Lafzullah

Al-Basit — الملك 67:2 – المعارج 70:40

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. الملك 67:2
  2. الملك 67:7
  3. الملك 67:13
  4. الملك 67:20
  5. الملك 67:27
  6. الملك 67:28
  7. القلم 68:1
  8. القلم 68:2
  9. القلم 68:3
  10. القلم 68:4
  11. القلم 68:8
  12. القلم 68:9
  13. القلم 68:10
  14. القلم 68:11
  15. القلم 68:13
  16. القلم 68:14
  17. القلم 68:16
  18. القلم 68:17
  19. القلم 68:18
  20. القلم 68:19
  21. القلم 68:21
  22. القلم 68:26
  23. القلم 68:27
  24. القلم 68:30
  25. القلم 68:34
  26. القلم 68:35
  27. القلم 68:36
  28. القلم 68:37
  29. القلم 68:38
  30. القلم 68:39
  31. القلم 68:40
  32. القلم 68:42
  33. القلم 68:48
  34. الحاقة 69:1
  35. الحاقة 69:4
  36. الحاقة 69:8
  37. الحاقة 69:11
  38. الحاقة 69:13
  39. الحاقة 69:18
  40. الحاقة 69:19
  41. الحاقة 69:25
  42. الحاقة 69:26
  43. الحاقة 69:28
  44. الحاقة 69:29
  45. الحاقة 69:33
  46. الحاقة 69:36
  47. الحاقة 69:38
  48. الحاقة 69:46
  49. الحاقة 69:47
  50. الحاقة 69:48
  51. المعارج 70:1
  52. المعارج 70:5
  53. المعارج 70:22
  54. المعارج 70:23
  55. المعارج 70:24
  56. المعارج 70:36
  57. المعارج 70:37
  58. المعارج 70:40

الملك 67:2

اختلفوا في معنى ﴿الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ هاهنا. فروى الكلبي بإسناده عن ابن عباس أن الله تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح، لا يمر بشي إلا مات، ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء [[بَلَقُ الدابة سواد وبياض. وهو مصدر، الأبلق: ارتفاع التحجيل إلى الفخذين. "اللسان" 1/ 259 (بلق).]] فوق الحمار ودون البغل، لا يمر بشيء ولا يجد رائحتها شيء إلا حيّ [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 104، و"معاني القرآن" للزجاج 9/ 197، و"الكشف والبيان" 12/ 154 ب. قال الألوسي: وهو أشبه شيء بكلام الصوفية لا يعقل ظاهره. "روح المعاني" 29/ 4.]]. وقال مقاتل: يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة، والحياة [[في (ك): (في الحياة).]] نفخ الروح [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 207.]]. وقال قتادة: يعني موت الإنسان أذل الله به ابن آدم، والحياة حياته في الدنيا [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 304، و"جامع البيان" 12/ 29/ 2.]]. وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 369، و"التفسير الكبير" 30/ 55.]]. قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ مضى الكلام في معنى ابتلاء الله في مواضع [[الابتلاء: بمعنى الامتحان والاختبار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ سورة محمد: 31. ويكون في الخير والشر معًا، ومنه قوله تعالى ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]. انظر: "اللسان" 1/ 264، (بلا)، و"المفردات" ص 61 (بلى).]]. والمعنى: لنعاملكم معاملة المختبر، فيرى من يعتبر بهما، فيعلم قدرة الله الذي قدر على خلق ضدين الحياة والموت، فيحذر مجيء الموت الذي ينقطع به استدراك ما فات، وشمتوي فيه الفقير والغني والملوك والسوقة، ويعلم أن خلفهما قاهر الجميع [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 56.]]. وهذا المعنى في ليبلوكم على قول الكلبي، وأما على قول قتادة [[في (س): (وأما على قول قتادة) زيادة.]] فقال أبو إسحاق: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [[(خلق الموت والحياة) ساقطة من (س).]]: خلق الحياة ليختبركم فيها، وخلق الموت ليبعثكم ويجازيكم بأعمالكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 197.]]. وعلى هذا المعنى: خلق الموت ليبعثكم [[في (س): (ويجازيكم بأعمالكم. وعلى هذا المعني: خلق الموت ليبعثكم) زيادة.]] للجزاء، وخلق الحياة للابتلاء. واللام في ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ تتعلق بخلق الحياة دون خلق الموت؛ لأن الابتلاء بها وفيها، وحذف ما خلق الموت [[في (س): (لأن الابتلاء بها وفيها، وحذف ما خلق الموت) زيادة.]] له، هذا معنى ما ذكره أبو إسحاق. وأما على قول مقاتل فالمعنى: ليبلوكم فيما بين كونكم مواتًا نطفًا وعلقًا، وبين منتهى الحياة، والمعنى: خلقكم أمواتًا أولاً ثم خلق لكم الحياة ليرى أعمالكم الذي تستحقون به الجزاء [[انظر: "تفسير غرائب القرآن" 29/ 5.]]. قال صاحب النظم: معنى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؛ ليكون ما قدر عليكم من الخير والشر فتجازون به؛ لأن [[(س): (لأن، بما) زيادة.]] الجزاء بما [[(س): من (المتعلق بأيكم) إلى (بالابتداء ولا) زيادة.]] كان وما يكون من الخلق. وسمي وقوع ذلك الذي قدر علينا بلوى منه؛ تحذيرًا وتخويفًا. وعلى ما رواه عطاء في تفسير الموت والحياة يتعلق قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ بخلق الموت والحياة على الوجه الذي ذكرنا في تفسير الكلبي. قال الفراء والزجاج: المتعلق بأيكم مضمر، لأن المعنى والتقدير: ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملاً، وارتفعت (أي) بالابتداء ولا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 169، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 197.]] يعمل فيها ما قبلها؛ لأنها على أصل الاستفهام، وذلك أنك إذا قلت: لأعلم أيكم أفضل. كان المعنى: لأعلم أزيد أفضل أم عمرو. وأعلم لا يعمل فيما بعد الألف، وكذلك لا يعمل في أي، لأن المعنى واحد [[انظر: "معانى القرآن" للفراء 3/ 169.]]، وهذا مما سبق الكلام فيه. ومثل هذا قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: 40] يريد: سلهم ثم انظر أيهم يكفل بذلك. والكلام في إعراب أي فيما ذكرنا [[وأبو قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، دعا له رسول الله -ﷺ-. توفي وهو ابن سبعين سنة، وذلك سنة أربع وخمسين بالمدينة المنورة. انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 15، و"التاريخ الكبير" 2/ 258، و"صفة الصفوة" 1/ 647، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 449، و"البداية والنهاية" 8/ 68.]]. ومعنى قوله: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال أبو قتادة [[في (ك): (اتقوا أيكم أحسن عملاً).]]: سألت رسول الله -ﷺ- عنه فقال: "يقول: أيكم أحسن عقلاً [[أخرجه الطبري 15/ 250، وفيه مرة، وهو ضعيف. وأخرجه داود بن المجبر في كتاب العقل، والحارث في مسنده عنه، والطبري، وابن مردويه من طريقه عن عبد الواحد بن قلد، عن كليب بن وائل، عن ابن عمر، وداود ساقط. وأخرجه ابن مردويه أيضًا من طريق آخر، وإسناده أسقط من الأول، وأخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 12/ 154/ ب وفي سنده داود بن المجبر أيضًا. وانظر: "تخريجات الكشاف" ص 86.]]. ثم قال: أتمكم عقلاً، أشدكم لله خوفًا، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرًا" [[انظر: "زاد المسير" 4/ 79، وأخرجه الثعلبي عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- بالسند الأول. وذكره البغوي في "تفسيره" دون سند. انظر: "الكشف والبيان" 2/ 154 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 369.]]. ونحو هذا قال قتادة: أتم عقلاً، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 56. قلت: وتفسير المؤلف للآية بناه على الحديث المذكور، وهو حديث ضعيف. والأفضل والأصح من هذا ما ذكره ابن كثير -رحمه الله- عند تفسيره لآية سورة هود ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: (ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله عز وجل، على شريعة رسول الله -ﷺ-، فمتي فقد العمل واحدًا من هذين الشرطين حبط وبطل). وانظر: "زاد المسير" 4/ 79.]]. وإنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل؛ لأنه يترتب على العقل، فمن كان أتم عقلاً كان أحسن عملًا على ما ذكره النبي -ﷺ- في حديث أبي قتادة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 155 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 36.]]. وروي عن الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها [[انظر: "جامع البيان" 29/ 3، و"الكشاف" 4/ 120، "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 208.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي في انتقامه ممن عصاه فلم يعتبر بما خلق ولم يستدل على توحيده وقدرته ﴿الْغَفُورُ﴾ لمن تاب إليه، واستدل بصنيعه على توحيده. ثم أخبر عن صنعه الذي يدل على توحيده فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بعضها فوق بعض. وقال الكلبي: كل سماء مقببة على الأخرى يلتصق بها أطرافها، وسماء الدنيا موضوعة على الأرض مثل القبة [[انظر: "تنويرالمقباس" 6/ 105، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 198.]]. قال الزجاج: و ﴿طِبَاقًا﴾ مصدر، أي: طوبقت طباقًا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 198.]]. قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ قال مقاتل: ما ترى يا ابن آدم في خلق السموات من عيب [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 208.]]. وقال قتادة: ما ترى خللًا واختلافًا [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 304، و"جامع البيان" 12/ 29/ 3.]]. وقال السدي: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي من اختلاف وعيب [[(س): (وعيب) زيادة.]]، يقول الناظر: لو كان كذا كان أحسن [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 57، و"اللسان" 2/ 1141 (فوت).]]. قال الكلبي: هو الذي يفوت بعضه بعضًا [[انظر: " التفسير الكبير" 30/ 57، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 208. قلت: هذه الأقوال اختلفت في الألفاظ، واتحدت في المعنى، ولذا ذكر بعض المفسرين بعضًا منها، وذكر غيرهم غيرها. واقتصر بعضهم على معنى واحد. انظر: "الكشف والبيان" 2/ 155 أ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 396.]]. وتقرأ (تُفوُّت) [[قرأ حمزة والكسائي: (تفوت) بضم الواو مشددة من غير ألف. وقرأ الباقون ﴿تَفَاوُتٍ﴾ بألف والتخفيف. انظر: "حجة القراءات" ص 715، و"النشر" 2/ 389، و"الإتحاف" ص 420.]] قال الفراء: وهما بمنزلة واحدة مثل (تصعر، تصاعر) [[قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18]. قرأ ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب ﴿تُصَعِّرْ﴾ بتشديد العين من غير ألف، وقرأ الباقون (تصاعر) بتخفيف العين وألف قبلها. انظر: "حجة القراءات" ص 565، و"النشر" 2/ 346، و"الإتحاف" ص 350.]] وتعهدته، وتعاهدته. قال: والتفاوت: الاختلاف، يريد: هل ترى في خلقه من اختلاف؛ ونحو هذا قال الزجاج سواء [[(س): (ونحو هذا قال الزجاج سواء) زيادة. وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 170، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 198.]]. قال ابن قتيبة: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: اضطراب واختلاف، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئًا، فيقع الخلل فيهن، ولكنه متصل بعضه ببعض [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 474.]]. قال أبو الحسن الأخفش: تفاوت أجود، لأنهم يقولون: تفاوت الأمر، ولا يكادون يقولون: تَفَوَّت الأمر [[(تفوت الأمر) ساقطة من (س). وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 305.]]. واختار أبو عبيد [[في (ك): (عبيدة).]]: (تفوت)، قال: يقال: تفوت الشيء إذا فات. واحتج بما روي في الحديث (أن رجلاً تفوت على أبيه في ماله) [[نقله المؤلف عن الأزهري من "التهذيب" 14/ 331 (فوت)، ولفظه: (أن رجلاً تفوت على أبيه في ماله فأتى أبوه النبي -ﷺ- فذكر ذلك له فقال: (اردد على ابنك فإنما هو سهم من كنانتك). قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد. انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 3، وهذا هو اختيار الفراء والنحاس. وهو قول سيبويه. والقراءة بأيهما ثابتة عن الرسول -ﷺ- فلا عبرة بقول مخالف مهما بلغ علمه وفضله، والعصمة لمن عصمه الله. انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 170، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 470، و"الحجة للقراء" 6/ 305.]]. قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ قال مقاتل [[في (س): (قال مقاتل) زيادة. وانظر: "تفسير مقاتل" 161 أولفظه (أعد).]]: اردد البصر. وهذا معنى قول الفراء. قال إنما قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ لأنه قال: ﴿مَّا تَرَى﴾ [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 170.]]. قوله: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ قال المفسرون: من فروج وصدوع وشقوق وفتوق وخروق. كل هذا من ألفاظهم [[انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 3، و"الكشف والبيان" 12/ 156 أ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 396.]]. ومنه التفطر والانفطار، وقد مر [[عند تفسيره الآية (14) سورة الأنعام. قال: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: خالقهما ابتداء على غير مثال سبق ... والفطر: ابتداء الخلق. قال ابن عباس: كنت ما أدري ما == فاطر السموات حتى احتكم إليَّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، وأنا ابتدأت حفرها ... وقال ابن الأنباري: أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه.]]. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ قال ابن عباس: يريد مرة بعد مرة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 370.]]. ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ قال مقاتل: صاغرًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب.]]؛ وهو قول الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 170، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 198.]]. وقال ابن قتيبة: مبعدًا من قولك: خسأت الكلب إذا باعدته [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 474.]]. وقال المبرد: الخاسئ: المبعد المصغر -والله أعلم- كالذي قصد ففزع [[في (س): (قصدٍ) زيادة. وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 58.]] عجزًا وصغرًا. وقد أفصح ابن عباس هذا فقال: الخاسئ: الذي لم ير ما يهوى [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 105، و"معالم التنزيل" 4/ 370.]]. ومضى تفسير الخاسئ في سورة البقرة [[عند تفسيره الآية (65) من سورة البقرة. قال: الخسأ: الطرد والإبعاد. يقال: خسأته خسأً فخسأ وانخسأ، فهو واقع ومطاوع. ويقال للكلب عند الزجر والإبعاد: اخسأ.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وهو كليل قال منقطع لا يرى عيبًا ولا فطورًا [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 105، و"تفسير مقاتل" 161 ب، و"الكشف والبيان" 2/ 156 أ.]]. وقال الكلبي: الحسير: المعي [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 305.]]. قال الليث: الحسر والحسور: الإعياء. تقول: حسرت الدابة والعين، وحسرها بعد الشيء إذا حدقت نحوه. قال رؤبة [["ديوان رؤبة" ص 3، و"تهذيب اللغة" 4/ 286، و"اللسان" 1/ 632 (حسر).]]: يحسر طرف عينه فضاؤه فحاصل [[في (ك): (مجاز).]] هذا أن الحسير يجوز أن يكون مفعولًا من حسره بعد الشيء كما ذكر رؤبة، ويجوز أن يكون فاعلًا من الحسور الذي هو الإعياء؛ وهو قول الفراء: وهو كليل كما يحسر الإبل إذا قومت عن هزال وكلال، فهي [[في (س): (فهن).]] الحسرى واحدها حسير [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 170، و"التفسير الكبير" 30/ 59.]]. قال أبو إسحاق: أي وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 198.]]. والمعنى أنه وإن كرر النظر وأعاد بصره في السماء حتى يكل ويعيا لم ير فيها فطورًا ولا تفاوتًا. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ قال المفسرون: هي الأدنى إلى الأرض، وهي التي يراها الناس ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ واحدها مصباح وهو السراج. وذكرنا ذلك في قوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: 35]، وهو السراج. ثم يسمى الكوكب أيضًا مصباحًا لإضاءته. قال الليث: والمصابيح من النجوم أعلام الكواكب [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 267، و"اللسان" 2/ 403 (صبح).]]. قال ابن عباس: بنجوم لها نور [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 105، ولفظه (بالنجوم).]]. وقال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجومًا للشياطين [[أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وفيه زيادة قوله: (فمن يتأول منها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به). انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 3، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 396.]]؛ فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ قال ابن عباس: يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع [[انظر: "الكشف والبيان" 2/ 156 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 370، ولم ينسب لقائل، وهو ظاهر.]]. قال أبو علي: فإن قيل: كيف يجوز أن تكون المصابيح زينة مع قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، فالقول إنها إذا جعلت رجومًا [[في (س): (رجومًا) زيادة.]] لهم لم تزل فتزول الزينة بزوالها، ولكن يجوز أن ينفصل منها نور يكون رجمًا للشياطين كما ينفصل من السرج وسائر ذوات الأنوار ما لا يزول بانفصالها منها صورتها [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 59، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 211.]]. وهذا كما قال بعض أهل المعاني: ينفصل من الكوكب شهاب نار [[انظر: "روح المعاني" 29/ 9.]]، وهذا كقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ الآية [الحجر: 16]، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ...﴾ الآية [الصافات: 6]. قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾، أي: في الآخرة ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ قال المبرد: سعرت النار فهي مسعورة وسعير، كقوله: مفتولة وفتيل [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 62.]].

الملك 67:7

قوله: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ قال مقاتل: صوتًا مثل أول صوت الحمار [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب.]]. وقال عطاء: يريد: سمعوا لأهلها شهيقًا [[انظر: " التفسير الكبير" 30/ 63.]]، فجعل [[في (ك): (فجعلها).]] الشهيق لأهل جهنم دونها. والقول هو الأول [[ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: 12] قال ابن المنير: لا حاجة إلى حمله على المجاز فإن رؤية جهنم جائزة وقدرة الله تعالى صالحة، وقد تضافرت الظواهر على وقوع هذا الجائز، وعلى أن الله تعالى يخلق لها إدراكًا حسيًّا وعقليًّا. ألا ترى إلى قوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ وإلى محاجتها مع الجنة، وإلى قولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ وإلى اشتكائها إلى ربها فأذن لها في نفسين، إلى غير ذلك من الظواهر التي لا سبيل إلى تأويلها .. "حاشية الكشاف" 3/ 90.]]. وقا الزجاج: يسمع الكفار للنار شهيقًا، وهو أقبح الأصوات، وهو كصوت الحمير [[انظر: "معاني الزجاج" 5/ 199.]]. وقال المبرد: هو -والله أعلم- تنفس كتنفس المتغيظ [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 63.]]. وتفسير الشهيق قد سبق [[عند تفسيره الآية (106) من سورة هود. الشهيق ردُّ النَّفس. يقال: شَهَقَ يشهَق ويشهِق ويشهُق شهيقًا، وبعضهم يقول: شهوقًا. ونحو هذا روى أبو عبيد عن أبي زيد. وهو قول جميع أهل اللغة. والشهيق آخر صوت الحمار إذا نهق. وقيل: الشهق في الصدر. وعن ابن عباس: الزفير الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف.]]. قوله ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ قال الليث: كل شيء جاش فقد فار، وهو فور القدر، والدخان، والغضب، والماء من العين [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 247 (فاز)، و"اللسان" 2/ 1143 (فور).]]. قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 156 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 63.]]. وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 156 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 212، و"الدر" 6/ 248.]]. ويجوز أن يكون هذا من فور الغضب. قال المبرد: يقال: تركت فلانًا يفور غضبًا [[في (ك): (غيضًا) وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 63.]]. يدل على هذا المعنى قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: تنقطع من غيظها عليهم فيماز بعضها من بعض كما يتميز الشيء، أي يفرق هذا المعنى [[في (س): (المعنى) زيادة.]] قول المفسرين، وأهل المعاني: قال ابن قتيبة: تكاد تنشق غيظًا على الكفار [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 474.]]. وقال المبرد: ويقال للغضبان: تركته يتميز عليك غيظًا [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 63.]]. ولفظ المفسرين في تفسير: ﴿تَمَيَّزُ﴾: تفرق [[وهو قول ابن عباس، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل. انظر: "تنوير المقباس" 6/ 107، و"تفسير مقاتل" 161 ب، و "جامع البيان" 12/ 29/ 4، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 397.]]. قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ الفوج: الجماعة من الناس. والأفواج: الجماعات في تفرقة [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 212، و"اللسان" 2/ 1142 (فوج).]]؛ ومنه قوله: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 18]. وقوله: ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ وهو سؤال توبيخ. قال أبو إسحاق: وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 199.]]. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ قال ابن عباس في رواية الكلبي [[في (س): (الكلبي و) زيادة.]] وعطاء: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 107، و"الكشف والبيان" 12/ 156 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 471.]]. وهذا يدل على أن الله تعالى لم يخلق لهم سمع الهدى ولا معرفته، لأنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة ولم يريدوا بقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ أنهم صم الأسماع مجانين، ولكن أرادوا أنهم كانوا صمًّا عن الخير، غافلي القلوب عن الهدى. وقال أبو إسحاق: أي لو كنا نسمع سمع من يعي ويفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 199.]]. قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ قال مقاتل: يعني بتكذيبهم الرسل [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب.]]، وهو قولهم: ﴿فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ والذنب هاهنا في معنى الجمع؛ لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس، أي: أعطياتهم؛ هذا قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 171.]]. ويجوز أن يراد بالواحد المضاف الشياع، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 34، النحل: 18]، وقد مر في مواضع. وقوله [[في (س): (وقوله) زيادة.]]: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ قال المفسرون: فبعدًا لهم [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 65. وقال ابن جبير فيما أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 539: وادٍ في جهنم.]]. والسحق: البعد، وفيه لغتان: التخفيف والتثقيل [[قرأ الكسائي ﴿فَسُحْقًا﴾ بضم الحاء، وقرأ الباقون ﴿فَسُحْقًا﴾ بتخفيفها. انظر: "حجة القراءات" ص 716، و"النشر" 2/ 217، و"الإتحاف" ص 420، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 171.]] كما تقول في العُنق والطنب [[تقول العنق والعنق، والطنب والطنب، والطنب هو حبل الخباء والسرادق ونحوهما. "اللسان" 2/ 617 (طنب).]]؛ وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]. قال أبو إسحاق: (سحقًا) منصوب على المصدر. المعنى: أسحقهم الله سحقًا، أي: باعدهم من رحمته مباعدة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 199.]]. قال أبو علي: وكان القياس: إسحاقًا، فجاء المصدر على الحذف كقولهم: عمرك الله، وكما قال: وإن أهلك فذلك كان قدري [[للشاعر يزيد بن سنان: وهو بتمامه: فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فذلك كان قدري انظر: "أمالي ابن الشجري" 2/ 110، و"المخصص" 9/ 92، و"المفضليات" ص 71، و"الحجة" 2/ 128.]] أي: تقديري [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 307.]]. ثم أخبر عن المؤمنين وعما أعد لهم في الآخرة فقال: {وإِنَّ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يخافون عذاب ربهم ولم يروه فيؤمنون به خوفًا من عذابه [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 108، و"تفسير مقاتل" 161 ب.]].

الملك 67:13

ثم رجع إلى خطاب الكفار فقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ قال مقاتل والكلبي: أسروا قولكم في محمد أو اجهروا له بالعداوة وتكلموا علانية [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 213.]]: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوب. قال ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله فيخبره جبريل، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمع إله محمد. فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 157 أ، و"أسباب النزول" للواحدي ص 508، و"معالم التنزيل" 4/ 371. قلت: وفي الآية وجه آخر، وهو حملها على العموم، والمراد أن قولكم وعملكم لا يخفى على من يعلم السر وأخفى، فاحذروا من المعاصي. ويدخل في هذا ما يسره المشركون في أمر النبي -ﷺ-، وهذا المعنى هو المعتمد عند ابن جرير، وابن كثير. انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 5، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 397.]]. ثم احتج على ذلك بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، والظاهر أن من خلق هو الله تعالى. والمعنى: ألا يعلم ما في الصدور من خلقها وخلق القول. أي خالق الصدور [[في (س): (من خلقها وخلق القول. أي خالق: الصدور) زيادة.]] والأقوال عالم بها وبما فيها؛ وهذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، ونسبه الثعلبي لأهل المعاني. "الكشف والبيان" 12/ 157 أ، وهذا هو المعتمد عند ابن جرير. انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 5.]]. وقد حذف مفعول (خَلَقَ) لأن ما قبله من ذكر القول والصدر يدل عليه. ويجوز أن يكون (خَلَقَ) بمعنى المخلوق. فيكون المعنى: ألا يعلم الله من خلقه. أي مخلوقه [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 371، و"الكشاف" 4/ 123.]]، وحذف العائد إلى الموصول. قوله: ﴿وَهُوَ اَللًطِيفُ﴾ قال مقاتل: لطف علمه بما في القلوب، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بما فيها من السر والوسوسة [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.]]. وتكلم صاحب النظم في هذه الآية فقال: قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ استفهام إنكار لما يذهب إليه الكفار والجهال من أنه تخفى عليه الضمائر. واختلف في قوله (مَنْ)، فزعم بعضهم أنه هو الله جل وعز على تأويل: ألا يعلم الخالق الذي خلق الخلق، فيكون (مَنْ) في موضع رفع. وزعم غيره أن (مَنْ) في موضع نصب [[وهذا التأويل مردود عند مكي؛ لأنه يخرج الكلام عن عمومه ويدفع عموم الخلق عن الله عز وجل. انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 746. قلت: وما ذهب إليه مكي أولى في تفسير كلام الله تعالى، وحيث وجد وجه آخر لتفسير الآية فلا حاجة إلى مثل هذا التأويل، والله أعلم.]]، وقوله: (يعلم) واقع عليه على تأويل: ألا يعلم الله من خلقه؛ بمعنى يعلم ما كان ويكون منه سرًا وجهرًا وإضمارًا، وزاد وجهًا آخر فقال: وزعم بعضهم أن (مَنْ) بمثابة (ما)، كما تكون (ما) بمثابة (من) في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: 5]، وإذا كان بمعنى (ما) كان اسمًا لما يسر الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، فيكون قد جعل أفعال العباد مخلوقة على تأويل: ألا يعلم الله ما هو خلقه من أفعالهم، وإن كان سرًّا أو إضمارًا فيكون ذلك حجة لمن أثبت القدر، لأنه جعله مخلوقًا [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 746. قلت: والعلماء من أهل السنة يرون القول الأول، وهو أن يكون (من) فاعلًا مرادًا به الخالق ومفعول العلم محذوف، وكذا مفعول الخلق. والتقدير: ألا يعلم السر والجهر من خلقهما. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 473، و"دقائق التفسير" 5/ 13، و"الانتصاف بهامش الكشاف" 4/ 123.]]. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾، الذلول من كل شيء: المنقاد الذي يذل لك. ومصدره الذل، وهو الانقياد واللين، ومنه يقال: دابة ذلول [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 12، و"مفردات الشراب" (180) (ذل).]]؛ وفي وصف الأرض بالذلول قولان: أحدهما: قال ابن عباس: سهل لكم الأرض [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 157 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.]]. والمعنى على [[في (ك): (على) زيادة.]] هذا أنه لم يجعلها بحيث يمتنع المشيء فيها بالحزونة [[الحزونة: الخشونة، "اللسان" 1/ 627 (حزن).]] والغلظ. وقال مقاتل: أثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها [[وهو القول الثاني. انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 215.]]. وهو قول الكلبي [[في (س): (وهو قول الكلبي) زيادة.]]. وعلى هذا القول معناه أنه سخرها لنا بأن أثبتها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لم تكن منقادة لنا. قوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ أمر إباحة. ومعناه البيان عن كونها ذلولًا. وفي المناكب قولان: أحدهما: أنها الجبال، وهو قول قتادة والضحاك وابن عباس. قالوا: جبالها وآكامها [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 108، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 305، و"جامع البيان" 12/ 29/ 5، و"غرائب القرآن" 29/ 9.]]. وسميت الجبال مناكب، لأنها مشبهة بمناكب الإنسان وهو الجيد الشاخص من طرفيه [[في (ك): (طرافته).]]. والجبال شاخصة عن الأرض. القول [[في (ك): (قوله القول).]] الثاني: أنها النواحي والطرق والفجاج والأطراف والجوانب. وهو قول مجاهد والكلبي ومقاتل والحسن، ورواية عطاء عن ابن عباس، واختيار الفراء وابن قتيبة [[(س): (والكلبي، والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس، وابن قتية) زيادة. وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 108، و"تفسير مجاهد" 2/ 685، و"تفسير مقاتل" 161 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 157 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.]] قال: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 171، و"تفسير غريب القرآن" ص 475.]]. وذكر أبو إسحاق القولين واختار القول الأول وقال: أشبه التفسير من قال في جبالها؛ لأن قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ معناه سهل لكم السلوك فيها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أبلغ في التذلل [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 199، و"تهذيب اللغة" 10/ 286، و"اللسان" 3/ 713 (نكب)، وقد وهم ابن منظور -رحمه الله- بنسبة هذا القول للأزهري مع أن الأزهري نص على نسبته لأبي إسحاق.]]. قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي مما خلقه رزقًا لكم في الأرض. وقال ابن عباس: يريد ما أنبت لكم في السهل والجبل [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 371.]]. ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ قال مقاتل: وإلى الله تبعثون من قبوركم [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"زاد المسير" 8/ 322.]]. قال أبو إسحاق: والمعنى أن الذي خلق السموات بلا تفاوت وذلل الأرض قادر أن ينشركم ويبعثكم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 200.]]. ثم خوف أهل مكة فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ قال المفسرون: يعني عقوبة من في السماء وعذاب من في السماء [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"معالم التنزيل" 4/ 371.]]. والمعنى: من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، إلا أنه أخرج مخرج ما في السماء تفخيمًا لشأن سلطانه كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3] ما يجري فيهما بإذنه وإرادته لا يخفى عليه شيء منه. لابد أن يكون هذا لاستحالة أن يكون الله تعالى في مكان أو موصوفًا بجهة. وذهب بعض أهل المعاني إلى أن [[(س): (أن) زيادة.]] ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ هو الملك [[(س): (الملك) زيادة.]] الموكل بالعذاب وهو جبريل. والمعنى: أن يخسف بكم الأرض بأمره [[نقل البيهقي عن أحمد بن إسحاق عند هذه الآية قوله: قوله ﴿فِي السَّمَاءِ﴾، أي: على العرش فوق السماء كما صحت الأخبار عن النبي -ﷺ-. انظر: "الأسماء والصفات" 2/ 324. وفي 2/ 330 قال: ومعنى قوله في هذه الأخبار ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، أي: فوق السماء على العرش، كما نطق به الكتاب والسنة .. قلت: وما ذكره الواحدي هنا -غفر الله له- مخالف لما عليه سلف الأمة من إثبات == صفة العلو لله تعالى كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وقد أورد الذهبي -رحمه الله- في كتابه "العلو" أكثر من تسعين حديثًا، وآثارًا كثيرة عن السلف -رحمهم الله-. والكتاب كله في إثبات هذه الصفة، وجمع ما ورد فيها عن الرسول -ﷺ- وما قاله علماء الصحابة ومن بعدهم في هذه الصفة. وانظر: "الصواعق المرسلة" 4/ 1244، 1295، 1297، 1417، و"روح المعاني" 29/ 15، و"أضواء البيان" 12/ 8/ 407.]]. ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ قال ابن عباس: يريد كما تمور السفينة حتى تغرق [[لم أجده.]]. وقال مقاتل: تدور بكم إلى الأرض السفلى [[انظر: "تفسير مقاتل" 1462 أ، و"تنوير المقباس" 6/ 109.]]. وقال الحسن: تحرك بكم [[في (ك): (تحوط بكم). وانظر: "الكشف والبيان" 12/ 158 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.]]. والمعنى على هذا التفسير أن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها فيذهبون، والأرض تمور فتقلبهم إلى أسفل؛ هذا معنى قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ وذكرنا تفسير المور فيما تقدم [[المور: التحرك والاضطراب. مار الشيء يمور مورًا: أي تحرك وجاء وذهب كما تتكفأ النخلة العيدانة. وهي أطول ما يكون من النخل، ولا تكون عيدانة حتى يسقط كربها كله، ويصير جذعها أجرد من أعلاه إلى أسفله. انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 297، و"اللسان" 3/ 548 (مور)، 2/ 939 (عيد).]]. ثم زاد في التخويف فقال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ قال ابن عباس: كما أرسل على قوم لوط [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"التفسير الكبير" 30/ 70.]] فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا} [القمر:34] ثم هدد وأوعد فقال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ قيل في النذير هاهنا: أنه المنذر، يعني محمدًا -ﷺ-. وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك [[في (س): (والضحاك) زيادة. وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 70، و"غرائب القرآن" 29/ 9.]]. وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى: فستعلمون رسولي وصدقه حين [[في (ك): (وصدقه إلى حين)، والصواب ما أثبته.]] لا ينفعكم ذلك، أو: فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وهو العذاب [[انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 6، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 398.]]. و (كيف) في قوله: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ينبئ عما ذكرنا من صدق الرسول أو عقوبة الإنذار. ثم أخبر عن غيرهم من الكفار بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد عادًا وثمودًا، وكفار الأمم [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"زاد المسير" 8/ 322، و"التفسير الكبير" 30/ 71.]]. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قال مقاتل: تغييري وإنكاري أليس وجدوا العذاب حقًّا [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 أ.]]. ثم وعظهم ليعتبروا فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾، قال المفسرون: تصف أجنحتها في الهواء. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾، أي: يقبضنها إلى أنفسها بعد الصف. قال ابن قتيبة: يضربن بها جنوبهن [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 475.]] وقال المبرد: وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح وقبضها بعد البسط. وأنشد هو وأبو عبيدة قول أبي خراش [[في (س): (قول أبي خراش) زيادة.]]: كَأَنَّهُمُ يُشَبَّثُونَ بِطَائِرٍ ... خَفِيفِ المُشَاشِ عَظْمُهُ غَيْرُ ذي نُحْضِ يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فَهْوُ مُهَابِذٌ ... يَحُثُّ الجَنَاحَ بالتَّبَسُّطِ والقَبْضِ [[انظر: "ديوان الهذليين" 2/ 159 و"الحماسه" لأبي تمام 1/ 386، و"الإنصاف" لابن الأنباري ص 390، و"تهذيب اللغة" 6/ 276، و"اللسان" 3/ 761 (هبذ)، و"الخزانة" 5/ 419. والنحض: اللحم، والقطعة الضخمة منه تسمى نحضة، والمنحوض والنحيض: الذي ذهب لحمه. والمهابذة: الإسراع. وهابذ: أسرع في مشيته أو طيرانه، والمشاش: رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين. انظر: "اللسان" 3/ 488، 597، 761 (مشش، نحض، هبذ).]] وعطف قوله: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ على ﴿صَافَّاتٍ﴾ لأن معناه: وقابضات، وهذا بيان عما يوجبه حال الطير في قبضها وبسطها متصرفة في الهواء من الاعتبار، بتمكينها حتى أمسكت على ثقلها وضخم أبدانها، من الذي أمسكها وسخر لها الهواء؟ وهو معنى قوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾، أي: في الحالتين، جميعًا. في حال الصف والقبض، وفي ذلك أكبر الآية، وأوضح العبرة. وهذا كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ الآية [النحل: 79].

الملك 67:20

ولما كان الكفار يمتنعون عن الإيمان وينكرون التوحيد مع وضوح الأدلة صاروا كأنهم يمتنعون من عذاب الله بجند، وأشبهت حالهم من يملك دفع العذاب إن أتاه، فقال الله تعالى منكرا عليهم أن [[في (س): (أن) زيادة.]] يكون لهم امتناع من عذابه [[(ك): (عذابه قوله تعالى).]] ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُم﴾، وهذا نسق على قوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾، ولفظ الجند يوحد، ولذلك قال [[(س): (قيل).]] ﴿هَذَا الَّذِي هُوَ﴾ وهو استفهام إنكار. أي: لا جند لكم ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ يمنعكم من عذاب الله. قال ابن عباس ينصركم مني إن أردت عذابكم [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 110، و"معالم التنزيل" 4/ 372، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 218.]]. ثم ذكر أن ما هم فيه غرور فقال: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾، أي: من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾، أي: من الذي يرزقكم من آلهتكم المطر إن أمسكه الله عنكم، قاله مقاتل [[(س): (قاله مقاتل) زيادة وانظر: "تفسير مقاتل" 162 أ. قلت: حمل الآية على عموم الرزق من إعطاء ومنع وخلق ورزق ونصر وغير ذلك أولى، وما ذكره مقاتل من باب التمثيل أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22]، والله أعلم.]]. ثم قال: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي: ليسوا يعتبرون ولا يتفكرون، لجوا في طغيانهم وتماديهم وتباعدهم عن الإيمان [[لج: اللجاج: التمادي والعناد في تعاطي الفعل. "المفردات" (447) (لج).]]. ثم ضرب مثلًا فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى﴾ [[(أهدى) ساقطة من (س).]]، والإكباب مطاوع الكب [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 72، و"البحر المحيط" 8/ 303، و"روح المعاني" 29/ 20، وذكر جواز الوجهين وقول بعض الأئمة بتسوية المطاوعة والصيرورة. ورد الزمخشري هذا حيث قال: (أكب من باب أنفض وألام، ومعناه دخل في الكب، وصار ذا كب، ومطاوع كب وقشع وانكب وانقشع) "الكشاف" 4/ 124. قال النيسابوري: ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، و"غرائب القرآن" 29/ 11. ومعنى المطاوعة: الموافقة، والنحويون ربما سموا الفعل اللازم مطاوعًا. "اللسان" 2/ 615 (طوع).]]، وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُم﴾ [النمل: 90]، ويقال للسادر والهائم [[السادر: هو الذي لا يهتم لشيء ولا يبالي ما صنع. والهائم: الحائر. يقال: هام في الأمر يهيم إذا تحير فيه. "اللسان" 2/ 119 (سدر) 3/ 857 (هيم).]] على وجهه في ضلاله: مكب على وجهه، فضرب المكب على وجهه مثلًا للكفار؛ لأنه أكب على وجهه في الغي والكفر يمشي ضالًا أعمى القلب. فهذا أهدى، ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ معتدلًا يبصر الطريق ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسلام، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي، وقول مقاتل، ومجاهد، والضحاك [[في (س): (وهذا قول ابن عباس) إلى (الضحاك) زيادة. وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 110، 111، و"تفسير مقاتل" 162 أ، و"جامع البيان" 12/ 29/ 7، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 219.]]. وقال الكلبي: راكبًا رأسه في الكفر والضلالة كما تركب البهيمة رأسها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 158 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 372.]]. وقال مقاتل: يعني أبا جهل والنبي -ﷺ- [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 أ، و"غرائب القرآن" 29/ 11.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل وحمزة بن عبد المطلب [[انظر: "غرائب القرآن" 29/ 11.]]. وقال عكرمة [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 73، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 219.]]: هو أبو جهل وعمار بن ياسر. وقال قتادة: هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبًّا على وجهه يوم القيامة، كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: 97]، والمؤمن يمشي سويًّا [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 305، و"جامع البيان" 12/ 29/ 7.]]. قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون﴾ قال ابن عباس: يريد أنكم لله غير طائعين [[لم أجده.]]. وقال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 أ، و"زاد المسير" 8/ 324.]]. وذكر الله تعالى أنهم يستعجلون وعد العذاب بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْد﴾، ثم ذكر حالهم عند معاينة العذاب فقال:

الملك 67:27

﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ يعني العذاب، ﴿زُلْفَةً﴾ يعني قريبًا. قاله المفسرون وأصحاب العربية. قال ابن عباس: يريد: فلما قرب منهم العذاب [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 112، ولفظه ﴿زُلْفَةً﴾ قريبًا، ويقال: معاينة.]]. وقال مقاتل: لما رأوا العذاب في الآخرة قريبًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 أ - ب.]]. وذكرنا الكلام في الزلف والزلفى والزلفة، وهي بمنزلة القربى [[عند تفسيره الآية (64) من سورة الشعراء. قال: الزلفى في كلام العرب القربى، وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، قال: ومن ذلك سميت مزدلفة جمعًا.]]. وقال الحسن: رأوه معاينة [[انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 8، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 220.]]. وهو معنى وليس بتفسير، وذلك أن ما قرب من الإنسان رآه معاينة [[في (س): من قوله (وهو معنى) إلى (معاينة) زيادة.]]. وقوله تعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس وغيره: اسودت وعلتها الكآبة والقترة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 159 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 75، و"غرائب القرآن" 29/ 11.]]. وقال أبو إسحاق: تبين فيها السوء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 201.]]. وأصل السوء القبح. والسيئة ضد الحسنة. والسواء: المرأة القبيحة وذكرنا هذا قديمًا [[في (س): (وذكرنا هذا قديمًا) زيادة.]]، ويقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح، وسيء يساء إذا قبح. وهو فعل لازم ومجاوز [[انظر: "اللسان" 2/ 231 (سوأ).]]. فمعنى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾، أي: قبحت بالسواد وأثر الكآبة كما ذكر المفسرون [[في (س): (كما ذكر المفسرون) زيادة.]]. وقوله: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: وقالت لهم الخزنة: ﴿هَذَا﴾ العذاب ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ قال الكلبي: تسألون في الدنيا [[انظر "الكشف والبيان" 12/ 159 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 220، وهو قول أكثر المفسرين.]]. وقال مقاتل: تمنون في الدنيا [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 ب، ولفظه: يعني تمترون في الدنيا.]]. قال الفراء: تدعون [[أشار الفراء بهذا إلى قراءة التخفيف (تدعون) وهي قراءه شاذة نسبت للحسن، == والضحاك وغيرهما، وقراءة الجمهور ﴿تَدَّعُونَ﴾ بتشديد الدال. انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 712، و"المحتسب" 2/ 325، و"البحر المحيط" 8/ 204.]]. وهما واحد مثل (تذكرون) و (تذكرون) و ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ ﴿وتدخرون﴾ [[(تذكرون) حيث وقع إذا كان بالتاء فقط خطابًا فقرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص (تذْكُرون) بتخفيف الذال، وقرأ الباقون (تَذَّكرون) بالتشديد. و ﴿تَدَّخِرُون﴾ من سورة آل عمران: 49، فالجمهور بتشديد الدال وفي قراءة شاذة بتخفيفها. انظر: "النشر" 2/ 266، و"الإتحاف" ص 220، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 171، و"الكشاف" 1/ 191، و"روح المعاني" 3/ 170.]] وقال المبرد: معناه تستعجلون. تقول: دعوت بكذا إذا طلبته، وادَّعيتُ به افتعلت، من هذا. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد تكذبون [[في (س): من (وقال المبرد) إلى هنا زيادة. ولم أجد قول ابن عباس ولا المبرد.]]. قال أبو إسحاق: تأويله في اللغة: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأكاذيب، أي: تدعون أنكم إذا متم وكنتم ترابًا أنكم لا تخرجون [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 201.]]؛ ونحو هذا قال أبو عبيدة: تكذبون وتردون [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 262.]]. ومعناه ما ذكره أبو إسحاق. وقال غيره [[في (ك): (وقيل).]]: معناه هذا الذي كنتم ببطلانه تدعون. أي تدعون أنه باطل لا يأتيكم [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 75.]]، وكأن هذا أقرب من قول أبي إسحاق. والقول هو الأول بدليل قراءة من قرأ ﴿تَدَّعُونَ﴾ من الدعاء. وهذا لا يحتمل التكذيب، ومعناه: كنتم به تستعجلون وتدعون الله بتعجيله [[وهو اختيار الفراء وابن جرير والنحاس ورواية الكلبي عن ابن عباس. == انظر: "تنوير المقباس" 6/ 112، و"معاني القرآن" 3/ 171، و"جامع البيان" 12/ 29/ 8، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 476.]].

الملك 67:28

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ بعذابه ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ من المؤمنين ﴿أَوْ رَحِمَنَا﴾ فلم يعذبنا، ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾، أي: يمنعهم ويؤمنهم ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، والمعنى: إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء نرجو رحمته ونخاف عذابه، فمن يجيركم مع كفركم من العذاب، أي: إنه نازل بكم لا محالة ولا رجاء لكم كما للمؤمنين. هذا معنى قول المفسرين [[في (س): (هذا معنى قول المفسرين) زيادة.]]. وقال أهل المعاني [[انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 8، و"الكشف والبيان" 12/ 159 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 76.]]: إن الكفار كانوا يتمنون موت النبي -ﷺ- وأصحابه، فقال الله تعالى: قل لهم: ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ﴾ بالإماتة ﴿أَوْ رَحِمَنَا﴾ بتأخير آجالنا، فأي راحة لكم في ذلك؟ وأي أمان لكم من العذاب؟ وما الذي ينفعكم ذلك؟ أي: إن أهلكنا لا يرد عنكم العذاب، ولا بقاؤنا. وكلاهما عندنا [[في (ك): (وكلاكم)، وفي (س): (عندكم).]] سواء. ثم قال: ﴿قُلْ﴾ لهم في إنكارك عليهم وتوبيخك لهم ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ من الضال منا: أنحن [[في (س): (أنحن) زيادة.]] أم أنتم، أي: ستعلمون ذلك عند معاينة العذاب؛ وهذا تهديد لهم. وقراءة العامة على المخاطبة. وقرأ الكسائي بالياء [[انظر: "حجة القراءات" ص 716، و"النشر" 2/ 389، و"الإتحاف" ص421.]] لقوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ [[انظر: "الحجة" 6/ 308.]]. ثم احتج عليهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ قال أبو علي: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معناه هاهنا انتبهوا؛ كأنه [[في (س): (كأنه) زيادة.]] قال: انتبهوا ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ﴾ كقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: 63] ولا يكون جواب الجزاء [[في (ك): (جزاء الجواب).]] الذي هو ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾، ولكن جوابه ما دل عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ الذي [[في (ك): (الذي الذي).]] هو بمعنى انتبهوا، كما أن الفاء في قوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 91] ليس بجواب (إن)، إنما هو جواب (وأما) [[انظر: "المسائل الحلبيات" للفارسي ص 78.]]، قال عطاء والكلبي عن ابن عباس، ومقاتل: يعني: ماء زمزم [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 113، و"الكشف والبيان" 12/ 160 أ، و"فتح الباري" 8/ 661. قال الألوسي: وإيًّا ما كان فليس المراد بالماء ماء معينًا، وإن كانت الآية كما روى ابن المنذر والفاكهي عن الكلبي نازلة في بئر زمزم وبئر ميمون الحضرمي. "روح المعاني" 29/ 22.]]. قوله: ﴿غَوْرًا﴾ أي: ذاهبًا في الأرض؛ يقال: غار الماء يغور غورًا، إذا نضب وذهب في الأرض. والغور هاهنا بمعنى الغائر [[في (س): (الغائب).]] سمي بالمصدر. يقال: رجل ضيف وعدل وزور [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 172؛ و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 201.]]. وقوله تعالى ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ أي: ظاهر تراه وتناله الدلاء. قاله المفسرون [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 113، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 222.]]. وقال مجاهد: المعين: الجاري [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 686، و"جامع البيان" 12/ 29/ 9، و"الكشف والبيان" 12/ 160 أ.]]. وقد ذكرنا القولين عند قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [[عند تفسيره الآية (50) من سورة المؤمنون.]] والاختلاف وما هو الاختيار.

القلم 68:1

﴿ن﴾ اختلفوا في تفسيره. فروي عن ابن عباس بطرق أن المراد به الحوت الذي على ظهره الأرض، وأنه من أول ما خلق الله تعالى فكبس الأرض على ظهره؛ وهو رواية أبي الضحى، وأبي ظبيان، والكلبي، وأبي صالح عن ابن عباس [[أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، وصححه، والضياء في المختارة وغيرهم. انظر: "تنوير المقباس" 3/ 116، و"جامع البيان" 29/ 9، و"المستدرك" 2/ 498، و"العظمة" 4/ 1403 و"تفسير الماوردي" 4/ 277، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 400. قلت: إن صح هذا عنه فهو من الإسرائيليات التي ملئت بها كتب التفسير، وابتليت بها الأمة، وكشف زيفها وكذبها وبعدها عن الحقيقة والواقع.]]. وقول مجاهد ومقاتل والسدي [[في (س): (والسدي) زيادة.]]، قالوا: هو الحوت الذي يحمل الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى [[انظر: "جامع البيان" 29/ 10، و"الكشف والبيان" 12/ 160 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 384.]]. والنون في اللغة السمكة [[انظر: "اللسان" 3/ 750 (نون).]]. ومنه قوله تعالى في ذكر يونس عليه السلام: ﴿وَذَا النُّونِ﴾، وقد مر [[عند تفسيره الآية (87) من سورة الأنبياء.]]. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (ن) الدواة [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 678، و"جامع البيان" 29/ 10.]]، ونحو هذا روى الضحاك [[في (س): (ونحو هذا روى الضحاك) زيادة.]]؛ وهو قول الحسن وقتادة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 161 أ، و "زاد المسير" 8/ 326، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 223.]]. والنون في اللغة الدواة، ومنه قول الشاعر [[لم أجده. وفي "تهذيب اللغة" 15/ 560، قال: ... ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ لا يجوز فيه غير الهجاء، ألا ترى أن كتاب المصحف كتبوه ﴿ن﴾ ولو أريد به الدواة أو الحوت كتب نون. وانظر: "المحرر الوجيز" 16/ 73.]]: إذا ما الشوق برح بي إليهم ... ألفت النون بالدمع السجوم وروى عكرمة [[(س): (عكرمة) زيادة.]] عن ابن عباس أن نون هاهنا آخر حروف الرحمن. قال: (الر) و (حم) و (ن) حروف الرحمن مقطعة [[انظر: "جامع البيان" 29/ 10، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 230 - 233. بسندين أحدهما ضعيف والآخر حسن، و"الكشف والبيان" 12/ 161 أ.]]. وروى معاوية بن قرة [[معاوية بن قرة المدني البصري، ثقة عالم، مات سنة 113 هـ عن ثمانين سنة، وكان يقول: لقيت ثلاثين صحابيًّا. انظر: "سير أعلام النبلاء" 5/ 153، و"طبقات ابن سعد" 7/ 221 و"التقريب" 2/ 261، و"التاريخ الكبير" 4/ 330.]] مرفوعًا أن نون هاهنا لوح من نور [[أخرجه ابن جرير عن معاوية عن أبيه. "جامع البيان" 29/ 10. قال ابن كثير: وهذا مرسل غريب. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 401. وقال أبو حيان: لعله لا يصح شيء من ذلك، و"البحر المحيط" 8/ 307. وقال ابن حجر: والمشهور في ﴿ن﴾ أن حكمها حكم أوائل السور في الحروف المقطعة، وبه جزم الفراء. "فتح الباري" 8/ 661، وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 77، و"روح المعاني" 29/ 23.]]. وقال أبو عبيدة وابن كيسان [[في (س): (وابن كيسان) زيادة.]]: نون فاتحة السورة كسائر الفواتح [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 264.]]. وقال المبرد: (ن) اسم الحرف المعروف من حروف الهجاء نحو (ق) و (م). وهذا هو الأشبه؛ لأنه لو كان للسمكة لكان معربًا غير ساكن الآخر [[في (ك): (الأخير).]]؛ لأنه اسم لمسمى [[في (ك): (المسمى).]]، وحروف المعجم إنما هي موضوعة على الوقف، ولذلك يلتقي في أواخرها ساكنان؛ هذا كلامه. وقد اختار قول من قال: إنه من حروف المعجم لافتتاح السورة، والمراد به آخر حروف الرحمن لبنائه على السكون. والقول ما قال [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 77، وفي "العظمة" 2/ 532 قال المحقق: ولم يصح في ذلك شيء مرفوع عن النبي -ﷺ-، وإنما روى بعض الصحابة ومن بعدهم. قلت: ورد في الحروف المقطعة نقول لا تسلم سندًا، وآراء لا تسلم اجتهادًا. والأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، وتفويض أمرها إلى الله، والقول بكل تواضع: الله أعلم. وبهذا قال كثير من سلف الأمة رحمهم الله جميعًا. وقال الشوكاني -رحمه الله- بعد التحقيق في هذه المسألة، والذي أراه لنفسي ولكل من أحب السلامة، واقتدى بسلف الأمة أن لا يتكلم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة لله -عز وجل- لا تبلغها عقولنا، ولا تهتدي إليه أفهامنا، وإذا انتهت إلى السلامة في مدارك فلا تجاوزه. انظر: "فتح القدير" 1/ 35. وانظر: "لباب التأويل" 1/ 19، و"روح المعاني" 1/ 35، و"الإسرائيليات" لأبي شهبة 305 - 306.]]. والقراء مختلفون في إظهار النون وإخفائه من قوله ﴿ن * وَالْقَلَمِ﴾ [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ بإظهار النون. وقرأ الباقون بإخفائها. انظر: "حجة القراءات" ص 717، و"الإتحاف" ص 421، و"زاد المسير" 8/ 326.]]، فمن أظهرها فلأنه ينوي بها الوقف بدلالة اجتماع الساكنين فيها، وإذا كانت موقوفة كانت في تقدير الانفصال مما قبلها، وإذا انفصل مما قبلها وجب التبيين، لأنها إنما تخفى في حروف الفم عند الاتصال. ووجه الإخفاء أن همزة الوصل لم تقطع مع هذه الحروف في نحو ﴿الم﴾، وقولهم في العدد: واحد، اثنان. فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمت أنه في تقدير الوصل، وإذا وصلتها أخفيت [[في (ك): (خفيت).]] النون [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 309 - 310.]]. وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿ص * وَالْقُرْآنِ﴾ [ص: 1] و ﴿يس (1) وَالْقُرْآنِ﴾ [يس: 1 - 2] قال الفراء: وإظهارها أعجب إلي، لأنها هجاء، والهجاء كالوقوف وإن اتصل [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 172. قلت: واختيار الفراء للإظهار لا يعني الطعن أو الرد لما صح عن رسول الله -ﷺ-، وهو اختيار ابن جرير أيضًا. حيث قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان فصيحتان بأيتهما قرأ القارئ أصاب، غير أن إظهار النون أفصح وأشهر، فهو أعجب إليّ. "جامع البيان" 29/ 11.]]. قوله تعالى: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى أن تقوم الساعة [[أخرجه ابن جرير في "جامعه" 29/ 10، وابن أبي حاتم، وأحمد في "المسند" 5/ 317، والترمذي في "سننه"، كتاب: القدر 4/ 397 (2155) وقال: هذا == حديث غريب من هذا الوجه. وفي "الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 239، قال محققه: صحيح إلى ابن عباس، ثم ذكر طرقه عن ابن عباس. ثم عقب بذكر الحديث مرفوعًا من حديث عبادة بن الصامت وقال: وبالجملة فالحديث بهذه الطرق صحيح لغيره. وهو حديث صحيح كما في "تحقيق شرح الطحاوية" 2/ 344.]] قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض. وهذا قوله في رواية أبي الضحى، وأبي ظبيان، وأبي صالح، ومقسم [[في (س): (وأبي ظبيان، وأبي صالح، ومقسم) زيادة. وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 225.]]. وروى مجاهد عنه قال: كان أول [[في (س): (كان أول) زيادة.]] ما خلق الله القلم فقال له: اكتب القدر. قال: فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه [[انظر: "جامع البيان" 29/ 11، وهو معنى حديث سراقة بن مالك، الذي رواه مسلم في "صحيحه"، كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي 4/ 2040، وأحمد في "مسنده" 3/ 292، وغيرهما.]]. وهذا قول جميع المفسرين. قالوا: هو القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ [[قول المؤلف -رحمه الله-: وهذا قول جميع المفسرين؛ صوابه: بعض المفسرين. والأكثرون على أنه جنس أقسم الله سبحانه بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 225، و"غرائب القرآن" 29/ 15. وقال ابن كثير: والظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، فهو قسم منه تعالى وتنبيه لخلقه على ما أنهم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 401.]]. قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قالوا: يعني وما تكتب الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم [[انظر: "زاد المسير" 8/ 328، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 225، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 401، وهو منسوب لابن عباس، ومقاتل، والسدي.]].

القلم 68:2

قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَنْتَ﴾ هو اسم ﴿مَآ﴾ و ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ الخبر، و ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّك﴾ موصولة بمعنى النفي. انتفى عنك الجنون بنعمة ربك كما تقول: أنت بنعمة الله [[في (ك): (ربك).]] فَهِمٌ، وما أنت بنعمة الله بجاهل. وتأويله: فارقك الجهل بنعمة ربك [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 204.]]. وهذا جواب لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6]. قال مقاتل: وذلك حين قال كفار مكة: إن محمدًا مجنون، فأقسم الله بالحوت وبالقلم وبأعمال بني آدم، فقال: ﴿مَآ أنَتَ﴾ يا محمد ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّك﴾، يعني برحمة ربك ﴿بِمَجنُونٍ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 225.]]، وقال عطاء عن [[في (س): (عطاء عن) زيادة.]] ابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 79، و"غرائب القرآن" 29/ 15.]].

القلم 68:3

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أكثر المفسرين وأهل المعاني يقولون: غير منقوض ولا مقطوع، يقال: منَّهُ السير، أي أضعفه. والمنين: الضعيف، ومنَّ الشيء إذا قطعه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 173، و"جامع البيان" 29/ 12، و"اللسان" 3/ 535 (منن).]]، ومنه قول لبيد [["ديوان لبيد" ص171، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني 83، و"الخصائص" 1/ 296.= "تهذيب اللغة" 5/ 394، و"اللسان" 3/ 180 (قهد)، وصدر البيت: لمعفر فهد تنازع شلوه والعفر: الإلقاء على العفر، وهو أديم الأرض، والفهد: الأبيض. والشلو: العضو. والغبس: الذئاب أو الكلاب. والمعنى: أن طعام الذئاب لا يفتر لكثرة الاصطياد أو طعام الذئاب لا يقطعه أصحابها.]]: غبس كواسبُ ما يمنُّ طعامها يصف كلابًا ضارية. وقال مجاهد: غير محسوب [[انظر: "جامع البيان" 29/ 12، و"البحر المحيط" 8/ 308.]]. وهو المن الذي يريد به الاعتداد. وهو معنى قول مقاتل: لا يمن به عليك [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 ب، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 481، و"التفسير الكبير" 30/ 80.]]. وقال الكلبي: غير مكدر عليك في الجنة [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 116، و"التفسير الكبير" 30/ 80، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 226.]]. والقول هو الأول. والمعنى: إن لك لأجرًا يصبرك على بهتهم وافترآتهم عليك، وقولهم: إنك مجنون: غير ممنون.

القلم 68:4

ثم مدحه مع وعد الأجر بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء [[في (س): (في رواية عطاء) زيادة.]]: يريد دين عظيم، لم أخلق من الأديان أحب ولا أرضى عندي منهن اختصصتك به واصطفيته [[في (ك): (واصصفيتك).]] لك ولأمتك. ونحو هذا قال الكلبي: على دين عظيم. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والسدي، وأبي مالك، وابن زيد بن أسلم [[في (س): (والسدي، وأبي مالك، وابن زيد بن أسلم) زيادة.]] وجماعة [[(وجماعة) ساقطة من (س).]]؛ قالوا: يعني الإسلام والدين [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 ب، و"جامع البيان" 29/ 12، و"معالم التنزيل" 4/ 375، و"زاد المسير" 8/ 328.]]. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني القرآن؛ وهو قول الحسن والعوفي قالا [[في (ك): (قال).]]: يعني أدب القرآن [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 227، ورجحه، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 402، و"الدر" 6/ 251.]]. ويدل على هذا ما روي أن عائشة سئلت عن خلق رسول الله -ﷺ- فقالت: كان خلقه القرآن [[الحديث رواه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها باب: جامع صلاة الليل 1/ 513، وأبو داود في كتاب: التطوع 2/ 99، والنسائي في كتاب: قيام الليل 2/ 199.]]. وفسره قتادة فقال: ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 163 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 375، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 227.]]. واختاره الزجاج فقال: المعنى إنك على الخلق الذي أمرك [[في (ك): (أمر).]] الله به في القرآن [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 204.]]. ومعنى الخلق في اللغة: العادة [[انظر: "مفردات الراغب" ص 157 (خلق).]]. ذكرنا [[في (ك): (ذكر).]] ذلك في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137]. وقال ابن الأعرابي: الخلق: الدين، وسمي خلق رسول الله -ﷺ- عظيمًا لعظم قدره وجلالة محله عند الله تعالى [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 29 (خلق).]]. قوله [[في (س): (قوله) زيادة.]]: ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ أي: فسترى يا محمد، ﴿وَيُبْصِرُون﴾ يعني المشركين، ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ اختلفوا في الباء هاهنا، فأكثر المفسرين وأهل المعاني على أنها صلة زائدة [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 712، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 482، و"البحر المحيط" 8/ 309.]]. والمعنى: أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون. قال أبو عبيدة: مجازه أيكم، وأنشد: يَضرِبُ بالسيفِ ويرجُو بالفَرَجْ [[البيت للنابغة الجعدي، وصدره: نحن بنو جعدة أصحاب الفلج انظر: "ديوانه" ص 216، و"الخزانة" 9/ 520، و"مغني اللبيب" ص 108 و"مجاز القرآن" 2/ 264، و"تفسير القرآن" ص 478، و"الإنصاف" ص 284.]] ونحوه قال الأخفش وابن قتيبة [[(س): (ونحوه قال الأخفش وابن قتيبة) زيادة. انظر: "معاني القرآن" 2/ 712، و"تفسير غريب القرآن" 477 - 478.]]. وقال مقاتل: هذا وعيد العذاب ببدر [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 82.]]. يعني: سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر أيكم المفتون. ونحو هذا قال قتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 308، و"جامع البيان" 29/ 14.]]، وابن عباس في رواية عطاء يقول: بأيكم المجنون [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 117 برواية الكلبي، و"الكشف والبيان" 12/ 164 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 377، ذكره برواية العوفي.]]. وهذا محمول على زيادة الباء. وقال أبو إسحاق: لا يجوز أن يكون الباء هاهنا لغوًا في قول أحد من أهل العربية [[مراد الزجاج من قوله هذا: أن من قال بزيادتها لم يستند على نقل صحيح عن أهل اللغة، وإنما هو اجتهاد منه.]]، وفيه قولان للنحويين: أحدهما: قالوا: المفتون هاهنا بمعنى الفتون [[في (ك): (المفتون).]]. والمصادر تجيء على المفعول نحو المعقول والميسور. ويقال: ليس له معقود رأي. أي عقد رأي. والمفتون هاهنا بمعنى الفتون [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 205.]]، أي: الجنون. وهذا قول الحسن والضحاك [[في (س): (والضحاك) زيادة.]] ورواية عطية عن ابن عباس. قالوا: بأيكم الجنون [[انظر: "جامع البيان" 29/ 13، و"التفسير الكبير" 30/ 82.]]. والقول الثاني: أن الباء بمعنى في [[في (ك): (في معنى).]]. ومعنى الآية: ستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون. أي: فرقة الإسلام أم في [[في (س): (في) زيادة.]] فرقة الكفار [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 205.]]. والقولان للفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 173.]] فشرحهما أبو إسحاق. وقال في البيت الذي أنشده أبو عبيدة: معناه: نرجو كشف ما نحن فيه بالفرج، أو نرجو النصر بالفرج [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 205.]]. وهذا القول وإن أنكره غير مردود، لأن زيادة الباء كثير في الكلام وفي التنزيل، ذكرنا ذلك في عدة مواضع [[اختلف العلماء في وقوع الزائد في القرآن، فالمبرد، وثعلب، وابن السراج وغيرهم قالوا: لا صلة في القرآن والجمهور على إثبات الصلات في القرآن. ومراد من أثبت الحروف الزائدة في القرآن ما أتي به لغرض التقوية والتوكيد، وليس المراد إهمال اللفظ ولا كونه لغوًا فتحتاج إلى التنكب عن التعبير بها إلى غيرها. انظر: "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 856 و"البرهان في علوم القرآن" 3/ 72.]]. واختار المبرد أن يكون ﴿اَلمَفْتُونُ﴾ مصدرًا معنى الفتنة [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 82. وقال ابن تيمية -رحمه الله- عند هذه الآية: هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ فيها. منها قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ حار فيها كثير، والصواب المأثور عن السلف؛ ثم ذكر ما روي عن مجاهد والحسن وغيرهما، إلى أن قال: والذين لم يفهموا هذا قالوا: الباء زائدة. قاله ابن قتيبة وغيره. وهذا كثير .. ، و"دقائق التفسير" 5/ 19 - 20.]].

القلم 68:8

قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يعني رؤساء أهل مكة، وذلك أنهم دعوه إلى دين فنهاه الله أن يطيعهم، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ قال الليث: الإدهان: اللين والمصانعة. وقال أبو الهيثم: الإدهان: المقاربة في الكلام والتليين في القول [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 205، و"اللسان" 1/ 1029 (دهن).]]. وقال المبرد: أدهن الرجل في دينه، وداهن في أمره، إذا خان وأظهر خلاف ما يضمر [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 83.]]. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُون﴾ [الواقعة: 81]. قال الكلبي: لو [[في (س): (لو) زيادة.]] تصانعهم في الدين فيصانعونك [[في (ك): (فيصانعوك). وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 117، ونسب أيضًا للحسن كما في "الكشف والبيان" 12/ 164 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 377، و"زاد المسير" 8/ 330، وذكروا عن الكلبي قوله: ودوا لو تلين لهم فيلينون لك.]]. والمعنى: تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض ما لا ترضى فتلين لهم ويلينون. وهذا قول مجاهد: تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك [[انظر: "جامع البيان" 29/ 14، و"الدر" 6/ 251.]]. وهذا قول أكثر المفسرين [[انظر: "غرائب القرآن" 29/ 17.]]. ومعنى رواية الوالبي عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 29/ 14، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 483، و"الكشف والبيان" 12/ 164 ب.]]. وقال ابن قتيبة: كانوا أرادوه على أن يعبدوا آلهتهم مدة ويعبدوا الله مدة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 478.]]. وروى عنه عطاء: لو تكفر [[(ك): (تكفرون).]] يكفرون. وهذا قول مقاتل، وعطية، والضحاك [[(س): (والضحاك) زيادة. انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 164 ب، و"زاد المسير" 8/ 331.]]. وهذا كالأول؛ لأنه يكفر بمداهنتهم لو فعل، وهم يكفرون باتباعه فيتبعونه على الكفر [[قال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوال ... أمثلها قولهم: ودوا لو == تكذب فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون. "أحكام القرآن" 4/ 1843. وقال القرطبي -تعقيبًا على ابن العربي-: (كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى ...) "الجامع" 18/ 231.]].

القلم 68:9

قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يعني رؤساء أهل مكة، وذلك أنهم دعوه إلى دين فنهاه الله أن يطيعهم، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ قال الليث: الإدهان: اللين والمصانعة. وقال أبو الهيثم: الإدهان: المقاربة في الكلام والتليين في القول [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 205، و"اللسان" 1/ 1029 (دهن).]]. وقال المبرد: أدهن الرجل في دينه، وداهن في أمره، إذا خان وأظهر خلاف ما يضمر [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 83.]]. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُون﴾ [الواقعة: 81]. قال الكلبي: لو [[في (س): (لو) زيادة.]] تصانعهم في الدين فيصانعونك [[في (ك): (فيصانعوك). وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 117، ونسب أيضًا للحسن كما في "الكشف والبيان" 12/ 164 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 377، و"زاد المسير" 8/ 330، وذكروا عن الكلبي قوله: ودوا لو تلين لهم فيلينون لك.]]. والمعنى: تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض ما لا ترضى فتلين لهم ويلينون. وهذا قول مجاهد: تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك [[انظر: "جامع البيان" 29/ 14، و"الدر" 6/ 251.]]. وهذا قول أكثر المفسرين [[انظر: "غرائب القرآن" 29/ 17.]]. ومعنى رواية الوالبي عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 29/ 14، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 483، و"الكشف والبيان" 12/ 164 ب.]]. وقال ابن قتيبة: كانوا أرادوه على أن يعبدوا آلهتهم مدة ويعبدوا الله مدة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 478.]]. وروى عنه عطاء: لو تكفر [[(ك): (تكفرون).]] يكفرون. وهذا قول مقاتل، وعطية، والضحاك [[(س): (والضحاك) زيادة. انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 164 ب، و"زاد المسير" 8/ 331.]]. وهذا كالأول؛ لأنه يكفر بمداهنتهم لو فعل، وهم يكفرون باتباعه فيتبعونه على الكفر [[قال ابن العربي: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوال ... أمثلها قولهم: ودوا لو == تكذب فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون. "أحكام القرآن" 4/ 1843. وقال القرطبي -تعقيبًا على ابن العربي-: (كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى ...) "الجامع" 18/ 231.]].

القلم 68:10

قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾: كثير الحلف بالباطل، ﴿مَهِينٌ﴾ قال مجاهد ومقاتل: ضعيف القلب [[انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 231، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 403.]]. قال الزجاج: هو فعيل من المهانة وهي القلة، ومعناه هاهنا القلة في الرأي والتمييز [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 205.]]. وهذا معنى قول المفسرين: ضعيف القلب. وقال الحسن وقتادة: المهين: المكثار من الشر [[انظر: "جامع البيان" 29/ 15، و"الكشف والبيان" 12/ 165 أ.]]. ومعناه أنه الوضيع بإكثاره من القبيح. وقيل: هو القبيح. وقيل: الحقير؛ لأنه عرف أنه يحلف على الكذب [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 83، و"الجامع لأحكام القرآن" 28/ 231.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء [[في (س): (في رواية عطاء) زيادة.]]: يعني: الأخنس بن شريق؛ وهو قول السدي والكلبي [[في (س): (والكلبي) زيادة. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 308، و"جامع البيان" 29/ 15، و"معالم التنزيل" 4/ 377، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 231، ذكروا هذا القول دون نسبة لابن عباس، وإنما قصروه على عطاء والكلبي والسدي.]]. وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة حين عرض على النبي -ﷺ- المال ليرجع عن دينه [[انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 377.]].

القلم 68:11

قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾ قال المبرد: هو الذي يهمز الناس بالمكروه، وأكثر ذلك بظهر الغيب [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 84.]]. وقال الزجاج: مغتاب للناس [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 205.]]. وقال ابن عباس: طعان للناس [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 117.]]. وقال مقاتل: مغتاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 232.]]. ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيم﴾ يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. ويقال: نمَّ يَنُمُّ وَينِمُّ نمّا ونميمًا ونميمة. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ قال عطاء والكلبي [[في (س): (والكلبي) زيادة.]] عن ابن عباس، ومقاتل، معنى الخير هاهنا الإيمان والإسلام، كان له عشرة بنين، وكان يقول لهم وللحمته من قرابته: لئن تبع دين محمد منكم أحد [[في (س): (أحد) زيادة.]] لا أنفعه بشيء أبدًا [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 117، و"تفسير مقاتل" 163 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 165 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 378.]]؛ فمنعهم الإسلام وهو الخير الذي منعهم. وعلى هذا معناه: مناع للإيمان والإسلام؛ أي يمنعهما الناس. ويجوز أن يكون المعنى [[في (س): من (مناع للإيمان) إلى هنا زيادة.]]: مناع رفده ونفعه لأجل الخير وهو الإسلام. وقال الآخرون: معناه: بخيل بالمال. فالخير على هذا القول المال، وهو اختيار ابن قتيبة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 478، و"جامع البيان" 29/ 15، و"زاد المسير" 8/ 332.]]. قوله تعالى: ﴿مُعْتَدٍ﴾ قال مقاتل: يعني في الغشم والظلم [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 84.]]. والمعنى أنه ظلوم يعتدي الحق ويتجاوزه فيأتي بالظلم. وهو معنى قول الكلبي: معتد للحق [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 378، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 232.]]. ومعناه أنه صاحب الباطل. ﴿أَثِيم﴾ أثم بغشمه وظلمه، وصار ذا إثم. وقال عطاء [[في (س): من (أثم بغشمه) إلى هنا زيادة.]]: أثيم في جميع أفعاله. وقال الكلبي: يعني فاجرًا [[في (س): (وقال الكلبي: يعني فاجرًا) زيادة. وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 118.]].

القلم 68:13

قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ﴾ قال الفراء: العتل في هذا الموضع: الشديد الخصومة بالباطل [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 173.]]؛ وهو قول الكلبي [[في (س): (وهو قول الكلبي) زيادة. وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 118.]]. وقال أبو عبيدة: هو الفظ الكافر، وهو الشديد في كل شيء [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 264.]]. وقال المبرد: العتل عند العرب: الجافي الخلق. ونحسبه -والله أعلم- في هذا الموضع المتجافي عن الحق. وقال الزجاج: هو في اللغة: الغليظ الجافي [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 206.]]. وقال الليث: هو الأكول المنوع [[انظر: "اللسان" 2/ 681 (عتل)، و"زاد المسير" 8/ 332.]]. هذا قول أهل اللغة في تفسير العُتل [[في (س): (هذا قول أهل اللغة في تفسير العتل) زيادة.]]، وأصله في العتل، وهو السوق الشديد والقود العنيف من قوله: ﴿فَاَعْتِلُوهُ﴾ وقد مر [[عند تفسيره الآية (47) من سورة الدخان. قال: العتل أن تأخذ بتلابيب الرجل فتعتله، أي: تجره إليك وتذهب به إلى حبس أو بلية وأخذ فلان بزمام الناقة فعتلها، وذلك إذا قبض على أصل الزمام عند الرأس وقادها قودًا عنيفًا. وقال ابن السكيت: عتلته إلى السجن وعتنته فأنا أعتله وأعتنه، إذا دفعته دفعًا عنيفًا.]]. فالعُتل: الجافي الغليظ الشديد الخصومة والفظ العنيف. وقال الفراء في كتاب "المصادر": إنه لعُتُل بَيِّنُ العُتُلَّة، بضم العين والتاء وتشديد اللام. قال: والعرب تقول: إنك لَعَتِلٌ شديد إلى الشر -بفتح العين وكسر التاء مخففة- بيَّن العتل [[انظر: "اللسان" 2/ 6814 (عتل)، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 232، عن ابن السكيت.]]. معناه: إنك لسريع إلى الشر. وقوله المفسرين في هذا على قسمين: أحدهما: أنه ذم في الخَلْق. والثاني: أنه ذم في الخُلُق. قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد قوي ضخم [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 84.]]. وقال مقاتل: رحيب الجوف وثيق الخلق [[انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 233.]]. وقال أبو رزين: العتل: الصحيح [[انظر: "جامع البيان" 29/ 16.]]. وقال مجاهد: هو الشديد الأشر [[انظر: "جامع البيان" 29/ 16، و"زاد المسير" 8/ 332.]]. وقال عبيد بن عمير [[في (ك): (شعرة).]]: هو الأكول الشروب القوي الشديد يوزن فلا يزن شعيرة [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 84.]]، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفًا دفعة واحدة في جهنم [[انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة 13/ 440، و"الكشف والبيان" 12/ 165 أ، و"حلية الأولياء" 3/ 270، و"زاد المسير" 8/ 332.]]. وقال الحسن: هو الفاحش الخُلق، اللئيم الضريبة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 308، و"جامع البيان" 29/ 16، و"الدر" 6/ 251. والضريبة: الطبيعة أي: اللئيم بطبعه.]]. قوله تعالى: ﴿بَعْدَ ذَلكَ﴾ قال صاحب النظم: (بعد) هاهنا بمنزلة مع على تأويل عتل مع ما وصفناه به [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 378، و"زاد المسير" 8/ 332.]]. وهذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ.]]. يعني مع هذا النعت. ﴿زَنِيم﴾ الزنيم في اللغة: الدعي. قال أبو عبيدة [[(أبو عبيدة) ساقطة من (ك).]]: الملصق بالقوم وليس منهم، وأنشد لحسان بن ثابت [["ديوان حسان" ص 89، و"اللسان" 2/ 53 (زنم)، و"مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف" ص 38، ونيطَ آخر. والمعنى: أنت زنيم مؤخر في آل هاشم كما يؤخر الراكب القدح خلفه.]]: وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد. قال: ويقال للتيس: زنيم له زنمتان [[في (ك): (زمتان) وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 265.]]. قال المبرد: وإنما أخذ فيما ذكر أبو عبيدة من زنمت [[في (ك): (زمت).]] الشاة إذا شقت أذنها فاسترخت هدبته [[في (س): (هُنية).]] ويبست كالشيء المعلق. والزنمة من كل شيء الزيادة [[انظر: "الكامل" 3/ 223 - 224.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء [[في (س): (في رواية عطاء) زيادة.]]: يريد مع هذا هو دعي في قريش وليس منهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 378، و"تنوير المقباس" 6/ 118، وهي من طريق الكلبي.]]. ونحو هذا روى ثابت بن أبي صفية عن رجل يكنى أبا عبد الرحمن عن ابن عباس قال: هو اللئيم الملزق [[في (ك): (المزلق).]] ثم أنشأ يقول: زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع [[في (س): (الكوارع) والبيت لحسان بن ثابت كما في "ديوانه" ص 491، وفي "اللسان" 2/ 53 (زنم) نسبه للخطيم التميمي.]] وهذا قول مجاهد، وسعيد بن المسيب، وعكرمة [[أخرج ابن أبي حاتم نحوه عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه أبو عبيد، والمبرد وغيرهما. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 234، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 404، وعند ابن جرير من طريق العوفي: الزنيم: الدعي. وعنده بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال في الزنيم: الذي يعرف بأبنة. "جامع البيان" 29/ 17، و"تفسير ابن عباس" مروياته للحميدي 2/ 897. == والأبنةُ: العيب في الخشب والعود، يقال: ليس في حسب فلان أبنة، كقولك: ليس فيه وصمة "اللسان" 1/ 9 (أبن).]]. قالوا: هو ولد الزنا الملحق بالقوم في النسب وليس منهم [[انظر: "جامع البيان" 29/ 17، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 234، و"البحر المحيط" 8/ 310.]]. وتمثل عكرمة فيه ببيت شعر فقال: زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغي الأم ذو حسب لئيم [[لم أجد للبيت قائلَّا: وانظر المراجع السابقة.]] ويؤكد هذا التفسير ما قال مرة الهمداني [[في (ك): (الهمداني مرة).]]: إنما ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 165 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 378.]]. وفيه قول آخر: قال الشعبي: هو الرجل الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 165 ب، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 499 عن ابن عباس وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.]]. وقال سعيد بن جبير: هو الرجل السوء يعرف بالشر، يمر على القوم فيقولون: هذا رجل سوء [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 688، و"معالم التنزيل" 4/ 378، و"الدر" 6/ 253، عن ابن عباس ونسب تخريجه لابن أبي حاتم.]]. ونحو هذا روى خصيف [[في (س): (ونحو هذا روى خصيف عن) زيادة.]] عن عكرمة قال: الزنيم: الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها [[انظر: "جامع البيان" 29/ 18، و"معالم التنزيل" 4/ 378، عن ابن عباس.]]. قال ابن قتيبة: معنى هذا القول أنه قد لحقه [[في (ك): (لحقته).]] سبة في الدِّعوة [[الدِّعوة: بكسر الدال: ادعاء الولد الدَّعيَّ غيرَ أبيه. وقال ابيت شميل: الدَّعوة في الطعام والدِّعوة في النسب. "اللسان" 1/ 987 (دعا).]] عرف بها مزنمة الشاة [[انظر: "تأويل المشكل" ص 159.]]. وفي الزنيم قول ثالث روى عكرمة [[في (س): (عكرمة) زيادة.]] عن ابن عباس: نعت فلم يعرف فقيل: ﴿زَنيِمٍ﴾ قال: وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها [[أخرجه ابن جرير بسند صحيح. "جامع البيان" 29/ 17، و"تفسير ابن عباس" ومروياته للحميدي 2/ 897، وفي البخاري 6/ 198 عن ابن عباس قال: رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة.]]. وهذا قول مقاتل: كان في أصل أذنه مثل زنمة الشاة [[انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 85، وقال ابن كثير في "تفسيره" 4/ 405، والأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر، الذي يعرف به من بين الناس، وغالبًا يكون دعيا ولد زنا، فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره.]].

القلم 68:14

﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ قال الفراء: وقرئ (أأن كان) بهمزتين [[قرأ ابن عامر (آن كان) بهمزة مطولة، وقرأ حمزة وأبو بكر (أأنْ) بهمزتين مخففتين على الاستفهام. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وحفص عن عاصم (أن كان) على الخبر. انظر: "حجة القراءات" ص 717، و"الإتحاف" ص 421، و"زاد المسير" 8/ 333.]]. قال: والمعنى: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان، أي: لأن كان يريد لا تطعه لماله وبنيه. ومن قال: (أأن كان) فإنه وبخه؛ والمعنى: ألان كان ذا مال وبنين تطعه. وإن شئت قلت [[(قلت) زيادة من "معاني القرآن" للفراء.]]: ألأن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين. وكان حسن [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 173 - 174.]]. واختار أبو إسحاق القول الثاني، وقال: (أنْ) نصب بمعنى قال ذلك؛ لأن كان ذا مال وبنين. أي: جعل مجازاة النعم التي خُولها من المال والبنين الكفر بآياتنا. قال: قال: وإذا جاءت ألف الاستفهام ومعناها التوبيخ فهذا هو القول، ولا يصلح غيره. وإذ [[بياض في المخطوطتين، ولعلها (وإذا قرئ).]] بغير استفهام جاز أن يكون المعنى: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان ذا مال وبنين. أي: لا تطعه ليَسَاره وعدده [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 206.]]. وقد اتفقا [[أي الفراء والزجاج.]] على جواز أن يكون قال في قوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ﴾ عاملًا في (أنْ) في [[في (س): (في) زيادة.]] قوله: ﴿أَن كاَنَ﴾ قال أبو علي: لا يخلو من أن يكون العامل فيه ﴿تُتْلَى﴾ أو ﴿قَال﴾ أو شيء ثالث، ولا يجوز أن يعمل واحد منهما فيه. ألا ترى أن تتلى من قوله: ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ قد أضيفت إذا إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله، ألا ترى أنك لا تقول: القتال زيدًا حين يأتي زيد. ولا يجوز أن يعمل فيه (قال) أيضًا؛ لأن (قال) جواب (إذا)، وحكم الجواب أن يكون بعد ما هو جواب له ولا يتقدم عليه. وإذا لم يجز أن يعمل في (أنْ) واحد من هذين الفعلين علمت أنه محمول [[في (ك): (مجنون).]] على شيء آخر مما دل في الكلام عليه. والذي يدل عليه هذا الكلام من المعنى هو يجحد أو يكفر أو يمسك عن قبول الحق، ونحو ذلك. إنما جاز أن يعمل المعنى فيه وإن كان متقدمًا عليه لشبهه بالظرف، والظرف قد تعمل فيه المعاني وإن تقدم عليها ويدلك على مشابهته للظرف تقدير اللام معه. وإن من النحويين من يقول: إنه في موضع جر كما أنه لو كانت اللام ظاهرة معه كان كذلك، فإذا صار كالظرف [[في (ك): (فالظرف).]] من حيث قلنا لم يمتنع المعنى من أن يعمل فيه كما لم يمتنع من أن يعمل في نحو قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: 7] لما كان ظرفا، والعامل فيه بعثتم، الدال عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيد﴾، وكذلك ﴿أَن كاَنَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، كأنه جحد بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين، أو كفر بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين [[في (س): (أو كفر بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين) زيادة.]]. وعلى هذا المعنى يكون محمولًا فيمن استفهم فقال: أن كان ذا مال وبنين؛ لأنه [[في (س): (لأنه) زيادة.]] توبيخ وتقرير، فهو بمنزلة الخبر. ومثل ذلك قولك: ألأن أنعمت عليك جحدت نعمتي، إذا وبخته بذلك. فعلى هذا تقدير الآية [[من قوله (قال أبو علي) إلى هنا كلام أبي علي، وفيه تصرف من المؤلف. انظر: "الحجة" 6/ 310 - 311، و"البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 453، و"الكشاف" 4/ 127، و"التفسير الكبير" 30/ 85.]].

القلم 68:16

قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ الوسم: أثر كية. يقال: وسمته فهو موسوم بسمة يعرف بها، إما بكية، وإما قطع في أذن علامة له [[انظر: "اللسان" 3/ 928 (وسم).]]. قال أبو عبيد: الخرطوم الأنف. وأنشد قول ذي الرمة [[انظر: "ديوان ذي الرمة" 1/ 405، و"تهذيب اللغة" 1/ 121، و"اللسان" 2/ 889 (عمَّ)، وتنجو: تسرع السير، وأخشتها: جمع خشاش، وهي حلقة تكون في أنف البعير، والزبد: الجعد المتراكم على خطم البعير.]]: تنجو إذا جعلت تدمى أخشتها ... وأعتم بالزبد الجعد الخراطيمُ ونحو هذا قال أبو عبيد [[في (س): (ونحو هذا قال أبو عبيد) زيادة]]. وقال أبو زيد: الخرطوم والخطم: الأنف. وقال المبرد: الخرطوم هاهنا الأنف، وهو من السباع في مواضع الشفاه من [[في (ك): (وقال أبو زيد: الخرطوم) زيادة. والصواب حذفها.]] الناس، والجحافل [[جحافل الخيل: أفواهها. وجحفلة الدابة: ما تناول به العلف، بمنزلة الشفة في الإنسان. "اللسان" 1/ 407 (جحف).]] من ذوات الحوافر، والمرمات والمقمات [[المرمة (بالكسر): شفة البقرة، وكل ذات ظلف، والمِقَمَّة والمَقَمَّة، الشَّفة. وهي من ذوات الظِّلف خاصة، سميت بذلك؛ لأنها تقتم به ما تأكله أي تطلبه، و"اللسان" 1/ 922 (رمم)، 3/ 166 (قمم).]] من ذوات الأظلاف، والمشافر من الإبل، وهو من الليل موضع الأنف [[انظر: "اللسان" 1/ 815 (خرطم).]]. واختلفوا في معنى هذا الوسم، فالأكثرون على أنه وعيد [[في (ك): (وعد).]] له بذلك في الآخرة. قال مقاتل: سنسمه بالسواد على الأنف، وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار [[انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 86.]]. ونحو هذا قال أبو العالية: يسود وجهه فيجعل له علمًا في الآخرة ويعرف بسواد وجهه [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 167 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 379.]]، وهذا القول اختيار الفراء والزجاج [[في (س): (وهذا القول اختيار الفراء والزجاج) زيادة.]]. قال الفراء: سنسمه سمة أهل النار؛ أي: سنسود وجهه، والخرطوم [[في (ك): (قبل دخول النار. أي سنسود وجهه. والخرطوم) زيادة، والصواب ما أثبته.]] وإن كان قد خص بالسمة؛ لأن في مذهب الوجه، لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 174.]]. وقال الزجاج: معنى ﴿سَنَسِمُهُ﴾ سنجعل له في الآخرة العلم [[في (ك)، (س): (علمًا الحلم)، والتصحيح من معاني الزجاج.]] الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم، وجائز -والله أعلم- أن ينفرد بسمة؛ لتعاليه في عداوة النبي -ﷺ- فيخص من التشويه بما يتبين به من غيره كما كانت عداوته لرسول الله -ﷺ- عداوة يتبين بها من غيره [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 207.]]، فهؤلاء جعلوا هذه السمة على الخرطوم سواد وجهه في الآخرة. وجعل الضحاك هذه السمة كيًّا على وجهه يعرف بها في الآخرة: وهو معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[في (س): (في رواية عطاء) زيادة.]]. كما توسم الغنم؛ واختاره الكسائي [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 167 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 379.]]. وهذا قريب من قول أبي إسحاق الثاني. هذا كله قول من قال: إن هذا [[في (س): (هذا) زيادة.]] الوعيد يلحقه في الآخرة. وذهب بعضهم إلى أن هذه التسمية لحقته في الدنيا. وهو قول الكلبي عن ابن عباس قال: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش، فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال [[انظر: "جامع البيان" 29/ 18، و"معالم التنزيل" 4/ 279، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 236. قلت: ذكر المفسرون -رحمهم الله- أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة أو الأسود ابن عبد يغوث، أو الأخنس بن شريق، وكل هؤلاء لا يصدق فيهم ما رواه الكلبي هنا عن ابن عباس، فالوليد لم يحضر غزوة بدر، وكذا الأخنس، والأسود أول من قتل من المشركين، فكيف يجعل خطمه بالسيف علامة باقية ما عاش. ولهذا وغيره فالظاهر أن الآية وما قبلها نزلت في غير معين وأنه من عرف بالشر واشتهر به. وانظر: "دقائق التفسير" 5/ 17، والله تعالى أعلم.]]. وذهب آخرون إلى أن معني هذا الوسم أنه يُشهر بالقبيح والذكر السوء؛ وهو قول قتادة، واختيار ابن جرير وابن قتيبة [[في (س): (وهو قول قتادة واختيار ابن جرير، وابن قتيبة) زيادة.]]. قال قتادة: سنلحق به شيئًا لا يفارقه [[انظر: "جامع البيان" 29/ 18، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 405.]]. وقال ابن جرير [[في (س): (قال ابن جرير) زيادة.]]: سنبين أمره بيانًا واضحًا حتى تعرفوه فلا يخفى كما لا تخفى السمة على الخراطيم [[انظر: "جامع البيان" 29/ 18 - 19.]]. وشرح ابن قتيبة هذا المعنى. فقال: للعرب [[في (س): (فقال للعرب) زيادة.]] في مثل هذا اللفظ مذهب تخبر به. تقول العرب للرجل يسب الرجل سبة قبيحة [[في (س): (قبيحة) زيادة.]] باقية، أو تبينوا عليه فاحشة: قد وسمه بميسم [[في (س): (يسم).]] بسوء. يريدون ألصق به عارًا لا يفارقه كما أن السمة لا تنمحي ولا يعفو [[في (ك): (ولا يمحوا).]] أثرها. قال جرير [[انظر: "ديوان جرير" 2/ 940.]]: لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث [[البَعِيث: خداش بن بشر، كنيته أبو زيد، أو أبو مالك. أحد بني مجاشع، كان شاعرًا، وخطيبًا مفوهًا. عاش في البصرة أو بالقرب منها، وقف إلى جانب غسان، السليطي ضد جرير. فدخل في معركة النقائض بين جرير والفرزدق. انظر: "طبقات فحول الشعراء" ص 326، و"المؤتلف والمختلف" ص 56، 108، و"الأغاني" 8/ 16، و"تاريخ التراث العربي" 2/ 79، و"الخزانة" 2/ 279.]] جدعت أنف الأخطل يريد أنه وسم الفرزدق وجدع أنف الأخطل بالهجاء. أي: أبقى به عليه عارًا كالجدع والوسم. وقال أيضًا [["ديوان جرير" 2/ 955، والزنبري هو السفن الثقيلة.]]: رفع المطيُّ بما وسمت مجاشعًا ... والزنبري يعوم ذو الأجلال يريد أن هجاءه قد سارت في المطي وغني به في البر والبحر [[انظر: "تأويل المشكل" ص 156.]]. وهذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة [[وهو قول ابن عباس، ومقاتل. انظر: "تنوير المقباس" 6/ 117، و"تفسير مقاتل" 163 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 377.]] ولا يعلم أن الله -عز وجل- وصف أحدًا وصفه له ولا بلغ من ذكر عيوبه ما بلغه من ذكرها عنه؛ لأنه وصف بالحلف، والمهانة، والغيب للناس، والمشي بالنمائم، والبخل، والظلم، والإثم، والدِّعوة؛ فألحق به عارًا لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة. كالوسم على الخرطوم وأبين ما يكون في الوجه. ومما يشهد لهذا المذهب قول من قال في قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ أنه يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها.

القلم 68:17

قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا﴾ [[(كما بلونا) ساقطة من (س).]] الآية. قال المفسرون: بلونا أهل مكة بالجوع والقحط كما ابتلينا أصحاب الجنة بالجوع حين هلكت جنانهم. وهم قوم من ثقيف، كانوا باليمن [[اليمن: تشرف على البحر الأحمر والمحيط الهندي، ويطلق عليها بلاد العرب السعيد أو الخضراء، وسميت اليمن لتيامنهم إليها، قال ابن عباس: تفرقت العرب، فمن تيامن منهم سميت اليمن وهي أيمن الأرض فسميت اليمن. انظر: "معجم البلدان" 5/ 447، و"دراسات تاريخية: العرب وظهور الإسلام" ص 5.]] مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنان وزروع ونخيل. وكان أبوهم يجعل مما فيها للمساكين من كل شيء حظًّا عند الصرام وعند الحصاد والدياسة والرفاع [[(س): (والرفاع) زيادة. والمراد به رفع المحصول في المخازن.]]. فقالت بنوه: العيال كثير، والمال قليل، ولا يسعنا أن نعطي المساكين كما كان يفعل أبونا. وعزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى الهلاك وإلى ما قص الله في كتابه من قصتهم [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 167 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 379، من رواية الكلبي عن ابن عباس.]]. قال مقاتل: وهذا مثل ضربه الله لكفار مكة ليعتبروا فيرجعوا، وهو قوله: ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّة﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 239.]] قال المفسرون: وهي تسمى [[في (س): (تسمى) زيادة.]]: الضروان بقرب صنعاء [[صنعاء: نسبة إلى جودة الصنعة في ذاتها. كان اسمها أزال، فلما وافتها الحبشة قالوا: هذه صنعة، ومعناه: حصينة، فسميت صنعاء بذلك. وبينها وبين عدن ثمانية وستون ميلًا، وهي شبيهة بدمشق في كثرة المياه والفواكه. "معجم البلدان" 3/ 425.]]. قال سعيد بن جبير: على اثني عشر ميلًا منها [[أخرج ابن جرير، وعبد الرزاق وغيرهما بلفظ: (هي أرض باليمن يقال لها: ضروان، بينها وبين صنعاء ستة أميال). انظر: "جامع البيان" 29/ 20، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 406، و"فتح الباري" 8/ 662.]]. وقال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان ابتلاهم الله بأن أحرق جنتهم بالنار [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 167 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 379، والفرسخ السكون. ثلاثة أميال أو ستة، سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنه سكن.]]. قوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ حلفوا ليقطعن ثمر نخلهم إذا أصبحوا بسُدفة [[السُّدفة: ظلمة فيها ضوء من أول الليل وآخره، ما بين الظلمة إلى الشفق، وما بين الفجر إلى الصلاة. "اللسان" 2/ 121 (سدف).]] من الليل. قال مقاتل: قالوا: اغدوا سرًا إلى جنتكم فاصرموها ولا تؤذنوا المساكين وكان آباؤهم يخبرون المساكين [[في (س): (وكان آبائهم يخبرون المساكين) زيادة.]] فيجتمعون عند صرام جنتهم [[في (ك): (جنتكم)، وانظر: "تفسير مقاتل" 163 أ.]]. ويقال: قد صرم العذق عن النخلة وأرم النخل إذا حان وقت صرامه [[انظر: "اللسان" 2/ 434 (صرم).]].

القلم 68:18

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ يقولون: إن شاء الله. هذا قول جماعة المفسرين [[في (س): (هذا قول جماعة المفسرين) زيادة.]]. ويقال: حلف فلان يمينًا ليس فيها ثنيا ولا ثنوى ولا ثنية ولا مثنوية ولا استثناء، كله واحد، وأصل هذا كله من الثني وهو الكف والرد [[انظر: "اللسان" 1/ 382 (ثنى).]]، وذلك أن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره فقد رد ما قاله بمشيئة الله غيره.

القلم 68:19

قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [[(وهم نائمون) ساقطة من (س).]] قال ابن عباس: أحاطت بها النار فاحترقت [[انظر: "زاد المسير" 8/ 336.]]. وقال الكلبي: ﴿عَلَيْهَا﴾ على الجنة، أرسل عليها نارًا من السماء فاحترقت، فذلك قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾، والطائف لا يكون إلا ليلاً [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 168 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 88، و"غرائب القرآن" 29/ 19.]]. وروى [[في (ك): (وقال).]] أبو ظبيان [[في (س): (روى أبو ظبيان عن) زيادة.]] عن ابن عباس قال: هو أمر من أمر ربك [[انظر: "جامع البيان" 29/ 19، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 241.]]. وقال قتادة: طرقها طارق من أمر الله، والطائف: الطارق ليلاً [[أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: (أتاها أمر الله ليلاً فأصبحت كالصريم. قال: كالليل المظلم). وما ذكره المؤلف هنا هو قول ابن جرير -رحمه الله-، والمعنى متقارب. انظر: "جامع البيان" 29/ 19، و"الدر" 6/ 253.]]. وحقيقة المعنى ما ذكره ابن عباس من قوله: أحاطت بها النار [[انظر: "جامع البيان" 29/ 20، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 242.]]. وقال مقاتل: بعث نارًا بالليل على جنتهم فأحرقتها حتى صارت سوداء، فذلك قوله: ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ قال: يعني أصبحت الجنة سوداء كالليل. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء؛ يعني كالليل المظلم [[انظر: "تفسير مقاتل" 163 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 406 و"الدر" 6/ 254.]]، شبه سوادها بسواد الليل الدامس، وهو آخر ليالي الشهر، وهو أشد ما يكون ظلمة. وهذا القول في الصريم هو قول الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 175، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 208.]]. قال شمر: الصريم: الليل، والصريم: النهار [[(النهار) ساقطة من (ك)، (س)، والصواب إثباتها. وانظر: "الأضداد" للأصمعي والسجستاني وابن السكيت ص 41، 105، 195، 539.]]، ينصرم الليل من النهار والنهار من الليل. وعلى هذا الصريم بمعنى المصارم [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 185، و"اللسان" 2/ 435 (صرم).]]. وقال غيره: سمي الليل صريمًا لأنه يقطع بظلمته عن التصرف. وعلى هذا هو فعيل بمعنى فاعل، وهو يبطل بالنهار. سمي صريمًا ولا يصرم [[في (ك): (ولا يصرف).]] عن التصرف [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 88، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 242.]]. وقال قتادة: ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ كأنها صرمت [[انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 406، و"تهذيب اللغة" 12/ 185، و"اللسان" 2/ 435 (صرم).]]. وعلى هذا الصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه. وأبى عطاء هذا القول فروى عن ابن عباس: وليس يعني المصرومة، وذلك أن النار تحرق الأشجار فلا تشبه ما في ثمره وإن احترقت الثمار دون الأشجار، وهو بعيد أشبه المقطوع ثمره [[في (س): من قوله (وأبى عطاء) إلى هنا زيادة. وانظر: "غرائب القرآن" 29/ 19.]]. وقال الحسن: أي: صرم عنها الخير فليس فيها شيء [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 168 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 379.]]. والصريم على هذا مفعول أيضًا. وقال المؤرج: كالرملة [[في (ك): (كالرمث).]] انصرمت من معظم الرمل [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 168 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 242.]]. وقال الأصمعي: الصريم من الرمل: قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمل، وتجمع [[في (ك): (وجمعه).]] الصرائم [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 185، و"اللسان" 2/ 435 (صرم).]]. وعلى هذا شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال، وهي لا تنبت شيئاً ينتفع به. وقال الأخفش: كالصبح انصرم من الليل [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 168 أ، و"البحر المحيط" 8/ 312.]]. وقد ذكرنا أن النهار يسمى صريمًا. قال المبرد: قيل: كالنهار لا شيء فيها، كما يقال: لك سواد الأرض وبياضها. فالسواد العامر، والبياض الغامر، وعلى [[في (ك): (سوى).]] هذا شبهه بالنهار لخرابها وخلوها من الثمار والأشجار، وهذا على المقابلة، وذلك أن العامر لما سمي سوادًا سمي الخراب بياضًا لا على معنى اللون [[(ك): (الليل).]] ولكن على معنى المضادة [[لم أجد هذا القول، وغيره من أقوال المبرد نقلها المؤلف، وليست في مؤلفاته المعروفة، ولعلها -والله أعلم- نقلت من كتابه "إعراب القرآن" وهو كتاب مفقود.]].

القلم 68:21

قوله تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21)﴾ قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ قال يعني بالحرث الثمار والزرع والأعناب [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 88، و"غرائب القرآن" 29/ 19.]]، ولذلك قال: (صارمين)؛ لأنهم أرادوا قطع ثمار النخيل والأعناب. وقال أبو إسحاق: إن كنتم عازمين [[(ك)، (س): (عازمين) ساقطة.]] على صرم [[(ك)، (س): (الصرام) وانظر: "معاني القرآن" 5/ 208.]] النخل. وقال الكلبي: على حرثكم. يعني: ما كان في جنتهم من شجر وزرع [[انظر: "جامع البيان" 29/ 20، و"زاد المسير" 8/ 336، ولم ينسب لقائل.]] ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ يعني [[(س): (قال يعني).]]: جاذين للنخل والحصاد، ولم يرد الجمع بين النخل والزرع في الحصاد؛ لأن الحصاد والقطاف لا يجتمعان في وقت واحد، ولكنهم غدوا إلى جنتهم لحصاد الزرع وللمقام بها إلى آخر القطاف. و (أن) في قوله: ﴿أَنِ اغْدُوا﴾ بمعنى أي، كما قال تعالى ذكره: {أَنِ ﴿امْشُواْ﴾، وقد مر [[عند تفسيره الآية (6) من سورة ص.]]. قوله تعالى: ﴿فَاَنطَلَقُواْ﴾ أي ذهبوا إلى جنتهم ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ يسرون الكلام بينهم بـ ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24)﴾، ومضى تفسير التخافت عند قوله: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [[عند تفسيره الآية (110) من سورة الإسراء. قال: المخافتة: الإخفاء، يقال: خفت صوته يخفت وخفاتًا إذا ضعف وسكن. وصوت خفيت أي خفيض. ومن هذا يقال للرجل إذا مات: قد خفت، أي: انقطع كلامه؛ وخفت الزرع إذا ذبل ولان.]] قال ابن عباس: غدوا إليها بسدفة يسر بعضهم إلى بعض الكلام لئلا يعلم أحد من الفقراء والمساكين [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 89.]]. وقال قتادة: كانت الجنة لشيخ، وكان يتصدق، وكان يمسك قوته ويتصدق بالفضل، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة، فلما مات غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين [[انظر: "جامع البيان" 29/ 19، و"الدر" 6/ 253.]]، ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾. وقال أبو إسحاق: لما كان الوقت الذي اعتدوا فيه في أول الصبح بسدفة غدوا إلى جنتهم ليصرموها [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 207.]]. ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ واختلفوا في تفسير الحرد. والحرد [[(س): (والحرد) زيادة.]] في اللغة يكون على معان. الحرد: المنع، من قولهم: حاردت السنة إذا قل مطرها ومنعت ريعها. وحاردت الناقة إذا منعت لبنها وقيل اللبن [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 415، و"اللسان" 1/ 602 (حرد).]]. ومنه قول الأعشى: فإذا ما بكؤت أو حاردتْ ... فك عن حاجب أخرى طينها [[انظر: "ديوان الأعشى" (151)، و"اللسان" 1/ 602 (حرد)، وفي ألفاظه اختلاف وتقديم وتأخير. والشاعر يصف باطنة -وهي إناء عظيمة- إذا قل ما فيها من لبن أو شرب أو انقطع فتحت أخرى.]] والحرد: القصد؛ ومنه قول الهذلي [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 266، و"الخزانة" 10/ 356، ونسبه لقرب بن المستفيد، و"شواهد الكشاف" (254)، وود أيضًا في "زيادات ديوان حسان" (522)، و"إصلاح المنطق" (47).]]: أقبل سيلٌ كان من [[(س): (في).]] أمرِ الله ... يحرِد حَرْد الجنَّة المُغَلَّهْ وأنشد أبو عبيدة [[البيت لمنقد الأسدي الملقب بالجميح، وهو تشبيه للمرأة باللبؤة الضبطاء نزقًا وخفة والذي أنشده هو ابن قتيبة وليس بأبي عبيدة انظر: "مجاز القرآن" 2/ 265، و"تفسير غريب القرآن" (480)، و"تهذيب اللغة" 11/ 493 (ضبط).]]: أما إذا أحردت حردي فمجرية ... ضبطاء تمنع غيلًا غير مقروب والحرد: الغضب. وهما لغتان الحَرْدُ [[(ك): (والحرد).]]، والحَرَدُ؛ والتحريك أكثر. وأنشد أبو عبيدة [[(س): (أبو عبيدة) زيادة. والبيت للأشهب بن رُميلة كما في "اللسان" 1/ 602، و"جامع البيان" 29/ 21، و"تفسير غريب القرآن" (480)، و"الخزانة" 6/ 27، والشَّرى موضع تُنسب إليه الأسد. يقال للشجعان: ما هم إلا أسود الشرى. وقيل: هو شرى الفرات وناحيته وبه غياض وآجام ومأسدةٌ. "اللسان" 2/ 310 (شري).]]: أسود شرًى لاقت أسود خفية ... تساقوا [[(ك)، (س): (تساء).]] على حرد وماء الأساود هذا الذي ذكرنا هو قول جميع أهل اللغة في تفسير الحرد [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 265، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 176، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 207.]]. وأقوال المفسرين غير خارجة عن هذه المعاني. قال قتادة: على جد من أمرهم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 309، و"جامع البيان" 29/ 20.]]. وقال مقاتل: جد في أنفسهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"زاد المسير" 8/ 336.]]. وقال الكلبي: غدوا جادين. وهو قول أبي العالية والحسن ومجاهد [[انظر: "جامع البيان" 29/ 20، و"الكشف والبيان" 12/ 168/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 380.]] في رواية أبي بشر. وهذا من معنى القصد، وذلك أن المقاصد إلى الشيء جاد بخلاف من لا يكون له قصد في أمر، على أن الليث قد قال في كتابه: على جد من أمرهم. فقال الأزهري: الصواب على حد. أي على منع، كما قال الفراء. ثم ذكر بإسناده عن الفراء بالحاء [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 414، و"اللسان" 1/ 604 (حرد).]]. ويدل على صحة معنى هذا القول أن أبا عبيدة والمبرد والقتيبي [[(س): (والقتيبي) زيادة.]] قالوا في معنى الحرد هاهنا: إنه المنع [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 265، و"تفسير غريب القرآن" (479)، و"فتح القدير" 5/ 272.]]. أي: غدوا من بيتهم إلى جنتهم على منع المساكين ما كانوا يعطونه. وقال مجاهد وعكرمة: على أمر أسسوه بينهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 380 و"زاد المسير" 8/ 336.]]. وهذا من معنى القصد أيضًا. وقال الشعبي: على حرد على المساكين، وهو قول [[(س): (وقال الشعبي: على حرد على المساكين وهو قول) زيادة.]] سفيان [[(ك): (وقال سفيان).]]؛ قال [[(س): (وقال) انظر: "جامع البيان" 29/ 21، و"الكشف والبيان" 12/ 168/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 380.]]: على حنق وغضب. وروى [[(ك): (وقال).]] معمر عن [[(س): (معمر عن) زيادة.]] الحسن: على فاقة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 309، و"جامع البيان" 29/ 21.]]؛ ومعناه من القلة، من قولهم: حاردت الناقة، والمعنى أنهم غدوا على قلة مالهم عند أنفسهم فقالوا: المال قليل لا يسع المساكين. وقال السدي: الحرد اسم الجنة. وذكر الأزهري هذا القول فقال [[(س): (وذكر الأزهري هذا القول فقال) زيادة.]]: وقيل في بعض [[(س): (بعض) زيادة.]] التفسير: إن حرد كانت قريتهم [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 414 (حرد). قال ابن كثير: وقال السدي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ أي كان اسم قريتهم حرد. فأبعد السدي في قوله هذا. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 406، وقال الآلوسي -عن تفسير السدي هذا-: ولا أظن ذلك مرادًا) "روح المعاني" 29/ 31.]]. قوله تعالى: ﴿قَادرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد قادرين على جنتهم في أنفسهم [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 168/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 242.]]؛ وهو قول مقاتل وجميع المفسرين [[(س): (وهو قول مقاتل وجميع المفسرين) زيادة، وقال النحاس: أصح ما قيل == في معناه على قصد كما قال مجاهد، قد أسسوا ذلك بينهم، أي عملوه على قصد وتأسيس ومؤامرة بينهم قادرين عليه عند أنفسهم. "إعراب القرآن" 3/ 487، وهو اختيار ابن جرير أيضًا. "جامع البيان" 29/ 21.]]. قال أبو إسحاق: أي قادرين عند أنفسهم على قصد جنتهم لا يحول بينهم وبينها آفة [[لم أجده عنه، وهو معنى ما قاله المفسرون وأهل اللغة.]]. وقال ابن قتيبة: يقول: منعوا وهم قادرون، أي: واجدون [[انظر: "تفسير غريب القرآن" (480).]]. فالقدرة على هذا القول بمعنى الجدة والقدرة على المال. وفي القول الأول معناه القدرة على الجنة.

القلم 68:26

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26)﴾ قال الفراء: غدوا على مالهم ليصرموه فلم يروا إلا سوادًا فقالوا: إنا لضالون ما [[(س): (ما) زيادة.]] هذا بمالنا الذي نعرف. ثم قال بعضهم: بل هو مالنا حرمنا بما صنعنا بالأرامل والمساكين [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 175.]]. وقال أبو إسحاق: لما رأوها محترقة قالوا: إنا قد ضللنا طريق جنتنا، أي ليست هذه، ثم علموا أنها عقوبة فقالوا:

القلم 68:27

﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)﴾، أي: حرمنا ثمر جنتنا بمنعنا المساكين [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 208.]]. هذا معنى قول المفسرين. قال ابن عباس: قالوا: إنا أخطأنا الطريق [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 122، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 309، عن قتادة. وكذا في "جامع البيان" 29/ 21، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 406.]]. وذلك أنهم أنكروها لأنها احترقت. ثم نظروا إلى أعلام فيها فعرفوا أنها جنتهم فقالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ} هو يعني أعدلهم في قول جميع المفسرين. قال ابن عباس: هو كقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة: 89]، وكقوله: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]. ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ قالوا: هلا تستثنون فتقولون: إن شاء الله. وهو قول ابن عباس [[(س): (ابن عباس) و (الكلبي) زيادة.]] ومقاتل والكلبي ومجاهد [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 122، و"تفسير مقاتل" 163/ ب، و"زاد المسير" 8/ 338، ونسبه لابن جريج والجمهور.]]. قال أبو إسحاق: ومعنى التسبيح هاهنا الاستثناء، وهو أن يقولوا: إن شاء الله. فإن قيل: التسبيح أن تقول: سبحان الله. والجواب في ذلك أن كل ما عظمت الله به فهو تسبيح ، لأن التسبيح تنزيه الله عن السوء، والاستثناء تعظيم الله والإقرار بأنه لا يقدر أحد أن يفعل فعلًا إلا بمشيئة الله عز وجل [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 209.]]. وقال أبو صالح: كان استثناؤهم سبحان الله [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 168/ ب، و"زاد المسير" 8/ 338، و"البحر المحيط" 8/ 313.]]. وإنما أنكر أوسطهم عليهم ترك الاستثناء [[(ك)، (س): (الاستتاء عليهم في ذكر الله عنهم). وانظر: "الوسيط" 4/ 338.]] في قوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ فحلفوا على صرام جنتهم من غير استثناء فلم يصرموا فأنكر عليهم الأوسط ترك الاستثناء في اليمين [[انظر: "جامع البيان" 29/ 22، و"التفسير الكبير" 30/ 90.]]. ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ نزهوه عن أن يكون ظالمًا فيما صنع، وأقروا على أنفسهم بالظلم، فقالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بمعصيتنا ومنعنا المساكين. وقال الكلبي: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ يقولون: نستغفر ربنا مما صنعنا [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 122، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 244.]]، ثم لام بعضهم بعضًا فيما فعلوا من العزم على منع المساكين.

القلم 68:30

وقوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30)﴾ يقول [[(ك): (يقولون).]] هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي. ويقول هذا لهذا: أنت [[(ك): (أن).]] منعتنا أن ندخلها المساكين. فكان هذا هو التلاوم بينهم ، قاله عطاء والكلبي [[(س): (قاله عطاء والكلبي) زيادة. وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 123، و"التفسير الكبير" 30/ 90.]]. وقال مقاتل: يلوم بعضهم بعضًا في منع حقوق المساكين [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 380.]]. ثم نادوا على أنفسهم بالويل فقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد طغينا فيما أعطانا الله ولم نأخذه بالشكر كما صنعت الآباء. فدعوا الله وتضرعوا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 169/ أ، و"الوسيط" 4/ 338، و"معالم التنزيل" 4/ 380، ومن نسبه منهم عزاه لابن كيسان.]]. ثم اجتمع [[(ك): (احتج).]] القوم وتعاقدوا إن أبدلنا الله [[(ك)، (س): (الله أبدلنا).]] بها خيرًا منها لنصنعن كما صنعت الآباء. فدعوا الله وتضرعوا إليه وسألوه ذلك، وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم الله بها خيرًا منها جنة يقال لها: الحيوان، فيها عنب ليس يحمل البغل منها إلا عنقودًا، فذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)﴾ [[أخرجه الثعلبي وغيره عن ابن مسعود -رضي الله عنه-. انظر: "الكشف والبيان" 12/ 169/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 381، و"غرائب القرآن" 29/ 21.]]، وفي هذا إشارة إلى أنهم لما بلوا بذهاب ما لهم تذكروا فرجعوا إلى الله تعالى بالرغبة. وهو وعظ لأهل مكة بالتذكير والرجوع إلى الله تعالى. فلما بلاهم بالجدب حين دعا عليهم الرسول -ﷺ- فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر [[(ك): (أهل مضر).]]، واجعلها سنين كسنى يوسف" [[متفق عليه. أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، كتاب: الجهاد، باب: الدعاء على المشركين 4/ 52، وكتاب: التفسير، سورة النساء 6/ 61، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة 1/ 466، وأحمد في "المسند" 9/ 239. ولفظ البخاري. "اللهم أنج سلمة بن هشام، الله أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسني يوسف".]]. وقال عطاء عن ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر وحلفوا ليقتلن محمدًا وأصحابه وليرجعن إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر ويضرب القيان على رؤوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقطع رجاهم فقتلوا وأسروا وانهزموا [[(س): (وانهزموا) زيادة.]] كأهل هذه الجنة لما انطلقوا إليها عازمين على الصرام وإحراز المال دون المساكين فلما انتهوا إليها وجدوها سوداء محترقة، فخاب ظنهم وأخلف رجاؤهم، فذلك قوله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ يعني [[(س): (يعني) زيادة.]] كما ذكر من إحراقها بالنار [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 246، و"البحر المحيط" 8/ 313.]]. وتم الكلام هاهنا لتمام قصة أصحاب الجنة [[انظر: "المكتفى في الوقف والابتداء" (582).]]. ثم ذكر عذاب الآخرة فقال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني المشركين. قال ابن عباس: يريد أن عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا وأعظم [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 123.]].

القلم 68:34

ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)﴾ قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون. فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 91، و"غرائب القرآن" 29/ 21.]] ثم وبخهم فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾ إذ حكمتم أن لكم من الخير ما للمسلمين ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ بل ألكم ﴿كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في ذلك الكتاب ﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ تختارون وتشتهون. أي: أعندكم كتاب من الله بهذا و ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وكسر إن لمكان اللام في (لَمَا) [[انظر "معاني القرآن" للفراء 3/ 176، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 489.]].

القلم 68:35

ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)﴾ قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون. فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 91، و"غرائب القرآن" 29/ 21.]] ثم وبخهم فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾ إذ حكمتم أن لكم من الخير ما للمسلمين ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ بل ألكم ﴿كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في ذلك الكتاب ﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ تختارون وتشتهون. أي: أعندكم كتاب من الله بهذا و ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وكسر إن لمكان اللام في (لَمَا) [[انظر "معاني القرآن" للفراء 3/ 176، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 489.]].

القلم 68:36

ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)﴾ قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون. فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 91، و"غرائب القرآن" 29/ 21.]] ثم وبخهم فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾ إذ حكمتم أن لكم من الخير ما للمسلمين ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ بل ألكم ﴿كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في ذلك الكتاب ﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ تختارون وتشتهون. أي: أعندكم كتاب من الله بهذا و ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وكسر إن لمكان اللام في (لَمَا) [[انظر "معاني القرآن" للفراء 3/ 176، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 489.]].

القلم 68:37

ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)﴾ قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون. فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 91، و"غرائب القرآن" 29/ 21.]] ثم وبخهم فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾ إذ حكمتم أن لكم من الخير ما للمسلمين ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ بل ألكم ﴿كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في ذلك الكتاب ﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ تختارون وتشتهون. أي: أعندكم كتاب من الله بهذا و ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وكسر إن لمكان اللام في (لَمَا) [[انظر "معاني القرآن" للفراء 3/ 176، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 489.]].

القلم 68:38

ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)﴾ قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون. فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 91، و"غرائب القرآن" 29/ 21.]] ثم وبخهم فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾ إذ حكمتم أن لكم من الخير ما للمسلمين ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ بل ألكم ﴿كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في ذلك الكتاب ﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ تختارون وتشتهون. أي: أعندكم كتاب من الله بهذا و ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وكسر إن لمكان اللام في (لَمَا) [[انظر "معاني القرآن" للفراء 3/ 176، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 489.]].

القلم 68:39

﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ قال مقاتل: يقول: ألكم عهود على الله بالغة ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ استوثقتم بها منه فلا تنقطع. أعهدكم [[(س): (عهدكم).]] إلى يوم القيامة بأن لكم الذي تقضون لأنفسكم من الخير [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب.]]. وقال عطاء: يريد ألكم عهد مني ألا أصيبكم بعذاب ولا عقوبة [[لم أجده.]]. ومعنى ﴿بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: متناهية في التأكيد تنتهي إلى يوم القيامة. فتكون (إلى) من صلة (بالغة). هذا قول الكسائي [[انظر: "التفسير الكبير" 35/ 93.]]. ويجوز أن يكون (إلى) من صلة الأيمان، أي: أيمان إلى يوم القيامة. ويكون معنى (بالغة) مؤكدة، كما تقول جيد بالغ وكل شيء متناه في [[(ك): (فهو في)، والتصحيح من "الوسيط".]] الصحة والجودة فهو بالغ [[انظر: "الوسيط" 4/ 338، و"التفسير الكبير" 30/ 93، و"زاد المسير" 8/ 339.]]. ويدل على هذا المعنى قراءة الحسن (بالغةً) بالنصب [[قرأ الجمهور ﴿بَالِغَةٌ﴾. وقرأ الحسن، وزيد بن علي (بالغة) بالنصب على الحال. انظر: "معانى الفراء" 3/ 176، و"البحر المحيط" 8/ 315، و"الإتحاف" (421).]] على معنى حقًّا. كأنه قيل: أيمان علينا حقًّا بلغت حقيقة التأكيد، هذا كله معنى قول الفراء [[(س): (هذا كله معنى قول الفراء) زيادة. وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 176.]]. وقال أبو إسحاق: أي حلف لكم على ما تدعون في حكمكم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 209.]].

القلم 68:40

ثم قال لرسوله -ﷺ-: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40)﴾ أيهم كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين. وذكرنا معنى الزعيم عند قوله: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [[من آية (72) من سورة يوسف. وانظر: "تفسير غريب القرآن" (480)، و"مفردات الراغب" (213) (زعم).]]. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ يعني بل ألهم شركاء. يعني ما كانوا يجعلونهم شركاء لله ، وهذا كقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: 40]، فأضاف الشركاء إليهم لأنهم جعلوها شركاء لله فأضافها إليهم بفعلهم. والتأويل: أم عندهم لله شركاء فليأتوا بهؤلاء الشركاء ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في أنها شركاء لله.

القلم 68:42

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ظرف لهذا الأمر. أي: فليأتوا بها في ذلك اليوم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 381، و"غرائب القرآن" 29/ 22.]]. وذلك أنها تبطل وتزهق فلا تنفعهم بشيء. يقول الله: ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم. وهذا الذي ذكرنا معنى ما ذكره صاحب النظم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 248.]]. وأما معنى قوله: ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ فروى عكرمة عن ابن عباس قال: عن شدة. ألم تسمع إلى قول الشاعر [[أخرجه الطستي في مسائل عن ابن عباس. انظر: "الدر" 6/ 255، وهو مندرج في الأثر الآتي. ولم أجد للبيت قائلاً.]]: وقامتِ الحربُ بنا على ساقْ قال: وسئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب. أما سمعتم قول الشاعر: سن لنا قومك ضرب الأعناق ... وقامت الحربُ بنا على ساق ثم قال [[(ك): (قال) زيادة.]]: هو يوم كرب وشدة [[أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 499، وابن جرير في "جامعه" 29/ 24، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وفي "الدر" 6/ 254 نسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وحسن إسناده الحافظ في "فتح الباري" 13/ 428، وانظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي وما ذكره محققه وقد بين ضعف إسناده. فليراجع 2/ 183.]]. وروى عطاء عنه قال: يريد شدة في الآخرة. وروى إبراهيم عنه أيضًا: عن شدة الأمر [[(س): من قوله (وروى عطاء) إلى هنا زيادة. وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 381 عن سعيد بن جبير.]]. قال [[(ك): (وقال ابن عباس: يريد شدة في الآخرة. قال).]]: وقال ابن عباس يكشف عن أمر عظيم [[انظر: "جامع البيان" 29/ 24، و"الدر" 6/ 254، ونسب تخريجه للفريابي، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وابن منده، وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي، ولم أجده عند البيهقي.]]. وروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة في القيامة. فهذا ما روي عن عباس في هذه الآية [[(س): (فهذا ما روي عن ابن عباس في هذه الآية) زيادة. وقال البيهقي بعد ذكره الروايات: هذا ما روينا عن ابن عباس في المعنى يتقاربان، وقد روي عن ابن عباس بهذا اللفظ، وروي بمعناه. "الأسماء والصفات" 2/ 184.]]. ونحو هذا [[(ك): (ونحوه).]] قال سعيد بن جبير ومجاهد [[س: (ومجاهد) زيادة.]] وقتادة. قالوا: عن شدة الأمر وبلاء عظيم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 310، و"جامع البيان" 29/ 24، و"الدر" 6/ 255.]]. وهذا قول جميع أصحاب اللغة [[(س): (وهذا قول جميع أصحاب اللغة) زيادة.]]. قال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر والحرب قيل: قد كشف الأمر عن ساقه، وأنشد لقيس بن زهير [[(س): (القيس بن زهير) زيادة. وهو قيس بن زهير بن جذيمة، يكنى أبا هند، شاعر وفارس جاهلي، كان سيد عبس، وله أخبار مشهورة يوم داحس والغبراء. انظر: "الأغاني" 17/ 187، و"المؤتلف والمختلف" (255)، و"الخزانة" 3/ 536، و"شرح شواهد المغني" (113)، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" (287).]] فقال: فإذ شمرت [[(ك): (شمر).]] لك عن ساقها ... فويهًا ربيع ولا تسأم [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 266، وورد البيت منسوبًا في "اللسان" 3/ 998 (ويه) وقوله فويها أصلها (ويه) من أدوات الإغراء فَنَوَّنَها فقال: فويهًا.]] وروى الفراء بإسناده [[(س): (والفراء بإسناده) زيادة.]] عن ابن عباس [[أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 185، بإسناد صحيح. وصححه الحافظ في "الفتح" 428/ 13.]] أنه قال: يريد يوم القيامة والساعة لشدتها. قال الفراء أنشدني بعض العرب لجد [[(ك): (وأنشد الفراء لجد).]] طرفة [[(ك)، (س): (أبي طرفة)، والصواب ما أثبته. وهو سعد بن مالك، جد طرفة بن العبد. شاعر جاهلي، واحد سادات بكر بن وائل وفرسانها. انظر: "طبقات فحول الشعراء" (49)، و"المؤتلف والمختلف" (198)، و"شرح الحماسة" للتبريزى 73/ 2، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 265، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" (148).]]: كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشرِّ الصراح [[والبيت ورد في "معاني القرآن" للفراء 3/ 177، و"الخصائص" 3/ 252، و"اللسان" == 2/ 243 (سوق)، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 266، و"المحتسب" 2/ 326. والصراح والصراح: الخالص من كل شيء.]] وقال أبو إسحاق: معنى ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ كشف عن الأمر الشديد. وأنشد: قد شمرت عن ساقها فشدوا [[(ك): (وشدوا).]] ... وجدت الحربُ بكم [[(ك): (الحرب بكم) ساقطة.]] فجدوا والقوس فيها وتر عردُّ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 210. والبيت ورد في خطبة الحجاج أول ما قدم أميرًا على العراق. والأبيات لحنظلة بن ثعلبة. انظر: "الكامل" 1/ 224، و"اللسان" 2/ 827 (عرد)، و"العقد الفريد" 4/ 121، و"شرح شواهد الشافية" (300). والعُرُدُّ: هو الشديد في كل شيء. يقال: إنه لقوي شديد عرد. "اللسان" 2/ 728 (عرد).]] وقال ابن قتيبة: أصل هذا أن الرجل إذا وقع [[(ك): (وقع) ساقطة.]] في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد [[(س): (والجد) زيادة.]] شمر عن ساقه. فاستعيرت الساق والكشف عنها في موضع الشدة [[انظر: "تأويل المشكل" (137).]]. قال دريد يرثي رجلاً: كميش الإزار خارج نصف ساقهِ ... جسور على الجلاء طلاع أنجد [[البيت من قصيدة قالها في أخيه عارضة بن الصمة. ويروى: بعيد عن الآفات طلاع أنجد انظر: "ديوانه" (49)، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 398، و"الأصمعيات" (108)، و"جمهرة أشعار العرب" (223)، و"تهذيب اللغة" 9/ 231 (سوق)، و"الخزانة" 1/ 260. == وقوله: (طلاع أنجد) أي: أنه يعلو الأمور فيقهرها بمعرفته وتجاربه. والأنجد: جمع النجد، وهو الطريق في الجبل وكذلك الثية. "اللسان" 2/ 605 (طلع)، و"القاموس المحيط" (كمش، طلع).]] وقال الهذلي: وكنت إذا جاري دعا لمضوفةٍ ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري [[انظر: "ديوان الهذليين" 3/ 92، و"المحتسب" 1/ 214، و"الخزانة" 7/ 417، و"اللسان" 2/ 561 (ضيف).]] وأنشد أيضًا فقال [[ورد في البيت غير منسوب في "تفسير غريب القرآن" (481)، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 248، و"البحر المحيط" 8/ 316، و"الدر المصون" 1/ 417.]]: في سنةٍ قدكشفت عن ساقها ... حمراء تبرى اللحم عن عراقها وزاد غيره بيانًا فقال: تأويل الآية: يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق. وقد كثر هذا في كلام العرب حتى صار كالمثل في شدة الأمر [[قال ابن القيم -رحمه الله-: والصحابة متنازعون في تفسير الآية، هل المراد الكشف عن الشدة، أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر من الصفات أم لا في غير هذا الموضع، وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة الله؛ لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه، وإنما ذكره مجرداً عن الإضافة منكرًا، والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته. وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه: فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجدًا: ومن حمل الآية على ذلك قال قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ مطابق لقوله -ﷺ- ... نكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلت عظمتها وتعالى شأنها .... وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم في مثل == ذلك أن يقال: كشفت الشدة من القوم لا كشف عنها كما قاله الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)﴾ .. فالعذاب، والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه. "الصواعق المرسلة" 1/ 252 - 253. وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 2/ 127، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 181، 183.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قال مقاتل: وذلك أنه تدمج أصلاب الكفار يومئذ فيكون عظمًا واحداً مثل صياصي [[صياصي البقر: أي قرونها واحدتها صيصية بالتخفيف. انظر: "النهاية" 3/ 9 (صيص).]] البقر، لأنهم لم يسجدوا لله في الدنيا. وهذا قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"جامع البيان" 29/ 24، و"معالم التنزيل" 4/ 382، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 408.]]. قالوا: إذا كان ذلك سجد [[(ك)، (س): (سجدوا).]] الخلق كلهم لله سجدة واحدة. ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا [[(ك): (يسجد).]] فلا يستطيعون؛ لأن أصلابهم أيبس فلا تلين للسجود. قال ابن مسعود: وأما المؤمنون فيخرون سجدًا، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقًا كأن فيها السفافيد [[أخرجه ابن جرير وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا. وقال القرطبي: قلت: معنى حديث أبي موسى وابن مسعود ثابت في "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد الخدري وغيره. انظر: "صحيح مسلم" كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية 1/ 168 - 169. قلت: ورواه البخاري في كتاب: التفسير، سورة القلم 6/ 198 من حديث أبي سعيد أيضًا. == انظر: "جامع البيان" 29/ 25، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 250. والسفافيد: جمع سفود. وهو حديدة ذات شُعب معقفة، معروفة، يشوى بها اللحم. "اللسان" (سفد).]]. قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني حين أيقنوا بالعذاب وعاينوا النار [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"جامع البيان" 29/ 27.]]. وهي حال من قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ قال ابن عباس: يلحقهم ذل الندامة والحسرة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 383.]]. قوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ يعني في الدنيا حين كانوا يدعون إلى الصلاة المكتوبة ويؤمرون بها وهم معافون [[(ك): (معاقبون).]] ليس في أصلابهم مثل سفافيد الحديد. ومعنى قوله: ﴿يُدْعَوْنَ﴾ أي بالأذان والإقامة. وهذا الذي ذكرنا قول ابن عباس ومقاتل وإبراهيم التيمي [[(س): (إبراهيم التيمي) زيادة. وانظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"جامع البيان" 29/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 383.]]. قال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح فلا يجيبون. وفي هذا وعيد لمن قعد عن الجماعة ولم يجب الأذان إلى إقامة الصلاة في الجماعة [[انظر: "جامع البيان" 29/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 383، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 251.]]. قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يريد القرآن. قاله ابن عباس. وقال مقاتل: يقول لمحمد: خل بيني وبين من يكذب بهذا القرآن فأنا أنفرد بهلكتهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 251، و"البحر المحيط" 8/ 317.]]. قال أبو إسحاق: معناه لا تشغل قلبك به، كله إليّ فإني أكفيك أمره [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 211.]]. قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: نأخذهم قليلاً قليلاً فلا نباغتهم. قال ابن عباس: أمكر بهم من حيث لا يعلمون [[انظر: "الجامع لاحكام القرآن" 18/ 251.]]. وهذا مفسر في سورة الأعراف مع الآية التي بعدها [[عند تفسيره الآية (182 - 183) من سورة الأعراف.]]. قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ مع الآية التي بعدها مفسر في سورة الطور [[عند تفسيره الآية (40 - 41) من سورة الطور.]].

القلم 68:48

قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ قال مقاتل: اصبر على الأذى لقضاء ربك الذي هو آت [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 384، و"التفسير الكبير" 30/ 98.]]. ﴿وَلَا تَكُنْ﴾ في الضجر والعجلة ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يعني يونس بن متى. قال الكلبي ومقاتل: يقول: لا تضجر كما ضجر، ولا تعجل كما عجل، ولا تغضب كما غضب [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 310، و"جامع البيان" 29/ 29.]]. ثم أخبر عن عقوبة يونس حين لم يصبر وعجل بقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾، والعامل في (إذ) معنى قوله: ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 317.]] يريد: لا تكن كمن صحب الحوت إذ نادى، وليس العامل فيه (تكن) لأنه ليس المعنى: لا تكن مثله إذ نادى ربه من بطن الحوت بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. وقوله ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء غمًّا وكربًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 211.]]. ومثله ﴿كَظِيمٌ﴾، وقد مر [[عند تفسيره الآية (84) من سورة يوسف. قال: الكظيم: الساكت على غيظه، يقال: ما يكظم فلان على حرة إذا كان لا يحتمل شيئًا وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئًا حزنًا ممسكًا عليه. وانظر: "اللسان" 3/ 265، و"المفردات" (432) (كظم).]]. قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: رحمة من ربه [[(ك): (ربك).]]، وهو أن رحمه وتاب عليه [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، و"تفسير مقاتل" 164/ ب، و"جامع البيان" 29/ 29، و"الكشف والبيان" 12/ 173/ أ.]] ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض. وذكرنا تفسير هذا عند قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [[عند تفسيره الآية (145) سورة الصافات. قال: العراء: المكان الخالي. قال أبو عبيدة: وإنما قيل له: عراء، لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه. وقال الليث: العراء: الأرض الفضاء التي لا تستر بشيء.]]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ قال ابن عباس والحسن [[(س): (والحسن) زيادة.]]: مذنب [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، وذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 408 عن ابن عباس ومجاهد والسدي قوله: (وهو مغموم).]]. وقال الكلبي: (مذموم) ملوم مبعد من كل خير [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 254.]]. وقال مقاتل: يذم ويلام [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 384.]]. ولكن ربه منَّ عليه فنبذ بالعراء وهو سقيم، وليس بمذموم للنعمة التي تداركه. قال أبو إسحاق: المعنى أنه قد نبذ بالعراء وهو غير مذموم؛ لأن النعمة قد شملته [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 211.]]. ويدل على ذلك قوله: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ قال ابن عباس: فاستخلصه واصطفاه الله [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 384، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 254.]]، ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: رد إليه الوحي وشفعه في قومه وفي نفسه [[انظر: "زاد المسير" 8/ 343، و"التفسير الكبير" 30/ 99.]]. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال الأخفش: (إن) مخففة من الثقيلة كما تقول: إن كان عبدُ الله لظريفًا. فمعناه [[(ك): (معناه).]]: إن عبد الله لظريف قبل اليوم [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 712.]]. وقوله: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ من أزلقه عن موضعه إذا رماه ونحاه، وهذه [[(ك): (بهذه).]] قراءة العامة. وقرأ نافع بفتح الياء [[قرأ الجمهور ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بضم الياء، وقرأ نافع وأبو جعفر ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بفتح الياء. وهما لغتان، يقال: أزلق يزلق، وزلق يزلق، والمعنى واحد. انظر: "حجة القراءات" (718)، و"النشر" 2/ 389، و"الإتحاف" (422).]]. يقال: زلق هو وزلقته. مثل: شترت عينه وشترتها أنا [[الشتر: انقلاب في جفن العين قلما يكون خلقة. والشتر مخففة: فعلك بها. "اللسان" 2/ 268 (شتر).]] وحزن وحزنته [[لغتان: تقول: حزنني يحزنني حزنًا فأنا محزون. ويقولون: أحزنني فأنا محزن وهو محزن. "اللسان" 1/ 627 (حزن).]] ، والأول أكثر وأوسع؛ لأنه يقال: زلق من موضعه وأزلقته أنا فينقل الفعل بالهمزة. والمفسرون بعضهم علي أن هذه الآية نزلت في قصد الكفار أن يصيبوا رسول الله -ﷺ- بالعين، وكانوا ينظرون إليه نظرًا شديدًا ويقولون [[(ك): (قال ويقولون).]]: ما رأينا مثله ولا مثل حججه، يريدون أن يصيبوه [[(ك): (يصيبونه).]] بالعين. وهذا قول الكلبي ومن تابعه [[وهو قول قتادة، والنضر بن شميل، والأخفش، والسدي، وغيرهم. انظر: "جامع البيان" 29/ 30، و"الكشف والبيان" 12/ 173/ ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 409، ورجحه.]]. قالوا: ذكر الله شدة نظرهم إليه للإصابة بالعين. وأما أهل التحقيق من المفسرين وأصحاب العربية فإنهم ذهبوا إلى غير هذا. قال الفراء: إن كادوا ليزلقونك. أي ليرمونك ويزيلونك [[(ك): (ويزلقونك).]] عن موضعك بأبصارهم، كما يقال: كاد يصرعني لشدة نظره إليّ. وهو بين من كلام العرب كثير [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 179.]]. وقال المبرد: أي يحدون النظر إليك حتى يكاد يزلقك نظرهم. وهذا كلام معروف عند العرب. وقال أبو إسحاق: مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. وهذا مستعمل في الكلام. يقول القائل: نظر إلى فلان نظرًا يكاد يصرعني [[(س): من قوله (لشدة نظره إلى وهو بين) إلى هنا زيادة.]] ونظرًا يكاد يأكلني. وتأويله أنه نظر إليَّ نظرًا لو أمكنه معه [[(ك): (معه)، (س): (معي).]] أكلي، أو أن يصرعني لفعل. وهذا واضح [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 212.]]. وقال ابن قتيبة: ليس يريد الله عز وجل في هذا الموضع أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء، يكاد يزلقك أي يسقطك كما قال الشاعر [[البيت ورد غير منسوب في "تفسير غريب القرآن" (482)، و"مشكل القرآن" (170 - 171)، و"البيان والتبيين" 1/ 11، و"الكشاف" 4/ 478، و"زاد المسير" 8/ 344، و"اللسان" 3/ 60 (قرض)، و"البحر المحيط" 8/ 317 ومعنى (يتقارضون) أي: ينظر بعضهم إلى بعض نظر عداوة وبغضاء.]]: يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرًا يزيل مواطئ الأقدام وقال أبو علي: معنى ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ أنهم ينظرون إليك نظر البغضاء كما قال: ينظر الأعداء المنابذون، وأنشد البيت الذي أنشده ابن قتيبة [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 312 - 313، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 256.]]. والدليل على صحة ما ذهب إليه هؤلاء أن الله تعالى قرن هذا النظر بسماع القرآن. وهو قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾، وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهية فيحدون إليه النظر بالبغضاء، والإصابة بالعين إنما تكون مع الإجاب والاستحسان، ولا تكن مع الكراهية والبغض، ويدل على ما ذكرناه قوله: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن [[نسبه الرازي إلى الجبائي ثم قال: واعلم أن هذا السؤال ضعيف؛ لأنهم وإن كانوا يبغضونه من حيث الدين لعلهم كانوا يستحسنون فصاحته وايراده للدلائل. انظر: "التفسير الكبير" 30/ 100، ونسبه القرطبي في "جامعه" 18/ 255 للقشيري. قلت: بل حال المشركين في مكة مع القرآن والنبي -ﷺ- يدل على غاية الاستحسان ونهاية التعجب ولم ينسبوه -ﷺ- إلى السحر والكهانة وغير ذلك إلا لشدة تأثيره على السامع، وقد بذلوا كل ما في وسعهم لصد القادمين إلى مكة من ملاقاة النبي -ﷺ- أو سماعه وما ذاك إلا خشية دخول الناس في هذا الدين وصدق الله إذ يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]، وليس في الآية ما يمنع الجمع بين نظر العداوة والبغضاء، ونظر الحسد والإصابة بالعين، والله أعلم.]] ، فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ يعني القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: موعظة للمؤمنين [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 385.]]. والله تعالى أعلم.

الحاقة 69:1

﴿الْحَاقَّةُ (1)﴾: أجمعوا [[وهو قول ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل. انظر "تفسير مقاتل" 206/ ب، و"جامع البيان" 14، 29/ 47، والسمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 397، وممن نقل الإجماع الرازي في "التفسير الكبير" م 15 جـ 30/ 102، والشوكاني في "فتح القدير" عن الواحدي 5/ 278، وإليه ذهب الطبري (المرجع السابق)، والثعلبي في "الكسثف والبيان" جـ12، 174/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 385، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 356، والزمخشري في "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" 4/ 132، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 78، والقرطبى في "الجامع لأحكام القرآن" م9 جـ18/ 385 نقلاً عن الطبري، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 440، والسعدي في "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" 5/ 295. كما ذهب إلى القول إنها القيامة، اليزيدي في "غريب القرآن وتفسيره" 386، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 383، والسجستاني في "نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن العزيز" 210، والراغب في "المفردات في غريب القرآن" 125، والخزرجي في "نفس الصباح في غريب القرآن وناسخه ومنسوخه" 2/ 730، وأنجو حيان في "تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب" 107. وقد خالف الإجماع == ابن بحر، فقد ذهب إلى أن معنى (الحاقة) أنه ما حق من الوعد والوعيد بحلوله. انظر: "النكت والعيون" للماوردي 6/ 75. وهذا القول المخالف للجمهور لم يذكره الواحدي، واعتمد قول الجمهور، واعتبره إجماعًا. وهذا منهج سلكه الإمام الواحدي في حكايته الإجماع، فما كان عليه الجمهور من المفسرين وموافقًا للغة هو الإجماع عنده. والله أعلم.]] على أن المراد بها القيامة. واختلف [[في (أ): اختلف بغير واو.]] في معنى الحاقة، قال [[في (ع): فقال.]] الفراء -وهو قول الكلبي-: سميت بذلك ، لأن فيها الثواب وحَوَاقَّ الأمور [[حواق الأمور، أي: صحاح الأمور. انظر: "نزهة القلوب" 210.]]، قال: والعرب تقول: لما عَرَّفت مني [[في (أ): من.]] الحَقَّةَ هربت [[في (أ): (هويت)، والصواب ما جاء في (ع) لموافقته لنص الفراء في "معاني القرآن" 3/ 79. ومعنى القول -والله أعلم- أنك لما عرفت الحقيقة مني هربت، فالحَقَّة هي حقيقة الأمر. انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 383.]]، والحَقَّة والحاقة كلاهما في معنى واحد [["معاني القرآن" 3/ 179 بتصرف، ولعل الواحدي نقله عنه عن "تهذيب اللغة" 3/ 377 (حقَّ). ونص عبارته كما في المعاني قال: والحاقة القيامة؛ سميت بذلك لأن فيها الثواب والجزاء، والعرب تقول لمّا عرفت الحقة مني هربت، والحاقة، وهما في معنى واحد. وفي "تهذيب اللغة" نقل عن الفراء: الحقو والحاقة بمعنى واحد. 3/ 377 مادة (حقَّ).]]، هذا كلامه. ويحتاج فيه إلى شرح، وهو: أن ما ذكره يتضمن قولين في معنى الحاقة: أحدهما: أنها ذات الحواق من الأمور، وهي الصَّادقة الواجبة الصدق والثواب والعقاب، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع والوجود، فهي كلها حواقٌّ. القول الثاني: أن الحاقة بمعنى الحق. قال الليث: الحاقة: النازلة التي حقت، فلا كاذبة لها [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وهذا الذي ذكره معنى قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)﴾ [الواقعة: 2]، وقال غيره: ﴿الْحَاقَّةُ﴾: الساعة التي يحق فيها الجزاء على كل ضلال وهدى، وهي القيامة [[بمعنى هذا القول ورد عن مقاتل في "تفسيره" 206/ أ، قال: يعني الساعة التي فيها حقائق الأعمال، يقول تحق للمؤمنين عملهم، وتحق للكافرين عملهم. وقد ورد ما ذكره الواحدي عن الغير في "التفسير الكبير" للفخر الرازي م 15جـ 30/ 102، وانظر "لباب التأويل في معاني التنزيل" للخازن 4/ 303 من غير عزو، في كلا المرجعين، وعن قتادة أنه قال: حقت لكل قوم أعمالهم، و"تفسير عبد الرزاق" 3/ 312، و"بحر العلوم" 3/ 397، و"الدر المنثور" للسيوطي 8/ 264، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، و"المستدرك على الصحيحين" للحاكم 2/ 500، كتاب التفسير، تفسير سورة الحاقة.]]. وقال صاحب النظم: الحاقة تحق على القوم، أي: تقع بهم [[بياض في (ع)]] [[وقد ورد معنى قول صاحب النظم في "التفسير الكبير" م 15، جـ 30/ 102 من غير عزو. وانظر: "لباب التأويل" 4/ 303 من غير عزو.]]. وقال المبرد: اشتقاقها [[في (ع): اشتقاقًا.]] من حقَّ الشيء، فهو حاق للواجب [[بياض في (ع).]] الذي لا شك فيه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال الزجاج [[بياض في (ع).]]: لأنها تحق كل إنسان يعمله من خير وشر [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 213، وعبارته "وسميت الحاقة ، لأنها تحق كل شيء يعمله إنسان من خير أو شر"]]. ولا أدري ما معنى هذا القول، ولا أيش [[أيش كلمة منحوتة من أي شيء، وهي بمعناها للاستفهام. "معجم متن اللغة" أحمد رضا 1/ 222.]] أراد بقوله: يحق كل إنسان يعمله [[قوله كل إنسان يعمله بياض في (ع).]]. قال الأزهري: والذي عندي في الحاقة: أنها سميت [[بياض في (ع).]] بذلك؛ لأنها تحق [[في (أ): حق.]] كل مُحاق في دين الله بالباطل [[قوله بالباطل أي كل مخاصم، بياض في (ع).]]، أي كل مخاصم، فتحُقُّه، أي: تغلبه. من قولك: حَاققته أُحَاقهُ حِقاقاً فحققته أحُقُّه، أي: غلبته، وفَلَجْتُ [[فَلَجَ عليه: ظفر بما طلب، وفلج بحجته أثبتها، وأفلج الله حجته، بالألف: أظهرها. انظر "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" لأحمد بن محمد الفيومي 2/ 578.]] عليه [[ورد هذا القول في "تهذيب اللغة" 3/ 377 مادة (حق)، وليس هو من قول الأزهري، بل نسبه إلى الغير. قال: وقال غيرهما -يعني الزجاج والفراء-: سميت القيامة حاقة؛ لأنها تحق كل مُحاق في دين الله بالباطل ... إلخ. وانظر: "التفسير الكبير" م 15 جـ 30/ 102.]]. قال أبو إسحاق: ﴿الْحَاقَّةُ (1)﴾ مرفوع بالابتداء، و (ما) في قوله: ﴿مَا الْحَاقَّةُ (2)﴾ [[بياض في (ع).]]، رفع بالابتداء أيضًا، و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الثانية خبرها، والعائد على ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الأولى الثانية على تقدير: الحاقة ما هي. والمعنى تفخيم شأنها، واللفظ لفظ الاستفهام، كما تقول: زيد مَا هُوَ؟ على تأويل التعظيم لشأنه في مدح كان أو (في) [[ساقطة من (أ).]] ذم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 213.]]. وقال صاحب النظم: قوله: ﴿مَا الْحَاقَّةُ (2)﴾ هو تفخيم وتهويل لها، (و) [[ما بين القوسين ساقط من ع.]] مثله قوله: ﴿الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2)﴾ [القارعة: 1، 2]. قال امرؤ [[في (أ): امرئ.]] القيس: دَعْ [[في (ع): درع.]] عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حُجُراتِه ... ولكِنْ حدِيث ما حديثُ الرَّواحِل [[قوله حديث .. إلى آخر البيت بياض في (ع). والبيت ورد في "ديوانه" 146 برواية "حَجَراته ولكن حديثًا ما حديث"، ومعنى النهب الغنيمة، الحجرات النواحي، يقول لخالد جاره: دع عنك نهبًا أغير عليه، وصِيح في نواحيه، وحدثنا حديثًا عن الرواحل كيف ذهب بها. وقد قال هذه القصيدة يوم أخذ بنو جذيلة إبله ورواحله، يهجو خالدًا السدوسي. "ديوان امرى القيس" المرجع السابق.]] قوله: ﴿مَا﴾ حديث تفخيم وتهويل (له) [[ساقطة من (أ).]]، ثم زاد في التهويل فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)﴾ و ﴿مَا﴾ مَوْضعها رفع، وإن كان بعد "أدراك" لأن ما كان في لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، المعنى: ما أعلمك أي شيء الحاقة [[نقله الواحدي بنصه عن الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 213.]]. وقال أهل المعاني: إنما قيل له: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)﴾ مع أنه يعلمها؛ لأنه إنما يعلمها بالصفة، فقيل تفخيماً لشأنها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)﴾، أي: كأنك [[في (أ): كانت.]] لست تعلمها [[في (ع): بعلمها.]] إذا [[في (ع): إذ.]] لم تعاينها، ولم تر ما فيها من أهوالها [[انظر قول أهل المعاني في "معالم التنزيل" 4/ 385، و"زاد المسير" 8/ 78 - 79.]]. قال مقاتل: ثم أخبر عنها فقال:

الحاقة 69:4

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)﴾ أي أنها: القارعة التي كذبت بها ثمود وعاد [["تفسير مقاتل" 206/ ب.]]. ونحو هذا قال صاحبُ النظم، فقال: ثم وصف عز وجل ﴿الْحَاقَّةُ﴾ مَا هي، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)﴾، وهذا وهم؛ لأن قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ إخبار عن تكذيبهم بالساعة، وليس وصفاً للحاقة، ولا خبراً عنها [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. قال المبرد: قال الله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)﴾، ثم لم يقع لها تفسير، وقد يقع البيان في التنزيل عما يستفهم [[في (أ): يستقيم.]] عنه للتعظيم، وقد لا يقع، فما وقع عنه البيان: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة: 3 - 4] قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)﴾ [القارعة: 10 - 11]، وما كف عن خبره فمجازه عند العرب تفخيم للأمر، يقولون: لو رأيت فُلاناً وفي يده السيف. وتأويل هذا تعظيم أمره [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقد ذكرنا [[بياض في (ع).]] هذا في مواضع [[نحو ما جاء في سورة المدثر ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27)﴾، والمرسلات: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14)﴾، والانفطار: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17)﴾. وغير ذلك مما ماثله من الآيات.]]. ومعنى "القارعة": التي تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير المؤمنون إلى الأمن بالجنة. قال أهل التأويل: وإنما حسن أن توضع "القارعة" موضع "الحاقة" لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها "الحاقة" [[لم أعثر على من قال بذلك، وقد ورد معنى هذا القول عند الفخر من غير عزو. انظر: "التفسير الكبير" 30/ 130.]]. و"القارعة" يراد بها: القيامة في هذه الآية عند (قول جميع) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] المفسرين [[قال بذلك ابن عباس، والضحاك، وابن زيد، وقتادة، ومقاتل. انظر: "جامع البيان" 29/ 48، و"معالم التنزيل" 4/ 386، و"زاد المسير" 8/ 79. وقالا به أيضًا، ابن عطية في "المحرر الوجيز" 356، والقرطبي 18/ 257، وعزاه الخازن إلى ابن عباس "لباب التنزيل" 4/ 303، وابن كثير 4/ 440، وعزاه صاحب "الدر المنثور" إلى ابن عباس 8/ 264، والسجستاني في "نزهة القلوب" 371، وابن الملقن في "تفسير غريب القرآن" 489، والخزرجي في "نفس الصباح" 2/ 730.]]، وذكر في بعض التفسير [[قال المبرد. انظر: "فتح القدير" 5/ 279، وذكر هذا القول من غير عزو في "معالم التنزيل" 4/ 386، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 258.]]: أنها العذاب الذي نزل بهم، وكان نبيهم يخوفهم بذلك فيكذبونه. قوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ أكثر أهل التفسير والعربية على أن "الطاغية" هاهنا بمعنى الطغيان. قال الكلبي: الطاغية: طغيانهم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال مقاتل: عذبوا بطغيانهم [["تفسير مقاتل" 206/ ب، و"زاد المسير" 8/ 79.]]، وهذا قول ابن عباس [["زاد المسير" 8/ 79.]] (ومجاهد) [[ساقطة من (أ).]] [[قوله في: "جامع البيان" 29/ 48، و"معالم التنزيل" 4/ 386، و"زاد المسير" 8/ 79.]]. وقال أبو عبيدة: بطغيانهم، وكفرهم [["مجاز القرآن" 267.]]. قال أبو إسحاق: وفاعِلُه قد يأتي [[في (أ): تأتي.]] بمعنى المصادر نحو: (عَافية، وعَاقبة) [[في (ع): عاقبة وعافية.]] [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 213 بنصه.]]. وذهب آخرون إلى أن "الطاغية" نعت محذوفٍ على معنى: أهلكوا بالصيحة الطاغية، وهي التي جاوزت مقدار الصياح، وهو قول قتادة [[ورد قوله في "جامع البيان" م14، 29/ 49، و"الكشف والبيان" 12/ 175/ أ، و"المحر. الوجيز" 5/ 356، و"القرطبي" 18/ 258، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 440.]]. والطاغي من كل شيء: ما تجاوز القدر [[قال الليث: الطُّغيان، والطُّغوان لغة فيه، والفعل طغوت وطغيت، والاسم الطَّغوى، وكل شيء جاوز القدر فقد طغا كما طغا، الماء على قوم نوح، وكما == غت الصيحة على ثمود، والريح على قوم عاد. "تهذيب اللغة" 8/ 167 مادة (طغا)، و"لسان العرب" 15/ 7 مادة (طغى). وفي "الصحاح" للجوهري 6/ 2412 طغَا يطغى، ويَطْغُو طُغيانًا، أي: جاوز الحد، وكلُّ مجاز حده في العصيان فهو طاغٍ.]]. واختار أبو إسحاق هذا القول، فقال: (الذي يدل عليه معنى الآية أنهم أهلكوا بالرجفة الطاغية، كما قال: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾) [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 213 - 214، بنصه.]] يعني: أنه لما ذكر ما أهلك به عاد، وهو الريح، كذلك "الطاغية" وجب أن تكون اسماً لما أهلك به ثمود. وتفسير الريح الصرصر قد سبق في موضعين [[في سورة فصلت 16، وسورة القمر 19. ومما جاء في تفسير "الصرصر" أي باردة، وقيل: شديدة، وقيل: الصرصر الشديدة الصوت، وأكثر التفاسير: الشديدة البرد. وقيل: هي الباردة تحرق كما تحرق النار.]]. قوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ قال الكلبي: عَاتية [[في (ع): غالبة.]]: عتت على خُزَّانها يومئذ فلم يحفظوا كم خرج منها ،ولم يخرج قبل ذلك ولا بعده منها شيء إلا بقدر معلوم [["معالم التنزيل" 4/ 186، و"التفسير الكبير" 3/ 103. وهذا القول من الكلبي في الأمور التي ليست من قبيل الاجتهاد والفهم، وإنما هي من الأمور الغيبية التي تبنى على الأحاديث "الصحيحة" ولم أجد ما يعضده من صحيح القول، والكلبي معروف بالكذب. والله أعلم.]]. وروي هذا مرفوعاً: أن رسول الله -ﷺ- قال: "طغى الماء على خزانها يوم نوح، وعتت الريح على خَزَّانها يَوم عَاد، فلم يكن لهم عليها سبيل" [[أخرجه الطبري في "جامع البيان" 29/ 50 من طريق شهر بن حوشب، عن ابن == عباس بمعناه، والثعلبي مرفوعًا إلى الرسول -ﷺ- من طريق ابن عباس، و"الكشف والبيان" جـ12، 175/ أ، والقرطبي 18/ 259 من طريق علي، وأورده ابن حجر العسقلاني في "الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف" بمعناه، وعزاه إلى الثعلبي، وابن مردويه من رواية موسى بن أعين، عن الثوري، عن موسى بن المسيب، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس مرفوعًا، وأخرجه الطبري من طريق مهران بن أبي عمر، عن سفيان موقوفًا 4/ 177 ح 214، ملحق بكتاب "الكشاف" للزمخشري، وأخرجه أيضًا أبو الشيخ في العظمة، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه، وابن عساكر، والفريابي، وعبد بن حميد، عن ابن عباس بمعناه. انظر: "الدر المنثور" 8/ 265، كما أورد البخاري في صحيحه بمعنى هذا القول بعبارة "ويقال: طغت على الخزان كما طغى الماء على قوم نوح" 3/ 315، في "كتاب التفسير" باب 69، سورة الحاقة. قال ابن حجر في فتح الباري عند بيان معنى هذا القول: "لم يظهر لي فاعل طغت؛ لأن الآية في حق ثمود، وهم قد أهلكوا بالصيحة، ولو كانت عادًا لكان الفاعل الريح، وهي لها الخزان ... وأنها عتت على الخزان. وأما الصيحة، فلا خزان لها، فلعله انتقال من عتت إلى طغت، ثم قال: تنبيه لم يُذكر في تفسير الحاقة حديث مرفوع" 8/ 665. يراد بالخزان، يقال: خَزَن الشيءَ يخْزنه خَزنًا، واختزنه: أحْرَزَه، وجعله في خِزانة، واختزنه لنفسه، والخِزانة اسم الموضع الذي يُخْزن فيه الشيء. "لسان العرب" 13/ 139، (خزن).]]. فعلى هذا القول هي عاتية على الخُزَّان، (وهو قول جماعة من المفسرين) [[هو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس. انظر: "جامع البيان" 29/ 55، و"الدر المنثور" 8/ 264، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير. وورد معنى هذا القول عن قبيصة بن أبي ذؤيب في "الدار" 8/ 265، وعزاه إلى ابن عساكر. وذكر القول غير معزو في "معالم التنزيل" 4/ 386، و"المحرر الوجيز" 5/ 357، و"زاد المسير" 8/ 79، و"القرطبي" 18/ 259، و"البحر المحيط" 8/ 321.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وفيه قول آخر: قال عطاء عن ابن عباس: يريد عتت عليهم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، يعني: على عاد. وهو قول ابن زيد، قال: العاتية: القاهرة التي عتت عليهم، فقهرتهم بغير رأفة ولا رحمة [["جامع البيان" 29/ 50، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 259 من غير نسبة.]]. وذكر صاحب النظم قولاً آخر [[بياض في (ع).]]، فقال: ليس هذا من العتو الذي هو عصيان، إنما هو بلوغ الشيء وانتهاؤه، ومنه قولهم: "عتى [[في (ع): عتا.]] البيت"، أي: بلغ منتهاه وحق [[غير مقروء في (ع)، وإلى قوله بلغ منتهاه وحق انتهى كلام صاحب النظم، ولم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال عز وجل: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [[سورة مريم 8، وقد استشهد الأزهري بهذه الآية في "تهذيب اللغة" 3/ 143 (عتو).]]، (وكل شيء انتهى [[في (ع): انتها.]] فقد عتا يعتو [[في النسختين (أ)، (ع): (يعتو) ا.]] عِتِياً وعُتُوّاً) [[ما بين القوسين من قول الأزهري، وعزاه إلى أبي إسحاق. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 143 (عتو)، وقد نقله الواحدي عن الأزهري بنصه، وررد معنى ذلك في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 214.]]. وعلى هذا القول معنى "عاتية": بالغة منتهاها في القول والشدة. قوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 206/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 386، وقد ورد هذا القول غير منسوب في "زاد المسير" 8/ 79، و"القرطبي" 18/ 259، و"ابن كثير" 4/ 440.]]، والكلبي [[ورد هذا القول في المراجع السابقة من غير عزو، وعزاها -كما أسلفت- البغوي إلى مقاتل. انظر "معالم التنزيل".]]: سلطها عليهم. وقال غيرهما: أرسلها عليهم [[ورد هذا القول من غير نسبة في "معالم التنزيل" 4/ 386، و"زاد المسير" 8/ 79، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 259.]]. قال أبو إسحاق: أقامها عليهم كما شاء [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 214 نقله عنه الواحدي بنصه.]]. وقوله: ﴿حُسُومًا﴾ أكثر المفسرين قالوا: متتابعة، وهو قول: عبد الله [[وورد قوله هذا في تفسير القرآن للإمام عبد الرزاق الصنعاني 2/ 312، و"جامع البيان" 29/ 50 - 51، و"النكت والعيون" 6/ 77، و"المحرر الوجيز" 5/ 357، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 440، و"الدر المنثور" 8/ 265، وعزاه إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني، و"المستدرك" للحاكم 2/ 500، وصححه ووافقه الذهبي.]]، وعكرمة [[وقوله هذا ورد في "جامع البيان" 29/ 51، و"المحرر الوجيز" 5/ 357، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 440، و"الدر المنثور" 8/ 266، وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، ومجاهد [["تفسير الإمام مجاهد" 671، و"النكت والعيون" 6/ 77، و"معالم التنزيل" 4/ 386، و"المحرر الوجيز" 5/ 357، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 440، و"الدر المنثور" 8/ 265، وعزاه إلى أبي الشيخ في العظمة.]]، (وقتادة) [[ساقطة من (أ).]] [[وقول قتادة ورد في "معالم التنزيل" 4/ 386، و"المحرر الوجيز" 5/ 357، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 440. وممن قال بذلك أيضًا ابن عباس كما في == "النكت" 6/ 77. قال النحاس ﴿حُسُومًا﴾ أصح ما قيل فيه مُتَتَابعة، لصحته عن ابن مسعود، وابن عباس "إعراب القرآن" 2/ 20.]]. والمعنى: أن هذه الأيام تتابعت عليهم بالريح المُهلكة، فلم يكن فيها فتورٌ ولا انقطاع، ولهذا المعنى قال الكلبي [[بياض في (ع). ولم أعثر على مصدر قوله.]]، (والضحاك) [[ما بين القوسين ساقط من أ، وورد قوله في "زاد المسير" 8/ 79.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 206/ ب.]] في تفسير: "حسوماً": دائمة كاملة. وقال الفراء: (والحسوم: التتابع [[وفي (أ): أيضًا التتابع.]]، إذا تتابع الشيء فلم ينقطع أوله عن [[في (أ): إلي.]] آخره، قيل له: حسوم، وإنما أخذوا -والله أعلم- من حُسِمَ الداءُ، إذا كُوي صاحبُه؛ لأنه يكوى بالمكواة، ثم يتابع ذلك عليه) [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 180 بنصه.]]. وقال عطية: شؤماً [[ورد هذا القول في "معالم التنزيل" 4/ 386.]]. قال اللَّيث: الحَسْم: الشُّؤْم، ويقال: هذه ليالي الحُسُوم تَحْسِم الخير عن أهلها، كما حُسِمَ عن عَاد [["تهذيب اللغة" 4/ 344 مادة (حسم) بنصه.]]. وذكر [أبو عبيدة] [[في كلا النسختين: (أبو عبيد)، ولعله تصحيف؛ لأن الصواب (أبو عبيدة) كما أثبته.]] القولين، فقال: "حسوماً" ولآء متتابعة، وقالوا: مشائيم [[كتبت في إلنسختين مشاآيم. وورد قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 267، غير أنه ذكر قولًا واحدًا، وهو== التتابع. وممن قال: مشائيم: عكرمة، والربيع. انظر: "النكت" 6/ 77. وبالقولين قال اليزيدي في "غريب القرآن وتفسيره" 386.]]. ومعنى الحسم في اللغة: القطع [[غير مقروءة في (ع).]] بالاستئصال، وسمي السيف حُسَاماً؛ لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ عداوته، فالحسوم بمعنى الشؤم هي الحاسمة للخير، والحسوم مصدر سمي به [[انظر المعنى اللغوي في "تهذيب اللغة" 4/ 344 (حسم)، و"معجم مقاييس اللغة" لابن فارس 2/ 57 (حسم)، و"لسان العرب" 12/ 134 (حسم)، و"القاموس المحيط" للفيروزابادي 4/ 96 (حسم).]]. وقال ابن زيد: حسمتهم [[غير مقروء في (ع).]] فلم تبق منهم أحدًا [["جامع البيان" 29/ 51، و"النكت والعيون" 6/ 78، و"المحرر الوجيز" 5/ 357 بمعناه، و"زاد المسير" 8/ 80.]]. وعلى هذا: الحسوم: القاطعة بعذاب [[في (أ): بعد.]] الاستئصال، وهو معنى قول النضر بن شميل: حسمتهم [[حسمتهم ساقطة من (أ).]]، فقطعتهم [[في (أ): قطعتهم.]] وأهلكتهم [[ورد قول النضر في "الكشف والبيان" 12/ 175/ ب.]]. والحسوم من نعت [[التعبير بـ"النعت" من اصطلاح الكوفيين، وربما قال به البصريون، والأكثر عندهم الوصف والصفة. انظر: "نحو القراء الكوفيين" لخديجة أحمد مفتي 340.]] قوله: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾، ونصب على القطع [[يراد بالقطع الحال، وهذا من مصطلحات الكوفيين. المرجع السابق 349.]] والحال [[قال النحاس "حسومًا" نعت، ومن قال: معناه أتْباع جعله مصدرًا وقال أيضًا أنثت== الهاء في "ثمانية"، وحُذفت من "سبع" فرقًا بين المذكر والمؤنث، فـ"الليالي" جمع مؤنث، والأيام جمع مذكر. "إعراب القرآن" 20، وانظر البيان في غريب "إعراب القرآن" لابن الأنباري 2/ 457.]]. وقال أبو إسحاق: الذي توجبه اللغة في معنى قوله: "حسوماً" (أي تَحْسِمُهُمْ حُسُوماً) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] تُفْنِيهِم وتُذْهبُهُم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 214 بتصرف يسير.]]. وعلى هذا المعنى: الحسوم مصدر مؤكد [[يراد به المفعول المطلق.]] دَلَّ على فعله ما تقدّم من قوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾، ويجوز أن يكون مفعولاً (له) [[له ساقطة من ع. والمفعول له هو المفعول لأجله.]]، أي سخرها عليهم هذه المدة للحسوم، أي لقطعهم واستئصالهم [[من قوله "مفعولًا له" إلى قوله "استئصالهم" كتبت بهامش النسخة ع.]]. ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ أي في تلك الليالي والأيام. ﴿صَرْعَى﴾: جمع صريع. قال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد مثله من غير عزو في "القرطبي" 18/ 261.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 206/ ب.]]: يعني موتى يريد أنهم صرعوا بموتهم، فهم مصروعون [[غير مقروءة في (ع).]] صرع الموت. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [[بياض في (ع).]] تفسير هذا متقدم في قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [[سورة القمر 20، قال تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20)﴾ وجاء في تفسيرها قال الواحدي: على تقدير فتتركهم كأنهم نخل، وذلك أنهم شبهوا أعجاز == النخل عند سقوطهم، لا عند نزعهم، قال الزجاج: "كأنهم" هاهنا في موضع الحال، والمعنى تنزع الناس مشبهين النخل المنقعر، وهو المقطوع من أصوله، وعلى ما ذكر، لا إضمار في الآية، و ﴿أَعْجَازُ﴾ جمع عجز، وهو مؤخر الشيء، وشبههم بأعجاز النخل؛ لأن الريح قلعت رؤوسهم أولاً، ثم كبتهم لوجوههم. وقوله ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ قال: قعرت النخلة إذا قلعتَها من أصلها حتى تسقط، وقد انقعرت هي، أي انقلعت وسقطت. قال المفسرون: شبههم لطول قاماتهم حين صرعتهم الريح وكبتهم على وجوههم بالنخيل الساقطة.]]. وقوله: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ على عروشها. قال الكلبي: شبه القوم بأسَافل النخل إذا سقطت [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال مقاتل: يعني أصول نخل ساقطة، ليس لها رؤوس، بقيت أصولُها وذهب أعلاها [["تفسير مقاتل" 206/ ب، وقد قال قتادة بنحو قوله. انظر: "جامع البيان" 29/ 52، و"الدر المنثور" 8/ 266.]]. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)﴾ قوله: ﴿بَاقِيَةٍ﴾ يجوز أن تكون معنى: البقاء، ويجوز أن تكون بمعنى: نفس باقية، أو فرقة باقية [[بياض في (ع).]]. (والمفسرون على هذا القول) [[ما بين القوسين ساقط من (أ). وقد ذكر الطبري القولين. انظر: "جامع البيان" 29/ 52. وذكر البغوي القول الثاني. انظر: "معالم التنزيل" 4/ 386، وأورد ابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 357 القولين، وعزاهما لابن الأنباري. وأورد أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 267 القول الثاني.]]. قال ابن عباس: يريد: لم أبقِ [[بياض في (ع).]] منهم أحدًا [[ورد قوله في "معالم التنزيل" 4/ 386 من غير عزو.]]. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 206/ ب.]]: لم تبق منهم أحدًا [[في كلا النسختين (أحد)، والصواب (أحدًا) لأنها مفعول به.]]. (وذكر الفراء القولين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 180.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]).

الحاقة 69:8

قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي ومن كان قبله من الأمم الكافرة التي كفرت كما كفر هو [[بياض في (ع).]]. و"من" لفظه عَام، ومعناه خاص في الكفار دون المؤمنين [[هذا القول حجة لمن قرأ قَبْلَه بفتح القاف وسكون الباء، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، وخلف، وأبو جعفر. انظر: "كتاب السبعة في القراءات" لابن مجاهد 648، و"القراءات وعلل النحويين فيها" للأزهري 2/ 709، و"الحجة للقراء السبعة" لأبي علي 6/ 314، و"إعراب القراءات" لابن خالويه 2/ 385، و"المبسوط في القراءات العشر" للأصبهاني 379، و"التبصرة" لمكي 806، و"الكشف عن وجوه القراءات" لمكي بن أبي طالب 2/ 333.]]. وقُرئ: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ بكسر [[في (أ): انكسر.]] القاف وفتح الباء [[وممن قرأ بذلك أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب، وأبان عن عاصم. انظر المراجع السابقة.]]. قال سيبويه: (قِبَل) لِما وَلِيَ الشيءَ، تقول: "ذهب قِبَلَ السوق" و"لي قِبَلَك حق" أي فيما يَلِيك، واتَّسَع حتى صَار بمنزلة: "لي عليك" [["كتاب سيبويه"، لأبي بشر عَمْرو بن قنبر 4/ 232، نقله عنه أبو علي الفارسي بتصرف يسير. انظر: "الحجة" 6/ 314.]]. ومعنى: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي من يتبعه، وَيحُفُّ به من جنوده وأتباعه، ويؤكد هذه القراءة مَا روي أن في حرف أُبَيٍّ: "ومَن معه". [[من قوله أى ومن كان قبله من الأمم ... إلى هنا من "الحجة" 6/ 314 بتصرف.]] وأكثر قول المفسرين على هذه القراءة [[ذكرت القراءتان عند الفراء، والطبري، والبغوى، وابن عطية، وابن الجوزي، والقرطبي من غير ترجيح بينهما. انظر: "معاني القرآن" 3/ 180، و"جامع البيان" 29/ 52، و"معالم التنزيل" 4/ 386، المحرر والوجيز 5/ 357 - 358، و"زاد المسير" 8/ 80، و"القرطبي" 18/ 261 - 262.]]. قال ابن عباس: يريد جمعه وجنوده [[في (ع): وجنده. لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال الكلبي: يعني جنده [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال مقاتل: يعني ومن معه [["تفسير مقاتل" 206/ ب.]]. وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ قد تقدم تفسيرها [[في سورة التوبة 70 في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)﴾ ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾، قال المفسرون: يعني قريات قوم لوط، وهي جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة الانقلاب، وتلك القرى ائتفكت بأهلها، أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها، والمؤتفكات معطوفة على مدين، يعني وأصحاب المؤتفكات. ويقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب.]]، وهي -هَاهنا- يجوز أن تكون القُرى التي انقلبت بأهلها، فيكون على حذف المضاف. قال مقاتل: يعني قرى (قوم) [[ساقط من (ع).]] لوط [["تفسير مقاتل" 206/ ب. وقد ورد عن قتادة بمثل قوله في "جامع البيان" 29/ 53، كما ورد القول من غير نسبة في "معالم التنزيل" 4/ 386، و"المحرر الوجيز" 5/ 358، و"زاد المسير" 8/ 80.]]. ويجوز أن تكون المؤتفكات الذين أهلكوا من قوم لوط؛ على معنى: والجماعات والأمم والفرق المؤتفكات [[ومعنى لفظ ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ كما جاء عند ابن فارس، قال: الهمزة والفاء والكاف أصل واحد يدل على قلب الشيء وصَرْفه عن جهته ... والمؤتفكات الرياح التي تختلف مَهابُّها. "معجم مقاييس اللغة" 1/ 118، مادة (أفك). وجاء في التهذيب واللسان الائتِفاك عند أهل العربية الانقلاب، كقريات قوم لوط التي ائتفكت بأهلها أي انقلبت. "تهذيب اللغة" 1/ 396، مادة (أفك)، و"لسان العرب" 1/ 391 مادة: (أفك).]]. قال ابن عباس: يريد قوم لوط [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. قال الفراء: (هم الذين ائتفكوا بخطئهم) [["معاني القرآن" 3/ 180 بنصه.]]. ونحو هذا قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 215. وعبارته "الذين ائتفكوا بذنوبهم، أي أهلكوا بذنوبهم التي أعظمها الإفك .. ثم قال: وكذلك الذين ائتفكت بهم الأرض، أي خُسِفَ بهم، إنما معناه انقلبت بهم كما يقلب بهم الكذاب الحق إلى الباطل.]]. فجعلوا المؤتفكات القوم الذين أهلكُوا. وقوله: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال عطاء: يريد الخطايا التي كانوا يفعلونها [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد عند الطبري، والقرطبي بمثل قول مجاهد. انظر: "جامع البيان" 29/ 53، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 362.]]. وقال الكلبي: يعني بالشرك [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثل قوله عند البغوي من غير عزو. انظر: "معالم التنزيل" 4/ 386.]]. وقال مقاتل: يعني بالكفر [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله عند الثعلبي من غير عزو. انظر: "الكشف والبيان" جـ12، 176/ أ.]]. قال الزجاج: (بالخطأ العظيم) [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 215 بنصه.]]. وهو قول الفراء [[لم أجد قوله في المعاني، وإنما وجدت معناه في التهذيب، والعبارة عنده قال الفراء يُصْرف عن الإيمان من صُرِف، كما قال: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [الأحقاف: 32]، يقول: لتصرفنا وتصدنا. "تهذيب اللغة" 10/ 395 مادة (أفك)، وانظر: "لسان العرب" 1/ 391 مادة (أفك).]]، والكسائي [[ورد معنى قوله في المرجعين السابقين، والعبارة عنه أبو عبيد عن الكسائي تقول العرب يالِلأفيكة، ويا لَلأفيكة، بكسر اللام وفتحها، فمن فتح اللام فهي لامُ الاستغاثة، ومن كسرها فهي تعجب، كأنه قال: يا أيها الرجل، اعجب لهذه الأفيكة، وهي الكِذبة العظيمة.]]. فالخاطئة: مصدر كالخطأ والخطيئة، وهي الكفر والتكذيب. يدل عليه قوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾. قال الكلبي: يعني موسى بن عمران [[ورد قوله في "المحرر الوجيز" 5/ 358، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 362.]]. وقال مقاتل: يعني لوطًا [[ورد القول في "تفسير مقاتل" 206/ ب، وفي "معالم التنزيل" 4/ 386 من غير عزو، وعزاه ابن عطية إلى بعضهم في "المحرر الوجيز" 5/ 358.]]. فذهب الكلبي بقوله: ﴿عَصَوْا﴾ إلى فرعون وقومه، وذهب مقاتل إلى المؤتفكات، والوجه أن يقال: المراد بـ"الرسول" كلاهما للخبر عن الأمتين بعد ذكرهما بقوله: ﴿فَعَصَوْا﴾ [[بياض في (ع).]]، فيكون كقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [[سورة الشعراء 16. والآية بتمامها، قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16)﴾، وقد نقل الفخر عن الواحدي قوله. انظر: "التفسير الكبير" 30/ 106. قال ابن عاشور: وضمير ﴿عَصَواْ﴾ يجوز أن يرجع إلى "فرعون" باعتباره رأس قومه، فالضمير عائد إليه وإلى قومه، ويكون المراد بـ ﴿رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ موسى عليه السلام، وتعريفه بالإضافة لما في لفظ المضاف إليه من الإشارة إلى تخطئتهم في عبادة فرعون. ويجوز أن يرجع ضمير ﴿عَصَوْا﴾ إلى ﴿فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾، و ﴿رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ هو الرسول المرسل إلى كل قوم من هؤلاء، فإفراد "رسول" مراد به التوزيع على الجماعات، أي رسول الله لكل جماعة منهم، والقرينة ظاهرة، وهو أجمل نظمًا من أن يقال: فعصوا رسل ربهم، لما في إفراد "رسول" من التفنن في صيغ الكلم من جمع وإفراد؛ تفاديًا من تتابع ثلاثة جموع؛ لأن صيغ الجمع لا تخلو من ثقل لقلة استعمالها. "تفسير التحرير والتنوير" 29/ 121 - 122.]]. قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ قال المفسرون: نامية، عالية، (غالبة) [[غالبة ساقطة من (أ).]]، شديدة، زائدة على عذاب الأمم، كل هذا من ألفاظهم [[بياض في (ع).]] [[قال ابن زيد: شديدة. وقال ابن عباس: أخذة شديدة. وقال ابن زيد، كما يكون في الخير رابية، كذلك يكون في الشر رابية، قال: ربا عليهم، زاد عليهم. انظر: "جامع البيان" 29/ 53. وقال الفراء: أخذة زائدة."معاني القرآن" 3/ 181. وقال أبو عبيدة: نامية زائدة شديدة من الربا. "مجاز القرآن" 2/ 267. وقال اليزبدي: نامية زائدة من الربا. "غريب القرآن وتفسيره" 387. وقال ابن قتيبة: عالية مذكورة. "تفسير غريب القرآن" 484. وقال الثعلبي: نامية عالية غالبة. "الكشف والبيان" جـ12، 176/ أ. وعن السدي قال: مهلكة. "النكت" 6/ 79.]]. قال المبرد: أي شديدة، وكبيرة، وأصله من الزيادة [[لم أعثر على قوله.]]. وقال الزجاج: معنى رأبية: تزيد على الأحْداث [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 215 بنصه.]]. وقال صاحب النظم: بالغة في الشدة، يقال: ربا الشيء يربُو: إذا زاد وتضاعف.

الحاقة 69:11

قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ قال الكلبي عن ابن عباس: يعني: زمن نوح طغى الماء على خزانه، وكثر عليهم، فلم يدروا كم خرج، وليس من السماء قطرة قبله ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم [[ورد قوله في "النكت والعيون" 6/ 79، وأورده الفخر عن الكلبي في "التفسير الكبير" 30/ 103.]]. فذهب -هاهنا- كما ذكر في قوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: غضب الماء لغضب [[في (أ): بغضب.]] الرب، وطغى على الخزان [["جامع البيان" 30/ 54، و"الدر المنثور" 8/ 267، وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ. وانظر: "تفسير سعيد بن جبير" تحقيق إبراهيم النجار 352. والرواية عند الطبري على النحو الآتي عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11)﴾ قال: لم تنزل من السماء قطرة إلا بعلم الخزَّان، إلا حيث طغى الماء، فإنه قد غضب لغضب الله فطغى على الخزان، خرج ما لا يعلمون ما هو. والرواية عن سعبد بن جبير مرسلة ضعيفة السند لوجود ابن حميد، قال عنه الحافظ ابن حجر: ضعيف "التقريب" 2/ 156 - 159.]]. وسائر المفسرين قالوا في: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ تجاوز حده، وخرج عن (الحد حتى علا كل شيء، وارتفع فوقه بخمسة عشر ذراعًا. [[الذراع: اليد من كل حيوان، لكنها في الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع. "المصباح المنير" 1/ 246، مادة (ذرع). وانظر "مختار الصحاح" 221 (ذرع).]] وهو قول: قتادة [[ورد قوله في "تفسير مقاتل" 207/ أ، و"تفسير القرآن" لعبد الرزاق 2/ 312، و"جامع البيان" 29/ 54، و"الكشف والبيان" 12/ 176/ أ، و"القرطبي" 18/ 263، و"الدر المنثور" 8/ 267، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثل قوله من غير نسبة في "معالم التنزيل" 4/ 387، و"زاد المسير" 8/ 81.]]. وقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ أي حملنا آباءكم) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] وأنتم في أصلابهم، والذين خوطبوا بهذا [[في (ع): هذا.]] ولد الذين حملوا، وهذا كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: 41] [[وردت في النسختين ذرياتهم.]] الآية [[الآية ساقطة من (أ).]]. وهذا معنى قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 207/ أ.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد عند الطبري بنحو هذا القول من غير عزو؛ مذكور بصيغة التضعيف قيل. انظر: "جامع البيان" 29/ 55.]]. وقوله: ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ يعني في السفينة التي تجري في الماء، وهي سفينة نوح عليه السلام، و"الجارية" من أسماء السفينة [[وهو قول ابن عباس، وابن زيد أيضًا. "جامع البيان" 29/ 54. قال ابن عاشور و"الجارية" صفة لمحذوف، وهو السفينة، وقد شاع هذا الوصف حتى صار بمنزلة الاسم. "تفسير التحرير والتنوير" 29/ 123.]]، ومنه قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ [الرحمن: 24]، وقد مر [[قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ يعني السفن، واحدتها جارية، كقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.]]. قوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ قال الفراء: النجعل السفينة لكم تذكرة وعظة) [["معاني القرآن" 3/ 181 بنصه.]]، وليس هذا بالوجه، والوجه ما قال أبو إسحاق: لنجعل تلك الفعلة من إغراق قوم نوح، ونجاة من آمن معه تذكرة لكم [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 215، نقله عنه الواحدي بتصرف.]]، أي عبرة وموعظة. ويدل على صحة هذا الوجه قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. قال ابن عباس: تحفظها، وتسمعها أذن حَافظةٌ لما جاء من عند الله [["جامع البيان" 29/ 55 بمعناه. قال: حافظف وانظر: "النكت" 6/ 80. وقال أيضًا سامعة، وذلك الإعلان. وعن قتادة بنحوه، قال أذن عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله. المرجع نفسه. وعن الضحاك أيضًا بمعناه، وعن ابن زيد. انظر المرجع نفسه. قال ابن عاشور: والوعي: العلم بالمسموعات، أي ولتعلم خبرها أذن موصوفة بالوعي، أي من شأنها أن تعي. وهذا تعريض بالمشركين إذ لم يتعظوا بخبر الطوفان، والسفينة التي نجا بها المؤمنون، فتلقوه كما يتلقون القصص الفكاهية. "تفسير التحرير والتنوير" 29/ 123.]]. والسفينة لا توصف بهذا. (ويقال لكل شيء حفظته في نفسك: قدْ وَعَيْتُهُ، ووعيت العِلمَ، وَوَعَيْتُ ما قلت، ويقال لكل ما حفظته في غير نفسك: أوْعَيْتُهُ، يقال: أوعيت المتاعَ في الوعاء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 215 - 216 نقله الواحدي عن الزجاج بتصرف. وراجع مادة: (وعى) في "تهذيب اللغة" 3/ 359 - 360، و"معجم مقاييس اللغة" 6/ 124، و"لسان العرب" 15/ 396]]. ومنه قول الشاعر [[هو: عَبِيدُ بن الأبْرَص بن جُشم بن عامر.]]: وَالشَّرُّ أخْبَثُ مَا أوْعَيْتَ مِنْ زَادِ [[وصد ره: الخَيْرُ يَبْقَى وإنْ طالَ الزَّمانُ بِهِ وقد ورد في "ديوانه" 15، دار صادر، كما ورد منسوبًا له في "الصحاح" للجوهري 6/ 2525، (وعى)، و"لسان العرب" 15/ 397، و"تاج العروس" للزبيدي 10/ 393، وورد غير منسوب في "معجم مقاييس اللغة" 6/ 124، و"الكامل" للمبرد 1/ 143، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 713.]] وقال أبو عِمْران الجوني [[في (أ): الحولاني.]]: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أذن عقلت [[غير مقروءة في (ع).]] عن الله [[ورد قوله في "المحرر الوجيز" 5/ 358.]]. وقال قتادة: أذن سمعت، وعقلت ما سمعت [[بياض في (ع).]]، وأوعت [[في (أ): وأودعت. وورد قوله هذا في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 313، و"جامع البيان" 29/ 55 بنحوه، و"النكت" 6/ 80، و"معالم التنزيل" 4/ 387 بنحوه، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 363 - 364 بمعناه، و"البحر المحيط" 8/ 322، و"الدر المنثور" 8/ 268، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.]]. قال الفراء: لتحفظها كل أذن [[بياض في (ع).]]، فتكون عظة لمن يأتي بَعْدُ [["معاني القرآن" 3/ 181 بنصه.]]. وقال أبو إسحاق: (معناه: ليحفظ السَّامعُ ما يَسْمع، ويعمل به) [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 215 بنصه.]]. فمعنى واعية: سامعة حافظة قابلة لما يجعل فيها، وذلك بأن تعتبر، وتعمل بالموعظة، والمعنى لصاحب الأذن. قال أهل المعاني: ووجه التذكير في هذا أن نجاة قوم نوح من الغرق بالسفينة، وتغريق مَنْ سواهم يقتضي مدبرًا [[في (أ): مدرًا.]] قادرًا على ما شاء [[لم أعثر على مصدر لقولهم.]]. وقراءة العامة: ﴿وَتَعِيَهَا﴾ بكسر العين [[وهم: نافع المدني، وابن كثير المكي، وأبو عمرو بن العلاء، وابن عامر الدمشقي، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وحمزة بن حبيب الزيات، وأبو الحسن علي بن حمزة الكسائي، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع، ويعقوب الحضرمي، وخلف ابن هشام البزاز. انظر كتاب: "السبعة" لابن مجاهد: 648، و"الحجة" 6/ 316، و"المبسوط في القراءات العشر" للأصبهاني 379، و"تحبير التيسير في قراءة الأئمة العشرة" لابن الجزري 192.]]. وروي عن ابن كثير: (وتَعْيَها) ساكنة العين [[وهي رواية القواس عن ابن كثير. انظر: "الحجة" 6/ 135، كتاب السبعة 648، و"المبسوط" 379. وقال ابن الجزري في قراءة: ﴿وَتَعِيَهَا﴾ وجاء عن ابن كثير وعاصم وحمزة في ذلك ما لا يصح. قلت: وهذا رأي لابن الجزري لا يعارض بما أثبت في كتاب "الحجة" من صحة القراءة، والله أعلم. انظر: "تحبير التيسير" 192، و"مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه 161.]]، كأن حرف المضارعة [[بياض في (ع).]] مع مَا بَعْدَهُ بمنزلة (فَخْذٍ) فأسْكن كما يُسكن (كتِف) ونحوه؛ لأن حروف المضارعة لا تنفصل من الفعل، فأشبه ما هو من نفس الكلمة، وصار كقول من قال: وَهْوَ، وَهْيَ. ومثل ذلك قوله: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: 52] في قراءة من سكن القاف [[انظر: "الحجة": 6/ 316 بتصرف، وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 107.]]، وقد سبق الكلام في نحو هذا [[ومما جاء في قراءة: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ بسكون القاف، وكسر الهاء مختلسة، وهي قراءة == حفص عن عاصم، ووجهه: أن تقه من يتقه بمنزلة: "كتف" فكما يسكن "كتف" كذلك سكن القاف من يقه. وقال ابن الأنباري: هذا على لغة من يسقط الياء، ويسكن الحرف الذي قبلها في باب الجزم، فيقول: لم أرَ زيدًا ،ولم أشرِ طعامًا، ولم يتقِ زيدًا، وهو من التوهم، والتقدير: لما ذهبت الياء استوثقوا من الجزم بتسكين ما قبل الياء.]].

الحاقة 69:13

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13)﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد النفخة الأولى [[ورد منسوبًا إلى عطاء فقط في "زاد المسير" 8/ 82، و"فتح القدير" 5/ 281. ومنسوبًا إلى ابن عباس من غير ذكر طريق عطاء في "الجامع" للقرطبي 18/ 264.]]. وقال الكلبي: هي النفخة الآخرة [["فتح القدير" 5/ 281.]]. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 207/ أ، و"زاد المسير" 8/ 82، و"فتح القدير" 5/ 281.]]، وقال: (نفخة واحدة) يعني لا تُثَنَّى [[هذا القول من مقاتل قد ورد بمثله غير منسوب في "القرطبي" 18/ 264.]]. قال الأخفش: الفعل [[في (أ): القول.]] وقع على النفخة إذ لم يكن قبلها [[في (أ): فيها.]] اسم مرفوع [["معاني القرآن" 2/ 713 بنصه.]]، قال: ويجوز (نفخة واحدة) على المصدرة حكي ذلك عن بعضهم ثم قال: فإما أن [[غير مقروءة في (ع).]] يكون أضمر، وإما أن يكون أخبر عن الفعل خاصة [[لم أجد تتمة كلامه في كتابه "المعاني"، ولا في غيره من المصادر التي بين يدي.]] هذا كلامه. وبيان هذا أن (نفخة) رفع على ما لم يسم [[عبارة: (ما لم يسم فاعله) من اصطلاحات الكوفيين، ويقابلها عند البصريين: (المبني للمجهول). انظر: "نحو القراء الكوفيين" 346.]] فاعله. وقوله: إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع يريد أن الفعل لم يقع على شيء يرفعه في الظاهر، فوقع على النفخة. قوله: ﴿فِي الصُّورِ﴾ على لفظ الخفض [[في (أ): الحافظ، ويراد بالخفض الجر، والخفض اصطلاح كوفي. انظر: "نحو القراء" 348.]]، فالتقدير: نفخ نفخة واحدة في الصور، وأما من قال: (نفخة) بالنصب أضمر مفعول (نفخ) ونصب (نفخة) على المصدر، أو اقتصر على الإخبار عن الفعل، كما تقول: (ضرب ضربًا) [[لم أعثر على مصدر لهذا القول، ولا على قائله.]] هذا معنى كلامه. وقال أبو إسحاق: النصب جائز على أن قولك: (في الصور) يقوم مقام ما لم يُسمَّ فاعله؛ لأن المعنى: نفخ الصور نفخة، وإنما ذكَّر نفخ ، لأن تأنيث نفخة ليس بحقيقي ، لأن النفخة والنفخ واحد [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 216 باختصار.]]. قوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ قال مقاتل: رفعت من أماكنها [["تفسير مقاتل" 207/ أ. وقد ورد بمثله من غير نسبة في "معالم التنزيل" 4/ 387، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 264، و"فتح القدير" 5/ 381 بمعناه.]]، ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾: قال ابن عباس: فُتَّتَا فَتة [[قال الليث: الفَتُّ أن تأخذ الشيء بأصبعك فتصيره فُتاتًا، أي دقاقًا. "تهذيب اللغة" 14/ 256، (فتت). وقال ابن فارس: الفاء والتاء كلمة تدل على تكسير شيء ورفْتِه. "معجم مقاييس اللغة" 4/ 436، (فت).]] واحدة [[بياض في (ع) ..]] [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير نسبة في "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 264، و"لباب التأويل" 4/ 304.]]. وقال مقاتل: كسرتا كسرة واحدة، لا شيء حتى يستوي ما عليها [[بياض في (ع).]] من شئ مثل الأديم [[الأديم: جمع الأَدَم، وأديم كل شيء: ظاهر جلده، وأدَمة الأرض: وجهها. وقال ابن منظور: الأديم: الجلد ما كان. وقيل: هو المدبوغ. والأدمة: باطن الجلد الذي يلي اللحم، والبشرة ظاهرها. انظر (أدم) في: "تهذيب اللغة" 4/ 215، و"معجم مقاييس اللغة" 1/ 72، و"الصحاح" 5/ 1859، و"لسان العرب" 9/ 12.]] الممدود [["تفسير مقاتل" 207/ أ. وقد ورد غير منسوب في "زاد المسير" 8/ 82.]]. وذكرنا [[بياض في (ع).]] تفسير (الدك) عند قوله: ﴿جَعَلَهُ دكَآءَ﴾ [الكهف: 98] ولا يجوز في (دكة) هاهنا إلا النصب؛ لارتفاع الضمير في (دكتا). قال الفراء: ولم يقل: فدككن؛ لأنه جعل الجبال كالواحد [[في (ع): (كالواحدة).]] ، والأرض كالواحدة، كما قال: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا﴾ [الأنبياء: 30]، ولم يقل: كُنَّ [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 181 نقله الواحدي عنه باختصار.]]. قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15)﴾. قال الكلبي: قامت القيامة [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه غير منسوب في "الجامع" 18/ 365.]]. ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ لنزول من فيها من الملائكة؛ قاله مقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه غير منسوب في المصدر السابق.]]. ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قال الليث: يقال: وَهَى الثوبُ والقِرْبةُ والْحَبْلُ ونحوه إذا تَفَزَّرَ واسترْخَى [["تهذيب اللغة" 6/ 488، مادة: (وهي) بتصرف.]]. وقال الكسائي: وَهَى يَهي وَهْيًا ووهِيًّا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. قال أبو إسحاق: (يقال لكل ما ضعف جدًا: قد وَهَى، فهو واهٍ) [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 216 بنصه.]]. قال الفراء: (وَهْيُها: تشقُّقها) [["معاني القرآن" 3/ 181 بنصه.]]. قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ معنى الأرجاء في اللغة: النواحي، يقال: رَجًا ورَجَوان، والجميع: أرجاء، ويقال ذلك لحرف [[بياض في (ع).]] البئر، وحرف القبر، وما أشبه ذلك [[انظر المعنى اللغوي للأرجاء في "تهذيب اللغة" 11/ 183، مادة: (رجا)، و"معجم مقاييس اللغة" 2/ 495، مادة (رجي)، و"لسان العرب" 1/ 83، مادة: (رجا). ومن قوله: (ويقال ذلك لحرف البئر إلى: ما أشبه ذلك) ورد بنصه عند السجستاني في "نزهة القلوب في تفسير القرآن العزيز" 106.]]. وأنشد (أبو عبيد [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] لعَبِيد) بن الأبرص [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]: رِيشُ الحَمَامِ على أرْجَائِهِ ... لِلْقَلْب مِنْ خَوْفِهِ وَجِيبُ [[البيت في "ديوانه" 27، طبعة دار صادر. والأرجاء: الواحد رجا: الناحية. الوجيب: الخفقان. "ديوانه" 27.]] والمفسرون يقولون: على حَافَاتِها [[في (أ): (حافتها).]] وأطرافها ونواحيها وأقطارها [[قال ابن عباس في معنى الآية: والملك على حافات السماء حين تشقق. وعن مجاهد قال: أطرافها. وعن سعيد بن جبير قال: على حافات السماء. وعن الضحاك أنه قال: حافاتها. ومثله قال قتادة، وعن قتادة أيضًا: أقطارها، وعنه == أيضًا: نواحيها. وبهذا قال سفيان. وعن ابن المسيب: الأرجاء: حافات السماء. انظر أقوالهم في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 313، و"جامع البيان" 29/ 57 - 58، و"معالم التنزيل" 4/ 387، و"زاد المسير" 8/ 82، و"لباب التأويل" 4/ 304، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 441، و"الدر المنثور" 8/ 269. وقال اليزيدي: جوانبها. "غريب القرآن وتفسيره" 387. وعن ابن قتيبة: نواحيها. "تفسير غريب القرآن" 484. وعن مكي بن أبي طالب: على جوانبها. "تفسير المشكل من غريب القرآن" 352.]]. كل هذا من ألفاظهم. واختلفوا أن المراد بالأرجاء: أرجاء الأرض، أم السماء؟ فقال الكلبي: يقول: على حروفها وأطراف الأرض [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال سعيد بن جبير: على أرجائها ما لم تنشق [[في (أ): تشق.]] منها [["جامع البيان" 29/ 85 بمعناه، قال: "على حافات السماء"، وكذا في "الدر المنثور" 8/ 269. وعزاه إلى عبد بن حميد، وعنه: أرجاء الدنيا. "النكت" 6/ 81، و"زاد المسير" 8/ 350، وانظر: "تفسير" سعيد 353.]]. وروي عن ابن عباس: على ما لمْ يَهِ منها [["جامع البيان" 29/ 58 من طريق عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. "الدر المنثور" 8/ 269، وعزاه إلى الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]. وهذا يدل على أن الملك على أرجاء السماء. وروى (جُوَيْبِر [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] عن الضحاك قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت، وتكون الملائكة [[في (أ): يكون الملك.]] على أرجائها حين يأمرهم الرب، فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بالأرض ومن عليها. وهذا جامع للقولين [["معالم التنزيل" 4/ 387، من غير ذكر طريق جويبر.]]. قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾. قال مقاتل: يعني فوق رؤوسهم [["تفسير مقاتل" 207/ أ، و"زاد المسير" 8/ 82 بنحوه، وانظر: "لباب التأويل" 4/ 304.]]، كأنه يعني فوق رؤوس الحَمَلة. قوله: ﴿يَوْمئِذٍ﴾. يعني: يوم القيامة. ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ روي عن العباس رضي الله عنه قال: (ثمانية أملاك على صور الأوعَال [[أوعال: جمع وعل، وهو العنز الوحشي، ويقال له: تيس شاه الجبل، والمراد ملائكة على صورة الأوعال. انظر: "عون المعبود شرح سنن أبي داود" للعظيم آبادي 13/ 8 باب: الجهمية، كتاب: السنة، و"تحفة الأحوذي" للمُباركفوري: 9/ 165: ح: 3540، و"أبواب التفسير"، سورة الحاقة.]]) [["النكت" 6/ 81، وأخرجه عبد بن حميد، وعثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية"، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن خزيمة، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والخطيب في "تالي التلخيص" عن العباس. انظر: "الدر المنثور" 8/ 269. قلت: وعزاه السيوطي إليه، فهو من المرفوع عنه. وانظر: "المستدرك" 2/ 500 في التفسير، باب تفسير سورة الحاقة، وزاد: "بين أظلافهم إلى ركبهم مسيرة ثلاث وستين سنة". قال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي. وأخرجه الدارمي في "الرد على الجهمية" 42 ح 72، والآجري في "الشريعة" 263، 292 من طريقين: عن سماك، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" 3/ 389 - 390 ح 650 - 651، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 142، وابن عبد البر في "التمهيد" 7/ 140، وابن قدامة في "إثبات صفة العلو" 95. وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز، 246.]]. وروي أيضًا عنه في حديث مرفوع "أن فوق السماء [[بياض في (ع).]] السابعة ثمانية أوعال، بين أظلافهن ورُكَبِهِنَّ مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ظُهُورِهِنَّ العرشُ" [[أخرجه أبو داود 2/ 582، كتاب السنة: باب في الجهمية، أخرجه من ثلاث طرق عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب مرفوعًا بمعناه. ومما جاء فيه: (ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين السماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم ورُكَبِهِم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش). وأخرجه الترمذي أيضًا من حديث طويل 5/ 425 ح 3320، وقال عنه: حديث حسن غريب. وابن ماجه 1/ 37 - 38 ح 181، باب: 13، المقدمة والإمام أحمد من طريقين عن العباس 1/ 206 - 207. وأخرجه ابن خزيمة في "كتاب التوحيد" 100 - 102، وابن أبي عاصم في "السنة" 577، والذهبي في "العلو" 57. وقد قوى المباركفوري طريقين من طرق الحديث. انظر: "تحفة الأحوذي" 9/ 166. وضعف الشيخ الألباني طرق الحديث. انظر: "ضعيف سنن أبي داود": 468 - 469 ح 1014 - 1015 - 1016، باب: في الجهمية. "ضعيف سنن الترمذي" 427 - 428: ح: 654، سورة الحاقة. "ضعيف سنن ابن ماجه" 14 ح 34، باب: 13. "ظلال الجنة في تخريج فقه السنة" ح 577. كما ضعفه محقق "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للالكائي 3/ 391 هامش: 1، قال: مدار الحديث من جميع طرقه على عبد الله بن عميرة، قال فى البخاري: لا يعلم له سماع من الأحنف. ["التاريخ الكبير" 5/ 109 ت: 494]. وقال الذهبي: فيه جهالة. ["ميزان الاعتدال" 2/ 469: ت: 4492]، وأما ابن حبان فذكره في الثقات [5/ 42]. وقال محقق "شرح الطحاوية" 247: وعبد الله بن عمير، وهو مجهول، لم يوثقه غير ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل. وأظلافهن: جمع: ظلف -بكسر الظاء المعجمة- للبقر والشاة والظبي بمنزلة الحافر للدابة، والخف للبعير. "تحفة الأحوذي" 9/ 165.]]. وقال عطاء عن ميسرة [[بياض في (ع). وميسرة: يراد به: ميسرة أبو صالح؛ مولى كِنْدة، كوفي، روى عنه عطاء بن السائب، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه ابن حجر: مقبول. أو يراد به ميسرة بن يعقوب، أبو جميلة، الطُّهوي، الكوفي، روى عنه عطاء بن السائب أيضًا، مقبول، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال عنه ابن حجر: مقبول من الثالثة. == انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 374 ت: 1607 - 1608، و"الجرح والتعديل" 8/ 252: ت: 1143، و1144، و"تقريب التهذيب" 2/ 291: ت: 1542 - 1543.]]: (أرجلهم في تُخوم [[تُخوم: مفرد تَخْم، وهو منتهى كل قرية أو أرض. "لسان العرب" 12/ 64: (تخم).]] الأرض السَّابعة يحملون العرش [[يراد بالعرش لغية: السرير الذي للمَلك، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23]. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز: 248، و"العلو" للذهبي 57. والعرش من الأمور الغيبية التي يجب علينا الإيمان بها كما أخبر الله ورسوله. انظر: "إثبات صفات العلو" لابن قدامة، 92 في الحاشية.]]، ما منهم من أحد يرفع طرفه [["جامع البيان" 29/ 50 بنحوه، وفي إسناده ابن حميد، وهو ضعيف. وانظر: "الدر المنثور" 8/ 270 بنحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 216 من غير عزو.]]. وقال عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، (والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[ما بين الفوسين ساقط من (أ).]]: ثمانية أجزاء من عشرة أجزاء من الملائكة. ثم ذكر كثرة [[في (أ): كثرت.]] عدد الملائكة بما يطول ذكره. وقال مقاتل: ثمانية أجزاء من الكروبيين [[الكروبيون: هم المقربون، ويقال لكل حيوان وثيق المفاصل: إنه لمُكْرَب الخلق، إذا كان شديد القوى، والأول أشبه. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير 161، مادة: (كرب).]]، لا يعلم كثرتهم [[بياض في (ع).]] إلا الله [[ورد قوله في "تفسير مقاتل" 207/ أ، و"زاد المسير" 8/ 83، وبمعنى قوله عن ابن عباش. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 442.]]. وقال الكلبي أيضًا: وهو يروى عن ابن عباس [[بياض في (ع).]]، قال: ثمانية صفوف من الملائكة [["جامع البيان" 29/ 58، و"الثعلبي" 12/ 176 ب، و"ابن كثير" 4/ 442، و"الدر المنثور" 8/ 269، وعزاه إلى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق.]]. وقال محمد بن إسحاق: بلغنا أن رسول الله -ﷺ- قال: "هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى [[في (أ): أجزاء.]]، فكانوا ثمانية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ " [[ورد الحديث في "جامع البيان" 59/ 29 من طريق ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق. قلت: وهي رواية ضعيفة السند لوجود ابن حميد، وهو حافظ ضعيف، قاله ابن حجر. انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 156 ت 159، واسمه: محمد بن حميد بن حيان. وفي "الكشف والبيان" 12/ 177/ أ، و"النكت" 6/ 82، و"معالم التنزيل" 4/ 387، و"الجامع" 18/ 266، و"لباب التأويل" 4/ 304.]]

الحاقة 69:18

قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ قال مقاتل: تعرضون على الله لحسابكم، فلا يخفى منكم خافية [["تفسير مقاتل" 207/ أ.]]، [وهو] [[ما بين المعقوين زيادة يقتضيها السياق لاستقامة المعنى.]] معنى [[في (أ): يعني.]] قول عطاء، عن ابن عباس: لا يخفى منكم على الله فعلة خافية، وخصلة خافية [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ونحو ذلك ذكر الكلبي، فقال: يقول: لا تخفى على الله من أعمالكم شيء [["معالم التنزيل" 4/ 388.]]، ثم قال: ويقال: لا يخفى على الله أحد [[لم أعثر على مصدر هذه الزيادة من قول الكلبي.]]، وهو معنى قول مقاتل: لا يخفى الصَّالح ولا الطالح [[بياض في (ع). والطالح هو: من الطلاح نقيض الصلاح، والفعل: طَلِحَ يَطْلَح طلاحًا، ويقال: رجل طالِحٌ، أي: فاسد الدين لا خير فيه. "تهذيب اللغة" 4/ 384.]] إذا عُرِضتم [["تفسير مقاتل" 207/ أ.]]، وعلى هذا التقدير: لا يخفى منكم نفس خافية. وقراءة العامة: ﴿لَا تَخفَى﴾ بالتاء [[قرأ بذلك: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب. وقرأ بذلك أيضًا: ابن محيصن، والحسن. انظر كتاب "السبعة" 648، و"الحجة": 6/ 315، و"الكشف عن وجوه القراءات السبعة" 2/ 333، كتاب: "التبصرة" لمكي بن أبي طالب: 707، و"حجة القراءات" لابن زنجلة: 718، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري 389، و"إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر" للبنا: 422، و"البدور الزاهرة" لعبد الفتاح القاضي 324.]]، واختار أبو عبيد الياء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وهو قراءة حمزة، والكسائي [[وقرأ بذلك أيضًا: خلف، ووافقهم الأعمش. انظر المراجع السابقة.]]، قال [[أي: أبو عبيد، ولم أعثر على مصدر لقوله.]]: لأن الياء تجوز للذكر [[بياض في (ع).]] والأنثى، والتاء لا تجوز إلا للأنثى، ومع هذا فقد حيل بين الاسم والفعل بقوله: ﴿مِنكُمْ﴾. قال المفسرون [[قال بذلك: عبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وقتادة. انظر: "تفسير" عبد الرزاق 2/ 314 عن قتادة، و"جامع البيان" 29/ 59، و"بحر العلوم" 3/ 399، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 442، و"الدر المنثور" 8/ 270 - 271 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وعبد الرزاق، والبيهقي في البعث، وابن جرير. وروي هذا القول مرفوعًا إلى رسول الله -ﷺ-. انظر: "سنن ابن ماجه" 2/ 444: ح: == 4331، و"أبواب الزهد" 33، ذكر البعث؛ من طريق الحسن عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا. والترمذي 4/ 617 ح 2425، في صفة القيامة، باب ما جاء في العرض؛ من طريق الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا، والإمام أحمد 4/ 414، من طريق الحسن عن أبي موسى مرفوعًا. وقال أبو عيسى: ولا يصح هذا الحديث من قِبَل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وقد رواه بعضهم عن علي الرفاعي، عن الحسن، عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ-، قال أبو عيسى: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي موسى. قال البوصيري في "الزوائد": هذا إسناد رجاله ثقات؛ إلا أنه منقطع، الحسن لم يسمع من أبي موسى. ورواه ابن أبي شيبة في مسنده. قاله الأعظمي. انظر: "سنن ابن ماجه" (2/ 444) حاشية رقم 4331. وانظر: تضعيف الألباني للحديث في "ضعيف سنن ابن ماجه" 349 ح 932، و"ضعيف سنن الترمذي" 273 - 274 ح: 426، وقد ذكر تعليق الترمذي على الحديث. وضعفه أيضًا عند تعليقه على "مشكاة المصابيح" 3/ 1542؛ حاشية 4، قال: وهو ضعيف من هذا الوجه لعنعنة الحسن البصري.]]: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأمَّا عرضتان فجدال ومعاذير [[معاذير: جمع معذرة، والعُذر: الحجة التي يُعْتذر بها، والجمع: أعذار، يقال: اعتذر فلان اعتذارًا، وعِذرة، ومَعْذِرة، ولي في هذا الأمر عُذر، وعُذري، ومعذرة، أي: خروج من الذنب. "لسان العرب" 4/ 545، مادة: (عذر).]]، وأمَّا العرضة الثالثة فعندَها تتطاير الصحف في الأيدي، فذلك قوله:

الحاقة 69:19

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس [["بحر العلوم" 3/ 399، وانظر: "لوامع الأنوار البهية" للسفاريني 2/ 183 من غير عزو.]]، (والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 207/ أ، و"زاد المسير" 8/ 83.]] نزلت في أبي سلمة؛ عبد الله بن عبد الأسد المخزومي؛ زوج أم سلمة: يُعطى كتابًا بيمينه. قال الكلبي: فيقرأ سيئاته في باطنها، فيسوؤه ذلك، ويقرأ الناس حسناته في ظاهرها، فيقولون: نجا هذا، فإذ بلغ أسفل كتابه قيل له: إن الله قد غفر لك، فيبيض وجْهُهُ، ويشرق لونه، ثم تُقرأ حسناته في ظاهرها [[في (أ): ظاهره.]]، فيسره ذلك [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ يقول: تعالوا اقرؤوا حسَابيه [[غير مقروء في (ع).]]، وبنحو هذا قال ابن زيد [[ورد قوله في "جامع البيان" 29/ 60، وعبارته: "تعالوا"، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 269، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 443.]] في تفسير (هاؤم): تعالوا [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وقال مقاتل: يعني هلمَّ [[بياض في (ع).]]. [[ورد قوله هذا في "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 269، والذي ورد في "تفسيره" 207/ أ: قوله: قال: هاكم.]] وأما أهل اللغة، فإنهم يقولون في تفسيرها: هاؤم: خذوا [[انظر مادة: (هوم) في "تهذيب اللغة" 6/ 478، و"لسان العرب" 12/ 625، و"تاج العروس" 9/ 111، وكتاب "حروف المعاني" للزجاجي 73، و"المسائل البصريات" لأبي علي الفارسي 1/ 431.]]. ومنه حديث الربا: "إلا هاء وهاء" [[الحديث أخرجه: البخاري 2/ 98، 106، 107، ح 2134، و2170، و 2174، كتاب: البيوع باب: 54، 74، 76، والحديث عن مالك بن أوس، سمع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يخبر عن رسول الله -ﷺ- قال: "الذهب بالوَرِقِ ربًا إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاءَ وهاءَ". وأخرجه مسلم 3/ 1209 - 1210 ح 79، فى المساقاة، باب: 15، == ومالك في "الموطأ" 2/ 494 (ح: 38) في كتاب البيوع، باب: 17، والدارمي في "سننه" 2/ 709 (ح: 2480)، في البيوع، باب: 41، وابن ماجه 2/ 25 ح 2272، و"أبواب التجارات" 48، والإمام أحمد 1/ 24، 35، 45. ومعنى قوله: "الورق بالذهب ربًا إلا هاء وهاء"، قال النووي: "فيه لغتان: المد، والقصر، والمد أفصح وأشهر، وأصله: هاك، فأبدلت المدة من الكاف، ومعناه: خذ هذا، ويقول صاحبه مثله" "شرح صحيح مسلم" 11/ 15 ..]]، وهو أن يقول كل واحد من البيعين [[غير مقروءة في (أ).]] لصاحبه: خذ، فيعطيه [[بياض في (ع).]] ما في يده. وقال [[وقال: مكررة في (ع).]] ابن السِّكِّيت: يقال: هَاءِ يا رجلُ [[بياض في (ع).]]، [وهَاؤم] [[في (أ): هاء وهاء، وفي (ع): هاؤما وكلاهما، وما أثبته من "إصلاح المنطق" 291، وهو الصواب؛ لأن هاؤما للاثنين، وهاء للواحد.]] يا رجال، وهَاءِ [[في (أ): هاه.]] يا امرأة، وهَاءِ -مكسورة بلا ياءٍ [[بياض في (ع).]] -، وهَائِيا [[في (أ): هأيا.]]، وهَاؤنَّ: يا نسوة، قال: ولغة أخرى: هَأ يا رجل، وللاثنين: هَاءا [[في (أ): هأيا.]] بمنزلة: هَاعا [[وردت في "إصلاح المنطق" 291 هكذا: هعا.]]، وللجميع: هَاؤوا وللمرأة هَائي [[بياض في (ع).]]، وللثنتين [[هذه لغة تميم، ولم ترد في القرآن الكريم، ولغة القرآن: اثنان واثنتان: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾، تعليقًا من الدكتور عبد العزيز إسماعيل على الكلمة.]]: هَائيا، وللجميع: هَأن يا نسوة بمنزلة هَعْن، ولغة أخرى: هَاءِ يا رجل بهمزة مكسورة، وللاثنين: هَائيا، وللجميع: هَاؤوا، وللمرأة: هائي، وهائيا [[في (أ): هاهيا.]]، وللجميع: هائين، قال وإذا قيل لك: هاءِ قلت: ما أهاءُ يا هذا، أي: ما آخذ، وما أُهاءُ، أي: ما أعطَى [[انظر: "إصلاح المنطق" لابن السكيت: 290 - 291 نقله عنه الواحدي باختصار، وانظر: "سر صناعة الإعراب" لابن جني: 1/ 319.]]. ونحو هذا قال [الكسائي] [[بياض في (ع). قلت: ولعله الكسائي كما أثبته، فقد ورد عنه نحو ذلك في "تهذيب اللغة" 6/ 479 مادة: (هوم).]] وأبو الهيثم [[لم أعثر على مصدر لقوله إلا ما ذكره الأزهري في التهذيب مختصرًا جدًّا في هذا الباب، قال: فإن أبا الهيثم قال: ها تنبيه تفتتح العرب بها الكلام بلا معنى سوى الافتتاح، تقول: ها ذاك أخوك، ها إنّ ذا أخوك. "تهذيب اللغة" 6/ 479.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وقال أبو زيد: (قالوا: هاءَ يا رجل بالفتح، وهاءِ يا رجلُ بالكسر، وللاثنين: هاءَيا بالفتح- في اللغتين جميعًا، ولم يكسروا في الاثنين، وهاؤوا في الجميع، وأنشد: قوموا فهاؤوا الحقَّ نَنْزِلْ عِندَه ... إذْ لم [يكن] [[ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، وأثبته من "تهذيب اللغة" 6/ 479 مادة: (هوم)، و"اللسان" 15/ 482: مادة: (هوم).]] لكمُ علينا مَفْخَرُ [[لم أعثر على قائله، كما أني لم أعتر عليه في النوادر لأبي زيد، ولا في كتابه الهمز، وهو مظنته، وقد ورد البيت في تهذيب اللغة. المرجع السابق. وناقل ابن منظور كلام أبي زيد مع البيت في اللسان، مادة: (ها).]] ومن العرب من يقول: هاكَ هذا يا رجل، وهاكما، وهاكم، وهاك، وهاكما، وهاكن [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 478 - 479: مادة: (هوم) بتصرف يسير. وانظر: "سر صناعة الإعراب" لابن جني: 1/ 319 فيما جاء في هاءَ وهاءِ إلخ.]]. وقال أبو القاسم الزجاجي: أجود هذه اللغات ما حكاه سيبويه عن العرب، فقال: ومما يؤمر به من المبنيات قولهم: ها يا فتى، ومعناه: تناول. ويفتحون الهمزة، ويجعلون فتحها [[في (ع): فتحتها.]] عَلَمَ المذكر، كما قالوا: هاكَ يا فتى، فيجعل فتحة الكاف علامة المذكر، ويقول للاثنين: هاؤما، وهاؤموا، وهاؤم [[انظر كتاب: "حروف المعاني" للزجاجي: 73، و"شرح المفصل" 4/ 42 - 45.]]. والميم في هذا الموضع كالميم في أنتما، وأنتم، وهذه الضمة التي تولدت في همزة هاؤُمُ، وإنما هي لضمة (ميم) الجمع؛ لأن الأصل فيه: هاءه مُوا، وأنتمو، فأتبعوا الضمة، وحكموا للاثنين بحكم الجمع؛ لأن الاثنين عندهم في حكم الجمع في كثير من الأحكام، وكتبت واوًا لانضمامها [[في (أ): لانضاهها.]]، وهي الهمزة التي كانت في هآ، وها بمعنى تناول اسم الفعل بمنزلة (صه)، أي: اسكت [[بياض في (ع).]] [[انظر: "شرح المفصل" 4/ 44.]]. واختلف [[بياض في (ع).]] أهل اللغة في الفعل بين الاثنين من هذه الكلمة [[بياض في (ع).]]: فذكر بعضهم: هاءَ وأيهاوِيّ، مُهَاواة إذا أعطى [[بياض في (ع).]] كل واحد منهما صاحبه، وهذا مأخوذ من هاءَ. ومنهم من يقول: هاوي، غير مهموز، ومهاواة. وهذا أكثر في استعمال الفقهاء [[أى أن تكون "ها" بدون همز. قال الخطابي: "أصحاب الحديث يروونه ها وها، ساكنة الألف، والصواب مدها وفتحها؛ لأن أصلها هاك، أي: خذ، فحذفت الكاف، وعوضت منها المدة والهمزة" انظر: "غريب الحديث" 3/ 241، و"إصلاح غلط المحدثين" للخطابي: 106. وغير الخطابي يجيز فيها السكون على حذف العوض، وتتنزل منزلة (ها) التي للتنبيه. نقلًا عن حاشية "تهذيب اللغة" 6/ 480.]]، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: إبدال الهمزة ياء. والآخر: أن يكون بناء من (ها) غير مهموز. قوله: ﴿كِتَابِيَهْ﴾ (القراء مختلفون في إثبات هذه الهاء [[إن الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف مرجعه إلى النقل واللغة العربية لتسويغ الشارع لهم القراءة بذلك؛ إذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه؛ بل القراءة سنة متبعة؛ قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" 13/ 399 وقال الشيخ الدكتور عبد العزيز إسماعيل -حول ما كُتب في اختلاف القراءة في إثبات الهاء في موضع دون آخر- قال: إثبات الهاء في موضع دون الآخر يعلل بأن القراءة سنة متبعة، يأخذها الآخر عن الأول، لا مجال فيها للرأي أو القياس. كتب تعليقه هذا عند عرضي عليه ما كنت حققته حول هذه الآية من سورة الحاقة.]]، وكذلك التي في ﴿مَالِيَهْ﴾، و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ فمنهم [[وهؤلاء هم: ابن عامر، وابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، ونافع، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر. انظر: "الحجة" 2/ 374، و"المبسوط" 379، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" 1/ 307 - 308 فقرة: 171 - 172 من سورة البقرة، و"النشر" 2/ 142، و"إتحاف فضلاء الشر" 422 - 423.]]: من يثبتها وصلًا ووقفًا. ومنهم [[قرأ حمزة، ويعقوب بحذف الهاء في الوصل في قوله: ﴿مَالِيَهْ﴾ و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ كله، أما في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ فحذف يعقوب وحده الهاء إذا وصل. انظر المراجع السابقة.]]: من يحذف في الوصل، ويثبت في الوقف. ووجه إثباتها في الوصل: أن ما كان [[و [[(أسدُّ): كذا في "الحجة" 2/ 376، وقد كتبت (أشدّ) في كلا النسختين، والصواب كما قال د. عبد العزيز إسماعيل: ولعل الصواب: (أسد) من السداد، وليس (أشد) من الشدة، واستشهد بقول الشاعر: أُعَلِّمُهُ الرمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... فلما استدَّ سَاعِدُه رماني وروي: اشتد، وقالوا: الصواب: استد بالسين. انظر مادة: (سد)، و (شد) في "الصحاح" 2/ 485. قال الأصمعي: اشتد بالشين ليس بشيء.]] و [[أثبت الكسائي الهاء في قوله تعالى: ﴿مَالِيَهْ﴾، و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾، و ﴿كِتَابِيَهْ﴾.]] بياض في (ع).]] من ذلك فاصلة، أو مشبهاً للفاصلة (¬2) في أنه كلام تام (¬3)، يُشَبَّهُ بالقافية، فيُجْعَلُ في الوصل مثلَهُ في الوقف، كما يُفْعَلُ ذلك بالقافية. وقول حمزة في ذلك [أسدُّ] [[وحذف الكسائي الهاء في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّه﴾، و ﴿أقْتَدِه﴾.]]؛ لأنه يحذف هذه كلها في الوصل، وهو الوجه. والكسائي أثبت البعض [[في (ع): كلى.]]، وحذف البعض [[في (أ): الإيثار.]]؛ لأنه شبه البعض بالقوافي، فأثبت الهاء فيه في الوصل، كما تثبت في القوافي، ولم يُشَبِّهِ البعض، وكلا [[في (ع): ثلثه ربعة، وعند سيبويه: ثلاثهَ أرْبَعَهْ، وهو الصواب. انظر: "الكتاب" == لسيبويه: 3/ 265، ونص كلامه فيه: "وزعم من يوثق به أنه سمع من العرب من يقول: ثَلاثَهَ أرْبَعَهْ، طرح همزة أرْبَعَهْ على الهاء ففتحها، ولم يحولها تاءً؛ لأنه جعلها ساكنة، والساكن لا يتغير في الإدراج، تقول: اضْرِبْ، ثم تقول: اضْرِبْ زيدًا". "الكتاب" لسيبويه 2/ 265.]] الأمرين سائغ. وفي إجماعهم على الإثبات (¬8) في ﴿كِتَابِيَهْ﴾، و ﴿حِسَابِيَهْ﴾ دلالة على تشبيههم ذلك بالقوافي. ولإثبات هذه (الهاءات) وجه في القياس، وذلك أن سيبويه حكى في العدد: أنهم يقولون: ثلاثة (رابعهم) (¬9)، فقد أجروا الوصل في هذا مجرى الوقف، ألا ترى أنهم ألقوا حركة الهمزة على (التاء) التي للتأنيث، وأبقوها (هاء) كما يكون في الوقف، ولم يقلبوها (تاء) كما يقولون في الوصل: هذه ثلاثتك بالتاء، فكذلك قوله: ﴿كِتَابِيَهْ﴾) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن أبي علي الفارسي باختصار عند تناوله الآية: 259 من سورة البقرة ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. انظر: "الحجة" 2/ 374 - 378.]]. والكلام في هذه (الهاءات) قد تقدم في قوله: ﴿لَمَ يَتَسَنَّه﴾ [البقرة: 259]، وقوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]. (قوله) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]]: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ قال المفسرون: علمت، وأيقنت في الدنيا [[قال بذلك: قتادة، وابن عباس، والضحاك، ومجاهد، وابن زيد. انظر أقوالهم في "تفسير" الإمام مجاهد 672، و"تفسير" عبد الرزاق 2/ 315، و"جامع البيان" 29/ 60، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 270، و"الدر المنثور" 8/ 272.]] ﴿أنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ في الآخرة، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21)﴾ [الحاقة: 21] أي حاله من العيش، ﴿رَاضِيَةٍ﴾ رضاها [[في (ع): برضاها.]] في الجنة بأن لقي الثواب، وأمن العقاب؛ قاله مقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثل هذا القول في "لباب التأويل" 4/ 304 من غير عزو.]]، وعطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. قال الفراء: (عيشة راضية) فيها الرضا، والعرب تقول: ليل نائم، وسر كاتم، وماء دافق، فيجعلونه فاعلًا، وهو في الأصل مفعول، وذلك أنهم يقولون ذلك لا علي بناء الفعل، ولو كان فعلًا مصرحًا لم يُقل ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يقال للمضروب [[غير مقروء في (ع).]]: ضارب [[انظر: "معاني القرآن للفراء" 3/ 182 بتصرف يسير.]]. وقد أحكمنا هذه المسألة عند قوله: ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ﴾ [[والآية بتمامها: قال تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)﴾. وقد جاء فى تفسيرها: "يعصمني من الماء، يريد يمنعني من الماء، فلا أغرق. قال نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله: لا مانع اليوم من عذاب الله، إلا من رحم، استثناء منقطع، المعنى: لكن من رحم الله فإنه معصوم. ولا يجوز هاهنا أن يكون المعصوم عاصمًا، هذا وجه في الاستثناء. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون (عاصم) بمعنى معصوم، ويكون معنى: لا عاصم، لا ذا عصمة، كما قالوا: "عيشة راضية" على جهة النسب، أي: ذات رضا، ويكون (من) على هذا التفسير في موضع رفع، ويكون المعنى: لا معصوم إلا المرحوم. ونحو هذا قال الفراء: وقال: لا تنكثون أن يخرج المفعول على فاعل، ألا ترى قوله: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ معناه مدفوق، وقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ معناها مرضية؟. فعلى قول الفراء: يجوز أن يكون الفاعل بمعنى المفعول على ما ذكر. وقال علماء البصرة: ماء دافق بمعنى مدفوق باطل في الكلام؛ لأن الفرق بين بناء الفاعل وبناء المفعول واجب، وهذا عند سيبويه وأصحابه يكون على طريق النسب من غير أن يعتبر فيه فعل، فهو فاعل نحو: رامح، ولابن، وتامر، وتارس، ومعناه: ذو رمح، وذو لبن، كذلك هاهنا: عاصم بمعنى ذي عصمة من قبل الله تعالى، ليس أنه عُصِمَ فهو عاصم بمعنى معموم على الإطلاق الذى ذكره الفراء.]] [هود: 43]. قوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)﴾ قال المفسرون: ثمارها قريبة ممن يتناولها، تدنو منه إذا أرادها [[بياض في (ع).]]، فيتناول منها ما شاء [[جاء هذا المعنى عن البراء بن عازب قال: يتناول الرجل من فواكهها وهو نائم، وعنه: قريبة. انظر قوله في "جامع البيان" 29/ 61، و"الدر المنثور" 8/ 272، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وعن قتادة: دنت، فلا يرد أيديهم عنها بُعد ولا شوك. انظر قوله في المرجعين السابقين، وعزاه صاحب الدر إلى عبد بن حميد. وقال الضحاك في معنى الآية: ثمرها. "الدر المنثور" 8/ 272، وعزاه إلى ابن المنذر، وبهذا قال ابن قتيبة. "تفسير غريب القرآن" 484. وقال السجستاني؛ ثمرثها قريبة المتناول، تُناول على كل حال من قيام وقعود ونيام، واحدها: قطف. "نزهة القلوب" 37. وإلى معنى الأقوال السابقة ذهب: الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 178/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 388، والقرطبي في "الجامع" 18/ 270، والخازن في "لباب التأويل" 4/ 305.]]. والقطف: ما يُقطف من الثمار، والقطف المصدر، والقِطاف بالكسر والفتح وقت القطف [[عن الليث: القَطْف: قَطْعُك العنب وغيره، وكل شيء تقطعه فقد قَطَفْتَه، حتى الجراد تُقْطَفُ رؤوسُها، والقِطْف: اسم للثمار المقطوعة، وجمعها: قُطوف. "تهذيب اللغة" 16/ 281: (قطف). وعن ابن فارس أن القاف والطاء والفاء: أصل صحيح يدل على أخذ ثمرة من شجرة، ثم يستعار ذلك فتقول: قطفت الثمرة أقطفُها قَطْفًا. "معجم مقاييس اللغة" 5/ 103 (قطف). وعن الجوهري: القِطْف بالكسر العنقود، وبجمعه جاء القرآن: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)﴾، والقِطاف، والقَطاف: وقت القطف. "الصحاح" 4/ 1417 (قطف).]]. قوله: ﴿كُلُواْ﴾ أي: ويقال لهم: كلوا واشربوا هنيئًا، وإنما جمع الخطاب بعد قوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، لقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ ، و (من) يتضمن [معنى] [[في كلا النسختين: مع، والصواب ما أثبته، وهو منقول من "القرطبي" 18/ 270.]] الجمع. قوله تعالى: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [[(الخالية) ساقطة من (ع).]] أي قدمتم من أعمالكم الصالحة. ومعنى الأسلاف في اللغة: تقديم ما يرجو أن يعود [[بياض في (ع).]] خيرًا [[في (ع): بخير.]]، فهو كالإقراض، ومن هذا يقال: أسلف في كذا: إذا قدم فيه ماله [[عن الليث وغيره قالوا: السَّلَفُ: القَرْضُ، والفعل: أسْلَفْت، يقال: سَلَّفْتَه مالًا، أي: أقْرَضْتَه، وكل قال قدَّمته في ثمن سلعة مضمونة اشتريتها بصفة فهي سَلَف وللسلف معنيان آخران: أحدهما: أن كل شيء قدمه العبد من عمل صالح، أو ولد فَرَط تقدمه فهو سلَف، وقد سلف له عمل صالح. "تهذب اللغة" 12/ 431: مادة: (سلف). وقال ابن فارس: إن السين واللام والفاء أصل يدل على تقدُّم وسبق. "معجم مقاييس اللغة" 3/ 95 مادة: (سلف).]]. والمعنى: بما عملتم من الأعمال الصالحة. وقال ابن عباس: بما قدمتم في الأيام الخالية، قال: يريد أيام الدنيا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. و ﴿الْخَالِيَةِ﴾ الماضية، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ﴾ [الأحقاف: 17]، و ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: 134، و141]. وقال الكلبي: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ يعني الصوم [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثل قوله عن وكيع، وابن جبير، وعبد العزيز بن رفيع، ومجاهد. انظر: "المحرر الوجيز" 5/ 360، و"الدر" 8/ 272، و"فتح القدير" 5/ 284.]]، وذلك أنهم لما أمروا بالأكل والشرب دل ذلك على أنه لمن امتنع في الدنيا عنهما بالصوم طاعة لله تعالى.

الحاقة 69:25

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ قال عطاء [[لم أعثر على مصدر قوله، وانظر: "لوامع الأنوار البهية" 2/ 183 من غير نسبة.]]، ومقاتل [[ورد قوله في "تفسير مقاتل" 207/ أ، و"زاد المسير" 8/ 84، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 270.]]: نزلت [[غير مقروء في (ع).]] في الأسود بن الأسد [[في (أ): الأسود.]] المخزومي، أخو الذي نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [[[الحاقة: 19] ويراد به أبو سلمة؛ عبد الله بن عبد الأسد.]] قتله حمزة ببدر. قال مقاتل: يعطيه مَلَكه الذي كتب عمله في الدنيا [["تفسير مقاتل" 207/ أ.]]، فيتمنى أنه لم [[بياض في (ع).]] يؤت لما يرى فيه من مقابيح أعماله التي تسود لها وجهه.

الحاقة 69:26

﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26)﴾ أي ولم أدر أي شيء (في) [[ساقطة من (ع).]] حسابي [[في (أ): حسابيه.]]؛ لأنه لا حاصل له، ولا طائل في ذلك الحساب، وإنما كله عليه. قال الكلبي: إنه يقرؤه فيسوؤه ذلك، فيسودّ وجهه، وتزرق [[في (ع): ويزرق.]] عيناه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ثم يتمنى أنه لم يبعث، فقال: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27)﴾ قال ابن عباس: يريد موتاً لا حياة بعده [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد معنى قوله منسوبًا إلى ابن زيد في "جامع البيان" 29/ 62، والضحاك في "الدر المنثور" 8/ 273.]]. وقال الفراء: (يقول: ليت الموتة الأولى التي منها لم أحي [[غير مقروء في (ع).]] بعدها) [["معاني القرآن" 3/ 182 بنصه.]]. والكناية في (ليتها) عن غير مذكور، ومعنى (القاضية) القاطعة عن الحياة [[عن ابن قتيبة أنه قال: القاضية، أي: المنية. انظر: "تفسير غريب القرآن" 484.]]. وقال قتادة في هذه الآية: تمنى الموت، ولم يكن عنده في الدنيا شيء أكره من الموت [["الكشف والبيان" 12/ 178/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 389، و"التفسير الكبير" 3/ 113، و"لباب التأويل" 4/ 305، و"الدر المنثور" 8/ 273، وعزاه إلى عبد بن حميد، و"فتح القدير" 5/ 284 - 285.]]. معنى هذا أنه تمنى دوام الموت، وأن الموت [[بياض في (ع).]] [الذى] [[زيادة يقتضيها السياق لاستقامة المعنى.]] نزل به بقي له حتى لم يبعث للحساب.

الحاقة 69:28

وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28)﴾ أي لم يدفع عني من عذاب الله شيئًا.

الحاقة 69:29

﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)﴾ قال عطاءعن ابن عباس [[بياض في (ع).]]: ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد [[ورد بمعناه في "جامع البيان" 29/ 62، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 272، == و"التفسير الكبير" 3/ 114، و"الدر المنثور" 8/ 273، وعزاه إلى ابن جرير، وعبارته: ضلت عني كل بينة، فلم تغن عني شيئًا.]]. وقال مقاتل: ضلت عني حجتي، يعني: حين شهدت عليه الجوارح بالشرك [[ورد قوله في "تفسير مقاتل" 207/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 389، و"التفسير الكبير" 3/ 114، و"فتح القدير" 5/ 285.]]. وقال الربيع: هلك عني سلطاني [[بياض في (ع).]] الذي كان لي في الدنيا -قال- وكان مُطاعًا في أصحابه [[ورد قوله في "النكت" 6/ 85 بنحوه.]]. ونحو هذا قال ابن زيد: زال عني ملكي [[ورد قوله في "جامع البيان" 29/ 63، و"الكشف والبيان" 12/ 178/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 389، و"زاد المسير" 8/ 84، و"فتح القدير" 5/ 285.]]. والأكثرون على أن [[بياض في (ع).]] السلطان هو الحجة [[ورد هذا القول عن عكرمة، والسدي أيضًا. انظر: "النكت" 6/ 85، و"معالم التنزيل" 4/ 389، و"زاد المسير" 8/ 84، و"فتح القدير" 5/ 285.]]، (وهو قول مجاهد [[ورد قوله في "جامع البيان" 29/ 63، و"النكت" 6/ 85، و"زاد المسير" 8/ 84، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 272، و"الدر المنثور" 8/ 273، وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، والضحاك [["النكت" 6/ 85، و"زاد المسير" 8/ 84، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 282، و"فتح القدير" 5/ 285.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وقال الحسن: قد جعل لكل إنسان سلطانًا على نفسه ودينه وعيشه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وعلى هذا معنى الآية: زال [[في (ع): زالت.]] عني ملكي [[في (ع): ملكتي.]]، فلا أملك لنفسي شيئاً، وذلك أنه ندم وعلم حين لم ينفعه ذلك، ولو كان ذلك في [[بياض في (أ)،]] الدنيا حين كان سطانه باقيًا نفعه، وحينئذ يقول الله (عز وجل) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] لخزنة جهنم: ﴿خُذُوُه﴾ فيبتدرونه [[في (ع): فيبتدروه.]] مائة ألف ملك، ثم يجمع يده إلى عنقه، فذلك قوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)﴾ قال الكلبي: أدخلوه [[لم أعثر على مصدر لقوله، وورد غير منسوب في "بحر العلوم" 3/ 400.]]. قال المبرد: يقال: أصليته النار، إذا أوردته إياها، وصلّيته أيضًا، كما يقال: أكرمته [[غير واضحة في (ع).]] وكرّمته [[لم أعثر على قوله فيما بين يدي من كتبه، وقد ورد قوله في "التفسير الكبير" 30/ 114.]]. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ﴾ وهي حلق [[في (ع): خلق.]] منتظمة، كل حلقة منها في حلقة، وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام [[بياض في (ع).]]، فهو مسلسل. وقوله [[في (أ): قوله، بغير واو.]]: ﴿ذَرْعُهَا﴾ معنى الذرع في اللغة: التقدير بالذراع من اليد، يقال: ذرع الثوب يذرعه ذرعًا، إذا قدره بذراعه، ويقال: كم ذرع هذا الثوب؟ أي كم يبلغ إذا ذرع [[قال الليث: الذراع: من طرف المرفق إلى طرف الأصبع. انظر مادة: (ذرع) في "تهذيب اللغة" 2/ 314، و"لسان العرب" 8/ 92، و"تاج العروس" 5/ 333. وجاء عن ابن فارس: أن الذال، والراء والعين: أصل واحد يدل على امتداد وتحرك إلى قُدُم، ثم ترجع الفروع إلى هذا الأصل فالذراع ذراع الإنسان معروفة، والذّرع: مصدر ذرعتُ الثوب والحائط وغيره. "معجم مقاييس اللغة" 2/ 350.]]؟ قوله: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال نوف: كل ذراع سبعون باعًا [[الباع: والبُوعُ، والبَوْع: مسافة ما بين الكفَّيْن إذا بسطتهما، والجمع: أبْواع. "لسان العرب" 8/ 21: مادة: (بوع)، و"المصباح المنير" 1/ 83: مادة: (بوع).]]، كل باع أبعد ما بينك وبين مكة، وكان في رحبة [[في (أ): درحبة.]] الكوفة [[رحبة الكوفة: يراد بالرحبة: الشيء الواسع، من الرَّحب، ورَحبة المسجد والدار: ساحتها ومتسعها، ويقال للصحراء بين أفنية القوم والمسجد: رحبة. "لسان العرب" 1/ 414 - 415. والكوفة: العصر المشهورة بأرض بابل من سواد العراق، سميت بذلك لاستدارتها، وقيل لاجتماع الناس فيها، من قولهم: قد تكوفت الرمل. مصّرها سعد بن أبي وقاص بأمر عمر بن الخطاب سنة 17 هـ، وتقع على الجانب الأيمن لنهر الكوفة؛ أحد فروع الفرات، وكانت مقر خلافة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وبها مسجد الكوفة الشهير الذي قتل فيه الإمام علي. انظر: "معجم ما استعجم من أسماء البلاد" للبكري 4/ 1141، و"معجم البلدان" لياقوت الحموي 4/ 490، و"مراصد الاطلاع" للبغدادي 3/ 1187، و"الموسوعة العربية الميسرة" 2/ 1505. وقد ورد قوله في "تفسير" عبد الرزاق 2/ 315، و"جامع البيان" 2/ 639، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 178/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 389، و"المحرر الوجيز" 5/ 361، و"زاد المسير" 8/ 85، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 272 و"لباب التأويل" 4/ 306، و"الدر المنثور" 8/ 373 - 374، وعزاه إلى ابن المبارك، وهناد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، و"فتح القدير" == 5/ 385. قال ابن عطية؛ معقبًا على رواية نوف: وهذا يحتاج إلى سند: 5/ 361. قلت: وهذا التعقيب من ابن عطية لأن الرواية في الأمور الغيبية التي لا تدرك بالرأي والاجتهاد؛ بل من حديث مسند إلى رسول الله -ﷺ-.]]. وقال مقاتل: الذراع منها بذراع الرجل الطويل من الخلق الأول، ولو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص [["تفسير مقاتل" 207/ ب، كما ورد أيضًا في "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 272، و"فتح القدير" 5/ 285، ويقال في هذه الرواية ما قيل في سابقتها من رواية نوف.]]. وقال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو [["معالم التنزيل" 4/ 389، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 272، و"التفسير الكبير" 30/ 114، و"لباب التأويل" 4/ 356، و"فتح القدير" 5/ 285.]]. وقال كعب: إن حلقة من تلك السلسلة مثل جميع حديد الدنيا [["تفسير القرآن" لعبد الرزاق 2/ 312، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 272، و"الدر المنثور" 8/ 274، وعزاه إلى ابن المبارك، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]. قوله: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال مقاتل: يعني فاجعلوه فيها [[ورد بمعناه في "تفسير مقاتل" 207/ ب، وقد ورد بمثله من غير نسبة في "فتح القدير" 5/ 385.]]. قال المبرد [[ورد قوله في "التفسير الكبير" 3/ 114.]]: يقال: سلكته في الطريق، وفي القيد، وغير ذلك، وأسلكته، ومعناه: أدخلته، ولغة القرآن: سلكته، قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42]، وقال: ﴿سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [[[الشعراء: 200] ، والآية بتمامها: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200)﴾.]]. قال عبد مناف الهذلي: وحتى إذا أَسْلَكُوهُمْ في قُتائِدَةٍ [[غير واضحة في النسختين، وأورده ابن منظور في "اللسان" 10/ 442: مادة: (سلك)، والتصحيح منه، والشطر الثاني للبيت: شلًا كما تطرد الجمَّالة الشُّرُدا كما ورد في "المدخل" 244 رقم 242 برواية: شلًا كما تطلب. معنى القتائدة: الطريق.]] قال ابن عباس: يدخل في دُبره، ويخرج من حَلْقِه، ثم يجمع بين ناصيته وقدميه [["جامع البيان" 29/ 63 - 64. قلت: وهي من طريق العوفي، وهو ضعيف، وهو أيضًا في "الكشف والبيان" 12/ 178/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 389، و"المحرر الوجيز" 5/ 361، و"التفسير الكبير" 30/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 372 دون عزو، و"لباب التأويل" 6/ 304، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 444، و"الدر المنثور" 8/ 274 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والبيهقي في "البعث والنشور" 300، رقم: 541.]]. وقال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ، ثم يجعل في عنقه سائرها [["التفسير الكبير" 30/ 114، و"فتح القدير" 5/ 285.]]. وهذا يدل على أنه منفرد بتلك السلسلة. وقد قال سويد بن أبي نجيح [[سويد بن نجيح؛ أبو قطبة، سمع عكرمة، والشعبي، قال عنه أحمد بن حنبل: لا أرى به بأسًا، وعن يحيى بن معين قال: إنه ثقة. انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 236: ت: 1014، و"الإكمال" لعلي بن ماكولا: 7/ 94.]]: بلغني أن جميع أهل النار [[بياض في (ع).]] في تلك السلسلة [[انظر قوله في "التفسير الكبير" 30/ 114، و"فتح القدير" 5/ 285.]] [[ساقط من (أ).]]. قال الفراء: المعنى: ثم اسلكوه [[بياض في (ع).]] فيه [[في (أ): فيها.]] السلسلة، ولكن تقول: أدخلت رأسي في القلنسوة [[القلنسوة: والقَلْسُوة، والقَلْساة، والقُلَنْسية: من ملابس الرؤوس معروف. "لسان العرب" 6/ 181: ماله: (قلس).]]، وأدخلتها في رأسي، ويقال: الخاتم لا يدخل في يدي، واليد هي التي تدخل في الخاتم، والخف يقال فيه أيضًا، استجازوا ذلك؛ لأن معناه [[بياض في (ع).]] معروف، ولا يُشكل ذلك على أحد، فأستخفوا من ذلك ما جرى على ألسنتهم [["معاني القرآن" 3/ 182 بتصرف يسير جدًّا، ومن قوله: "الخف يقال فيه" إلى آخره قد عزاه الفراء إلى محمد بن الجهم أبي عبد الله.]].

الحاقة 69:33

فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾ لا يصدق بعظمة الله وتوحيده: ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ [[تمام الآية: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)﴾.]] نفسه، ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ في الدنيا؛ قاله مقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال غيره: لا يأمر أهله بإطعام المسكين [[قال بذلك ابن جرير في "جامع البيان" 29/ 64.]]. الطعام هاهنا: اسم أقيم مقام الإطعام، كما يوضع الطعام موضع الإعطاء. قال القُطَامِيُّ: وبعد عَطائِكَ المائةَ الرِّتَاعا [[وصدر البيت: أكُفْرًا بعد رَدِّ الموتِ عني= هكذا في كتب التفسير، وورد عند الجمحي برواية: "أكفرٌ بعد دفع الموت عني". وعند الدينوري: "أأكْفُرُ بعد رد الموت عني"، ورواية: "أكفرًا" أجود الروايتين. قاله محمود شاكر محقق كتاب طبقات فحول الشعراء، وقد قال بيت القصيد يمدح زُفَرَ بن الحارث الكلابي، وأسماء بن خارجة. ومعناه: كفر النعمة: جحدها وسترها، وهو شر خلق، والرتاع: الإبل؛ ترتع في المرعى الخصب، تذهب وتجيء، واحدها: راتع. وهذا البيت استهلكه النحاة في الاستشهاد على أن العطاء هنا بمعنى: الإعطاء (وهو المصدر)، ولهذا عمل عمل فعله، فلذلك نصب به "المائة". انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 537، حاشية: 5. وورد البيت في "التفسير الكبير" 30/ 115، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 272، و"فتح القدير" 5/ 285، برواية: "المال الرعابا"، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 537: ت: 716، و"الشعر والشعراء" مرجع سابق.]] قال الحسن في هذه الآية: أدركت أقوامًا يعزمون على أهليهم (أن) [[ساقطة من (أ).]] لا يردوا سائلاً [[ورد قوله في "لباب التأويل" 4/ 306، إلى: "لا يردوا سائلًا".]]، وأن أهل البيت ليبتلون بالسائل ما هو من الجن ولا الإنس [[من قوله: "وإن أهل البيت إلى: ولا الإنس" لم أجدها ضمن قول الحسن في "لباب التأويل".]] ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا﴾ يعني في الآخرة، ﴿حَمِيمٌ﴾ قالوا: قريب ينفعه أو يشفع له [[قال بنحوه ابن زيد في "جامع البيان" 29/ 65، وبه قال السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 400، والماوردي في "النكت" 6/ 85. وقال الثعلبي في معنى: "حميم": صديق ينفعه. "الكشف والبيان" 12/ 179/ ب.]]، كما قال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18].

الحاقة 69:36

وقوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36)﴾ روى عكرمة عن ابن عباس قال: لا أدري ما الغسلين [["التفسير الكبير" 30/ 116، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 444 بزيادة "ولكني أظنه الزقوم"، و"الدر المنثور" 8/ 275 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي القاسم الزجاجي في أماليه من طريق مجاهد عن ابن عباس.]]؟. وروى عطاء عنه قال: قالوا: صديد أهل النار [["جامع البيان" 29/ 65، أخرجه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقد ورد عن ابن عباس من غير ذكر طريقه إليه في "المحرر الوجيز" 5/ 361، و"زاد المسير" 8/ 85، و"الدر المنثور" 8/ 275 من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، كما أورد بمعناه من طريق عكرمة عنه، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر كتاب: البعث والنشور للبيهقى: 306: ت 552 ت.]]. وقال الكلبي: هو ما يسيل من أهل النار من القيح، والدم، والصديد إذا عُذِبوا [["التفسير الكبير" 30/ 116.]]. وقال أبو عبيدة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، فِعْلين من الغسل [["مجاز القرآن" 2/ 268 بحذف "من الجراح والوبر".]]. وقال الأخفش: (الغسلين) [ما انغسل] [[ما بين المعقوفين سقط من النسختين، وما أثبته فمن "اللسان" 11/ 495: مادة: (غسل). وبدونه لا يستقيم المعنى.]] من لحومهم ودمائهم، فزيد الياء والنون [[لم أجد تفسيره في معانيه، ولكن وجدته بنصه في "لسان العرب" 11/ 495: مادة: (غسل)، والعبارة الواردة عن الأخفش في "معاني القرآن" قال: وجعله -والله أعلم- من الغَسْل، وزاد الياء والنون بمنزلة "عُفرين" و"كُفْرِين" 2/ 713.]]. وقال المبرد: هو فعلين، من غسالة أهل النار (سمي غسلينًا) [[ورد قول المبرد في "الكامل" 2/ 635، وعزاه إلى أهل الفقه واللغة والنحو.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وقال الزجاج: واشتقاقه مما ينغسل مِنْ أبدانِهِم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 218 بنصه، والعبارة عنه كاملة: "معناه من صديد أهل النار، واشتقاقه مما ينغسل من أبدانهم".]]. وقال أهل المعاني: (الغسلين: الصديد [[بياض في (ع).]] الذي يسيل من أهل النار [[بياض في (ع).]]، سمي غسلينًا لسيلانه من أبدانهم، كأنه ينغسل منهم [[قال ابن عاشور: "الغِسْلِين -بكسر الغين-: ما يدخل في أفواه أهل النار من المواد السائلة من الأجسام، وماء النار، ونحو ذلك مما يعلمه الله، فهو عَلَم على ذلك، مثل: سِجّين، وسرقين، وعِرنين، فقيل: إنه فِعْلِين من الغَسل؛ لأنه سَال من الأبدان، فكأنه غُسل منها". "التحرير والتنوير" 29/ 140.]]. والطعام ما هُيِّئ [[في (ع): (ما هيئا)، وهو خطأ.]] للأكل، فلما هُيِّئ الصديد ليأكله أهل النار (سمي غسلينًا) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]] كان طعامًا لهم، ويجوز أن يكون المعنى: إن ذلك أقيم لهم مقام الطعام، فسمي طعامًا لما أقيم له (مقامه) [[ساقط من (ع).]]، كما قالوا: تحيتك الضرب [[بياض في (ع).]]، والتحية لا تكون ضربًا، ولكنه لما أقام الضرب مقامه جاز [[بياض في (ع).]] أن يسمّى به) [[ما بين القوسين من قول أهل المعاني، ولم أعثر على مصدره.]]. ثم ذكر أن الغسلين أكل من هو، فقال: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)﴾، قال الكلبي: يعني من يخطأ بالشرك [["فتح القدير" 5/ 285، وقال بذلك أيضًا ابن عباس. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 273. وتعريف "الخاطئون" للدلالة على الكمال في الوصف، أي المرتكبون أشدّ الخطأ، وهو الإشراك. قاله ابن عاشور "التحرير والتنوير" 29/ 140.]].

الحاقة 69:38

﴿فَلَا [[في (أ): لا أقسم.]] أُقْسِمُ (3)﴾ [[تمام الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38)﴾.]] ذكرنا هذا في مواضع [[من المواضع التي ذكرت فيه: [الواقعة: 75] قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)﴾ [الواقعة: 75] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40)﴾ [المعارج: 40]، [القيامة 1 - 2] ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (¬2) ﴾. وغيرها من السور نحو: [التكوير:15] ، [الانشقاق:16] ، [البلد: 1].]]، أن (لا) هاهنا يجوز أن تكون صلة [[يقابله عند البصريين: حروف الزيادة، وسبب تسميتها بحروف الصلة لأنه يتوصل بها إلى زنة، أو إعراب لم يكن عند حذفها، انظر: "نحو القراء الكوفيين" 341.]] مؤكدة [[قال بذلك النحاس في إعراب القرآن: 5/ 24، وانظر كتاب: حروف المعاني للزجاجي 8.]]، ويجوز أن تكون ردًا لكلام من سبق، كأنه قيل: ليس الأمر كما [[بياض في (ع).]] يقول المشركون [[انظر كتاب: "حروف المعاني" للزجاجي 8، و"النكت" 6/ 86، و"زاد المسير" 8/ 86، و"التفسير الكبير" 30/ 116، و"لباب التأويل" 4/ 306.]]. وقال بعض أهل المعاني: (لا) هاهنا نافية للقسم، على معنى أنه لا يحتاج إليه، لوضوح [[بياض في (ع).]] الحق في: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)﴾ [الحاقة: 40]؛ قال: وفي هذا الوجه يقع جوابه كجواب غيره من القسم [[لم أعثر على مصدر القول، وورد عند الفخر في "التفسير الكبير" 30/ 116 من غير عزو، وانظر: "الدر المصون" 6/ 368.]]. قوله: ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾. قال عطاء عن ابن عباس: بما تبصرون اليوم، وما لا تبصرون من الهدى الذي جاء به محمد -ﷺ- [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] وقال الكلبي: بما تبصرون من الخلق من شيء، وبما لا تبصرون من شيء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال مقاتل: بما تبصرون من الخلق، وبما لا تبصرون من الخلق [["تفسير مقاتل" 207/ ب.]]. وقال قتادة: أقسم بالأشياء كلها، ما [[في (أ): بما.]] يبصر منها، وما لا يُبْصَرُ [["معالم التنزيل" 4/ 390، و"فتح القدير" 5/ 285.]]. والمعنى في هذا: جميع المكونات، والموجودات، فيدخل في هذا: الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)﴾. يعني القرآن. والرسول الكريم هو: جبريل، في قول الكلبي [["النكت" 6/ 865، و"زاد المسير" 8/ 86، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 274، و"فتح القدير" 5/ 286.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 207/ ب. وانظر المراجع السابقة.]]. ويكون المعنى: إنه لرسالة رسول كريم، فسمى رسالته: قولاً. وقال الحسن: هو محمد -ﷺ- [[لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله عن الكلبي في "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 275.]]. وعلى هذا معناه: إنه لتلاوة رسول كريم، وتلاوته: قوله. وهذا هو الأظهر [[وهو الذي عليه الأكثرون من المفسرين، انظر: "جامع البيان" 29/ 66، و"معالم التنزيل" 4/ 395، و"زاد المسير" 8/ 86، و"لباب التأويل" 4/ 306.]] لقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ وهم إنما نسبوا محمدًا -ﷺ- إلى أنه شاعر، لا جبريل. وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾. (ما) لغو، وهي مؤكدة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 218.]]. قال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله [["التفسير الكبير" 30/ 117.]]. والمعنى: لا يؤمنون أصلاً، والعرب تقول: قلما تأتينا، يريدون: لا يأتينا أصلاً. وقال الكلبي: القليل ما إيمانهم أنهم: إذا سئلوا من خلقهم؟ (ليقولن الله [[[الزخرف: 87] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87)﴾.]] [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] وهذا مشروح في مواضع [[نحو ما جاء في [البقرة: 88] قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. ومما جاء في معنى القليل الوارد في الآية: يريد فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، والعرب قد تستعمل لفظ القلة في موضع النفي، فيقول: قلّ ما رأيت من الرجال مثله، وقيل ما تزورنا، يريدون النفي لا إثبات القليل، وقال أبو عبيدة: معناه: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم، ويكفرون بأكثره، وقال قتادة: معناه: لا يؤمن منهم إلا القليل، كما ذكرت أول أخرى في: أحدها: يؤمنون إيمانًا قليلاً، وذلك أنهم يؤمنون بالله خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد والقرآن. الثاني: يؤمنون == قليلاً من الزمان، ويكفرون أكثره. الثالث: أن تكون "ما" مع الفعل مصدرًا، ويرتفع بقليل، وهو مقدم، ومعناه: فقليلًا إيمانهم.]]. (وقُرئ: (تؤمنون) و ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [[في (أ): (يذكرون)، وهو خطأ.]] بالتاء [[في (أ): (بالتاء)، وهو خطأ.]]، على خطاب المشركين [[قرأ بذلك: نافع، وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر. انظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 386، كتاب: السبعة 648 - 649، و"الحجة" 6/ 315، و"المبسوط" 380، و"حجة القراءات" 720، و"الكشف" 2/ 333.]]، وبالياء على أنه خطاب لمحمد -ﷺ-، وإخبار عن المشركين [[وقرأ بذلك: ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب فيها بالياء. انظر المراجع السابقة.]]، كأنه قال: قليلاً ما يؤمنون يا محمد) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن "الحجة" بتصرف: 6/ 315.]]. ثم بين أن القرآن مع أنه قول رسول كريم؛ تنزيل من الله، فقال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)﴾ أي: هو تنزيل ﴿وَلَوْ تَقَوَلَ عَلَينَا﴾ محمد ما لم نقله، أي: تكلف، أي: تقول من قبل نفسه [ما] [[زيادة أثبتها تقتضيها استقامة المعنى.]] لم يوح إليه. قال المفسرون [[ممن قال بذلك: الفراء في "معاني القرآن" 3/ 183، الطبري في "جامع البيان" 29/ 66، السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 400، البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 390، ابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 362، ابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 86، القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 275.]]: لو تقول علينا محمد شيئاً [[بياض في (ع).]] من تلقاء نفسه لم نقله ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45)﴾ ذكروا في هذا قولين: أحدهما: أن اليمين هَاهنا بمعنى القوة والقدرة، وهو قول الفراء [["معاني القرآن" 3/ 183، ولم يستشهد ببيت الشماخ.]]، والمبرد [["الكامل" 1/ 167.]]، (والزجاج) [[ورد قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 218.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وأنشدوا قول الشماخ: إذَا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بالْيَمِينِ [[ورد البيت منسوبًا للشماخ في "ديوانه" 336، و"لسان العرب" 1/ 593: (عرب)، الأمالي للقالي: 1/ 274، و"الكامل" للمبرد 1/ 167، و2/ 825، و"تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة: 242، و"الكشف والبيان" 12/ 180/ أ، و"النكت" 6/ 86، و"معالم التنزيل" 4/ 390، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 275، و"التفسير الكبير" 30/ 117، و"البحر المحيط" 1/ 160، و"فتح القدير" 5/ 286. وورد منسوبًا للحطيئة في "الصحاح" 1/ 180 مادة: (عرب)، و"تاج العروس" 1/ 376 مادة: (عرب). وقد جاء في هامش "اللسان" "البيت ليس للحطيئة كما زعم الأزهري، أفاده الصاغاني"، ولم أعثر عليه في ديوانه. وقد ورد غير منسوب في الخصائص لابن جني: 3/ 249. ومعنى البيت: راية: أصل الراية العلم، ومنه: راية الحرب التي تجعل القوم يقاتلون ما دامت واقفة، وهي هنا استعارة، أي: إذا حدث أمر يقتضي فعل مكرمة، ويفتقر فيه إلى أن يطلع به رب فضيلة وشرب، نهض له الممدوح. تلقاها: استقبلها، وأخذها، وتلقفها، وهو هنا مجاز عن انعقاد المجد له، وحوزه إياه. باليمين: القوة والقدرة. "ديوانه" 338.]] وعلى هذا القول: (من) صلة [[يراد بقوله: "صلة"، أى: حرف زيادة، وهذا مصطلح أهل البصرة. انظر: "نحو القراء الكوفيين" 341.]] في قوله: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ﴾ قال الفراء: لأخذناه [[في (أ): (لأخذنا). ولم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال ابن قتيبة: (اليمين هاهنا القوة، وإنما أقام اليمين مُقام القوة؛ لأن قوة كل شيء في ميامنه؛ وهذا قول ابن عباس في اليمين [[وقول ابن عباس الواقع بين معترضتين ليس من قول ابن قتيبة، وقد ورد قوله في "الكشف والبيان" 12/ 179/ ب، والعبارة عنه: "لأخذناه بالقوة والقدرة"، واستشهد بقول الشماخ الآنف الذكر، و"معالم التنزيل" 4/ 390، و"المحرر الوجيز" 5/ 363 بمعناه، و"القرطبي" 18/ 275، و"لباب التأويل" 4/ 307، و"البحر المحيط" 8/ 329، و"الدر المنثور" 8/ 276، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. قال [[أي ابن قتيبة.]]: ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر، وهو: أن هذا الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من تعاقب، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذوا بيده، وأكثر ما يقوله [[في (أ): يقول بغير هاء.]] السلطانُ والحاكم بعد وجوب الحكم: خذ بيده، (واسفع [[السفع: جاء في "اللسان" 8/ 158 "سفع بناصيته ورجله، يسْفَع سفْعًا: جذب، وأخذ، وقبض. وحكى ابن الأعرابي: اسْفَعْ بيده، أي خذ بيده".]] بيده) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. فكأنه قال: لو كذب علينا في شيء مما يلقيه إليكم عنَّا، لأمَرْنَا بالأخذ بيده، ثم عاقبناه بقطع الوتين. وإلى هذا المعنى ذهب الحسن [[ورد قوله في "النكت" 6/ 86، والعبارة عنه: "لقطعنا يده اليمنى"، "والتفسير الكبير" 30/ 118، وعنه: لقطعنا وتينه، و"البحر المحيط" 8/ 329، وعنه: قطعناه عبرة ونكالًا.]]. [[نقله الواحدي من قول ابن قتيبة مختصرًا من "تأويل مشكل القرآن" 154 - 155.]] وقال مقاتل: لأخذنا منه باليمين، يعني انتقمنا منه بالحق [["تفسير مقاتل" 207/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 118.]]. واليمين على هذا القول بمعنى الحق، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: 28]، أي: من قبل الحق، وكذلك قوله: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: 17]، وقد مر مستقصى [[ومما جاء في تفسير الآية: 82 من سورة الصافات: أن معنى "تأتوننا عن اليمين": أي من قبل الحق. وقالوا: من قبل الدين، وطاعة الله، بمعنى: تزينون الدين، وهو الكفر الذي كانوا عليه. وقيل: أي كنتم تمنعوننا بإضلالكم عن الدين الذي هو الحق. وقال ابن قتيبة: يقول المشركون لقرنائهم من الشياطين: إنكم كنتم تأتوننا عن أيماننا؛ لأن إبليس قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17]، فشياطينه تأتيهم من كل جهة من هذه الجهات، بمعنى من [الكيد] والإضلال. قالوا: أجود ما قيل في هذا إنه من قول العرب: فلان عندي باليمين، أي: بالمنزلة الحسنة، وفلان عندي بالشمال، أي: بالمنزلة الخسيسة الدنية، فقال هؤلاء الكفار لأئمتهم الذين أضلوهم: إنكم كنتم تخدعوننا، وترونا أننا عندكم بمنزلة اليمين، أي بالمنزلة الحسنة، فوثقنا بكم من ذلك الجانب. وقال بعضهم -وهو قول قوي-: إن أئمة المشركين كانوا قد أخافوا لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعون إليه هو الحق، فوثقوا بأيمانهم، وتمسكوا بعهودهم، فمعنى: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي من ناحية المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا.]].

الحاقة 69:46

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)﴾ الوتين: نياط القلب، وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، فإذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه. وهذا قول جميع أهل اللغة [[انظر هذا القول بمعناه في مادة: (وتن) في "تهذيب اللغة" 14/ 324، و"معجم مقاييس اللغة" 6/ 84، و"الصحاح" 6/ 2211، و"لسان العرب" 13/ 441، و"تاج العروس" 9/ 358. وممن قال بذلك أيضًا: أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 268، الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 218.]]، وأنشدوا (للشماخ) [[لم أجد فيما ذكرته كتب اللغة من استشهد ببيت الشماخ غير أبي عبيدة في مجازه، وقد ورد عند المبرد في كتابه "الكامل" 1/ 167، و2/ 825 "ديوانه" تحقيق: == صلاح الدين الهادي: 323 برواية: (وحططت) بدلًا من: (حملت). كما ورد في كتب: التفسير، منها "جامع البيان" 29/ 167، و"النكت" 6/ 87، و"المحور الوجيز" 5/ 326، و"زاد المسير" 8/ 87، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 276، و"البحر المحيط" 8/ 319، و"فتح القدير" 5/ 286. وكلمة (للشماخ) ساقطة من (أ).]]: إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلي ... عَرَابَةَ فاشْرَقي بِدَمِ الوَتِينِ [[ورد البيت في "ديوانه" 323. ومعنى: اشرقي: من الشرَق، وهو الغصة، أي غُصي. الوتين: عرق به القلب إذا انقطع مات صاحبه. يقول: إذا بلغتني هذا الممدوح، فلن أبالي بهلكتك. "ديوانه" 323، هامش: 8.]] قال أبو زيد: وجمعه: الوُتُن، وثلاثة [[في (ع): وثلثة.]] أوتنة، الموتون: الذي قطع وتينه [["تهذيب اللغة" 14/ 324 مادة: (وتن) بتصرف، وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 119.]]، (وابن عباس) [[ساقطة من (أ). وقد ورد قوله في "جامع البيان" 29/ 67، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 180/ أ، و"النكت" 6/ 87، و"معالم التنزيل" 4/ 391، و"المحرر الوجيز" 5/ 362، و"زاد المسير" 8/ 81، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 276، و"لباب التأويل" 4/ 307، و"البحر المحيط" 8/ 329، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 445، و"الدر المنثور" 8/ 276، وعزاه إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه؛ "المستدرك" 2/ 501، في التفسير، تفسير سورة الحاقة، قال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي، وقد رواه الحاكم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وإسناده قوي؛ لأنه من رواية الثوري عن عطاء، وسمعه منه قبل الاختلاط. قاله الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 664، وزاد نسبته إلى الفريابي، والأشجعي. وانظر حاشية "النكت" 6/ 87.]]، وأكثر المفسرين [[وممن قال ذلك: مجاهد، وقتادة، وابن زيد. انظر المراجع السابقة نفسها في == التفسير، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 315 عزاه إلى قتادة، وسعيد بن جبير، والحكم، والضحاك، ومسلم البطين، وأبي صخر حميد بن زياد، وعكرمة. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 445، و"الدر المنثور" 8/ 276 وعزاه إلى: عبد بن حميد، وابن المنذر.]] قالوا: إنه نياط القلب، وحبل القلب. قال ابن قتيبة [[بياض في (ع).]]: (ولم يُرد أنا نقطعه بعينه فيما يرى أهل النظر [[بياض في (ع).]]، ولكنه أراد: لو كذب لأمَتْنَاه، أو قتلناه، فكان كمن قُطِع وتينُه، قال: ومثله قوله -ﷺ-: "ما زالت أكلة [[في (أ): أكلت.]] خيبر [[خيبر: مدينة أثرية قديمة، تبعد عن المدينة المنورة شمالًا 173 كيلو مترًا على الطريق الرئيسي المعبد، تقع فيها "مدائن صالح". وخيبر عبارة عن عدة قرى واقعة في عدة أودية، ويوجد فيها مسجد لرسول الله -ﷺ-، ومقبرة الشهداء لبعض الصحابة الذين استشهدوا في غزوة خيبر، وهي مدينة حصينة، تحيط بها الحرة من جميع الجهات. حاصر فيه الرسول -ﷺ- اليهود بضع عشرة ليلة. انظر: "الآثار في شمال الحجاز" لحمود بن ضاوي القثامي 1/ 178، و"القاموس الإسلامي" لأحمد عطية 2/ 308. وانظر: "معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع" لعبد الله البكري 2/ 521، و"الموسوعة الميسرة" 1/ 770.]] تعاودني، فهذا أوانَ قطعَتْ أبْهَري" [[أخرجه البخاري 3/ 181 ح: 4428، كتاب المغازي، باب مرض النبي -ﷺ-، ونصه: قال عروة، قالت عائشة -رضي الله عنها-: كان النبي -ﷺ- يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة، ما أزال أجِدُ الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم"، وفي 2/ 241: ح 2617، في الهبة، باب قبول الهدية من المشركين. وأخرجه أبو داود في "السنن" 2/ 527، كتاب: الديات باب فيمن سقى رجلاً سمًّا، أو أطعمه فمات، أيقاد منه؟. وأخرجه الدارمي في "سننه" 1/ 36: ح 67 - 68، المقدمة: باب ما أكرم الله النبي -ﷺ- من كلام الموتى. والإمام أحمد 6/ 18. وأورده أبو عبيد في "غريب الحديث" 1/ 203.]]. والأبْهَرُ: عِرق يتصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه، فكأنه قال: هذا أوان قتلني السم، فكنت كمن [[في (ع) زيادة كلمة: قطعه، وهي زيادة لا معنى لها.]] انقطع أبْهَرُهُ [[ما بين القوسين من قول ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 155 - 156 بنصه.]].

الحاقة 69:47

قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)﴾. قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 207/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 119.]]، (والكلبي [[ساقطة من (أ).]] [[ورد قوله في المرجع السابق.]]: ليس منكم أحد يحجزنا عنه، وعن ذلك. وقال عطاء: يقول: لا يحجزه مني أحد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 286 بمعناه، وعبارته: "خرج صفته على صفة الجميع؛ لأن أحدًا يقع على الواحد، وعلى الاثنين، والجميع من الذكر والأنثى".]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 183، وعبارته: "أحد يكون للجميع والواحد".]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 218، والعبارة نقلها عنه الواحدي بتصرف يسير.]]: إنما قال: (حاجزين) في صفة (أحد)؛ لأنه يقع على الجمع، المعنى: فما منكم قوم يحجزون [[بياض في (ع).]] عنه. وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [[[البقرة: 285] ومما جاء في ذلك: وإنما جاز هع أحد وهو واحد في اللفظ؛ لأن أحدًا يجوز أن يؤدي عن الجميع، قال تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)﴾، وإنما كان كذلك؛ لأن أحدًا ليس كرجل يثنئ ويجمع. وقولك: ما يفعل هذا أحد. تريد ما يفعله الناس كلهم، قلما كان لفظ أحد يؤدي عن الجميع جاز أن يستعمل معه "بين"، وإن كان لا يجوز أن يقول: لا نفرق بين رجل منهم.]].

الحاقة 69:48

ثم ذكر أن القرآن ما هُوَ فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)﴾ قال الكلبي: (وإنه) لعظة للمتقين الشرك والفواحش، والمتقين عقاب الله بطاعته [[لم أعثر على مصدر قوله. وورد مثله مختصرًا من غير عزو في "بحر العلوم" 3/ 401.]]. قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50)﴾ قال ابن عباس: القرآن حسرة على الكافرين يوم القيامة [[لم أعثر على مصدر قوله. وقد ورد مثله من غير عزو في "جامع البيان" 29/ 68، و"الكشف والبيان" 12/ 180/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 391، و"زاد المسير" 8/ 87، و"لباب التأويل" 4/ 357. ومعنى الحسرة لغة: قال الأزهري: "والحسرة أشد الندم حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب الذي لا منفعة فيه". "تهذيب اللغة" 4/ 288 (حسر). وقال ابن فارس: الحاء والسين والراء: أصل واحد، وهو كشف الشيء، ومن الباب: الحسرة: التلهف على الشيء الفائت". "معجم مقاييس اللغة" 2/ 61 - 62: (حسر). قال ابن عاشور: "والحسرة: الندم الشديد المتكرر على شيء فائت مرغوب فيه، ويقال لها: التلهف، اشتقت من الحَسْر، وهو "الكشف"؛ لأن سببها ينكشف لصاحبها بعد فوات إدراكه، ولا يزال يعاوده". "التحرير والتنوير" 29/ 149. وما ذكر عن ابن عباس هو أحد الوجهين في عود الضمير على "من"، فابن عباس حملة على القرآن.]]، يعني ندامة إذ لم يؤمنوا به. والكناية [[لفظ الكناية من المصطلحات الكوفية، ولقابلها: المضمر أو الضمير عند البصريين. انظر: "نحو القراء الكوفيين" 68.]] في: (وإنه) على هذا القول للتكذيب [[وهذا الوجه الثاني في عودة الضمير على التكديب، وهو قول مقاتل. قال: وإن تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم.]]. ودل عليه قوله: ﴿أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: 49] قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)﴾. قال عطاء: يعني القرآن مني بدأ، وأنا أرسلته إليكم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال مقاتل: ﴿لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ إنه من الله [["تفسير مقاتل" 207/ ب.]]. قال الزجاج: المعنى أنَّ القرآن لليقين [[في (أ): للمتقين.]] حق اليقين. هذا الذي ذكرنا قول المفسرين. وقال الكلبي: حقاً يقيناً ليكون ذلك عليهم حسرة [["النكت" 6/ 88، والعبارة عنه: "أي حقًّا يقينًا ليكونن الكفر حسرة على الكافرين يوم القيامة".]]. وعلى هذا الكناية في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ وهي مصدر بمعنى التحسر، فيجوز تذكيره. ثم أمر بتنزيهه عن السوء، فقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)﴾. وقال عطاء: فصل لربك الذي عصمك من كل ما رَمَوْك به [[غير واضحة في (ع).]] [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].

المعارج 70:1

﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1)﴾ قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحرث حين قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ﴾ [[الأنفال: 32.]] هذه [[في (أ): هذا.]] الآية، وهو قول عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، (والكلبي) [[ساقطة من: (أ). ولم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 208/ ب.]]، (وسعيد بن جبير) [[ساقطة من: أ.]]، عن ابن عباس [[أخرجه النسائي من طريق المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في "تفسيره" 2/ 463. كما أخرجه الحاكم من طريق الأعمش، عن سعيد بن جير 2/ 502، في التفسير: تفسير سورة "سأل سائل"، وقال: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي في أنه على شرط البخاري. وقال محققا تفسير النسائي: إسناده حسن موقوفًا. وانظر: "أسباب النزول" للواحدى 445. وقد وردت الرواية عن ابن عباس في: "لباب النقول" للسيوطي 219، و"والكشف والبيان" 12/ 181/ أ، و"النكت" == 6/ 89، و"معالم التنزيل" 4/ 492، و"زاد المسير" 8/ 89، و"الجامع" للقرطبي 18/ 278، و"لباب التأويل" 4/ 308، و"ابن كثير" 4/ 446، و"الدر المنثور" 8/ 277، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، كما وردت عن مجاهد، والسدي أيضًا. انظر المراجع السابقة، وعن ابن جريج في "الدر" 8/ 277.]]، [وابن أبي نجيح، عن [[في (أ): ومجاهد، وما أثبته من: ع، وهو الصواب لموافقته لما جاء في الطبري.]] مجاهد [[وردت الرواية عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في: "جامع البيان" 69/ 29، وذكرت من غير ذكر الطريق إلى مجاهد في "بحر العلوم" 3/ 402، و"النكت" 6/ 89، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 446، و"الدر المنثور" 8/ 278، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، قال: دعا داع على نفسه، وذلك أن قولهم: ﴿اللَّهُمَّ [[ساقطة من: (أ).]] إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال:32] الآية، دعاء منه، وسؤال للعذاب. قال ابن الأنباري: (على هذا القول تقدير (الباء) الإسقاط، وتأويل الآية: سأل سائل عذابًا واقعًا، فأكد بـ (الباء)، كقوله -عز وجل-: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25]) [[ما بين القوسين من قول ابن الأنباري. انظر: "التفسير الكبير" 30/ 121.]]. ومعنى قوله: (واقع) أي: كائن، يعني [[غير واضحة في: (ع).]] أن العذاب كائن للكفار، فاستعجله النضر وسأله؛ (هذا قول الأكثرين في هذه الآية) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ). قلت: وقد مضى قولهم هذا عند ورود سب نزول صدر السورة، وقد رجحه الفخر في "التفسير الكبير" 30/ 122.]]. وقال [[في (أ): قال من غير واو.]] الحسن [["المحرر الوجيز" 5/ 364 بمعناه، و"التفسير الكبير" 30/ 121.]]، وقتادة [[المرجعان السابقان، كما ورد غير منسوب بمعناه في: "النكت" 6/ 90.]]: لما بعث الله محمدًا، وخوف المشكرين بالعذاب، قال المشركون بعضهم لبعض: [سلوا] [[وردت في النسختين: سألوا. والتصحيح من الفخر في: "التفسير الكبير" 30/ 121.]] محمدًا لمن هذا العذاب، وبمن يقع؟ فأخبر الله عنهم بقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1)﴾. قال ابن الأنباري: (والتأويل على هذا القول: سأل سائل عن عذاب واقع، (الباء) بتأويل (عن) كقول علقمة: فَإنْ تسألوني بالنِّسَاءِ فإنني ... بصيرٌ بأدْواءِ النسَاءِ طبيبُ [[ورد البيت في "ديوانه" 35، و"الزاهر في معاني كلمات الناس" لابن الأنباري: 1/ 331، و"المحرر الوجيز" 5/ 364، و"الدر المصون" للسمين الحلبي: 6/ 372، و"الشعر والشعراء" 126، و"علقمة بن عبدة حياته وشعره" 85، و"الكشف والبيان" 12/ 180/ أ.]] أي عن النساء) [[ما بين القوسين قول ابن الأنباري. انظر: "التفسير الكبير" 30/ 121، وورد بمعناه في: "المحرر الوجيز" 5/ 364، و"زاد المسير" 8/ 89.]]. وكما قال الأخطل: دعِ المُعَمَّرَ لا تسْألْ بمصرعِهِ ... واسْألْ بمصْقَلَةَ البَكْريِّ ما فَعَلا [[ورد البيت في "شعر الأخطل" للسكري: 1/ 157، و"إعراب القراءات السبع" لابن خالويه: 2/ 119، و389. معنى البيت: المعمر: القعقاع الهذلي، مصقلة: هو الممدوح، يتخذ من هذا البيت وسيلة للتخلص إلى المدح، ويقول مخاطبًا امرءًا موهومًا: دع المعمر، ولا تُعْنَ بمصرعه، واهتم بأمر مصقلة الهذلي تذيعت في الناس فعاله. "ديوان الأخطل" لإيليا الحاوي: 349.]] أراد: عن مصرعه. قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 59]، وهذا قول الأخفش، قال: أي سأل [[في (أ): سل.]] عن عذاب الله، يقال: خرجنا نسأل [[في (أ): نسئل.]] عن فلان وبفلان [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ونحو ذلك قال الزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 219.]]. وقال أبو علي الفارسي: (سأل سائل النبي -ﷺ-، أو المسلمين بعذاب واقع، فلم يذكر المفعول الأول لـ: "سأل" -هذا ما ذكره المفسرون [[سبق ذكره عند قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ من هذه السورة، آية: 1.]]، وأهل المعاني [[انظر قول الفراء في "معاني القرآن" 3/ 183، والزجاج في "معاني القرآن" 5/ 219.]] في هذه الآية-، وهو كله على قراءة من قرأ: (سأل) بالهمز [[قرأ بذلك: ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف. انظر: "الحجة" لأبي علي 17/ 36، و"الكشف" لمكي 2/ 334، و"النشر" 2/ 390، و"الوافي في شرح الشاطبية" لعبد الفتاح القاضي 372، و"البدور الزاهرة" للمؤلف السابق 325. قال مكي: "وحجة من قرأ بالهمز أنه جعله من السؤال، فأتى به على أصله -وهو الاختيار- لأن الأكثر عليه، والمعنى به أمكن، وأكثر التفسير عليه؛ لأن الكفار سألوا تعجيل العذاب، وقالوا: متى هو". "الكشف" 2/ 335.]]، فاما من قرأ (سأل) بغير همز [[قرأ بذلك: نافع، وابن عامر، وأبو جعفر. انظر: المراجع السابقة.]]، فله وجهان: أحدهما: أنه أراد سأل بالهمز، فخفف وقلب [[قال عبد الفتاح القاضي: "وهذه الألف -يعني في "سأل"-: يحتمل أن تكون مبدلة من الواو، والأصل سول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا. ويحتمل أن تكون مبدلة من الهمزة؛ بمعنى أن الهمزة المفتوحة خففت على غير قياس. ويحتمل أن تكون مبدلة من الياء". "الوافي في شرح الشاطبية" 372 - 373.]]، كما قال: فارْعَي فزارةُ لا هناكِ المَرْتَعُ [[البيت للفرزدق، وصدر البيت كما في "ديوان الفرزدق" 408: ومضت لمسلمةَ الرِّكابُ مُوَدَّعًا]] وحكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع من يقول: هُما يتساولان، فيجوز أن يكون (سال) بغير همز من هذه اللغة، وهو قول الشاعر: سَالَتْ هُذَيْلُ رسولَ الله فاحشةً ... ضَلَّتْ هُذيْلٌ بما سألَت ولم تُصِبِ [[البيت في: "ديوان حسان بن ثابت" 34 ط. دار صادر برواية: "بما جاءت ولم تصب"، و"التفسير الكبير" 30/ 122، و"الدر المصون" 6/ 373. ومعنى البيت: سألت: مسهل سألت، يعيّر هذيلًا بأنها طلبت إلى النبي -ﷺ- حين أرادت الإسلام أن يحلل لها الزنا، فلم تصب مرادها. موضع الشاهد: قوله: "سألت" أراد سألت، فخفف الهمزة. وقد يقال: سال يقال، بغير همز، وهي لغة. "شرح ديوان حسان بن ثابت" لعبد الرحمن البرقوقي 125. وانظر: "ديوانه" المرجع السابق.]] يجوز فيه الأمران. الوجه الثاني: ما ذكره المفسرون: روى [[في (أ): وروى.]] عطاء عن ابن عباس من قرأ بلا همز فإنه يريدُ واديًا في جهنم [[في (أ): بجهنم.]] (سال) [["القرطبي" 18/ 279، و"الدر" 8/ 278، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. وهو قول زيد بن ثابت [["الكشف والبيان" 12/ 281/ ب، و"زاد المسير" 9/ 89، و"فتح القدير" 5/ 288.]]، وعبد الرحمن بن زيد، قالا [[في (أ): قال.]]: سال واد من أودية جهنم بعذاب واقع [["جامع البيان" 29/ 70، و"زاد المسير" 8/ 89، وهذا القول ضعيف، بعيد عن المراد، والصحيح الأول لدلالة السياق عليه، قاله ابن كثير 4/ 446.]]) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي من "الحجة" بتصرف 6/ 317 - 318.]]. والمعنى على هذا: أن ذلك الوادي يسيل بعذابهم، فذلك الوادي عذاب لهم على ما أراد الله تعالى وقدره. (ولم يختلفوا في همزة (سائل)، ولا يجوز فيه غير الهمز؛ لأنه إن كان من: (سال) المهموز، فهو بالهمز، وإن لم يكن من المهموز فهو بالهمز أيضًا، نحو: قليل، وخائف، وذلك أن العين اعتل في الفعل، فاعتل في اسم الفاعل أيضًا، وإعلالها لا يكون بالحذف للالتباس؛ فإذا لم يكن بالحذف كان بالقلب إلى الهمز، إلا أنك إن شئت خففت الهمز، فجعلتها بين بين [[معنى بين بين: أي هي ضعيفة ليس لها تمكن المحققة، ولا خلوص الحرف الذي منه حركتها. انظر: "سر صناعة الإعراب" لابن جني 1/ 49.]]) [[ما بين القوسين من قول أبي علي، نقله عنه الواحدي بتصرف. "الحجة" 6/ 318.]]. وهذا ما أحكمنا بيانه في (قوله) [[ساقطة من: (أ).]]: ﴿مَعَايِشَ﴾ [[انظر تحقيق المسألة في "سر صناعة الإعراب" 1/ 48 - 49.]]. قوله تعالى: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ قال الفراء: التقدير في الآية: بعذاب للكافرين واقع، فـ: "الواقع" من نعت [[يراد به الوصف والصفة، والتعبير بـ: "نعت" من اصطلاح الكوفيين. انظر: "نحو القراء الكوفيين" 340.]] العذاب [[بياض في: (ع).]]، واللام دخلت للعذاب لا للواقع. والمعنى: إن هذا العذاب الذي سأل النضر في الدنيا هو للكافرين في الآخرة، فلا يدفعه [["معاني القرآن" 3/ 182 بنصه.]] عنهم أحد. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 208/ ب.]]، وهو قوله: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ}. وهذا القول الأول في الآية الأولى. وعلى القول الثاني: قال قتادة: سأل سائل عن عذاب الله بِمَن ينزل؟، أو على من يقع [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 316، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 279، و"زاد المسير" 8/ 89 من غير عزو.]]؟ فقال الله عز وجل: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، وعلى هذا قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ جواب لهم وبيان عما سألوا [[بياض في: (ع).]] أن العذاب لمن. قوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يعني بعذاب من الله. ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ وهي الدرجات، ومنه قوله: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33]. قال ابن عباس في رواية الكلبي: ذي السماوات، وسَمَاهَا معارج؛ لأن الملائكة تعرج فيها [["الكشف والبيان" 12/ 181/ ب من غير ذكر طريق الكلبي إليه، و"التفسير الكبير" 30/ 122، و"لباب التأويل" 4/ 308.]]، وهذا معنى قول [[ساقطة من: (أ).]] سعيد بن جبير: وذي الدرجات [["جامع البيان" 29/ 70، و"الكشف والبيان" 12/ 181/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 392 - 393. وانظر: تفسير سعيد بن جبير: 354.]]. وقول مجاهد: (معارج) الملائكة، وهي مواضع عروجهم [["الكشف والبيان" 12/ 181/ ب، وبمعناه في: "جامع البيان" 29/ 70، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 446، وعبارته فيهما: "معارج السماء". قال ابن قتيبة: "وأصل المعارج: الدَّرج، وهو من: عَرَجَ: إذا صعد". غريب القرآن: وقال الراغب: "العُرُوج: ذهاب في صعود، والمعارج: المصاعِد". "المفردات" 329 (عرج). وفي اللغة: عَرَج في السُّلَّم: ارتقى. والمعارج: المصاعد. "مختار الصحاح" 422.]]. وقال قتادة: ذي الفواضل والنِّعم [["جامع البيان" 29/ 70، و"الكشف والبيان" 12/ 181/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 392، و"المحرر الوجيز" 5/ 365، و"زاد المسير" 8/ 90، و"التفسير الكبير" 30/ 122، الجامع لأحكام القرآن 18/ 281، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 446، و"الدر المنثور" 8/ 278 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]. ومعنى هذا: أن لإنعامه وفواضله مراتب، وهي تقع بالناس على درجات مختلفة، فالمعارج: مراتب العامة على الخلق. وذكر في التفسير أيضًا أن المعارج: معالي الدرجات التي يعطيها أولياءه في الجنة [[ذكر معنى ذلك عن ابن عباس، قال: العلو والفواضل. "جامع البيان" 30/ 70، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 446، و"الدر المنثور" 8/ 278 وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والقرظي. انظر: "الكشف والبيان" 12/ 181/ ب، وعبارته: "ذي الفضائل العالية". وورد هذا القول من غير عزو في "التفسير الكبير" 30/ 122.]]. قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ الظاهر أنه إلى الله [[بمعنى أن "الهاء" في: "إليه" عائدة إلى الله، وهذا قول المفسرين. انظر: "جامع البيان" 29/ 70، و"الكشف والبيان" 12/ 182/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 392، و"المحرر الوجيز" 5/ 365، و"زاد المسير" 8/ 90، و"لباب التأويل" 4/ 308، و"تفسير ابن كثير" 4/ 446.]]. والمعنى: إلى الموضع الذي أمرهم الله بالعُروج إليه [[وقوله: "إلى الموضع" يعني -والله أعلم- أن "الهاء" في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ عائدة إلى المكان والموضع لا إلى جهة الله سبحانه وتعالى، وعلوه على خلقه. وهذا القول فيه من المخالفة للمذهب الصحيح، والعقيدة الحقة التي عليها سلف الأمة من أهل السنة والجماعة من إثبات علو الله سبحانه على خلقه. وقد دلت الأدلة على ثبوت صفة العلو لله -سبحانه-، منها آية المعارج هذه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)﴾. == قال أسامة القصاص: " ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ أي تصعد، فالعروج هو الصعود لم يخالف في ذلك أحد من أهل التفسير، ثم قال: "إليه" يعني إلى الله -عز وجل-، قال الإمام الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره: تصعد الملائكة والروح، وهو جبريل -عليه السلام- إليه يعني إلى الله -جل وعز-، والهاء في قوله: "إليه" عائدة على اسم الله. ["جامع البيان" 29/ 70]. فإذا كانت هذه الملائكة التي هي في السموات تصعد إلى ما هو أعلى منها، ألا يدل هذا على تحتية من هم فوقنا بالنسبة لربهم؟ لا سيما أن هذا العروج يستغرق خمسين ألف سنة، وهو يوم بالنسبة للملائكة، وقال بعضهم -كابن عباس وغيره-: إن ذلك اليوم هو القيامة يجعله الله على الكافرين خمسين ألف سنة لشدته وهوله، وأن الملائكة والروح يعرجون إلى الله في يوم هذا مقداره على الكافرين يوم القيامة. قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: مفهوم عندهم -أي العرب- أن المعارج: المصاعد، قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وإنما يعرج الشيء من أسفل إلى أعلى وفوق، لا من أعلى إلى دون وأسفل، فتفهموا لغة العرب لا تغالطوا". "إثبات علو الله على خلقه" 1/ 130 - 131 باختصار. قال الإمام السعدي في تفسير الآية: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾: "أي ذي العلو والجلال والعظمة والتدبير لسائر الخلق، الذي تعرج إليه الملائكة بما جعلها على تدبيره، وتعرج إليه الروح". "تفسير الكريم الرحمن" 5/ 303. ومن الأحاديث ما أورده الإمام ابن قدامة في كتابه: "إثبات صفة العلو": 83، وابن كثير في تفسيره من حديث طويل في قبض الروح الطيبة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -ﷺ- قال: "إن الميت تحضره الملائكة فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل". أخرجه ابن ماجه 2/ 440 ح 4316، في الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له. وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" 2/ 420 ح 3437. وقال ابن كثير 4/ 446: وهذا إسناد رجاله على شرط الجماعة. ومن الأحاديث الصريحة أيضًا: قصة معاوية وضربه لجاريته عندما أكل الذئب الشاة له، فقال لها رسول الله -ﷺ-: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال رسول الله -ﷺ-: "أعتقها فإنها مؤمنة". أخرجه مسلم 1/ 382: ح 537، في المساجد، وانظر: إثبات صفة العلو: 69. والأدلة =]]، كقوله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: 99] وأمرني بالذهاب إليه. وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ الأكثرون على أن قوله: (في يوم) من: صلة تعرج [[ومعناه: إن مقدار صعود الملائكة في ذلك اليوم خمسون ألف سنة. وهو قول: مجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن عباس، وابن الزبير. انظر: "جامع البيان" 29/ 71، و"التفسير الكبير" 30/ 123.]]. وقال مقاتل: هذا على التقديم [["تفسير مقاتل" 208/ ب.]]. (التقدير) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: بعذاب واقع في يوم [[ومعنى قول مقاتل: أي أن الآية في يوم صلة قوله: "بعذاب". انظر: "التفسير الكبير" 30/ 123.]]. واختلفوا في هذا اليوم المقدر [[بياض في: (ع).]] بخمسين ألف سنة. فقال [ابن عباس] [[ما بين القوسين ساقط من النسختين، وورد قوله منسوبًا إليه بنصه في: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 447.]]: أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون، وأكره أن أقول فيها ما لا [[بياض في: (ع).]] أعلم [["التفسير الكبير" 30/ 124، و"القرطبي" 18/ 283، و"تفسير ابن كثير" 4/ 447.]]. وروى عكرمة عنه قال: هو يوم القيامة [["جامع البيان" 29/ 71، و"معالم التنزيل" 4/ 392، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 282، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 447، وقال: إسناده صحيح. وهذا القول له دلالته من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ما من == صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمر عليه في نار جهنم، فيُجعل صفائح، فيكوى بها جنباه وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار". أخرجه مسلم 2/ 682 ح: 26، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة.]]. وهو [[في (أ): هو بغير واو.]] قول الحسن، قال: (وليس يعني مقدار [[(وليس يعني مقدار): بياض في: (ع).]] طوله هذا دون غيره، ولو كان كذلك [[بياض في: (ع).]] لكانت له غاية تفنى فيها الجنة والنار، ولكنه [يطول] [[ورد في النسختين، وكذا عند الثعلبي (يقول)، ولعل الصواب ما أثبته إذ به يتضح المعنى. والله أعلم.]] موقفهم [[بياض في: (ع).]] للحساب حتى يفصل الناس خمسين [[في (ع): خمسون.]] ألف سنة من سني الدنيا، وذلك أن ليوم القيامة [[بياض في: (ع).]] أولاً وليس له آخر؛ لأنه يوم ممدود [[بياض في: (ع).]]) [[ما بين القوسين من قول الحسن. انظر: "الكشف والبيان" 12/ 182/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 123، و"لباب التأويل" 4/ 308.]]. وعلى هذا تقدير الآية: كان مقدارَ المحاسبة فيه خمسون ألف سنة. وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد يوم القيامة [["جامع البيان" 29/ 71، "الكشف والبيان" 12/ 182/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 392، و"المحرر الوجيز" 5/ 365، و"زاد المسير" 9/ 90، و"ابن كثير" 4/ 447.]]، يقول: لو حكم فيه أعقل خلقي، وأعرفهم بالحكم والقضاء، لأقام خمسين ألف سنة، وإذا أخذ الله في عرضهم يفرغ في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا [["لباب التأويل" 4/ 308، وعزاه إلى ابن عباس.]]. وعلى هذا القول يكون تقدير الآية: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة لو ولي الحساب غير الله. وذكر الكلبي قولاً آخر فقال: تقول تصعد الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره على غيرهم خمسين ألف سنة [["الجامع لأحكام القرآن" 18/ 281، و"فتح القدير" 5/ 288.]]. وهذا قول وهب، ومحمد بن إسحاق. قال وهب: ما بين أسفل الأرض إلى العرش مسيرة خمسين ألف سنة [[السابق.]]. وقال [ابن] [[ورد في كلا النسختين: (أبو)، وهو خطأ ظاهر، والصواب ما أثبته، وقد ورد التصريح باسمه وبقوله في: الكشف.]] إسحاق: لو سار بنو آدم من الأرض إلى العرش لساروا خمسين ألف سنة [[غير واضحة في: (ع).]]. والتقدير على هذا القول: في يوم كان مقداره من عُروج غيرهم خمسين ألف سنة. وهذا قول مجاهد. وجمع [[أي مجاهد.]] بين هذه الآية، وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: 5]، فقال: يسار خمسين ألف سنة من أسفل الأرضين السبع إلى العرش، ومن السماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة للنزول والصعود: خمسمائة نزولاً، وخمسمائة صعودًا [["جامع البيان" 29/ 71، و"الكشف والبيان" 12/ 182/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 282، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 447.]]. وروي عن الحكم [["الجامع لأحكام القرآن" 18/ 282، وعزا ابن كثير الراوية إلى الحكم بن أبان عن عكرمة، فأورد الرواية من طريقه: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 447.]]، وعكرمة [[ورد قوله في: غرائب التفسير وعجائب التأويل: للكرماني: 2/ 1251، وقد اعتبره الكرماني من عجيب القول، انظر: البرهان في توجيه متشابه القرآن للمؤلف السابق: 154، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 282، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 447.]] أنهما قالا: الدنيا من أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون ألف سنة، لا يدري أحدٌ كم مضى، ولا كم بقي إلا الله.

المعارج 70:5

قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5)﴾ قال مقاتل: فاصبر يا محمد على تكذيبهم إياك بأن العذاب غير كائن، صبرًا لا جزع فيه [["تفسير مقاتل" 208/ ب، و"فتح القدير" 5/ 289 مختصرًا.]]. قال الكلبي: هذا قبل أن يؤمر [[بياض في: (ع).]] بالقتال [[ورد قوله في: "التفسير الكبير" 3/ 125. وأبطل ابن الجوزي دعوى النسخ فقال: "وزعم قوم، منهم ابن زيد، أن هذا كان قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. نواسخ القرآن: 245، المصفَّى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: 58، وكلاهما لابن الجوزي. وممن قال بالنسخ: هبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" 184، وابن البارزي في "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" 54. والصحيح -والله أعلم- أن الآية ليس فيها ما يدل على دعوى النسخ، إذ الأمر بالصبر على الأذى ليس فيه ما يتعارض مع القتال.]]. ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ يرون العذاب. ﴿بَعِيدًا﴾. غير كائن. ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)﴾ كائناً؛ لأن ما هو آت قريب. ثم أخبر متى يقع بهم العذاب فقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8)﴾ ذكرنا تفسير (المهل) عند قوله: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [[سورة الكهف: 29، ومما جاء في تفسير المهل: قال أبو عبيد: المهل: كل فِلِّز أذيب. وروي في حديث أبي بكر -رضي الله عنه- أنه أوصى في موضعه فقال: ادفنوني في ثوبي هذين، فإنما هما للمهل والتراب. قال أبو عمرو: المهل في شيئين، هو في حديث أبي بكر: القيح والصديد، وفي غيره درديّ الزيت. وقال الليث: المهل: ضرب من القَطِران. وعن شمر: قال: المهل: الملة إذا حميت جدًّا رأيتها تموج. وعن سعيد بن جبير مرفوعًا: أنه كعكر الزيت. وعن ابن عباس: كدردي الزيت، وعنه أيضًا: هو عكر القطران. وعن مجاهد: القيح والدم. وعن ابن مسعود: أنه سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة، فخالطهما فأذيبا حتى إذا أزبدا وامّاعا قال: هذا أشبه شيء في الدنيا بالمهل الذي هو شراب أهل النار. وإلى هذا القول ذهب من قال: المهل هو الذي قد انتهى حرُّه. وهو اختيار الزجاج، قال: يعني أنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب، أو الصفر، أو الفضة.]]. قال ابن عباس: كدُرْديِّ [[دردي الزيت: هو ما يبقى في أسفله، وأصله ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان. "لسان العرب" 3/ 166، (درد)، وانظر: "الصحاح" 2/ 470.]] الزيت [["زاد المسير" 8/ 95، و"التفسير الكبير" 30/ 125، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 284، و10/ 394 عند تناوله الآية 29 من سورة الكهف، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 448، و"الدر المنثور" 8/ 282، وعزاه إلى الطستي، وانظر أيضًا: 5/ 385 وعزاه في هذا الموضع إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]. وروى عنه عكرمة: كعكر [[العكر: آخر الشيء وخاثره من شراب وماء ودُهن. انظر: "الصحاح" 2/ 756 (عكر)، و"المصباح المنير" 2/ 506 (عكر).]] القطران [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال الحسن: مثل الفضة إذا أذيبت [["معالم التنزيل" 4/ 393، و"التفسير الكبير" 30/ 125، و"لباب التأويل" 4/ 309.]]، وهو قول عبد الله [[أي عبد الله بن مسعود. انظر قوله في: "معالم التنزيل" 4/ 393، و"التفسير الكبير" 30/ 125، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 284.]]. ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9)﴾ معنى العهن في اللغة: الصوف المصبوغ، والقطعة [[في (أ): القطعنة.]]: عهنة، والجميع: العُهُون. وقال الليث: يقال لكل صوف عِهِن [[ورد قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 145 مادة: (عهن). وانظر مادة (عهن) في: تهذيب اللغة، المرجع السابق، "الصحاح" 6/ 2169، و"لسان العرب" 13/ 296، و"تاج العروس" 9/ 276.]]. والمفسرون يقولون: كالصوف المنفوش [[وهو قول: مجاهد، وقتادة كما في: "جامع البيان" 29/ 73، وقول مقاتل كما في: "الكشف والبيان" 12/ 183/ أ، وقول السدي كما في: "ابن كثير" 4/ 448، وانظر: تفسير السدي الكبير 461. وإليه ذهب الزجاج في "معاني القرآن" 5/ 220.]]. وبعضهم [[كالحسن، انظر: "الكشف والبيان" 12/ 183/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 393، وهو في "لباب التأويل" 4/ 309 من غير عزو، وقوله من "كالصوف الأحمر" إلى: "هباء منثورًا".]] يقول: كالصوف الأحمر؛ وذلك أن الجبال [[بياض في: (ع).]] تصير رملاً مهيلاً، ثم تصير كالعهن المنفوش في خفتها وسيرها، ثم تصير هباءً منثوراً. قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10)﴾ قال ابن عباس: الحميم: القريب الذي تغضب له ويغضب لك [["التفسير الكبير" 30/ 125.]]. يقول: لا يُسأل قرابة عن قرابته [[هذه العبارة من قول الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 220 بيانًا منه لمعنى قراءة الضم في: "يُسأل".]] إشغالاً بنفسه عنهم. وقال مقاتل: يقول لا يسأل الرجل قرابته من شدة الأهوال [["تفسير مقاتل" 209/ أ، و"زاد المسير" 8/ 91.]]. (والمعنى: لا يسأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم؛ لأنه يذهل عن ذلك ويشتغل عنه بشأنه، ألا ترى قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: 2]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34)﴾ [عبس: 34]، وقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)﴾ [عبس: 37]. فقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10)﴾ [[في (أ): عن حميم.]] [[في (أ): زيادة: (ليعرف شأنه من جهته حميمًا)، وهي زيادة لم ترد في الحجة، ولا فائدة من إثباتها.]] من قولك: سألت زيداً، أي: سألته عن حاله وأمره. ويجوز أن يكون المعنى: لا يَسْأل عن حميمه، فيُحذف الجار، ويوصل الفعل [[من قوله: "والمعنى: لا يَسْأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم" إلى: "ويوصل الفعل". في بيان معنى من قرأ: "يَسأل" بفتح الياء. وقد قرأ بذلك: نافع، وابن عامر، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف. انظر: "كتاب السبعة في القراءات" 65، و"الحجة" 6/ 320، و"حجة القراءات" 722، و"تحبير التيسير" 192، و"النشر" لابن الجزري 2/ 390، و"إتحاف فضلاء البشر" للبنا: 423، و"البدور الزاهرة" لعبد الفتاح القاضي 324.]]. وروي عن ابن كثير: ﴿وَلَا يُسْأَلُ﴾ بضم الياء [[انظر مواضع قراءته في المراجع السابقة.]]، والمعنى: لا يُسأل حميم عن حميمه ليعرف شأنه من جهته، كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه، والقريب عن قريبه، وهذا أيضًا على حذف الجار) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الفارسي باختصار. انظر: "الحجة" 6/ 320 - 321.]]. وقال الفراء: أي لا يقال لحميم: أين حميمك؟ قال: ولست أشتهي ضم الياء؛ لأنه مخالف للتفسير، ولما أجمع عليه القراء [["معاني القرآن" 3/ 184 نقله عنه الواحدي بتصرف يسير.]]. قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ (يقال: بصرت به أبصر، قال الله تعالى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: 96]. وتقول: بصَّرني زيدٌ كذا، فإذا بنيت الفعل للمفعول به، وقد حذفت الجار قلت: بُصِّرتُ [زيدٌ] [[في النسختين: زيدًا، وأثبت ما جاء في الحجة لصوابه.]]، فعلى هذا ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾، وإنما جمع فقيل: (يبصَّرونهم) لأن الحميم [[بياض في: (ع).]]، وإنس كان مفردًا في اللفظ، فالمراد به الكثرة والجمع، يدلك على [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن الفارسي بتصرف. "الحجة" 6/ 320. وهذا القول في بيان صحة جواز حذف الجار، ثم وصل الفعل بالاسم الذي كان مجرورًا قبل حذف الجار، فينتصب لأنه مفعول الاسم الذي أسند إليه الفعل الممني للمفعول به.]] ذلك قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)﴾ [الشعراء: 100 - 101]. ومعنى: (يبصرونهم): يعرفونهم، ويرونهم، أي: يعرف الحميم الحميم حتى يعرفه [[بياض في: (ع).]]، ومع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه (هذا معنى قول المفسرين) [[ما بين القوسين ساقط من (أ). وممن قال بذلك: قتادة، وابن عباس. انظر: "جامع البيان" 29/ 73 - 74، وعزاه فقط إلى ابن عباس في: "معالم التنزيل" 4/ 393، و"المحرر الوجيز" 5/ 366، و"زاد المسير" 8/ 91.]]. قال مقاتل: يعني يعرفونهم فلا يكلمونهم [["تفسير مقاتل" 209/ أ.]]. قالوا [[لعله عني بذلك الثعلبي، لأن ما ساقه ورد بنصه عنه كما في: "الكشف والبيان" 12/ 183/ أ، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 393، و"لباب التأويل" 4/ 309.]]: (وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صَاحبه من الجن والإنس، فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته، ولا يسأله، ويبصر الرجل حميمه فلا يكلمه لاشتغالهم بأنفسهم) [[ما بين القوسين أورده الثعلبي بنصه في: الكشف والبيان. انظر: الحاشية السابقة.]]. وتمام الكلام الأول عند قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [[وهو أيضًا تام عند أبي حاتم، وحسن عند الأشموني. انظر: "القطع والائتناف" للنحاس: 2/ 760، و"المكتفى في الوقف والابتداء" للداني: 586، و"منار الهدى في بيان الوقف والابتداء" للأشموني: 404.]]، وهذا يدل على صحة قراءة العامة، ومعنى القراءة الثانية لا تتصل بقوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾. قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾ قال المفسرون: يعني المشرك الكافر [[قال بذلك: ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، وقال ابن عطية: المراد في هذه الآية الكافر؛ بدليل شدة الوعد، وابن الجوزي، والفخر، والقرطبي، والخازن. وذكر الفخر قولًا آخر، وهو: أن الآية تتناول كل مذنب. انظر: "جامع البيان" 29/ 75، و"الكشف والبيان" 12/ 183/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 393، و"المحرر الوجيز" 5/ 367، و"زاد المسير" 8/ 91، و"التفسير الكبير" 30/ 126، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 286، و"لباب التأويل" 4/ 309.]]. قوله: ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ فصيلة الرجل: رَهْطُه الأدْنَوْن [[بياض في: (ع).]]، وكان يقال للعباس: فصيلة النبي -ﷺ-. قاله أبو عبيد [["تهذيب اللغة" 12/ 192 فصل، وانظر قوله أيضًا في: "التفسير الكبير" 3/ 127.]]. وقال الليث: الفصيلة: فَخِذ الرجل [[بياض في: (ع).]] من قومه الذي هو منهم [[المرجع السابق.]]. وقال أبو عبيدة، [["مجاز القرآن" 2/ 269، وعبارته فيه: "دون القبيلة، الشعوب أكثر من القبائل، ثم الفصيلة فخذ الرجل التي تؤويه".]] والمبرد [[الجامع لأحكام القرآن بمعناه: 18/ 286.]]: الفصيلة دون القبيلة في النسب، أي أقرب وأخص من القبيلة. وقال رؤبة: والناسُ إن فَصَّلْتُهُمْ فصائلا [[ورد البيت في: "ديوانه" 122، وفي "الكامل" 3/ 1092.]] كلٌّ إلينا يَبْتَغي الوَسائِلا وقال أبو العباس: الفصيلة: القِطْعة من أعضاء الجسد [[في (ع). الرجل، وكتبت في الهامش: (الجسد) من النسخة نفسها.]]، وهي دون القبيلة [["تهذيب اللغة" 12/ 192 مادة: (فصل).]]. وعشيرة الرجل سميت فصيلة تشبيهًا بالبعض منه. قال ابن عباس: يريد عشيرته وأقاربه التي ينتهي إليه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال مقاتل: يعني فخذه الأدنى يأوي إليهم [["تفسير مقاتل" 209/ أ.]]. يقول الله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ بهذه الأشياء ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ ذلك الفداء. ﴿كَلَّا﴾ لا ينجيه ذلك، ولو افتدى به كله. ثم استأنف فقال: ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ (ولظى من أسماء النار نعوذ بالله منها، وهي معرفة لا تنصرف؛ فلذلك لا تنون. وقال الليث: اللظى: اللهب الخالص [[تهذيب اللغة: 14/ 395، (لظى)، وانظر: "لسان العرب" 15/ 248، (لظى).]]، ويقال: لَظيت النارُ، تلظى لظًى [[في (ع): لظًا.]]، وتلظت [[في (أ): تلظيت.]] تلظياً، ومنه قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14]) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري في "تهذيب اللغة" بتصرف يسير.]]. وقوله: ﴿نَزَّاعَةً﴾ مرفوعة [[قرأ بالرفع في: ﴿نَزَّاعَةً﴾ عامة القراء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وجعفر، ويعقوب، وخلف. انظر: "الحجة" 6/ 319، و"المبسوط" 381، و"التبصرة" لمكي 708، و"إتحاف فضلاء البشر" 424.]] على وجوه: أحدها: أن تجعل (الهاء) في (إنها) عماداً [[أي: ضميرًا منفصلًا، ولفظ "العماد" من اصطلاحات الكوفيين، وسموه بذلك لأنه يعتمد عليه في الفائدة، إذ به يتبين أن الثاني خبر لا تابع، وبعض الكوفيين يسميه: دعامة؛ لأنه يدعم به الكلام، أي: يُقَوَّى ويُؤَكَّدُ. انظر: "نحو القراء الكوفيين" 341.]]، وتجعل (لظى) اسم (إن)، و (نزاعة [[بياض في: (ع).]]) خبر (إن)، كأنه قيل: إن لظى نزاعة. والآخر: أن تجعل [[في (أ): يجعل.]] (الهاء) ضميراً للقصة، وهو الذي يسميه الكوفيون: المجهول، وتكون "لظى"، و (نزاعة) خبراً لـ (إن)، كما تقول: حُلْوٌ حامِضٌ تريد أنه قد جمع الطعمين. والمعنى: أن القصة والخبر لظى نزاعة [[من قوله: "وهو الذي يسميه الكوفيون" إلى: "والخبر لظى" مكرر في نسخة: (ع، و) أحدهما في غير موضعه الصحيح، وهو خطأ من الناسخ.]] للشوى. والوجه الثالث: أن يرفع على الذم بإضمار (هي) على معنى: هي نزاعة [[بياض في: (ع).]]. وهذا قول الأخفش [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 185، نقله الواحدي بالمعنى، ولم يذكر الفراء إلا وجهين فقط.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 221، ونقل الإمام الواحدي أغلب النص عنه.]]. ومن قرأ (نزاعةً) بالنصب [[ممن قرأ بالنصب في: "نزاعة": حفص عن عاصم. انظر: الحجة: 6/ 319، كتاب التبصرة: 708، و"إتحاف فضلاء البشر": 424.]]، قال أبو إسحاق: أما نصب (نَزَّاعة) فعلى أنها حال مؤكدة، كما قال: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: 91]، وكما تقول: أنا زيدٌ معروفاً؛ قال [[أي: أبو إسحاق الزجاج.]]: ويجوز أن يُنصب على معنى: أنها تتلظى نزاعة للشوى [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 221 بنصه.]]. قال أبو علي: (حمله على الحال يبعد، وذلك لأنه ليس في الكلام ما يَعمل في الحال، فإن قلت: في قوله: (لظى) معنى (على) [[ساقط من: (ع).]] التلظي، والتلهب، فإن ذلك لا يستقيم؛ لأن لظى معرفة لا تنتصب عنها الأحوال، ألا ترى أن ما استعمل استعمال الأسماء من اسم فاعل، أو مصدر لم يعمل عمل الفعل نحو: صاحب، ودَرٍّ [[الدر: العمل من خير وشر، ومنه قولهم: لله دَرُّك، يكون مدحًا، ويكون ذمًّا. انظر "تهذيب اللغة" 14/ 61، مادة: (درر).]] في قولك: لله دَرُّك، فإن لم يعمل هذا النحو الذي هو اسمُ فاعل، أو مصدر عمل الفعل من حيث جرى مجرى الأسماء، فأن لا يعمل الاسم المعرفة عمله أولى. ويدلك على تعرف هذا الاسم وكونه علماً أن التنوين لم تلحقه، فإذا كان كذلك لم تنتصب الحال عنه، فإن جعلتها مع تعريفها قد صارت معروفة بشدة التلظي، جاز أن تنصبه بهذا المعنى الحادثِ في العَلَم، وإن علّقت (نزاعة) بفعل مضمر نحو: أعنيها نزاعة للشوى لم يمتنع) [[ما بين القوسين من قول أبي علي؛ نقله عنه باختصار. "الحجة" 6/ 319 - 320.]]. والشوى: الأطراف، وهي: اليدان [[بياض في: (ع).]]، والرجلان، ومنه قول امرئ القيس: سليم الشظى [[في (ع): (الشظا).]] عَبْلِ الشَّوَى شَنِجِ النَّسا [[في (ع): (شيخ النسا وعبل الشوى) تقديم وتأخير.]] [[هذا صدر بيت، وعجزه: لَه حَجَبَاتٌ مُشرِفاتٌ على الفالي وقد ورد البيت في: "ديوانه" 143، دار صادر، و"الأضداد" لابن الأنباري: 230، و"الكشف والبيان" 12: 184/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 289. ومعناه: الشظى: عظم لاصق بالذراع. الشوى: اليدان والرجلان، الشنج: الصلب، النسا: عرق في الفخذ، الحجبات: رؤوس عظام الوركين. الفالي: اللحم الذي على الورك، وأصله الفائل. كما ورد الشطر الأول من البيت منسوبًا لدريد بن الصمة في شعر يرثي به عبد الله أخاه، وقد قتلته بنو عبس، قال: == سَليم الشَّظَى عَبْلِ الشَّوى شنجِ النسا ... طويلِ القَرا نهْدٍ أسيلِ المُقَلَّدِ انظر: "ديوان دريد بن الصمة": 51.]] ومن هذا يقال للرامي إذا لم يصب القتل: أشوى، أي أصاب الشوى، والشوى ليس بمقتل، والشوى أيضًا جلد الرأس، واحدتها شواة. ومنه قول الأعشى: قالتْ قُتَيْلَةُ ما لَه ... قدجُلِّلَتْ شَيْباً شَواتُه [[ورد البيت في "ديوانه" 138، وانظر: مادة: (شوى) من غير نسبة في "تهذيب اللغة" 11/ 442، و"الصحاح" 6/ 2399، و"لسان العرب" 14/ 447، و"تاج العروس" 10/ 204، كتاب "الأضداد" لابن الأنباري 230، و"مجاز القرآن" 2/ 268، و"جامع البيان" 29/ 76، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 320، و"النكت والعيون" 6/ 93، و"المحرر الوجيز" 5/ 365، و"التفسير الكبير" 30/ 128، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 288، و"إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 2/ 390، و"البحر المحيط" 8/ 330، و"الدر المصون" 6/ 377، و"فتح القدير" 5/ 290، و"روح المعاني" 29/ 60.]] (هذا قول جميع أهل اللغة [[انظر: الفراء في "معاني القرآن" 3/ 185، أبو عبيدة في: "مجاز القرآن" 2/ 268، الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 221، وانظر أيضًا: كتاب حروف الممدود والمقصور: لابن السكيت؛ تح د. حسن فرهود: 117، و"تهذيب اللغة"، و"الصحاح"، و"لسان العرب"، و"تاج العروس" مراجع سابقة.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]]. قال مقاتل: تنزع النار الهامة [[بياض في: (ع).]] والأطراف، فلا تترك لحمًا ولا جلدًا إلا أحرقته [["تفسير مقاتل" 209/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 394، و"بحر العلوم" 3/ 404.]]. وأكثر المفسرين [[قال بذلك: قتادة، وأبو صالح. انظر: "بحر العلوم" 3/ 403، و"النكت" 6/ 93، و"القرطبي" 8/ 289، و"الدر المنثور" 8/ 282، وعزاه إلى ابن المنذر عن أبي صالح، و"فتح القدير" 5/ 290. وبه قال الفراء في "معاني القرآن" 3/ 185، والزجاج في "معاني القرآن" 5/ 221، وأبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 268، وإليه ذهب الطبري في "جامع البيان" 29/ 76، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 394.]] على أنها: الأطراف، (وهو قول مجاهد [["الدر المنثور" 8/ 282، وعزاه إلى ابن أبي شيبة.]] [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]). وقال سعيد بن جبير: للعصب والعقب [["الكشف والبيان" 12/ 183/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 394، و"زاد المسير" 8/ 92، و"التفسير الكبير" 30/ 128. ومعنى العَصَب -بفتحتين-: أطناب المفاصل التي تُلائم بينها وتشدها. انظر: "لسان العرب" 1/ 602 (عصب)، و"المصباح المنير" 2/ 492. والعقب -أيضًا بفتحتين-: أطناب المفاصل، وبكسر القاف: مؤخر القدم، والمراد هنا المعنى الأول. انظر: "المصباح المنير" 2/ 500، (عقب).]]. وقال أبو إسحاق: لحم [[في (ع): للحم.]] الساقين [[بياض في (ع). ولم أعثر على مصدر لقول أبي إسحاق.]]. وقال ثابت البناني: لمكارم وجه بني آدم [["الكشف والبيان" 12/ 183/ ب، و"التفسير الكبير" 3/ 128، و"الدر المنثور" 8/ 282، وعزاه إلى ابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 290.]]. قوله تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17)﴾ قال ابن عباس: تدعو [[في كلا النسختين: تدعوا.]] من أدبر عن الإسلام، ودعاؤها أن تقول: إليَّ يا مشرك، إليَّ يا كافر، إليَّ يا منافق، إليَّ يا فاسق، إليَّ يا ظالم [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد من غير عزو في "فتح القدير" 5/ 290.]]. وقال مقاتل: تدعو [[بياض في: (ع).]] النار يوم القيامة: إليَّ أهلي، إليَّ أهلي [["تفسير مقاتل" 209/ أ.]]. فهذا دعاؤها، وهذا قول المفسرين؛ قالوا: تدعُو من أدبر عن الحق باسمه [[وهو قول ابن عباس. انظر: "الكشف والبيان" 12/ 184/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 394، و"المحرر الوجيز" 5/ 365، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 289، و"لباب التأويل" 4/ 309. وقال به الفراء في: "معاني القرآن" 3/ 185، والزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 221 - 222.]]. وقال المبرد: تدعو معناه بعذاب [[و [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]] لم أعثر على مصدر لقوله.]]. روى عمرو عن أبيه: الداعي المعذب دعاه الله، أي: عذبه (¬5). (قوله تعالى) [[عني بقوله: قالوا: أي أهل التفسير، وممن قال بذلك: مجاهد كما في: "جامع البيان" 29/ 78، وعبارته: "جمع المال". وقال بذلك أيضًا: الثعلبي في: "الكشف" 12: 184/ أ، والماوردي في "النكت والعيون" 6/ 94، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 394، وبمعناه قال الفخر في: "التفسير الكبير" 30/ 138، وقد حكاه القرطبي في: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 289، وابن كثير في: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 449. ومعنى أوعى لغة: يقال: أوعيت الزاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء. انظر: "الصحاح" 6/ 2525 مادة: (وعى). وقال ابن فارس: "الواو والعين والياء: كلمة تدل على ضم الشيء". "معجم مقاييس اللغة": 6/ 124 مادة: (وعى).]]: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18)﴾ قالوا: جمع المال، فأمسكه ولم ينفقه في طاعة الله (¬7). ومعنى أوعى: جعله في وعاء، فلم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحما. (قوله تعالى) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]]: ﴿الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19)﴾ يقال: هلع الرجل، يهْلَع هَلَعًا وهلاعًا، فهو هالِع وهلُوع، وهو شدة الحرْص، وقلة الصبر، يقال: جَاعَ فهلع، وأصيب فهلع، أي قلّ صبرُه. قال عمرو بن مَعْديكرب: ما إن جزِعْتُ ولا هَلَعْـ ... ـتُ ولا يرد بكاي [[في (أ): بكا.]] زَنْدا [[ورد البيت في: "شعر عمرو بن معدي كرب الزبيدي"، جمع مطاع الطرابيشي: 65. ومعنى البيت: الهلع: أفحش أنواع الجزع؛ لأنه جزع مع قلة الصبر، فكأنه قال: ما جزعت عليه حزنًا هينًا ولا فظيعًا، وهذا نفي للحزن رأسًا. وقوله: ولا يرد بكاي زندا: يستعملون الزَّنْد في معنى القلة، كما يستعملون الفُوف والنقير والقطمير. انظر: شعر عمرو بن معدي كرب: المرجع السابق (الحاشية).]] هذا قول جماعة [[في (ع): جميع.]] أهل اللغة [[انظر مادة (هلع) في "تهذيب اللغة" 1/ 144، و"الصحاح" 3/ 1308، و"لسان العرب" 8/ 374 - 375، و"تاج العروس" 5/ 560.]]. وقال الفراء: الهلوع: الضجور [[غير واضحة في (ع).]] [[ورد قول الفراء في: "معاني القرآن" 3/ 185 بنصه.]]. وقال المبرد: الهلع، والجزع: يقال [[في (أ): تقول.]]: نعوذ بالله من الهَلَع عند منازلة الأقران [[غير واضحة في: (ع).]] [[ورد قول المبرد في: "الكامل" 3/ 1092، ونقله الواحدي عنه بتصرف. ويراد بالأقران، ومفرده القِرْن -بالكسر-: الكُفْءُ، والنظير. انظر: "لسان العرب" 13/ 337، (قرن).]]. وأكثر المفسرين [[وهو قول ابن عباس، انظر: "جامع البيان" 29/ 78، و"النكت والعيون" 6/ 94، و"زاد المسير" 8/ 92، و"الدر المنثور" 8/ 283، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وبه قال أيضًا: ابن كثير 4/ 449.]] وأهل اللغة [[وبه قال الفراء، وأبو عبيدة، والزجاج. انظر: "معاني القرآن" 3/ 185، و"مجاز القرآن" 2/ 270، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 222.]] قالوا: تفسير الهلوع: (قوله تعالى) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]]: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)﴾، وهو الحريص الجازع. وألفاظ المفسرين في هذه قريبة المعنى؛ بعضها من بعض، قالوا: هو الجزع، الضجور، الشره، في ألفاظ كثيرة تعود إلى هذا المعنى [[والأقوال التي جاءت في تفسير: "الهلوع" عدها الماوردي سبعة أوجه: منها ما جاء عن ابن عباس. انظر: الحاشية السابقة. والآخر: الحريص على ما لا يحل له. وهو قول ابن عباس أيضًا. انظر: "الكشف والبيان" 12: 184/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 394، و"زاد المسير" 8/ 93، و"لباب التأويل" 4/ 309. والثالث: الجزوع. قاله ابن زيد، وقتادة. انظر: "تفسير القرآن": لعبد الرزاق: 2/ 317 معزوًا إلى قتادة فقط، جامع البيان، و"الكشف والبيان" مرجعان سابقان، و"الدر المنثور" 8/ 284، وعزاه إلى ابن المنذر، وعبد الرزاق عن قتادة، وإليه ذهب اليزيدي، ومكي بن أبي طالب. انظر: "غريب القرآن وتفسيره" 389، و"تفسير المشكل من غريب القرآن العظيم": 356. والرابع: البخيل. قاله الحسن، == والضحاك. انظر: "زاد المسير" 8/ 93. والخامس: الشره. قاله مجاهد، وابن عباس. المرجع السابق، و"الدر المنثور" 8/ 284، وعزاه إلى ابن المنذر عن ابن عباس. والسادس: الضجور: قاله عكرمة، وقتادة، ومقاتل. انظر المرجع السابق، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 290، وإليه ذهب السجستاني في "نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن العظيم" 477. والسابع: الشحيح الجزوع. قاله سعيد بن جبير. انظر: "الكشف والبيان" 12: 184/ ب، و"الدر المنثور" 8/ 283، وعزاه إلى ابن المنذر.]]. ثم نعته فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20)﴾. يعني البؤس والفقر. ﴿جَزُوعًا﴾ لا يصبر، ولا يحتسب. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾ إذا أصاب المال. (منوعا) يمنعه من حقوق الله.

المعارج 70:22

﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾ وذلك أن الإنسان اسم الجنس، فهو في معنى الناس [[لعله قول الزجاج نقله عنه الواحدي بتصرف. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 222، وعبارة الزجاج: الإنسان هاهنا في معنى الناس، فاستثنى الله -عز وجل- المؤمنين المصلين، فقال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾. انظر: "الدر المصون" 6/ 378.]].

المعارج 70:23

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾ قال عبد الله [[بياض في: (ع).]] [[عبد الله هو: عبد الله بن مسعود، وقد ورد قوله هذا في: أحكام القرآن للجصاص: 3/ 486، و"النكت والعيون" 6/ 95، و"زاد المسير" 8/ 94، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 391، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 450، و"الدر المنثور" 8/ 284، وعزاه إلى ابن أبي شيبة في "المصنف".]]، وابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: يعني على مواقيتها يقيمونها في أوقاتها. قال إبراهيم: هي المكتوبة [["جامع البيان" 29/ 79، و"الدر المنثور" 8/ 284، وعزاه إلى عبد بن حميد.]]. وقال مقاتل: لا يدعونها بالليل والنهار [["تفسير مقاتل" 209/ أ.]]. وروي عن عمران بن حُصَين [[ورد قوله هذا في: "أحكام القرآن": للجصاص: 3/ 468، و"الدر المنثور" 8/ 284، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.]]، وعقبة بن عامر [[ورد قوله هذا في: "جامع البيان" 29/ 80، و"الكشف والبيان" 12/ 185/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 95، و"معالم التنزيل" 4/ 395، و"المحرر الوجيز" 5/ 368، و"زاد المسير" 8/ 94، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 291، و"لباب التأويل" 4/ 310، و"الدر المنثور" 8/ 284 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.]] -رضي [[بياض في: (ع).]] الله عنهما- أنهما قالا: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يميناً ولا شمالاً. قال أبو إسحاق: (أي أنهم لا يزيلون وجوههم عن سمْت [[غير مقروءة في (ع). ويراد بالسمت: الطريقة، والقصد. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: 2/ 397. وقال ابن منظور: السمت: حسن النحو في مذهب الدين. "لسان العرب" 2/ 46، (سمت).]] القبلة، واشتقاقه من الدائم، وهو الساكن [[بياض في: (ع).]]، ومنه الحديث في النهي عن البول في الماء الدائم) [[ما بين القوسين ناقله الواحدي عن الزجاج -أبي إسحاق- بتصرف يسير: 5/ 222.]] [[بياض في (ع). والحديت أخرجه مسلم 1/ 235 ح: 94 - 97، في الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد، من طرق، منها عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -ﷺ- قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه. ورواه أيضًا بألفاظ أخرى. == كما أخرجه الدرامي 1/ 197 ح 731، كتاب الطهارة، وأحمد في المسند 2/ 288، و464، و532، وابن ماجه 1/ 68ح 351 - 353، والترمذي 1/ 100 ح: 68 وقال عنه: (هذا حديث حسن صحيح)، والنسائي 1/ 52 ح: 57 - 58.]].

المعارج 70:24

قوله تعالى [[(تعالى) ساقطة من: (ع).]]: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24)﴾ قال الحسن [["التفسير الكبير" 30/ 130.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وابن سيرين: يعني الزكاة المفروضة [[ورد قوله في: "التفسير الكبير" 30/ 130، و"زاد المسير" 7/ 207: آية 19 من سورة الذاريات، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 38، آية 19 من سورة الذاريات، و"فتح القدير" 5/ 292 - 293.]]. روى عكرمة عن ابن عباس [[بياض في: (ع).]] قال: من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه [[بياض في: (ع).]] أن لا يتصدق [[ورد قوله هذا في: "التفسير الكبير" 30/ 130.]]. وقال آخرون: هذا الحق سوى الزكاة [[في (ع): الزكوة.]]، وهو قول: عامر [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 81، و"المحرر الوجيز" 5/ 368.]]، ومجاهد [["جامع البيان" 29/ 81، و"المحرر الوجيز" 5/ 368، و"التفسير الكبير" 30/ 130، و"فتح القدير" 5/ 293.]]، وعطاء [["التفسير الكبير" 30/ 130.]] (وإبراهيم [[ورد قوله في: "جامع البيان" 30/ 81، و"التفسير الكبير" 30/ 130.]]، ورواية هشام [[هو: هشام بن حسان الأزدي القْرْدُوسيُّ، أبو عبد الله البصري، روى عن الحسن == البصري، وهو من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما. مات أول يوم من صفر سنة 148 هـ. روى له الجماعة. انظر: "العلل" لابن المديني 63 - 64 ت: 83 - 84، و"حلية الأولياء" 6/ 269 ت 375، و"طبقات المدلسين" 47 ت 110، و"تقريب التهذيب" 2/ 318.]] عن الحسن [["المحرر الوجيز" 5/ 683.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، وقد ذكرت عبارة: (وغيرهم)، بدلًا مما بين القوسين.]]، وقول ابن عمر [["المحرر الوجيز" 5/ 368، قال ابن عطية -فيما قاله ابن عمر-: وهذا هو الأصح في هذه الآية؛ لأن السورة مكية، وفرض الزكاة وبيانها إنما كان بالمدينة.]]، قالوا: في المال حق سوى الزكاة [[بياض في (ع). ومن قوله: "وهو قول عامر" إلى: "في المال حق سوى الزكاة" مكرر في نسخة أ.]]، وهذا يكون على طريق الندب والاستحباب [[قال ابن العربي عند تفسير الآية 19 من سورة الذاريات: "والأقوى في هذه الآية أنه الزكاة؛ لقوله تعالى في سورة سأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، والحق المعلوم هو الزكاة التي بين الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم؛ لأنه غير مقدر، ولا مجنس، ولا موقت". أحكام القرآن: 4/ 1730. وإلي هذا ذهب القرطبي. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 291. وقال الشوكاني: "والظاهر أنه الزكاة لوصفه لكونه معلومًا، ولجعله قرينًا للصلاة". "فتح القدير" 5/ 293. كما بين الشيخ الشنقيطي أن الآية في الزكاة المفروضة، قال: "لأن الحق المعلوم لا يكون إلا في المفروض، وهو قول أكثر المفسرين، ولا يمنع أن السورة مكية، فقد يكون أصل المشروعية فيه بمكة، ويأتي التفصيل بالمدينة، وهو السنة الثانية من الهجرة". أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: 8/ 462.]]. قوله: ﴿لِلسَّائِلِ﴾ يعني الذي يسأل. ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ [[في (أ): (المحروم) بغير واو.]] قال ابن عباس: هو الذي أصيب زرعه أو تجارته، وهو لا يسأل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال أبو قلابة: كان رجل من أهل اليمامة [[اليمامة: واحدة اليمام، وهو طائر. وهو بلد كبير فيه قرى وحصون وعيون ونخل. وهي معدودة من نجد، وقاعدتها حجر، وكان اسمها أولًا جوًّا، والعروض. انظر: "معجم البلدان" لياقوت الحموي 5/ 441، "مراصد الاطلاع" للبغدادي: 3/ 1483.]] له مال، فجاءه سيل [[في (أ): سائل.]]، فذهب بماله، فقال رجل من أصحاب محمد -ﷺ-: هذا المحروم فاقسموا له [["جامع البيان" 29/ 83؛ "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 39، سورة الذاريات: الآية: 19؛ "تفسير القرآن العظيم" 4/ 251 سورة الذاريات: 19.]]. وقال أبو إسحاق: هو الذي حرم المكاسب وهو لا يسأل [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 222 بشيء من التصرف.]]. وقد فسرنا هذا [[أي من الآيات 26 - 33.]] في سورة الذاريات [[عند الآية 19 من الذاريات، ومما جاء في تفسيرها: "معنى المحروم في اللغة: الذي حرم الخير حرمانًا. واختلفوا في المحروم من هو، فقال ابن عباس وغيره: هو المحارف. المحارف هو الذي ليس له في الغنيمة شيء، ولا في الإسلام سهم، ولا يجري عليه من الفيء شيء. وقال قتادة وغيره: المحروم المتعفف الذي لا يسأل. وقال عكرمة: هو الذي لا ينمو له مال. وقال ابن زيد: هو المصاب ثمره، أو زرعه، أو سل ماشيته. وقال ابن سيرين وغيره: هو الزكاة، أي إذا حصدوا أعفوا الزكاة. وعن ابن أبي نجيح: حق سوى الزكاة".]]، وما بعد هذا [[أي من الآيات 5 - 8، وتفسير الآيات كما هو في المشار إليه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)﴾: == قال الليث: الفرج اسم يجمع سوءات الرجال والنساء، فالقبلان هما وما حولهما كله فرج، وكذلك من الدواب. وفي اللغة: الفرجة بين الشيئين، ولهذا سمي ما بين قوائم الدابة الفروج. ومعنى الآية: قال الكلبي: يعفّون عما لا يحل لهم. وقال الزجاج: يحفظون فروجهم عن المعاصي. قوله ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾، أي: إلا من أزواجهم، فـ"على" بمعنى "من". وقال مقاتل: يعني: حلائلهم والولائد، فإنهم لا يلامون على الحلال. وقال أهل المعاني: هذه الآية مخصوصة بالحالة التي تصح فيها، وعلى الزوجة والأمة، وهي أن لا تكون حائضًا، ولا مظاهرًا عنها، فلا تكون الأمة مزوجة، ولا في عدة زوج. قوله ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾، أي: فمن ابتغى الفواحش بعد الأزواج والولائد. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يعني المبتغين. ﴿هُمُ الْعَادُونَ﴾، أي: الجائرون الظالمون. قولى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها أمانات الناس التي ائتمنوا عليها. والثاني: أنها أمانات بين الله وبين عبده مما لا يطلع عليه إلا الله، كالوضوء، والغسل من الجنابة، والصيام وغير ذلك. وقرأ ابن كثير [لأمانتهم] واحدة. والأمانة تختلف، ولها ضروب نحو: الأمانة التي بين الله وبين عبده. والأمانة التي بين العباد في حقوقهم. ومعنى ﴿رَاعُونَ﴾ حافظون. وأصل الرعي في اللغة: القيام على إصلاح ما يتولاه من كل شيء. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34)﴾. قال إبراهيم: عن الصلوات المكتوبة. وقوله ﴿يُحَافِظُونَ﴾ قال ابن عباس، وأكثر المفسرين: على مواقيتها.]] مفسر في سورة المؤمنين إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33)﴾ [المعارج: 33]. (وقرئ ﴿بشهادتهم﴾ [[قرأ ﴿بشهادتهم﴾ جماعة، روى عباس عن أبي عمرو، والحلواني عن أبي معمر، وعبد الوارث عن أبي عمرو، وحفص عن عاصم أيضا جماعة. انظر: كتاب السبعة: 651، الحجة: 6/ 322؛ المبسوط: 381؛ حجة القراءات: 724؛ النشر: 2/ 391، و"البدور الزاهرة" 326.]]، والإفراد أولى [[بياض في (ع)، وقد قرأ بذلك -أي بالإفراد-: ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو، وحمزة والكسائي. انظر: المراجع السابقة.]]؛ لأنه مصدر، فيفرد كما تفرد المصادر وإن أضيف إلى الجمع، كما قال: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]، ومن جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات [[بياض في: (ع).]]، وكثرة ضروبها، فحسن [[في (أ): يحسن.]] الجمع من جهة الاختلاف) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن أبي على الفارسي بتصرف. انظر: الحجة: 6/ 321 - 322.]]. وأكثر المفسرين [[قال بذلك السمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 404، والفخر في: "التفسير الكبير" 30/ 130، وعزاه إلى أكثر المفسرين؛ والقرطبي في: الجامع الأحكام القرآن: 18/ 292، وأورد القول من غير تخصيص -عند الحكام- عند الطبري في: "جامع البيان" 29/ 84، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12: 85/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 395، وابن عطية في: "المحرر الوجيز" 5/ 369؛ وعزاه إلى جماعة المفسرين.]] قالوا: يعني الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها. روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الشهادة بأن الله واحد لا شريك له [["المحرر الوجيز" 5/ 369؛ و"التفسير الكبير" 30/ 131.]]. والمعنى: أنهم يحفظون ما شهدوا به من هذه الشهادة، فلا يشركون بالله.

المعارج 70:36

(قوله تعالى) [[ساقط من ع.]]: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36)﴾ نزلت هذه الآيات [[في (ع) زيادة كلمة: (نزلت)، وهي زيادة لا فائدة فيها.]] في جماعة المستهزئين، جلسوا حول النبي -ﷺ- حلقاً يستهزئون بالقرآن، ويكذبون به. يقول الله تعالى: ما لهم في النظر نحوك، والجلوس عندك، وهم لا ينتفعون بما يسمعون؛ وذلك أن نظرهم إليه كأنه نظر عداوة، وجلوسهم عند الاستهزاء [["معالم التنزيل" 4/ 395؛ "زاد المسير" 8/ 94؛ "التفسير الكبير" 30/ 131، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 293؛ "لباب التأويل" 4/ 310.]]. قال ابن عباس: يريد: نحوك مقبلين [[غير مقروءة في (ع).]] [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال الكلبي: ناظرين إليك تعجبًا [["النكت والعيون" 6/ 96، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 293، و"فتح القدير" 5/ 293.]]. وقد تقدم تفسير "المهطع" [[قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)﴾ إبراهيم: 43، وقال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)﴾ سورة القمر: 8. وخلاصة المعنى في قوله ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أنها تتناول معنيين: أحدهما: مسرعين، والآخر: ناظرين مديمي النظر، قال الواحدي: والجامع لهذه الأقوال قول من قال: الإهطاع: إسراع مع إدامة نظر.]].

المعارج 70:37

وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37)﴾، وذلك أنهم كانوا عن يمينه وعن شماله مجتمعين [[لعله من قول الزجاج، فقد ورد عنه: "فكانوا عن يمينه وشماله مجتمعين". "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 223.]]. ومعنى ﴿عِزِينَ﴾ جماعات في تفرقة، واحدها عِزَة، وهي: العصبة من الناس، وهو من المنقوص الذي جاز جمعه بالواو والنون عوضاً من المحذوف، وأصلها عِزوة [[لعل الواحدي نقله بتصرف عن تهذيب اللغة عن الليث: 3/ 98، مادة: (عزا)، == وعبارته: "قال الليث: العِزة: عُصبة من الناس فوق الحَلْقة، والجماعة: عِزون، ونقصانها واو. وانظر أيضًا ما جاء عن الواحدي في مادة: (عزا) في المصادر التالية: "الصحاح" 6/ 2425، و"لسان العرب" 15/ 53.]]. والكلام في هذا كالكلام في (عضين [[سورة الحجر: 91، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91)﴾. وقد جاء في تفسيرها: ذكر أهل اللغة في واحد ﴿عِضِينَ﴾ قولين: أحدهما: إن واحدها: عضة، وأصلها عضوة، من عضيت الشيء إذا فرقته، وكل قطعة عِضَة، وهي مما نقص منها واو، وهي لام الفعل، والتعضية: التجزئة والتفريق. قال ابن عباس في قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: يريد جزؤوه أجزاء، فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: مفترى. القول الثاني: إنها عضة، وأصلها عضهة، فاستثقلوا الجمع بين هاءين، فقالوا: عضة. وهي من العضة بمعنى الكذب. وقال ابن السكيت: العضية أن تعضه الإنسان وتقول فيه ما ليس فيه، قال عكرمة: العضهْ: السحر بلسان قريش، وهم يقولون للساحر عاضه. وذكر الفراء القولين جميعًا في المصادر والمعاني، وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ جعلوه سحرًا مفترى، وجمعت العضة جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف، فجعل الجمع بالواو والنون عوضًا مما لحقها من الحذف.]])، وقد مرَّ. وقال الأزهري: وأصلها من قولهم: عزا فلان نفسه إلى بني فلان، يعزوها عزوًا: إذا انتمى [[في (أ): انتهى.]] إليهم، والاسم: العَزوة، وكأن العزوة كل جماعة اعتزاؤها واحد [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 98، مادة. (عزا)، ونقله الأزهري عن أبي زيد، وليس من قول الأزهري -كما ذكر الواحدي-، وقد نقله الواحدي عنه بتصرف واختصار.]]. قال المفسرون [[ممن قال بذلك: الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 223، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12: 185/ ب، 186/ أ، وقال به أيضًا: ابن عطية في: == "المحرر الوجيز" 5/ 370، وابن الجوزي في: "زاد المسير" 8/ 94، والقرطبي في: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 294.]]: كانوا يقولون: إن كان أصحاب [[غير واضحة في: (ع).]] محمد يدخلون الجنة، فإنا ندخلها [[قوله: (الجنة فإنا ندخلها) بياض في. (ع).]] قبلهم، وإن أعطوا فيها شيئاً أعطينا أكثر منه، فقال الله عز وجل: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38)﴾، والنعيم: ضد البؤس. قال (ابن) [[ساقطة من: (أ).]] عباس: يقول: أيطمع كل رجل منهم أن يدخل جنتي كما يدخلها المسلمون، ويتنعم فيها، وقد كذب بنبيي [["معالم التنزيل" 4/ 395، و"لباب التأويل" 4/ 311.]]؟. ﴿كَلَّا﴾ لا يكون ذلك، ثم استأنف كلامًا يدل على [[بياض في: (ع).]] البعث [[في (أ): النعت.]] فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. هذا معنى قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 209/ ب.]]، وعلى هذا لا تعلق لهذا الكلام بما قبله. وقال غيره [[وهو قول: قتادة، وأبي بكر. انظر: تفسير عبد الرزاق: 2/ 318، وعزاه إلى قتادة، وكذا "جامع البيان" 29،/87، و"الكشف والبيان" 12: 186/ أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 370، وإلى قتادة فقط في: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 294، ومعنى قوليهما: إلى قوله: من المقاذير والأنجاس.]]: هذا يتعلق بما قبله؛ على معنى: أنهم يعلمون مما خلقوا من المقاذر [[بياض في: (ع).]] والأنجاس، فمتى يدخلون الجنة ولم يؤمنوا بربهم، ولم يصدقوا [[قوله: (بربهم ولم يصدقوا) غير واضح في: (ع).]] رسوله [[في (أ): رسله.]]! نبه الله تعالى بهذا [[في (أ): هذا.]] على أن الناس متساوون (كلهم) [[ساقطة من: (أ).]] من [[في (أ): في.]] أصل واحد وشيء واحد، فتضمن هذا أنهم متساوون في أصل الخلقة، وإنما يتفاضلون بالإيمان والطاعة، هذا معنى قول أكثرهم [[وهذا معنى قول: ابن جرير في: "جامع البيان" 29/ 87، وقال به أيضًا: ابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 370، وأورده ابن الجوزي في: "زاد المسير" 8/ 95، والقرطبي في: "الجامع" 18/ 294، والخازن في: "لباب التأويل" 4/ 311.]]. واختاره الزجاج، فقال: المعنى: فأي شيء لهم يدخلون به الجنة [[يدخلون به الجن: بياض في: (ع).]] [[النص في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 223.]]. وذُكر فيه قول آخر وهو أن المستهزئين [[بياض في: (ع).]] قالوا يحتقرون المؤمنين ويزرؤون بفقرائهم، فذكر الله أنهم مخلقون مما خلقوا. وهذا معنى قول الفراء: ولمَ يحتقرونهم، وقد خلقناهم جميعًا من تراب [["معاني القرآن" 3/ 186 باختصار يسير.]]؟!.

المعارج 70:40

قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ معناه: وأقسم، وقد مر هذا في مواضع [[منها ما جاء في سورة الواقعة: 75، وسورة القلم: 17، وسورة الحاقة: 38. وانظر ما جاء فيها من تفسير سورة الحاقة: 38.]]. وقوله: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ يعني مشرق كل [[بياض في: (ع).]] يوم من السنة، ومغربه. ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ على أن نهلكهم حين عصوا. ﴿أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ من يطيعني. وقال مقاتل: لقادرون على أن نخلق أمثل منهم، وأطوع لله [["تفسير مقاتل" 209/ ب.]]. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ مفسر في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ [[سورة الواقعة: 60. ومما جاء في تفسير: قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: يريد: لا يفوتني شيء أريده، ولا يمتنع مني أحد، وقال المفسرون: على أن نأتي بخلق مثلكم بدلًا منكم، وقال أبو إسحق: أي إن أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق، ولا يفوتنا.]]. وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ مفسر في آخر سورة الطور [[سورة الطور: 45. ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45)﴾: يقول: فخل عنهم، يعني لا يهتم بهم حتى يعاينوا يوم موتهم، وهذا تهديد لهم. ومعنى: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ يموتون.]]. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43)﴾، أي: ينسلون بسرعة، فكأنهم إلى عَلَمٍ نُصِبَ لهم يستبقون، وهذا كقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾، و ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: 51]، وكقوله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [[لعله عني الآية التي في سورة القمر: 7، فخلط الناسخ بينها وبين آية سورة المعارج، وتمامها: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7)﴾.]] الآيات. والنصب: كل شيء نُصب. قال ابن عباس: إلى غاية [[سورة القمر: 7، وقد سبق ذكرها.]]، أو علم يسرعون [[انظر: "الكشف والبيان" 12: 186/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 297. ووردت عنه بهذه الرواية في: "الكشف والبيان" 12: 187/ أ، وبنحوها في: "جامع البيان" 29/ 89 بعبارة: إلى علم يسعون، وكذا في: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 452، و"الدر المنثور" 8/ 287 وعزاه إلى ابن جرير.]]. وهو [قول] [[في كلا النسختين: أقوال، وما أثبته هو الصواب.]] أكثر المفسرين [[وهو قول: أبي العالية، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، والضحاك، وسفيان، وابن زيد، ومجاهد. انظر: "جامع البيان" 29/ 89 - 90، و"المحرر الوجيز" 5/ 371، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 452، و"الدر المنثور" 8/ 287، وبه قال الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 224.]]. وقال الحسن: يعني إلى أنصابهم أيهم يستلم أولاً [["جامع البيان" 29/ 90، و"معالم التنزيل" 4/ 396.]]، يعني الأوثان. قال أبو إسحاق: وهذا على قراءة من قرأ: ﴿نَصَبٌ﴾ بضمتين [[وممن قرأ بذلك: ابن عامر، وحفص عن عاصم بضمتين، وقرأ يعقوب: ﴿نَصَبٌ﴾ بفتح النون والصاد. وقرأ الباقون: ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ بفتح النون وسكون الصاد. انظر: "السبعة" 651، و"القراءات وعلل النحويين" 2/ 714، و"الحجة" 6/ 322 - 323، و"المبسوط في القراءات العشر" 382، و"الكشف والبيان" 12/ 336/ ب، و"النشر" 2/ 391.]]، كقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال: ومعناه: أصنام لهم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 224 نقله عنه بالمعنى.]]. قال أبو علي: (النُصْب) يجوز أن يكون جمع نَصْب مثل: سَقْفٍ، وسُقْفٍ، ووَرْدٍ، ووُرْدٍ، فيجوز فيه التخفيف والتثقيل [[بياض في: (ع).]]، مثل: أَسدٍ في جمع أُسَدٍ، قال ويجوز أن يكون النَّصْبُ والنُّصْبُ لغتين مثل: الضَّعْف، والضُّعف، ويكون التثقيل كَشُغْل، وشُغُل، وطُنْب، وطُنُب [[الحجة: 6/ 323 نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف يسير. قال ابن فارس: "النون والصاد والباء أصل صحيح يدل على إقامة شيء وإهداف في استواء، والنَّصب: حجر كان يُنصب فيُعبد، ويقال: هو النُّصُب، وهو حجر يُنْصب بين يدي الصنم تصب عليه دماء الذبائح للأصنام". 6/ 434 (نصب). وجاء في "الصحاح" "النَّصْب: ما نُصب فعبد من دون الله تعالى، وكذلك النُّصْب (بالضم، وقد يحرك"). 1/ 225 (نصب). وفي "لسان العرب" "النَّصْب، والنُّصُب: العلم المنصوب، وقيل: النَّصْب: الغاية، والأول أصح". 1/ 759 (نصب).]]. والكلام في النصب والأنصاب قد تقدم [[في سورة المائدة: 3، والآية: 90، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. "النصب جمع نصاب، وجائز أن يكون واحدًا وجمعه أنصاب، ويراد به -كما قال ابن عباس-: الأصنام التي تنصب وتعبد من دون الله. وقال الكلبي: النصب حجارة كانت يعبدونها. وقال الفراء: النصب: الآلهة التي كانت تعبد من حجارة، وقال الزجاج: النصب: حجارة كانت لهم يعبدونها، وهي الأوثان. وقال الآخرون: كانت حول الكعبة أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها، قالوا: وليست هي بأصنام، إنما الصنم ما يصور وينقش".]]. وقوله: ﴿يُوفِضُونَ﴾ قال [أبو عبيدة] [[في كلا النسختين: (أبي) عبيد، وأثبت ما رأيت أنه صواب لمماثلة القول لقول أبي عبيدة، وكثيرًا ما يخلط الناسخ بينهما. والله أعلم.]]: يسرعون [["مجاز القرآن" 2/ 270.]]. ونحو ذلك قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 224.]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 186.]]. وأنشدوا: لأنْعَتَنْ [[في (أ): لا نعيق.]] نَعامَةً مِيفاضا ... خَرْجاءَ ظلت تطلُبُ الأضاضا [[عند الزجاج برواية: "تعدو" بدلًا من "ظلت". وقد ورد البيت عند الزجاج والفراء (مرجعان سابقان) من غير نسبة، وكذا في: شرح أبيات معاني القرآن للفراء ومواضع الاحتجاج بها. د. ناصر حسين علي: 196 شاهد: 440 - 441، و"لسان العرب" 7/ 115، و250 مادة: (أضض)، و (فض) برواية: "تغدو"، و"الإضاضا"، و"تاج العروس" 5/ 6، مادة: (أضَّ)، و"جامع البيان" 29/ 89 برواية: "تغدو" الإضاضا"، و"الدر المصون" 6/ 381. وموضع الشاهد: "ميفاضا" من الإيفاض، وهو الإسراع. والمعنى: الخَرْج: اللون، فإذا رُقِّع القميص الأبيض برقعة حمراء، فهو أخرج، و: "تطلب الإضاضا"، أي: تطلب موضعًا تدخل فيه وتلجأ إليه. انظر: شرح أبيات معاني القرآن، مرجع سابق.]] قال الزجاج: الميفاض: السريعة، والأضاض: الموضع الذي يُلْجأ إليه، [يقال] [[ساقط من النسخين، ومثبت من معاني القرآن وإعرابه، وبه يستقيم المعنى.]]: أضَّتْني إليك حاجةً أضاضا [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 224 باختصار.]]. وقال المبرد: الإيفاض [[في (أ): الإيضاض.]]: ضرب من السير [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وجميع ألفاظ المفسرين دالة على الإسراع. قال ابن عباس [[راجع الحاشية رقم: 11 صفحة: 153.]]، وقتادة [["جامع البيان" 29/ 89، و"الكشف والبيان" 12: 187/ أ.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: يسعون. وقال أبو (العالية) [[غير واضحة لبياض في (ع)، وورد قوله هذا في: "جامع البيان" 29/ 89، و"الكشف والبيان" 187/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 97، و"المحرر الوجيز" 5/ 371، و"الدر المنثور" 8/ 287، وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، ومجاهد [[المراجع السابقة في مصادر قول أبي العالية عدا المحرر الوجيز.]]: يستبقون [[في (أ): يستمعون.]]. وقال الحسن: يبتدرون [["الجامع لأحكام القرآن" 18/ 297 مطولًا، و"الدر المنثور" 8/ 287، وعزاه إلى عبد بن حميد، كما ورد مطولًا أيضًا في "فتح القدير" 5/ 295.]]. وقال محمد بن كعب: يشتدون [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال الليث: الإبل تَفِضُ وَفْضًا، وتَسْتَوْفِض، وأوفَضَها صاحبها. وعلى هذا الإيفاض واقع، وهو في الآية مطاوع [[المطاوعة هي: قبول فاعل فعل أثر فاعل آخر يلاقيه اشتقاقًا، وهو حصول الأثر الأول للثاني مع التلاقي اشتقاقًا. انظر: معجم المصطلحات النحوية والصرفية: د. محمد اللبدي: 141.]]، ويقال: وفض واستوفض بمعنى واحد [["تهذيب اللغة" 12/ 82 مادة: (وفض)، نقله الواحدي عن الأزهري باختصار. وانظر مادة: (وفض) في: مختار "الصحاح" 730، و"تاج العروس" 5/ 97، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 486، المفردات في غريب القرآن: للراغب الأصفهاني: 528، و"نفس الصباح": 774، و"تحفة الأريب" لأبي حيان: 319.]].