Al-Basit — الحجرات 49:1 – النجم 53:62
المحتويات
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:5
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:15
- الحجرات 49:16
- الحجرات 49:17
- ق 50:1
- ق 50:2
- ق 50:3
- ق 50:4
- ق 50:5
- ق 50:6
- ق 50:8
- ق 50:9
- ق 50:10
- ق 50:11
- ق 50:12
- ق 50:13
- ق 50:14
- ق 50:15
- ق 50:16
- ق 50:17
- ق 50:18
- ق 50:19
- ق 50:20
- ق 50:21
- ق 50:22
- ق 50:23
- ق 50:24
- ق 50:25
- ق 50:27
- ق 50:29
- ق 50:30
- ق 50:31
- ق 50:32
- ق 50:33
- ق 50:34
- ق 50:35
- ق 50:36
- ق 50:37
- ق 50:38
- ق 50:39
- ق 50:40
- ق 50:41
- ق 50:42
- ق 50:43
- ق 50:44
- ق 50:45
- الذاريات 51:1
- الذاريات 51:2
- الذاريات 51:3
- الذاريات 51:4
- الذاريات 51:5
- الذاريات 51:6
- الذاريات 51:7
- الذاريات 51:8
- الذاريات 51:9
- الذاريات 51:10
- الذاريات 51:11
- الذاريات 51:12
- الذاريات 51:13
- الذاريات 51:14
- الذاريات 51:15
- الذاريات 51:16
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:18
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:20
- الذاريات 51:21
- الذاريات 51:22
- الذاريات 51:23
- الذاريات 51:24
- الذاريات 51:25
- الذاريات 51:26
- الذاريات 51:27
- الذاريات 51:28
- الذاريات 51:29
- الذاريات 51:30
- الذاريات 51:31
- الذاريات 51:32
- الذاريات 51:33
- الذاريات 51:34
- الذاريات 51:35
- الذاريات 51:36
- الذاريات 51:37
- الذاريات 51:38
- الذاريات 51:39
- الذاريات 51:41
- الذاريات 51:42
- الذاريات 51:43
- الذاريات 51:44
- الذاريات 51:45
- الذاريات 51:46
- الذاريات 51:47
- الذاريات 51:48
- الذاريات 51:49
- الذاريات 51:50
- الذاريات 51:51
- الذاريات 51:52
- الذاريات 51:53
- الذاريات 51:54
- الذاريات 51:55
- الذاريات 51:56
- الذاريات 51:57
- الذاريات 51:58
- الذاريات 51:59
- الذاريات 51:60
- الطور 52:1
- الطور 52:2
- الطور 52:3
- الطور 52:4
- الطور 52:5
- الطور 52:6
- الطور 52:7
- الطور 52:9
- الطور 52:10
- الطور 52:11
- الطور 52:12
- الطور 52:13
- الطور 52:14
- الطور 52:15
- الطور 52:16
- الطور 52:18
- الطور 52:19
- الطور 52:20
- الطور 52:21
- الطور 52:22
- الطور 52:23
- الطور 52:24
- الطور 52:27
- الطور 52:28
- الطور 52:29
- الطور 52:30
- الطور 52:31
- الطور 52:32
- الطور 52:33
- الطور 52:35
- الطور 52:36
- الطور 52:37
- الطور 52:38
- الطور 52:39
- الطور 52:41
- الطور 52:42
- الطور 52:43
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:47
- الطور 52:48
- الطور 52:49
- النجم 53:1
- النجم 53:2
- النجم 53:3
- النجم 53:4
- النجم 53:5
- النجم 53:6
- النجم 53:7
- النجم 53:8
- النجم 53:9
- النجم 53:10
- النجم 53:11
- النجم 53:12
- النجم 53:13
- النجم 53:14
- النجم 53:15
- النجم 53:16
- النجم 53:17
- النجم 53:18
- النجم 53:19
- النجم 53:20
- النجم 53:21
- النجم 53:22
- النجم 53:23
- النجم 53:24
- النجم 53:25
- النجم 53:26
- النجم 53:27
- النجم 53:28
- النجم 53:29
- النجم 53:30
- النجم 53:31
- النجم 53:32
- النجم 53:33
- النجم 53:34
- النجم 53:35
- النجم 53:36
- النجم 53:37
- النجم 53:38
- النجم 53:39
- النجم 53:40
- النجم 53:41
- النجم 53:42
- النجم 53:43
- النجم 53:44
- النجم 53:46
- النجم 53:48
- النجم 53:49
- النجم 53:50
- النجم 53:51
- النجم 53:52
- النجم 53:53
- النجم 53:54
- النجم 53:55
- النجم 53:56
- النجم 53:57
- النجم 53:58
- النجم 53:59
- النجم 53:60
- النجم 53:61
- النجم 53:62
الحجرات 49:1
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، قَدَّم هاهنا: بمعنى: تقدم وهو لازم لا يقتضي مفعولاً، يدل عليه قراءة الضحاك ويعقوب: (لا تَقَدَّموا) بفتح التاء والدال من المتقدم ومعناهما واحد [[انظر كتاب: "التذكرة في القراءات" 2/ 689، "الدر المصون" 6/ 168.]].
قال الفراء: يقال قَدَمت في أمر كذا، وكذا وتقدَّمت [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 69.]].
وقال الأزهري: يقال قَدَّم يُقدِّم، وتَقدّم يَتقدّم، وأقدم يُقْدِمُ، واستَقدم يستقدم بمعنى واحد [[انظر: "تهذيب اللغة" (قدم) 9/ 49.]].
وقال أبو [عبيد] [[كذا في الأصل والصواب (عبيدة).]]: تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي: لا تعجل بالأمر دونه والنهي [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 219]]، يجيء فعل بمعنى يفعل، يقال: حول بمعنى تحول، ومنه قول ذي الرمة: قوله:
إذا حَوّل الظِّل العَشِي رأيتَه ... حَنِيفاً وفي قَرْنِ الضُّحَى يَتَنصَّرُ [[انظر: "ديوان ذي الرمة" ص 229، وانظر: "تهذيب اللغة" (ولى) 15/ 452، قال الأزهري: أراد تحول الظل بالعشي.]] ومعنى بين اليدين هاهنا: المقدام والأمام، وذلك راجع إلى قدام الأمر والنهي، لأن المعنى: لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما، وبين اليدين عبارة عن الأمام، لأن ما بين يدي الإنسان أمامه، وهذا اللفظ بهذا المعنى كثير في التنزيل.
واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الكلبي والسدي والمقاتلان وعطاء الخراساني: نزلت [..] [[كذا في الأصل وقد سقط حرف (في).]] قصة بئر معونة [[بئر معونة: قال ابن إسحاق: (بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، وقال: كلا البلدين منها قريب إلا أنها إلى حرة بني سليم أقرب، وقيل: بثر معونة بين جبال يقال لها: أبْلَى في طريق المصعد من المدينة إلى مكة وهي لبني سليم)، وقال الواقدي: (بئر معونة في اْرض بني سليم وأرض بني كلاب، وعندها كانت قصة الرجيع) والله أعلم، انظر: "معجم البلدان" 1/ 302.]] وقيل: للثلاثة الذين قتلوا الرجلين المسلمين اللذين اعتزيا إلى بني عامر، وكان بنو عامر قتلوا أصحاب بئر معونة، فلما اعتزى الرجلان إليهم قتلوهما وأخذوا ما كان معهما، فلامهم رسول الله -ﷺ- وقال: "بئسما صنعتما هما رجلان من بني سليم [[بنو سليم: بضم السين- قبيلة عظيمة من قيس عيلان والنسبة إليهم سلمى، وهم بنو سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس، قال الحمداني: وهم أكثر قبائل قيس، وكان لسليم من الولد بهتة ومنه جميع أولاده، قال في العبر: وكانت منازلهم في عالية نجد بالقرب من خيبر، قال: وليس لهم الآن عدد ولا بقية في بلادهم. انظر: "نهاية الأرب" ص 271.]] من أهل ميثاقي" ونزلت هذه الآية [[أورد ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 157 أونسبه للسدي وعطاء الخراساني، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 87، "تفسير الماوردي" 5/ 326 ونسبه للضحاك عن ابن عباس، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 301، "تفسير الألوسي" 26/ 133.]] يقول: لا تقطعوا أمراً دون الله ورسوله، ولا تعجلوا به، وهذه رواية باذان عن ابن عباس [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 157 ب.]].
وقال ابن الزبير: قدم المدينة ركب من بني تميم [[بنو تميم: بطن من طابخة وطابخة من العدنانية وهم بنو تميم بن مر بن أد بن طابخة، والتميم في اللغة الشديد، وكان لتميم من الولد زيد مناة وعمرو بن الحارث، قال في العبر: وكانت منازلهم بأرض نجد من هنالك على البصرة واليمامة وامتدت إلى الغري من أرض الكوفة. انظر: "نهاية الأرب" ص 177.]] على النبي -ﷺ-[..]، [[سقط من الأصل قوله: (فقال: أبو بكر أمر القعقاع بن معبد وقال عمر أمر الأقرع ابن حابس).]]، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. وتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله هذه الآية [[أخرجه عن عبد الله بن الزبير البخاري في التفسير، باب إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون 6/ 47، والطبري 13/ 119، وأخرجه الثعلبي 10/ 157 أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 406، والبغوي 7/ 334.]] وهذه رواية عطاء عن ابن عباس [[وهي التي سبقت الإشارة إليها في قصة بئر معونة وقتل الرجلين.]].
وقال جابر بن عبد الله: نزلت في النهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة، وذلك أن ناساً من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي -ﷺ- فأمرهم أن ييدوا الذبح. وهو قول الحسن [[أخرج ذلك الثعلبي 10/ 156 ب عن جابر بن عبد الله، وأشار أيضًا أنه اختيار الحسن البصري، ونسبه في "الوسيط" 4/ 150 لجابر، ونسبه الطبري 13/ 117، والماوردي 5/ 325، وابن الجوزي 7/ 454، والقرطبي 16/ 301 للحسن.]]، واختيار الزجاج، قال: أعلم الله أن ذلك غير جائز، قال: وفي هذا دليل أنه لا يجوز أن يؤدِّى فرضٌ قبل وقته، ولا تطوع قبل وقته مما جاءت به السنة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 31.]].
وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك، قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم [[أخرج ذلك الثعلبي 10/ 156 ب عن عائشة، ونسبه إليها البغوي 7/ 334، وابن الجوزي 7/ 455، وعزاه السيوطي في "الدر" 7/ 547 إلى الطبراني في الأوسط وابن مردويه، ونسبه في "الوسيط" 4/ 150 لمسروق عن عائشة.]].
وأما التفسير: فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة [[أخرج ذلك الطبري 13/ 116 عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ونسبه الثعلبي في "تفسيره" 10/ 156 ب لابن عباس عن علي بن أبي طلحة.]]، وقال العوفي عنه: لا تتكلموا بين يدي كلامه [[أخرج ذلك الطبري 13/ 116 عن ابن عباس، ونسبه الماوردي 5/ 352 لابن عباس، ونسبه ابن الجوزي 7/ 455 للعوفي، وذكره السيوطي في "الدر" 7/ 546. ونسبه للطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس.]].
وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله على لسانه [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 610، وأخرجه الطبري 13/ 116، ونسبه الثعلبي 10/ 157 أ، ونسبه البغوي 7/ 334، والقرطبي 16/ 301 لمجاهد.]]، وقال الضحاك: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله [[نسب هذا القول للضحاك، الثعلبي 10/ 157/ أ، والبغوي 7/ 334.]].
وقال الكلبي: لا تسبقوا رسول الله -ﷺ- بقول ولا فعل حتى يكون هو الذي يأمركم [[نسب الثعلبي 10/ 157 أهذا القول للكلبي، "تنوير المقباس" ص 515.]].
وهذه عبارات المفسرين ومعناها واحد.
الحجرات 49:2
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ قال ابن عباس: في رواية عطاء والكلبي والمقاتلان: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، كان إذا تكلم عند النبي -ﷺ- رفع صوته فربما كان ينادي رسول الله -ﷺ- بصوته [[أخرج البخاري عن أنس بن مالك قصة فقد الرسول -ﷺ- لثابت بن قيس وسؤاله عنه وذكر قيس سبب تخلفه وهي هذه الآية، انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير 46/ 6، وأخرجه مسلم في الإيمان باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله 1/ 110، والطبري 13/ 118 عن أنس، وذكر الثعلبي أنها نزلت في قيس بن شماس ولم ينسبه 10/ 158 أ، وأخرجه البغوي 7/ 335 عن أنس، ونسبه في "الوسيط" 4/ 150 لأنس، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 89.]]
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ قال مقاتل: يقول: لا تدعوه باسمه يا محمد بن عبد الله، كما يدعو الرجل منكم غيره باسمه: يا فلان ويا فلان، ولكن عظّموه وقولوا: يا رسول الله، يؤدبهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90.]].
وقال مجاهد: لا تنادوه ولا تقولوا: يا محمد، ولكن قولوا: قولاً ليناً: يا رسول الله [[أخرج ذلك الطبري 13/ 118 عن مجاهد، وذكر الماوردي هذا المعنى ولم ينسبه، انظر: "تفسيره" 5/ 326 - 327، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 610.]].
وقال أبو إسحاق: أمرهم الله عز وجل بتبجيل نبيه وأن يغضوا أصواتهم ويخاطبوه بالسكينة والوقار، وأن يفضلوه في المخاطبة قال: ومعنى (كجهر بعضكم لبعض) أي: لا تنزلوه بمنزلة بعضكم من بعض فتقولوا: يا محمد، خاطبوه بالنبوة والسكينة والإعظام [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 32.]].
قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ قال ابن قتيبة: لئلا تحبط [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 415.]]، وهذا مذهب الكوفيين، قال الأخفش: مخافة أن تحبط، كما تقول: أدعم الحائط أن يميل أي مخافة أن يميل [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 695، ونص عبارته (أي مخافة أن تحبط أعمالكم، وقد يقال: (اسْمُك الحائط أن يميل).]]، وهذا قول البصريين، وقد بينا هذا في مواضع.
قال مقاتل: يعني أن تبطل حسناتكم وأنتم لا تشعرون [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90.]].
قال أبو إسحاق: هذا إعلام أن النبي -ﷺ- يجب أن يجل ويعظم غاية الإجلال والإعظام، وأنه قد يفعل الشيء مما لا يشعر به في أمر النبي -ﷺ- فيكون ذلك مهلكاً لفاعله أو قائله، ولذلك قال بعض الفقهاء: من قال: إن زِرَّ رسول الله -ﷺ- وسخ، يريد به النقص وجب قتله، هذا مذهب مالك وأصحابه، انتهى كلامه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 32.]].
قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية انطلق ثابت مهموماً حزيناً فمكث في بيته أياماً مخافة أن يكون قد حبط عمله، وكان سعد بن عبادة جاره فانطلق سعد حتى أتى النبي -ﷺ- فأخبره بقول ثابت أنه قد حبط عمله وأنه في النار فقال: "اذهبْ فأخبره أنه ليس مِنْ أهل النار وأنه من أهلِ الجنة" [[أخرج ذلك البخاري عن أنس بن مالك. انظر: "صحح البخاري" -كتاب التفسير- سورة الحجرات 6/ 46. وأخرجه الطبري 13/ 119 عن عكرمة، وأورده الثعلي في "تفسيره" 10/ 158 أ - ب، وذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 305.]] ففرح ثابت وخرج إلى النبي -ﷺ- فكان بعد ذلك إذا كان عند النبي
-ﷺ- خفض صوته فلا يسمع من يليه فنزلت فيه.
الحجرات 49:3
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وقال عطاء عن ابن عباس: لما نزل قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ تألَّى أبو بكر ألا يكلم رسول الله -ﷺ- إلا كأخي السرار، فأنزل الله تعالى في أبي بكر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [[ذكر ذلك الهيثمي في "مجمع الزوائد" وقال رواه البزار وفيه حصين بن عمر الأحمسي وهو متروك، وقد وثقه العجلي، وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 108، وذكره الماوردي 5/ 326، البغوي 4/ 336، والقرطبي 16/ 308، وذكره في "الوسيط" 4/ 151.]] ونحو هذا روي لنا عن أبي هريرة [[أخرج ذلك الثعلبي 10/ 159 أعن أبي هريرة وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. انظر: "المستدرك" -كتاب التفسير- سورة الحجرات 2/ 462، وذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 336.]].
وقال ابن الزبير: ما حدث عمر النبي -ﷺ- بعد قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ فسمع النبي -ﷺ- كلامه حتى يستفهمه بما يخفض صوته فأنزل الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [[أخرج ذلك البخاري في "تفسيره". انظر: "صحيح البخاري" كتاب: التفسير 6/ 46، وذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن ابن الزبير 10/ 159 أ، البغوي في "تفسيره" 7/ 337، وذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 308، ولا مانع من نزول الآية في جميع من ذكر لما اتحد فعلهم.]].
والغض: النقص من كل شيء، ومنه غض البصر وغض الصوت [[انظر: "تهذيب اللغة" (غض) 16/ 36، "اللسان" (غضض) 7/ 197.]]. قال الله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: 19]، قال مقاتل: يخفضون كلامهم عند رسول الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90.]]، قال ابن عباس: يريد أبا بكر [[انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 151.]].
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ قال مقاتل ومجاهد وقتادة: أخلص الله قلوبهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90، "تفسير الطبري" 13/ 120، و"الوسيط" 4/ 151.]]، وهذا معني وليس بتفسير، وذلك أن الامتحان معناه في اللغة: الاختبار [[انظر: "تهذيب اللغة" (محن) 5/ 121، "اللسان" (عن) 13/ 401.]]، والاختبار إنما يكون الإخلاص كما يمتحن الذهب بالنار ليخلص، والتقدير: امتحن الله قلوب فأخلصها للتقوى فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه، وذلك أن الامتحان إنما كان للإخلاص.
قال عطاء عن ابن عباس: يريد طهَّر قلوبهم من كل قبيح، وجعل التقوى في قلوبهم والخوف من الله [[انظر: ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 308 عن ابن عباس.]]، قال الفراء: أخلص قلوبهم للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج جيده من رديئه ويسقط خبثه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 70.]]، وقال أبو عبيدة: امتحنه: اصطفاه [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 219.]]، وهذا كقول المفسرين.
وقال أبو سعيد الضرير: محنت الأديم محنًا إذا مددته حتى توسعه، قال: ومعنى قوله: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ شرح الله قلوبهم، كان معناه وسَّع الله قلوبهم للتقوى [[انظر: "تهذيب اللغة" (عن) 5/ 121 - 122، "اللسان" (عن) 13/ 401.]]، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى تقدير محذوف، وقال المقاتلان: قال ثابت لما نزلت هذه الآية: ما يسرني أني لم أجهر بصوتي عند النبي -ﷺ- إذ امتحن الله قلبي للتقوى، وجعل لي مغفرة وأجراً عظيمًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90 - 91.]].
الحجرات 49:4
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في قوم حفاة أجلاف من بني تميم قدموا على النبي -ﷺ- لفداء ذرارٍ لهم سبيت، وكان النبي -ﷺ- قد نام للقائلة، فجحلوا ينادونه: يا محمد اخرج إلينا، ولم يعلموا في أي حجرة هو من حجر نسائه، فكانوا يطوفون على الحجر وينادونه: يا محمد اخرج إلينا، وهذا قول جابر [[أخرجه الثعلبي عن جابر. انظر 10/ 159 ب، وذكره البغوي 7/ 338، كما أخرجه المؤلف في "أسباب النزول" ص 409، وذكره ابن حجر في "الكافي الشاف" ص 156، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 458.]] وابن عباس [[أورد ذلك البغوي 7/ 337 ونسبه لابن عباس، وكذلك ابن حجر في "الكاف الشاف" ص 156، وابن الجوزي 7/ 459.]] والمقاتلين [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 91.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" ص 610، وأخرجه الطبري 13/ 122، وذكره القرطبي 16/ 309.]] والكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 515.]].
وروي لنا مرفوعاً أن النبي -ﷺ- سئل عن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية قال: "هم الجفاة من بني تميم" [[أخرج ذلك الطبري 13/ 122 عن مجاهد ونسه القرطبي 16/ 309 لمجاهد.]]، والحجرات جمع حجرة، وفُعْلة تجمع فعلات، نحو: عرفات وظلمات، ومنهم من يستثقل الضمتين فيفتح الجيم.
وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 168].
قال الفراء: وأصل الحجر المنع، وكل ما منعت من أن توصل إليه فقد حجرت عليه، وكذلك الحجرة التي ينزلها الناس هو ما حوطوا عليه [[هذا النص لم أقف عليه في "معاني القرآن" للفراء وهو في "تهذيب اللغة" منسوبًا == لأبي إسحاق. انظر: "تهذيب اللغة" (حجر) 4/ 132.]]، وأنشد أبو عبيدة قول الفرزدق: أَما كان عبادة [[كذا في الأصل، وعند أبي عبيدة (عبَّا كفيا لدارهم). انظر: "مجاز القرآن" 2/ 219، وعند الطبري 13/ 121 (عباد كفيئا لدارم). وكذا أيضًا عند المبرد في "الكامل" 1/ 64 ولم أقف عليه عند الفرزدق.]] كفياً لِدارِم ... بلى ولأبياتٍ بها الحجراتُ
وقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وصفهم الله بالجهل، وقلة العقل ونَعَى عليهم قلة صبرهم فقال:
الحجرات 49:5
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وذلك أن رسول الله -ﷺ- فاداهم نصف ذراريهم، وأعتق نصفهم، يقول الله: ولو صبروا كنت تعتق كلهم.
قال مقاتل: يعني بالخير أنهم لو صبروا لخلى سبيلهم بغير فداء [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 92.]]، هذا قول المفسرين [[ذكر ذلك الثعلبي 10/ 162 أ، وذكره السمرقندي 3/ 262، الماوردي 5/ 328، والقرطبي 16/ 311.]].
قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد لمن تاب منهم [[ذكر هذا المعنى في "الوسيط" 4/ 152 ولم ينسبه.]].
الحجرات 49:6
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة ومجاهد [[أخرج ذلك الطبري 13/ 124 عن ابن عباس وقتادة ومجاهد. وأخرجه الإمام أحمد عن الحرث بن ضرار الخزاعي. انظر: "مسند أحمد" 4/ 279، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" وعزاه للإمام أحمد. وقال: رجال أحمد ثقات 7/ 109، وأخرجه عبد الرزاق عن قتادة. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 231، وقال الحافظ ابن حجر في "الكاف الشاف" ص 156: رواه ابن إسحاق والطبراني من حديث أم سلمة وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.]] والمقاتلان [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 92.]]: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه رسول الله -ﷺ- مصدقاً إلى بني المصطلق [[بنو المصطلق: حي من خزاعة، حاربهم رسول الله -ﷺ- في غزوة المريسيع في شعبان سنة ست من الهجرة. انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 333، "البداية والنهاية" 4/ 156.]] فلما سمعوا به فرحوا واجتمعوا ليتلقوه، وكانت بينهم عداوة في الجاهلية، ففرق الوليد ورجع إلى النبي -ﷺ- وقال: إنهم قد منعوا الصدقة وارتدوا، فبعث إليهم رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد، فلما دنا خالد منهم بعث عيوناً ليلاً فإذا هم ينادون ويصلون، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا طاعة وخيراً، فرجع إلى النبي -ﷺ- فأخبره ونزلت الآية.
وذكرنا القراءة في قوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ في سورة النساء [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ بالنون، وكذلك في الحجرات: 6، وقرأ حمزة والكسائي: (فتثبتوا) بالتاء وكذلك في الحجرات، انظر: "الحجة" لأبي علي 3/ 173، "تفسير الطبري" 13/ 123.]].
قوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾ يعني: لئلا تصيبوا، وكراهة أن تصيبوا [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 109.]] على ما ذكرنا في مواضع.
وقوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ أي: بجهالة بحالهم، وما هم عليه من الإسلام والطاعة.
﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ قال مقاتل: يعني الذين انتدبوا لقتال بني المصطلق [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 93.]].
الحجرات 49:7
ثم وعظهم فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ومعناه: اتقوا أن تكذبوه أو تقولوا باطلاً، فإن الله يخبره فتفتضحوا، يعني: أنهم إذا لم يراعوا هذا كانوا كأنهم لم يعلموا أن رسول الله بين أظهرهم؛ لأنهم لم يعملوا على موجب ما علموا، فقال لهم: اعلموا ذلك علماً تعملون به فتتقوا الكذب.
ثم قال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ أي: رسول الله ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي: مما تخبرونه فيه بالباطل (لعنتم) لوقعتم في عنت، وهو الإثم والهلاك.
قال مقاتل: لأنهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 93، ونصها: (لأثمتم في دينكم).]] في دينكم، ثم خاطب المؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي -ﷺ- ولا يخبرونه بالباطل فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ جعله أحبَّ الأديان إليكم حتى أحببتموه ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ حتى اخترتموه ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ جعل الكفر تكرهونه وتجتنبونه (والفسوق) قال ابن عباس: يريد الكذب [[ذكر ذلك البغوي 7/ 339 ونسبه لابن عباس 7/ 339، ونسبه الماوردي 5/ 329 لابن زيد 5/ 329، ونسبه القرطبي 16/ 314 لابن عباس وابن زيد، ونسبه في "الوسيط" 4/ 153 لابن عباس.]] (والعصيان) جميع معاصي الله.
ثم عاد إلى الخبر فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني المهتدين في محاسن أمورهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 93، وذكر هذا المعنى في "الوسيط" 4/ 153 ولم]]، ومثل هذا في النظم قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ الآية [الروم: 39].
ثم بين أن جميع ذلك بفضل من الله فقال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: (فضلاً) منصوب مفعول له، المعنى: فعل الله بكم ذلك فضلاً أي للفضل والنعمة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 35.]].
قال ابن عباس: يريد تفضلاً مني عليهم، ورحمة مني لهم [[ذكر ذلك في "الوسيط" منسوبًا لابن عباس، انظر 4/ 153.]] ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ بما في قلوبهم (حكيم) فيهم بعلمه.
وقال مقاتل: عليم بخلقه حكيم في أمره [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 93.]].
الحجرات 49:9
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قال المفسرون: نزلت في حَيَّيْن من الأنصار كان بينهما قتال بالنعال والأيدي.
قال أبو مالك: اقتتل رجلان فاقتتل حياهما، فاقتتلوا بالنعال والعصي، فأنزل الله ما قد سمعتم [[أخرجه الطبري 13/ 128 عن أبي مالك، وعزاه السيوطي في "الدر" 7/ 560 لسعيد ابن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك.]]، ونحو هذا قال الحسن [[أخرجه الطبري عن الحسن، انظر: "تفسير الحسن" 2/ 296.]] وقتادة [[أخرجه الطبري 13/ 129 عن قتادة، ونسبه الماوردي 5/ 330، والبغوي 7/ 340، وابن الجوزي 7/ 463 لقتادة.]] والسدي [[أخرجه الطبري 13/ 128 عن السدي، ونسبه الثعلبى 10/ 164 أ، والماوردي 5/ 330، والبغوي 7/ 340 للسدي.]].
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضاء بما فيه لهما وعليهما.
وقوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ أي: طلبت ما ليس لها، ولم ترجع إلى الصلح والرضا بحكم الله الذي حكم في كتابه.
قال أبو إسحاق: والباغية: التي تعدل عن الحق وما عليه أئمة المسلمين وجماعتهم [[انظر: "معاني الزجاج" 5/ 35.]].
قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: ترجع إلى طاعة الله [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94.]].
قال أصحابنا: ودلت عليه هذه الآية، على أنه يجحب أن يقاتل المارق الباغي المشاقّ لما عليه الأمة [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 128، "تفسير البغوي" 7/ 342، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 317.]]؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب، والبغاة الذين يجب قتالهم هم الذين يجتمع لهم أوصاف ثلاثة: الغلبة بالشوكة والقوة، والتأويل المحتمل [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 342.]]، والإمام الذين يجتمعون عليه، فهؤلاء يدعون أولاً إلى طاعة الله بالإنذار، والعود إلى طاعة الإمام العادل، فإن أبوا قوتلوا من غير أن يبدأ بالقتال، ولكن إن قصدوا أهل العدل قاتلوهم للدفع، ثم لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جرحتهم، ونحو ما ذكرنا سار أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- في أهل البغي [[أخرجه الحاكم عن أبي أمامة وقال: هذا صحيح الإسناد في هذا الباب، ووافقه الذهبي، انظر: "المستدرك" كتاب: قتال أهل البغي 2/ 155، وأخرجه البيهقي موقوفًا على علي، انظر: "سنن البيهقي" كتاب: قتال أهل البغي، باب أهل البغي إذا فاءوا لم يتبع مدبرهم ولم يقتل أسيرهم ولم يجهز على جريحهم ولم يستمتع بشيء من أموالهم 8/ 181. وانظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر 4/ 43.]]، وما أتلف أهل البغي من مال أهل العدل وما أراقوا من دمائهم يجب عليهم الغرامة على الصحيح من مذهب الشافعي، والقود يسقط بالشبهة [[انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 292، "إرواء الغليل" للألباني 8/ 116، والقود: قتل القاتل بالقتيل، تقول: أقدْتُه واستقدتُ الحاكِم، وإذا أتى الإنسان إلى آخر أمرًا فالقم منه مثلها، قيل: استقادها منه. انظر: "تهذيب اللغة" (قاد) 9/ 248.]].
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ أي: رجعت الباغية إلى طاعة الله ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ قال ابن عباس: بالديات التي فرضها الله، يعني: أنهم يدون الجرحى والقتلى، وذلك هو الإصلاح بين الفريقين، يؤخذ للعادل من الباغي دية الجراحة والقتل وغرم ما أتلف من المال [[انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 293، وكتاب: الأم، حكم أهل البغي في الأموال وغيرها 4/ 220.]]، ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ واعدلوا في الإصلاح بينهما وفي كل حكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وذكرنا معنى الإقساط في أول سورة النساء [آية: 5].
ونزل في هذا أيضًا قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أن الدين يجمعهم وأنهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم، فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أجل النسب لأنهم لآدم وحواء، فإن اختلفت أديانهم افترقوا في النسب وإن كانوا لأب ولأم، ألا ترى أنه لا يرث الولد المؤمن الأب الكافر، ولا الحميم المؤمن نسيبه الكافر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36.]].
وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ يعني: بين كل مسلمين تخاصما وتقاتلا.
وقال الكلبي ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94، وذكر ذلك الماوردي 5/ 330، ونسبه لمقاتل والكلبي والفراء، انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 71.]]: نزلت هذه الآية وما قبلها في الأوس والخزرج [[الأوس: بطن من مزيقيا من القحطانية وهم بنو الأوس بن حارثة بن تغلب بن مزيقيا وهم أحد قبيلتي الأنصار، وكان لهم ملك يثرب نزلوها عند خروجهم من اليمن وجاء الإسلام وهم بها، فكانوا أنصارًا للنبي -ﷺ- انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 65. الخزرج: بطن من مزيقيا من الأزد غلب عليهم اسم أبيهم فقيل لهم الخزرج، وهم المراد عند الإطلاق لهذا الاسم وهم إحدى قبيلتي الأنصار أخوة الأوس ويقال لكليهما بنو قيلة. انظر: "نهاية الأرب" ص 60، "جمهرة أنساب العرب" ص 362، "معجم قبائل العرب" 1/ 342.]].
وقال أبو علي الفارسي: اقتتلا بسبب عبد الله بن أبي، وعبد الله بن رواحة [[هو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري من الخزرج أبو محمد يعد من الأمراء والشعراء الراجزين، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، وكان أحد النقباء الاثني عر واستخلفه النبي -ﷺ- في إحدى غزواته على المدينة، وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة فاستشهد فيها. انظر: "حلية الأولياء" 1/ 118، "الاستيعاب" 2/ 293 ، "الإصابة" 2/ 306.]] [[لم أقف عليه.]]، وعلى هذا قال مقاتل: بين أخويكم: يعني: الأوس والخزرج [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94.]].
وقال أبو علي الفارسي: يراد بالأخرين الطائفتان ونحوهما مما يكون كثرة، وإن كان اللفظ لفظ التثنية يرد والمراد به الكثرة والعموم [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 209.]]، وذكرنا شواهد ذلك في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64].
وقال أبو عبيدة في قوله: (بين أخويكم): معنى الآيتين يأتي على الجميع إنما تأويله: على كل أخوين [[لم أقف عليه عند أبي عبيدة، وقد نسبه القرطبي 16/ 323 لأبي عبيدة.]].
وفي قوله: ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ دليل على أن صفة البغي لا تزيل اسم الإيمان؛ لأن الله تعالى أثبت الأخوة بين المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ثم سَمَّى الباغي والعادل أخوين فقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وجعلهما أخوين للمؤمنين، فالباغي أخو المؤمنين كما أن العادل أخوهم، ونحو هذا قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فيهم لما سأله الحارث [[هو: الحارث بن عبد الله الأعور الهَمْداني الخارِفِي أبو زهير الكوفي، ويقال: الحارث بن عبيد، ويقال: الحوتي، وحوت بطن من همدان، روى عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وروى عنه الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وأبو البختري الطائي وغيرهم، وهو ضعيف في الحديث، توفي عام 65 هـ انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 435، "تهذيب التهذيب" 2/ 145.]] الأعور عن أهل الجمل وصفين [[صفين: بكسرتين وتشديد الفاء: هو موضع بقرب الرقة على شاطىء الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس وكانت وقعة صفين بين علي -رضي الله عنه- ومعاوية -رضي الله عنه- في سنة 37 هـ، في غرة صفر. انظر: "معجم البلدان" 3/ 414.]] فقال: أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فروا [[قال الفراء: فَرّ فلان يَفِر فِرارًا إذا هَرَب، انظر "تهذيب اللغة" (فر) 15/ 172، وفي الحديث عنه -ﷺ- قال لِعديّ بن حاتم: "ما يُفِرُّك إلا أن يقال لا إله إلا الله" أفْرَرْتُه أفِرَّه: فَعَلْتُ به ما يَفِر منه ويَهْرُب: أي: ما يحملك على الفرار إلا التوحيد. انظر: "النهاية في غريب الحديث" 3/ 427.]]. فقال: أهم منافقون؟. قال: لا، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قال: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن الحارث عن علي، انظر 10/ 164 أ، ب. وأيضًا ذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 341، والقرطبي في "الجامع" 16/ 323.]].
الحجرات 49:11
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية، قال مقاتل: يقول: لا يستهزئ الرجل من أخيه فيقول: إنك رديء المعيشة، لئيم الحسب، وأشباه ذلك بما يتنقصه به، ولعله خير منه عند الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94.]]، وهو قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ ونحو هذا قال مجاهد [[أخرجه الطبري 13/ 131 عن مجاهد، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 611.]]، والقوم: الرجال دون النساء، قاله الليث [[انظر كتاب: العين (قوم) 5/ 231، "تهذيب اللغة" (قوم) 9/ 356.]] وأبو العباس [[انظر: "تهذيب اللغة" (قوم) 9/ 356، "اللسان" (قوم) 12/ 505.]]، وأنشد الليث قول زهير:
وما أَدْرِي وسَوْفَ إِخالُ أدْرِي ... أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أم نِساءُ [[انظر: "ديوان زهير" ص 73، و"العين" (قوم) 5/ 231، "تهذيب اللغة" (قام) 9/ 356، "اللسان" (قوم) 12/ 505.]]
وعلى هذا تدل الآية لأن الله تعالى فصل بينهما فذكر الرجال بلفظ القوم، ثم ذكر النساء فقال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني اللمز في اللغة: العيب [[انظر: "تهذيب اللغة" (لمز) 13/ 220.]]، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 58]، قال ابن عباس والمفسرون كلهم: لا يطعن بعضكم على بعض [[أخرج ذلك الطبري 13/ 132 عن ابن عباس، ونسبه الماوردي 5/ 332 لابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير، وأيضًا نسبه إلى هؤلاء القرطبي 16/ 327.]] والمعنى: لا تلمزوا إخوانكم الذين هم كأنفسكم كما قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، وقد مر.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ التنابز: تفاعل من النبز، وهو المصدر والنبز الاسم، وهو كاللقب. قال المبرد: ويقال: لبني فلان نبز يعرفون به إذا كان لقباً متابعاً [[لم أقف عليه.]]، والألقاب جمع اللقب وهو اسم غير الذي سمي به الإنسان، قاله الليث، يقال: لقبت فلاناً تلقيباً [[انظر: كتاب "العين" (لقلب) 5/ 172، "تهذيب اللغة" (لقلب) 9/ 177.]].
قال عكرمة والحسن ومجاهد وقتادة: وهو أن يقول المسلم لأخيه المسلم يا فاسق يا منافق [[أخرج ذلك الطبري 13/ 131 - 132 عن عكرمة ومجاهد وقتادة، ونسبه الثعلبي لقتادة وعكرمة 10/ 166 أ، ونسبه القرطبي 16/ 328 لقتادة ومجاهد والحسن.]].
وقال المقاتلان: لا تدعوا مسلماً بغير اسم أهل دينه، وهو أن تقول: يا يهودي يا نصراني، تدعوه بالدين الذي كان عليه في الشرك، نهاهم الله أن يتنابزوا بذلك [[أخرج ذلك الطبري 13/ 132 عن الحسن، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 95، ونسب القرطبي 16/ 328 هذا القول للحسن ومجاهد.]].
وروي عن طلحة بن عمرو أنه قال: قلت لعطاء: يا أبا محمد ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ ما هذا الذي نهى عنه؟ قال: كل شيء أخرجت به أخاك من الإسلام، يا كلب يا حمار يا خنزير ونحو هذا [[ذكر ذلك البغوي 7/ 344 ونسبه لعطاء، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 564 لعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء، ونسبه في "الوسيط" 4/ 155 لعطاء.]]، فهذا الذي نهي عنه. وقال إبراهيم: كانوا يقولون: إذا قال الرجل للرجل: يا حمار يا كلب يا خنزير، قال الله له يوم القيامة: أتراني خلقته كلباً أو حماراً أو خنزيراً [[لم أقف عليه.]].
وقال الشعبي: قال أبو جبيرة [[هو: زيد بن جبيرة بن محمد بن أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري أبو جبيرة المدني، روى عن: أبيه ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبي الطوالة، وعنه: سويد بن عبد العزيز ويحيى بن أيوب والليث ونافع بن يزيد، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. انظر: "ميزان الاعتدال" 2/ 99، "تهذيب التهذيب" 3/ 400.]] بن الضحاك: قدم علينا رسول الله -ﷺ- المدينة [وليس له رجل [[نص العبارة في تفسير الثعلبي: (وما منا رجل إلا له اسمان ...) وهو الأصوب. انظر: 10/ 166 أ.]] إلا وله اسمان] أو ثلاثة وكان رسول الله -ﷺ- يدعو الرجل فيقول: يا فلان، فيقال: يا رسول الله إنه يغضب من هذا الاسم، قال: ففينا أنزل الله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [[أخرجه الترمذي عن أبي جبيرة، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انظر: "سنن الترمذي" كتاب: تفسير القرآن باب (50) ومن سورة الحجرات 5/ 388، وأخرجه أبو يعلى في مسنده 12/ 253، وقال حسين سليم أسد محقق "المسند": إسناده صحيح.]]، وهذا كما قال أبو إسحاق في هذه الآية: يحتمل أن يكون في كل لقب يكرهه الإنسان؛ لأنه إنما يجب أن يخاطب المؤمن أخاه بأحب الأسماء إليه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36.]]، والقول في هذا النهي هو أن يسميه باسم يضاد الإسلام والإيمان؛ لقوله: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ قال أبو إسحاق: أي: بئس الاسم أن يقول له: يا يهودي يا نصراني، وقد آمن [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36.]].
وقال غيره: معنى هذا: أن من دعا أخاه بلقب يكرهه لزمه اسم الفسق لمخالفة النهي، والله تعالى يقول ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ من فعل ما نهى الله عنه من السخرية واللمز والنبز فسق بذلك [[ذكر نحو ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 133 - 134، والبغوي في "تفسيره" 7/ 344، والقرطبي في "الجامع" 16/ 328.]]، ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي: من هذه الأشياء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: من لم يتب فهو ظالم [[انظر: "زاد المسير" 7/ 469 عن ابن عباس: بلفظ: (الضارون لأنفسهم بمعصيتهم).]].
الحجرات 49:12
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ وهو أن يظن بأخيه المسلم سوءاً [كأنه] [[كذا في الأصل، ولعلها: (لأنه).]] سمع منه كلاماً لا يريد به سوءاً، أو رآه يدخل مدخلاً لا يقصد به سوءًا، فظن به سوءاً، فذلك الظن هو المأمور باجتنابه، ولا بأس به ما لم يتكلم به، فإن تكلم بذلك الظن وأبداه [ثم] وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ يعني: ما أعلن وأبدى مما ظن بأخيه، هذا قول المقاتلين [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96، "تفسير الماوردي" 5/ 334، وقد نسبه لمقاتل بن حيان، ونسبه في "الوسيط" للمقاتلين، انظر 4/ 155.]].
وقال أبو إسحاق: أمر الله باجتناب كثير من الظن وهو أن يظن بأهل الخير سوءاً، فأما أهل السوء والفسق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36 - 37.]].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ قال الليث: الجَسُّ: جَسُّ الخَبَر، والجَاسُوسُ: العينُ يَتَجَسَّسُ الأخبار، والتجسس: البحث [[انظر كتاب: العين (جسس) 6/ 5، "تهذيت اللغة" (جسس) 10/ 448.]].
وقال يحيى بن أبي كثير: التجسس البحث عن باطن أمور الناس، وأكثر ما يقال ذلك في الشر [[ورد هذا القول في "اللسان" غير منسوب، انظر: "اللسان" (جسس) 6/ 38، وأورد نحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" منسوبًا ليحيى بن أبي كثير 7/ 471.]]، قال المقاتلان: يقول لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه إذ ستره الله عليه [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96، وذكر هذا المعنى في "الوسيط" 4/ 156 ولم ينسبه.]]، وهذا معنى قول ابن عباس: يريد: لا تجسسوا من عيوب الناس [[أخرج ذلك الطبري 13/ 135 عن ابن عباس.]]، وقال مجاهد: يقول: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.]].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ يقال: اغتاب فلان فلاناً اغتياباً وغيبة يغتابه، قال الأزهري: وروي عن بعضهم أنه سمع: غابه يغيبه، إذا عابه وذكر منه ما يسوؤه مما هو فيه [[انظر: "تهذيب اللغة" (غيب) 8/ 215.]]، وإذا تناوله بما ليس فيه فهو بهت وبهتان، وهذا قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 135، "الثعلبي" 10/ 168 أ، "الماوردي" 5/ 334، "زاد المسير" 7/ 471، "القرطبى" 16/ 334، "تفسير الوسيط" 4/ 156.]].
وروي ذلك عن النبي -ﷺ- قال:"من ذكر رجلاً بما فيه فقد اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته" [[أخرج ذلك مسلم عن أبي هريرة بلفظ: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته". انظر: صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب (20) تحريم الغيبة 3/ 2001، وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة، انظر: "سنن الترمذي" كتاب: البر والصلة باب (23) ما == جاء في "الغيبة" 4/ 329، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود في سننه في كتاب: الأدب باب (40) في الغيبة 5/ 191، عن أبي هريرة، وأخرجه الطبري 13/ 137 عن أبي هريرة.]].
قال مقاتل: ثم ضرب للغيبة مثلاً فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ بقوله، فكما كرهتم أكل لحم الميت، فكذلك فاكرهوا الغيبة لإخوانكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96.]].
وقال أبو إسحاق: تأويله: إن ذِكْرَكَ بسوء من لم يحضرك بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحيى بذلك، ويقال للمغتاب: فلان يأكل لحوم الناس [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 37.]].
وهذا استفهام معناه: التقرير، كأنه قيل لهم: لم تحبون أكل لحم أخيكم ميتاً؟ وعطف قوله (فكرهتموه) على معنى لفظ الاستفهام [[انظر: "روح المعاني" للألوسي 26/ 158.]]، كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: 1، 2] فقوله: ﴿وَوَضَعْنَا﴾: عطف على معنى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ لا على لفظه، ألا ترى أنه لا يقال: ألم وضعنا، ولكن معنى (ألم نشرح) لا على لفظه ولكن معنى (ألم نشرح) قد شرحنا، فعطف على معناه، كذلك هذه الآية، قاله المبرد [[لم أقف عليه، وقد ذكر قريبًا من هذا النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 215.]] وقال الفراء: قوله: فكرهتموه أي: فقد كرهتموه فلا تفعلوه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 73.]].
قال صاحب "النظم": التأويل: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً وقد كرهتم ذلك، أي: فاكرهوا الغيبة أيضًا، فإنها مثل أكلكم لحوم أخوانكم [[لم أقف عليه.]].
وقال مجاهد: لما قيل لهم (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟)، قالوا: لا، فقيل: فكرهتموه أي: فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائباً [[أخرج نحوه الطبري 13/ 373 عن مجاهد، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 612 ، وأورده البغوي 7/ 346 بهذا النص.]]، وشرح أبو علي الفارسي هذا الوجه فقال: الفاء في قول: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ عطف على المعنى، كأنه لما قيل لهم: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، قالوا: لا، فقيل لهم لما قالوا لا: فكرهتموه، أي: كرهتم أكل لحمه ميتاً، فكذلك فاكرهوا غيبته [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 212.]].
قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ معطوف على هذا الفعل المقدر، ولا يكون قوله (فكرهتموه) بمعنى فاكرهوه واتقوا الله؛ لأن لفظ الخبر لا يوضع للأمر في كل موضع، ولأن قوله فكرهتموه محمول على المعنى الذي ذكرنا، فمعنى الخبر فيه صحيح [[المصدر السابق.]].
قال مقاتل: واتقوا الله في الغيبة ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ علي من تاب ﴿رَحِيمٌ﴾ به [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96.]].
الحجرات 49:13
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ نزلت هذه الآية في الزجر عن التفاخر بالإنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء، وسبب نزولها على ما ذكره الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر، وكان إذا أتى رسول الله -ﷺ- أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول، فأتى ذات يوم وقد أخذ الناس في مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس، فقال لرجل: تفسح، فقال: قد أصبت مجلساً فاجلس، فجلس مغضباً، ثم قال للرجل: من أنت؟ قال: أنا فلان، فقال له ثابت: ابن فلانة، وذكر أماً له كان يعير بها في الجاهلية، فنكس الرجل رأسه واستحيا، فقال رسول الله -ﷺ-: "من الذاكر فلانة" فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله، فقال: "انظر في وجوه الناس" فنظر إليهم، فقال: "ما رأيتَ" قال: رأيتُ أبيض وأسود وأحمر، قال: "فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى" وأنزل الله في ثابت هذه الآية [[ذكره الثعلبي 10/ 165 أعن ابن عباس 10/ 165 أ، وأورده الماوردي في "تفسيره" 5/ 333 مختصرًا ونسبه للكلبي والفراء، ونسبه البغوي 7/ 342، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 465 لابن عباس، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" بدون سند ص 415.]].
وقال مقاتل: نزلت في بلال المؤذن وفي أربعة نفر من قريش عابوه بسواده يوم فتح مكة، وذلك أن رسول الله -ﷺ- أمره أن يؤذن على ظهر الكعبة ليذل المشركين بذلك، فلما أذن قالوا: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96، "الدر المنثور" 7/ 563 وزاد نسبتة لابن أبي حاتم، وذكره البغوي 7/ 343، والقرطبي 16/ 341.]]، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ يعني: آدم وحواء، والمعنى: أنكم متساوون في النسب، ليس يفضل أحد غيره بنسبه؛ لأن كلكم مخلوق من آدم وحواء، ترجعون بالنسب إليهما، كما قال رسول الله -ﷺ-: "كلكم بنو آدم وكلكم بنو رجل واحد كطف الصاع" [[نص الحديث: "إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها كلكم لآدم وحواء، كطف الصالح بالصاع، وإن كرمكم عند الله أتقاكم فمن أتاكم، ترضون دينه وأمانته فزوجوه" انظر: "الدر المنثور" 7/ 579، وأخرج نحوه الطبري 13/ 140 عن عقبة بن عامر، قال أبو عبيد: الطف هو أن يقرب الإناء من الامتلاء من غير أن يمتلئ، يقال: هو طف المكيال وطفافه، إذا كرب أن يملأه، ومنه التطفيف في الكيل إنما هو نقصانه أي لم يملأ إلى شفته إنما هو إلى دون ذلك. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد الهروي 1/ 425، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير 3/ 129.]].
ثم ذكر الله تعالى أنه إنما فرق أنساب الناس ليتعارفوا لا ليتفاخروا فقال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾ وهي: جمع الشعب وهو الحي العظيم، والقبائل دون ذلك، وهذا قول أبي عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 220.]] والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 72.]] وجميع أهل اللغة [[انظر (شعب) في: "تهذيب اللغة" 1/ 442، و"الصحاح" 1/ 155، "اللسان" 1/ 497.]] قالوا: الشعب أعظم من القبيلة، وهي مثل مضر [[مضر: قبيلة من العدنانية، وهم بنو مضر بن معد بن عدنان، قال في "العبر": وكانت مضر أهل الكثرة والغلب بالحجاز من سائر بني عدنان، وكانت لهم الرياسة بمكة والحرم، انظر: "نهاية الأرب" ص 377.]] وربيعة [[ربيعة: حي من مضر من العدنانية، وهم بنو ربيعة بن نزار بن مضر، وتعرف بربيعة الحمرا، قال في العبر: وديارهم ما بين اليمامة والبحرين والعراق، انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 292، "نهاية الأرب" ص 242.]]، والقبائل: واحدتها قبيلة وهم كـ (بكر) [[بنو بكر: بطن من ربيعة من العدنانية، وهم بنو بكر القحطاية، وهم بنو بكر بن عامر ابن عوف بن عذرة بن زيد اللات. انظر: "نهاية الأرب" ص 170.]] من ربيعة وتميم من مضر، وأصل الشعب مأخوذ من: شعبت الشيء إذا ضممته وأصلحته [[انظر: "تهذيب اللغة" (شعب) 1/ 443.]]، والقبائل مأخوذ من قبائل الرأس، وهي كل فلقة قد قوبلت بالأخرى، وكذلك قبائل العرب بعضها متصل ببعض، والشعوب يجمعها ويضمها، هذا قول الليث وأبي العباس في معنى الشعب والقبيلة [[انظر (شعب) في: "العين" 1/ 262، "تهذيب اللغة" 1/ 442، "اللسان" 1/ 500.]].
ونحو هذا ذكر أبو الهيثم فقال: الشعب شعب الرأس، يعني: شأنه الذي يضم قبائله، وفي الرأس أربع قبائل [[انظر: "تهذيب اللغة" (شعب) 1/ 442، "اللسان" (شعب) 16/ 344.]]، والشعب أبو القبائل الذي ينتسبون إليه ويجمعهم ويضمهم، ونحو هذا قال المفسرون في تفسير الشعوب والقبائل.
قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: الشعوب الجمهور مثل: ربيعة ومضر والقبائل والأفخاذ [[أخرجه الطبري 13/ 139 عن سعيد بن جبير، ونسبه القرطبي 16/ 344 لابن عباس.]]، ونحو هذا روى الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 517.]] عنه.
وقال مقاتل: الشعوب رؤوس القبائل مضر وربيعة والأزد، وقبائل يعني: الأفخاذ سعد وبنو عامر [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 97.]].
قال الزبير بن بكار [[هو: الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ابن خولجد أبو عبد الله الأسدي المديني العلامة، عالم بالأنساب وأخبار العرب، ولد بالمدينة، وولي قضاء مكة، فتوفي فيها، له تصانيف منها "أخبار العرب وأيامها"، و"نسب قريش وأخبارها"، و"الأوس والخزرج"، وغيرها، مات سنة == 256 هـ، وعمره 84 سنة. انظر: "تاريخ بغداد" 8/ 467، "ميزان الاعتدال" 2/ 66، "تهذيب التهذيب" 3/ 312.]]: العرب على ست طبقات وهي: شعب، وقبيلة، وعمارة وبطن وفخذ وفصيلة [[انظر: "اللسان" (شعب) نسب ذلك للزبير بن بكار 1/ 500.]]، فالثعب جمع القبائل، والقبائل تجمع العمائر، والعمائر تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع الفصائل [[انظر: "اللسان" (شعب) 1/ 500 - 501.]]، فمضر شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 170، 171، "تفسير البغوي" 7/ 348، "البحر المحيط" 8/ 104.]].
وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالشعوب: الموالي، وبالقبائل: العرب [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 171 أ، ولم ينسبه، والبغوي 7/ 348 من غير نسبة، ونسبه ابن الجوزي 7/ 474 لعطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي 16/ 344 من غير نسبة، ونسبه في "الوسيط" 4/ 158 لعطاء عن ابن عباس.]]، وإلي هذا ذهب قوم فقالوا: الشعوب من العجم وهم من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والجيل والترك [[ذكر ذلك القرطبي 16/ 344 ونسبه للقشيري، وذكره المؤلف في "الوسيط" 4/ 158 ولم ينسبه.]]، والقبائل من العرب.
قوله تعالى: (لتعارفوا) أي: ليعرف بعضكم بعضاً في قرب النسب وبعده، ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال مقاتل: يعني: بلالاً [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 97.]] أخبر أن أتقاهم بلال، وروى أبو هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "إن الله -عز وجل- يقول يوم القيامة إني جعلت نسباً فجعلت أكرمكم أتقاكم، وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، أين المتقون أين المتقون؟ " [[أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 171 ب عن أبي هريرة، وأورده السمرقندي في "تفسيره" 3/ 266 ولم ينسبه، وأورده القرطبي في "الجامع" 16/ 345 ونسبه لأبي هريرة، وأخرجه الحاكم عن أبي هريرة وقال: هذا حديث عال غريب الإسناد والمتن ولم يخرجاه، وقال الذهبي: غريب، قلت: المخزومي ابن زبالة ساقط. انظر: "المستدرك" كتاب التفسير، سورة الحجرات 2/ 463 - 464.]].
وقال أهل العلم: هذا في الزجر عن الازدراء بالناس والتحقير لهم لأجل النسب والاستطالة على من يكون حاصل [[كذا رسمها في الأصل.]] النسب والتفاخر بالآباء والأجداد، فأما اعتبار النسب في الكفاءة فإن ذلك متفق عليه، والأصل فيه شيئان: نسب يتصل برسول الله -ﷺ-، أو سبب ثان وهو العلم الموروث عنه -ﷺ-، وقد نبه على هذا بقوله: "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" [[أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 4/ 323 من حديث المسور بن مخرمة.]]، فأما نسب الأمراء والوزراء والرؤساء والظلمة، فذلك مما لا يشترط في الكفاءة، والتقوى تشترط كما يشترط أصل الدين.
الحجرات 49:14
قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ نزلت في بني أسد بن خزيمة [[هم: بنو أسد حي من بني خزيمة من العدنانية وهم بنو أسد بن خزيمة بن مدركة وكان لأسد هذا من الولد: دودان، وكاهل، وعمرو، وصعب، وحلمة، قال في العبر: وهم بطن كبير متسع وذو بطون قال وبلادهم مما يلي الكرخ من أرض نجد في مجاورة طي، قال: ويقال: إن بلاد طي كانت لبني أسد فلما خرج بنو طي من اليمن غلبوا على سلمى وأجا، وقد تفرقوا بعد ذلك في الأقطار ولم يبق لهم حي. انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 47.]]، أتوا النبي -ﷺ- في سنة جدبة وأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر، إنما أتوا يطلبون الصدقة، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير [[أخرجه الطبري 13/ 141 عن مجاهد، وذكره الثعلبي 10/ 172 أولم ينسبه، وأخرجه النسائي عن سعيد بن جير، انظر: "السنن الكبرى" كتاب التفسير، قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ 6/ 467، وذكره البغوي 7/ 349 ولم ينسبه، ونسبه ابن الجوزي 7/ 475 لمجا هد، وذكره القرطبي 16/ 348 ولم ينسبه، ونسبه أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 116 لمجاهد، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 419، و"الوسيط" 4/ 159 - 160 من غير إسناد.]]، وقالوا: المراد بالأعراب هاهنا بنو أسد.
وقال السدي ومقاتل: يعني: الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله -ﷺ- عام الحديبية [[ذكره الثعلبي 10/ 172 أ، والبغوي 7/ 350، وابن الجوزي 7/ 476، والقرطبي 16/ 348 ونسبوه للسدي، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 97.]]، وقد ذكرناهم في سورة الفتح، وهؤلاء كانوا قد أظهروا كلمة الإسلام ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم من سرايا رسول الله -ﷺ- التي كانت تمر بهم، والمعنى: أنهم يقولون: قد صدقنا بما جئت به، ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ لم تصدقوا ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، قال ابن عباس: أقررنا بالإيمان [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل ومجاهد وقتادة: انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي [["تفسير مقاتل" 4/ 98، وأخرجه الطبري 13/ 142 عن مجاهد وسعيد بن جبير.]]، ثم بين أن الإيمان محله القلب لا اللسان بقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
قال أبو إسحاق: والإسلام: إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي -ﷺ-، وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان، وصاحبه المؤمن المسلم حقاً، وأما من أظهر قبول الشريعة واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم، والإيمان لا بد أن يكون صاحبه صديقاً؛ لأن قولك: آمنت بكذا، معناه: صدقت به، وقد أخرج الله هؤلاء من الإيمان فقال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: لم تصدقوا إني أسلمتم تعوذاً من القتل، والمسلم الذي أظهر الإسلام تعوذاً غير مؤمن في الحقيقة، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين. انتهى كلامه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 38.]].
ومعنى الإيمان والإِسلام وحقيقتهما في اللغة قد سبق ذكره في سورة البقرة.
قوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن عباس: تخلصوا الإيمان [[ذكر ذلك البغوي 7/ 355 عن ابن عباس، وابن الجوزي 7/ 477 عن ابن عباس، والقرطبي 16/ 348 من غير نسبة.]]، ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ وقرأ أبو عمرو: (لا يألتكم) من ألت، وهما لغتان [[قراءة أبي عمرو: من ألتَ يألِتُ ألتا، مثل: ضرب يضرب ضربًا، وقرأ الباقون: يَلِتكم، من لات يَلِيتُ، إذا نقص، انظر: "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 284، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 676.]]، قال أبو زيد: قالوا: الله السلطان حَقّه يألته ألتًا، مثل: ضربه يضربه ضرباً إذا نقصه، قال: وقوم يقولون: لات يلت، وحكى التوزي [[هو: عبد الله بن محمد بن هارون التوزي أبو محمد مولى قريش من أكابر أئمة اللغة، قال السيرافي: قرأ على الجرمي "كتاب" سيبويه، وكان أعلم من الرياشي والمازني وأكثرهم رواية، عن أبي عبيدة، وقد قرأ أيضًا على الأصمعي وغيره، صنف كتاب: الخيل والأمثال والأضداد، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. انظر: "بغية الوعاة" للسيوطي 2/ 61، "أخبار النحويين والبصريين" ص 85.]]:
في ألت آلت يولت إيلاتاً [[انظر: "تهذيب اللغة" (لات وولت) 14/ 321، "المحتسب" لابن جني 2/ 290، "البحر المحيط" 8/ 104 - 149، "زاد المسير" 7/ 477.]].
وحكى الزجاج في لات: ألات يُلِيْتُ، فاجتمع أربع لغات: أَلَت وآلَتَ ولاَتَ وأَلاَتَ، كلها معناها النقصان، وحجة أبي عمرو قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ [الطور: 21] فالبناء مضارعه يألتكم، وحجة الباقين خط المصحف، قال أبو إسحاق: والمعنى فيهما واحد [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 39.]].
قال ابن عباس ومقاتل: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً [[ذكر هذا الثعلبي 10/ 173 أ، والبغوي 7/ 350، والقرطبي 16/ 348 ولم ينسبوه، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 98، ونسبه في "الوسيط" 4/ 160 لابن عباس ومقاتل.]]، ثم نعت المؤمنين الصادقين في إيمانهم فقال:
الحجرات 49:15
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ قال مقاتل: لم يشكوا في دينهم بعد الإيمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 99.]]، أي: لم يشكوا في وحدانية الله ونبوة محمد -عليه السلام-.
﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [[كذا في الأصل وقد سقط (بأموالهم وأنفسهم).]] قال أبو إسحاق: هو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 38.]]، والجهاد مع النبي -ﷺ- كان فرضاً في ذلك الوقت [[انظر: "زاد المسير" 7/ 477.]].
﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في إيمانهم، قال المفسرون: فلما نزلت الآيتان أتوا رسول الله -ﷺ- يحلفون أنهم مؤمنون صادقون، وعرف الله غير ذلك منهم [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 173 ب، البغوي في "تفسيره" 7/ 351، السمرقندي في "تفسيره" 3/ 267.]].
الحجرات 49:16
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: الذي أنتم عليه، وهذا يحمل على أحد وجهين: إما أن تكون الباء زائدة ويكون المعنى: أتعلمون الله دينكم؛ لأنه يقال: علمته الشيء، أو يحمل على أن علم هاهنا بمعنى أعلم، ذكر ذلك أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: يكون علم بمعنى علم [[ذكر ذلك في "تفسير الوسيط" 4/ 161.]] قال: ومنه قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: 102]، وقد مر.
قال المفسرون: وكان هؤلاء النفر يقولون لرسول الله -ﷺ- جئناك بالعإل والأثقال والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، يمنون عليك بذلك، فأنزل الله:
الحجرات 49:17
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [[أخرج ذلك الطبري عن سعيد بن جبير وقتادة، انظر: "تفسيره" 13/ 145، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 112: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه الحجاج ابن أرطأة، وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح، وأورده السيوطي في "أساب النزول" وعزاه للطبراني والبزار، انظر: "أسباب النزول" ص 199.]] الآية، والمن الذي معناه: اعتداد الصنيعة يُعدَّى بالجار يقال: مَنَّ عليه بكذا، وحذف الجار في هذه الآية من المواضع الثلاثة.
قال الفراء في قوله: ﴿أَنْ أَسْلَمُوا﴾ و ﴿أَنْ هَدَاكُمْ﴾: موضعها نصب لا بوقوع الفعل، ولكن بسقوط الصفة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 74.]].
ق 50:1
(ق) اختلفوا في تأويله. فأكثر المفسرين قالوا: إنه جبل محيط بالدنيا من زَبَرْجَد، والسماء مقببةٌ عليه، وهو من وراء الحجاب التي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة، وما بينهما ظلمة. وهذا قول مقاتل، وابن بريدة، وعكرمة، والضحاك، ومجاهد، ورواية عطاء، وأبي الجوزاء عن ابن عباس. قال الفراء: على هذا القول: كان يجب أن يظهر الإعراب في قاف؛ لأنه اسم وليس هجاء. ثم قال: ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كما قال:
قلتُ لها قِفِي فَقَالَتْ قَافْ [[بيت للوليد بن عقبة بن أبي معيط، وبعده: (لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف) والإيجات: هو العدو. والشاهد فيه قوله (فقالت قاف) والمراد: فقالت إني واقفة أو أقف.
انظر: "الأغاني" للأصفهاني 4/ 181، "الخصائص" لابن جني 1/ 30، "شرح شواهد الشافية" ص 271، "الكتاب" لسيبويه 2/ 62، "المحتسب" لابن جني 2/ 204.]]
قال: ذكرت قاف أرادت الوقف، أي أنا واقفة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 75.]]. وقال قتادة: قاف اسم من أسماء القرآن [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 234، "جامع البيان" للطبري 26/ 93، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 17/ 3.]]. وروى خصيف عن مجاهد قال: قاف فاتحة السورة [[انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 221، حيث قال: "والذي ثبت عن مجاهد أنه حرف من حروف الهجاء كقوله تعالى: (ص)، (ن)، (حم)، (طسم)، (الم) ونحو ذلك، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا القول هو المرجح عند ابن كثير وغيره.
وانظر: "تفسير القاسمي" 15/ 5482.]]. وهذا مذهب أهل اللغة. قال أبو عبيدة: مجازها مجاز أوائل السور [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 222.]]. يعني: مجاز الحروف التي في أوائل السور نحو ﴿ن﴾ [القلم: 1] و ﴿الر﴾ [الحجر: 1]، و ﴿الم﴾ [لقمان: 1]، واختاره الزجاج وقال: هو ابتداء للسورة، يعني أن السورة افتتحت بهذا الحرف، كما افتتحت سائر السور التي ابتدئ فيها بحروف الهجاء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 41.]]. وحكى الفراء، وأبو إسحاق أن قومًا من أهل اللغة قالوا معنى (ق) قضي الأمر، أو قضي ما هو كائن كما قيل في (حم) حمَّ الأمر. واحتجوا بقول الشاعر [[تقدم في الصفحة السابقة.]]:
قلنا لها قِفِي فَقَالَتْ قَافْ
معناه: قالت: أقف [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 75، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 41.
وقد رد ابن كثير رحمه الله هذا القول، لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل دليل عليها، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 221. == قلت: وما ذكره ابن كثير هو المرجح، وسيأتي زيادة بيان في أول سورة القلم. والله تعالى أعلم.]].
قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ قال المفسرون: الكريم على الله الكثير الخير. وذكرنا معنى المجيد [[(ك): (المجيد. والمجيد).]] في سورة هود [[عند تفسيره لآية (73) من سورة هود، حيث قال: المجيد الماجد وهو ذو الشرف والكرم. يقال: مسجد الرجل يمجد مجدًا ومجدادةً، ومجد يمجد. لغة قال الحسن والكلبي: المجيد الكريم، وهو قول أبي إسحاق. وقال ابن الأعرابي: المجيد الرفيع. قال أهل المعاني: المجيد الكامل الشرف والرفعة والكرم والصفات المحمودة.]]. واختلفوا في جواب القسم، فقال الأخفش: جوابه ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ﴾ [ق: 4] [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 696.]].
قال الزجاج: ويكون المعنى: ق والقرآن المجيد لقد علمنا ما تنقص الأرض منهم. وحذفت اللام؛ لأن ما قبلها عوض منها كما قال -عز وجل-: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1] إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [الشمس: 9] [[وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 42.]]. وقال الفراء: جواب القسم محذوف يدل عليه قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ [ق: 3] والمعنى: ق والقرآن المجيد لتبعثن بعد الموت، فقالوا: أإذا كنا ترابًا بعثنا، فجحدوا البعث. واختار الزجاج هذا القول أيضًا [[انظر: "معانى القرآن" للفراء 3/ 75، "معانى القرآن" للزجاج 5/ 41، "مشكل إعراب القرآن" 2/ 682.]].
وذهب كثير من الناس إلى أن الجواب قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ [[قاله نحاة الكوفة. انظر: "الجامع" للقرطبي 17/ 3، "البحر المحيط" 8/ 120.]]. وقد ذكرنا الكلام في هذا مستقصى عند قول: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [[عند تفسيره للآيتين (1، 2) من سورة ص وقد ذكر ستة أقوال في جواب القسم في قوله تعالى: ﴿ص (1) وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وهي:
1 - حكى الكسائي والفراء والَزجاج أن جواب القسم: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ ثم نقل استبعاد الكسائي والفراء له.
2 - أن يكون قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ اعترض بين القسم وجوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومعناه: لكم أهلكنا. فلما طال الكلام المعترض بينهما حذفت اللام.
3 - أن يكون قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾.
4 - أن موضع القسم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كما قال: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا﴾.
5 - أن يكون لـ (ص) معنى يقع عليه القسم لا نعرفه كقولك: الحق والله.
6 - الجواب محذوف تقديره: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار. قال الواحدي: وهو قول حسن. انظر: "البسيط" 3/ 204 أ.]]. ونظم ابتداء هذه السورة شبيه بنظم ابتداء سورة ص.
2
ق 50:2
قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ مفسَّر في سورة ص [[عند تفسيره لآية [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 386، "اللسان" 2/ 688 (عجيب). وفي (ك): (عجيب وعجيب).]] من سورة: ص ومما قال: قال "صاحب النظم": هذا منظوم بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ لأنه مسوق عليه بالواو.]] قوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ قال مقاتل: يعنون هذا الأمر عجب أن يكون محمد رسولاً [[انظر: "تفسير مقاتل" 123 ب.]]. والعجيب يعني المُعْجِب، وهو الذي يحملك علي العجب.
وقال الليث: يقال إنه عجيب وعجاب، ويقال: هذا شيء عجب وعجاب (¬4)، على معنى أنه ذو عجيب أي: يعجب منه. وقوله: {فَقَالَ الْكَافِرُونَ} وقال في سورة ص: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ [ص: 4] بالواو وهاهنا بالفاء. ذكر صاحب النظم أن في سورة (ص) قراءة: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ [ص: 4] خبران:
أحدهما قوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ فهذا خبر تام.
ثم نسق عليه خبر آخر فقال: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أخبر عنهم بالعجب وبقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. وفي هذه السورة عطف بالفاء؛ لأن الآية كلها خبر واحد، والعجب سبب لقولهم: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ لأنهم عجبوا فقالوا: هذا شيء عجيب، كما تقول: قام فمرَّ. جعلت القيام سببًا للمرور. ولو قلت: قام ومر. كنت قد أخبرت عنه بشيئين ولم تجعل الأول سببًا للثاني، يدل على أن الآية في هذه السورة خبر واحد. قوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فهذا من جنس قوله: ﴿وَعَجِبُوا﴾ وقال في سورة ص: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ وهذا ليس من جنس عجبوا [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 151.]].
ق 50:3
قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ قال أبو إسحاق: أي أنُبْعث إذا متنا وكنا ترابًا. ولو لم يكن [[(ك): (ولم لم يكن) والصواب ما أثبته.]] لإذا متعلق، لم يكن في الكلام فائدة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 42.]].
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ الرجع معناه الرد. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 83] وقد مر [[قال: معنى الرجع تصيير الشيء إلى المكان الذي كان فيه. يقأل رجعته رجعًا كقولك: ر ددته. ردًّا.]].
قال مقاتل: ذلك رجع إلى الحياة بعيد، فإن البعث غير كائن [[انظر: "تفسير مقاتل" 123 ب، "معالم التنزيل" 4/ 220.]].
أي: يبعد عندنا أن نبعث بعد الموت. قال الفراء: جحدوا البعث أصلاً كما تقول للرجل يخطئ في المسألة: لقد ذهبت مذهبًا بعيدًا من الصواب. أي أخطأت [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 75 - 76.]].
قال مقاتل: أنكروا البعث وقالوا: إن الله لا يحيينا، وكيف يقدر علينا وقد كنا ترابًا وضللنا في الأرض [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ.]]. فقال الله تعالى:
ق 50:4
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من لحومهم ودمائهم وأشعارهم وأبدانهم.
وهذا قول الحسن، ومجاهد، ومقاتل، والكلبي [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ، "جامع البيان" 26/ 94، "معالم التنزيل" 4/ 220.]].
وقال السدي: قد علمنا من يموت منهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 4.]]. جعل نقص الأرض، من الناس الموت، وذلك أن من مات دفن في الأرض، فهي تأخذ من مات، وتنقص من الناس بالأخذ منهم. وهذا قول قتادة، والضحاك [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 236، "جامع البيان" 26/ 94.]].
ثم ذكر أن عنده بذلك كتابًا فقال: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ قال ابن عباس: يريد اللوح المحفوظ [[انظر: "الكشف والبيان" 10/ 175 ب، "غرائب القرآن" 26/ 107 ولم ينسبه لقائل.]].
وقال الضحاك: وعندنا كتاب محفوظ بعدتهم وأسمائهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 221، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 4، "الدر" 6/ 102.]].
وقال مقاتل: محفوظ من الشياطين، يعني اللوح المحفوظ [[انظر:"تفسير مقاتل" 124 أ.]].
ق 50:5
ثم استأنف فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ [ق: 5] أي: بالقرآن ومحمد -ﷺ-. قاله المفسرون [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 153، "روح المعاني" 26/ 174، وقال القرطبي في "جامعه" 17/ 4 أي بالقرآن في قول الجميع.]]. ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ قال أبو عبيدة والمبرد: مختلط [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 222.]]. يقال للشيء المُخلّى، قد اختلط بعضه ببعض: مريج، ومنه قوله -ﷺ-: "قد مرجت عهودهم وأماناتهم، وصاروا هكذا وشبك بين أصابعه، [[انظر: جزء من حديث صحيح رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 162، 212، وابن ماجه في "سننه" كتاب: الفتن، باب: التثبت في الفتنة 2/ 1307، وأبو داود في كتاب: الملاحم 4/ 513، وانظر: "المسند" بتحقيق أحمد شاكر 11/ 7047، 7062، "صحيح سنن ماجه" للألباني 2/ 354.]]. ذكره المبرد [[لم أجده في مؤلفات المبرد المطبوعة، ولعله نُقل من كتاب "إعراب القرآن" للمبرد، وهو من الكتب التي لم يصل إلينا سوى اسمها. انظر: "منهج ابن حيان النحوي الأندلسي" في كتابه: "ارتشاف الضرب من لسان العرب" تحقيق مزيد إسماعيل نعيم. رسالة في مكتبة الرسائل الجامعية بجامعة الإمام بالرياض.]]. وأصله على هذا من قوله: مرج الشيء، إذا أرسله وخلاه، ومرج دابتَه، خلاها، ومنه قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: 19]، والمريج المهمل والمهمل يختلط، فسمي المختلط مريجًا.
وأنشد أبو عبيدة قول الهذلي [[عمرو بن الداخل الهذلي، أصله من بني سهم بن معاوية، له قصيدة جيمية ومنها هذا البيت.
انظر: "ديوان الأدب" 3/ 89، "تاريخ التراث العربي" 2/ 261، "الأمالي" 1/ 264.]] فقال:
فجالَتْ والتَمَسَتْ به حَشَاها ... فَخَرَّ كأنَّهُ خُوطٌ مَرِيجُ [[البيت ورد منسوبًا في "ديوان الهذليين" 3/ 103، "تهذيب اللغة" التحقيق 11/ 72، "اللسان" 3/ 461 (مرج). وعند أبي عبيدة نسبه لأبي ذؤيب الهذلي، ولم أجده في "ديوانه".
انظر: "مجاز القرآن" 2/ 222، ومعناه أن البقرة راغت عن السهم فأصاب حشوة الجوف وكأن السهم غصن طرح وترك عندما سقط.]]
أي غصنٌ قد أرسل من الشجر بأن قطع منه فسقط. وعلى هذا المعنى يدور كلام المفسرين، فإنهم قالوا في تفسير المريج: المختلف والملتبس والمختلط. والاختلاط يؤدي إلى الالتباس.
وهذا الذي ذكرنا قول ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، والضحاك، وقد قال عطاء عن ابن عباس: يريد مختلط مثل البهائم الممرجة [[وممن قال به أيضًا: قتادة، وابن زيد، وابن جبير.
وقال ابن جرير: "وقد اختلفت عبارات أهل التأويل في تأويلها، وإن كانت متقاربات المعاني". "جامع البيان" 26/ 94.
وانظر: "تفسير مقاتل" 124 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 236، "الجاح لأحكام القرآن" 17/ 4 - 5.]].
وقيل في قول الهذلي: (خوط مريج) إنه الذي اختلط شعبه والتبس بعضه ببعض [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 72 (مرج).]]. وقال قوم: أصل هذا من المرج وهو القلق والاضطراب.
يقال: مرج الخاتمُ في يدي، ومرج العهود اضطرابها، ومنه قول الشاعر:
مَرجَ الدِّينُ فأعددتُ له ... مُشْرِفَ الحَارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ [[البيت لأبي دؤاد كما في "ديوانه" ص 304، "اللسان" 3/ 461 (مرج)، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 5 والحارِكُ: أعلى الكاهل. وقيل: الحارك من الفرس فروع الكتفين.
والكتد: مجتمع الكتفين من الإنسان والفرس. "اللسان" 3/ 218 (كتد) 1/ 615 (حرك).]]
أي: اضطرب والتبس.
وعلى هذا: المريج المضطرب غير المستقر [[انظر: "اللسان" 3/ 461، "المفردات" 465 (مرج).]]. وعلى هذا الأصل قول من قال من المفسرين في المريج: الفاسد والمتغير. قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 163، "معالم التنزيل" 4/ 221.]].
قال أبو إسحاق: هو أنهم كانوا يقولون للنبي -ﷺ- مرة شاعر، ومرة ساحر، ومرة معلَّم. وللقرآن إنه سحر، ومرة يقولون مفترى. وهذا دليل أن أمرهم ملتبس مختلط عليهم. ثم دلهم -عز وجل- على قدرته على بعثهم بعد الموت بعظيم خلقه الذي يدل على [[(ك): (عليه على).]] قدرته على البعث [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 42.]] فقال قوله تعالى:
ق 50:6
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: 6] قال المفسرون: يعني بغير عمد [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 221 ، "روح المعاني" 26/ 175، "تفسير القاسمي" 15/ 5485.]] ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي بالكواكب ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾، أي فتوق وشقوق وصدوع وفصول. كل هذا من ألفاظهم. وقال مقاتل: من خلل [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ.]]. ومعنى الفَرْجِ في اللغة: الخلل، والفُرجة بين الشيئين. ويقال لما بين دوارج [[دوارج الدابة: قوائمها. "اللسان" 1/ 963 (درج).]] الدابة: الفروج. ومنه قول امرئ القيس:
تسدُّ به فَرْجَها من دُبُر [[وصدره:
لها ذنب مثل ذيل العروس
انظر: "ديوانه" ص 112، "تهذيب اللغة" 11/ 45 (فَرَجَ)، "الخزانة" 7/ 210.]]
أراد لما بين فخذيها ورجليها.
ق 50:8
قوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ قال أبو إسحاق: فعلنا لنبصر ونذكر به، ويدلُّ على القدرة: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ يرجع إلى الله ويفكر في قدرته [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 43.]].
ق 50:9
قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ يعني كثير الخير، وفيه حياة كل شيء وهو المطر. قوله ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ الحصيد المَحصود، وقد مَرَّ تفسيرُه عند قوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100] [[عند تفسيره لآية (100) من سورة هود. ومما قال: الحصيد غير القائم وهو من الديار الخرب والمخسوف به، ومن الزرع ما أهلك ومحي أثره.]].
قال ابن عباس: يريد القمح [[والذي ورد عنه رضي الله عنه قوله: (الحبوب كلها التي تحصد).
انظر: "تنوير المقباس" 5/ 253، وهو ما قال به الزجاج أيضًا.]].
وقال قتادة: هو البر والشعير [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 237، "جامع البيان" 26/ 96.]].
وقال أبو إسحاق: جَمع بذلك جميع ما يقتات ويحصد من حب [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 43.]]. قال الفراء: الحب الحصيد، وهو مما أضيف إلى نفسه [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 76، قال الأزهري: وقول الزجاج: أصح لأنه أعم. "تهذيب اللغة" 4/ 226 (حصد).]]. والبصريون يقولون: أراد حب النبت الحصيد [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 413، "البحر المحيط" 8/ 121.]].
ق 50:10
قوله: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ يعني طوالاً، وبسوقها طولها. يقال: جبل باسق، وبناء باسق، وحَسَب باسق، وبسقت المرأة إذا طالت، وكذلك النخلة [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 418، "المفردات" ص 46 (بسق).]].
وأنشد أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 223، "اللسان" 1/ 214 (بسق). والبيت لأبي نوفل يمدح ابن هبيرة.
"اللسان" 1/ 214 (بسق)، "الدر المصون" 10/ 20 - 21.]]:
يا ابْنَ الذين بُضُلُهم ... بَسَقْتَ على قَيسٍ فَزَارَة [[قيس بن عيلان بن مضر بن نزار. قبيلة عظيمة تشعبت إلى ثلاثة بطون من كعب وعمرو وسعد. وغلب اسم قيس على سائر العدنانية.
انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 972.
وفزارة بطن عص من غطفان وهم بنو فزارة بن ذبيان ومنهم جماعة من العلماء والأئمة من بطن بني غراب. كانت منازلهم بنجد ووادي القرى، ثم تفرقوا. لهم أيام في الإسلام وقبله. انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 918.]] والمفسرون كلهم قالوا في الباسقات: إنها الطوال [[قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم.
انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 610، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 237، "جامع البيان" 26/ 96، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 222.]].
قوله: ﴿لَهَا طَلْعٌ﴾ وهو أول ما يظهر من ثمر النخل. يقال: طَلَعَ الطَّلعُ أي يطلعُ طلوعًا، وأطلعت النخلة، إذا أخرجت طلعها. وطلعها كفرَّاها [[الكَفَرُ، الكُفُرِّي، والكِفِرَّي، والكَفَرَّي، والكُفَّري، وعاء طلع النخل.
وكفُرَّاهُ: بالضم وتشديد الراء وفتح الفاء وضمها هو وعاء الطلع وقشره الأعلى. "اللسان" 3/ 275 (كفر).]] قبل أن ينشق. وقال المفضل: الطلع أول ما يرى من عذق النخلة الواحدة طَلْعَة [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 173، "اللسان" 2/ 605 (طلع).]].
قوله: ﴿نَضِيدٌ﴾ يقال: نضدت الشيء أنضده نضدًا، إذا وضعت بعضه فوق بعض، وهو منضود ونضيد ونضد.
قال المفسرون [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 237، "جامع البيان" 26/ 96 - 97.]]: (نضيد) منضود بعضه على بعض.
قال الفراء: طلع الكُفُرَّى نضيد ما كان في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 76، ولم أجده منسوبًا للكلبي.]]. وهذا قول الكلبي، واختاره ابن قتيبة فقال: وذلك قبل أن ينفتح، فإذا انشق جفت الطلعة وتفرقت فليس بنضيد [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 418، والجُفُّ: الوعاء، وجُفُّ الطلعة: وعاؤها الذي تكون فيه.]]. ومجاهد جعله نصيدًا بعد الانشقاق، فقال: (طلع نضيد): حيث ينشق عنه كمامه [[لم أجده عن مجاهد، أو عن غيره، ولعل ما ذكره صاحب "اللسان" 3/ 656 في قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ هو الذي نُضَّد بالحمل من أوله إلى آخره. أو بالورق ليس دونه سوق بارزة. يفسر هذا ويدل عليه.]]. والقولان تحتملهما المشاهدة، وذلك أنه قبل الانشقاق أشد تنضدًا بعد الاششقاق، فقال: (طلع نضيد) حيث ينشق عنه كمامه، لا يتفرق حب الثمر حتى ينفصل بعضه عن بعض كالعنب فإن حباته منتضدة على الشِّمراخ [[الشمراخ والشُّمروخ: العثكال الذي عليه الشر، وأصله في العذق وقد يكون في العنب.
والعثكال، والعثكول، والعثكولة: العذق. "اللسان" 2/ 357 (شمرخ) 2/ 685 (عثكل).]].
ق 50:11
قوله تعالى: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ قال أبو إسحاق: ينتصب على وجهين:
أحدهما: على معنى رزقناهم رزقًا، لأن إنباته هذه الأشياء رزق، ويجوز أن يكون مفعولاً له، المعنى: فأنبتنا هذه الأشياء للرزق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 43.]].
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ أي من القبور. والمعنى: كما خلقنا هذه الأشياء نبعثكم كقوله: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ [الأعراف: 57]. وقال ابن عباس: ينزل من السماء مطر كنطف الرجال تنبت عليهم اللحوم والعظام [[لم أجده عن ابن عباس وسيأتي نحوه عن علي رضي الله عنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ من سورة الطور.]]. وهذا معنى قول مقاتل: يخرجون من القبور بالماء، كما أخرجنا النبت من الأرض بالماء [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ.]].
ثم ذكر الأمم المكذبة تخويقًا لكفار مكة. فقال:
ق 50:12
قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وأخبار هؤلاء قد سبق ذكرُها، وتُبّع هذا هو الذي ذكر في قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وهو تبع الحميري [[أسعد أبو كرب بن ملك يكرب بن تبع، قدم مكة، وكسا الكعبة. ثم عاد إلى اليمن وآمن بالتوراة ودخل معه عامة أهل اليمن بعد التحاكم إلى نار تأخذ الظالم ولا تضر المظلوم. وهو تبع الأوسط. وتوفي قبل مبعث الرسول -ﷺ- بنحو من سبعمائة سنة. وبعد موته عاد قومه إلى عبادة النيران والأصنام فعاقبهم الله تعالى.
انظر: "المعارف" 631، "تاريخ الأمم والملوك" 1/ 371، "البداية والنهاية" 2/ 163، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 222.]]، أسلم ودعا قومه إلى الإسلام. وكانوا يعبدون النار فأحرقهم الله بالنار.
قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ قال ابن عباس: يعني ما أوجب الله لمن كذب أنبياءه من العذاب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 256، "معالم التنزيل" 4/ 222.]]. وقال مقاتل: فوجب عليهم عذابي [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ.]].
وقال أبو إسحاق: فحقت عليهم كلمةُ العذاب والوعيد لمكذبي الرسل [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 43.]].
ثم أنزل جوابًا لقولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ قوله تعالى:
ق 50:13
قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وأخبار هؤلاء قد سبق ذكرُها، وتُبّع هذا هو الذي ذكر في قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وهو تبع الحميري [[أسعد أبو كرب بن ملك يكرب بن تبع، قدم مكة، وكسا الكعبة. ثم عاد إلى اليمن وآمن بالتوراة ودخل معه عامة أهل اليمن بعد التحاكم إلى نار تأخذ الظالم ولا تضر المظلوم. وهو تبع الأوسط. وتوفي قبل مبعث الرسول -ﷺ- بنحو من سبعمائة سنة. وبعد موته عاد قومه إلى عبادة النيران والأصنام فعاقبهم الله تعالى.
انظر: "المعارف" 631، "تاريخ الأمم والملوك" 1/ 371، "البداية والنهاية" 2/ 163، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 222.]]، أسلم ودعا قومه إلى الإسلام. وكانوا يعبدون النار فأحرقهم الله بالنار.
قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ قال ابن عباس: يعني ما أوجب الله لمن كذب أنبياءه من العذاب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 256، "معالم التنزيل" 4/ 222.]]. وقال مقاتل: فوجب عليهم عذابي [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ.]].
وقال أبو إسحاق: فحقت عليهم كلمةُ العذاب والوعيد لمكذبي الرسل [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 43.]].
ثم أنزل جوابًا لقولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ قوله تعالى:
ق 50:14
قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وأخبار هؤلاء قد سبق ذكرُها، وتُبّع هذا هو الذي ذكر في قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وهو تبع الحميري [[أسعد أبو كرب بن ملك يكرب بن تبع، قدم مكة، وكسا الكعبة. ثم عاد إلى اليمن وآمن بالتوراة ودخل معه عامة أهل اليمن بعد التحاكم إلى نار تأخذ الظالم ولا تضر المظلوم. وهو تبع الأوسط. وتوفي قبل مبعث الرسول -ﷺ- بنحو من سبعمائة سنة. وبعد موته عاد قومه إلى عبادة النيران والأصنام فعاقبهم الله تعالى.
انظر: "المعارف" 631، "تاريخ الأمم والملوك" 1/ 371، "البداية والنهاية" 2/ 163، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 222.]]، أسلم ودعا قومه إلى الإسلام. وكانوا يعبدون النار فأحرقهم الله بالنار.
قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ قال ابن عباس: يعني ما أوجب الله لمن كذب أنبياءه من العذاب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 256، "معالم التنزيل" 4/ 222.]]. وقال مقاتل: فوجب عليهم عذابي [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ.]].
وقال أبو إسحاق: فحقت عليهم كلمةُ العذاب والوعيد لمكذبي الرسل [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 43.]].
ثم أنزل جوابًا لقولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ قوله تعالى:
ق 50:15
﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ يقال لكل من عجز عن شيء: عَيِيَ به، وعَيِيّ به، وعَيِيَ فلان بهذا الأمر. قال الشاعر:
عَيُّوا بأمْرِهِمُ كَمَا ... عَيَّتْ ببَيْضَتِهَا الحَمَامَةْ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: 33]. قال ابن عباس: يريد عجزنا [[انظر: "الوسيط" 4/ 164، "معالم التنزيل" 4/ 222، "تفسير القاسمي" 15/ 5488، ولم ينسبوه لقائل.]].
وقال مقاتل: يقول الله: أعجزنا عن الخلق الأول حين خلقناهم ولم يكونوا شيئًا، فكيف نعيا عن بعثهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]]؟ وهذا تقرير لهم؛ لأنهم اعترفوا بأن الله الخالق وأنكروا البعث. ثم ذكر أنهم في شك من البعث بعد الموت فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ قال مجاهد، وقتادة: يمترون بالبعث بعد الموت [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 610، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 237، "جامع البيان" 26/ 98.]].
وقال الفراء: أي هم في ضلال وشك [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 77.]].
وقال المبرد: التبس عليهم إعادة الخلق [[لم أجده عنه وهو معنى ما روي عن مجاهد، وقتادة، وأصحاب اللغة.]]. وذكرنا معنى اللبس عند قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام: 9] [[مما قال عند تفسيره لهذه الآية: لبست الأمر على القوم ألبسه لبسًا، إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً. قال ابن السكب: يقال: لبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف جهته. قال أهل اللغة: معنى اللبس منع النفس من إدراك المعنى بما هو كالستر له، وأصله من الستر بالثوب. ومنه لبس الثوب؛ لأنه ستر النفس به.
وانظر: "تهذيب اللغة" 12/ 442 "اللسان" 3/ 335 (لبس).]].
ق 50:16
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني ابن آدم، وهو اسم الجنس ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ يعني يُحدث به قلبه. والمعنى: يعلم ما يخفي ويكن في نفسه. وذكرنا معنى الوسوسة عند قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 20] [[الآية (20) من سورة الأعراف موضع سقط من المخطوطة.
والوسوسة هي الصوت الخفي من ريح، والوسوسة والوسواس: حديث النفس، والوسواس بالفتح هو الشيطان. انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 136 (وسس)، "اللسان" 3/ 922 (وسس).]].
قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ قال أهل اللغة: الوريد: عرق تحت اللسان يتفرق في البدن، وهو في العضد فَلِيقٌ [[الفليق: عرق في العضد يجري على العظم إلى نغضِ الكتف. "تهذيب اللغة" 156/ 9، "اللسان" 2/ 1128 (فلق). ونغض الكتف هو أعلى منقطع غضروف الكتف.]]، وفي الذراع الأكحل، وفيما تفرق من ظهر الكفِّ الأشاجعُ [[الأشاجع: العصب الممدود فوق السّلامى من بين الرسغ إلى أصول الأصابع. وقيل: رؤوس الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، وقيل عروق ظاهر الكف، وهو مغرز الأصابع.
"تهذيب اللغة" 1/ 331، "اللسان" 2/ 273 (شجع).]]، وفي بطن الذراع الرَّواهش [[الرواهش: واحدها راهشة، أو راهش، وهي عروق باطن الذراع. "تهذيب اللغة" 6/ 81، "اللسان" 1/ 1239 (رهش).]].
وقال أبو الهيثم [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 163، "اللسان" 3/ 908 (ورد).]]: الوريدان عرقان بجنب الودجين عن يمين ثغرة النحر ويسارها. قال: والوريدان ينبضان أبدًا من الإنسان. فكل عرق ينبض فهو من الأوردة التي فيها مجرى الحياة، والوريد من العروق ما جرى فيه النَّفس ولم يجر فيه الدم.
وقال الليث: هما وريدان مكتنفان صفحتي العنق، يقال للغضبان: قد انتفخ وريداه، والجميع الأوردة، والورد [[انظر المرجع السابق.]]. وذكر الفراء وأبو عبيدة والزجاج أن الوريد في الحلق وباطن العنق [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 223، "معاني القرآن" للفراء 3/ 76، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 44.]].
قال مقاتل: هو عرق يخالط القلب، فعِلْمُ الربِّ تبارك وتعالى أقرب إلى القلب من ذلك العرق [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 9.]].
وقال أهل المعاني [[قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير (قال أهل المعاني) فالمراد به مصنفو الكتب في "معاني القرآن" كالزجاج ومن قبله. وفي بعض كلام الواحدي: أكثر أهل المعاني: الفراء والزجاج، وابن الأنباري. قالوا كذا
انظر: "البرهان في علوم القرآن" 1/ 291]]: المعنى: ونحن أقرب إليه في العلم وما تحدث به نفسه من هذا العرق المخالط للإنسان، وذلك أن أبعاض الإنسان وأجزاءه يحجب بعضها بعضًا، ولا يحجب علم الله عنه شيء [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 178 ب، "معالم التنزيل" 4/ 222، "الجامع لأحكام القرآن" 9/ 17.]].
ثم ذكر أنه مع علمه به وكَّل به ملكين يحفظان ويكتبان عليه عمله إلزامًا للحجة فقال: قوله:
ق 50:17
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ (إذ) يتعلق بمحذوف دل عليه ما قبله وهو العلم، كأنه قيل: يعلم، ما يعمل، ويقول إذ يتلقى الملكان. أخبر أنه عالم بأحواله وما يثبت عليه الملكان فلا يحتاج إلى الملكين ليخبراه، ولكنهما وكِّلا به إلزامًا للحجة وتوكيدًا للأمر عليه. والتلقِّي معناه: التلقن [[التَلَقِّي: هو الاستقبال ومنه: فلان يتلقى فلانًا، أي يستقبله، ويأتي بمعنى التلقين، ومنه: الرجل يلقي الكلام، أي يُلقنه. "اللسان" 3/ 388 (لقا).]] والأخذ. ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 37] [[عند تفسيره لآية (37) من سورة البقرة، ومما قال: والتلقي في اللغة معناه الاستقبال .. ومنه الحديث: أنه نهى عن تلقي الركبان. قالوا معناه الاستقبال. وتفسير التلقي بالتلقن جائز صحيح وليس من لفظه.]] ومفعول التلقي محذوف وتقديره: يتلقى المتلقيان ألفاظه وأفعاله. ودل علي هذا قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ الآية.
قال مقاتل في هذه الآية: يعني الملكين يتلقيان عمل ابن آدم ومنطقه [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]].
قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ قعيدا كلِّ إنسان حافظاه، وهما الملكان الموكَّلان به، قال ابن قتيبة: قعيد بمنزلة قاعد. مثل: قدير وقادر، وقد يكون بمنزلة: أكيل وشريب [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 418.]]. فيكون القعيد بمعنى القاعد، وأصل هذا من القعود، ثم صار اسمًا للملازم للإنسان في كل حال من القيام والقعود والمشي والاضطجاع. ولهذا كانت العرب تطلق هذا الاسم تريد به الله تعالى، على معنى أن الله مع العبد بالعلم أينما كان فيقول: قَعْدَكَ الله وقعيدَك الله، بمنزلة نشدتك الله. وأنشد أبو الهيثم فقال: قَعِيدكُمَا الله الذي أنْتُما له ... ألم تَسْمَعَا بالبيضَتَيْن المُنَادِيَا [[البيت للفرزدق، والبيضتان ماء لبني يربوع وماء لبني دارم.
انظر: "ديوان الفرزدق" 2/ 360، "اللسان" 1/ 298 (بيض) 3/ 129 (قعد)، "همع الهوامع" 4/ 262.]]
قال: ومعنى قعيدك الله: أي أينما قعدت فأنت مقاعد لله، أي: هو معك، ومن هذا قول المتمم:
قَعِيدَكِ ألَّا تُسْمِعِيني مَلامَةً ... ولا تَنْكِئي قَرْحَ الفُؤادِ قبيحا [[ورد البيت منسوبًا في "المفضليات" ص 269، "الإيضاح في شرح المفصل" 1/ 237، "تهذيب اللغة" 1/ 199، "اللسان" 3/ 129، (قعد)، "الخزانة" 2/ 20، وكل المصادر روته (فييجعا) بدل (قبيحًا).]]
قال أبو إسحاق: المعنى عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد. فدل أحدهما على الآخر، فحذف المدلول عليه، وأنشد [[البيت لقيس بن الخطيم والد ثابت بن قيس الصحابي الجليل، وينسب إلى عمرو بن امرئ القيس الخزرجي.
انظر: "ديوان قيس" ص 239، "الكتاب" 1/ 75، "المقتضب" 3/ 112، 4/ 73، "الأمالي" ابن الشجري 2/ 20، "الإنصاف" ص 95.]]:
نَحْن بما عِنْدَنا وأنْتَ بما ... عِنْدَك رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ
أي: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ.
ومثله أيضًا:
رَمَاني بأَمْرٍ كنتُ منه ووالِدِي ... بريئًا ومن أجْلِ الطّوى رَمَانِي [[البيت لعمرو بن أحمر أو لطرفة الفراصي. انظر: "الكتاب" 1/ 75، "همع الهوامع" 2/ 84، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 678، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258، ونسبه أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 161 للأَزرق الباهلي.
والمراد بالطوي البئر التي كان بينة وبين خصمه خلاف عليها.]] قال: المعنى كنت بريئًا وكان والدي منه بريئًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 44.]]. ونحو هذا قال الفراء، وأنشد للفرزدق [[في (أ): (الفرزدق) والصواب ما أثبته. سبق ترجمته في سورة النساء.]]:
إني ضَمِنْت لمن أتانِي ما جَنَى ... وأبي فكان وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورِ [[ورد البيت في "الكتاب" 1/ 38، "الإنصاف" ص 95، "معاني القرآن" للفراء 3/ 77، "المذكر والمؤنث" ص 677، "الإيضاح في شرح المفصل"1/ 168، وليس في "ديوان الفرزدق". والشاهد فيه: "غدور" ولم يقل: "غدورين".]]
وقال المبرد: فعيل يكون للواحد والجميع، وأنشد هو وأبو عبيدة:
يا عاذلاتي لا تطلن ملامتي ... إن العواذل لسن [[أي: (ليس).]] لي بأمير [[قال البغدادي في شرح أبيات "مغني اللبيب" 4/ 483: والبيت مشهور بتداول العلماء إياه في مصنفاتهم، ولم أقف على قائله اهـ. ونسب في بعض المصادر ليزيد ابن الصعق.
انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 244، "اللسان" 2/ 658 (ظهر)، "الخصائص" 3/ 171 ، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 643، وقوله: (بأمير) أي لسن لي بأمراء.]]
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]. وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69] [[ومما قال عند تفسيره لآية: قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب بها العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلاً. وقال بعضهم: حسن كل واحد منهما رفيقًا]]. والمراد بالقعيد هاهنا: الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم، قال مجاهد: عن اليمين كاتب الحسنات، وعن الشمال كاتب السيئات [[انظر: "جامع البيان" 26/ 99، "الوسيط" 4/ 165.]].
ق 50:18
قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ معني اللفظ في اللغة: الرمي من الفم. يقال: لفظ الكلامَ، إذا رماه من أنفه وفمه. والأرض تلفظ الميت إذا لم تقبله، والبحر يلفظ الشيء إذا رَمَى به إلى الساحل [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 381، "المفردات" (452) (الفظ).]]. والمعنى: ما يتكلم من كلام فيلفظه: ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ حافظ. يعني الملك الموكل به، إما صاحب اليمين وإما صاحب الشمال.
قوله: ﴿عَتِيدٌ﴾ قال الكلبي: حاضر معه يحفظ عمله [[انظر: "الوسيط" 4/ 165، "معالم التنزيل" 4/ 222، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 11، ولم ينسبوه لقائل.]].
وقال الزجاج: ثابت لازم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 45.]]. وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18] [[ومما قال عند تفسيره الآية: يقال اعتدت الشيء فهو معتد وعتيد، وقد عند الشيء عتادة وهو عتيد حاضر، قاله الليث. قال: ومن هنالك سميت العتيدة التي فيها طيب الرجل وأدهانه.]].
ق 50:19
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ﴾ أي: وتجيء. وذُكر بلفظ الماضي إشعارًا بتحقق كونه، كما قال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: 44] وقد مر [[عند تفسيره لآية (44) من سورة الأعراف. ولم يذكر هناك شيئاً عن وروده بصيغة الماضي والله أعلم.]] قوله ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ أي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله وفهمه. وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: 15] [[مما قاله عند تفسيره لهذه الآية: السَّكر سد الثقب لئلا ينفجر الماء، والسكر في الشرب هو تغير العقل وفساد اللب وقيل السكر في الشراب هو أن ينقطع عما كان == عليه من المضاء في حال الصحو ولا ينفذ رأيه على حد نفاده في صحوه.
وانظر: "تهذيب اللغة" 10/ 55، "اللسان" 2/ 170، "المفردات" (236) (سكر).]].
قوله تعالى: ﴿بِاَلحَقِّ﴾. قال مقاتل: يعني أنه حق كائن [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "الوسيط" 4/ 167.]].
وقال أبو إسحاق: أي بالموت الذي خلق له [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 45.]]. وقال الفراء: يقول بالحق الذي كان غير متبين لهم من أمر الآخرة، ويكون الحق هو الموت. أي جاءت سكرة الموت بحقيقة الموت [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 78.]].
قوله [[(ك): (وجاءت: أي وتجيء وذكر بلفظ الماضي إشعارًا قوله) والصواب حذفها.]] تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي يقال لمن جاءته سكرة الموت: (ذلك)، أي ذلك الموت ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قال مقاتل: يعني كراهية الموت [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]]. ونحو هذا قال ابن عباس: تكره [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 256، "الكشف والبيان" 11/ 180 ب، "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223.]]. يقال: حاد عن الشيء يحيد حيدًا وحَيْدُودة وحَيَدانا ومحيداً وحِيَاداً وحُيوداً، إذا مال عنه وهرب [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 189، "اللسان" 1/ 766 (حيد).]]. قال عطاء عن ابن عباس: يجتنب ويهرب [[لم أجده، وهو في معنى القول الأول.]]. وقال الضحاك: يزوغ ويميل وينكص، كل هذا من ألفاظهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 223، "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 13.]].
ق 50:20
قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي النفخة الأخيرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "التفسير الكبير" 28/ 164.]] ﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ قال مقاتل: يعني بالوعيد: العذاب في الآخرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223.]]. والمعنى: ذلك يوم تحقق الوعيد ووقوع الوعيد، فحذف المضاف.
ق 50:21
﴿وَجَاءَتْ﴾ أي في ذلك اليوم ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والحسن: سائق يسوقها إلى المحشر وإلى أمر الله، وشهيد يشهد عليها بما عملت، وهو قول الجميع [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 256، "تفسير مقاتل" 124 ب، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 238، "جامع البيان" 26/ 101، "المصنف" 13/ 439، وهو قول عثمان بن عفان، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم.]].
قال الكلبي: السائق هو الذي كان يكتب عليه السيئات، والشهيد هو الذي كان يكتب الحسنات [[انظر: "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223.]].
قال عبد الله بن مسلم: السائق قرينها من الشياطين، سمي سائقًا؛ لأنه يتبعها وإن لم يحثها ويدفعها. وكان رسول الله -ﷺ- يسوق أصحابه. أي يكون وراءهم. والشهيد الملك الشاهد عليها بما عملت [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 15، "البحر المحيط" 8/ 124، وقال (وهو قول ضعيف).]]. والمراد بالنفس هاهنا نفس الكافر، يدل عليه قوله:
ق 50:22
﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ اليوم في الدنيا ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ قال ابن عباس: الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك [[انظر. "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223، ولم ينسب.]].
وقال ابن قتيبة: أي: أريناك ما كان مستورًا عنك في الدنيا [[انظر: "تأويل المشكل" ص 422.]].
وقال أبو إسحاق: هذا مثل، المعنى: كنت بمنزلة من عليه غطاء وعلى قلبه غشاوة ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي فعلمك بما أنت فيه نافذ، وليس يراد بهذا البصر بصر العين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 45.]]. وهذا قول الكلبي واختيار الفراء، قال: المعنى كنت تكذب فأنت اليوم عالم نافذ البصر، والبصر هاهنا: العلم وليس بالعين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 257، "معاني القرآن" للفراء 3/ 78، وأخرج ابن جرير في "جامعه" 26/ 103 عن قتادة.]]. والآخرون قالوا: هو العين.
قال ابن عباس في رواية عطاء: تبصر ما كنت تنكر في الدنيا [[انظر: "معالم التزيل" 4/ 223، ولم ينسبه.]].
قال ابن قتيبة: أي: فأنت نافذ البصر لما كشفت عنك الغطاء [[انظر: "تأويل المشكل" ص 422. وعبارته: فأنت ثاقب.]].
قال الضحاك: يحشر الكافر وبصره حديد، ثم يزرق ثم يعمى [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 15.]].
وقال مقاتل: يشخص بصره، فلا يطرف حين يعاين في الآخرة ما كان يكذب به في الدنيا [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]].
ق 50:23
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ قال مقاتل: يعني صاحبه، وهذا الملك الذي كان يكتب عمله السىِّء في الدنيا يقول لربه: كنت وكلتني به في الدنيا فهذا عندي معد حاضر قد آتيتك به [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[لم أجده عن الكلبي.]]. وعلى قولهما يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ الشخص الذي أتي به ويكون ﴿مَا﴾ بمعنى (من) [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 223.]]، ويحتمل أن يكون المراد ديوان أعماله وما كتب عليه. وقد صرح مجاهد بالقول الأول وقال: هذا الذي وكلتني به من ابن آدم قد أحضرته [[انظر: "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223، "الجامع" للقرطبي 17/ 16.]].
وابن قتيبة صرح بالقول الثاني فقال: يعني ما كتبته من عمله حاضر عندي [[انظر: "تأويل المشكل" ص 422.]]. وسيبويه جعل ﴿مَا﴾ هاهنا نكرة فقال: المعنى هذا شيء لدي عتيد، فارتفع ﴿عَتِيدٌ﴾ لأنه صفة لـ ﴿مَا﴾ [[انظر: "الكتاب" 1/ 269، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 220.]]. وذكر أبو إسحاق في رفع عتيد وجهين آخرين:
أحدهما: أن يرفع بإضمار (هو) كأنه قيل: هذا شيء لدي هو عتيد.
والآخر: أن يكون خبرًا بعد خبر، كما تقول: هذا حلو حامض [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 45.]].
ق 50:24
﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ قال مقاتل: يقول الله ألقيا في جهنم يعني الخازن، وهو في كلام العرب: خذاه، يعني الواحد [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]].
وقال الكلبي: كلام العرب ألقيا لواحد [[انظر: "جامع البيان" 26/ 103، "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223.]] واختار الأخفش، والفراء هذا المذهب، وهو أن هذا خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب يأمرون الواحد كما يأمر الاثنان، يقولون: قوما عنا للرجل. وويلك ارحلاها وازجراها. قال الفراء: سمعتها من العرب وأنشد [[البيت لمضرس بن ربيع الفقعسي، وقيل ليزيد بن الطثرية. انظر: "شرح شواهد الألفية" 4/ 591، "اللسان" 1/ 453 (جزز) وفيه (لا تحسبنَّا) بدلًا من (لا تحسبانا)، "شرح المفصل" 10/ 49، "الخزانة" 11/ 17، "سر صناعة الإعراب" 1/ 187.]]:
فقلتُ لصَاحِبي لا تَحْبِسَانا ... بنَزْعِ أصُولِهِ واجْتَزّ شِيحَا
وأنشد أيضًا:
فإن تَزْجُرانِي يابنَ عَفَّان أنزَجِرْ ... وإن تَدَعَاني أحَمِ عِرْضاً مُمنَّعا [[البيت لسويد بن كراع. انظر: "شرح القصائد السبع" ص 16، "الأغاني" 11/ 123، "شرح شواهد الشافية" ص 484، "إملاء العكبري" 2/ 242، "الخزانة" 11/ 17.]]
قال الفراء: ويرى أن ذلك منهم؛ لأن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما يكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على غالب العادة. ألا ترى الشعراء أكثر شيء: قيلا [[(ك): (قليلاً).]] يا صاحبي، ويا خليلي، قال امرؤ القيس:
خليلَيّ مُرّا بي على أمِّ جُنْدُبِ ... لنَقْضِي حَاجَاتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ
ثم قال:
ألم تَرَيَانِي كُلّما جئْتُ طَارِقًا ... وَجَدْتُ بها طِيبًا وإنْ لم تَطَيَّبِ [[انظر: "ديوانه" ص 41، 121، "الخصائص" 3/ 281، "التصريح بمضمون التوضيح" 1/ 202.]]
فرجع إلى الواحد، وأول الكلام اثنان [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 78 - 89.]].
وذكر أبو إسحاق عن المبرد أن هذا فعل مبني توكيدًا، كأنه لما قال: (ألقيا) ناب عن قوله: ألق ألق. وكذلك عنده قِفَا، معناه: قف قف، فناب عن فعلين. قال: وهذا قولٌ صالحٌ، والذي ذكره محمد بن يزيد في قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ هو مذهب أبي عثمان المازني، ذهب إلى أن أراد ألق ألق، فثنى ضمير الفاعل فناب ذلك عن تكرير الفعل [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 45 - 46.]].
قال أبو الفتح الموصلي: وهذا يدل على شدة اشتراك الفعل والفاعل، ألا ترى أنه لما بني أحدهما وهو ضمير الفاعل ناب عن تكرير الفعل، وإنما ناب عنه لقوة امتزاجهما، فكأن أحدهما إذا حضر فقد حضرا جميعًا [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 225 - 226]]. وهذا الذي قاله الموصلي بيان علة جواز نيابة (ألقيا) عن ألق ألق.
قال أبو إسحاق: والوجه عندي أن يكون أمر الملكين؛ لأن (ألقيا) للاثنين، فأنا اعتقد أنه أمر الاثنين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 46.]].
وبهذا قال جماعة من المفسرين؛ فذكروا أن هذا خطاب للمتلقين معًا [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16.]]، أو للسائق والشاهد جميعًا [[قال ابن كثير: والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، وبه قال الألوسي، وهو معنى ما قاله الزجاج.
انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 226، "روح المعاني" 26/ 185.]]. والأشهر في هذا ما ذكره الفراء، ويدل عليه قراءة الحسن: (ألقين) بالنون الخفيفة، وهو خطاب الواحد [[انظر: "الكشاف" 4/ 22، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16، "البحر المحيط" 8/ 126.]]. قوله ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كل كَفّار للنعم، معرض عن الإيمان والتوحيد مجانب له [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "معالم التنزيل" 4/ 224.]]. والحنيد بمعنى المعاند كالضجيع والقرين وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] [[قال عند تفسيره لهذه الآية: العنيد المعرض عن طاعة الله وهو قول ابن عباس. ومجاهد: هو المجانب للحق. وقال إبراهيم: الناكب عن الحق. وقال ابن زيد: المخالف للحق. وقال أبو إسحاق: الذي يعدل عن القصد. وقال ابن الأعرابي: أعند الرجل إذا عارض إنسانًا بالخلاف، وأعند إذا عارض بالاتفاق. وعند البعير خطامه أي عارضه. والعنود من الإبل التي تعاند الإبل فتعارضه. وقال قوم من أهل اللغة: معنى عند إذا أبى قبول الشيء مع العلم به تكبرًا عنه وبغيًا وطغيانًا.]].
ق 50:25
قوله تعالى: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي لا يبذل خيرًا. قال مقاتل: لا يعطي في حق الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "الوسيط" 4/ 167.]].
(مُعْتَدٍ) ظالم غشوم لا يقر بتوحيد الله، ﴿مُرِيبٍ﴾ قال قتادة والكلبي ومقاتل: شاك في الحق، وهو توحيد الله [[انظر: "جامع البيان" 26/ 104، "الوسيط" 4/ 167، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 17.]]. وهذا من قولهم: أراب الرجل، إذا صار ذا ريب. وقد ذكرنا ذلك في ابتداء سورة البقرة [[عند تفسيره لآية (2) من سورة البقرة. ومما قال: الريب الشك. يقال: رابني فلان يريبني، أي علمت منه الريبة. وأرابني أوهمنيها ولم يحققها.]]. وذكر عطاء ومقاتل أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة.
ق 50:27
قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ اختلفوا في المراد بالقرين هاهنا فقال ابن عباس في رواية عطاء: يعني قرينه من الشياطين [[انظر: "جامع البيان" 26/ 104، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 226.]].
وقال مقاتل: ﴿قَرِينُهُ﴾ هو شيطانه [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. واختاره ابن قتيبة [[انظر: "تأويل المشكل" ص 422.]]. وعلى هذا القول معنى الآية هو: أن شيطانه يعتذر إلى ربه يقول: لم يكن لي قوة بأن أقوله بغير سلطانك ﴿وَلَكِنْ كَانَ﴾ في الدنيا (في ضَلَالٍ بَعِيدٍ) طويل. ذكره مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. ومعنى ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ ما أَضللته وأغويته. أي لم أتول ذلك من نفسي ولكنه كان في ضلال عن الحق بخذلانك إياه، كأنه يقول: لم أكن سبب طغيانه [[انظر: "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 224.]].
وقال الكلبي: يقول الملك: ربنا ما أطغيته [[لم أجده.]]، وعلى هذا القول المراد بالقرين الملك. وهو قول سعيد بن جبير. قال: يقول الكافر: رب إن الملك زاد عليّ في الكتابة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 224، "الجامع" للقرطبي 17/ 17، "فتح القدير" 5/ 77.
وهو مروي عن ابن عباس، ومقاتل. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 259، "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "معالم التنزيل" 4/ 224]]. واختار الفراء هذا القول فقال: إن الكافر يقول: يا رب إنه كان يعجلني عن التوبة، فيقول الملك: ربنا ما أطغيته [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 76.]] أي: ما أعجلته عن التوبة وما زدت عليه. والمعنى: لم أكن سبب طغيانه بالإعجال والزيادة عليه، ولكن كان في ضلال بعيد لا يرجع إلى الحق ولا إلى التوبة. فيقول الله تعالى: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قال ابن قتيبة: وذكر الله اختصامهم في سورة الصافات وهو قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ في الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: 33] [[من آية (27 - 33) من سورة الصافات. وانظر: "تأويل المشكل" ص 423.]] وهذا يدل على أن المراد بالقرين الشيطان
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ يعني ما ذكر من الوعيد بالعذاب لمن عصى الرسل.
قال مقاتل: يقول قد أخبرتكم في الدنيا بعذابي في الآخرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. وقدَّم هاهنا إن كان واقعًا فالباء في ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ زائدة مؤكدة، وإن كان لازمًا بمعنى يقدم كما ذكرنا في قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: 1] [[قال: قدم هاهنا بمعنى تقدم. وهو لازم لا يقتضي مفعولاً .. قال الفراء: يقال: قدمت في أمر كذا وكذا وتقدمت. وقال الأزهري: ويقال: قدم ويقدم وتقدم يتقدم وأقدم يقدم واستقدم يستقدم بمعنى واحد.]] فالباء للتعدية [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 126، "فتح القدير" 5/ 77، "روح المعاني" 26/ 186.]].
ثم ذكر أنه لا تبديل لقوله ولا خلف لوعده فقال:
ق 50:29
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ما لوعدي خلف لأهل طاعتي ولا لأهل معصيتي [[لم أجده.]].
وقال مجاهد: قد قضيت ما أنا قاض [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 612، "جامع البيان" 26/ 105، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 226.]].
وقال مقاتل: يقول الذي قلت لكم في الدنيا من الوعيد قد قضيته [[(ك): (قضيت). والصواب ما أثبته.]] عليكم فلا تبديل له [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. فعلى هذا معني الآية: لا تبديل لقول الله فيما ذكر من وعيد الكفار.
قال المفسرون [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 17.]]: وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 119، السجدة: 13]. وقال أبو إسحاق: يعني قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [[من آية (160) من سورة الأنعام. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 46.]].
فإن قيل: على هذا كيف يجوز النسخ مع قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قلنا سبق قضاؤه بنسخ ما ينسخه، فلو لم ينسخ وقد سبق به الحكم حينئذ لزم تبديل القول.
وهكذا نقول في فائدة الدعاء والشفاعة [[انظر: "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 16، "مناهل العرفان" 2/ 198، "مباحث في علوم القرآن" 234 - 235.]]. وذكر الكلبي في الآية قولاً آخر فقال: معنى الآية: ما يغير القول عندي بالكذب [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "معالم التنزيل" 4/ 224، "فتح القدير" 5/ 77.]]. يعني من كذب عندي فالغيب لا يخفى علي، وعلى هذا القول هو قول العبد لا قول الله تعالى. واختار الفراء وابن قتيبة هذا القول.
قال الفراء: معناه ما يكذب عندي للعلم بالغيب [[انظر: "معانى القرآن" للفراء 3/ 79.]]. وقال ابن قتيبة: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي لا يُغير عن جهته ولا يُحَرّف، ولا يزاد فيه ولا ينقص، لأني أعلم كيف ضلوا وكيف أضللتموهم [[انظر: "تأويل المشكل" ص 423.]]. وهذا القول كأنه أظهر؛ لأنه قال (القول لديّ) ولم يقل (قولي) [[ذكره الشوكاني، ثم قال: والأول أولى، "فتح القدير" 5/ 77.]]. وهذا كما يقال: لا تكذب عندي. ولو قال قائل: لا يغير القول لديّ، فهم من كلامه أنه يقول: لا يكذب عندي بل يؤدي القول عندي على وجهه.
ق 50:30
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال أبو إسحاق: نصب ﴿يَوْمَ﴾ على وجهين:
على معنى: ما يبدل القول لديّ في ذلك اليوم.
وعلى معنى: أنذرهم يوم نقول، كما قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [[من آية (39) من سورة مريم. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 46.]].
وقرأ نافع: (يقول) بالياء على معنى: يقول الله. وقراءة العامة [[قرأ نافع وأبو بكر (يقول) بالياء. وقرأ الباقون (نقول) بالنون. انظر: "حجة القراءات" ص 678، "النشر" 2/ 376، "الإتحاف" ص 398.]] أشبه بما قبله من قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ والنون في المعنى مثل: أقول، فهو أشبه بما قبله [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 213.]].
وقوله: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال جماعة علماء التأويل [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 238، "جامع البيان" 26/ 105، "القرطبي" 17/ 18.]]: الله تعالى عالم هل امتلأت أم لا، وسؤالها عن امتلائها توبيخ لمن أُدْخِلها، ودلالة على صدق قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أراها الله تعالى تصديق قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ فلما امتلأت قال لها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾، قال أبو إسحاق: ووجه مخاطبتها جعل فيها ما به يتميز وتخاطب، كما جعل في النملة التي قالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18] [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 47. والمؤلف رحمه الله تصرف في عبارة الزجاج، ونصها: ووجه مخاطبتها أن الله -عَزَّ وَجَلَّ- جعل فيها ..]].
قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد هل فيّ من سَعَة. وقد ضاقت بأهلها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 259، من طريق الكلبي، "تفسير مقاتل" 125 أ، "معالم التنزيل" 4/ 224.]]. وقال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح: وَعَدَهَا الله ليملأنها فقال: وفيتك. فقالت: فهل فيّ من مسلك [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 612، "جامع البيان" 26/ 105.]]. وقال في رواية ابن أبي مريم: لا يزال يقذف فيها حتى تقول: قد امتلأت، فهل فيّ من مزيد [[انظر: "الدر المنثور" 6/ 107، ونسب إخراجه لسعيد بن منصور وابن المنذر.]].
وروى مقاتل بن سليمان قال: فتنتفض فتقول: قد امتلأت وليس فيّ مزيد. تقول: ليس فيّ سَعَة [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ، "الكشف والبيان" 11/ 181 ب.]]. وعلى هذا معنى الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ الإنكار [[قلت: قول المؤلف رحمه الله: ومعنى الاستفهام الإنكار هو من كلام شيخه الثعلبي، ولا يليق بهذا المقام على القراءتين إذ لا يتصور إنكار من مخلوق على الله تعالى وبخاصة في يوم القيامة، بل الاستفهام فيه من الضعف والاستصغار أمام عظمة الله تعالى ما يرد وصفه بالإنكار والله أعلم.]]. أي قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع لم يمتلئ.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح [[باذام أو باذان مولى أم هانئ. وثقه بعض أهل العلم، وتكلم فيه بعضهم، واختار الشيخ أحمد شاكر توثيقه، وقال ابن معين: إذا روى عنه الكلبي فليس بشيء، == وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس.
انظر: "تهذيب الكمال" 1/ 137، "الجرح والتعديل" 1/ 432، "مسند الإمام أحمد" بتحقيق شاكر 3/ 323، "تهذيب التهذيب" 1/ 416، "ميزان الاعتدال" 1/ 296.]]: معنى قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ مسألة للزيادة [[انظر: "جامع البيان" 26/ 106، "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "الوسيط" 4/ 168.
قلت: والقول بأن قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ معنى: هل بقي شيء تزيدوني، هو الظاهر من السياق وعليه تدل الأحاديث الصحيحة.
انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: وتقول هل من مزيد، 6/ 173، "صحيح مسلم"، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب: النار يدخله الجبارون 4/ 2186، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 238، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 226.]]، كأنها تستزيد إلى ما فيها. ولهذه الاستزادة مع قول: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وجوه:
أحدها: أن هذا السؤال كان قبل دخول جميع أهل النار فيها [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "الوسيط" 4/ 168، "معالم التنزيل" 4/ 224]]
والآخر: إنَّما طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 174، "فتح القدير" 5/ 77.]].
وقال أبو إسحاق: إنها تقول: هل من مزيد تغيظًا على من فيها، يعني أن طلب الزيادة حنقًا على أهلها، تقول: هل بقي أحد لم أنتقم لك منه، فالزيادة [[(ك): (فازادة).]] ليس أنها لم تمتلئ فطلب الزيادة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 47.]].
ق 50:31
قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قال مقاتل: قربت الجنة للمتقين الشرك غير بعيد، فينظرون إليها قبل دخولها حين تنصب على يمين العرش [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ، "معالم التنزيل" 4/ 225.]] ويقال لهم:
ق 50:32
﴿هَذَا﴾ أي هذا الجزاء أو هذا الشيء الذي ترونه: ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ قوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [[انظر: "الكشاف" 4/ 24.]] ويجوز أن يكون التقدير: هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ منكم. فحذف (منكم) لدلالة الخطاب عليه [[انظر: "فتح القدير" 5/ 78.]].
قال ابن عباس: يريد لكل راجع عن معاصي الله [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 260، "الوسيط" 4/ 168.]]. وقال عبيد بن عمير: الأواب الذي يتذكر ذنوبه ثم يستغفر منها [[انظر: "المصنف" 13/ 440، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 20، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 228، "فتح القدير" 5/ 78.]].
وقال مجاهد: هو الذي إذا ذكر ذنبه في الخلاء استغفر منه [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 182 ب، "الوسيط" 4/ 168، "معالم التنزيل" 4/ 225.]].
وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب [[انظر: "الوسيط" 4/ 168، "معا لم التنزيل" 4/ 225، "الدر" 6/ 107.]]. وأصله من الرجوع، وقد مر تفسيره عند قوله: ﴿لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25] [[عند تفسيره لآية (25) من سورة الإسراء. وهو بنفس النص المذكور هنا.]]
قوله: ﴿حَفِيظٌ﴾ قال ابن عباس: أي لما ائتمنه الله عليه وافترضه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 260، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 20 عن قتادة.]].
وقال الكلبي ومقاتل: حافظ لأمر الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]].
وقال قتادة: حافقالما استودعه الله من حقه ونعمته [[انظر: "جامع البيان" 26/ 107، "الكشف والبيان" 11/ 182 أ، "معالم التنزيل" 4/ 225.]].
ق 50:33
قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾، ويجوز أن يكون استئنافًا على: هو من خشي الرحمن ويجوز أن يكون ابتداء يراد به الجزاء، على معنى: من خشي الرحمن قيل له: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ وادخلوها جواب للجزاء، أضمرت قبله القول وجعلته فعلاً للجميع وهو قوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ ، لأن (من) يكون في مذهب الجمع ذكر ذلك الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 79، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 223، "مشكل إعراب القرآن" 2/ 685.]].
ومعنى ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس: يقول يخافني ولا يرائي فكأنه يرائي [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 260، "الوسيط" 4/ 169، "معالم التنزيل" 4/ 225.]].
وقال مقاتل: أطاعه ولم يره [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3] ومعنى هذا الغيب: غيبته عن رؤية الله. وقال الضحاك والسدي والحسن: يعني: في الخلوة، حيث لا يراه أحد إذا أرخى الستر وأغلق الباب [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 182 ب، "معالم التنزيل" 4/ 225، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 21، "فتح القدير" 5/ 78.]]. وعلى هذا الغيب غيبته عن الناس ورؤيتهم.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ قال مقاتل: وجاء في الآخرة بقلب مخلص [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ، "الوسيط" 4/ 169.]]. قال عطاء عن ابن عباس: راجع عن معاصي الله [[انظر: "الوسيط" 4/ 169، ولم ينسبه لقائل.]].
وقال أبو صالح عنه: مقبل إلى طاعة الله [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 225، "الجامع" للقرطبي 17/ 21، "فتح القدير" 5/ 78.]].
ق 50:34
وقوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي يقال لهم: ادخلوا الجنة ﴿بِسَلَامٍ﴾ قال ابن عباس: بسلامة قد إنقطعت عنهم الهموم وأمنوا الموت [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 260، "معالم التنزيل" 4/ 225.]]. وقال قتادة: سلموا من عذاب الله وسلم الله عليهم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 239، "جامع البيان" 26/ 108.]].
﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ في الجنة، لأنه لا موت فيها. قاله مقاتل.
ق 50:35
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه ولم يخطرهم على بال، فذلك قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]] يعني وعندنا لهم مزيد. وقال عطاء عن ابن عباس: المزيد ما يزيدهم الله من الحور العين إلى ما عندهم من بنات آدم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 21، لاروح المعاني" 26/ 190، "الدر" 6/ 108، قال: وأخرج أحمد وأبو يعلى، وابن جرير بسند حسن عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله -ﷺ- وفيه: "ثم تأتيه امرأته فتضرب علي منكبه ... ويسألها من أنت فتقول: أنا من المزيد". وانظر: "جامع البيان" 26/ 110.]].
وقال الكلبي عنه: هو أن الملائكة تأتي أحدهم بالهدايا من عند الله فإذانظر إليها أعجبته، فتقول الملائكة للشجر الذي بفناء بابه: الله يأمرك أن تنفطري له عن كل ما يشاء من مقل هذه، وهو المزيد [[لم أجده.]].
وقال كثير بن مرة [[كثير بن مرة أبو شجرة، ويقال أبو القاسم الحضرمي، الحمصي، ثقة. سمع عمر، وروى عن معاذ وعبادة بن الصامت وجماعة، ويقال إنه أدرك سبعين بدريًا وشهد الجابيَّة مع عمر.
انظر: "التاريخ الكبير" 4/ 208، "طبقات ابن سعد" 7/ 448، "تقريب التهذيب" 2/ 133، "سير أعلام النبلاء" 6/ 46، "أسد الغابة" 4/ 233.]] وغيره: هو أن السحابة تمر بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطر لهم، وتمطر لهم الحور العين، فتقول الحور: نحن الذين قال الله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [[أخرج ابن أبي حاتم نحوه. انظر: "الدر" 6/ 109، "روح المعاني" 26/ 190، قلت: لعل الأقوال السابقة من المزيد الذي ذكره الله تعالى تندرج في معنى الحديث الصحيح: "فيها ما لا عن رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر".]] وروي عن أنس ابن مالك في قوله ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال: يظهر لهم الرب تبارك وتعالى [[أخرجه الشافعي، وأبو يعلى، وابن أبي شيبة وغيرهم من طريق جيدة. "الدر المنثور" 6/ 108.]]
وروى ذلك أيضًا عن جابر ويشهد لهذا التأويل قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] [[قال ابن كثير: وقد روى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم الجمهور من السلف والخلف، "تفسير القرآن العظيم" 2/ 191.
وانظر: "صحيح مسلم"، كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم 1/ 163.
"سنن الترمذي"، كتاب: التفسير سورة يونس 5/ 276، "سنن ابن ماجه" 1/ 67 == في المقدمة، "شرح النووي على مسلم" 3/ 17، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 228.]].
ق 50:36
قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا في الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: ساروا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 260، "جامع البيان" 26/ 110، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 229.]]. وقال الكلبي عنه: تقلبوا [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 226، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 22.]] وقال مجاهد: ضربوا [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 612، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 229.]].
وقال النضر: دَوّروا [[(ك): (دوخوا) وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 22، "فتح القدير" 5/ 80.]]. وقال أبو عبيدة: طافوا وتباعدوا [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 224.]].
وقال الفراء: خرّقوا البلاد فساروا فيها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 79.]].
وقال الزجاج: طوفوا وفتشوا. قال ومنه: نقيب القوم للذي يعرف أمرهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 48.]].
وقال المبرد: نقبوا في اللغة: طوفوا. وأصله من النقب وهو الطريق، كأنهم سلكوا كل طريق.
وأنشدوا لامرئ القيس [[انظر: "ديوانه" 73، "اللسان" 3/ 697 (نقب)، والمراجع السابقة. ورواية الديوان "طوفت" بدل "نقبت". وقد ذكرها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ آية: 7 من سورة النجم.]]:
وقد نَقّبْتُ في الآفَاقِ حتَّى ... رَضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإيَابِ
ومعنى الآية: أن القرون الماضية ساروا في البلاد فلم يجدوا محيصًا عن أمر الله. قال قتادة: حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركًا [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 239، "جامع البيان" 26/ 110.]] وقال أبو إسحاق: طوفوا وفتشوا فلم يروا محيصًا من الموت [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 48.]]. أخبر الله عنهم أنهم طلبوا المهرب من الموت فلم يجدوا. وتقدير اللفظ: فنقبوا في البلاد هل من محيص لهم فلم يجدوا. وفي هذا إنذار لأهل مكة أنهم على مثل سبيلهم لا يجدون مفرًا من الموت. يموتون فيصيرون إلى عذاب الله.
ق 50:37
قوله: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ﴾ أي في إهلاكهم: ﴿لَذِكْرَى﴾ يعني تذكرة وموعظة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء، وأبي صالح: عقل [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 262، "الوسيط" 4/ 170، "معالم التنزيل" 4/ 226.]].
قال الفراء: وهذا جائز في العربية أن يقول: مالك قلب، وما قلبك معك. أي: ما عقلك معك، وأين يذهب قلبك. أي: أين يذهب عقلك [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 80.]].
وقال غيره: إنما جاز ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ لأن من لا يعي الذكر لا يعتد بما له من القلب، والمعنى: لمن صرف قلبه إلى التفهم، لأن من لم يتفهم كان بمنزلة من لا قلب له، ألا ترى أن الكفار ما لم يستمعوا سماع تفهم واسترشاد جعلوا بمنزلة من لا يسمع فقيل في صفتهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [[انظر: من آية (18) و (171) من سورة البقرة.]] وهذا قول أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 48.]].
قوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال أبو عبيدة والفراء: وقال: ألقى سمعه إلى الشيء، وألق سمعك إليّ: استمع مني. فمعنى: ﴿أَلْقَى السَّمْعَ﴾ استمع [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 224، "معاني القرآن" للفراء 3/ 80.]]، وليس يراد بالسمع هاهنا الأذن، وإنما يراد حاسة السمع، كأنه قيل: وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له. وقوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وهو شاهد غير غائب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 262، "تفسير مقاتل" 125 ب.]].
قال ابن قتيبة: استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساهٍ [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 419.]]. فالمعنى: وهو شهيد بالفهم والقلب.
قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون: ﴿وَهُوَ﴾ كناية عن القلب. أي وقلبه حاضر فيما يسمع [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 49.]].
ق 50:38
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ قال جماعة المفسرين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 262، "تفسير مقاتل" 125 ب، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 239، "جامع البيان" 26/ 11، "أسباب النزول" للواحدي ص 458، وبهذا قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومقاتل، والكلبي، وغيرهم. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 450 عن عكرمة عن ابن عباس.]]: إن اليهود قالت: خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فذلك لا يعمل فيه شيئًا. فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ قال الكسائي: يقال لَغَبَ بالفتح يلغُبُ بالضم لغوبًا، ولغِبَ بالكسر يلغَب بالفتح لغبًا - لغتان فهو لاغب [[انظر: "اللسان" 3/ 375، "المفردات" ص 451 (لغب).]].
قال ابن عباس: يريد كما يلغب المخلوقون إذا عملوا من النَّصَب والتعب والإعياء [[انظر: لم أجده.]].
ق 50:39
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ يعني علي بهت اليهود وكذبهم في قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، "الوسيط" 4/ 170، "معالم التنزيل" 4/ 226.]]. وقال مقاتل [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 24، "فتح القدير" 5/ 80، ولم ينسب لقائل.]]: نزلت في المستهزئين بالقرآن، ولم يكن أذن لرسول الله -ﷺ- في القتال بعد.
وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي صَلِّ حمدًا لله تعالى: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ قال مقاتل: يعني صلاة الفجر والعصر [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، وفيه (يعني صلاة الفجر والظهر والعصر).]]. وزاد عطاء والكلبي عن ابن عباس: صلاة الظهر [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 262، 263، وهو المروي عن مقاتل. ومن المفسرين من علقه بصلاة الفجر وصلاة العصر، ومنهم من علقه بوقت الفجر ووقت العصر. انظر: "جامع البيان" 26/ 112، "تفسير القرآن" 4/ 229، "فتح القدير" 5/ 80.]].
ق 50:40
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قال عطاء، والكلبي، ومقاتل: يريد المغرب والعشاء [[انظر: "الوسيط" 4/ 171، "معالم التنزيل" 4/ 227.]].
﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ بكسر الهمزة [[قرأ نافع، وابن كثير، وحمزة، وأبو جعفر، وخلف: ﴿وَأَدْبَارَ﴾ بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: "حجة القراءات" ص 678، "النشر" 2/ 376، "الإتحاف" ص 398.]] مصدر أدبر الشيء إدبارًا، إذا ولَّى. وانتصابه هاهنا على الظرف. والمصادر تجعل ظرفًا على إرادة إضافة أسماء الزمان إليها وحذفها كقولك: جئتك مقدمَ الحاج، وخفوقَ النجم، وخلافةَ فلان. تريد في ذلك كله: وقت كذا، وحذفته. فكذلك يُقدَّر في قوله: وقت إدبار السجود، إلا أن المضاف المحذوف في هذا الباب لا يكاد يظهر ولا يستعمل، ومن فتح الهمزة جعله جمع دُبْرٍ أو دبر، مثل: قُفْلٍ، وأقفال، وطنبٍ وأطناب. وقد استعمل ذلك ظرفًا في نحو: جئتك في دبر الصلاة، وفي أدبار الصلوات، وعلى دبر الشهر الحرام [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 213 - 214.]].
قال أوس [[لم أقف على البيت في "ديوان أوس بن حجر"، وانظر:، الحجة للقراء السبعة" 2/ 370، 6/ 214.]]:
على دُبرِ الشَّهرِ الحَرَامِ بأرْضِنَا ... وما حَوْلَها جَدْبٌ سُنُون تلمَّعُ
واختلفوا في المأمور به في أدبار السجود، فروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الوتر الذي جعله سنة بعد الصلاة [[انظر: "الوسيط" 2/ 171، "روح المعاني" 26/ 193.]].
وقال قتادة ومجاهد والكلبي ومقاتل: يعني الركعتين بعد صلاة المغرب [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، "تفسير مجاهد" 2/ 613، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 240، "الكشف والبيان" 11/ 183 أ.]]، وهو مذهب علي، وعمر، وأبي هريرة، والحسن، والنخعي، والشعبي، وإبراهيم [[إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي، ثقة، وكان أبوه من كتاب الحجاج بن يوسف. انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 331، "التاريخ الكبير" 1/ 328.]]، والحسن بن علي -ﷺ-. وروي ذلك مرفوعاً. رواه كريب عن ابن عباس، قال: قال لي النبي -ﷺ-: "يا ابن عباس ركعتان بعد المغرب أدبار السجود" [[رواه الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة الطور 5/ 366، عن هشام الرفاعي عن محمد بن فضيل وقال: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.
وأخرجه الطبري من وجه آخر عن ابن عباس، وإسناده ضعيف، لكن روى ابن المنذر من طريق أبي تميم الجيشاني قال: قال أصحاب رسول الله -ﷺ- في قوله تعالى ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ هما الركعتان بعد المغرب، "فتح الباري" 8/ 598.]].
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أمر بالتسبيح، وهو التسبيح باللسان أدبار الصلوات المكتوبة [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 613، "جامع البيان" 26/ 113، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 230، وقال: ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وفي "الاستذكار" لابن عبد البر 5/ 431: عن أبي رزين عن ابن عباس: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ قال: الصلاة المكتوبة يعني الصبح والعصر، وبه قال قتادة وغيره.]] وعلى هذا أمر بالتسبيح بعد الفراغ من الصلاة. والسجود عبارة عن الصلاة.
واختار أبو عبيد فتح الهمزة. وقال: لأنه لا إدبار للسجود إنما ذلك للنجوم، ولهذا لم يختلف في كسر ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: 49] [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 225، وقد ردَّ هذا الاختيار وقال: وهذا مما أخذ عليه، لأن معنى ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ وما بعده وما يعقبه فهذا للسجود، والنجوم والإنسان واحد، وقد روى المحدثون الحيلة تفسير ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ ﴿وَأَدْبَارَ النُّجُومِ﴾ فلا نعلم أحدًا منهم فرق ما بينهما.]] وأدبار جمع دُبُر، ويقال: دبر الصلاة، أي خلف الصلاة.
ق 50:41
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ مفعول الاستماع محذوف على تقدير: واستمع النداء أو الصوت، أو الصيحة، وهي صيحة القيامة والبعث والنشور. واختلفوا في المنادي، فقال الكلبي: هو جبريل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 81، "الكشاف" 4/ 35، "فتح القدير" 5/ 81.]]
وقال مقاتل: هو إسرافيل، وهو أنه ينادي بالحشر فيقول: يا أيها الناس: هلموا إلى الحساب، وذلك في النفخة الأخيرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، "معالم التنزيل" 4/ 227، "جامع البيان" 26/ 114، عن بريدة، "الدر" 6/ 111.]].
وقوله: ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أكثر المفسرين [[وممن قال به كعب الأحبار وقتادة، ويزيد بن جابر، وابن عباس، وبريدة.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 240، "جامع البيان" 26/ 114، "روح المعاني" 26/ 194.]] على أنه صخرة بيت المقدس. قال الكلبي: وهي أقرب [[(أقرب) ساقطة من (ك).
وانظر: "الوسيط" 4/ 172، "معالم التنزيل" 4/ 228، "القرطبي" 17/ 27.]] الأرض من السماء باثني عشر ميلاً. ونحو ذلك قال مقاتل. قال وهو وسط الأرض [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، "جامع البيان" 26/ 114، عن قتادة.]].
وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد من تحت أقدامهم [[انظر. "تنوير المقباس" 5/ 264.]]. يعني أن النداء بالحشر يسمعه كل أحد من مكان قريب منه، حتى كأنه يسمعه من تحت قدميه.
ق 50:42
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ قال المفسرون [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 228.]]: يعني النفخة الثانية، ويجوز أن يريد النداء للبعث. وهو قول المنادي: يا أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، 126 أ، "الكشف والببان" 11/ 183 ب، "معالم التنزيل" 4/ 227، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 27.]].
قوله تعالى: ﴿بِالْحَقّ﴾ قال الكلبي: بالبعث [[انظر: "الوسيط" 4/ 172، "فتح القدير" 5/ 81.]]. وقال مقاتل: يعني أنها كائنة حقًّا [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، "الوسيط" 4/ 172.]]. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ من القبور.
ق 50:43
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ قال ابن عباس: يريد كنتم أحياء وأمتناكم ثم إلينا مصيركم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 264.]]. وعلى معنى قول الكلبي ومقاتل معناه: إنَّا نحن نميت في الدنيا ونحيي للبعث [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 ب، "الوسيط" 4/ 172، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 27.]].
﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ والواو لا توجب ترتيبًا.
ق 50:44
قوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ﴾ (يوم) ظرف للمصير.
قوله تعالى: ﴿سِرَاعًا﴾ أي خارجين سراعًا يسرعون إلى الداعي، قال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: 8].
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾، قال عطاء: بَعْثٌ علينا سهل [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 27.]]. وقال الكلبي: سَوْق علينا هين [[لم أجده، وهو بمعنى سابقه ولاحقه.]].
وقال مقاتل: جَمْعُ الخلائق علينا هين. ثم عَزّى نبيه -عليه السلام- فقال:
ق 50:45
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ يعني كفار مكة، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ قال المفسرون: بمسلط [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 أ، "جامع البيان" 26/ 115، "الوسيط" 4/ 172.]]. قال ابن عباس: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام والهدى، إنما بعثتُ مذكرًا وذلك قبل أن يؤمر بالقتال [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 265، "الوسيط" 4/ 172، "فتح القدير" 5/ 81.]].
قال ابن قتيبة: وجبار ليس من: أجبرت الرجل على الأمر، إذا قهرته عليه، لأنه لا يقال من ذلك، والجبار الملك، سمي بذلك لتجبره.
يقول: فلست عليهم بملك مسلط [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 419.]]. وهذا قول الفراء، قال: لا يقال: دخال بمعنى مُدْخِل، ولا خراج بمعنى مخرج. والجبار من الجبرية وأنشد قول عمرو:
عَصَيْنَا أمْرَه الجَبَّار فِينَا [[البيت لعمرو بن كلثوم، ولم أجده بهذا اللفظ عند غير المؤلف.
انظر: "الديوان" ص 349، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 109، ورواية الديوان:
إذا ما الملك سام الناس خسفًا ... أبينا أن نقر الذل فينا]]
قال: يريد المنذر [[هو المنذر بن المنذر بن امرئ القيس ملك الحيرة بعد أبيه، خرج يطلب دم أبيه من الحارث بن أبي شمر الغساني، فقتله الحارث، وقيل قتله مرة بن كلثوم التغلبي أخو عمرو بن كلثوم. انظر: "المعارف" ص 648.]] لولايته.
ثم قال: وقد قالت العرب: درّاك من أدركت، فإن قلت: الجبار على هذا من أجبرت، فهو وجه. قال: وسمعت بعض العرب يقول: جبره على الأمر، فالجبار من هذه اللغة صحيح، يريد: يجبرهم ويقهرهم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 81، "جامع البيان" 26/ 115.]].
قوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ قال ابن عباس: فعظ بالقرآن من يخاف وعيد ما وعدت من عصاني من العذاب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 265، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 28.]].
قال الكلبي: نسخت هذه الآية وأمثالها بآيات القتال [[انظر: "نواسخ القرآن" ص230، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 417، "فتح القدير" 5/ 81.]].
تَمَّتْ.
الذاريات 51:1
﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ قال جماعة المفسرين [[وهو المروي عن عمر، وعلي، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة وغيرهم. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 241، "جامع البيان" 26/ 116، "فتح الباري" 8/ 598.]]: هي الرياح تذرو التراب وهشيم النبت. أي تفرقه كقوله: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: 45] [[عند تفسيره لآية [الكهف: 45]. ومما قال: الهشم الكسر، والهاشم الذي يهشم الخبز ولكسره في الثريد، وبه سمي هاشمًا. والهشيم ما تكسر وتهشم وتحطم من يبس النبات. وقال المفسرون في الهثيم: إنه الكسير المتفتت.]] وقد مرَّ. وذكر جميعُ أهل اللغة أن ذرت وأذرت بمعنى واحد [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 225، "تهذيب اللغة" (ذرا).]].
قال أبو إسحاق: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ مجرور على القسم، المعنى: أحلف بالذاريات وبهذه الأشياء، قال: وقال قوم: المعنى: وربِّ الذاريات، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [[من (آية: 23) من هذه السورة" وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 51.]]
الذاريات 51:2
قوله: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ يعني السحاب التي تحمل وقرًا، أي ثقلاً من الماء.
الذاريات 51:3
قوله: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ يعني السفن تجري ميسرةً في الماء جريًا سهلاً.
الذاريات 51:4
قوله تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال الكلي ومقاتل: يعني الملائكة جبريل وميكائل وإسرافيل وملك الموت، يقسمون الأمر بين خلقه في الأرض، وهم المدبرات أمراً.
قال المبرد: يفرقون في الناس ما أمرهم الله به [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 أ، "معاني القرآن" للفراء 3/ 82، "القرطبي" 17/ 3.]].
وقال الفراء: جبريل صاحب الغلظة، وميكائل صاحب الرحمة، وملك الموت يأتي بالموت [[(ك): (بالرحمة) وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 82 ..]]. هؤلاء سموا هذه الأربعة من الملائكة في تفسير المقسمات. وغيرهم ذكروا الملائكة على العموم والإطلاق. قالوا في: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ إنهم الملائكة وهذا أولى من تخصيص الأربعة لقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ﴾ ومعناه: فالجماعات المقسمات، يعني جماعات الملائكة الذين وكلوا بالأمور يقسمونها على ما أمروا به. وتفسير هذه الآيات على ما ذكرنا مروي عن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وتبعه المفسرون في ذلك فقالوا بقوله [[وهو المروى عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 615، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 241، "جامع البيان" 26/ 116 - 117 ، "المستدرك" 2/ 467 عن علي بن أبي طالب. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.]].
وانتصب ﴿يُسْرًا﴾ على تقدير: فالجاريات جريًا يسرًا، فهو نعت مصدر محذوف، وانتصب: ﴿أَمْرًا﴾ في قوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ بالمقسمات، أي يقسمون أمراً أمروا به [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 229، "مشكل إعراب القرآن" 2/ 686.]].
ويجوز أن يكون المدعي: فالمقسمات بالأمر. أي بأمر الله تعالى أمروا بذلك أمرًا. وأما معني القَسْم بهذه الأشياء، إن قلنا إنه على إضمار الرب كما ذكره الزجاج فهو ظاهر، وإن قلنا إنه أقسم بهذه الأشياء، فوجه ذلك أنه إنما أقسم بالرياح لما فيها من عظيم العبر في هبوبها تارة وسكونها تارة، وما فيها من الحاجة في تنشئة السحاب وتذرية الطعام، واختلافها في العصوف واللين، فهي تقتضي مصرفًا لها، ومسكنًا، ومحركاً، وأقسم بالسحاب لما فيه من الآيات، وهو أنه ينبئ عن مُحَمل حمله الماء وأمسكه من غير عماد وأغاث بمطره العباد، وأحيا البلاد، وصرفه في وقت الغنى عنه بما لو دام لصار الناس إلى الهلال، ولو انقطع أصلاً لأضرّ بهم جميعًا، وأقسم بالسفن لما فيه من الدلائل بتسخير البحر لجريانها، وتقدير الريح لها بما لو زاد لغرق وما في هداية النفوس إلى صنعتها، وما في عظم النفع فيما ينتقل من بلد إلى بلد بها، وأقسم بالملائكة لما فيه من اللطيفة وعظم الفائدة وجلالة المنزلة بتقسيم الأمور بأمر ربها. وقد دل بهذه الأشياء على توحيده في قوله: ﴿الْفُلْكَ تَجْرِي في الْبَحْرِ﴾ الآية [البقرة: 164].
الذاريات 51:5
ثم ذكر جواب القسم فقال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ قال ابن عباس: يزيد ما توعدون من أمر الساعة لحق. وهو قول كائن يقع بكم في الآخرة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 266، "الوسيط" 4/ 173، "معالم التنزيل" 4/ 229.]].
وقال مقاتل: إن الذي توعدون من أمر الساعة لحق. وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 أ، "تفسير مجاهد" 2/ 615.]].
الذاريات 51:6
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ قالوا: وإن الجزاء لكائن. وقال أبو إسحاق: إن المجازاة على أعمالكم لواقعة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 51.]]:
الذاريات 51:7
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ معني الحَبْك في اللغة: إجادة النسج. وقال: حبك الثوب، أي أجاد نسخه، وحبل محبوك، إذا كان شديد الفتل، ومنه قول الراجز:
وإن تجعَّرتْ بمَحْبُوكٍ مُمَرّ [[ورد في "تهذيب اللغة" 1/ 362، "اللسان" 1/ 465 (جعر) وغيرهما ولم أجده منسوبًا.
ليس الجعارُ منجيًا من القَدرْ ... وإن تجعَّرت بمحبوك مُمَرّ
والجعار: الحبل. يشد به وسط الرجل إذا نزل في البئر وطرفه في يد رجل. والحبك: الشد. والممر الحبل الذي أجيد قتله، وكل مفتول ممر. انظر: "اللسان" 3/ 466 (مرر).]]
وفرس محبوك الكفل، أي مدمجه.
قال لبيد:
مُدْمَج الحَارِك مَحْبُوك الكَفَلْ [[البيت في "ديوان لبيد بن ربيعة" ص 144، "تهذيب اللغة" 4/ 97 (حرك) والحارك: أعلى الكاهل. ورواية الديون:
ساهم الوجه شديد أسْرُهُ مُغبَط الحارِكِ مَحبوكُ الكَفلُ]]
قال شمر: والمَحبوك في اللغة ما أجيد عمله، ودابة محبوكة إذا كانت مُدْمَجَة الخَلْق [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 108 (حبك).]]. وقال أبو عبيدة والمبرد: الحبُك: الطرائق، واحدتها حِبَاك، وحباك الحمام، طرائق على جناحيه، وطرائق الماء حَبكه [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 224، "اللسان" 1/ 555 (حبك).]] وأنشد أبو عبيدة لزهير:
مُكَلَّل بأصُولِ النَّبْتِ تْنَسِجُهُ ... ريحُ الجنوبِ لِضاحِيِ مائِه حُبُكُ [[البيت في "ديوانه" ص 176، "المحتسب" 2/ 287، "اللسان" 1/ 555 (حبك). وفي الألفاظ بعض الاختلاف، والشاهد فيه أن النجم هو نبت يمتد على وجه الأرض بلا ساق.]]
وأنشد للفرزدق:
وأنت ابن جَبّارَيْ رَبِيعَة حَلَّقَتْ ... بك الشمْسُ في الخَضْراء ذاتِ الحَبائِكِ [[انظر: "ديوانه" 2/ 56.]]
وقال الفراء: الحبك تكَسُّرٌ بكل شيء كالرملة إذا مرت بها الريح، والماء الدائم إذا مرت به الريح، والدرع إذا كانت من الحديد لها حُبُك أيضًا، والشعرة الجعدة تكسُّرها حبك، وواحد الحُبُك حِبَاك وحَبِيكة، مثل طريقة وطرق، ومثال ومثل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 82.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ يريد الخلق الحسن [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 266، "جامع البيان" 26/ 117.]]. وهو قول أبي صالح، وأبي مالك وقتادة، والربيع.
قال الحسن: حُبكتْ بالخلق الحسن [[انظر: "جامع البيان" 26/ 118.]]. وروي سعيد بن جبير عن ابن عباس في تفسير الحبك قال: حسنها واستواؤها [[انظر: "جامع البيان" 26/ 118، "الدر" 6/ 112.]].
وروى معمر عن قتادة: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الخلق الحسن الشديد [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 242.]].
وهو قول ابن زيد. قال: ذات [[انظر: "جامع البيان" 26/ 118، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 32.]] الشدة. وقرأ قوله: ﴿سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: 12] وهو معنى قول مجاهد: متقنة البنيان [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 616، "معالم التنزيل" 4/ 229.]].
وقال في رواية الكلبي: ذات الطرائق، ولكنها بعيد عن العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح وكحبك الرمل، وكحبك الشَّعْر الجعد [[مراد المؤلف من قوله: (وقال في رواية الكلبي) أي ابن عباس، وقد فصل بين الرواية الأولي وهذه بفاصل قد يوهم فوجب التنبيه. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 266، "معالم التنزيل" 4/ 229.]]. ونحو هذا قال مقاتل سواء [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 أ.]] وهو قول عكرمة، وقال: إن بنيانها كالبرد المسلسل [[انظر: "جامع البيان" 26/ 118، "معالم التنزيل" 4/ 229.]].
وقال عبد الله بن عمرو: هي السماء السابعة [[انظر: "جامع البيان" 26/ 118، للالجامع لأحكام القرآن" 17/ 31. قال ابن كثير: وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد وهو الحسن والبهاء، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة شديدة البناء ... "تفسير القرآن العظيم" 4/ 232. والصفيق جيد النسج.]]. يعني: أنها ذات الطرائق لا التي نراها. والاختيار عند أهل اللغة في تفسير: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الطرائق الحسنة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 52. وقال الشنقيطي -رحمه الله-: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ فيه العلماء أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا .. والآية تشمل الجميع، فكل الأقوال حق. "أضواء البيان" 7/ 662 - 664.]].
الذاريات 51:8
ثم ذكر جواب القسم فقال: ﴿إِنَّكُمْ﴾ يعني أهل مكة {لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ}. قال عطاء عن ابن عباس: يعني في محمد -ﷺ- بعضكم يقول شاعر، وبعضكم يقول مجنون. وفي [[في (ك): (يعني في) والصواب ما أثبته.]] القرآن: يؤمن به بعضكم ويكفر به بعضكم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 267، "الوسيط" 4/ 174، "التفسير الكبير" 28/ 197.]].
وقال الكلبي: إنكم بين مصدق ومكذب بمحمد والقرآن [[انظر: "معالم التزيل" 4/ 229، "فتح القدير" 5/ 83.]].
الذاريات 51:9
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ قال أبو عبيدة: يدفع عنه ويحرمه [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 224.]].
وقال الفراء: يَضْرب عنه. والكناية في ﴿عَنْهُ﴾ يجوز أن يكون للقرآن، أو للإيمان [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 83.]] أو لمحمد -ﷺ-، كل ذلك قد قيل.
قال ابن عباس: يكذب به من يكذب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 267، "الوسيط" 4/ 174، "معالم التزيل" 4/ 229.]]. والمعنى: يصرف عنه من صُرِفَ حتى يكذب به.
الذاريات 51:10
قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ قال جماعة المفسرين وأهل المعاني [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 242، "معاني القرآن" للفراء 3/ 83، "تفسير غريب القرآن" 421، "جامع البيان" 26/ 119، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 232، "فتح الباري" 8/ 599.]]: لعن الكذابون. قال ابن الأنباري: هذا تعليم لنا الدعاء عليهم، معناه: قولوا إذا دعيتم عليهم: قتل الخراصوان. قال: والقتل إذا أخبر عن الله به كان بمعنى اللعنة، إن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 33، "فتح القدير" 5/ 84.]].
وأما الخراصون فقال أبو إسحاق: هم الكذابون [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 52.]]، يقال: قد تَخَرَّص علىّ فلان بالباطل. قال: ويجوز أن ﴿الَّذِينَ هُمْ في غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ يكون الخراصون الذين يتظنون الشيء لا يُحقُّونه فيعملون بما لا يدرون صحته [[من قوله: (يقال: قد تخرص) من كلام الزجاج، انظر "معاني القرآن" 5/ 52.]]. الأزهري: وأصل الخْرَصِ التَّظَنِّي فيما لا يستيقنه، ومنه قيل: خرصت النخل والكرم، إذا حزرته، لأن الحزر فيه الظن لا الإحاطة، ثم قيل للكذب خرص لما يدخله من الظنون الكاذبة [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 13 (خرص).]]. واختلفوا في الخراصين هاهنا مَنْ هم؟ فقال [[قوله (فقال) يدل على إسقاط صاحب القول، ونحوه عن ابن عباس، وابن زيد وغيرهما. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 268، "جامع البيان" 26/ 119.]]: هم رؤساء قريش الذين رموه بما رموه به من السحر، وهو اختيار الفراء. قال: هم الذين قالوا: محمد شاعر، كذاب، مجنون، ساحر، وأشباه ذلك، خرصوا ما لا علم لهم به [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 83.]]. وقال ابن عباس: هم المقتسمون [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 229، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 34، ومراده من المقتسمين. أي اقسموا القول في النبي -ﷺ- فمنهم من رماه بالسحر، ومنهم من رماه بالشعر، ومنهم من رماه بالكهانة.]]. وهو قول مقاتل. قال: وتخرصهم أنهم قالوا للناس: إن محمدًا شاعر، وساحر، ومجنون [[انظر "تفسير مقاتل" 126 أ.]].
وقال مجاهد: هم الكهنة. وهو اختيار أبي عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 225، "معالم التنزيل" 4/ 229، "جامع البيان" 26/ 119، عن ابن عباس.]].
الذاريات 51:11
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ في غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ الغمرة ما غمر الشيء فغطاه. يقال: هذا نهر غمر. أي يغمر فيه مَنْ دخله [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 128، "اللسان" 2/ 1013 (غمر).]] ومنه: ﴿غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ وقد مرَّ [[عند تفسيره للآية [الأنعام: 93] قال: الغمرة شدة الموت وما يغشي الإنسان من همومه وسكراته. وغمرة كل شيء كثرته ومعظمة، ومنه غمرة الماء وغمرة الحرب. ويقال: غمره الشيء إذا علاه وغطاه. قال الزجاج: ويقال لكل من كان في شيء كثير قد غمره ذلك. وغمره الدين إذا كثر عليه. هذا هو الأصل ثم يقال للشدائد والمكاره الغمرات.]].
قال ابن عباس: في عمى وجهالة عن أمر الآخرة ساهون لاهون غافلون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 268، "معالم التنزيل" 4/ 229.]]. ومعنى السهو في اللغة الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب عنه. يقال: سها يسهو سهوًا وسُهوًّا. ذكر ذلك الليث [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 266، (سهو)، "اللسان" 2/ 23. (سها).]].
الذاريات 51:12
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ قال ابن عباس: متى يوم القيامة الذي فيه الثواب والعقاب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 52.]].
وقال الكلبي، ومقاتل: يسألون النبي يقولون: يا محمد متى الساعة وقيامها، واليوم الذي توعدنا به وتزعم أنا نعذب فيه تكذيبًا منهم بالحساب، واستهزاء [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 أ، "الوسيط" 4/ 174، "معالم التنزيل" 4/ 229.]].
و ﴿أَيَّانَ﴾ معناه في اللغة متى، وفيه لغتان، فتح الهمزة وكسرها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 52، "تهذيب اللغة" 15/ 549 (أيان)، "الكشاف" 2/ 107، وقراءة الكسر لعبد الرحمن السلمي، وهي لغة لسُليم.]].
وكأنه مركب من أي والآوان [[في (ك): (والألوان) والصواب ما أثبته.]] فجعلتا كلمة واحدة.
الذاريات 51:13
ثم أخبر الله تعالى عن ذلك اليوم الذي يسألون عنه فقال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ قال أبو إسحاق: نصب (يوم) على وجهين: أحدهما: على معنى يقع الجزاء يوم هم على النار. والثاني: أن يكون لفظه نصبًا، ومعناه معنى رفع؛ لأنه مضاف إلى جملة، نقول: يعجبني يوم أنت قائم، ويوم تقوم، وإن شئت تحت، وهو في موضع رفع، وهذا كقوله: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: 66] ففتح يوم وهو في موضع خفض، لأنك أضفته إلى غير متمكن [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 52 - 53. وفتح (يوم) في [هود: 66] نافع ، والسكاكي، وأبو جعفر، والباقون بكسرها. انظر: "حجة القراءات" ص 344، "النشر" 2/ 289، "الإتحاف" ص 257.]]. وقد ذكرنا هذه المسألة عند قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [[وفتح (يوم) نافع، والباقون قرأوا بالرفع. انظر: "حجة القراءات" ص 242 ، "النشر" 2/ 256، "الإتحاف" ص 204.]] [المائدة: 119]. في قراءة من قرأ بالنصب. ومعنى (يُفْتَنُونَ) يحرقون ويعذبون بالنار، وكذا قال المفسرون.
قال المبرد: يقال: فتنت الدينار، إذا أحرقت عنه ما زيد فيه من الغش [[لم أقف عليه.]]. وهذا معنى قول مجاهد: كما يفتن الذهب في النار [[انظر: "جامع البيان" 26/ 12، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 233.]]. وقال عكرمة -في هذه الآية-: ألم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل فتن [[انظر: "جامع البيان" 26/ 12، "الوسيط" 4/ 174.]].
قال الزجاج: ويقال للحجارة التي كأنها قد أحرقت بالنار الفَتِين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 53.]].
الذاريات 51:14
قوله: ﴿ذُوقُواْ﴾ أي يقول لهم خزنة النار ذوقوا فتنتكم. قال جاهد والكلبي: حريقكم [[انظر: "جامع البيان" 26/ 121، "الوسيط" 4/ 174، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 35، "اللسان" 2/ 1137 (فتن).]].
وقال آخرون: عذابكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب، "جامع البيان" 26/ 121، "معالم التنزيل" 4/ 229، وفي "تنوير المقباس" 5/ 268، قال: حرقكم وعذابكم ونضجكم.]]. وهو معنًى، والتفسير هو الأول.
قوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يجوز أن يكون متصلاً بالكلام الأول ويكون هذا إشارة إلى الفتنة وذكر إرادة الإحراق والعذاب [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 199، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 35، "فتح القدير" 5/ 84.]]. ويجوز أن يكون الكلام قد تم ثم قيل لهم: هذا العذاب الذي كنتم به تستعجلون في الدنيا استهزاء وتكذيبًا به. وهذا مذهب أبي عبيدة [[انظر: "مجار القرآن" 2/ 226، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 232.]].
ولما ذكر الله تعالى أن الجزاء على الأعمال كائن بقوله: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ ذكر جزاء أهل النار، ثم أعلم ما لأهل الجنة عنده من الجزاء بقوله [[(ك): (بقوله قوله).]] تعالى:
الذاريات 51:15
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قال ابن عباس، والمفسرون [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب، "الوسيط" 4/ 175، "معالم التنزيل" 4/ 23.]]: ما أعطاهم من الخير والكرامة. وانتصابه على الحال، والعامل فيه ما يقدر مع الجار في خبر إن؛ لأن المعنى: يستقرون في جنات [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 53، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 233.]].
ثم أثنى عليهم فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ يعني في الدنيا. قال مقاتل: كانوا قبل ذلك الثواب محسنين في أعمالهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب، "الوسيط" 4/ 175.]].
الذاريات 51:16
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قال ابن عباس، والمفسرون [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب، "الوسيط" 4/ 175، "معالم التنزيل" 4/ 23.]]: ما أعطاهم من الخير والكرامة. وانتصابه على الحال، والعامل فيه ما يقدر مع الجار في خبر إن؛ لأن المعنى: يستقرون في جنات [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 53، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 233.]].
ثم أثنى عليهم فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ يعني في الدنيا. قال مقاتل: كانوا قبل ذلك الثواب محسنين في أعمالهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب، "الوسيط" 4/ 175.]].
الذاريات 51:17
ثم ذكر إحسانهم فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ والهجع معناه النوم بالليل دون النهار، ومنه يقال: لقيته بعد هجعة. أي بعد نومه من الليل [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 129، "اللسان" 3/ 774 (هجع).]]. وكثر الاختلاف في تقدير هذه الآية. وتفسيرها أن (ما) صلة والمعني كانوا يهجعون قليلاً من الليل. أي: لا ينامون بالليل كله ولا كثيره، بل يصلون أكثر الليل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 53.]]. وعلى هذا التأويل قال عطاء [[في (ك): (وعلى هذا التأويل قال عطاء) مكررة.]]: ذاك إذا أمروا بقيام الليل، فكان أبو ذر يأخذ العصا ويعتمد عليها حتى نزلت الرخصة [[انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة 2/ 238، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 36، "الدر" 6/ 113، ونسب تخريجه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن نصر.]]. ويجوز على هذا التأويل معنى آخر، وهو أن يكون الليل اسم الجنس، والمعنى الذي ينامون فيه قليلاً. وهو معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: كانوا قل ليلة تمر بهم الأصلوا فيها [[انظر: "جامع البيان" 26/ 122، "الوسيط" 4/ 175، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 233، "المستدرك" 2/ 467 وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.]].
وقال مطرف بن الشِّخِّير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 243، "جامع البيان" 26/ 122، "المصنف" 2/ 238، "معالم التنزيل" 4/ 23.]].
وقال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 617، "جامع البيان" 26/ 122، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 233، "المصنف" 13/ 568.]]. ووجه آخر وهو الوقف علي قوله: (قَلِيلاً) ثم ابتدأ فقال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ وهذا على نفي النوم عنهم البتة. وهو قول مقاتل والضحاك قالا: كانوا قليلاً [[انظر: "جامع البيان" 26/ 123، "المصنف" 2/ 239، "الوسيط" 4/ 175، "التفسير الكبير" 28/ 202، وفي "تفسير مقاتل" 126 ب قال بقلة نومهم، والله أعلم. وهذا القول رده بعض العلماء لما فيه من تفكيك للنظم، وتقدم معمول العامل المنفي بـ (ما) على عامله لا يجوز عند البصريين. انظر: "الكشاف" 4/ 28، "البحر المحيط" 8/ 135، "فتح القدير" 5/ 84.]]. وعلى هذا القول عطاء عن ابن عباس: المراد بهؤلاء القليل ثمانون من نصارى نجران والشام. آمنوا بمحمد -ﷺ- وصدقوه فذكرهم الله في غير موضع من القرآن [[انظر: "الوسيط" 4/ 175.]]. وذكر وجهان آخران.
أحدهما: أن ﴿مَا﴾ في هذه الآية ما المصدر، ويكون التقدير: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم. وهذا الوجه ذكره أبو إسحاق والفراء، وكذلك الوجه الأول [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 53.]]. واختاره يعقوب ووقف على قوله: ﴿قَلِيلًا﴾ [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 36، وما ذكره القرطبي هو نقل يعقوب له لا اختياره. ثم قال: قال ابن الأنباري: وهذا فاسد؛ لأن الآية إنما تدل على قلة نومهم، لا على قلة عددهم. قلت: مراد المؤلف - رحمه الله أن يعقوب اختار == الوجه الأول وهو المتقدم على هذا الوجه، حيث قال: ووجه آخر وهو الوقف على قوله ﴿قَلِيلًا﴾. وانظر "القطع والائتناف" ص680 - 681.]].
والآخر: أن (ما) بمعني الذي والتقدير: كانوا قليلاً من الليل الذي يهجعون. وهذا قول الكلبي. قال: كانوا قليلاً من الليل الذي يناموا [[انظر: "جامع البيان" 26/ 123، واختار ابن جرير حيث قال: لأن الله تبارك وتعالى وصفهم بذلك مدحًا لهم وأثني عليهم به، فوصفهم بكثرة العمل وسهر الليل ومكابدته فيما يقربهم منه ويرضيه عنهم، أولي وأشبه من وصفهم من قلة العمل وكثرة النوم، مع أن الذي اخترنا في ذلك هو أغلب المعاني على ظاهر التنزيل.]] ويجوز في هذا التأويل الوجهان اللذان ذكرنا في التأويل الأول، بأن يجعل الذي يهجعون بعض الليلة الواحدة، وبعض الليالي فيجعل الليل اسم الجنس. واختار المبرد أن تكون (ما) صلة. وقال: لو كان (ما) للمصدر أو بمعنى الذي، لكان ما قبلها مرفوعًا فيكون: قليل هجوعهم، أو قليل الذي يهجعون [[لم أقف عليه.]].
الذاريات 51:18
﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وأجاز الفراء وأبو إسحاق النصب مع كون (ما) للمصدر [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 53.]]. وأقوال المفسرين موافقة للوجوه التي ذكرناها ودالة عليها. فأما قول من قال: كانوا لا ينامون عن العشاء الآخرة. وهو قول أبي العالية. ونحو ذلك قال محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة [[انظر: "جامع البيان" 26/ 122، "معالم التنزيل" 4/ 320، "الجامع الأحكام القرآن" 17/ 36.]].
وروي قتادة عن أنس في هذه الآية قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 243، "معالم التنزيل" 4/ 23.]]. فهذا يحمل على أن الله تعالى عَدَّ هجوعهم قليلاً في جنب تعظيم الصلاة ومحافظتهم عليها حتى لا يشتغلوا عنها بالنوم. ويدل على أن المراد سهرهم بالليل، وقلة نومهم، قوله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال عطاء، والكلبي، ومقاتل، ومجاهد: يصلون [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 618، "تفسير مقاتل" 126 ب، "جامع البيان" 26/ 124، "المصنف" 13/ 327، عن ابن عمر، "الوسيط" 4/ 175.]]، ففسروا الاستغفار بالصلاة، على أن صلاتهم بالأسحار طلب منهم مغفرة الله تعالى. وذهب آخرون إلى ظاهر الاستغفار باللسان. وهو قول ابن مسعود والحسن. وقال أنس: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفاراً [[لم أجده.]].
الذاريات 51:19
ثم ذكر صدقاتهم فقال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ معنى المحروم في اللغة: الذي حرم الخير حرمانًا. روي أبو عبيد عن الأصمعي: حَرَمْتُ الرجل العطيةَ أَحْرِمه حِرْمَانًا. وزاد أبو نصر [[أحمد بن حاتم النحوي: إمام مشهور، كتب: النحو واللغة، وصنف فيهما. قال الأصمعي: لا يُصَدَّق عليَّ إلا أبو نصر. حدث عنه ثعلب، مات سنة (231 هـ). انظر: "الأعلام" 1/ 104، "إنباه الرواة" 6/ 36، "تاريخ بغداد" 4/ 114، "معجم الأدباء" 2/ 283، "معجم المؤلفين" 1/ 186.]]: وحَريِمةً. ولغة أخرى: أخْرَمْتُ، وليست بجيدة [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 46 (حرم)]].
واختلفوا في المحروم هاهنا مَنْ هو؟ فقال ابن عباس: هو المُحارَفُ. وهو قول نافع، وسعيد بن المسيب، ورواية قيس بن كَرْكَم [[قيس بن كَرْكَم. قال ابن حبان: هو قيس بن شُقَي، روي عن ابن عباس، وعنه أبو == إسحاق الهمداني، وأبو إسحاق السبيعي، قال الأزدي: ليس بذاك، ولا أحفظ له حديثاً مسندًا. انظر: "لسان الميزان" 4/ 479، "التاريخ الكبير" 4/ 1/ 149، "الجرح والتعديل" 7/ 103، "الثقات" لابن حبان 5/ 312.]] عن ابن عباس. واختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84، "جامع البيان" 26/ 124، "الكشف والبيان" 11/ 183 ب، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 234.]]. وفسر إبراهيم، ومجاهد: المحروم المحارف، فقالوا: هو الذي ليس له في الغنيمة شيء، ولا في الإسلام سهم، ولا يجري عليه من الفيء شيء [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب، "جامع البيان" 26/ 125، "القرطبي" 17/ 38، المحارف: الذي لا يصيب خيرًا من وجه توجه له. "اللسان" 1/ 610 (حرف).]]. يدل على صحة هذا التأويل ما روى الحسن بن محمد بن الحنفية [[أبو محمد الحسن بن محمد بن الحنيفة: ثقة، فقيه. يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء. مات سنة (100 هـ) أو قبلها بسنة. انظر: "جامع البيان" 26/ 125 ، "الكشف والبيان" 11/ 183 ب، "الدر" 6/ 113.]] أن النبي -ﷺ- بعث سرية فغنموا فجاء بعدهم قوم لم يشهدوا فنزلت هذه الآية. وقال قتادة، والزهري: المحروم المتعفف الذي لا يسأل. وذكر الزهري قوله -ﷺ-: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، والأكله والأكلتان". قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يجد غنى ولا يُعْلم بحاجته فيتصدق عليه" [[حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ 2/ 153، وفي ألفاظه اختلاف. ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد غنى .. 2/ 719، والنسائي في كتاب: الزكاة، باب: تفسير المسكين 2/ 453، وأحمد في "المسند" 2/ 26.]].
قال الزهري: فذلك المحروم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 243 "الكشف والبيان" 11/ 183 ب، "الوسيط" 4/ 175، "معالم التنزيل" 4/ 231.]].
وقال عكرمة: هو الذي لا ينمو له مال [[انظر: "جامع البيان" 26/ 126، "الكشف والبيان" 11/ 183 ب، "الدر" 6/ 113.]]. وهو رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد.
وقال ابن زيد: هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته. وهو قول القرظي. قال: المَحروم صاحب الجائحة. واحتج بقوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: 27] [[انظر: "جامع البيان" 26/ 126، "معالم التنزيل" 4/ 231 "القرطبي" 17/ 39.]].
وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم في هذا الحق [[انظر: "جامع البيان" 26/ 126، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 39.]].
وقال ابن سيرين: هو الزكاة [[انظر: "الدر" 6/ 113، عن ابن عمر، "فتح القدير" 5/ 84.]]. وهو قول مجاهد في رواية منصور، قال: كانوا إذا حصدوا أعطوا الزكاة [[لم أجده.]].
وروى ابن أبي نجيح عنه قال: حق سوى الزكاة [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 618، "جامع البيان" 26/ 126، أخرجه عن زيد بن أسلم ثم قال بعد إيراده للأقوال: فلا قول في ذلك أولى بالصواب من أن تعم كما قال جل ثناؤه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. وبهذا قال النحاس، وأبو حيان، والشوكاني، وغيرهم. انظر. "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 234، "البحر المحيط" 8/ 136، "فتح القدير" 5/ 85.]].
الذاريات 51:20
قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية الكلبي، ومقاتل: يعني ما فيها من الجبال والبحار والأشجار والثمار والنبت عامًا بعام. وزاد الكلبي: وما فيها من آثار الأمم المهلكة، ففي هذا كله عبر وآيات للموقنين بالله يعرفونه بصنعه ويوحدونه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 27، "تفسير مقاتل" 126 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 39 - 40، "فتح القدير" 5/ 85.]].
الذاريات 51:21
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ المعنى: وفي الأرض وفي أنفسكم آيات، قاله الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84.]].
قال مقاتل: وفي خلق أنفسكم حين كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظمًا ثم لحمًا ثم نفخ فيه الروح [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب]]. وهذا معنى قول قتادة، وفي خلقه أيضًا إذا فكرت فيه معتبر [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 244، "جامع البيان" 26/ 126.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: اختلاف الألسنة والألوان والصور والطبائع [[انظر: "الوسيط" 4/ 176، "معالم التنزيل" 4/ 231.]]. وروي عن ابن الزبير أنه قال: يعني سبيل الخلاء والبول، يأكل ويشرب من مدخل واحد، ويخرج من سبيلين [[انظر: "جامع البيان" 26/ 126، "الوسيط" 4/ 176، "معالم التنزيل" 4/ 231.]]. وهذا معنى ما روى عطاء عن ابن عباس: مدخل الطعام والشراب واحد، ومخرجهما موضعان [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 270.]]. قال الفراء: ثم عنفهم فقال: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84.]] قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف خلقكم الرب، فتعرفوا أنه قادر على أن يبعثكم كما خلقكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب.]].
الذاريات 51:22
قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل ومجاهد: يريد المطر [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب، "جامع البيان" 26/ 127، "الوسيط" 4/ 176.]].
قوله تعالى: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قال عطاء: من الثواب والعقاب [[انظر: "الوسيط" 4/ 176، "معالم التنزيل" 4/ 231.]]. وقال الكلبي: من الخير والشر. وقال مجاهد: الجنة والنار [[انظر: "الوسيط" 4/ 176، "فتح القدير" 5/ 85، "الكشف والبيان" 11/ 187 أونسبه للضحاك، وروي عن مجاهد قال: يعني الخير والشر، وعن الضحاك: الجنة والنار، والمعاني متقاربة، ولعل من قال: الخير والشر، أقرب إلى الصواب، حيث يشمل الدنيا والآخرة، وما فيمها من خير وشر. والله أعلم. انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 618، "جامع البيان" 26/ 127، "معالم التنزيل" 4/ 231.]]. وقال مقاتل، والربيع، وابن سيرين: وما توعدون من أمر الساعة [[انظر: "فتح القدير" 5/ 85.]].
الذاريات 51:23
ثم أقسم الرب بنفسه فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ قال الكلبي: يعني هذا الذي قصصت في الكتاب لكائن [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84، "الوسيط" 4/ 176، "فتح القدير" 5/ 85.]].
قال أبو إسحاق: يعني أن الذي ذكر من أمر الرزق والآيات وأمر النبي -ﷺ- حق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 54.]]. وقال مقاتل: يعني أن أمر الساعة لكائن [[انظر: "تفسر مقاتل" 126 ب، "الوسيط" 4/ 176.]] ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ قرئ ﴿مِثْلَ﴾ رفعًا ونصبًا [[قرأ حمزة والكسائي وخلف وأبو بكر، ﴿مِثْلَ﴾ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: "حجة القراءات" ص 679، "النشر" 2/ 377 "الإتحاف" ص 399.]]. فمن قرأ بالرفع جعله من صفه الحق. قاله الفراء، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 85، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 54.]]. قال أبو علي: وجاز أن يكون (مِّثْلَ) وإن كان مضافًا إلى صفة للنكرة، لأن مثلاً لا تختص بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع التماثل بها، فلما لم تخصه الإضافة ولم يزُل عنه الإيهام والشياع الذي كان فيه قبل الإضافة بقي على تنكيره فقالوا: مررت برجل مثلك، فكذلك في الآية لم يتعرف بالإضافة إلى ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ وإن كان قوله: ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ بمنزلة نطقكم [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 216.]]. وأمَّا في قوله: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ﴾ فقال الفراء: العرب تجمعُ بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلف لفظهما كقول الشاعر:
ما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ به [[البيت لدريد بن الصمة يصف الخنساء، وقد رآها تهنأ بعيرًا أجرب وتمام البيت:
كاليوم طالي أيْنقُ جُرْب
انظر: "ديوان دريد بن الصمة" ص 34، "شرح شواهد المغني" 2/ 955، "شرح المفصل" 5/ 82، "مغني اللبيب" ص 679.]]
فجمع بين ما وإن وهما [[(ك): (وإنهما).]] جحدان، أحدهما يجزي عن الآخر [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 85.]]، فعلى هذا القول (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، وكذلك ﴿أَن﴾ فكأنه قيل: مثل نطقكم. وقال المبرد: ﴿مَا﴾ زائدة. وبه قال أبو علي -وأبى أن تكون التي بمنزلة أن مع الفعل فتكون مصدرًا- وقال: لأنه لا فعل معها، والتي تكون مع الفعل بمنزلة اسم المصدر تكون مقرونة مع الفعل كقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: 51] [[انظر: "المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات" ص 334.]] والمعنى: فاليوم ننساهم نسيانًا كنسيان يومهم هذا، ولكونهم جاحدين بآياتنا. قال: ومثل زيادة (ما) هنا زيادتها في قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح: 25] وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: 159] و ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون:40]. وأما منتصب ﴿مِثْلَ﴾ فقال أبو إسحاق: هو في موضع رفع إلا أنه لما أضيفت إلى ﴿أَن﴾ فتح [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 54.]].
وشرحه أبو علي فقال: من نصب (مثل) فإنه لما أضاف مثل إلى مبنيٍّ وهو قوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ بناه كما بُنَى (يومئذ) في قوله: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: 11] و ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: 66] و:
عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا [[البيت للنابغة الذبياني، وتمامه:
وقلت ألمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وازع
انظر: "ديوانه" ص 163، "الكتاب" لسيبويه 2/ 332، "الكامل" 1/ 158، "الخزانة" 2/ 456، "المصنف" 1/ 58، "ارتشاف الضرب" 2/ 520.]]
وقوله:
لم يَمْنَعِ الشُّرْبَ منها غيرُ أن نَطَقَتْ [[صدر بيت لأبي قيس بن الأسلت، وتمامه:
حمامة في غصون ذات أوقال
انظر: "الكتاب" 1/ 369، "أمالي" بن الشجري 1/ 69، "الإنصاف" ص 287، "الخزانة" 3/ 406، والأوقال: هي الثمار، مفردها وَقْل. "اللسان" 3/ 971 (وقيل).]]
فغير في موضع رفع بأنه فاعل، (يمنع) وإنما بنيت هذه الأسماء المبهمة نحو مثل، ويوم، وحين، وغير، إذا أضيفت إلى المبنيِّ لأنها تكتسي منه البناء، لأن المضاف يكتسي من المضاف إليه ما فيه من التعريف والتنكير والجزاء والاستفهام. تقول: هذا غلام زيد، وصاحب القاضي. فيتعرف الاسم بالإضافة إلى المعرفة، وتقول: غلام [[(ك): (علا).]] مَنْ تضرب؟ فيكون استفهامًا كما تقول: صاحب مَنْ تضرب؟ فيكون جزاءً، فمن بني هذه المبهمة إذا أضافها إلى مبني جعل البناء أحد ما تكتسبه من المضاف إليه ، ولا يجوز على هذا: جاءني صاحب خمسة عشر، ولا غلام هذا؛ لأن هذين من الأسماء غير المبهمة، والمبهمة في إبهامها [[(ك): (أيامها).]] وبعدها من الاختصاص [[(ك): (الاختصان).]] كالحروف التي تدل على أمور مبهمة، فلما أضيفت إلى المبنية جاز ذلك فيها. ثم ذكر قولين آخرين في نصب ﴿مِثْلِ مَا﴾: أحدهما: أن تجعل (ما) مع مثل بمنزلة شيء واحد بنيته على الفتح، وإن كانت ما زائدة، وهذا قول أبي عثمان وأنشد في ذلك:
وَتَدَاعَى مَنْخِرَاهُ بِدَمٍ ... مِثْلَ ما أثْمَرَ حُمَّاضُ الجَبَلْ [[البيت للنابغة الجعدي، والحمَّاض بقلة برية تنبت أيام الربيع في مسايل الماء ولها ثمرة حمراء. انظر: "ديوانه" ص 87، "أمالي" ابن الشجري 2/ 604، "شرح المفصل" لابن يعيش 8/ 135، "اللسان" 1/ 719 (حمض)، "رصف المباني" 379.]]
فذهب إلى أن (مثل ما) بمنزلة شيء واحد، ويدل على جواز بناء مثل مع (ما) وكونه معه بمنزله شيء واحد قول حميد بن ثور:
ووَيَحْا لِمنْ لم يَدْرِ ما هُنَّ وْيحَمَا [[صدر البيت:
ألاَ هَيَّمًا مِمَّا لَقِيْتُ وَهَيَّمَا
وانظر: "ديوانه" ص 6، "اللسان" 3/ 996، (ويح) "الخصائص" 2/ 181، ونسبه لحميد بن الأرقط "ديوان ابن الأرقط" ص 7: "الحجة" 6/ 219.]] فبنى ويحًا مع (ما) ولم يلحقه التنوين.
ومثله ما أنشده أحمد بن يحيى:
أثَوْرَ ما أصِيدُكُمْ أمْ ثَوْرَيْنْ [[من الرجز، والآخر:
أمْ تِيكُم الجَمَّاءَ ذَات القَرْنَيْنْ
وهو للنضر بن سلمة، كما في "الخصائص" 2/ 18، "اللسان" 1/ 386 (ثور)، "التصريح بمضمون التوضيح" 1/ 24، "الحجة" 6/ 220.]]
أراد أثوراً أصيدكم؟ فبني الثور على الفتح وجعله مع (ما) شيئًا واحداً.
القول الثاني: أن ينتصب على الحال من النكرة الذي هو (حق) في قوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ والعامل في الحال هو الحق؛ لأنه مصدر. وإلى هذا ذهب أبو عمر الجرمي. وقد حمل أبو الحسن [[هو الأخفش، وتقدمت ترجمته.]] قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا﴾ [الدخان: 4 - 5] على الحال، وذو الحال قوله: ﴿أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا﴾ وهو نكرة [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 348، 351، 6/ 222 - 217.]]. وذكر المبرد أيضًا هذا الوجه فقال: يجوز أن يجعل حالاً للنكرة كقوله: هذا رجل قائمًا [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 137.]] وذكر الفراء والزجاج وجهًا آخر. في انتصاب (مثل ما).
قال الفراء: من نصب (مثل ما) جعله في مذهب مصدر كقولك: إنه لَحَقُّ حقًا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 85.]].
وقال الزجاج: يجوز أن يكون منصوبًا على التوكيد على معنى: إنه لَحَقُّ حقًّا، مثل نطقكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 54.]]. هذا كلامهما. ومعناه أنه نصب لأنه نعت مصدر محذوف. هذا هو الكلام في الإعراب.
وأما المعنى؛ فقال أبو عبيدة: مجازه كما أنكم تنطقون [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 226.]]. وهوقول ابن عباس قال: يريد كما أنكم تنطقون [[لم أجده.]].
قال الفراء: إنه لحق كما أن الآدمي ناطق، وللآدمي نطق لا لغيره [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 85.]]. وقال الزجاج: هذا كما تقول في الكلام: إن هذا لحق كما أنك هاهنا، وإن هذا لحق كما أنك متكلم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 54.]]. هذا قول هؤلاء وبيانه: أن الله تعالى شبه تحقق ما أخبر عنه بتحقيق نطق الآدمي ووجوده، والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة، فإذا نطق لم يحتج إلى استدلال على نطقه، وعلى أنه ناطق لا يتخالجه في ذلك شك، فكذلك ما أخبر الله تعالى عنه هو في صدقه ووجوده كالذي نعرفه ضرورةً من غير استدلال بشيء.
الذاريات 51:24
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ قصة ضيف إبراهيم قد سبق في سورة هود والحجر [[من [هود: 69 إلى 76]، ومن [الحجر: 51 إلى 60].]].
قال ابن عباس ومقاتل: يريد قد أتاك [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب، "الوسيط" 4/ 177.]].
وقال الكلبي: لم يكن ذلك أتاه حدثيهم في القرآن [[انظر: "الوسيط" 4/ 177، ولم ينسبه لقائل.]].
قال الفراء: لم يكن علمه النبي -ﷺ- حتى أنزله عليه [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 86.]].
وقوله: ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ يعني عند الله -عَزَّ وَجَلَّ- كما قال في صفة الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] وعلى هذا دل كلام ابن عباس؛ لأنه ذكر أسماءهم فقال: يريد إسرافيل وجبرائيل وميكائيل [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 271، "الوسيط" 4/ 177، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 44.]]. وهو قول عبد العزيز بن يحيى. وروي ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: إكرامهم خدمته إياهم بنفسه [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 232، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 45.]]. ونحو هذا قال مقاتل: أكرمهم إبراهيم فأحسن عليهم القيام، وكان لا يقوم على رأس ضيف، فلما رأى هيأتهم حسنة قام هو وامرأته سارة لخدمتهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب، "فتح القدير" 5/ 87.]]. وروي عن مجاهد أيضًا أنه قال: أكرمهم بالعجل [[انظر: "جامع البيان" 26/ 128، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 45.]] وهو قول الكلبي [[انظر: "الوسيط" 4/ 177، "فتح القدير" 5/ 87.]].
الذاريات 51:25
قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ الكلام في إعراب هذه الآية والقراءات فيها قد مر مستوفى في سورة هود [[عن تفسيره [هود: 69] ومما قال: (سلام) التقدير فيه سلام عليكم فحذف الخبر كما حذف من قوله: (فصبر جميل) أي صبر جميل أمثل، أو يكون المعني سلام، وشأني كما أن قوله: (فصبر جميل) يصلح أن يكون المحذوف منه المبتدأ. ومثل ذلك قوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ على حذف الخبر أو المبتدأ الذي سلام == خبره. اهـ. وفي قوله (سلام) قرأ حمزة والكسائي (سِلْمُ) بكسر السين وإسكان اللام من غير ألف. وقرأ الباقون (سلام) بفتح السين واللام وألف بعدها. انظر: "حجة القراءات" 346، "النشر" 2/ 290، "الإتحاف" ص 258، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 60، "الحجة للقراء السبعة" 4/ 359.]].
قوله تعالى: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. قال الفراء والزجاج: رفعه على معنى: أنتم قوم منكرون [[انظر: "معاني القرآن للزجاج" 3/ 86، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 54.]].
وقال ابن عباس: قال في نفسه قوم منكرون [["الوسيط" 4/ 178، "معالم التنزيل" 4/ 232.]]. وعلى هذا يكون: هؤلاء قوم منكرون. وهو الوجه؛ لأن الظاهر أنه لم يخاطبهم بهذا، ولو خاطبهم لأجابوه ولم يذكر جوابهم عن إنكاره إياهم، وأيضًا فإنه لم تجر عادة الكرام بإنكار ضيفهم من كان، وإخباره بأنه منكرهم. ومعنى ﴿مُنْكَرُونَ﴾ غير معروفين. واختلفوا لم أنكرهم إبراهيم -عليه السلام-؟ فقال مقاتل: ظن أنهم من الإنس. أي ظنهم إنسًا ولم يعرفهم، فلذلك أنكرهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب.]]. ونحو هذا قال الكلبي وغيره، وهو أنه رأى قومًا طيبي الريح حسان الوجوه فظنهم غُرباً من الآدميين، وحينئذٍ تهيأ لضيافتهم [[انظر: "تفسير القرآن العظيم" 5/ 272.]]. وهو قوله:
الذاريات 51:26
﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ قال ابن عباس: فمضى إلى منزل سارة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 272، ولفظه: (فرجع إبراهيم إلى أهله).]].
وقال مقاتل: فعمد إلى أهله [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 ب.]]. وقال أبو عبيدة: فعدل إلى أهله [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 226.]].
ومعنى راغ في اللغة: عدل ومال. قال الفراء: فرجع إلى أهله. والروغ وإن كان على هذا المعنى فإنه لا ينطق به حتى يكون صاحبه مُخْفيًا لذهابه ومجيئه. ألا ترى أنك لا تقول: قد راغ أهل مكة، وأنت تريد رجعوا وصدروا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء3/ 86.]]. ونحو هذا قال أبو إسحاق: عدل إليهم من حيث لا يعلمون [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 54.]].
وقال المبرد: راغ إليه، أي مال وعدل إليه. ولو قلت: راغ عنه، كان معناه مال عنه وتباعد [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 186، "اللسان" 1/ 1257 (روغ).]].
الذاريات 51:27
وقوله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى فقربه إليهم ليأكلوا منه، فلم يأكلوا. فقال على النكير لحالهم ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ أي: أمركم في ترك الأكل مما أنكره [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 55.]]. وما بعد هذا مفسر فيما سبق إلى قوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ [[عند تفسير للآيات [هود: 69 - 70] ومما قال: المراد بالرسل هاهنا الملائكة الذين أتوا على سورة الآدميين وظنهم أضيافاً. قال ابن عباس: وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. والبشري هي البشارة بالولد. والحنيذ اشتواء اللحم بالحجارة المسخنة. وقيل النضيج ... وأوجس أي أضمر منهم خوفًا قاله أبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة .. وقال عامة المفسرين لما رآهم إبراهيم شبانًا أقوياء ولم يتحرموا بطعامه لم يأمن أن يكونوا جاءوا ليلاً أن سُنتهم كانت في ذلك الدهر إذا ورد عليهم القوم فأتوا بالطعام فلم يمسوه ظنوا أنهم عدو ولوصوص فهناك أوجس في نفسه فزعًا ورأوا علامة ذلك في وجهه فقالوا: لا تخف.]].
قال الفراء: لم تقبل من موضع إلى موضع، إنما هو كقولك: أقبل يشتمني. أي: أخذ في شتمي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 87.]].
وروي عن ابن عباس أنه قال: إقبالها في الصرة، أخذها فيها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 274، "جامع البيان" 26/ 129.]] ، ومعنى الصرة في اللغة: الصحية. قال أبو عبيدة: يقال: أقبل يصطر [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 227، وتمام كلامه: أي يصوتوا صوتًا شديدًا.]]. وقال المبرد: القوم في سورة واحدة، إذا ارتفعت أصواتهم وأنشد قول مهلهل [[هو مهلهل بن ربيعة الثعلبي، تقدمت ترجمته.]]:
فلولا الرِّيحُ أسْمعَ أَهْل حَجْرٍ ... صَرِيرَ البَيْضِ يُقْرَعُ بالذُّكورِ [[البيت ورد في (ديوانه) ص 41، "الأصمعيات" ص 155.]]
قال المفسرون: في ضجَّةٍ وصيحة. قال الفراء: وذكروا أن تلك الصحية أوَّه بوزن: عَوّه [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 87، "اللسان" 2/ 428 (صرر).]]، وقال بعضهم: كانت بقوله: يا ويلتا [[انظر: "الوسيط" 4/ 178، "معالم التنزيل" 4/ 232.]]. قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قال ابن عباس: وضعت أصابعها على وجهها [[لم أجده، والذي ذكره المفسرون هو المروي عن الكلبي، ومقاتل، وعند الطبري عن سفيان قال: وضعت يدها على جبهتها تعجبًا. "جامع البيان" 26/ 129. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 274، "معالم التنزيل" 4/ 232، "الجامع لأحكام القرآن " 17/ 47.]]. وقال الكلبي، ومقاتل: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 أ، "الوسيط" 7/ 178، "فتح القدير" 5/ 88.]]. ومعنى الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 428، "اللسان" 2/ 459 (صكك).]].
قوله: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ قال الفراء: رفعها بضمير تلد عجوز عقيم [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 87.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى: وقالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد، كما قال في موضع آخر: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 55.]]. قال الكلبي: قالت من أين الولد لعجوز عقيم لا تلد [[لم أجده عند الكلبي والمعنى ظاهر، ونحوه روي عن عامة المفسرين. انظر: "جامع البيان" 26/ 129، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 236.]]؟
الذاريات 51:28
وقوله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى فقربه إليهم ليأكلوا منه، فلم يأكلوا. فقال على النكير لحالهم ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ أي: أمركم في ترك الأكل مما أنكره [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 55.]]. وما بعد هذا مفسر فيما سبق إلى قوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ [[عند تفسير للآيات [هود: 69 - 70] ومما قال: المراد بالرسل هاهنا الملائكة الذين أتوا على سورة الآدميين وظنهم أضيافاً. قال ابن عباس: وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. والبشري هي البشارة بالولد. والحنيذ اشتواء اللحم بالحجارة المسخنة. وقيل النضيج ... وأوجس أي أضمر منهم خوفًا قاله أبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة .. وقال عامة المفسرين لما رآهم إبراهيم شبانًا أقوياء ولم يتحرموا بطعامه لم يأمن أن يكونوا جاءوا ليلاً أن سُنتهم كانت في ذلك الدهر إذا ورد عليهم القوم فأتوا بالطعام فلم يمسوه ظنوا أنهم عدو ولوصوص فهناك أوجس في نفسه فزعًا ورأوا علامة ذلك في وجهه فقالوا: لا تخف.]].
قال الفراء: لم تقبل من موضع إلى موضع، إنما هو كقولك: أقبل يشتمني. أي: أخذ في شتمي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 87.]].
وروي عن ابن عباس أنه قال: إقبالها في الصرة، أخذها فيها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 274، "جامع البيان" 26/ 129.]] ، ومعنى الصرة في اللغة: الصحية. قال أبو عبيدة: يقال: أقبل يصطر [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 227، وتمام كلامه: أي يصوتوا صوتًا شديدًا.]]. وقال المبرد: القوم في سورة واحدة، إذا ارتفعت أصواتهم وأنشد قول مهلهل [[هو مهلهل بن ربيعة الثعلبي، تقدمت ترجمته.]]:
فلولا الرِّيحُ أسْمعَ أَهْل حَجْرٍ ... صَرِيرَ البَيْضِ يُقْرَعُ بالذُّكورِ [[البيت ورد في (ديوانه) ص 41، "الأصمعيات" ص 155.]]
قال المفسرون: في ضجَّةٍ وصيحة. قال الفراء: وذكروا أن تلك الصحية أوَّه بوزن: عَوّه [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 87، "اللسان" 2/ 428 (صرر).]]، وقال بعضهم: كانت بقوله: يا ويلتا [[انظر: "الوسيط" 4/ 178، "معالم التنزيل" 4/ 232.]]. قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قال ابن عباس: وضعت أصابعها على وجهها [[لم أجده، والذي ذكره المفسرون هو المروي عن الكلبي، ومقاتل، وعند الطبري عن سفيان قال: وضعت يدها على جبهتها تعجبًا. "جامع البيان" 26/ 129. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 274، "معالم التنزيل" 4/ 232، "الجامع لأحكام القرآن " 17/ 47.]]. وقال الكلبي، ومقاتل: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 أ، "الوسيط" 7/ 178، "فتح القدير" 5/ 88.]]. ومعنى الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 428، "اللسان" 2/ 459 (صكك).]].
قوله: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ قال الفراء: رفعها بضمير تلد عجوز عقيم [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 87.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى: وقالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد، كما قال في موضع آخر: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 55.]]. قال الكلبي: قالت من أين الولد لعجوز عقيم لا تلد [[لم أجده عند الكلبي والمعنى ظاهر، ونحوه روي عن عامة المفسرين. انظر: "جامع البيان" 26/ 129، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 236.]]؟
الذاريات 51:29
وقوله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى فقربه إليهم ليأكلوا منه، فلم يأكلوا. فقال على النكير لحالهم ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ أي: أمركم في ترك الأكل مما أنكره [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 55.]]. وما بعد هذا مفسر فيما سبق إلى قوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ [[عند تفسير للآيات [هود: 69 - 70] ومما قال: المراد بالرسل هاهنا الملائكة الذين أتوا على سورة الآدميين وظنهم أضيافاً. قال ابن عباس: وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. والبشري هي البشارة بالولد. والحنيذ اشتواء اللحم بالحجارة المسخنة. وقيل النضيج ... وأوجس أي أضمر منهم خوفًا قاله أبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة .. وقال عامة المفسرين لما رآهم إبراهيم شبانًا أقوياء ولم يتحرموا بطعامه لم يأمن أن يكونوا جاءوا ليلاً أن سُنتهم كانت في ذلك الدهر إذا ورد عليهم القوم فأتوا بالطعام فلم يمسوه ظنوا أنهم عدو ولوصوص فهناك أوجس في نفسه فزعًا ورأوا علامة ذلك في وجهه فقالوا: لا تخف.]].
قال الفراء: لم تقبل من موضع إلى موضع، إنما هو كقولك: أقبل يشتمني. أي: أخذ في شتمي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 87.]].
وروي عن ابن عباس أنه قال: إقبالها في الصرة، أخذها فيها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 274، "جامع البيان" 26/ 129.]] ، ومعنى الصرة في اللغة: الصحية. قال أبو عبيدة: يقال: أقبل يصطر [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 227، وتمام كلامه: أي يصوتوا صوتًا شديدًا.]]. وقال المبرد: القوم في سورة واحدة، إذا ارتفعت أصواتهم وأنشد قول مهلهل [[هو مهلهل بن ربيعة الثعلبي، تقدمت ترجمته.]]:
فلولا الرِّيحُ أسْمعَ أَهْل حَجْرٍ ... صَرِيرَ البَيْضِ يُقْرَعُ بالذُّكورِ [[البيت ورد في (ديوانه) ص 41، "الأصمعيات" ص 155.]]
قال المفسرون: في ضجَّةٍ وصيحة. قال الفراء: وذكروا أن تلك الصحية أوَّه بوزن: عَوّه [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 87، "اللسان" 2/ 428 (صرر).]]، وقال بعضهم: كانت بقوله: يا ويلتا [[انظر: "الوسيط" 4/ 178، "معالم التنزيل" 4/ 232.]]. قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قال ابن عباس: وضعت أصابعها على وجهها [[لم أجده، والذي ذكره المفسرون هو المروي عن الكلبي، ومقاتل، وعند الطبري عن سفيان قال: وضعت يدها على جبهتها تعجبًا. "جامع البيان" 26/ 129. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 274، "معالم التنزيل" 4/ 232، "الجامع لأحكام القرآن " 17/ 47.]]. وقال الكلبي، ومقاتل: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 أ، "الوسيط" 7/ 178، "فتح القدير" 5/ 88.]]. ومعنى الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 428، "اللسان" 2/ 459 (صكك).]].
قوله: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ قال الفراء: رفعها بضمير تلد عجوز عقيم [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 87.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى: وقالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد، كما قال في موضع آخر: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 55.]]. قال الكلبي: قالت من أين الولد لعجوز عقيم لا تلد [[لم أجده عند الكلبي والمعنى ظاهر، ونحوه روي عن عامة المفسرين. انظر: "جامع البيان" 26/ 129، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 236.]]؟
الذاريات 51:30
﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ أي: كما قلنا لك قال ربك إنك ستلدين غلامًا أي: إنما نخبرك عن الله -عَزَّ وَجَلَّ-.
الذاريات 51:31
وما بعد هذا مفسر فيما مضى [[عند "تفسيره" للآيات [الحجر: 74 - 75].]].
إلى قوله: ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 275، "تفسير مقاتل" 127 أ، "المصنف" 11/ 523 عن مجاهد، "الوسيط" 4/ 178، "معالم التنزيل" 4/ 232.]].
الذاريات 51:32
وما بعد هذا مفسر فيما مضى [[عند "تفسيره" للآيات [الحجر: 74 - 75].]].
إلى قوله: ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 275، "تفسير مقاتل" 127 أ، "المصنف" 11/ 523 عن مجاهد، "الوسيط" 4/ 178، "معالم التنزيل" 4/ 232.]].
الذاريات 51:33
وما بعد هذا مفسر فيما مضى [[عند "تفسيره" للآيات [الحجر: 74 - 75].]].
إلى قوله: ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 275، "تفسير مقاتل" 127 أ، "المصنف" 11/ 523 عن مجاهد، "الوسيط" 4/ 178، "معالم التنزيل" 4/ 232.]].
الذاريات 51:34
وما بعد هذا مفسر فيما مضى [[عند "تفسيره" للآيات [الحجر: 74 - 75].]].
إلى قوله: ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 275، "تفسير مقاتل" 127 أ، "المصنف" 11/ 523 عن مجاهد، "الوسيط" 4/ 178، "معالم التنزيل" 4/ 232.]].
الذاريات 51:35
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا﴾ يعني في قرى قوم لوط ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [الحجر: 65] وهو أن الله تعالى أمر لوطًا بأن يخرج هو ومن معه من المؤمنين، لئلا يصيبهم العذاب.
الذاريات 51:36
﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال مجاهد، ومقاتل والمفسرون: يعني: لوطًا وبنتيه [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 333 ، "اللسان" 1/ 292 (بيت).]]. وهذا مذكور في مواضع من التنزيل كقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الأعراف: 83] وقوله: {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [العنكبوت: 2] وقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ [القمر: 34] الآيات. والتقدير في الآية: غير أهل بيت، وكثر استعمال هذا حتى انطلق البيت على أهله، فيقال: بيت شريف، يراد به الأهل [[انظر: "الوسيط" 4/ 178، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 236، "فتح القدير" 5/ 89.]]. وسَمّاهم في الآية الأولى: مؤمنين، وفي الثانية: مسلمين؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم، وقد يكون مسلمًا ولا يكون مؤمنًا كما قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14].
الذاريات 51:37
قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال أبو إسحاق: تركنا في مدينة قوم لوط علامة للخائفين تدلهم على أن الله أهلكهم فينكل غيرهم عن فعلهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 56.]]. هذا قول المفسرين. وقال الفراء: معناه وتركناها آية، وأنت قائل للسماء فيها آية، وأنت تريد هي الآية بعينها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 87.]].
الذاريات 51:38
قوله: ﴿وَفِي مُوسَى﴾ ذكر صاحب النظم أن هذا عطف على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾. ﴿وَفِي مُوسَى﴾ أي وفي شأنه وقصته آية. وهو ما ذكر بعد من غرق فرعون [[وهو قول الزجاج، والزمخشري، وابن عطة، ونسبه القرطبي للفراء. انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 56، "الكشاف" 4/ 30، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 49 ، "فتح القدير" 5/ 90، وقال أبو حيان: وهذا بعيد جدًّا ينزه القرآن عن مثله.]].
قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون عطفًا على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 56.]]. فيكون المعنى: وتركنا في قصة موسى آية.
الذاريات 51:39
وقوله: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: أي بجمعه وجنده ورهطه [[انظر: "جامع البيان" 27/ 3، "الوسيط" 4/ 179، "معالم التنزيل" 4/ 233، وبه قال ابن زيد، ومجاهد.]]. وعلى هذا سمى جمعه ركنًا له، لأنه يتقوي بهم كالبنيان يتقوي بركنه. والباء يكون في ﴿بِرُكْنِهِ﴾ للتعدية، أي جعلهم يتولون [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 22.]]. ويجوز أن يكون المعنى: تولى هو بسبب جنده. أي بقوتهم وشوكتهم، كما تقول: فعلت هذا بقوة فلان.
وقال الفراء: أعرض بقوته في نفسه [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 87.]]. وعلى هذا ركنه قوته. وهذا راجع إلى الأول، لأن قوته بجنده، وقال أبو عبيدة: فتولى بركنه، وبجانبه سواء، إنما هي ناحيته [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 227.]]. وهو اختيار ابن قتيبة. قال: فتولى بركنه ونأى بجانبه سواء [[انظر: "تفسير غريب القرآن" 422]]. وعلى هذا ركنه نفسه. وهو قول المؤرج قال: بركنه بجانبه [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 5]].
الذاريات 51:41
قوله: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾، قال جماعة المفسرين [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 62، "تفسير مقاتل" 127 أ، "جامع البيان" 27/ 4، "فتح القدير" 8/ 90.]]: هي التي لا تلقح شجرًا ولا تثير سحابًا ولا تحمل مطرًا ولا خير فيها ولا بركة ولا منفعة ولا رحمة، ولا ينزل بها غيث، إنما هي ريح الإهلاك، وهي عذاب على من أرسلت عليه.
قال سعيد بن المسيب: هي الجنوب [[انظر: "جامع البيان" 27/ 4، "الدر" 6/ 115. والجنوب: ريح تخالف الشمال تأتي عن يمين القبلة، وهي رياح حارة ومهبها ما بين مهبي الصبا والدبور، وقيل غير ذلك. "اللسان" 1/ 507 (جنب).]].
وقال مقاتل: هي الدبور [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 أ، وهو المروي عن ابن عباس وغيره، انظر: "تنوير المقباس" 5/ 276 وهذا هو الثابت في الحديث المتفق عليه عن النبي -ﷺ- قال: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". صحيح البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب ما جاء في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ 4/ 132، كتاب: الاستسقاء، باب: (نصرت بالصبا) 2/ 40. صحيح مسلم، كتاب: الاستسقاء: باب في ريح الصبا والدبور 2/ 617، "المسند" 1/ 223 - 228 والدبور: ريح تأتي من دبر الكعبة مما يذهب نحو الشرق. "اللسان" 1/ 940 (دبر).]].
وروى عكرمة عن ابن عباس: هي النكباء [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 5، "الدر" 6/ 115، عن علي بن أبي طالب. والنكباء: كل ريح من الرياح الأربع انحرفت ووقعت بين ريحين، وهي تهلك المال وتحبس القطر. "اللسان" 3/ 712 (نكب).]].
وقال عبيد بن عمير: مسكنها الأرض الرابعة، وما فتح على عاد منها إلا كقدر منخر الثور [[لم أجده. وفي العظمة 4/ 1333: عن عطاء بن يسار -رضي الله عنه- قال: قلت لكعب رحمه الله تعالى: من ساكن الأرض الثانية؟ قال: الريح العقيم، لما أراد الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن يهلك قوم عاد أوحي إلى خزنتها أن افتحوا منها بابًا قالوا: يا ربنا مثل منخر الثور؟ قال: إذًا تكفي الأرض بمن عليها. فقال: افتحوا منها مثل حلقة الخاتم. قال والأقرب أن يكون موقوفًا على عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- من زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك والله أعلم.]]. ويقال للتي لا تلد من النساء عقيمًا، وكذلك للذي لا يولد له: يقال له: رجل عقيم، وفحل عقيم إذا كان لا يلقح، وكما وصفت الرياح باللقاح في قوله: ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22] وسميت بالعقيم هاهنا حين لم تلقح الشجر ولم تحمل المطر، ثم وصف تلك الريح فقال:
الذاريات 51:42
﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ قال مقاتل: من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 أ، "معالم التنزيل" 4/ 233.]] ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ كالشيء الهالك البالي. وذكر تفسير الرميم عند قوله: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [[عند تفسيره لآية [الحجر: 78] ومما قال: قال أبو عبيدة: الرميم مثل الرمة. يقال رم العظيم وهو يرم رمًّا وهو رميم. وقال ابن الأعرابي: رمت عظامه وأرمت إذا بليت. وقال أبو عبيدة: الروم الرفات.]] قال الفراء: الرميم نبات الأرض إذا يبس وديس [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 88.]].
وقال أبو إسحاق: هو الورق الجاف المتحطم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 57]].
الذاريات 51:43
وقوله: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ أي وفي ثمود أيضًا آية: ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا﴾ قال صالح لهم ذلك فعقروها، فقال تمتعوا. أي: عيشوا، وقد مر [[عند ذكره سبحانه لقصتهم في سورة هود.]].
قوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ قال عطاء، والكلبي: يعني ثلاثة أيام [[انظر: "جامع البيان" 27/ 5، "الوسيط" 4/ 179، "التفسير الكبير" 28/ 223.]]. والمعنى إلى.
الذاريات 51:44
﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ حين يأتيكم العذاب فأتاهم يوم الرابع. وقد قال في سورة هود {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا في دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} [هود: 65].
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الموت، والصاعقة الموت [[انظر: "الوسيط" 4/ 179، "معالم التنزيل" 4/ 234.]].
وقال مقاتل: يعني العذاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، "الوسيط" 4/ 179.]]. وتفسير الصاعقة كل عذاب مهلك ، وقد تقدم القول فيها [[عند تفسيره لآية 19 من البقرة، ومما قال: الصاعقة والصعقة الصحية. يغشي منها على من سمعها أو يموت .. ويقال لها الصواعق الشديد من الرعد يسقط معها قطعة نار. وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 777، "اللسان" 2/ 442 (صعق).]].
وقرأ الكسائي (الصَّعْقَةُ) [[قرأ الكسائي (الصَّعْقَةُ) بإسكان العين من غير ألف. وقرأ الباقون (الصاعقة) بالألف وكسر العين. انظر: "حجة القراءات" 680 "النشر" 2/ 377، "الإتحاف" 399.]]. قال المبرد: وهي مصدر مثل الضربة. قال: والصعقة إنما هي مثل الزجرة، وهي الصوت الذي يكون عن الصاعقة. والصاعقة هي النازلة بعينها، وأنشد لعويف القوافي [[عويف بن معاوية بن عتيبة، شاعر أموي مقل، مدح الوليد، وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، سمي عويف القوافي لقوله:
سأكذب من قد كان يزعم أنني ... إذا قلت شعرًا لا أجيد القوافيا
انظر: "ألقاب الشعر" ص 309، "الأغاني" 19/ 184، "الخزانة" 6/ 384، والبيت في "اللسان" 2/ 442 (صعق)، "الحجة للقراء السبعة" 6/ 222.]] فقال:
لاحَ سَحَابٌ فرأَيْنَا بَرْقَه ... ثم تَدَانَى فسَمِعْنَا صعْقَه
وقوله: ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي يرون ذلك.
والمعنى: أخذتهم الصاعقة عيانًا [[انظر: "الوسيط" 4/ 179، "معالم التنزيل" 4/ 234، "فتح القدير" 5/ 91.]]. وهو معنى قول عطاء: قد رأوا العذاب [[لم أجده، وهو بمعنى الأول.]].
وقال مجاهد: فجأة [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 620، "جامع البيان" 27/ 5.]] وعلى هذا معنى (ينظرون)، وذلك أن صالحًا قد ضرب لهم الأجل للعذاب ثلاثة أيام، وجعل لنزول العذاب بهم علامات في تلك الأيام، وظهرت تلك العلامات فانتظروا العذاب في اليوم الرابع [[انظر: "جامع البيان" 27/ 5، "الوسيط" 4/ 179.]]. وهذا هو الصحيح؛ لأنه قد ذكر في قصتهم أنهم تحنطوا في اليوم الرابع ولبسوا الأكفان، وكانت أكفانهم الأنطاع، وحنوطهم الصبر [[الأنطاع: جمع نطع بالكسر من الأدَمِ والصَبرِ: شجر ورقه كقرب السكاكين طوال غلاظ، في خضرتها غُبْرة، وكُمْدَة مُقشَعرَّة المنظر. انظر: "اللسان" 2/ 403 (صبر) 3/ 117 (قطع).]].
الذاريات 51:45
قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أي ما أطاقوا عذاب الله ولم يقوموا له حين أتاهم، كما تقول: فلان لا يقوم بهذا الأمر ولا يقاومه، أي لا يطيق ولا يحتمله [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 52.]]. وهو معنى قول مقاتل: أي: لم يقوموا للعذاب حين غشيهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب]].
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد ذهبت أجسامهم وبقيت أرواحهم في العذاب [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 52.]].
والقيام على هذا يراد به النهوض. والمعنى أنهم لم ينهضوا من تلك الصرعة ولم يستقلوا بعد تلك النكبة. وهذا معنى قول قتادة: من نهوض [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 245، "جامع البيان" 27/ 5.]].
وقال الكلبي: فما استطاعوا أن يقوموا فيردوا العذاب حين غشيهم [[لم أجده عن الكلبي، وتقدم مثله عن مقاتل.]]. وعلى هذا المعنى [[في (ك): (معنى) ولعل الصواب ما أثبته.]] ما استطاعوا قيامًا لدفع العذاب عنهم حين أتاهم. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ قال مقاتل: يعني ممتنعين من العذاب حين أهلكوا [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 52.]]. أي: ما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من عذاب الله.
الذاريات 51:46
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قرئ بالنصب والخفض [[قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف (وقوم) بالكسر وقرأ الباقون بالنصب. انظر: "حجة القراءات" ص 680، "النشر" 2/ 377، "الإتحاف" ص 400.]]. فالخفض ظاهر بالحمل على قوله: (وَفِي مُوسَى) ومن نصب حمل على المعنى وهو أن قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ يدل على أهلكناهم، فكأنه قال: أهلكناهم وأهلكنا قوم نوح. وهذا قول الفراء، والزجاج [[انظر "معاني القرآن" للفراء 3/ 88 - 89.]]. قال: ويجوز أن يحمل على معنى قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ﴾ ألا ترى أن هذا الكلام يدل على أغرقناهم، فكأنه قال: أغرقناهم وأغرقنا قوم نوح [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 57. "الحجة للقراء السبعة" 6/ 223.]].
قال المبرد: والنصب أحسن لتراخيه عن عامل الجر، والعرب إذا تراخى المجرور عن عامل الجر حملته على المعنى، والدليل على حسن النصب أن الجار ذكر في قصص الأمم وهو في ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ لم يلحق معهم حرف الجر فعمل النصب [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 242 - 243.]]. واختار أبو عبيد النصب أيضًا. قال: لأن من خفض أراد: وفي قوم نوح، كما قال: ﴿وَفِي عَادٍ﴾ ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ وأولئك قوم قص الله، النصب على أنه أشركهم فيما فُعِل بالأمم من العقوبة إذ لم يخبرنا عنهم بخبر خاص [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 243، "التفسير الكبير" 28/ 225.]].
الذاريات 51:47
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ يقال: أوسع الرجل، إذا صار ذا وسع وَسَعَة، وهو الغنى والجدة، والموسع المليء ومنه قوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]. واختلفت العبارات في تفسير: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ هاهنا فقال [[كذا العبارة في (ك) وفيها سقط ظاهر.]] عن ابن عباس: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ لخلقي [[لم أجده بهذا اللفظ، وعنه قال: (لموسعون بالرزق) "تنوير المقباس" 5/ 277.]]. قال الكلبي: يعني سعة الرزق [[لم أجده، انظر: "معالم التنزيل" 4/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 52.]].
قال الفراء: لذو سَعَة لخلقنا [[في (ك): (حلقنا). انظر: "معاني القرآن" 3/ 89.]]. وقال الحسن: قادرون على رزقهم لا نعجز عنه، ولهذا قال مقاتل في تفسيره: لقادرون [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب]].
وقال الحسن: مطيعون [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "معالم التنزيل" 4/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 52.]]. وهذا يعود إلى أنه يقدر على رزقهم ويطيق ذلك، فهو موسع لخلقه في أرزاقهم.
وقال مجاهد: لقادرون أن نخلق سماء مثلها [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 227.]]، يعني أنه لما ذكر قدرته على خلق السماء ذكر أنه موسع لخلق مثلها. أي مطيق قادر.
وقال أبو إسحاق: جعلنا بين السماء والأرض سعة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 57.]].
قال الأزهري: جعل أبو إسحاق أوسع بمعنى وسع [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 96 (وسع).]]. وعلى هذا يجوز أيضًا أن يعود التوسع إلى الرزق، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: إنا لموسعون الرزق على خلقنا [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "معالم التنزيل" 4/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 52.]].
الذاريات 51:48
قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ قال ابن عباس: فنعم ما وطأت لعبادي [[انظر: "الوسيط" 4/ 180، "معالم التنزيل" 4/ 234.]]. وأوسعت عليهم، يعني الأرض.
قال أبو إسحاق: المعنى: فنعم الماهدون نحن، ولكن اللفظ بقوله: ﴿فَرَشْنَاهَا﴾ يدل على المضمر المَحذوف [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 5/ 57.]].
الذاريات 51:49
قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي صنفين ونوعين، فالزوجان في الحيوان الذكر والأنثى، وفي غير الحيوان المختلفان باللون والطعم. فيدخل في هذا الأبيض والأسود والمر والحلو.
قال مقاتل: يعني الليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والصيف والشتاء، والبرد والحر، والسهل والجبل، والنور والظلمة [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، وهو قول مجاهد أيضًا. انظر: "جامع البيان" 27/ 6، "تفسير القاسمي" 15/ 5535.]].
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تذكرون أنه ليس فيما خلق له عدل ولا مثل. قاله مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، وهو قول مجاهد أيضًا. انظر: "جامع البيان" 27/ 6، "تفسير القاسمي" 15/ 5535.]]. وقال غيره: تذكرون أن خالق الأزواج فرد [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 234.]].
الذاريات 51:50
قوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ قال ابن عباس: يريد بالتوبة من ذنوبكم [[انظر: "الوسيط" 4/ 180، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 53.]].
والمعنى على هذا فروا من العصيان والكفران إلى الطاعة والإيمان. يدل على هذا قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: أنذركم عقابه على الكفر والمعصية. وكذلك الآية التي نهى عن الشرك، وهو قوله:
الذاريات 51:51
﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ﴾ الآية. وجميع المفسرين على أنه أمر محمدًا -ﷺ- أن يقول هذا للناس [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 53، "فتح القدير" 5/ 91.]]. والكناية في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تعود على اسم الله. والنذير هو النبي -ﷺ- وهذا هو الظاهر.
وروى عطاء عن ابن عباس على الضد من ذلك، فجعل الآية خطابًا من الله تعالى للخلق. يقول: لا تجعلوا مع الله إلهًا آخر ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ يعني نفسه تعالى وعز، ﴿مِنْهُ﴾ من محمد وسيوفه. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: أنذرتكم بأسه وسيفه إن أشركتم بي [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 54.]].
الذاريات 51:52
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: الأمر كذلك. أي: كما فعل من قبلهم من الأمم في تكذيب الرسل [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 58.]]. وهو قوله: {مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ} أي: هو ساحر ﴿أَوْ مَجْنُونٌ﴾ قال مقاتل: يعني كقول كفار مكة لمحمد -ﷺ-. يقول الله تعالى:
الذاريات 51:53
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ أي بهذا القول.
قال مقاتل: يعني أوصى الأول الآخر يقول ذلك لرسوله [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب.]].
وقال قتادة: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 245، "جامع البيان" 27/ 7.]].
قال الزجاج: والألف فيه للتوبيخ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 58، ونصه: (وهذه ألف التوبيخ وألف الاستفهام).]].
قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ يعني أهل مكة طاغون.
قال ابن عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك [[انظر: "الوسيط" 4/ 180، "معالم التنزيل" 4/ 235.]]. والمعنى ما أوصى أولهم بذلك، ولكنهم قوم خارجون عن الحد في العصيان.
الذاريات 51:54
قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ يقول: فأعرض عن هؤلاء المشركين فقد بلغت وأنذرت، وهو قوله: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي لا لوم عليك إذ أديت الرسالة. قال ابن عباس: فحزن رسول الله -ﷺ- لما نزلت هذه الآية مخافة أن تنزل بقومه العذاب. ونحو هذا قال مقاتل، وقتادة، وغيرهما. قالوا: واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قوإنقطع، أي: العذاب حضر، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، "جامع البيان" 27/ 7، "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "الدر" 6/ 116.]] أي عظ بالقرآن. وفي هذا قولان: أحدهما: أنه أمر بالتولي عن الكفار ووعظ المؤمنين. يدل على هذا قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235.]].
القول الثاني: أنه أمر أن يُذكر ويعظ الكفار. وهو قول مقاتل. يقول: عظ كفار مكة بوعيد القرآن، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، يعني من في علم الله أن يؤمن منهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، "معالم التنزيل" 4/ 235، "فتح القدير" 5/ 92.]]. وهذا القول أشد موافقة لما ذكرنا في الآية الأولى.
الذاريات 51:55
قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ يقول: فأعرض عن هؤلاء المشركين فقد بلغت وأنذرت، وهو قوله: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي لا لوم عليك إذ أديت الرسالة. قال ابن عباس: فحزن رسول الله -ﷺ- لما نزلت هذه الآية مخافة أن تنزل بقومه العذاب. ونحو هذا قال مقاتل، وقتادة، وغيرهما. قالوا: واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قوإنقطع، أي: العذاب حضر، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، "جامع البيان" 27/ 7، "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "الدر" 6/ 116.]] أي عظ بالقرآن. وفي هذا قولان: أحدهما: أنه أمر بالتولي عن الكفار ووعظ المؤمنين. يدل على هذا قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235.]].
القول الثاني: أنه أمر أن يُذكر ويعظ الكفار. وهو قول مقاتل. يقول: عظ كفار مكة بوعيد القرآن، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، يعني من في علم الله أن يؤمن منهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، "معالم التنزيل" 4/ 235، "فتح القدير" 5/ 92.]]. وهذا القول أشد موافقة لما ذكرنا في الآية الأولى.
الذاريات 51:56
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ تعلقت القدرية بهذه الآية وقالوا: دلت الآية على أن الله تعالى خلق كل مكلف لعبادته وأراد منهم العبادة. ولا حجة لهم في هذه الآية إذا تدبرت قول العلماء فيها ومذاهبهم في تفسيرها [[انظر: "جامع البيان" 27/ 8، "دقائق التفسير" لابن تيمية 4/ 527، "فتح القدير" 5/ 92.]]. والآية فيها مذاهب للمفسرين.
أحدهما: التخصيص، وهو أن المراد بالجن والإنس مؤمنو الفريقين. وهو قول الكلبي، والضحاك، والفراء، وعبد الله بن مسلم. قال الكلبي: هذا خاص لأهل طاعته. يعني: ما خلقت مؤمني الجن والإنس إلا ليعبدون [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235.]]. وقال الضحاك: هذا خاص في أهل عبادة الله وطاعته. يدل عليه قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: 179] والذين ذرأهم للنار لا يكونون ممن ذرأهم لعبادته. وهذه الآية التي نحن فيها مطلقة، وآية الذرء مقيدة، والمطلق يحمل على المقيد، وإذا جمعنا بين الآيتين علمنا أن الذين خلقوا للعبادة غير أولئك [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55، "فتح القدير" 5/ 92.]].
وقال الفراء: هذه الآية خاصة. يقول: وما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلا ليوحدوني ... [[في (ك): بياض. وتمام العبارة في "معاني القرآن" 3/ 89، (وقال بعضهم: خلقهم ليفعلوا ففعل بعضهم وترك بعض وليس فيه).]] لأهل القدر حجة وقد فُسِّر.
وقال عبد الله بن مسلم: يعني المؤمنين [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 422.]]. واحتج [[كذا في (ك). ولعل في العبارة سقطاً، حيث لم يذكر من قال بهذا القول وهو القول الثاني، وقد فسروا قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي لأدعوهم إلى عبادتي.]] هؤلاء لمذهبهم بقراءة ابن عباس ... [[(ك): كلمة لم تظهر ولعلها (وما خلقت).]] (الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون) [[وبها قرأ ابن مسعود، وأبى. انظر: "الكشف والبيان" 11/ 191 أ، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55، "روح المعاني" 27/ 22.]] معناه: إلا لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها. وهو قول أمير المؤمنين [[في (ك): كلمة لم تقرأ وهي (علي) وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55.]] ... -رضي الله عنه-، ومقاتل، واختيار الزجاج.
قال مقاتل: يعني إلا لآمرهم بالعبادة، ولو أنهم خلقوا للعبادة ما عصو ..... [[في (ك): كلمة لم تقرأ وهي (طرفة عين) انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب.]].
وقال الزجاج: المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأدعوهم إلى عبادتي [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 58.]]. هذا كلامهم وتفسيرهم. قالوا .... [[في (ك): الكلمة غير واضحة، لعلها (وتفسير).]] العبادة غير الدعاء إليها والأمر بها، والله تعالى قال: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وأنتم تقولون إلا لآمرهم بذلك. قيل: قد يقال ... [[كذا في (ك). والعبارة مستقيمة ولعل الكلمة الساقطة (مثل).]] هذا إذا لم يشتبه ودلت الحال عليه، ما تقول لإنسان أكرمته وأحسنت إليه لتأمره يصنع لك شيئًا: ما أكرمتك إلا لتصنع هذا. وأنت تريد: إلا لآمرك بذلك. وأكثرة من لا يعبد الله من الكفار يدل على أنه لم يخلقهم لعبادته [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 143، "روح المعاني" 27/ 20 - 21.]].
واختار صاحب النظم هذا المذهب، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا﴾ [الزخرف: 12، 13] [[ورجح الشنقيطي في تفسيره 7/ 673 هذا القول لدلالة آيات القرآن عليه.]]. قال: معناه: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروه، ولو كان على ظاهره لوجب أن يكون ذلك عامًا في الإتيان به.
المذهب الثالث: أن المفسرين قالوا في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليوحدوني، والمؤمنون يوحدون الله تعالى طوعًا في الشدة والرخاء، الكفار يوحدونه في الشدة والبلاء وعند العباس. وهذا معنى رواية حبان عن الكلبي [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 192 أ، "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 56.]] هذا جملة أقوال المفسرين.
وأما أهل المعاني فلهم أيضًا أقوال سديدة في معنى الآية:
أحدها: أن المعنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليخضعوا لي ويتذللوا. وهذا معنى العبادة في اللغة، وكل أحد من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، فهو خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته، خَلَقه على ما أراد، ورزقه كما قضى، لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه، فقد حصل هذا الخضوع والتذلل من كل أحد [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 191 ب، 192 أ، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235، "فتح القدير" 5/ 92. وهو اختيار ابن جرير أيضًا "جامع البيان" 27/ 8.]].
القول الثاني: أن معنى الخلق في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ﴾ خلق التكليف والاختيار، لا خلق الجبلة والطبيعة [[انظر: "دقائق التفسير" 4/ 529، "فتح القدير" 8/ 600.]]، فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل ما خلق له [[في (ك): (لها).]]. وقد بين النبي -ﷺ- هذا المعنى بقوله: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" [[حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ 6/ 212، كتاب: القدر، باب: جف القلم على علم الله 8/ 153، ومسلم في كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي 4/ 2041. وأخرجه أحمد في "المسند" 1/ 82، 129، انظر: "شرح الطحاوية" 318 وما ذكره المؤلف هنا جزء من الحديث. اقتصر على مكان الشاهد منه.]].
الذاريات 51:57
قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: ما أريد أن يرزقوا من خلقي أحدًا، ونحوه قال مقاتل، والزجاج. وقال الكلبي: ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾ أن يرزقوا أنفسهم. ونحوه قال الفراء [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "معاني القرآن" للفراء 3/ 90، "جامع البيان" للطبري 27/ 8، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 59.]].
وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ قال ابن عباس: أن يطعموا لي عبدًا. وهو قول الفراء والزجاج. قالا: أن يطعموا أحدًا من خلقي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 59.]].
والآخرون قالوا: أن يرزقوني. ومرادهم أن يرزقوا عبادي؛ لأن الله تعالى غير مرتزق ولا طاعم، ويستحيل في وصفه الاستطعام وسؤال الرزق، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه؛ لأن الخلق عيال الله فمن أطعم عيال رجل ورزقهم فقد أطعمه ورزقه [[انظر: "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235، "فتح القدير" 5/ 92.]]. وهذا كما قال -ﷺ- فيما يخبر به عن ربه أن الله تعالى يقول: "عبدي استطعمتك فلم تطعمني" [[جزء من الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في كتاب: البر، باب: فضل عيادة المريض 4/ 1991.]]، والمعنى: لم تطعم عبدي. والآية محمولة على أنه ما أوجب ذلك على عباده، ولم يكلفهم القيام برزق الخلق والإطعام، وإن كان قد ندب إلى إطعام الجائع وذي الحاجة إلى الطعام.
الذاريات 51:58
ثم بين أن الرزاق هو لا غيره. فقال: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ قال ابن عباس: الرزاق لجميع خلقه. ﴿ذُو الْقُوَّة﴾ على جميع ما خلق [[انظر: "الوسيط" 4/ 182، "معالم التنزيل" 4/ 236.]]. وقال مقاتل: يعني: ذو البطش [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ]].
وقوله: ﴿الْمَتِينُ﴾ معناه في صفة الله القوي [[انظر: "روح المعاني" 27/ 23.]]. وقد مَتُنَ شأنه، إذا قوي [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 305، "اللسان" 3/ 434 (متن).]]، ثم ذكر أن لمشركي مكة من العذاب مثل ما لغيرهم من الأمم الكافرة وهو قوله:
الذاريات 51:59
﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال مقاتل: يعني مشركي مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ.]]. ﴿ذَنُوبًا﴾ الذَّنوب في كلام العرب: الدلو العظيم.
أنشد الفراء:
إنَّا إذا نَازَعَنَا سَرَيْت ... لنا ذَنُوبٌ من نَدَاك ذنوب [[البيت لرؤبة. انظر: "ديوانه" ص 132، "أمالي ابن الشجري" 2/ 181، "شرح المفصل" 5/ 48، "المفضليات" 696، "تهذيب اللغة" 14/ 438، "اللسان" 1/ 1079 (ذنب).]]
وأنشد المبرد لعلقمة بن عبدة:
وفي كلِّ حَيٍّ قد خَبَطْتَ بنِعْمَةٍ ... فحُقَّ لِشَأسٍ من نَداك ذَنُوبُ [[البيت في "ديوان علقمة" ص 48، الكتاب 4/ 471، "شرح المفصل" 5/ 48، "المفضليات" ص 396، "المذكر والمؤنث" ص 337، "الإيضاح في شرح المفصل" 2/ 516، "المصنف" 2/ 332، وشأس هو أخو علقمة. والبيت من قصيدة يمدح بها الحارث بن شمر الغساني.]]
قال ابن قتيبة: كانوا يستقون فيكون لكل واحد ذنوب، فحمل الذنوب مكان الحظ والنصيب [[انظر: "تأويل المشكل" 150، "تفسير غريب القرآن" 423.]]، وبهذا جاء التفسير. قال أبو إسحاق: يعني: نصيباً من العذاب، مثل نصيب أصحابهم الذين أهلكوا نحو قوم نوح، وعاد، وثمود [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 59.]]. وعبارة المفسرين مختلفة في تفسير الذنوب، والأصل ما ذكرنا، قال قتادة، ومقاتل، وأبو العالية: عذابًا مثل عذاب أصحابهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 245. وهو المروي عن ابن عباس. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 279، "جامع البيان" 27/ 9.]].
وقال مجاهد: سجلاً. وقال إبراهيم: طرفًا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 9.]].
قوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي بالعذاب، يعني أنهم أخِّروا إلى يوم القيامة، يدل على ذلك قوله:
الذاريات 51:60
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قال الكلبي، وعطاء، ومقاتل: يعني يوم القيامة [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "معالم التنزيل" 4/ 236، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 238.]].
الطور 52:1
﴿وَالطُّورِ﴾ ذكرنا تفسير الطور في سورة البقرة [[عند تفسيره لآية (63) من سورة البقرة. ومما قال: الطور قيل: إنه الجبل بالسريانية .. وقيل: إنه اسم جبل بعينه. والطَّوْرُ: التارة، والحدبين الشيئين، والطُّورُ الجبل. وطُورُ سيناءَ: جبلٌ بالشام.]]. قال عامة المفسرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "الوسيط" 4/ 13، "معالم التنزيل" 4/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 58.]]: أقسم الله بالجبل الذي كلّم الله عليه موسى بن عمران عليه السلام وهو بمدين [[مدين على بحر القلزم، وهو المعروف حاليًا بالبحر الأحمر، محاذية لتبوك على نحو من ست مراحل. وهي أكبر من تبوك وبها البئر التي استقى منها موسى عليه السلام لسائمة شعيب. انظر: "معجم البلدان" 5/ 77.]] واسمه زبير. ونحو هذا قال الفراء والزجاج وابن قتيبة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 91، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 61، "تفسير غريب القرآن" ص 424.]].
الطور 52:2
قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ المسطور معناه المكتوب من قولك: سطر يسطر سطرًا. وذكرنا هذا عند تفسير الأساطير [[عند تفسيره لآية (25) من سورة الأنعام. ومما قال: السطر هو أن تجعل شيئًا ممتدًّا مؤلفًا ومن ذلك سطر الكتاب، وسطر من شجر مغروس، ونحو ذلك قال ابن == السكيت. يقال: سَطْرٌ وَسَطرٌ فمن قال سطرٌ فجمعه في القليل أسطر وفي الكثير سطور ومن قال سطَرَ جَمَعَه أسطارًا ثم أساطير جمع الجمع، قاله اللحياني، واختار الزجاج أن يكون واحدها أسطورة. انظر: "البسيط" 2/ 89 ب.]]. وأكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب هاهنا ما أثبت على بني آدم من أعمالهم. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والكلبي، والزجاج [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، و"جامع البيان" 27/ 10، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 61، "الكشف والبيان" 11/ 193 ب، "الوسيط" 4/ 182، وبه قال الفراء، وابن قتيبة. انظر: "تفسير غريب القرآن": 424، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 59، "فتح القدير" 5/ 94، ولم أجده عن الكلبي.]]. وذكر فيه أنه [[في (ك): (أن).]] اللوح المحفوظ [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 281، عن ابن عباس، وقد جمع القولين فقال: وأقسم باللوح المحفوظ مكتوب فيه أعمال بني آدم. "معالم التنزيل" 4/ 236.]]. وقيل: هو ما كتبه الله لموسى من التوراة [[انظر: "الكشف البيان" 11/ 193 ب، "معالم التنزيل" 4/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 59، ونُسب للكبي.]]. والصحيح هو القول الأول لقوله [[في (ك): (قوله) والصواب ما أثبته. قال الشنقيطي: والأظهر أن الكتاب المسطور هو القرآن العظيم .. "أضواء البيان" 7/ 683.]] تعالى:
الطور 52:3
﴿في رَقٍّ مَنْشُور﴾ ولم يثبت أن اللوح المحفوظ من الرق. ولا أن ما كتب لموسى كان على الرق. والمراد بالكتاب، المكتوب، سُمّي بالمصدر. والرق مما كتب فيه. قال أبو عبيدة: الرق الورق [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 230.]].
وقال الليث: الرَّقُّ الصحيفة البيضاء [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 284 (رقق).]].
وقال المبرد: الرق، ما رُقّق من الجلد ليكتب فيه. والمنشور: المبسوط يتباعد أطرافه [[انظر: "اللسان" 10/ 129 (رقق)، "القرطبي" 17/ 59، "فتح القدير" 5/ 94.]].
قال مقاتل: يخرج إليهم أعمالهم يومئذٍ في رق، يعني أديم الصحف [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ.]]. ونحو هذا قال الكلبي.
قال الفراء: الرق الصحائف التي تخرج إلى بني آدم يوم القيامة فآخذ كتابه بيمينه وآخذ بشماله [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 91.]]. وهذا كقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسر اء: 13].
الطور 52:4
قوله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ روى أنس عن النبي -ﷺ- قال: "البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة" [[أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 11، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم في "المستدرك" 2/ 468 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في "شعب الإيمان". وانظر: "الدر" 6/ 117.]].
وقال ابن عباس: البيت المعمور في السماء بحيال الكعبة، يحجه كل يوم سبعون ألف [[في (ك): (ألف) ساقطة.]] ملك يسمى الصُّراح [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 281، "الكشف البيان" 11/ 193 ب، "الوسيط" 4/ 14، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 59.]]. ونحو هذا قال جماعة المفسرين [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 624، "تفسير مقاتل" 128 أ، "جامع البيان" 27/ 11، "تفسير ابن كثير" 4/ 239، قال: وكذا قال عكرمة ومجاهد وغير واحد من السلف.]]، إلا الحسن فقد روي عنه أنه قال: هو الكعبة. ومعنى ﴿الْمَعْمُورِ﴾ أنه معمور بكثرة الغاشية والزائرين [[انظر: "الكشف البيان" 11/ 194 أ - ب، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 60، "فتح القدير" 5/ 94، "روح المعاني" 27/ 27.]].
قال مقاتل: عمارته أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يصلون فيه [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ.]]. وقال الكلبي: المعمور بالملائكة. قال: وهو بيت في السماء السادسة، بناه آدم فرفع أيام الطوفان [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 281، "معاني القرآن" للفراء 3/ 91.]].
وروى عطاء عن ابن عباس أنه في السماء الدنيا [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 60، عن الربيع بن أنس.]]. قال: وكان ابن عباس يقول: لله في السموات والأرضين خمسة عشر بيتًا، كل واحد يحاذي صاحبه، سبعة على الأرضين وسبعة في السموات. والكعبة الخامس عشر [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 60.]].
الطور 52:5
قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾. قال علي رضي الله عنه: يعني السماء. وهو قول قتادة، ومجاهد، والجميع [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 624، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 246، "جامع البيان" 27/ 10، "العظمة" 3/ 1030.]]. قال مقاتل: المرفوع من الأرض مسيرة خمسمائة عام [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ.]]. وسَمَّى السماء سقفًا؛ لأنها للأرض كالسقف. وقد قال عَزّ ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32] وروى عطاء عن ابن عباس قال: السقف المرفوع هو العرش، وهو سقف الجنة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 60، "فتح القدير" 5/ 94.]].
الطور 52:6
وقوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال الفراء: المسجور في كلام العرب المملوء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 91.]]. يقال: سجرت الإناء، إذا ملأته. قال لبيد:
فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَا ... مَسْجُورَةً مُتَجَاوِرًا قُلاَّمُهَا [[البيت ورد في "ديوانه" ص 10، وفي "شرح المعلقات السبع" (معلقة لبيد) للزوزني ص 82، "جمهرة أشعار العرب" ص 68، "المُحتسب" 2/ 371، وقوله: (قُلاَّمُهَا) ضرب من شجر الحمض، ويروى (أقلامها) وهو قصب اليراع. والسَّرِيُّ: النهر الصغير والجمع الأسرية.
والبيت في وصف العير والأتان، وقد توسطا جانب النهر الصغير وشقا عينًا مملوءة ماء، قد كثر نبتها.]]
وقال المبرد: البحر المسجور المملوء عند العرب، وأنشد هو وأبو عبيدة للنمر بن تَوْلَبْ يصف وعلاً:
إذا شَاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والسَّاسَمَا [[في (ك): (والساسماير) والصواب ما أثبته.
والبيت في "ديوانه" ص 165، "الخزانة" 11/ 95، "مجاز القرآن" 2/ 230، "تفسير غريب القرآن" ص 424 والنبع: شجر أصفر العود رزينة ثقيلة في اليد، إذا تقادم احمر.
والساسم: قيل هو جمع سِمْسِم، وقد يكون من الخشب يشبه الأبنوس. "اللسان" 1/ 569 (نبع) 2/ 142 (سسم).]]
يريد: به عينًا مملوءة. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، ومقاتل قالوا: الممتلئ. وقال قتادة: المملوء [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 281، "تفسير مقاتل" 128 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 247، "جامع البيان" 27/ 11.]].
روى النزَّال بن سَبْرة عن علي رضي الله عنه قال: هو بحر تحت العرش فيه ماء غليظ، يقال له: بحر الحيوان، يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحًا، فينبتون في قبورهم [[انظر: "الكشف البيان" 11/ 195 أ، "الوسيط" 4/ 185، "معالم التنزيل" 4/ 237، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 62.]]. وهذا قول الكلبي، ومقاتل، قالا: يحيي الله به الموتى فيما بين النفختين [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "الوسيط" 4/ 185.]].
وقال مجاهد ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الموقد [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 624.]]. قال الليث: السجر إيقادك في التنور تسجره بالوقود سجرًا. والسَّجُورُ اسم الحطب [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 575 (سجر).]]. وهذا قول الضحاك وشَمِر بن عطية، وكعب. قالوا: البحر المسجور يسجر فيزاد في نار جهنم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 11، "معالم التنزيل" 4/ 237، "الدر" 6/ 11 "ونسب إخراجه لأبي الشيخ عن كعب.]].
وقد روي هذا في الحديث: أن الله تعالى يجعل البحار كلها نارًا فتجعل نار جهنم [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 48، وقال محققه: لم نقف على هذا الحديث سندًا فيما بين أيدينا من المصادر، وقد أورده بعض المفسرين كالمصنف بلا سند.]]. قال المبرد: وهذا القول يرجع أصله إلى القول الأول؛ لأن معنى: سجرت التنور، ملأته حطبًا ونارًا [[انظر: "اللسان" 2/ 99 (سجر).]]. قال الفراء: وكان علي رضي الله عنه يقول: مسجور بالنار. أي مملوء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 91.]].
وقال ابن عباس في رواية عطية: البحر المسجور هو اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب. وهو قول أبي العالية، ورواية ذي الرمة الشاعر، عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 12، "الكشف البيان" 11/ 195 أ، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 240.]] وليس له رواية غير هذا [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 61، وقال: قاله ابن أبي داود.]].
قال أبو زيد: المسجور يكون المملوء، ويكون الذي ليس فيه شيء [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 577، "اللسان" 2/ 100 (سجر). وفي "النوادر" لأبي زيد 58 قال: التسجير الامتلاء. يقال: بحر مسجور ومسجر. أي مملوء غاية الامتلاء.
واختار ابن جرير قول من قال: البحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض، ووجهه بأنه ليس موقدًا اليوم فهو مملوء. "جامع البيان" 27/ 11. وقال ابن الأنباري في "أضداده" ص 44: والمسجور من الأضداد، يقال المسجور للمملوء والمسجور للفارغ ....]]. أقسم الله تعالى بما ذكر من هذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظم النعمة والعبرة من وجوب التدبير لذلك، وطلب ما فيها من دقائق الحكمة، والواو في قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ وما بعدها من الواوات للعطف على المُقْسَم به، ولا يجوزأن يكون للقسم؛ لأن جواب القسم الأول وهو قوله: ﴿وَالطُّورِ﴾ لم يأت بعد، وإذا لم يأت جواب الأول، لم يجز أن يستأنف قسم آخر، وقد ذكرنا هذا الفصل في ابتداء سورة (ص) [[عند تفسيره لآية (2،1) من سورة ص. وتقدمه [ص:69].]].
الطور 52:7
وجوات هذه الأقسام قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [[انظر: "اعراب القرآن" للنحاس 3/ 249.]] قال ابن عباس والمفسرون: إن عذاب ربك للمشركين والكافرين والمنافقين لكائن [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 22 ،"معالم التنزيل" 4/ 237.]]. يعني في الآخرة يدل عليه قوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا}.
قال أبو إسحاق: (يومَ) منصوب بقوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾ أي لواقع يوم القيامة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 61.]]. ومعنى المور في اللغة: الاختلاف والاضطراب والذهاب والمجيء والتردد.
والداغصة [[الداغصة: عظم مدور يموج فوق رضف الركبة. والداغصة الشحمة التي تحت الجلدة الكائنة فوق الركبة. انظر: "القاموس المحيط" 2/ 303. "اللسان" 1/ 989 (دغص).]] تمور في الركبة، والبعير يمور عضده مورًا، إذا مشى. وروى عمرو [[هو: عمرو بن أبي عمرو الشيباني.]] عن أبيه: المور الدوران، ويثال: مار يمور مورًا، إذا جعل يذهب ويجيء ويتردد ، ومنه قوله:
الطور 52:9
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 297، "اللسان" 3/ 548 (مور).]]. قال المبرد: أي تتحرك إما لسير وإما لدوران. قال ابن عباس، ومجاهد: تدور بما فيها دورانًا وتتكفأ تكفؤ السفينة وتضطرب وتتحرك وتستدير، كل هذا من عبارات المفسرين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 282، "تفسير مقاتل" 128 أ، "جامع البيان" 27/ 13. "معالم التنزيل" 4/ 237.]].
الطور 52:10
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ قال ابن عباس: كسير السحاب اليوم في الدنيا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 282، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 63.]].
وقال مقاتل: تسير عن أماكنها حتى تستوي بالأرض [[انظر: "تفسير مقاتل" 128، "الوسيط" 4/ 185.]] وهذا كقوله: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الكهف: 47] وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه: 105] وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ [النمل:88] الآيات، وقد ذكر الله تعالى في الواقعة أنها تصير هباءً منثورًا [[قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. [الوقعه 5، 6].]] ،ثم ذكر ما للمكذبين في ذلك اليوم بقوله:
الطور 52:11
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ قال الكلبي: الشدة من العذاب يومئذ للمكذبين بالإيمان [[انظر: "الوسيط" 4/ 185."معالم التنزيل" 4/ 238.]]. وذكرنا قديمًا تفسير الويل [[عند تفسيره لآية (79) من سورة البقرة. قال: قال ابن عباس. الويل شدة العذاب. وقال الزجاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هلكة وأصله في اللغة العذاب. وقال ابن قتيبه: قال الأصمعي: الويل تقبيح. وروى الأزهري عن أبي طالب النحوي أنه قال: قولهم: (ويله) كان أصلها (روي) وصلت بـ (له) ومعنى (روي) حزن له ومنه قولهم: ويه، معناه حزن أخرج مخرج الندب. والويل: حلول الشر، والويله: الفضيحه، والبلية. والويل كلمة عذاب. والهلاك يُدعى بمن له وقع في هلكة يستحقها. وانظر: "اللسان" 3/ 997 (ويل).]].
الطور 52:12
ثم نعت هؤلاء المكذبين فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ومعنى الخوض في اللغة الدخول في الماء، ثم يتفرع منه الدخول في الأمر بالقول [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 466، "اللسان" 1/ 920 (خوض).]]. وأراد بالخوض هاهنا خوضهم في حديث محمد بالتكذيب واللاستهزاء، ولهذا قال المفسرون: في باطل يلعبون. قال عطاء: يخوضون في تكذيبك ويلهون بذكرك [[انظر: "الوسيط" 4/ 185، "معالم التنزيل" 4/ 238، "الجامع" للقرطبي 17/ 64.]].
الطور 52:13
قوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ يوم بدل من قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [[انظر: "مشكل اعراب القرآن" 2/ 231.]] ومعنى الدَّع في اللغة: الدفع في قسوة وعنف. قال أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 231.]]: دععت [[في (ك): (دعت) والصواب ما أثبته.]] في قفاه، أي دفعت، ومنه قوله: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيم﴾ [الماعون: 2]، وأنشد الليث:
إذا القوم في المَحُلِ دَعُّوا اليَتِيمَا [[لم أجده فيما اطلعت عليه.]]
قال عامة المفسرين: يدفعون إلى النار دفعًا على وجوههم [[اانظر: "جامع البيان" 27/ 14، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 241.]]، وقال قتادة: يزعجون إليها إزعاجًا [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 247، "جامع البيان" 27/ 14.]]. وقال مجاهد: دفرًا في أقفيتهم [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 92 ، "اللسان" 1/ 983 (دعع).]].
قال ابن الأعرابي: الدفر: الدفع [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 102، "اللسان" 1/ 991 (دفر).]]. قال مقاتل: يغلون أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم وراء ظهورهم، ثم يدفعون إلى جهنم دفعًا على وجوههم، حتى إذا دنوا منها قال لهم خزنتها قوله:
الطور 52:14
﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 128/ ب، "الوسيط" 4/ 185.]] قال ابن عباس: أي في الدنيا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 282.]].
ثم وبخوا بما كانوا يدعون في حال التكذيب قبل انكشاف الأمر، فقيل لهم لما عاينوا مصداق الخبر
الطور 52:15
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ أي هذا الذي ترون. والمعنى يعود إلى العذاب، ولذلك ذكر بلفظ التذكير في قوله: ﴿هَذَا﴾. قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ يريد: أم قد غطى على أبصاركم، وذلك أنهم كانوا يكذبون محمدًا -ﷺ- فيما يوعدهم من العذاب وينسبونه إلى السحر، وإلى أنه يسحر الناس ويغطي على أبصارهم بالسحر، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ وقد مر [[عند تفسيره لآية (15) من سورة الحجر.]]. فلما شاهدوا ما وعدوا به من العذاب قيل لهم للتوبيخ والتبكيت: أفسحر ما ترون، أم قد غطي على أبصاركم فلا ترون كما كنتم تدعون في الدنيا أنه يفعل بكم. وهذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "معالم التنزيل" 4/ 238.]]. ويجوز أن يكون المعنى في قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ التهديد. يقول: أم لا تبصرون العذاب فتكذبون به كما كنتم تكذبون به في الدنيا إذا كنتم لا تبصرونه. فلما ألقوا فيها قالت لهم الخزنة:
الطور 52:16
﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ أي: على العذاب ومقاساة حر النار ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُم﴾ قال أبو إسحاق: مرفوع بالابتداء والخبر محذوف. المعنى: سواء عليكم الصبر والجزع [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 62.]]. يدل على ذلك أنهم أقروا بهذا في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: 21].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي الأمر جار عليكم بالعدل، ما جوزيتم إلا جزاء أعمالكم، والمعنى: إنما تجزون جزاء ما كنتم تعملون، أي الكفر والتكذيب.
الطور 52:18
فقوله تعالى: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قال ابن عباس، ومقاتل: معجبين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 283، "تفسير مقاتل" 128 ب.]]. وذكرنا تفسير هذا الحرف في سورة يس [[عند تفسيره لآية (55) من سورة يس قال: ﴿فَاكِهُونَ﴾ قال ابن عباس: ناعمون. وقال مقاتل وقتادة: أي معجبون بما هم فيه. وهو قول الحسن والكلبي. وهذان القولان عليهما أهل التفسير ولكل منهما أجل في اللغة. فمن قال فاكهين ناعمين، فاصله من الفكهية والفاكهة وهي المزاح والكلام الطيب. يقال: فاكهت القوم بملح الكلام مفاكهةً. روى أبو عبيد عن زيد: الفَكِهُ الطيب النفس الضحوك .. ومن قال الفاكهة المعجب فإن العرب تقول: فكهنا من كذا أي تعجبنا. ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي تعجبون. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 63، "تهذيب اللغة" 6/ 25 (فكه)، "الأضداد" لابن الأنبارى 54.]].
الطور 52:19
قوله تعالى: ﴿هَنِيئًا﴾ يقال: هَنُؤَ يَهْنُؤ هَنَاءَةً فهو هنيء [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 433 (هنا) ذكره عن الليث.]]. وهنيئًا هاهنا نعت محذوف على تقدير: إمتاعًا هنيئاً، وأمرهم بالأكل والشرب يدل على الإمتاع، كأنه قيل: أمتعتم بنعيم الجنة إمتاعًا هنيئًا، ويجوز أن يقول: أراد شربًا هنيئًا، أو أكلاً هنيئًا. واقتصر على صفة مصدر أحد الفعلين من الآخر. وقال الزجاج: (هنيئاً) صفة في موضع المصدر، أي: ليهنأكم ما صرتم إليه هنيئا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 63.]]. وذكرنا تفسير الهنيء في أول سورة النساء [[عند تفسيره لآية (4) من سورة النساء. ومما قال: قال الأصمعي: يقال في الدعاء للرجل: هنئت ولا تَنْكَه. أي أصبت خيرًا ولا أصابك التفسير. وقال أبو الهيثم: معنى قوله ﴿هنئت﴾ يريد ظفرت على الدعاء له. وأصل الهنيء من الهناء. وهو معالجة الجرب بالقطران. فالهنيء شفاء من المرض كالهناء شفاء من الجرب، قال المفسرون: معنى الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء.]].
قال مقاتل: يعني حلالاً.
وقال الكلبي: ﴿هَنِيئًا﴾ لا يموتون [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب.]]. ومقاتل ذهب إلى أن الحرام وخيم العاقبة، وطعام الجنة لما كان مأمون العاقبة وصف بالهنيء. وذهب الكلبي إلى أن الموت ينغص النعمة، ولما كان أهل الجنة يأمنوا الموت وصف نعيمهم بالهنيء.
الطور 52:20
قوله تعالي: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ تفسير هذه الحروف قد تقدَّم فيما سبق.
ووصف ابن عباس هذه السرر فيما روي عنه عطاء قال: يريد من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير مثل ما بين مكة وأيْلة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 65، "فتح القدير" 5/ 96.]].
وقال الكلبي: طول السرير في السماء مائة عام، فإذا أراد الرجل أن يجلس عليه تواضع له حتى يجلس عليه، فإذا جلس عليه ارتفع به إلى مكانه [[انظر: "الوسيط" 3/ 46، "التفسير الكبير" 19/ 153، "القرطبي" 10/ 33، "روح المعاني" 14/ 59، وأيْلَةُ بالفتح مدينة على ساحل البحر الأحمر ممل يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام. انظر: "معجم البلدان" 1/ 347.]].
قوله تعالي: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ ذكرنا تفسيره في آخر سورة الدخان [[عند تفسيره لآية (54) من سورة الدخان وملخصه: أن الله تعالى أنكحهم في الجنة الحور العين، والحور في اللغة البيض وقيل الحسان الأعين.]].
الطور 52:21
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: يعني المهاجرين والأنصار والتابعين [[انظر: "الحامع لأحكام القرآن" 17/ 67، "روح المعاني" 27/ 32، وقال (لكن == لا أظن صحته). وقال الشوكاني: وقيل المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار فقط، وظاهر الآية العموم، ولا يوجب تخصيصها بالمهاجرين والأنصار، كونهم السبب في نزولها إن صح ذلك، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. انظر: "فتح القدير" 5/ 98.]].
﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ اختلفوا في أن هذا الإيمان من المؤمنين الذين ذكروا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أم من الذرية؟ فقال قتادة: بإيمان من الذرية [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 247، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 66.]]، والمعنى: واتبعتهم ذريتهم في الإيمان؛ لأن الذرية إذا لم تتبع الأصل بالإيمان لم تجتمع معه في الجنة. وعلى هذا المراد بالذرية الكبار. ويجوز أن يكون المراد بالإيمان إيمان الذين آمنوا [[وهو المروي عن ابن عباس، والضحاك.
انظر: "جامع البيان" 17/ 15، "معالم التنزيل" 4/ 239.]].
والمعنى: وأتبعهم بإيمان من الآباء ذريتهم، والذرية تتبع الآباء وإن كانت صغارًا في كثير من أحكام الإيمان وهو الميراث، والدفن في مقابر المسلمين، وحكمهم حكم الآباء في أحكامهم، إلا فيما كان موضوعًا عن الصغير لصغره. وعلى هذا القول، المراد بالذرية: الصغار.
قال أبو علي: فإن جعلت الذرية للكبار [[في (ك): (فإذا حملت الذرية الكبار) والصواب ما أثبته.]] كان قوله: ﴿بِإِيمَانٍ﴾ حالاً من الفاعلين الذين هم ذريتهم [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 255.]]. وكلا القولين مروي عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 15، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 66.]]. والوجه أن تحمل الذرية على ما بينَّا. وعلى هذه الجملة يدل كلام المفسرين [[انظر "الكشف البيان" 11/ 196 ب، "الوسيط" 4/ 16، "معالم التنزيل" 4/ 239.]].
والذرية تقع على الصغير والكبير، والواحد والكثير [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 3 (ذرأ).]]. فمن وقوعها على الصغير الواحد قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: 38] ومن وقوعها على الكبار البالغين قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: 84].
ومن وقوعها على الكبير قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم: 58]. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: "إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه" ثم قرأ هذه الآية [[أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 247 موقوفًا على ابن عباس، والحاكم في مستدركه، كتاب: التفسير، سورة الطور 2/ 468، والبزار عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- وفيه قيس بن الربيع. وثقه شعبة والثوري وفيه ضعف.
انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 114، وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 15، "البحر المحيط" 8/ 148، وانظر: "تخريجات الكشاف" ص160، "الصواعق المرسلة" 1/ 391 - 392، "التفسير القيم" ص 449. وبه قال الجمهور.]].
وقال عبد الله في هذه الآية: الرجل يكون له القِدم وتكون له الذرية فيدخل الجنة فيرفعون إليه لتقر بهم عينه وإن لم يبلغوا ذلك [[انظر: "التفسير القيم" ص 451.]].
وقال أبو مجلز: يجمعهم الله له ما كان يحب أن يُجْمعوا له في الدنيا [[انظر: "الدر" 6/ 119، ونسب إخراجه لابن المنذر.]]. وقال الشعبي: أدخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة [[انظر: "حامع البيان" 27/ 16.]].
وقال الكلبي عن ابن عباس: إن كان الآباء أرفع درجة من الأبناء رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة من الآباء رفع الله الآباء إلى الأبناء. وهذا القول اختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 92، "القرطبي" 17/ 6، "التفسير القيم" ص 451.]]. والآباء على هذا القول داخلون في اسم الذرية.
وذكرنا جواز ذلك عند قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [[عند تفسيره لآية (41) من سورة يس. ومما قال: قال ثعلب: الذرية تقع على الآباء. وقال الفراء: جعل الذرية التي كانت مع نوح لأهل مكة لأنها أصل لهم، وقال الزجاج: قيل لأهل مكة (حملنا ذريتهم) لأن من حمل مع نوح فهم أباؤهم وذرياتهم. فهذه الأقوال تدل على أن الآباء يجوز أن تسمى ذرية الأبناء. وقد كشف صاحب النظم عن هذا فقال: جعل الله الآباء ذرية للأبناء. وجاز ذلك لأن الذرية مأخوذة من ذرأ الله الخلق فسمى الولد ذرية لأنه ذري من الأب فكما جاز أن يقال للولد ذرية لأبيه لأنه ذري منه كذلك يجوز أن يقال للأب ذرية للابن ابنه ذري منه.]] عني بالذرية الآباء. والأكثرون على القول الأول. وهو أن الأبناء يلحقون بدرجة الآباء.
قال إبراهيم: أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 16، "الدر" 6/ 119، وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر وهناد.]]. وهو اختيار الزجاج. قال: تأويل الآية أن الأبناء يلحقون بالآباء إذا كانت مراتب الآباء في الجنة أعلى من مراتبهم، ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 65 - 66.]]. وذلك قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وذكرنا تفسير الألت عند قوله: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [[عند تفسيره للآية (14) من سورة الحجرات، ومما قال: لاتَ اجتمع أربع لغات: أَلَتَ، وآلَتَ، ولاَتَ، وأَلاَتَ. كلها معناها النقصان. قال ابن عباس ومقاتل: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا. انظر: "البسيط" 656 بتحقيق السحيباني.]] والقراء على فتح اللام في: (ألتناهم) وهو الأشهر الأعرف.
وقرأ ابن كثير بكسر اللام [[انظر: "حجة القراءات السبع" ص 62، "النشر" 2/ 377، "الإتحاف" ص 400.]]. ويشبه أن يكون ذلك لغة، فقد جاءت حروف على فَعِلَ وفَعَلَ، مثل: نَقِمَ يَنْقَمُ، ونَقَم يَنْقِم.
وقد رويت هذه القراءة عن يحيى بن يعمر، ومكانه مكانه [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 226.]].
قال ابن عباس: لم تنقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ذرياتهم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 284، "جامع البيان" 27/ 17، "الوسيط" 4/ 187.]]. وهذه الآية رد ظاهر على القدرية حين أنكروا أن يعطي الله تعالى ذكره مؤمنًا من فضله ما لا يستحقه بعمله. وتم الكلام عند قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ [[انظر: "القطع والائتناف" ص 66 قال: وهو قول أبي حاتم.]]، ثم ابتدأ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ قال ابن عباس: ارتهن أهل جهنم بأعمالهم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 68.]]. أي أخذوا وحبسوا في جهنم، ولكن الكلام في نفس الآية يدل على ما ذكر؛ لأن الله وصف منازل أهل الجنة، ثم ذكر أهل النار وأنهم ارتهنوا بعملهم، فدل معنى الكلام على أنهم معذبون، فإن أهل الجنة في نعيمهم.
وقال مقاتل: كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن في النار [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "معالم التنزيل" 4/ 239.]]. ويدل على صحة ما ذكر ما قال الكلبي، وهو أن الله تعالى استثنى المؤمنين في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [[آية (38، 39) من سورة المدثر. ولم أجد القول عن الكلبي أو غيره.]] فدل على أن المراد بقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ الكافر لا المسلم [[واختيار ابن جرير، والنحاس، وابن كثير، وغيرهم العموم، وأن كل إنسان مرتهن بعمله، فإن قام به على الوجه الذي أمره الله به فكه، وإلا أهلكه. انظر: "جامع البيان" 27/ 17، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 253، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 242، "فتح القدير" 5/ 98.]].
ثم ذكر ما يزيدهم [[في (ك): (ما يزيد) والتصويب من الوسيط.]] من الخير والنعمة فقال:
الطور 52:22
﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني غير الذي كان لهم زيادة من الله تعالى أمدهم بها [[انظر: "الوسيط" 4/ 18، "معالم التنزيل" 4/ 239.]]. قال الكلبي، ومقاتل: يعنى غير الذي كان لهم زيادة من الله تعالى أمدهم بها.
الطور 52:23
﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتعاطون [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "جامع البيان" 27/ 17.]] والمعنى أن هذا يأخذ من يد هذا وهذا يأخذ من يد هذا كالشيء المتنازع فيه، تنزعه من صاحبك، وصاحبك ينزعه منك. هذا هو الأصل ثم صار التنازع اسمًا للتناول، والمنازعة اسمًا للمناولة [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 141، "اللسان" 3/ 616 (نزع).]] وقال الأعشى:
نازَعتُهُمْ قُضُبَ الرّيْحَانِ مُتّكئا ... وَقَهْوَةً مُزّةً رَاوُقُهَا خَضِلُ [[انظر: "ديوان النابغة" ص 147، والقهوة: الخمر، والراووق: إناء الخمر، والخضل: الندي.]]
وقال الأخطل:
نازَعْتُهمُ طَيِّبَ الرَّاحِ الشَّمُولِ وقد ... صَاحَ الدَّجَاجُ وحاَنتْ وَقْعَةُ السَّاري [[انظر: "ديوان الأخطل" 10/ 198، "مجاز القرآن" 2/ 223، ومعنى (نازعته) ناولته. والشمول: الطيبة الريح.]] وجميع أهل اللغة قالوا في معنى (يتنازعون): يتعاطون. وهو قول أبي عبيدة، والمبرد، والزجاج، وابن قتيبة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 232، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 63 "غريب القرآن" 425.]].
قوله تعالى: ﴿فِيهَا كَأْسًا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل، يعني الخمر [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 284، "تفسير مقاتل" 128 ب.]]. وقد ذكرنا أن الكأس معناه الإناء فيه الشراب، فإذا كان فارغًا فليس بكأس، ولما لم ينفك الكأس عما فيه، جاز أن يسمى ما فيه باسم الكأس [[انظر: "المفردات" 443، "تهذيب اللغة" 10/ 313 (كيس)، "اللسان" 3/ 206 (كأس).]].
قوله تعالى: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يلغون ولا يأثمون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 284، "جامع البيان" 27/ 17.]]. وعبارات المفسرين مختلفة الألفاظ، فقد قالوا: لا فضول ولا باطل ولا سباب ولا تخاصم فيها [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 624، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 248، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 242.]].
قال أبو إسحاق: أي لا يجري بينهم ما يُلْغَى، ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 63]].
وقال ابن قتيبة: أي: لا يذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا كما يكون من خمر الدنيا [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 425.]]. فإذا لم يذهب بعقولهم لم يكن منهم ما يؤثم. والتأثيم تفعيل من الإثم. يقال: أثمه، إذا جعله ذا إثم. يعني أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين. والكلام في التنوين وتركه في مثل هذا قد تقدم عند قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [[عند تفسيره لآية (197) من سورة البقرة. وفي قوله ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ قرأ ابن كثيرن وأبو عمرو، ويعقوب: ﴿لَغْوٌ * تَأْثِيمٌ﴾، بالنصب وقرأ الباقون ﴿لَغْوٌ * تَأْثِيمٌ﴾ بالرفع والتنوين.
انظر: "حجة القراءات": 683، "النشر" 2/ 211، "الإتحاف" 134. وفي قوله
تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ بالرفع والتنوين، وقرأ الباقون بالفتح من غير تنوين. انظر: "البسيط" 1/ 122 أ - ب، الحجة 2/ 286، "النشر" 2/ 211 ، "الإتحاف" ص 135.]].
وقوله: ﴿فِيهَا﴾ من قوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾ في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ على قول سيبويه؛ لأنه خبر عن قوله: ﴿لَا لَغْوٌ﴾ والتقدير: لا لغو فيها ولا تأثيم فيها، واستغني عن ذكر خبر الثاني لدلالة خبر الأول عليه كقوله: زيد منطلق وعمرو [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 270، 5/ 63، "الحجة للقراء السبعة" 6/ 226.]].
الطور 52:24
قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ قال الكلبي: بالخدمة غلمان لهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 188، "معالم التنزيل" 4/ 240.]]. قال مقاتل: لا يكبرون أبدًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 69.]]. ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في الحسن والبياض ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ في الصدف لم تمسه الأيدي ولم تره الأعين.
وقال عطاء: يريد مثل اللؤلؤ حين يخرج من أصدافه قبل أن يصيبه الطيب والدهن [[لم أجده.]].
ومعنى: ﴿مَكْنُونٌ﴾ مصون فيما تكنه أي تستره [[الكِنُّ والكنَّةُ والكِنانُ: وقِاء كل شيء وسِترهُ، والكِنُّ: البيت أيضًا. والجمع أكنْانٌ وأكنَّةٌ، "اللسان" 3/ 304 (كَنَنَ).]]. ذكرنا تفسير هذا الحرف في مواضع، وعلى ما ذكر مقاتل، وعطاء: أراد أنه مكنون في الصدف [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "معالم التنزيل" 4/ 240.]]. وقال الكلبي: قد خُبِّئ وكُنَّ من الحر والقر والمطر فلم يتغير [[لم أجده عن الكلبي، وفي "تنوير المقباس" 5/ 284، قال: (قد كن من الحر والبرد والقر).
والقُرُّ: هو البرد عامة. وقال بعضهم: القُرُّ في الشتاء والبرد في الشتاء والصيف، "اللسان" 3/ 52 (قرر).]]. وعلى هذا هو مكنون في غير الصدف. قال الحسن في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله، الخادم كاللؤلؤ، فكيف بالمخدوم؟ قال: "كما بين القمر ليلة البدر والكوكب" [[أخرجه الثعلبي من رواية الحسن مرسلًا. انظر: "الكشف البيان" 11/ 197 ب، تخريجات الكشاف: 160.]]. ونحو هذا ذكر قتادة [[أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 248، "جامع البيان" 27/ 18، "الدر" 6/ 119.]].
وروت عائشة أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدمه فيجيبه ألف يناديه كلهم لبيك لبيك" [[أخرج الثعلبي من رواية عمر بن عبد العزيز البصري، عن يوسف بن أبي طيبة، عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة نحوه. انظر: "الكشف البيان" 11/ 197 ب، "تخريجات الكشاف" ص 160.]].
وقال أبو عبد الرحمن المعافري [[لم أجد ترجمته.]]: إنه ليصف الرجل من أهل الجنة سماطان لا يرى طرفهما من غلمانه حتى إذا مر مشوا وراءه [[لم أجد هذا القول.]].
وقال حميد بن هلال [[حميد بن هلال العدوي، أبو نصر البصري، ثقة، عالم، توقف فيه ابن سيرين لدخوله عمل السلطان. انظر: "تقريب التهذيب" 1/ 204، "صفة الصفوة" 3/ 260، "سير أعلام النبلاء" 5/ 309.]]: ذكرنا أن الرجل إذا دخل الجنة صور صورة أهل الجنة وألبس لباسهم، وحُلِّي حليهم، وأُري أزواجه وخدمه، أخذه سوار فرح لو كان ينبغي له أن يموت لمات من سوار فرح، فيقال له: أرأيت سوار فرحتك، فإنها قائمة لك أبدًا [[انظر: "صفة الصفوه" 3/ 260.]].
الطور 52:27
قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والنصب والخوف [[انظر: "الوسيط" 4/ 188، "معالم التنزيل" 4/ 240. ومعنى قوله: أخذه سوار الفرح، أي: دَبَّ فيه الفرح دَبيبَ الشَّرَاب. انظر: "اللسان" 2/ 237 (سور).]]. وقال مقاتل: زار بعضهم بعضًا فتساءلوا بينهم ما كانوا فيه من المشقة في الدنيا فذلك قوله:
الطور 52:28
﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [[انظر: "صفة الصفوة" 3/ 91.]]. ثم قرنوا الجواب مع ذلك
بالإخلاص والتوحيد وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ أي نوحده ولا ندعو إلهًا غيره. وهو قول ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 286، "جامع البيان" 27/ 18.]].
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ وقرئ ﴿أَنَّهُ﴾ بالفتح [[قرأ نافع، والكسائي، وأبو جعفر "أنه" بالفتح، وقرأ الباقون "إنه" بالكسر. انظر: "حجة القراءات" ص 684، "النشر" 2/ 378، "الإتحاف" ص 401.]].
والمعنى: ندعوه لأنه هو البر الرحيم. أي فلرحمته يجيب من دعاه، فلذلك ندعوه، ومن كسر الهمزة قطع الكلام مما قبله واستأنف [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 227.]]، وهو اختيار أبي عبيد قال: نقرؤها كسرًا على الابتداء، أي إن ربنا كذلك على كل حال. قال: ومن نصب أراد ندعوه لأنه، أو بأنه. فيصير المعنى: أنه يدعى من أجل هذا [[انظر: "حجة القراءات" ص 684.]].
والتأويل الأول أعم وأحب إليّ، قال المبرد: قال أبو عبيد: الكسر أعم، ولا وجه له؛ لأن قوله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ بمعنى لأنه، أو بأنه دائم ثابت في الله -عز وجل- مثل قولهم لو ابتدأوا فقالوا: إنه، وأما قوله: من نصب يصير المعنى فيه أن الله يدعى من أجل هذا، فهو كما وصف، وليس في هذا علة توهن هذه القراءة، وإنما يدعو المسلمون ويستغفرون ربهم لأنه الغفور الرحيم. والمعنى في القراءتين يؤول إلى شيء واحد والله أعلم [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 254.]].
قال الكلبي ومقاتل: إنه هو البر الصادق فيما وعد أولياءه، الرحيم بالمؤمنين [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]].
الطور 52:29
قوله ﴿فَذَكِّرْ﴾ قال المفسرون: فعظ بالقرآن أهل مكة. والمعنى: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين والكافرين.
﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: برحمة ربك عليك [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ، "معالم التنزيل" 4/ 240.]]. والمعنى: بإنعامه عليك بالنبوة ورحمته إياك حتى عصمك وطهرك [[وفي "تنوير المقباس" 5/ 286، قال: بالنبوة والإسلام.]].
قوله: ﴿بِكَاهِنٍ﴾ يقال: كَهَنَ الرجل يَكْهَنُ كَهانةً، مثل: كتب يكتب كتابة، وقَلّ ما يقال إلا تَكَهَّنَ الرجل، ويقال: كهن لهم، إذا قال لهم قول الكهنة [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 24، "اللسان" 3/ 309 (كهن) وهو قول الليث.]]، وهم الذين كانت الشياطين تلقي إليهم ما يسترقون فيخبرون الناس به، وكانت الكهانة في العرب قبل مبعث النبي -ﷺ- فلما بعث ومنعت الشياطين من استراق السمع بطل علم الكهانة [[انظر: "فتح الباري" 10/ 216 - 219، ومما نقله عن القرطبي قوله: (كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والأحكام ويرجعون إلى أقوالهم، وقد انقطت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم ..).]].
قال المفسرون: ما أنت بكاهن تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي. أي لست تقول ما تقوله [[في (ك): (مقول).]] كهانة، ولا تنطق إلا بوحي. والكاهن الذي يوهم أنه يعلم الغيبَ بطريق خدمة الجن إياه وإخبارهم، والمجنون المارق الذي يغطي على عقله. وهذا جواب لكفار مكة حين قالوا: إنه كاهن ومجنون وشاعر، وقد علموا أنه ليس كما قالوا، ولكنهم قالوا ذلك على جهة الكذيب ليستريحوا إلى ذلك كما يستريح السفهاء إلى التكذيب على أعدائهم.
الطور 52:30
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي بل أيقولون: ﴿شَاعِرٌ﴾ أي هو شاعر ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ريب الدهر صروفه وحوادثه من قولهم: رابه الأمر ريبًا، أي نابه وأصابه [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 252، "اللسان" 1/ 1263 (ريب).]]. والمنون الدهر في قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 93.]]، والأصمعي، والكسائي، وأصله من المنّ بمعنى القطع، وذلك أنه يقطع الأعمال.
قال الفراء: المنون يذكر ويؤنث، فمن ذكره أراد به الدهر، ومن أنث أراد المنية. وقول الهذلي [[البيت في "ديوانه" ص 87، "الخصائص" 1/ 94، "شرح المفصل" لابن يعيش 4/ 10، "المذكر والمؤنث" ص 227.]]:
أَمِنَ الَمُنونِ وَرَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ
روي بالوجهين.
وقال الكسائي: المنون واحد في اللفظ، وقد يذهب به مذهب الجماع وأنشد قول عدي: مَنْ رأيْتَ المَنُونَ عَدّيْنَ أم من ... ذا عَلَيْه من أن يُضَامَ خَفِيرُ [[هو عدي بن زيد العبادي، والبيت في ديوانه.]]
عدين: أي تركن وجاوزن.
قال: والعرب تقول: لا أكلمك آخر المنون. أي: آخر الدهر [[انظر: "الوسيط" 4/ 189، ولم ينسبه.]] وكلا القولين في المنون ذكره المفسرون.
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد حدثان الموت [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 286.]].
وقال الكلبي عنه: أوجاع الموت [[لعل مراد المؤلف رحمه الله من قوله (وقال مقاتل) أي فيما يرويه عن ابن عباس، حيث روى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبخاري عن ابن عباس في قوله ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ قال: الموت. وفي "تفسير مقاتل" قال: حوادث الدهر.
انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ، "جامع البيان" 27/ 19، "فتح الباري" 8/ 602، "الدر" 6/ 120.]].
وقال مقاتل: يعني الموت. وهو قول مقاتل [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 626، "جامع البيان" 27/ 19.]].
وقال مجاهد: حوادث الدهر [[أخرجه ابن الأنباري عن ابن عباس في الوقف والابتداء، وابن دريد في "الجمهرة" 1/ 259، وفي "اللسان" 1/ 1106 (ربص) ولم ينسبه لقائل. والذي ذكره المفسرون لا يدل على إنشاد ابن عباس لهذا البيت، وإنما ذكروا قوله ثم قالوا: وقال الشاعر، وربما ذكروا القول ونسبوه لغيره.
انظر: "جامع البيان" 27/ 19، "القرطبي" 17/ 72، "فتح القدير" 5/ 99.]]. والمعنى: ما يصيبه من الدهر أو من الموت. ومعنى التربص بالشيء: انتظار الدوائر به. وأنشد ابن عباس: تَربَّصْ بها رَيْبَ المَنُونِ لعلّها ... تُطَلَّقُ يومًا أو يَمُوتُ حَلِيلهُا [[أخرج ابن جرير نحوه عن ابن عباس بإسناد حسن، وأخرجه ابن إسحاق في السيرة. انظر: "جامع البيان" 27/ 19، "فتح الباري" 8/ 602، "معالم التنزيل" 4/ 240، "مرويات ابن عباس" للحميدي 2/ 829.]]
قال المفسرون: قال المشركون: ننتظر بمحمد الموت وحوادث الدهر فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، وأن أباه توفي شابًّا ونحن نرجو أن يموت كما مات أبوه شابًّا [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 72، "فتح القديرِ" 5/ 99.]]. وقال الأخفش: يريد نتربص به إلى ريب المنون، فحذف الجر كما تقول:
قصدت زيدًا وقصدت إلى زيد، وعمدت زيدًا وعمدت إلى زيد [[في "معاني القرآن" للأخفش 2/ 697، قال: وقال ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ لأنك تقول: تربصتُ زيدًا، أي تربصت به.]]
وأصله من المنِّ، قال الله تعالى:
الطور 52:31
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ قال الكلبي: انتظروا بي الموت ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ بكم من المنتظرين عذابكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف، وهو قول جماعة المفسرين [[انظر: "الوسيط" 4/ 189، "معالم التنزيل" 4/ 241، "القرطبي" 17/ 73.]].
قال أبو إسحاق: وجاء في التفسير أن هؤلاء الذين قالوا هذا هلكوا كلهم قبل وفاة رسول الله -ﷺ- [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 65.]].
الطور 52:32
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد التكذيب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 286.]]. يعني أن الله تعالى أشار بقوله: ﴿بِهَذَا﴾ إلى ما ذكر عنهم مما يدل على تكذيبهم. يقول: أم تأمرهم أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد، ويأتيهم على ذلك بالدلائل، وهم يعبدون أحجارًا.
قال الفراء: الأحلام في هذا الموضع العقول والألباب [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 93.]]. وكانت عظماء قريش توصف بالأحلام والنهى، وبأنهم أولوا العقول فقال الله تعالى -منكرًا عليهم-: أتأمرهم أحلامهم بهذا. وهذا تهكم وإزراء [[أزرى بالشيء إزراء: تهاون به. انظر: المصباح (زرى).]] بأحلامهم، وأنها لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل [[انظر: "جامع البيان" 27/ 19، "الوسيط" 4/ 189، "معالم التنزيل" 4/ 241.]]، وفيه رد على من يوجب شيئًا بالعقل، وأن الهدى يكتسب بالعقل.
وقوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: أم يكفرون طغيانًا، وقد ظهر لهم الحق. وأول الآية إنكار عليهم، وآخرها إيجاب. وهو قوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد حملهم الطغيان على تكذيبك [[انظر: "الوسيط" 4/ 189.]]. ومثل هذه الآية في النظم قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ قال عطاء: افتعله [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 73.]].
وقال الكلبي: تكذّبه من تلقاء نفسه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 287، "الوسيط" 4/ 189.]].
وقال مقاتل: اختلق محمد القرآن من تلقاء نفسه [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]].
والتقوّل: تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب، لأنه تكلف القول من غير حقيقة بمعنى يرجع إلى أجل [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 311، "اللسان" 3/ 1089 (قول) "الجامع لأحكام == القرآن" 17/ 73، "فتح القدير" 5/ 99 وقوله: (بمعنى يرجع إلى أصل) ليست في المراجع السابقة، ولعل معناها إن صحت، أي ليس للتقول وهو الكذب أصل وإنما هو اختلاق وافتراء فقط.]].
قوله تعالى: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر على ما زعموا ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالقرآن استكبارًا. ثم ألزمهم الحجة على أنهم كذبوا فيما قالوا بقوله:
الطور 52:33
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أي: إذ قالوا إن محمدًا تقوّله، فقد زعموا أنه من قول البشر فليقولوا مثله.
قال ابن عباس، ومقاتل: بقرآن من تلقاء أنفسهم مثل هذا القرآن كما جاء به ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ أن محمدًا تقوّله [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 287، "تفسير مقاتل" 129 أ.]]. وهذا في دليل على الإعجاز؛ لأن الله تعالى تحداهم بالقرآن فما رام أحد منهم أن يعارضه بشيء واللسان لسانهم.
الطور 52:35
ثم احتج عليهم بابتداء الخلق:
قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من غير نطفة ولا طين [[لم أجده عن ابن عباس، والذي ذكره المفسرون عنه قوله: (من غير رب خلقهم وقدرهم).
انظر: "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74.]].
وقال الكلبي: من غير أب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 287، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74.]].
وقال مقاتل: أكانوا خلقًا من غير شيء هكذا [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]].
والمعنى: أوجدوا كما هم عليه من كمال الخلقة، وخلقوا من غير أن كان لهم ابتداء من التراب، ثم من الأب ثم من النطفة والعلقة. وهذا استفهام إنكاري، أي أنهم خلقوا أطوارًا، وذلك يدل على قادر رددهم وصرّفهم في أحوالهم، ولم يوجدوا ابتداء كما يخلق الجماد ابتداءً من غير تقدم سبب من أب وأم، فلا تقوم عليه الحجة، وهؤلاء خلقوا من أشياء ليستدلوا بذلك فتقوم عليهم الحجة. هذا معنى قول المفسرين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 20، "فتح الباري" 8/ 603، "فتح القدير" 5/ 101.]].
وأهل المعاني جعلوا ﴿مِنْ﴾ بمعنى اللام.
قال أبو إسحاق: أم خلقوا لغير شيء. أي أخلقوا باطلاً لا يحاسبون ولا يؤمرون؟! [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 65.]] ونحو هذا قال ابن كيسان: أم خلقوا عبثًا وتركوا سُدى لا يؤمرون ولا ينهون [[انظر: "الوسيط" 4/ 189، "معالم التنزيل" 4/ 241، "القرطبي" 17/ 74.]]. ويدل على هذا المعنى قوله: ﴿أمْ هُمُ الخالِقون﴾ هو أي: أهم الخالقون أنفسهم فلا يأتمرون لأمر الله، ولا ينتهون عما نهى الله عنه؛ لأن هذا من صفة الخالق لا من صفة المخلوق. والمخلوق يجب عليه ائتمار خالقه.
الطور 52:36
قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فيكونوا هم الخالقين ﴿بَلْ﴾ ليس الأمر على هذا. لم يخلقوا شيئًا ثم ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ قال ابن عباس: بربوبيتي ودوام ملكي [[لم أجده.]].
وقال مقاتل: بتوحيد الخالق [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]].
وقال أهل المعاني: لا يوقنون بالحق [[انظر: "الوسيط" 4/ 189.]].
الطور 52:37
قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ قال مقاتل: يقول أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ، "معالم التنزيل" 4/ 241.]]. ونحو هذا قال عكرمة: يعني النبوة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74.]]. وهذا كقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32]، وقال الكلبي: خزائن المطر والرزق [[انظر: "الوسيط" 4/ 189، "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74، عن ابن عباس، وكذا في "تنوير المقباس" 5/ 288.]].
وقال أهل المعاني: هذا عام في جميع مقدورات الله تعالى، وضرب لها المثل بالخزائن، لأن الخزانة بيت مهيأ لجَمْع [[(ك): الجميع).]] أنواع مختلفة، ومقدوراته كالخزائن التي فيها من كل أجناس المعاني لا نهاية له [[انظر: "تفسير القرطبى" 17/ 74، 75، "البحر المحيط" 1/ 152 عن الرماني.]] يخرج ما شاء بإيجاده إياه. يقول: أعندهم خزائن ربك فقد أمنوا أن يجري الأمور على خلاف ما يحبون.
﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: الأرباب المسلطون، ومصدره التسطير [[(ك): (التسطير).]]، ويقال: تسيطرت عليّ، أي: اتخذتني خولا، وعلى هذا قول الليث وأبي عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 233، "تهذيب اللغة" 12/ 326 (سطر).]].
وقال المبرد: المسيطر المتغلب على الشيء، يقال: تسيطرت علينا أي تكلفت أن تقصرنا على ما تحب [[انظر: "اللسان" 2/ 143 (سطر)، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 66.]].
قال أبو علي: وقد جاء على هذا البناء مُبَيْطِر ومُهَيمن ومبيقر [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 22.
والبيطرة: معالجة الدواب، والمبيطر: معالج الدواب. والبيقرة: مثية فيها تقارب. "اللسان" 1/ 225، 242 (بطر)، (بقر).]]. والصاد جائز في (المصيطر) [[قال الفراء: كتابتها بالصاد، والقراءة بالسين والصاد، "معاني القرآن" 3/ 93، وابن كثير، وحفص، وابن عامر في رواية الحلواني عن هشام، عن عمار، والكسائي في رواية الفراء: قرأوا (المسيطرون) بالسين، وقرأ حمزة بالإشمام، وقرأ الباقون بالصاد.
انظر: "حجة القراء السبعة" 1/ 49، 6/ 228، "حجة القراءات" 684، "النشر" 2/ 378، "الإتحاف" 401]].
ذكرنا ذلك في الصراط [[عند تفسيره لآية (6) من سورة الفاتحة. والقراءة في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ رويت عن ابن كثير السين والصاد وروي عن أبي عمرو السين والصاد والمضارعة بين الزاي والصاد. رواه عنه العريان بن أبي سفيان، وروى عنه الأصمعي (الزراط) بالزاي. والباقون بالصاد، غير أن حمزة يلفظ بها بين الصاد والزاي. انظر: "الحجة" 1/ 49.]].
وقال المفسرون في تفسير هذا الحرف: المسلطون الجبارون الأرباب القاهرون. كل هذا ألفاظهم.
قال عطاء عن ابن عباس: المسلطون على عبادي [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 75.]].
وقال مقاتل: أم هم المسلطون على الناس فيجبرونهم على ما شاءوا ويمنعونهم ما شاءوا [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]].
قال الكلبي: أم هم المسلطون على تلك الخزائن ينزلون منها على الخلق [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 288، "التفسير الكبير" 28/ 261.]]، هذا كلامهم، والمعنى: أم هم الأرباب فلا يكونوا تحت أمر ونهي يفعلون ما شاءوا.
الطور 52:38
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ قال أبو عبيدة: السلم السبب والمَرْقَى [[انظر: "اللسان" 2/ 190 (سلم).]].
وقد مرَّ تفسير السُّلّم [[عند تفسيره لآية (35) من سورة الأنعام. وقد ذكر معنى الآية ولم يتطرق لمعنى السلم قال الزجاج: والسلم مشتق من السَّلامة وهو الشيء الذي يُسلمك إلى مصعدك. وانظر: "معاني القرآن" 2/ 244.]].
وقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ قال أبو عبيدة: معنى ﴿فِيهِ﴾ به وعليه [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 233.]].
وقال المبرد: (فيه) هاهنا بمنزلة (عليه) في الفائدة. والأصل مختلف، فإذا قلت: عليه، فمعناه العلو والارتفاع، وإذا قلت: فيه، فمعناه أنه مكان حواه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 66، "البحر المحيط" 8/ 152.]]. وهذا كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71] وقد مر.
ومعنى الآية: ألهم سلم إلى السماء يستمعون عليه الوحي فقد وثقوا بما هم عليه وردوا ما سواه. قال المفسرون: يقول: ألهم سبب إلى السماء يرتقون عليه فيستمعون الوحي فيدعون أنهم سمعوا من الله ما هم عليه وأنه حق ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إن دعوا ذلك ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة واضحة.
وقال أبو إسحاق: المعنى ألهم كجبريل الذي يأتي النبي -ﷺ- بالوحي ويبين عن الله -عز وجل-.
الطور 52:39
ثم سفه أحلامهم في جعلهم البنات لله فقال: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 67.]]، وهذا كقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: 149] وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: 16] الآية. ومعنى الآية الإنكار عليهم، أي: أنتم جاعلون له ما تكرهون وأنتم حكماء عند أنفسكم ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ على ما جئتم به من الدين والشريعة ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ أي غرم ﴿مُثْقَلُونَ﴾ قال مقاتل: أثقلهم الغرم فلا يستطيعون الإيمان من أجل الغرم [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 ب.]]. وكل هذا إنما ذكر قطعًا لحجتهم وبيانًا أن الحجة عليهم من كل وجه.
الطور 52:41
قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد هل نزل عليهم وحي من السماء فهم يكتبون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 288، "معالم التنزيل" 4/ 242، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 17/ 76.]]؟
قال: يريد كتبوه وعلموه، وهذا مجمل، وقد فسره مقاتل فقال: أعندهم علم الغيب بأن الله لا يبعثهم، وأن ما يقول محمد -ﷺ- غير كائن، ومعهم بذلك كتاب فهم يكتبون [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 ب.]].
وهذا وهم؛ لأنهم لو علموا الغيب لم [[(لم) ساقطة من (ك).]] يوجب ذلك إنكار البعث وأمر محمد -ﷺ-، ولكن المعنى ما قال قتادة: أن هذا جواب لقولهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ يقول الله تعالى: أعندهم الغيب حتى علموا أن محمدًا يموت قبلهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 190، "معالم التنزيل" 4/ 242، "القرطبي" 17/ 76. قلت: قول المؤلف رحمه الله: (وهذا وهم) رد لقول مقاتل. وظاهر الآية لا يرده. إذا في قوله تعالى ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ..﴾ ما يرد كل افتراءاتهم وتكذيبهم للنبي -ﷺ- حيث لم يستندوا على وحي أو عقل، ويدخل ضمن دلالة الآية دعواهم بأن النبي -ﷺ- سيموت في شبابه كما مات الشعراء من أمثاله النابغة وزهير. والله أعلم.]]. وعلى هذا قوله: ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ يجوز أن يكون معناه: يكتبون ذلك الذي عندهم من علم الغيب.
وقال ابن قتيبة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 242، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 76.]]: معناه: يحكمون. والكتاب بمعنى الحكم قد ورد في كثير من المواضع كقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54] أي قضى وأوجب. وكقوله: "سأقضي بينكم بكتاب الله" [[الحديث رواه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود 3/ 241، وفي مواضع أخرى ولفظه: "لأقضين بينكما بكتاب الله"، ومسلم في كتاب الحدود، وأحمد في المسند 4/ 115.]] أي بحكمه.
الطور 52:42
قوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ يعني: أيريدون أن يكيدوك ويمكروا بك مكراً يغتالونك به ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ أي: المجزيون بكيدهم في الدنيا والآخرة. يريد أن ضرر ذلك يعود عليهم ويحيق بهم مكرهم. وقال الكلبي ومقاتل: يعني بكيدهم ما اجتمعوا ليكيدوا به في دار الندوة، فجزاهم الله بكيدهم أن قتلهم ببدر، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 ب، "معالم التنزيل" 4/ 242، "القرطبي" 17/ 76.]].
الطور 52:43
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ هذا إنكار عليهم ما اتخذوه من الآلهة دون الله. يقول: ألهم إله دون الله، يعني: إلهًا يخلق ويرزق ويحيي ويميت.
وهذا معنى قور مقاتل: ألهم إله يمنعهم من مكرنا بهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 ب.]]. يعني: إن الذين اتخذوهم آلهة ليست بآلهة تدفع وتضر وتنفع.
ثم نزه نفسه بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: عمن يجعلونه شريكًا لله.
الطور 52:44
ثم ذكر عنادهم وقساوة قلوبهم فقال: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ قال مقاتل: يعني: جانبًا من السماء يسقط عليهم لعذابهم لقالوا من تكذيبهم: هذا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ بعضه على بعض [[انظر: المرجع السابق.]]. والمعنى: إن عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم، وقالوا هو قطعة من السحاب، وهذا معنى قول ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 289، "معالم التنزيل" 4/ 242.]].
قال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- هؤلاء لا يعتبرون ولا يوقنون ولا يؤمنون بأبهر ما يكون من الآيات [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 68.]].
الطور 52:45
ثم أخبر [[(ك): (حثب) ولعل الصواب ما أثبته.]] نبيه عن إيمانهم فقال:
قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ يقول: فخل عنهم، يعني لا تهتم بهم حتى يعاينوا يوم موتهم. وهذا تهديد لهم. ومعنى (يصعقون): يموتون، من قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: 68] وقُرئ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضم الياء [[قرأ ابن عامر، وعاصم (يُصعقون) بضم الياء، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: "حجه القراءات" ص 684، "النشر" 2/ 379 ، "الإتحاف" ص 401.]].
قال الفراء: يقال صُعِقَ الرجُلُ وصَعِقَ مثل سُعِد وسَعِد. لغات كلها صواب [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 94.]]. وحكى الأخفش أيضًا صُعق. وعلى هذا يجوز مصعوق.
وقال أبو علي: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضم الياء منقول من صَعِقُوا هم، وأصعقهم الله فيصعقون من باب يُكرمون [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 288.]]. ومنه قول ابن مقبل:
....... أصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُه [[انظر: "ديوانه" ص 252، "مجالس ثعلب" ص 128، "الحيوان" 7/ 233، "همع الهوامع" 1/ 83، "الدر اللوامع" 1/ 7، والبيت بتمامه:
ترى النُّعَراتِ الخُضْرَ تحت لَبانِه ... فُرادَى ومثنى أصْعَقَتْها صَواهلُهْ
والصهل: حدة الموت، ويطلق على صوت الخيل، "اللسان" 2/ 487 (صهل).]]
الطور 52:47
ثم أعلم الله -عز وجل- أنه يعجل لهم العذاب في الدنيا فقال: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني كفار مكة ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالوا: يعني القتل ببدر [[قال ابن عباس، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 129 ب، "معالم التنزيل" 4/ 243.]].
وقال مجاهد: يعني الجوع والقحط الذي أصابهم [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 626.
ورجح ابن جرير، وابن كثير، وغيرهما حمل الآية على العموم، حيث تشمل الذين ظلموا أنفسهم بالكفر إلى يوم القيامة، والعذاب في الدنيا بالجوع وغيره وفي القبر. كل ذلك دون يوم القيامة الذي فيه يصعقون.
انظر: "جامع البيان" 27/ 22، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 245.]]. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون ما يصيرون إليه، وما هو نازل بهم.
ثم أمر نبيه -ﷺ- بالصبر.
الطور 52:48
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم، فإنا نرى ما تقاسي منهم. وهو قوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد أرى وأسمع ما يعمل بك [[انظر: "الوسيط" 4/ 191، "معالم التنزيل" 4/ 243.]].
وقال أبو إسحاق: أي إنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، فلا يصلون إلى مكروهك [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 191.]]. وفي هذا تسلية للنبي -ﷺ-.
قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أكثر المفسرين على أنه أمر أن يقول حين يقوم من مجلسه: سبحان الله وبحمده، وهو قول أبي الأحوص، وسعيد بن جبير، وعطاء [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 249، "جامع البيان" 27/ 22، "معالم التنزيل" 4/ 243.]].
قال ابن عباس: صلِّ لله حين تقوم من منامك، يعني: صلاة الصبح [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 289، "معالم التنزيل" 4/ 243.]].
وقال الكلبي: سبِّح الله حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 243، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 79.]].
وقال الضحاك: أمران يقول حين يقوم للصلاة: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 79، "فتح القدير" 5/ 103.]].
الطور 52:49
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قال ابن عباس: يريد فصل له كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 289، "الوسيط" 4/ 191.]] [الإسراء: 79] وقال مقاتل: يقول فصلِّ المغرب والعشاء [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، "الوسيط" 4/ 191.]].
وقوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ يعني الركعتين قبل صلاة الفجر في قول الجميع [[انظر: "جامع البيان" 27/ 23، "معالم التنزيل" 4/ 244، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 80، "الاستذكار" 5/ 431 عن علي وأبي هريرة.]]. وذلك حين تدبر النجوم. أي تولي فلا تظهر لضوء الصبح. والكلام في هذا ذكرناه في قوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، وذكر عن الضحاك، وابن زيد أن المراد به صلاة الفجر الفريضة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 24، "معالم التنزيل" 4/ 244.]].
النجم 53:1
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ اختلفت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال في رواية الكلبي: أقسم بالقرآن إذا نزل نجوما على رسول الله -ﷺ- أربع آيات وثلاث آيات، والسورة، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة.
ونحو هذا روي عن عطاء [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 295، و"الوسيط" 4/ 192، و"معالم التنزيل" 4/ 244.]]، وهو قول مقاتل، والضحاك، ومجاهد في رواية الأعمش عنه، واختيار الفراء [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 94، و"جامع البيان" 27/ 24. قال الشنقيطي: أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في نظري أن المراد بـ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ هنا في هذه السورة و ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ في الواقعة هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجمًا فنجمًا، وذلك لأمرين:
أحدهما: أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى أن النبي -ﷺ- على حق، وأنه ما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى موافق في المعنى لما أقسم عيه بمواقع النجم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾.
والثاني: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم هو القرآن العظيم، وهو أنسب لقوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾.
انظر: "أضواء البيان" 7/ 700 - 701.]].
وعلى هذا القول سُمي القرآن نجمًا لتفريقه في النزول، والعرب تسمي التفريق تنجيمًا، والمفرق نجومًا ومنه نجوم الدين ونجوم الكتابة، وتقول: جعلت مالي على فلان نجومًا منجمة يؤدي كل نجم في شهر كذا.
وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيتًا لحلول ديونها، فيقول إذا طلع النجم وهو الثريا: حل عليك مالي، وكذلك سائرها، ومن هذا قول زهير في ديات جعلت نجومًا على العاقلة [[العاقلة: قبيلة الرجال، ولا يُحملون من الدية ما لا يطيقونه. "اللسان" 2/ 845 (عقل).]]:
يُنَجِّمُهَا قَوْمٌ لِقَوْمٍ غَرَامَةً ... ولَمْ يُهريقُوا بَيْنَهُمْ مِلءَ محْجَم [[انظر: "ديوان زهير" ص 17، و"تهذيب اللغة" 11/ 129، و"اللسان" 3/ 589 (نجم)، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 64.
والمِحجم: آلة الحجام، والمعنى أنهما لم يريقوا مقدار ما يملأ محجمًا من الدماء.]]
هذا الذي ذكرنا هو الأصل ثم جعل كل تنجيم تفريقًا وإن لم يكن مؤقتًا بطلوع نجم.
ويدل على صحة هذا التأويل الذي ذكرنا في الآية قوله -عز وجل-: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: 75]. قال عبد الله: يعني القرآن. فلما ذكر القسم به هاهنا ذكر أيضًا هناك.
وقوله: (هَوَى) معناه على هذا القول: نزل.
قال الأصمعي: هَوَى يَهْويِ هَوِيًّا إذا سقط من علو إلى أسفل، وقال أبو زيد: هَوت العقاب تَهْوي هَويًّا بالفتح إذا انقضّت على صيد أو غيره. فهذان ذكرا المصدر بفتح الهاء، ونحو ذلك قال ابن الأعرابي، وفرق بين الهَويّ والهُوي، فقال: بالفتح في السريع إلى أسفل والضم في السريع إلى فوق، وأنشد:
والَّدلْوُ في إِصْعادِها عَجْلىَ الهُويّ [[لم أجده منسوبًا. وانظر: "الأضداد" لقطرب ص 120، وفيه: (إتراعها) بدل (إصعادها).]] بالضم. وقال الليث: العامة تقول: الهُوِيُّ في مصدر هَوَى يَهوْيِ هُويًّا. وأما الهَويُ فالحين من الزمان، يقال: جلست عنده هَويًّا. هذا كلام أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 488 (هوى)، و"اللسان" 3/ 848 (هوا).]].
وبان أن معنى (هَوَى) سقط كسقوط النجم في مغاربه من الأفق، ولما سمي القرآن نجمًا سمي نزوله هويًا ليتجانس اللفظ.
وقال في رواية علي بن أبي طلحة، وعطية: يعني والثريا إذا سقطت وغابت وهو قول مجاهد في رواية ابنه، ومنصور، وابن أبي نجيح عنه [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 627، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 250، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 246.
وقال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله مجاهد من أنه عني بالنجم في هذا الموضع الثريا ...) "جامع البيان" 27/ 25.]].
والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة.
قال ساجعهم [[(ك): (سابعهم).]]:
طَلَعَ النجْمُ غُدَيَّه ... ابتَغَى الرَّاعي شُكَيَّه [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 127، ولم ينسبه لقائل، و"شواهد الكشاف" ص 6، و"التفسير الكبير" 28/ 279، و"البحر المحيط" 8/ 157، وفي "ارتشاف الضرب" 1/ 170:
طَلَعَ النجم غدية ... وبع لراعي كُسيَّه
وفي "الأضداد" لابن الأنباري 62:
إذا الثريا طلعت غديه ... فبع لراعي غنم كسيهْ
وفيه:
إذا الثريا طلعت عشاء ... فبع لراعي غنم كساءَ= وفي "الأضداد" للأصمعي 30:
إذا الثريا طلعت عثسيه ... فبع لراعي غنم كسيه]] وقال أيضًا:
طَلَعَ النجْمُ عشيا ... ابتَغَى الراعي شُكَيَّا
يعني الثريا. ومنه قول الراعي يصف قدرًا كثيرة الدسم:
فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ ... سَرِيعٍ بأَيْدِي الآكِلِينَ جُمُوُدُهَا [[انظر: "ديوان الراعي" ص 194، و"الحماسة" لأبي تمام 2/ 207، و"مجاز القرآن" 2/ 235، و"اللسان" 3/ 590 (نجم). والمستحيرة: هي المتحيرة في امتلائها، أي في مرقها. "اللسان" 1/ 767 (حير).]]
يريد: تعد أنجم الثريا.
قال ابن دريد: وهي سبعة أنجم ستة منها ظاهرة، وواحد منها خفي، يمتحن الناس به أبصارهم [[انظر: "اللسان" 3/ 589 (نجم)، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 82.]].
وقوله: فباتت تعد النجم، يدل على أن هذا كان في وسط الشتاء حين تحلق الثريا في وسط السماء، وذلك في ليالي الشتاء؛ لأنها لو كانت في أفق لم يكن عدها في القِدْر.
وقال في رواية عكرمة: يعني الرجوم من النجوم، وهي ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع [[انظر: "الوسيط" 4/ 192، و"معالم التنزيل" 4/ 244.]].
وهذا القول ظاهر ونحن نشاهد هوي النجم إذا رمى به.
وهذا قول الحسن [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 82.]]. وقال أبو حمزة الثمالي: يعني النجوم إذا انتثرت يوم القيامة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 244.]].
هذا الذي ذكرنا أقوال المفسرين.
وقال أبو عبيدة: النجم بمعنى النجوم. أقسم بالنجم إذا سقط في المغرب، كأنه يخصص الثريا دون غيرها، واحتج ببيت الراعي، وجعل النجم فيه نجوم السماء عامة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 235، وذكره الشوكاني ونسبه لجماعة المفسرين، ورجحه. "فتح القدير" 5/ 104.]].
وعلى هذا أقسم بالنجم ليدل على ما فيها من العبرة بتصريف من يملك طلوعها وغيوبها، ولا يملكه إلا الله وحده.
وقال الأخفش: النجم هاهنا معناه: النبت الذي ليس له ساق، وهوى سقط على الأرض [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 244، "فتح القدير" 5/ 105، شرحه ثم قال: وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له. فلا يظهر للهوي معنى صحيح.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6] وسنذكر الكلام في النجم بمعنى النبت إذا انتهينا إلى هذه الآية إن شاء الله. ثم ذكر جواب القسم فقال:
النجم 53:2
قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ يعني النبي -ﷺ- يقول: ما ضل عن طريق الهدى وما غوى.
قال مقاتل: يعني ما تكلم بالباطل [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 245.]].
النجم 53:3
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي وما ينطق محمد بالقرآن من هوى نفسه. قال الكلبي: قالت قريش: إن محمدًا -ﷺ- يقول القرآن من تلقاء نفسه، فنزلت هذه الآيات [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 70.]].
قال أبو إسحاق: أي ما الذي يأتيكم به مما قاله بهواه.
النجم 53:4
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ إنْ بمعنى ما [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 70.]].
قال الكلبي ومقاتل: ما القرآن إلا وحي من الله -عز وجل- يأتي به جبريل، فذلك قوله:
النجم 53:5
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"الوسيط" 4/ 193.]] قال ابن عباس والمفسرون: يعني جبريل [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 291، و"جامع البيان" 27/ 25، و"ابن كثير" 4/ 247.]] عليه السلام، والقوى جمع قوة
النجم 53:6
﴿ذُو مِرَّةٍ﴾. قال الكلبي: ذو شدة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 291، و"معالم التنزيل" 4/ 245.]]، وقال مقاتل: ذو قوة [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"جامع البيان" 27/ 25، عن ابن زيد، ومجاهد، وسفيان.]].
ومعنى المِرَّة في اللغة شدة الفتل وشدة أسر الخلق، ومنه الحديث: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سَوي" [[حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 2/ 164، 192 والترمذي في الزكاة، باب ما جاء من لا تحل له الصدقة 3/ 42، وأبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى 1/ 407، وابن ماجه في الزكاة 1/ 580 (26).]].
وأصل المرة من أمررت الحبل أي: شددت قتله، وكل قوة من قوى الحبل مرة، وجمعها مِرر [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 196 (مر).]]. وتم الكلام عند قوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 87.]] وهو من نعت ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95.]].
ثم قال: ﴿فَاسْتَوَى﴾ قال صاحب النظم: ﴿فَاسْتَوَى﴾ لا يحسن انتظامه بما قبله؛ لأن دخول الفاء لو كان متصلاً بما قبله لوجب أن يكون ما قبله للاستواء، وهو متصل بما بعده على تأويل ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي جبريل ﴿وَهُوَ﴾ أي النبي -ﷺ-، وعلى هذا عطف بقوله ﴿وَهُوَ﴾ على الضمير المرفوع في ﴿اسْتَوَى﴾ من غير تأكيد.
قال الفراء: وأكثر كلام العرب إذا نسقوا على المكنى المرفوع أن يؤكدوه [[في (ك): (يؤكده، فيقول).]] قبل أن ينسقوا عليه فيقولون: استوى هو وأبوه ولا يكادون يقولون: استوى وأبوه، وربما فعلوا ذلك كقول الشاعر:
ألم تر أن النبع يصلب عوده ... ولا يستوى والخروع المتقصف [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 95، و"القطع والائتناف" ص 68، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 85، ولم أجد البيت منسوبًا.]]
قال أبو إسحاق: وهذا عند أهل اللغة لا يجوز مثله إِلَّا في الشعر، وإنما المعنى: استوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على [[في (ك): (على) ساقطة.]] صورته الحقيقية فاستوى لأنه كان يتمثل للنبي -ﷺ- إذا هبط عليه بالوحي في سورة رجل فأحب رسول الله -ﷺ- أن يراه على حقيقته فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل في الأفق الأعلى على صورته [[انظر: "معانى القرآن" للزجاج 5/ 70.]].
وشرح أبو علي الفارسي هذا الفصل فقال: قوله:
النجم 53:7
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ مرتفع ﴿هُوَ﴾ فيه بالابتداء وليس هو وهو، وكان قوله: ﴿بِالْأُفُقِ﴾ ظرفًا لـ (استوى)، وليس كذلك، ولكنه من استوى الذي هو يقتصر فيه على فاعل واحد، كقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: 14] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] فقوله: ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ تأويلنا في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، وفيه ضمير للمبتدأ، وقد تبينت أنه لا دلالة لمن احتج بهذه الآية على جواز عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع من غير أن يؤكد، ولكن يجيء في الشعر كقوله:
قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وزُهْرٌ تَهادَى ... كَنِعاجِ اْلْمَلا تَعَسَّفنَ رَمْلا [[البيت لعمر بن أبي ربيعة كما في "ديوانه" ص 177، و"الكتاب" 1/ 390، و"الخصائص" 2/ 2، و"الإنصاف" ص 475.]]
انتهى كلامه [[لم أجده.]].
وعلى ما قالا: الواو في ﴿وَهُوَ﴾ واو الحال لا العطف، والضمير لجبريل.
وقول الفراء كما هو خطأ في العربية، ولم يقله أيضًا أحد من المفسرين الذين يعتمدون فيما أعلم، إنما جعلوا ﴿هُوَ﴾ ضميرًا لجبريل.
قال عطاء عن ابن عباس: رأى رسول الله -ﷺ- جبريل وهو بالأفق الأعلى في صورته له ستمائة جناح، ونحو هذا ذكر الكلبي عنه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 293، وفي صحيح البخاري: كتاب التفسير، سورة == النجم 6/ 176، عن ابن مسعود بلفظ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ... رأي جبريل له ستمائة جناح.]].
وقال مقاتل ﴿وَهُوَ﴾ يعني جبريل ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ يعني من قبل المطلع [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ.]].
وقال الكلبي: يعني مطلع الشمس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 291.]]، وهذا قول الجميع في الأفق الأعلى. يعني: أفوق المشرق [[انظر: "تفسير عبد الرزاق 2/ 250، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 88.]]. وذكرنا تفسير الأفق عند قوله: ﴿آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [[عند تفسيره لآية (53) من سورة فصلت. حيث قال: واحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض، وكذلك آفاق السماء أطرافها ونواحيها.]].
قال المفسرون: إن جبريل كان يأتي رسول الله -ﷺ- في صورة الآدميين فسأله رسول الله -ﷺ- أن يريه نفسه على صورته التي جعل عليها فأراه نفسه مرتين. مرة في الأرض، ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، وذلك أن محمدًا [[قوله: (وذلك أن محمدًا) زيادة من "الوسيط" حيث لم تظهر في (ك).]] -ﷺ- كان بحراء [[حراء بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال.
انظر: "معجم البلدان" 2/ 233.]] فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله -ﷺ- مغشيًّا عليه، فنزل جبريل في سورة الآدميين وضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، ومثل هذا [[في (ك): (ومثل هذا) لم تظهر ولعل ما أثبته يقيم العبارة.]] قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: 23]، وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ويأتي بيانه بعد ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾.
هذا، ولم يره أحد من الأنبياء [[في (ك): (الأنبياء) مطموسة.]] على تلك الصورة إلا محمد -ﷺ- [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 4 أ - ب، و"الوسيط" 4/ 193، و"معالم التنزيل" 4/ 245، و"زاد المسير" 8/ 65.]].
وقوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ ليس المراد به الأعلى في السماء، وإنما المراد بالأعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، فهو أعلى منه في صعيد الأرض لا في الهواء. وقد يقال لما استعلى من البلاد آفاق تشبيهًا بآفاق السماء ومنه قول امرئ القيس:
فقد طوفتُ بالآفاق حتى ... رضيتُ من الغنيمةِ بالإياب [[تقدم تخريجه.]].
ويجوز أن يكون المراد بالأفق الأعلى طرف السماء، ويدل على صحة هذا التفسير الذي ذكرنا وهو أن جبريل كان بالأفق الأعلى دون محمد -ﷺ-.
النجم 53:8
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ التدلي مطاوع التدلية [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 285، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 247، و"تفسير القاسمي" 15/ 5557.]] يقال: دليت الشيء في مهواه فتدلى، فمعنى التدلي الامتداد إلى جهة السفل، يقال: تدلى العذق تدليًا. هذا هو الأصل، ثم يستعمل في القرب من العلو، وهذا قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95.]].
وقال صاحب النظم: هذا من التقديم والتأخير؛ لأن المعنى: ثم تدلى فدنا، لأن التدلي سبب الدنو [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 286، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 89.]].
قال ابن الأعرابي: تدلى إذا قرب بعد علو، وتدلى تواضع، ويقال: تدلى فلان علينا من أرض كذا، أي: أتانا، يقال: من أين تدليت علينا. قال أسامة الهذلي [[أسامة بن الحارث الهذلي، يكنى أبا سهم، كان من بني عمرو بن الحارث، عاش في الجاهلية وصدر الإسلام. انظر: "الشعر والشعراء" 419، الإصابة 1/ 20، و"ديوان الهذليين" 2/ 152، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 14.]]:
تَدَلَّى عَلَينا وهْوَ زُرْقٌ جِمَامُهُ ... له طِحْلِبٌ في مُنْتَهَى القَيْضِ هَامِدُ [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 173 (دال)، و"اللسان" 1/ 1009 (دلا)، وروايتهما: زرق حمامةٍ، وكذا ذكرها المؤلف، وفي زيادات "ديوان الهذليين" 3/ 1351: زرقٌ جمامهُ، وهو الصواب. ومعناه الماء الصافي الكثير.]]
وقال لبيد:
فَتَدَلَّيْتُ عليه قَافِلًا ... وعلى الأرضِ غَيَايَاتُ الطَّفَل [[انظر: "ديوان لبيد" ص 145، غيايات الطفل: هو ظل الشمس بالعشي. "اللسان"
599/ 2 (طفل)، 1/ 1039 (غيا).]]
أراد أنه نزل من مر بابه وهو على فرسه راكب. ولا يكون التدلي إلا من علو إلى أسفل [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 173 (دال)، و"اللسان" 1/ 1008 (دلا).]]. قال الكلبي: ثم دنا جبريل من محمد فتقرب منه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 95.]].
وقال الحسن، وقتادة: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فنزل إلى محمد -ﷺ- [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 250، و"الوسيط" 4/ 193، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]].
وقال أبو صالح: جبريل الذي دنا فتدلى [[انظر: "الوسيط" 4/ 193، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 88.]].
قال أبو إسحاق: معنى (دنا فتدلى) واحد، لأن المعنى أنه قرب، وتدلى زاد في القرب كما تقول: قد دنا مني فلان وقرب، ولو قلت: قرب مني ودنا جاز [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 70.]].
قال أبو بكر بن الأنباري: معنى الآية: ثم تدلى جبريل فدنا من محمد -ﷺ-، فقدم (دَنَا) على (تدلى) لأن الفعلين المصطحبين اللذين إذا وقع أحدهما موقع الآخر كان تقدم المتقدم كتأخره، كقولك: دنوت فقربت، وقربت فدنوت، لا فرق بينهما، وكذلك ظلمتني فأسأت، بمنزلة: أسأت فظلمتني، ومنه قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]. معناه انشق القمر واقتربت الساعة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 89، و"فتح القدير" 5/ 106، وهو قول الفراء أيضًا. انظر: "معاني القرآن" 3/ 95.]].
النجم 53:9
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ القاب من القوس ما بين المقبض والسية [[سية القوس: ما عطف من طرفيها، ولها سيتان، وقيل: رأسها، وقيل: ما اعوج من رأسها. "اللسان" 2/ 255 (سيا).]]. ولكل قوس قابان، والقاب في اللغة أيضًا القَدْر.
قال أبو عبيدة: قدر قوسين، ونحو ذلك قال الفراء والزجاج [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 71، و"اللسان" 3/ 11 (قوب).]].
وقال ابن السكيت: يقال: قاب قوس وقيب، وقال رمح، وقيد رمح. كله بمعنى القدر [[انظر: "إصلاح المنطق" ص 89، ولفظه: قاب قوس وقيب قوس، وقيس رمح وقاس رمح .. ، و"تهذيب اللغة" 9/ 247 (قاد).]]. وهذا هو المعنى بما في الآية لا الأول وهو قول المفسرين جميعًا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"القرطبي" 17/ 89.]].
قال الكسائي: وهي لغة حجازية، يقال: كان مني قاب قوسين، وقال قوشن، وقيد قوسين [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 5 ب.]]، وانتصب قاب على خبر كان.
قال الزجاج: المعنى كان ما بينه وبين رسول الله -ﷺ- مقدار قوسين [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 71.]].
وقال الكلبي: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قدر قوسين من القسط العربية، وهو قول مجاهد، ورواية عكرمة عن ابن عباس، وعطاء قالوا: قدر قوسين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"الوسيط" 4/ 194، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"زاد المسير" 8/ 76.]].
وقال الكلبي، والحسن، وقتادة: قيد قوسين [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 250، و"جامع البيان" 27/ 27.]].
والمراد بالقوس هي التي ترمى منها في قول هؤلاء وخصت بالذكر على عادتهم كما ذكره الكسائي [[انظر: "الوسيط" 4/ 194.]].
وقال عبد الله: قدر ذراع أو ذراعين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 27.]].
وروى عاصم عن أبي رزين قال: القاب: القيد، والقوس: الذراع. وهذا قول شقيق [[في (ك): (سفيان) والصواب ما أتبته.]] بن سلمة، وسعيد بن جبير، وأبي إسحاق الهمداني قالوا: قدر ذراعين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 27، و"الوسيط" 4/ 194، "القرطبي" 17/ 90. == قال ابن حجر: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: القاب القدر، والقوسان الذراعان، ويؤيده أنه المراد به القوس التي يرمى بها لم يمثل بذلك ليحتاج إلى التثنية، فكان يقال مثلاً: قاب رمح أو نحو ذلك. "فتح الباري" 8/ 610.]]، وعلى هذا معنى القوس: ما يقاس به الشيء، أي: يقدر كالذراع.
قال ابن السكيت: قاس الشيء يَقُوسُه قوسًا لغة في قاسه إذا قدرته، يقال قِسْتُه وقُسْتُه [[انظر: "إصلاح المنطق" 137، و"تهذيب اللغة" 9/ 225 (قاس).]].
والقوس مصدر كالقيس، ثم سُمِّي ما يقاس به الشيء قوسًا، وهي لغة أهل الحجاز.
وروى الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها في قوله [[في (ك): (في قوله) ساقطة.]]: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال: ذاك جبريل [[انظر: "صحيح مسلم"، كتاب الإيمان، باب قوله عز وجل ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 159، و"جامع البيان" 27/ 27، و"الوسيط" 4/ 194.]]، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 251، و"ابن كثير" 4/ 249، و"فتح الباري" 8/ 608.]].
وقوله: (أَوْ أَدْنَى) أو أقرب بنصف القوس، وقال مقاتل: بل أقرب من ذلك [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ.]].
قال أبو إسحاق: خاطب الله تعالى العباد على لغتهم ومقدار فهمهم، والمعنى: أو أدنى فيما تقدرون أنتم كما تقول في الشيء تقدره: هذا قدر رمحين، أو نقص، أو أرجح، والله تعالى عالم بمقادير الأشياء من غير شك، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 71.]]، وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [[من آية (147) من سورة الصافات. قال: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال أبو عبيدة: أو هاهنا ليست شك، وقالوا هي في موضع الواو .. وهو قول قطرب واختيار ابن قتيبة، ومثله (أَوْ أَدْنَى) ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ وبعضهم يذهب إلى أنها بمعنى (بل)، وبه قال الفراء وهو قول مقاتل والكلبي ... وقال الأخفش: كانوا كذلك عندكم .. وبه قال الزجاج.]].
ومعنى الآية أن جبريل مع عظمه وكثرة أجزائه حتى سد الأفق بجناحه دنا من النبي -ﷺ- في غير تلك الصورة حتى قرب منه بعدما رآه على الصورة الأولى، وفي ذلك بيان قدرة الله تعالى.
النجم 53:10
قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: أوحى جبريل إلى النبي -ﷺ- ما أوحى الله إليه [[انظر: "الوسيط" 4/ 195، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]].
وقال قتادة: يوحي الله إلى جبريل ويوحي جبريل إلى محمد -ﷺ-، هذا قول الحسن، وابن زيد [[انظر: "جامع البيان" 28/ 27، و"الكشف والبيان" 12/ 6 أ، و"الوسيط" 4/ 195، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]]، واختيار الفراء، والزجاج، وابن الأنباري [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95، و"معاني القرآن"، للزجاج 5/ 71.]].
قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ يقال: كذبني فلان بالتخفيف، أي: قال لي الكذب ولم يصدقني، وهذا فعل يتعدى إلى مفعول واحد، يدل عليه قول الأخطل:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رَأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلامِ من الرَّبابِ خَيَالاَ [[انظر: "ديوان الأخطل" 1/ 105، و"الكتاب" 3/ 174، و"الخزانة" 6/ 9، و"مغني اللبيب" ص 45، و"المقتضب" 3/ 295.]]
أي أرتك ما لا حقيقة له، كما أنك إذا قلت كذبتني عيني، معناه: رأت ما لا حقيقة له، ومعنى الآية: كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة.
قال المفسرون: هذا إخبار عن رؤية النبي -ﷺ- ربه ليلة المعراج.
قال ابن عباس في رواية عطاء: رأى ربه بقلبه [[أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب قول الله -عز وجل- ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 158، بلفظ (رآه بقلبه).
قال ابن حجر: وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضًا عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله -ﷺ- بعينه، إنما رآه بقلبه. "فتح الباري" 8/ 608.]].
وقال في رواية باذان: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ يعني فؤاد رسول الله -ﷺ-، وإنما رأى محمد ربه بفؤاده ولم يره بعينه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"الدر" 6/ 125، وزاد نسبة تخريجه لابن جرير وعبد بن حميد.]].
وقال في رواية عكرمة: رآه بقلبه [[أخرجه الترمذي في التفسير، سورة النجم، 5/ 369، وقال: هذا حديث حسن، وابن جرير في "جامعه" 27/ 28، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 251.]].
وقال في رواية أبي العالية: رآه بفؤاده [[انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 158 ولفظه: (رآه بفؤاده مرتين)، و"مسند الإمام أحمد" 2/ 223، و"الطبري" 27/ 29.]]، ونحو هذا روي عن أبي ذر [[رواه ابن خزيمة بلفظ: (رآه بقلبه ولم يره بعينه)، و"فتح الباري" 8/ 608.]]، وإبراهيم التيمي. وعلى هذا القول: رأى النبي -ﷺ- ربه بفؤادهِ رؤية صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرًا حتى رأى به رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين [[انظر: "شرح النووي على مسلم" 3/ 6، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 92.]].
ومذهب جماعة من المفسرين أنه رآه بعينه، وهو قول أنس [[رواه ابن خزيمة بلفظ: (رأى محمدٌ ربه)، و"فتح الباري" 8/ 608.]]، وعكرمة، والحسن، وكان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253.]]، ونحو ذلك قال الربيع [[صحيح مسلم بشرح النووي 3/ 7 - 6، و"فتح الباري" 8/ 608، وزاد نسبة هذا القول لعروة بن الزبير وكعب الأحبار، والزهري، ومعمر، والأشعري، وغالب أتباعه، وسائر أصحاب ابن عباس، والإمام أحمد.]].
وروى عكرمة أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد -ﷺ- [[أخرجه الحاكم في "مستدركه"، كتاب التفسير، تفسير سورة النجم 2/ 469 وقال: حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. وانظر: "فتح الباري" 8/ 606.]].
وروى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس أنه قال: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدًا رأى ربه مرتين [[أخرجه الترمذي في كتاب "التفسير" 5/ 368، من كلام كعب، حيث قال: فقال كعب: وإن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين.
وابن جرير في "تفسيره" 27/ 31، وذكر عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 252 قول ابن عباس تم قال: فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال .. وذكر كلام كعب.]].
وكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة إما بالعين والبصر، وإما بالفؤاد على ما بينا [[قال ابن كثير رحمه الله: ومن روى عنه -أي: عن ابن عباس- بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة رضي الله عنهم، وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس، والحسن، وعكرمة، فيه نظر والله أعلم. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 250.
قلت: وما ذكره ابن كثير -رحمه الله- عن البغوي هو كلام الواحدي، وإنما نقله البغوي عنه.
والخلاف في هذه المسألة مشهور، وبقول كلِّ قال أناس من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والنصوص الواردة في هذا الباب لا تؤيد وجهة أحدهما، ولهذا نقل القاضي عياض عن بعض مشايخه التوقف ورجحه القرطبي.
انظر: "فتح القدير" 8/ 608، و"روح المعاني" 27/ 53.
وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس قول ابن عباس "أنه رآه" مناقضًا لهذا، ولا قوله (رآه بفؤاده) وقد صح عنه أنه قال: (رأيت ربي تبارك وتعالى) ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح.
وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: (رأى محمد ربه بفؤاده مرتين) وعائشة أنكرت الرؤيقى فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد ... والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد تارة .. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد .. لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين. "مجموع الفتاوى" 6/ 507، 509. قلت: وبهذا الكلام النفيس يتبين اتفاق الصحابة -رضوان الله عليهم- على أنه لم يره بعينه، والله أعلم. وانظر: "زاد المعاد" 3/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 250 - 251، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 222 - 26، و"تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة" 2/ 835 - 841.]].
قال المبرد: ومعنى الآية أنه رأى شيئًا فصدق فيه [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 289.]].
وقال أبو الهيثم: أي لم يكذب الفؤاد رؤيته و (مَا رَأَى) بمعنى الرؤية. يقال: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم [[في (ك): (أي لم) والصواب ما أثبته.]] ير، بل صدقه الفؤاد رؤيته [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 170، و"اللسان" 3/ 233 (كذب).]]، وعلي هذا (مَا رَأَى) مصدر في موضمع النصب؛ لأنه مفعول كذب.
وقرأ ابن عامر (مَا كَذَّبَ) بالتشديد [[قرأ أبو جعفر، وابن عامر في رواية هشام: (ما كَذَب) مشددة، وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكران وبقية العشرة (ما كَذَبَ) مخففة. انظر: "حجة القراءات" ص 65، و"النشر" 2/ 39، و"الإتحاف" ص 402.]]، قال المبرد: ومعناه أنه رأى شيئًا بقلبه. قال: وفي هذه القراءة بعد؛ لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضًا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا تكذيب معه، لأن القلب يكذب ويصدق فإذا كان الشيء في القلب معلومًا فكيف يكون معه تكذيب، وهذا على ما قال المبرد إذا جعلت الرؤية للفؤاد، فإن جعلتها للعين زال هذا الإشكال وصح هذا المعنى، فيقال: ما كذب فؤاده ما رآه ببصره [[انظر: "الوسيط" 4/ 195، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 264، قال ابن جرير في معنى قراءة التشديد: إن الفؤاد لم يكذب الذي رأى، ولكنه جعله حقًّا وصدقًا، وقد يحتمل أن يكون معناه إذا قرئ كذلك ما كذب صاحب الفؤاد ما رأى .. لذا هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ بالتخفيف لإجماع الحجة من القراء عليه، والأخرى غير مدفوعة صحتها لصحة معناها. "جامع البيان" 27/ 29. قلت: وإذا أمكن توجيه القراءة وحملها على وجه صحيح فلا مجال لردها، كيف وقد صحت عن رسول الله -ﷺ- وعندها فلا قبول لقول أحد بعد صحتها عن أفصح العرب -ﷺ- مهما بلغت درجته ومنزلته ونسأل الله له المغفرة.]].
وأنكرت عائشة رضي الله عنها رؤية محمد -ﷺ- ربه ليلة المعراج، وكانت تخالف ابن عباس في مذهبه وتذهب بهذه الرؤية إلى رؤية جبريل [[انظر: "سنن الترمذي" كتاب التفسير 5/ 368، عن مسروق، عن عائشة، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 249، وبهذا قال ابن مسعود وأبو ذر، وأبو هريرة.]]. وظاهر الآية مع ابن عباس، وقد قال معمر: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 252.]].
ثم هذا الاختلاف من أدل دليل على أن البارئ جائز الرؤية؛ لأن ما لا تجوز رؤيته لا يختلف في رؤيته، وعائشة أنكرت الرؤية في الدنيا وقبل الموت، واحتجت بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [[قلت: تقدم الكلام على هذه المسألة. وفي قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وفي الأخبار الصحيحة المشهورة ما يثبت وقوعها للمؤمنين في الآخرة، وإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي.
وقال الإمام مالك: إنما لم يُرَ سبحانه في الدنيا، لأنه باق، والباقي لا يرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارًا باقية رأوا الباقي بالباقي. انظر: "فتح الباري" 8/ 607 - 608.]] [الأنعام: 103] الآية.
النجم 53:11
قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: أوحى جبريل إلى النبي -ﷺ- ما أوحى الله إليه [[انظر: "الوسيط" 4/ 195، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]].
وقال قتادة: يوحي الله إلى جبريل ويوحي جبريل إلى محمد -ﷺ-، هذا قول الحسن، وابن زيد [[انظر: "جامع البيان" 28/ 27، و"الكشف والبيان" 12/ 6 أ، و"الوسيط" 4/ 195، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]]، واختيار الفراء، والزجاج، وابن الأنباري [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95، و"معاني القرآن"، للزجاج 5/ 71.]].
قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ يقال: كذبني فلان بالتخفيف، أي: قال لي الكذب ولم يصدقني، وهذا فعل يتعدى إلى مفعول واحد، يدل عليه قول الأخطل:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رَأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلامِ من الرَّبابِ خَيَالاَ [[انظر: "ديوان الأخطل" 1/ 105، و"الكتاب" 3/ 174، و"الخزانة" 6/ 9، و"مغني اللبيب" ص 45، و"المقتضب" 3/ 295.]]
أي أرتك ما لا حقيقة له، كما أنك إذا قلت كذبتني عيني، معناه: رأت ما لا حقيقة له، ومعنى الآية: كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة.
قال المفسرون: هذا إخبار عن رؤية النبي -ﷺ- ربه ليلة المعراج.
قال ابن عباس في رواية عطاء: رأى ربه بقلبه [[أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب قول الله -عز وجل- ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 158، بلفظ (رآه بقلبه).
قال ابن حجر: وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضًا عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله -ﷺ- بعينه، إنما رآه بقلبه. "فتح الباري" 8/ 608.]].
وقال في رواية باذان: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ يعني فؤاد رسول الله -ﷺ-، وإنما رأى محمد ربه بفؤاده ولم يره بعينه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"الدر" 6/ 125، وزاد نسبة تخريجه لابن جرير وعبد بن حميد.]].
وقال في رواية عكرمة: رآه بقلبه [[أخرجه الترمذي في التفسير، سورة النجم، 5/ 369، وقال: هذا حديث حسن، وابن جرير في "جامعه" 27/ 28، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 251.]].
وقال في رواية أبي العالية: رآه بفؤاده [[انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 158 ولفظه: (رآه بفؤاده مرتين)، و"مسند الإمام أحمد" 2/ 223، و"الطبري" 27/ 29.]]، ونحو هذا روي عن أبي ذر [[رواه ابن خزيمة بلفظ: (رآه بقلبه ولم يره بعينه)، و"فتح الباري" 8/ 608.]]، وإبراهيم التيمي. وعلى هذا القول: رأى النبي -ﷺ- ربه بفؤادهِ رؤية صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرًا حتى رأى به رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين [[انظر: "شرح النووي على مسلم" 3/ 6، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 92.]].
ومذهب جماعة من المفسرين أنه رآه بعينه، وهو قول أنس [[رواه ابن خزيمة بلفظ: (رأى محمدٌ ربه)، و"فتح الباري" 8/ 608.]]، وعكرمة، والحسن، وكان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253.]]، ونحو ذلك قال الربيع [[صحيح مسلم بشرح النووي 3/ 7 - 6، و"فتح الباري" 8/ 608، وزاد نسبة هذا القول لعروة بن الزبير وكعب الأحبار، والزهري، ومعمر، والأشعري، وغالب أتباعه، وسائر أصحاب ابن عباس، والإمام أحمد.]].
وروى عكرمة أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد -ﷺ- [[أخرجه الحاكم في "مستدركه"، كتاب التفسير، تفسير سورة النجم 2/ 469 وقال: حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. وانظر: "فتح الباري" 8/ 606.]].
وروى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس أنه قال: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدًا رأى ربه مرتين [[أخرجه الترمذي في كتاب "التفسير" 5/ 368، من كلام كعب، حيث قال: فقال كعب: وإن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين.
وابن جرير في "تفسيره" 27/ 31، وذكر عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 252 قول ابن عباس تم قال: فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال .. وذكر كلام كعب.]].
وكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة إما بالعين والبصر، وإما بالفؤاد على ما بينا [[قال ابن كثير رحمه الله: ومن روى عنه -أي: عن ابن عباس- بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة رضي الله عنهم، وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس، والحسن، وعكرمة، فيه نظر والله أعلم. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 250.
قلت: وما ذكره ابن كثير -رحمه الله- عن البغوي هو كلام الواحدي، وإنما نقله البغوي عنه.
والخلاف في هذه المسألة مشهور، وبقول كلِّ قال أناس من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والنصوص الواردة في هذا الباب لا تؤيد وجهة أحدهما، ولهذا نقل القاضي عياض عن بعض مشايخه التوقف ورجحه القرطبي.
انظر: "فتح القدير" 8/ 608، و"روح المعاني" 27/ 53.
وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس قول ابن عباس "أنه رآه" مناقضًا لهذا، ولا قوله (رآه بفؤاده) وقد صح عنه أنه قال: (رأيت ربي تبارك وتعالى) ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح.
وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: (رأى محمد ربه بفؤاده مرتين) وعائشة أنكرت الرؤيقى فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد ... والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد تارة .. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد .. لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين. "مجموع الفتاوى" 6/ 507، 509. قلت: وبهذا الكلام النفيس يتبين اتفاق الصحابة -رضوان الله عليهم- على أنه لم يره بعينه، والله أعلم. وانظر: "زاد المعاد" 3/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 250 - 251، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 222 - 26، و"تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة" 2/ 835 - 841.]].
قال المبرد: ومعنى الآية أنه رأى شيئًا فصدق فيه [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 289.]].
وقال أبو الهيثم: أي لم يكذب الفؤاد رؤيته و (مَا رَأَى) بمعنى الرؤية. يقال: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم [[في (ك): (أي لم) والصواب ما أثبته.]] ير، بل صدقه الفؤاد رؤيته [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 170، و"اللسان" 3/ 233 (كذب).]]، وعلي هذا (مَا رَأَى) مصدر في موضمع النصب؛ لأنه مفعول كذب.
وقرأ ابن عامر (مَا كَذَّبَ) بالتشديد [[قرأ أبو جعفر، وابن عامر في رواية هشام: (ما كَذَب) مشددة، وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكران وبقية العشرة (ما كَذَبَ) مخففة. انظر: "حجة القراءات" ص 65، و"النشر" 2/ 39، و"الإتحاف" ص 402.]]، قال المبرد: ومعناه أنه رأى شيئًا بقلبه. قال: وفي هذه القراءة بعد؛ لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضًا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا تكذيب معه، لأن القلب يكذب ويصدق فإذا كان الشيء في القلب معلومًا فكيف يكون معه تكذيب، وهذا على ما قال المبرد إذا جعلت الرؤية للفؤاد، فإن جعلتها للعين زال هذا الإشكال وصح هذا المعنى، فيقال: ما كذب فؤاده ما رآه ببصره [[انظر: "الوسيط" 4/ 195، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 264، قال ابن جرير في معنى قراءة التشديد: إن الفؤاد لم يكذب الذي رأى، ولكنه جعله حقًّا وصدقًا، وقد يحتمل أن يكون معناه إذا قرئ كذلك ما كذب صاحب الفؤاد ما رأى .. لذا هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ بالتخفيف لإجماع الحجة من القراء عليه، والأخرى غير مدفوعة صحتها لصحة معناها. "جامع البيان" 27/ 29. قلت: وإذا أمكن توجيه القراءة وحملها على وجه صحيح فلا مجال لردها، كيف وقد صحت عن رسول الله -ﷺ- وعندها فلا قبول لقول أحد بعد صحتها عن أفصح العرب -ﷺ- مهما بلغت درجته ومنزلته ونسأل الله له المغفرة.]].
وأنكرت عائشة رضي الله عنها رؤية محمد -ﷺ- ربه ليلة المعراج، وكانت تخالف ابن عباس في مذهبه وتذهب بهذه الرؤية إلى رؤية جبريل [[انظر: "سنن الترمذي" كتاب التفسير 5/ 368، عن مسروق، عن عائشة، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 249، وبهذا قال ابن مسعود وأبو ذر، وأبو هريرة.]]. وظاهر الآية مع ابن عباس، وقد قال معمر: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 252.]].
ثم هذا الاختلاف من أدل دليل على أن البارئ جائز الرؤية؛ لأن ما لا تجوز رؤيته لا يختلف في رؤيته، وعائشة أنكرت الرؤية في الدنيا وقبل الموت، واحتجت بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [[قلت: تقدم الكلام على هذه المسألة. وفي قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وفي الأخبار الصحيحة المشهورة ما يثبت وقوعها للمؤمنين في الآخرة، وإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي.
وقال الإمام مالك: إنما لم يُرَ سبحانه في الدنيا، لأنه باق، والباقي لا يرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارًا باقية رأوا الباقي بالباقي. انظر: "فتح الباري" 8/ 607 - 608.]] [الأنعام: 103] الآية.
النجم 53:12
قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ قال الكلبي وغيره من المفسرين: لما نزل ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ الآيات، أتى عتبة بن أبي لهب رسول الله -ﷺ- فقال: يا محمد هو يكفر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى، فنزلت هذه الآية [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 83، و"تخريجات الكشاف" 160، وقال: أخرجه أبو نعيم في "الدلائل" .. ورواه البيهقي في الدلائل، والطبراني من طريق سعيد. عن قتادة مطولًا نحوه، ورواه الحاكم في "الدلائل" أيضًا، وقال البيهقي: هكذا قال عباس بن الفضل الأزرق، وليس بالقوى، وأهل المغازى يقولونه عتبة أو عتيبة. وانظر: "دلائل النبوة" للبيهقي 2/ 339.]].
وقرئ (أَفَتُمَارُونَهُ) [[قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب (أَفَتَمْرُونَهُ) مفتوحة التاء بغير ألف.
وقرأ الباقون: (أَفَتُمَارُونَهُ) بألف. انظر: "حجة القراءات" 685، و"النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" 402.]] قال عامة المفسرين وأهل التأويل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 96، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 72، و"جامع البيان" 27/ 29، و"الوسيط" 4/ 197.]] (أَفَتُمَارُونَهُ) أفتجادلونه و (أفتمارونه) أفتجحدونه، تقول العرب: مريت الرجل حقه إذا جحدته. قال الشاعر:
لئن هجرت أخا صِدقٍ ومَكْرُمَةٍ ... لقد مَرَيْتَ أخًا ما كان يَمْرِيكا [[ورد البيت غير منسوب في "الكشاف" 4/ 38، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93، و"البحر المحيط" 8/ 159، و"تخريجات الكشاف" 4/ 87.
ومعناه: لئن ذممت أخا صدق ومكرمة، فقد غلبته في الجدال وأنفدت ما عنده أو جحدت حقه كأنك أخذت منه أو تسببت في إخراجه ما عنده فيذمك كما ذمته.]]
قال المبرد: (أفتمرونه) أي أتدفعونه عما يرى، قال: و (على) في موضح عن [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 283 (مرى).]]، و (أَفَتُمَارُونَهُ) أي: أتدفعونه وتمارونه، كأنه أغلب في هذا الموضع للإنكار عليه، أي: تجادلونه فيما رأى وعلم، وأما الجحود منهم فقد كان ذلك عامًا فيما يأتيهم به الرسول -ﷺ- والجدال في هذا الموضع كأنه أغلب، والمعنيان يتقاربان؛ لأن مجادلتهم جحود فيجتمع فيه الجحود والمجادلة، وقد كانت من المشركين مجادلة النبي -ﷺ- حين أسري به قالوا: صف لنا مسجد بيت المقدس [[بيت المقدس. يطلق على الأرض المباركة وعلى الطور الذي كلم الله موسى عليه. والمراد به عند الإطلاق المسجد الأقصى.
انظر: "معجم البلدان" 5/ 193.]]، وأخبِرنا عن عيرنا التي في طريق الشام [[الشام: سميت بذلك لأن قومًا من كنعان بن حام خرجوا عند التفريق فتشاءموا بها إليها. وقيل غير ذلك طولها من الفرات إلى العريش نحو شهر، وعرضها نحو عشرين يومًا. انظر: "معجم البلدان" 3/ 353.]]، وغير ذلك مما جادلوه به [[انظر: "الوسيط" 4/ 197، و"معالم التنزيل" 4/ 247، و"القرطبي" 17/ 93.]].
واختار أبو عبيد (أفتمرونه) قال: وذلك أن المشركين إنما كان شأنهم الجحود لما كان يأتيهم من الوحي، فهذا أكثر من المماراة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93، و"فتح القدير" 5/ 106.
قال النحاس: غير أن أبا حاتم حُكي أنه قال: لم يماروه وإنما جحدوه. قال وفي هذا طعن علي جماعة من القراء تقوم بقراءتهم الحجة ... والقول في هذا أنهما قراءتان مستفيضتان قد قرأ بهما الجماعة، غير أن الأولى من ذكرنا من الصحابة، فاما أن يقال لم يماروه فعظيم؛ لأن الله جل وعز قد أخبر أنهم قد جادلوا، والجدال هو المراءَ ولا سيما في هذه القصة .. "إعراب القرآن" 3/ 265.]].
قال أبو علي: من قال: (أَفَتُمَارُونَهُ) فمعناه: أفتجادلونه جدالًا ترومون به دفعه عما هو [[(هو) ساقطة.]] عليه وشاهده الوحي، ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: 6]، ومن قال: (أفتمرونه) كان المعنى: أفتجحدونه، والمجادلة كأنه أشبه في هذا؛ لأن الجحود كان منهم في هذا وفي غيره، وقد جادله المشركون في الإسراء به فكان مما قالوا: صف لنا عيرنا في طريق الشام ونحو ذلك [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 230.]].
وقد صح المعنيان عند [[(عند) ساقطة من (ك) وبها يستقيم الكلام.]] المبرد، وأبي علي، على [[(على) ساقطة من (ك) وبها يستقيم الكلام.]] أن الوجه قراءة العامة لا ما اختاره أبو عبيد، وذلك أن الجحود كان عامًا منهم في كل ما يأتي به الرسول -ﷺ- والجدال كان في هذا خاصًا على ما ذكرا [[انظر: "الوسيط" 4/ 197، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93.]].
وأيضًا فإنه لا مجادل إلا وهو جاحد، وقد يجحد الشيء من لا يجادل فيه، فالجدال إذًا أعم.
النجم 53:13
معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ أكثر العلماء على أن اههنى أشبه رأى جبريل في صورته مرتين على ما ذكرنا [[وفي "صحيح مسلم" أن عائشة سألت النبي -ﷺ- عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ فقال: إنما هو جبريل. لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء والأرض. كتاب: الإيمان، باب ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 159.]].
وقال ابن عباس: رأى ربه على ما ذكرنا في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.
وعلى هذا معنى قوله: (نَزْلَةً أُخْرَى) يعود إلى محمد -ﷺ-، وقد روي أنه كانت له عرجات في تلك الليلة لما استحط ربه من أعداد الصلوات المفروضة، فيكون لكل عرجة نزلة، فيحتمل أنه رأى ربه -عز وجل- في بعض تلك النزلات [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 247، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 94. قال ابن حجر: وأبدى بعض الشيوخ حكمة لاختيار موسى تكرير ترداد النبي -ﷺ- فقال: لما كان موسى قد سأل الرؤية فمنع وعرف أنها حصلت لمحمد -ﷺ- قصد بتكرير رجوعه تكرير رؤيته ليرى من رأى.
قال الشيخ ابن باز في تعليقه على هذه الحكمة: "ليست بشيء، والتحقيق أن النبي -ﷺ- لم ير ربه .. " فتح الباري 1/ 463.]].
(وهو) أي محمدًا -ﷺ-.
النجم 53:14
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَ﴾، والسدر في اللغة: ضرب من شجر النبق [[في (ك): (البر). والنَّبِق: بتشديد النون وكسر الباء ثمر السدر. "اللسان" 3/ 570 (نبق).]].
قال عطاء عن ابن عباس: وإنما سميت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها [[أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 13/ 150 عن ابن عباس قال: سألت كعبًا ... ، وانظر: "تنوير المقباس" 5/ 293، و"جامع البيان" 27/ 31 عن كعب، و"الكشف والبيان" 12/ 8 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 95 عن كعب أيضًا.]]. ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله -ﷺ- حين تدلى إليه الرفرف [[لم أجد من قال بأن النبي -ﷺ- تجاوز سدرة المنتهى، وقد نقله النووي عن الواحدي في شرحه على مسلم 2/ 214، ونسبه لابن عباس والمفسرين، والذي في الصحيح: (ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبايل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك).
والرفرف هو المذكور في الصحيح حيث قال: (رأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق). يوضحه ما أخرجه النسائي، والحاكم، عن ابن مسعود قال: (أبصر نبي الله -ﷺ- جبريل -عليه السلام- على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض).
انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء 1/ 9، وكتاب التفسير، باب ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ 6/ 176، و"فتح الباري" 8/ 611، و"المستدرك" 2/ 469.]].
وقال الكلبي، ومقاتل: هي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة إنتهى إليها علم كل ملك [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ - ب، و"تنوير المقباس" 5/ 293.]].
وقال عبد الله: سميت سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى لا يعدوها [[انظر: "جامع البيان" 27/ 31، و"الكشف والبيان" 12/ 8 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 248.]].
وقال أبو هريرة: لما أسري بالنبي -ﷺ- انتهى إلى السدرة فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد من أمتك على سنتك وإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء إلى قوله: ﴿عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: 15] وهي شجرة يسير الراكب في ظلمها مائة عام لا يقطعها والورقة منها مغطية للأمة كلها [[أخرجه ابن جرير والثعلبي. انظر: "جامع البيان" 27/ 32، و"الكشف والبيان" 12/ 8 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 95، 96.]]. وقال عبد الله: هي شجرة عليها فضول السندس والإستبرق [[أخرجه ابن جرير والفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني. انظر: "جامع البيان" 27/ 32، و"الدر" 6/ 125.]].
وروى قتادة عن أنس، أن رسول الله -ﷺ- قال: "لما عرج بي إلى السماء السابعة رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة وإذا نبقها مثل قلال [[القلال: جمع قلة، والقلة الحب العظيم، وقيل: الجرة العظيمة، وقيل: الكور المغير. انظر: النهاية 3/ 275.]] هجر [[هَجَر: قرية قريبة من المدينة وليست هجر البحرين، وكانت تعمل بها القلال. "النهاية" 3/ 275، و"معجم البلدان" 5/ 452.]] وورقها مثل أذن الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل: ما هذا؟ قال: أما النهران الباطنان ففي الجنة -قال مقاتل: هما السلسبيل والكوثر [[انظر: "تفسير مقاتل" 130ب.]] - وأما النهران الظاهران فالنيل والفرات" [[لم أجده.]].
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: سألت كعبًا: ما سدرة المنتهى؟ قال: سدرة ينتهي إليها علم الملائكة وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علمهم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 31، و"معالم التنزيل" 4/ 248، و"القرطبي" 17/ 95.]].
فهذا ما ذكره المفسرون ورووه في سدرة المنتهى [[المنتهى: بمعنى الانتهاء -على اختيار ابن جرير- فكأنه قيل عند سدرة الانتهاء، وجوز العموم في كل ما روي عن المفسرين في هذا المعنى حيث لم يرد خبر يقطع العذر بأنه قيل ذلك لها لبعض ذلك دون بعض فلا قول فيه أصح من القول الذي قال ربنا جل جلاله، وهو أنها سدرة المنتهى. "جامع البيان" 27/ 31.]].
ومعنى المنتهى موضع الانتهاء، وهذه الشجرة هناك وعندها تنتهي الملاكة والنبيون، فلذلك أضيفت السدرة إلى المنتهى.
النجم 53:15
قوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة [[انظر: "الوسيط" 4/ 198، و"معالم التنزيل" 4/ 248.]].
وقال مقاتل، والكلبي: هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، "المصنف" لابن أبي شيبة 13/ 150، و"الحلية" 5/ 381، و"تنوير المقباس" 5/ 293.]].
وروى عكرمة عن ابن عباس عن كعب قال: جنة المأوى فيها طير خضر ترتع فيها أرواح الشهداء. وهذا قول أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، و"جامع البيان" 27/ 33، و"معالم التنزيل" 4/ 248.]]. وقالت عائشة رضي الله عنها هي جنة من الجنان [[لم أجده.]]، وهو قول زر بن حبيش.
النجم 53:16
قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ إذ متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ واختلفوا في الذي كان يغشى السدرة في ذلك الوقت فروي أن النبي -ﷺ- سئل ما غشيها؟ قال: "فراش من ذهب" [[قلت: الذي عند الترمذي في كتاب التفسير 5/ 367 (3276) قال ابن مسعود: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: السدرة في السماء السادسة، قال سفيان: فراش من ذهب ..) الحديث. قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
وتقدم في الحديث الذي رواه البخاري وغيره أنه -ﷺ- قال: (وغشيها ألوان لا أدري ما هي.). والأقوال المروية عن الأئمة إن صحت نسبتها إليهم في تفسير الآية اجتهادات منهم، ربما لم يبلغهم الحديث الصحيح، والله تعالى أعلم.]] وهو قول عبد الله، وسعيد بنُ جبير، ورواية عكرمة عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 33، و"الكشف والبيان" 12/ 9 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 248، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 252.]].
وروى الضحاك عنه: قال رسول الله -ﷺ-: "رأيتها حتى استثبتها ثم حال دونها فراش من ذهب" [[أخرجه ابن جرير، انظر: "جامع البيان" 27/ 33.]] وهو قول مسروق وأبي العالية [[انظر: "جامع البيان" 27/ 33، و"معالم التنزيل" 4/ 248.]].
وقال مقاتل: غشيتها الملائكة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 48، و"القرطبي" 17/ 96، ولم أجده في "تفسير مقاتل".]]، وروي عن الحسن: غشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن علي الشجر [[انظر: "الوسيط" 4/ 198، وذكر غيره من المفسرين هذا القول منسوبًا للربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة. وذكروا قول الحسن بلفظ: (غشيها نور رب العالمين فاستنارت). انظر: "الكشف والبيان" 9/ 12 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 248، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 96، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 252.]].
وروي أن النبي -ﷺ- قال: "رأيت على كل ورقة من ورقها ملكًا قائمًا يسبح الله -عز وجل-" [[قال ابن حجر: أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: قيل يا رسولى الله: أي شيء رأيت يغشى تلك الشجرة، فذكره وأتم منه. وعبد الرحمن ضعيف، وهذا معضل. "تخريجات الكشاف" 4/ 335، وأخرجه الثعلبي بلفظ: == ويروى أن رسول الله -ﷺ- .. بدون سند. "الكشف والبيان" 12/ 9 ب.
وانظر: "جامع البيان" 27/ 33، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 252.]].
وقال إبراهيم، ومجاهد: رفرف أخضر [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 97، و"فتح القدير" 5/ 107.]].
وقال السدي: غشيها طيور من فوقها [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 248.]].
وروي مرفوعًا: "غشيها نور من الله حتى ما يستطيع أحد ينظر إليها" [[لعل مراد المؤلف رحمه الله ما ورد في الصحيح وقوله -ﷺ-: "فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها .. " "صحيح مسلم"، كتاب: الإيمان" باب: الإسراء برسول الله -ﷺ- .. 1/ 146.]].
النجم 53:17
قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد النبي -ﷺ-؛ لأن الله تعالى أعطاه من القوة ما قوي به على النظر إلى الآيات [[لم أقف عليه]].
فعلى هذا القول معنى الآية ما ملَّ بصره من رؤية الآيات خوفًا وجزعًا.
وروى مسلم عن ابن عباس: ما زاغ البصر يمينًا ولا شمالًا ولا جاوز ما أمر به [[انظر: "جامع البيان" 27/ 34، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 97، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 469 عن مجاهد عن ابن عباس وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وزاد الذهبي وعلى شرط مسلم أيضًا.]]. ونحو ذلك روى الكلبي، وهو قول مجاهد، والمفسرين، قال الكلبي: ما قلب بصره يمينًا ولا شمالاً، وما جاوز ما رأى [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 293، و"الوسيط" 4/ 198، و"معالم التزيل" 4/ 249، و"تفسر القرآن العظيم" 4/ 252.]].
وعلى هذا معنى الآية وصف أدب النبي -ﷺ- في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبًا ولم يمد بصره إلى غير ما أري من الآيات واستقبله من العجائب، فمعنى زيغ البصر: التفاته من الجانبين وطغيانه أنه يمد بصره أمامه إلى حيث ينتهي يقول: لم يفعل ذلك.
النجم 53:18
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ يجوز أن تكون الكبرى من صفة الآيات وحدت لتوافق الفواصل، ويجوز نعت الجماعة بنعت الأنثى الواحدة، كقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: 18] وهذا معنى قول عطاء، والكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 294، و"التفسير الكبير" 28/ 295، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 98.]]، يعني الآيات العظام التي رآها تلك الليلة، وقال مقاقل: يعني ما رأى تلك الليلة [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249.]]. ويدل على صحة التأويل قوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسر اء: 1].
ويجوز أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ نعت محذوف على تقدير: لقد رأى من آيات ربه الكبرى [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 99. ولعل في العبارة سقط واستقامتها: لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى. والله أعلم.]].
واختلفوا في تلك الآية فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: رأى جبريل قد طبق الأفق في صورته التي خلق فيها له ستمائة جناح [[انظر: "الوسيط" 4/ 198، و"فتح القدير" 5/ 107.]]، وهذا قول ابن زيد، وابن حيان، ومحمد بن كعب، قالوا: جبريل من آيات ربه الكبرى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 34، و"الكشف والبيان" 12/ 10 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 98.]].
قال عبد الله: رأى رفرفًا أخضر [[انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ 6/ 176، و"جامع البيان" 27/ 34، و"معالم التنزيل" 4/ 249، وروى النسائي == والحاكم عن ابن مسعود قال: (أبصر نبي الله -ﷺ- جبريل -عليه السلام- على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض). قال ابن حجر: فيجتمع من الحديثين أن الموصوف جبريل، والصفة التي كان عليها. "فتح الباري" 8/ 611، و"المستدرك" 2/ 469.
قلت: وبهذا تجتمع الأقوال في أن المراد بالآيات "الكبرى" هو جبريل -عليه السلام-، حين رآه النبي -ﷺ- في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض. وانظر: "سنن الترمذي" 5/ 370، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]].
وقال الضحاك: هي سدرة المنتهى [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 98، و"فتح القدير" 5/ 107.
قلت: لعل ما ذكر عن السلف في تفسير هذه الآية هو من باب ذكر بعض ما رآه -ﷺ-. قال القرطبي: وقيل: هو ما رأى تلك اليلة في مسراه في عوده وبدئه، وهو أحسن، دليله ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ "الجامع" 17/ 98.
ونحوه ذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 252 وحمل الآية على عموم ما رآه أولى.
قال ابن جرير: لقد رأى محمد هنالك من أعلام ربه وأدلته الأعلام والأدلة الكبرى."جامع البيان" 27/ 34.]].
النجم 53:19
قال أبو إسحاق: لما قص الله هذه الأقاصيص قال للمشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ كأن المعنى والله أعلم: أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، هل لها من هذه القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شيء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 72.]].
ومعنى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ على ما ذكر السؤال والاستفتاء كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ وقد مر [[من آية (50) من سورة يونس.]].
وتنتظم الآية بما قبلها على المعنى الذي ذكره.
قال صاحب النظم: معنى الآية أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونهن أأوحَين شيئًا إليكم كما أوحي إلى النبي -ﷺ- [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 99.]]؟ والتقديران اللذان ذكراهما يستدل عليهما بفحوى الكلام، وقد قال أبو إسحاق أيضًا: أفرأيتم هذه الإناث أَلله هي وأنتم تختارون الذكران وذلك قوله: ألكم الذكر وله الأنثى [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 72، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 268.]]، وهذا الوجه أجود الثلاثة وسنزيده وضوحًا عند قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ إن شاء الله.
قال أبو علي الفارسي: أرأيتم هنا بمنزلة أخبروني لتعدي أرأيت إلى المفعول ووقوع الاستفهام في موضع المفعول الثاني، والمعنى: أرأيتم جعلكم اللات والعزى بنات الله، ألكم الذكر؟ وجاز الحذف لأن هذا قد تكرر في القرآن كقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: 57] ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19] فكان الحذف بمنزلة الإثبات، ألا ترى أن سيبويه جعل كُلاًّ في قوله:
ونارٍ توقَّدُ بالليلِ نَارا [[البيت لأبي دواد الإيادي، وهو جارية بن الحجاج.
انظر: "ديوانه" 353، و"الكتاب" 1/ 66، و"الكامل" 1/ 287، و"الإنصاف" 743، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 21، و"الأصمعيات" 191. وصدره:
أكل امرئ تحسبين أمرأً]]
بمنزلة المذكور في اللفظ للعلم به وإن كان محذوفًا وقد دل قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ على المحذوف، وادعوا هذا في هذه الآلهة كما ادعوه في الملائكة [[انظر: "المسائل الحلبيات" ص 78 - 79، و"الكتاب" 1/ 66.]].
فأما اللات فروى عطاء عن ابن عباس قال: هي صنم [[لم أقف على هذه الرواية، والجمبع على أن اللات اسم لصنم.]].
قال قتادة: هي بالطائف [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، "الكشف والبيان" 12/ 10 أ.]]، قال الكلبي: هي صخرة كانت بالطائف لثقيف [[ثقيف: بطن من هوازن من العدنانية، اشتهروا باسم أبيهم فيقال لهم ثقيف، وكانت منازلهم بالطائف على مرحلتين من مكة. انظر: "نهاية الأرب" ص 186.]] يعبدونها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100.]].
وقال ابن زيد: اللات بيت بنخلة [[نخلة: موضع بين مكة والطائف. قال البكري: على ليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة.
انظر: "معجم البلدان" 1/ 449، و"فتح الباري" 8/ 674.]] كانت قريش تعبده [[انظر: "جامع البيان" 27/ 35.]].
وقال أبو عبيدة: هي صنم في جوف الكعبة لقريش [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، ولفظه (أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها). قال ابن حجر: (وكانت اللات بالطائف، وقيل بنخلة، وقيل بعكاظ، والأول أصح).
"فتح الباري " 8/ 612.]].
واختلفوا في اشتقاق اللات، فأكثر المفسرين [[ومنهم ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، وأبو صالح، والكلبي. انظر: "جامع البيان" 27/ 35، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع" للقرطبي 17/ 100.]] ذكروا أنه بتشديد التاء من اللَّت، وهو خلط السويق بالسمن ودلكه به.
روى أبو الجوزاء، عن ابن عباس قال: اللات رجل كان يلت السويق للمشركين فمات فعكفوا على قبره فعبدوه [["صحيح البخاري"، كتاب التفسير، باب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ 6/ 176 ولفظه: (كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج).
قال ابن حجر: وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء == عن ابن عباس، ولفظه فيه زيادة (كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه) "فتح الباري" 8/ 612.]]، ونحو ذلك روى السدي، وذكر أنه كان بالطائف [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 294، و"الكشف والبيان" 12/ 10 أ.]].
وزاد الكلبي بيانًا فقال: كان رجل من ثقيف يقال له صِرمة بن غنم كان يسلأ [[قال الأصمعي: سَلأتُ السَّمْنَ أسْلأُه سَلأً. قال: والسِّلاء الاسم وهو السَّمن. "تهذيب اللغة" 13/ 70 (سلأ).]] السمن فيضعه على صخرة ثم تأتيه العرب فيلت به أسوقتهم فلما مات الرجل حولت ثقيف تلك الصخرة إلى منازلها فعبدتها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100.]].
ويدل على صحة هذا التأويل قراءة ابن عباس، ومجاهد، وأبي صالح: (الَّلاتَّ) بتشديد التاء [[قرأ رويس (الَّلاتَّ) بتشديد التاء وبمدٍ للساكنين، وهي قراءة ابن عباس، ومجاهد، ومنصور ابن المعتمر، وطلحة، وأبي الجوزاء. والقراءة المتواترة (اللَّاتَ) بالتخفيف. انظر: "النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" 403، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100، و"البحر المحيط" 8/ 160.]].
ووجه قراءة العامة على هذا الاشتقاق ما ذكره الفراء قال: القراءة بالتخفيف، والأصل بالتشديد؛ لأن الصنم إنما سمي باسم اللاَّتِ الذي كان يلت السويق عنده، وجعل اسمًا للصنم، وعلى هذا الوقف على اللات يكون بالتاء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 97، و"تهذيب اللغة" 14/ 253 (لت)، و"اللسان" 3/ 340 (لتت).]] وهو اختيار أبي إسحاق، قال: لاتباع المصحف فإنها كتبت بالتاء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 73.]].
وقال جماعة من المفسرين: اللات من الله، وكان المشركون يسمون أوثانهم بأسماء الله فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزَّى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 34، و"الوسيط" 4/ 199، و"معالم التنزيل" 4/ 249.]]، وهو اختيار الأزهري قال: كأن المشركين الذين عبدوها عارضوا باسمها اسم الله تعالى علوًا كبيرًا عن إفكهم ومعارضتهم والحادهم في اسمه العظيم، ويدل على صحة هذا التأويل أن الكسائي كان يختار الوقف عليها بالهاء، وهذا يدل على أنه لم يجعلها من اللَّت [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 253 (لت).]].
قال أبو علي الفارسي: اشتقاق اللات من لويت على الشيء، أي: أقمت عليه، ولذلك أنهم كانوا يلوون على آلهتهم وبعكفون عليها عبادة لها وتقرئا إليها، ولذلك تواصوا فيما بينهم فيما أخبر الله به عنهم في قوله: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: 6] فاشتق اسمها من هذا المعنى الذي كانوا يعتقدون فيها ويتدينون به لها، فهو على هذا مثل شاه وذات، والتاء للتأنيث في قول من خفف، ومعنى التأنيث فيها تأنيث اللفظ، إذ التأنيث الحقيقي لا يصح فيهاة لأنها جماد، والدليل على صحة هذا أن سيبويه قال في النسبة إليها لاي [[انظر: "الكتاب" 1/ 371.]]، فحذف التاء، فدل على أنها للتأنيث، وذلك أن تاء التأنيث تحذف في النسبة، ولما حذف التاء شبه بقلة التصرف الحروف فزاد على الحرف حرفًا مثله كما فعل ذلك بـ (ذا) إذا سُمي به رجل فقال: ذآء، فلما زيدت همزة على (ذا) لما سمي به كذلك زيدت هاهنا همزة، وكذلك يفعلون بـ (ما) و (لا) عند التسمية بهما، والوقف على هذا بالهاء كما اختاره الكسائي.
وقول أبي إسحاق الأجود الوقف بالتاء لاتباع المصحف. فيجوز أن تكون كتبت فيه بالتاء على الوصل دون الوقف كما كتب ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: 24] ونحوه بغير الواو، فلما كتب هذا ونحوه على الوصل كذلك يجوز أن يكون كتب في المصحف على الوصل، انتهى كلامه [[لم أقف عليه.]].
وأما الألف واللام في اللَّات والعزّى فذهب أبو الحسن [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 158.]] إلى أن اللام فيهما زائدة.
والذي يدل على صحة مذهبه أن اللّات والعزَّى [[(والعزى) ساقطة من (ب).]] علمان بمنزلة يغوث [[يغوث: صنم كان لمذحج. وهو اسم صنم كانن لقوم نوح كما هو في سورة نوح.]] ويعوق [[يعوق: اسم صنم لكنانة. وقيل: كان لقوم نوح.]] ونسر [[نسر: صنم كان لذي الكلاع بأرض حمير. وهذه الأصنام ذكرها الله تعالى في سورة نوح فهي بلا شك لقومه. وأخذ المشركون منها أسماء آلهتهم.]] ومناة [[مناة: صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة.]] وغير ذلك من أسماء الأصنام. فهذه كلها أعلام وغير محتاجة في تعريفها [[في (ك): (تعرفها).]] إلى اللام، وليست من باب الحارث والعباس من الأوصاف التي نقلت فصارت أعلامًا وأقرت فيها لام التعريف على ضرب من توهم روائح الصفة فيها فيحمل على ذلك، فوجب أن تكون اللام فيها زائدة كما ذكرنا في الذي وبابه، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي الفتح الموصلي [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 359، و"الكتاب" 1/ 267.]].
وأما العُزّى قال عطاء: هي صنم [[انظر: "فتح القدير" 5/ 108، و"روح المعاني" 27/ 55، ولم ينسباه لقائل.
وقيل العزى: شجرة قديمة قدسها العرب في بلدة نخلة الثامية إلى الشمال من مكة، وكانت قريش وبعض قبائل الحجاز مثل غني، وباهلة تعظمها. انظر: "أطلس تاريخ الإسلام".
وقال ابن كثير: كانت بيتًا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، و"البداية والنهاية" 4/ 316.]]، وقال مجاهد، والكلبي: هي سمرة من الشجر كانت بنخلة لغطفان [[غطفان: بطن عظيم متسع، كثير الشعوب والأفخاذ، من قيس عيلان من العدنانية، كانت لهم منازل بنجد مما يلي وادي القرى، وجبل طىء.
انظر: "معجم البلدان" 3/ 888.]] يعبدونها، وهي التي بعث إليها رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد فقطعها ويقول:
يا عز كفرانك لا سبحانكِ ... إني رأيت الله قد أهانكِ
فخرجت منها شيطانة تجر شعرها واضعة يديها على رأسها تدعو بالويل فضربها خالد بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله -ﷺ- فأخبره فقال: "تلك العزى ولن تعبد أبدًا" [[اقتصر البيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 77 على قوله -ﷺ-: "تلك العزى". وفي "الطبقات" 2/ 146 بلفظ: "نعم تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدًا"، وكذا الواقدي في "المغازي" 3/ 874.]].
وقال قتادة: كاذت العزى لقريش [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، و"الدر" 6/ 127.]]، وهو قول الحسن واختيار أبي عبيدة قالوا: هذه أصنام من حجارة كانت قريش توجه إليها العبادة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، و"روح المعاني" 27/ 55.]].
وقال الضحاك: هي صنم من حجر لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249.]].
وأما تفسير العزى فإنها تأنيث الأعز مثل الكبرى والأكبر، والأعز يكون بمعنى العزيز والعزى بمعنى العزيزة [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 361 - 363.]].
النجم 53:20
قوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: أصنام المشركين [[لم أقف على هذه الرواية. وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 250.]]. يعني هذه وما ذكر قبلها، وهو اختيار أبي عبيدة على ما ذكرنا.
وقال قتادة: وكاذت مناة للأنصار [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، و"فتح الباري" 8/ 613.]]، وقال الضحاك والكلبي: مناة صنم كانت لهذيل وخزاعة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء، 3/ 98، و"الكشف والبيان" 12/ 11 ب، و"الوسيط" 4/ 199، و"معالم التنزيل" 4/ 250.
وهذيل: ابن مدركة بطن من مدركة بن إلياس، من العدنانية، كانت ديارهم بالسروات، وسراتهم متصلة بجبل غزوان المتصل بالطائف، ثم تفرقوا بعد الإسلام. انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 1213. == وخزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية، وكانوا بأنحاء مكة في مر الظهران وما يليه من جبالهم الأبواء، وهو جبل شامخ مرتفع ليس عليه شيء من النبات. "معجم قبائل العرب" 1/ 238.]].
ولم يذكروا لمناة اشتقاقًا [[وفي "الصحاح" .. من قولك منوت الشيء. "اللسان" 3/ 541 (مني).
وقال النحاس: من مَنَى الله -عز وجل- عليه الشيء: أي قدَّره. "إعراب القرآن" 3/ 26. وقيل: من مني يمني: صب؛ لصب دماء النحائر عندها. "الإتحاف" ص 403. وانظر: "الكشاف" 4/ 39، و"محاسن التأويل" 15/ 5571.]]. وكان ابن كثير يقرؤها بالمد والهمز [[قرأ ابن كثير (ومَنَاءَةَ) بهمزة مفتوحة بعد الألف فيمد مدًا متصلاً. وقرأ الباقون "مناة" انظر: "حجة القراءات" ص 685، و"النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" ص 403.]].
قال أبو علي الفارسي: لعل (مناءة) بالمد لغة ولم أسمع بها من أحد من رواة اللغة، وقد سمّوا زيد مناة، وعبد مناة ولم أسمع بالمد، قال جرير:
أزيدَ مناةَ توعِدُ يَابْنَ تيم ... تَبَيَّنْ أَيْنَ تَاهَ بكَ الوَعيدُ [[انظر: "ديوان جرير" 1/ 332، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 232، "البحر المحيط" 8/ 161، و"المُحرر" 15/ 267.]]
﴿الثَّالِثَةَ﴾ نعت لمناة؛ يعني الثالثة للصنمين اللذين ذكرهما، وهذه ثالثتهما في الذكر، و ﴿الْأُخْرَى﴾ نعت لمناة أيضًا.
النجم 53:21
قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ مذهب جماعة من المفسرين أن هذه الآية وما بعدها معترضة بين قصة الأصنام، فإن هذه لا تعلق لها بما قبلها [[قال النحاس: يجوز أن يكون مقدمًا ما ينوي به التآخير. "إعراب القرآن" 3/ 268.]]، ومعناها الإنكار عليهم حيث جعلوا الملائكة بنات الله.
قال عطاء عن ابن عباس: وذلك أن المشركين قالوا: الملائكة بنات الله، وجعلوا لأنفسهم البنين كما قال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: 62] وهذا مذهب السدي ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 295، و"تفسير مقاتل" 130 ب.]].
قال الكلبي: قال مشركو مكة: الأصنام والملائكة بنات الله فنحلوه البنات، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك، فقال الله تعالى منكرًا عليه ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ يعني البنين، ﴿وَلَهُ الْأُنثَى﴾ يعني ما نحلوه من الأصنام -وهي إناث في أسمائها- والملائكة [[انظر: "الوسيط" 4/ 199، و"معالم التنزيل" 4/ 250.]]، وهذا اختيار الزجاج والفراء وابن قتيبة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 98، و"تفسير غريب القرآن" 428، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 72 - 73.]].
النجم 53:22
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. القراء على ترك الهمز من (ضِيزَى)، وقرأ ابن كثير (ضِئزى) بالهمز [[قراْ ابن كثير (ضئْزَىَ) بهمزة ساكنة، وقرأ الباقون (ضيزى) بياء مكان الهمزة. انظر: "حجة القراءات" ص 685، و"النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" ص 403.]].
قال ابن السكيت: يقال: ضِزْتُه حَقَّه أي نقصته.
وقال أبو زيد: (ضِيزى) جائرة، يقال: ضاز يضيز ضيزًا، قال: وضأز، يضأز مثله. وأنشد أبو زيد فقال:
إن تَنْأَ عنَّا نَنتَقِصْك، وإن تُقِم ... فحظُّك مَضْؤزُ وأنفُكَ راغِمُ [[البيت للقطامي كما في "جامع البيان" 27/ 36، و"المذكر والمؤنث" ص 175، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 102، و"تهذيب اللغة" 12/ 53، (ضاز)، و"اللسان" 2/ 503 (ضأز).]] وقال أبو الهيثم: ضِزْتُ فلانًا أضيزه ضيزا: جُرت عليه.
وقال ابن الأعرابي: تقول العرب: قسمةٌ ضُؤْزَى بالضم والهمز وضُوزى بلا همزٍ وضِيئِزَى بالكسر والهمز [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 53 (نضم).]].
قال الفراء: ضيزى فعلى وإن رأيت أولها مكسورًا وهي مثل بيض وعين، كان أولها مضمومًا فكرهوا أن يترك على ضمته فيقال: بوضٌ وعونٌ، والواحدة بيضاء وعيناء فكسروا أولها ليكون بالياء ويتألف الجمع والاثنان والواحد، كذلك كرهوا أن يقولوا ضُوزى فتصيرُ بالواو وهي من الياء وإنما قضيت على أولها بالضم لأن النعوت للمؤنث تأتي إما بفتح أو بضم نحو سَكْرى وعطشى وحُبْلى، والمكسور يكون اسما ولا يكون نعتًا كالذكرى والدِّفْلى [[في (ك): (الدفري) والصواب ما أثبته. والدِّفْلىَ: شجر مر أخضر حسن المنظر يكون في الأودية. "اللسان" 1/ 994 (دفل).]] والشِّعْرَى، انتهى كلامه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 98 - 99، و"اللسان" 2/ 559 (ضيز).]].
وقال أبو إسحاق: أجمع النحويون أن أجل ضيزى ضوزى فنقلت من فُعْلَى إلى فِعْلَى لتسلم الياء كما قالوا أبيض وبيضٌ، وأصله بُيْضُ فنقلت الضمة إلى الكسرة، وإنما لم يقل النحويون إنها على أصلها لأنهم لم يعرفوا الكلام فُعْلَى صفةً، ونظير ضيزى في الكلام قولهم: مِشْيِةً حيكى، وهي مشية يحيك فيها صاحبها. فحِيكى عندهم فُعْلَى أيضًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 73، و"المذكر والمؤنث" ص 175. ومشية حيكىَ إذا كان فيها تبختر. "اللسان" 1/ 771 (حيك).]].
وشرح أبو علي الفارسي هذا الفصل فقال: قولهم قسمة ضيزى ومشية حِيكَى فإن النحويين يحملوه على أنه في الأصل فُعْلَى وإن كان اللفظ علي فِعْلَى كما أن البيوت والعِصيَّ في الأصل فعولٌ وإن كانت الفاء مكسورة وإنما حملوها على أنها فُعْلى دون ما عليه اللفظ؛ لأنهم لم يجدوا في الصفات شيئًا على فُعلى وكان القياس أن يقال ضوزى وأن لا يُحْفَل بانقلاب الياء إلى الواو وكأنهم آثروا الكسرة والياء على الضمة والواو من حيث كانت الكسرة والياء أخف عليهم، ولم يخافوا التباسًا حيث لم يكن في الصفة شيء على فِعْلى فإن قلت: كيف قالوا: إن فِعلى لا تكون في أبنية الصفات وقد قال أحمد بن يحيى: رجل كِيصى إذا يأكل وحده، وقد كاص طعامه إذا أكله وحده؟ قيل إن سيبويه قال: لم تجئ فِعْلَى صفة [[انظر: "الكتاب" 2/ 371.]]. والذي حكاه أحمد بن يحيى [[انظر: "مجالس ثعلب" 2/ 323 - 324، و"تهذيب اللغة" 10/ 309، و"اللسان" 3/ 20 (كأص).]] بالتنوين فليس هو ما قاله سيبويه ولا يمتنع أن يجيء الألف آخرًا للإلحاق بِهجرَع [[الهِجْرَعَ: من صنف الكلاب السلوقية الخفاف، والهِجْرَعَ، الطويل الممشوق. "اللسان" 3/ 774 (هجرع).]] ونحوه، وأما قراءة ابن كثير فلا ينبغي أن يكون أراد بضيزى فُعْلى، لأنه لو أراد ذلك لكان ضوزى ولم يرد به أيضًا فِعلى صفة؛ لأن هذا البناء لم يجيء صفة ولكن ينبغي أن يكون أراد به المصدر مثل: الذِّكرَى فكأنه قال: قسمة ذات ظلم، فعلى هذا يكون وجه قراءته [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 234، و"التكملة" لأبي علي ص 317 - 318.]].
وأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقتادة: ضيزى جائرة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 295، و"جامع البيان" 27/ 36، و"البغوي" 4/ 250.]]. وقال مجاهد، ومقاتل: عوجاء [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 631، و"تفسير مقاتل" 130 ب.]].
وقال الحسن: غير معتدلة [[انظر: الكشف والبيان" 12/ 11 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 250.]]، وقال الضحاك: ناقصة [[(ك): (ناقة) ولعل الصواب ما أثبته، وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: جائزة. "الدر" 6/ 127، و"الكشف والبيان" 12/ 11 ب.]]، وقال سفيان: منقوصة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 36، و"روح المعاني" 27/ 57.]].
والمعنى: تلك القسمة التي قسمتم من نسبة البنات إلى الله وإيثاركم بالبنين قسمة غير عادلة.
النجم 53:23
قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾ أخبر الله تعالى أن هذه الأصنام سموها بهذه الأسامي لا معاني تحتها، لأنه لا ضر عندها ولا نفع فهي تسميات ألقيت على جمادات.
قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ يعني اللات والعُزّى ومناة. يقول: ما هي إلا أسماء، أي أنها لا تنبئ عن معنى ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ تسمية باطلة لم يقم بها حجة، وهو قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، ويجوز أن يكون المعنى: ما أنزل الله بعبادتها من سلطان، قال مقاتل: لم ينزل بذلك كتابًا لكم فيه حجة بما تقولون إنها آلهة [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 251.]].
ثم رجع عن الخطاب إلى الخبر فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يقول: ما لهم من علم أنها آلهة إلا ظنًا يتبعون في عبادتها الظن وهوى النفس، وهو ما زين لهم الشيطان ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أي البيان والرشاد بالكتاب والرسول.
وهذا تعجيب من حالهم حيث لم يتركوا عبادتها مع وضوح البيان.
ثم أنكر على الكفار تمنيتهم شفاعة الأصنام فقال:
النجم 53:24
﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ﴾ يعني الكافر (مَا تَمَنَّى) من شفاعة الأصنام [[ذكر بعض المفسرين هذا القول ومنهم من فسر التمني بما كانوا يشتهونه من نزول القرآن على رجل من إحدى القريتين عظيم، وقيل غير ذلك.
قال الألوسي: ويفهم من كلام بعض المحققين أن المراد السلب الكلي، والمعنى: لا شيء مما يتمناه الإنسان مملوكًا له مختصًا به يتصرف فيه حسب إرادته، ويتضمن ذلك نفي أن يكون للكفرة ما ذكر وليس الإنسان خاصًا بهم كما قيل. "روح المعاني" 27/ 58.
وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 254، و"البحر المحيط" 8/ 163.]].
النجم 53:25
﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ أي لا يملك فيهما ولا منهما أحد شيئًا إلا بإذنه؛ لأنهما [[في (ك): (كأنهما) والصواب ما أثبته.]] له. وفي هذا إبطال ما يتمنى الكافر.
ثم أكد هذا بقوله تعالى:
النجم 53:26
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ جمع الكناية لأن المراد بقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَك﴾ الكثرة، وذلك أن كم يخبر بها عن العدد الكثير فدل ﴿كَمْ﴾ على أنه أراد جمعًا، قاله الفراء، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 99، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 73 - 74.]].
قوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشفاعة ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ يعني أنهم لا يشفعون إلا لمن يرضي الله من أهل التوحيد.
قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه [[انظر: "الوسيط" 4/ 200، و"معالم التنزيل" 4/ 251.]]، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28].
قال أبو علي: قوله: ﴿لِمَن يشَآءُ﴾ المعنى: لمن يشاء شفاعته على إضافة المصدر إلى المفعول به الذي هو مشفوع له، ثم حذف المضاف فصار اللفظ لمن شاءه، أي: يشاء شفاعته، ثم حذف الهاء من الصلة [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 307.]].
ثم ذم الله تعالى صنيع الكفار.
النجم 53:27
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: لا يصدقون بالثواب والعقاب [[وفي "تنوير المقباس" 5/ 297، قال: (بالبعث بعد الموت، يعني كفار مكة) والمعنى متقارب.]].
﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ حين زعموا أنهم بنات الله، والأنثى تسمى بنتًا فإذا وصفوا الملائكة بالبنات فقد سموها تسمية الإناث، وتسمية الأنثى من باب إضافة المصدر إلى المفعول.
النجم 53:28
﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ﴾ ذلك التسمية: ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ قال مقاتل: ما يستيقنون بأنها إناث [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ.]].
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد ظنًا ليس بيقين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297.]].
﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ قال عطاء: يريد لا ينتفعون به [[انظر: "جامع البيان" 27/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 255، وهو المعتمد عندهما ولم ينسباه لقائل.]].
والمعنى لا يقوم مقام الحق ولا يغني من العلم فمعنى الحق هاهنا العلم. وهذا يدل على أن الظان غير عالم، وأن من بني على الظن لم يبن علي أساس [[قال الشوكاني رحمه الله: وهذا من الأمور التي يحتاج فيها إلى العلم، وهي المسائل العلمية، لا فيما يكتفى فيه بالظن، وهي المسائل العلمية ... فإن دلالة العموم والقياس وخبر الواحد ونحو ذلك ظنية، فالعمل بها عمل بالظن، وقد وجب علينا العمل به في مثل هذه الأمور ... "فتح القدير" 5/ 112.]].
وقال الكلبي: أي لا يدفع من عذاب الله شيئًا، وهو اختيار الفراء [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 100.]]. والحق على هذا القول معناه العذاب.
ثم أمره بالإعراض عنهم:
النجم 53:29
قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297، و"معالم التنزيل" 4/ 251، و"القرطبي" 17/ 105.]]، وهذا مما نسخته آية القتال [[انظر: "الوسيط" 4/ 201، و"نواسخ القرآن" 233.]].
ثم صغر رأيهم وأزرى بهم.
النجم 53:30
فقال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله وأنها تشفع لهم فاعتمدوا ذلك وأعرضوا عن القرآن. هذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 251.
ومعنى الآية على ما ذكر ابن كثير ورجحه الشوكاني، والآلوسي: أن التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو مبلغهم من العلم ليس لهم غيره، ولا يلتفتون إلى سواه من أمر الدين. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 255، و"فتح القدير" 5/ 112، و"روح المعاني" 27/ 60.]].
وقال أبو إسحاق: أي إنما يعملون ما يحتاجون إليه في معايشهم، وقد نبذوا أمر الآخرة وراء ظهورهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 74.]]، وهذا معنى قول الكلبي، وذكر الفراء القولين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 100.]].
ثم عزّى نبيه -ﷺ-، قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي أنه عالم بهم فهو يجازيهم بما يستحقون ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، قال ابن عباس: يريد قبل أن يخلق الخلائق [[لم أجده.]]. والمعنى أنه أعلم بالفريقين لأنه علمهما قبل خلقهما فلا يذهب عليه جزاؤهما.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال صاحب النظم: هذا فصل معترض.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ متعلق بمعنى الآية وهو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية. والمعنى أنه أعلم بهم فإذا كان أعلم بهم جازى كلاًّ بما يستحقه.
واللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ لام العاقبة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 105.]]، وهو أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم.
النجم 53:31
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إخبار عن قدرته وسعة ملكه؛ وهذا فيما يؤكد الجزاء، لأنه إنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك واسع المقدرة، ثم أن هذه المعاني، وهي علمه وقدرته وسعة ملكه إلى جزاء المطيع بطاعته والمسيء بإساءته، فذلك قلنا إن اللام في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ لام العاقبة، هذا معنى ما ذكره صاحب النظم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 5 - 6.]].
قال ابن عباس، ومقاتل: ليجزي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قالوا لا إله إلا الله (بِالْحُسْنَى) بالجنة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 298، و"تفسير مقاتل" 131 أ.]]. ثم نعت المحسنين.
النجم 53:32
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ وقد تقدم الكلام في تفسير الكبائر في سورة النساء [[عند تفسيره لآية (31) من سورة النساء.
ومما قال: اختلفوا في الكبائر ما هي ... قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شئ عصي الله فيه فهو كبيرة .. وقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله -عز وجل- بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير والضحاك. والصحيح أنه ليس لها حد يعرفه العباد وتتميز به الصغائر يتميز إشارة ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر.]].
قال مقاتل: كبائر الإثم، يعني: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش يعني: كل ذنب فيه الحد [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ. وفي "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 525 قال: واختلف العلماء في الكبائر على أقوال .. وقيل إنها ما يترتب عليها حد، أو تُوعِّد بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، وهذا أمثل الأقوال.
قال الألوسي: والفواحش ما عظم قبحه من الكبائر فعطفه على ما تقدم من عطف الخاص على العام. وقيل: الفواحش والكبائر مترادفان. "ررح المعاني" 27/ 61. وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 188، و"اللسان" 2/ 1056 (فحش).]].
وقرأ حمزة والكسائي: (كبير الإثم) [[قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (كبير) بكسر الباء من غير الألف ولا همزة على التوحيد. وقرأ الباقون (كَبَائِرَ) بفتح الباء والف وهمزة مكسورة بعدها.
انظر: "حجة القراءات" ص 686، و"النشر" 2/ 367، و"الإتحاف" ص 403.]].
وفعيل قد جاء يعني به الكثرة كما أن فعولا كذلك في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: 92]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: 112].
ومن فعيل الذي أريدَ به الكثرة قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: 100 - 101]، وقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17]، وقول الشاعر [[الشاعر هو السموأل بن غريض بن عادياء اليهودي، وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء.
انظر: مقدمة "ديوانه" ص 67، و"الأعلام" 3/ 140، و"الأصمعيات" ص 82، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 156.]]:
وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ ...... البيت [[والبيت ورد في "ديوانه" 90، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 80، و"شرح حماسة المرزوقي" 1/ 112، و"الحجة" 6/ 235 والبيت بتمامه:
وما ضرنا أنا قليلٌ، وَجَارُنَا ... عَزِيزٌ، وَجَارُ الأَكْثَرينَ ذَلِيلُ]]
فمن حيث كان لفظ الإفراد والمراد به الكثرة في هذا الموضع كذلك أفرد فعيل في قوله: (كبير الإثم) وإن كان المراد به الكبائر.
ويحسن الإفراد من وجه آخر، وهو أن المصدر المضاف فعيل إليه واحد في معنى الكثرة، ألا ترى أنه [[(أنه) زيادة من "الحجة".]] ليس يراد به إثم بعينه، إنما يراد به الآثام، فكذلك يكون المراد بالمضاف الكثرة، وإذا كان كذلك فالإفراد فيه يفيد ما يفيد الجمع.
فإن قيل: فهلا أُفْردا في النساء كما أفردا في هذه السورة؟ قيل: إذا أتيا به على قياس ما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع لم يكن لقائل مقال، ألا ترى أنه قد جاء ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: 92] وقال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُو﴾ [الكهف: 50]، فأفرد، وجمع في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ [فصلت: 19]، و ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة: 2] فلم صنع من إفراد ذلك جمعه في المواضع التي جمع فيها [[(فيها) ساقطة من (ك).]]، كذلك الإفراد هاهنا لا يمنع الجمع في سورة النساء، وأما من جمع فقال: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ فلأنه في المعنى جمعٌ، والإثم يراد به الكثرة إلا أنه أفرد كما تفرد المصادر وغيرها من الأسماء التي يراد بها الكثرة والأجناس [[من قوله: "وفعيل قد جاء يعني به الكثرة .. " إلى هنا من كلام أبي علي.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 235 - 237.]].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ اختلفوا فيه على قولين:
أحدهما: أن اللمم صغار الذنوب، مثل النظرة والغمزة والقبلة.
قال عطاء، عن ابن عباس: إلا ما كان دون الزنا [[انظر: "الوسيط" 4/ 201، و "معالم التنزيل" 4/ 252.]]. وقال الكلبي عنه: اللمم النظرة عن غير تعمد، فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 100، و"تهذيب اللغة" 15/ 348، و"الكشف والبيان" 12/ 14 ب، و"معالم النزيل" 4/ 253، عن الحسين بن الفضل.]].
وعن نافع بن جبير بن مطعم: هو ما دون الوقاع، وهذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، وطاووس، قالوا: ما دون الزنا [[انظر: "جامع البيان" 17/ 39، و"الكشف والبيان" 12/ 13 أ، و"الوسيط" 4/ 201، و"معالم التنزيل" 4/ 252، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 255.]].
واحتجوا بما روى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إن الله -عز وجل- كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" [[أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج 4/ 67، ومسلم في كتاب القدر، باب: قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره 4/ 2046، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 253، والإمام أحمد في "المسند" 2/ 317.]].
فإن تقدم فرجه كان زانٍ وإلا فهو اللمم.
وقال ابن الزبير، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: هو ما بين الحدين، حد الدنيا، وعذاب الآخرة، وكل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولم يتوعد عليه بعذاب في الآخرة فهو اللمم، وهي رواية العوفي، والحكم عن ابن عباس، وهؤلاء قالوا: اللمم تكفره الصلوات وهو مغفور لمن اجتنب الكبائر [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ، و"جامع البيان" 27/ 40، و"الكشف والبيان" 12/ 13 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 252.]].
القول الثاني في اللمم: أنه الذنب يلم به الرجل ثم يتوب، روى عمرو بن دينار عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: يلم بالذنب مرة ثم يتوب منه ولا يعود [[انظر: "جامع البيان" 27/ 40، و"الكشف والبيان" 12/ 12 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 107.]]. قال: وكان النبي -ﷺ- يقول:
"إنْ تَغْفِر اللَّهمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وأَيُّ عَبْدٍ لك لا أَلَمَّا" [[رواه ابن جرير في "جامعه" 27/ 39، والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب (ومن سورة النجم) 5/ 370، وقال عنه: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. وقال ابن كثير في "تفسيره" 4/ 256، وكذا قال البزار: لا نعلمه يروى متصلاً إلا من هذا الوجه، وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة المزمل، وفي صحته مرفوعًا نظر. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 115، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. وقال القرطبي: قال النحاس: هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادًا. "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 107.
والبيت لأمية بن أبي الصلت، كما في "تهذيب اللغة" 15/ 347، و"اللسان" 3/ 397 (لمم)، و"الخزانة" 2/ 295، و"المقتضب" 4/ 242، و"الأغاني" 3/ 183، وليس في "ديوانه".]]
وقال الحسن: هو الرجل يلم المرة ثم ينزع [[انظر: "حامع البيان" 27/ 39، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 256.]].
وروى السدي عن أبي صالح، قال: سألني رجل عن اللمم، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم [[في (ك): (اللمم الخطيئة ثم) ولا معنى لها هنا.]] لا يعاود، قال: فحدثت بذلك ابن عباس قال: لقد أعانك عليها ملك كريم [[أخرجه عبد بن حميد. انظر: "معالم التنزيل" 4/ 252، و"الدر" 6/ 118.]]، وهذا قول مجاهد والسدي [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 631، و "الوسيط" 4/ 202.]].
ومعنى اللمم على هذا القول ما تيب منه وإن عظم وكبر، وأصل معنى القولين في اللغة واحد.
وقال المبرد: يقال: أَلَمَّ فلان بكذا إذا قاربه ولم يخالطه [[انظر: "فتح القدير" 5/ 113.]]، وأَلَمَّ به إذا لم يمعن فيه ولكن نال منه حظًا، وهما من أجل واحدة لأنه يقال ذلك لمن لم يستحوذ على الشيء.
فعلى ما ذكر اللمم ما قارب به من الكبيرة كالنظر والقبلة واللمس، واللمم ما ألم به مرة من زنا وشرب خمر، ثم لم يمعن فيه وتاب منه والعرب تقول: ألممت بفلان إلمامًا، وما يزورنا إلا لمامًا.
قال جرير:
بنفسي من تجنبه عزيزٌ ... عليَّ ومن زيارته لمام [["ديوانه" ص 512، و"القطع والائتناف" ص 691، و"البحر المحيط" 8/ 155.]]
قال أبو عبيدة: معناه الأحيان على غير مواظبة ولا وقت معلوم، قال الأزهري: والعرب تستعمل الإلمام في المقاربة والدنو، يقال: ألَمَّ بفعل كذا، في معنى كاد يفعل، قال أبو زيد: كان ذلك منذ شهرين أو لمامهما، ومنذ شهر أو لممه، أي قراب شهر، ومنه قوله -ﷺ-: "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يُلِمَّ" [[جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: فضل النفقة في سبيل الله 4/ 32، وكتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والمتنافس فيها 8/ 113، ولفظه: " .. وإن كل ما أثبت الربيع يقتل حبطًا أو يُلمُّ" وفي لفظ: " .. وإنه كلُّ .. " ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا 2/ 727، وأحمد في "المسند" 3/ 7، 21. والحبط أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها.]] قال أبو عبيدة: معناه أو يقرب إليه.
وقال أبو زيد: في أرض بني فلان من الشجر المُلِمّ كذا وكذا، وهو الذي قارب أن يَحْمل.
وقال المبرد: فلان ميت أو ملم، أي قد قارب الموت، ونخل مُلِمُّ قد قارب الإطعام وأنشد:
وزَيْدٌ مَيّتٌ كَمَدَ الحُبَارَى ... إِذَا بَانَتْ لَطِيفَةُ أَو مُلِمُّ [[ورد في "الجمهرة" لابن دريد 1/ 121، و"مقاييس اللغة" 2/ 128، و"الحيوان" 5/ 455. وهو لأبي الأسود الدؤلي.]]
قال: يعني أو مدانٍ للموت، واللمة من الشعر التي ألمت أن تبلغ أذن، أي قاربت [[لم أقف على كلام المبرد.]].
وقوله: أَلْمِم، معناه اجعل لنا من زيارتك أدنى حظ، ومنه قول الشاعر:
أَلْمِمْ بِسَلُّومَةَ أَلْمِمْ ألْمِمِ ... خَلونَهَا مِن الخَليلِ والحَمِي [[لم أجده.]]
وأمَّا الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ على القولين جميعًا استثناء خارج.
قال أبو عبيدة: لم يؤذن لهم في اللمم وليس اللمم من الفواحش ولا من كبائر الإثم، وقد يستثنى الشيء من الشيء وليس منه، والتقدير: إلا أن يلم ملم بشيء من الفواحش [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 237.]]، فهذا على القول الأول.
وقال المبرد: لم يبحهم اللمم، ومعناه استثناء ليس من الأول، وتفسيره: لكن إن ألموا تابوا كما قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 19 - 20]. فابتغاء وجه ربه من نعمة لأحد.
والمعنى، ولكنه يبتغي، قال: وقال ابن أحمر-وأراد أن يخدع من يخاطبه- فقال:
قد قلتُ في بعضِ مَا أَقولُ لَهَا ... قَولةَ نَزْرِ الكَلامِ مُحْتَشِمِ
قَد حَرَّمَ اللهُ كلَّ فَاحشةٍ ... ورَخَّصَ اللهُ منكِ في اللَّمَمِ
قال: وإنما قال ذلك بخلاعته لا لأنه لم يعرف أن اللمم لم يرخص فيه، الدليل على ذلك أنه قال:
فأنكرت ذاك وهي صالحةٌ ... مِنْ نِسوةٍ لا يَجُدْنَ بالتُّهَمِ
انتهى كلامه [[لم أقف على كلام المبرد هذا. ولا على أبيات ابن أحمر.]].
وقال قوم: اللَّمَمُ على القول الثاني من جنس الفواحش والاستثناء وقع من الجنس، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي، واسم اللممِ يدل على التوبة والانتهاء، لأنه إنما يسمى لمما إذا لم يمعن فيه، والصحيح هو الأول؛ لأن هذا يؤدي إلى إباحة اللمم [[قال ابن جرير: (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: إلا بمعنى الاستثناء المنقطع، ووجه معنى الكلام: إلا الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم بما دون كبائر الإثم، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا والعذاب في الآخرة ...) "جامع البيان" 27/ 41. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 271، و"فتح القدير" 5/ 113، ونسبه للجمهور.]]. وذكر في الآية قولان آخران: أحدهما: أن اللمم ما سلف في الجاهلية من الذنوب، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين، إنما كنتم بالأمس تعملون معنا ما نعمل، فأنزل اقه هذه الآية، وهو [[(ك): (على) والصواب ما أثبته.]] قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم، ورواية عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ إلا ما قد سلف في الجاهلية [[انظر: "جامع البيان" 27/ 38، و"الكشف والبيان" 12/ 12 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 252.]]، واللمم على هذا القول ما ألموا به من الذنوب والفواحش في الجاهلية.
القول الثاني: هو قول عبد الله بن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك [[انظر: "جامع البيان" 27/ 40، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 108.]]، وعلى هذا القول: الكبائر والفواحش موجبات الشرك.
والناس على القولين الأولين، واختار أبو إسحاق الثاني منهما، قال: اللمم هو أن يكون الإنسان قد ألم بالمعصية ولم يصر ولم يُقم على ذلك، والإلمام في اللغة يوجب أنك تأتي الشيء في الوقت ولا تقيم عليه. فهذا معنى اللمم في هذا الموضع [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 75.]] يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 298، و"معالم التنزيل" 4/ 253.]]، وتم الكلام هاهنا [[انظر: "القطع والائتناف" ص 692 قال: والتمام عند يعقوب وجماعة معه بعد قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، و"المكتفى في الوقف والابتداء" ص 543.]].
ثم قال قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: هو أعلم بكم قبل أن يخلقكم: ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال: يريد ما كان من خلق آدم ميت تراب [[انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 253.]].
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنة جمع جنين، وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينًا لأنه مستور، ومنه سمي المدفون جنينًا لأنه مستور بالتراب، قال عمرو:
وَلاَ شَمْطَاءُ لم يترك شقَاها ... لَهَا من تسعةٍ إلا جَنينا [[ورد في "ديوانه" 367، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 98.]]
أي إلا دفينًا في قبره.
قال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 253، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 110.]]، وقال الفراء: هو أعلم أولاً وآخرًا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 100.]].
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كان ناس يقولون: صلينا وصمنا وفعلنا وفعلنا، فأنزل الله ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 14 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 253.]]، قال الفراء: لا يقولن أحدكم عملت كذا وفعلت كذا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 100.]]، فعلى هذا معناه النهي عن الاعتداد بالأعمال.
وقال آخرون: معناه لا تبرؤوها ولا تمدحوها، يدل على هذا ما روى أن زينب بنت أبي سلمة [[زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومة، ربيبة النبي -ﷺ- وأخت عمر، == ولدتهما أم المؤمنين بالحبشة، ماتت سنة (73 هـ) وحضر ابن عمر جنازتها.
انظر: "طبقات ابن سعد" ص 461، و"الإصابة" 4/ 317، و"أسد الغابة" 5/ 468، و"تقريب التهذيب" 2/ 600، و"أعلام النساء" 2/ 67.]] قالت: سميت برة فقال النبي -ﷺ-: "لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بالبر منكم. قالوا: ما نسميها؟ قال: سموها زينب" [["صحيح البخاري"، كتاب: الآداب، باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه 8/ 53، و"صحيح مسلم" كتاب: الأدب، باب: استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن 3/ 1688.]].
والمعنى: لا تزكوها بما ليس فيها. ويجوز أن يكون المعنى على العموم وذلك أنه أقرب إلى النسك والخشوع وأبعد من الرياء والعجب ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ أي بر وأطاع.
وقال الحسن: أخلص العمل [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 110، و"فتح القدير" 5/ 113.]].
النجم 53:33
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة وهو قول مجاهد، ومقاتل، وابن زيد، قالوا: كان قد أَتبع رسول الله -ﷺ- فعيره بعض المشركين وعاتبه على الإسلام فقال: إني خشيت عذاب الله، فقال: إني أضمن لك أن أتحمل عنك عذاب الله إن أنت أعطيتني كذا وكذا من مالك، فأرجع إلى ما كنت عليه، فرجع إلى الشرك وأعطى الذي عاتبه بعض المال الذي شرط إذ هو أعطاه أن يتحمل عنه العذاب ومنعه تمام ذلك، فأنزل الله فيه [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 631، و"تفسير مقاتل" 131 ب، "جامع البيان" 27/ 42.]] ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: أدبر عن الحق والإسلام [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"الوسيط" 4/ 203.]].
النجم 53:34
﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ يعني أعطى صاحبه الذي عاتبه (وَأَكْدَى) قال الفراء: أمسك من العطية وقطع [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 101.]].
روى عمرو عن أبيه: أكْدى مَنَعَ وأكْدى قطع، وأكْدَى إذا انقطع، وأكْدى إذا حفر فبلغ الكُدى وهي الصخور [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 324، و"اللسان" 3/ 232 (كذا).]].
والمفسرون قالوا في (أَكْدَى) قطع وانقطع وأمسك، وذكر سعيد بن جبير الأصل فيه فقال: ألا ترى إلى القوم إذا حفروا الوهدة فأفضوا إلى الصخرة قالوا: أكدينا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 42 عن أبي زيد. والوهدة الحفرة وهي النقرة المنتقرة في الأرض أشد دخولًا في الأرض من الغائط وليس لها حرف.]].
قال أبو إسحاق: معنى (أَكْدَى) قطع، وأصله من الحفر في البئر، يقال للحافر إذا بلغ إلى حجر لا يمكنه الحفر معه قد بلغ إلى الكدية، وعند ذلك يقطع الحفر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 75.]].
وقال المبرد: (أَكْدَى) أي منع منعًا شديدًا [[انظر: "الوسيط" 4/ 203، و"معالم التنزيل" 4/ 253.]]. وذكر مثل قول أبي إسحاق.
وقال ابن قتيبة: أكدى من كدية الركَّية وهي الصلابة فيها وإذا بلغها الحافر يئس من حفرها فقطع الحفر فقيل لكل من يطلب شيئًا فلم يبلغ آخره أو أعطى ولم يتم أكدى ومعنى أكدى هاهنا منع صاحبه تمام ما ضمن له؛ وقال عطاء ومقاتل إن الوليد بن المغيرة كان قد مدح القرآن ثم أمسك عنه فنزل فيه ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ أي: من الخير بلسانه، وأكدى أي قطع ذلك أمسك عنه [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 429.]]. وهذا تعيير له. ثم زاد في التعيير والتوبيخ فقال:
النجم 53:35
﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ يعني ما غاب عنه من أمر العذاب ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ أن صاحبه يتحمل عنه عذابه.
قال الزجاج: (فهو يرى) معناه فهو يعلم، والرؤية تكون بمعنى العلم كالمكفوف، يقول: رأيت زيدًا عاقلاً، فلو كان من رؤية العين لم يجز ذلك [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 14 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 111.]]، والمعنى فهو يعلم علم الغيب حتى علم أنه غير معذب بتحمل صاحبه عنه العذاب.
النجم 53:36
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ لم يحدَّث ولم يخبر ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ يعني: أسفار التوراة.
النجم 53:37
﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: وفي صحف إبراهيم ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ معنى التوفية في اللغة الإتمام والإكمال، يقال: وفيته أجره، قال الله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ [فاطر: 30].
واختلفوا في معنى (وفي) هاهنا. فقال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: بلغ ما أُمر به قومه، وهو قول مقاتل، واختيار الفراء، وابن قتيبة، وهو قول سعيد بن جبير، وإبراهيم، ومجاهد، وأبي العالية، وعكرمة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 75.]] كل هؤلاء قالوا: بلغ قومه وأدى إليهم عن الله هؤلاء الكلمات، وهي قوله تعالى:
النجم 53:38
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وأَنْ على هذا القول في محل النصب بقوله: (وفي) [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 300، و"تفسير مجاهد" 2/ 632، و"تفسير مقاتل" 131 ب، و"جامع البيان" 27/ 42 - 43، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 101، و"تفسير غريب القرآن" ص 429.]].
وقال آخرون: معنى: (وفي) أكمل ما يجب لله تعالى عليه بالطاعة في كل ما أمر وامتحن به من ذبح الولد والإلقاء في النار والكلمات التي ابتلي بها في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124] الآية، والاختتان، ومناسك الحج التي أمر بها، وفاها كلها وأتمها بالطاعة والصبر، فأثنى الله تعالى عليه لقيامه بجميع ذلك بقوله: (وفي)، وهذا قول جماعة من المفسرين [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 101.]]، وهو اختيار أبي إسحاق، وعلى هذا موضع أَنْ في قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ خفض على البدل من قوله: ﴿بِمَا في صُحُفِ﴾، والمعنى: ألم ينبأ بأن لا تزر، وقال: يجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار هو، كأنه لما قيل: بما في صحف موسى، قيل: ما هو؟ فقيل: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ومعناه: أن لا تؤخذ نفس بإثم غيرها [[انظر: "جامع البيان" 24/ 43 عن ابن عباس، وإبراهيم النخعي والقرظي، و"الكشف والبيان" 12/ 15 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 254، و"الدر" 6/ 129.]].
قال عكرمة عن ابن عباس: لا يؤخذ الرجل بذنب غيره [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 75، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 273، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 694.]]، وفي هذا إبطال لقول من قال للوليد بن المغيرة: أعطني شيئًا وأحمل عنك ذنوبك. أخبر الله تعالى أنه لا يؤخذ أحد بجناية غيره، وأن هذا مما أنزل على إبراهيم وموسى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 42، و"الدر" 6/ 129.]].
وذكره [[في (ك): (وذكر).]] المفسرون [[وهو المروي عن ابن عباس، وعمرو بن أوس، والنخعي. انظر: "جامع البيان" 27/ 42، و"معالم التنزيل" 4/ 254.]] فقالوا: كان من لدن نوح إلى زمان إبراهيم يؤخذ الرجل بذنب أخيه وابنه حتى بلّغهم إبراهيم ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وهذا عام في الدنيا والآخرة، وقد أخبر الله تعالى بذلك [[(بذلك) ساقطة من (ك).]]، وذكره رسولنا محمد -ﷺ- أن من دعا إلى ضلالة كان عليه مثل أوزار من اتبعه، وذلك في قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ [النحل: 25].
قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: 13] وهذا في رؤساء الكفر والضلالة يزاد لهم الوزر بسبب إضلالهم، فأما أن تحمل نفس ذنب أخرى حتى يصير المحمول منها كأنها لم تأت بذنب، فليس ذلك في شريعة.
النجم 53:39
قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ عطف على قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ وهذا أيضًا مما في صحف إبراهيم وموسى، والمعنى: ليس للإنسان في الآخرة إلا ما عمل في الدنيا، قاله مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب.]].
قال أبو إسحاق: معناه: ليس له إلا جزاء سعيه، إن عمل خيرًا أُجزي خيرًا، وإن عمل شرًا أُجزي شرًا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.]]. هذا معناه في الظاهر.
ثم المفسرون مختلفون في حكم الآية، فروى الوالبي عن ابن عباس أن هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: 21] الآية، أدخل الله تعالى الأبناء بصلاح الآباء الجنة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 44، و"الكشف والبيان" 12/ 16 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 254.]]، ورفع درجاتهم وإن لم يستحقوها بأعمالهم، ونحو هذا قال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة فلهم ما سعى غيرهم نيابة عنهم [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 16 أ، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 254.]]، بدليل حديث المرأة التي قالت لرسول الله -ﷺ-: إن أبي مات ولم يحج، قال: "فحجي عنه" [[جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وباب: حج المرأة عن الرجل 3/ 23، ومسلم في كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت 2/ 974.]]. وقال العلماء من أصحابنا: هذه الآية تدل على منع النيابة في الطاعات إلا ما قام عليه الدليل كالحج [[انظر: "الأم" 2/ 104، و"الحاوي الكبير" 4/ 17.]]، وهذا إذا قلنا إنه غير منسوخ الحكم، وعلى ما ذكر الوالبي وعكرمة: الآية منسوخة الحكم في شرعنا.
وقال الحسين بن الفضل [[تقدمت ترجمه في سورة البقرة.]]: هذا من طريق العدل ليس للإنسان إلا ما سعى ولله أن يتفضل عليه بما يشاء من تضعيف الحسنات [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 17 أ، و"البحر المحيط" 8/ 168، و"روح المعاني" == 27/ 66. قال مكي: والبين في هذا الذي يوجبه النظر وعليه أكثر العلماء أنه ليس بمنسوخ وأنه محكم "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 423.
وانظر: "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 233، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 114، و"فتح القدير" 5/ 114.]].
النجم 53:40
قوله: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ يُرَى من أريته الشيء، والمعنى أن سعيه يرى يوم القيامة حتى ينظر إليه، أي يرى عمله في ميزانه؛ وهذا قول مقاتل والزجاج [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 76.]]، وقال ابن قتيبة ﴿يُرَى﴾ يعلم، والمعنى يعلمه الناس [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 429.]].
النجم 53:41
﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾ أي يجرْى الإنسان سعيه، والضمير للسعي يقال: جزيت فلانًا عمله وسعيه، أي قضيته.
قال الشاعر [[لم أجده.]]:
إن أُزِ علقمة بن سعد سعيه ... لا أجزه ببلاء يوم واحد
و ﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ الأكمل والأتم، قال أبو إسحاق: أي يجزى عمله أوفى جزاء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.]].
النجم 53:42
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أي إليه منتهى العباد ومرجعهم، هذا قول المفسرين. وروي تفسير آخر لهذه الآية مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- قال: "لا فكرة في الرب" [[أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" 1/ 218 عن سفيان الثوري في قوله -عز وجل-: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ قال: لا فكرة في الرب -عز وجل-، وأخرجه الدارقطني في الأفراد، == والبغوي في "تفسيره" 4/ 255 مرفوعًا.
وأورده ابن كثير، وذكر رواية البغوي له ثم عقب عليه بقوله: وليس بمحفوظ بهذا اللفظ، وإنما الذي في الصحيح: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ .. وذكر الحديث ثم قال: والحديث الآخر الذي في "السنن": (تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذات الله ..)، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 259، وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 4/ 396.]].
ومعنى هذا أن الإنسان يتفكر في كل شيء فيحيط به علمًا ويقف على كنهه وكيفيته حتى ينتهي إلى الله تعالى فلا يحيط به علمًا ولا يدركه بفكرته، فإليه المنتهى من هذا الوجه، ويؤكد هذا المعنى ما روى أنس أن النبي -ﷺ- قال: "إذا ذكر الله فانتهوا" [[أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 17 ب، وذكره بعض المفسرين عن أنس بدون سند، وفي بعض الألفاظ: "إذا ذكر الله تعالى فاتته".
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 115، و"البحر المحيط" 8/ 168، و"روح المعاني" 27/ 68.]].
وقال -ﷺ-: "تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق" [[ذكره البغوي في "تفسيره" 4/ 255، وعقب عليه ابن كثير بما سبق ذكره.
وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" 1/ 216، وزاد فيه "فإنكم لا تقدرون قدره" وأخرجه أبو القاسم الأصفهاني في "الترغيب والترهيب" 2/ 174، بسندين فيهما انقطاع، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" 1/ 132، وعزاه إلى أبي الشيخ ورمز له بالضعف، وفي تخريجات "إحياء علوم الدين" قال: أخرجه أبو نعيم في الحلية بالمرفوع مه بإسناد ضعيف، ورواه الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" من وجه آخر أصح منه، ورواه الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي "الشعب" من حديث ابن عمر وقال: هذا إسناد فيه نظر. قلت: فيه الوازع بن نافع متروك. انظر "الإحياء" 4/ 424، و"ضعيف الجامع" 3/ 38 (2469).]].
والمنتهى معناه الانتهاء.
النجم 53:43
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ أكثر المفسرين على أن هذا عام في كل ضحك وبكاء، يدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: مر النبي -ﷺ- على قوم يضحكون فقال: "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلاً" فنزل عليه جبريل فقال: إن الله -عز وجل- يقول: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ فرجع إليهم، فقال: "إن الله هو أضحك وأبكى" [[أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 18 أ، والواحدي في "أسباب النزول" ص 461. وأخرجه ابن مردويه عنها. انظر: "إحياء علوم الدين" 4/ 450، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 116، و"الدر" 6/ 300.]].
وهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان بقضائه وإرادته وخلقه حتى الضحك والبكاء، وكذلك ما روي عن جبار الطائي [[جبار بن القاسم الطائي، روى عن ابن عباس، وعنه أبو إسحاق، ضعفه الأزدي وذكره ابن حبان في "الثقات" بروايته عن ابن عباس. انظر: "لسان الميزان" 2/ 120.]] قال: شهدت جنازة أم مصعب [[هي الرباب بنت أنيف الكلبية انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 182، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 141.]] وفيها ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عباس يقاد على أتان له، فمرا وفي الجنازة صوارخَ فقلت: يا أبا عباس: تفعل هذا؟ قال: دعنا منك يا جبار فإن الله هو أضحك وأبكى [[لم أجده.]].
ومن المفسرين من خصَّ؛ وهو قول الكلبي. قال: أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 101، و"جامع البيان" 27/ 44، و"البغوي" 4/ 255.]]، ومنهم من حمل الضحك والبكاء على المجاز، وهو قول عطاء بن أبي مسلم قال: معناه أفرح وأحزن؛ لأن الضحك يجلبه السرور والفرح، والبكاء يوجبه الحزن والنزح [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 18 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 255.]]، ومنهم من حمل الآيهَ على الاستعارة وهو قول الضحاك.
قال: المعنى أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر [[(بالمطر) ساقطة من (ك)، والتصحيح من "الوسيط".
انظر: "الكشف والبيان" 12/ 18 ب، و"الوسيط" 4/ 204، و"معالم التنزيل" 4/ 255، قلت: وهذا التفسير يخالف ما يفهم من ظاهر الآية، وحمله على الضحك والبكاء المعروفين أولى، والله أعلم.]].
النجم 53:44
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ المتقدمون من المفسرين حملوا هذا [[في (ك): (على هذا).]] على الإماتة في الدنيا والإحياء للبعث [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 255، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 117.]]، والمتأخرون منهم ذكروا وجوهًا أخرى، منها: أنه أمات الآباء، وأحيا الأبناء، كما ذكرنا في قوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: 24] ومنها أنه أمات النطفة وأحيا النسمة، وأمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان، والوجهان ذكرا في قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: 19]. ويدل على الوجه الثاني قوله: ﴿أَوَ وَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122].
النجم 53:46
قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الجماع، وقال في رواية الكلبي: تهراق في الرحم، وهو قول الضحاك، قال: تصب في الرحم، ويقال: مني الرجل، وأمنى من المني [[انظر: المراجع السابقة.]]، وقيل في مني [[مِنَى: المكان المعروف من مهبط العقبة إلى محسر. سميت بذلك لما يمنى من الدماء. وقيل لأن الكبش مُني بها أي ذبح. انظر: "معجم البلدان" 5/ 229.]] مكة سميت مني؛ لما يمنى من الدماء أي: يراق [[قاله الليث، وقال ابن شميل: سمي مني؛ لأن الكبش مُنِي به، أي: ذبح.
وانظر: "تهذيب اللغة" 15/ 530 (منا).]]، وقال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: 58] هذا قول المفسرين. وقال أبو عبيدة، والمبرد، وابن قتيبة: ﴿تُمْنَى﴾ أي تقدر، ويقال: إنك لا تدري ما يَمني لك الماني أي ما يقدر لك المقدر [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 238، و"تفسير غريب القرآن" ص 429.]]، والقولان أصلهما واحد وهو التقدير، يقال: مني الله لك ما يسرك أي قدر، والاسم من المنى.
وأنشد الفراء فقال:
ولا تقولنَّ لشيء سوف أفعله ... حتى تبين ما يَمني لك الماني [[البيت لأبي قلابة الهذلي، وقيل: لأبي المثلم الهذلي، كما في "ديوان الهذليين" 3/ 39، ولم أجده عند الفراء.
وانظر: "تهذيب اللغة" 15/ 530، و"اللسان" 3/ 538 (مني).]]
والمني الماء الذي يخلق ويقدر منه الولد، ثم يقال منه: مني وأمنى إذا أصب ذلك الماء.
فمعنى قوله: ﴿إِذَا تُمْنَى﴾ إذا تُصَب وتلقى على تقدير ولد في الرحم، هذا هو الأصل، ثم يقال: أمنى ومنى بمعنى صب من غير تقدير [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 531، و"اللسان" 3/ 538 (مني).]]. قوله تعالى: ﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [[عند تفسيره لآية (20) من سورة العكبوت. انظر: "البسيط" 4/ 121 أحيث قال: أي ثم الله الذي خلقها وبدأ خلقها ينشئها نشأة ثانية ...]].
النجم 53:48
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أي أغنى الناس بالأموال ومولهم (وأقنى) اختلفوا فيه، فقال أبو صالح: أعطى القنية وأصول الأموال التي تقتنى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 45، و"معالم التنزيل" 4/ 256.]].
والاكثرون قالوا: أقنى قنّع ورضّى بما أعطى الفقير، وهو قول مجاهد، ومقاتل، ورواية عكرمة عن ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 301، و"تفسير مجاهد" 2/ 632، و"تفسير مقاتل" 132 أ. وفي "صحيح البخاري" قال: ابن عباس: (أغنى وأقنى) أعطى وأرضى، و"كتاب التفسير" سورة النجم 6/ 175.
قال ابن حجر: وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، و"فتح الباري" 8/ 606.]]، والقول الأول اختيار أبي عبيدة، والمبرد، وابن الأعرابي، قال أبو عبيدة، والمبرد: أغنى أقوامًا وجعل لهم قنية وهي أصل المال [[في (ك): (مال) وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 238.]] من أي مال كان.
وقال ابن الأعرابي: أقنى أعطاه ما يدخر بعد الكفاية [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 313، و"اللسان" 3/ 177 (قنا).]]، وأبو إساق ذكر القولين [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.]]، وهما يرجعان إلى أصل واحد.
قال الليث: يقال: قنيت به، أي: رضيت، وأقنيت لنفسي مالاً، أي: جعلته قنية أرتضيه، وأنشد للمتلمس:
وألقيته بالثّني من جَنْبِ كافرٍ ... كذلك أقْنُو كلَّ قِطّ مُضَلِّلِ [[البيت ورد في "تهذيب اللغة" 9/ 312، و"اللسان" 3/ 177 (قنا)، و"الخزانة" 3/ 23، و"المذكر والمؤنث" ص 416.]]
قال: أقنو بمعنى أرضى. وقال غيره: أقنو ألزم وأحفظ [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 314 (قنا).]]، فالاقتناء يتردد بين أصلين.
أحدهما: الرضا، وذلك أن الإنسان لا يقتني إلا ما يرتضيه، فعلى هذا أصل القولين الرضا، والآخر: الحفظ واللزوم، ومنه يقال: قنا الحياء، إذا لزمه، ومنه قول الشاعر: فأقْنَى حياءَك لا أبالَكِ إنني ... في أرض فارس موثقٌ أحوالًا [[انظر: "اللسان" 3/ 177 (قنا) وقال أنشده ابن بري ولم ينسبه لقائل.]]
والقنية ما يلزمها الإنسان ويحفظها. وعلى هذا الأصلان مختلفان. قال الضحاك، والحسن، وقتادة: أغنى في المال وأقنى في الخدم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 254، و"جامع البيان" 27/ 45.]]، وهؤلاء خصوا الاقتناء بإعطاء الخدم.
وأما ما روي عن ابن زيد أنه قال: أغنى أكثر وأقنى أقل [[انظر: "جامع البيان" 27/ 45، وفي "معالم التنزيل" 4/ 256، و"الجامع" للقرطبي 17/ 119، نسبه للأخفش وهو قول الحضرمي أيضًا.
وقال ابن كثير معقبًا على هذا القول: وهما بعيدان من حيث اللفظ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 259. وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 169: وقد تكلم المفسرون على ذلك فقالوا اثني عشر قولًا كقولهم: أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه، وكل قول منها لا دليل على تعيينه، فينبغي أن تجعل أمثلة.]]، ولا وجه لقوله أقنى أقل في اللغة، إلا أن يقال: معناه رضي بالفليل كما ذكره الأكثرون فترك ذلك الرضا واقتصر على القلة.
النجم 53:49
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ قال جماعة المفسرين: هي كوكب خلف الجوزاء يقال لها مرزم الجوزاء، وهي الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبدها، فقال الله: أنا رب الشعرى فاعبدوني، وإنما سميت العبور لأنها عبرت المغيرة فقطعت عرضًا وهما الشعرتان، يقال لأحدهما: العبور وللأخرى الغميضاء، وسميت الغميضاء؛ لأن العرب تقول: إن سهيلًا والشعرتين كانت مجتمعة فانحدر سهيل فصار يمانيًا فتبعته الشعرى العبور فعبرت المغيرة وأقامت الغميضاء فبكت لفقد سهيل حتى غمضت عيناها فسميت الغميضاء [[انظر: "الجمهرة" 2/ 342، و"الكفش والبيان" 12/ 19 أ - ب، قال الآلوسي في == "روح المعاني" 27/ 69: وقيل زعموا أن سهيلًا والشعرى ... -وذكر ما هاهنا ثم قال-: وكل ذلك من تخيلاتهم الكاذبة التي لا حقيقة لها والمتبادر عند الإطلاق وعدم الوصف: العبورة لأنها أكبر جرمًا وأكثر ضياء، وهي التي عبدت من دون الله في الجاهلية.]].
النجم 53:50
قوله ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ ذكر أبو إسحاق وغيره من النحويين في (الأولى) ثلاث لغات:
أحدها: (الأولى) بسكون لام المعرفة.
والثانية: (الُولَى) على تخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى لام المعرفة.
الثالثة: الولى) بطرح همزة الوصل؛ لأن اللام تحركت فاستغني عنها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 77.]].
ومثله الأحمر والحمر ولحمر، وقراءة العامة (عادًا الأولى) [[قرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب (عادًا لولى) موصولة مدغمة، وذلك بإدغام التنوين في اللام بعد نقل حركة الهمزة إليها وصلًا. وقرأ الباقون (عادًا الأولى) بكسر التنوين وسكون اللام وتخفيف الهمزة من غير نقل. انظر: "حجة القراءات" ص 687 و"النشر" 1/ 411 - 412، و"الإتحاف" ص 403 - 404.]] أجود اللغات الثلاثة، وذلك أن التنوين اجتمع مع لام المعرفة وهما ساكنان فحرك التنوين بالكسر.
وقرأ أبو عمرو (عادًا لولى)، قال أبو عثمان: أساء عندي أبو عمرو في قراءته (عادًا لولى)؛ لأنه أدغم النون في لام المعرفة، واللام إنما تحركت بحركة الهمزة، وليست بحركة لازمة، والدليل على ذلك أنك تقول: اَلَحْمَر. فلا تحذف ألف الوصل وإن حركت اللام؛ لأنها ليست بحركة لازمة، قال: ولكن كان أبو الحسن روى عن بعض العرب أنه يقول هذا لَحْمَر قد جاء، بحذف ألف الوصل لحركة اللام [[قلت: قول أبي عثمان -المازني: أساء أبو عمرو في قراءته .. إلى أن قال: ولكن == كان أبو الحسن -أي الأخفش- فيه إساءة وتجاوز، فالقراءة تواترها عن أفصح العرب -ﷺ- وكان الأولى إثباتها وإن خالفت ما وضعه النحاة من قواعد، وما أثر عن العرب من لغتهم، أما أن تصوب القراءة لنقل الأخفش أو غيره وجهًا لها عن العرب فرأي مردود على صاحبه وإن بلغ ما بلغ من علم وفهم كالمازني، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا الصادق المصدوق -ﷺ-، والله أعلم.]].
قال أبو علي: الإساءة التي نسبها أبو عثمان إلى أبي عمرو في قراءة: (عادًا لولى) لا تلزمه من وجهين:
أحدهما: أنه يقول: (لُوْلَى) قبل الإدغام على لغة من يقول لَحْمَرْ فيحذف همزة الوصل، وعلى هذا القول اللام في حكم المتحرك، وخرجت من حكم السكون بدلالة حذف همزة الوصل وإذا خرجت من حكم السكون حسن الإدغام كما حسن في مَنْ لك؟ ومَنْ لُوهُ؟ [[(ك): (لزم) والتصويب من "الحجة".]] فالإدغام في حرف متحرك غير ساكن.
والوجه الآخر: أن يكون أدغم على قول من يقول (الُولى) الحَمْرَ، فلم يحذف همزة الوصل مع إلقاء الحركة على لام المعرفة؛ لأنه في تقدير السكون فلا يمتنع أن يدغم فيه، وإن كان في حكم السكون كما لم يمتنع أن يدغم في نحو رُدَّ وفِرَّ وغَضَّ، وإن كانت لاماتهن سواكن، وتحركها للإدغام، وإذا جاز الإدغام في الوجهين جميعًا ثبتت صحته.
وروي عن نافع (عاد لوْلَى) بالإدغام والهمز، ووجه الإدغام ما ذكرنا، ووجه الهمز أن الضمة لقربها من الواو وأنه لم يحجز بينهما شيء صارت كأنها عليها فهمزها كما يهمز الواو إذا كانت مضمومة نحو أدؤُر والغؤور [[أدؤر جمع دار، والهمز لكراهه الضمة على الواو. يقال: ثلاث أدؤر: همزت لأن الألف التي كانت في الدار صارت في أَفْعُل في مواضع تحرك فأُلقِي عليها == الصرف ولم ترد إلى أصلها. وغار القوم غورًا وغؤورًا، أتوا الغور، وغار في الشيء غؤورً دخل. وغار الماء غؤورًا. ذهب في الأرض. انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 180، و"اللسان" 2/ 1026 (غور).]]، وما أشبه ذلك، وهذه لغة قد رويت وحكيت وإن لم تكن بتلك الفاشية.
قال أبو عثمان: ومن قرأ (عادًا لولى) فأظهر النون فقد أخطأ؛ لأن النون لا تظهر على اللسان إلا مع حروف الحلق [[من قوله: قال أبو عثمان. إلى هنا: نقله من كتاب "الحجة" لأبي علي مع تصرف يسير. انظر: "الحجة" 6/ 237 - 240، و"البغداديات" ص 190 - 194.]].
قال المفسرون: عاد الأولى، قوم هود، وهم أولى عاد أهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب، وكانوا عادًا الأخرى.
النجم 53:51
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ﴾ أهلك الله ثمود وهم قوم صالح بالصيحة ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ منهم أحدًا.
النجم 53:52
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أهلك الله قوم نوح من قبل عاد وثمود.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ قال ابن عباس وقتادة ومقاتل، وغيرهم: إنما وصف بأنهم كانوا أظلم وأطغى من غيرهم لطول دعوة نوح إياهم، وعتوهم على الله في المعصية والتكذيب، ولم يطل مقام أحد من الأنبياء في دعوة قومه كما طال مقامه [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 254، و"جامع البيان" 27/ 46.]]، وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] وكان الرجل منهم يأخذ ابنه فينطلق به إلى نوح فيقول له: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا وأنا مثلك فاحذره فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 120، و "الدر" 6/ 131.]].
النجم 53:53
قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ قال الفراء: كل شيء انهوى وانخسف فقد ائتفك [[لم أقف عليه في "معاني القرآن" للفراء، وما قاله أبو عبيدة يؤيده.]].
وقال أبو عبيدة: المؤتفكة المخسوف بها ائتفكت بأهلها [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 239.]]، وقد تقدم تفسير المؤتفكات [[عند تفسيره لآية (70) من سورة التوبة. ومما قال: المؤتفكات، قال المفسرون: يعني قرى قوم لوط وهي جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة: الانقلاب. وتلك القرى ائتفكت بأهلها أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها.]].
وهي قرى قوم لوط رفعها جبريل بجناحه إلى السماء حتى سمعت ملاكة سماء الدنيا أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم قلبها فهوت من السماء إلى الأرض مقلوبة [[انظر: "تاريخ الأمم والملوك" 1/ 180، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 77، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 120.]]، فذلك قوله: (أهوى) أي: أهلك، وتفسيره: أسقط، هوى إذا سقط، وأهواه أسقطه [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص430.]]، وقد مر في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، والمعنى: أهواها جبريل إلى الأرض بعد أن رفعها، وقال المبرد: جعلها تهوي [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 120، و"فتح القدير" 5/ 117.]].
وقال الفراء: رفعها إلى السماء، ثم أهواها وأتبعهم الله بالحجارة، فذلك قوله تعالى:
النجم 53:54
﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 103.]]، أي: فغشاها الله وألبسها ما غشى، يعني: الحجارة في قول جميع المفسرين.
وأيهم ذكر ما غشاهم؛ لأنه ذكر ذلك في قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: 74].
وقال ابن الأنباري [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 121، و"فتح القدير" 5/ 117.]]: تأويله فغشى الله المؤتفكات الذي غشي غيرهم من الأمم السالفة؛ لأنه قد تقدم ذكر عاد وثمود، وقوم نوح ممن أهلك بالعذاب، وكأن التأويل ما غشى الأمم السالفة، فحذف الأمم لتقدمهم وبيان معناهم.
النجم 53:55
قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ قال أبو إسحاق: هذا خطاب للإنسان، لما عدد الله عليه ما فعله مما يدل على وحدانيته قال: بأي نعم ربك التي تدلك على أنه واحد تتشك؛ لأن المرية الشك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.]].
قال أهل المعاني: وإنما قيل بعد تعديد النقم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ﴾؛ لأن النقم التي تحدث نعم علينا لما لنا فيها من المزاجر، مع أنه نالهم بكفر النعم [[انظر: "الكشاف" 4/ 43، و"التفسير الكبير" 29/ 25، و"فتح القدير" 5/ 117.]]، والمعنى: فبأي نعم ربك أنت أيها المخاطب تتمارى حتى تكون مقارنًا لهم في سلوك بعض مسالكهم [[في (ك): (مسالكه) والصواب ما أثبته.]]، وهذا معنى قول قتادة: بأي نعم ربك تتمارى [[(تتمارى) ساقطة من (ك).]] يا ابن آدم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 255، و"جامع البيان" 27/ 47.]].
وقال ابن عباس: يريد تكذب يا وليد [[انظر: "الوسيط" 4/ 205.]]، يعني: الوليد بن المغيرة الذي نزل فيه قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ وهذه الآيات كلها نزلت في شأنه، إلى قوله:
النجم 53:56
﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ يعني: محمدًا -ﷺ- ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ من الرسول قبله.
قال قتادة: يقول أنذر محمد -ﷺ- كما أنذر الرسل من قبله [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 254.]].
قال أبو إسحاق: أي النبي -ﷺ- مجراه في الإنذار مجرى من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام، وذكر قولًا آخر هو قول أبي مالك، ومقاتل، وهو أن يكون النذير مصدرًا بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، والمعنى: هذا إنذار لكم كما أنذر من قبلكم وقد أعلمتم ما قص الله عليكم من حال من كذب بالرسل وما وقع بهم من الإهلاك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.]]، وهذا معنى قول مقاتل، يقول: هذا خبر من خبر هلاك الأمم الخالية [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 أ.]].
النجم 53:57
قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ قال المفسرون: دنت القيامة واقتربت الساعة، وقد ذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [[عند تفسيره لآية (18) من سورة غافر. ومما قال: يقال أزف الشيء يأزف أزفًا إذا دنا، ومنه يقال للقصير: متأزف؛ لتداني أعضائه بعضها من بعض ... قال عامة المفرين الأزفة القيامة. قال ابن عباس: أزف أمرها. وقال مقاتل: يعني: اقتربت الساعة. وهذا معني قول الضحاك سميت آزفة لقربها. قال أبو إسحاق: قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها وما هو كائن قريب ... انظر: "البسيط" ص 172 بتحقيق السحيباني.]] قال أبو إسحاق والمبرد: معناه: قربت القريبة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 78.]]، وهذا كما يقال: قتل القاتل، وضرب الضارب، والآزفة من أسماء القيامة، سميت بذلك لدنوها من الناس؛ لأن كل ما هو آت دان، وإن استبعدت.
النجم 53:58
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ ذكر المفسرون فيه قولين: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ليس أحد من شركائكم من يرد ذلك، ونحو هذا قال الضحاك: ليس من دون الله من آلهتهم كاشفة [[انظر: "الوسيط" 4/ 205، و"معالم التنزيل" 4/ 257، و"الدر" 6/ 131.]].
ومعنى الكشف في اللغة رفع الشيء عما يواريه، والمعنى على هذا القول أن القيامة إذا غشيت الخلق بشدائدها وأهوالها لم يكشفها أحد من آلهتهم، أي: أنها لا تنجيهم منها، ويدل على صحة هذا المعنى أن القيامة سميت غاشية فلما كانت في غاشية كان ردها كشفًا كما يقال في الدعاء: اللهم اكشف عنا الهموم والأحزان، والكاشفة على هذا القول نعت مؤنث محذوف على تقدير: نفس كاشفة، أو جماعة كاشفة، وهذا معنى قول قتادة: ليس لها من دون الله راد [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 20 أ، و "معالم التنريل" 4/ 257، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 122.]].
ويجوز أن تكون الكاشفة مصدرًا كالخائنة والعاقبة والعافية، فإذا قدرتها مصدرًا كان المعنى ليس لها من دون الله كشف، أي: لا يكشف عنها غيره. بمعنى لا يبديها ولا يظهرها ولا يزيل عنها ما يسترها، وهو معنى قول مقاتل: لا يكشفها أحد إلا الله، قال: يعني الساعة الله الذي يكشفها.
ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: 187] وهذا القول اختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.]] والفراء، وهو قول الكلبي، قال: ليس لها من يكشف عن علمها إلا الله [[لم أجد هذا القول، وهو ظاهر المعنى.]]، وإذا كشف عن علمها فقد كشف عنها.
قال الفراء: وتأنيث كاشفة كقولك له: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [[في "معاني القرآن" للفراء: ما لفلان باقية، وما ذكره المؤلف هو قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [سورة الحاقة: 80].]] يريد من بقاء. والعافية والعاقبة، كل هذا في معنى المصدر [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 103.]].
النجم 53:59
قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ قال جماعة المفسرين: يعني: القرآن.
قال أبو إسحاق: أي مما يتلى عليكم من كتاب الله تعجبون [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.]].
قال مقاتل: تعجبون تكذيبًا به [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.]]، والمعنى: تعجبون من إنزاله على محمد -ﷺ- فتكذبون به كما قال: ﴿بَلْ عَجِبُوا ...﴾ الآية [ق: 2].
وقال أهل المعاني: يجوز أن يكون معنى الحديث هاهنا ما ذكر من حديث القيامة [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 27.]]، والكفار كانوا يكذبون بها ويعجبون من وقوعها، أي: وقعت عندهم يدل على هذا قوله:
النجم 53:60
﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ أي: تستهزئون ولا تبكون خوفًا منها. وعلى قول المفسرين: ولا تبكون مما فيه من الوعيد.
روى أبو الخليل [[هو صالح بن أبي مريم الضبي، أبو الخليل، وثقه ابن معين، والنسائي، وأغرب أبو عبد الله بن عد البر فقال: لا يحتج به. انظر: "تقريب التهذيب" 1/ 363، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 479، و"طبقات ابن سعد" 7/ 237، و"تهذيب التهذيب" 4/ 204.]] أن النبي -ﷺ- ما رئي ضاحكًا إلا تبسمًا بعد نزول هذه الآية [[رواه الإمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي شيبة في "المصنف" 13/ 234، == والثعلبي في "الكشف والبيان" 12/ 21 أ، وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن العباس بإسناد ضعيف، و"تخريجات الكشاف" 4/ 161، ورواه وكيع بن الجراح في "الزهد" 1/ 266. قال محققه: إسناده ضعيف ومعناه غريب أيضًا؛ لأن الآية نزلت في مكة، وقد ثبت ضحك النبي -ﷺ- وتبسمه في أحاديث كثيرة.]].
النجم 53:61
قوله ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قال الليث: السمود في الناس الغفلة والسهو عن الشيء، وهذا قول المبرد، قال: السمود الاشتغال عن الشيء يكون لهم أو فرح يتشاغل به وأنشد فقال:
رَمى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ ... بمقدارٍ سَمَدْنَ له سُمودا [[البيت لعبد الله بن الزبير بن الأشيم الأسدي، أو للكميت بن معروف. انظر: "الحماسة" لأبي تمام 1/ 464، و"أمالي القالي" 3/ 115، و"الأضداد" ص 36، و"مجالس ثعلب" ص 439، و"تهذيب اللغة" 1/ 3772، و"اللسان" 2/ 198 (سمد). ونسبه ابن كثير في "البداية والنهاية" 8/ 144 لأيمن بن خزيم.]]
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: السمود الغناء في لغة حمير [[حمير: بطن عظيم من القحطانية ينسب إلى حمير بن سبأ، من بلادهم في اليمن شام، وذمار، ورفع .. قدم رسول ملوك حمير سنة تسع من الهجرة على رسول الله -ﷺ-: انظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 304 - 305.]]، يقال: اسمدي لنا، أي غني لنا [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 255، و"جامع البيان" 27/ 48، و"المصنف" لابن أبي شيبة 10/ 471.]]، ومنه قول أبي زبيد أنشده أبو عبيدة فقال:
وكأن العَزِيفَ فِيهَا غِنَاءً ... لِلنَدَامَى مِنْ شَارِبٍ مَسْمُودٍ [[انظر. "الأضداد" لابن الأنباري ص 36، و"الأضداد" للسجستاني ص 144.]]
فالمسمود الذي غني له، والسامد أيضًا القائم في تحير، قال المبرد: ومما يأثر العرب من أشعار عاد [[عاد بن عوص من العرب العاربة البائدة، يقال لهم عاد الأولى، وكانت منازلهم == بالأحقاف وهو الرمل ما بين عمان إلى الشحر إلى حضرموت إلى عدن أبين. انظر: "معجم قبائل العرب" 2/ 700.]]: قَيْلُ قُم فَانْظُر إلَيْهِمْ ... ثُمَّ دع عَنْكَ السُّمُودَا [[من شعر هزيلة بنت بكر، وهي تبكي قوم عاد. انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 36، و"الأضداد" للسجستاني ص 144، و"الدر" 6/ 132، وعزاه للطستي في "مسائله"، و"روح المعاني" 27/ 72، و"تهذيب اللغة" 12/ 378، و"اللسان" 2/ 199 (سمد).]]
ومنه حديث علي -رضي الله عنه- أنه دخل المسجد والناس ينتظرون الصلاة، قال: مالي أراكم سامدين [[أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، وعبد بن حميد، وذكره المهدوي. انظر: "جامع البيان" 27/ 49، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 123 و"الدر" 6/ 132، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 36 - 37.]].
قال أبو عبيدة: يعني: القيام، وكل رافع رأسه فهو سامد، قال ابن الأعرابي: السامد اللاهي، والسامد الغافل، والسامد الساهي، والسامد المتكبر، والسامد القائم، هذا كلام أهل اللغة في السمود [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 377، و"اللسان" 2/ 197 (سمد).]].
والمفسرون قالوا: لاهون غافلون معرضون، ونحو هذا روي عن ابن عباس في جميع الروايات [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 303، و"معالم التزيل" 4/ 257، و"زاد المسير" 8/ 85، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 260.]] إلا ما روى عكرمة أنه الغناء، قال: وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا.
وروى شمر بإسناد عن ابن عباس أنه قال: مستكبرون. قال: ويقال للفحل إذا اغْتَلم: قد سمد [[قال ابن كثير: وفي رواية عن ابن عباس: تستكبرون، وبه يقول السدّي، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 260، وانظر: "تهذيب اللغة" 12/ 377 (سمد). والمراد باغتلام الفحل هيجانه للضراب.]]، وهذا معنى قول الضحاك: أشرون بطرون، وقول مجاهد: غضاب مبرطمون [[انظر: "جامع البيان" 27/ 49، و"معالم التنزيل" 4/ 257.
والبرطمة هي: الانتفاخ من الغيظ والغضب.
قال ابن القيم بعد ذكره لما تقدم في معنى الغناء: فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه. فهذه أربعة عشر اسمًا سوى اسم الغناء.
انظر: "إغاثة اللهفان" 1/ 258.]].
النجم 53:62
قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، قال الكلبي ومقاتل: صلوا لله، يعني: الصلوات الخمس.
﴿وَاعْبُدُوا﴾ قال مقاتل: يعني وحدوا الرب، وقال الكلبي: أطيعوه فيما يأمركم به [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.]].
وقال أبو إسحاق: معنى الآية: فاسجدوا للذي خلق السموات والأرض، ولا تعبدوا اللات والعزى ومناة والشعرى؛ لأنه قد ذكر معبوداتهم في هذه السورة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 79.]].