق بإبراهيم لوطٌ، وهو ابن أخيه، وهو أول من آمن به، رأى أن النار لم تضرّه [["تفسير مقاتل" 72 ب. و"تفسير الثعلبي" 8/ 158 ب، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير 20/ 142، وابن أبي حاتم 9/ 3050، عن ابن عباس، بلفظ: صدق لوطٌ.]]. ومعنى ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾: أي: لأجله، ولأجل ما أتى به من البرهان والحجة. ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3050، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير 20/ 143، عن الضحاك. و"تفسير مقاتل" 72 ب. و"معاني القرآن" للفراء 2/ 316. و"تفسير الثعلبي" 8/ 158 ب.]] ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ قال قتادة وابن عباس ومقاتل: هاجر من كُوْثَى إلى الشام [[أخرجه ابن جرير 20/ 142، وابن أبي حاتم 9/ 3050، عن قتادة، زاد ابن أبي حاتم: من كوثى، وهي من سواء الكوفة. و"تفسير مقاتل" 72 ب. وكوثى: قرية في العراق، في أرض بابل. وتطلق ويراد بها مكة، وذلك أن منزل بني عبد الدار يقال له: كوثى. "تهذيب اللغة" 10/ 340 (كوث). و"معجم البلدان" 4/ 553. وهي معروفة الآن بالاسم نفسه شمال بغداد بحوالي 100 كم.]]. وقال الكلبي: هاجر من أرض حرَّان إلى فلسطين، هجر قومه المشركين، وخرج من بينهم، وهو أول من هاجر الكفر وأهله وأرضه [["تنوير المقباس" 334، وأخرجه ابن جرير 20/ 143، عن ابن جريج. وذكره الثعلبي 8/ 158 ب، ولم ينسبه. وهو قول الفراء، من حران إلى فلسطين. "معاني القرآن" 2/ 316. وحرَّان: مدينة عظيمة مشهورة، وهي على طريق الموصل والشام. "معجم البلدان" 2/ 271. وهي في أقصى شمال شرق سوريا حاليا.]]. قال مقاتل: قوله: ﴿إِلَى رَبِّي﴾ يعني: إلى رضي ربي [["تفسير مقاتل" 72 ب.]]، والمعنى: إلى حيث أمرني ربي.

العنكبوت 29:27

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ قال ابن عباس: من بعد إسماعيل ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ من بعد إسحاق [[أخرجه ابن جرير 20/ 143.]] ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ وذلك أن الله -عز وجل- لم يبعث نبيًا من بعدِ إبراهيم إلا من صُلبه. ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ قال: يريد أن أهل الأديان كلهم ينتحلون حُبه [[أي: يدعون حبه. "تهذيب اللغة" 5/ 65 (نحل).]]، ويتولونه. وهذا قول قتادة ومقاتل؛ قال قتادة: وليس من أهل دين إلا وهم يتولونه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 96، وابن جرير 20/ 144، وابن أبي حاتم 9/ 3052.]]. وقال مقاتل: يعني الثناء الحسن، والقالة الحسنة من أهل الأديان كلها [["تفسير مقاتل" 72 ب. وذكر نحوه الفراء، "معاني القرآن" 2/ 316.]]. وقال الكلبي: هو ما أُعطي من الولد الطيب، والثناء الحسن [["تنوير المقباس" 334. وأخرجه ابن جرير 20/ 144، عن ابن عباس. وذكره ابن قتيبة، "غريب القرآن" 338، ولم ينسبه.]]. وقال السدي: أُري مكانَه في الجنة [[ذكره عن السدي، ابن الجوزي "زاد المسير" 6/ 268.]]. وقال الحسن: أجرُه في الدنيا: نيته الصالحة التي اكتسب بها الأجر في الآخرة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3053.]]. وعلى هذا يكون التقدير: وآتيناه سبب أجره. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه الآية كالآية في آخر (سورة النحل)، في ذكر إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)﴾ [[قال مقاتل عند هذه الآية: نظيرها في النحل. "تفسير مقاتل" 72 ب.]]. قال ابن عباس: يريد: مِثلَ: آدم ونوح [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3053، عنه بلفظ: الصالحين: الأنبياء والمؤمنين.]]. يعني: أنه في درجتهما؛ لأن الله تعالى استخرج [[هكذا في نسخة: (أ)، و: (ب). ولو زيدت: منه، لكان أوضح، فيكون الكلام لأن الله تعالى استخرج منه الذرية الطيبة.]] الذرية الطيبة كما استخرج منهما. قال صاحب النظم: لما قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ لم يُؤمَن أن يقال: إنه قد أخذ أجره في الدنيا، ولا خلاق له في الآخرة فأعلم -عز وجل- أن له مع ما أُعطي في الدنيا الدرجاتِ العلى بقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ اقتصاصًا من قوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75)﴾ [طه: 75].

العنكبوت 29:28

قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾ قال مقاتل: وأرسلنا لوطًا [["تفسير مقاتل" 72 ب.]]. والآية مفسرة في سورة: الأعراف [[الآية 80 ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80)﴾ قال الواحدي: قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾ ذكر الفراء في كتاب المصادر اشتقاق هذا الاسم، وأنكر عليه أبو إسحاق؛ وقال: الاسم الأعجمي لا يقال: إنه مشتق كإسحاق، لا يقال: إنه مشتق من السحق، وكتاب الله تعالى لا ينبغي أن يُقدَم على تأويله إلا برواية صحيحة، أو حجة واضحقى وقال النحويون: إنما صرف لوط فالحقيقة أنه على ثلاثة أحرف ساكن الأوسط. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: إتيان الذكران في قول جميع المفسرين. ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قالوا: ما نزل ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط. قال الزجاج: وفي هذه الآية دليل على أن فاحشة اللواط لم يفعلها أحد قبل قوم لوط.]].

العنكبوت 29:29

وقوله: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قال ابن عباس: يريد: الطريق على المارَّ [[ذكره عنه ابن الجوزي "زاد المسير" 6/ 268.]]. وقال مقاتل: وذلك أنهم يرمون ابن السبيل الحجارةَ بالخذف [[الخذف، بالخاء المعجمة: الرمي بالحصى الصغار بأواف الأصابع، يقال. خذفه بالحصى خذفا. والحذف، بالحاء المهملة: الرمي عن جانب، تقول العرب: حذفه بالعصا، إذا رماه بها. "تهذيب اللغة" 4/ 468 (حذف) بالحاء المهملة.]] فيقطعون سبيل المسافرين [["تفسير مقاتل" 72 ب. وأخرج أن المراد به الخذف، ابن جرير 20/ 145، عن عكرمة، والسدي.]]. قال ابن زيد في ذلك: إنهم كانوا يفعلون ذلك لمن مرَّ بهم من المسافرين، ومن ورد عليهم من الغرباء [[أخرجه ابن جرير 20/ 145، وابن أبي حاتم 9/ 3054.]]. قال ابن عباس: فلما فعلوا المنكر ترك الناس المرَّ بهم، روي عن النبي -ﷺ- في تفسير هذه الآية: "أن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل رجل منهم قصعة [[القَصْعَة: وعاء يؤكل فيه ويثرد، وكان يتخذ من الخشب غالبًا، يشبع العشرة، والجمع: قِصاع، وقِصَعٌ. "لسان العرب" 8/ 274 (قصع)، و"المعجم الوسيط" 2/ 740.]] فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل خذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به" [[أخرجه الثعلبي 8/ 158 ب، من طريق زياد بن أبي زياد يحدث عن معاوية يرفعه. وزياد بن أبي زياد الجصاص أبو محمد الواسطي، من الطبقة الصغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة، "تقريب التهذيب" المقدمة 82، وترجمة زياد في ص 345، ثم قال عنه ابن حجر: ضعيف، وترجم له ابن عدي في "الكامل" 3/ 1045، وصدر ترجمته بقوله: متروك الحديث. ولذا صدره البغوي في تفسيره 6/ 240، بـ: يُروى.]]. وقال الفراء في قوله: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قطعه أنهم كانوا يعترضون الناس من الطرق لعملهم الخبيث [["معاني القرآن" للفراء 2/ 316.]]. وحكى الزجاج قولًا آخر؛ فقال: جاء في التفسير: وتقطعون سبيل الولد [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 168، وذكره الفراء 2/ 316. ولم ينسباه.]]. قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ النادي: المجلس [["معاني القرآن" للفراء 2/ 316. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338. ولم ينسباه.]]؛ ذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: الندي: فعيل بمعنى الفاعل، وهو المجلس، وكذلك النادي، يقال: ندوت القوم اندوهم نَدْوًا إذا جمعتهم، ويقال للموضع الذي يجتمعون فيه: النادي، والنادي لا يسمى ناديًا حتى يكون فيه أهله، وإذا تفرقوا لا يكون ناديًا، ومن هذا قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: 29] ولذلك سميت دار الندوة بمكة؛ كانوا إذا حزبهم أمر نَدَوا إليها فاجتمعوا للتشاور.]] قال ابن عباس: استمكنت الفاحشة فيهم حتى فعل بعضهم ببعض في المجالس [[أخرجه ابن جرير 20/ 146، وابن أبي حاتم 9/ 3054، بلفظ: ﴿فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ يقول: في مجالسكم.]]. وقال مجاهد: المنكر: إتيانهم الرجال [[أخرجه ابن جرير 20/ 146، وابن أبي حاتم 9/ 3055. وذكره الثعلبي 8/ 159 أ.]]. وقال القاسم بن محمد: هو الضراط؛ كانوا يتضارطون في مجالسهم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3055، والثعلبي 8/ 159 أ، عن القاسم بن محمد. وأخرجه ابن جرير 20/ 145، وابن أبي حاتم 9/ 3054، عن عائشة -رضي الله عنها- من طريق عروة بن الزبير.]]. وروي أن أم هانئ سألت رسول الله -ﷺ- عن المنكر الذي كانوا يأتونه في ناديهم، فقال: "كانوا يخذفون أهل الطرق، ويسخرون بهم، فذلك المنكر" [[أخرجه ابن جرير20/ 145، من ثلاثة طرق عن سماك بن حرب، عن أبي صالح، عن أم هانئ، أنها سألت رسول الله -ﷺ-، عن هذه الآية، فقال: "كانوا يخذفون == أهل الطريق ويسخرون منهم". وابن أبي حاتم 9/ 3054، من الطريق نفسه، وأخرجه من الطريق نفسه الثعلبي 8/ 158 ب. وأخرجه الحاكم 2/ 444، كتاب التفسير، رقم (3537)، من طريق سماك بن حرب، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه من هذا الطريق الترمذي 5/ 319، في التفسير رقم (3190)، وقال: حديث حسن، إنما نعرفه من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك. وقال الألباني: ضعيف الإسناد جداً. "ضعيف سنن الترمذي" 401، ولم يُحل على شيء من كتبه. ولعل علته سماك بن حرب، فقد قال عنه ابن حجر: صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير في آخر حياته، فكان ربما تلقن. "تقريب التهذيب" (415) رقم (2639). وأبو صالح الراوي عن أم هانئ، اسمه: باذام، ضعيف يرسل. "تقريب التهذيب" 163، رقم (638).]]. وهو قول مقاتل في تفسير المنكر؛ يعني: الخذف بالحجارة [["تفسير مقاتل" 72 ب.]]. قال ابن قتيبة: المنكر: مَجَمعُ الفواحش من القول والفعل [["غريب القرآن" لابن قتيبة (338).]]. وقال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المناكر، ولا يجتمعوا إلا فيما قرَّب إلى الله -عز وجل-، وباعد من سخطه، وأن لا يجتمعوا على الهزء والتلهي [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 168.]]. فلما أنكر لوط على قومه بما كانوا يأتونه من القبائح قالوا له استهزاء: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أن العذاب نازل بنا [["تفسير مقاتل" 72 ب. و"تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ.]]، وذلك أنه توعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فعند ذلك:

العنكبوت 29:30

﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ قال مقاتل: أي بتحقيق قولي في العذاب فعذبهم [["تفسير مقاتل" 72 ب.]]. قوله تعالى: ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ يعني: العاصين بإتيان الرجال في أدبارهم. قاله الكلبي ومقاتل [["تفسير مقاتل" 72 ب. وفي "تنوير المقباس" 334: المشركين.]]. قال الكلبي: فاستجاب الله دعاءه فبعث جبريل في اثني عشر ملَكًا فذلك قوله:

العنكبوت 29:31

﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ قال ابن عباس: بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب [[تفسير ابن جرير 20/ 147، والثعلبي 8/ 159 أ، ولم ينسباه.]] ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعنون قرية لوط [["تفسير مقاتل" 73 أ. و"تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ.]] ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ يعني: مشركين. وما بعد هذه الآية مفسر في سورة: هود [[الآيات 69 - 80.]]، إلى قوله: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾

العنكبوت 29:33

﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ يعني: بناتك. قال المبرد: الكاف في ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مخفوضة، فلم يجز أن يعطف الظاهر على المضمر المخفوض لعلة ذكرناها في قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: (قرأ حمزة: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالعطف على المكنَّى في ﴿بِهِ﴾ كما يقال: سألتك بالله والرحمِ، ونشدتك بالله والرحمِ، وإنما حمله على هذه القراءة ما ورد في التفسير أن المشركين كانوا يقولون: نناشدك بالله والرحم .. ثم قال: وضعف النحويون كلهم هذه القراءة، واستقبحوها ..) وراجع باقي كلامه في الموضع المذكور.]] فحمل الثاني على المعنى فصار في التقدير: وننجي أهلك ومنجون أهلك، وهذا جائز مستحسن [[مستحسن، غير موجودة في نسخة: (ب).]] مستعمل كثيرًا في كلامهم [[قال أبو حيان: والكاف في مذهب سيبويه في موضع جر ﴿وَأَهْلَكَ﴾ منصوب على إضمار فعل: أي: وننجي أهلك. البحر المحيط 7/ 146. قال المبرد: لما لم يجز أن تعطف الظاهر على المضمر المجرور حملته على الفعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ كأنه قال: ومنجون أهلك، ولم تعطف على الكاف المجرورة. "المقتضب" 4/ 152.]]، وأنشد سيبويه أبياتًا كثيرة، منها قول لبيد: فإن لم تجدْ مِنْ دونِ عدنان والدًا ... ودونَ مَعدٍ فَلْتَزَعكَ العواذلُ [[أنشده سيبويه، "الكتاب" 1/ 68، ونسبه للبيد، وقد استشهد به على العطف على الموضع، فعطف: دون، المنصوب، على محل: دون، المجرور بمن. "حاشية المقتضب" 4/ 152. واستشهد به المبرد، وصدره بقوله: ومما تنشده العرب نصبًا، وجرًا، لاشتمال المعنى عليهما جميعًا قول لبيد. "المقتضب" 4/ 152. والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي -رضي الله عنه-، يرثي بها النعمان بن المنذر، ملك الحِيرة. "ديوانه" (131)، و"الخزانة" 2/ 252، و"الشعر والشعراء" 175.]] وأنشد أيضًا لجرير: جئني بمثلِ بَني بدرٍ لقومهمِ ... أوْ مِثلَ أُسرةِ منْظورِ بنِ سيَّارِ [[أنشده سيبويه 1/ 94، و"المبرد"، في "المقتضب" 4/ 153، ونسباه لجرير. ولفظه عند المبرد: جيئوا. وهو في ديوان جرير 242. والشاهد فيه العطف على المحل، تقديره: أو هات مثل أسرة منظور. والبيت لجرير يخاطب فيه الفرزدق، مفتخرًا عليه بسادات قيس؛ لأنهم أخواله، وبنو بدر من فزارة، ومنظور ابن سيار بن عمرو، من فزارة أيضًا. "حاشية الكتاب" 1/ 94. وأورده ابن جني في "المحتسب" 2/ 78، ممثلًا به على ما نصب بإضمار فعل يدل عليه ما قبله.]] ولو خفض: مثلَ، لكان جيدًا بالغًا؛ وهو الباب. والنصب على الموضع فكأنه قال: أو هاتِ مثلَ: أُسرةِ منظور.

العنكبوت 29:34

وقوله: ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس: عذابًا [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3058، عن ابن عباس، وأخرجه ابن جرير 20/ 148، وابن أبي حاتم 9/ 3058، عن قتادة.]]. قال مقاتل: يعني الخسف، والحَصْب [["تفسير مقاتل" 73 أ. الحَصْبُ: رميك بالحصباء، يقال: حَصَبْته أحْصِبُه حَصْبًا: إذا رميته بالحصباء، والحجر المرمي به: حَصَب. "تهذيب اللغة" 4/ 260 (حصب).]].

العنكبوت 29:35

وقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ يعني: آثار منازلهم الخَرِبة. وهو معنى قول ابن عباس [["تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ، منسوبًا لابن عباس.]]. يريد الأنهار التي كانت في قراهم، والنخيل التي قَلَت [[القَلَت: الهلاك. "تهذيب اللغة" 9/ 58 (قلت).]] فهي إلى اليوم لا ينتفع بشيء منها. وقال قتادة: هي الأحجار التي أبقاها الله [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، وابن جرير 20/ 149، وابن أبي حاتم 9/ 3058. وذكره الثعلبي 8/ 159 أ، عن قتادة، وأبي العالية.]]، فأدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي الماء الأسود على وجه الأرض [["تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ. ولعله يعني ما قيل من إن الأرض التي أهلكوا فيها، مكانها الآن البحر الميت، المسمى بأسماء متعددة، نظرًا لتميزه عن غيره من البحار بخواص لا توجد في غيره. انظر: مجلة القافلة رمضان 1419.]].

العنكبوت 29:36

وقوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ قال مقاتل: واخشوا البعث الذي فيه جزاء الأعمال [["تفسير مقاتل" 73 أ.]].

العنكبوت 29:38

وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ قيل: هو عطف على الكناية في ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ [[وهو اختيار النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 256.]]. وقيل: هو عطف، معناه: وفتنا عادًا، رجوعًا إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [[ذكره النحاس عن الكسائي قال: قال بعضهم، ولم يسمهم. "إعراب القرآن" 3/ 256.]] وقال الزجاج: وأهلكنا عادًا وثمودًا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 186.]]. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 73 ب.]]. وذلك أن الذين ذُكروا قبل هذا ذُكر إهلاكهم. وقوله: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ يقول: ظهرَ لكم يا أهلَ مكة مِنْ منازلهم بالحِجْر واليمن، آيةٌ في إهلاكهم. قاله ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 73 ب. و"تنوير المقباس" 335.]]. والمعنى: وقد تبين لكم من مساكنهم ما يُخبركم به عن إهلاكهم، فحُذف فاعل التبيين استغناءً بظهوره في المعنى. قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم كانوا ينتسبون إلى العقل والبصائر، فلم ينتفعوا بذلك [[أخرجه ابن جرير 20/ 150، وابن أبي حاتم 9/ 3060، بلفظ: كانوا مستبصرين في دينهم.]]. واختاره الفراء؛ فقال: عقلاء ذوي بصائر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 317. دون قوله: عقلاء.]]. وقال مقاتل: كانوا مستبصرين في دينهم يحسبون أنهم على هدى [["تفسير مقاتل" 73 ب.]]. وهذا قول الكلبي؛ قال: كانوا يرون أن أمرهم حق [["تنوير المقباس" 335.]]. ونحوه قال الضحاك [["تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ. منسوبًا للكلبي، والضحاك. وأخرجه ابن جرير 20/ 150، عن الضحاك.]]. وقال قتادة. كانوا مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 97، وابن جرير 20/ 150. و"تفسير الثعلبي" 8/ 159 أ.]]. وهو معنى قول مجاهد [[أخرجه ابن جرير 20/ 150.]]. وقال أبو إسحاق: أَتوا ما أتوه وقد بين لهم أن عاقبته العذاب [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 169.]]. ومعنى المستبصر في اللغة: ذوي البصيرة، يقال: استبصر في أمره ودينه، إذا كان ذا بصيرة [["تهذيب اللغة" 12/ 174 (بصر).]].

العنكبوت 29:40

﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ أي: عاقبنا [["تفسير الثعلبي" 8/ 159 ب.]] بتكذيبه الرسل، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ قال ابن عباس: يريد قوم لوط [[أخرجه ابن جرير 20/ 151. و"تفسير مقاتل" 73 ب، و"تفسير الثعلبي" 8/ 159 ب، ولم ينسبه. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338، وفيه: يعني: الحجارة، وهي الحصباء أيضًا.]]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾، يريد: عادًا وثمود ومدين [["تفسير مقاتل" 73 ب. وهذا من الواحدي جمع بين الأقوال الواردة في المراد بمن أخذته الصيحة؛ فقد أخرج ابن جرير 20/ 151، عن ابن عباس: ثمود، وأخرج عن قتادة: قوم شعيب. ثم جمع بين هذا بقوله: إن الله قد أخبر عن ثمود وقوم شعيب، من أهل مدين أنه أهلكهم بالصيحة في كتابه في غير هذا الموضع، ثم قال جل ثناؤه لنبيه -ﷺ-: فمن الأمم التي أهلكناهم من أرسلنا عليه حاصبًا، ومنهم من أخذته الصيحة، فلم يخصص الخبر بذلك عن بعض من أخذته الصيحة من الأمم دون بعض، وكلا الأمتين أعني ثمود ومدين قد أخذتهم الصيحة.]]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يعني: قارون وأصحابه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يريد قوم نوح وفرعون [[أخرجه ابن جرير 20/ 152، عن ابن عباس. و"تفسير مقاتل" 73 ب. و"تفسير الثعلبي" 8/ 159 ب.]]. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ قال: يريد: أمهلهم وأنذرهم فكذبوا النذر. وقال مقاتل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيعذبهم على غير ذنب [["تفسير مقاتل" 73 ب.]].

العنكبوت 29:41

ثم ضرب لهم مثلًا فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: الأصنام يتخذونها أولياء يرجون نصرها ونفعها [["تفسير الثعلبي" 8/ 159 ب.]] ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قال الليث: هي دويبة تنسج نسجًا رقيقًا مهلهلاً، بين الهواء، وعلى رأس البئر [[كتاب "العين" 2/ 309 (عنكب)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 3/ 309. وتعيش العناكب في أي مكان يتوفر فيه أغذاؤاها، ويمكن مشاهدتها في الحقول، والغابات، والمستنقعات، والكهوف، والصحاري، وهناك نوع من العناكب يمضي معظم حياته تحت الماء، ويعيش نوع آخر بالقرب من قمة جبل: إيفرست، أعلى جبل على الكرة الأرضية، وتعيش بعض العناكب داخل المنازل، ومخازن الحبوب، والحظائر وغيرها، ويوجد ما يقرب من ثلاثين ألف نوع من العناكب، وقد تصل إلى مائة ألف نوع، وحجم بعض العناكب أصغر من رأس الدبوس، وبعضها كبير بحيث يصل إلى حجم كف يد الإنسان، أو أكبر قليلاً، فسبحان الله العظيم. انظر مجلة: "القافلة" صفر 1419 هـ بقلم د/ أحمد محمد الصغير.]]. ويجمع: العناكب، قال ذو الرمة: هي اصطنعته وحدها أو تعاونت ... على نسجها بين الصفيح عناكبه [[كتاب "العين" 2/ 309 (عنكب) ونسب البيت لذي الرمة، ولفظه: هي اصطنعته نحوها وتعاونت ... على نسجها بين المثاب عناكبه.= ورواية الديوان 299: هي انتسجته وحدها أو تعاونت ... على نسجه بين المثاب عناكبه وفي شرح الديوان: المثاب: مقام الساقي حيث يضع رجليه. ولم أجد البيت في "تهذيب اللغة".]] وقال أيضًا يصف دلوًا عتيقة العهد بالاستقاء: فجاءتْ بنَسْج العنكبوت كأنه ... على عَصَوَيْها سَابريٌّ مُشَبْرَقُ [[ديوان ذي الرمة 178، وقال الخطيب التبريزي في شرحه: فجاءت: يعني الدلو، كأنه: كأن النسيج، على عصويها: يعني: العَرَاقي، مشبرق: مقطع مشقق. أ. هـ. يقال للخشبتين اللتين تعرضان على الدلو كالصليب: العَرْقُوتان؛ وهي العَراقي. "تهذيب اللغة" 1/ 227 (عرق). والسابري من الثياب: الرقاق، والبيت في "لسان العرب" 4/ 341، للدلالة على ذلك، ونسبه لذي الرمة.]] ويجوز في جمع العنكبوت: عناكيب وعنكبوتات، ويصغر: عُنَيْكبا، وعُنَيْكيبا [["تهذيب اللغة" 3/ 309 (عنكب).]]، وأهل اليمن يقولون: عَنْكبوه بالهاء [["تهذيب اللغة" 3/ 309 (عنكب)، من كلام الليث. وفي كتاب "العين" 2/ 309: العنكبوت بلغة أهل اليمن: العنكبوه، والعنكباه، والجمع: العناكب.]]. قال اللحياني: ويقال للعنكبوت: عَكَنْبَاة، وأنشد: كأنما يسقطُ من لُغامها ... بيتُ عَكَنْبَاةٍ على زِمامِها [["لسان العرب" 1/ 632 (عنكب)، عن اللحياني، وفيه إنشاد البيت، دون نسبة. لُغام البعير: زَبَده، واللُّغام: زَبَد أفواه الإبل. "لسان العرب" 12/ 545 (لغم). والزِّمام: الحبل الذي تشد به الإبل؛ يقال: زممت البعير، أي: خطمته. "لسان العرب" 12/ 272 (زمم).]] قال الفراء: العنكبوت أنثى، وقد يذكرها بعض العرب، وأنشد: على هَطَّالهم منها بيوتٌ ... كأن العنكبوت هو ابتَنَاها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 317، ولم ينسب البيت، وفي الحاشية: هطال: جبل، == ورواية البيت عند الفراء، والأزهري 3/ 309، و"لسان العرب" 1/ 632: منهم. وفي النسختين: منها. وعن الفراء ذكره الثعلبي 8/ 159 ب. ولم ينسبوه.]] قال الكلبي: بيت العنكبوت لا يغني عنها في حر ولا قُرَّ [[القُرُّ: البرد. "تهذيب اللغة" 8/ 276 (قرر). وفي "تنوير المقباس" 335: برد.]] ولا مطر، كما أن آلهتهم لا ترزقهم شيئًا، ولا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا [["تنوير المقباس" 335. وأخرج نحوه عبد الرزاق 2/ 97، عن قتادة.]]. وقال أبو إسحاق: إن بيت العنكبوت لا بيتَ أضعفُ منه فيما يتخذه الهوام، ولا أقل وقاية من حر أو برد؛ والمعنى: أن أولياءهم لا ينفعونهم، ولا يرزقونهم، ولا يدفعون عنهم ضررًا، كما أن بيت العنكبوت غير موقٍ لها [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 169.]]. قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتًا؛ ليس أنهم لا يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 169، بمعناه.]].

العنكبوت 29:42

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قرئ: (يَدْعُونَ) بالياء والتاء [[قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿تَدْعُونَ﴾ بالتاء، وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم: ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء. "السبعة" 501، و"الحجة" 5/ 433، و"النشر" 2/ 343.]]؛ فمن قرأ بالياء فلتقدم الغيبة في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ والتاء على: قل لهم: إن الله يعلم ما تدعون، لا يكون إلا على هذا؛ لأن المسلمين لا يخاطبون بذلك [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 434، بنصه.]]. قال أبو علي: و (مَا) استفهام، وموضعها نصب بـ (تَدْعُونَ) ولا يجوز أن يكون نصبًا بـ (يَعْلَمُ) ولكن الجملة التي هي منها في موضع نصب بـ (يَعْلَمُ) والتقدير: إن الله يعلم أَوَثَنًا تدعون من دونه أو غيره، أي: لا يخفى ذلك عليه فيؤاخذكم بكفركم ويعاقبكم عليه، ولدل على أن (مَا) استفهام: دخول (مِنْ) في الكلام، وإنما هي تدخل في نحو قولك: هل من طعام؟ وهل من رجل؟ ولا تدخل في الإيجاب، وهذا قول الخليل [["الكتاب" 3/ 148، قال: فما هاهنا بمنزلة: أيهم.]]، وكذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [الأنعام: 135] والمعنى: فستعلمون المسلم تكون له عاقبة الدار أم الكافر، وكل ما كان من هذا، فهكذا القول فيه، وهو [[وهو غير موجودة في نسخة: (أ)، (ب).]] قياس قول الخليل [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 434.]]. قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ قال مقاتل: يعني من الأصنام [[و [[هذا القول أعم ويدخل فيه أهل مكة دخولًا أوليا.]] "تفسير مقاتل" 73 ب.]] ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنيع القادر ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه.

العنكبوت 29:43

قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ يعني أمثال القرآن، وهي التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمم المتقدمة يبينها للناس ﴿نَضْرِبُهَا﴾ لكفار مكة. قاله مقاتل (¬5). وقال الكلبي: للناس عامة [["تفسير مقاتل" 73 ب.]]. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ قال مقاتل: يقول: وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله الأمثال (¬7). وقال الكلبي: إلا عالم أراد الله له ذلك، فيعلم ما ضرب له المثل في القرآن. وروى أبو الزبير، عن جابر، أن النبي -ﷺ- تلا هذه الآية، فقال: "العالم من عَقَل عن الله" [[قال الزيلعي: رواه داود بن المحبر في كتاب العقل، حدثنا عباد بن كثير، عن ابن جريج، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، وعن داود بن المُحبَّر رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، ومن طريق الحارث رواه الثعلبي، والواحدي في "تفسيره". تخريج الزيلعي للكشاف 3/ 43، وأخرجه الثعلبي 8/ 159 ب، والواحدي في "الوسيط" 3/ 420. كلاهما من طريق الحارث، عن داود المحبر به، ولفظه: (العاقل من عقل عن الله فعمل بطاعته، واجتنب سخطه). قال ابن حجر: داود بن المُحَبَّر، أبو سليمان البصري، نزيل بغداد، متروك، وأكثر كتاب العقل الذي صنفه: موضوعات. "تقريب التهذيب" 308، رقم (1820). قال الدارقطني: كتاب العقل، وضعه أربعة: أولهم ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه داود ابن المحبر منه، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء، فركبه بأسانيد أخر، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر. "الموضوعات" لابن الجوزي 1/ 277. قال المناوي: كتاب العقل لداود كله موضوع. "الفتح السماوي" 2/ 897.]].

العنكبوت 29:44

قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ مضى تفسيره في سورة: الأنعام [[عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ ..﴾ [73] قال الواحدي: أي: بكمال قدرته، وشمول علمه، وإتقان صنعه، وكل ذلك حق، ثم أحال على تفسير سورة يونس.]]، وأوائل سورة: يونس [[في تفسير الآية 3، من سورة يونس ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أحال الواحدي في تفسيرها على سورة الأعراف. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: 5]، قال: قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد بالعدل لأنه هو الحق، وكل ما جاء من عنده هو الحق ..]]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في خلقها ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لدلالة على قدرة الله تعالى وتوحيده.

العنكبوت 29:45

قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: يعني القرآن [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3065، عن الحسن.]] ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ يريد: وأتم الصلاة [[في نسخة (أ)، (ب): الصوم. وهو خطأ. وقول ابن عباس في "تنوير المقباس" 336.]]. ونحو ذلك قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 73 ب.]]. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ كان ابن مسعود يقول: إن نبي الله -ﷺ- كان يقول: "لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، ومن انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد أطاع الصلاة" [[أخرجه الثعلبي 8/ 160 ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله بن مسعود، يرفعه. وهذا إسناد ضعيف منقطع؛ فالضحاك لم يسمع من ابن مسعود، وجويبر ضعيف جدًا. وأخرجه ابن جرير 20/ 155، من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود يرفعه، بلفظ: "لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر".]]. وقال -ﷺ-: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا، ولم يزدد من الله إلا مقتًا" [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، بإسناده عن معمر عمن سمع الحسن يحدث عن النبي -ﷺ-، وهو بهذا حديث مرسل، وفيه جهالة من روى عن الحسن. ولفظه: بعدا. وأخرجه أيضًا بإسناده عن الثوري عن إسماعيل عن الحسن يرفعه. باللفظين: بعدًا، ومقتا. وأخرجه ابن جرير 20/ 155، موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه-. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3066، من طريق الحسن، عن عمران بن حصين يرفعه بلفظ: "من لم تنه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له" وأخرج أيضًا من طريق أبي معاوية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، يرفعه. == قال ابن كثير 3/ 415: والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود، وابن عباس والحسن، وقتادة، والأعمش، وغيرهم، والله أعلم. وذهب إلى هذا الألباني؛ فقد قال بعد أن ساق روايات الحديث وطرقه: وجملة القول أن الحديث لا يصح إسناده إلى النبي -ﷺ-، وإنما صح من قول ابن مسعود، والحسن البصري، وروي عن ابن عباس، ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: الإيمان، إلا موقوفاً على ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما. وقد نقد متن الحديث شيخ الإسلام رحمه الله لمخالفته لظاهر الآية؛ قال: هذا الحديث ليس بثابت عن النبي -ﷺ-، لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه، وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدًا، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي وأقرب إلى الله منه وإن كان فاسقًا. ذكر هذا عن الشيخ الألباني، ونسبه لمخطوطة اطلع عليها في المكتبة الظاهرية، تحت عنوان: فقه حنبلي 3/ 12/ 1 - 3. وقد تكلم عن نقد متن هذا الحديث باستفاضة الألباني، "سلسلة الأحاديث الضعيفة" 1/ 15، رقم الحديث (2).]]. وقال ابن عباس: يقول في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد إلا بعدًا [[أخرجه ابن جرير 20/ 155، وابن أبي حاتم 9/ 3066. وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن ابن عباس، وابن مسعود.]]. وهذا قول الحسن وقتادة؛ قالا: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، هي وبال عليه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 169. وأخرجه عنهما ابن جرير 20/ 155، بنحوه.]]. ومعنى هذا التأويل: أن الله تعالى أخبر أن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله تعالى، وإذا لم تكن بتلك الصفة لم تكن صلاة، فإن تاب هذا المقيمُ الصلاةَ يومًا وترك معاصيه، تبين أن ذلك من نهي الصلاة، وأن صلاته كانت نافعة له ناهية، وإن لم ينته إلا بعد زمان؛ كما روي أن رجلاً من الأنصار على عهد رسول الله -ﷺ- كان يصلي الخمس، ثم لا يدع شيئًا من الفواحش إلا رَكِبَه فوُصِف لرسول الله -ﷺ- حالُه؛ فقال: "إن صلاته تنهاه يومًا ما" فلم يلبث أن تاب وحسن حاله، فقال رسول الله -ﷺ-: "ألم أقل لكم: إن صلاته تنهاه" [[ذكره الثعلبي 8/ 160 أ، بنصه، عن أنس بن مالك، يرفعه. قال عنه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف 3/ 46: غريب. وأما ابن حجر فقال: لم أجده. "الكافي الشاف" 3/ 443، بحاشية الكشاف. لكن يشهد لمعنى هذا الحديث حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن النبي -ﷺ-، قيل له: إن فلانًا يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق! قال: "سينهاه ما تقول، أو قال: ستمنعه صلاته". أخرجه الإمام أحمد 15/ 483، رقم (9778)، ط: الرسالة، وقال محققو المسند: إسناده صحيح. وأخرجه أيضًا ابن الجعد في "مسنده" (306)، رقم (2069)، بلفظ: ستنهاه قراءته. وأخرجه ابن حبان، "الإحسان" 6/ 300، رقم الحديث (2560). وصحح إسناده الألباني، "سلسله الأحاديث الضعيفة" 1/ 16، عند كلامه على الحديث رقم (2).]]. وروى السدي عن أصحابه في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال: الرجل يصلي الصلاة فيحسنها ثم يهم أن يعمل الخطيئة فيذكر صلاته، فيقول: لا أفسد صلاتي. وفي الآية قول ثانٍ؛ قال مقاتل: إن الإنسان ما دام يصلي لله فقد انتهى عن الفحشاء والمنكر، لا يعمل بهما ما دام يصلي حتى ينصرف [["تفسير مقاتل" 73 ب.]]. وهو قول الكلبي وابن عون [["تفسير مقاتل" 73 ب.]]؛ قالا: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ما كان فيها [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 97، عن الكلبي. و"تنوير المقباس" 336. وأخرجه ابن == جرير 20/ 155، عن ابن عون، وكذا ابن أبي حاتم 9/ 3066، وقد كتب اسمه تصحيفًا: أبو غوث!. وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن ابن عون.]]؛ لأنه إن فعل شيئًا من هذين بطلت صلاته. واختار ابن قتيبة هذا القول؛ وقال: المصلي لا يكون في منكر ولا فاحشة ما دام فيها [["غريب القرآن" لابن قتيبة 338.]]. قال الكلبي: ﴿الْفَحْشَاءِ﴾ المعصية [["تنوير المقباس" 336. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3067، عن ابن عباس، وعكرمة والحسن.]]. وهو: ما قبح من العمل ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة [["تنوير المقباس" 336. الفحشاء من المنكر، فتكون الآية من باب عطف العام على الخاص، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 136].]]. والقول هو الأول [[أي: أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ولو بعد حين.]]. وقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ اختلفوا فيه على وجهين؛ روى عبد الله ابن ربيعة عن ابن عباس قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، وابن جرير 20/ 156، وابن أبي حاتم 9/ 3067، كلهم من طريق عبد الله بن ربيعة. وأخرجه كذلك الحاكم 2/ 444، كتاب التفسير، رقم (3538)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح. - عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقي، أخرج له الترمذي، ولم أجد له ترجمة قال عنه ابن حجر: مجهول. "تهذيب الكمال" 14/ 489، و"تقريب التهذيب" 505.]]. وروى عطية عنه قال: هو قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] قال: فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه [[أخرجه ابن جرير 20/ 156. وأخرجه الثعلبي 8/ 160 أ، مرفوعًا من طريق نافع، عن ابن عمر.]]. وهو: قول عبد الله، وسلمان، ومجاهد، ومقاتل؛ قال: يقول: إذا صليت لله فقد ذكرته، فيذكرك الله بخير، وذكرُ الله إياك أفضل من ذكرك إياه في الصلاة [[أخرجه ابن جرير 20/ 157، عن عبد الله بن مسعود، وسلمان، ومجاهد. "تفسير مقاتل" 74 أ. وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن عبد الله وسلمان، ومجاهد، وعطية، وعكرمة، وسعيد بن جبير.]]. ونحو هذا قال السدي وسعيد بن جبير [[أخرجه ابن جرير 20/ 156، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأخرجه 20/ 158، عن السدي. وأخرجه الثعلبي 8/ 161 ب، عن السدي.]]. وعلى هذا الوجه معنى قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ هو: أن الله لما أمر بإقام الصلاة، والصلاة لا تخلو من ذكر الله فكأنه أمر بذكره، فلما أمر بذكره أخبر أن ذكر الله العبد ما كان في صلاته أكبر من ذكر العبد؛ لأن العبد إذا ذكر الله، ذكره الله بالثواب؛ كقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وهذا معنى قول الفراء والزجاج وابن قتيبة، في هذا الوجه الأول [["معاني القرآن" للفراء 2/ 317. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 170.]]. الوجه الثاثي في تفسير الآية: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ مما سواه، وهو أفضل من كل شيء. وهذا قول أبي الدرداء وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 97، عن قتادة، وأخرجه عنهما ابن جرير 20/ 157، وذكره عنهما الثعلبي 8/ 160 أ.]]. وروي معنى هذا الوجه عن النبي -ﷺ-، وهو ما روى ابن مسعود عن النبي -ﷺ- في قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: "ذكر الله على كل حال أحسن وأفضل" [[أخرجه الثعلبي 8/ 160 ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، == يرفعه. وهذا إسناد لا يصح؛ فيه ضعف وانقطاع، فجويبر ضعيف جدًا، "تقريب التهذيب" 205، رقم (994). والضحاك لم يلق ابن مسعود. "تهذيب التهذيب" 4/ 397.]]. والذكر: أن يذكره عندما حَرَّم، ويذكره عندما أحلَّ، فيأخذ ما أحل [["تفسير الثعلبي" 8/ 160 ب.]]. والمعنى على هذا الوجه أن الله تعالى أخبر أن ذكره على كل الأحوال أكبر وأفضل؛ وذلك أن العبد إذا كان ذاكرًا الله في كل حال، لم يجر عليه القلم بمعصية؛ لأنه إذا ذكر ارتدع عما يهم به من السوء. فأما من يذكره بلسانه وهو مع ذلك يرتكب محظورًا، وما لا يحل، فليس هو ذاكرًا الله على الحقيقة. وعلى هذا لا تعلق لقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ بما قبله. وقال الفراء وابن قتيبة في هذا الوجه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ هو: التسبيح والتهليل، يقول: هو أكبر وأحرى وأحق بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 317. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338.]]. فعلى الوجه الأول: المصدر الذي هو الذكر مضاف إلى الفاعل، وفي الوجه الثاني: مضاف إلى المفعول، وإن قال قائل في معنى الآية على الوجه الثاني: إن الله تعالى أمر نبيه -عليه السلام- بتلاوة القرآن وإقام الصلاة، ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ يعني: تلاوة القرآن، أخبر أنه أكبر وأفضل من كل شيء، فالمراد بذكر الله في الآية: تلاوة القرآن [[ذكر هذا القول ابن جرير 20/ 154، فقال: قال بعضهم: عني بها القرآن الذي يقرأ في موضع الصلاة، أو في الصلاة. ثم أخرج بسنده عن ابن عمر، قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد. ولم يحكه عن غيره. وذكره عن ابن عمر، الثعلبي 8/ 160 أ، ولفظه: القرآن ينهى عن الفحشاء والمنكر.]]. ويجوز أن يكون المعنى: وذكر الله الذي هو تلاوة القرآن، أكبر من الصلاة، فهو أحرى أن ينهى عن الفحشاء والمنكر. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يخفى عليه شيء.

العنكبوت 29:46

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حُجَجه [[تفسير ابن جرير 21/ 1، بنصه. و "تفسير الثعلبي" 8/ 161 أ.]] ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ إلا من أبى أن يقرَّ بالجزية، ونَصَب العرب، فأولئك فجادلوهم حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية، وهذا معنى قول [[هنا بياض. ولعله: مجاهد؛ لإخراج ابن جرير ذلك عند والله أعلم.]] وقتادة وسعيد بن جبير وابن زيد؛ قالوا في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أهل العرب، ومن لا عهد له فجادلوا هؤلاء بالسيف [["تفسير الثعلبي" 8/ 161 أ.]]. قال ابن زيد: ظلموا بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم [[أخرجه ابن جرير 21/ 2. عن ابن زيد، ومجاهد، وسعيد بن جبير. و"تفسير الثعلبي" 8/ 161 أ، عن ابن زيد.]]. وقال آخرون: كان هذا قبل أن أُمر النبي -ﷺ- بالقتال، قيل له: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾ من أتاكم من أهل الكتاب ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني: تعظونهم بالقرآن، وتدعوهم إلى الإسلام ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ وهم الذين قالوا: مع الله إله، أو له ولد، أو شريك، أو يد الله مغلولة، وأن الله فقير، أو آذوا محمدًا فهؤلاء انتصروا منهم [[أخرج ابن جرير 21/ 2، عن قتادة بنحوه، وآخره من قوله: قالوا: مع الله إله أخرجه ابن جرير 21/ 1، وابن أبي حاتم 9/ 3070، عن مجاهد.]]. قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا﴾ يعني: لأهل الكتاب سوى هؤلاء الظلمة. ثم نُسخ هذا بالقتال. وهذا معنى قول الكلبي وقتادة ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، وابن أبي حاتم 9/ 3068، والنحاس، في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 577، عن قتادة. ورواية ابن أبي نجيح عن مجاهد أخرجها ابن جرير 21/ 1، وليس فيها ذكر النسخ، بل يدل كلامه على أنها محكمة يراد بها ذوو العهد لا يجادلوا، وإنما يجادل من لا عهد له ويقاتل حتى يعطي الجزية. "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه"، لمكي بن أبي طالب (387). لكن ذَكَر النسخ عن مجاهد الثعلبي 8/ 161 ب، وممن ذهب إلى أن الآية منسوخة بآية السيف مقاتل، "تفسير مقاتل" 74 أ. وهذا يقال فيه مثل ما قيل فيما سبق عند قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)﴾ [الفرقان: 63]. وقد رجح ابن جرير 21/ 2، أن أولى الأقوال: إلا الذين امتنعوا من أداء الجزية، ونصبوا دونها الحرب. ورد ردًا حسنًا على من ذهب إلى أن الآية منسوخة. وحاصل الأقوال في هذه الآية ثلاثة: 1 - الآية منسوخة. 2 - الآية محكمة يراد بها من آمن منهم. 3 - الآية محكمة يراد بها ذوو العهد منهم. قال النحاس بعد ذكره هذه الأقوال: وقول مجاهد حسن؛ لأن أحكام الله -عز وجل- لا ينغي أن يقال فيها: إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر "الناسخ والمنسوخ" 2/ 577.]]. وقال آخرون: المراد بأهل الكتاب هاهنا: عبد الله بن سلام، ومن آمن منهم يقول: لا تجادلوهم وأخبروهم عما في القرآن ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني: مشركيهم يقول: جادلوا الذين كفروا حتى تردوهم عن كفرهم. وهذا معنى قول مقاتل وابن عباس في رواية عطاء [["تفسير مقاتل" 74 أ. وذكره النحاس عن ابن زيد، ولفظه: لا يجادل المؤمنون منهم إذا أسلموا، لعلهم يحدثون بالشيء، فيكون كما قالوا ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ من أقام على الكفر يجادل، ويقال له الشر. "الناسخ والمنسوخ" 2/ 577. وعلى هذا تكون الآية محكمة.]].

العنكبوت 29:47

وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا عليك الكتاب ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب [["تفسير الثعلبي" 8/ 161 ب، وزاد: عبد الله بن سلام، وأصحابه.]] ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني مسلمي أهل مكة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 317. و"تفسير الثعلبي" 8/ 161 ب.]]. وقال ابن جرير: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: كانوا قبل عصر النبي -ﷺ- من اليهود والنصارى كانوا مؤمنين بمحمد -ﷺ- ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: الذين محمد بين أظهرهم، من أهل الكتاب ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وهم مؤمنو أهل الكتاب [[تفسير ابن جرير 21/ 4، بمعناه.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[وهو قول مقاتل، "تفسير مقاتل" 74 أ.]]. ثم قال: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ أي: بعد المعرفة [[أخرج ابن جرير 21/ 4، وابن أبي حاتم 9/ 3070، عن قتادة. وذكره عنه الثعلبي 8/ 161 ب.]] ﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ من اليهود، وذلك أنهم عرفوا أن محمدًا نبي، والقرآنَ حق [["تفسير مقاتل" 74 أ.]]، فجحدوا وأنكروا ولم يقروا، وكفروا بذلك الجحود.

العنكبوت 29:48

قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت تقرأ قبل القرآن كتابًا، أي: ما كنت قارئًا قبل الوحي ولا كاتبًا، وهو قوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: ولا تخط الآن بيمينك كتابًا. وكذلك صفة النبي -عليه السلام- في التوراة والإنجيل: أنه أُمِّي لا يقرأ ولا يكتب [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 171، بمعناه.]]. قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي -ﷺ- لا يخط بيمينه، ولا يقرأ كتابًا، فنزلت هذه الآية [[أخرج ابن جرير 21/ 5، وابن أبي حاتم 9/ 3071. كلاهما بالإثبات: كان أهل الكتاب يجدون، وفي النسختين بالنفي: كان أهل الكتاب لا يجدون. والأقرب الإثبات؛ لما فيه من إقامة الحجة عليهم بما في كتبهم. والله أعلم.]]. وقوله: ﴿إِذًا﴾ قال الفراء: ولو كنت تتلو ﴿لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 317.]] قال ابن عباس: لشك الكافرون [["تنوير المقباس" 336.]]. قال مجاهد يعني: قريشًا [[أخرج ابن جرير 21/ 5، وابن أبي حاتم 9/ 3071. واقتصر على هذا القول الزجاج 4/ 171، ولم ينسبه.]]. وهو قول قتادة [[ذكره عنه الماوردي، بلفظ: مشركو العرب. "النكت والعيون" 4/ 287.]]. ومعنى الآية: لو كنت تكتب وتقرأ الكتب قبل الوحي إذًا لشكوا؛ وقالوا هذا شيء تعلَّمه محمد وكتبه [["غريب القرآن" لابن قتيبة 338. و"تفسير الثعلبي" 8/ 161 ب.]]. وقال مقاتل: يعني: كفار اليهود يقول: إذًا لشكوا فيكَ، وقالوا: إن الذي نجدُ في التوراة نعتَه هو: أمي لا يقرأ الكتاب، ولا يكتب، ولا يخطه بيمينه [["تفسير مقاتل" 74 أ.]]. وهذا هو القول؛ لأن أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي -ﷺ- بنعته وصفته حقًا يقينًا، وإنما يجحدون نبوتَه بعد اليقين، ويكفرون بالجحد، فلو كان النبي -ﷺ- كاتبًا قارئًا لكان بغير النعت الذي يعرفوه، وكانوا يشكون. وأما الكفار فإنهم ما عرفوه بالنبوة، وكانوا شاكين مع كونه أميًّا، وإذا كان كذلك فلا معنى لقوله: ﴿إِذًا لَارْتَابَ﴾ مع كونهم مرتابين؛ ووجهه ما قال الفراء: أي: لَكان أشدَّ لِريبة من كذَّب مِن أهل الكتاب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 317.]]. فحُمل قوله: ﴿لَارْتَابَ﴾ على زيادة الريبة، على قول مجاهد. والمعنى: أن المشركين كانوا شاكين في نبوته، مع أنه يخبرهم بقصص الماضين، من غير أن يقدر على كتابة وقراءة، فلو كان قارئًا كاتبًا لاشتد ارتيابهم، وقالوا: إنما تعلمه وقرأه من كتاب. وتفسير الآية: أي: الذي يأتي بالباطل، يقال: أبطل فلان: إذا كذب وادعى غير الحق [[كتاب "العين" 7/ 430 (بطل)، ونقله الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 355.]]. وكلُّ من ادعى دينًا غيرَ الإسلام فهو مبطل.

العنكبوت 29:49

قوله تعالى ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ قال الحسن: القرآن آيات بينات. ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ يعني: المؤمنين [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 99، وابن جرير 21/ 6. وهو قول الفراء، "معاني القرآن" 2/ 317. وذكره الثعلبي 8/ 162 أ، ولم ينسبه.]]. وهو قول عبد الله بن عباس في رواية عطاء؛ يريد: الذين حملوا القرآن على عهد رسول الله -ﷺ- من المهاجرين والأنصار، وحملوه من بعد النبي -عليه السلام-. وعلى هذا الكناية عن القرآن والكتاب بقوله: ﴿هُوَ﴾. وقال قتادة ﴿بَلْ هُوَ﴾ يعني النبي -ﷺ- و ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ﴾ أهل العلم من أهل الكتاب؛ لأنهم يجدون في كتابهم نعته وصفته [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 99، وابن جرير 21/ 5. وأخرجه ابن جرير 21/ 5، عن ابن جريج. وذكره الثعلبي 8/ 162 أ، عن ابن عباس.]]. وعلى هذا التقدير: بل هو ذو آيات بينات، فحذف المضاف، وذلك أن كونه بالنعت الذي ذُكر في كتابهم آيات واضحات له في صدور أهل الكتاب، والعلم به، وهم مؤمنو أهل الكتاب، بل هو وأموره آيات. وفي الآية قول ثالث، ذكره الزجاج؛ فقال: بل كونُه غيرَ قارئٍ ولا كاتب ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ لأنه إذا لم يقرأ ولم يكتب، وأخبر بأقاصيص الأولين والأنبياء فهو ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 171، ولم ينسبه.]]. وهو معنى قول الكلبي [["تنوير المقباس" 336.]]. والظاهر من هذه الأقوال قول قتادة ومقاتل [[لم يسبق ذكر قول مقاتل، وهو قريب من قول قتادة، "تفسير مقاتل" 74 ب.]] لقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ يعني: كفار اليهود [["تفسير مقاتل" 74 ب.]] ، لأنهم جحدوا نبوته وكتموا أمره بعد المعرفة.

العنكبوت 29:50

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم [["تفسير مقاتل" 74 ب. و "تفسير الثعلبي" 8/ 162 أ.]]. وقرئ: ﴿آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ على الجمع [[قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: ﴿آيَاتٍ﴾ جمعًا، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر، وأبي عمرو في رواية علي بن نصر: ﴿آيَةٌ﴾ على الإفراد. "السبعة في القراءات" 501، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 435، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 188، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.]]. وحجة الإفراد قوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: 5] وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام: 37] وقد تقع آية على لفظ الواحد ويراد به كثرة؛ كما جاء: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: 50] واختار أبو عبيد الجمع؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 435، ولم يصرح باسم أبي عبيد، بل قال: وحجة الإفراد أن في حرف أُبي زعموا، وصرح بذكر أبي عبيد الثعلبي 8/ 162 أ.]] قال أبو علي: وهذا لا يكون دلالة على ترجيح القراءة بالجمع؛ لأنهم إنما اقترحوا آية فقيل: الآيات عند الله، أي: الآية التي اقترحتموها وآيات أُخر لم تقترحوها عند الله، وهو القادر على إرسالها، إذا شاء أرسلها، مع ما ذكرنا أن لفظ الواحد قد يراد به كثرة [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 435.]]. ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يريد: أُنذر أهلَ المعصية بالنار، وليست إنزال الآية بيدي. قال مقاتل: فلما سألوا الآية قال الله تعالى:

العنكبوت 29:51

﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: أو لم يكفهم من الآيات القرآن ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ فيه خبر ما قبلهم وما بعدهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في إنزال الكتاب عليك ﴿لَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به وعمل به [["تفسير مقاتل" 74 ب.]] ﴿وَذِكْرَى﴾ وتذكيرًا وموعظةً، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قال مقاتل: وكذبوا بالقرآن فنزل:

العنكبوت 29:52

﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ [["تفسير مقاتل" 74 ب.]] أي: الله شاهدًا بيننا أني رسوله [["تفسير الثعلبي" 8/ 162 أ.]]، وكفى هو شاهدًا ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وشهادة الله له إثباتُ المعجزة له بإنزال الكتاب عليه. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ قال ابن عباس: بغير الله. وقال مقاتل: بعبادة الشيطان [["تفسير مقاتل" 74 ب. وأخرجه ابن جرير 21/ 7، وابن أبي حاتم 9/ 3073، عن قتادة بلفظ: الشرك.]].

العنكبوت 29:53

قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أي: استهزاءً وتكذيبًا [["تفسير مقاتل" 74 ب.]] منهم [[منهم. في نسخة: (ب).]] بذلك يستعجلونك به. نزلت في الذين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية [الأنفال: 32] [[أخرجه ابن جرير 21/ 8، وابن أبي حاتم 9/ 3074، عن قتادة و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 171، ولم ينسبه. وقال الثعلبي 8/ 162 أ: نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾.]]. وقد مر [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال المفسرون: قال النضر بن الحارث: اللَّهم إن كان هذا الذي يقوله محمد حقًا من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء كما أمطرتها على قوم لوط ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: ببعض ما عذبت به الأمم.]]. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ﴾ يعني: إن لعذابهم أجلاً، وهو يوم القيامة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3074، عن سعيد بن جبير. و"معاني القرآن" للفراء 2/ 318.]]. قال الله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 46] هذا قول ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 74 ب. وليس فيه ذكر الآية. وذكر الآية الزجاج 4/ 172، ولم ينسب القول.]]. وقال الضحاك: الأجلُ المسمى لعذابهم: مدةُ أعمارهم، فإذا ماتوا صاروا في العذاب [[ذكره الثعلبي 8/ 162 أ.]]. وقيل: الأجل المسمى: بدر [["تفسير الثعلبي" 8/ 162 أ، ولم ينسبه.]]؛ وهو قوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني: العذاب ببدر على هذا القول، وهو قول عطاء عن ابن عباس. ودليل القول الأول قوله:

العنكبوت 29:54

﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أخبر أن ميعاد عذابهم جهنم، وأنها تحيط بجماعتهم، فلا تبقي منهم أحدًا إلا دخلها [["تفسير الثعلبي" 8/ 162 أ. وتفسير ابن جرير 21/ 8، بمعناه.]]. ثم أخبر أن تلك الإحاطة متى تكون، فقال:

العنكبوت 29:55

﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال ابن عباس: هذا مثل قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41] وقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ الآية [الزمر: 16] [["تفسير مقاتل" 74 ب، حيث ذكر الآية الثانية.]]. وقوله: ﴿وَيَقُولُ﴾ الموكل بعذابهم، يقول لهم [[يقول لهم مكررة في نسخة: (ب). وفي "تفسير مقاتل" 74 ب: يقول الخزنة لهم.]]: ﴿ذُوقُوا﴾ ومن قرأ بالنون [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ﴿وَنَقُولُ﴾ بالنون، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿وَيَقُولُ﴾ بالياء. "السبعة في القراءات" 501، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 436، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.]] فلأن ذلك لما كان بأمره سبحانه جاز أن يُنسب إليه. وجوازه على هذا المعنى؛ لأن القديم سبحانه لا يكلمهما [[في إطلاق لفظ القديم على الله -عز وجل- خلاف؛ لكون لفظ القديم لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولم يتكلم به السلف من الصحابة والتابعين، وإنما سمى الله نفسه بالأول والآخر، وهو أبلغ لدلالته على القدم، وأنه لم يسبقه شيء، بل ولم يماثله شيء، وعلى ذلك فلا يصح إطلاق القديم على الله تعالى باعتبار أنه من أسمائه، وإن كان يصح الإخبار عنه بذلك؛ لأن باب الإخبار أوسع من باب الإنشاء. "مجموع الفتاوى" 1/ 245، و"حاشية لوامع الأنوار البهية" 1/ 38، من كلام == الشيخ عبد الله بابطين. تنبيه: تكليم الله تعالى لعباده في الآخرة ثابت بنصوص كثيرة في الكتاب والسنة، يكلمهم الله تعالى للحساب والجزاء، ويستوي في هذا الخلق كلهم إلا أقوامًا شاء الله تعالى أن يحرمهم ذلك، تنكيلًا وزيادة في العذاب؛ فمن الأدلة على عموم التكليم وشموله قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 65] وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: 47] ومن السنة، قول النبي -ﷺ-: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان" الحديث أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، رقم (7443)، "فتح الباري" 13/ 423، ومسلم 2/ 703، رقم (1016). ومن الأدلة على حرمان أقوام من تكليم الله لهم، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174] ومن السنة قول النبي -ﷺ-: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب اليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر". أخرجه مسلم 1/ 102، كتاب: الإيمان، رقم (107)، والنسائي 5/ 86، كتاب الزكاة، رقم (2562). وتكليم الله تعالى لأهل النار في هذه الآية ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ توبيخ وتقريع لأهل النار؛ كقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ الآيات [المؤمنون: 108 - 111]. والله أعلم. ملخص من: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية 13/ 131، وما بعدها. "ودرء تعارض العقل والنقل" 2/ 141، وما بعدها. و"العقيدة السلفية في كلام رب البرية" تأليف: يوسف الجديع. ص: 90، وما بعدها.]]. وقيل: ﴿ذُوقُوا﴾ لوصول الألم إلى المعذب، كوصول الذوق إلى الذائق. ومعنى: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء، كما قال: دونك ما جنيتَه فاحسُ وذُق [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 436، بنصه. ولم ينسب البيت، وفي الحاشية: لم نعثر عليه.]] قال ابن عباس ومقاتل: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب والافتراء على الله [["تفسير مقاتل" 75 أ.]].

العنكبوت 29:56

قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ وذلك أن الله تعالى أمر المؤمنين بالهجرة فاشتد ذلك عليهم، وقالوا: كيف نخرج من ديارنا وأموالنا، ونذهب إلى بلاد لا دار لنا فيها، ولا مال؟ فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ في معاشكم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 318، لكنه قال: فأنزل الله ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾. وكذا عند الثعلبي 8/ 162 ب.]]. وقال الكلبي: نزلت في أهل مكة؛ أي: لا تجاوروا الظلمة في أرضهم [["تفسير الثعلبي" 8/ 162 ب، بمعناه.]]. وقال مقاتل: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة؛ يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان بها، فإن أرض المدينة واسعة من الضيق ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ يعني: توحدوني في المدينة علانية [["تفسير مقاتل" 75 أ. وهو قول الفراء، "معاني القرآن" للفراء 2/ 318.]]. وقال أبو إسحاق: تفسيرها أنهم أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا تمكنهم فيه عبادة الله وأداء فرائضه، وكذلك يجب على من كان في بلدٍ يُعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر وينتقل إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 172.]]. وهذا معنى قول مجاهد: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ فهاجروا وجاهدوا [[أخرجه ابن جرير 21/ 9.]]. وقال سعيد بن جبير: من أُمر بمعصية فليهربْ، وتلا هذه الآية [[أخرجه ابن جرير 21/ 9، وابن أبي حاتم 9/ 3075، وفيه: ثم قرأ: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]. وذكره الثعلبي 8/ 162 ب.]]. وروى إسماعيل بن أبي خالد عنه في هذه الآية قال: إذا عُمل في أرضٍ بالمعاصي، فأخرجوا منها [[أخرجه ابن جرير 21/ 9، من طريق إسماعيل بن أبي خالد. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 99، عن مالك بن مغول، عن الربيع بن أبي راشد، عن سعيد بن جبير، بلفظ: هو الرجل يكون بين ظهراني قوم يعملون بالمعاصي. - إسماعيل بن أبي خالد، الأحمسي مولاهم، البَجَلي، اسم أبيه: هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير. محدث الكوفة في زمانه مع الأعمش. روى عن عبد الله بن أوفى، وأبي جحيفة، وغيرهم، وروى عنه شعبة، وسفيان، وشريك، وغيرهم. ثقة ثبت، "سير أعلام النبلاء" 6/ 176، و"تقريب التهذيب" 138.]]. وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ قال الزجاج: (إياي) منصوب بفعل مضمر، الذي ظهر يُفسره؛ المعنى: فاعبدوا إياي فاعبدون، فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني، ولو قلت: إياي فاعبدوا، كان إياي منصوبًا بما بعد الفاء، ولا يحتاج إلى إضمار فعل، ودخول الفاء لمعنى الشرط، بتقدير: إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوا، فإن أرضي واسعة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 172، بتصرف.]]. قال مقاتل: ثم خوفهم بالموت ليهاجروا، فقال:

العنكبوت 29:57

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [["تفسير مقاتل" 75 أ.]] والمعنى لابد من الموت، وكل أحد ميت أينما كان، فلا تقيموا بدار الشرك خوفًا من الموت [["تفسير الثعلبي" 8/ 162 ب.]]. ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ بعد الموت فنجزيكم بأعمالكم [["تفسير مقاتل" 75 أ.]]. وهذا حث على الطاعة فيما أَمر به من الهجرة. ثم ذكر ثواب من هاجر فقال:

العنكبوت 29:58

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ قال ابن عباس: لنسكننهم غرف الدر والياقوت والزبرجد [[ذكره عنه الطبرسي "مجمع البيان" 7/ 455.]]. قال مقاتل: يعني لننزلنهم [["تفسير مقاتل" 75 أ. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 117. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338.]]. وهذا يدل على صحة قراءة العامة: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ يقال: بوأت فلانًا منزلًا تبويئًا وتبوئة [["تهذيب اللغة" 15/ 595 (باء).]]، وذكرنا ذلك قديمًا [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: 87]: قال أبو علي: التبؤ: فعل يتعدى إلى مفعولين فعلى ما ذكر أبو علي يجوز أن تقول: تبوأت زيدًا مكانًا، أي: اتخذت له، ولم أو هذا لغيره؛ لأنه يقال: تبوأ المكان دارًا، فيعدونه إلى مفعولين كما ذكر، ويقال: تبوأ لزيد منزلًا، أي: اتخذه له، فلا يعدون لزيد إلا باللام.]]. وقرأ حمزة والكسائي: (لَنُثْوِيَنَّهُم) وهي قراءة عبد الله والأعمش [[قرأ حمزة والكسائي: [لَنُثْوِيَنَّهُم] بالثاء، وقرأ الباقون: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ بالباء. "السبعة في القراءات" 502، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 438، وفيه ذكر قراءة الأعمش نقلها عن أبي الحسن. و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344. وأخرج قراءة ابن مسعود: الفراء، "معاني القرآن" 2/ 318.]]، يقال: ثوى بالمكان إذا أقام به [[قال ابن قتيبة: هو من: ثويت بالمكان، أي: أقمت به. "غريب القرآن" 338.]]، ومنه قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 45] أي: مقيمًا نازلًا فيهم، والثويَّ: الضيف لإقامته عند المضيف [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 438.]]. قال الزجاج: يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته إذا أنزلته منزلًا يقيم فيه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 173.]]. وقال حسان: ثوى في قريش بضع عشرة حِجةً [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 439، ونسبه لحسان. وهو في "ديوانه" 261، أخرج الحاكم عن يحيى بن سعيد قال: سمعت عجوزًا من الأنصار تقول: رأيت ابن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يتعلم منه هذه الأبيات: ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يُذكِّر لو ألفي صديقًا مواتيًا وساق بعده ستة أبيات، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.]] أي: أقام ونزل فيهم. وإذا تعدى: ثوى، فزيدت عليه الهمزة، وجب أن يتعدى إلى المفعول الثاني [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 439.]]. قال الأخفش: قرأ الأعمش: ﴿لَنُثْوِيَنَّهُم مِنَ الجنَّةِ غُرَفًا﴾ قال: ولا يعجبني ذلك؛ لأنك لا تقول: أثويته الدار [[لم أجده عند الأخفش في "المعاني"، لكن ذكر أبو علي أن أبا الحسن قال: قرأ الأعمش. "الحجة للقراء السبعة" 5/ 440.]]. قال أبو علي: ووجه هذه القراءة كان في الأصل: لنثوينهم من الجنة في غرف، وحذف الجار، كما حذف من نحو قوله: أمرتك الخيرَ [[جزء من بيت لعمرو بن معد يكرب، والبيت بتمامه: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نَشَب= وقد أورده أبو علي في "الحجة" 5/ 440، مقتصرًا على: أمرتك الخير، ولم ينسبه. وقد استشهد به سيبويه على حذف حرف الجر، ونصب الخير. "الكتاب" 1/ 37، ونسبه لعمرو بن معد يكرِب الزُّبيديّ. واستشهد به كذلك المبرد، في "المقتضب" 2/ 36، والبغدادي، "خزانة الأدب" 1/ 339، ولم ينسباه.]] .... ويقوي ذلك أن الغرف وإن كانت مختصة، فقد أجريت المختصة من هذه الظروف مجرى غير المختص، نحو قوله: كما عسل الطريقَ الثعلبُ [[أنشده كاملًا سيبويه، "الكتاب" 1/ 36، ونسبه لساعدة بن جُؤَيَّة، والبيت تمامه: لدنٌ بِهزِالكفِ يعسلُ متنُه ... فيه كما عسلَ الطريقَ الثعلبُ وأنشده كاملًا المبرد، "الكامل" 1/ 474، ولم ينسبه. وأنشد عجزه أبو علي، في "الحجة" 5/ 440، ولم ينسبه، وعنه أخذ الواحدي، وأنشده ابن جني، "الخصائص" 3/ 319، ولم ينسبه. وفي الحاشية: هذا البيت في وصف الرمح، واللدن: اللين الناعم، وقوله: يعسل متنه: يشتد اهتزازه، ويقال: عسل الثعلب والذئب في سيره: اشتد اضطرابه.]] ونحو: ذهبتُ الشامَ، عند سيبويه. ويدل على صحة قول سيبويه ما روي في الحديث: "إنما أنا لكم كالوالد، فإذا ذهب أحدكم الغائط" من غير حرف جر، وروي: "إلى الغائط" [[أخرج هذا الحديث بحرف الجر: (إلى الغائط) الإمام أحمد 12/ 372، ط/ الرسالة، وابن ماجه 1/ 114، كتاب: الطهارة، رقم الحديث (313)، وابن حبان في "صحيحه"، كتاب: الطهارة، رقم (1431)، "الإحسان" 4/ 279، والبيهقي، "السنن الكبرى" 1/ 102، كتاب: الطهارة. كلهم من طريق: يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. والحديث في "صحيح سنن ابن ماجه" 1/ 57، رقم (252). وقال محققو المسند: إسناده قوي. ولم أجده بهذا اللفظ بدون حرف الجر، إلا عند النسائي في "السنن الكبرى" من طريق عبد العزير بن أبي حازم عن أبيه عن مسلم بن قُرط عن == عروة عن عائشة أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا ذهب أحدكم الغائطَ فليذهب معه بثلاثة أحجار". "السنن الكبرى" 1/ 72، كتاب: الطهارة، رقم الحديث (42). والحديث في السنن الصغرى بهذا الإسناد بإثبات حرف الجر. "سنن النسائي" 1/ 44، كتاب الطهارة، رقم الحديث (44)، وهو في "صحيح سنن النسائي" 1/ 11، رقم الحديث (43). وأخرجه الطبراني من طريق سلامة بن روح، عن عُقَيل، عن ابن شهاب الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من ذهب منكم الغائطَ فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا". "المعجم الكبير" 4/ 143، رقم الحديث: 3942. وسلامة بن روح مختلف فيه، "الكامل في ضعفاء الرجال" 3/ 1162، "تهذيب التهذيب" 4/ 253، "ميزان الاعتدال" 2/ 183، قال عنه ابن حجر: صدوق له أوهام. "تقريب التهذيب" 426. وعُقيل هو ابن خالد بن عقيل، قال عنه الذهبي: الحافظ الإمام، حدث عن ابن شهاب فأكثر وجوَّد، وحدث عنه ابن أخيه: سلامة بن روح. "سير أعلام النبلاء" 6/ 301. قال عنه ابن حجر: ثقة ثبت "تقريب التهذيب" 687. وعطاء بن يزيد الليثي: ثقف "تقريب التهذيب" 679.]]. ويدل على صحة القراءة الأولى، قوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: 74] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 440، وليس فيه ذكر الحديث. وقول سيبويه في "الكتاب" 1/ 35.]]. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال ابن عباس: يريد تحت الغرف الأنهار، كما وصف تبارك وتعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد: 15] [[لعل الشاهد من إيراد هذه الآية: بيان أن الأنهار التي تجري من تحت الغرف أنهار متنوعة، كما ذكر في آية سورة: محمد ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾. والله أعلم.]]. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ مقيمين فيها لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يسقمون. وقوله: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ قال: يريد المهاجرين والأنصار. قال مقاتل: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ لله [["تفسير مقاتل" 75 أ.]]. وفي الآية حذف يتم به الكلام، كأنه قيل: نعم أجر العاملين الغرف أو الجنة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3078، عن مقاتل.]].

العنكبوت 29:59

ثم نعت هؤلاء فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس: على دينهم، وعلى المخمصة، وعلى الجزع، وترك الأموال والأولاد والدور [[وقال مقاتل 75 أ: على الهجرة. وكل ذلك داخل مراد.]]. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال: وباللَّه يثقون في هجرتهم [["تفسير مقاتل" 75 أ.]]. قال ابن عباس: ذلك أن المهاجرين توكلوا على الله وتركوا دورهم وأموالهم. قال مقاتل: إن أحدهم كان يقول بمكة: كيف أهاجر إلى المدينة وليس لي بها دار ولا معيشة؟ فوعظهم الله ليعتبروا، فقال:

العنكبوت 29:60

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ وكم من دابة [["تفسير مقاتل" 75 أ. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 117. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 339. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 173.]] ﴿فيِ الْأَرْضَ﴾ قال أبو إسحاق: كل حيوان على وجه الأرض بما يعقل ولا يعقل فهو دابة، وإنما هو: مَنْ دبت على الأرض، والمعنى: من نفس دابة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 173. قال أبو عبيدة: ومجاز الدابة: أن كل شيء يحتاج إلى الأكل والشرب فهو دابة من إنس أو غيرهم.]]. وقوله: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قال ابن عباس: لا تقدر على رزقها. قال مقاتل: لا ترفع رزقها معها [["تفسير مقاتل" 75 أ. وقال ابن قتيبة: لا ترفع شيئًا لغد. "غريب القرآن" 339.]]. وقال سفيان وعلي بن الأقمر: لا تدخر شيئًا لغد [[أخرجه ابن جرير 21/ 11، والثعلبي 8/ 162 ب، كلاهما عن علي بن الأقمر، من طريق سفيان. - علي بن الأقمر بن عمرو الهمْداني، الوادعي، أبو الوازع، كوفي ثقة، حدث عن أسامة بن شريك، وأبي الأحوص، وغيرهم، روى عنه الأعمش، وشعبة، وسفيان الثوري، وغيرهم. "سير أعلام النبلاء" 5/ 313. و"تقريب التهذيب" 690.]]. وقال أبو إسحاق: أي لا تدخر رزقها، إنما تصبح فيرزقها الله، وعلى هذا أكثر الحيوان [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 173.]]. قال سفيان: وليس شىء مما خلق الله يَخْبَأُ إلا الإنسان والفأرة والنملة [["تفسير الثعلبي" 8/ 162 ب. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 339، ونسبه لابن عيينة. وعند الفراء: إلا النملة فإنها تدخر رزقها لسنتها. "معاني القرآن" 2/ 318، ولم ينسبه.]]. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ يرزقكم إن هاجرتم إلى المدينة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولكم: إنا لا نجد ما ننفق بالمدينة [["تفسير مقاتل" 75 أ.]] ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلوبكم [["تفسير الثعلبي" 8/ 162 ب.]].

العنكبوت 29:61

قال ابن عباس: ثم رجع إلى المشركين فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ يقرون بأن الله خالق هذه الأشياء. قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فكيف يكذبون بتوحيدي [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3079، عن ابن عباس. و"تفسير مقاتل" 75 أ.]]. أي: إذا كان الله هو الخالق وحده، وجب أن يكون هو المعبود وحده من غير شريك. والمعنى: فكيف يُصرفون عن التوحيد بعد قيام الدليل. قال مقاتل: ثم رجع إلى الذين رغبهم في الهجرة؛ الذين قالوا: لا نجد ما ننفق فقال:

العنكبوت 29:62

﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [[و [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 100]: إنما دخلت بل هاهنا؛ لأنه لما قال: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ دل على أنه كفر ذلك الفريق بالنقض فقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ كفار بالنقض، وحسن هذا التفصيل؛ لأن منهم من نقض عنادًا، ومنهم من نقض جهلاً. وقيل: معناه: كفر فريق بالنقض، وكفر أكثرهم بالجحد للحق؛ وهو أمر النبي -ﷺ-.]] و [["تفسير مقاتل" 75 أ، بلفظ: باطلا. فقط.]] و (¬4) و (¬5) "تفسير مقاتل" 75 أ.]] قال ابن عباس: يريد البر والفاجر، فكيف لا أبسط عليكم. وقوله: ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ قال مقاتل: ويقتر على من يشاء (¬2) ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مما أنتم فيه من الشدة، وما أريد من إدخال الرفق عليكم ﴿عَلِيمٌ﴾.

العنكبوت 29:63

وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يعني: كفار مكة، إلى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: الله الذي فعل هذه الأشياء (¬3). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بإقرارهم بذلك. قاله مقاتل وابن عباس (¬4). ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ توحيد ربهم مع إقرارهم بأن الله خلق الأشياء كلها وحده (¬5)، وأنزل المطر. والمراد بالأكثر: الجميع. وقد مر (¬6).

العنكبوت 29:64

قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ يعني: الحياة في هذه الدار ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد باطل وغرور وعبث تنقضي عن قريب (¬7). ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ لهي دار الحياة لا موت فيها [["تفسير مقاتل" 75 ب. و"تفسير ابن جرير" 21/ 12، و"تفسير الثعلبي" 8/ 163 أ. وأخرجه ابن جرير 21/ 12، عن مجاهد، وأخرجه عن ابن عباس، بلفظ: باقية. قال الأزهري: معناه: أن من صار إلى الآخرة لم يمت، ودام حيًا فيها لا يموت، فمن أدخل الجنة حيي فيها حياة طيبة، ومن دخل النار فإنه لا يموت فيها ولا يحيا. "تهذيب اللغة" 5/ 287 (حي).]]. وقال الكلبي: هي حياة لا يموت فيها أهلها [["تنوير المقباس" 338.]]. وقال قتادة والسدي: لهىِ الحياة [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 99، عن قتادة.]]. وقال الفراء: لهي الحياة حياة لا موت فيها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 318.]]. وقال الزجاج: معناه: هي دار الحياة الدائمة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 173.]]. وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة [["مجاز القرآن" 2/ 117. و"غريب القرآن" 339.]]. فالمفسرون وأصحاب المعاني على أن الحيوان هاهنا بمعنى: الحياة. قال أبو علي: قال أبو عبيدة: الحياة والحيوان والحي واحد، فهذه على ما حكاه أبو عبيدة مصادر [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 117. بمعناه. وهو في "كتاب الشعر" لأبي علي 1/ 321، غير منسوب.]]. والحياة كالحَلْية والحَدَمَة؛ وهي شدة التهاب النار [["تهذيب اللغة" 4/ 433 (حدم). يعني أن أصلها: حَيْوَة على وزن: حَلْيَة، أو: حَيَوَة على وزن: حَدَمَة. والله أعلم.]]. والحيوان: كالفوران [[هكذا في النسختين؛ يقال: فارت القدر تفور فَوْرًا، وفَورانًا، إذا غَلت. "تهذيب اللغة" 15/ 247 (فار).]] والغليان. والحِيّ كالعِيِّ [[العِيَّ: مصدر العَي، يقال: عيى فلان بالأمر إذا عجز عند "تهذيب اللغة" 3/ 258 (عيى).]]؛ قالوا: حَيِي يحيى حياءً [["تهذيب اللغة" 5/ 283 (حيى).]]، كما قالوا: عَييِ يَعْيا عياء [["تهذيب اللغة" 3/ 257 (عيى).]]، ومن ذلك قول العجاج: كنا بها إذِ الحَياة حِيُّ [[هكذا أنشده أبو علي، "كتاب الشعر" 1/ 321، وصدره بقوله: قال رؤبة أو العجاج. وأنشده أبو عبيدة 2/ 117، بلفظ: وقد نَرَى إذ الحياةُ حِيٌ ونسبه للعجاج. وهو كذلك في "ديوانه" 249. وأنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 285 (حي) غير منسوب، واستشهد به على أن الحِي بكسر الحاء جمع الحياة.]] فهذا [[في كتاب أبي علي: كأنه قال: إذِ الحياة حياةٌ، أي: الحياة غيرُ متكدرة ولا منغَّصة. "كتاب الشعر" 1/ 321.]] إذا الحياةُ حياةٌ. وقال أبو زيد: الحيوان ما فيه روح [[ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 287، ولم ينسبه.]]. والمَوَتَان: ما لا روح فيه [[لم أجده في "النوادر"؛ وفي "تهذيب اللغة" 14/ 343 (موت): الموتان: كل شيء غير ذي روح، وما كان ذا روح فهو الحيوان. ولم ينسبه لأبي زيد.]]. والحيوان في روايتي أبي زيد وأبي عبيدة على ضربين؛ أحدهما: أن يكون مصدرًا كما حكاه أبو عبيدة. والآخر: أن يكون وصفًا كما حكاه أبو زيد. والحيوان على قول أبي زيد مثل الحَيّ الذي يراد به خلاف الميت، وقد جاء الصفة على هذا المثال نحو قولهم: رجلٌ صَمَيَانٌ للسريع الخفيف [["تهذيب اللغة" 12/ 260 (صمى).]]، والزَّفَيَان [[لزَّفَيَان: الخفة. "لسان العرب" 14/ 357 (زفى).]]، قال: وتحتَ رَحلي زَفَيَانٌ مَيْلَعُ [[أنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 265 (زفى) ولم ينسبه. والملْع: سرعة سير الناقة، وناقة مَيْلَع: سريعة. "تهذيب اللغة" 2/ 426 (ملع). وهو في "لسان العرب" 14/ 357، مع بيتين قبله غير منسوب، وفيه: ناقة زَفيان: سريعة.]] فهذا أظهر من أن يقال له وصف بالمصدر، فأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى: وإن حياة الدار الآخرة هي الحياة؛ لأنه لا نقص فيها ولا نفاد لها، أي: فتلك الحياة هي الحياة لا التي يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار، فيكون الحيوان مصدر على هذا. ويجوز أن يكون الحيوان الذي هو خلاف المَوَتان، وقيل للدار الآخرة: الحيوان؛ لأنها لا تزول ولا تبيد كما تبيد هذه الدار وتزول، فتكون الدار وصفت بالحياة لهذا المعنى، والمراد أهلها. ويجوز أن يكون التقدير في قوله: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هي ذات الحيوان، أي: دار الآخرة هي دار الحياة، كأنه لم يعتد بحياة هذه الدار حياة. فأما القول في حروف الحيوان: أن العين واللام مِثْلان في أصل الكلمة، وأبدلت من الثانية الواو لَمَّا لم يسع الإدغام في هذا المثال، ألا ترى أن مثل: شَلَل وطَلَل [[الشلل: ذهاب اليد، يقال: شَلَّت يده تَشلَّ، فهو أشلُّ. "تهذيب اللغة" 11/ 276 (شلل). الطَلَل: ما شخص من الديار، يقال: حيَّا الله طَلَلك وأطلالك: أي: ما == شخص من جسدك. "تهذيب اللغة" 13/ 295 (طلل).]] يصح ولا يدغم؛ فكذلك الحيوان لَمَّا لم يجز الإدغام تُوصل فيه إلى إزالة المثلين بالبدل، ووجب ذلك في الثاني منهما، وهو الكثير العام في كلامهم؛ لأن التكرير وقع بها، هذا مذهب الخليل وسيبويه وأصحابهما [[أصل الحيوان: حَييَان، فقلبت الياء التي هي لام الفعل واوًا استكراهًا لتوالي الحركات؛ هذا مذهب الخليل وسيبويه. "لسان العرب" 14/ 214 (حيا). وقول سيبويه في "الكتاب" 4/ 399.]]؛ إلا أبا عثمان فإنه ذهب في أن الحيوان غير مُبْدَل الواو؛ وأن الواو فيه أصل وإن لم يكن منه فِعْل، وشَبَّه هذا بقولهم: فَاظَ الميتُ يَفِيظُ فَيْظًا وفَوْظًا [[فاظ الميت، وفاظت نفسه: إذا خرجت. "تهذيب اللغة" 14/ 396 (فاظ).]]، ولا يستعملون من فَوْظٍ فِعْلاً، فكذلك الحيوان عنده مصدر لم يُشتقَّ منه فِعل، بمنزلة فَوْظٍ؛ ألا ترى أنهم لا يقولون: فاظ يفوظ كما قالوا: فاظ يفيظ. قال أبو علي: الذي أجازه أبو عثمان فاسد من قِبَل أنه لا يمتنع أن يكون في الكلام مصدر عينه: واو، وفاؤه: لام صحيحان؛ مثل: فَوْظٍ، وصَوْغٍ [[الصَّوغُ: مصدر صاغ يصوغ، والصَّياغة: الحرفة. "تهذيب اللغة" 8/ 158 (صاغ).]]، وقَوْلٍ، ومَوْتٍ، وأشباه ذلك، فأما أن يوجد في الكلام كلمة عينها: ياء، ولامها: واو فلا، فحمله الحيوان على فَوْظٍ خطأٌ؛ لأنه شَبَّه ما لا يوجدُ في الكلام بما هو موجود مطرد؛ وبهذا علمنا أن حَيْوةَ في مثل: رَجاء بن حَيْوة؛ أصله: حَيَّة وأن اللام إنما قلبت واوًا لضربٍ من التَوسُّع، وكراهةً لتضعيف الياء، ولأن الكلمة أيضًا عَلَم؛ والأعلام يَعْرِضُ فيها ما لا يعرض في غيرها؛ نحو: مَوْهَب ومَوْرَق، ومَوْظَب [["سر صناعة الإعراب" 1/ 153، بتصرف، وهو في "لسان العرب" 14/ 214 (حيا). وضبطت كلمة: مَوْرَق، هكذا في سر صناعة الإعراب، وهو اسم علم؛ منه: == مُورق بتشديد الراء، ابن مُشَمْرِج، بضم أوله، ابن عبد الله العجلي، ترجم له الحافظ ابن حجر. "تقريب التهذيب" 977، رقم (6989). ومَوْرَق بفتح الميم وضمها اسم موضع بفارس. "معجم البلدان" 5/ 256، ثم قال ياقوت الحموي: ومَوْهَب ومَوْظَب اسمان لرجلين.]]. قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني لو علموا لرغبوا في الباقي الدائم عن الفاني الزائل، ولكنهم لا يعلمون.

العنكبوت 29:65

قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين كفار مكة. وذكرنا معنى ﴿فِي﴾ عند قوله: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: 41] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾ لا يجوز أن تكون من صلة الركوب؛ لأنه يقال: ركبت السفينة، ولا يقال: ركبت في السفينة، والوجه هاهنا أن يقال: مفعول ﴿ارْكَبُوا﴾ محذوف على تقدير: اركبوا الماء في السفينة فيكون قوله: ﴿فِيهَا﴾ حالًا من الضمير في: ﴿ارْكَبُوا﴾ ويجوز أن يقال: المعنى: اركبوها؛ أي: الفلك، وزاد: في للتأكيد كقوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] وفائدة هذه الزيادة أنه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها، فلو قال: (اركبوها) لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا على ظهر السفينة.]]. و ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أفردوا الله بالطاعة، وتركوا شركاءهم فلا يدعونهم لإنجائهم ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ الله من أهوال البحر، وأفضوا إلى البر ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ به في البر فلا يوحدونه كما وحدوه في البحر [["تفسير مقاتل" 75 ب.]]. وهذا إخبار عن عنادهم، وأنهم عند الشدائد يعلمون أن القادر على كشفها الله وحده، فإذا زالت عادوا إلى كفرهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 318، بمعناه.]].

العنكبوت 29:66

قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ في هذه اللام وجهان؛ أحدهما: أنها لام كي، وهي متعلقة بالإشراك، كأن المعنى: يشركون ليكفروا؛ أي: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم، أي: لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر، فليس يردُّ عليهم الشرك نفعًا إلا الكفر والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة. ومن جعل هذه لام كي كسر لام قوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ ومن جزم اللام أراد الأمر [[قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بجزم اللام، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بكسر اللام. "السبعة في القراءات" 502، و "الحجة للقراء السبعة" 5/ 440.]]، وهو على معنى: التهديد والوعيد كقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64] و ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40] ونحو ذلك من الأوامر التي معناها الوعيد [["معاني القرآن" للفراء 2/ 319، وابن جرير 21/ 13، بمعناه. قال الزجاج 4/ 174: قرئ بكسر اللام وتسكينها، والكسر أجود على معنى: لكي يكفروا وكي يتمتعوا.]]. ويدل على جواز الأمر هاهنا قوله في الأخرى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 441، من قوله: في هذه اللام وجهان]].

العنكبوت 29:67

وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ ذكرنا تفسيره ونزوله في سورة: القصص [[أشار إلى هذه الإحالة: مقاتل 75 ب. سورة القصص الآية 57.]]. قال ابن عباس: يعني مكة يأمن أهلها، ومن يلجأُ إليهم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3082، عن الضحاك.]]. ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يريد: العرب يسبي بعضهم بعضًا، وأهلُ مكة آمنون [[أخرجه ابن جرير 21/ 14، عن قتادة، بنحوه.]]. قال مقاتل: أدفع عنهم، وهم يأكلون رزقي، ويعبدون غيري [["تفسير مقاتل" 75 ب.]]. ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: الشيطان [["تفسير مقاتل" 75 ب.]]. وقال الكلبي: يعني الآلهة [["تنوير المقباس" 338.]] ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ قال مقاتل: ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ [قريش: 4] ﴿يَكْفُرُونَ﴾ [["تفسير مقاتل" 75 ب.]] وقال الكلبي: بمحمد والإِسلام [["تنوير المقباس" 338، بنحوه.]].

العنكبوت 29:68

ثم ذكر أنهم أظلمُ الخلق فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم ممن زعم أن لله شريكًا، وأنه أمر بالفواحش [["تفسير الثعلبي" 8/ 163 أ.]]. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ بمحمد والقرآن [["تفسير الثعلبي" 8/ 163 أ. و"تنوير المقباس" 338.]] ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ أمَا لهذا المكذب مأوى في جهنم [["تفسير مقاتل" 75 ب.]] وهو استفهام معناه: التقرير [[تفسير ابن جرير 21/ 14.]].

العنكبوت 29:69

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ قال ابن زيد: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ هؤلاء المشركين وقاتلوهم في نصرة ديننا، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ لنعصمنهم ولنرشدنهم إلى ديننا [[أخرجه ابن جرير 21/ 15، عن ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ فقلت له: قاتلوا فينا قال: نعم. وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم 9/ 3084.]]. والأولى أن يكون معنى الهداية هاهنا: الزيادة منها والتثبيت عليها. قال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أنه يزيد المجاهدين هداية، كما أنه يزيد الكافرين بكفرهم ضلالة، كذلك يزيد المجاهدين هداية كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: 17] [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 174. ومن أدلة ذلك قول الله -عز وجل- ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 124، 125].]]. وقال أبو سَوْرَة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ في الغزو لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة [["تفسير الثعلبي" 8/ 163 ب. - أبو سَوْرَة الأنصاري، ابن أخي أبي أيوب. قال الذهبي: أبو سورة، عن ابن عمر، وعنه مطعم بن المقدام، مجهول. "المغني في الضعفاء" 2/ 473، وقال ابن حجر: ضعيف. "تقريب التهذيب" 1158.]]. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال مقاتل: في العون لهم [[لم أجده عند مقاتل في تفسيره. وقال الثعلبي 8/ 163 ب: بالنصر والمعونة في دنياهم، وبالثواب والمغفرة في عقباهم.]]. وقال الزجاج: تأويله: إن الله ناصرهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 174.]]. وقال ابن عباس: يريد بالمحسنين الموحدين.