Lafzullah

Al-Basit — الصافات 37:1 – الزخرف 43:88

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. الصافات 37:1
  2. الصافات 37:2
  3. الصافات 37:3
  4. الصافات 37:4
  5. الصافات 37:5
  6. الصافات 37:6
  7. الصافات 37:7
  8. الصافات 37:8
  9. الصافات 37:9
  10. الصافات 37:10
  11. الصافات 37:11
  12. الصافات 37:12
  13. الصافات 37:16
  14. الصافات 37:17
  15. الصافات 37:18
  16. الصافات 37:19
  17. الصافات 37:20
  18. الصافات 37:21
  19. الصافات 37:22
  20. الصافات 37:23
  21. الصافات 37:24
  22. الصافات 37:26
  23. الصافات 37:27
  24. الصافات 37:28
  25. الصافات 37:30
  26. الصافات 37:31
  27. الصافات 37:32
  28. الصافات 37:33
  29. الصافات 37:34
  30. الصافات 37:35
  31. الصافات 37:36
  32. الصافات 37:37
  33. الصافات 37:40
  34. الصافات 37:41
  35. الصافات 37:42
  36. الصافات 37:45
  37. الصافات 37:46
  38. الصافات 37:47
  39. الصافات 37:48
  40. الصافات 37:49
  41. الصافات 37:54
  42. الصافات 37:55
  43. الصافات 37:57
  44. الصافات 37:58
  45. الصافات 37:59
  46. الصافات 37:60
  47. الصافات 37:61
  48. الصافات 37:63
  49. الصافات 37:64
  50. الصافات 37:65
  51. الصافات 37:66
  52. الصافات 37:67
  53. الصافات 37:68
  54. الصافات 37:69
  55. الصافات 37:70
  56. الصافات 37:76
  57. الصافات 37:77
  58. الصافات 37:78
  59. الصافات 37:80
  60. الصافات 37:84
  61. الصافات 37:85
  62. الصافات 37:86
  63. الصافات 37:87
  64. الصافات 37:91
  65. الصافات 37:95
  66. الصافات 37:98
  67. الصافات 37:99
  68. الصافات 37:101
  69. الصافات 37:102
  70. الصافات 37:103
  71. الصافات 37:104
  72. الصافات 37:105
  73. الصافات 37:106
  74. الصافات 37:107
  75. الصافات 37:108
  76. الصافات 37:112
  77. الصافات 37:123
  78. الصافات 37:124
  79. الصافات 37:125
  80. الصافات 37:126
  81. الصافات 37:127
  82. الصافات 37:128
  83. الصافات 37:130
  84. الصافات 37:133
  85. الصافات 37:138
  86. الصافات 37:143
  87. الصافات 37:147
  88. الصافات 37:148
  89. الصافات 37:149
  90. الصافات 37:150
  91. الصافات 37:151
  92. الصافات 37:153
  93. الصافات 37:154
  94. الصافات 37:156
  95. الصافات 37:157
  96. الصافات 37:158
  97. الصافات 37:159
  98. الصافات 37:161
  99. الصافات 37:162
  100. الصافات 37:164
  101. الصافات 37:167
  102. الصافات 37:171
  103. الصافات 37:173
  104. الصافات 37:174
  105. الصافات 37:175
  106. الصافات 37:176
  107. الصافات 37:177
  108. الصافات 37:179
  109. الصافات 37:180
  110. الصافات 37:181
  111. الصافات 37:182
  112. ص 38:1
  113. ص 38:2
  114. ص 38:3
  115. ص 38:5
  116. ص 38:6
  117. الزخرف 43:1
  118. الزخرف 43:2
  119. الزخرف 43:3
  120. الزخرف 43:4
  121. الزخرف 43:5
  122. الزخرف 43:6
  123. الزخرف 43:7
  124. الزخرف 43:8
  125. الزخرف 43:9
  126. الزخرف 43:10
  127. الزخرف 43:11
  128. الزخرف 43:12
  129. الزخرف 43:13
  130. الزخرف 43:15
  131. الزخرف 43:16
  132. الزخرف 43:17
  133. الزخرف 43:18
  134. الزخرف 43:19
  135. الزخرف 43:20
  136. الزخرف 43:21
  137. الزخرف 43:22
  138. الزخرف 43:23
  139. الزخرف 43:24
  140. الزخرف 43:25
  141. الزخرف 43:26
  142. الزخرف 43:27
  143. الزخرف 43:28
  144. الزخرف 43:29
  145. الزخرف 43:30
  146. الزخرف 43:31
  147. الزخرف 43:32
  148. الزخرف 43:33
  149. الزخرف 43:34
  150. الزخرف 43:35
  151. الزخرف 43:36
  152. الزخرف 43:37
  153. الزخرف 43:38
  154. الزخرف 43:39
  155. الزخرف 43:40
  156. الزخرف 43:41
  157. الزخرف 43:42
  158. الزخرف 43:43
  159. الزخرف 43:44
  160. الزخرف 43:45
  161. الزخرف 43:46
  162. الزخرف 43:48
  163. الزخرف 43:49
  164. الزخرف 43:50
  165. الزخرف 43:51
  166. الزخرف 43:52
  167. الزخرف 43:53
  168. الزخرف 43:54
  169. الزخرف 43:55
  170. الزخرف 43:56
  171. الزخرف 43:57
  172. الزخرف 43:58
  173. الزخرف 43:59
  174. الزخرف 43:60
  175. الزخرف 43:61
  176. الزخرف 43:63
  177. الزخرف 43:66
  178. الزخرف 43:67
  179. الزخرف 43:68
  180. الزخرف 43:69
  181. الزخرف 43:70
  182. الزخرف 43:71
  183. الزخرف 43:72
  184. الزخرف 43:76
  185. الزخرف 43:77
  186. الزخرف 43:78
  187. الزخرف 43:79
  188. الزخرف 43:80
  189. الزخرف 43:81
  190. الزخرف 43:82
  191. الزخرف 43:83
  192. الزخرف 43:84
  193. الزخرف 43:86
  194. الزخرف 43:87
  195. الزخرف 43:88

الصافات 37:1

﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ قالوا جميعًا: يعني الملائكة. وهو قول عبد الله ومسروق ومجاهد وقتادة ومقاتل [[انظر: "الطبري" 23/ 33، الثعلبي 3/ 239 ب، "الماوردي" 5/ 36، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 7.]]. قال ابن عباس: يريد الملائكة صفوفًا، لا يعرف كل ملك منهم من إلى جانبه، لم يلتفت منذ خلقه الله [[انظر: "الوسيط" 3/ 521، "زاد المسير" 7/ 44.]]. وقال الكلبي: الملائكة صفوف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "البغوي" 4/ 22، "القرطبي" 15/ 361، "مجمع البيان" 8/ 683.]]. وذكرنا معنى الصف عند قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36]. وهذا قَسَمٌ أقسم الله تعالى بالملائكة التي تصف [[في (ب): (تصفا)، وهو خطأ.]] نفسها صفًّا. قال أبو إسحاق: أي هم مصطفون [[هكذا في النسخ، والذي في "معاني القرآن" للزجاج مطيعون.]] في السماء [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 297.]]. وذكر أهل المعاني في القسم [[لم أقف عليه في "معاني القرآن" للأخفش والفراء والزجاج.]] وجهين، أحدهما: أن القسم بالله -عَزَّ وَجَلَّ- على تقدير ورب الصافات كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ﴿وَاللَّيْلِ﴾ إلا أنه حُذِفَ لما في العلم من أن التعظيم بالقسم لله. والثاني: أن هذا على ظاهر ما أقسم به؛ لأنه ينبئ عن تعظيمه بما فيه من العبرة الدالة على ربه. وذكر أيضًا في التفسير أن المراد بهذا الصف أن الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة لأمر الله حتى يأمرها بما يريد [[انظر: "الماوردي" 5/ 36، "القرطبي" 15/ 61، "زاد المسير" 7/ 44.]]. والصافات: جمع الصف، يقال: جماعة صافة ثم يجمع صافات.

الصافات 37:2

قوله تعالى: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ قال الليث: زجرت البعير فأنا أزجره زجرًا، إذا حبسته ليمضي، وزجرت فلانًا عن سوء فانزجر، أي نهيته فانتهى [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 602 (زجر).]]. قال الشاعر: وليس يزجركم ما توعظون به ... والبهم يزجرها الراعي فتنزجرُ [[البيت من البسيط، وهو لسابق البربري.]] فالزجر للإنسان كالنهي وللبعير كالحث. ويقال: زجرته وازدجرته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: 9]. قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ومقاتل: يعني الملائكة [["تفسير مقاتل" 109 ب، "تفسير مجاهد" ص 539. وانظر: "الطبري" 33/ 23، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.]]. قال ابن عباس: يريد ملائكة وكلوا بالسحاب يزجرونها. ونحو هذا قال الكلبي ومقاتل والسدي [[انظر: المصادر السابقة.]]: إن هذا الزجر للسحاب في سوقه وتأليفه. وقال أهل المعاني: الملائكة تزجر عن المعاصي زجرًا، يوصل الله مفهومه إلى قلوب العباد كما يوصل مفهوم إغواء الشيطان إلى قلوبهم ليصح التكليف [[لم أقف عليه في كتب "معاني القرآن".]]. وقال قتادة: الزاجرات زواجر القرآن، وهي كل ما ينهى وبزجر عن القبيح المحظور [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 147، "الطبري" 53/ 34، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 8.]].

الصافات 37:3

قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال ابن مسعود ومسروق ومجاهد ومقاتل: هم الملائكة [[انظر: "الطبري" 23/ 34، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.]]. قال ابن عباس: يريد ملائكة يتلون ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- [[انظر: المصادر السابقة.]]. وقال مقاتل: هو جبريل يتلو القرآن على الأنبياء من ربهم، وهو الملقيات ذكرًا يلقي الذكر على الأنبياء [["تفسير مقاتل" 109 ب.]]. وعلى هذا المراد جبريل، وذكر بلفظ الجمع إشارة إلى أنه كبير الملائكة، فهو لا يخلو من أعوان وجنود له من الملائكة يعرجون بعروجه وينزلون بنزوله [[انظر: "القرطبي" 15/ 92، "فتح القدير" 4/ 386.]]. وقال السدي: هم الملائكة يتلون الذكر على الأنبياء [[انظر: "الطبري" 23/ 34، "بحر العلوم" 3/ 110، "مجمع البيان" 8/ 684.]]. وقال الكلبي: هو قراءة الكتاب [[انظر: "الوسيط" 3/ 521.]]. قال أبو إسحاق: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3)﴾ جائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلون ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 297.]]. قال قتادة: (التاليات ذكرًا) ما يتلى من أي القرآن [[انظر: "الطبري" 23/ 34، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.]]. وهذا يحمل على تفسير الذكر؛ لأن التاليات لا يكون ما يتلى. وأما هذه الفاءات هاهنا وفي سورة الذاريات والمرسلات. فالفاء في العطف تؤذن أن الثاني بعد الأول بخلاف الواو، فإنه لا يدل على المبدوء به والفاء يدل كقولك: دخلت الكوفة فالبصرة، فالفاء هاهنا تؤذن أن دخول الكوفة كان قبل دخول البصرة [[انظر: "الكشاف" 3/ 295.]]، وفي هذه الآية يدل على أن الله تعالى ذكر القسم أولاً بالصافات ثم بالزاجرات ثم بالتاليات. وذكر صاحب النظم أن الفاء هاهنا جواب وما قبله سبب له، كما تقول قام فمر، واضطجع فنام، فالقيام سبب للمرور والاضطجاع سبب للنوم. وتأويل الآية: والتي تصف صفًّا فتزجر زجرًا، فالصف سبب الزجر والزجر سبب التلاوة. قال: ويدل على هذا قوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: 1 - 2]، ثم استأنف قسمًا آخر منقطعًا مما قبله غير منسوق عليه بالواو فقال: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ وهذه الواو واو قسم، وعلى ما ذكره يجب أن يكون الصافات والزاجرات والتاليات جنسًا واحدًا وعصبة من الملائكة اجتمعت فيهم هذه الصفات [[في (أ): (الصافات).]]. ولا يجوز أن يكون الزاجرات غير الصافات [[في (ب) تقديم وتأخير هكذا: (الصافات غير الزاجرات ...).]]، وعلى ما ذكر أولاً يجوز أن يكون كل من الصافات والزاجرات والتاليات عصبة سوى الأخرى، وهو ظاهر قول المفسرين. وأما التاءات التي في الصافات والزاجرات والتاليات فإنها تقرأ بالإظهار، وأدغمها حمزة فيما بعدها، وهو قراءة عبد الله. وإدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنها من طرف اللسان وأصول الثنايا، ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير، وحسن أن يدغم الأنقص في الأزيد، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتاً في الأنقص. وإدغام التاء في الزاي حسن أيضًا، لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة. وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد. وكذلك حسن إدغام التاء في الذال في قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا. وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج، وأن المدغم فيه ليس بلازم، فلم يدغموا لتباين المخارج وانتفاء اللزوم، ألا ترى أنهم يثبتون نحو [أفعلَ] [[ما بين المعقوفتين مطموس في جميع النسخ، وما أثبت من الحجة لأبي علي لأن الكلام قد يكون بنصه منقولًا عنها من قوله: وأما التاءات التي في الصافات. "الحجة" 6/ 49 - 50.]] وإن كان من كلمة واحدة لما لم يلزم التاء هذا البناء، فما كان من كلمتين منفصلتين أجدر بالبيان [[انظر: "الحجة" 6/ 49، "علل القراءات" 2/ 573، "الحجة في القراءات السبع" ص 300.]].

الصافات 37:4

قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جواب القسم. قال ابن عباس: يريد نفسه لا شريك [[لم أقف عليه.]] له. وقال مقاتل: إن كفار مكة قالوا لمحمد: اجعل الآلهة إلهًا واحداً، فأقسم الله بهؤلاء الملائكة أنه واحد ليس له شريك [["تفسير مقاتل" 109 ب.]].

الصافات 37:5

ثم [[هكذا في النسخ، ويظهر والله أعلم أن هناك كلمة ساقطة: ثم نزه نفسه.]] نفسه عن شركهم فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من شيء من الآلهة وغيرها. ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ أي مطالع الشمس. قال السدي: المشارق ثلاثمائة وستون مشرقًا وكذلك المغارب عدد السنة، تطلع الشمس كل يوم في مشرق وتغرب كل يوم في مغرب [[انظر: "الطبري" 23/ 35، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.]]. ونحو هذا قال قتادة في المشارق والمغارب [[انظر: المصادر السابقة]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ثمانين ومائة مشرق في الشتاء وثمانين ومائة مشرق في الصيف؛ لأن الشمس في كل يوم تشرق من موضع غير الذي طلعت منه بالأمس [[لم أقف عليه عن ابن عباس وقد ذكره الماوردي في "تفسيره" 5/ 37، عن يحيى بن سلام، وذكره هود بن محكم في "تفسيره" 3/ 444، ولم ينسبه.]]. وقال في رواية عكرمة: إن الشمس تطلع كل سنة في ثلاث مائة وستين [[في (ب): (وستون)، وهو خطأ.]] كوة تطلع في [[(في) ساقطة من (ب).]] كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل [[في (ب): (القابلي).]] [[انظر: "القرطبي" 15/ 63.]]. وأراد المشارق والمغارب فاكتفى بذكر المشارق كقوله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81].

الصافات 37:6

وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ قال ابن عباس: يريد التي تلي الأرض [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: إنما سميت الدنيا لأنها أدنى السماء من الأرض [["تفسير مقاتل" 109 ب.]]. وقوله: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ أن يحسنها. وقال ابن عباس: بضوئها [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 111، "البغوي" 4/ 23.]]. وعلى هذه القراءة المصدر يضاف إلى المفعول به كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49]، ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24]. وقرأ حمزة بزينةٍ منونة وخفض الكواكب، وهي قراءة مسروق والأعمش [[انظر: "الحجة" 6/ 50 - 51، "الطبري" 23/ 345.]]. قال الفراء: وهو رد معرفة على نكرة [["معاني القرآن" 2/ 382.]]. وقال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 298.]]. وقال أبو علي: جعل الكواكب بدلاً من الزينة لأنها هي كما تقول مررت بأبىِ عبد الله زيد. وقرأ عاصم بالتنوين في الزينة ونصب الكواكب [[انظر: "الحجة" 6/ 50 - 51.]]. قال الفراء: بتزييننا الكواكب [["معاني القرآن" 2/ 382.]]. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون الكواكب في النصب بدلاً من قوله: ﴿بِزِينَةٍ﴾ في موضع نصب. [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 298.]] وقال أبو علي: [أعمل] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] عاصم الزينة في الكواكب والمعنى إنا [[في (ب): (إن).]] زينا الكواكب فيها، ومثله قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: 14 - 15] [["الحجة" 6/ 50 - 51.]]. وهذا شرح ما ذكره الفراء. وقال [أبو علي] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).]] صاحب النظم: التأويل إنا زينا السماء الدنيا أي بتزييننا الكواكب وتزيين الكواكب ضوئها ونورها وتأليفها في منازلها [[انظر القول في "الحجة" 6/ 51، غير منسوب لصاحب النظم.]].

الصافات 37:7

قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا﴾ قال أبو إسحاق وغيره: وحفظناها حفظًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 298.]]. قال المبرد: إذا ذكرت فعلًا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر؛ لأنه قد دل على فعله وذلك قوله: افعل وكرامة، لأنه لما قال افعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال، فالمعنى افعل ذلك وأكرم كرامة، وكذلك لا أفعل ذلك ولا كيدًا ولا هما أي ولا أكيد ولا أهم [[في (ب): (ولاهم).]] [[لم أقف على قول المبرد.]]. قال ابن عباس: يريد وحفظًا للسماء ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ يريد الذي تمرد على الله [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: وحفظًا للسماء بالكواكب [["تفسير مقاتل" 109 ب.]]. قال الكلبي: حفظًا للسموات من كل شيطان شديد متمرد، يُرمون بها ولا تُخطيهم [[لم أقف عليه.]]، وذكرنا تفسير المارد عند قوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 101]. وقوله: ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الحج: 3] [[قال في هذا الموضع من "البسيط": المريد الذي يتمرد على الله -عز وجل-. وقال أهل اللغة في المريد قولين: أحدهما: إنه المتجرد للفساد، والثاني: إنه العاري من الخير.]].

الصافات 37:8

قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل [[لم أقف على هذا القول عن ابن عباس أو مقاتل أو لغيرهم ويكادون يجمعون حسب علمي على أن معنى الدحور هو: الطرد وليس الرمي كما فسره المؤلف رحمه الله فلعله وهم منه، والله أعلم.]] والمفسرون: ويرمون من كل ناحية. وذكرنا معنى القذف فيما تقدم [[ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: 39]. قال: ومعنى القذف في اللغة الرمي بالسهم والحصى والكلام وكل شيء، ويقال للسب القذف لأنه رمي بالقبيح من القول.]]. والمفعول الثاني مقدر على تقدير ويقذفون من كل جانب بالشهب، يدل عليه قراءة أبي عبد الرحمن السلمي دحورًا بفتح الدال. قال الفراء: (كأنه قال يقذفون بداحِر وبما يدحر. قال: ولست أشتهي الفتح؛ لأنه لو وجه ذلك على صحته لكان فيها التاء كما تقول: يقذفون بالحجارة، ولا تقول يقذفون الحجارة وهو جائز كما قال: نغالي اللحم للأضياف نيئا [[صدر بيت وعجزه: ونرخصه إذا نضج القدير ولم أهتد لقائله. انظره في "معاني القرآن" للفراء 2/ 383، "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 191، "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات" 2/ 219، "الدر المصون" 3/ 444، "تهذيب اللغة" 6/ 132، 7/ 135، 8/ 191، "اللسان" 15/ 131.]] أي: يغالي باللحم [["معاني القرآن" 2/ 383.]].

الصافات 37:9

قوله: ﴿دُحُورًا﴾ قال الكلبي [[لم أقف عليه.]]: يدحرونهم فيباعدونهم عن تلك المجالس التي يسترقون فيها السمع. وقال مقاتل: يعني طردًا بالشهب من الكواكب [["تفسير مقاتل" 109 ب.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: دحورًا بشهب النار [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 47، نحوه عن قتادة.]]. وذكرنا معنى الدحور في سورة الأعراف [[الآية 18. قال المؤلف هناك: الدحر في اللغة: الطرد والإقصاء والتبعيد. يقال: دحره دحرًا ودحورًا إذا طرده وبعَّده.]] عند قوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. قال المبرد: الدحور هو أشد الصغار وأبين الذل [[لم أقف عليه.]]. قال ابن قتيبة: ذكرته دحرًا ودحورًا دفعته وطردته [["تفسير غريب القرآن" ص 369.]]. وانتصب دحورًا بالمصدر على معنى يدحرون دحورًا. ودل على المصدر الفعل قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾، وإن شئت قلت الدحور ثم حذف اللام. وقال مجاهد: دحورًا مطرودين [["تفسير مجاهد" ص 539.]]. فعلى هذا هو حال سميت بالمصدر [[في (ب): (سميت به المصدر).]] كالركوع والسجود والحصور. قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ قالوا كلهم: دائم. وقد مر في سورة النحل [[عند قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ آية 52. قال: والواصب الدائم يقال وصب وصوباً إذا دام، ويقال واصَبَ على الشيء وواظب عليه إذا دام عليه.]]. ومن فسر الواصب بالشديد والوجع، فهو معنى وليس بتفسير. قال مقاتل: يعني دائمًا إلى النفخة الأولى فهي تجرح ولا تقتل [["تفسير مقاتل" 109 ب.]]. فقد بين مقاتل أن المراد بهذا العذاب عذاب الدنيا.

الصافات 37:10

قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قال صاحب النظم: يجوز أن يكون هذا استثناء من قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ فيكون في موضع الرفع لأنه استثناء من النفي. قال: ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ فصلاً مستأنفاً، ويكون ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء منه. هذا كلامه، والمعنى إذا جعلت من استثناء من يقذفون أنهم يرمون بالشهب ولا يمكنون [[في (ب): (يتمكنون).]] من السمع ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قال ابن عباس: اختلس الكلمة [[لم أقف عليه عن ابن عباس بهذا اللفظ. وانظر: "تنوير المقباس" ص 374 بهامش المصحف.]]. وقال الكلبي: خطف الخطفة مسارقة [[لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: "القرطبي" 15/ 66، "زاد المسير" 7/ 48.]]. وقال مقاتل: يعني يخطف من كلام الملائكة [["تفسير مقاتل" 109 ب.]]. وذكرنا معنى الخطف في سورة الحج [[عند قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ الآية 31. قال: خطف يخطف إذا أخذ بسرعة.]]. قال الزجاج: وهو أخذ الشيء بسرعة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 299.]]. قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أي: لحقه وأصابه. قال المفسرون: لا يخطيه، يقتل أو يحرق أو يخبل [[انظر: "الثعلبي" 3/ 240/ ب، "الطبري" 23/ 40، "البغوي" 4/ 23، "القرطبي" 15/ 67.]]، يقال تبعه وأتبعه إذا مضى في أثره، وأتبعه إذا لحقه، ومنه قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 175]، وقد مر. قوله تعالى: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: نار مضيئًا يحرقه [["تنوير المقباس" ص 446 بهامش المصحف، "تفسير مقاتل" 109 ب.]]. قال الحسن وقتادة: ثاقب مضيء [[انظر: "الطبري" 23/ 40، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 13، "القرطبي" 15/ 67.]]. قال الليث [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 83 (ثقب)، "اللسان" 1/ 239 (ثقب).]]: الثقوب مصدر. النار الثاقبة والكوكب الثاقب، يقال ثقب يثقب ثقوبًا وهو شدة ضوئه وتلألئه، والخشب الثاقب الصريح النقي [[انظر: المصادر السابقة، "القاموس المحيط" ص 81.]]. وقال أبو عبيدة: الثاقب النير المضيء، ويقال أثقب نارًا أي أضاءها، والثقوب ما يذكى به النار، ومنه قول أبي الأسود: أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نارٍ أُوقدت بثقوبِ [[البيت من الطويل لأبي الأسود في "ديوانه" ص 45، "مجاز القرآن" 1/ 133، 2/ 167، "الدر المصون" 2/ 402.]] [["مجاز القرآن" 2/ 167.]] ونظير هذه الآية قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [[في (ب): (ثاقب مبين)، وهو خطأ.]] [الحجر: 18]، وذكرنا الكلام هناك مستقصى في [[قال رحمه الله هناك: والشهاب شعلة نار ساطع، ثم يسمى الكوكب شهابًا والسنان شهابا لبريقهما يشبهان النار. فقال المفسرون: إن الشهاب لا يخطئه أبدًا وإنهم ليرمون فإذا توارى عنكم فقد أخطأه.]] معنى الشهاب، ومعنى الآية.

الصافات 37:11

قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ قال ابن عباس: قل يا محمد لقومك [[انظر: "تنوير المقباس" ص 374 بهامش المصحف.]]. وقال أبو إسحاق: فسألهم [[هكذا في النسخ ولعل الصواب: فاسألهم؛ لأن عبارة أبي إسحاق: أي سلهم. "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 299.]] سؤال تقرير. ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ أي: أحكم صنعة ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ من غيرهم، يعني من الأمم السالفة، يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقًا من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم بالتكذيب، فما الذي يؤمنهم من العذاب، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف عليه. وانظر: "القرطبي" 68/ 15، "زاد المسير" 7/ 49.]]. وقال مقاتل: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ بعد الموت، وذلك أنهم كفروا بالبعث [["تفسير مقاتل" 11 أ.]]. ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يعني السموات والأرض والجبال، وهذا قول مجاهد وسفيان [["تفسير مجاهد" ص 540، ولم أقف عليه عن سفيان.]]، والمعنى: ليس خلقهم بعد الموت بأشد من خلق السموات والأرض والجبال، وقد علموا أن الله خلق هذه الأشياء، فهو أيضًا يقدر على خلقهم بعد الموت. وقال الكلبي: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يقول: أم من عندنا من الملائكة [[لم أقف عليه. وانظر: "القرطبي" 15/ 68، "زاد المسير" 7/ 49، فقد ذكرا القول بدون نسبه.]]. ومَنْ على قول مقاتل ومجاهد بمعنى: ما. ثم ذكر خلق الإنسان فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ قال عطاء: يريد الذي يلصق [[لم أقف عليه عن عطاء وقد روى عن ابن عباس. وانظر: "الطبري" 23/ 43، "مجمع البيان" 8/ 686.]]. وقال مجاهد عن ابن عباس: من طين لازب قال جيد [[انظر: "الطبري" 23/ 43، "المحرر الوجيز" 4/ 467، "زاد المسير" 7/ 49.]]. وقال السدي: الذي يلزق بعضه ببعض [[لم أقف عليه عن السدي وينسب للضحاك وقتادة وابن زيد. وانظر: "الطبري" 23/ 42، "القرطبي" 15/ 69.]]. وقال عكرمة: اللزوج [[انظر: "الطبري" 23/ 43، "الماوردي" 5/ 40، "القرطبي" 15/ 69.]]. وقال الكلبي: الطين الجيد اللاصق [[لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: المصادر السابقة.]]. وأكثر أهل اللغة على أن الباء في اللازب بدل من الميم، يقال: لازم ولازب، وهو قول أبي عبيد [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 384، "تهذيب اللغة" 13/ 215، عن الفراء. "تاج العروس" 4/ 205.]] والفراء. وقال الكسائي: لزِب يلزِب بالكسر ولزُب بالضم لغتان لزوبًا [[لم أقف عليه وانظر: "القرطبي" 15/ 69.]]. وعلى هذا يجوز أن يكون اللازب لغة بنفسه من غير أن تكون الباء مبدلة من الميم. والمعنى: قال مقاتل: فالذي خلق من الطين أهون خلقًا عند هذا المكذب بالبعث من خلق السموات والأرض [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]. وعلى القول الأول في معنى الآية: أراد الإخبار عن التسوية بينهم وبين غيرهم من الأمم، يعني أن هؤلاء خلقوا مما خلق منهم الأولون، فليسوا بأشد خلقًا منهم.

الصافات 37:12

قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ الكلام في معنى بل قد تقدم عند قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: 48] [[انظر: "البسيط" قال: بل هنا لتؤذن بتحقيق ما سبق وتوكيد ما يأتي بعده. وقد تجيء بل في الكلام لترك ما سبق من غير إبطال له.]]، وأما عجبت ففيه قراءتان: ضم التاء وفتحها، والضم قراءة ابن عباس وابن مسعود والأعمش، وقراءة قراء الكوفة واختيار أبي عبيد، وكان شريح يقول: بل عجبتَ، ويقول إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: كان شريح يعجب بعلمه وكان عبد الله أعلم منه وكان يقرأ: (بل عجبتُ) [[أورده عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 148 بسنده عن الثوري عن الأعمش عن أبي وائل، والفراء في "معاني القرآن" 2/ 384.]] [[انظر حول هذه القراءة. "الحجة" 6/ 53، "علل القراءات" 2/ 574، "الطبري" 23/ 42.]]. قال أبو عبيد: والشاهد مع هذا قول الله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: 5] أخبر جل جلاله أنه عجيب، ومما يزيده تصديقًا الحديث المرفوع: "لقد عجيب الله البارحة من فلان وفلادة" [[هذا جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، باب ويؤثرون على أنفسهم 4/ 1845 رقم 4607، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتى رجل رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله أصابني الجهدُ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول الله -ﷺ-: "ألا رجل يُضَيَّفه هذه الليلة". فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله -ﷺ- لا تدَّخريه شيئًا. قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنَومِّيهم وتعالى فاطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة ففعلت. ثم غدا الرجل على النبي -ﷺ- فقال: "لقد عجب الله -عز وجل-، أو ضحك من فلانٍ وفلانةٍ" فأنزل الله -عز وجل -: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.]]. وقال الفراء: (العجب وإن أسند إلى الله فليس معناه من الله كمعناه من العباد، ألا ترى أنه قال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79]. وليس السُخْرِيّ من الله كمعناه من العباد) [["معاني القرآن" 2/ 384.]]. وقال أبو إسحاق: (العجب من الله خلاف العجب من الآدميين هذا كما قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]، وقال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79]، وقال: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] ، والمكر من الله والخداع خلافه من الآدميين. وأصل العجب في اللغة أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقل مثله قال عجبت من كذا وكذا، وكذلك إذا فعل الآدميون ما ينكره الله -عز وجل- جاز أن يقول: عجبت. والله -عز وجل- قد علم الشيء قبل كونه، ولكن الإنكار والعجب الذي به تلزم الحجة عند وقوع الشيء انتهى كلامه) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 300.]]. وقد ثبت جواز إضافة العجب إلى الله، وهو على وجهين: عجيب مما يرضى وعجب مما يكره، فالعجب مما يرضى معناه في صفة الله الاستحسان وأخبر عن تمام الرضى. والعجب بما يكره الإنكار والذم له. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز العجب في وصف الله، وقالوا في قوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: 5] أي: فعجب عندكم، وقالوا في هذه القراءة: معناها أن هذه الحالة وهي إنكارهم البعث مع وضوح الدلالة عليه وهو الإبتداء والإنشاء حلت محل الشيء الذي إذا ورد عليكم عجبتم منه، ويقول سامعها عجبت كما أن قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38] معناه أن هؤلاء مما [يقولون أنتم فيه هذا النحو من الكلام، وكذلك قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175]. عند من لم يجعل اللفظ على الاستفهام، وعلى هذا النحو قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44] [[ما بين المعقوفين يبدو أنه كلام لا علاقة له بالسياق فلعله وهمٌ من النساخ.]]. قالوا: ولا يجوز العجب في وصف القديم [[وصف الله جل وعلا بالقديم مما أدخله المتكلمون في أسماء الله تعالى وليس من أسمائه الحسنى، لأن القديم في لغة العرب هو المتقدم على غيره، وقد جاء الشرع المطهر باسمه الأول، وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر أن ما بعده آيل إليه. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 77.]] كما يكون في وصف الإنسان؛ لأن العجب منا إنما يكون إذا شاهدنا ما لم نشاهد مثله ولم نعرف سببه، وهذا منتف عن القديم سبحانه وتعالى، وهذا مذهب المعتزلة. ومذهب أهل السنة أن العجب قد ورد مضافًا إلى الله في كثير من الأخبار كما روى: "عجب ربكم من إلِّكُم وقنوطكم، وعجب ربكم من شاب ليست له صبوة" [[أخرج ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 1/ 61 أول الحديث وفي 3/ 11 آخر الحديث "وعجب ربكم من شاب ليست له صبوة". والزمخشري في "الفائق" 1/ 52، أول الحديث: "عجب ربكم من إلكم وقنوطكم". وابن الجوزي في "غريب الحديث" 1/ 36 أول الحديث، وإلّكم من الإِلّ، قال ابن الأثير في "النهاية" 1/ 61: الإِلُّ: شدة القنوط، ويجوز أن يكون رفع الصوت بالبكاء. وقال الزمخثمري في "الفائق" 1/ 52: الإِل والألل والأليِّل رفع الصوت بالبكاء. والمعنى أن إفراطكم في الجؤار والنحيب فعل القانطين من رحمة الله مستغرب مع ما ترون من آثار الرأفة عليكم.]] ومعناه ما ذكرنا. والعجب الذي ذكروا أنه لا يجوز في وصف الله لا نجوزه نحن، ولكن من حيث اللفظ قد ورد العجب في وصفه، وتأويله ما ذكرنا [[تأويل المؤلف لصفة العجب الذي يشير إليه بقوله ما ذكرنا لم أقف عليه. والذي يظهر لي والله أعلم أن المؤلف رحمه الله قد اضطرب في فهم هذه الصفة أو في إثباتها، فمذهب الأشاعرة هو تأويل هذه الصفة. أما أهل السنة والجماعة فإنهم يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه وما أثبته له نبيه -ﷺ- من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 60.]]. وأما معنى الآية والمفسرون على فتح التاء وذكروا فيه قولين، أحدهما: عجبت يا محمد من القرآن حين أوحي إليك ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، يعني كفار مكة سخروا من النبي حين سمعوا منه القرآن، هذا قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]. وقال قتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "الطبري" 23/ 44، "معاني النحاس" 6/ 15.]]: عجب نبي الله من هذا القرآن حين أنزل عليه وضلال بني آدم، والمعنى أنه -ﷺ- كان يظن أن كل من يسمع منه القرآن يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه وتركوا الإيمان به عجب محمد -ﷺ- من ذلك، فقال الله تعالى عجبت يا محمد من نزول الوحي وتركهم الإيمان وهو معنى قوله: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، لأن سخرتهم من ترك الإيمان به. والقول الثاني: عجبت من إنكارهم البعث وهم يسخرون منك ويستهزئون من تعجبك، وهذا قول الكلبي [[انظر: "زاد المسير" 7/ 49.]] ومعنى قول ابن عباس [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "القرطبي" 15/ 69، "زاد المسير" 7/ 49.]] في رواية عطاء، وذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 300.]] القولين جميعاً. وعلى القول الأول: العجب من نزول الوحي وسخرتهم بالنبي -ﷺ- والقرآن. والواو في: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ واو الحال، والتقدير: بل عجبت وهم يسخرون أن وقع العجب منك في هذه الحال منهم. وعلى القول الثاني: العجب من إنكارهم البعث والواو في: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ واو الاستئناف. وأما معنى الآية على قراءة من قرأ بالضم فقد ذكرنا فيه قولين، فمن أجاز إضافة العجب إلى الله على معنى الإنكار، كان تأويل الآية أن الله تعالى ذكر إنكاره عليهم ما هم فيه من الكفر والتكذيب، وسخطه عليهم وهم يسخرون ويستهزئون ولا يتفكرون. وعلى قول من لم يضف العجب إلى الله معنى الآية كمعناها في قراءة من قرأ بالفتح [[انظر: "الحجة" 6/ 53، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 574.]]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أي: إذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون به، ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني انشقاق القمر بمكة [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 112، "البغوي" 4/ 24، "تفسير مقاتل" 110 أ.]] ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾، قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 167.]]: يستسخرون ويسخرون سواء، وهو قول المفسرين، قالوا كلهم: يسخرون ويستهزئون ويقولون: هذا عمل السحرة وهو قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وقال ابن قتيبة: (يقال سخر واستسخر كما يقال قرَّ واستقر، وعجب واستعجب، وأنشد قول أوس: ومستعجبٍ مما يرى من أناتنا [[عجز بيت وصدره: ولو زبنته العرب لم يترمرم وهو من الطويل لأوس بن حجر في "ديوانه" ص 121، "تفسير غريب القرآن" ص 370، "اللسان" 2/ 69 - 15/ 147، "الكامل" 2/ 1143.]] قال: ويجوز أن يكون يسألون غيرهم من المشركين أن يسخروا من النبي -ﷺ-، كما تقول استعتبته أي سألته العتبى واستوهبته) [["تفسير غريب القرآن" ص370.]] ونحو ذلك. وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي جعلوا ما يدل على التوحيد مما يعجزون عنه سحرًا) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 300.]].

الصافات 37:16

قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [[قوله: (وكنا ترابا) غير مثبت في (أ).]] الآية. الكلام في نظير هذه الآية قد تقدم في سورة الرعد [[عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ الآية 5.]]، ثم في سورة النمل [[عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ الآية: 67.]]، والعنكبوت [[عند قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآيتان 19 - 20.]]. قال أبو إسحاق المعنى: أنبعث إذا كنا ترابًا وعظامًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 300.]]، وهذا استفهام إنكار وتعجب.

الصافات 37:17

قوله تعالى: ﴿أَوَآبَاؤُنَا﴾ قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]: أو يبعث آباؤنا. وهذه ألف الاستفهام دخلت على حرف العطف. وقرأ نافع هاهنا وفي سورة الواقعة [[آية 48 قوله تعالى: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾.]] ساكنة الواو. وذكرنا الكلام في هذا في سورة الأعراف عند قوله: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [[آية 98. وقد ذكر المؤلف رحمه الله هناك كلاماً طويلاً منقولاً بنصه من الحجة كما قال د/ محمد الفايز، وانظر: "الحجة" 4/ 54.]].

الصافات 37:18

قال مقاتل: فقال الله لنبيه -ﷺ- ﴿قُلْ﴾ لكفار مكة ﴿نَعَمْ﴾ تبعثون ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي صاغرون [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]، وقال أبو عبيدة والمفضل [[لم أقف على قول المفضل.]]: الدخور أشد الصغار، يقال داخر صاغر، وأنشد أبو عبيدة قول ذي الرمة فقال: فلم يبق إلا داخر في مخيّشٍ ... ومنحجِرٌ في غير أرضك في حُجْرِ [[البيت من الطويل وهو لذي الرمة في "ديوانه" ص 275، وانظره منسوبًا إليه في "مجاز القرآن" 2/ 168. والدخور هو التواضع، والمخيش: السجن، والمنحجر الداخل في الحجر. انظر: "الدر" بتحقيق الخراط 7/ 233.]] [["مجاز القرآن" 2/ 168.]] وذكرنا تفسير هذا عند قوله: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: 48] [[قال هناك: داخرون أي صاغرون هذا لفظ المفسرين، يقال دخر يدخر دخورًا أي صغر يصغر صغاراً، وهو الذي يفعل ما يؤمر به شاء أم أبى.]].

الصافات 37:19

ثم ذكر أن بعثهم يقع بزجرة واحدة، وذلك قوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ [وهي ضمير على أن شريطة التفسير] [[هذه الجملة يظهر لي والله أعلم أنها مدرجة وأنها خطأ ووهم من النساخ.]] وقد مضت هذه المسألة، والمعنى وإنها قصة البعث زجرة واحدة. قال مقاتل: يعني صيحة واحدة من إسرافيل [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]. وقال ابن عباس: يريد نفخة البعث [["تفسير ابن عباس" ص 374 بهامش المصحف.]]. ومعنى الزجر في اللغة الصيحة التي يزجر بها، كالزجرة بالغنم وبالإبل [[في (ب): (والإبل).]] عند الحث، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمعنى الصيحة وإن لم يكن فيها معنى الزجر عن الشيء كالتي في هذه الآية [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 602، "اللسان" 4/ 318 (زجر).]]. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال مقاتل: ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]. وقال الكلبي: إذا سمعوا بالصيحة الآخرة زجروا من قبورهم فاستووا على ظهر الأرض قيامًا ينظرون [[لم أقف عليه عند الكلبي، وانظر: "القرطبي" 15/ 72.]] ما يؤمرون به. قال أبو إسحاق: (أي يبعثون بصراء ينظرون)، فلما عاينوا البعث ذكروا قول الرسل في الدنيا أن البعث حق فدعوا بالويل.

الصافات 37:20

﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ قال [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 301.]]: من العذاب ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ يعني يوم الحساب والجزاء، قاله الكلبي ومقاتل وعطاء [["تفسير مقاتل" 110 أ، ولم أقف عليه عند الكلبي وعطاء، وانظر: "الماوردي" 5/ 42، "زاد المسير" 7/ 52.]]. وقال أبو إسحاق: يوم نجازى فيه بأعمالنا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 301.]].

الصافات 37:21

قال مقاتل: (فردت عليهم الملائكة فقالوا: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ يعني يوم القضاء. ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ بأنه غير كائن) [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]، ونحو هذا قال الكلبي [[لم أقف على قول الكلبي، وقد ذكره القرطبي 15/ 72 ولم ينسبه، وكذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 52.]]. فيقال لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. وقال ابن عباس: يريد اليوم الذي يفصل بين العباد [["تفسير ابن عباس" ص 374 بهامش المصحف.]]. وقال أبو إسحاق: هذا يوم الفصل فيه بين المحسن والمسيء ويجازى كل بعمله [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 301.]].

الصافات 37:22

قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا﴾ أي: يقال في ذلك اليوم ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: الذين أشركوا من بني آدم [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 374 بهامش المصحف، وذكر القول ولم ينسبه البغوي 4/ 25، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 52.]]. وقوله: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالأزواج هاهنا الأمثال والأشباه والضرباء وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس وابن زيد وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والشعبي، قالوا هؤلاء كلهم: أمثالهم وأشباههم وأشياعهم وأتباعهم وضرباؤهم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "الطبري" 23/ 46، الثعلبي 3/ 240/ ب، "الماوردي" 5/ 43، "زاد المسير" 7/ 52.]]. ونحو ذلك قال الكلبي [[لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: المصادر السابقة.]]. كل من عمل مثل عملهم وهو من قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ أي أشكالاً وأشباهًا، وهذا القول اختيار أبي إسحاق قال: (المعنى ونظراؤهم وضرباؤهم، تقول عندي من هذا أزواج أي أمثال، وكذلك زوجان من الجفاف، أي كل واحد نظير صاحبه، وكذلك الزوج المرأة والزوج الرجل، قد تناسبا بعقد النكاح وكذلك قوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: 58] انتهى كلامه) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 301.]]، وعلى هذا يجب أن يكون المراد بالذين ظلموا الرؤساء والقادة، لأنك إذا جعلت الذين ظلموا عامًا في كل من أشرك لم يكن للأزواج معنى. وقال ابن عباس [["تفسير ابن عباس" ص 375 بهامش المصحف. وانظر: "الماوردي" 5/ 43.]] في رواية عطاء: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قرناؤهم من الشياطين، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]. قال: يعني الشياطين الذين أضلوهم، وكل كافر مع شيطان في سلسلة واحدة، وقال الحسن [[لم أقف عليه عن الحسن، ونسبه أكثر المفسرين للضحاك ومقاتل. وانظر: "البغوي" 4/ 25، "القرطبي" 15/ 73، "زاد المسير" 7/ 52.]]: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: يعني ضرباؤهم من الجن. قوله - عز وجل -: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الأوثان والطواغيت. وقال مقاتل: يعني إبليس وجنده [["تفسير مقاتل" 110 أ.]] واحتج بقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: 60].

الصافات 37:23

قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس: دلوهم [["تفسير ابن عباس" ص 374 بهامش المصحف. وانظر: "البغوي" 4/ 25.]]. وهو اختيار المفضل [[لم أقف على اختيار المفضل.]] قال: المعنى اذهبوا بهم. قال أهل المعاني: وإنما استعملت الهداية هاهنا لأنه جعل الهداية إلى الجنة كما قال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21، التوبة: 31، الانشقاق: 24]. فوقعت البشارة بالعذاب لهؤلاء بدل البشارة بالنعيم لأولئك [[لم أقف عليه عند أهل المعانى، وقد ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 688.]]. وروي عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ فسوقوهم [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 84، وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس. قلت: ولم أقف عليه عند ابن جرير.]]. وقال مقاتل والكلبي والضحاك [["تفسير مقاتل" 110 أ، ولم أقف عليه عن الكلبي والضحاك، وأورده الماوردي 5/ 43، ونسبه للسدي.]]: فادعوهم، وهو معنى وليس بتفسير. وقال ابن كيسان: قدموهم [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 240 ب، "البغوي" 4/ 25.]] وهودوهم؛ لأنه يقال هذا إذا تقدم، ومنه الهادية والهوادي وهاديات الوحش، ولا يقال هدى بمعنى قدم.

الصافات 37:24

قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ يقال: وقفت الدابة أقفها وقفاً فوقفت هي وقوفًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 333 (وقف)، "مقاييس اللغة" ص 1101 (وقف).]]. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]]: احبسوهم. وقال الكلبي: وقفوا قبل ذلك وحوسبوا حين قدموا على الله [[انظر: "القرطبي" 15/ 74.]]. يعني أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، والأمر بوقفهم يكون قبل الأمر بسوقهم إلى صراط الجحيم، روي عن ابن عباس أنه قال: وقفوا قبل ذلك. قال المفضل [[لم أقف على قول المفضل.]]: يجوز أن يكون التقديم والتأخير: قفوهم واهدوهم. وقال مقاتل: فلما سيقوا إلى النار حبسوا [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. وعلى هذا الحبس كان [[في (أ): (كانوا)، وهو خطأ.]] بعد السوق والكلام على وجهه ونظمه، كأنه قيل: واهدوهم إلى صراط الجحيم، فإذا انتهوا إلى الصراط قبل وقفوهم [[في (أ): (وقفوهم السؤال)، وهو خطأ.]] للسؤال على الصراط. ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ قال ابن عباس: عن أعمالهم في الدنيا وأقاويلهم [[انظر: "البغوي" 4/ 25، "القرطبي" 15/ 74، "زاد المسير" 7/ 53.]]. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]: سألتهم خزنة جهنم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [[قوله: (ألم يأتكم رسل منكم) غير مثبت في (أ)، وعدم إثباته خطأ.]] [الزمر: 71]، ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد وهو قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ أي: أنهم مسؤولون توبيخًا لهم فيقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [[سقط من (أ) قوله: (لا).]] أي: لا تتناصرون. قال ابن عباس: لا ينصر بعضكم بعضًا كما كنتم في الدنيا، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر، فقيل لهم ذلك اليوم: ما لكم غير متناصرين [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 240 ب، "البغوي" 4/ 25، "القرطبي" 15/ 74.]]. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]: يقول للكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب.

الصافات 37:26

قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع. قال أبو عبيدة: والمستسلم الذي يعطى بيده [["مجاز القرآن" 12/ 68.]]. وقال الكسائي [[لم أقف على قول الكسائي. وأورده الشوكاني في "فتح القدير" 4/ 379 ونسبه للأخفش.]]: ملقون بأيديهم. وقال المفضل [[لم أقف على قول المفضل. وأورده الشوكاني في "فتح القدير" 4/ 379 ولم ينسبه.]]: أذلاء منقادون لا حيلة لهم في أنفسهم، لا العابد ولا المعبود. وقال ابن عباس: ألقوا بأيديهم وضلت حجتهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وأورده الطبرسي 8/ 689، ولم ينسبه.]]. وقال أبو صالح: استسلم العابد والمعبود عند ذلك وعرفوا أنه الحق [[لم أقف عليه عن أبي صالح.]]. ومعنى استسلم: طلب السلامة بترك المنازعة.

الصافات 37:27

قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريدهم والشياطين [["تفسير ابن عباس" ص 375 بهامش المصحف.]]، وقيل الرؤساء والأتباع [[ذكره الماوردي 5/ 45، ولم ينسبه، وكذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 54.]]. وقوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي يسأل بعضهم بعضًا، قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 ب.]] والكلبي [[لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكره الماوردي 5/ 45 عن ابن عباس، وذكره البغوي 4/ 26 غير منسوب لأحد.]]: يتكلمون فيما بينهم أي يختصمون، وهذا التساؤل عبارة عن التخاصم والتكلم، وهو سؤال التأنيب. يقولون: غررتمونا. وتقول أولئك لهم: قبلتم منا. وقال في موضع آخر: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ [القلم: 30]، وهذا التساؤل متضمن لمعنى التلاوم وليس ذلك تساؤل المستفهمين، بل هو تساؤل التوبيخ فهو نفس التلاوم.

الصافات 37:28

ثم ذكر ذلك التخاصم والتلاوم وهو قوله: ﴿قَالُوا﴾ أي الكفار للشياطين أو الأتباع للرؤساء: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، قال ابن عباس [[انظر: "القرطبي" 15/ 75، وذكره الماوردي 5/ 46، ونسبه لمجاهد.]]: يريد من قبل الحق، وهو لفظ مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. وقال الكلبي [[انظر: "الماوردي" 5/ 45.]]: يقول تأتوننا من قبل الدين فتزينون لنا ضلالتنا التي كنا عليها، ونحو ذلك قال الضحاك [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 241 أ، "البغوي" 4/ 26، "زاد المسير" 7/ 54.]]. وقال قتادة: كنتم تفتنوننا عن طاعة الله [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "الطبري" 23/ 49، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 86، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]]. قال الفراء: (يقول: كنتم تأتوننا من قبل الدين، أي تخدعوننا بأقوى الوجوه، واليمين القدرة والقوة، قال الشماخ: تلقاها عرابة باليمين [[هذا عجز بيت من الوافر وصدره: إذا ما راية رفعت لمجد للشماخ في "ديوانه" ص 336، "معاني القرآن" للفراء 2/ 385، "تهذيب اللغة" 8/ 221 - 15/ 523، "اللسان" 13/ 461.]] قال: يريد القدرة [[في (أ): (القوة والقدرة).]] والقوة) [["معاني القرآن" 2/ 384.]]. وقال أبو إسحاق: (أي كنتم تأتوننا من قبل الدين فتروننا أن الدين والحق ما تعلنوننا به) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]]. فاليمين على ما ذكروا عبارة عن الحق والدين، غير أن قول أبي إسحاق غير قول الآخرين؛ لأن معنى قوله: كنتم تزينون لنا الدين الذي كنتم عليه وهو الكفر. ومعنى قول الآخرين: كنتم تمنعوننا بإضلالكم عن الدين الذي هو الحق. وشرح ابن قتيبة قول المفسرين في هذه الآية فقال: (يقول المشركون لقرنائهم من الشياطين: إنكم كنتم تأتوننا عن أيماننا لأن إبليس قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] فشياطينه [[هكذا في النسخ وفي "تأويل المشكل" لابن قتيبة (فشياطينهم)، وهو الصواب.]] تأتيهم من كل جهة من هذه الجهات، يعني التأكيد والإضلال، قال المفسرون: فمن أتاه الشيطان من قبل الشمال أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب، ومن أتاه من خلفه خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف من بعده، فلم يصل رحمًا ولم يؤد زكاة. فقال [[في (ب): (قال) سقطت الفاء.]] المشركون لقرنائهم: إنكم كنتم تأتوننا في الدنيا من جهة الدين فتشبِّهون علينا فيه حتى أضللتمونا) [["تأويل مشكل القرآن" ص 348.]]. وقال أبو القاسم [[في (ب): (أبو الغنيم)، وهو خطأ.]] الزجاجي: أجود ما قيل في هذا أنه من قول العرب: فلان عندي باليمين، أي بالمنزلة الحسنة، وفلان عندي بالشمال أي بالمنزلة الخسيسة الدنية [[لم أقف عليه.]]. فقال هؤلاء الكفار [لأئمتهم] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] الذين أضلوهم وزينوا لهم الكفر: إنكم كنتم تخدعوننا وترونا [[في (ب): (وتروننا).]] أننا عندكم بمنزلة اليمين، أي بالمنزلة الحسنة، فوثقنا بكم وقبلنا عنكم، أي أتيتمونا من ذلك الجانب. قال: وقال بعض أصحابنا وهو قول قوي: إن أئمة المشركين كانوا قد أخافوا [[هكذا في النسخ، ولعل الصواب: (قالوا).]] لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم التي عهدوها. فمعنى قوله: {كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} أي من ناحية المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا، فقال لهم قرباؤهم: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لم تكونوا على حق فنشبهه عليكم ونزيلكم عنه إلى باطل، أي ما كنتم مؤمنين فرددناكم عن الإيمان، أي إنما الكفر من قبلكم.

الصافات 37:30

﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي من قدرة فنقهركم ونجبركم. وقال مقاتل: يعني من ملك فنكرهكم على مبايعتنا [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ قال ابن عباس: ضالين [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "القرطبي" 15/ 75، "زاد المسير" 7/ 55، "مجمع البيان" 8/ 689.]].

الصافات 37:31

وقال الكلبي: فوجب علينا جميعًا قول ربنا بالسخط [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر المصادر السابقة.]]. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 110ب.]]: يعني قول الله لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 85]، وقال أبو إسحاق: أي حقت علينا كلمة العذاب [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو﴾ أي العذاب الأليم، قاله ابن عباس [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 375، ولم أقف على هذا القول منسوبًا لمقاتل والكلبي. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 241 ب، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 23.]] ومقاتل والكلبي. وقال أبو إسحاق: أي أن الجماعة المضل والضال [[في (ب): (الضال والمضل).]] في النار [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]].

الصافات 37:32

قوله تعالى: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فأضللناكم عن الهدى [["تفسير مقاتل" 110 ب، "تفسير ابن عباس" ص 375، وانظر القول غير منسوب في: "بحر العلوم" 3/ 114،"البغوي" 4/ 26، "زاد المسير" 7/ 55.]]. وقال الكلبي: دعوناكم [[في (ب): (دعويناكم).]] إلى ما كنا عليه فأضللناكم [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "زاد المسير" 7/ 55. "مجمع البيان" 8/ 690.]]. وقال عبد الله بن مسلم: أي بالدعاء والوسوسة. ومثله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: 22] الآية) [["تأويل مشكل القرآن" ص 349.]].

الصافات 37:33

يقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 110 ب، ولم أقف عليه عن ابن عباس وذكره أكثر المفسرين. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "البغوي" 4/ 26، "القرطبي" 15/ 75.]]: يريد الشياطين والإنس. وقال الكلبي: هم والذين أطاعوهم في الضلالة شركاء [[أورده الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 690 غير منسوب لأحد.]] في النار.

الصافات 37:34

﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين الذين جعلوا لله أنداداً وشركاء [[انظر: "البغوي" 4/ 26، "مجمع البيان" 8/ 690.]]، وهو قول الكلبي [[لم أقف عليه عن الكلبي.]] وعامة المفسرين، أن المراد بالمجرمين هاهنا المشركين [[في (أ): (المشركون)، وهو خطأ.]] خاصة، يدل عليه قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد لا يقولونها [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 23.]]. وقال مقاتل: يعني يتكبرون عن الهدى [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. وقال أبو إسحاق: يستكبرون عن توحيد الله -عز وجل- [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]]. وفي الآية إضمار على تقدير: إذا قال لهم قولوا لا إله إلا الله. قال مقاتل: وذلك أن الملأ من قريش اجتمعوا عند أبي طالب فقال لهم النبي -ﷺ- يومئذ: "قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم"، فأبوا وقالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾، أي: نترك [["تفسير مقاتل" 110 ب.]] عبادتها لهذا الشاعر المجنون، يعنون محمدًا -ﷺ- فكذبهم الله ورد عليهم بقوله: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر كما قالوا ﴿جَاءَ﴾ محمد -ﷺ- ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي: بالقرآن [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "القرطبي" 15/ 76، "زاد المسير" 7/ 55.]]. وقال مقاتل: بالتوحيد [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين كانوا قبله [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 375. وانظر: المصادر السابقة.]]. والمعنى أنه أتى بما أتوا به من التوحيد فهو موافق لهم. ﴿إِنَّكُمْ﴾ قال الكلبي يعني العابد والمعبود [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114.]]. ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا﴾ أي إلا بما ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما تجزون في الآخرة إلا بما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك.

الصافات 37:35

﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين الذين جعلوا لله أنداداً وشركاء [[انظر: "البغوي" 4/ 26، "مجمع البيان" 8/ 690.]]، وهو قول الكلبي [[لم أقف عليه عن الكلبي.]] وعامة المفسرين، أن المراد بالمجرمين هاهنا المشركين [[في (أ): (المشركون)، وهو خطأ.]] خاصة، يدل عليه قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد لا يقولونها [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 23.]]. وقال مقاتل: يعني يتكبرون عن الهدى [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. وقال أبو إسحاق: يستكبرون عن توحيد الله -عز وجل- [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]]. وفي الآية إضمار على تقدير: إذا قال لهم قولوا لا إله إلا الله. قال مقاتل: وذلك أن الملأ من قريش اجتمعوا عند أبي طالب فقال لهم النبي -ﷺ- يومئذ: "قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم"، فأبوا وقالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾، أي: نترك [["تفسير مقاتل" 110 ب.]] عبادتها لهذا الشاعر المجنون، يعنون محمدًا -ﷺ- فكذبهم الله ورد عليهم بقوله: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر كما قالوا ﴿جَاءَ﴾ محمد -ﷺ- ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي: بالقرآن [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "القرطبي" 15/ 76، "زاد المسير" 7/ 55.]]. وقال مقاتل: بالتوحيد [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين كانوا قبله [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 375. وانظر: المصادر السابقة.]]. والمعنى أنه أتى بما أتوا به من التوحيد فهو موافق لهم. ﴿إِنَّكُمْ﴾ قال الكلبي يعني العابد والمعبود [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114.]]. ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا﴾ أي إلا بما ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما تجزون في الآخرة إلا بما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك.

الصافات 37:36

﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين الذين جعلوا لله أنداداً وشركاء [[انظر: "البغوي" 4/ 26، "مجمع البيان" 8/ 690.]]، وهو قول الكلبي [[لم أقف عليه عن الكلبي.]] وعامة المفسرين، أن المراد بالمجرمين هاهنا المشركين [[في (أ): (المشركون)، وهو خطأ.]] خاصة، يدل عليه قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد لا يقولونها [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 23.]]. وقال مقاتل: يعني يتكبرون عن الهدى [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. وقال أبو إسحاق: يستكبرون عن توحيد الله -عز وجل- [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]]. وفي الآية إضمار على تقدير: إذا قال لهم قولوا لا إله إلا الله. قال مقاتل: وذلك أن الملأ من قريش اجتمعوا عند أبي طالب فقال لهم النبي -ﷺ- يومئذ: "قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم"، فأبوا وقالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾، أي: نترك [["تفسير مقاتل" 110 ب.]] عبادتها لهذا الشاعر المجنون، يعنون محمدًا -ﷺ- فكذبهم الله ورد عليهم بقوله: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر كما قالوا ﴿جَاءَ﴾ محمد -ﷺ- ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي: بالقرآن [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "القرطبي" 15/ 76، "زاد المسير" 7/ 55.]]. وقال مقاتل: بالتوحيد [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين كانوا قبله [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 375. وانظر: المصادر السابقة.]]. والمعنى أنه أتى بما أتوا به من التوحيد فهو موافق لهم. ﴿إِنَّكُمْ﴾ قال الكلبي يعني العابد والمعبود [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114.]]. ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا﴾ أي إلا بما ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما تجزون في الآخرة إلا بما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك.

الصافات 37:37

﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين الذين جعلوا لله أنداداً وشركاء [[انظر: "البغوي" 4/ 26، "مجمع البيان" 8/ 690.]]، وهو قول الكلبي [[لم أقف عليه عن الكلبي.]] وعامة المفسرين، أن المراد بالمجرمين هاهنا المشركين [[في (أ): (المشركون)، وهو خطأ.]] خاصة، يدل عليه قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد لا يقولونها [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 23.]]. وقال مقاتل: يعني يتكبرون عن الهدى [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. وقال أبو إسحاق: يستكبرون عن توحيد الله -عز وجل- [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]]. وفي الآية إضمار على تقدير: إذا قال لهم قولوا لا إله إلا الله. قال مقاتل: وذلك أن الملأ من قريش اجتمعوا عند أبي طالب فقال لهم النبي -ﷺ- يومئذ: "قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم"، فأبوا وقالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾، أي: نترك [["تفسير مقاتل" 110 ب.]] عبادتها لهذا الشاعر المجنون، يعنون محمدًا -ﷺ- فكذبهم الله ورد عليهم بقوله: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر كما قالوا ﴿جَاءَ﴾ محمد -ﷺ- ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي: بالقرآن [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "القرطبي" 15/ 76، "زاد المسير" 7/ 55.]]. وقال مقاتل: بالتوحيد [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين كانوا قبله [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 375. وانظر: المصادر السابقة.]]. والمعنى أنه أتى بما أتوا به من التوحيد فهو موافق لهم. ﴿إِنَّكُمْ﴾ قال الكلبي يعني العابد والمعبود [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114.]]. ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا﴾ أي إلا بما ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما تجزون في الآخرة إلا بما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك.

الصافات 37:40

قال مقاتل: ثم [["تفسير مقاتل" 110/ ب.]] استثنى فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، قال عطاء والكلبي عن ابن عباس: هم الموحدون [[لم أقف عليه عن ابن عباس. انظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "البغوي" 4/ 27، "زاد المسير" 7/ 55.]]، أهل لا إله إلا الله، وهم الذين استخلصهم الله لنفسه.

الصافات 37:41

﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ قال الكلبي: مقدار غدوة وعشية [[انظر: "القرطبي" 15/ 77، "زاد المسير" 7/ 56.]]، وليس ثم بكرة وعشية يدل على هذا قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62]، وقال مقاتل: يعني بالمعلوم حين يشتهونه [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. وقال قتادة: الرزق المعلوم الجنة [[انظر: "الطبري" 23/ 52، "القرطبي" 15/ 77، "زاد المسير" 7/ 55.]]. وقال غيره: رزق معلوم أي بعلم الله.

الصافات 37:42

ثم بين الرزق فقال ﴿فَوَاكِهُ﴾ وهذا يوجب أن يكون الرزق المعلوم الفواكه؛ لأنه فسره بها، والفواكه جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها رطبها ويابسها، وتفكه إذا أكل الفاكهة، وفكهت أي أطعمتهم الفاكهة [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 25 (فكه)، "اللسان" 13/ 523 (فكه).]]. وقال بعض أهل المعاني: الفاكهة طعام يؤكل للذة لا للقوت [[في (ب): (لا لقوت)، وهو خطأ.]]، والفاكه الذي كثرت فاكهه.

الصافات 37:45

قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال أبو عبيدة: الكأس الإناء بما فيه [["مجاز القرآن" 2/ 169.]]. وقال أبو إسحاق: (الكأس الإناء إذا كان فيه خمر، ويقع الكأس لكل إناء مع شرابه) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 303.]]. والمفسرون فسروا الكأس بالخمر، وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل [[لم أقف عليه عن عطاء والكلبي، وانظر: "تفسير مقاتل" 110 ب.]]. وقال الضحاك: كل كأس في القرآن إنما عني به الخمر [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 471، "القرطبي" 15/ 77، "زاد المسير" 7/ 56.]]. وهذا منهم توسع، وذلك أنهم لما كان المراد بإدارة الكأس إدارة ما فيه لا الإناء فسروه بما هو المراد. وقوله: ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ مضى الكلام مستقصى في تفسير المعين عند قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] [[قال: قال ابن عباس في رواية عكرمة يعني أنهار دمشق، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: المعين الماء، وروى جابر عنه أنه الماء الجاري وهو قول مقاتل.]]. قال الكلبي [[لم أقف على قول الكلبي.]]: يطوف عليهم خدمهم بخمر بيضاء من معين، والمعين الظاهر. وقال مقاتل: من معين يعني الجاري [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]. وفي المعين قولان: أحدهما [[في (أ): (أحدها).]]: أنه الظاهر الذي تراه العيون. والثاني: أنه الجاري السايح وقد ذكرناهما.

الصافات 37:46

وقوله: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 24، "البغوي" 4/ 27، "مجمع البيان" 8/ 692.]]. وقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ يجوز أن يكون اللذة مصدراً سمي به. قال الليث: (اللذ واللذيذ يجريان مجرىً واحداً في النعت، يقال شراب لذ ولذيذ) [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 409 (لذَّ).]]. قال الله تعالى: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: 15]، وبذلك سمي النوم [[في (أ): زيادة (إلى)، وهو خطأ.]] الاستلذاذة، وعلى هذا لذة بمعنى اللذيذة. وقال أبو إسحاق: أي ذات لذة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 303]]. فعلى هذا حذف المضاف.

الصافات 37:47

قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول [["معاني القرآن" 2/ 385.]] سواء. وقال أبو عبيدة: (الغول أن تغتال عقولهم وأنشد قول مطيع بن إياس [[هو: مطيع بن إياس الكناني من بني ليث بن بكر وقيل من بني الديل بن بكر، يكنى أبا مسلم، شاعر ظريف حلو العشرة، مليح النادرة، وكان متهمًا بالزندقة، أدرك الدولتين الأموية والعباسية، ولاه المهدي العباسي الصدقات بالبصرة ومات فيها. انظر: "معجم الشعراء" ص 480، "خزانة الأدب" 10/ 223، "سمط اللآلئ" ص 600، "الأعلام" 11/ 509 (غول)، "الدر المصون" 5/ 552، "البحر المحيط" 7/ 350.]]: وما زالت الكأس تغتالهم ... وتذهب بالأول الأول [["مجاز القرآن" 2/ 169.]] وقال ابن قتيبة: أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها، يقال الخمر غول للعلم، والحرب غول للنفوس [["تفسير غريب القرآن" ص370.]]، وغالني هؤلاء أي أذهبني. وقال الليث: الغول الصداع يقال ليس فيها صداع [[لم أقف على القول منسوبًا لليث. وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 192،"اللسان" 11/ 509 (غول).]]، هذا كلام أهل اللغة في الغول، وحقيقة الإغلال [[في (أ): (الإهلاك)، وهو تصحيف، وهكذا أثبت في (ب)، ولعله تصحيف أيضًا والصواب (الغول).]]. يقال غاله غولاً أي أهلكه، والغول والغائلة المهلكة، ثم يسمى الوجع غولًا لأنه يؤدي إلى الهلاك [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 192 (غول).]]. وأكثر المفسرين قالوا في الغول: إنه الوجع في البطن والرأس، وهو قول مجاهد وقتادة قالوا: لا يوجع [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 541، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "تفسير الطبري" 23/ 54.]]. وقال مقاتل: لا يوجع الرأس كفعل خمر [[في (ب): (كفعل الخمر في الدنيا).]] الدنيا [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]. وهو قول الحسن قال: غول صداع [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 241 ب، "البغوي" 4/ 27، "القرطبي" 15/ 79.]]. وقال الشعبي: لا يغتال عقولهم فيذهب بها [[انظر: المصادر السابقة.]]. وذكر أبو إسحاق القولين جميعاً في الغول فقال: لا تغتال عقولهم ولا يصيبهم منها وجع [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 303.]]. قوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ وقرئ بكسر الزاي. قال الفراء: (من كسر الزاي فله معنيان، يقال أنزف الرجل إذا فنيت خمره، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر. ومن فتح الزاي فمعناه: لا تذهب عقولهم أي لا يسكرون، يقال نزف الرجل فهو منزوف [["معاني القرآن" 2/ 385.]] ونزيف). ونحو هذا قال أبو إسحاق في من فتح، وقال في قراءة من كسر الزاي لا يُنفِدون شرابهم وهو دائم أبدًا لهم قال: ويجوز أن يكون يُنزفون يسكرون، وأنشد هو وأبو عبيدة وغيرهما فقال: لعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا [[في (ب): (آل بجرا).]] [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 303، "مجاز القرآن" 2/ 169. والبيت من الطويل مختلف في نسبته فهو للأبيرد والرياحي في "مجاز القرآن" 2/ 269، "الصحاح" 4/ 1431 (نزف)، "اللسان" 9/ 327 (نزف)، "المحرر الوجيز" 4/ 472. وللحطيئة في "تفسير الثعلبي" 3/ 241 أ، والقرطبي 15/ 79. وللأسود في "الدر المصون" 5/ 501. وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 13/ 226، "علل القراءات" 2/ 318، "المحتسب" 2/ 308.]] وحقق أبو علي الكلام في هذه الآية فقال: (أنزف الرجل على معنيين: أحدهما: أنه يراد به السكر، وأنشد البيت وقال: ومقابلته له بصحوتم يدل على أنه يراد به سكرتم، والآخر: أنزف إذا نفد شرابه والمعنى: صار ذا نفادٍ لشرابه، كما أن الأول معناه النفاد في عقله، فقول من كسر الزاي يجوز أن يراد به لا يسكرون عن شربها، ويجوز أن يراد به لا ينفد ذلك عنهم كما ينفد شراب أهل الدنيا، فإذا كان معنى لا ينفد شرابهم لأنك إن حملته على أنهم لا يسكرون صرت كأنك كررت لا يسكرون مرتين؛ وإن جعلت لا فيها غول على لا [[في (أ): (ألا)، وهو خطأ.]] تغتال صحتهم ولا يصيبهم عنها العلل التي تحدث عن شربها حملت ينزفون على أنهم لا يسكرون، وعلى أنهم لا ينفد شرابهم، ومن فتح الزاي أراد لا يسكرون من نزف فهو منزوف إذا سكر، وليس من أفعل، ألا ترى أن أنزف بالمعنيين جميعًا لا يتعدى إلى المفعول به، فإذا لم يتعد إلى المفعول به لم يجز أن يبنى له) [["الحجة" 6/ 54 - 55.]] انتهى كلامه. وأصل النزف في اللغة الاستخراج، يقال نزفتُ البئر إذا استقيتُ ماءها، ونزف فلان دمه إذا استخرجه بحجامة أو فصد وهذا هو الأصل، ونزف الرجل إذا سكر معناه استخرج عقله، وأنزف إذا سكر أي صار إلى حالة نزف العقل عنه، وأنزف إذا نفد شرابه معناه أنه صار إلى حالة نفاد الشراب بنزفه وإنفاده [[انظر: "مقاليس اللغة" ص 1022 (نزف)، "تهذيب اللغة" 13/ 225 (نزف)، "اللسان" 9/ 325 (نزف).]]. واختار أبو عبيد كسر الزاي لاحتمال المعنيين [[لم أقف على اختيار أبي عبيد.]]. وأما المفسرون فإنهم فسروا لا ينزفون لا يسكرون ولا تذهب عقولهم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي ومقاتل [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 540، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "الطبري" 23/ 55، "تفسير مقاتل" 111 أ، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 24، ولم أقف عليه عن الكلبي.]].

الصافات 37:48

قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ معني القصر في اللغة الحبس. قال الزجاج والمبرد وابن قتيبة: أي قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يرون غيرهم ولا يطمحن إلى غيرهم [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304، "تفسير غريب القرآن" ص 371، ولم أقف على قول المبرد.]]. وهذا كقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: 52] وأنشد لامرئ القيس [[هذا صدر بيت من الطويل، وعجزه: من الذر فوق الإتب منها لأثرا لامرئ القيس في "ديوانه" ص 68، وانظره منسوبًا له في القرطبي 15/ 80، "الدر المصون" 5/ 502، 6/ 556. "الماوردي" 5/ 48، "مقاييس اللغة" 1/ 53، "لسان العرب" 5/ 99 (قصر)، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 8/ 359: ومعنى البيت أنه يصف امرأة بأنها ممن قصَّرت أعينهن عن النظر إلى من ليس لها من الرجال، والمحول من الذر هو الصغير جدًا منه، والإِتب هو القميص غير المخيط الجانبين الذي كانت تلبسه لأثر في جسمها وهذا نهاية الرقة واللطف. "شرح ديوان امرئ القيس" ص 91.]]: من القاصرات الطرف لو دب مُحوِلٌ. ومنه قوله تعالى: ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: 72] أي محبوسات. والطرف إطباق الجفن على الجفن. وقال الليث: (الطرف تحريك الجفون في النظر يقال شخص بصره فيما يطرف) [[انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 320 (طرف).]]. والمعنى أنهن يحبسن نظرهن فلا ينظرن إلى غير أزواجهن. وقال أبو عبيدة: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ راضيات [["مجاز القرآن" 2/ 169.]]. وهذا معنى وليس بتفسير، يعني أنهن رضين بأزواجهن حيث لم يطمحن إلى غيرهم. والمفسرون قالوا في قاصرات الطرف نحو ما ذكرنا من قول أهل المعاني. وقوله: ﴿عِينٌ﴾ قال أبو إسحاق: كبار الأعين حسانها. واحدها عيناء [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304.]]. وقال الكلبي ومقاتل: حسان [["تفسير مقاتل" 111 أ، ولم أقف عليه عن الكلبي.]] الأعين.

الصافات 37:49

قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ المكنون معناه في اللغة: المستور، يقال كننت الشيء وأكننته وقد سبق [[عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: 25].]] الكلام فيه. وقال أبو عبيدة: (المكنون المصون وكل لؤلؤ أو بيض أو متاع صنته فهو مكنون) [["مجاز القرآن" 2/ 170.]]. قال أبو إسحاق: (يقال كننت الشيء إذا سترته وصنته فهو مكنون) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304.]]. قال الحسن وابن زيد: شبههن ببيض النعام يكنها بالريش من الريح والغبار [[انظر: "الطبري" 23/ 75، "الماوردي" 5/ 48، "القرطبي" 15/ 80، "زاد المسير" 7/ 58.]]. وقال الكلبي: كأنهن بيض قد خبئ من الحر والقر [[لم أقف عليه عن الكلبي، وهو في "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 375.]]. وذكر قوم من المفسرين في هذا التشبيه ما لا يصح ولا يكون له وجه من حيث اللفظ ما ذكره الحسن وابن زيد. قال أبو إسحاق: أي كأن ألوانهن ألوان بيض النعام يكنه ريش النعام [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304.]]. وقال المبرد: العرب تشبه المرأة الناعمة في ضيائها وحسنها وصفوة النعمة عليها ببيضة. قال الراعي: كأن بيض نعام في ملاحفها ... إذا اجتلاهن قيظ ليلةٌ ومِدُ [[البيت من "البسيط"، وهو للراعي في "ديوانه" ص 55، "تهذيب اللغة" 14/ 218، "اللسان" 3/ 470، "الكامل" 2/ 767. والملاحف هي الأغطية. والوقدُ هو ندًى يجيء في صميم الحر من قبل البحر مع سكون الريح. وقيل هو الحر أيًّا كان مع سكون الريح. انظر: "الكامل" 2/ 767.]] وقال ابن الرقيات: واوضح لونها كبيضة ادحى ... لها في النساء خلق عميم وقال أبو داود [[أبو داود لم أستطع تحديده وهناك أكثر من شاعر يكنى أبا داود: أ- أبو داود الإيادي، وهو جويرية بن الحجاج وقيل جارية- تقدمت ترجمته. ب - أبو داود الرواس زيد بن معاوية بن عمرو بن قيس بن رواس بن كلاب شاعر فارس. انظر: "المؤتلف والمختلف" ص 116. أما البيت فلم أقف عليه.]]: ممكورة تجلوا الظلام ركلةٍ ... ريا العظام كبيضة النغص [[علق في هامش كلا النسختين: (والنفص: النعام).]] وقال آخر [[نسب البيتين لعبد الصمد بن المعذل، ورواية الصدر في الأول: وهتكن بني الليل عني والسوالف أعلى العنق. والشجف هو السِّتر ولا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط. "اللسان" 9/ 144 (سجف)، "اللسان" 9/ 159 (سلف).]]: وهتكت بني الليل عن ... بيض السوالف والصفاح فكأنما ضحكت سجو ... ف الربط عن بيض الأداحي وقال امرؤ القيس [[البيتان من الكامل وهما لامرئ القيس ولم أقف عليهما في "ديوانه".]]: صادت فؤادك بالدلال جريرة ... صفراء رادعة عليها اللؤلؤ كعقيلة الأدحى بات يحفها ... ريش النعام وزال عنها الجؤجؤ أراد بعقيلة الأدحى: بيض النعام. وعلى هذا المعنى حمل [قول] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] الكندي [[لم أهتدِ إليه ولم أقف على بيته.]]: وبيضة خدر لا يرام خباؤها وقال ابن زيد في هذه الآية: البيض بيض النعام أكنة الريش، فلونه أبيض في صفرة [[انظر: "الطبري" 23/ 57، "مجمع البيان" 8/ 692، "زاد المسير" 7/ 58.]]. قالوا: وهذه أحسن ألوان النساء أن تكون بيضاء مشربة صفرة. وقال سعيد بن جبير والسدي: إن الله تعالى شبههن ببطن البيض قبل أن تمسه الأيدي [[انظر: " الماوردي" 5/ 48، "القرطبي" 15/ 80، "زاد المسير" 7/ 58.]]، وليس بالوجه. قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني أهل الجنة. ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال مقاتل: يعني يتكلمون يكلم بعضهم [["تفسير مقاتل" 111 أ.]] بعضًا. وقال الكلبي: يتحدثون في الجنة عن أهل الدنيا [[لم أقف عليه عن الكلبي وذكر هذا القول غير منسوب القرطبي في "تفسيره" 15/ 83، ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 59.]]. والمعنى يسأل هذا ذاك وذاك هذا عن أحوال كانت في الدنيا. يدل عليه ما ذكر الله -عز وجل- عن بعضهم أنه أخبر عن حال قرينه [معه] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (ب).]] كيف كانت في الدنيا وهو قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ يعني أهل الجنة ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [[في (ب): (إنه) بدلاً من (إني)، وهو خطأ.]] يعني أخًا كان له في الدنيا ينكر البعث وهو قوله: ﴿يَقُولُ﴾ أي يقول لي: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث. والمفسرون مختلفون في هذين فمنهم من قال: كانا أخوين وهو قول مقاتل والكلبي [["تفسير مقاتل" 111 أ. انظر: "القرطبي" 10/ 399، "الماوردي" 3/ 305.]]. ومنهم من قال: كانا شريكين، وهو قول عطاء والسدي [[انظر: "القرطبي" 10/ 400، وأورده السيوطي في، "الدر" 7/ 90، عزاه لعبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء، ولابن أبي حاتم عن السدي.]]، وقد قص الله قصتهما في سورة الكهف وهو قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [[آية 32، وما بعدها.]] الآيات. قال صاحب النظم: قوله: ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ يقتضي مفعولًا للتصديق فلم [..] [[في جميع النسخ مقدار كلمة غير واضحة، ويمكن تقدير المحذوف بنحو (يذكره).]] حتى قال: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ وهذا أيضًا يقتضى جواباً فلما قال: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ كان هذا جواباً لهما على تأويل أئنك لمن المصدقين، إنا لمدينون، فيكون موضع (إنا) نصبًا وكسرت ألفها لدخول اللام في خبر إن، وهذا الذي ذكره يصح على قراءة من قرأ إنا لمدينون بغير [ألف] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).]] استفهام، فأما من قرأ بالاستفهام فمفعول التصديق مضمر على تقدير أئنك لمن المصدقين بالبعث [[انظر: "المبسوط في القراءات العشر" ص 316، "إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي" ص 385.]]، ودل عليه ما ذكر بعده من إنكاره البعث. قال أبو إسحاق: المعنى: كان لي قرين يقول أئنك ممن يصدق بالبعث بعد أن نصير ترابًا وعظامًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304.]]، وهو قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ الآية. قوله: ﴿لَمَدِينُونَ﴾ أي مجزيون ومحاسبون قاله المفسرون [[انظر: "الطبري" 23/ 60، "بحر العلوم" 3/ 115، "الماوردي" 5/ 49، "البغوي" 3/ 28.]]. ومضى الكلام في الدين [[مضى عند تفسير المؤلف رحمه الله للفاتحة قال المؤلف رحمه الله هناك: قوله تعالى: ﴿الدِّينِ﴾ قال الضحاك وقتادة: الدين الجزاء، يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم، تقول العرب: دنته بما فعل أي جازيته ومنه قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾.]].

الصافات 37:54

قال مقاتل: ثم قال المؤمن لإخوانه في الجنة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النار لينظر كيف [["تفسير مقاتل" 111 أ.]] منزلة أخيه، ونحو هذا قال الكلبي [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 694.]]. وروى عطاء عن ابن عباس قال: تقول الملائكة [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره القرطبي ولم ينسبه 15/ 82.]]: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾. والظاهر هو القول الأول، وهو أن قوله: ﴿قَالَ﴾ إخبار عن المؤمن الذي قص خبره مع القرين. واطَّلع افتعل من الطلوع، يقال أطلعته على الأمر فاطَّلع عليه أي أشرف. قال كعب [[انظر: "القرطبي" 15/ 83، وذكره البغوي 4/ 28، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 60 عن ابن عباس، وذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 694 عن الكلبي.]]: إن بين الجنة والنار كوى فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو له في الدنيا اطَّلع من بعض تلك الكوى. ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]. وقال قتادة [[انظر: "الطبري" 23/ 60، وأورده السيوطي في "الدر" وعزاه لعبد الرزاق -ولم أجده في تفسيره- وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]]: بلغنا أنه سأل ربه أن يطلعه.

الصافات 37:55

قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ﴾ قال مقاتل: أنه لما قال لأهل الجنة هل أنتم مطلعون، قالوا له إنك أعرف به منا، فاطَّلع أنت فاطَّلع فرأى أخاه في سواء الجحيم [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]. قال ابن عباس والجماعة: في وسط الجحيم [[انظر: "الطبري" 23/ 60، "الماوردي" 5/ 50، "القرطبي" 15/ 83.]]. قال أبو عبيدة: (سمعت عيسى بن عمر يقول: كنت أكتب بالليل حتى بنقطع سوائي أي وسطي) [["مجاز القرآن" 2/ 170.]]. وقال أبو إسحاق: سواء كل شيء: وسطه [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304.]]. وقال أهل المعاني: إنما قيل للوسط سواء لاستوائه في مكانه بأن صار بدلاً منه [[لم أقف عليه عندهم بهذا اللفظ. وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 304، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 30.]]. وروى قتادة عن خليد [[هو خليد بن عبد الله العصريُّ أبو سليمان البصري، روى عن الأحنف بن قيس وعلي ابن أبي طالب، وسلمان الفارسي، وأبي الدرداء وأبي ذر الغفاري، وروى عنه أبان بن أبي عياش وعوف الأعرابي وقتادة وغيرهم، روى له مسلم حديثاً وأبو داود حديث آخر، وذكره ابن حبان في "الثقات". انظر: "تهذيب الكمال" 8/ 309، "التاريخ الكبير" 3/ 198، "حلية الأولياء" 2/ 232. "تاريخ بغداد" 8/ 340.]] قال: لولا أن الله عرفه إياه ما عرفه، لقد تغير خيره وسبره فعند ذلك قال: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 149، "زاد المسير" 7/ 60، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 94، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.]] أي ما أردت إلا أن تهلكني. قال مقاتل: والله لقد كدت أن تغويني فأنزل منزلتك [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]. وقال الكلبي: لتغوين، تقول: اترك دينك واتبعني [[لم أقف عليه.]]. وقال ابن عباس: تضلني [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 376.]]. وقال أبو عبيدة والزجاج: ترديني وتهلكني [["مجاز القرآن" 2/ 171، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 306.]]. والإرداء الإهلاك ردى إذا هلك، وأرديته أهلكته، والإغواء والإضلال معنى وليس بتفسير، وذلك أن من أغوى إنسانًا فقد أهلكه.

الصافات 37:57

قوله: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ قال ابن عباس: يريد حيث هداني [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "الماوردي" 6/ 50، "القرطبي" 15/ 784، "زاد المسير" 7/ 60.]]. وقال مقاتل: يعني لولا ما أنعم الله علي بالإسلام [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]. وقال الكلبي: لولا النعمة بالإسلام [[لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: المصادر السابقة.]]. ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ قالوا جميعًا: أي معك في النار، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 111 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 149.]] وقتادة. وقال ابن عباس: من المعذبين [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 377.]]. ومعناه من المحضرين العذاب. وقال أبو إسحاق: أي أُحضَرَ العذاب كما أُحضرتَ [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 306.]]. وقال الفراء: لكنت معك في النار محضرًا [[لم أقف عليه في "معاني القرآن". وانظر القول منسوبًا له في "القرطبي" 15/ 84.]]. وقال صاحب النظم: لما قال ولولا نعمة ربي، دلَّ هذا الإحضار ليس هو لخير إنما هو لشر، وهذا مقتضى من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: 16]، ومن قوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68]، ومما جاء في مثله قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 127]، وهذا أيضًا مُستَدلٌ عليه بقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ لأن جزاء التكذيب لا يكون إلا شرًا. وقوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: 98]، والحضور قد يكون للخير والشر إلا أن قوله: ﴿أَعُوذُ بِكَ﴾ يدل على أنه للشر، ومنه قول النبي -ﷺ-: "إن هذه الحشوش محتضرة" [[الحديث أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 4/ 369 - 373، وأبو داود في "سننه"، كتاب: الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء 1/ 2 رقم 6، وابن ماجه == في "سننه"، أبواب الطهارة، باب: ما يقول إذا دخل الخلاء 1/ 9 رقم 294، والحاكم في "المستدرك" كتاب: الطهارة، باب: إذا دخل أحدكم الخلاء الغائط فليقل: أعوذ بالله من الرجس النجس الشيطان الرجيم 1/ 187، وقال: صحيح على شرط الصحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.]]، أي الشياطين تحضر من يدخلها. وكذلك قوله: "اللبن محتضر" [[ذكر هذا القول الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 201 (حضر)، وابن منظور في "اللسان" 4/ 199 (حضر)، عن الأصمعي قال: العرب تقول: اللبن محتضر فغطَّه يعني تحضره الدواب وغيرها من أهل الأرض.]]، وكذلك قول الناس: حضر فلان أي دنا موته [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 200 (حضر).]].

الصافات 37:58

قوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ قال مقاتل: عرف المؤمن أن كل نعيم معه الموت فليس بتام، فأقبل على أصحابه فقال: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين، فقيل له: لا موت فيها. فقال عند ذلك: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]. وعلى هذا كان هذا المؤمن لا يعلم أن أهل الجنة لا يموتون، فاستفهم عن ذلك فقال: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا﴾ سوى موتتنا التي حلت بنا في الدنيا، وإلا هاهنا بمعنى سوى. ونحو هذا قال الحسن [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 95، وعزاه لابن أبي حاتم عن الحسن.]]، إلا أنه جعل هذا عن قول جميع أهل الجنة لا عن قول المؤمن الواحد، فقال: قالوا أفما نحن بميتين: قيل لا. قالوا: إن هذا لهو الفوز العظيم. وقال الكلبي [[انظر: "زاد المسير" 7/ 61.]]: يؤتى بالموت فيذبح، فإذا أَمِنَ أهل الجنة أن يموتوا وفرحوا بذلك قالوا: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين. فقيل لهم: لا. فعند ذلك قالوا: إن هذا لهو النجاة.

الصافات 37:59

قوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ قال مقاتل: عرف المؤمن أن كل نعيم معه الموت فليس بتام، فأقبل على أصحابه فقال: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين، فقيل له: لا موت فيها. فقال عند ذلك: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]. وعلى هذا كان هذا المؤمن لا يعلم أن أهل الجنة لا يموتون، فاستفهم عن ذلك فقال: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا﴾ سوى موتتنا التي حلت بنا في الدنيا، وإلا هاهنا بمعنى سوى. ونحو هذا قال الحسن [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 95، وعزاه لابن أبي حاتم عن الحسن.]]، إلا أنه جعل هذا عن قول جميع أهل الجنة لا عن قول المؤمن الواحد، فقال: قالوا أفما نحن بميتين: قيل لا. قالوا: إن هذا لهو الفوز العظيم. وقال الكلبي [[انظر: "زاد المسير" 7/ 61.]]: يؤتى بالموت فيذبح، فإذا أَمِنَ أهل الجنة أن يموتوا وفرحوا بذلك قالوا: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين. فقيل لهم: لا. فعند ذلك قالوا: إن هذا لهو النجاة.

الصافات 37:60

قوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ قال مقاتل: عرف المؤمن أن كل نعيم معه الموت فليس بتام، فأقبل على أصحابه فقال: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين، فقيل له: لا موت فيها. فقال عند ذلك: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]. وعلى هذا كان هذا المؤمن لا يعلم أن أهل الجنة لا يموتون، فاستفهم عن ذلك فقال: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا﴾ سوى موتتنا التي حلت بنا في الدنيا، وإلا هاهنا بمعنى سوى. ونحو هذا قال الحسن [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 95، وعزاه لابن أبي حاتم عن الحسن.]]، إلا أنه جعل هذا عن قول جميع أهل الجنة لا عن قول المؤمن الواحد، فقال: قالوا أفما نحن بميتين: قيل لا. قالوا: إن هذا لهو الفوز العظيم. وقال الكلبي [[انظر: "زاد المسير" 7/ 61.]]: يؤتى بالموت فيذبح، فإذا أَمِنَ أهل الجنة أن يموتوا وفرحوا بذلك قالوا: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين. فقيل لهم: لا. فعند ذلك قالوا: إن هذا لهو النجاة.

الصافات 37:61

قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]: ثم انقطع كلام المؤمن بقول الله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ النعيم الذي ذكر من قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ إلى قوله: ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. وبعضهم [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 242 أ، "زاد المسير" 7/ 61.]] يجعل هذا من كلام المؤمن للقرين، ويجعل قوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾، ابتداء من كلام الله تعالى. قال أبو عبيدة: (النزول والنزل واحد، وهو الفضل، يقال هذا طعام له نُزُل [[في (ب): (نزول ونزل)، وهو خطأ.]] ونَزَل، أي: ريع) [["مجاز القرآن" 2/ 170.]]. قال المفضل: ليس هذا موضع الفضل [[لم أقف عليه.]]. وكأنه رأى هذا غلطًا منه. قال أبو إسحاق: (أي أذلك خير في باب الإنزال التي يتقرب بها ويمكن معها الإقامة أم نزل أهل النار. قال: ومعنى أقمت لهم نزلهم: أقمت لهم ما يصلحهم ويصلح أن ينزلوا عليه) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 306.]]. والنزل مما تقدم تفسيره [[عند قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 198]. == قال المؤلف هناك: النزل: ما يهيأ لضيفٍ أو لقومٍ إذا نزلوا موضعًا.]]. قوله تعالى: ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ لم يذكر المفسرون للزقوم تفسيرًا إلا ما ذكر الكلبي: أن ابن الزبعرى قال: أكثر الله في بيوتكم الزقوم [[أكثر المفسرين ذكروا قول ابن الزبعري، ولم أقف على من نسبه للكلبي. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 116، الثعلبي 3/ 242 أ، "البغوي" 4/ 29، "القرطبي" 15/ 85، "مجمع الييان" 8/ 696.]]. فإن أهل اليمن يدعون التمر والزبد الزقوم. فقال أبو جهل لجاريته: ويحك زقِّمينا، فأتته بزبد وتمر. فقالت: تزقموا [[انظر: المصادر السابقة، "القرطبي" 23/ 63.]]. وقال الليث: لما نزلت آية الزقوم لم يعرفه قريش، فقدم رجل من أفريقية فسئل عنه فقال: الزقوم بلغة أفريقية التمر والزبد [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 441 (زقم)، وأورده ابن منظور في "اللسان" 12/ 268 (زقم) عن ابن سيده.]]. فهذا الذي ذكروا معلوم أن الله تعالى لم يرد الزقوم هاهنا الزبد والتمر. قال أهل المعاني: الزقوم: ثمر شجرة مرة الطعم جدًا، من قولهم: تزقم هذا الطعام إذا تناوله على تكرُّه ومشقَّة شديدة [[لم أقف على قول أهل المعاني.]]. وقال ابن زيد: إن يكن للزقوم اشتقاق [[في (ب): (اشتقاقاً).]] فمن التزقم، وهو الإفراط من أكل الشيء، حتى يُكره ذلك. يقال: بات فلان [["جمهرة اللغة" 3/ 14. وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 440 (زقم).]] يتزقم. الكسائي وأبو عمرو: الزقم واللقم واحد هذا كلامهم [[لم أقف على كلام الكسائي وأبو عمرو عنهما. وانظره في "تهذيب اللغة" 8/ 440 (زقم)، "جمهرة اللغة" 3/ 14.]]. وإذا كان الزقم بمعنى اللقم، كان معنى التزقم تناول الشيء بِكُرهٍ، والزقوم ما يكره تناوله، والذي أراد الله هو شيء مرٌ كريه يكره تناوله. وأهل النار يُكرَهونَ على تناولِهِ، فهم يتزقمونه على أشد كراهيته.

الصافات 37:63

قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ ذكر المفسرون وجهين للفتنة في شجرة الزقوم: أحدها: أنهم أنكروا أن يكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر [[انظر: "الطبري" 23/ 63، "بحر العلوم" 3/ 116، "زاد المسير" 7/ 63.]]. والآخر: أنهم قالوا إن الزقوم الثمر والزبد، وهذا قول قتادة ومجاهد ومقاتل [[لم أقف عليه عن قتادة. وانظر: "تفسير مجاهد" ص 542، "تفسير مقاتل" 111 ب، وانظر: المصادر السابقة.]]. قال أبو إسحاق: فتنة أي: خبرة للظالمين، افتتنوا بها وكذبوا بكونها [[هكذا وردت في النسخ، وفي "معاني القرآن" 4/ 306 قال: وكذبوا بها فصارت.]]، فصارت فتنة لهم.

الصافات 37:64

وقال قتادة: لما ذكر الله -عز وجل- هذه الشجرة افتتن بها الظلمة فقالوا: أيكون في النار شجرة، والنار تأكل الشجرة. فأنزل الله -عز وجل-: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 149، "الطبري" 23/ 63، "زاد المسير" 7/ 63.]]. قال مقاتل: تخرج تنبت [["تفسير مقاتل" 111 ب.]]. قوله: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ قال قتادة: أخبرهم أن عذابها من النار إن عذبت بالنار [[أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3216 عن قتادة نحوه.]]. وقال الحسن: أصلها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها [[انظر: "البغوي" 4/ 29، "زاد المسير" 7/ 63، "مجمع البيان" 8/ 696.]]. وعلى ما قال قتادة الآية جواب لإنكارهم بل هي إخبار عن منبت الشجرة، وأما جواب إنكارهم فقال ابن قتيبة: (قد تكون شجرهَ الزقوم بيتًا من النار أو من جوهر لا يأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما يعلم لم يبق على النار، وإنما دلنا الله على الغائب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة والمعاني مختلفة، وما في الجنة من شجرها [[في (ب): (أشجرها)، وهو خطأ.]] وثمرها وفرشها وجميع آلاتها على مثل ذلك) [["تأويل مشكل القرآن" ص 70.]].

الصافات 37:65

قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ قال مقاتل والكلبي: ثمرها [["تفسير مقاتل" 111 ب، ولم أقف عليه عن الكلبي.]]. وقال ابن قتيبة: (سمي طلعها لطلوعه كل سنة، ولذلك قيل: طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره) [["تأويل مشكل القرآن" ص 388.]]. قوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ذكر الفراء والزجاج في هذا التشبية ثلاثة أقوال: أحدها: أن الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح الحيات، وبها يضرب المثل في القبح، كما قال الشاعر يذم امرأة: عنجرد تحلف حين أحلف ... كمثل شيطان الحماط أعرف [[البيت من الرجز، ولم أقف على قائله، وقد ذكره غير منسوب الفراء في "معاني القرآن" 2/ 387، الطبري في "تفسيره" 23/ 64، ابن عطية في "المحرر الوجيز" 4/ 476، السمين الحلبي في "الدر" 5/ 505، والأزهري في "التهذيب" 3/ 370 - 4/ 402 - 11/ 313، وابن منظور في "اللسان" 3/ 311.]] عنجرد: سليطة وثَّابة، والحماط: شجر، وأعرف: ذو عرف. والعرب تقول إذا رأت منظرًا قبيحًا كأنه شيطان الحماطة. القول الثاني: وهو القول المعروف: أنه أراد الشياطين بأعيانها موصوفة بالقبح وإن كانت لا تُرى، والشيء إذا استقبح [[في (ب): (إذا ستقبح)، سقطت الهمزة.]] شبه بالشياطين، فيقال: كأنه شيطان، والشيطان لا يُرى ولكنه يُستشعر أنه أقبح ما يكون من الأشياء لو رُئي لرُئِي في أقبح صوره، قال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مُضَاجِعي ... ومسنونةٌ زرقٌ كأنيابِ أغوالِ [[البيت من الطويل لامرئ القيس في "ديوانه" ص 33، "تهذيب اللغة" 8/ 193، "اللسان" 11/ 508 (غول). 13/ 338 (شطن)، "جمهرة اللغة" ص 961.]] ولم ير الغول ولا نابها ولكن التمثيل بما يستقبح. والقول الثالث: أن رؤوس الشياطين نبت معروف قبيح الرؤوس. قال الفراء: والأوجه الثلاثة تقرب إلى معنى واحد في القبح [["معاني القرآن" 2/ 387، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 306.]].

الصافات 37:66

قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ قال مقاتل: يعني من ثمرها [["تفسير مقاتل" 111 ب.]].

الصافات 37:67

قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ قال أبو إسحاق: على أكلها لشوبًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 307.]]. الشوب: الخلط العام في كل شيء وكل شيء خلطته بشيء فقد شِبْتَهُ به. قال مقاتل وقتادة: يعني لخلطًا ومزاجاً [["تفسير مقاتل" 111 ب. وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 150، "الطبري" 23/ 65.]]. وزاد مقاتل: يعني لشراباً، يريد أنهم إذا أكلوا الزقوم شربوا عليه الحميم، وهو الماء الحار الذي قد انتهى خيره، فيشرب الحميم في بطونهم الزقوم فيصير شوبًا لهم.

الصافات 37:68

قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ قال مقاتل: أي بعد الزقوم وشرب الحميم [["تفسير مقاتل" 111 ب.]]. وهذا يدل على أنهم على شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم، وهو يحتمل أن يكون الحميم، في موضع خارج عن الجحيم لشربه، كما تورد الإِبل إلى الماء ثم يردُون إلى الجحيم وهذا القول اعتمده مقاتل واحتج بقوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 43]. وهذه الآية تدل على المعنى الذي ذكرنا. وذُكِرَ في هذه الآية أوجه فاسدة تَركتُ ذكرها.

الصافات 37:69

قوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ قال مقاتل: وجدوا آباءهم ضالين عن الهدى.

الصافات 37:70

قوله: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قال: يسعون في مثل أعمال آبائهم [["تفسير مقاتل" 111 ب.]]. وقال الكلبي: يعملون بمثل عملهم [[انظر: "الوسيط" 3/ 527، "البغوي" 4/ 29.]]. وقال ابن عباس وقتادة: يسرعون [[انظر: "الطبري" 23/ 66، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 36، "مجمع البيان" 8/ 698.]]. وقال مجاهد: كهيئة الهرولة [["تفسير مجاهد" ص 542.]]. قال الفراء: الإهراع: الإسراع فيه شبيه بالرِّعدة [["معاني القرآن" 2/ 387.]]. وقال الزجاج: يتبعون آبائهم اتباعًا في سرعة، كأنهم يزعجون إلى إتباعهم، يقال: هرع وأهرع إذا استحث وأسرع [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 307.]]. وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود: 78]. قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ قال ابن عباس: قبل قومك [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 376، وانظر: "الوسيط" 3/ 527، "مجمع البيان" 8/ 698، "زاد المسير" 7/ 64.]]. (أكثر الأولين) يريد: الأمم الخالية. قال الكلبي: من لدن آدم فهلم جرا إلى محمد -ﷺ- [[لم أقف عليه.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: فيمن مضى من الأمم [[لم أقف عليه. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 117، "الوسيط" 3/ 527، "مجمع البيان" 8/ 699، فقد ذكروا نحوه دون نسبة لأحد.]]. ﴿مُنْذِرِينَ﴾ يريد: مرسلين [[لم أقف عليه، وانظر: المصادر السابقة.]]. قال الكلبي: معنى أرسلنا فيهم كما أرسلنا إلى قومك. قوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي الذين أنذروا العذاب. قال مقاتل: يقول كان عاقبتهم العذاب يحذر كفار مكة تكذيبًا بمحمد -ﷺ-، فنزل بهم العذاب في الدنيا كما نزل بالأمم الخالية [["تفسير مقاتل" 111 ب.]]. ثم استثنى، فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ يعني الأمم الموحدين، نجوا من العذاب في الدنيا بالتوحيد. قال ابن عباس: يريد الذين استخلصهم الله من الكفر [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 376.]]. قال أبو عبيدة: إلا عباد الله، نصبها الاستثناء من المنذرين [["مجاز القرآن" 2/ 171.]]. هذا قوله وهو كما ذكره مقاتل. ويجوز أن يكون قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ﴾ استثناء من قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [[قوله (نادانا) غير مثبت في (ب)، وهو خطأ.]] قال الكلبي: يقول دعا ربه على قومه [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "البغوي" 4/ 29، "مجمع البيان" 8/ 698، "زاد المسير" 7/ 65.]]. قال مقاتل: يعني قوله [["تفسير مقاتل" 111 ب.]]: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: 10]. ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد فأجبته وعظم نفسه [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "البغوي" 4/ 30، "مجمع البيان" 8/ 699، "زاد المسير" 7/ 65.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى ونعم المجيبون نحن [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 307.]].

الصافات 37:76

وقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال الكلبي ومقاتل وعطاء: يريد من الغم العظيم وهو الغرق [["تفسير مقاتل" 111ب، ولم أقف عليه عن الكلبي وعطاء.]]. وهذا مفسر في سورة الأنبياء [[الآية 76، قوله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.]].

الصافات 37:77

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أخرجت جميع الخلق من ذريته [[انظر: "الماوردي" 5/ 53، "القرطبي" 15/ 89، "مجمع البيان" 8/ 699.]]. وروى الضحاك عنه قال: لما خرج نوح -عليه السلام- مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساؤهم، كذلك قوله [[انظر: المصادر السابقة.]]: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 111 ب.]]. قال الكلبي: إن أهل سفينة نوح ماتوا ولم يكن لهم نسل غير ولد نوح، فكان الناس من ولد نوح، يدل على صحة هذا ما روى الحسن عن سمرة عن النبي -ﷺ- في هذه الآية قال: "سام وحام ويافث" [[الحديث أخرجه الترمذي في "سننه" "كتاب التفسير" -سورة الصافات- 5/ 43 رقم 3283 عن سمرة، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن جرير الطبري 23/ 67 عن سمرة.]]، فسر الذرية الباقية بهؤلاء الثلاثة ثم قال: "سام أب العرب، وحام الحبش، ويافث أب الروم" [[أخرجه الترمذي في "سننه" "كتاب التفسير" -سورة الصافات- 5/ 43 رقم 3284، والإمام أحمد في "مسنده" 5/ 9 - 10 - 11 عن سمرة، والحاكم في "المستدرك" "كتاب التاريخ" باب ذكر نوح النبي -ﷺ- 2/ 546 عن سمرة، إلا أنه لم يذكر عن سام أنه أبو العرب، ولا حام أنه أبو الحبش. وقال هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.]].

الصافات 37:78

قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ قال الكلبي ومقاتل وابن عباس: تركنا عليه ثناءً حسنًا لا يذكره أحد إلا بخير إلى يوم القيامة [["تفسير مقاتل" 111 ب. وانظر: "البغوي" 23/ 68، "مجمع البيان" 8/ 699.]]. وعني بالآخرين الذين يجيئون من بعده. وذلك قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ يعني بالسلام: الثناء الحسن. قال الفراء: (أي تركنا عليه هذه الكلمة كما تقول: قرأت الحمد لله رب العالمين، فتكون الجملة في معنى نصب، وإنما يرفعها بالكلام كذلك: سلام على نوح ترفعه بعلى في تأويل نصب، فلو كان سلامًا بالنصب كان صوابًا) [["معاني القرآن" 2/ 387.]]. وكذا هو في قراءة عبد الله [[انظر: "الدر المصون" 5/ 507، "البحر المحيط" 7/ 349.]]. وقال أبو إسحاق: أي تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة، وذلك الذكر قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ أي: تركنا عليه في الآخرين أن [[في (أ): (أي نصلى)، وهو خطأ.]] يصلى عليه إلى يوم القيامة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 308.]].

الصافات 37:80

قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين [["تفسير مقاتل" 112 أ.]]. قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: من شيعة نوح، أي: من أهل ملته ودينه ومنهاجه وسنته ﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾، وهذا من قول قتادة ومجاهد والمفسرين [[انظر: "الطبري" 23/ 69، الثعلبي 3/ 242 ب، "بحر العلوم" 3/ 117، "تفسير مجاهد" ص 542.]]. وقال الكلبي: يقول من شيعة [[في (أ): (شيعته).]] محمد -ﷺ- [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 117، "زاد المسير" 7/ 66.]]، وهذا اختيار الفراء، قال: يقول: إن من شيعة محمد -ﷺ- لإبراهيم، يقول على دينه ومنهاجه، فهو من شعته وإن كان سابقًا له [["معاني القرآن" 2/ 388.]]. وتفسير الشيعة قد سبق عند قوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: 15] [[شيعة الرجل هم جماعته وأنصاره. "اللسان" 8/ 188 (شيع).]]

الصافات 37:84

وقوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال الكلبي ومقاتل: خالص من الشرك وهو قول المفسرين [["تفسير مقاتل" 112 أ، ولم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "الطبري" 23/ 70، "بحر العلوم" 22/ 476، "البغوي" 3/ 390، "زاد المسير" 6/ 130.]]، والمعنى أنه سلم من الشرك فلم يشرك بالله. وقال أبو إسحاق: سليم من كل دنس [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 308.]]. وروى عطاء عن ابن عباس قال: كان يحب للناس ما يحب لنفسه، وسلم كل الناس من غشمه وظلمه، وأسلم الله بقلبه ولسانه ولم يعدل به [أحدًا] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] [[لم أقف عليه.]]. ويدل على أن المراد سلامته من الشرك أنه ذكر بعد إنكاره على قومه الشرك بالله.

الصافات 37:85

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ وهذا استفهام توبيخ كأنه وبخهم على عبادة غير الله.

الصافات 37:86

فقال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قال المبرد: الإِفك أسوأ الكذب [[انظر: "القرطبي" 15/ 92، "فتح القدير" 4/ 401.]]، وهذا مما سبق تفسيره. وقوله: ﴿تُرِيدُونَ﴾ قال ابن عباس: تعبدون، وتقدير الآلهة [[هكذا جاءت في النسخ، وهو خطأ لأن السياق يقتضي أن يكون وتقدير الآية.]]: أتأفكون إفكًا وتعبدون آلهة سوى الله [[في (ب): (دون الله).]].

الصافات 37:87

وقوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال مقاتل والكلبي: ما ظنكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره [["تفسير مقاتل" 112 أ، ولم أقف عليه عن الكلبي.]]. كأنه قال: ما ظنكم أنه يصنع بكم، هذا قول المفسرين [[انظر: "الطبري" 23/ 75، "بحر العلوم" 3/ 117، "البغوي" 4/ 30، "القرطبي" 15/ 92.]]. وذكر أهل المعاني وجهًا آخر: وهو أن المعنى أي شيء ظنكم بالله حيث عبدتم معه آلهة دونه [["معاني القرآن" للنحاس 6/ 39، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 308.]]. كأنه قال أتظنون به أن عبادة غيره تجوز وأنه لا ينقم عليكم ذلك. قال أبو إسحاق: أي شيء ظنكم برب العالمين وأنتم تعبدون غيره [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 308.]]. قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ روي عن ابن عباس أنه قال: كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه [[انظر: "البغوي" 4/ 30، وأورد قول ابن عباس ولم ينسبه له ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 67، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 702.]]. وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم لتلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وأنها لا تصلح أن تعبد وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه، فأراد أن يتخلف عنهم فاعتل بالسقم وهو قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقد ذكرنا هذه القصة عند قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57] الآيات. فنظر إلى النجوم يريهم أنه مستدل بها على حاله فلما نظر إليها قال: إني سقيم، أي سأسقم، قال مقاتل: أي وجع غدا من نظره إلى الكواكب [["تفسير مقاتل" 112 أ.]]. فاعتل بذلك ليخلفوا [[هكذا جاءت في النسخ، ولعل الصواب: ليتخلف.]] من بعدهم، وأكثر المفسرين على أن تفسير السقم هاهنا يريد مطعون. وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحاق [[انظر: "الطبري" 23/ 71، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 42، "بحر العلوم" 3/ 118، "القرطبي" 15/ 93.]]. ومطعون من الطاعون لا من الطعن. قال ابن إسحاق: كانوا يهربون من إذا سمعوا به. وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا ليبلغ من أصنامهم الذي يريد [[انظر: "الطبري" 123/ 71.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: كان في ذلك الزمان نجم يطلع بالطاعون، وكان إذا طعن رجل منهم هربوا منه [[انظر: "البغوي" 4/ 31، "المحرر الوجيز" 4/ 478.]]. وعلى هذا معنى قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ ليريهم ذلك النجم وطلع وأنه مصاب [[في (أ): (مصيبت)، وهو خطأ.]] بالطاعون. قال الأزهري: (وأُثْبِتَ لنا عن أحمد بن يحيى أنه قال: هو جمع نجم، وهو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيده فنظر نظرة، ونظر هاهنا تفكر ليدبر حجة فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، أي: سقيم من كفرهم. وقال الليث: يقال للإنسان إذا تفكر ليدبر حجة وينظر في أمرٍ كيف يدبره نظر في النجوم. قال: وهكذا ما جاء [[هكذا في النسخ، والصواب كما في "تهذيب اللغة" بدون ما.]] عن الحسن في تفسيره، أي: فكر ما الذي يصرفهم عنه إذا كلفوه الخروج معهم) [["تهذيب اللغة" 11/ 128 (نجم).]] وعلى هذا معنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي تفكر وتدبر ولم يكن هناك نجم ولا ينظر فيه. وعلى قول الضحاك [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 42، "القرطبي" 15/ 93.]] واختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 308.]]. وهذا كما أنك تقول لمريض إذا استدللت على صحته بشيء: إنك صحيح، أي: ستصح، وتقول لمن رأيته على أوقات السفر: إنك مسافر [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 26/ 148.]]، وتأول في السقم أن كل واحد وإن كان معافاً لابد وأن يسقم ويموت قال الله [تعالى] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).]]: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] أي إنك ستموت فيما يستقبل. وذكرنا الكلام في هذا مستقصى عند قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: 63] قال أبو إسحاق: (أوهمهم أن به الطاعون ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فراراً من أن يعدى إليهم الطاعون) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 308.]]. قال ابن عباس: مدبرين هاربين [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وانظر: "الطبري" 23/ 72، "القرطبي" 15/ 93.]]. وقال الكلبي ومقاتل: ذاهبين إلى عيدهم [["تفسير مقاتل" 112 أ، وانظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 377.]].

الصافات 37:91

قوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ قال المفسرون: مال إليها وهو ميل في خفية، يقال راغ إليه أي مال إليه سرًا [[انظر: "الطبري" 23/ 72، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 42، "القرطبي" 15/ 94، "الدر المصون" 5/ 508.]]. قوله: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قال مقاتل: يعني الطعام الذي كان بين أيديهم [["تفسير مقاتل" 112 أ.]]. وقال أبو إسحاق والكلبي: وإنما يقول هذا استهزاء بها وتحقيرًا في شأنها [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 309، ولم أقف على من نسبه للكلبي، وقد ذكر هذا القول أكثر المفسرين. انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 479، "تفسير البغوي" 4/ 31، "القرطبي" 15/ 94، "زاد المسير" 7/ 68، "البحر المحيط" 7/ 351.]]. وكذلك قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. ثم أقبل عليهم ضربًا كما قال الله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد فأقبل عليهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الماوردي 5/ 57، "القرطبي" 15/ 94 عن الكلبي. وانظر: "تفسير مقاتل" 112 أ.]]. وهذا معنى وليس بتفسير. وتفسيره: مال عليهم بالضرب، قال الزجاج والمبرد وابن قتيبة. وقال الزجاج: المعنى فمال إلى الأصنام يضربهم ضرباً [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 309.]]. وقال المبرد: مال عليهم بالضرب [[لم أقف على قول المبرد.]]. وقال ابن قتيبة: مال عليهم يضربهم [["تفسير غريب القرآن" ص 372.]]. قوله: (باليمين) قال الكلبي: يضربهم بيمينه بالفأس [[لم أقف على هذا القول عن الكلبي.]]. قال مقاتل: يعني اليمنى [["تفسير مقاتل" 112 أ.]] نحو ما قال الكلبي. وهو قول أبي إسحاق والضحاك والربيع والأكثرين [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 309، "الطبري" 23/ 72، "الماوردي" 45/ 57، "القرطبي" 15/ 94، "المحرر الوجيز" 4/ 479، "زاد المسير" 7/ 68، "البحر المحيط" 7/ 351.]]. وقال السدي بالقوة والقدرة [[انظر: "زاد المسير" 7/ 69، "مجمع البيان" 8/ 307.]]. وذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 309.]] القولين. وذكر في تفسير اليمين هاهنا أنه الحلف الذي ذكره حين قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ فجعل يضربها بتلك اليمين التي سبقت منه [[انظر: "بحر العلوم" 13/ 118 "الماوردي" 5/ 57. "زاد المسير" 7/ 69، "القرطبي" 15/ 94.]]. وروى عطاء عن ابن عباس: باليمين يريد بالحق [[لم أقف عليه. وانظر: "القرطبي" 15/ 94، "مجمع البيان" 8/ 307.]]. قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قال الزجاج: (يسرعون، وأصله من زفيف النعامة وهو ابتداء غدوه) [[هكذا في النسخ، ولعل الصواب: عدوها كما في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 309.]]. والنعامة يقال له زفوف. قال ابن حِلِّزة [[البيت من الخفيف وهو للحارث بن حلزة في "ديوانه" ص 21، "تهذيب اللغة" 13/ 170، "خزانة الأدب" 3/ 415، "المغني الكبير" 1/ 343. == والزفوف بفتح الزاي: الناقة السريعة من الزفيف وهو السرعة، والهقلة أنثى النعام، والرئال بكسر الراء جمع رأل وهو ولد النعام، والدوَّية بتشديد الواو منسوبة إلى الدو، وهي الأرض البعيدة الواسعة. يقول: أستعين على قضاء همي بناقة مسرعة، كأنها في إسراعها نعامة لها أولاد. "الخزانة" 3/ 418.]]: بزفوف كأنها هقلة أم ... مُ رئالٍ دويَّة سقفاء وقرأ حمزة: يزفون بضم الياء، وهو قراءة الأعمش [[انظر: "الحجة" 6/ 56 ، "علل القراءات" 2/ 578.]]. قال الفراء: ولم يُسمع إلا زَفَّ، يقال للرجل: جاء يزف، ولعل قراءة الأعمش من قول العرب: أَطَرَدتَ الرجل [أي صيرته طريدًا، فيكون يزفون] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]] أي جاءوا على هذه الهيئة وأنشد: تمنى حصين أن يسود حذاعة ... فأمسى حُصينٌ قد أذل وأقهرا [[البيت من الطويل وهو للمخبَّل السعدي يهجو الزبرقان وقومه في "ديوانه" ص 294، "تهذيب اللغة" 5/ 395 (قهر)، "اللسان" 5/ 120 (قهر).]] أراد صار إلى [حال] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] قهره) [["معاني القرآن" 2/ 389.]]. ونحو هذا قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 309.]] في قراءة حمزة. وقال أبو عبيد: (تقول للنعامة: تَزُفُّ وهو من أول عدوها وآخر مشيها، وجاء الرجل يَزُفُّ زفيف النعامة أي من سرعته [وأنشد] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] للفرزدق: وجاء قريع الشول قبل إفالها ... زفيفًا وجاءت خلفه وهي زُفَفُّ) [[البيت من الطويل وهو للفرزدق في "ديوانه" 2/ 27، "مقاييس اللغة" 1/ 119، == "لسان العرب" 8/ 267 (قرع) والبيت في "المصادر" هكذا: وجاء قريع الشول قبل إفالها ... يزف وجاءت خلفه وهي زُفّفُ والقريع من الإبل الذي يأخذ بذراع الناقة فينيخها، "اللسان" 8/ 267 (قرع). والشول جمع شائلة وهي من الإبل ما أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فخفَّ لبنها، "اللسان" 11/ 374 (شول). ولم أقف على قول أبي عبيد.]] وقال أبو علي: (يقال زفت الإبل تزف إذا أسرعت. قال الهذلي: وزفت الشول من برد العشيّ كما ... زف النعام إلى حَفَّانهِ الرُّوحُ [[البيت من البسيط، وهو لأبي ذؤيب الهذلي. انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 121، وانظره منسوبًا له في "الحجة" 6/ 56، "المحتسب" 2/ 221، "اللسان" 2/ 466 (روح)، "المحرر الوجيز" 4/ 479، "مجمع البيان" 8/ 700. الحفَّان صغار النعام والإبل، "اللسان" 8/ 52 (حفف). والرَّوح اتساع ما بين الفخذين أوسعة في الرجلين. "اللسان" 2/ 466 (روح).]] وقرأ حمزة: يُزِفُّون، يحملون غيرهم على الزفيف. قال الأصمعي: أزففت الإِبل إذا حملتها على أن تزف. قال: وهو سرعة الخطو ومقاربة المشيء والمفعول محذوف على قراءته، كأنهم حملوا ظهورهم على الجد والإسراع في المشيء) [["الحجة" 6/ 56 - 57.]]. هذا كلامه. ومعنى يزفون في قول أهل اللغة: يسرعون، وهو لفظ ابن زيد [[انظر: "القرطبي" 15/ 95، "مجمع البيان" 8/ 307.]] من المفسرين. قال ابن عباس: يمشون إليه متعمدين [[لم أقف عليه بهذا المعنى عن ابن عباس. وانظر: "القرطبي" 15/ 95، "مجمع البيان" 8/ 307.]]. وقال مقاتل: يمشون إلى إبراهيم ليأخذوه بأيديهم [["تفسير مقاتل" 112 أ.]]. وقال الكلبي: يمشون إليه جميعًا يريدونه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 150.]]. ونحو هذا قال السدي [[انظر: "الطبري" 23/ 74، "القرطبي" 15/ 95.]]. والإِسراع تفسير أهل اللغة، والمشي تفسير المفسرين. وقال الضحاك: يسعون [[انظر: "الماوردي" 5/ 57، "القرطبي" 15/ 95.]].

الصافات 37:95

فقال إبراهيم لهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ بأيديكم من الأصنام ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد خلق ما تعملون فاعبدوا الذي خلقكم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 377.]]. وقال الكلبي: وما تعملون بأيديكم [[لم أقف عليه.]] وأنتم تعبدون هذه الآلهة التي جعلتم بأيديكم. وقال مقاتل: يعني وما تنحتون بأيديكم من الأصنام [["تفسير مقاتل" 112 ب.]]، فهذا يدل على أن أصنامهم كانت معمولة لهم، اتخذوها من النحاس والحديد والخشب [فأخبر الله] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] عنهم. وتلك الأصنام مخلوقة لله فلما لزمتهم الحجة [قالوا] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).]] قوله: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس: بنوا حائطًا من حجارة وطين طوله في السماء ثلاثون ذراعًا، وعرضه عشرون ذراعًا، وملوه نارًا وطرحوه فيها [[انظر: "القرطبي" 15/ 97، "مجمع البيان" 8/ 408.]]. وذلك قوله: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ وهي النار العظيمة. قال أبو إسحاق: كل نار بعضها فوق [[هكذا وردت العبارة في النسخ، وهو وهم من النساخ، ففي العبارة سننه، وهي في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310 هكذا: كل نار بعضها فوق بعض. وهي حَجمٌ.]] جهنم. والألف واللام في الجحيم بدل عن الكناية، والمعنى: في جحمه، أي: في جحيم ذلك البنيان، وهو النار التي توقد فيه.

الصافات 37:98

قوله تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ قال مقاتل: شرًّا أن يحرقوه بالنار [["تفسير مقاتل" 112 ب.]]. ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ قال الكلبي: المدحوض حجتهم يعني أنه علاهم [[لم أقف عيه عن الكلبي. وانظر: "الطبري" 23/ 75، "القرطبي" 15/ 97، "زاد المسير" 7/ 70.]] بالحجة، حيث رد الله كيدهم وجعل النار عليه بردًا وسلامًا، وهذا معنى قول المفسرين. قال مقاتل: علاهم إبراهيم فسلمه الله وحجزهم عنه فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى أهلكهم الله [["تفسير مقاتل" 112 ب.]].

الصافات 37:99

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قال ابن عباس: مهاجر إلى ربي، والمعنى أهجر ديار الكفر وأذهب إلى حيث أمرني كما قال الله [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 704، وذكر القول ولم ينسبه لأحد الطبري 23/ 75، "الماوردي" 5/ 59.]]: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ قال مقاتل: يعني إلى رضاء ربي بأرض المقدس [["تفسير مقاتل" 112 ب.]]. وهو أول من هاجر من الخلق [[وبهذا قال مقاتل. انظر: "تفسيره" 112 ب، "القرطبي" 15/ 97.]]. وقال الكلبي: ذاهب بعبادتي إلى ربي [[انظر: "الطبري" 23/ 76، "مجمع البيان" 8/ 704.]]. وهذا معنى قول قتادة: ذاهب بعمله وقلبه وهمته [[انظر: "الطبري" 23/ 76، "زاد المسير" 7/ 71.]]، وعلى هذا ذهابه إليه بالعمل، وعلى القول الأول بالهجرة، وهو الصحيح إن شاء الله، لأن المراد الإخبار عن هجرته أرض قومه وذهابه إلى حيث أُمِرَ من الشام. قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ قال ابن عباس: سيرشدني [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 377.]]. وقال الكلبي: سينجيني منهم [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "الماوردي" 5/ 59، "زاد المسير" 7/ 71.]]. وقال مقاتل: سيهدين لدينه [["تفسير مقاتل" 112 ب.]]. وقول الكلبي أقرب إلى المعنى، لأن المراد سيهدين إلى حيث أمرني بالمصير إليه، وفي ذلك إنجاء له منهم. وقول مقاتل سيهدين لدينه فيه بعد، لأنه كان على الدين في ذلك الوقت، إلا أن يحمل على التثبيت على الدين والهداية. وقول ابن عباس يحتمل المعنيين: الإرشاد إلى الدين، والإرشاد إلى الطريق، والأولى أن يحمل على الإرشاد إلى طريق مُهَاجَرِهِ. قال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه [["تفسير مقاتل" 112 ب.]] الولد فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال المفسرون وأصحاب المعاني: الآية مختصرة والتقدير هب لي ولدًا صالحًا من الصالحين [[انظر: "الطبري" 23/ 76، الثعلبي 3/ 243 ب، "بحر العلوم" 3/ 119، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310، "معاني القرآن" للفراء 2/ 389.]]. قال الفراء: (وهذا بمنزلة قولك أدن فأصب من الطعام يجتزأ بمنْ عن المضمر) [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 389.]].

الصافات 37:101

فاستجاب الله له بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ قال الكلبي: يقول بغلام في صغره حليم في كبره [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 377، "بحر العلوم" 3/ 119، "البغوي" 4/ 32.]]. قال أبو إسحاق: (هذه البشارة تدل على أنه غلام وأنه يبقى حتى يوصف بالحلم) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.]]، والمعنى أنه لما بشر بغلام دل على أنه مفسر بابن ذكر، ولما وصف بالحلم دل على أنه ينتهي في السن حتى يبلغ الحلم، هذا معنى ما ذكره الكلبي وأبو إسحاق ونحو هذا قال [[هكذا في النسخ، والذي يظهر أنه سننه القائل، وهذا القول ذكره الفراء في "معاني القرآن له" 2/ 389.]]: يريد في كبره. وقال مقاتل: يعني حليمًا والحلم من موجبات العلم فهو يدل على العلم [["تفسير مقاتل" 112 ب.]]. وقال أهل المعاني: الحليم المتأني في الأمر وضده السفيه، فيجوز أن يكون غلامًا حليمًا في حالة واحدة [[لم أقف عليه عند أهل المعاني.]]

الصافات 37:102

قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قال مجاهد: لما شب وأدرك سعيه سعى إبراهيم [["تفسير مجاهد" ص 544.]]. وهذا قول أهل المعاني. قال الفراء: يقول طاق أن يعينه على عمله وسعيه وكان يومئذٍ ابن ثلاثة عشر سنة [[هكذا هي في النسخ، والصواب ثلاث عشرة سنة. وانظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 389.]]. وقال الزجاج: أدرك معه العمل [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.]]. وقال أبو عبيدة: أدرك أن يسعى على أهله معه وأعانه [["مجاز القرآن" 2/ 171.]]. وقال ابن قتيبة: أي بلغ أن يتصرف معه ويعينه [["تفسير غريب القرآن" ص 373.]]. وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني المشي مع أبيه إلى الجبل [[انظر: "البغوي" 4/ 32، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 119، ولم ينسبه لأحد.]]. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 112 ب.]]. وكان أبوه قد ذهب به معه إلى الجبل. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد العمل لله تعالى وهو الاحتلام [[انظر: "القرطبي" 15/ 99، وأورده الشوكاني في "فتح القدير" 4/ 403 ولم ينسبه لأحد.]]. وهذا قول الكلبي، قال في معنى السعي: إنه العمل لله [[انظر: "البغوي" 4/ 32، "مجمع البيان" 8/ 706.]]. ونحو هذا قال الحسن ومقاتل وابن زيد، قالوا: هو العبادة والعمل الذي تقوم به الحجة، وهو ما بعد البلوغ [[انظر: "الطبري" 23/ 77، "البغوي" 4/ 32، "القرطبي" 15/ 99.]]. قوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات [["تفسير مقاتل" 112 ب.]]. وقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله أيقاظًا ورقوداً [[انظر: "القرطبي" 15/ 101، وقد ذكر القول مقاتل في "تفسيره" 112 ب، وذكره البغوي 4/ 33 عن مقاتل.]]، وذلك أن الأنبياء لا تنام قلوبها. وقال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي. وقال السدي: كان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له قال: هو إذًا لله ذبيح [[انظر: "البغوي" 4/ 33، "القرطبي" 15/ 102.]]. فقيل لإبراهيم في منامه: قد نذرت نذرًا فَفِ بنذرك، فلما أصبح قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. وقال أبو إسحاق: رؤيا الأنبياء وحي بمنزلة الوحي إليهم في اليقظة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.]]. هذا كلام أهل التفسير في ظاهر [الرؤيا]، [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]]. وظاهر اللفظ دل على أنه رأى في المنام أنه يذبح ابنه، والتفسير يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أنه يذبح ابنه في اليقظة، فيكون تقدير اللفظ: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك، فموجب الذبح رُئِيَ في المنام لا الذبح، وذكر في الظاهر أنه رأي الذبح لأن موجب الذبح كأنه رأى الذبح حيث لا يجوز له أن يخالف ذلك، ألا ترى أن ابنه قال له: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ فدل أنه أمر في المنام بذبح ابنه. وقد صرح مقاتل بما ذكر فقال: يقول إني أمرت في المنام أني أذبحك [["تفسير مقاتل" 112ب.]]. وقال ابن قتيبة: (لم يرد أنه ذبحه في المنام، ولكنه أمر في المنام بذبحه، فقال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ أي: أني سأذبحك، ومثل هذا رجل رأى في المنام أنه يؤذن، والأذن دليل الحج، فقال: إني رأيت في المنام أني أحج أي سأحج) [["تفسير غريب القرآن" ص 373.]]. واختلفوا في الذبيح من هو من ابني إبراهيم. فالأكثرون على أنه إسحاق، وهو قول علي وابن مسعود وكعب وقتادة ومجاهد في بعض الروايات وعكرمة وابن عباس، وهؤلاء قالوا: كانت هذه القصة بالشام [[انظر: "الطبري" 23/ 81 - 82، "بحر العلوم" 9/ 113، "تفسير الثعلبي" 3/ 243 ب، "القرطبي" 15/ 99 - 101، "البغوي" 4/ 32.]]. وقال سعيد بن جبير لما رأى إبراهيم في المنام ذبح إسحاق، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر، فلما صرف الله عنه الذبح وذبح الكبش، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة طويت له الأودية والجبال [[انظر: "البغوي" 4/ 32، "القرطبي" 15/ 100، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 109، وعزاه لعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" عن سعيد بن جبير.]]. وقال آخرون: الذي أمر بذبحه إسماعيل، وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي والحسن ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح، وابن عباس في رواية عطاء، وعامر ومجاهد بن كعب ومحمد بن إسحاق [[انظر: "الطبري" 23/ 82، "بحر العلوم" 3/ 119، "تفسير الثعلبي" 3/ 243 ب، "القرطبي" 15/ 99 - 101، "البغوي" 4/ 32.]]. وسياق هذه الآيات تدل على أنه إسحاق لأنه قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، ولا خلاف [[قول المؤلف رحمه الله هنا ولا خلاف أن هذا إسحاق. فيه نظر إذ الخلاف مشهور جدًّا في تحديد الذبيح، وإن كان الراجح والله أعلم أنه إسماعيل كما سيأتي معنا.]] أن هذا إسحاق. قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فعطف بقصة الذبح على ذكر إسحاق، وقوله بعد ذكر هذه القصة: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ قال عكرمة: بشر بنبوته [[انظر: "الطبري" 23/ 89، "القرطبي" 15/ 101، "زاد المسير" 7/ 78.]]. وقال قتادة: بعد الذي كان من أمره [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 154، "زاد المسير" 7/ 87.]]، غير أن محمد بن كعب احتج على أنه إسماعيل بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قال: يقول بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق ولد من الله من الموعود ما وعده [[أخرجه: الطبري في "تفسيره" 23/ 84، والحاكم في "المستدرك" "كتاب التاريخ" ذكر إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما 2/ 555، ووافقه الذهبي. وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 106، وزاد نسبته لعبد بن حميد عن محمد بن كعب.]]. وقد قال أبو إسحاق: (الله أعلم أيهما الذبيح [[اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في تعيين الذبيح من هو من ولدي إبراهيم، هل هو إسماعيل أم إسحاق إلى ثلاثة أقوال: فمنهم من يرى أنه إسماعيل، وقد ذكر المؤلف بعضًا ممن قال بهذا القول. ومنهم من يرى أنه إسحاق، وقد ذكر المؤلف كذلك بعضًا ممن قال بهذا القول. وذهب بعضهم إلى التوقف في المسألة نظرًا لطول الخلاف فيها وقدِمه، ولعدم وجود دليل صريح وواضح من الكتاب أو == السنة حسب فهمهم يفيد تعيين الذبيح من هو، ومن هؤلاء الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله، يقول في آخر كتابه القول الفصيح في تعيين الذبيح ص 86 بعد أن ذكر القولين: وأنا الآن متوقف في ذلك، والله أعلم. وكذا الشوكاني، فقد قال في "فتح القدير": 4/ 392 بعد أن ذكر القولين وأدلة كل فريق. قال: وكل ذلك يحتمل المناقشة. ولعل الراجح والله أعلم هو القول القائل بان الذبيح هو إسماعيل -عليه السلام-، والقائلون بهذا القول يستدلون بالشواهد التاريخية، وبما عند أهل الكتاب في التوراة والإنجيل، وكذلك بالقرآن. ونحن هنا نذكر أدلة هؤلاء من وجهة النظر الإسلامية بعيدًا عن الشواهد التاريخية وما يستنبط من التوراة والإنجيل، وذلك من أجل الاختصار والإيجاز وبُعدًا عن الإطالة، ومن أراد الاستزادة من الأدلة فليرجع إلى المراجع التي سوف أشير إليها بعد ذكر أدلة القول الراجح. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد في هدي خير العباد" 1/ 71: وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: هذا القول -أن الذبيح إسحاق- إنما هو متلقى من أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم. فإن فيه أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره وفي لفظ وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده. والذي غرَّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف ... ثم قال: وكيف يسوغ أن يقال إن الذبيح إسحاق والله تعالى قد بشَّر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة أنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 40 - 71] فمحال أن يبشرها بأنه يولد له ولد ثم يأمر بذبحه. ويدل عليه أيضًا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات قال: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي =]]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ وقرأ حمزة والكسائي: تُري بضم التاء وكسر الراء. قال إبراهيم: ماذا تُرى تأمر وماذا تَرى تشير) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.]]. قال أبو علي الفارسي: (من فتح التاء كان مفعول ترى أحد شيئين أحدهما: أن يكون ما مع ذا بمنزلة اسم واحد، فيكونان في موضع نصب بأنه مفعول ترى، والآخر أن يكون ذا بمنزلة الذي، والهاء محذوفة من الصلة، ويكون ترى على هذه القراءة الذي معناه الرأي وليس إدراك المرى [[في "الحجة": (إدراك الحاجة).]] كما تقول فلان يرى ما رأى أبو حنيفة [[في (أ): (أبي)، وهو خطأ.]]. والتقدير ما الذي تراه، فتصير ما في موضع ابتداء، والذي في موضع خبره، ويكون المعنى: ما الذي تذهب إليه فيما ألقيت إليك، هل تستسلم وتتلقاه بالقبول أو تأتي غير ذلك. وأما قول حمزة: ماذا تُري فإنه يجوز أن يكون ماذا بمنزلة اسم واحد، ويكون في موضع نصب، والمعنى: أجَلَدًا ترى على ما تُحملُ عليه أم خَوَاراً [[في (ب): (خورًا)، وهو خطأ.]]. ويجوز أن يجعل ما مبتدأ وذا بمنزلة الذي ويعود إليه الذكر المحذوف من الصلة، والفعل منقول من رأى زيد الشيء وأريته الشيء إلا أنه من باب أعطيت، فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين دون الآخر كما أن أعطيت كذلك) [["الحجة" 6/ 57 - 58.]]. وقال الفراء: ماذا ترى معناه ماذا ترى من خبرك أو جزعك [["معاني القرآن" 2/ 390.]]. وقال أبو إسحاق: ولا أعلم أحدًا قال هذا، وفي كل التفسير ماذا ترى ماذا تشير [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.]]. واختار أبو عبيدة القراءة الأولى. وقال: لا يعلم أحدًا قال في موضع المشورة والرأي ما ترى في كذا وكذا، وإنما يقولون هذا في رؤية العين، ولا موضع لرؤية العين هاهنا [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 433، "القرطبي" 15/ 103، "فتح القدير" 4/ 404.]]. وأما وجه مشاورته الابن فيما أمر به، فيجوز أن يكون أمر بأن طلع ابنه على ذلك ويشاوره ليعلم صبره لأمر الله، فيكون في ذلك قرة عين لإبراهيم حيث يرى من ابنه طاعته في أمر الله وصبره على أعظم المكروه، وهو القتل في رضا الله ورضا أبيه. ويكون فيه أيضًا ثواب للابن وثناء حسن يبقى له، حيث قال في جوابه لأبيه [[انظر: "الطبري" 23/ 79، "الماوردي" 5/ 60، "القرطبي" 15/ 103.]]: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أوحي إليك من ربك [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "الماوردي" 5/ 61، "البغوي" 4/ 33، "القرطبي" 15/ 103.]]. قال أبو علي: (التقدير ما تؤمر به، فحذف الجار فوصل الفعل إلى الضمير، فصار تؤمره، ثم حذفت الهاء من الصلة كما حذفت من قوله [[زيدت من هنا في (ب).]]: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: 59] أي اصطفاهم) [["الحجة" 6/ 99.]]. ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على بلاء الله.

الصافات 37:103

قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ قال المبرد: استسلما لأمر الله وأذعنا له [[في (أ): (وأذعناه)، وهو خطأ.]] [[لم أقف عليه.]]. قال ابن قتيبة نحوه، قال: ومثله سلما [["تفسير غريب القرآن" ص 373.]]. وقال الفراء: فوَّضا وأطاعا. وفي قراءة عبد الله: فلما سلما) [["معاني القرآن" 2/ 390.]] وقال أبو إسحاق: استسلم للذبح واستسلم إبراهيم لذبحه [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 311.]]. قال مقاتل: يقول سلما لأمر الله [["تفسير مقاتل" 112 ب.]]. وروى إبراهيم التيمي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: فلما سلما وأسلم الأمر لله، بمعنى سلم [[تروى هذه القراءة كذلك عن ابن مسعود. انظر: "القرطبي" 15/ 104، "المحتسب" 2/ 222، "معاني القرآن" للفراء 2/ 390.]]، كما تقول إذا أصابك مصيبة: فسلم لأمر الله، أي: فارضى به، ويكون أسلم بمعنى استسلم أي دخل في السلم، كأنه انقاد ورضي. وقال ابن عباس في رواية عطاء: أسلم إسماعيل صحبته ونفسه لله -عز وجل- وأسلم إبراهيم ابنه وبكره واحده [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وهذا القول نسبه أكثر المفسرين لقتادة، وزاد الطبري نسبته لعكرمة. انظر: "الطبري" 23/ 79، "تفسير الثعلبي" 247/ 3 أ، "الماوردي" 5/ 61، "بحر العلوم" 3/ 121، "البغوي" 4/ 33، "القرطبي" 15/ 104.]] لله، وعلى هذا الإسلام بمعنى الترك. وقوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ قال أبو عبيدة: (أي صرعه، وللوجه جبينان والجبهة بينهما، ونحو هذا قال المبرد، وأنشد: شككت له بالرمح جنبي قميصه ... فخر تليلًا لليدين وللفم) [["مجاز القرآن" 2/ 171.]] [[البيت من الطويل، وهو لجابر بن جني في "شرح المفضل" ص 434، ولربيعة بن مكدم في "الأغاني" 16/ 75، ولعصام بن المقشعر في "معجم الشعراء" ص 270، وللأشعث الكندي في "الأزهية" ص 288.]] وقال ابن قتيبة: صرعه على الأرض على أحد جنبيه [["تفسير غريب القرآن" ص 373.]]. وقال ابن الأعرابي: التليل والمتلول المصروع، والمتلى الذي يتلى به أي يصرع [["تهذيب اللغة" 14/ 152 (تل). وانظر: "اللسان" 11/ 78 (تلل).]]. قال ابن عباس: أضجعه على جنبيه على الأرض [[انظر: "الماوردي" 5/ 61، "البغوي" 4/ 33، "القرطبي" 15/ 104.]]. وهو قول قتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 151، "الطبري" 23/ 80، "القرطبي" 15/ 104.]]. وقال مقاتل: كبه لجبهته [["تفسير مقاتل" 112 ب.]]. وقال مجاهد وابن جريج: وضع وجهه للأرض [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 544. "الطبري" 23/ 80، ولم أقف عليه عن ابن جريج.]]. والصحيح أنه أضجعه على أحد شقيه؛ لأن الجبين غير الجبهة كما ذكرنا.

الصافات 37:104

﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ هذا جواب فلما عند الفراء والكوفيين، والواو مقمحة زائدة. وعند البصريين لا يجوز ذلك. والجواب مقدر على تقدير: فلما فعل ذلك سَعُدَ وأتاه الله نبوة ولده، وأجزل له الثواب في الآخرة. وذكر [[في (ب): (وذلك)، وهو خطأ.]] ذلك أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 311.]]. وهذه المسألة ذكرناها في مواضع. قال المفسرون: لما أضجعه للذبح نودي من الجبل: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. قال مقاتل: عرف الله منهما الصدق [["تفسير مقاتل" 112 ب.]]. يعني أن إبراهيم قصد الذبح بما أمكنه، وابنه طاوعه ومكن من الذبح، وعرف الله منهما الصدق فلذلك قال: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ وإن لم يتحقق الذبح [[انظر: "الطبري" 23/ 80، "بحر العلوم" 3/ 121، "زاد المسير" 7/ 86.]]. وقال قوم إنه [رأى في] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] المنام معالجة الذبح من شد اليدين والرجلين وإمرار السكين على الحلق، وفعل في اليقظة ما رأى في النوم [[انظر: "الماوردي" 5/ 61، "زاد المسير" 7/ 76.]] فلذلك قيل له: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فهذان وجهان في قوله: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. وذكر أهل المعاني أوجهًا منها: أنه أمر في المنام أن يقعد منه مقعد الذابح، وينتظر الأمر بإمضاء الذبح، ففعل ما رأى في منامه، وهو أنه أمر بذلك على شرط التحلية والتمكين وقصد ذلك ولكن لم يمكن منه [[لم أقف عليه عند أحد من أهل المعاني. وانظر: "الماوردي" 5/ 61، "زاد المسير" 7/ 76.]]. قال السدي: ضرب الله على قفاه صفحة نحاس فجعل يحز ولا يقطع شيئًا ونودي من الجبل: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا [[انظر: "البغوي" 4/ 34، ولم أقف عليه عن السدي عند غيره. وذكر بعض المفسرين غير منسوب لأحد. انظر: "الماوردي" 5/ 61، "بحر العلوم" 3/ 121، "القرطبي" 15/ 104.]]. وقال محمد بن إسحاق: لم يحك السكين وانقلبت من حدة [[في (ب): (فنجده)، وهو خطأ.]] إلى مثنة [[لم أقف عليه.]]. ومنها أنه ذبح ووصل الله ما قرى بلا فصل [[ذكره الماوردي 5/ 61.]]. وهذا أضعف الوجوه: لأنه لم يثبت بهذا رواية [[هذه الآثار التي ذكرها المؤلف رحمه الله في قصة الذبح وكيف تمت وكيف امتنع الذبح، هل قطع ثم عاد ما قُطع، أو لم تتمكن السكين من القطع إلى غير ذلك، كلها روايات منكرة لم يصح سندها ولا متنها، كما قال جمال الدين القاسمي -رحمه الله- في "تفسيره" 8/ 120 قال: يروي المفسرون في قصة الذبح روايات منكرة لم يصح سندها ولا متنها. بل ولم تحسن، فهي معضلة تنتهي إلى السدي وكعب. والسدي حاله معلوم في ضعف مروياته وكذلك كعب ا. هـ ولعل أكثر ما يروى في هذه القصة هو مما كان يحدِّث به كعب الأحبار حينما أسلم.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ ابتداء إخبار من الله، وليس يتصل بما قبله من الكلام الذي نودي به إبراهيم. والمعنى: أنا كما ذكرنا من العفو عن ذبح ولده ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه وطاعته في أمر الذبح ومضيه على أمر الله العفو عن ابنه إسحاق [["تفسير مقاتل" 113 أ.]].

الصافات 37:105

﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ هذا جواب فلما عند الفراء والكوفيين، والواو مقمحة زائدة. وعند البصريين لا يجوز ذلك. والجواب مقدر على تقدير: فلما فعل ذلك سَعُدَ وأتاه الله نبوة ولده، وأجزل له الثواب في الآخرة. وذكر [[في (ب): (وذلك)، وهو خطأ.]] ذلك أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 311.]]. وهذه المسألة ذكرناها في مواضع. قال المفسرون: لما أضجعه للذبح نودي من الجبل: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. قال مقاتل: عرف الله منهما الصدق [["تفسير مقاتل" 112 ب.]]. يعني أن إبراهيم قصد الذبح بما أمكنه، وابنه طاوعه ومكن من الذبح، وعرف الله منهما الصدق فلذلك قال: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ وإن لم يتحقق الذبح [[انظر: "الطبري" 23/ 80، "بحر العلوم" 3/ 121، "زاد المسير" 7/ 86.]]. وقال قوم إنه [رأى في] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] المنام معالجة الذبح من شد اليدين والرجلين وإمرار السكين على الحلق، وفعل في اليقظة ما رأى في النوم [[انظر: "الماوردي" 5/ 61، "زاد المسير" 7/ 76.]] فلذلك قيل له: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فهذان وجهان في قوله: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. وذكر أهل المعاني أوجهًا منها: أنه أمر في المنام أن يقعد منه مقعد الذابح، وينتظر الأمر بإمضاء الذبح، ففعل ما رأى في منامه، وهو أنه أمر بذلك على شرط التحلية والتمكين وقصد ذلك ولكن لم يمكن منه [[لم أقف عليه عند أحد من أهل المعاني. وانظر: "الماوردي" 5/ 61، "زاد المسير" 7/ 76.]]. قال السدي: ضرب الله على قفاه صفحة نحاس فجعل يحز ولا يقطع شيئًا ونودي من الجبل: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا [[انظر: "البغوي" 4/ 34، ولم أقف عليه عن السدي عند غيره. وذكر بعض المفسرين غير منسوب لأحد. انظر: "الماوردي" 5/ 61، "بحر العلوم" 3/ 121، "القرطبي" 15/ 104.]]. وقال محمد بن إسحاق: لم يحك السكين وانقلبت من حدة [[في (ب): (فنجده)، وهو خطأ.]] إلى مثنة [[لم أقف عليه.]]. ومنها أنه ذبح ووصل الله ما قرى بلا فصل [[ذكره الماوردي 5/ 61.]]. وهذا أضعف الوجوه: لأنه لم يثبت بهذا رواية [[هذه الآثار التي ذكرها المؤلف رحمه الله في قصة الذبح وكيف تمت وكيف امتنع الذبح، هل قطع ثم عاد ما قُطع، أو لم تتمكن السكين من القطع إلى غير ذلك، كلها روايات منكرة لم يصح سندها ولا متنها، كما قال جمال الدين القاسمي -رحمه الله- في "تفسيره" 8/ 120 قال: يروي المفسرون في قصة الذبح روايات منكرة لم يصح سندها ولا متنها. بل ولم تحسن، فهي معضلة تنتهي إلى السدي وكعب. والسدي حاله معلوم في ضعف مروياته وكذلك كعب ا. هـ ولعل أكثر ما يروى في هذه القصة هو مما كان يحدِّث به كعب الأحبار حينما أسلم.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ ابتداء إخبار من الله، وليس يتصل بما قبله من الكلام الذي نودي به إبراهيم. والمعنى: أنا كما ذكرنا من العفو عن ذبح ولده ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه وطاعته في أمر الذبح ومضيه على أمر الله العفو عن ابنه إسحاق [["تفسير مقاتل" 113 أ.]].

الصافات 37:106

قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أي: الاختيار الظاهر، حيث أخبره بذبح بكره وواحده، وهذا معنى قول ابن عباس وغيره، جعلوا النبلاء هاهنا بمعنى الاختبار [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 377، وينسب هذه القول أيضًا لابن زيد وابن قتيبة، انظر: "الطبري" 23/ 80، "الماوردي" 5/ 62، "زاد المسير" 7/ 77.]]. وقال مقاتل: النبلاء النعمة، وهو أن كف عن ولده وفدي بالكبش [["تفسير مقاتل" 113أ.]]. ولقد ذكرنا معنى البلاء عند قوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 49] [[انظر: "البسيط" رسالة دكتوراه إعداد: د/ محمد الفوزان 3/ 866.]].

الصافات 37:107

قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي: جعلنا الذبح فداء له وخلصناه من الذبح، والذبح مصدر ذبحت، والذبح ما يذبح. واختلفوا في هذا الذبح، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الكبش الذي تقرب به هابيل بن آدم إلى الله تعالى فقبله، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله به إسماعيل [[انظر: "الماوردي" 5/ 62، "البغوي" 4/ 35، "القرطبي" 15/ 107.]]. وقال آخرون: أرسل إليه كبشًا من الجنة قد رعى أربعين خريفًا، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بكبش قد رعى في الجنة أربعين خريفًا وهو قول معمر وقتاد [[انظر: المصادر السابقة، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 152.]]. وروى جعفر بن إياس [[هو: جعفر بن إياس اليشكري البصري الواسطي، أحد الأئمة الحفاظ، حدَّث عن بشر بن ثابت والشعبي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس وعن خلق غيرهم. وعنه الأعمش وشعبة وأبو عوانة وشعبة الحجاج وغيرهم. وثَّقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن معين وغيرهم. مات سنة 124 هـ وقيل 123، وقيل 125 هـ == انظر: "تهذيب الكمال" 5/ 5، "سير أعلام النبلاء" 5/ 465، "الطبقات الكبرى" 7/ 253.]] عن ابن عباس قال: خرج عليه كبش من الجنة وقد رعاها قبل ذلك بأربعين خريفًا [[انظر: "الماوردي" 5/ 62، "البغوي" 4/ 35، "القرطبي" 15/ 107، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 152 كلهم عن ابن عباس.]]. وقال السدي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح انحط من الجبل، فقام عند ذلك إبراهيم فأخذه وذبحه وخلى عن ابنه، وأعتق ابنه وقال: يا بني اليوم وُهِبتَ لي. قال: وبلغنا أن الكبش رعى في الجنة أربعين خريفاً [[لم أقف عليه عن السدي.]]. وقال مقاتل: وكان رعى في الجنة أربعين سنة قبل أن يذبح وكان من غير نسل [["تفسير مقاتل" 113 أ.]] وقال آخرون: كان ذلك الذبح، وعلا انحط عليه من الجبل. قال الحسن: ما فدى إسماعيل إلا بتيس من الأروى، انحط عليه من جبل ثبير [[ثبير: جبل بمكة يشرف على مني. انظر: "معجم البلدان" 2/ 73.]]، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 247 ب، "البغوي" 4/ 35، "القرطبي" 15/ 107، "زاد المسير" 7/ 77، "ابن كثير" 4/ 16، "مجمع البيان" 8/ 708.]]، فضحوا عباد الله وأعلموا أن الذبح يدفع منية السوء. وروي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال في قوله: (بذبح) قال: كبشٌ أعين أقرن أملح مربوط بسمرة في بثير [[انظر: "الطبري" 23/ 86، "تفسير ابن كثير" 6/ 14.]]. وهذا قول الكلبي في رواية أبي صالح عن ابن عباس [[انظر: المصادر السابقة، "تفسير الثعلبي" 3/ 247 ب. وقد أورد هذا الأثر السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 105، وعزاه لأحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعبه عن ابن عباس.]]. وقوله: ﴿عَظِيمٍ﴾ قال مجاهد: متقبل [["تفسير مجاهد" ص 545.]]. وعلى هذا سمي عظيمًا لعظم قدره، حيث قبل فداء عن إبراهيم. وعند غيره سمي عظيمًا لعظمه وسمنه. قال سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيمًا وقد رعى في الجنة أربعين خريفًا [[انظر: "الطبري" 23/ 87، "تفسير الثعلبي" 3/ 247 ب، "زاد المسير" 7/ 77.]].

الصافات 37:108

قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ مفسر في قصة نوح [[عند الآية 78 من هذه السورة.]] إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ وقد ذكرنا في هذه القصة ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، والمراد بذلك جزاء إبراهيم وابنه حين أطاعا فيما ابتليا به، فجوزيا بالعفو والفداء. والمراد بقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ جزاء إبراهيم وحده. قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في الناس [["تفسير مقاتل" 113 أ.]].

الصافات 37:112

قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، من جعل الذبيح إسماعيل جعل معنى قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ أن الله تعالى بشره بولد نبي بعد هذه القصة جزاءً لطاعته. ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بشر بنبوته. وهذا قول عكرمة [[انظر: "الطبري" 23/ 81، "البغوي" 4/ 34، "زاد المسير" 7/ 72.]]. ونحو ذلك قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 113 أ.]]: بشر إبراهيم بنبوة إسحاق بعد العفو عنه. قوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ يعني كثرة ولدهما وذريتهما، وهم الأسباط كلها. قوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ أي: أنعمنا عليهما بالنبوة، قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 113 أ.]] وغيره [[ذكر هذا القول كثير من المفسرين دون نسبة لأحد. انظر: "الطبري" 23/ 95، "بحر العلوم" 3/ 122، "تفسير الثعلبي" 3/ 247 ب.]]. وقوله: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أكثر المفسرين على أنه الغرق، أغرق الله فرعون وقومه ونجى بني إسرائيل. ويذهب بعضهم إلى أنه نجاهم من استعباد فرعون إياهم، وما كان يصيبهم من جهته من البلاء [[انظر: المصادر السابقة، وكذلك: البغوي 4/ 35، "زاد المسير" 7/ 79، "مجمع البيان" 8/ 711.]]، وهو قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 49].

الصافات 37:123

قوله: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أكثر أهل التفسير على أن إلياس نبي من أنبياء بني إسرائيل، وقصته مشهورة مع قومه. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: (وإن إدريس) وقال: إلياس هو إدريس [[انظر: "الماوردي" 5/ 64، "البغوي" 4/ 36، "زاد المسير" 7/ 79.]] نحو إسرائيل ويعقوب. وهذا قول عكرمة [[انظر: "البغوي" 4/ 36، "القرطبي" 15/ 115.]]. وقرأ ابن عامر: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾ بغير همز، وله وجهان، أحدهما: أنه حذف الهمزة من إلياس حذفًا كما حذفها ابن كثير من قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: 35] وكقول الشاعر: ويلُمِّها في هواء الجو طالبةً [[هذا صدر بيت لامرئ القيس وعجزه: ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب والبيت من البسيط وهو لامرئ القيس في "ديوانه" ص 227، "خزانة الأدب" 4/ 91، "سر صناعة الإعراب" ص 235، "الكتاب" 2/ 294. والشاهد فيه قوله: ويلمها والأصل ويل أمها فحذف الهمزة استخفافًا ثم أتبع حركة اللام حركة الميم.]] وسنذكر الكلام هناك إن شاء الله تعالى [[ذكر المؤلف هناك كلامًا نقله عن أبي علي الفارسي. وانظر: "الحجة" 6/ 339.]]. والآخر: أنه جعل الهمزة التي تصحب اللام للتعريف كقوله: (وليسع). والوجه قراءة العامة؛ لأن إلياس ليس بموضع تحذف فيه الهمزة، إنما هو موضع تجعل فيه بين بين في التخفيف كما يخفف سئم وبئس، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: 258]. ويقوي ثبات الهمزة قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، فهذا يدل على أن الهمزة ثابتة في إلياس بثبوتها في آل ياسين [[انظر: "علل القراءات" 2/ 579، "الحجة" 5/ 59 - 60، "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات" 3/ 223.]].

الصافات 37:124

قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، إذ يتعلق بمحذوف، كأنه قيل لمحمد -عليه السلام-: اذكر لقومك إذ قال لقومه ونحو هذا كثير، وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 30]، الآية. قال ابن عباس: ألا تخافون الله [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "الوسيط" 3/ 531، "زاد المسير" 7/ 80.]]. وقال مقاتل: ألا تعبدون الله [["تفسير مقاتل" 113 أ.]]. وقال الكلبي: ألا تتقون عبادة غير الله [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 378.]].

الصافات 37:125

﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد كان لهم صنم يعبدونه [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 123، "القرطبي" 15/ 117.]]. وقال مقاتل: وكان من ذهبٍ ببعل بك [[بعلبك: قال ياقوت: بالفتح ثم السكون وفتح اللام والباء الموحدة والكاف مشددة: مدينة قديمة فيها أبنية عجيبة وآثار عظيمة وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها في الدنيا، بينها وبين دمشق ثلاثة أيام وقيل اثنا عشر فرسخاً. انظر: "معجم البلدان" 1/ 453.]] من أرض الشام، كسره إلياس ثم هرب منهم [["تفسير مقاتل" 113 أ.]]. والأكثرون من المفسرين قالوا: البعل: الرب، ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾: ربّا، وهو قول مجاهد وقتادة وعكرمة [[انظر: "الطبري" 13/ 91، "بحر العلوم" 3/ 123، "الماوردي" 5/ 64، "زاد المسير" 7/ 80، "القرطبي" 15/ 117.]]. وروى قيس [[هو: قيس بن هبَّار وقيل ابن همَّام وقيل ابن هنَّام، وقيل غير ذلك، روى عن ابن عباس، وروى عنه سليمان التيمي. ذكره ابن حبان في الثقات وروى له النسائي. انظر: "تهذيب الكمال" 24/ 85، "الجرح والتعديل" 7/ 105، "تهذيب التهذيب" 8/ 405.]] عن ابن عباس أنه سمع رجلاً وضلت له جارية وهو يقول: أنا بعلها. قال ابن عباس: هذا من قول الله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [[هذه القصة ذكرها النحاس في "معاني القرآن له" 6/ 54، سمع ابن عباس رجلاً == ينشد ضالة فقال آخر أنا بعلها أي ربها. أما ما أُثبِتَ في النسخ فيظهر أن فيه تصحيفًا إذ الكلام فيه اضطراب، وذكرها كذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 80.]]، فالبعل الذي ذكره أهل اللغة بمعنى المالك والسيد والرب، ومنه سمي الزوج بعلًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 412 (بعل)، "اللسان" 11/ 59 (بعل).]]. ويقال أنا بعل هذه الدابة. قال مقاتل: وهي بلغة اليمن [["تفسير مقاتل" 113 أ، وفي كتاب "غريب القرآن" لابن عباس ص 62. قال: هي بلغة حمير.]].ويمكن أنهم سموا صنمهم بعلًا لهذا المعنى، فيكون في هذا جمع بين القولين في البعل. قوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ قال مقاتل: وتذرون عبادة أحسن الخالقين فلا تعبدونه [["تفسير مقاتل" 113 أ.]].

الصافات 37:126

﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، قرئ بالرفع على الاستئناف لتمام الكلام الأول، والمعنى: أنه خالقكم ورازقكم، فهو الذي تحق له العبادة دون من لا يبصر ولا يسمع ولا يغني عن أحد شيئًا. وقرئ بالنصب على صفة أحسن الخالقين، ليكون الكلام فيه وجه واحد [[انظر: "علل القراءات" 2/ 578، "الحجة" 6/ 63، "المبسوط في القراءات العشر" ص 317.]].

الصافات 37:127

﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: لمحضرون النار غدًا [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 37. وانظر: "الطبري" 23/ 94، "البغوي" 4/ 41، "زاد المسير" 7/ 81.]]. وقد ذكرنا الكلام في هذا عند قوله: {لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [[آية (57) من هذه السورة.]].

الصافات 37:128

﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ يعني المصدقين الذين لم يكذبوا، فإنهم لا يحضرون النار.

الصافات 37:130

قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد إليالس ومن معه [[انظر: "الوسيط" 3/ 532، وقد ذكر هذا القول أكثر المفسرين لكنهم لم ينسبوه لابن عباس. انظر: "الطبري" 23/ 94، "الماوردي" 5/ 65، "القرطبي" 15/ 118.]]. قال الفراء: (إن شئت ذهبت بإلياسين إلى أن تجعله جمعًا، فتجعل أصحابه داخلين في اسمه، كما تقول للقوم رئيسهم المهلب: قد جاءكم المهالبة والمهلبون، فيكون بمنزلة قوله الأشعرين بالتخفيف والسعدين. قال: أنا ابن سعد سيد السعدينا [[الرجز لرؤبة في "ملحق ديوانه" ص 191، "شرح المفضل" 1/ 47، "الكتاب" 2/ 153.]] قال: ويجوز أن تجعله واحدًا بمنزلة إلياس، والعجمي من الأسماء قد تفعل العرب به هذا، تقول: ميكال وميكائيل وميكاين، وهي في بني أسد، يقولون: هذا إسماعين قد جاء، بالنون، وأنشدني بعض بني نمير: [[شطر بيت عن الرجز وصدره: يقول أهل الحي لما جينا ولم أقف على قائله. ففي "المقاصد النحوية" قال: هو الأعرابي 2/ 425، وكذا في "المعاني الكبير" 2/ 646، "سمط اللآلئ" ص681. يريد: إسماعيلاً فأبدل من اللام نونًا.]] هذا ورب البيت إسماعينا [["معاني القرآن" 2/ 391 - 392.]] ونحو هذا ذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 312.]] سواء، واختار أبو علي القول الأول وشرحه فقال: (إلياسين جمع معنى واحده الإضافة بالياء، نحن تميمي وبكري، والقول فيه أن لا يخلوا لا من أن يراد به الجمع الذي على حد مسلم ومسلمون، وزيد وزيدون، أو الذي واحده يراد به النسب، فمن البيِّن أنه لا يجوز أن يكون على حد مسلم ومسلمون، لأنه ليس كل واحد منهم اسمه إلياس، وإنما إلياس اسم نبيهم، فإذا لم يكن على هذا علم أنه على إرادة النسب بالياء، إلا أن الياءين حذفتا في جميع هذه الأسماء على التصحيح كما حذفت ياء النسب في التكسير، وذلك نحو: المسامعة والمهالبة والمناذِرة، وإنما هذا على أن كل واحد منهم مسمعي ومهلبي، فحذف في التكسير الياءات كما حُذفت في التصحيح، ومما يدل على ذلك قولهم: فارسي وفرس، فليس الفرس جمع فارس وإنما هو جمع فارسي، حذف منه ياء النسب ثم جمع الاسم بعد على حد باذلٍ وبدلٍ، ونحو هذا قولهم: الأعجمون، ألا ترى [أنه] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).]] لا يخلو من أن يكون جمع أعجم أو عجمي، فلا يجوز أن يكون جمع أعجم لأن هذا الضرب من الآحاد التي هي صفات لا تجمع بالواو والنون، كما أن مؤنثه لا يجمع بالألف والتاء، لا يقال في الأحمر: الأحمرون، فإذا لم يجز ذلك علم أنه جمع أعجمي، وعلى هذا قالوا: النميرون والهبيرات [[في (ب): (الهبرات).]]، وكذلك الياسين تقديره: الياسيين فحذف كما حذف من سائر هذه الكلم. قال: ولا يجوز أن يكون الياسين بمعنى إلياس، نحو: ميكال وميكائيل؛ لأن ميكال وميكائيل لغتان في اسم واحد، وليس أحدهما مفردًا والآخر جمعًا كإدريس وإدراسين [[في (ب): (إدريسين).]]، وإلياس وإلياسين، وفي حرف عبد الله بن سلام على إدراسين، أراد إدريس ومن كان من شيعته وأهل دينه، ولم يقل إدريسين لأن إدريس وإدراس كإبراهيم وإبراهام [[في (ب): (وإبرهام).]]. وقرأ نافع: سلام [[في (ب): (سليم).]] على آل ياسين، وحجته أنها في المصحف مفصولة من يس، ولو كانت الألف والنون واللام التي للتعريف أوصلت في الخط ولم تفصل، فمن فصل ذلك في الكتاب دلالة على أن الذي تصغيره أهيل) [["الحجة" 6/ 61 وما بعدها.]]. واختار أبو عبيدة القراءة الأولى، وقال: الياسين اسم إلياس، مثل إبراهام في إبراهيم، ألا تراه أنه لم يقل في شيء من السورة على آل فلان وآل فلان، إنما جاء بالاسم وكذلك الياسين [["مجاز القرآن" 2/ 172 - 173. وانظر:"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 436.]]. وقال الفراء: القراءة الأولى أشبه بالصواب؛ لأن في قراءة عبد الله: (وإن إدريس لمن المرسلين سلام على إدراسين) [["معاني القرآن" 2/ 292.]]. والسدي يقول في إلياس والياسين: إنه إدريس [[لم أقف على هذا القول عن السدي، وهو منسوب لابن عباس. انظر: "تفسير ابن == عباس" بهامش المصحف ص 378، "الماوردي" 5/ 64.]]. قال الفراء: (ويشهد على صواب القراءة الأولى قوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: 20] ثم قال في موضع آخر: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: 2] وهو في معنى واحد وموضع واحد) [["معاني القرآن" 2/ 392.]]. فقد ظهر أن الصحيح قراءة العامة؛ لأن إلياسين إنما هو بمعنى إلياس أو بمعنى إلياس وأتابعه، وأريد به إدريس على ما ذكره عكرمة والسدي: فأما أن يكون الذي هو أل [[في (أ): (الذي آل هو) وما أثبته هو الأنسب بالسياق.]] تصغير أهيل فهو مستبعد. وقد ذكر الكلبي في تفسيره ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ يقول: سلام على آل محمد. وهذا بعيد؛ لأن ما قبله من الكلام وما بعده لا يدل عليه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 293، "الوسيط" 3/ 532، "بحر العلوم" 3/ 123، "البغوي" 4/ 41، "القرطبي" 15/ 119.]].

الصافات 37:133

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ﴾ إذ لا يتعلق بما قبله؛ لأنه لم يرسل وإن نجى، ولكنه يتعلق بمحذوف كأنه قيل: واذكر يا محمد إذ نجيناه. وعند أبي عبيدة: إذ زائدة [["مجاز القرآن" 1/ 36، وسبق أن لدينا خطأ القول أن في القرآن شيئًا زائدًا.]]. وقد ذكر هذا في سورة البقرة. وهذه الآيات مفسرة في سورة الشعراء [[الآيات 170 - 171 - 172. انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 4/ 84 ب.]] إلى قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾، أي: تمرون في ذهابكم ومجيئكم إلى الشام للتجارة على قراهم وآثارهم ومنازلهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي: نهاراً [[في (أ): (أي نهارًا أي)، وهو خطأ.]].

الصافات 37:138

﴿وَبِاللَّيْلِ﴾، أي: غدوة وعشيًا، تارة تمرون على ديارهم نهارًا وتارة ليلاً. وهي ما بين مكة والشام، هذا قول ابن عباس ومقاتل [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "تفسير مقاتل" 113 ب.]]. وتم الكلام هاهنا ثم قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتعتبرون. قوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ الكلام في إذ كما ذكرنا في القصتين قبل هذه. وأبق من إباق العبد، وهو هربه من سيده. قال مقاتل: يعني إذ فر [["تفسير مقاتل" 113ب.]]. وقال عبد الله: عبد أبق من ربه. ونحو هذا قال ابن عباس [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 378.]]. قال المفسرون: كان يونس قد وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمنشوز عنهم، فقصد البحر وركب سفينة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 252 ب، "البغوي" 4/ 42.]]، فذلك قوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ونحو هذا قوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: 87] وقد مر الكلام فيه مستقصى. وقال أهل المعاني: يَفِرُ من ربه كما يَفِرُ العبد من سيده لأنه يعلم أن ربه يقدر عليه أين ما كان من بر وبحر، ولكنه بذهابه إلى الفلك كالفار من مولاه فقال: ﴿أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ﴾ فزع إليه [[لم أقف عيه.]]. قال المبرد: تأويل ابن تباعد أي ذهب [[انظر: "القرطبى" 15/ 122، "زاد المسير" 7/ 86.]] إليه، ومن ذلك قولهم: عبد آبق. قوله تعالى: ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ مفسر في سورة يس [[آية 41.]]. قال مقاتل: يعني الموقر من الناس والدواب [["تفسير مقاتل" 113 ب.]]. وقال سعيد بن جير: ركب يونس السفينة في البحر حتى إذا توسطت بهم ركدت فتوقفت، لا ترجع وراءها ولا تتقدم أمامها، فقال أهل السفينة: إن لسفينتنا لشأنًا. قال: قد والله [[في (ب): (قد عرفت والله شأنها).]] عرفتُ شأنها. قالوا: وما شأنها. قال: ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة. قالوا: ومن هو. قال: أنا فاقذفوني في البحر من سفينتكم وانطلقوا لشأنكم، قالوا: ما كنا لنطرحك من بيننا [حتى] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (ب).]] نعذر في شأنك. قال: فاستهموا حتى تروا على من يقع السهم، فاقترعوا بسهامهم فأدحض سهمه. قال: قد أخبرتكم، فقذفوه منها [[لم أقف عليه عن سعيد بن جير. وقد ورد بغير هذه الصيغة عن ابن عباس وطاووس. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 254، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 121، وعزاه لعبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاووس، ولابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس.]]، فذلك قوله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ وقال وهب: لما احتبست السفينة قال: هاهنا عبد أبق من سيده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها لا تجري، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق وزج نفسه في الماء [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 252 ب، "البغوي" 4/ 42.]]. قال المفسرون: ﴿فَسَاهَمَ﴾: فقارع [[انظر: "الطبري" 23/ 98، "الماوردي" 5/ 67، "بحر العلوم" 3/ 124.]]. قال المبرد: وإنما أخذ من السهام التي تحال للقرعة [[القرطبي 15/ 123. وانظر: "تهذيب اللغة" 36/ 138 (سهم).]]. ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي المغلوبين [[في (ب): (المقروعين المغلوبين).]] المقروعين المسهومين، ققال ابن عباس [[انظر: "الطبري" 23/ 98، "تفسير الثعلبي" 3/ 252 ب، "بحر العلوم" 3/ 124، "الماوردي" 5/ 67.]] والمفسرون. قال ابن قتيبة. (يقال: أدحض الله حجته فدحضت، أي: أزالها فزالت) [["تفسير غريب القرآن" ص 374.]]. وأصل الحرف من الدحض الذي هو الزلق يقال: دحضت رجل البعير إذا زلقت [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 198 (دحض)، "اللسان" 7/ 148 (دحض).]]. قال سعيد بن جبير: لما استهموا في السفينة جاء حوت إلى السفينة فاغرًا فاه ينتظر أمر ربه، حتى إذا قذفوه منها أخذه الحوت، فذلك [[لم أقف عليه.]] قوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾. وقال النبي -ﷺ-: "لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحمًا ولا تكسر له عظمًا" [[أخرج ابن أبي حاتم في "التفسير" 10/ 3227، والطبري 17/ 80 عن عبد الله بن الحارث.]]. وقال المفسرون في قوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾: التهمه وابتلعه [[انظر: "الطبري" 23/ 99، "بحر العلوم" 3/ 124، "تفسير الثعلبي" 3/ 252 ب.]]. يقال لقمت اللقمة وألقمتها غيري. قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾، يقال: ألام إذا أتى ما يلام عليه [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 399 (لأم)، "اللسان" 12/ 530 (لأم).]]. قال مقاتل: يعني استلام إلى ربه [["تفسير مقاتل" 114 أ.]]. وقال الكلبي: يقول مذموم [[انظر: "الماوردي" 5/ 67. قال عن الكلبي: يلام على ما صنع.]]. وقال قتادة عن ابن عباس: مسيء [[انظر: "الماوردي" 5/ 67، وأورده النحاس في "معاني القرآن" 6/ 57، ونسبه لقتادة.]]. وقال إسماعيل بن أبي خالد: مذنب [[لم أقف عليه عن إسماعيل، وقد ذكره الماوردي في "تفسيره" 5/ 67 عن ابن عباس، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 78 عن ابن قتيبة.]]. قال أهل المعاني: كان يونس قد خرج قبل أن يأمره الله، وكان أذنب ذنبًا استحق به التأديب ليستمر على طريقة التهذيب [[لم أقف عليه.]].

الصافات 37:143

قوله: ﴿فَلَوْلَا﴾ قال مقاتل: فلولا أنه كان في الرخاء قبل أن يلتقمه الحوت، ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ يعني المصلين، وكان في زمانه كثير الصلاة والذكر لله، لولا ذلك ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ عقوبة [له] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] [["تفسير مقاتل" 114 أ.]]. وكان قبره إلى يوم يبعث [[في (ب): (يبعثون).]] الناس من قبورهم. ونحو ذلك قال الكلبي [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 379.]] سواء. وروى أبو زيد عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ من المصلين [[انظر: "الطبري" 23/ 100، "الماوردي" 5/ 67، "البغوي" 4/ 43.]]. وقال قتادة: كان يكثر الصلاة في الرخاء [[انظر: "الطبري" 23/ 100، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 155، "القرطبي" 15/ 126.]]. وقال الربيع بن أنس: كان خلاله عمل صالح للبث في بطنه [[انظر: "الطبري" 23/ 100،"القرطبي" 15/ 126، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 125، وعزاه لأحمد في "الزهد".]]. وقال الضحاك بن قيس [[الضحاك بن قيس بن خالد الفهري القرشي. أبو أمية وقيل أبو أُنيس وقيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو سعيد. من صغار الصحابة، روى عن النبي -ﷺ- وعن عمر بن الخطاب، وحبيب بن مسلمة الفهري وغيرهم. وعنه حدَّث معاوية بن أبي سفيان، وسعيد بن جبير، والشعبي وغيرهم. خرَّج له النسائي، شهد فتح دمشق وسكنها ومات مقتولًا في مرج راهط سنة أربع وستين. انظر: "الإصابة" 2/ 199، "الاستيعاب" 2/ 197، "تهذيب التهذيب" 13/ 279، "سير أعلام النبلاء" 3/ 241.]] [[الهمزة ساقطة في (ب).]]: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، فإن يونس كان عبدًا صالحًا ذاكرًا لله، فلما وقع في بطن الحوت قال الله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ الآية. وإن فرعون كان عبداً طاغيًا ناسيًا ذكر الله فلما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: 90] قال الله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: 91] الآية) [[انظر: "الطبري" 23/ 100، "المحرر الوجيز" 4/ 486، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 126، وعزاه لابن أبي شيبة.]]. وقال قتادة في الحكمة: إن العمل الصالح يرفع صاحبه كلما عثر وجد متكئًا [[انظر: "الطبري" 23/ 99، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 125، وعزاه لأحمد في "الزهد"، وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن قتادة.]]. وقال ابن جريج والسدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يومًا [[انظر: "الطبري" 23/ 101، "المحرر الوجيز" 4/ 486، "الماوردي" 5/ 68.]]. وهو قول الكلبي [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 253 أ، "مجمع البيان" 8/ 716.]]. وقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 253 أ، "المحرر الو جيز" 4/ 486، "البغوي" 4/ 43.]]. وقال عطاء: سبعة أيام [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 253 أ، "البغوي" 4/ 43، "مجمع البيان" 8/ 716.]]. وقال الضحاك: عشرين يومًا [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 253 أ، "البغوي" 4/ 43، "زاد المسير" 7/ 88.]]. وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ قال: يريد في بطن الحوت [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "البغوي" 4/ 43.]]. وقال سعيد بن جبير: يعني قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. [[انظر: "الطبري" 23/ 151، "تفسير الثعلبي" 3/ 252/ ب، "مجمع البيان" 8/ 716.]]. فعلى هذا تسبيحه كان في بطن الحوت. وعلى القول الأول تسبيحه كان قبل ذلك. قال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملاً صالحاً [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 252/ ب، "القرطبي" 15/ 126، "البغوي" 4/ 43.]]. وقال: ولم يلبث إلا قليلاً وأخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقمه فيه [[لم أقف عليه عن الحسن. وقد ذكر نحو هذا القول الماوردي 5/ 68، قال: بعض يوم، قال الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية.]]. وروى أبو هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه. فقالوا: ربنا إنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة. قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح. قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفته في الساحل" فذلك قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [[أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3227، عن أنس بن مالك. وقد أورده السيوطي في "الدر" 7/ 122، وعزاه لابن إسحاق والبزار وابن جرير عن أبي هريرة.]]. يعني العراء: المكان الخالي. قال أبو عبيدة: (وإنما قيل له العراء لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه، وأنشد فقال: فرفعت رجلاً لا أخاف عِثارها ... ونبذت بالبلد العراءِ ثيابي [[البيت من الكامل، وهو لرجل من خزاعة يقال له قيس بن جعدة في "مجاز القرآن" 2/ 266، "القرطبي" 15/ 129، "البحر المحيط" 7/ 368. وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 3/ 158، "الطبري" 23/ 101.]] [["مجاز القرآن" 2/ 175.]] وقال الليث: (العراء: الأرض الفضا التي لا تستر بشيء وثلاثة أعرية وأعراء الأرض ما ظهر من متونها وأنشد: وبلدة عارية اعراؤه [[شطر بيت لم أقف على تمامه ولا قائله، وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 159، "اللسان" 15/ 49 (عرا).]] يعني بارزه طهوره) [[لم أقف على قول الليث. وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 159، "اللسان" 15/ 49 (عرا).]]. وقال مقاتل: يقول البراري من الأرض التي ليس فيها نبت [["تفسير مقاتل" 114 أ.]]. وقال الكلبي: يعني وجه الأرض [[انظر: "الوسيط" 3/ 533، "تفسير الثعلبي" 3/ 252 ب، وذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 716، ولم ينسبه لأحد.]]. وقال ابن حيان: يعني ظهر الأرض [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 252 ب.]]. وقال ابن عباس: يريد على ساحل قرية من الموصل [[انظر: "الطبري" 23/ 151، إلا أنه قال بالساحل دون ذكر المكان، وكذا الماوردي 5/ 68.]]. قوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾، قال: قد بلى لحمه وكل شيء منه مثل الصبي المولود [[انظر: "الطبري" 23/ 102، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 379.]]. وقال ابن مسعود: [كهيئة الفرخ الممعط] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب). ومعنى ممعط: قال في "اللسان" 7/ 405 (معط): تمعط وامعط: تمرط وسقط من داء يعرض له.]] ليس عليه ريش [[انظر: "الماوردي" 5/ 68، "زاد المسير" 7/ 88.]]. وقال مجاهد: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: مكتئب [[لم أقف عليه.]]. وروى أنس عن النبي -ﷺ- قال: "أمر الله الحوت فلفظه كهيئة الصبي في أصل يقطينة، وهي الدبا يستظل بظلها، وهيأ الله له أروبة من الوحش تروح [عليه] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] بكرة وعشية، فتفشخ عليه فيشرب من لبنها حتى نبت اللحم" فذلك [[لم أقف عليه عن أنس، وقد أخرجه الطبري في "تفسيره" 23/ 103 عن أبي هريرة. وأورده الثعلبي في "تفسيره" 5/ 253 أعن مقاتل بن حيان.]] قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 175.]] والمبرد [[انظر: "القرطبي" 15/ 129،"فتح القدير" 4/ 411.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 314.]] وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" ص 375.]]: كل شجرة لا تقوم على ساق وإنما تمتد على وجه الأرض، فهو يقطين، نحو الدباء والحنظل والبطيخ. قال أبو إسحاق: وأحسب اشتقاقها من قطن بالمكان إذا أقام به. وهذا الشجر ورقه كله على وجه الأرض فلذلك قيل يقطين [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 314.]]. وقال ابن قتيبة: وزنه تفعيل [["تفسير غريب القرآن" ص 375.]]. قال الفراء: (قيل عند ابن عباس: هو ورق القرع. فقال: ومن جعل القرع من بين الشجر يقطينًا كل ورقة اتسعت وسترت [فهي] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] يقطين) [["معاني القرآن" 2/ 393.]]. قال مقاتل: يعني القرع يأكل منها ويستظل بها [["تفسير مقاتل" 114 أ.]]. وهو قول ابن مسعود [[انظر: "الطبري" 23/ 102، "تفسير الثعلبي" 3/ 253 أ، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 59.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" ص 545، وانظر: "الطبري" 23/ 103.]]. وكل شيء ذهب بسطًا في الأرض يقطين. قال الكلبي: ومنه القرع والبطيخ والقثاء والشرى [[لم أقف على هذا القول عن الكلبي. وانظر: "الطبري" 23/ 152، "تفسير الثعلبي" 3/ 253 أ.]]. وقال سعيد بن جبير: كل شيء ينبت ثم يموت من عامه فهو يقطين [[انظر: "الطبري" 23/ 102، "الثعلبي" 3/ 253 أ، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 59.]]. والآية تقتضي شيئين لم يذكرهما المفسرون أحدهما: أن هذا اليقطين لم يكن قبل فأنبته الله لأجله. والآخر: أن اليقطين كان [معروشًا ليحصل] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] له ظل؛ لأنه لو كان منبسطًا على الأرض لم يكن أن يستظل به. وقد قال أمية بن أبي الصلت في هذه القصة: وأنبتت يقطينًا عليه برحمة من الله لولا الله أُلقي ضاحيا [[البيت من الطويل، وهو لأمية بن أبي الصلت في الطبري 23/ 103، "المحرر الوجيز" 4/ 487، "البحر المحيط" 7/ 360، "زاد المسير" 7/ 88، "مجمع البيان" 8/ 715، ولم أجده في "ديوانه"، ومعنى ضاحيًا. قال في "اللسان" / 477 (ضحا): ضحا الرجل ضحْوًا وضُحُوًا وضُحِيّا برز الشمس.]]

الصافات 37:147

قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال مقاتل: وأرسلناه قبل أن يلتقمه الحوت [["تفسير مقاتل" 114 أ.]]. وعلى هذا الإرسال وإن ذكر بعد الالتقام فالمراد به التقديم، والواو معناها الجمع، وليس فيها دليل على أن أحد الشيئين أو الأشياء قبل الآخر. وروي عن ابن عباس أنه قال: كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت [[انظر: "الطبري" 23/ 105، "الماوردي" 5/ 69، "القرطبي" 15/ 130.]]. وعلى هذا يجوز أنه أرسل إلى قوم آخرين سوى القوم الأُوَلْ، ويجوز أن يكون أرسل إلى الأولين ثانيًا بشريعة فآمنوا بها. وقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال أبو عبيدة: (أو هاهنا ليس بشك، وقالوا هي في موضع الواو وأنشد لجرير: أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طُهيَّة والخشابا [[البيت من الوافر، وهو لجرير في "ديوانه" ص 814، "الكتاب" 1/ 102 - 3/ 183، "لسان العرب" 1/ 355 (خشب)، "مجاز القرآن" 2/ 148 - 175، "المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية" 3/ 1138. قوله: أثعلبة أراد بها قبيلة، ورياحاً أراد بها أيضًا قبيلة، وهي رياح بن يربوع. وطُهيَّة حي من تميم، والخشابا أيضًا قبيلة.]] [وأيضًا] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]]: [إن] بها أكتل أو رزاما ... خُوَيرِبين ينفقان الهاما [[الرجز لرجل من بني أسد في "الكتاب" 2/ 149، "الأزهية" ص 116، وبلا نسبة في "الكامل" 2/ 754، "لسان العرب" 11/ 8582 (كتل)، "مغني اللبيب" 1/ 63. وأكتل ورزام لصان كان يقطعان الطريق، والخويرب تصغير خارب، وهو اللص أو سارق الإبل خاصة، وإلهام جمع هامة وهي الرأس. وينفقان الهاما أي يستخرجان الدماغ والمخ. وهذا مثل ضربة لحذقهما بالسرقة. "شرح الكتاب" لعبد السلام هارون 2/ 149. والشاهد فيه أن خويربين انتصبا على الشتم ولو كان على إنَّ لقال خويربًا لكنه انتصب على الشتم.]] قال: ولو كان شكًا ما قال خويربين وإنما هو أكتل ورزام) [["مجاز القرآن" 2/ 175.]]. وقال ابن الأحمر: ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى داكما ما غيبتني غيابيا [[البيت من الطويل وهو لابن أحمر في "ديوانه" ص 171، "الأزهية" ص 115، "خزانة الأدب" 11/ 71. والشاهد فيه قوله: فالبثا شهرين أو نصف ثالث، يريد إلبثا شهرين ونصف ثالث فجاءت أو بمعنى الواو.]] وهذا قول قطرب واختيار أبي قتيبة فقال: (أو ربما كانت بمعنى واو النسق كقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: 6] وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: 113]. قال: وهذا كله عند المفسرين بمعنى واو النسق. قال: ونحو هذا قال: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: 77]، وقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [[في (أ): (وكان)، وهو خطأ.]] [النجم: 9]. وقال: وبعضهم يذهب إلى أنها بمعنى بل في هاتين الآيتين وفي قوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ على مذهب التدارك، وليس كما تأولوا، وإنما هي في جميع هذه المواضع بمعنى واحد: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، وأنشد بيت ابن الأحمر الذي أنشده أبو عبيدة، وقال: هذا البيت يوضح لك معنى الواو؛ لأنه أراد شهرين ونصف شهر ثالث) [["تأويل المشكل" ص 443 - 444 - 445.]]. وقال الفراء: أو هاهنا بمعنى بل كذلك جاء في التفسير مع صحته في العربية [["معاني القرآن" 2/ 393.]]. وهذا الذي قاله الفراء قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 114 أ.]] والكلبي [[لم أقف على هذا القول عن الكلبي وهو قول يروى عن ابن عباس. انظر: "الماوردي" 5/ 69، "القرطبي" 15/ 132.]]. وأنكر البصريون القولين [[في (أ): (القول).]] جميعًا. قال الأخفش في قوله: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ يقول: كانوا كذلك عندكم [["معاني القرآن" 2/ 491.]]. وشرحه الزجاج فقال: (معناه: أو يزيدون في تقديركم إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على المائة. وهذا هو القول لأنه على أصل أو. وقال: ولا يجوز أن تكون بمعنى الواو؛ لأن الواو للاجتماع وليس فيها دليل على أن أحد الشيئين قبل الآخر، وأو معناها إفراد أحد الشيئين أو أشياء) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 314.]]. وزاد أبو الفتح الموصلي بيانًا لمذهب البصريين فقال: (ومعناه: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموه قلتم أنتم فيهم هؤلاء مائة ألف أو يزيدون، فهذا الشك إنما دخل في الكلام على حكايته قول المخلوقين؛ لأن الخالق جل جلاله لا يعترضه الشك في شيء من خبره، ومثل هذا في المعنى كثير في التنزيل كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49]، وقوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: 49]، وقالوا هذا بعد إيمانهم وتقديره: يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرًا) [["سر صناعة الإعراب" 1/ 456]]، وقد ذكرنا قبل هذا في مواضع من هذا الكتاب. قال أبو الفتح: (ألطف وأوضح من قول قطرب أن أو بمعنى الواو) [["المصدر السابق".]]. قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 394.]]: إن أو بمعنى بل. وقال المبرد: (معناه أرسلناه إلى مائة ألف، فهم فرضه الذي عليه أن يؤديه، فإن زاد بالأولاد فعليه أيضًا دعاؤهم نافلة غير فرض) [[لم أقف عليه بهذا اللفظ عن المبرد. وقد ذكر النحاس في "معاني القرآن" 6/ 61، قول المبرد: وقال محمد بن يزيد (أو) على بابها، والمعنى أرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم مائة ألف أو أكثر.]]. واختلف المفسرون في الزيادة على المائة ألف. فقال الكلبي ومقاتل: يزيدون عشرين ألفًا، وهو قول السدي [["تفسير مقاتل" 114 أ، ولم أقف عليه عن الكلبي والسدي. وقد ذكره أكثر المفسرين منسوبًا لابن عباس ولأبي -رضي الله عنهم- جميعًا. انظر: "الطبري" 23/ 104، "الماوردي" 5/ 70، "ابن كثير" 4/ 22.]]. وروى مولى لابن عباس عنه قال: مائة ألف وبضعة [[في (ب): (تسعة).]] وثلاثون ألفاً [[انظر: "زاد المسير" 7/ 90، "ابن كثير" 4/ 22.]]. وهو قول الحسن والربيع [[انظر: "القرطبي" 15/ 132، "مجمع البيان" 8/ 717، "البغوي" 4/ 44.]]. وقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفًا [[انظر: "الماوردي" 5/ 75، "المحرر الوجيز" 4/ 487، "البغوي" 4/ 44.]].

الصافات 37:148

(فآمنوا) بمعنى: المائة ألف والزيادة الذين أرسل إليهم يونس، آمنوا أي: صدقوا بتوحيد الله ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، متعناهم في الدنيا إلى منتهى آجالهم. قاله ابن عباس [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 379.]]، وقتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 157، "الطبري" 23/ 105.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 114 أ.]].

الصافات 37:149

قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ قال ابن عباس [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف س 379.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 114 أ.]]: فاسئل أهل مكة. قال أبو إسحاق: فسألهم مسألة توبيخ وتقرير [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 314.]]. قال مقاتل: فسألهم النبي -ﷺ- في والنجم وهو قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ [النجم: 21] الآية [["تفسير مقاتل" 114 أ.]]. قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ قال المفسرون: وذلك أن قريشًا وأحياء من العرب: جهينة [[جهينة: من قبائل الحجاز العظيمة، تمتد منازلها على الساحل من جنوبي دير بلى حتى ينبع، وجهينة بن زيد: حي عظيم من قضاعة من القحطانية، ومساكنهم ما بين ينبع ويثرب في متسع من برية الحجاز."معجم قبائل العرب" 1/ 214.]] وبني سلمة [[بنو سَلِمة: بفتح السين وكسر اللام، بطن من الخزج من القحطانية، وهم بنو سَلِمة ابن سعد بن علي بن راشد. انظر: "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص370.]] وخزاعة [[خزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية وهم بنو عمر بن ربيعة، ومنازلهم بأنحاء مكة في مرِّ الظهران وما يليه. "معجم قبائل العرب" 1/ 338.]] وبني مليح [[بنو مليح: كزبير حيٌّ من خزاعة، وخزاعة قبيلة من الأزد من القحطانية. انظر: "معجم البلدان" 1/ 338.]]، قالوا: الملائكة بنات الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 114 أ، "تفسير الثعلبي" 23/ 53 أ، "القرطبي" 15/ 133.]]. قال الكلبي: لا يرضى أحدكم أن يكون له بنت، فكيف يرضى لله ما لا يرضى لنفسه [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 379.]].

الصافات 37:150

قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ معناه: بل أخلقنا الملائكة إناثًا وهم شاهدون حاضرون خلقنا إياهم، كقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: 19]، ثم وهذا إنكار عليهم يقول: كيف جعلوهم إناثًا ولم يشهدوا خلقهم.

الصافات 37:151

ثَمَّ أخبر عن كذبهم فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ﴾ يعني حين زعموا أن الملائكة بنات الله، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم.

الصافات 37:153

قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ قراءة العامة بفتح الهمزة وقطعها من أصطفي على معنى أأصطفي ثم يحذف ألف الوصل وهو استفهام توبيخ وتقريع، كقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: 16]، وقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: 39]، وقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: 21]. فكما أن هذه المواضع كلها استفهام كذلك [في] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب).]] هذه الآية. وقرأ نافع في بعض الروايات: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾، ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾، ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ موصولة بغير استفهام. وإذا ابتدأَ كَسَر الهمزَة على وجه الخبر كأنه اصطفى البنات فيما يقولون، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49]، أي: فيما كنت تقوله وتذهب إليه، وكقوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6]، أي: فيما يقول هو ومن يتبعه. ويجوز أن يكون اصطفى تفسيرًا لكذبهم الذي نسب إليهم في قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، كما أن ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [[[سورة المائدة: الآية 9]. قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.]] تفسير للوعد [[في (أ): (للوعيد).]]. ويجوز أن يكون قوله: ﴿أَصْطَفَى﴾ متعلقًا بقوله: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ على أنه أريد حرف العطف فلم يذكر، واستغنى بها في الجملة الثانية من الاتصال بالأولى عن حرف العطف كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ونحو ذلك مما حذف حرف العطف منه لالتباس [[في (أ): (للا لتباس).]] الثانية بالأولى. ذكر هذه الوجوه أبو علي ثم قال: وغير الاستفهام ليس باتجاه الاستفهام) [["الحجة" 6/ 64 - 65.]]. وذكر الفراء وجهًا آخر وهو: أنه أراد الاستفهام، وحذف حرف الاستفهام كقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ [الأحقاف: 20]، قرئ بالاستفهام ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ وقرئ بغير حرف الاستفهام ومعناهما جميعًا [واحد] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] [["معاني القرآن" 2/ 394.]].

الصافات 37:154

قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ توبيخ لهم على قولهم الكذب. قال مقاتل: كيف تقصون الجور حين تزعمون أن لله البنات ولكم البنون، (أفلا تذكرون) أنه لا يختار البنات على البنين [["تفسير مقاتل" 114 أ.]]. وقال ابن عباس: أفلا تتعظون، يعني فتنتهون عن هذا القول [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "الطبري" 23/ 107.]].

الصافات 37:156

﴿أَمْ لَكُمْ﴾ [قال مقاتل] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (ب).]]: يعني ألكم [[لم أقف عليه.]] ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. قال ابن ساس: حجة بينة [[هكذا في النسخ. ويظهر أن هناك سقطًا ولعل تقديره حتى يكون المعنى واضحًا: حجة بينة على أنما قلتم كما قلتم.]] أنما قلتم كما قلتم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الماوردي 8/ 70 عن ابن قتيبة، وأورده بعض المفسرين غير منسوب. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 125، "مجمع البيان" 8/ 718، "القرطبي" 15/ 134.]].

الصافات 37:157

﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ يريد الذي لكم فيه الحجة، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم الملائكة بنات الله.

الصافات 37:158

قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، اختلفوا في الجنة وفي هذا النسب الذي جعلوه. فروى السدي عن أبي صالح قال: الجنة: الملائكة [[انظر: "تفسير السدي" ص 406، "القرطبي" 15/ 134.]]. وروى عن أبي مالك قال: إنما سموا الجنة لأنهم كانوا على الجنان [[انظر: "القرطبي" 15/ 134، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 134، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي مالك، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3231.]]. وقال مقاتل: جعلوا نسبًا بين الرب والملائكة حين زعموا أنهم بنات الله [["تفسير مقاتل" 114 ب.]]. وعلى هذا القول الجنة هم الملائكة. سموا جنة لاجتنانهم عن الأبصار، أو لأنهم خُزَّان الجنة كما ذكر السدي. وقال الكلبي: قالوا لعنهم الله تزوج من الجن فخرج منها الملائكة. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 253 أ، "البغوي" 4/ 44، "زاد المسير" 7/ 91.]]. وقال قتادة: قالوا صاهر الجن، والملائكة من الجن [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 157 ، "الطبري" 23/ 108، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 65.]]. فذلك قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾. وقال مجاهد: قالت كفار قريش: الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات [[يعنون أشرافهم.]] الجن [["تفسير مجاهد" ص 546. وانظر: "الطبري" 23/ 108، "تفسير الثعلبي" 3/ 253 أ.]]. وعلى هذا القول: الجنة أولاد الجن، والنسب هو المصاهرة وروي قول آخر عن الحسن، قالوا: أشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه [[انظر: "الماوردي" 5/ 70، "البغوي" 4/ 45، "القرطبي" 15/ 135.]]. يعني أنهم عبدوه مع الله وأطاعوه وكأنهم جعلوه نسبًا لله، حيث اعتقدوا طاعته. وفيه بعد. والاختيار القول الأول، وهو قول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 394.]] وأبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 315.]]، يدل عليه ما بعده من قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، أي: قد علمت الملائكة أن الذي قالوا هذا القول محضرون النار ويعذبون. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 114 ب.]]، وعطاء [[لم أقف عليه عن عطاء. وأورده الطبري في "تفسيره" 23/ 8، عن السدي.]]، والفراء، وأبو إسحاق، والكناية في قوله: إنهم تعود على الكفار الذين قالوا هذا القول وجعلوا هذا النسب، وعلى القول الأول الكناية تعود على الجِنَّة، والمعنى: ولقد علمت الجِنة أنهم سيحضرون الحساب. قال مجاهد: والتأويل أنه لو كان كما قال الكفار من أن بين الله وبينهم نسبًا ما أحضروا الحساب، وإحضارهم للحساب دليل على أنه لا نسب بينه وبينهم [[لم أقف عليه، وقد ذكر ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3231 قريبًا من هذا القول عن مجاهد.]]، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: 18]، يعني: أن تعذيبه إياكم يدل على أنكم لستم كما تقولون.

الصافات 37:159

ثم نزه نفسه عما قالوا من الكذب فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ يعني الموحدين، الذين استخلصهم الله لتوحيده وعبادته، وهذا من المؤخر الذي يراد به التقديم؛ لأنه استثناء من المحضرين بقول: أُعلِموا أنهم محضرون النار إلا من أخلص ووحد. وفي هذه الآية دليل على صحة القول الأول في قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾. وروي عن ابن عباس: إلا عباد الله المخلصين فإنهم لا يجعلون لله صاحبة ولا ولدًا [[لم أقف عليه.]]. وعلى هذا الاستثناء منقطع وفي الكلام محذوف يدل على ما قبله.

الصافات 37:161

ثم خاطب كفار مكة بقوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ معنى الفتنة هاهنا الإضلال في قول جميعهم. قال الفراء: وأهل الحجاز يقولون: فتنت الرجل، وأهل نجد أفتنته [["معاني القرآن" 2/ 394.]]. ويدل طى أن المراد بالفتنة الإضلال قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ قال الزجاج: ما أنتم عليه بمضلين إلا من أضله الله [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 315.]]، ويقال: أضله على الشيء كما يقال أضله به. وبعضهم يجعل على هاهنا بمعنى الباء، قال مقاتل: يقول ما أنتم بمضلين أحدًا بآلهتكم إلا من قدر الله له أن يصلى الجحيم وكتب عليه الضلالة [["تفسير مقاتل" 114ب.]]، وهذا قول ابن عباس [[انظر: "الطبري" 23/ 159، "الماوردي" 5/ 72، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 67.]]، وجميع المفسرين، وكان عمر بن عبد العزيز يحتج في إثبات القدر بهذه الآيات، ويقول: لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، ثم يقرأ [[في (ب): (تلا).]] هذه الآيات [[انظر: "الطبري" 23/ 110، "تفسير الثعلبي" 3/ 253 ب، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 134، وعزاه لعبد بن حميد، والبيهقي في "الأسماء والصفات".]]، يعني أن الله تعالى قد بين أن قضاءه سبق في الدنيا ويعبدون الأصنام.

الصافات 37:162

ثم خاطب كفار مكة بقوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ معنى الفتنة هاهنا الإضلال في قول جميعهم. قال الفراء: وأهل الحجاز يقولون: فتنت الرجل، وأهل نجد أفتنته [["معاني القرآن" 2/ 394.]]. ويدل طى أن المراد بالفتنة الإضلال قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ قال الزجاج: ما أنتم عليه بمضلين إلا من أضله الله [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 315.]]، ويقال: أضله على الشيء كما يقال أضله به. وبعضهم يجعل على هاهنا بمعنى الباء، قال مقاتل: يقول ما أنتم بمضلين أحدًا بآلهتكم إلا من قدر الله له أن يصلى الجحيم وكتب عليه الضلالة [["تفسير مقاتل" 114ب.]]، وهذا قول ابن عباس [[انظر: "الطبري" 23/ 159، "الماوردي" 5/ 72، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 67.]]، وجميع المفسرين، وكان عمر بن عبد العزيز يحتج في إثبات القدر بهذه الآيات، ويقول: لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، ثم يقرأ [[في (ب): (تلا).]] هذه الآيات [[انظر: "الطبري" 23/ 110، "تفسير الثعلبي" 3/ 253 ب، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 134، وعزاه لعبد بن حميد، والبيهقي في "الأسماء والصفات".]]، يعني أن الله تعالى قد بين أن قضاءه سبق في الدنيا ويعبدون الأصنام.

الصافات 37:164

قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، هذا إخبار عن قول جبريل للنبي -ﷺ-. قال مقاتل: ثم قال جبريل للنبي -ﷺ-: وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم في السموات يعبد الله فيه [["تفسير مقاتل" 114ب.]]، ونحو هذا قال الكلبي [[انظر: "زاد المسير" 7/ 93.]]. وروى عطاء عن ابن عباس: وقالت الملائكة وما منا إلا له مقام معلوم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 15/ 137، ولم ينسبه.]]، وقد حذف على النظم قائل هذا القول. وقال أبو إسحاق: (هذا قول الملائكة وفيه مضمر، المعنى: ما منا ملك إلا له مقام معلوم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 316.]]. وروى مسروق عن عائشة قالت: قال نبي الله -ﷺ-: "ما في سماء الدنيا موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم فذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3232 عن عائشة، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 135، وقال: أخرج محمد بن نصر المروزي في "كتاب الصلاة"، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن عائشة. وللحديث طريق آخر عن أبي ذر، أخرجه الترمذي في "سننه" أبواب الزهد، باب ما جاء في قول النبي -ﷺ-: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً" 3/ 380 رقم 2414، وقال: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس وأنس، ثم قال: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه ابن ماجه في "سننه" أبواب الزهد، باب الحزن والبكاء2/ 424 رقم 4243، وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 173.]] "). ونحو هذا قال ابن عباس [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 253 ب، "البغوي" 4/ 45، "القرطبي" 15/ 137.]]، وابن مسعود [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 72، "القرطبي" 15/ 137.]]. وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض [[انظر: "البغوي" 4/ 45، "القرطبي" 15/ 137، "زاد المسير" 7/ 93.]]. وقال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم [[انظر: "الطبري" 23/ 113، "البغوي" 4/ 45، "القرطبي" 15/ 137.]]. قال ابن عباس: وإنا لنحن الصافون في التهليل والتسبيح والتكبير [[انظر: "الطبري" 23/ 112.]]. وكان عمر -رضي الله عنه- إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ثم قال: أقيموا صفوفكم واستووا، إنما يريد الله بكم هدي الملائكة، ثم يقرأ: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [[انظر: "الطبري" 23/ 112، وابن كثير 4/ 24، "زاد المسير" 7/ 93.]]. قال الكلبي [[لم أقف عليه عن الكلبي وبعض المفسرين ينسبه لقتادة. انظر: "الماوردي" 5/ 73، "القرطبي" 15/ 140.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 114 ب.]]: المصلون. وقال أبو إسحاق: الممجدون الله الذين ينزهونه عن السوء [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 316.]]. وقال مقاتل: يخبر جبريل النبي -ﷺ- بعبادتهم لربهم فكيف عندهم كفار مكة [["تفسير مقاتل" 114ب.]]. يعني أن جبريل أخبر أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح، وأنهم عباد الله ليسوا بمعبودين، ولا بنات الله كما زعمت الكفار.

الصافات 37:167

ثم عاد إلى الإخبار عن المشركين فقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ يعني وأنهم كانوا ليقولون: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال السدي: قالوا لو أن عندنا كتابًا من كتب الأنبياء [[انظر: "الطبري" 23/ 113، "تفسير السدي" ص 407، "المحرر الوجيز" 4/ 489.]] ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. وقال الكلبي: يقولون لو أتانا نبي كما أتى اليهود والنصارى لكنا عباد الله [[لم أقف عليه عن الكلبي، وقد أورد الطبري في "تفسيره" 23/ 113 نحوه عن قتادة، والقرطبي في "تفسيره" 15/ 138، ولم ينسبه.]]. قال عطاء عن ابن عباس: يريد قرآنا من لدن إبراهيم وإسماعيل [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد أورد الطبري في "تفسيره" 23/ 113 نحوه عن السدي والضحاك، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 93، ولم ينسبه.]]. وقال أبو إسحاق: كان كفار قريش يقولون لو جاءنا ذكر كما جاء غيرنا من الأولين ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 316.]]، وعلى هذا في الآية مضاف مقدر على تقدير ذكر من الكتب الأولين. وقال مقاتل: يعني خبر الأمم الخالية كيف أهلكوا وما كان أمرهم ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ [["تفسير مقاتل" 114 ب.]]، ولا يحتاج على هذا إلى تقدير المضاف. والقول هو الأول؛ لقوله -عز وجل-: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: 157]، قال الله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ المعنى: فجاءهم ما طلبوا فكفروا به. قال الزجاج: فلما جاءهم كفروا به [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 316.]]. وقال الفراء: (المعنى: وقد أرسل إليهم محمدًا بالقرآن فكفروا به، وهو مضمر لم يذكر؛ لأن معناه معروف مثل قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: 110]، وهذا من قول الملأ ثم قال: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، فوصل قول فرعون بقولهم؛ لأن المعنى بيِّن) [["معانى القرآن" 2/ 395.]]. قال قتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 159، "الطبري" 23/ 113.]]: وهذا كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89]. وقال مقاتل: يقص الله في القرآن خبر الأولين فكفروا بالقرآن، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيد القتل ببدر [["تفسير مقاتل" 114 ب]]. وقال ابن عباس: يريد تهديدًا [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو إسحاق: فسوف يعلمون مغبة كفرهم وما نُنْزِل بهم من العذاب في الدنيا والآخرة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 316.]].

الصافات 37:171

ثم ذكر أن العاقبة للأنبياء بالنصر وإن كذبهم قومهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، أي: تقدم الوعد بأن الله ينصرهم بالحجة وبالظفر بعدوهم. قال مقاتل: يعني بالكلمة: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: 21]، فهذه الكلمة التى سبقت للمرسلين [["تفسير مقاتل" 114 ب.]].

الصافات 37:173

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أي: ضرب الله لهم الغلبة. فإن قيل: كيف سبقت الكلمة بالنصر لهم مع أن الأنبياء من قبل [[يظهر أن هنا كلمة ساقطة تُقَدَّر: هزموا أو هزم أحزابهم.]] أو هزم أحزابهم، قيل: بعض المفسرين يذهب إلى أن الغلبة بالحجة، وهو مذهب السدي [[انظر: "الطبري" 23/ 114، "الماوردي" 5/ 73، "مجمع البيان" 8/ 721.]]، وبعضهم يذهب إلى أن العاقبة لهم بالنصر على من ناوأهم، ولم يقتل نبي في معركة حرب [[وهذا القول ينسب للحسن. انظر: "القرطبي" 15/ 139، "مجمع البيان" 8/ 721.]]. وقيل هذه النصرة هو أن الأنبياء وأتباعهم ينجون من عذاب الدنيا والآخرة، وهذا مذهب مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 114 ب.]].

الصافات 37:174

قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال ابن عباس [[انظر: "القرطبي" 15/ 139، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 380.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 114 ب.]]: يعني القتل ببدر. وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير الثعلبي" 23/ 253 ب، "مجمع البيان" 8/ 721.]]، والسدي [[انظر: "الطبري" 23/ 115، "الماوردي" 5/ 73، "مجمع البيان" 8/ 721.]]. وقال الكلبي: يعني فتح مكة [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 126، وأورده القرطبي 15/ 139، ولم ينسبه لأحد.]]. وقال قتادة: إلى الموت [[انظر: "الماوردي" 5/ 73، "المحرر الوجيز" 4/ 490، "القرطبي" 15/ 139.]]. قال عطاء عن ابن عباس ومقاتل: هذ منسوخة بآية السيف [[انظر: "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله"، لـ: هبة الله بن سلامة المقري ص 147، "ناسخ القرآن ومنسوخه" لابن البارزي ص 46.]].

الصافات 37:175

﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ قال ابن عباس: انتظر بهم [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: أبصرهم إذا نزل بهم [["تفسير مقاتل" 114 ب.]]. ويقال: أبصره إذا نصرناك عليهم. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ذلك. قال مقاتل: فقالوا متى هذا العذاب تكذيبًا به [["تفسير مقاتل" 114 ب.]]، فأنزل الله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾، الساحة متسع الدار، وجمعها سوح، كالبوح في جمع الباحة، ومنه قول الشاعر: .. .. .. .. واغبرت البوح [[جزء من بيت وتمامه: فكان سيان ألا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرت البوحُ وهو لأبي ذؤيب الهذلي في "ديوان الهذليين" 1/ 157، "خزانة الأدب" 5/ 137، "شرح أشعار الهذليين" ص 122، "لسان العرب" 14/ 412 (سوا)، وبلا نسبة في "الخصائص" 1/ 348 - 2/ 465، "مغني اللبيب" 1/ 63.]] يصف قحطًا وأوله: وكان سّيان أن لا يسرحوا نعما أو يسرحوا بهما. قال ابن عباس: نزل بديارهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، ونسبه الطبري 23/ 116 للسدي. وأورده النحاس في "معانى القرآن" 6/ 69، والقرطبي 15/ 140، ولم ينسباه لأحد.]]. وقال مقاتل: يعني بحضرتهم [["تفسير مقاتل" 115 أ.]]. وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 396، والكلام بنصه هنا منقول عن الفراء.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 317.]]: (نزل بهم، والعرب تجتزئ بالساحة والعقوة [[عقوة الدار: ساحتها وما حولها. انظر: "اللسان" 3/ 29 (عاق).]] من القوم، يقال: نزل بك العذاب وبساحتك سواء). قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، أي: بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، وفيه مضمر، كأنه قيل: فساء الصبح صباحهم، وذلك أنهم يصبحون في العذاب معذبين. وخص الصباح هاهنا بالذكر من بين الأوقات لأن العرب كانت تصبحهم الغارة فيقول قائلهم: واصباحاه وا سوء صباحاه، ويسمون الغارة: الصباح لأنها توافق الصباح، وذلك أنهم يعتقدون [[هكذا جاءت في النسخ، ولعله تصحيف، والصواب (يتعمدون).]] من يقصدون بالغارة في ذلك الوقت، فجرى اسم الصباح على الغارة، والذي ينزل به الغارة ينادي واسوء صباحاه، وإن لم يكن في وقت الصباح كذلك هؤلاء إذا نزل بهم العذاب؛ قيل في وصفهم ساء صباحهم. ثم ذكر ما سبق تأكيدًا لوعيد العذاب فقال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾، يقول: أعرض عنهم إلى تلك المدة.

الصافات 37:176

﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ قال ابن عباس: انتظر بهم [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: أبصرهم إذا نزل بهم [["تفسير مقاتل" 114 ب.]]. ويقال: أبصره إذا نصرناك عليهم. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ذلك. قال مقاتل: فقالوا متى هذا العذاب تكذيبًا به [["تفسير مقاتل" 114 ب.]]، فأنزل الله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾، الساحة متسع الدار، وجمعها سوح، كالبوح في جمع الباحة، ومنه قول الشاعر: .. .. .. .. واغبرت البوح [[جزء من بيت وتمامه: فكان سيان ألا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرت البوحُ وهو لأبي ذؤيب الهذلي في "ديوان الهذليين" 1/ 157، "خزانة الأدب" 5/ 137، "شرح أشعار الهذليين" ص 122، "لسان العرب" 14/ 412 (سوا)، وبلا نسبة في "الخصائص" 1/ 348 - 2/ 465، "مغني اللبيب" 1/ 63.]] يصف قحطًا وأوله: وكان سّيان أن لا يسرحوا نعما أو يسرحوا بهما. قال ابن عباس: نزل بديارهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، ونسبه الطبري 23/ 116 للسدي. وأورده النحاس في "معانى القرآن" 6/ 69، والقرطبي 15/ 140، ولم ينسباه لأحد.]]. وقال مقاتل: يعني بحضرتهم [["تفسير مقاتل" 115 أ.]]. وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 396، والكلام بنصه هنا منقول عن الفراء.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 317.]]: (نزل بهم، والعرب تجتزئ بالساحة والعقوة [[عقوة الدار: ساحتها وما حولها. انظر: "اللسان" 3/ 29 (عاق).]] من القوم، يقال: نزل بك العذاب وبساحتك سواء). قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، أي: بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، وفيه مضمر، كأنه قيل: فساء الصبح صباحهم، وذلك أنهم يصبحون في العذاب معذبين. وخص الصباح هاهنا بالذكر من بين الأوقات لأن العرب كانت تصبحهم الغارة فيقول قائلهم: واصباحاه وا سوء صباحاه، ويسمون الغارة: الصباح لأنها توافق الصباح، وذلك أنهم يعتقدون [[هكذا جاءت في النسخ، ولعله تصحيف، والصواب (يتعمدون).]] من يقصدون بالغارة في ذلك الوقت، فجرى اسم الصباح على الغارة، والذي ينزل به الغارة ينادي واسوء صباحاه، وإن لم يكن في وقت الصباح كذلك هؤلاء إذا نزل بهم العذاب؛ قيل في وصفهم ساء صباحهم. ثم ذكر ما سبق تأكيدًا لوعيد العذاب فقال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾، يقول: أعرض عنهم إلى تلك المدة.

الصافات 37:177

﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ قال ابن عباس: انتظر بهم [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: أبصرهم إذا نزل بهم [["تفسير مقاتل" 114 ب.]]. ويقال: أبصره إذا نصرناك عليهم. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ذلك. قال مقاتل: فقالوا متى هذا العذاب تكذيبًا به [["تفسير مقاتل" 114 ب.]]، فأنزل الله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾، الساحة متسع الدار، وجمعها سوح، كالبوح في جمع الباحة، ومنه قول الشاعر: .. .. .. .. واغبرت البوح [[جزء من بيت وتمامه: فكان سيان ألا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرت البوحُ وهو لأبي ذؤيب الهذلي في "ديوان الهذليين" 1/ 157، "خزانة الأدب" 5/ 137، "شرح أشعار الهذليين" ص 122، "لسان العرب" 14/ 412 (سوا)، وبلا نسبة في "الخصائص" 1/ 348 - 2/ 465، "مغني اللبيب" 1/ 63.]] يصف قحطًا وأوله: وكان سّيان أن لا يسرحوا نعما أو يسرحوا بهما. قال ابن عباس: نزل بديارهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، ونسبه الطبري 23/ 116 للسدي. وأورده النحاس في "معانى القرآن" 6/ 69، والقرطبي 15/ 140، ولم ينسباه لأحد.]]. وقال مقاتل: يعني بحضرتهم [["تفسير مقاتل" 115 أ.]]. وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 396، والكلام بنصه هنا منقول عن الفراء.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 317.]]: (نزل بهم، والعرب تجتزئ بالساحة والعقوة [[عقوة الدار: ساحتها وما حولها. انظر: "اللسان" 3/ 29 (عاق).]] من القوم، يقال: نزل بك العذاب وبساحتك سواء). قوله: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، أي: بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، وفيه مضمر، كأنه قيل: فساء الصبح صباحهم، وذلك أنهم يصبحون في العذاب معذبين. وخص الصباح هاهنا بالذكر من بين الأوقات لأن العرب كانت تصبحهم الغارة فيقول قائلهم: واصباحاه وا سوء صباحاه، ويسمون الغارة: الصباح لأنها توافق الصباح، وذلك أنهم يعتقدون [[هكذا جاءت في النسخ، ولعله تصحيف، والصواب (يتعمدون).]] من يقصدون بالغارة في ذلك الوقت، فجرى اسم الصباح على الغارة، والذي ينزل به الغارة ينادي واسوء صباحاه، وإن لم يكن في وقت الصباح كذلك هؤلاء إذا نزل بهم العذاب؛ قيل في وصفهم ساء صباحهم. ثم ذكر ما سبق تأكيدًا لوعيد العذاب فقال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾، يقول: أعرض عنهم إلى تلك المدة.

الصافات 37:179

﴿وَأَبْصِرْ﴾ العذاب إذا نزل بهم. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.

الصافات 37:180

ثم نزه نفسه عن شبههم [[حرف الشين ساقط في (ي).]] ووصفهم بقوله: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}، أي: الغلبة والقوة [[هكذا جاء في الكلام في النسخ، وفيه اضطراب، ولابد من تقدير كلمة، وهي: العزة، وهكذا جاءت في "الوسيط" 3/ 535.]]. قال عطاء [[لم أقف عليه.]]: يريد سيُعِزُك وأصحابَكَ عما يصفون الله به من اتخاذ البنات والنساء [[هكذا في النسخ، ولعل الصواب: (وما يقولون).]] يقولون من الكذب.

الصافات 37:181

﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 380، وأورد القول غير منسوب: البغوي في "تفسيره" 45/ 46، "القرطبي" 15/ 142.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 115 أ.]]: يريد الذين بلغوا عن الله التوحيد ورسالاته وقاموا بدينه.

الصافات 37:182

قوله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: الحمد لي وأنا إله الأولين والآخرين [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي [[لم قف عليه عن الكلبي. وانظر: "البغوي" 4/ 46، "القرطبي" 15/ 142، "زاد المسير" 7/ 95.]]: الشكر لله على هلاك المشركين، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 115 أ.]]. وقال أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 45، ولم أقف عليه عند غيره من أهل المعاني.]]. الحمد لله بإحسانه بكل أفاعيله.

ص 38:1

روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر أنهما سئلا عن ﴿ص﴾ فقالا: لا ندري [[انظر: "الثعلبي" 3/ 254 ب، "القرطبي" 15/ 143، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 143، وعزاه لعبد بن حميد عن أبي صالح.]]. وقال سعيد بن جبير: بحر يحيى الله به الموتى [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب، "القرطبي" 15/ 143.]]. وقال الضحاك: صدق الله وعده [[انظر: "الماوردي" 5/ 75. "البغوي" 4/ 47، "القرطبي" 15/ 143.]]. وقال مجاهد: فاتحة السورة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب، "القرطبي" 15/ 143.]]. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن [[انظر: "الطبري" 23/ 117، "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب، "الماوردي" 5/ 75.]]. وروى الوالبي عن ابن عباس قال: هو اسم من أسماء الله -عز وجل- [[انظر: "الطبري" 23/ 117، "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب، "زاد المسير" 7/ 97.]]. وقال في رواية عطاء: يريد صدق محمد -ﷺ- [[انظر: "البغوي" 4/ 47، "زاد المسير" 7/ 97.]]. وقال محمد القُرظي: هو مفتاح أسماء الله: صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 491، "البغوي" 4/ 47، "القرطبي" 15/ 143.]]. وقال السدي: هو قسم أقسم الله به [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب، "القرطبي" 15/ 143.]]. وذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن واعرابه" 4/ 319.]] فيه قولين قال: معناه الصادق الله. وقيل: إنه قسم [[هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف رحمه الله في معنى ﴿ص﴾ أقوال لا دليل عليها، والأولى أن يقال في جميع الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن: أنها بيان لإعجاز القرآن. يقول الإمام ابن كثير رحمه الله عنها: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. "تفسير ابن كثير" 1/ 38. وهذا القول اختيار جماعة من المحققين. انظر. "الكشاف" 1/ 76، "فتح القدير" 1/ 37، "أضواء البيان" 3/ 3 - 7.]]. قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ عطف عليها، المعنى: أقسم بـ ﴿ص﴾ وبالقرآن ذي الذكر. وأنكر أبو علي أن تكون ﴿ص﴾ قسمًا قال: (لأنه إذا كان قسمًا لا يخلو قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ من أن يكون استئناف قسم أو عطفا على قسم، وهو قوله: ﴿ص﴾، فلا يجوز أن يكون استئناف قسم إن جعلت ﴿ص﴾ قسماً؛ لأن جواب الأول لم يمض، فإذا لم يمض جواب الأول لم يجز أن يستأنف قسم آخر، ولا يجوز أن يكون عطفاً على القسم الأول، فيكون جوابان تشرك الأول؛ لأنه لا حرف جر في الأول، فإذا لم يكن في الأول حرف جر لم يجز ذلك، ولا يجوز إضمار حرف الجر في القسم إلا في أسماء الله كما تقول: الله لأفعلن، ولا يجوز: الكعبة لأفعلن، يريد بالكعبة كما جاز في اسم الله، لأنه كثر في كلامهم فجاز فيه للكثرة مالا يجوز في غيره، ألا ترى أنهم قد استجازوا في هذا الاسم بدل الباء من الواو ولم يجبزوه في غيره، وقالوا: بالله اغفر لي، ولا ينادون اسمًا فيه الأف واللام سوى هذا، لقولك [[هكذا جاءت في النسخ، ولعل الصواب: (لذلك) حتى يستقيم الكلام.]] أجازوا الحذف في هذا ولم يجيزوه في غيره، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون ﴿ص﴾ قسمًا، ويكون ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ قسماً لم يسبق قبله قسم) [[لم أقف على قول أبي علي.]]. وقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ أكثر المفسرين قالوا: معناه ذي الشرف. وهو قول سعيد بن جبير وأبي حصين وإسماعيل بن أبي خالد وابن عباس في رواية سعيد [[انظر: "الطبري" 23/ 118، "الماوردي" 5/ 75، "المحرر الوجيز" 4/ 491، "زاد المسير" 7/ 98.]]. والذكر يكون بمعنى الشرف كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44]، وكقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10]. قال مقاتل: ذي البيان [["تفسير مقاتل" 115 أ.]]. ويكون المعنى على هذا: وأنه ذكر فيه أقاصيص الأولين والآخرين، وما يحتاج إليه في الحلال والحرام. وروي عن الضحاك وقتادة: ذي الموعظة والتذكير [[انظر: "الطبري" 23/ 119، "الماوردي" 5/ 75، "زاد المسير" 7/ 98.]]. واختلفوا في جواب القسم: فحكى النسائي والفراء والزجاج [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 725، "التبيان في غريب القرآن" 2/ 1096، "الدر المصون" 5/ 525، "البحر المحيط" 7/ 367، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 319.]]: أن جواب القسم قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [[وهذه الآية في آخر السورة رقمها (64). ولطول الفاصل بين القسم وبين جوابه على هذا القول. نجد أن الكسائي رده ولا يراه شيئًا. وكذا الفراء، وكذلك استبعده النحاس في "معاني القرآن" 6/ 76.]]. قال الكسائي: ولا أراه شيئًا، فاستبعده. وقال الفراء: (هذا قد تأخر عن قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ تأخرًا كثيرًا وجرت بينهما قصص مختلفة، فلا يعد ذلك مستقيمًا في العربية) [["معاني القرآن" 2/ 397.]]. وحكى هؤلاء أيضًا قولاً آخر في جواب القسم، وهو أن يكون قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ واعترض بين القسم وجوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومعناه: لكم أهلكنا، فلما طال الكلام المعترض بينهما حذفت اللام [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 397، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 319، "مجمع البيان" 8/ 725.]]. وحكى الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 492.]] فقال: يزعمون أن موضع القسم في قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾. وقال النحاس [["معاني القرآن الكريم" 6/ 76.]]: وهذا كالأول في الاستبعاد. وذكر صاحب النظم هذا القول فقال: لما قال: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ اعترض خبر آخر سواه، وهو قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فمرَّ فيه إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ ثم قال: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ فكان هذا جوابًا للقسم، ومعنى ﴿إِنْ كُلٌّ﴾: ما كل، كما يقال في الكلام: والله ما هذا إلا كافر. وما اعترض بين قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ قصة واحدة، وهذا الجواب قد يتصل بها وينتظم معها، فيكون جوابًا للقصة المعترضة للقسم انتهى كلامه. وروي عن قتادة أن موضع القسم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [[انظر: "الطبري" 23/ 119، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 77، "زاد المسير" 7/ 99.]] كما قال: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا﴾. وقال صاحب النظم في هذا القول: معنى بل توكيد للخبر الذي بعده [...] [[في جميع النسخ قدر ثلاث كلمات غير واضحة، ولم أستطع الوقوف عليها في مضانها بعد طول بحث.]] في سبب ما بعدها قبل هاهنا بمنزلة أن؛ لأنه توكيد ما بعده من الخبر وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم، فكأنه -عز وجل- قال: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، كما تقول: والله إن زيدًا قائم. ثم قال: واحتج قائل هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعرب فيه أصل ولا لها فيه رسم، فيحتمل أن يكون نظمًا أحدثه الله -عز وجل- لما بينا من احتمال بل معنى أن. انتهى كلامه [[القول بأن الجواب هو قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو قول قتادة، لعله أرجح الأقوال، وقد رجحه الإمام الطبري في "تفسيره" 23/ 119. فقال: والصواب عندي ما قاله قتادة؛ لأنَّ بل دلت على التكذيب، فمعنى الكلام: ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، بل هم في عزة وشقاق ا. هـ. أما قول صاحب النظم بأن قائل هذا القول يحتج بأن النظم وإن لم يكن للعرب فيه أصل ولا لها فيه رسم .. إلى آخر كلامه، فهذا تكلف لا مسوغ له.]]. وقال أبو القاسم الزجاج: (قال النحويون: إن بل يقع في جواب القسم كما تقع لن؛ لأن المراد بهما توكيد الخبر، وذلك في قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكذلك قوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا﴾ وهذا من طريق الاعتبار يصلح أن يكون بمعنى أن لا أنه شائع في عبارة العرب أن يكون بل جوابًا للقسم، لكن بل لما كان متضمنًا خبر وإثبات خبرًا آخر بعد، فكأنه وكد من سائر التوكيدات، فحسن وضعه في موضع إن وقد، فكأنه قال: ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا. وقال: والقرآن المجيد لقد عجبوا) [[لم أقف على قوله.]]. وذهب أبو حاتم إلى هذا القول الذي يروى عن قتادة [[انظر القول منسوبًا لأبي حاتم وقتادة في: "القطع والائتناف" ص 615.]]. وحكاه الأخفش أيضًا فقال: المعنى بل الذين كفروا في عزة وشقاق والقرآن ذي الذكر [[انظر: "تفسير القرطبي" 15/ 144، "المحرر الوجيز" 4/ 491، "البحر المحيط" 7/ 367، "زاد المسير" 7/ 99.]]. قال الأخفش: (وهذا يقوله الكوفيون وليس بالجيد في العربية لو قلت: والله قام، وأنت تريد: قام والله لا يحسن أنها لليمين مواضع خاصة يقع فيها إذا أزلتها عنها لم يحسن) [[لم أقف عليه عن الأخفش. وانظر: "القطع والائتناف" ص 615.]]. قال النحاس: (هذا خطأ على مذهب النحويين؛ لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدًا عليه لم يكن بد من الجواب، وأجمعوا على أنه لا يجوز: والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله؛ لأن الكلام معتمد على القسم) [["القطع والائتناف" ص 615.]]. قال الأخفش وذكر وجها آخر: يجوز أن يكون لـ ﴿ص﴾ معنى يقع على القسم، لا ندري نحو ما هو كأنه كقوله: الحق والله [[لم أقف عله عن الأخفش. انظر: "المصدر السابق" ص: 615 فقد ذكر هذا القول.]]. وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ﴿ص﴾ الصادق الله أو صدق محمد، وهذا الوجه ذكره الفراء أيضًا فجعل ﴿ص﴾ جواب القسم، قال: هو كذلك وجب والله، ونزل والله، فهي جواب لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ كما تقول: نزل والله) [["معاني القرآن" 2/ 396.]]. وذكر النحاس وغيره من المعاني [[لعل صحة الكلام: وغيره من أهل المعاني.]] وجهًا [["معاني القرآن" للنحاس 6/ 76، "معاني القرآن" للفراء 2/ 397، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 319.]] آخر في جواب القسم، وهو أنه محذوف بتقدير: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، ودل على المحذوف قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: وهذا القول مذهب محمد بن جرير [["تفسير الطبري" 23/ 119.]] وهو مستخرج من قول قتادة، وهو قول حسن. وشرح صاحب النظم هذا القول فقال: بل دافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده، فقد ظهر ما بعده. وأضمر ما قبله. وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ مخالفًا لهذا المضمر، فكأنه قيل: والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق وكلامًا في هذا المعنى. فهذه ستة أوجه ذكرناها في جواب القسم [[ولعل الأرجح منها -وهو ما سبق ترجيحه- قول قتادة، وهو أن الجواب قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وإن كان القول السادس -وهو ما قال به النحاس وأهل المعاني- مستخرجاً من قول قتادة كما يقول المؤلف، فهو قول قوي ومقبول أما الأقوال الأخرى ففيها بعد. أما القول الأول: وهو أن الجواب قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ فبعده لطول الفاصل بين القسم والجواب كما أسلفنا. وأما الثاني: وهو أن الجواب قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ فبعيد للفاصل أيضًا، وإن كان الفاصل قليلاً، إلا == أن هذا لا يجعلنا نقول: إن هذا هو الجواب؛ لوجود ما يصلح جواباً قبله. وأما الثالث: وهو أن الجواب قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ فبعيد أيضًا لطول الفصل. وأما الرابع: وهو قول الأخفش: يجوز أن يكون لـ ﴿ص﴾ معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو، كانه قولك الحق والله، فبعيد؛ لأن الجواب ظاهر ومفهوم ولا يحتاج إلى تقدير شيء.]].

ص 38:2

قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف عليه]]: جحدوا وكذبوا وأشركوا. وقال مقاتل: كفروا بالتوحيد من أهل مكة. (في عزة) قال: يعني حمية، كقوله: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ [البقرة: 206] [["تفسير مقاتل" 115 أ.]]. وقال الكلبي: يكفروا عن محمد -ﷺ- [[هكذا جاءت في العبارة في النسخ، وهو خطأ، فإن يكفروا تعدّى بالباء وليس بعن، فالصحيح: يكفروا بمحمد. ولم أقف على قول الكلبي.]]. قال المبرد: العزة التعزز عن الحق، نحو قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: 206] وتحقيقه الأنفة عن الانقياد للحق [[انظر: "اللسان" 5/ 378 (عزز).]]. وقوله: ﴿وَشِقَاقٍ﴾ قال ابن عباس: يريد الاختلاف [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 380.]]. والكلام في هذا تقدم [[عند الآية (256) من سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.]].

ص 38:3

ثم خوَّفهم فقال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ قال مقاتل: يعني الأمم الخالية حين كذبوا الرسل. ﴿فَنَادَوْا﴾ عند نزول العذاب في الدنيا [["تفسير مقاتل" 115 أ.]]. ولم يذكر بأيش نادوا، والظاهر أنه أراد نادوا بالاستغاثة؛ لأن نداء من نزل به العذاب الاستغاثة، وعلى هذا دل كلام ابن عباس وغيره من المفسرين [[انظر: "الطبري" 23/ 121، "الماوردي" 5/ 77، "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب، "البغوي" 4/ 47.]]. وقال آخرون [[ينسب هذا القول للسدي. انظر: "الطبري" 23/ 121، وذكر النحاس في "معانيه" 6/ 77 ولم ينسبه.]]: نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب، وهو معنى قول قتادة [[انظر: "الطبري" 23/ 121، "ابن كثير" 4/ 26.]]. وقال الكلبي [[انظر: "الماوردي" 5/ 78، "بحر العلوم" 3/ 129، "القرطبي" 15/ 145، وأورده البغوي 4/ 48 عن ابن عباس.]]: كانوا إذا قاتلوا فاضطروا، قال بعضهم لبعض: مناص [[والمناص هنا المراد به: الفرار، فكأنه ينادي بعضهم بعضًا بالفرار والبحث عن ملجأ.]] فلما أتاهم العذاب، قالوا: مناص فقال الله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. وعلى هذا المعنى والتقدير: فنادوا مناص، إلا أنه حذف المنادى، ودل عليه قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: ليس الوقت وقت ما ينادون به، إلا أن هذا القول ضعيف؛ لأن هذا إخبار عن القرون الماضية المهلكة، ويبعد أن يقال: كل القرون كانت عادتهم عند الأضطرار في القتال أن ينادوا مناص. قال صاحب النظم: فنادوا أي: رفعوا أصواتهم، يقال منه: فلان أندى صوتًا من فلان أي: أرفع، ومنه قال الشاعر [[هذا البيت من الوافر للأعشى في: "الكتاب" 3/ 45، "الدر" 4/ 85 وليس في == "ديوانه". وللفرزدق في "أمالي القالي" 2/ 90 وليس في "ديوانه". ولد ثار بن شيبان النمري في "سمط اللآلئ" ص 726، "اللسان" 15/ 316 (ندى). وقيل: للأعشى أو للحطئية أو لربيعة بن جشم أو لدثار بن شيبان في: "شرح التصريح" 2/ 239، "شرح شواهد المغني" 2/ 827. وبلا نسبة في "أوضح المسالك" 4/ 182، "سر صناعة الإعراب" 1/ 392]]: فقلتُ ادْعى وأدعُوْ فإن أندى ... لصوتٍ أن ينادي داعيان قال: وقوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ظرف لقوله: ﴿فَنَادَوْا﴾ لأنه وقت [[في (ب): زيادة (لا)، وهو خطأ.]] له. والمعنى: فنادوا حين لا مناص أي: ساعة لا منجا ولا فوت، إلا أنه لما قدم لا وأخر حين اقتضى ذلك الواو، وكما يقتضي الحال إذا جعل ابتداءً وخبرًا مثل قولك: جاءني زيد راكبًا فإذا جعلته مبتدأ وخبرًا اقتضى الواو مثل: جاءني زيد وهو راكب) [[انظر قول أبي علي الجرجاني في القرطبي 15/ 146.]]. ومما يشبه هذا النظم قولك: أتيت زيدًا حين لم يطلع الفجر، ثم تقول: أتيت زيدًا والفجر لم يطلع، فارتفع الفجر بدخول الواو؛ لأنه جعل مبتدأ وموضعه نصب على الحال. وهذا الذي ذكره شرح قول قتادة: نادوا القوم على غير حين النداء، وتدل هذه الجملة على أنهم نادوا بالاستغاثة. قال ابن عباس [[انظر: "الطبري" 23/ 121، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 389.]] والمفسرون في قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: ليس بحين بروز ولا فرار ضبط القوم [[انظر: "الطبري" 23/ 121، "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب.]]. قال أبو عبيد: المناص مصدر وناص ينوص، وهو المتجاوز الفوت [[لم أقف عليه عن أبي عبيد. وانظر: "اللسان" 7/ 102 (نوص).]]. وقال الفراء: (النوص التأخر في كلام العرب، وأنشد لامرئ القيس: أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص [[صدر بيت، وعجزه: وتقصر عنها خطوة وتبوص وهو من الطويل، لامرئ القيس في "ديوانه" ص 177، "تهذيب اللغة" 12/ 246 (ناص)، "اللسان" 5/ 97 (قعد)، 7/ 9 (بوص). وبلا نسبة في: "رصف المباني" ص 496. والشاهد فيه قوله: تبوصو، حيث جاءت الواو لإطلاق القافية. ومعنى نأتك: أي بُعدت عنك وهجرتك. وتنوص: تذهب متباعدًا، وتبوص تَعْجَل، يعني أنك تتردد بين الريث والعجلة. "شرح ديوان امرئ القيس" ص 122.]] [["معاني القرآن" 2/ 397.]] وقال أبو إسحاق: (يقال: ناصه ينوصه، إذا فاته، وفي التفسير: لات حين نداء. قال: ومعناه لات حين نداءٍ ينجي) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 320.]]. وأما لات والكلام في هذه التاء فقال وهب والكلبي: لات بلغة اليمن ليس [[لم أقف على هذا القول عن الكلبي ولا عن وهب. وقد ذكر الثعلبي في "تفسيره" 3/ 254 ب، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 100 عن وهب أنها بالسريانية وليست بلغة أهل اليمن. وذكر البوي في "تفسيره" 4/ 48 أنها بلغة أهل اليمن ولم ينسب هذا القول لأحد، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 100 عن عطاء.]]، هذا ما ذكر عن أهل التفسير. وأما النحويون فإنهم مختلفون في هذه التاء. قال أبو عبيدة: (ولات إنما هي ولا، وبعض العرب يزيد فيها هاء الوقف، فإذا اتصلت صارت تاء) [["مجاز القرآن" 2/ 176.]]. فعلى قوله، التاء لحقت لا. وقال أبو زيد: (لات التاء فيها صلة، والعرب تقول: لات بالتاء، وأنشد: طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء [[البيت من الخفيف، وهو لأبي زبيد الطائي في "ديوانه" ص 30، "الإنصاف" ص 109، "خزانة الأدب" 4/ 190، "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 320، "القرطبي" 15/ 147.]] قال: والأصل فيها لا، والمعنى فيها ليس. قال: والعرب تقول: ما اسطيع وما أستطيع، ويقولون: ثمت في موضع ثم، وربت في موضع رب، ويا ويلتنا ويا ويلتا) [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 420 (لات).]]. وذكر أبو الهيثم عن الرازي في قولهم: (لات هنا أي: ليس حين ذلك وإنما هو لاهَنَّا فأنت لا فقيل لاه، ثم أُضيِف فتحولت الهاء تاء، كما أنثوا رب ربة وثم ثمة) [[انظر: "المصدر السابق".]]. وقال شمر: (أصل هذه التاء هاء وصلت بلا، فقالوا: لاه لغير معنى حادث كما زادوها في ثمة، فلما وصلوها جعلوها تاء. قال: وهذا إجماع من علماء البصرة والكوفة) [[انظر: "المصدر السابق".]]. وقال أبو علي: من الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث نحو: ثم وثمه ولات ولات [[لم أقف عليه.]]. وخالف أبو عبيد [[ذكر قول أبي عبيد: ابن الأنباري في "التبيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 312، والقرطبي في "تفسيره" 15/ 146.]] فقال: وجدنا هذه التاء تلحق مع حين ومع لات ومع أوان، فيقال: كان هذا تحين كان ذلك، وكذلك تاوان، ويقال اذهب ثلاث إن شئت فاهمز تلأن وإن شئت فلا تهمز، قال: وقد وجدنا ذلك في أشعارهم وفي كلامهم، فمن ذلك قول وجزة: العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم [[البيت من الكامل، وهو لأبي وجزة السعدي في: "الأزهية" ص 264، "خزانة الأدب" 4/ 176، "اللسان" 9/ 251 (عطف). والشاهد فيه قوله: (العاطفون تحين) حين زاد التاء على حين، وخرِّج على أن هذه التاء في الأصل هاء السكت، وقيل: الشاهد حذف لا وإبقاء التاء لأن الحين مضافة في التقدير، والتقدير: العاطفون حين لات حين ما من عاطف، فحذف حين مع لا.]] قال: وقد كان بعض النحويين يجعلون الهاء موصولة بالنون فتقول العاطفونه، وهذا غلط بين؛ لأن الهاء إنما تقحم مع النون في مواضح القطع والسكوت، فأما مع الاتصال فإنه غير موجود، ومن إدخالهم التاء في أوان قول أبي زبيد [[في النسخ كتب: أبو عبيد، ثم علق في الهامش: زبيد. ولعله وهم من الناسخ ثم صححه من اطلع على الكتاب. البيت لأبي زبيد كما سبق تخريجه.]]: طلبوا صلحنا ولات أوان) [[انظر قول أبي عبيد في: "اللسان" 2/ 87 (ليت).]]. ومن إدخالهم التاء في الآن حديث أبي [[هكذا في النسخ، والصواب: (ابن).]] عمر وسأله رجل عن عثمان فذكر [يبين لك أن التاء لم تكن زيادة مع لا] [[هكذا جاءت في النسخ، والذي ورد عند القرطبي 15/ 147 حينما نقل كلام أبي عبيد قال: قال أبو عبيد: ومن إدخالهم التاء في الآن حديث ابن عمر وسأله رجل عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تَلاَن فعك.]]. مع أني تعمدت النظر في المصحف الذي يقال له الإمام مصحف عثمان، فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين، قال: والوقف عندي على هذا الحرف ولا من غير تاء، ثم يبتدئ فيقول: تحين مناص) [[انظر قول أبي عبيد بتمامه في: القرطبي 15/ 146 - 147.]]. وقال أبو إسحاق: (الوقف على لات بالتاء، فالكسائي يقف بالها لاه، فجعلها هاء التأنيث. قال: وحقيقة الوقف عليها بالتاء؛ لأن هذه التاء نظيرة التاء في الفعل في قولك: ذهبت، جلست، وفي قولك: زيدًا تمت عمرًا عند الوقف على تمت فخطأ فهاء الحروف بمنزلة تاء الأفعال؛ لأن التاء في الموضعين دخلت على ما لا يعرب وليس هو في طريق الأسماء نحو: قاعد وقاعدة) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 321.]]. قال أبو علي الفارسي فيما أصلح على أبي إسحاق [[أصلح أبو علي على أبي إسحاق كتابه: "معاني القرآن وإعرابه"، وكتاب أبي علي اسمه: "الإغفال فيما أغفله الزجاج في معاني القرآن".]]: (ليس للعرفان والجهالة في قلب هذه التاء هاء في الوقف ولا لتركها مذهب، ولكن يدل على أن الوقف على هذا ينبغي أن يكون بالتاء؛ لأنه لا خلاف أن الوقف على الفعل بالتاء، وإذا كان الوقف على التي في الفعل بالتاء وقعت المنازعة في الحروف وجب أن ينظر فيلحق بالقبيل الذي هو أشبه، والحروف بالفعل أشبه منه بالاسم من حيث كان الفعل ثانيًا والاسم أولاً، فالحرف لهذا الثاني أشبه بالأصل، وأيضًا فإذا كانت هذه الهاء في بعض اللغات تترك تاء في الأسماء كما حكاه سيبويه، وأنشد أبو الحسن من قوله: بل جوزتيها كظهر الحجفتْ [[جزء من بيت، وتمامه: قد تبلت فؤاده وشغفت ... بل جَوْزِتيهاء كظهر الحجفتْ وهو من الرجز لسؤر الذنب. انظره مع أبيات أخرى في: "اللسان" 9/ 39 (حجف).11/ 70 (بلن). "تاج العروس" 23/ 119 (حجف). وبلا نسبة في "رصف المباني" ص 232، 238، 269، "المحتسب" 2/ 92.]] وإن تترك في الحرف ولا تقلب أجدر، فبهذا ترجح هذا القول على قول الكسائي في القياس) [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني"، رسالة ماجستير أعدها: محمد حسن إسماعيل، كلية الآداب، جامعة عين شمس- مصر. ص 1193 - 1194.]] انتهى كلامه. وقياس قول الكسائي أن هذه التاء هاء في الأصل، ثم تصير تاء في الوصل، فإذا ترك الوصل عاد إلى ما كان نحو: قاعدة وضاربة [["معاني القرآن" 2/ 398.]]. وعند أبي إسحاق وأبي علي لم تكن هاء قط هو تاء في الأصل والوقف كالتاء التي في: ذهبت، وقعدت. وهذا هو الأشبه لما ذكره أبو علي من الحرف بالفعل أشبه منه بالاسم، وقال الفراء: (الوقف على لات بالتاء) [[انظر قول الكسائي في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 781، "القرطبي" 15/ 146.]]. فهذه ثلاثة أوجه في الوقف: أحدهما: لات بالتاء، والثاني: لاه بالهاء، والثالث: لا، وهو مذهب أبي عبيد. قال الفراء: (والكلام أن ننصب تاء لات؛ لأنها في معنى ليس، أنشدني المفضل: تذكر حب ليلى لات عينا ... وأضحى الشيب قد قطع القرينا [[البيت من الوافر، وهو لعمر بن شأس في "ديوانه" ص 73، "تذكرة النحاة" ص 734. وبلا نسبة في "خزانة الأدب" 4/ 169، 178، "معاني القرآن" للفراء 2/ 397، "الدر المصون" 5/ 522، والقرين: هو المصاحب. انظر: "اللسان" 13/ 337 (قرن).]] [["معاني القرآن" 2/ 397.]] قال أبو إسحاق: النصب على أنها عملت عمل ليس، المعنى: وليس الوقت حين مناص، قال: والرفع جيد، ومن رفع بها جعل حين اسم ليس وأضمر الخبر على معنى: ليس حين منجى لنا) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 325.]]. قال [[هكذا جاء الكلام في جميع النسخ وهو موهم، والكلام بنصه عند الطبري 23/ 122 ونصُّه: وقال بعض نحوي الكوفة: من العرب من يضيف لات.]] العرب من يضيف لات فتخفض بها، وأنشد: علمت أنني قد قتلته ... ندمت عليه حين لات ساعة مندم [[الذي عند الطبري إثبات الشاهد فقط وهو: لات ساعة مندم. والبيت الذي ذكره المؤلف سقطت منه كلمة (فلما) في أوله. وهو من الطويل، للقتال الكلابي في "الحماسة" 1/ 63 إلا أن روايته فيه هكذا: ولما رأيت أنني قد قتلته ... ندمت عليه أي ساعة مندم وفي تحقيق د/ أحمد الخراط لـ"رصف الماني" ص 334 نسبه للقتال. وبلا نسبة في "تذكرة النحاة" ص 734، "خزانة الأدب" 4/ 168 ، 169 ، 174 ، 187 ، "تأويل مشكل القرآن" ص 529.]] وأنشد أيضًا قول أبي زيد: (ولات أوان) [["تفسير الطبري" 23/ 122.]] قال ابن قنيبة: (وجر العرب بها يفسد مذهب أبي عبيد؛ لأنهم إذا جروا ما بعدها جعلوها كالمضاف للزيادة واحتجاجه بقوله: القاطعون تحين. فإن ابن الأعرابي قال: إنما هو القاطعونه بالهاء، فإذا وصلت صارت الهاء تاء، قال: وسمعتُ الكِلَّابي [[هو: أبو الحسين عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد بن موسى الكِلابيُّ الدمشقي، يعرف بأخي تبوك، محدَّث صادق معمّر، ولد سنة 306. روى عن محمد بن خُزيم وطاهر بن محمد وأبي عبيدة بن ذكران وخلق غيرهم، وعنه روى تمام الرازي وعبد الوهاب الميداني وأبو القاسم السُميساطي وغيرهم. مات رحمه الله سنة 396 هـ. قال الكتَّاني: كان ثقة نبيلاً مأموناً. انظر: "سير أعلام النبلاء" 16/ 557، "شذرات الذهب" 3/ 147، "العبر" 3/ 61.]] ينهى رجلاً عن عمل، فقال له: حسبكلآن [[في "تأويل المشكل" ص 531: (حسبَك تلان).]] أراد حَسْبُكهُ الآن، فلما وصل صارت الهاء تاء) [["تأويل المشكل" ص 530 - 531.]]. قال أبو إسحاق: (الكسر بها شاذ، شبيه بالخطأ عند البصريين، ولم يرو سيبويه والخليل الكسر، والذي عليه العمل النصب والرفع. قال الأخفش: إن لات حين نصب حين بلا، كما تقول: لا رجل في الدار، ودخلت التاء للتأنيث) [["معاني القرآن وإعرإبه" 4/ 321.]]. قوله: ﴿وَعَجِبُوا﴾] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] قال صاحب النظم: هذا منظوم بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾؛ لأنه منسوق عليه بالواو. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ معترض وليس من النصب في شيء. قوله: ﴿مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ قال ابن عباس [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 380.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 115 أ.]]: يعني رسولاً من أنفسهم. ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ من أهل مكة. ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾ يفرق بين الإثنين بسحره، يعني: بين الولد ووالده والرجل وزوجته يُميل أحدهما فيَميل إليه ويهجر صاحبه. ﴿كَذَّابٌ﴾ حين يزعم أنه رسول.

ص 38:5

قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: كان لهم ثلاثمائة وستون صنفًا فلما دعاهم النبي -ﷺ- إلى عبادة إله واحد أنكروا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وما ذكره المفسرون هو جزء من حديث طويل، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن قريشًا شكوا رسول الله -ﷺ- إلى ابن طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ فقال: "يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذَل لهم بها العرب، وتؤدِّي إليهم بها الجزية العجم". قال: كلمه. قال: "كلمة واحدة". قال: ما هي؟. قال: "لا إله إلا الله". فقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحدًا، فأنزل الله هذه الآية. وهذا الحديث وردّ بعدة روايات وبطرق مختلفة، رواه الإمام أحمد في "مسنده"1/ 362، والترمذي في "سننه" 2/ 155، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير، تفسير سورة ص 2/ 432 وصححه ووافقه الذهبي. وذكره من المفسرين "الطبري" 23/ 125، "البغوي" 4/ 48، "القرطبي" 15/ 150.]]. والمعنى: أنهم كانوا يعبدونها مع الله، فلما أبطلها النبي -ﷺ- دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، تعجبوا وقالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحداً! أي: كيف جعل لنا إلهًا واحدًا بعد ما كنا نعبد آلهة، وليس المعنى أنه جعل جميعها واحداً، وإنما المعنى أنه أبطل آلهتنا وأثبت الإِلهية لواحد وهو الله تعالى، فقالوا: كيف جعلها واحدًا أي: كيف جعل الآلهة من الآلهة التي كنا نعبدها واحدًا وهو الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي يقول محمد من أن الآلهة واحد. ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال مقاتل [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 255 أ، "القرطبي" 15/ 150، "الدر المصون" 5/ 525.]]: لأمر عجب بلغة أزد شنوءة [[أزد شنؤة من الأزد، وهي من أعظم قبائل العرب وأشهرها، وأزد شنوءة قسم من الأزد، نسبتهم إلى كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، كانت منازلهم السَّراة بتثليث وتُربة وبيشة. قلت: وهذه مدن ثلاث معروفة من مدن المملكة العربية السعودية. انظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 15.]]. وقال أبو عبيدة: (العرب قد تحول فعيلا إلى أفعال، وأنشد لعباس بن مرداس: أين دريد وهو ذو براعة ... تغدوا به سلهبة سراعة [[هذا البيت من الرجز لعباس بن مرداس في "مجاز القرآن" 2/ 177. والسلهبة: هي وصف يقال للفرس، إذ عظم وطال وطالت عظامه. انظر: "اللسان" 1/ 474 (سلهب).]] أي: سريعة) [["مجاز القرآن" 2/ 177.]]. ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 398 س.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 321.]] وغيرهما، قالوا: تقول العرب: رجل كريم وكُرَّام وكُرَام، وشيء كبير وكُبَّار وكُبَار، وطويل وطوّال، وطَوال وشيء عجب وعُجّاب وعُجَاب بالتشديد، وهي قراءة عيسى بن عمر [[لم أستطع تحديد من هو؛ لوجود أكثر من قارئ بنفس الاسم، فهناك: أ- عيسى بن عمر الثقفي. ب- عيسى بن عمر الأسدي.]].

ص 38:6

قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ قال المفسرون: لما أسلم عمر -رضي الله عنه- شق على قريش ذلك وفرح به المؤمنون، فانطلق الملأ منهم من قريش وهم سبعة وعشرون رجلاً من أشرافهم إلى أبي طالب وشكوا إليه ابن أخيه، فأرسل إليه أبو طالب فدعاه وعاتبه. فقال النبي -ﷺ-: أدعوكم إلى كلمة واحدة. قالوا: وما هي؟. قال: لا إله إلا الله، فنفروا من ذلك، قالوا: أجعل إلآلهة إلهًا واحداً، وهو معنى قول ابن عباس [[انظر: "الطبري" 23/ 125، "القرطبي" 15/ 150، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 146، وزاد نسبته لابن مردويه عن ابن عباس.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 115 أ.]] وسعيد بن جبير [[انظر: "المصادر السابقة".]]. قال محمد بن إسحاق: نزلت ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ في مجلسهم ذلك [[انظر: "القرطبي" 15/ 151.]]. يعني: مجلس أبي طالب حين نازعوا رسول الله -ﷺ-، فذلك قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد الأشراف منهم إلى أبي طالب. ﴿أَنِ امْشُوا﴾ قال: معناه: أي امشوا. وتأويله: يقولون امشوا. قال أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 299، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 321، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 80.]]: أن هاهنا بمعنى أي التي للتفسير، وذلك أنه صار انطلاقهم بدلالته على المشي بمنزلة الناطق به، كقولهم: قام فلان يصلي، أي أنه رجل صالح، فهذان وجهان: أحدهما وهو ما ذكره أبو إسحاق أن التأويل يقولون امشوا، والثاني: فسر انطلاقهم بقول بعضهم لبعض: امشوا. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 115 أ]]: أن امشوا إلى أبي طالب. وذكر الفراء [["معاني القرآن" 2/ 399]] وأبو إسحاق وجهًا آخر في ﴿أَنِ امْشُوا﴾ وهو أن في موضع النصب لفقد الخافض، والتقدير: انطلق الملأ منهم بأن امشوا، أي بهذا القول. وهذا يتوجه إذا حملت الانطلاق والمشي على الخروج من عند أبي طالب والذهاب من عنده لا إليه. وقد ذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 321.]] هذا فقال: وقص هذه القصة التي ذكرناها في سبب النزول ثم نهضوا وانطلقوا من مجلسهم يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم. وعلى هذا القول المعنى: اخرجوا من عند أبي طالب وتفرقوا على هذا القول، وهو أن يمشوا فيصبروا على دينهم الذي هم عليه ويتمسكوا به. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 115 أ.]]: يعني واثبتوا على عبادة آلهتكم، كقوله في الفرقان: ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان:42]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: لأمر يراد بنا ، يعنون بإسلام عمر وزيادة أصحاب أصحاب -ﷺ- قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]] ومقاتل [[انظر: "الماوردي" 5/ 79، "القرطبي" 15/ 152.]]. وقال الكلبي [[الطبري 23/ 125، "الماوردي" 5/ 78.]]:إن هذا لشيء يراد بأهل الأرض.

الزخرف 43:1

﴿حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قال ابن عباس: قَسَمٌ من الله بالقرآن المبين [[ذكر ذلك الطبري 13/ 47، والبغوي 7/ 205، وابن الجوزي 7/ 302 ولم ينسبوه.]]، يريد الذي بَيَّنَ فيه الفرائض والسنن والشرائع، قال أبو إسحاق: ﴿الْمُبِينِ﴾ الذي أبانَ طريقَ الهدى من طرق الضلالة، وأبان كلَّ ما تحتاج إليه الأمة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 405.]].

الزخرف 43:2

﴿حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قال ابن عباس: قَسَمٌ من الله بالقرآن المبين [[ذكر ذلك الطبري 13/ 47، والبغوي 7/ 205، وابن الجوزي 7/ 302 ولم ينسبوه.]]، يريد الذي بَيَّنَ فيه الفرائض والسنن والشرائع، قال أبو إسحاق: ﴿الْمُبِينِ﴾ الذي أبانَ طريقَ الهدى من طرق الضلالة، وأبان كلَّ ما تحتاج إليه الأمة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 405.]].

الزخرف 43:3

قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: صَيَّرناه. والجَعْل يكون بمعنى [[انظر: "تهذيب اللغة" (جعل) 1/ 373، "اللسان" (جعل) 11/ 111، "مفردات الراغب" (جعل) ص 94، "تفسير البغوي" 7/ 205، "تفسير ابن عطية" 14/ 239.]] التصيير، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: 103] والمعنى: صَيَّرْنا قرآنَ هذا الكتاب عربيًّا، لأن من القرآن العبراني [[قال السيوطي: اختلف الأئمة في وقوع المعرَّب في القرآن، فالأكثرون ومنهم الإمام الشافعي، وابن جرير، وأبو عبيدة، والقاضي أبو بكر، وابن فارس على عدم وقوعه فيه لقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ وقد شدد الشافعي النكير على القائل بذلك، وقال أبو عبيدة: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن كذاباً بالنبطية فقد أكبر القول. وقال ابن أوس: لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله، لأنه أتى بلغات لا يعرفونها. وقال ابن جرير: ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير == ألفاظ من القرآن إنها بالفارسية والحبشية والنبطية أو نحو ذلك إنما اتفق فيها توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد، وذهب آخرون إلى وقوعه فيه وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربياً والقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية. وعن قوله تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ بأن المعنى من السياق: أكلام أعجمي ومخاطب عربي، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء والمنع عن أهل العربية: والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعاً، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية فهو صادق ومن قال عجمية فصادق، ومال إلى هذا القول الجواليقي، وابن الجوزي، وآخرون. انظر: "الإتقان" للسيوطي 1/ 366 - 369.]] والسرياني، فما نقل منه إلى العربية صار عربيًا بالتصيير والنقل.

الزخرف 43:4

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني: القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: في اللوخ المحفوظ [[ذكر ذلك الثعلبي 10/ 78 ب، والبغوي 7/ 205، والقرطبي 16/ 62 ولم ينسبوه.]]. ﴿لَدَيْنَا﴾ يريد: الذي عندنا، قال مقاتل: يقول فإن نُسْخته في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 789.]]. وقال أبو إسحاق: ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أصل الكتاب، وأصلُ كلِّ شيء أمُّه، والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، والدليل على ذلك: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 405.]] [البروج: 21 - 22]. وقال عبد الرحمن بن سابط: كلُّ شيء كائن إلى يوم القيامة مكتوب في أم الكتاب [[انظر: "الدر المنثور" 7/ 366.]]. قوله: ﴿لَدَيْنَا﴾ يجوز أن يكون من صفة أم الكتاب، كما ذكره ابن عباس [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 48، "تفسير ابن كثير" 6/ 216.]]، ويجوز أن يكون المعنى: وإنه لدينا في أم الكتاب. ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ قال قتادة: أخبر عن منزلته وفضله وشرفه [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة، انظر: "تفسيره" 13/ 49، "تفسير الوسيط" 4/ 63.]]، أي: إن كَذَّبتم به يا أهل مكة فإنه عندنا رفيع، شريف، محكم من الباطل، قاله المفسرون [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 205، "تفسير الوسيط" 4/ 64.]]. وقال أهل المعاني: العلي في البلاغة المظهر ما بالخلق إليه حاجة [[انظر: "غرائب التفسير" للكرماني 2/ 1060.]] في أحسن البيان، جهله من جهله، وعلمه من علمه.

الزخرف 43:5

قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ قال الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 28.]] والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 405.]]: يقال: ضربت عنه وأضربت عنه، أي: تركته وأمسكت عنه. وقوله: (صفحًا). قال ابن قتيبة: أي: إعراضًا، يقال: صَفَحْت عن فلان، إذا أعرضت عنه، والأصل في ذلك أنك موليه صَفْحةَ عنقك. قال كُثيِّر يذكر امرأةً صفوحًا: صفُوحًا فَما تَلْقَاكَ إلا بَخِيلَةً ... فَمنْ مَلَّ مِنْها ذَلِك الوَصْلَ مَلَّتِ أي: معرضة بوجهها [[إلى هنا انتهى ما نقله عن ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 395.]]. وقال أبو علي: وانتصاب (صفحًا) من باب: (صُنْعَ الله) لأن قوله: (أفنضرب عنكم الذكر) يدل على أصفح عنكم صفحًا [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 138.]]، واختلفوا في معنى الذكر هاهنا، فقال أبو صالح ومجاهد: يعني: ذكر العذاب، والمعنى: يكذبون بالقرآن ولا يعاقبون [[أخرج ذلك الطبري 13/ 49، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 216، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 62.]]. قال أبو إسحاق: المعنى: أفنضرب عنكم ذكر العذاب بأن أسرفتم، قال: والدليل على أن المعني هذا قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 206.]] وعلى هذا ضَرْب الذكر: رده وكفه، واختيار الفراء على هذا القول، وقال: المعنى: أفنضرب عنكم ذكر الانتقام منكم والعقوبة لكم، لأن كنتم قومًا مسرفين [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 27 ونص عبارته: والعرب تقول: قد أضربت عنك وضربت عنك، إذا أردت به: تركتك وأعرضت عنك.]]. وقال آخرون: معنى: الذكر هاهنا القرآن والتذكير به، قال ابن عباس: يريد: الضرب عنكم الموعظة [[لم أقف عليه، وكذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب: نضرب أو أضرب.]]، وقال الكلبي: يقول الله لأهل مكة: أفنترك عنكم الوحي صفحًا فلا نأمركم بشيء ولا ننهاكم [[ذكر ذلك الثعلبي 10/ 79 أ، والبغوي 7/ 256، وأبو حيان 8/ 6 عن الكلبي.]] ولا نرسل إليكم رسولاً أن كنتم قومًا مشركين، المعنى على هذا: أفنمسك عن إنزال القرآن ونتركه من أجل أنكم لا تؤمنون به [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 49، "البغوي" 7/ 206، "الجامع" للقرطبي 16/ 62.]]، وهذا معنى قول قتادة: والله لو كان هذا القرآن رُفع حين ردَّه أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة [[أخرج ذلك الطبري 13/ 49 عن قتادة، ونسبه البغوي 7/ 206 لقتادة.]]. قال الأزهري: أفنعرض عن تذكيركم إعراضًا من أجل إسرافكم في كفركم [[انظر: "تهذيب اللغة" (صفح) 4/ 257.]]. وقال أبو إسحاق مثل هذا القول أي: أنهملكم فلا نعرفكم ما يجب عليكم لأن أسرفتم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 406.]]، والاختيار هذا القول، وهو قول ابن زيد واختيار الجبائي [[هو: محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي أبو علي من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره وإليه نسبة الطائفة (الجبائية) مات سنة ثلاث وثلاثمائة، انظر: "وفيات الأعيان" 1/ 480، "البداية والنهاية" 11/ 125، "الأعلام" 6/ 256.]] لأنه أليق بما بعده من قوله: (أن كنتم قومًا مسرفين) [[لم أقف عليه.]]، وقرئ ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ بكسر الهمزة وفتحها، فمن فتح فالمعنى: لأن، والكسر على أنه جزاء استغني عن جوابه بما تقدمه، مثل: أنت ظالم إن فعلت، كأنه قال: إن كنتم قومًا مسرفين نضرب [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 50، "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 98، "الحجة" لأبي علي 6/ 138.]]. وقال أبو إسحاق: من كسر فعلى معنى الاستقبال، على معنى: إن تكونوا مسرفين، وقرئ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 405.]]، وقال الفراء: ومثله ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: 2] و (أن صدوكم) بالكسر والفتح وأنشد: أَتَجْزعُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتا ... جِهَارًا وَلَم تَجْزَعْ لِقَتْلِ ابن خَازِمِ [[البيت للفرزدق انظر: "ديوانه" 855، "الخزانة" 3/ 655، "شرح شواهد المغني" 1/ 86، وهو من قصيدة يمدح فيها سليمان بن عبد الملك ويهجو جريرًا وقتيبة هو: قتيبة بن مسلم الباهلي القائد المشهور، وأما ابن خازم فهو: عبد الله بن خازم السلمي أمير خراسان من قبل ابن الزبير، والشاهد فيه كسر (إن) وحملها على معنى الشرط، وقد ورد البيت في "تفسير الطبري" 13/ 50، "الدر المصون" 6/ 92.]] قال: وفي قوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ الفتح والكسر [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 27.]] واختار أبو عبيد النصب، وقال: لأن الله تعالى عاتبهم على ما كان منهم، وعلمه قبل ذلك من فعلهم [[ذكر ذلك الثعلبي 10/ 79 ب، والشوكاني في "فتح القدير" 4/ 548 عن أبي عبيد، وذكره بهذا اللفظ القرطبي 13/ 63 ولكن نسبه لأبي عبيدة فلعله تصحيف (عبيد).]]. ثم عزى نبيه بقوله:

الزخرف 43:6

﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: 6 - 8]. قال ابن عباس: يريد أشد من قومك بطشًا [[ذكر ابن الجوزي أن المراد: قريش، ولم ينسبه، انظر: "زاد المسير" 7/ 303، وقال البغوي 7/ 206: أي: أقوى من قومك، وقال القرطبي: الكناية في ﴿مِنْهُمْ﴾ ترجع إلى المشركين المخاطبين بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ فكنى عنهم بعد أن خاطبهم 16/ 63.]]، ويعني: بالأشد بطشًا الأولين الذين ذكر أنه أرسل فيهم الرسول فاستهزؤا به فأهلكهم الله، وهم كانوا أشد بطشًا من قريش. قال ابن عباس: يعني: أكبر عددًا وأظهر جَلدًا [[قال القرطبي 16/ 64: أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم وأتباعهم. ولم ينسبه.]]، ونظم الكلام يوجب أن يكون التقدير: فأهلكناهم، يعني الأولين، فحذف مفعول الإهلاك لدلالة الكلام عليه: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ منتصب على الحال، وفيه تخويف لكفار مكة، والكناية في (منهم) تعود إلى المشركين الذين خاطبهم بقوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحًا)، كنى عنهم بعد أن خاطبهم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 63.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الكلبي: سنة الأولين ممن أهلك، وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 51، "تنوير المقباس" ص 489.]]. قال مقاتل: يعني: سنة الأولين في العقوبة حين كذبوا رسلهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 789.]]. وقال قتادة: عقوبة الأولين [["تفسير الطبري" 13/ 51 فقد أخرجه عن قتادة، ونسبه القرطبي لقتادة، انظر: "الجامع" 16/ 64.]]. وقال ابن عباس: يريد: وسبق ما أنزل الله في القرون الأولين قوم نوح وعاد وثمود [[لم أقف عليه، وكذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب: (الأولى).]]، وعلى هذا معنى الآية: وسبق ما أنزلنا في إهلاكهم، وهو مَثَلٌ ضربناه لهم، وتقدير الكلام: مثل الأولين لهم. قال أهل المعاني [[لم أقف عليه.]]: ومضى مثل الأولين لهؤلاء الباقين، أي: أنهم قد سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي ما نزل بهم، فقد ضربنا لهم مثلهم كما قال: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الفرقان: 39]، وكقوله: {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى قوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: 45] والمعنى: سبق فيما أنزلنا إليك بشبه حال الكفار الماضية بحال هؤلاء في التكذيب، ولما أهلكوا هؤلاء بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء أيضًا الإهلاك لأنهم أشباه بعضهم لبعض، وأما قول المفسرين في تفسير قوله: (مثل الأولين) عقوبتهم وسنتهم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 51، "تفسير الثعلبي" 10/ 79 أ، "تفسير البغوي" 7/ 206، "تفسير الماوردي" 5/ 216.]]، فهو معنى وليس تفسير؛ لأن المعنى ذِكْر بيان ما حل بهم ليعتبر هؤلاء. ثم ذكر أن هؤلاء مع شركهم وكفرهم يقرون بما هو الحجة عليهم فقال:

الزخرف 43:7

﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: 6 - 8]. قال ابن عباس: يريد أشد من قومك بطشًا [[ذكر ابن الجوزي أن المراد: قريش، ولم ينسبه، انظر: "زاد المسير" 7/ 303، وقال البغوي 7/ 206: أي: أقوى من قومك، وقال القرطبي: الكناية في ﴿مِنْهُمْ﴾ ترجع إلى المشركين المخاطبين بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ فكنى عنهم بعد أن خاطبهم 16/ 63.]]، ويعني: بالأشد بطشًا الأولين الذين ذكر أنه أرسل فيهم الرسول فاستهزؤا به فأهلكهم الله، وهم كانوا أشد بطشًا من قريش. قال ابن عباس: يعني: أكبر عددًا وأظهر جَلدًا [[قال القرطبي 16/ 64: أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم وأتباعهم. ولم ينسبه.]]، ونظم الكلام يوجب أن يكون التقدير: فأهلكناهم، يعني الأولين، فحذف مفعول الإهلاك لدلالة الكلام عليه: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ منتصب على الحال، وفيه تخويف لكفار مكة، والكناية في (منهم) تعود إلى المشركين الذين خاطبهم بقوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحًا)، كنى عنهم بعد أن خاطبهم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 63.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الكلبي: سنة الأولين ممن أهلك، وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 51، "تنوير المقباس" ص 489.]]. قال مقاتل: يعني: سنة الأولين في العقوبة حين كذبوا رسلهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 789.]]. وقال قتادة: عقوبة الأولين [["تفسير الطبري" 13/ 51 فقد أخرجه عن قتادة، ونسبه القرطبي لقتادة، انظر: "الجامع" 16/ 64.]]. وقال ابن عباس: يريد: وسبق ما أنزل الله في القرون الأولين قوم نوح وعاد وثمود [[لم أقف عليه، وكذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب: (الأولى).]]، وعلى هذا معنى الآية: وسبق ما أنزلنا في إهلاكهم، وهو مَثَلٌ ضربناه لهم، وتقدير الكلام: مثل الأولين لهم. قال أهل المعاني [[لم أقف عليه.]]: ومضى مثل الأولين لهؤلاء الباقين، أي: أنهم قد سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي ما نزل بهم، فقد ضربنا لهم مثلهم كما قال: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الفرقان: 39]، وكقوله: {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى قوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: 45] والمعنى: سبق فيما أنزلنا إليك بشبه حال الكفار الماضية بحال هؤلاء في التكذيب، ولما أهلكوا هؤلاء بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء أيضًا الإهلاك لأنهم أشباه بعضهم لبعض، وأما قول المفسرين في تفسير قوله: (مثل الأولين) عقوبتهم وسنتهم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 51، "تفسير الثعلبي" 10/ 79 أ، "تفسير البغوي" 7/ 206، "تفسير الماوردي" 5/ 216.]]، فهو معنى وليس تفسير؛ لأن المعنى ذِكْر بيان ما حل بهم ليعتبر هؤلاء. ثم ذكر أن هؤلاء مع شركهم وكفرهم يقرون بما هو الحجة عليهم فقال:

الزخرف 43:8

﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: 6 - 8]. قال ابن عباس: يريد أشد من قومك بطشًا [[ذكر ابن الجوزي أن المراد: قريش، ولم ينسبه، انظر: "زاد المسير" 7/ 303، وقال البغوي 7/ 206: أي: أقوى من قومك، وقال القرطبي: الكناية في ﴿مِنْهُمْ﴾ ترجع إلى المشركين المخاطبين بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ فكنى عنهم بعد أن خاطبهم 16/ 63.]]، ويعني: بالأشد بطشًا الأولين الذين ذكر أنه أرسل فيهم الرسول فاستهزؤا به فأهلكهم الله، وهم كانوا أشد بطشًا من قريش. قال ابن عباس: يعني: أكبر عددًا وأظهر جَلدًا [[قال القرطبي 16/ 64: أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم وأتباعهم. ولم ينسبه.]]، ونظم الكلام يوجب أن يكون التقدير: فأهلكناهم، يعني الأولين، فحذف مفعول الإهلاك لدلالة الكلام عليه: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ منتصب على الحال، وفيه تخويف لكفار مكة، والكناية في (منهم) تعود إلى المشركين الذين خاطبهم بقوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحًا)، كنى عنهم بعد أن خاطبهم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 63.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الكلبي: سنة الأولين ممن أهلك، وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 51، "تنوير المقباس" ص 489.]]. قال مقاتل: يعني: سنة الأولين في العقوبة حين كذبوا رسلهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 789.]]. وقال قتادة: عقوبة الأولين [["تفسير الطبري" 13/ 51 فقد أخرجه عن قتادة، ونسبه القرطبي لقتادة، انظر: "الجامع" 16/ 64.]]. وقال ابن عباس: يريد: وسبق ما أنزل الله في القرون الأولين قوم نوح وعاد وثمود [[لم أقف عليه، وكذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب: (الأولى).]]، وعلى هذا معنى الآية: وسبق ما أنزلنا في إهلاكهم، وهو مَثَلٌ ضربناه لهم، وتقدير الكلام: مثل الأولين لهم. قال أهل المعاني [[لم أقف عليه.]]: ومضى مثل الأولين لهؤلاء الباقين، أي: أنهم قد سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي ما نزل بهم، فقد ضربنا لهم مثلهم كما قال: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الفرقان: 39]، وكقوله: {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى قوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: 45] والمعنى: سبق فيما أنزلنا إليك بشبه حال الكفار الماضية بحال هؤلاء في التكذيب، ولما أهلكوا هؤلاء بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء أيضًا الإهلاك لأنهم أشباه بعضهم لبعض، وأما قول المفسرين في تفسير قوله: (مثل الأولين) عقوبتهم وسنتهم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 51، "تفسير الثعلبي" 10/ 79 أ، "تفسير البغوي" 7/ 206، "تفسير الماوردي" 5/ 216.]]، فهو معنى وليس تفسير؛ لأن المعنى ذِكْر بيان ما حل بهم ليعتبر هؤلاء. ثم ذكر أن هؤلاء مع شركهم وكفرهم يقرون بما هو الحجة عليهم فقال:

الزخرف 43:9

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ قال ابن عباس: ولئن سألت قومك يا محمد [[ذكر ذلك البغوي 7/ 206 ولم ينسبه، وابن عطية 14/ 242 ولم ينسبه.]] ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ قال: يريد إقرارًا منهم بعدلي وعلمي بخَلْقي، قال الكلبي: وهذا إيمان منهم وهم يخالفون فيشركون به الأصنام [[ذكر نحو ذلك في "تفسير الوسيط" 4/ 65 ولم ينسبه، وكذلك "البغوي" 7/ 207.]]. وقال أهل المعاني: هذا إخبار عن غاية جهلهم، إذ أقروا بالله خالق السموات والأرض، ثم عبدوا معه غيره، وأنكروا قدرته على البعث [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 207، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 64.]]، وقد تم الإخبار عنهم [[انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 646.]] ثم ابتدأ جل وعز دالًّا على نفسه فقال:

الزخرف 43:10

قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [[نص الآية: ﴿مَهْدًا﴾ قال أبو علي الفارسي: اختلفوا فى قوله: ﴿مَهْدًا﴾ (طه: 53) == في زيادة الألف ونقصانها هاهنا في [الزخرف: 10]، ولم يختلفوا في غيرها. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر ﴿مِهْادًا﴾ بالألف في كل القرآن، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿مَهْدًا﴾ بغير ألف فيها. انظر: "الحجة" 5/ 223.]] قال صاحب النظم: أخبر الله عما يقول الكفار إذا سئلوا عمن خلق السموات والأرض [[كذا رسمها في الأصل، ولعله سننه لفظ: (ثم).]]، ابتدأ -عز وجل- وصف نفسه غير حاكٍ ذلك عن الكفار فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾، ولو كان منتظمًا بما قبله من كلام الكفار لوجب أن يكون نظمه: الذي جعل لنا الأرض، والمعنى العزيز العليم الذي أوموا إليه أنه خلقهن هو الذي جعل لكم الأرض مهادًا، قال: ونظيره من كلام الناس: أن يسمع الرجل رجلاً يقول: الذي بني هذا المسجد فلان العالم، فيقول السامع لهذا الكلام: الزاهد الكريم، كأنه عرفه فزاد في وصفه، فيكون النعتان جميعًا لرجل واحد من رجلين مختلفين، وكذلك قوله -عز وجل-: ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ صفة من صفات الله محكية عن الكفار. قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ صفة من صفاته أضافها -عز وجل- إلى الصفة التي حكاها عن الكفار؛ لأنها حق، وإن كان من كلام الكفار، وتفسير هذه الآية قد سبق في سورة طه [آية 53]. وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: تهتدون في أسفاركم إلى مقاصدكم، وهذا قول الحسن ومقاتل، والثاني: لتهتدوا إلى الحق [في بالاعتبار] [[كذا رسمها في الأصل ولعل المراد: (فيه بالاعتبار).]] الذي جعل لكم، وهذا معنى قول ابن عباس [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 790، "تفسير الماوردي" 5/ 23، "تفسير ابن عطية" 14/ 243، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 64]].

الزخرف 43:11

قوله: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم وأهلكهم، بل هو بقدر حتى يكون معاشًا لكم ولأنعامكم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 52، "تفسير البغوي" 207/ 7، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 64، وقد نسبه القرطبي، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 65 لابن عباس.]].

الزخرف 43:12

﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي الأصناف والضروب والألوان والذكر والأنثى.

الزخرف 43:13

قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ قال أبو عبيدة: التذكير لـ: ما [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 202.]]، وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد فيه معنى الجمع بمنزلة الجيش والجند، فلذلك ذكَّر وجمع الظهور [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 28.]]. ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ يعني النعمة بتسخير ذلك لكم، مراكب في البر والبحر، وقال الكلبي: هو أن تقول: الحمد لله الذي رزقني هذا وحملني عليه [[ذكر ذلك في "الوسيط" 4/ 65 ونسبه لمقاتل والكلبي.]]، وهذا معنى قول ابن عباس: تذكروا كرامة ربكم إذا استويتم عليه، يعني: إكرامه إياكم بتلك المراكب [[لم أقف عليه.]]، ويدل على هذا قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: 70]. وقوله: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ قال مقاتل: ذلل لنا هذا المركب [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 790.]]، وقال قتادة: قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم الفلك بقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: 41] ويعلمكم إذا ركبتم الإبل أن تقولوا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [[أخرجه الطبري 13/ 54 عن قتادة، ونسبه في "الوسيط" لقتادة.]]. قال ابن عباس: يريد: ولا طاقة لنا بالإبل ولا بالفلك ولا بالبحر لولا أن الله سخره لنا [[نسبه في "الوسيط" لابن عباس. انظر: 4/ 65.]] ومعنى المقرن: المطيق في قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 55، "الماوردي" 5/ 218، "القرطبي" 16/ 66.]]، قال أبو عبيدة: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له وأنشد: ولَسْتُم للصِّعَابِ بمُقرنِينَا [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 202، والبيت للكميت وصدره قوله: ركبتم صعبتي أنشرًا وحيفًا والشاهد قوله: مقرنينا: أي ضابطين. وقد استشهد به النحاس في "معاني القرآن" 6/ 341، والقرطبي في "الجامع" 16/ 66.]] وقال الليث: أقرنت لهذا البرذون والبعير، أي قد أطقته، وكان اشتقاقه من قولك: صوت له قرنًا مطيقًا [[انظر: كتاب: العين 5/ 143 (قرن) بلفظ: صرت له قرينا أي مطيقًا]]، ونحو هذا قال الزجاج وابن قتيبة قال: ومعنى: أنا قرن لفلان، أي: مثله في الشدة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 406، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 395.]]. وقال صاحب النظم: هذا كله خبر عن ظاهره، ومعناه في الباطن أمر؛ لأنه لو كان خبرًا لوجب أن يكون ذلك عامًا في الإتيان والعمل به، فلما لم يكن ذلك عامًا، وكان خاصًّا في بعض، دل ذلك عليه أنه أمر أخرج مخرج الخبر، قال: وقد قيل إن معناه: ليأمركم إذا استويتم عليه أن تذكروا نعمة ربكم كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] إلا لآمركم أن تعبدونِ، ولو كان على ظاهر النظم لوجب أن يعبدوه كلهم. والله أعلم.

الزخرف 43:15

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾. قال صاحب النظم: رجع إلى ذكر الكفار الذين قدم ذكرهم في أول السورة، فابتدأ خبرًا عنهم من غير أن يصله في المعنى بما قبله؛ لأنه لا يتصل بشيء مما تقدمه، وإن كان منسوقًا عليه بواو العطف، ومعنى الجزء في اللغة: القطعة والنصيب، وجمعه أجزاء، ويقال: جزأت الشيء بينهم وجزأته، إذا قسمته، تخفف وتثقل [[انظر: "تهذيب اللغة" (جزى) 11/ 146، "اللسان" (جزأ) 1/ 47، "كتاب الجيم" ص 93.]]. وذكر المفسرون في هذا قولين: أحدهما: قال ابن عباس: يريد حيث جعلوا الملائكة بنات الله [[أخرج ذلك الطبري 13/ 55 عن مجاهد والسدي. ونسبه في "الوسيط" 4/ 66 لابن عباس ومجاهد والحسن.]]، وعلى هذا معنى الآية حكموا بأن بعض العباد وهم الملائكة له أولاد. فمعنى الجعل هنا الحكم بالشيء، وحُذِفَ من الكلام مفعولٌ هو مراد على تقدير: وجعلوا له من عباده جزءًا ولدًا أو بنات. القول الثاني: أن معنى الجزء هاهنا العدل والشبيه، وذلك أنهم عبدوا الملائكة والجن، فجعلوهم لله عدلًا وشبيهًا، وهذا معنى قول مقاتل وقتادة [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 790، "تفسير الطبري" وقد ذكر القولين 13/ 55 - 56، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 396، "تفسير الماوردي" 5/ 219.]]، وتقدير هذا القول كتقدير القول الأول؛ لأن المعنى: وجعلوا له من عباده جزءًا عدلاً، فحذف أحد المفعولين، وذكر أبو إسحاق في الجزء قولاً آخر فقال: أنشدني بعض أهل العلم بيتًا يدل على [أن] [[زيادة يقتضيها السياق.]] معنى الجزء الإناث، ولا أدري البيت قديمٌ أم مصنوع وهو: إنْ أَجْزأَتْ حُرَّةٌ يومًا فلاَ عَجَبٌ ... قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَانَا [[البيت استشهد به ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 396، والماوردي في "تفسيره" 5/ 219، وأبو حيان في "البحر" 8/ 8، "اللسان" (جزأ) 1/ 47. وقال الزمخشري: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث ما هو إلا كذب على العرب ووضح محدث متحول ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه أجزأت المرأة ثم صنعوا بيتاً وبيتاً: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب زوجتها من بنات الأوس مجزئة انظر: "الكشاف" 3/ 413.]] أي: إن ولدت أنثى، قال الأزهري: واستدل قائل هذا القول بقوله -عز وجل-: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19] قال: وهذا القول ليس بشيء، والجزء بمعنى الإناث غير موجود في كلام العرب، والشعر القديم الصحيح لا يعبأ بالبيت الذي ذكره لأنه مصنوع [[انظر: "تهذيب اللغة" بتصرف يسير (جزى) 11/ 145.]]، ومعنى الآية: أنهم جعلوا لله من عباده نصيبًا، على معنى أنهم جعلوه نصيب الله من الولد، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، أي: وصفوهم بالأنوثة، وكذبوا في المعنيين جميعًا: في قولهم إنهم بنات الله، وفي أنهم إناث. قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ يعني: إن الكافر (لكفور) لجحود لنعم الله (مبين) بيِّن الكفران، والاختيار: القول الأول لقوله:

الزخرف 43:16

﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وهذا استفهام توبيخ [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 56، "تفسير البغوي" 7/ 208، "زاد المسير" 7/ 305.]]، يقول: اتَّخذ ربكم لنفسه البنات ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾ واختصكم وأخلصكم ﴿بِالْبَنِينَ﴾ ويقال: أصفيت فلانًا بكذا، أي: آثرته به، وهذه الآية كقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الإسراء: 40] قال أهل المعاني: والحجة عليهم في هذه الآية أنه ليس يحكم من اختار لنفسه أدون المبدلين ولغيره أعلاها، ولو كان على ما يقوله المشركون من اتخاذ الولد، لم يتخذ لنفسه البنات ويصفهم بالبنين، فغلطوا في الأصل وهو: جواز [لاتخاذ] [[كذا رسمها بالأصل، ولعل الصواب (اتخاذ).]] الولد، وفي البناء على الأصل وهو اتخاذ البنات، فنعوذ بالله من الخطأ في الدين، ثم [رادا] [[كذا رسمها بالأصل، ولعل الصواب (رد) أو (أراد).]] احتجاجًا في القول عليهم بقوله.

الزخرف 43:17

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ قال مقاتل: بالذي وصف للرحمن شبهًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 791.]]، وقال [مقاتل] [[كذا في الأصل ولعله تصحيف، ولعل الصواب (قتادة).]]: بما جعل لله شبهًا [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 56، فقد أخرج عن قتادة بلفظ: (بما جعل لله).]]، وذلك أنهم إذا أجازوا أن تكون الملائكة بنات الله، فقد جعلوا الملائكة شبهًا لله، وذلك أن ولد كل شيء شبهه وجنسه، وهذه الآية مفسرة في سورة النحل [آية 58]. ووجه الاحتجاج عليهم من هذه الآية أن من اسود وجهه بما يضاف إليه مما لا يرضى، فهو أحق أن يسود وجهه بإضافته مثل ذلك إلى من هو أجل منه، فكيف إلى ربه -عز وجل-.

الزخرف 43:18

قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ قال مقاتل: ينبت في الزينة، يعني: الابنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 791.]] قال المبرد: تقدير الآية: أو يجعلون له من ينشأ في الحلية يعني البنات، ونحو هذا قال الزجاج والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 457، "معاني القرآن" للفراء 3/ 29، ولم أقف على قول المبرد.]]، وعلى هذا موضع (من) نصب، وهو اختيار أبي علي قال: موضع (من) نصب على تقدير: اتخذوا له من ينشأ في الحلية على وجه التقريع لهم بما افتروه [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 140.]]، وذكر الفراء قولين قال: وإن شئت جعلت (من) في موضع رفع على الاستئناف، وعلى هذا يضمر الخبر، قال: وإن رددتها على أول الكلام على قوله: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ خفضتها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 29.]]. وقرأ حمزة والكسائي: (ينشؤ) بالتشديد على غير تسمية الفاعل، وهي قراءة ابن عباس وابن مسعود [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 58، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 646، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 71، "الإتحاف" ص 472.]]. قال أبو علي الفارسي: يقال: نشأت السحاب، ونشأ الغلام، فإذا نقل بالهمز تعدَّى إلى مفعول كقوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: 12] ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: 14] والأكثر في الأفعال التي لا تتعدى إذا أريد تعديتها أن ينقل بالهمزة، أو بتضعيف العين نحو: فرَّحته وأفرحته، وغرَّمته وأغرمته، وقد جاء منه شيء عدي بتضعيف العين دون الهمز وهو قولهم: لقيت خيرًا، ولقانيه زيد، ولا تقول: ألقانيه. ومن هذا قوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: 75]. ﴿فَوَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾ [الإنسان: 11] فيجوز أن يكون نشأ من ذلك، عدي بالهمزة دون التضعيف؛ لأنا لم نعلم نشأ، كما جاء بلغ وأبلغ، ونجَّى وأنجى، وإذا كان كذلك كان الأوجلى: أو من ينشأ من الإنشاء، ومن قال (ينشأ) فهو في القياس مثل: فرَّح وأفرح، وغرَّم وأغرم، وإن عزَّ وجود ذلك في الاستعمال. هذا كرمه [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 140.]]، وهو كما قال، فإن أحدًا من أهل اللغة لم يحكِ نشأ، ولا حكاه الأزهري عن أحد في كتابه، غير أن الكسائي قال: نشى فهو منشأ ينشأ وينشيه، واختار أبو عبيد هذه القراءة، قال: ومعناه أن الله تعالى فعل ذلك بهن [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 102، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 71.]]. قال المبرد: الفرق الذي ذكر أبو عبيد بين (ينشأ وينشا) ليس بشيء، لأنه إذا أنشئ نشأ، ولا ينشَّأ إلا أن ينشأ، وكذلك: إنك ميت، إنما هو ممات؛ لأنه لا يموت حتى يمات، وكذلك كل ما ينسب إلى العبد في خلقه [[قولا الكسائي والمبرد لم أقف عليهما، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 646.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾ يعني المخاصمة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ للحجة قاله الكلبي، وقال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها [[انظر: "تفسير عبد الرازق" 2/ 195، "الطبري" 13/ 57، "البغوي" 7/ 209.]]، وقال أبو إسحاق: إن الأنثى لا تكاد تستوفي الحجة ولا تبين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 407.]]، والمعنى: أنهم نسبوا إلى الله ما يكرهونه، ومن لا يكاد يقوم بحجته أو يستوفيها، وهذا في ظاهره استفهام وهو إنكار وردٌّ، وهو الذي ذكرنا من أن المراد بالآية البنات، وهو قول جماعة أهل التفسير [[انظر: "تفسير عبد الرازق" 2/ 195، "الطبري" 13/ 57، "الماوردي" 5/ 219.]] وقد قال ابن زيد: هذه تماثيلهم التي يضربونها من فضة وذهب وينشؤنها في الحلية ثم يعبدونها [[أخرج ذلك الطبري 13/ 57 عن ابن زيد، ونسبه الثعلبي 10/ 80 ب لابن زيد، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 220.]]، والقول هو الأول، قال أبو إسحاق: والأجود أن يكون يعني به المؤنث [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 407.]].

الزخرف 43:19

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ﴾ قال أبو إسحاق: الجعل هاهنا في معنى القول والحكم على الشيء، يقول: قد جعلت زيدًا أعلم الناس، أي قد وصفته بذلك وحكمت به. قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [[لعل في الكلام سقطًا هاهنا، فكأن المؤلف يشير إلى القراءة الأخرى، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر: ﴿عِندَ الرَّحْمَنِ﴾ بالنون، وقرأ الباقون: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ بالباء، ومما يقوى ذلك أنه غالباً ما ينقل عن "الحجة" لأبي علي الفارسي وهي هكذا في "الحجة" بنفس الشواهد انظر: "الحجة" 6/ 140. وقال في "الوسيط" 4/ 67 بعد هذا المقطع: وقرئ ﴿عِندَ الرَّحْمَنِ﴾ وكل صواب.]]، وكلٌّ صواب، قد جاء التنزيل بالأمرين جميعًا في وصف الملائكة، وذلك قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 206]، وقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: 19]، وفي قوله: (عند الرحمن) دلالة على رفع المنزلة، والتقريب كما قال: {وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172]. وهذا من القرب في المنزلة والرفعة في الدرجة، وليس من قرب المسافة [[انظر: "الحجة" 6/ 140، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 256.]]، واختار أبو عبيد: (عباد الرحمن) قال: وفي ذلك تكذيب لقولهم بنات الله، أخبر أنهم عبيده وليسوا بناته [[انظر: "اختيار" أبي عبيد في "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 102، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 72.]]، واختار أبو حاتم: (عند الرحمن)، وقال: إن فيه مدحًا لهم. وقال المبرد: هذه القراءة أنبأ عن صحة كذبهم مما اختاره القسم [[كذا رسمها، ولعله سقط لفظ (الأول).]]، لأن المعنى أن الملائكة عنده وليسوا عندهم [رواهم] [[كذا رسمها، ولعل الصواب (يرونهم).]]، فكيف حكموا بأنوثتهم، يدل على هذا قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، (فعند) على ما ذكره المبرد ينبئ عن العلم لا عن الدنية [[قال الطبري: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده. "تفسير الطبري" 13/ 58، ولم أقف على قول المبرد.]]. واختلفوا في قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ فقرأه العامة من الشهود، ويدل عليه قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات: 150]، وقرأ نافع: (أَأشْهِدُوا) على أفعلوا بضم الهمزة وسكون الشين وقبلها همزة الاستفهام مفتوحة، ثم خففت الهمزة الثانية من غير أن يدخل بينهما الفاء. وروى المسيبي عنه بإدخال الألف بين الهمزتين، و (شهد) الذي يراد به حضر يتعدَّى إلى مفعول به من غير حرف جر كقوله: شَهدنا فَمَا تَلْقَى لَنَا مِنْ كَتِيْبَةٍ ... يَدَ الدَّهرِ إلَّا جبْرئيلٌ أمَامُها [[البيت لحسان بن ثابت في ملحقات "ديوانه" 1/ 522، وينسب البيت لكعب بن مالك. انظر: "الخزانة" 1/ 199، "اللسان" (جبر) 4/ 114، "الحجة" 6/ 142.]] وهذا محذوف المفعول التقدير فيه: شهدنا المعركة أو من اجتمع لقتالها، وهذا الضرب يتعدَّى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمز تعدَّى إلى مفعولين تقول: شهد زيد المعركة، وأشهدته إياها، ومن ذلك قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 142، وفيها: أو من اجتمع لقتالنا، بدل قتالها، وكتاب: التذكرة في القراءات 2/ 666، "الكشف" لمكي 2/ 257.]] [الكهف: 51]، فقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ من الشهادة التي هي الحضور، كأنهم وبِّخوا على أن قالوا ما لم يحضروا له، مما حُكْمُه أن يُعْلم بالمشاهدة، ومن قرأ: (أَأشْهِدوا) فالمعنى: أو أحضروا ذلك [[كذا رسمها في الأصل وفي "الحجة" (أأشهدوا)، فالمعنى: أأحضروا ذلك، انظر: 6/ 146.]]، ويقوي هذه القراءة قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: 51]، وقال المبرد: القراءتان تؤولان إلى معنى؛ لأنه لا يشهد هذا الموضع أحد إلا أن يشهده الله [[لم أقف على قول المبرد، وقد ذكر نحو ذلك النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 104.]]. [فإذا شهدوا وأشهدوا، وإذا شهد فقد شهدوا] [[كذا رسمها في الأصل، وفي "إعراب القرآن" للنحاس (لأنهم إذا شهدوا فقد أشهدوا).]]. قال ابن عباس: يريد أحضروا أو عاينوا خلقهم. قال الكلبي ومقاتل: لما جعلوا الملائكة بنات الله سألهم النبي -ﷺ- فقال: "ما يدريكم أنهم إناث؟ " قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا أنهم إناث، فقال الله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ أي: ستحفظ شهادتهم ويسألون عنها في الآخرة [[انظر: "تنوير المقباس" ص 490، "تفسير مقاتل" 3/ 791، "تفسير البغوي" 7/ 209، "تفسير الوسيط" 4/ 68.]].

الزخرف 43:20

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ قال الكلبي: بنو مليح [[بنو مليح بن عمرو بن عامر بن لحي بن قَمَعَة بن إلياس، ويقال إن بني مليح هؤلاء من ولد الصلت بن مالك بن النضر بن كنانة انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 238.]] من خزاعة كانوا يعبدون الملائكة، قالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، ونحو هذا قال قتادة ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" ص 490، "تفسير مقاتل" 3/ 791، "القرطبي" 16/ 74.]]. قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال أبو إسحاق: ما لهم بقولهم إن الملائكة بنات الله من علم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 408.]]، يدل على هذا قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال أصحابنا إنهم عنوا بقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أنه قدرنا على عبادتها فَلَمْ يعاقبنا؛ لأنه رضي بذلك منا [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 81 أ.]]. وذلك كذب منهم، لأن الله تعالى وإن أراد كفر الكافر لا يرضاه، وليس تقديره الكافر على الكفر رضا منه [[قال ابن كثير رحمه الله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام فإنه عالم بذلك وهو يقررنا عليه فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: الأول: جعلهم لله تعالى ولدًا. الثاني: دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين. == الثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كله بلا دليل ولا برهان ولا إذن من الله -عز وجل-. الرابع: احتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدراً، وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلاً كبيرًا فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار. انظر: "تفسير ابن كثير" 6/ 222. وقال شارح الطحاوية: أما أهل السنة فيقولون إن الله وإن كان يريد المعاصي قدراً فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها، وهذا قول السلف قاطبة فيقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. انظر: "شرح الطحاوية" 1/ 79.]]، فذلك يدل على ذلك. ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: لا علم لهم بما يدَّعون، ولكنهم يخرصون في ذلك، وهذا إنكار ورد ولا يحتمل أن يكون ردًا لظاهر قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ، لأن هذا القول حق وإن كان من الكافر؛ لأن الحق حق حيث ما كان، فلا يحتمل أن يكون هذا الإنكار واقعًا إلا على ما أولناه من أن قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا؛ لأن هذا القول حق أمرنا أن نعبدهم؛ لأن هذا افتراء وكذب منهم على الله، فهذان قولان صحيحان في معنى الآية: أحدهما: وهو أن قول أبي إسحاق أن قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ إنكارٌ لما ذكر عنهم من قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾. والثاني: أنهم [أروا] [[كذا رسمها، ولعل المراد (أرادوا).]] بقولهم: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، أنه أمرنا بذلك، وأنه رضي بذلك فقدرنا عليه، فأنكر عليهم، وهذه الآية كقوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ في سورة النحل [35].

الزخرف 43:21

قوله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ قالوا كلهم: من قبل القرآن، قال مقاتل: يقول هل أعطيناهم كتابًا من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 792.]] فهم به مستمسكون. قال ابن عباس: فهم به يعملون [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" ولم ينسبه. انظر: 16/ 74.]]، وقال الكلبي: يأخذون بما فيه [[انظر: "تفسير أبي الليث السمرقندي" 3/ 205، "تنوير المقباس" ص 495.]]. وقال أبو إسحاق: أم هل قالوه عن كتاب، والمعنى آتيناهم كتابًا بما قالوه من عبادة غيره [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 408.]]. [ذكر أنه لم] [[كذا في الأصل، ولعل الصواب (ذكر أنهم لم).]] يعبدوا غيره بكتاب [إذا] [[كذا في الأصل، ولعل الصواب (إذ).]] العلم بالحق لا يدرك إلا بالسمع أو بالعقل، وليس يوجب ما يفعلون عقل ولا سمع.

الزخرف 43:22

ثم ذكر أنهم لم يأتهم كتاب، فقال: ﴿بَلْ﴾ أي ما أتيناهم كتابًا ولكنهم ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾. وقال الزجاج: أعلم الله أن فعلهم اتباع ضلالة آبائهم بقوله: ﴿بَلْ قَالُوا﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 408.]]. وقال صاحب النظم: أي ليس لهم حجة إلا تقليد آبائهم، وقولهم: إنا وجدناهم على دين فنحن نتبعهم، ومعنى الأمة في هذه الآية: السنة والملة والدين، في قول جميعهم [[انظر: "تفسير السمرقندي" 3/ 205، "الماوردي" 5/ 221، "البغوي" 5/ 210.]]. ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ وقال ابن عباس: يعنون الضلالة التي هم عليها، جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم مهتدين [[ذكر ذلك البغوي 7/ 210، وذكر نحوه ابن الجوزي 7/ 308 ولم ينسباه.]].

الزخرف 43:23

ثم أخبر تعالى أن غيرهم قالوا هذا القول فقال: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي وكما قالوا ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. قوله: ﴿مُتْرَفُوهَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: ملوكها وأشرافها وجابرتها [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 792، "تفسير أبي الليث" 3/ 205، "تنوير المقباس" ص 491.]]، وقال أبو إسحاق قوله: ﴿مُهْتَدُونَ﴾ و ﴿مُقْتَدُونَ﴾، يصلح أن يكون جوابًا لـ: ﴿إِنَّا﴾، و ﴿عَلَى﴾ من صلته والتقدير: إنا مهتدون على آثارهم، وكذلك مقتدرون، ويصلح أن يكون خبرًا بعد خبر، فيكون (على آثارهم) خبر (إنا) ومهتدون [خبرًا ثان] [[كذا في الأصل، وفي معاني الزجاج (ثانيًا) 4/ 408.]]، وكذلك مقتدون [[نص العبارة عند الزجاج: ويصلح أن يكون خبرًا لإنا مهتدون، و ﴿عَلَى﴾ من صلة مهتدين، وكذلك ﴿مُقْتَدُونَ﴾، فيكون المعنى وإنهم مهتدون على آثارهم، وكذلك يكون المعنى مقتدون على آثارهم، ويصلح أن يكون خبراً بعد خبر، فيكون: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ الخبر ويكون ﴿مُهْتَدُونَ﴾ خبراً ثانياً، وكذلك ﴿مُقْتَدُونَ﴾ 4/ 408.]]، فقال الله تعالى لنبيه:

الزخرف 43:24

﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ قال الكلبي: بأعرف دينا وأبين صلاحًا [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 81 ب، "السمرقندي" 3/ 205، "البغوي" 7/ 210.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى فيه قل: أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 408.]]؟ فأبوا أن يقبلوا ذلك ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. ثم ذكر ما فعل بالأمم المكذبة تخويفًا لهم فقال:

الزخرف 43:25

﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: يريد ما صنع بقوم نوح وعاد وثمود [[ذكر ذلك الشوكاني في "فتح القدير" 4/ 553 ولم ينسبه.]]، ونحو هذا قال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 793.]].

الزخرف 43:26

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ قال الكلبي: لما خرج إبراهيم من السرب وهو ابن سبع عشرة سنة، أبصر قومه وأباه يعبدون الأصنام فقال لهم هذا القول [[ذكر ذلك في "تفسير الوسيط" انظر: 4/ 69.]]. وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ قال الكساني والفراء والمبرد: براء: مصدر لا يثنى ولا يجمع مثل: عدل ورمي، تقول العرب: أنا البرآء منك والخلا، ولا يقولون: البراءان والبراءون؛ لأن المعنى: ذو البراء، وذو البراء، فإن قلت: بريء وخلى، ثنيت وجمعت [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 30، "اشتقاق أسماء الله" لأبي القاسم الزجاجي ص 242.]]، ثم استثنى خالقه من البراءة فقال:

الزخرف 43:27

﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ المعنى أنا أتبرأ مما تعبدون إلا من الله -عز وجل-، ويجوز أن يكون (إلا) بمعنى لكن، فيكون المعنى لكن الذي فطرني ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ أي سيرشدني لدينه ويوفقني لطاعته، قاله ابن عباس [[ذكر ذلك البغوي 4/ 210، والشوكاني 4/ 553 ولم ينسبه.]]. والوجهان في الاستثناء ذكرهما الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 409.]].

الزخرف 43:28

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني لا إله إلا الله، وقال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 206 فقد ذكر القول ولم ينسبه، ونسبه الماوردي 5/ 222، والبغوي 7/ 210، والقرطبي 16/ 77 لمجاهد وقتادة، ونسب القرطبي لابن عباس قوله: في عقبه أي في خلفه.]]، والكناية على هذا في قوله (وجعلها) تعود إلى كلمة التوحيد لا إل إلا الله والمعنى: وجعل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم، ولم يسبق ذكر كلمة التوحيد حتى يكنى عنها. قال صاحب النظم: قد رضيت العامة بقول المفسرين من غير وقوف على حقيقة مخرج هذه الكلمة، وإذا تأملت الآية رددتها بالاعتبار إلى تأويلها، دلت على قيام لا إله إلا الله فيها مصورة، وذلك أن النفي والتنزيه عند العرب واحد في المعنى. وقوله -عز وجل- ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ مثل قولك: لا، لأنه يتبرأ بها من الشيء. قوله: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ كل معبود عند العرب كان يسمى إلهًا، فقد رجع تأويل هذه الآية بهذا الاعتبار أنها كناية عن الإله، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ولا يهدي ولا يفطر إلا الله -عز وجل-، وكأنه قال: إلا الله، وقد انتظمت الكلمتان بهذا التأويل لا إله إلا الله. وقوله: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ قال مقاتل: في ذرية إبراهيم، وقال الكلبي: في نسله [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 793، "تنوير المقباس" ص 491، وفص العبارة عند مقاتل: يعني في ذريته، يعني ذرية إبراهيم.]]، وقال الحسن: عقب الرجل: نسله إلى يوم القيامة. وقال ابن عباس: يريد في ولده وولد ولده إلى يوم القيامة [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 206، "تفسير الماوردي" 5/ 222، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 77.]]. قال الأزهري: وكل شيء خلف بعد شيء فقد عقبه يعقب عقبًا وعقوبًا، ولهذا قيل لولد الرجل عقبه، ومنه حديث عمر رحمه الله أنه سافر في عقب رمضان، أي في آخره [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (عقب) 1/ 271، وانظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (عقب) / 243، "غريب الحديث" لابن الجوزي (عقب) 2/ 111، "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (عقب) 3/ 268.]]. قول: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال الفراء: أي لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين إذ كانوا من ولد إبراهيم، فذلك قوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إلى دينك دين إبراهيم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 31.]]، وقال قتادة: لعلهم يتوبون ويرجعون عما هم عليه إلى عبادة الله [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 223، فقد أورد عدة أقوال عن قتادة بلفظ: (يذكرون)، وعن ابن عباس بلفظ (يتوبون)، وعن الفراء: (يرجعون إلى دينك الذي هو دين إبراهيم)، وذكره البغوي 7/ 211 ونسبه للسدي.]].

الزخرف 43:29

ثم ذكر نعمته على قريش فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين [[ذكر ذلك البغوي 7/ 211 ولم ينسبه، وذكره أبو الليث السمرقندي بلفظ: يعني قومك، ولم ينسبه. انظر: "تفسيره" 3/ 206.]]، يعني أنه متعهم بأنفسهم وأموالهم وأنواع إنعامه عليهم، ولم يعاجلهم بعقوبة كفرهم ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، وقال مقاتل: يعني القرآن. وقال الضحاك: الإسلام [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 793، "تفسير البغوي" 7/ 211 عن الضحاك.]]. ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ مبين لهم الإعلام والأحكام، وقال مقاتل: بين أمره [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 793.]]. وقال أهل المعاني: كان من حق ما أنعم الله عليه من الانتفاع ونعته الرسول أن يطيعوه بإجابة رسوله، فلم يجيبوه وعصوا رسوله فلم يقضوا حق إنعامه وهو قوله تعالى:

الزخرف 43:30

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآن ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا﴾ هلا ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ الآية. قال الكلبي ومقاتل: قال الوليد بن المغيرة، لو كان هذا القرآن حقًا لنزل عليَّ أو على [ابن] [[كذا في الأصل، وفي "تفسير مقاتل" (أبي).]] مسعود: عمرو بن عمير بن عوف الثقفي جد المختار الكذاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 793، "تفسير البغوي" 7/ 211.]]، وكان بالطائف والوليد كان بمكة، وهما القريتان، وقال عطاء عن ابن عباس وقتادة: في عظيم الطائف إنه عروة بن مسعود [[ذكر ذلك البغوي، ونسبه لقتادة انظر: "تفسيره" 7/ 211، وذكره ابن الجوزي ونسبه لمجاهد وقتادة. انظر: "زاد المسير" 7/ 311، ونسبه القرطبي لقتادة. انظر: "الجامع" 16/ 83. وهو عروة بن مسعود بن معتب بن مالك.]]، وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد الثقفي من الطائف [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 65، "تفسير البغوي" 7/ 211، "التعريف الإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام" ص 287، ورجح النحاس أن المراد بالرجلين: الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي. انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 351.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى على رجل من رجلي القريتين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 409.]]. وقال أبو علي: من إحدى القريتين [[لم أقف عليه.]].

الزخرف 43:31

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآن ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا﴾ هلا ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ الآية. قال الكلبي ومقاتل: قال الوليد بن المغيرة، لو كان هذا القرآن حقًا لنزل عليَّ أو على [ابن] [[كذا في الأصل، وفي "تفسير مقاتل" (أبي).]] مسعود: عمرو بن عمير بن عوف الثقفي جد المختار الكذاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 793، "تفسير البغوي" 7/ 211.]]، وكان بالطائف والوليد كان بمكة، وهما القريتان، وقال عطاء عن ابن عباس وقتادة: في عظيم الطائف إنه عروة بن مسعود [[ذكر ذلك البغوي، ونسبه لقتادة انظر: "تفسيره" 7/ 211، وذكره ابن الجوزي ونسبه لمجاهد وقتادة. انظر: "زاد المسير" 7/ 311، ونسبه القرطبي لقتادة. انظر: "الجامع" 16/ 83. وهو عروة بن مسعود بن معتب بن مالك.]]، وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد الثقفي من الطائف [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 65، "تفسير البغوي" 7/ 211، "التعريف الإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام" ص 287، ورجح النحاس أن المراد بالرجلين: الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي. انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 351.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى على رجل من رجلي القريتين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 409.]]. وقال أبو علي: من إحدى القريتين [[لم أقف عليه.]].

الزخرف 43:32

فقال الله -عز وجل- إنكارًا وردًا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: نبوة ربك، وهو قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 65، "الثعلبي" 10/ 82 أ، "الماوردي" 5/ 223.]]، والمعنى: أنهم [أعرضوا] [[كذا في الأصل، ولعل الصواب (اعترضوا).]] على الله بقولهم لِمَ لَمْ ينزل هذا القرآن على غير محمد؟ فبين الله -عز وجل- أنه هو الذي يقسم بفضله ورحمته لا غير، وقال مقاتل في هذه الآية: أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاءوا، أي: أنها ليست بأيديهم، ولكنا نختار لها من نشاء من عبادنا [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794.]]. ثم قال قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: يريد أرزاقهم [[لم أقف عليه.]]، واختلفوا في معنى ذكر سبب قسمة المعيشة هاهنا، فقال مقاتل في هذه الآية: يقول لم أعط الوليد وأبا مسعود الذي أعطيناهما من الغنى لكرامتهما على الله، ولكنه قسمة من الله بين الخلق [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794.]]، فعلى هذا المعنى: نحن أعطيناهما ذلك فلا يغر بهما الغنى ولا يبطر بهما النعمة، فإن من قسمها لهما قادر على نزعها عنهما، ثم ذكر الحكمة في تفضيل بعض على بعض في الرزق في باقي الآية. وقال أهل المعاني: إن الله قسم النبوة كما قسم الرزق في المعيشة، فليس لأحد أن يتحكم في شيء من ذلك، وكما فضلنا بعضهم فوق بعض في الرزق والمنزلة، كذلك اصطفينا للرسالة من نشاء، وعلى هذا معنى الآية: إنا تولينا قسم معيشتهم، كذلك تولينا قسم النبوة بالرحمة، فلا اعتراض لأحد في قسمتنا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 410، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 352.]] وقال آخرون: نبه الله -عز وجل- بالأدنى على الأعلى، فذكر أنه قسم المعيشة بين عباده بتفضيله من يشاء في الرزق على غيره، وإذا كان هو المتولي لهذه القسمة، فأن يكون هو المتولي لقسمة النبوة، إذ شأن النبوة أعظم ومحلها أرفع، وكما لا يعترض عليه في قسمة الرزق، كذلك لا يعترض عليه في قسمة النبوة [[انظر: "تفسير أبي الليث السمرقندي" 3/ 206، "تفسير ابن عطية" 14/ 254.]]. قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني الفضل في الغنى في الحياة الدنيا [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794، ولم أقف على نسبته لابن عباس.]]. ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أي يستخدم بعضهم بعضًا فيسخر الأغنياء بأموالهم الفقراء، هذا قول السدي وابن زيد [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 82 أ، "تفسير الماوردي" 5/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 83.]]، قال الضحاك وقتادة: ليملك بعضهم بما لهم بعضًا فيتخذونهم عبيدًا ومماليك، وهذا معنى قول مقاتل والكلبي [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794، "تفسير أبي الليث" 3/ 206، "الماوردي" 5/ 224.]]. وقال ابن عباس: يُسخِّر هذا لهذا وهذا لهذا [[قال ابن كثير: قيل معناه: ليسخر بعضهم بعضًا في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا. قاله السدي وغيره. انظر: "تفسير ابن كثير" 6/ 225.]]. وهذا القول يحتمل القولين؛ لأن التسخير يكون بالأجر ويكون بالملك [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 67.]]، وذكرنا معنى السخرى في سورة المؤمنين [110]، وقال أبو الحسن الأخفش: اتفق القراء هاهنا على الضم لأنه من السُّخرة وانقياد بعضهم لبعض في الأمور، التي لو لم يَنْقَدْ فيها بعضهم لبعض لم يلتئم قوام العالم [[لم أقف عليه عند الأخفش وقد ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 86، وذكر هذه القراءة أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 13، وقال ابن الجوزي: وقرأ ابن السميفع وابن محيصن ﴿سِخْرِيًّا﴾ بكسر السين، انظر: "زاد المسير" 7/ 312، وقال القرطبي: وكل الناس ضموا ﴿سُخْرِيًّا﴾ إلا ابن محيصن ومجاهد قرأ ﴿سِخْرِيًّا﴾ 16/ 83.]]. قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال مقاتل: يعني الجنة للمؤمنين خير مما يجمع الكفار من الأموال [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794.]]، وهذا القول اختيار أبي إسحاق فقال: أعلم الله أن الآخرة أحظ من الدنيا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 410.]]، وقال ابن عباس: والنبوة من ربك خير مما يجمعون من الدنيا، والرحمة على هذا القول: النبوة [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 67، فقد أخرج ذلك عن قتادة والسدي، وذكر ذلك الماوردي 5/ 224 ولم ينسبه، والقرطبي 16/ 84 ولم ينسبه.]] وهو أولى لقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ولم يختلفوا أنها بمعنى النبوة، كذلك التي في آخر الآية، والمعنى على هذا: أن النبوة لك يا محمد من ربك خير من أموالهم التي يجمعونها.

الزخرف 43:33

ثم أعلم قلة الدنيا عنده -عز وجل- فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال قتادة: لولا أن يكون الناس كفارًا [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 68، "تفسير الماوردي" 5/ 224.]]. وقال مقاتل: يقول لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة من الخير والرزق [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794.]]. وقال الكلبي: لولا أن يجتمعوا على الكفر [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 68، "تفسير الثعلبي" 10/ 82 ب، "تفسير أبي الليث" 3/ 207.]]. ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ لهوان الدنيا عليه ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ قال الشعبي: يعني: الجذوع [[أخرج ذلك النحاس عن الشعبي لكنها بلفظ: (الجزوع) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 354، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" لعبد بن حميد وابن المنذر عن الشعبي بلفظ: (الجزوع) انظر: "الدر" 7/ 376، والذي يظهر لي أن الصحيح أنها: (الجذوع) بالذال قال ابن فارس: في "معجم مقاييس اللغة" (سقف)، السين والقاف والفاء أصل يدل على ارتفاع في إطلال وانحناء، ومن ذلك السقف سقف البيت لأنه عال مطل، والسقيفة الصفة، والسقيفة كل لوح عريض في بناء إذا ظهر من حائط. انظر: "معجم مقاييس اللغة" (سقف) 3/ 87. وقال الأزهري: قال الليث: السقف غماء البيت .. قال: والسقيفة كل بناء سُقِف به صفة أو شبه صفة مما يكون بارزاً .. والسقيفة كل خشبة عريضة كاللوح أو حجر عريض يستطاع أن يُسقَفَ به قُترةٌ أو غيرها. انظر: "تهذيب اللغة" (سقف) 8/ 413. وذكر ذلك النحاس في "إعراب القرآن" بلفظ: (جذوعاً) ونسبه لسعيد بن جبير والشعبي. انظر: 4/ 109.]]، وقال مقاتل: يعني سماء البيت [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794.]]، وقرئ: ﴿سُقُفًا﴾. فمن قال (سَقْفًا) فهو واحد يدل على الجمع، ألا ترى أنه قد علم بقوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ أن لكل بيت سقفًا، ومن قرأ: (سُقُفًا). فهو جمع سَقْف، مثل: رَهْنَ ورُهُنُ، ويُخَفَّفُ فيقال: رُهْنُ، ومثله في الصفة فَرَسٌ وَرْدٌّ، [والجميع] [[كذا في الأصل وهو تصحيف، والصحيح (وخَيْلُ).]] وُرْدٌ [وكذلك] [[سقط من الأصل لفظ (وكذلك).]] كَثٌ وكُثٌّ، وسَهْمٌ حَشْرٌ وسِهَام حُشْرٌ، وَفُعُلٌ في الجمع يُخَفَّف نحو: أَسَدٍ و [أُسْدٍ] [[سقط من الأصل لفظ (أُسْدٍ).]]، قال: كأنَّ مُحَرَّباً من أُسْدِ تَرْجٍ ... ينازِلُهُ لِنَابَيْهِ قَبِيبُ [[البيت لأبي ذؤيب في "شرح ديوان الهذليين" 1/ 110 وفيه: ينازلهم بدل ينازله، "اللسان" كذلك ينازلهم. وقب القوم يقبون قبا: صخبوا في خصومة أو تمار. وقب الأسد، والفحل يقب قباً وقَبِيباً إذا سمعت قعقعة أنيابه .. انظر: "اللسان" (قبب) 1/ 657، "الحجة" 6/ 148.]] وهذا الذي ذكرنا هو كلام أبي إسحاق وأبي علي [[نظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 410، "الحجة" لأبي علي 6/ 148.]]، ويدل على صحة قراءة من قرأ بالجمع ما روي عن مجاهد أنه قال: كل شيء من السماء فهو سَقْف، وكل شيء من البيوت فهو سُقُف بضمتين، ويشبه أن يكون اعتبر في هذا قوله [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 148.]]: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32]. قوله: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ يعني: الدرج في قول جميعهم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 70، "تفسير الماوردي" 5/ 224، "تفسير الوسيط" 4/ 71، "تغليق التعليق" لابن حجر 4/ 305.]]، وهو من عرج يعرج، وقد سبق تفسيره [السجدة: 5] ﴿عَليهَا﴾ أي على المعارج ﴿يَظْهَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يرتفعون [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 70.]]، وقال مقاتل: يرتقون [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794.]]. وقال ابن قتيبة: يعلون، يقال: ظهرت على البيت، إذا علوت سطحه [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 397.]]، ومنه قول الجعدي: وإنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذلك مَظْهَرا [[البيت للنابغة الجعدي وصدره قوله: == بلغنا السماء مجدنا وجدودنا انظر: "ديوانه" 68، 73. وقد ذكره ابن قتيبة في "غريب الحديث" 1/ 127، "اللسان" (ظهر) 4/ 529.]] يعني مرقى ومصعدًا. قال أبو إسحاق: المعنى: وجعلنا معارج من فضة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 411.]] (و) كذلك:

الزخرف 43:34

﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا﴾ أي أبوابًا من فضة (و) كذلك ﴿وَسُرُرًا﴾ من فضة، والمعنى لولا [[كذا في الأصل، ولعله سقط لفظ: (أن).]] تميل بهم الدنيا فيصير الخلق كفارًا لأعطى الله الكافر في الدنيا غاية ما يتمنى فيها لقلتها عنده، ولكنه -عز وجل- لم يفعل ذلك لعلمه بأن الغالب على الخلق حب العاجلة. قال الأخفش: واحد المعارج معراج، ولو شئت قلت في جمعه المعاريج [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 688.]] وإن شئت جعلت الواحد معراجًا بفتح وكسر، كما تقول: مَرقاة ومِرْقاة. قال: وقوله: ﴿يَظْهَرُونَ﴾، يقول: قد ظهر على البيت يظهر، ويظهر ظهورًا وظهورًا، إذا علاه، وظهرت على السطح، إذا صرت عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: 28] معناه: ليُعْليه، وأظهر الله المسلمين على الكافرين أي: أعلاهم [عليه] [[كذا في الأصل، ولعل الصواب (عليهم).]]، وأظهر على الشيء المسروق، إذا أطلع عليه [[انظر: "تهذيب اللغة" (ظهر) 6/ 248، "الصحاح" (ظهر) 2/ 732.]]. ﴿وَسُرُرًا﴾ هو السرير، والعدد أسرة، والجميع السرر. قوله تعالى: ﴿يَتَّكِئُونَ﴾ أصله من الواو، وكان أصل اتَّكى أوتكى، ففعل به مثل ما فُعل باتّزن واتّعد، وقد مضى، ومثل الاتكاء التوكؤ، وهو التحامل على الشيء [[انظر: "تهذيب اللغة" (تكأ) 10/ 333، (وكأ) 10/ 417، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 17، "اللسان" (وكأ) 1/ 200.]]، ومنه قوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: 18].

الزخرف 43:35

قوله تعالى: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ تفسير الزخرف في اللغة: الزينة، وكمال الشيء فيها، ودليل ذلك قوله [[انظر: "تهذيب اللغة" (زخرف) 7/ 672، "الصحاح" (زخرف) 4/ 1369.]]: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: 24]، ونحو هذا قال ابن عباس: يريد جمع الزينة [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 71، "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 109.]]. وقال مقاتل: يقول ولجعلنا لهم كلَّ شيء من ذهب [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 795.]]. وقال الفراء: جاء في التفسير إنما نجعلها لهم من فضة ومن زخرف، فإذا ألقيت من أوقعتَ الفعلَ عليه فتنصبه، أي وزخرفها تجعل ذلك منه. قال: وقال آخرون: ونجعل لهم مع ذلك ذهبًا وغنى، وهو أشبه الوجهين بالصواب [[انظر: "معاني القرآن" للفراء بتصرف يسير 3/ 32.]]. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ القراء على تخفيف ﴿لما﴾ و ﴿مَا﴾ لغو، المعنى: لمتاع الحياة الدنيا، (وإن) مخففة من الثقيلة، واللام في ﴿لَما﴾ التي تدخل لتفصل بين النفي والإيجاب في نحو قوله: هَبَلَتْكَ أمُّكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا [[البيت لعاتكة بنت زيد العدوية ابنة عم عمر بن الخطاب من قصيدة تخاطب بها عمرو ابن جرموز قاتل زوجها الزبير بن العوام في معركة الجمل وعجزه: حلت عليك عقوبة المتعمد انظر: "المحتسب" لابن جني 2/ 255، "الأضداد" لابن الأنباري ص190، "شرح ابن عقيل" لألفية ابن مالك 1/ 335، لكن صدره: شلت يمينك.]] ولم تعمل (إن) عمل الفعل لما خففتها لزوال شبهها بالفعل من أجل التخفيف، وحكى سيبويه النصب بها مخففة، والقياس أن لا تعمل إذا خففت بذلك على دخولها على الفعل في نحو: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: 156] ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 102]، وقرأ حمزة (لمَّا) بالتشديد، جعل (لما) في معنى: إلا، وحكى سيبويه: نشدتك باللهِ لَمَّا فَعَلْتَ يعني: إلا، ويقوي هذه [القراءتان في حرف] [[كذا في الأصل، ولعل الصواب (القراءة أن في حرف أبي) انظر: "الحجة" 6/ 149.]] (وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا) وهذا يدل على أن (لما) بمعنى (إلا) وأنَّ (إنْ) بمعنى (ما) [[من بداية ذكر القراءة نقله المؤلف عن "الحجة" لأبي علي مع اختصار لبعض المواضع. انظر: "الحجة" 6/ 149، وانظر: "الجنى الداني في حروف المعاني" ص 594.]]. وقال أبو الحسن: الوجه التخفيف، لأن (لما) في المعنى (إلا) لا يكاد يعرف ولا يكاد يُتكلم بها [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 688.]]، وحُكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل [[انظر: "الحجة" 6/ 149، "تفسير ابن عطية" 14/ 256.]]. قال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يريد يزول ويذهب ويتغير [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 72 فقد ذكر المعنى ولم ينسبه، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس. انظر: 4/ 72.]]، وقال مقاتل: يتمتعون فيها قليلاً [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 795.]]، ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ يعني الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ خاصة لهم.

الزخرف 43:36

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ قال أبو زيد وابن الأعرابي: عشى يعشو عَشْوًا وعُشُوًّا، إذا أتى نارًا للضيافة، وعشا يعشو، إذا ضعف بصره [[انظر: "الصحاح" (عشى) 6/ 2426، "اللسان" (عشا) 15/ 56.]]، ونحو هذا قال الليث، قال: والعاشية كل شيء يعشو بالليل إلى ضوء نار من أصناف الحيوان كالفراش [[انظر: "العين" (عشى) 2/ 187.]] وغيره وأنشدوا: مَتَى تَأتِه تَعْشُو إلى ضوْءِ نارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ [[البيت للحطيئة من قصيدة مدح بها بغيض بن عامر بن شماس. انظر: "ديوانه" ص 249، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 204، "الصحاح" (عشا) 6/ 2426، "اللسان" (عشا) 15/ 56، "العين" (عشى) 2/ 178، "الكتاب" 3/ 86.]] وذكر المفسرون وأهل التأويل في هذه الآية قولين: أحدهما: أن المراد بقوله (يعش): يعم ويضعف بصره. والآخر: أن المعنى: ومن يعرض عن ذكر الرحمن، والأول قول مقاتل وابن زيد وابن عباس في رواية عطاء وأبي عبيدة وابن قتيبة. قال مقاتل: يقول: ومن يعم بصره عن ذكر الرحمن، يعني القرآن. وقال ابن عباس: ومن يعم عن ذكر الله تعالى. وقال أبو عبيدة: ومن تظلم عينه، واختاره ابن قتيبة [[انظر: "تفسير مقاتل" 795/ 3، "تفسير الطبري" 13/ 73، "تنوير المقباس" ص 492، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 204، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 398.]]. والقول الثاني: هو قول قتادة، وروي ذلك عن ابن عباس وهو اختيار الفراء وأبي إسحاق [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 73، "معاني القرآن" للفراء 3/ 32، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 411.]]. وشرح الأزهري القولين وبيَّن الأصوب فقال: قال القتيبي معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي ومن يظلم بصره، قال: وهذا قول أبي عبيدة، ثم ذهب يرد قول الفراء ويقول: لم أر أحدًا يجيز عشوت عن الشيء، أي: تغافلت عنه كأني لم أره وكذلك تعاميت. قال الأزهري: أغفل القتيبي موضع الصواب، واعترض مع غفلته على الفراء يرد عليه، فذكرت قوله لأبين عواره، فلا يغتر به الناظر في كتابه، العرب تقول: عَشَوت إلى النار أعشو عَشْوًا، أي قصدتها مهتديًا بها، وعشوت عنها، أي: أعرضت فيفرقون بين (إلى) و (عن) موصولين بالفعل. قال أبو الهيثم: عشا عن كذا يعشو عنه، إذا مضى، وعشا إلى كذا يعشو إليه عَشْوًا وعُشُوًّا، إذا قصد إليه مهتديًا بضوء ناره، وإنما أتى القتيبي في وهمه الخطأ من جهة أنه لم يفرق بين عشا إلى النار، وعشا عنها، ولم يعلم أن كل واحد منهما ضد الآخر في باب الميل إلى الشيء والميل عنه كقولك: عدلت إلى بني فلان، وعدلت عنهم، وكذلك ملت إليهم، وملت عنهم، ومضيت إليهم، ومضيت عنهم. وهكذا قال أبو إسحاق الزجاج في هذه الآية كما قال الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 411، "معاني القرآن" للفراء 3/ 32.]] قال: معنى الآية: أن من أعرض عن القرآن وما فيه من الحكمة إلى أباطيل المضلين، يعاقبه بشيطان يقيضه له حتى يضله ويلازمه قرينًا له، فلا يهتدي مجازاة له حين آثر الباطل على الحق البين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 412، لكنه بأخصر مما هنا، وهذا القول بنصه في "تهذيب اللغة" 3/ 56 (عشا) وفي "الوسيط" 4/ 72.]]. قال الأزهري: وأبو عبيدة صاحب معرفة الغريب، وأيام العرب، وهو بليد النظر في باب النحو ومقاييسه، انتهت الحكاية عن الأزهري [[انظر: "تهذيب اللغة" وقد اختصر المؤلف في بعض المواضع من كلام الأزهري (عشا) 3/ 55 - 57.]]، والقول ما اختاره؛ لأن الإعراض عن القرآن صح يعني من العمى عنه، ولهذا الوجه أدلة من التنزيل كقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124] وقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ [الجن: 17] والأول ليس ببعيد، ويحمل على أنه يعمى عن الاستدلال بحججه والتأويل في تبيانه، ونظيره من التنزيل قوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: 101] قوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ تفسير التقييض قد تقدَّم في سورة السجدة [آية: 25]، قال مقاتل: يعني يضم إليه [[ذكر ذلك المعنى البغوي 7/ 213 ولم ينسبه، ولم أقف عليه عند مقاتل.]]. (فهو له) في الدنيا (قرين) يعني صاحبًا يزين له العمى، وقال ابن عباس: فهو له قرين: يريد في الدنيا والآخرة [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 226، "تنوير المقباس" ص 492، وقال القرطبي: == قيل في الدنيا يمنعه من الحلال ويبعثه على الحرام وينهاه عن الطاعة ويأمره بالمعصية، وهو معنى قول ابن عباس، انظر: "الجامع" 16/ 89]]. قوله: ﴿فَهُوَ﴾ يجوز أن يكون كناية عن الشيطان، ويجوز أن يكون كناية عن المعرض، لأن كل واحد منهما قرين لصاحبه، وفي هذا تكذيب للقدرية لأنه تعالى ذكر أنه يسلط الشيطان على الكافر حتى يضله، ويخيل إليه أنه على الهدى وهو على الضلالة، وذلك قوله:

الزخرف 43:37

﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الهدى، وذكر الكناية عن الشيطان وابن آدم بلفظ الجمع في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ لأن قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ في مذهب جمع [[انظر: "تفسير ابن عطية" 14/ 258، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 90.]] وإن كان اللفظ على الواحد. قاله الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 32.]]. قوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ قال مقاتل: يحسب كفار مكة أنهم على هدى [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 795.]]، وقال أبو إسحاق: الشيطان يصدهم عن السبيل، ويحسب الكفار أنهم مهتدون [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 412.]].

الزخرف 43:38

ثم عاد إلى لفظ الواحد فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الكافر، وقرئ (جاءانا) يعني الكافر وشيطانه، قال مقاتل: يعني ابن آدم وقرينه في الآخرة جعلا في سلسلة واحدة [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 795.]]. وروى معمر عن الجريري في هذه الآية قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذلك حيث يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [[أخرج ذلك عبد الرازق في "تفسيره" 2/ 196، والطبري 13/ 74، وانظر: "تفسير ابن كثير" 6/ 227.]]. قال مقاتل: يعني يقول يتمنى الكافر أن بينهما بعد المشرقين، وأطول يوم في السنة إلى مشرق أقصر يوم في السنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 795 بلفظ (يعني ما بين مشرق الصيف إلى مشرق الشتاء أطول يوم في السنة، وأقصر يوم في السنة).]]. ويقال: إنه أراد المشرق والمغرب فقال: المشرقين، وهذا أشبه الوجهين بالصواب؛ لأن العرب قد تجمع الاسمين على تسمية أشهرهما كما قال الفرزدق: لنا قَمَرَاها والنّجومُ والطَّوَالِعُ [[انظر: "ديوان الفرزدق" ص 519، "معاني القرآن" للفراء 3/ 33، "تفسير الطبري" 13/ 74، "تهذيب اللغة" (عني) 3/ 214، "تفسير ابن عطية" 14/ 259.]] يريد: الشمس والقمر، ويقولون للكوفة والبصرة: البصرتان، وللجزيرة والموصل: الموصلان، الغداة [[في "تفسير الثعلبي" (ويقال الغداة والعشي العصران) 10/ 84 أ.]] والعصر، ومثله كثير، واختاره أبو إسحاق فقال: غلب لفظ المشرق كما قالوا سُنَّة العمرين يراد: سنة أبي بكر وعمر رحمة الله عليهما [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 412.]]. قوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أي: أنت، قال مقاتل والكلبي: فبئس المصاحب معه في النار في سلسلة واحدة [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 795، "تنوير المقباس" ص 492.]]، ويقول الله للكافر في ذلك اليوم.

الزخرف 43:39

﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: أشركتم في الدنيا، قاله ابن عباس ومقاتل. قال عطاء: لن ينفعكم اليوم هذا الكلام، يعني قوله: يا ليت بيني وبينك، وقال مقاتل: لم ينفعكم اليوم في الآخرة الندم والاعتذار [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 75، "تفسير مقاتل" 3/ 795.]]، وهذا إنما يصح أن لو قرئ: (إِنكم في العذاب) بكسر الهمزة على الابتداء، وإذا فتحت الهمزة تفسير للذي لا ينفعهم، وهو اشتراكهم مع شياطينهم في العذاب. وذكر ابن مجاهد أن ابن عامر قرأ ﴿إِنَّكُمْ﴾ بكسر الألف [[انظر: كتاب: السبعة لابن مجاهد ص 586، "الحجة" 6/ 155.]]، وهو صحيح على ما ذكرنا من قول ابن عباس ومقاتل، وهو على إضمار فاعل ينفعكم، والفاعل ما ذكراهما، والمعنى: ولن ينفعكم اليوم التبرؤ إذ ظلمتم أمس، ودل على التبرؤ قوله: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ والفاعل قد يضمر إذا دلت عليه الحال كقولهم: إذا كان غدًا فأتني، وعلى هذه القراءة ﴿إِنَّكُمْ﴾ ابتداء كلام، ومن إضمار الفاعل في التنزيل قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: 173] أي زادهم قولُ الناس إيمانًا، وقرأه العامة: ﴿أَنَّكُمْ﴾ بفتح الهمزة. قال المفسرون: لا يخفف الاشتراك عنهم؛ لأن لكل أحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 75، "الثعلبي" 10/ 84 أ، "البغوي" 7/ 214.]]. قال المبرد فيما حكى عنه الزجاج: أنهم مُنِعوا روح التأسي، [لأن التأسي] [[(لأن التآسي) ساقط من الأصل وهي هكذا عند الزجاج.]] يسهل المصيبة، فأعْلموا أنه لن ينفعهم الاشتراك في العذاب، فإن الله لا يجعل لهم فيه أسوة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 412.]]. ومما يدل على أن التأسي يخفف قول الخنساء: ولولا كَثْرةُ البَاكِينَ حَوْلي ... على إخْوَانهم لَقَتَلْتُ نَفْسِي وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولكِن ... أعَزّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتَّأسِّي [[انظر: "ديوانه" ص 62، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 362، "وشواهد الكشاف" 4/ 64، "الدر المصون" 6/ 99، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 91.]] وقال آخر: وهَوّنَ وَجْدِي عن خَلِيلِي أنني ... إذا شِئْتُ لاقيت امرأ ما صاحبه [[لم أقف عليه.]] وذكر أبو علي نحو هذا فقال: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم، وفي هذا حرمان التأسي، وهي نعمة يسلبها الله أهل النار، ليكون أشد لعذابهم، ألا ترى أن التأسي قد يخفف كثيرًا من الحزن عن المتأسي كما جاء: ولكن أُسَلَّي النفْسَ عنه بالتَّأسَّي [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 155، 156، "عجز البيت" للخنساء.]]

الزخرف 43:40

ثم ذكر الله تعالى أنه لا تنفع الدعوة والوعظ من سبقت له الشقاوة فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم لا يعقلون ما جئت به ولا يبصرونه، لأن من أعميت قلبه فلا هادي له [[ذكر ذلك في "الوسيط" عن ابن عباس. انظر: 4/ 73.]] ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يريد بانت ضلالته بتكذيب الصادق الأمين.

الزخرف 43:41

قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: الموت [[ذكر ذلك السمرقندي في "تفسيره" 3/ 208، وذكره الشوكاني 4/ 557 ولم ينسبه.]]، قال مقاتل: يعني: فيميتك [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 796.]]. وقال الكلبي: يعني: قبل أن يريك النقمة في كفار مكة [[انظر: "تنوير المقباس" ص 492، "تفسير الوسيط" 4/ 74.]]، فإنا منهم منتقمون بالقتل بعدك، يعني: ينتقم منهم بأن كذبوك بعدك [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 796.]].

الزخرف 43:42

﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: أو نرينك في حياتك ما وعدناهم من الذل والقتل. ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ قالوا: وقد أري ذلك يوم بدر [[ذكر ذلك الثعلبي 10/ 84 ب، والبغوي 7/ 214 ولم ينسباه، ونسبه القرطبي 16/ 92 لابن عباس.]] والمعنى: أن الله تعالى يقول لنبيه مطيبًا قلبه: إن ذهبنا بك انتقمنا لك منهم بعدك، أو نرينك في حياتك ما وعدناهم من العذاب على تكذيبك ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ متى شئنا عذبناهم، ثم عذبوا يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومقاتل [[انظر: "تفسير الثعلبي" قال: وهو قول أكثر المفسرين، وكذلك البغوي نسبه لأكثر المفسرين، ونسبه القرطبي لابن عباس وأكثر المفسرين، انظر المواضع السابقة، و"تفسير مقاتل" 3/ 79.]]. وذهب قوم من المفسرين إلى أن هذا في المسلمين وهو مذهب قتادة والحسن، قال قتادة: أكرم الله نبيه وذهب به ولم ير في أمته ما كان من النقمة بعده [[أخرج ذلك الطبري 13/ 75 عن الحسن وقتادة، وأورده بدون سند الثعلبي 10/ 84 ب، ونسبه البغوي 7/ 214 للحسن وقتادة، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 274، وانظر: "الجامع" 16/ 92 فقد نسبه للحسن وقتادة.]]، والقول هو الأول لأنه في ذكر المشركين قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ الهاء كناية عن الذي أوحي إليه، وهو القرآن في قوله:

الزخرف 43:43

﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 76، "تفسير الوسيط" 4/ 74.]] ﴿لَذِكْرٌ لَكَ﴾ قالوا لشرف لك كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10]. قوله تعالى: ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لمن آمن منهم، والقوم يحتمل كل من بعث إليه من الناس، ويحتمل أن يراد به قريش و [[[كذا في الأصل وقد سقط لفظ: (قال).]]] ابن عباس ومقاتل: المؤمنين [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 796، "تفسير أبي الليث" 3/ 208، وقد ذكر الأقوال الثلاثة ابن الجوزي ولم ينسبها، قال: أحدها: العرب قاطبة، والثاني: قريش، والثالث: جميع من آمن به، انظر: "زاد المسير" 7/ 318.]]، ويكون المعنى على هذا: القرآن شرف لك بما أعطاك الله من الحكمة ولقومك المؤمنين بما عوضهم من إدراك الحق به، وإن قلنا: المراد بالقوم: قريش فشرفهم بالقرآن أنه أنزل على رجل منهم. وروى الضحاك عن ابن عباس: أن النبي -ﷺ- كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك؟ لم يخبر بشيء، حتى نزلت: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ فكان بعد ذلك إذا سئل قال: لقريش [[أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 84 ب عن علي وابن عباس، وعزاه السيوطي في "الدر" لابن عدي وابن مردويه عن علي وابن عباس، انظر: "الدر" 7/ 380، ونسبه البغوي لابن عباس 7/ 215.]]، وهذا يدل على أن -ﷺ- فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم، وقال مجاهد: هو أن يقول الرجل لأخيه: ممن الرجل؟ فيقول: من العرب، فيقول: من أي العرب؟، فيقول: من قريش، فيقول: من أي قريش؟ فيقول: من بني هاشم [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد دون ذكر بني هاشم، انظر: "تفسيره" 13/ 76، == "تفسير الماوردي" 5/ 227، ونسبه القرطبي لمجاهد، انظر: "الجامع" 16/ 94.]]، هذا والله هو الذِّكر والشرف، وعلى هذا القول: القرآن شرف لمحمد وهو شرف للعرب، ثم للأخص فالأخص من قومه، ولما كان شرف قومه به وشرفه بالقرآن، كان القرآن شرفًا للجميع. وقوله: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ قال الكلبي: أي عن هذا الشرف هل أديتم شكره [[انظر: "تنوير المقباس" ص 492، "تفسير الوسيط" عن الكلبي 4/ 74.]]. وقال مقاتل: يعني من كذب به، كأن يسأل: لم كذب به؟ [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 796، "تفسير أبي الليث" 3/ 802.]] فيسأل سؤال توبيخ. وقال أبو إسحاق: سوف تسألون عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 413.]]، وقال غيره: تسألون عن القرآن وعملكم بما أمرتم به فيه، وعما يلزمكم من القيام بحقه [[انظر: "زاد المسير" 7/ 318، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 94، "تفسير الوسيط" 4/ 74.]].

الزخرف 43:44

﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 76، "تفسير الوسيط" 4/ 74.]] ﴿لَذِكْرٌ لَكَ﴾ قالوا لشرف لك كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10]. قوله تعالى: ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لمن آمن منهم، والقوم يحتمل كل من بعث إليه من الناس، ويحتمل أن يراد به قريش و [[[كذا في الأصل وقد سقط لفظ: (قال).]]] ابن عباس ومقاتل: المؤمنين [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 796، "تفسير أبي الليث" 3/ 208، وقد ذكر الأقوال الثلاثة ابن الجوزي ولم ينسبها، قال: أحدها: العرب قاطبة، والثاني: قريش، والثالث: جميع من آمن به، انظر: "زاد المسير" 7/ 318.]]، ويكون المعنى على هذا: القرآن شرف لك بما أعطاك الله من الحكمة ولقومك المؤمنين بما عوضهم من إدراك الحق به، وإن قلنا: المراد بالقوم: قريش فشرفهم بالقرآن أنه أنزل على رجل منهم. وروى الضحاك عن ابن عباس: أن النبي -ﷺ- كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك؟ لم يخبر بشيء، حتى نزلت: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ فكان بعد ذلك إذا سئل قال: لقريش [[أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 84 ب عن علي وابن عباس، وعزاه السيوطي في "الدر" لابن عدي وابن مردويه عن علي وابن عباس، انظر: "الدر" 7/ 380، ونسبه البغوي لابن عباس 7/ 215.]]، وهذا يدل على أن -ﷺ- فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم، وقال مجاهد: هو أن يقول الرجل لأخيه: ممن الرجل؟ فيقول: من العرب، فيقول: من أي العرب؟، فيقول: من قريش، فيقول: من أي قريش؟ فيقول: من بني هاشم [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد دون ذكر بني هاشم، انظر: "تفسيره" 13/ 76، == "تفسير الماوردي" 5/ 227، ونسبه القرطبي لمجاهد، انظر: "الجامع" 16/ 94.]]، هذا والله هو الذِّكر والشرف، وعلى هذا القول: القرآن شرف لمحمد وهو شرف للعرب، ثم للأخص فالأخص من قومه، ولما كان شرف قومه به وشرفه بالقرآن، كان القرآن شرفًا للجميع. وقوله: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ قال الكلبي: أي عن هذا الشرف هل أديتم شكره [[انظر: "تنوير المقباس" ص 492، "تفسير الوسيط" عن الكلبي 4/ 74.]]. وقال مقاتل: يعني من كذب به، كأن يسأل: لم كذب به؟ [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 796، "تفسير أبي الليث" 3/ 802.]] فيسأل سؤال توبيخ. وقال أبو إسحاق: سوف تسألون عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 413.]]، وقال غيره: تسألون عن القرآن وعملكم بما أمرتم به فيه، وعما يلزمكم من القيام بحقه [[انظر: "زاد المسير" 7/ 318، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 94، "تفسير الوسيط" 4/ 74.]].

الزخرف 43:45

قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ اختلف المفسرون وأهل التأويل في هذه الآية، فذهب طائفة إلى أن المعنى: واسأل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء، هل جاءتكم الرسل إلا بالتوحيد؟ وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والمقاتلين، واختيار الزجاج والفراء وابن قتيبة [[أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 77 عن قتادة ورجحه، وأوردد البغوي في "تفسيره" 7/ 216، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 2634، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 319، والقرطبي في "الجامع" 16/ 96، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 34، و"تفسير غريب القرآن" لابن قيبة ص 399.]]. قال الزجاج: المعنى: سل أمم من أرسلنا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 414.]]، وعلى هذا فقد حذف المضاف، وقال الفراء: هو أن تسأل التوراة والإنجيل، [فيخبروه أنه كتب] [[كذا في الأصل وفي "معاني الفراء": (فإنهم إنما يخبرونه عن كتب .. ..).]] الرسل، فإذا سأل الكتاب فكأنه سأل الرسل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 34.]]. وقال ابن قتيبة: تقدير الآية: واسأل من أرسلنا، يعني: أهل الكتاب [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتية ص 399.]]. قال ابن الأنباري [[لم أقف على قول ابن الأنباري، وقد ذكر نحوه النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 111، 112.]]: وهذا خطأ في النحو؛ لأنه لا يصلح إضمار (إِلَيْهِ) اتفق النحويون أنه لا يجوز: الذي جلست عبد الله، على معنى: الذي جلست إليه؛ لأن (إليه) حرف منفصل، والمنفصل لا يضمر في صلة الموصول لانفصاله من الفعل؛ لأنه يجري مجرى المظهر. كما أنك إذا قلت: الذي أكرمك أبا عبد الله، لم يجز أن يضمر أباه، وإنما يحسن الإضمار في الهاء المتصلة نحو: الذي أكلت طعامك إذا أكلته، فحذف الهاء تخفيفًا لطول الاسم؛ لأن (الذي) و (أكلت) حرف واحد، ومعنى الآية: تِبَاع من أرسلنا [[انظر: "تفسير ابن عطية" 14/ 265 بهذا اللفظ، وذكره في "الوسيط" 4/ 75 عن ابن الأنباري بلفظ: (سل أتباع من أرسلنا).]] فيكون هذا من باب حذف المضاف، ومعنى هذا الأمر بالسؤال التقدير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله. وقال عطاء عن ابن عباس: لما أسري بالنبي -ﷺ- إلى المسجد الأقصى بعث الله تعالى، آدم ومن ولد من المرسلين، فأذن جبريل ثم أقام وقال: يا محمد تقدم فصلِّ بهم، فلما فرغ رسول الله -ﷺ- من الصلاة، قال له جبريل: سل يا محمد [...] [[كذا في الأصل، وقد سقط لفظ: (من).]] قبلك من رسلنا، الآية فقال رسول الله -ﷺ-: "لا أسأل قد اكتفيت" [[أخرج نحو ذلك الطبري 13/ 78 عن ابن زيد، ونسبه البغوي 7/ 216 لعطاء عن ابن عباس، ونسبه القرطبي 16/ 95 لابن عباس وابن زيد، ونسبه في "الوسيط" 4/ 75 لعطاء عن ابن عباس.]]. وهذا قول سعيد بن جبير والزهري، قالوا: جمع له الرسل ليلة أسري به فلقيهم وأمر أن يسألهم، فلم يشكك ولم يسأل [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 78، "تفسير الماوردي" 5/ 228، "البغوي" 7/ 216، "زاد المسير" 7/ 319، "الوسيط" 4/ 75، وقد زاد بعضهم نسبته لابن زيد.]]. وذكر أبو إسحاق قولاً ثالثًا وهو: أن يكون الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد: الذين بعث إليهم، كأنه قيل لهم: سلوا الذين أرسلنا إليهم الرسل قبل محمد، هل أتوا بدين غير التوحيد؟ ولكن الكلام خرج على مخاطبته -ﷺ- كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج بتصرف في العبارة 4/ 414.]]. وذكر صاحب النظم وجهًا آخر [حلفًا فاسدًا] [[كذا رسمها في الأصل ولم أتبينها.]] فقال: المعنى سل الأنبياء الذين أرسلناهم من هم لتعرفهم، كما تقول: سل من هذا، أي: سل الناس من هذا الرجل، فكأنه قال: سلنا من أرسلنا [[ذكر نحو ذلك أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 18، والألوسي في "تفسيره" 25/ 86.]]، وتم الكلام [[انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 648.]]، ثم قال مبتدئًا قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ على معنى الإنكار أي: ما جعلنا ذلك، فيكونان خبرين لا خبرًا واحداً، وهذا مما لا يُعرَّج عليه لأن النظم ومعنى الخطاب لا يحتمله.

الزخرف 43:46

قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ قال الكلبي: ألقى عصاه لهم فإذا هي ثعبان مبين فضحك القوم وهزئوا به وقالوا: هل يأته غير هذه؟ قال: نعم، فأراهم يده لها شعاع كشعاع الشمس يضيء لها الوادي فضحكوا منه وهزئوا [[و [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 796.]] انظر: "تنوير المقباس" ص 492، ص493 فقد ذكر نحوه.]].

الزخرف 43:48

قوله تعالى: ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ قال الكلبي: من التي كانت قبلها (¬4). قال مقاتل: كانت اليد أكبر من العصا، وكان موسى بدأ بالعصا فألقاها ثم أخرج يده فلم يؤمنوا ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ يعني: بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس (¬5). وذهب قوم إلى أن المعنى في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا﴾: هي العصا واليد والطوفان والجراد إلى الدم، فكانوا يكذبون ويهزؤن وهي تترادف عليهم التالية أكبر من السابقة، وهي العذاب المذكور في قوله: (وأخذناهم بالعذاب) لأنهم عذبوا بهذه الآيات فكانت عذابًا لهم ومعجزات ودلالات لموسى، فغلب عليهم الشقاق [لم] [[كذا في الأصل ولعل الصواب (فلم أو ولم)، وهي كذلك في "الوسيط" 4/ 76.]] يؤمنوا.

الزخرف 43:49

﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ قال ابن عباس: يقولون أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيمًا يعظمونه ويعزونه ولم يكن صفة ذم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 80، "تفسير الثعلبي" 10/ 86 أ، "تفسير الماوردي" 5/ 229، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 97، "تفسير الوسيط" 4/ 76.]]، وقيل: إنهم قالوا ذلك جهلاً منهم بصفته. وقال أبو إسحاق: إنهم خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر، ولم يناقشهم موسى في مخاطبتهم إياه بذلك رجاء أن يؤمنوا، قوله تعالى: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ فيمن آمن به من كشف العذاب عنهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 414.]]. قوله: ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ أي: مؤمنون بك، قاله ابن عباس [[ذكر ذلك البغوي 7/ 217، والمصنف في "الوسيط" ولم ينسباه 4/ 76.]] ومقاتل قال: وكان الله عهد إلى موسى لئن آمنوا كشفت عنهم العذاب، فدعا موسى ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا فذلك قوله:

الزخرف 43:50

﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ أي: العهد الذي عاهدوا عليه موسى [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797، "تفسير البغوي" من غير نسبه 7/ 217.]] وهو مذكور في قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ الآية من سورة الأعراف [آية: 134]. ومعنى ذكر هذه القصة هاهنا: أن حال موسى مع قومه كحال محمد -ﷺ- وأن أمره يؤول إلى الاستعلاء كما آل أمر موسى.

الزخرف 43:51

قوله تعالى: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ يعني: أنهار النيل، في قول المفسرين تجري من تحتي، قال مقاتل: يعني: أسفل مني [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797.]]، كأنه أراد من تحت قصوره، وهو معنى قول الكلبي: حولي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 493.]]، وقال قتادة: بين يدي في جناتي [[ذكر ذلك البغوي 7/ 217، والقرطبي 16/ 98، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 76 ونسبوه لقتادة.]]. وقال الحسن: بأمر [[نُسب للحسن في "تفسير البغوي" 7/ 217، و"الوسيط" 4/ 76.]]، وعلى هذا معناه: تجري تحت أمري، وهو معنى قول عطاء: في قبضتي وملكي [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 86 ب.]]. قوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ قال ابن عباس: أفلا تبصرون ما أنا فيه من النعم والخير، وما فيه موسى من الفقر، افتخر عدو الله بملكه [[ذكر هذا المعنى "الطبري" 13/ 81 ولم ينسبه، ونسبه في "الوسيط" لقتادة 4/ 77.]].

الزخرف 43:52

قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ اختلف المفسرون وأهل التأويل في معنى (أم) هاهنا فقال أبو عبيدة: مجازها: بل أنا خير [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 204.]]، وعلى هذا تمام الفصل عند قوله: أفلا تبصرون [[انظر: "القطع والاثتناف" للنحاس ص 649، "المكتفى" للداني ص 509.]] ثم ابتدأ فصلاً آخر فقال: (أم أنا خير) على تأويل: أنا خير، وهذا قول مقاتل، قال: ليس باستفهام يعني: بل أنا خير، ونحو هذا قال السدي [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797، "تفسير الطبري" 13/ 81 فقد أخرج عن السدي.]]. وقال أبو إسحاق: قال سيبويه والخليل: عطف ﴿أَنَا﴾ بأم على ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ كأنه قال: أفلا تبصرون أم تبصرون، قال: لأنهم إذا قالوا له: أنت خير منه، فقد صاروا عنده بصراء، فكأنه قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415، "الكتاب" 3/ 173، "الجمل في النحو" للخليل ص 320، "معاني الحروف" للرماني ص 173، 174.]]، وهذا فيه بعض الغموض، ولا يقف عليه إلا من تأمل وتفكر. وذكر صاحب النظم وجهًا حسنًا وهو: أن يكون تمام الكلام عند قولى: أم، وقوله: (أنا خير) فصل آخر مبتدأ، على تأويل: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكيف ذكر (تبصرون) اكتفاء بذكره في قوله: (أفلا تبصرون) كما يقال في الكلام: أتاكل أم لا، فسكت على الاكتفاء بما قبله من ذكر الأكل، وكذلك يكون إذا قدمت النفي فتقول: ألا تأكل أم تأكل، ثم يكف، ذكر تأكل بعد (أم) اكتفاء بذكره في أول الكلام، فكذلك قوله: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكف ذكر (تبصرون) عند (أم) لجري ذكره، وهذا معنى قول مجاهد: أم تام يقف، ثم أنا خير أفلا تبصرون أم قد أبصرتم [[انظر: "المكتفى في الوقف والابتدا" للداني ص 508، "تفسير الطبري" 13/ 81.]]. وقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ قال مقاتل: أفضل ﴿مِنْ هَذَا﴾ يعني: موسى ﴿الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ يعني: ضعيف ذليل [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797.]]، وقال الكلبي: ضعيف في بدنه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 493.]]، وقال الليث: رجل مهين صغير ضعيف [[انظر: "العين" للخليل (مهن) 4/ 61، "تهذيب اللغة" (مهن) 6/ 329.]]. وقال الزجاج: معنى مهين قليل، يقال: شيء مهين أي: قليل، وهو فعيل من المهانة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ قال ابن عباس: لا يبين الكلام [[لم أقف عليه.]]، وقال الكلبي: لا يكاد يبين حجته [[انظر: "تنوير المقباس" ص 493.]]، وقال قتادة والسدي: آفة بلسانه [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 82، "تفسير مقاتل" 3/ 797، "الماوردي" 5/ 230.]]، وقال الزجاج: يعني اللثغة [[قال الأزهري: أخبرني المنذري عن المبرد أنه قال: (اللثغة أن يُعدل بحرف إلى حرف) وقال الليث: الألثغ: الذي يتحول لسانه من السين إلى الثاء والمصدر: اللثغُ واللُّثْغَةُ، وقال أبو زيد: الألثغ: الذي لا يُتم رفع لسانه في الكلام وفيه ثقل. انظر: "تهذيب اللغة" (لثغ) 8/ 92.]] التي كانت بلسان موسى [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.]]. فإن قيل: أليس موسى سأل الله أن يذهب الرُّتَّةَ [[قال الليث: (الرُّتَّة: عجلة في الكلام. ورجل أرت). وقال ابن الأعرابي: رترت الرجل إذا تعتع في التاء وغيرها. انظر: "تهذيب اللغة" (رت) 14/ 250، وقال ابن قتيبة عند قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ أي: رَتَّةً كانت في لسانه. انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 278.]] من لسانه بقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 27 - 28] أعطاه ذلك بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 36] فكيف عابه فرعون باللثغة؟ والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن فرعون أراد: لا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي، ولم يرد أنه لا يوضح ما يتكلم به، وهذا كذب من فرعون وعناد بعد ما رأى من الآية، هذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797.]]. والجواب الثاني: عابه مما كان عليه أولاً، وذلك أن موسى كان عند فرعون دهرًا وهو ألثغ لا يكاد يبين، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرُّتَّةَ. ويقوي الجواب الأول قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ألا ترى أنه اقترح الآيات، ولم يكتف بما ظهر من معجزته، وليس للأمم أن يقترحوا من الآيات، ما يريدون، بل إذا أتى الرسول بما فيه دلالة على صدقه وجب الإيمان به. واختلف القراء في ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ فقرءوا بوجهين: أسورة وأساورة، فأسورة جمع سوار لأدنى العدد، كقولك: خِمَارٍ وَأَخْمِرَةٍ، وغُرَابٍ وأَغْرِبَة، ومن قال في سوار: أسوار، جمعه أساوير وأساورة، تكون الهاء عوضًا من الياء نحو: بطاريق وبطارقة، وزناديق وزنادقة، وقدادين وقدادنة، فيكون أساورة: جمع أسوار، وإن شئت فجمع أسورة، كما تقول: أساقٍ في جمع أسقية، وأساقي في جمع أسقية، هذا كلام المبرد [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 35 بنحوه، "الدر المصون" 6/ 103 ولم أقف على قول المبرد]]. وقال أبو زيد: هو سوار المرأة وأسوار المرأة، وهما قُلْبان يكونان في يديها [[انظر: "تهذيب اللغة" (سور) 13/ 51.]]، وأسورة جمع سوار مثل: سقاءٍ وأَسْقِيَةٍ، وإزارٍ وآزِرَة، وخوانٍ وأَخوِنَةٍ، وأساورة جمع أسوار، وألحق الهاء في الجمع عوضًا من الياء التي ينبغي أن تلحق في جمع أسوار، على حد إعصار وأعاصير، كذلك أسوار وأساور، ثم يقال: أساورة، ويجوز أن يكون جمع أسورة مثل أسقية وأساق، وهذا كلام أبي علي [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 151، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 259.]]. وقال مقاتل: يقول فهلا ألقى على موسى إلهه الذي أرسله أسورةً من ذهب إن كان صادقًا أنه رسول [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798.]]، وقال الكلبي: كان الرجل إذا ارتفع سوّروه [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 209، "زاد المسير" 7/ 322 من غير نسبة.]]. وقال مجاهد: كانوا إذا سودُوا رجلاً سوّروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة على سيادته [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 217، "الجامع" للقرطبي 16/ 100 ونسباه لمجاهد.]]. قال أبو إسحاق: كأنه لما وصف نفسه بالملك والرياسة فقال: هلا جاء موسى يلقى عليه أسورة من ذهب، يدل على أنها من عند إلهه الذي يدعوكم إلى توحيده [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.]].

الزخرف 43:53

قوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ قال قتادة: متتابعين [[أخرج ذلك الطبري 13/ 83 عن قتادة، ونسبه القرطبي 16/ 105 لقتادة.]]، وقال ابن عباس: يعاونونه على من خالفه [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 83، "تفسير الثعلبي" 10/ 87 أ، "البغوي" 7/ 217.]]، وقال مقاتل: يعينونه على أمره الذي بعث له [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798.]]، وقال الكلبي: مصدقين له بالرسالة [[انظر: "تنوير المقباس" ص 493.]]. وقال أبو إسحاق: أي يمشون معه فيدلون على صحة نبوته [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.]]، وقد جمع بين هذه الأقوال كلها لأنه فسر الاقتران وموجبه.

الزخرف 43:54

قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ يقال: استخفه الفرح، إذا أزعجه وأقلقه، واستخفه إذا حمله على الجهل [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 101.]]، ومنه قوله: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60] أي [لا يحميك] [[كذا في الأصل، ولعل الصواب (لا يحملنك).]] على الجهل والميل إليهم، قال مقاتل: فاستفز قومه القبط [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 35.]]، وهو قول الفراء: استفزهم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 35.]]، والمعنى أزعجهم وحملهم على صفة الجهل بكيده وغروره، وقوله لهم: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر: 29]. ومن قال هاهنا في تفسير (استخفهم): وجدهم جهالاً خفاف الأحلام [[ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" 5/ 231 وقال: هو معنى قول الكلبي، وذكره البغوي 17/ 27، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 322 بغير نسبة.]]، فليس بالوجه لقوله: ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ وهذا يوجب أنه أمرهم بشيء فيه إزعاجهم فأطاعوه، ولا يقال وجده خفيفًا فأطاعه، لأنك قد تجد إنساناً خفيف العقل فلا يطيعك، لأنك لم تأمره أو لم يرد هو طاعتك، ويحتاج في هذا التفسير إلى إِضْمارٍ لا يجوز، هو أن يكون التقدير: وجده خفيفًا فدعاه إلى الغواية فأطاعه، وإذا قلت: أزعجه فأطاعه، لم يحتج إلى إضمار. ومعنى ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾: قال ابن عباس ومقاتل: على تكذيب موسى [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798، "تفسير الماوردي" 5/ 231 وقد نسبه لابن زياد.]]، والمعنى أنه حملهم على الجهل فقبلوا قوله وكذبوا موسى. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ قالا: عاصين لله [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 101.]].

الزخرف 43:55

قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: غاظونا، وقال في رواية الكلبي: أغضبونا، وهو قول مقاتل وقتادة ومجاهد وغيرهم [[انظر: المرجعين السابقين، و"تفسير الطبري" 13/ 84، "الماوردي" 5/ 231، "البغوي" 7/ 218، "زاد المسير" 7/ 322.]]، وذكرنا تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: 150]، قال عبد الرزاق: غضب ابن جريج في شيء فقيل له: أتغضب يا أبا خالد؟ فقال: قد غضب الذي خلق الأحلام، إن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أي أغضبونا. ونحو هذا روي أن وهب بن منبه كان عند عروة بن الزبير وشكا إليه عامل له فأكثروا عليه [[أي: بالغوا في الشكوى.]] فقالوا: فعل وفعل وثبتت البينة عليه، فلم يملك وهب نفسه، فضربه على يديه بعصا، فإذا دماء يشخب، فضحك عروة واستلقى على قفاه، وقال: يعيب علينا أبو عبيد الله الغضب في حكمته وهو يغضب. فقال وهب: وما لي لا أغضب، وقد غضب خالق الأحلام. إن الله يقول [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 203، "تفسير أبي الليث" 3/ 210.]]: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.

الزخرف 43:56

قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يقال: سلف يسلف، إذا تقدم ومضى، وسلف له عمل صالح، أي: تقدم، والسلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو ولد، قرضا وقرض فهو سلف. وهذا وجه واحد، ويقال في جمعه الأسلاف، والسلف أيضًا من تقدم من آبائك وذوي قرابتك، واحدهم سالف، ومنه قول طفيل يرثي قومه: مَضَوْا سلَفًا قَصْدُ السبيلِ عَلَيْهم ... وصَرْفُ المنايا بالرَّجَالِ [سلف] [[كذا في الأصل، ورواية البيت (تقلب). انظر: "ديوانه" ص 40، "تهذيب اللغة" (سلف) 12/ 431، "الدر المصون" 6/ 104، "اللسان" (سلف) 9/ 159، "البحر المحيط" 8/ 23.]] وذكر الليث: سلُف بضم اللام يسلُفُ سُلُوفًا فهو سليف، أي تقدم [[انظر: "كتاب العين" (سلف) 7/ 258.]]، قال الفراء والزجاج: يقول جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 36، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 416.]]. وقال ابن عباس: يريد مضوا إلى النار [[ذكر ذلك السمرقندي في "تفسيره" 3/ 210 ونسبه لقتادة.]]. وقال مجاهد وقتادة: جعلناهم سلفًا لكفار أمة محمد -ﷺ- إلى النار [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 85، "الماوردي" 5/ 232، "الثعلبي" 10/ 87 ب.]]، وأكثر القراء قرؤوا ﴿سَلَفًا﴾ بالفتح، وهو جمع سالف كما ذكرنا. قال أبو علي: وفَعَل قد جاء بحروف يراد به الكثرة، وكأنه اسم من أسماء الجمع كقولهم: خادِم وخَدَم، وطالب وطَلَب، وحارِس وحرَس، وحكى أحمد بن يحيى: رائِح وَرَوح. وقرأ حمزة والكسائي (سُلُفًا) بالضم، وهو جمع سليف من سلُف بضم اللام [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 115.]]. ذكره الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 36، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 416.]]، وقال المبرد: سُلُف يمكن أن يكون جمع سَلَفٍ كقولك: أَسَد وأُسُد، ووثَن ووُثن، وزاد أبو علي: ومما لحقته هاء التأنيث، من هذا: خشبة وخشب، وبدنة وبدن [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 152، "الدر المصون" 6/ 104.]]. وقوله: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. قال ابن عباس ومقاتل: يريد عظة لمن بقي بعدهم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 85، "تفسير مقاتل" 3/ 798.]] وآية وعبرة، والمعنى: أن حال غيرهم من المشركين يقاس بحالهم ويجروا مجراهم إذا ماتوا على الطغيان. قال أبو علي: والمثل واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف، ويدلك على وقوعه أكثر من واحد. قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ [النحل: 75]، فأوقع لفظ الإفراد على التثنية، وكذلك أفرد في موضع التثنية فيما أنشد سيبويه: وَسَاقِيَيْنِ مِثْلِ زَيْدٍ وجُعَلْ [[هذا صدر البيت وعجزه: سقبان ممشوقان مكنوزا العضل انظر: "الكتاب" 2/ 17، "شرح أبيات" سيبويه ص 95، "الحجة" 6/ 153.]] وقد جمع المثل في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ [الحشر: 21] وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]، وأفرد في قوله [[انظر: "الحجة" 6/ 153.]]: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140].

الزخرف 43:57

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لما ذكر عيسى، وقدرة الله تعالى فيه وخلقه إياه من غير ذكر، وما كان يفعل من إحياء الموتى وغير ذلك إذا قومك منه يصدون يريد: يضجون كضجيج الإبل بالأثقال [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 103.]]. وقال مجاهد في هذه الآية: قالوا إنما يريد محمدٌ أن نعبده كما عبدَ قومُ عيسى عيسى [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: 13/ 85، ونسبه الماوردي لمجاهد 5/ 233، ونسبه القرطبي لمجاهد 16/ 102.]]. وقال قتادة: لما ذكر عيسى بن مريم جزعت قريش من ذلك وقالوا: ما يريد محمد إلا أن يصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم [[انظر: "تفسير الطبري" فقد أخرجه عن قتادة 13/ 85، ونسبه الماوردي لقتادة 5/ 133، وكذلك نسبه القرطبي لقتادة 16/ 102.]]. هذا قول هؤلاء، وأريد بهذا المثل قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 59]، وهي مذكورة في آل عمران بعد ما ذكرت أحوال عيسى، وما أظهر الله على يده من المعجزات ومعنى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما شبه عيسى في إحداث الله إياه من غير فحل بآدم أو خلق من غير أب ولا [آدم] [[كذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب (ولا أم).]] إذا قومك منه يصدون، أي يضجون ويقولون: ما يريد محمد إلا أن نعبده [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 85]]، والمعنى على أنهم لما سمعوا ذكر عيسى ظنوا أن محمدًا إنما يذكره بأوصافه ليصنع به قومه ما صنع قوم عيسى بعيسى فلذلك ضجوا. وفي: ﴿يَصِدُّونَ﴾ قراءتان: ضم الصاد وكسرها. قال الأخفش والكسائي: هما لغتان قريبتان لا تختلفان في المعنى، ونحو ذلك ذكر الفراء، قال الزجاج: ومعناهما جميعًا يضجون [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 690، "معاني القرآن" للفراء 3/ 36، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 416، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 376.]]. قال: ويجوز أن يكون معنى المضمومة يعرضون [[هذا تابع لقول الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 416.]]. قال الأزهري: وإذا كان بمعنى يضجون [[يقال: أضَجَّ القوم اضجاجًا إذا صاحو وجَلَّبُوا، فإذا جزعوا من شيء وغُلِبُوا قيل: ضجُّوا يَضِجُّون. انظر: "تهذيب اللغة" (ضج) 10/ 447.]]، فالوجه الكسر في يصدون، وبه قرأ ابن عباس وفسره يضجون [[انظر: "تهذيب اللغة" (صد) 12/ 104، "حجة القراءات" ص 652.]]. واختاره أبو عبيدة قال: ونرى مَنْ ضمها أراد الصدود عن الحق ولو كان من هذا القبيل [..] [[كذا في الأصل وقد سقط لفظ: (لكان).]] ﴿عَنْهُ﴾ يصدون ولم يكن ﴿مِنْهُ﴾ ولكنه عندنا على ما فسره ابن عباس يضجون. وقال أبو عبيدة: يصدون يضجون، ومن ضمها أراد يعدلون [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 205.]] ويريغون [[قال الليث: الرَّوّاغ: الثعلب، وهو أروَغُ من ثعلب، وطريق رائغ مائل، وراغَ فلانُ إلى فلانٍ إذا مال إليه سرًّا. انظر: كتاب: العين (روغ) 4/ 445، "تهذيب اللغة" (راغ) 8/ 186.]] وأما تعلق أبي عبيدة بقوله: (منه) ولم يقل عنه، فذلك لا يدل على ترجيح الكسر؛ لأن من ذهب في (يصدون) إلى الضم بمعنى: يعدلون، كان المعنى إذا قومك منه، أي: من أجل المثل يصدون، ولم يصل يصد بـ (من) ومن قرأ بالكسر جعل (من) متصلة به كما تقول: ضج من كذا، وذكر ذلك أبو علي [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 155.]]. وذكر أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 86، "الثعلبي" 10/ 87 ب، "تفسير مقاتل" 3/ 799.]] أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعرى مع النبي -ﷺ- لما نزل قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء: 98] وقد ذكرنا تلك القصة، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي ومقاتل [[أخرج ذلك الواحدي في "أسباب النزول" عن ابن عباس، انظر: "أسباب النزول" ص 397، وأورده مقاتل في "تفسيره" بدون سند، انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798، وأورده السيوطي في "لباب النقول وعزاه" لأحمد والطبراني، انظر: "لباب النقول" ص 189، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد وعزاه" لأحمد والطبراني قال: وفيه عاصم بن بهدلة وثقه أحمد وغيره وهو سيء الحفظ وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 104. وملخص القصة: قال ابن عباس: أراد به مناظرة عبد الله بن الزبعرى مع النبي -ﷺ- في شأن عيسى وأن الضارب لهذا المثل هو عبد الله بن الزبعرى السهمي حالة كفره لما قالت له قريش إن محمداً يتلوا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية، فقال: لو حضرته لرددت عليه. قالوا: وما كنت تقول له، قال: كنت أقول له هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تعبد عزيرًا أفهما من حصب جهنم؟، فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنه قد خصم، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ولو تأمل ابن الزبعرى الآية، ما أعترض عليها؛ لأنه قال: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل ومن تعبدون. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 103.]]، وعلى هذا القول: معنى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ قال مقاتل: ولما وصف ابن مريم شبهًا في العذاب في الآلهة أي: فيما قالوه وعلى زعمهم لأن الله لم يذكر في تلك الآية عيسى ولم يرده بقوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أو إنما أراد أوثانهم ولكنهم ألزموه عيسى جدلاً وعتبًا، ومعنى: (يضجون) على هذا القول صحيح الجدال والمخاصمة أو صحيح السرور، حيث ظنوا أنهم خصموه بتسويتهم بينه وبين آلهتهم، فقد قال بعض المفسرين: يضجون، ولا يتوجه الاعتراض على هذا القول، ويدل على صحة هذا القول الثاني في الآية.

الزخرف 43:58

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ وذلك أنهم قالوا رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى، فإن كان عيسى في النار بأنه يعبد من دون الله فكذلك آلهتنا، هذا معنى قول مقاتل، فقال الله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ قال مقاتل: ما وصفوا لك ذكر عيسى إلا ليجادلوك به [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 799.]]. وقال أبو إسحاق: طلب المجادلة لأنهم قد علموا أن المعني في حصب جهنم أصنامهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 416.]]. وقال أبو علي: ما ضربوه إلا إرادة للمجادلة؛ لأنهم قد علموا أن المراد لحصب جهنم ما اتخذوه من الموات [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 154.]]، وعلى القول الأول في الآية الأولى قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون محمدًا -ﷺ-، قاله قتادة [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: "تفسيره" 13/ 88، "تفسير الماوردي" 5/ 234، ونسبه القرطبي لقتادة. انظر: "الجامع" 16/ 104.]]. والمعنى: أنهم يقولون: آلهتنا خير أم [[كذا في الأصل، ولعله قد سقط لفظ (محمد).]] فنحن لا ندع عبادتها لعبادة محمد -ﷺ- وهو سؤال تقرير أن آلهتهم خير. قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ أي ما قالوا لك هذا القول إلا طلبًا للخصومة منه، ثم ذكر أنهم أصحاب خصومة، فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ الخَصِم الشديد الخصومة، وكذلك الجَدِل [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 104.]]، والقول الثاني أظهر وسياق الآيات عليه أدل وهو قوله:

الزخرف 43:59

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس بولد ولا إله، إنما هو عبد أنعمنا عليه، خلقته من روحي وكلمتي، وقال مقاتل: أنعمنا عليه بالنبوة [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 799، ولم أقف على قول ابن عباس.]]. ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، قال الكلبي: معتبرًا [[انظر: "تنوير المقباس" ص 793.]]. وقال مقاتل: يعني أنه وغيره ليعتبروا حين [ولده] [[كذا رسمها في الأصل ولعل الصواب (ولد)، انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 799، 800.]] من غير أب. وقال قتادة: آية لبني إسرائيل [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 211، "تفسير مقاتل" 3/ 800، "الطبري" 13/ 89.]]. والمعنى: أنهم يعرفون به قدرة الله فيعلمون أن من قدر على خلق ولد من غير أب قادر على ما يشاء، فهو مثل لهم يشبهون به ما يرون من أعاجيب صنع الله تعالى، ثم [خاطبهم] [[كذا في الأصل، ولعل الصواب (خاطب).]] كفار مكة فقال:

الزخرف 43:60

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ أي لو نشاء لأهلكناكم ولجعلنا بدلكم ملائكة ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ يكونون خلفًا منكم، قاله الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 493.]]، وقال قتادة: يخلف بعضهم بعضًا مكان ابن آدم، وقال محمد: يعمرون الأرض بدلاً منكم، وقول قتادة معنى قول ابن عباس في رواية عطاء قال: كما جعلت في ولد آدم أمة بعد أمة، وقومًا بعد قوم خلفًا من قوم [[أخرج الطبري قول قتادة، وأخرج القول الثالث عن مجاهد. انظر: "تفسيره" 13/ 89، وأورد الماوردي قول الكلبي ونسبه للسدي. انظر: "تفسيره" 5/ 235، وأورد القرطبي قول قتادة، ونسبه لابن عباس. انظر: "الجامع" 16/ 105.]]. قال الأزهري: و (من) قد يكون للبدل كقوله: لجعلنا منكم، يريد بدلاً منهم [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (خلف) 7/ 400.]]، ونحو هذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 89، "تفسير مقا تل" 3/ 800، "الماوردي" 5/ 235.]].

الزخرف 43:61

ثم رجع إلى ذكر عيسى فقال قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني نزول عيسى من السماء من أشراط الساعة وأهوالها، ويكون التقدير على هذا ظهوره أو نزوله. وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: الكناية في (وإنه) تعود إلى القرآن، يدل على مجيء الساعة، أو به يعلم أحوال الساعة وأهوالها [[أخرج الطبري 13/ 90، 91 القولين، والأول عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وأخرج القول الأول الثعلبي 10/ 88 ب، وذكر القولين الماوردي 5/ 235، وأورد القولين القرطبي 16/ 105، ونسب الأول لابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي، ونسب الثاني للحسن وقتادة وسعيد بن جبير.]]، وقوله: ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال ابن قتيبة: يُعلم به قرب الساعة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 400.]]. ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال ابن عباس: لا تكذبوا بها [[ذكر ذلك البغوي 7/ 220 عن ابن عباس. انظر: "تفسيره" 7/ 220، ونسبه في "الوسيط" 4/ 79 لابن عباس. انظر: 4/ 79.]]، وقال مقاتل: لا تشكوا في الساعة [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 107 وقد نسب قول ابن عباس للسدي، "تفسير متقاتل" 3/ 800.]]، وقول ابن عباس جيد؛ لأن الامتراء يوصل بفي، يقال: امترى فيه، كقوله: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34]، وهاهنا وصل بالباء لأنه بمعنى التكذيب، ومن شك في شيء فقد كذب به ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾، قال مقاتل: على التوحيد [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 220، "زاد المسير" 7/ 326، فقد ذكرا قول مقاتل من غير نسبة ولم أجد هذا القول له في "تفسيره" 3/ 800.]]، ﴿هَذَا﴾ قال ابن عباس: يريد الذي أنا عليه [[ذكر ذلك البغوي ولم ينسبه، وكذلك ذكره في "الوسيط" 4/ 79 ولم ينسبه.]] ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ من دين إبراهيم.

الزخرف 43:63

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال قتادة ومقاتل: يعني الإنجيل [[أخرج الطبري 13/ 92 قول قتادة، "تفسير الماوردي" 5/ 236، وانظر: "تفسير مقاتل" 3/ 800.]]. ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن بعض هاهنا بمعنى الكل [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 205، وأورد الطبري 13/ 92 هذا القول قال: وقيل إن معنى البعض في هذا الموضع بمعنى الكل، واستشهد ببيت من الشعر للبيد وهو قوله: ترَّاك أمكنةٍ إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها]]، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: 28] وعلى هذا المعنى، ولأبين لكم ما تختلفون فيه، قال ابن عباس: يعني ما تختلفون فيه، يعني أحكام التوراة [[ذكر ذلك في "الوسيط" ونسبه لمجاهد، وذكر عن ابن عباس: ما تختلفون فيه من أمري وأمر دينكم انظر: "الوسيط" 4/ 81.]]، وقال السدي: يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى، وقيل: لأبين لكم أمر دينكم دون أمر دنياكم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 92، "تفسير البغوي"، وقد نسب قول السدي لقتادة 7/ 220 وقال الطبري: (كان بينهم اختلاف كثير في أسباب دينهم ودنياهم)، فقال لهم: أبين لكم بعض ذلك، وهو أمر دينهم دون ما هم فيه مختلفون من أمر دنياهم، فلذلك خص ما أخبرهم أنه يبينه لهم.]]، وعلى هذه الأقوال ليس المراد بالبعض الكل. وقال مقاتل: هذا كقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50] [قد مر] [[كذا في الأصل، ولعله قد سقط حرف الواو.]] فذكر في تفسير هذه الآية ما أحل لهم في الإنجيل مما كان محرمًا عليهم في التوراة كاللحوم من الإبل، والشحوم من كل حيوان، وصيد السمك في يوم السبت [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 800.]]. وقال أبو إسحاق: الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 418.]]، وما بعد هذا مفسر فيما مضى [[لعله في سورة مريم عند قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ آية: 37، وفي سورة الأحزاب عند قوله: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ آية: 20.]]، إلى قوله:

الزخرف 43:66

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ قال ابن عباس: هل يرتقبون إلا القيامة [[ذكر ذلك في "تفسير الوسيط" 4/ 80 ولم ينسبه.]]. يعني أنها تأتيهم لا محالة بغتة، فكأنهم يرتقبونها وإن كانوا أمواتًا، فهم يرقبونها لأنه من يكفر بالبعث والقيامة إذا مات، علم أنه حق فهو يرتقبها، ولكن لا يدري متى تفجأه فهو قوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ﴾ في الدنيا، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني في الآخرة ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يعني أن الخلة إذا كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ يعني الموحدين المؤمنين الذين يخال بعضهم بعضًا على الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة، وهذا معنى قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 94، "الثعلبي" 10/ 89 أ، "الوسيط" 4/ 80.]].

الزخرف 43:67

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ قال ابن عباس: هل يرتقبون إلا القيامة [[ذكر ذلك في "تفسير الوسيط" 4/ 80 ولم ينسبه.]]. يعني أنها تأتيهم لا محالة بغتة، فكأنهم يرتقبونها وإن كانوا أمواتًا، فهم يرقبونها لأنه من يكفر بالبعث والقيامة إذا مات، علم أنه حق فهو يرتقبها، ولكن لا يدري متى تفجأه فهو قوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ﴾ في الدنيا، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني في الآخرة ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يعني أن الخلة إذا كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ يعني الموحدين المؤمنين الذين يخال بعضهم بعضًا على الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة، وهذا معنى قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 94، "الثعلبي" 10/ 89 أ، "الوسيط" 4/ 80.]].

الزخرف 43:68

﴿يَا عِبَادِ﴾ قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد: يا عبادي ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ يعني من العذاب. ﴿الْيَوْمَ﴾ فإذا سمع النداء رفع الخلائق رؤسهم فيقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فينكس أهل الأديان رؤسهم غير المسلمين [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 802.]]، قال أبو إسحاق: ﴿الَّذِينَ﴾، في موضع نصب على النعت لـ ﴿عِبَادى﴾ لأن [..] [[كذا في الأصل، وقد سقط لفظ ﴿عِبَادِى﴾ وهي كذلك مثبتة عند الزجاج.]] منادى مضاف [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 419.]].

الزخرف 43:69

قال النحاس وصاحب النظم وأبو حاتم [[لم أقف على أقوال هؤلاء وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 119، "الدر المصون" 6/ 106.]]: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ابتداء، وخبره مضمر على تقدير يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، أو يكون الخبر ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين آمنوا بآياتنا. وقال صاحب النظم: وعلى كلا الوجهين دليل في الفصل، فقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دليل لمن جعل (الذين) منتظمًا بالآية الأولى؛ لأن آخر الكلام وأوله خطاب.

الزخرف 43:70

قال النحاس وصاحب النظم وأبو حاتم [[لم أقف على أقوال هؤلاء وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 119، "الدر المصون" 6/ 106.]]: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ابتداء، وخبره مضمر على تقدير يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، أو يكون الخبر ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين آمنوا بآياتنا. وقال صاحب النظم: وعلى كلا الوجهين دليل في الفصل، فقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دليل لمن جعل (الذين) منتظمًا بالآية الأولى؛ لأن آخر الكلام وأوله خطاب.

الزخرف 43:71

قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ دليل على القول الآخر على تأويل الذين آمنوا يقال لهم: ادخلوا الجنة، ويطاف عليهم. وقوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ قال: تكرمون وتنعمون. قال الكلبي: تكرمون إكرامًا يبالغ فيه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 494.]]. والحبرة المبالغة فيما وصف بجميل [[قال في "تهذيب اللغة" (حبر) 5/ 32 روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يخرج رجل من النار قد ذهب حِبْرُه وسِبْرُه". قال أبو عبيد قال الأصمعي: حِبْرُه وسِبْرُه: هو الجمالُ والبهاءُ. يقال فلان حَسَن الحبرِ والسِّبْرِ.]]، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم [آية: 15] ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، قال مقاتل: بأيدي غلمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 802.]]. ﴿بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ قال الكلبي: بقصاع [[انظر: "تنوير المقباس" ص 494.]]، قال الليث: الصحيفة شبه قصعة مُسْلَنْطِحَة عريضة، والجمع الصحاف [[قال ابن سيده: (الصحفة: شبه قصعة مُسْلَنْطِحَةَ عريضة وهي تشبع الخمسة ونحوهم). انظر: "اللسان" (صحف) 9/ 187، وانظر: قول الليث في "كتاب العين" (صحف) 3/ 120، "تهذيب اللغة" (صحف) 4/ 254.]]. قال الأعشى: والمَكَاكِيكُ والصحَافُ من الفضـ ... ـضةِ والضامِراتُ تحت الرِّحالِ [[انظر: "ديوان" الأعشى ص 41، "تهذيب اللغة" (صحف) 4/ 254، "اللسان" (صحف) 9/ 187.]] قوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾، قال الفراء: الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له، وأنشد لعدي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 37، والبيت لعدي بن زيد بن حماد بن أيوب من زيد مناة بن تميم. انظر: "معاني الفراء" 3/ 37، "تهذيب اللغة" (كوب) 10/ 400، "الدر المصون" 6/ 106، "اللسان" (صفق) 10/ 203، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 114.]]: مُتَّكِئًا تُصْفَقُ أبوابُهُ ... يَسْعَى عَلَيْه العَبْدُ بالكُوبِ وقال أبو عبيدة: الأكواب الأباريق التي لا خراطم لها [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 206.]]. وقال أبو إسحاق: واحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 419.]]. قال ابن عباس: هي الأباريق التي ليس لها آذان [[لم أقف عليه.]]، وقال مقاتل: يعني الأكواب التي ليست لها عرا مدورة الرأس [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 238، "تفسير مقاتل" 3/ 802.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ وقرئت: ﴿تَشْتَهِيهِ﴾ بإثبات الهاء، قال المبرد: الأصل إثبات الهاء والحذف استخفاف، وهو حسن كثير، كما تقول: الذي ضربت زيد، والأصل ضربته، وإنما استخفوا في هذا الموضع حذف المفعول لأن (الذي) اسم، وضربت اسم الفاعل، والهاء المفعول، فلما اجتمع ذلك استخفوا الحذف، وكان المجيء بالهاء مع (ما) أحسن منه مع (الذي)؛ لأن (الذي) أطول من (ما)، ولأن (ما) مبهمة تقع للمؤنث والمذكر، والمجيء بالهاء يفصل بينهما، والذي والتي تنبيان عن أنفسهما فيستغنى عن الهاء، وفي هذا دليل على حسن قراءة من قرأ (تشتهيه) [[انظر: "الحجة" لابن خالويه ص 323، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 262، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 654، وهي قراءة: نافع وابن عامر وحفص عن عاصم. "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 120، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: ﴿تَشْتَهِي﴾ بغير هاء.]]. وقال أبو علي الفارسي: حذف هذه الهاء من الصلة في الحسن كإثباتها، إلا أن الحذف يرجح على الإثبات بأن ما كان من هذا النحو في التنزيل جاء على الحذف، من ذلك قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: 59] {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} [هود: 43] و ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: 69]. ويقوي الحذف من جهة القياس أنه اسم قد طال، والأسماء إذا طالت فقد يحذف منها كما حذفوا من اشهيباب، واحميرار، الياء لطول الاسم، وقد جاءت مثبتة في قوله: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 158.]]. قوله تعالى: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ قال الكسائي: يقال للشيء: يلذ بالكسر لَذَاذًا ولذاذة بفتح اللام فيهما، فإذا كنت أنت الفاعل كان فعلت منه مكسورًا، ويفعل مفتوحًا، تقول: لَذِذْتُ الشيء أَلَذُّه، مثل استلْذَذته [[انظر: "الصحاح" للجوهري (لذذ) 2/ 575، "اللسان" (لذذ) 3/ 506.]]. قال مقاتل [[قول مقاتل هذا غير موجود في "تفسيره" لهذه الآية 3/ 802.]]: وفيها ما تشتهي الأنفس من شيء وتلذ الأعين، أنه ما من شيء تشتهيه نفس أو استلذته عين إلا وهو في الجنة، وقد عبر الله بهذين اللفظين عن جميع نعيم أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلا وهي تصيب النفس أو العين يستحسن بالعين أو يستطاب بالنفس، ثم تمم هذه النعم بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لأنها لو انقطعت لم تطب، فإن الشيء إذا طاب بعضه [بناه] [[كذا رسمها وهي غير منقوطة.]]، فإذا دام كان أطيب له.

الزخرف 43:72

وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ يعني الجنة التي ذكرها في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [[كذا في الأصل وهو تصحيف ونص الآية ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: 43].]] وقد ذكرنا في رواية الجنة قولين في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ وابن عباس قال في هذه الآية: خلق الله لكل نفس جنة ونارًا، والكافر يرث نار المؤمن، والمؤمن يرث جنة الكافر.

الزخرف 43:76

قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، وقال الكلبي ومقاتل: وما ظلمناهم بتعذيبهم، وما عذبناهم على غير ذنب [[انظر: "تنوير المقباس" ص 495، "تفسير مقاتل" 3/ 802.]]. ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم لما جنوا عليها من الشرك والكفر، قال أصحابنا: ولا يتصور الظلم من الله تعالى لأنه متصرف في ملكه على الإطلاق، كيف ما تصرف، وإنما الظلم أن يفعل الفاعل ما ليس له فعله و ﴿هُمُ﴾ في قوله: ﴿هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ عماد وفصل [[﴿هُمْ﴾ هاهنا فصل كذا يسميها البصريون، وهي تأتي دليلاً على أن ما بعدها ليس بصفة لما قبلها، وأن المتكلم يأتي بخبر الأول، ويسميها الكوفيون العِماد، وهي عند البصريين لا موضع لها في رفع ولا نصب ولا جر. انظر: "معاني الزجاج" 4/ 419.]].

الزخرف 43:77

﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ قال ابن عباس: يريد خازن جهنم [[أخرج ذلك الطبري عن السدي. انظر: "تفسيره" 13/ 99، ونسبه ابن الجوزي 7/ 329 للمفسرين، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 3/ 213 ولم ينسبه، وذكره القرطبي 16/ 116 ولم ينسبه.]]. ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال الكلبي: ليقض علينا الموت. وقال مقاتل: لينزل علينا ربك الموت، والمعنى أنهم توسلوا بمالك إلى الله تعالى ليسأل الله تعالى ليميتهم حتى يستريحوا من شدة العذاب، فيسكت عنهم مالك ولا يجيبهم أربعين سنة في قول الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 495، "تفسير مقاتل" 3/ 802.]]، وألف سنة فيما روي عن ابن عباس [[أخرج ذلك الطبري 13/ 99 عن ابن عباس ، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 448، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح، وذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 222، والقرطبي في "الجامع" 16/ 117.]]. قال القرظي: لا يجيبهم ثمانين سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون، ثم يلحظ إليهم بعد الثمانين فيقول [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 117.]]: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، قال مقاتل: يقول مقيمون في العذاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 803.]].

الزخرف 43:78

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ وهو من قول مالك لهم فيها فيما ذكر مقاتل، و [[كأن في الكلام سقطًا هاهنا ولفظه (قال).]] غيره من المفسرين هو من كلام الله تعالى في مخاطبة الكفار يقول [[كأن في الكلام سقطًا هاهنا ولفظه (لقد أرسلنا) هذا لفظها عند الطبري. انظر: "تفسيره" 13/ 99.]]: إليكم يا معشر قريش محمدًا -ﷺ- [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 99، "تفسير البغوي" 7/ 223.]]. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد كلكم كارهون لما جاء به محمد -ﷺ- [[ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 330، والقرطبي في "الجامع" 16/ 118، وذكره المؤلف في "الوسيط" 4/ 82 عن ابن عباس.]].

الزخرف 43:79

قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ الإبرام معناه في اللغة الأحكام. يقال: أبرمت الأمر، أي أحكمته [[انظر: اللسان (برم) 12/ 43.]]، قال مجاهد ومقاتل: أم أجمعوا أمرًا فإنا مجمعون [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة بهذا اللفض، وأخرجه عن مجاهد بلفظ: (مجمعون) إن كادوا شرًّا كدنا مثله. انظر: 13/ 100، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 595.]]، والمعنى بل أحكموا أمرًا في كيد محمد والمكر به، فإنا محكمون أمرًا في مجازاتهم. قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به في دار الندوة [[هي دار بمكة أحدثها قصي بن كلاب بن مرة لما تملك مكة وهي دار كانوا يجتمعون فيها للمشاورة، وجعلها بعد وفاته لابنه عبد الدار بن قصي، ولفظه: مأخوذ من الندى والنادي والمنتدى، وهو مجلس القوم الذين يندون حوله، أي: يذهبون قريبًا منه ثم يرجعون، وقد أصبحت دار الإمارة في زمن معاوية بن أبي سفيان. انظر: "معجم البلدان" 2/ 423.]] [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 803.]]. وهو ما ذكر الله في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 30]. وقد ذكرنا القصة [[في سورة الأنفال: آية 30.]]. قال أبو إسحاق: أم أحكموا عند أنفسهم أمرًا من كيد أو شر فإنا محكمون مجازاتهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 420.]].

الزخرف 43:80

﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما [يسرونهم] [[كذا لفظها في الأصل، ولعل الصواب (يسرونه).]] من غيرهم مما يتناجون به بينهم. ﴿بَلَى﴾ نسمع ذلك، ﴿وَرُسُلُنَا﴾ من الملائكة، يعني الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.

الزخرف 43:81

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ كثرت الوجوه في هذا التفسير، فالأصح منها، والذي عليه أكثر أهل العلم قول مجاهد، قال: يقول إن كان لله ولد في قولكم، فأنا أول من عبد الله ووحده [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 595، "تفسير الطبري" 13/ 101، "الماوردي" 5/ 240 "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 119.]]، واختاره الزجاج فقال: إن كان للرحمن ولد في قولكم كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: 27] أي في قولكم، والله -عز وجل- لا شريك له [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 420.]]. والمعنى إن كنتم تزعمون أن للرحمن ولدًا جل وعز فأنا أول الموحدين؛ لأن من عبد الله واعترف أنه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد، واختاره ابن قتيبة فقال: لما قال المشركون لله ولد ولم يرجعوا عن مقالتهم بما أنزل الله على رسوله من التبرؤ من ذلك، قال الله لرسوله: قل لهم إن كان للرحمن ولد أي عندكم وفي ادعائكم فأنا أول العابدين؛ أي: أول الموحدين، ومن وحد الله فقد عبده، ومن جعل له ولدًا وندًا فليس من العابدين، وإن اجتهد، ومنه قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] أي ليوحدون [[انظر: "مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة 2/ 124.]]، واختاره الأزهري أيضًا فقال: المعنى إن كان للرحمن ولد في دعواكم، فالله -عز وجل- واحد لا شريك له، وهو معبودي الذي لا ولد له ولا والد [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (عبد) 2/ 231.]]. الوجه الثاني: أن يكون ﴿الْعَابِدِينَ﴾ من عبد بمعنى غضب، قال ابن عباس: إن كان للرحمن ولد كما تزعمون فأنا أول من غضب للرحمن أن يقال: له ولد [[ذكر ذلك البغوي 7/ 223 ولم يشبه، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 120.]] وأنشد: متى ما يَشَأ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَه ... وَيعْبَدْ عليه لا محالَة ظَالِما [[لم أقف على قائل هذا البيت، والشاهد فيه قوله: ويعبد عليه: أي يغضب عليه. وقد استشهد ابن جرير في "تفسيره" 13/ 102 بالبيت نفسه. وكذلك استشهد به ابن عطية 14/ 278، وكذلك استشهد به السمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 108 ونسبه محققو "الدر" للمرقش الأصغر. انظر: "المفضليات" ص 502.]] قال: يريد وغضب، وهذا صحيح في اللغة، قال النضر: العبد: طول الغضب [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238.]]. وروى أبو عبيد عن الفراء: عَبَدَ عليه وأحِنَ، أي: غضب [[انظر: "اللسان" (عبد) 2/ 275.]]، والعَبَد يكون بمعنى الأنف، ومنه قول الفرزدق: وأَعْبَدُ أَنْ أهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِم [[هذا عجز بيت، وصدره: أولئك قوم إن هجوني هجوتهم والشاهد قوله: أعبد. أي آنف، وقد ورد البيت في "اللسان" (عبد) 3/ 275، وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 206، "المحتسب" لابن جني 2/ 258، "الدر المصون" 6/ 108، "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238.]] أي: آنف [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238 وهي كذا في الأصل ولعله سقط لفظ (قال).]]، ابن الأعرابي في قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي الغضاب، وهذا قول أبي عبيدة والمبرد في (العابدين) هاهنا: أنه معنى الآنفين ولكن (إن) عندهم قوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ بمعنى: (ما) قالوا: ومعنى الآية: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي: الآنفين مما قلتم والمنكرين له. قال أبو عبيدة: ومجاز الفاء في أنا مجاز الواو [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 206.]]. وقال الكسائي: يقال: رجل عابِد وعَبِدُ، وآنِف وأنِفُ. [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، فقد نقل قول الكسائي.]] وقال ابن قتيبة: يقال عَبِدتُ من كذا أعبدُ عَبَدًا [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 401.]]، وأكثر ما يأتي الأسماء من فَعِلَ يفعل على فَعَل كالوجل والفزع، وربما يأتي عليها نحو: صدٍ صاد، وكذلك عبد وعابد. وذهب قوم إلى أن (إن) بمعنى: (ما)، و (العابدين) من العبادة وهو قول الكلبي [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230 فقد نقل قول الكلبي.]] ومقاتل، والمعنى: ما كان للرحمن ولد [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 805.]] فأنا أول العابدين، يعني: أول الموحدين من أهل مكة، واختاره ابن الأنباري فقال: معناه: ما كان للرحمن ولد، والوقف على الولد، ثم تبدأ فتقول: فأنا أول العابدين له، على أنه لا ولد له [[انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 886.]]، والوقف على العابدين تام. وهذا قول الحسن وقتادة [[انظر: قول ابن الأنباري بنصه في "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 231، وكذلك قولي الحسن وقتادة. وانظر: "المكتفى" للداني ص 511.]]. وفي الآية قول آخر ذكره السدي فقال: قال الله تعالى لمحمد -ﷺ-: قل لهم إن كان للرحمن ولد كما تقولون، لكنت أول من يعبده ويطيعه [[انظر: قول السدي في "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، "المكتفي" للداني ص 511.]]، أي: إن كان له ولد فأنا أول من عبده بأن له ولدا، ولكن لا ولد له، ومعنى هذا القول: لو كان له ولد لعبدته، كما تقول: لو دعت الحكمة إلى عبادة غير الله لعبدته ولكنها لا تدعو إلى عبادة غيره، كما تقول: لو دل الدليل لقبلت به، ولكنه لا يدل، فهذا تحقيق لنفي الولد. وقول آخر في الآية يروى عن ابن عيينة أنه سئل عن هذه الآية فقال: يقول فكما أني لست أول من عبد الله، فكذلك ليس لله ولد [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، "تفسير الوسيط" 4/ 83.]]، وهذا كما تقول إن كنت [كاذبًا]، [[كذا في الأصل، وفي "الوسيط" 4/ 83 بلفظ (كاتباً) وهو الصواب.]] فأنا حاسب، تريد لست أنت كذا ولا أنا، وتأويل الآية ليس للرحمن ولد كما لست أنا أول من عبد الرحمن، فقد عبده قبلي ناس، هذا وجه ما ذكره ابن عيينة، وهو حسن صحيح في معنى الآية.

الزخرف 43:82

ثم نزه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ قال مقاتل: عما يقولون من الكذب.

الزخرف 43:83

﴿فَذَرْهُمْ﴾ يعني كفار مكة حين كذبوا بالعذاب في الآخرة عصوا في باطلهم ولهوا في دنياهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 805.]]. ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾ يوم القيامة.

الزخرف 43:84

قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ قال قتادة: يعبد في السماء ويعبد في الأرض [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: "تفسيره" 13/ 104، ونسبه ابن الجوزي لمجاهد وقتادة. انظر: "زاد المسير" 7/ 233.]]، قال مقاتل: يوحد في السماء ويوحد في الأرض [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 806.]]. وقال المبرد: تأويله والله أعلم: رَبّ من هناك، ورَبّ من هاهنا كقوله: سبحان الله [[لم أقف على قول المبرد.]]، ونحو هذا قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3]، وقد مر الكلام فيه مستقصى. قال أبو علي: نظرت فيما يرتفع به (إله) فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون خبر مبتدأ محذوف من الصلة راجع إلى الموصول كأنه: وهو الذي في السماء هو إله، وتقدير هذا الحذف من الصلة هنا حسن لطولها، وقد استحسن الخليل ذلك، فإذا كان التقدير على هذا ارتفع هذا المحذوف بالابتداء و ﴿إِلَهٌ﴾ خبره والظرف الذي هو قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ متعلق بقوله: ﴿إِلَهٌ﴾ وموضعه نصب وإن كان مقدمًا عليه، ألا ترى أنهم قد أجازوا كل يوم ثوب فاعمل فيه، والمعنى مقدم. والمعنى: إنما هو عن الإخبار بالآلهة لا عن الكون في السماء، أي: أنه تعالى اسمه يقصد بالعبادة في السماء والأرض. انتهى [[ذكر ذلك في "الوسيط" عن أبي علي الفارسي 4/ 83، ولم أقف عليه عند أبي علي.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ لأن خَلْق السموات والأرض يدل على الحكمة والعلم.

الزخرف 43:86

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين: أحدهما: إن الذين يدعون من دونه هم عزير وعيسى والملائكة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والكلبي، وقول مجاهد ومقاتل [[انظر: "تفسير مجاهد" 596. وأخرجه الطبري 13/ 105 عن مجاهد، وانظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 92 أ، "تفسير مقاتل" 3/ 806، "زاد المسير" 7/ 334.]]، وقال ابن عباس: يريد أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد بالحق [[لم أقف عليه.]]، وقال مجاهد: لا يشفع عيسى ولا عزير ولا الملائكة إلا من شهد بالحق [["تفسير مجاهد" ص 596، وأخرجه الطبري 13/ 105 عن مجاهد.]]. وقال مقاتل: قال النضر بن الحرث ونفرٌ معه: إن كان ما يقول محمد حق، فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد، فأنزل الله هذه الآية، يقول: لا تقدر الملائكة الذين تعبدونهم لأن يشفعوا لأحد، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 806، "تفسير الماوردي" 5/ 242، "زاد المسير" 7/ 233.]] والمعنى على هذا القول: لا يشفع هؤلاء إلا لمن شهد بالحق، فأضمر اللام [[انظر: "الدر المصون" 6/ 108، "تفسير ابن عطية" 14/ 281.]] أو يقال التقدير: إلا شفاعة من شهد بالحق فحذف المضاف، وهذا على لغة من يعدي الشفاعة بغير لام فيقول: شفعت فلانًا، بمعنى شفعت له، كما تقول: كلمته وكلمت له، ونصحته ونصحت له. القول الثاني: أن الذين يدعون من دونه كل معبود من دون الله، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ عزير وعيسى والملائكة، وهذا قول قتادة قال: إنهم عبدوه من دون الله ولهم شفاعة عند الله ومنزلة [[أخرج ذلك الطبري 13/ 105 عن قتادة، وانظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 92 ب، "زاد المسير" 7/ 334.]]، ومعنى ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: من شهد أنه لا إله إلا الله وحده وأن محمدًا عبده ورسوله [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" عن ابن عباس. انظر: 16/ 122.]]، وقال مقاتل: إلا من شهد بالتوحيد من بني آدم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 806]]. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله واحد لا شريك له فيشفعون لهؤلاء، وفي هذا دليل على أنه لا تتحقق الشهادة بالعلم، وأجمع أصحابنا أن شرط الإيمان طمأنينة القلب على ما أعهده بحيث لا يتشكك إذا شكك، ولا يضطرب إذا حرك لقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني شهدوا على علم وبصيرة [[ذكر ذلك في تفسير "الوسيط" 4/ 84.]]، قال إبراهيم: يشهد وهو يعلم أنك كذلك، قال مجاهد: يعلمون أن الله ربهم [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 596، "تفسير الطبري" 13/ 105.]].

الزخرف 43:87

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية مفسرة في أواخر سورة العنكبوت [آية: 61] وفي غيرها.

الزخرف 43:88

﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال ابن عباس: شكا إلى ربه تخلف قومه عن الإيمان [[أخرج ذلك الطبري 13/ 106 عن قتادة. وانظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 92 ب من غير نسبة، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 334 لابن عباس.]]، واختلفوا في انتصاب ﴿وَقِيلِهِ﴾ فذكر الأخفش والفراء فيه قولين: أحدهما: أنه نصب على المصدر بتقدير، وقال ﴿وَقِيلِهِ﴾ وشكا شكواه إلى ربه، يعني: النبي -ﷺ- فانتصب ﴿وَقِيلِهِ﴾ بإضمار قال. والثاني: أنه عطف على ما تقدم من قوله: إنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 38، ولم أجده في "معاني الأخفش"، وانظر: "الدر المصون" 6/ 109.]]. وقال أبو إسحاق: والذي أختاره أنا أن يكون نصبًا على معنى: وعنده علم الساعة، ويعلم قيله [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 421.]]، وشرح أبو علي هذا القول فقال: نصب قيله على الحمل على موضع [...] [[كذا في الأصل وقد سقط لفظ [﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ لأن]، انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 160.]] الساعة مفعول بها وليست بظرف والمصدر مضاف إلى المفعول به ومثل ذلك قوله: قد كُنْتُ دَايَنْت به حَسَّانَا ... مَخَافَةَ الإفْلاسِ واللّيَانَا [[الرجز لرؤية بن العجاج، انظر: "ديوانه" ص 187، "الكتاب" 1/ 191، "الحجة" لأبي علي 6/ 160، وداينت: من المداينة وهي البيع بالدين، بها أي بالإبل، وحسان: اسم رجل، والليان: مصدر لويته بالدين لياً ولياناً إذا مطلته، يقول: داين بالإبل حسان لأنه رجل مليء لا يماطل مخافة أن يداين غير حسان ممن ليس بمليء فيماطل لإفلاسه، انظر: "الكتاب" 1/ 191.]] وكما أن الليان محمول على ما أضيف إليه المصدر من المفعول به، كذلك وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ لما كان معناه يعلم الساعة حملت ﴿وَقِيلِهِ﴾ على ذلك، قال: ويجوز أن يكون حمله على: يقول قيله، فيدل انتصاب المصدر على فعله، وكذلك قول كعب: يَسْعَى الوشَاةُ حَواليها وقِيلِهم ... إنَّك يا ابْن أبي سَلْمَى لَمَقْتُولُ [[البيت لكعب بن زهير في "ديوانه" ص 19 من قصيدته المشهورة بالبردة، وانظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 160، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 124.]] وقرأ عاصم وحمزة: وقيله بالجر، قال الأخفش والفراء والزجاج: الجر على قوله: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب [["الحجة" 6/ 160، "معاني القرآن" للفراء 3/ 38، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 421، "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 123.]]، والاختيار القراءة الأولى [[انظر: "كتاب السبعة" لابن مجاهد ص 589، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 262، "الحجة في القرءات السبع" لابن خالويه ص 323.]]، وهو الموافق لما ذكره المفسرون. قال ابن عباس في تقدير الآية: أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 3/ 807، وذكر هذا المعنى بغير نسبة: البغوي 7/ 224، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 334.]]. وقال المبرد: العطف على المنصوب حَسَن [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 123، "الدر المصون" 6/ 109.]]، وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور، يجوز ذلك فيه على قبح؛ لأنه لا يفصل بينه وبين عامله إلا في ضرورة، ومعنى النصب: أنا لا نسمع قيله، وهو معطوف على منصوب قد تباعد منه، وكان حسنًا في المنصوب، ولما كان معنى الجر: وعنده علم الساعة وعلم قيله، فتح لما وصفنا، وقرأ ناس من غير السبعة: وقيله يا رب، بالرفع. وقال أبو إسحاق: الرفع على معنى: وقيله هذا القول قول يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 421، "الحجة" 6/ 160.]]. قال أبو علي: الرفع يحتمل ضربين: أحدهما: أن يجعل الخبر، وقيله يا رب مسموع ومتقبل، فيا رب منصوب الموضع بقيله المذكورة، وعلى القول الآخر بقيل المضمر وهو من صلته، ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع أن يحذف بعض الموصول، ويبقى بعضه، لأن حذف القول [قد كثر] [[كذا في الأصل وفي "الحجة" (قد أضمر).]] حتى صار بمنزلة المذكور، وقد يحتمل بيت كعب الرفع على هذين الوجهين [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 161.]]، والقيل مصدر كالقول، ومنه قول النبي -ﷺ-: "نهى عن قيل وقال" [[أخرجه الجاري عن المغيرة: "إن الله كره لكم ثلاثاً .. " الحديث، كتاب الزكاة باب قول الله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ 2/ 131، وفي الأدب باب عقوق == الوالدين 7/ 70، وفي الرقاق باب ما يكره من قيل وقال 7/ 183، وفي الاعتصام باب ما يكره من كثرة السؤال 8/ 142، وأخرجه الإمام مسلم في كتاب الأقضية باب النهي عن كثرة المسائل 2/ 1430، وأخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة 2/ 327، 360، 367، وعن المغيرة 4/ 246، 249، 250.]]. قال أبو عبيد: يقال قلت قولاً، قال وسمعت الكسائي يقول في قراءة عبد الله ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: 34] قال الفراء: القال في معني القول، مثل العيب والعاب [[انظر: هذه الأقوال في "تهذيب اللغة" للأزهري من قوله: ومنه قول النبي .. (لقى) 9/ 304، "اللسان" (قول) 11/ 573.]]. وقال الليث: تقول العرب كثير فيه: القيل والقال [[انظر: "كتاب العين" (قول) 5/ 213.]]، أبو زيد: يقال: ما أحسن قيلك وقولك ومقالتك ومقالك وقالك، خمسة أوجه [[انظر: قولي الليث وأبي زيد في "تهذيب اللغة" (لقى) 9/ 305.]]. قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ قال ابن عباس: أمسك عنهم، وقال مقاتل: أعرض عنهم وقيل سلام، اردد عليهم معروفًا [[أورد ذلك القرطبي 16/ 124 عن ابن عباس لكن بلفظ: أعرض عنهم، وانظر: "تفسير مقاتل" 3/ 807.]]. وقال ابن عباس: يريد مداراة حتى ينزل حكمي [[انظر: "تفسير الوسيط" ذكر ذلك عن عطاء 4/ 84.]]. قال المبرد: قال سيبويه: إنما معناه المتاركة كما تقول: سلام بسلام أي تركًا بترك [[انظر: "الكتاب" 1/ 326.]]، وهذا كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55] وقد مر. وقال الفراء: رفع (سلام) بضمير (عليكم) وما أشبهه، ولو كان: وقيل سلامًا، كان صوابًا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 38.]]. قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قرئ: بالتاء والياء، فمعنى التاء أن الله تعالى أمر نبيه -ﷺ- أن يقول للمشركين: سلام عليكم ويقول لهم سلام فسوف تعلمون، ومن قرأ بالياء حمل على الغيبة التي هي (فاصفح عنهم .. فسوف يعلمون) [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 161، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 263.]] قال ابن عباس: وهذا وعيد وتهدد من الله تعالى. قال ابن عباس: وقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ منسوخ بالسيف [[ذكر ذلك ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" عن ابن عباس ص 455، وذكره ابن حزم في "الناسخ والمنسوخ" ولم ينسبه ص 55، وذكره من غير نسبة هبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" ص 158.]]. وقال مقاتل: نسخ السيف الإعراض والسلام [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 807.]]. وقال قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أمر بقتالهم [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة، انظر. "تفسيره" 13/ 107، ونسبه القرطبي لقتادة 16/ 124.]].