Al-Basit — سبأ 34:1 – يس 36:83
المحتويات
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:8
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:29
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:37
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:41
- سبأ 34:42
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:45
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:3
- يس 36:4
- يس 36:5
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:9
- يس 36:10
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:13
- يس 36:14
- يس 36:15
- يس 36:16
- يس 36:17
- يس 36:18
- يس 36:19
- يس 36:20
- يس 36:21
- يس 36:22
- يس 36:23
- يس 36:24
- يس 36:25
- يس 36:26
- يس 36:27
- يس 36:28
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:31
- يس 36:32
- يس 36:33
- يس 36:34
- يس 36:35
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:42
- يس 36:43
- يس 36:44
- يس 36:45
- يس 36:46
- يس 36:47
- يس 36:48
- يس 36:49
- يس 36:50
- يس 36:51
- يس 36:52
- يس 36:53
- يس 36:54
- يس 36:56
- يس 36:57
- يس 36:58
- يس 36:59
- يس 36:60
- يس 36:61
- يس 36:62
- يس 36:63
- يس 36:64
- يس 36:65
- يس 36:66
- يس 36:67
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:70
- يس 36:71
- يس 36:72
- يس 36:73
- يس 36:74
- يس 36:75
- يس 36:76
- يس 36:77
- يس 36:78
- يس 36:79
- يس 36:80
- يس 36:81
- يس 36:82
- يس 36:83
سبأ 34:1
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: له كل ذلك خلقًا وملكًا. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾، قال ابن عباس: يريد حيث لا يحمد أحد [[في (أ): (أحدًا)، وهو خطأ؛ لأنه نائب فاعل. ولم أقف على القول منسوبًا لابن عباس.]] غيره. وقال مقاتل: يعني يحمده أولياؤه في الآخرة، إذا دخلوا الجنة، فقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، والحمد لله الذي هدانا لهذا [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.]]. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ قال ابن عباس: حكيم في خلقه أن يميتهم ثم يحييهم، الخبير لمن أطاعه ومن عصاه [[لم أقف عليه. وهكذا جاء في النسخ! ولعل الصواب: الخبير لمن أطاعه؛ لأنه يتعدى بالباء.]].
وقال قتادة: حكيم في أمره خبير بخلقه [[ذكره الماوردي 4/ 432 غيرمنسوب لأحد، والمؤلف في "الوسيط" 3/ 486.]].
سبأ 34:2
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ يدخل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ من [[(من) ساقطة من (ب).]] مطر أو كنزاً [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: أو كنز.]]. قاله الكلبي وغيره [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 432. وذكره غير منسوب: السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 64، الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 590، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 432.]]. ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من زرع ونبات. ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من مطر أو مصيبة أو رزق. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من الملائكة وأشباه ذلك من أعمال العباد. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه. ﴿الْغَفُورُ﴾ لذنوبهم ومساوئهم. قاله ابن عباس [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وذكره غير منسوب: الماوردي 4/ 432، الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 590، "زاد المسير" 6/ 432.]].
سبأ 34:3
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ قال مقاتل: (قال أبو سفيان لكفار مكة: واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدًا، أي: لا نبعث، فلما حلف على ذلك بالأصنام قال الله لنبيه: قل يا محمد: بلى وربي لتأتينكم الساعة) [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ.]] ثم عاد إلى تمجيد نفسه فقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ قال أبو إسحاق: (الرفع على وجهين: أحدهما: الابتداء، ويكون ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ الخبر، والثاني: على جهة المدح لله -عز وجل-، المعنى هو عالم الغيب. ومن قرأ بالكسر فهو صفة لله -عز وجل-، على تقدير: الحمد لله عالم) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 240.]]. وقرأ حمزة والكسائي: "علام الغيب" على المبالغة لقوله: علام الغيوب [[انظر: "الحجة" 6/ 5، "علل القراءات" 2/ 547، "الحجة في القراءات السبع" ص 291.]]. وباقي الآية مفسر في سورة يونس [[عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ آية: 61.]].
سبأ 34:4
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال مقاتل: لكي يجزي في الساعة الذين آمنوا [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ.]]. قال أبو إسحاق: (دخلت اللام جوابًا لقوله: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ أي: للمجازاة، يعني: من أجل المجازاة) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 240]].
سبأ 34:5
ثم بين جزاء الفريقين فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني الذين آمنوا إلى قوله: ﴿رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. وقرئ: أليم، رفعا وخفضًا. قال أبو إسحاق: (الخفض نعت للرجز، والرفع نعت للعذاب) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 241]].
قال أبو علي: (الرجز: العذاب؛ بدلالة قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: 134]، وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 59]. وإذا كان العذاب، جاز أن يوصف بأليم كما أن نفس العذاب قد جاز أن يوصف به، ومن رفع فهو على نعت قوله: ﴿عَذَابٌ﴾، ومثل هذا في أن الصفة تجري في المضاف، وعلى المضاف إليه أُجري قوله: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ و (خُضر) فالرفع على أن يتبع الثياب، والجر على أن يتبع السندس، وإذا كان الثياب سندسًا، والسندس خضر، فالثياب كذلك، وتقدير قوله: ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ عذاب رجز، كما أن قوله: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ معناه: ثياب من سندس. والجر في الأليم أبين؛ لأنه إذا كان عذاب من عذاب أليم كان العذاب الأول أليمًا، وإذا أجريت الأليم على العذاب كان المعنى عذاب، فالأول أكثر فائدة) [["الحجة" 6/ 6.]].
سبأ 34:6
قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قال الفراء: يرى في موضع نصب معناه: ليجزي الذين وليرى الذين [["معانى القرآن" 2/ 352]]. ونحو هذا قال أبو إسحاق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 240.]]. وليس المعنى ما ذكر؛ لأن اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلق بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ على ما بيناه، ولا يجوز أن يكون المعنى: لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، فإنهم [[في (ب): كرر قوله: (فإنهم)، وفي (أ): كرر الجملة: (فإنهم وإن لم تأتهم الساعة يرون القرآن حق).]] وإن لم تأتهم الساعة يرون القرآن حق [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 656، "البحر المحيط" 8/ 521، "الدر المصون" 5/ 430.]].
قال الفراء: وإن شئت استأنفت ويرى [[في (أ): (ترى)، وهو خطأ.]] فرفعتها [["معاني القرآن" 2/ 352.]]. وهذا هو الوجه لا ما قاله أولاً. ومعنى الرؤية هاهنا العلم، قال مقاتل: (يعني: ويعلم الذين أوتوا العلم بالله، يعني: مؤمني أهل الكتاب) [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ.]]. وقال ابن عباس: يريد أصحاب رسول الله -ﷺ- [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد ذكره أكثر المفسرين عن قتادة.
انظر: "الوسيط" 3/ 487، "تفسير الماوردي" 4/ 433، "تفسير الطبرسي" 8/ 593، "زاد المسير" 6/ 433.]].
وقوله: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ هو فعل عند البصريين، وشمميه الكوفيون عمادًا، وقد بينا الكلام فيه عند قوله: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: 180]. قال الفراء: (ولو رفعت الحق على أن تجعل هو اسما كان صوابًا، أنشد الكسائي:
ليت الشباب هو الرجيع [[في (ب): (الرجع).]] على الفتى ... والشيب كان هو البديء الأول [[البيت من الكامل، لم أهتد إلى قائله، وهو في: "معاني القرآن" للفراء 2/ 352، "الزاهر" 2/ 224، "الدر المصون" 6/ 43، "الجنى الداني" ص 493 بلا نسبة.]]
فرفع ونصب في بيت واحد) [["معاني القرآن" 2/ 352، وقوله: فرفع ونصب، يعني رفع في كان، ونصب في ليت، فالمرفوع هو البديء، والمنصوب الشباب.]].
قوله: ﴿وَيَهْدِي﴾ معناه: الهادي، ولفظ المستقبل كثيرًا ما يراد به لفظ الحال، يقول: تعلمون الحق القرآن الحق الهادي. ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ قال مقاتل: ويدعو إلى دين العزيز في ملكه، الحميد عند خلقه في سلطانه [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ.]].
وقال الكلبي: يعني المنيع بالنعمة ممن لم يجب الرسل، المحمود في أفعاله [[لم أقف عليه.]].
سبأ 34:7
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: منكري البعث. قال أبو إسحاق: (هذا قول المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث، قال بعضهم لبعض: هل ندلكم على محمد الذي يزعم أنكم تبعثون بعد أن تكونوا عظامًا ورفاتًا وترابًا) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 241.]]. وهذا الذي ذكره موافق لما قاله المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 60، "تفسير الماوردي" 4/ 434، "مجمع البيان" 8/ 593، "بحر العلوم" 3/ 66]].
ومعنى: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [[(إذا) ساقط من (أ).]] إذا صار [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: إذا صرتم.]] قطعًا باليًا، قال: فرقتم كل تفريق وقطعتم كل تقطيع، والمزف خرف الأشياء، والتمزيق تفعيل منه، يقال: ثوب مزيق ممزوق متمزق ممزق إذا صار قطعًا باليًا [[انظر: "تهذيب اللغة" (مزق)، "اللسان" 10/ 342 (مزق).]].
قال ابن عباس: يريد إذا متم وبليتم [[لم أقف عليه عن ابن عباس. انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 434، "مجمع البيان" 8/ 593، "زاد المسير" 6/ 434.]].
وقال مقاتل: إذا تفرقتم في الأرض وذهبت الجلود والعظام وكنتم ترابًا، وهذا من قول أبي سفيان يقوله لكفار مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ.]].
قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية نظير في العربية لطيف، ونحن نشرحه إن شاء الله. ﴿إِذَا﴾ في موضع نصب بمزقتم، ولا يجوز أن يعمل فيها جديد؛ لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها، والتأويل: هل ندلكم على رجل يقول لكم إذا مزقتم تبعثون، ويكون إذا بمنزلة إن الجزاء يعمل فيها الذي يليها. قال قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
المعنى: يكون وصلها، الدليل على ذلك جزم فنضارب، قال: ويجوز أن يكون العامل في إذا مضمر، يدل عليه أنكم لفي خلق جديد، ويكون المعنى: هل ندلكم على رجل يقول إنكم إذا مزقتم كل ممزق بعثتم، كما قال: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: 82، الصافات: 16] كأنهم قالوا: أئذا متنا وكنا ترابًا نحاسب ونعذب! قال: ويجوز إنكم لفي خلق جديد؛ لأن اللام إذا جاءت لم يجز [كسر] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] إن، انتهى كلامه [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 241 - 242.]].
قال أبو علي الفارسي: (يسأل في هذه الآية عن موضع إذا، وبأي الأفعال يحكم على موضعه، وفي الآية مما يمكن أن ينتصب به الظروف ثلاثة أشياء: قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾، وقوله: ﴿مُزِّقْتُمْ﴾، وقوله: ﴿خَلْقٍ جَدِيد﴾، فلا يجوز أن يكون موضع إذا نصبًا بقوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾؛ لأن إذا لا يجوز أن تكون ظرفًا لهذا الفعل؛ لأن التنبؤ إنما تقع مثل [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: "قبل".]] الموت وأن يمزقوا بعد الموت، فامتنع أن ينتصب إذا به، وحمل ينبئكم على أنه بمعنى القول؛ لأنه ضرب منه.
فأما قوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ فإن جعل موضع إذا نصبا به لزم أن يحكم على موضعه بالجزم [[في (ب): (لزم أن يحكم عليه بالجزم).]]؛ لأن إذا هذه لا يجوز أن تنتصب به حتى يقدر جزم الفعل الذي هو الشرط [بها] [["بها" ساقطة من (ب)، "وبما" ساقطة من (أ).]] بما لا يسوغ أن يحمل عليه الكتاب؛ لأنه إنما يجزم بها في ضرورة الشعر، وإذا لم يجر [[هنا سقط في النقل عن أبي علي، فكلام أبي على كما في "المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات" ص 214، جاء هكذا: "إنما يجزم بها في ضرورة الشعر، == وإن حمل موضع (إذا) على أنه نصب والفعل غير مقدر في موضعه الجزم لم يجز؛ لأنه إذا لم يجاز بها أضيفت إلى الفعل والمضاف إليه لا يعمل .. ".]] بها أضيف إلى الفعل، والمضاف إليه لا يعمل في الضاف ولا فيما قبله، وموضع الفعل الواقع بعد إذا خفض، وكما لا يعمل [[في (أ): (يفعل).]] المضاف إليه فيما قبله كذلك لا يجوز أن يكون موضع إذا نصبا بمزقتم إذا كانت قبلها وحتى مضافة إليها.
ولو قلت: زيدًا غلام ضارب عندك لم يجز، وكذلك سائر ما يتعلق بالمضاف إليه لا يجوز أن يتقدمه. ومما يدل على أن موضع الفعل بعد إذا خفض الإضافة ارتفاع الفعل المضارع بعدها، نحو: إذا يجيء زيد أكرمه، والفعل المضارع ليس يرتفع حتى يقع موقع اسم مرفوع أو مجرور أو منصوب، وهذا علة ارتفاعه، وإنما ارتفع بعد إذا لوقوعه موقع اسم مجرور، ولا يجوز أن يكون موضع إذا نصب بقوله جديد على تقدير: إنكم لفي خلق جديد إذا مزقتم؛ لأن إذا قبل إن، وما قبل أن لا يجوز أن يعمل فيه ما بعدها، لا يجوز: طعامك إن زيدًا أكل؛ لأن إن للابتداء فهو منقطع عما قبله، وإذا امتنع هذه الوجوه فالناصب لـ (إذا) مضمر يدل عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ كأنه في التقدير: ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق بعثتم أو نشرتم أو ما أشبه هذا من الأفعال التي يكون قوله: إنكم لفي خلق جديد دالًا عليه ومفسرًا له. وإن قدر هذا الفعل قبل إذا كان سابقًا، فيكون ينبئكم يقول لكم تبعثون إذا مزقتم كل ممزق. قال: وقد أجاز شيخ لنا -يعني: السراج- [[هو: أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن أحمد البغدادي السراج القارئ، أديب عالم بالقراءات والنحو واللغة، ولد سنة 417 هـ. وقيل: 419 له مؤلفات منها: "مصارع العشاق،" و"مناقب الحبش"، ونظم كتاب الخرقي في فقه الحنابلة جعله نظما، توفي رحمه الله سنة 500 هـ. == انظر: "إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين" ص 75، "سير أعلام النبلاء" 19/ 228، "الأعلام" 2/ 121.]] أن يكون موضح إذا نصبًا بمزقتم) [["المسائل البغداديات" ص 213/ 218.]] وهو عندي ممتنع لما ذكرت لك. ومثل هذا عندي قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [[سورة المؤمنون: 101.]] الآية، وقد تقدم الكلام فيها.
سبأ 34:8
قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ هذا أيضًا من قول الكفار بعضهم لبعض، قالوا: افترى محمد على الله كذبًا حين زعم أنا نبعث بعد الموت، والألف في ﴿أَفْتَرَى﴾ ألف الاستفهاء، وهو استفهام تعجب وإنكار ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ يقولون: أزعم كذبًا أم به جنون، فرد الله عليهم فقال: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: ليس الأمر على ما قالوا من الافتراء والجنون، هم لأجل ما قالوا ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ في الآخرة، ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ من الحق في الدنيا. وهذا الذي ذكرنا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 429، انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ. والقول غير منسوب لأحد عند: "تفسير الماوردي" 4/ 434، "بحر العلوم" 3/ 67، "مجمع البيان" 8/ 593.]].
سبأ 34:9
وفي هذه الآية وعظهم وخوفهم ليعتبروا فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: وذلك أن الإنسان حيث ما نظر رأى السماء والأرض، إن نظر قدامه وإن نظر خلفه [[لم أقف عليه عن مقاتل. وقد ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 435، ولم ينسبه.]].
وقال قتادة: إنك إذا نظرت عن يمينك وعن [[في (ب): (أو عن)، زيادة همزة.]] شمالك أو من بين يديك أو من خلفك كانت السماء والأرض [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 434، "الطبري" 22/ 64، "بحر العلوم" 3/ 67.]].
ثم هددهم فقال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ فتبتلعهم. ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ يعني: جانبًا. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ فيهلكهم. والمعنى أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم، أنا القادر عليهم لا يعجزونني، إن شئت خسفت بهم أرضي، وإن شئت أسقطت عليهم قطعة من السماء، أفلا يعتبرون ولا يخافون.
وأدغم الكسائي [[انظر: "الحجة في القراءات السبع" ص 292.]] وحده الفاء من قوله: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾. قال أبو علي: (إدغام الفاء في الباء لا يجوز، فإن جاز إدغام الباء في الفاء نحو: أذهب في ذلك، وذلك أن الفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الشفايا العليا، فانحدرت الصوت إلى الفم حتى اتصلت بمخرج الباء صارت بمنزلة حرف من موضع التاء، فلم يجز إدغامها في الباء كما لا يجوز إدغام التاء فيه؛ لزيادة صوت الفاء على صوت التاء. وكذلك الباء [[في (ب): (التاء).]] أدغمت في الميم نحو: اصحب مطرًا، وإن لم تدغم هي في الباء نحو: اضمم بكرا، لما فيها من زيادة الغنة التي ليست في التاء. وكذلك الراء لم تدغم في اللام نحو: احتر ليلة، وإن كانت اللام أدغمت في الراء نحو: اغسل راحتك، فما كان من الحروف فيه زيادة وصوت لم يجز إدغامه في مقاربه العادي من تلك، كذلك الفاء مع الباء.
اختلفوا في النون من قوله: (نشأ نخسف) أو (نسقط)؛ فقرأ حمزة والكسائي: بالياء، في الأحرف الثلاثة؛ لقوله: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، والباقون؛ بالنون لقوله فيما بعد: ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ﴾، والنون أشبه بآتينا) [["الحجة" 6/ 7 - 8.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما يرون من السماء والأرض، لآية تدل على قدرة الله على البعث، وعلى ما يشاء من الخسف بهم وإهلاكهم. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قال ابن عباس: راجع إلى مرضات الله [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 429، قال: مقبل إلى الله وإلى طاعته.]].
وقال قتادة: تائب [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 64، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 394.]]. وقال السدي: مقبل إلى طاعة الله [[لم أقف عليه عن السدي. وقد ذكر "تفسير الماوردي" 4/ 435 نحوه عن قتادة، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 435، ولم ينسبه.]]. وقال أبو إسحاق: (إن في ذلك علامة تدل على من أناب إلى الله وتأمل ما خلق على أنه قادر على أن يحي الموتى) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 242.]].
سبأ 34:10
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ أي: أعطيناه من عندنا فضلاً. قال ابن عباس: يريد تفضلت عليه وأعطيته ما لم أعط أحدًا قبله ولا بعده [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وقد ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 435 نحوه، ولم ينسبه.]]. وقال مقاتل: يعني بالفضل: النبوة والكتاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.]].
قال الكلبي: يعني: النبوة وما أعطي من الدنيا [[لم أقف عليه منسوبًا للكلبي، وقد ذكره أكثر المفسرين غير منسوب. انظر: "تفسير == الماوردي" 4/ 435، "مجمع البيان" 8/ 597، "تفسير القرطبي" 14/ 264، "زاد المسير" 6/ 435.]]. قوله: ﴿يَا جِبَالُ﴾، قال أبو عبيدة والزجاج: هو مختصر، المعنى: وقلنا يا جبال ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ ورجعي التسبيح [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 142، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 243.]]. قال المفسرون كلهم: سبحي معه.
قال أبو إسحاق: أوبي معه معناه: رجعى، يقال: آب يؤوب إذا رجع ومعنى رجعي معه أي: سبحي معه ورجعي التسبيح [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 243.]].
وقال غيره: التأويب في كلام العرب. سير النهار كله إلى الليل، يقال: أوب تأويبًا، والمعنى: يا جبال أوبي النهار كله إلى الليل بالتسبيح [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 608 (آب)، "اللسان" 1/ 220 (أوب)،"مجاز القرآن" 2/ 142.]]. قال سلامة بن جندل:
يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب
وروى أبو عبيد عن أبي عمرو: التأويب أن يسير النهار وينزل الليل [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 608 (آب).]].
وهذا اختيار ابن قتيبة، (وأنشد للراعي فقال:
لحقنا بحي أوبوا السير بعد ما ... دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح [[البيت من الطويل، وهو للراعي النميري في "ديوانه" ص 39، ونسبه ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 353، لابن مقبل. وكذا أبو حيان في "البحر" 7/ 63، والقرطبي في "تفسيره" 14/ 265، والثعلبي في "الكشف والبيان" 30/ 211 ب.]] قال: كأنه أراد أوبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل) [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 353.]].
قال المفسرون: وكانت إذا سبح داود سبحت الجبال معه [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 65، "بحر العلوم" 3/ 66، "الماوردي" 4/ 435.]].
وقال وهب [[هو: أبو عبد الله وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الذماري، تقدمت ترجمته.]]: كان داود إذا نادى أجابته الجبال بصداها، فصدى الجبل الذي يستمعه الناس من ذاك [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 265.]].
قوله -عز وجل-: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ قال أبو إسحاق: (في نصب والطير ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفًا على قوله فضلا [[في (أ): (فضلنا).]]، كأنه آتينا داود فضلا والطير، أي: وسخرنا له الطير) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 243.]].
وروى هذا يونس عن أبي عمرو [[انظر: "علل القراءات" 2/ 549، "البحر المحيط" 8/ 525، "الكتاب" لسيبويه 2/ 186 - 187.]].
وقال الفراء في هذا الوجه هو كقولك: أطعمته طعامًا وسقيته ماء [["معاني القرآن" 2/ 355.]].
الوجه الثاني: أن يكون نصبًا على النداء، كأنه قيل: ادعوا الجبال والطير، فالطير معطوف على موضع [الجبال] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] في الأصل، وكل منادى في موضع نصب [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 243.]].
وقال أبو عبيدة: زعم النحويون أن سبيل نصبها كقولك: يا زيد والصلت أقبلا [["مجاز القرآن" 2/ 143.]].
قال الفراء: نصبت الصلة؛ لأنه إنما يدعى بياء أها [[في (ب): (بيائها).]]، فإذا فقدها [[في (ب): (بعدها).]] كان كالمعدول عن جهته فنصب [["معاني القرآن" 2/ 355.]]. هذا كلامه. وقول أبي إسحاق: [أوجه] [[هكذا في النسخ! والذي يظهر لي أن ما بين المعفوفين زيادة.]].
الوجه الثالث: أن يكون الطير منصوبًا على موضع مع، كما تقول: قمت وزيدًا، المعنى: مع زيد. والمعنى في الآية: أوبي معه ومع الطير [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 243.]]. قال ابن عباس: كانت الطير تسبح معه إذا سبح [[انظر: "الوسيط" 3/ 488، "تفسير الماوردي" 4/ 435، "زاد المسير" 6/ 436.]].
وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قال ابن عباس: حتى صار عنده مثل السمع [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 267، "البحر المحيط" 8/ 525.]]. وقال الحسن: كان يأخذ الحديد بيده، فيصير كأنه عجين [[نفسه.]].
وقال قتادة: ألان [[في (أ): (ألانه)، وهو خطأ.]] الله له الحديد، فكان يعمله بغير نار [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 66، "تفسير الماوردي" 4/ 436، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 396.]].
وقال الأعمش: ألين له حتى كان مثل الخيوط [[لم أقف عليه]].
وقال مقاتل: كان داود يسرد الدرع لا يفرغها بحديد ولا يدخلها النار، ويفرغ من الدرع في بعض اليوم أو بعض الليلة ثمنها ألف درهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.]].
سبأ 34:11
قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ قال أبو إسحاق: (أن اعمل هاهنا في تأويل التفسير، كأنه قيل: وألنا له الحديد؛ لأن يعمل سابغات، ويكون بمعنى: وألنا له الحديد؛ لأن يعمل سابغات، وتصل إن بلفظ الأمر، ومثل هذا من الكلام قولك: أرسل إليه أن قم إلى فلان) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 244.]]. فأما معنى سابغات، فقال الليث: سبغت الدرع، وكل شيء طال إلى الأرض فهو سابغ، يقال: مطر سابغ، ونعمة سابغة، وقد أسبغها الله، والدرع السابغة التي تجرها في الأرض أو على كعبيك طولًا وسعة، ويقال: دروع سابغات وسوابغ [[انظر: قول الليث في: "تاج العروس" 22/ 498 (سبغ). انظر أيضًا: "تهذيب اللغة" 8/ 40 (سبع)، "اللسان " 8/ 432، (سبغ).]]، ومنه قول الهذلي [[هو: أبو ذؤيب خالد بن محرث الهذلي، مشهور بكنيته، شاعر فحل من أشعر شعراء هذيل، عده ابن سلام في الطبقة الثالثة من طبقات فحول شعراء أهل الجاهلية، شاعر مخضرم قدم المدينة عند وفاة النبي -ﷺ- فأسلم وحسن إسلامه، خرج مع عبد الله بن الزبير في مغزى نحو المغرب، فمات سنة 27 هـ تقريبًا رحمه الله.
انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 123، "الشعر والشعراء" ص 440، "الأعلام" 2/ 325.]]: أو صنع السوابغ تبع [[هذا جزء من بيت وهو: وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع. وهو من الكامل، لأبي ذؤيب الهذلي في: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 39، "تهذيب اللغة" 2/ 38 "اللسان" 8/ 31 (تبع)، 8/ 209 (صنع)، "المعاني الكبير" ص 1039، "سر صناعة الإعراب" 2/ 760، قال هذا البيت يصف متبارزين.]]
وقال عبد الله بن الزبير:
وسابغة تغشى البنان كأنها ... أضاة بضحضاح من الماء ظاهر.
قال أبو إسحاق: (ومعنى سابغات: أي: دروع سابغات، فذكر الصفة؛ لأنها تدل على الموصوف، ومعنى السابغ الذي يغطي بما تحته حتى يفضل) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 244.]]. قال ابن عباس: في قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ يريد: دروع الحديد [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 359.]]. وقال مقاتل: يعني: الدروع الطوال، وكانت الدروع قبل داود إنما هي صفائح الحديد مضروبة [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.]].
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ قال أبو عبيدة: (في سردها، يقال: درع مسرودة. وقال أبو ذؤيب:
وعليهما مسرودتان قضاهما) [["مجاز القرآن" 2/ 143.]]
وقال الليث: (السرد: اسم جامع للدروع وما أشبهها من عمل الخلق، ويسمى سردًا؛ لأنه يسرد فيثقب طرفا كل حلقة بالمسمار) [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 356 (سرد)، "تاج العروس" 8/ 187 (سرد).]].
وقال ابن، قتيبة: [والسرد: سجع المدرع] [[ما بين المعقوين ليس في "غريب القرآن" لابن قتيبة، ويظهر أنه زيادة من النساخ؛ إذ لا معنى له والله أعلم.]]. (ومنه قيل، لصانع الدروع: سَرَّاد وزَرَّاد، تبدل من السين زايًا) [["تفسير غريب القرآن" ص 354.]].
وقال المبرد: السرد نقب المسامير، يقال: درع مسرودة [[في (ب): (مسرود).]] إذا أحكمت مساميرها [[لم أقف عليه]]. قال الأعشى:
ومن نسج داود [مصردة] [[ما بين المعقوفين زيادة في (ب)، وهو خطأ.]] مسرودة ... تساق مع الحي عيرا فعيرا [[البيت من المتقارب، هو للأعشى في: "ديوانه" ص 149، "مجاز القرآن" 2/ 248، "اللسان" 13/ 450 (وضن)، فقد جاءت الرواية في اللسان: موضونة بدل مسرودة، والموضونة: هي المنسوجة.]]
قال الزجاج: (السرد في اللغة: مقدمة شيء إلى شيء حتى ينسق أثره في أثر بعض سابغًا، يقال: سرد فلان الحديث سردا) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 244]] إذا تابعه، وسرد فلان الصوم إذا والاه، والمتتابع [[في (ب): (التابع)]] يسمى سردًا. وقيل لأعرابي: ما أشهر الحرم؟ فقال: ثلاثة سرد وواحد فرد. ويسمى الحرز سردا؛ لأنه متتابعة من المحرز [[في (ب): (الحروف)، وهو خطأ.]]، والمحرز يقال له: السراد والمسرد، فجاء من هذا أن اعمل الدرع وكل شيء منه يسمى سردًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 356، "اللسان" 3/ 211، "تاج العروس" 8/ 186.]].
وقال ابن عباس في رواية مجاهد: لا تدق المسامير وتوسع الحلق فيسلس، ولا يغلظ المسامير ويضيق الحلق فينقصم [[في (ب): (فينقهم)، وهو خطأ.]]، اجعله قدرًا [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 68، "تفسير الماوردي" 4/ 436، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 398.]].
وقال ابن قتيبة: السرد: المسامير التي في حلق الدرع [[لم أقف عليه.]]. وهذا هو الأشبه بالمعنى؛ لأن الكل من أهل التأويل قالوا في معنى الآية: لا تجعل المسامير دقاقًا فتقلق، ولا غلاظًا فتكسر الحلق [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 398، "معاني القرآن" للفراء 2/ 356، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 244.]].
وقال مقاتل: يقول قدر المسامير في الحلق، ولا تعظمه فينفصم، ولا تصغره فيسلس [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.]].
وقال أبو إسحاق: (وهو أن لا يجعل المسمار غليظًا والثقب دقيقًا، ولا يجعل المسمار دقيقًا والثقب واسعًا فيتقلقل، قدر في ذلك أي: اجعله على القصد وقدر الحاجة) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 244.]].
وقال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.]]: ثم قال الله لآل داود: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قال ابن عباس: يريدوا اشكروا الله بما هو أهله مثل قوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [[لم أقف عليه.]].
سبأ 34:12
ثم ذكر ابنه سليمان وما أعطاه من الخير والكرامة، فقال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قال الفراء: (نصب الريح على: وسخرنا لسليمان الريح، وهي منصوبة في الأنبياء ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: 81] أضمر وسخرنا، ورفع عاصم: ولسليمان الريح، لما لم يظهر التسخير، وأنشد:
ورأيتما لمجاشع نعما .... وبني أبية جاملا [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: جامل.]] رغب [[البيت من الكامل، ولم أهتد إلى قائله، وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 2/ 356 - 401، "ديوان الأدب" 1/ 358.
والجامل: جماعة الجمال والنوق، اللسان (جمل) 11/ 124، والرغب: كل ما اتسع فقد رغب رغبًا، "اللسان" (رغب) 1/ 424.]]
يريد رأيتم لبني أبية، فلما لم يظهر [[في النسخ: (يضمر)، والتصحيح من "معاني القرآن" للفراء.]] الفعل رفع باللام) [["معاني القرآن" 2/ 356.]]. فقال أبو إسحاق: (النصب في الريح على الوجه، على معنى: وسخرنا لسليمان الريح، ويجوز الرفع على معنى: [ثبتت] [[ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج.]] له الريح، وهو يؤول إلى معنى: سخرنا كما أنك إذا قلت: لله الحمد، فتأويله: استقر لله الحمد [[في (أ): (الوحد).]]، وهو يرجع إلى معنى: أحمد الله الحمد) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 245.]].
وقال أبو علي: (وجه النصب أن الريح حملت على التسخير في قوله ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [ص: 36] كذلك ينبغي أن تحمل هنا عليه، ووجه الرفع أن الريح إذا سخرت لسليمان، جاز أن يقال: له الريح على معنى: له تسخير [[في (ب): (التسخير).]] الريح، فالرفع على هذا يؤول إلى معنى النصب؛ لأنه المصدر المقدر في تقدير الإضافة إلى المفعول به) [["الحجة" 6/ 10.]].
قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا﴾ أي: سير غدو تلك الريح المسخرة له شهر، أي: مسيرة شهر، وعلى هذا التقدير قوله: ﴿وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أي: سير رواحها سير شهر. قال الحسن: (كان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر [[اصطخر: بالكسر وسكون الخاء المعجمة، والنسبة إليها اصطخري، بلدة بفارس، وهي من أعيان حصون فارس، وبها كانت قبل الإسلام خزائن الملوك، ومن أشهر مدنها: البيضاء، ومائتين، ويزد وغير ذلك، ينسب إليها جماعة وافرة من أهل العلم. انظر: "معجم البلدان" 1/ 211.]]، وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من اصطخر فمِبيت بكابل [[(كابل) بضم الباء الموحدة ولام، من ثغور طخارستان، ولها من المدن: واذان وخواش وخشك وجزه، غزاها المسلمون في أيام بني مروان وافتتحوها، قلت: هي عاصمة جمهورية أفغانستان اليوم.
انظر: "معجم البلدان" 4/ 426.]]، وما بينهما مسيرة شهر للمسرع) [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 437، "المحرر الوجيز" 4/ 408، "مجمع البيان" 8/ 598، "البحر المحيط" 8/ 526، "تفسير القرطبي" 14/ 269.]].
وقال السدي: كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب.
وهذا قول جماعة المفسرين [[انظر: المصادر السابقة.]]. قالوا: والمعنى إلى غدوها، إلى انتصاف النهار، إلى الليل مسيرة شهر.
قوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أي: أذبنا له عين النحاس.
وقال ابن عباس والسدي وشهر بن حوشب ومجاهد ومقاتل: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن كمجرى الماء في صنعاء، يعمل بها ما أحب كما يعمل بالطين، وإنما يعمل الناس اليوم بما أعطي سليمان [[انظر: "تفسير الماوردي" 437/ 4، "مجمع البيان" 8/ 598، "تفسير القرطبي" 14/ 270، "زاد المسير" 6/ 438.]].
وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾ أي: سخرنا له من الجن.
﴿مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: بأمر ربه. قال مقاتل: يعني رب سليمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.]].
قال ابن عباس: سخرهم وأمرهم بطاعته في جميع ما يأمرهم به [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 598، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 429.]].
﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ أي: ومن يعدل. ﴿مِنْهُمْ﴾ من الجن. ﴿عَنْ أَمْرِنَا﴾ لهم بطاعة سليمان. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ قال مقاتل: يعني الوقود في الآخرة. وهو قول أكثر المفسرين.
وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ الوقود. وهذا القول على هذا الإطلاق يحتمل ما قال بعضهم: إن هذا العذاب لمن زاغ عن أمر سليمان كان في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكَّلَ ملكًا بيده سوط من نار، فمن زاغ من الجن عن طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 438، "مجمع البيان" 8/ 598، "زاد المسير" 6/ 439.]].
سبأ 34:13
قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ قال مجاهد: بنياناً دون القصور [["تفسيرمجاهد" ص 524.]].
وقال قتادة: قصور ومساجد [[انظر: "الماوردي" 4/ 438، "مجمع البيان" 8/ 598، "زاد المسير" 6/ 439.]].
وقال الضحاك ومقاتل: يعني المساجد [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ، "الطبري" 22/ 70.]].
وقال ابن زيد: هي المساكن [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 438، "المحرر الوجيز" 4/ 409.]]
وقال أبو عبيدة: المحراب سيد البيوت [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 438، "تفسير القرطبي" 14/ 271.]].
وقال أبو إسحاق: أشرف موضع في الدار وفي البيت يقال له: محراب [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 246.]].
وقال المبرد: أطبقوا على أنها لا تكون إلا أن يرتقى إليها بدرج [[لم أقف على قول المبرد.]]، ومن ذلك قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: 21]. وذكرنا تفسير المحراب في سورة آل عمران [[عند الآية 37.]].
قوله تعالى: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ قال المبرد: جمع تمثال، وهو كل شيء مثلته بشيء [[لم أقف على هذا القول منسوبًا للمبرد، وانظر: "تهذيب اللغة" 98/ 15 (مثل)، "اللسان" 11/ 614 (مثل).]]. وقال الأزهري: (التمثال اسم للشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله، وأصله من: مثلت الشيء بالشيء إذا قدرته على قدره، ويكون تمثيل الشيء بالشيء تشبيهًا، واسم ذلك الممثل تمثال) [["تهذيب اللغة" 15/ 98 (مثل).]].
قال المفسرون: هي صورة من نحاس وزجاج ورخام كانت الجن تعلمها، قالوا: وهي سورة الأنبياء والملائكة، كانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة، هذا يدل على أن التصوير كان مباحًا في ذلك الزمان [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 438، "بحر العلوم" 3/ 68، "تفسير هود بن محكم" 3/ 391، "القرطبي" 14/ 272، "مجمع البيان" 8/ 600.]].
قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جفنة، وهي [[في (أ): (وهو).]] القصعة الكبيرة، والعدد الجفنات [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 112، "اللسان" 13/ 89 (جفن).]] كالجوابي جمع الجابية، وهي الحوض الكبير يجبي الماء أي: يجمعه. قال الأعشى:
نفى الذم عن رهط المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق [[البيت من الطويل، وهو للأعشى في "ديوانه" ص 225، وانظر: منسوبًا إليه في: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 246، "الدر المصون" 5/ 435، "مجمع البيان" 8/ 596، "تفسير القرطبي" 14/ 2754 والمعنى هنا يقول: صان آل المحلق أعراضهم بالجود، ونفى عنهم الذم جفنة ضخمة تقدم للضيفان كأنها حوض الماء يمده نهر العراق. انظر: "الديوان" ص 225.]]
قال المفسرون: يعني قصاعًا في العظم كحياض، الإبل يجلس على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 68، "مجمع البيان" 8/ 600، "تفسير القرطبي" 14/ 275، "زاد المسير" 6/ 445.]]. والقراء يختلفون في إثبات الياء في الجوابي؛ فقرأ ابن كثير بالياء فيها وصلا [[في (ب): تقديم وتأخير (وقفًا ووصلا).]] ووقفًا، وهو الأصل والقياس؛ لأن هذه الياء تثبت مع الألف واللام، ووقف أبو عمرو بغير ياء؛ لأنه شبهها بالفاصلة والوقف) [["الحجة" 6/ 10 "الحجة في القراءات السبع" ص 293، "البحر المحيط" 8/ 528.]]. قال أبو إسحاق: لأن الكسر ينوب عنها.
قوله تعالى: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ قال المفسرون: قدور عظام، لها قوائم لا يحركن عن أماكنها ولا يحركن لعظمها، ثوابت على أثافيها، تنحت من الجبال وكانت بأرض اليمن، وكان ملك سليمان ما بين كابل ومصر [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 68، "مجمع البيان" 8/ 600، "القرطبي" 14/ 276، "زاد المسير" 440/ 6.]].
ثم قال: قوله تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ لما أعطيتكم من الفضل والخير [[في (ب): (من الخير والفضل).]] أي: وقلنا اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكرًا له على ما آتاكم. قال أبو إسحاق: (شكرًا ينتصب على وجهين: أحدهما: اعملوا للشكر، أي: اشكروا الله على ما آتاكم. والثاني: ينتصب على المصدر، كأنه قيل: اشكروا شكرًا) [[انظر: "معانى القرآن وإعرابه" 4/ 246.]]؛ لأنه معنى اعملوا آل داود شكرًا.
قال مجاهد: لما نزلت ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ قال داود لسليمان: إن الله قد ذكر الشكر، فاكفني قيام النهار أكفك قيام الليل، قال: لا أستطيع. قال: فاكفني إلى صلاة الظهر فكفاه [[انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3163، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 401، "روح المعاني" 22/ 120 وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 380، وعزاه للفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد.]].
سبأ 34:14
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال المفسرون: كانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون الغيب الذي يكون في غد، فابتلوا بموت سليمان، فمات سليمان متكئًا على عصاه وبقي كذلك ميتًا سنة، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة التي كانت تعمل في حياة سليمان، لا يشعرون في موته حتى أكلت الأرضة عصا سليمان فخر ميتًا، فحينئذ علموا بموته، وعلموا الإنس أن الجن لا تعلم الغيب، فذلك قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال المفسرون: يعني الأرضة [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 74، "تفسير الماوردي" 4/ 441، "بحر العلوم" 3/ 68، "تفسير الثعلبي" 3/ 242، "غرائب القرآن" 22/ 45.]].
وقوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قالوا: عصاه. قال السدي: هي بلسان الحبشة [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 441، "تفسير القرطبي" 14/ 278، "تفسير الطبري" 22/ 73.]]. وقال ميسرة: هي بلغة اليمن [[لم أقف عليه.]].
وقال أبو عبيدة: المنسأة التي ينساء بها الغنم [["مجاز القرآن" 2/ 145.]].
وقال الفراء: هي العصاة العظيمة التي تكون مع الراعي، أخذت من نسأت البعير: إذا زجرته ليزداد سيره [["معاني القرآن" 2/ 356.]].
وقال أبو إسحاق: المنسأة التي ينسأ بها، أي: يطرد ويزجر [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 247.]].
وقال أبو عبيدة: هي التي يضرب بها [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو علي الفارسي: هي من نسأت الغنم، إذ سقيتها [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: سقتها. انظر: "الحجة" 6/ 11.]] وأنشدوا قول طرفة:
أمون كألواح الأران نسأتها ... على لا حب كأنه ظهر يوجد [[في (ب): (حدد)، وهو خطأ.]] [[البيت من الطويل، وهو لطرفة بن العبد في: "ديوانه" ص22، "شعراء النصرانية في الجاهلية" 3/ 300 "لسان العرب" 1/ 173 (نسأ)، 13/ 15 (أرن)، كتاب "العين" 8/ 278.
ومعنى البيت: الأمون: هي الناقة الموثقة الخلق التي يؤمن عثارها وزللها، والإران: هو النشاط ونساتها: أي حملتها على السير في هذا الطريق اللاحب هو البين، والبرجد، كساء فيه خطوط وطرائق، فشبه الطرائق بطرائق البرجد. "شرح القصائد السبع الجاهليات" ص 151.]]
وقال المبرد: المنسأة: العصاة لأنها ينسأ [[في (أ): (تنسئ).]] بها الطريق، أي يقصد، يقال: نسات الناقة، إذا حملتها على الطريق، وأنشد قول طرفة) [[لم أقف على القول منسوبًا للمبرد.
وانظر: "تهذيب اللغة" 13/ 84، مادة: (نسأ)، "اللسان" 1/ 169 (نسأ).]].
وأكثر القراء على همزة المنسأة. وقرأ نافع وأبو عمرو بغير همز. قال أبو عبيدة: (تركوا همزها كما ترك بعضهم همز البرنة والذرية والنبئ. قال المبرد: بعض العرب يبدل من همزتها ألف فيقول: منساة وينشدون: إذا دببت على المنساة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل) [[البيت من البسيط، ولم أقف على قائله، وهو في "اللسان" 169/ 1 (نسأ)، "الصحاح" 1/ 67 (نسأ)، وكذا هو في "الدر المصون" 5/ 346، "مجمع البيان" 8/ 595، بلا نسبة.]] [["مجاز القرآن" 2/ 145.]]
وقال أبو علي: (قياس تخفيف الهمزة أن يجعلها بين بين، إلا أنهم خففوا همزتها على غير قياس) [["الحجة" 12/ 6.]].
قوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ أي: سقط ميتًا. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ الآية. قال المفسرون: تبينت الإنس أن الجن ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾، قالوا: وكذا [[في (ب): (وكذلك).]] كان ابن عباس يقرأها، بتبينت الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 74، "تفسير الماوردي" 4/ 442، "علل القراءات" 2/ 549، "تفسير القرطبي" 14/ 281.]].
وأما معنى قراءة العامة، فقد ذكر [فيه] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب).]] الفراء وأبو إسحاق وجوهًا بعيدة [[انظر: هذه الوجوه في: "معاني القرآن" للفراء 2/ 357، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 247.]]. والصحيح ما ذكر أبو عبيدة فقال: (تبينت الجن للناس، أي: تبين للناس أن الجن لا يعلمون الغيب، ما غيب عنهم لما كانوا في نصبهم وهو ميت) [["مجاز القرآن" 2/ 146.]]. ويدل على صحة هذا المعنى قراءة يعقوب: تُبِينت، بضم التاء وكسر الباء، أي: علم من حال الجن أنهم لا يعلمون الغيب. وأن على [[في (ب): (وأن في).]] قراءة العامة في محل الرفع على البدل من الجن، هذا وجه قراءة العامة. ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن الجن كانت تتوهم أنها تعلم الغيب، فلما ابتلوا بموت سليمان ولم يقفوا عليه حتى دلتهم الأرضة، علمت أنها لا تعلم الغيب. وعلى هذا الوجه أن في موضع نصب وتبينت بمعنى علمت. وعلى الوجه الأول معناه: ظهرت وانكشفت [["مشكل إعراب القرآن" 2/ 206، "البحر المحيط" 8/ 532، "التبيان" 2/ 277.]]. وذكر ابن قتيبة الوجهين معًا [["تفسير غريب القرآن" ص 355.]].
قال أبو إسحاق: (المعنى أنهم لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم، ما عملوا مسخرين لسليمان وهو ميت، وهم يظنون أنه حي يقف على عملهم) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 247.]].
قال مقاتل: العذاب المهين: الشقاء والنصب في العمل [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ.]].
سبأ 34:15
قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ ذكر الكلام والقراءة في سبأ في سورة النمل [[عند قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ آية: 22. قال: قرئ من سبأ بالإجراء والتنوين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو غير مجرى. قال الفراء: من أجراه فلأنه فيما ذكروا رجل.]]. وذكر المفسرون هاهنا ما روي عن فروة بن مسيك [[هو: فروة بن مسيك، وقيل: مسيكة بن الحرث بن سلمة المرادي القطيعي، أبو عمر، له صحبة، وقد على النبي -ﷺ- سنة عشر من الهجرة، فأسلم، فبعثه على == مراد وزبيد ومذحج، وقد روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه الشعبي وأبو سبرة النخعي وغيرهم.
انظر: "الاستيعاب" 3/ 194، "الإصابة" 3/ 200.]] أن رجلاً قال: يا رسول الله، أخبرنا عن سبأ ما هو، رجل أم امرأة أم أرض؟ فقال: "ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من العرب، فتيامن ستة وتشام أربعة، فأما الذين تساموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومدلج وحمير وأنمار". فقال رجل: ما أنمار يا رسول الله؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة" [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 76، "تفسير الماوردي" 4/ 203، "مجمع البيان" 8/ 604. وأخرجه أحمد في "مسنده" 1/ 316، من حديث ابن عباس إلا أنه قال: سأل رجل النبي -ﷺ-، والترمذي في "سننه" كتاب التفسير: تفسير سورة سبأ 5/ 39، وقال: هذا حديث غريب حسن، رقم الحديث (3275)، والحاكم في "المستدرك" في تفسير سورة سبأ 2/ 424، وصححه ووافقه عليه الذهبي.]].
وقال مقاتل: هو رجل من يشجب بن يعرب بن قحطان، يقال: سبأ بن يشجب، والمراد بسبأ هاهنا: القبيلة [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.]].
قوله: (في مساكنهم) وقرئ: مسكنهم، على الواحد، بفتح الكاف وبكسرة [[انظر: "النشر" 2/ 350، "حجة القراءات" ص 585.]].
قال أبو علي: (الوجه الجمع؛ ليكون اللفظ موافقًا للمعنى؛ لأن لكل [[في (ب): (كل)، وهو خطأ.]] ساكن مسكنًا [[في (ب): (مسكن).]]، ومن قال: مسكنهم، أي: يكون جعل المسكن مصدرًا وحذف المضاف، والتقدير: في مواضع سكناهم [[في (ب): (مسكنهم).]]، فلما جعل المسكن كالسكنى أفرد كما يفرد المصادر، وهذا أشبه من أن يحمله على نحو: كلوا في بعض بطنكم، وجلد الجواميس، وعلى هذا قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: 55] أي: مواضع قعود، ألا ترى أن لكل واحد من المتقين موضع قعود، وهذا التأويل أشبه من أن يحمله على الآخر الذي لا يكاد يجيء إلا في شعر، وأما كسر الكاف؛ فاسم المكان والمصدر من هذا الجنس الذي هو فعل يفعل مفتوحًا، مثل: المحشر ونحوه، وقد يشذ عن القياس المطرد، هكذا وكالمسجد، وسيبويه يحملها على أنه اسم البيت وليس المكان، من فعل يفعل، وكذلك المطلع، والقياس: الفتح) [["الحجة" 6/ 12 - 14.]].
وقال أبو الحسن: المسكن بكسر الكاف لغة فاشية، وهي لغة الناس اليوم، والفتح لغة أهل الحجاز، وهي اليوم قليلة [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 603، "البحر المحيط" 8/ 533.]].
وقال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة [["معاني القرآن" 2/ 357.]].
قال المفسرون: وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 238.]]. يدل عليه قول النابغة:
من سبأَ الحاضرينَ مأربَ إذْ ... يبنونَ من دونِ سيلهِ العَرِما [[البيت من المنسرح، وهو للنابغة الجعدي في "ديوانه" ص 134، "الكتاب" 3/ 253، "جمهرة اللغة" ص 773، "سمط الآلئ" ص 18، "اللسان" 1/ 396 مادة: (عرم).]] قوله: ﴿آيَةٌ﴾ أي: علامة تدلهم على قدرة الله، وأن المنعم عليهم هو الله، ثم ذكر تلك الآية فقال: ﴿جَنَّتَانِ﴾. قال الفراء: جنتان مرفوعتان؛ لأنهما تفسير للآية [["معاني القرآن" 2/ 358.]]. وذكر الزجاج وجهًا آخر فقال: كأنه لما قيل: آية، قيل: الآية جنتان) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]]، وعلى هذا ارتفع بخبر الابتداء المحذوف.
قوله تعالى: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ أي: يمنة وسرة. قال مقاتل: عن يمين الوادي وعن شماله [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.]].
وقال الآخرون: عن يمين من أتاهما وشماله [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 70، "مجمع العلوم" 8/ 604، "تفسير القرطبي" 14/ 248.]].
وقال الفراء: أراد عن أيمانهم وشمائلهم [["معاني القرآن" 3/ 358.]]. والمعنى أن الجنتين أحاطت بهم وبمساكنهم يمنة ويسرة.
قوله: ﴿كُلُوا﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: قيل لهم ذلك [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248]].
وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ يعني: ثمار الجنتين. قال السدي وأهل التفسير: كانت المرأة تخرج، فتحمل مكتلًا على رأسها وتمر في البستان فتملأ مكتلها من ألوان الفاكهة، من غير أن تمس شيئًا بيدها [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 490 عن السدي، وابن أبي حاتم 10/ 3165 عنه كذلك، و"تفسير الطبري" 22/ 77 عن قتادة، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 604، ولم ينسبه.]].
قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي: على ما رزقكم من النعمة، والمعنى: اعملوا بطاعته إذ أنعم عليكم بما أنعم، وهاهنا تم الكلام.
ثم ابتدأ فقال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾. قال أبو إسحاق: المعنى: هذه بلدة طيبة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]].
قال مقاتل: أرض سبأ بلدة طيبة؛ لأنها أخرجت ثمارها [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.]]. فعلى هذا طيبها: كثرة ثمارها. وقال الفراء: ليست بسبخة [["معاني القرآن" 2/ 358.]].
وقال ابن زيد: ليس فيها شيء مؤذ، من بعوضة أو ذباب.
قال: ولم يكن يرى في بلدهم بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب، ويمر الغريب في بلدهم وفي ثيابه القمل فتموت كلها. وعلى هذا طيبها: طيب هوائها [[أخرجه ابن أبى حاتم في "تفسيره" 10/ 3165 عن ابن زيد، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 490 عنه كذلك.]].
قوله: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي: والله رب غفور. قال مقاتل: وربكم إن شكرتم فإما رزقكم رب غفور للذنوب [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].
سبأ 34:16
قوله: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ قال مقاتل: عن الحق [[المصدر السابق.]].
وقال ابن عباس: يريد فكفروا وكذبوا أنبيائهم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 360.]].
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال المفسرون: كان الماء يأتي أرض سبأ من الشجر وأودية اليمن، فردموا ردمًا بين جبلين وحبسوا الماء، وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكان يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث، فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلما كذبوا رسلهم بعث الله جرذًا نقب ذلك الردم حتى انتقض، فدخل الماء جنتهم ففرقها، ودفن السيل بيوتهم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "القرطبي" 14/ 285، "مجمع البيان" 8/ 605.]]، فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
واختلفوا في العرم ما هو؟ فأكثر المفسرين على أن العرم: السكر [[قال في "اللسان" 4/ 375: سكر النهر يسكره سكرًا، سد فاه، وكل شق سد فقد سكر، والسكر ما سد به، والسكر: أيضًا المسناة. اهـ والمسناة بلغة أهل اليمن.]] والمسناة، وهي التي تحبس الماء [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "تفسير القرطبي" 14/ 285، "زاد المسير" 6/ 445، "معاني القرآن" النحاس 5/ 407.]].
قال السدي وأبو ميسرة: أهل اليمن يسمون المسناة العرم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "المحرر الوجيز" 4/ 414، "البحر المحيط" 8/ 533، ولم أقف على من نسبه للسدي.]]. وهو اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 358.]]، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" ص 355.]]، والمبرد، قال: العرم جمع عرمة، وهي الحاجز بين الشيئين، يسمى السكر [["الكامل" 3/ 1033.]]، واحتجوا بقول الجعدي [[هو النابغة الجعدي، وقد سبق التعريف به، وتخريج البيت كذلك.]]:
إذ يبنون دون سيله العرما وقال مقاتل: العرم اسم الوادي [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].
وقال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 390 مادة: (عرم).]]. وعلى هذا دل كلام ابن عباس، قال: [يريد] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] لا يمر بشيء إلا غرقه [[ذكر المفسرون تفسير ابن عباس للعرم بأنه الشديد. انظر: "تفسير الطبري" 22/ 80، "المحرر الوجيز" 4/ 414، "زاد المسير" 6/ 445.]]. وقال مقاتل: العرم اسم الوادي [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].
وحكى أبو إسحاق في العرم قولين آخرين: أحدهما: أن العرم اسم الجرذ الذي بنوا [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، إذ الصواب: الجرذ الذي ثقب السكر عليهم. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]] للسكر عليهم، وهو الذي يقال له: الخلد، وذكر ابن الأعرابي أن العرم من أسماء الفأر [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 391.]] الثاني: أن العرم هو المطر الشديد [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]]. وأصل هذا كله من العرامة، وهي الشدة، ومثله: العرام، ورجل عارم: شديد لا يطاق [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 390، "اللسان" 2/ 395.]].
قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال ابن عباس: يريد اللتين كان فيهما الفواكه والثمار. ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال ابن عباس: يريد الأراك. وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل والسدي، قالوا: الخمط: الأراك [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "القرطبي" 14/ 286، "زاد المسير" 6/ 446.]]. قال قتادة: وأكله البرير [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "تفسير هود بن محكم" 3/ 394، "زاد المسير" 6/ 446 والبرير: هو ثمر الأراك. انظر: "اللسان".]].
وقال أبو عبيدة: الأكل الجني، والخمط: كل شجرة [ثمرة] [[ما بين المعقوفين لعلها زيادة من النساخ، إذ ليست من كلام أبي عبيدة.]] ذات شوك [["مجاز القرآن" 2/ 147.]]. ونحو هذا قال ابن قتيبة، فإن الأكثرين على أن الخمط اسم شجرة [[" تفسير غريب القرآن" ص 356.]]. وإذا كان كذلك، فالأحسن قراءة من لم ينون الأكل وأضافه، وذلك أن الأكل إذا كان الجناء، فإن جنا [[في (ب): (الجنا).]] كل شجرة منه، والتنوين في هذا ليس في حسن الإضافة، وذلك؛ لأن [[في (ب): (أن).]] الخمط إنما هو اسم شجرة وليس بوصف للأكل، وإذا [[في (ب): (وإذا كان) زيادة كان، وهو خطأ.]] لم يكن وصفًا، لم يجر على ما قبله كما يجري على الموصوف، والتبدل ليس بالسهل أيضًا؛ لأنه ليس هو ولا بعضه؛ لأن الجنا من الشجرة وليس الشجرة من الجنا [[انظر: "علل القراءات" 2/ 551 "مجمع البيان" 8/ 603، "البحر المحيط" 8/ 536.]].
قال أبو الحسن: (في كلام العرب أن يضيفوا ما كان من نحو هذا، مثل: دار آجر، وثوب خز.
قال: و ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بالتنوين، ليس بالجيد في العربية) [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 603، "تفسير القرطبي" 14/ 287.]]. واختار أبو عبيد التنوين، قال: لأن الأكل هو الخمط في التفسير، فالنعت أولى به من الإضافة، هذا قول أبي عبيد [[لم أقف عليه. وقد ذكره النحاس في "إعراب القرآن" ص 664، وأنه اختيار المبرد.]]. والمفسرون على خلاف ما قال، فإنهم جعلوا الخمط الشجر لا الأكل [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "تفسير هود بن محكم" 3/ 394، "بحر العلوم" 3/ 70، "زاد المسير" 6/ 446.]]. وقد قال ابن الأعرابي: الخمط ثمر شجر يقال له: فوه الضبع، على سورة الخشخاش، ينفرك ولا ينتفع به [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 260، "اللسان" 7/ 296، "روح المعاني" 22/ 127.]].
قال أبو إسحاق: (يقال لكل نبت قد أخذ طعمًا من المرارة حتى لا يمكن أكله: خمط) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 249.]]. ونحو هذا قال المبرد.
ومنه قيل للبن إذا أحمض: خمط [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 286، "إعراب القرآن" للنحاس ص 464.]]. فهؤلاء جعلوا الخمط اسمًا للمأكول، فيصح على هذا التنوين في الأكل.
قوله: ﴿وَأَثْلٍ﴾ قال مقاتل: يعني شجرة تشبه الطرف، يتخذ منه الأقداح [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].
وقال الفراء: الأثل شبه بالطرف، إلا أنه أعظم منه طولا [["معاني القرآن" 2/ 359.]].
قال الأزهري: (هو يشبه الطرف إلا أنه أكرم منه، تسوى منه الأقداح الصفر الجياد، ومنه اتخذ منبر النبي -ﷺ-، وللأثل أصول غليظة يسوى منها الأبواب وغيرها، وورقه عبل كورق الطرف) [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 132.]].
قال ابن الأعرابي: والأثيل منبت الأراك [[انظر: قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" 15/ 131.]].
قوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ قال الأزهري: (السدر من الشجر سدران: أحدهما: سدر بري لا ينتفع بثمره، ولا يصلح ورقه للغسول، وربما خمط للراعية، وله ثمر عفص لا يؤكل، والعرب تسميه الضال. والجنس الثاني من السدر ينبت على الماء، وثمره النبق، وورقه غسول، يشبه شجر العناب إلا أن ثمره أصفر مر يتفكه به) [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 353.]].
وقال الفراء: ذكروا أنه الثمر [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: السمر، واحدته سمرة. "معاني القرآن" 2/ 359.]]. وقال مقاتل: ثمرة السدر النبق [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].
وقال السدي: هذا السدر قليل، يعني: أن الخمط والأثل كانا أكثر في جنتيهم من السدر [[لم أقف عليه منسوبًا للسدي. وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 491، و"الطبرسي في مجمع البيان" 8/ 605، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 446، بدون نسبة.]]. قال قتادة في الآية: بينما شجر القوم من خير الشجر، إذ صيره الله من شر الشجرة [[انظر: المصادر السابقة، و"تفسير القرطبي" 14/ 287.]].
سبأ 34:17
قوله: ﴿ذَلِكَ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] إشارة إلى ما ذكر من التبديل. قال أبو إسحاق: (وموضع ذلك نصب، المعنى ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ذلك ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ [[انظر: "معاني القران وإعرابه" 4/ 249.]].
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ بالنون قرأ حمزة والكسائي؛ لقوله: ﴿جَزَيْنَاهُم﴾ ولم يقولوا جوزوا، من قرأ يجازي بالضم بني الفعل للمفعول به، والمجازي هو الله، فمعنى القراءتين سواء. وفي تخصيص الكفور بالمجازاة أقوال: أحدها [[في (ب): (أحدهما).]]: أن المؤمن يكفر عنه ذنوبه بطاعاته، فلا يجازى بذنوبه التي تكفر، قال الله تعالى: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [محمد: 2] وقال: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]، والكافر يجازى بكل سوء يعمله، وهذا قول أبي إسحاق وأبي علي [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 249، "الحجة" 6/ 17 - 18.]].
وقال الفراء: (معنى جزيناه كافيناه [[في (ب): (جزيناهم افيناهم).]]، والسيئة للكافر بمثلها سيئة، وأما المؤمن فيجزى ولا يجازى؛ لأنه يزاد ويتفضل عليه، وقد يقال: جازيت بمعنى جزيت وأبين الكلام على ما وصفت) [["معاني القرآن" 2/ 359.]]. هذا كلام أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 409، "معاني القرآن" للفراء 2/ 359، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 249.]].
وأما المفسرون؛ فقال مقاتل: وهل نكافئ بعمله السيئ إلا الكفور لله في نعمه [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]]. وهذا كقول الفراء.
وقال طاوس: يجازى الكفور ولا يغفر له، والمؤمن لا يناقش الحساب [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 409، "تفسير القرطبي" 14/ 288، تفسير ابن كثير" 5/ 543.]].
وقال مجاهد: وهل يجازى: يعاقب [["تفسير مجاهد" ص 525.]]. وهذا معنى وليس بتفسير. وبيانه ما ذكر ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد لا أجازي بالعقاب إلا من كفر ربوبيتي وجحد نعمتي. فأضمر العقاب والمجازاة [[لم أقف عليه.]]. (وأدغم الكسائي لام هل في نون نجازي، وهو جائز، حكاه سيبويه، قال سيبويه: البيان أحسن؛ لأنه قد امتنع أن يدغم في النون شيء سوى اللام، فكأنهم يستوحشون من الإدغام فيها) [["الحجة" 6/ 18.]].
سبأ 34:18
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: هذا عطف على قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 250.]] الآية. يعني: وكان من قصتهم أنا ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين سبأ ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال المفسرون: قرى الشام والأرض المقدسة: الأردن وفلسطين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 83، "تفسير هود بن محكم" 3/ 395، "تفسير الماوردي" 4/ 444، "تفسير القرطبي" 14/ 289.]]. قال مقاتل: باركنا فيها بالشجر والماء [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 / ب.]]. قوله: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ قال أبو إسحاق: (كان بين سبأ والشام قرى متصلة بعضها ببعض، يبيتون بقرية ويقيلون بقرية، لا يحلون عقدة حتى يرجعوا إلى أهليهم [[في (ب): "أهلهم".]] [ساعون من حيث نزلوا ما يأكلون] [[ما بين المعقوفين يظهر -والله أعلم- أنه كلام زائد من النساخ؛ إذ لا معنى له.]] لا يحتاجون من وادي شيئًا إلى زاد [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب كما هو في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 444: لا يحتاجون من وادي سبأ إلى الشام إلى زاد.]]. وحقيقة معنى قوله ظاهرة، أن الثانيهَ تظهر من الأولى لقربها منها، كما قال الحسن: كان أحدهم يغدو فيقيل في قرية فيروح فيأوي إلى قرية، فإذا خرج من إحداها رأى الأخرى فظهرت [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 444، "القرطبي" 14/ 289، "زاد المسير" 6/ 448.]].
[أي] [[هكذا في النسخ! ويظهر أنها زائدة من النساخ.]].
وقال صاحب النظم: ليس من قرية إلا وهي ظاهرة، والمعنى أنها قرى متقاربة تتوالى، فإذا كان الرجل في قرية منها كانت التي تليها ظاهرة لعينه ينظر إليها.
قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ قال مقاتل: للمبيت والمقيل من قرية إلى قرية [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]]. قال الفراء: (جعل ما بين القرية إلى القرية نصف [[في (ب): (لضعف)، وهو خطأ.]] يوم، فذلك تقدير السير) [["معاني القرآن" 2/ 359.]]. قال أبو إسحاق: (جعلنا سيرهم بمقدار، حيث أرادوا أن يقيموا حلوا بقرية) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 250.]].
وقال ابن قتيبة: (جعلنا السير بين القرية إلى القرية مقدارًا واحدًا) [["تفسير غريب القرآن" ص 356.]].
وقوله: ﴿سِيرُوا﴾ أي: وقلنا لهم سيروا. ﴿فِيهَا﴾ في تلك القرى. ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾ متى شئتم السير ليلاً أو نهارًا.
﴿آمِنِينَ﴾ من الجوع والعطش والسباع والتعب، ومن كل خوف. قال ابن عباس ومقاتل [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 360، "تفسير مقاتل" 98 ب.]].
سبأ 34:19
قال المفسرون: ثم إنهم سئموا الراحة وبطروا النعمة، وكرهوا ما كانوا فيه من الخصب [[في (ب): (الحطب)، وهو خطأ.]] والسعة في كفاية القدح في المعيشة كقوم موسى حين قالوا: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ إلى قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61] وهؤلاء من جملة من دخل في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: 58] فلم يشكروا ربهم، وسألوا أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ أي: اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز؛ لنركب إليها الرواحل ونتزود الأزواد. وقرئ: ﴿بَعَّد﴾، وهو مما فيه وفعل بمعنى واحد كقولك: ضاعِف وضعِّف، وكذلك خلافه [[في (ب): (خلاف).]] قارب وقرب. ومعنى قراءة من قرأ على الخبر: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾، أنهم استبعدوا سفرهم على قرية بطرا وأشرا، وقراءة العامة معناها الدعاء وسؤال الله أن يبعد بين أسفارهم [["الحجة" 6/ 19.]].
وقوله ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: بكفرهم وتكذيبهم أنبيائهم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 360.]].
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ يريد لعن بعدهم، يتحدثون بأمرهم وشأنهم.
﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ مزقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، وذلك أن الله تعالى لما غرق مكانهم وأذهب جنتيهم تبددوا في البلاد فصارت العرب تتمثل بهم في الفرقة، فيقولوا: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ [[هذا مثل للعرب، يضرب للقوم إذا تفرقوا. انظر: "مجمع الأمثال" 2/ 4.]].
قال الشاعر:
من صادر أو وارد أيدي سبأ [[شطر بيت لم أقف على تمامه ولا قائله، وهو في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 251، "اللسان" 1/ 94 بلا نسبة.]]
وقال كثير:
أيادي سبأ يا عز ما كنت بعدكم ... فلم يحل بالعينين بعدك منظر [[البيت من الطويل، هو لكثير عزة في "ديوانه" ص 328، "شرح شواهد المغني" 2/ 687، "اللسان" 1/ 94.]]
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني فيما فعل بسبأ. ﴿لَآيَاتٍ﴾ عبرًا ودلالات. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ قال ابن عباس: عن معاصي الله، (شكور) لأنعم الله [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 493، "تفسير الماوردي" 4/ 446، "تفسير القرطبي" 14/ 291 بدون نسبة.]].
وقال مقاتل: يعني المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء، إذا ابتلي شاكر لله على نعمه [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].
سبأ 34:20
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ وقرئ: صَدَقً، بالتشديد والتخفيف.
قال أبو إسحاق: صدقه في ظنه أنه ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه فوجدهم كذلك، فمن شدد نصب الظن؛ لأنه مفعول به، ومن خفف نصب الظن، على معنى صدق ظنا ظنه، وصدق في ظنه [[انظر: "معاني القرآن وإعربه" 4/ 251.]] هذا كلامه. وشرحه أبو علي فقال: معنى التخفيف أنه صدق ظنه، أي الذي ظن بهم من متابعتهم إياه إذا أغواهم، وذلك نحو قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16] و ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39] وهذا ظنه؛ ذلك عن يقين؛ لأنه لم يقل بظنه [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: فظنه، كما في "الحجة" 6/ 21.]] على هذا ينتصب انتصاب المفعول به، ويجوز تعديته إلى المفعول به كما قال:
فإن تك ظني صادقي فهو صادقي [[شطر بيت من الطويل، لم أقف على قائله، وقد ورد في "إملاء ما من به الرحمن" 2/ 197، وكذا في "الدر المصون" 5/ 442. وجاء البيت بتمامه في "مجمع البيان" 8/ 607 برواية:
إن يك ظني صادقًا وهو صادقي ... بشملة يحبسهم بها محبسا وعرا
ونسبه محققه إلى مكبرة بنت بردام شملة، تقول: إن يك ظني بشملة صادقًا يحبسهم، أقي القوم الذين قتلوا أباه بتلك المعركة محبسا صعبا يدركه فيه ثأر أبيه]]
ويجوز أن ينتصب انتصاب الظرف، على تقدير: صدق عليهم الظن، على أنه مفعول به وعدي صدق إليه كما قال:
فإنْ لم أصدَّق ظنكَ بتيقنٍ ... فلا سقتِ الأوصالَ منِّي الرواعدُ [[بيت من الطويل ولم أقف على قائله.]].
واختلف المفسرون في هذه الآية؛ فمذهب ابن عباس في رواية عطاء أزال كناية في قوله: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ عن أهل سبأ [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 87، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 430.]]. وقال في قوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: يريد قليلاً من الذين صدقوا الأنبياء وآمنوا بالله. وعلى هذا الاستثناء من سبأ، وهم من آمن منهم. ومذهب مجاهد [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 608، "تفسير القرطبي" 14/ 292.]] أن الكناية عن الناس كلهم، قال: صدق ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله. وهو ظاهر مذهب المفسرين. قال مقاتل: يعني عباده المخلصين لم يتبعوهم في الشرك [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]]، وهم الذين قال الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42]
سبأ 34:21
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى ما امتحنا بإبليس إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة إلا لنعلم ذلك علم وقوعه منهم، وهو الذي يجازون عليه [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 252.]]. وشرح ابن قتيبة الآيتين شرحًا شافيًا فقال: إن إبليس لما سأل الله النظرة فأنظره قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ الآية. وقال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [[قال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
وقال في سورة الحجر: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الآية: 39.]] وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنًا أن ما قرره فيهم يتم، وإنما قاله ظانا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم، ثم قال: وما كان تسليطنا إياه [[في (ب): (إلا إياه) وهو خطأ.]] إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين، يعني: نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع الجزاء، فأراد جل وعز: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمن ظاهرًا، وكفر الكافر ظاهرًا موجودًا كقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 142] [["تأويل مشكل القرآن": ص 311 - 312.]]، وقد مر الكلام فيه [[عند تفسير الآية 142 من آل عمران.]]. وهذا معنى قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وجميع المفسرين في هاتين الآيتين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 87، "تفسير الماوردي" 4/ 447، "مجمع البيان" 8/ 608، "زاد المسير" 6/ 449، "تفسير مقاتل" 99 أ.]]. قوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ قال مقاتل: كل شيء من الإيمان والشك رقيب [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]].
سبأ 34:22
قوله: ﴿قُلِ﴾ أي: لكفار مكة. ﴿ادْعُوا﴾ استنصروا، واستعينوا كقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 23]. وقوله: ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ [الأعراف: 197].
وقوله: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: الذين زعمتم أنهم آلهة وأنهم ينصرونكم، فأضمر مفعول الزعم، قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 88، "بحر العلوم" 3/ 72، "تفسير القرطبي" 14/ 295، "زاد المسير" 6/ 451.]]: يعني الشركاء والملائكة وجميع من عبدوهم من دون الله.
قال مقاتل: يقول: ادعوهم فليكشفوا عنكم التفسير الذي نزل بكم في سني الجوع [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]]. ثم وصفهم وأخبر عنهم فقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: من خير وشر ونفع وضر. ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ يريد: ما شاركونا في شيء من خلقهما. ﴿وَمَا لَهُ﴾ وما لله. ﴿مِنْهُمْ﴾ من الشركاء والمعبودين. ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ من معين على شيء. قال مقاتل: ثم ذكر الملائكة الذين يرجون شفاعتهم.
سبأ 34:23
وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ يعني: شفاعة الملائكة. ﴿عِنْدَهُ﴾ عند الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]]. ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ قرئ: بضم الهمزة وفتحها، فمن فتح بني الفعل للفاعل، وأسنده إلى ضمير اسم الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾، ومن ضم الهمزة بني الفعل للمفعول وهو يريد هذا المعنى [[انظر: "علل القراءات" 2/ 553، "حجة القراءات" ص 589.]]. والآذن في القراءتين هو الله تعالى، كقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ والمجازي في الوجهين هو الله تعالى. قال الفراء: أي لا تنفع شفاعة ملك مقرب ولا نبي حتى يؤذن له في الشفاعة، ويقال: حتى يؤذن له فيمن يشفع، فيكون (من) للمشفوع له [["معاني القرآن" 2/ 361.]].
وذكر أبو إسحاق أيضًا الوحهين جميعًا فقال: ويجوز أن يكون [من] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] في قوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ للشافعين؛ لأنه كنى عنهم بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ والذين فزع عن قلوبهم هاهنا الملائكة، هذا كلامه. وتقدير الوجهين: إلا لمن أذن له في أن يشفع إذا كان (من) للشافع، وإن جعلت (من) للمشفوع فالتقدير: إلا لمن أذن له في أن يشفع له [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 252.]].
وكلام المفسرين في هذه الآية يدل على أن (من) للمشفوع له؛ قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن وحد الله [[انظر: "الوسيط" 3/ 294، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 431.]] كقوله في الأنبياء ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]. وقال مقاتل: لا تنفع شفاعة الملائكة عنده لأحد إلا لمن أذن له أن يشفعوا له من أهل التوحيد. قال: ثم أخبر عن خوف الملائكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]] فقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ وقُرِئ: فَزَع، بفتح الفاء والزاي.
قال أبو عبيدة: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾: نفس عنها [["مجاز القرآن" 2/ 147.]].
وقال الفراء وأبو إسحاق: فزع: كشف الفزع عن قلوبهم، وفزع: كشف الله الفزع عن قلوبهم [["معاني القرآن" 2/ 361، "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 253.]]. ومعنى القراءتين سواء كما ذكرنا في أذن وأذن [[سورة الحج: الآية 27. قال: معنى التأذين: النداء والتصويت للإعلام، ثم أحال على قوله ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾.]].
والتفزيع يريد المعنيين: أحدهما: إزالة التفزيع بالتمريض [[في "الوسيط": والتفزيع إزالة الفزع كالتمريض. فلعل ما أثبت هنا خطأ، والصواب ما بينته من الوسيط.]]، وقد جاء مثل هذا في أفعل، قالوا: أشكاه [[في (ب): (مشكاه).]] إذا أزال عنه ما يشكوه، ويقال: فزعه وأفزعه، إذا روعه. قال ابن عباس: يريد سوى عن قلوبهم [[ذكر بعض المفسرين قول ابن عباس: جلي عن قلوبهم. انظر: "الماوردي" 4/ 484، "القرطبي" 14/ 295.]].
وقال قتادة والكلبي: جلي عن قلوبهم [[لم قف عليه منسوبًا لهما،، وقد نسبه الطبري 22/ 90 لابن عباس.]]. وقال مقاتل: انجلى الفزع من قلوبهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]]. وهو معنى وليس بتفسير. وأما معنى الآية روي عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ الآية" [[الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب: التفسير: تفسير سورة سبأ 4/ 1804 رقم الحديث (4522) وتمامه: "فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع" الحديث، وأخرجه الترمذي في "سننه" كتاب التفسير: تفسير سورة سبأ 5/ 40، رقم الحديث (3276)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]].
وروي عن أنس بن سمعان [[هكذا ورد في (أ)، وفي (ب): (أنس سمعان)، وهو خطأ، والصواب هو: النواس بن سمعان، فهو راوي هذا الأثر، ولم أجد فيما عندي من مراجع راويا لهذا الحديث بهذا الاسم.
والنواس بن سمعان هو: النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط العامري الكلابي، ويقال: الأنصاري، له صحبة، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه جبير بن نفير الخضرمي وأبو إدريس الخولاني. يقال: إن أباه سمعان وفد على النبي -ﷺ- وأهدى إليه نعليه فقبلهما وزوج أخته من النبي -ﷺ-، ويقال: إنه لما دخل بها تعوذت منه فتركها، وهي الكلابية، والله أعلم.
انظر: "الاستيعاب" 3/ 539، "الإصابة" 3/ 549، "أسد الغابة" 5/ 45]] أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي أخذت السموات منه رعدة شديدة خوفًا من الله، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا [[في (ب): (ضعفوا).]] وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله بما أراد من وحيه، فيمضي به جبريل على الملائكة سماء سماء، كلما مر بأهل سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل. فيقول: الحق [[أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 219.]].
وروى الزهري عن أبي إدريس [[هو: أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله، ويقال فيه: عيذ الله بن إدريس بن عائذ الخولاني، تقدمت ترجمته.]] قال: إذا تكلم الله جل ثناؤه وجدت السموات ومن فيهن رجفة، حتى إذا ذهب ذلك عنها نادى بعضهم بعضًا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [[لم أقف عليه عن أبي إدريس من طريق الزهري. وقد أورد الثعلبي في "تفسيره" 3/ 219 أ، هذا الأثر من طريق الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله.]].
وقال ابن عباس: إذا تكلم الله بالوحي، يسمع أهل السموات صوتا كصوت الحديد على الصفا، فيخرون سجدًا لذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا ... [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 697، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.]] الآية. ونحو هذا قال ابن مسعود [[الأثر المروي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أخرجه بو داود في "سننه" كتاب: السنة، باب: في القرآن 4/ 235، رقم الحديث (4738)، و"الطبري" 22/ 90. وأورده السيوطي في "الدر" (6/ 699) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي.]].
وقال قتادة والكلبي: لما كانت الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام وبعث الله محمدًا، أنزل الله جبريل بالوحي، فلما نزل، ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من الساعة فصعقوا لذلك، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع يرفعوا رؤوسهم [[هكذا جاء الكلام في النسخ! وفيه اضطراب، والصواب: فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض. انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 197.]]، وقال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، يعني الوحي [[ذكره النحاس في "معاني القرآن" 5/ 417، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 453، و"القرطبي" 14/ 297.]]. ونحو هذا قال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]] سواء. وعلى هذا إنما يكون فزعهم من هول قيام الساعة. وهو اختيار الفراء، والزجاج [["معاني القرآن" 2/ 361، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 253.]]. وعلى ما ذكرنا أولاً إنما فزعوا للوحي. هذا مذهب المفسرين في هذه الآية.
ويبقى إشكال في النظم، وهو أن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ كيف يليق بما تقدم من الكلام، وأين الخبر عن فزعهم حتى يذكر زوال الفزع؟ قال صاحب النظم: لا يكاد يكون حتى إلا متصلة بخبر قبلها، ولم يتقدم هاهنا في الظاهر شيء تكون هي معطوفة عليه فهي في الظاهر منقطعة مما قبلها ومبتدأة، وهي في الباطن متصلة بمعنى متقدم مضمر، ومعنى فزع عن قلوبهم قد جاء في التفسير أخرج منها الفزع، فهذا دليل على أنه يصيبهم فزع شديد من شيء يحدث عليهم من أقدار الله -عز وجل-، ولم يقل الله حتى إذا فزع عن قلوبهم إلا وهم يفزعون. هذا كلامه. وشرح هذا أن حتى هاهنا منقطع في اللفظ عما قبله، وقد ذكرنا جواز هذا عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [[سورة يونس: الآية 110.]]، وهو في المعنى متصل بمضمر دل عليه الظاهر، وذلك أن فزع معناه: أخرج الفزع، وإخراج الفزع يدل على حصوله وحدوثه، فكأنه قد ذكر فزعهم من الوحي أو من هول قيام الساعة على ما ذكر المفسرون حتى إذا أزيل ذلك الفزع قالوا: ماذا قال ربكم. ومعنى الآية: أن الله أعلمهم أن الملائكة الذين يعبدونهم بهذه الحال من الخوف والفزع، كيف يعبدون من هو بهذه الصفة. أفلا يعبدون من تخافه الملائكة؟!
ومذهب مجاهد والحسن وابن زيد في هذه الآية: أن الكناية في قوله: ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ للمشركين، يقول: حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم في الآخرة إقامة الحجة عليهم، قالت الملائكة لهم: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ في الدنيا ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ فأقروا حين لا ينفعهم [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 527، "الطبري" 22/ 92، "الماوردي" 4/ 438، "القرطبي" 14/ 297.]]. وعلى هذا القول أيضًا وجه النظم ما ذكر.
وقوله: ﴿الْحَقَّ﴾ قال الزجاج وأبو علي: التقدير: قالوا: قال الحق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 253]]. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، قال مقاتل: يعني الرفيع الذي فوق خلقه، الكبير العظيم فلا شيء أعظم منه [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]].
سبأ 34:24
قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: لكفار مكة. ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم تفسيره في سورة يونس [[آية 31.]]. وهذا احتجاج عليهم بأن الله الذي يرزق هو المستحق للعبادة لا غيره مما لا يرزق، وأخبر عنهم في سورة يونس أنهم يعتقدون بأن الرزاق هو الله، وهو قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾. وهاهنا أمر النبي -ﷺ- بأن يقول: الرزاق هو الله، هو قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ والمعنى: استفهم عن الرزاق، ثم أخبر أني أنا الرزاق، وذلك أنه إذا استفهم لم يمكنهم أن يثبتوا رازقًا غير الله، فثبت الحجة عليهم بقوله -ﷺ-، أي: هو الله. وقال صاحب النظم: هذا محمول على أنه لما أمر بقوله: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ بعد الأمر قل لهم ذلك، فقالوا له: فمن يرزقنا، فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ وتم الكلام، ثم أمره بأن يخبرهم أنهم على الضلال بعبادة غير الله بقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ الآية، على تقدير: ثم قل: وإنا أو إياكم.
روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: الألف صلة للكلام يريد ألف أو [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 494، ولم ينسبه لأحد.]]. وشرح صاحب النظم هذا فقال: أو هاهنا بمنزلة واو النسق، وتأويلهما مبتدآن مجموعان لها جوابان مجموعان، فيرد إلى كل واحد منهما ما يقتضي، وهو أن يكون الهدى لقوله: ﴿وَإِنَّا﴾، والضلال لقوله: ﴿إِيَّاكُمْ﴾، قلنا في أشباهه مثل قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: 73] فابتغاء الفضل بالنهار والسكون بالليل، ومنه قول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسًا لدي ... [ذكراها] [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: وكرها.]] العناب والحشف البالي [[البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في "ديوانه" ص 38، "الكامل" 2/ 740، "شرح شواهد المغني" 1/ 342، 2/ 595، 819.
يقول: كأن قلوب الطير رطبا: العناب، ويابسًا: الحثشف البالي. انظر: "شرح ديوان امرئ القيس" 166.]]
وهذا الذي ذكره صاحب النظم، هو معنى قول أبي عبيدة قال: معناه إنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين [["مجاز القرآن" 2/ 148.]]. وهو معنى قول مقاتل: نحن وأنتم أمر واحد أن أحد الفريقين لعلى هدى، يعني: النبي نفسه وأصحابه، وإنكم لفي ضلال مبين، يعني: كفار مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب.]]. وعلى هذا القول يجب أن يكون أو في، قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ وقوله: ﴿أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾ يعني واو النسق، وهو مذهب المفسرين. قال الفراء: (معنى " أو" معنى الواو عند المفسرين، والعربية على غير ذلك، لا تكون "أو" بمنزلة الواو كما تقول: خذ درهمًا أو اثنين، فله [[في (ب): (قيله).]] أن يأخذ واحداً أو اثنين، وليس له أن يأخذ الثلاثة، وفي قول من لا يبصر العربية ويجعل "أو" بمنزلة الواو يجوز له أن يأخذ الثلاثة؛ لأنه في قولهم بمنزلة: خذ درهمًا واثنين.
والمعنى في ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾: إنا لضالون أو مهتدون، وهو تعالى يعلم أن رسوله المهتدي وأن غيره الضال، وأنت تقول في الكلام للرجل: والله إن أحدنا لكاذب، نكذبته كذبًا غير مكشوف، وهو في القرآن وكلام العرب كثير أن يوجه الكلام إلى أحسن مذاهبه إذا عرف، كقولك لمن قال فلان وهو كاذب في ذلك قل: إن شاء الله، أو قل: فيما أظن، فتكذبه بأحسن من صريح التكذيب) [["معاني القرآن" 2/ 362.]]. ونحو هذا قال الكسائي والأخفش والمبرد، قالوا: ليس معنى أو هاهنا الشك، وقد يتكلم بمثل هذا من لا يشك، كقول القائل: أنا اختار كذا ويختار ابن [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: فلان.]] كذا وأحدنا مخطئ، وليس يشك في خطأ صاحبه، وأنشدوا لأبي الأسود.
يقول الأرذلون بني [[هكذا في (أ)، وفي (ب): (بين)، وهو خطأ، والصواب: بنو؛ لأنه بدل.]] قشير ... طوال الدهر ما ننسى عليا
بنو عم النبي وأقربوه ... أحب الناس كلهم إليا
فإن يك حبهم رشدًا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيا [[الأبيات من الوافر، لأبي الأسود الدؤلي، وهي من ديوانه ص 176 - 177، وانظرها منسوبة إليه في: "مجاز القرآن" 2/ 148، "الكامل" 3/ 936، "مجمع البيان" 8/ 610، "روح المعاني" 22/ 140.]]
فقاله عن غير شك، وقد أيقن أنه ليس بغي، ولكنه استظهار في الحجاج [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 445، وذكر القول ونسبه للمبرد: "تفسير القرطبي" 14/ 299، ولم أقف على قول الكسائي.]].
وقال أبو إسحاق: في التفسير وأنا على هدى وإنكم إلى ضلال، وهذا في اللغة غير جائز لكنه يؤول إلى هذا المعنى، والمعنى: إنا لعلى هدى أو في ضلال، وهذا كما يقول القائل: إذا كانت الحال تدل على أن أحدنا صادق أو كاذب ويؤول معنى الآية إلى: إنا لما أقمنا من البرهان لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين هذا كلامه [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 253.]]. وهو موافق لقول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 362.]]. وتلخيص الآية: أن أو ظاهرة للشك وليس المعنى على ذلك، والمفسرون راعوا حقيقة المعنى، ولذلك جعلوا أو بمنزلة الواو.
سبأ 34:25
قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: لقومك. ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ قال ابن عباس: لا تؤاخذون بجرمنا، ولا نسأل عن كفركم وتكذيبكم، وهذا على التبري منهم ومن أعمالهم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 431، وذكر هذا المعنى أكثر المفسرين، ولم ينسبوه لابن عباس.]] كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]. وهذا مما نزل قبل السيف [[وبهذا القول -وهو أن هذه الآية منسوخة بآية السيف- قال بعض العلماء، ومنهم: ابن القاسم البذوري في "قبضة البيان في ناسخ ومنسوخ القرآن" ص 20، هبة الله بن سلامة المقري في "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله -عز وجل-" ص 145، وابن البارزي في "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" ص 45. ومن العلماء من لا يرى النسخ في هذا الموضع، وإنما فيه بيان أن كل أحد مؤاخذ بعمله، فلا تظلم نفس شيئًا. وممن قال بعدم النسخ: مكي بن أبي طالب في "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 388، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 455. ولعل هذا هو الراجح؛ لإمكانية الجمع بين الآيتين دون الحاجة إلى القول بالنسخ، إذ لا تعارض بينهما.]].
سبأ 34:26
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يعني بعد البعث في الآخرة يوم القيامة. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ ثم يقضى ويحكم بيننا بالعدل. ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ القاضي. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يقضى.
سبأ 34:27
قوله: ﴿قُلْ﴾ للكفار ﴿أَرُونِيَ﴾ أعلموني. ﴿الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: ألحقتموهم بالله في العبادة معه شركاء، وهو نصب على الحال، وفي الآية محذوف به يتم المعاني [[هكذا في (ب)، وفي (أ): (المعالي)، وهو تصحيف، إذ الصواب: المعنى.]] بتقدير: هل يرزقون ويخلقون وينفعون ويضرون، ثم قال: ﴿كَلَّا﴾ [قال أبو إسحاق: معنى كلا] [[ما بين المعقوفين يظهر أنه زائد؛ لأن كلام أبي إسحاق ذكر بعد سطر.]] قالوا لما قال لهم: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ هم [[(هم) ساقط في (ب).]] هذه الأصنام أو ما أشبه ذلك من الكلام، فرد الله عليهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾.
قال أبو إسحاق: (معنى كلا ردع وتنبيه، المعنى: ارتدعوا عن هذا القول وانتهوا عن ضلالكم) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 254.]]. وهذا يدل على أنهم أجابوا النبي -ﷺ- بما يوجب زجرهم وردعهم. قوله: ﴿بَلْ﴾ أي: ليس الأمر على ما ذكرتم إلحاق الشركاء [[هكذا جاءت العبارهَ، والذي يظهر أنه خطأ، فقد جاءت العبارة في الوسيط: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من إلحاق الشركاء الوسيط 3/ 495.]] به الذي يضر وينفع ويخلق ويرزق. ﴿هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمره.
سبأ 34:28
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد لجميع الخلق [[انظر: "الماوردي" 4/ 450، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 495.]]. وقال مقاتل: يعني عامة [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب.]]. وهو قول أبي عبيدة وابن قتيبة [["مجاز القرآن" 2/ 149، "تفسير غريب القرآن" ص 357.]]. وعلى هذا يجب أن يكون التقدير: إلا للناس كافة، كقوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، فيكون المعنى: وما أرسلناك إلا للناس كلها عامة أحمرهم وأسودهم [[ويزيد هذا القول ويدل عليه الحديث الذي يرويه جابر بن عبد الله، أخرج مسلم في "صحيحه" 1/ 370 كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم الحديث (521)، قال جابر -رضي الله عنه-: قال رسول الله -ﷺ-:" أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود" الحديث.]]. وذكرنا معنى الكافة [[لعله عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208] قال: وقوله (كافة) يجوز أن يكون معناه: ادخلوا جميعًا، ويجوز أن يكون معناه: في السلم كافة، أي في جميع شرائعه.]] فيما تقدم.
وقال أبو إسحاق: (المعنى: أرسلناك جامعًا للناس بالإنذار والإبلاغ) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 254.]].
والكافة على هذا معناه: الجامع الذي يمنع أن يشذوا [[هكذا جاءت العبارة، ولعل المراد يمنع الناس أن يشذوا، كما تفسره العبارة التالية.]]، النبي -ﷺ- جامع للناس كلهم في الإنذار والتبشير [جامع] [[هذه الكلمة زيادة من (ب)، وليست مثبتة في (أ).]] مانع من أن يشذ واحد عن حكم رسالته.
والهاء في الكافة تكون للمبالغة، ويجوز أن يكون الكافة مصدرًا على فاعلة، كالخاينة والكاذبة واللاعنة، ويكون [[(يكون) ساقطة من (ب).]] التقدير على حذف المضاف بمعنى: إلا ذا كافة للناس، أي: ذا منع لهم من أن يشذوا عن تبليغك. وهذا الوجه يقوي قول من ذهب في معنى الآية إلى أنه بعث ليكف الناس عما هم عليه من الكفر. ولا يحتاج في هذا القول إلى تقدير التقديم والتأخير، وقوله: ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب]].
سبأ 34:29
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعنون بالوعد [[في (ب): (بالولد)، وهو تصحيف.]] للعذاب الذي ينزل بهم بعد الموت في قول ابن عباس [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص431، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 456، ولم ينسب لابن عباس.]]. وإنما قالوا هذا؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث. وقيل: يعنون العذاب النازل بهم في الدنيا. وهو قول الربيع [[لم أقف عليه عن الربيع. وقد ذكره القرطبي 14/ 301 نحو هذا القول، ولم ينسبه.]].
سبأ 34:30
فقال الله: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ الآية. قال ابن عباس: يريد يوم القيامة [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 431، ولم أقف عليه منسوبًا لابن عباس عند أحد من المفسرين.]].
وقال الضحاك: يوم النزع والسياق. وعلى قول الربيع هو يوم بدر؛ لأن ذلك اليوم كان ميعاد عذابهم في الدنيا [[انظر: "الوسيط" 3/ 495، "زاد المسير" 6/ 456.]].
سبأ 34:31
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: مشركي مكة. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني التوراة والإنجيل [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 341، وذكره "تفسير الطبري" 22/ 97 وعزاه لقتادة، و"تفسير الماوردي" 4/ 451 وعزاه للسدي.]].
قال الفراء: لما قال أهل الكتاب صفة محمد -ﷺ- في كتابنا، كفر أهل مكة بكتابهم [["معاني القرآن" 2/ 362.]].
ثم أخبر الله عن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ قال مقاتل: يعني: مشركي مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب.]].
﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد يوم القيامة.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ قال: يجادل بعضهم بعضًا [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 431.]].
وقال مقاتل: يرد بعضهم على بعض القول [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب.]].
ثم أخبر عن جدالهم وما يجري بينهم فقال: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يعني: الذين تكبروا عن الإيمان، وهم الأشراف القادة. ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ معشر الكبراء. ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين بتوحيد الله.
سبأ 34:33
وقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، قال قتادة: بل مكركم بالليل والنهار [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 419 "تفسير القرطبي" 14/ 302.]].
وقال الكلبي ومقاتل: بل قولكم لنا بالليل والنهار [[انظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 401، فقد نسب القول للكلبي، ولم أقف عليه منسوبًا لمقاتل وليس في تفسيره.]].
قال الأخفش: الليل والنهار لا يمكران لأحد، ولكن يمكر فيهما، كقوله [[في (أ): (كقولك)، وهو تصحيف.]]: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: 13] وهذا من سعة العربية [["معاني القرآن" 2/ 363.]].
وقال المبرد: (أي بل مكركم بالليل والنهار، كما تقول العرب: نهاره صائم وليله قائم، أي: هو قائم في ليله صائم في نهاره.
وقال جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم) [[البيت من الطويل، وهو لجرير في "ديوانه" ص 993، "الكتاب" 1/ 165، "لسان العرب" 2/ 442 (ربح)، "خزانة الأدب" 1/ 465، 8/ 202.
والشاهد فيه: وصف الليل بالنوم اتساعًا ومجازًا.]] [["الكامل" 1/ 188، 3/ 1170.]] وأنشد سيبويه:
قيام لي ويحل هي .. [[هكذا جاء في النسخ! وهو تصحيف، والصواب: فنام ليلي وتقضى همي. وهو رجز لرؤبة في "ديوانه" ص 142، "المحتسب" 2/ 184.
والشاهد فيه قوله: فنام ليلي، يريد نمت في ليلي، فنسب الفعل إلى الليل للملابسة التي بين الشاعر وبيته.]]
أي: نمت فيه، ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 363.]] والزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 254.]]. وذكر في مكر الليل والنهار قولان آخران، كلاهما غير سائغ في اللغة والتأويل فتركتهما، وذكرنا معنى قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ [يونس: 54] [[آية 54.]].
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: غلو بها في النيران والشركاء، وهم من الشياطين [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "القرطبي" 14/ 355.]].
وقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ استفهام معناه التوبيخ، والتقدير: إلا جزاء ما كانوا يعملون. قال مقاتل: من الشرك في الدنيا [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]].
سبأ 34:34
وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أي: نبي ينذر أهل تلك القرية ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ قال ابن عباس: الملوك وأهل الغنى [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وذكره أكثر المفسرين. انظر: "الطبري" 22/ 99، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 419، "الماوردي" 4/ 452.]]. وقال مقاتل: أغنياؤها وجبابرتها [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]]. وقال أبو إسحاق: أو [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: أولوا، كما في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج.]] الترفه وهم رؤساؤها [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255]]. ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ وهو التوحيد ﴿كَافِرُونَ﴾.
سبأ 34:35
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ قال ابن عباس: يعني مشركي [مكة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]، افتخروا على رسول الله -ﷺ- وعلى المؤمنين بأموالهم وأولادهم، وظنوا أن الله تعالى إنما خولهم بالمال والولد الكرامة لهم عنده فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: أن الله قد أحسن إلينا بالمال والولد فلا يعذبنا، فقال ابن عباس [[لم أقف عليه. وانظر: "تفسير القرطبي" 14/ 305، "تفسير الماوردي" 4/ 452.]]: أنكروا البعث والقيامة، فقال الله تعالى لنبيه:
سبأ 34:36
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يعني: أن بسط الرزق وتضييقه من الله تعالى يفعله ابتلاء وامتحانًا، وليس شيء منه يدل على ما في العواقب، فلا البسط يدل على رضا الله، ولا التضييق يدل على سخطه.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: أهل مكة. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك حيث ظنوا أن أموالهم وأولادهم دليل على كرامة لهم عند الله.
سبأ 34:37
ثم صرح بهذا المعنى فقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ قال الفراء: (جعل التي جامعة للأموال والأولاد؛ لأن الأولاد يقع عليها التي وكذلك الأموال، فصلح أن يقع عليهما جميعًا التي، ولو قيل بالتي أو بالذين جاز، كما تقول: أما العسكر والإبل فقد أقبلا، ولو قيل: بالذين، يذهب إلى تذكير الأولاد وتغليب بني آدم لجاز، ولو قال: لو وجهت التي إلى الأموال واكتفيت بها من ذكر الأولاد لصلح، كما قال الأسدي [[هو: أبو حسان المراد بن سعيد بن حبيب الفقعسي، نسبته إلى فقعس من بني أسد ابن خزيمة، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، كثير الشعر، وكان مفرط القصر ضئيلا.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 440، "معجم الشعراء" ص 408.
والبيت من المنسرح، وهو من الأبيات المختلف في نسبتها، فقد نسبها المؤلف -رحمه الله- للأسدي، ينما نسبه سيبويه في "الكتاب" 1/ 75 لقيس بن الخطيم، وأورده ابن هشام في "مغني اللبيب" 2/ 622 غير منسوب لأحد، وكذا في "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 677، وفي "المقتضب" 3/ 112، 4/ 73. وقال الاْستاذ: محمد عبد الخالق عظيمة محقق كتاب "المعتصب" 4/ 73: والبيت نسبه إلى قيس بن الخطيم سيبويه، وكذلك فعل الأعلم وصاحب "معاهد التصيص" 1/ 189. و"صحح البغدادي في الخزانة" 2/ 189 نسبة الشعر إلى عمرو بن امرئ القيس. والقصيدة التي فيها هذا الشاهد في ديوان قيس بن الخطيم، طبع بغداد، ص 81. أهـ.]]:
نحن بما عندك وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف [[في (ب): (يختلف).]] [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 363.]]
واختار أبو [[في (ب): (ابن)، وهو تصحيف.]] إسحاق هذا القول فقال: (المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم، ولا أولادكم بالذين يقربونكم، ولكنه حذف اختصارًا وإيجازًا) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255]].
قوله تعالى: ﴿تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ قال ابن عباس: يريد قربي [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وقد نسبه إلى مجاهد: "الطبري" 22/ 100، "الماودي"، 4/ 453، الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 615.]].
وقال مقاتل: يعني قربة [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]].
قال الأخفش: زلفى هاهنا اسم المصدر، كأنه أراد بالتي تقربكم عند تقربنا [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 445، وعبارة الأخفش: بالتي تقربكم عندنا إزلافًا.]].
وذكرنا معنى الإزلاف عند قوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ [[سورة الشعراء: الآية 64. وموضعها بياض في (ب). وقال في هذا الموضع من "البسيط": وقال أبو عبيدة: أزلفنا جمعنا، قال: ومن ذلك سميت مزدلفة جمعا. ثم قال: والزلف الفازل والمراقي؛ لأنها تدني المسافر والراقي إلى حيث يقصده، ومنه قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.]] ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: 90]، وقوله ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ [[موضع (إلا) بياض في (ب).]] قال الفراء: إن شئت أوقعت التقريب على من، أي: لا تقرب الأموال إلا من كان مطيعًا [["معاني القرآن" 2/ 363.]]. ونحو هذا قال الزجاج، قال: موضع من نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم، على معنى: ما تقرب الأموال إلا من آمن وعمل بها في طاعة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255.]].
وعلى هذا يجب أن يكون الخطاب في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ﴾ للمؤمنين والكافرين. والوجه أن يكون قوله: إلا من، استثناء منقطعًا، على تقدير: لكن من آمن وعمل صالحًا. وعلى هذا يدل تفسير ابن عباس، [فإنه] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] قال في قوله: إلا من آمن وعمل صالحًا [يريد] أن عمله وإيمانه يقر [بأنه] مني [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 432.]]. ولم يفسر بان أمواله وأولاده تقربه حتى يكون مستثنى من الخطاب الأول.
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ قال ابن عباس: يريد يضعف الله لهم حسناتهم [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: يجزي بالحسنة الواحدة عشرًا فصاعدًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 100/ أ.]] وقال أبو إسحاق: (جزاء الضعف هاهنا عشر حسنات، تأويله: فأولئك لهم جزاء الضعف الذي قد أعلمناكم مقداره، وهو من قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160]) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255.]].
وقال ابن قتيبة: لم يرد أنهم يجازون على الواحدة بواحدة مثله ولا [اثنين] [[ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من تفسير غريب القرآن لابن قتيبة.]]، كيف هذا والله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] ولكنه أراد لهم جزاء الضعف، أي: التضعيف، وجزاء التضعيف الزيادة، أي: لهم جزاء الزيادة. قال: ويجوز أن يجعل الضعف في معنى الجميع [[في (ب): (الجمع).]]، أي: جزاء الأضعاف، ونحوه ﴿عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص: 61]) [["تفسير غريب القرآن" ص 357 - 358.]]. وقد مر تفسير الضعف عند قوله: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ [[سورة الأعراف: الآية 38.]]، وتأويل قوله: ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ وهو أن يجازي بالواحد [[في (ب): (بالواحدة).]] عشر إلى ما زاد، فمعنى إضافة الجزاء إلى الضعف وهو الجزاء، كإضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظ، ويضمر المضاف إليه زيادة معنى نحو: حق اليقين، وصلاة الأولى. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: من الخير في الدنيا.
﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ يعني: غرف الجنة آمنون من الموت. قاله مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]].
وقال ابن عباس: يريد غرفا من ياقوت ودر وزبرجد آمنون من الموت والعذاب [[انظر: "القرطبي" 14/ 306.]].
(وقرأ حمزة: في الغرفة، على واحدة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: 75]. فكما أن الغرفة، يراد بها الكثرة والجمع، كذلك قوله ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ يراد بها الكثرة واسم الجنس، وحجة الجمع قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: 20]، وقوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: 58]. وكما أن غرفا جمع كذلك الغرفات ينبغي أن تجمع، والجمع بالألف والتاء قد تكون للكثرة كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]، وقول آخر:
لنا الجفنات الغر [[جزء من بيت، وتمامه:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
والبيت من الطويل، وهو لحسان بن ثابت في "ديوانه" ص 131، "الكتاب" == 3/ 578، "لسان العرب" 14/ 136 (جداً)، "المحتسب" 1/ 187، "خزانة الأدب" 8/ 106، 107، 110، 116.
والغر: الأبيض، جمع غراء، يريد بياض الشحم، يقول: جفاننا معدة للضيفان ومساكين الحي بالغداة، وسيوفنا تقطر بالدم لنجدتنا وكثرة حروبنا.
والشاهد فيه: جمع جفنة على جفنات مع أنها للقلة مرادًا بها جمع الكثرة. "الكتاب" 3/ 578.]] فهذا لا يريد إلا الكثرة؛ لأن ما عداها لا يكون موضع افتخار [[إلى هنا انتهى النقل من الحجة من قوله: وقرأ حمزة. "الحجة" 6/ 22.]].
سبأ 34:39
قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وروى أبو عبد عن اليزيدي: أخلف الله لك [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 403 (خلف).]]. وروى سلمة عن الفراء قال: سمعت: أخلف الله عليك، ويقال: أخلف الله لك، أي: أبدل الله لك ما ذهب [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 396 مادة: (خلف).]]. ويقال: قد أخلف الشجر إخلافًا، وذلك إذا أخرج ورقًا بعد ورق قد تناثر، والآية مختصرة، لأن المعنى فهو يخلفه لكم أو عليكم. قال سعيد بن جبير: وما أنفقتم من شيء في غير الإسراف ولا تقتير فهو يخلفه [[انظر: "الطبري" 22/ 101، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 706 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 461.]].
وقال الكلبي: ما تصدقتم وانفقتم في الخير والبر من نفقة فهو يخلفه، إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخره له في الآخرة. وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كل معروف صدقه وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفه ضامنًا إلا ما كان من نفقة في [بنيان] [[انظر: "زاد المسير" 6/ 461.]] أو معصية" [[ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من الدر ومجمع البيان.]]. وقد بان بقول هؤلاء أن الآية ليست على ظاهرها من حيث أن كل منفق يستحق خلفًا عاجلاً، بل هو للمقتصدين والمتصدقين، ثم قد يكون عاجلًا في الدنيا ويكون مدخرًا في الآخرة، وقد قال مجاهد في هذه الآية: فإن الرزق مقسوم، فلعل رزقه قليل وهو ينفقه نفقة الموسع عليه [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 616، وأورده السيوطي في "الدر" وعزاه لابن عدي والبيهقي.]]، وربما أنفق الإنسان ما له في الخير ثم لم يزل عائلا حتى يموت. وهذا يؤكد ما قدمنا.
سبأ 34:40
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين [[أورده السيوطي في "الدر" 6/ 706، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال مقاتل: يعني الملائكة ومن عبدها [[لم أقف عليه.]].
﴿يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ معنى هذا الاستفهام كالذي في قوله لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]] الآية، وهو استفهام توبيخ للعابدين، فنزهت الملائكة ربها عن الشرك وتبرأوا منهم، وهو قوله:
سبأ 34:41
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيها لك ما أضافوه إليك من الشركاء والمعبودين.
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ قال ابن عباس: ما اتخذناهم عابدين ولا توليناهم، ولسنا نريد غيرك وليا [[انظر: "الوسيط" 3/ 497، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 463، ولم ينسبه لأحد.]]. ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ قال قتادة: يعني الشياطين [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: بل أطاعوا الشيطان [[في (ب): (الشياطين).]] في عبادتهم إيانا [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]]. ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ يعني: المصدقين بالشياطين.
سبأ 34:42
ثم يقول الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني: الآخرة. ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ يعني: العابدين والمعبودين. ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: نفعا بالشفاعة، ولا ضرًا بالتعذيب، يريد أنهم عاجزين [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: عاجزون.]] لا نفع عندهم ولا ضر، وإنما يملكهم الله تعالى. وقال مقاتل: لا تملك الملائكة ولا تقدر أن تدفع عند سوءًا إذا عبدوهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 10 ب.]]. وعلى هذا يكون التقدير: ولا دفع ضر، فحذف المضاف. ثم أخبر عنهم أنهم يكذبون بمحمد والقرآن، ويسمون القرآن إفكًا وسحرًا، وهو قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
سبأ 34:44
ثم أخبر أنهم لم يقولوا ذلك عن بينة، ولم يكذبوا محمدًا عن ثبت عندهم، وهو قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ قال قتادة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ قال قتادة:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ما أنزل على العرب كتابًا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيًا قبل محمد -ﷺ- [[انظر: "الطبري" 22/ 103، "زاد المسير" 6/ 463، "الوسيط" 3/ 498.]].
ونحو هذا قال ابن عباس والكلبي [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 433.]].
قال الفراء: أي من أين كذبوا بك ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه [["معاني القرآن" 2/ 364.]].
وقال مقاتل: يقول ما أعطيناهم كتابًا بأن مع الله شريكًا، ولا أرسلنا إليهم رسولًا بذلك [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 ب.]].
سبأ 34:45
ثم خوفهم وأخبر عن عاقبة من كان قبلهم من المكذبين فقال: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: الأمم الكافرة.
﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ يعني: أهل مكة في قوله الجميع. ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] المعشار والعشير والعشر جزء من العشرة. [قال المفضل] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]]: لم يرد في العدد مفعال إلا هذا، والمرباع الربع [[في (ب): (الرفع).]] [[لم أقف على هذا القول عن المفضل، وقد ذكره ابن منظور في "اللسان" 8/ 101 (ربع) عن قطرب، وكذا الزبيدي في "تاج العروس" 21/ 31 (ربع).]]، وأنشد:
لك المرباع منها والصفايا [[صدر بيت، وعجزه:
وحكمك والنشيطة والفضول
وهو من الوافر، لعبد الله بن عنمة الضبي في: "الأصمعيات" ص 37، "تهذيب اللغة" 2/ 369، 11/ 314، 12/ 41، 249، "لسان العرب" 11/ 526 (فضل)، 14/ 462 (صفا)، "تاج العروس" 21/ 20 (نشط).]]
والمعشار والعشر في قول الجميع. قال ابن عباس: يقول: وما بلغوا قومك معشار ما آتينا [[في (أ): (آتيناهم).]] من قبلهم، من القوة وكثرة المال وطول العمر وعمران الأرض [[انظر: "الطبري" 22/ 103 - 104، "مجمع البيان" 8/ 618، "زاد المسير" 6/ 464، وعزاه للجمهور.]].
وقال قتادة: ما بلغوا هؤلاء معشار ما أتوا [[هكذا في (أ)، وهي بياض في (ب)، والصواب: ما أوتي.]] أولئك من القوة والجلد، فأهلكهم الله وهم أقوى وأجلد [[انظر: "المصادر السابقة، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 422.]]. وهو قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قال ابن عباس: يقول كيف رأيت ما صنعت بالمكذبين [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: فكيف كان نكير يعني: تغييري أليس وجدوه حقًّا، يعني: العذاب، يحذر أهل مكة مثل عذاب الذين كانوا أشد منهم قوة [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]]. والنكير اسم بمعنى الإنكار. قال أبو عبيدة: نكيري: عقوبتي [["مجاز القرآن" 2/ 150.]] [وعناي] [[ما بين المعقوفين يظهر أنها زيادة من النساخ. إذ لا معنى لها.]].
قال الزجاج: وحذفت الياء لأنه آخر آية [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 256.]].
سبأ 34:46
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي: آمركم وأوصيكم، أمر الله نبيه -ﷺ- قال الزجاج: [أمره] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] أن يقول لقومه: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [[المصدر السابق.]] قال مجاهد: لا إله إلا الله [[انظر: "زاد المسير" 6/ 464، "القرطبي" 14/ 311. وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 710 وعزاه للفريابي وعبد بن حميد.]]. وروي ذلك عن ابن عباس [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 433.]].
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: بطاعة الله [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 528، "الطبري" 22/ 104، "الماوردي" 4/ 455، "زاد المسير" 6/ 465.]].
وقال مقاتل: بكلمة واحدة الإخلاص [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 ب.]].
وقال أبو إسحاق: والطاعة تتضمن التوحيد والإخلاص، أي: فأنا أعظكم بهذه الخصلة الواحدة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 256.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ يصلح أن يكون محل (أن) خفضًا على البدل من واحدة، ويصلح أن يكون نصبًا، على تقدير: لأن تقوموا، فحذفت اللام، وهو قول الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 257.]]. ويصلح أن يكون رفعا بتقدير: هي أن تقوموا لله مثنى وفرادى، تقوموا منفردين ومجتمعين ثم تتفكروا، أي: الواحدة التي أعظكم بها قيامكم وتشمركم لطلب الحق بالفكرة مجتمعين ومنفردين [["إملاء ما من به الرحمن" 2/ 198، "البحر المحيط" 8/ 560.]]. وتم الكلام عند قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ لتعلموا صحة ما أمرتكم به. قال مقاتل: يقول: ألا يتفكر الرجل منكم وحده ومع صاحبه، فينظر أن في خلق السموات والأرض دليلًا على أن خالقها واحد لا شريك له [["تفسير مقاتل" 100/ ب.]].
ثم ابتدأ فقال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية. وأما أصحاب المعاني فإنهم جعلوا الآية متصلة. قال الفراء: أي يكفيني أن يقوم الرجل منكم وحده أو هو وغيره، ثم تتفكروا هل جربتم على محمد كذبًا أو رأيتم به جنونًا، ففي ذلك ما يتيقنون به أنه بني [["معاني القرآن" 2/ 263]].
وقال أبو إسحاق: المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا أن النبي -ﷺ- ما هو بمجنون كما يقولون [[في (أ): (يقولون)، وهو تصحيف.]] [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 257.]]. وعلى هذا الآية نظمها منفصل، ومعنى قوله. بواحدة، أي: بخصلة واحدة، وهو معنى قول الفراء: يكفيني أن يقوم الرجل منكم وحده أو هو وغيره.
وشرح ابن قتيبة الآية على هذا المعنى شرحًا شافيًا فقال: (تأويله أن المشركين قالوا: إن محمدًا مجنون وساحر وأشباه هذا، فقال الله لنبيه -ﷺ-: قل لهم: اعتبروا أمري بواحدة، وهي أن تنصحوا لأنفسكم ولا يميل بكم هوى عن الحق، فتقوموا لله وفي ذاته مقامًا يخلو فيه الرجل بصاحبه فيقول له: هلم فلنتصادق هل بهذا الرجل جنة قط أو جربنا عليه كذبًا؟ وهذا موضع قيامهم مثنى، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيتفكر وينظر ويعتبر (فهذا موضع فرادى، [فإن] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] في ذلك ما دلهم على أنه نذير، وكل من يخبر في أمر قد) [[ما بين القوسين مكرر في (أ).]] اشتبه عليه [واستبهم] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] أخرجه من الحيرة فيه: أن يسأل ويناظر، ثم يتفكر ويعتبر انتهى كلامه) [["تأويل مشكل القرآن" ص 312 - 313.]]. ومعنى القيام [هاهنا] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] التجرد والانكماش لطلب الحق، كما يقال: قام فلان بهذا الأمر، إذا تجرد [لكفايته] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]]. ونظير هذه الآية في اللفظ والمعنى قوله في سورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [[آية 184.]] وقد مر الكلام فيه.
والقراء أيضًا مختلفون في الوقف على قوله: ﴿وَاحِدَةٍ﴾، وكان نافع يرى الوقف عندها، وغيره لا يرى ذلك. وكذلك قوله ثم تتفكروا، كان أبو حاتم يقول: هو تمام، وهو على المذهب [[في (أ): (مذهب)، وهو تصحيف.]] الأول في تفسير الآية [[انظر: "القطع والإئتناف" ص 345، "منار الهدى في الوقف والابتداء" ص 227.]].
قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس: يريد بين يدي القيامة [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 433.]]. وقال مقاتل: بين يدي عذاب شديد في الآخرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 ب.]].
سبأ 34:47
وقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، قال أبو إسحاق: (معناه ما سألتكم من أجر على الرسالة التي أؤديها إليكم ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ وتأويله أي: لست أجر إلى نفسي عرضًا من أعراض الدنيا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: أني إنما أطلب ثواب الله بتأدية الرسالة) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 257.]].
[أجرًا فتتهموني بذلك] [[ما بين المعقوفين يظهر أنه كلام زائد.]]. ومعنى ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: لم أسألكم شيئًا، كما يقول القائل: مالي في هذا فقد وهبت لك، يريد ليس فيه شيء.
وذكر الكلبي ومقاتل ما دل على أنه كان قد سألهم شيئاً ثم تركه لهم كما يقتضي ظاهر اللفظ، وهو أنهما قالا: إنه سألهم أن لا يؤذوا قرابته فانتهوا عن ذلك، ثم سمعوه يعيب آلهتهم فقالوا: نهانا أن لا نؤذي [[في (أ): (يؤدي)، وهو تصحيف.]] قرابته ففعلنا، وهو يذكر آلهتنا ويعيبها، فأكثروا في ذلك فنزل [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 ب، ولم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 77، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 620 بدون نسبة.]] ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: إن شئتم فآذوهم وإن شئتم فلا توْذوهم. وعلى هذا الأجر الذي سألهم هو الكف عن أقاربه، ثم تركه لهم؛ لقوله: ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾. والقول الأول أصح؛ لأنه وإن سألهم الكف عن أقاربه، فليس ذلك بأجر على تبليغ الرسالة.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ قال ابن عباس: يريد لم يغب عنه شيء [[انظر: "الوسيط" 3/ 499.]]. وقال مقاتل: شهيد باني نذير وما بي جنون [[انظر: "تفسير مقاتل" 101 أ.]].
سبأ 34:48
وقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ قال الليث: القذف: الرمي بالسهم [[في (أ): (بألسنتهم).]] والحصى والكلام وكل شيء، حتى يقال: قذفت الناقة باللحم، أي: رميت به فأكثرت منه [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 74 (قذف)، وفيه: فاكتنزت منه.]]. وقول النابعة:
مقذوفة بدخص النحض بازلها [[صدر بيت، هكذا أثبت في النسخ، وهو تصحيف، والبيت هو:
مقذوفة بدخيس النحض بأزلها ... له حريف صريف القعو بالمسد
وهو من البسيط، للنابغة الذبياني في "ديوانه" ص 16، "تهذيب اللغة" 9/ 74، "للسان" 9/ 277 (قذف)، 11/ 52 (بزل)، 15/ 191 (قعا)، "الكامل" 3/ 844، "الكتاب" 1/ 355.
ومعنى البيت: يصف ناقة بالقوة والنشاط، فيقول: كأنما قذفت باللحم لتراكمه عليها، والنحض هو اللحم، ودخيسة ما تداخل منه وتراكب، والبازل: السن تخرج عند بزول الناقة وذلك في التاسع من عمرها، والصريف: صوت أنيابها إذا حكت بعضها ببعض نشاطا، والقعو: ما تدور عليه البكرة إذا كان من خشب. "الكتاب" 1/ 355.]]
ومن القذف الذي هو الرمي بالكلام قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ [[سورة الأنبياء: الآية 18.]] وقد مر. قال ابن عباس: يقذف بالحق يريد: يدفع الباطل بالحق [[انظر: القرطبي 14/ 312.]]. وعلى هذا التقدير: يقذف الباطل بالحق. وقال مقاتل: نتكلم بالوحي [[انظر: "تفسير مقاتل" 101 أ.]].
وقال الكلبي: يرمي [[في (ب): (نرمي)، وهو تصحيف.]] بالحق ننزل الوحي من السماء [[انظر: "الوسيط" 3/ 499، وبعض المفسرين ذكروا هذا القول عن قتادة. انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 457، "مجمع البيان" 8/ 620، "القرطبي" 14/ 312.]]. وهو اختيار ابن قتيبة قال: يلقيه إلى أنبيائه [["تفسير غريب القرآن" ص 358.]].
وقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، قال الفراء: (الوجه الرفع؛ لأن النعت إذا جاء بعد الخبر رفعته العرب في أن يقول [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: كما هو عند الفراء: يقولون.]]: إن أخاك قائم الظريف، ومثله قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: 64]) [["معاني القرآن" 2/ 364.]]. وقال أبو إسحاق: (ورفعه على وجهين: أحدهما: أن يكون صفة على موضع: إن ربي يقذف هو بالحق علام الغيوب) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 257.]]. قال ابن عباس: علم ما غاب عن خلقه في السموات والأرض [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 433.]].
سبأ 34:49
وقوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس: يريد الدين والإيمان [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: يعني الإسلام [[انظر: "تفسير مقاتل" 101 أ.]]. وقيل: القرآن [[ونسب هذا القول لقتادة. انظر: "تفسير الطبري" 22/ 106، "تفسير الماوردي" 4/ 457.]].
وقال أبو إسحاق: جاء أمر الله الذي هو الحق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 258.]]. ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ أي: ذهب ذهابًا كليًا وزهق فلم يبق له بقية، ويقال: لكل ذاهب ما يبدي وما يعيد، ومنه قول عبيد: فاليوم لا يبدئ ولا يعيد [[عجز بيت، وصدره:
أقفر من أهله عبيد
وهو من البسيط لعبيد بن الأبرص في "ديوانه" ص 45 "الشعر والشعراء" ص 144، "شعراء النصرانية" 4/ 601، "اللسان" 5/ 110، كتاب "العين" 5/ 151.]]
وهذا معنى قول ابن عباس: يريد إقبال الباطل وإدباره [[لم أقف عليه.]].
وقال قتادة: الباطل: السلطان [[هكذا في النسخ! وهو تصحيف، والصواب: الشيطان.]]، ما يبدئ [[(يبدي) مكررة في (ب).]] وما يعيد، أي [[(أي) ساقطة من (ب).]]: ما خلق ابتداء ويبعث [[انظر: "الوسيط" (3/ 499)، "القرطبي" 14/ 313، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 425.]]. وهو قول مقاتل والكلبي [[انظر "تفسير مقاتل" 101/ أ، "الوسيط" 3/ 499.]].
وقال الحسن: الباطل كل معبود من دون الله، بقول ما يبدي لأهله خيرًا في الدنيا وما يعيده في الآخرة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 222 ب]].
سبأ 34:50
وقوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي -ﷺ-: لقد ضللت حين تركت دين آبائك، فقال الله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ كما تزعمون فإنما أضل على نفسي، أي: إثم ضلالتي على نفسي [[انظر: "تفسير مقاتل" 101 أ.]]. ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ من الحكمة والبيان. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ الدعاء ﴿قَرِيبٌ﴾ مني. قاله ابن عباس [[لم أقف عليه عن ابن عباس. انظر: "القرطبي" 14/ 314.]].
سبأ 34:51
وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ قال ابن عباس: يريد حتى بهتوا [[انظر: "القرطبي" 14/ 314، "زاد المسير" 6/ 467.]].
﴿فَلَا فَوْتَ﴾ يقول: لا يفوتني أحد ولا ينجو مني ظالم. ومذهب أكثر أهل التفسير أن هذا الفزع لهم عند البعث، وهو اختيار أبي إسحاق قال: هذا في وقت بعثهم [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 258.]]. وهو قوله: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ يعني: القبور. وذهب آخرون إلى أن هذا الفزع لهم في القيامة. وهو مذهب الحسن وابن معقل [[انظر: قول ابن معقل والحسن في كل من: "الطبري" 22/ 108، "الدر المنثور" 6/ 712. وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 467، ونسبه للأكثرين.]] وبلال بن سعد [[هو: أبو عمرو، وقيل: أبو زرعة بلال بن سعد بن تميم الأشعري، وقيل: الكندي الدمشقي، شيخ أهل دمشق في زمانه، تابعي جليل، وكانت لأبيه سعد صحبة، روى عن أبيه سعد وعن جابر بن عبد الله وأبي الدرداء وغيرهم. وروى عنه خلق كثير، وكان واعظًا بليغًا عابدًا مجتهدًا، توفي رحمه الله سنة نيف وعشرة ومائة. انظر: "تهذيب تاريخ دمشق" 3/ 318، "تهذيب الكمال" 4/ 290، "سير أعلام النبلاء" 90/ 5.]]، قال بلال: إن الناس يوم القيامة حوله، وهو قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ قال ابن معقل [[هو: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن محمد بن محفوظ بن معقل النيسابوري، شيخ محتشم، وكان أحد المجتهدين في العبادة، سمع أبا بكر بن خزيمة وأبا العباس بن السراج، وروى عنه الحاكم، توفي رحمه الله في ربيع الأول سنة 381 هـ.
انظر: "تهذيب تاريخ دمشق" 3/ 318، "تهذيب الكمال" 4/ 290، "سير أعلام النبلاء" 5/ 90.]]: أفزعهم يوم القيامة فلم يفرقوا.
وقوله تعالى: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال ابن عباس وأكتر المفسرين: يريد من تحت أقدامهم [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 458 ونسبه لمجاهد، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 469 ونسبه لمقاتل.]].
وقال آخرون: من حيث كانوا؛ لأنهم حيث كانوا فهم من الله قريب، لا يبعدون عنه ولا يفوتونه [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 109، "تفسير الماوردي" 4/ 458، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 426.]].
وقال أبو إسحاق: وجواب لو محذوف، المعنى: لو ترى ذلك لرأيت ما تعتبر به عبرة عظيمة [[لم أقف على قول الزجاج، وليس هو في "معاني القرآن" له.]].
وقال صاحب النظم: قوله: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ منظوم بما بعده، وهو قوله: ﴿وَأُخِذُوا﴾ والتقدير: ولو ترى إذ فزعوا وأخذوا من مكان قريب فلا فوت، أي: فلا يفوتون.
وقال الزجاج: أي فلا فوت لهم، لا يمكنهم أن يفوتوا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 258]].
سبأ 34:52
﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بمحمد. ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ أي: التناول، أي: كيف لهم بنيل ما طلبوا من الإيمان في هذا الوقت الذي يقال فيه كافر ولا يقبل فيه توبة.
وقوله: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ زيد بعد ما بين مكانهم يوم القيامة، وبين المكان الذي تقبل فيه الأعمال.
سبأ 34:53
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بمحمد، يقول: كيف ينفعهم الإيمان [[هكذا في الأصل ولعل الصواب في الآخرة.]] وقد كفروا به في الدنيا. ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: بالظن أن التوبة تنفعهم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: بعيد من موضع يقبل فيه التوبة. ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ الأمم الخالية) [["تأويل مشكل القرآن" ص 330 - 331.]].
وهذا الذي ذكره ابن قتيبة في قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ غير ما قدمناه، قال: (وكان بعض المفسرين يحمل الفزع عند نزول بأس الله من الموت أو غيره، وتعبيره بقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: 84] إلى آخر السورة) [["تأويل مشكل القرآن" ص 331.]]. وهذا مذهب مقاتل، قال: هذا عند نزول العذاب بهم في الدنيا [[انظر: "تفسير مقاتل" 101/ ب]].
وقال الضحاك وزيد بن أسلم: هذا الفزع وما ذكر كله هو يوم بدر، إذ نزل بهم العذاب وشدة الموت قالوا: آمنا به، ولم ينفعهم ذلك [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 107، "القرطبي" 14/ 314، "زاد المسير" 6/ 467.]].
سبأ 34:54
وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني الرجعة إلى الدنيا [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 434، "الوسيط" 3/ 499، "زاد المسير" 6/ 470.]].
وقال الحسن: يعني الإيمان. وهو قول سفيان [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 112، "تفسير الماوردي" 4/ 460، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 431.]].
وقال مجاهد: ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من مال وولد [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 112، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 431، "زاد المسير" 6/ 470.]].
وقال مقاتل: يعني من أن تقبل التوبة منهم [[ليس هو في تفسيره، ولم أقف على هذا القول منسوبًا إليه.]].
وقوله: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾، قال ابن عباس: بنظرائهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 471 نحو هذا القول عن الزجاج.]]. قال مجاهد: الكفار من قبلهم [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 529.]].
وقال الزجاج: أي بمن كان مذهبه مذهبهم [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 259.]]
قال أبو عبيدة: شيعة وشيع وأشياع [["مجاز القرآن" 2/ 151.]]. وهذا مما تقدم القول فيه [[عند تفسير قوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: الآية 65].]]. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال مقاتل: من قبل هؤلاء [[ليس في تفسيره، ولم أقف على هذا القول منسوبًا له، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 471، ونسبه للمفسرين.]].
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ قال: من العذاب أنه نازل بهم.
قال الكلبي: في شك مما نزل بهم [[لم أقف عليه عد الكلبي. وانظر: "تفسير هود" 3/ 407 "زاد المسير" 6/ 471.]]. والكناية في ﴿إِنَّهُمْ﴾ تعود إلى الكفار الذين أخبر عنهم في قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ لا إلى الأشياع. ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع لهم الريبة والتهمة.
فاطر 35:1
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل وغيرهما: خالق السموات والأرض [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش من المصحف ص 364، "بحر العلوم" 3/ 79، "تفسير مقاتل" 101 ب]]. [قال المبرد: فاطر] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] خالق مبتدي، يقول: فطر الله الخلق، أي: ابتدأهم، [وأنا فاطر هذه البئر] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]]، أي: ابتدأت حفرها [[لم أقف عليه]]. ونحو هذا قال الزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 461.]]. وهذا مما سبق فيه الكلام.
قوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ قال مقاتل: منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت والكرام الكاتبين [[انظر: "تفسير مقاتل" 101 ب.]].
وقوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ يقول: من الملائكة من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة. وذكرنا الكلام في مثنى وثلاث ورباع في أول سورة النساء [[عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ الآية. وقال هناك: بدل مما طاب، ومعناه: اثنتين وثلاثًا وأربعًا، == والواو دالة على تفرق الأنواع وتجنيس المباح من الزوجات، فمن تزوج مثنى لم يضم إليهما ثلاثًا، وكذلك من تزوج ثلاثًا لم يضم إليهن أربعًا.]].
وقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قال مقاتل: يزيد في خلق الأجنحة على أربعة أجنحة [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 أ.]]. ورأى رسول الله -ﷺ- جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح، وقال له جبريل: إن لإسرافيل اثني عشر [جناحًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] جناح منها بالمشرق، وجناح منها بالمغرب [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 223 ب، "بحر العلوم" 3/ 79.]]. وهذا الذي ذكرنا في زيادة الخلق هو قول الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 366، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 261.]]. وروى قتادة في قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قال: الملاحة في العينين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 223 ب، "تفسير البغوي" 3/ 564، "زاد المسير" 6/ 473.]].
وروي عن الزهري قال: حسن الصوت [[انظر: المصادر السابقة، "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3170.]]. وعن أبي هريرة مرفوعًا: الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن [[لم أقف عليه مرفوعًا للنبي -ﷺ-.
وانظر: "تفسير القرطبي" 14/ 320، "الثعلبي" 3/ 223 ب، "زاد المسير" 6/ 473.]]. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مما يريد أن يخلق ﴿قَدِيرٌ﴾ قاله ابن عباس [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 626.]].
فاطر 35:2
قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي ما ياتيهم به من مطر أو رزق فلا يقدر أن يمسكه، وما يمسك من ذلك فلا يقدر قادر أن يرسله [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 262.]]. وهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين في هذه الآية [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 364، "الطبري" 22/ 115، "الماوردي" 4/ 462، "بحر العلوم" 3/ 80.]].
فاطر 35:3
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 364، وذكره الطبري 22/ 115، بدون نسبة وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 474 ونسبه للمفسرين.]]. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال: يريد حيث أسكنكم الحرم ومنعكم من جميع الغارات [[لم أقف عليه.]]. وقد ذكرنا معنى النعمة فيما تقدم.
وقال الفراء: (وما كان من هذا في القرآن فمعناه: احفظوا، كما تقول: اذكر أيادي عندك أي: احفظها) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 366.]].
وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: (هذا ذكر بعد قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فأكد ذلك بان جعل السؤال لهم: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: ورفع غير على معنى هل من خالق غير الله؛ لأن من مؤكدة) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 262]].
وقال أبو علي: (من جر ﴿غَيْرُ﴾ جعله صفة على اللفظ، وذلك حسن لاتباعه الجر الجر. وقوله: ﴿مِنْ خَالِقٍ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وخبره قوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وزيادة من في غير الإيجاب كثير، نحو: هل من رجل، و ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 62]. ومن رفع احتمل غير وجه، يجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ، ويجوز أن يكون صفة على الموضع بتقدير: هل خالق غير الله يرزقكم، ويجوز أن يكون غير استثناء، تقديره: هل من خالق إلا الله) [["الحجة" 6/ 26 - 27.]]. فلما كانت ترتفع ما بعد إلا حملت رفع ما بعد إلا في غير، كما تقول: ما قام من أحد غير أبيك، ويدل على جواز هذا الوجه قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 62]، وذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ في سورة الأعراف [59].
قال المفسرون وابن عباس: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر ومن ﴿الْأَرْضِ﴾ النبات [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 364، "السمرقندي" 3/ 80، "زاد المسير" 6/ 474، "البغوي" 3/ 565.]].
ثم وحد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ قال مقاتل: من أين تكذبون بأن الله لا شريك له، وأنتم مقرون بأن الله خلقكم ورزقكم [[لم أقف على قول مقاتل.]].
قال أبو إسحاق: (من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله وإنكار البعث) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 263.]].
فاطر 35:4
ثم عزى نبيَّه -ﷺ- بقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: الأمر راجع إلى الله في مجازاة من كذب، ونصرة من كذب من رسله.
فاطر 35:5
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني: كفار مكة. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ قال ابن عباس: يريد بالثواب والعقاب [[لم أقف عليه]]. وقال مقاتل: في البعث [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 أ.]].
وباقي الآية مفسر في سورة لقمان: 33].
فاطر 35:6
وقوله: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ قال مقاتل: فعادوه بطاعة الله، ثم بين عداوته فقال: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ أي: يدعو شيعته إلى الكفر [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 أ.]]. ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
8 - وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في أبي جهل ومشركي مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 أ، "البغوي" 3/ 565، "زاد المسير" 6/ 475.]].
وقال سعيد بن جبير: يحسب الناس أن هذا في تزيين الخطايا لمن ركب منها شيئًا وليس كذلك، ولكنها الزينة في الملل والأهواء التي خالفت الهدى، فإن أهلها يحسبون أنهم يحسنون [[انظر: "الوسيط" 3/ 501، "البغوي" 3/ 565]]. ألا ترى النصارى يدعون لله ولدًا ويحسبون أنهم يحسنون، وتتقرب بذلك إلى الله ولا يحب أن يزني ويسرق، وله الدنيا وما فيها، واحتج على هذا بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال: ألا ترى ذلك صار في الضلالة والهدى وليس فيما يذهب الناس إليه من العمل.
وأما نظم الآية وجواب قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ﴾ فقال أبو إسحاق: (هو على ضربين: أحدهما: أن يكون المعنى أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، ودل على هذا الجواب قوله: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} وهذا قول الفراء والكسائي [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 366. انظر: "الدر المصون" 5/ 459، "المحرر الوجيز" 4/ 430. وانظر: قول الكسائي في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 686.]] قال: ويجوز أن يكون محذوفاً والمعنى: أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، ويكون دليله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 264.]]. وهذا قول أبي عبيدة، لأنه قال في هذه الآية: هو مختصر مكفوف عن خبره لتمامه عند المستمع [[لم أقف على أبي عبيدة.]].
ثم استأنف فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، قال ابن عباس: يقول لا تغتم ولا تهلك نفسك حسرات على تركهم الإسلام [[انظر: "الوسيط" 3/ 501، "زاد المسير" 6/ 476.]]، كقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: 6] الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ يعني: عالم بصنيعهم فيجازيهم على ذلك. ثم أخبر عن صنعه جل وعز ليعتبروا.
فاطر 35:9
قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾، قال الكلبي: فتنشئ سحابًا [[لم أقف عليه.]]. والمعنى: فنزعجه من حيث هو ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ قال أبو عبيد: (فنسوقه، وأنشد قول قعنب:
إن يسمعوا زينة [[هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: ريبة.]] طاروا بها فرحًا [[هذا صدر بيت وعجزه:
مني وما سمعوا من صالح دفنوا
وهو من البسيط، لقعنب بن أم صاحب في: "الحماسة" 2/ 170، "مجاز القرآن" 1/ 177، 2/ 152، "سمط اللآلئ" ص 362، "عيون الأخبار" 3/ 84.]] أي إن سمعوا يطيروا) [["مجاز القرآن" 2/ 152.]].
وقوله: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد الأرض الجرز [[لم أقف عليه.]]. وقال الكلبي: إلى مكان ليس عليه نبات [[لم أقف عليه عن الكلبي. وقد ذكره هو بن محكم في "تفسيره" 3/ 411 ولم ينسبه.]]. وقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قال ابن عباس: أنبتنا فيها الزرع والأشجار بعد ما لم يكن [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص365.]].
﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي: البعث والإحياء.
فاطر 35:10
وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ قال الفراء: (معناه من كان يريد علم العزة لمن هي، فإنها لله جميعًا، أي: كل وجه من العزة لله) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 367.]].
والآية على ما ذكرنا من باب حذف المضاف، وقال قتادة: من كان يريد العزة فليعتزز بطاعة الله [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 120، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 440، "زاد المسير" 6/ 477.]] يعني: أن قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ معناه: الدعاء إلى طاعة من له العزة ليعتز بطاعته، كما يقال: من أراد المال فالمال لفلان، أي: فليطلب من عنده من حيث يجب أن يطلب، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء؛ لأنه قال: يؤمن بالله فيعتز بعزه [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "تفسير الطبري" 22/ 120، "تفسير القرطبي" 14/ 328، "زاد المسير" 6/ 477.]].
وقال مجاهد ومقاتل: من كان يريد العزة بعبادته غير الله فليعتزز بطاعة الله، فإن العزة لله جميعًا [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 531، "تفسير مقاتل" 102 ب، "تفسير الطبري" 22/ 120، "زاد المسير" 6/ 477.]]. وعلى هذا في الآية محذوف دل عليه الكلام، والمعنى: أن عبدة الأصنام طلبوا التعزز بها، يدل على هذا هذا قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139]، وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: 81] فأخبر الله تعالى أن العزة لله جميعًا لا غيره، فلا يعتز أحد بعبادة غيره وإنما التعزز بطاعة الله. ثم بين كيف يتعزز بطاعته فقال: قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ قال مقاتل والمفسرون: إلى الله يصعد كلمة التوحيد، وهو: قول لا إله إلا الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 أ. وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 566، "تفسير القرطبي" 14/ 329، "زاد المسير" 6/ 478.]].
وقال أبو إسحاق: (أي إليه يصل الكلام الذي هو توحيده، والله تعالى يرتفع إليه كل شيء) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 265.]]. وعلى ما ذكر، معنى الصعود إليه: الارتفاع، وهو بمعنى العلم كما يقال: ارتفع هذا الأمر إلى القاضي وإلى السلطان، أي: علمه، وفي تخصيص الكلم الطيب بعلمه إثبات للثواب عليه [[يبدو أن هناك سقط في الكلام يمكن تقديره بنحو: يدل عليه قوله تعالى.]] ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: 33] فنثيبك [[في (ب): (فثبك).]] عليه.
وقال بعض أهل المعاني: يعني إليه يصعد إلى سمائه، والمحل الذي لا جري لأحد سواه فيه ملك ولا حكم [[المؤلف رحمه الله في هذا الموضع فيه تأويل لصفة الحلو والفوقية، وهذا == خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله -ﷺ- من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 381.]]. ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال ابن عباس: يريد العمل بما افترضه الله -عز وجل-، يقول الله تعالى: "إذا قال العبد: لا إله إلا الله بنية صادقة، نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان عمله موافقًا لقوله صعدا جميعًا، وإن كان عمله مخالفًا وقف قوله حتى يتوب من عمله [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 22/ 121 من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.]] ".
وقال الحسن: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب إلى الله، يعرض القول على الفعل فإن وافق القول الفعل قبل وإن خالفه رد، ونحو هذا [[(هذا) ساقط في (ب).]] قال سعيد بن جبير [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 440، "تفسير الماوردي" 4/ 464، "زاد المسير" 6/ 478.]]. وعلى هذا الكناية في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ تعود إلى الكلم الطيب.
وقال قتادة: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه [[انظر: المصادر السابقة.]]. وعلى هذا تم الكلام عند قوله: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، ثم قال: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الله إليه، أي: يقبله، والكناية للعمل الصالح. وقال مقاتل: التوحيد يرفع العمل الصالح إلى السماء [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 ب.]]. والمعنى على هذا: لا يقبل الله عمل صالح [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: عملاً صالحًا.]] إلا من موحد، والرافع على هذا القول الكلم الطيب، وعلى القول الثاني الرافع هو الله تعالى، وعلى القول الأول الرافع العمل الصالح، وهذا الأوجه، وقد ذكره الفراء والزجاج والمبرد [["معاني القرآن" 2/ 367، انظر: "معاني القرآن وإعربه" 4/ 265. ولم أقف على قول المبرد، وترجيح المؤلف -رحمه الله- للقول الأول القائل بأن الرافع هو العمل الصالح؛ لأنه قول صحيح ثابت عن حبر الأمة وترجمان القرآن -رضي الله عنه-]].
قال مقاتل: ثم ذكر من لا يوحد الله فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: والذين يقولون الشرك [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 ب.]]. وهذا معنى قول ابن عباس: والذين يشركون بالله لهم عذاب شديد [[أورده الطبري 22/ 17 ونسبه لقتادة، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 479، ونسبه لمقاتل، ولم أقف عليه عن ابن عباس.]].
وقال الكلبي: يعني يعملون السيئات [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 629، "تفسير القرطبي" 14/ 332، "تفسير البغوي" 3/ 567.]].
وقال سعيد بن جبير: والذين يعملون بالرياء، وهو قول مجاهد وشهر ابن حوشب [[انظر: "الطبري" 22/ 171، "البغوي" 3/ 567، "الدر المنثور" 7/ 10 وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن مجاهد ولسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن شهر بن حوشب.]].
وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله في دار الندوة [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 629، "زاد المسير" 6/ 479.]]، وهو اختيار أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 265.]]. ثم أخبر أن مكرهم يبطل فقال: {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} قال قتادة: يفسد [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 171، "تفسير الماوردي" 4/ 465، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 443.]]. وقال مقاتل: يهلك ولا يكون شيئًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 ب.]]. وقال السدي: يهلك وليس له ثواب في الآخرة [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 10 وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي، "تفسير السدي الكبير" ص 393.]].
ثم دل على نفسه بصفة ليوحد فقال:
فاطر 35:11
قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني آدم [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 ب، ولم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وبعض المفسرين ذكر القول منسوبًا لقتادة انظر: "تفسير الطبري" 22/ 122، "تفسير القرطبي" 14/ 332.]]. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني: نسله. ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ قال السدي ومقاتل: ذكرانًا وإناثًا [[لم أقف عليه عن مقاتل، وقد أورده د/ محمد عطا في "تفسير السدي الكبير" ص 3993 وعزاه للسيوطي في "الدر"، ولم أقف عليه عند السيوطي.]]. ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ قال مقاتل: يقول: من قل عمره أو كثر عمره، فهو يعمر إلى أجله الذي كتب له [[انظر: "تفسير مقاتل" 152 ب]]. فالمعمر على هذا الذي قدر له شئ من العمر وإن قل، وليس المعمر بمعنى الطويل العمر، وهو قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 122، "الماوردي" 4/ 465، "البغوي" 3/ 567.]].
﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ كل يوم حتى ينتهي إلى أجله. قال سعيد بن جبير: يكتب في أول الصحيفة عمره، ثم يكتب في أسفل من ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، حتى لا يبقى شيء [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 225 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 465. وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 11 وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير.]].
قال السدي [[انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3175، وأورده الطبري 22/ 123 عن ابن مالك.]]: يعمر الإنسان الستين والسبعين وينقص ما مضى من أيامه وذلك نقصان من عمره، وذلك كله ﴿كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ هذا الذي ذكرنا قول الجمهور.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ما يزاد في عمر إنسان ولا ينقص من عمره [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 122، "زاد المسير" 6/ 481.]].
وعلى هذا المعمر: الطويل العمر، والذي ينقص من عمره غيره. وعلى القول الأول الذي ينقص من عمره هو المعمر الأول. واختار الفراء هذا القول الثاني فقال: (ولا ينقص من عمره، يريد [أخبر] [[هكذا في (أ)، وهي ساقطة في (ب)، وهو خطأ، والصواب: آخر، كما في "معاني القرآن" للفراء 2/ 368.]] غير الأول، وكنى عنه بالهاء كأنه الأول، ومثله في الكلام: عندي درهم ونصفه، المعنى نصف آخر، وجاز أن يكنى عنه بالهاء؛ لأن اللفظ الثاني قد يظهر واللفظ الأول يكنى عنه كالكناية عن الأول، قال: وهذا أشبه بالصواب) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 368.]]. وإنما اختار هذا؛ لأن القراءة المشهورة (ولا يَنقُص مِنْ عُمرِهِ) بفتح الياء كما قراه الحسن وابن سيرين [[انظر: المصدر السابق، "النشر" 2/ 352.]]، ولأن المعمر في ظاهر اللغة الطويل العمر، وقيل ما يقال لمن قصر عمره: معمر.
قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد اللوح المحفوظ [مكتوب] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]] قبل أن يخلق [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 ب، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 365.]]. ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي كتابة الآجال والأعمال على الله هين.
فاطر 35:12
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ يعني العذب والمالح. ثم ذكر ذلك فقال ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ أي: جائز في الخلق. وهذه القطعة مر تفسيرها في سورة الفرقان [[عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ آية 53. وقال هناك: عذب طيب. وأصله من المنع، والماء العذب هو الذي يمنع العطش، فرات الفراة أعذب المياه.]].
وقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ﴾ إلى آخر الآية تفسيره قد سبق في سورة النحل [[آية 14. انظر: "البسيط"، وذكر فيه: قال ابن عباس: يريد السمك والحيتان.]]. وقوله هنا: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يعني: من المالح دون العذب.
فاطر 35:13
وقوله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ قال أبو عبيدة: هو الفوقة التي النواة فيها [["مجاز القرآن" 2/ 153، والفوقة: هي الغشاء الرقيق المحيط بالنواف يقول السمين الحلبي في عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الأنفاظ: وقال: إنه اجتمع في النواة أربعة أشياء، يضرب بها المثل في القلة والحقارة، وقد ذكرت منها ثلاثة في == القرآن العزيز: الفتيل وهو ما في شق النواة مما يشبه الخط الرقيق، والنقير: وهو النقرة في ظهرها، والقطمير: وهو اللفافة على ظهرها. اهـ 3/ 236 - 237.]].
وقال ابن السكيت: هو القشرة الرقيقة التي على النواة [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 409.]].
قال الزجاج: هو لفافة النواة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 266.]].
وقال مقاتل: يعني قشرة النواة الأبيض [[انظر: "تفسير مقاتل" 103 أ.]]. وهو السحاة التي تكون على النوى.
وقال الحسن: قشر النوى [[لم أقف عليه.]].
وقال مجاهد: لفافة النواة، وهذا قول الجميع [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 531، "الطبري" 22/ 125. وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 15 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.]].
وروي عن ابن عباس أنه شق النواة، وهو اختيار المبرد [[انظر: "القرطبي" 14/ 336.]].
فاطر 35:14
وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ قال مقاتل: يتبرأون من عبادتكم إياها [[انظر: "تفسير مقاتل" 103 أ.]].
وقال الزجاج: يقولون ما كنتم إيانا تعبدون، والمعنى: بإشراككم إياها مع الله في العبادة، يقولون: ما أمرناكم بعبادتنا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 267.]].
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ﴾ يا محمد، ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني نفسه عز وجل، يقول: فلا أحد أخبر منه بخلقه، وبأن هذا الذي ذكر من أمر الأصنام هو كائن يوم القيامة [[انظر: "تفسير مقاتل" 103 أولم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره بعض المفسرين منسوبًا إلى المفسرين. انظر: "الوسيط" 3/ 503، "بحر العلوم" 3/ 83، "المحرر الوجيز" 4/ 434.]].
وقال أبو إسحاق: لأن ما أنبأ الله -عز وجل- يكون فهو وحده يخبره ولا يشركه فيه أحد [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 267.]]. هذا كلامه، والمعنى: لا ينبئك مثل خبير يعلم الأشياء ويخبرها، لأنه لا مثل له، فلا ينبئك مثله في علمه.
فاطر 35:15
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، قال ابن عباس: يريد أهل مكة [[لم أقف عليه.]]. ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ المحتاجون إلى رزقه ومغفرته. (وهو الغني) عن عبادتكم ﴿الْحَمِيدُ﴾ إلى خلقه وغير خلقه [[هذه العبارة خطأ، ولعلها وهم من المؤلف رحمه الله أو خطأ من الناسخ؛ لأنه لا شيء في الكون غير مخلوق لله جل وعلا.]].
فاطر 35:16
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ مفسر فيما مضى [[الآيتان: 19 - 20 من سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. وقال هناك: قال ابن عباس والكلبي: يريد أمتكم يا معشر الكفار، وأخلق قومًا غيركم خيرًا منكم وأطوع.]] إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾، قال الفراء والزجاج: أي وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 368، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 267.]].
قال الفراء: (والنفس تعبر عن الذكر والأنثى، كقوله [[في (أ): (كقولك)، وما في الصلب هو الصواب.]]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185، الأنبياء 35، العنكبوت 57]) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 368]].
فاطر 35:18
وقوله: ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ أي: ما حمل من الخطايا والذنوب. ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ﴾ أي: من حملها.
[وقوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب)]] ﴿شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ قال مقاتل: ولو كان بينهما ما حملت عنها شيء من وزرها [[في (ب): (أوزارها).]] [[انظر: "تفسير مقاتل" 103/ أ.]].
قال ابن عباس: يقول: يا بني احمل عني، فيقول: حسبي ما علي [[يدل على ذلك قوله تعالى في سورة عبس آية 34: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾]].
قال أبو إسحاق: أي ولو كان الذي يدعوه ذا قربى، مثل الأب والابن ومن أشبه هؤلاء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 267.]].
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس: يريد أولياؤه، يقول: خافوني وخافوا ما غاب عنهم من عذابي [[لم أقف عليه.]].
وقال أبو إسحاق: تأويله أن إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم [[المصدر السابق.]]، فكأنك تنذرهم دون غيرهم مما لا ينفعهم إنذارك، كقوله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 45].
وقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ قال ابن عباس: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "زاد المسير" 6/ 483، "تفسير هود" 3/ 415.]].
وقال مقاتل: من صلح فصلاحه لنفسه [[انظر: "تفسير مقاتل" 103 أ.]]. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجزي بالأعمال في الآخرة.
فاطر 35:19
وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ قال ابن عباس: لا يستوي المشرك والمؤمن [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 366.]].
وقال مقاتل: وما يستوي في الفضل الأعمى عن الهدى [يعني] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب)]] الكافر، والبصير بالهدى يعني المؤمن يبصر رشده [[انظر: "تفسير مقاتل" 103 أ.]].
فاطر 35:20
﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ يعني: الشرك والضلالات. ﴿وَلَا النُّورُ﴾ يعني: الهدى والإيمان بالله.
فاطر 35:21
﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ قال الكلبي: أما الظل فالجنة، وأما الحرور فالنار [[انظر: "الوسيط" 3/ 504، "مجمع البيان" 8/ 633]].
وقال ابن عباس: يريد ظل الليل، والحرور هو الذي يكون مثل السموم بالنهار [[انظر: "القرطبي" 14/ 340، "البغوي" 3/ 569.]].
وقال قتادة: هذه أمتال ضربها الله للكافر والمؤمن، يقول: لاتستوى هذه الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 450، "تفسير القرطبي" 14/ 340، "زاد المسير" 6/ 484.]].
قال أبو عبيدة: الحرور ريح حارة تكون بالنهار مع الشمس، وأنشد لحميد الأرقط [[هو: حميد بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وقيل: هو أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، عاصر الحجاج، سمي الأرقط لآثار كانت بوجهه، وهو بخيل لئيم، يقال له: هجاء الأضياف.
انظر: "خزانة الأدب" 5/ 395، "العقد الفريد" 7/ 208.]]:
إنا وإن تباعد المسير ... وسفعت ألواننا الحرور
وأوقدت نيرانها القبور [["مجاز القرآن" 2/ 154.]]
قال أبو إسحاق: الحرور استيقاد الحر ولفحه بالليل والنهار، والسموم لا يكون إلا بالنهار [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 268.]].
فاطر 35:22
قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ يعني: المؤمنين والكافرين.
قال ابن عباس: الكافر وإن كان يأكل ويشرب ويجيء ويذهب [[في (ب): (ويذهب ويجيئ)، ترتيب.]]، فهو مثل الميت، ودليل هذا في صفتهم قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: 21].
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ قال ابن عباس: يسمع أولياءه [[في (أ): (أوليائهمن)، وهو خطأ.]] الذين خلقهم لجنته وعصمهم من الكفر [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر الطبري في "تفسيره" 22/ 130، نحو عن قتادة، والقرطبي في "تفسيره" 10/ 3179 ولم ينسبه لأحد.]]. والمعنى: يسمع كلامه من يشاء حتى يتعظ يهتدي. وقال السدي: يهدي من يشاء [[أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3179 عن السدي.]].
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يعني: الكفار، شبههم حين صموا ولم يجيبوا إذا دعوا إلى الإيمان بأهل القبور. ثم قال للنبي -ﷺ- حين لم يجيبوه إلى الإيمان:
فاطر 35:23
﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ يقول: ما أنت إلا نذير، وليس عليك إلا البلاغ.
فاطر 35:24
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ قال ابن عباس: وما من أمة من خلقي إلا وقد بعثت فيها نبيًّا [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس.
وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 452، "المحرر الوجيز" 4/ 436، "مجمع البيان" 8/ 634.]].
وقال مقاتل: يقول: ما مر أمة فيما مضى إلا جاءهم رسول [[انظر: "تفسير مقاتل" 103 ب.]].
وقال ابن قتيبة: خلا فيها نذير سلف فيها نبي [["تفسير غريب القرآن" ص 361.]].
فاطر 35:26
وقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: عاقبتهم فكيف كان عقوبتي. قاله أبو عبيد [[لم أقف على قول أبي عبيد.]]. قال مقاتل: يخوف كفار مكة مثل عذاب الأمم الخالية [[لم أقف على قول مقاتل.]].
فاطر 35:27
ثم أخبر عن صنعه ليعرف توحيده فقال: ﴿لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [[قوله: (من السماء ماء) ساقط من (أ).]] إلى قوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ قال الفراء. (الجدد: الطرق تكون في الجبال مثل العروق، بيض وسود وحمر [[في (ب): (بيض وحمر وسود).]]، واحدها جدة [[في (أ) بعد قوله: (واحدها جده)، قال: فقال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ وسودهم من الناسخ.]]، وأنشد لامرئ القيس:
كأن سراتيه [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: سراته.]] وجدة ظهره ... كنائن يجري فوقهن دليص [[البيت من الطويل، لامرئ القيس في: "شرح ديوانه" ص 124، "تهذيب اللغة" 10/ 458، "اللسان" 3/ 108 (جدد)، 7/ 37 (دلص)، "معاني القرآن" للفراء 2/ 369، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 269. وسراته: هو أعلى ظهره، وجدة ظهره: العلامة يخالف لونها لون جلده، والكنائن: هي الخطوط البيض بظهره.]].
يعني: الخطة السوداء في متن الحمار، والدليص: الذي يبرق) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 369.]].
وقال أبو عبيدة: (جدد: طرائق، وأنشد لذي الرمة يصف الليل: حتى إذا حان من حضر قوادمه ... ذي جدتين يكف الطرف تعميم [[البيت من البسيط، وهو لذي الرمة في "ديوانه" 1/ 444، وانظرها منسوبة إليه "مجاز القرآن" 2/ 155، ومعنى البيت: يريد من ليس سود اوائله. ذي جدتين أي ناجيتين من الليل، ويكف الطرف يرده حتى لا يجوزه، وتغييم إلباس يقول: جاء الليل مثل الغيم.]] [["مجاز القرآن" 2/ 155.]].
وقال أبو إسحاق: (جدد جمع جدة، وهي الطريقة، وكل طرقه جدة وجادة) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 269.]].
وقال ابن قتيبة والمبرد: جدد: طرائق وخطوط [["تفسير غريب القرآن" ص 361، وانظر: "فتح القدير" 3/ 374.]]. ونحو هذا قال المفسرون في تفسير الجدد: أنها الطرائق [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 626 أ، "تفسير الطبري" 22/ 131، "تفسير الماوردي" 4/ 470.]].
وقال مقاتل: يعني بالجدد الطرائق التي تكون في الجبال، منها بيض ومنها حمر ومنها غرابيب سود [[انظر: "تفسير مقاتل" 103 ب.]]. وهو جمع غربيب، وهو الشديد السواد الذي يشبه لونه لون الغراب، يقال: أسود غربيب وغرابي [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 117 (غريب)، "اللسان" 1/ 638 (غريب).]].
وذكر عن الفراء أن هذا التقديم والتأخير، بتقدير: وسود غرابيب؛ لأنه يقال: أسود غربيب، وقل ما يقال: غربيب أسود [[لم أقف على قول الفراء في معاني القرآن له. ونقل كلام الفراء: الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 635، والمؤلف في "الوسيط" (3504)، والشوكاني في "فتح القدير" 4/ 347.]].
وقال الأخفش في هذه الآية: قوله: ﴿ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ نصب مختلفًا؛ لأن كل صفة متقدمة فهي التي تجري على الذي قبلها إذا كانت من سببه، والثمرات في موضع نصب، هذا كلامه [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 486.]]. و (مختلفًا) ينتصب بكونه نعتًا لقوله ثمرات، وجاز تذكيره على الفعل فجاز أن يجري مجرى الفعل، ولو كان فعلًا جاز تذكيره كقوله: ﴿ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾، والاختلاف الألوان، وجرى صفة للثمرات، كقوله: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75] فالظالم للأهل، وقد جرى صفة للقرية [[انظر: "مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب" 2/ 216، "الدر المصون" 5/ 466، "البحر المحيط" 7/ 296.]]. وشرحنا الكلام فيه هاهنا وتم الكلام عند قوله: ﴿أَلْوَانُهَا﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ أي: ومما خلقنا من الجبال جدد بيض، يعني: طرائق، وليس يريد الطرائق التي تسلك وإنما أراد الطرائق [[في (ب): (الطريق).]] التي تكون مستقيمة على ضرب واحد كطرائق النحل، وكذلك يكون الجبال ممتد منها طريقة [[في (أ): (منها طريقة منها بيض)، وهو خطأ.]] بيض ومنها طريقة حمرة وطريقة سود وهي الغرابيب. قال أبو إسحاق: وهي الحرار من الجبال التي تكون ذات صخور سود [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 269.]].
هذا الذي ذكرنا هو الوجه في تفسير الجدد والطرائق؛ لأن الطرائق في اللغة كل مستطيل، ويجوز أن يكون المعنى ما ذكره الفراء من قوله: هي طريق تكون في الجبال كالعروق.
فاطر 35:28
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ قال الزجاج: المعنى: وفيما خلقنا مختلفًا ألوانه من الناس والدواب والأنعام، خلق مختلف ألوانه كاختلاف الثمرات والجبال [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 269.]]. وتم الكلام ثم ابتدأ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال الكلبي ومقاتل: في هذه الآية تقديم وتأخير [[لم أقف على قول الكلبي. انظر: "تفسير مقاتل" 103 ب.]]. يعنيان تقديم المفعول على الفاعل. قال ابن عباس: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني [[انظر: "القرطبي" 14/ 343، "زاد المسير" 6/ 486، انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب.]]. وقال مقاتل: أشد الناس لله خشية أعلمهم به [[انظر: "تفسير مقاتل" 103 ب.]]. وقال الكلبي: العلماء بالله هم الذين يخشونه [[لم أقف عليه.]]. وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا [[انظر: "القرطبي" 14/ 343، "المحرر الوجيز" 4/ 437. وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 20 وعزاه لابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود.]]. وقال مجاهد والشعبي: العالم من خاف الله [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 437، "زاد المسير" 6/ 486. وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 21 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: عزيز في ملكه، غفور لذنوب المؤمنين [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 367، "تفسير مقاتل" 103 ب.]].
فاطر 35:29
قوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ قال مقاتل وأبو عبيدة: لن تهلك [[انظر: "تفسير مقاتل" 10 ب، "مجاز القرآن" 2/ 155.]].
وقال أبو إسحاق: لن تفسد ولن تكسد [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 269.]]. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: 10] في مواضع.
قال ابن عباس في قوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾: يعني الجنة [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وقد ذكره هود في "تفسيره" 3/ 417 ولم ينسبه.]]. وقول. ﴿يَرْجُونَ﴾ قال الفراء: (هو جواب لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ * يَرْجُونَ﴾ [[في (أ): (ويقيمون)، بدلًا من (وأقاموا).]] فيرجون جواب لأول الكلام) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 269.]].
وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلق بما ذكر من قوله: ﴿يَتْلُونَ﴾ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ ليوفيهم، أي: فعلوا ما فعلوا ليوفيهم الله جزاء أعمالهم بالثواب.
فاطر 35:30
﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: سوى الثواب، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر [[لم أقف على هذا الأثر عن ابن عباس، ولكن ورد عن أبي هريرة في الصحيحين، في البخاري كتاب: التفسير، تفسير سورة تنزيل السجدة 4/ 1794 رقم الحديث (4501 - 4502) عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ- قال: قال الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". وبرقم (4503) عن أبي هريرة أيضًا.
وأخرجه مسلم في "صحيحه" كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها 4/ 2174 رقم الحديث (2824)، وعن سهل بن سعد الساعدي رقم (2825).]]. ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ للذنوب. (شكور) لحسناتهم. قاله مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 103 ب.]]. وقال ابن عباس: غفر العظيم من ذنوبهم، وشكر اليسير من أعمالهم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 367، وانظر: "الوسيط" 3/ 505، "تفسير البغوي" 3/ 570.]].
فاطر 35:31
﴿اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ قال ابن عباس: حيث جعلت نعمتى كرامتي فيمن خافني وعظم حقي [[لم أقف عليه.]].
فاطر 35:32
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ هذه الآية منتظمة بقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. لما ذكر أن الأمم الماضية كذبوا الرسل الذين أتتهم بالبينات وبالزبور وبالكتاب المنير وأنه عاقبهم على ذلك، ذكر هذه الآية المصدقة بالكتاب فقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن [[انظر: "تفسير مقاتل" 153 ب.]] والمعنى: ثم جعلنا الكتاب ينتهي إليهم؛ لأن من ورث شيئًا كان ذلك الشيء منتهيًا له.
وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ عباس: يريد المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وأمة محمد -ﷺ- [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 133، "تفسير البغوي" 3/ 570، "المحرر الوجيز" 4/ 439.]].
ثم قسمهم ورتبهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: بدأ بشرهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو الذي مات على كبيرة ولم يتب منها [[انظر: "الوسيط" 3/ 505، "زاد المسير" 6/ 489.]].
وقال مقاتل: يعني أصحاب الكبائر من أهل التوحيد [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.]].
﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال ابن عباس: وهو والذي لم يصب كبيرة [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 228/ أ، عن بكر ابن سهل الدمياطي.]].
وقال مقاتل: هو صاحب اليمين [[لم أقف عليه عن مقاتل، وقد ذكره القرطبي 14/ 346 عن مجاهد.]].
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ يعني: المقربين الذين سبقوا إلى الأعمال الصالحة. وقال الحسن: الظالم الذي ترجح سيئاته على حسناته، والمقتصد الذي استوت حسناته وسيئاته، والسابق من رجحت [حسناته على سيئاته] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 228 أ، "البغوي" 3/ 571، "المحرر الوجيز" 4/ 439.]].
وقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول في هذه الآية: "السابق والمقتصد يدخلان [[في (ب): (يدخلون)، وهو خطأ.]] الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة" [[هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده 5/ 198، 6/ 444، والحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير، تفسير سورة الملائكة 2/ 426 وصححه ووافقه الذهبي، وابن أبي حاتم في "التفسير" 10/ 3182.]].
وقال عقبة قال [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: قلت.
وعقبة هو: ابن صهبان الأزدي الحداني، وقيل: الراسبي، وقيل: الهنائي البصري، وحدان وراسب وهناءة من الأزد، روى عن عبد الله بن مغفل المزني == وعثمان بن عفان وعائشة أم المؤمنين وغيرهم، وروى عنه جماعة منهم: صبيح أبو الوسيم وعلي بن زيد بن جدعان وقتادة بن دعامة، وهو ثقة، روى له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه، توفي في أول ولاية الحجاج على العراق.
انظر: "تهذيب الكمال" 17/ 200 الترجمة (3977)، "الطبقات الكبرى" 7/ 146، "الجرح والتعديل" 6/ 312، الترجمة 1736.]] لعائشة: أرأيت قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ الآية، فقالت: أما السابق فمن مضى في حياة رسول الله -ﷺ-، وأما المقتصد فمن اتبع آثارهم فيعمل بأعمالهم حى لحق بهم فمثلي [[هكذا في النسخ! وفيه سقط من الأثر نصه: وأما الظالم لنفسه فمثلي.]] ومثلك ومن اتبعتك [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: اتبعنا.]]، وكل في الجنة [[هذا الحديث رواه الحاكم في"المستدرك"، كتاب: التفسير، تفسير سورة الملائكة 4/ 426 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وابن حجر في "المطالب العالية" 5/ 360 وقال: لأبي داود، والثعلبي في "تفسيره".]]. وقال ابن الحنفية: الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنات، والسابق في الدرجات العلى [[انظر: "الطبري" 22/ 135، وأورده السيوطي في "الد" 7/ 28 وزاد نسبته لابن أبي حاتم.]].
وروي عن ابن عباس أنه سأل كعبًا [[هو: إسحاق بن كعب بن نافع بن ذي هجن الحميري التابعي، اشتهر بكعب الأحبار، من علماء اليهود في اليمن، أسلم في خلافة أبي بكر وقدم المدينة فأخذ عنه الصحابة كثيرًا من أخبار الأمم الغابرة، وأخذ الكتاب والسنة من كبار الصحابة بالمدينة، ثم رحل إلى الشام وتوفي بها.
انظر: "حلية الأولياء" 5/ 164، "تذكرة الحفاظ" 1/ 52، "تهذيب التهذيب" 8/ 438.]] عن هؤلاء الأصناف الثلاثة فقال: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 134، "المحرر الوجيز" 4/ 439، أورده السيوطي في " الدر" 7/ 27 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حمبد وابن المنذر.]].
وقال كعب أيضًا: وقرأ هذه الآية إلى قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ فقال: دخلوها ورب الكعبة [[انظر: "الدر المنثور" 7/ 27 وعزاه لعبد بن حميد. قلت: ولعل هذا القول وسابقه لا فرق بينهما، فكلاهما يدل على أن الأصناف الثلاثة داخلة الجنة.]].
وروي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: فيعذب الله من اصطفاه وجعلهم يدخلون الجنة [[هكذا وردت هذه الرواية عن ابن عباس رضي الله عنها في جميع النسخ، ويظهر أن في الكلام خطأ، ولم أقف على رواية عن ابن عباس قريبة منها بعد طول بحث، فيظهر -والله أعلم- أنها خطأ من النساخ والله أعلم.]].
هذا الذي ذكرنا مذهب جمهور أهل التأويل. وذهب قوم إلى أن الظالم لنفسه ليس من أهل الجنة. فقال الكلبي: فمنهم ظالم لنفسه في الكفر وذلك في النار [[لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: "القرطبي" 14/ 346، "زاد المسير" 6/ 489 ونسبه لعمرو بن دينار عن ابن عباس.]].
وروي عن عمرو بن دينار أن ابن عباس كان يقول: الظالم لنفسه هو المنافق [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 639، وبعض المفسرين ذكر هذا القول منسوبًا للحسن. انظر: "الطبري" 22/ 135، "زاد المسير" 7/ 489.]].
وروي عوف عن الحسن: نجا السابق والمقتصد، وهلك الظالم لنفسه [[انظر: "الطبري" 22/ 135، "زاد المسير" 7/ 489، "مجمع البيان" 8/ 639. وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 27 وعزاه لعبد بن حميد والبيهقي عن الحسن.]].
وقال مجاهد: صنفيان [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: صنفان.]] نانجيان وصنف هالك قال: وهذه الآية كالتي في الواقعة: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} [الواقعة: 8، 9] [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 135، "بحر العلوم" 3/ 86، "القرطبي" 14/ 346.]]. وعلى هذا القول الكناية في منهم ومنهم تعود إلى قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾. والقول هو الأول؛ لأن الله تعالى ذكر الأصناف بعد الاصطفاء؛ ولأنه ختم ذكرهم بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.
ولقد أحسن أبو بكر الوراق كل الإحسان حيث قال: رتب الله هذه الأمة على ثلاث طبقات؛ لأن أحوالهم على ثلاث: معصية ثم توبة ثم قربة، فإذا عصى العبد كان ظالمًا لنفسه، ثم إذا تاب صار مقتصدًا فإذا ثبت على التوبة دخل [[في (ب): (صار من السابقين).]] في السابقين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 227 أ، "البغوي" 3/ 572.]].
ولهذا المعنى بدأ في ذكرهم بالظالمين [[وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 349 أوجهًا أخرى في سبب تقديم الظالم على المقتصد والسابق فقال: وتكلم الناس في تقديم الظالم على المقتصد والسابق، فقيل: التقديم في الذكر لا يقتضي تشريفًا، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾.
وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقين أقل من القليل ذكره الزمخشري ولم يذكر غيره. وقيل: قدم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه؛ إذ ليس له شيء يتكل عليه إلا رحمة ربه، وأتكل المقتصد على حسن ظنه والسابق على طاعته.-قلت: وفي هذا القول نظر إذ لن يدخل أحد الجنة بعمله كما جاء عن الصادق المصدوق -ﷺ- وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمة الله وأخر السابق لئلا يعجب بعمله.
قلت: وقيل غير ذلك، ولا مانع من إرادة الكل والله أعلم.]]. على أن الواو عند أهل التحقيق لا توجب ترتيبًا. وذكرنا معنى المقتصد في اللغة عند قوله: ﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: 66] وقوله: ﴿سَابِقٌ﴾ أي: سابق إلى الجنة أو إلى رحمة الله. ﴿بِالْخَيْرَاتِ﴾ أي: بأعماله الصالحة بإذن الله بأمر الله وإراداته. قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ يعني: إيراثهم الكتاب.
فاطر 35:33
ثم أخبر بثوابهم وجمعهم في دخول الجنة فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ فقال ابن عباس: أدخلهم الجنة أفضل الجنان وأشرفها [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 367.]].
وقال مقاتل: يعني: هؤلاء [[في (ب): (هذه).]] الأصناف الثلاثة يدخلون الجنان [[انظر: "تفسير مقاتل" 154 أ.]].
قال أبو علي: (جنات عدن نكرة ويدخلونها أو يدخلونها -على ما قرأ أبو عمرو- صفة لها؛ لأنها جملة والنكرات توصف بالجمل، وأما ارتفاع جنات، فيجوز أن يكون تفسيرا للفضل كأنه قيل: ما ذلك الفضل؟ فقال: الفضل جنات عدن، أي: دخول جنات. قال: ويجوز أن تجعل الجنات بدلاً من الفضل، كأن ذلك الفضل جنات عدن، أي: دخول جنات عدن) [["الحجة" 6/ 28.]]. هذا كلامه، والمعنى: إيراثنا إياهم الكتاب الفضل الكبير، وذلك الفضل جنات عدن أي: دخولها؛ لأن إيراث الكتاب هو [["هو" ساقطة من (ب).]] سبب دخول الجنات. وباقي الآية مفسرة في سورة الحج [[آية: 23، وأحال على سورة الكهف.]].
قال مقاتل: فلما دخلوها واستقرت بهم الدار، حمدوا ربهم على ما صنع بهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.]]. وهو:
فاطر 35:34
قوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. قال أبو عبيدة والزجاج: الحزن والحزن واحد كالبخل والبخل والرشد والرشد [["مجاز القرآن" 2/ 155، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 270.]].
قال ابن عباس: يعنون ما يعاينون [[في (أ): (عاينون).]] في الموقف من الأهوال والزلازل والشدائد [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 229 أ، "الماوردي" 4/ 475، "البغوي" 3/ 572.]].
قال مقاتل: لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع الله بهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.]].
وقال الكلبي: يعني الذي كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 229 أ، "البغوي" 3/ 572، "فتح القدير" 4/ 350.]].
وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: حزن النار [[انظر: المصادر السابقة، ولعله لا فرق بين القولين.]].
وقال سعيد بن جبير: همُّ الخبز في الدنيا [[انظر: "البغوي" 3/ 572، "زاد المسير" 6/ 492، "فتح القدير" 4/ 350. ولعل المقصود بهذا القول هو هم طلب الرزق.]].
وقال الحسن: أحزان أهل الدنيا يقطعها الموت، ولكن أحزان الآخرة [[لم أقف عليه.]].
وقال عكرمة: حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات [[انظر: المصادر السابقة.]].
وقال أبو إسحاق: اذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو لمعاد [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 270.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ قال ابن عباس: يعنون بذلك أنهم غفر لنا العظائم من ذنوبنا، وشكر لنا من محاسن أعمالنا [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 367، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 506.]].
فاطر 35:35
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال مقاتل: أنزلنا دار الخلود، أقاموا فيها أبدًا، لا يموتون ولا يتحولون عنها أبدًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 104/ أ.]] قال الفراء والزجاج: المقامة مثل الإقامة، يقال: أقمت بالمكان إقامة ومقامة ومقامًا [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 370، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 271.]].
وقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال أبو إسحاق: أي ذلك بتفضله لا بأعمالنا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 271.]].
﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لا يصيبنا في الجنة عناء ومشقة في أجسامنا [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 367، "تفسير مقاتل" 104 أ.]].
﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ اللغوب: الإعياء من التعب. قال الفراء في المصادر: لغب بالفتح يلغب الضم لغوبا، ولغب بفتح الغين قليلة [[لم أقف على قول الفراء وانظر: "اللسان" 1/ 742 (لغب)، إلا أن ابن منظور قال: ولغب بالكسر لغة ضعيفة. وما ذكر هنا خطأ فالمراد: ولعب بكسر العين، فلعله وهم من النساخ والله أعلم.]].
الأزهري: ولغب فلان دابته، إذا تحامل عليها حتى أعيا [[في (ب): (عيا) بدون همزة.]] [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 139 (لغب).]].
والمفسرون يقولون في اللغوب: إنه الإعياء [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 140، "بحر العلوم" 30/ 88، "المحرر الوجيز" 4/ 440.]]. قال مقاتل: يقول: فلا يصيبنا في الجنة من إعياء [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: مثل ما يلغب الرجل حين يلاعب أهله ويجامعها [[لم أقف عليه.]].
فاطر 35:36
فلما بلغ هذا الموضع انقطعت صفة أهل التوحيد، وهم أمة محمد -ﷺ-، ثم قال في صفة الكفار [[في (ب): (الكافرين).]]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ قال أبو إسحاق: فيموتوا جواب النفي، المعنى: لا يقضي عليهم الموت فيموتوا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 271]]. هذا كلامه. ويجوز أن يكون معنى لا يقضى عليهم لا يهلكون، من قوله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [[سورة القصص: آية 15.]] وقد مر، وحينئذ لا يحتاج إلى تقدير محذوف. قال ابن عباس: فيموتوا فيستريحوا مما [[في (أ): (بما)، وهو خطأ.]] هم فيه من العذاب.
﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ طرفة عين كذلك يعن ما ذكر [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 367، وقد ذكره بعض المفسرين غير منسوب.= انظر: "بحر العلوم" 3/ 88، "المحرر الوجيز" 4/ 440، "البغوي" 3/ 573.]].
وقال ابن عباس ومقاتل: هكذا نجزي كل كفور كل كافر [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ. وانظر: المصادر السابقة.]].
فاطر 35:37
﴿يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ أي: يستغيثون. قاله ابن عباس [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 438 بهامش المصحف.]]. والجميع، وهو [قول] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ب)]] من الافتعال من الصراخ، يقال اصطرخ [[في (ب): (أصرخ).]] القوم وتصارخوا [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 135 (صرخ)، "اللسان" 3/ 33 (صرخ).]].
قال مقاتل: والاستغاثة أنهم ينادون [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.]] ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾، قال ابن عباس: نقل: لا إله إلا الله ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ يعني: الشرك [[انظر: "الوسيط" 3/ 506. "تفسير القرطبي" 14/ 352.]]. فوبخهم الله تعالى فقال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ثماني عشرة سنة، وهو قول قتادة [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 441، "تفسير البغوي" 3/ 573، "زاد المسير" 6/ 494.]]. وقال الحسن: أربعين سنة [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 461، "تفسير البغوي" 3/ 573، "تفسير القرطبى" 14/ 353.]]. وهو قول الكلبي، قال: تعمير العبد بعد أربعين سنة [[لم أقف عليه عن الكلبي. وقد ذكره الماوردي في "تفسيره" 4/ 476 عن ابن عباس ومسروق. وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 3185 عن الحسن.]].
روى منصور، عن هلال، قال: كان أهل المدينة إذا أتى على أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة [[لم أقف عليه عن منصور بن هلال، وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 353 ونسبه لمالك]].
وقال ابن عباس في رواية مجاهد: يعني ستين سنة [[انظر: "الطبري" 22/ 141، "بحر العلوم" 3/ 89، "زاد المسير" 6/ 494.]]. وهذا أولى الأقاويل؛ لما روى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إذا بلغ الرجل ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر" [[أخرجه الحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير، تفسير سورة الملائكة 4/ 427 وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وابن أبي حاتم في "التفسير" 10/ 3185.]]، وقوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قال ابن عباس [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 437.]]: يريد النبي -ﷺ-، وهو قول مقاتل والجمهور [[وهو قول جمهور المفسرين كما حكاه "البغوي" 3/ 573، والنحاس في "معاني القرآن" 5/ 462، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 4/ 441.]].
وقال آخرون: يعني به الشيب. روى ذلك عكرمة وسفيان بن عيينة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 230 أ، البغوي 3/ 573، "زاد المسير" 6/ 494.]].
وذكر الفراء والزجاج القولين في النذير [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 370، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 272.]].
وقال أبو علي: من قال: إن النذير محمد -ﷺ-، كان اسم فاعل كالمنذر، ومن قال: إنه الشيب، كان الأولى أن يكون مصدرًا كالإنذار [["الحجة" 1/ 255.]]. والقول هو الأول. لقوله تعالى في صفة محمد -ﷺ-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: 45، الفتح.: 8] وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا﴾ قال مقاتل: فذوقوا العذاب. ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ من مانع يمنعهم العذاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.]].
فاطر 35:38
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تفسير هذه الآية قد تقدم فيما مضى [[عند قوله تعالى في سورة آل عمران آية 119، 154.]]. قال الكلبي ومقاتل: في هذه الآية يعني أنهم لو ردوا [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، إذا الصواب هو: لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، بدليل قوله تعالى في سورة الأنعام: آية 28 ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾]] لما نهو عنه [[لم أقف عليه منسوبًا للكلبي. وانظر: "تفسير مقاتل" 104 أ، "بحر العلوم" 3/ 89، "القرطبي" 14/ 355.]].
فاطر 35:39
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد خلفًا من بعد قوم كانوا من قبلكم [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس. ونسبه بعض المفسرين لقتادة. انظر: "تفسير الطبري" 22/ 43، "مجمع البيان" 8/ 642.]]. قال أبو إسحاق: أي جعلكم أمة خلفت من قبلها ورأت وشاهدت فيمن سلف ما ينبغي أن يعتبر به [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 272.]]. ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جزاء كفره.
ثم أمر نبيه -ﷺ- بالاحتجاج عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾ هو الآية. قال أبو إسحاق: معناه: قل أخبروني عن شركائكم [[المصدر السابق.]].
﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال أبو علي: (قوله: ﴿مَاذَا خَلَقُوا﴾ في موضع النصب؛ لأنه المفعول الثاني لأرأيتم.
وقوله تعالى: ﴿أَرُونِي﴾ تأكيدًا لما دل عليه أرأيتم. ألا ترى أن أرأيتم بمنزلة أخبروني، ومثله قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: 71]
فاطر 35:40
وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾ [فصلت: 52] في الاستفهام في الآيتين، في [[حرف الجر (في) طمس من (ب).]] المفعول الثاني لـ (أرأيتم) [[لم أقف على قول أبي علي، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 701.]].
وقال مقاتل: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ كما خلق الله آدم إن كانوا آلهة [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 ب.]].
قال الفراء: أي أنهم لم يخلقوا شيئًا [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 370.]]. فعلى هذا من بمعنى في.
وقال الزجاج: (أي بأس شيء أوجبتم لهم شركة الله -عز وجل-) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 273.]] أي شيء خلقوه من الأرض.
﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: أم لهم شركة في خلق الموات. ثم ترك هذا النظم فقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ يقول: بل آتيناهم، يعني: أهل مكة. ﴿كِتَابًا﴾ قال ابن عباس: يريد بعثت إليهم قبلك يا محمد نبينا، وأنزلت عليهم كتابًا [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 439، وذكر هذا القول الماوردي في "تفسيره" 4/ 478 ونسبه للكلبي.]].
وقال مقاتل: يقول هل أعطينا كفار مكة كتابًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.]]. ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ يعني: ما في الكتابين [[هكذا في النسخ بالتثنية! وهو خطأ؛ لأن الإشارة لم تسبق إلا إلى كتاب واحد، وهكذا وردت بالإفراد في "الوسيط" 3/ 557.]] من ضروب البينات.
وقرأ أبو عمرو: بينة، جعل ما في الكتاب بينة على لفظ الإفراد وإن كانت عدة أشياء، كما قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [هود: 28] [[انظر: "الحجة" 6/ 29 - 30، "حجة القراءات" ص 594.]].
ثم استأنف: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يعد الظالمون. ﴿بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ يعني: أباطيل تغر. قال ابن عباس: يريد ما يعدهم به إبليس وجنوده [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: يعني ما يعد الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الآلهة لهم في الآخرة إلا باطلاً ليس بشيء [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.]].
فاطر 35:41
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ قال مقاتل: يعني لئلا تزولا عن مواضعهما [[المصدر السابق.]]. وعلى هذا، تكون هذه الآية كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [[سورة النساء: آية 176.]] وقد مر.
وقال أبو إسحاق: يمسك بمعنى: يمنع [[في (أ): (يمنعني)، وهو تصحيف.]] [[النظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 273.]].
وعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار؛ لأن المعنى يمنعهما الزوال. وقال أبو عبيدة: في هذه الآية سبيلهما سبيل قوله: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30] [["مجاز القرآن" 2/ 156.]]. يعني: أنه ذكر السموات والأرض، ثم أعاد الكناية إليهما كما تعاد إلى الاثنين. قال الأخفش: جعل السموات صنفا كالواحد [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 487.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ قال الفراء: (يعني ولو زالتا، كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ولئن ولو، وهما متآخيتان يجابان بجواب واحد) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 370.]].
وقال أبو إسحاق: هذا على وجهين:
أحدهما: أنه أراد زولانهما في القيامة قال الله -عز وجل-: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: 11] والثاني: أن يقال: إن زالتا وهما لا يزولان. هذا كلامه [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 274.]]. والمعنى في الوجه الأول أن زوالهما جائز ولان [[هكذا في النسخ! ولعله تصحيف، والصواب: وكائن.]] في القيامة، وفي الوجه الثاني قيل: ولئن زالتا، على التقدير: لا أنهما تزولان ما دامت الدنيا.
وقال مقاتل: يعني: ولئن أرسلتهما فزالتا [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 ب.]]، وأضمر الإرسال.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ قال أبو عبيدة: أي لا يمسكهما [["مجاز القرآن" 2/ 156.]].
وقال الفراء: يعني: ما أمسكهما [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 375.]].
قال مقاتل: يقول لم يمسكهما أحد من بعد الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 ب.]].
وقال الكلبي في سبب النزول [[انظر: "القرطبي" 14/ 357، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 496 عن الزجاج.]]: إن اليهود لما قالوا: عزير ابن الله [وقالت] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب)]] النصارى: المسيح ابن الله، كادت السموات والأرضون أن تزولا عن أمكنتهما، فمنعها الله -عز وجل- ونزل هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ قال: حليمًا عما يقال له، غفورًا لمن تاب من مقالته. واختار الزجاج قول الكلبي، وذكر في النزول مثل قوله. ﴿حَلِيمًا﴾ حلم عمن قال: اتخذ الرحمن ولدًا فلم يعجل عليهم العقوبة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 273.]]. وسائر المفسرين لم يذكروا هذا السبب، والآية على قولهم احتجاجًا على المشركين بقدرة الله تعالى على حفظ السموات والأرض وإمساكهما عن الزوال، وإخبار [[في (ب): (وإجار).]] عن عظم قدرته، وعلى هذا يقال: لم قال إنه كان حليمًا غفورًا؟ وأين هذا المكان عن ذكر الحلم والمغفرة وهذا موضع يدل على القدرة؟ والجواب عن هذا ما ذكر مقاتل، قال: هذا على التقديم، إنه كان حليمًا عن قولهم [[في (ب): (للملائكة).]] الملائكة بنات الله، غفورًا إذا أخر العذاب عنهم ولم يعجل عليهم بالعقوبة [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 ب.]]. يعني أن هذا يعود إلى ما قبله من ذكر كفار مكهَ والمشركين.
فاطر 35:42
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ يعني: كفار مكة. وهذه ألفاظ قد سبق تفسيرها في سورتين [[سورة الأنعام: آية 109، قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ والآية 53 من سورة النور، قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾.]].
قال ابن عباس: حلفوا بالله قبل أن يأتيهم محمد بأيمان غليظة ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ رسول. ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى﴾ أصوب دينا. ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ يريد: اليهود والنصارى والصابئين. ﴿جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وهو محمد -ﷺ-: ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ مجيئه ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ تباعدًا عن الهدى [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 368، وأرده المؤلف في "الوسيط" 3/ 508، وذكره أكثر المفسرين غير منسوب لابن عباس.
انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 230 ب، "بحر العلوم" 3/ 90، " المحرر الوجيز" 4/ 443.]].
فاطر 35:43
﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: عتوا [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 90، "الوسيط" 3/ 508، "القرطبي" 14/ 358.]].
وقال مقاتل: تكبرا في الأرض عن الإيمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 ب.]]. وانتصب استكبارا -عند الأخفش- على البدل من قوله: ﴿نُفُورًا﴾ [[انظر: "الدر المصون" 5/ 473، "البحر المحيط" 8/ 305.]].
وقال الفراء: فعلوا ذلك استكبارا [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 378.]]. وهذا محتمل المصدر، ويحتمل أن يكون معناه للاستكبار، وهو قول الزجاج قال: هو منصوب؛ لأنه مفعول له، المعنى: ما زادهم إلا نفورًا للاستكبار [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 274.]].
﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ قرأ حمزة بإسكان الهمزة. قال أبو إسحاق: (وهذا عند النحويين لحن لا يجوز، وإنما يجوز في الشعر للاضطرار، كقوله:
إذا أعوججن قلت صاحب قوم [[صدر بين من الرجز، وعجزه:
بالدو أمثال السفين العوم
وينسب لابن نحيلة، انظر: "شرح أبيات سيبوبه" 2/ 398، "شرح شواهد الشافية" ص 225. وبلا نسبة في: "الكتاب" 4/ 203، "الخصائص" 1/ 75، "معاني القرآن" للفراء 2/ 371.
ويعني بقوله: اعوججن، الإبل، والدو: الصحراء، شبه الإبل في الصحراء بالسفن التي تمخر عباب اليم.
والشاهد فيه: تسكين ياء صاحب، تشبيهاً للوصل بمجرى الوقف.]]
يريد: يا صاحب، فحذف مضطرا، كأنه استثقل الضم بعد الكسر والكسر بعد الكسر، ولو قال صاحب، ومثله:
اليوم اشرب غير مستحقب [[صدر بيت، وعجزه:
إثمًا من الله ولا واغل
وهو لامرئ القيس كما في: "ديوانه" ص 122، "الكتاب" 4/ 204، "لسان العرب" 1/ 325 (حقب)، "الأصمعيات" ص 130. واستحقب: اكتسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء في الحقيبة، والواغل: الداخل على القوم في شرابهم ولم يدع.
والشاهد فيه قوله: اشرب، حيث سكن الباء ضرورة.]] والبيتان أنشدهما جميع النحويين المذكورين، قد أعلنوا كلهم أن هذا من الاضطرار في الشعر، ولا يجوز مثله في كتاب الله) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 275.]].
قال أبو علي: (التقدير في قوله: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: استكبروا في الأرض، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي: مكروا والمكر السيئ، فأضيف المصدر، إلى صفة المصدر ألا ترى أنه قد جاء بعد ولا يحيق المكر السيئ، وكما أن السيئ صفة للمصدر كذلك الذي قبله، ومثله قوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ تقديره: مكروا المنكرات السيئات، إلا أنك إذا أضفت إلى السيئ قدرت الصفة وصفًا لشيء غير المكر، كما أن من قال: دار الآخرة، وجانب الغربي، قدره كذلك، يريد أن الأصل: الدار الآخرة، والجانب الغربي، فلما أضيف إلى صفته صار التقدير: دار الأحكام الآخرة، وجانب البلد الغربي، كذلك مكر السيئ يكون معناه: مكر الشرك السيء.
قال: فأما قراءة حمزة واستكانة [[في (أ): (واستكانة)، وهو خطأ.]] الهمزة في الاستدراج، فإن ذلك يكون على إجرائها في الوصل مجراها في الوقف، فهو مثل سببا [[في (ب): (سببا)، وهو تصحيف.]] ويمهل، وهو في الشعر كثير.
ومما يقوي ذلك أن قومًا قالوا في الوقف: أقعى وأقعوا، فأبدلوا من الألف الواو والياء، ثم أجروها في الوصل مجراها في الوقف فقالوا: هذه أفعوا يا فتى، فكذلك عمل حمزة بالهمزة في هذا الموضع.
قال: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أنه خفف لاجتماع الكسرتين واليائين، كما خففوا الباء من إبل لتوالي الكسرتين، ونزل حركة الإعراب بمنزلة غير حركة الإعراب كما فعلوا في قولهم:
فاليوم فاشرب غير مستحقب [[صدر بيت لامرئ القيس سبق معنا.]] ... ..........
................ ... وقد بدا هنك من المئزر [[عجز بيت من السريع، وصدره:
رحت وفي رجليك ما فيهما.
وهو مختلف في نسبته، فهو في ديوان الأقيشة الأسدي ومنسوب إليه في "شرح أبيات سبويه" 2/ 391، و"حزانة الأدب" 4/ 484، ونسبه ابن قتيبة كما في "الشعر والشعراء" للفرزدق. والشاهد فيه: إسكان النون في هناك ضرورة، وهو مرفوع لأنه فاعل بدا.]]
فإذا شاع ما ذكرنا في هذه القراءة من التأويل، لم يسغ لقائل أن يقول إنه لحن، للزمه أن يقول: إن قول من قال: افعوا في الوصل لحن، فإذا كان من قرأ به على قياس ما استعملوه في كلامهم المنثور لم يكن لحنا، ولم يكن لقادح في ذلك قدح. وهذه القرآة وإن كان لها مخلص من الطعن، فالوجه قراءة الحرف على ما عليه الجمهور في الدرج) [["الحجة" 6/ 31 - 33.]].
وقال أبو جعفر النحاس: كان الأعمش يقف على ومكر السيئ، فيترك الحركة، وهو وقف حسن؛ لأنه تمام الكلام، ثم غلط الراوي فروى أنه كان يحذف الإعراب في الإدراج [["القطع والائتناف" ص 593.]]، فيحتمل أن يكون حمزة قد ذهب إلى قراءته ولم يعلم أنه إنما كانت يترك الحركة في همز الوقف؛ لأنه في الإدراج، فتابع المغالط في الرواية [[انظر: "الدر المصون" 5/ 473.]].
والمفسرون فسروا المكر السيئ هاهنا بالشرك [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 145، "بحر العلوم" 3/ 90، "تفسير البغوي" 3/ 574، "تفسير القرطبي" 14/ 358.]]. والتقدير: ومكروا مكرًا سيئًا، والمكر السيئ وهو عملهم القبيح من الشرك، والمكر هو العمل القبيح. وقد مر هذا المعنى في مواضع من التنزيل.
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 575، "المحرر الوجيز" 4/ 443، " زاد المسير" 6/ 359.]]. وقال الكلبي: هو أنهم قتلوا يوم بدر [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 479، "البغوي" 3/ 575، "القرطبي" 14/ 359.]].
ثم خوفهم فقال: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هل ينظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بالأمم المكذبة قولهم [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: قبلهم.]] أي: يجب أن لا ينتظروا إلا العذاب بعد تكذيبك، وهذا كقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [[سورة يونس: آية 102.]] وقد مر.
قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ في العذاب. ﴿تَبْدِيلًا﴾ وإن تأخر ذلك؛ لأن قوله الحق في نزول العذاب بهم في الدنيا.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ لا يقدر أحد أن يحول العذاب عنهم إلى غيرهم. قاله مقاتل وابن عباس [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 ب، انظر: "تفسير ابن عباس" ص 368.]].
فاطر 35:45
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد المشركين كفار مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 105 أ، ولم أقف عليه عن ابن عباس.]]. ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ من الذنوب لعجل لهم العقوبة، وهو قوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾. قال الأخفش: أضمر الأرض من غير أن يكون ذكرها؛ لأن هذا الكلام قد كثر حتى قد عرف معناه، ويقولون: ما على ظهرها أحب إلى منك، وما بها من أحد آثر عندي منك [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 487.]].
وقال الزجاج: قد جرى ذكر الأرض في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 276.]].
وقوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين [[لم أقف عليه.]].
وقال الكلبي: يعني الجن والإنس خاصة [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 479، "تفسير القرطبي" 14/ 391.]]
قال أبو عبيدة: الدابة هاهنا الناس خاصة [["مجاز القرآن" 2/ 156.]]. واختار الزجاج قول الكلبي [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 276.]].
وسائر أهل التفسير يجعلون الدابة هاهنا عامًا في من دب على وجه الأرض، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في نظير هذه الآية في سورة النحل [: 61].
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد أهل طاعته وأهل معصية [[انظر: "الوسيط" 3/ 508، "تفسير البغوي" 3/ 575.]].
يس 36:1
﴿يس﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد يا إنسان، قال: وهي بلغة طي، وهو قول الكلبي وعكرمة والضحاك ومقاتل والحسن [[انظر: "اللغات في القرآن" ص 53، "الطبري" 22/ 148، "الماوردي" 5/ 5، "زاد
المسير" 3/ 7، "تفسير مقاتل" 105 أ.]].
وقال ابن الحنفية: يا محمد، وهو قول سعيد بن جبير [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 232 أ، "الماوردي" 5/ 5، "المحرر الوجيز" 4/ 545، "زاد المسير" 7/ 3.]].
وقال أبو العالية: يا رجل [[انظر: "البغوي" 4/ 5، "مجمع البيان" 8/ 605.]]. وهذان القولان كالأول، تفسير لذلك الإنسان المنادى.
وقال عطاء: هي بالسريانية. وقيل: بالحبشة. روي ذلك أيضًا عن ابن عباس [[انظر: "المارودي" 5/ 5، "القرطبي" 15/ 4، "المحرر الوجيز" 4/ 545، "زاد المسير" 7/ 3، "البحر المحيط" 7/ 310.]]. فمن قال بهذا، قال: إنهم يقولون: يس، ويريدون به يا إنسان، ثم تكلمت العرب به فصار من لغتهم، كما ذكر أنها من لغة طي، ووجهه من العربية أنه اكتفى بالسين من إنسان كما يكتفي بالحرف الواحد من الكلمة.
وقال مجاهد: ﴿يس﴾ فواتح من كلام الله يفتح بها كلامه [[انظر: "الطبري" 22/ 148، "بحر العلوم" 3/ 93، "الماوردي" 5/ 5.]].
واختلف القراء في إظهار النون من ﴿يس﴾ وإخفائه، فقرأوا بالوجهين، وكلامه جائز صحيح، فمن أظهر فلأن هذه الحروف مبنيَّة علي الوقف يدل على ذلك استجازتهم فيها الجمع [[في (أ): (الجميع)، وهو خطأ.]] بين ساكنين كما يجتمعان في الكلم التي يوقف عليها، فلما جاز فيها الجمع بين ساكنين من حيث كان التقدير فيها الوقف استجيز معها تبيين النون في الإدراج وإن كانت النون الساكنة تجيء مع حروف الفم؛ لأن التقدير بها الوقف. ومن أخفى فلأنه وإن كان في التقدير الوقف لم يقطع فيه همزة الوصل، وذلك قولهم: ألم الله، ألا ترى أنهم حذفوا همزة الوصل كما تحذف في الكلم التي توصل، فلا يكون التقدير فيها الوقوف عليها، وكذلك قالوا: واحد اثنان، فحذفوا همزة الوصل، وإذا صار في تقدير الوصل أوجب أن لا تبين معها النون [[انظر هذا الكلام بنصه مع اختلاف يسير في "الحجة" 6/ 35، وانظر: "حجة القراءات" ص 595، "الحجة في القراءات السبع" 297.]].
يس 36:2
قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أقسم الله بالقرآن المحكم أنك لمن المرسلين، وذلك أن كفار مكة قالوا له: لست مرسلاً، وما أرسل الله إلينا رسولاً، فأقسم الله بالقرآن أن محمدًا من المرسلين [[انظر: "القرطبي" 15/ 5، "تفسير مقاتل" 105 أ، وذكره غير منسوب: البغوي 5/ 5، الطبري في "مجمع البيان" 8/ 650.]].
يس 36:3
قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أقسم الله بالقرآن المحكم أنك لمن المرسلين، وذلك أن كفار مكة قالوا له: لست مرسلاً، وما أرسل الله إلينا رسولاً، فأقسم الله بالقرآن أن محمدًا من المرسلين [[انظر: "القرطبي" 15/ 5، "تفسير مقاتل" 105 أ، وذكره غير منسوب: البغوي 5/ 5، الطبري في "مجمع البيان" 8/ 650.]].
يس 36:4
﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: على [دين] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] مستقيم، يعني دين الإسلام؛ لأن الأديان كلها غير الإسلام [ليس] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب).]] بمستقيم [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "تفسير مقاتل" 105 أ.]].
قال أبو إسحاق: (أي على طريق الأنبياء الذين تقدموك، قال: وأحسن ما في العربية أن يكون ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ خبر إن، ويكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا والمعنى: إنك لمن المرسلين، وإنك على صراط مستقيم. قال: ويجوز أن يكون على صراط من ملة المرسلين، فيكون المعنى: إنك من المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 277.]]. وذكر الفراء أيضًا الوجهين في قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ كما ذكر الزجاج [["معاني القرآن" 2/ 272.]].
يس 36:5
وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ تنزيل يقرأ بالرفع والنصب، فمن قرأ بالنصب فعلى المصدر، على معنى: نزل الله ذلك تنزيلًا من العزيز الرحيم، ثم أضيف المصدر فصار معرفة، كما قال: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] على معنى: فضربًا للرقاب. وهذا قول الزجاج وأبي علي وصاحب النظم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 278، "الحجة" 6/ 36.]].
ومن قرأ بالرفع فعلى معنى: الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم، وهو تنزيل، أو على: تنزيل العزيز. هذا قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 105 أ.]]: هذا القرآن هو تنزيل العزيز في ملكه الرحيم بخلقه. وقال الكلبي: العزيز بالنقمة من [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: لمن.]] لم يجب الرسل الرحيم بالمؤمنين [[لم أقف عليه.]].
يس 36:6
وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ قال صاحب النظم: هذا متصل بقوله: ﴿نَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾
قوله تعالى: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ فيه قولان: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد كما أنذر آباؤهم من لدن إبراهيم وإسماعيل [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 369، "القرطبي" 15/ 6.]].
وقال مقاتل: كما أنذر آباؤهم الأولون [["تفسير مقاتل" 105 أ.]].
وقال عكرمة: مثل ما أنذر آباؤهم [[انظر: "الطبري" 22/ 150، "القرطبي" 15/ 6، "مجمع البيان" 8/ 650.]].
القول الثاني: قال قتادة: لتنذر قومًا لم يأتهم نذير قبلك [[انظر: "الطبري" 22/ 150، "الماوردي" 5/ 6، "مجمع البيان" 8/ 650.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[لم أقف عليه.]] وهو قول عامة المفسرين [[انظر: "الثعلبي" 3/ 232 ب، "الطبري" 22/ 150، "الماوردي" 5/ 6، "بحر العلوم" 3/ 93.]]. و ﴿مَا﴾ على هذا القول تكون [جحدًا] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]]. وذكر الفراء والأخفش والزجاج القولين، قال الفراء: (لتنذر [قومًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لم ينفع [[هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: لم يُنذر آباؤهم.]] آباؤهم ولا أتاهم رسول قبلك، ويقال: لتنذرهم بما أنذر آباؤهم فتلقي الباء، فيكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب كما قال: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: 13]) [["معاني القرآن" 2/ 372.]].
وقال الأخفش: (أي لم تنذر آباءهم؛ لأنهم كانوا في الفترة، قال: وقال بعضهم: لتنذر الذي أنذر آباؤهم، ثم اختار القول الأول؛ لقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾، ودخول الفاء على المعنى الثاني كأنه لا يجوز، وهو على الأول أحسن) [["معاني القرآن" 2/ 488.]] هذا كلامه. ومعناه: أنك إذا جعلت ﴿مَا﴾ إثباتًا بمعنى الذي، لم يحسن دخول الفاء في ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ فإذا جعلته نفيًا حسن.
قال أبو إسحاق: (الاختيار أن ﴿مَا﴾ جحدٌ؛ لأن قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ دليل على معنى لم ينذر آباؤهم، وإذا كان قد أنذر آباءهم كان في قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ بُعدٌ. قال: ودليل النفي قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: 44] [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 278]].
يس 36:7
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال مقاتل: (وجب العذاب على أكثر أهل مكة، قال: ويعني بالقول قوله لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ [ص: 85]) [["تفسير مقاتل" 105 أ.]].
قال أبو إسحاق: (القول هاهنا -والله أعلم- مثل قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 71]) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 278.]].
وقال صاحب النظم: القول هاهنا: إيماء [[في (ب): (أبا).]] إلى القدر مقتصًا من قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] هذا كلامه. والمعنى أن قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ إشارة إلى الإرادة الأزلية السابقة بكفرهم، وإذا سبقت الإرادة بكفرهم فمتى يؤمنون؟ وهو قوله ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قال الزجاج: بكفرهم وعنادهم أضلهم ومنعهم الهدى فهم لا يؤمنون [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 278.]]. [قال الزجاج: بكفرهم وعنادهم فهم لا يؤمنون] [[ما بين المعقوفين تكرار، وهو في جميع النسخ.]].
يس 36:8
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ في هذه الآية والتي بعدها مذهبان: أحدهما: مذهب المفسرين، وهو أن الآية نزلت في أبي جهل، قصد النبي -ﷺ- بحجر ليدمغه وهو يصلي، فيبست يده إلى عنقه حتى عاد إلى أصحابه، فذلك قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾. وهذا قول مقاتل والكلبي [[انظر: "الطبري" 22/ 152، "بحر العلوم" 3/ 94، "الماوردي" 5/ 7، "البغوي" 4/ 6، "زاد المسير" 7/ 6، وأصل الحديث في البخاري "كتاب التفسير"، تفسير سورة إقرأ عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ 4/ 1896 رقم الحديث (4675) من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الكشاف" 3/ 161: رواه أبو نعيم في "دلائل النبوة" قال: وهو في أوائل سيرة ابن هشام من قول ابن إسحاق في كلام طويل.]]. والثاني: مذهب أهل المعاني: وهو أن هذا على طريق المثل ولم يكن هناك غل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 272، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 475، "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 280.]]، أراد: منعناهم عن الإيمان بموانع، وهذا قول أبي عبيدة [[انظر: "القرطبي" 15/ 8، "فتح القدير" 4/ 361.]].
وقال الفراء: معناه إنا حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله [["معاني القرآن" 2/ 273.]]. وكان هذا الوجه أوضح؛ لقوله فيما بعد: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ قال الفراء: (هي كناية عن الإيمان ولم يذكر، وذلك أن الغل لا يكون إلا في اليمين والعنق، جامعًا لليمين والعنق فكفى ذكر أحدهما عن صاحبه كما قال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 182] فضم الورثة إلى الوصي ولم يذكروا؛ لأن الصلح بما بقى من الوصي والورثة، ومثله قول الشاعر:
وما أدري إذا يممت وجهًا ... أريد الخير أيهما يليني [[البيت من الوافر، وهو للمثقب العبدي في نونيته، في "ديوانه" ص 212، "الخزانة" 11/ 80، وبلا نسبة في: "معاني القرآن" للفراء 2/ 372، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 279.]]
وإنما ذكر الخبر وحده، ثم قال: [أيهما] [[هكذا جاء في النسخ، وما بين المعقوفين يظهر أنه زائد؛ لأنه ليس في "معاني القرآن" للفراء، ولا معنى له كذلك.]] وذلك أن الشر يذكر مع الخير، وهي في قراءة عبد الله (إنا جعلنا في أيمانهم) فكفت الأيمان عن ذكر الأعناق في حرف عبد الله، وكفت الأعناق في قراءة العامة) [["معاني القرآن" 2/ 372 - 373.]] عن ذكر الأيمان ونحو هذا قال الزجاج سواء، قال: (ومثل هذا قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البرد؛ لأن ما يقي الحر يقي البرد) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 280.]].
وقوله: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. قال الفراء: المقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه. [[في (ب): (صوته)، وهو خطأ.]] [["معاني القرآن" 2/ 373.]] هذا قول.
ونحو ذلك قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 279.]]. ومعنى الإقماح في اللغة: رفع الرأس وغض البصر، يقا ل: أقمح البعير رأسه وقمح.
قال أبو عبيد: يقمح البعير قمح قموحًا إذا رفع رأسه ولم يشرب الماء [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 81 (قمح)، "اللسان" 2/ 566 (قمح).]].
وقال الأصمعي: بعير قامح، إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب، وجمعه قماح [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 81 (قمح)، "اللسان" 2/ 566 (قمح).]]. وأنشد الفراء وجميع أهل اللغة قول بشر [[هو: بشر بن أبي خازم عمرو بن عوف الأسدي، أبو نوفل، شاعر جاهلي فحل، عدَّه ابن سلام في الطبقة الثانية من طبقات فحول أهل الجاهلية، وهو من شجعان أهل نجد، مات سنة 22 قبل الهجرة.
انظر: "الشعر والشعراء" 1/ 190، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 97، "الخزانة" 2/ 262.
والبيت من الوافر، وهو في: "ديوان بشر" ص 48، "لسان العرب" 2/ 566. (قمح)، "تاج العروس" 7/ 63 (قمح)، "تهذيب اللغة" 4/ 81 (قمح)، "أساس البلاغة" ص 377 (قمح).]] يصف سفينة:
ونحن على جوانبها قعود ... نغض [[في (أ): (يفض)، وهو خطأ.]] الطرف كالإبل القماح قال أبو إسحاق: (وقيل للكانونين: [[يقصد: شهري كانون أول وكانون ثاني.]] شهرا قماح لأن الإبل إذا وردت الماء ترفع رأسها لشدة برده [[في (ب): (برد)، وهو خطأ.]]) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 279.]].
وأنشد أبو زيد للهذلي:
فتًى ما الابن الأعر إذا استويا ... وحب الراد سميا في شهري قماح [[هكذا ورد البيت في النسخ، وهو خطأ، والصواب:
فتًى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحُبَّ الزاد في شهري قُماح
والبيت لخالد بن مالك الهذلي، وهو من الوافر، في "ديوان الهذليين" 3/ 5، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 532، "تهذيب اللغة" 4/ 81، "اللسان" 2/ 566 (قمح)، "البحر المحيط" 7/ 312.]] [[انظر: "الدر المصون" 5/ 476، "البحر المحيط" 7/ 312.]]
لكراهة كل ذي كبد شرب الماء، والقمح نحو من قمح.
قال الأزهري: وأراد جل وعز أن أيديهم إنما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل رافعة رأسها [["تهذيب اللغة" 4/ 81.]]. هذا كلامه وتأويله: فهم مقمحون أي: مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها، يدل عليه قول قتادة في تفسير ﴿مُقْمَحُونَ﴾ قال: مغلولون [[انظر: "الطبري" 22/ 151، "بحر العلوم" 3/ 94، "مجمع البيان" 8/ 651.]].
يس 36:9
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ ومضى الكلام في تفسير السد والقراءة فيه [[عند الآية: 94: الكهف، وهي قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾. قال المؤلف هناك رحمه الله: قرئ بالفتح والضم. قال أبو عبيدة: السد بالضم، إذا كان مخلوقًا من فعل الله تعالى، فإن كان من فعل الآدميين فهو سَد بالفتح، وهذا قول عكرمة والأخفش. وقال الكسائي: ضم السين وفتحها سواء.]].
قال مقاتل: لما عاد أبو جهل إلى أصحابه ولم يصل إلى ما قصد من النبي -ﷺ-. وسقط الحجر من يده، أخذ الحجر رجل آخر من بني مخزوم وقال: أنا أقتله بهذا الحجر، فلما دنا من النبي -ﷺ- طمس الله على بصره فلم ير النبي -ﷺ- ورجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فذلك وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ حين لم ير أصحابه [["تفسير مقاتل" 105 ب.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 94.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد يمنعهم [من الهدى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لما سبق في علمه [[في (أ): (علمهم)، وهو خطأ.]] عليهم [[لم أقف عليه.]]. وهذا موافق لمذهب أهل المعاني.
وقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾، قال الفراء: ألبسنا أبصارهم غشاوة [["معاني القرآن" 2/ 373.]]. قال ابن قتيبة: أي عيونهم وأعميناهم عن الهدى [["تفسير غريب القرآن" ص 363.]]. والتأويل: أغشينا أعينهم بالعمى، فحذف المضاف والمفعول الثاني للعلم بأن ما يلبس العين إنما هو العمى.
وقوله ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد سبيل الهدى [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 369، وأورد هذا القول ونسبه لقتادة القرطبي 14/ 10، وأورده غير منسوب: البغوي 4/ 6.]]. وذكر أبو إسحاق المذهبين فقال: (هذا فيه وجهان: أحدهما: قد جاء في التفسير وهو أن جماعة أرادوا بالنبي -ﷺ- سوءًا فحال الله بينهم وبين ذلك، فجعلوا بمنزلة من هذه حالة ممن غلت يده وسط [[هذا في جميع النسخ، والصواب: وسُدَّ، كما في "معاني القرآن وإعرابه"]] طريقه من بين يديه ومن خلفه وجعل على بصره غشاوة، قال: ويجوز أن يكون وَصَفَ إضلالهم أي: أضللناهم فأسكنا أيديهم عن النفقة في سبيل الله والسعي فيما يقرب إلى الله كما قال -عز وجل-: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7] قال: ودليل هذا القول قوله في أثر هذا.
يس 36:10
﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية أي: من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 280.]]، إنما ينفع الإنذار من ذكر في قوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: إنما ينفع إنذارك هذا إلا [[يظهر أن (إلا) هنا زائدة؛ لأنها تفسد المعنى، وأن هناك حرف ساقط، وتكون الجملة حسب ما يظهر لي هكذا: أي لا ينفع إنذارك هذا من منعه الله عن الهدى.]] من منعه الله عن الهدى، فخصه الله بإنذار هؤلاء لما لم ينفع الإنذار من غيرهم موقعه، فصار كأنه لم ينذرهم حيث لم ينفعهم، لذلك قال:
يس 36:11
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: من استمع القرآن واتبعه. ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ خاف الله -عز وجل- من حيث لا يراه أحد. ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ حسن، وهو الجنة.
يس 36:12
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ قال ابن عباس: يريد البعث [[لم أقف عليه.]].
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ قال مقاتل: من خيرٍ أو شر فاقتدى بها [[هنا نلحظ أن المؤلف اختصر في نقله عن مقاتل، وهذا الاختصار قد يكون موهمًا، ففي "تفسير مقاتل". ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ من خير وشر ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما استنوه من سنة خيرًا وشرًّا، فاقُتدي به من بحد موتهم ا. هـ.]] من بعدهم. وهذا اختيار الفراء والزجاج [["معاني القرآن" 2/ 373، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 281.]].
وهو قول سعيد بن جبير، قال: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: ما سنوا [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 481، "الماوردي" 5/ 9، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 48، ونسبه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ما آثروا من أثر خير أو شر [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 369.]]. كقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: 13].
وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة: نزلت هذه الآية في بني سلمة، أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب مسجد النبي -ﷺ- وكانت منازلهم بعيدة، فلما نزلت قالوا: بل نمكث مكاننا [[هذا الحديث ورد بعدة طرق، منها: ما ورد عن أنس وقد أخرج ابن ماجه في "سننه" أبواب المساجد، باب الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا 1/ 141 رقم (768)، وأخرجه ابن شيبة في "المصنف" 2/ 207، ومنها ما ورد عن ابن عباس، وقد أخرجه ابن ماجه أيضًا في "سننه" أبواب المساجد، باب: الأبعد فالأبعد عن المسجد أعظم أجرًا 1/ 141 رقم (769). وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 46، وقال: أخرج الفرياني وأحمد في "الزهد"، وعبد بن حميد، وإبن ماجه، وابن == جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس.
وهناك رواية أخرى للحديث، أخرجها الإمام مسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة"، باب فضل كثرة الخطأ إلى المساجد 1/ 462 رقم (665) عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-]]. فعلى هذا معنى آثارهم: خطاهم.
وهو قول الحسن [[انظر: "الطبري" 22/ 154، "القرطبي" 15/ 12، "ابن كثير" 3/ 565.]]، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح [["تفسير مجاهد" ص 533، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 481، "الماوردي" 5/ 9.]]، وقتادة [[انظر: "الطبري" 22/ 155، "القرطبي" 15/ 21، "ابن كثير" 3/ 565.]].
وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان الله تاركًا لابن آدم شيئًا لترك ما عبث [[هكذا في النسخ، والصواب: عفت.]] عليه الرياح من أثر [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 140، "زاد المسير" 7/ 8 وأخرج هذا الأثر الطبري 22/ 155 عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 47 ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.]].
وقال مسروق: ما خطأ رجل خطوة إلا كتب حسنة أو سيئة [[انظر: "الدر المنثور" 7/ 47، وقد نسبه لعبد بن حميد.]].
وروي عن مجاهد قال: ما قدموا من خير، وآثارهم: وما أورثوا من الضلالة [[انظر "فتح القدير" 4/ 462، وقد أورد هذا القول بعض المفسرين لكنه منسوب لغير مجاهد فأورده الماوردي 5/ 9 ونسبه لسعيد بن جبير، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 9 ونسبه لابن عباس وسعيد بن جبير، قال: وهو اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج.]]. فعلى هذا ما قدموا بالخير وخص الآثار ما يبقى بعدهم من آثار الضلالة وسنتها.
وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ قال الفراء: القراء يجمعون على نصب كل لما وقع من الفعل على راجع [["معاني القرآن" 2/ 273.]]. يعني الكناية في قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ والاختيار أن يقول: [[في (ب): (تقول).]] ضربت زيدًا وعمرًا كلمته، ينتصب عمرًا لسبق الفعل قبله، وهاهنا أيضًا سبق الفعل، وهو قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾. ويجوز الرفع على الاستئناف [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 386، "الدر المصون" 5/ 477.]].
وقال مقاتل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ من الأعمال ما [[(ما) زائدة هنا وليست هي في "تفسير مقاتل". وانظر: "تفسير مقاتل" 105 ب.]] ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ بيناه.
قال ابن عباس: حفظناه [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وقد أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 7 ولم ينسبه.]].
ومعنى الإحصاء في اللغة: العد، والعد يكون للبيان ويكون للحفظ [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 164 (حصا)، "اللسان" 14/ 184 (حصى).]].
وقوله تعالى: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: في اللوح المحفوظ [["تفسير ابن عباس" هامش المصحف ص 369، "تفسير مقاتل" 105 ب، وأورده الماوردي 5/ 9 ونسبه للسدي، والقرطبي 15/ 13، ونسبه لمجاهد وقتادة وابن زيد.]].
وقال مجاهد: يعني أم الكتاب [[انظر: "الطبري" 22/ 155، "الماوردي" 5/ 9.]].
قال أهل المعاني [[لم أقف على هذا القول عند أحد من أهل المعاني، قوله وهم من المؤلف.]]: وفي ذلك اعتبار الملائكة إذ قابلوا به ما يحدث من الأمور، وكان فيه دليل على معلومات الله -عز وجل- التفصيل.
يس 36:13
وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد لقومك [["تفسير ابن عباس" هامش المصحف ص 369.]]. وقال مقاتل: صف لهم يا محمد شبها يعني -لأهل مكة- أصحاب القرية [["تفسير مقاتل" 105 أ.]].
قال أبو إسحاق: أصحاب القرية بدل من مثل، كأنه قال: اذكر لهم أصحاب القرية [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 281 بمعناه.]]. أي خبر أصحاب القرية، هي أنطاكية [[أنطاكية: بلد من بلدان الجمهورية العربية السورية. قال ياقوت في "معجم البلدان" 1/ 266: أول من بني أنطاكية انطيخس، وهو الملك الثالث بعد الإسكندر، فتحها أبو عبيدة عامر بن الجراح وكانت العرب إذا أعجبها شيء نسبته إلى أنطاكية؛ لأنها من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة، والحسن، وطيب الهواء، وعذوبة الماء، وكثرة الفواكة، وسعة الخير.]] في قول الجميع [[انظر: "الطبري" 22/ 155، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 482، "الماوردي" 5/ 10، "القرطبي" 15/ 14، وقد استشكل الحافظ ابن كثير هذا القول ورده من وجوه. انظر: "تفسيره" 3/ 569.]].
وقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ يعني: رسل عيسى -عليه السلام-، وذلك أنه بعث رسولين من الحواريين إلى أنطاكية يدعوا الناس إلى عبادة الله -عز وجل-
يس 36:14
وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ بدل من قوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ والمعنى: إذ جاؤها [[في (أ): (جائها).]] بإرسالنا إليهم اثنين وكانا رسولي عيسى، وأضاف الله تعالى الإرسال إلى نفسه؛ لأن عيسى أرسلهما بأمر الله تعالى. قال الكلبي: وكان ذلك حين رفع إلى السماء [[لم أقف عليه.]].
وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ قال ابن عباس: فضربوهما وحبسوهما [[انظر: "الوسيط" 3/ 511. "مجمع البيان" 8/ 654.]].
﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ قال أبو إسحاق: (فقوينا وشددنا الرسالة برسول ثالث) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 282.]]. وهو قول جميع المفسرين [[انظر: "الطبري" 22/ 156، "الماوردي" 5/ 10، "زاد المسير" 7/ 11، "القرطبي" 15/ 14.]].
قال المبرد وأبو علي: من قرأ فعززنا بالتشديد، فالمعنى: شددنا وقوينا. ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه: قهرنا [[في (ب): (قهرنا).]] وعلينا من قوله -عز وجل-: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: 23]، وأنشد أبو علي لجرير:
أُعُزُّك بالحجاز وإن تَسَهَّل ... يعزز [[هكذا في النسخ، والصواب كما في "الديوان والحجة": بغور.]] الأرض يُنَتهب انتهابًا [[البيت من الوافر، لجرير في "ديوانه" ص65، وهو من قصيدة طويلة يهجو بها الراعي النميري، "الحجة" 6/ 38.]] [[لم أقف على قول المبرد. وانظر: "الحجة" 6/ 38.]]
قال أبو عبيد: وقراءتنا بالتشديد. لأن تأويل عززنا: غلبنا [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 83 (عز).]]. والتفسير الأول أشبه بالمعنى. [وقال الفراء: عززنا] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]]. وعززنا كقولك: شددنا وشددنا بالتخفيف والتثقيل [["معاني القرآن" 2/ 374.]]. ونحو ذلك قال الزجاج. ﴿فَقَالُوا﴾: يعني الرسل لأهل أنطاكية. ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. قالوا لهم:
يس 36:15
﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ قال مقاتل: يعني ما نرى لكم علينا من فضل في شيء. ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: لم يرسل رسولاً. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ بأنكم رسول الله [["تفسير مقاتل" 106 أ]].
يس 36:16
﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ وإن كذبتمونا.
يس 36:17
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: وما علينا إلا أن نبلغ ونبين لكم بان الله الواحد [لا شريك] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] له.
يس 36:18
فقال القوم للرسل: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ يعني: تشاءمنا بكم، وذلك أن المطر حبس عليهم فقالوا: أصابنا هذا الشر من قبلكم. ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ لئن لم تسكنوا. ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ لنقتلنكم. قال الفراء: (كقوله: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: 91] يريد القتل، وعامة الرجم في القرآن القتل) [["معاني القرآن" 2/ 374.]].
يس 36:19
﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد شؤمكم معكم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 370، أورده السيوطي في "الدر" 7/ 51 وعزاه لابن المنذر.]]. وهو لفظ الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 282.]]. وقال الضحاك عن ابن عباس: طائركم حظكم من الخير والشر [[انظر: "الطبري" 15/ 16، "البغوي" 4/ 9.]]. واختاره الفراء، فقال: (أي ما كان من خير وشر فهو في رقابكم لازم لكم) [["معاني القرآن" 2/ 374.]].
وهذا معنى قول مقاتل، يعني الذي أصابكم كان مكتوبًا في أعناقكم [["تفسير مقاتل" 156 أ.]]. وهذان القولان في الطائر ذكرنا استقصاهما عند قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 131]. وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13]. وتم الكلام هاهنا، ثم قال لهم: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ قال مقاتل: أين وعظتم بالله وتطيرتم [["تفسير مقاتل" 106 أ. والواو في قوله: وتطيرنا، زائدة من النساخ.]] بنا، وجواب الاستفهام محذوف، وهو ما ذكره مقاتل [[وهو قوله: تطيرتم بنا.]].
قال أبو علي: (كأنهم قالوا أين ذكرتم تشائمتم [[في (ب): (شائمتم).]]، فحذف الجواب لتقدم ما يدل عليه وهو قوله: ﴿تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾؛ لأن معنى تطيرنا تشائمنا) [["الحجة" 6/ 39.]]. ثم بينوا أن الأمر ليس على ما قالوا وشؤمهم إياهم من قبلهم، وهو قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.
قال ابن عباس ومقاتل: مشركون باللهِ [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 370، "تفسير مقاتل" 106 أ.]]. يعني: أنهم جاوزوا الحد حين أشركوا بالله.
يس 36:20
وقوله: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ قال المفسرون [[انظر: "تفسير مقاتل" 106 أ، "الطبري" 22/ 158، "بحر العلوم" 3/ 97، "الماوردي" 5/ 13.]]: هو حبيب النجار، وكان قد آمن بالرسل عند [[في (ب): (حين)]] ورودهم القرية. قال وهب: وكان منزله عند أقصى باب من أبواب القرية، فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل وهموا بقتلهم جاءهم وقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [[انظر: "الطبري" 22/ 158، "المحرر الوجيز" 4/ 450، "القرطبي" 15/ 18.]].
وقال قتادة ومقاتل: إنه كان رجلاً يعبد الله في غارٍ فلما سمع بالرسل جاءهم فقال: أتسألون أجرًا على ما جئتم به؟ قالوا: لا. فقال لقومه:
يس 36:21
﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يعني: الرسل [[انظر: "الطبري" 22/ 159، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 487، "تفسير مقاتل" 106 ب.]].
قال محمد بن إسحاق: أي ما يسألونكم أموالكم على ما جاءوكم به من الهدى ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ فاتبعوهم تهتدوا بهداهم [[انظر: "الطبري" 22/ 159، "ابن كثير" 3/ 568.]].
قال مقاتل: فلما قال، هذا أخذوه فرفعوه إلى الملك، فقال له: برئت منا وتبعت عدونا [["تفسير مقاتل" 106 ب.]].
وقال ابن عباس: قال لهم [[هكذا جاءت في النسخ، ومقتضى السياق: له.]] الملك: أفأنت تتبعهم؟
يس 36:22
فقال ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [[انظر: "الطبري" 22/ 160.]].
قال محمد بن إسحاق: إني آمنت بربكم الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي [[انظر: "الطبري" 22/ 160، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال كعب: إنه قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ثم أقبل على الرسل فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ليشهدهم على إيمانه [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 451، "القرطبي" 15/ 19، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 51، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]]. فعلى هذا الخطاب للرسل، وعلى ما قال محمد بن إسحاق الخطاب لقومه.
وقال الكلبي: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ يريد: فاشهدوا لي [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "زاد المسير" 7/ 13.]].
ومعنى فاسمعوا: اسمعوني، أي: اسمعوا مني. قال ذلك أبوعبيد [[انظر: "زاد المسير" 7/ 13.]].
وقال المبرد: فاسمعون أي: اسمعوا مني [[لم أقف عليه]]. وهذا مثل قولك: سمعت فلانًا يقول، وإنما المسموع قوله، ولكنه من المختصر المحذوف، وهو أكثر الكلام يجري على الألسنة، وحق الكلام أن تقول: سمعت من فلان ما قال. قال ابن عباس: فوثب عليه أهل مملكته حتى قتلوه [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال مقاتل: وطئ حبيب حتى خرج أمعاؤه من دبره، ثم ألقي في البئر وهو الرس، فهم أصحاب الرس، وقتلوا الرسل الثلاثة [["تفسير مقاتل" 106 ب.]].
وقال محمد بن إسحاق: وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه لضعفه وسقمه، وكان رجلاً قد أسرع فيه الجذام ولم [[هكذا في النسخ، ويبدو أن هناك كلمة ساقطة وهي: يكن.]] له أحد يدفع عنه [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "المحرر الوجيز" 4/ 451، "زاد المسير" 7/ 13.]].
قال كعب: أخذ فقذف في النار [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 51، ونسبه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]].
وقال قتادة: هذا رجل دعا قومه إلى الله -عز وجل- ومحضهم النصيحة فقتلوه على ذلك وأقبلوه يرجمونه، وهو يقول: اللهم اهد قومي، فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق [[انظر: "الطبري" 22/ 160، وقد ذكر القول إلى قوله: اللهم اهد قومي. وأورد هذا القول بتمامه: القرطبي 15/ 19 ونسبه للحسن. الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283 عن قتادة.]]. وهو قوله:
يس 36:23
فقال ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [[انظر: "الطبري" 22/ 160.]].
قال محمد بن إسحاق: إني آمنت بربكم الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي [[انظر: "الطبري" 22/ 160، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال كعب: إنه قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ثم أقبل على الرسل فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ليشهدهم على إيمانه [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 451، "القرطبي" 15/ 19، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 51، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]]. فعلى هذا الخطاب للرسل، وعلى ما قال محمد بن إسحاق الخطاب لقومه.
وقال الكلبي: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ يريد: فاشهدوا لي [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "زاد المسير" 7/ 13.]].
ومعنى فاسمعوا: اسمعوني، أي: اسمعوا مني. قال ذلك أبوعبيد [[انظر: "زاد المسير" 7/ 13.]].
وقال المبرد: فاسمعون أي: اسمعوا مني [[لم أقف عليه]]. وهذا مثل قولك: سمعت فلانًا يقول، وإنما المسموع قوله، ولكنه من المختصر المحذوف، وهو أكثر الكلام يجري على الألسنة، وحق الكلام أن تقول: سمعت من فلان ما قال. قال ابن عباس: فوثب عليه أهل مملكته حتى قتلوه [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال مقاتل: وطئ حبيب حتى خرج أمعاؤه من دبره، ثم ألقي في البئر وهو الرس، فهم أصحاب الرس، وقتلوا الرسل الثلاثة [["تفسير مقاتل" 106 ب.]].
وقال محمد بن إسحاق: وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه لضعفه وسقمه، وكان رجلاً قد أسرع فيه الجذام ولم [[هكذا في النسخ، ويبدو أن هناك كلمة ساقطة وهي: يكن.]] له أحد يدفع عنه [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "المحرر الوجيز" 4/ 451، "زاد المسير" 7/ 13.]].
قال كعب: أخذ فقذف في النار [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 51، ونسبه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]].
وقال قتادة: هذا رجل دعا قومه إلى الله -عز وجل- ومحضهم النصيحة فقتلوه على ذلك وأقبلوه يرجمونه، وهو يقول: اللهم اهد قومي، فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق [[انظر: "الطبري" 22/ 160، وقد ذكر القول إلى قوله: اللهم اهد قومي. وأورد هذا القول بتمامه: القرطبي 15/ 19 ونسبه للحسن. الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283 عن قتادة.]]. وهو قوله:
يس 36:24
فقال ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [[انظر: "الطبري" 22/ 160.]].
قال محمد بن إسحاق: إني آمنت بربكم الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي [[انظر: "الطبري" 22/ 160، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال كعب: إنه قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ثم أقبل على الرسل فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ليشهدهم على إيمانه [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 451، "القرطبي" 15/ 19، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 51، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]]. فعلى هذا الخطاب للرسل، وعلى ما قال محمد بن إسحاق الخطاب لقومه.
وقال الكلبي: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ يريد: فاشهدوا لي [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "زاد المسير" 7/ 13.]].
ومعنى فاسمعوا: اسمعوني، أي: اسمعوا مني. قال ذلك أبوعبيد [[انظر: "زاد المسير" 7/ 13.]].
وقال المبرد: فاسمعون أي: اسمعوا مني [[لم أقف عليه]]. وهذا مثل قولك: سمعت فلانًا يقول، وإنما المسموع قوله، ولكنه من المختصر المحذوف، وهو أكثر الكلام يجري على الألسنة، وحق الكلام أن تقول: سمعت من فلان ما قال. قال ابن عباس: فوثب عليه أهل مملكته حتى قتلوه [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال مقاتل: وطئ حبيب حتى خرج أمعاؤه من دبره، ثم ألقي في البئر وهو الرس، فهم أصحاب الرس، وقتلوا الرسل الثلاثة [["تفسير مقاتل" 106 ب.]].
وقال محمد بن إسحاق: وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه لضعفه وسقمه، وكان رجلاً قد أسرع فيه الجذام ولم [[هكذا في النسخ، ويبدو أن هناك كلمة ساقطة وهي: يكن.]] له أحد يدفع عنه [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "المحرر الوجيز" 4/ 451، "زاد المسير" 7/ 13.]].
قال كعب: أخذ فقذف في النار [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 51، ونسبه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]].
وقال قتادة: هذا رجل دعا قومه إلى الله -عز وجل- ومحضهم النصيحة فقتلوه على ذلك وأقبلوه يرجمونه، وهو يقول: اللهم اهد قومي، فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق [[انظر: "الطبري" 22/ 160، وقد ذكر القول إلى قوله: اللهم اهد قومي. وأورد هذا القول بتمامه: القرطبي 15/ 19 ونسبه للحسن. الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283 عن قتادة.]]. وهو قوله:
يس 36:25
فقال ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [[انظر: "الطبري" 22/ 160.]].
قال محمد بن إسحاق: إني آمنت بربكم الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي [[انظر: "الطبري" 22/ 160، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال كعب: إنه قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ثم أقبل على الرسل فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ليشهدهم على إيمانه [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 451، "القرطبي" 15/ 19، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 51، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]]. فعلى هذا الخطاب للرسل، وعلى ما قال محمد بن إسحاق الخطاب لقومه.
وقال الكلبي: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ يريد: فاشهدوا لي [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "زاد المسير" 7/ 13.]].
ومعنى فاسمعوا: اسمعوني، أي: اسمعوا مني. قال ذلك أبوعبيد [[انظر: "زاد المسير" 7/ 13.]].
وقال المبرد: فاسمعون أي: اسمعوا مني [[لم أقف عليه]]. وهذا مثل قولك: سمعت فلانًا يقول، وإنما المسموع قوله، ولكنه من المختصر المحذوف، وهو أكثر الكلام يجري على الألسنة، وحق الكلام أن تقول: سمعت من فلان ما قال. قال ابن عباس: فوثب عليه أهل مملكته حتى قتلوه [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال مقاتل: وطئ حبيب حتى خرج أمعاؤه من دبره، ثم ألقي في البئر وهو الرس، فهم أصحاب الرس، وقتلوا الرسل الثلاثة [["تفسير مقاتل" 106 ب.]].
وقال محمد بن إسحاق: وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه لضعفه وسقمه، وكان رجلاً قد أسرع فيه الجذام ولم [[هكذا في النسخ، ويبدو أن هناك كلمة ساقطة وهي: يكن.]] له أحد يدفع عنه [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "المحرر الوجيز" 4/ 451، "زاد المسير" 7/ 13.]].
قال كعب: أخذ فقذف في النار [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 51، ونسبه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]].
وقال قتادة: هذا رجل دعا قومه إلى الله -عز وجل- ومحضهم النصيحة فقتلوه على ذلك وأقبلوه يرجمونه، وهو يقول: اللهم اهد قومي، فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق [[انظر: "الطبري" 22/ 160، وقد ذكر القول إلى قوله: اللهم اهد قومي. وأورد هذا القول بتمامه: القرطبي 15/ 19 ونسبه للحسن. الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283 عن قتادة.]]. وهو قوله:
يس 36:26
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾. قال أبو إسحاق: المعنى فلما عذبوه [[هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: عذبه.]] قومه، قيل: ادخل الجنة، فلما شاهدها قال: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283.]].
وقال مقاتل: لما ذهب بروح حبيب إلى الجنة ودخلها وعاين ما فيها من النعيم، تمنى فقال [["تفسير مقاتل" 106 ب.]]:
يس 36:27
﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ اختلفوا فيها؛ فقال الكسائي: بالذي غفر لي ربى أي: بمعرفته، فعلى هذا هو ما المصدر؛ لأنه مع الفعل بمنزلة المصدر [[انظر "الدر المصون" 5/ 479، "القرطبي" 15/ 19، "البحر المحيط" 7/ 316.]]. قال الفراء: ولو جعلت ﴿وَمَا﴾ في موضع أي كان صوابا، ويكون المعنى: ليتهم يعلمون بأي شيء غفر لي ربي [["معاني القرآن" 2/ 374، وانظر: "المصادر السابقة".]]. فقال الكسائي: لو كانت كذلك لكانت ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ بنقصان الألف كما تقول: سل عم شئت [[انظر: "المصادر السابقة".]]، وكقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال الفراء: (يجوز أن يكون تمامًا وهو استفهام، وأنشد:
إنا قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللواء ففيم يكثر القتل) [[البيت من البسيط، وهو لكعب بن مالك في "ديوانه" ص 255، "خزانة الأدب" 6/ 106.
والشاهد فيه: قوله: ففيما، حيث أثبت ألف ما الاستفهامية المتصلة بحرف الجر، وسراة القوم: خيارهم. والقول والقيل واحد. "الخزانة" 6/ 107.
وكلام الفراء في "معاني القرآن" 2/ 275.]]
وذكر أبو إسحاق الوجهين فقال: (أي بمغفرة ربي قال: وقيل: أي ليتهم يعلمون بالعمل والإيمان الذي غفر لي به ربي. قال: وحذف الاَّلف في هذا المعنى أجود) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283.]]. وهذا قول مقاتل قال: يعني بأي شيء غفر لي ربي، أي: إنما غفر لي باتباعي المرسلين، فلو علموا لآمنوا بالرسل، فنصح لهم في حياته وبعد موته [["تفسير مقاتل" 106/ ب.]]. وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: قال محمد -ﷺ-: "نصح لقومه حيًّا وميتًا" [[انظر: "ابن كثير" 3/ 568، وقد أورد السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 98، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 4/ 451 غير منسوب لأحد.]]. وقال قتادة: تمنى الرجل -والله أعلم- أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله، وذلك قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أي: من المدخلين الجنة [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "القرطبي" 15/ 20.]]. قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283.]]. وحبيب هذا الذي يقال له: صاحب يس، قال رسول الله -ﷺ-: "سباق الأمم ثلاثة: صاحب يس حبيب النجار [مؤمن] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] آل يس، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم" [[هذا الأثر أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 3/ 235 أ، بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه. وأورده الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 659، ونسبه للثعلبي، وأورده الزمخشري في "الكشاف" 3/ 283. وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" 3/ 162: رواه الطبراني بنقص في "معجمه" من حديث حسين بن حسن الأشقر، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، ورواه كذلك ابن مردويه في "تفسيره"، والعقيلي في "الضعفاء" وأعله بحسين الأشقر وقال: إنه شيعي متروك، ولا يعرف هذا إلا من جهته، وهو حديث منكر، ورواه بلفظ المصنف الثعلبي من حديث عمرو بن جميع، عن محمد بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه. قال: وفيه عمرو بن جميع، وهو متروك ا. هـ.]].
وروي عن علي بن زيد بن جدعان أن عروة بن مسعود الثقفي صعد سور الطائف، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فرماه رجل من قومه بسهم فقتله، فقال النبي -ﷺ-: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل صاحب يس" [[هذا الأثر أورده ابن كثير 3/ 568، ونسبه لابن أبي حاتم، وذكره ابن حجر في "الإصابة" 2/ 47 عن ابن إسحاق، وكذا ابن عبد البر في "الاستيعاب" 3/ 112، وابن الأثير في "أسد الغابة" 3/ 406]].
قال ابن مسعود: فلما قتلوا حبيبًا، غضب الله لاستضعافهم إياه غضبًا لم يبق من القوم شيئًا، وعجل الله لهم [[في (ب): (عليهم).]] النقمة بما استحلوا منه فقال قومه:
يس 36:28
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: الملائكة [[انظر: "الطبري" 23/ 1.]]. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 106/ ب.]].
وقال ابن مسعود: أي ما كابدناهم بالجوع، أي: الأمر أيسر علينا من ذلك [[انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3192، "القرطبي" 15/ 30.]].
وقال الكلبي: لم يبعث إليهم الملائكة [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "البغوي" 4/ 11، "زاد المسير" 7/ 14، "القرطبي" 15/ 20.]].
وقال الضحاك: ما استغثنا بأهل السماء عليهم [[لم أقف عليه عن الضحاك، وقد ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3193 عن ابن مسعود.]].
وقال أبو إسحاق: لم ننتصر للذين [[هكذا في النسخ، والصواب: للذي.]] قتلوه بجند [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283.]].
هذا الذي ذكرنا قول جميع أهل العلم والتفسير.
وقال مجاهد: أي لم نبعث إليهم رسالة بعده من السماء ولا أتاهم نبي [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 534.]]. والقول ما عليه الناس. وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ على قوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ}، والباقون: جعلوا هذا توكيدًا لأول الكلام [[في (ب): (للكلام)، وهو خطأ.]].
وأنكر صاحب النظم القولين جميعًا فقال: لا يجوز أن يكون المعنى لم ينزل على أحد جندا؛ لأنه أنزل الجند على أهل بدر وحنين، ولا يجوز أن يكون مكررًا على ما قبله؛ لأنه لا يكون نظمًا حسيا، وفيه أيضًا حمل الكلام على التكرير ولكن (ما) هاهنا اسم، والمعنى: لم ينزل عليهم حتى أهلكناهم جندًا من السماء ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ ولا ما كنا ننزله على من قبلهم من الأمم، إذ أهلكناهم بمثل الماء للغرق والصاعقة والريح، وهذا في النظم كقوله: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ولا [[(لا) ساقطة من (ب).]] على الذي فطرنا. وعلى ما ذكر صاحب النظم ما يكون معطوفًا على قوله: من جندٍ، أي: لم ينزل عليهم [جندًا] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] ولا ريحًا ولا صاعقة ولا ماء، ثم بين أيش [[يعني: أي شيء.]] كانت عقوبتهم فقال:
يس 36:29
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: كانت صيحة من جبريل، أخذ بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة فإذا هم ميتون لا يسمع لهم صوت، مثل النار إذا أطفأت [[ذكر هذا القول البغوي 4/ 11، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 14، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 569، والشوكاني في "فتح القدير" 4/ 367، ونسبوه لأكثر المفسرين.]].
قال ابن مسعود: أهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض ولم يبق منهم باقية [[انظر: "ابن كثير" 3/ 569.]]. وقال قتادة: ما نوظروا بعد قتلهم إياه حتى أخذتهم الصيحة [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 452، "ابن كثير" 3/ 569.]].
قال الزجاج: (ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة فإذا خامدون: أي ساكتون، قد ماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283.]].
يس 36:30
وقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ معنى الحسرة في اللغة: أشد الندامة، وذكرنا اشتقاقها فيما تقدم [[عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة مريم: 39]. قال المؤلف رحمه الله هناك: والحسرة هي الندامة، يتحسر المسيء هلَّا أحسن العمل، ولم يذكر اشقاق الحسرة فعله وهم رحم الله حينما أحال على ذلك الموضع.]]، وهذه نكرة موصوفة، قال الفراء: (والعرب إذا نادت نكرة موصولة بشيء آثرت النصب، يقولون: يا رجلاً كريمًا أقبل، ويا راكبًا على البعير أقبل) [["معاني القرآن" 2/ 375.]].
وقال المبرد: نصبه كنصب نداء النكرة، كقولك: يا رجلاً أقبل، ومثله قول الصلتان:
فيا شاعرًا لا شاعرَ اليومَ مثلُه [[هكذا في النسخ، والصواب: (أيا شاعرًا لا شاعر اليوم مثله).]] ... جريرٌ [[في (ب) زيادة في أول الشطر الثاني: (ومعنى)، وهو خطأ.]] ولكن في كليبٍ تواضعُ [[البيت الطويل. وهو للصلتان العبدي في "الكامل" 3/ 1111، "المقتضب" == 4/ 215، "الشعر والشعراء" ص 314، "الكتاب" 2/ 237، "معاهد التنصيص" 1/ 75.
والشاهد فيه قوله: أيا شاعرًا، حيث نصب المنادى من قبيل الشبيه بالمضاف؛ لأنه موصوف بجملة.]] ومعنى نداء الحسرة تنبيه لأن يتمكن علم المخاطب بالحسرة، كما يقال: يا عجبًا أتفعل كذا، والمعنى: يا عجيب أقبل، فإنه من أمامك، ونداء العجب أبلغ في الفائدة كذلك نداء الحسرة، وهو معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 284. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 391، "الفريد في إعراب القرآن" 4/ 106، "الكشاف" 3/ 285.]].
قال ابن عباس: يا حسرة على العباد في الآخرة باستهزائهم بالرسل في الرسل [[هكذا في جميع النسخ، وهو تصحيف، ولعل الصواب: الدنيا.]] [[لم أقف على من نسب القول لابن عباس. وقد أورد المؤلف في "الوسيط" 3/ 513، ونسبه لمجاهد ومقاتل، وهو في "تفسير مقاتل" 106 ب، "تفسير مجاهد" ص 534.]]. ثم بين سبب الحسرة فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ أي: في الدنيا، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ثم خوف كفار مكة مثل عذاب الأمم الخالية في الدنيا ليعتبروا [فقال] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، وهذه الكلمة لا يحتاجها السياق.]].
يس 36:31
وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال أبو إسحاق: (موضع كم نصب بأهلكنا؛ لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها، خبرًا كانت أو استخبارًا. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أنهم بدل من معنى ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ والمعنى: ألم يروا أن القرون التي أهلكنا أنهم لا يرجعون) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 285.]].
والتفسير: لم يعتبروا بمن أهلكنا من قبلهم من القرون فيخافوا أن يعجل لهم في الدنيا مثل الذي عجل لغيرهم ممن أهلك، وأنهم مع ذلك لا يعودون إلى الدنيا أبدًا.
يس 36:32
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ قرئ: لما بالتخفيف والتشديد، فمن خفف فما زائدة [[ما نقله المؤلف رحمه الله هنا عن الزجاج من القول بأن (ما) زائدة، قال به أيضًا الزمخشري في "الكشاف" 2/ 295، وذكره أيضًا السمين في "الدر" 6/ 401، ولكن هذا القول لا ينبغي أن يقال؛ لأنه ينافي الأدب مع القرآن، فالقول بأن هذا الحرف زائد يوحي بأنه لا فائدة له، وهذا ليس صحيحًا في حق كلام الله جل وعلا. يقول ابن هشام في كتابه "الإعراب عن قواعد الإعراب" ص 108 - 109: وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف من كتاب الله: إنه زائدة لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزه عن ذلك. والزائد عند النحويين معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد لا المهمل، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة، وبعضهم يسميه لغوًا، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب ا. هـ.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" 16/ 537 بعد أن تكلم عن التكرار والزيادة في كلام العرب: (فليس في القرآن من هذا شيء ولا يذكر فيه لفظًا زائدًا إلا لمعنى زائد، وإن كان في ضمن ذلك التوكيد، وما يجيء به من زيادة اللفظ في مثل قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة آل عمران: 159] وقوله: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: 40] وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿الأعراف: 3﴾ فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه، فزيادة اللفظ لزيادة المعنى، وقوة اللفظ لقوة المعنى) ا. هـ.
وانظر: "التأويل النحوي في القرآن الكريم" 2/ 1277 وما بعدها. "البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن" ص 302، "البرهان" للزركشي 2/ 177.]] مؤكدة، والمعنى: وإن كل لجميع لدينا محضرون، ومن شدد جعل لما بمعنى إلا تقول: سألتك لما فعلته، وإلا فعلت، هذا قول الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 286.]].
وقال الفراء: (الوجه التخفيف؛ لأنها ما أدخلت عليها لام يكون جوابًا لأن كأنك قلت: وإن كل لجميع. وأما من ثقل فإنه يجعل لما بمنزلة إلا مع أن خاصة، كأنها ضمت إليها ما [[(ما) ساقطة من (ب).]] فصار جميعًا استثناء وخرجتا من حد الجحد إذا جمعتا فصارتا حرفًا واحدًا) [["معاني القرآن" 2/ 377.]] هذا كلامه. ومعنى قوله: بمنزلة إلا مع أن خاصة، يعني أن إلا كلمتان أولاهما التي هي جحد بمنزلة ما ولا أيضًا جحد جمع بينهما فصارتا استثناء، وكذلك لما جحد إن اجتمعتا لم وما فتشابهتا في هذا المعنى، وهذا كلام صاحب النظم في شرح ما ذكره الفراء قال: وكان الكسائي ينفي هذا القول، ويقول: لا أعرف جهة لما بالتشديد في القراءة [[انظر: "الدر المصون" 4/ 140، "البحر المحيط" 7/ 319، "القرطبي" 15/ 24.]]. وقد ذكرنا استقصاء هذه المسألة في سورة هود عند قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: 111] وتفسير مقاتل موافق لمذهب من شدد لما؛ لأنه يقول: وما إلا جميع لدينا محضرون [[لم أقف على هذا التفسير عن مقاتل.]]. ومن خفف لما كان أن في قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ بمنزلة المشددة، ولكنها إذا خففت لم تنصب، وهذه الجملة قد أشبعنا الكلام فيها في سورة هود.
قال أبو إسحاق: (تفسير الآية: أنهم يحضرون يوم القيامة فيقفون على ما عملوا) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 286.]].
يس 36:33
ثم وعظ كفار مكة أن يتفكروا في صنعه ليعرفوا توحيده، فقال: [[في (ب) زيادة: (وقوله تعالى)، وهي زيادة لا يحتاجها السياق.]] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾. واختلفوا في الكناية في قوله: ﴿ثَمَرِهِ﴾. فقال أبو عبيدة: (العرب تذكر الإثنين ثم تقتصر على الخبر عن أحدهما، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾.
وقال الأزرق بن طرفة بن العَمرَّد [[لم أقف له على ترجمة.
والبيت من الطويل، مختلف في نسبته، فالأكثر ينسبه لعمر بن أحمر وهو في "ديوانه" ص 187، "الدرر" 2/ 62، "الكتاب" 1/ 75، ونسبه أبو عبيدة لطرفة بن العمرَّد كما في "مجاز القرآن" 2/ 161، وله أو لابن أحمر كما في "اللسان" 11/ 132 (حول). وهو غير منسوب في "المصون من الأدب" ص 84.
والشاهد فيه: حذف خبر كان، والتقدير: كنت منه بريئًا، وعليه فبريئًا الموجود خبر لكان المحذوفة مع اسمها.
ومعنى رماني: أي قذفني بأمر أكرهه، والطوي: هي البئر المطوية بالحجارة. "الكتاب" 1/ 75.]]:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بري ومن أجل الطوي رماني
فاقتصر على خبر واحد، وقد أدخل الآخر معه) [["مجاز القرآن" 2/ 161.]]. فعلى قول الكناية تعود إلى مضمر مراد في اللفظ وهو الماء؛ لأن قوله:
يس 36:34
﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ تقديره: وفجرنا فيها ماء من العيون.
يس 36:35
﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ لأن الثمار لا تكون إلا من الماء وبالماء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ يجوز أن تكون [[في (أ): (يكون).]] ما موصولة بمعنى الذي، ويكون في موضع خفض [[في (أ): (خفين)، وهو تصحيف.]] عطفًا على التمر: ليأكلوا من ثمره ومما عملت أيديهم. وهذا معنى قول ابن عباس؛ لأنه قال: يريد من الغروس، يعني أن الغروس من عمل أيدينا [[انظر:: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 492، "القرطبى" 15/ 25، "ابن كثير" 3/ 570.]].
قال صاحب النظم: المعنى ويأكلوا بما عملت أيديهم بالمقاساة بالحراثة كما قال -عز وجل-: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: 63] فأضاف الحراثة إليهم. وعلى هذا العائد من الصلة إلى الموصول محذوف على قول [[في (أ): (قوله)، وهو خطأ.]] من قرأ: عملت بغير هاء، وأكثر ما جاء في التنزيل من هذا على حذف كقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ و ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ و ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ و ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾. وكل هذا على إرادة الهاء وحذفها، وقد جاء الإثبات في قوله: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ويكون هذا كقول [[في (أ): (كقوله)، وهو خطأ.]] من قرأ: عملته بالهاء، في أنه ردَّ الكناية من الصلة إلى الموصول. ويجوز أن يكون في قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ نفيًا على معنى: ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيديهم ولكن من فعلنا.
وقال الضحاك: أي وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها [[انظر: "الماوردي" 5/ 16، "البغوي" 4/ 12،"مجمع البيان" 8/ 661.]].
قال الفراء: (إذا جعلت (ما) جحدًا لم تجعل لها موضعًا، ويكون المعنى: إنا جعلنا لهم الجنات والنخيل والأعناب، ولم تعملها أيديهم) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 377.]] ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. ومن قدر هذا التقدير لم يكن ﴿عَمِلَتْهُ﴾ صلة، وإذا لم يكن صلة لم يقتض الهاء الراجعة إلى الموصول، ويجوز أيضًا أن تكون (ما) نافية على قراءة من أثبت الهاء في عملته، وتكون الهاء كناية عن لفظ الثمر والتمر لم تعمله أيدي الناس، إنما ظهر بقدرة الله وإيجاده. وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء [[المصدر السابق.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 286.]]، وأبي علي [["الحجة" 45/ 6.]] رحمهم الله.
وقوله: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ قال ابن عباس: أفلا يطيعون [[لم أقف عليه عن ابن عباس.]].
قال مقاتل: أفلا يشكرون رب هذه النعم ويوحدونه [["تفسير مقاتل" 107 أ.]].
يس 36:36
ثم نزه نفسه وعجب خلقه فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ قال ابن عباس: والحبوب.
﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال قتادة ومقاتل: يعني الذكر والأنثى، والأزواج من النبات أجناسه، ومن الأنفس الذكر والأنثى [["تفسير مقاتل" 107 أ، ولم أقف عليه عن قتادف]].
وقوله: ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال الكلبي: من سائر الخلق [[لم أقف عليه عن الكلبي، وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 17 نحوه ولم ينسبه.]].
وقال مقاتل: [ومما لا يعلمون من الخلق] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ) منسوبًا للزجاج، وهو خطأ.]] [["تفسير مقاتل" 107 أ.]].
وقال الزجاج: (ومما لا يعلمون مما خلق الله من جميع الأنواع والأشباه) [["معاني القرآن وإعرابه"" 4/ 287.]]، والمعنى: أن الله خالق الأنواع مما يعلمون، وهو ما ذكر من النبات والأنفس، ومما لا يعلمون بما لا يقف عليها من دواب البر والبحر وغيرها من الأشياء التي لا نعلمها [[في (أ): (يعلمها)، وهو تصحيف.]].
يس 36:37
وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أي: علامة تدل على قدرتنا. ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ قال الكلبي ومقاتل: [..] [[قدر كلمة في جميع النسخ غير واضحة، والظاهر والله أعلم أنها: ينزعه.]] ويذهب به [[انظر: "تفسير التعلبي" 3/ 235 ب]]. قال أبو عبيدة: (نخرج ونميز منه فيجيء الظلمة، يقال للرجل: سلخه الله من دينه) [["مجاز القرآن" 2/ 161.]]. وقال الفراء: (معناه نسلخ عنه النهار فرمي بالنهار عنه فيأتي بالظلمة) [["معاني القرآن" 2/ 378.]]. وقال الزجاج: (نخرج منه النهار إخراجًا لا يبقى معه شيء في ضوء النهار [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 287.]]. هذا كلامه.
ومعنى السلخ في اللغة: كشطك الإهاب، ثم تستعمل فيه أشياء كثيرة تكون بمعنى الإخراج، والإنسلاخ: الخروج، كقوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175] وانسلخت الشمس أي استكملت أيامه [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 170، "اللسان": 3/ 54 (سلخ)، "عمدة الحفاظ" 2/ 241.]]. وقد مر الكلام في هذا [[عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: 5].]].
وتحقيق معنى نسلخ [[في (ب): (لنسلخ)، وهو خطأ.]] من النهار: أن الظلمة هي الأصل والنهار داخل عليها يسترها بضوئه، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل، أي كشط وأزيل كما يكشط [[في (أ): (يكشف)، وهو تصحيف.]] الشيء الطارئ على الشيء، فجعل ذهاب الضوء ظهور الظلمة كالسلخ من الشيء فيظهر المسلوخ بعد سلخ إهابه [[في (ب): (منه).]].
قال أبو علي: (وآية ترتفع بالإبتداء، ولهم صفة للنكرة، والخير مضمر تقديره: وآية لهم في المشاهدة أو في الوجود) [["الحجة" 6/ 40.]].
وقوله تعالى: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ الآية كما أن قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ تفسير للوصية) [النساء: 11]
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي: داخلون في الظلمة. يقال: أظلمنا، أي: دخلنا في ظلام الليل، وجاء فلان مظلمًا أي بليل.
يس 36:38
قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ قال أبو إسحاق: المعنى وآية لهم الشمس تجري لمستقر لها [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 287.]].
قال المبرد وابن قتيبة: أي إلى مستقر لها، كما تقول: هو [[في (أ): (هم)، وهو تصحيف.]] يجري لغايته وإلى غايته [["تفسير غريب القرآن" ص 365، "تأويل المشكل" ص 316، ولم أقف على قول المبرد.]].
واختلفوا في مستقر الشمس، فروى أبو ذر أن النبي -ﷺ- قال في هذه الآية: "مستقرها تحت العرش" [[الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التوحيد" باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ وقوله جل ذكره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ 6/ 2703 رقم 6996، والإمام مسلم في "صحيحه" كتاب: الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان 1/ 139 رقم 251.]] وهو قول ابن عباس قال: يريد تحت عرش الرحمن [[لم أقف عليه.]].
وعلى هذا هي إذا غربت كل نهار استقرت تحت عرش الرحمن إلى أن تطلع، يدل عليه ما روى أبو ذر أنه قال: كنت مع رسول الله -ﷺ- في المسجد عند غروب الشمس فقال: "أتدري أين تغرب؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: "يذهب بها حتى ينتهي تحت العرش ثم تستأذن فيؤذن بها، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 125 - 177، والترمذي في "سننه" "كتات التفسير"، تفسير سورة يس 5/ 42 رقم 3280. وقال هذا حديث حسن صحيح.]].
وقال قتادة: إلى وقت وأجل لها لا تعدوه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 235 ب، "الطبري" 23/ 6، "الماوردي" 5/ 11.]]. ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 107 أ.]] وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها عند إنقضاء الدنيا، وهو اختيار أبي إسحاق فقال: (لمستقرها أي: لأجل قد أجل لها) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 287.]].
وقال الكلبي: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى آخر مستقرها الذي لا تجاوزه، ثم ترجع إلى منازلها حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع، فذلك مستقرها؛ لأنها لا تجاوزه [[انظر: "الماوردي" 5/ 17، "زاد المسير" 7/ 19، وأورد هذا القول ولم ينسبه: ابن عطية في "المحرر الوجيز" 4/ 454، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 663.]]. وعلى هذا (لمستقرها) أي: لمستقر لسيرها لا يزيد إذا انتهى إليه انصرف ورجع.
وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: ذلك الذي ذكره من أمر الليل والنهار والشمس. ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بما قدر من أمرها.
يس 36:39
قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ قرئ: والقمر بالرفع والنصب، فالرفع بتقدير: وآية لهم القمر، كما ذكرنا في قوله: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ﴾ و ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾. ويجوز أن يكون ابتداء وقدرناه الخبر، والنصب على: وقدرنا القمر قدرناه، وقد حمله سيبويه على: زيدًا أضربته، قال: وهو عربي. هذا كلام أبي إسحاق وأبي علي [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 287، "الحجة" 6/ 39 - 40.]].
وقال الفراء: في القمر [[هكذا في جميع النسخ، وهو خطأ، والصواب كما في "معاني القرآن" للفراء: الرفع في القمر ..]] أعجب إلى؛ لأنه قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ ثم جعل الشمس والقمر متبعين الليل، وهما آيتان مثله [["معاني القرآن" 2/ 378.]].
وقال أبو عبيدة: النصب أحب إلي؛ للفعل المتقدم قبله والمتأخر بعده، فالمتقدم قوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، والمتأخر قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ والتقدير في الآية: قدرناه ذا منازل، كما ذكرنا في قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [[في (أ): (وقدرناه) بزيادة الواو، وهو خطأ.]] ثم حذف المضاف [[لم أقف على قول أبي عبيد. وانظر في توجيه هذه القراءة: القراءات وعلل النحويين فيها 2/ 564، "الحجة في القراءات السبع" ص 298، "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها"، "حججها" ص 216.]]. ومنازل القمر معروفة، وهي: ثمانية وعشرون منزلة، من أول الشهر إلى ثمان وعشرين ليلة منه تم فإذا صار في آخر منازله دق وذلك [[في (ب): (فذلك).]]
قوله: [[في (أ) زيادة بعد قوله: (وقوله)، وهو خطأ.]] ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. قال أبو إسحاق: (العرجون عود العذق الذي تركبه الشماريخ من العذق، وهو فعلول من الانعراج، وإذا جف وقدم دق وصغر، يشبه [[في (أ): (يشبهه).]] به الهلال في آخر الشهر وفي أول مطلعه) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 288.]]. واستقوس [[هكذا جاء الكلام في جميع النسخ، والذي يظهر أن هناك عدم ترابط بين كلام أبي إسحاق وكلام المؤلف بسبب سقط كلمة أو نحوها.]] فشبه القمر ليلة ثماني وعشرين، والآية مختصرة؛ لأن التقدير: فسار في منازله حتى عاد كالعرجون، ودل قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [[في (ب): (وقدرناه) زيادة الواو، وهو خطأ.]] على هذا المحذوف وهو السير؛ لأن كونه ذا منازل يقتضي سيره فيها. وقال الكلبي: كالعرجون اليابس قد حال عليه الحول فتوش [[هكذا في النسخ، ولعل الصواب: (فتقوس).]] [[لم أقف عليه.]]. ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 107 أ.]].
والعرجون على ما ذكر أبو إسحاق من الثلاثي؛ لأنه [[في (ب): (لا أنه)، وهو خطأ.]] جعل النون زائدة، وذكره الليث في باب الرباعي فقال: العرجون أصل العذق، وهو أصفر عريض يشبه به الهلال إذا انمحق. قال: والعرجنة تصوير عراجين النخل [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 320 (عرجن).]].
وقال رؤبة:
في خدر مياس الدجى معرجن [[عجز بيت من الرجز، وصدره:
أوذكر ذات الرَّبد المعهن.
وهو لرؤبة في "ديوانه" ص 161، "تهذيب اللغة" 3/ 320، "اللسان" 13/ 284 (عوجن).]]
أي: مصور فيه صورة النخل [[في (ب): (القتل)، وهو خطأ.]] والدمى.
يس 36:40
قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قال الكلبي: لا تجري الشمس في سلطان القمر فيذهب بصره. ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ فيجئ قبل وقته [[لم أقف عليه منسوبًا للكلبي. وانظر: "البغوي" 4/ 13، "زاد المسير" 7/ 20.]].
وقال مقاتل: يقول: فلا يدرك سواد الليل ضوء النهار فيغلبه على ضوئه [["تفسير مقاتل" 107 أ.]]. وحقيقة المعنى ما ذكره أبو إسحاق فقال: أي لا يذهب أحدهما بمعنى الآخر [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 288.]].
وشرح ابن قتيبة معنى ما ذكره المفسرون فقال: (في هذه الآية يقول الله تعالى إنهما يسيران الدهر دائبين لا يجتمعان، فسلطان القمر بالليل وسلطان الشمس بالنهار، ولو أدركت الشمس القمر لذهب ضوئه، وبطل سلطانه، ودخل النهار على الليل، وقد قال الله تعالى حين ذكر يوم القيامة: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ وذلك عند إبطال هذا التدبير ونقض هذا التأليف، وكما لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه، وهو قوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: هما يتعاقبان، فلا يذهب الليل قبل مجيء النهار [["تأويل مشكل القرآن" 317 - 318.]] وهذا معنى آخر سوى الأول.
وقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي: يجرون، يعني الشمس والقمر والنجوم. وقال أبو إسحاق: (أي يسيرون فيه بانبساط، وكل من انبسط في شيء فقد سبح فيه، ومن ذلك: السباحة في الماء) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 288.]]. وسبق في سورة الأنبياء تفسير قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [[آية 33.
وانظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 242 أ، قال: والفلك في كلام العرب: كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك. هذا معنى الفلك في قول أهل اللغة، وأما المفسرون فقال السدي في قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ أي كل في مجرى واستدراجه. وقال الكلبي: الفلك استدارة السماء، وكل شء استدار فهو فلك وعلى هذا، المراد بالفلك السماء، والسماء مستديرة والنجوم تدور فيها، وهذا معنى قول مجاهد.]].
يس 36:41
وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾. قال مقاتل: وعلامة لكفار مكة. ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يعني: ذرية أهل مكة في أصلاب آبائهم وعلى هذا المراد بالذرية: الأولاد وأولادهم كانوا في أصلاب من حمل مع نوح في سفينة [["تفسير مقاتل" 107 أ.]]. وقال آخرون: المراد بالذرية هاهنا الآباء والأجداد، والمعنى: حملنا آبائهم الذين هؤلاء من نسلهم في الفلك المشحون. قال ثعلب: الذرية تقع على الآباء، واحتج بهذه الآية [[لم أقف عليه عن ثعلب، والقول في "تهذيب اللغة" 15/ 4 (ذرأ) عن الليث]].
وقال [[(الواو) ساقطة في (ب).]] الفراء: جعل ذرية التي كانت مع نوح لأهل مكة؛ لأنها أجل لهم [["معاني القرآن" 2/ 379.]].
وقال الزجاج: قيل لأهل مكة حملنا ذريتهم؛ لأن من حمل مع نوح فهم آباؤهم وذرياتهم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 288.]]. فهذه الأقوال تدل على أن الآباء يجوز أن تسمى ذرية الأبناء.
وقد كشف صاحب النظم على هذا فقال: جعل الله تعالى الآباء ذرية للأبناء، وجاز ذلك. لأن الذرية مأخوذة من: ذرأ [[في (ب): (ذر الله).]] الله الخلق، فسمى الولد ذرية؛ لأنه ذرى من الأب، فكما جاز أن يقال للولد: ذرية لأبيه، لأنه ذري منه، وكذلك يجوز أن يقال للأب: ذرية للابن؛ لأن ابنه ذري منه، فالفعل يتصل به من أحد الوجهين، وهذا كما تقول في المصدر فإنه سمي [[في (ب): (سعى)، وهو تصحيف.]] به الفاعل مرة والمفعول أخرى، نحو: درهم ضرب الأمير، ونسج اليمن، وكقول ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: 30] أي: غائرًا وهو كثير، وكذلك يضاف المصدر [[جاءت العبارة في (أ) هكذا: وكذلك يضاف المصدر إلى المصدر مرة إلى الفاعل ومرة إلى المفعول، وهو خطأ.]] إلى الفاعل مرة ومرة إلى المفعول، لاشتماله عليهما واشتراكهما في التسمية به. والمشحون: المملوء.
قال أبو عبيدة: يقال: شحنت المدينة وأشحنتها، إذا ملأتها [["مجاز القرآن" 2/ 163.]]. قال مقاتل: يعني الموقر من الناس والدواب [["تفسير مقاتل" 107 أ.]].
يس 36:42
وقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد السفن مثل مركب نوح. وهذا قول مقاتل والحسن وأبي صالح والسدي عن أبي مالك. كل هؤلاء قالوا: يعني السفن الصغار، فإنها عملت بعد سفينة نوح على صنعتها [[انظر: "تفسير مقاتل" 107 أ، "الطبري" 23/ 10، "الماوردي" 5/ 19، "بحر العلوم" 3/ 101.]].
وقال آخرون: يعني الإبل. وهو قول عكرمة وعبد الله بن شداد [[انظر: "الطبري" 23/ 11، "الماوردي" 5/ 20، "زاد المسير" 7/ 22.]].
وذكر الكلبي القولين جميعًا، وقال: في البحر السفن، وفي البر الإبل [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "القرطبي" 15/ 35، "المحرر الوجيز" 4/ 455.]]. والظاهر القول الأول؛ لأنه قال: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾، والسفن هي التي تشبه ما عمله نوح، وهي أيضًا من الخشب الذي هو من خشب سفينة نوح. ومن ذهب إلى الإبل احتاج أن يجعل (مِنْ) زائدة، ويجعل الإبل من [[هكذا جاءت في النسخ، والذي يظهر أنها: (مثل) وليست (من).]] السفينة في أنها تحمل الإنسان في البر كما تحمله السفينة في البحر، فهو مثلها في العمل والحمل لا في الصورة والخلقة، ويدل على صحة القول الأول:
يس 36:43
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ والإغراق يكون بالماء في البحر، والمراد بهذا أن الله تعالى ذكر منته على أنه خلق لهم الخشب حتى عملوا مثل سفينة نوح وركبوه للتجارات، ثم ذكر أنه بفضله يحفظهم ولو شاء أغرقهم فلم [[في (ب): (ولم).]] يغثهم أحد ولم ينقذهم، وهو قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: لا مغيث لهم. وهو قول الجميع [[انظر: "الطبري" 23/ 11، "الماوردي" 5/ 20، "البغوي" 4/ 14، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 499.]]. والصريخ هاهنا بمعنى المصرخ. ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ هو أي: من الغرق. يقال: أنقذه واستنقذه إذا خلصه، وتقدير قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾: فليس لهم صريخ، كما تقول: إن شاء ضربك فلا ناصر لك. ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ قال ابن عباس: ولا أحد ينقذهم من عذابي [[انظر: "الوسيط" 3/ 514، "البغوي" 4/ 14.]].
يس 36:44
وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلا أن يرحمهم [[في (ب): (نرحمهم).]] ويمنعهم إلى آجالهم. قال ابن عباس: وذلك أن الكافر متعه الله في الدنيا ورزقه فيها وجعلها جنته، فإذا ركب السفينة سلمه الله ورزقه حتى يموت [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 515، ولم أقف عليه عند غيره.]]. وكل نبي إذا كذبه قومه عجل لهم العذاب، إلا محمدًا -ﷺ- فإنه أخر العذاب عمن كذبه إلى الموت وإلى القيامة، وهو معنى قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
قال أبو إسحاق: (رحمة منصوب مفعول لها المعنى: لا ينقذون إلا لرحمة منا ولمتاع إلى حين) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 289.]]. وهذا ليس بالظاهر القوي.
قال أبو عبيدة: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً﴾ مجازها مجاز المصدر الذي فعله بغير لفظه، وأنشد قول رؤبة:
إن نزارًا أصبحت نزارا ... دعوةَ أبرارٍ دعوا أبرارًا [[البيت من الرجز، لرؤبة في "الكتاب" 1/ 382، "مجاز القرآن" 2/ 162، وبلا نسبة في: "شرح المفصل" 1/ 177، "المخصص" 15/ 137. ومعنى البيت: أن ربيعة ومضر ابني نزار كانت بينهما حرب وتقاطع، فلما اصطلحوا انتموا كلهم إلى أبيهم نزار وجعلوه شعارهم، فجعل دعوتهم برَّة بذلك.]] " [["مجاز القرآن" 2/ 162.]]
يعني: دعوا دعوة أبرار، كذلك المعنى في الآية: إلا أن يرحمهم رحمة، والمتاع هاهنا اسم أقيم مقام المصدر كالأداء والسراج.
يس 36:45
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ اختلفوا في هذا، فقال مقاتل وقتادة: ما بين أيديكم عذاب الأمم الخالية، وما خلفكم عذاب الآخرة [["تفسير مقاتل" 107 ب. وانظر: "الطبري" 23/ 12، "الماوردي" 5/ 21، "البغوي" 4/ 14.]]. وعكس الكلبي فقال: ما بين أيديكم من أمر الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بما فيها من زهرتها [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 101.]].
وقال مجاهد: ما بين أيديكم ما يأتي من الذنوب، وما خلفكم ما مضى منها [["تفسير مجاهد" ص 535.]]. وذكر أبو إسحاق على القلب من هذا فقال: ما بين أيديكم ومما أسلفتم من ذنوبكم، وما خلفكم وما تعملونه فيما تستقبلون [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 289.]].
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لكي ترحموا [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 381، "تفسير مقاتل" 107 ب. وانظر: "مجمع البيان" 8/ 667.]].
وقال أهل المعاني: لتكونوا على رجاء رحمته، وهو قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 306.]].
وذكرنا هذا فيما تقدم أولاً [[ذكر المؤلف رحمه الله ذلك عند تفسير للآية: 155 من سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.]]، وجواب إذا محذوف على التقدير: إذا قيل لهم هذا أعرضوا، يدل على هذا المحذوف قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي: عبرة ودلالة تدل على صدق محمد -ﷺ- كاشتقاق [[هكذا جاء في النسخ، وهو تصحيف، والصواب: كانشقاق القمر.]] القمر وغيره من الآيات.
يس 36:46
وقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ قال الفراء: (هذا جواب لقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ﴾. وفيه جواب لقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم﴾؛ لأن المعنى: إذا قيل لهم اتقوا أعرضوا، وإذا أتتهم آية أعرضوا) [["معاني القرآن" 2/ 379.]]. ونحو هذا قال الكسائي: إن هذا جواب لقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ﴾ وفيه معنى جواب ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [[لم أقف عليه.]] [[في (ب): زيادة قوله: (ولا لزوم لها).]].
يس 36:47
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قال الكلبي: كان [من] [[هكذا في النسخ، والذي يظهر أن ما بين المعقوفين زائد.]] أصحاب رسول الله -ﷺ- يجتمعون إليه بمكة وهم يومئذ فقراء، فيخرجون فيسألون، فيقول أهل مكة: لا والله لا نتصدق عليكم بشيء وأنتم على غير ديننا حتى ترجعوا إليه، فأنزل الله هذه الآية [[لم أقف على هذا القول منسوبًا للكلبي. وذكر نحوه الماوردي 5/ 21، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 4/ 456، والبغوي في "تفسيره" 4/ 14، وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 24 قولاً نسبه للكلبي، وهو أن الآية نزلت في العاص بن وائل، كان إذا سأله مسكين قال: اذهب إلى ربك فهو أولى بك مني، ويقول: قد منعه الله أطعمه أنا؟.]].
وقال مقاتل: إن المؤمنين قالوا لكفار قريش: انفقوا على المساكين ما زعمتم من أموالكم أنه لله، وذلك أنهم كانوا يقولون هذا على حد الاستهزاء [["تفسير مقاتل" 107 أ.]]. وذكر غيره أنهم ذهبوا في قولهم أن الله تعالى لما كان قادرًا على إطعامهم وليس يشاء إطعامهم فنحن أحق بذلك، على أي وجه قالوه فقد أخطأوا؛ لأنهم إن قالوه استهزاء فلا إيمان لهم بمشيئة الله. ويقوي هذا الوجه ما روى معمر عن الكلبي: أنها نزلت في الزنادقة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 144، وقد أورده الماوردي 5/ 21 عن قتادة، وكذا == ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 24، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 667، وأورده القرطبي 15/ 37 ونسبه لابن عباس.]]. وإن قالوه على أنهم يوافقون مشيئة الله، فلا يطعمون من لم يطعمها الله، فقد أخطأوا؛ لأن الله تعالى لو شاء لأغنى الخلق كلهم ولكنه قسم المعيشة بينهم، فأغنى بعضًا وأفقر بعضا؛ ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له من ماله من الزكاة وندبه إليه من التطوع بالمساواة؛ ليصح التكليف والابتلاء وأن يعترض [[هكذا في النسخ، هو خطأ، ولعل الصواب: وأن لا يعترض.]] على المشيئة.
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس: يريدون المؤمنين [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره أكثر المفسرين ولم ينسبه أحد حسب علمي لابن عباس، بل نسبه بعضهم لقتادة انظر مثلاً: الماوردي 5/ 22، "مجمع البيان" 8/ 667. ومنهم من ذكره ولم ينسبه لأحد. انظر: "الطبري" 23/ 12، "القرطبي" 27/ 15، "بحر العلوم" 3/ 102.]].
وقال مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان: ثم قالوا لأصحاب النبي -ﷺ-: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قالوا في اتباعكم محمدًا وترك ديننا [["تفسير مقاتل" 107 ب. انظر: "القرطبي" 15/ 37.]].
وقال الكلبي: يقول الله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي خطأ بين [[في (ب): زيادة (أي خاط خطأ بين)، وهو خطأ.]] [[لم أقف على من نسبه للكلبي. وانظر: "الطبري" 23/ 12، "بحر العلوم" 30/ 102، "القرطبي" 15/ 37.]].
يس 36:48
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال مقاتل: يعني العذاب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن العذاب نازل [["تفسير مقاتل" 107 ب.]]. وقال الكلبي: متى هذا الوعد الذي تعدنا به من القيامة إن كنتم صادقين في ذلك [[لم أقف عليه عن الكلبي، وقد أورده الماوردي 5/ 22 عن يحيى بن سلام.]].
قال أبو إسحاق: أي: متى إنجاز هذا الوعد، إن كنتم صادقين فأرونا ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 289.]].
يس 36:49
قال الله تعالى: [..] [[في (أ): زيادة قوله تعالى، وهو تكرار لا لزوم له بل إثباته خطأ؛ لأنه يجعل (قوله تعالى) مقولًا لـ (قال الله تعالى)، فيكون قرآنًا وهو ليس كذلك. وقد تكررت في بعض المواضع في باقي السورة.]] ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى [[انظر: "البغوي" 4/ 14، "مجمع البيان" 8/ 668.]]. والمعنى أن القيامة تأتيهم بغتة، تأخذهم الصيحة وهم يخصمون، أىِ: يختصمون. قال ابن عباس: يريد البيع والشراء [[ورد بنحوه في "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 372.]].
قال الكلبي: يتكلمون ويتبايعون في أسواقهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وأورده الماوردي 5/ 22 عن السدي.]].
وقال مقاتل: وهم أعز ما كانوا يتكلمون في الأسواق والمجالس [["تفسير مقاتل" 107 ب.]].
وقال قتادة: تهيج الساعة بالناس والرجل يسقي ماشيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يقيم سلعته، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، فيصيح [[في (ب): (فيهيج).]] بهم وهم كذلك [[انظر: "الطبري" 23/ 13، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 61 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.]].
وقال أبو إسحاق: تقوم الساعة وهم متشاغلون في تصرفاتهم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 290.]].
وفي قوله: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ وجوه من القراءة، أجودها فتح الخاء مع تشديد الصاد، والأصل: يختصمون، فألقيت حركة الحرف المدغم -وهو التاء- على الساكن الذي قبله -وهو الخاء- وهذا أحسن الوجوه بدلالة قولهم: ردَّ وفرَّ وغضَّ، [فألقوا حركة العين على الساكن، وذلك أن الأصل: ردد وافرر واغضض] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]]. ويلي الوجه الأول في الجودة قراءة من قرأ بكسر الخاء، ووجهه أنه حرك الخاء بالكسر لالتقاء الساكنين؛ لأنه لم يلق حركة التاء على الفاء. وقرأ أهل المدينة بالجمع بين ساكنين والخاء والحرف المدغم. قال الزجاج: وهو أشد الوجود وأردؤها [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 290.]].
وقال أبو علي: من زعم أن ذلك ليس في طاقة اللسان إدغامًا يعلم فساده بغير استدلال [["الحجة" 6/ 42.]].
وقرأ حمزة: يخصمون، ساكنة الخاء مخففة الصاد، وهي قراءة يحيى ابن وثاب.
قال الفراء: (من قرأ على قراءة يحيى فيكون تفعلون من الخصومة، كأنه قال: وهم يتكلمون. قال: ووجه آخر: وهم في أنفسهم يخصمون من وعدهم الساعة، وهم يغلبون عند أنفسهم من قال لهم أن الساعة آتية) [["معاني القرآن" 2/ 379.]].
وذكر [[في (ب): (وقال)، وهو خطأ.]] أبو إسحاق هذين الوجهين فقال: (في هذه القراءة أنها جيدة أيضًا، ومعناها أنها تأخذهم وبعضهم يخصم بعضًا. قال: ويجوز أن يكون تأخذهم وهم عند أنفسهم يخصمون، فتقديره: يخصم بعضهم بعضًا، فحذف المضاف، وحذف المفعول به كثير في التنزيل وغيره. قال: ويجوز أن يكون المعنى: يخصمون مجادلهم عند أنفسهم، فحذف المفعول به، ومعنى يخصمون يعلنون خصومهم في الخصام [[لم أقف على هذا الكلام عن أبي إسحاق، ويظهر أنه كلام أبي علي وإنما وهم المؤلف رحمه الله فنسبه لأبي إسحاق. انظر: "الحجة" 6/ 42.]] انتهى كلامه.
والوجه الأول في معنى هذه القراءة كمعنى سائر الوجوه من القراءة؛ لأنه بمعنى يخصم بعضهم بعضًا في تخاصمهم ومكالمتهم في متصرفاتهم [[في (ب): (متصرتهم)، وهو خطأ.]] يغلب بعضهم بعضًا متشاغلين بكلامهم، وليس بمعنى الغلبة في الخصومة في الساعة كما ذكر في الوجه الثاني [[انظر: "الحجة" 6/ 41 - 43، "معاني القرآن" للفراء 2/ 379، "علل القراءات" 2/ 566، "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" ص 217.]].
فإن قيل: إن هؤلاء الذين أخبر عنهم ما هم قالوا متى هذا الوعد انقرضوا صاروا رمادًا، فكيف يخبر عنهم بأن الساعة تقوم عليهم وهم يختصمون؟ قيل: يراد بهذا من هو على مثل حالهم من المكذبين بالساعة، والقوم إذا كان أمرهم واحداً كان الخبر عن بعضهم في ذلك الأمر كالخبر عن جميعهم.
يس 36:50
ثم ذكر أن الساعة إذا [[في (ب): (أوذا)، وهو خطأ.]] أخذتهم بغتة لم يقدروا على الإيصاء بشيء، فقال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ قال مقاتل: يقول عجلوا عن الوصية فماتوا [["تفسير مقاتل" 107 أ. ب.]]. وقال أبو إسحاق: لا يستطيع أحد أن يوصي وصية في شيء من أمره [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 295.]].
﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ لا يلبث أن يصير إلى أهله ومنزله، يموت في مكانه.
وقال مقاتل: يقول ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق [["تفسير مقاتل" 107 ب.]]. وهذا قول المفسرين [[انظر: "الطبري" 23/ 15، "بحر العلوم" 3/ 102، "الماوردي" 5/ 22.]].
وقال الكلبي: ولا إلى أهلهم يرجعون الكلام [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 305، "القرطبي" 15/ 39.]].
وذكر الفراء هذا القول أيضًا فقال: أي لا يرجعون إلى أهليهم قولًا [["معاني القرآن" 2/ 380.]].
يس 36:51
قال مقاتل: أخبرهم الله بما يقولون في النفخة الأولى، ثم أخبرهم بما يقولون في النفخة الثانية إذا بعثوا بعد الموت، وذلك قوله [["تفسير مقاتل" 107 ب.]]: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قال ابن عباس: يريد النفخة الثانية [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وأكثر المفسرين قالوا: إنها النفخة الثانية. انظر: "الطبري" 23/ 15، "الماوردي" 5/ 23، "بحر العلوم" 3/ 102، "القرطبي" 15/ 39.]].
﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ يعني: القبور، واحدها جدث. قال أبو عبيدة: وهي لغة أهل العالية، وهي أهل نجد يقولون: جدث [[كلام أبي عبيدة كما في "المجاز" 2/ 163: وهي لغة أهل العالية، وأهل نجد يقولون: جدف.]].
﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ قال مقاتل: يخرجون إلى الله من قبورهم أحياء [["تفسير مقاتل" 107 ب.]]. وقال الزجاج: ينسلون يخرجون بسرعة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 290.]].
قال المبرد [["الكامل" 1/ 321 - 322.]]: يقال للإنسان إذا غدا عجلا: نسل، والريب ينسل وينسل، وأنشد الجعدي:
عَسَلاَن الذئبِ أمسى قاربًا ... برد الليل عليه فَنَسلْ [[البيت من الرمل، وهو للنابغة الجعدي في "ديوانه" 90، "تهذيب اللغة" 2/ 96، وينسب للبيد، وهو في "ديوانه" ص 200، "لسان العرب" 11/ 446 (عسل)، "الكامل" 1/ 321. وبلا نسبة في "جمهرة اللغة" ص 305، 842، "المخصص" 7/ 126، "الخصائص" 2/ 48. يقال: عسل الذئب والثعلبي يعسِل عسلًا وعسلانًا، مضى مسرعًا واضطرب في عدوه وهزَّ رأسه. وقاربًا نقرب: أي نطلب والأصل في هذا طلب الماء ثم توسع فيه. والنسل: هو الإسراع في المشي.]] ابن السكيت: يقال: نسل في العدو ينسل نسلانًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 428 (نسل).]].
وقد يقال في مصدره: النسل، ومنه الحديث: شكونا إلى رسول الله -ﷺ- الضعف فقال: "عليكم بالنسل" [[أخرجه الخطابي في "غريب الحديث" 2/ 371، وابن الأثير في "غريب الحديث" 5/ 49 (نسل)، والزمخشري في "الفائق في غريب الحديث" 3/ 421 (نسل)، وابن الجوزي في "غريب الحديث" 2/ 405 باب النون مع السين.]].
وقال ابن الأعرابي: النسل ينشط، وهو الإسراع في المشي [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 428 (نسل)، "اللسان" 11/ 661 (نسل).]].
يس 36:52
قال مقاتل: فلما رأوا البعث ذكروا قول الرسل في الدنيا أن البعث حق [["تفسير مقاتل" 107 ب.]]. فقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾. قال المفسرون: إنما يقولون هذا؛ لأن الله رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين فيرقدون.
قال مقاتل: إن أرواح الكفار كانت تعرض على منازلها من النار طرفي النهار [[(الواو) هنا زائدة، وليست في "تفسير مقاتل".]] وكل يوم، فلما كان بين النفختين رفع فرقد تلك الأرواح، فلما بعثوا في النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل [["تفسير مقاتل" 107 ب.]] فقالوا: ﴿وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾.
قال أبي بن كعب: ينامون قبل البعث نومة [[انظر: "الطبري" 23/ 16، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 505، "زاد المسير" 7/ 25. وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 63 وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
قال أبو هريرة: إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر عليهم ماء من تحت العرش، فينبتون منه كما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا تكاملت أجسادهم نفخ فيها الروح، ثم تلقى عليهم نومة، فبينما هم في قبورهم إذ نفخ في الصور، فجلسوا وهم يجدون طعم النوم في رؤسهم وأعينهم كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: [[لم أقف عليه.]] ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. وأكثر القراء وأهل المعاني على أن الوقف تام عند قوله [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 380، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 280،"القطع والائتناف" ص 91،"منار الهدى" ص 320، "المكتفى في الوقف والابتداء" ص 473.]]: ﴿مَرْقَدِنَا﴾، ثم يبتدئ فيقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. قال ابن عباس: تقول الملائكة: هذا ما وعد الرحمن على ألسنة الرسل أن يبعث بعد الموت، ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ بأن البعث حق [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 372. وأكثر المفسرين ذكروا هذا القول، ولمن لم أقف على من نسبه لابن عباس. انظر: "الماوردي" 5/ 24، "المحرر الوجيز" 4/ 458، "زاد المسير" 7/ 26، "ابن كثير" 3/ 574.]].
وذهب آخرون إلى أن هذا من قول المؤمنين. روي عن أبي بن كعب أنه قال: فيقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [[لم أقف على هذا القول عن أبي، وقد ذكر المفسرون هذا القول عن قتادة ومجاهد. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 145، "الطبري" 23/ 16 - 17، "الماوردي" 5/ 24، "معانى القرآن" للنحاس 5/ 505.]].
وقال قتادة: أولها للكافرين وآخرها للمؤمنين قال الكافر: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، وقال المسلم: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، ونحو هذا قال مجاهد [[انظر: "المصادر السابقة".]]، واختاره الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 291.]]. والقول الأول اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 380.]]. وهذا في موضع رفع، كأنك قلت: هذا وعد الرحمن.
وذهب قوم إلى أن الوقف على قوله هذا، على أن يكون هذا من نعت مرقدنا، ثم تبتدئ: ما وعد الرحمن، حكى ذلك النحاس [["القطع والائتناف" ص 91.]]، وذكره الفراء [["معاني القرآن" 2/ 380.]]، والزجاج. قال الزجاج: (إذا وقفت على قوله هذا، كان ما وعد الرحمن على ضربين أحدهما على إضمار هذا. والثاني على إضمار حق، فيكون المعنى: حق ما وعد الرحمن. قال: والقول الأول -أعني ابتداء هذا- عليه التفسير، وهو قول أهل اللغة) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 291.]].
يس 36:53
ثم ذكر النفخة الثانية فقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ الآية، وهي ظاهرة، وكذلك ما بعدها، ثم ذكر جل وعز أوليائه فقال:
يس 36:54
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾ قال ابن عباس: يريد في الآخرة [[في "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 444 قال: يوم القيامة. ولم أقف على من نسب هذا القول لابن عباس. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 103، "زاد المسير" 7/ 27، "ابن كثير" 3/ 575.]].
﴿فِي شُغُلٍ﴾ وقرئ: شُغْل، وهما لغتان [[انظر: "علل القراءات" 2/ 566، "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" ص291.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء وعكرمة: يريد افتضاض العذارى والأبكار [[انظر: "الطبري" 23/ 18،"بحر العلوم" 3/ 103، "المحرر الوجيز" 4/ 458.]].
وقال مقاتل: شغلوا بافتضاض العذارى عن أهل النار، فلا يذكرونهم ولا يهتمون لهم [["تفسير مقاتل" 108 أ.]].
وروى مجاهد عن ابن عباس: شغلوا بفضة العذارى [[انظر: "زاد المسير" 7/ 27، وأورده الطبري 23/ 18 برواية عكرمة عن ابن عباس.]].
وقال أبو الأحوص [[لم أستطع تحديده، فهناك أبو الأحوص: قاضي عُكبر، أبو عبد الله محمد بن الهيثم بن حماد الثقفي مولاهم البغدادي المشهور بأبي الأحوص. حدَّث عن أبي نُعيم، وعبد بن رجاء وخلق غيرهما وروى عنه ابن ماجه حديثًا واحداً وأبو عوانة وعثمان بن السَّمَّاك وغيرهم. قال الدارقطني عنه: إنه من الحفَّاظ الثقات. توفي بعكبرى سنة 279 هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" 3/ 362، "تهذيب الكمال" 26/ 571، "سير أعلام النبلاء" 13/ 156، أو لعله: الإمام الثقة سلاَّم بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، وقد تقدمت ترجمته.]]: شغلوا بافتضاض [[في (ب): (بافتضاض).]] الأبكار على السرر في الحجال.
وقوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾ قال ابن عباس: ناعمون [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 372، ولم أقف على من نسبه لابن عباس، وقد ذكره أكثر المفسرين عن مقاتل وقتادة والسدي.
انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 237 أ، "الماوردي" 5/ 25، "بحر العلوم" 3/ 103، "زاد المسير" 7/ 28، "القرطبي" 15/ 44.]].
وقال مقاتل وقتادة: أي معجبون بما هم فيه. وهو قول الحسن والكلبي [["تفسير مقاتل" 108 أ. وانظر المصادر السابقة.]]. وهذان القولان عليهما أهل التفسير، ولكل منهما أصل في اللغة، فمن قال: فاكهون ناعمون [[في (أ): فاكين ناعمين، وهو خطأ.]]. فأصله من الفكيهة والفاكهة، وهي المزاح والكلام الطيب، يقال: فاكهت القوم بملح الكلام مفاكهة.
روى أبو عبيد عن أبي زيد: الفكه الطيب النفس الضحوك. روى شمر عنه: رجل فكه وفاكهة [[هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: فاكه.]]، وهو الطيب النفس المزاح [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 26 (فكه)، "اللسان" 13/ 523 (فكه).]]، وأنشد أبو عبيدة:
فكه العشي إذا تأدب رحله ... رَكْبُ الشتاءِ مسامح في الميسر [[البيت من الكامل وهو لصخر بن عمرو بن الشريد، اْخو الخنساء، في "مجاز القرآن" 2/ 163، "أساس البلاغة" ص 346 (فكه).]]
[وأنشد أيضًا]: [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]
فكِهٌ لدى جنبِ الخِوانِ إذا أتت ... نكباءَ تقلعُ ثابت الأطنابِ [[لعل نسبه هذا البيت لأبي عبيدة خطأ من المؤلف تابع فيه الأزهري، فقد نسبه لأبي عبيدة كما في "تهذيب اللغة" 6/ 26، أما ابن منظور في "اللسان" فقال أنشده أبو عبيد. والبيت من "الكامل"، وهو بلا نسبة في: "تهذيب اللغة" 6/ 26، "اللسان" 13/ 524 (فكه)، "أساس البلاغة" ص 346 (فكه). والخوان: هو الذي يؤكل عليه معرَّب، والجمع أخون، "اللسان" 13/ 14 (خون)، والنكباء: كل ريح من الرياح الأربع انحرفت ووقعت بين ريحين، وهي تلك المال وتحبس القطر. "اللسان" 1/ 771 (نكب).]]
قال الفراء والزجاج والكسائي: الفاكه والفكه كالحاذر والحذر والفاره والفره ولم يسمع في الثلاثي فعل [["معاني القرآن" 2/ 380، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 291، ولم أقف على قول الكسائي.]].
قال الأخفش: ولم أسمع فكه يفكه [[لم أقف عليه.]]. ويجوز أن تكون الفاكه كاللابن والتامر، وهو قول أبي عبيدة والأخفش.
قال أبو عبيدة: (من قرأها فاكهون، معناه صاحب فاكهة، أي: كثير الفاكهة، وأنشد للحطيئة فقال:
وغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تأمر [[البيت من مجزوء "الكامل"، وهو للحطيئة في "ديوانه" ص 33، "مجاز القرآن" 2/ 164، "الكتاب" 2/ 88، "المقتضب" 3/ 58، "الخصائص" 3/ 282، وهذا البيت من قصيدة يهجو بها الزبرقان بن بدر.]]) [["مجاز القرآن" 2/ 164.]].
وقال أبو الحسن: فاكهون به وفاكهة وذو الفاكهة ناعم [[لم أقف على قول أبي الحسن.]]. فلذلك قال المفسرون في تفسير الفاكه: أنه الناعم، ومن قال: الفاكه المعجب، فإن العرب تقول: فكهنا من كذا، أي: تعجبنا، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: 65] أي: تعجبون [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 26 (فكه)، "اللسان" 13/ 523 (فكه).]].
يس 36:56
وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ يعني حلائلهم من الحور العين [..] [[ما بين المعقوفين -قدر كلمة أو كلمتين- لم أستطع قراءتها أو فهمها في جميع النسخ.]].
ومنه قوله: ﴿ظِلَالٍ﴾، قال مقاتل: يعني أكنان القصور [["تفسير مقاتل" 108 أ.]]. وذكرنا معنى الظلال عند قوله: (يتفيأ ظلاله) [النحل: 48].
وقرئ: ظلل، وذكرنا معناها عند قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: 210] [[قال هناك: الظُلل: جمع ظلة مثل: هلة وهُللَ والظُلة: ما يستظل به من الشمس ويسمى السحاب ظلة؛ لأنه يستظل بها، منه قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ أرد غيمًا تحت سموم.]]. وتفسير الأرائك مذكور في سورة الكهف [[عند الآية (31)، وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾.]].
قال أبو علي الفارسي: (الظلل جمع ظلة، مثل غرفة وغرف، والظلال يجوز أن يكون جمع ظلة أيضًا كعبلة وعلاب، [وجفرة] [[ما بين المعقوفين طمس في (أ)، والجفرة تأنيث جَفْر، وهو من أولاد الشاء إذا عظم وفصل عن أمه "اللسان"4/ 142.]] وجفار، وبرمة وبرام. ويجوز أن يكون جمع ظلل) [["الحجة" 6/ 43 - 44]].
قال أبو عبيدة في هذه الآية: (في ظلال واحدها ظلة والجمع الظلل، وهو الكن لا يصحوا، وقال: الأرائك واحدها أريكة، وهي الفرش في الحجال، وأنشد قول ذي الرمة:
حدود جفت في السير حتى كأنما ... يباشرن بالمعزاء مس الأرائك [[البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في "شرح ديوانه" 3/ 1729، "مجاز القرآن" 1/ 401، 2/ 164.
ومعنى البيت: جفت في السير: أي لم تطمئن فيه، والأرائك: جح أريكة وهي الأسرة، والمعزاء: أرض غليظة ذات حصى. يقول: كأنهن إذا وقعّن على المعزاء وجدن بها مس الأرائك من التعب والإعياء. "ديوان ذي الرمة" شرح أبي نصر الباهلي ص 1729.]]) [["مجاز القرآن" 2/ 164.]] ونحو هذا قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 292.]]. وأما المفسرون فإنهم قالوا في تفسير الأرائك: إنها السرر عليها الحجال، وهو قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل [[انظر: "الطبري" 23/ 20، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 508، "المحرر الوجيز" 4/ 459، "تفسير مقاتل" 108 أ.]].
وقال أحمد بن يحيى: الأريكة لا تكون إلا سريرًا في قبة علية شواره ومخدة [[انظر: "زاد المسير" 5/ 138،"فتح القدير" 4/ 365. ومعنى شواره: أي زينته. انظر. "اللسان" 4/ 434 (شور).]].
وقال الكلبي: الأرائك السرر في الحجال، لا تكون أريكة إلا إذا اجتمعتا، فإذا تفرقتا فليس بأريكة [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 103.]].
يس 36:57
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ قال أبو عبيدة: ما يتمنون، تقول العرب: ادع على ما شئت، أي: تمن [["مجاز القرآن" 2/ 164.]]، ونحو هذا قال ابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" ص 367.]]. والزجاج قال: هو مأخوذ من الدعا، المعنى: كل ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 292.]].
قال ابن عباس: يريد ما يتمنون وما يشتهون [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 372.]]. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 108 أ.]].
وقال الكلبي: يسألون، من التحف والتمني [[لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكر الماوردي 5/ 26 نحوه عن أبي عبيدة.]]. والسؤال معنى وليس بتفسير. وحقيقة تفسيره ما ذكره الزجاج: أي ما يدعونه أهل الجنة فهو لهم؛ لأن الادعا افتعال من الدعا، فيدعون بمعنى يدعون [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 292.]].
يس 36:58
وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا﴾. قال أبو إسحاق: سلام بدل من ما، المعنى: لهم سلام بقوله عز وجل ﴿قَوْلًا﴾ [[المصدر السابق.]]. وهذا الذي ذكره الزجاج معنى قول أبي عبيدة: سلام رفع على لهم عملت فيه، وقولًا خرجت مخرج المصدر الذي يخرج من غير لفظ فعله [["مجاز القرآن" 2/ 164.]]. أي: يقولون ذلك قولًا. ونحو هذا قال الفراء والكسائي [["معاني القرآن" 2/ 380، ولم أقف على قول الكسائي.]].
قال ابن عباس: يرسل الرحيم إليهم بالسلام [[ذكر نحوه أبو حيان في "البحر المحيط" 7/ 327 عن ابن عباس.]].
وقال الكلبي: يرسل إليهم ربهم الملائكة في جناتهم بالتحف من عنده وبالسلام [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 438، "مجمع البيان" 8/ 671 فقد ذُكر نحو هذا القول غير منسوب.]].
وقال مقاتل: إن الملائكة يدخلون على أهل الجنة من كل باب، يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم [["تفسير مقاتل" 108 أ.]]. فهؤلاء قالوا: إن الله يرسل إليهم بالسلام.
وروى جابر عن النبي -ﷺ-: "إن الله يشرف على أهل الجنة فيقول: السلام عليكم يا أهل الجنة". فذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [[رواه ابن ماجه في "سننه" باب: ما أنكرت الجهمية 1/ 36 رقم 172. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 98: رواه البزار، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو ضعيف.]]. وهو قول كعب القرظي [[انظر: "الطبري" 23/ 21، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 66، وزاد نسبته لأبي نصر السجزي في "الإبانة".]].
يس 36:59
وقوله: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)﴾ أي: انقطعوا وتميزوا منهم، يقال: أمزت الشيء من الشيء أميزه، إذا عزلته عنه، فانماز وامتاز، وميزته فتميز [[انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 272 (ماز)، "اللسان" 5/ 412 (ميز).]].
وقال ابن عباس: يقول تنحوا أيها المشركون [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر الماوردي نحوه 5/ 26 عن الكلبي، وذكره هود بن محكم 3/ 438 ولم ينسبه.]].
وقال مقاتل: اعتزلوا اليوم -يعني: في الآخرة- من الصالحين [["تفسير مقاتل" 108 أ.]].
وقال السدي: كونوا على حده [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 517. وانظر: "البغوي" 4/ 16، "مجمع البيان" 8/ 671.]]. وهذا قول أكثر المفسرين [[المصادر السابقة. وانظر كذلك: "بحر العلوم" 3/ 104، "زاد المسير" 7/ 30.]]، واختيار أبي إسحاق قال: معناه: انفردوا عن المؤمنين [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 292.]].
وقال الضحاك: هم يفرد كل واحد من أهل النار بيتاً ويرد بابه، فيكون فيه أبدًا، لا يَرى ولا يُرى. وعلى هذا امتيازهم: أن يمتازوا بعضهم من بعض [[انظر: "الماوردي" 5/ 26، "البغوي" 4/ 16، "القرطبي" 15/ 46.]].
يس 36:60
وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ أي: ألم آمر ولم أوص، كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: 115] وقد مر.
قال ابن عباس: ألم أقدم إليكم [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 372.]].
وقال الزجاج: ألم أتقدم إليكم، يعني على لسان الرسل [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 292.]]. ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ قال مقاتل: يعني الذين أمروا بالاعتزال [["تفسير مقاتل" 108 أ.]].
﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ أي: لا يطيعوا إبليس في الشرك. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ من العداوة إخراج أبويكم من الجنة. قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]]. قال سعيد بن جبير والكلبي: من أطاع الشيطان فقد عبده [[لم أقف عليه عنهما. وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 104 ونسبه لابن عباس.]].
يس 36:61
﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يعني: ألم أعهد إليكم أن اعبدوني. قال ابن عباس: أطيعوني [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 104، "زاد المسير" 7/ 30، "البغوي" 4/ 17.]]. وقال مقاتل: وحدوني [["تفسير مقاتل" 108 أ.]]. ﴿هَذَا﴾ يريد الذي جاء به محمد -ﷺ-. ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [[قوله: (مستقيم) غير مثبت في (ب).]] يعني: دين الإسلام. ثم ذكر عداوته لبني آدم فقال: [..] [[في (أ): زيادة (قوله تعالى) وهو هنا زائد لا يحتاج السياق.]]
يس 36:62
﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ أي: عن الهدى. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ فيه وجوه من القراءة: جُبُلًا وجُبْلَّا بالضم وتشديد اللام قال: وجبل وجِبِلَّة لغات كلها [["الحجة" 6/ 44 - 45، "الحجة في القراءات السبع" ص 299، "علل القراءات" 2/ 567.]]. ونحو هذا قال أبو عبيدة، قال: ومعناها: الخلق والجماعة [["مجاز القرآن" 2/ 164.]].
وقال الليث: الجبلة الخلق خلقهم الله فهم مجبولون، وأنشد: بحيث شد الجبابل المجابلا [[شطر بيت لم أقف على تمامه ولا قائله، وهو في "تهذيب اللغة" 11/ 96، "اللسان" 11/ 98.]].
أي: حيث شد أسر خلقه [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 96 (جبل)، "اللسان" 11/ 98 (جبل).]]. وجبل الإنسان على هذا الأمر، أي: طبع، فهو مجبول عليه.
قال ابن عباس ومجاهد والمفسرون: خلقًا كثيرًا [["تفسير ابن عباس" بهاش المصحف ص 372، "تفسير مجاهد" ص 536. وانظر: "البغوي" 23/ 23، "الماوردي" 5/ 27، "بحر العلوم" 3/ 104.]].
قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. قال ابن عباس: يريد ما رأيتم من الأمم قبلكم ألم تعقلوا فتعتبروا بما رأيتم من الأمم قبلكم [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "الوسيط" 3/ 517، "بحر العلوم" 3/ 104، "البغوى" 4/ 17، "زاد المسير" 7/ 31.]].
يس 36:63
قال مقاتل: فلما دنوا من النار، قال لهم خزنتها: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا فتكذبون [["تفسير مقاتل" 108 أ.]].
يس 36:64
﴿اصْلَوْهَا﴾: قاسوا حرها وشدتها. ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني: في الآخرة. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بكفرهم بما كان في الدنيا.
يس 36:65
وقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ﴾. قال مقاتل والكلبي: وذلك أنهم أنكروا الشرك والتكذيب، فيختم الله على أفواههم، وتكلمت جوارحهم بإذن لها في الكلام، فشهدت عليهم بما عملوا [[المصدر السابق، ولم أقف عليه عن الكلبي.]].
يس 36:66
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ ذكرنا معنى الطمس في سورة النساء ويونس [[في سورة النساء: الآية 47، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية، وهذه الآية مع آية أخرى ناقصة من المخطوط.
وفي سورة يونس: آية 88 قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وقال المؤلف هناك بعد أن أحال على آية النساء. قال الزجاج: تأويل طمس الشيء: إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كانت عليها.]]. قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 165.]] والمبرد [[لم أقف على هذا القول عن المبرد.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.]] في هذه الآية: يقال: عين طمس ومطموس، وهو الذي لا يرى شق عينه ولا يتبين جفنه. وذكرنا في تفسير هذه الآية قولين. قال مقاتل: يقول: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا طريق الهدى، ثم قال: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ يقول: فمن أين يبصرون طريق الهدى، ولم أعم عليهم طريق الكفر؟ [["تفسير مقاتل" 108 أ.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 104، ونسبه بعض المفسرين لقتادة القائل. انظر: "البغوي" 4/ 36، "زاد المسير" 7/ 32، "القرطبي" 15/ 49.]].
القول الثاني: أن معنى الآية لو نشاء لأعميناهم وتركناهم عميًا يترددون، وكيف يبصرون الطريق حينئذ؟ وهذا قول الحسن وقتادة والسدي [[انظر: "الطبري" 23/ 25، "الماوردي" 5/ 29، "البغوي" 4/ 36.]]. وهو الاختيار لأن الله تعالى يهددهم بهذه الآية كالتي بعدها كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 25] يقول: كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة. وهذا القول اختيار المبرد والزجاج.
قال المبرد: تأويل الآية قال: راموا الاستباق إلى المنهاج، فمن أين لهم أبصار؟ [[لم أقف على قول المبرد.]].
وقال الزجاج: أي لو [[في (ب): (ولو نشاء).]] نشاء لأعميناهم فعدلوا عن الطريق، فمن أين [[في (أ) كرر قول الزجاج ولكنه قال في آخر مرة: فمن أين لهم أبصار، وقال في الأخرى: فمن أين يبصرون. كما أثبته وكما هو في "معاني الزجاج" 4/ 193.]] يبصرون؟.
وذكرنا معنى الاستباق عند قوله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: 25]. والاستباق هاهنا معناه غير معنى ما تقدم. قال الأزهري: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ فجازوا الصراط وخلفوه، وهذا الاستباق من واحد والذي في سورة يوسف من اثنين؛ لأن هذا بمعنى سبقوا، والأول بمعنى المسابقة [["تهذيب اللغة" 8/ 418 (شق).]] هذا كلامه ويدل على صحته قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 193.]]: عدلوا عن الطريق [في هذه الآية] [[ما بين المعقوفين زيادة من (أ).]] ومعنى عدلوا عن الطريق ما ذكره الأزهري: جازوا الصراط وخلفوه.
ويدل على صحة القول الثاني ما ذكره عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: إن الأسود بن عبد الأسود أخذ حجرًا وجماعة من بني مخزوم معه ليطرحوه على رسول الله -ﷺ- وهو يصلي، فطمس الله بصره وألصق الحجر بيده، فما أبصر ولا اهتدى [[انظر: "القرطبي" 15/ 50.]]. ومعنى الاستباق في هذا القول ما ذكروا في القول الأول معناه: فاهتدوا الطريق.
قال الكلبي: فاستبقوا إلى الصراط المستقيم [[لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكر القرطبي نحوه عن ابن عباس 15/ 49، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 32 وقال: روى عن جماعة منهم مقاتل.]]. وفي هذا القول عدول عن الظاهر؛ لأن قوله: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ يقتضي طمس الأعين الظاهرة مع أنه ليس يليق بما بعده، وهو قوله [[في (ب): (واو) زائدة، (وقوله)، وهو خطأ.]]:
يس 36:67
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾. قال ابن عباس: يريد لمسخت أبا جهل وكل من معه، على مكانتهم: يريد بالموضع الذي كانوا فيه قعودًا [[انظر: "الطبري" 23/ 29، "الماوردي" 5/ 26، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 514.]].
قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 165.]] والزجاج [["مجاز القرآن وإعرابه" 4/ 293.]]: المكانة والمكان واحد. وهذا مما تقدم القول فيه.
وقال مقاتل: لو شئت لمسختهم حجارة في منازلهم ليس فيها أرواح.
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ قال: يقول لا يتقدمون ولا يتأخرون [["تفسير مقاتل" 108 أ.]]. وقال ابن عباس: لم يتقدموا ولم يتأخروا [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 373، "زاد المسير" 7/ 33. وانظر: "الطبري" 23/ 26، "الماوردي" 5/ 29.]].
وقال أبو إسحاق: أي لم يقدروا على ذهاب ولا مجيء [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.]]. هذا الذي ذكرنا هو الصحيح في تفسير الآية، وقال قتادة: يقول لو نشاء لجعلناهم كسحا لا يقومون [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 461، "المحرر الوجيز" 4/ 145، "زاد المسير" 7/ 33.]]. والكسح جمع الأكسح، وهو المقعد. والقول هو الأول؛ لأن معنى المسخ تحويل الصورة إلى صورة ذي روح كالقرد والخنزير، ولم يصح عنده هذا المسخ في الآية مع قوله: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ فعدل إلى المسخ بالإقعاد، وليس كما ظن فإنه؛ يقال: مسخه الله حجرًا، وقد أوضح ذلك مقاتل.
يس 36:68
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ وقرئ: نُنَكَّسه، بالتشديد، يقال: نَكسته [[في (ب): (نكسه).]] أنكسه وأنكسه، ونكسته أنكسه [[انظر: "الطبري" 23/ 27، "الحجة" 6/ 45.]]. وقد ذكرنا معنى النكس عند قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ [الأنبياء. 65] [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 246 أ.]]. قال الأخفش: ننكسه هو كلام العرب، ولا يكادون يقولون: نكسته، إلا لما يقلب فيجعل [[في (ب): (فنجعل).]] رأسه أسفله [[انظر: "الحجة" 6/ 45، "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" 2/ 220.]]. قال مقاتل: يعني أدرك العمر [[لم أقف على قول مقاتل، وليس هو في "تفسيره".]].
وقال أبو إسحاق: من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار بدل القوة ضعفًا وبدل الشباب هرمًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.]]. وهذا معنى قول قتادة: هو الهرم يتغير بصره وقوته، كما رأيت قوله في رواية معمر [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 145،"الطبري" 23/ 26، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 514.]]. وهذا عام في كل من يهرم، تتراجع قوته ويتغير عما كان عليه في شبابه.
وقال الكلبي [[لم أقف على قول الكلبي. وذكر ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3200 نحوه عن قتادة.]]: من نعمره حتى يدركه الهرم يرده في الخلق الأول الذي كان لا يعقل فيه شيئًا. وروي ذلك عن قتادة [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 674، "القرطبي" 15/ 51.]] قال: ننكسه في الخلق لكي لا يعلم بعد علم شيئًا، يعني: الهرم. وهذا لا يعم؛ لأنه ليس كل من عمر صار إلى الفند، على أن ابن عباس خص الآية بالكافر فقال في رواية عطاء: ومن نعمره يريد المشركين، نرده إلى ذهاب العقل، كما قال ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5] يريد الكافرين من ولد آدم [[لم أقف عليه.]]. فالنكس على هذا القول ردّه من حالة العلم إلى حالة الجهل، وعلى القول الأول من القوة إلى الضعف ومن الشباب إلى الشيب، ومن الزيادة إلى النقصان.
وقوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: فليس لهم عقل فيعتبروا فيعلموا أن الذي قدر على هذا من تصريف أحوال الإنسان، قدر على البعث بعد الموت، ومن قرأ بالتاء، فلقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾.
يس 36:69
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ قال الكلبي [[لم أقف عليه.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 108 ب، "البغوي" 4/ 18، "زاد المسير" 7/ 34.]]: نزلت في مشركي مكة، حين قالوا: إن القرآن شعر، وإن محمدًا شاعر ساحر كذاب، فقال الله تكذيبًا لهم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قال ابن عباس: يريد ما [[في (ب): (وما).]] ينبغي له الشعر، ما كان يروي بيت شعر ولا يقومه مستقيماً [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "الطبري" 27/ 23، "بحر العلوم" 3/ 105. البغوي 4/ 18، "مجمع البيان" 8/ 674.]]. قال أبو إسحاق: وما يتسهل ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.]].
وأصل (ينبغي) من قولهم: بغيت الشيء أبغيه، أي: طلبته، فابتغى لي ذلك الشيء أن تسهل وحصل، كما تقول: كسرته فانكسر [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 212 (بغي)، "اللسان" 14/ 76 (بغا).]]. وكان النبي -ﷺ- بالصفة التي وصفه الله بها ما كان يقرن له بيت شعر، حتى إنه إذا تمثل بيت شعر جرى على لسانه منكسراً، فقد روي أنه كان يتمثل بقول العباس بن مرداس فيقول:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة [[البيت من المتقارب وصحته: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع. وهو في "ديوان العباس" 84، "لسان العرب" 1/ 774 (نهب)، "تاج العروس" 4/ 319 (نهب)، "خزانة الأدب" 1/ 153. وذكر هذا الأثر القرطبي في "تفسيره" 15/ 52.]]
وكان يتمثل بقول عبد بني الحسحاس [[عبد بني الحسحاس، اسمه سحيم، وكان عبداً أسود نوبياً أعجميًا، وهو من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام ولا يعرف له صحبة قُتل في خلافة عثمان -رضي الله عنه-، قتله بنو الحسحاس لأنه أحبَّ امرأة منهم وطفق يتغزل فيها، فقتلوه خشية العار.
انظر: "الخزانة" 2/ 102، "الأغاني" 22/ 305، "الشعر والشعراء" ص 241.]] يقول:
كلي [[هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: كفى.]] الإسلام والشيب للمرء ناهيًا [[البيت من الطويل، وصحته:
عميرة ودع إن تجهزت غازيًا ... كفى الشيبُ والإسلام للمرء ناهياً
وهو لسحيم في: "البيان والتبيين" 1/ 71، "الكامل" 1/ 285، "الخزانة" 1/ 267، 2/ 102، "الأغاني" 22/ 307، "سر صناعة الإعراب" 1/ 141.
وذكر هذا الأثر الإمام محمد بن يوسف الصالحين الشامي في "سبل الهدى والرشاد في سيرة خبر العباد" 9/ 352، وقال: أخرجه ابن سعد عن الحسن البصري، والقرطبي في "تفسيره" 15/ 52.]]
وكان يتكلم ببيت طرفة فيقول:
ويأتيك من لم تزود بالأخبار [[البيت من الطويل، وصحته: == ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وهو لطرفة بن العبد في معلقته المشهورة في: "ديوانه" ص 41، "أشعار الشعراء الستة الجاهلين" 2/ 57،"لسان العرب" 2/ 8 (تبت)، "تاج العروس" 15/ 150.]] فيعاد عليه مستويًا فيقول: إني "لست بشاعر ولا ينبغي لي" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 31، 146، والنسائي في "عمل اليوم واليلة" ص 549، والترمذي في "سننه" أبواب الآداب، ما جاء في إنشاد الشعر 4/ 218 رقم 3006. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 128: رواه الترمذي عن عائشة، ورواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار، والطبراني، عن ابن عباس، ورجالهما رجال الصحيح.]]. والمفسرون ذهبوا إلى أنه ما كان يتسهل له أن يأتي ببيت موزون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. وما روي عنه من الأراجز كقوله: "هل أنت إلا أصبع دميت" [[هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد"، باب من ينكب في سبيل الله 3/ 1031 رقم 2648، وفي "كتاب الأدب"، باب ما يجوز من الشعر 5/ 2276 رقم 5794 من حديث جندب بن سفيان. والإمام مسلم في "صحيحه" كتاب الجهاد، باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين والمنافقين 3/ 1421 رقم 1796 من حديث جندب بن سفيان.]].
وقوله: "لبيك إن العيش عيش الآخرة" [[أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد"، باب التحريض على القتال 3/ 1043 رقم 2679، وفي باب البيعة في الحرب ألا يفروا 3/ 1081 رقم 2801 عن أنس، وفي "كتاب الرقاق"، باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة 5/ 2357 رقم 6050 عن أنس، ورقم 6051 عن سهل بن سعد الساعدي. وأخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد" باب غزوة الأحزاب 3/ 1431 رقم 1804 من حديث أنس.]].
فالرجز جنس من الكلام ليس بشعر [[ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" 8/ 38 في شرحه لقول النبي -ﷺ-: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب". قال: وقد أجيب عن مقالته -ﷺ- هذا الرجز بأجوبة: أحدها: أنه نظمه غيره وأنه كان فيه: أنت النبي لا كذب أنت عبد المطلب، فذكره بلفظ أنا في الموضعين. ثانيها: أن هذا رجز وليس من أقسام الشعر، وهذا مردود. ثالتها: أنه لا يكون شعراً حتى يتم قِطْعَة. وهذه كلمات يسيرة لا تسمى شعرًا. رابعها: أنه خرج موزونًا ولم يقصد به الشعر، وهذا أعدل الأجوبة.
وقال الإمام القرطبي في "تفسيره" 15/ 52: وإصابته -ﷺ- الوزن أحياناً لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانًا من نثر كلامه ما يدخل في وزن ... فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن وفي كل كلام وليس ذلك شعراً ولا في معناه.
وانظر للاستزادة في الموضوع: "فتح الباري" 8/ 38 ، 10/ 660، "الجامع لأحكام القرآن" 15/ 51، "الشعر الإسلامي في صدر الإسلام" ص 24 وما بعدها.]].
وقال أبو إسحاق: (ليس يوجب هذا أن يكون النبي -ﷺ- لم يتمثل ببيت شعر قط، وإنما يوجب هذا أنه ليس بشاعر، وأن يكون القرآن أتى به مباينًا لكلام المخلوقين وأوزان أشعار العرب) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 294.]]. وعلى ما ذكر قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ معناه: وما يسهل له إنشاء الشعر من قبل نفسه.
قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ قال مقاتل: القرآن [["تفسير مقاتل" 108 ب.]]. ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ قال ابن عباس: موعظة. ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ قال: يريد فيه الفرائض والحدود والأحكام [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 373. وانظر: "البغوي" 4/ 19، "زاد المسير" 7/ 33.]].
يس 36:70
﴿لِيُنْذِرَ﴾ أي: القرآن، ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للنبي -ﷺ- أي: لتنذر يا محمد بما في القرآن من الوعيد [[انظر: "الحجة" 6/ 47، "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" 2/ 220.]]. ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ قال ابن عباس: يريد مؤمنًا [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "الماوردي" 5/ 30، "زاد المسير" 7/ 37.]].
وقال مقاتل: من كان مهتديًا في علم الله [["تفسير مقاتل" 108 ب.]].
وقال أبو إسحاق: أي من يعقل ما يخاطب به، فإن الكافر كالميت، وإنه لا يتدبر [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 294.]].
وقال أبو علي الفارسي: (يعني المؤمنين؛ لأن الكفار أموات كما قال ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ﴿النحل: 26﴾. وقال: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا لِيُنْذِرَ﴾ [الأنعام: 122]) [["الحجة" 6/ 47.]].
وقوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ أي: ويجب الحجة بالقرآن على الكافرين، ثم وعظهم ليعتبروا فقال: [..] [[في (أ): زيادة (قوله)، وهي زيادة لا يحتاجها السياق.]]
يس 36:71
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ أي: مما تولينا خلقه.
﴿أَيْدِينَا﴾ بإبداعنا وإنشائنا واختراعنا، لم نشارك في خلقه ولا خلقناه بإعانة معين ولا إرشاد دليل. وذكر الأيدي هاهنا يدل هذه المعاني التي [[في (ب): (الذي).]] ذكرنا وإنما خاطبنا بما نعقل، والألفاظ التي تستعمل نستعملها في مخاطبتنا، والواحد منا إذا قال: عملت هذا بيدي، دل ذلك على توليته بعمله وانفراده به [[سبق أن يينا خطأ المؤلف رحمه الله في تفسير مثل هذه الآية، حيث إنه يؤول بعض الصفات وأهل السنة والجماعة يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله -ﷺ-، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل.]].
وأراد بالأنعام: الإبل والبقر والغنم. وقال المفسرون في قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾: عملناه.
قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ قال مقاتل: يعني لضابطين [["تفسير مقاتل" 108 ب.]]. وقال الزجاج: (مالكون ضابطون؛ لأن القصد إلى أنها ذليلة لهم، ألا ترى إلى قوله:
يس 36:72
﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾، ومثله قول الشاعر:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير ان نفرا [[البيت من المنسوخ وهو للربيع بن ضبع الفزاري في: "الخزانة" 7/ 384، "الكتاب" 1/ 89، "لسان العرب" 13/ 259 (ضمن).]]
أي: لا أضبط رأس البعير) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 294.]].
وقوله: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾. قال الليث: الركوب بفتح الراء كل دابة نركب، والركوبة اسم يجمع ما يركب، كالحمولة والركوبة والحلوبة [[انظر:"تهذيب اللغة" 8/ 218 (ركب).]].
وقال أبو عبيدة: ركوبهم ما ركبوا، والحلوبة ما حلبوا [["مجاز القرآن" 2/ 165.]].
قال الأزهري [["تهذيب اللغة" 8/ 216.]]: فعول أكثر ما يجيء الفاعل كالمغفور والشكور، ويجيء بمعنى مفعول كالركوب والحلوب، وربما أدخلوا الهاء في هذا الباب، وقد يجيء اسمًا لا صفة كالذنوب، وهو النصيب أو الدلو، وقد يجيء مصدرًا كالقبول والولوغ والزروع [والوزوع] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
قال مقاتل: (فمنها ركوبهم، يعني: حلوبتهم الإبل والبقر، ومنها يأكلون: الغنم) [["تفسير مقاتل" 108 ب.]].
يس 36:73
﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يعني بالركوب والحمل والأصواف والأوبار والأشعار والسحال [[السحال: جمع سحليل، وهو الناقة العظيمة الضرع التي ليس في الإبل مثلها، فتلك ناقة سحليل. وأما الفصلان: جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه، وأكثر ما يطلق في الإبل، وقد يقال في البقر (فصل) "اللسان" 11/ 522.]] والفصلان ومنافع كسبها وظهورها [[لم أقف عليه عنهما، وقد أورده بعض المفسرين غير منسوب. انظر: "القرطبي" 15/ 56، "زاد المسير" 7/ 39.]]. ﴿وَمَشَارِبُ﴾ من ألبانها. ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ رب هذه النعم فيوحدونه.
يس 36:74
ثم ذكر جهلهم وغرتهم [[لعله من التَّغرير، وهو حمل النفس على الغَرَرِ، والغُرور: بالضم الأباطيل. "اللسان" / 12 (غرر).]] فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [[قوله: (آلهة) غير مثبت في النسخ، وهو خطأ.]] أي: لعلهم يمنعون من العذاب باتخاذ الآلهة.
يس 36:75
ثم بين أن الأمر ليس على ما يقدرون فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾.
قال ابن عباس: يريد أن الأصنام لا تقدر على نصرهم [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 373، وانظر: "الوسيط" 9/ 513، "البغوي" 4/ 20.]].
وقال مقاتل: لا تقدر الآلهة أن تمنعهم من العذاب [["تفسير مقاتل" 108 ب.]]. ﴿وَهُمْ﴾ يعني: الكفار. ﴿لَهُمْ﴾ الآلهة. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾.
وقال ابن عباس ومقاتل: وهم لهم جند يغضبون لهم ويحضرونهم في الدنيا [[انظر لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وهو في "تفسير مقاتل" 108 ب.]]. وهذا قول قتادة والحسن، واختيار أبي إسحاق.
قال قتادة: يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم [[في (ب): (لهم).]] خيرًا ولا تدفع عنهم شرًّا إنما هي أصنام [[انظر: "الطبري" 23/ 29، "بحر العلوم" 3/ 106، "زاد المسير" 7/ 39.]].
وقال الحسن: محضرون لآلهتهم يدفعون عنهم ويمنعونهم [[انظر: "القرطبي" 15/ 290.]].
وقال أبو إسحاق: أي هم للأصنام ينتصرون، والأصنام لا تستطيع نصرهم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 295.]]. وهذا القول هو الاختيار [[وهو ما رجحه الإمام الطبري 23/ 30.]]. وفيه قول آخر، وهو أن المعنى: والآلهة جند للعابدين محضرون معهم في النار، يريد أن العابدين والمعبودين كلهم مجتمعون في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض ولا ينتفع الكفار بعبادتهم ورجائهم نصرتهم. وهذا معنى قول الكلبي، [[انظر: "زاد المسير" 7/ 39.]] ورواية معمر عن الحسن [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 146، "زاد المسير" 7/ 39.]]. وعلى هذا القول ﴿هُمْ﴾ كناية عن الآلهة، والكناية في هم الكفار والخلق لفظ للجند على الآلهة بزعمهم، وعلى ما كانوا يقدرون من أنها لهم جند تمنعهم، فقيل: إنهم لهم جند محضرون معهم النار. ثم عزى نبيه -ﷺ- فقال: [..] [[في (أ): زيادة (وقوله تعالى) وهي زيادة لا يحتاجها السياق.]]
يس 36:76
﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ في ضمائرهم من الشرك والتكذيب. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم. ومعنى أنا نعلم ذلك، ثم إذا علم أثاب نبيه على صبره على أذاهم وجازاهم بسوء صنيعهم، وكأنه قال: لا يحزنك ما يقولون، فإنا نثيبك ونجازيهم.
يس 36:77
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 107، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 39 وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس.]]: يريد أبي ابن خلف. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 108 ب.]]، والأكثرين [[فقد قال به مجاهد وقتادة والسدي وعكرمة والكلبي. انظر: "الطبري" 23/ 30، "الماوردي" 5/ 33، "بحر العلوم" 3/ 107. وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 41: وبه قال الجمهور. وعليه المفسرون.]].
وقال سعيد بن جبير [[انظر: "الطبري" 23/ 30، "زاد المسير" 7/ 40، "القرطبي" 15/ 70.]]: هو العاص بن وائل.
وقال الحسن [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 678، "زاد المسير" 7/ 41، "فتح القدير" 4/ 383.]]: هو أمية بن خلف، خاصم النبي -ﷺ- في إنكار البعث، وأتاه بعظم حائل ففته بين يديه، وقال [[في (ب): (فقال).]]: أيحي هذه الله بعدما رم [[في (ب): (ورمى).]] وبلي فأنزل الله [وقوله] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).]]: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ يعني: ألا يرى أنه مخلوق من نطفة ثم هو يخاصم، وهذا تعجب من جهله وإنكار عليه خصومته، أي: كيف لا يتفكر في بدء خلقه حتى يدع خصومته [[هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف رحمه الله فيمن نزلت هذه الآية هي بعض مقاله المفسرون. وقد قال ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" 3/ 581 بعد أن ذكر الأقوال: وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف أو العاص بن وائل أو فيهما، فهي عامه في كل من أنكر البعث، والألف واللام في قولى تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ للجنس، فيعم كل منكر للبعث. اهـ.]]. وهذا كقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: 4]. وقد مر تفسيره.
يس 36:78
ثم أكد الإنكار عليه بقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾. قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 109 أ.]]: وصف لنا شبها، يعني: أنه ضرب المثل في إنكار البعث بالعظم الحائل، ففته وبذره وينكر إحيائه بعد بلائه ويتعجب ممن يقول: إن الله يحييه. فهذا معنى ضرب المثل هاهنا، وهو أنه بين بما فعله إنكار البعث واعتقداه في استحالة الإعادة، وكان ذلك ضرب مثل الله. أي: فإن قدر على الإحياء والإعادة فليحي هذا العظم.
قوله تعالى: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾. قال مقاتل: يقول: وترك النظر في خلق نفسه ءأذا خلق من نطفة ولم يك قبل ذلك شيئاً [[المصدر السابق.]]. ثم بين أيش [[أصل الكلمة: أي شيء.]] كان ذلك المثل بقوله [..] [[في (أ): زياد: ﴿قَوْلُهُ﴾ وهي زيادة لا يحتاجها السياق.]]: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. قال أبو عبيد: الرميم مثل الرمة، يقال منه: رم العظم، وهو يرم رما، وهو رميم [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 191 (رمم).]]. وقال ابن الأعرابي: رمت عظامه وأرمت إذا بليت [[انظر: "اللسان" 12/ 253 (رمم).]].
وقال أبو عبيدة: الرميم الرفات [["مجاز القرآن" 2/ 165.]]. وإنما قال رميم بغير هاء، وهو صفة العظام؛ لأنه منقول عن فاعل، فهو غير مبني على الفعل، وإذا لم يبن على الفعل لم يدخله عليه علامة التأنيث.
يس 36:79
ثم ذكر جواب المنكر بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال ابن عباس: يريد ابتدأها أول مرة [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 520 ولم ينسبه، وكذا الماوردي 5/ 32.]].
قال أبو إسحاق: والقدرة في الإبتداء أبين من الإعادة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 295.]].
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد حين ابتدأه وحين يعيده [[لما أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الماوردي في "تفسيره" 5/ 32 ولم ينسبه.]].
وقال مقاتل: عليهم بخلقهم في الدنيا وعليم بخلقهم بعد الموت [["تفسير مقاتل" 109 أ.]].
يس 36:80
ثم زاد في البيان وأخبر عن عجيب صنعه مما يشاهدون؛ ليعتبروا ويستدلوا فقال: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾. قال الكسائي والفراء [[لم أقف على قول الكسائي. وانظر قول الفراء في: "معاني القرآن له" 2/ 382.]]: ذكر الشجر هاهنا، وفي قوله: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52)﴾ [الواقعة: 52] ذكرها بالتأنيث، ثم ذكر أيضًا في قوله: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: 10]، والشجر يؤنث ويذكر كالنخل و [[[قدر كلمة في جميع النسخة غير واضحة.]]] قد تقدم الكلام فيه [[لم أقف على الموضع الذي أحال المؤلف رحمه الله إليه.]].
وقوله: ﴿نَارًا﴾ يعني: ما جعل من النار في المرخ والعفار، وهما شجرتان تتخذ الأعراب وقودها منهما. وقال ابن عباس: ليس من شجر إلا وفيها نار إلا الشجرة [[في (أ): (شجرة).]] التي كلم الله موسى منها، وهي العناب [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الماوردي 5/ 34 عن الكلبي، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 679 عن الكلبي أيضًا، والبغوي 4/ 21 عن الحكماء.]].
وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ أي: تقدحون النار وتوقدونها من ذلك الشجر. قال مقاتل: والذي يخرج من الشجر نارًا وأنتم تبصرونه، والنار تأكل الحطب، فهو قادر على البعث [["تفسير مقاتل" 109 أ.]]. ومعنى الآية أنه يدلهم على قدرته على البعث بخلقه النار في الشجر الأخضر، ثم إيقادهم النار من الشجر الأخضر. قال مقاتل: ثم ذكر ما هو أعظم خلقا من الإنسان [[المصدر السابق.]]، فقال: [..] [[في (أ): زيادة (قوله تعالى)، وهي زيادة لا يحتاجها السياق.]]
يس 36:81
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى﴾ هذا استفهام معناه التقرير، يقول: أو لا يقدر من خلق السموات والأرض على أن يخلق مثلهم. قال مقاتل: أن يخلق في الآخرة مثل خلقهم في الدنيا [[المصدر السابق.]]. وعلى هذا المضاف مقدر، وهذا كقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:57].
ثم أجاب هذا الاستفهام بقوله: ﴿بَلَى﴾ أي: هو قادر على ذلك. ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ خلقهم في الدنيا ويخلقهم في الآخرة خلقًا جديدًا. ﴿الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس: بجميع ما خلق [[لم أقف عليه.]].
ثم ذكر قدرته على إيجاد الشيء فقال: [..] [[في (أ): زيادة (قوله تعالى)، وهي زيادة لا يحتاجها السياق.]]
يس 36:82
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وهذا كقوله في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل 40] [[في جميع النسخ: (أمرنا)، وهو خطأ.]] الآية وقد تقدم الكلام فيها.
يس 36:83
ثم نزه فيها نفسه عن قولهم أنه لا يقدر، فقال: ﴿فَسُبْحَانَ﴾. قال أبو إسحاق: أي تنزيه من السوء، ومن أن يوصف بغير القدرة [[انضر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 124 ب.]]. ﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال مقاتل: يعني خلق كل شيء [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 296.]]. قال عطاء: ملك كل شيء [["تفسير مقاتل" 109 أ.]].
وقال الزجاج: أي القدرة على كل شيء [[لم أقف عليه.]]. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: هو يبعثكم بعد موتكم.
وقال عطاء: يريد مصير عبادي إلى [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 296.]]. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
[والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (ب).]].