Lafzullah

Al-Basit — الروم 30:1 – الأحزاب 33:73

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. الروم 30:1
  2. الروم 30:2
  3. الروم 30:3
  4. الروم 30:4
  5. الروم 30:5
  6. الروم 30:6
  7. الروم 30:7
  8. الروم 30:8
  9. الروم 30:9
  10. الروم 30:10
  11. الروم 30:11
  12. الروم 30:12
  13. الروم 30:13
  14. الروم 30:14
  15. الروم 30:15
  16. الروم 30:16
  17. الروم 30:17
  18. الروم 30:18
  19. الروم 30:19
  20. الروم 30:20
  21. الروم 30:21
  22. الروم 30:22
  23. الروم 30:23
  24. الروم 30:24
  25. الروم 30:25
  26. الروم 30:26
  27. الروم 30:27
  28. الروم 30:28
  29. الروم 30:29
  30. الروم 30:30
  31. الروم 30:31
  32. الروم 30:32
  33. الروم 30:33
  34. الروم 30:34
  35. الروم 30:35
  36. الروم 30:36
  37. الروم 30:37
  38. الروم 30:38
  39. الروم 30:39
  40. الروم 30:41
  41. الروم 30:42
  42. الروم 30:43
  43. الروم 30:44
  44. الروم 30:45
  45. الروم 30:46
  46. الروم 30:47
  47. الروم 30:48
  48. الروم 30:49
  49. الروم 30:50
  50. الروم 30:51
  51. الروم 30:52
  52. الروم 30:53
  53. الروم 30:54
  54. الروم 30:55
  55. الروم 30:56
  56. الروم 30:57
  57. الروم 30:58
  58. الروم 30:59
  59. الروم 30:60
  60. لقمان 31:1
  61. لقمان 31:2
  62. لقمان 31:3
  63. لقمان 31:4
  64. لقمان 31:5
  65. لقمان 31:6
  66. لقمان 31:10
  67. لقمان 31:12
  68. لقمان 31:13
  69. لقمان 31:14
  70. لقمان 31:15
  71. لقمان 31:16
  72. لقمان 31:17
  73. لقمان 31:18
  74. لقمان 31:19
  75. لقمان 31:20
  76. لقمان 31:21
  77. لقمان 31:22
  78. لقمان 31:24
  79. لقمان 31:27
  80. لقمان 31:28
  81. لقمان 31:31
  82. لقمان 31:32
  83. لقمان 31:33
  84. لقمان 31:34
  85. السجدة 32:1
  86. السجدة 32:2
  87. السجدة 32:3
  88. السجدة 32:4
  89. السجدة 32:5
  90. السجدة 32:6
  91. السجدة 32:7
  92. السجدة 32:8
  93. السجدة 32:9
  94. السجدة 32:10
  95. السجدة 32:11
  96. السجدة 32:12
  97. السجدة 32:13
  98. السجدة 32:14
  99. السجدة 32:15
  100. السجدة 32:16
  101. السجدة 32:17
  102. السجدة 32:18
  103. السجدة 32:19
  104. السجدة 32:20
  105. السجدة 32:21
  106. السجدة 32:22
  107. السجدة 32:23
  108. السجدة 32:24
  109. السجدة 32:25
  110. السجدة 32:26
  111. السجدة 32:27
  112. السجدة 32:28
  113. السجدة 32:29
  114. الأحزاب 33:1
  115. الأحزاب 33:2
  116. الأحزاب 33:4
  117. الأحزاب 33:5
  118. الأحزاب 33:7
  119. الأحزاب 33:8
  120. الأحزاب 33:9
  121. الأحزاب 33:10
  122. الأحزاب 33:11
  123. الأحزاب 33:12
  124. الأحزاب 33:13
  125. الأحزاب 33:14
  126. الأحزاب 33:15
  127. الأحزاب 33:16
  128. الأحزاب 33:17
  129. الأحزاب 33:18
  130. الأحزاب 33:19
  131. الأحزاب 33:20
  132. الأحزاب 33:21
  133. الأحزاب 33:22
  134. الأحزاب 33:23
  135. الأحزاب 33:24
  136. الأحزاب 33:25
  137. الأحزاب 33:26
  138. الأحزاب 33:27
  139. الأحزاب 33:28
  140. الأحزاب 33:29
  141. الأحزاب 33:30
  142. الأحزاب 33:31
  143. الأحزاب 33:32
  144. الأحزاب 33:33
  145. الأحزاب 33:34
  146. الأحزاب 33:35
  147. الأحزاب 33:36
  148. الأحزاب 33:37
  149. الأحزاب 33:38
  150. الأحزاب 33:39
  151. الأحزاب 33:40
  152. الأحزاب 33:41
  153. الأحزاب 33:42
  154. الأحزاب 33:43
  155. الأحزاب 33:44
  156. الأحزاب 33:45
  157. الأحزاب 33:46
  158. الأحزاب 33:47
  159. الأحزاب 33:48
  160. الأحزاب 33:49
  161. الأحزاب 33:50
  162. الأحزاب 33:51
  163. الأحزاب 33:52
  164. الأحزاب 33:53
  165. الأحزاب 33:54
  166. الأحزاب 33:55
  167. الأحزاب 33:56
  168. الأحزاب 33:57
  169. الأحزاب 33:58
  170. الأحزاب 33:59
  171. الأحزاب 33:60
  172. الأحزاب 33:61
  173. الأحزاب 33:62
  174. الأحزاب 33:63
  175. الأحزاب 33:67
  176. الأحزاب 33:68
  177. الأحزاب 33:69
  178. الأحزاب 33:70
  179. الأحزاب 33:71
  180. الأحزاب 33:72
  181. الأحزاب 33:73

الروم 30:1

﴿الم﴾ ذكرنا تفسيره في سورة العنكبوت.

الروم 30:2

قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال المفسرون: إن أهل فارس غلبوا أهل الروم ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ ففرح بذلك كفار مكة، وقالوا: إن فارس ليست لهم كتب ونحن مثلهم، وقد غلبوا أهلَ الروم وهم أهل كتاب مثلكم، فنحن أيضًا نغلبكم كما غلبت فارس الروم [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 101، عن مجاهد، وقتادة، والشعبي. وأخرجه ابن جرير 21/ 17، عن ابن عباس، وعكرمة، وعطاء، والشعبي. وأخرجه مقاتل عن عكرمة، "تفسير مقاتل" 75 ب. وذكره الثعلبي 8/ 164 أ، وصدره بقوله: قال المفسرون. ولم يسمهم.]]. وقال السدي: اقتتلت فارس والروم فغلبتهم فارس، ففخر أبو سفيان ابن حرب على المسلمين، وقال: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم الكتاب. فذلك قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [[أخرجه ابن جرير 21/ 16، عن ابن عباس، من طرق، وعن عكرمة، وقتادة. ولم أجد فيه رواية السدي. ولم أجده في تفسير السدي، جمع محمد عطا يوسف.]] وهم جيل من ولد الروم بن عيص بن إسحاق [[قال ابن دريد: الروم: جيل معروف. "جمهرة اللغة" 2/ 803. وفي "اللسان" 12/ 258 (روم): جيل معروف، واحدهم: رُومي، ينتمون إلى: عِيصو بن إسحاق النبي -عليه السلام-.]]، غلب اسم أبيهم عليهم، فصار كالاسم للقبيلة. وإن شئت قلت: جمع رومي منسوب إلى روم بن عيص، كما يقال: زِنجي وزنج، ونحو ذلك. قال صاحب النظم: لا يحتمل قوله: ﴿الم﴾ هاهنا إلا أن يكون في معنى القسم، ويكون خبره في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ على معنى: لقد غلبت، فلما أضمرت: قد، أضمرت معها: اللام، وقد مما يضمر، كقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] وقول النابغة: أَضْحَتْ خَلاءً وأضحى أهلُها احتمَلُوا [["ديوان النابغة" الذبياني ص 31، وعجزه: أخنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ وفي الحاشية: أخنى عليها: غيرها وأفسدها، لبد: زعموا أنه نسر كان للقمان بن عاد عمر طويلًا. قال البغدادي: هذا البيت من قصيدة للنابغة الذبياني مدح بها النعمان بن المنذر، واعتذر إليه مما بلغه عنه. "خزانة الأدب" 4/ 5.]] يعني: قد احتملوا. ولما أضمر: قد، في الآية وهو موضع اللام أيضًا كقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: 106] فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ أضمر الفاء معه؛ لأنه موضعه، وذلك أن جواب (أما) لا يكون إلا بالفاء، كما قال -عز وجل-: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ﴾ [آل عمران: 107]. وقوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد الجزيرة [[لعل المراد بها: جزيرة أَقُور فإنها تسمى: الجزيرة؛ لأنها بين دجلة والفرات، مجاورة الشام. وقد أطال الحديث عنها ياقوت في "معجمه" 2/ 156. شمال غرب العراق، في المنطقة الفاصلة بين العراق وسوريا.]]. قال ابن أبي نجيح: هي الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 165 أ.]]. وعن ابن عباس أيضًا: طَرف الشام [[أخرجه ابن جرير 21/ 21، عن ابن عباس، وأخرج نحوه 21/ 16، عن ابن عمر. وذكره عن ابن عمر الفراء، "معاني القرآن" 2/ 319. قال الزجاج 4/ 175: وتأويله: أدنى الأرض من أرض العرب.]]. وقال مقاتل: هي الأردن وفلسطين. وعكرمة: أذرعات وكَسْكَر [[في "تفسير مقاتل" 75 ب: أذرعات، عن عكرمة. وفي: 77 أ: الأردن وفلسطين. وليس فيه ذكر: كسكر. لكن ذكره عن عكرمة الثعلبي 8/ 165 أ. وأخرج ابن جرير 21/ 18، عن عطاء وعكرمة، أنها: أذرعات. وأَذْرعات: بلد في أطراف الشام، يجاور أرض البلقاء وعَمَّان. "معجم البلدان" 1/ 158. و: كَسْكَر: تعريف ياقوت لها يدل على أنها مدينة بين: البصرة والكوفة. "معجم البلدان" 4/ 523، وهي جنوب شرق بغداد على نهر دجلة بالقرب من الحدود الإيرانية وفي "تهذيب اللغة" 2/ 315: أذرعات: بلد تنسب إليها الخمر. وفي "اللسان" 8/ 97: موضع بالشام تنسب إليه الخمر. (ذرع). وهي تبعد إلى الشرق من مدينة عكا بحوالي 120 كم.]]. وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ يعني: الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ قال الفراء: كلام العرب: غَلَبتُه غَلَبَةً، فإذا أضافوا أسقطوا الهاء، كما أسقطوها من قوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: 73] والكلام: إقامة الصلاة [["معاني القرآن" 2/ 319.]]. وأنكر الزجاج ذلك؛ وقال: هذا خطأ، والغَلَب والغَلَبة مصدر: غَلَبْتُ، مثل: الجَلَبُ والجَلَبَة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 177 الجَلَب: ما جلب القوم من غنم أو سبي، والجلب الجلبة في جماعة الناس، والفعل: أجلبوا وجَلَّبوا من الصياح. "تهذيب اللغة" 11/ 90 (جلب).]]. وقال المبرد: أضاف الغلبة إلى الروم وهم مفعولون؛ لأن الفعل يضاف إلى مفعوله كما يضاف إلى فاعله؛ لأنه صاحبه، تقول: أعجبني خياطة الخياط، وبناء الباني، ونجر النجار، ويضاف إلى المفعول، لأنه فيه حَلَّ، يقولون: ما أحسن بناءَ هذه الدار، وخياطةَ هذا الثوب، ونجرَ هذا الباب، ومثل هذا في القرآن كثير؛ كقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] أي: حب المال ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8]: أي حب الطعام، ومثله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24] وهذا مما ذكرنا قديمًا [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال الفراء والزجاج: والمعنى: بسؤاله نعجتك فأضيف المصدر إلى المفعول لما ألقيت الهاء من السؤال، ومثله: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49] أي: من دعائه بالخير، فلما ألقى الهاء أضيف الفعل إلى الخبر وألقي من الخبر الباء، كقول الشاعر: ولست مُسلِمًا ما دمت حيًا ... على زيد بتسليم الأمير أي: بتسليمي على الأمير.]].

الروم 30:3

قوله تعالى: ﴿سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ذكرنا تفسير البضع عند قوله: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: 42] [[ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية الخلاف في البضع، والأقوال التي ذكرها: 1 - البضع ما لم يبلغ العقد ولا نصفه؛ أي: من واحد إلى أربعة. قاله أبو عبيدة. 2 - قال الأصمعي: ما بين الثلاث إلى التسع، وصححه الزجاج. 3 - البضع ما بين العقدين، وهو قول الأخفش. ثم قال الواحدي: وعامة المفسرين على أن المراد بالبضع هاهنا: سبع.]]. أخبر الله تعالى: أن الروم بعد ما غُلبوا سيغلبون، ويصيرون غالبين لفارس؛ روى عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ناحب أبو بكر قريشًا ثم أتى النبي -ﷺ- وقال: إني ناحبتهم، فقال له النبي -ﷺ-: "فهلا احتطت فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع" [[أخرجه ابن جرير 21/ 17، من طريق ابن شهاب الزهري عن عبيد الله، عن عبد الله بن عباس. ومن الطريق نفسه أخرجه الترمذي 5/ 320، كتاب التفسير، == رقم (3191). وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس". وهو حديث مرسل؛ فعبيد الله بن عبد الله قد أرسل عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس. "تهذيب التهذيب" 7/ 22. والحديث في "ضعيف سنن الترمذي" 402، رقم (624). وقد ورد في النسختين هكذا: عبد الله بن عبد الله، والصواب: عبيد الله بن عبد الله، كما هي رواية الترمذي، وابن جرير.]]. والمناحبة: المراهنة، وذلك قبل تحريمه [["تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب والنَّحب، تطلق على معانٍ، منها: النذر، والقمار، وغيره. "تهذيب اللغة" 5/ 117 (نحب).]]. وقال في رواية عطاء: لما نزلت هذه الآية جرى بين أبي بكر رضي الله عنه وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حين وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص [[القَلُوص: الفتية من النوق، بمنزلة الفتاة من النساء. وتطلق أيضًا على: كل أنثى من الإبل من حين تركب، وإن كانت بنت لبون أو حِقة. "تهذيب اللغة" 8/ 368 (قلص).]] إلى أجل ثلاث سنين، فأتى أبو بكر إلى رسول الله -ﷺ- فقال له رسول الله -ﷺ-: "ارجع فاستزده في القلائص، وفي السنين"؛ فصيروا الرهبان سبع قلائص إلى سبع سنين [[أخرج نحوه ابن جرير 21/ 16، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير. وأخرجه أيضًا عن عكرمة، وقتادة، مع اختلاف في عدد السنين، وعدد القلائص، وكذا في "تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب، ولم ينسبه.]]. وقال الشعبي: بلغنا أن المسلمين والمشركين تخاطروا [[الخَطَر، والسَّبَق، والنَّدَب، واحد، وهو كله: الذي يوضع في النَّضال، والبرهان، فمن سبق أخذه. "تهذيب اللغة" 7/ 224 (خطر).]] بينهم لما نزلت هذه، وذلك قبل تحريم القمار، وضربوا بينهم أجلاً، فقال النبي -ﷺ-: "لو ضربتم أجلاً آخر فإن البضع يكون ما بين الثلاث إلى تسع" فزايده إلى سبع سنين على سبعة أبكار، قال: فالتقى الروم وفارس، فغلبهم الروم، فجاء جبريل بهزيمة فارس وظهور الروم عليهم، ووافق ذلك يوم بدر [[أخرجه عنه ابن جرير 21/ 19، مختصرًا.]]. وقال: سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما غلبت فارس الروم وفرح المشركون بذلك، ذكروا ذلك لأبي بكر؟ فذكره أبو بكر لرسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ-: "أما إنهم سيغلبون فارس" فذكر أبو بكر لهم: إن الروم سيغلبون ثم عقدوا عقد الرهان على ما ذكرنا [[أخرجه ابن جرير 21/ 16، من طريق سعيد بن جبير. وأخرجه الحاكم 2/ 445، كتاب التفسير، رقم (3540)، من طريق سعيد أيضًا، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه من طريق سعيد أيضًا الترمذي 5/ 320، كتاب: التفسير، رقم (3193)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وهو في "صحيح سنن الترمذي" 3/ 87، رقم (2551).]]. قال أبو إسحاق: وهذه من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله -عز وجل-؛ لأنه أنبأ بما سيكون وهذا لا يعلمه إلا الله [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 175.]]. وقال جماعة من المفسرين: صاحب القمار من جهة المشركين كان أبيِّ بن خلف، وكان الخَطَر بينهم: مائة من الإبل [[أخرجه ابن جرير 21/ 19، عن عكرمة، وقتادة "تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب، ولم ينسبه.]]. وقوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ أجمع المفسرون: أن الروم غلبت فارس بعد ما أخبر الله بهذه الآية أنهم سيغلبون في السنة السابعة [["تفسير مقاتل" 77 أ. وليس فيه ذكر السنة، بل ذكر فيه أن ذلك وقع في سنة الحديبية، وقد وقع صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة. "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 321، والفصول في سيرة الرسول -ﷺ-، 184. وذكر سبع == سنين نيار بن مُكرَّم، أخرجه عنه الترمذي 5/ 321، بسند حسن، قاله الألباني، صحيح سنن الترمذي 3/ 88. وذكره السيوطي عن ابن شهاب، وقتادة، "الدر المنثور" 6/ 481، وأخرج ابن جرير 21/ 20، عن ابن مسعود، أنها تسع. فحكاية الإجماع هنا غريبة؛ إذ قد اختلفت أقوال المفسرين في زمن وقوع ظهور الروم على فارس؛ فقيل: يوم بدر، وقيل في صلح الحديبية، وقيل بعد سبع سنين من الأجل، وقيل بعد تسع سنين، والثعلبي لما ذكر القول بأن المدة: سبع سنين، قال بعده: هكذا قول أكثر المفسرين. "تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب. فحكاية الإجماع هنا غير مستقيمة. والله أعلم.]]. قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ حين غلبت الروم فارس. وهذا قول الجميع؛ قالوا: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ أن تغلب ﴿وَمِنْ بَعْدُ﴾ ما غلبت [[أخرجه ابن جرير 21/ 21، بنحوه عن ابن جريج. و"تفسير مقاتل" 77 أ. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 176.]]. والمعنى: أن غلبة أحدهما الآخر، أيهما كان الغالب والمغلوب فإن ذلك بأمر الله وإرادته وقضائه وقدره، فحين غلبت فارس الروم كان الأمر لله، وحين تغلب الروم فارس يكون الأمر لله. وذكرنا الكلام في وجه ارتفاع ﴿قَبْلُ﴾ و ﴿بَعْدُ﴾ في أوائل سورة البقرة [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: 25] ﴿قَبْلُ﴾ يبنى على الضم في هذا الموضع؛ لأنها تضمنت معنيين؛ أحدهما معناها في ذاتها وهو السبق، والآخر معنى ما بعدها؛ لأن التأويل: هذا الذي رزقنا من قبله، فهو وإن لم يضف ففيه معنى الإضافة، فلما أدت عن معنيين قويت فحملت أثقل الحركات وكذلك قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ تأويله من قبل كل شيء وبعده، وهذا مذهب الفراء والمبرد، واختيار ابن الأنباري. وقد ذكر إعرابهما سيبويه، "الكتاب" 3/ 286، والمبرد، "المقتضب" 3/ 174، 175، والأخفش، "معاني القرآن" 2/ 658.]]. وذكر الفراء والزجاج هاهنا كلامًا طويلاً -ﷺ- في إعراب ﴿قَبْلُ﴾ و ﴿بَعْدُ﴾ ووجوه استعمالهما مركبة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 319 - 322. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 176، 177.]].

الروم 30:4

قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: حينئذ؛ حين تغلب الروم فارس ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أبو بكر وأصحابه ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ الروم على فارس [[أخرجه ابن جرير 21/ 17.]]. وقال مقاتل: لما كان يوم بدر غلب المسلمون كفار مكة، وأتى الخبرُ المسلمين أن الروم قد غلبوا أهل فارس ففرح المؤمنون بذلك. قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم بدر [["تفسير مقاتل" 77 أ. ولا يفهم من نقل الواحدي عن مقاتل أن غلبة الروم على فارس كانت مقاربة لغزوة بدر، كلا، بل قال مقاتل: وأتى المسلمين الخبرُ بعد ذلك، والنبي -ﷺ-، والمؤمنون بالحديبية أن الروم قد غلبوا أهل فارس.]] ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ ونحو هذا قال السدي: فرح النبي -ﷺ- والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم: بدر، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك. قال أبو سعيد الخدري: ظهر الروم على فارس يوم أحد [[أخرجه ابن جرير 21/ 21، وفيه يوم بدر؛ وهكذا ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 481، وعزاه لابن أبي حاتم، وأخرجه كذلك الترمذي 5/ 320، كتاب تفسير القرآن، رقم (¬3192). فكتابة: أحد؛ بدل: بدر، في "البسيط" تحريف. والله أعلم.]]. وقال آخرون: ظهر الروم على فارس يوم الحديبية؛ وهو قول عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود [[أخرجه ابن جرير 21/ 19، عن عطاء، وقتادة قال ابن كثير 6/ 303: وقد كانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كبيرة من العلماء؛ كابن عباس، والثوري، والسدي، وغيرهم .. وقال آخرون: بل كان نصرة الروم على فارس عام الحديبية؛ قاله عكرمة، والزهري، وقتادة وغيرهم .. ووجه بعضهم هذا == القول بأن قيصر كان قد نذر لئن أظفره الله بكسرى ليمشين من حمص إلى إيلياء -وهو بيت المقدس- شكرًا لله -عز وجل- .. ولم يف بنذره إلا بعد الحديبية، ثم قال: والأمر في هذا سهل قريب.]]. وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: الرومَ على فارس. وقال مجاهد: بإدالة الروم من أهل الكتاب على فارس أهل الأوثان [[أخرجه ابن جرير 21/ 17، عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح.]]. قوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: كما نصر الرومَ على فارس. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع في ملكه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين خاصة [["تفسير مقاتل" 77 أ.]]. ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

الروم 30:5

قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: حينئذ؛ حين تغلب الروم فارس ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أبو بكر وأصحابه ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ الروم على فارس [[أخرجه ابن جرير 21/ 17.]]. وقال مقاتل: لما كان يوم بدر غلب المسلمون كفار مكة، وأتى الخبرُ المسلمين أن الروم قد غلبوا أهل فارس ففرح المؤمنون بذلك. قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم بدر [["تفسير مقاتل" 77 أ. ولا يفهم من نقل الواحدي عن مقاتل أن غلبة الروم على فارس كانت مقاربة لغزوة بدر، كلا، بل قال مقاتل: وأتى المسلمين الخبرُ بعد ذلك، والنبي -ﷺ-، والمؤمنون بالحديبية أن الروم قد غلبوا أهل فارس.]] ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ ونحو هذا قال السدي: فرح النبي -ﷺ- والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم: بدر، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك. قال أبو سعيد الخدري: ظهر الروم على فارس يوم أحد [[أخرجه ابن جرير 21/ 21، وفيه يوم بدر؛ وهكذا ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 481، وعزاه لابن أبي حاتم، وأخرجه كذلك الترمذي 5/ 320، كتاب تفسير القرآن، رقم (¬3192). فكتابة: أحد؛ بدل: بدر، في "البسيط" تحريف. والله أعلم.]]. وقال آخرون: ظهر الروم على فارس يوم الحديبية؛ وهو قول عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود [[أخرجه ابن جرير 21/ 19، عن عطاء، وقتادة قال ابن كثير 6/ 303: وقد كانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كبيرة من العلماء؛ كابن عباس، والثوري، والسدي، وغيرهم .. وقال آخرون: بل كان نصرة الروم على فارس عام الحديبية؛ قاله عكرمة، والزهري، وقتادة وغيرهم .. ووجه بعضهم هذا == القول بأن قيصر كان قد نذر لئن أظفره الله بكسرى ليمشين من حمص إلى إيلياء -وهو بيت المقدس- شكرًا لله -عز وجل- .. ولم يف بنذره إلا بعد الحديبية، ثم قال: والأمر في هذا سهل قريب.]]. وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: الرومَ على فارس. وقال مجاهد: بإدالة الروم من أهل الكتاب على فارس أهل الأوثان [[أخرجه ابن جرير 21/ 17، عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح.]]. قوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: كما نصر الرومَ على فارس. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع في ملكه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين خاصة [["تفسير مقاتل" 77 أ.]]. ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

الروم 30:6

قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ هو وعد من الله للمؤمنين، فقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ بمنزلة: وعد الله وعدًا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 177. وذكره سيبويه، "الكتاب" 1/ 381. وذكره أيضًا المبرد؛ فقال: ومثل ذلك: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ لأنه لما قال: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ عُلم أن ذلك وعد منه، فصار بمنزلة: وعدهم وعدًا، ثم أضافه. "المقتضب" 3/ 232. ونحوه في "المسائل الحلبيات" 303.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة [["تفسير مقاتل" 77 أ.]] ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الله لا يخلف وعده في إظهار الروم على فارس. ثم قال لكفار مكة:

الروم 30:7

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال عكرمة وإبراهيم: معايشهم وما يصلحهم [[أخرجه عنهما ابن جرير 21/ 23.]]. وقال الحسن: يعلمون متى زرعهم ومتى حصادهم [[أخرجه ابن جرير 21/ 23.]]. وروي عنه في هذه الآية قال: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بيده فيخبرك بوزنه، ولا يحسن يصلي [["الدر المنثور" 6/ 484، ونسبه لابن المنذر وابن أبي حاتم 9/ 3088. ولفظه في الدر: يقلب الدرهم على ظفره. وذكره ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 289، ولفظه: ينقر الدرهم بظفره. وفي النسختين: ينقر الدرهم بيده. ولعل الصواب -والله أعلم-: يقلب الدرهم بيده؛ لأن تقليب الدرهم باليد يستفيد منه الحاذق معرفة الوزن دون النقرة الذي يمكن أن يستفاد منه معرفة النوع الرديء من الجيد.]]. وقال قتادة: يعلمون تجارتها وحرفتها وبيعها [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 102، وابن جرير 21/ 23، عن قتادة.]]. قال ابن عباس: يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال [[أخرجه ابن جرير 21/ 32، من طريق علي بن أبي طلحة.]]. وقال الضحاك: يعلمون بنيان قصورها، وتشقيق أنهارها، وغرس أشجارها [["الدر المنثور" 6/ 485، ونسبه لابن أبي حاتم 9/ 3088.]]. وقال مقاتل: يعني حرفتهم، ومتى يُدرك زرعهم، وما يصلحهم في معايشهم [["تفسير مقاتل" 77 أ.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى: يعلمون من معايش الحياة؛ لأنهم كانوا يعالجون التجارات [[ذكر نحوه الفراء، "معاني القرآن" 2/ 322.]]، فأعلم الله -عز وجل- مقدار ما يعلمون، وقوله [[هكذا: وقوله، في النسختين. ولعل الصواب: بقوله، كما يدل عليه السياق، والله أعلم. وأما عند الزجاج فقد جاءت بزيادة أوضحت المعنى؛ قال ... فأعلم الله -عز وجل- == لما نفى أنهم لا يعلمون ما الذي يجهلون، ومقدار ما يعلمون فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ "معاني القرآن" 4/ 178.]]: {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 178.]]. قال مقاتل: ثم وعظهم ليعتبروا فقال:

الروم 30:8

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [["تفسير مقاتل" 77 أ.]] أي: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ المكذبون بالبعث والقيامة في خلقي إياهم فيعلموا ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية [[تفسير ابن جرير 21/ 24، باختصار.]]. قال أبو إسحاق: وحذف فيعلموا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 178.]]. وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال الفراء: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني: للثواب والعقاب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 322.]]. وقال الزجاج: إلا للحق أي: لإقامة الحق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 178.]]. وهو معنى قول مقاتل: لم يخلقهما عبثًا لغير شيء؛ خلقهما لأمر هو كائن [["تفسير مقاتل" 77 أ.]]. قوله تعالى: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: للسموات والأرض أجل ينتهيان إليه؛ وهو يوم القيامة [["تفسير مقاتل" 77 أ، بنصه.]]. قال الزجاج: وهو الوقت الذي توفَّى فيه كل نفس ما كسبت [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 178، وفيه. توفي فيه. وسقطت كلمة: فيه، من النسختين.]]. والمعنى: أولم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئًا فيعلموا أنَّ خلق السموات لأمرٍ، وأن لهما أجلاً، وهو: القيامة. ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ قال مقاتل والكلبي: يعني كفار مكة [["تفسير مقاتل" 77 أ، و"تنوير المقباس" ص 339.]] ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بالبعث بعد الموت ﴿لَكَافِرُونَ﴾ لا يؤمنون أنه كائن [["تفسير مقاتل" 77 أ، بنصه.]]. قال أبو إسحاق: معناه: لكافرون بلقاء ربهم، تقدمت الباء؛ لأنها متصلة بكافرون، وما اتصل بخبر إنَّ جاز أن يُقدم قَبل اللام، ولا يجوز أن تدخل اللام بعد مضي الخبر، كقولك: زيد كافر لباللَّه؛ لأنها تدخل على الابتداء والخبر فتؤكد الجملة، ولا تأتي توكيدًا وقد مضت الجملة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 179.]].

الروم 30:9

قال مقاتل: ثم خوفهم فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: الأمم الخالية كان عاقبتهم العذاب في الدنيا [["تفسير مقاتل" 77 أ.]]. والمعنى: أو لم يسافروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم قبلهم ويعلموا أنهم أهلكوا بتكذيبهم فيعتبروا. ثم وصفهم فقال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: أعطاهم من القوة ما لم يعطِ هؤلاء ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ ذكرنا تفسير: الآثار، عند قوله: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: 71] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: تقلبها للزراعة. ومعنى الإثارة: تفريق الشيء في كل جهة، يقال: أثرت الشيء واستثرته إذا هيجته ...]] قال الفراء: حرثوها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 322. وقال أبو عبيدة: أي: استخرجوها، ومنه قولهم: أثار ما عندي: أي: استخرجه، وأثار القوم: أيَ: استخرجهم. "مجاز القرآن" 2/ 119.]]. وهو قول مجاهد [[أخرجه ابن جرير 21/ 25.]]. وقال ابن قتيبة: قلبوها للزراعة [["غريب القرآن" ص 340.]]. وقال ابن عباس: يريد الأجنة [[هكذا في (أ)، (ب): (الأجنة)، وهي جمع جنة. قال الأزهري: الجنة: الحديقة، جمع جنانه "تهذيب اللغة" 10/ 503 (جنن).]] والأنهار وما غرسوا من الأشجار [[أخرجه ابن جرير 21/ 24، بلفظ: ملكوا الأرض وعمروها.]]. يريد أن أثارهم كان لأجل هذه الأشياء. وقال مقاتل: يعني: وملكوا الأرض [[لم أجده في تفسير مقاتل، ولم أجده كذلك عند الثعلبي.]]؛ وهذا معنى وليس بتفسير؛ وذلك أنه يثير الأرض مالكها. وقوله: ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ يعني: الأمم ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ يعني: كفار مكة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 322.]]. واختلفوا لِمَ كانت الأمم أكثر عمارة من أهل مكة؟ فذهب قوم إلى أنهم كانوا أكثر عمارة لأنهم كانوا أطول عمرًا؛ وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل؛ قال الكلبي: وبقوا فيها أكثر مما بقي فيها قومك [["تنوير المقباس" ص 339.]]. وقال مقاتل: يقول: وعاشوا في الأرض أكثر مما عاش فيها كفار مكة [["تفسير مقاتل" 77 ب.]]. وإذا كانوا أطولَ بقاءً، وأكثرَ عيشًا كانوا أكثر عمارة. وقال آخرون: لأنهم كانوا أكثر عددًا؛ فقد روي أنه لم يبق نَشَزٌ [[النَّشَزُ، والنَّشْزُ، والوَشَز: ما ارتفع من الأرض. "تهذيب اللغة" 11/ 305 (نشز).]] من الأرض يحتمل عمارة إلا كان لها عامر على عهد عاد، والأمم السالفة. وذكر أبو إسحاق معنًى آخر؛ فقال: يعني: أن الذين أهلكوا من الأمم كانوا أكثر حرثًا وعمارة من أهل مكة؛ لأن أهلَ مكة لم يكونوا أصحاب حرث [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 179.]]. قوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد: الحلال والحرام، والأحكام والحدود. وقال مقاتل: فيعذبهم على غير ذنب [["تفسير مقاتل" 77 ب، في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فلعل ذكر الآية سقط من النسختين. والله أعلم.]] ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالكفر والتكذيب. ودلَّ هذا الكلام على أنهم لم يؤمنوا فأهلكوا؛ لأن الله أعلم أنه عذبهم غيرَ ظالم لهم. قال صاحب النظم: يأتي [الظلم] [[كلمة (الظلم) غير موجودة في النسختين، وزدتها لاستقامة الكلام.]] في الكلام لثلاثة معانٍ؛ أحدها: وضع الشيء في غير موضعه، كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] وذلك أنه وضع الربوبية غير موضعها. والثاني: المنع والحبس، كقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: 33] والثالث: أخذ الشيء قبل وقت أخذه، كقول الشاعر: وقائلة ظلمتُ لكم سقائي ... وهل يخفى على العَكِد الظليم [["تهذيب اللغة" 14/ 383 (ظلم)، ولم ينسبه. وكذا في "مقاييس اللغة" 3/ 469. وكذا في "لسان العرب" 12/ 375. سبق أن استشهد الواحدي بهذا البيت في تفسير سورة البقرة. والبيت غير منسوب في "جمهرة الأمثال" 1/ 131، واستشهد بهذا البيت في ذكر المثل: أهون مظلوم سِقاء مروَّب. وكذا في "مجمع الأمثال" 2/ 482، و"المستقصى" للزمخشري 1/ 444. والعَكِد: أجل اللسان. "تهذيب اللغة" 1/ 300 (عكد). معنى البيت: أن اللسان يدرك بالشرب أن اللبن قد ظُلِم بأخذه قبل وقته.]] والظليم هاهنا: اللبن يُشرب قبل أن يُدْرِك وَيروب؛ والمعاني الثلاثة محتملة في هذه الآية؛ فيكون معنى قوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بوضع عذابهم في غير موضعه؛ بأخذهم قبل وقته، وبحبس شيء من أرزاقهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بوضعها في غير موضعها من التغرير بها، وتعريضها للهلاك بالكفر، وترك النظر لها. ويظلمون أنفسهم أيضًا بمنعها الخير من الإيمان.

الروم 30:10

ثم أخبر عن عاقبتهم فقال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني أشركوا [[أخرجه ابن جرير 21/ 25، من طريق علي بن أبي طلحة. و"تفسير مقاتل" 77 ب.]]. وقوله: ﴿السُّوأَى﴾ أكثر التفسير في ﴿السُّوأَى﴾ أنها: النار، ضد الحُسنى؛ وهي: الجنة [[أخرجه ابن جرير 21/ 25، عن ابن عباس، وقتادة. "تفسير الثعلبي" 8/ 165 ب، ولم ينسبه. والحسنى وردت في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] وقد ذكر الآية الواحدي بعد ذلك.]]. وهو قول الأخفش والفراء والزجاج وابن قتيبة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 322. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 340. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 179. قال الأخفش: ﴿السُّوأَى﴾ مصدر هاهنا مثل: التقوى. "معاني القرآن" 2/ 656، ولم أجد فيه ما ذكر الواحدي.]]، قال الزجاج وغيره: إساءتهم هاهنا: كفرهم، وجزاء الكفر: النار [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 179.]]. كما جُعل للعمل الحسنى؛ وهو: الإيمان: الثواب الحسن؛ وهو: الجنة، في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: 26]. قال ابن قتيبة: ﴿السُّوأَى﴾ جهنم، والحسنى: الجنة [["غريب القرآن" ص 340.]]. وقال غيره: سميت جهنم ﴿السُّوأَى﴾ لأنها تسوء صاحبها، من قولهم: ساءه يسوؤه. وقيل: لأنها قبيحة المنظر، يقال ساء الشيء إذا قَبُح، يسوء، والسَّوء: المرأة القبيحة، ومنه: السيئ والسيئة، وقد ذُكرتا [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 120]: يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيء، والأنثى سيئة؛ أي: قبُح، ومنه قوله: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] وسوَّأت على الرجل فعله؛ أي: قبحته عليه وعبته به، والسُّوأى ضد: الحسنى، والسَّوءاء: المرأة القبيحة.]]، وقيل في تفسير ﴿السُّوأَى﴾ هاهنا أنها: العذاب في الدنيا. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 77 ب.]]. وفي قوله: ﴿عَاقِبَةَ الَّذِينَ﴾ قراءتان؛ الرفع والنصب [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع: ﴿عَاقِبَةَ﴾ بالرفع، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿عَاقِبَةَ﴾ بالنصب. "السبعة في القراءات" ص 506، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 442، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 193، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344.]]، فمن نصب جعلها خبر كان، ونصبَها متقدمةً، كما قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47] واسم كان على هذه القراءة يجوز أن يكون أحد شيئين؛ أحدهما: ﴿السُّوأَى﴾ على تقدير: ثم كان عاقبة الذين أساؤا [[اسم كان هنا غير واضح؛ لأن في العبارة نقصًا، وصوابها كما عند أبي علي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 442: التقدير: ثم كان السوأى عاقبةَ الذين أساؤوا.]]، ويكون أن في قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ مفعولًا له؛ أي: لأن كذبوا [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 443.]]. وهذا معنى قول الفراء والزجاج؛ قال الفراء: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ لتكذيبهم، ولِأن كذبوا، فإذا ألقيتَ اللام كان نصبًا [["معاني القرآن" للفر اء 2/ 322.]]. وقال الزجاج: المعنى: ثم كان عاقبة الكافرين النارَ لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 179.]]. الوجه الثاني في اسم كان على هذه القراءة هو: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ التقدير: ثم كان التكذيبُ ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ ويكون: ﴿السُّوأَى﴾ على هذا مصدرًا، وفُعْلَى من أبنية المصادر، كالرُّجعى، والشُّورى، والبُّشرى [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 443. والرُّجعى وردت في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: 8] والبشرى في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ..﴾ [يونس: 64] و ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى ..﴾ [هود: 74] و ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: 17]، وأما الشورى فلم ترد في القرآن معرفة بالألف واللام، وإنما جاءت منكرة، قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ..﴾ [الشورى: 38] والله أعلم.]]، ومعنى الآية: ثم كان التكذيب آخرَ أمرهم أي: ماتوا على ذلك، كأن الله تعالى جازاهم على إساءتهم أن طبع على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب والشرك عقابًا لهم بذنوبهم. وهذا الوجه ذكره أبو علي، وصاحب النظم. ومن رفع العاقبة جاز أن يكون الخبر: ﴿السُّوأَى﴾ و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ كما جاز فيمن نصب العاقبة أن يكون كلُّ واحد منهما: الاسم، والتقدير: ثم كان عاقبةُ المسيء التكذيبَ بآيات الله، يعني أنه مات على التكذيب كما ذكرنا، أو يكون المعنى: أنه لم يظفر في شركه وكفره بشيء إلا بالتكذيب بآيات الله، و ﴿السُّوأَى﴾ على هذا في موضع نصب بأنه مصدر. وقد يجوز أن يكون: صفة لموصوف محذوف، كأنه الخَّلَة ﴿السُّوأَى﴾ أو الخِلال ﴿السُّوأَى﴾ [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 444، بنصه. وقد ضبطت: الخلة، بضم الخاء، والخلال بكسرها، ولم يبين في الحاشية المعنى، ولعل الصواب -والله أعلم- == أن المراد: الخَلَّة، بفتح الخاء، جمع: خِلال، بكسرها، والمراد بها: الخَصلة. "تهذيب اللغة" 6/ 569 (خلّ)، فيكون المعنى: الخصلة السوأى، أو الخصال السوأى. والله أعلم.]].

الروم 30:11

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال مقاتل: الله بدأ خلق الناس فخلقهم أولاً، ثم يعيدهم بعد الموت أحياءً كما كانوا ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجزيهم بأعمالهم في الآخرة [["تفسير مقاتل" 77 ب.]]. وقرئ (تُرْجَعُونَ) بالياء والتاء [[قرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالياء، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بالتاء، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بالتاء. "السبعة في القراءات" ص 506، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 444، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 194، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344.]]؛ فمن قرأ بالياء فلأن المتقدم ذكرُه غيبة؛ وهو قوله: (يَبْدَؤُا الخَلْقَ) والخلق هم: المخلوقون في المعنى، وجاء قوله: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) على لفظ الخلق، وقوله: (تُرْجَعُونَ) على المعنى، ولم يرجع على لفظ الواحد كما كان ﴿يُعِيدُهُ﴾ كذلك. ووجه التاء أنه صار من الغيبة إلى الخطاب، ونظيره: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 444، بنصه.]].

الروم 30:12

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال مقاتل: ييأس. وهو قول الكلبي وقتادة [["تفسير مقاتل" 77 ب وذكره السيوطي عن ابن عباس، وعزاه لابن أبي حاتم. "الدر المنثور" 6/ 485. وهو قول الفراء، قال: ييأسون من كل خير. "معاني القرآن" 2/ 322. وكذا أبو عبيدة، في "المجاز" 2/ 120. وابن جرير 21/ 26.]]. وقال مجاهد: يكتئب، وعنه أيضًا: يفتضح [[ذكرهما الثعلبي 8/ 166 أ. والسيوطي في "الدر المنثور" 6/ 485، وعزاهما لابن أبي حاتم 9/ 3088.]]. وقال الفراء: ينقطع كلامهم وحجتهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 322.]]. وقال أبو إسحاق: المُبْلِس: الساكت المنقطع في حجته، اليائس من أن يهتدي إليها، تقول: ناظرت فلانًا فأبلسَ؛ أي: انقطع وأمسك، ويئس من أن يحتج [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 179.]]. وذُكر تفسير الإبلاس عند قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: آيسون من كل خير، وهو قول مقاتل، وقال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي يسكت عند انقطاع حجته أو لا يكون عنده جواب: قد أبلس .. وقال الزجاج: المبلس: الشديد الحسرة اليائس الحزين. فالإبلاس في اللغة يكون بمعنى: اليأس من النجاة عند ورود الهلكة، ويكون بمعنى: انقطاع الحجة، ويكون بمعنى: الحيرة بما يرد على النفس من البلية، وهذه المعاني متقاربة.]]. قال الكلبي: يأس المشركون من كل خير حين عاينوا العذاب [["تنوير المقباس" ص 339.]].

الروم 30:13

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ أوثانهم التي عبدوها من دون الله ليشفعوا لهم [["تفسير الثعلبي" 8/ 166 أ، بنصه.]] ﴿شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ قال الكلبي: تتبرأ منهم الآلهة، ويتبرءوا منها [["تنوير المقباس" ص 339، بنحوه.]].

الروم 30:14

﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: يُفرق بين أولياء الله وبين أعدائه. وقال مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار، فلا يجتمعون أبدًا [["تفسير مقاتل" 77 ب.]]. وقال الحسن: لئن كانوا اجتمعوا في الدنيا ليتفرقُن يوم القيامة؛ هؤلاء في أعلى عليين، وهؤلاء في أسفل السافلين [["الدر المنثور" 6/ 486، ونسبه لابن أبي حاتم 9/ 3089.]]. وكان قتادة يقول: فُرْقَةٌ والله لا اجتماع بعدها [[أخرجه ابن جرير 21/ 27.]]. وقال أبو علي: يصيرون فرقة بعد فرقة من قوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7] وهذا إخبار عن الخلق المذكور في قوله: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ لأنه أراد المسلمين والكافرين جميعًا؛ يدل على ذلك أنه أخبر بمنزلة الفريقين فقال:

الروم 30:15

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 180، حيث قال: وفيما بعده دليل على أن التفرق للمسلمين والكافرين، فقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ثم بين على أي حال يتفرقون فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.]] قال الأخفش: يقال حَبَّره الله يُحَبِّره حَبْرًا، وهو محبور: مُكَرَّمٌ مُنَعَّمٌ [[لم أجد قول الأخفش في كتابه المعاني عند هذه الآية، ولا عند قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: 70]. ولم أجده في "تهذيب اللغة".]]. قال ابن السكيت: يُسَرُّون [[ذكره عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 34 (حبر). وذكره ابن قتيبة، "غريب القرآن" 340، ولم ينسبه.]]. والحَبْرَة والحَبُور: السُّرور، وأنشد: الحمد لله الذي أعطى الحَبْرَ [[قول ابن السكيت مع إنشاد البيت ونسبته للعجاج في "إصلاح المنطق" 252. == ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 34 (حبر)، مقتصرًا على صدره، ولم ينسبه. وأنشده كاملًا أبو عبيدة، "مجاز القرآن" 2/ 120، ونسبه للعجاج، وهو في ديوانه 34، وعجزه: موالي الحق إنِ المولى شكر]] وقال الليث: يُنَعَّمُون، والحَبْرَة: النعمة، وقد حُبِرَ الرجلُ حَبْرَة فهو: مَحْبُور، وأنشد للمرار [[المَرَّار العدوي، زياد بن منقذ بن عمرو، وسماه ابن قتيبة: المرَّار بن منقذ من صدي ابن مالك بن حنظلة، وأم صدي من جَلّ بن عدي فيقال له ولولده: بنو العدوية. والمرار من شعراء الدولة الأموية، كان معاصرًا للفرزدق وجرير. ت: 100 هـ. "الشعر والشعراء" ص 469، و"خزانة الأدب" 5/ 253، و"الأعلام" 3/ 55.]]، فقال: قَد لَبِسْتُ الدهر من أفنانه ... كلَّ فان ناعمٍ منه حَبِر [[كتاب "العين" 3/ 218 (حبر)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 34، وفيهما نسبة البيت للمرار العدوي.]] وقال المبرد: الحبرة والحبور والحبر: التنعم والفرح، ومنه المثل السائر: ما دار ملئت حَبْرة إلا وستملأُ عَبْرة [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 340، بلفظ: كل حَبرة تتبعها عَبرة. لم أجده في كتب الأمثال التي اطلعت عليها.]]. وقال أبو عبيدة: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُسَرُّون ويُفرَحون [["مجاز القرآن" 2/ 120.]]. قال ابن عباس: يريد في رياض الجنة ينعمون [[أخرجه ابن جرير 21/ 27، بلفظ: يكرمون. وذكره عنه الثعلبي 8/ 166 أ.]]. وهو قول مجاهد وقتادة [[أخرجه عنهما ابن جرير 21/ 28، بلفظ: ينعمون. وذكره عنهما الثعلبي 8/ 166 أ.]]. وقال مقاتل: يُكرمون بالتحف ونحوه [["تفسير مقاتل" 77 ب، ولفظه: في البساتين يكرمون وينعمون فيها وهي: الجنة.]]. وقال السدي: يَفرحون ويُكرمون [[ذكره عنه الماوردي، "النكت والعيون" 4/ 302.]]. وقال أبو إسحاق: الحَبْرة في اللغة: كلُّ نِعمَةٍ حَسَنةٍ، والتحبير: التحسين، والحَبْر العالم؛ لأنه متخلق بأحسن الأخلاق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 180، وفيه: والحِبر: المداد؛ إنما سمي لأنه يُحَسَّنُ به.]]، وُيحبرون: يُكرمون إكرامًا يبالغ فيه. وعن الأوزاعي ويحيى بن أبي كثير أنهما قالا هو: السماع في الجنة [[أخرجه عنهما ابن جرير 21/ 28. والثعلبي 8/ 166 أ. واقتصر عليه الزجاج 4/ 180، ولم ينسبه. - الأوزاعي، عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو الفقيه، تقدم. - يحيى بن أبي كثير، الطائي مولاهم، أبو نصر اليماني، اسم أبيه: صالح، وقيل: غيره، أحد الأعلام الحفاظ، ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، روى عن أبي أمامة الباهلي في "صحيح مسلم"، ولكنه مرسل، وروى عنه الأوزاعي، ومعمر، ومحمد بن جابر، وغيرهم. ت: 132 هـ "سير أعلام النبلاء" 6/ 27، و"تقريب التهذيب" ص 1065.]]. وعلى هذا المعنى: يُنَعَّمون بالسماع.

الروم 30:16

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، قال أبو إسحاق: أخبر أن حال المؤمنين: السماعُ في الجنة، والشغلُ بغاية النعمة. وأن حال الكافرين: العذاب الأليم، هم حاضروه أبدًا، غير مخفف عنهم.

الروم 30:17

ثم ذكر ما تُدرك به الجنة فقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 180.]] قال الكلبي ومقاتل والفراء: فصلوا لله [["تنوير المقباس" ص 339. و"تفسير مقاتل" 77 ب. و"معاني القرآن" للفراء 2/ 323.]]. روى مِقْسَمُ وسعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كلُّ تسبيح في القرآن فهو: صلاة. وقال مجاهد: كل سُبْحَةٍ في القرآن: صلاة [[أخرجه ابن جرير 21/ 29، وفيه: سجدة، بدل تسبيحة، فلعل الصواب: تسبيحة للآية. وضبط السبحة من "التهذيب" 4/ 339 (سبح).]]. قال المبرد: والعرب تقول: حتى أفرغ من سُبحتي؛ أي: من صلاتي. والتسبيح: اسم الصلاة، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: 143] أي: من المصلين. قال صاحب النظم: فتكون سبحان الله على تأويل: سبحوا لله، فلما صُرف قوله: سبحوا إلى مصدره، نُصبَ ليُعلم أن معناه: الإغراء والأمر، كما قال -عز وجل-: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] أي: فاضربوا الرقاب. هذا كلامه. وروي أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس؛ فقال: أرأيتَ الصلواتِ الخمس تجدها في القرآن؟ قال: نعم؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الغداة ﴿وَعَشِيًّا﴾ العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظهر ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: 58] [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 103، وابن جرير 21/ 29، وفيه: ثم قرأ ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. وأخرجه الحاكم 2/ 445، كتاب التفسير، رقم (3541)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.]]. وروى أبو عياض عنه قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفجر ﴿وَعَشِيًّا﴾ العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظهر [[أخرجه ابن جرير 21/ 29، من طريق الحكم بن أبي عياض. وأخرجه من طريق آخر الثعلبي 8/ 167 أ.]].

الروم 30:18

قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو ابتداء الآية الثانية في ذكر بيان المواقيت. قال ابن عباس: يريد: يحمده أهل السموات وأهل الأرض، ويصلون له ويسجدون. وقال مقاتل: يحمده أهل السموات: الملائكة، ويحمده المؤمنون في الأرض [["تفسير مقاتل" 77 ب.]]. قوله: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ أي: تدخلون في وقت الظهيرة [[في (ب): (الظهر).]]؛ وهو: نصف النهار، وقد مر [[عند قوله تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: 58]، ولم أجد في تفسير الواحدي لها إلا قوله: ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ يريد: المقيل.]]. يقال: أظهر مثل: أصبح وأضحى وأمسى.

الروم 30:19

قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ قال عبد الله: هي النطفة تخرج من الرجل ميتة، وهو حي، ويخرج الرجل منها حيًا، وهي ميتة [[أخرجه ابن جرير 21/ 30، وأخرج نحوه أيضًا عن ابن عباس. وأخرج عن الحسن قال: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. ومثل ذلك: الطير من البيضة، والنخل من النواة. والآية عامة تشمل جميع ما ذكر؛ وإن كان الأقرب لسياق الآية أن المراد بها ضرب الأمثلة الحسية من المخلوقات على وحدانية الله -عز وجل-، وعلى البعث بعد الموت، ويدل لذلك قول الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. والله أعلم.]]. ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 77 ب. واقتصر عليه الزجاج 4/ 181، ولم ينسبه.]]. وهذه الآية مما قد تقدم القول فيها [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: 27]: أكثر المفسرين على أن معناه: تخرج الحيوان من النطفة، وتخرج النطفة من الحيوان. وقال الكلبي: تخرج الفرخ من البيضة، == وتخرج البيضة من الطير؛ وهذا كالأول؛ لأن البيضة للطير بمنزلة النطفة لسائر الحيوانات. وقال ابن عباس في رواية عطاء والحسن: تخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والمؤمن حي الفؤاد، والكافر ميت الفؤاد، دليله قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122]. "البسيط" 1/ 313، (تح/ الحمادي).]]. قوله تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: يجعلها تنبت وذلك حياتها [["تفسير مقاتل" 77 ب. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 181.]]. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ قال مقاتل: وهكذا تخرجون يا بني آدم من الأرض يوم القيامة بالماء كما يخرج العُشب من الأرض بالماء؛ وذلك أن الله تعالى يرسل يوم القيامة ماء الحيوان من السماء السابعة على الأرض بين النفختين كمني الرجال فتنبت عظام الخلق ولحومهم وجلودهم في قبورهم نبات العُشب [["تفسير مقاتل" 77 ب.]]، كما ينبتون في بطون أمهاتهم [[هذا جزء من حديث طويل موقوف على عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، أخرجه الحاكم من طريق سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء قال: كنا عند عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فذُكر عنده الدجال، فقال عبد الله بن مسعود: تفترقون أيها الناس لخروجه على ثلاث فرق فرقة تتبعه وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح وفرقة تأخذ شط الفرات يقاتلهم ويقاتلونه .. إلى أن قال: ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون .. قال: فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما ينبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: 9] قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الذهبي: ما احتجا بأبي الزعراء. "المستدرك على الصحيحين" 4/ 641، كتاب: الأهوال، رقم (8772). وهذا الحديث معروف عند أهل العلم بحديث الشفاعة الذي يرويه أبو الزعراء عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، وفيه أن النبي -ﷺ- رابع شفيع يقوم يوم القيامة، واسم أبي == الزعراء: عبد الله بن هانئ؛ قال عنه البخاري: عبد الله بن هانئ، أبو الزعراء الكوفي .. روى عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، في الشفاعة: ثم يقوم نبيكم رابعهم، والمعروف عن النبي -ﷺ-: أنا أول شافع، ولا يتابَع على حديثه. "التاريخ الكبير" 5/ 221، رقم (720). وقال ابن عدي: يروي سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود إنْ كان قد سمع من عبد الله بن مسعود. "الكامل في ضعفاء الرجال" 4/ 1549. وقد وقعت تسمية أبي الزعراء في تحقيق الألباني لأحاديث "شرح العقيدة الطحاوية" ص 410، بـ: الوليد بن يحيى، ولا أدري كيف وقع ذلك، فلعله لم يقف على كلام البخاري، ولا ابن عدي، حيث أحال على الهيثمي وحده في "مجمع الزوائد" 10/ 330، والهيثمي ذكره هناك بكنيته، ونقد الهيثمي هذه الرواية لمخالفتها للحديث الصحيح: أنا أول شافع، ونسب هذا النقد الألباني للَّهيثمي، مما يدل على أنه لم يطلع على كلام البخاري في هذا الموضع. والله تعالى أعلم. وكون السماء تمطر مطرًا ينبت منه أجساد العباد ثابت من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- في حديثٍ مرفوع؛ أخرجه مسلم في "صحيحه" 4/ 2259، كتاب. الفتن وأشراط الساعة، رقم (2940)، والشاهد فيه قول النبي -ﷺ-: "ثم يرسل الله أو قال ينزل الله مطرا كأنه الطَّلُ أو الظَّلُ [نعمانُ الشاكُّ] فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون".]]. وهذا قول الكلبي والسدي [["تنوير المقباس" ص 339.]]. وقال أبو إسحاق: كذلك يخرجون من قبورهم مبعوثين، ومعنى الكاف نصب لقوله: ﴿تَخْرُجُونَ﴾ والمعنى: أن بعثكم عليه -عز وجل- كخلقكم، أي: هما في قدرته متساويان [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 181.]]. يعني: أن ذكر ابتداء الخلق بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ يعني: الإنسان من النطفة، ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. وقرأ حمزة والكسائي (تَخْرُجُونَ) بفتح التاء [[قرأ حمزة والكسائي: ﴿تَخْرُجُونَ﴾ بفتح التاء. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: ﴿تُخْرَجُونَ﴾ بضم التاء. "السبعة في القراءات" ص 506، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 445، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 195.]]؛ وحجة هذه القراءة قوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: 43] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 445.]] أضاف الخروج إليهم.

الروم 30:20

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ ومن دلالاته على توحيده وقدرته ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني: آدم أبا البشر [["تفسير مقاتل" 78 أ. وتفسير ابن جرير 21/ 31، وأخرجه عن قتادة. "تفسير الثعلبي" 8/ 167 ب.]] ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ قال ابن عباس: من لحم ودم. يعني: ذرية آدم ينتشرون: ينبسطون في الأرض. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 78 أ.]]. وقال ابن عباس: تذهبون وتجيئون. ومعنى الآية: تعجيبهم من خلقه إياهم من تراب، ثم صيرورتهم بشرًا ينتشرون في الأرض.

الروم 30:21

قوله تعالى: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال الكلبي: يقول: جعل لكم مِنْ خلقكم آدميًا مثلكم، ولم يجعله من الجن ولا من غيره [["تنوير المقباس" ص 340، وذكره الثعلبي 8/ 167 ب، ولم ينسبه.]]. وقال غيره: يعني خَلْق حواء من ضِلَع من أضلاع آدم. حكاه الزجاج، وهو قول قتادة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 182، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير 21/ 31، عن قتادة. وكون حواء عليها السلام خلقت من ضلع من أضلاع آدم -عليه السلام-، مروي عن جمع من المفسرين، تفسير ابن جرير 7/ 515، تح: محمود شاكر، وابن أبي حاتم 3/ 852، وهي آثار موقوفة، ليس فيها شيء مرفوع للنبي -ﷺ-، وقد صرح ابن == إسحاق بأخذ هذه الأخبار عن أهل الكتاب، فقال: "أُلقي على آدم -عليه السلام- السِنة، فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم .. ". أخرجه ابن جرير 7/ 516. وأما كون المرأة خلقت من ضِلَع فهذا ثابت في الصحيحين، من حديث أبي هريرة؛ ولفظه: استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا. البخاري، كتاب: النكاح، رقم (5185)، "فتح الباري" 9/ 252، ومسلم 2/ 1090، كتاب: الرضاع، رقم (1468)، وزاد: (وكسرها طلاقها). قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: قوله: (فإنهن خلقن من ضلع) كأن فيه إشارة إلى ما أخرجه ابن إسحاق في المبتدأ، عن ابن عباس، أن حواء خلقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو نائم. "فتح الباري" 9/ 253.]]. وذكر غيره أن معنى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أنه خلق النساء من نطف الرجال [[لعله يعني مقاتل؛ حيث قال: ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ يعني: بعضكم من بعض. "تفسير مقاتل" 78 أ. وذكره الثعلبي 8/ 167 ب، ولم ينسبه. وذكر نحوه الماوردي عن علي بن عيسى. "النكت والعيون" 6/ 305. والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن لا تعارض بين هذه الأقوال، فالقول الأول يدل على أن الزوج من جنس الآدمي، وهو بهذا يتفق مع القولين بعده، وأفاد القول الثاني أن أجل خلق الأنثى زوج الذكر من ضلع -على ما سبق بيانه- وأفاد القول الثالث التكاثر والتناسل عن طريق النطف. والله تعالى أعلم.]]. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ جعل بين الزوج والمرأة المودة والرحمة، فهما يتوادان ويتراحمان، وما شيء أحبَّ إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما. وهذا معنى قول مقاتل والمفسرين [["تفسِير مقاتل" 78 أ. وتفسير ابن جرير 21/ 31.]]. وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿مَوَدَّةً﴾ يعني: الجماع ﴿وَرَحْمَةً﴾ يعني: الولد. وهو قول الحسن [[ذكره السيوطي، عن الحسن، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم. "الدر" 6/ 490.]]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من صُنعه ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في عظمة الله وقدرته.

الروم 30:22

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على توحيده وقدرته: ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: بأن الله خالقهما، كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25، الزمر: 38] [["تفسير مقاتل" 78 أ.]]. قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ يعني: اختلاف اللغات كالعربية والعجمية والتركية وغيرها. وقوله: ﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ مختلفة؛ لأن الخلق من بين أبيض وأسود وأحمر [["تفسير مقاتل" 78 أ، بمعناه. من قوله: ﴿وَاخْتِلَفُ ...﴾.]]. قال الكلبي: وهم ولد رجل واحد وامرأة واحدة [["تفسير الثعلبي" 8/ 167 ب، ولم ينسبه.]]، وألسنتهم وألوانهم مختلفة. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد البر والفاجر. وعنه أيضًا: الإنس والجن [["تنوير المقباس" ص 340.]]. وقرأ حفص: بكسر اللام [[قرأ حفص عن عاصم: ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ بكسر اللام، جمع: عالِم، وقرأ الباقون: ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ بنصب اللام. "السبعة في القراءات" (506)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 444، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344.]]؛ قال الفراء: وهو وجه جيد؛ لأنه قد قال: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: 24] ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 323.]].

الروم 30:23

قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ} قال ابن عباس: يريد طلب المعيشة [["تنوير المقباس" ص 340.]]. قال صاحب النظم: تأويله: ومن آياته منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، اعتبارًا بقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: 73]. قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يعني: سماع اعتبار وتدبر. قال ابن عباس: يريد: لقوم يجيبون داعي الله، وجعل السماع بمعنى: الإجابة. وقال الكلبي ومقاتل: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ مواعظ الله فيوحدون ربهم [["تفسير مقاتل" 78 أ.]].

الروم 30:24

قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ قال الأخفش: أراد أن يريكم، فحذف أن؛ لأن المعنى يدل عليه، وفي حرف عبد الله: ﴿أَن يُرِيكُمُ﴾ [[لم أجد هذه القراءة عند ابن خالويه ولا ابن جني.]] وأنشد قول طرفة: ألا أيُّهذا الزَّاجِري أَحضُرَ الوغى ... ............. البيت [[البيت لطرفة من معلقته في "الديوان" ص 105، وفيه: اللائمي، بدل: الزاجري، وعجزه: وأن أشهدَ اللذاتِ هل أنت مُخلدي وأنشده كاملاً منسوبًا سيبويه 3/ 99، والثعلبي 8/ 167 ب. وأنشده ولم ينسبه، الأخفش 2/ 657، وابن جرير 21/ 32، وفي حاشية ابن جرير: رواية البيت عند البصريين: أحضرُ، بالرفع؛ لأنه لما أضمر "أن" قبله ذهب عملها، وعند الكوفيين: أحضرَ، بالنصب؛ لأنها وإن أضمرت فكأنها موجودة لقوة الدلالة عليها. والوغى: الحرب، أراد: أيها الإنسان الذي يلومني على شهودي الحرب، وتحصيل اللذات، هل تخلدني في الدنيا إذا كففتُ عن الحرب. وأنشد صدره ولم ينسبه أبو علي، "المسائل العسكرية" ص 202، وأنشد صدره ونسبه: ابن جني "سر صناعة الإعراب" 1/ 285]] أراد: أن احضُرَ [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 657. وليس فيه ذكر قراءة عبد الله. ولم أجدها عند ابن خالويه.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى: ومن آياته آيةٌ يريكم بها البرق، هذا أجود في العطف؛ لأن قبله خلق السموات، ومنامكم، فيكون اسمًا منسوقًا [[أي: معطوفًا.]] علي اسم، ثم حُذف، ودلَّ عليه قوله: ﴿وَمِنَ﴾ كما قال الشاعر: وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح [[البيت لتميم بن مقبل، "ديوانه" ص 24، أنشده ونسبه سيبويه 2/ 346. وأنشده ولم ينسبه، الفراء 2/ 323، وابن جرير 21/ 33، والزجاج 4/ 182. وفي حاشية سيبويه: الشاهد فيه: حذف الاسم لدلالة الصفة عليه، والتقدير: فمنهما تارة أموت فيها.]] والمعنى: فمنهما تارة أموتها، أي: أموت فيها [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 182.]]. وقال الفراء: أراد: فمنهما ساعة أموتها، وساعة أعيشها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 323.]]. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون المعنى: ويريكم البرق خوفًا وطمعًا من آياته، فيكون عطفًا بجملة على جملة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 182.]]. وهذان القولان ذكرهما الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 323.]]. قوله تعالى: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال ابن عباس: خوفًا من الصواعق، وطمعًا [من آياته فيكون] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (أ).]] بالرحمة. وقال مقاتل وقتادة: خوفًا من الصواعق للمسافر، ولمن كان بأرض، وطمعًا للمقيم [[أخرجه ابن جرير 21/ 32، عن قتادة، بلفظ: خوفًا للمسافر، وطمعًا للمقيم. و"تفسير مقاتل" 78 أ، وقد ورد فيه: وخوفًا من الصواعق لمن كان بأرض.]]، وهذا مما تقدم تفسيره في سورة: الرعد [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: 12]: قال ابن عباس: يريد: خوفًا من الصواعق وطمعًا في المطر. وهو قول الحسن. وقال قتادة: خوفًا للمسافر، وطمعًا للمقيم. وهذا قول أكثر أهل التأويل. قال أبو إسحاق وأبو بكر: الخوف للمسافر لما تأذى به من المطر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: 102] والطمع للحاضر المقيم؛ لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب.]]. قال أبو إسحاق: وهما منصوبان على المفعول له؛ المعنى: يريكم للخوف والطمع، وهو خوفٌ للمسافر، وطمعٌ للحاضر [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 182.]].

الروم 30:25

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ قال ابن مسعود: قامتا على غير عمد بأمره [[ذكره عن ابن مسعود: مقاتل 78 أ. وأخرجه ابن جرير 21/ 34، عن قتادة.]]. وقال الفراء: يقول: تدوما قائمتين بأمره بغير عَمَدٍ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 323. وهو قول الزجاج 4/ 182.]]. قال ابن عباس: يريد: بقوته وقدرته. قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال الكلبي: يعني النفخة الأخيرة [["تنوير المقباس" ص 340.]]. وقال مقاتل: يدعو إسرافيلَ من صخرة بيت المقدس حتى ينفخ في الصور عن أمر الله [["تفسير مقاتل" 78 أ. == وقد ورد في الصور أحاديث كثيرة، بعضها في الصحيح، وبعضها في غيره، فمن ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله ريحًا باردة من قِبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه" قال سمعتها من رسول الله -ﷺ-. قال: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون فيقولون فما تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دارٌّ رزقهم حسن عيشهم ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا قال وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال فيصعق ويصعق الناس". أخرجه مسلم 4/ 2258، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، رقم (2940). اللَّيت: صفحة العنق، وهما ليتان، وأصغى: أمال. "النهاية في غريب الحديث" 4/ 284. وأما الأحاديث الضعيفة فكثيرة؛ منها حديث الصور الطويل الذي أخرجه الطبراني، في كتابه: "الأحاديث الطوال" ص: 36، المطبوع مع "المعجم الكبير" للطبراني 25/ 266، وقد ساقه بطوله ابن كثير في "تفسيره" 2/ 146، عند قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73] ثم قال: "هذا حديث مشهور، وهو غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة". أما ما ذكره الواحدي عن مقاتل في تحديد المكان؛ من صخرة بيت المقدس، فلم أجده بهذا اللفظ في الأحاديث، وهذا التحديد يحتاج إلى دليل. والله أعلم.]]. وقوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ معناه التأخير وإن قدم؛ لأن التقدير: إذا أنتم تخرجون من الأرض. كذا قال مقاتل وأكثر العلماء [["تفسير مقاتل" 78 ب. وتفسير ابن جرير 21/ 34، وأخرجه عن الضحاك. "تفسير الثعلبي" 8/ 168 أ، ونسبه لأكثر العلماء، ولم يسمهم. وذكره النحاس عن أبي حاتم، "القطع والائتناف" 2/ 532.]]. قال أبو إسحاق: أي إذا دعاكم للبعث حييتم بعد الموت [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 182، وليس فيه كلمة: حييتم.]]. ولهذا جعل بعضهم تمام الوقف عند قوله: ﴿دَعْوَةً﴾؛ لأن قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ ليس من صلة الدعوة، وهو من صلة ﴿تَخْرُجُونَ﴾ وهو مذهب نافع؛ قال يعقوب: هذا من الوقف الذي يحق على العالم علمه. وخالفه أبو حاتم؛ وقال: أظن الوقف: ﴿دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: وأنتم في الأرض، كما تقول: دعاكم من القبور، ودعوت فلانًا من بيته، أي: هو في بيته [["القطع والائتناف" 2/ 532.]]. وقال النحاس: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ ليس بوقف؛ لأنه لم يأت بجواب ﴿إِذَا﴾ وجواب ﴿إِذَا﴾ على قول الخليل وسيبويه: ﴿أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: خرجتم. وكذا قال سيبويه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: 36] تقديره عنده: قنطوا [["القطع والائتناف" 2/ 532. وقد سئل سيبويه الخليلَ عن هذه الآية، "الكتاب" 3/ 63، وذكره المبرد في "المقتضب" 2/ 58. وإنما قدمت كتاب النحاس لنقل الواحدي عنه مذهب الخليل وسيبويه.]]. والقول ما قال النحاس.

الروم 30:26

قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال مقاتل: كلهم عبيده، وفي ملكه [["تفسير مقاتل" 78 ب.]] ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال: يعني: مقرون له بالعبودية، يعلمون أن الله ربهم وهو خلقهم. وهذا قول قتادة واختيار ابن قتيبة [[أخرجه ابن جرير 21/ 35، عن قتادة. و"تأويل مشكل القرآن" ص 452، و"غريب القرآن" ص 340. وهو قول مقاتل 78 ب.]]. والقنوت على هذا القول معناه: طاعة الإقرار [[ذكر ابن الأنباري أن القنوت ينقسم في كلام العرب على أربعة أقسام: الطاعة، == الصلاة، طول القيام، السكوت. الزاهر في "معاني كلمات الناس" 1/ 68.]]. وقال الكلبي: وهذا خاص لمن كان منهم مطيعًا [["تنوير المقباس" ص 340.]]. وعلى هذا لفظ الآية عام، ومعناها الخصوص [[قال ابن جرير 21/ 35: "وقال آخرون: هو على الخصوص، والمعنى: وله من في السموات والأرض من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم". ثم ذكر معناه بإسناده عن ابن زيد.]]. وقال أبو إسحاق: معنى ﴿قَانِتُونَ﴾ مطيعون طاعة لا يجوز أن يقع معها معصية؛ لأن القنوت: القيام بالطاعة، ومعنى الطاعة هاهنا: أن من في السموات والأرض مخلوقون كما أراد الله -عز وجل-، لا يقدر أحد على تغيير الخِلقة، ولا مَلَك مقرب، فآثار الصَنعة والخِلقة تدل على الطاعة؛ ليس يعني بها طاعة العباد، إنما هو: طاعة الإرادة والمشيئة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.]]. وهذا معنى قول ابن عباس: كل له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث، وإن عصوا في العبادة [[أخرجه ابن جرير 21/ 35.]]. وهذا مفسر في سورة البقرة [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: 116]: قال مجاهد وعطاء والسدي: مطيعون. قال أبو عبيد: أجل القنوت في أشياء؛ منها: القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا .. والقنوت أيضًا: الطاعة .. قال الزجاج: المشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وحقيقة القانت أنه القائم بأمر الله .. قال ابن عباس في هذه الآية: قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ راجع إلى أهل طاعته، دون الناس أجمعين. وهو من العموم الذي أريد به الخصوص، وهو اختيار الفراء.]].

الروم 30:27

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال مقاتل: يعني خلق بني آدم بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئًا ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني: يبعثهم في الآخرة أحياء بعد موتهم كما كانوا، قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [["تفسير مقاتل" 78 ب.]]. واختلفوا في هذا؛ فذهب كثير من أهل التفسير والمعاني أن ﴿أَهْوَنُ﴾ هاهنا بمعنى: هين، يقول: وهو هين عليه. وهذا قول الحسن، والربيع، وقتادة، والكلبي؛ قالوا: هو هين عليه، أول خلقه وآخره، وما شيء عليه بعزيز [[أخرجه ابن جرير 21/ 36، عن ابن عباس، وقتادة، والربيع بن خُثيم. وذكره الثعلبي 8/ 168 أ، عن الربيع بن خثيم، والحسن، وقال: وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وذكره السيوطي عن الحسن، وعزاه لابن المنذر، "الدر المنثور" 6/ 491. و"تنوير المقباس" ص 340.]]. وهذا مذهب أبي عبيدة، وذكره المبرد والزجاج [["مجاز القرآن" 2/ 121، و"الكامل" 2/ 876. و"المقتضب" 3/ 246، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.]]؛ وقالوا: يجيء أفعل بمعنى الفاعل، وأنشد [[هكذا في النسختين؛ ولعل الصواب: وأنشدوا.]] لمعن بن أوس [[معن بن أوس بن نصر بن زياد المزنين شاعر فحل، من مخضرمي الجاهلية والإسلام، له مدائح في جماعة من الصحابة، رحل إلى الشام والبصرة، وكف بصره في أواخر أيامه. مات في المدينة. "خزانة الأدب" 7/ 261، "الأعلام" 7/ 273. وذكره ابن حجر في القسم الثالث؛ المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي -ﷺ-. "الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 179.]]: لعمرك ما أدري وإني لأَوجلُ يعني لوجل [["مجاز القرآن" 2/ 121، وأنشد البيت كاملًا، ولم ينسبه، وعجزه: == على أيِّنا تعدو المنية أول وهو في "ديوان معن بن أوس" ص 36، وأنشده المبرد، "الكامل" 2/ 876، و"المقتضب" 3/ 246، وابن جرير 21/ 37، ونسباه لمعن بن أوس. وأنشده ولم ينسبه الزجاج 4/ 183.]]. وقال الفرزدق: بيتًا دعائمُه أعزُّ وأطولُ [["ديوان الفرزدق" 2/ 155، وصدره: إن الذي سمك السماء بنى لنا وأنشده ونسبه أبو عبيدة 2/ 121، والمبرد، في "الكامل" 2/ 877، وابن جرير 21/ 37.]] وأنشد المبرد: قُبَّحتُم يا آل زيدٍ نفرًا ... إلام قومٍ أصغرَا وأكبرَا [["الكامل" 2/ 877، و"المقتضب" 3/ 247، ولم ينسبه، وقال بعده: يريد: صغارًا وكبارًا. وفي "حاشية المقتضب": لم يعرف قائل البيت. وهو في "خزانة الأدب" 8/ 246، غير منسوب.]] ومثله قولهم: الله أكبر؛ أي: الكبير، ورجل أوحد الناس؛ أي: أحد الناس [["مجاز القرآن"، لأبي عبيدة 2/ 121. ولم ينشد البيت. والزاهر في "معاني كلمات الناس" 1/ 29.]]. قال قتادة: وفي حرف ابن مسعود: ﴿وهو عليه هَيِّن﴾ [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 102. لم أجدها عند ابن خالويه.]]. وهذا معنى رواية عطاء عن ابن عباس؛ قال: يريد: هان الأول والآخر عليه [[أخرجه ابن جرير 21/ 36، من طريق محمد بن سعد بسنده عن ابن عباس، ولفظه: كل شيء عليه هين.]]. القول الثاني في هذه الآية ما ذهب إليه عكرمة ومجاهد: الإنشاء أهون عليه من الابتداء، والإعادة أهون عليه من البدأ. وهو معنى رواية الوالبي عن ابن عباس [[أخرجه ابن جرير 21/ 36، عن ابن عباس، من طريق علي بن أبي طلحة، وأخرجه عن مجاهد، وعكرمة. وذكره الثعلبي 8/ 168 أ، عن مجاهد وعكرمة، وقال: وهي رواية الوالبي عن ابن عباس.]]. وهذا ليس على ظاهره؛ لأنه لا يجوز أن يكون شيء على الله أهون من شيء [[أخرجه بسنده الفراء، عن مجاهد، ثم قال: ولا أشتهي ذلك، والقول فيه: أنه مثل ضربه الله فقال: أتكفرون بالبعث، فابتداء خلقكم من لا شيء أشد. "معاني القرآن" 2/ 324.]]؟ ووجهه ما ذكره مقاتل، والمبرد، والفراء، والزجاج؛ قال مقاتل: يقول: البعث أيسر عليه عندكم يا معشر الكفار من الخلق الأول [["تفسير مقاتل" 78 ب.]]. وقال المبرد: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ عندكم؛ لأنكم قد أقررتم بأنه بدأ الخلق، وإعادة الشيء عند المخلوقين أهون من ابتدائه [["المقتضب" 3/ 245، بلفظ: "تأويله: وهو عليه هين؛ لأنه لا يقال: شيء أهون عليه من شيء".]]. ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 324.]]. واختار أبو إسحاق هذا الوجه؛ وقال: إن الله خاطب العباد بما يعقلون فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء والإنشاء [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.]]. وفي الآية قول ثالث؛ وهو: أن الكناية في ﴿عَلَيْهِ﴾ تعود إلى الخلق، والمعنى: أن الإعادة أهون على الخَلْقِ من الابتداء [[ذكر هذا القول ابن جرير 21/ 36، والزجاج 4/ 183، ولم ينسباه.]]. وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح والسدي؛ قال ابن عباس: وهو أهون على المخلوق؛ لأنه يقول له يوم القيامة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: 73، النحل: 40، مريم: 35، يس: 82، غافر: 68]، وأول خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة [[أخرجه بسنده الفراء من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. "معاني القرآن" 2/ 324. وذكره ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 382، عن ابن عباس، من طريق أبي صالح. وذكره كذلك الثعلبي 8/ 168 أ.]]. وقال السدي: ليس يشتد على الله شيء، ولكن يعني به: المخلوق، يصاح به فيقوم سويًا؛ أهون عليه من أن يكون كما خلقه أولًا؛ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا ثم يعود رضيعًا ثم فطيمًا. وقال عطاء: هو أهون على المخلوق أن يُبعث سميعًا بصيرًا، يَفهم ويفقه ويعقل، ليس مثل المولود لا يعقل حتى يكبر. قال أبو إسحاق: ومعنى هذا القول أن البعث أهون على الإنسان من إنشائه؛ لأنه يقاسي في النشأة ما لا يقاسيه في الإعادة والبعث [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 183. وقد اعترض على هذا القول أبو عبيدة، فقال بعد أن ذكر أن المراد في الآية: وهو هين عليه، قال: فإن احتج محتج فقال: إن الله لا يوصف بهذا، وإنما يوصف به المخلوق، فالحجة عليه قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 19] وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: 255]. "مجاز القرآن" 2/ 121. ولم يرجح الواحدي شيئًا من هذه الأقوال، والذي يظهر من سياق الآيات أن المراد إثبات البعث والرد على المنكرين له، المستبعدين وقوعه، بعد موتهم وفنائهم، فأعلمهم الله -عز وجل- أن إقرارهم بالخلق الأول يستلزم الإيمان بإعادتهم، إذ هي أهون وأيسر، ويدل على ذلك تقدم الآيات في إثبات الربوبية، والتي منها == قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. والله أعلم.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: أي ليس كمثله شيء [[أخرجه ابن جرير 21/ 38، من طريق علي بن أبي طلحة. وذكره عنه الثعلبي 8/ 168 أ.]]. وقال قتادة: مثله الأعلى أنه: لا إله إلا هو في السموات والأرض [[أخرجه ابن جرير 21/ 38، عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 78 ب. بمعناه. واقتصر على هذا القول ابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص 382، ولم ينسبه.]]. وعلى هذا يكون المثل بمعنى الصفة؛ يعني: وله الصفة العليا وهي أنه: لا إله غيره. وذكرنا قول من أجاز أن يكون المثَل بمعنى: الصفة، عند قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ في سورة الرعد [: 35] [[أطال الواحدي الكلام في تفسير هذه الآية عن وجه ارتفاع: ﴿مَثَلُ﴾ فذكر قول سيبويه والمبرد أنه مرفوع على الابتداء بتقدير: فيما نقص عليكم مثل الجنة، واختار هذا القول الأنباري وأبو علي، ثم قال: وقال قوم: المثل هاهنا: بمعنى الصفة؛ قالوا: ومعناها: صفة الجنة التي وعد المتقون، ونسبه لعمرو بن العلاء، ثم ذكر نقد المبرد وأبي علي لهذا القول، ولم يرجح الواحدي في هذه المسألة. وممن يمنع تفسيره بالصفة سيبويه، "الكتاب" 1/ 143.]] وقال قوم: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يعني: ما ضرب من المثل في الإعادة أهون على المخلوق من الابتداء؛ لأن من قدر على ابتداء شيء كان أحرى أن يقدر على إعادته. وهذا اختيار الفراء والزجاج؛ قال الزجاج: أعلمهم أن يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، وجعله مثلًا لهم، ثم قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قد ضربه لكم مثلًا فيما يصعب ويسهل [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 183. و"معاني القرآن" للفراء 2/ 324، بنحوه.]]. وقال غيره من أهل المعاني مصححًا لهذه الطريقة: معنى قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: ما يمثل به في دليلاً صفته الذي هو طريق إلى معرفته من أن إنسانًا إذا نسخ كتابًا فإعادة نسخه عليه أهون، وكذلك إذا صاغ حُليًا، هذا في مقدور العباد مع نقصانهم، فمقدور من لا يلحقه النقص من وجهٍ أولى أن يسع الإعادة. وعلى هذا المثل الأعلى هو: المثل الذي ضربه الله لتحقيق بيان قدرته على الإعادة، ووصف هذا المثل بأنه: ﴿الْأَعْلَى﴾؛ لأنه مؤدٍّ إلى معرفةِ قدرة الله وصفتِه. قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال ابن عباس: ﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه.

الروم 30:28

قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ قال مقاتل: نزلت في كفار قريش؛ وذلك أنهم كانوا يقولون في إحرامهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، فقال الله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ﴾ يقول: وَصَف لكم شَبهًا من أنفسكم [["تفسير مقاتل" 78 ب. ولم يذكره الواحدي في "أسباب النزول".]]. قال الكلبي: مِنْ مِثل خلقكم ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: من عبيدكم ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من أموالكم وعبيدكم وأهليكم ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وشركاؤكم من مماليككم فيما رزقناكم شرع ﴿سَوَاءٌ﴾ [["تنوير المقباس" ص 340، وذكره عنه الثعلبي 8/ 168 أ. هكذا وردت عنده: شرع سواء. وفي "تنوير المقباس": شرك. أي: من الشراكة؛ وهو أقرب. والله أعلم. قال ابن عباس: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في الآلهة، وفيه، تخافونهم أن == يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا. ذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، في التفسير، سورة: الروم، قال ابن حجر: الضمير في قوله: فيه، لله تعالى، أي: أن المثل لله وللأصنام. "فتح الباري" 8/ 510. وأخرجه ابن جرير 21/ 39، من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس.]]. وقوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال ابن عباس: تخافون أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا [[أخرجه ابن جرير 21/ 39، من طريق عطاء الخرساني. وذكره عنه الثعلبي 8/ 168 أ.]]. وهو قول مقاتل، والسدي؛ قال: يقول: مِنْ مملوككم شركاؤكم في الميراث الذي ترثونه من آبائكم، فأنتم تخافون أن يدخل معكم مملوككم في ذلك الميراث، كما تدخلون أنتم فيه [["تفسير مقاتل" 78 ب، بنحوه. وذكر نحوه الماوردي عن السدي. "النكت والعيون" 4/ 311.]]. قال الكلبي: تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أخيه وأبيه وأقاربه [["تنوير المقباس" ص 340.]]. وقال أبو مجلز: تخافون أن يقاسموكم أموالكم كما يقاسم بعضكم بعضًا [[أخرجه ابن جرير 2/ 391. وذكره عنه الثعلبي 8/ 168أ.]]. فهذه ثلاثة أقوال في معنى قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ مرجعها إلى معنى واحد؛ وهو: أن عَبْدَ الرجل لا يكون مثله حتى يكون بينهما توارث، وخوف لائمةٍ ومقاسمةٍ. ومعنى الآية: أن الله تعالى يقول: كيف تعدلون بي عبيدي، وأنتم لا تعدلون عبيدكم بأنفسكم. قال قتادة: يقول: ليس مِن أحدٍ يرضى لنفسه أن يشاركه عبده في ماله وزوجه، حتى يكون مثله؛ يقول: قد رضي بذلك ناسٌ لله فجعلوا معه إلهًا شريكًا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 102، وفيه: ونفسه، بدل: وزوجه. وأخرجه بنحوه، ابن جرير 21/ 38.]]. هذا قول المفسرين في هذه الآية. وقد شرح أصحاب المعاني هذه الآية أبين شرح؛ قال صاحب النظم: هذا مثل ضربه الله -عز وجل- للذين جعلوا له شريكًا، فقال: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكًا له في ماله وولده حتى يكون هو ومملوكه في سواء يخافه كما يخافه غيره من شريكٍ له لو كان معه، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فِلمَ تجعلون لي عبيدي شركاء؟ والفاء في قوله: ﴿فَأَنْتُمْ﴾ بمنزلة حتى، تأويله: حتى أنتم وعبيدكم فيه سواء. انتهى كلامه. وقال ابن قتيبة: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وذلك أقرب عليكم ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ﴾ شركاء من عبيدكم الذين تملكون ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ﴾ وعبيدكم ﴿سَوَاءٌ﴾ يأمرون فيه كأمركم، ويحكمون كحكمكم، وأنتم ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كما يخاف الرجلُ الحرُّ شريكه الحرَّ في المال يكون بينهما، فلا يأمر فيه بشيء دون أمره، ولا يُمضي فيه عطيةً بغير أمره، وهو مِثلُ قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: 11] أي: لا تغيبوا إخوانكم من المسلمين. وقوله ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 12] أي بأمثالهم من المؤمنين خيرًا، يقول: فإذا كنتم أنتم بهذه المنزلة فيما بينكم وبين أقاربكم وأرقائكم، فكيف تجعلون لله مِنْ عبيده شركاء في ملكه؟ ومثلُه قوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: 71] فجعل منكم المالك والمملوك ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ يعني السَّادة ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مِنْ عبيدهم حتى يكونوا فيه شركاء. يريد: فإذا كان هذا لا يجوز بينكم فكيف تجعلونه لله [["تأويل مشكل القرآن" ص 382.]]. وقال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أن مملوك الإنسان ليس بشريكه في ماله وزوجته، وأنه لا يخاف أن يرثه مملوكه، يقول: فقد جعلتم ما هو مُلكٌ لله مِنْ خلقه مثلَ الله وأنتم كلكم بشر ليس مماليككم بمنزلتكم في أموالكم، فالله -عز وجل- أجدرُ أن لا يُعدل به خلقُه. انتهى كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 184.]]. انتصب قوله: ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ وهو مضاف إلى الفاعل، كما تقول: عجبت من اشترائك عبدًا لا تحتاج إليه، فإذا أضيف المصدر إلى المفعول ارتفع ما بعده، تقول: عجبت من موافقتك كثرة شربِ الماء؛ لأن المعنى: من أن وافقك، والعرب تقول: عجبت من قيامكم أجمعون وأجمعين، فمن خفض أتبعه اللفظ؛ لأنه في الظاهر خفض، ومن رفع ذهب إلى التأويل، وذلك أنه في تأويل رفع؛ لأنهم الفاعلون. هذا قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 324.]]. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما بينا في ضرب المثل من أنفسكم. قال مقاتل: هكذا نبين الآيات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عن الله الأمثال فيوحدونه.

الروم 30:29

ثم ذكر الله الذين ضرب لهم المثل فقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [["تفسير مقاتل" 78 ب.]] يعني: الذين أشركوا ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ في الشرك ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعلمونه بأن مع الله شريكًا. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 78 ب.]]. وقال ابن عباس: يريد: بغير علم جاءهم من الله. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ قال صاحب النظم: هذا استفهام، ومعناه: النفي والإنكار على معنى: فلا هادي لمن أضل الله، يدل على ذلك قوله في النَّسَق عليه: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

الروم 30:30

قال مقاتل: ثم قال للنبي -ﷺ-: إن لم يوحدْ كفارُ مكة ربَّهم فوحدْ أنت ربَّك، وهو قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ فالمعنى: فأخلص دينك [["تفسير مقاتل" 79 أ.]]. ونحوه قال سعيد بن جبير. وقال غيره: سدد عملك [[ذكره الماوردي عن الكلبي. "النكت والعيون" 4/ 311.]]. والوجه في اللغة: ما يُتوجه إليه، وعملُ الإنسان ودينُه مما يَتوجه إليه الإنسانُ لتسديده وإقامته. وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 112] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: معنى قوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: بذل وجهه له في السجود، وعلى هذا أسلم بمعنى: سلم .. قال ابن الأنباري: والمسلم على هذا هو المخلص لله العبادة .. وقال قوم من أهل المعاني: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: أسلم نفسه وجميع بدنه لأمر الله، والعرب تستعمل الوجه وهم يريدون نفس الشيء إلا أنهم يذكرونه باللفظ الأشرف كما قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] وقال جماعة: الوجه قد يقع صلة في الكلام؛ فقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: انقاد هو لله. ومثله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 20].]]. قوله: ﴿لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ معناه على التقديم والتأخير، أي: حنيفًا للدين، أي: مائلاً إلى الطاعة، مستقيمًا عليها لا ترجع عنها. قال أبو إسحاق: والحنيف الذي يميل إلى الشيء فلا يرجع عنه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 184، وفيه: كالحَنَف في الرِجل، وهو ميلها إلى خارجها خِلقة، لا يملك الأحنف أن يَرد حَنفه.]]. قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال عكرمة ومجاهد: الإسلام. وهو قول الحسن [[أخرجه ابن جرير 21/ 40، عن مجاهد من طريق الحسن، وأخرجه كذلك عن عكرمة 21/ 41.]]. وقال مقاتل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الملة، وهي: الإسلام والتوحيد الذي خلقهم عليه يوم أخذ الميثاق حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] فأقروا له بالربوبية والمعرفة [["تفسير مقاتل" 79 أ. ونحوه قال ابن قتيبة، ولفظه: أي: خلقة الله التي خلق الناس عليها؛ وهي أن فطرهم جميعًا على أن يعلموا أن لهم خالقًا ومدبرًا. "غريب القرآن" ص 341.]]. ونحو هذا قال ابن زيد [[أخرجه ابن جرير 21/ 40.]]. واختاره الزجاج. فذكره [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 184. قال ابن كثير 6/ 314: "فإن الله تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره .. وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية".]]. هذا قول المفسرين في هذه الآية، ويشكل هذا بأن يقال: الفطرة ابتداء الخلق، ولو كان الله تعالى خلق الخلق حين خلقهم على ملة الإسلام والتوحيد ما أشرك أحد ولا كفر أحد مع قيام الدليل بأن الله خلق أقوامًا للنار [[لعل الواحدي يشير بذلك إلى حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: دعي رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة؛ لم يعمل السوء، ولم يدركه، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم". أخرجه مسلم 4/ 2050 في القدر (2662).]]، وهم لم يخلقوا على الإسلام والتوحيد وهو قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} الآية [الأعراف: 179] والخبر قد ورد بتفصيل الفريقين يوم أخذ الميثاق حين أخرج الله تعالى من صلب آدم ذريته، بعضها سودًا وبعضها بيضًا، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار [[أخذ الميثاق على ذرية آدم -عليه السلام-، ثابت في حديث أنس -رضي الله عنه-، عن النبي -ﷺ-: (إن الله يقول لأِهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك). متفق عليه، البخاري، كتاب الأنبياء، رقم (3334)، "فتح الباري" 6/ 363، ومسلم 4/ 2160، كتاب صفات المنافقين، رقم (2805). ومن ذلك أيضًا حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-، قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم فأخرج من صلبه ذرية ذراها فنثرهم نثرًا بين يديه كالذر، ثم كلمهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾. أخرجه الحاكم 1/ 80، كتاب: الإيمان، رقم (75)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر، ووافقه الذهبي. وأخرجه من الطريق نفسه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (89). ورجح ابن كثير 3/ 502، وقف هذا الحديث على ابن عباس. وحسن رفعه الألباني، "السلسلة الصحيحة" 4/ 158، رقم (1623)، لكونه واردًا في تفسير القرآن فيأخذ حكم الرفع، ولوروده من طرق أخرى مرفوعًا، وإن كان فيها ضعفٌ. والأول غير مسلم؛ إذ إن الروايات الإسرائيلية في التفسير قد تصح إسنادًا إلى بعض الصحابة، ومصدرها الأخذ عن بني إسرائيل؛ فهل يُجزم بأخذها حكم المرفوع. والله أعلم. هذا ما يتعلق بأصل أخذ الميثاق وثبوته، أما ما ذكره الواحدي من تفصيلهم إلى فريقين، سود وبيض، فقد ورد ذكر ذلك في حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي ثنا هيثم وسمعته أنا منه قال ثنا أبو الربيع عن يونس عن أبي إدريس عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ-، قال: "خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذَّر وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحَمَم، فقال للذي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي، وقال == للذي في كفه اليسرى إلى النار ولا أبالي". "المسند" 10/ 417، رقم (27558). وصححه الألباني؛ السلسلة الصحيحة رقم (49).]]. وقال رسول الله -ﷺ- في الغلام الذي قتله الخضر: "طبعه والله يوم طبعه كافرًا" [[أخرجه مسلم 4/ 2050، كتاب: القدر، رقم (2661)، ولفظه: "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا". وأخرجه الترمذي 5/ 292، كتاب "تفسير القرآن"، رقم (3150).]]. وبيان هذا الإشكال أن يقال: المراد بالناس هاهنا: المؤمنون الذين فطرهم الله على الإسلام يوم أخذ الميثاق؛ لأن المشرك لم يفطر على الإسلام، فلفظ الناس عام والمراد منه الخصوص. هذا وجه قول المفسرين في هذه الآية، وهو اختيار أبي الهيثم؛ قال في هذه الآية: هذه فطرة فُطر عليها المؤمن [[ذكره عن أبي الهيثم الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 326. وما ذهب إليه الواحدي واختاره أبو الهيثم في دفع الإشكال في الجمع بين الآية والحديث غير وجيه؛ والصواب أن لفظ الناس في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ باقٍ على عمومه لم يدخله التخصيص، يشهد لذلك آية سورة الأعراف: 172 ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ..﴾ فلم يُستثن من الذرية أحد، وعليه فحديث: كل مولود يولد على الفطرة، يدل على أن المولود ولد على الفطرة سليمًا، وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدَّر الله تعالى ذلك وكتبه، كما مثل النبي -ﷺ- ذلك بقوله في آخر الحديث: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يُجدعها الناس؛ وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على الفطرة سليمًا ثم يفسده أبواه؛ وذلك أيضًا بقضاء الله وقدره "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 361. وأما حديث الغلام الذي قتله الخضر فقول النبي -ﷺ- فيه: "طبع يوم طبع كافرًا" معناه: طُبع في الكتاب أيَ قُدَّر وقُضي لا أنه كان كفره موجودًا قبل أن يولد فهو == مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر، كما طُبع كتابه يوم طُبع. ومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه، وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار، فهو غالط؛ فإن ذلك لا يُقال فحِه: طُبع يوم طُبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار عن النبي -ﷺ- فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال: "خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا". وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك. وكذلك في حديث الأسود بن سَرِيع الذي رواه أحمد وغيره قال بعث النبي -ﷺ- سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي -ﷺ-: "ما حملكم على قتل الذرية؟ " قالوا: يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين؟ قال: "أو ليس خياركم أولاد المشركين"، ثم قام النبي -ﷺ-، خطيبًا فقال: "ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعرب عنه لسانه". فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: أو ليس خياركم أولاد المشركين، يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك، ولو كان أراد أن المولود حين يولد يكون إما كافرًا وإما مسلمًا على ما سبق له القدر لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده -ﷺ- من نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين. "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 362. وحديث الأسود بن سَرِيع أخرجه الإمام أحمد 24/ 354، رقم (15588)، ط/ الرسالة، وقال محققو المسند: رجاله ثقات رجال الشيخين، إلا أن الحسن البصري لم يسمع من الأسود بن سَرِيع. وأخرج الحديث الحاكم 2/ 133، رقم (2566)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال الذهبي: تابعه يونس عن الحسن حدثنا الأسود بن سريع بهذا على شرط البخاري ومسلم. وأخرجه البيهقي، السنن الكبرى 9/ 130، قال البيهقي: قال الشافعي في رواية أبي عبد الرحمن عنه: "هي الفطرة التي فطر الله عليها الخلق فجعلهم ما لم يفصحوا بالقول لا حكم لهم في أنفسهم إنما الحكم لهم بآبائهم".]]. وذهب إسحاق [[هو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي؛ صرح بذلك الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 328 (فطر).]] في هذه الآية، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -ﷺ- قال: "كل مولود يولد على الفطرة" الحديث [[متفق عليه من حديث أبي هريرة، البخاري، كتاب: الجنائز، رقم (1359)، "فتح الباري" 3/ 219، ومسلم 4/ 2047، كتاب: القدر، رقم (2658).]]، مذهبًا حسنًا؛ وهو أنه قال: الفطرة: الخلقة التي خلقهم عليها، إما الجنة أو النار، حين أخرج من صلب آدم كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء للنار، فيقول: كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه، يقول: بالأبوين يتبين لكم ما تحتاجون إليه في أحكامكم من المواريث وغيرها. يقول: إذا كان الأبوان مؤمنين فاحكموا لولدهما بحكم الإيمان، وإن كانا كافرين فاحكموا لولدهما بحكم الكفر، وأما خلقته التي خُلق عليها فلا علم لكم بذلك، وهو قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ أي: من الشقاوة والسعادة. والدليل على هذا قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبديل لما خلقهم له من جنة أو نار [[ذكر قول إسحاق: الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 329 (فطر).]]. وقال الأزهري: والقول قول أبي إسحاق [[هكذا في النسختين: أبي إسحاق؛ والصواب: إسحاق، كما في "تهذيب اللغة" 13/ 329.]] في تفسير الآية، ومعنى الحديث [[الصواب القول الأول الذي عليه المفسرون من الصحابة والتابعين؛ وهو أن الفطرة المراد بها: الإسلام، وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لدين الله؛ قال ابن عبد البر: "وقال آخرون: الفطرة هاهنا: الإسلام؛ قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله -عز وجل-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ على أن قالوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ دين الله الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وذكروا == عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله -عز وجل-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قالوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ دين الله الإسلام ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قالوا لدين الله". نقله عنه شيخ الإسلام، "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 367. ويدل لذلك ما أخرجه ابن جرير 21/ 41، عن ابن عباس أنه سئل عن إخصاء البهائم فكرهه؛ وقال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ وعن عكرمة ومجاهد كذلك. قال شيخ الإسلام: "لا منافاة بينهما كما قال تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] فتغيير ما خلق الله عليه عباده من الدين تغيير لخلقه، والخِصاءُ وقطع الأُذن أيضًا تغيير لخلقه، ولهذا شبه النبي -ﷺ-، أحدهما بالآخر في قوله: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تُنتج البهيمة بهيمةً جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" فأولئك يغيرون الدين، وهؤلاء يغيرون الصورة بالجَدْع والخِصاء، هذا تغيير لما خُلقت عليه نفسه، وهذا تغيير ما خُلق عليه بدنه".]]. وعلى هذا القول انتصب: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ على المصدر. وهو قول الأخفش قال: كأنه قال: فَطَرَ الله تلك فِطرَةً [["معاني القرآن" 2/ 657.]]. ونحو ذلك قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 324، ولفظه: يريد: دينَ الله، منصوب على الفعل.]]. معنى الآية: أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ ثم أخبر -عز وجل- أنه خلق الخلق على ما أراد من شقاوة وسعادة، ولا تبديل لذلك. وفيه إشارة إلى أن الكفار الذين سبق ذكرهم خُلقوا للنار، وأن النبي -ﷺ- والمؤمنين خلقوا للجنة؛ لأن قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ خطاب له وللمؤمنين، يدل عليه قوله بعد هذا: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ بلفظ الجمع، وإن قلنا: إن ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ يعني: دين الله التوحيد، على ما ذكر المفسرون فانتصابها يكون بالإغراء، وهو قول الزجاج، وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوب، بمعنى: اتبع فطرة الله؛ لأن معنى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ اتبع الدين القيم، اتبع فطرة الله. قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قد ذكرنا معناه: لا تبديل لما خلقهم له. وقال مجاهد وإبراهيم: الدين: الإسلام، و ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 103، عن قتادة وقال عبد الرزاق: وقال معمر: كان الحسن يقول: فطرة الله الإسلام. وأخرجه ابن جرير 21/ 41، عن مجاهد، وعكرمة، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد، وإبراهيم النخعي. وصحح إسناد ابن جرير إلى مجاهد شيخ الإسلام ابن تيمية. "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 374. وبوَّب البخاري في "صحيحه" فقال: باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: لدين الله. "فتح الباري" 8/ 512.]]. وعلى هذا المراد بلفظ النفي: النهي، أي: لا تبدلوا دين الله الذي هو التوحيد بالشرك والكفر. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ قال مقاتل: يعني التوحيد هو الدين المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يعني: كفار مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بتوحيد الله [["تفسير مقاتل" 79 أ.]].

الروم 30:31

قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ قال الأخفش: نصبه على الحال؛ لأنه حين قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ قد أمرَه، وأمرَ قومه حتى كأنه قال: فأقيموا وجوهكم منيبين [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 657]]. وقال المبرد: لما قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ كانت له ولأمته قاطبة؛ وهذا أجودُ كلامٍ إذا كان واحداً حاضرًا أن تأمره بما يخصه، وتعم من وراءه من يأمره [[هكذا في النسختين؛ ولعل الصواب: وتعم من وراءه ممن يأتمر بأمره. ويوضح هذا المثال الذي ذكره بعد ذلك.]] كقولهم: يا زيد اتق عمرًا، واحذروا أن تظلموه، إذا كان زيد رئيس القوم؛ هم مأمورون بما أُمر به زيدٌ. ونحو هذا قال الفراء، وصاحب النظم [[قال الفراء في إعراب ﴿مُنِيبِينَ﴾: منصوبة على الفعل، وإن شئت على القطع، فأقم وجهك ومن معك منيبين مقبلين إليه. "معاني القرآن" 2/ 325.]]. وقال الزجاج: زعم جميع النحويين أن معنى هذا: فأقيموا وجوهكم منيبين؛ لأن مخاطبة النبي عليه السلام تدخل معه فيها: الأمة؛ والدليل على ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] قال: ومعناه: راجعين إلى كل ما أمر الله به، مع التقوى وأداء الفرائض [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 185.]]، وهو قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. ثم أخبر أنه لا ينفع ذلك إلا بالإخلاص في التوحيد؛ فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

الروم 30:32

﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 185.]] ذكرنا تفسيره في آخر سورة: الأنعام [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [159]: "قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: المشركين بعضهم يعبدون الملائكة يزعمون أنهم بنات الله، وبعضهم يعبد الأصنام ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18] فهذا معنى: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا وأحزابًا في الضلالة؛ فتفريقهم دينهم أنهم لم يجتمعوا في دينهم الذي هو شرك على شيء واحد .. ".]]. وهذه الآية متصلة بالأُولى؛ لأنها من نعت المشركين. قال الفراء: وإن شئت استأنفت قولَه تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 325، وتمامه: كأنك قلت: الذين تفرقوا وتشايعوا كل حزب بما في يده فرح.]]. قال مقاتل: كل أهل ملة [["تفسير مقاتل" 79 أ. وفي النسختين: (مكة). بدل: (ملة)؛ وهو تصحيف.]] بما عندهم من الدَّين راضون به [["تفسير مقاتل" 79 أ.]]. وقال الزجاج: كل حزب من هذه الجماعة الذين فرقوا دينهم فرح؛ يظن أنه هو المهتدي [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 186.]]. وهذا مذكور في سورة: المؤمنين [[عند قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وقد أحال الواحدي في تفسيرها على سورة الأنبياء؛ حيث قال: "والكلام في هذا قد سبق في نظيرتها في سورة الأنبياء". "البسيط" 2/ 619. تح/ المديميغ. قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 93]: "قال ابن عباس: يريد المشركين اتخذوا من دونه آلهة. هذا كلامه في رواية عطاء. والصحيح أن هذا إخبار عن جميع مخالفي شريعة محمد -ﷺ- يقول: اختلفوا في الدين فصاروا فيه فرقا وأحزابًا. ويجوز أن يكون هذا الاختلاف راجعًا إلى اختلاف أهل كل ملة كاختلاف اليهود فيما بينهم، واختلاف النصارى؛ وهذا هو الظاهر. ويجوز أن يرجع إلى مخالفتهم دين الحق". "البسيط" 1/ 187 (تح/ المديميغ).]].

الروم 30:33

قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة، الضر يعني: القحط والسَّنة ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه [["تفسير مقاتل" 79 أ.]]. قال أبو إسحاق: أي لا يلتجئون في شدائدهم إلى مَنْ عبدوه مع الله -عز وجل-، إنما يرجعون في دعائهم إليه وحده [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 186.]]. قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ قال مقاتل: إذا أعطاهم من عنده، يعني: المطر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يقول: تركوا توحيد ربهم في الرخاء، وقد وحدوه في الضراء [["تفسير مقاتل" 79 أ.]].

الروم 30:34

﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هذه الآية مفسرة في آخر سورة: العنكبوت [[عند قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت].]]. وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ قال أبو إسحاق: هذا خطاب بعد الإخبار؛ لما قال: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ كان خبرًا عن غائب، وكأن المعنى: فتمتعوا أيها الفاعلون لهذا، وليس هذا بأمر لازم، بل هو أمر على جهة الوعيد، يدل عليه قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني حالكم في الآخرة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 186. قال الأخفش: كأنه قال: فقد تمتعوا فسوف يعلمون.]].

الروم 30:35

وقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس: حجة [[ذكره الثعلبي 8/ 169 أ، عن ابن عباس، والضحاك.]]. قال قتادة ومقاتل: كتابًا من السماء ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا﴾ يقولون؛ يعني: من الشرك [[أخرج ابن جرير 21/ 44، عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 79 أ. وذكره الثعلبي 8/ 169 أ، عن قتادة والربيع.]]؛ يعني: يأمرهم به، ونعذرهم على ذلك [["تفسير الثعلبي" 8/ 169 أ. واقتصر عليه الفراء، ولم ينسبه. "معاني القرآن" 2/ 325.]]. وهذا استفهام معناه: الإنكار، أي: ليس الأمر على هذا.

الروم 30:36

ثم ذكر بطرهم عند النعمة، وبأسهم عند [[(عند) ساقطة من النسختين؛ وزدتها لاستقامة الكلام.]] الشدة بقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ الآية، وهذا خلاف وصف المؤمن؛ فإنه يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة، ويرغب إليه في كشفها. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني: شدة وبلاء ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما عملوا من السيئات ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾ جواب الشرط، وهو مما يجاب به الشرط، قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ في موضع: قنطوا [[ذكر الإعراب، والمعنى: سيبويه، "الكتاب" 3/ 63، وذكره المبرد في "المقتضب" 2/ 58، وقال في 3/ 178: فأما (إذا) التي تقع للمفاجأة فهي التي تسد مسد الخبر، والاسم بعدها مبتدأ، كقولك: جئتك فإذا زيد، وكلمتك فإذا أخوك، وتأويل هذا: جئت ففاجأني زيد، وكلمتك ففاجأني أخوك، وهذه تغني عن الفاء، وتكون جوابًا للجزاء؛ نحو: إن تأتني إذا أنا أفرح، على حد قولك: فأنا أفرح، قال الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ فقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ في موضع: يقنطوا. وذكره أيضًا الأخفش، "معاني القرآن" 2/ 657. وأبو علي، "الإيضاح العضدي" 1/ 330. وابن جني، "سر صناعة الإعراب" 1/ 254، 261.]].

الروم 30:37

قال مقاتل: ثم وعظهم فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ الآية [["تفسير مقاتل" 79 ب.]]

الروم 30:38

وقوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ أي: من الصلة والبر [[تفسير ابن جرير 21/ 45.]]. قال مقاتل: حقُّ القرابة: الصلة [["تفسير مقاتل" 79 ب.]]. وقال قتادة: إذا كان لك ذو قرابة فلم تصله بمالك، ولم تمش إليه برجلك فهو قطيعة [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 103.]]. وقال أبو إسحاق: وفرائض المواريث كأنها قد نَسختْ هذا؛ أعني: حق القرابة، وجائز أن تكون القرابة حق لازم في البر [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 187. والصحيح أن الآية لا نسخ فيها، فحق ذوي القربى ثابت بالإحسان إليهم بالكلام الحسن، والقول المعروف، ووصلهم بالنفقة إذا كانوا محتاجين، ووقع الخلاف بين أهل التفسير هل الأمر في الآية للوجوب أم للندب على قولين؛ قال القرطبي 14/ 35: "واختلف في هذه الآية؛ فقيل: إنها منسوخة بآية المواريث، وقيل: لا نسخ، بل للقريب حق لازم في البر على كل حال، وهو الصحيح، قال مجاهد وقتادة: صلة الرحم فرض من الله -عز وجل-، حتى قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقيل: المراد بالقربى أقرباء النبي -ﷺ-؛ والأول أصح؛ فإن حقهم مبين في كتاب الله -عز وجل- في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41] وقيل: إن الأمر بإيتاء ذي القربى على جهة الندب. قال الحسن: ﴿حَقَّهُ﴾ المواساة في اليسر، وقول ميسور في العسر". وحكى الشوكاني قول القرطبي مقررًا له. "فتح القدير" 4/ 219. قال أبو المظفر السمعاني 4/ 215: "أكثر المفسرين على أن المراد من إيتاء ذي القربى هاهنا صلة الرحم بالعطية والهدية، ثم ذكر قول قتادة. وقال القاسمي: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ أي: من البر والصلة. واستدل به أبو حنيفة على وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب؛ لأن ﴿ءاتِ﴾ أمر للوجوب. والظاهر من الحق بقرينة ما قبله أنه: مالي، وهو استدلال متين. "تفسير القاسمي" 13/ 181. قال ابن كثير: "يقول تعالى آمرًا بإعطاء ذي القربى حقه أي: من البر والصلة". "تفسير ابن كثير" 6/ 318. وهو قول البغوي 6/ 272. قال أبو حيان 7/ 169، بعد ذكر رأي الحنفية: "الظاهر أن الحق ليس الزكاة وإنما يصير حقاً بجهة الإحسان والمساواة". قال ابن عطية 11/ 459: "هذا على جهة الندب". وهذا محمول على إذا لم تكن قرابته محتاجة، إذا كانت قرابته محتاجة فقيرة وهو غني مقتدر فيجب عليه أن يصل قرابته بماله. والله أعلم.]]. وقوله: ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾ قال ابن عباس: أطعم الطواف [[ذكره عنه القرطبي 14/ 35 ، بلفظ: أطعم السائل الطواف.]] وقال مقاتل: حقه أن يُتصدق عليه [["تفسير مقاتل" 79 ب.]]. وقوله: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ يعني: حق الضيف عليك أن تحسن إليه [["تفسير مقاتل" 79 ب. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 187.]]. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ يقول: إعطاء الحق أفضل من الإمساك ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [["تفسير مقاتل" 79 ب.]] يطيعون بما يعلمون ثوابه. ثم نعتهم فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [["تفسير مقاتل" 79 ب، من قوله: ثم نعتهم.]].

الروم 30:39

قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الآية، روى قتادة عن ابن عباس في هذه الآية قال: هي هدية الرجل يهدي الشيء يريد أن يثاب أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله، لا يؤجر فيه صاحبه، ولا إثم عليه فيه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 103، وأخرجه ابن جرير 21/ 84، عن ابن عباس من طريق قتادة. وأخرجه ابن جرير 21/ 46، من طريق محمد بن سعد بإسناده عن ابن عباس. وهو قول مقاتل 79 ب.]]. وعن مجاهد قال: هي الهدايا [[أخرجه ابن جرير 21/ 46.]]. وروى ابن أبي روَّاد عنه قال: هو الربا الحلال؛ يهدي الرجل الشيء ليُهدَى له أفضل منه، فهو حلال ليس فيه إثم ولا أجر [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 104، عن الضحاك بن مزاحم، من طريق عبد العزيز بن أبي رواد. - عبد العزيز بن أبي رواد، شيخ الحرم، واسم أبيه: ميمون، حدث عن سالم بن عبد الله، والضحاك بن مزاحم، وعكرمة، ونافع، وغيرهم، وحدث عنه: يحيى القطان، وعبد الرزاق، وابن المبارك، وغيرهم، صدوق عابد، وربما وهم، ورمي بالإرجاء، ت: 159 هـ. "سير أعلام النبلاء" 7/ 184، و"تقريب التهذيب" ص 612.]]. وقوله: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] نزلت في النبي -ﷺ- خاصة، نُهي أن يُهدِي هدية فيُهدَى له أفضل منها، وحَرُم ذلك عليه خاصة [[تفسير ابن جرير 21/ 46، ولم ينسبه. وقد كُتب في "تفسير ابن جرير" بعد قول الضحاك مفصولًا عنه، فلعله من قول الضحاك، وفصْله عنه خطأٌ، وقد أورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 495، من كلام الضحاك، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. وذكره عن الضحاك الثعلبي 8/ 169 أ. ذكر ابن كثير 8/ 264، في آية المدثر أربعة أقوال، استظهر منها القول الذي اقتصر عليه الواحدي.]]. وقال السدي: الربا في هذا الموضع: الهدية يهديها الرجل لأخيه، طلبَ المكافأة، فإن ذلك لا يربو عند الله، ولا يؤجر عليه صاحبه. وقال سعيد بن جبير: هذا في الرجل يُعطِي ليثابَ عليه [[أخرجه ابن جرير 21/ 46.]]. هذا قول المفسرين في هذه الآية. وشرحها أهل المعاني؛ فقال أبو إسحاق: يعني به: دفعُ الإنسان الشيء ليعوض ما هو أكثر منه، فذلك ليس بحرام، ولكنه لا ثواب فيه؛ لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 187، بمعناه.]]. وقال أبو علي الفارسي: ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ﴾ يحتمل تقديرين؛ يجوز أن تكون للجزاء [[أي: اسم شرط جازم.]]، ويجوز أن تكون موصولة؛ فإن قدرتها جزاء كانت في موضع نصب بـ: ﴿آتَيْتُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ في موضع جزم بأنه جواب للجزاء، ويقوي هذا الوجه: قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ألا ترى أنه لو كان مبتدأً لعاد عليه ذكرٌ، وإن جعلتها موصولة كان موضع ﴿مَا﴾ رفعًا بالابتداء، و ﴿آتَيْتُمْ﴾ صلة، والعائد إلى الموصول: الذكر المحذوف من ﴿آتَيْتُمْ﴾ [[يعني بالذكر المحذوف هنا: الضمير الواقع مفعولًا في قوله تعالى: ﴿آتَيْتُمْ﴾ والتقدير: الذي آتيتموه، وسر تسميته بالذكر المحذوف -فيما يظهر- أن المقدر هنا كالمذكور سواء بسواء.]] وقوله: ﴿فَلَا يَرْبُو﴾ في موضع رفع بأنه خبر الابتداء، والفاء دخلت في الخبر على حد بما دخلت في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. وقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ أكثر القراء قرأ: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بالمد [[قرأ ابن كثير: ﴿أَتَيْتُمْ﴾ مقصورة، والباقون: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بالمد، في قوله تعالي: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ فلم يختلفوا في مدها. "السبعة في القراءات" ص 507، "والحجة للقراء السبعة" 5/ 446، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 196، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344.]]، [[يوجد هنا سقط في النسختين؛ ولا يتم المعنى بدونه، وتمام الكلام كما هو عند أبي علي في "الحجة" 5/ 446: "وأما قصر ابن كثير فإنه يؤول في المعنى إلى قول من مد .. ".]] إلى قول: من مد كأنه قيل: ما جئتم من ربًا، ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء له كما قال [[في "الحجة" 5/ 446: كما تقول.]]: أتيت الخطأَ، وأتيت الصوابَ، وأتيت قبيحًا، قال الشاعر: أتيتُ الذي يأتي السفيه لِغرتي ... إلى أن علا وَخْطٌ من الشيبِ مَفْرِقي فإتيانه الذي يأتي السفيه إنما هو فعل منه له [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 446، وأنشد البيت كاملًا، ولم ينسبه. الغِزُّ: الصغير الذي لم يجرب الأمور، يقال: كان ذلك في غرارتي وحداثتي. "تهذيب اللغة" 16/ 71 (غرر). والمفرق: وسط الرأس. "لسان العرب" 10/ 301 (فرق).]]. وقوله: ﴿مِنْ رِبًا﴾ على ضربين؛ أحدهما: متوعد عليه محرم بقوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278] والآخرُ غير محرم: وهو أن يُهدِي شيئًا، أو يهبه فيستثيب أكثر منه. وسمي بهذا المدفوع على وجه اجتلاب الزيادة: ربًا، لَمَّا كان الغرض فيه الاستزادة على ما أَعطى، فسمي باسم الزيادة، لمكان الزيادة المقصودة في المكافأة، والربا هو: الزيادة، فبذلك سُمِّي المحرم ربًا، لزيادة ما يأخذ على ما دَفع [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 447، بتصرف. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 187، بمعناه، وهذا من الاستطراد لبيان معنى الآية، لأن الربا المحرم لا يدخل في هذه الآية، وليس هو المراد منها، بدليل ما نقله الواحدي عن السلف في ذلك، فلم يُنقل عنهم -والله أعلم- أن الربا المحرم معني بهذه الآية، إذ لو أريد ذلك لكان في القطع بتحريمه من خلال هذه الآية نظرة فالآية ليس فيها تحريمٌ، بل فيها إخبار عن فقد الأجر والثواب لمن فعل هذا الفعل، وهذا كما سبق في قول ابن عباس: ليس فيه أجر ولا وزر. والله أعلم.]]. وقوله: ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ فاعل (يَرْبُوَا) الربا المذكور في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ وقُدِّر المضاف فحذفه، كأنه: في اجتلاب أموال الناس، أو اجتذابه، ونحو ذلك [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 447، ولفظه: "وقدر المضاف وحذف كأنه: اجتلاب أموال الناس، واجتذابها، ونحو ذلك".]]. وقرأ نافع: (لِتُربوا) بالتاء وضمها [[قرأ نافع: ﴿لِتُربوْا﴾ بضم التاء، ساكنة الواو، وقرأ الباقون: ﴿لِيَربوَا﴾ بالياء، مفتوحة الواو. "السبعة في القراءات" ص 507، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 447. و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 196، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344. وقد ضبط محقق كتاب "الحجة" قراءة نافع هكذا. ﴿لِترْبُوَ﴾ وقال بعدها: بالتاء ساكنة الواو. وهذا خطأ من وجهين؛ الأول: قراءة نافع بالتاء مضمومة، وليست مفتوحة كما ضبطها المحقق في ص 448، الثاني: الواو في قراءة نافع: ساكنة، وليست مفتوحة، مع أن المحقق قد أحال في الحاشية على كتاب "السبعة".]]، أي: لتصيروا ذوي زيادة من أموال الناس بما آتيتم، أي: تستدعونها وتجلبونها، وكأنه من: أربى إذا صار ذا زيادة، مثل: أقطف وأجدب [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 448، وفيه: أقطف وأجرب، بدل: أجدب. وكلاهما صحيح؛ يعني: صار ذا جدب، أو صار ذا جرب. في "تهذيب اللغة" 16/ 282 (قطف): أقطف الرجل؛ إذا كانت دابته قَطُوفًا، والقِطاف مصدر القَطوف من الدواب؛ وهو المقارب الخَطو، البطيء.]]. وقوله: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: لأنكم إنما قصدتم إلى زيادة العِوض، ولم تقصدوا وجه البر والقربة، ولو قصدتم به وجه الله لكان كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ وفي (مَا) هذه الوجهان ذكرناهما في (مَا) في أول الآية؛ فإن جعلتها: الموصولة فهي في موضع رفع، و (ءَاتَيْتُم) صلة، والراجع إلى الموصول محذوف، على تقدير: آتيتموه. قال: (وَمَاءَاتَيْتُم) ثم قال: (فَأُولَئِكَ) فانتقل من الخطاب إلى الغيبة [["المسائل الحلبيات" ص 85.]]، كما جاء في ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] [[ذكر هذا ابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص 289.]]. والفاء دخلت على: (فَأُولَئِكَ) لذكر الفعل في الصلة، والجملة في موضع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ﴾ ويقدر راجعًا محذوفًا، التقدير: فأنتم المضعفون به. أي: ذوو الضعف بما آتيتم من زكاة، فحذفت العائد على حد ما حذفته من قولك: السمن منوان بدرهم [[ساق هذا المثال للتدليل على حذف العائد المجرور، وتقديره: السمن منوان منه بدرهم، فحذف منه لدلالة السياق عيه، كما قدر في الآية: فأنتم المضعفون به. والله أعلم. والمَنَّ: معيار قديم يكال به أو يوزن. "لسان العرب" 13/ 418 (منن)، و"المعجم الوسيط" 2/ 888.]]. هذا كله كلام أبي علي ذكره في مواضع متفرقة، فرددت كلًا إلى موضعه. قال أبو إسحاق: وما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة وإنما تقصدون بها ما عند الله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي: فأهلها يضاعف لهم الثواب؛ يُعطون بالحسنة عشر أمثالها. وقيل ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ كما يقال رجل مقوٍ؛ أي: صاحب قوة، وموسر، أي: صاحب يسار، وكذلك: مُضعف، ذو أضعاف من الحسنات [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 188.]]. قال مقاتل: ثم ذكر ما أصاب الناس من ترك التوحيد في قوله تعالى:

الروم 30:41

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني: قحط المطر وقلة النبات [["تفسير مقاتل" 79 ب.]]. قال أبو علي: الفساد جاء في القرآن على ضربين؛ فساد معاقب عليه، وهو كثير [[مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11، 12]. وقد ورد الفساد بهذا المعنى في أكثر من خمسة وأربعين موضعًا في القرآن الكريم. انظر الآيات في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم 518 (فسد).]]. وفساد على غير ذلك؛ بمعنى: الجدْب [[من أمثلته قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]، وهو بهذا المعنى قليل لم أجده إلا في أربعة مواضع؛ البقرة: 251، الأنبياء: 22، المؤمنون: 71، وآية الروم هذه. والله أعلم.]]، وهو المراد في هذه الآية، وهذا كما قلنا في: الحسنة والسيئة؛ وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: 95] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: "قال أهل اللغة: السيئة كل ما يسوء صاحبه، والحسنة ما يحسن عليه أثره. ثم ذكر قول أبي علي الذي ذكره هنا، ثم قال: والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة، وبالرخاء تارة".]]. وقوله: ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: يعني: حيث لا يجري نهر، وهو لأهل العمود والبحر، ونقصُ الثمار في الريف؛ يعني: القرى تجري [[(تجري): مكررة مرتين في (ب).]] فيها الأنهار [[كتاب "الشعر" لأبي علي 2/ 457، بتصرف. قال مقاتل 79 ب: ثم أخبرهم أن قحط المطر في البر ونقص الثمار في الريف حيث تجري فيها الأنهار إنما أصابهم بترك التوحيد، فقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني: قحط المطر، وقلة النبات حيث لا تجري فيها الأنهار لأهل العمود، ثم ظهر الفساد يعني: قحط المطر، ونقص الثمار في البحر، يعني: الريف، يعني: القرى التي تجري فيها الأنهار. قال الليث: يقال لأهل الأخبية الذين لا ينزلون غيرها: هم أهل عَمُود، وأهل عماد. كتاب "العين" 2/ 57 (عمد) ونقله الأزهري، "تهذيب اللغة" 2/ 251.]]. قال ابن عباس في رواية عكرمة: أما البحر فما كان من المدائن والقرى على شاطئ نهر، وأما البر: فالبرية التي ليس عندها نهر [[ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 496، وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وقال السدي: الفساد: القحط. والبر: كلُّ قرية من قرى العرب نائيةٍ عن البحر، مثل: المدينة ومكة. [قال: والعرب تسمي الأمصار: بحرًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (أ).]] وأما البحر: فكلُّ قريةٍ مثلُ: البصرة والكوفة والشام [[ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 497، وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وقال عكرمة: أما إني لا أقول: بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء، قال: والعرب تسمي الأمصار: بحرًا [[أخرجه ابن جرير 21/ 49.]]. وقال فضيل بن مرزوق: قلت لعطية في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} هذا البر، فالبحر أي فساد فيه؟ قال: يقال إذا قلَّ المطر قلَّ الغوص [[أخرجه ابن جرير 21/ 49. فضيل بن مرزوق الأغر، الرَّقاشي، الكوفي، أبو عبد الرحمن، صدوق يهم، ورمي بالتشيع، حدث عن عدي بن ثابت، وعطية العوفي، وشقيق بن عقبة، وغيرهم، وحدث عنه وكيع، وأبو نُعيم، وعلي بن الجعد، وغيرهم. روى له مسلم في المتابعات، ت: 160 هـ. "سير أعلام النبلاء" 7/ 342، و"تقريب التهذيب" 786.]]. يعني: أن البحر إذا أمطر تفتح الأصداف أفواهها، فما وقع فيها من ماء السماء فهو لؤلؤ [[ذكره الثعلبي 8/ 169 ب، عن ابن عباس.]]. وعلى هذا المراد بالبحر: بحر الماء لا القرى. والقول هو الأول [[يعني أن المراد بالبحر: القرى التي على شاطىء البحر، وهذا القول وإن كان له وجه، لكن إجراء الآية على ظاهرها حيث لا يمنع من ذلك شيء أولى. ولعل الذي حمل الواحدي على ترجيح هذا القول تفسيره الفساد في الآية بالجدب والقحط، وهو غير مُتصور في البحر. وسيأتي توضيح القول الصحيح إن شاء الله تعالى.]]. قوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: من المعاصي [[ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 497، وعزاه لابن أبي حاتم.]]. يعني: كفار مكة ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ الله بالجوع في السنين السبع [[المراد بذلك ما ورد في الحديث الصحيح في دعاء النبي -ﷺ- على أهل مكة بسنين كسني يوسف، -عليه السلام-، وقد سبق ذكره وتخريجه في تفسير الآية: 93، من سورة النمل.]] ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي: جزاء ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا من الكفر إلى الإيمان [["تفسير مقاتل" 79 ب، بنصه.]]. هذا الذي ذكرنا هو الصحيح في تفسير هذه الآية. وذُكر في تفسيرها أقوالٌ لا تليق بالآية؛ منها قول قتادة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ فقال: هو الشرك امتلأت الأرض ظلمًا وضلالة، قبل أن يبعث الله نبيه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 104، وابن جرير 21/ 49.]]. قال مجاهد: قَتْلُ ابنِ آدم أخاه في البر، وأخذُ الملِك السفنَ غصبًا في البحر [[أخرجه ابن جرير 21/ 49.]]. قال الحسن: أفسدهما الله بذنوبهم في بر الأرض وبحرها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يرجع مَنْ بعدهم [[أخرجه ابن جرير 21/ 49، 50. وأخرج عن ابن زيد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: الذنوب.]]. وهذه الأقوال مرذولة فاسدة ليست تحسن في تفسير هذه الآية [[كان الأولى بالواحدي أن يبين ضعف هذه الأقوال دون الحاجة لوصفها بهذا الوصف. فعلى القول الذي صححه الواحدي يكون المراد بالفساد: ما أصاب الناس من القحط والجدب. وعلى القول الثاني الذي رده الواحدي، المراد بالفساد: ظهور الشرك والمعاصي في كل مكان، من البر والبحر، وانتشار الظلم، وحصول النقص في الخيرات، والحروب، والكوارث، ونحو ذلك كلُه ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: بذنوب الناس انتشر الشر والظلم والفسق والفجور في البر والبحر. وقد اقتصر على هذا القول ابن جرير 21/ 50، قال: "فتأويل الكلام إذًا إذ كان الأمر كما وصفت: ظهرت معاصي الله في كل مكان، من بر وبحر ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: بذنوب الناس، وانتشر الظلم فيهما". وقد تأول ابن جرير هذا القول من أقوال قتادة، ومجاهد، والحسن، التي وصفها الواحدي بأنها: أقوال مرذولة!؛ والصواب أنها أقوال مناسبة لسياق الآية، ولظاهرها كما يدل عليه تمثيل مجاهد للفساد في البحر: بأخذ السفن غصبا، وهذا هو مقتضى الحكمة، والقول الذي == اختاره الواحدي محمول على التمثيل للفساد بالجدب والقحط، لا على أنه هو المقصود وحده حتى يتأول البحر بالقرى المحيطة به، وينبني على القول الذي اختاره الواحدي أن الذنوب والمعاصي كلما زادت قل المطر وانتشر الجدب والقحط، وهذا غير مسلم؛ لأن الله تعالى أخبرنا في كتابه الكريم أنه لا يمنع الناسَ الرزقَ بسبب كفرهم، بل قد يمدهم بالرزق والنعم استدراجًا، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55، 56] وأخبر تعالى أنه لو يؤاخذ الناس بذنوبهم لهلكوا ولم يبق منهم أحد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: 45] حتى الدواب تهلك تبعًا لهلاك بني آدم، بسبب ذنوب بني آدم، ولا يُعترض على هذا بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96] فالآية في زيادة الخير والرزق لمن حقق الإيمان والتقوى، بل إن من حكمة الله تضييق الرزق على الأنبياء وأتباعهم، تعظيمًا لأجرهم في الآخرة كما لا يخفى، وخلاصة ذلك أن اعتراض الواحدي ورده لهذه الأقوال لم يبين دليله عليه، مع أن القول الذي رده ظاهر جدًا من سياق الآية، وعليه فيحمل الفساد على ما يظهر في البر والبحر من الكفر والظلم والطغيان، وما يلحق الناس بسبب ذلك من نقص المطر وحصول القحط والجدب، والعذاب بالزلازل والخسف والغرق، والحروب، والسلب والنهب، والخوف وغيره من أنواع الفساد الذي ينتشر بسبب ذنوب الناس؛ من الشرك وغيره، ومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]. والله تعالى أعلم.]].

الروم 30:42

قال مقاتل: ثم خوفهم فقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [["تفسير مقاتل" 80 أ.]]، وقوله: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ فأهلكوا بكفرهم. وإخباره عنهم بالشرك إخبار عن إهلاكهم؛ ودل عليه قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ومعلوم أن عاقبتهم كان إلى الهلاك.

الروم 30:43

قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ قال أبو إسحاق: أقم قَصدك، واجعل جهتَك اتباع الدين القيم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 188.]]. قال مقاتل: وهو الإسلام المستقيم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: يوم القيامة لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم [["تفسير مقاتل" 80 أ.]]؛ لأن الله قد قضى بمجيئه، فإذا جاءكم لا مردَّ له. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون بعد الحساب، إلى الجنة والنار. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 80 أ. والزجاج، "معاني القرآن" 4/ 188.]]. وهذا كقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ وقد مر [[الآية 14، من هذه السورة.]]. قال الفراء: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾: يتصدعون، أي: يتفرقون، تقول العرب: صدَعتُ غنمي صِدْعَتين، أي: فَرَقْتُها فِرقتين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 325، وليس فيه: يتصدعون.]].

الروم 30:44

قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ قال ابن عباس: يجازى بكفره. قال مقاتل: عليه إثم كفره [["تفسير مقاتل" 80 أ.]] ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: يوطئون لأنفسهم منازلهم [[قال الزجاج 4/ 188: أىِ: لأنفسهم يوطئون.]]. وقال الكلبي: يفرشون [["تنوير المقباس" ص 342.]]. وقال مجاهد: يسوون المضاجع في القبر [[أخرجه ابن جرير 21/ 52.]]. يقال: مهدت لنفسي خيرًا؛ أي: هيأته ووطأته.

الروم 30:45

قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أي: يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم.

الروم 30:46

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ قال ابن عباس: بالمطر [["تنوير المقباس" ص 342، وأخرجه ابن جرير 21/ 53، عن مجاهد.]] ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قال: يريد الغيث والخَصْب. قال صاحب النظم: هو معطوف على تأويل: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ على نظم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ ليبشركم وليذيقكم من رحمته، ولتجري الفلك في البحر بتلك الرياح بأمره، ولتبتغوا في البحر من فضله، يعني: الرزق بالتجارة. قال مقاتل: كل هذا بالرياح ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمة فتوحدونه.

الروم 30:47

ثم خوف كفار مكة، وعزَّى نبيه -ﷺ- فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [["تفسير مقاتل" 80 أ.]] أي: بالدلالات الواضحات على صدقهم. وقال ابن عباس: بالفرائض والحلال والحرام. وقال مقاتل: أخبروهم بالعذاب أنه نازل بهم إن لم يؤمنوا [["تفسير مقاتل" 80 أ.]]. قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ كفروا بآياتهم [[الضمير يعود على البينات التي جاء بها الرسل، كما يدل عليه سياق الآية.]]. وقال الكلبي: جرمهم هاهنا: الكفر [["تنوير المقباس" (342)، وهو قول مقاتل 80 أ.]]. ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الحسن: نصر المؤمنين: إنجاؤهم مع الرسل من عذاب الأمم. وهو قول الكلبي ومقاتل [["تنوير المقباس" ص 342، و"تفسير مقاتل" 80 أ.]]. ومعنى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ واجبًا، يعني: وجوبًا هو أوجبه على نفسه من حيث أخبر به، وإذا أخبر بشيء حق ذلك الشيء ووُجِد على ما أخبر به. وقد أخبر أنه ينجي المؤمنين من عذاب المكذبين. ولا يجب على الله شيء ابتداءً بخلاف ما قالت القدرية. وفي هذا تبشير النبي -ﷺ- بالظَفَر في العاقبة، والنصر على مَنْ كذبه.

الروم 30:48

قال مقاتل: ثم أخبر عن صُنعه ليعرفوا توحيده فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [["تفسير مقاتل" 80 أ.]] يزعجه من حيث هو ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ الله ﴿فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ قال مقاتل: إن شاء بسطه مسيرة يوم، أو بعض يوم، أو مسيرة أيام [["تفسير مقاتل". 80 أ، والمراد بذلك المطر النازل من السحاب تختلف كثرته وقلته، من مسيرة يوم، أو أيام، وهذا مقصود مقاتل، حيث قال: أو مسيرة أيام يمطرون. والظاهر من الآية بسطه في السماء قبل نزوله، بدليل ما ذكر في الآية بعد ذلك من تقطيع السحاب، ثم نزول المطر. والله أعلم.]] ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أي: قطعًا [[أخرج ابن جرير 21/ 54، عن قتادة. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 189، ولم ينسبه.]]، بعد أن بسطه الله يجعله قطعًا متفرقًا يسير بها الريح. وتفسير الكِسْف، قد ذكرناه في أواخر سورة بني إسرائيل [[عند قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [92] قال الواحدي: == "قوله تعالى: ﴿كِسَفًا﴾ فيه وجهان من القراءة؛ جزم السين وفتحها، قال أبو زيد: يقال كسفت الثوب أكْسِفُه كَسْفُا، إذا قطعته قِطَعًا .. قال الفراء: وسمعت أعرابيًا يقول لبزاز: أعطني كِسْفة، يريد: قطعة كقولك: خِرْقَه، روى عمرو عن أبيه: يقال لِخِرَق القميص قبل أن يُؤَلَّفَ: الكِسَف، واحدها كِسْفَة".]]. وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ مفسر في سورة: النور [[عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ..﴾ [43].]] ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ بالمطر ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بنزول المطر عليهم [["تفسير مقاتل" 80 ب.]].

الروم 30:49

﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ اختلفوا في تفسير ﴿قَبْلِ﴾ فذكر أبو إسحاق وابن الأنباري فيه قولين؛ أحدهما: أن الأُولى: داخلة في الإنزال، والثانية: على المطر، والمعنى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ﴾ إنزال المطر، من قبل المطر، فلما دخلت الثانية على غير ما دخلت عليه الأولى صلح الجمع بينهما، كما تقول: أجيئك من قبل أن تجلس، مِنْ قبل أن تبلغ إلى المجلس، فلا تُنكر الإعادة إذا اختلف الشيئان. هذا كلام أبي بكر [[المراد به: ابن الأنباري؛ ولم أقف على قوله.]]، وهو قول قطرب [[نسبه لقطرب الزجاج 4/ 189، والثعلبي 8/ 170 أ. وحكاه ابن جرير 21/ 54، ولم ينسبه. أي: لما اختلف المضاف إلى الضمير لفظًا صح تكراره، والمعنى واحد، فالأول من قبل إنزال المطر، والثاني من قبل المطر، والمطر لا يكون إلا تنزيلًا.]]. القول الثاني: أن تكرير ﴿قَبْلِ﴾ إطناب بمعنى: التوكيد [[هذا قول الأخفش. "معاني القرآن" 2/ 658، واختاره ابن جرير 21/ 54.]]. والمعنى: وإن كانوا من قبل إنزال المطر ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ قال أبو إسحاق: والقول ما قال [[هكذا في النسختين: (قال). والصواب: ما قالوا، كما هو واضح من سياق الكلام عند الزجاج، حيث قال: "وقال الأخفش وغيره من البصريين: تكرير قبل، على جهة التوكيد، والمعنى: وإن كانوا من قبل تنزيل المطر لمبلسين، والقول كما قالوا؛ لأن تنزيل المطر .. ".]]؛ لأن تنزيل المطر بمعنى: المطر؛ لأن المطر لا يكون إلا تنزيلاً، كما أن الرياح لا تُعرف إلا بمرورها [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 189.]]؛ يعني أن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ﴾ بمعنى: من قبل المطر عن الإنزال حتى يقال: إن قبل الأولى للإنزال، والثانية للمطر، كما قال قطرب [[ويمكن حمل الضمير في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ على لفظ الاستبشار المفهوم من قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أو على الحال الموصوف في الآية السابقة إجمالًا المتضمن وصف السحاب وكيفية تكونه وسوقه وبسطه في السماء قبل خروج الودق منه وأثنائه، وهذا -كما يظهر- أحسن وأولى بالسياق من القول بالإطناب. والله أعلم.]]. وقوله: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أي: آيسين قانطين من المطر. قاله ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 80 ب. وأخرجه ابن جرير 21/ 54، عن قتادة. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 342، ولم ينسبه.]]. والتقدير: وما كانوا إلا مبلسين. وقد تقدم لهذا نظائر.

الروم 30:50

قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ أي: بعد إنزال المطر، فانظر إلى حُسنِ تأثيره في الأرض. وتقرأ (آثَارِ) على الجمع [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿إِلَى أَثَرِ﴾ واحدة بغير ألف، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: ﴿ءَاثَرِ﴾ جماعة. "السبعة في القراءات" ص 508، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 448، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 345]]؛ فمن أفرد فلأنه مضاف إلى مفرد. ومن جمع جاز؛ لأن رحمة الله يجوز أن يراد بها: الكثرة، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 34، النحل: 18] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 448، بنصه.]]. قال مقاتل: ﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ يعني: النبت، وهو أثر المطر [["تفسير مقاتل" 80 ب.]]. والمطر: رحمة الله ونعمته على خلقه. وقوله: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: كيف يجعلها تنبت بعد أن لم يكن فيها نبت. (إِنَّ ذَلِكَ) الذي فعل ما ترون؛ وهو الله تعالى: ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ في الآخرة، فلا تكذبوا بالبعث [["تفسير مقاتل" 80 ب.]] ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من البعث والموت. ثم عاب كافر النعمة، والجاهل بأن الله تعالى يفعل ما يشاء فقال:

الروم 30:51

﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ قال ابن عباس: يريد عذابًا، يعني: ريحًا هي العذاب كما قال مقاتل: ريحًا باردة مضرة [["تفسير الثعلبي" 8/ 170 ب. ولم ينسبه. و"تفسير مقاتل" 80 ب. بنحوه.]]. والريح إذا أتت على لفظ الواحد أريد بها: العذاب، ولهذا كان رسول الله -ﷺ- يقول عند هبوب الرياح: "اللَّهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا" [[أخرجه أبو يعلي، في "مسنده" 4/ 341، رقم (2456)، من طريق حسين بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس، يرفعه، ومن الطريق نفسه أخرجه الطبراني، في "المعجم الكبير" 11/ 170، رقم (11533)، قال الهيثمي: فيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير. "مجمع الزوائد" 10/ 135. وهذا الحديث له طريق آخرة قال الشافعي: أخبرني من لا أتهم، أنبأنا العلاء بن راشد، عن عكرمة عن ابن عباس .. الحديث. قال الأصم: سمعت الربيع ابن سليمان يقول: كان الشافعي إذا قال: أخبرني من لا أتهم؛ يريد به: إبراهيم بن أبي يحيى السلمي. "تخريج الزيلعي لأحاديث الكشاف" 3/ 59، قال ابن حجر: == إبراهيم بن يحيى هذا ضعيف. "الشافي الكاف بحاشية الكشاف" 3/ 468. وقال الألباني عن إسناد الشافعي: فيه العلاء بن راشد مجهول، يروي عنه إبراهيم بن أبي يحيى، وهو الأسلمي: متهم. "مشكاة المصابيح" 1/ 483، رقم (1519).]]. قوله تعالى: (فَرَأَوْهُ) يعني: النبت والزرع الذي كان من أثر الريح رحمةِ الله ﴿مُصْفَرًّا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: متغيرًا من البرد بعد الخضرة [["تفسير مقاتل" 80 ب.]]. وقوله: ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ قال: معناه: لَيَظَلُنَّ، معنى الكلام: الشرط والجزاء [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 189.]]، قال الخليل: معناه: لَيَظَلُنَّ، فأوقع الماضي موقع المستقبل [["الكتاب" 3/ 108؛ قال سيبويه: "وسألته عن قوله -عز وجل-: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ فقال: هي في معنى: ليفعلُنَّ، كأنه قال: ليظلُنَّ، كما تقول: والله لا فعلت ذلك أبدًا تريد معنى: لا أفعل". وما ذكره الواحدي بنصه في "سر صناعة الإعراب" 1/ 398.]]، كقول الحطيئة: شَهِدَ الحطيئةُ حين يلقى ربَّه أي: يشهد [[أنشده كاملًا ونسبه ابن جني، "سر صناعة الإعراب" 1/ 398، وعجزه: أن الوليد أحقُّ بالعذر والوليد، هو: الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وهو في "ديوان الحطيئة" 199.]]. وقوله: ﴿بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد اصفرار النبت يجحدون ما سلف من النعمة. وهذا بيان عن حال الجاهل عند المحنة من كفره ما سلف من النعمة. قال أبو إسحاق: يعني فهم يستبشرون بالغيث، ويكفرون إذا انقطع عنهم الغيث، وجف النبت [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 189.]]. قال الكلبي: يقول الله تعالى: لو فعلت ذلك بهم لفعلوا [["تنوير المقباس" 343.]]؛ يعني: أنهم يفرحون عند الخصب، فلو أرسلت عذابًا على زرعهم كفروا سالف نعمتي، وكفروا ما كانوا يستبشرون به، وليس كذا حال المؤمن؛ لأنه لا يستشعر الخيبة والكفران عند الشدة والمحنة.

الروم 30:52

قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ هذه الآية، والآية التي بعدها مفسرتان في سورة: النمل [[عند قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ ..﴾ [80، 81].]].

الروم 30:53

قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ هذه الآية، والآية التي بعدها مفسرتان في سورة: النمل [[عند قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ ..﴾ [80، 81].]].

الروم 30:54

قال مقاتل: ثم أخبر عن خلق أنفسهم ليتفكر المكذب بالبعث في خلق نفسه فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [["تفسير مقاتل" 80 ب.]] قال قتادة والكلبي: يعني من نطفة [[أخرجه ابن جرير 21/ 56، عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 80 ب. و"تنوير المقباس" ص 343، وذكره ابن قتيبة، "غريب القرآن" ص 343، ولم ينسبه.]]. قال الزجاج: تأويله أنه خلقكم من النُّطفِ في حال ضعف [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 190.]]. قال أبو علي: المعنى: خلقكم من ذي ضعف، أي: من ماء ذي ضعف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: 20] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 450.]]. ومعنى ضَعفِ ذلك الماء: أنه قليل. وقرئ ﴿ضَعْفٍ﴾ بفتح الضاد [[قرأ عاصم وحمزة: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ و ﴿مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ و ﴿ضَعْفًا﴾ بفتح الضاد فيهن كلهن، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي بضم الضاد فيهن كلهن، وقرأ حفص عن نفسه، لا عن عاصم: بضم الضاد. "السبعة في القراءات" ص 508، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 450. قال ابن الجزري: وقد صح عن حفص الفتح والضم جميعًا. "النشر في القراءات العشر" 2/ 345.]]، وهما لغتان [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 450.]]؛ قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. والاختيار: الضم؛ لما روي أن ابن عمر قرأ على النبي -ﷺ- بالفتح، فردَّ عليه بالضم [[لم أجده عند الفراء، لكن نسبه له الثعلبي 8/ 170 ب. واختار هذه القراءة للرواية الزجاج 4/ 191. والحديث أخرجه الإمام أحمد 7/ 153، تح: أحمد شاكر، والترمذي 5/ 174، كتاب "القراءات" رقم (2936)، وأبو داود 4/ 283، كتاب "الحروف والقراءات"، رقم (3978)، والحاكم 2/ 270، كتاب التفسير، رقم (2974)، وأخرجه الثعلبي 8/ 170 ب، كلهم من طريق فُضيل بن مرزوق عن عطية بن سعد العوفي، قال: قرأت على ابن عمر ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ فقال ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ قرأتهُا على رسول الله -ﷺ-، كما قرأتَها عليَّ، فأَخذ علي كما أخذت عليك. وضَعَّف وضعف الحديث الشيخ: أحمد شاكر، لضعف عطية العوفي، راويه عن ابن عمر، "مسند الإمام أحمد" 7/ 153، (تح: أحمد شاكر)، والحديث لا يُعرف بهذا اللفظ إلا من طريقه كما قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث فُضيل بن مرزوق عن عطية العوفي. وقال الحاكم: تفرد به عطية العوفي، ولم يحتجا به، وقد احتج مسلم بالفضيل بن مرزوق. وعطية هذا قال عنه ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا. "تقريب التهذيب" ص 680، رقم (4649). وحَسَّن الحديث الألباني، "صحيح سنن الترمذي" 3/ 14، رقم (2339)، وأحال على كتابه: "الروض النضير". وكتاب "الروض النضير" غير مطبوع فلعل تحسين الألباني له لورود هذا الحديث من طريق آخر؛ قال الطبراني: حدثنا هارون بن موسى == الأخفش المقري الدمشقي، حدثنا سلام بن سليمان المدائني، حدثنا أبو عمرو بن العلاء، عن نافع عن ابن عمر، قال: قرأت على رسول الله -ﷺ- .. الحديث. "المعجم الصغير" للطبراني 2/ 397، رقم (1100). وسلام بن سليمان: ضعيف. "تقريب التهذيب" (425)، رقم (2719). ولذا قال ابن حجر بعد أن ساق هذا الطريق من رواية ابن مردويه، قال: في إسناده سلام بن سليمان. "الكافي الشاف" بحاشية الزمخشري 3/ 470. وقد ذكر محققو مسند الإمام أحمد رواية الطبراني؛ ولم يقووا بها هذا الحديث بل قالوا: قلنا: سلام متروك. "مسند الإمام أحمد" 9/ 186، رقم (5227). ط/ مؤسسة الرسالة. وذكر ابن عدي سلام بن سليمان هذا؛ وقال: هو عندي منكر الحديث، ثم ساق له أحاديث استنكرها عليه منها هذا الحديث؛ ثم قال: وهذه الأحاديث عن أبي عمرو عن نافع عن ابن عمر لا يرويها عن أبي عمرو إلا سلام هذا. "الكامل في ضعفاء الرجال" 3/ 1156. والصواب -والله أعلم- ضعف هذا الحديث، وأنه لا يرتقي لدرجة الحسن. وأقصى ما يفيده الحديث على فرض صحته أن النبي -ﷺ-، أنكر على ابن عمر قراءته ﴿ضَعْفٍ﴾ بغير القراءة التي أقرأه إياها؛ كما ذكر الواحدي عن الفراء أن الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم؛ وعلى ذلك لا يؤخذ من هذا الحديث تفضيل قراءة الضم على قراءة الفتح. والله تعالى أعلم.]]. وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ يعني: قواكم في حال الشبيبة، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ يعني: ضعف الطفولة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ قال ابن عباس: يريد: عند الكبر أدركه الضعف والهرم. والشيبة: مصدر كالشَّيب، قال المبرد: يعني: من حملة الشيب، فخرج من حملة الشيب مخرج الواحد، ويعني به: الجمع [[قول المبرد: من حملة الشيب، الظاهر منه أنه جعل لفظ: الشيبة أحد أفراد الشيب على اعتبار أن لفظ الشيب مصدر فيه عموم وشمول وإحاطة على حد قوله: فهي تحيط بالشيء، وعليه فلفظ: شيبة مفرد كما هو ظاهر من لفظه أريد به الجمع. والله أعلم.]]، وكذلك القوة والضعف، وجاز هذا؛ لأنها مصادر فهي تحيط بالشيء، تقول: قوي قوة، وشاب شيبة، وضعف ضعفًا؛ لأنها هيآت تقع على النوع. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: من ضعف وقوة وشيبة وشباب ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بتدبير خلقه ﴿الْقَدِيرُ﴾ على ما يشاء.

الروم 30:55

وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد يوم القيامة ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يحلف المشركون ﴿مَا لَبِثُوا﴾ في القبور ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ إلا ساعة واحدة [["تفسير مقاتل" 81 أ. وتفسير ابن جرير 21/ 57. وهو قول الزجاج 4/ 191. والثعلبي 8/ 170 ب.]] وقال قتادة: ما لبثوا في الدنيا غير ساعة [[ذكره عنه السيوطي، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن المنذر، وعبد بن حميد. "الدر المنثور" 6/ 502.]]. والقول هو الأول؛ لأن الآية الثانية دلت عليه [[وهي قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.]]. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ قال الزجاج: مثل هذا الكذب كذبهم؛ لأنهم أقسموا على غير تحقيق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 192.]]. وقال الكلبي: كذبوا في قولهم: ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ كما كذبوا في الدنيا [["تنوير المقباس" ص 343.]]. وقال مقاتل: يقول: هكذا كانوا يكذبون بالبعث في الدنيا، كما كذبوا أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة [["تفسير مقاتل" 81 أ.]]. وقال ابن قتيبة: أي: كَذبوا في هذا الوقت كما كانوا يكذبون من قبل، ويقال: أُفِك فلانٌ؛ إذا عُدِل به عن الصدق وعن الخير [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 343.]]. وهذا إخبار عن حال المجرم من إقدامه على الإفك، عاقبة أمره كإقدامه في ابتدائه. وذكر مقاتل وغيره في سبب كذبهم: أنهم استقلوا قدر لبثهم في الدنيا في القبور لَمَّا عاينوا الآخرة [["تفسير مقاتل" 81 أ.]]. والصحيح في معنى الآية: أنهم كذبوا من غير عذر، بل حلفوا كاذبين كذبًا صريحًا؛ لأنهم لو استقصروا مدة لبثهم وخُيل إليهم أنهم لم يلبثوا إلا ساعة كانوا معذورين في كذبهم، وليس الأمر على ذلك، ولكن الله تعالى أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء يتبين لأهل الجمع من المؤمنين أنهم كاذبون في ذلك، ويستدلون بكذبهم هناك على كذبهم في الدنيا بالشرك والكفر، وكان ذلك من قضاء الله وقدره بدليل قوله: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أي: يُصرفون، يعني: كما صُرفوا عن الصدق في حلفهم حتى حلفوا كاذبين، صرفوا في الدنيا عن الإيمان، ولو أراد: كذلك كانوا يكذبون؛ لقال: يَأفكون، فلما قال: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ دلَّ على إثبات القَدَر. ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم بقوله:

الروم 30:56

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ أي: لبثتم في القبور في خبر الكتاب إلى يوم القيامة [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 343، بنصه.]]، وهو قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100] وقيل: المعنى فيما كتب الله لكم من اللُبث. وقال الزجاج: في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 192.]]. وقال صاحب النظم: في حكم الله الذي حكم به في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وأما المفسرون فإنهم يقولون: هذا على التقديم؛ على تقدير: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وهو قول الكلبي وقتادة [[ذكره السيوطي عن قتادة، وعزاه لابن أبي حاتم، وعبد بن حميد. "الدر المنثور" 6/ 502. وقد وقع خطأ في كتابة قول قتادة في تفسير ابن جرير 21/ 57، حيث كتب: هذا من مقاديم الكلام، وتأويلها: وقال الذين أوتوا الإيمان والعلم: لقد لبثتم في كتاب الله. والصواب ما ذكره السيوطي في الدر، ونسبه أيضًا لابن جرير. وقال بقول قتادة: مقاتل 81 أ. ونسبه لقتادة ومقاتل الثعلبي 8/ 171 أ.]]. وهذا يحتمل تأويلين؛ أحدهما: الذين يعلمون كتاب الله فلهم فيه علم. والثاني: الذين حكم لهم في كتاب الله بالعلم، وأخبر في الكتاب عن علمهم. قوله تعالى: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ أي: اليوم الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، وتكذبون به. ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقوعه في الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن؛ يدل على هذا المعنى قوله تعالى:

الروم 30:57

﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: لا يُقبل من الذين أشركوا عذر، ولا عتاب، ولا توبة ذلك اليوم. وقرئ ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ بالياء [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر: ﴿لَا تَنفَعُ﴾ بالتاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ بالياء. "السبعة في القراءات" ص 509، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 450، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 346.]]؛ لأن التأنيث ليس بحقيقي، وقد فصل القول بين الفاعل وفعله [[هكذا في النسختين: وقد فصل الفعل بين الفاعل وفعله، وفي كتاب أبي علي، "الحجة" 5/ 450: وقد وقع الفصل بين الفاعل وفعله. وهذا هو الصواب فالمفعول ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فصل بين الفاعل ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ والفعل ﴿يَنْفَعُ﴾.]]. وإذا انضم إلى أن التأنيث ليس بحقيقي، قوي التذكير [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 450.]]. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يطلب منهم العتبى والرجوع في الآخرة.

الروم 30:58

وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾ بينا ووصفنا [["تفسير مقاتل" 81 أ.]] للمشركين ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ احتجاجًا عليهم، وتنبيهًا لهم ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ يا محمد ﴿تَنفَعُ﴾ قال ابن عباس: يريد كما أرسل الأولون قبلك، يعني بآية؛ كالعصا واليد، وغير ذلك من آيات الأنبياء ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ﴾ ما أنتم يا محمد وأصحابك ﴿إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أصحاب أباطيل. وهذا إخبار عن عنادهم وتكذيبهم، وأنهم لا يعقلون عن شركهم وكفرهم بالآيات الواضحة إن أُتوا بها. ثم ذكر سبب ذلك فقال:

الروم 30:59

﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بتوحيد الله، وكل من لم يؤمن بالله ويعلم توحيده فذلك لأجل طبع الله على قلبه.

الروم 30:60

ولما أخبر عن الطبع على قلوبهم أمر نبيه -ﷺ- بالصبر إلى وقت النصر فقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ بنصر دينك، وإظهارك على عدوك حقٌ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 192.]] ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ قال أبو إسحاق: أي: لا يستفزونك عن دينك ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي: هم ضالون شاكون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 192، وفيه: يسَتفزَّنَّك.]]. وقال الأزهري: استخف فلانٌ فلانًا إذا استجهله فحمله على اتباعه في غيه، ومنه قوله: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (1) ولا يستخفن رأيك وحلمك. وهذا هو المعنى. وهو الذي يليق بالصبر؛ أمره الله تعالى بالصبر وأن يثبت إلى أن يأتي وقت نصره، وإهلاك من ناوأه. وقال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ما جئت به. وقال مقاتل: لا يوقنون بنزول العذاب عليهم في الدنيا؛ وهم الذين عذبهم الله ببدر (2). وقيل: ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ بالبعث والحساب.

لقمان 31:1

﴿الم﴾ تقدم تفسيره في سورة البقرة [[آية (1)، وما بعدها. وقد ذكر المؤلف رحمه الله هناك أقوالًا كثيرة في تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور، ولعل الراجح منها -والله أعلم- هو ما ذهب إليه المحققون من أن هذه الحروف إنما ذكرت بيانًا لإعجاز القرآن. قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 1/ 38: وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكر فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وقد حكى هذا المذهب الرازي في "تفسيره" عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في "كشافه" ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية.]] ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسيره هناك [[آية (2) سورة البقرة.]]، وفي سورة يونس [[آية (1).]].

لقمان 31:2

﴿الم﴾ تقدم تفسيره في سورة البقرة [[آية (1)، وما بعدها. وقد ذكر المؤلف رحمه الله هناك أقوالًا كثيرة في تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور، ولعل الراجح منها -والله أعلم- هو ما ذهب إليه المحققون من أن هذه الحروف إنما ذكرت بيانًا لإعجاز القرآن. قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 1/ 38: وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكر فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وقد حكى هذا المذهب الرازي في "تفسيره" عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في "كشافه" ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية.]] ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسيره هناك [[آية (2) سورة البقرة.]]، وفي سورة يونس [[آية (1).]].

لقمان 31:3

[قوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ القراءة بالنصب على الحال، المعنى: تلك آيات الكتاب في حال الهداية [[في "أ": البداية وهو خطأ.]] والرحمة قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 193.]]. وهو معنى قول الكسائي والفراء. وقرأ حمزة: هدى ورحمةٌ، بالرفع على إضمار هو، وعلى معنى: تلك هدى ورحمة هذا قول أبي إسحاق، وهو معنى قول الفراء [[و [["الحجة" 5/ 452.]] "معاني القرآن" 2/ 236.]]: رفعها حمزة على الاستئناف؛ لأنها مستأنفة في آية منفصلة من الآية التي قبلها (¬2). وقال أبو علي: وجه النصب أنه انتصب على الاسم المبهم، وهو من كلام واحد، والرفع على إضمار المبتدأ، أي هو هدى ورحمة [[انظر: "تفسير مقاتل" 81/ أ، ولم أقف على من نسبه للكلبي.]]. قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: بيان من الضلالة والرحمة من العذاب [[ساقط من (أ)، وفي (ب): (للمؤمنين)، وهو خطأ.]]. ﴿للمحسنين﴾ [[ما بين المعقوفين مطموس في (ب).]] للموحدين من أمة محمد -ﷺ-.

لقمان 31:4

وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ قال صاحب النظم: يحتمل أن يكون هذا متصلًا بما قبله على أن يكون نعتًا للمحسنين، ويحتمل أن يكون منقطعًا مبتدئًا، ويكون:

لقمان 31:5

قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ خبر له، وعلي القول الأول: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ مما قبله وخبره في قوله: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ ثان معطوف على ما قبله وخبره في قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وتفسير هذه الآيات [ماض] [[عند الآية رقم (¬5) من سورة البقرة.]] فيما تقدم (¬7).

لقمان 31:6

وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث الداري وكان يشتري كتبًا فيها أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة، ويقول: محمد يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث [[في (ب): (أحاديث).]] فارس والروم وملوك الحيرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 81/ أ، "معاني القرآن" للفراء 2/ 326، "تفسير الماوردي" 4/ 29، "زاد المسير" 6/ 316. والحيرة: بالكسر ثم السكون مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة، على موضع يقال له: النجف، زعموا أن بحر فارس كان يتصل بها. انظر: "معجم البلدان" لياقوت 2/ 328.]]. قال مقاتل: لهو الحديث: باطل الحديث، يعني باع القرآن بالحديث الباطل حديث رستم وأسفنديار، فزعم أن القرآن مثل حديث الأولين [["تفسير مقاتل" 2/ 81 أ.]]. وهذا القول هو [قول] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] الفراء وابن قتيبة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 326 ونسبه لابن عباس، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 344.]]، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: ومن يشتري [[في (أ): زيادة (قال)، وهو خطأ.]] هو النضر بن الحارث خرج إلى الحيرة فاشتري أحاديث الأولين، وجاء بها إلى مكة، واجتمع إليه المشركون يقرأها عليهم، ويقول: أنا اقرأ عليكم كما يقرأ عليكم محمد أساطير الأولين. هذا قول معمر [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 14/ 52، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 326 غير منسوب لأحد.]] [[هو: الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو عروة بن أبي عمرو الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن، صاحب الزهري كهلًا، وأقدم شيوخه موتًا قتادة. ولد سنة خمس أو ست وتسعين، ارتحل في طلب الحديث إلى اليمن، فلقي بها همام بن منبه == صاحب أبي هريرة. حدث عن قتادة والزهري وعمرو بن دينار وهمام بن منبه وغيرهم كثير. وعنه أيوب وأبو إسحاق وعمرو بن دينار وغيرهم، مات سنة 153هـ. انظر: "سير أعلام النبلاء" 7/ 5، "شذرات الذهب" 1/ 235، "طبقات ابن سعد" 5/ 546.]]. وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، وهو رواية سعيد بن جبير ومقسم عن ابن عباس [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 61، "تفسير الماوردي" 4/ 328، "مجمع البيان" 8/ 490، "زاد المسير" 6/ 316، البيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 223.]]، وأبي الصهباء [[هو: صهيب أبو الصهباء البكري البصري، ويقال: المدني، مولى ابن عباس، روى عن مولاه ابن عباس وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وابن مسعود. وعنه سعيد بن جبير وطاوس بن كيسان وجماعة. قال عنه أبو زرعة: مدني ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والنسائي، وقد ضعفه النسائي. انظر: "تهذيب الكمال" 13/ 241، "الكاشف" 1/ 505، "التاريخ الكبير" 4/ 316.]] عن ابن مسعود [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 61، "تفسير الماوردي" 4/ 328، "مجمع البيان" 8/ 490، زاد المسير 6/ 316. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير: تفسير سورة لقمان 2/ 411، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 223.]]، وهو قول مجاهد وعكرمة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 105، "تفسير الطبري" 21/ 61 وما بعدها، "تفسير الثعلبي" 3/ 181 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 328، "زاد المسير" 6/ 316.]]. وروى ابن أبي [...] [[ما بين المعقوفين بقدر كلمة غير واضحة.]] عن أبيه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: اشتراء الجارية تغنيه ليلاً ونهارًا [[أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 223 عن ابن عباس قال: هو الغناء وأشباهه. وكذا في "معرفة السنن والآثار" 14/ 327 رقم 20157.]]. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: اشترى المغني والمغنية بالمال الكثير والاستماع إليه وإلي مثله من الباطل [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 503، "تفسير الطبري" 21/ 62. وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 570، وعزاه لآدم وابن جرير والبيهقي في "سننه".]]. وهو قول مكحول [[ذكر قول مكحول البغوي في "تفسيره" بهامش "تفسير الخازن" 5/ 214، والخازن في "تفسيره" 5/ 214، قال مكحول: من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيمُا عليه حتى يموت لم أصل عليه، وإن الله يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية.]]. وروي ذلك مرفوعًا، روى القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن، وأثمانهن حرام"، وفي مثل هذا نزلت الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [[رواه أحمد 5/ 264، والترمذي 5/ 26 وقال: هذا حديث غريب، وابن ماجه في في التجارات، باب ما لا يحل بيعه، رقم (2168)، والطبري في "تفسيره" 21/ 60، والطبراني في "المعجم الكبير" 8/ 212، 253.]] وهذا القول اختيار أبي إسحاق قال: أكثر ما جاء في التفسير أن لهو الحديث هاهنا الغناء؛ لأنه يلهي عن ذكر الله [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 194.]]. قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 327، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 194، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 277 وما بعدها. ويقصد بأهل المعاني: من كتبوا في معاني القرآن من جهة اللغة والنحو، كالفراء والزجاج وابن الأنباري والأخفش. قال في "البرهان" 1/ 192: قال ابن الصلاح: == وحيث رأيت في كتب التفسير قال أهل المعاني، فالمراد به مصنفو الكتب في "معاني القرآن" كالزجاج ومن قبله.]]. وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء ولفظ الشراء يذكر في الاستبدال والاختيار، وهو كثير في القرآن، ويدل على هذا ما قال قتادة في هذه الآية: أما والله لعله ألا يكون [[في (ب): (إلا أن يكون).]] أنفق مالاً، وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 105، "تفسير الطبري" 21/ 61، "المحرر الوجيز" 11/ 484.]]. وهذه الآية -على هذا التفسير- تدل على تحريم الغناء، وفيه تفصيل يحتاج إلى ذكره هاهنا. قال الشافعي رحمه الله: وإن كان يديم الغناء، ويغشاه المغنون معلنًا فهذا سفه يرد به معنى الشهادة، وإن كان ذلك بقل لم يرد، فأما استماع الحداء ونشيد الأعراب والرجز فلا بأس به [["الأم" 6/ 214.]]، هذا كلامه. قال أصحابنا: نشيد الأعراب يجوز استماعه، وإن أنشد في الألحان في الحداء وغيره، وأما الغناء المحض فالقليل منه لا يعد سفهًا، والمداومة عليه من جملة السفه لا سيما مع الإعلان، وأما الأوتار والمزامير والمعازف كلها حرام، وكذلك طبل اللهو، أما الراع فمكروه استماعه مع تخفيف فيه؛ لما روي عن نافع عن [[هكذا في النسخ، ولعل الصواب: أن.]] ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فجعل أصبعيه في أذنيه، وعدا عن الطريق، وجعل يقول: يا نافع: أتسمع؟ فأقول: نعم، فلما قلت: لا، راجع الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- يفعله [[ذكره صاحب "كنز العمال" 15/ 227، رقم الحديث (40692) وقال: أخرجه ابن == عساكر. وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 507، وعزاه لابن أبي الدنيا، والبيهقي عن نافع.]]. فلما اقتصر رسول الله -ﷺ- على وضع الأصبع في الأذن ولم يصرح بالنهي عنه، دل على ما ذكرنا. وأما غناء الفساق فذلك أشد ما في الباب. وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه، وهو: ما روي أن النبي -ﷺ- قال: "من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة" [[ذكره صاحب "كنز العمال" 3/ 662، وقال: أخرجه ابن عساكر عن أنس.]]. وأما الدف فمباح، ضرب بين يدي رسول الله -ﷺ- يوم دخل المدينة فهم أبو بكر بالزجر، فقال رسول الله -ﷺ-: "دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح" فكن يضربن ويقلن: نحن بنات النجار ... حبذا محمد من جار [[ذكر هذا الأثر الإمام ابن كثير في "البداية والنهاية" 3/ 219، وفي "السيرة النبوية" 2/ 274، وقال عنه: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد خرجه الحاكم في "مستدركه" كما يروى. وذكره الحلبي في "السيرة الحلبية" 2/ 246، وأورده كذلك الشامي في "سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد" 3/ 274.]] وأما الحركة التي تعتري الإنسان عند السماع، فما حصل منه والإنسان فيه كالمغلوب فذلك لا يعد سفهًا. فقد روي أن زيد بن حارثة لما نزل اسمه في القرآن حجل [[حجل، قال الأزهري: الإنسان إذا رفع رجلاً وتريث في مشيه على رجل فقد حجل. قلت: ومثل هذه الحالة تكون من الإنسان حينما يفرح. انظر: "اللسان" 11/ 144.]] [[هذا الأثر ذكره ابن منظور في "اللسان" 11/ 144.]]. وأما حالة الاختيار فذلك غير حميد. فمعناه: قوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال مقاتل: يعني لكي يشترك بحديث الباطل عن دين الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب قال: يعني لكي يستزل بحديث الباطل عن سبيل الله الإسلام.]] ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعلمه. وقال أبو إسحاق: من قرأ: ﴿لِيُضِلَّ﴾، بضم الياء، ليضل غيره إذا أضل غيره فقد ضل هو أيضًا ومن قرأ ﴿لِيُضِلَّ﴾ فمعناه: ليصير أمره إلى الضلال، وهو إن لم يقدر أن يضل فإنه يصير أمره إلى أن يضل [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 194.]]. ومعنى قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي جاهل فيما يفعله عن علم. وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالرفع عطف على يشتري، وبالنصب على ليضل [[انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 523، "الحجة" 5/ 453.]]. واختلفوا في الكناية، فقال مجاهد: الكناية للسبيل [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 64.]] [ويتخذ سبيل الله هزوًا. قال مقاتل: آيات القرآن هزوًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب، قال: ويتخذ آيات القرآن استهزاء به.]]. وذكر الفراء والزجاج وأبو علي القولين فقالوا: قد جرى ذكر الآيات في قوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ فيجوز الضمير للآيات، ويجوز أن يكون للسبيل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، والسبيل يؤنث قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: 108] [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 327، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 194، "الحجة" لأبي علي 5/ 453.]] وما بعد هذا من الآيات مفسر في مواضع مما تقدم.

لقمان 31:10

وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ مفسر في ابتداء سورة الرعد [[عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الآية: 2].]]. وقوله: ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ مفسر في سورة النحل [[عند قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [الآية: 15].]].

لقمان 31:12

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ قال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من أهل مصر، خياطًا [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 331.]]. وقال مجاهد: كان لقمان الحديث [[هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: (الحكيم).]] رجلاً أسود عظيم المشافر [[المشافر: جمع مشفر وهي الشفاه الغليظة.]] [[ذكر قول مجاهد: "الثعلبي في تفسيره" 3/ 172 أ، قال: كان لقمان عبدًا أسود عظيم الشفتين متشقق القدمين. وذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 59.]]. وأكثر العلماء على أنه لم يكن نبيًّا [[حكى الثعلبي في "تفسيره" 3/ 172 أالإجماع على أن لقمان كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا. إلا عكرمة فإنه قال: كان نبيًا، تفرد بهذا القول.]]. وروي ذلك عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لم يكن لقمان نبيًّا، ولكن كان عبدًا كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله فأحبه" [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 172 ب، عن ابن عمر، وذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 59، عن ابن عمر أيضًا.]]. وقال عكرمة والسدى: كان نبيًّا [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 68، "بحر العلوم" 3/ 20.]]. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء [[لم أجد فيما عندي من مراجع من نسب القول بنبوة لقمان إلى ابن عباس رضي الله عنهما.]]. وهؤلاء فسروا الحكمة في هذه الآية بالنبوة. وقال مجاهد في تفسير الحكمة هاهنا: الفقه والعقل وإصابة في القول في غير نبوة [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 21.]]. وقال قتادة: الفقه في الإسلام ولم يكن يوحى إليه [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 67. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 511، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.]]. وقال مقاتل: أعطيناه العلم في غير نبوة [[انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب.]]. وقال الكلبي: العلم والفهم [[لم أعثر عليه.]]. قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ قال المبرد: أي اشكر لله، وكان هذا تأويل الحكمة، كقولك: قد تقدمت إلى أن رأيت عمرًا، أي أنت عمرًا [[لم أقف على قول المبرد.]]، ومثله قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: 117]، وكذلك ما كان مثله. قال سيبويه: معناه أي: اعبد الله، وكذلك ما كان مثله، قال: ويجوز أن يكون أن التي هي والفعل مصدر، تقول: كتبت إليك أن قم، فتصل أن بلا كما تصل، بفعل وهذا جائز وليس بالوجه عند سيبويه [["الكتاب" 3/ 153، وانظر: "تفسير القرطبى" 14/ 61.]]. وذكر أبو إسحاق القول الأول فقال: يجوز أن يكون أن مفسرة فيكون المعنى أي: اشكر لله [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 195.]]. وقال صاحب النظم: هذا على تأويل أن من أوتي الحكمة شكر لله، فكأنه لما قال: ﴿آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، أعلم أنه قد أمره بالشكر له، بقوله [[هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: كقوله.]]: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: 6] قال ابن عباس: أن اشكر لله يريد على ما أعطاك الله من الحكمة [[لم أقف عليه فيما بين يدي من مراجع.]]. وقال مقاتل: فقلنا له أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة [[انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ يريد من يطع الله، فإنما يعمل لنفسه. قاله ابن عباس [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 62 ولم ينسبه لأحد.]]. وقال مقاتل: ومن يشكر لله في نعمه فيوحد الله، فإنما يعمل الخير لنفسه [["تفسير مقاتل" 82 ب.]]. ومن كفر النعم، فلم يوحد ربه، فإن الله لغني [[في (ب): (لغنى).]] عن عباده وخلقه. قال عطاء عن ابن عباس: حميد إلى خلقه [[لم أقف عليه فيما بين يدي من مراجع.]].

لقمان 31:13

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ قال أبو إسحاق: موضع إذ نصب بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي: ولقد آتيناه الحكمة إذ قال لابنه؛ لأن هذه الموعظة حكمة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 196.]]. ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ قال ابن عباس: في الله [[لم أعثر عليه.]]. قال مقاتل: كان ابنه وامرأته كفارًا فما زال بهم حتى أسلموا [["تفسير مقاتل" 82 ب.]]. قوله: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ذكرنا القراءات ووجوهها في ﴿يَا بُنَيَّ﴾ عند: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود: 42]. وقرأ ابن كثير: يا بني، مخففة ساكنة الياء، وكذلك: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ في رواية الحواس. ووجه ذلك أن الأصل: يا بنيي بثلاث ياءات، ثم تحذف ياء الإضافة كما يقال: يا غلام أقبل، وذكرنا ذلك في سورة هود [[عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [آية 42].]] فلما حذف ياء الإضافة بقيت ياء مشددة، فخففها في الوقف كما تخفف سر وضر، وكقولك عمران [[هكذا في النسخ، والصواب: كقول عمران.]]: قد كنت جارك حولاً لا يروعني ... فيه روائع من إنس ولا جان [[البيت من الكامل، وهو لعمران بن حطان الحروري يمدح به عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كما قاله المبرد في "الكامل" 3/ 898، وهو في "الحجة" 4/ 336، 5/ 454، وفي "اللسان" 13/ 96 (جنن)، "المحتسب" 2/ 76.]] فخفف النون للوقف وأطلقها [كما شددها للوقف وأطلقها في] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب).]] نحو سببا ويمهل، فلما حذفت الياء المدغم فيها للوقف بقيت الياء الساكنة، وهي ياء التصغير [هذا إذ وقفها، وإن وصلها هذا] [[هكذا جاءت العبارة في جميع النسخ! والذي يظهر أن ما بين المعقوفين خطأ، إذ وجوده في النص يجعل الأسلوب ركيكًا ومضطربًا.]] إذا وقف، فإن وصلها ساكنة فقد أجرى الوصل مجرى الوقف، وهو قياس "من إنس ولا جان" فإنه خفف وأدرجه بحرف الإطلاق وهذا يعلمه جاء في الكلام، وغير هذا الوجه في القراءة أولى، ولو كان هذا في فاصلة كان أحسن؛ لأن الفاصلة في حكم القافية. فإن قيل: ياء التصغير لا يوقف عليها ولا تلحق آخر الكلمة، قيل: إنها ليست في حكم الآخرة وإن كان اللفظ على ذلك من حيث كان الحرف المحذوف للتخفيف في الوقف في حكم المثبت؛ لأن الحذف ليس بلازم له ويدل على ذلك قول الشاعر: ارهن بنيك عندهم أرهن بني [[شطر بيت من الرجز، لم أقف على تمامه وقائله. وقد ذكر ابن جني في "المحتسب" 1/ 108 أنه جاهلي، "الخصائص" 3/ 327، "اللسان" 13/ 188 غير منسوب لأحد.]] فالياء [[في (أ): (فالهاء)، وهو خطأ.]] من بني مخففة للوقف، والتقدير بني يا هذا، فلما وقف عليه أسكن وخفف، والياء المحذوفة في نية [[في (ب): (بنية)، وهو خطأ.]] الثبات، وحكمه يدلك على ذلك أنه كان على خلاف هذا الرد [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: لرد، بدون ألف قبلها. انظر: "الحجة" 4/ 338.]] النون في بنين، فلما لم يرد النون في بنين علمت أنها في حكم الثبات [[إلى هنا من قوله عمران قد كنت جارك .. منقول من "الحجة" 4/ 336 وما بعدها، بتصرف يسير جدًّا.]]. وقد ذكرنا مثل هذا في أول الكتاب عند قوله في اسم الله. وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس من الذنوب شيء أعظم من الشرك بالله [[لم أقف عليه.]]. قال أبو إسحاق: يعني أن الله هو المحي المميت الرازق المنعم وحده لا شريك له، فإذا أشرك به أحدًا غيره فذلك أعظم الظلم؛ لأنه جعل النعمة لغير ربها، وأصل الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 196.]].

لقمان 31:14

قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ نزلت في سعد بن أبي وقاص لما أسلم، وذكرنا القصة في أول سورة العنكبوت. وقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ذكرنا تفسير الوهن عند قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ [[قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].]] قال ابن عباس والكلبي والسدي: ضعفا على ضعف [[لم أقف على من نسبه إلى ابن عباس أو الكلبي أو السدي، وإن كان أكثر المفسرين ذكروا هذا القول إلا أن الطبري نسبه للضحاك 21/ 67، ونسبه الماوردي للحسن وعطاء 4/ 334.]]. قال أبو إسحاق: أي لزمها لحملها إياه أن [[(أن) ساقطة من (ب).]] تضعف مرة بعد مرة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 196.]] وانتصب هاهنا وهنا على المصدر، ودل قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ على أن المعنى وهنت بحملها إياه وهنا على وهن. وهذا غير متصل بالكلام الأول في الآية. قال صاحب النظم: قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ مبتدأ يقتضي جوابًا فلم [يأت به] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] وابتدأ في وصف الإنسان فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ونظم [به وصفًا] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] آخر فقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فإنما عدد الله -عز وجل- ذلك ليبين وجوب حق الوالدة بما لزمها من التعب والنصب في الولادة، فلما فرغ من ذلك رجع إلى خبر الابتداء فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ على تأويل ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي ولوالديك. قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ الفصال: الفطام، وهو أن يفصل الولد عن الأم كي لا يرضع. والتقدير: وفصاله في انقضاء عامين. قاله الأخفش [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 478.]]. وجعله من باب حذف المضاف، والمعنى لانقضاء عامين. وهو أنه إذا تم للولد حولان فطم، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: 233] الآية. فقوله: ﴿وَفِصَالُهُ﴾ مبتدأ، وخبره في الظرف على تقدير: وفصاله يقع في انقضاء عامين. والمعنى ذكر مشقة الوالدة بإرضاع الولد بعد الوضع عامين. قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ قال ابن عباس: يريد أطعني وأطع والديك [[لم أعثر عليه فيما لدي من مراجع.]]. قال مقاتل: أن اشكر لي إذ [[في (ب): (أن).]] هديتك للإسلام، ولوالديك بما أولياك من النعم [["تفسير مقاتل" 82 أ.]]. وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ تفسير لمعنى الوصية، وجاز ذلك؛ لأن الوصية قوله، فكأنه قال: قلنا للإنسان أن اشكر لي ولوالديك. قال صاحب النظم [وقال صاحب] [[ما بين المعقوفين زيادة، ولعلها وهم من النساخ.]] المعني: ووصينا الإنسان أن اشكر لي ولوالديك، أي: وصيناه شكرنا وشكر والديه. وقوله: ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: إلى المرجع والمنقلب فأجزيك بعملك [[لم أعثر فيما لدي من مراجع على من نسب هذا التفسير لابن عباس، وفي "تفسير مقاتل" 2/ 266 قال: ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ فأجزيك بعملك.]].

لقمان 31:15

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ مفسر في سورة العنكبوت [[عند قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 8].]] إلى قوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس: يريد اصحبهما في الدنيا بالمعروف [[لم أقف عليه فيما عندي من مراجع.]]. وقال مقاتل: يعني بإحسان [[انظر: "تفسير مقاتل" 82 أ.]]. وقال أبو إسحاق: أي مصاحبًا معروفًا، يقول: صاحبته مصاحبًا ومصاحبة، ومعنى المعروف: ما يستحسن من الأفعال [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 197.]]. قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ قال السدي: يعني محمدًا -ﷺ- [[لم أقف فيما بين يدي من مراجع على من نسبه للسدي، وذكر مقاتل 82 أ.]]. ونحوه قال مقاتل: يعني دين من أقبل إلى طاعتي، وهو النبي -ﷺ- [["تفسير مقاتل" 82 أ.]]. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا بكر -رضي الله عنه-، وذلك أنه حين أسلم أتاه [[في (ب): "أباه"، وهو خطأ.]] عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعثمان، وطلحة بن [...] [[في جميع النسخ ترك بياض بمقدار كلمة، وعند المفسرين: وطلحة، بدون ابن.]] والزبير فقالوا لأبي بكر -رضي الله عنه-: آمنت وصدقت محمدًا؟ فقال أبو بكر: نعم، فأتوا رسول الله -ﷺ- فآمنوا وصدقوا، فأنزل الله تعالى لسعد: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني: أبا بكر -رضي الله عنه- [[انظر: "أسباب النزول" ص 363، والقرطبي 14/ 66، والبغوي 3/ 492.]]. وهذه تدل على وجوب مصاحبة الوالدين بالمعروف وإن كانا كافرين مع ملازمة الإيمان، ومن مصاحبتهما بالمعروف نفقتهما عند فقرهما، وهي واجبة على الابن المسلم وإن [[في (ب): (ولو).]] كانا كافرين كما تجب إذا كانا مسلمين. قال عطاء عن ابن عباس: نزلت الآيتان في سعد بن أبي وقاص، وذلك أنه أسلم في أول ما ظهر رسول الله -ﷺ- بمكة، وأسلم أخواه عامر وعويمر، فلم يبق منهم مشرك إلا عتبة، فمشت بنو زهرة إلى أم سعد، فقالوا لها: إن بنيك سفهوا ديننا وغمصوا على آبائنا -ولم يكن أحد بمكة [فذلك] [[هكذا في جميع النسخ، وهو خطأ.]] أبر بأمه من سعد- فقالت لهم: إن سعدًا ما عصاني قط، فسأرده إلى ما تحبون، وأما عامر فلم يزل [[في (أ): (زال)، وهو خطأ.]] لي عاصيًا، وأما عويمر فهو صبي صغير السن، فلما أتاها سعد قالت له أمه: يا سعد، إن الأشراف من قومك مشوا إلى يذكرون أنك سفهت أخلاقهم وطغيت على آلهتهم، فوعدتهم أن أردك إلى ما يحبون. فقال لها سعد: قد علمت بري بك وأني لم أعصك، وأنا لا أعصيك إلا أن تأمريني بمعصية الله، فإن أمرتيني بمعصية الله فلم أطعك، فأنزل الله ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ الآيتين [[لم أقف على هذه القصة بطولها، وإن كان أكثر المفسرين ذكروا أنها نزلت في سعد ابن أبي وقاص وأمه. انظر: "تفسير الطبري" 21/ 70، "تفسير ابن كثير" 5/ 309، "زاد المسير" 6/ 257. وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 521 وعزاه لأبي يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر. والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص 4/ 1877، والترمذي في "سننه" كتاب التفسير: سورة العنكبوت 5/ 22، حديث رقم (3242) وقال: هذا حديث حسن صحيح.]].

لقمان 31:16

قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ الآية. قال السدي: ابن [[هكذا في جميع النسخ! والذي يظهر أن هناك كلمة ساقطة وهي: قال.]] لقمان لأبيه: يا أبتاه، لو كانت حبة من خردل الآية في البحر أكان الله يعلمها؟ فقال له يا بني: إنها إن تك [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 66 ولم ينسبه لأحد، وذكر نحوه الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 197.]]. وقال مقاتل: قال ابن لقمان لأبيه: يا أبت، إن عملت [[في (ب): (علمت).]] بالخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف يعلمه الله؟ فرد عليه لقمان: يا بني، إنها إن تك مثقال حبة من خردل [[انظر: "تفسير مقاتل" 82 أ.]]. [قال أبو إسحاق: المعنى إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة من خردل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. قال: ويجوز أن يكون المعنى إن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت بها الله. قال: ويجوز أن يكون الكناية للقصة على أن القصة كذا كما تقول: إنها هند قائمة، وإنها زيد قائمة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 197 - 198، إلا أن نقل المؤلف رحمه الله لم يكن دقيقًا، فأبو إسحاق يقول: فعلى معنى إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة، وعلى معنى أن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت الله بها، ويجوز إنها إن تك بالتاء مثقال حبة من خردل، على معنى أن القصة كما تقول: إنها هند قائمة، ولو قلت: إنها زائد قائم لجاز. قلت: أما قول المؤلف: إنها زيد قائمة فهذا وجه لا يجوز في اللغة العربِية بحال.]]. وهذا من الضمير على شريطة التفسير، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: 46] وفي مواضع. وقوله: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [[في (أ) زيادة واو (وإن تك)، وهو خطأ.]] قرئ: مثقال بالرفع والنصب، فمن نصب باسم كان لينبغي أن يكون مضمرًا على تقدير: إن تكن الخطيئة أو المظلمة أو السيئة مثقال حبة من خردل راجع إلى معنى خردلة، فهو بمنزلة إن تك حبة من خردل، أو يقال: المراد بمثقال حبة من خردل هو السيئة والحسنة، [فأنث] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] تك على المعنى كما قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] فأنث وإن كان المثل مذكرًا، فإنه يراد به الحسنات، فحمل [[في (ب): (تحمل).]] على المعنى، وكذلك المثقال [[في (ب): (للثقال).]] [[انظر: "الحجة" 5/ 456.]]. و ﴿تَكُ﴾ هاهنا بمعنى تقع، ولا خبر له. قوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس في رواية: يعني: الصخرة التي تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار [[ذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 446، وقال: ذكره السدي بإسناده ذلك المطروح عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة. ذكر الماوردي في "تفسيره" 4/ 337 وعزاه للربيع بن أنس والسدي. وذكره القرطبي 16/ 68 ولكنه والماوردي لم يذكرا آخر القول، وهو أنها التي يكتب فيها أعمال الفجار. وذكر القول بأكمله منسوبًا لابن عباس: الثعلبي في "تفسيره" 173/ 3 أ.]]. ونحو هذا قال مقاتل، قال: وهي صخرة خضراء مجوفة [["تفسير مقاتل" 3/ 266.]]. وقال عبد الله بن الحارث: هي صخرة خضراء على ظهر الحوت [[ذكره "تفسير القرطبي" 14/ 68 ولم ينسبه لأحد، وذكره الثعلبي منسوبًا للسدي 5/ 173 أ، وذكره الماوردي 6/ 337 ونسبه لعبد الله بن الحارث.]]. قال الكلبي: هي الصخر التي الأرض عليها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 105 - 106.]]. ونحو هذا قال السدي: هذه ليست في السموات ولا في الأرض، إنما هي تحت سبعة أرضين عليها ملك قائم [[ذكره القرطبي 14./ 68، والثعلبي 5/ 173 أ، ونسبه للسدي.]] [[كل هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف -رحمه الله- في معنى الصخرة -والله أعلم- من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب. قال ابن عطية في "تفسيره" 4/ 350 بعد أن ذكر بعض تلك الأقوال: وهذا كله ضعيف لا يثبته سند، وإنما معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم، أي أن قدرته تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء وفي الأرض.]]. وقال قتادة: فتكن في صخرة، أي: جبل [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 338، "مجمع البيان" 8/ 499.]] ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ إن قيل: هذه الصخرة لا يخلو من أن تكون في الأرض، وإذا حصل بكونه في الأرض أغنى ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ عن قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾. قيل: قد صرح السدي بأن هذه الصخرة ليست في الأرض، على أن هذا النحو من التأكيد والتكرير لا ينكر، وعلى هذا قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1] ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 2] قوله: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يقول يعلمها الله [[لم أعثر عليه فيما لدي من مراجع.]]. وهذا قول السدي [["تفسير الطبري" 21/ 73.]]. وهو معنى وليس بتفسير. قال أبو إسحاق: وهذا مثل لأعمال البلاد [[هكذا في النسخ! والصحيح: العباد، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 198.]] إن الله -عز وجل- يأت بأعمالهم يوم القيامة، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال شرًّا يره [["معاني القرآن وإعرابه " 4/ 198.]]. قال أبو علي: هذا يثبت أن المظالم لا تخفى عليه، وأن الله تعالى يأت بها، ولن يدع أن يثيب أو يعاقب عليها إن لم تكن قد كفر عنها أو أحبط [[انظر: "الحجة" 4/ 456، وهذا من المواضع التي نقل فيها المؤلف -رحمه الله- عن أبي علي ولكنه لم ينقل نقلاً صحيحًا، بل نقل واختصر وقدم وأخر، ولم يبين ذلك رحمه الله، فعبارة أبي علي بعيدة عن عبارة المؤلف، وعبارة أبي علي الأخيرة: إن لم يكن كفر أو أحبط.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والزجاج: لطيف باستخراجها، خبير بمكانها [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 197، "تفسير مقاتل" 82 ب. ولم أقف على من نسبه لابن عباس.]].

لقمان 31:17

قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد الإيمان بالله والتوحيد [[لم أقف على من نسب هذا القول لابن عباس. وفي "تفسير مقاتل" 82 ب قال: التوحيد.]]. وقال غيرهما: وأمر بطاعة الله واتباع أمره. ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس: يريد عن الشرك لنفسه [[لم أقف عليه.]]. قال مقاتل: يعني الشرك الذي لا يعرف [["تفسير مقاتل" 82 ب.]]. وقال الكلبي: يقول أنكر الظلم وأظهر العدل [[لم أقف عليه.]]. وقال غيره: المنكر معاصي الله ومخالفة أمره [[لم أقف عليه.]]. ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ فيهما من الأذى، يريد واصبر على ما أصابك من الأذى في طاعة الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا قول ابن عباس ومقاتل [[لم أعثر على من نسبه لابن عباس. وانظر: "تفسير مقاتل" 2/ 266، وذكره "الماوردي" 4/ 338 ولم ينسبه لأحد، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 523، وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 550 عن علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه-.]]. ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال ابن عباس: يريد من حقيقة الإيمان [[انظر: "تفسرِ القرطبي" 14/ 69.]]. وقال مقاتل: إن ذلك الصبر على الأذى فيهما من حق الأمور التي أمر الله بها [["تفسير مقاتل" 266/ 2.]]. وقال الكلبي: إن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور [[لم أقف عليه.]]. فعلى قول ابن عباس ومقاتل: ذلك، إشارة إلى الصبر. وعلى القول [قول] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] الكلبي إشارة إلى الأمر والنهي. والصحيح أن ذلك إشارة إلى جميع ما ذكره قبله من الأمر والنهي والصبر. وذكرنا بيان هذه المسألة عند قوله ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 68]. وهذه الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المكروه وإن أصابه فيهما وفي هذا دليل أن خوف المكروه لا ينبغي أن يمنع من الأمر بالمعروف، إلا أن يخاف مكروهًا لا يطيقه ولا يحتمله.

لقمان 31:18

وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وقرئ: تصاعر [[انظر: "النشر" 2/ 188.]]. قال أبو الحسن: [لا تصاعر لغة أهل الحجاز، ولا تصعر لغة بني تميم، والمعنى فيه لا تتكبر على الناس، ولا تعرض عنهم تكبرًا عليهم. قال أبو عبيدة: (أجل هذا من الصعر الذي يأخذ الإبل في رءوسها وأعناقها). فكأنه يقول: لا تعرض عنهم ولا تزور كازورار الذي به هذا الداء، الذي يلوي منه عنقه ويعرض بوجهه، ومثل ذلك قوله: يهدي إلى حياة ثاني الجيد] [[انظر الكلام بنصه في: "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 455 من قوله: قال أبو الحسن. وانظر قول أبي عبيدة في: "مجاز القرآن" 2/ 127. ولعل المؤلف -رحمه الله- وهم عندما قال: قال أبو الحسن .. ، فالقول لأبي علي بنصه.]] [[جزء من ليت لم أعثر له على تتمته ولا على قائله، وقد ذكره أبو علي في "الحجة" غير منسوب لأحد.]]. وقال أبو علي: (يشبه أن يكون لا تصعر ولا تصاعر بمعنى، كما قال سيبويه في ضعف وضاعف) [[انظر "الحجة": 5/ 455.]]. قال أبو إسحاق: أما تصعر فعلى وجه المبالغة، وتصاعر على تفاعل كأنك تعارضه بوجهك [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 198، ونص كلام أبي إسحاق: فأما تصعر فعلى وجه المبالغة، ويصاعر جاء على معنى يفاعل، كأنك تعارضهم بوجهك.]]. وقال المفضل [[هو: أبو محمد المفضل بن محمد بن يعلي بن عامر الكوفي، إمام مقرئ نحوي، أخذ القراءة عرضًا عن عاصم والأعمش والعطاردي وسماك بن حرب، أخذها عنه الكسائي وجبلة بن مالك وأبو زيد الأنصاري، وغيرهم، توفي سنة 168 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 3/ 121، "معرفة القراء الكبار" 1/ 108، "غاية النهاية" 2/ 307.]]: يقال للذي يفعل ذلك ومن صعر خده وصاعر [[لم أقف على قول المفضل، إلا أن الماوردي في "النكت" 4/ 339، قال: الصعر هو الميل. عن المفضل.]]. وأنشد للمتلمس: وكنا إذا الجبار صاعر خده ... أقمنا له من درأه فيقوما قال ابن عباس: يريد ولا تتعظم على خلق الله [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 173 ب، "تفسير الطبري" 21/ 74.]]. وقال مقاتل: لا تعرض بوجهك تكبرًا عن فقراء المسلمين إذا كلموك [[انظر: " تفسير مقاتل" 82 ب.]]. وروى ابن أبي نجيح ومنصور عن مجاهد قال: هو الصدود والإعراض بالوجه عن الناس، كالرجل بينه وبين أخيه إحنة فيراه فيعرض عنه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 173 / ب، "تفسير الطبري" 21/ 75.]]. وقال أبو الجوزاء في هذه الآية: إذا ذكر الرجل عندك تلوي شدقك كأنك تحقره [[انظر: "تفسير الماوردي" 3/ 339، "تفسير ابن كثير" 5/ 385.]]. وهذا معنى ما روي عن إبراهيم أنه قال: هو التشديق [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 173 ب، الطبري 21/ 75، ابن كثير 5/ 385.]]. وقال يزيد [بن الأصم] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]]: هو الرجل يكلم الرجل، فيلوي وجهه عنه محقرة له [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 75، "تفسير ابن كثير" 5/ 385.]]. وقال قتادة: هو الإعراض عن الناس، يكلمك أخوك وأنت معرض عنه تتكبر [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 105.]]. وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ مفسر في سورة سبحان [[عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37]]]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ فسر في سورة النساء [[عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]. قال المؤلف -رحمه الله- هناك: المختال ذو الخيلاء والكبر، قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه، الذي لا يقوم بحقوق الله ومعنى الفخر في اللغة: هو البذخ والتطاول، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرًا وتطاولًا.]].

لقمان 31:19

قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ قال الليث: يقال قصد فلان في مشيه، إذا مشي مستويًا [[لم أقف عليه. وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 355، "اللسان" 3/ 353.]]. وقال المفضل: القصد: ما بين الإسراف والتقصير [[لم أقف عليه للمفضل. وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 8/ 352 عن الليث، وانظر: "اللسان" 3/ 354 (قصد).]]. قال مقاتل: لا تختل في مشيك [[انظر: "تفسير مقاتل" 82 ب. وذكره الماوردي 4/ 340، وعزاه لسعيد بن جبير.]]. وقال الكلبي: تواضع لله فلا تختل [[لم أقف عليه منسوبًا للكلبي. وذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 500، ونسبه لسعيد بن جبير.]]. وعلى هذا أمر بالقصد في المشي، والمراد به النهي عن الخيلاء. وقال آخرون: المراد به النهي عن الإسراع في المشي [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 76 ونسبه لقتادة وابن زيد، و"تفسير الماوردي" 4/ 340 وقال: حكاه النقاش.]]. فدل عليه بما روي أن النبي -ﷺ- قال: "سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن" [[الحديث منكر جدًّا قاله العلامة الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" 1/ 70 رقم (55)، وقال الحافظ في "تخريج أحاديث الكشاف" ص 130 وإسناده ضعيف.]]. وقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ قال أبو إسحاق: معنى اغضض: انقص، ومن ذلك: غضضت، وفلان يغض من فلان، أي يقصر به [[هكذا في النسخ! وهو في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 199: .. وفلان يغض بصره من فلان أي ينتقصه.]]. وذكرنا تفسير الغض فيما تقدم [[عند قوله تعالى في سورة النور: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30] قال هناك: يقال غض بصره يغضه غضًا، ومثله أغضًا قال ابن عباس: أي لا ينظروا إلى ما لا يحل لهم.]]. والصوت: مصدر صات يصوت [صوتًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] فهو صائت، وصوت تصويتًا فهو مصوت، وهو عام غير مختص، يقال: سمعت صوت الرجل، وصوت الحمار، وصوت كل شيء [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 223 (صوت)، "اللسان" 2/ 57 (صوت)، "تاج العروس" 4/ 597 (صوت).]]. قال ذو الرمة -وهو من أبيات الكتاب-: كان أصوات من إيغالهن [[في (ب): (لمن)، وهو خطأ.]] بنا أواخر الميس أصوات الفراريج [[البيت من البسيط، وهو لذي الرمة في "ديوانه" ص 996، "الإنصاف" ص 433، "خزانة الأدب" 4/ 108، 413، 419، "الخصائص" 2/ 404، "الكتاب" 1/ 179، 2/ 166، 280. وإيغالهن: أي إبعادهن، يقال: أوغل في الأرض، إذا أبعد فيها. والأواخر: جمع آخرة الرحل، وهي العود في آخره يستيند إليه الراكب. والميس: شجر يتخذ منه الرحال والأقتاب. والفراريج: جمع فروج، وهي صغار الدجاج.]] ويقال: رجل صات، أي [[(أي) ساقط من (أ).]]: شديد الصوت بمعنى صائت، كما يقال: رجل مال كثير المال، ونال كثير النوال [[انظر: "تاج العروس" 54/ 597) (صوت).]]. قال الكلبي: يقول أكفف من صوتك لا تكن سليطًا على الناس [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: اخفض من صوتك، يعني: من كلامك، يأمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي والمنطق [[انظر: "تفسير مقاتل" 82 ب.]]. وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد إذا ناجيت ربك فخفض [صوتك] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 444.]]. وخفض الصوت المأمور به هاهنا بالدعاء، وذكر قوله [[هكذا هي في النسخ! ولعل الصواب: وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾، فهذا هو منهج المؤلف -رحمه الله- في الإحالة.]]: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3] والقول هو الأول العام. قال المبرد: (والمحمود من المشي والصوت ومن جملة الأشياء ما كان قصدا) [[لم أقف عليه.]]. قال مقاتل: ثم ضرب للصوت الرفيع مثلا، فقال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 82 ب.]]. قال: وأنت تقول: له وجه منكر، إذا كان قبيحًا. وقال ابن قتيبة: أنكر الأصوات أقبحها [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 344.]]. واختلفوا لم جعل أقبح الأصوات؟ صوت الحمير أوله زفير وآخره شهيق [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 184 ب ونسبه لمجاهد والضحاك، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 505، والمؤلف في "الوسيط" (3444) ونسباه لقتادة.]]. وقال قتادة: لشدة صوتها [[أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة 9/ 3100، قال: أوله زفير وآخره شهيق.]]. وهو المختار. قال المبرد: تأويله الجهر بالصوت ليس بمحمود، وأنه داخل في باب الصوت المنكر [[انظر قول المبرد في: "الوسيط" 3/ 444، "زاد المسير" 6/ 323.]]. وقال ابن قتيبة: عرفه أن قبح رفع الصوت في المخاطب وفي الملاحاة كقبح أصوات الحمير؛ لأنها عالية [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 344.]]. ووحد الصوت وهو مضاف إلى الجماعة؛ لأنه مصدر، والمصادر تدل على الكثرة، وإذا كانت منفردة الألفاظ. وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] وفي مواضع.

لقمان 31:20

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد المطر، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: الأنعام لتركبوها [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: (يعني: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، وما في الأرض: يعني: الجبال والأنهار والبحار والأشجار والنبت عام) [[انظر: "تفسير مقاتل" 82 ب.]] بعام. قال أبو إسحاق: ومعنى تسخيرها للآدميين: الانتفاع بها [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 199.]]. وقوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أوسع وأكمل من قولهم: سبغت النعمة إذا تمت، ويقال: شعر سابغ، ودرع سابغة. وقوله: ﴿نِعَمَهُ﴾ وقرئ: نعمه جمعًا، ومعنى القراءتين واحد؛ لأن المفرد أيضًا يدل على الكثرة كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18] وهذا يدل على أنه يراد به الكثرة. وقوله: ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ لا يدل على ترجيح إحدى القراءتين، ألا ترى أن النعم توصف بالباطنة والظاهرة كما توصف النعمة بذلك [[انظر: "الحجة" ص 457.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد شهادة ألا إله إلا الله ظاهرة باللسان باطنة في القلب [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 78. وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 526 عن مجاهد، وعزاه لسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في "شعب الإيمان".]]. وروى عكرمة عنه قال: الظاهرة: القرآن والإسلام، والباطنة: ما ستر عليكم من الذنوب ولم يعجل عليكم بالنقمة [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 501، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 525 وعزاه للبيهقي في "الشعب"، وأورده الماوردي 4/ 342 ونسبه لمقاتل.]]. وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق والإسلام، والباطنة: ما ستر من الذنوب فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها [[انظر: "تفسير مقاتل" 82 ب.]]. وهذا معنى ما روى الضحاك عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- في هذه الآية [[أورده السيوطي في "الدر" 6/ 525، وقال: أخرجه ابن مردويه والبيهقي والديلمي وابن النجار عن ابن عباس.]]. قال الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة [[انظر: "مجمع البيان" للطبرسي 8/ 501. "زاد المسير" 6/ 324.]]. وقال محمد بن كعب: الظاهرة: محمد -ﷺ-، والباطنة: المعرفة [[لم أقف عليه.]]. وقال المحاسبي [[هو: أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي الزاهد. يروي عن يزيد بن هارون قليلًا وعن طبقته، روى عنه ابن مسروق الطوسي وإسماعيل بن إسحاق السراج وغيرهما، له كتب في الزهد وأصول الديانة، مات سنة 243 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 8/ 211، "سير أعلام النبلاء" 12/ 110، "طبقات الشافعية" لابن السبكي 2/ 278. وكلامه في "تفسير القرطبي" 14/ 73. وذكره بدون عزو: "الماوردي" 4/ 342، "الطبرسي" 8/ 501.]]: الظاهرة: نعيم الدنيا، والباطنة: نعيم العقبى. قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ﴾ مفسر إلى آخر الآية في سورة الحج [[عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ آية 3.]].

لقمان 31:21

قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا﴾ مفسرة في سورة البقرة [[عند قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: 170]، وذكر هناك سبب نزولها، وأنها نزلت في اليهود.]].

لقمان 31:22

﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ مفسر في تلك السورة أيضًا [[عند قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: 256] قال: استمسك بالشيء إذا تمسك به، والعروة: جمع عرى، وهي نحو عروة الدلو، وإنما سميت؛ لأنه يتعلق بها، والعروة: شجر يبقى على الجدب؛ لأن الإبل تتعلق به إلى وقت الخصب، والعروة الوثقى قال عطاء عن ابن عباس: شهادة ألا إله إلا الله، وأن ما جاء به محمد حق وصدق. وقال مجاهد: هي الإيمان.]].

لقمان 31:24

قوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ يعني أيام حياتهم إلى انقضاء آجالهم. قال ابن عباس ومقاتل [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وانظر: "تفسير مقاتل" 82 ب.]].

لقمان 31:27

وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ﴾ قرئ رفعًا ونصبًا، فمن نصبه عطفه على ما، ومن رفع استأنف كأنه قال: والبحر هذه حاله [[انظر: "الحجة" 5/ 457 - 459، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 527.]]. ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ أي: ينصب فيه ويزيده سبعة أبحر. ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ولا نفد علمه. قال السدي: لو كان ما في الأرض من شجر فبريت أقلامًا، وكان البحر مدادًّا ومعه سبعة أبحر مدادًا مثله، فكتب بتلك الأقلام، نفد ذلك المداد قبل أن ينفد علم الله [[لم أقف عليه منسوبًا للسدي، وقد ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 504، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 326، غير منسوب لأحد، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 528 وعزاه لعبد الرزاق وأبي نصر السجزي في "الإبانة" عن أبي الجوزاء.]]. وقال الحسن: لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، لأملى الله من كلامه حتى ينفد المجر وتتكسر الأقلام [[انظر: "الحجة" 5/ 458.]]. وقال مقاتل: يقول لو أن كل شجرة على وجه الأرض بريت أقلامًا، وكانت البحور مدادًا وكتبت تلك من البحور، لنفدت تلك الأقلام وتلك البحور ولم ينفد علم الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 83 أ.]]. فالمفسرون قالوا في كلمات الله: إنها علم الله، والمعنى: الكلمات التي هي عبارات عن معلوم الله، ولما كان معلومه لا يتناهى له، فكذلك الكلمات التي تقع عبارة عن معلومه لا تتناهى [[هذا تفسير الأشاعرة، وفيه خلط بين صفتي العلم والكلام، وأهل السنة والجماعة يقررون صفة العلم ويثبتونها، وكذلك صفة الكلام، حيث أن علم الله متعلق بالأشياء قبل كونها، وأنه غير متجدد. أما الكلام فصفة غير صفة العلم، فالله جل وعلا متكلم بمشيئته وقدرته كيف شاء متى شاء بما شاء، وهي صفة قديمة النوع حادثة الآحاد. انظر: "رد الإمام الدارمي على بشر المريسي" ص 106، ورده على الجهمية ص 68، "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 175.]]. قال أبو علي: والمراد بذلك -والله أعلم- ما في المقدور دون بما خرج منه إلى الوجود [[انظر: "الحجة" 5/ 458.]]. قال قتادة: إن المشركين قالوا في القرآن: يوشك أن ينفد، يوشك أن ينقطع، فنزلت هذه الآية. يقول: لو كان شجر الأرض أقلامًا، ومع البحر سبعة أبحر، إذا لانكسرت الأقلام ونفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات الله وحكمه وخلقه وعلمه [[انظر: عبد الرزاق 2/ 106، "تفسير الطبري" 21/ 81، "تفسير الماوردي" 4/ 344. وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 528،. عزاه لعبد الرزاق وابن جرير == وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" وأبي نصر السجزي في "الإنابة" عن قتادة.]]. قال أبو عبيدة: هذا مختصر، تقديره: فكتب هذه الأقلام والبحور ما نفد كلام الله [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 128، وعبارة أبي عبيدة جاءت هكذا: ومجازه مجاز المختصر الذي فيه ضمير، سبيله: فكتب كتاب الله بهذه الأقلام وبهذه البحور، ما نفد كتاب الله.]]. والمعنى [[في (ب): زيادة (ما نفد)، وهو خطأ.]]: فكتب ما في مقدور الله لمنفد ذلك قبل أن ينفد المقدور، ونحو هذا من الجمل قد تحذف لدلالة الكلام عليه كقوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: 28]، ثم قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل: 32]، والمعنى: فذهب، فألقى الكتاب، فقرأته، وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾. ونظير هذه الآية قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف 109] الآية.

لقمان 31:28

قوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال مقاتل: (نزلت في كفار قريش، قالوا للنبي -ﷺ-: إن الله خلقنا أطوارًا، نطفة علقة مضغة عظامًا لحمًا، ثم يزعم أنا نبعث خلقًا جديدًا جميعًا في ساعة واحدة، فقال الله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ﴾ أيها الناس جميعًا في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، ما بعثكم جميعًا إلا كبعث نفس واحدة) [[انظر: "تفسير مقاتل" 83 أ.]]. قال أبو إسحاق: أي قدرة الله على بعث الخلق أجمعين، وعلى خلق الخلق أجمعين، كقدرته على خلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 200.]]. والآية من باب حذف المضاف في قول جميع المفسرين، وأهل المعاني كلهم ذكروا ذلك [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 176 ب، "معاني القرآن" للفراء 2/ 329، "معانى القرآن" للنحاس 5/ 291، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 200.]]. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [[في (أ): (عليم)، وهو خطأ.]]. قال ابن عباس: سميع لقولكم، بصير بكم [[ذكره الماوردي 4/ 345، ولم ينسبه.]]. قال مقاتل: سميع لما قالوا من الخلق والبعث، بصير به [[انظر: "تفسير مقاتل" 83 أ.]].

لقمان 31:31

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: يريد أن ذلك من نعمة الله عليكم [[انظر: "زاد المسير" 6/ 337. وذكره الماوردي 4/ 347، ولم ينسبه لأحد.]]. قال الكلبي: منة الله [[ذكره "الماوردي" 4/ 347، غير منسوب لأحد.]]. وقال مقاتل: برحمة الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 83 ب.]]. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِه﴾ من صنعه وعجائبه في البحر، وابتغاؤكم الرزق. وقال الكلبي: ليريكم من عجائبه بتيسيرها [[ذكره الماوردي 4/ 347 ونسه ليحيى بن سلام، وكذا "القرطبي" 14/ 79.]]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ قال مقاتل: يعني المؤمن، يقول: لكل صبار على أمر الله عند البلاء في البحر، شكور لله في نعمه حين أنجاه من أهوال البحر [[انظر: "تفسير مقاتل" 83 ب.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد صبر عن معاصي الله [[لم أقف عليه]].

لقمان 31:32

وقوله. ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ يعني الكفار، يقول: إذا علاهم ﴿مَوْجٌ﴾ وهو ما ارتفع من الأرض. ﴿كَالظُّلَلِ﴾ قال مقاتل: كالجبال [[انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 267، وبه قال يحيى بن سلام. انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 347.]]. وقال الكلبي: كالسحاب، يزيد في عظمها وارتفاعها يكون كالجبال والسحاب التي تظل من تحتها [[ذكره "الماوردي" 4/ 347 ونسبه لقتادة، وكذا الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 506.]]. وقال ابن عباس: يريد مثل السعائف [[في (ب): (السقايل)، وهو خطأ.]] [[لم أقف عليه عن ابن عباس، ولم أقف على معنى السعائف بهذه الصيغة، وقد ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 110 (سعف) قال: .. السعف: ورق جريد النخل الذي يسف منه الزبلان والجلاد والمراوح وما أشبهها، ويجوز السعف.]]. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ أي من هول ما هم فيه، نجاهم حين أفضوا وانتهوا إلى البر. قال صاحب النظم: المراد من قوله: فلما نجاهم: الاستقبال، وإن كان لفظه لفظ الماضي، بدليل قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. ولما لا يقتضي جوابًا بالفاء، وأراد فمنهم مقتصد ومنهم جاثر، ودل على هذا المضمر قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ فأومأ بهذا إلى هذا، نقيض قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِد﴾. ونقيض الاقتصاد: الجور، والجور هاهنا: الجحد بآيات الله، وإذا كان معنى الجور هاهنا الجحد، وجب أن يكون الاقتصاد الذي هو عند الإقرار بآيات الله، وهذا كله معنى قول مقاتل، فإنه يقول في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ عدل في الوفاء في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له يعني المؤمن، ثم ذكر المشرك الذي ترك التوحيد في البر بعد أن دعاه مخلصًا في البحر [["تفسير مقاتل" 83 ب.]]، بقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ غدار ﴿كَفُورٍ﴾ لله نعمه حين ترك التوحيد في البر. وقال الكلبي في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ هم المؤمنون [[ذكره "الماوردي" 4/ 348، وأبو حيان في "البحر" 8/ 423، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 506 عن الحسن.]]. وقال ابن عباس: مقتصد موف بما عاهد عليه الله في البحر [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 557. وذكره "تفسير الماوردي" 4/ 348، ونسبه للنقاش.]]. وقال مجاهد: مقتصد في القول، وهو كافر مضمر للكفر [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 85، "الماوردي" 4/ 348، "مجمع البيان" 8/ 507.]]. والوجه هو الأول، وقوله: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ قالوا: كلهم: كل غدار بعهد الله [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 85 "تفسير الماوردي" 4/ 348، ونسبه للجمهور.]]. وقال أهل اللغة: الختر أسوأ الغدر وأقبحه [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 294 مادة (ختر)، "الصحاح" 2/ 642 (ختر)، "مقايس اللغة" 2/ 244، باب الخاء والتاء وما يثلثهما.]]، وأنشدوا [[في (ب): (وأنشد).]] للأعشي [[البيت من البسيط، انظره في "ديوانه" ص 229، "لسان العرب" 10/ 26، "جمهرة اللغة" ص 371.]]: بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير ختار يقال: [ختر] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] ويختِر ويخترُ بالكسر والضم [لغتان] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] خترًا وختورًا. ثم خاطب كفار مكة فقال:

لقمان 31:33

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ قال ابن عباس: كل امرئ تهمه نفسه [[انظر: "الوسيط" 3/ 447.]]. وقال مقاتل: يعني لا تغني والدة عن ولدها شيئًا من المنفعة يعني الكفار [[انظر: "تفسير مقاتل" 83 ب.]]. وهذه الآية كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] وقد مر تفسيره، والكلام في الراجع إلى اليوم في سورة البقرة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي بالبعث. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ هو عن الإسلام. ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ أي حلم [[في (ب): (يحلم).]] الله وإمهاله. ﴿الْغَرُورُ﴾ يعني الشيطان. قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما [[قال به غيرهما قتادة والضحاك. انظر: "الطبري" 21/ 87، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 293، "تفسير الماوردي" 4/ 349، "مجمع البيان" 8/ 507.]]. قال مقاتل: هو إبليس [[انظر: "تفسير مقاتل" 83 ب.]]. والغرور: الذي من شأنه أن يغر ويخدع.

لقمان 31:34

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾. قال مجاهد ومقاتل: نزلت في رجل من أهل البادية اسمه: الوارث بن عمرو المجازي [[اختلتف في اسم السائل؛ ففي "أسباب النزول" ط 1. ص 199قال: نزلت في الحارث بن عمرو بن حارثة بن محارب بن حفص من أهل البادية وفي "الدر == المنثور" 6/ 530: الوارث، من بني مازن بن حفص بن قيس بن عيلان. وفي "البحر المحيط" 7/ 194: الحارث بن عمارة المحاربي، وفي "تفسير الطبري" 21/ 55 عن مجاهد: "رجل" غير مسمى.]] أتى النبي -ﷺ- فقال: إن أرضنا أجدبت فمتى الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى فماذا تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت؟ وقد علمت ماذا عملت اليوم فما أعمل غدًا؟ ومتى الساعة؟ فأنزل الله في مسألة المجازي: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [[انظر: "تفسيرالطبري" 21/ 87، "ابن كثير" 5/ 401، "زاد المسير" 6/ 330. وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 530، وعزاه للفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد، ولابن المنذر عن عكرمة. و"تفسير مقاتل" 83 ب، وذكره المؤلف في " أسباب النزول" ص 402، تحقيق السيد أحمد صقر.]]. وروي عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم بها من السائل، ولكن خمس لا يعلمهن إلا الله"، ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [[رواه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، "تفسير سورة لقمان": باب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ 4/ 1793، حديث رقم (4499). ومسلم في "صحيحه" كتاب الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله -سبحانه وتعالى- 1/ 37 حديث رقم (1). وهو جزء من حديث طويل مشهور، حيما جاء جبريل -عليه السلام- بصورة رجل إلى الرسول -ﷺ- وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان إلى آخر الحديث.]]. روى ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم ذكر ما في الآية" [[أخرجه البخاري في "صحيحه" وهو رواية أخرى للحديث السابق، وكذلك الإمام مسلم في "صحيحه"، وهو رواية أخرى حديث السابق.]]. وقال ابن عباس في هذه الآية: الخمس لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مصطفى، فمن ادعى أنه يعلم شيئًا من هذه فقد كفر بالقرآن؛ لأنه خالفه [[قول ابن عباس هذا، جزء من حديث طويل يرويه -رضي الله عنه- عن النبي -ﷺ- أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 318 عن ابن عباس. وقال: جلس رسول الله -ﷺ- مجلسًا له، فأتاه جريل فجلس بين يدي رسول الله -ﷺ- واضعًا كفيه على ركبتي رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله، حدثني ما الإسلام .. إلى آخر الحديث.]]. قال مقاتل: فلما نزلت هذه الآية قال النبي -ﷺ-: "أين السائل عن الساعة؟ " فقال المجازي ها أنا، فقرأ عليه النبي -ﷺ- هذه الآية [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.]]. قوله تعالى: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. قال الفراء: (اجتزأ بتأنيث أرض من أن يظهر في أي تأنيثا آخر) [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 330.]]. قال الأخفش: (وتقول: مررت بجارية أي جارية، وأية جارية) [[انظر: "القرطبي" 14/ 83، وذكر الأخفش في "معاني القرآن" 478/ 2، كلامًا نحوه. أما آخر كلام الأخفش فلم أقف عليه.]] وجئتك بملاة أي ملاة وأية ملاة، كل جائز. (32) سورة السجدة

السجدة 32:1

(الم) مضى تفسيره في مواضع. وقال ابن عباس: ألف الله، واللام [لام] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] جبريل، والميم محمد -ﷺ- [[لم أقف على قوله، وقد سبق معنا في أول سورة لقمان ذكر القول الراجح في تفسير مثل هذه الحروف.]]. قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ ذكر أبو إسحاق فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه خبر ابتداء، على إضمار الذي نتلوا [[في (ب): (نتلوه).]] تنزيل الكتاب. قال: ويجوز أن يكون خبر عن آلم أي آلم من تنزيل الكتاب قال: ويجوز أن يكون رفعه على الابتداء، ويكون خبره الابتداء. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 203.]] قال مقاتل: يعني لا شك فيه أنه تنزيل [["تفسير مقاتل" 84 أ.]]. ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ﴾ قال الزجاج: معناه بل أيقولون [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 203.]]. وذكرنا تفسير (بل) إذا لم يتقدمه استفهام، عند قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا﴾ [البقرة: 108] وفي مواضع. وقوله: ﴿افْتَرَاهُ﴾ قال ابن عباس: تقوله [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: افتراه محمد من تلقاء نفسه فكذبهم الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 أ.]]. فقال: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي القرآن. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال الكلبي: يعني العرب [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 449، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 333، غير منسوب لأحد.]]. قال قتادة: كانوا أمة أمية [[في (أ): (آمنة)، وهو خطأ.]]، لم يأتهم نذير قبل محمد -ﷺ- [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 90، "تفسير الماوردي" 4/ 353، "مجمع البيان" 8/ 509.]]. قال أبو إسحاق: (هذا كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي لم يشاهدوا هم ولا آباؤهم نبيا، قال: والحجة ثابتة عليهم بإنذار من تقدم من الرسل وإن لم يأتهم نذير [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 204.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال مقاتل وابن عباس: لكي يرشدوا من الضلالة [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 أ. وقد أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 449، غير منسوب لأحد.]].

السجدة 32:2

(الم) مضى تفسيره في مواضع. وقال ابن عباس: ألف الله، واللام [لام] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] جبريل، والميم محمد -ﷺ- [[لم أقف على قوله، وقد سبق معنا في أول سورة لقمان ذكر القول الراجح في تفسير مثل هذه الحروف.]]. قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ ذكر أبو إسحاق فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه خبر ابتداء، على إضمار الذي نتلوا [[في (ب): (نتلوه).]] تنزيل الكتاب. قال: ويجوز أن يكون خبر عن آلم أي آلم من تنزيل الكتاب قال: ويجوز أن يكون رفعه على الابتداء، ويكون خبره الابتداء. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 203.]] قال مقاتل: يعني لا شك فيه أنه تنزيل [["تفسير مقاتل" 84 أ.]]. ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ﴾ قال الزجاج: معناه بل أيقولون [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 203.]]. وذكرنا تفسير (بل) إذا لم يتقدمه استفهام، عند قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا﴾ [البقرة: 108] وفي مواضع. وقوله: ﴿افْتَرَاهُ﴾ قال ابن عباس: تقوله [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: افتراه محمد من تلقاء نفسه فكذبهم الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 أ.]]. فقال: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي القرآن. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال الكلبي: يعني العرب [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 449، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 333، غير منسوب لأحد.]]. قال قتادة: كانوا أمة أمية [[في (أ): (آمنة)، وهو خطأ.]]، لم يأتهم نذير قبل محمد -ﷺ- [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 90، "تفسير الماوردي" 4/ 353، "مجمع البيان" 8/ 509.]]. قال أبو إسحاق: (هذا كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي لم يشاهدوا هم ولا آباؤهم نبيا، قال: والحجة ثابتة عليهم بإنذار من تقدم من الرسل وإن لم يأتهم نذير [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 204.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال مقاتل وابن عباس: لكي يرشدوا من الضلالة [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 أ. وقد أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 449، غير منسوب لأحد.]].

السجدة 32:3

(الم) مضى تفسيره في مواضع. وقال ابن عباس: ألف الله، واللام [لام] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] جبريل، والميم محمد -ﷺ- [[لم أقف على قوله، وقد سبق معنا في أول سورة لقمان ذكر القول الراجح في تفسير مثل هذه الحروف.]]. قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ ذكر أبو إسحاق فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه خبر ابتداء، على إضمار الذي نتلوا [[في (ب): (نتلوه).]] تنزيل الكتاب. قال: ويجوز أن يكون خبر عن آلم أي آلم من تنزيل الكتاب قال: ويجوز أن يكون رفعه على الابتداء، ويكون خبره الابتداء. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 203.]] قال مقاتل: يعني لا شك فيه أنه تنزيل [["تفسير مقاتل" 84 أ.]]. ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ﴾ قال الزجاج: معناه بل أيقولون [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 203.]]. وذكرنا تفسير (بل) إذا لم يتقدمه استفهام، عند قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا﴾ [البقرة: 108] وفي مواضع. وقوله: ﴿افْتَرَاهُ﴾ قال ابن عباس: تقوله [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: افتراه محمد من تلقاء نفسه فكذبهم الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 أ.]]. فقال: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي القرآن. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال الكلبي: يعني العرب [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 449، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 333، غير منسوب لأحد.]]. قال قتادة: كانوا أمة أمية [[في (أ): (آمنة)، وهو خطأ.]]، لم يأتهم نذير قبل محمد -ﷺ- [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 90، "تفسير الماوردي" 4/ 353، "مجمع البيان" 8/ 509.]]. قال أبو إسحاق: (هذا كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي لم يشاهدوا هم ولا آباؤهم نبيا، قال: والحجة ثابتة عليهم بإنذار من تقدم من الرسل وإن لم يأتهم نذير [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 204.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال مقاتل وابن عباس: لكي يرشدوا من الضلالة [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 أ. وقد أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 449، غير منسوب لأحد.]].

السجدة 32:4

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [[قوله: (وما بينهما) ساقط من (أ)، وهو خطأ.]] مفسر في سورة الأعراف [[عند قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ آية: 54.]] ويونس [[عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ آية: 3.]]. وقوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد غيره [[لم أقف عليه.]]. ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ قريب ينفعكم في الآخرة، ويرد سخطه عنكم. قاله ابن عباس ومقاتل [["تفسير ابن عباس" ص 347 بهامش المصحف، "تفسير مقاتل" 84 أ.]]. ﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾ من الملائكة وغيرهم يشفع لكم. ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أفلا تتعظون.

السجدة 32:5

قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فيه قولان للمفسرين وأصحاب المعاني: أحدهما: قول ابن عباس في رواية عطاء قال: ينزل القضاء والقدر من السماء إلى الأرض] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]] ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ يريد يرجع إليه ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ من أيام الدنيا. وهذا القول اختيار صاحب النظم، وقد شرحه وبينه، فقال: قوله ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعني به [[في (ب): زيادة (إلا)، وهو خطأ.]] أمر الدنيا إلى آخره، يدبره الله -عز وجل- مدة أيام الدنيا، ثم يعرج إليه ذلك الأمر والتدبير بعد إنقضاء الدنيا وفنائها، ومعنى يعرج يرتفع، ومعنى يرتفع يصير، كقولك: ارتفع أمرنا إلى الأمير، أي صار إليه [[في كلام المؤلف -رحمه الله- هنا نظر، فإنه يؤول صفة العلو والفوقية التي يؤولها الأشاعرة، وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة ويقولون: إن الله سبحانه عال بذاته فوق خلوقاته بائن منهم، وهو معهم بعلمه. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 381، "شرح حديث النزول" ص 388.]]. قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وهو يوم القيامة، مقداره ألف سنة، هذا كلامه. وأما قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فسنذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه إن شاء الله. القول الثاني: أن معنى الآية تنزل الوحي والقضاء مع جبريل من السماء إلى الأرض، ثم يصعد جبريل إلى السماء في يوم واحد من أيام الدنيا -وقدره مسيرة ألف سنة- خمسمائة نزول وخمسمائة صعودة لأنه ينزل مسيرة خمسمائة عام ويصعد مثله، فذلك ألف سنة، كل ذلك في يوم واحد من أيام الدنيا. وهذا قول مقاتل والسدى وقتادة [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب، "تفسير الطبري" 21/ 91، "تفسير الماوردي" 4/ 353، "مجمع البيان" 8/ 510.]]. وذكره مقاتل فقال: يقضي الأمر في السماء وينزله مع الملائكة إلى الأرض، فيوقفه ثم يصعد إلى السماء، فيكون نزولها به ورجوعها في يوم واحد مقداره ألف سنة مما تعدون، يريد مقدار المسير فيه على قدر مسيرنا وعددنا ألف سنة؛ لأن بعد ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام لابن آدم، إذا [[في (ب): (إذ)، وهو خطأ.]] قطعته الملائكة بادية وعائدة في يوم واحد فقد قطعت مسيرة ألف سنة في يوم. فعلى القول الأول (يعرج) خبر (الأمر)، والهاء في إليه كناية عن الله، والمراد باليوم يوم القيامة. وعلى القول الثاني (يعرج) خبر عن الملك ولم يجر له ذكر، والهاء في (إليه) كناية عن السماء على لغة من يذكِّرُه. وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ أي مقدار المسير فيه، يعني مسير الملك، والأول أليق بظاهر اللفظ، وهذه الآية مما ترك ابن عباس الكلام فيه، فقد روي أن عبد الله بن فيروز سأله عن هذه الآية وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال ابن عباس: أيامًا سماها الله، وما أدر ما هي، وأكره أن أقول فيها ما لا أعلم، ثم سأل سعيد [[في (أ): (ابن سعيد)، وهو خطأ.]] بن المسيب عن هذه الآية فلم يدر ما يقول فيها حتى أخبر بما قال ابن عباس، فقال للسائل: هذا ابن عباس فقد اتقى أن يقول فيها، وهو أعلم مني [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 108، "المستدرك" للحاكم 4/ 610، وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، إلا أن الحاكم لم يذكر آخر الحديث وهو سؤال ابن المسيب. وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 537، وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في "المصاحف" والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة.]].

السجدة 32:6

وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: يعني الذي صنع ما ذكر من هذه إلاَّشياء [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 أ.]]. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وقال ابن عباس: عالم ما غاب عن خلقي، وعالم ما حصره خلقي [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 450، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 512، وأبو حيان في "البحر" 8/ 432، غير منسوب لأحد، ولم أقف على من نسبه لابن عباس.]]. ﴿الْعَزِيزُ﴾: المنيع في ملكه ﴿الرَّحِيمُ﴾: باوليائه وأهل طاعته.

السجدة 32:7

قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقرئ (خَلَقه) بفتح اللام على الفعل، فمن قرأ (خَلْقه) بسكون اللام، ففيه وجهان: أحدهما [[في (أ): (أحدها).]]: أن التقدير الذي أحسن خلق كل شيء. وهو قول قتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 109، "زاد المسير" 6/ 334. وذكره الماوردي 4/ 355، الطبرسى 8/ 512 عن ابن عباس.]]، واختيار الأخفش [[لم أقف على اختيار الأخفش له.]] وصاحب "النظم". وذكره أبو إسحاق وأبو علي [[انظر: "معاني القرآن واعرابه" 4/ 204، "الحجة" 5/ 460 - 461.]]. قال الأخفش في قوله: (خَلْقَه) على البدل، يعني أنه أبدل خلقه من كل شيء [[لم أقف على قول الأخفش.]]. وقال صاحب النظم: من سكن اللام فيه تقديم وتأخير على تأويل: أحسن خلق كل شيء، إلا أنه -عز وجل- لما قدم كل شيء، والمراد خلق كل شيء، أبدل منه دلالة عليه بالكناية عنه. وقال أبو علي: فجعل (خلقه) بدلاً من (كل)، فيصير التقدير الذي أحسن خلق كل شيء [[انظر: "الحجة" 5/ 461.]]. وأما معنى ﴿أَحْسَنَ﴾ فقال [[في (ب): (وقال).]] ابن عباس في رواية عطاء: أتقن ما خلق. وهو لفظ مجاهد [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 35، "تفسير الطبري" 21/ 93، "تفسير الماوردي" 4/ 355، "مجمع البيان" 8/ 512.]]. ومعنى الإحسان هاهنا الإتقان والإحكام. وروي عكرمة عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: أما أن است القرد ليست بحسنة ولكن أحكم خلقه [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 93، "القرطبي" 14/ 90، "البحر المحيط" 8/ 433.]]. وقال مقاتل: علم كيف يخلق الأشياء من غير أن يعلمه أحد [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.]]. قال السدي: أحسنه لم يتعلمه من أحد [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 355، "مجمع البيان" 8/ 512، "زاد المسير" 6/ 334.]]. ومعنى الإحسان على هذا القول العلم، قال: فلان يحسن كذا، إذا كان يعلمه. وقال صاحب "النظم": معنى الخلق التقدير، ومعنى ذلك أنه -عز وجل- لما طول رجل البهيمة، والطائر طول عنقه؛ لئلا يتعذر عليه ما لا بد به من قوته، [ولو] [[في جميع النسخ: (وهو)، وهذا خطأ. والتصويب من "الوسيط" للمؤلف 3/ 450.]] تفاوت ذلك لم يكن له معاش، وكذلك كل شيء من أعضاء الحيوان مقدر لما يصلح له معاشه. وقال أبو إسحاق: تأويل الإحسان في هذا أنه خلقه على إرادته، فخلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق القرد على ما أحب، وخلقه إياه على ذلك من أبلغ الحكمة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 204.]]. الوجه الثاني في هذه القراءة: أن قوله: ﴿خَلَقَهُ﴾ وإنتصب على المصدر الذي دل عليه أحسن، والمعنى الذي خلق كل خلقه. قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 204. قال الزجاج: (الذي خلق كل شيء خلقه)، فكلمة شيء ساقطة.]]. وشرحه أبو علي فقال: خلقه ينتصب على أنه مصدر دل عليه ما تقدم من قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ لأن قوله أحسن كل شيء [يدل على خلقه كل شيء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] [["الحجة" 5/ 461.]]. والضمير في خلقه كناية عن اسم الله تعالى، والذي يدل على ذلك أنه مصدر لم يسند الفعل المنتصب عنه إلى فاعل ظاهر، وما كان من هذا النحو أضيف المصدر فيه إلى الفاعل نحو: صنع الله. ووعد الله، وكتاب الله، فكما أضيف هذه المصادر إلى الفاعل كذلك يكون خلقه مضافًا إلى ضمير الفاعل، وهذا الذي ذكرنا مذهب سيبويه [["الكتاب" 1/ 380 - 381، وانظر: "مجمع البيان" 8/ 511.]]. وعلى هذا التقدير معنى الآية الذي خلق كل شيء. ومن قرأ خلق بفتح اللام، كان صفة للنكرة المتقدمة، وموضع الجملة يحتمل وجهين: أحدهما: إن جعلتها صفة لكل كانت في موضع نصب، وإن جعلتهما وصفًا لشيء كانت في موضع جر، ومثل وصف النكرة بالجملة قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92]، فقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ وصف لكتاب، وموضع الجمل رفع، والدليل على ذلك رفع مبارك بعده فتعلم بارتفاع المفرد أن الجملة قبله في موضع رفع [[انظر: الكلام بنصه في: "الحجة" 5/ 462.]]. ومعنى الإحسان على هذه القراءة يحتمل العلم ويحتمل الأحكام. قال الكلبي: أحكم كل شيء عمله، فلم يعنه عليه أحد [[ذكر نحوه "الماوردي" 4/ 355، ولم ينسبه.]]. قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ قال مقاتل: يعني آدم، كان أوله طينًا فلما نفخ فيه الروح صار لحمًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.]].

السجدة 32:8

وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: ولده وذريته [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 95، "تفسير الماوردي" 4/ 356، "البحر المحيط" 8/ 433، "مجمع البيان" 8/ 512.]]. ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ تقدم تفسيرها [[عند قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: 12]، قال: السلالة: فعالة من السل، وهو استخراج الشيء من الشيء، يقال: سللت الشعر من العجين فانسل، وسللت السيف من غمده فانسل، ومن هذا يقال للنطفة: سلالة، وللولد: سليل وسلالة.]]. ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قال ابن عباس والكلبي ومجاهد ومقاتل: من ماء ضعيف، وهو النطفة، كل هؤلاء قالوا: المهين: الضعيف [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 95، "تفسير الماوردي" 4/ 356، "مجمع البيان" 8/ 512، "تفسير مجاهد" ص 509، "تفسير مقاتل" 84 ب.]]. قال الزجاج: هو فعيل من المهانة، وهي القلة [[انظر: قول الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 205.]]. وذكر ذلك في قوله: ﴿كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: 10]. وقال الليث: رجل مهين حقير، وقد مهن مهانة [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 330 (مهن). وانظر: "اللسان" 3/ 324، "الصحاح" 6/ 2209.]]. قال أبو زيد: رجل مهين للضعيف من قوم مهناء [["تهذيب اللغة" 6/ 335، (مهن). وانظر: "اللسان" 13/ 324، "الصحاح" 6/ 2209.]].

السجدة 32:9

قال مقاتل: ثم رجع إلى آدم فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني: سوى خلقه ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾، ثم رجع إلى ذرية آدم فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ يعني بعد أن كنتم [نطفًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] السمع والأبصار والأفئدة [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.]]. وهذه نعم فلم يشكروا ربهم، فذلك قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هذه النعمة في حسن خلقه فتوحدونه [[في (ب): (فيوحدونه).]] هذا كلامه [["تفسير مقاتل" 84 ب.]]. وبعض المفسرين يجعل [[في (ب): (يجعل هذا)، وهو خطأ.]] قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ من صفة قوله: ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [[انظر:"مشكل إعراب القرآن" للقيسي 2/ 186، "البيان في غريب إعراب القرآن" == 2/ 258 "تفسير الفخر الرازي" 25/ 174.]]. ثم نزل في منكري البعث.

السجدة 32:10

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد أئذا صرنا [[في (أ): (وصرنا).]] ترابًا ورفاتًا [[لم أقف على من نسبه لابن عباس. وقد ذكره الطبري 97/ 21، النحاس في "معاني القرآن" 5/ 302، "الماوردي" 4/ 356 عن مجاهد وقتادة.]]. وقال مجاهد ومقاتل: (هلكنا في الأرض وصرنا ترابًا) [[انظر: المصادر السابقة، "تفسير مجاهد" 510، "تفسير مقاتل" 84 ب.]]. وقال السدي: بليت أجسادنا في التراب [[لم أقف على من نسبه للسدي، وقد ذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 331.]]. وقال أبو عبيدة: (همدنا) [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 131.]] في الأرض [[في (ب): (همدنا في التراب الأرض)، وهو خطأ.]]. وقال أبو إسحاق: صرنا ترابًا [[في (ب): (التراب).]] فلم يبين شيئًا من خلقنا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 205.]]. وقال ابن قتيبة: (بطلنا) [[انظر: " تفسير غريب القرآن" ص 346،"تأويل مشكل القرآن" ص 457.]] [الأرض] [[هذه الكلمة في جميع النسخ، والذي يظهر أنها خطأ، إذ لا معنى لها هنا حسب فهمي، والله أعلم.]]. وأصل هذا من الضلال بمعنى الغيبوبة، يقال: ضل اللبن في الماء إذا غاب، وأضل الميت في القبر إذا غيبته في التراب [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 462 وما بعدها: (ضل)، "اللسان" 11/ 390 (ضلل)، "الاعتماد في نظائر الظاء والضاد" ص 25.]]. قال المخبِّل [[هو: أبو يزيد بن مالك بن ربيعة بن عوف السعدي، من بني أنف الناقة من تميم. ذكره ابن سلام في الطبقة الخامسة من فحول شعراء الجاهلية، وهو من مخضرمي الجاهلية والإسلام، مات في خلافة عمر أو عثمان رضي الله عنهما. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 143، "شرح اختيار المفضل" 1/ 533، "معجم الشعراء" ص 177.]]: أضلت بنو قيس [[في (ب): (بنو).]] بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم [[البيت من الطويل للمخبل في "ديوانه" ص 318، "تهذيب اللغة" 11/ 465، "اللسان" 11/ 395.]] يعني: دفنته. وقال النابغة: فتاه مضلوه بعين جليةٍ [[صدر بيت من الطويل، وعجزه: وغودر بالجولان حزم ونائل وهو في الديوان وفي المصادر التي ورد فيها: فآب، وفي نسخ المخطوط: فتاه. انظر: "ديوانه" ص 121، "تهذيب اللغة" 11/ 465، "اللسان" 11/ 395، "الدر المصون" 5/ 396. يريد بقوله: بعين جلية، أي بخبر صادق أنه مات، انظر: "اللسان" 11/ 395.]] يريد مضليه: دافنيه. وقوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، أنكروا أن يعاد خلقهم جديدًا بعد الموت. قال ابن عباس: أنكروا قدرة سيدهم جل جلاله [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس. وقد ذكر نحوه الطبري 21/ 97 عن قتادة، ==والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 513، والثعالبي في "جواهر الحسان في تفسير القرآن" 3/ 213 غير منسوب لأحد.]]. قال أبو علي: موضع إذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وذلك أن هذا الكلام يدل على: تعاد، والتقدير: أتعاد [أئذا ضللنا] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] في الأرض، وقد تقدم ذكر ذلك [[انظر: "الحجة" 5/ 462، والكلام فيها: موضع إذا نصب بما دل عليه قوله:؟ أئنا لفي خلق جديد؟ وكأن هذا الكلام يدل على: تعاد، والتقدير: تعاد إذا ضللنا ..]]. قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني بالبعث [كافرون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لا يؤمنون به. قاله ابن عباس ومقاتل [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس. وانظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.]].

السجدة 32:11

وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ قال أبو إسحاق: تأويله أنه يقبض أرواحكم أجمعين، فلا ينقص واحد منكم، كما تقول: قد استوفى فلان، وتوفيت مالي عنده، تأويله أنه لم يبق لي عليه شيء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 205.]]. قوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ﴾ قال ابن عباس: يريد وكل بقبض أرواحكم [[انظر: "الوسيط" 3/ 450، "مجمع البيان" 8/ 514.]]. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. قال مقاتل: يريد بعد الموت تصيرون إليه أحياء، فيجزيكم بأعمالكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.]].

السجدة 32:12

قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ إذ تكون للماضي، وهذا إخبار عما هو آت بعد، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} [الأنعام: 27]. قال مقاتل: يعني كفار مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.]]. قوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي مطأطئوها. وقال [ابن عباس] [[مكرر في (أ).]]: من الندامة [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الطبري 21/ 98 عن ابن زيد، والماوردي 4/ 359 عن يحيى بن سلام، والقرطبي 14/ 95 بدون نسبة.]]. وذلك أن النادم من شأنه أن يطأطئ رأسه متفكرًا متحيرًا، فالإضافة في قوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ في تقدير الانفصال؛ لأنه لم يأت بعد لا [[الكلام هنا غير واضح، ويظهر -والله أعلم- أن قوله: (بعد لا) زيادة لا معنى لها.]] للماضي، وقد مضى مثل هذا كثير كقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9] ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]. وذكرنا استقصاء هذه الآية عند قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في سورة النساء [: 97]. وقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ما كنا نجهل، وسمعنا ما كنا ننكر ﴿فَارْجِعْنَا﴾ إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ نقول: لا إله إلا الله. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ يريد: أيقنوا ذلك اليوم ما كانوا ينكروا [[هكذا في النسخ! والصواب: ينكرون.]]. قاله ابن عباس [[انظر: "الوسيط" 3/ 451. وذكره الماوردي 4/ 359 عن يحيى بن سلام، وأبو حيان في "البحر" 8/ 435 عن النقاش.]]. قال أبو إسحاق: وهذا متروك الجواب، والجواب: لرأيت ما يعتبر به غاية الاعتبار [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 206.]].

السجدة 32:13

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [[في النسخ: (ولقد آتينا)، وهو خطأ.]] قال ابن عباس ومقاتل: رشدها وبيانها [[انظر: "الوسيط" 3/ 451، "تفسير مقاتل" 84 ب.]]. وهذا كقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: 35]. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد هذا قضائي وقدري في ملكي وربوبيتي [["الوسيط" 3/ 451.]]. وقال مقاتل: يعني من كفار الإنس والجن جميعًا [["تفسير مقاتل" 84 ب.]]. والقول الذي وجب من الله، قوله لإبليس يوم عصاه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 85] والآية صريح [[هكذا في النسخ، وهو خطأ. والصواب: صريحة.]] في تكذيب القدرية [[القدرية: فرقة سموا بذلك لقولهم في القدر، فهم يزعمون أن العبد يخلق أفعال نفسه استقلالاً، فأثبتوا -بسبب قولهم- خالقًا مع الله، ولذا فهم مجوس هذه الأمة كما سماهم بذلك الرسول -ﷺ-، لأن لمجوس يثبتون خالقين: خالقًا للنور وخالقًا للظلمة، وهم ينفون العلم السابق والمشيئة السابقة. انظر "الملل والنحل" للشهرستاني بهامش "الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 65.]]؛ لأن الله تعالى قد أخبر بهذه الآية أن من لم يؤمن فإنما ذلك لأنه لم يشأ أن يؤتيه هداه.

السجدة 32:14

وقوله: ﴿فَذُوقُوا﴾ قال مقاتل: إذا دخلوا النار، قالت لهم الخزنة: فذوقوا العذاب [["تفسير مقاتل" 84 ب.]]. ويجوز أن يكون المعنى: ويقال لهم: فذوقوا، فيكون القائل هو الله تعالى. قال أبو علي: المعنى فذوقوا العذاب بما نسيتم، فحذف واستغني عن ذكره للعلم به وكثرة تردده، في نحو: [ذوقوا العذاب] [[ما بين المعقوفين ليس من كلام أبي علي.]] و ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ [السجدة: 14]، و ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾ [السجدة: 20، سبأ: 42]. ومثل ذلك في الشعر [قوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: كأنَّ لها في الأرض نسيًا تقصه ... على أمها وإن تحدثك تبلت [[البيت من الطويل، وهو للشنفرى في "ديوانه" ص 33، "تهذيب اللغة" 13/ 81، 14/ 293 - 294، "الخصائص" 1/ 28، "اللسان" 2/ 11، 15/ 324، وفي "شرح المفضليات" ص201، يقول: كأنها من شدة حيائها إذا مشت تطلب شيئًا ضاع منها، فالنسي: هو الفقد، وأمها: قصدها، تبلت: تنقطع في كلامها لا تطيله.]] أي: تقطع الحديث [["الحجة" 1/ 35 - 36.]]. قوله تعالى: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد تركتم لقاء يومكم، يريد حيث لم تعملوا لله بما يحب [ويرضى] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: بما تركتم الإيمان بيومكم هذا [["تفسير مقاتل" 85 أ.]]. وقال السدي: بما تركتم أن تعملوا للقاء يومكم هذا [["الوسيط" 3/ 452، "تفسير الماوردي" 4/ 360.]]. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ تركناكم في العذاب ومن الرحمة. قاله مقاتل والسدي [["تفسير مقاتل" 85 أ. وذكره الماوردي 4/ 360، ونسبه لمجاهد، ولم أقف عليه عن السدي.]]. وتأويل النسيان هاهنا الترك في قول المفسرين وأهل المعاني [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 99، "تفسير كتاب الله العزيز" لهود بن محكم 3/ 346، "تفسير الماوردي" 4/ 360، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 206.]]. ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ قال مقاتل: الذي لا ينقطع [["تفسير مقاتل" 85 أ.]]. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب. ثم ذكر المؤمنين فقال:

السجدة 32:15

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وعظوا بآيات القرآن [["تفسير مقاتل" 85 أ، ولم أقف عليه عن ابن عباس.]] ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ سقطوا على وجوههم ساجدين. ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالوا: سبحان الله وبحمده، وسبحان ربي الأعلى. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: 30] ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن السجود كفعل كفار مكة.

السجدة 32:16

قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ قال الليث: يقال: جفا الشيء يجفو جفاء ممدودًا، إذا سأل السرج [[هكذا في النسخ! وهو خطأ والصواب كما في "تهذيب اللغة": كالسراج.]]، يجفو عن الظهر إذا لم يلزمه وكالجنب يجفوا عن الفراش وأنشد: إن جنبي عن الفراش لنائي [[هكذا في نسخة (أ)، وفي (ب): (نائي)، وهو في "تهذيب اللغة": لناب.]] ... كتجافي الأسر فوق الظراب [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 206، (جفا).]] [[البيت من الخفيف، وهو لمعد يكرب في "اللسان" 1/ 569، 4/ 360، "التنبه والإيضاح" 1/ 112، 2/ 132، "كتاب العين" 6/ 190، 7/ 188. ولعمرو بن الحارث أخي معد يكرب في: "معجم الشعراء" ص 467. والسرر: داء يأخذ البعير == في كركرته، والكركرة هي رحى زور البعير- فتسيل ماء، فإذا برك على موضع خشن تجافى عنه لشدة الوجع. والضارب: الجبال الصغار. انظر: "معجم الشعراء" ص 467.]] ومن هذا يقال: جفت عيني فلان عن الغمض، إذا نبت عنه لم ينم، ومنه قوله: جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار [[البيت من الوافر، وهو لبشار بن برد في "ديوانه" 3/ 249، "الكامل للمبرد" 2/ 760، "لسان العرب" 15/ 320.]] قال أبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة: تتجافي ترتفع [["مجاز القرآن" 2/ 132، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 207، "تفسير غريب القرآن" ص 346.]]. وقال الفراء: تقلق [["معاني القرآن" 2/ 331.]]. وقوله: ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ المضجع: الموضع الذي يضطجع عليه، وجمعه المضاجع، وقيل ما يستعمل ضجع يضجع من باب الثلاثي، إنما يشعمل مضجع واضطجع. قال ابن عباس في تفسير المضاجع: هي الأوطية [[لم أقف عليه.]]. واختلفوا في الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع من هم؟ فقال الحسن ومجاهد وأبو العالية: هم المجتهدون بالليل [[انظر: "الطبري" 21/ 101، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 304، "تفسير الماوردي" 4/ 363.]]. وهو بمعنى قول ابن عباس في رواية عطاء. وروي ذلك مرفوعًا في حديث معاذ بن جبل أن النبي -ﷺ- قال في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ هو: "هو قيام العبد بالليل" [[الحديث أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 232. وذكره "السيوطي في الدر" 6/ 547، وعزاه لأحمد وابن جرير وابن مردويه وابن أبي حاتم.]]. وقال آخرون: هم الذين كانوا لا ينامون حتى يصلون العشاء الآخرة، وهو قول أنس بن مالك ومجاهد وعطاء [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 101، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 304، "تفسير الماوردي" 4/ 363.]]. قال أنس: نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة. وقال مجاهد: نزلت في ناس من الأنصار، كانوا لا ينامون حتى يصلون العشاء الآخرة. وقال عطاء: هي العتمة، يعني يصلونها ولا ينامون عنها [[انظر أقوال الثلاثة في: المصادر السابقة.]]. وقال آخرون: هم الذين يصلون بين صلاة المغرب إلى صلاة العشاء [[في (أ): (عشاء).]] الآخرة، فأنزل الله هذه الآية [[قال بهذا القول أنس وقتادة وعكرمة. انظر: "تفسير الطبري" 21/ 101، "تفسير الماوردي" 4/ 363.]]. روى قتادة عنه قال: نزلت فينا معاشر الأنصار، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي -ﷺ- [[أورده "السيوطي في الدر" 6/ 546 وعزاه لابن مردويه عن أنس، وأورده الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 518.]]. قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال ابن عباس: خوفًا من النار، وطمعًا في الجنة [[أورده "تفسير الطبري" 21/ 103 ونسبه لقتادة، وذكره غير منسوب: "الماوردي" 4/ 363. "تفسير الطبرسي" 8/ 518، ولم أقف عليه منسوبًا لابن عباس.]]. وقال مقاتل: خوفًا من عذابه، ورجاء في جنته [[انظر: "تفسير مقاتل" 85 أ.]]. قال أبو إسحاق: (وانتصاب [[في (ب): (وانتصب).]] خوفًا وطمعًا؛ لأنه مفعول له، وحقيقته أنه في موضع مصدر؛ لأن ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ في هذا الموضع يدل على أنهم يخافون ويرجون، فهو في تأويل: يخافون خوفًا ويطمعون طمعًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 207.]]. قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال الكلبي: في الواجب عليهم والتطوع [[انظر: "الوسيط" 3/ 453. وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 339، ولم ينسبه لأحد.]].

السجدة 32:17

وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [أو] [[(أو) يظهر أنها زائدة، وقد تكون خطأ من النساخ؛ لأنها لا تفيد شيئًا.]] لا يعلم أحد ما خبئ لهؤلاء الذين ذكرهم مما تقر به أعينهم، وتفسير هذه الآية ما رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "يقول الله -عز وجل-: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتكم عليه، اقرأوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [[أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ == رقم (4501)، ومسلم واللفظ له، كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم (2824).]] ". قال ابن عباس في هذه الآية: هذا مما لا تفسير له، الأمر أعظم وأجل مما يعرف تفسيره [[انظر: "الوسيط" 3/ 453، "مجمع البيان" 8/ 518، "تفسير القرطبي" 14/ 104.]]. وقال أبو إسحاق: هذه الآية دليل على أنه يجازي عليه أخفي لهم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 207، وكلام أبي إسحاق هكذا: نجعل لفظ ما يجازي به (أخفي).]]. وهذا الذي ذكره أبو إسحاق جيد موافق لما ذكره القرطبي [[لم أقف على قول القرظي.]] في هذه، قالوا: إنهم [أخفي] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، ولا معنى لها.]] أخفوا لله عملًا فأخفى لهم ثوابًا، فقدموا على الله فقرت تلك الأعين. وقال الحسن: أخفوا أعمالاً في الدنيا فأثابهم الله بعملهم [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 364، "زاد المسير" 6/ 339، "القرطبي" 14/ 104.]]. وروى ابن عباس في هذه الآية أنه دخل على بعضهم وذكر له هذه الآية فقال: العبد يعمل سرًا أسره إلى الله لم يعلم به الناس، فأسر الله له يوم القيامة قرة أعين [[لم أقف عليه.]]. وقرأ العامة: أخفى، على الفعل الماضي فعل ذلك، اختاره أبو عبيدة قال: لأن الله تعالى قد فرغ منه هو كائن. وقرأ حمزة: أخفى بإسكان الياء، أي ما أخفى لهم أنار حجته، قراءة عبد الله: نخفي بالنون [[انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 530، "الحجة" 5/ 463.]]. قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال أبو إسحاق: انتصب جزاء، لأنه مفعول له [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 258.]].

السجدة 32:18

قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ قال السدي: نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة [[هو: الوليد بن عقبة بن أبي معيط القرشي الأموي، أمه أروى بنت كريز أم عثمان ابن عفان -رضي الله عنه-، فهو أخو عثمان لأمه كنيتة أبو وهب، أسلم يوم الفتح، ولاه عثمان الكوفة ثم عزله، وكان شاعرًا كريمًا -رضي الله عنه-، توفي في خلافة معاوية. انظر: "الإصابة" 6/ 321، أسد الغابة 5/ 90، "سير أعلام النبلاء" 3/ 412.]] بن أبي معيط، وذلك أنه جرى بينهما تنازع وسباب، فقال له الوليد: اسكت فإنك صبي، وأنا والله أبسط منك لسانًا [[في (ب): (لسانك)، وهو خطأ.]]. فقال له علي: اسكت، فإنك فاسق تقول الكذب فأنزل الله هذه الآية تصديقًا لما قاله علي [[أورده المؤلف في "أسباب النزول" له ص 200 عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، والسيوطي في "لباب النقول في أسباب النزول" ص 170، وعزاه للواحدي وابن عساكر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه "الطبري " 21/ 107 عن عطاء بن يسار. قال السيوطي في "لباب النقول": وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار مثله، وأخرج بن عدي والخطيب في "تاريخه" من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: الفاسق عقبة بن أبي معيط. واختار الزجاج هذا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 208.]]. والباقون قالوا: هو الوليد بن عقبة [[وبه قال: عطاء أيضًا وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومقاتل. انظر: "تفسير الطبري" 21/ 107، "زاد المسير" 6/ 340.]]. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ قال الفراء: (ولم يقل: يستويان؛ لأن الاثنين إذا كان [[في (أ): (كانا).]] غير مصمود [[أي: غير مقصودين، تقول: صمده وصمد إليه أي: قصده. انظر: "اللسان" 3/ 258.]] لهما، ذهبا مذهب الجمع. تقول في الكلام: ما جعل الله المسلم كالكافر، فلا تسوين بينهما وبينهم، وكل صواب) [["معاني القرآن" 2/ 332.]]. وقال أبو إسحاق: من لفظها لفظ الواحد، وهي تدل على الجماعة فجاء لا يستوون على معنى: لا يستوي المؤمنون والكافرون. قال: ويجوز أن يكون لا يستوون للاثنين؛ لأن معنى الاثنين جماعة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 208.]].

السجدة 32:19

ثم أخبر عن منازل الفريقين فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا﴾ أي: الموضع الذي يأوي إليه المؤمنون، وأضاف الجنات إليه؛ لأن ذلك الموضع الذي يأوي إليه المؤمنون يتضمن جنات وبساتين. قال أبو إسحاق: فشهد الله -عز وجل- لعلي بالإيمان، وأنه في الجنة بهذه الآية [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 208.]]. وقوله: ﴿نُزُلًا﴾ النزاع: ما تهيأ ويقام للنازل والضيف [[انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 211، (نزل).]]. وقد مر تفسيره [[عند قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 198]]]. وانتصب نزلًا على الحال من الجنات كأنه قيل: لهم الجنات معدة، ويجوز أن يكون مفعولًا له.

السجدة 32:20

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ الآية، مفسرة في سورة الحج.

السجدة 32:21

وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ الآية. العذاب الأكبر: هو عذاب يوم القيامة، والعذاب الأدنى هو ما يعذبون به قبل يوم القيامة. واختلفوا فيه: قال [[هكذا في النسخ لم يبين من القائل، وفي "الوسيط" قال: قال مقاتل.]]: هو الجوع الذي ابتلوا به بمكة سبع سنين حتى أكلوا الجيف. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، وابن مسعود في رواية أبي عبيد، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح [[انظر: "تفسير مقاتل" 85/ ب، "تفسير الطبري" 21/ 110، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 309، "تفسير مجاهد" ص 511، "زاد المسير" 6/ 341.]]. وقال أبي بن كعب: هو مصائب الدنيا. وهو قول إبراهيم، قال: أشياء يصابون بها في الدنيا ويبتلون في أموالهم لعلهم يقبلون إلى الله. وهو قول الحسن، ورواية الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس [[انظر: "المصادر السابقة" والماوردي 4/ 365.]]. القول [الثالث] [[و [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 109، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 308، "مجمع البيان" 8/ 520، "زاد المسير" 6/ 341.]] ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] في العذاب الأدنى: أن القتل يوم بدر. وهو قول عبد الله في رواية مسروق عنه، وقول قتادة والسدي، قال: العذاب الأدنى: يوم بدر [بالسيف] (¬5)، لم يبق بيت من بيوت قريش إلا دخله غرم أو قتل [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد ذكره الماوردي 4/ 365 عن ابن مسعود.]]. وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل: كل شيء وعد الله هذه الأمة من العذاب الأدنى إنما هو السيف (¬7). القول الرابع: أن العذاب الأدنى عذاب القبر. وهو قول البراء، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح عنه [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 110، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 309، "تفسير الماوردي" 4/ 365، "زاد المسير" 6/ 341.]]. وأما العذاب الأكبر فلا خلاف أنه في الآخرة، إلا ما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: يريد القتل يوم بدر [[لم أقف عليه.]]. وقوله: {لَ1 [[وبه قال أيضًا أبو العالية وقتادة وإبراهيم. انظر: "تفسير الطبري" 21/ 111، "تفسير الماوردي" 4/ 365.]].

السجدة 32:22

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: 57] مفسر في سورة الكهف. وقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ قال مقاتل: نزلت في المطعنين [[هكذا في النسخ! وفي "تفسير مقاتل" 85 ب: المطعمين.]] والمستهزئين من قريش، انتقم الله منهم بالقتل ببدر، وتعجيل أرواحهم إلى النار [[انظر: "تفسير مقاتل" 85 ب.]].

السجدة 32:23

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة. ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ قال مجاهد: من أن تلقى موسى [["تفسير مجاهد" ص 511، "زاد المسير" 6/ 343.]]. وقال الكلبي: من لقاء موسى، فلقيه حين أسري به من بيت المقدس. ونحو هذا قال السدي، قال: من لقاء موسى ثم لقيه في السماء [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 112، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 158، "زاد المسير" 6/ 343.]]. وعلى هذا الكناية عن موسى، وقد أضيف المصدر إلى المفعول وكأنه -ﷺ- وعد أنه سيلقى موسى قبل أن يموت فلقيه وروى [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: ورواه.]] أسباط عن السدي [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 520، ونسبه للسدي مباشرة.]]. ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [[قوله. (من لقائه) ساقط من (أ).]] من لقاء ربك. وعلى هذا القول قال صاحب النظم: هو كلام اعترض من بين قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [[قوله: (ولقد) ساقط من (أ).]] وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾. والخطاب للنبي -ﷺ- والمراد به غيره ممن ينكر البعث، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. والمعنى: فلا تكن في مرية من البعث. في الآية قولان آخران أشبه بالنفس وأليق بظاهر الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: فلا تكن في مرية في شك من لقائه، يريد الكتاب، يريد تصديق التوراة [[أورد الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 520 عن الزجاج، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 343 عن السدي والزجاج. ولم أقف عليه منسوبًا لابن عباس.]]. وقال مقاتل: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب، فإن الله ألقى الكتاب إليه. وذكر أبو إسحاق أيضًا هذا القول [[انظر: "تفسير مقاتل" 85 ب، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 209.]]. وشرحه أبو علي فقال: هو على إضافة المصدر إلى المفعول، مثل: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24]، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ [الروم: 3] كأنه لما قيل لموسى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: 145] أعلمنا أنه أخذ ما أمر به وتلقاه بالقبول، فالمعنى من لقاء موسى الكتاب، فأضيف المصدر إلى ضمير الكتاب، وفي ذلك مدح لموسى على امتثال ما أمر به، وتنبيه على الأخذ بمثل هذا الفعل كقوله. ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 106]، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 18] [[انظر: "الحجة" 2/ 28.]]. القول الثاني: قال أبو إسحاق: ويجوز أن تكون الهاء لموسى والكاف محذوف؛ لأن ذكر الكتاب قد جرى [[في (ب): (جر).]] كما جرى ذكر موسى [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 209.]]. قال أبو علي: يجوز أن يكون الضمير لموسى والمفعول به محذوف، كقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: 14] فالدعاء مضاف إلى الفاعل والمفعولون محذوفون، ومثل ذلك في إضافة المصدر إلى الفاعل وحذف المفعول به، قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: 10] فلم يذكر مفعول مقت الله [[انظر: "الحجة" 2/ 29.]]. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الضمير للكتاب في قول الجميع، قالوا: جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل من الضلالة. قال قتادة: وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل، أي هاديًا، وجعلنا من بني إسرائيل أئمة قادة في الخير [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 112 - 113، "تفسير الماوردي" 4/ 366، "زاد المسير" 4/ 344.]]. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ يدعون الناس إلى طاعة الله بأمر الله، وهؤلاء يجوز أن يكونوا أنبياء. وقال قتادة: هم سوى الأنبياء [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 366، "الوسيط" 3/ 455.]].

السجدة 32:24

﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾، وتقرأ: (لِمَا صبروا) أي لصبرهم. ومن قرأ: لما صبروا، فالمعنى معنى حكايته المجازاة، أي لما صبروا جعلناهم أئمة. قال أبو علي: من قرأ لِما، جعله كالمجازاة، إلا أن الفعل المتقدم أغنى عن الجواب، كما أنك إذا قلت: أجيك إن جئت، تقديره: إن جئت أجئك، فاستغنيت عن الجواب بالفعل المتقدم. ومن قال: لِما، علق الجار جعلنا، التقدير: جعلنا منهم أئمة لصبرهم [[في "الحجة" 5/ 464، وانظر: "علل القراءات" 2/ 531.]]. قال ابن عباس: لما صبروا على دينهم [[لم أقف عليه.]]. قال مقاتل: لما صبروا على البلاء حين كانوا بمصر ما لا يطيقون [["تفسير مقاتل" 85 ب.]]. وقال ابن المبارك: لما صبروا على الدنيا [[أورده الطبري 21/ 113 عن أبي، والماوردي 4/ 366 عن سفيان. ولم أقف عليه عن ابن المبارك.]]. قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ماتوا على يقين من أمرنا [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: يعني الآيات التسع أنها من الله [["تفسير مقاتل" 85 ب.]].

السجدة 32:25

قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾ أي يقضي ويحكم. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين كذبوا النبي -ﷺ- من بني إسرائيل [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 455 غير منسوب، ولم أقف عليه عن ابن عباس.]]. ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ﴾ من الدين. ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ وذلك أنهم اختلفوا، فآمن بعضهم وكفر بعضهم. ثم خوف كفار مكة فقال:

السجدة 32:26

﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: أو لم نبين لهم [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 113، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 312، "تفسير كتاب الله" لهود بن محكم 3/ 349، "مجمع البيان" 8/ 522.]]. ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ وقال الفراء: (كم) في موضع رفع بـ ﴿يَهْدِ﴾، كأنك قلت: أو لم تهدهم القرون الهالكة [["معاني القرآن" 2/ 333.]]. قال أبو إسحاق: (وهذا لا يجوز عند البصريين [[في (أ): (المصريين)، وهو خطأ.]]؛ لأن لم لا تعمل ما قبل كم في كم لا يجزئ في قولك: كم رجل جاءني أن تقول: جائني كم رجل؛ لأن كم لا تزال عن الابتداء، وحقيقة هذا أن كم في موضع نصب بأهلكنا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 210.]]. وفيه تأويل الرفع كما تقول: قد تبين لي أقام زيد أم عمرو فتكون [[في (أ): (فيكون).]] الجملة مرفوعة في المعنى، كأنك قلت: تبين لي ذلك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 333.]]. وهذا القول قال في مثل هذه الآية في آخر سورة طه [آية: 128]. وقد ذكرنا تفسير الآية هناك. قال أبوعلي: (قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ يجوز أن يكون الجملة في موضع نصب بما دل عليه قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾؛ لأنه بمنزلة أو لم يعلموا فحمله على ذلك [["المسائل الحلبيات" ص 239.]].

السجدة 32:27

قال مقاتل: ثم وعظهم ليحذروا [["تفسير مقاتل" 85 ب.]]. فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد السيل [[لم أقف عليه.]]. ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال الفراء والزجاج: هي التي لا تنبت، وفيه أربع لغات: جرز وجرز وجرز وجُرُز، ومثله الشغل والبخل، يأتي فيه اللغات الأربع [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 333، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 211.]]. وذكرنا تفسير الجرز واشتقاقه في سورة الكهف [[عند قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ آية: 8 قال هناك: وأما المجرز فقال الفراء: الأرض لا نبات فيها، يقال: جرزت الأرض فهي مجروزة، وجرزها الجراد ما عليها.]]. قال ابن عباس: يريد أرضًا باليمن ليس فيها بحار ولا أنهار، يأتيها السيل من حيث لا يعلمون، فيزرعون عليه كلما أحبوا من الحبوب [[ذكره نحوه: الطبري 21/ 115، الماوردي 4/ 367، "مجمع البيان" 8/ 523.]]. وقال مجاهد: هي أرض [[هكذا في النسخ! والصواب: الأرض.]] التي لا تنبت بالمطر إلا بما يأتيها من السيل [["تفسير مجاهد" ص 511.]]. وهذا قول أبي عبيدة قال: إنها بناحية عدن [[لم أقف عليه عن أبي عبيدة، وقد ذكره الطبري 21/ 115 أنها أرض باليمن عن ابن عباس. وأخرج أيضًا عن مجاهد أنها أبين. وهي من بلاد اليمن. وذكر الألوسي في "روح المعاني" 21/ 140، قال: أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنها قرى بين اليمن والشام، قال: وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنها أرض باليمن.]]. وعلى هذا القول هي أرض بعينها. قال المبرد [[انظر: قول المبرد في: "القرطبي" 14/ 110.]]: على هذا القول إنها أرض بعينها، يساق إليها الماء من غير مطر يصيبها، فيأتيها السيل من نواحي فسمى جرزًا بأن المطر لا يقع فيها. قال: وهذا القول بعيد في العربية؛ لأن حق مثل هذا لا يدخل عليه الألف واللام؛ لأنه معرفة كمكة ودمشق، وجوازه إن سميت باسم مشترك كقولك: المدينة والبصرة والكوفة فمجازها مجاز نظيرها من الأسماء، كالفعل والعباس والحارث، وسبب دخول اللام على هذه الأسماء مع كونها معارف أنها أوصاف نقلت فصارت أعلامًا، وأضمرت فيها لام التعريف على ضرب من توهم روائح الصفة فيها. وقال السدي في هذه الآية: هي الأرض الميتة التي لا نبات لها، حتى إذا جاء الماء أنبتت ما يأكل الناس والدواب. ونحو هذا قال مقاتل [[أورده الطبري 21/ 115 عن ابن زيد، ولم أقف عليه عن السدي، وانظر: "تفسير مقاتل" 85 ب.]]. وهذا القول كان أجود؛ لأنه أشبه بنظائر هذه الآية من الاحتجاج على منكري البعث بإحياء الأرض الميتة، ولم يأت شيء منها في أرض بعينها. وعلى هذا القول قوله: ﴿الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ يجوز أن يكون المطر ويجوز أن يكون يريد السيل.

السجدة 32:28

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني القضي، وهو يوم البعث، يقضي الله فيه بين المؤمنين والكافرين. وقول قول قتادة ومجاهد ومقاتل، قالوا: إن المؤمنين قالوا للكافرين: إن لنا يومًا ننعم فيه ونستريح، فقالوا: متي هذا [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 116، "تفسير الماوردي" 4/ 368، "زاد المسير" 6/ 344، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 313،، تفسير مقاتل" 85 ب.]]؟ وقال السدي: هو يوم بدر، وذلك أن المسلمين قالوا لهم: لنا يوم يفتح فيه بيننا وبينكم، ينصرنا الله ويظهرنا عليكم، فقالوا: متى هذا [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 523. وذكره ابن الجوزي 6/ 345 عن السدي، قال: إنه اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب في الدنيا.]]؟ وقال الكلبي: يعني فتح مكة [[انظر: "زاد المسير" 6/ 345. وذكره الماوردي 4/ 368 عن الفراء.]].

السجدة 32:29

قال الله لنبيه -عليه السلام-: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ أي الإيمان لا ينفع يوم القضاء بين الخلق. ومن قال: إنه يوم بدر، أراد لا ينفعهم الإيمان إذا جاءهم العذاب وقتلوا. ومن قال: إنه فتح مكة، قال: هذا لمن قبله [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: من قابله.]] خالد بن الوليد من بني كنانة، وهو قول الكلبي. وأضعف الأقوال هذا القول. قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يؤخر العذاب عنهم. قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾، قال ابن عباس: نسخه السيف [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 523. "تفسير القرطبي" 14/ 112، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 314، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص381، "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله العزيز" ص 143.]]. ﴿وَانْتَظِرْ﴾ قال: يريوإنتظر موعدي لك. قال مقاتل: يعني القتل ببدر [["تفسير مقاتل" 86 أ.]]. ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ قال ابن عباس: ينتظرون بك حوادث الأزمان [[لم أقف عليه.]]، والله أعلم بالصواب. تم بحمد الله [وعونه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]. (33) سورة الأحزاب

الأحزاب 33:1

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ الآية. قال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 86 أ. وقد ذكر القصة بطولها.]]: إن أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعوار الأسلمي [[هو: عمرو بن سفيان بن عبد شمس، أبو الأعور الأسلمي مشهور بكنيته. قال مسلم وأبو أحمد والحاكم في "الكنى" له صحبه، وبه قال جماعة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: أدرك الجاهلية ولا صحبة له وحديثه مرسل. وذكره البخاري في من اسمه عمرو، ولم يذكر له صحبة، كان أميرًا لجيش الشام في عمورية سنة 23، ولم يذكر العلماء تاريخ وفاته -رضي الله عنه-. انظر: "أسد الغابة" 4/ 109، "الإصابة" 4/ 302.]] قدموا [[في (ب): (مرا).]] على رسول الله -ﷺ- المدينة بعد قتال أحد، ونزلوا على عبد الله بن أبي وقد اعطاهم النبي -ﷺ- الأمان على أن يكلموه ومعهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي -عليه السلام-: ارفض ذكر آلهتنا، وقيل: إن لها شفاعة لمن عبدها، فشق ذلك عليه وأمر عمر رحمه الله بإخراجهم من المدينة، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾. وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح [["تفسير ابن عباس" ص 350.]]. قال الفراء: اتق الله في نقض العهد؛ لأنه كانت بينهم موادعة فأمر بأن لا ينقض العهد، وذلك أنهم سألوا رسول الله -ﷺ- أشياء فكرهها، فهم بهم المسلمون [["معاني القرآن" 2/ 334.]]. وقال أبو إسحاق: معناه أثبت على تقوى الله ودم عليه [[و [[في (أ): (قاله).]] "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 213.]]. ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور والمنافقين عبد الله بن أبي وابن سعد وطعمة. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه. ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يخلقه.

الأحزاب 33:2

قال الزجاج: قوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: القرآن (¬2). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ بالياء للكافرين والمنافقين، وبالتاء على المخاطبة ويدخل فيه الغيب.

الأحزاب 33:4

قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ قال [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الأخفش: إنما هو ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه، وجاءت (من) توكيدًا، [كما تقول: رأيت زيدًا نفسه فأدخل (من) توكيدًا] [["معاني القرآن" 2/ 4780.]] [[هو: أبو معمر جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي، شهد حرب الفجار مع والده، أسلم عام الفتح مسنا وكان يلقب ذا القلبين؛ لأنهم كانوا يقولون: له قلبان في جوفه من شدة حفظه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وشهد مع الرسول -ﷺ- حنيناً. انظر: "الاستيعاب" 1/ 237، "الإصابة" 1/ 245، "أسد الغابة" 1/ 295]]. واختلفوا في سبب نزول هذا، فقال السدي وقتادة ومجاهد: نزلت في أبي معمر جميل بن معمر بن حبيب بن عبد الله الفهري (¬6) وكان ظريفًا لبيبًا حافظًا لما يسمع، وكان يقول: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، وكانت قريش تقول: إن لجميل قلبين في جوفه، وكان يسمى ذا القلبين. هذا قول ابن عباس في رواية عطاء [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 182 ب، "تفسير الطبري"، وأورده السيوطي في، "الدر" وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة، ولابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس، ولابن أبي حاتم عن السدي. وانظر: "تفسير ابن عباس" ص 350.]]. وقال في رواية أبي طيبان: إن المنافقين قالوا: [إن] [[زيادة لا يستقيم المعى بدونها وهي موافقة لما في "سنن الترمذي".]] لمحمد قلبين قلبًا معكم وقلبا مع أصحابه [[رواه الترمذي في "سننه" كتاب: التفسير، سورة الأحزاب 5/ 27، وقال: هذا حديث حسن، ورواه الحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحزاب 2/ 415، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.]]. وقال الزهري: هذا مثل ضربه الله في شأن زيد بن حارثة تبناه النبي -ﷺ- يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان، فكذلك لا يكون رجل واحد ابن رجلين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 182 ب، "تفسير السمرقندي" 3/ 36.]]. وقال مقاتل بن حيان: هذا مثل ضربه الله للمظاهر أي: فكما لا يكون لواحد قلبان كذلك لا يكون المرأة المظاهرة أمه [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: لا تكون امرأة المظاهر أمه.]] حتى يكون له أمان [[ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 506، وعزاه للزهري ومقاتل. وذكره الماوردي في "تفسيره" 4/ 377. وعزاه لمقاتل بن حيان. وذكره "الثعلبي" 3/ 182 ب، وعزاه للزهري ومقاتل.]]. والقول الأول عليه أهل التفسير [[انظر: "تفسير الطبري" 11/ 119، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 318، "تفسير الماوردي" 4/ 370.]]، والآية تكذيب للمشركين الذين قالوا: إن له قلبين، ثم قرن الله تعالى هذا الكلام بما يقوله المشركون وغيرهم مما لا حقيقة له، فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ﴾ قال أبو علي الفارسي: وزنه فاعل مثل شائي ونائي، والقياس إثبات الياء [فيه] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب).]] بعد الهمزة كما ثبتت في الشائي والنائي ونحوه، ويجوز حذف الياء منه، وحكى ذلك سيبويه فقال: من قال: اللاء بغير ياء، قال: إذا سمي به لاء؛ لأنه يصير بمنزلة باب، وصار حرف الإعراب غير الفعل التي هي الهمز [["الحجة" 5/ 466.]]. ويجوز أيضًا تخفيف الهمزة عند حذف الياء فيجعلها بين بين، وعلى هذا أنشد [[في (ب): (ينشد).]] [[البيت من الطويل، وهو لعائشة بنت طلحة في: "العقد الفريد" 7/ 102، وبلا نسبة في: "تهذيب اللغة" 14/ 346، 15/ 38، "الأغاني" 17/ 121، "الأزهية" ص 306.]]: من اللائي لم يحججن يبغين حسنة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا وقد قرأ الفراء بالأوجه الثلاثة [["معاني القرآن" 2/ 334.]]. قوله تعالى: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ أي: تتظهرون على وزن تتفعلون فأدغم التاء في الظاء. وقرأ عاصم: تظاهرون من المظاهرة، وقرأ حمزة: تظاهرون أراد تتظاهرون فحذف تاء تتفاعلون، وأدغم ابن عامر هذه التاء التي حذفها حمزة، فقرأ بفتح التاء وتشديد الظاء كل هذا لغات [[انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 534، "الحجة" 5/ 467، "الحجة في القراءات السبع" ص 288.]]. يقال: ظاهر من امرأته وتظاهر وتظهر، وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي، وكانت العرب تطلق نساءها في الجاهلية بهذه الكلمة، فلما جاء الإسلام نهوا عنها، أوجبت الكفارة على من ظاهر امرأته في سورة المجادلة. واشتقاق هذا اللفظ والقصة والحكم يذكر هناك. ومعنى الآية: ما جعل الله نساءكم التي تقولون هن علينا كظهور أمهاتنا في الحرام كما تقولون. وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الزوجة لا تكون أما [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 214.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الأدعياء جمع الدعي، وهو الذي يدعي ابنا لغير أبيه، ويدعيه غير أبيه، ومصدره: الدعوة يقال: دعِيٌّ بيَّنُ الدعوة أي: ما جعل من تدعونه ابنا وليس بولد في الحقيقة ابنا [[انظر: "الصحاح" 6/ 2336، "تهذيب اللغة" 3/ 19، "اللسان" 14/ 257.]]. قال المفسرون: نزلت في زيد بن حارثة تبناه رسول الله -ﷺ- كالعادة التي كانت في العرب في الجاهلية، فلما تزوج زينب بنت جحش -وكانت امرأة زيد- قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، فأنزل الله هذه الآية إبطالًا لما قالوا وتكذيبًا لهم أنه ابنه. وهذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم [[انظر: "الثعلبي" 3/ 183 ب، "الطبري" 21/ 119، "زاد المسير" 6/ 351، "الدر المنثور" 6/ 562 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]]. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ المفسرون على أن هذا خطاب للذين ينسبون الدعي إلى من تبناه كقولهم: زيد بن محمد، يقول الله: هذا قول تقولونه بألسنتكم ولا حقيقة وراءه، فهو قول بالفم من غير إسناد إلى أصل [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 183 ب، "بحر العلوم" 3/ 37.]] كما قال: {ذَلِكُمْ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 30]. وقال أبو إسحاق: ادعاؤكم نسب من لا حقيقة لنسبه، قول بالفم لا حقيقة له [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 214.]]. وعلى هذا الخطاب للمتبنين. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ يعني: قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ أي: لا يجعل غير الابن ابنا. ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ قال ابن عباس: يرشده إلى سبيله [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: وهو يدل على طريق الحق [["تفسير مقاتل" 87 ب.]].

الأحزاب 33:5

قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ قال ابن عباس: انسبوهم إلى آبائهم الذين ولدوهم [["تفسير ابن عباس" ص 350، "الوسيط" 3/ 458.]]. ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين. قال ابن عباس: يريد من أسلم [منكم] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] [[لم أقف على من نسب هذا القول لابن عباس.]] ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي: بنو عمكم. وهو قول ابن عباس [[لم أقف على هذا القول منسوبًا لابن عباس.]]، واختيار المبرد [["الكامل" 3/ 1212.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 215.]]. وأنشد المبرد: مهلا بنو عمنا [[في (أ): (عما).]] مهلا موالينا [[هكذا ورد في النسخ بنو! وهو خطأ، والصواب: بني؛ لأنه منادى مضاف. وهذا صدر بيت وعجزه: لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونًا. == وهو من البسيط، للفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب في: "الكامل" 3/ 1212، "الأضداد" ص 48، "الحماسة" 1/ 129، "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 125.]] قال الزجاج: يجوز أن يكون ومواليكم أولياؤكم في الدين [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 215.]]. وقال آخرون: يعني بالموالي المعتقين أي: إن كان عبدًا وأعتقه فهو مولاك، كما كان زيد بن حارثة مولى النبي -ﷺ-، وعلى هذا دل كلام مقاتل [["تفسير مقاتل" 87 ب، وذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 528، ولم ينسبه لأحد.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قال مجاهد ومقاتل: يعني فيما قلتموه قبل النهي [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 121، "زاد المسير" 6/ 706، " تفسير مقاتل" 87 ب.]]. وقال قتادة: لو دعوت رجلاً لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس [[المصدرين السابقين.]]. فعلى هذا الخطاب أن يخطئ في نسبه من غير تعمد. وذكر أبو إسحاق قولًا ثالثًا فقال: ويجوز أن يكون: (ولا جناح عليكم في أن تقولوا بما هي [[هكذا في جميع النسخ! والظاهر أنه خطأ، وعبارة الزجاج: في أن تقولوا له: يا بني على غير أن تتعمد أنه تجريه مجرى الولد.]] على غير أن يتعمد أن يجريه مجرى الولد في الإرث) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 215.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لما كان من قولكم [[في (ب): (لما كان لقومن قولكم)، وهو خطأ.]] قبل النهي رحيما بكم. قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال المفسرون: أي إذا حكم بشيء نفذ [[في (ب): (فقد)]] حكمه، ووجبت طاعته عليهم [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 183 ب، "تفسير الطبري" 21/ 122، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 324.]]. وهذا معنى قول ابن عباس وعطاء: إذا دعاهم النبي -عليه السلام- إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي أولى بهم من طاعة [[في (ب): (طاعتهم أنفسهم).]] أنفسهم [[المراجع السابقة.]]. ونحو هذا قال ابن زيد: أي ما قضى فيهم من أمر جاز كما أن كل ما قضيت على عبدك جاز [["تفسير الطبري" 21/ 122، "تفسير الثعلبي" 3/ 183 ب.]]. وعلى هذا النبي -ﷺ- أولى بكل مؤمن ومؤمنة من نفسهما، وله أن يتصرف في كل حق من حقوق المؤمنين وينفذ ذلك التصرف شاءوا أو أبوا، حتى لو زوج امرأة استغنى عن رضاها ورضا أوليائها؛ لأنه أحق بها منها بنفسها؛ لقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وروى ابن جريج عن مجاهد في تفسير قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: هو أبو المؤمن [["تفسير الطبري" 21/ 122. وذكره الماوردي 4/ 373، وقال: حكاه النقاش، "تفسير مجاهد" ص 415.]]. وهذا راجع إلى ما ذكرنا، يعني أنه كالأب للمؤمنين في وجوب طاعته وترك المخالفة عليه. ويؤكد هذا التفسير أن في مصحف أبي: "النبي عليه السلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم" [[انظر: "تفسير السمرقندي" 3/ 38، "تفسير البغوي" 7/ 208.]]. ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرؤه [[ذكره السيوطي في "الدر" 6/ 567، وعزاه للفريابي وابن مردويه والحاكم والبيهقي في "سننه".]]. وعلى هذا يجوز أن يكون يقال النبي -ﷺ- أب المؤمنين أي: في الحرمة ووجوب الطاعة كما أن أزواجه أمهات المؤمنين. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يقال: هو ابن [[هكذا في جميع النسخ! وهو خطأ، والصواب: أبو.]] المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 40] ولكن يقال: هو مثل الأب للمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ يقال: هو مثل الأب للمؤمنين كما قال -ﷺ-: "إنما أنا لكم مثل الوالد" [[هذا جزء من حديث رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-، ونص الحديث: قال رسول الله -ﷺ-: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه" الحديث أخرجه أبو داود في "سننه" كتاب. الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء 1/ 3 رقم الحديث (8)، والنسائي في "سننه" كتاب الطهارة، باب النهى عن الاستطابة بالروث 1/ 38، وابن ماجه في "سننه" كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالحجارة 1/ 114 رقم الحديث (313)، والإمام أحمد في "مسنده" 2/ 247، 250]]. ونص الشافعي رحمه الله على أنه يجوز أن يقال: هو أب المؤمنين أي في الحرمة [[انظر: "الأم" 5/ 126.]]. والذي في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي في النسب، يعني ليس أحد من رجالكم ولد صلبه. وقال السدي: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم في دينهم [[لم أقف عليه.]]. وعلى هذا هو أولى بهم من أنفسهم فيما يأمرهم به من أمور دينهم. وهذه الولاية تختص بأمر الدين كما روي عنه -ﷺ- قال: "أنا أعلم بأمور آخرتكم، وأنتم أعلم بأمور دنياكم" [[أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه"، كتاب الفضائل، باب وجوب ما قاله شرعًا دون ما ذكره -ﷺ- من معايش الدنيا على سبيل الرأي 4/ 1836 رقم الحديث (6263) عن عائشة رضي الله عنها.]] على أن جميع ما يأمر به -ﷺ- في المصلحة وامتثاله من الدين، غير أن أكثر أوامره في أمور الدين. وقال المقاتل: إن طاعة النبي أولى من طاعة بعضكم لبعض [["تفسير مقاتل" 87 ب.]]. وعلى هذا قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [[في (أ): (أنفسكم)، وهو خطأ.]] يريد من غيرهم من المؤمنين كما قال تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور:61] يعني: على إخوانكم من المؤمنين، وكقوله ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] وقد مر. ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [[في (أ): (أمهاته)، وهو خطأ.]] قال جميع المفسرين: أي في حرمة نكاحهن، فلا يحل لأحد التزوج [[في (أ): (المزوج)، وهو خطأ.]] بواحدة منهن كما لا يحل التزوج بالأم [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 122، "السمرقندي" 3/ 38، "الثعلبي" 3/ 184 أ.]]. وهذه الأمومة تعود إلى حرمة نكاحهن لا غير؛ لأنه لم يثبت شيء من أحكام الأمومة بين المؤمنين وبينهن سوى هذه الواحدة، ألا ترى أنه لا يحل رؤيتهن ولا يرثن المؤمنين ولا يرثونهن، ولهذا قال الشافعي: وأزواجه أمهاتهم في معنى دون معنى، وهو أنهن محرمات على التأبيد، وما كن محرمات في الخلوة والمسافرة وغير ذلك [[انظر: "الأم" 5/ 125.]]. وهذا ما روى مسروق عن عائشة أن امرأة قالت لها: يا أمه. فقالت: لست لك بأم، وإنما أنا أم رجالكم [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 375، "تفسير القرطبي" 14/ 123. وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 675 ونسبه لابن سعد وابن المنذر والبيهقي في "سننه".]]. فبان بهذا أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط. وعلى هذا لا يجوز أن يقال لبناتهن أخوات المؤمنين، ولا لأخوانهن وأخواتهن أخوال المؤمنين. قال أصحابنا: أزواجه اللاتي توفي عنهن رسول الله في حياته، فمنهم من قال: كانت محرمة بهذه الآية [[في (أ) زيادة: (على أنهم لو اخترن)، وهو خطأ.]]، ومنهم من قال: لم تكن محرمة؛ لقوله تعالى في آية التخيير: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: 28] الآية، فدلت هذه الآية على أنهن لو اخترن الطلاق وطلقهن حل؛ لأنهن إنما ينلن زينة الحياة الدنيا بأن يتزوجن الأغنياء بعد النبي -ﷺ-. ومن أصحابنا من فضَّل وقال: كل مطلقة كانت ممسوسة لم يحل نكاحها، وإن كانت غير ممسوسة حل نكاحها، يدل عليه ما روي أن الأشعث بن قيس تزوج بعد رسول الله -ﷺ- المستعيذة [[لم أستطع الوقوف على اسم المستعيذة بعد طول بحث، وذلك لكثرة ما ورد من روايات وأقوال، حصل في أكثر الروايات التي وردت فيها هذه القصة اضطراب، فقيل: هي الكلبية، وقيل: الجونية، ثم الاختلاف في اسمها واسم أبيها جاء على أكثر من سبعة أقوال. أيضًا قيل: إنها ماتت كمدًا بعد فراق الرسول -ﷺ- لها، وقيل: بل عاشت وتزوجت، ثم هناك خلاف في من تزوجها وهل تزوجها أو هم ثم لم يفعل، أقوال كثيرة ذكرها ابن حجر في "فتح الباري" 9/ 445 إلى 452، وكذا ذكرها القسطلاني في "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري" 12/ 10 - 14.]]، وهي التي قالت لرسول الله -ﷺ-: أعوذ بالله منك، لما دخل عليها، فقال: "الحقي بأهلك". ولما بلغ عمر -رضي الله عنه- أن الأشعث نكحها همَّ برجمه، فأخبر أن رسول الله -ﷺ- لم يمسها فتركه. قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال قتادة: وكان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وكان لا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر شيئًا فأنزل الله هذه الآية فصارت المواريث بالملك والقرابات [["تفسير الثعلبي" 3/ 184 ب، "تفسير الطبري" 21/ 1231.]] وقال الكلبي: كان النبي -ﷺ- يؤاخي بين الرجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله حتى نزلت هذه الآية، فصارت المواريث للأدني فالأدنى من القرابات [["تفسير الثعلبي" 3/ 184 ب، "السمرقندي" 3/ 38.]]. وذكرنا الكلام في هذا في آخر سورة الأنفال ﴿فِي كِتَابِ اللَّه﴾ مذكور هناك [[في آخر آية من سورة الأنفال، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.]]. قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾. قال أبو إسحاق: أي ذو الرحم أولى بذي رحمه منه بالمؤمنين [[في (ب): (منه من المؤمنين).]] والمهاجرين إذا لم يكن من ذوي رحمه [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216.]]. والمعنى أن ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالهجرة والإيمان دون رحم. و ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صلة أولى كما تقول: أنا أولى منك بهذا الأمر، والمعنى: أولى الأرحام أولى بالميراث من المهاجرين. وقد ذكر الفراء وجهًا آخر، فقال: وإن شئت جعلت من يراد بها أولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض [["معاني القرآن" 2/ 336.]]. قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ قال أبو إسحاق: (هذا استثناء ليس من الأول، المعنى: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفًا جائز [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216.]]. واختلفوا في معنى الأولياء هاهنا، فقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: إلا أن توصوا إلى أوليائكم الذين عاقدتموهم وصية [[ذكر هذا القول الطبري 21/ 124 ونسبه لابن زيد ثم رجحه. ولم أعثر على من نسبه لابن عباس.]]. وقال مجاهد: خلفاؤكم الذين والى بينهم النبي -ﷺ- من المهاجرين والأنصار [["تفسير الطبري" 21/ 124، "الماوردي" 4/ 376، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 567 عن مجاهد، وقال: أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. قال الكلبي: إلا أن يوصي الرجل لأخيه الذي آخى بينهما رسول الله -ﷺ- بوصية فيجعل ذلك من ثلث الميت [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 113.]]. وعلى هذا معنى الآية: هو أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة والمعاقدة أباح [[في (ب): (أبلغ)، وهو خطأ.]] الوصية للحليف والمعاقد والولي والمهاجر. وهذا قول ابن زيد، وابن حيان [["تفسير الطبري" 21/ 124، "الثعلبي" 3/ 184 ب.]]. قال أبو إسحاق: هو أن يوصي الرجل لمن يتولاه بما أحب من ثلثه إذا لم يكن وارثًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216.]]. وذهب قوم إلى أن المراد بالأولياء هاهنا القرابات من المشركين. قال الحسن: إلا أن يكون ذا قرابة ليس على دينك فتوصي له بالشيء، هو وليك في النسب وليس وليك في الدين [["الدر المنثور" 6/ 568، وقال: أخرجه عبد الرزاق عن قتادة والحسن، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 112.]]. قال عطاء: هو إعطاء المسلم الكافر بينهما قرابة وصية له [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 113، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 5/ 325.]]. وقال قتادة: أولياؤكم من أهل الشرك وصية ولا ميراث لهم [["تفسير الطبري" 21/ 124، "تفسير الماوردي" 4/ 376، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 567، وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وهذا قول ابن الحنفية: لذي الرحم الكافر [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 124، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 567، وعزاه لابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية.]]. وهذا معنى الآية: إن الله تعالى لما رد التوارث إلى الرحم والملك [[في (أ): (الملة)، وهو خطأ.]] أباح الوصية لذي الرحم الكافر. واختار بعضهم القول الأول، وقال: لا يجوز أن يكون المراد بالأولياء القرابة من أهل الشرك؛ لأن الله تعالى نهى عن ذلك بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1]، وعدو الله والمؤمنين لا يكونون أولياء المؤمنين [[اختار هذا القول الطبري 21/ 124 ورجحه.]]. وعلى ما ذكره الحسن لا يبعد أن يكونوا أولياء في النسب. قوله تعالى: ﴿مَعْرُوفًا﴾ كلهم قالوا: وصية، وفيه دليل على أن الوصية من باب المعروف لا من باب الواجبات، ولو كان واجبًا لكان أولى [الناس] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] بها من كان يرث ثم نزع عنه الميراث، فلما كان الوصية له في هذه الآية من المعروف دل أنه لا يجب لأحد. قوله: ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ يعني: التوارث بالهجرة والإيمان الذي كان في ابتداء الإسلام في قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 88 أ.]]. وقال ابن زيد: (كان ذلك) يعني الذي ذكر من أولى الأرحام بعضهم أولى ببعض [["تفسير الطبري" 21/ 125.]]. وقال قتادة: (كان ذلك) يعني أن المشرك لا يرث المسلم [[في (ب): (أن المسلم لا يرث المشرك).]] [["معاني القرآن الكريم" للنحاس 5/ 326، "تفسير القرطبي" 14/ 126.]]. وقال الكلبي: كان ذلك يعني الوصية، وأن يعود الفقير على الغني، وهو فعل معروف [[لم أقف عليه.]]. قوله: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد في اللوح المحفوظ [["تفسير ابن عباس" ص350، ولم أجد من نسبه لابن عباس من المفسرين حسب علمي.]]. قال القرظي: في التوراة، وهو قول الكلبي قال: كان في التوراة مكتوبًا: عليهم أن يصنع بنوا إسرائيل بعضهم على بعض معروفًا [[ذكر هذا القول وعزاه للقرظي: الطبري 14/ 126، البغوي 3/ 508، ولم أجد من نسبه للكلبي.]]. وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في آخر سورة الأنفال. قوله: ﴿مَسْطُورًا﴾ قال ابن عباس: مكتوبًا [["تفسير ابن عباس" ص 350.]].

الأحزاب 33:7

قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ قال أبو إسحاق: موضع إذ نصب، المعنى: واذكر إذ أخذنا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216.]]. وهذا يجوز أن يكون تذكيرًا للنبي -ﷺ- ذلك الميثاق، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر لقومك ذلك. قوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ قال مجاهد: في ظهر آدم [["تفسير الطبري" 21/ 126، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 327، "تفسير مجاهد" ص 514.]]. قال الزجاج: وأخذ الميثاق حيث أخرجوا من صلب آدم كالذر) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216.]]. قال ابن عباس: أخذ الميثاق على النبيين خصوصًا، يصدق بعضهم بعضًا ويتبع بعضهم بعضًا [["تفسير ابن عباس" ص 351، مع اختلاف في العبارة، وذكر هذا القول بعبارته الطبري 21/ 125، ونسبه لقتادة.]]. قال مقاتل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله أن يصدق بعضهم بعضًا وأن ينصحوا لقومهم [[" تفسير مقاتل" 88 أ.]]. وقال الكلبي: أن [....] [[مقدار كلمة مطموسة في جميع النسخ ولعلها [يصدق]. ولم أعثر على من نسب هذا القول للكلبي، وذكره الطبري منسوبًا لقتادة 21/ 125.]] بعضهم بعضًا. وقوله: ﴿وَمِنْكَ﴾ أخرجه والأربعة الذين ذكرهم من جملة النبيين؛ تخصيصًا بالذكر، وتفضيلاً على غيرهم؛ لأنهم أصحاب الكتب والشرائع، كقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 98]، وقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68]. وقدم النبي -ﷺ- في الذكر لما روى قتادة عن الحسين [[هكذا في جميع النسخ! والصحيح أنه الحسن كما جاء في كتب السنة، فقد ذكره السيوطي في "الدر" 6/ 570، وعزاه للحسن بن سفيان وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في "الدلائل" والديلمي وابن عساكر من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وبهذا أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 460.]] عن أنس أن النبي -ﷺ- قال في هذه الآية: "كنت أول المؤمنين في الخلق وآخرهم في البعث". قال أبو إسحاق: فعلى هذا لا تقديم في هذا الكلام ولا تأخير. هو على ما نسقه قال: ومذهب أهل اللغة أن الواو معناها الاجتماع، وليس فيها دليل أن المذكور أولًا لا يستقيم أن يكون معناه التأخير [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 216 مع اختلاف يسير في العبارة.]]. قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال المفسرون: أي عهدًا شديدًا على الوفاء بما حملوا، وذلك العهد الشديد هو اليمين [[في (ب): (الإيمان).]] بالله -عز وجل- [[انظر: "الوسيط" 3/ 460، "زاد المسير" 6/ 355.]].

الأحزاب 33:8

قوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾. قال مقاتل: (يقول أخذ ميثاقهم لكي يسأل الله الصادقين، يعني به: النبيين هل بلغوا الرسالة؟ [["تفسير مقاتل" 88 أ.]]. وقال مجاهد: المبلغين [المؤدين] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] من الرسل [["تفسير الطبري" 21/ 126، "التبيان في تفسير القرآن" 8/ 319.]]. وقال الكلبي: يعني النبيين عن صدقهم بالبلاغ [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 460 غير منسوب لأحد، وذكره "الماوردي" 4/ 378، وقال: حكاه النقاش مع اختلاف في العبارة.]]. وقال أبو إسحاق: معناه ليسأل المبلغين من الرسل عن صدقهم في تبليغهم، وتأويل مسألة الرسل -والله يعلم أنهم صادقين- التبكيت للذين كفروا بهم، كما قال -عز وجل-: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 116] الآية [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 217.]]. واللام من قوله: ﴿لِيَسْأَلَ﴾ متعلقة بالأخذ المذكور قبلها، والتقدير: وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا لنسألهم عن تبليغ ما حملناهم من أداء الرسالة، وإنما قال: ليسأل بالياء؛ لكون الخطاب كما يرجع من المخاطبة إلى الكناية، وتم الكلام عند قوله: ﴿صِدْقِهِمْ﴾، ثم أخبر عما أعد للكفار فقال: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾. قال الزجاج: أي للكافرين بالرسل [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 217.]]. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾.

الأحزاب 33:9

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال مقاتل وغيره من المفسرين: إن أبا سفيان بن حرب ومن معه من المشركين واليهود من قريظة والنضير تحزبوا على رسول الله -ﷺ- أيام [[في (ب): (يوم).]] الخندق، فبعث الله عليهم بالليل ريحًا باردة وبعث الملائكة، فقلعت الريح الأوتاد وأطفأت النيران، وجالت الخيل بعضها في بعض، وكبرت الملائكة في جانب عسكرهم، فانهزم المشركون من غير قتال، فأنزل الله يذكرهم إنعامه عليهم في الرفع عنهم، وهو قوله: ﴿ذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [["تفسير مقاتل" 88 أ، "تفسير الطبري" 21/ 127، "الدر المنثور" 6/ 571.]]. قال مجاهد والمفسرون: هم الأحزاب عيينة بن بدر وأبو سفيان وقريظة [["تفسير الطبري" 21/ 128، "تفسير الماوردي" 4/ 378، "الدر المنثور" 6/ 573 كلهم عن مجاهد، وزاد السيوطي حيث عزاه للفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" والبيهقي.]]. قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾. قال مجاهد: هي الصبا، أرسلت علي الأحزاب يوم الخندق حتى أكفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم [["معاني القرآن" للنحاس 5/ 328، وذكره الطبري 21/ 1291 غير منسوب لأحد، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 573، وعزاه للفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" والبيهقي عن مجاهد.]]. قوله تعالى: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾. قال: الملائكة، ولم يقاتل يومئذ [["تفسير مجاهد" ص 515 هـ.]]. قال مقاتل: ألف ملك عليهم جبريل [["تفسير مقاتل" 88 ب.]]. وقال ابن عباس: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ يريد الملائكة تهلل وتكبر وتدعو للنبي -ﷺ- وللمؤمنين بالنصر [[لم أقف عليه.]]. ثم أخبر عن حالهم من أين جاءوا.

الأحزاب 33:10

وقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ إذ بدل من قوله: ﴿إِذ جَاَءَتكُمْ جُنُودُ﴾، وإذ ظرف لإنعام الله عليهم، كأنه قيل: اذكروا إنعام الله عليكم بالكفاية حين جاءتكم جنود، حين جاءوكم ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. قال المفسرون: يعني من فوق الوادي من قبل المشرق، قريظة وعليهم حيي بن أخطب، والنضير وعليهم مالك بن عوف [[لم تذكر كتب المغازي والسير هذا الاسم ضمن قواد هذه الغزوة. لكن ذكر في غزوة حنين (مالك بن عوف النصْري) كان رئيس المشركين، ثم أسلم، وكان من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه، واستعمله النبي -ﷺ- على من أسلم من قومه.]]، وغطفان وعليهم عيينة بن حصن ومعهم طليحة بن خويلد [[هو: طليحة بن خويلد الأسدي، يقال: طليحة الكذاب؛ لأنه ارتد بعد وفاة النبي -ﷺ- وادعى النبوة، كان من فصحاء العرب وشجعانهم، أسلم بعد ردته في زمن == عمر -رضي الله عنه-، وخرج إلى العراق فحسن بلاؤه في الفتوح، واستثهد بنهاوند. انظر: "الاستيعاب بحاشية الإصابة" 1/ 229، "الإصابة" 1/ 226، "الأعلام" 3/ 230.]] في بني أسد. وقوله: ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ يعني: من بطن الوادي من قبل المغرب من ناحية مكي، أبو سفيان في قريش ومن اتبعه [["الثعلبي" 3/ 186 وما بعدها، "تفسير الطبري" 21/ 129 وما بعدها، "القرطبي" 14/ 144.]]. وقال الكلبي على الضد مما ذكرنا فقال: من فوقكم يريد من مكة، ومن أسفل منكم يريد أسد وغطفان [[ذكره ابن كثير 3/ 474، ولم ينسبه للكلبي وإنما هو من رواية حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- في حديثه الطويل المشهور بشأن تلك الغزوة.]]. ونحو ذلك قال الفراء: من فوقكم مما يلي مكة، ومن أسفل منكم مما يلي المدينة [["معاني القرآن" 2/ 336]]. قوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ ومعنى زاغت في اللغة: عدلت ومالت، يقال: زاغت الشمس تزيغ زيوغًا وزيغانًا [[انظر: "اللسان" 8/ 432 (زيغ)، "الصحاح" 4/ 1320 (زيغ).]]، قال قتادة ومقاتل: شخصت فرقًا [["تفسير مقاتل" 2/ 232، وذكره الطبري 21/ 131، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 113 منسوبًا لقتادة.]]، والشخوص غير الزيغ؛ لأن الشخوص هو أن يفتح [عينه] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] ينظر إلى الشيء فلا يطرف؛ يقال: شخص بصر الميت [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 71 (شخص)، "اللسان" 7/ 45 (شخص).]]. وإنما فسروا الزيغ بالشخوص هاهنا. لأن المعنى أن الأبصار مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا من كل جانب، كأنها اشتغلت عن النظر إلى شيء آخر فمالت عنه وشخصت بالنظر إلى الأحزاب. قال الكلبي: مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم [[لم أجد من نسب هذا القول للكلبي، وذكر نحوه الطرسي في "مجمع البيان" 8/ 532، ولم ينسبه لأحد، كما ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 358، ولم ينسبه لأحد.]]. وقال الفراء: زاغت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها [["معاني القرآن" 2/ 336.]]. متحيرة تنظر إلى عدوها، وهذا الذي ذكره شرح شاف. قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ االحنجرة: جوف الحلقوم، وكذلك الحنجور. قال قتادة: شخصت من مكأنها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 113، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 576 عنه وقال: أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. قال عكرمة: لو أن القلوب تحركت أر زالت لخرجت نفسه، ولكن إنما هو الفزع [["تفسير الطبري" 21/ 131، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 576 عنه، وقال: أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر.]]. قال ابن قتيبة: معناه وكادت القلوب تبلغ الحناجر [["تفسير غريب القرآن" ص 348.]]. و (كاد) مضمر في الآية. قال ابن الأنباري: وهو غلط؛ لأن كاد لا يضمر ولا يعرف معناه إذا لم يوجد مظهر [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 358 عن ابن الأنباري.]]. فإنه ولو جاز هذا لجاز: قام عبد الله بمعنى كاد عبد الله يقوم، فيكون تأويل قام عبد الله لم يقم عبد الله، والمعنى ما ذهب إليه الفراء، وهو أنهم جبنوا وجزع أكثرهم. وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته، فإذا انتفخت دفعت القلب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان: انتفخ سحره [[ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 517. ونسبه للفراء، وذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 461.]]، وهذا الذي ذكره الفراء وهو قول الكلبي، قال: رفعت الرئة القلب وانتفخت حتى صارت عند الحنجرة فلم ترجع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 336 مع اختلاف في العبارة.]] ولم تخرج. قال أبو سعيد: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله: فقد بلغت القلوب الحناجر. قال: فقولوا: "اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا". قال: فقلناها فضرب وجوه أعداء الله بالريح فهزموا [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 3، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 573، وعزاه لأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري.]]. وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ قال ابن عباس: يريد خفتم كثرتهم حتى قنطتم، وكان الله لكم ناصرًا [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: يعني الإياس من النصر واختلاف الأمر والنهي [["تفسير مقاتل" 88 ب.]] أن ظنونكم اختلفت، فظن بعضكم بالله النصر ورجاء الظفر والكفاية، وبعض يئس وقنط. وقال الكلبي: ظن به يومئذ ناس من المنافقين ظنونًا مختلفة، يقولون: هلك محمد وأصحابه [[ذكر هذا القول البغوي في "تفسيره" 3/ 516 غير منسوب لأحد، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 532 غير منسوب لأحد.]]. فعلى القول الأول (تظنون) خطاب للمؤمنين، وعلى قول الكلبي خطاب للمنافقين، والمؤمنون كانوا واثقين بنصر الله ووعده بالنصر لدينه ورسوله. وقال الحسن: ظنونًا مختلفة، ظن المنافقون أنه يستأصل، وظن المؤمنون أنه ينصر [[انظر: "تفسير الطبري" (21/ 132)، "الماوردي" 4/ 380، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 577، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن.]]. الظونا والرسولا والسبيلا: ثلاثة أوجه من القراءة؛ إثبات ألفاتها وقفا ووصلا، وحذفها في الحالين، وإثباتها في حال الوقف وحذفها في الوصل. قال أبو الحسن الأخفش: العرب تلحق الواو والياء والألف في أواخر القوافي، فشبهت أواخر الآي بالقوافي [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 480، وانظر: "علل القراءات" 2/ 535، "الحجة في القراءات السبع" ص 289.]]. وقال أبو علي: أواخر الآي تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع، كما كانت القوافي مقاطع فكما ثبتت قوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: 15] ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 16] في حذف الياء بنحو: من حذف [[هكذا في النسخ، وهو خطأ والصواب حذر.]] الموت أن يأتين و: إذا ما انتسبت له أنكرن [[عجزا بيتين من المتقارب للأعشى، والبيتان هما: فهل يمنعني ارتيادي البلاد ... من حذر الموت أن ياتين ومن شأني كاسفٍ وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن وهما من قصيدة طويلة يمدح بها قيس بن معد يكرب الكندي في: "ديوانه" ص 15، "الحجة" لأبي علي 3/ 219، "الكتاب" 2/ 151 - 290.]] كذلك تشبه في إثبات الألف بالقوافي) [["الحجة" 5/ 469.]]. نحو قوله: أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا [[البيت من الوافر، مطلع قصيدة لجرير في "ديوانه" 2/ 813، "خزانة الأدب" 1/ 69، "الخصائص" 2/ 106، "الكتاب" 4/ 205. والشاهد فيه: إجراء المنصوب المقرون بالألف واللام مجرى غير المقرون بها في ثبات الألف لوصل القافية؛ لأن المنون وغير المنون في القوافي سواء.]] قال أبو الفتح الموصلي: هذه الألف لإشباع الفتحة للقافية، وكذلك الواو لإشباع الضمة في القافية، والياء لإشباع الكسرة [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 471، 677، 726.]]. فمن أثبت في الوقف دون الوصل، وهو اختيار أبي عبيد [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 459، "تفسير القرطبي" 14/ 145. تقدم في سورة الأنفال.]] قال: العرب تثبت هذه الألفات في قوافي أشعارهم ومصاريفها؛ لأنها مواضع قطع وسكت، فتعمد الوقوف على هذه الألفات موافقة للخط، وإذا وصلت حذفت كما تحذف [[في (أ) جاء الكلام هكذا: كما تحذف [الكسر، فمن أثبت في الوقف دون الوصل دون الوصل] غيرها مما يثبت وهي زيادة خطأ.]] غيرها مما يثبت في الوقف، نحو التشديد الذي يلحق الحرف الموقوف عليه، قال أبو عبيد: وأكره أن يثبتها مع إدماج القراءة؛ لأنه خروج من العربية [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 145.]] لما يعد هذا عندهم جائزًا في اضطرار ولا غيره، وأما من أثبت في الوصل فوجهه أنها في المصحف ثابتة، وإذا أثبتت [[في (ب): (أثبت).]] في الخط فينبغي [[في (ب): (ينبغي).]] ألا تحذف كما لا تحذف هاء الوقف من (حسابيه) (وكتابيه) وأن يجري مجرى الموقوف عليها كما يثبت ذلك في القوافي في الوصل، وهي لغة أهل الحجاز فيما حكاه أبو الحسن) [[إلى هنا من "الحجة" 5/ 470.]]. قال [[انظر قول الأخفش في: "الخصائص" 2/ 97، ولم أقف عليه في "معانيه".]]: إنهم يثبتون الألف والواو والياء التي تلحق القوافي في الوصل، ولا ينونون كما ينونون من وصل: أقلي اللوم عاذلي والعتابن. وإذا كان كذلك فثباتها في الفواصل كما ثبتت في القوافي حسن، وأما من طرحها في الحالين فإنه لم يعتد بها ولم يشبه [المنثور بالمنظوم] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] وفيه مخالفة لخط المصحف [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 132، "الحجة" 5/ 468، "الحجة في القراءات السبع" ص 289، "البحر المحيط" 8/ 458، "الدر المصون" 9/ 98.]].

الأحزاب 33:11

قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾ يقال: هنا للقريب من المكان، وهنالك للبعيد، وهناك للوسيط بين القريب والبعيد، وسبيله سبيل ذا وذلك وذاك، وذكرنا فيما تقدم [[عند قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)﴾. آية 38.]] أن هنالك يجوز أن يشار به إلى المكان وإلى الوقت، والمراد بقوله (هنالك) في هذا الموضع الإشارة إلى الوقت الذي تقدم ذكره، وهو قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾. قال مقاتل: يعني عند ذلك [["تفسير مقاتل" 88 ب.]]. وقال أبو إسحاق: أي في ذلك المكان [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219 مع اختلاف في العبارة.]]. وقوله: ﴿ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال الفراء والزجاج: اختبروا [["معاني القرآن" 2/ 336، "معاني القرآن وإعرابه للزجاج" 4/ 219.]]. وقال مجاهد: محصوا [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 132، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 5/ 330.]]. أي: ليتبين المخلص من المنافق؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: 141] وقد مر، قال مقاتل: ابتلي المؤمنون بالقتال والحصر [["تفسير مقاتل" 88 ب.]]. وقال عطاء: بالجزع [[لم أعثر على من ذكر هذا القول من المفسرين.]]. قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ أي: أزعجوا وحركوا، يقال: زل فلان عن مكانه وزلزله غيره. ﴿زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾، قال أبو إسحاق: ويجوز فتح الزاي والمصدر من المضاعف يجيء على فعلال وفعلال نحو: قلقلته قلقالًا وقلقالًا والكسر أجود؛ لأن غير المضاعف من هذا البناء مكسور الأول نحو: دحرجته دحراجًا، لا يجوز فيه غير الكسر [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 218 مع اختلاف في العبارة.]]. وقال الفراء: الزلزال بالكسر المصدر وبالفتح الاسم، وكذلك الوِسواس والوَسواس [["معاني القرآن" 3/ 283.]]. قال الكلبي ومقاتل: جهدوا جهدًا شديدًا [["تفسير مقاتل" 88 ب، ولم أجد من نسب القول للكلبي.]]. وقال عبد الله بن مسلم: أي شدد عليهم وهول [["تفسير غريب القرآن" ص 348.]]. والزلزال: الشدة والزلزال: الشدائد، وأصلها من التحريك. وقال أبو إسحاق: (أزعجوا إزعاجًا شديدًا) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.]]. والمعنى أن من كان بصدد ما يخاف ويحذر لم يستقر على مكانة، بل يكون منزعجًا مضطربًا متحركًا، وهذه الآية إخبار عن ابتلائهم بالشدة والخوف ليظهر الصابر من الجازع والمؤمن من الشاك، ألا ترى كيف ظهر نفاق المنافقين، حيث أخبر عنهم بقوله:

الأحزاب 33:12

﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾. قال الزجاج: موضع (إذ) نصب، المعنى: واذكر إذ يقول المنافقون [[المرجع السابق.]]. قال ابن عباس: يعني أوس بن قبطي [[هو: أوس بن قبطي بن عمرو بن زيد بن جشم الأنصاري الأوسي، شهد أحدًا مع الرسول -ﷺ- يقال: إنه كان منافقًا، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 1/ 55، و"الإصابة" 1/ 98، "أسد الغابة" 1/ 148.]] ومعتب بن بشير [[هو: معثب بن بشير، ويقال بن قشير الأوسي الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا. وقال ابن هشام بأنه ليس من المنافقين. وقيل: إنه تاب مما قاله يوم أحد. انظر: "الاستيعاب" 3/ 442، "الإصابة" 3/ 422، "أسد الغابة" 4/ 394.]] وطعمه بن أبيرق وسهل بن الحارث [[لم أقف له على ترجمة]] ووداعة [[لم أقف له على ترجمة.]] وعبد الله بن أبي، وعدة نحوًا من سبعين رجلاً، قالوا يوم الخندق: إن محمدًا يعدنا أن يفتح مدائن كسرى وقيصر واليمن، ونحن لا نأمن أن نذهب [[في (ب): (يذهب)، وهو خطأ.]] إلى الخلاء [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 462 دون تسمية المنافقين.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال قتادة: قال أناس من المنافقين: يعدنا محمدًا [[هكذا في جميع النسخ! والصواب: محمدث لأنها فاعل.]] أن يفتح [[في (أ): زيادة: (يعدنا محمدًا قصور اليمن وفارس والروم ولا يستطيع أحدنا أن يبرز إلى [ثم وضع نقط هكذا] أن يفتح قصور الشام وفارس)، وهو خطأ.]] قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله [[انظر: "تفسير ابن جرير" 21/ 133، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 577 وقال: أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.]]. وقال مقاتل: قال معتب: يعدنا محمد قصور اليمن وفارس والروم، ولا يستطيع أحدنا أن يبرز إلى الخلاء، هذا والله هو الغرور [["تفسير مقاتل" 88 ب.]]. وقال محمد بن إسحاق عن أشياخه: قال معتب أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن يأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لايقدر يذهب إلى الغائط [[انظر "تفسير الطبري" 21/ 133 ونسب القول لقتادة ولمجاهد، وذكر السيوطي في "الدر" 6/ 577، وعزاه لابن أبي حاتم عن قتادة والسدي.]].

الأحزاب 33:13

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: من المنافقين، قال بعضهم لبعض: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ في عسكر رسول الله -ﷺ- ليس لكم به موضع إقامة. قال مقاتل: هم بنو سالم من المنافقين [["تفسير مقاتل" 89 أ.]]. وقال السدي: يعني عبد الله بن أبي وأصحابه [[انظر: "الكشاف" 3/ 230، "زاد المسير" 6/ 359، "تفسير الماوردي" 4/ 381.]]. وقال ابن عباس: قالت اليهود للمنافقين: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 148.]]. قال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض المدينة، ومدينة الرسول -عليه السلام- في ناصية منها، وأنشد لحسان مما قاله في الجاهلية [[البيت من الطويل، وهو لحسان في "ديوانه" ص 369. "مجاز القرآن" 2/ 134.]]: سأهدي لها في كل عام قصيدة ... وأقعد مكفيا بيثرب مكرما وروي أن النبي -ﷺ- نهى أن يقال للمدينة: يثرب، وسماها طيبة [[أخرج الإمام أحمد في "مسنده" 4/ 285 عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة هي طابة" وذكره ابن كثير في "التفسير" 5/ 343، وقال: تفرد به الإمام أحمد، وهو ضعيف.]] كأنه كره ذكر الثرب؛ لأنه فساد في كلام العرب، يقال: شرب وأثرب وثرب إذا وسخ وأفسد [[نظر: "اللسان" 1/ 234 (ثرب).]]. ذكرنا ذلك في قوله ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92]. قوله: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾. قال أبو إسحاق: لا مكان لكم تقيمون فيه [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.]]. والمقام اسم الموضع، يقال: مقام إبراهيم، ومنه قيل للمجلس والمشهد: مقام ومقامة. قال الله تعالى: ﴿وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء 58، الدخان:26]. قال الشاعر: فأيي ما وأيك [[في (ب): (ما واك).]] كان شرًّا ... فقيد إلى المقامة لا يراها [[البيت من الوافر، وهو للعباس بن مرداس في "ديوانه" ص 148، "خزانة الأدب" 4/ 367، "الكتاب" 2/ 402، "لسان العرب" 12/ 506، "الحجة" 5/ 471. المقامة: بالضمة المجلس وجماعة الناس، والمراد: أعماه الله حتى صار يقاد إلى مجلسه.]] ودخلت التاء كما دخلت على المنزلة والمقامة، والمقامة موضع ثواء ولبث. وقرأ عاصم: لا مقام لكم بضم الميم [["الحجة" 5/ 471، "الكشف عن وجوه السبع وعللها وحججها" 2/ 195.]]. قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 337.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.]]: من ضم الميم كان المعنى: لا إقامة لكم، يقال: أقمت إقامة ومقامًا. وقال أبو علي: يجوز في قول من ضم الميم أن يكون المعنى: لا موضع إقامة لكم، وهذا أشبه؛ لأنه في معنى من فتح، يقال: لا مقام لكم [["الحجة" 5/ 471.]]. والمقام بضم الميم يكون [[في (ب): زيادة: (يكون المعنى لا موضع)، وهو خطأ.]] مصدرًا ويكون اسمًا لموضع الإقامة. وقوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾ قال المفسرون: أي إلى المدينة، وذلك أن رسول الله -ﷺ- والمسلمون خرجوا عام الخندق حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع والخندق بينه وبين القوم، فقال هؤلاء الذين يثبطون الناس عن رسول الله -ﷺ-: ليس لكم هاهنا موضع إقامة؛ لكثرة العدد وغلبة الأحزاب، فارجعوا إلى المدينة [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 135، "تفسير الماوردي" 4/ 382، "مجمع البيان" 8/ 545، "زاد المسير" 6/ 360.]]. قوله -عز وجل-: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ أي: في الرجوع إلى المدينة. قال مقاتل: وهم بنو حارثة وبنو سلمة قالوا للنبي -ﷺ- إن بيوتنا عورة [["تفسير مقاتل" 89 أ.]]. قال الليث: العورة سوأة الإنسان وكل أمر يستحي [[في (أ): (يستحق)، وعلق في الهامش: يستحي.]] منه فهو عورة، والنساء عورة، والعورة في التفود وفي الحروب: خلل تخوف منه القتل. قوله: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾: أي ليست بحريزة. ويقال في التذكير [[في (ب): (بالتذكير).]] والتأنيث والجمع عورة لمصدر [["تهذيب اللغة" 3/ 173 (عار).]]. قال الزجاج: يقال: عور المكان يور عورا وعورة فهو عور، وبيوت عورة، وعورة على ضربين فمن سكن كان المعنى: ذات عورة) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220 مع اختلاف يسير.]]. قال الفراء: يقال: أعور منزلك إذا بدت منه عورة، وأعور الفارس اذا كان فيه موضع خلل للضرب، وأنشد: له الشدة الأولى إذا القرن [[في (ب): (القرآن)، وهو خطأ.]] أعورا [["معاني القرآن" 2/ 337. وهذا شطر بيت لم أهتد إلى تمامه وقائله. قال الفراء: أنشدني أبو ثروان، وفي "تهذيب اللغة" 3/ 172، و"اللسان" 4/ 617 (عور) وقال: إنه في وصف أسد.]] .. وقال ابن قتيبة: أصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ، وكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت، فإذا ذهبوا عنها أعورت البيوت، تقول العرب: أعور منزلك إذا ذهب سترها وسقط جدارها، وأعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب والطعن [["تفسير غريب القرآن" ص 348.]]. قال مجاهد والحسن ومقاتل: قالوا: بيوتنا ضائعة [[طمس في (ب).]] نخشى عليها السرق [[انظر: "تفسير الطبري" 11/ 1361، "تفسير مقاتل" 2/ 272، "مجمع البيان" للطبرسي 8/ 545.]]. وقال قتادة: قالوا: بيوتنا مما يلي العدو، ولا نأمن على أهالينا [[انظر: "تفسير الطبري" 11/ 136، "مجمع البيان للطبرسي" 8/ 545.]]. وقال الكلبي: بيوتنا عورة أي خلاء [[في (أ): (خال)، وهو خطأ.]] يعني من الرجال [["تفسير الماوردي" 4/ 383.]]. وقال أبو إسحاق: فكذبهم الله وأعلم أن قصدهم الهرب والفرار [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.]] فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ قال مقاتل: ما يريدون إلا فرارًا من القتال ونصرة النبي -ﷺ- [["تفسير مقاتل" 89 أ.]].

الأحزاب 33:14

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾. قال مقاتل والفراء: لو دخلت عليهم المدينة [["تفسير مقاتل" 89 أ، "معاني القرآن" للفراء 2/ 337.]]. وقال الزجاج: لو دخلت البيوت [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.]]. يعني: لو دخلها عليهم هؤلاء الذين يريدون القتال وهم الأحزاب من أقطارها من نواحيها، واحدها قطر، والقطر والفتر الجانب الواحد والناحية. قوله: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ يعني: الشرك في قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 136، "معاني القرآن" للفراء 2/ 337، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 333، "زاد المسير" 6/ 361.]]. وقال الزجاج: أي قيل لهم: كونوا على المسلمين مظهرين الفتنة لفعلوا ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.]]. قال ابن عباس ومقاتل: يقول الله لو أن الأحزاب دخلوا المدينة ثم أمروهم بالشرك لأشركوا [[انظر: "مجمع البيان" للطبرسي 8/ 545. "تفسير ابن عباس" ص 351، "تفسير مقاتل" 89 أ.]]. وقال الكلبي [[لم أقف على قول الكلبي.]]: يقول لو دخل عليهم من أطراف المدينة الخيل والرجال، ثم دعوهم إلى الشرك بالله لأعطوا ذلك وهو قوله: ﴿لَآتَوْهَا﴾ أي: لما امتنعوا منها. وقرأ الحجازيون: لأتوها قصرًا أي: لفعلوها [[انظر: كتاب "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" 2/ 196.]]. قال الفراء: من قولك: أتيت الشيء إذا فعلته، تقول: أتيت الخير أي فعلت الخير، والمعنى: ثم سئلوا فعل الفتنة لفعلوها [[لم أقف على قول الفراء في معاني القرآن له، ولا فيما لدي من مراجع.]]. وقال الزجاج: من قرأ بالقصر كان المعنى لقصدوها [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.]]. والاختيار المد؛ لقوله: سئلوا، فالإعطاء مع السؤال حسن. قاله الفراء وأبو علي [["معاني القرآن" 2/ 337، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 472.]]. وقال أبو عبيد [[لم أقف على قول أبي عبيد.]] قد جاءت الآثار في الذين كانوا يفتنون بالتعذيب في الله أنهم أعطوا ما سألهم المشركون غير بلال، وليس في شيء من الحديث أنهم جاءوا ما سألوهم، ففي هذا اعتبار للمد. قال أهل المعاني: هذا إخبار عن ظهور فضيحتهم وعدم نصرتهم عند وقوع الشدة بإبداء المكتوم وإعطاء الفتنة وإظهار الردة [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 334، للفراء 2/ 337، للزجاج 4/ 220.]]. قوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ قال ابن عباس: لم يلبثوا باعطاء الشرك إلا يسيرًا [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 545، "تفسير ابن عباس" ص 351.]]. وقال مقاتل: وما أحسوا من الشرك إلا قليلاً حتى يعطوها طائعين [["تفسير مقاتل" 89أ.]]. وقال قتادة: وما أحبسوا من الإجابة إلى الكفر إلا قليلاً، وهذا قول أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 11/ 136، "مجمع البيان" 8/ 545، "زاد المسير" 6/ 361.]]. وقال السدي: وما تلبثوا بها أي: بالمدينة إلا يسيرًا بعد إعطاء الكفر حتى يهلكوا [[انظر: "زاد المسير" 6/ 362، "تفسير القرطبي" 14/ 150.]]. وقال الحسن: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلاً حتى يعذبوا. وهذا القول اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 337.]] وابن قتيبة [["غريب القرآن" ص 349. وانظر: "مجمع البيان" 8/ 545، "القرطبي" 14/ 150.]]. والكناية في (بها) على القول الأول تعود إلى الفتنة، يقال: تلبث بالشيء تربص به إذا آخره ومنعه. وعلى القول الثاني يعود إلى المدينة، وهي مذكورة في قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾. وروى عطاء عن ابن عباس قولًا ثالثًا فقال: يريد لم يقيموا مع النبي -ﷺ- في حرب ولا دين [[لم أقف عليه.]]. وعلى هذا قوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا﴾ ابتداء إخبار عنهم أنهم لم يقيموا هناك، ورجعوا إلى بيوتهم وليس عطفًا على ما قبله، والكناية في (بها) تعود إلى غير مذكور على تقدير: وما تلبثوا بالمعركة، وبالمقامة [[في (ب): (ولا بالمقامة).]]، وهذا أضعف الأقوال. وذكر أبو علي هذه الآية في "المسائل الحلبية" فقال: (من قرأ: لآتوها بالمد فلمكان المسألة، كأنه لو سئلوا لأعطوها ولأتوها من الإتيان حسن؛ لأن قوله: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ دليل على أنهم يسألون النبي -ﷺ- ترك الإتيان والوقوف معه، فكان المعنى: ويستأذن فريق منهم النبي في أن لا يأتوه لاشتغالهم بحفظ بيوتهم المعورة في زعمهم. ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي: لو بلغت البيوت في أعوارها أن دخل عليهم من جوانبها كلها لفرط عوارها، ثم سئلوا معونة العدو على المسلمين، لأتوها وأسرعوا إليها ولم يعتلوا عليهم بأن بيوتهم معورة كما اعتلوا به في تأخرهم عن النبي -ﷺ- والمسلمين ونصرهم، فالمعنى: يستأذنون النبي في أن يقعدوا عنه ولم يأتوه، وهم يأتون العدو لينصروهم ويعينوهم على المسلمين لو سألوهم، فالقراءة بالقصر أشكل بما قبله وما بعده [[(ما) ساقطة من (أ).]]. ألا ترى أن بعدها: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ومن قرأ بالمد فهو راجع إلى هذا؛ لأن إعطاء الفتنة هو راجع إلى هذا؛ لأن إعطاءهم الفتنة معونتهم على المسلمين وإتيانهم العدو ناصرين [[في (ب): (قاصدين).]]. فأتوها بالقصر أشد إبانة للمعنى المراد بهذه الآية، فالمعنى قريب من قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في نصرتهم وهذا مثل قوله: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ لأن في الموضعين دلالة على المعونة على المسلمين وعلى أنهم غير مسافلين [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: متثاقلين.]]. وقوله: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ يقرب من قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ لآية، إلا أنهم في هذه الآية كأنهم أشد يأسًا من [[هكذا هي في جميع النسخ! وفي "المسائل الحلبيات" في.]] النصرة لقطعهم على أن ما وعد الله والرسول به غرور، ويجتمعان في الإخبار عنهم بأن قلوبهم لم تثلج بالإيمان ولم تسكن إلى قول الرسول والإيمان والقرآن وما اجترءوا [[هكذا في جميع النسخ! وفي "المسائل الحلبيات": (ما أخبروا به)، وهو الصواب.]] به من الظفر ووعدوا به من الفتح والنصر في قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33، الفتح: 28، الصف: 9]) [["المسائل الحلبيات" ص 360 - 362 مع اختلاف يسير في العبارة.]]، وقوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56]، وقوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي: تلبثوا بدورهم إلا زمانًا قليلًا حتى يأتوا العدو ناصرين لهم عليكم، ويجوز أن يكون المعنى: لو أتوا العدو ناصرين لهم ومظهرين ما هم مبطنون لاستؤصلوا بالسيوف ويغلبوا كما غلب العدو، ونزل بهم من العذاب ما يهلكهم إذا باينوكم في الدار. ثم ذكرهم الله تعالى عهدهم مع النبي -ﷺ- بالثبات في المواطن فقال:

الأحزاب 33:15

﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل الخندق أن لا ينهزموا ولا يولون العدو ظهورهم. وقوله: ﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ أراد عاهدوا أن لا يولون فلما حذف (أن) عاد الفعل إلى الرفع كقول طرفة: ألا أيُّهذا الزاجري أحضر الوغا [[صدر بيت من الطويل، وعجزه: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي. وهو لطرفة في "ديوانه" ص 32، "خزانة الأدب" 1/ 119، "الإنصاف" 2/ 560، "سر صناعة الإعراب" 1/ 285. والشاهد فيه: قوله: أحضر، حيث روي بالرفع على حذف أن الناصبة وارتفاع الفعل بعدها، وروي بالنصب بإضمار أن.]] البيت. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أي عنه، فحذف للعلم به، كقوله في سورة بني إسرائيل: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، وقد مر. وقال صاحب "النظم": معنى مسئولًا هاهنا مطلوبًا بمعنى مطالبًا به ممن صنعه، كما تقول: أسألك حقي أي: أطالبك حقي، أخبر الله تعالى أنهم يسألون في الآخرة عن عهدهم.

الأحزاب 33:16

ثم أخبر أنهم إن جبنوا عن العرب وخذلوا النبي -ﷺ- وأصحابه حرصًا على الحياة، وخوفًا من الموت لم ينفعهم ذلك، فقال قوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ قال ابن عباس: لأن المراد إذا حضر أجله مات أو قتل [[انظر: "الوسيط" 3/ 463، ولم أجد من نسب هذا القول لابن عباس غير الواحدي.]]. قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لا يمتعون في الدنيا بعد الفرار إن فررتم إلا مدة آجالكم. قال الربع بن خيثم [[هو: الإمام العابد أبو يزيد الربيع بن خيثم الثوري الكوفي، أدرك زمان النبي -ﷺ- وأرسل عنه، وكان يعد من عقلاء الرجال، روى عن عبد الله بن مسعود، وأبي أيوب الأنصاري وغيرهما، وعنه روى الشعبي والنخعي ومنذر الثوري وغيرهم، توفي رحمه الله قبل سنة 65 هـ انظر: "الطبقات الكبرى" 6/ 182، "حلية الأولياء" 2/ 105، "السير" 4/ 258.]]: القليل ما بينهم وبين الأجل [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 138، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3121، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 560، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر.]]. وقال الكلبي: تمتعون إلى آجالكم، وهو القليل؛ لأن كل ما هو آت قريب [[لم أقف عليه عن الكلبي، وأورده القرطبي 14/ 151، ولم ينسبه.]].

الأحزاب 33:17

ثم أخبر أن ما قدر عليهم وأراده بهم لم يدفع عنهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يجيركم ويمنعكم منه. ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾ قال الكلبي: هلاكًا [[لم أقف على هذا القول.]]. وقال مقاتل: يعني الهزيمة [["تفسير مقاتل" 89 ب.]]. ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال: يعني: خير، وهو النصر [[المرجع السابق.]]. وقال الكلبي: هي العافية [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 420.]]. هذا كله أمر للنبي -ﷺ- أن يخاطبهم بهذه الأشياء، ثم يخبر عنهم مؤكدًا لما سبق بقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني قريبًا ينفعهم ولا ناصرًا ينصرهم [["تفسير مقاتل" 89 ب، ولم أقف على من نسبه لابن عباس.]].

الأحزاب 33:18

قوله ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ العوق والاعتياق والتعويق بمعنى، يقال: عاقه واعتاقه وعوقه إذا صرفه عن الوجه الذي يريده، والتعويق: ترغيب الناس عن الخير، ورجل عوقة: يعوق الناس عن الخير. قال المفسرون: هؤلاء قوم من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي -ﷺ-، وذلك أنهم قالوا: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحماً لألهتهم [[هكذا في النسخ! والصحيح: لالتقمهم.]] أبو سفيان وحزبه، فخلوهم وتعالوا إلينا. وهذا قول ابن عباس وقتادة [[انظر: "تفسير مقاتل" 89 ب، "تفسير البغوي" 3/ 517، "الجامع لأحكام القرآن" 14/ 151، وقد نسبه لمقاتل وقتادة وغيرهما، ولم أجد من نسبه لابن عباس.]]. [والقائلين في هذا القول هم المعوقون. وقال مقاتل: (المعوقين) هم المنافقون، عبد الله بن أبي وأصحابه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، وكتب بالهامش.]] و (القائلين) هم اليهود، وذلك أن اليهود أرسلوا إلى المنافقين أيام الخندق فقالوا: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بأيدي أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم هذه المرة ما استبقوا منكم أحدًا، وإنا نشفق عليكم؛ فإنكم إخواننا ونحن جيرانكم هلم إلينا، فأقبل المنافقون على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه، فذلك قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ يعني: المنافقين، ويعلم (القائلين لإخوانهم) يعني اليهود حين دعوا إخوانهم المنافقين: (هلم إلينا) [["تفسير مقاتل" 89 ب.]]. وذكرنا الكلام في (هلم) في سورة الأنعام [[عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ الآية: 150.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لا يحضرون القتال في سبيل الله، قاله ابن عباس وغيره [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 351، وبه قال قتادة. انظر: "تفسير الطبري" 21/ 139، "تفسير الماوردي" 4/ 385.]]. (إلا قليلاً). قال الكلبي ومقاتل: إلا رياء وسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرًا [["تفسير مقاتل" 90 أ، ولم أجد من نسبه للكلبي، ونسبه الماوردي للسدي 4/ 385.]]، وهذا كقوله في صفتهم أيضًا: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]. وقال أبو إسحاق: (لا يأتون العرب مع أصحاب النبي -ﷺ- إلا تعذيرًا يوهمونهم أنهم معهم).

الأحزاب 33:19

قوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ منصوب على الحال، المعنى: يأتون العرب بخلا عليكم، قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.]]. وأشحة: جمع شحيح، مثل دليل وأدلة، وعزيز وأعزة. قال الفراء: (ويجوز أن يكون حالًا من ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ المعنى: يعوقون أشحة، وإن شئت من ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: وهم هكذا. قال: ويجوز أن يكون نصبًا على الذم كما ينصب على المدح، مثل قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: 61]) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 338 مع اختلاف في العبارة.]]. قال مجاهد وقتادة والكلبي: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بالغنيمة والخير والمنفعة في سبيل الله [[انظر: "الدر المنثور" 6/ 581، وقال: أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، وابن أبي حاتم عن السدي، وابن أبي حاتم عن قتادة. وانظر: "تفسير مقاتل" 90 أ، "مجمع البيان" 8/ 546، "ابن أبي حاتم" 9/ 3121.]]. قال ابن عباس: يريد بالنصر [[لم أجد من نسبه لابن عباس فيما لدى من مراجع.]] والمعنى: لا ينصرونكم، ثم أخبر عن حالهم [[في (أ): (حكيم)، وهو خطأ.]] عند الخوف، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ قال مقاتل: يعني القتال [["تفسير مقاتل" 90 أ.]]. ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. قال ابن عباس: يريد نظر المغشي عليه من الموت، يريد كما تدور عين الذي في السياق [["تفسير ابن عباس" ص 352.]] هذا كلامه. ولقوله: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [[في (أ) زيادة: (إليك بالصفة التي ذكر تدور أعينهم)، وهو خطأ.]] تأويلان: أحدهما: أنهم يلوذون بك من الخوف فلا يرفعون بصرهم عنك، والثاني: أن معناه: بيان حالتهم عد الخوف، يقال: ينظرون إليك بالصفة التي ذكر تدور أعينهم، ليس معنى الدوران هاهنا الاضطراب والحركة؛ لأن عين الخائف لا توصف بذلك، وإنما توصف بالشخوص والحيرة، يؤكد هذا أنه شبه أعينهم بعين الذي يغشى عليه من الموت، وعينه تشخص فلا تطرف، ويقال للميت: دارت عينه ودارت حماليق عينه إذا شخص بصره فلم يطرف، وكذلك فعل الفزع الواجد ينظر إلى الشيء شاخص البصر لذهوله بالخوف. قوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ يعني: كعين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي قرب من حالة الخوف وغشيته أسباب الموت، يقال: غشي عليه فهو مغشي عليه، وهو الغشية، وكذلك غشية الموت، والذي يغشي عليه من الموت هو الذي يذهل ويذهب عقله [[انظر: "اللسان" 7/ 45 (شخص)، "الصحاح" 3/ 1042 (شخص).]]. وقوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ أي: زال وجاء الأمن والغنيمة. ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ قال الليث: (يقال: سلقته باللسان، أي: أسمعته فأكثرت، ولسان مسلق: حديد ذلق) [["تهذيب اللغة" 8/ 403، (سلق).]]. قال أبو عبيدة: (ويقال: سلق، أي: رفع صوته، ومنه قوله -ﷺ-: "ليس منَّا مَنْ حلق أو سلق" [[الحديث أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية 1/ 100 عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله -ﷺ- قال: "أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق" والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 396، وأبو داود في "سننه" كتاب: الجنائز، باب: في النوح 3/ 194 كلهم عن أبي موسى. قال في "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود" 8/ 285: ومعنى قوله: "ليس منا" أي: ليس من أهل سنتنا وطريقتا الكاملة، وقوله: "من حلق" أي حلق شعره عند المصيبة، "وسلق" بالسين المهملة، ويروى بالصاد المهملة، أي: رفع صوته بالبكاء، "وخرق" أي: شق ثوبه، وكان ذلك من صنيع أهل الجاهلية. أهـ.]] أي: رفع صوته عند المصيبة، ومنه قيل: خطيب مسلق ومسلاق وسلاق. قال الأعشى: فيهم الحزم والسماحة والنجدة ... فيهم والخاطب السلاق [["مجاز القرآن" 2/ 135 مع اختلاف في العبارة. وانظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 97/ 1.]] [[البيت من الخفيف، وهو للأعشي في "ديوانه" ص 265، "تهذيب اللغة" 8/ 402، "اللسان" 10/ 160 (سلق).]] ويروى: المسلاق. وقال الفراء: معناه: عصوكم وآذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذرية [["معاني القرآن" 2/ 339. وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 403.]]. وقال المبرد [[لم أقف على قول المبرد. وانظر:"تفسير القرطبي" 14/ 153، "زاد المسير" 6/ 366.]]: يقال: سلق فلان بلسانه، إذا غلظ في القول مجاهرًا، وخطيب سلاق إذا كان ماضيًا في خطبته معلنًا، ويقال للمرأة البدنة: قد سلقت، إذ رفعت صوتها، وأنشد قول الأعشى. قال أبو إسحاق: (معنى سلقوكم: خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 221.]]. وقال ابن قتيبة مثل قول الفراء، ثم قال: وأصل السلق الضرب [["تفسير غريب القرآن" ص 349.]]. قال ابن عباس: أي: استقبلوكم بالأذى [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 141، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3122، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 581، وزاد نسبته لابن المنذر.]]. وقال ابن زيد: كلموكم بألسنة ذرية، أي: آذوكم بالكلام [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 141.]]. وقال قتادة: يعني بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا فلستم بأحق فيها منا، فأما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأ قوم، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق، وهذا قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 141، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3122 عن قتادة، "مجمع البيان" 8/ 546.]]. وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد يتناولونكم بألسنة حداد، يريد بنعون فيكم وينتقصونكم ويغتابونكم [["تفسير ابن عباس" 352، "تفسير البغوي" 3/ 518.]]. فعلى القول الأول سلقهم [[في (أ): (سلقتم)، وهو خطأ.]] خصومتهم ورفعهم الصوت في طلب الغنيمة. وعلى القول الثاني: سلقهم تنقصهم وبسطهم [[في (اْ): (بسطتهم).]] اللسان بالغيبة. وقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْر﴾ أي: بخلاء بالغنيمة يشاحون المؤمنين عند القسمة، هذا قول المفسرين. وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿عَلَى الْخَيْرِ﴾ يريد على المال، لا ينفقون في سبيل الله [[ذكر هذا القول الماوردي 4/ 386 ونسبه للسدي، والقرطبي 14/ 154 ونسبه للسدي كذلك، وانظر: "تفسير ابن عباس" ص 352.]]. وانتصب (أشحة) على الحال من قوله: سلقوكم، أي: خاطبوكم، وهم أشحة على المال والغنيمة. ثم أخبر أنهم غير مؤمنين وإن أظهروا كلمة الإيمان. قوله: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾. قال أبو إسحاق: (أي: هم وإن أظهروا كلمة الإيمان ونافقدا فليسوا بمؤمنين) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 221.]]. وقال مقاتل: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: لم يصدقوا بتوحيد الله [["تفسير مقاتل" 90 أ.]]. ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال مقاتل: أبطل الله جهادهم؛ لأن أعمالهم الحسنة وجهادهم لم يكن في إيمان [[المرجع السابق.]]. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ يعني: إحباط أعمالهم. ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد سهلًا أن يحبط أعمالهم ويعذبهم على النفاق [["تفسير ابن عباس" ص 352.]].

الأحزاب 33:20

ثم أخبر بما دل عليه جبنهم بقوله: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ الأحزاب: الجماعات، واحدها حزب، وهم كل طائفة هواهم واحد، فالمؤمنون حزب الله، والكافرون حزب الشيطان، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضًا بمنزلة عاد وثمود وفرعون أولئك الأحزاب، وتحزب القوم: إذا تجمعوا فصاروا أحزابًا، وحزب فلان أحزابًا، أي: جمعهم. قال ابن عباس: يقول بحسب هؤلاء المنافقين أن الأحزاب [[في (ب): (الآخرة)، وهو خطأ.]] معسكرون مقيمون [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 9/ 3122 نحوه عن مجاهد قال: يحسبونهم قريبًا لم يبعدوا.]]. وقال مقاتل: من الخوف والرعب الذي نزل بهم يحسبون الأحزاب لم يذهبوا إلى مكة [[" تفسير مقاتل" 2/ 273.]]. قال أبو إسحاق: (أي: يحسبون الأحزاب بعد انهزامهم وذهابهم لم يذهبوا، لجبنهم وخوفهم منهم) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 221.]]. وقوله ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ يقول: وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال. ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد: يتمنى المنافقون لو كانوا في البادية [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 361، "تفسير القرطبي" 14/ 154.]]. وقال الكلبي: يقول: خارجون في الأعراب من الرهبة [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: المصدرين السابقين.]]. والبادون خلاف الحاضرين، ويقال: بدا يبدو إذا خرج إلى البادية، وهي البَداوة والبداوة، ويقال للقوم البادين: بادية، وللموضع الذي بدوا إليه: بادية، وأصل هذا من البدو الذي هو الظهور والبروز، ومعنى الآية: ودوا أنهم خارجون إلى البدو في جملة الأعراب خوفًا من الأحزاب. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾. الأظهر أن قوله: (يسألون) صفة للنكرة التي هي بادون بتقدير: بادون سائلون عن أنبائكم أي: ودوا أنهم بالبعد منكم وهم يسألون عن أخباركم يقولون: ما فعل محمد وأصحابه فيعرفون حالهم [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: حالكم. حتى يستقيم السياق.]] وما أنتم فيه بالاستخبار لا بالمشاهدة، وهذا معنى قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 142، "مجمع البيان" 8/ 547، "القرطبي" 14/ 155]]. وقال الكلبي: يسألون عن خبر المؤمنين ساعة بعد ساعة، فزعًا وفرقًا من القتال [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "القرطبي" 14/ 155.]]. وعلى هذا القول (يسألون) ابتداء كلام وخبر عنهم، والمعنى: أنهم لجبنهم أبدًا يسألون عن أخبار المؤمنين هل قصدهم عدو وأضلتهم حرب، وذلك أنهم يحتاجون أن يشاهدوا معهم القتال، وإن كرهوا ذلك فلذلك يكثر سؤالهم عن حالهم حتى إن لم يقصدهم عدو ولم يعرض لهم حرب فرحوا، هذا معنى ما ذكره الكلبي. ويجوز أن يكون سؤالهم عن أنبائهم؛ لأنهم يتربصون بهم الدوائر فيهم [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: فهم.]] أبدًا يفحصون عن حالهم شماتة بهم إذا أصابتهم نكاية أو عرض لهم عارض شر، والصحيح ما ذكرنا أولاً، وهو أن قوله: ﴿يَسْأَلُونَ﴾ متصل بما قبله؛ لقوله: {وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا}، وهذا يدل على أن الكلام متصل. قال الكلبي: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ رميًا بالحجارة [[ذكر هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 367، ونسبه لابن السائب.]]. ولو كان ذلك القليل لله كان كثيرًا. وقال مقاتل: يعني ما قاتلوا إلا رياء وسمعة من غير خشية [["تفسير مقاتل" 90 أ.]].

الأحزاب 33:21

ثم عاتب من تخلف بالمدينة عن رسول الله -ﷺ- بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قال المفسرون [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 191 أ، "تفسير الطبري" 21/ 143.]]: قدوة صالحة. يقال: فلان أسوتك في هذا الأمر أي: مثلك [[في (أ) زيادة: (أي [حللتم فيه] مثلك)، وهو خطأ.]]، وفلان يأتسي فلان [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: يأتسي بفلان.]] أي: يرضى لنفسه ما رضي، ويقتدي به وكان في مثل حاله، والقوم أسوة في هذا الأمر أي: حالتهم [[في (ب): (حاللتم).]] فيه واحدة. قال الليث: والتأسي في [[في (ب): (من).]] الأمور من الأسوة [["تهذيب اللغة" 13/ 140 (أسى).]]. وفيها لغتان: أسوة وإسوة، ويقال: لي في فلان أسوة أي: لي به اقتداء، والأسوة من الاتساء كالقدوة من الاقتداء، اسم يوضع موضع المصدر. قال ابن عباس: يريد يقتدون به حيث خرج بنفسه [[لم أجد من نسب هذا القول لابن عباس.]]. ومعنى الآية على ما ذكره أهل التفسير: أن الله يقول: كان لكم رسول الله اقتداء لو اقتديتم به في نصرته ومؤازرته، والشد على يده بالصبر معه في مواطن القتال، كما فعل هو بيوم أحد، إذ كسرت رباعيته وشج فوق حاجبه، وقتل عمه، وأوذي بضروب الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه، فهلا فعلتم مثل ما فعل واستنيتم بسنته [["تفسير الثعلبي" 3/ 191 أ، وذكر السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 44 قريبًا من هذا المعنى.]]. قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قال الفراء: خص الله بها المؤمنين [["معاني القرآن" 2/ 339.]]. يعني قوله بمن [[في (ب): (ممن)، وكلاهما لا يتضح به الكلام، وإنما هي كما جاءت في القرآن: لمن.]] بدل من قوله لكم، وهو تخصيص بعد التعميم للمؤمنين بالأسوة. قال ابن عباس: يرجو ما عند الله من الثواب والنعيم [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 519، "زاد المسير" 6/ 368، "مجمع البيان" 8/ 548.]]. ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: ذكراً كثيرًا باللسان [[في (أ): (ذكر)، أسقط الألف، وهو خطأ.]]، وذلك أن ذاكر الله هو الذي يأتمر لأوامره بخلاف الغافل عن ذكر الله.

الأحزاب 33:22

ثم ذكر المؤمنين ووصف حالهم بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابه. ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ قال قتادة ومقاتل: كان الله وعدهم في ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. فأخبرهم بما سيكون من الشدة التي تلحقهم من عدوهم، فلما رأوا يوم الأحزاب ما أصابهم من الشدة والبلاء قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ وتصديقًا بوعد الله وتسليمًا لأمره [[في" تفسير مقاتل" 90 ب، وذكره الماوردي 4/ 388، والطبري 21/ 144 عن قتادة، وزاد الطبري نسبة هذا القول لابن عباس.]]. ومعنى التسليم هاهنا أن يسلم الأمر لمالكه من غير إعراض فيه، وهو أن يدعه له سالمًا لا يدعي لنفسه فيه شيئاً، ولعل هذا فيما سبق البيان فيه. قال أبو إسحاق في هذه الآية: وصف الله تعالى حال المنافقين في حرب الكافرين وحال المؤمنين، وصف المنافقين بالفشل والجبن والروغان والمسارعة إلى الفتنة، ووصف المؤمنين بالثبوت عند الخوف [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 222.]]. والتصديق بما وعد الله ورسوله من النصر عند شدة الأمر، وذلك أنهم لما [[في (ب): (كما).]] زلزلوا زلزالًا شديدًا أعلموا أن النصر وجب له [[هكذا في جميع النسخ! ولعل الصواب: لهم.]]؛ لأن الله كان قد أنزل عليهم في الآية التي وصف بها ما أصاب أصحاب الأنبياء قبلهم من الشدة قوله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. هذا معنى ما ذكره وبعض لفظه. قال الفراء: كان النبي -ﷺ- أخبر أصحابه بمسير الأحزاب إليهم فذلك قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ أي ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانًا، قال: ولو كان ما زادوهم إلا إيمانًا يريد الأحزاب كان جائزًا كما قال في سورة أخرى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: 47] ولو كانت ما زادكم إلا خبالا كان [[في (ب): (لكان)، وهو خطأ.]] صوابًا، يريد ما آذاكم خروجهم، وهذا من سعة العربية [["معاني القرآن" 2/ 340 مع اختلاف في العبارة.]]. وهذا الذي ذكره الفراء هو قول الكلبي، قال: إن النبي -ﷺ- قال لأصحابه: إن الأحزاب قد خرجوا إليكم وهم سائرون إليكم تسعًا تسعًا أو عشرًا، فلما رأوهم قد قدموا للميعاد قال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ للميعاد وذلك لعدة الأيام التي قال لهم [[لم أجد من نسب هذا القول للكلبي، وقد ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 7/ 216، ونسبه لابن عباس، وكذلك هو في "تفسير ابن عباس" ص 352.]]. وقال المبرد [[لم أقف عليه.]]: وفي قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ أي ما زادهم رؤيتهم إلا إيمانًا لدلالة الفعل عليه، وهو قول أي المؤمنين ومثله كثير: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ﴾ [آل عمران: 180] أي البخل، يكنى عن المصدر لدلالة الفعل عليه.

الأحزاب 33:23

قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ قال مقاتل: المعنى ليلة العقبة [[انظر: "تفسير مقاتل" 990 ب.]]. قال أبو إسحاق: موضع (ما) نصب بصدقوا كما تقول صدقتك الحديث، والمعنى: عاهدوا على الإسلام فأقاموا على عهدهم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 222.]] بخلاف من كذب في عهده، وخان الرسول بقلبه وهم المنافقون. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ النَّحْب في اللغة هو: النذر [[في النسخ: (البدر)، وهو خطأ، إذ الصحيح النذر، فليس من معاني نَحْب بدر كما ذكر أهل اللغة.]]، والنحب: الموت، والنخب: الخطر العظيم، قال جرير [[في النسخ: (حرب) وهو خطأ، والصواب جرير، كما في "ديوانه" ص 632، "تهذيب اللغة" 5/ 115، "اللسان" 1/ 750 (نحب)، "مجاز القرآن" 2/ 135.]]: بطفخة جالدنا الملوك وخيلنا ... عشية بسطام جرين على نحب أي: على خطر عظيم، ويقال: سافر فلان على نحب أي: سار واجتهد في السير، ومنه يقال [[في (ب): (قول).]]: نحب القوم إذا جدوا في عملهم، وسار سيرًا منحباً قاصدًا لا يريد غيره، كأنه جعل ذلك نذرًا على نفسه لا يريد غيره، قال الكميت: يحدن لها عرض الفلاة وطولها ... كما سار عن يمنى يديه المنحب [[البيت من الطويل، وهو للكميت بن زيد في "ديوانه" 1/ 96، "تهذيب اللغة" 5/ 116، "اللسان" 1/ 751، "تاج العروس" 4/ 245. ومعنى البيت كما فسره ثعلب كما في "تاج العروس" 4/ 245: هذا الرجل حلف إن لم أغلب قطعت يدي، كأنه ذهب به إلى معنى النذر- يعني النحب.]] أي يقول: إن لم أبلغ مكان كذا ذلك يميني، وقال لبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضلال وباطل [[البيت من الطويل، وهو للبيد بن ربيعة في "ديوانه" ص 254، "خزانة الأدب" 2/ 252 - 253، 6/ 145، "الكتاب" 2/ 417، "اللسان" 1/ 751 (نحب).]] يقول: عليه نذر في طول سيره، هذا كلام الأزهري في تفسير النحب [["تهذيب اللغة" 5/ 115 (نحب) مع اختلاف يسير في العبارة.]]. وقال الفراء: قضى نحبه أي أجله [["معاني القرآن" 2/ 240.]]. ونحو ذلك قال الزجاج [["معانىِ القرآن وإعرابه" 4/ 222.]]. وقال أبو عبيدة: قضى نحبه أي مات، والنحب النفس، وأنشد قول ذي الرمة: عشية فر الحارثيون بعد ما ... قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر [["مجاز القرآن" 2/ 135.]] [[البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في "ديوانه" 2/ 647، "خزانة الأدب" 4/ 371، "لسان العرب" 5/ 248 (هبر)، وأراد بهوبر ابن هوبر، وهو رجل.]] قال المفسرون: هذا في حمزة وأصحابه الذين قتلوا بأحد [[انظر: "تفسير مقاتل" 90 ب، البغوي 3/ 519، "مجمع البيان" 8/ 549.]]. قال ابن عباس: ممن قضى نحبه حمزة بن عبد المطلب ومن قتل معه، وأنس بن النضر [[هو: أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن النجار الخزرجي الأنصاري، عم أنس بن مالك خادم رسول الله -ﷺ-، غاب عن قتال بدر فأقسم إن شهد قتالًا لا يفر منه فحضر أحدًا، فلما انهزم المسلمون قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء، فقاتل حتى قتل شهيدًا -رضي الله عنه-. انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 1/ 43، "الإصابة" 1/ 86، "أسد الغابة" 1/ 131.]] وأصحابه. روى حميد عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، وشق عليه لما قدم، وقال [غبت] [[طمس في كل النسخ، والتصحيح من "تفسير الثعلبي" 3/ 191 ب.]] عن أول مشهد شهده رسول الله -ﷺ-، والله لئن أشهدني قتالا ليرين ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء ومشى بسيفه فقاتل حتى قتل. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة، فما عرفناه حتى عرفته أخته بثناياه، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾. قال: وكنا نقول: أنزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه [["تفسير الثعلبي" 3/ 191 ب، "تفسير الطبري" 21/ 147. وأخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، باب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ 4/ 1795 رقم 4505، والترمذي في التفسير، سورة الأحزاب 5/ 28، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]]. وقال مقاتل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: أجله مات أو قتل على الوفاء، يعني حمزة وأصحابه [["تفسير مقاتل" 90 ب.]]. وقال الليث: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ قتلوا في سبيل الله فأدركوا ما تمنوا فذلك قضاء النحب [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 115 (نحب)، وذكره صاحب "تاج العروس" 4/ 243 غير منسوب لأحد.]]. وقال محمد بن إسحاق: فرغ من عمله ورجع إلى ربه يعني: من استشهد يوم أحد [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 145، "تهذيب اللغة" 5/ 116 (نحب)، و"اللسان" 1/ 750 (نحب).]]. وقال الحسن: قضى أجله على الوفاء والصدق [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 114، "مجمع البيان" 8/ 549.]]. وقال مجاهد: قضى عهده بقتل أو بصدق في لقائه [[انظر: "الطبري" 21/ 146، "البحر المحيط" 7/ 217، "تفسير مجاهد" ص 517.]]. وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قال: الموت [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 389، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 338.]]. وقال المبرد: النحب في كلامهم الخطر الذي يخطر به، فيقال على ذلك للذي عزم عزمًا فمضى عليه حتى مات قضى نحبه أي: أخطر به [[لم أفف عليه. وانظر: "الدر المصون" 5/ 411.]]. وقال ابن قتيبة: قضى نحبه أي قتل، وأصل النحب النذر، كان قومًا نذروا أن يلقوا [[هكذا في النسخ، وفي "تفسير غريب القرآن": إن لقوا، وهو المناسب للسياق.]] العدو وأن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله، فقتلوا فقيل: فلان قضى نحبه إذا قتل [["تفسير غريب للقرآن" ص 349.]]. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ أجله على الوفاء. قال مجاهد: ينتظر يومًا في جهاد فيقضى عهده فيقتل [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 390، "تفسير الطبري" 21/ 145.]]. وقال مقاتل: من المؤمنين من ينتظر أجله بالوفاء بالعهد [[انظر: "تفسير مقاتل" 90 ب.]]. ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ العهد ﴿تَبْدِيلًا﴾ كما بدل المنافقون، والمعنى: ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غير المنافقون.

الأحزاب 33:24

قوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ فهذه اللام تتعلق بما فيها قبل من فعل المنافقين والمؤمنين عند رؤية الأحزاب، كأنه قيل: صدق المؤمنون في عهودهم ليجزيهم الله بصدقهم ويعذب المنافقين بنقض العهد إن شاء. قال السدي: يمتهم على نفاقهم إن شاء فيوجب لهم العذاب أو يتوب عليهم، أي: وأن ينقلهم من النفاق إلى الإيمان [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 390، "الوسيط" 3/ 466.]]. وقال قتادة: يعذبهم إن شاء لا يخرجهم من النفاق إلى الإيمان [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 148، "الدر المنثور" 6/ 589.]]. فمعني شرط المشيئة في عذاب المنافقين إماتتهم على النفاق إن شاء ثم يعذبهم أو يتوب عليهم [ليس أنه] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ب).]] فيغفر لهم، ليس أنه يجوز أن لا شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق. وقال بعضهم: الله تعالى إذا عذب عذب بمشيثته [[في (ب): (لمشيئته).]]، وإذا عما عفا بمشيئته، ليس لأحد عليه حكم ولا يجب عليه أن يعاقب الكفار ولا أن يرحم المؤمنين بخلاف ما زعمت القدرية، لكنه إذا وعد لم يخلف الميعاد، فعلى قوله: (إن شاء) بيان أنه يعذب بمشيئته لا بأن ذلك واجب عليه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس: غفورًا لمن تاب رحيمًا به [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 352.]].

الأحزاب 33:25

وقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ أي: صدهم ومنعهم عن المسلمين وعن الظفر بهم، يعني الاْحزاب بغيظهم، أي لم يشف صدورهم بنيل المراد وردهم فيهم غيظهم على المسلمين، والباء في (بغيظهم) بمعنى مع كما يقال: خرج بثيابه وركب الأمير بسلاحه. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ قال ابن عباس: يريد ما كانوا يؤمنون [[هكذا في النسخ! ولعل الأصوب: يؤملون.]] من الظفر والمال [[لم أقف عليه.]]. قال أبو إسحاق: أي لم يظفروا بالمسلمين، وذلك عندهم خير فخوطبوا على استعمالهم [[لم أقف عليه عن أبي إسحاق، وقد ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 550، ولم ينسبه لأحد.]]. ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالريح والملائكة التي أرسلت إليهم [[هكذا في النسخ! والظاهر أن "إليهم" زائدة.]] عليهم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ في ملكه. ﴿عَزِيزًا﴾ في قدرته. قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]]. ثم ذكر ما ليهود [[في (ب): (باليهود).]] بني قريظة بقوله:

الأحزاب 33:26

﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: وازروا الأحزاب وأعانوهم على رسول الله -ﷺ-، يعني قريظة، وذلك أنهم نقضوا العهد، وصاروا يدًا واحدة مع المشركين على رسول الله -ﷺ- والمؤمنين، فلما هزم الله المشركين بالريح والملائكة أمر رسول الله بالمسير إلى قريظة فسار إليهم وحاصرهم عشرين ليلة ثم نزلوا [[في (ب): (ثم حاصروهم)، وهو خطأ.]] على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم سعد أن يقتل مقاتليهم ويسبى ذراريهم [[ذكره الطبري 21/ 151، والماوردي 4/ 392.]]، فذلك قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. قال ابن عباس وعكرمة ومقاتل: من حصونهم [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 151، "زاد المسير" 6/ 374، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 5/ 340، "تفسير مقاتل" 90 ب.]]. وقال مجاهد: من قصورهم [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 150، "الدر المنثور" 6/ 591، وقال: أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.]]. قال أبو إسحاق: معنى (الصياصي) كل ما يمتنع به، و (الصياصي) هاهنا الحصون وقيل: القصور؛ لأنه يتحصن فيها والصياصي قرون البقر والظباء، وكل قرن صيصة؛ لأن ذوات القرون تتحصن بقرونها وتمتنع بها، وصيصة الديك شوكته؛ لأنه يتحصن بها أيضًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 223.]]. وقال أبو عبيدة: الصيصة القرون [["مجاز القرآن" 2/ 136.]]، وأنشد: وسادة قومي حتى بقيت فريدًا كصيصة الأعصب [[لم أقف على تمام البيت وقائله، وهكذا ورد في النسخ، والذي يظهر لي والله أعلم أنه خطأ، فقد بحثت وكررت البحث حسب طاقتي وجهدي فلم أقف على هذا الشعر، والله أعلم.]]. ثم تسمى شوكة الديك وشوكة الحائك: صيصة، تشبيهًا بالقرن، ومنه قول دريد [[هو: دريد بن الصمة بن الحارث بن معاوية بن جداعة، فارس مشهور، شاعر جاهلي، كان سيد قومه وفارسهم وقائدهم، أدرك الإسلام ولم يسلم، قتل في حنين سنة 8 هـ. انظر: "الشعر والشعراء" ص 506، "تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 185، "معجم الشعراء" ص 114.]]: كوقع الصياصي في النسيج الممد [[عجز بيت وصدره: فجئت إليه والرماح تنوشه وهو من الطويل لدريد بن الصمة في "ديوانه" ص 63، "تهذيب اللغة" 12/ 266، (صيص)، "لسان العرب" 6/ 361 (نوش)، 7/ 52 (صيص)، 10/ 193 (شيق)، 14/ 473 (صيا)، كتاب "العين" 7/ 176.]] ثم يسمى كل ما يمنع به حصن وقصر صيصة لامتناع ذوات القرون بقرونها [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 266، "اللسان" 7/ 52. "التاج" 18/ 27.]]. قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. قال ابن عباس: ألقى في قلوبهم الخوف [["تفسير ابن عباس" ص 352، مع اختلاف في العبارة.]]. ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني: المقاتلة. قال مقاتل: منهم أربعمائة وخمسون رجلاً. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وتسبون طائفة يعني الذراري. قال مقاتل: سبعمائة وخمسين [["تفسير مقاتل" 91 أ.]].

الأحزاب 33:27

قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. قال المفسرون: عقارهم ونخلهم ومنازلهم وأموالهم من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء. قال: فجعل النبي -ﷺ- أرضهم وديارهم للمهاجرين؛ لأنهم لم يكونوا ذوي عقار [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 150، "الدر المنثور" 6/ 591، وقال: أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]]. قوله تعالى: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾. قال الكلبي: لم تملوكها، والمعنى لم تطئوها بعد بأقدامكم، وهي مما سيفتحها الله عليكم [[ذكر هذا القول أكثر المفسرين، ولم أجد من نسبه للكلبي. انظر: "الطبري" 21/ 150 وما بعدها، "زاد المسير" 6/ 375.]]. قال مقاتل والكلبي وابن زيد: يعني خيبر فتحها الله عليهم بعد [[في (ب): (يعني).]] بني قريظة [[انظر: "تفسير مقاتل" 91 أ، "الطبري" 21/ 155، "الماوردي" 4/ 393.]]. واختار الفراء هذا القول وقال: عني خيبر، ولم يكونوا نالوها فوعدهم الله إياها [["معاني القرآن" 2/ 341.]]. وقال قتادة: مكة [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 393، "زاد المسير" 6/ 375.]]. وقال الحسن: هي الروم وفارس [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 393، "تفسير الطبري" 21/ 155.]]. وقال عكرمة: كل أرض لم يظهر عليها المسلمون إلى يوم القيامة [[انظر: "الماوردي" 4/ 393، "زاد المسير" 6/ 375.]]. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ من العفو والانتقام (قديرًا). وقال مقاتل: من القرى يفتحها [[في (ب): (وفتحها).]] على المسلمين [["تفسير مقاتل" 91 أ.]].

الأحزاب 33:28

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [[قوله: (وزينتها قعالين أمتعكن) ساقط من (أ).]]. قال المفسرون: إن أزواج النبي -ﷺ- سألنه شيئاً من عرض الدنيا وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهم على بعض، فآلى رسول الله -ﷺ- منهن شهرًا. وأنزل الله آية التخيير، وهو قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وكن يومئذ تسعًا: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة [[هي: أم المؤمنين سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية، وهي أول من تزوج بها النبي -ﷺ- بعد خديجة، وكان ذلك في رمضان سنة 10 من البعثة، وهبت يومها لعائشة بعدما كبرت، توفيت رضي الله عنها في آخر خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة. انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 4/ 317، "الإصابة" 4/ 330، "أسد الغابة" 5/ 484.]]، وأم سلمة [[هي: أم المؤمنين هند بنت أمية بن المغيرة القرشية المخزومية، أم سلمة زوج == النبي -ﷺ-، وهي ممن أسلمت قديمًا وهاجرت إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وهي آخر أمهات المؤمنين موتًا رضي الله عنهن جميعًا، ماتت سنة 61 هـ، وقيل 62 هـ. انظر: "الاستيعاب" 4/ 405، "الإصابة" 4/ 407، "أسد الغابة" 5/ 560.]]، وهؤلاء من قريش، وصفية الخيبرية [[هي: أم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب، تزوجها قبل إسلامها سلام بن أبي الحقيق، ثم أخوه كنانة، فقتل عنها يوم خيبر وسبيت وصارت في سهم دحية الكلبي، ثم أخذها النبي -ﷺ- وعوضه عنها، ثم إن النبي -ﷺ- تزوجها وجعل عتقها صداقها وكانت شريفة عاقلة ذات حسب وجمال ودين رضي الله عنها، توفيت سنة 36 هـ، ـ وقيل 50 هـ بالمدينة. انظر: "الاستيعاب" 4/ 391، "الإصابة" 4/ 397، "أسد الغابة" 5/ 550.]]، وميمونة الهلالية [[هي: أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن صعصعة الهلالي، زوج النبي -ﷺ- وخالة خالد بن الوليد وابن عباس، تزوجها أولًا مسعود بن عمرو الثقفي قبيل الإسلام ففارقها وتزوجها أبو رهم بن عبد العزى فمات، فتزوجها النبي -ﷺ- حينما فرغ من عمرة القضاء سنة 7 هـ وهي من سادات النساء، ماتت رضي الله عنها سنة 61 هـ في خلافة يزيد ولها 80 سنة، وقيل ماتت سنة 51 هـ. انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 4/ 306، "الإصابة" 4/ 307، "أسد الغابة" 5/ 463.]]، وزينب بنت جحش الأسدية [[هي: أم المؤمنين زينب بنت جحش بن رياب، ابنة عمة النبي -ﷺ- أمها أميمة بنت عبد المطلب ابن هاشم، كانت عند زيد مولى النبي -ﷺ- فطلقها ثم تزوجها النبي -ﷺ-، زوجها إياه ربه بنص كتابه بلا ولي ولا شاهد، فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين، وكانت من سادة النساء دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا، ماتت رضي الله عنها سنة 20 هـ وصلى عليها عمر. انظر: "الاستيعاب" 4/ 251، "الإصابة" 4/ 257، "أسد الغابة" 5/ 419.]]، وجويرية بنت الحارث [[هي: أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقبة سبيت يوم غزوة المريسيع سنة 5 هجرية وكانت من أجمل النساء وأسلمت وتزوجها النبي -ﷺ- وأطلق الأسارى من قومها، وكان أبوها سيدًا مطاعًا في قومه، وقد قدم على == النبي -ﷺ- فأسلم، توفيت رضي الله عنها سنة 50 هجرية انظري: "الاستيعاب" 4/ 201، "الإصابة" 4/ 257، "أسد الغابة" 5/ 419.]] المصطلقية [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 195 أ، "تفسير الطبري" 21/ 156،"تفسير الماوردي" 4/ 395.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ يعنى متعة الطلاق، وقد ذمنا أحكامها في سورة البقرة [[عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [آية: 236]]]. ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد الطلاق [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 353.]]. ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ قال مقاتل: يعني حسنًا في غير ضرار [[انظر: "تفسير مقاتل" 91 أ.]]، وهذا كقول: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، وقد مر. التسريح صريح في الطلاق، وصريح الطلاق عند الشافعي ثلاثة: الطلاق والفراق والسراح، وسائر الألفاظ كنايات، وهي غير محصورة [[انظر: "الأم" للشافعي 5/ 240، "المغنى" 10/ 355.]]. والسراح اسم من التسريح يقام مقام المصدر كما يقال: أدى أداء.

الأحزاب 33:29

قال الحسن وقتادة: أمر الله رسوله أن يخير الرسول [[في جميع النسخ: (أن يخير الله)، وهو خطأ.]] أزواجه بين الدنيا والآخرة والجنة والنار، فأنزل قوله [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 157، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3128، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 596، وزاد نسبته لابن المنذر.]]: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ يعني الجنة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [[في جميع النسخ: (المحصنات)، وهو خطأ.]] أي اللائي آثرن منكن الآخرة أجرًا عظيمًا. قال مقاتل: يعني الجنة [["تفسير مقاتل" 91 أ.]]. قال المفسرون: فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله -ﷺ- بعائشة وخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم فعلت سائر أزواجه مثل ما فعلت عائشة وقلن: ما لنا وللدنيا، إنما خلقت الدنيا دار فناء والآخرة هي الباقية، والباقية أحب إلينا من الفانية [[أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، باب ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ 4/ 1796 رقم 4507، ومسلم في "صحيحه" كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بنية 2/ 1103 رقم (1475)، والطبري 21/ 157، وابن كثير 3/ 480.]]. فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فأنزل: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: 52] الآية، فقصره الله عليهن ورفع منزلتهن على سائر النساء بالتميز عنهن في العقوبة على المعصية والأجر على الطاعة، وهو قوله [[في (ب) زيادة: (وهو قوله: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء).]]:

الأحزاب 33:30

﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال مقاتل: يعني العصيان البين [["تفسير مقاتل" 91 أ.]]. وقال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 397، "زاد المسير" 6/ 379، "البغوي" 3/ 527.]]. ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال مقاتل: يضاعف لها العذاب في الآخرة [["تفسير مقاتل" 91 أ.]]. وقال أبو عبيدة في "تفسيره" تضعيف العذاب: يجعل الواحد ثلاثة أي: يعذب ثلاثة أعذبة. قال: وكان عليها أن تعذب مرة فإذا ضوعف ضعفين صار العذاب ثلاثة أعذبة؛ لأن ضعف الشيء مثله وضعفيه مثلًا واحده [["مجاز القرآن" 2/ 136 مع اختلاف في العبارة.]]. قال الزجاج: وليس هذا بشيء؛ لأن معنى يضاعف يجعل عذاب جرمها كعذاب جرمين. الدليل عليه قوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، فلا يكون أن تعطى على الطاعة أجرين وعلى المعصية ثلاث أعذبة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 226.]]. وقال الأزهري: الذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاز كلامهم وما يتعارفونه في خطابهم، وقد قال الشافعي ما يقارب قوله في رجل أوصى فقال: أعطوا فلانًا ضعف ما يصيب ولدي. قال: يعطى مثله مرتين، ولو قال ضعفي ما يصيب ولدي نظرت فإن أصابه مائة أعطيته ثلاثمائة. قال: وقد قال الفراء [[في جميع النسخ: (القراة)، والصحيح: الفراء، كما في "تهذيب اللغة" 1/ 480.]] شبيها بقولهما في قول الله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: 13] قال الأزهري: والوصايا يستعمل العرف [[في النسخ: (العرب) والصواب: العرف، كما في "تهذيب اللغة"، وهنا سقط حرف ولذلك فالكلام موهم، وهو في "تهذيب اللغة": يستعمل فيها العرف.]] الذي يتعارفه المخاطب والمخاطب، وما يسبق إلى الأفهام فيما يذهب الوهم إليه، فأما كلام الله -عز وجل- فهو عربي مبين، ويرد تفسيره إلى موضع كلام العرب، ولا يستعمل فيه العرف إذا خالف اللغة، والضعف في كلام العرب: المثل ما زاد [[في "تهذيب اللغة": المثل إلى ما زاد، سقطت كلمة (إلى)، "تهذيب اللغة" 1/ 480.]] وليس مقصورًا على مثلين فيكون ما قاله [[المقصود به أبو عبيدة، كذا قال الأزهري.]] صوابًا، يقال: هذا ضعف هذا أي مثله، وهذا ضعفاه أي مثلاه وثلاثة أمثاله؛ لأن الضعف في الأصل ثلاثة [[في "تهذيب اللغة" (زيادة) بدل ثلاثة.]] غير محصورة، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ [سبأ: 37] ولم يرد به مثلا ولا مثلين، ولكنه أراد بالضعف الأضعاف، وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] فأقل الضعف محصور، وهو المثل وأكثره غير محصور وأما قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ فإذا سياق الآية التي بعدها دل على أن المراد من قوله ضعفين مثلين ألا تراه يقول بعد ذكر العذاب: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فإذا جعل الله لأمهات المؤمنين من الأجر مثلي ما لغيرهن تفضيلًا لهن على سائر نساء الأمة، فكذلك إذا أتت إحداهن بفاحشة عذبت مثلي ما يعذب غيرها، ولا يجوز أن تعطى على الطاعة أجرين، وتعذب على المعصية ثلاثة أعذبة، وإذا قال الرجل لصاحبه: إن أعطيتني درهما كافأتك بضعفين فمعناه بدرهمين [["تهذيب اللغة" 1/ 480 (ضعف)، مع اختلاف في العبارة واختصار.]]، ونحو هذا قال ابن قتيبة في الإنكار على أبي عبيدة [["تفسير غريب القرآن" ص 350.]]. وقال أبو علي الفارسي: (معنى ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ زيد في عذابها ضعف كما زيد في ثوابها ضعف في قوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فكما ضوعف الأجر، كذلك ضوعف العقوبة والعذاب. ووجه تضعيف العذاب لهن على الفاحشة هو أنهن لما شاهدن من الزواجر وما يروع الذنوب ينبغي أن يمتنعن منها أكثر مما يمتنع مما لا يشاهد ذلك ولا يحضره، فإذا لم يمتنعن استحققن تضعيف العذاب، والضمير في قوله: ﴿لَهَا﴾ يعود على معنى من دون لفظه ولو عاد على لفظ من الذكر [[الألف زائدة فالكلام في "الحجة": على لفظ من الذكر، وهو الصواب.]]) [["الحجة" 5/ 473.]]. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يقول: كان عذابها على الله هينا. وقال الربيع بن أنس: في هذه الآية أن الحجة على الأنبياء أشد منها على الأتباع في الخطيئة، وأن الحجة على العلماء أشد منها على غيرهم، وأن الحجة على نساء النبي -ﷺ- أشد منها على غيرهن [["تفسير ابن أبي حاتم" 29/ 3129.]].

الأحزاب 33:31

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: يعني الذين كانوا فيه من طاعة الله [[لم أعثر عليه.]]. ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: [ولم] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]] يختلف القراء في يأت ويقنت أنهما بالياء، واختلفوا في (تعمل صالحًا) فقرأ حمزة والكسائي بالياء وكذلك نؤتها، وقرأ الباقون بالتاء، نؤتها بالنون، فمن قرأ بالياء فلأن الفعل مسند إلى (من) ولفظ مذكر، ومن قرأ بالتاء حمل على المعنى وترك اللفظ فأنث، ومما يقوي الحمل على المعنى تأنيث الضمير في قوله: (نؤتها) وكان ينبغي على هذا القياس أن يحمل هذه الأفعال على التأنيث ويجعل الكلام على المعنى [[انظر: "الحجة" 5/ 474، "الكشف عن وجوه القراءات السبع .. " 2/ 196.]]. وقوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ قال ابن عباس والكلبي: ضعفين في الآخرة [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 353.]]. قال مقاتل: مكان كل حسنة يثيب عشرين حسنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 91 ب.]]. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ قالوا: حسنًا وهو في الجنة، ثم رفع منزلتهن وأظهر فضيلتهن على سائر النسوان.

الأحزاب 33:32

وقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ قال أبو عبيدة: (أحد) يقع على الأنثى والذكر وعلى ما ليس من الآدميين، يقال: ليس فيها أحد لا شاة ولا بعير [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 137.]]. وقال أبو إسحاق: لم يقل كواحدة من النساء؛ لأن أحدًا نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 224.]]. قال الله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47]. قال قتادة: لستن كأحد من نساء هذه الأمة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 116، "الطبري" 22/ 2، "الماوردي" 4/ 398.]] قال عطاء عن ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر الصالحات من النساء، أنتن أكرم علي وأنا [[في (ب): (فأنا).]] بكم أرحم، وثوابكن أعظم من ثواب جميع الخلائق [[انظر: "الوسيط" 3/ 469، "البغوي" 3/ 527، "زاد المسير" 6/ 78.]] لأنكن أزواج حبيبي -ﷺ- ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ يريد إن خفتن الله، وشرط عليهن التقوى في كونهن أفضل النساء بيانًا أن فضلهن عند الله إنما يكون بالتقوى لا باتصال أنسابهن بالنبي -ﷺ- كي لا يعتمدن على ذلك. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تلن الكلام لغير رسول الله [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 353، "البحر المحيط" 7/ 222، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 222، ولم ينسبه لأحد.]]. وقال السدي: لا ترققن القول [[انظر: "ابن أبي حاتم" 9/ 3130، "ابن كثير" 3/ 482، "زاد المسير" 6/ 599.]]. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ قال ابن عباس والسدى: يريد زنا [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 399، "تفسير ابن عباس" ص 353.]]. وقال مقاتل: يعني: [[في (ب): (يريد).]] الفجور في أمر الزنا [[انظر: "تفسير مقاتل" 91 ب.]]. وقال قتادة: نفاق [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 3، "القرطبي" 14/ 177، "مجمع البيان" 8/ 558.]]. والمعنى: لا تقلن قولًا يجد منافق أو فاجر به سبيلا إلى أن يطمع في موافقتكن له، ولهذا قال أصحابنا: المرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة. لأن ذلك أبعد من الطمع في الزينة، وكذلك إذا خاطبت محرمًا عليها بالمصاهرة. ألا ترى أن الله تعالى أوصى أمهات المؤمنين وهن محرمات على التأبيد بهذه الوصية. قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس: يكلمن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 178، ولم أجد من ذكر هذا القول غيره.]]. وقال الكلبي: صحيحًا جميلًا لا يطمع فاجر [[انظر: "الماوردي" 4/ 399، وذكر القول ابن الجوزي 6/ 379، ولم ينسبه لأحد.]]. وقال أبو إسحاق: أي قلن ما يوجبه [الدين] [[(الدين) غير واضح في النسخ، والتصحيح من "معاني القرآن" للزجاج 4/ 224.]] والإسلام بغير خضوع فيه، بل بتصريح وبيان [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 224.]].

الأحزاب 33:33

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يقال: أردت لأفعل كذا وأن أفعل كذا، قال الله تعالى بما أوصاكن من الطاعة ولزوم البيت. ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. قال ابن عباس: يريد عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضا [["تفسير مقاتل" 91 ب.]]. وقال مقاتل: يعني الإثم الذي يحصل مما نهاهن عنه وأمرهن بتركه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 197 ب،"تفسير الطبري" 22/ 5، "البغوي" 3/ 275.]]. وقال قتادة: يعني السوء [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو عمرو بن العلاء: القذر الرجس [[لعله عند قوله تعالى في المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: من الآية: 90]]]. وهذا مما سبق الكلام في تفسيره (¬8). واختلفوا في المراد بأهل البيت هاهنا، من هم؟ فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هذا في نساء النبي -ﷺ- [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 197 ب، "القرطبي" 14/ 182، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3132، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 602، وزاد نسبته لابن عساكر.]]. وقال عكرمة: إنما هو في أزواج النبي -ﷺ- خاصة [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 8،"القرطبي" 14/ 182، "الدر المنثور" 6/ 603، وقال: أخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3132.]]. وقال مقاتل: يعني بها نساء النبي كلهن؛ لأنهن في بيته [["تفسير مقاتل" 91 ب.]]. وقال الكلبي: يعني بذلك نساء النبي -ﷺ- [[ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 7/ 224.]]. وهؤلاء احتجوا بما تقدم من الخطاب وما تأخر، وهو قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى﴾ الآية. وكل ذلك خطاب لأزواج رسول الله -ﷺ- خاصة. قالوا: وإنما ذكر الخطاب في قوله: عنكم ويطهركم، لأن رسول الله -ﷺ- كان فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 197 ب.]]. وقال آخرون: هذا خاص في النبي -عليه السلام- وفاطمة وعلي والحسن والحسين. وهو قول أبي سعيد الخدري [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 197 ب، "تفسير الطبري" 6/ 22، "الدر المنثور" 6/ 604، وقال: أخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري.]]، ورووا في هذا روايات عن أم سلمة وعائشة وواثلة بن الأسقع [[هو: واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر الليثي من أصحاب الصفة، أسلم سنة 9 هـ، وشهد غزوة تبوك، وكان من فقراء المسلمين -رضي الله عنه-، وقد اعتمده البخاري وغيره، توفي -رضي الله عنه- سنة 83 هـ، وقيل: 85 هـ وكان آخر من مات من الصحابة بدمشق. انظر: "الاستيعاب" 4/ 606، "الإصابة" 4/ 589، "سير أعلام النبلاء" 3/ 383.]]، وأنس بن مالك أن النبي -ﷺ- غشا هؤلاء بكساء، وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" [[انظر: "الثعلبي" 3/ 197 ب، "تفسير الطبري" 22/ 6، "تفسير ابن كثير" 3/ 484 وما بعدها، وذكر هذه الروايات السيوطي في "الدر" 6/ 602 وما بعدها، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3133.]]. وهذا لا يدل على أن هذه الآية خاصة فيهم؛ لأن هذه الرواية تدل على أن النبي -ﷺ- دعا لهم بهذا الدعاء، وسأل الله أن يطهرهم، لا جرم أنه استجيب له فيهم بالتطهير، ولقد أحسن أبو إسحاق في تفسير هذه الآية، فقال: اللغة تدل على أنه للنساء والرجال جميعًا؛ لقوله: ﴿عَنْكُمُ﴾ و ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ بالميم، ولو كان للنساء لم يجز إلا عنكن ويطهركن، ودليله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ حين أفرد النساء بالخطاب [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 226.]]. وعلى هذا هو خطاب لأزواج النبي -ﷺ- ورجال بيته، قال: وانتصب (أهل البيت) على معنى: أعني أهل البيت، وهو منصوب على المدح قال: ويكون على النداء على معنى: يا أهل البيت) [[المرجع السابق.]]. قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قال مقاتل: من أثم ما ذكر في هذه الآيات [[لعل الكلام هنا خطأ، والصواب كما في "تفسير مقاتل" 92 أ: من الإثم الذي ذكر في هذه الآيات.]]. والمعنى من نجاسات الجاهلية؛ لأن ما أمرن به كله مضاد لأهل معان الجاهلية، ثم وعظهن ليتفكرن وامتن عليهن [بقوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].

الأحزاب 33:34

قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾. قال مقاتل: يعني أمره ونهيه في القرآن [["تفسير مقاتل" 92 أ.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: آيات الله، ما ذكر من الثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه، والحكمة حدود الله ومفترضاته [[لم أقف عليه.]]. وقال غيره: آيات الله القرآن، والحكمة النبوة، وهي في بيوتهن. ونحو هذا قال قتادة في قوله: ﴿آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ قال: القرآن والسنة [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 9،"تفسير البغوي" 3/ 529، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 349.]]. وهذا حث لهن على حفظ القرآن ومذاكرتهما [[لعل مراد المؤلف أن الضمير يعود إلى القرآن والسنة.]]؛ للإحاطة بحدود الشريعة. والخطاب وإن اختص نساء النبي -ﷺ- فغيرهن داخل فيه، فإن كثيرًا من الخطاب يختص لفظه ويعم معناه. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أي بأوليائه. ﴿خَبِيرًا﴾ بجميع خلقه، قاله ابن عباس. وقال مقاتل: لطف علمه إن خضعن بالقول خبيرًا به [["تفسير مقاتل" 91 أ.]].

الأحزاب 33:35

وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أسلموا في الظاهر والباطن ولم يعدلوا به شيئاً، وسلم جميع الخلق من غشهم، وأحبوا للناس ما أحبوا لأنفسهم، وكانوا لليتيم مثل الأب، وللأرملة مثل الزوج، ونصحوا لله في أنفسهم وفي خلقه [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: يعني المخلصين بالتوحيد [[انظر: "تفسير مقاتل" 92 أ.]]. وقال عطاء [من] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] فوض أمره إلى الله فهو داخل في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 أ، "تفسير البغوي" 3/ 530.]]. قال ابن عباس: يريد الذين صدقوا بتوحيد الله وبما جاء به محمد -ﷺ- وصدقوا بالبعث والثواب والعقاب [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: يعني المصدقين بالتوحيد والمصدقات [[انظر: "تفسير مقاتل" 92أ.]]. وقال عطاء: من أقر بأن الله ربه ومحمدًا رسوله ولم يخالف قلبه لسانه، فهو من هذه الجملة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 أ، "تفسير البغوي" 3/ 530.]]. وقوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: المطيعين لله فيما افترض وأمر ونهى والمطيعات [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 422، "تفسير مقاتل" 92 أ.]]. وقال عطاء: من أطاع الله في الفرض والرسول في السنة فهو من هذه الجملة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوى" 3/ 530.]]. ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ قال ابن عباس: في المواطن وفيما نذروا لله وفيما ساءهم وسرهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس وانظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 369.]]. وقال مقاتل: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ في إيمانهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 92 أ.]]. وقال عطاء: من صان قوله عن الكذب فهو من هذه الجملة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.]]. ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ على ما أصابهم من الضر والبؤس والفقر وجيمع المصائب ﴿وَالصَّائِمَاتِ﴾ قاله ابن عباس [[لم أقف عليه]]. وقال مقاتل: والصابرين علي ما أمر الله والصابرات [[انظر: "تفسير مقاتل" 92 أ.]]. وقال عطاء: من صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرزية فهو من هؤلاء [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.]]. قوله تعالى: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد والذين خشعت قلوبهم من خوف الله [[لم أقف عليه]]. ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ من خشية الله وازدادوا لله يقينًا وللدنيا بغضًا. وقال مقاتل: يعني المتواضعين والمتواضعات [[انظر: "تفسير مقاتل" 92 أ.]]. قال عطاء: من صلى فلم يعرف من عن يمينه ويساره فهو منهم [[انظر: "تفسير الثعلبي" 199/ 3 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.]]. وقوله: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ قال ابن عباس: يتصدقون بالأموال ومما رزقهم الله من الثمار والمواشي وكل ما ملكوا يطلبون ما عند الله موقنين بالخلف والثواب [[لم أقف عليه.]]. قال عطاء: من صدق [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: تصدق، وهكذا ذكره الثعلبي 3/ 199.]] في كل أسبوع بدرهم فهو من هذه الجملة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.]]. [قوله] [[ما بين المعقوفين بياض في (أ).]]: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ قال ابن عباس: الصائمين لله بنية صادقة، لا يغتابون أحدًا، ولا يتحدثون بكذب ولا يتأملون خلق امرأة، ولا يحدون النظر إليها، فإن هذه الخصال تفطر الصائم، وبكون فطرهم من حلال [[لم أقف عليه.]]. وقال عطاء: من صام من كل شهر الأيام البيض فهو من هذه الجملة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.]]. قوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ واستغنى عن ذكر الهاء بما تقدم، ومثله: (ونخلع ونترك من يفجرك) المعنى: ونخلع من يفجرك ونتركه، وأنشد: وكمتا مدماة كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب [[البيت من الطويل، لكميت الغنوي في "ديوانه" ص 23، "تهذيب اللغة" 14/ 217 (كمت)، "اللسان" 2/ 81 (كمت)، "الكتاب" 1/ 77. وكمتا جمع أكمت، والكمتة: لون بين السواد والحمرة يكون في الخيل والإبل وغيرهما. ومدماة: أي مشوبة بلون الدم. انظر: "اللسان" 2/ 81 (كمت)، 14/ 270 (دمى).]] على رفع لون. المعنى: جرى فوقها لون مذهب واستشعرته [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 227، و"معاني القرآن" للنحاس 5/ 350.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد في أدبار الصلوات وغدوًا وعشيًا وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا وراح من منزله ذكر الله -عز وجل- [[لم أقف عليه عن ابن عباس، انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3134.]]. وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 117.]] وقال رسول الله -ﷺ-: "من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا [[في (ب): (وصليا).]] جميعًا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات" [[أخرجه أبو داود في "سقط كتاب الصلاة، باب قيام الليل 2/ 33، رقم الحديث 1309 عن أبي هريرة، وابن ماجه في "سننه" أبواب إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل 1/ 242، رقم الحديث 1329 عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، والحاكم في "المستدرك"، كتاب صلاة التطوع، باب: توديع المنزل بركعتين 1/ 316 عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه]]. وقال أبو إسحاق: المعنى والذاكراته وحذف الهاء. على ما ذكرناه [[الضمير (الهاء) ساقط من (ب).]] في الحافظات [["معاني القرآن وإعرابه" 227/ 4.]]. وقال عطاء: من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530.]]. وقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾. قال ابن عباس ومقاتل: مغفرة لذنوبهم [[انظر: "تفسير ابن عباس" (354)، "تفسير مقاتل" 92 ب.]]. ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثوابًا جزيلًا وهو الجنة.

الأحزاب 33:36

وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 200 أ، "تفسير الطبري" 22/ 11، "تفسير الماوردي" 4/ 404، "السمرقندي" 3/ 51.]]: نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب، وكانا ابني عمة النبي -ﷺ-، فخطب النبي -ﷺ- زينب لزيد بن حارثة مولاه، وهي تظن أنه يخطبها لنفسه، فلما علمت أنه يخطبها لزيد كرهت ذلك وكذلك أخوها، فلما نزلت الآية رضيا وسلما، فزوجها رسول الله -ﷺ- من زيد. وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ يعني: عبد الله بن جحش. ﴿وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني: أخته زينب، ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ حكماً بذلك، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ﴾ جمعت الكناية لأن المراد بقوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ كل مؤمن ومؤمنة في الدنيا. والخيرة: الاختيار، وذكرنا تفسيرهما [فيما تقدم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] في سورة القصص [[عند الآية 68، قال هناك: والخيرة اسم من الاختيار يقام مقام المصدر، والخيرة اسم للمختار، يقال: محمد خيرة الله من خلقه.]]. قال أبو إسحاق: أعلم الله أنه لا اختيار على ما قضى الله ورسوله [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 228.]]. وهذه الآية دليل على أن كل امرأة أراد رسول الله أن يزوجها من رجل، لم يكن لها أن تمتنع ولا لوليها، وأن رسول الله أولى بتزويجها من وليها كما ذلك في قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 6] الآية. ولأنه أيضًا دليل على أن كل حكم ثبت عن رسول الله -ﷺ- فهو كما ثبت عن الله، فليس لأحد اختيار ولا استحسان مع قضاء الله ورسوله، وليس إلا الاقتداء والتسليم. قال أبو علي: وهذه الآية تدل على أن (ما) في قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68] (ما) فيها نفي، وليست بموصولة، ألا ترى أنه نفى الاختيار على العباد في هذه الآية، كذلك في تلك [["الحجة" 5/ 476.]]. قال مقاتل: فلما زوجها رسول الله -ﷺ- زيدًا مكثت عنده حينًا، ثم إن النبي -ﷺ- أتى زيدًا فأبصر زينب قائمة، وكانت بيضاء جميلة من أتم نساء قريش، فهواها النبي -ﷺ- فقال: "سبحان الله مقلب القلوب". ففطن زيد فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرًا يعظم علي، وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي -ﷺ-: "أمسك عليك زوجك واتق الله" [[انظر: "تفسير مقاتل" 92 ب.]]. وقال ابن عباس: إن زيدًا حين تزوج زينب أقامت عنده ما شاء الله أن تقيم، فأتى رسول الله -ﷺ- إلى منزل زيد يطلبه، فبعث الله ريحًا حتى رفعت الستر وزينب منفصلة على منزلها، فرأى رسول الله -ﷺ- زينب فوقعت في نفس النبي -ﷺ-، فأتى زيد فأخبرته، فوقع في نفس زيد أن يطلقها، وأقام زيد لا ينشر عليها من يومئذ، وكان زيد يرى رسول الله -ﷺ- فيقول: إني أريد أن أطلق زينب. والنبي -ﷺ- يقول: "أمسك عليك زوجك واتق الله". [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 200 ب، "تفسير السمرقندي" 3/ 51، "تفسير البغوي" 3/ 530.]] وقال مقاتل بن حيان: قالت زينب لما نزل قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية: أمري بيدك يا رسول الله، فأنكحها رسول الله زيدًا ودخل بها، فلم تمكث إلا يسيرًا حتى شكى إلى النبي -ﷺ- ما يلقى منها، وكانت امرأة لسنة، فدخل عليها النبي -ﷺ- وأمرها بتقوى الله والسمع والطاعة لزيد فلما كلمها أعجبه حسنها وجمالها وظرفها لأمر أراده الله -عز وجل- وخرج من عندها وفي نفسه ما شاء الله منها، وجاء زيد إلى النبي -ﷺ- يشكوها فقال له: "اتق الله وأمسك عليك زوجك". ويقول زيد: إني أريد أن أطلقها وأستريح منها، وأكره أن تكون معي في بيت مما ألقى منها من البلاء والشدة. ويقول النبي: "اتق الله لا تطلقها" وفي قلبه غير ذلك [[لم أقف على قول مقاتل بن حيان.]]، فأنزل الله تعالى قوله تعالى:

الأحزاب 33:37

﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: الهداية للإسلام. ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بأن أعتقته من الرق قاله جميع المفسرين، قالوا: وكان زيد من سبي الجاهلية، فاشتراه رسول الله -ﷺ- بعكاظ في الجاهلية وأعتقه وتبناه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 250 ب، "تفسير السمرقندي" 3/ 52، "الدر المنثور" 6/ 616 وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة.]]، ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمرها فلا تطلقها. قال أبو إسحاق: (أمره بالتمسك بزينب وكان يحب أن يتزوجها، إلا أنه أمره بما يجب من الأمر بالمعروف، فقال: "أمسك عليك زوجك واتق الله" [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 229.]]. ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾، وتستر وتضمر في قلبك من إرادة تزوجها، قاله الكلبي [[انظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 370.]]: وقال قتادة: ود أنه طلقها [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 351، "زاد المسير" 6/ 388.]]، ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، قال ابن عباس: مظهره لاْصحابك وغيرهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وذكره هود بن محكم في "تفسيره" 3/ 370 ولم ينسبه.]]. وقال مقاتل: مظهره عليك حين ينزل به قرآنًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 92 ب.]]، والمعنى: أن النبي -ﷺ- كتم حبها، وأراد تزوجها، وأمر زيدًا بإمساكها وفي قلبه خلاف ذلك، فأظهر الله عليه ما أخفاه بأن قضى طلاقها وزوجها منه، وأنزل في ذلك القرآن، ولهذا قال عمر وابن مسعود وعائشة والحسن: ما نزلت علي رسول الله آية هي أشد عليه من هذه الآية. قالت عائشة: لو كتم النبي -ﷺ- شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية [[أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء 6/ 2699، رقم الحديث 6985، عن أنس، ومسلم في كتاب: الإيمان، باب في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 160، رقم الحديث 288 عن عائشة.]]: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾. وقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ قال مقاتل: تكره قالة الناس في أمر زينب [[انظر: "تفسير مقاتل" 92/ ب.]]. يعني: تخاف لائمتهم أن يقولوا: أمر رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها، وكان النبي -ﷺ- يريد أن يصوب رأي زيد في طلاقها من حيث ميل النفس وهوى القلب، ولكنه خاف قالة الناس فذلك قوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾، وقيل: الخشية هاهنا بمعنى الاستحياء، يعني تستحي من الناس أن تأمر رجلاً بطلاق زوجته ثم تتزوجها. والاستحياء قول ابن عباس والحسن والفراء [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 531، "معاني القرآن" للفراء 2/ 343.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: والمراد بالناس هاهنا اليهود، وكانوا يعيبون المؤمنين فخشي النبي -ﷺ- في تزوجها أن يقولوا تزوج محمد امرأة ابنه [[انظر: "زاد المسير" 6/ 387.]]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. وقال ابن عباس: يريد [..] [[في جميع النسخ قدر كلمة غير واضحة، ولعلها: تخشاه.]] وتخافه [[لم أقف عليه]]. وروي عن علي بن الحسين أنه قال في هذه الآية: كان الله -عز وجل- قد أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، وأن زيدًا سيطلقها [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 أ، "تفسير البغوي" 3/ 532. "مجمع البيان" 8/ 564.]]. وعلى هذا جوز أن يكون النبي -ﷺ- معاتبًا [[في (أ): (بناها).]] على قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مع علمه بأنها ستكون زوجته، وكتمانه ما أخبره الله به، ويكون قوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ في كتمان ما أخبرك به وإنما كتم النبي -ﷺ- ذلك؛ لأنه استحيا واستبشع أن يقول: إن زوجتك ستكون امرأتي [[هذه الروايات التي أوردها المؤلف رحمه الله من أن زينب رضي الله عنها وقعت في قلب النبي -ﷺ-، وأنه أحبها وتمنى تطليق زيد لها، أو أنه قال حين رآها: "سبحان مصرف القلوب". أقول: كل ذلك مما ينبغي أن ينزه عنه المصطف -ﷺ-، فزينب ابنة عمته وكان يعرفها قبل أن يزوجها من زيد. يقول: القشيري فيما نقله عنه القاضي عياض في "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى" 2/ 880: وهذا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي -ﷺ- وبفضله. ثم قال القاضي عياض: وكيف يقال: رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها منذ ولدت؟ ولا كان النساء يحتجبن منه -ﷺ- وهو زوجها لزيد، وإنما جعل الله == طلاق زيد لها وتزويج النبي -ﷺ- إياها لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وقال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ أهـ. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 99 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530، 672. وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" بعد أن ذكر هذه الأقوال: وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقًا واضحًا حسنًا ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ-، وكان رسول الله -ﷺ- أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله -ﷺ- فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه -ﷺ- بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله -ﷺ- أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه وكان قد تبني زيدًا قال: بعد أن ذكر بعض الروايات التي استحسنها بعض العلماء، قال عن هذه الرواية وسندها: وهو أوضح سياقًا وأصح إسنادًا. ثم قال: وقد وردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي -ﷺ- هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل معلق الخشية والله أعلم. أ. هـ. وللوقوف على كلام أهل العلم أكثر مما أثبته حول هذه القصة انظر: "الشفا" لعياض 2/ 880 وما بعدها، "فتح الباري" 8/ 671 وما بعدها، "محاسن التأويل" للقاسمي 8/ 266 وما بعدها، "أضواء البيان" 6/ 580 وما بعدها.]]. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ قال الليث: الوطر: كل حاجة كان لصاحبها فيها همة، ولم أسمع لها فعلا، وجمعه أوطار [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 10 (وطر).]]. وقال أبو عبيدة: الوطر كالأرب، وأنشد للربيع بن ضبع: [[هو: الربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض الفزاري الذبياني، شاعر جاهلي معمر من الفرسان، أدرك النبي -ﷺ- ولم يلقه كان أحكم العرب في زمانه ومن أشعرهم وأخطبهم، قيل: إنه عاش أكثر من مائتي عام. انظر: "سمط اللآلي" ص 802، "الخزانة"، "تفسير ابن عباس" ص 383، "الأعلام" 3/ 15.]] ودعني قبل أن أودعه ... لما قضى من شبابها الوطرا [[البيت من المنسرح وهو للربيع بن ضبع في "الكتاب" 1/ 89، "لسان العرب" 13/ 259 ضمن، "أمالي المرتضى" 1/ 255.]] وقال المبرد [[انظر: "الدر المصون" 9/ 126، "روح المعاني" 22/ 25.]]: الوطر الشهوة والمحبة، يقال: ما قضيت من لقائك وطرًا، أي ما استمتعت بك حتى تنتهى، وأنشد: وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما ... قضى وطرا منها جميل من معمر [[البيت من الطويل، ولم أهتد إلى قائله، وهو في "الكامل" 1/ 397، "الدر المصون"، "البحر المحيط" 3/ 211، غير منسوب.]] قال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي لذته ونهمته [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: يعني الجماع [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.]]. وقال مقاتل: يعني حاجة وطلقها [[لم أقف عليه عن مقاتل، وانظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 371.]]. وقال قتادة: طلقها [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 406، "تفسير القرطبي" 14/ 194.]]. ومعنى قضى الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، فمعنى قضى وطرًا منها بلغ ما أراد من حاجته فيها. ويجوز أن يكون عبارة عن الطلاق، فإن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة، فيقول: قضيت وطري منها، أي خليتها حيث لم يبق له فيها مراد، فيجوز أن يكون المراد بهذا اللفظ الطلاق مع بلوغ المراد منها، ويجوز أن يكون عبارة عن بلوغ المراد من نكاحها ثم يضمر الطلاق، ودل عليه [[في (أ): (وقوله)، زيادة واو وهو خطأ.]] قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾؛ لأن تزويجها من النبي -ﷺ- يوجب طلاق زيد إياها، وقد قال المفسرون [["تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3135، "تفسير البغوي" 3/ 532، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 612، وزاد نسبته لابن سعد وأحمد وأبي يعلى والطبراني وابن مردويه عن أنس.]]: طلقها زيد فلما انقضت عدتها تزوجها النبي -ﷺ-. وروى ثابت عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله -ﷺ-: "اذهب فاذكرها علي". قال: فانطلقت فقلت يا زينب أبشري، أرسلني رسول الله -ﷺ- يذكرك، ونزل القرآن، وجاء رسول الله -ﷺ- حتى دخل عليها بغير إذن [[أخرجه الإمام مسلم في النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب 2/ 1048 رقم (1428)، وأخرجه الإمام أحمد 3/ 195 عن ثابت عن أنس، والنسائي في "سننه" كتاب: النكاح، باب: صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها 6/ 79 عن ثابت عن أنس. وأورد السيوطي في "الدر" 6/ 612 وعزاه لابن سعد وأحمد والنسائي وأبي يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أنس.]]. قال أصحابنا: وهذه الآية دليل على أن كل امرأة أراد رسول الله نكاحها فهو مستغن عن الولي والشهود، وذلك أنه لما نزل قوله ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ دخل عليها رسول الله -ﷺ-، ولهذا كانت زينب تفاخر نساء النبي -ﷺ- وتقول: زوجكن أقاربكن وزوجني الله -عز وجل- [[أخرجه البخاري في التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء 6/ 2699 رقم الحديث (6984، 6985)، وأخرج الترمذي في "سننه" كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب 5/ 33 رقم الحديث (3265)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]]. وذكر قضاء الوطر هنا بيانًا أن امرأة المتبنى تحل وإن وطئها المتبنى وهو قوله [[(يقوله) مكررة في (أ).]]: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، أي: زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنيته لكي [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: لكيلا.]] تظن أنه من تُبُنِّيَ لم تحل امرأته للمتبني. قاله الزجاج [[انظر: "معاني القرآن واعرابه" 4/ 229.]]، وهو قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 أ، "تفسير الطبري" 22/ 14، "تفسير الماوردي" 4/ 407، "تفسير البغوي" 3/ 533.]]. قوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أي: جامعوهن وطلقوهن، قال الحسن: كانت العرب تظن أن حرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم، فبين الله تعالى أن حلائل الأدعياء غير محرمة على المتبنين وإن أصابوهن، بخلاف ابن الصلب فإن امرأته تحرم بنفس العقد، وامرأة المتبني لا تحرم وإن وطئها [[لم أقف عليه.]]. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ قال مقاتل: يقول تزوج النبي زينب كائنًا لابد [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.]]. وإنما يعني بذلك أن قضاء الله في زينب أن يتزوجها رسول الله -ﷺ- كان ماضيًا مفعولًا.

الأحزاب 33:38

قال مقاتل: ثم بين أنه لم يكن عليه حرج في هذا النكاح [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.]] في قوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: أحل الله له، أي: لا حرج عليه فيما أحل الله له [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 أ، "الطبري" 22/ 14، "الماوردي" 4/ 407.]]. قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: سن الله لمحمد -عليه السلام- في التوسعة عليه في إباحة النكاح كسننه في الأنبياء الماضين، وهذا قول ابن عباس [[ذكره القرطبي 14/ 195 بمعناه غير منسوب لأحد، وكذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 392، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 474 عن ابن عباس والكلبي والمقاتلين.]]. واختار الفراء والزجاج قالوا: عني كثرة أزواج داود وسليمان [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 344، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 230.]]. وقال مقاتل: يعني داود النبي حين هوى المرأة التي فتن بها، فجمع الله بينه وبينها، يقول: كذلك أجمع بين محمد وزينب إذ هويها كما فعلت بداود. ونحو هذا مقاتل بن حيان سواء [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ، انظر: "الثعلبي" 3/ 201 أ، "البغوي" 3/ 533. ولعل هذه الأقوال التي أوردها المؤلف لا تصح، بل هي فاسدة؛ لأنه مناف لمقام النبوة.]]. وقال عبد الله بن مسلم: أي لا حرج على أحد فيما لم يحرم عليه [[انظر: "غريب القرآن" ص 351.]]. وعلى هذا ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [[كذا في المخطوط! ولعل الصواب: كل.]]، كان من تقدمه ممن قد مضى ولا يختص بالنبيين وهو الأليق بظاهر الآية لولا الآية الثانية، فإنها دلت على أن المراد بالذين خلوا: الأنبياء، قال أبو إسحاق: سنة الله منصوب على المصدر؛ لأن معنى ما كان على النبي من حرج سنة [[كذا في المخطوط! والذي في "معاني القرآن" للزجاج: سن الله له.]] الله له سنة واسعة لا حرج فيها [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 230.]]. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. قال الكلبي: قضاء مقضيا، وكان من قدره أن يولد سليمان من تلك المرأة التي هويها داود ويملك من بعده [[ذكر هذا القول الثعلبي 3/ 201 ب ونسبه لابن عباس. ولم أقف على من نسبه للكلبي.]]. وقال مقاتل: قدر الله لداود ولمحمد تزويجها [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.]] [[هكذا في النسخ! والذي في تفسير مقاتل: تزويجهما.]]. وقال ابن حيان: أخبر الله أن امرأة [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: أن نكاح زينب.]] زينب كان من حكم الله وقدره وفرضه [[لم أقف عليه.]].

الأحزاب 33:39

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾ قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون (الذين) في موضع خفض نعت، لقوله: ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾. ويجوز أن يكون نعتًا على المدح، المعنى: هم الذين. ويجوز أن يكون نصبًا على معنى أعني الذين [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 230.]]. ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ قال سعيد بن جبير: الخشية من الله أن تخشاه حتى تكون خشيتك [[هكذا في المخطوط! لعل الصواب: حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيته.]] وبينه وبين معصيته [[لم أقف على قول سعيد بن جبير.]]. والمعنى على هذا: ولا تعصونه. ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحل لهم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: مجازيًا لمن يخشاه. قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]].

الأحزاب 33:40

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قالت عائشة رضي الله عنها: لما تزوج رسول الله -ﷺ- زينب قال الناس: إن محمدًا تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله هذه الآية [[رواه الترمذي حديث رقم (3260) عن عائشة، وابن أبي حاتم، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 613 وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة.]]. يعني أنه ليس بأب لزيد فتحرم [[في (أ): (فيحرم).]] عليه زوجته. قال ابن عباس: يريد لم يكن في قضائي وقدري أن له ابنا يعيش حتى يصير رجلاً [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 534.]]. وقال المفسرون: لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد له ذكور: إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 ب، "تفسير الطبري" 22/ 16، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 229.]]. وقال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال النبي -ﷺ- لزيد: لست لك بأب، فقال زيد: يا رسول الله أنا زيد بن حارثة بن مروة بن شراحيل الكلبي معروف نسبي [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هو يعني: آخر النبيين فلا نبي بعده، قال: يريد لو لم أختم به لجعلت له ولدًا يكون بعده نبيًا. قال مقاتل: لو كان لمحمد ولد لكان نبيًا رسولاً، فمن ثم قال: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [لم يسمع أحدًا] [[هكذا في النسخ! ولعله زيادة من الناسخ خطأ.]] والمعنى أنه لما ختم النبيين دل على أنه لم يبق ولدًا بعده. وقراءة العامة بكسر التاء، وقرأ عاصم بفتح التاء [[في (أ): (الهاء).]] [[انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 199، "النشر" 2/ 348.]]. قال أبو عبيد: الوجه الكسر؛ لأن التأويل أنه ختمهم، فهو خاتمهم [[لم أقف على اختيار أبي عبيد.]]. وكذلك روي عنه في صفة نفسه أنه قال: "أنا حاتم النبيين" [[الحديث متفق عليه عن أبي هريرة، وهو جزء من حديث أخرجه البخاري في المناقب، باب: خاتم النيين -ﷺ-" 3/ 1300 رقم (3342)، ومسلم في الفضائل، باب: كونه -ﷺ- خاتم النبيين 4/ 1790 رقم (2286).]]. لم يسمع أحد من فقهائنا يرويه إلا بكسر التاء، قال الفراء: ويدل عليه قراءة عبد الله: ختم النبيين، ومن قرأ بفتح التاء فمعناه: آخر النبيين، وخاتم النبيين [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: آخرهم.]] آخره، ومنه قوله ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [["معاني القرآن" 2/ 344.]]. وقال الحسن: الخاتم الذي ختم به [[انظر: "الوسيط" 3/ 474، "الحجة" 5/ 477.]]. وقال أهل اللغة: الخاتم بالكسر الفاعل، والخاتم بالفتح ما يوضع على الطينة، وهو اسم مثل العالم، يدل على هذا قولهم عند زيادة الحرف خاتام، فدلت زيادة الألف على أن التاء مفتوح في الخاتم [[انظر: "تهذيب اللغة" (ختم)، "اللسان" 12/ 163 (ختم).]]. قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: يريد علم ما يكون قبل أن يكون [[لم أقف عليه.]].

الأحزاب 33:41

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ قال الكلبي ومقاتل: ذكرًا كثيرًا باللسان [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب، ولم أقف على من نسبه للكلبي.]]. وقال مجاهد: هو ألا ينساه أبدًا [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 534، "مجمع البيان" 8/ 568.]]. وقال الكلبي: ويعني ذكرًا كثيرًا بالصلوات الخمس [[انظر: "الوسيط" 3/ 475، "زاد المسير" 6/ 396.]]. وقال ابن حيان: هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال وهو أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 568، "زاد المسير" 6/ 396.]]. وبلغنا أن هؤلاء الكلمات يتكلم بهن صاحب الجنابة والغائط والحدث [[ذكر ابن قدامة في "المغنى" 1/ 134 بأنه لا خلاف في أن للحائض والجنب ومن في حكمهما ذكر الله -سبحانه وتعالى-، وهذه الألفاظ من الذكر.]].

الأحزاب 33:42

وقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: صلوا لله صلاة الفجر والعصر. قاله مقاتل وقتادة [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 409، "الطبري" 22/ 17.]]. وقال ابن حيان: صلوا لله بالغداة والعشي [[لم أقف عليه عن ابن حيان، وانظر: "القرطبي" 014/ 198، " تفسير هود" 3/ 372.]]. قال الكلبي: فصلاة الفجر، وأما أصيلاً: فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء [[انظر: "تفسير الماوردي" 9/ 409، "مجمع البيان" 8/ 397، "زاد المسير" 6/ 568.]]. ومضى الكلام في تفسير الأصيل عند قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [[عند قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: 205]]].

الأحزاب 33:43

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ﴾ قال ابن عباس: لما نزل على رسول الله -ﷺ-: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ جاء المهاجرون والأنصار إلى رسول الله -ﷺ- يهنئونه، فقال أبو بكر: يا رسول الله أهذا لك خاصة ليس لنا فيه شيء، فأنزل الله هذه الآية [[ذكر هذا الأثر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 622، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 534 عن أنس، وذكره القرطبي 14/ 198 عن ابن عباس.]]. قال المفسرون وأهل المعاني كلهم: ﴿يُصَلِّي﴾ [[في (أ): زيادة واو (ويصلي عليكم).]]: يرحمكم ويغفر لكم [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 202/ أ، "تفسير الطبري" 22/ 17، "معاني القرآن" للفراء 2/ 345، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 231، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 357.]]، ومضى الكلام في تفسير الصلاة من الله عند قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 157]. قوله: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ قال ابن عباس: وملائكته تدعوا الله لكم [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 568.]]. وقال المقاتلان: ويأمر الملائكة بالاستغفار لكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 398، "زاد المسير" 6/ 410.]]. قال الكلبي: صلاة الله على العباد مغفرته، فإذا رضي على العبد قال للملائكة: إني قد غفرت لعبدي فلان فاستغفروا له، وصلاة الملائكة: الاستغفار [[لم أقف عليه.]]. قوله -عز وجل-: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ قالوا: من الشرك إلى الإيمان، يعني: أنه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجوكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان بسبب توحيدكلم وتصديقكم رحمته ودعاء ملائكته [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 17، "بحر العلوم" 3/ 54، "تفسير البغوي" 3/ 537.]].

الأحزاب 33:44

قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ قال مقاتل: يعني تسليم الملائكة عليهم يوم يلقون الرب [[انظر: "تفسير مقاتل" 93/ ب.]]. وقال الكلبي: تحييهم الملائكة على أبواب [[في (ب): (باب).]] الجنة بالسلام، فإذا دخلوها حيا بعضهم بعضا بالسلام، وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 54.]]. والكناية في قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ يجوز أن تكون عن الملائكة، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل. ويجوز أن تكون عن المؤمنين، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعلين؛ لأن المؤمنين يحيون بالسلام ويحيى بعضهم بعضًا. قال ابن عباس في قوله: {يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ}: يريد عندما يدخلهم الجنة [[لم أقف عليه.]]. ومعنى الكلام في معنى لقاء الله في مواضع. وروي عن البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية قال: "يوم يلقون ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه" [[أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب التفسير، "تفسير سورة إبراهيم -عليه السلام-" 2/ 351، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" واْورده السيوطي في "الدرر" 6/ 623 وزاد نسبته لابن أبي شيبة في "المصنف" وابن أبي الدنيا في "ذكر الموت" وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في "الشعب".]]. والكناية على هذا في قوله ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ للمؤمنين، أي: تحيتهم من ملك الموت يوم يلقونه. والكناية في يلقونه لملك الموت وقد سبق ذكره في قوله: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾. وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ أي: ثوابًا عظيمًا ورزقًا حسنًا في الجنة.

الأحزاب 33:45

قوله -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد على أمتك وجميع الأمم [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 410، "الدر المنثور" 6/ 624، وقال: أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس.]]. وقال مقاتل: شاهدًا على هذه الأمة بتبليغ الرسالة، ومبشرًا بالجنة والنصر في الدنيا لمن صدقك وآمن بك [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]]. ﴿وَنَذِيرًا﴾: ومنذرًا بالنار لمن كفر بك وكذبك.

الأحزاب 33:46

﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾: إلى توحيد الله وطاعته وما يقرب منه ﴿بِإِذْنِهِ﴾ قال مقاتل: يعني بأمره [[المصدر السابق.]]. يريد أنه أمرك بهذا لا أنك تفعله من قبل. قوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ يجوز أن يكون هذا من صة النبي -ﷺ-، يكون المعنى من اتبعه اهتدى به كالسراج في الظلمة يستضاء به، وهذا معنى قول ابن عباس [[انظر: قول ابن عباس في "تنوير المقباس" ص 355.]]. وقال المبرد: هذا تمثيل، والمعنى أن ضياء الهدى منه قد شمل القلوب كما شمل ضياء السراج الأبصار [[لم أقف على قول المبرد.]]. ويجوز أن يكون المراد بالسراج المنير: القرآن وهو قول ابن عباس قال: وكتابًا مبينًا [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 411، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 624، وعزاه لابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر.]]. واختاره الزجاج فقال: (والمعنى وذا سراج منير أي: ذا كتاب نير قال: وإن شئت كان المعنى وداعيًا إلى الله وتاليًا كتابًا بينًا) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 211.]].

الأحزاب 33:47

﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، قال مقاتل: يعني الجنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]].

الأحزاب 33:48

وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أي إن دعوك إلى تقصر [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: إلى أن تقصر.]] في بلاغ ما أرسلت به. قال ابن عباس: يريد الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 350.]]. وذكرنا تفسير هذا في أول السورة. ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يريد اصبر على أذاهم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 19، "تفسير البغوي" 3/ 535، "الدر المنثور" 6/ 625، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.]]. قال ابن عباس: هذا منسوخ نسخه السيف [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 202، "زاد المسير" 6/ 402، "قبضة البيان في ناسخ ومنسوخ القرآن" ص 20، "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله" ص 144، "ناسخ القرآن ومنسوخه" ص 45.]]. قال أبو إسحاق: (تأويل ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ لا تجازيهم عليه إلا أن تؤمر فيهم بأمر) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 231.]] وعلى هذا التقدير دع مكافأة أذاهم، ولهذا صار المعنى: اصبر على أذاهم. وقال مجاهد: دع أذاهم: أعرض عنهم [["تفسير مجاهد" ص 518، وانظر: "تفسير الطبري" 22/ 19، "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3141.]]. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فإني أكفيك [[في (أ): (أكفيكم).]] إذا توكلت علي.

الأحزاب 33:49

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: تجامعوهن. وقرئ: تماسوهن [[انظر: "الحجة" 5/ 477 "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 203.]]. ومعنى الكلام في القراءتين في البقرة [: 246]. قوله -عز وجل-: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ قال أبو إسحاق: (أسقط الله العدة عن التي [[في (أ): (النبي)، وهو خطأ.]] لم يدخل بها؛ لأن العدة في الأصل استبراء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 232.]] الولد، فإن لم يدخل بها فهي بمنزلة الأمة التي لم يقربها مالكها فليس عليها استبراء. قال مقاتل: إن شاءت تزوجت من يومها [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]]. وقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ أي: تحصون العدة عليهن [[في (ب): (عليها).]] بالأقراء والأشهر وقال صاحب النظم: معنى الاعتداد هاهنا استبقاء العدة منهن؛ لأنها حق للأزواج على النساء استبراء من أن يلحق بهن [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: بهم؛ لأن الضمير يعود للأزواج.]] من ليس منهم، ولانقطاع الأمر في النفقة والسكنى، يقال: عددته ألف درهم فاعتدها أي: استوفاها، وكذلك وزنته حقه فاتزنه، وكلته فاكتاله، أي: استوفاه وزنا وكيلا. كذلك هاهنا: استوفاها عددا. وروى ابن أبي بزة [[هو: مقرئ مكة ومؤذن المسجد الحرام أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بزة المخزومي مولاهم الفارسي الأصل، كان مولده سنة 170 وهو أستاذ محقق ضابط متقن، قرأ على أبيه وعلى عبد الله بن زياد وعكرمة بن سليمان، وعليه قرأ إسحاق بن محمد الخزاعي والحسن بن الحباب وغيرهم، روى عنه القراءة قنبل، توفي -رحمه الله- 250 وعمره ثمانون سنة. انظر: "غاية النهاية" 1/ 119، "السير" 12/ 50، "معرفة القراء الكبار" 1/ 54.]] عن ابن كثير: تعتدونها مخففة، قال قنبل والقواس [[هو: أبو الحسن أحمد بن محمد بن علقمة بن نافع بن عمر بن صح بن عون المكى النبال المعروف بالقواس، قرأ على ابن كثير وأبي الإخريط وهب بن واضح == وغيرهما، وقرأ عليه البزى. وقنبل. انظر: "النشر" 1/ 120.]]: وهذا مما وهم فيه ثم رجع عنه، وكذلك وهم في تخفيف قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ﴾ [إبراهيم: 17]، وقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: 4]. قال أبو علي: ولا وجه للتخفيف في مثل هذا، نحو: تشتدونها وترتدونها، وليس كل المضاعف يبدل من حروف التضعيف فيه، إنما يبدل فيما سمع [[انظر:: "الحجة" 5/ 477 - 478.]]. قال قتادة: فإن شئت قلت: قد جاء في التنزيل في هذا النحو الأمران كقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]، وقال: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً﴾ [الفرقان: 5]، قال: وإن شئت جعلته من عدوت الشيء إذا جاوزته، أي: مالكم عليهن من وقت عدة يلزمكم أن تجاوزوا عدده فلا تنكحوا أختها ولا أربعًا سواها حتى تنقضي العدة [[ذكر قول قتادة أبو علي في "الحجة" 5/ 478 ولم ينسبه لقتادة، "البحر المحيط" 8/ 490.]]. قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ اختلفوا في هذه المتعة قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقًا، فإذا فرض لها صداقًا فلها نصفه [[انظر "الطبري" 22/ 19، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 625 وعزاه لابن جرير المنذر وإبن أبي حاتم عن ابن عباس.]]، هذا هو الأصح من مذهب الشافعي، وهو أن المطلقة قبل المسيس لا تستحق المتعة مع نصف المهر؛ لأن الله لم يذكر المتعة مع نصف المهر في سورة البقرة، وهو قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] [[انظر: "الأم" 5/ 54، "المغني" 10/ 142.]]. وروى نافع عن ابن عمر قال: لكل مطلقة متاع إلا التي تطلق قبل أن يدخل بها وقد فرض لها، فإن لها نصف الصداق فلا متعة [[لم أقف عليه.]]. قال قتادة: نسخت هذه الآية التي قبلها في البقرة وهو قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 37] [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 20، "تفسير زاد المسير" 6/ 402، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 348.]]. فدلت هذه الأقوال على أنها لا تستحق المتعة إذا طلقت قبل المسيس وبعد القرض، وإن طلقت قبلهما استحقت المتعة. روي أن شريحًا أخبر رجلاً طلق امرأته ولم يكن لها فرض ولم يدخل بها [[الكلام هنا ناقص لم يتم، والأسلوب غير مستقيم يبدو أن فيه سقطًا ولم أستطع الوقوف عليه.]]، وهو مذهب الزهري. وقال مقاتل: فمتعوهن بنصف [[لم أقف على قول مقاتل.]]، فجعل هذه المتعة بما تستحق من نصف المهر، وهذا إنما يكون إذا كان قد فرض لها، فأما إذا لم يفرض لها فإنها تستحق المتعة واجبة لها على قول أكثر الناس، وبعضهم يقول نسخت ذلك ولا تجب في قوله: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 19، "الماوردي" 4/ 412، "زاد المسير" 6/ 402.]] قال مقاتل: يعني: حسنًا في غير ضرر [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]].

الأحزاب 33:50

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، ذكر الله تعالى في هذه الآية أنواع النسوة والأنكحة التي أحلها [[في (ب): (أحلتها).]] للنبي -عليه السلام- مما يختص به ومما سواه الأمة [[الأسلوب هنا فيه اضطراب، ولعل الصواب: دون ما سواه من الأمة.]] في ذلك. وقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ قال المفسرون: يعني: مهورهن، والمعنى: أحللنا لك أزواجك اللاتي تزوجتهن بصداق [[انظر: "الطبري" 22/ 20 - 21، "الماوردي" 4/ 413، "زاد المسير" 6/ 403.]]، ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ يعني: الولائد: وهي مارية [[هي: مارية القطية مولاة رسول الله -ﷺ- وأم ولده إبراهيم، أهداها للنبي -ﷺ- المقوقس القبطي صاحب مصر، توفيت رضي الله عنها في خلافة عمر بن الخطاب سنة 16 هـ وصلى عليها عمر ودفنت بالبقيع. انظر: "الاستيعاب" 4/ 396، "الإصابة" 4/ 391، "أسد الغابة" 5/ 5439.]] القبطية أم إبراهيم، وريحانة [[هي: سرية رسول الله -ﷺ واسمها: ريحانة بنت شمعون بن زيد بن قساعة من بني قريظة قتل زوجها في بني قريظة وكانت مع السبي، نفر لها رسول الله -ﷺ- حينما عرض عليه النبي وأرسلها إلى بيت أم المنذر بنت قبس ثم دخل عليها وخيرها فاختارت الله ورسوله فأعتقها وتزوجها، ماتت رضي الله عنها سنة 10 هـ حينما رجع رسول الله -ﷺ- من حجة الوداع. انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 4/ 302، "أسد الغابة" 5/ 460.]] وصفية وجويرية. وقوله: ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ أي: رجعه ورده إليك من الكفار بأن سبيته وملكته. ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ يعني: القرشيات [[في (ب): (القريشيات).]] من بني تميم وعدي ومخزوم وأمية. ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ يعني نساء بني زهرة. وهذا مما تساويه الأمة فيه إلا العدد في الحرائر دون الإماء. قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قال مقاتل: إلى المدينة فإن كانت [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب كما في "تفسير مقاتل" 94 أ: فإن كانت لم تهاجر.]] تهاجر إلى المدينة لم يحل له تزوجها [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.]]. وروى السدي عن أبيِ صالح أن أم هانئ [[هي: أم هانئ فاختة وقيل فاطمة وقيل هند والأول أشهر، بنت أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم، ابنة عم النبي -ﷺ- وأخت علي بن أبي طالب، أسلمت عام الفتح وهرب زوجها واسمه هبيرة بن أبي وهب إلى نجران، فلما انقضت عدتها خطبها النبي -ﷺ- فقالت يا رسول الله؛ لأنت أحب إلى من سمعي ومن بصري وحق الزوج عظيم وأنا أضيع حق الزوج. انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 4/ 479، "الإصابة" 4/ 479، "أسد الغابة" 5/ 624.]] قالت: خطبني رسول الله -ﷺ- فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله عليه: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾. إلى قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [قال مقاتل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: قالت: لم أحل له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 22/ 20 - 21 ورواه الترمذي في "جامعه" كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحزاب 5/ 33 رقم الحديث (3266) وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي، والحاكم في "المستدرك" 2/ 420 وصححه ووافقه الذهبي، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 628 وزاد نسبته لابن سعد وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي.]]، وهذا يوجب أن الهجرة كانت شرطًا في التحليل، فيحتمل أن يكون الأمر كذلك ثم نسخ كما كانت الوراثة بالهجرة ثم نسخ [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 414، "تفسير زاد المسير" 6/ 404، "مجمع البيان" 8/ 571.]]. قال صاحب النظم: نزلت هذه الآية قبل تحليل غير المهاجرات. وقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ عطف على ما سبق من المحللات قال ابن عباس: يريد مصدقة بتوحيد الله [[ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 571 غير منسوب لأحد.]]. قال مقاتل: اليهودية أو النصرانية أو الحربية إن وهبت نفسها للنبي لم تحل له، قال: وإنما قيل هاهنا للنبي -ﷺ- لأنه لو قيل: إن وهبت نفسها لك، كان يجوز أن يتوهم في الكلام دليل أنه يجوز ذلك لغير النبي -ﷺ- كما جاز في قوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾؛ لأن بنات العم وبنات الخال يحللن للناس [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ أي آثر نكاحها وأراد ذلك. ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ قال الفراء: (نصب على القطع يعني: هذه الخصلة يعني: النية في النكاح خالصة لك ورخصة) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 345 مع اختلاف في العبارة.]]. وقال الزجاج: (خالصة منصوب على الحال، المعنى: إنا جعلنا لك هؤلاء وأحللنا لك من وهبت نفسها خالصة لك) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.]]. وقال صاحب النظم: خالصة مصدر كالخاطئة والكاذبة والملاعنة، والمعنى في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ أي: خاصة لك وخاصة أيضًا مصدر مثل خالصة أي خصوصًا لك ذلك من بين أمتك وهو قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال أبو عبيدة: (رجع عن الغائبة إلى المخاطبة والعرب تفعل ذلك كقول عنترة: سقت مزارها سفين .. .. البيت) [["مجاز القرآن" 2/ 139. وهكذا ورد في النسخ! وفي "مجاز القرآن" وكذا في بقية المراجع جاء البيت هكذا: == شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا على طلابها ابنة مخرم وهو من الكامل، وهو لعنترة في "ديوانه" ص 19، "شعراء النصرانية" 6/ 809، "الكامل" 1/ 399، 2/ 729، "لسان العرب" 4/ 314 (زأر)، 336 (زور)، انظر: "تفسير ابن عباس" ص 334 (شطط). ومعى البيت: يقول: نزلت الحبيبة أرض أعدائي فأصبح طلبها عسيرًا علي. وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب انظر: "جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام" 2/ 484.]]. قال الأزهري: الهبة كانت للنبي -ﷺ- خاصة، ولا يحل لأحد أن تهب نفسها بغير شهود ولا ولي إلا للنبي -ﷺ-. وقال ابن عباس: لا يحل هذا لغيرك وهو لك حلال [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 424، وذكر الطبري نحوه 22/ 21 ونسبه لمجاهد.]]. قال المفسرون: هذا من خصائصه في النكاح وكان ينعقد النكاح له بلفظ الهبة من غير ولي ولا شهود، ولا ينعقد لأحد نكاح بلفظ الهبة [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23 - 24، "تفسير الماوردي" 4/ 415، "تفسير زاد المسير" 6/ 405.]]، وهو مذهب الشافعي -رحمة الله- وأكثر الفقهاء [[انظر: "الأم" 5/ 33، "المغني" 9/ 345.]]. وأجاز أهل الكوفة النكاح بلفظ الهبة إذا حضر الولي والشهود [[يروى هذا كما في "المغني" 9/ 345 عن ابن سيرين والقاسم بن والحسن محمد بن صالح وأبي يوسف.]]. واختلفوا في الموهوبة، هل كانت عند النبي -ﷺ- موهوبة أم لا؟ فمذهب ابن عباس في رواية عكرمة ومجاهد أنه لم يكن عند النبي -ﷺ- امرأة إلا بعقد النكاح أو ملك اليمين، وهذا شيء أباحه الله له، فإذا استباحه حل له [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23، "تفسير الماوردي" 4/ 414، "مجمع البيان" 8/ 571.]]. وقال آخرون: بل كانت عنده موهوبة، ثم اختلفوا، فقال عطاء عن ابن عباس: هي أم شريك العامرية [[هي: أم شريك، واختلف في اسمها فقيل: غزيلة بالتصغير، ويقال عزية بتشديد الياء بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر، اختلف في نسبتها، فقيل: قرشية وقيل: عامرية وقيل: أنصارية. يقول ابن حجر في "الإصابة": ويمكن الجمع بين الأقوال بأن يقال: هي قرشية تزوجت في دوس فنسبت إليهم، ثم تزوجت في الأنصار فنسبت إلهم. يقال: إنها التي وهبت نفسها للنبي -ﷺ-. انظر: "الاستيعاب" 4/ 445، "الإصابة" 4/ 446، "أسد الغابة" 5/ 594.]]، وهو قول مقاتل [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 571، ونسب القول لعلي بن الحسين والضحاك ومقاتل، وانظر أيضًا: "تفسير زاد المسير" 6/ 405 ولم ينسبه لأحد. وذكره "الماوردي" أيضًا 4/ 414 ونسبه لعروة بن الزبير، وانظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.]]. وقال عروة: هي: خولة بنت حكيم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23، "مجمع البيان" 8/ 571، وذكره "الماوردي" 4/ 414، و"ابن الجوزي" 6/ 405 غير منسوب لأحد.]]. وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23، "تفسير الماوردي" 4/ 414، "تفسير زاد المسير" 6/ 406 ونسبه لابن عباس.]] وقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة [[هي: زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية زوج النبي -ﷺ-، يقال لها: أم المساكين لكثرة إطعامها الطعام لهم، تزوجها رسول الله -ﷺ- أدخل بها بعدما دخل بحفصة رضي الله عنها ثم لم تلبث فلنب عند رسول الله -ﷺ- سوى شهرين أو ثلاثة حتى ماتت رضي الله عنها، ولم أجد عند من ترجموا لها من ذكر أنها وهبت نفسها للنبي -ﷺ- والله أعلم. انظر: "الاستيعاب" 4/ 305، "الإصابة" 4/ 309 "أسد الغابة" 5/ 466.]] [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 414، "تفسير زاد المسير" 6/ 406.]]. وقال مقاتل: ثم أخبر الله عن المؤمنين فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ ألا يتزوجوا إلا أربع نسوة بمهر وبينة وهذا قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.]]، قالوا: فرضنا على أمتك ألا يتجاوز الأربع ولا ينعقد نكاحهم إلا بالأولياء والشهود [[انظر: "الطبري" 22/ 23 - 24، "الماوردي" 4/ 415، "زاد المسير" 6/ 406.]]. قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: (ذلك اليمين لا يكون إلا ما يجوز سبيه) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.]] ممن يجوز حربه، فأما من كان له عهد فلا. وقال صاحب النظم: انتظمت هذه الآية مجاوزة الأربع للنبي -ﷺ- والهبة، وكان له أن يصطفي من النبي من شاء نبه الله بهذا على من خصه به [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: على ما خصه به.]] دون غيره من أمته؛ لأنه لم يبح لهم من هذه الأصناف التي عددها في التحليل له شيئًا. قوله -عز وجل-: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾. فيه تقديم، والمعنى: خالصة لك من دون المؤمنين كي لا يكون عليك، [أي: أحللنا لك ما ذكرنا لكي لا يكون عليك] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]] ضيق في أمر النكاح ومنع من شيء تريده. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ في التزويج بغير مهر للنبي -عليه السلام- ﴿رَحِيمًا﴾ به في تحليل ذلك. قاله مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.]].

الأحزاب 33:51

قوله -عز وجل-: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ذكرنا الكلام في [معنى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الإرجاء عند قوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: 111] وقوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 106]، وأكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في إباحة النبي -ﷺ- مصاحبة نسائه ومعاشرتهن كيف شاء من غير حرج عليه في ذلك تخصيصًا له وتفضيلًا، فأبيح له لمن أحب منهن يومًا أو أكثر، ويعظل من شاء منهن فلا يأتيها. وهذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد واختيار الفراء والزجاج. فمعنى قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قال ابن عباس ترجيها من غير طلاق، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ﴾ وتضم من تشاء تردها إليك [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 25، "الماوردي" 4/ 415، "زاد المسير" 6/ 407.]]. قال مجاهد: تعزل بغير طلاق وتؤوي إليك من تشاء: تردها إليك [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 519، "تفسير الطبري" 22/ 25، "الماوردي" 4/ 415.]]. وقال الكلبي: تترك من تشاء منهن فلا تأتيها ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فتأتيها [[في (ب): (فتؤتيها).]] [[لم أقف على من نسبه للكلبي، وقد ذكر الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 574 نحو هذا القول وعزاه لقتادة.]]. قال أبو إسحاق: (خيَّر الله -عز وجل- نبيه -ﷺ- فكان له أن يؤخِّر من أراد من نِسائه وله أن يردَّ من أحب إلى فراشه، وليس ذلك لغيره من أمته) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.]] وكان القسم والتسوية بينهن واجبًا عليه فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار فيهن، قال أبو زيد: وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب وكان قسمتهن من نفسه وماله سواء بينهن وكان ممن أرجى: سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة [[في (ب): (وصفية وميمونة) تقديم وتأخير.]] وصفية وكان يقسم لهن ما شاء، وكان أراد أن يفارقهن فقلن له: اقسم لنا من نفسك ما شئت ودعنا على حالنا [[انظر: " تفسير الطبري" 26/ 22، وقد ذكر قول ابن زيد لكنه لم يذكر أسماء من آوى ومن عزل. "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3145 عن ابن زيد، "مجمع البيان" 8/ 574، ونسب القول لابن رزين، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 407 وعزاه لابن رزين أيضًا، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 635، ونسبه لابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي زيد.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ أي: إن أردت أن نؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن وأخرتهن من القسمة وتضمها إليك فلا جناح عليك [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.]]. لا ميل [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: لا لوم.]] يلوم ولا عتب، والمعنى: أنك إذا أرجأت بعضًا وآويت ثم آويت من أرجأت فلا جناح عليك [[الكلام هنا موهم والأسلوب فيه اضطراب، والذي يظهر لي والله أعلم أن الكلام من قوله: (ميل) إلى قوله: (ثم إيواء من أرجأت فلا جناح عليك) كلام زائد وقع خطأ من النساخ.]]، وفي الكلام إيجاز بتقدير وأرجأت من آويت فلا جناح عليك، فدل أحد الظرفين على الثاني؛ لأنه إذا كان له إيواء من عزل وأرجأ كان له إرجاء من آوى. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أي: ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذا كان من عندنا، قال الفراء: (إذا علمن أن الله قد أباح ذلك رضين إذا كان من عند الله) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 346.]]. قال أبو إسحاق: إذا كان هذا منزلًا من الله عليك [[في (ب): (إليك).]] كان أقرب إلى أن يرضين بما آتيتهن كلهن أي ويرضين كلهن بما آتيتهن من تقريب وإرجاء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: من أمر النساء والميل إلى بعضهن، قال صاحب النظم: هذا يدل على أن الله قصد بها التخيير والتيسير [[في (ب): (التسير).]] والتسهيل محنة في كل ما أراد منهن، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه ﴿حَلِيمًا﴾ عن عقابهم. قاله ابن عباس [[لم أقف عليه]] وذكرت في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قوال سوى ما ذكرنا، وسياق الآية [بعضها و] [[هكذا في النسخ! ولعلها زيادة من النساخ؛ لأنه يخل بنظم الكلام.]] لا يوافقها فتركتها.

الأحزاب 33:52

قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ ويقرأ بالتاء وقال أبو إسحاق: من قرأ بالياء فلأن النساء في معنى جميع النساء تدل على التأنيث فيستغنى عن تأنيث (يحل)، ومن قرأ بالتاء فعلى أن المعنى لا يحل [[في (ب): (لا تحل).]] لك جماعة [[في (ب): (جميع).]] النساء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 234]]. وقال الفراء: (التاء للنساء والياء بمعنى لا يحل لك شيء من النساء) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 346.]]، وقال أبو علي: (الياء والتاء جميعًا حسنان؛ لأن تأنيث النساء ليس بحقيقي، إنما هو تأنيث الجمع نحو الجمال والجدوع، والتذكير حسن والتأنيث كذلك) [[انظر: "الحجة" 5/ 479.]]. قال ابن عباس: لما خير رسول الله -ﷺ- نساءه اخترنه شكر الله تعالى ذلك لهن حيث اخترنه فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 28، "الماوردي" 4/ 416، "زاد المسير" 6/ 409.]]. قال مقاتل: حرم عليه تزويج غير التسعة اللاتي اخترنه، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد أزواجك التسعة اللاتي عندك [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.]]، يقول: لا يحل لك أن تزداد عليهن ولا أن تبدل بهن، يعني: بنسائه التسعة من أزواج. قال ابن عباس: يريد أن تبدل بهذه [العدة] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] غيرهن، فلا يحل لك إلا هؤلاء اللاتي خيرتهن واخترتهن [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 29، "الماوردي" 4/ 416، "زاد المسير" 6/ 409.]]. وقال الضحاك: يعني: ولا أن تبدل بهن بأزواجك اللاتي من في حبالك أزواجًا غيرهن بأن تطلقهن وتنكح غيرهن [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 31، "مجمع البيان" 8/ 575، "زاد المسير" 6/ 410.]]. فحرم عليه طلاق نسائه اللاتي كن عنده إذ جعلهن أمهات المؤمنين، وحرمهن على غيره حين اخترنه، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ أي: وإن أعجبك لجمالهن [[هكذا في النسخ! ولعل الباء زيادة من النساخ.]]، فليس لك أن تطلق من نسائك وتنكح بدلها امرأة بجمالها. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ قال مقاتل: يعني: الولائد [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.]]. وقال ابن عباس: ملك بعد هؤلاء مارية [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 425.]]. قال الزجاج: موضع رفع المعنى لا يحل لك إلا ما ملكت يمينك، قال: ويجوز أن يكون نصبًا على معنى: لا يحل لك النساء، ثم استثني ما ملكت يمينك [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 234.]]. قال أبو عبيدة: في هذه الآية حرم عليه النساء غيرهن [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 352.]]. فإن روي فيه غير ذلك فهذه الآية منسوخة، يعني: ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما مات رسول الله -ﷺ- حتى أحل له النساء [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 32، "تفسير زاد المسير" 6/ 411، وأخرجه الترمذي في "سننه" كتاب التفسير، تفسير الأحزاب 5/ 35 رقم (3269)، وقال: هذا حديث حسن صحيح وأخرجه ابن أبي حاتم 10/ 3145 عن أم سلمة.]]. قال الشافعي: كأنها تعني اللاتي حظرن عليه [["الأم" 5/ 125.]]. وهذه الآية منسوخة على ما قالت عائشة [[انظر: "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 385.]]، وهذا الذي ذكرنا في هذه الآية قول ابن عباس وقتادة ومقاتل والحسن، قال: قصره الله على نسائه التسع اللاتي مات عنهن [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 29 - 30، "تفسير المادردي" 4/ 417، "مجمع البيان" 8/ 575، "تفسير زاد المسير" 6/ 410، "تفسير مقاتل" 94 ب.]]. وفيها أقوال تركناها لضعفها لم نذكرها. قال مقاتل: ثم حذر النبي -ﷺ-[إن ركب] [[ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من "تفسير مقاتل".]] في أمرهن ما لا ينبغي، وذلك قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من العمل ﴿رَقِيبًا﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.]] حفيظًا.

الأحزاب 33:53

قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال أنس بن مالك: أنا أعلم الناس بهذه الآية، إنه الحجاب، أصبح رسول الله -ﷺ- عروسًا بزينب بنت جحش، ودعا القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا وبقي وهي منهم عند رسول الله -ﷺ- فأطالوا المكث، وجعلوا يتحدثون، وجعل رسول الله -ﷺ- يخرج ثم يرجع وهم قعود، فنزلت هذه الآية. قال: فقام القوم وضرب الحجاب [[أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ 4/ 1499 رقم (4513)، ومسلم في النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب 2/ 1048 رقم (1428) كلاهما عن أنس.]]. ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال الزجاج: (موضع أن نصب المعنى إلا بأن يؤذن أو لا يؤذن لكم) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 234.]] ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ أي: إلا أن تدعوا إلى طعام، ومعنى ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾: يدعوا، ويجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، فتقدير لا تدخلوا بيوت النبي إلى طعام إلا أن يؤذن لكم. وقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ قال أبو إسحاق: (غير منصوبة على الحال، المعنى: إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين) [[المصدر السابق.]] ﴿إِنَاهُ﴾ أي: نضجه وإدراكه وبلوغه. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 34، "تفسير الماوردي" 4/ 418، "تفسير زاد المسير" 6/ 414 - 415.]]. قال مجاهد: غير [متحينين] [[غير واضحة في جميع النسخ، والتصحيح من "تفسير مجاهد" ص 520.]] نضجه [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 520.]]. المعنى: أنهم كانوا يدخلون بيته فيجلسون منتظرين إدراك الطعام فنهوا عن ذلك، والتقدير: إلا أن يؤذن، لكن وأنتم لا تنتظرون بلوغ الطعام. قال أبو عبيدة: ﴿إِنَاهُ﴾ أي: إدراكه، يقال أنى يأني إدراك أنا كما ترى [[هكذا في النسخ! والذي في"مجاز القرآن لأبي عبيدة" 2/ 140: أي: إدراكه وبلوغه، ويقال: أني لك أن تفعل يأني أنيًا، والاسم إني وأني: أبلغ أدرك.]]، وأنشد: تمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل حاملة تمام [[البيت من الوافر، وهو للنابغة الذبياني في "ديوانه" ص 101 ضمن أبيات قالها حين عاد إلى النعمان فألفاه عليلا، "جمهرة أشعار العرب" 1/ 199. والشاهد فيه قوله "حاملة" حيث جاء بهذا الوصف متصلاً بتاء التأنيث مع أنه خاص بالإناث لا يوسف به غيرهن، وذلك أنه جعل وصفًا جاريًا على الفعل.]] قال الأزهري ومن هذا قوله: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44]، وهو الذي قد بلغ غاية الحرارة. وكذلك قوله: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 5] وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: 16]، وهو أن يأني [["تهذيب اللغة" 15/ 553 (أنى).]]. وقوله: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ قال مجاهد: أي بعد أن تأكلوا [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 520.]]. قال مقاتل: كانوا يجلسون عند النبي -ﷺ- قبل الطعام وبعد الطعام يتحدثون عنده طويلًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.]]، وكان يؤذيه ذلك ويستحي أن يقول لهم قوموا، فذلك قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ يعني: دخول بيته بغير إذن والقعود؛ لانتظار الطعام يؤدي النبي -ﷺ- فيستحي منكم أن يخرجكم منها، ومعنى مستأنسين لحديث: مستأنسين له، والاستئناس هو التأنس، ويقال: إذا جاء الليل استأنس كل وحشي [[انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 87 (أنس)، "اللسان" 6/ 15 (أنس).]]. قال أبو إسحاق: (كان النبي -ﷺ- يحتمل إطالتهم كرمًا منه ويصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب فصار أدبًا لهم ولمن بعدهم) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 235.]]. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، معناه: لا يستحيي أن يبين لكم ما هو الحق وذكرنا معنى استحياء الله -عز وجل- عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة: 26] قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فنزل الأمر بالاستتار. قال ابن عباس: وذلك [[في (ب): وذلك أن الله تعالى عمر -رضي الله عنه-، وهو خطأ.]] أن عمر -رضي الله عنه- كان عند رسول الله -ﷺ- في ظلمة البيت فوافقت يده يد امرأة من أزواج رسول الله -ﷺ- فقال والله لو أطاعني رسول الله لضرب عليكن الحجاب فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 419، "مجمع البيان" 8/ 576.]]. وقال أنس: قال عمر: يا رسول الله، يدخل عليك البرُّ والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت آية الحجاب [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 39، ورواه البخاري في الصلاة 1/ 111، وفي التفسير سورة البقرة 6/ 34، وسورة الأحزاب 6/ 148، ورواه مسلم في فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر بن الخطاب 7/ 115.]]. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: سؤالكم إياهن المتاع من وراء الحجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ومن الريبة ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: أي ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 235.]]. قال أبو عبيدة: العرب [[في (أ): (تدخل)، وهو خطأ.]] يدخلون كان يؤكدون بها الكلام وهو مستغنى عنه وأنشد الفرزدق: فكيف إذا رأيت ديار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام [[البيت من الوافر وهو للفرزدق في "ديوانه" 2/ 290، "خزانة الأدب" 9/ 217، 221، 222، "الكتاب" 2/ 153، "لسان العرب" 13/ 370 (كنن). والشاهد فيه قوله: "وجيران لنا كانوا كرام" حيث فصل بين الموصوف وهو قوله "وجيران" والصفة وهي قوله "كرام" بـ"كانوا" الزائدة.]] فجعلوا كان لغوًا [["مجاز القرآن" 2/ 140.]]. قال مقاتل بن حيان: بلغنا أن رجلاً من قريش هوى أن يتزوج عائشة من بعد النبي فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فشق ذلك عليه، فأنرل الله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [[لم أقف على هذا القول عن مقاتل بن حيان وقد ذكره أكثر المفسرين فقد ذكره الطبري 22/ 40 عن ابن زيد، ومقاتل في "تفسيره" 94 ب، والنحاس في "معاني القرآن" 5/ 373 عن قتادة، والطبرسي 8/ 574 عن أبي حمزة الثمالى.]] وقال عطاء عن ابن عباس: كان رجل من سادة قريش من أصحاب النبي -ﷺ- من العشرة الذين [[ما بين المعقوفين كلام زإئد يظهر أنه وهم من النساخ إذ لا معنى له.]] كانوا معه على حراء) قال في نفسه [لو] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] توفي رسول الله لتزوجت عائشة وهي بنت عمي فأنزل الله -عز وجل- ما أنزل [[انظر: "تفسير زاد المسير" 6/ 416، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 643، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه وذكره الطبري 22/ 40 عن ابن زيد.]]. قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله قال لما نزلت آية الحجاب: نهانا محمد أن ندخل على بنات عمنا -يعني: عائشة- وهما من بني تميم بن مرة ثم قال: والله لئن مات محمد وأنا حي لأتزوجن عائشة، فأنزل الله في طلحة ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلى آخرها [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 643، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي ولعبد الرزاق عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ولابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.]]. قال أبو إسحاق: أعلم الله أن ذلك محرم بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ أي: ذبنًا عظيمًا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 235.]].

الأحزاب 33:54

قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قال مقاتل: أعلم الله أنه يعلم سرهم [[في (أ): (سرهن وعلانيتهن).]] ونجواهم وعلانيتهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.]] فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أي: تظهروا ﴿شَيْئًا﴾ من أمرهن يعني: طلحة [[لا يصح مثل هذا عن صحابي كطلحة -رضي الله عنه- وقد سبق ذكر بعض أقوال العلم ممن أنكر هذه المقولة.]]؛ لقوله: يمنعنا محمد من الدخول على بنات عمنا وأضمر هذا القول، ثم قال: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يعني: أو تسروه في قلوبكم يعني: قوله: ليتزوجها من بعد موت النبي -ﷺ- فهذا الذي أخفاه، فذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ من السر والعلانية [[انظر: "تفسير مقاتل" 95 أ.]]. قال عطاء عن ابن عباس: وقدم هذا الرجل على ما حدث به نفسه فمشى إلى مكة على رجليه وحمل عشرة أفراس في سبيل الله وأعتق رقيقًا، فكفر الله -عز وجل- عنه ورحمه [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 228.]]. قال المفسرون [[وانظر: "مجمع البيان" 8/ 577، "تفسير القرطبي" 14/ 231، "تفسير زاد المسير" 6/ 417.]]: لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله -ﷺ-: ونحن أيضًا نكلمهن من وراء حجاب، فأنزل الله تعالى قوله:

الأحزاب 33:55

﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ الآية أي: لا جناح عليهن في هؤلاء أن يروهن ويتركن الحجاب منهن. قال أبو إسحاق: هذه الآية نزلت فيمن يحل للمرأة البروز له ولم يذكر العم والخال؛ لأنهما يجريان مجرى الوالدين في الرؤية وقد جاء في القرآن تسمية العم أبا في قوله: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: 133] [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 236.]]. وقال غيره: هذه الآية تتضمن بيان بعض المحارم [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 231.]]، وقد سبق ذكر الحرم في سورة النور [[هكذا جاءت العبارة وهو خطأ ولعل الصواب: وقد سبق ذكر المحارم في سورة النور، وقد سبق ذكره في تلك السورة عند تفسير الآية رقم 31.]] وهذه بعض تلك الآية. قوله تعالى: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد نساء المؤمنين ولم يرد نساء اليهود والنصارى؛ لأنهن يضفن لأزواجهن نساء النبي -عليه السلام- [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 577، "تفسير زاد المسير" 6/ 417، وذكر السيوطي في "الدر" 6/ 645 وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس.]] ونحو هذا قال مقاتل: يعني: كل حرة مسلمة [[انظر: "تفسير مقاتل" 95 أ.]]. وقوله: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بهذا: العبيد والإماء من الرجال والنساء [[نظر: "تفسير الطبري" 22/ 42، "الماوردي" 4/ 420، "زاد المسير" 6/ 418.]]، وقال سعيد بن المسيب: إنما يعني الإماء ولم [[في (ب): (ولا).]] يعن الرجال [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 420، "زاد المسير" 6/ 418، "القرطبي" 12/ 234.]]. ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أن يراكن غير هؤلاء. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 95 أ.]] من أعمال بني آدم ﴿شَهِيدًا﴾ قال مقاتل: يقول لم يغب عن الله شيء.

الأحزاب 33:56

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: يريد إن الله يرحم النبي والملائكة يدعون له بالرحمة [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس وقد ذكره الطبري غير منسوب لأحد 22/ 3، وذكره الماوردي 4/ 421 عن الحسن وعطاء بن أبي رباح.]]. قال مقاتل: أما صلاة الرب فالمغفرة [[في (ب): (فللمغفرة)، وهو خطأ.]] للنبي -ﷺ- وأما صلاة الملائكة [[في (أ): (الاستغفار).]] فالاستغفار له [[انظر: "تفسير مقاتل" 95 أ.]]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: ادعوا له بالرحمة [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: استغفروا ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ يعني: التسليم [[في (ب): (للتسليم).]] فيجوز أن [[في (ب): أن (تقول).]] يقول سلمك الله وسلام عليك والسلام عليك فمن قال: السلام على رسول الله أو سلام عليه [[في (ب): (عليك).]] أو سلمك الله يا رسول الله فقد سلم وإذا قال العبد اللهم صل على محمد وسلم، فقد أتى بالصلاة والتسليم [[لم أقف عليه وليس في "تفسير مقاتل".]]. وروي عن كعب بن عجرة أنه قال لما نزلت هذه الآية: قلنا يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: "فقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركلت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" [[رواه البخاري كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ 4/ 1802 رقم الحديث (4519)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي -ﷺ- بعد التشهد 1/ 305 رقم الحديث (406).]]. ومعنى قوله: علمنا السلام عليك: ما نقول في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وهذه الآية بيان عما في نبوة النبي -ﷺ- من الحق الذي يقتضي الصلاة عليه كما صلى الله عليه وملائكته ولهذا قال الشافعي -رضي الله عنه-: لا تصح صلاة في الشريعة إلا بالصلاة على رسول الله والسلام عليه [["الأم" 1/ 103.]].

الأحزاب 33:57

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال الكلبي: هم اليهود والنصارى والمشركين [[هكذا في النسخ وهو خطأ والصواب: المشركون.]] أما اليهود فإنهم قالوا: يد الله مغلولة وإن الله فقير ونحن أغنياء وقالت النصارى المسيح ابن الله وإن الله ثالث ثلاثة وقال المشركون: الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه [وسبوا] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] رسول الله وكسروا رباعيته وقالوا: مجنون شاعر كذاب [[ذكره ابن الجوزي في "تفسير زاد المسير" 6/ 420 غير منسوب لأحد، الواحدي في "الوسيط" 3/ 482 وعزاه للمفسرين.]]. ونحو هذا قال قتادة [[لم أقف عليه.]] يدل على صحة هذا التفسير ما روى عبد الله بن قيس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله أن يجعل له يدًا ويجعل له ولدًا وهو على ذلك معافيهم ومعطيهم ويرزقهم" [[رواه مسلم في "صحيحه" كتاب صفات المنافقين، باب: لا أحد أصبر على أذى من الله -عز وجل- 4/ 2160 رقم (2804) عن عبد الله بن قيس: قال: قال رسول -ﷺ-: "ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له ندًا ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم".]] وحقيقة معنى يؤذون الله يخالفون أمر الله ويعصونه ويقولون في وصفه ما هو منزه عنه والله تعالى لا يلحقه أذى ولكن لما كانت المخالفة فيما بيننا والخروج عن أمر الله يسمى إيذاء له خاطبنا الله بما نعرفه في تخاطبنا. وقوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال مقاتل: يعني باللعنة في الدنيا: القتل والجلا وأما في الآخرة فإن الله يعذبهم بالنار فذلك قوله [[انظر: "تفسير مقاتل" 95 أ.]] ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.

الأحزاب 33:58

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ قال مجاهد: يقضون فيهم بعد ما علموا، يعني: يرمونهم بما ليس فيهم [["تفسير مجاهد" ص 520 ومعنى يقضون: يقذفونهم ويتهمونهم بالفجور.]]. وروي أن رجلَّا شتم علقمة فقرأ هذه الآية [[انظر: "الوسيط" 3/ 482.]]. وقال قتادة والحسن: إياكم وأذى المؤمن فإن الله يغضب له [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 45، وابن أبي حاتم 10/ 3152 كلاهما عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 657 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة والواحدي في "الوسيط" 3/ 482 ونسبه لقتادة والحسن والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 580 عن قتادة والحسن.]]. واختلفوا في سبب نزوله، فقال عطاء عن ابن عباس: رأى عمر -رضي الله عنه- جارية من الأنصار متبرجة فضربها وكره ما رأى من زينتها، فذهبت إلى أهلها تشكو عمر، فخرجوا إليه فآذوه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يريد عمر بن الخطاب [[انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 207، و"تفسير زاد المسير" 6/ 421.]]. وقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب وذلك أن نفرًا من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه [[انظر: "تفسير مقاتل" 95 أ، "تفسير الماوردي" 4/ 423.]]. وقال السدي والكلبي: نزلت في أهل الفسق والفجور كانوا يتبعون الإماء بالمدينة يفجرون بهن فكانت المرأة من نساء المؤمنين تبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار يرى أنها أمة وكان الزي واحداً فتصيح به، فيذهب، فشكا المسلمون ذلك إلى رسول الله -ﷺ- فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "الماوردي" (4/ 423) عن الكلبي، "مجمع البيان" 8/ 580، "تفسير زاد المسير" 6/ 4219.]].

الأحزاب 33:59

ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء في الزي بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع الجلباب يعني ملاءة المرأة التي تشتمل بها [[انظر: "اللسان" 1/ 272 (جلب)، "مقاييس اللغة" (470) (حلب).]]. وذكرنا تفسير الجلباب في سورة النور [النور: 30 - 31]، قال المفسرون في قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يغطين رءوسهن ووجوههن إلا عينًا واحدة، فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى من قول وهو قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [[(أدنى) مكررة في (ب) وهو خطأ.]] هذا قول ابن عباس وابن سيرين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 46، "ابن أبي حاتم" 10/ 3154، عن ابن عباس، "مجمع البيان" 8/ 580، ذكره السيوطي في "الدر" 6/ 659، وزاد نسبته لابن مردويه عن ابن عباس، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 349.]]. قال أصحابنا: الحكم في الحرة إذا برزت لحاجة أن تلتحف حتى لا يرى منها سوى الصحيحين، وأما الأمة فإنها أيضًا يأمرها بالستر والتقنع وإن كانت لا تؤمر في ذلك الزمان. كما روى أن عمر -رضي الله عنه- أنكر على أمة رآها متقنعه [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 244، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 660 وعزاه لابن أبي شيبة عن أبي قلابة ولابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أنس.]]. ويجوز تغير الحكم في الأزمنة بتغير أهلها ألا ترى أن أصحاب رسول الله -ﷺ- منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله -ﷺ- مع قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 16 - 36 - 438 - 475، 6/ 69، والدارمي في "سننه" كتاب الصلاة، باب النهي عن منع النساء من المساجد 2/ 293.]] [[قول المؤلف -رحمه الله- إن الفتوى تتغير الزمان هذا فيما يكون من الأحكام مبنيًّا على عادة النساء وعرفهم ومن المعلوم أن الشرع المطهر أوجب ملاحظة العرف والعادة عند تطبيق الأحكام ولذلك فمما يجب على المجتهد المفتي أن يكون مطلعًا على أحوال الناس عارفًا لمجاري كلامهم في عقودهم ومعاملاتهم فتكون فتواه على حسب ذلك. ومن هنا تتغير الفتوى حسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال. يقول القرافي رحمه الله فيما نقله عنه د/ عبد الله التركي في "أصول مذهب الإمام أحمد" ص 664: " إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع، وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة. اهـ وليس معنى هذا أن أحكام الشريعة ونصوصها تتغير بل أن تغير الفتوى بتغير الزمان أو المكان أو حالة الناس هو تطبيق صحيح لأحكام الشريعة ونصوصها ذلك أن الشارع الحكيم جعل تطبيق هذه الأحكام مبنيًا على العرف والعادة. يقول د/ عبد الله التركي في المصدر السابق ص 665: ولذلك أوجب العلماء على المفتين إذا جاءهم مستفت من غير بلادهم ألا يفتوه بما يفتون به أهل البلد، بل عليهم أن يسألوه عن العرف في بلده وهو يخالف عرف المفتي أو يتفق معه وهل تجدد لهم عرف إذا كان المفتي يعرف عرفهم السابق قال القرافي رحمه الله في هذا: "وهذا أمر متعين وواجب لا يختلف فيه العلماء وإن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواء أن حكمهما ليس سواء". اهـ. وقد عقد ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "أعلام الموقعين" فصلا عن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأعراف وقد ضرب على ذلك أمثلة كثيرة بين فيها اختلاف الحكم من زمان إلى زمان ومن حال إلى حال وما ذاك إلا لاختلاف الزمان والحال "أعلام الموقعين" 1/ 14 ولمزيد من العلم في هذه المسألة راجع الكتب التالية "إعلام الموقعين" 1/ 70، "الفروق" 1/ 44 - 47، "أصول مذهب الإمام أحمد". عبد الله التركي ص 664 - 670.]]. قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لمن اتبع [أمره رحيمًا به] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ وفي تأخير العذاب ﴿رَحِيمًا﴾ حين لم يعجل بالعقوبة.

الأحزاب 33:60

قال: ثم أوعدهم فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ عن نفاقهم. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: الفجور [[انظر: "تفسير مقاتل" 95 ب.]]، وهم الزناة وهو قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 27، "تفسير الماوردي" 4/ 424، "تفسير هود بن محكم" 3/ 382، "تفسير زاد المسير" 6/ 422.]] ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قالوا: هم قوم كانوا يخبرون المؤمنين بما يكرهون من أمر عدوهم ويقولون: قد أتاكم العدو ويقولون [لسرايا] [[لعلها: (عن سرايا).]] رسول الله -ﷺ- إنهم قتلوا وهزموا [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 48، "تفسير الماوردي" 4/ 424، "تفسير راد المسير" 6/ 422، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 662، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] وذكر الفراء أن قومًا من المؤلفة قلوبهم كانوا يرجفون بأهل الصفة ويشنعون عليهم أنهم هم الذين يتناولون النساء لأنهم عزاب [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 349.]]، ومعنى الإرجاف إشاعة الباطل للاغتمام به [[قال في "اللسان" (رجف) قال الليث: أرجف القوم إذا خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتن، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وهم الذين يولدون الأخبار الكاذبة التي يكون معها اضطراب في الناس.]]. وهذا مما سبق تفسيره. قوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ قال ابن عباس: لنسلطنك عليهم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 48، "الماوردي" 4/ 424، "مجمع البيان" 8/ 51.]]، وهو قول المفسرين وأهل المعاني [[انظر: المصادر السابقة و"معاني القرآن وإعرابه" 4/ 236، "معاني القرآن" للفراء 2/ 349، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 379.]]. وقال مقاتل: لنحملنك على قتلهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 95 ب.]] ومعنى الإغراءت الدعاء إلى تناول الشيء بالتحريض عليه، وقد مر [[عند تفسير قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ آية: 14.]]. ومعنى الآية [إن لم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ينته هؤلاء أمرناك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلي المدينة منهم وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لا يساكنوك في المدينة، قال ابن عباس: لا يقيمون معك بالمدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا يسيرًا حتى يهلكوا [[ذكره الطبري 22/ 48، الواحدي في "الوسيط" 3/ 483، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 581 ولم ينسبوه لأحد ولم أقف على من نسبه لابن عباس.]]. قال الفراء: (ويجوز أن تجعل [[في (أ): (يجعل) بالياء.]] القِلَّة من صفة الملعونين كأنك قلت إلا قليلاً ملعونين؛ لأن قوله ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ يدل على أنهم ملعونون فيعرفون) [["معاني القرآن" 2/ 350 وعبارة الفراء هكذا وقد يجوز أن تجعل القلة من صفتهم صفة الملعونين كأنك قلت: إلا أقلاء ملعونين؛ لأن قوله: "أينما ثقفوا أخذوا" يدك على أنهم يقلون ويتفرقون. اهـ.]].

الأحزاب 33:61

﴿مَلْعُونِينَ﴾ مطرودين مبعدين عن الرحمة وعنكم قاله المبرد [[لم أقف على قول المبرد.]]. قال أبو إسحاق: (ملعونين منصوب على الحال لا يجاورونك إلا وهم ملعونين) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 236.]] وذكر الفراء: هذا القول وقولا آخر، فقال: (ملعونين على الشتم وعلى الفعل أي لا يجاورونك فيها إلا ملعونين والشتم على الاستئناف كما قال ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4] فيمن نصب تم استئناف جزاء فقال: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [["معاني القرآن" 2/ 349 - 350.]] أي: مبعدين حيث ثقفوا مبعدين حيث ثقفوا فجعل قوله ملعونين متصلاً بما بعده. قال أبو إسحاق: (ولا يجوز أن يكون [قوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] ملعونين منصوبًا بما بعد أيضًا لا يجوز أن يقال ملعونًا أينما أخذ زيد يضرب؛ لأن ما بعد حروف الشرط لا تعمل فيما قبلها) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 236.]] وقوله: ﴿أُخِذُوا﴾ قال مقاتل: (وجدوا وأدركوا): ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ قال يعني خذوهم واقتلوهم) [[لم أقف عليه وليس في "تفسير مقاتل".]]. وقال المبرد: (أي الحكم فيهم هذا على جهة الأمر كما قال "العقرب يقتل" أي: هذا الحكم فيها) [[انظر: قول المبرد وفي "تفسير القرطبي" 14/ 47، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 423، ولم ينسبه لأحد.]].

الأحزاب 33:62

قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ الآية قال أبو إسحاق: (المعنى سن الله في الذين بنافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيث ما ثقفوا) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 236.]]. وهذا معنى قول المفسرين في هذه الآية [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 49، "تفسير الماوردي" 4/ 425، "مجمع البيان" 8/ 581، "تفسير زاد المسير" 6/ 423 "تفسير هود بن محكم" 3/ 383.]].

الأحزاب 33:63

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ قال الكلبي: إن أهل مكة سألوا النبي -ﷺ- عن الساعة وعن قيامها فنزلت هذه الآية [[لم أقف عليه منسوبًا للكلبي وقد ذكر السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 61 قريبًا منه غير منسوب لأحد، وكذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 493.]]. وقال مقاتل: إن النبي -ﷺ- كان يخطب فسأله رجل عن الساعة فأوحى الله إليه [فقال] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب).]] [[في (أ): (فقل)، وهو خطأ.]]: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 أ.]]. ونظير هذه الآية في الأعراف [آية: 187]. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يقال: دريت الشيء عرفته وأدريته غيري إذا أعلمته ولا معنى أي شيء يعلمك علم الساعة حتى يكون قيامها أي [أنت] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] لا تعرفه. ثم قال: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ والباقي ظاهر إلى قوله:

الأحزاب 33:67

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ (وساده جمع سيد وهو فعله مثل كتبة وفجرة ووجه الجمع بالألف والتاء أنهم قالوا الجُرُزات [[في (ب): (الجردات).]] والطرقات والمعنات في [جمع معن] [[هكذا في النسخ وهو في "الحجة": معين فيما بين المعقوفين زيادة من النساخ.]] جمع معين فكذلك يجوز في هذا الجمع سادات، قال أبو الحسن: ولا يكادون يقولون سادات قال وهي عربية) [["الحجة" 6/ 480.]]. قال الكلبي: قالوا ربنا أطعنا أشرافنا وعظماءنا فأزالونا عن طريق الهدى [[لم أقف على من نسبه للكلبي وقد ذكره "الماوردي" 4/ 4235، والواحدي في "الوسيط" 3/ 483، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 424.]]. وقال مقاتل: أطعنا سادتنا في الشرف وكبراءنا وذوي الأسنان منا قال وهم المطعمون [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: المطعمون كما في "تفسير مقاتل".]] في غزوة بدر [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 أ.]]. ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ الهدى وهو التوحيد، والتقدير: أضلونا عن السبيل فلما حذف الجار وصار الفعل والإضلال لا يتعدى إلى مفعولين من غير توسط حرف الجر كقوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان: 29] قال أبو عبيدة: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أضلونا عن السبيل [["مجاز القرآن" 2/ 141 وعبارة أبي عبيدة: أضلني عن السبيل، ومجازه عن الحق والدين.]]. وذكرنا الكلام في نحو قوله: السبيلا والرسولا في أول السورة [[عند الآية 10.]].

الأحزاب 33:68

ثم قالت الأتباع: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يعنون: القادة والرؤساء أي: عذبهم مثل عذابنا [[هكذا في النسخ والظاهر أنه خطأ؛ لأنه عذاب القادة إذا كان مثل عذاب الأتباع فليس ضعفين وإنما هو مثله وليس كذلك معنى الآية فلعل الكلام مثلي عذابنا.]] قوله تعالى: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ قال مقاتل: يعني: اللعن علي أثر اللعن [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 أ.]]. وقرأ عاصم كبيرًا بالياء على وصف اللعن بالكبر وهو العظم والثاء أشبه بالمعنى؛ لأنهم يلعنون مرة بعد مرة وقد جاء ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] فالكثرة أشبه بالمرار المتكررة من الكبر [["الحجة" 5/ 481.]]. [مع ما ذكرنا من تفسير [[هكذا في النسخ والذي يظهر أن ما بين المعقوفين زيادة من النساخ إذ لا معنى لها فهي خطأ والله أعلم.]] مقاتل] ويشهد لصحة قراءة عاصم قول الكلبي في تفسير: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ يقول عذبهم عذابًا كبيرًا [[لم أقف عليه.]].

الأحزاب 33:69

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال مقاتل: وعظ الله المؤمنين ألا يؤذوا محمدًا -ﷺ- بقولهم زيد بن محمد فإن ذلك أذى له كما آذت بنو إسرائيل موسى فزعموا أنه آدر وذلك أن موسى كان فيه حياء شديد وكان لا يغتسل إلا وعليه إزار وكانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، فقالوا ما يمنع موسى أن يتجرد كما نتجرد إلا أنه آدر فانطلق ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام واستتر بصخرة فوضع ثيابه عليها [ففرت] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] الصخرة بثيابه فاتبعها موسى متجردًا حتى انتهى إلى [ملأ من] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] بني إسرائيل فنظرت إليه [بنو إسرائيل فإذا هو من أحسن [[هكذا في النسخ وقد سقطت كلمة الرجال ففي بعض روايات الحديث من أحسن الرجال خلقًا.]] خلقًا وأعدله صورة وليس به] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] الذي قالوا فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [وهذا قول ابن عباس] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] والحسن والمفسرين وروي ذلك مرفوعًا عن أبي هريرة بطرق كثيرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 أ، "تفسير الطبري" 22/ 51، "تفسير الماوردي" 4/ 427، "تفسير كتاب الله لهود من محكم" 3/ 384، "مجمع البيان" 8/ 583، "تفسير زاد المسير" 6/ 425. والحديث رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الاغتسال، باب: من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة 1/ 789 ومسلم في كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى -عليه السلام- 4/ 1841.]]. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ الوجيه ذو الوجاهة [يقال] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه إذا كان ذا جاء [[انظر: "لسان العرب" 13/ 558 (وجه).]]، وقد قال ابن عباس: [كان [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] عند الله] حظيًا لا يسأله شيئاً إلا أعطاه [[انظر: "الماوردي" 4/ 427، "مجمع البيان" 8/ 583، "زاد المسير" 6/ 425.]]. وقال الحسن: كان مستجاب الدعوة [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 427، وذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 484.]]. وقال مقاتل: يعني مكينا [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.]].

الأحزاب 33:70

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قال الليث: يقال: قل قولًا سددًا أو سديدًا أي صوابًا [والسدد مقصور] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] من السداد [[لم أقف على قول الليث.]] وأنشد لكعب: ماذا عليها وماذا كان ينقصها ... يوم الترحل لو قالت لنا سددا [[البيت من البسيط وهو مختلف في نسبته فهو لكعب كما قال المؤلف وكذا هو منسوب في كتاب: "العين" 7/ 184، و"الأفعال" 3/ 550، و"أساس البلاغة" ص 206 (سدد). وللأعشى في "لسان العرب" 3/ 210 (سدد). وليس في "ديوان الأعشى" ولا في "ديوان كعب بن زهير" ولا "كعب بن مالك".]] وقال شمر: السداد الإصابة في المنطق، يقال: إنه لذو سداد في منطقه وتدبيره ورميه إذا كان مصيبًا. ويقال سديد إذا أتى السداد [["تهذيب اللغة" 12/ 276 (سدد).]]. قال ابن عباس: قوله: ﴿سَدِيدًا﴾ صوابًا [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 428، "تفسير القرطبي" 14/ 353، "تفسير زاد المسير" 6/ 427.]]. وقال الحسن: صادقًا [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 53، وعزاه الكلبي، و"تفسير الماوردي" 4/ 428، "تفسير زاد المسير" 6/ 427 عن الحسن.]]. وقال مقاتل: عدلًا وهو التوحيد [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد شهادة ألا إله إلا الله [[انظر: "تفسير راد المسير" 6/ 427، "تفسير القرطبي" 14/ 353.]]. وقال عكرمة والكلبي: هو ألا إله إلا الله [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 53، "تفسير الماوردي" 4/ 428، "مجمع البيان" 8/ 584.]]. ومعنى الآية: هو أن الله أمر المؤمنين بالتوحيد والتقوى ووعد عليهما أن يصلح أعمالهم فقال:

الأحزاب 33:71

﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم [[انظر: "الوسيط" 3/ 484، "مجمع البيان" 8/ 584، "تفسير زاد المسير" 6/ 427.]]. قال مقاتل: يزكي أعمالكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.]].

الأحزاب 33:72

قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [[قوله: (والجبال) ساقط من (ب) وهو خطأ.]] قال ابن عباس: الأمانة الفرائض التي افترضها الله على العباد [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 54. "تفسير الماوردي" 4/ 428، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 384، "مجمع البيان" 8/ 584.]]. وقال الحسن: هو الدين، فالدين كله أمانة [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 428.]]. وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به وما نهوا عنه [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 428، "مجمع البيان" 8/ 584، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 668، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال مقاتل: الأمانة هي الطاعة [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.]]. والأمانة في هذه الآية في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي [[في (ب): (الذي).]] يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 57، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 384، "تفسير زاد المسير" 6/ 428، "تفسير القرطبي" 14/ 254.]]. وروى زيد بن أسلم عن النبي -ﷺ- أنه قال: "الأمانة ثلاثة: الصلاة والصيام والغسل من الجنابة" [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 102، وفي "تفسير البغوي" 6/ 380 عنه الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع. وقد رجح الطبري رحمه الله في "تفسيره" 22/ 57 أن المراد بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ بعض معاني الأمانات.]]. وروي عن الحسن في هذه الآية قال: عرضت الأمانة على السموات السبع الطباق التي زينت بالنجوم وحملت العرش العظيم، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن [[كذا في النسخ وهي في "الوسيط" قبل لهن.]] لها: إن أحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتم. قلن: لا، ثم عرضت على الأرضين السبع اللاتي شددن بالأوتاد وذللت للمهاد وأسكنت العباد، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن لها [[في (ب): (وإن أسأتن جوزيتن عقوبتين)، وهو خطأ.]]: إن أحسنتن جزيتنن وإن أسأتن عوقبتن [[لم أقف عليه وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3160 نحو هذا القول عن مجاهد.]]. قلن: لا، ثم عرضت على الجبال الصم الشم الشوامخ البوادخ الصلاب الصعاب، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قيل: إن اْحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتن، قلن: لا. فذلك قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. وقال ابن جريج: قالت السموات: يا رب خلقتني وجعلتني سقفا محفوظًا، وأجريت في الشمس والقمر، لا أتحمل فريضة ولا أبتغي ثوابًا ولا عقابًا [[أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" 10/ 3159 عن ابن جريح.]]. وقال مقاتل بن حيان: بدأ الله بالسموات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة ولكن علي الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ قلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر وليست بنا قوة ولكنا لك مطيعون. وقال للأرض مثل ذلك، فقالت: لا صبر لنا على هذه يا رب ولا نطيقه، ولكنا لك سامعون مطيعون ولا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قربت الجبال كلها فقلن مثل ذلك وهذا قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 53، وما بعدها، "تفسير الماوردي" 4/ 429، "تفسير القرطبي" 14/ 253، "مجمع البيان" 8/ 586، "تفسير زاد المسير" 6/ 428.]]. وعلى هذا يكون العرض على أعيان هذه الأشياء بأن ركب الله تعالى فيهن العقول ويفهمن [[هكذا في النسخ، والذي يظهر أنه خطأ، والصواب هو كما في "الوسيط" 3/ 484 أفهمهن خطابه.]] خطابهن حتى فهمن ونطقن بالجواب، ومعنى قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ أي: مخافة وخشية، لا معصية ومخالفة، والعرض كان تخييرًا لا لزامًا. قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ قال ابن عباس: قال الله لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها أفتحملها أنت [بما فيها] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]]؟ قال: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت [[في (ب): (عوقبتم).]]. قال: فأنا أتحملها بما فيها، فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين الأولى والعصر حتى أخرجه الشيطان منها [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 54، "تفسير القرطبي" 14/ 253، "تفسير زاد المسير" 6/ 427.]]. وقال في رو اية عطاء: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ يريد آدم -عليه السلام-، عرض عليه أداء الفرائض والصلوات الخمس في مواقيتها، وأداء الزكاة عند محلها، وصام رمضان وحج البيت، على أن له الثواب وعليه العقاب، فقال: بين أذني وعاتقي [[ذكره الطبري نحوه عن ابن زيد الطبري 22/ 55، ولم أقف على رواية عطاء عن ابن عباس.]]. وقال ابن حيان: قال الله تعالى لآدم: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال آدم: وما لي عندك؟ قال: إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة فذلك الكرامة وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت وأسأت فإني معذبك ومعاقبك. قال: قد رضيت ربي وتحملها، فقال الله قد حملتها فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [[ذكره ابن أبي حاتم 10/ 3160 عن مجاهد، وابن كثير 5/ 524 وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وقال ابن عثمان: عرضت على آدم الطاعة والمعصية وعرف ثواب الطاعة وعقاب المعصية [[لم أقف عليه. وقد ذكر القرطبي في "تفسيره" 14/ 253 نحو هذا القول عن ابن عباس.]] قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، قال الكلبي: ظلمه حين عصى ربه فأخرج من الجنة وجهله حين احتملها [[لم أقف عليه وانظر: المصدر السابق.]]. وقال المقاتلان: ظلومًا لنفسه جهولًا بعاقبة ما تحمل [[لم أقف على قول ابن حبان، وانظر: قول ابن سليمان في "تفسيره" 96 ب.]]. وهذا معنى قول المفسرين. وقال قتادة: ظلومًا للأمانة جهولًا بحقها [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 430.]]. هذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآية مذهب الجمهور أهل التفسير، وقال السدي: الأمانة هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده وخيانته إياه في قتل أخيه، وذلك أن الله تعالى قال لآدم إن لي بيتًا بمكة فأته. قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، قال: نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فانطلق آدم ثم رجع وقد قتل قابيل هابيل [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 56 - 57، "تفسير زاد المسير" 6/ 428.]]. وقال أبو إسحاق: حقيقة تفسير هذه الآية -والله أعلم- أن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترض عليهم من طاعته، وائتمن السموات والأرض والجبال بقول: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] فعرفنا الله أن السموات والأرض لم تحمل الأمانة أي: [أدتها] [[ما بين المعقوفين طمس في جميع النسخ والتصويب من "معاني القرآن وإعرابه".]] فكل من خان الأمانة فقد حملها وكذلك من أثم فقد حمل الإثم ويسمى حاملًا للإثم والسموات والأرض أبين أن يحملن الأمانة وأديتها وأداؤهما طاعتهما فيما أمر الله به وترك المعصية، وحملها الإنسان، قال الحسن: أراد الكافر والمنافق حملا الأمانة أي: خانا ولم يطيعا، قال: فهذا المعنى والله أعلم صحيح، ومن أطاع الأنبياء والصديقين والمؤمنين لا يقال ظلومًا جهولًا وتصديق ذلك ما يتلو هذا من قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 238 باختصار واختلاف في العبارة.]]. قال الأزهري: [وما علمت أحد شرح في هذه الآية ما شرحه أبو إسحاق قال: ومما يؤيد قوله [[في (أ): قلبه. وهو خطأ.]] في حمل الأمانة أنه خيانتها وترك أدائها قول الشاعر: إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ... وتحمل أخرى أفرحتك الودائع) [["تهذيب اللغة" 5/ 93.]] [[البيت من الطويل وهو لبيهس العذري في "لسان العرب" 2/ 541 (فرح)، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 258، "تاج العروس" 17/ 13 (فرح). وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 5/ 93، "المخصص" 12/ 314.]] أراد بقوله: وتحمل أخرى أي: تخونها فلا تؤدها يدلك على ذلك قوله أفرحتك الودائع أي: أثقل ظهرك الأمانات التي تخونها ولا تؤديها، قال أبو علي: وحملها الإنسان أي: لم يؤدها؛ لأن حمل الحامل الشيء إمساك له وخلاف لأدائه وكأنه لم يؤد الأمانة [["الحجة" 5/ 246.]].

الأحزاب 33:73

قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ قال المقاتلان: ليعذبهم الله بما خانوا الأمانة وكذبوا الرسل ونقضوا الميثاق الذي أقروا به حين أخرجهم من ظهر آدم ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بأدائهم الأمانة ووفائهم بالعهد والميثاق [[انظر: "تفسير مقاتل" 96/ ب، "تفسير الماوردي" 4/ 430.]]. وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ﴾ فقالا: هؤلاء الذين خانوهما وهم الذين ظلموها [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 58، "مجمع البيان" 8/ 587، "تفسير هود" 3/ 386.]]. ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هؤلاء أدوها. وقال ابن قتيبة: أي عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشارك [[هكذا في النسخ وهو عند ابن قتيبة: المشرك.]] فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه) [[انظر: "مشكل القرآن" ص 82.]] أي يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في نقص الطاعات، ولذلك ذكرنا بلفظ التوبة وخص بالعذاب والمشرك فدل أن المؤمن العاص في خارج من العذاب وداخل في قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ غفورًا للمؤمنين رحيمًا بهم قاله ابن عباس ومقاتل [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 427 بهامش المصحف، "تفسير مقاتل" 96/ ب.]]. والله تعالى أعلم بالصواب. سورة سبأ