Al-Basit — القمر 54:1 – الحديد 57:29
المحتويات
- القمر 54:1
- القمر 54:2
- القمر 54:3
- القمر 54:4
- القمر 54:5
- القمر 54:6
- القمر 54:7
- القمر 54:8
- القمر 54:9
- القمر 54:12
- القمر 54:13
- القمر 54:14
- القمر 54:15
- القمر 54:16
- القمر 54:17
- القمر 54:19
- القمر 54:20
- القمر 54:23
- القمر 54:24
- القمر 54:25
- القمر 54:26
- القمر 54:27
- القمر 54:28
- القمر 54:29
- القمر 54:31
- القمر 54:34
- القمر 54:35
- القمر 54:36
- القمر 54:37
- القمر 54:38
- القمر 54:41
- القمر 54:42
- القمر 54:43
- القمر 54:44
- القمر 54:45
- القمر 54:46
- القمر 54:47
- القمر 54:48
- القمر 54:49
- القمر 54:50
- القمر 54:51
- القمر 54:52
- القمر 54:53
- القمر 54:54
- القمر 54:55
- الرحمن 55:1
- الرحمن 55:2
- الرحمن 55:5
- الرحمن 55:6
- الرحمن 55:7
- الرحمن 55:8
- الرحمن 55:9
- الرحمن 55:10
- الرحمن 55:12
- الرحمن 55:13
- الرحمن 55:14
- الرحمن 55:15
- الرحمن 55:17
- الرحمن 55:19
- الرحمن 55:20
- الرحمن 55:22
- الرحمن 55:24
- الرحمن 55:26
- الرحمن 55:29
- الرحمن 55:31
- الرحمن 55:33
- الرحمن 55:35
- الرحمن 55:37
- الرحمن 55:39
- الرحمن 55:41
- الرحمن 55:43
- الرحمن 55:44
- الرحمن 55:46
- الرحمن 55:48
- الرحمن 55:50
- الرحمن 55:52
- الرحمن 55:56
- الرحمن 55:58
- الرحمن 55:60
- الرحمن 55:62
- الرحمن 55:64
- الرحمن 55:66
- الرحمن 55:68
- الرحمن 55:70
- الرحمن 55:72
- الرحمن 55:76
- الرحمن 55:78
- الواقعة 56:1
- الواقعة 56:2
- الواقعة 56:3
- الواقعة 56:4
- الواقعة 56:5
- الواقعة 56:6
- الواقعة 56:7
- الواقعة 56:8
- الواقعة 56:9
- الواقعة 56:10
- الواقعة 56:11
- الواقعة 56:12
- الواقعة 56:14
- الواقعة 56:15
- الواقعة 56:17
- الواقعة 56:18
- الواقعة 56:20
- الواقعة 56:21
- الواقعة 56:22
- الواقعة 56:24
- الواقعة 56:25
- الواقعة 56:26
- الواقعة 56:27
- الواقعة 56:28
- الواقعة 56:29
- الواقعة 56:30
- الواقعة 56:31
- الواقعة 56:32
- الواقعة 56:34
- الواقعة 56:35
- الواقعة 56:37
- الواقعة 56:38
- الواقعة 56:39
- الواقعة 56:40
- الواقعة 56:41
- الواقعة 56:42
- الواقعة 56:43
- الواقعة 56:44
- الواقعة 56:45
- الواقعة 56:46
- الواقعة 56:55
- الواقعة 56:56
- الواقعة 56:57
- الواقعة 56:58
- الواقعة 56:59
- الواقعة 56:60
- الواقعة 56:63
- الواقعة 56:64
- الواقعة 56:65
- الواقعة 56:66
- الواقعة 56:74
- الواقعة 56:75
- الواقعة 56:76
- الواقعة 56:77
- الواقعة 56:78
- الواقعة 56:79
- الواقعة 56:80
- الواقعة 56:81
- الواقعة 56:82
- الواقعة 56:83
- الواقعة 56:84
- الواقعة 56:85
- الواقعة 56:86
- الواقعة 56:87
- الواقعة 56:88
- الواقعة 56:90
- الواقعة 56:91
- الواقعة 56:92
- الواقعة 56:93
- الواقعة 56:94
- الواقعة 56:95
- الواقعة 56:96
- الحديد 57:1
- الحديد 57:2
- الحديد 57:3
- الحديد 57:4
- الحديد 57:7
- الحديد 57:8
- الحديد 57:10
- الحديد 57:11
- الحديد 57:12
- الحديد 57:13
- الحديد 57:14
- الحديد 57:15
- الحديد 57:16
- الحديد 57:18
- الحديد 57:19
- الحديد 57:20
- الحديد 57:21
- الحديد 57:22
- الحديد 57:23
- الحديد 57:24
- الحديد 57:25
- الحديد 57:27
- الحديد 57:28
- الحديد 57:29
القمر 54:1
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله -ﷺ- فقالوا: إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، فقال لهم رسول الله -ﷺ-: إن فعلت ذلك تؤمنون؟ قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر [[مراد المؤلف (بليلة بدر) أن القمر انشق ليلة أربع عشرة كما ورد في بعض الروايات.]]، فسأل رسول الله -ﷺ- ربه أن يعطيه ما قالوا فانشق القمر فرقتين، ورسول الله -ﷺ- ينادي المشركين يا فلان يا فلان اشهدوا [[أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس بلفظ أقرب من هذا. انظر: "الدر" 6/ 133.]]، ونحن على هذا، قاله عامة المفسرين، إلا ما روى عثمان بن عطاء [[في (ك): (عطية) والصواب ما أثبته. وهو عثمان بن عطاء بن أبي مسلم. أبو مسعود المقدسي، ضعيف، مات سنة (155 هـ). انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 12.]] عن أبيه أنه قال: معناه وسينشق القمر [[انظر: "الكشف والبيان"، 12/ 21 ب، و"الوسيط" 4/ 27.]]، وهو محجوج بإجماع المفسرين على خلافه، وبالأخبار المتظاهرة في انشقاق القمر، فقد روى جبير بن مطعم، وأنس، وابن عباس، وحذيفة، وابن مسعود، وهؤلاء الخمسة [[قال ابن كثير رحمه الله قد كان هذا زمان رسول الله -ﷺ- كما ورد ذلك في الأحاديث == المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي -ﷺ-، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. "تفسير القرآن العظيم" 5/ 261، وانظر: "فتح القدير" 5/ 12، و"روح المعاني" 27/ 74 - 75.]] رووا أن القمر انشق على عهد رسول الله -ﷺ-: قال عبد الله: فرأيت الجبل بين فلقتيه، إحداهما خلف الجبل، والأخرى فوقه [[انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، سورة القمر، باب: وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا 6/ 178، "صحيح مسلم"، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: انشقاق القمر، و"مسند الإمام أحمد" 1/ 377، و"المستدرك"، كتاب: التفسير، سورة القمر، و"سنن الترمذي"، كتاب: "التفسير" 5/ 37 (3285).]].
ولأن قوله ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ يدل على أن هذا قد مضى وتقدم، وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر؛ لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد -ﷺ-، ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة، قال أبو إسحاق منكرًا لقول عطاء: زعم قوم عَندوا عَنِ القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة، والأمر بين في اللفظ، وإجماع [[في (ك): (والإجماع) والصواب ما أثبته.]] أهل العلم؛ لأن قوله:
القمر 54:2
﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فكيف يكون هذا في القيامة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 81]]. قال المفسرون: لما انشق القمر قال المشركون: سحرنا محمد، فقال الله تعالى ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ [[انظر: "الوسيط" 4/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 258، و"فتح القدير" 5/ 12.]] يعني انشقاق القمر ﴿يُعْرِضُواْ﴾، أي: عن التصديق والإيمان بها.
﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فيه قولان:
أحدهما: ذاهب، وهو قول أنس، ومجاهد، ومقاتل، والكلبي، وقتادة، واختيار الفراء والزجاج [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 635، و"تفسير مقاتل" 132 ب، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 257، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 14، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 82.]]، وأصله من قوله: مر الشيء على وجهه واستمر، أي: ذهب.
القول الثاني: أن معنى المستمر: القوي الشديد، وهو معنى قول ابن عباس: يريد يعلو كل سحر، وهو قول أبي العالية، والضحاك، ورواية شيبان، عن قتادة، قالوا: محكم شديد غالمب قوي [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 22 ب، 23 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 258، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 127.]]، واختاره أبو عبيدة، والمبرد وابن قتيبة، فقال أبو عبيدة: (مستمر) شديد [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 24.]]، وقال المبرد: هو من قولك: ذو مرة أي: قوة، ومنه أمررت الحبل إذا شددت فتله، واستمر فلان على كذا إذا قوي واستحكم معرفته، قال: ومر فلان، هو من هذا، لأن معناه على الحقيقة بَعُد ولم يرتدع، كقولك: مر السهم [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 195، و"اللسان" 3/ 466 (مرر) ولم أجده منسوبًا للمبرد.]]، ونحو هذا ذكر ابن قتيبة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" 431.]]، وقول الربيع بن أنس، ويمان بن رباب: نافذ ماضٍ [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 196، ولم ينسبه لقائل، و"الجامع لآحكام القرآن" 17/ 127.]] يعود إلى هذا؛ لأن نفوذه ومضاءه من قوته.
القمر 54:3
ثم ذكر تكذيبهم فقال ﴿وَكَذَّبُوا﴾ قال ابن عباس: كذبوا النبي -ﷺ- وما عاينوا من عظمة الله وقدرته.
﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ قال: ما زين لهم الشيطان من الباطل الذي هم عليه [[انظر: "الوسيط" 4/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 258.]]، وقال الكلبي: يعني عبادة الأوثان [[لم أجده.]].
﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قال الكلبي: لكل أمر حقيقة، ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 258، و"فتح القدير" 5/ 121.]]. ومعنى هذا ما ذكره مقاتل قال: هذا وعيد لهم. يقول: لكل حديث منتهى، يعني العذاب بعضه يقع بهم ببدر، وبعضه في الآخرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.]]. وعلى هذا معنى الآية: وكل أمر مما قضاه الله من العذاب يستقر بهم في الوقت الذي قضاه، وقال قتادة: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ فالخير [[كذا في (ك) وفيه سقط، وصوابه: أي بأهل الخير الخير وبأهل الشر الشر. وقال الفراء: يقول فالخير. انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 14، جامع البيان 27/ 52، و"الوسيط" 4/ 27.]] يستقر قرار تكذيبهم، وقرار قول المصدقين حتى يعفروا حقيقته بالثواب والعقاب.
القمر 54:4
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ يعني أهل مكة ﴿مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أي: من أخبار الأمم المكذبة في القرآن ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ يقال: زجرته وأزدجرته وهو كالنهي عن السوء للإنسان، ومنه قوله (وازدجر) وقد يوضع الازدجار موضع الازجار فيكون لازمًا، والدال في ازدجر مقلوب عن التاء وذلك أن الدال أقرب إلى الزاي من التاء لأنهما مجهوران والتاء مهموس.
قال أبو الفتح الموصلي: فالافتعال إذا كان زايًا قلبت التاء دالًا نحو ازْدَجَرَ، وازْدهى، وازدار، وازدان، وازدلف، ونحو ذلك، وأصل هذا كله التاء ولكن الزاي لما كانت مجهورة، وكانت التاء مهموسة، وكانت الدال [[في (ك): (الدال).]] أخت التاء في المخرج وأخت الزاي في الجهر قربوا بعض الصوت من بعض فأبدلوا من التاء أشبه الحروف من موضعها بالزاي وهي الدال فقالوا: ازدجر [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 185 - 186.]].
والمزدَجَر هاهنا بمعنى الازدجار الواقع في المعنى ما فيه ازدجار لهم ووعظ ونهي، وليس بمعنى الانزجار، لأنه لو كان لهم فيه انزجار لكانوا قد انزجروا واتعظوا.
قال مقاتل: يعني موعظة لهم وهو النهي عن المعاصي [[انظر: تفسير مقاتل 132 ب.]]، وقال السدي: ما فيه عظة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 259.]].
وجماعة من أهل التفسير والمعاني حملوا المزدجر هاهنا على المطاوع لأنهم قالوا في تفسيره منتهي ومتناهي ومتعظ، وهو قول الكلبي، ومجاهد، والفراء، والزجاج [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 636، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 14، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 85.]]، وعلى هذا لابد من تقدير محذوف كأنه قيل ما فيه انزجار لهم لو انزجروا، ومنتهى لو انتهوا.
القمر 54:5
ثم قال: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ قال مقاتل، والكلبي: يعني القرآن [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 34، "تفسير مقاتل" 132 ب.]].
قال أبو إسحاق: رفعت حكمة بدلاً من (ما) في قوله ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، المعنى: ولقد جاءهم حكمة بالغة، وإن شئت رفعت بإضمار هو ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 85.]]، أي تامة قد بلغت الغاية في كل ما توصف به.
قوله ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ ذكر الفراء، والزجاج أن (ما) يجوز أن تكون نفيًا على معنى، فليست تغني النذر، ويجوز أن يكون استفهامًا بمعنى التوبيخ ويكون المعنى فأي شيء تغني النذر إذا لم تؤمنوا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 15، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 85.]]، وهذا كقول ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101] فإن قدرت ما استفهاما كان في موضع النصب بتغني.
القمر 54:6
ثم أمره بالإعراض عنهم فقال ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ وهذا مما نسخ [[انظر: "الكشف والبيان"، 12/ 23 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 259، و"فتح القدير" 5/ 121. قال مكي: وليس في سورة القمر، وسورة الرحمن، والواقعة شيء، وكذلك الحديد الإيضاح: 424، وقال ابن الجوزي: وقد زعم قوم أن هذا التولي منسوخ بآية السيف، وقد تكلمنا على نظائره وبينا أنه ليس بمنسوخ. "نواسخ القرآن": 234.]]، وهاهنا وقف التمام [[اننطر: "المكتفى": 545، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 86، و"زاد المسير" 8/ 9.]].
قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ قال الزجاج: يوم منصوب بقوله ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ آلأجْدَاثِ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 86.]] وقال المبرد: (يوم) ظرف لقوله ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 129، و"البحرالمحيط" 8/ 174.]] قال مقاتل: هو إسرافيل ينفخ قائمًا على صخرة بيت المقدس [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.]] ﴿إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ قال إلى أمر فظيع.
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد يوم القيامة ﴿إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ شدة العذاب وفظاعته [[في (ك): (فظاطته) ولم أجد الرواية عن ابن عباس، ولعل وضوح المعاني حال دون نسبة التفسير لقائل.]].
وقال الكلبي: يعني حين يدعى أهل النار إلى النار [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 34.]].
و (نكر) معناه منكر، وهو الذي تأباه النفس من جهة نفور الطبع، وذلك أنهم لم يروا مثله قط فينكرونه استعظامًا له، وهو صفة على فُعُل، مثل: جُنب، وجُزر، وأُحد، ويجوز فيه التخفيف [[يشير المؤلف بقوله هذا إلى قراءة ابن كثير (نُكْر) بإسكان الكاف، والباقون بضمها انظر: "حجة القراءات" ص 688، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 241، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 44.]]، وإنما وصف بأنه نكر لغلظه على النفس.
القمر 54:7
قوله تعالى ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُم﴾ وقرئ خاشعًا [[قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف ﴿خَاشِعًا﴾ بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين مخففة بالإفراد، وقرأ الباقون ﴿خُشَّعًا﴾ بضم الخاء وفتح الشين مشددة من غير ألف. انظر: "حجة القراءات" ص 688، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 44.]]، قال الفراء والزجاج: يجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد نحو (خاشعًا أبصارهم) والتأنيث نحو ﴿خَشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ وهو قراءة عبد الله، والجمع نحو ﴿خُشَّعًا أَبْصَرُهُمْ﴾، ويقول: مررت بشباب حسن أوجههم، وحسان أوجههم، وحسنة أوجههم، وأنشدا:
وشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد [[البيت للحرث بن دوس الأنصاري، ويروى لأبي دؤاد الأنصاري. == انظر: ديوان أبي دؤاد ص 35، و"اللسان" (خشع)، و"البحر المحيط" 8/ 175، و"المحرر" 15/ 296، و"شرح الأبيات" للفارسي ص 398.]] وأنشد الفراء:
يرمي الفجاج بها الركبان معترضًا ... أعناق بُزَّلها مُرْخَى لها الجُدُلُ
فلو قال معترضات أو معترضة ومرخاة أو مرخيات كان صوابا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 15، 16، و"جامع البيان" 27/ 53، و"البحر المحيط" 8/ 175، والجدُل: جمع الجديل وهو الزمام. ولم أجد البيت منسوبًا لقائل.]].
قال أبو إسحاق: و (خشعًا) منصوب على الحال، المعنى: يخرجون من الأجداث خشعًا أبصارهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 86.]].
قال المفسرون: يعني ذليلة خاضعة أبصارهم عند معاينة العذاب [[انظر: "جامع البيان" 27/ 53، و"معالم التنزيل" 4/ 53.]].
وقال أهل المعاني: وصفت الأبصار بالخشوع؛ لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تتبين في نظره [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 129، و"فتح القدير" 5/ 122.]] كما قال عز ذكره: ﴿يَنُظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىِ﴾ [الشورى: 45].
قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ اَلأَجْدَاثِ﴾ هو قال المفسرون: يريد القبول واحدها جدث، وبنو تميم [[بنو تميم: قبيلة عظيمة من العدنانية، تنتسب إلى تميم بن مرة، منازلهم بأرض نجد، تمتاز هذه القبيلة بتاريخها الحربي في الجاهلية والإسلام. انظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 127، و"نهاية الأرب" ص 177.]] تقول بالفاء جدف [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 634، و"اللسان" 1/ 412 (جدث).]].
قوله تعالى ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ تفسير الجراد قد تقدم في سورة الأعراف [[عند تفسيره الآية 133 من سورة الأعراف.]].
قال مقاتل: فيكثرون من الكثرة كأنهم جراد حين انتشر من موضعه [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.]].
وقال الكلبي: ينبث بعضهم في بعض [[انظر: "الوسيط" 4/ 28، و"معالم التنزيل" 4/ 259.]].
قال أهل المعاني: المعنى أنهم يخرجون فزعين لا يهتدون فيدخل بعضهم في بعض لا جهة لأحد منهم يقصدها، فشبههم في هذا الوقت بالجراد؛ لأن الجراد لا جهة لها فتكون أبدًا مختلفة بعضها في بعض [[انظر: "الوسيط" 4/ 28، و"البحر المحيط" 8/ 176، و"روح المعاني" 8/ 27]].
القمر 54:8
قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ قال ابن عباس: مقبلين إلى الصوت، وقال مقاتل: مقبلين سراعًا إلى صوت إسرافيل [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب، و"الكشف" 23 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 26.]].
وذكر في تفسير مهطعين قولان: أحدهما: مسرعين. والآخر: ناظرين مديمي النظر [[انظر: "جامع البيان" 27/ 53، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 13، و"تهذيب اللغة" 1/ 134، و"اللسان" 3/ 811.]]، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: 43].
قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ قال ابن عباس: يوم القيامة عسر على الكافرين، وعلى المؤمنين سهل يسير [[انظر: "الوسيط" 4/ 28.]].
قال مقاتل: يهون على المؤمنين الحشر، والكفار ينكبون على وجوههم فلا يقومون مقامًا إلا عسر عليهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.]]، ويقال: عَسِرَ يَعْسَر عُسْرًا فهو عَسيرٌ، وهذا كقوله ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: 9، 10].
القمر 54:9
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ ظاهر إلى قوله (وازدجر) قال ابن عباس: وانتهر، وقال الكلبي: زجر عن مقالته، وقالوا: مستطار الفؤاد [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 35، و"معالم التنزيل" 4/ 26.]]. يعني أنهم اتهموه بالجنون وقالوا: إنه لا عقل له، وزجروه عن دعوته.
قال ابن زيد: توعدوه بالقتل [[انظر: "حامع البيان" 27/ 54.]]، وقال الفراء: زجروه بالشتم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 16.]]. وتفسير الازدجار قد مر قبيل.
والأفعال في هذه الآية مسندة إلى الفاعلين وبني ازدجر للمفعول لوفاق الفواصل، وإن كان للفاعلين الذين جرى ذكرهم.
قوله ﴿مُّنْهَمِرٍ﴾ يقال: همر الماء وانهمر فهو هامر منهمر إذا سأل وانصب، قال المفسرون: منصب انصبابًا شديدًا لم ينقطع أربعين يومًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 24 أ، ونسبه لابن عباس والقرطبي، و"معالم التنزيل" 4/ 26.]].
القمر 54:12
قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ قال المفسرون: يعني ماء الأرض وماء السماء، قال الفراء: ولا يجوز التقى إلا للاثنين فما زاد، وإنما جاز في الماء لأنه يكون جمعًا وواحدًا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 16.]]. يعني أنه اسم الجنس فهو يجمع ماء الأرض وماء السماء.
قوله تعالى ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فيه قولان. قال الكلبي: على أمر قد مضى عليهم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 35.]]، وهو قول محمد بن كعب قال: كان القدر قبل النبلاء [[انظر: "جامع البيان" 27/ 55، و"الكشف والبيان" 12/ 24 ب.]]. وقال مقاتل: إن ماء السماء وماء الأرض قدرهما الله تعالى أن يكونا سواء فذلك قوله ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ.]]، والقولان ذكرهما الفراء، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 16، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 87]].
القمر 54:13
قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ يعني على سفينة ذات ألواح وهي خشباتها العريضة التي منها هيئت وجبت.
وقوله ﴿وَدُسُرٍ﴾ معنى الدَّسْر في اللغة: الدفع الشديد، يقال دَسَرَه بالرمح ودسر جاريته بهنها عند النكاح، ومنه قول ابن عباس في العنبر: إنما هي شيء دسره البحر [[انظر: "الكشف والبيان"، 12/ 24 ب، و"تهذيب اللغة" 12/ 355، و"اللسان" 1/ 976 (دسر).]]، أي: دفعه.
وقال أبو إسحاق: الدُّسُر: المسامير والشروط [[الشروط: جمع شريطة وهي حبال يُربط بها.]] التي تشد بها الألواح، وكل شيء كان نحو السَّمْرُ وإدخال شيء في شيء بقوة وشدة فهو الدُّسُر، يقال: دَسّرْت [[في (ك): (جرست) والصواب ما أثبته.]] المسمار في الخشبة أدْسُرُه وأدسِرُه دَسْرًا، والدُّسُرُ واحدها دِسَار، نحو حِمَار وحُمُر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 87 ، 88.]].
قال ابن عباس ومقاتل والكلبي وجماعة المفسرين: يعني المسامير والشروط، وكل ما شدت به السفينة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 35، و"تفسير مقاتل" 133 أ، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 16، و"جامع البيان" 27/ 55.]].
وذُكِر في الدسر قولان آخران.
أحدهما: أن الدسر هو دفعها الماء بكلكلها [[الكْلكْل: الصدر من كل شيء، وقيل: هو ما بين التَّرْقُوَتَيْن، وقيل: هو باطن الزَّرْرِ. "اللسان" 3/ 29 (كلل).]]، حكاه أحمد بن يحيى، ورواه معمر عن الحسن، قال: تدسر الماء بصدرها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 258، و"تهذيب اللغة" 12/ 355 (دسر).]]. والدسر على هذا يجب أن يكون مصدرًا.
والثاني: أن الدسر هو صدرها الذي ترفع به الماء وتدسر وهو جؤجؤها [[الجؤجؤ: عظام الصدر وجمعه الجآجئ، وجُؤْجُؤ السفينة والطائر: صدرهما. اللسان (جأجأ).]]. وهذا القول يروى عن شهر بن حوشب، ورواه عطيه عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 55، و"الكشف والبيان" 12/ 24 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 26.]]. والقول هو الأول [[قال ابن كثير: قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والقرظى، وقتادة، وابن زيد: هي المسامير، واختاره ابن جرير ... "تفسير القرآن العظيم" 4/ 264.]].
القمر 54:14
قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. قال المفسرون وأهل المعاني: بمنظر ومرأى منا وحفظ. وهذا كقوله ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: 37] وقد مر.
قوله تعالى: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ قال مقاتل: يعني نوحا؛ لأنه المكفور به [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ.]].
قال الفراء: يقول فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم لما صنع بنوح، قال: وفي (لمن) معنى ما، ألا ترى أنك تقول: غرقوا لنوح ولما صنع بنوح [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 17.]]، هذا كلامه، والمعنى: فعلنا ذلك ثوابًا لمن كفر به وجحد أمره، وهو نوح -عليه السلام-.
القمر 54:15
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ ذكر في الضمير في (تركناها) قولان:
أحدهما: أنها للسفينة المذكورة في قوله ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾؛ لأن المراد بها السفينة، وهو قول قتادة، قال: أبقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركتها أوائل هذه الأمة. [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 258.]]
الثاني: قال أبو إسحاق: المعنى تركنا هذه الفعلة وأمر سفينة نوح آية، أي علامة ليعتبر بها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 88.]]، يدل على صحة هذا المعنى قوله ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: 11، 12]، والتذكير يكون بالحمل في الجارية، والمعنى: لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا.
قوله تعالى ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال مقاتل: فهل من متذكر يعلم أن ذلك حق فيعتبر ويخاف. [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ.]]
قال أبو إسحاق: وأصله مُذْتَكِر، ولكن التاء أبدل منها الدال، والذال من موضع التاء، وهي أشبه بالدال من التاء، وأدغمت الذال في الدال [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 88، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 187، 188.]]. هذا كلامه، وإنما فُعل ذلك؛ لأن التاء مهموس، والدال مجهور، وهي من مخرج التاء، والدال أيضًا مجهور، والمجهور بالمجهور أشبه، فصار كما ذكرنا في (مزدجر).
قال أبو علي الفارسي: وقالوا الذكر بالذال، حكاه سيبويه، وكط ك روي بيت ابن مقبل: من بعض ما يعتري قلبي من الذَّكر. [[انظر: "الكتاب " 4/ 421، و"ديوان ابن مقبل" ص 81، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 188، و"الخصائص" 1/ 315، و"المنصف" 3/ 14.]]
وذلك لما كثر تصرف الكلمة بالدال نحو ادَّكر، وهل من مدكر أشبهت تقوى وتقية وتقاة.
القمر 54:16
قوله تعالى ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ كيف استفهام عن تلك الحالية، ومعناه التعظيم لذلك العذاب. والتعجب منه للسامعين.
قوله تعالى: ﴿وَنُذُر﴾ النذر اسم من الإنذار يقوم مقام المصدر، قال الفراء: النذر هاهنا مصدر معناه: فكيف كان إنذاري [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 17.]].
وقال أبو علي: النذر والنذير مثل المنكر والنكير وهي جميعاً مصدران، ومنه قوله ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [[انظر: "الحجة" 6/ 363، و"البسيط" 116 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 134.]] [المرسلات: 6] ونذكر الكلام هناك إن شاء الله، والمعنى: كيف كان إنذاري إياهم، إذ دعاهم نوح إلى الإيمان فلم يؤمنوا، وفي هذا تخويف للمشركين.
القمر 54:17
قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ اختلفوا في هذا على قولين:
أحدهما: أن المراد بالذكر هاهنا الحفظ والقراءة، وهو قول سعيد بن جُبير، وليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهراً إلا القرآن [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 25 أ، و"الوسيط" 4/ 29، و"معالم التنزيل" 4/ 261، و"زاد المسير" 8/ 94.]].
وقال مقاتل: لولا أن الله يسر القرآن ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله، ولكن الله يسره على خلقه [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ، ورواه البيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 8، عن ابن عباس بسند ضعيف.]].
وقال الزجاج: قيل: إن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل إنما يتلوها أهلها نظرًا، ولا يكادون يحفظون كتبهم من أولها إلى آخرها كما يحفظ القرآن [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 88.]].
وعلى هذا القول معنى قوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي هل من ذاكر يذكره، وقارئ يقرأه، ومعناه الحث على قراءة القرآن ودرسه وتعلمه وتفهم معانيه، وهذا معنى قول مطر الوراق: هل من طالب علم فيعان عليه [[انظر: "جامع البيان" 27/ 57، و"الكشف والبيان"، 12/ 25 أ، و"الدر" 6/ 135.]].
القول الثاني: أن معنى الذكر هاهنا الاعتبار والتفكر، قال مقاتل: يعني ليتذكروا ما فيه [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ.]]، والمعنى: هونّاه بأن جعلنا ألفاظه سهلة مفهومة لا صعبة متعقدة كما قال ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، وبينا فيه المواعظ والمزاجر، فهذا معنى ﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾.
وقوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي من متعظ معتبر خائف، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: يريد سهلنا القرآن لكل متعظ [[لم أجد هذا القول منسوبًا. وانظر: "الكشف والبيان" 12/ 25 أ.]].
القمر 54:19
قوله تعالى ﴿رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ذكرنا تفسيره في قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: 16]. قال ابن عباس: كانوا يتشاءمون بذلك اليوم [[انظر: "الوسيط" 4/ 21، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 135.]].
وقال الكلبي: كان شؤم ذلك اليوم عليهم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 37.]].
قال أبو إسحق: قيل في يوم أربعاء في آخر الشهر لا يدور [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 89، قال الألوسي: على معنى أن ابتداء إرسال الرياح كان فيه فلا ينافي آيتي فصلت، والحاقة. "روح المعاني" 27/ 85.]]، ومعنى مستمر دائم الشؤم.
قال الفراء: استمر عليهم بنحوسته [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 18 قال ابن كثير: ومن قال إن اليوم النحس المستمر هو يوم الأربعاء وتشاءم به لهذا اللهم فقد أخطأ وخالف القرآن، فإنه قال في الآية الأخرى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة فيها مشؤومة. وهذا لا يقوله أحد، وإنما المراد في أيام نحسات أي عليهم. انظر: البداية والنهاية 1/ 128.]]، وتفسير المستمر قد مر في هذه السورة [[ذكر المؤلف معنين لقوله تعالى ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، أحدهما: ذاهب، والآخر: قوي شديد، وهذا المعنى يفسر به الاستمرار هنا دون الأول، والله أعلم.]].
ومعنى ﴿نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قوي يأتي عليهم فيهلكهم حتى لا يبقى منهم أحداً.
وروي عن قتادة أنه قال: استمر بهم إلى نار جهنم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 58، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 264، و"روح المعاني" 27/ 83 - 84، وفيه زيادة بيان وإيضاخ.]]، وفي هذا نحتاج إلى تقدير محذوف.
القمر 54:20
قوله تعالى ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ أي تقلعهم، قال ابن عباس: اقتلعتهم الريح من تحت أقدامهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 21، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 136.]]، وقال السدي: تنزع الناس من البيوت [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 136، و"فتح القدير" 5/ 125.]].
وروي عن النبي -صلي الله عليه وسلم - أنه قال: "انتزعت الريح الناس من قبورهم" [[وأورده الثعلبي في "تفسيره" 25 ب، والقرطبي في "جامعه" 17/ 136 وقال الشوكاني في "تفسيره" 5/ 125 "وقيل من قبورهم لأنهم حفروا حفائر ودخلوها".]].
قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ على تقدير فتتركهم كأنهم أعجاز نخل، وذلك أنهم إنما أشبهوا أعجاز النخل عند سقوطهم لا عند نزعهم، وقال الزجاج: كأنهم هاهنا في موضع الحال، والمعنى تنزع الناس مشبهين النخل المنقعر وهو المقطوع من أصوله [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 89.]]، وعلى ما ذكر لا إضمار في الآية.
وأعجاز جمع عَجُز، وهو مؤخر الشيء، وشبههم بأعجاز النخل؛ لأن الريح قلعت رؤوسهم أولا ثم كبتهم لوجوههم [[انظر: "جامع البيان" 58/ 27 - 59، عن قتادة، ومجاهد، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 264.]].
وقوله: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ قال ابن السكيت: يقال: قعرت النخلة: إذا قلعتها من أصلها حتى تسقط، وقوإنقعرت هي أي: انقلعت وسقطت [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 228 (قعر).]]، قال الفراء: يقول أسَافِلَ نخل مصرع [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 18.]]، وقال أبو عبيدة: منقلع [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 241.]]، قال مجاهد: سقطت رؤوسهم أمثال الأخبية وتفردت أعناقهم، فشبههم بأعجاز نخل منقعر [[انظر: "جامع البيان" 27/ 59.]].
قال المفسرون: شبههم لطول قاماتهم حين صرعتهم الريح وكبتهم على وجوههم بالنخيل الساقطة على الأرض التي ليست لها رؤوس [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 25 ب، و"الوسيط" 4/ 21، و"معالم التنزيل" 4/ 216، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 137.]]، والعرب تشبه الرجال إذا انكبوا على وجوههم على الأرض بالنخيل الساقطة، ومنه قول الشاعر يزيد بن عمرو [[لم أجد له ترجمة.]] يرثي قومه:
ألا من رأى قومي كأن رجالهم ... نخيل أتاها عاضد فأمالها [[انظر: "الحماسة" لأبي تمام 2/ 473، وفيها: (قومي) بدلا من قوماً. و (عاضد) بدلا من (عاصف).]]
وتذكير المنقعر للفظ النخل وهو من الجمع الذي يذكر ويؤنث، وتأنيثه قد جاء في قوله عز ذكره ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7].
القمر 54:23
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ قال ابن عباس: يريد ما جاءهم به صالح [[ذكره المفسرون لبيان المعنى ولم ينسب لقائل.]]، وعلى هذا معنى النذر: الإنذار، كما ذكرنا في قوله ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ وقال مقاتل: يعني بالرسل [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 ب.]]، وعلى هذا النذر: جمع نذير، وتكذيبهم صالحًا تكذيب لجميع الرسل؛ لأن الإيمان بالجميع واجب.
ثم أنكروا أن يكونوا تبعًا لواحد منهم، وهو قوله:
القمر 54:24
﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ أي هو آدمي مثلنا وهو واحد فلا نكون له تبعاً ﴿إِنَّا إِذًا﴾ إن فعلنا ذلك ﴿لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ قال الكلبي: خطأ ذهاب عن الحق [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 26 أ، و"الوسيط" 4/ 21، و"البغوي" 4/ 261.]].
﴿وَسُعُرٍ﴾ قال أبو عبيدة: جمع سُعْر [[انظر: "جامع البيان" 27/ 59، و"فتح القدير" 5/ 126 ونسبه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 26 أإلى سفيان ابن عيينة.]]. والمفسرون وأهل المعاني ذكروا في السعر معنيين.
قال مقاتل: يعني شقاء وعناء، وهو قول قتادة، والكلبي [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 ب، و"جامع البيان" 27/ 59، و"الكثمف والبيان"، 12/ 26/ أ.]]، واختيار الفراء، قال: أراد بالسعر العناء للعذاب [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 18.]]، وهو قول الحسن، قال: أراد شدة العذاب [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 26 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 261 - 262.]]، ويكون المعنى على هذا القول: إنا إن اتبعناه فنحن في ضلال وفي عذاب مما يلزمنا.
وقال عطاء عن ابن عباس: وجنون [[انظر: "زاد المسير" 8/ 96، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 138.]]. وأصل هذا من قولهم: ناقة مسعورة، إذا كانت كأن بها جنونًا، ومنه قول الشاعر:
تخال بها سُعْرا إذا العيس هزها ... ذميل وإيضاع من السير متعب [[لم أجده منسوبًا، وقد ورد في "تخريجات الكشاف" ص 15، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 138، و"البحر المحيط" 8/ 18، وفي الألفاظ اختلاف يسير، والذميل ضرب من سير الإبل. "اللسان" (ذمل).]]
وذكر أبو إسحق القولين [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 89.]]، والمبرد ذكرهما وجمع بينهما فقال: سعر جمع سعير، وهو لهب النار، ويقال: سُعُر: جنون، من قولهم: ناقة مسعورة، وجمل مسعور، ويذهبون إلى أن هذا من ذلك، وأنه قال للمجنون مسعور؛ لأنه لا يستقر يذهب كذا وكذا لما يلتهب فيه من الحدة فتنزيله مرة كذا ومرة كذا [[لم أجده عن المبرد. وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 87، و"اللسان" 2/ 148 (سعر).]]. ثم أنكروا أن يكون الوحي يأتيه فقالوا:
القمر 54:25
﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قال أبو عبيدة: يعنون أجاء الذكر، كما يقول: ألقيت عليه المسألة، وألقيت عليه حسابًا [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 241.]].
قال ابن عباس، والكلبي: يقولون: أجاءته النبوة وخص بها من بيننا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 37، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 138.]]، وقال مقاتل: يعني الوحي [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 ب، انظر: "الكشف والبيان" 12/ 26 ب.]].
﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾ افتعل ما يقول. ﴿أَشِرٌ﴾. قال أبو عبيدة: الأشر: المرح والتجبر والكبرياء، وربما كان من النشاط [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 241.]].
وقال المبرد: الأشر البطر، يقال: أشر يأشر أشراً إذا طغى وعلا متبجحًا فرحًا [[لم أجده عن المبرد، وانظر: "اللسان" 1/ 65 (أشر).]].
وقال الأزهري: الأشَر المَرح، ورجل أَشِر وأشْران، وقوم أُشَارَى، ورجل مئشِر، وكذلك امرأة مِئْشِر بغير هاء [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 41 (وشر).]].
وقال الكسائي،، والفراء: الأشِر والأشُر بكسر الشين وضمها نحو الحذِر والحَذُر، والفطِنُ والفطُن، والعجِلُ والعَجُلُ، والضم قراءة مجاهد [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 18، و"جامع البيان" 27/ 59، و"الكشاف" 4/ 47، و"البحر المحيط" 8/ 18، وزاد نسبة القراءة لأبي قيس الأودي، و"روح المعاني" 27/ 89.]].
قال المفسرون: أشر: بطر مرح متكبر يريد أن يتعظم علينا بالنبوة.
قال ابن عباس: وكان صالح بن عبيد شريفًا سيداً من أشرف بطن فيهم، فقال الله تعالى:
القمر 54:26
﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ يعني عند نزول العذاب، وهو تهديد لهم وإنما قال (غدًا) [[) (غداً) ساقطة من (ك).]] للتقريب على عادة الناس، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]، واسم الغد يقع على ما بعد يومك الذي أنت فيه قرب أو بعد، ولكن العادة جرت إطلاقه على القريب، وغد من الأسماء الناقصة كاليد والفم، وأصله غدو، وربما يستعمل على الأصل، قال الشاعر:
وما النَّاسُ إلا كالدَّيار وأهلِها ... بها يوْمَ حَلُّوها وَغَدْوًا بَلاقِعُ [[البيت للبيد، كما في "ديوانه" ص 169، و"الكتاب مع شرح شواهده" للأعلم 2/ 8، و"شرح المفصل" 6/ 4، "أمالي ابن الشجري" 2/ 35، و"المصنف" 1/ 64.]]
ويقال في المثل إن مع اليوم أخاه غدوا [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 17، "اللسان" 2/ 962 (غدا).]].
ومعنى (غدًا) هاهنا يجوز أن يكون اليوم الذي نزل بهم العذاب، هددوا بذلك اليوم.
هذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 ب، انظر: "الكشف والبيان"، 12/ 26 أ.]]، وقال الكلبي: يعني يوم القيامة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 38، و"جامع البيان" 27/ 59، و"معالم التنزيل" 4/ 262.]].
وقرئ (ستعلمون) بالتاء [[قرأ ابن عامر، وحمزة: (ستعلمون) بالتاء، وقرأ الباقون ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ بالياء. انظر: "الحجة" 6/ 243، و"حجة القراءات" ص 689، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 45.]]، وعلى هذا هو من كلام صالح أجابهم بهذا، فقال (ستعلمون غدًا من الكذاب الأشر) منا.
القمر 54:27
قوله تعالى ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً﴾ قال ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 6، و"الوسيط" 4/ 211، و"معالم التنزيل" 4/ 262، و"زاد المسير" 8/ 97.]] وذك أنهم تعنتوا على صالح فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء تضع، ثم ترد ماءهم فتشربه، ثم تغدو عليهم بمثله لبناً، فقال الله تعالى ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أي باعثوها بإنشائها، فتكون هي مرسلة ولا تكون رسولاً؛ لأن الرسول من حمل الرسالة وكلف أداءها.
﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أي محنة واختبارا. قال أبو إسحق: فتنة مفعول له. المعنى لنفتنهم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 89.]].
قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ أي انتظر ما هم صانعون، ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على ما يصيبك من الأذى، قال الكلبي: أمره بالصبر لما سبق في علمه أنهم سيكذبونه [[لم أجده.]].
القمر 54:28
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ يعني بين ثمود وبين الناقة، يوم لها ويوم لهم، كما قال ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: 155] هذا قول الجميع، وإنما لم يقل بينهم وبين الناقة؛ لأن الناقة داخلة في قوله (بينهم) وذلك أن العرب إذا أخبرت عن البهائم، وعن بني آدم غلبوا بني آدم على البهائم.
قال ابن عباس: كان يوم شربهم لا تشرب الناقة فيه شيئًا من الماء وتسقيهم لبنًا، وكانوا في شيء من النعيم لا يعرف قدره، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله فلم تبق لهم شيئًا [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 262، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 14.]]، فذلك قوله ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ يحضر القوم يومًا وتحضر الناقة يومًا، فيحضر الشرب من كانت نوبته، وحضر واحتضر واحد.
القمر 54:29
قوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ يعني عاقر الناقة قدار بن سالف [[في (ك): (سالم) والصواب ما أثبته.
وانظر: "المعارف" ص 29، و"تاريخ الأمم والملوك" 1/ 139.]]، ويقال له أحمر ثمود.
﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ تفاعل من العطو، وهو التناول باليد ومنه:
كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم
ومنه الإعطاء، والمعاطاة، والتعاطي، غير أن بعضهم ذكر في التعاطي أنه تناول ما لا يحل [[انظر: "اللسان" 2/ 815 - 816 (عطا).]].
قال المفسرون: تعاطى الناقة وتناولها بالسيف فعقرها، ومضى تفسير العقر [[عند تفسيره الآية (77) من سورة الأعراف.]].
القمر 54:31
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني الصاعقة التي أخذتهم وهي مذكورة في مواضع من التنزيل، وقال عطاء: يريد صيحة جبريل [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 262، و"زاد المسير" 1/ 97، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 142.]].
﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ قال أبو عبيدة: الهشيم ما يبس من الشجر أجمع [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 241.]].
وقال المبرد: الهشيم حطام البقل [[انظر: "الوسيط" 4/ 211.]].
وقال أبو إسحق: هو ما يبس من الورق وتكسر وتحطم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 9.]]، ومضى تفسير الهشيم عند قوله ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ [الكهف: 45].
والمحتظر مفتعل من الحظير، ومعنى المحتظر في كلام العرب: المنع، ذكرنا ذلك عند قوله ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 2] ويقال: احتظر على نَعَمِهِ وحظر إذا جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض ليمنع برد الريح عن النَعَم، ويقال لذلك المانع حَظَارٌ بفتح الحاء وكسره، وكذلك الحطب الرطب الذي يحظر به حظر، ومنه قول الشاعر:
ولم يَمْشِ بينَ الحَيَّ بالحَظِرِ الرّطْبِ [[اليت لمالك بن أبي كعب. وصدره:
من البيض لم تصطد على خيل لأمة
وانظر: تهذيب اللغة 4/ 455، و"اللسان" 1/ 666 (حظر)، و"الكشاف" 4/ 297، و"تفسير الماوردي" 4/ 542.]] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: المحتظر صاحب الحظيرة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 241 و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 9.]].
واختلفوا في (هشيم المحتظر) ما هو؟ فقال الكلبي: وذلك أن الرجل كان يجعل لغنمه حظيرة يحظرها فيها دون السباع [[في (ك): (الشمال).]] من الشجر، فما سقط من ذلك الشجر وداسته الغنم فهو هشيم، فشبه القوم به حين فرقت حومهم وعظامهم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 61، عن الضحاك، انظر: "الكشف والبيان" 12/ 27 أ، عن ابن عباس، و"معالم التنزيل" 4/ 262، عن ابن عباس.]]، وهذا القول اختيار الزجاج، فقد قال: كانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 9.]].
وهذا يحتمل أنه أراد الذي صار هشيمًا مما جمعه، ويحتمل أنه أراد أن صاحب الحظيرة، وهو صاحب الماشية يجمع الهشيم لعلف ماشيته، وقد صرح المبرد بهذا فقال: المحتظر هو الذي يجمع الهشيم لغنمه، فاضيف إليه؛ لأنه يجمعه. ونحو هذا قال ابن قتيبة: يعني الذي يجمع الحشيش في الحظيرة لغنمه [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 434.]].
وقال مقاتل: شبههم في الهلاك بالهشيم البالي، وهو الحظيرة من قصب يصيبها ماء السماء وحر الشمس فتبلى من طول الزمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 ب.]].
وقال الفراء: معنى قولهم: كهشيم المحتظر، أي كهشيم الذي يحتظر على غنمه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 18.]].
قال الأزهري: أراد أنه حظر حظارًا رطبًا على حظار قديم قد يبس [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 454 (حظر).]]. والمعنى أنهم بادوا وهلكوا فصاروا كيابس الشجر إذا تحطم. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد مثل القمح الذي قد يبس وهشم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 243.]]. وعلى هذا المحتظر الذي يتخذ حظيرة على زرعه، والهشيم فتات السنبل وقصب القمح إذا ديس. وذكر في الآية قولان فاسدان.
أحدهما: كالتراب الذي يتناثر من الحائط [[قاله سعيد بن جُبير. انظر: "جامع البيان" 27/ 61، انظر: "الكشف والبيان" 12/ 27 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 262.]]، وذلك لا يسمى هشيماً. والآخر: كالعظام المحترقة [[قاله قتادة انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 259، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 142.]]، وهذا بعيد.
القمر 54:34
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ معنى الحصب في اللغة الرمي، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 9]، والحاصب الرامي، ويكون الذي يرمى به، قال النضر: الحاصب الحصباء في الريح، كان يومنا ذا حاصب، وريح حاصبةٌ وحَصِبَة فيها حصباء، قال ذو الرمة:
حَفيِفُ نافجةٍ عُثْنونُها حَصِب [[انظر: "ديوان ذي الرمة" 1/ 126، و"تهذيب اللغة" 4/ 261، و"اللسان" 1/ 649 (حصب) وصدر البيت:
يَرْقُدُ في ظِلَّ عراض ويَطْرُدُهُ
والنافجة: كل ريح تبدأ بشدة،: وقيل أول كل يح تبدأ بشدة. "اللسان" 3/ 683 (نفج).]]
وقال أبو عبيدة: الحاصب الحجارة، وقد تكون من الجليد، وأنشد للفرزدق [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 241.]]:
مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور
قال المبرد: يعني الثلج؛ لأن الريح ترميهم به في قصدهم الشام، قال: ومنه المحصب لأن فيه الحصى الذي قد رمي به، وأنشد قول العامري:
ولم أر ليلى غير موقف ساعة ... ببطن مني ترمي جمار المحصب
ويروى المحصب بكسر الصاد نسب إلى الرامي.
قال ابن عباس: يريد ما حصبوا به من السماء من الحجارة [[انظر: "الوسيط" 4/ 211.]]، وقال مقاتل: يعني الحجارة من فوقهم، ونحو هذا قال الضحاك [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 ب، و"الثعلبي" 12/ 27 ب، و"البغوي" 4/ 263.]]، والحاصب على هذا القول الحجارة التي يحصب بها. أي يُرمى.
وقال آخرون: يعني عذاباً يحصبهم، أي: يرميهم بحجارة من سجيل. وعلى القول الأول سمي ما يحصب به حاصبا؛ لأنه كأنه يرمي نفسه كالثلج لا يرى له رام، فكأنه هو فاعل الرمي، وكذلك حجارة قوم لوط لم ير لها رام، فسمي ما حصبوا به حاصبا على هذا المعنى.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ يعني لوطاً وابنتيه.
﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ قال أبو إسحق: سحر إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار انصرف، تقول: أتيت زيداً سحراً، فإذا أردت يومك، قلت: أتيته سَحَرَ يا هذا، وأتيته بسحر [[انظر: "معانى القرآن" للزجاج 5/ 9.]].
قال الفراء: إنما ترك إجراؤه لأن كلامهم كان فيه بالألف واللام تقول العرب: ما زال عندنا مذ السحر. لا يكادون يقولون غيره، فلما حذفت منه الألف واللام وفيه نيتهما لم يصرف [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 19.]].
القمر 54:35
قوله تعالى: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ منصوب مفعول له، المعنى: نجيناهم للإنعام عليهم ﴿كَذلِكَ﴾ أنعمنا عليهم ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ قال مقاتل: يعني من وحد الله لم يعذب مع المشركين في الدنيا كقوله ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 145] يعني الموحدين [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ.]].
القمر 54:36
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا﴾ قال ابن عباس: عذابنا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 31، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 144.]].
والمعنى: أَخْذَتنا إياهم بالعذاب.
﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ قال مقاتل: شكوا في العذاب أنه غير نازل بهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ.]]، وقال قتادة: لم يصدقوه [[انظر: "جامع البيان" 27/ 62، و"معالم التنزيل" 4/ 263.]].
وقال الفراء: كذبوا بما قال لهم [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 17.]]، وقال ابن قتيبة: شكوا بالإنذار [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 434.]].
القمر 54:37
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ ذكرنا تفسير المراودة في سورة يوسف [[عند تفسيره الآية (23) من سورة يوسف، والمراودة بمعنى الإرادة، تقوق: راودته على كذا مراودة ورِوادًا. أي أردته. "اللسان"1/ 1254 (رود).]]، والمعنى: طلبوا أن يخلي بينهم وبينهم، {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} تفسير الطمس مذكور عند قوله ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: 88] [[والطمس هو الدروس والانمحاء، وطَمَسَ الطريق وطَمَسَ يَطْمِسُ طُمُوساً، درَسَ وامحَّى أثره. "تهذيب اللغة" 12/ 351 (طمس).]].
قال عامة المفسرين: صفق جبريل أعينهم بجناحيه صفقة فأذهبتها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 28 أ، و"الوسيط" 4/ 212، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 144.]]. وهذه القصة مذكورة في سورة هود [آية: 76، 83]. وتم الكلام عند قوله ﴿أَعْيُنَهُمْ﴾ [[انظر: "الوسيط" 4/ 212.]].
ثم قال ﴿فَذُوقُوا﴾ أي: فقلنا لهم ذوقوا ﴿عَذَابِي﴾ وهو خطاب لجميع قوم لوط الذين أرسل عليهم الحاصب.
قوله تعالى (ونذر) أي وما أنذركم به لوط من العذاب، سمي ذلك بالمصدر.
القمر 54:38
قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ﴾ يقال صَبَحتُ فلاناً وصَبَّحتُه، أتيته صباحاً، والخيل المصبح الذين أتوا صباحاً [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 263، و"اللسان" 2/ 41 (صبح).]].
قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾، قال ابن عباس: يعني نزول العذاب بهم، وقال مقاتل: يعني استقر بهم العذاب بكرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ، و"الوسيط" 4/ 212.]]، وقال الفراء: عذاب لاحق [[في (ك): (لاحق)، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 19.]].
والعذاب المستقر على ما ذكروا ذلك العذاب الذي نزل بهم. وقال غيرهم: معنى المستقر أي: ذلك العذاب استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى عذاب الآخرة [[قاله ابن عباس في رواية الكلبي، وقتادة انظر: "تنوير المقباس" 5/ 31، و"جامع البيان" 27/ 63، و"الكشف والبيان" 12/ 28 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 263.]].
القمر 54:41
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ يعني القبط.
وفي النذر ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المراد به موسى وهارون، وهذا قول ابن عباس، ومقاتل، والمفسرين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 31، و"تفسير مقاتل" 134 أ، و"القرطبي" 17/ 145.]]، وهو على تسمية الاثنين باسم الجماعة، لأنه جمع نذير.
والثاني: أن المراد به الآيات التي أنذرهم بها موسى، وكل آية منها نذير.
والآخر: أن المراد به الإنذار [[انظر: "الوسيط" 4/ 212، و"معالم التنزيل" 4/ 263، و"ابن كثير" 4/ 266.]].
ويدل على القول الثاني قوله:
القمر 54:42
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ يعني الآيات التسع في قول المفسرين (فأخذناهم) (بالعذاب) (أخذ عزيز) غالب في انتقامه (مقتدر) قادر على هلاكهم.
القمر 54:43
﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ قال ابن عباس: أكفاركم يا معشر العرب [[انظر: "الوسيط" 4/ 213، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 145.]]، وقال مقاتل: يعني كفار أمة محمد -ﷺ- [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ.]].
قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد أشد من أولئكم [[انظر: "الوسيط" 4/ 213، و"معالم التنزيل" 4/ 264.]]، وقال مقاتل: يقول أليس أهلكناهم بتكذيبهم فليسوا خيراً منهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ.]]، وهذا استفهام معناه الإنكار. أي: ليس الكفار خيرًا من قوم نوح وثمود وعاد وقد أهلكناهم.
ومعنى الخير يجوز أن يراد به الشدة والقوة كما ذكر ابن عباس، وعليه دل سائر الآي، كقوله ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [ق: 36] ومثله كثير، ويجوز أن يكون معناه أن كفر هؤلاء ليس دون كفرهم فليسوا خيراً منهم.
ثم خاطب الكفار فقال ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ قال ابن عباس: يريد أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 145.]].
وقال مقاتل: يقول ألكم براءة من العذاب في الكتب أنه لن يصيبكم من العذاب ما أصاب الأمم الخالية [[انظر: "تفسير مقاتل" 134/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 264.]].
وقال أبو إسحاق: أم أتاكم في الكتب أنكم مبرأون مما يوجب عذابكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 91.]].
القمر 54:44
ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ قال ابن عباس: يريد جماعة ينصر بعضنا بعضاً [[لم أقف عليه.]]، وقال الكلبي: نحن جميع أمرنا ننتصر من أعدائنا [[انظر: "الوسيط" 4/ 213، و"معالم التنزيل" 4/ 264.]]، والمعنى: بل أيقولون نحن واحدة على من خالفنا ننتصر ممن عادانا فيدلون بقوة واجتماع عليك، ووحد المنتصر بلفظ الجميع، وهو واحد في اللفظ وإن كان اسماً للجماعة كالرهط والجيش.
القمر 54:45
قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ يعني جمع كفار مكة ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُر﴾ أي ينهزمون فيولونكم أدبارهم في الهزيمة، والمراد بالدبر الإدبار، وهي من اسم الجنس الذي يؤدي عن الجميع كالدرهم والدينار، قال الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 11.]].
قال أبو إسحاق: أعلم الله نبيه -ﷺ- أنه يظهره عليهم وجاعل كلمته العليا، فكانت هذه الهزيمة يوم بدر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 92.]].
قال المفسرون: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم في الصف وهو يقول: نحن اليوم جميع منتصر من عدونا. والنبي -ﷺ- يثب في درعه ويقول ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فما كان بأسرع من أن قتل ابن مسعود أبا جهل بسيف أبي جهل، وولوا منهزمين [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ، و"الكشاف" 4/ 48.]].
وقال عمر -رضي الله عنه-: لما نزلت هذه الآية جعلت أقول: أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر عرفت أنه هو [[أخرجه ابن أبي حاتم، وعبد الرزاق، وابن جرير، والثعلبي، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، وذكر ابن حجر، تخريج عبد الرزاق له في شرح حديث باب "سيهزم الجمع ويولون الدبر" عن ابن عباس، وقال: فكأن ابن عباس حمل ذلك عن عمر، وكأن عكرمة حمله عن ابن عباس عن عمر. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 259، و"جامع البيان" 27/ 64، و"الدر المنثور" 6/ 137، و"فتح البارى" 8/ 619.]].
قال عطاء عن ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين. [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 146.]]
القمر 54:46
ثم قال عز وجل: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ يعني أن موعد الجميع للعذاب القيامة.
ثم ذكر فظاعتها فقال: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ أي أعظم في الضر. قال ابن عباس: أعظم عذابًا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 311.]]، وقال مقاتل: أفظع [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ.]]، و (أدهى) من الدهاء، وهو المنكر والشدة والفظاعة، والدَّاهيةُ: الشديدة من شدائد الدهر، ودهاه أمر كذا، إذا أصابه دَهْوًا ودَهْيا ودَاهية دَهْيَاء ودَهْواء. ذكر ذلك ابن السكيت [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 386، و"اللسان" 1/ 13 (دها).]].
قوله تعالى: ﴿وَأَمَرُّ﴾ أي أشد مرارة من قولهم: مَرَّ الشيء وأمَرّ إذا اشتدت مرارته [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 198 (مر).]].
قال أبو إسحق: أي ليس ما نزل بهم من القتل والأسر بمخفف عنهم من عذاب الآخرة شيئًا، ومعنى (أمّرُّ): أشد مَرَارَة من القتل والأسر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 92.]].
القمر 54:47
ثم أخبر عنهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ فقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بالضلال الخسران، والسُّعُر الجنون [[تقدم معنى السعر عند قوله تعالى ﴿لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ ولم أجد هذه الرواية عن ابن عباس، وفي "تنوير الممقباس" 5/ 311 عنه: في خطأ بين في الدنيا وتعب وعناء في النار.]].
وقال الكلبي: وهو قول المفسرين: في كفرٍ بعبادتهم الأصنام وعناء من العذاب [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 261، و"الكشف والبيان" 12/ 29 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 264، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 147.]].
والمعنى على هذا: في ضلال في الدنيا وسعر في الآخرة. وإن حملت السعر على الجنون جاز أن يكونوا في الضلال والسعر في الدنيا، والكلام في السعر قد مر في هذه السورة.
قال أهل المعاني: (في ضلال) أي ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، وفي نار مسعرة.
القمر 54:48
قوله ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ يجوز أن تتعلق هذه الآية بما قبلها على تقدير: إن المجرمين في سعر يوم يسحبون، ويجوز أن لا تتعلق ويكون العامل في الظرف ما يقدر من القول مع ذوقوا؛ لأن التقدير: يوم يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 92، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 298.]].
ومس سفر إصابتها إياهم بعذابه وحره، وهذا كما يقال: ذق من الضرب وقاس مس الحمى.
قال الليث: سفر اسم معرفة للنار غير منصرف، وكذلك لظى وجهنم [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 42 (سقر).]]، ولم يصرف لاجتماع التأنيث والمعرفة، وكذلك كل اسم مؤنث معرفة لا يُجرى وإن لم يكن فيه الهاء؛ لأن فيه معنى الهاء، وان لم تظهر إلا أسماء معدودة خفت فجاز إجراؤها نحو هند ووعد وجُمْل، والأصل أن لا يجرى، ذكر ذلك الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 11.]].
قال عطاء: سفر الطبق السادس من جهنم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 147.]].
وقال الكلبي: إذا ألقوا فيها لا تُبْقي لهم عظمًا ولا لحمًا فيعادون خلقًا جديدًا [[لم أجده، ومعناه: نفى توهم خفة عذاب النار وأنه مجرد مس فوضح أن مسها يصل إلى العظم واللحم ثم يعاد كما بدأ كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ...﴾ [النساء: 56].]]، وتم الكلام.
القمر 54:49
ثم ابتدأ كلامًا آخر فقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال الكلبي عن ابن عباس: إنا كل شيء جعلنا له شكلًا يوافقه ويصلح له، فالمرأة للرجل، والأتان للحمار، والرمكة للفرس، وثياب الرجال للرجال لا تصلح للنساء، وثياب النساء للنساء لا تصلح للرجال، وكذلك ما شاكلها على هذا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 29 أ، ب، ذكره عن ابن عباس من غير سند.]].
وقال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي كقوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3] وهذا قول الربيع [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 29 أ.]].
وقال مقاتل: يعني أنه قدر لهم العذاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 ب.]]، وعلى هذا التفسير الآية متصلة بما قبلها، وروى محمد بن عياد المخزومي [[محمد بن عياد بن جعفر المخزومي، المكي، ثقة.
انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 174.]] عن أبي هريرة أن قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ نزلت في القدرية [[سموا بذلك لقولهم في القدر، زعموا أن العبد هو الذي يخلق فعله استقلالًا فأثبنوا خالقًا مع الله، ولذا سماهم النبي -صلي الله عليه وسلم- مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس قالوا بإثبات خالقين: النور والظلمة، وهم يزعمون أن الله لا يقدر على مقدرات غيره. وهذا هو مذهب المعتزلة في القدر. انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني 1/ 54، و"البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان" ص 26.]]، وذلك أن مشركي قريش جاءوا إلى النبي -صلي الله عليه وسلم - يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآيات [[رواه مسلم في كتاب القدر، باب: كل شيء بقدر، وأحمد في "مسنده" 2/ 444، والترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة القمر، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والثعلبي في "تفسيره" 12/ 29 ب، والواحدي في "أسباب النزول" ص 425.]]، وهذا قول محمد بن كعب القرظي قال: نزلت تعييرًا لأهل القدر [[انظر: "جامع البيان" 27/ 65.]].
وعلى هذا القول المراد بالمجرمين القدرية المشركون وإخوانهم من قدرية هذه الأمة، يكونون في حكمهم. يدل على ذلك ما روى زرارة [[في (ك): (زراة) وهو زرارة بن أوفى العامري، أبو حاجب، قاضي البصرة، ثقة، عابد، قرأ في الصبح ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فخر ميتًا سنة (93 هـ). انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 15، و"أخبار القضاة" 1/ 292، و"تاريخ البخاري" 3/ 438، و"صفة الصفوة" 3/ 23، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 515.]] أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قرأ هذه الآيات وقال: "إنها نزلت في ناس يكونون في آخر أمتي يكذبون بقدر الله" [[رواه ابن أبي حاتم، والطبراني. قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. "مجمع الزوائد" 7/ 111.
وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 464، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 267.]].
وروي عن أبي ذر قال: قدم وقد نجران على النبي -ﷺ- فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا؟ فأنزل الله هذه الآيات. فقالوا: يا محمد يكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ فقال: "أنتم خصماء الله يوم القيامة" [[انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 464، عن عطاء، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 148، بدون سند وأخرجه الثعلبي عن سيار بن الحكم .. إلى قوله: فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى آخر السورة، ولم ينسبه، يذكره من قول النبي -صلي الله عليه وسلم -.]].
ويؤكد هذا ما روى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن رسول -ﷺ- قال: "ينادي مناد يوم القيامة ليقم خصماء الله، وهم القدرية" [[رواه ابن أبي عاصم في "كتاب السنة" 1/ 148، باب إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم خصماء الله تعالى. وقال عنه الألباني: إسناده ضعيف، ورواه الطبراني في الأوسط من رواية بقية، وهو مدلس، وحبيب بن عمرو مجهول. انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 26 وقال الألباني -بعد ذكره للحديث وتخريج الهيثمي وحكمه على بقية وحبيب بن عمرو- قلت: قد شرح بقية بالتحديث عند المصنف فزالت شبهة تدليسه وانحصرت في شيخه.]].
ويزيد وضوحًا هذه الجملة ما روي عن كعب أنه قال: نجد في التوراة أن القدرية يسحبون في النار على وجوههم، وهو قول عطاء عن ابن عباس أن الآيات نزلت في القدرية من المشركين الذين جادلوا رسول الله -صلي الله عليه وسلم - [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 311، قال ابن حجر: وأشتهر على ألسنة السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدرية. انظر: "فتح الباري" 11/ 478.]].
وعلى هذا معنى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي كل ما خلقناه فمقدور مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، يدل على هذا قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ذكر ذلك أبو إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 92.]].
وروى الوالبي عن ابن عباس قال: خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر، فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 65، و"الكشف والبيان" 12/ 29 ب.]].
القمر 54:50
قوله تعالى ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر [[انظر: "الوسيط" 4/ 216، و"معالم التنزيل" 4/ 265، و"زاد المسير" 8/ 12.]].
وقال الكلبي عنه: وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة (إلا واحدة) كطرف البصر [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 37، و"الوسيط" 4/ 216، و"معالم التنزيل" 4/ 265.]]، وهذا قول مقاتل، يقول: مرة واحدة كرجوع الطرف [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 ب.]]. وهذا القول هو اختيار الفراء وأبي عبيد [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 11.]].
وعلى هذا يختص الكلام بأمر الساعة.
ومعنى اللمح في اللغة: النظر بالعجلة، يقال: لمح البرق ولمح البصر، ولمحه ببصره [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 97، و"اللسان" 3/ 398، و"مفردات الراغب" ص 454 (لمح).]].
والأحسن في معنى الآية أن هذا عام في كل ما يخلقه الله تعالى ويريد تكوينه. يقول: إذا أردنا أن نفعل شيئًا فمرة واحدة لأنه ليس منا معاناة ولا علاج ولا توصل بالآلات والأسباب فيكون بمرات كما تكون أفعال العباد، إنما هو كن فيكون.
القمر 54:51
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ يعني أشباهكم ونظراءكم في الكفر من لأمم الخالية، ومضى تفسير الأشياع [[عند تفسيره الآية (65) من سورة الأنعام. قال: الشيع جمع شيعة وكل قوم
اجتمعوا على أمر فهم شيعة. والجمع شيع وأشياع ... ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضًا. انظر: البسيط (فيلم 3731). والتَّشيْعُ: مقدار من العدد كقولهم: أقمت عنده شهرًا أو سَيْعَ شهر، وتشايع القوم: صاروا شيعًا وأشياعكم: أمثالكم من الأمم الماضية، ومن كان مذهبه مذهبكم. يقال: هذا شَيْعً هذا. أي مِثْله. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 6، و"اللسان" 2/ 393 (شيع).]].
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ متعظ يعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر.
ثم أخبر أن جميع ما فعله الأمم قبلهم كان مكتوبًا عليهم فقال:
القمر 54:52
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ قال مقاتل: يعني الأمم الخالية [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 ب.]] ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ- وهذا قول عطاء [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 266، وهو قول مقاتل أيضًا. "تفسير مقاتل" 134 ب.]]، وقال الكلبي: محصى عليهم في الكتب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 312، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 149.]]، يعني كتب أعمالهم.
القمر 54:53
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ من الخلق والأعمال (مستطر) مكتوب بمعنى مسطور، قال أبو إسحق: مكتوب على فاعليه قبل أن يفعلوه ومكتوب لهم وعليهم إذا فعلوه للجزاء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 92.]].
القمر 54:54
قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أكثرُ أهل التفسير والمعاني [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 111، و"مجاز القرآن" 2/ 241، و"جامع البيان" 17/ 67، و"زاد المسير" 8/ 12.]] على أنه أراد وأنهار. يعني أنهار الجنة من الماء والخمر واللبن والعسل، ووحد لأنه قابل الفواصل فصار كقوله ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ والواحد قد ينبى عن الجميع فيخبر به كقوله:
وأما جلدها فصليب [[أنشده الخليل، وسيبويه والبيت لعلقمة الفحل يصف الصحراء وبها جيف الإبل التي رذحت وماتت فتصلبت بقايا جلدها وذهب لحمها فبقي عظمها أبيض. والشاهد قوله (جلدها) أفرد ومراده الجمع، والمعنى جلودها. انظر: "ديوان علقمة" ص 4، و"الكتاب" 1/ 29، و"المفضليات" ص 394، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 83، و"إيضاح الشعر" للفارسي ص 334.]]
وقد تقدم في مثل هذا بالاستشهادات. وهذا قول أبي عبيدة، والكسائي، والفراء، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 93، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 111، و"مجاز القرآن" 2/ 241.]].
وذكر قوم أن معنى (نهر) ضياء وسعة، قالوا: ومنه النهار لضيائه، وأنهرت الجرح وسعته، وهو قول الضحاك، وذكره الفراء وابن قتيبة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 67، و"الكشف والبيان" 12/ 31، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 111، و"تفسير غريب القرآن" ص 435.]]، والقول هو الأول.
القمر 54:55
وقوله ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مجلس حسن.
وقد ذكرنا قديمًا أن العرب إذا بالغت في مدح شيء أضافته إلى الصدق، كقوله تعالى ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [الشعراء: 84] و ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [[وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 355، و"اللسان" 2/ 42 (صدق)]] [يونس: 2]. قال عطاء: يريد في جوار الرحمن [[لم أقف عليه.]].
قوله تعالى ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أي عند مليك قادر لا يعجزه شيء و (عند) إشارة إلى الزلفة والكرامة.
والمعنى في المكان الذي كرم لأوليائه.
سورة الرحمن
الرحمن 55:1
﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: قال و [[كذا في (ك)، ولعل في العبارة سقطًا.]] مقاتل: لما نزل قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 11] قال كفار مكة: ما نعرف إلا مسيلمة، رحمان اليمامة، وهو قوله تعالى إخبارًا عنهم ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: 60] فأنكروه، فأخبر الله عن نفسه، وذكر صنعه ليعرف فيوحد فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 323، و"تفسير مقاتل" 134 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152.]] قال صاحب النظم: قوله (علَّم) يقتضي مفعولين ولم يجيء هاهنا إلا واحد. وهذا كما يقال في الكلام: زيد أطعم الطعام، فقد يعلم أن الإطعام لا يقع إلا على من يأكل، فكذلك قوله عز وجل ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ واقع على من يلقن التعليم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 84.]]، وهذا معنى قول الكلبي: علم القرآن محمدًا وعلمه محمد -ﷺ- أمته [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 313، و"الوسيط" 4/ 217، و"فتح القدير" 5/ 131.]].
قال أبو إسحق: ومعنى ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ يسَّره لأن يُذكر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 95.]].
ثم نسق على هذا خبرًا آخر مؤكدًا له من غير حرف عطف وهو قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد محمدًا -ﷺ- [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152]]. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قال: يريد أفصح الكلام، يعني القرآن.
والآيتان بهذا التفسير تأكيد لما قبلهما، وهذا قول ابن كيسان في الإنسان أنه محمد -ﷺ- إلا أنه قال في البيان أنه بيان ما كان وما يكون؛ لأنه -ﷺ- كان ينبئ عن الأولين والآخرين وعن يوم الدين [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 33 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 267، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152، و"فتح القدير" 5/ 131.]].
وقال الكلبي وقتادة: الإنسان آدم -عليه السلام- علمه أسماء كل شيء، وهذا قول مقاتل [[انظر: "نفسير مقاتل" 134 ب، و"جامع البيان" 23/ 67، والثعلبي 12/ 33 ب.]].
وقال آخرون: الإنسان اسم لجنس الناس جميعًا، ومعنى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ النطق والتمييز، والكتابة والخط، والفهم والإفهام، حتى عرف ما يقول وما يقال له، وعلم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به، وجعله مميزًا حتى انفصل الإنسان من جميع الحيوان، وهذا قول أبي العالية، ومرة، وابن زيد [[(ك): (وبرة بن زيد) وهو خطأ.]]، والحسن، والقرظي، والسدي، ويمان بن رباب. [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 33 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 266، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152 - 153، ورجحه الرازي والألوسي وغيرهما، انظر: "التفسير الكبير" 29/ 85، و"روح المعاني" 27/ 39.]]
الرحمن 55:2
﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: قال و [[كذا في (ك)، ولعل في العبارة سقطًا.]] مقاتل: لما نزل قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 11] قال كفار مكة: ما نعرف إلا مسيلمة، رحمان اليمامة، وهو قوله تعالى إخبارًا عنهم ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: 60] فأنكروه، فأخبر الله عن نفسه، وذكر صنعه ليعرف فيوحد فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 323، و"تفسير مقاتل" 134 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152.]] قال صاحب النظم: قوله (علَّم) يقتضي مفعولين ولم يجيء هاهنا إلا واحد. وهذا كما يقال في الكلام: زيد أطعم الطعام، فقد يعلم أن الإطعام لا يقع إلا على من يأكل، فكذلك قوله عز وجل ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ واقع على من يلقن التعليم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 84.]]، وهذا معنى قول الكلبي: علم القرآن محمدًا وعلمه محمد -ﷺ- أمته [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 313، و"الوسيط" 4/ 217، و"فتح القدير" 5/ 131.]].
قال أبو إسحق: ومعنى ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ يسَّره لأن يُذكر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 95.]].
ثم نسق على هذا خبرًا آخر مؤكدًا له من غير حرف عطف وهو قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد محمدًا -ﷺ- [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152]]. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قال: يريد أفصح الكلام، يعني القرآن.
والآيتان بهذا التفسير تأكيد لما قبلهما، وهذا قول ابن كيسان في الإنسان أنه محمد -ﷺ- إلا أنه قال في البيان أنه بيان ما كان وما يكون؛ لأنه -ﷺ- كان ينبئ عن الأولين والآخرين وعن يوم الدين [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 33 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 267، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152، و"فتح القدير" 5/ 131.]].
وقال الكلبي وقتادة: الإنسان آدم -عليه السلام- علمه أسماء كل شيء، وهذا قول مقاتل [[انظر: "نفسير مقاتل" 134 ب، و"جامع البيان" 23/ 67، والثعلبي 12/ 33 ب.]].
وقال آخرون: الإنسان اسم لجنس الناس جميعًا، ومعنى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ النطق والتمييز، والكتابة والخط، والفهم والإفهام، حتى عرف ما يقول وما يقال له، وعلم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به، وجعله مميزًا حتى انفصل الإنسان من جميع الحيوان، وهذا قول أبي العالية، ومرة، وابن زيد [[(ك): (وبرة بن زيد) وهو خطأ.]]، والحسن، والقرظي، والسدي، ويمان بن رباب. [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 33 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 266، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152 - 153، ورجحه الرازي والألوسي وغيرهما، انظر: "التفسير الكبير" 29/ 85، و"روح المعاني" 27/ 39.]]
الرحمن 55:5
وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ذكرنا معنى الحسبان في قوله ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [[عند تفسيره الآية (96) من سورة الأنعام. والحُسْبانُ: الحساب. قال أبو العباس: حسبانًا، مصدر كما تقول: حسبته أحسبه حسبانًا، وحسبانًا، وجعله الأخفش وأبو الهيثم: جمع حساب. انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 71، و"تهذيب اللغة" 4/ 328، و"اللسان" 1/ 629 (حسب).]]، قال جماعة المفسرين: يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 262، و"جامع البيان" 27/ 67، و"الكشف والبيان" 12/ 33 ب، أ، و"معالم التنزيل" 4/ 267.]]، والمعنى فيه أنهما يدلان على عدد المشهور والسنين وجميع الأوقات، قال أبو إسحق: وخبر الابتداء يدل عليه قوله ﴿بِحُسْبَانٍ﴾؛ لأن المعنى: يجريان بحساب [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 95.]].
وروى السدي عن أبي مالك في هذه الآية قال: لهما حساب وأجل أجل الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا [[أخرجه عبد بن حميد، وابن المنذر. انظر: "الدرر" 6/ 140، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 12/ 34 أ، والقرطبي في "تفسيره" أيضًا 17/ 153.]]، وعلى هذا معنى الحساب حساب أيام جريهما إلى الإنقضاء، والقول هو الأول. [[وهو اختيار ابن جرير، والمعتمد عند ابن كثير. انظر: "جامع البيان" 27/ 68، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 27، و"تفسير القاسمي" 15/ 5613.]]
الرحمن 55:6
قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ قال عامة أهل اللغة والمفسرين: النجم: النبت على الأرض ليس له ساق، والشجر: ما كان على ساق، يبقى شتاء والنجم لا يبقى على الشتاء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 112، و"مجاز القرآن" 2/ 242، و"جامع البيان" 27/ 68، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 96.]].
قال ابن الأعرابي: النجمة نبتة صغيرة وجمعها نَجْمٌ [[انظر: "اللسان" (نجم).]]، ويقال: نجم النبات إذا طلع، ونجم القرن، ونجم النجم، ونجم السن، كل ذلك بمعنى طلع، وأنشد أبو عبيدة للحارث بن ظالم [[أبو ليلى. محمد بن مرة بن ذبيان، تقدمت ترجمته.]]:
أَخُصْيَيْ حِمارٍ ظَلَّ يَكْدِمُ نَجْمةً ... أَتُؤْكَلُ جاراتي وجارُك سالمُ [[ورد البيت منسوبًا في "المفضيات" ص 313، و"اللسان" 3/ 59 (نجم)، و"المنصف" 2/ 131.]]
قال الأزهري: وإنما قال ذلك لأن الحمار إذا أراد أن يقلع النجمة من الأرض وكدمها ارتدت خصياه إلى مؤخره. [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 129 (نجم).]]
وأنشد الليث:
مُوزَرٌ بعميم النَّجْم تنسجهُ ... ريحُ الخريف لضاحي مائه حُبُكُ [[البيت لزهير بن أبي سلمى. كما في "ديوانه" ص 176، و"المحتسب" 2/ 217، و"اللسان" 3/ 59 (خبك) وفي الألفاظ بعض الاختلاف والشاهد فيه أن النجم هو نبت يمتد على وجه الأرض بلا ساق.]]
ذكر المفسرون في تفسير النجم: هو ما أنجمت الأرض، يعنون أنبتت، ولم أر لأهل اللغة أنجم، بمعنى: أنبت.
وقوله: ﴿يَسْجُدَانِ﴾ قال الفراء والكسائي: العرب إذا جمعت جمعين من غير الناس مثل السدر والنخل جعلوا فعليهما واحدًا، فتقول: السدر والنخل تنبت، والإبل والغنم مقبلة، ويجوز ينبتان ومقبلتان، والأول كلامهم، وذكر في الآية على لفظ التثنية لوفاق الفواصل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 112.]]، هذا معنى كلامهما، وقال أهل التفسير في معنى سجود النجم والشجر أنه سجود أظلالهما [[جمع الظَّلَّ: أظلال وظِلال وظلول. "اللسان" 2/ 647 (ظلل).]].
وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [[عند تفسيره الآية (48) من سورة النحل.]].
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ قال نجوم السماء ﴿وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ بكرة وعشيًا: وهو قول قتادة في النجم [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 639، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 262.]].
قال أبو إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 96.]]: وهذا جائز أن يكون الله أعلمنا أن النجم يسجد كما قال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ إلى قوله ﴿وَالنُّجُومُ﴾ [النحل: 12].
الرحمن 55:7
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ قال مقاتل وغيره: رفعها فوق الأرض مسيرة خمسمائة عام وأمسكها أن تقع على الأرض [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 ب.]].
﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ تفسير الميزان: الآلة التي يوزن بها، وفي معناه هاهنا قولان، أحدهما: أنه أريد به الميزان الذي نعرفه بيننا.
قال مقاتل: يعني الذي يزن به الناس وضعه عدلًا بينهم لينتصف بعض الناس من بعض، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 أ، و"جامع البيان" 69/ 27، و"الكشف والبيان" 12/ 34 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 267.]]، قالوا: هو الذي يوزن به ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف.
قال أهل المعاني: وهذا تنبيه على النعمة فيه والهداية إليه، ولولا الميزان لتعذر الوصول إلى كثير من الحقوق.
القول الثاني: أن المراد بالميزان العدل، وعبر عنه بالميزان؛ لأنه آلته.
قال عطاء عن ابن عباس: يعني العدل في الأرض بين الناس، وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 64، ولم أقف عليه عن ابن عباس.]].
قال أبو إسحق: الميزان هاهنا العدل؛ لأن المعادلة موازنة الأشياء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 96.]]. قال صاحب النظم: على هذا القول: تأويله أمر بالعدل يدل هذا قوله تعالى:
الرحمن 55:8
﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي لا تجاوزوا العدل.
و (أن لا تطغوا) يحتمل وجهين، أحدهما: لئلا تطغوا كقوله ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176]، والثاني: أن معنى (أن) التفسير، فيكون المعنى أن لا تطغوا كقوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: 6] [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 9، و"القرطبي" 17/ 154، و"فتح القدير" 5/ 137.]] وقد مر.
وعلى القول الأول يكون (تطغوا) في محل النصب بأن، وعلى القول الثاني يكون تطغوا جزمًا على النهي. ذكر ذلك الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 96.]]، قال الفراء: والنهي أحب إلى؛ لقوله:
الرحمن 55:9
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 113.]]، وهذا أيضًا يدل على أن المراد بقوله ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي في الذي يوزن به، قال عطاء عن ابن عباس: يريد لا تخونوا من وزنتم له [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 155.]].
ومعنى ﴿لا تطغوا﴾ لا تظلموا ولا تنقصوا ولا تجاوزوا القدر، قاله أبو عبيدة والزجاج [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 242، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 96.]].
وقال أهل المعاني [[انظر: "الكشاف" 4/ 5.]]: إنما قيل لا تطغوا؛ لأن ما لا يضبط في الوزن موضوع عنهم ما لم يتعمدوا البخس فإذا تعمدوا فقد طغوا، وإنما قال: ﴿لا تطغوا في الميزان﴾ ولم يقل فيه بالكناية وقد سبق ذكره لكي يكون قائمًا بنفسه في النهي عنه، ولا يكون الثاني متضمنًا بالأول.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ قال المفسرون: أقيموا لسان الميزان بالقسط، أي: بالعدل، وهو قول مجاهد والكلبي ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314، و"تفسير مقاتل" 135 أ، و"الدر" 6/ 141.]].
والأحسن إذا وزن أن يقيم اللسان بالقسط كما أمر الله تعالى ثم يرجح إن أراد ذلك وتبرع به، وقد روي عن علي -رضي الله عنه- أنه مر على رجل وهو يزن الزعفران وقد أرجح فكفأ الميزان ثم قال: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت [[لم أقف عليه عن علي، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي المغيرة عن ابن عباس نحوه. انظر: "فتح الباري" 8/ 621.]].
وقوله: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: لا تنقصوا ولا تبخسوا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314، و"جامع البيان" 27/ 7.]]. وهذا كقوله تعالى ذكره ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 3] أي ينقصون. وروى أهل اللغة: أخسرت الميزان وخسرته ومنه قراءة بلال بن أبي بردة [[هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قاضي البصرة، مقل، مات سنة نسِف وعشرين ومائة. انظر: "تقريب التهذيب" 1/ 19.]] ﴿وَلَا تُخْسِرُوا﴾ بفتح التاء [[انظر: "مختصر ابن خالوية" ص 149، و"الكشف والبيان" 34/ 12 ب، و"الكشاف" 4/ 5، و"البحر المحيط" 8/ 189.]]، وهذا كقوله ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: 84] [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 162، و"اللسان" 1/ 829 (خسر).]] وذكرنا معنى نقص الميزان وكيفيته في سورة هود.
الرحمن 55:10
قوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ قال الكلبي: بسطها على الماء للأمام [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314.
قال الألوسي: ثم إن كونها على الماء مبني على ما اشتهر أنه -عز وجل- خلق الماء قبلها وخلقها سبحانه من زبدة. "روح المعاني" 27/ 13.]]. قال الليث: الأنام ما ظهر على الأرض من جميع الخلق ويجوز في الشعر الأنيم [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 75 (أنم).]].
واختلف المفسرون في تفسير الأنام، فروى عكرمة عن ابن عباس ﴿لِلْأَنَامِ﴾ للناس [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 155، و"الدر" 6/ 141.]]، وعن مجاهد وقتادة والضحاك: للخلق والخلائق، وعن عطاء: لجميع الخلق.
وقال الكلبي: للخلق كلهم الذين بثهم فيها، وهذه الأقوال تدل على أن المراد با لأنام كل ذي روح، وهو قول الشعبي [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 64، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 262، و"جامع البيان" 27/ 7، و"الكشف والبيان" 12/ 35 أ.]]، وقال الحسن: للجن والإنس [[انظر:، جامع البيان" 27/ 7، و"الكشف والبيان" 12/ 34 ب، و"الدر" 6/ 141.]]، وهو اختيار أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 97، قلت: ولعل الصواب أن المراد بالأنام جمع ذوات الأرواح من الجن والإنس وغيرهم، فقد روى البخاري في "صحيحه"، كتاب بدء الخلق، باب في النجوم، قال: قال ابن عباس: ﴿الأنام﴾ الخلق، وأخرجه ابن جرير في "جامعه" 7/ 17، من طريق علي بن أبي طلحة.]].
قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي في الأرض فاكهة، يعني كل ما يتفكه من ألوان الثمار. وذكر ابن عباس منها العنب والتين والخوخ والتفاح [[لم أجده.]].
﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ معنى الكم في اللغة ما ستر شيئًا وغطاه، ومنه كم القميص، ويقال للقلنسوة كمة، وأكمام الزرع: غلفها، وذكرنا ذلك عند قوله ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [[عند تفسيره للآية (47) من سورة فصلت. وانظر: "تهذيب اللغة" 9/ 465، و"اللسان" 3/ 196 (كمم)]] قال ابن عباس: يريد الطلع [[انظر: "جامع البيان" 7/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 267، عن ابن زيد.]]، قال الكلبي: ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ ذات الغلف، وثمرها في غلف الكُفُرَّاه: ما لم تنشق وهي كمه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314، والكافور: وعاء الطلح قبل أن ينشق. وهو الكَفَرُ، والكُفُرَّي، والكِفِوى، والكَفَرَّى، والكُفَرَّي.]]، فإذا انشقت منها الكفراه فليست أكمامها. وقال الحسن وقتادة: أكمامها ليفها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 262، و"جامع البيان" 27/ 7، و"الثعلبي" 12/ 35 أ.]].
قال أبو إسحق: ما غطى جمَّارهما من السعف والليف فهو من أكمام النخلة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 97، والجُمَّارُ: بضم الجيم وفتح الميم مع تشديدها، هو جمار النخلة وهو لحمتها التي في قمة رأسها تقطع قمته ثم تكشط عن جمارة في جوفها بيضاء كأنها قطعة سنام ضخمة وهي رَحْحَةٌ تؤكل بالعسل. انظر: "اللسان" (جمر).]].
والمفسرون على أن الأكمام أوعية الثمر كما ذكرنا، قال الليث: ولكل شجرة مثمرة كم، وهو برعومه [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 466 (كمم).]].
قوله: ﴿وَالْحَبُّ﴾ قال عطاء: يريد القمح [[لم أجده.]]، وقال مقاتل والضحاك: يعني الشعير والحنطة [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 أ، و"جامع البيان" 27/ 71.]]، وقال الكلبي: هو الحبوب كلها مما يحرث في الأرض من الحنطة والشعير وغير ذلك [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314.]].
والوجه الرفع في قوله:
الرحمن 55:12
﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ نسقًا على قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ﴾ وقرأ ابن عامر ﴿والحب ذا العصف﴾ نصبًا [[قرأ ابن عامر: ﴿والحبَّ ذا العصف﴾ بالنصب وقرأ الباقون ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ انظر: "حجة القراءات" ص 69، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 45.]]، حمله على قوله ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ مثل خلقها للأنام، وخلق الحب ذا العصف.
واختلفوا في تفسير العصف، فقال الليث: العصف ما على حب الحنطة ونحوها من قشور التبن، قال: والعصف أيضًا ما على ساق الزرع من الورق الذي يبس فيتفتت، كل ذلك من العصف [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 41، و"اللسان" 2/ 796 (عصف).]].
وقال الفراء: العصف: بقل الزرع، يعني أول ما ينبت منه وهو ورق بعد، قال: والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه شيئًا قبل إدراكه فذلك العصف [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 113.]].
وقال النضر: يقال: عصفنا الزرع نعصفه، أي: جززنا ورقه ليكون أخف للزرع، وإن لم يفعل مال بالزرع. [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 41 (عصف).]]
وقال ابن عباس: العصف والعصيفة ورق السنبل. [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 157 ونسبه للهروي.]]
وقال أبو إسحق: العصف ورق الزرع، ويقال للتبن عصف وعصيفة، وأنشد أبو عبيدة:
يُسقي مذانبَ قد مالتْ عَصيفَتُها ... حدودها من أتيّ الماء مطموم [[البيت لعلقمة بن عبدة، والمذانب الجداول التي يسيل فيها الماء، وطَمَّ الماء يَطِمُّ طَمًّا وطُمُومًا. علا وغمر، وكل ما كَثُرَ وعَلا حتى غَلَب فقد طَمَّ يَطِمُّ.
انظر: "ديوان علقمة" ص 117، و"مجاز القرآن" 2/ 242، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 97، و"جامع البيان" 27/ 71، و"اللسان" 1/ 18 (ذنب)، 2/ 615 (طم)، 2/ 796 (عصف).]]
فحصل من هذا الأقوال أن العصفَ ورق الزرع، ثم إذا يبس وديس صار تبنًا. وعلى هذا يدور كلام المفسرين.
قال مجاهد: هو ورق الزرع، وهو قول مقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي والعوفي [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314، و"تفسير مقاتل" 135 أ، و"جامع البيان" 27/ 71.]].
وقال قتادة: ﴿الْعَصْفِ﴾ التبن، وهو قول الضحاك، ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 262، و"جامع البيان" 27/ 71، و"الكشف والبيان" 12/ 35 أ.]].
وروى السدي عن أبي [[في (ك): (ابن).]] مالك قال: هو أول ما ينبت [[انظر: "صحيح البخاري"، كتاب التفسير، سورة الرحمن، 6/ 18.، قال: وقال أبو مالك: العصف أول ما ينبت. قال ابن حجر: وليس له -أي لابن مالك- في البخاري إلا هذا الموضع. "فتح الباري" 8/ 621، و"جامع البيان" 27/ 71، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك.]].
قال ابن كيسان: العصف: ورق كل شيء خرج منه الحب يبدو أولًا ورقًا، ثم يكون سوقًا، ثم يحدث الله فيه أكمامًا، ثم يحدث في الأكمام الحب [[انظر: "الوسيط" 4/ 218، و"معالم التنزيل" 4/ 268، و"فتح القدير" 5/ 132.]].
قوله تعالى: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ قال أبو زيد: الريحان كل بقلة طيبة الريح، يقال للطاقة منها ريحانة، سميت ريحانة: لأن الإنسان يراح له رائحة طيبة إذا مسها، أي يدركها. قال: رحت الشيء أراح إذا أردت رائحته وهو فَعْلان من الرائحة والريح، وأصل الياء فيه واو قلبوها ياء فرقًا بينه وبين الروحان، وهو شيء له روح، ويقال: شيء ريحاني وروحاني، حكاهما ابن الأعرابي، وما يتركب من الراء والواو والحاء كثير، والأصل في ذلك الحركة والاهتزاز فالرائحة فاعلة من راحت الريح تروح روحانًا إذا تحركت، ذكر هذا كله أبو القاسم الزجاجي.
وقال أبو علي: ويجوز أن يكون الريحان فَيْعِلانا، والعين محذوفة كأنه كان في الأصل ريوحان فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون أدغم أحدهما في الآخر فقيل ريحان، ثم خفف كما قلنا في سيد وميت وهين [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 245 - 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 157.]].
قال أبو القاسم: وسمت العرب الرزق ريحانا؛ لأن الإنسان يرتاح له [[كذا في (ك)، ولم تتبين ليّ.]] ويقوى به روحه، واللغة العرفية في الريحان أنه يطلق على ما له رائحة من الأنوار، وقال أبو عبيدة: الريحان الحب الذي يؤكل، ومنه يقال: سبحانك وريحانك، أي: رزقك، وأنشد للنمر بن تولب:
سلام الإله وريحانُه ... ورحمتُه وسماءٌ دِرَرْ [[انظر: "المنصف" 2/ 11، و"مجاز القرآن" 2/ 243، و"تفسير غريب القرآن" ص 437، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 97، و"اللسان" 1/ 1247 (روح).]]
وقال الفراء: والريحان في كلام العرب: الرزق، تقول: خرجنا نطلب ريحان الله ورزقه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 113 - 114.]].
وقال أبو إسحق: والعرب تقول: سبحان الله وريحانه.
قال أهل اللغة: واسترزاقه، وأنشد بيت النمر، قال: معنى ريحانه: رزقه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 97.]].
قال مجاهد: الريحان الرزق. وهو رواية عكرمة والكلبي عن ابن عباس [[اظر: "تفسير مجاهد" 2/ 64، و"جامع البيان" 27/ 71، و"الكشف والبيان"
12/ 35 أ، و"صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، سورة الرحمن 6/ 73، قال: وقال مجاهد: العصف ورق الحنطة، والريحان الرزق.]].
قال المقاتلان: هو بلغة حمير [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 25 أ، ونسبه لمقاتل بن حيان.]].
وقال الحسن وابن زيد: هو ريحانكم الذي يشم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 71، و"الكشف والبيان" 12/ 35 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 268.]].
واختلفوا في إعراب (الريحان) فقرأ الأكثرون بالرفع على معنى: وفيها الحب والريحان، وقرأ حمزة والكسائي بالخفض حملًا على (ذو) كأنه والحب ذو العصف وذو الريحان، أي: من الحب الرزق، وأريد بالريحان الرزق إذا خرج وخلص من لفائفه وهو رزق للناس، والعصف رزق للدواب، فذكر قوت الناس والأنعام كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: 53] وقال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: 73، عبس: 32] فكذلك العصف يختص بأنه رزق الأنعام، والريحان يعم الأناسي وغيرهم، ولا يجوز على هذه القراءة أن يكون الريحان المشموم [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 245 - 246.]]، واختار أبو عبيد هذه القراءة. قال: لأن الريحان في التفسير الرزق، والعصف الورق فيكون المعنى أن الحب ذو ورق ورزق، ومن رَفع الريحان على الابتداء صار التأويل في الحب أنه ذو ورق لا غير، ولا أحب هذا المعني.
قال المبرد: الذي قال أبو عبيد يجوز، ولكن فيه بعد؛ لأن الحب هو الرزق نفسه ليس غيره فيبعد أن يقال للرزق ذو الرزق، إلا أن يحمل على ما قال مقاتل أن الريحان الرزق بلغة حمير، وهو ما يخرج من الحب من دقيق أو سويق أو غيره، قال: والوجه الرفع في الريحان؛ لأنه إن أريد بالريحان الرزق كان المعنى فيها: الحب ذو العصف: أي: الذي معه ورقه، وتم الكلام ثم قال: ﴿الرَّيْحَانُ﴾ أي الرزق المنفرد، وإن أريد بالريحان المشموم، ولذلك فهذه القراءة تحتمل القولين في تفسير الريحان.
قال: والظاهر أن الريحان في هذا الموضع هو الذي يشم؛ لأن الريحان إذا جاء مطلقًا وقع على ما يشم، وهذا هو الأحسن في التفسير، لأنه لما قيل: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ كان ذلك جامعًا لأكثر المأكولات ثم ذكر بعدها ما يشم مما يخرج من الأرض؛ لأن النعمة على الناس عظيمة جليلة في المأكول والمشموم، والريحان إذا جاء بلا دليل انطلق على المشموم لأنه اسمه الخاص، وإذا عني بالريحان الرزق احتيج إلى أن يكون في الكلام ما يدل عليه كما قال سيبويه، يقال: سبحان الله وريحانه. تقديره: تسبيحًا واسترزاقًا [[انظر: "الكتاب" 1/ 322.]].
وقرأ ابن عامر: (والريحانَ) نصبًا اتباعًا لقوله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ على قراءته [[قرأ ابن عامر ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ بالنصب، وقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ في بخفض النون. وقرأ الباقون برفع النون ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾. انظر: "حجة القراءات" ص 69، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 45.]].
قال أبو علي: وانتصب ريحان فيما حكاه سيبويه انتصاب المصادر، وذكرنا في وزنه قولين، فإن قلنا وزنه فيعلان كان هذا اسمًا موضوعًا موضع المصدر؛ لأنه ليس في أبنية المصادر شيء على هذا الوزن فيكون كقولهم: تربا وجندلًا، ونحو ذلك مما وضع موضع المصادر، أو يجعله مصدرًا اختص به المعتل كما اختص بكينونةٍ [[قال ابن منظور: وكان الخليل يقول: كيْنونة فيعولة هي في الأصل كيونونة، التقت منها ياء وواو والأولى منهما ساكنة فصيرتا ياء مشددة مثل ما قالوا الهيّن من هُنْتُ، ثم خففوها فقالوا: كينونة كما قالوا: هَيْنٌ لَيْنٌ، انظر: "اللسان" 3/ 316 (كون).]] وإن جعلته فعلًا بيكون مثل الكيان وليس هذا كما لزمه الانتصاب من المصادر نحو معاذ الله وسبحان الله ألا ترى أنه قد جاء مرفوعًا في بيت النمر ومجرورًا في قراءة حمزة [[تقدم توثيقها، وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 246.]].
قال أبو إسحق: وقد ذكر الله -عز وجل- في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليم البيان ومن خلق الشمس والقمر والسماء والأرض.
ثم خاطب الجن والإنس فقال:
الرحمن 55:13
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها مُنعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم والوصلة إلى حياتكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 98.]]. وتقدم الكلام في تفسير الآلاء في سورة الأعراف [[عند تفسيره الآية (69) من سورة الأعراف وآلاء: النعم، واحدها أَلىّ بالفتح، وإليٌّ، وإلى. "اللسان" (ألا).]]، قال الكلبي: فبأي آلاء ربكما يريد الإنس والجن [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314]].
فإن قيل: على هذا إنما تقدم ذكر الإنس في قوله ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ ولم يجر للجن ذكر حتى يدخل في الخطاب، والجواب عن هذا ما ذكره الفراء قال: العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين فيقال: ارجلاها وازجراها [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16.]] وقد ذكرنا هذا عند قوله ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وهذا الوجه اختيار ابن الأنباري.
وقال صاحب النظم: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يجر لهم ذكر كما أن يكنى عن الشيء، وإن لم يجر له ذكر كقوله تعالى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [[من آية (32) من سورة ص، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 158.]].
وذكر الأزهري قولين آخرين: أحدهما: أنه قد جرى ذكر الأنام وهحناه الجن والإنس، والثاني: أن الله تعالى خاطبهما قبل ذكرهما ثم ذكرهما معا بعقب الخطاب، وهو قوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ كما قال المثقب العبدي [[هو عائذ بن محصن بن ثعلبة، أبو عَدِيّ الملقب المثقَّب. من بني نُكْرَة. تقدمت ترجمته. والأبيات وردت في "مغني اللبيب" وشرح شواهده للسيوطي / 69، و"شرح المفصل" 9/ 138، و"المفضليات" ص 292، و"شرح شواهد الشافعية" ص 188.]]:
وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
فقال أيهما، ولم يجر للشر ذكر إلا بعد تمام البيت الثاني [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 58 (نأم).]].
وهذا الوجه معنى قول أبي عبيدة والكسائي [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 243.]].
وأما معنى تكرير هذه الآية في هذه السورة فقال أصحاب المعاني: معنى التكرير التقرير بالنعمة عند ذكرها على التفصيل نعمة نعمة، كأنه قيل: بأي هذه الآلاء تكذبان، ثم ذكرت آلاء أخر، واقتضت من التقرير بها ما اقتضت الأولى ليتأمل كل واحدة في نفسها وفيما تقتضيه صفتها وحقيقتها التي تنفصل بها من غيرها.
وشرح ابن قتيبة هذه الجملة شرحًا شافيًا فقال: إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه وذكّر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه، ثم أتبع ذكر كل خلة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم، ويقررهم بها، وهذا كقولك لرجل أحسنت إليه دهرك وتابعت عليه الأيادي وهو في ذلك ينكرك ويكفرك: ألم أبوئك منزلًا وأنت طريد أتنكر هذا؟ ألم أحجج بك وأنت صرورة؟ ألم أحملك وأنت راجل؟ أفتنكر هذا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 35 ب، 34 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16، و"فتح القدير" 5/ 133، والصرورة الذي لم يحج.]]؟
وقال صاحب النظم: إن من عادة العرب الإيجاز والاختصار في بعض الأماكن والإشباع والتوكيد في بعض، والتكرير والإعادة إذا أرادوا الإبلاغ بحسب العناية بالأمر كما قال الحارث بن عباد [[الحارث بن عباد البكري، كان من حكام ربيعة وفرسانها المعدودين، ولد له عقب. توفي سنة 55 م. انظر: "الشعر والشعراء" ص 262، و"الكامل" 2/ 231، و"الأغاني" 5/ 4، و"الخزانة" 1/ 225، و"الأعلام" 2/ 156، والبيت ورد في "الحيوان" 1/ 22، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 27، و"المنصف" 3/ 59.]]:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل من حيال
وكرر ذكر قول (قربا مربط النعامة) في رؤوس أبيات كثيرة عناية بالأمر، وإرادة للإبلاغ في التثنية والتحذير وكذلك الجعفي [[مرثد بن أبي حمران الجعفي، ولكنى أبا حمران. شاعر جاهلي. انظر: "الاشتقاق" ص 243، و"المؤتلف" ص 47، البيت ورد في "الأصمعيات" ص 142، ولفظه: وكتيبة وجهتها لكتبه حتى نقول سرائهم هذا الفتى.]] في قصيدته التي يقول فيها:
وكتيبة لبستها بكتيبة حتى ... تقول نساؤهم هذا فتى فكرر هذه الكلمة في رؤوس أبيات منها، لأنه ذهب مذهب الحارث ابن عباد في العناية والتأكيد، وقال غيرهما:
كم نعمة كانت لكم ... كم كم وكم [[ورد البيت في "تأويل مشكل القرآن" ص 236، و"أمالي المرتضى" 1/ 84، و"الصباحي" ص 177، ولم ينسب لقائل.]]
فكرر كم في بيت واحد أربع مرات تأكيدًا لفرط العناية بهذه الكلمة، فكذلك قوله -عز وجل- ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)﴾، وقوله في ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [[[القمر: 17، 22، 32، 40، 51].]]، وقوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [[[المرسلات: 15، 19، 24، 28، 34، 37، 40، 45، 47، 49].]] جاء هذا كله في التكرير والإعادة في الإبلاغ والتوكيد؛ لأنها كلها تحرير وتذكير وتنبيه [[قلت: كلام الجرجاني هذا توضيح وبيان لما قاله أهل المعاني، وشرحه ابن قتيبة. وانظر: "روح المعاني" 27/ 97.]].
الرحمن 55:14
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحجر [[عند تفسيره الآية (26) من سورة الحجر. والصلصال من الطين ما لم يجعل خزفاً، سمي به لتصلصله. والصلصال الطين اليابس الذي لم تصبه النار، فإذا مسته النار فهو حينئذٍ فخار. "اللسان" 2/ 467 (صلل).]].
قال أبو إسحاق: اختلفت الألفاظ فيما بدأ منه خلق آدم فقيل في موضع: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59]، وفي آخر ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: 11]، وفي آخر ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26]، وفي آخر من صلصال، وهذه الألفاظ راجعة في المعنى إلى أصل واحد، وهو التراب الذي هو أصل الطين، أعلم الله -عز وجل- أنه خلق آدم من تراب جعل طينًا، ثم انتقل فصار كالحمأ المسنون، تم انتقل فصار صلصالًا كالفخار [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 98.]]. فهذا كله أصله التراب وليس في شيء ينقض بعضه بعضا، قال أبو عبيدة: والفخار ما طبخ بالنار [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 243.]]، وقال المبرد: الفخار الخزف، كأنه والله أعلم طين من يبسه كالخزف [[انظر: "الوسيط" 4/ 22، و"فتح القدير" 5/ 133.]].
الرحمن 55:15
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ تفسير الجان قد سبق في سورة الحجر [[عند تفسيره لآية (27) من سورة الحجر. وجَنَّ الشي يجنه جناً ستره. وكل شيء ستر عنك فقد جن عنه، والجّانُّ: أبو الجن، خلق من نار ثم خلق منه نسله.
والجانُّ: الجنُّ. وهو اسم جمع كالجامل والباقر. انظر: "اللسان" 1/ 517 (جنن).]]، قال أبو عبيدة: مارج من خلط [[(ك): (خالص) وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 243.]] من نار.
وقال الليث: المارج من النار: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 71، و"اللسان" 3/ 461 (مرج).]].
واختلف المفسرون في المارج فذكر الكلبي أنه نار لا دخان لها، منها تكون الصواعق [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 315.]]، والأكثرون قالوا إنه الصافي من لهب النار، وهو قول ابن عباس ومقاتل وعكرمة ومجاهد، قالوا: إنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 64، و"تفسير مقاتل" 135 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 232، و"جامع البيان" 27/ 74، و"الكشف والبيان" 12/ 36 أ.]].
قال المبرد: المارج كل ما أرسلِ غير ممنوع [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 161، و"فتح القدير" 5/ 133.]]، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ في سورة الفرقان [[عند تفشره الآية (53) من سورة الفرقان.]] وقوله: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ في سورة ق.
والمارج معناه في اللغة: المرسل والمختلط [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 71، و"اللسان" 3/ 461، (مرج).]]، وكلاهما يحسن في صفة لهب النار وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله -عز وجل- ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21، القارعة: 7] والمعنى: ذو مرج [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 161.]].
الرحمن 55:17
قوله تعالى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ إجماع القراء على الرفع في رب المشرقين، قال أبو عبيد [[في (ك): (أبو عبيدة) والصواب ما أثبته.]]: لولا إجماعهم على الرفع لكان الخفض أحب إلى على النعت للاسم قبله.
قال المبرد: الرفع على الاستئناف على قولك: هو رب المشرقين، وهو أحسن من البدل لأن أكثر الكلام إذا تكرر المنعوت الرفع على الابتداء كقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 1، 2] وكان ينبغي لأبي عبيد أن يعلم أن اجتماعهم على الرفع قد دل على اختياره.
قال المفسرون: يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، وهما مشرقان، مشرق الأيام الطوال ومشرق الأيام القصار، وكذلك المغرب.
الرحمن 55:19
قوله تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ تفسير هذه الآية والتي بعدها قد تقدم في سورة الفرقان [[تقدم تخريجها.]].
والمعنى أن الله تعالى ذكر عظيم قدرته حيث خلى البحرين العذب والملح يلتقيان، أي: يلتقيين كما تقول: تركت زيدًا وعمرا يقتتلان - ثم لم يختلط أحدهما بالآخر، وهو قوله:
الرحمن 55:20
﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ أي حاجز من قدرة الله تعالى، فلا ينبغي الملح على العذب فيفسده ولا يبغي على الملح فيختلط به. والمعنى لا يطلبان أن يخرجا مما حد لهما، هذا قول مقاتل وأكثر المفسرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 أ، و"جامع البيان" 27/ 75 - 76، و"الكشف والبيان" 12/ 36 ب.]].
وقال الحسن وقتادة: (برزخ) يعني الأرض التي بينهما وهي الحجاز ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ لا يطمان على الناس بالغرق [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 263، و"جامع البيان" 27/ 75، و"معالم التنزيل" 4/ 169.]]، والقول هو الأول؛ لقوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾.
الرحمن 55:22
قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ هو أكثر القراء [[في (ك): (القراءة).]] (يُخْرَج) بضم الياء وفتح الراء من الإخراج، لأنه يخرج ولا يخرج بنفسه، ومن قرأ يَخرج فهو اتساع، وذلك أنه إذا أخرج خرج [[قرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر، ويعقوب ﴿يَخْرُجُ﴾ بضم الياء وفتح الراء. وقرأ الباقون ﴿يَخْرُجُ﴾ فتح الياء وضم الراء.
انظر: "حجة القراءات" ص 691، و"الحجة للقراء السبعه" 6/ 247، و"النشر". 2/ 38، و"الإتحاف" ص 45.]].
وقوله: (منهما) وإنما يخرج من أحط البحرين وهو الملح دون العذب، قال أبو عبيدة: العرب تجمع الجنسين ثم تخبر عن أحدهما كقوله تعالى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: 130] وإنما الرسل من الإنس، وتقول: أكلت خبزًا ولبنًا، وإنما يقع الأكل على الخبز [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 244، و"الكشف والبيان" 12/ 36 ب، ونسبه لأهل المعاني والكلبي.]]، وقال أبو إسحاق: إن الله تعالى قد ذكرهما وجمحهما فإذا أخرج من أحدهما فقد خرج منهما، ومثل ذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: 15، 16] والقمر في السماء الدنيا إلا أنه لما أجمل ذكر السبع كأن ما في إحداهن فيهن [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 1.]].
وقال مقاتل: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ أي من الماءين جميعًا العذب والملح [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 ب.]]، وهذا القول ذكره الأخفش فقال: زعم قوم أنه يخرج من العذب أيضًا [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 163، و"فتح القدير" 5/ 134.]].
وقال أبو علي: هذا على حذف المضاف كما قلنا في قوله ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ [الزخرف: 31].
وأما تفسير اللؤلؤ والمرجان فقال الفراء: اللؤلؤ: العظام، والمرجان: ما صغر [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 115.]]، وهو قول جميع أهل اللغة في المرجان أنه الصغار من اللؤلؤ.
قال الأزهري: ولا أدري أرباعي هو أم ثلاثي.
وقال أبو الهيثم: اختلفوا في المرجان، فقال بعضهم: هو صغار اللؤلؤ، وقال آخرون: هو الْبَسْتذ، وهو جوهر أحمر يقال إن الجن تطرحه في البحر [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 72 - 73 (مرج).]]، وهو قول ابن مسعود في المرجان في هذه الآية، وعطاء الخراساني، قال عطاء عن ابن عباس: اللؤلؤ يريد الكبير، والمرجان الصغير، وهو قول الحسن وابن رزين [[كذا في (ك) وعلها (ابن زيد).]] وقتادة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 316، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 263، و"جامع البيان" 27/ 77. ولم أجد من نسب قوله (إن الجن تطرحه في البحر) لأحد، وإنما ذكره الأزهري دون نسبة، ولعله لا يصح ولا يستقيم.]]. وذكر مقاتل على الضد من هذا فقال: اللؤلؤ الصغار والمرجان العظام، وهو قول مجاهد، والسدي، ومرة، ورواية عكرمة عن ابن عباس [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 641، و"تفسير مقاتل" 135 ب، و"جامع البيان" 27/ 76.]].
الرحمن 55:24
قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ يعني السفن، واحدتها جارية، كقوله ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: 11].
﴿الْمُنْشَآتُ﴾ قال أبو عبيدة: المرفوعات المجريات [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 244.]] - ففسر المنشأت تفسيرين، أحدهما: المرفوعات، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض، وركب حتى ارتفعت وطالت وتمت، والمعنى أنشأ صنعتها وعليها [[كذا في (ك) ولم أتبين معناها.]]، الثاني: أنشأ إجراءها.
والقراءة المعروفة فتح الشين، وقرأ حمزة بكسر الشين [[قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ﴿المنشِآت﴾ بكسر الشين. وقرأ الباقون بفتحها. انظر: "حجة الفراءات" 691 - 692، و"النشر" 2/ 381" و"الإتحاف" ص 46.]]، والوجه الفتح؛ لأنها أنشئت وأجريت، أي: فعل بها الإنشاء ولم تفعل ذلك أنفسها، ووجه الكسر أن الفعل نسب إليها على الاتساع كما يقال: مات زيد، ومرض عمرو، ونحو ذلك، مما يضاف الفعل إليه إذا وجد فيه وهو في الحقيقة لغيره، فكأن المعنى المنشآت السير، فحذف المفعول للعلم به.
وإضافة السير إليها اتساع أيضًا؛ لأن سيرها إنما يكون في الحقيقة بهبوب الريح أو دفع الصواري [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 248.]].
قوله تعالى: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ أي: كالجبال، والعَلَم الجبل، قال الفراء: وكل جبل طال فهو علم [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 115.]].
قال جرير:
إذا قطعنا علمًا بدا علم [[انظر: "ديوان جرير" ص 52، و"مجاز القرآن" 2/ 244، و "معاني القرآن" للزجاج 5/ 1.]]
وقالت الخنساء:
وإن صخرًا [[هو صخر بن عمرو السلمي، شاعر جاهلي، كان حليمًا جوادًا بارًا بأخته الخنساء، أصيب بطعنة مات على أثرها.
انظر: "المعارف" ص 85، و"الأغاني" 15/ 76، و"الإصابة" (في ترجمة الخنساء) 7/ 614، و "جمهرة أنساب العرب" ص 261، وبيت الخنساء في "ديوانها" ص 49، و"معنى اللبيب وشواهده" ص 566.]] لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
قال مقاتل: شبه السفن في البحر كالجب الذي البر [[لم أجده.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قلوع السفينة إذا رفعت كانت كأنها الجبال، وقال الكلبي: شبهها بالجبال إذا رفع شروعها. [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 316.]]
وقال مجاهد: ما رفع قِلْعُه من السفن فهي منشأة، وما لم يرفع قِلْعُها فليست منشأة [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 641، و"جامع البيان" 27/ 78.]]، واختار أبو عبيد فتح الشين وقال إن تفسيرهما التي رُفِع قلعها [[انظر: "حجة القراءات" ص 692.]]، قال الزجاج: المنشآت المرفوعات الشُّرُع [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 5.]]، وهذا القول تفسير ثالث للمنشآت سوى الذين ذكرناهما.
الرحمن 55:26
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي على الأرض، وقد سبق ذكرها في قوله ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾، والمعنى أن كل من دب ودرج على أرض من حيوان فهو (فانٍ) هالك، قال الكلبي ومقاتل: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزل ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] أيقنت الملائكة بالهلاك [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 38 أ، عن ابن عباس، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 165، عن ابن عباس ومقاتل، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 62.]].
قال الشعبي: إذا قرأت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فلا تسكت حتى تقول: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [[انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 272 - 273.]].
وذكر أهل المعاني في الوجه هاهنا قولين: أحدهما: أن المعنى ويبقى ربك الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه، فالوجه على هذا عبارة عن الظهور.
الثاني: ويبقى ربك وهو السيد المعظم، والوجه يذكر بمعنى الشيء المعظم كقولهم: هذا وجه القوم، ووجه التدبير، أي: التدبير المعظم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 165، و"فتح القدير" 5/ 136.
قلت: المراد بالوجه عند أهل السنة والجماعة في هذه الآية وما يماثلها (الذات) أي: تبقى ذاته -سبحانه وتعالى-. انظر: "مجموع الفتاوى" 2/ 434، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 973، و"روح المعاني" 27/ 18.]]، ولا يجوز أن يكون الوجه هاهنا صلة لقوله (ذو) بالرفع وهو من صفة الوجه، ولو كان الوجه صلة لقيل ذي، ليكون صفة لقوله ربك، والجلال عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح بإحسانه وإنعامه، وقال: جل الشيء، أي: عظم، وأجللته: أعظمته، والجلال اسم من جل، والجلال مصدر، قال الأصمعي: ولا يقال الجلال إلا لله تبارك وتعالى [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 488، و"اللسان" 1/ 487 (جلل).]].
قال أبو علي: قد جاء الجلال في غير الله سبحانه وأنشد:
فلا ذا جلالٍ هبنه لجلال ... ولا ذا ضياع هُنَّ يتركن للفقر [[البيت لهدبة بن خشرم العذري يصف المنايا وعمومها للخلق.
وقد ورد في "شواهد سيبويه" 1/ 72، و"المفصل" 2/ 37، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 254.]]
هذا كلامه.
ويجوز أن يكون البيت جاهليًّا، والأصمعي يقول: لا يقال ذلك بعد الإسلام، أي: لا يستحقه إلا الله سبحانه [[قلت: تفسير كلام الأصمعي بقول المؤلف: أي لا يستحقه إلا الله سبحانه هو الصواب إن شاء الله.
وأما البيت فهو لهدبة بن خشرم وهو شاعر إسلامى قتل ابن عمه زيادة بن زيد == فأقيد به في أيام معاوية بن أبي سفيان، ويقال أنه أول من أقيد في الإسلام وعليه فلا محذور في إطلاق الجلال على المخلوق فلله تعالى الجلال المطلق الذي يليق به سبحانه وللمخلوق جلاله المناسب لحالته، والله تعالى أعلم.]].
وللإكرام هاهنا معنيان. أحدهما: إكرام الله تعالى أنبياءه فهو مكرمهم بلطفه مع جلاله وعظمته. والآخر: إن الإكرام بمعنى الإعظام من العبد لله بعبادته والثناء عليه بإحسانه وإنعامه. والأول معنى قول الحسن: الذي يكرم أهل دينه وولايته [[انظر: "الوسيط" 4/ 221، و"معالم التنزيل" 4/ 27.]]، ومعنى قول الكلبي: الكريم على خلقه في عفوه عنهم، والثاني معنى قول ابن عباس: الذي لا أكرم منه ولا أجل ولا أعظم [[لم أقف عليه]].
الرحمن 55:29
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال أبو صالح: يسأله من في السموات الرحمة، ويسأله من في الأرض المغفرة والرزق [[وهو المروي عن ابن عباس أيضًا.
انظر: "تنوير المقباس" 5/ 317، و"الكشف والبيان" 12/ 38 ب، و"الوسيط" 4/ 221، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 166.]].
وقال مقاتل وابن جريج: يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة، وتسأله الملائكة لهم أيضًا الرزق والمغفرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 27، و"البحر المحيط" 8/ 193.]] يدل على هذا قوله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: 5].
والوقف على (الأرض) حسن، لأن قوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ كلام آخر من نعت عظمته [[انظر: "القطع والائتناف" ص 697 - 698، حيث قال: قال عيسى بن عمر: قال أبو حاتم: (يسأله من في السموات والأرض). تام، ثم قال جل وعز: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.]].
وقال الأخفش: لا يحسن الوقف على (الأرض) لاتصال معنى الآية وذلك أنه أخبر في النصف الأول من الآية من سؤال الخلق إياه، والسؤال [[في (ك): (وسؤال).]] مختلف؛ لأن كل أحد يسأل ما يهمه، ثم أخبر في آخر الآية أنه في شأن من إعطاء سؤلهم، وقضاء حوائجهم، وكفاية أشغالهم على ما يرى التدبير في ذلك.
وكل يوم ينتصب بالظرف؛ لقوله ﴿فِي شَأْنٍ﴾ وقال يعقوب: انتصب ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ بالسؤال، والمعنى: "سأله من في السموات والأرض كل يوم" وهاهنا الوقف، ثم قال ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي ربنا في شأن على ما يذكر من تفسير ذلك الشأن، وهذا قول غير بعيد.
قال أبو جعفر النحاس: وقال يعقوب ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ فهذا الوقف التام، ثم قال النحاس: أما قول يعقوب فمخالف لقول الذين شاهدوا التنزيل [[انظر: "القطع والائتناف" ص 697 - 698.]].
والذي يوافق ما ذكره المفسرون أن يكون ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ ظرفًا لقوله ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ لأنهم قالوا: من شأنه أن يحيى ويميت، ويرزق ويمنع، وينصر ويعز ويذل، ويفك عانيا ويشفي مريضا، ويجيب داعيًا ويعطي سائلًا، ويتوب على قوم، ويكشف كربًا، ويغفر ذنبًا، إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء.
ذكر ذلك مجاهد، والكلبي، وعبيد بن عمير، وأبو ميسرة، وعطاء عن ابن عباس [[لم أقف على هذه الرواية عن عطاء.
وانظر: "تفسير مجاهد" 2/ 642، و"جامع البيان" 27/ 78، و"العظمة" 2/ 479 - 488، ونحو هذا روى أبو الدرداء عن النبي في -ﷺ- قال الألباني بعد ذكره لطرق الحديث: حديث صحيح، ورجاله موثقون، وفي هشام كلام، لكنه توبع. انظر: "تخريج السنة" 1/ 13.
وذكر ابن كثير الرواية عن أبي ميسرة وعن غيره، ثم قال: دخل الكلام بعضهم في بعض وإسناد المؤلف -يعني أبا الشيخ- إلى أبي ميسرة صحيح. انظر: "تفسبر القرآن العظيم" 4/ 273.]]، ومقاتل، وذكر السبب في نزوله، فقال: إن اليهود قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئًا فأنزل الله في ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 38 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 27.]] ويؤكد ما ذكرنا ما روي عن عبد الله بن منيب [[عبد الله بن منيب؛ ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" 5/ 152، وذكره ابن حجر في "الإصابة" 3/ 374، ونقل عنه ابن السكن أنه قال: عبد الله والد منيب له صحبة.]] أنه قال: تلا علينا رسول الله -ﷺ- هذه الآية فقلنا: "يا رسول الله: وما ذاك الشأن؟ قال: يغفر ذنبًا ويفرج كربًا، ويرفع قوماً، ويضع آخرين" [[أخرجه الطبراني، والبزار، وابن أبي حاتم، قال البزار: لا أعلم أسند عبد الله بن منيب إلا هذا الحديث. "تخريجات الكشاف" 4/ 162.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، والبزار وفيه من لم أعرفهم. "مجمع الزوائد" 7/ 117.
واستشهد به الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 623، لحديث أبي الدرداء. وتعقبه الألباني بقوله: عمرو بن بكر السكسكي متروك كما في "التقريب" 2/ 66. قلت: فيتعجب منه كيف اعتبره شاهدًا مع هذا الضعف الشديد. "ظلال الجنة في تخريج السنة" 1/ 13 فالحديث ضعيف جدًّا؛ لأن عمرو بن بكر متروك وفيه عدة مجاهيل. "العظة" بتحقيق المباركفوري 2/ 483.]].
ويزيده وضوحًا ما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن مما خلق لله -عز وجل- لوحًا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور ينظر الله -عز وجل- فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة، يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، ولا يشغله شأن عن شأن، فذلك قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [[أخرجه الحاكم 2/ 119، وفي سنده أبو حمزة الثمالي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا حمزة الثمالي لم ينقم عليه إلا الغلو في مذهبه فقط.
وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 79، وأبو الشيخ في "العظمة" 2/ 492، 496، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 264، 426، موقوفاً على ابن عباس، كلهم عن أبي حمزة الثمالي، وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" بسنده برقم (12511) وبرقم 506 موقوفاً على ابن عباس، ص 293.
قال الألباني في تعليقه على الطحاوية: (إسناده يحتمل التحسين، فإن رجاله كلهم ثقات غير بكير بن شهاب، وهو الكوفي، قال فيه أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات" 2/ 32، وفي كتاب "العظمة" قال محققه بعد ذكره لطرق الحديث: وإذا ضم إلى هذا الطريق -أي طريق أبي الشيخ- الطرق التي أوردناها وفيها ما يحتمل التحسين يرتفع عنه الضعف ويصل درجة الحسن، و"العظمة" 2/ 494.
وفي موقع آخر قال: ولكن للحديث طريق أخرى تجعل إسناده حسنًا موقوفًا من كلام ابن عباس 2/ 497 وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقاته على "الطحاوية" 2/ 344، بعد ذكره لتخريج الطبراني له: وسنده حسن. وانظر: "مجمع الزوائد" 7/ 191.]].
ومعنى الشأن في اللغة: خطب له عِظَم، وجمعه شؤون.
قال أبو الجوزاء [[في (ك): (الجزاء) وانظر. "الدر المنثور" 6/ 143 - 144، ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد]] في هذه الآية: ولا يشغله شأن عن شأن [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 415، و"اللسان" 2/ 258 (شأن).]]، هاهنا [[كذا في (ك) وظاهر العبارة يدل على سقط لعل استقامتها: ولفظه هاهنا واحد. وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 7/ 167.]] واحد والمراد به الجمع كقوله ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: 67] وإن شئت قلت: إن ما يحدثه الله تعالى كل يوم في خلقه شأن واحد، ولا تنافي بين هذه الآية وبين ما في الأخبار من سبق القضاء بالأمور، وذلك أن القضاء قد سبق قبل خلق الأجسام، والذي يحدثه الله كل يوم هو إيجاد ما سبق به القضاء، وهذا معنى ما قال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 39 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 27، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 176، ونسبه للكلبي.]].
ولما ذكر أنه كل يوم هو في شأن ذكر فراغه من ذلك بمعنى تركه فعله فقال:
الرحمن 55:31
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ قال أبو عبيدة: سنحاسبكم، سنجمعكم ولم يشغله شيء تبارك وتعالى [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 244، وفيه (سنحاسبكم، لم يشغله) ولم يذكر الجمع.]]، فذكر أبو عبيدة في تفسير الفراغ المحاسبة والجمع؛ لأن المعنى سنترك ذلك الشأن إلى هذا، وإنما حسن لفظ الفراغ لسبق ذكر الشأن، هذا وجه في معنى الفراغ في صفة الله تعالى، وهذا معنى قول الكلبي: سنحاسبكم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 317.]].
قال الفراء: وهذا من الله وعيد؛ لأنه لا يشغله شيء عن شيء، وأنت قائل للرجل الذي لا شغل له: قد فرغت لي، قد فرغت لشتمي، أي: أخذت فيه وأقبلت عليه، هذا كلامه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 116.]]، ومعناه أنه وعيد بالمحاسبة والمجازاة. سيأخذ في ذلك. وهذا قريب من قول أبي عبيدة.
وقال أبو إسحاق: الفراغ في اللغة على ضربين: أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر: القصد للشيء، تقول: سأتفرغ لفلان، أي سأجعل قصدي إليه، ومعنى ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ سنقصد لحسابكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 99.]]، وهذا قول ابن الأعرابي في الآية [[في (ك) من قوله: (وهذا قريب) إلى هنا مكرر. وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 111 (فرغ).]]، واختيار أبي علي، قال: وليس الفراغ هاهنا فراغًا من شغل، ولكن تأويله القصد، كما قال جرير:
الآن فَقَد فرغت إلى نمير ... فهذا حينَ صِرتُ لهم عَذَابا [[ليس البيت في "ديوان جرير". وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 249، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 168، و"اللسان" 1/ 146 (أين).]]
وقال بعض أهل المعاني: ومعنى الآية: سنعمد عمد من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تضجيع، وهذا من أبلغ الوعيد وأشده.
وقال ابن قتيبة: الفراغ يكون من الناس بعد شغل، ثم قد ينتقل فيصير في معنى القصد للشيء، وذلك أنه إنما يقصد الشيء إذا فرغ مما يقطعه فيسمى القصد إلى الشيء فراغًا له كما كان يحصل عن فراغ من موانعه، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن فقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي سنقصد لكم بعد طول الترك والإمهال، وهذا معنى قول قتادة في هذه الآية: قد دنا من الله فراغ لخلقه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 264، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 273.]]، أي: قصد لمحاسبتهم، يريد أن الساعة قد أزفت.
وأما التفسير فأكثر المفسرين ذهبوا في تفسير هذا اللفظ إلى أنه وعيد وتهديد، وهو قول مقاتل والضحاك، وابن عباس في رواية عطاء، قال: هذا تهديد منه لعباده [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 ب، و"جامع البيان" 27/ 79، و"معالم التنزيل" 4/ 27.]].
وذهب قوم إلى أن المعنى سنوفر عليكم ما وعدناكم من الحساب والجزاء بالثواب والعقاب وننجزه لكم، وهذا قول الحسن، وابن زيد، وابن كيسان [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 40 أ، ب، و"معالم التنزيل" 4/ 271، و"فتح القدير" 5/ 136.]].
ويقال: فَرّغَ يَفْرَغُ وَيفْرُغُ وفَرغَ يَفْرَغُ. كل ذلك مروي عن أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 19، و"اللسان" 2/ 184 (فرغ).]].
وقراءة العامة (سنفرغ) بالنون. وقرئ بالياء على الغيبة [[(ك): من قوله (وقراءة العامة) إلى هنا مكرر. وقرأ حمزة، والنسائي، وخلف ﴿سيفرغ﴾ بفتح الياء وضم الراء. وقرأ الباقون ﴿سَنَفْرُغُ﴾ بالنون. انظر: "حجة القراءات" 692، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 248 - 249، و"النشر" 2/ 381، و"الإتحاف" ص 46.]] لتقدم قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾.
وقوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ يريد الجن والإنس في قول الجميع.
قال أهل المعاني: وإنما وصف الجنس والإنس بأنهما ثقلان لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما، فهما أثقل وزنًا لعظم الشأن بالعقل والتمكين والتكليف لأداء الواجب في الحقوق [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 271، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 169.]].
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: العرب تقول لكل شيء نفيس مصون: ثَقَل، وأصله من بيض النعام المصون، قال ثعلبة بن صُعير المازني [[هو ثعلبة بن صغير المازني: شاعر جاهلي، وقد وقع خلط في وقت مبكر بينه والصحابي ثعلبة بن أبي صغير بن عمرو من بني عُذْرَة. انظر: "الشعر والشعراء" ص 285، و"الأمالي" 2/ 145، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 58، و"الإصابة" 1/ 406، و"الأعلام" 2/ 83.]] يذكر الظليم والنعامة:
فتَذَكَّرا ثقلًا رَثيدا بَعْدَما ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يمنيها في كافِر [[ورد البيت منسوبًا في "المحتسب" 2/ 234، و"المفضليات" ص 257، و"تهذيب اللغة" 9/ 78 (ثقل)، و"اللسان" 1/ 366 (ثقل)، وأماكن أخرى من الكتاب وهي المذكورة لاحقًا.
والظليم: الذكر من النعام، والجمع أظلمةُ وظُلمان وظِلمانُ، اللسان 2/ 652 (ظلم). والرثد: بالتحريك متاع البيت، و"اللسان" 1/ 1122 (رثد). وذُكاءُ (بالضم): اسم الشمس معرفة لا ينصرف ولا تدخلها الألف واللام، و"اللسان" 1/ 1073 (ذكا). والكافر هنا هو المغيب، ويحتمل أن يكون أراد الليل، "اللسان" 3/ 274 (كفر).]]
ويقال للسيد العزيز: ثقل من هذا، وسمى الله -عز وجل- الجن والإنس الثقلين لتفضيله إياهما على سائر الحيوان المخلوق في الأرض بالتمييز والعقل اللذين خُصا به، ولهذا سمى النبي -ﷺ- كتاب الله وعترته [[عترته في تحديدها خلاف، والمشهور المعروف أنهم أهل بيته، وهم الذين حرمت طيهم الزكاة والصدقة المفروضة، وهم ذوو القربى الذين لهم خمس الخمس المذكور في سورة الأنفال. "اللسان" 2/ 677 (عتر).]] الثقلين فقال: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" [[رواه الترمذي في "سننه"، باب مناقب آل البيت، وقال. هذا حديث حسن غريب.]] لفضلهما وشرفهما، وقال غيره: إنما سميا ثقلين لثقلهما على الأرض أحياء وأمواتًا، وقد سمى الله تعالى الأموات أثقالا في قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] يعني موتاها، ومنه قول الخنساء:
أبعد ابن عمرو من آل الشريد ... حلت به الأرض أثقالها [[انظر: "ديوان الخنساء" ص 120، و"الخصائص" 3/ 172، و"الأغاني" 3/ 131، و"اللسان" 2/ 296 (شرد) وبنو الشَّريج بطن من سُلَيْم.]]
أي موتاها أي جعلته الأرض حلية أمواتها لفضله وشرفه [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 38، و"اللسان" 1/ 366 (ثقل).]].
وروي عن الصادق أنه قال: سُميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 40/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 231، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 169، و"فتح القدير" 5/ 137.]] ويدل على أن المراد بالثقلين الجن والإنس أن الله تعالى خاطبهما بعد هذا فقال:
الرحمن 55:33
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل إن استطعتما؛ لأنهما إذا جمعا جمع [[ظاهر العبارة غير مستقيم، وفي "الكشف والبيان" 12/ 40/ ب (ولم يقل إن استطعتما لأنهما فريقان في حال الجمع).]] واحد كما قال ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: 19] وكقوله ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النحل: 45] ولو قيل: إن استطعتم كان صوابًا كما قال ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ ذكر ذلك الفراء والكسائي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 116، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 169.]].
قوله ﴿أَنْ تَنْفُذُوا﴾ يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية نفوذا أو نفاذا، ونفذ من الشيء خرج منه، والنفذ المخرج، يقال: لهذا الطريق نفذ إلى مكان كذا، أي: مخرج، والنفاذ: الجواز، وهذا يستعمل بالباء يقال: نفذ بالشيء كما يقال: مر بالشيء [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 436، و"اللسان" 3/ 686، و"المفردات" ص 500 (نفذ).]].
قوله: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي من جوانبها ونواحيها. واحدها قطر وقتر [[أقطارها: نواحيها، واحدها قطر، وكذلك أقتارها، واحدها قُتْرٌ. "اللسان" 3/ 114 (قطر).]].
وفي تفسير هذه الآية قولان، أحدهما: أن المعنى: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بأن تخرجوا من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها، والمعنى أنكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: 78] ولن تستطيعوا أن تهربوا من بالخروج من أقطار السموات والأرض، وهذا قول ابن مسعود ومقاتل، قال: إن استطعتم أن تنفذوا من أطراف السموات والأرض هرابًا من الموت فانفذوا ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ يقول: إلا بملكي حيث توجهتم فثم ملكي وأنا آخذكم بالموت [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 271، وأورده الطبري في "تفسيره" 27/ 80، وغيره عن الضحاك.]]، وهذا إخبار عن عجزهم عن النفوذ من الأقطار، وأنهم في قبضة الجبار الذي لا يفوته مطلوب أين ما كان.
ومعنى (السلطان) القوة التي يتسلط بها على الأمر، ثم الملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يدل على أنه واحد.
القول الثاني: أن الله تعالى يأمر الملائكة يوم القيامة فتحف بأطراف السموات والأرض فيكونون على أطرافها وتحضر جهنم فيسمع الجن والإنس زفيرها فيندون فيقال لهم: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية، فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جن يخرج من أقطارها، والمعنى أن تنفذوا من أقطارها هاربين من العقاب، فانفذوا، وهذا أمر تعجيز على القولين، والقول الثاني هو قول الكلبي والضحاك [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 317، و"معالم التنزيل" 4/ 271.]]، ويدل على صحته قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ في الخبر: "يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم، وذلك قوله تعالى:
الرحمن 55:35
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ " [[كذا أورده الثعلبي بدون سند، انظر: "الكشف والبيان" 12/ 41 أ.]].
قال أبو عبيدة: الشواظ النار التي تأجج لا دخان فيها، وأنشد لرؤبة فقال:
إن لهم من وقعنا أقياظا ... نارَ حرب تُشعر الشواظا [[لم أجد البيت في "ديوانه"، وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 244، و"جامع البيان" 27/ 81، و"اللسان" 2/ 382، (شوظ) وأقياظ جمع: قيظ، وهو حميم الصيف، وهو من طلوع النجم إلى طلوع سهيل، والمراد بالنجم هنا الثريا.
"اللسان" 3/ 202، (قيظ).]]
وأنشد أيضًا لحسان:
هجرتك فاختضعت بذل نفسي ... بقافية تأجج كالشواظ [[انظر: "ديوان حسان" 1/ 193، وروايته:
مُجَلَّلَة تُغَمّمكمْ سناراً ... مضرمةً تأجج كالشواظ
وفي "سيرة ابن هشام" 1/ 382 بدل قول المؤلف (هجرتك) قال (همزتك).]]
قال الليث: وهو قول جميع أهل اللغة: الشواظ اللهب الذي لا دخان معه.
قال ابن شميل: ويقال لحر النار شواظ، يقال: أصابني شواظ من الشمس [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 399، و"اللسان" 2/ 382 (شوظ).]] إذا أصابك حرها ولم يصبك الضح [[كذا في (ك)، ولعلها (الفيح) وهو سطوع الحر وهيجانه.]].
وقرأ ابن كثير (وشِواظ) بكسر الشين؛ وهي قراءة الحسن [[قرأ الجمهور ﴿شُوَاظٌ﴾ بضم الشين، وقرأ ابن كثير والحسن، وابن محيصن، والأعمش بكسر الشين.
انظر: "حجة القراءات" ص 692، و"النشر" 2/ 381، و"الإتحاف" ص 406.]].
قال الفراء والمبرد: وهما لغتان، كما قالوا لجماعة البقر صُوار وصِوار [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 117، و"اللسان" 2/ 382 (شوظ)، 2/ 492 (حور).]].
قال أبو الحسن: وأهل مكة يكسرون الشواظ [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 249.]]، قال ابن عباس: يريد اللهب الذي لا دخان فيه، وهو قول المفسرين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 318، و"الكشف والبيان" 41 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 271، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 171.]]، وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع من النار [[انظر: "جامع البيان" 27/ 81، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 274.]].
وقوله ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قال أبو عبيدة: النحاس الدخان وأنشد للجعدي:
يضيئ كضوء سراج السَّليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 244.
والبيت في "ديوان النابغة" 75، و"شواهد الكشاف" ص 157، و"اللسان" 3/ 596 (نحس).
والسَّلِيطُ عند عامة العرب الزيت، وعند أهل اليمن دُهْنُ السمسم. ورجح ابن منظور أنه الزيت.
انظر: "اللسان" 2/ 182 (سلط).]] وقال الليث: النحاس الدخان الذي لا لهب له. وهو قول عطاء، والكلبي، وسعيد بن جبير، والوالبي عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 81، وهو اختياره، و"الكشف والبيان" 12/ 41 ب، و"الوسيط" 4/ 223، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 274.]].
وقال مجاهد، وقتادة: النحاس الصفر المذاب يصب على رؤوسهم. [[انظر: "جامع البيان" 27/ 82، عن مجاهد وقتادة وسفيان، و"الكشف والبيان" 12/ 41 ب، وزاد نسبته لقتادة، و"معالم التنزيل" 4/ 272.]]
قال مقاتل: يعني الصفر الذائب، وهي خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار النهار [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 41 ب.]]، وهذا القول في النحاس هو رواية عطية عن ابن عباس، وهو قول ابن مسعود. قال: النحاس المهل، ونحو ذلك قال الربيع: هو القطر [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 49 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 272، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 172.]].
وأكثر القراءة الرفع في قوله ﴿نحاس﴾ بالعطف على قوله (شواظ) والمعنى: يرسل عليكما شواظ ويرسل نحاس، أي: يرسل هذا مرة وهذا مرة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ونحاسٍ) كسرًا [[قرأ الجمهور "ونحاسٌ" بالرفع، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وروح "ونحاسٍ". انظر: "النشر" 2/ 381، و"الإتحاف" ص 406.]]. وهو ضعيف، لأن معنى الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه على ما ذكره أهل اللغة، والمفسرون فكيف يكون شواظ من نحاس، وإن جعلنا النحاس الصفر المذاب فهو أبعد [[انظر: "حجة القراءات" ص 693.]].
قال أبو علي: وهو يجوز من وجه على أن تقدره يرسل عليكما شواظ من نار وشيء من نحاس، يحذف الموصوف ويقيم الصفة مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: 24] و ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ [النساء: 460] ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: 159] ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 10] وحذف الموصوف من هذا كله، كذلك في الآية، وقد جاء في الشعر:
وما راعنا إلا يَسيرُ بشرطةٍ ... وعهدي به قينا يفش بكير [[البيت لمعاوية الأسدي كما في "الخصائص" 2/ 434، و"شرح المفصل" 4/ 27، و"التصريح بمضمون التوضيح" 1/ 268، و"شرح شواهد الألفية" للعيني 4/ 400. وفش الكبير هو نفخه، والكير هو زق أو جلد غليظ ذو حافات.
انظر: "اللسان" 2/ 1097 (فشش)، 3/ 321 (كير).]]
فإذا قدرت هذا التقدير كان الموصوف محذوفًا، والجار أيضًا يكون محذوفًا، لأن التقدير: وشيء من شواظ، وحذف من؛ لأن ذكره قد تقدم في قوله (من نار) فحسن ذلك حذفها، كما حسن حذف الجار من قولهم:
على من تَنْزِلُ أنْزِلْ
وكما أنشد أبو زيد:
فأصبح من أسماء قيسٌ كقابض ... على الماء لا يدري بما هو قابض [[البيت للعجاج. انظر: "ديوانه" 1/ 12.]]
أي: بما هو قابض عليه، فيكون انجرار ﴿نحاس﴾ على هذا بمن المضمرة لا بالإشراك في من التي جَرّت في قوله ﴿من نار﴾ وإذا كان كذلك لم يكن الشواظ الذي هو اللهب قسطًا من الدخان على أن أبا الحسن قد حكى عن بعضهم أنه قال: لا يكون الشواظ إلا من النار والدخان جميعًا، ونحو ذلك حكي عن أبي عمرو، وعلى هذا فالجر متجه وليس بممتنع [[من قوله: (قال أبو علي) إلى هنا كلام أبي علي رحمه الله.
وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 250 - 252.
قلت: وما قاله أبو علي كلام حسن، وفيه رد على من ضعف قراءة ابن كثير وأبي عمرو -رحمهما الله- وبيان لوجهها من الناحية اللغوية، وإذا صحت القراءة عن رسول الله -ﷺ- كما هنا فلن تعدم من يحتج لها من أهل العربية ولعل القصور في قواعد اللغة وليس في القراءة. والله أعلم.]].
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ قال ابن عباس: يريد لا ناصر لكم من الله تعالى، وقال مقاتل [[في (ك): (مقاتلا).]]: فلا تمتنعان من ذلك [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 272.]].
الرحمن 55:37
وقوله ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ قال أبو عبيدة: لونها كلون الورد [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 245.]].
وقال الفراء: أراد بالوردة الفرس الورد، يكون في الربيع وردة إلى الصفرة فإذا استد البرد كانت حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغُبرة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 117.]]. قال ابن دريد: الوردة شقرة تعلوها صفرة، يقال: فرس ورد، والجمع وارد، وسمي الذي يسمى وردًا لحمرته، قال أبو القاسم الزجاجي: أصل الواو والراء مع الدال على هذا النظام موضوع في كلامهم للمجيء والإتيان، يقال: وردت أرد ورودًا، ووردت الماشية الماء ترد. ثم من الناس من يقول إن العرب تسمي الأسد الورد لجرأته وتورده على فريسته، ومنه قول طرفة:
كسيد الغضا نبهته المتورد
هو المتقدم على فرسته الذي لا يدفعه شيء، ثم شبه لون هذا المتورد بلون الأسد لأن الغالب عليه الشقرة فسمي وردًا، هذا قول ابن درستويه النحوي [[هو عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي.]]، وليس بمرتضى؛ لأنهم سموا الفرس الذي هو بين الكميت الأحمر وبين الأشقر ويضرب إلى الصفرة وردًا، والكلام على هذا من طريق التحقيق أن الورد عند العرب من الألوان لون أبيض ورد عليه لون الحمرة والصفرة، هذا قول أبي إسحاق الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 101.]]، يقال: وردت المرأة خدها إذا أوردت عليه لونًا غير اللون الأصلي، قال: ونظير ذلك أنهم يسمون الظليم [[الظليم هو ذكر النعام، وقد تقدم.]] أخرج، والنعامة خرجاء إذا كان لونها يجمع السواد والبياض كأن لونًا خرج إلى لون آخر، ورماد أخرج وبرمة خرجاء فيها حجارة سود وبيض، وهذا استعمل فيه معنى الخروج من شيء إلى شيء كما استعمل في الأول معنى الورود.
قوله: ﴿كَالدِّهَانِ﴾ قال أبو عبيدة: جماعة دُهْن، وهو قول الفراء والمبرد والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 117، و"مجاز القرآن" 2/ 439، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 101.]].
وفي تفسير الآية قولان، أحدهما: وهو الذي عليه الأكثر أنه شبه السماء في تلونها واختلاف ألوانها بالوردة، وهي الفرس التي تتلون ألوانًا، قال الكلبي: تتلون كما تتلون الفرس الورد [[انظر: "جامع البيان" 27/ 82، عن ابن عباس، و"معالم التنزيل" 4/ 272، وفي "الكشف والبيان" 12/ 42 أقال: كالأديم الأحمر.]].
وقال الحسن: تلون ألوانًا [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 173، و"فتح القدير" 5/ 138.]]، ثم شبه هذا الفرس الذي يتلون بالدهان بقوله ﴿كَالدِّهَانِ﴾ قال الفراء: شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 117.]]، وهذا قول الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع وأبي العالية وأكثر أهل التفسير [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 642، و"جامع البيان" 27/ 82، و"الكشف والبيان" 12/ 42 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 272.]]، واختلاف [[كذا في (ك)، ولم يظهر لي معناها.]] الفراء والزجاج واحتج بقوله ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: 5] أي كالزيت الذي قد أغلي، وذكر مقاتل السبب في تلون السماء. قال يعني فصارت من الخوف وردة [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ.]].
قال أبو إسحاق: تتلون من الفزع الأكبر كما يتلون الدهان [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 101.]]، وعلى هذا يجب أن يكون الله تعالى ركب فيها عقلًا حتى يصح خوفها.
القول الثاني: أن المراد بالوردة هاهنا الحمرة والعرب تقول: عشية وردة إذا احمر أفقها عند غروب الشمس. وذلك علامة الجدب، ومنه قول زهير: عَلَونَ بأنماط عِتَاقٍ وَكلَّةٍ ... ورادٍ حَوَاشيها مُشاكِهَةِ الدَّم [[من معلقة زهير بن أبي سلمى. انظر: "ديوانه"، و"شرح المعلقات" للزوزني ص 6.
والمعنى: أنه وصف الثياب الملقاة على الهودج بأنها حمر الحواشي، يشبه الوانها الدم في شجة الحمرة.]]
شبه حمرة حواشيها بالدم، والدهان بالأديم الأحمر الصرف، ذكر ذلك أبو عبيدة والفراء وابن الأعرابي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 117، و"تفسير غريب القرآن" ص 439، و"اللسان" 3/ 908 (ورد).]].
ومعنى الآية أن الله تعالى أخبر أن السماء تحمر حتى تفسير كالأديم الأحمر، وهذا القول اختيار قطرب وابن الأعرابي.
وذكر بعض أهل المعاني قولًا آخر، فقال: إن السماء تذوب يوم القيامة من حر نار جهنم فتصير حمراء ذائبة كالدهن وعلى هذا وقع التشبيه بالدهن في الذوبان والسيلان [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 42 أ، ونسبه لابن جريج، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 173.]].
الرحمن 55:39
وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ الآية، يعني: لا يسأل ليعرف ذلك بالمسألة، وليعرف المذنب من غيره، فلا يسأل سؤال إستفهام ولكن يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، وهذا معنى قول مقاتل: لا يسأل لأن الله قد أحصى عمله [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ.]]، ومعنى قول الحسن قد حفظ الله عليهم أعمالهم، وهو قول قتادة، ورواية العوفي عن ابن عباس، قالوا: لا يسألون ليعرف ذلك من جهتهم، لأن الملائكة قد كتبت عليهم أعمالهم، ولا يسألون هل عملتم كذا؟ ولكن يسألون لم عملتم كذا [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 265، و"جامع البيان" 27/ 83، و"الكشف والبيان" 12/ 42 أ - ب.]].
وقال مجاهد: لا يسألون ليعرف المجرمون فإنهم يعرفون بسيماهم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 83، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 174.]]، دليله قوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الآية.
وقال عكرمة: إنها مواقف يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 42 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 275.]].
وقال الكلبي: هذا الفراغ من الحساب [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 174، و"فتح القدير" 5/ 138.]]، واختار ابن قتيبة هذا القول وشرحه فقال: إن يوم القيامة كما قال الله -عز وجل- ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] ففي هذا اليوم يسألون، وفيه لا يسألون، لأنهم حين يعرضون يوقفون على الذنوب ويحاسبون فإذا انتهت المسألة وخبت الحجة انشقت السماء فكانت وردة كالدهان وانقطع الكلام، وذهب الخصام، واسودت وجوه قوم وابيضت وجوه آخرين، وعرف الفريقان بسيماهم.
وقد حصل في هذا أربعة أقوال:
أحدها: لا يسألون سؤال استفهام عن ذنوبهم، وهو اختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 101.]].
والثاني: لا يسألون ليعفروا بذنوبهم وهو اختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 117.]].
والآخر: لا يسألون في بعض المواقف.
والرابع: لا يسألون بعد الفراغ من الحساب.
قوله تعالى: ﴿إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾، قال مقاتل: يقول إنسي ولا جني [[انظر: "روح المعاني" 27/ 114، وليس في تفسير مقاتل.]].
والجان هاهنا واحد الجن، قال ثعلب، عن عمرو، عن أبيه: الجان من الجن وجمعه جنان [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 493، و"اللسان" 1/ 516 (جنن).]]، ويدل على صحة قول مجاهد في هذه الآية.
الرحمن 55:41
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ قال جماعة المفسرين: يعرف بسواد الوجوه وزرقة الأعين [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 265، و"جامع البيان" 27/ 83.]]، ودليل ذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:102].
قال عطاء عن ابن عباس في تفسير المجرمين في هذه الآية: يريد أبا جهل والأسود والوليد والنضر.
قوله تعالى ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ قال الكلبي: تأخذهم الملائكة وهم على الصراط بنواصيهم فيصرعونهم في النار [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 320، و"معالم التنزيل" 4/ 273.]].
وروى الأعمش عن رجل عن ابن عباس قال يؤخذ بناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب ويطرح في التنور [[أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "البعث والنشور"، و"الدر" 6/ 145، وفي "تفسير ابن كثير" 4/ 275، عن الأعمش عن ابن عباس وذكره.]].
وقال أبو إسحاق نجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ويلقون في النار وذلك أشد لعذابهم والتشويه بهم [[انظر: "معاني القران" 5/ 101 - 102.]]، ويقال لهم:
الرحمن 55:43
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال الكلبي: تقول الملائكة لهم: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها أنها لا تكون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 325، و"الوسيط" 4/ 225.]].
ثم أخبر عن حالهم فيها فقال:
الرحمن 55:44
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قال أبو عبيدة: (آن) بلغ إناه في شدة الحر وكل مدركٍ آن [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 245.]].
وقال الفراء: هو الذي قد انتهى شدة حره [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 118.]].
قال الزجاج: أني يأني فهو آنٍ إذا انتها في النضج والحرارة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 102.]].
قال عطاء: يريد قد انتهى غليانه كقوله ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 5] يريد حارة [[لم أجده عن عطاء، وعن ابن عباس قال: يقول: غلي حتى انتهى عليه، ومثله عن الضحاك.
انظر: "جامع البيان" 27/ 84.]]، وقال الحسن: قد بلغ منتهى حره، وهذا قول الجماعة [[قال ابن كثير: وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن، والثوري، والسدي.
انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 276]].
ومعنى الآية أنهم يسعون بين عذاب الجحيم وبين الحميم فإذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الآني الذي قد صار كالمهل، وهو قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا﴾ [الكهف: 29] الآية، نستجير بالله برحمته منهما [[في (ك): (قوله تعالى) زيادة لا فائدة منها.]].
قال أهل المعاني [[انظر: "الوسيط" 4/ 225، و"التفسير الكبير" 29/ 121.]]: وكل ما ذكر من قوله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ إلى هنا مواعظ ومزاجر وتهدد ووعيد وزجر وتخويف وهي كلها نعمة من الله تعالى بالانزجار به عن المعاصي ولذلك ختم كل آية بقوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
الرحمن 55:46
ثم أعلم -عز وجل- ما لمن اتقاه وخافه، قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وقد ذكرنا أن المقام يجوز أن يكون مصدرًا وموضعًا عند قوله ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: 73] وهاهنا أيضا يجوز المعنيان [[في (ك): (المعنيين) المُقام والمُقامىُ: الموضع الذي تقيم فيه.
والمُقامة (بالضم): الإقامة. والمَقامة (بالفتح): المجلس والجماعة من الناس.
وأما المَقامُ والمُقامُ فقد يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة "اللسان" 3/ 191، (قوم).]] فإن جعلته موضعًا كان المعنى مقامه بين يدي ربه للحساب، أي: المقام الذي يوقفه فيه ربه وإن جعلته مصدرًا جاز فيه وجهان، أحدهما:
قيامه لربه يدل عليه قوله ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6]، والآخر: قيام ربه عليه أي إشرافه واطلاعه عليه بالعلم، ويدل عليه قوله ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: 33] الآية.
والمفسرون على القول الأول في المقام، قال ابن عباس: يريد مقامه بين يدي ربه، خاف ذلك المقام فترك المعصية والشهوة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 320، و"معالم التنزيل" 4/ 273.]]
وقال مجاهد: إذا هم بمعصية فذكر مقام الله عليه في الدنيا فتركها [[انظر: "جامع البيان" 27/ 85، و"الكشف والبيان" 12/ 34 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 176.]]. وعلى هذا المقام مصدر.
قوله تعالى: ﴿جَنَّتَانِ﴾ كلام بعض المفسرين يدل على أن كل من ترك المعصية خوفًا من الله فله جنتان على حدته لا يشاركه فيهما غيره، وكلام بعضهم يدل على أنها جنتان لكل من خاف الله تبارك وتعالى بترك المعصية على المشاركة فيهما [[انظر: "التفسير الكبير" 2/ 123، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 177.]] وهذا معنى قول مقاتل يعني جنة عدن وجنة النعيم [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 ب.]]، ويدل على القول الأول ما روي أن النبي -ﷺ- قال في تفسير الجنتين "هما بستانان في رياض الجنة" [[أخرج ابن مردويه عن عياض بن تميم أنه سمع رسول الله -ﷺ- تلا ... وذكر نحو هذا وزيادة، وذكره القرطبي عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- نحوه.
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 177، و"الدر" 6/ 117، وهو المعنى المروي عن ابن عباس في "تنوير المقباس" 5/ 32.]].
قال الفراء: وقد يكون في العربية جنة واحدة فثنيت لرؤوس الآي كما قال [[البيت لخطام المجاشعي، وقيل لهيمان بن قحافة. وانظر: "الكتاب" 1/ 241، و"اللسان" 2/ 197، وفيه (بالأم) بدلا من (بالسَّمْتِ)، و"الخزانة" 1/ 367، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 10، وفي ألفاظه اختلاف.
والمعنى في البيت أنه قطع المفازة على طريق وحجة لا على طريقين، وقال: قطعته، ولم يقل: قطعتهما. والسمت: السير على طريق ما لظن، وقيل: هو السير بالحدس والظن على غير الطريق. والأَمّ: القصد على طريق مستقيم.
اللسان 2/ 197 (سمت)، 3/ 544 (مهمه) 1/ 101 (أمم).]]:
ومَهْمَهَيِنْ فذفين مَرَّتَيْنِ ... قَطَعَّته بالأمَّ لا بالسمتين
يرد مهما وسمتا واحدًا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 118.]]، ويريد بالسمت اهتداء بنجم أو بعلامة.
وأنكر ابن قتيبة ذلك أشد إنكار، وقال: نعوذ بالله أن نجيز على الله الزيادة والنقصان في الكلام لرأس آية كيف يكون هذا وهو يصفهما صفات الاثنين في قوله: ذواتا، وفيهما.
ولو أن قائلًا قال في خزنة النار إنهم عشرون وإنما جعلهم تسعة عشر لرؤس الآي، كما قال الشاعر [[البيت من الرجز، وهو للبيد، وعجزه:
ونحن خير عامر بن صعصعه
وانظر: "ديوانه" ص 340، و"الأغاني" 14/ 91، و"الكتاب مع شرح شواهده" للأعلم 1/ 327، و"الخزانة" 4/ 171.]]:
نحن بني أم البنين الأربعة
وهم خمسة فجلهم للقافية أربعة ما كان في هذا القول إلا كالفراء [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 439 - 441.
وقال النحاس: وهذا القول -أي قول الفراء- من أعظم الغلط على كتاب الله -عز وجل-، يقول الله -عز وجل- ﴿جنتان﴾ ويصفهما بقوله ﴿فِيهِمَا﴾ فيدع الظاهر ويقول: يجوز أن تكون جنة ويحتج بالشعر. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 177.]].
ثم وصفهما فقال:
الرحمن 55:48
﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ قال أبو عبيدة: الأفنان: الأغصان واحدها فَنَن وهو الغصن المستقيم طولًا، ويقال لخصل الشعر أفنان تشبيها لها بالأغصان.
ومنه قول حميد:
يَنْقُضْنَ أفنانَ السَّبيبِ والعُذُرْ [["اللسان" 2/ 1138 ولم ينسبه.
والسبيب: من الفرس شعر الذنب والعرف والناصية. "اللسان" 2/ 79 (سبب).
والعُذُرُ: جمع عذار وهو ما وقع منه على خدي الدابة. وقيل: عذَارُ اللجام السيران اللذان يجتمعان عند القفا. "اللسان" 2/ 718 (عذر).]]
يصف الخيل ويقصد خصل شعر نواصيها وعرفها، وقال المرار:
أعلاقةً أمَّ الوُلَيدِ بعدَما ... أفْنانُ رأسِك كالثغام المُخْلِسِ [[ورد البيت منسوبًا في "الكتاب مع شرح شواهده" للأعلم 1/ 60، و"المقتضب" 2/ 54، و"تهذيب اللغة" 15/ 466 (فنن)، و"أمالي الشجري" 2/ 242، و"الخزانة" 4/ 493.]] يعني: خُصَلَ جُمَّة رأسها حين شابت [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 466، و"اللسان" 2/ 1138 (فنن).]].
وقال أبو إسحاق: الأفنان: الألوان [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 102.]]، فقال أبو الهيثم: فسره بعضهم ذواتا أغصان وبعضهم ذواتا ألوان واحدتها حينئذ فن وفنن، كما قالوا: سن وسنن، وعن وعنن، قال الأزهري: واحد الأفنان إذا أردت بها الألوان فن، وإذا أردت بها الأغصان فنن، والفن الضرب من كل منها، وجمعه فنون وأفنان.
وأنشد الليث [[البيت للمرار بن منقذ العدوي كما ذكر في "المفضليات" ص 82، و"تهذيب اللغة" 5/ 34، (حبر) والحبر: النعم. وقال شمر: الحبر صفرة تركب إنسان وهي الحِبْرَةُ. وانظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" 2/ 1137 (فنن).]]:
قد لَبِسْتُ الدَّهْر من أفنْانِه ... كل فنّ ناعمٍ منه حَبِرْ
وذكر المفسرون أيضًا القولين، فقال مجاهد: أغصان، وهو معنى قول الحسن: ذواتا ظلال لأنه يريج ظل الأغصان وقد صرح به عكرمة فقال: ظل الأغصان على الحيطان، وهذه رواية عطية عن ابن عباس، والكلبي [[انظر: "جامع البيان" 27/ 86، و"الكشف والبيان" 12/ 43 ب، و"الوسيط" 4/ 226، و"معالم التنزيل" 4/ 274.]].
وقال الضحاك: ذواتا ألوان من الفاكهة، وهو قول سعيد بن جبير [[انظر: "جامع البيان" 27/ 86، و"معالم التنزيل" 4/ 274.]]. وجمع عطاء بين القولين فقال: يريد في كل غصن فنون من الفاكهة قال والفنون أصناف [[انظر: "الوسيط" 4/ 226، و"معالم التنزيل" 4/ 274.= قال ابن كثير -بعد ذكره للأقوال- وكل هذه الأقوال صحيحة ولا منافاة بينها، والله أعلم. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 277.]].
الرحمن 55:50
قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: عينان مثل الدنيا أضعافًا مضاعفة حصباؤها الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ترابها الكافور، وجماتها المسك الأذفر، وحافاتها الزعفران [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 178 - 179.]].
وقال الحسن: تجريان بالماء الزلال إحداهما السلسبيل والأخرى النسيم [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 43 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 274.]].
الرحمن 55:52
قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أي ضربان وصنفان ونوعان، كل هذا من ألفاظهم، والمعنى أن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطبًا ويابسًا، لا يقصر يابسه عن رطبه في الفضل والطيب، ولا رطبه عن يابسه في العدم [[كذا في (ك)، والوسيط ولم أتبين معناها.]] كما يكون في الدنيا، وقيل: ضربان: ضرب معروف، وضرب من شكله غريب [["جامع البيان" 27/ 86، و"معالم التنزيل" 4/ 274.]].
قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا﴾ قال صاحب النظم: (متكئين) حال للذين ذكروا في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾ [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 313، و"البحر المحيط" 8/ 197.]] و (من) ينبئ عن الجميع.
وقوله: ﴿بَطَائِنُهَا﴾ جمع بطانة، وهي التي تحت الطهارة، وذكرنا تفسيرها عند قوله: ﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118].
قال أبو إسحاق: وهي ما يلي الأرض [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 104، و"فتح القدير" 5/ 141.]].
وقال الفراء: أراد بالبطائن الظواهر، وقد يكون بالبطانة ظهارة والظهارة بطانة، وذلك أن كل واحد منهما يكون وجهًا، وقد تقول العرب: هذا ظهر السماء لظاهرها الذي نراه.
وحكي عن ابن الزبير أنه ذكر قتلة عثمان فقال: قتلهم الله شر قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب، يعني: هربوا ليلًا فجعل ظهور الكواكب بطونا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 118، و"الكشف والبيان" 12/ 44 أ، و"تفسير غريب القرآن" 441.]]، وهذا قول مقاتل قال: يعني ظواهرها [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 ب، وذكره القرطبي 17/ 18 عن الحسن.]]. ونحو ذلك قال المؤرج، قال: وهو بلغة القبط، وأنكر ذلك ابن قتيبة وقال: هذا من عجيب التفسير، كيف تكون البطانة ظهارة والطهارة بطانة، والبطانة ما بطن من الثوب وكان من شأن الناس إخفاؤه، والظهارة ما ظهر وكان من شأن الناس إبداؤه، وإنما يجوز ما قاله الفراء في ذي الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قومًا كحائط يلي أحد صفحيه قومًا والصفح الآخر قومًا أخرى فكل وجه من الحائط ظهر لمن يليه وكل واحد من الوجهين ظهر وبطن وكذلك وجها الجبل وما شاكله، ويجوز أن يجعل ما يليهما من وجه السماء والكواكب ظهرًا وبطنًا وكذلك سقوف البيت، فأما الثوب فلا يجوز أن يكون بطانته ظهارة، وظهارته بطانة، ولا يجوز لأحد أن يقول لوجه المصلى هذا بطانته ولما ولي الأرض ظهارته، وإنما أراد الله تعالى أن يعرفنا من حيث نفهم فضل هذه الفرش، وإنما ولي الأرض منها استبرق وإذا كانت البطانة كذلك فالظهارة أعلى وأشرف [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 441 - 442.]].
ويؤكد قول ابن قتيبة ما روي عن ابن مسعود أنه قال: أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر [[انظر: "جامع البيان" 27/ 86، و"معالم التنزيل" 4/ 274، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 277.]].
وقال أبو هريرة: هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 44 أ، و"زاد المسير" 8/ 121، و"الجامع لأحكام القرآن" 8/ 179.]]، وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من استبرق فما الظواهر، فقال: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17]، وقال أيضًا: الظواهر من نور جامد [[انظر: "جامع البيان" 27/ 86، و"الكشف والبيان" 12/ 44 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 274، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 179.]]، وقال ابن عباس: وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظواهر [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 274، و"زاد المسير" 8/ 121.]].
وقوله: ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ قال المفسرون يعني: ما غلظ من الديباج، وذكرنا الكلام فيه في سورة الكهف [[عند تفسيره الآية (31) من سورة الكهف.
وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 118، و"اللسان" 1/ 197 (برق).]].
قوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ الجنى: ما يجتنى من الثمار، قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما وإن شاء قاعدًا وإن شاء مضطجعًا [[انظر: "تنوير المقباس" 4/ 321، و"الوسيط" 4/ 227، و"ابن كثير" 4/ 277.]]، وقال قتادة: لا يرد يده بُعدٌ ولا شوك [[انظر: "تفسير عبدالرزاق" 2/ 265، و"جامع البيان" 27/ 87.]].
وقال أبو إسحاق: تدنو منهم حتى يتناولوه بأفواههم أو بأيديهم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 104.]].
قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾، قال مقاتل: يعني في الجنتين اللتين ذكرتا بعد في قوله ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ قال: وهي جنة عدن، وجنة النعيم، وجنة الفردوس، وجنة المأوى [[انظر: "تفسر مقاتل" 136 ب.]] فقال أبو إسحاق: قوله (فيهن) وإنما ذكر جنتين يعني في هاتين الجنتين، وما أعد لصاحب هذه القصة غير هاتين الجنتين [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 103، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 18.]].
وقال غيره من أهل المعاني [[قال الزمخشري: ﴿فِيهِنَّ﴾ في هذه الآلاء المعهودة من الجنين والعينين والفاكهة والفرش والجني، أو في الجنتين لاشتمالهما على أماكن وقصور ومجالس. "الكشاف" 4/ 54.]]: الضمير يعود على الفرش وهي أولى بالعود عليها من الجنان لتقدم ذكرها، قال: ويجوز أن يرجع إلى الجنان لأنها معلومة فصارت كأنها قد ذكرت.
الرحمن 55:56
وقوله ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي حور ونساء قاصرات الطرف، وقد تقدم تفسيرها عند قوله ﴿وَعِندَهُم قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [[انظر: "جامع البيان" 27/ 87، و"الكشف والبيان" 12/ 44 ب، و"البغوي" 4/ 275.]].
قال ابن عباس: قصرت طرفها على زوجها فلا ترى أن خلقًا أكرم على الله منه ولا أجمل ولا أحسن [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 247.]]، وقال ابن زيد: إنها لتقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجك وجعلك زوجي.
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ قال أبو عبيدة: لم يمسهن، يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه.
ونحو ذلك أخبرني العروضي [[هو أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي الصفار، تقدمت ترجمته.]] عن الأزهري قال: أخبرني المنذري، عن ابن فهم، عن محمد بن سلام، أنه سأل يونس عن قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ فقال: تقول العرب هذا جمل ما طمثه حبل قط أي لم يمسه [[انظر: "اللسان" 2/ 612 (طمث) ذكر المعنى ولم يورد الرواية، ولم أقف عيها في "تهذيب اللغة".]].
وروى سلمة عن الفراء قال: الطمث الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية، والطمث هو الدم، وفيه لغتان: طَمَثَ يَطْمُثُ ويَطْمِثُ [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 119، و"اللسان" 2/ 612 (طمث).]]. وقال الليث: طمثت الجارية إذا افترعتها، والطامث في اللغة هي الحائض، قال أبو الهيثم: يقال للمرأة طمثت تطمث أي أدميت بالافتضاض، وطَمَثَتْ على فعلت تطمث، إذا حاضت أول ما تحيض وهي طامث، وقال في قول الفرزدق [[انظر: "ديوان الفرزدق".]]:
خرجن إليّ لم يطمثن قبلي ... وهن أصحُّ من بيض النعامِ
أي: لم يمسسن [[انظر: "اللسان" 2/ 612 (طمث).]].
قال المفسرون: لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن، هذه ألفاظهم [[وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وعكرمة وابن زيد والكلبي وغيرهم. == انظر: "جامع البيان" 27/ 87، و"الكشف والبيان" 12/ 44 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 275، و"زاد المسير" 8/ 122.]]، وهم مختلفون في هؤلاء فبعضهم يقول: هن اللواتي أنشئن في الجنة من حورها وبعضهم يقول يعني نساء الدنيا أنشئن خلقًا آخر أبكارًا كما وصفن.
قال الشعبي: نساء من نساء الدنيا لم يمسسن منذ أنشئن خلقًا [[أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر.
انظر: "الدر" 6/ 148، و"معالم التنزيل" 4/ 275.]].
وقال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة [[قاله مقاتل ومجاهد. انظر: "تفسير مقاتل" 136 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 181.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: هن الآدميات اللاتي متن أبكارًا [[لم أقف عليه.]].
وقال الكلبي: لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان [[انظر: "الوسيط" 4/ 227، و"معالم التنزيل" 4/ 275، و"روح المعاني" 27/ 119.]].
قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل أن الجني يغشى كما أن الإنسي يغشى [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 103.]]، وهذا مذهب ضمرة بن حبيب [[هو ضمرة بن حبيب بن صهيب الزُبيدي، أبو عتبة الحمصي، ثقة، مات سنة ثلاثين ومائة، أخرج له الجماعة. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 464، و"تقريب التهذيب" 1/ 374، و"تهذيب التهذيب" 4/ 459.]] سئل: هل للجن من ثواب؟ فقال: نعم، وقرأ هذه الآية. ثم قال: الإنسيات للإنس، والجنيات للجن [[انظر: "جامع البيان" 27/ 88، و"الكشف والبيان" 12/ 45 أ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 278، و"الدر" 6/ 148.]].
وقال مجاهد في هذه الآية: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه [[انظر: "جامع البيان" 27/ 88، و"الكشف والبيان" 12/ 44 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 181.]].
والضمير في قوله: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ للمعنيين بقوله ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وهم أزواج هؤلاء النسوة.
الرحمن 55:58
قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ قال عامة المفسرين [[وممن قال بهذا عمرو بن ميمون، والحسن، وقتادة، وابن زيد، والسدي، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 265، و"جامع البيان" 27/ 88، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 278.]]: أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان، شبههن في صفاء اللون وبياضه بالياقوت والمرجان، يدل على هذا ما قال عبد الله: إن المرأة من نساء أهل المجنة لتلبس عليها سبعين حلة من حرير فيرى بياض ساقيها من ورائهن، ذلك بان الله يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ألا وإن الياقوت حجر لو جعلت فيه سلكًا ثم استصفيته نظرت إلى السلك من وراء الحجر [[أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب في صفة نساء أهل الجنة، وابن جرير في "تفسيره" 27/ 88، وابن أبي حاتم، كما ذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 278، وغيرهم، عن ابن مسعود عن النبي -ﷺ- كلهم من طريق عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب، وأخرجه الترمذي وابن جرير من طرق أخرى، وفيها عطاء بن السائب موقوفاً. وقال الترمذي: هو أصح، وعطاء بن السائب اختلط في آخر عمره. وذكر الطحاوي أن حديثه الذي كان منه قبل تغيره يؤخذ من أربعة لا من سواهم وهم شعبة وسفيان الثوري وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد. انظر: "الكواكب النيرات" ص 325.
وهذا الحديث ليس من طريق هؤلاء، وهو ضعيف بهذا الإسناد. وفي معناه ورد == أحاديث صحيحة منها ما أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، وأنها مخلوقة، 4/ 141، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها. والله أعلم. وانظر: "العظمة" 3/ 1082 - 1083.]].
الرحمن 55:60
قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ هذا استفهام معناه النفي، أي: ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة، قاله الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 103.]].
قال ابن عباس: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد -ﷺ- إلا الجنة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 325، و"الوسيط" 4/ 227، و"معالم التنزيل" 4/ 276.]]، وقال مقاتل: هل جزاء التوحيد إلا الجنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 ب.]].
وقال السدي: هل جزاء الذين أطاعوني في الدنيا إلا الكرامة في الجنة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 46 أ.]].
هذا معنى قول الجميع [[قال الرازي: وفيه -أي الآية- وجوه كثيرة حتى قيل: إن في القرآن ثلاث آيات في كل آية منها مائة قول. ومنها هذه الآية.
انظر: "التفسير الكبير" 29/ 131.]]، وروي هذا المعنى مرفوعًا رواه ابن عمرو وابن عباس أن رسول الله -ﷺ- قال في هذه الآية: "يقول الله تعالى: هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي وحضرة قدسي برحمتي" [[رواه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 89، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 123، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 276، قال محقق "زاد المسير": رواه البغوي في تفسيره وفي إسناده ضعف. وقال السيوطي في "الدر" 6/ 148: أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ- ... وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 278، والألفاظ تختلف عما ذكره المؤلف. وطريقته كما هو معلوم الرواة بالمعنى، ولكثرتها لم أتطرق إلى ذكر الاختلاف فيها، والله أعلم.]].
الرحمن 55:62
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ قال ابن عباس: يريد أدنى من الأوليين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 325، و"معالم التنزيل" 4/ 276.]]. قال ابن جريج: هي أربع: جنتان للمقربين السابقين كما وصفنا وجنتان لأصحاب اليمين والتابعين [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 46 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 276، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 183.]] كما وصفنا فيما بعد. ونحو هذا قال مقاتل [[انظر: "نفسير مقاتل" 137 أ.]]، وهو قول أكثر المفسرين أن هاتين دون الأوليين في الفضل، ذكر ذلك ابن زيد والكلبي وغيرهما [[انظر: "جامع البيان" 27/ 89، و"الكشف والبيان" 12/ 46 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 276.]].
وذهب الضحاك إلى ضد ما ذكر هؤلاء فقال: الجنتان الأوليان من ذهب وفضة، والآخريان من ياقوت وزمرد، وهما أفضل من الأوليين [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 276، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 184.]].
وعلى هذا قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ أي ومن أمامهما وقبلهما وهو قول الكسائي وذكرنا معاني (دون) عند قوله: ﴿شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 23].
الرحمن 55:64
ثم نعتهما فقال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال أبو عبيدة: من خضرتهما قد اسودتا من الري [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246.]]. قال أبو إسحاق: وكل نبت اخضر، فتمام خضرته وريّه أن يضرب إلى السواد [[انظر: "معانى القرآن" 5/ 103.]].
ومعنى الدَّهْمَةَ في كلام العرب السواد، يقال: أدهم بيّن الدهمة وادْهامَّ ادْهيمامًا، وقال الليث: ادْهامَّ الزرع إذا علاه السواد رِيًّا [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 224، و"اللسان" 1/ 1026 (دهم).]].
قال ابن عباس: شديد الخضرة إلى السواد [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 184.]].
وقال الكلبي: خضراوان قد علاهما سواد من شدة الخضرة والري [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 325، و"معالم التنزيل" 4/ 276.]]، وهذا معنى قول الجميع، والأصل في ذلك أن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، وسميت العرب الأخضر أسود والأسود أخضر، قال ابن الأعرابي: الخضرة عند العرب سواد، وأنشد القطامي:
يا ناق خُبِي خَبَبَاَ زِوَرَّا ... عارضي الليلَ إذا ما اخْضَرَّا
ومنه قيل لليل المظلم أخضر، قال ذو الرمة:
في ظِلّ أخضر يَدْعُو هامَة البُومُ [[وصدره:
قد أعْسِفً النازحَ المجهولَ مَعْسِفُهُ
وانظر: "الديوان" 1/ 401، و"الحيوان" 6/ 175، و"تهذيب اللغة" (خضر).
والعسف: ركوب الأمر بلا تدبير ولا روية 7/ 99 ورواية الديوان:
في ظل أعصف يدعو هامهُ اليوم]]
ومن هذا يقال أباد الله خضراءهم أي سوادهم هذا في الأسود الذي وصف بالخضر، وأما الأخضر الذي وصف بالسواد فهو قول ذي الرمة أنشده ابن قتيبة في تفسير هذه الآية يصف غيثًا:
كسا الأكم بهمى غَضَّةَ حَبَشِيَّةً ... توامًا ونُقعانُ الظَّهورِ الأقارعِ [[البيت في "ديوانه"، و"اللسان" 3/ 66 (قزع).
والبُهمى: نبت تجد به الغنم وجدًا شديدًا ما دام أخضر، والقعان: جمع (نقع) وهو مجتمع الماء. والظهور القوارع: الأراضي المرتفعة الشديدة الصلبة.]] فجعلها حبشية لما اشتدت خضرتها [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 442 - 443.]]. وكذلك قوله أيضا أنشد أبو علي في تفسير هذه الآية:
حواء قرحاء أَشْرَاطِيَّةُ وكفت ... فيها الذَهابُ وَحَفَّتْها البراَعِيمُ [[انظر: "الكامل" 3/ 36.]]
يصف روضة بشدة الخضرة فجعلها حواء.
قال أبو علي: وعلى ضد هذا وصف الجدب البياض فقيل سنة شهداء من ذلك قول أوس:
علي دبر الشهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدب سنون تلمع [[تقدم تخريجه.]]
فقوله: تلمع؛ معناه أنه لا خصب فيها ولا نبات.
الرحمن 55:66
وقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال أبو عبيدة: فوارتان. قال الليث: النضخ فور الماء من العين [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 111 (نضخ).]]. وقال المبردت النضاخة الرفاعة بالماء.
واختلفوا في الذي تنضخ به العينان، فقال عطاء عن ابن عباس وابن مسعود وأنس: تنضخ على أولياء الله المسك والعنبر والكافور، وفي دور أهل الجنة كما ينضخ طش المطر [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 46 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 276، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 185.]]، وقال الحسن وعطاء الخراساني: تنبعان ثم تجريان [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 46 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 185.]]، وهو قول سعيد بن جبير، وزاد فقال: نضاختان بالماء وألوان الفواكه [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 185، و"الدر" 6/ 15.]].
وقال الكلبي: نضاختان بالخير والبركة على أهل الجنة، وهو قول قتادة ومقاتل والضحاك [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 325، و"تفسير مقاتل" 137 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 266، واختار الطبري قول من قال بأن المراد تنضخان بالماء؛ لأنه المعروف بالعيون إذ كانت عيون ماء. "جامع البيان" 27/ 91، وأخرج البخاري عن ابن عباس في قوله ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ قال فياضتان. "صحح البخاري"، كتاب: التفسير، سورة الرحمن 6/ 181. قلت: ولا تعارض بين ما رواه البخاري، وما رجحه ابن جرير؛ لأن الماء هو مصدر الخير كله والله أعلم.]].
الرحمن 55:68
قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ قال المفسرون: يعني ألوان الفاكهة وألوان الرمان.
قال ابن عباس: والرمانة مثل جلد البعير المقتب [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 47 أ، من رواية أبي هارون العبدي عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ- وأبو هارون اسمه عمارة بن حديث، ضعيف جدًّا، و"تخريجات العراقي لإحياء علوم الدين" 4/ 542، وذكره القرطبي 17/ 186، وابن كثير في 4/ 279، من حديث أبي سعيد الخدري يرفعه، ونسبا تخريجه لابن أبي حاتم.]]، وثمر النخلة والرمان من جملة الفاكهة غير أنهما ذكرا على التفصيل للتفضيل فأخرجا من الجملة بالذكر كقوله ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] فأعاد الوسطى بعد أن ذكرها في الجملة تشديدًا لها. كذلك أعيد النخل والرمان ترغيبًا لأهل الجنة هذا قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 119.]].
وقال أبو إسحاق: قال يونس النحوي -وهو يتلو الخليل في القدم والحذق- أن الرمان والنخل من أفضل الفاكهة، وإنما فصل بالواو لفضلهما، واستشهد في ذلك بقوله جل وعز ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] قال فصل بالواو لفضلهما [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 103.]].
وغلط أهل العراق حين لم يجعلوا الحالف أن لا يأكل الفاكهة حانثا بأكل الرمان والتمر وظنوا أنهما لما ذكرا بعد الفاكهة ليسا من الفاكهة [[قال أبو حنيفة وأبو ثور: وحجتهم أن المعطوف يغاير المعطوف عليه، وخالفهم في ذلك الجمهور من الفقهاء وأهل اللغة. انظر: "المغني" 13/ 591 - 592.]] وهو خلاف قول جميع أهل اللغة ولا حجة لهم في الآية.
قال الأزهري: ما علمت أحدًا من العرب قال في النخيل والكُروم وثمارها إنها ليست من الفاكهة، وإنما قال من قال ذلك لقلة علمه بكلام العرب وعلم اللغة وتأويل القرآن العربي المبين، والعرب تذكر أشياء جملة ثم تخص شيئًا منها بالتسمية تنبيهًا على فضل فيه، قال الله -عز وجل-: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَمِيكَالَ﴾ فمن قال إنهما ليسا من الملائكة لإفراد الله إياهما بالتسمية فهو كافر، ومن قال: إن ثمر النخل والرمان ليس من الفاكهة لإفراد الله إياهما بالتسمية بعد ذكر الفاكهة فهو جاهل، هذا كلامه [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 25 (فكه).
قلت: غفر الله للأزهري في كلامه هذا، إن كان ينبغي له وهو أهل فضل وعلم أن يعرف لأهل الفضل فضلهم فأصحاب هذا القول -رحمهم الله- وإن جانبهم الصواب فيه، فلهم من السبق والرسوخ ما يرفع من قدرهم ومكانتهم عند من جاء بعدهم، عفا الله عن الجميع وجمعنا وإياهم في جنته.]].
الرحمن 55:70
قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ يعني في الجنان الأربع التي جرى ذكرهما [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 120، و"الكشف والبيان" 12/ 47 أ، ونسبه للكسائي، و"جامع البيان" 27/ 91.
وقال الشوكاني: قيل: وهذه الصفة عائدة إلى الجنان الأربع، ولا وجه لهذا فإنه قد وصف نساء الجنتين الأوليين بأنهن قاصرات الطرف كأنهن الياقوت والمرجان، وبين الصفتين بنون بعيد. "فتح القدير" 5/ 143.]].
وخيرات جمع خَيْرة، وهي في الأصل بالتشديد ثم خفف، كما قيل: هَيْنٌ وليْنٌ، وذكر الفراء فيها ثلاث لغات: خَيْرَة وخِيْرَةٌ وخَيِّرة [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 12.]] وكذلك في الجمع.
وقال المبرد: الخيرة الفاضلة المقدمة ولقال رجل خَيِّرٌ وامرأة خَيِّرةٌ [[يقال: رجل خَيْرٌ وخَيِّرٌ، مشدد ومخفف. وامرأة خَيْرَةٌ وخَيِّرَةٌ. انظر: "اللسان" 1/ (926) (خير).]] وأنشد أبو عبيدة: [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246. والبيت لرجل من بني عَدِي تيم، تميمي جاهلي. انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 546، و"اللسان" 1/ 926 (خير).]]
ولقد طَعَمْتُ بجامع الرَّبلات ... رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ
وأنشد ابن السكيت:
تأبري يا خيرة النسيل
وفرق الليث بين الخَيِّرة والخَيْرَة، قال: خَيِّرَةٌ صالحة وخَيْرَةٌ في جمالها ومَيسَمِها [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 546، (خار).= وميسمها أي: حسنها من الوسامة، و"اللسان" 3/ 928 (وسم).]]. قال الأزهري: ولا فرق عندي بينهما في المخففة من المشددة [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 546 (خار) وعبارته (عند أهل المعرفة باللغة) بدلاً من قول المؤلف (عندي).]].
قال جماعة المفسرين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 91، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 28.]] يعني خيرات الأخلاق حسان الوجوه، وهو تفسير النبي -ﷺ- فيما روت عنه أم سلمة [[والحديث رواه ابن جرير 27/ 92، والثعلبي 12/ 47 ب، والبغوي 4/ 277، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 116. وقال محقق "زاد المسير": رواه ابن جرير الطبري، وفي سنده ضعف.]].
الرحمن 55:72
قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ تقدم تفسير الحور [[عند تفسيره الآية (54) من سورة الدخان. والحَوَرُ: أن يشتد بياض العين وسواد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها ويبيض ما حواليها. وإنما قيل للنساء حور العين؛ لأنهن شبههن بالظباء والبقر. "اللسان" 1/ 750 (حور).]]، والمقصورات المحبوسات، ويجوز أن يكون محبوسات في الخيام، وهو معنى قول أبي عبيدة: خدرن [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246، ومعناه: سترن في الخيام. والخدرُ سِتْرٌ يمد للجارية في ناحية البيت. "اللسان" 1/ 736 (خدر).]] في الخيام، ونحوه قال مقاتل: محبوسات في الخيام [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ.]]، ويجوز أن يكون محبوسات على أزواجهن، ولا يرون غيرهم وهن في الخيام، وهذا معنى قول المفسرين: قصرن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، ولا يطمحن إلى سواهم، ذكره الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 120.]].
وقال مجاهد: مقصورات قلوبهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 644، و"جامع البيان" 27/ 92، 93.]].
والخيام جمع خَيم وخيم: جمع خيمة، وهي أعواد تنصب وتظلل بالثياب في القيظ فيكون أبرد من الأخبية [[انظر: "اللسان" 1/ 933 (خيم)، و"فتح القدير" 5/ 143.]]، ذكره ابن السكيت.
وقال ابن الأعرابي: الخيمة لا تكون إلا أربعة أعواد ثم تسقف بالثُّمام ولا تكون من ثياب [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 607، و"اللسان" 1/ 933 (خيم).
والثُّمامُ: شجر واحدته ثمامة وثمة، وهو نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص. "اللسان" 1/ 375 (ثمم).]]، ومنه قول النابغة:
فلم يبقَ إلا آلُ خَيْمٍ منصدٍ وسُفْعٌ ... على آسٍ وَنُؤْيٌ مُعَثْلِبُ
ويقال خيم فلان خيمته إذا بناها من جريد النخل ويخيم فيها إذا أقام، وتظلل بها قال زهير: [[وصدر البيت:
فلما وردن الماء زرقاً جمامه
انظر: "الديوان" 78، و"اللسان" 1/ 993 (خيم).]]
وَضَعْنَ عِصِى الحَاضِرِ المتَخَيَّمِ
هذا معنى الخيام في اللغة، قال أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246.]]: والهوادج أيضًا خيام وأنشد للبيد فقال:
شاقتك ظعن الحي يوم تحمَّلوا ... فتكنَّسُوا قطنًا تَصرُّ خِيامُها [[البيت ورد في معلقة لبيد. انظر: "شرح المعلقات السبع" للزوزني 75.]] وأما خيام الجنة فقال المفسرون: إنها من در مجوف، قال عطاء عن ابن عباس: يريد خيام الدر والياقوت والزبرجد، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، الخيمة ما بين بصرى إلى صنعاء [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 267، وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وأبي الأحوص. انظر: "جامع البيان" 27/ 93، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 28.]].
وروى قتادة عن ابن عباس قال: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب [["صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: حور مقصورات في الخيام، 6/ 182، و"صحيح مسلم"، كتاب: الجنة، باب (33). "مسند أحمد" 3/ 103.]].
وروي عن النبي -ﷺ- "والخيمة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" [[انتهى كلام صاحب النظم ولم أجده فيما اطلعت عليه، وكتابه مفقود كما تقدم بيانه.]].
قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قال صاحب النظم: قال الله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّنَانِ﴾ ولم يذكر لهما أهلًا كما ذكره لما قبلهما من الجنتين فلما قال (متكئين) دل أنه أراد أهلهما، وإنما كف عن ذكر أهلها اقتصارًا على ذكر أهل الجنتين اللتين قبلهما، واكتفاء بالذكر الأول عن الثاني، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 5]. قال في فصل آخر متصل بهذا الفصل ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: 7]، والتأويل: بعثناهم ليسوؤا فكف عن ذكره اكتفاء بالأول (¬4).
وأما الرفرف فقال الليث: الرفرف ضرب من الثياب خضر تبسط، والواحدة رفرفة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 190، و"فتح القدير" 5/ 143.]]، وقال أبو عبيدة: الرفارف البسط [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 171، و"اللسان" 1/ 12 (رفف).]]، وأنشد قول مقبل فقال:
وإنا لنزالون تغشى فعالنا ... سواقط من أصناف ربط ورفزف [[لم أجده عند أبي عبيدة. وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19.]]
وقال أبو إسحاق: قالوا الرفرف هاهنا رياض الجنة. وقالوا: الرفرف الوسائد. وقالوا: الرفرف المحابس، وقالوا: الرفرف فضول المحابس للفرش. [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 105.]] واختاره المبرد فقال: هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك في الفرش وغيره، وكأن الأقرب هذا، لأن العرب تسمي كسر الخباء والخرقة التي تحيط في أسفل الخباء رفرفا. ومنه الحديث في وفاة النبي -ﷺ- "فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة" [[انظر: " النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 242) رفرف).]].
قال ابن الأعرابي: الرفرف هاهنا طرف الفسطاط [[انظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" 1/ 1200 (رف، رفف).]]، فشبه ما فضل من المجالس عما تحته بطرف الفسطاط فسمى رفرفًا يؤكد هذا ما روى هارون بن عنترة، عن أبيه [[هو عنترة بن عبد الرحمن الكوفي، ثقة، وهم من زعم أن له صحبة. انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 89.]]، عن ابن عباس، قال في قوله:
الرحمن 55:76
﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ فضول المجالس، والبسط والفرش [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19.
والمحبس: المقرمة: يعني الستر، وهي التي تبسط على وجه الفراش للنوم، و"اللسان" 1/ 551 (حبس).]] وهو قول الضحاك، ومقاتل، والحسن. قالوا: المحابس والبسط [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ، و"الوسيط" 4/ 23، و"الجامع" للقرطبي 17/ 19.]].
قال الحسن: كان أهل الجاهلية يقولون هي البسط [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، وفيه: هي البسط. أهل المدينة يقولون: هي البسط.]].
قال سعيد بن جبير: وهي الرياض، وهو قول الكلبي. [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 327، و"جامع البيان" 27/ 94، و"معالم التنزيل" 4/ 978، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19.]]
وقوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ قال أبو عبيدة: كل وشى من البسط عبقري قال ويروى أنها أرض يَوشى فيها [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246. وقوله: (أرض يوشَّى فيها) هو ما ذكر أن عَبْقَر قرية تسكنها الجن فيما زعموا فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريباً. قالوا: عبقري. ومنه عبقري للبسط التي فيها الأصباغ والنقوش وشيت بها. اللسان (عبقر).]].
وقال الليث: عبقر موضع بالبادية كثير الجن يقال في المثل: كأنهم جن عبقر، وقال أبو عبيدة في حديث النبي -ﷺ- حينما ذكر عمر "فلم أر عبقريًّا يفري فريه" [[جزء من حديث أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه منها، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب، 5/ 13، ومسلم في "صحيحه"، كتاب: فضائل الصحابة (19)، وأحمد في "المسند" 2/ 28، 39.]].
قال أبو عبيدة: وإنما أصل هذا فيما يقال إنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن فصارت مثلًا لكل منسوب إلى شيء رفيع، وأنشد لزهير [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246، و"تهذيب اللغة"، و"اللسان" 2/ 672 (عبقر). والبجت في "ديوان زهير" ص 103، و"المحتسب" 2/ 306.]]:
يخيل عليها جِنّةٌ عَبْقَرّيةٌ ... جَدِيرون يوما أن ينالوا فيستعلوا وهذا القول هو الصحيح في العبقري، وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن أو شبهته بهم ومنه قول لبيد [[وصدره:
غُلِبَ تَشَذو بالذَّخُولِ كانَّها
ومعناه: أنهم رجال غلاظ الأعناق كالأسود يهدد بعضهم بعضًا بسبب الأحقاد التي بينهم. ثم شبههم بجن هذا الموضع (البدّي) في ثباتهم في الخصام والجدل. وانظر: "ديوانه" ص 177، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 90 ، و"الإنصاف" ص 772، و"الخزانة" 4/ 157.]]:
جِنُّ الْبَدِيٍّ رواسيًا أقدامُها
وقال آخر يصف المرأة:
جنية أو لها جن يعلِّمُها ... رمي القلوب بقوس ما لها وتر
وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كان عبقر معروفًا بسكناهم فسموا كل شي مبالغ فيه إليها، ويريدون بذلك أنه من عملهم وصنعتهم هذا هو الأصل [[انظر: "اللسان" 2/ 672، (عبقر) ، و"الجامع" للقرطبي 17/ 192.]]، ثم صار العبقري اسما ونعتا لكل ما بولغ في صفته، ويشهد لما ذكر بيت زهير فإنه نسب الجن إلى عبقر فثبت به أنها مكانهم، ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب، كقوله -ﷺ- في صفة عمر (عبقريًّا).
وروى سلمة عن الفراء قال: العبقري السيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان والجوهر [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 278، و"المفردات" (عبقر)، و"اللسان" 2/ 672 (عبقر).]].
فلو كانت عبقر مخصوصة بالوشي لما نسب إليها غير الموشى، وإنما نسب إليها البسط الموشاة العجيبة الصنعة لما ذكرنا نسب إليها كلما بولغ في وصفه.
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ يريد البسط والطنافس [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 12/ 49 أولم ينسبه لقائل.]]، وقال الكلي: هي الطنافس المخملة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 323.]].
وقال قتادة: هي عتاق الزرابي [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 278.]]، وهو قول سعيد بن جبير [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"تفسير مجاهد" 2/ 644، ومعنى "عتاق الزرابي" أي كرام الوسائد.]].
وقال مجاهد: الديباج الغليظ [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 192.]].
وعبقري هاهنا: جمع، واحده عبقرية، لذلك قال: ﴿حِسَانٍ﴾ فجمع وأما قراءة من قرأ عباقري حسان وهي تروى عن عاصم الجحدري [[هو عاصم بن أبي الصباح الجحدري الضري، أخذ القراءة عرضًا عن سليمان بن قثه عن ابن عباس، وقرأ أيضًا على نصر بن عاصم، والحسن، ويحيى بن يعمر، وقراءته في الكامل والإفصاح فيها مناكير، ولا يثبت سندها، والسند إليه صحيح في قراءة يعقوب من قراءة على سلام عنه، مات قبل الثلاثين ومائة. انظر: "غاية الرواية" 1/ 349.]] ورويت أيضًا مرفوعة [[انظر: "المحتسب" 2/ 305 "مختصر ابن خالويه" ص 15، و"الكشاف" 4/ 55، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 191، و"البحر المحيط" 8/ 199.]]، قال أبو عبيدة: وهذا وجه لا إسناد له ولا أراه محفوظًا ولو كان له أصل لكان على ترك الإجراء؛ لأنه وجه الإعراب [[قال النحاس: (وإسنادها ليس بالصحيح، وزعم أبو عبيد أنها لو صحت لكانت وعَبَقريَّ بغير إجراء، وزعم أنه هكذا يجب في العربية، وهذا غلط بين عند جميع النحويين؛ لأنهم قد أجمعوا جميعًا أنه يقال: رجل مَدَائني، بالصرف.
انظر: "إعراب القرآن" 3/ 317، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 19.]].
قال أبو إسحاق: هذه القراءة لا مخرج لها في العربية لأن كل جمع بعد ألفه حرفان لم ينسب إليه نحو مساجد، ومجاوز الثلاثة لا تجمع بياء النسب لو جمعت عبقريًا كان جمعه عباقرة كما أنك [[في (ك): (أنكر).]] لو جمعت مهلبيا، مهالبة ولم يقل مَهَالبي [[انظر: "معاني الزجاج" 5/ 104 - 105.]].
وقال المبرد: أخطأ القاسم في "عباقري" أنه لو كان له وجه لكان ترك الإجراء وجه الإعراب، لأن ياء النسب تجعله كالواحد كقولك مدائني فينصرف؛ لأنه يصير إلى الواحد ويزول عنه بناء الجمع، ومن نسب إلى عباقر وهو جمع لم يجز إلا عبقري كالنسب إلى مساجد مسجدي، وإلى الفرائض فرضي، وإن كان اسما لواحد قلت عباقري فتصرفه، كما تقول في كلاب [[كذا في (ك)، ولعلها (كلاب كلابي).]]، وفي المدائني مدائني لأنه اسم لواحد، ولو نسب إلى جماعة الكلاب قيل كلبي.
ثم ختم السورة بما ينبغي أن يمجد به ويعظم فقال، قوله -عَزَّ وَجَلَّ-:
الرحمن 55:78
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ تقدم تفسير الجلال والإكرام في هذه السورة.
وقرأ ابن عامر: ذو الجلال [[قرأ ابن عامر "ذو الجلال" صفة للاسم، والباقون "ذي الجلال" صفة للرب.
انظر: "حجة القراءات" ص 694، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 253، و"النشر" 2/ 382، و"الإتحاف" ص 407.]] والإكرام بالرفع إجراء على الاسم وذلك دليل ظاهر على أن الاسم هو المسمى؛ لأن ذو الجلال من صفة الله -عَزَّ وَجَلَّ- لا من صفة التسمية.
الواقعة 56:1
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ قال أهل المعاني [[انظر: "الكشاف" 4/ 55، و"الجامع" للقرطبي 17/ 194، و"فتح القدير" 5/ 147.]]: اذكر إذا وقعت الواقعة، وقال "صاحب النظم": إذا هاهنا صفة وفضل ولغو، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1] وتأويله: انشقت السماء، كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: 1] و ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: 1]، ونظيره في الكلام: قد جاء الشتاء وجاء الصوم بمعنى اقترب ودنا، وإنما قلنا: إن (إذا) ملغاة، لأنه لم يجيء لها خبر ولا جواب، ومنه قول الهذلي [[هو عبد مناف بن ربع الهذلي، جاهلي، والبيت ورد في "ديوان الهذليين" 2/ 42، وروايته (فتائدة)، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 122، و"الإنصاف" ص 461، و"الخزانة" 7/ 39، 41. وانظر أيضًا: "اللسان" 3/ 16 (قتد)، 2/ 188 (سلك)، و"تهذيب اللغة" 10/ 63 (سلك) ونسبه لابن أحمر.
والقتائد: ثنية معروفة، وقيل: اسم عقبة، والشُّرد جمع شرود.]]:
حتى إذا أسلكوهم في قتائدهم ... شلَّا كما يطرد الجمالة الشردا يريد حتى أسلكوهم واليت آخر القصيدة ولم يجيء لـ (إذا) جواب هذا كلامه [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195.]]، والأول الوجه.
قال المبرد: (وَقَعَتِ) معناه: تقع؛ لأن إذا للاستقبال ومعنى الوقوع هاهنا ظهور بالحدوث كظهور الساقط يحضره الرأي [[انظر: "الكشاف" 4/ 55، و"روح المعاني" 27/ 129.]].
وقال أبو إسحاق: يقال لكل [[في (ك): (كل).]] آت كان يتوقع: قد وقع، تقول: قد وقع الأمر، كقولك: قد جاء الأمر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 107.]].
قال ابن عباس: إذا قامت القيامة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 329، و"الوسيط" 4/ 231، و"زاد المسير" 8/ 130.]].
قال أبو عبيدة والأخفش: الواقعة: اسم للقيامة كالآزفة وغيرها [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 247.]]، وهذا هو الصحيح [[وبه قال ابن قتيبة واعتمده ابن كثير وغيره من المفسرين.
انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 445، و"ابن كثير" 4/ 282، و"فتح القدير" 5/ 147.]]؛ لأن المعنى أنها ستقع، وأما ما قال مقاتل في تفسير الواقعة أنها الصيحة وهي النفخة الأخيرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ، وفيه (.. النفخة الأولى) وبقول مقاتل قال الضحاك. انظر: "جامع البيان" 27/ 96، و"روح المعاني" 27/ 129.]] فبعيد، لأن الله تعالى وصفها بعد بقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ وهي من صفة القيامة لا من صفة الصيحة.
الواقعة 56:2
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ الكاذبة هاهنا مصدر بمعنى الكذب، كالخائنة، واللاغية، والخاطئة، والعافية، والعاقبة، عند أكثر أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 121، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 318 - 319.]] ، والمعنى: ليس لها كذب، أي أنها تقع صدقًا وحقًا فليس فيها ولا الإخبار عن وقوعها كذب.
وقال بعض أهل المعاني: يجوز أن تكون الكاذبة صفة والموصوف محذوفًا، على تقدير: ليس لوقعتها قضية كاذبة أي أن كل ما أخبر الله من أحكامها وقضاياها صادقة غير كاذبة، ويجوز أن يكون التقدير ليس لوقعتها نفس كاذبة [[انظر: "الكشاف" 4/ 55، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195، و"البحر المحيط" 8/ 203.]] أي أن كل من يخبر عن وقوعها صادق غير كاذب لم تكذب نفس أخبرت عن وقوعها.
وأما الكسائي والفراء والزجاج فإنهم جعلوا الكاذبة هاهنا بمعنى التكذيب وفسروها بالرد، قال الكسائي: كاذبة تكذيب، وزاد الفراء: المكذوبة بمعنى التكذيب، وحكاها عن أبي ثروان [[أبو ثروان العكلي من الأعراب الذين شايعوا الكسائي على سيبويه في المسألة الزنبورية المعروفة، تعلم في البادية، وأكثر الفراء من الرواية عنه. له كتاب "خلق الفرس"، و"معاني الشعر".
انظر: "طبقات الزبيدي" ص 71، و"معجم الأدباء" 7/ 148، و"همع الهوامع" 1/ 210، وانظر: "تهذيب اللغة" 10/ 167 (كذب).]].
وقال أبو إسحاق: كاذبة أي لا يردها شيء، كما تقول حملة فلان لا تكذب، أي لا يرد حملته شيء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 121، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 107، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195.]]، وعلى هذا المعنى دل كلام ابن عباس في رواية عطاء والكلبي قال: ليس لوقعتها رادة، وقال الكلبي عنه مردودة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 329، وفيه (راد ولا خلف ولا مثنوية).
وانظر: "جامع البيان" 27/ 96، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195.]].
والردة هاهنا بمعنى المصدر، أي: رد، وعلى هذا القول يجب أن تكون (الكاذبة) بمعنى التكذيب ويكون التكذيب بمعنى الرد، ولم أر الفاعلة في مصادر التفعيل ولا الكذب بمعنى الرد لغيرهم فالله أعلم.
ويكون كذب بمعنى ارتد وولى، يقال: ما كذب عن قرنه أي ما جبن ولا رجع. ومنه قول زهير: [[انظر: "ديوان زهير" ص 54، و"شرح المفصل" 1/ 61، و"المنصف" 3/ 121، وقوله "بعثر" هي موضع في اليمن. وقيل: هي أرض مأسدة بناحية تبالة، و"اللسان" 2/ 684 (عثر).]]
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذَّب عن أقرانه صدقا
فإن صحت الكاذبة بهذا المعنى كان تفسير ليس لوقعتها ارتداد، وهذا قول قتادة ومقاتل. قالا: ليس لوقعتها مثنوية ولا ارتداد [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 269، و"الطبري" 27/ 96.]].
الواقعة 56:3
قوله تعالى ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال أبو إسحاق: هي خافضة رافعة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 107.]]. روى عكرمة عن ابن عباس قال تخفض ناسًا وترفع [[في (ك): (وتضع).]] آخرين [[انظر: "المصنف" 13/ 372، و"الوسيط" 4/ 232، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 282، ونسب تخريجه لابن أبي حاتم.]].
وقال عطاء عنه: تخفض أقوامًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقوامًا كانوا في الدنيا متَّضعين [[انظر: "الوسيط" 4/ 232، و"معالم التزيل" 4/ 279، و"زاد المسير" 8/ 131.]].
وقال قتادة: خفضت أقوامًا في عذاب الله، ورفعت أقوامًا في كرامة الله [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 269، و"جامع البيان" 27/ 96.]]، والمعنى أنها تخفض أقوامًا إلى أسفل سافلين في النار، وترفع آخرين إلى أعلى عليين في الجنة، وقال أهل المعاني: تخفض بالمعصية وترفع بالطاعة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 107.]]، وقال ابن عطاء: خفضت قومًا بالعدل ورفعت قومًا بالفضل [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 50 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195.]].
الواقعة 56:4
قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ الوجه أن تجعل إذا مضمنًا بالذكر كما قلنا في ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ وقال الجرجاني: إذا ظرف لقوله: ﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ لأنه وقت لها، أي أن الواقعة تقع إذا رجت الأرض رجًا، قال: وفي هذا دليل على أن تأويل قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ستقع الواقعة إذا رجت [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 142، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 196.]]، ونحو هذا قال أبو إسحاق: موضع إذا نصب المعنى: إذا وقعت في ذلك الوقت ومعنى (رُجَّتِ) حركت حركة شديدة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 108.]] يقال: رججته فارتج، والسهم يرتج في الغرض [[الرَّجُّ: التحريك؛ والرجرجة: الاضطراب. والرَّجُّ: تحريكك شيئًا كحائط إذا حركته "اللسان" 1/ 1125 (رَجج).]]، قال قتادة ومقاتل: زلزلت زلزالاً [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 269، و"تفسير مقاتل" 137 أ.]].
وقال الكلبي وجماعة المفسرين: ترج كما يرج الصبي في المهد حتى يتهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما عليها من الجبال [[انظر: "الوسيط" 4/ 232، و"معالم التنزيل" 4/ 279، و"زاد الميسر" 8/ 131.]]، فذلك قوله تعالى:
الواقعة 56:5
﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ ذكر أهل المعاني واللغة فيه قولين: أحدهما: أن معنى: (بُسَّتِ) خلطت فصارت كالدقيق المبسوس، وهو الملتوت بشيء من الماء، هذا قول أبي عبيدة، والفراء، وأنشدا [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 247 - 248، و"معاني القرآن" 3/ 121، والبيت من الرجز، قيل إنه للص من غطفان. وتمامه:
ولا تطيلا بمناخ حبسا
وانظر: "اللسان" 1/ 212 (بسس)، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 108، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 196، وفي تمامه اختلاف. وذكره الأزهري عن الأصمعي حيث قال: وسمعت العرب تنشد .. ، انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 316 (بس).]]:
لا تخبزا خبزًا وبسا بسَّا
أي: اخلطا الدقيق بالماء فكلاه، والمعنى على هذا أن الجبال تصير ترابًا تخلي بعضها ببعض.
القول الثاني: أن معنى البس الفت، روى عمرو عن أبيه: بس الشيء إذا فتته حتى يصير فتاتًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 315، و"اللسان" 1/ 212 (بسس).]].
وذكر أبو إسحاق في البس قولاً آخر وهو السوق والطرد، ومعنى (بُسَّتِ) سيقت، وأنشد [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 108، والبيت في "معاني القرآن" للزجاج 5/ 108. و"اللسان" 1/ 212 (بسس)، ومعناه أن الحيات تذهب وتنساب على وجه الأرض.]]:
وانبس حيَّاتُ الكثيب الأهيل
قال اللحياني [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 316 (بس).]]: يقال بُسَّهم عنك، أي: اطردهم، وانبس الرجل إذا ذهب، وانبست الحيات إذا جرت على الأرض [[انظر: "جامع البيان" 27/ 97، و"تفسير مجاهد" 2/ 645، و"تفسير مقاتل" 137 ب.]]، وأقوال المفسرين غير خارجة عن هذه الأقسام.
قال ابن عباس في رواية عطاء: فُتَّت فتا، وهذا قول مقاتل ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 645، و"جامع البيان" 27/ 97.]] وروى منصور عنه: لُتَّت لتًّا كما يبس السويق [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 51 ب، و"الوسيط" 4/ 232، و"معالم التنزيل" 4/ 279.]]. وقال السدي: كسرت كسرًا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 331، و"معالم التنزيل" 4/ 279.]]، وهذا كقول من قال: فتت.
وقال الكلبي: سيرت عن وجه الأرض [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 5 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 232، و"فتح القدير" 5/ 147.]]، ونحو هذا قال الحسن: قلعت من أصلها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 269، قال الشنقيطي: وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ في معناه لأهل العلم أوجه متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا، وكلها حق، وكلها يشهد له القرآن. ثم ذكر الأقوال وشواهدها، انظر: "أضواء البيان" 7/ 464.]].
وقال قتادة: نسفت نسفًا، وقول الكلبي والحسن وقتادة معنى قول من يفسر البس بالطرد [[في (ك): (اللبس بالطردة).]].
الواقعة 56:6
قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ يعني صارت غبارًا متفرقًا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من الكوة وهو الهباء [[الهباء: التراب الذي تُطيره الريح فتراه على وجوه الناس وجلودهم وثيابهم يلزق لزوقًا. وقيل: غبار شبه الدخان ساطع في الهواء. "اللسان" 3/ 766 (هبا).]].
والمنبث المتفرق، هذا قول ابن عباس ومقاتل ومجاهد [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 279.]].
وروي عن علي -رضي الله عنه- قال: يعني رهج الدواب الذي يسطع من حوافرها [[انظر: "جامع البيان" 27/ 97، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 197، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 282.]].
ثم ذكر أحوال الناس فقال:
الواقعة 56:7
قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾، قال المفسرون: أصنافًا ثلاثة، قال أبو إسحاق: يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أزواج [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 108.]].
ثم فسر الأزواج بقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ يعني اليمين، وجمعها الميامن، وهي جوانب اليمين، وفي أصحاب الميمنة أربعة أقوال:
قال عطاء، عن ابن عباس: هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، وهو قول الضحاك [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 51 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 279، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 197.]].
وعن ابن عباس أيضًا: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 51 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 279، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 282.]].
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله -عَزَّ وَجَلَّ- [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 51 أ - ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 197، و"فتح القدير" 5/ 148.]].
القول الرابع: أنهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 98، و"الجامع" للقرطبي 17/ 197، ونسبه للسدي.]].
الواقعة 56:8
قوله تعالى: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ قال جميع أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 701، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 122، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 108.]] (مَا) هاهنا تفخيم لقصتهم وتعظيم لشأنهم وتعجيب منهم، كما تقول: زيد ما زيد؟ أي: أي شيء هو؟ للتعجب منه، وهذا كقوله: ﴿الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: 1، 2] و ﴿الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: 1، 2].
الواقعة 56:9
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ يعني أصحاب الشمال والمشئمة اليسرى. يقال: اليد اليمنى واليد الشومى، ومن هذا اللفظ أخذ اليُمْن والشؤم، واليَمَن والشأم.
وفي أصحاب المشئمة أربعة أقوال تضاد الأقوال التي ذكرناها في أصحاب الميمنة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 51 ب.]].
ثم ذكر الصنف الثالث فقال:
الواقعة 56:10
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قال الفراء والزجاج يجوز أن يكون (وَالسَّابِقُونَ) ابتداء، وخبره الثاني، ويكون المعنى: والسابقون إلى طاعة الله السابقون إلى رحمة الله، ويكون ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ من صفتهم. ويجوز أن يكون الأول ابتداء والثاني توكيده، ويكون الخبر ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 122، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 109.
أورد النحاس قولهما أن ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ صفة، قال: ولكن يكون بدلاً أو خبرًا بعد خبر. انظر: "إعراب القرآن" 3/ 321.]].
واختلفوا في تفسير السابقين فقال ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و"معالم التنزيل" 4/ 285.]]: يريد الذين سبقوا إلى توحيد الله والإيمان برسوله كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: 100] الآية.
وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 99، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 283.]]، وهذا كقول ابن عباس؛ لأن الذين صلوا القبلتين كانوا هم الأولين من الصحابة، ونحو هذا قال عكرمة: السابقون إلى الإسلام [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 285، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199.]]، وهو معنى قول الربيع: إلى إجابة الرسول -ﷺ- [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 280.]].
وقال مقاتل: إلى الأنبياء بالإيمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 ب.]]. وهذا القول يوجب تخصيص السابقين بأوائل هذه الأمة. وقال الكلبي: السابقون إلى الرسول من كل أمة السابقون في الآخرة إلى الجنة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و"الوسيط" 4/ 232.]].
وأكثر المفسرين جعلوا هذا السبق إلى الطاعات، فمنهم من أجملها وهو القرظي فقال: إلى كل خير وإلى كل ما دعا الله إليه، وهو اختيار ابن كيسان [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 280.]].
ومنهم من فصَّل فقال سعيد بن جبير: إلى التوبة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 280، و"زاد المسير" 8/ 133.]]، وقال علي -رضي الله عنه-: إلى الصلوات الخمس [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199، و"روح المعاني" 27/ 132.]]، وقال عثمان بن أبي سودة [[هو عثمان بن أبي سودة المقدسي، روى عن أبي الدرداء وأبي هريرة وغيرهما، وعنه الأوزاعي وجابر بن زيد وغيرهما، وثقه مروان بن محمد وذكره ابن حبان في "الثقات" .. انظر: "تهذيب التهذيب" 7/ 120، و"تقريب التهذيب" 2/ 9.]]: إلى المسجد، إلى الجهاد، يخرجون في الرعيل الأول من المصلين والمجاهدين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 99، و"المصنف" 5/ 267، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199، ونسبه لمجاهد وغيره.
قال ابن كثير بعد ذكره للأقوال: وهذه الأقوال كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133] فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 283.]].
ثم وصفهم وأخبر عنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قال ابن عباس: مثل النبيين والمرسلين [[انظر: "الوسيط" 4/ 232.]]. وقال الكلبي: إلى عَدَن [[لم أجده، وذكر المفسرون نحوه، فقالوا: (عند الله).]]. وقال أهل المعاني: جزيل ثواب الله وعظيم كرامته [[انظر: "الوسيط" 4/ 232.]].
ثم أخبر أين محلهم فقال:
الواقعة 56:11
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قال الفراء والزجاج يجوز أن يكون (وَالسَّابِقُونَ) ابتداء، وخبره الثاني، ويكون المعنى: والسابقون إلى طاعة الله السابقون إلى رحمة الله، ويكون ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ من صفتهم. ويجوز أن يكون الأول ابتداء والثاني توكيده، ويكون الخبر ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 122، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 109.
أورد النحاس قولهما أن ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ صفة، قال: ولكن يكون بدلاً أو خبرًا بعد خبر. انظر: "إعراب القرآن" 3/ 321.]].
واختلفوا في تفسير السابقين فقال ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و"معالم التنزيل" 4/ 285.]]: يريد الذين سبقوا إلى توحيد الله والإيمان برسوله كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: 100] الآية.
وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 99، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 283.]]، وهذا كقول ابن عباس؛ لأن الذين صلوا القبلتين كانوا هم الأولين من الصحابة، ونحو هذا قال عكرمة: السابقون إلى الإسلام [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 285، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199.]]، وهو معنى قول الربيع: إلى إجابة الرسول -ﷺ- [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 280.]].
وقال مقاتل: إلى الأنبياء بالإيمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 ب.]]. وهذا القول يوجب تخصيص السابقين بأوائل هذه الأمة. وقال الكلبي: السابقون إلى الرسول من كل أمة السابقون في الآخرة إلى الجنة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و"الوسيط" 4/ 232.]].
وأكثر المفسرين جعلوا هذا السبق إلى الطاعات، فمنهم من أجملها وهو القرظي فقال: إلى كل خير وإلى كل ما دعا الله إليه، وهو اختيار ابن كيسان [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 280.]].
ومنهم من فصَّل فقال سعيد بن جبير: إلى التوبة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 280، و"زاد المسير" 8/ 133.]]، وقال علي -رضي الله عنه-: إلى الصلوات الخمس [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199، و"روح المعاني" 27/ 132.]]، وقال عثمان بن أبي سودة [[هو عثمان بن أبي سودة المقدسي، روى عن أبي الدرداء وأبي هريرة وغيرهما، وعنه الأوزاعي وجابر بن زيد وغيرهما، وثقه مروان بن محمد وذكره ابن حبان في "الثقات" .. انظر: "تهذيب التهذيب" 7/ 120، و"تقريب التهذيب" 2/ 9.]]: إلى المسجد، إلى الجهاد، يخرجون في الرعيل الأول من المصلين والمجاهدين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 99، و"المصنف" 5/ 267، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199، ونسبه لمجاهد وغيره.
قال ابن كثير بعد ذكره للأقوال: وهذه الأقوال كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133] فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 283.]].
ثم وصفهم وأخبر عنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قال ابن عباس: مثل النبيين والمرسلين [[انظر: "الوسيط" 4/ 232.]]. وقال الكلبي: إلى عَدَن [[لم أجده، وذكر المفسرون نحوه، فقالوا: (عند الله).]]. وقال أهل المعاني: جزيل ثواب الله وعظيم كرامته [[انظر: "الوسيط" 4/ 232.]].
ثم أخبر أين محلهم فقال:
الواقعة 56:12
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ وقوله: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 27] كله من صفة السابقين وبيان حالهم، وذلك أن الله تعالى صنف الخلق ثلاثة أصناف كما ذكر، ثم بين هناك كل صنف وحاله في الآخرة فذكر صفة السابقين أولاً، ثم وصف الفريقين الآخرين فيما بعد.
قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ﴾ الثلة: الفرقة والجماعة من [[(من) ساقطة من (ك)، وبزيادتها تستقيم العبارة.]] الناس غير محصوري العدد في قلة ولا كثرة [[وقال أبو عبيدة: (تجيء جماعة وأمة وتجيء بقية). "مجاز القرآن" 2/ 248. وانظر: "تهذيب اللغة" 15/ 63، و"اللسان" 1/ 371 (ثلل).]].
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني من لدن آدم إلى زمان نبينا -ﷺ-. قاله الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و "معالم التنزيل" 4/ 280.]]، وقال عطاء: يريد كثيرًا من الأولين [[لم أجده. وهو ظاهر المعنى.]]، وقال مقاتل: يعني سابقي الأمم الخالية.
الواقعة 56:14
﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ يريد من أمة محمد -ﷺ-.
قال مقاتل: يعني سابقي هذه الأمة أقل من سابقي الأمم الخالية [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 ب.]].
وقال أبو إسحاق: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي -ﷺ- [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 109.]].
الواقعة 56:15
قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ معنى الوضن في اللغة: النضد والنسج المضاعف، يقال: وضن فلان الحجر والآجر بعضه فوق بعض فهو موضون.
وقال الليث: الوضن نسج السرير وأشباهه، ويقال: درع موضونة مقاربة في النسج مثل مرصوفة، وقال رجل من العرب لامرأته: ضنيه -يعني متاع البيت- أي قاربي بعضه من بعض.
قال أبو عبيدة، والفراء، والمبرد، وابن قتيبة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 248، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 122، و"تفسير غريب القرآن" ص 446.]]: موضونة: منسوجة مضاعفة متداخلة بعضها على بعض كما يوضن حلق الدروع، ومنه سمي الوضين، وهو بطان من سيور منسوجة مضاعفة تنسج فيدخل بعضه في بعض، وأنشدوا للأعشى [["ديوانه" ص 90، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 110، و"اللسان" 3/ 944 (وضن)، و"تفسير غريب القرآن" ص 409.]]:
ومن نسج داوود موضونة ... تساق مع الحي عيرًا فعيرا
قال المفسرون: مرمولة منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد، وهو قول الكلبي، ومجاهد، ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و"تفسير مجاهد" 2/ 646، و"تفسير مقاتل" 137 ب، و"جامع البيان" 27/ 99، و"المصنف" 13/ 139.]].
وقال الضحاك: مصفوفة، وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي [[انظر: "جامع الييان" 27/ 100، و"الثعلبي" 12/ 53 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 280.]].
الواقعة 56:17
قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ قال أبو عبيدة: لا يهرمون ولا يتغيرون [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 249.]]، ونحو ذلك قال الفراء، قال: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد، وإذا لم تذهب أسنانه من الكبر قيل: إنه لمخلد، قال: ويقال مخلدون: مقرَّطون، ويقال مسورون [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 122 - 123.]].
وأنشد غيره: ومخلداتٍ باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوز الكثبان [[البيت في "تهذيب اللغة" 7/ 277، و"اللسان" 1/ 876 (خلد) و3/ 186 (قوز)، و"تفسير غريب القرآن" ص 447، ولم ينسب لقائل، واللجين هي الفضة.]]
وهذا قول ابن الأعرابي قال: مخلدون مقرَّطون بالخلدة، وجمعها خلد، وهي القرطة.
وروى عمرو عن أبيه: خلَّد جاريته إذا حلَّاها بالخلد وهي القرطة، وخلَّد إذا أسنَّ ولم يشب [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 279 (خلد).]].
قال ابن عباس: غلمان لا يموتون وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 646، و"تنوير المقباس" 5/ 333.]]، وعلى هذا هو من الخلود الذي هو البقاء بلا موت.
وقال الكلبي ومقاتل: لا يكبرون ولا يهرمون ولا يتغيرون [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 281، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 202، ولم أقف عليه في "تفسير مقاتل".]].
وقال سعيد بن جبير والمؤرج: مقرطون [["الكشف والبيان" 12/ 53 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 281، و"اللسان" ص 876 (خلد). قال الألوسي: أي مبقون أبدًا على شكل الولدان، وحد الوصافة لا يتحولون عن ذلك، وإلا فكل أهل الجنة مخلد لا يموت "روح المعاني" 27/ 136.]].
والمراد بالولدان: الغلمان، وهم وإن لم يولدوا ولم يحصلوا عن ولادة أطلق عليهم هذا الاسم، لأن العرب تسمي الغلمان ولدانًا، وبعضهم احترز فجعل الولدان هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة، وهذا القول يروى عن علي والحسن، قالا: لأن الجنة لا ولادة فيها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 53 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 203.]]، والقول هو الأول [[وقال الشوكاني: ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين في الجنة للقيام بهذه الخدمة، و"فتح القدير" 5/ 149.]]
الواقعة 56:18
قوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ قالوا الأكواب المستديرة الأفواه لا آذان لهما ولا عُرى، والأباريق ذات الخراطيم واحدها إبريق، وهو الذي يبرق لونه من صفائه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 123، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 110.]]. وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير، يرى من ظاهرها ما في باطنها، ذكر ذلك عطاء، ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 ب.]]، والعرب تسمي السيف إبريقًا لبريق لونه، ومنه قول ابن أحمر [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 133 (برق).]]:
تعلَّقت إبريقًا وعلقت جعبةً ... ليهلك حيا ذا زهاء وجامل [[ورد البيت في "اللسان" 2/ 863 (علق)، ولم ينسبه.]]
وقال اللحياني: امرأة إبريق إذا كانت برَّاقة. وما بعد هذا مفسر في سورة الصافات [آية: 45].
الواقعة 56:20
قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ تخيرت الشيء أخذت خيره.
الواقعة 56:21
قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلًا بين يديه على ما اشتهى [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 281، و"زاد المسير" 8/ 137.]].
الواقعة 56:22
قوله تعالى: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ أكثر القراءة بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي بالخفض [[قرأ حمزة، والكسائي، وأبو جعفر ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بالخفض. وقرأ الباقون برفعهما. انظر: "النشر" 2/ 383، و"الإتحاف" ص 407 - 408]].
قال أبو عبيد: هي عندنا بالرفع بمعنى: وعندهم حور عين، ولا أحب الخفض لأنه ليس يطاف عليهم بالحور، هذا كلامه [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 324، و"حجة القراءات" ص 695.]]، ووجه الرفع علي مذهب سيبويه [[انظر: "الكتاب" 1/ 173.]] أن قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ إلي قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ دل على أن معنى الكلام لهم كذا ولهم كذا، فحمل: (حُورٌ) على المعنى كأنه قيل: ولهم حور، ومثله مما حمل على المعنى قول الشاعر [[البيت الأول بتمامه:
بادت وغير آيهن مع البلى ... إلا رواكد جمرهن هباء
والبيت الثاني:
ومشجج أما سواء قذاله فبدا ... وغير سارة المعزاء
والبيتان ينسبان إلى ذي الرمة، كما في "ملحقات ديوانه" 3/ 1840.
وينسبان إلى الشماخ كما في "ملحقات ديوانه" ص 427، 428، و"الكتاب" 1/ 173، و"اللسان" 2/ 354 (شجج)، و"الحجة" 6/ 256، والرواكد الأثافي، والمشجج هو الوتد، وتشجيجه ضرب رأسه لثبت، وسواء قذالة: وسطه. والمعزاء. أرض صلبة ذات حصى.]]:
إلا رواكد جمرهن هباء
ومشجج ............
فحمل ومشجج على المعنى لأن المعنى إلا رواكد ومشجج. ذكر ذلك المبرد والزجاج وأبو علي [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 111، 1/ 254، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 255 - 256، و"البغداديات" ص 219 - 220.]].
وأما الخفض فقال الفراء: هو وجه الكلام على أن تتبع آخر الكلام أوله وان لم يحسن في آخره ما حسن في أوله، وأنشد: إذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزججن الحواجب والعيونا [[البيت للراعي النميري، انظر: "ديوانه" ص 150، و"الخصائص" 2/ 432، و"شرح شواهد المغني" 2/ 775، و"الدرر اللوامع" 1/ 191، و"الإنصاف" ص 610، و"الخزانة" 9/ 141.]]
والعين لا تزجج إنما تكحل، فردها على الحواجب لأن المعنى يعرف، قال: وكان ينبغي لمن رفع -لأنهن لا يطاف بهن- أن يرفع ﴿فَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾. لأن الفاكهة واللحوم لا يطاف بها وفي ذلك بيان أن الخفض وجه الكلام [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 123 - 124.
قلت: قوله: (لأن الفاكهة واللحوم لا يطاف بها) تعقبه النحاس بقوله: (وهذا الاحتجاج لا ندري كيف هو إذ كان القراء قد أجمعوا على القراءة بالخفض في قوله جل وعز ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ فمن أين له أنه لا يطاف بهذه الأشياء التي ادعى أنه لا يطاف بها؟ وإنما يسلم في هذا لحجة قاطعة، أو خبر يجب التسليم به. "إعراب القرآن" 3/ 324 - 325.]]، يعني أن الحور أَتبع في الخفض اللحم والفاكهة، فلما خفضا كذلك خفض الحور، وبين الزجاج هذا الوجه فقال: وحور مخفوض على غير ما ذهب إليه من ظن أن معنى الخفض فيه أنه يطاف به ولا يطاف بالحور، ولكن معنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ﴾ ينعمون بها، وكذلك ينعمون بلحم طير وينعمون بحور عين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 111.]]. وهذا معنى قول الفراء وإن لم يحسن في آخره ما حسن في أوله يعني لا يحسن الطوف في الحور كما حسن في الكأس، ولكن يعطف عليه في الظاهر؛ لأن المعنى يعرف كما عطف الشاعر العيون على الحواجب وأراد وكحلن العيون كذلك هاهنا يراد ويكرمون، أو وينعمون بفاكهة ولحم طير وحور عين.
وقال أبو علي: وجه الجر أن تحمله على قوله: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ التقدير: في جنات النعيم، وفي حور عين أي في مقام به حور عين أو معاشرة حور عين، ثم حذف المضاف [[انظر: "الحجة" 6/ 257.]].
وتفسير اللؤلؤ المكنون سبق في سورة الطور [[في (ك): (الذاريات).]] [آية: 24].
الواقعة 56:24
قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذكر أبو إسحاق في نصب جزاء قولين: أحدهما: أنه مصدر ودل ما قبله على يجزون.
والثاني: أنه مفعول له، المعنى: يفعل ذلك بهم لجزاء أعمالهم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 111 - 112.]]. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ قال المبرد: اللغو ما يرغب عنه من الكلام ويستحق أن يلغى [[انظر: "اللسان" 3/ 378 (لغا).]]. والمعنى: ليس فيها لغو فيسمع.
الواقعة 56:25
[قوله: ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من المحقق.]] يقال أثَّمه إذا قال أثمت، وللتأثيم هاهنا معنيان:
أحدهما: أن بعضهم لا يقولون لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بالإثم كما يتكلم أهل الدنيا [[انظر: "الوسيط" 4/ 234، ونسبه لابن عباس، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 288.]].
الثاني: ولا يأتون تأثيمًا أي ما هو سبب التأثيم من فعل أو قول قبيح [[انظر: "جامع البيان" 27/ 102.]]، وهذا معنى قول أبي عبيدة، قال في هذه الآية: مجازها مجاز: أكلت خبزًا ولبنًا، واللبن لا يؤكل فجاز إذا كان معها شيء يؤكل، والتأثيم لا يسمع إنما يسمع اللغو [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 249.]]، وهذا معني قول الكلبي، يقول: ولا إثم فيها [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 335.]].
الواقعة 56:26
قوله تعالى: ﴿إِلَّا قِيلًا﴾ من الاستثناء المنقطع، المعنى: لكن يقولون قيلا أو يسمعون قيلا ﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾ وانتصب سلامًا على النعت لقوله: قيلا، والسلام الآخر بدل الثاني، والمعنى: إلا قيلا يسلم فيه من اللغو والإثم، وإن شئت جعلت القيل يعمل في السلام الأول والآخر بدل، والمعنى: إلا أنهم يقولون الخير، هذا قول الأخفش والفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 401 - 702، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 124، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 112.]].
قال عطاء عن ابن عباس: يريد: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام [[انظر: "الوسيط" 4/ 234، و"معالم التنزيل" 4/ 282.]]، وزاد الكلبي عنه: وتحييهم الملائكة بالسلام ويرسل إليهم ربهم بالسلام [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 335، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 206.]].
وقال مقاتل: يعني كثرة السلام من الملائكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 138 أ.]].
فالمفسرون: جعلوا السلام هاهنا بمعنى التحية والوجه ما قال الزجاج من أن المراد بالسلام أن قولهم يسلم من اللغو [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 112.]]، ويدل على ذلك أن مسموع أهل الجنة لا يكون مقصورًا على التحية فقط، بل يسمعون غيرها مما لا لغو فيه ولا تأثيم [[قلت: وهو أيضًا ما اختاره ابن جرير 27/ 102، حيث قال: (لا يسمعون فيها من القول إلا قليلاً سلامًا. أي: أسلم مما تكره). ويرى ابن كثير 4/ 288 شمول الآية للمعنيين حيث قال: (أي إلا التسليم منهم بعضهم على بعض، كما قال تعالى ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: 23] وكلامهم أيضًا سالم من اللغو، الإثم).]].
الواقعة 56:27
ثم ذكر أصحاب اليمين وعجب من شأنهم فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ وقد تقدم تفسيره.
ثم ذكر منازلهم فقال:
الواقعة 56:28
قوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ تفسير السدر قد تقدم في سورتين [[عند تفسيره الآية [سبأ: 16] حيث قال: السدر من الشجر سدران. أحدهما: سدر بري لا ينتفع بثمره، ولا يصلح ورقه لغسول، وربما خبط للراعية، وله ثمر عفص لا يؤكل، والعرب تسميه الضال .. يتفكه به. وقال الفراء: ذكروا أنه السمر.]].
والمخضود المنزوع الشوك في قول جميع أهل اللغة، والخضد: كسر [[في (ك): (بكسر).]] الشيء اللين، وإذا كسرت عودًا لينًا ولم تبنه قلت: خضدته فاتخضد [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 97، و"اللسان" 1/ 846 (خضد).]]، ومعنى مخضود. خضد شوكه، أي قطع فلا شوك فيه.
قال ابن عباس في رواية الكلبي، ومجاهد، ومقاتل، وقتادة، وأبو الأحوص، وقسامة بن زهير [[قسامة بن زهير المازني البصري، ثقة، حدث عن أبي موسى وأبي هريرة وروى عنه قتادة وهشام ابن حسان. قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. وتوفي في إمرة الحجاج. انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 126، و"تاريخ الإسلام" 5/ 457، و"طبقات ابن سعد" 7/ 152، و"تهذب التهذيب" 8/ 378.]]: خضد شوكه فلا شوك فيه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 270، و"تنوير المقباس" 5/ 335، و"تفسير مقاتل" 138 أ، و"جامع البيان" 27/ 103، و"الثعلبي" 12/ 51 ب، و"ابن كثير" 4/ 288.]]، يدل عليه ما روي عن سليم [[في (ك): (سليمان).]] ابن عامر [[هو: سليم بن عامر الكلاعي، تقدمت ترجمته في سورة النور.]] قال: أقبل أعرابي يومًا فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذى [[(تؤذي) ساقطة من (ك).]] صاحبها، فقال رسول الله -ﷺ-: "وما هي؟ " قال: السدر، فقال رسول الله: "أو ليس يقول (في سدر مخضود) خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، تنفتق الثمرة عن اثنتين وسبعين لونًا من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر" [[ذكره ابن كثير من رواية البغوي، و"تفسير ابن كثير" 4/ 288. وأخرجه الحاكم في التفسير، سورة الواقعة 2/ 476 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي عن أبي أمامة قال: .. وذكر الحديث. وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (74)، عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر مرسلاً من غير ذكر لأبي أمامة. وانظر: "إحياء علوم الدين" 4/ 538، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" 6/ 103، والهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 414 عن الطبراني.]].
وذكر جماعة من المفسرين في تفسير المخضود: أنه الموقر حملا [[روي عن مجاهد، والضحاك، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان. انظر: "جامع البيان" 27/ 103، و"الثعلبي" 12/ 54 ب، و"القرطبي" 17/ 207.]]، ولا وجه له، وكأنهم ذهبوا إلى أن الله تعالى لما خضد شوكه أوقره بالحمل كما هو في الخبر الذي ذكرنا، ولا يكون ذلك مما يفسر به المخضود، وأما ذكر من أنه لا يعقر اليد ولا يرد اليد منه شوك، ولا أذى فيه فكل هذا من معاني المخضود لا من تفسيره [[انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 12/ 54 ب.]].
الواقعة 56:29
قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قال الليث: الطلح شجر أم غيلان، له شوك أحجن [[الأحجن والمحجنة والمحجن العصا المعوجة. وقوله شوك أحجن أي معوج.]]، وهو من أعظم العضاه شوكًا وأصلبه عودًا وأجوده صمغًا، والواحدة طلحة، وهذا قول جميع أهل اللغة في الطلح [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 383، و"اللسان" 2/ 601 (طلح).]]. والمفسرون كلهم قالوا في الطلح إنه الموز [[في (ك): (المر)، وممن روي عنه هذا القول: علي، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وغيرهم. انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 647، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 270، و"صحيح البخاري" 6/ 182، و"جامع البيان" 27/ 104.]].
قال أبو إسحاق: جائز أن يكون يعني به شجر أم غيلان، لأن له نورًا طيب الرائحة جدًا، فخوطبوا ووعدوا ما يحبون مثله إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على سائر ما في الدنيا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 112.]]، ويؤكد هذا ما ذكر في التفسير أنه ليس شيء في الجنة مما في الدنيا إلا الأسامي.
وقال مجاهد: أعجبهم طلح وج [[وج: وادٍ بالطائف، سمي بهذا الاسم نسبة لوج بن عبد الحق من العمالقة، وقيل من خزاعة. انظر: "معجم البلدان" 5/ 416.]] وحسنه، فقيل لهم: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 647، وقال أبو عبيدة: زعم المفسرون أنه الموز، وأما الحرب: فالطلح عندهم شجر عظيم كثير الشوك .. "مجاز القرآن" 2/ 250.
قلت: والمرجح عندي -والله أعلم- ما قاله النحاس رحمه الله، حيث قال: (وسمعت علي بن سليمان يقول: يجوز أن يكون هذا مما لم ينقله أصحاب == الغريب وأسماء النبت كثيرة، حتى أن أهل اللغة يقولون: ما يعاب على من صحف في أسماء النبت لكثرتها) "إعراب القرآن" 3/ 328.]].
وتفسير المنضود قد تقدم [[عند تفسيره للآية (82) من سورة هود. قال: النضد: وضع الشيء بعضه على بعض، وقال قتادة: المنضود المصفوف، وقال الربيع: هو الذي نضد بعضه على بعض.]]، قال الكلبي حمله بعضه على بعض [[انظر: "جامع البيان" 27/ 104، و"معالم التنزيل" 4/ 282.]].
قال ابن قتيبة: المنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره، أو بالورق والحمل، فليست له سوق بارزة كما قال مسروق: أنهار الجنة تجري في غير أخدود وشجرها نضيد من أسفلها إلى أعلاها [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 448.]].
الواقعة 56:30
قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أي: دائم تام باق لا يزول ولا تنسخه الشمس كظل أهل الدنيا، هذاَ قول ابن عباس ومقاتل والمفسرين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 335، و"تفسير مقاتل" 138 أ.]].
قال أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 250.]]: والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع: ممدود.
قال لبيد [[البيت في "ديوان لبيد" ص 27، و"جامع البيان" 27/ 104، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 209.]]:
غلب العزاء وكان غير مغلب ... دهر طويل دائم ممدود
وأما ما ذكر بعضهم في هذا الظل أنه مسيرة سبعين سنة ومائة سنة، فهو وهم، وذلك أن ظل الجنة أمد من أن يحد، والجنة كلها ظل لا شمس معه [[قلت: بل المؤلف رحمه الله هو الذي وهم، فقد ورد في الحديث الصحيح: "إن في == الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وأقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ". انظر: "صحيح البخاري" التفسير، سورة الواقعة 6/ 183، و"مسلم"، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها 4/ 2175 وغيرها من الأحاديث الدالة على هذا المعنى.]].
الواقعة 56:31
قوله تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ السكب: صب الماء، يقال. سكبت الماء فهو مسكوب، وانسكب الماء وسكب فهو منسكب ساكب سكوبًا، فالسكب واقع والسكوب مطاوع [[انظر: "اللسان" 2/ 168 (سكب).]].
قال الكلبي: مصبوب يجري الليل والنهار لا ينقطع عنهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 234، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 209.]]، وبيانه ما قال أبو إسحاق: أنه ماء لا يتعبون فيه ينسكب لهم كيف يحبون [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 112.]].
قال عطاء: يريد بحارًا حصباؤها الياقوت الأحمر، وحمأها المسك الأذفر، وترابها الكافور [[لم أجده. ولعله أراد به الحديث الذي رواه الترمذي وفيه: (قلت: الجنة ما بناؤها. قال: لبنة فضة، ولبنة ذهب، ومِلاَطُها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران). "سنن الترمذي"، في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها 4/ 580، وتقدم عن ابن عباس في صفة حصباء العيون في الجنة، نحوه.]].
الواقعة 56:32
﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ يعني ألوان فواكه الجنة.
قوله تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾ قال ابن عباس: لا تنقطع إذا جنيت [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 283، و"زاد المسير" 8/ 141.]]. وهذا كما روي أن النبي -ﷺ- قال: "لا يقطع من ثمار الجنة إلا أبدل الله مكانها ضعفين" [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 12/ 56 أ، وفي "مجمع الزوائد" 10/ 414 (إن الرجل إذا نزع ئمرة من الجنة عادت مكانها أخرى). رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات.]]
﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ قال ابن عباس: ولا يمتنع من أحد أراد أخذها [[انظر: "الوسيط" 4/ 334، و "معالم التنزيل" 4/ 283.]]. وقال الكلبي: لا مقطوعة تنقطع في حين ولا ممنوعة وهي التي ينظر إليها ولا تذاق [[انظر: "تنوير المقباس" 4/ 235، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 125.]].
قال ابن قتيبة: يعني أنها غير محظورة عليها كما يحظر على بساتين الدنيا فينظر الناظر إلى ثمارها ولا يصل إليها [[انظر: "تفسير غريب القرآن" (449).]]، ويجوز أن يكون المعنى أنها غير مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان، لا يتوصل إليها إلا بالثمن يدل على هذا ما روي عن ابن شوذب [[عبد الله بن شوذب الخراساني، أبو عبد الرحمن، صدوق عابد، نزيل بيت المقدس، روى عن الحسن وطبقته، وكان كثير العلم، جليل القدر. عاش سبعين سنة، وتوفي سنة (156 هـ).
انظر: "سير أعلام النبلاء" 7/ 92، و"البداية والنهاية" 10/ 115، و"ميزان الاعتدال" 2/ 440، و"العبر" 1/ 173، و"التاريخ الكبير" 3/ 17.]] أنه قال: مررت بالحجاج ابن فرافصة [[الحجاج بن فرافصة الباهلي البصري، صدوق، عابد، يهم، أسند عن أنس وغيره، من السادسة.
انظر: "التقريب" 1/ 154، و"التاريخ الكبير" 1/ 375، و"صفة الصفوة" 3/ 335.]] وهو واقف على أصحاب الفاكهة، فقلت ما يقيمك هاهنا؟ قال: انظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة [[انظر: "صفة الصفوة" 3/ 336.]].
الواقعة 56:34
قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ الفرش جمع فراش، وهو ما ينام عليه، مرفوعة على الأسرة وهو قول علي -رضي الله عنه-، ومقاتل قال: فوق السرر [[انظر: "تفسير مقاتل" 138 أ، و"زاد المسير" 8/ 141، و"فتح القدير" 5/ 153.]]، وجماعة المفسرين قالوا: بعضها فوق بعض فهي مرفوعة أي عالية [[انظر: "جامع البيان" 27/ 106، و"زاد المسير" 8/ 141، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 290.]]، ويدل على صحة هذا التفسير ما روى الخدري عن النبي -ﷺ- في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: "ارتفاعها كما بين السماء والأرض" [[رواه الترمذي في "سننه"، كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة 4/ 586، وفي كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الواقعة 5/ 374، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلى من حديث رشدين بن سعد. قال ابن كثير في "تفسيره" 4/ 291: وهو المصري، وهو ضعيف. ورواه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 106، عن أبي غريب عن رشدين بن سعد.]].
وروى القاسم عن أبي أمامة [[النساء.]] قال: "لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لهوى سبعين خريفًا" [[قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه جعفر بن الزبير الحنفي، وهو ضعيف. "مجمع الزوائد" 7/ 120. وذكره الثعلبي في "تفسيره" 12/ 56 أ، عن أبي أمامة بدون سند.]].
وقال أهل المعاني [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 166، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 210.]]: المراد بالفرش هاهنا: النساء، والعرب تكني عن المرأة بالفراش والإزار واللباس، ومنه قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187].
ومعنى ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أنهن رفعن بالجمال والفضل على نساء الدنيا، فهن مرتفعات في عقولهن وحسنهن وكمالهن، واحتجوا على هذا القول بقوله:
الواقعة 56:35
﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ فعادت الكناية إليهن ولم يجر لهن ذكر، فبان أن المراد بالفرش النسوة.
وعلى القول الأول كنى عنهن وإن لم يجر لهن ذكر؛ لأن الفرش محل النساء فاكتفى بذكر الفرش [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 449.]].
قال قتادة، وسعيد بن جبير: خلقناهن خلقًا جديدًا [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 271، و"معالم التنزيل" 4/ 283.]]. وقال ابن عباس: يريد النساء الآدميات [[انظر: "جامع البيان" 27/ 107، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 291.]]، وقال الكلبي، ومقاتل: يعني نساء أهل الدنيا العجز الشمط يقول خلقناهن بعد الهرم والكبر وبعد الخلق الأول في الدنيا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 335، و"تفسير مقاتل" 138 أ.]].
ويؤكد هذا التفسير ما روى أنس أن النبي -ﷺ- قال: "هن عجائزكن العمش الرمص" [[رواه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 107، والترمذي في "سننه"، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الواقعة 5/ 375 وابن أبي حاتم: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 291، وقال الترمذي: غريب، وموسى ويزيد ضعيفان.]]، وذكر مقاتل قولاً آخر هو اختيار الزجاج، وهو أنه يعني الحور العين التي ذكرهن. قيل: أنشأهن الله -عَزَّ وَجَلَّ- لأوليائه لم يقع عليهم ولادة [[انظر: "تفسير مقاتل" 138 أ، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 112.]].
الواقعة 56:37
ثم نعتهن فقال: ﴿عُرُبًا﴾ جمع عروب وهن المتحببات إلى أزواجهن. قال ابن الأعرابي: العروب من النساء: المطيعة لزوجها المتحببة إليه، وقال أبو عبيدة: العروب الحسنة التبعل [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 251.]]، وقال المبرد: العاشقة لزوجها، وأنشد [[البيت للبيد كما في "الديوان" ص 56، و"مجاز القرآن" 2/ 251، و"القرطبي" 17/ 211، والحروج جمع حرج وهو مركب للنساء والرجال ليس له رأس. "اللسان" 1/ 599 (حرج). وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 360، و"اللسان" 2/ 725 (عرب).]]:
وفي الخروج عروب غير فاحشةٍ ... ريا الروادف يغشى دونها البصر
وفيه قراءتان التثقيل والتخفيف [[قرأ حمزة، وخلف، وأبو بكر ﴿عُرُبًا﴾ ساكنة الراء. وقرأ الباقون ﴿عُرُبًا﴾ بضمها. انظر: "حجة القراءات" ص 696، و"الحجة" للقراء السبعة 6/ 237 - 258، و"النشر" 2/ 216، و"الإتحاف" ص 408.]] وهما جائزان مطردان في جمع فعول.
وذكر المفسرون في تفسير العرب: العواشق المتحببات الغنجات [[امرأة غَنجة: حسنة الدل، وغُنْجُها وغُناجُها: شكلها. وقيل: الغُنْجُ: ملاحة العين والغليمة هي المرأة المقبلة على زوجها في النكاح. الشكلة: يأتي بمعنى غنجة وهو حسن دل المرأة وشكلها.
انظر: "اللسان" 2/ 348، 1011، 1022 (غنج، غلم، شكل).]] المتعشقات الغلمات الشَّكِلات المغنوجات كل ذلك من ألفاظهم [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 648، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 271، و"جامع البيان" 27/ 107 - 108.]].
قوله تعالي: ﴿أَتْرَابًا﴾ أي أمثالاً. يقال: هما تربان [[انظر: "المفردات" ص 73 (تراب).]] والمفسرون يقولون أقرانًا مستويات على سن واحد، وميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين [[قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 335 - 336، و"تفسير مجاهد" 2/ 648، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 271، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 292.]].
الواقعة 56:38
قوله تعالى: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ قال ابن عباس: يريد أنشأناهن لأصحاب اليمين [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 284، "معاني القرآن" 17/ 211.]]. وقال مقاتل: يقول: هذا الذي ذكرنا لأصحاب اليمين [[انظر: "تفسير مقاتل" 138 أ.]]، وهو قول الكلبي. قال المفسرون: الحور العين للسابقين والعرب الأتراب لأصحاب اليمين [[انظر: "الجامع" للقرطبي 17/ 211.]].
ثم أخبر عنهم فقال:
الواقعة 56:39
قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي هم ثلة من المؤمنين الذين كانوا قبل مؤمني هذه الأمة.
الواقعة 56:40
﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ من مؤمني هذه الأمة فمن آدم إلينا ثلة ومنا ثلة [[بهذا قال الحسن ومجاهد. انظر: "جامع البيان" 27/ 159، و"أضواء البيان" 7/ 770 - 771 حيث رجح ما قاله الكلبي وعطاء ومقاتل في السابقين، وما ذكره المؤلف هنا في أصحاب اليمين.]].
وهذا يروى مرفوعًا أن النبي -ﷺ- قال: "من آدم إلينا ثلة ومني إلى القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله" [[أخرجه الثعلبي 12/ 58 أ، بسياق أطول مما هنا، والبغوي 4/ 284.]]. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء [[انظر: "الوسيط" 4/ 235، و"معالم التنزيل" 4/ 284.]]، ومقاتل.
قال مقاتل: فأمة محمد -ﷺ- أكثر أهل الجنة، واحتج بما روي أن النبي -ﷺ- قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي من ذلك ثمانون صفًّا وأربعون صفًّا من سائر الناس" [[انظر: "تفسير مقاتل" 138 أ - ب، والحديث أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد -ﷺ- 2/ 1433، والترمذي في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة أهل الجنة 4/ 589 وقال هذا. حديث حسن، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 271.]].
ومذهب جماعة من المفسرين أن الثلتين جميعًا من هذه الأمة ثلة من سابقيها وثلة من متأخريها، وهذا قول أبي العالية، ومجاهد، والضحاك [[انظر: "الوسيط" 4/ 235، و"معالم التنزيل" 4/ 285.]] ويدلس على هذا ما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي -ﷺ- قال في الثلتين: "هما جميعًا من أمتي" [[قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 118 - 119، وعن أبي بكرة عن النبي -ﷺ- في قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ قال: جميعهما من هذه الأمة. رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح غير علي بن زيد، وهو ثقة سيء الحفظ. وقال السيوطي في "الدر" 6/ 159: أخرجه الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن عدي، وابن مردويه، بسند ضعيف عن ابن عباس.]].
وهذا القول هو اختيار أبي إسحاق، قال: معناه جماعة ممن تبع النبي -ﷺ- وآمن به وعاينه، وجماعة ممن آمن به وكان بعده [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 113.]].
وذكر الفراء في ارتفاع قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ وجهين:
أحدهما: الاستئناف على معنى: هم ثلة.
والآخر: أن تكون مرفوعة بقوله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ ويكون المعنى لأصحاب اليمين ثلتان: ثلة من هؤلاء وثلة من هؤلاء، والمعنى: هم فرقتان، فرقة من هؤلاء، وفرقة من هؤلاء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 126.]].
الواقعة 56:41
ثم ذكر أصحاب الشمال ومنازلهم فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الذين يعطون كتبهم بشمائلهم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 213.]].
الواقعة 56:42
﴿فِي سَمُومٍ﴾ أي في حر النار، وذكرنا تفسير السموم عند قوله: ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: 27] [[ومما قال في تفسيرها: اختلفوا في معنى السموم، فقال ابن عباس في رواية الكلبي: هي نار لا دخان لها. وقال آخرون: من نار الريح الحارة، وهو قول ابن مسعود. والسموم في اللغة الريح الحارة تكون بالنهار، وقد تكون بالليل. قيل سميت سمومًا لدخولها بلطفها في مسام البدن.]]، وقوله: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 27].
وقوله: ﴿وَحَمِيمٍ﴾ قال الكلبي: يعني ماءً حارًّا شديدًا يغلي [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 336، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 213.]].
الواقعة 56:43
وقوله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ اليحموم يفعول من الأحم، وهو الأسود، والعرب تقول أسود يحموم إذا كان شديد السواد [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 13، و"اللسان" 1/ 725 (حمم).]].
وأنشد أبو عبيدة فقال:
دَعْ ذا فَكَمْ مِنْ حالكٍ يَحْموم [[البيت للصبّاح بن عمرو الهزاني، وعجزه:
ساقِطة أرواقُه بهيم
وقد ورد منسوبًا في "اللسان" 1/ 728 (حمم) ولم أجده عند أبي عبيدة كما ذكر المؤلف.]]
وكان للنعمان بن المنذر [[النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس، ملك الحيرة، وكان يكى أبا قابوس، وهو صاحب النابغة، قتل عبيد بن الأبرص وغيره من الشعراء. وكانت نهاية النعمان أن حبسه كسرى واسمه (أبرويز) بساباط ثم ألقي تحت أرجل الفيلة فوطئته حتى مات. انظر: "المعارف" ص 649 - 650]] فرس شديد السواد يسمى يحمومًا، وهو الذي ذكره الأعشى في قوله: ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليق فقد كاد يسنق [[البيت في "ديوان الأعشى" ص 119، و"تهذيب اللغة" 4/ 19، و"اللسان" 1/ 728 (حمم)، 2/ 219 (سنق).
والقتُّ: الفصفصة، يكون رطبًا ويكون يابسًا واحدتها قتة "اللسان" 2/ 1044 (فتت).
والسنق: البشم. يقال: شرب الفصيل حتى سنق، وهي التخمة والشبع "اللسان" 2/ 219 (سنق)، والتعليق ما تعلقه الدواب من الشعير ونحوه.]]
والمفسرون جميعًا قالوا في اليحموم أنه دخان جهنم [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 649، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 272، و"جامع البيان" 27/ 110 - 111.]]، والمعنى أنهم في ظل من دخان جهنم.
ثم نعت ذلك الظل فقال:
الواقعة 56:44
﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ قال أبو عبيدة: جره على الأول [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 251.]].
قال الفراء: وجه الكلام أن يكون خفضًا متبغا لما قبله، كقوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: 35] وكذلك قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: 23، 33] قال: وقد يستأنف بلا فيرفع كما قال [[انظر: البيت للمخبل، كما في "اللسان" 1/ 876 (خلج)، و"المفضليات" ص 115.]]:
وتريك وجهًا كالصحيفة [[في (ك): (كالود بله).]] لا ... ظمآنُ مختلجٌ ولا جَهِمُ
قال ابن عباس: يريد لا بارد المدخل ولا كريم المنظر [[انظر: "الوسيط" 4/ 236، و"معالم التنزيل" 4/ 286.]].
وقال مقاتل: لا بارد المقيل ولا حسن المنزل [[انظر: "تفسير مقاتل" 138 ب.]].
قال الفراء: والعرب تجعل الكريم تابعًا لكل شيء نفت عنه فعلاً تنوي به الذم تقول ما هو بسمين ولا بكريم، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 127.]].
ثم ذكر أعمال أهل النار التي أوجبت لهم هذا فقال:
الواقعة 56:45
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ يعني كانوا في الدنيا منعمين متكبرين، قال مقاتل: يعني متجبرين في ترك أمر الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 138 ب، و"الوسيط" 4/ 236، ولفظهما (منعمين) بدل (متجبرين).]] وتفسير الترف قد تقدم [[عند تفسيره الآية (116) من سورة هود. قال: الترف: النعمة، وصبي مترف إذا كان منعم البدن، والمترف الذي أبطرته النعمة وسعة العيش.
انظر: "البسيط" 3/ 49 ب.]].
الواقعة 56:46
﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ قال الليث: الحنث: الذنب [[في (ك): (النعب) والصواب ما أثبته.]] العظيم، وتقول العرب: بلغ الغلام الحنث، إذا بلغ مبلغًا جَرَى عليه القلم بالمعصية والطاعة، والحنث: الرجوع في اليمين وهو أن لا يبرها [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 480 (حنث).]]، وأكثر المفسرين قالوا في الحنث هاهنا: إنه الشرك. قال مقاتل: يعني الذنب الكبير وهو الشرك [[انظر: "تفسير مقاتل" 138 ب.]]، ونحو ذلك قال قتادة ومجاهد والسدي [[انظر: "جامع البيان" 27/ 112، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 272، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 295.]]، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء والكلبي قال: كانوا لا يتوبون عن الشرك ولا يستغفرون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 336 - 337.]].
وقال الشعبي: الحنث العظيم اليمين الغموس [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 286، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 213.]]، وشرح أبو بكر الأصم [[أبو بكر الأصم، شيخ المعتزلة. كان دينًا وقورًا صبورًا على الفقر، له تفسير، وكتاب "خلق القرآن"، وكتاب "الحجة والرسل". مات سنة 201 هـ انظر: "سير أعلام النبلاء" 9/ 402، و"الفهرست" ص 214.]] هذا فقال: إنهم كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أندادُ الله وكانوا يقيمون عليه، فذلك حنثهم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 213.]]، واختاره الزجاح فقال: ودليل ذلك قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: 38] فهذا -والله أعلم- إصرارهم على الحنث العظيم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 113.]]، ويدل على هذا ما ذكر الله تعالى من إنكارهم البعث وهو قوله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ الآية.
الواقعة 56:55
وما بعدها ظاهر إلى قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وقرئ شرب بضم الشين [[قرأ نافع وعاصم وحمزة وأبو جعفر: ﴿شُرْبَ﴾ بضم الشين، والباقون بفتحها. انظر: "حجة القراءات" ص 696، و"النشر" 2/ 383، و"الإتحاف" ص 408.]] فقال الزجاج: الشَّرب المصدر، والشُّرب الاسم، قال: وقد قيل: إن الشرب أيضًا المصدر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 113.]]. واختار أبو عبيد الفتح، وادعى أنه لغة النبي -ﷺ- حين قال لأيام التشريق: "إنها أيام أكل وشَرب" [["صحيح مسلم": كتاب: الصيام، باب: تحريم صوم أيام التشريق 2/ 800، و"مسند أحمد" 4/ 152.]].
قال المبرد: هذا كلام هائل لا يجترأ عليه إلا باليقين، وأكثر الرواية "أكل وشُرب" بالضم، والضم والفتح معروفان عند أهل اللغة أما الفتح فهو على أصل المصدر، والضم اسم للمصدر، والمعنى في ذلك واحد، تقول شغل شَغلا والاسم شُغلِ، وضعف ضَعفًا والاسم الضُعف وكذلك الفَقر والفُقر [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 702 - 703، و"الحجة" للقراء السبعة 6/ 260،
و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 335 - 339، و"تهذيب اللغة" 11/ 352 (شرب).]].
وأما ﴿الْهِيمِ﴾ فأكثر المفسرين على أنه الإبل العطاش، وهو قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 649، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 272، و"جامع البيان" 27/ 113.
وروى ابن عباس وعكرمة والضحاك، وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 295.]]، ومنهم من ذكر السبب في عطشها، قال عكرمة: هي الإبل المراض ألا تراها تمص الماء مصًا ولا تروى [[انظر: "جامع البيان" 13/ 127، و"معالم التنزيل" 4/ 286.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: هي الإبل التي بها الهيام لا تروى [[انظر: "الوسيط" 4/ 236.]]، وقال في رواية أبي صالح: يعني شرب الإبل الظماء [[في (ك): (العظماء) والصواب ما أثبته.]] إذا أخذها الداء فلا تكاد تروى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 113.]]، ونحو هذا ذكر مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ.]].
قال الفراء: الهيم الإبل التي يصيبها داء فلا تروى من الماء واحدها أهيم [[في (ك): (الهيم) والصواب ما أثبته.]] والأنثى هيماء، قال: ومن العرب من يقول هائم، والأنثى هائمة، ثم يجمعونه على هيم كما قالوا: عائط [[العائط: هي التي لم تحمل سنين من غير عقم.]]، وعوط [[كذا في (ك). وفي "معاني القرآن" للفراء 3/ 128، وفي "اللسان" (هيم) عن الفراء: (عيط) وكلاهما صواب. قال في "اللسان" 2/ 929 (عوط) قال الكسائي: إذا لم تحمل الناقة أول سنة يطرقها الفحل فهي عائط وحائل، فإذا لم تحمل السنة المقبلة أيضًا فهي عائط عُوط وعوطط، زاد الجوهري: عائط عيط.]]، وحائل وحول، إلا أن الضمة تركت في هيم لئلا تصير الياء واوًا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 128.]].
وقال شمر في حديث ابن عمر رضي الله: (إن رجلاً باع منه إبلاً هيما) [[هذا جزء من حديث رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب: البيوع، باب: شراء الإبل الهيم أو الأجرب 3/ 82 وفيه: (فجاءه، فقال: إن شريكي باعك إبلاً هيمًا ولم يعرفك ..) الحديث.]] قال شمر: قال بعضهم: الهيم العطاش الظِّماء، ويقال هي المراض التي تمص الماء مصًّا ولا تروى.
قال الأصمعي: الهيام داء شبيه بالحمى تسخن عليها جلودها يعني الإبل وقيل إنها لا تروى إذا كانت كذلك [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 467، و"اللسان" 3/ 858 (هيم).]]، وهو في قول لبيد [["ديوانه" ص 185.]]:
أجزت على معازفها بشعثٍ ... وأطلاحٍ من المهري هيم
وقال الضحاك والكلبي: الهيم السهلة من الرملة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 338، و"جامع البيان" 27/ 113، و"تفسير ابن عيينة" ص 333، و"معالم النزيل" 4/ 286، وزاد نسبته لابن عيينة.]]، وهو قول ابن عباس في رواية عمرو بن في ينار: قال يعني هيام الأرض [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 215، و"روح المعاني" 27/ 146.]].
قال الليث: الهيام من الرمل ما كان ترابًا دقاقًا يابسًا، ومنه قول لبيد:
بعجوب أنقاءٍ يميل هيامها [[انظر: "ديوانه" ص 172، و"تهذيب اللغة" 6/ 467، و"اللسان" 3/ 858 (هيم)، و"المنصف" 3/ 52، و"شرح المعلقات" للزوزني ص 84، والبيت ورد في معلقة لبيد وصدره:
تجتاف أصلاً قالصًا متنبذًا
ومعناه أن البقر يستتر من البرد والمطر بأغصان الشجر ولا تقيها البرد والمطر لتقلصها، وتنهال كثبان الرمل عليها مع ذلك.]]
قال مقاتل: يلقى على أهل النار العطش فيشربون كشرب الهيم.
الواقعة 56:56
قوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني الذي ذكر من الزقوم والشراب [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ.]]، وقال الكلبي: هذا نزلهم يعني طعامهم وشرابهم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 338.]].
وقال الزجاج: هذا غذاؤهم يوم يجازون بأعمالهم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 113.]]، وروي عن أبي عمرو [[قرأ الجمهور ﴿نُزُلُهُمْ﴾ بضم الزاي، وقرأ ابن محيصن وخارجة عن نافع، ونعيم ومحبوب وأبو زيد وهارون وعصمة وعباس كلهم عن أبي عمرو ﴿نُزْلُهُمْ﴾ بسكون الزاي. انظر: "الكشاف" 4/ 60، و"الجامع" للقرطبي 17/ 215، و"البحر المحيط" 8/ 210.]] (نُزُلْهُمْ) مخففًا وهما لغتان [[انظر: "اللسان" 3/ 619 (نزل).]]، مثل الشغُل والشغْل، والعنُق والعنْق. وتفسير النزاع قد ذكرناه في مواضع [[عند تفسيره الآية (198) من سورة آل عمران. قال: النزاع ما يهيئ للضيف أو لقوم إذا نزلوا موضعًا، ويقال أقمت لهم نزلهم أي أقمت لهم غذاءهم وما يصلح معه أن ينزلوا عليه.]].
الواقعة 56:57
﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾.
ثم احتج عليهم في البعث بقوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئًا وأنتم تعلمون ذلك [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ.]] (فَلَوْلَا) فهلا (تُصَدِّقُونَ) بالبعث، ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا فقال:
الواقعة 56:58
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ ما تقذفون وتصبون في أرحام النساء من النطف، وذكرنا الكلام في الإمناء عند قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: 46].
الواقعة 56:59
﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ ما تمنون بشرًا ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ احتج عليهم في البعث بالقدرة على ابتداء الخلق.
الواقعة 56:60
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ وقرأ ابن كثير: (قَدَرْنَا) مخففًا وهما لغتان قدرت الشيء وقدرته [[قرأ ابن كثير ﴿قَدَرْنَا﴾ بتخفيف الدال، والباقون بتشديدها.
انظر: "حجة القراءات" ص 696، و"النشر" 2/ 383، و"الإتحاف" ص 408.]]، ويدل عليه قوله [[البيت لأبي ذؤيب الهذلي. انظر: "ديوان الهذليين" 1/ 38، ورواية ديوان الهذليين (لرجلها) بدل (ساقها)، و"الحجة" 5/ 48.
والمفرهة: الناقة التي تجيء بأولاد فوارة. والعنس: الصلبة الشديدة. قدرت: هيأت. القفل: ما جف من ورق الشجر.]]:
ومفرهةٍ عنسٍ قدرت لساقها ... فخرَّت كما تتابع الريحُ بالقفل المعنى: قدررت ضربي لساقها فضربتها فخرت. قال ابن عباس: يريد الآجال [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 338.]]. قال مقاتل: فمنكم من يموت كبيرًا ومنكم من يموت صغيرًا وشابًا وشيخًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 287.]]، وقال الضحاك: تقديره أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء شريفهم ووضيعهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 237، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 295.]]، وعلى هذا يكون معنى (قَدَّرْنَا) قضيناه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ يريد لا يفوتني شيء أريده، ولا يمتنع مني أحد. وهذه الآية متصلة بما بعدها وهو قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ وعلى من صلة معنى مسبوقين لا من صلة اللفظ، لا يقال: سبقته على كذا، إنما يقال: إلى كذا، ولكن يقال: غلبته على كذا، ويكون مثل سبقته إليه. قال المفسرون: على أن نأتي بخلق مثلكم بدلاً منكم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 113، و"معالم التنزيل" 4/ 287.]].
قال أبو إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 114.]]: أي إن أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا ذلك [[(ذلك) ساقطة من (ك) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 114.]].
قوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد في غير حليتكم [[كذا في (ك): ولعلها (خلقتكم).]] إلى ما أسمج [[سَمُجَ الشيء: قبح يسمج سماجة إذا لم يكن فيه ملاحة. "اللسان" 2/ 197 (سمج).]] منها [[لم أجده.]].
وقال مقاتل: ونخلقكم في سوى خلقكم مما لا تعلمون من الصور [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ.]]، من أي خلق شئنا، ونحو هذا قال مجاهد والسدي [[قال مجاهد: (في أي خلق شئنا). انظر: "جامع البيان" 27/ 114.]]، وقال الحسن: نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 287، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 317.]].
وهذه الأقوال كلها تدل على المسخ، وعلى أنه لو شاء أن يبدلهم بأمثالهم من بني آدم قدر، ولو شاء أن يمسخهم في غير صورتهم قدر.
وقال أبو إسحاق: إن أردنا أن نجعل منكم القردة والخنازير لم نسبق ولا فاتنا ذلك [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 114.]].
وقال بعض أهل المعاني: هذا على النشأة الثانية يكونها الله في وقت لا يعلمه العباد ولا يعلمون كيفيته كما علموا الإنشاء الأول من جهة التناسل [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 217.]]، ويكون التقدير على هذا وما نحن بمسبوقين على أن ننشئكم في وقت لا تعلمون يعني وقت البعث، وتكون هذه الآية متصلة بما بعدها وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ يعني لا تعلمون ذلك ولقد علمتم هذه كيف كانت وهذا الوجه اختيار الحسين بن الفضل [[لم أقف عليه.]].
قوله: ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ والمعنى: قد علمتم ابتداء الخلق حين خلق من نطفة وعلقة ومضغة فلم تنكرون البعث، وروي مرفوعًا: "عجبًا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، وعجبًا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور" [[لم أجد هذا الحديث.]].
الواقعة 56:63
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ قال الكلبي: ما تعملون في الأرض [[انظر: "الوسيط" 4/ 237.]].
وقال غيره: ما تلقون في الأرض من البذور [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 287، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 217.]]، وذكرنا معنى الحرث فيما تقدم [[عند تفسيره الآية (71) من سورة البقرة، ومما قال: الحرث: كل موضع ذللته من الأرض ليزرع فيه، ويقال له عند غرسه وبذره إلى حيث بلغ حرث. فمعنى الحرث الأرض المهيأة للزرع، ومنه قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 223] على التشبيه بالأرض التي قد هيأت للزرع. انظر: "البسيط" 3/ 1559 بتحقيق الفوزان.]].
﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ قال الكلبي ومقالَل: تنبتونه أم نحن المنبتون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 339، و"تفسير مقاتل" 139 أ.]]، قال المبرد: يقال زرعه الله أنماه، ومنه يقال للصبي زرعة الله [[انظر: "اللسان" 2/ 25 (زرع).]].
الواقعة 56:64
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ قال الكلبي: ما تعملون في الأرض [[انظر: "الوسيط" 4/ 237.]].
وقال غيره: ما تلقون في الأرض من البذور [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 287، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 217.]]، وذكرنا معنى الحرث فيما تقدم [[عند تفسيره الآية (71) من سورة البقرة، ومما قال: الحرث: كل موضع ذللته من الأرض ليزرع فيه، ويقال له عند غرسه وبذره إلى حيث بلغ حرث. فمعنى الحرث الأرض المهيأة للزرع، ومنه قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 223] على التشبيه بالأرض التي قد هيأت للزرع. انظر: "البسيط" 3/ 1559 بتحقيق الفوزان.]].
﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ قال الكلبي ومقالَل: تنبتونه أم نحن المنبتون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 339، و"تفسير مقاتل" 139 أ.]]، قال المبرد: يقال زرعه الله أنماه، ومنه يقال للصبي زرعة الله [[انظر: "اللسان" 2/ 25 (زرع).]].
الواقعة 56:65
﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: لجعلنا ما تحرثون ﴿حُطَامًا﴾ قال عطاء: تبنًا لا قمح فيه [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 287، و"زاد المسير" 8/ 148.]]. وقال مقاتل: هالكًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 218.]]. قال أبو عبيدة: الحطام والهشيم والرفات واحد [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 251.]].
وقال أبو إسحاق: أي أبطلناه حتى يكون متحطمًا لا حنطة فيه ولا شيء مما تزرعون هذا كلامه [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 144.]]. وتلخيص المعنى أن الله يقول: لو نشاء لجعلنا ما تحرثون كلأً يصير بعد يبسه حطامًا متكسرًا لا حنطة فيه، وكل ما نبت من الأرض حطام غير الحب، فإنه صلب لا يتحطم وسائره بعد الهيح حطام [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 399 (حطم).]].
قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ﴾ ذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: 97] [[ومما قال عند تفسيره لهذه الآية: ظلت أصله ظللت. قال الزجاج: ولكن اللام حذفت لثقل التضعيف والكسر، والعرب تفعل ذلك كثيرًا ... وظلَّ نهاره يفعل كذا، وكذا يظل ظلا وظلولاً وظللت أنا، وظَلْتْ وظِلْتُ. لا يقال ذلك إلا في النهار لكنه قد سمع بعض الشعر ظَل ليله. ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. وانظر: "اللسان" 2/ 647 (ظلل).]].
﴿تَفَكَّهُونَ﴾ أي تندمون قاله عكرمة والحسن وقتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 272، و"جامع البيان" 27/ 114، و"الوسيط" 4/ 238، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 219.]]، وقال عطاء والكلبي ومقاتل ومجاهد: تعجبون [[انظر: "الجامع البيان" 27/ 114، و"معالم التنزيل" 4/ 287، ولم أقف عليه في تفسيري مجاهد ومقاتل.]].
قال الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 128.]]: تفكهون: تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم، قال: ويقال معناه تندمون وكذلك تفكنون [[وقول المؤلف (وكذلك تفكنون وهي لغة لعكل) ليست في معاني الفراء المطبوعة، وهي في "التهذيب" منسوبة له.]] وهي لغة لعكل [[عُكَل بطن من طابخة من العدنانية، وعكل اسم امرأة حضنت بني عوف بن وائل فغلبت عليهم وسموا باسمها، من قراهم الشقراء والأشيقر. انظر: "معجم قبائل العرب" 2/ 804، و (تفكنون) قرأ بها أبو حزام. انظر: "الكشاف" 4/ 60، و"البحر المحيط" 8/ 211، و"روح المعاني" 27/ 148.]].
قال اللحياني: أزد شنوءه يقولون: تفكهون، وتميم تقول: تفكنون. وقال ابن الأعرابي: تفكهت وتفكنت أي تندمت وأنشد لرؤبة فقال [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 280، و"اللسان" 2/ 1121 (فكن).
والبيت في "ديوانه" ص 161، المراجع السابقة.]]:
أما جزاء العارف المستيقن ... عندك إلا حاجة التفكَّن
وقال الكسائي وأبو عمرو: هو التلهف على ما فات [[انظر: "تهذيب اللغة" نفسه، و"معالم التنزيل" 4/ 287، و"فتح القدير" 5/ 157.]]، والمعنى في الآية: تتلهفون على ما فاتكم، وعلى هذا يتوجه قول من قال تفجعون وتحزنون [[قاله مجاهد، وفسر ابن كيسان التفكه بالحزن. انظر: "معالم التنزيل" 4/ 287، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 219، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 296.]].
الواقعة 56:66
قوله تعالي: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قال الزجاج وغيره: أي وتقولون: إنا لمغرمون فحذف القول، ومعنى المغرم الذي ذهب ماله بغير عوض [[قاله الضحاك وابن كيسان. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 220، و"فتح القدير" 5/ 157.]].
قال أبو إسحاق: يقولون إنا قد غرمنا وذهب زرعنا [[انظر: "معاني الزجاج" 5/ 114.]] يعني: غرمنا الحب الذي بذرناه فذهب في غير عوض هذا الذي ذكرنا هو الأصل.
قال أبو عبيدة والفراء: لمعذبون [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 251، و"معاني القرآن" 3/ 129.]]، وهو قول ابن عباس وقتادة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 339، و"جامع البيان" 27/ 115، وهو اختيار ابن جرير.]] ، وهذا معنى كأنهم ذهبوا إلى أنهم عذبوا بذهاب أموالهم.
وقال عكرمة ومجاهد ومقاتل: لمولع بنا [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ، و"جامع البيان" 27/ 115.]]، والمعنى لمولع بنا الشر من قولهم: أغرم فلان بفلانة إذا أولع بها، ومنه الغرام وهو الشر اللازم وقد تقدم تفسيره [[عند تفسيره الآية (65) من سورة الفرقان. ومما قال: والغَرامُ: اللازمُ من العذاب، والشرُّ الدائم، والبلاءُ والحبُّ والعشق وما لا يستطاع أن يتفصَّى منه، ويروى أن الغريم إنما سمي غريمًا لأنه يطلب حقه ويلح حتى يقتضيه، فمعنى غرامًا ملحًا دائمًا. وانظر: "اللسان" 2/ 981 (غرم).]]. ويدل على القول الأول [[وهو قول الضحاك وابن كيسان والزجاج.]] قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع.
وما بعد هذا ظاهر ومفسر فيما تقدم إلى قوله: ﴿الَّتِي تُورُونَ﴾ قال الكسائي: أوْرَيْتُ النار وقد ورَتْ ووَرِيَتْ [[انظر: "اللسان" 3/ 916 (وري).]].
وقال أبو إسحاق: ورَى الزَّندُ يَرِيَ فهو وارٍ إذا انقدحت منه النار، وأوريت النار إذا قدحتها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 115.]]، وقال الكلبي والمبرد: أورى القادح إذا أتى بالنار. قال الأعشى [["ديوانه" ص 84، وروايته: == ولو رُمت في ليلة قادحًا ... حصاة بنبع لأوْريت نارا]]: ولو بتَّ تقدحُ في ظلمةٍ ... صفاةً بنبعٍ لأوريت نارا
يقول أنت ميمون الطائر فلو التمست الشيء من حيث لا يوجد لوجدته. قال أبو عبيدة: تورون: تستخرجون [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 252.]]. وقال الكلبي: تقدحون [[انظر:"تنوير المقباس" 5/ 339.]]. وقال مقاتل: توقدون [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ.]].
قوله تعالى: (شَجَرَتَهَا) قال المفسرون: يعني التي تقدح منها وهي المرخ والعفار [[قال الأزهري: وهما شجرتان فيهما نار ليس في غيرهما من الشجر، ويسوّى من أغصانهما الزناد فيقتدح بها. "تهذيب اللغة" 2/ 351 (عفر).]].
قال المبرد: وهما شجرتان يوريان النار وهما رطبان، ولذلك قال الأعشى [[الديوان ص 84، وروايته:
زنادك خير زناد الملوك ... خالط منهن مرخ عفارا
"الخزانة" 7/ 250.]]:
وزندك خير زناد الملوك ... صادف منهنَّ مرخًا عفارًا
وتقول العرب للرجل إذا كان معاملته سهلاً غير ملتوٍ ولا مماطلٍ: أرخ يديك واسترخ إن الزناد من مرخ [[انظر: "اللسان" 3/ 463 (مرخ) ونسب تفسير المثل لابن الأعرابي.]].
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن [[انظر: "الوسيط" 4/ 238، و"معالم التنزيل" 4/ 288، و"فتح القدير" 5/ 158.]].
وقال الكلبي: عظة في الدنيا من نار جهنم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 340.]]، وقال عكرمة، ومجاهد ومقاتل: جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 651، و"تفسير مقاتل" 139 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 288.]].
قال أبو إسحاق: أي إذا رآها الرائي ذكر جهنم وما يخافه من العذاب فذكر الله عز وجل واستجار به منها [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 115.]].
قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال الفراء، والزجاج: المقوي الذي ينزل بالقواء وهي الأرض الخالية [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 129، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 115.]]، وكل من نزل بها من مسافر مار أو مقيم بها فهو مقو.
قال الليث: أقوَى القومُ إذا وقعوا في قيً من الأرض [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 369 (قوى).]].
قال ابن عباس: يريد ينتفع بها أهل البوادي والأسفار [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 340، و"الوسيط" 4/ 238.]].
وقال الكلبي: منفعة للمسافرين النازلين في الأرض القيّ [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 288، و"فتح القدير" 5/ 158.]].
وقال مقاتل: يقول: ومنافع لمن كان بأرض في ومنهم الأعراب [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ.]]، ونحو هذا قال الحسن والضحاك [[انظر: "جامع البيان" 27/ 116، و"معالم التنزيل" 4/ 288، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 221.]]. وعلى هذا القول خص المسافر بالانتفاع بها؛ لأن منفعته بها أكثر من منفعة المقيم، وذلك أن أهل البوادي لابد [[في (ك): (بدل).]] لهم من النار يوقدونها ليلاً لتهرب منهم السباع، وفي كثير من حوائجهم.
وقال أبو عبيدة: المقوي الذي لا زاد معه ولا مال، وهذا من قولهم أقوت الدار، أي: خلت [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 252.]]، فالمقوي الخالي من الزاد. وهذا قول الربيع، والسدي. قالا: يعني المرملين المقترين الذين لا زاد معهم فهؤلاء يوقدون النار ويشتون بها لحوم الصيد ولابد لهم منها، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 222.]].
وفي المقوين قول ثالث، وهو قول عكرمة، ومجاهد، قالا: للمقوين أي للمستمتعين بها من الناس أجمعين [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 651، و"جامع البيان" 27/ 116.]] المسافرين والحاضرين يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 222.
قال ابن كثير في "تفسيره" 4/ 297: وهذا التفسير أعم من غيره، فإن الحاضر والبادي من غني وفقير، الجميع محتاجون إليها للطبخ، والاصطلاء، والإضاءة، وغير ذلك من المنافع.]].
وعلى هذا المقوي من الأضداد. ويقال للفقير: مقوٍ لخلوه من المال، وللغني: مقو لقوته على ما يريد، يقال أقوى الرجل إذا صار إلى حالة القوة، ذكر ذلك قطرب وغيره [[انظر: "الأضداد" لقطرب ص 92، و"الأضداد" للأصمعي والسجستاني 4، 124، 279، 638، و"معالم التنزيل" 4/ 288، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 222، ورواه ثعلب عن ابن الأعرابي. انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 369 (قوى).]]. والمعنى ومتاعًا للأغنياء والفقراء وذلك أنه لا غني بأحد عنها.
قال أبو إسحاق: ذكر الله عز وجل في هذه السورة ما يدل على توحيده وما أنعم به عليهم من خلقهم وتغذيتهم مما يأكلون ويشربون، ثم قال:
الواقعة 56:74
قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي فبرئ الله عز وجل مما يقولون في وصفه [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 115.]].
الواقعة 56:75
قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ أكثر أهل العلم على أن (لا) صلة. المعنى: فأقسم [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 252، و"الكشاف" 4/ 61، و"معالم التنزيل" 4/ 289، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 223.]]، وزيادة (لا) كثير في الكلام والتنزيل.
وذهب أهل المعاني [[انظر: "جامع البيان" 27/ 117، و"معالم التنزيل" 4/ 289، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 223.]] إلى أن (لا) [[(لا) ساقطة من (ك).]] هاهنا رد لقولهم في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة، فرد الله ذلك بقوله: ﴿فَلَا﴾، ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم، ومثل هذا قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ [النساء: 65] [[هذا القول نسبه المفسرون للفراء ولسعيد بن جبير. قال أبو حيان: ولا يجوز؛ لأن في ذلك حذف اسم لا وخبرها، وليس جواباً لسائل سأل فيحتمل ذلك نحو قوله: لا: لمن قال: هل من رجل في الدار. "البحر المحيط" 8/ 213.]].
وقد مر قوله تعالى: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ وقرئ (بِمَوقِعِ) [[قرأ حمزة والكسائي وخلف (بموقع) على واحد. وقرأ الباقون ﴿بِمَوَاقِعِ﴾ جماعة. انظر: "حجة القراءات" ص 697، و"النشر" 2/ 383، و"الإتحاف" ص 409.]].
قال أبو عبيد: والتي نختار الجماع؛ لأنها في التفسير منازل القرآن حين نزل نجومًا. قال: وبعضهم يتأولها مغائب الكواكب حين تسقط فأي الوجهين كان فالجماع أولى [[لم أقف عليه.]].
وقال المبرد: (موقع) هاهنا مصدر، فهو يصلح للقليل والكثير والواحد والجمع [[انظر: "الوسيط" 4/ 239، و"فتح القدير" 5/ 160.]]، كما تقول: عجبت من ضرب القوم، ومن علم القوم فالواحد ينبئ عن الجميع.
وقال أبو علي: المصادر وسائر الأجناس إذا اختلفت جاز جمعها، كما قال عز من قائل: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ فجمع للاختلاف وقال ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]، فأفرد لما كان الجميع ضربًا واحداً، فمن قال: ﴿بموقع النجوم﴾ فأفرد؛ فلأنه اسم جنس، ومن جمع فلاختلاف ذلك، فأما قول الشاعر [[البيت للأخيل الطائي كما في "اللسان" 2/ 455 (صفا)، و"الجمهرة" 3/ 153، و"مجالس ثعلب" 1/ 207، و"الحيوان" 2/ 339، و"الخصائص" 2/ 11، و"المنصف" 3/ 72، والبيت يصف ساقياً ويشبه الماء لما جف على ظهره وابيض بذرق الطائر، والصفي جمع الصفا، والصفا جمع الصفاة، وهي الحجر الصلد الضخم الأملس.]]:
كأن مَتْنَيْه من النفي ... مواقع الطير على الصفىِّ
فليس اسم المصدر وإنما هو موضع فجمع؛ لأن المعنى على الجمع، وإنما شبه مواضع بمواضع [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 263.]].
وأما التفسير فقال عطاء عن ابن عباس: يريد: أُقسِم بنزول القرآن، وهو قول الكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير وقتادة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 340، و"تفسير مجاهد" 2/ 651، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 273، و"تفسير مقاتل" 139 ب، و"جامع البيان" 27/ 117.]].
وذكرنا معنى النجوم في نزول القرآن عند قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: 1]، وذهب جماعة من المفسرين [[وهو قول قتادة وغيره.
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 223، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 298، وهو اختيار ابن جرير. "جامع البيان" 27/ 117.]] إلى أن مواقع النجوم معناها مغارب النجوم ومساقطها، وهو قول أبي عبيدة قال: والله تعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه وليس للعباد أن يحلفوا إلا به، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: 40] [[من الآية (40) من سورة المعارج. والذي في "مجاز القرآن" 2/ 252. قوله: (فأقسم بمواقع النجوم، ومواقعها مساقطها ومغايبها).]].
وقال الحسن: يعني انكدارها وانتثارها [[انظر: "جامع البيان" 27/ 117، و"معالم التنزيل" 4/ 289.]]، وهذا على قراءة من قرأ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ لأنه مصدر يريد بوقوعها سقوطها من السماء عند انكدارها، ويجوز الجمع أيضًا لإضافته إلى النجوم ولكل نجم وقوع.
الواقعة 56:76
ثم أخبر عن عظم هذا القسم فقال، قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ قال الفراء والزجاج: هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 129، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 115.]]، والضمير في (إِنَّهُ) يعود على القسم، ودل عليه قوله: ﴿أُقْسِمُ﴾، والمعنى: وأن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون عظمه لانتفعتم بذلك.
وقال أبو علي الفارسي: التقدير في: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ما علموا، كما تقول: لو قمت أي: قم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 189.]].
وزعم أبو الحسن أن الماضي في هذا المعنى أكثر من المضارع.
والآية اعتراض بين المقسم والمقسم عليه لأن التقدير: فأقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم.
وقوله: (لَّوْ تَعْلَمُونَ) اعتراض أيضًا بين الصفة والموصوف من الجملة التي هي اعتراض [[انظر: "الكشاف" 4/ 62، و"البحر المحيط" 8/ 214، و"فتح القدير" 5/ 160.]].
ثم ذكر المقسم عليه بقوله: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ) أي إن الكتاب الذي أنزل على محمد -ﷺ- لقرآن كريم. قال الكلبي: حسن كريم على ربه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 340.]].
وقال مقاتل: كرمه الله وأعزه لأنه كلامه [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 289.]].
وقال أهل المعاني [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 289، و"فتح القدير" 5/ 160.]]: القرآن الكريم الذي من شأنه يعطي الخير الكثير بالدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين.
وقال الأزهري: الكرمُ اسم جامع لما يُحمد، والله كريم حميد الفعال.
الواقعة 56:77
و ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77)﴾ أي قرآن يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 234 (كرم).]].
الواقعة 56:78
قوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال جماعة المفسرين: يريد في اللوح المحفوظ.
قال الكلبي: مكنون من الشياطين [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 289.]].
وقال مقاتل: مستور من خلقه عند الله في اللوح المحفوظ [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 ب.]].
وقال أبو إسحاق: أي مصون في السماء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 115.]].
وقال مجاهد: في كتاب مكنون لا يصيبه تراب، ولا غبار [[انظر: "جامع البيان" 27/ 118.]].
الواقعة 56:79
قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله (لا يمسه) تعود إلى الكتاب المكنون، وهو اللوح المحفوظ.
والمطهرون هم الملائكة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وباذان، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والضحاك، والكلبي، وقتادة، ومقاتل [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 652، و"تفسير مقاتل" 139 ب، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 273، و"جامع البيان" 27/ 118 - 119.]]، قالوا: المطهرون الملائكة طهروا من الشرك والذنوب والأحداث والنجاسات، فالذي في السماء لا يمسه إلا المطهرون، وأما كتابنا فيمسه الطاهر وغير الطاهر، وهو اختيار الفراء والزجاج، قالا: لا يمس ذلك اللوح المحفوظ إلا الملائكة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 130، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 116.]].
والمعنى على هذا القول أن النسخة التي في السماء من القرآن مكنون مصون لا يصل إليه أحد، ولا يمسه إلا الملائكة الذين وصفوا بالطهارة، ومذهب الفقهاء [[قال الجصاص: (إن حمل اللفظ - أي قوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ على حقيقة الخبر == فالأولى أن يكون المراد القرآن الذي عند الله والمطهرون الملائكة، وإن حمل على النهي -وإن كان في صورة الخبر- كان عمومًا فينا وهذا أولى ..) "أحكام القرآن" 3/ 416، وانظر: "سنن سعيد بن منصور" 2/ 346.]] في هذه الآية أن الضمير في قوله: (لَّا يَمَسُّهُ) يعود إلى القرآن، والمراد بالقرآن المصحف لقوله -ﷺ-: "نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو" [[الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب: الجهاد، باب: السفر بالمصاحف إلى أرض العدو 4/ 68، ومسلم في كتاب: الإمارة، باب: النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار 3/ 1490، وأبو داود في "سننه"، كتاب: الجهاد، باب: في المصحف يسافر به إلى أرض العدو 2/ 495، وأحمد في "المسند" 2/ 6 ولفظ البخاري: " ... عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو".]]. يعني المصحف، والمراد بقوله: (الْمُطَهَّرُونَ) أي من الأحداث والجنابات، وقالوا: قوله: (لا يَمَسُّهُ) خبر في معنى النهي ومنعوا بهذه الآية الجنب والحائض والمحدث من مس المصحف وحمله، وإن كان بعلاّقة أو في غلاف، وهذا قول محمد بن علي، وعطاء، وطاووس، وسالم، والقاسم، وعبد الرحمن بن الأسود، وإبراهيم، وسفيان، ومذهب مالك، والشافعي [[قال ابن قدامة: (ولا يمس المصحف إلا طاهر، يعني طاهرًا من الحدثين جميعًا. روى عن ابن عمر والحسن وعطاء وطاوس ...) ولا نعلم مخالفًا لهم إلا داود، أي الظاهري، قال: ويجوز حمله بعلاقته، وهذا قول أبي حنيفة، وروى ذلك عن الحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم، وأبي وائل، والحكم، وحماد. ومنع منه الأوزاعي، ومالك، والشافعي.
انظر: "المدونة" 1/ 107، و"المغني" 1/ 202 - 203، و"المحلى" 1/ 81 - 84. قلت: وبهذا يتبين أن الواحدي -رحمه الله- عمم القول بمنع حمله بعلاقة مع أن منهم من جوز ذلك والله أعلم.]].
الواقعة 56:80
قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال أبو إسحاق: تنزيل صفة لقوله: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ وعلى هذا المراد بالمصدر المفعول، والمعني منزل كقولهم: ضَرْب الأمير ونَسْج اليمن، قال: ويجوز أن يكون مرفوعًا على: هو تنزيل من رب العالمين [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 116.]]، قال الكلبي: يعني القرآن تنزيل من رب العالمين على رسول الله -ﷺ- [[انظر: "تنوير" المقباس" 5/ 340، و"الوسيط" 4/ 240.]].
الواقعة 56:81
قوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ القرآن يا أهل مكة ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قال تكفرون وتكذبون [[انظر: "الوسيط" 4/ 240، و"معالم التنزيل" 4/ 290.]].
وقال مقاتل: تكفرون [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 227.]].
وقال الكلبي: تكذبون أنه ليس كما قال لكم وأنه لا جنة ولا نار ولا بعث [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 341.]].
قال أبو عبيدة: المدهن والمداهن واحد [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 252.]]، وقال الفراء: مدهنون مكذبون، ويقال: كافرون [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 130.]].
وقال الزجاج: أي أفبالقرآن تكذبون، قال: والمدهن والمداهن الكذاب المنافق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 116.]].
وقال ابن الأعرابي: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ منافقون والإدهان والمداهنة اللين والمصانعة، وهو أن يسر خلاف ما يظهر، والمدهن الذي يجري في الباطن على خلاف الظاهر [[انظر: "اللسان" 1/ 1028 (دهن).]]. هذا أصل معناه في اللغة.
ثم قيل للمكذب مدهن، وإن صرح بالتكذيب والكفر، ويجوز أن يكون هذا خطابًا لمن آمن بالقرآن ظاهرًا وأسر الكفر به، وهذا معنى الإدهان والمداهنة.
قال المؤرج: المدهن المنافق الذي يلين جانبه ليخفي كفره [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 227، و"فتح القدير" 5/ 161.]].
الواقعة 56:82
قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال ابن عباس وجماعة المفسرين: تجعلون شكركم أنكم تكذبون بنعمة الله عليكم فتقولون سقينا بنوء كذا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 119، و"معالم التنزيل" 4/ 290.
روى البخاري في كتاب: الاستسقاء: باب قول الله تعالى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ 2/ 41، قال ابن عباس: شكركم. ورواه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 299، و"تفسير ابن عباس ومروياته" للحميدي 2/ 863 - 864.]].
قال أبو إسحاق: كانوا يقولون مطرنا بنوء كذا، ولا ينسبون السقيا إلى الله عز وجل فقيل لهم: أتجعلون رزقكم أي شكركم بما رزقتم التكذيب [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 116.]].
وقال أبو علي الفارسي: أي وتجعلون رزقكم الذي رزقكموه أي شكر رزقكم -فحذف المضاف- أن تكذبوا بذلك الرزق أنه من الله وأن تنسبوه إلى غيره فتقولوا مطرنا بنوء كذا.
ويجوز أن يكون المعنى أن تكذبوا بما جاء به التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا﴾ [ق: 9] إلى قوله: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق: 11]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ)﴾ [البقرة: 22] فذكر أنه أنزل الماء ورزق به العباد الثمار، فمن نسب الإنزال إلى النجم فقد كذب برزق الله وكذب بما جاء به القرآن [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 264 - 265.]].
والمعنى: أتجعلون بدل الشكر التكذيب.
وروي عن عاصم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ خفيفة [[وهي قراءة المفضل عن عاصم، ويحيى بن وثاب، (تَكْذبون) خفيفة منصوبة التاء. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 264، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 230.]] أي تنسبون هذا الرزق إلى غير الله، وقال الأزهري: معنى الآية وتجعلون شكر [[(ك): (شكر) ساقطة من (ك)، وزيادتها من "تهذيب اللغة".]] رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب بأنه من عند الله الرزق، وتجعلون الرزق من عند غير الله [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 430 (رزق).]]، وذلك كفر، فأما من جعل الرزق من عند الله وجعل النجم وقتًا وقته الله للغيث، ولم يجعله المغيث الرزق رجوت أن لا يكون مكذبًا، والله أعلم.
وقال ابن إسحاق في بعض أماليه: من قال مطرنا بنوء كذا ومراده أنا مطرنا في وقت طلوع نجم كذا ولم يقصد إلى فعل النجم فذلك والله أعلم جائز، كما جاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه استسقى بالمصلى ثم نادى العباس: كم [[كذا في (ك) وصوابها: (فقال: يا عباس يا عم رسول الله -ﷺ-: كم ...).]] بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها، فوالله ما مضت تلك السبعة حتى غيث الناس [[أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 120، وذكره القرطبي في "جامعه" 17/ 230، وابن كثير في "تفسيره" 4/ 299.]].
وإنما أراد عمر: كم بقي من الوقت الذي جرت به العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر.
هذا الذي ذكرنا هو قول جماعة المفسرين [[قال ابن كثير: وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهي عن اعتقاده.
ومما نقل القرطبي في "تفسيره" 17/ 229: عن الشافعي -رحمه الله- قوله: لا أحب أحدًا أن يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، وإن كان النوء عندنا الوقت المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يمطر ولا يحبس شيئًا من المطر، والذي أحب أن يقول: مطرنا وقت كذا كما نقول: مطرنا شهر كذا.]].
وقال الحسن: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون قال: وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 273، و"جامع البيان" 27/ 120.]].
الواقعة 56:83
ثم احتج عليهم بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ يقول فهلا إذا بلغت الروح أو النفس الحلقوم عند الموت.
الواقعة 56:84
﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ يجوز أن يكون خطاباً للذين بلغت روحهم الحلقوم، وهم الذين أسرفوا على الموت [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 231.]]، ويجوز أن يكون خطاباً لأهل الميت والذين يحضرونه عند السياق [[وبهذا قال عامة المفسرين. انظر: "جامع البيان" 27/ 120، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 300.]].
قوله: (تَنظُرُونَ) قال مقاتل: إلى أمري وسلطاني [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 ب.]].
وقال عطاء: إلى ما كنتم تكذبون به [[لم أجده.]]، يعني العذاب.
وقال الكلبي: تنظرون إليه متى تخرج نفسه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 341، و"معالم التنزيل" 4/ 290.]].
قال أبو إسحاق: أي أنتم يا أهل الميت في تلك الحالة ترونه قد صار إلى أن تخرج نفسه [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 116.]].
وقال صاحب النظم: معنى (تَنظُرُونَ) هاهنا لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئًا [[انظر: "الوسيط" 4/ 241، و"معالم التنزيل" 4/ 290.]]، كما قال تأبط شرًّا:
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحةً والموت خزيانُ ينظر [[(ينظر) ساقطة من (ك).
والبيت ورد في "ديوانه" ص 284، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 72.]]
وقوله: ينظر هاهنا، معناه: لا يقدر على شيء.
الواقعة 56:85
قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أي بالعلم والقدرة والرؤية وذلك أن الله تعالى يراه من غير مسافة بينه وبينه فهو أقرب إليه من كل من يراه بمسافة بينه وبينه [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 291، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 231.]]. ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أي لا تعلمون ذلك. وهذا خطاب للكفار، هذا قول أهل المعاني.
وقال المفسرون: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ﴾ يعني ملك الموت وأعوانه [[انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 300، و"فتح القدير" 5/ 161.]].
والمعنى: ورسلنا القابضون روحه أقرب إليه منكم، ولكن لا تبصرون أولئك الذين حضروه لقبض الروح.
الواقعة 56:86
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قال أكثر المفسرين: غير محاسبين وهو قول عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 653، و"تفسير مقاتل" 139 ب، و"جامع البيان" 27/ 121، و"معالم التنزيل" 4/ 291.]].
وقال الكلبي: غير مملوكين [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 291، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 231.]].
وقال أبو عبيدة: غير مجزيين [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 252.]]. واختار الفراء والزجاج غير مملوكين [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 131، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 117.]]، والمدينة: الأمة المملوكة.
وأنشد أبو عبيدة للأخطل [[انظر: "ديوانه" 1/ 19، و"اللسان" 1/ 1043 (دين)، "المنصف" 1/ 312.
والتركل: هو وضع القدم على المسحاة للمبالغة في الحفر. "اللسان" 1/ 1218 (ركل).]]:
ربت فربا في كرمها ابن مدينةٍ ... يزلُّ على مسحاته يتركَّلُ
الواقعة 56:87
قوله تعالى: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ أي تردون تلك النفس التي بلغت الحلقوم.
قال الفراء: وأجيب ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ و ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ﴾ بجواب واحد، وهو قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾، قال: ومثله قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 38]، أجيبتا بجواب واحد وهما جزاءان [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 130.]].
وقال صاحب النظم: قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ جواب لقوله: ﴿فَلَوْلَا﴾ المتقدمة والمتأخرة على تأويل: فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم ترجعونها أي تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون، يقول: إن كان الأمر كما تقولون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله يقوم بذلك، فهلَّا تردون نفسًا ممن يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فلم لا يدلكم ذلك على أن الأمر إلى غيركم وهو الله عز وجل [[انظر: "الوسيط" 4/ 241 - 242، و"معالم التنزيل" 4/ 291، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 232.]].
وقال أبو إسحاق: معناه هلا ترجعون الروح إن كنتم غير مدينين، أي: غير مملوكين مدبَّرين ليس لكم في الحياة والموت قدرة، فهلا إن كنتم كما زعمتم في مثل قولكم الذي جاء في القرآن: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 168] ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 156] أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلًا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 117.]].
ولما دل بما ذكر على أنهم محاسبون ومجزيون ومملوكون، ذكر طبقات الخلق عند الموت والحشرجة.
الواقعة 56:88
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ إن كان هذا الذي بلغت روحه الحلقوم من المقربين عند الله في الدرجات والتفضيل (فَرَوْحٌ) أي: فله روح وهو الراحة والاستراحة، قاله ابن عباس والكلبي وقتادة والضحاك [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 341، و"تفسير مقاتل" 140 أ، و"جامع البيان" 27/ 122.]].
وقال مجاهد: الروح الفرح [[انظر: "الدر" 6/ 166، و"فتح القدير" 5/ 162.]].
قوله: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ قالوا: يعني الرزق في الجنة [[قاله مجاهد، وابن جبير، ومقاتل.
انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 653، و"تفسير مقاتل" 140 أ، و"جامع البيان" 27/ 122.]]، وذكرنا الريحان بمعنى الرزق في قوله: ﴿ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: 12].
وقال الحسن وأبو العالية: هو ريحاننا هذا يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه [[انظر: "جامع البيان" 27/ 122، و"معالم التنزيل" 4/ 291. وقال ابن كثير 4/ 300 بعد ذكره للأقوال: (وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة فإن من مات مقربًا حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة والفرح والسرور والرزق الحسن).]].
الواقعة 56:90
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أي المتوفى ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. قال مقاتل: سلم الله لهم أمرهم يتجاوز عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 140 أ.]].
وقال الكلبي: يسلم عليك أهل الجنة، وقال أيضًا: يقول السلام لك [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 342، و"معالم التنزيل" 4/ 291.]]، قال الزجاج: أي أنك ترى فيهم ما تحب من السلام وقد علمت ما أعد لهم من الجزاء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 118.]].
وقال الفراء: سلم لك أنهم [[في المعاني: (أنك، أن).]] من أصحاب اليمين، وحذف أنهم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 122، و"معالم التنزيل" 4/ 291.]] من الكلام كما تقول: أنت مصدق مسافر عن قليل إذا كان قد قال إني مسافر عن قليل [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 131.]]، والمعنى: أنت مصدق أنك مسافر فألقيت أن.
الواقعة 56:91
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أي المتوفى ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. قال مقاتل: سلم الله لهم أمرهم يتجاوز عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 140 أ.]].
وقال الكلبي: يسلم عليك أهل الجنة، وقال أيضًا: يقول السلام لك [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 342، و"معالم التنزيل" 4/ 291.]]، قال الزجاج: أي أنك ترى فيهم ما تحب من السلام وقد علمت ما أعد لهم من الجزاء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 118.]].
وقال الفراء: سلم لك أنهم [[في المعاني: (أنك، أن).]] من أصحاب اليمين، وحذف أنهم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 122، و"معالم التنزيل" 4/ 291.]] من الكلام كما تقول: أنت مصدق مسافر عن قليل إذا كان قد قال إني مسافر عن قليل [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 131.]]، والمعنى: أنت مصدق أنك مسافر فألقيت أن.
الواقعة 56:92
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ بالبعث ﴿الضَّالِّينَ﴾ عن الهدى.
الواقعة 56:93
﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي فالذي يعد له حميم جهنم.
الواقعة 56:94
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي إدخال نار عظيمة يقال: أصلاه النار، أي: جعله يصلاها ويقاسي حرها، والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول كما تقول لفلان إكرام وإعطاء مال، أي: يعطي المال، كذلك هاهنا يصلى الجحيم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 234، و"فتح القدير" 5/ 162.]]، كما قال: ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (12)﴾ [الانشقاق: 12] في قراءة من شدد [[قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي ﴿وَيَصْلَى﴾ بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام، وقرأ الباقون بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 390، و"حجة القراءات" ص 756، و"النشر" 2/ 399، و"الإتحاف" ص 436.]].
الواقعة 56:95
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ قال مقاتل: إن هذا الذي ذكر للمقربين وأصحاب اليمين وللمكذبين لهو حق اليقين لا شك فيه [[انظر: "تفسير مقاتل" 140 أ.]].
وقال أبو إسحاق: أي هذا الذي قصصنا عليك في هذه السورة من الأقاصيص وما أعد الله لأوليائه وأعدائه وما ذكر مما يدل على وحدانيته ليقين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 118.]].
ومعنى (حَقُّ اليَقِينِ) حق الأمر اليقين عند الأخفش والبصريين [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 703، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 234.]]، وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 347، و"البحر المحيط" 8/ 216.]].
وقال أبو إسحاق: هذا كما تقول إن زيدًا لعالم، وإنه للعالم حق العالم إذا بالغت في التوكيد [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 118.]].
الواقعة 56:96
قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال أبو إسحاق: فنزّه الله عَزَّ وَجَلَّ عن السوء.
والباء يجب أن تكون زيادة للتوكيد [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 234 - 235.
وقال الشوكاني في "تفسيره" 5/ 162، والباء متعلقة بمحذوف: أي فسبح ملتبسًا باسم ربك للتبرك به، وقيل: المعنى: فصل بذكر ربك، وقيل الباء زائدة، والاسم بمعنى الذات. وقيل: هي للتعدية؛ لأن سبح يتعدى بنفسه تارة ويتعدى بالحرف أخرى، والأول أولى.]]، والاسم يكون بمعنى الذات والنفس كأنه قيل: سبح ونزه ربك العظيم. والله أعلم بالصواب.
الحديد 57:1
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال المقاتلان يعني كل شيء من ذي الروح وغيره من الشجر، والجبال، والبحار، والشمس، والقمر، وكل خلق فيهما ولكن لا تفقهون تسبيحهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 140 أ، و"جامع البيان" 27/ 124 ولم ينسبه، و"الوسيط" 4/ 244، و"فتح القدير" 5/ 165.]].
وقال أهل المعاني: تسبيح ما لا يعقل تنزيه لله من السوء بما فيه من الآية الداعية إلى ذلك كأنها ناطقة به إذ صنعه يقتضي صانعًا غير مصنوع [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 235، و"فتح القدير" 5/ 165.]].
قال أبو إسحاق: وهذا خطأ؛ لأن التسبيح تمجيد لله عز وجل وتنزيهه من [السوء] (*)، قال الله عز وجل ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44] فلو كان التسبيح آثار الصنعة لكانت معقولة، وكانوا يفقهونها، وأيضًا فإنه قال ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: 79] فلو كان تسبيحها آثار الصنعة لم يكن في هذا تخصيص لداود [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 121، وقال القرطبي 17/ 236، وما ذكره هو الصحيح.
(*) قال معد الكتاب للشاملة: ما بين المعقوفين غير واضح في المطبوع، وما أثبتناه من معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج (5/ 121).]]، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44]، وفي مواضع.
الحديد 57:2
قوله تعالى: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ قال المفسرون: يحيى الأموات للبعث ويميت الأحياء في الدنيا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 236.]].
وقال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى يحيي النطف التي إنما هي موات ويميت الأحياء، ويكون موضع يحي ويميت رفعًا على معنى هو يحيي ويميت ويجوز أن يكون نصبًا على معنى له ملك السموات والأرض محييًا ومميتًا قادرًا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 121.]].
الحديد 57:3
قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ قال جماعة المفسرين: هو الأول قبل كل شيء، كان هو ولا شيء موجود، فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، يفني الأشياء، ويبقى آخرًا كما كان أولاً، وهذا يروى مرفوعًا أنه "الأول وليس قبله شيء والآخر وليس بعده شيء" [[الحديث أخرجه مسلم (2713) في الدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع وفيه "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء" الحديث. والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه، وأحمد 2/ 381، 404.]].
قال الأزهري: ولا يجوز أن يعدو في تفسير الاسمين ما روي عن النبي -ﷺ- [[لم أجد هذا اللفظ في "تهذيب اللغة" 13/ 474 (بطن) وإنما قال: ومن صفات الله عز وجل: "الظاهر والباطن" لا تأويلها ما روي عن النبي -ﷺ- في تمجيد الرب .. وذكر الحديث.]].
قوله تعالى: ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ أي الغالب العالي على كل شيء، ومثل قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: 14] أي غالبين عالين، من قولك: ظهرت على فلان أي علوته. ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] وهذا معنى ما روي في الحديث: "والظاهر فليس فوقك شيء" وهذا قول أكثر أهل العلم [[انظر: "مجموع الفتاوي" 5/ 244 - 245، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 132، قال ابن كثير: وقال البخاري: قال يحيى: ونقل كلام الفراء. "ابن كثير" 4/ 302.]]، ويجوز أن يكون معنى الظاهر أنه ظاهر بالأدلة والشواهد على ربوبيته [[انظر: "الكشاف" 4/ 63، و"فتح القدير" 5/ 165، ثم قال: وقد فسر هذه الأشياء الأربعة رسول الله -ﷺ- فيتعين المصير إلى ذلك.]]. وهذا معنى ما روي في الخبر: "اللهم أنت الظاهر فلا تخفى".
قوله تعالى: ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ قال أبو إسحاق: الباطن العالم بما بطن، كما تقول: فلان يبطن أمر فلان، أي يعلم دِخْلَةَ أمره [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 122.]].
قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر من فلان، أي: أخبر بباطنه فالله تعالى العالم الباطن بكل شيء فلا أحد أعلم منه [[انظر: "تهذيب اللغة" (بطن).]]، وهذا معنى ما روي في الحديث: "وأنت الباطن فليس دونك شيء" أي ليس أقرب منك بالعلم شيء، ويجوز أن يكون معنى الباطن أنه محتجب عن الأبصار وهو معنى ما روي في الخبر "والباطن فلا يُرى".
الحديد 57:4
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مفسر في سورة الأعراف [[من الآية (54) من سورة الأعراف.]] إلى قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ وهو مفسر في سورة سبأ [["تفسيره" الآية (34) من سورة سبأ.]] إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أي بالعلم والقدرة وليس ينفك أحد من تعلق علم الله وقدرته به أينما كان من أرض، وسماء، وبر وبحر.
وهذا حجة على من ترك تأوبل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وأجراه على الظاهر إذ لابد من التأويل في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ولا يجوز إجراؤه على الظاهر حتى يعتقد أنه مع كل واحد في مكانه وجهته وإذا جاء التأويل في بعض جاز في الكل [[قول المؤلف رحمه الله: ولا يجوز إجراؤه على الظاهر ... أي قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ صواب وحق لا ريب فيه. قال أبو عمر الصلمنكي: وأجمع المسلمون من أهل "السنة"، على معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء. انظر: "الصواعق المرسلة" 4/ 1284، و"العلو" ص 178.
أما قوله: وهذا حجة على من ترك تأويل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وأجراه على الظاهر فهو كلام مردود مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة. قال الإمام أحمد رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الله على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ومثل هذا نقل عن الشافعي، وابن جرير، وابن المبارك، وسعيد بن عامر، وابن خزيمة، والبخاري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، وغيرهم. انظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي 5/ 5، و"شرح الفقه الأكبر"، لأبي حنيفة ص102، و"العلو" للذهبي ص101 - 102، و"السنة" لعبد الله بن أحمد 1/ 7، و"الرسالة" ص 8، و"الصواعق المرسلة" 4/ 1292 - 1305.
وأما قوله: وإذا جاز التأويل في بعض جاز في الكل، فجوابه أن التأويل الذي يقبل هو التأويل بمعنى التفسير أي معرفة معاني الصفات، وهذا حق. وأما التأويل بمعنى الحقيقة فهذا لا يعلمه إلا الله، فحقائق الصفات من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وأما التأويل الذي يشير إليه المؤلف -عفا الله عنه- فهو صرف نصوص الصفات عما دلت عليه بغير دليل، وإنما لشبهة، وهذا التأويل مردود ولا يصح. انظر: "التدمرية" لابن تيمية ص 91.]].
الحديد 57:7
قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يخاطب كفار قريش ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني المال الذي كان بيد غيرهم فأهلكهم وأعطا قريشًا ذلك فكانوا خلائف عمن مضوا، وهذا معنى قول المفسرين أنفقوا من أموالكم التي ملككم الله وعمركم فيها [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 294، و"القرطبي" 17/ 238، قلت: وحمل الآية على العموم أولى من حصرها على كفار قريش أو العرب. انظر: "التفسير الكبير" 29/ 215، وقال الشوكاني في "تفسيره" 5/ 167: ويجوز أن يكون خطابًا للجميع، ويكون المراد بالأمر بالإيمان في حق المسلمين الاستمرار عليه، أو الازدياد منه.]].
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ قال عطاء والكلبي ومجاهد والمقاتلان [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 347 - 348، و"تفسير مجاهد" 2/ 656، و"تفسير مقاتل" 140 ب.]]: يريد حين أخرجهم من ظهر آدم.
وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172].
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال الكلبي: إذا كنتم عند أخذ العهد مقرين له [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 347.]] فـ ﴿إِنْ﴾ على قوله بمعنى (إذ)، وقال غيره: إن كنتم مؤمنين بالحجج والدليل فقد بان وظهر على يد محمد -ﷺ- ببعثته وإنزال القرآن عليه، ويجوز أن يكون المعنى: إن كنتم مؤمنين يومًا فما لكم لا تؤمنون الآن، وقد قامت الحجة على صدق محمد -ﷺ- وصحة نبوته [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 294، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 238 - 239.]].
الحديد 57:8
ثم قال في الحث على الإنفاق، قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: أيّ شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله وأنتم ميتون تاركون أموالكم قاله الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 123.]]، وهو معنى قول المفسرين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 294.]].
الحديد 57:10
ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ قال: يعني فتح مكة في قول جميعهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 294، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 239، وزاد مع الشعبي الزهري.]] ، قال مقاتل: لا يستوي في الفضل والسابقة من أنفق من ماله وقاتل العدو من قبل فتح مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب.]].
قال الكلبي في رواية محمد بن فضيل: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، يدل على هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله ﷺ في سبيل الله [[انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 469، و "الوسيط" 4/ 245، و"معالم التنزيل" 4/ 294، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 240.]].
قال ابن عمر: كنت قاعدًا عند النبي -ﷺ- وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة فخلّها [[خلها: أي جمع بين طرفيها بعود أو حديد. النهاية (خلل).]] في صدره بخلال فنزل عليه جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة فخلها في صدره؟ فقال: أنفق ماله عليّ قبل الفتح [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 62 أ، و"أسباب النزول" للواحدي ص 469، و"معالم التنزيل" 4/ 295، و"ابن كثير" 4/ 307، كلهم ذكروا بيان أطول من هذا، وتعقبه ابن كثير بقوله: هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه، وذكره ابن الجوزي في ترجمة أبي بكر عن ابن عمر بدون سند، و"صفة الصفوة" 1/ 249 - 250.]].
ولأنه -رضي الله عنه- كان أيضًا أول من قاتل على الإسلام فقد روى زر عن ابن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي -ﷺ- وأبو بكر رضي الله عنه [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 295، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 240، و"لباب التأويل" 7/ 32.]].
قال صاحب النظم: قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ﴾ يقتضي نقيضًا كما قال ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: 20] ولم يجيء هاهنا النقيض الذي يقابل من أنفق فلما قال ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ دل على هذا النقيض؛ لأن نقيضه من أنفقوا من بعد وقاتلوا [[انظر: "التفسيرالكبير" 29/ 218، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 240، و"فتح القدير" 5/ 168.]].
قال عطاء: يريد درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها [[انظر: "الوسيط" 4/ 246، و"معالم التنزيل" 4/ 295.]]، وقال مقاتل بن حبان: يقول كانت نفقتهم وجهادهم مع النبي -ﷺ- أعظم أجرًا ودرجات من درجات من أنفق وقاتل بعد الفتح فتح مكة [[انظر: "فتح القدير" 5/ 168.]].
قال أبو إسحاق: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم وكانت بصائرهم أيضًا أنفذ [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 123.]].
قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ قال مقاتل بن سليمان: يقول وكلا الفريقين وعد الله الجنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب.]].
والقراء في النصب في ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ﴾ لأنه بمنزلة زيدًا وعدت خيرًا فهو مفعول وعد، وقرأ ابن عامر "وكل" بالرفع [[قرأ ابن عامر "وكل" وقرأ الباقون بالنصب انظر: "حجة القراءات" ص 698، و"النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 409.]]، وحجته أن الفعل إذا تقدم عليه مفعوله لم يقو عمله فيه قوته إذا تأخر، ألا ترى أنهم قد قالوا في الشعر [[قوله: (في الشعر) زيادة لا فائدة منها.]]: زيدٌ ضربتُ، ومما جاء في ذلك الشعر [["البيت" لأبي النجم. انظر: "الخزانة" 1/ 173، و"الخصائص" 1/ 292، و"شرح أبيات المغني" 4/ 24.]]:
قد أصبحتْ أمُّ الخيارِ وتدَّعي ... عليَّ ذنْبًا كُلُهُ لم أصْنّعِ
فرووا (كُلُ) بالرفع لتقدمه على الفعل، وإن لم يكن شيء يمنع من تسلّط الفعل عليه فكذلك ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ويكون على إرادة الهاء وحذفها كما تحذف من الصلاتِ نحو: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41] والصفات ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48]. ومثل ذلك قول جرير [[انظر: "ديوان جرير" 1/ 89، و"شرح أبيات المغني" ص 741، "شرح شواهد سيبويه" 1/ 45، و"مغني اللبيب" ص 503، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 25، و"شرح شواهد الألفية" 4/ 75.]]:
أبحتَ حمى تهامةَ بعد نجدٍ ... وما شيءٌ حميتَ بمُستباحِ
أي حميته [[من قوله: "وحجته أن الفعل" إلى هنا من كلام أبي علي الفارسي.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 266 - 267.]].
الحديد 57:11
قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال الكلبي: صادقًا محتسبًا بالصدقة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 352.]].
وقال مقاتل: يعني طيبة بها نفسه [[انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب.]].
وقال أهل العلم: القرض الحسن أن يجمع أوصافًا عشرة وهي: أن تكون من الحلال، وقد قال رسول الله -ﷺ-: "إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب" [[جزء حديث صحيح رواه الإمام مسلم في"صحيحه"، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها. والإمام أحمد في "المسند" 2/ 328.]].
وقد قال أيضًا: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" [[رواه الإمام مسلم في الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، وأبو داود في الطهارة، باب في فرض الوضوء، والترمذي في الطهارة، باب: ما جاء (لا تقبل صلاة بغير طهور) وقال: هذا الحديث هو أصح شيء في هذا الباب وأحسن.]].
وأن تكون من أكرم ما تملكه دون أن تقصد إلى الرديء للإنفاق. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267].
وأن تتصدق به وأنت تحبه وتحتاج إليه، بأن ترجو الحياة كما قال -ﷺ- لما سئل عن أفضل الصدقة، فقال: "أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا أو لفلان كذا" [[رواه البخاري في"صحيحه"، كتاب: الزكاة، باب: أفضل الصدقة صدقة الشحيح الصحيح 2/ 137، ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقه صدقة الصحيح الشحيح.]].
وأن تضعه في الأخل [[في (ك): (الأحل) والتصحيح من "تفسير الوسيط". والأخل هو الفقير المحتاج، من (الخَلَّة): الحاجة والفقر. انظر: "اللسان" (خلل).]] الأحوج الأولى بأخذه، ولذلك خص الله تعالى أقوامًا بأخذ الصدقات وهم أهل السهمان.
وأن تكتمه ما أمكن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271].
وأن لا تتبعه منا وأذى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264].
وأن تقصد به وجه الله ولا ترائي بذلك؛ لأن المرائي مذموم على لسان الشرع.
وأن تستحقرها، تعطي وإن كثر؛ لأن ذلك قليل والدنيا كلها قليلة.
وأن تكون من أحب مالك إليك، قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]. فهذه أوصاف عشرة إذا استكمَلَتها الصدقة كانت قرضًا حسنًا إن شاء الله [[انظر: "الوسيط" 2/ 247، و"التفسير الكبير" 29/ 221، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 242، ونسب هذا القول للقشيري.]]، وهذه الآية مفسرة مذكورة في سورة البقرة [[عند تفسيره الآية (245) من سورة البقرة.]].
الحديد 57:12
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال أبو إسحاق: يوم منصوب بقوله: ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي وله أجر كريم في ذلك اليوم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 123.]].
و ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال مقاتل والحسن: يسعى نورهم بين أيديهم على الصراط يوم القيامة، وهو دليل لهم إلى الجنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 244.]].
وقال قتادة: إن المؤمن يضيء له نوره كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نور إلا موضع قدميه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 275، و"جامع البيان" 27/ 128، و"الكشف والبيان" 12/ 63 أ.]].
وقال ابن مسعود في هذه الآية: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم منهم من نوره مثل الجبل وأدناهم نورًا نوره على إبهامه يطفأ مرة ويَقد أخرى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 128، و"زاد المسير" 8/ 165، و"لباب التأويل" 7/ 32، وهو اختيار أبي جعفر النحاس. انظر: "إعراب القرآن" 3/ 355.]].
وقال مجاهد: ما من عبد إلا ينادي يوم القيامة أين فلان بن فلان ها نورك، أين فلان بن فلان لا نور لك.
قوله: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قال الأخفش والفراء: يريد من أيمانهم وشمائلهم فأقام الباء مقام عن كما قال: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45]. يقول بطرف [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 407، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 132.]]، واكتفى بالأيمان عن ذكر الشمائل.
وقال الضحاك وابن حبان: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ كتبهم التي أعطوها فكتبهم بأيمانهم ونورهم بين أيديهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 248، و"معالم التنزيل" 4/ 295، و"زاد المسير" 8/ 165، وهو اختيار ابن جرير، و"جامع البيان" 27/ 128.]]، وعلى هذا حذف الكتب لدلالة قوله: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ عليها.
قوله تعالى: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: وتقول لهم الملائكة: بشراكم اليوم.
الحديد 57:13
ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم فقال: قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ} يوم بدل من قوله: ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 356 - 357.]] فقال أبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورًا ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا فيمضي المؤمنون ويقول المنافقون ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ قال: وهي خدعة خدع بها المنافقون، قال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم وقد ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [[أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ص 108 (الرقائق)، والحاكم في "المستدرك" وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 435، ببيان أطول مما هاهنا، وهو صحيح الإسناد موقوف على أبي أمامة، وانظر: "ابن كثير" 4/ 38، و"الدر" 6/ 173.]].
وقال ابن عباس ومجاهد: إن المؤمنين والمنافقين جميعًا يعطون النور وذلك أنهم يحشرون معًا ويعطون النور فيطفأ نور المنافقين ويقولون للمؤمنين ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 657، و"جامع البيان" 27/ 129.]].
وقال الكلبي: يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون قالوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ أي انتظرونا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 354، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 245.]] ونظر بمعنى انتظر في التنزيل والشعر كثير، قال الله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: 53] منتظرين إدراكه، وأنشد أبو علي [[البيت ورد في "اللسان" (ش) ولم ينسبه، وفيه: (راعي الغنم).]]:
ما زِلت مُذ أشهرَ السُّفَّارُ أنْظُرُهُم ... مثلُ انتظارِ المضحّي راعيَ الإبلِ المعنى: انتظرهم انتظارًا مثل انتظار الضحي ويجي فعلت وافتعلت بمعنى كثيرًا كقولهم: شريت واشتريت وحفرت واحتفرت [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 272، وأشهر السفار: أي مضى عليهم شهر.]].
وقرأ حمزة ﴿أنْظِرُونَا﴾ بقطع الألف [[قرأ حمزة (أَنْظِرُونَا) بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الظاء، وقرأ الباقون (انظُرُونَا) بوصل الهمزة وضم الظاء. انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 410.]] من الإنظار: قال أبو عبيد: التي تختارها هي الأولى [[أي قراءة الجمهور.]]؛ لأن تأويلها: انتظرونا، وأما الأخرى: فإنما هي من التأخير ولا أعرب للتأخير هاهنا موضعاً [[قلت: وإذا ثبتت القراءة عن النبي -ﷺ-كما هنا فلا عبرة بما قال غيره، وعدم معرفة أبي عبيد -رحمه الله - لهذا المعنى في القراءة لا يطعن في صحة القراءة وقوتها ولا يقلل من قدره رحمه الله، ومعرفة غيره من علماء اللغة لهذا المعنى تشهد لصحة القراءة لغة وقد صحت سندًا، والله أعلم.]] فأبطل هذه القراءة.
قال أبو إسحاق: ﴿انْظُرُونَا﴾ بقطع الألف معناه: انتظرونا أيضًا، وأنشد بيت عمرو بن كلثوم [[البيت من معلقة عمرو بن هند. انظر: "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 98، و"الخزانة" 3/ 628.]]:
أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
وقال أبو علي: وقد يكون أنظرتُ في معنى انتظرت بقولك: أنظرني التنفيس الذي يطلب بالانتظار من ذلك قوله:
وأنظرنا نخبرك اليقينا
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: 14] إنما هو طلب الإمهال والتسويف، فالمطلوب بقوله: وأنظرنا: تسويف، وكذلك قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ﴾ نفسونا نقبتس، وانتظروا علينا. وكذلك ما جاء في الحديث من إنظار المعسر [[أخرج مسلم في "صحيحه"، كتاب الفضائل، باب من أنظر انقياد الشجر للنبي -ﷺ- وفيه (من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظله الله في ظله).]] فهذا وإن كان التأخير يشملها فهو على تأخير دون تأخير، وليس تسرّع من تسّرعَ إلى تخطئة من قال: "أنظرونا" بشيء وليس ينبغي أن يقال فيما لطف إنه خطأ، وهو زعموا قراءة يحيى بن وثاب والأعمش [[انظر: " الحجة للقراء السبعة" 6/ 273، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 133، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 357، وقوله: فيما لطف، أي فيما غمض معناه وغفى، و"اللسان" 3/ 369 (لطف).]].
قوله تعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يقول المؤمنون لهم ارجعوا وراءكم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 354، و"الوسيط" 4/ 249]]. وقال مقاتل: قالت لهم الملائكة ارجعوا وراءكم من حيث جئتم من الظلمة [[انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب، و"جامع البيان" 27/ 129، ونسب القول للمؤمنين موضحًا معنى الآية.]].
﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ قال أبو إسحاق: تأويله لا نور لكم عندنا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 124.]].
قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ قد ذكرنا أن المنافقين ينصرفون لطلب النور فلا يجدون، ثم يقبلون إلى المؤمنين ليلحقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين ويضرب بينهم سد، وهو قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ أي أن بين المنافقين والمؤمنين ﴿بِسُورٍ﴾ وهو الحائط، والباء فيه صلة للتأكيد، قاله الأخفش [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 704.]]. وقد مضى الكلام فيه.
﴿لَهُ بَابٌ﴾ لذلك السور باب ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أي في باطن ذلك السور الرحمة، قال ابن عباس والمفسرون [[انظر: "جامع البيان" 27/ 129، و"معالم التنزيل" 4/ 296، و"زاد المسير" 8/ 166.]]: يعني الجنة التي فيها المؤمنون ﴿وَظَاهِرُهُ﴾ يعني وخارج السور ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ أي من قبله يأتيهم العذاب، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة، وما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب.
قال ابن عباس: يريد جهنم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 246، و"فتح القدير" 5/ 171.]]، وقال الحسن: يعني النار [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 296، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 309.]].
وقال الكلبي: هذا السور هو سور الأعراف [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 أ، و"جامع البيان" 27/ 129، و"الجامع" للقرطبي 17/ 246، و"ابن كثير" 4/ 903، عن مجاهد وابن زيد، وقال ابن كثير: وهو الصحيح.]].
وقال قتادة: هو حائط بين الجنة والنار [[انظر: "جامع البيان" 27/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 39، وزاد نسبته للحسن.]]، والمعنى أن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقين يحصلون [[قوله: (يحصلون) أي يميزون، والمُحَصَّلة: التي تْمَيِزّ الذهب من الفضة، و"اللسان" 1/ 654 (حصل).]] في العذاب والنار وبينهم السور الذي ذكر الله تعالى.
الحديد 57:14
قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ قال المفسرون: إن المؤمنين إذا فاتوا المنافقين وسبقوهم نادوهم من وراء السور ألم نكن معكم نصلي بصلاتكم في مساجدكم ونغزو مغازيكم، وكنا معكم في الحج والعمرة ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: استعملتموها في الكفر والشهوات والمعاصي وكلها فتنة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 130، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 124، و"معالم التنزيل" 4/ 296.]].
﴿وَتَرَبَّصْتُم﴾ قال ابن عباس: يريد بالتوبة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 355، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 247.]]، وقال مقاتل: وتربصتم بمحمد الموت، وقلتم: يوشك أن يموت فنستريح منه [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 296.]]، وهو اختيار أبي إسحاق، قال: وتربصتم بالنبي -ﷺ- والمؤمنين الدوائر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 124.]].
قوله تعالى: ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ قال ابن عباس: شككتم في الوعيد، يعني فيما أوعدهم به محمد -ﷺ- من العذاب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 355، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 247.]].
وقال مقاتل: وشككتم في نبوة محمد [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 أ.]].
وقوله: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ قال ابن عباس: يريد الباطل وهو ما كانوا يتمنون الدوائر بالمؤمنين [[انظر: "الوسيط" 4/ 249، و"معالم التنزيل" 4/ 296.]] ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قالوا: الموت.
قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار [[(الله في) ساقطة من (ك)، وانظر: "جامع البيان" 27/ 130، و"معالم التنزيل" 4/ 296.]]. وهو قوله تعالى: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي وغركم الشيطان بحلم الله وإمهاله وهذا مفسر فيما تقدم [[عند "تفسيره" الآية (33) من سورة لقمان.]].
الحديد 57:15
قوله تعالى: (هي مولاكم) قال ابن عباس: هي مصيركم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 227.]].
وقال مقاتل: يعني وليكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 أ.]].
وقال الكلبي: هي أولى بكم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 355، و"الوسيط" 4/ 249.]]، وهو قول أبي عبيدة، وأنشد للبيد: [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 254، والبيت في معلقة لبيد. انظر: "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 85، ومعناه: أن البقر هربت خوفاً من الكلاب، ولا تعرف أن الكلاب خلفها أم أمامها من شدة الخوف، فما بين اليدين فرج وما بين الرجلين فرج. وورد أيضًا في "شرح شواهد الكتاب" 1/ 202، و"المقتضب" 3/ 201، و"الدرر اللوامع" 1/ 178.]]
تعدت كل الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها
قال أبو إسحاق: معن ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب، وأنشد البيت ثم قال: أي ولي المخافة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 125.]].
وقال الفراء: هي أولى بكم [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 134.]]. هذا الذي ذكرنا ألفاظهم [[قال الرازي: واعلم أن هذا الذي قالوه معنى وليس بتفسير للفظ؛ لأنه لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة لصح استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر. انظر: "التفسير الكبير" 29/ 227 - 228.]]. والمعنى: إنما هي التي تلي عليكم لأنها قد ملكت أمركم وأسلمتم إليها فهي أولى بكم من كل شيء وإنما جاز إطلاق هذا اللفظ على النار؛ لأن الله تعالى قد ركب فيها العقل والمعرفة فهي تتميز غيظًا على أعداء الله وهي أعرف بهم من الوالدة بولدها ولهذا المعنى خوطبت في قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ الآية [ق: 30].
ووجه آخر وهو أن معنى قوله: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ لا مولى لكم أي لا ناصر، وذلك أن من كانت النار مولاه فهو مولى له وهذا كما يقال: ناصره الخذلان، ومعينه البكاء، أي لا ناصر له ولا معين، ومثله كثير ويؤكد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: 11].
الحديد 57:16
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقال: أَنَى لك يَأْني أَنًى، وآن لك يئين أيْناَ إذا حان [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 125، و"اللسان" 1/ 122 (أني).]]. روى الثوري عن الأعمش قال: لما قدموا المدينة أصأبوا من لين العيش ورفاهيته ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا ونزلت في ذلك ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ الآية [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 276، وابن المبارك في "الزهد" 2/ 89، وابن المنذر، و"الدر" 6/ 175.]]. ونحو هذا قال القرظي، قال: كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الريف ففتروا عما كانوا عليه [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 66 أ - ب.]].
وقال ابن أبي رواد: إن أصحاب النبي -ﷺ- ظهر فيهم المزاح والضحك فأنزل الله هذه الآية [[أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف". انظر: "الدر" 6/ 175، و"فتح القدير" 5/ 174.]].
قال ابن مسعود: لم يكن بين إسلامهم وبين أن عاتبهم الله بهذه الآية إلا أربع سنين [[أخرجه مسلم في التفسير، باب: في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. وانظر: "مجمع الزوائد" 7/ 121، و"تفسير القرآن العظيم " 4/ 31.]].
وقال مقاتل بن حيان: إنها حين نزلت قال النبي -ﷺ-: "إن الله يستبطئكم بالخشوع" فقالوا عند ذلك يعتب ربنا. [[ذكره القرطبي في "تفسيره" بدون سند، وفي "تفسير الثعلبي" 12/ 165 أعن ابن عباس قال: إن الله تعالى استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وأورده ابن المبارك في "الزهد" ص 89 عنه.]] والمعنى: أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم لذكر الله.
قال ابن عباس: يريد لمواعظ الله، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل أي "لذكر الله" وعظهم وما يعتبرون به ويستدلون به على الخشوع وهو ما ذكر الله لهم من مواعظ القرآن، ويجوز أن يكون الذكر مضافاً إلى المفعول والمعنى لذكرهم الله، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر.
قال أبو إسحاق هذه الآية -والله أعلم- نزلت في طائفة من المؤمنين حُثُّوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفه الله جل وعز بالخشوع والرقة فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 297، و"لباب التأويل" 7/ 35، و"الوسيط" 4/ 25.]].
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (ما) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول، والعائد إليه محذوف على تقدير وما نزله [[في (ك): (نزل).]] من الحق وقراءة العامة بالتشديد [[قرأ الجمهور، وأبو بكر عن عاصم ﴿وَمَا نَزَلَ﴾ بتشديد الزاي، وقرأ نافع والمفضل وحفص عن عاصم بتخفيفها. انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 41.]] لكثرة ما جاء في القرآن من ذكر التنزيل.
قال أبو عبيدة: وكذلك هي عندنا على التشديد لذكر الله جل ثناؤه قبل ذلك [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 274، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 359.]]. والمعنى أنه هو نزل الحق.
قال المبرد: والمعنى في التشديد والتخفيف واحد؛ لأن الحق لا ينزل إلا بأن ينزله الله عز وجل فهو معلوم أن الله عز وجل أنزله وإن لم يذكر باللفظ ويدل على صحة قراءة من ضعف قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [[من الآية (105) من سورة الإسراء. وانظر: المراجع السابقة. قال النحاس: وليس يقع في هذا اختيار، ولو جاز أن يقال الذي مثل هذا اختيار لقيل: الاختيار نزل؛ لأن مثله ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: لتذكير الله.]].
قال ابن عباس والمفسرون: في قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني القرآن [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 297، و"فتح القدير" 5/ 172.]].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾ هو قال الفراء: هو في موضع نصب معناه: ألم يأن أن تخشع قلوبهم وألا يكونوا. قال: ولو كان جزماً على النهي كان صوابًا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 135.]]، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء [[وهي قراءة عيسى، وابن إسحاق، ورويس، وأبي حيوة، وابن أبي عبلة، وغيرهم.== انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 249، و"البحر المحيط" 8/ 223، و"روح المعاني" 27/ 181.]].
قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ قال ابن عباس: يريد الدهر، وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 658، و"الوسيط" 4/ 255، و"معالم التنزيل" 4/ 297.]].
والمعنى: طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد حب الدنيا أي مالوا إليها وأعرضوا عن مواعظ الله تعالى [[انظر: "الوسيط" 4/ 250، و"لباب التأويل" 7/ 35.]]، ويجوز أن يكون المراد بطول الأمد أن أعمارهم طالت في الغفلة فأورثهم ذلك القسوة [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 229، و"فتح القدير" 5/ 173.]].
ويكون المعنى على هذا: طال عليهم أمد الجزاء وأمد آجالهم.
وقال ابن حيان: الأمد [[في (ك): (الأحد) والتصويب من "التفسير الكبير".]] هاهنا الأمل [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 230.]] البعيد [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.]]، والمعنى على هذا: طال عليهم الأمد بطول الأمل أي أملوا بعيدًا فقست قلوبهم.
وقال هو ومقاتل بن سليمان: يعني طال عليهم أمد خروج النبي -ﷺ- فقست قلوبهم حتى أحدثوا الأحداث [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 66 ب، و"الوسيط" 4/ 250، و"التفسير الكبير" 29/ 23.]] يعني الذين كانوا قبل خروج النبي -ﷺ- والمعنى: أنه نهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر، ولهذا قال القرطبي: يجب أن يزداد المؤمن إيمانًا ويقينًا وإخلاصًا في طول صحبته الكتاب [[انظر: "جامع البيان" 27/ 132، و"الكشف والبيان" 13/ 66 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 31.]].
قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد -ﷺ- هذا الذي ذكرنا في هذه الآية هو قول عامة المفسرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 64 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 297، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 249.]].
وقال الكلبي ومقاتل بن سليمان نزلت في المنافقين [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.]] وعلى هذا معنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي باللسان في العلانية.
قال مقاتل: كان المنافقون لا ترق قلوبهم لذكر الله والقرآن فلم يَلِن له إلا القليل منهم وهم الذين صدقوا وكثير منهم فاسقون [[المرجع السابق.]].
الحديد 57:18
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ قراءة العامة بتشديد الصاد على معنى المتصدقين والمتصدقات بالصدقة، وكذا هو في قراءة أُبَّي بالفاء [[قرأ ابن كثير، وأبو بكر: ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ بتخفيف الصاد فيهما وقرأ الباقون (المصَّدَّقين والمصَّدقات) بتاء ظاهرى وبها احتج الجمهور لقراءة التشديد. انظر: "حجة القراءات" ص 107، و"النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 41.]] فأدغمت التاء في الصاد يدل على أن المعنى هذا.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وهذا الفصل اعتراض بعين الخبر والمخبر عنه والاعتراض بمنزلة الصفة [[في (ك): (الصلة).]] فهو للصدقة أشد ملاءمة منه للتصديق، وقراءة من قرأ بتخفيف الصاد من التصديق الذي هو بمعنى الإيمان، ومعناها إن المؤمنين والمؤمنات، حجة هذه القراءة أن التشديد مقصور على الصدقة والتخفيف أعم؛ لأن التصديق يعم الصدقة وغيرها من كل ما صدقوا وآمنوا به فهو أذهب في باب المدح، وعلى هذا قوله: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [[من الآية (277) من سورة البقرة، وفي غيرها من سور القرآن كثير.]] فذكر العمل الصالح بعد الإيمان كذلك هاهنا ذكر القرض الحسن بعد التصديق على هذه القراءة لا يحمل قوله: وأقرضوا على الاعتراض ولكنه عطف على المعنى، ألا ترى أن المصدقين معناه الذين صدقوا فكأنه قال: إن الذين صدقوا وأقرضوا ويجوز هذا الوجه في القراءة الأولى [[من قوله: (قوله تعالى ﴿وَأَقْرَضُوا﴾ وهذا الفصل) إلى هنا من كلام أبي علي الفارسي بتصرف من المؤلف. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 274 - 275.]]، على معنى إن الذين تصدقوا وأقرضوا الله قرضا حسنًا، وذكرنا تفسير القرض الحسن في هذه السورة.
وذكر أبو علي في المسائل الحلبية في قوله: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ أوجهًا، واختار الاعتراض فقال: حمله على الاعتراض أرجح الوجوه عندي؛ لأن الاعتراض قد شاع في كلامهم وكثر، ولم يجر ذلك عندهم فجرى مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي؛ لأن فيه تبييناً فأشبه بذلك الصفة والتأكيد [[انظر: "المسائل الحلبيات" ص 143.]].
الحديد 57:19
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما: أن الآية عامة في كل من آمن بالله ورسله وهو مذهب مجاهد، وقال: كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق، ثم قرأ هذه الآية [[انظر: "جامع البيان" 27/ 133، و"معالم التزيل" 4/ 298، و"زاد المسير" 8/ 17.]]، ويدل على هذا ما روي عن ابن عباس في قوله: {هُمُ الصِّدِّيقُونَ} أي الموحدون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 359، و"التفسير الكبير" 29/ 231.]].
الثاني: أن الآية خاصة وهو قول المقاتلين، قال ابن سليمان: هم الذين لم يشكوا في الرسل ساعة حين أخبروهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.]].
وقال ابن حيان: هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم ولم يكذبوهم ساعة قط مثل حديث آل ياسين ومؤمن آل فرعون وأبي بكر الصديق [[انظر: "الوسيط" 4/ 251، و"التفسير الكبير" 29/ 231، و"فتح القدير" 5/ 173، وأبو بكر الصديق هو خليفة رسول الله -ﷺ- توفي سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة. انظر: "الإصابة" 11/ 40، و"العبر" 1/ 13، و"صفة الصفوة" 1/ 235.]]، هذا كلامه وهو مذهب الضحاك في هذه الآية، قال: هم ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر رضي الله عنهم ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 67 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 298، و"زاد المسير" 8/ 170، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 254.]].
ومن قال بالطريقة الأولى قال: قوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ عطف على الآية الأولى. والمعنى: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء.
قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾ [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 298، و"التفسير الكبير" 29/ 232، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 312.]].
وقال الضحاك: الشهداء هم الصديقون، وكانوا كلهم شهداء [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 68 أ.]]. يعني الذين ذكرهم بأسمائهم.
قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون (والشهداء) نسقًا على ما قبله، فيكون المعنى: أولئك هم الصديقون وأولئك هم الشهداء عند ربهم، ويكون ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ للجماعة من الصديقين والشهداء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 126 - 127.]].
وعند قوم من المفسرين هذه الآية مستأنفة. قال مسروق: هذه للشهداء خاصة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 276، و"جامع البيان" 27/ 133.]]، وقال مقاتل بن سليمان ثم استأنف للشهداء يعني من استشهد [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.]].
وقال مقاتل بن حيان: الآية الأولى مفصولة ثم ذكر الشهداء وهم الأنبياء والرسل [[انظر: "الوسيط" 4/ 251، و"معالم التنزيل" 4/ 298.]] واختار محمد بن جرير هذا القول قال: لأن الإيمان غير موجب اسم شهيد إلا أن يراد أنه شهيد على ما آمن به فيكون وجهًا وذلك ليس بمعروف من معانيه إذا أطلق، والتأويل والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله عند ربهم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 133 - 134.]].
وقال الفراء: انقطع الكلام عند قوله: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم قال ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني النبيين ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ورفعت ﴿الشُّهَدَاءُ﴾ بقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ونحو هذا ذكر أبو إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 135، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 126.]] في هذا الوجه سواء فالشهداء في قول مقاتل بن سليمان، وابن جرير من استشهد في سبيل الله، وفي قول ابن حيان، والفراء، والزجاج: الأنبياء.
الحديد 57:20
قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الآية، آراء المتأخرين من أهل التفسير يفسرون الحياة الدنيا بما في هذه الدار الفانية من العروض والأموال التي تسمى الدنيا وهي لا تسمى الحياة، والحياة الدنيا الحياة في هذه الدار، وللآدمي حياتان، الحياة الدنيا، وهي حياته في هذه الدار، وحياته الثانية: حياته في الآخرة، أعلم الله تعالى أن الحياة الفانية ما هي وهو يريد حياة من لا تكون حياته في طاعته؛ لأن من كانت حياته في طاعة الله لا تكون حياته لعبًا ولهوًا. قال ابن عباس في هذه الآية: يريد ما كان لغير الله فهو باطل وغرور [[انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"التفسير الكبير" 29/ 233.]]. وإنما جعلها لعبًا ولهوًا: لأنها تنقضي عن قريب، ولأنها إذا كانت في غير الطاعة فهي باطل وغرور. قاله ابن عباس.
قوله تعالى: ﴿وَزِينَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد يتزين الناس بما لا يحب الله ولا يرضى [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 233، و"الجامع لأحكام القرآن" 5/ 255.]]. والمعنى أن الكافر يستغل حياته بالتزين للدنيا، دون العمل للآخرة فحياته زينة على معنى أنه يذهبها في الزينة، والزينة اسم جامع لكل شيء يتزين به، والكافر لا همة له في حياته إلا ما يزينه في دنياه، وهذا كما قيل: حياتك بالغرور سهو وغفلة، أي أنك تذهبها فيهما لا أنها هما بعينهما. وكذلك قوله: ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ يعني أنكم تشتغلون في حياتكم بالتفاخر.
قال ابن عباس: يفاخر الرجل قريبه وجاره [[انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 298.]].
﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ قال ابن عباس: يجمع ما لا يحل له تكاثرًا به، ويتطاول على أولياء الله بماله وخدمه وولده [[انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"التفسير الكبير" 29/ 233.]].
ثم بين لهذه الحياة شبيهًا فقال ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ يعني المطر والكاف موضعه رفع من وجهين أحدهما: أن يكون صفة لقوله. ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ وما ذكر بعدهما. والآخر: أن يكون خبرًا بعد خبر قاله الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.]]، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ﴾ [الكهف: 45] الآية. وقد بينا الكلام فيها قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ يعني الزراع، عن عبد الله ومجاهد [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 233، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 313.]].
قال الأزهري: والعرب تقول: للزارع كافرًا؛ لأنه يكْفُرُ البَذْرَ الذي يبذره بتراب الأرض، ومنه قوله: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ أي الزُّرَّاعَ، وإذا أعجب الزراع نباتة مع علمهم به فهو غاية ما يُسْتَحْسَنُ، قال: وقيل الكفار في هذه الآية الكفار باللهِ وهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين هذا كلامه [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 199 (كفر).]] وأكثره من قول أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.]].
وقوله: ﴿نَبَاتُهُ﴾ أي ما ينبت من ذلك الغيث وباقي الآية مفسر في سورة الزمر [[عند "تفسيره" الآية (21) من سورة الزمر.]].
قال أهل المعاني: زهد الله بهذه الآية في العمل للدنيا ورغب في العمل للآخرة وهي صفة حياة الكافر وحياة من يشتغل باللهو واللعب وما ذكر بعدهما، وهي خطاب للكافر وتحذير للمؤمنين عن مثل حياتهم، ويدل على هذا قوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ فختم بذكر العذاب، والمعنى: فعذاب شديد لمن كانت حياته بهذه الصفة.
قال مقاتل: عذاب شديد لأعداء الله ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ لأوليائه وأهل طاعته [[انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 298.]]. وقاله ابن عباس.
قال الزجاج: معناه: مغفرة لأولياء الله، وعذاب لأعدائه [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.]].
وقال الفراء: ذكر ما في الدنيا وأنه على ما وصف، ثم قال: وأما الآخرة فإنها إما عذاب وإما جنة [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 135.]].
قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ يعني لمن عمل لها ولم يعمل للآخرة، وهو معنى قول مقاتل، أي: لمن اغتر بها يتمتعون ثم يذهب [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 234، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 256.]].
وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور هو ما يلهيك عن طلب الآخرة وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 298، و"لباب التأويل" 7/ 36، و"فتح القدير" 5/ 175.]].
الحديد 57:21
قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مضى تفسير هذه الآية عند قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133].
قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أن السموات السبع والأرضين السبع لو ألزق بعضها ببعض ووصل لكانت الجنة في عرضها جميعًا هذا قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 142 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 234.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد لرجل واحد، يعني أن لكل واحد جنة بهذه السعة [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 234، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 256، و"فتح القدير" 5/ 175. وفي "تفسير الثعلبي" 12/ 78 ب قال: وقال ابن كيسان (عني به جنة واحدة من الجنان).]].
القول الثالث: أن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في نفوسهم، وأكبر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض وهذا قول الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.]]. وهذه الأقوال مشروحة في سورة آل عمران.
قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ في هذا أعظم رجاء وأقوى أمل إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن ولم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 235، قال الشوكاني: ولكن هذا مقيد بالأدلة الدالة على أنه لا يستحقها إلا من عمل بما فرض الله عليه، واجتنب ما نها الله عنه، وهي أدلة كثيرة في الكتاب و"السنة". "فتح القدير" 5/ 176.]].
ثم قال ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 299، و"تفسير القرآن" 4/ 313.]].
قال أبو إسحاق: ثم أعلم أن المؤَدَّى إلى الجنة أو إلى النار لا يكون إلا بقضاء وقدر فقال:
الحديد 57:22
قوله تعالى: [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.]] ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ قال الكلبي والمقاتلان: المصيبة في الأرض قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار وغلاء السعر وتتابع الجوع، وقالوا في قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ المصيبة في الأنفس: النبلاء والأمراض، وذهاب الولد، وإقامة الحدود عليها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 362، و"تفسبر مقاتل" 142 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 257.]].
وقال الشعبي: المصيبة ما يكون من خير وشر، وما يسوء وشر [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 69 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 237، و"روح المعاني" 27/ 186.]]، وهو اختيار الزجاج، قال: أو كسب خير أو شر فمكتوب عند الله معلوم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.]]، وهو قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ قالوا: يعني اللوح المحفوظ.
وذكر أن سعيد بن جبير لما انطلق به إلى الحجاج بكى رجل، فقال ما يبكيك: قال: الذي نزل بك من الأمر قال: فلا تبك فإنه كان سبق في علم الله أن يكون هذا ثم قرأ هذه الآية [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 69 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 257.]].
قال أبو علي الفارسي: قوله: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ موضع قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يحتمل ضربين أحدهما: أن يكون مفعولا فيه ظرفًا، والآخر: أن يكون وصفًا، فإن جعلته ظرفًا احتمل أن يكون ظرفًا لأصاب، واحتمل أن يكون لمصيبة ويؤكد كونه ظرفًا ويحسنه دخول لا في قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ فصار ذلك مثل: ما ضرب من رجل ولا امرأة.
الوجه الثاني: أن يكون صفة للنكرة، وقوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ صفة معطوفة على صفة، وإذا كان كذلك احتمل موضع قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ضربين: أحدهما: أن يكون جرًا على لفظ قوله: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ والآخر: أن يكون رفعًا على موضع ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾.
فإن قلتَ: فما وجه دخول (لا) في قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ وليس الكلام على هذا التأويل بنفي؟ فالقول فيه: أنه لما كان معطوفًا على ما هو منفي في المعنى وإن لم يكن منفيًا في اللفظ جاز أن يحمل الكلام على المعنى فيدخل فيه لا؛ لأن قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفة لمنفي [[في (ك): (ملنفى) ولعل صوابها (لمنفى).]] فأجريته مجرى المنفي فاستجزت العطف عليه بلا، والحمل على المعنى في النفي قد جاء في غير شيء من كلامهم ألا ترى أنهم قد قالوا: إن أحدًا لا يقول إلا زيد لما كان في المعنى منفيًا. وإن شئت قلت: إن (لا) زائدة وقد ذكرنا زيادتها في غير موضع [[انظر: "الدر المصون" 1/ 251.]].
قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ قال ابن عباس: من قبل أن أخلق خلقي [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 237، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 313، و"فتح القدير" 5/ 176، ولم ينسب القول لقائل.]].
وقال الكلبي والمقاتلان: من قبل أن أخلق الأنفس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 363، و"تفسير مقاتل" 142 أ.]]. وعلى هذا الضمير في نبرأها للأنفس وهو اختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 136.]]. وذكر أيضًا الضمير للأرض والأنفس جميعًا [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 299، و"التفسير الكبير" 29/ 237.]]، وعن ابن عباس أيضًا أنها للمصيبة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 69 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 237، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 257.]].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس: إن حفظ ذلك على الله هين [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 299، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 314.]]. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: 11] والمعنى أن إثبات ذلك على كثرته يسير هين على الله.
الحديد 57:23
قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ هذا يدل على قول الشعبي إن المصيبة تكون من خير وشر؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه الآية الحزن والفرح جميعًا، وهذه اللام تجعل أول الكلام سببًا لآخره، كما تقول: قمت لأضربك، بينت باللام أن القيام سبب للضرب وفي هذه الآية ليس الأمر على ذلك؛ لأن إثبات الله تعالى للحوادث والكائنات قبل خلقها لو كان سببًا لنفي الحزن والفرح ما فرح أحد ولا حزن، ولا وجد فرح ولا حزن، ولكن اللام تتعلق بإخبار الله تعالى إيانا بانقضائه وسبق قدره وبالكائنات، وذلك يوجب نفي الفرح والحزن وكأنه قيل: أخبرناكم بهذا لكيلا تأسوا، وحذف ذلك؛ لأن المشاهدة أغنت عنه وهذا معنى ما ذكره صاحب النظم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 238.]].
والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما قضي عليه من مفرح [[في (ك): (مفراج).]] أو محزن سيصيبه لا محالة قَلَّ فرحه وحزنه لاستشعاره العلم بذلك قبل وقوعه.
قوله تعالى: ﴿مَا آتَاكُمْ﴾ قراءة العامة بالمد من الإيتاء، وقرأ أبو عمرو مقصورًا من الإتيان [[قرأ الجمهور ﴿آتَاكُمْ﴾ بالمد، وقرأ أبو عمرو ﴿أَتَاكُمْ﴾ انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 411.]] عادل به ﴿فَاتَكُمْ﴾ فكما أن الفعل للفائت في قوله: ﴿فَاتَكُمْ﴾ كذلك يكون الفعل الذي في قوله: ﴿مَا آتَاكُمْ﴾ والعائد إلى الموصول من الكلمتين الذكر المرفوع بأنه فاعل، ووجه قراءة العامة أن الخير الذي يأتيهم هو مما يعطيه الله فإذا قد كان ذلك منسوبًا إلى الله وهو المعطي لذلك، ويكون فاعل الفعل في (آتاكم) ضميرًا عائدًا إلى اسم الله، والهاء محذوفة من الصلة تقديره: بما آتاكموه [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 275 - 276، و"حجة القراءات" ص 107 - 207.]].
قال المبرد: المعنى في قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ أي لا يكون منكم في هذا ولا في هذا ما يجاوز مقدار ما ينبغي فيه [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 239، والظاهر أن الرازي رحمه الله خلط بين كلام المبرد وكلام الزجاج حيث ذكر ما شرح به الزجاج كلام المبرد ونسبه للمبرد، والصواب ما ذكره المؤلف هنا.]].
وشرحه الزجاج فقال: معناه: لا تحزنوا حزنًا يطغيكم حتى يخرجكم إلى أن تلزموا أنفسكم الهلكة، ولا تعتدوا بثواب ما تسلبونه وما فاتكم، ولا تفرحوا فرحًا شديدًا تأثروا فيه وتبطروا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ فدل بهذا أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، فأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.]]. وهذا كله معنى ما روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا للمصيبة صبرًا وللخير شكرًا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 136، و"التفسير الكبير" 29/ 239، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 314.]].
الحديد 57:24
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ هذه الآية مستأنفة لا تتعلق بما قبلها لأنها في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد عليه السلام وبخلوا ببيان فعته، قاله ابن عباس في رواية عطاء والكلبي ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 363، و"تفسير مقاتل" 142 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 24.]]، والآية مفسرة في سورة النساء [[عند تفسيره الآية (37) من سورة النساء.]]. و (الذين) ابتداء وخبره محذوف دل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ على تقدير الذين يبخلون الله غني عنهم [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 367، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 719.]].
قال ابن عباس: ومن يتول عن الإيمان فإن الله غني عن عبادته، حميد إلى أوليائه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 363، و"الوسيط" 4/ 253.]].
وقال مقاتل: يعني بخل اليهود حين بخلوا بالزكاة والنفقة في سبيل الله. يقول الله غني عما عندهم حميد عند خلقه [[انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.]].
والذي ذكرنا من حذف الخبر قول الأخفش، قال: وحذف الخبر كير في القرآن كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ﴾ [الرعد: 31] الآية، ولم يأت له خبر [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 407.]]، وقراءة العامة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ وقرأ ابن عامر (فإن الله الغني) [[قرأ الجمهور ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر (فإن الله الغني) انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 411.]]. ومن أثبت (هو) كان فصلاً، ولا يكون مبتدأ والفصل حذفه أسهل، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب وقد يحذف فلا يخل بالمعنى [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 276.]].
الحديد 57:25
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال مقاتل بن حيان: البينات: الإخلاص لله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى ذلك دعت الرسل [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 24.]]. فالبينات على قول ابن سليمان الحجج [[انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 299.]]، وعلى قول ابن حيان الأحكام في العبادة، والأول الوجه [[يظهر من قول المؤلف "والمعدل الوجه" سقط في العبارة قبل قوله: قال مقاتل بن حيان. ولعل العبارة كما في "تفسير مقاتل بن سليمان" هكذا (قال مقاتل بن سليمان: البينات: يعني الآيات).]]؛ لقوله [[في (ك): (كقوله).]]: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾، والكتاب يتضمن الأحكام.
قوله تعالى: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ قال قتادة وابن حيان: الميزان: العدل [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 275 ، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 299.]].
ويكون المعنى على. هذا وأمرنا بالعدل، وهذا كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: 17] وقد مر.
وقال مقاتل بن سليمان: يعني الموازين [[انظر: "الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 299، والذي في "تفسير مقاتل" أن المراد بالميزان يعني العدل. انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.]]. وهو قول ابن زيد. قال: ما يوزن [[انظر: "جامع البيان" 27/ 137، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 26.]] به.
وعلى هذا المعنى أنزلنا معهم الكتاب ووضعنا الميزان فيكون من باب:
علفتها تبنًا وماء باردًا [[ورد في "البيت" في "الخصائص" 2/ 431، و"الخزانة" 3/ 139، و"إيضاح الشعر" للفارسي ص 573، و"الإنصاف" ص 613، ونسبه إلى ذي الرمة وليس في ديوانه. وفي "أوضح المسالك" 2/ 245، رقم (258) قال محققه: ولم أقف له على نسبة إلى قائل معين، ثم ذكر ثلاثة تخريجات للبيت ومن قال بكل قول. وتمام البيت:
حتى شتت حمالة عيناها
وانظر: "زاد المسير" 8/ 212، و"البحر المحيط" 1/ 247، و"شذرات الذهب" الشاهد رقم (115).]]
وأكلت خبزًا ولبنًا.
وقد مر في مواضع، يدل على صحة هذا قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 6].
قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ أي: ليتبعوا ما أمروا به من الطاعة والعدل فتعملوا بينهم بالعدل.
﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ قال الكلبي: أنزل الله على آدم القلاة والمطرقة والكلبتين [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 136، والقلاة هي السَّندان وهي الصَّلاءَةُ، و"اللسان" 6/ 215 (سند). والكلبتان: الآلة التي تكون مع الحدادين، "اللسان" 2/ 284 (كلب).]].
وروي عن ابن عباس: نزل آدم من الجنة معه خمسة أشياء من الحديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 70 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 241 - 242، والميقَعةُ: ما دُفعَ به السيف، وقيل: الميقعة المسن الطويل، و"اللسان" 3/ 968 (وقع).]].
ويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: "إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح" [[أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 70 ب، وقال ابن حجر: وفي إسناده من لا أعرفه. "تخريج أحاديث الكشاف" 4/ 164، وفي "ضعيف الجامع" 3/ 77: موضوع، وفي "الطب النبوي" لابن القيم ص 396، قال: ذكره البغوي مرفوعًا والموقف أشبه.]] هذا مذهب المفسرين.
وذهب قوم إلى أن معنى أنزلنا الحديد أنشاناه وأحدثناه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: 6] وهو معنى قول مقاتل يقول: بأمرنا كان الحديد [[انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.]]، وهذا قول أبي علي الفارسي.
وقال قطرب: معنى أنزلنا هيأنا وخلقنا من التنزل - يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسنًا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 70 أ - ب، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 300، و"التفسير الكبير" 29/ 242.]]، ومعنى الآية: أنعمنا بالحديد وجعلناه مهيأ لكم وهذا القول قريب من قول أبي علي.
قوله تعالى: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ قال أبو إسحاق: يمتنع به ويحارب [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 129.]] به، وهو قول المفسرين: فيه قتال شديد، قاله عطاء والكلبي [[انظر؛ "تنوير المقباس" 5/ 364، و"معالم التنزيل" 4/ 300، وعبارتهما (قوة شديدة).]].
وقال مقاتل: بأس شديد للحرب [[انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.]]، والمعنى: أنه يتخذ منه آلتان للحرب: آلة الدفع، وآلة الضرب، وقد جمعهما مجاهد في قوله: جُنَّة وسلاح [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 658، و"جامع البيان" 27/ 137.]].
قوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ قال المقاتلان والكلبي: ما ينتفعون به في معايشهم مثل السكاكين والفأس والمبرد [[في (ك): (المدّ)، وانظر: "تنوير المقباس" 5/ 364.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: لأن كل شيء خلقه الله من حجر أو شجر لا يصلح إلا بالحديد [[لم أجده.]].
وقال أبو إسحاق: يستعملونه في أدواتهم وما ينتفعون به [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 126.]].
قال صاحب النظم قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ كل هذا معترض بين قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾؛ لأن قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ لا يتصل بإنزال الحديد وهو نسق على قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 261، و"الدر المصون" 1/ 253.]].
والمعنى: أنزلنا الكتاب والميزان لتعامل بالعدل وليعلم الله من ينصره وذلك أن الله تعالى أمر في كتابه بنصرة دينه ورسله وامتحن الناس بذلك الأمر، فمن [[(فمن) زيادة يقتضيها السياق.]] نصر دينه ورسله علمه ناصرًا، ومن عصى علمه بخلاف ذلك. وعلى هذا إنزال الحديد وما يتعلق به فصل معترض.
ولأبي النصر عبد الجبار بن محمد العتبي الكاتب -رحمه الله- فصل في هذه الآية خلاف ما ذكره صاحب النظم؛ وهو أنه قال: كان يختلج في صدري معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ لجمعه بين الكتاب، والميزان، والحديد، على تنافر طردها من المناسبة، وبعدها قبل الرؤية والاستنباط عن المشاكلة والمقاربة، وسألت عنه عدة من أعيان العلماء بالتفسير والمشهورين من بينهم بالتذكير فلم أحصل منهم على جواب يزيح العلة، ويشفي الصدر، وينقع الغلة، حتى أعملت التفكر، وأنعمت التوبر، فوجدت الكتاب قانون الشريعة ودستور الأحكام الدينية يبين سبل المراشد، ويفصل جمل الفرائض، ويريهن مصالح الأبدان والنفوس، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، قد خطر فيه التعادي والتظالم، والتباغي والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل في أقسام الأرزاق المخرجة لهم بين رجع السماء وصدع الأرض، ليكون ما لِصل منها إلى أهل الخطاب بحسب الاستحقاق بالتكسب دون التغلب والتوثب، واحتاجوا في استدامة حياتهم بأقواتهم مع النصفة المندوب إليها إلى استعمال آلة العدل التي يقع بها التعامل، ويعم معها التساوي والتعادل، فألهمم الله -عَزَّ وَجَلَّ- اتخاذ الآلة التي هي الميزان فيما يأخذونه ويعطونه لئلا يتظالموا لمخالفته فيهلكوا به إذا لم يكن ينتظم لهم عيش مع شيوع ظلم البعض منهم للبعض، ويدل على هذا المعنى قوله جل ذكره: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7] وذلك أنه تعالى جعل السماء سببًا للأرزاق والأقوات من أنواع الحبوب والنبات فكان ما يخرج منها من أغذية العباد مضطرًا إلى أن يكون اقتسامه بينهم على الإنصاف دون الجزاف، ولم يكن ذلك إلا بالآلة المذكورة، فنبه الله -عَزَّ وَجَلَّ- على موقع الفائدة فيه والفائدة به بتكرير ذكره هذا في الكتاب والميزان، ثم إنه من المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلة الموضوعة للتعامل بالسوية، إنما تحفظ العامي على ابتغاها ويضطر العالم إلى التزام أحكامها بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد ونزع من صفقه الجماعة اليد، وهو بارق سطوته، وشهاب نقمته، وجذوة عقابه، وعذبة عذابه، وهذا السيف هو الحديد الذي وصفه الله بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز معاني كثيرة النقوب، متدانية الجيوب، حكمة المطالع، مقومة المبادئ والمقاطع. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من أن المراد بالحديد السيف هو معنى ما ذكرنا من قول المفسرين في تفسير قوله: ﴿بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ قد مضى الكلام في بيان هذا العلم في مواضع، والمفسرون يقولون: وليرى الله من ينصره وينصر دينه، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7].
﴿وَرُسُلَهُ﴾ أي يقاتل مع رسله في سبيله ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي ولم ير الله ولا أحكام الآخرة وإنما يحمد إذا أطاع بالغيب، كما قال الله تعالى {يُؤَمنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3].
﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ في أمره، ﴿عَزِيزٌ﴾ في ملكه. قال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 142 ب، و "معالم التنزيل" 4/ 30.]]: وفيه بيان أنه غني عن خلقه وعن نصرتهم بعزه وقوته.
الحديد 57:27
وما بعد هذا ظاهر ومفسر فيما تقدم، إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قال ابن عباس يريد الحواريين وأتباعهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 254، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 262.]].
﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ قال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 142 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 30.]]: يعني المودة كانوا متوادين بعضهم لبعض كما وصف الله تعالى أصحاب محمد -ﷺ- بقوله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].
قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ هي اسم مبني من الرهبة، وقد مضى الكلام في تفسير الرهبان [[الآية (40) من سورة البقرة. رهب، يرهب، رهبًا: أي خاف، والراهب: المتعبد في الصومعة.
وأصل الرهبانية من الرهبة ثم صارت اسمًا لما فضل عن المقدار وأفرط فيه. "اللسان" 1/ 1237 (رهب).]]، قال أبو إسحاق: وابتدعوا رهبانية كما تقول: رأيت زيدًا وعمرًا كلمته [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 13.]].
وقال أبو علي: قوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ محمول على فعل، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على جعلنا [[في (ك): (جعلها).]] مع وصفه إياها، بقوله: ابتدعوها؛ لأن ما يجعله هو -عَزَّ وَجَلَّ- لا يتبدعونه هم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 245، و"فتح القدير" 5/ 178.]].
ومعنى ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو معنى قوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: ما فرضناها عليهم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 365، و"الوسيط" 4/ 254، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 263، ونسبه لابن زيد.]].
ومعنى رهبانيتهم غلوهم في العبادة من حمل المشاق على أنفسهم في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح، والتعبد في الغيران والكهوف والديارات والصوامع، وسبب ذلك على ما قال المفسرون: أن ملوكهم بدلوا غيروا وأحدثوا أحداثًا في دينه وقاتلوهم الذين بقوا على دينهم، فقتل منهم الكثير ولم يبق إلا نفر قليل، فذهب هؤلاء النفر وخرجوا إلى البراري والجبال متبتلين، وابتدعوا الرهبانية [[انظر: "جامع البيان" 27/ 138، سنن النسائي، كتاب آداب القضاة، باب: تأويل قوله -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، و"معالم التنزيل" 4/ 103، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 315 - 316.]].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد طلبوا رضي الله [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 365، و"التفسير الكبير" 29/ 246.]].
وقال قتادة: ابتدعوها ابتغاء رضوان الله [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 276، و"جامع البيان" 27/ 138.]]، وعلى هذا يكون التقدير: ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فيكون استثناء منقطعًا.
وقال أبو إسحاق: ويكون ﴿ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ بدلاً من الهاء والألف [[من الهاء والألف في (كتبناها).]]، فيكون المعنى: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر به [[في (ك): (أمره).]] [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 13.]]، هذا كلامه. ومعناه على هذا أن الابتغاء بدل من الضمير في كتبناها، كما تقول: ما رأيت القوم إلا زيدًا، والمعنى: ما كتبنا الرهبانية عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وهو أن يطلبوا رضاه باتباع أمره [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 363.]].
قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن هؤلاء الذين ذكرهم الله ووصفهم بتصنع الرهبانية وترك رعايتها هم قوم كفروا بدين عيسى وتهودوا وتنصروا من هؤلاء الذين أحدثوا الرهبانية ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهب وهو قول مقاتل، قال: لم يرعوها ولا أحسنوا حين تهودوا وتنصروا فأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدًا -ﷺ- فآمنوا به، فهو قوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الذين تهودوا وتنصروا [[انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 246.]].
ونحو هذا روى ابن مسعود عن النبي -ﷺ- قال: "منهم من تمسك بدينه وهم الذين قال الله ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ومنهم من كفر، وهو قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [[هذا الحديث ذكره المؤلف بالمعنى، وهو حديث طويل أخرجه الحاكم في كتاب التفسير، سودة الحديد. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: قلت ليس بصحيح فإن الصعق وإن كان موثقًا فإن شيخه منكر الحديث. == قال البخاري: وفي كتاب "السنة" لابن أبي عاصم 1/ 35، وقال عنه محققه: إسناده ضعيف جدًّا، ورجاله ثقات غير عقيل الجعدي، فإنه ضعيف جدًّا كما يفيده قول البخاري فيه: منكر الحديث. قال: والحديث أخرجه الطبراني في الصغير والكبير والحاكم في "صحيحه"، ورده الذهبي بالجعدي، لكن للحديث في كبير الطبراني إسناد آخر عن ابن مسعود خير من هذا.]] وهذا قول الضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس [[انظر: "الكشف والببان" 12/ 71 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 301، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 263.]].
القول الثاني: أن الذين لم يرعوها حق رعايتهم [[كذا في (ك)، ولعل الصواب (رعايتها).]] الذين أدركوا محمدًا -ﷺ- ولم يؤمنوا به [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246.]].
قوله تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي آمنوا بمحمد -ﷺ-، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يعني الذين لم يؤمنوا به، يدل على هذا ما روي أن النبي -ﷺ- قال: "من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون" [[جزء من الحديث السابق، وقد أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 71 ب، وفي سنده: عقيل الجعدي أيضًا.]].
القول الثالث: أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرض على ذلك طائفة منهم، وخلف بعدهم قوم اقتدوا بهم ولم يكونوا على منهاجهم، فهم الذين لم يرعوها حق رعايتها وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد [[انظر: "جامع البيان" 27/ 138.]]، وعطاء.
قال عطاء: لم يرعوها كما رعاها الحواريون وأتباعهم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246.]].
وقال سعيد: ابتدعها [[كذا في (ك) ولعل الصواب (ابتدعها).]] الصالحون فما رعوها حق رعايتها، يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ يعني الذين ابتدعوها ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الذين جاؤا من بعدهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 3012، غرائب القرآن 27/ 141.]].
الحديد 57:28
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ خطاب لأهل الكتاب من اليهود والنصارى [[قال ابن عباس والضحاك وعتبة بن أبي حكيم، وهو اختيار ابن جرير انظر: "جامع البيان" 27/ 140، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 317.]] بقوله: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في محمد -ﷺ- وآمنوا به ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ ضعفين وأجرين ونصيبين ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وذكرنا تفسير الكفل في سورة النساء [[عند "تفسيره" الآية (85) من سورة النساء. والكفل: الحظَّ والضَّعف من الأجر والإثم، والكفل: النصيب أخذ من قولهم: اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه أو على موقع من ظهره كساء وركبت عليه، وإنما قيل له كفل؛ لأنه لم يستعمل الظهر كله. انظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" 3/ 271، (كفل).]].
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ قال ابن عباس: يعني على الصراط، وهو قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 143 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 253، و"فتح القدير" 5/ 179.]]، وقال مجاهد: يعني الهدى والبيان [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 658، و"جامع البيان" 27/ 142، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 267.]].
وذكر أبو إسحاق القولين فقال: ويجعل لكم نورًا تمشون به كما قال ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: 8] وهذا علامة المؤمنين في القيامة. قال: ويجوز أن يكون المعنى: ويجعل لكم سبيلا واضحًا من الهدى تهتدون به [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 131.]].
وعد الله تعالى لمن آمن من أهل الكتاب أجرين اثنين أجرًا لإيمانهم بالنبي، والكتاب الأول وأجرًا لإيمانهم بالنبي محمد -ﷺ- والكتاب الثاني، كما قال في موضع آخر ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: 54] الآية. ووعدهم أن يجعل لهم نورًا وأن يغفر لهم ما سلف من ذنوبهم قبل الإيمان بمحمد -ﷺ- وهو قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
الحديد 57:29
ولما نزل هذا وآمن من آمن منهم حسدهم الذين لم يؤمنوا فأنزل الله تعالى، قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ أي لأن يعلم ولا صلة في قول الجميع [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش، 2/ 470، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 137، و"مجاز القرآن" 2/ 254.]] ﴿أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد -ﷺ- وحسدوا المؤمنين منهم ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ يعني أنهم لا يقدرون ﴿عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ والمعنى: جعلنا الأجرين لمن آمن بمحمد -ﷺ- ليعلم الذين لم يؤمنوا منهم أنهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في فضل الله ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فآت المؤمنين منهم أجرين.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ يتفضل على من يشاء من عباده المؤمنين، وهذا الذي ذكرنا معنى قول قتادة [[انظر: "تفسر عبد الرزاق" 2/ 376، و"جامع البيان" 27/ 143، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 370، و"معالم التنزيل" 4/ 203.]].
وهذه آية مشكلة، وليس للمفسرين ولا لأهل المعاني فيها بيان ينتهى إليه ويلفق [[التلفيق بين شيئين: ضم أحدهما إلى الآخر، ويقال للرجلين لا يفترقان هما لَفقَان "اللسان" 3/ 382 (لفق).]] به بين هذه الآية والتي قبلها، وأقوالهم مختلفة متدافعة، وأقربها إلى الفهم وأحسنها قول قتادة [[وهو اختيار ابن جرير وابن كثير. انظر: "جامع البيان" 27/ 142، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 317.]]، وقد بان واتضح المعنى فيما ذكرنا، والله المَحمود بمنه.