Al-Basit — نوح 71:1 – المدثر 74:49
المحتويات
- نوح 71:1
- نوح 71:4
- نوح 71:6
- نوح 71:8
- نوح 71:10
- نوح 71:15
- نوح 71:21
- نوح 71:26
- الجن 72:1
- الجن 72:2
- الجن 72:8
- الجن 72:17
- الجن 72:20
- الجن 72:21
- الجن 72:22
- الجن 72:23
- الجن 72:27
- الجن 72:28
- المزمل 73:1
- المزمل 73:5
- المزمل 73:6
- المزمل 73:7
- المزمل 73:10
- المزمل 73:15
- المدثر 74:1
- المدثر 74:3
- المدثر 74:11
- المدثر 74:14
- المدثر 74:15
- المدثر 74:17
- المدثر 74:18
- المدثر 74:37
- المدثر 74:49
نوح 71:1
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ قال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 187 نقله عنه الإمام الواحدي بالمعنى.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 227 نقله عنه بتصرف.]]: (أنْ) في موضع [[بياض في: (ع).]] نصب؛ لأنك أسقطت منه الخافض، لأن الأصل بأن أنْذِرْ قَوْمَكَ، فلما سقطت الباء أفضى الفعل إلى (أن) فنصبها.
قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون [أنْ] [[ساقطة من النسختين، والمثبت من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج: 5/ 227.]] تفسيرًا لما أرسل به، فيكون المعنى [[بياض في: (ع).]]: إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 224 بنصه.]].
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الكلبي [["النكت والعيون" 6/ 98، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 298، و"فتح القدير" 5/ 296.]]، ومقاتل [["التفسير الكبير" 30/ 134.]]: يعني الغرق بالطوفان [[غير واضحة لبياض في (ع). والطوفان -بالضم-: المطر الغالب، والماء الغالب، يغشى كل شيء، والموت الذريع الجارف، والقتل الذريع، والسيل المغرق، ومن كل شيء ما كان كثيرًا مُطيفًا بالجماعة بهاء. انظر: "القاموس المحيط": للفيروزآبادي: 3/ 170. وقال الراغب: والطوفان كل حادثة تحيط بالإنسان، وصار معارفًا في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح كانت ماء. انظر: المفردات في غريب القرآن: 312.]].
قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (أن) في محل نصب بقوله: [مبين]، أي: أبين لكم. قال مقاتل [[غير مقروء في: (ع).]] [[قول مقاتل في: "تفسير مقاتل" 210/ أ.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: وحدوا الله.
﴿وَأَطِيعُونِ﴾ في التوحيد [[بياض في: (ع).]].
نوح 71:4
وقوله [[في (أ): قوله: من غير واو.]]: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: دخلت (من) تختص الذنوب من سائر الأشياء لم تدخل [[في (أ): يدخل.]] لتبعيض الذنوب كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 228 بتصرف، وقد رد ابن عطية هذا المعنى فقال: "وهذا ضعيف؛ لأنه ليس هنا جنس يبين". "المحرر الوجيز" 5/ 372.]] [الحج: 30].
وقال غيره [[قاله الفراء في "معاني القرآن" 3/ 187، وقد رد هذا أيضًا ابن عطية فقال: "وهذا غير معروف في أحكام "من". المرجع السابق.]]: (من) بمعنى: (عن)، والمعنى: يصفح لكم عن ذنوبكم [[غير واضحة لبياض في: (ع).]].
ويجوز أن يريد: يغفر لكم السالفة من ذنوبكم، وهي بعض الذنوب التي تضاف إليهم، ولما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق قيدت بهذا التقييد [[وقد اعتبر ابن عطية هذا القول من أبين الأقوال عنده. مرجع سابق.]].
قال مقاتل: (من) هاهنا صلة، يعني: يغفر لكم ذنوبكم [["تفسير مقاتل" 210/ أ، وقد رد السمرقندي قول مقاتل في "بحر العلوم" 30/ 356.]]. (ونحوه قال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ساقطة من: (أ).]].
وقوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، قال الفراء: يريد إلى أجل تعرفونه لا يميتكم غرقاً، ولا حرقاً [[في (أ): خوفًا.]]، ولا قتلاً.
وليس في هذا حجة لأهل القدر [[أهل القدر: هم المعتزلة، ومن مذهبهم في ذلك أن العباد الخالقون لأفعالهم، والمستقلون في أعمالهم، بدون سبق قدر؛ وقد تقدم الكلام عنهم.]] [[حيث تعلق بقوله: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، المعتزلة في قولهم: إن للإنسان أجلين، وذلك أنهم قالوا: لو كان واحدًا محدودًا لما صح التأخير إن كان الحد قد بلغ، ولا المعاجلة إن كان الحد لم يبلغ. قاله ابن عطية، انظر: "المحرر الوجيز" 5/ 373. ولهذا فعندهم أن المقتول مات بالقتل، وليس بأجله، ولو لم يقتل لعاش. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 149.]]؛ لأنه إنما أراد: مسمى عندكم -قال-، ومثله قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27]، أي: عندكم في معرفتكم [["معاني القرآن" 3/ 187 بتصرف يسير.]].
قال الزجاج: أي يؤخركم عن العذاب، فتموتوا غير ميتة المُستأصَلين بالعذاب [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 228 بنصه.]]. هذا كلامهما.
(وليس فيه ما يَدفع قول أهل [[في (أ): هذا.]] القدر؛ لأن ظاهر قوله: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أنهم إذا آمنوا [[غير واضحة لبياض في: (ع).]] بقوا إلى أجلهم المسمى، وإذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب قبل الأجل، والصحيح في هذا ما روى عطاء عن ابن عباس قال: ينسى في أعماركم [["الجامع لأحكام القرآن" 18/ 299.]]؛ وذلك أن الله كان قد قضى قبل أن خلقهم، أنهم إن آمنوا بارك الله في أعمارهم [[بارك الله في أعمارهم: غير واضح في: (ع).]]، وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب المهلك، فبأي الأجلين [[بالعذاب المهلك فبأي الأجلين: غير واضح في: (ع).]] هلكوا كان ذلك بقضاء من الله وقدر.
هذا معنى قول ابن عباس: (ينسى في أعماركم [[غير واضح لبياض في: (ع).]]) [[ما ورد بين القوسين من كلام الواحدي، وهو يدل على أمرين: أحدهما: ترجيح الإمام الواحدي إلى ما ذهبت إليه المعتزلة من إثبات أن للإنسان أجلين، وهذا ما يُفهم من قوله: "وليس فيه ما يدفع قول أهل القدر إلى قوله: وإذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب قبل الأجل". فتضعيفه لقولي الإمامين أراد به تقوية جانب الاستدلال بظاهر الآية إلى ما تزعمه المعتزلة من أن للإنسان أجلين. هذا وإن كان ما ذهب إليه الإمامان من رد على القدرية، فوجهه ضعيف؛ لأن ما ذكراه من معنى صحيح في == الجملة، لأن الآية دلت على ما ذكراه من أنهم إذا آمنوا فإن الله لا يُعجِّل لهم العذاب بغرق، أو قتل، أو حرق، أو نحو ذلك. ولكن هذا لا يردُّ مباشرة على دعوى المعتزلة من أن لهؤلاء القوم أجلين: حال الكفر والتكذيب بتعجيل العذاب الذي يستأصلهم، وحال الإيمان بتأخيرهم إلى أجل آخر. وإنما قلنا إنه ردٌّ ضعيف؛ لأن فيه وجهًا من الرد عليهم، بناء على أن الأجل المسمى منصبٌّ على نوع سبب الوفاة بالعذاب، أو الوفاة في الأحوال العادية، لا على الوفاة نفسها التي حدد أجلها، ولا يتغير.
الثاني: موافقته إلى ما ذهبت إليه المعتزلة، يفهم ذلك من قوله: "والصحيح في هذا ما روى عطاء عن ابن عباس إلى قوله: وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب المهلك، فبأي الأجلين أهلكوا كان ذلك بقضاء من الله وقدر" حيث أقر -بقوله هذا- أن للإنسان أجلين، وهو ما تقول به المعتزلة. هذا وقد اختار الطحاوي هذا القول في مشكل الآثار: 4/ 170. وقد اختلفت أقوال العلماء في تفسير الآية، وما شاكلها من أحاديث، كنحو ما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه-، وحديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "من سره أن يبسط عليه رزقه، أو ينسأ في أثره، فليصل رحمه". صحيح مسلم: 4/ 1982: ح: 2557، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم. ولتفصيل هذه المسألة انظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة: لعبد الرحمن صالح المحمود -رسالة ماجستير-: 327. والراجح من الأقوال في مسألة الآجال، وهل تتغير أم هي محددة؟ قول من ذهب إلى أن القدر لا يتغير، وأن التغيير والتبديل لا يكون أبدًا؛ لأن الذي سبق في علم الله كائن لا يتغير، وعلم الله كامل، أحاط بكل شيء، ومنه ما هو كائن، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، أو ما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع المحو والإثبات، بمعنى أن ما في اللوح المحفوظ لا يتغير، وما سواه من صحف الملائكة الموكلين بالآدمي قد يدخله التغيير؛ لأن الملائكة لا يعلمون إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها. وهذا القول هو الذي عليه المحققون، كابن تيمية في: "مجموع الفتاوى" 4/ 490 - 492، وابن حجر في "فتح الباري" 11/ 448، والشيخ السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" 2/ 476.
وأما قول ابن عباس: "وينسى لكم في أعماركم" إلا يعارض القول الراجح، =]].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى أجلكم [[غير واضح لبياض في: (ع).]] في عافية، فلا يعاقبكم بالسنين ولا بغيره [["تفسير مقاتل" 210/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 299، و"فتح القدير" 5/ 297.]].
والمعنى على هذا القول: يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم، لا من المهلكات.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ يعني أجل الموت، وأجل العذاب، وكل أجل مسمى عند الله لشيء إذا جاء لم يؤخر.
والمعنى: آمنوا قبل الموت تسلموا من العقوبات، فإن أجل الموت إذا حل لم يؤخر، فلا يمكنكم الإيمان إذا جاء الأجل.
نوح 71:6
قوله: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6)﴾ قال مقاتل: يعني تباعداً من الإيمان [["تفسير مقاتل" 210/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 100، و"فتح القدير" 5/ 297.]].
وقال قتادة: هو أنه كان الرجل يذهب بابنه إلى نوح فيقول: احذر لا يغرك، فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك، فحذرني كما حذرتك [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 319، و"جامع البيان" 29/ 92، و"النكت والعيون" 6/ 100، و"المحرر الوجيز" 5/ 373، و"الدر المنثور" 8/ 289، وعزاه أيضا إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]].
وقوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ قال صاحب النظم: ظاهر هذا أن المغفرة جزاء لدعائهم، وهو في الباطن جزاء.
المعنى: هو سبب ادعائهم، وهذا مقتضى من قوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ فالتأويل: وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم؛ لأمرهم بعبادة الله واتقائه وطاعته لتغفر لهم.
وقوله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ قال ابن عباس: جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي [["الجامع لأحكام القرآن" 18/ 300، و"الدر المنثور" 8/ 289 وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.]].
وقال مقاتل: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا دعائي [["تفسير مقاتل" 210/ أ.]].
نوح 71:8
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8)﴾ قال ابن عباس: بأعلى [[في (ع): بأعلا.]] صوتي [["معالم التنزيل" 4/ 397، و"زاد المسير" 8/ 98، و"لباب التأويل" 4/ 312.]].
وقال أبو إسحاق: أي دعوتهم مظهرًا لهم الدعوة، و ﴿جَهَارًا﴾ منصوب مصدر موضوع موضع الحال [[بياض في: (ع).]] [[يجوز أن يكون مصدرًا من المعنى؛ لأن الدعاء يكون جهارًا وغيره، فهو من باب قعد القرفصاء، وأن يكون المراد بدعوتهم: جاهرتهم، وأن يكون نعت مصدر محذوف، أي دعاء جهارًا. انظر: "الدر المصون" 6/ 383.]]. المعنى: دعوتهم مجاهرًا لهم بالدعاء إلى توحيد الله وتقواه [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 228 - 229 بنصه.]].
﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ قال مجاهد [["جامع البيان" 29/ 93، و"النكت والعيون" 6/ 101، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 301، و"الدر المنثور" 8/ 290، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.]]، (ومقاتل) [[ساقطة من: (أ).]]: صحْت بهم [["تفسير مقاتل" 210/ أ.]].
﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ فيما بيني وبينهم.
قال ابن عباس: يريد الرجل بعد الرجل، أكلمه سرًا فيما بيني وبينه [[قاله مجاهد: انظر: "جامع البيان" 29/ 93.]]، أدعوه إلى عبادتك، وتوحيدك. [["معالم التنزيل" 4/ 398، و"زاد المسير" 8/ 98، و"لباب التأويل" 4/ 312.]]
وقال الزجاج: إني خلطت دُعاءهم بالعلانية بدعاء السر [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 229 بنصه.]].
نوح 71:10
قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ قال مقاتل: إن قوم نوح لما كذبوه زماناً طويلاً، جس الله عنهم المطر، وأعقم أرحامَهم أربعين سنة، فهلكت جناتهم، ومواشيهم، فصاحوا إلى نوح، فقال لهم نوح: استغفروا ربكم من الشرك [["تفسير مقاتل" 210/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 137، و"القرطبي" 18/ 302.]].
والمعنى: استدعوا مغفرة ربكم بالتوحيد، وترك الشرك.
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾، أي: ماء السماء، ويجوز أن يكون المراد بالسماء المطر لقوله: ﴿مِدْرَارًا﴾، وهو الكثير الدرّ، والدر تخلّب [[الخُلَّب: السحاب يُومِضُ بَرْقُه حتى يُرْجَى مطرُه، ثم يُخْلِف، ويقلع، وينقشع، وكأنه من الخِلابة، وهي الخداع بالقول اللطيف. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: 2/ 58.]] الشيء حالاً بعد حال، يقال: درت الناقة، ودر اللبن، يدرّ ويدُرّ دَرّاً ودُرُوراً، ودَرت السحاب، ودرّ المطر [[انظر مادة: (درّ) في "تهذيب اللغة" 14/ 60، و"الصحاح" 2/ 656، و"لسان العرب" 4/ 280. وانظر أيضًا: المفردات: للراغب الأصفهاني: 166 - 167.]].
قال مقاتل: (مدراراً [[بياض في: (ع).]]): متتابعاً [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ قال عطاء: يكثر أموالكم، وأولادكم [["فتح القدير" 5/ 298.]].
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ يعني البساتين [[قال بذلك الطبري في: "جامع البيان" 29/ 94، والزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 229، والسمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 407، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12: 188/ أ.]].
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ قال مقاتل: كانوا [يسخطون] [[في (أ): يسخطو، وغير مقروءة في: (ع).]] الله فأهلك كل شيء لهم، ودفنت أنهارهم، فدعاهم نوح إلى توحيد الله، وقال: إنكم إذا وحدتم تصيبوا الدنيا والآخرة [["تفسير مقاتل" 210/ أ.]].
وقال أبو إسحاق [[بياض في: (ع).]]: أعلمهم أن إيمانهم بالله يجمع لهم من الحظ الوافر في الآخرة، والخِصْب والغنى في الدنيا [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 229 بنصه.]].
قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13)﴾ الرجاء هاهنا بمعنى الخوف -ذكرنا ذلك فيما تقدم [[منها في سورة يونس: 15: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7)﴾ فجاء أيضًا أن الرجاء: الخوف. والآية: 15 من السورة نفسها: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾. جاءت في تفسير الرجاء أنه الخوف. انظر: تفسير البسيط: 3: 5/ أ. وكذا سورة الفرقان: 21: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)﴾ وأيضًا جاء تفسير الرجاء: الخوف. المرجع السابق: 4/ 63/ ب.]] -
ومنه قول الهذلي [[الهذلي: هو أبو ذؤيب؛ خويلد بن خالد بن محرث بن زبيد بن مخزوم بن هزيل، تقدم.]]:
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لمْ يَرْجُ لسْعَها [[هذا صدر بيت، وعجزه: == وخالَفَها في بيت نُوبٍ عوَاسل
وعند الفراء برواية: "الدبر" بدلًا من "النحل"، و"حالفها" بدلًا من "خالفها"، و"عوامل" بدلًا من "عواسل". وموضع الشاهد: "لم يرْجُ"، ومعناه: لم يخف، ولا يكون هذا إلا مع النفي. ومعنى "النوب": ذكر النحل. انظر: شرح أبيات "معاني القرآن" 296: ش: 663. وقد ورد البيت منسوبًا في كتب اللغة، مادة: (رجا). انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 182، برواية: "لسعتها"، و"معجم مقاييس اللغة": 2/ 495، و"الصحاح" 6/ 2352، و"لسان العرب" 14/ 310، و"تاج العروس" 10/ 145، ديوان الهذليين: 1/ 143. وأيضًا: أبو ذؤيب الهذلي: حياته وشعره: 99، كتاب "الأضداد" لابن الأنباري: 10، و"معاني القرآن" للفراء: 1/ 286، و2/ 265، وفي: ج 2 غير منسوب، كتاب "الأضداد" للسجستاني: 81، كتاب "الأضداد" لابن السكيت: 179. وأيضًا في: "جامع البيان" 29/ 95، و"المحرر الوجيز" 5/ 374، و"التفسير الكبير" 30/ 138، و"الدر المنثور" 8/ 291، و"فتح القدير" 5/ 298، و"روح المعاني" 29/ 73. وورد غير منسوب في: "معاني القرآن" للأخفش: 2/ 715.]] و (الوقار): العظمة، والتوقير: التعظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] [[انظر: مادة: (وقر) في "تهذيب اللغة" 9/ 280، و"الصحاح" 2/ 949.]]
يعني مالكم لا تخافون لله عظمة، وهو قول أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 271.]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 188.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 229.]]، (وابن قتيبة [[تفسير غريب القرآن: 487.]]، والكلبي [["الكشف والبيان" 12: 188 /ب.]]) [[ساقطة من: (أ).]].
وجميع ما قال المفسرون يعود إلى هذا المعنى، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: ما لكم لا تعلمون حق عظمة الله [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 95، و"الكشف والبيان" 12: 188/ ب، و"الدر المنثور" 8/ 290، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد. انظر: "شعب الإيمان" 1/ 464: ح: 728 برواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.]] [[قوله: حق عظمة الله غير واضح في: (ع).]].
وقال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقاً، ولا تشكرونه [["الكشف والبيان" 12: 188/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 101، و"معالم التنزيل" 4/ 389، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 303، و"الدر المنثور" 8/ 291، و"فتح القدير" 5/ 298، شعب الإيمان: 1/ 465: ح: 732.]].
وقال مجاهد: لا تُبالون عظمة ربكم [[المراجع السابقة عدا: معالم التنزيل، والقرطبي، وقد عزاه صاحب الدر إلى سعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وانظر: "فتح الباري" 8/ 667، و"شعب الإيمان" 1/ 465: ح: 730.]].
وقال قتادة: لا ترجون لله عاقبة [["جامع البيان" 29/ 95، و"الكشف والبيان" مرجع سابق، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 303، و"فتح القدير" 5/ 298.]].
وقال ابن زيد [[في (أ): ابن دريد، وهو تصحيف، فابن دريد عالم في اللغة.]]: لا ترون لله طاعة [[ورد قول ابن زيد في: "جامع البيان" 29/ 95، و"الكشف والبيان" 12: 188/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 101، و"زاد المسير" 8/ 98، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 303، و"فتح القدير" 5/ 298.]].
ومعنى هذه الأقوال واحد [[بياض في: (ع).]]، وهو أنهم لو عظموا الله، وعرفوا حق عظمته، وحدوه، وأطاعوه، وشكروه [[بياض في: (ع).]].
وهذا معنى قول مقاتل: فمن [[غير واضحة لبياض في: (ع).]] لم يوحده لم يعظمه [["تفسير مقاتل" 210/ أ.]].
(والمعنى: لمَ لا تعظمونه فتوحدونه، وقد جعل في أنفسكم [[بياض في: (ع).]] آية تدل على توحيده: من خلقه إياكم، ومن خلق السموات والأرضين) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج بشيء من التصرف: 5/ 229.]]، فقال عز وجل: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)﴾
قال المفسرون: يعني نطفة، ثم علقة، ثم شيئاً بعد شيء [[غير واضحة لبياض في: (ع).]]، إلى آخر الخلق، وطوراً [[غير واضحة لبياض في: (ع).]] بعد طور ينقلكم من حال إلى حال [[بياض في: (ع).]] [[وممن قال بذلك من المفسرين: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. انظر: "جامع البيان" 29/ 95 - 96، وعن يحيى بن رافع، وعكرمة، والسدي. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 453، وتفسير السدي الكبير: 462، وعن مطر؛ انظر: الدر: 8/ 291. وذهب إلى هذا القول: الفراء 3/ 188، والزجاج 5/ 229، والثعلبي 12/ 188 ب، والبغوي 4/ 398، وابن الجوزي 8/ 98، والقرطبي، وعزاه إلى ابن عباس.]].
قال الليث: الطور: التارة، تقول: طَوْرًا بعد طَوْرٍ: أي تارة بعد تارة، والناس أطوار، أي: أخياف [[أخياف: أي يسْتوون. "تهذيب اللغة" 7/ 591 (خيف).]] على حالات شتى [[ورد قول الليث في تهذيب اللغة، نقله بنصه: 14/ 110 (وطر). وانظر: "الصحاح" 2/ 727: (طور).]].
وقال ابن الأنباري: الطور الحال، وجمعه أطوار، وتلا هذه الآية، قال: ومعناها: ضروباً، وأحوالاً مختلفة [[قوله هذا في: "زاد المسير" 8/ 98، و"التفسير الكبير" 30/ 139، و"فتح القدير" 5/ 298.]].
(ثم) [[ساقطة من: (أ).]] وعظهم ليعتبروا في صنعه فقال:
نوح 71:15
﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15)﴾ قال ابن عباس: بعضها [[في (أ): بعضًا.]] فوق بعض [["الجامع لأحكام القرآن" 18/ 304.]]، وهذا مفسر في أول سورة الملك [[سورة الملك: 3، وقد جاء في تفسيرها: "قال ابن عباس والمفسرون: بعضها فوق بعض، وقال الكلبي: كل سماء مقبية على الأخرى، يلتصق بها أطرافها، وسماء الدنيا موضوعة على الأرض مثل القبة، قال الزجاج: وطباقًا مصدر، أي طوبقت طباقًا".]].
(قوله) [[ساقط من: (ع).]]: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾، قال عطاء: في السموات [["النكت والعيون" 6/ 102، و"الدر المنثور" بمعناه: 8/ 292 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ في العظمة.]]. واختلفوا في هذا؛ لأن القمر في السماء الدنيا، والله تعالى يقول: (فيهن)، فروى ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: وجهه في السموات، وقفاه في الأرض [["النكت والعيون" 6/ 102، و"معالم التنزيل" 4/ 389، و"المحرر الوجيز" 5/ 375، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 305، و"لباب التأويل" 4/ 313، و"الدر المنثور" 8/ 292، وعزاه إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ في العظمة، == والحاكم وصححه في "المستدرك": 2/ 502 كتاب التفسير، تفسير سورة نوح، وقال: حديث صحيح، ووافقه الذهبي.]].
وهذا قول عبد الله بن عمرو [[ورد قوله في: تفسير القرآن: لعبد الرزاق: 2/ 319، و"جامع البيان" 29/ 97، و"الكشف والبيان" 12: 188/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 398، و"المحرر الوجيز" 5/ 375، و"زاد المسير" 8/ 99، و"لباب التأويل" 4/ 313، و"الدر المنثور" 8/ 291وعزاه إلى عبد بن حميد، و"فتح القدير" 5/ 299.]].
وقال قتادة: إن الشمس والقمر وجوههما قبل السموات، وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقر بذلك أنه من كتاب الله، وتلا هذه الآية [["جامع البيان" 29/ 97.]].
وقال الكلبي: (فيهن) يعني معهن [["الجامع لأحكام القرآن" 18/ 304.]].
والمعنى: خلق السموات والأرض والقمر مع خلق السموات، فجعل القمر نورًا بالليل، وجعل الشمس سراجًا ضياء لأهل الأرض.
وهذا قول مقاتل [["الكشف والبيان" 12: 188/ ب، بمعناه، والعبارة عنه: "وجعل القمر معهن نورًا لأهل الأرض".]].
وعلى قولهما: (في) بمعنى: (مع) [["في": هي من الحروف العوامل، وعملها الجر، ومعناها: الوعاء، وتأتي بمعنى: "على"، وهذا عند الكوفيين، وتأتي بمعنى: "مع" عند البصريين، وتكون على بابها. انظر: معاني الحروف للرُّماني: 96.]]، هذا قول المفسرين، وأما أهل العربية، فقال الأخفش: هذا على المجاز، كما تقول: أتَيْتُ بني تميم، وإنما أتيت بعضهم [["معاني القرآن" 2/ 715 نقله عنه بتصرف.]]؛ لأنه إنما جعل نورًا في السماء ...........
الدنيا [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش: 2/ 715. كما ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 97، من غير عزو، و"الكشف والبيان" 12: 188/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 715.]]، وهذا قول الحسن [[ولم أعثر على مصدر لقوله.]]، وعلى هذا أقيم [[وعلى هذا أقيم: بياض في: (ع).]] البعض مقام الكل [[بياض في: (ع).]]، كما يقال: خرج إلى البصرة على [[بياض في: (ع).]] البغال، وركب إلى بغداد في السفن [[في السفن: بياض في: (ع).]]، وتوارى في دور بني فلان [[بياض في: (ع).]].
وإنما جاز إقامة البعض دون الكل [[بياض في: (ع).]]؛ لأنهن كالشىء الواحد. قاله الزجاح [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 230 نقله عنه بتصرف.]].
وقال بعضهم [[بياض في: (ع).]]: هذا مما حذف منه [[في (أ). منها.]] المضاف، والتقدير: وجعل القمر في بعضهن، أو في إحداهن [[لم أعثر على من قال بذلك فيما بين يدي من كتب النحو والإعراب.]].
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17)﴾: قال ابن عباس: يريد: مبتدأ خلق آدم [[بياض في: (ع).]] [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في الوسيط من غير عزو: 4/ 358.]]، وقال الكلبي: لأن آدم خلق من الأرض، والناس ولده [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في الوسيط: 4/ 358.]]، وقال مقاتل: يعني أول خلقكم من تراب [[بياض في: (ع).]] الأرض [["تفسير مقاتل" 210/ ب.]]، قال الأخفش في قوله: (نباتًا) جعل الاسم في موضع المصدر [[بياض في: (ع).]]، والمصدر: الإنبات؛ لأن هذا يدلك على ذلك المعنى [[ورد قوله في "معاني القرآن" 2/ 715 بتصرف يسير.]].
وقال أبو إسحاق: (نباتاً) محمول على المصدر في المعنى؛ لأن معنى أنبتكم: جعلكم تنبتون نباتًا، فنباتكم [[في (ع): فنباتًا.]] أبلغ في المعنى [[ورد قوله في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 230 باختصار يسير.]].
وقوله: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾، أي: طرقاً واسعة، واحدها: فج، وهو مفسر فيما تقدم [[سورة الأنبياء: 31: ﴿وَجَعَلْنَا في الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)﴾، وجاء في تفسيرها: "قال الليث: الفج: الطريق الواسع بين جبلين، وقال أبو الهيثم: الفج: طريق في الجبل واسع، يقال: فج، وأفج، وفجاج، والفج في كلام العرب: تفريجك بين الشيئين، ومنه قيل: الطريق بين جبلين فج؛ لأنه فرج بين الجبلين. وعن ابن عباس قال: وجعلنا من الجبال طرقًا حتى اهتدوا إلى مقاصدهم في الأسفار والتجارات". تفسير البسيط: بتصرف.]].
نوح 71:21
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا﴾ الآية.
قال الكلبي، ومقاتل: اتبع الفقراء والسفلة الرؤساء [["تفسير مقاتل" 210/ ب.]] والكبراء الذين لم يزدهم كثرة المال إلا ضلالاً في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، وهو قوله: ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾، وقرئ: (ووُلدُهُ) -بضم الواو [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف بضم الواو الثانية، وإسكان اللام: "ووُلْدُهُ"، والباقون بفتح الواو واللام: "ووَلَدُهُ". انظر: "القراءات وعلل النحويين" 2/ 717، و"الحجة" 6/ 325، و"المبسوط" 385، و"البدور الزاهرة" 326، و"المهذب في القراءات" لعبد الفتاح القاضي 2/ 306.]] -، وقد ذكرنا في آخر سورة مريم [[سورة مريم: 77: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77)﴾.]]: (أن الوُلد بالضم لغة في الولد، ويجوز أن يكون جمعًا، إما جمع وَلَدٍ، وإما جمع وُلْدٍ كالفُلْك، وهاهنا يجوز أن يكون واحدًا وجمعًا) [[ما بين القوسين نقله عن أبي علي بتصرف: الحجة: 6/ 325 - 326.]].
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)﴾ يعني الرؤساء قتلوا السفلة [[السُّفْل، والسِّفْلُ، والسُّفُول، والسَّفال، والسَّفالة بالضم: نقيض العُلْوِ، والعِلْوِ، والعُلُوِّ، والعَلاءِ، والعَلاوَةِ. والسَّفِلة: السُّقاط من الناس، ويقال: السِّفْلة. انظر: "الصحاح" 5/ 1730، مادة: (سفل)، وتهذيب اللغة: 12/ 430، (سفل).]] عن الإيمان شرح، وقالوا لهم: (لا تذرنَّ) الآية. وهذا كان مكرهم [[المكر له خمسة أوجه: فوجه منها: المكر: تكذيب الأنبياء، الثاني: المكر: فعل الشرك، الثالث: المكر بالقول، الرابع: المكر: إرادة القول، الخامس: المكر: الحيلة. انظر: قاموس القرآن أو إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم: للدامغاني: 439 - 440.]]. قاله مقاتل، قال: والمعنى: قالوا قولاً عظيمًا، وقولهم العظيم أنهم قالوا: لا تذرنَّ عبادة ودّ [[ودّ: صنم كان لقوم نوح عليه السلام، ثم صار لكلاب. "الصحاح" 2/ 549 (ود). وفي الموسوعة الميسرة: 2/ 1946: "ود: اسم إله القمر في الديانة المعينية القديمة في اليمن، ومعناه: الحب، وورد اسمه في النقوش المعينية، والسبئية، وقد أقيمت باسمه بعض المعابد في بلاد الجوف باليمن".]] [[ورد معنى قوله في: "تفسير مقاتل" 210/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 104، == و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 307، و"فتح القدير" 5/ 300، والعبارة عنه في جميعهم: هو قول كبرائهم لأتباعهم: "وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سواعًا" الآية.]].
ونحو هذا قال الكلبي [[ورد معنى قوله في: "النكت والعيون" 6/ 103، و"القرطبي" 18/ 307، و"فتح القدير" 5/ 300، والعبارة عنه في كليهما: "هو ما جعلوه لله من الصاحب والولد".]] وغيره [[وهو قول الضحاك، قال: افتروا على الله وكذبوا، وكذبوا رسوله.
وبمعنى هذا قال ابن عباس: قالوا قولًا عظيمًا، وكذا الحسن، قال: مكروا في دين الله وأهله مكرًا عظيمًا. انظر: "الكشف والبيان" 12/ 189/ ب، و"البغوي" 4/ 399.]]، إلا أنهم جعلوا ذلك القول [[في (أ): الفوز.]] العظيم الافتراء على الله، وتكذيب رسوله.
(والكُبَّار [[قال ابن فارس: "كبر: الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خِلاف الصِّغَر، يقال: هو كبير، وكُبار، وكُبَّار، والكِبْر: مُعْظم الأمر". "معجم مقاييس اللغة": 5/ 153 (كبر). وفي "الصحاح" "كَبُرَ -بالضم- يَكْبُر أي عَظُم فهو كبير، وكُبَار، فإذا أفرط قيل: كُبَّار -بالتشديد- ". 2/ 801 (كبر).]]: مبالغة من الكبير [[في (أ): الكبر.]]، يقال: كبير [[في (أ): كبر.]]، وكُبَارٌ، وكُبَّارٌ، وجميل، وجَمال، وجُمَّالٌ، وعظيم، وعَظام، وعِظَّام في أشباه [[غير مقروءة في: (ع).]] كثيرة [[وأشباهه نحو: كثير وكُثَّار، وقليل وقُلّال، وجسيم وجُسَّام، وزحير وزُحَّار، وأنين وأنان. انظر: "إصلاح المنطق" 109.]] " [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن الفراء بتصرف. انظر: "معاني القرآن" 3/ 189.]]، لهذا تم ذكر ما قالت الكبراء للسفلة، وهو قوله:
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي عبادتها.
(ولا تذرن وَدًا (ولا سواعًا) [[ساقطة من: (ع).]] " إلى قوله: ﴿وَنَسْرًا﴾ (روى السُّدِّيُّ عن) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] أبي مالك قال: هذه أسماء آلهتهم [[لم أعثر على مصدر لقول السدي.]]. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 210/ ب.]]، والجميع [[وهو قول: قتادة، وابن عباس، والضحاك، وابن زيد، وعكرمة، وابن إسحاق، وأبي عثمان. انظر: "جامع البيان" 29/ 99، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 455، و"الدر المنثور" 8/ 293 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، وابن المنذر. وبه قال الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 230، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12: 190/ ب، وابن عطية في: "المحرر الوجيز" 5/ 375، وابن كثير في: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 454.]].
قال قتادة: ثم عبدتها العرب بعد ذلك [[بياض في: (ع).]]، وكان (ودٌّ) لكلب [[كلب بن وبرة: بطن من قُضاعة، من القحطانية، وهم: بنو كلب بن وبرة، وكانوا ينزلون دُومة الجندل وتبوك وأطراف الشام، ونزل خلق عظيم منهم على خليج القسطنطينية، ومن أمكنتهم: عُقدة الجوف، الشرية، ومن أوديتهم: قُراقر، ومن مياههم: عُراعر، وقد اتخذوا في الجاهلية بدومة الجندل صنمًا يدعى: "ودًّا"، ودخلوا في دين النصرانية، ثم في الإسلام. انظر: "معجم قبائل العرب القديمة والحديثة" لعمر رضا كحالة: 3/ 991، و"نهاية الأرب" للقلقشندي: 365: ت: 1491.]] بدومة الجنْدَل [[دُومَة الجندل -بضم أوله وفتحه-: وسميت دومة الجندل لأن حصنها مبني بالجندل، ودومة الجندل: حصن وقرى بين الشام والمدينة، قرب جبل طيئ، كانت به بنو كتانة من كلب. افتتحها خالد بن الوليد -رضي الله عنه- سنة 9 هـ، وقال الشيخ == حمد الجاسر: "هي مدينة كانت قاعدة إمارة الجوف، ثم نقلت القاعدة إلى سكاكة". انظر: "معجم البلدان" 2/ 487، و"معجم ما استعجم" للبكري: 2/ 546، و"المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية" لحمد الجاسر: 1/ 588.]]، وكان "سُواعٌ [[سواع: اسم صنم عُبد زمن نوح عليه السلام فغرقه الله أيام الطوفان ودفنه، فاستثاره إبليس لأهل الجاهلية، فعبدوه. تهذيب اللغة: 3/ 89، مادة: (سوع).]] ") لهُذَيْل [[هذيل: هم بنو هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، كانت ديارهم بالسروات، وسراتهم متصلة بجبل غزوان المتصل بالطائف، وكان لهم أماكن ومياه في أسفلها من جهات نجد، وتهامة بين مكة والمدينة، ثم تفرقوا بعد الإسلام، وهم بطنان: سعد بن هذيل، ولحيان بن هذيل. من منازلهم وديارهم: عُرنة، عَرفة، بطن نُعمان. ومن جبالهم: مَكان المشعر، فَحل، عَماية. ومن أوديتهم: نخاة، الشامية، سعيا، حَلبة. ومن مياههم: المجاز، الرجيع، بئر معونة. ومن أيامهم: يوم خشاش، ووقعة الجُرف. وكانوا يعبدون مَناة بين مكة والمدينة، وصنم سعد، وصنمًا كان برهاط يحجون إليه، وقد هدمه عمرو بن العاص رضي الله عنه سنة 58. انظر: معجم قبائل العرب القديمة والحديثة: لعمر رضا كحالة: 3/ 1213، وانظر: نهاية الأرب: 387: ت: 1611.]]، وكان "يغُوثُ [[يغوث: صنم كان لمَذْحِج. "لسان العرب" 2/ 175، مادة: (غوث).]] " لبني غُطَيْف [[بياض في: (ع).]] من مراد [[بنو غطيف: بطن من مراد من كهلان القحطانية، وهم بنو غطيف بن عبد الله بن ناجية بن مراد. قال أبو عبيد: ويقال: إنهم من الأزد، ومنهم فروة بن مسيك، وقد على النبي -ﷺ-. انظر: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب: 348: ت: 1423، معجم قبائل العرب القديمة والحديثة: لكحالة: 3/ 889.]].
وكان (يعوق [[يعوق: صنم كان لقوم نوح عليه السلام. "الصحاح" 4/ 1534، مادة: (عوق).]]) لهمدان [[همْدان: بطن من كهلان، من القحطانية، وهم: بنو همدان بن مالك بن زيد بن == أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان، لهم أفخاذ متسعة، منهم: المحايل، سبع، يام، موهبة، أرحب، وبنو الزريع. ديارهم: كانت ديارهم باليمن من شرقيه، ولما جاء الإسلام تفرق قوم منهم، وبقي قوم منهم باليمن، فنزلوا الكوفة، ومصر، فمن بلادهم باليمن: نجران، غُرق، شروم، الخنق. ومن قصورهم: ناعط. تاريخهم: من أيامهم يوم الرَّزْم، كان لهمْدان على مُراد قبيل الإسلام، وأغار عليهم توبة بن الحمير في محل يدعى الجرف. أصنامهم: سُواع، ويعوق. انظر: معجم قبائل العرب: 3/ 1225.]]، وكان (نَسْر [[نَسْر: صنم كان لذي الكلاع بأرض حمير. "لسان العرب" 5/ 206، مادة: (نسر).]]) لذي الكلاع [[بياض في (ع). وذو الكلاع: بطن يعرف بذي الكلاع من حمير القحطانية، وهم بنو شرحبيل بن حمير، كانوا يقطنون بمخلاف السَّحول بن سوادة. انظر: معجم قبائل العرب: 3/ 990.]] من حمير [[ورد قول قتادة في: "جامع البيان" 29/ 99، و"الكشف والبيان" 12: 190/ ب، فتح الباري: 8/ 668 بمعناه.]] [[حِمْيَر: بطن عظيم من القحطانية، ينتسب إلى حمير بن سبأ بن يَشْجُب بن يعرب بن فحطان، وسام حمير: العَرَنج، وحمير في قحطان ثلاثة: الأكبر، والأصغر، والأدنى. ومن بلاد حمير في اليمن: شِبام، وذمار، ورمغ. ومن حصونها: مُدَع. وسكن قسم من حمير الحيرة، ومن أيام حمير: يوم البيداء، وهو من أقدم أيام العرب، وكان بين حمير وكلب. وأما أديان حمير: فانتشرت اليهودية فيهم، وكانوا يعبدون الشمس، وكان لحمير بيت بصنعاء يقال له: رئام يعظمونه، ويتقربون عنده بالذبائح. انظر: معجم قبائل العرب: 1/ 306.]].
وهذا قول ابن عباس [[ورد قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 320، و"جامع البيان" 29/ 99، و"المحرر الوجيز" 5/ 376، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 307، و"لباب التأويل" 4/ 314، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 454، و"الدر المنثور" 8/ 293 وعزاه إلى البخاري، وابن المنذر، وابن مردويه، و"فتح القدير" 5/ 300. وأخرجه البخاري 3/ 316، == ح: 4920، كتاب التفسير، باب: 71، سورة نوح بمعنى رواية قتادة إلا أنه ذكر أن يغوث كانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وتتمة الرواية عند ابن عباس: "أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى هلك أولئك، ولنسخ العلم عُبدت". وأخرجه ابن الأثير في: جامع الأصول: 2/ 413، ح: 860 قلت: وما أخرجه البخاري من رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس، وقع فيه كلام من المزي مقتضاه أن عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس، وعليه فالحديث منقطع، ولهذا كان مأخذًا على البخاري؛ إلا أن ابن حجر كان له توجيه، وهو أنه احتمال أن العطائين: ابن رباح، والخراساني، قد رويا الحديث، ولذا أخرجه البخاري. والكلام في هذا الأمر تفصيله في فتح الباري: 8/ 667، و"تهذيب الكمال" 20/ 115.]] في رواية عطاء (الخراساني) [[ساقطة من: (أ).]]، وروى عنه الكلبي أن هذه الأصنام دفنها الطوفان أيام الغرق، وطمها التراب، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب [[بياض في: (ع).]] [[ورد قول ابن عباس من غير ذكر طريق الكلبي إليه في: "الكشف والبيان" 12: 190/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 400، وورد معنى قوله عن مقاتل في "زاد المسير" 8/ 100.]].
وقال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح [[بياض في: (ع).]]، فنشأ قوم بعدهم، (فأخذوا بأخذهم في العبادة، فقال إبليس: لو صورتم صورهم كان أشوق لكم إلى العبادة، ففعلوا، ثم نشأ قوم بعدهم) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، فجاء إليهم إبليس فقال: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم [[ورد معنى قوله في: "الكشف والبيان" 12/ 189/ ب، وما بعدها، وبنصه في: "معالم التنزيل" 4/ 399، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 308، و"لباب التأويل" 4/ 314، و"الدر المنثور" 8/ 294 وعزاه إلى عبد بن حميد، وفي معناه عزاه إلى أبي الشيخ في العظمة، و"فتح القدير" 5/ 300.]].هذا كلامه [[في (أ): كلامهم.]].
وابتداء عبادة [[غير مقروء لبياض في: (ع).]] الأوثان من ذلك الوقت، وسميت تلك الأصنام [[بياض في: (ع).]] بهذه الأسماء؛ لأنهم صوَّروها على صورة أولئك القوم المسمين بهذه الأسماء [[قال بذلك أيضًا ابن حجر في فتح الباري: 8/ 669.]].
(وفي (ود) قراءتان: فتح الواو [[قرأ عامة القراء بفتح الواو (وَدًّا) عدا نافع. انظر: "السبعة" 653، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 716، و"الحجة" 6/ 327، و"التبصرة" 709، و"تحبير التيسير" 193، و"الوافي" 373.]]، وضمها [[قرأ نافع وحده: "وُدًّا" بضم الواو. انظر: المراجع السابقة.]]، والفتح أعرف في اسم صنم قوم نوح. حكاه (أبو عبيدة) [[في كلا النسختين: (أبو عبيد)، ولعل الصواب، (أبو عبيدة) كما جاء في الحجة: 6/ 327؛ إذ النص منقول عن الحجة. وانظر أيضًا: "مجاز القرآن" 2/ 271.]] بالفتح، وقول الشاعر [[الشاعر هو الحطيئة: جرول بن أوس من بني قُطيفة بن عبس.]]:
فَحَيَّاكِ وَدٌّ مَنْ هَدَاكِ لفِتْيَةٍ ... وخُوصٍ بأعلى ذي نُضالَةَ هُجَّدِ [[مواضع ورود البيت منسوبًا للحطيئة: "ديوانه" 47 المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، وانظر مادة: (هجد) في "تهذب اللغة" 6/ 36، و"لسان == العرب" 3/ 431، و"تاج العروس" 2/ 543، وجميعها برواية: "ذي طوالة". وانظر أيضًا: "الغريب المصنف" لأبي عبيد: 2/ 400 برواية: "وهداك"، و"المحرر الوجيز" 5/ 376 برواية: "فضالة"، و"الحجة": 6/ 328.]] ينشد بالفتح. قال الأخفش: وعسى أن يكون (الضم) لغة في اسم الصنم، قال: وسمعت هذا البيت:
حَيّاك وُدٌّ فإنّا لا يَحِلُّ لَنا ... لَهْوُ النّساءِ وإنَّ الدِّينَ قد عَزَما [[البيت للشاعر النابغة الذبياني، وقد ورد البيت في: "ديوانه" 101 ط دار بيروت برواية: "حياك ربي"، كما ورد غير منسوب في: "المحرر الوجيز" 5/ 376، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 309، و"البحر المحيط" 8/ 342، و"فتح القدير" 5/ 301، برواية: "غربًا" بدلاً، من: "عزمًا"، و"الدر المصون" 6/ 385. الدين هنا: الحج، عزم: أي عزمنا عليه، وهو من باب القلب. انظر: "ديوانه".]]
بضم الواو) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي من الحجة: 6/ 327 - 328 بتصرف.]].
وقال الليث: الوَد كان لقوم نوح، وكان لقريش صنم يدعونه وُداً، وبه سمي عمرو بن عبد وُدٍّ [[تهذيب اللغة: 14/ 235 بتصرف يسير جدًا.]].
وعلى هذا فلعل من قرأ بالضم غلط، فظن صنم قوم نوح صنم قريش، وأبو عبيد يختار الفتح، وإنما يقال: (ود) اسم صنم، ألا تراهم كانوا يتسمون بـ: (عبد ود) [[لم أعثر على مصدر قول أبي عبيد.]]؟.
قوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾، من المفسرين من يجعل الإضلال من فعل كبرائهم، وهو الظاهر لقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ﴾.
قال مقاتل: أضل كبراؤهم كثيرًا من الناس [["تفسير مقاتل" 210/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 400.]].
ومنهم من يجعل الإضلال للأصنام، ويكون المعنى: قد أضل [[في (ع): ضل.]] بسببها كثيرًا من الناس، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ (النَّاسِ) [[ساقطة من: (أ).]]﴾ [إبراهيم: 36]، وأجرى الأصنام في هذه الآية على هذا القول مجرى الآدميين كقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ [الأعراف: 195] الآية، وقد تقدم الكلام في ذلك [[في سورة إبراهيم: 36: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ قال أبو إسحاق وغيره: أي ضُلِّلُوا بسببها؛ لأن الأصنام لا تعقل، ولا تفعل شيئًا، كما تقول: قد فتنتني هذه الدار، أي أحببتها، واستحسنتها، وافتتنت بسببها. فلما ضل الناس بسببها صارت كأنها أضلتهم، فنسب الفعل إليهم. انظر: "تفسير البسيط" بتصرف.]].
وهذا القول حكاه الفراء [["معاني القرآن" 3/ 189.]]، ولعله قول الكلبي.
﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: يعني المشركين بعبادتهم الأوثان.
﴿إِلَّا ضَلَالًا﴾ إلا خسراناً. وهذا دعاء عليهم بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون، كما قال تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [[سورة هود: 36: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)﴾ [هود: 36]]].
قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ ((ما) صلة كقوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [[سورة النساء: 155: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155)﴾.]]، ﴿فبَمَا رَحْمَةٍ﴾ [[سورة آل عمران: 159: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾.]]، والمعنى: من خطيئاتهم، أي من أجلها وسببها، وهو معنى قول ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 210/ ب، قال: يعني فخطيئاتهم.]]، يعني: فبخطيئاتهم.
وقرئ: (خطاياهم) [[قرأ أبو عمر وحده: "مِمَّا خَطَاياهُم" بفتح الطاء، والياء، وألف بعدها من غير همز، وقرأ الباقون: "خطيئاتهم" بكسر الطاء، وياء ساكنة بعدها، وبعد الياء همزة مفتوحة، وألف وتاء مكسورة. انظر: كتاب السبعة: 653، القراءات وعلل النحويين فيها: 2/ 716، و"الحجة": 6/ 328، و"الكشف" 2/ 337، و"حجة القراءات": 726 - 727، و"النشر": 2/ 391، و"البدور الزاهرة" 327.]]، وكلاهما جمع خطيئة؛ أحدهما [[في (ع): أحدها.]] على التكثير، والآخر جمع الصحيح.
وقد تقدم الكلام فيها عند قوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ [[سورة البقرة: 58، ومما جاء فيها من الكلام: "أن الأصل في "خطايا" كان "خطايو" لأنها جمع خطيئة قد أبدل من هذه الياء همزة، فصارت "خطائي"، وإنما أبدلت هذه الياء همزة لأن هذه الياء إذا وقعت في الجمع صارت همزة، وعلة ذلك لاجتماع همزتين، فقلبت الثانية "ياء" فصارت: "خطائي" ثم قلبت الياء والكسرة إلى الفتحة والألف، فصارت "خطاءا"، فأبدلت الهمزة ياءً لوقوعها بين ألفين، وإنما أُبدلت الهمزة حين وقعت بين ألفين؛ لأن الهمزة مجانسة للألفات، فاجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، فأبدلت الهمزة ياء فصارت: "خطايا". نقلاً -باختصار يسير- من تفسير البسيط.]]، وفي الأعراف: (خطيئاتكم [[الأعراف: 161: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161)﴾]]) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن صاحب الحجة بتصرف، وبإضافة قولي ابن عباس ومقاتل. انظر: الحجة: 6/ 328.]]
وقوله تعالي: ﴿أُغْرِقُوا﴾، أي: بالطوفان.
﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ قال مقاتل: فأدخلوا في الآخرة نارًا [["تفسير مقاتل" 210/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 400، و"التفسير الكبير" 30/ 145.]].
وقال الكلبي: يقول: سيدخلون في الآخرة نارًا [["التفسير الكبير" 30/ 145.]].
وعلى هذا معنى لفظ الماضي في قوله: (فأدخلوا) للاستقبال، وذكر على لفظ الماضي لصحة كونه، وصدق الوعد به، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: 44].
وقال الضحاك: إنهم أغرقوا بالماء ثم أُحرقوا بالنار، وكانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 400، و"زاد المسير" 8/ 101، و"فتح القدير" 5/ 301.]].
نوح 71:26
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)﴾ [[الآية ساقطة من: (ع).]] قال جماعة من المفسرين [[قال بذلك: قتادة، انظر قوله في: تفسير عبد الرزاق: 2/ 320، و"جامع البيان" 29/ 101، و"النكت والعيون" 6/ 105، و"المحرر الوجيز" 5/ 377، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 312، و"الدر المنثور" 8/ 295، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 301، وإليه ذهب ابن الجوزي 8/ 102.]]: ما دَعَا نوح بهذا إلا بعد ما أوحى الله إليه: (﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾) [[ما بين القوسين لم يذكر في: (ع).]] [هود: 36].
وقوله: ﴿دَيَّارًا﴾ قال أهل العربية: هو فَيْعال من الدوران، أصله: ديْوَار، فقلبت الياء واوًا، وأُدغمت إحداهما في الأخرى. قاله الفراء [["معاني القرآن" 3/ 190.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 231.]]، (وغيرهما [[كابن جرير في: "جامع البيان" 29/ 100، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12/ 191/ أ، وابن عطية في: "المحرر الوجيز" 5/ 377، والقرطبي 18/ 313، وإليه ذهب أيضًا الشوكاني في: "فتح القدير" 5/ 301، وقد أورد الفخر قول أهل العربية وعزاه إليهم في: "التفسير الكبير" 30/ 146.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، وهو في معنى واحد، يقال: مَا بالدار ديار، أي ما بها أحد.
قال المفسرون: لا تدع أحدًا حتى تهلكهم [[بمعنى هذا قال الضحاك: "ديارًا": أحدًا. انظر قوله في: "النكت والعيون" 6/ 105، وممن قال بذلك أيضًا ابن جرير في: "جامع البيان" 29/ 100، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12: 191/ أ، وابن عطية في: "المحرر الوجيز" 5/ 377، والقرطبي في: "الجامع لأحكام القرآن" 8/ 312، والشوكاني في: "فتح القدير" 5/ 301.]].
وقال ابن قتيبة: يقال: ما بها ديار، أي نازل دار [[تفسير غريب القرآن: 488.]].
وقال المبرد: ديار اسم حقه النفي، يقال: ما بها ديار، ولذلك لا يقع في الواجب، قال: وهو فيعال من دار يدور [[في (أ): تدور.]]، مثل القيام، من قام يقوم [["التفسير الكبير" 30/ 146.]].
قوله: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ قال الكلبي [[الوسيط: 4/ 360.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 210/ ب.]]: هو أن الرجل منهم كان ينطلق بابنه إلى نوح يحذره تصديقه، والإيمان به، وقد ذكرنا ذلك [[راجع ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6)﴾ من هذه السورة.]]، فهو معنى قوله: ﴿يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾.
وقوله تعالى [[ساقطة من: (ع).]]: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ قال محمد بن كعب [["الكشف والبيان" 12: 191/ ب، و"المحرر الوجيز" 5/ 377، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 312، و"فتح القدير" 5/ 301.]]، (والربيع، وابن زيد [[المراجع السابقة.]]) [[ما بين القوسين كتب في نسخة: أبدلاً منه: وغيره. وكذلك ممن قال بمثل قول القرظي، والربيع، وابن زيد: مقاتل، وعطية. انظر: المراجع السابقة.]]: وهذا بعد ما أخبر الله تعالى نوحاً أنهم لا يلدوا مؤمناً.
ثم دعا للمؤمنين عامًا بعد دعائه على الكفار فقال:
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ لملك بن متوشلح، وسخا بنت أنوش [[لعله نقله عن الثعلبي. انظر: "الكشف والبيان" 12/ 191/ ب.]].
قال المفسرون: وكانا مؤمنين [[قال بذلك الحسن. انظر: "النكت والعيون" 6/ 106، و"زاد المسير" 8/ 102، وذهب الثعلبي 12/ 191ب، والبغوي 4/ 400، والفخر الرازي 30/ 146، والقرطبي 18/ 313، والخازن في: "لباب التأويل" 4/ 315.]].
قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم -عليهما السلام- من آبائه كافر [["التفسير الكبير" 30/ 146.]].
وقال الكلبي: كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم مؤمن [["الجامع لأحكام القرآن" 18/ 314.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قال الضحاك [["جامع البيان" 29/ 101، و"الكشف والبيان" 12: 191/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 106، و"معالم التنزيل" 4/ 400، و"زاد المسير" 8/ 102، و"القرطبي" 18/ 314، و"الدر المنثور" 8/ 295، وعزاه إلي ابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 302.]]، والكلبي [["معالم التنزيل" 4/ 400، و"فتح القدير" 5/ 302.]]: مسجدي.
روى عطاء عن ابن عباس: يريد من دخل بيتي، أي في ديني مؤمنًا [["زاد المسير" 8/ 102 بعبارة: "منزله"، كما ورد بمعنى قوله في: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 314، و"المحرر الوجيز" 5/ 377.]].
وهو معني؛ لأن من دخل مسجده مؤمنًا، فقد دخل في دينه.
وقوله [[في (أ): قوله.]]: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ عام في كل من آمن بالله وصدق الرسل.
وقال عطاء عنه [[أي عن ابن عباس.]]: يريد أمة محمد -ﷺ- عامة [[لم أعثر على مصدر لقوله، وورد بمثله عن الكلبي في: "الكشف والبيان" 12/ 191/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 314.]].
قوله تعالى [[ساقطة من (ع).]]: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ أي هلاكاً ودماراً [[قاله الثعلبي في "الكشف" 12/ 191/ ب.]]، فاستجاب الله دعاءه، فأهلكهم، (والتبار: الهلاك، وكل شيء أهلك فقد تبر) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج بنصه. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 231.]]، ومنه قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ [[سورة الأعراف: 139: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)﴾.]]، وقوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [[سورة الإسراء: 7. والتبار لغة: الهلاك، وتبَّرَه تتبيرًا أي كسَّره وأهلكه. "الصحاح" 2/ 600، (تبر)، وانظر: "القاموس المحيط": 1/ 379، (تبر).]].
الجن 72:1
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية، قال ابن [[بياض في (ع).]] عباس [[جاءت هذه الرواية مطولة من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في: "البخاري" 1/ 250 ح 773، كتاب الأذان، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر، و3/ 316: ح 4921 في التفسير، باب سورة "قل أوحي إلي". و"مسلم" 1/ 330 ح 149، في الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن. و"الترمذي" 5/ 426: ح 3323، كتاب التفسير، باب ومن سورة الجن، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. و"تفسير النسائي" 2/ 467 ح 644. و"المستدرك" 2/ 503، كتاب التفسير، تفسير سورة الجن، وصححه، ووافقه الذهبي، والرواية كما هي عند البخاري والترمذي: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: انطلق رسول الله -ﷺ- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عُكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشُّهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء؟ قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله -ﷺ- بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: == هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا، وأنزل الله عز وجل على نبيه -ﷺ-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، وإنما أوحي إليه قول الجن.
كما أوردها ابن جرير في "جامع البيان" 29/ 102 - 103، وانظر: "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي: 220، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 1 - 2، و"لباب التأويل" 4/ 315، و"الدر المنثور" 8/ 296 - 297، وعزاه إلى أحمد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني 12/ 52، رقم (12449)، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي معًا في الدلائل عن ابن عباس 2/ 225 من طريق أبي عوانة.]]: كان رسول الله -ﷺ- يصلي من الليل، ويقرأ القرآن، مر به نفر [[غير مقروء في: (ع).]] من الجن، فاستمعوا إليه، وإلى قراءته، ودنا [[دنا: يقال: دنا منه، ودنا إليه، يدنو دنوًّا: قرب، فهو دانٍ.
"المصباح المنير" 1/ 239، مادة: (دنا)، وانظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير 2/ 137.]] بعضهم من بعض حبًّا للقرآن، حتى كادوا أن يركبوا رسول الله -ﷺ- [[قاله ابن عباس. انظر: "الوسيط" 4/ 363.]]، وآمنوا به ثم رجعوا إلى قومهم، وقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾، يعني: بليغًا.
وذكرنا سبب إتيان [[في (أ): الإتيان.]] الجن إياه عند قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: 29] الآية [[ومما جاء في تفسيرها: "قال المفسرون: لما أيس رسول الله -ﷺ- من قومه -أهل مكة- أن يجيبوه، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة فكان ببطن نخلة، قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، مر به نفر من أشراف حسن نصيبين، كان إبليس بعثهم ليعرف السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم، == فدفعوا إلى النبي -ﷺ-، وهو يصلي، فاستمعوا لقرآنه.
وقال آخر ون: بل أمر رسول الله -ﷺ- أن ينذر الجَنَّة، ويدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفر من الجن ليستمعوا منه، وينذروا قومهم".]].
وقال مقاتل: ﴿قُرْآنًا عَجَبًا﴾ يعني عزيزًا لا يُوجد مثله [["تفسير مقاتل" 211/ ب، وورد بمثله في "بحر العلوم" 3/ 410 من غير عزو.]].
والمحعنى: قرآنًا ذا عجيب، يعجب منه لبلاغته وعدم مثله، ثم وصفوا ذلك القرآن، وهو قوله:
الجن 72:2
﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾.
قال عطاء: إلى الإيمان بالله [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وقال الكلبي: يدعو إلى الصواب من الأمن من لا إله إلا الله [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وقال [[في (أ): قال.]] مقاتل: يدعو إلى التوحيد [[الذي ورد في "تفسيره" 211/ ب: "قال: يدعو إلى الهدى"، وقد ورد بنحوه من غير عزو في: "بحر العلوم" 3/ 410.]].
﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ قال الكلبي: بطاعة ربنا أحدًا، يعنون إبليس، وذلك أنه بعثهم ليعرف سبب حراسة السماء بالنجوم، فخرجوا يضربون في الأرض، فمروا [[غير واضحة في: (ع).]] برسول الله -ﷺ- [[ساقطة من: (أ).]]، وهو يقرأ القرآن، فاستمعوا إليه، وآمنوا، ولم يرجعوا إلى إبليس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ قرئ: (وأنه)، وكذلك ما بعده بالكسر، والفتح [[قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص بفتح الهمزة فيهن، ووافقهم أبو جعفر في ثلاث: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾. وقرأ الباقون بكسرها في الجميع، واتفقوا على فتح ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، ﴿وَأَنً اَلْمَسَجِدَ﴾. قال ابن الجزري: (لأنه لا يصح أن يكون من قولهم، بل هو مما أوحي إليه -ﷺ-، بخلاف الباقي، فإنه يصح أن يكون من قولهم، ومما أوحي، والله أعلم). "النشر في القراءات العشر" 2/ 91 - 392.
وانظر مراجع قراءة الفتح والكسر: كتاب "السبعة" 656، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 719، و"الحجة" 6/ 33، و"المبسوط" 383، و"حجة القراءات" 727، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 329.]]، والاختيار الكسر؛ لأنه من قول الجن لقومهم، فهو معطوف على قوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا﴾، وقالوا: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى [[في (أ): على.]] جَدُّ رَبِّنَا﴾، وأما من فتح، فقال الفراء: أما الذين فتحوا فإنهم ردوا (أن) في كل السورة على قوله: (فآمنا به)، وآمنا بكل ذلك، ففتحوا (أن) بوقوع [[وردت في "معاني الفراء" لوقوع.]] الإيمان عليها، وأنت مع ذلك تجد الإيمان [[في (أ): الإنسان.]] يحسن في بعض ما فتح، ويقبح في بعض، ولا [[في (ع): فلا.]] يمنعك ذلك من إمضائهنَّ على الفتح، فإن الذي يقبح من ظهور الإيمان قد يحسن فيه فعل مضارعٌ للإيمان [[في (أ): الإيمان.]] يوجب فتح (أن) نحو: (صدقنا)، و (شهدنا) [[إلى هنا انتهى قول الفراء في "معاني القرآن" 3/ 391 - 392، وقد نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف.]].
وقال أبو إسحاق: من حمل [[في (أ): جعل.]]: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ على قوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ يقول: فآمنا به، وبأنه تعالى جد ربنا، وكذلك ما بعدَه، وهو ردئ في القياس، لا يُعطف على (الهاء) المخفوض إلا بإظهار الخافض، ولكن وجهه أن يُحمل على معنى: (آمنا به)، لا على لفظ: (آمنا به)، ومعنى [[في: (أ): معنا.]] آمنا به: صدقناهُ، وعلمناه، ويكون المعنى: وصدقنا أنه تعالى جد ربنا [[إلى هنا انتهى قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 234، وقد نقله عنه بتصرف.]].
وقال أبو علي: من قرأ بالفتح، فإنه على العمل على (أوحي) [["الحجة" 6/ 332.]]، وهذا ضعيف جدًّا [[لأنه ينقص المعنى ويغيره. إذا حملت سائر الآيات في الثلاثة عشر موضعًا من هذه السورة، والتي من قول: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ على ما قبلها من قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾، وذلك لأنه لا يحسن أن يقال: وأوحي إلى أنه لما قام عبد الله، ولا يحسن وأوحي إلى أنه كان يقول سفيهنا على الله شططًا. قاله مكي بن أبي طالب في الكشف: 2/ 341.]]؛ لأن المعنى على الإخبار على الجن [[في: (أ): الحق.]] أنهم قالوا: "وأنه تعالى جد ربنا"، "وأنه كان يقول"، وليس المعنى على أوحي إلى "أنه تعالى جد ربنا"، "وأنه كان يقول سفيهنا"، إلا أن بعض ما فتح من "أن" في هذه السورة يحسن حملها على "أوحي" [[قال مكي: وحجة من فتح الثلاثة عشر أنه عطف على "قل أوحي إلى أنه"، فلما عطف على ما عمل فيه الفعل فتحه كله. الكشف: مرجع سابق.]]، ونذكر ذلك في موضعه [[عند الآية: (6) من هذه السورة.]]، ولكن ليس يطرد حمل فتح ما اختلف فيه على الوحي [[لأن المعنى في فتح "أن" على العطف على "الهاء" أتم وأبين منه إذا عطفت على "أوحي إلى أنه". مرجع سابق.]] [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
واختلفوا في معنى قوله: "جد ربنا": فالأكثرون على أن المعنى: جلال ربنا وعظمته، وهو قول مجاهد [["جامع البيان" 29/ 154، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 192/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 401، و"زاد المسير" 8/ 105، و"الجامع" 8/ 19، و"تفسير ابن كثير" 4/ 457.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 211/ ب، بنحوه، و"زاد المسير" 8/ 105.]]، (وعكرمة [["جامع البيان" 29/ 104، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 192/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 401، و"زاد المسير" 8/ 105، و"الجامع لأحكام القرآن" 8/ 19، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 457.]]، وقتادة [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 489، و"النكت والعيون" 6/ 110، و"معالم التنزيل" 4/ 401، و"الجامع" للقرطبي 19/ 8، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 457.]]، والمبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 234.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، وجميع أصحاب العربية [[حكاه الفراء عن مجاهد. انظر: "معاني القرآن" 3/ 192.]].
والجد معناه في اللغة: العظمة، يقال: جد فلان، أي: عظم [[انظر: مادة: (جد) في معجم "مقاييس اللغة" 1/ 406، و"تهذيب اللغة" 10/ 455، و"الصحاح" 2/ 452، و"إصلاح المنطق" 2.]]، ومنه الحديث: "كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد فينا [[أخرجه الإمام أحمد 3/ 120 - 121، من طريق أنس -رضي الله عنه- مطولاً، ونص الشاهد: (وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، يعني عظم).]]، أي: جل قدره وعظم" [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وقال الحسن "جد ربنا" أغناه [["الكشف والبيان" ج 12: 192/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 400، و"زاد المسير" 8/ 105، و"القرطبي" 8/ 19، و"الدر المنثور" 8/ 298 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، والجد يكون بمعنى الغنى، ومنه الحديث: "لا ينفع ذا الجد منك الجد" [[أخرجه البخاري 1/ 271 ح 844، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، وكتاب القدر: باب لا مانع لما أعطى الله: 4/ 212: ح 6615، وكتاب الاعتصام: باب ما يكره من كثرة السؤال: 4/ 362، ح 7292، ومسلم 1/ 343: ح 194: كتاب الصلاة: باب اعتدال أركان الصلاة، وباب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع: ح 205 - 206، كتاب المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح) 137 - 138، وأبو داود 1/ 377 - 378: كتاب الصلاة: باب ما يقول الرجل إذا سلم من الصلاة.
ومالك في "الموطأ" 7/ 687 كتاب القدر: باب ما جاء في أهل القدر، والدارمي في "سننه" 71 - 88، والترمذي 2/ 97: ح 299: كتاب الصلاة: باب ما يقول إذا سلم من الصلاة، والنسائي 2/ 544 - 545: ح 1067، كتاب التطبيق، باب ما يقول في قيامه ذلك، وكتاب السهو: باب نوع آخر من القول عند إنقضاء الصلاة: 3/ 79 - 80: ح 1340 - 1341، وباب نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة: 3/ 82: ح 1345، والإمام أحمد في "المسند" 3/ 87، و4/ 93، و97، و101، و245، و247، 250، و254، و285.
قال النووي: (والصحيح المشهور: الجد -بالفتح- وهو الحظ، والغنى، والعظمة، والسلطان، أي لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان منك حظه، أي لا ينجيه حظه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 46]، والله تعالى أعلم. "شرح صحيح مسلم" 4/ 441، وانظر قوله في: "عون المعبود، شرح سنن أبي داود" للآبادي: 4/ 372.]]، وكذلك الحديث الآخر: "قمت على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها الفقراء، وإذا أصحاب الجد [[في: (أ): الجنة.]] محبوسون" (يعني) [[ساقطة من: (أ).]] ذوي الحظ [[في: (أ): الخطة.]] في الدنيا [[الحديث أخرجه البخاري في "الجامع الصحيح" 3/ 388 ح 5196، من طريق أبي عثمان عن أسامة عن النبي -ﷺ- قال: "قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجَدِّ محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فهذا عامة من دخلها النساء".]] [[ما بين القوسين تناول المعنى اللغوي لـ: "الجد" انظر مادة: (جد) في: معجم "مقاييس اللغة" 1/ 406، و"تهذيب اللغة" 10/ 455، و"الصحاح" 2/ 452، و"لسان العرب" 3/ 108، وانظر: "إصلاح المنطق" 22.]].
والمعنى: وجميع ما ذكر من الأقوال يعود إلى معنى: القولين اللذين ذكرنا. (روي عن قتادة: تعالى أمره) [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 321، وعبارته: "تعالى أمر ربنا، تعالت عظمته"، و"جامع البيان" 29/ 104، و"النكت والعيون" 6/ 110، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 457، و"الدر" 8/ 298 وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وفي جميعها بنحو ما ورد في "تفسير عبد الرزاق".]] [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
قال أبو [[في (أ): أبوا.]] عبيدة: ملكه وسُلطانه [["مجاز القرآن" 2/ 272، نقله عنه بتصرف، وعبارته: "علا ملكُ ربِّنا وسلطانه".]].
وعن القرظي: آلاؤه ونعمه [["الكشف والبيان" 12/ 192/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 401، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 8، و"فتح القدير" 5/ 304.]].
وعن مجاهد: ذكره [["جامع البيان" 29/ 105، و"الكشف والبيان" 12/ 192/ ب، و"المحرر الوجيز" 5/ 379، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 8، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 457، و"الدر المنثور" 8/ 298، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]].
وكل هذا معناه يعود إلى جلاله، وعظمته، وغناه، وقول من قال: إن الجن قالت (هذه) [[ساقطة من (أ).]] بالجهالة [[في (أ): بجهالة.]] لا يصح [[وممن قال بهذا القول: علي بن الحسين؛ أبو جعفر الباقر، وابنه جعفر، والربيع بن أنس. انظر: "جامع البيان" 29/ 104، "الكشف والبيان" 12/ 192/ ب، و"المحرر الوجيز" 5/ 379، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 8 وقد وصف الكرمانى هذا القول بأنه عجيب وضعيف وبعيد. انظر: "غرائب التفسير وعجائب التأويل" 2/ 1260، وقال ابن عطية 5/ 379: قال كثير من المفسرين: هذا قول ضعيف.]]؛ لأنهم لو قالوه بالجهل لأنكر عليهم (ولَمَا) [[ساقطة من (أ).]] أخبر الله بذلك عنهم في القرآن.
فأما ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو علمت الجن أن في الإنس جدًّا [[في (أ): أحدًا.]] ما قالت: "تعالى جد ربنا" [["الكشف والبيان" 12/ 192/ ب، و"غرائب التفسير"، وقد وصفه بما وصف سابقه من القول بالجهالة، و"تفسير ابن كثير" 4/ 457، وقال ابن كثير: "إسناد جيد لكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام، ولعله قد سقط شيء، والله أعلم".]]، فهذا محمول على أن هذا اللفظ مُوهم، وكان [[في (ع): فكان.]] الأولى بهم أن يجتنبوا إطلاقه في وصف الله، وإن (كان) [[ساقطة من: (أ).]] بمعنى جائز في وصفه.
وقال أبو إسحاق: تعالى جد ربنا وعظمته [[في (أ): وعظمت.]] عن أن يتخذ صاحبة وولدًا [[وردت في (ع): وولدًا وصاحبة.]] [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 243 بنصه.]]، وهو قوله ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين من الجن [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وهو قول مقاتل: يعني كفارهم [["زاد المسير" 8/ 105، ومعنى السفه في اللغة: الخفة، انظر: معجم "مقاييس اللغة" 3/ 79، و"تهذيب اللغة" 6/ 131.
وقال الراغب: السفه: خِفة في البدن، ومنه قيل: زمام سفيه: كثير الاضطراب، وثوب سفيه: رديء النسيج، واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدنيوية، والأخروية، فقيل: سَفِه نفسه، وأصله: سفه نفسه، فصرف عنه الفعل نحو: بطر معيشته، وقال في الأخروي: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا (4)﴾ فهذا من السفه في الدين". "المفردات" 234 - 235.]].
وقال مجاهد [["جامع البيان" 29/ 107، و"الكشف والبيان" 12/ 192/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 110، و"الجامع" للقرطبي 9/ 19، و"تفسير ابن كثير" 4/ 457، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 8/ 298 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر: "فتح القدير" 5/ 304.]]، (وقتادة) [[المراجع السابقة، ورواه صاحب "الدر" بمعناه عنه وعزاه إلى عبد بن حميد.]] [[ساقطة من: (أ).]]: هو إبليس.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى اللهِ شَطَطًا﴾ أي كذبًا، وجورًا، وهو و [[الواو ساقطة من النسختين، وأثبتها لاستقامة المعنى، وهكذا وردت أيضًا في "الوسيط" 4/ 363، و"زاد المسير" 8/ 105.]] صفه بالشريك، والصاحبة، والولد. قاله المفسرون [[ممن قال بمعنى ذلك: ابن قتيبة، قال: أي غلوًّا في الكذب والجور. "تأويل مشكل القرآن" 427، وعن ابن زيد قال: ظلمًا. "جامع البيان" 29/ 107.
وعن الكلبي: كذبًا، وعن أبي مالك: جورًا. انظر: "النكت والعيون" 6/ 110. وممن قال من المفسرين أيضًا بذلك: البغوي، وابن الجوزي، والخازن، وابن كثير. انظر: "معالم التنزيل" 4/ 401، و"زاد المسير" 8/ 105، و"لباب التأويل" 4/ 316، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 457.]]. وتفسير "الشطط" قد تقدم عند قوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [[وجاء في تفسيرها كما في "البسيط" ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي كذبًا وجورًا، قاله المفسرون، ومعنى الشطط في اللغة: مجاوزة القدر.
قال الفراء: يقال: أشط في اللوم إذا جاوز القدر، ولم أسمع إلا أشطّ يشط أشطاطًا وشططًا. وحكى الزجاج وغيره: شط الرجل وأشط، إذا جاوز، ومنه: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾، ومثله: أشط، وأصل هذا من قولهم: شطت الدار إذا بعدت، فالشطط في القول بعد عن الحق.
وانظر المعنى اللغوي، وهو مجاوزة المحدود، والتباعد عن الحق، مادة: (شطط) في كل من: "الصحاح" 3/ 1137، و"اللسان" 7/ 334، و"تاج العروس" 5/ 691.]] [الكهف: 14].
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا (5)﴾ [[وردت في (ع): "إنا ظننا" الآية.]]: أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله بأن له شريكًا وصاحبة وولدًا، أي كنا نظنهم صادقين حتى سمعنا القرآن. هذا قول المفسرين [[وهو قول الثعلبي نقله عنه بنصه. انظر: "الكشف والبيان" 12/ 192/ ب، وممن ذهب من المفسرين إلى هذا القول: الطبري، والسمرقندي، والبغوي، وابن الجوزي، والقرطبي، والخازن، وابن كثير. انظر: "جامع البيان" 29/ 107 - 108، و"بحر العلوم" 3/ 411، و"معالم التنزيل" 4/ 402، و"زاد المسير" 8/ 105، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 19، و"لباب التأويل" 4/ 316، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 457.]].
قال ابن قتيبة: يقول: كنا نتوهم أن أحدًا لا يقول على الله باطلاً، يريدون أنا كنا نصدقهم، ونحن نظن أن أحدًا لا يكذب على الله، وانقطع هاهنا قول الجن [["تأويل مشكل القرآن" 427 بنصه.]].
قال الله جل وعز: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ﴾ (فمن فتح "وأنه" حملها على "أوحي"، ومن كسر جعلها مبتدأة [[لأن حقّها إذا دخلت على الابتداء أن تكسر؛ لأنها حرف مبتدأ به للتأكيد. قاله مكي. انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 341.]] من الله تعالى) [[ما بين القوسين نقلاً عن "الحجة" بتصرف واختصار: 6/ 332.]].
قوله تعالى: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال جماعة المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر [[القفر في اللغة: المكان الخلاء من الناس. وفي اللسان: الخلاء من الأرض. انظر (قفر) في: "تهذيب اللغة" 9/ 120، و"لسان العرب" 5/ 110. وقال الجوهري: القَفْر: مفازة لا ماء فيها، ولا نبات، والجمع: قفار. "الصحاح" 2/ 797 مادة: (قفر).]] من الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي، أو بعزيز هذا المكان، من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح [[قال بمعنى ذلك: ابن عباس، والحسن، وإبراهيم، ومجاهد، وابن زيد. انظر: "جامع البيان" 29/ 108، و"النكت والعيون" 6/ 111، وعزاه إلى ابن زيد فقط. وقال به: ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 428، والسمرقندي، والثعلبي، والبغوي، وحكاه ابن عطية عن جمهور المفسرين، وابن الجوزي، والفخر الرازي عن جمهور المفسرين، والخازن.
انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 234، و"بحر العلوم" 3/ 411، و"الكشف والبيان" 12: 193/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 402، و"المحرر الوجيز" 5/ 380، و"زاد المسير" 8/ 105، و"التفسير الكبير" 30/ 156، و"لباب التأويل" 4/ 316.]].
وقوله: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ قال أبو عبيدة: سفهًا وطغيانًا وظلمًا [["مجاز القرآن" 2/ 272، بزيادة: (وظلمًا).]].
وقال الليث [["تهذيب اللغة" 5/ 397 - 398، نقله عنه باختصار.]]، وغيره [[يراد به الأصمعي. انظر: "تهذيب اللغة"؛ مرجع سابق.]] [[ساقطة من: (أ).]]: الرهق: جهل في الإنسان، وخِفَّةٌ في عقله. والرَّهَق: غشيان الشيء، وفي فلان رهقٌ يغشى المحارمَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ [يونس: 26]-وقد مر [[جاء في تفسير الآية السابقة من الحاشية 10: (ولا يرهق وجوههم: أي لا يغشاها، يقال: رهقه ما يكره، أي: غشيه، قال ابن عباس: يريد ولا يصيب وجوههم.]] -، ورجل مُرَهَّقٌ: يغشاه السُّؤال والضيفان، ومنه قول زهير:
ومُرَهَّق النِّيرانِ يُحْمَدُ في ... اللأْواءِ غيرُ مُلَعَّنِ القِدْرِ [[ورد البيت منسوبًا له في ديوانه: 28 ط دار صادر. وأيضًا في مادة: (رهق): "الصحاح" 4/ 1487، و"لسان العرب" 10/ 130، و"تاج العروس" 6/ 365.
ومعنى البيت: مرهق النيران: تُغشى نيرانه، اللأواء: الشدة والجهد والضيق، غير ملعن القدر: لا تُسبُّ قِدره لأنه يُطعِم.
انظر: "شرح شعر زهير" لأبي العباس ثعلب، تحقيق د. فخر الدين قباوة: 80.]] [[ما بين القوسين انظر له: "تهذيب اللغة" 5/ 397 - 398: مادة: (رهق).]]
ويقال: رهقتنا الشمس إذا قربت [[جاء في "الصحاح" ويقال: طلبت فلانًا حتى رَهِقْتُةُ رَهَقًا: أي دنوت منه، فربما أخذه، وربما لم يأخذه. 4/ 1487. وفي "اللسان" وأرهقنا الليل: دنا منا، وأرهقنا الصلاة: آخرناها حتى دنا وقت الأخرى. 10/ 130، مادة: (رهق).]].
ومعنى قول المفسرين يعود إلى هذا، وهو أنهم قالوا في قوله: (فزادوهم رهقًا) أي إثمًا [[قاله ابن عباس. انظر: "جامع البيان" 29/ 159، و"الكشف والبيان" 12/ 193/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 111، و"معالم التنزيل" 4/ 402، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 10، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 457.]]، وجراءة [[قاله قتادة. انظر: "جامع البيان" 29/ 109، و"الكشف البيان" 12/ 193/ أ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 457.]]، وطغيانًا [[قاله مجاهد. انظر: المراجع السابقة. إضافة إلى: "النكت والعيون" 6/ 111، و"معالم التنزيل" 4/ 402.]]، وخطيئة [[قاله قتادة أيضًا. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 132، و"الكشف والبيان" 12/ 193/ أ، و"القرطبي" 10/ 19، و"الدر المنثور" 8/ 310، وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، وغيًّا [[قاله مقاتل. انظر: "الكشف والبيان" جـ: 12: 193/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 111، و"معالم التنزيل" 4/ 402.]]، وشرًا [[قاله الحسن. انظر: "الكشف والبيان" جـ: 12: 193/ أ.
ومن ألفاظهم أيضًا: خوفًا؛ قاله ابن زيد، وأبو العالية، والربيع. انظر: "الكشف والبيان" 12/ 193/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 111، و"القرطبي" 10/ 19.
وعظمة: قاله إبراهيم. انظر: "الكشف والبيان"، و"معالم التنزيل"؛ مرجعان سابقان. وكفر. قاله سعيد. انظر: "النكت والعيون"؛ مرجع سابق.
وأذًى. قاله السدي. انظر: المرجع السابق. سفهًا. قاله ابن عيسى. مرجع سابق. وقال الزجاج. ذلة وضعفًا. "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 234.]]، كل هذا من ألفاظهم، والمعنى: أنهم يزدادون بهذا التعوذ طغيانًا، وإثمًا، فيقولون: [سدنا] [[في كلا النسختين: سيدنا، وأثبت ما تستقيبم به العبارة.]] الجن والإنس.
ويجوز أن يكون المعنى: زادت الجن والإنس رهقًا، أي ظلمًا، يعني لما تعوذوا (بهم) [[ساقطة من: (أ).]] استذلوهم، واجترؤوا عليهم، فزادوهم ظلمًا، وهذا معنى قول عطاء: خبطوهم [[خبطوهم: خبطه، يخبطه: ضَرَبه شديدًا.
انظر: "القاموس المحيط" 2/ 356، مادة: (خبط).]]، وخنقوهم [[الخنق: خنقه يخنقه، من باب قتل، خنقًا، والمخنقة: القلادة، سميت بذلك لأنها تطيف بالعنق، وهو موضع الخنق.
انظر مادة: (خنق) في: "معجم مقاييس اللغة" 2/ 224، و"الصحاح" 4/ 1472، و"المصباح المنير" 1/ 219.]].
فعلى القول الأول: زادوا من فعل الإنس.
وعلى القول الثاني: زادوا من فعل الجن.
قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ هذا أيضًا من قول الله عز وجل، والكلام في فتح "أن" وكسرها -كما ذكرنا في الآية التي قبلها [[يراجع فيها آية 3 من هذه السورة.]] - والمعنى أن الله تبارك وتعالى يقول: (ظن الجن كما ظننتم أيها الإنس أن لا تبعث يوم القيامة [[بمعناه قال السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 411، والثعلبي في "الكشف والبيان" 12/ 193/ ب.]]، أي: كانوا لا يؤمنون بالبعث، كما أنكم لا تؤمنون به، وهذا خطاب من الله للكفار.
وانقطع هاهنا قول الله عز وجل فقالت الجن) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن ابن قتية بنصه. انظر: "تأويل مشكل القرآن" 428 - 429.]]:
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد مسسنا السماء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
الجن 72:8
وقال الكلبي: يقول: أتينا السماء [["الوسيط" 4/ 365.]].
قال أبو علي: تأويله عالجنا غيب السماء، ورمنا استراقه فنلقيه إلى الكهنة [[الكهنة: جمع كاهن، وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدّعي معرفة الأسرار. "لسان العرب" 13/ 363، مادة: (كهن)، و"النهاية في غريب الحديث والأثر" 4/ 214.]]، وليس من اللمس بالجارحة في شيء [[و [[كلمة (شهبا) ساقطة من: (ع).]] لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وهذا معنى قول الكلبي (¬3).
وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [["الدر المنثور" 8/ 303 وعزاه إلى ابن مردويه.]] قال ابن عباس [["تفسير مقاتل" 211/ ب.]]، ومقاتل [[نحو ما جاء في قوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، وقوله ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55].]]: يعني الملائكة.
والحرس: جمع حارس. و ﴿شَدِيدًا﴾ يراد به الكثرة، وذكرنا في مواضع أن فعيلًا قد يكون للكثير [[و (¬9) لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقوله: ﴿وَشُهُبًا﴾ قال ابن عباس: يريد النار التي يرجم بها من استرق السمع [[سورة الملك: 5: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)﴾. وقد جاء في تفسيرها: قال ابن عباس: يرجم بها الشياطين == الذين يسترقون السمع. قال أبو علي: فإن قيل: كيف يجوز أن تكون المصابيح زينة مع قوله: (وجعلناها رجومًا للشياطين فالقول إنها جعلت لهم لم تزل فتزول الزينة بزوالها، ولكن يجوز أن ينفصل منها نور يكون رجمًا للشياطين، كما ينفصل من السرج، وسائر ذوات الأنوار ما لا يزول بانفصالها منها صورتها. وهذا كما قال بعض أهل العربية: ينفصل من الكوكب شهاب نار، وهذا كقوله: "ولقد جعلنا في السماء بروجًا" الآية.
ومعنى لفظ الشهاب: الشُّعلة الساطعة من النار الموقدة، ومن العارض في الجو، نحو: "فأتبعه شهاب ثاقب". "المفردات في غريب القرآن" 467.
وقال أبو حيان: "شهاب": كوكب متوقد مضيء. "تحفة الأريب" 182.
وقال ابن فارس: "شهب" الشين والهاء والباء أصل واحد يدل على بياض في شيء من سواد لا تكون الشهة خالصة بياضًا .. ، ومن الباب الشهاب، وهو شُعلة نار ساطعة "معجم مقاييس اللغة" 3/ 220، مادة: (شهب)، وانظر: "لسان العرب" 1/ 508 مادة (شهب).]].
وقال الكلبي: ورُمينا بالنجوم (¬9)، وهذا كقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 15]، وقد مر، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (¬10)، ...
وفي آيات غيرها [[نحو ما جاء في سورة الحجر: 18 عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18)﴾. جاء في تفسير الشهاب: "قال الواحدي: والشهاب: شعلة نار ساطع، ثم يسمى الكوكب شهابًا، والسنان شهابًا لبريقهما يشبهان النار".
وقال ابن عباس في قوله: (بشهاب مبين): يريد نارًا تنير لأهل الأرض.
قال المفسرون: إن الشهاب لا تخطئه أبدًا، وإنهم ليرمون فإذا توارى عنكم فقد أدركه. وقال أصحاب المعاني: إن الله تعالى سمى ما ترجم به الشياطين شهابًا، وهو في اللغة النار الساطعة، ونحن في رأي الحين نرى كأنهم يرمون بالنجوم، فيجوز أن ذلك كما نرى، ثم يصير نارًا إذا أدرك الشيطان، ويجوز أنهم يرمون بشعلة نار من الهواء، ولكن لبعده عما يخيل إلينا أنه نجم. والله أعلم بحقيقة ذلك.]].
قال الكلبي: ولم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد -عليهما السلام- خمسمائة عام، فلمَّا بعث محمد -ﷺ- مُنعوا من السموات كلها، وحرست بالملائكة والشهب، فعند ذلك قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: 14] [[ورد بنحوه في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 11.]] الآية.
وذكر المفسرون [[قال بذلك قتادة، وابن زيد، وابن عباس، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر، انظر: "جامع البيان" 29/ 111، و"التفسير الكبير" 30/ 158، و"القرطبي" 19/ 12، و"الدر المنثور" 8/ 302 وعزاه إلى عبد بن حميد عن ابن عباس، ويؤيد هذا القول الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يسمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأمَّا الكلمة فتكون حقًّا، وأمَّا ما زاد فيكون باطلاً، فلما بعث رسول الله -ﷺ- مُنِعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في أرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله -ﷺ- قائمًا يصلي بين جبلين، أراه قال: بمكة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث بالأرض.
أخرجه الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن صحيح، 5/ 427 - 428 ح 3324، كتاب التفسير: باب ومن سورة الجن: 70.]]: أن الانقضاض الذي رُميت به الشياطين حدث بعد مبعث النبي، وهو أحد آياته، ويدل على هذا قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ [الجن: 9] الآية، أي كنا نسمع، فالآن حين حاولنا الاستماع رُمينا بالشهب. وهو قوله: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾.
قال مقاتل: يعني رميًا من الكواكب، ورصدًا من الملائكة [["تفسير مقاتل" 211/ ب.]].
قال أبو إسحاق: أي حفظة تمنع من الاستماع [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 234 بنصه.]].
وعلى هذا يجب أن يكون التقدير: شهابًا، ورصدًا؛ لأن الرصد غير الشهاب، وهو جمع راصد [[الرصد في اللغة: قال ابن فارس: الراء والصاد والدال أصل واحد، وهو التهيؤ لِرقبة شيء على مَسْلَكِه، ثم يحمل عليه ما يشاكله. "معجم مقاييس اللغة" 2/ 400، مادة == (رصد). وفي "الصحاح" الراصد للشيء: المراقب له، والرَّصَدُ: القوم يَرصدون كالحرس. 2/ 474 مادة: (رصد).]].
وقال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 193 بنصه.]]، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" 489.]]: أي شهابًا قد أرصد له ليرجم به.
وعلى هذا الرصد من نعت الشهاب، وهو فَعَل بمعنى مفعول، كالنَّفَضِ والخيط.
روى عبد الرزاق عن مَعمر قال: قلت للزهري: أكان يُرمى بالنجوم في الجاهلية، قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ الآية، فقال: غلظت، وشدد أمرهَا حين بُعث النبي -ﷺ- [["تأويل مشكل القرآن" 429، و"بحر العلوم" 3/ 412، و"الكشاف" 4/ 147، و"الجامع" للقرطبي 12/ 19، و"فتح القدير" 5/ 305 - 306، و"الكشاف" 29/ 87.]].
وروي أيضًا مرفوعًا ما يدل على هذا، وهو ما روي عن ابن عباس أنَّه قال: بينا رسول الله -ﷺ- جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم، فقال: "ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟ " فقالوا [[في (أ): فقال.]]: كنا نقول يموت عظيم، أو يولد [[غير واضحة في: (أ).]] عظيم [[الحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" 4/ 1750: ح 124، كتاب السلام: باب 35، تحريم الكهانة وإتيان الكهان، ونص الحديث كما هو عنده: "عن ابن شهاب حدثني علي بن حسين أن عبد الله بن عباس قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي -ﷺ- من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله -ﷺ- رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله -ﷺ-: "ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رُمي بمثل هذا؟ " قالوا: الله ورسوله اعلم، كنا نقول. وُلِدَ الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم. فقال == رسول الله -ﷺ- "فإنها لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك وتعالى اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش" .. الحديث.
كما أخرجه الترمذي في "سننه" 5/ 362: ح 3224، كتاب التفسير، ومن سورة سبأ: 35، قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح).
وما أورده الإمام الواحدي فنقلًا عن "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة: 430.]] الحديث.
قال ابن قتيبة: وهذا يدل [[وردت في "تأويل مشكل القرآن" المطبوع بلفظ: (لِنَدُلَّ).]] على أن الرجم قد كان قبل مَبْعثه ولكنه لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه، وكانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بُعث منعت من ذلك أصلًا. وعلى هذا وجدنا الشعر القديم، قال بِشر ابن أبي خازم، وهو جاهلي:
والعَيْرُ يُرْهِقُها الغُبِارُ وجَحْشُها ... يَنْقَضُّ خَلْفَها انْقِضَاضَ الكَوْكَبِ [[ورد البيت في "ديوانه" 37، و"كتاب المعاني الكبير" 2/ 739، و"الحيوان": لأبي عثمان الجاحظ: 6/ 273، برواية (الخبار) بدلًا من (الغبار)، و (خلفهما) بدلًا من (خلفها)، و"الكشاف" 29/ 87 برواية: (خلفهما).
معنى البيت: الخبار: أرض لينة رخوة تسوخ فيها القوائم. شبه الجحش بالكوكب المنقضّ في سرعته وبياضه. "ديوانه": 37. حاشية.]]
وقال أوس بن حجر، جاهلي:
فانْقَضَّ [[وانقض: هكذا وردت عند ابن قتيبة في التأويل.]] كالدُّرِّي يَتْبَعُه ... نَقْعٌ يَثُورُ تَخَالُهُ طُنُبا [[ورد البيت في ديوانه: 3، برواية: (وانقض)، و"الحيوان" 6/ 274، "كتاب المعاني الكبير" 2/ 739، و"النكت والعيون" 6/ 112، و"التفسير الكبير" 3/ 157، و"المحرر الوجيز" 5/ 381، وعزاه إلى عوف بن الجزع، و"الجامع لأحكام القرآن" 12/ 19، و"الكشاف" 29/ 87 (وانقض).
ويراد بالنقع: الغبار الساطع. الدريّ: الكوكب المنقض يدرأ على الشيطان. تخاله طنبًا: يريد تخاله فسطاطًا مضروبًا. ديوانه: 3 حاشية.]] [[ما بين القوسين من قول ابن قتيبة؛ نقله عنه الواحدي بتصرف يسير جدًّا. انظر: == "تأويل مشكل القرآن" ص 430.]] ثم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الْأَرْضِ﴾، أي: بحدوث الرجم بالكواكب، وحراسة السماء من استراق السمع، أريد شرًّا [[وردت مكررة في النسخة: أ.]] بأهل الأرض أم صلاح. وهو قوله: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.
(هذا معنى أكثر المفسرين [[قال بذلك: ابن زيد، انظر قوله في "جامع البيان" 29/ 111، و"النكت والعيون" 6/ 112، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 13.
كما قال به ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 431، ورجحه الطبري في "جامع البيان" مرجع سابق، وقاله أيضًا السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 412، وإليه ذهب البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 403، وعزاه القرطبي إلى الأكثرين من المفسرين. وهذا القول أحد القولين للآية، وهو القول الأول.]]، وأهل التأويل [[قاله الفراء في "معاني القرآن" 3/ 193، والزجاج 5/ 234.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
قال مقاتل: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الْأَرْضِ﴾ يعني بإرسال محمد -ﷺ- إليهم فيكذبوه، فيهلكوا كما هلك من كذب من الأمم الخالية، أراد أن يؤمنوا فيهتدوا [["تفسير مقاتل" 211/ ب، و"زاد المسير" 8/ 106، وإلى هذا القول ذهب الكلبي أيضًا، وعزاه الماوردي إلى السدي، وابن جريج، وحكاه ابن عطية في تفسيره. ويعد هذا القول الثاني من القولين في معنى الآية. انظر: "جامع البيان"، و"النكت والعيون" مرجعان سابقان، و"المحررالوجيز" 5/ 381]].
والمراد بـ: "الشر"، و"الرشد" على هذا القول: الكفر والإيمان [[بمعنى أن هذا القول منفصل عن معنى الآية السابقة له.]].
وقال ابن زيد: قالوا: لا ندري أعذاب أراد الله أن ينزله بأهل الأرض فمُنَعنا، أم أراد بهم الهدى بأن يبعث فيهم رسولاً. وهذا معنى القول الأول [[ورد قوله بمعناه في "جامع البيان" 29/ 111، و"الجامع" للقرطبي 13/ 19.]].
ثم أخبر عن أحوالهم فقال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾، أي: المؤمنون المخلصون. ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾: دون الصالحين، يعنون الكفّار في قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 211/ ب، بنحوه.]]، والكلبي [[كلمة (والكلبي) ساقطة من (أ)، ولم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومجاهد [["جامع البيان" 29/ 112، و"معالم التنزيل" 4/ 403، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 459، و"الدر المنثور" 8/ 304 وعزاه إلى عبد بن حميد.]].
(وهو اختيار الفراء [["معاني القرآن" 3/ 193، وعبارته سابقة لهذه الآية، وذلك عندما تناول تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الْأَرْضِ﴾.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 235. والكلام ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]).
وقال ابن قتيبة: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ بعد استماع القرآن، ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون [["تأويل مشكل القرآن" 431 نقله عنه الواحدي بنصه.]]، فجعل الفريقين جميعًا مسلمين، ولكن بعضهم دون بعض؛ وهذا قول السدي عن ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. هذا كله معنى قوله:
﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، أي: أصنافًا، وضروبًا مختلفة، إمَّا مؤمنون، وكافرون، على القول الأول، وإمَّا مخلصون بررة ودونهم.
قال السدي: الجنُّ أمثالكم، فيهم قدرية، ومرجئة [[المرجئة: الإرجاء معناه التأخير، والآخر: إعطاء الرجاء، وإطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد، وإما بالمعنى الثاني فظاهر أنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وأول من قال بالقدر والإرجاء: غيلان الدمشقي، ثم الجهم بن صفوان. والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدر، ومرجئة الجبر، والمرجئة الخالصة. انظر: "شرح أصول الاعتقاد" لللالكائي 1/ 25، و"الفرق بين الفرق" للأسفراييني 25، و"الملل والنحل" للشهرستاني 139، "مختصر لوامع الأنوار البهية" لابن سلوم 76.]]، ورافضة [[الرافضة والروافض من فرق الشيعة الباطلة الهدامة المعاندة للأمة الإسلامية، والرافضة لقب أطلقه زيد بن علي بن الحسين على الذين تفرقوا عنه ممن بايعه بالكوفة؛ لإنكاره عليهم الطعن علي أبي بكر وعمر، فرفضه جماعته من الشيعة بسبب ثنائه عليهما، فسموا رافضة.
ومن أهل السنة من يطلق الوصف على الشيعة عمومًا باستثناء الزيدية.
ومن فرق الرافضة من أظهر بدعته في زمن علي رضي الله عنه فقال لـ: "علي" أنت الإله، فأحرق علي رضي الله عنه قومًا منهم، ونفى بعضهم. وهذه الفرقة من الروافض ومن شاكلهم يجمعهم إنكارهم للقرآن، والاعتقاد بتحريفه وتغيره، وإنكار السنة النبوية مكفرين أصحاب رسول الله -ﷺ-، وخاصة الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغير ذلك من الأمور المنكرة الشنيعة التي ما أرادوا بها إلا إسقاط كلمة تكليف الشريعة عن أنفسهم حتى يتوسعوا في استحلال المحرمات الشرعية، ويعتذروا عند العوام بما يعدونه من تحريف الشريعة، وتغيير القرآن من عند الصحابة، فإنهم ليسوا من الأمة الإسلامية أصلاً.
انظر: "الفرق بين الفرق" للأسفراييني 21، و"القاموس الإسلامي" لأحمد عطية 2/ 474، و"الشيعة والتشيع فرق وتاريخ" لإحسان إلهي ظهير 45 و47، و"الموسوعة الميسرة" 854.]]، وشيعة [[الشيعة: من الفرق الضالة عن الإسلام، ومنهم من لا يمت إلى الإسلام بشيء، قال الشهرستاني عنهم: "هم الذين شايعوا عليًّا رضي الله عنه على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًّا، ووصيه إما جليًّا أو خفيًّا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، وينتصب الإمام بنصبهم؛ بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين، لا يجوز للرسل -عليهم السلام- إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله، ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبًا عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولًا، وفعلًا وعقدًا إلا في حال التقية.
وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، واسماعيلية. وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه.
وقد تعددت الآراء حول بداية التشيع مذهبًا وحركة، فالشيعة أنفسهم يرجعون بمذهبهم إلى بدايات الإسلام، وآخرون يرجعون إلى الفترة التي تلت وفاة الرسول -ﷺ- مباشرة، واختلاف الناس حول خلافته، ومنهم من يرجع ذلك إلى عهد علي، ومعركة صفين بصفة خاصة. إلخ.
انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني: 146 - 147، و"القاموس الإسلامي" 3/ 217، وانظر: "شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة" 1/ 22 - 23، و"الموسوعة العربية العالمية" 14/ 298 - 299.]] [[ورد قول السدي هذا في "الكشف والبيان" 12/ 195/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 403، و"زاد المسير" 8/ 106، و"التفسير الكبير" 30/ 159، و"الجامع" للقرطبي 19/ 14، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 459، و"الدر المنثور" 8/ 304، وعزاه إلى أبي الشيخ في العظمة، و"فتح القدير" 5/ 306، وانظر: "تفسير السدي" 464.]]
وقال أبو عبيدة: في قوله: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، (أي) [[ساقطة من: (ع).]]: ضروبًا، وأجناسًا، ومللًا [[في (أ): ميلًا.]] [[النص في: "مجاز القرآن" 2/ 272، ولم يذكر: مللًا.]]، وأنشد الكميت:
جمعت بالري منهم كل رافضة ... إذ هم طرائق في أهوائهم قددُ [[في (أ): قددًا.]] [[وورد البيت في: "الدر المصون" 6/ 394، ولم أعثر عليه في ديوانه.
وورد غير منسوب في "البحر المحيط" 8/ 344 برواية: (الرأي).]]
وقال أبو إسحاق: وكنا جماعات متفرقين [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 235 بنصه.]].
وقال الفراء: كنا فرقًا مختلفة [أهواؤنا] [[وردت في النسختين (أ)، (ع): أهوانا، وما أثبتناه من "معاني القرآن" 3/ 193 فالكلام فيه بنصه، وهو الصواب.]].
وقال ابن قتيبة: كنا أصنافًا وفرقًا [["تأويل مشكل القرآن" 431 بنحوه، وانظر أيضًا: "تفسير غريب القرآن" 490.]].
وذكرنا معنى الطريقة عند [[في (أ): في.]] قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [[سورة طه: 63: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63)﴾.
ومما جاء في تفسيرها: قال عكرمة: يذهبا بخياركم، وقال الحسن وأبو صالح بأشرافكم، وعن مجاهد: أولو العقل والشرف والأسنان، وهذه الأقوال معناها واحد، وهو معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي: أمثلكم. قال الزجاج: معناه: جماعتكم الأشراف. قال: والعرب تقول للرجل الفاضل: هذا طريقة قومه ..
وتأويله: هذا الفتى ينبغي أن يجعله قومه قدوة، ويسلكوا طريقته، وينظروا إليه، ويتبعوه.
وقال الفراء: العرب تقول للقوم: هؤلاء طريقة قومهم، وطرائق قومهم، لأشرافهم؛ ويقولون للواحد أيضًا: هذا طريقة قومه، ويقولون للجمع بالتوحيد == والجميع، يعني: طريقة، وطرائق، قال: ومن ذلك قولى: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾.
والطريقة اسم للأفاضل، على معنى أنهم الذين يقتدى بهم، ويتبع آثارهم، كما يسلك الطريقة.]].
والقدة: القطعة من الشيء، وصَار القوم قددًا إذا تفرقت أحوالهم [[في (ع): حالاتهم.]] وأهواؤهم [[انظر: مادة (قدد) في "تهذيب اللغة" 8/ 268، و"الصحاح" 2/ 522، و"تاج العروس" 2/ 460.]].
وقال المبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: "الطرائق": الأجناس المتفقة، والمختلفة، وهو مأخوذ من الطريق، وهو تأكيد له -هاهنا- ويقال: القوم طرائق، أي على مذاهب شتى، والقدد نحو الطرائق، وهو تأكيد لها -هاهنا- يقال: لكل طريقة قدة. وأصله من قد السّيور [[قال الليث: والقِدُّ: سير يُقَدُّ من جلد غير مدبوغ. "تهذيب اللغة" 8/ 268 (قدد).]]، يقال: صار الأديم قددًا.
ثم قالوا: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ هو قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والمفسرون [[ممن قال بذلك: الفراء 3/ 193، والثعلبي 12/ 194/ أ، والبغوي 4/ 403، وابن عطية 5/ 382، وابن الجوزي 8/ 106، والفخر الرازي 30/ 158، والقرطبي 19/ 15، والخازن 4/ 317، وابن كثير 4/ 458، والشوكاني 5/ 306.]]: عَلِمْنا وأيقنا.
﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ في الْأَرْضِ﴾، أي: لن نفوته إن أراد بنا أمرًا، ولن نسبقه.
﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ إن طلبنا، أي أنَّه يدركنا (حيث كنَّا) [[ما بين القوسين ساقطة من: (أ).]] ثم قال:
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ قال ابن عباس: الذي جاء به محمد -ﷺ- كله هدى [[لم أعثر على مصدر لقوله]]. وقال مقاتل: يعني القرآن [["تفسير مقاتل" 212/ أ.]].
﴿آمَنَّا بِهِ﴾ صدقنا أنَّهُ من عند الله.
﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ﴾ يصدق بتوحيد الله.
﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾ نقصًا من عمله وثوابه [[عن ابن عباس بمعناه في: "جامع البيان" 29/ 112، قال: "لا يخاف نقصًا من حسناته، ولا زيادة في سيئاته، وعنه: ولا يخاف أن يبخس من عمله شيء".]].
﴿وَلَا رَهَقًا﴾ ظلمًا، بأن يذهب عمله كله [[بمعناه قال ابن زيد. المرجع السابق. قال: فيظلم ولا يعطي شيئًا.]]؛ قاله الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 212/ أ.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، وقال عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: ﴿رَهَقًا﴾: عذابًا.
قال المبرد: البخس [[البَخْس: الناقص، وقد بخسه حقَّه يبْخَسُهُ بَخْسًا إذا نقصه. انظر: مادة: (بخس) في "الصحاح" 3/ 907، و"لسان العرب" 6/ 24، و"القاموس المحيط" 2/ 199.]] الظلم، والرهق [[الراء والهاء والقاف: أصلان متقاربان، فأحدهما غشيان الشيءِ الشيءَ، والآخر: العجلة والتأخير. والرَّهق: العجلة والظلم. قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾، انظر: مادة: (رهق) في: "معجم مقاييس اللغة" 2/ 451، و"الصحاح" 4/ 1487، و"لسان العرب" 10/ 131.]]: ما يغشاه من المكروه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، فيدخل فيه العذاب، ونقصان الحسنات، والثواب.
وقالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ هم الذين آمنوا بالنبي -ﷺ-؛ قاله [[في (أ): قال.]] ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] والمفسرون [[لم أعثر على مصدر لقولهم.]].
﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ وهم الجائرون [[قال بذلك قتادة، وابن زيد. انظر: "جامع البيان" 29/ 113.
وإليه ذهب الطبري في: "جامع البيان" المرجع السابق، والزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 235، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12/ 194/ أ.]] الظالمون [[قال به مجاهد. انظر: "تفسير الإمام مجاهد" 677، و"جامع البيان" 29/ 113.]] الكافرون [[قال به ابن قتيبة في: "تأويل مشكل القرآن" 431.]].
قال ابن عباس: وهم الذين جعلوا لله نِدًّا، وعدلوا به مخلوقًا [["معالم التنزيل" 4/ 403، ولم يذكر عنه: وعدلوا به مخلوقًا.]].
وذكرنا معنى "قسط" و"أقسط" في أول سورة النساء [[عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
ومما جاء في تفسير القسط فيها ما يلي: "الإقساط: العدْل، يقال: أقسط الرجل إذا عدل، والقسط: العدل، والنصفة. قال الزجاجي: وأصل قسط وأقسط جمعياً من القسط، وهو النصيب، فإذا قالوا: قسط بمعنى جار أرادوا أنه ظلم صاحبه في قسطه الذي يصيبه ... وإذا قالوا: أقسط، فالمراد به أنه صار ذا قِسط وعَدل، فبني علي بناء أنصف إذا أتى بالنصف والعدل في قوله وفعله وقسمه.]].
ثم مدحوا الإيمان وقالوا: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾، أي: قصدوا طريقا الحق [[التحري لغة: قصد الأولى والأحق. انظر: مادة: (حرى) في: "تهذيب اللغة" 5/ 213، و"لسان العرب" 14/ 174.]].
وقال أبو عبيدة: (تحروا توخوا وتعمدوا، وأنشد: دِيمةٌ هَطلا [[في (أ): هطلاه.]] فيها وَطَفٌ ... طَبَقُ الأرض تحري وتَدِرْ [[البيت لامرئ القيس، ورد البيت ديوانه: 105، وانظر مادة (هطل) في: "تهذيب اللغة" 6/ 77، و"الصحاح" 5/ 1850، و"لسان العرب" 14/ 174، 3/ 699، و"تاج العروس" 8/ 169 مادة (حرى).
ومعنى البيت: الديمة: المطر الدائم يومًا وليلة، الوطفاء: الدانية من الأرض، طبق الأرض: عمها، تحرى: تقصد حراهم وهو الغناء، قدر: تعتمد المكان وتثبت فيه.]]) [[ما بين القوسين من قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 272.]]
وقال الليث: (يُقال) [[ساقط من: (أ).]]: هو يتحرى بكلامه وأمره الصَّواب، وكذلك يتحرى مسرة فلان [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الفراء: ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ الهدى [["معاني القرآن" 3/ 193، مختصرًا وعبارته: أمّوا الهدى واتبعوه.]].
قال المبرد: وأصل التحري من قولهم: ذلك أحرى، أي أحق وأقرب.
والحري [[في (ع): بالحرى.]] أن يفعل كذا، أي يجب عليك، كما تقول: يحق عليك أن تفعل [["التفسير الكبير" 30/ 160.]]، ويقال: لا تَطُرْ حَرانا أي القرب الذي تحر أحق به [[انظر: "لسان العرب" 14/ 172، مادة: (حري)، والعبارة عنه قال: تَطُرْ حرانا، أي: لا تقرب ما حولنا.]].
ثم ذموا الكافرين فقالوا: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾. الآية. أي الذين كفروا وعدلوا بربهم كانوا وقوداً للنار في الآخرة يصلونها [[في (أ): بطونها.]].
وانقطع -هاهنا- كلام [[في (أ): الكلام.]] الجن [[ورد ذلك عن ابن قتيبة، ولعل الإمام الواحدي نقله عنه بتصرف، وعبارة ابن قتيبة: (الكافرون. الآية، وانقطع كلام الجن) "تأويل مشكل القرآن" 431.]].
قال مقاتل: ثم رجع إلى كفار مكة [["زاد المسير" 8/ 107.]]، قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [[ورد في النسختين: وأن لو استقاموا على أصل معنى الآية.]] "أن" مخففة من الثقيلة، وفصل (لو) [[ساقطة من: (أ).]] بينها وبين الفعل [[في (ع): كفصل، وهو لفظ مكرر زائد.]] كفصل [[كررت كلمة: كفصل مرتين في (ع).]] السين [[في النسختين وردت: الشين، والصواب هو: السين]] و"لا" في قوله: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: 89]، و ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: 20]، وهو محمول على الوحي، كأنَّهُ أوحي إلى أن لو استقاموا على الطريقة) [[ما بين القوسين نقلاً عن "الحجة" بتصرف: 6/ 330.]].
قال ابن عباس: يريد طريقة الإسلام [["النكت والعيون" 6/ 116، و"زاد المسير" 8/ 157، و"ابن كثير" 4/ 459 بمعناه.]].
وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 212/ أ، قال: يعني طريقة الهدى.]]، (وإبراهيم [[لم أعثر على مصدر قوله.]]) [[ساقط من: (أ).]]، ومجاهد [["جامع البيان" 29/ 114، و"النكت والعيون" 6/ 116 بمعناه، و"المحرر الوجيز" 5/ 382 بمعناه، و"زاد المسير" 7/ 108، و"تفسير القرآن العظيم" 9/ 454، و"الدر المنثور" 8/ 305 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، وقتادة [["النكت والعيون" 6/ 1116، و"المحرر الوجيز" 5/ 382 بمعناه، و"زاد المسير" 8/ 107.]]، قالوا: معناه لو آمنوا واستقاموا على الهدى ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾، أي: كثيرًا.
قال عطاء: يريد لأغدقت لهم في النعيم والمعيشة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: يعني ماءً كثيرًا من السماء، وذلك بعد [[بياض في: (ع).]] ما رفع عنهم المطر سبع سنين [["تفسير مقاتل" 212/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 403، و"فتح القدير" 5/ 308. وانظر: "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي: 222.]]. وقال سعيد بن جبير: هو المال [["جامع البيان" 29/ 115.]].
وقال مجاهد: مالاً كثيرًا [[المرجع السابق، و"الدر المنثور" 8/ 305 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. وقال [[غير واضحة في: (ع).]] السدي: الماء الكثير [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وهذا معنى ما روي عن عمر [[هو عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.]] (رضي الله عنه) [[في (أ): رحمه الله، بدلاً من: رضي الله عنه.]] قال: حيث كان الماء كان المال، وحيث كان المال كانت الفتنة [["جامع البيان" 29/ 115، و"الكشف والبيان" 12/ 194/ ب، و"القرطبي" 19/ 17.]].
وقال ابن قتيبة (أي: لو آمنوا جميعًا لوسعنا عليهم في الدنيا، وضرب الماء الغدق -وهو الكثير- لذلك مثلاً؛ لأن الخير كله والرزق بالمطر (يكون) [[ساقطة من: (أ).]]، فأقيم مقامه إذ كان سببه) [[ما بين القوسين من قول ابن قتيبة، نقله عنه الإمام الواحدي بنصه: "تأويل مشكل القرآن" 432.]].
(ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [[في: (أ)، و (ع): (الكتاب) بدلا من (القرى)، وهو خطأ واضح.]] الآية [الأعراف: 96]) [[ما بين القوسين نقلاً عن الزجاج. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 235.]].
وتفسير الغدق عند أهل اللغة: الماء الكثير، يقال غَدِقَتْ العين -بالكسر- فهي غَدِقة، والغدق: (الماء الكثير) [[بياض في: (ع).]] [[انظر مادة: (غدق) في: "تهذيب اللغة" 16، و"المستدرك" 129، و"معجم مقاييس اللغة" 4/ 415، و"الصحاح" 4/ 1536، و"لسان العرب" 10/ 282، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 236.]]. قال المبرد: روضة مغدقة إذا كانت ريًّا من الماء [[قوله: إذا كانت ريًا من الماء: بياض في (ع).]]، ومن هذا يقال: مطر مغدوق، وغيداق، وغيدق إذا كان كثير الماء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
هذا الذي ذكرنا في (تفسير) [[ساقطة من: (أ).]] الآية هو قول أكثر المفسرين: سعيد ابن المُسَيِّب [[بياض في: (ع).]]، وعطاء، وعطية، (والضحاك، والحسن [[لم أعثر على مصدر لقولهم.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وقال الكلبي: وأن لو استقاموا على الطريقة يعني على طريقة الكفر، وكانوا كفارًا كلهم [["الكشف والبيان" 12/ 195/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"الجامع لأحكام القرآن" 91/ 18، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460.]]. وهذا قول الربيع [[المراجع السابقة عدا "الجامع لأحكام القرآن"، وانظر أيضًا: "المحرر الوجيز" 5/ 382، و"زاد المسير" 8/ 107، و"فتح القدير" 5/ 308.]]، وزيد بن أسلم [[المراجع السابقة عدا "زاد المسير". وانظر أيضًا: "الجامع" للقرطبي 19/ 18.]]، والثمالي [[انظر قوله في: "الكشف والبيان"، و"الجامع لأحكام القرآن" مرجعان سابقان، و"فتح القدير" 5/ 308.]]، (وأبي مجلز) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] [[ورد قوله في "الكشف والبيان" 12/ 195/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 116، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 18، و"فتح القدير" 5/ 308.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 3/ 193.]]، وابن كيسان [[انظر قوله في: "الكشف والبيان" 12/ 195/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"زاد المسير" 8/ 107، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 18، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460، و"فتح القدير" 5/ 308.]]، قالوا: وأن لو استقاموا جميعًا على طريقة الكفر لوسعنا عليهم، وجعلنا ذلك فتنة عليهم، ودليل هذا التأويل قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية.
قال أبو إسحاق: والذي يختار أن يكون: يعني بالطريقة طريقة الهدى؛ لأن الطريقة مُعَرَّفَة بالألف واللام، فالأوجب أن يكون طريقة الهدى، والله أعلم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 236 بيسير من التصرف.]].
وتمام هذا الكلام عند قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [[قال بذلك النحاس، وأبو عمرو، والسجاوندي، والأشموني. انظر: "القطع والائتناف" 2/ 766 - 767، و"المكتفى في الوقف والابتدا" 589، و"علل الوقوف" 3/ 1056، و"منار الهدى" 406، وتمام الآية: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)﴾.]] (أي لنختبرهم فنعلم كيف شكرهم) [[ما بين القوسين من قول ابن قتيبة بنصه من "تأويل مشكل القرآن" 432.]]. هذا على القول الأول. (وعلى القول الثاني: نقول لو كانوا كفاراً كلهم وثبتوا على طريقة الكفر لوسعنا عليهم؛ فتنةً لهم، واستدراجًا) [[ما بين القوسين أيضًا من قول ابن قتيبة، نقله الإمام الواحدي، ولكن بتصرف. انظر: المرجع السابق.]].
قال الفراء: نفعل ذلك بهم ليكون فتنةً عليهم في الدنيا وزيادةً في عذاب الآخرة [["معاني القرآن" 3/ 193 بنصه.]].
الجن 72:17
(وقوله تعالى) [[ساقطة من: (أ).]] ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ (يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]]﴾ يعني القرآن، وما جاء به محمد -ﷺ- من الموعظة؛ قاله ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 212/ أ.]].
﴿نسلكه (عذابًا) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]]﴾ قال مقاتل: يدخله عذابًا [[ما ورد في "تفسير مقاتل" 212/ أهو: "شدة العذاب".]].
﴿صَعَدًا﴾ قال مجاهد [["جامع البيان" 29/ 116، و"النكت والعيون" 6/ 119، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460، و"الدر المنثور" 8/ 306 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 212/ أ.]]: شدَّة، ومشقة من العذاب.
وقال قتادة: صعوداً من عذاب الله، لا راحة فيه [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 322، و"جامع البيان" 29/ 116، و"الكشف والبيان" 12/ 195/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"الدر المنثور" 8/ 306، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.]].
قال عكرمة عن ابن عباس: هو جبل في جهنم [["جامع البيان" 29/ 116، و"المحرر الوجيز" 5/ 383، و"التفسير الكبير" 30/ 162 "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 18، و"البحر المحيط" 8/ 352، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460، و"الدر المنثور" 8/ 306 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: "المستدرك" 2/ 504، كتاب التفسير: باب تفسير سورة نوح، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.]].
قال أبو سعيد الخدري: جبل في النار [[ورد قوله في: "المحرر الوجيز" 5/ 383، و"البحر المحيط" 8/ 352.]].
وقال الكلبي: يكلف أن يصعد جبلًا في النار (وقال) [[ساقطة من: (ع).]] من صخرة ملساء تجذب من أمامه بسلاسل، ومن خلفه بمقامع [[المقامع: جمع مِقْمَع ، وهو ما يضرب به ويُذَلَّل، ولذلك يقال: قمعته فانقمع، أي: كففته فكف.
"المفردات في غريب القرآن": 413.]] حتى يبلغ أعلاها، ولا يبلغ في أربعين سنة، فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف أيضًا صعودها، فذلك في دأبه [[دأبه: الدَّأب: العادة والشأن. انظر مادة: (دأب) في: "الصحاح" 1/ 123، و"القاموس المحيط" 1/ 64.]] أبدًا [[ورد قول الكلبي في: "الكشف والبيان" 12/ 195/ ب، كما ورد عند الفراء من غير نسبة، وإنما ذكروا أن الصعد: صخرة ملساء .. إلخ. "معاني القرآن" 3/ 194.]].
نزلت في الولِد بن المغيرة [[قاله الفراء في "معاني القرآن" 3/ 194، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 195/ ب.]]، ونظيرها قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)﴾ [المدثر: 17]، قال أبو إسحاق: ومعنى ﴿صَعَدًا﴾ في اللغة طريق شاقَّة من العذاب [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 236 بنصه.
والصعد في اللغة يدل على ارتفاع ومشقة من ذلك الصعود خلاف الحدور، ويقال: صَعِد يَصْعَد، والإصعاد مقابله الحدور من مكان أرفع، والصعود: العقبة الكؤود، والمشقة من الأَّمر. "معجم مقاييس اللغة" 3/ 287 مادة: (صعد).
وجاء في المفردات: 280: (الصعود: الذهاب في المكان العالي، والصَّعود والحدور لمكان الصُّعُود والانحدار، وهما بالذات واحد، وإنما يختلفان بحسب اعتبار من يمر فيهما، فمتى كان المار صاعدًا يقال لمكانه: صَعودٌ، وإذا كان منحدرًا يقال لمكانه: حدور، والصَّعَدُ، والصَّعيدُ، والصعُود في الأصل واحد، لكن الصَّعود، والصَّعَد يقال للعقبة، ويستعار لكل شاق).]].
قال المبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" 491، و"تأويل مشكل القرآن" 432.]]: ﴿صَعَدًا﴾ شاقًا. يقال: تَصَعَّدَهُ الأمر إذا شقَّ عليه [[بياض في: (ع).]].
وقال أبو عبيدة: الصعد مصدر، والمعنى عذابًا ذا صعد [["مجاز القرآن" 2/ 272، والعبارة عنه: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ مصدر صعود، وهو أشد العذاب.]]؛ وذلك أنه يصعد ذلك الجبل فيشق عليه، والمشي في الصعود يشق على الإنسان، فسمى المشقة صعدًا.
وسنزيد بيانًا عند قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)﴾ [المدثر: 17] إن شاء الله.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ زعم سيبويه أن المفسرين حملوه على "أوحي" كأنه أوحي إليَّ أن المساجد لله، ومذهب الخليل: أنه على معنى: ولأن المساجد لله فلا تدعو [[في كلا النسختين: تدعوا.]]، كما أن قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ [الأنبياء: 92]، على معنى: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، (أي لهذا فاعبدون) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] [[ورد قول سيبويه في "الحجة"، نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي بتصرف يسير. "الحجة" 6/ 331 - 332، وانظر: "كتاب سيبويه" 3/ 127.]].
واختلفوا في معنى المساجد، فالأكثرون [[حكاه الفخر أيضًا عن أكثر المفسرين، انظر: "التفسير الكبير" 30/ 162، وبه قال: عكرمة وابن عباس وقتادة. انظر: "جامع البيان" 29/ 117، و"النكت والعيون" 6/ 119، و"زاد المسير" 8/ 108.]] على أنها المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله.
قال مقاتل: يعني الكنائس، والبيع، ومساجد المسلمين [["تفسير مقاتل" 212/ أ.]].
﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ﴾ فلا تعبدوا مع الله أحدًا، وذلك أن أهل الكتاب يشركون في صلاتهم في البيع، والكنائس، فأمر الله المؤمنين. ونحو هذا قال قتادة: كانت اليهود والنصارى، إذا دخلوا كنائسهم، وبيعهم أشركوا، فأمر الله أن يُخلص الدعوة إذا دخل المسجد [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 323، و"جامع البيان" 29/ 117، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 195/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"زاد المسير" 8/ 108، و"لباب التأويل" 4/ 318، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460، و"الدر المنثور" 8/ 306 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة قال: المساجد كلها [[ورد بمعنى هذه الرواية في: "النكت والعيون" 6/ 119، و"زاد المسير" 8/ 108 ونص العبارة عنه: (أنها المساجد التي هي بيوت الله للصلوات)، وقد وردت رواية ابن عباس بهذا اللفظ عن عكرمة. انظر: "جامع البيان" 29/ 117، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460.]].
وعلى هذا القول واحدها يجوز أن يكون مسجَداً -بفتح الجيم-، وهو موضع السجود من الأرض، ويجوز أن يكون مسجِداً -بكسر الجيم-، وهو اسم جامع للموضع الذي يسجد عليه. وفيه بُعد أن [[أن: جاءت مكررة في: (ع).]] يكون اتخذ لذلك.
وقال سعيد بن جبير: المساجد: الأعضاء التي يسجد عليها العبد، وهي سبعة: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه [[ورد بمعنى هذه الرواية في: "النكت والعيون" 6/ 119، و"زاد المسير" 8/ 108 ونص العبارة عنه: (أنها المساجد التي هي بيوت الله للصلوات)، وقد وردت رواية ابن عباس بهذا اللفظ عن عكرمة. انظر: "جامع البيان" 29/ 117، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 460.]].
وهذا القول اختيار ابن الأنباري [["زاد المسير" 8/ 108، و"التفسير الكبير" 30/ 163، وانظر: "الوسيط" 4/ 367.]]، قال: يقول: إن هذه الأعضاء التي يقع السجود عليها مخلوقة لله، هو ابتدأها، وفطرها؛ فلا ينبغي أن تسجدوا عليها لغيره فتكونوا إذا فعلتم ذلك جاحدين لنعمته.
وعلى هذا القول معنى المساجد: مواضع السجود من الجسد، واحد ها مسجَد -بالفتح-، (وذكر الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 194.]] القولين اللذين ذكرناهما) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وروي عن الحسن أنه قال: أراد البقاع كلها [["الكشف والبيان" 12/ 195/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"المحرر الوجيز" 5/ 383، و"زاد المسير" 8/ 108، و"التفسير الكبير" 30/ 162، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 19، و"فتح القدير" 5/ 309.]]. يعني أن الأرض كلها مواضع للسجود [[في (أ): السجود.]] يمكن أن يسْجد عليها، وهي كلها جعلت مسجدًا لهذه الأمة، يقول: الأرض كلها مخلوقة لله، فلا يسجدوا عليها لغير خالقها [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 162.]].
وروي عنه أيضًا أنه قال: المساجد هي الصلوات [["الكشف والبيان" 12/ 196/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 20.]].
قال ابن قتيبة: يريد أن السجود لله، جمع "مَسْجَد" كما تقول: ضربت في الأرض مَضْرَبًا بعيدًا [["تأويل مشكل القرآن" 433 بتصرف يسير، وانظر: "تفسير غريب القرآن" 491.]]، [[في (أ): المصدر، وهي كلمة زائدة في معنى الكلام أثبتت سهوًا.]]: المسجد -على هذا القول- مصدر بمعنى السجود. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد مكة التي القبلة إليها [["التفسير الكبير" 30/ 163، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 20.]].
وعلى هذا القول "المساجد"، خاصة في مكة، وسميت بذلك؛ لأن كل أحد يسجد إليها.
وواحد المساجد -على الأقوال كلها- مَسْجَد -بفتح الجيم-، إلا قول من يقول إنها المواضع التي بنيت للصلاة، فإن واحدَها مسجِد -بكسر الجيم-؛ لأن المواضع، والمصادر من هذا الباب بفتح العين، إلا في أحرف معدودة، وهي: المسْجِد، والمَطْلِع، والمَنسِك، والمَنْبِت، والمَفْرِق، والمَسْقِط، والمَجْزِر، والمَحْشِر، والمَشْرِق، والمَغْرِب. وقد جاء في بعضها الفتح، وهو: المنسك، والمسكن، والمفرق، والمطلع. وهو جائز في كلها، وإن لم تسمع [[ما بين القوسين انظر فيه: كتاب "الجمل في النحو" للزجاجي: 388: باب اشتقاق اسم المكان والمصدر.]].
ثم رجع إلى الخبر عن مؤمني الجن:
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ﴾ [[كلمة (يدعوه) ساقطة من: (ع).]] (يجوز فيه [[في (ع): في.]]: "وأنه" الفتح بالحمل على أوحي إليَّ"، والكسر بالقطع من قوله: "أوحي" والاستئناف) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن "الحجة" 6/ 332 بتصرف.]].
وقوله: ﴿عَبْدُ اللهِ﴾ يعني النبي -ﷺ- في قول الجميع [[وهو قول ابن عباس، والزبير بن العوام، والضحاك، وقتادة، والحسن.
انظر: "جامع البيان" 29/ 118 - 119، و"الدر المنثور" 8/ 307 - 308 من غير ذكر الضحاك، وعزاه إلى ابن جرير، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وعبد بن حميد.
وممن قال بذلك أيضًا من المفسرين: ابن قتيبة في: "تأويل مشكل القرآن" 433، والفراء في "معاني القرآن" 3/ 194، والزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 337، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12/ 196/ ب، والماوردي في: == "النكت والعيون" 6/ 120.
وانظر أيضًا: "معالم التنزيل" 4/ 404، و"المحرر الوجيز" 5/ 383، و"زاد المسير" 8/ 108، و"التفسير الكبير" 30/ 163، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 22، و"لباب التأويل" 4/ 318، و"البحر المحيط" 8/ 352.]]، قالوا ذلك حين كان يصلي ببطن مكة [[في (ع): نخلة.
وبطن نخلة: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة. "معجم البلدان" 1/ 449.]] ويقرأ القرآن [[انظر في: "الكشف والبيان" 12/ 196/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"لباب التأويل" 4/ 318.]].
وقوله: ﴿يَدْعُوهُ﴾ أي يعبدوه.
﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ كادوا يركبونَهُ حرصًا على القرآن، وحبًّا لاستماعه. قاله الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، (ومقاتل [["تفسير مقاتل" 212/ أ.]]) [[ساقط من: (ع).]].
واختار الفراء: كادوا يركبون النبي -ﷺ- رغبة في القرآن وشهوة له [["معاني القرآن" 3/ 194 بنصه.]].
وقال الزجاج: كادوا الجن الذين سمعوا القرآن، وتعجبوا منه أن يسقطوا على النبي -ﷺ- [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 337 بتصرف يسير جدًّا.]].
وقال ابن قتيبة: يعني الجن كانوا [[غير واضحة في: (ع).]] يتراكبون رغبة فيما سمعوا [["تأويل مشكل القرآن" 233 بتصرف يسير، وانظر: "تفسير غريب القرآن" 191.]].
ومعنى قوله ﴿لِبَدًا﴾ قال أبو عبيدة: (أي جماعات، واحدها [[في (أ): واحدتها.]] "لبدة". قال: وكذلك يقال للجراد الكثير، وأنشد لعبد مناف بن ربع (الهذلي) [[ساقط من: (أ).]]:
صابوا [[في (أ): كانوا.]] بستةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ ... حق كأنَّ عَلَيْهِم جَابياً لِبَدَا [[ورد البيت منسوبًا في: "ديوان الهذليين" 2/ 40، ومادة: (جبي) من كتب اللغة: "لسان العرب" 14/ 131، و"تاج العروس" 10/ 66، وانظر أيضًا: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة: 2/ 272، و"جامع البيان" 29/ 113، المحرر: 5/ 384، و"البحر المحيط" 8/ 353، و"الكشاف" 29/ 93.
ومعنى البيت: صابوا: أي وقعوا، وقوله: حتى كأن عليهم جابيًا لبدًا. يقال: إن الجابي الجراد نفسه، واللّبد: المتركب بعضه على بعض. ديوان الهذليين: المرجع السابق.]]
قال: الجابي: الجراد؛ لأنه يجبي [[غير واضحة في: (ع).]] كل شيء يأكله) [[ما بين القوسين من قول أبي عبيدة. انظر: "مجاز القرآن" 2/ 272، ولعل الواحدي نقله عن "الحجة" 6/ 333.]].
قال أبو إسحاق: (معنى ﴿لِبَدًا﴾ يعني [[ساقط من: (ع).]]: يركب بعضهم بعضاً، وكل شيء ألصقته بشيء إلصاقًا شديدًا فقد لبّدته، ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش، وهو جمع "لِبْدَة"، ومن ضم اللام [[قرأ هشام بن عمار عن ابن عامر: ﴿لِبَدًا﴾ بضم اللام، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: "لِبدا" بكسر اللام، وكذلك الباقون. == انظر: "كتاب السبعة" 656، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 721، و"الحجة" 6/ 333، و"حجة القراءات" 729، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 342، و"النشر" 392.]] فهو جمع "لُبْدَة"، و"لِبْدَة" [[ساقطة من: (أ).]]، و"لُبْدَة" في معني واحد) [[ما بين القوسين من قول أبي إسحاق في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 237 بتصرف.]]
ونحو هذا قال الفراء في اللُّبد، واللِّبد [["معاني القرآن" 3/ 194، وعبارته: " .. وقرأ بعضهم: "لُبُدا"، والمعنى فيهما -والله أعلم- واحد، يقال: لُبَدة، ولِبدَةٌ".]].
وقال الكسائي: لبدًا: ركامًا، جمعُ لبدة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال أبو علي الفارسي: (اللُّبَدُ -بضم اللام- الكثير من قوله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد: 6]، وكأنه قيل له: "لُبَد" [[وردت في "الحجة" 6/ 334: "لُبَّدًا".]] لركوب بعضه على بعض لكثرته، ولُصوق بعضه ببعض، وكأنه أراد: كادوا [[في (أ): كانوا.]] يَلْصقون به من شدة دنوهم للإصغاء، والاستماع مع كثرتهم، وهذا قريب المعنى من القراءة الأولى؛ إلا أن "لِبَداً" -بكسر اللام- أعرف لهذا المعنى وأكثر) [[ما بين القوسين من قول أبي علي الفارسي نقله الإمام الواحدي عنه بتصرف يسير من "الحجة" 6/ 334.]].
وقال المبرد: اللُّبَد: الجماعات، واحدها: "لبدة"، وأصله ما وقع بعضه على بعض [[اللام والباء والدال أصل كلمة صحيحة تدل على تكرُّس الشيء بعضه فوق بعض، من ذلك: اللِّبْد، وهو معروف، وتَلَبَّدت الأرضُ، ولبَّدها المطر، وصار الناس == عليه لُبَدًا إذا تجمعوا عليه. قاله ابن فارس. انظر: "معجم مقاييس اللغة" 5/ 228 - 229: مادة: (لبد).
وجاء في اللسان: لَبَد بالمكان يَلْبُدُ لُبودًا، ولَبَدَ لَبَدًا وألبد: أقام به ولزق، فهو مُلبِدٌ به، ولَبَدَ الشيءُ بالشيء يَلْبُدُ إذا ركب بعضه بعضًا، ومال لُبَد: كثير لا يخاف فناؤه، كأنه التبد بعضه على بعض، واللِّبدة واللُّبدة: الجماعة من الناس يقيمون، وسائرهم يظعنون كأنهم بتجمعهم تلبدوا. 3/ 385 - 387، مادة: (لبد). وانظر: "تاج العروس" 2/ 491، مادة: (لبد).]]، ولقال للأسد: ذو لِبدة لما يتلبد من الشعر بين كتفيه [["الكامل" 1/ 34 أو العبارة عنه قال: لِبْدَة الأسد: ما يتطارق مع شعره بين كتفيه، ويقال: أسد ذو لِبْدَة، وذو لَبد، وقد أورد الثعلبي بمعناه من غير عزو في "الكثسف والبيان" 12/ 196/ ب.]]. ومنه قول زهير:
له لِبَدٌ أظْفَارُهُ لم تُقَلَّمِ [["ديوانه" 84: دار بيروت، والبيت كاملاً:
لدى أسد شاكي السلاح مُقذَّفٍ ... له لبد أظافره لم تقلم
ومعناه: شاكي السلاح، أَي: سلاحه ذو شوكة. المقذف: الغليظ اللحم.
اللِّبَد: الشعر المتراكب على زبرة الأسد. أظافره لم تقلم: أي هو تام السلاح. حديده: يريد الجيش. "شرح شعر زهير بن أبي سلمى" لأبي العباس ثعلب، تحقيق: فخر الدين قباوة: 30.]]
قال [[أي المبرد.]]: وقال: "لُبَدٌ" كثير، و"لُبَدٌ" واحد ليس جمعًا لشيء، كقوله: رجلٌ حُطَمٌ [["الكامل" 3/ 1230 بنحوه، وكذا في "المقتضب" 3/ 323.]].
وفي الآية قولان آخران، أحدهما: (إن هذا من قول الجن لما رَجَعوا إلى قومهم، أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله -ﷺ- وائتمامهم به في الركوع والسجود، واقتدائهم به في الصلاة.
وهو قول سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته، ويسجدون بسجوده، تعجبوا من طواعية أصحابه له -ﷺ-، فقالوا لقومهم: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ﴾ الآية [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 118، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 196/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 120، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"زاد المسير" 8/ 109، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 22، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 461، و"الدر" 8/ 307 وعزاه إلى عبد بن حميد، والترمذي، والحاكم، وصححاه، وابن جرير، وابن مردويه، والضياء في المختارة، و"فتح القدير" 5/ 314.
انظر: "سنن الترمذي" 5/ 427: ح 3323، كتاب التفسير: باب ومن سورة الجن، وقال عنه: حديث حسن صحيح، و"المستدرك" 2/ 504، كتاب تفسير سورة الجن، وصححه، ووافقه الذهبي.]].
الثاني: قول قتادة، قال: لما قام عبد الله بالدعوة تلبدت [[في (أ): لبدت.]] الإنس والجن، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاء به، ويطفئوا نور الله، فأبى الله إلا أن ينصره [[غير واضحة في: (ع).]] ويظهره على من ناوأه [[ناوأه: النَّوْء، والمناوأة: المعاداة، وناوأت الرَّجُلَ مناوأةً ونِواءً: فاخرْتُه، وعادَيْتُهُ. "لسان العرب" 1/ 178، مادة: (نوأ).]] [[انظر قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 323، و"جامع البيان" 29/ 118 بنحوه، و"الكشف والبيان" 12/ 196/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 404، و"زاد المسير" 8/ 109 ، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 22، و"البحر المحيط" 8/ 352، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 461، و"الدر المنثور" 8/ 830 وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 309، وانظر: "الحجة" 6/ 334.]]، (وهذا قول الحسن [[المراجع السابقة.]]، وابن زيد [[المراجع السابقة عدا "تفسير عبد الرزاق".]]) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن ابن جرير 29/ 118 - 119 مختصرًا.]].
الجن 72:20
قوله تعالى: ﴿قُلْ [[وردت في النسختين: (أ) و (ع): قال.]] إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ [[قوله: (إنما أدعو ربي) ساقط من: (أ).]] قال محمد -ﷺ-: إنما أدعو ربي، وقراءة العامة: (قال) [[قال: سقطت من النسختين، وأثبت ما دلت عليه كتب القراءات المتواترة.]] إنما أدعو ربي [[وهم نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب. انظر: "كتاب السبعة" 657، و"القراءات وعلل النحويين" 2/ 721، و"الحجة" 6/ 333، و"كتاب التبصرة" 712، و"تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة" 193، "البدور الزاهرة" 328، "الوافي في شرح الشاطبية" 374.]].
وقرأ عاصم، وحمزة: ﴿قُلْ﴾ على الأمر [["القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 721، و"الحجة" 6/ 333، و"كتاب التبصرة" 712، و"تحبير التيسير" 193، و"البدور الزاهرة" 328، و"الوافي في شرح الشاطبية" 374، ولعل الواحدي نقل القراءتين من "الحجة" 6/ 333.]]؛ لقوله بعده: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ [[انظر: "الحجة"، و"حجة القراءات" مرجعان سابقان، وانظر: "الكشف والبيان" 12/ 241/ ب، وقوله (لكم ضرا) ساقط من (ع).]].
(﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ قال مقاتل: إن كفار مكة قالوا للنبي -ﷺ-: إنك جئت بأمر عظيم لم نسمع مثله، وقد عاد الناس كلهم، فأرجع عن هذا. فأنزل الله: "قل إنما أدعو ربى" [["تفسير مقاتل" 212/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 405 بنحوه، و"زاد المسير" 8/ 119 بنحوه، و"التفسير الكبير" 30/ 64، و"الجامع لأحكام القرآن" 9/ 23 - 24.]]، وهذا حجة لعاصم وحمزة. ومن قرأ: "قال" حمل هذا على أن النبي -ﷺ- أجابهم هذا لما قالوا له: جئت بأمر عظيم، قال: إنما أدعو ربي) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
الجن 72:21
(قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21)﴾ قال مقاتل: وذلك حين استعجلوا العذاب، يقول: "إني لا أملك لكم ضرًا") [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]: لا أقدر أن أدفع عنكم ضرًّا، ولا أسوق إليكم رشدًا، أي خيرًا، والله يملك ذلك [["تفسير مقاتل" 212/ ب.]].
الجن 72:22
(قوله تعالى) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ﴾ قال ابن عباس: يريد: إن عصيته لم يمنعني منه أحد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
(قال مقاتل [[ورد بمثله من غير عزو في "الوسيط" 4/ 368.]]) [[ساقط من: (أ).]]: وذلك أنهم قالوا: اترك ما تدعو إليه، ونحن نجيرك [["تفسير مقاتل" 212/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 164.]].
وقوله: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ قال ابن عباس: يريد أحد ألجأ إليه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال قتادة: ملجأ وحرزًا [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 323، و"جامع البيان" 29/ 120 بمعناه، و"النكت والعيون" 6/ 121، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 461 بنحوه.]].
وقال الكلبي: الملتحد: المدخل في الأرض مثل السرب [[السَّرَب -بفتحتين-: بيت في الأرض لا منفذ له، وهو الوكر.
انظر: مادة: (سرب) في: مختار "الصحاح" 193، و"المصباح المنير" 1/ 322.]] الذاهب في الأرض [["الكشف والبيان" 12/ 197/ أ، وعبارة: (الذاهب في الأرض) لعلها من تفسير الواحدي لمعنى السرب، و"معالم التنزيل" 4/ 405، و"التفسير الكبير" 30/ 164، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 24، و"فتح القدير" 5/ 310.]].
قال أبو إسحاق: اشتقاق الملتحد من اللحد، والملتحد من جنس (الأرض) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: المدخل [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 237 بتصرف.]]. وقال الفراء: أي ملجأ ولا سربًا [["معاني القرآن" 3/ 195 مختصرًا.]].
وقال ابن قتيبة: أي معدلاً ومميلاً [["تفسير غريب القرآن" 492، وقد ورد عنه: (موئلاً) بدلاً من: (حميلاً).]].
وقال المبرد: ملتحداً: مثل قولك: منعرجاً، والتحد معناه في اللغة: مال [[جاء بهذا المعنى عن المبرد في حاشية كتابه: "الكامل" 3/ 1224 رقم: 6 نقلاً عن نسخة: أ، والعبارة عنه: ابن شاذان: ألحَدَ الرجل إلْحادًا: إذا مال، فهو مُلْحِدٌ: إذا مال عن القصد. وانظر قوله أيضًا في "التفسير الكبير" 30/ 164.
ومعنى "ملتحدًا" لغة: الملجأ؛ لأن اللاجئ يميل إليه. انظر: مادة (لحد) في "الصحاح" 2/ 535، و"القاموس المحيط" 1/ 335.
وقال ابن عاشور: الملتحد: اسم مكان الالتحاد، والالتحاد: المبالغة في اللحد، وهو العدول إلى مكان غير الذي هو فيه، والأكثر أن يطلق ذلك اللجأ، أي العياذ بمكان يعصمه. "تفسير التحرير والتنوير" 29/ 244.]].
الجن 72:23
وقوله: ﴿إِلَّا بَلَاغًا﴾ قال أبو إسحاق: نصب على البدل من قوله: "ملتحداً". المعنى: ولن أجد من دونه منجاً "إلا بلاغاً"، أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله عَزَّ وَجَلَّ ما أرسلت به [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 237 بتصرف يسير جدًا.]].
وقال الفراء: "إلا بلاغاً"، يكون استثناء من قوله: لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدًا إلا أن أبلغكم ما أرسلت به [["معاني القرآن" 3/ 195 بنصه.]].
والقولان [[هناك أوجه أخرى لإعراب: "إلا بلاغًا" انظر: "الدر المصون" 6/ 397.]] يبنيان على قول المفسرين.
قال مقاتل: ثم استثنى: "إلا بلاغاً من الله ورسالاته" فذلك الذي يُجيرني من عذابه، أي: التبليغ [["تفسير مقاتل" 212/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 121 بمعناه، و"معالم التنزيل" 4/ 405، و"زاد المسير" 8/ 110، و"فتح القدير" 5/ 310.]].
وقال قتادة: "إلا بلاغاً من الله" فذلك الذي أملكه بعون الله وتوفيقه، وأما الكفر والإيمان ، فلا أملكهما [["جامع البيان" 29/ 121 بمعناه، و"الكشف والبيان" 12/ 197/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 405، و"المحرر الوجيز" 5/ 384، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 25، و"البحر المحيط" 8/ 354، و"الدر المنثور" 8/ 308، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 310.]].
وقوله [[في (أ): قوله.]]: ﴿وَرِسَالَاتِهِ﴾ عطف على قوله: ﴿بَلَاغًا﴾ [[قال الزمخشري: "رسالاته" عطف على (بلاغًا) كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ. "الكشاف" 4/ 149. وذكر السمين الحلبي أيضًا وجهًا آخر، قال: "والثاني: أنها مجرورة نسقًا على الجلالة، أي إلا بلاغًا عن الله وعن رسالاته". "الدر المصون" 6/ 398.]].
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال الكلبي [["تفسير مقاتل" 212/ ب، وقد ورد في "الوسيط" من غير عزو: 4/ 386.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 212/ ب، وقد ورد في "الوسيط" من غير عزو: 4/ 386.]]: في التوحيد، فلا يؤمن به.
وقوله [[في (أ): قواه.]]: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (فإن) مكسورة الهمزة؛ لأن ما بعد (فاء -الجزاء موضع الابتداء، ولذلك حمل سيبويه قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: 95]، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [البقرة: 126] ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ على أن المبتدأ فيها مضمر [[انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 69.]].
وانقطع هذا الكلام عند قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ "حتى" هاهنا مبتدأة كقوله:
وحَتَّى الجِيادُ مَا يُقدْنَ بأرْسَانِ [[هذا عجز بيت لامرئ القيس، والبيت كاملاً:
مَطَوْتُ بهم حَتَّى تَكِلّ مَطِيُّهُمْ ... وحَتَّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسَانِ
وقد ورد البيت منسوبًا له في "ديوانه" 175 ط دار صادر، و"كتاب سيبويه" 3/ 27، 626، و"كتاب شرح أبيات سيبويه" للنحاس: 158 ش 566، و"المقتضب" 2/ 40. وورد غير منسوب في "المخصص" 14/ 61.
ومعنى البيت: أي هو يسري بأصحابه غازيًا إلى أن تأكل مطاياهم، وأما الخيل فإنها تجهد وتنقطع، فلا يجدي فيها أن تقاد بالأرسان، وكانوا يركبون المطي ويقودون الخيل.
والأرسان: جمع رَسَن -بالتحريك-، وهو الحبل والزمام يجعل على الأنف. والشاهد فيه: أن "حتى" الأولى عاملة، والثانية غير عاملة لأنها استئنافية. انظر: حاشية 3 "كتاب سيبويه" 3/ 27، وانظر الشاهد في: "كتاب سيبويه".]] وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [[سورة يوسف: 110، والآية بتمامها: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾.
ومما جاء في تفسيره: قال الواحدي: (فـ (حتى) هاهنا حرف من حروف الابتداء يستأنف بعدها، كما يستأنف بعد (أما)، و (إذا)، وذلك أن (حتى) لها ثلاثة أحوال: إما أن تكون جارة، أو عاطفة، وحيث تنصب الفعل إنما تنصبه بإضمار (إن)، ومما جاء فيه (حتى) حرف مبتدأ قوله:
وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
ألا ترى أنها ليست عاطفة لدخول حرف العطف عليها! ولا جارة لارتفاع الاسم بعدها).]]، وهو كثير في القرآن [[نحو ما جاء في سورة الأعراف الآية: 37 قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ الآية. وأيضًا الآية: 38 من سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ الآية. والآية 18 من سورة النمل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ الآية.]].
قال ابن عباس: يريد يوم القيامة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: ما يوعدون من عذاب الآخرة، أو ما يوعدون من العذاب في الدنيا، يعني القتل ببدر، فسيعلمون عند نزول العذاب [["تفسير مقاتل" 212/ ب.]].
﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا﴾ أهم، أم المؤمنون؟
﴿وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ قال [[ساقط من: (أ).]]: يعني جنداً، ونظير هذه الآية قوله في مريم: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم: 75] الآية.
وقال عطاء في قوله: (وأقل عدداً): هو أن الله تعالى (يجعل) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] لأوليائه من الأزواج الآدميات، والحور العين أُلُوفاً، ومن الولدان المخلدين ألوفاً، ومن القهارمة [[القهارمة: قال الليث: القَهْرَمان: هو المسيطر الحفيظ على ما تحت يديه. "تهذيب اللغة" 6/ 502، مادة: (قهرم).
والقهرمان: لفظة فارسية معناه: الوكيل، أو أمين الدخل والخرج، جمعه: قهارمة. انظر: "الوافي"، و"معجم وسيط للغة العربية" لعبد الله البستاني: 523.]] ألوفاً، فعند ذلك عدد المؤمن الواحد أكثر من عدد كثير من أهل مدائن الدنيا، والكافر لا عدد له إلا قرناء الشياطين [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال مقاتل: فلما سمعوا هذا قال النضر بن الحارث وغيره: متى هذا الذي توعد؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [["تفسير مقاتل" 212/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 167.]] من العذاب في الدنيا.
وقال عطاء: يريد أنه لا يعرف يوم القيامة إلا الله وحده [["الوسيط" 4/ 369.]].
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾، أي: غاية وبعداً. قاله أبو عبيدة [[لم أعثر على قوله هذا في "مجاز القرآن".]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 237، قال: أي بُعْدًا، كما قال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الجن: 25].]].
وقال مقاتل: يعني أجلاً بعيداً [["تفسير مقاتل" 212/ ب.]]، وهذا كقوله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الجن: 25].
ثم ذكر أن علم وقت العذاب غيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، أي: ما غاب عن العباد ﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾ فلا [[في (أ): ولا.]] يطلع ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، أي: على الغيب الذي يعلمه هو، وينفرد بعلمه، أحداً من الناس.
الجن 72:27
ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: أنه لا يظهر على غيبه إلا الرُّسُلَ؛ لأن الرسل يستدل على نبوتهم بالآية المعجزة، وبأن [[في (أ): أن.]] يخبر [[بياض في: (ع).]] بالغيب، فيعلم بذلك أنهم قد خالفوا غير الأنبياء [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 237 بتصرف يسير جدًّا.]].
وقال مقاتل: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، أي: ارتضاه للنبوة [[قوله: ارتضاه للنبوة: بياض في: (ع).]] والرسالة، فإنه [[في (أ): وإنه يسلك ..]] يطلعه على ما يشاء من غيبه [[لم أعثر على مصدر لقوله: وقد ورد من غير عزو في: "الوسيط" 4/ 369.]].
وفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على [ما يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن، ثم ذكر أنه يحفظ] [[ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، وأثبت ما ورد من "الوسيط" 4/ 369 لاستقامة المعنى به وانتظامه.]] ذلك الذي يطلع عليه الرسول.
﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [[في (أ): بأنه.]] (أي يجعل بين يديه وخلفه رصدًا من الملائكة يحوطون الوحْيَ من أن تَسْتَرِقه الشياطين، فتُلْقِيَه إلى الكَهَنَة، حتى [[قوله إلى الكهنة: بياض في: (ع).]] تخبر به الكهنة إخبار الأنبياء، فيساووا [[في (أ): فيساوا.]] الأنبياء، ولا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق) [[ما بين القوسين من قول ابن قتيبة، نقله عنه الواحدي بتصرف يسير، وبزيادة عبارة: فيساووا الأنبياء، وحذف: ولا يكون للأنبياء دلالة. انظر: "تأويل مشكل القرآن" 434.]].
فالرصد من الملائكة يدفعون الجن أن يستمع ما ينزل من الوحي. ذكره الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 238 بمعناه.]]، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" 492، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" 434.]]، (وهو معنى قول المفسرين) [[ساقط من: (أ).]].
قال الكلبي: يجعل من بين يديه حرسًا من الملائكة يدحرون الشياطين عنه فلا يقربونه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الفراء: ذكروا أن جبريل كان إذا نزل بالوحي نزلت معه الملائكة من كل سماء يحفظونه من استماع الجن يسترقونه فيلقونه [[في (ع): فيلقونه.]] إلى كهنتهم، فيسبقوا به الرسل [["معاني القرآن" 3/ 196 نقله عنه بالمعنى.]].
ومعنى: (يسلك) هاهنا: يدخلهم الأرض فنجعلهم بين يدي الرسول ومن خلفه [[ومعنى (سلك) لغة: السلك: الخيوط التي تخاط بها الثياب، الواحدة: سِلكة، والجميع: السُّلُوك، والسَّلْك: إدخال الشيء يسلكه فيه كما يطعن الطاعن فيسلك الرمح فيه إذا طعنه تلقاء وجهه.
"تهذيب اللغة" 10/ 62 مادة: (سلك)، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" 432.]].
وذهب مقاتل [["تفسير مقاتل" 212/ ب، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 197/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 406.]]، والضحاك [["جامع البيان" 29/ 122، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 28، و"البحر المحيط" 8/ 355، و"الدر المنثور" 8/ 309 - 310 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير.]] إلى أن الرَّصد لكي يحرسوا الرسول من الشياطين أن يتشبهوا له في صورة المَلَك، ويحفظوه [[في (أ): يحفظونه.]] منهم، وإن أتاه شيطان في صورة ملك أخبروه، والقول هو الأول [[القول الأول هو قول الأكثرية من المفسرين، والآيات السابقة من هذه السورة تدل على ذلك، ولكن ما ذكره الضحاك ومقاتل أرى أنه يدخل في مفهوم الآية، فهو من باب حفظ الوحي، وذلك عن طريق حفظ الرسول من أن يتشبه بهما أحد. والله أعلم.]].
الجن 72:28
قوله تعالى [[بياض في: (ع).]]: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [[قوله (رسالات ربهم) ساقط من: (ع).]] الآية.
اختلفوا في قوله: "ليعلم" فقال قتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 323، و"جامع البيان" 29/ 123، و"النكت والعيون" 6/ 123 ، و"زاد المسير" 8/ 110، و"التفسير الكبير" 30/ 170، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 29، و"الدر المنثور" 8/ 310 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، ...
ومقاتل [["التفسير الكبير" 30/ 170، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 29.]]: ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة، وعلى هذا "اللام" في قوله: "ليعلم" يتعلق بمحذوف يدل عليه الكلام؛ كأنه قيل: أخبرناه بحفظنا الوحي؛ ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ بالحق والصدق.
ويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الرسول أن قد بلغوا، إلى جبريل، والملائكة الذين يبعثون إلى الرسل، أبلغوا رسالات ربهم، فلا يشك فيها، ويعلم أنها حق من الله [[وهو معنى قول ابن عباس، وابن جبير. انظر: "جامع البيان" 29/ 23، و"النكت والعيون" 6/ 123. وقال به ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" 492، والفراء في: "معاني القرآن" 3/ 196.]].
والمعنى: حفظنا الرسول من الشياطين ليعلم أن الذين أتوه أبلغوا رسالات ربهم، وهذا تأكيد لقول الضحاك ومقاتل في الآية الأولى.
ويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الرسل أنهم بلغوا رسالات ربهم على التحقيق من غير شك فيها؛ إذ كانوا محروسين عن الشياطين، فالذي يبلغونه [[غير واضحة في: (ع).]] الخلق هو رسالات ربهم لا غير، وهي واصلة إليهم، ولم تصل إلى غيرهم.
وعلى هذا إنما قال: "أبلغوا". لأن المراد بقوله: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ [[قوله: إلا من ارتضى: بياض في: (ع).]] رَسُولٍ﴾ الجمع، ويدخل فيه كل رسول ارتضاه الله.
ويجوز أن يكون المعنى: ليعلم الله أن قد أبلغوا يعني الرسل. وهذا القول اختيار [[بياض في: (ع).]] ابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" 492 وعبارته: "ليعلم محمد أن الرسل قد بلغت عن الله، وأن الله حفظها، ودفع عنها، وأحاط بها".]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 238 وعبارته: (ليعلم الله أن قد أبلغوا رسالاته).]]، وصاحب النظم.
قال ابن قتيبة: أي ليبلّغوا رسالات ربهم (العلم) هاهنا، مثله قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 142]، أي: ولما تجاهدوا وتصبروا [[في (أ): تصابروا.]]، فيعلم الله ذلك ظاهراً موجوداً -يجب فيه ثوابكم- على ما بينا في غير هذا الموضع [[إلى قوله على ما بينا في غير هذا الموضع ينتهي قول ابن قتيبة. انظر: "تأويل مشكل القرآن" 434، ويعني بغير هذا الموضع أي الموضع الذي بين فيه علم الله تعالى، وأنه نوعان:
أحدهما: علم ما يكون من إيمان المؤمنين وكفر الكافرين، وذنوب العاصين، وطاعات المطيعين قبل أن تكون. قال: وهذا علم لا تجب به حجة، ولا تقع عليه مثوبة ولا عقوبة.
والآخر: علم هذه الأمور ظاهرة موجودة، فيحق القول، ويقع بوقوعها الجزاء، فأراد جل وعز: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهرًا موجودًا، وكفر الكافرين ظاهرًا موجودًا، وكذلك قوله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية: آل عمران: 142. "تأويل مشكل القرآن" 311 - 312.]].
وقال أبو إسحاق: وما بعد قوله: (ليعلم) يدل على صحة هذا [[بياض في: (ع).]]، وهو قوله: (أحاط) [[قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾.]]، و (أحصى) [[﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾.]]، والضمير فيهما لله عَزَّ وَجَلَّ لا لغيره، فكذلك [[في (أ): كذلك.]] في "ليعلم" [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 238 بتصرف.]].
وهذه الأقوال ذكرها أهل المعاني والتفسير، وذكرت أقوال بعيدة لم أحكها [[في (أ): أحكمها.
ومن هذه الأقوال التي أشار إليها: ليعلم من كذب الرسل أنهم قد أبلغوا رسالات ربهم. قاله مجاهد.
انظر: "جامع البيان" 29/ 123، و"المحرر الوجيز" 5/ 385، و"زاد المسير" 8/ 110.
وأيضا: ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل الله عليهم ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم. "النكت والعيون" 6/ 123.
وأيضًا ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليصه، واستراق أصحابه. "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 29]].
ومعنى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ علم الله ما عند الرسل، فلم يَخف عليه شيء.
(قوله تعالى) [[ساقط من: (ع).]]: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ قال ابن عباس: أحصى ما خلق، وعرف عدد ما خلق، لم يفته علم شيء، ولم يعزب [[يعزب: يراد به البعد. انظر: مادة: (عزب) في: "لسان العرب" 1/ 597، "القاموس المحيط" 1/ 104.]] عنه عدد ما خلق؛ حتى مثاقيل [[مثاقيل: جمع مثقال، أي وزن. "المصباح المنير" 1/ 102 - 103 مادة: (ثقل).]] الذَّرِّ [[الذر: هو النمل الأحمر الصغير، واحدتها ذرة. "النهاية في غريب الحديث" 2/ 157، و"المصباح المنير" 1/ 246، مادة: (ذر).]] .......
والخردل [[الخردل: حب شجر مسخن مُلطف جاذب، قالع للبلغم، ملين، هاضم، والخردل الفارسي: نبات بمصر يُعرف بحشيشة السلطان. "القاموس المحيط" 3/ 367، مادة: (خردل).]] [["معالم التنزيل" 4/ 406، و"لباب التأويل" 4/ 320.]].
قال أبو إسحاق: و (نصب "عدداً" على ضربين: أحدهما: على معنى: وأحصى كل شيء في حال العَدَد، فلم تخف عليه سقوط ورقة، ولا حبَّة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس. قال: ويجوز أن يكون (عدداً) في موضع المصدر المحمول على معنى: أحصى؛ لأن معنى وأحصى: وعد كل شيء عدداً) [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 238 نقله عنه بنصه.]].
(والله أعلم بالصواب) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]].
المزمل 73:1
﴿يَا أَيُّهَا [[في (أ): يايها.]] الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: 1] أجمعوا [[أجمع المفسرون على ذلك، وقد ذكر ابن جرير هذا القول من غير ذكر الخلاف له. انظر: "جامع البيان" 29/ 124، وحكى الإجماع الفخر في "التفسير الكبير" 30/ 171، وعزاه البغوي إلى الحكماء "معالم التنزيل" 4/ 401. وممن ذهب إلى هذا القول أنه النبي -ﷺ-: الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 239، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 386، والخازن في "لباب التأويل" 4/ 320، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 463، والشوكاني في "فتح القدير" 5/ 304.]] على أن المراد بالمزمل النبي -ﷺ-، وأن الخطاب له.
وأصله المتزمل بـ (التاء) في قول جميع أهل اللغة [[حكى الإجماع الفراء عن القراء في "معاني القرآن" 3/ 196. وممن قال بذلك من أهل اللغة: الأخفش في "معاني القرآن" 2/ 716، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 239، والنحاس في "إعراب القرآن" 5/ 55، وابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 264. وحكاه الأزهري عن أبي إسحاق في "تهذيب اللغة" 13/ 222، مادة: (زمل)، وكذا صاحب اللسان: 11/ 311 مادة: (زمل). كما قال به أصحاب التفسسير، انظر المراجع السابقة في الحاشية: 5، إضافة إلى السمرقندي == في "بحر العلوم" 3/ 415. وانظر أيضًا "البيان في غريب إعراب القرآن" لأبي البركات بن الأنباري 2/ 469، و"إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن" لأبي البقاء العكبري 2/ 271.]]، فأدغم (التاء) في (الزاي) [[في (ع): الزاء.]] [[قال الزجاج: التاء تدغم في الزاي لقربها منها، يقال: تَزَمَّل فلان إذا تلفف بثيابه، وكل شيء لفف فقد زُمِّل. "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 239.]].
واختلفوا في: لِمَ تزمل بثوبه.
فقال ابن عباس: كان يفرق [[الفَرَق بالتحريك: الخوف والفزع، يقال: يفرق فرقًا. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 3/ 196.]] من جبريل (عليه السلام) [[ساقط من (أ).]]، ويتزمل بالثياب في أول ما جاء حتى رآه وكلمه فأنس به [["التفسير الكبير" 30/ 171 بمعناه.]].
وقال الكلبي: إنما تزمل النبي -ﷺ- بثيابه وتهيأ [[ليتهب (أ) هكذا وردت في نسخة (ع)، ولا تستقيم العبارة إلا لو كان المراد به (أ) تأهب، وسها الناسخ عن ذلك.]] للصلاة [["التفسير الكبير" 30/ 171.]]. وهو اختيار الفراء، قال: المزمل الذي قد تزمل بثيابه [[قوله: تزمل في ثيابه: بياض في (ع).]]، وتهيأ للصلاة، وهو النبي -ﷺ-. [["معاني القرآن" 3/ 196 برواية: رسول الله بدلاً من النبي.]]
وقال السدي: أراد: يا أيها [[في (أ): يايها.]] النائم [["الكشف والبيان" جـ: 12: 198/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 406، و"زاد المسير" 8/ 112، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 463.]]، وعلى هذا إنما تزمل للنوم [[بياض في (ع).]].
ومعنى التزمل: التلفف [[بياض في (ع).]] في الثوب، واللباس، يقال: تزمل الرجل، وزمل غيره [[انظر مادة: (زمل) في كل من "الصحاح" 4/ 1718، و"لسان العرب" 11/ 311، و"القاموس المحيط" 3/ 290، "تاج العروس" 7/ 360.]]، ومنه قول امرئ القيس [[بياض في (ع).]]:
كبيرُ أناسٍ في بِجَادٍ [[غير واضحة في (ع).]] مُزَمَّلِ [[هذا عجز بيت، وصدره:
كأنَّ ثَبيرًا في عَرَانينِ بلِهِ
هكذا ورد في "شرح المعلقات السبع"، و"معاني القرآن وإعرابه"، وفي "ديوانه" 62: وَبْلِهِ، وكذا في النكت والعيون، وورد بألفاظ أخرى نحو:
كأنَّ أبانًا في أفانين وَدْقِهِ
هكذا ورد عند المبرد في الكامل، وابن عطية، وفي اللسان. ومعنى البيت كما في شرح المعلقات: ثبير: جبل بعينه، العرنين: الأنف، وقال جمهور الأئمة: هو معظم الأنف، والجمع العرانين، ثم استعار العرانين لأوائل المطر، لأن الأنوف تتقدم الوجوه. البجاد: كساء مخطط، والجمع البجد. التزميل: التلفيف بالثياب، وقد زملته بثيابه فتزمل بها أي لففته بها، وجر مزملاً على جوار بجاد، وإلا فالقياس يقتضي رفعه لأنه وصف كبير أناس. والمعنى: يقول: كأن ثبيرًا في أوائل مطر هذا السحاب سيد أناس قد تلفف بكساء مخطط، شبه تغطيته بالغثاء بتغطي هذا الرجل بالكساء. انظر: "شرح المعلقات السبع" لأبي عبد الله الزوزني: 54. مواضع ورود البيت: "ديوانه" 62 ط دار صادر، و"لسان العرب" 11/ 311 مادة: (زمل)، و"الكامل" 2/ 993، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 239، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 198/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 125، و"المحرر الوجيز" 5/ 386، و"زاد == المسير" 8/ 112، حاشية 3 ورد بيت الشعر في النسخة الأزهرية، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 30، و"الدر المصون" 6/ 401.]] والقول في تزَمُّلِهِ عليه السلام [[في (ع): -ﷺ-.]] ما ذكره ابن عباس، فقد روى في حديث المبعث [[بياض في (ع).]] أنه كان يأتي أهله فيقول: "زملوني زملوني" [[الحديث أخرجه البخاري في "الجامع الصحيح" 1/ 14، ح: 3، كتاب: الوحي باب: 13، وجـ: 3/ 327، ح: 4953 - 4954، كتاب: التفسير باب: 96، 4/ 295، ح: 2982، كتاب: التعبير باب أول ما بدئ به رسول الله -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصادقة، من طريق عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بُدئ به رسول الله -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاء الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)﴾، فرجع بها رسول الله -ﷺ- يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- فقال: زمِّلوني، زمِّلوني ... " الحديث. كما أخرجه مسلم 1/ 139، 143، ح: 252، 255، كتاب الإيمان: باب بدء الوحي إلى رسول الله -ﷺ-، والإمام أحمد في "المسند" 3/ 325، 377، 6/ 223 بمعناه، 233.]].
قالوا [[أي الحكماء كما ذكر الثعلبي في "الكشف والبيان" جـ: 12: 198/ أ - ب، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 406، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 112، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 31.]]: وخوطب بهذا [[بياض في (ع).]] الخطاب؛ لأنه في أول ما بدئ بالوحي ولم يكن قد بلغ [[بياض في (ع).]] شيئًا، ولا قام بالدعوة، (وأمر بالرسالة) [[قوله: وأمر بالرسالة بياض في (ع).]] بعد، ثم خوطب بعد ذلك بالنبي والرسول.
قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)﴾، أي: للصلاة.
قال ابن عباس: إن قيام الليل [[قوله: إن قيام الليل: بياض في (ع).]] كان فريضة على رسول الله -ﷺ- وعلى النبيين [قبله] [[في (ع): قوله، ولعل الصواب قبله إذ بها تصلح العبارة، والله أعلم.]]، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: 79] الآية [["التفسير الكبير" 30/ 171، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 33.]].
وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال الكلبي: يعني بالقليل الثلث الأخير [[في (ع): الآخر. وانظر قول ابن عباس في "النكت والعيون" 6/ 126، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 33، و"الدر المصون" 6/ 402، و"فتح القدير" 5/ 315.]].
قال ابن قتيبة: أي صلِّ الليل إلا شيئاً يسيرًا [[في (أ): قليلاً.]] تنام فيه، وهو الثلث [["تأويل مشكل القرآن" 264 بنصه.]].
ثم قال: ﴿نِصْفَهُ﴾ قال أبو إسحاق: (نصفه) بدل من (الليل) كما تقول: ضربت زيداً رأسه، فإنما ذكر زيدًا لتوكيد الكلام، وهو أوكد من قولك: ضربت رأس زيد [[زيدا هكذا وردت منصوبة في معاني القرآن وإعرابه.]].
فالمعنى: قم نصف الليل إلا قليلاً، وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هو قوله: {أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا}، أي من النصف، ولكنه [[غير مقروءة في (ع).]] ذكر ثانياً مع الزيادة، وهو قوله: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. فالمعنى: قم نصف الليل، أو انقص من نصف الليل، أو زد على نصف الليل) [[ما بين القوسين من قول الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 239 بيسير من التصرف. وذكر أبو البقاء العكبري وجهًا آخر، قال: " (نصفه) بدل من (قليلاً)، وهو أشبه بظاهر الآية؛ لأنه قال: (أو انقص منه أو زد عليه) والهاء فيهما للنصف". انظر: "التبيان في إعراب القرآن" 2/ 1246، إملاء ما من به الرحمن: 2/ 271. وإلى هذا ذهب ابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 387، والزمخشري في "الكشاف" 4/ 152. قال الزمخشري: والمعنى: التخيير بين أمرين: بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين، وهما: النقصان من النصف، والزيادة عليه. "الكشاف" مرجع سابق. وهناك أقوال أخرى في تقدير الآية، فليراجع في ذلك: "الدر المصون" 6/ 402 - 403، و"الكشاف" مرجع سابق، و"البحر المحيط" 8/ 361 - 362. وما نقله الإمام الواحدي عن المفسرين وجدته عند ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 264 بنحوه، ولعله نقله عنه.]].
قال المفسرون [[وممن حكى قولهم شيء من الاختصار، وعزاه إليهم: ابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 113، وكتابه أيضًا "نواسخ القرآن" 246، والشوكاني في "فتح القدير" 5/ 316، كما ذكره ابن جرير الطبري بمعناه في "جامع البيان" 29/ 124، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 407، والقرطبي في "الجامع" 19/ 34.]]: أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث، أو زِدْ على النصف [[و [[يقولون: هكذا وردت في النسختين: (أ)، ع، والصواب ما أثبتناه، وانظر: "الوسيط" 4/ 371.]] بياض في (ع).]] إلى الثلثين، جعل له سعة في مدة قيامه في (¬5) الليل، وخيره في هذه الساعات للقيام، وكان النبي -ﷺ- وطائفة من المؤمنين معه [يقومون] (¬6) علي هذه المقادير [[بياض في (ع).]]، وشق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري كم صلى، وكم بقي من الليل، وكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، حتى خفف الله عنهم، ونسخ ذلك بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ الآية، وهي آخر هذه السورة.
قال (سماك الحنفي [[سِماك بن الوليد الحَنفي، أبو زُمَيْل اليمامي، سكن الكوفة، روى عن ابن عباس، وثقه أحمد، وابن معين، وقال أبو حاتم وغيره: صدوق لا بأس به، روى له البخاري في الأدب، والباقون. انظر: "الإكمال" لابن ماكولا 4/ 93، و"تهذيب الكمال" 12/ 125، ت: 2582، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 249، ت: 111، و"الكاشف" 1/ 322، ت: 2165.]] سمعت) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] ابن عباس (يقول) [[ساقط من (ع).]]: لما أنزل الله أول المزمل كانوا يقومون [[بياض في (ع).]] مثل [[في (أ): قبل.]] قيامكم في رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها [[غير واضحة في (ع).]] سنة) [[الأثر أخرجه أبو داود في "سننه" 1/ 329، أبواب قيام الليل. والحاكم في "المستدرك" 2/ 55، كتاب التفسير: سورة المزمل، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي في التلخيص، وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 2/ 704، ح: 4640، كتاب الصلاة، باب في قيام الليل. ومخرج أيضًا في "الصحيح المسند من أسباب النزول" لأبي عبد الرحمن الوادعي: 222، وقال: الحديث رجاله رجال الصحيح إلا أحمد بن محمد المروزي، أبا الحسن بن شبويه، وهو ثقة ، وأخرب ابن جرير، ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه ابن أبي حاتم كما == في تفسير ابن كثير، ورجاله رجال الصحيح. كما ورد في "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد: 257، رقم: 469، و"الناسخ والمنسوخ" لأبي جعفر النحاس 291، و"نفس الصباح" 2/ 758، "جامع البيان" 29/ 124 - 125، و"أحكام القرآن" للجصاص: 3/ 468، و"الكشف والبيان" 12/ 189/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 125، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 33، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 465، و"الدر المنثور" 8/ 312 وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، ومحمد بن نصر، والطبراني في "المعجم الكبير" 12/ 196: ح: 12877.]].
وكان في رواية الوالبي: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المؤمنين [[بياض في (ع).]]، فخفف الله عنهم، وأنزل عليهم: ﴿أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [["جامع البيان" 29/ 125، و"الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد 256 رقمه: 468.]].
وقال في رواية عطاء (الخراساني) [[ساقط من (أ).]] كان هذا بمكة، فلمَّا قدم النبي -ﷺ- المدينة نسختها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ إلى آخر السورة [[وردت رواية عطاء عن ابن عباس في "الناسخ والمنسوخ" لأبي جعفر النحاس: 291، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي 247.]].
وروى (قيس بن وهب [[قيس بن وَهْب الهمداني الكوفي، روى عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، ووثقه أحمد ابن حنبل، وابن معين، والعِجليُّ، وذكره ابن حبان في الثقات، روى له: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه.
انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 104، ت: 594، و"الثقات" لابن أبي حاتم 5/ 314، و"تهذيب الكمال" 24/ 86، ت: 4926.]]، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ [[أبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفة، عبد الله بن حبيب بن ربيعة، ولأبيه صحبة، وولد هو في حياة النبي -ﷺ-، وقرأ القرآن وجوده، وبرع في حفظه، وعرض على عثمان، وعلي، وابن مسعود وغيرهم، وكان ثقة كبير القدر، وحديثه في الكتب الستة. توفي سنة 74 هـ، وقيل غير ذلك. انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 430، ت: == 5084، و"معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار" 1/ 52، ت: 15، و"طبقات الحفاظ" للسيوطي 27/ ت: 41.]]، وقال) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]: (إنه) [[ساقط من (ع).]] لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ﴾ قاموا حولًا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، فنزلت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ فاستراح [[غير واضحة في (ع).]] الناس [[وردت الرواية عن أبي عبد الرحمن السلمي في "جامع البيان" 29/ 126، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 35، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 465 - 466، و"الدر" 8/ 312 وعزاها إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن نصر. وانظر أيضًا "الناسخ والمنسوخ" للأزهري: 34. ما مضى من الأقوال يبين أن الله سبحانه قد فرض في أول الإسلام قيام الليل على رسوله -ﷺ- وعلى المسلمين، فقام رسول الله -ﷺ- وأصحابه حوالي سنة حتى انتفخت أقدامهم، ثم خفف الله بعد ذلك، ونسخ فرضية قيام الليل بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. إلى آخر سورة المزمل: 20، فأصبح قيام الليل تطوعًا بعد أن كان فريضة. وممن ذهب إلى القول إلى أن أول المزمل منسوخ بآخرها قتادة السدوسي في "الناسخ والمنسوخ" 291، وهبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" 188، و"المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ" 58.]].
وقال مقاتل: كان هذا بمكة قبل أن (تفرض الصلوات) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]] الخمس [["بحر العلوم" 3/ 416، و"معالم التنزيل" 4/ 407، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 35، و"فتح القدير" 5/ 316. وهذا القول من مقاتل أن قيام الليل منسوخ بالصلوات الخمس، يرده الأقوال الماضية المتعاضدة في أن قيام الليل الوارد في أول المزمل منسوخ بآخر ما جاء في سورة المزمل. والله أعلم.]].
قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: بينة بيانًا [["جامع البيان" 29/ 127، من طريق مقسم عن ابن عباس، كما ورد من غير ذكر طريق عطاء في "النكت والعيون" 6/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 407، و"لباب التأويل" 4/ 321، و"الدر المنثور" 8/ 313 وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن منيع في مسنده، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]].
وروى الكلبي عنه: على هَيْنَتِك [[هينتك: الهَوْن: مصدر الهيِّن في معنى السكينة والوقار، تقول: تكلَّم على هِينَتِك. "تهذيب اللغة" 6/ 440 - 441، مادة: (هون).]] ترتيلًا [[بمعناه في "الكشف والبيان" 1/ 199/ ب، كما ورد قوله من ذكر طريق الكلبي في "معالم التنزيل" 4/ 407، و"لباب التأويل" 4/ 322.]].
وقال الضحاك: انْبِذْه حرفًا [[بياض في (ع).]] حرفًا [["لسان العرب" 11/ 265 مادة: (رتل).]].
وعن مجاهد قال: بعضه في أثر بعض [[قوله: في إثر بعض: بياض في (ع).]] [[انظر قوله في "جامع البيان" 29/ 126، و"الكشف والبيان" 12/ 199/ أ، و"أحكام القرآن" لابن العربي 4/ 1875، و"الدر المنثور" 8/ 314 وعزاه إلى البيهقي في "شعب الإيمان" 2/ 392، ت: 2161.]].
وقال قتادة في هذه الآية: بلغنا أن عامة قراءة النبي -ﷺ- [[قوله: قراءة النبي صلى: بياض في (ع).]] كانت بالمد [[ورد قوله في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 324، و"معالم التنزيل" 4/ 407، و"الدر المنثور" مرجع سابق، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر، وابن المنذر، كما رواه البخاري 3/ 350، ح: 5045 - 5046، كتاب فضائل القرآن، باب مد القراءة من طريق قتادة عن أنس، وأيضًا بهذا الطريق في "مسند الإمام أحمد" 3/ 127.]].
قال أبو إسحاق: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ بيِّنه تبيينًا، والتبيين لا يتم [[غير مقروءة في (ع).]] بأن يعجل في القرآن، إنما يتم [[قوله: إنما يتم: غير مقروءة في (ع).]] بأن تبين جميع الحروف، وتُوفّى حقَّها من الإشباع [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 240 برواية: "في الإشباع" بدلاً من: "من الإشباع".]].
وقال المبرد: معنى الترتيل: التوقف، والتمهل، والإفهام، وأصله من قولهم: ثغر رتل [[قوله: ثغر رتل: غير مقروء في (ع).]] إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكبير [["التفسير الكبير" 3/ 173 مختصرًا.]].
وقال ابن الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين [[قلت: لعل الإمام الواحدي نقله عن أبي العباس كما في "تهذيب اللغة" 14/ 268 مادة: (رتل)، وليس عن ابن الأعرابي. وانظر: "لسان العرب" 11/ 265 مادة: (رتل).]].
(وقال) [[ساقط من (أ).]] الليث: (الرتل: تنسيق الشيء، وثغر [[الثَّغر: ما تقدم من الأسنان. "الصحاح" 2/ 605 مادة: (ثغر).]] رتل [[في (أ): ريك.]] حسن التنضيد، ورتلت الكلام [[بياض في (ع).]] ترتيلاً إذا تمهلت فيه، وأحسنت تأليفه، وهو يترتل في كلامه) [[ما بين القوسين قول الليث، نقله عنه الواحدي من "تهذيب اللغة" 4/ 268 مادة: (رتل). وقد جاء في المفردات: رتل: الرَّتَلُ: اتساق الشيء وانتظامه على استقامة، والترتيل: إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة.: 187 مادة: (رتل).]].
المزمل 73:5
قوله تعالى [[ساقط من (ع).]]: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)﴾ (قال الكلبي: سننزل عليك من السماء قولًا ثقيلاً) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] ليس على ثقل الحفظ له، واعتياصه [[غير مقروء في النسختين]]، ولكن ما قال الحسن أنهم ليهذونه هذًّا [[الهذُّ: سرعة القطع، تقول: تهذ القرآن هذًّا، فتسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 5/ 525، وانظر: "معجم مقاييس اللغة" 6/ 8 مادة: (هذَّ)، و"المصباح المنير" 1/ 783 مادة: (هذَّ).]]، ولكن العمل به ثقيل [[ورد قول الحسن في "جامع البيان" 29/ 127 بنحوه، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 199/ ب بنحوه، و"معالم التنزيل" 4/ 408، و"أحكام القرآن" لابن العربي: 4/ 1876، و"المحرر الوجيز" 5/ 387 بمعناه، و"زاد المسير" 8/ 113، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 32 بمعناه، و"البحر المحيط" 8/ 362، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 464، و"الدر المنثور" 8/ 315 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر، وابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 316.]]، وهذا قول أكثر المفسرين أن ثقله يعود إلى العمل به.
قال قتادة: تثقل والله فرائضه وحدوده [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 324، و"جامع البيان" 29/ 127، و"بحر العلوم" 3/ 416، و"الكشف والبيان" حـ: 12: 199/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 408، و"زاد المسير" 8/ 113 بمعناه، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 464، و"الدر المنثور" 8/ 315 وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن نصر، و"فتح القدير" 5/ 316.]].
وقال مقاتل: يثقل لما فيه من الأمر والنهي [[بياض في (ع).]] والحدود [["تفسير مقاتل" 213/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 408.]].
(وعلى هذا القول سمي ثقيلاً؛ لأن الحلال والحرام، والصلاة، والصيام، وجميع ما أمر الله أن يعمل به، ونهى عنه، لا يؤديه أحد إلا بتكلف (ما يثقل) [[ساقطة من (أ).]] [عليه] [[ساقطة من النسختين، وما أثبته من "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 240، وبها يستقيم المعنى، والله أعلم.]]) [[ما بين القوسين من قول الزجاج، نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف: 5/ 240.]].
وروي عن الحسن (أيضًا) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] أنه قال: معناه: إنه ثقيل في الميزان يوم القيامة [["التفسير الكبير" 30/ 174، و"الدر المنثور" 8/ 315 وعزاه إلى ابن نصر، وابن المنذر.]].
ونحو هذا قال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا، ثقل في الموازين يوم القيامة [["جامع البيان" 29/ 127، و"معالم التنزيل" 4/ 408، و"زاد المسير" 8/ 113، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 464.]].
وذهب قوم من المفسرين [[منهم: هشام بن عروة عن أبيه، وابن زيد، وعائشة، وابن الزبير. انظر أقوالهم في "جامع البيان" 29/ 127، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 200/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 408، و"زاد المسير" 8/ 113، و"لباب التأويل" 4/ 322، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 464.]] إلى أن المراد بثقله: أنه ثقيل المحمل، واحتجوا بما روي أن النبي -ﷺ- كان يثقل عليه الوحي عند نزوله، حتى روي (أن الوحي نزل عليه وهو على ناقته فثقل عليها حتى وضعت جرانها [[الجران: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره. "المصباح المنير" 1/ 119.]] فلم تستطع أن تتحرك) [[الحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 505، كتاب التفسير: تفسير سورة المزمل، من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -ﷺ- كان إذا أوحي إليه، وهو على ناقته، وضعت جرانها، فلم تستطع أن تتحرك. وتلت قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)﴾ قال عنه: حديث صحيح، ووافقه الذهبي في التلخيص. كما أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 6/ 118 مختصرًا. ورواه ابن جرير الطبري عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي -ﷺ- الحديث. "جامع البيان" 29/ 127، قال عنه ابن كثير: وهو مرسل. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 464. وانظر: "الدر المنثور" 8/ 316 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر.]].
وقال الفراء: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أي ليس بالخفيف، ولا السَّفْساف [[السَّفْساف: الرديء من كل شيء، والأمر الحقير، وكل عمل دون الأحكام سفساف، وأصله ما يطير من غبار الدقيق إذا نخل، والتراب إذا أثير. "لسان العرب" 9/ 155 مادة: (سفف).]]؛ لأنه كلام ربنا تعالى وجلّ ذكره [[في (ع): تبارك وتعالى، بدلاً من: تعالى وجل ذكره.]].
وذكر الزجاج هذا القول فقال: ويجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون معناه: أنه قول له وزْنٌ في صِحَّتِه، وبيانه، ونفعه، كما تقول: هذا كلام رصينٌ [[الرصين: المحكم الثابت. "لسان العرب" 13/ 181 مادة: (رصن).]]، وهذا قول لذو وزن إذا كنت تستجيده، وتعلم أنه قد وقع موقع الحكمة والبيان [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 240 برواية: "له وزن" بدلاً من: "لذو وزن".]].
وقال غيرهما [[أي الأزهري، وانظر قوله في "تهذيب اللغة" 9/ 79 مادة: (ثقل)، وينتهي قوله بـ: "فهو ثقل وثقيل". وفي "التفسير الكبير" 3/ 174 أورد قول الأزهري بغير عزو.]]: جعله ثقيلًا من جهة عظم قدره، وجلالة خطره، وكل شيء نفيس عِلْق خطير [[في (أ): خضير.]]، فهو ثقل وثقيل. وتأويل هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: (قولًا ثقيلًا) يعني: كلامًا عظيمًا [["التفسير الكبير" 30/ 174، و"البحر المحيط" 8/ 362.]].
قال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكون المراد به ثقيل على من (عانده) [[ساقطة من (ع).]] فرده ولم ينفذ له [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
المزمل 73:6
قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قال أبو عبيدة: ناشئة الليل: ساعات الليل، وآناء الليل ناشئة بعد ناشئة [["مجاز القرآن" 2/ 273 بنصه.]].
(وروى عمرو [[هو: عمرو بن أبي عمرو الشيباني إسحاق بن مرار.]] عن أبيه: نشأ الليل: ارتفع [[وانظر قول أبي عمرو في "تهذيب اللغة" 11/ 419 مادة: (نشأ).]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال ابن قتيبة: هي آناء الليل، وساعاته هي مأخوذة من نَشَأَتْ تنشَأ نَشْأ، أي ابتدأت، وأقبلت شيئًا بعد شيء، وأنشأها الله فنشأت.
والمعنى: إن ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم [["تأويل مشكل القرآن" 365 بشيء يسير من التصرف.]].
(ونحو هذا قال المبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وصاحب النظم في: (ناشئة الليل)، وهو قول أكثر المفسرين) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
قال الحسن: كل شيء بعد العشاء فهو ناشئة [["تفسير" الإمام مجاهد 679، و"أحكام القرآن" للجصاص: 3/ 468، و"معالم التنزيل" 4/ 408 بنحوه، و"زاد المسير" 8/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 39، و"البحر المحيط" 8/ 363، و"الدر المنثور" 8/ 316 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر، و"السنن الكبرى" للبيهقي: 3/ 29، ح: 4754، كتاب: الصلاة باب من فتر عن قيام الليل فصلى ما بين المغرب والعشاء.]].
وهو قول عكرمة [["جامع البيان" 29/ 128.]]، وأبي مجلز [[ورد قوله في "جامع البيان" 29/ 129، و"الكشف والبيان" 12: 200/ ب، و"زاد المسير" 8/ 114، و"الدر المنثور" 8/ 317 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر، و"السنن الكبرى" 3/ 30، ح: 4755، كتاب الصلاة: باب من فتر عن قيام الليل.]]، ومجاهد [[تفسير الإمام مجاهد 679، و"جامع البيان" 29/ 128 - 129، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 486، و"زاد المسير" 8/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 39، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 464.]]، والسدي [[ورد قوله في "تهذيب اللغة" 11/ 419 مادة: (نشأ).]] [[(والسدي) ساقط من (أ).]]، قالوا: الليل كله ناشئة.
وهذا قول ابن عباس [["جامع البيان" 29/ 128 - 129، و"أحكام القرآن" للجصاص: 3/ 468، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 200/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 408، و"أحكام القرآن" لابن العربي: 4/ 1877، و"زاد المسير" 8/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 39، و"لباب التأويل" 4/ 322، و"البحر المحيط" 8/ 363، و"الدر المنثور" 8/ 326 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و"السنن الكبرى" 3/ 29، ح: 4751، كتاب الصلاة: باب من فتر عن قيام الليل.]]، وابن الزبير [[المراجع السابقة عدا "زاد المسير"، و"الجامع لأحكام القرآن".]]. [[وردت في النسخة (أ) هكذا: ابن الزبير وابن عباس.]] في رواية ابن أبي مُلَيْكة، عنهما [[في (أ): عنها.]] جميعًا، قال: سألتهما عن ناشئة الليل، فقالا: الليس كله ناشئة. وقال آخرون: (ناشئة الليل) قيام الليل، وهو قول الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، و [[(الكلبي و) ساقط من (أ).]] مقاتل [["تفسير مقاتل" 213/ أ.]]، (ومعاوية بن قرة) [[ورد قوله هذا في "تهذيب اللغة" 11/ 419 مادة: (نشأ).]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، وابن مسعود [[أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 505، كتاب التفسير: تفسير سورة المزمل، وصححه، ووافقه الذهبي في التلخيص. "الوسيط" 4/ 373 وعبارته: "هي بالحبشية قيام الليل".]]، وسعيد بن جبير (إلا أنهما قالا) [[العبارة الواردة بين القوسين الصغيرين: "إلا أنهما قالا" لا تعود على ابن مسعود وسعيد بن جبير، وإنما تعود على سعيد بن جبير وابن زيد، والسبب في ذلك أني لم أعثر إلا على قولي سعيد بن جبير وابن زيد مشتركين في هذا المعنى، ومصحوبين أثناء العزو إليهما كما في "الكشف والبيان" جـ: 12: جـ: 200/ ب،: قال: وقال سعيد بن جير وابن زيد: أي ساعة قام من الليل فقد نشأ، وهو بلسان الحبشة: نشأ إذا قام. وانظر أيضًا "معالم التنزيل" 4/ 408، و"المحرر الوجيز" 5/ 387، و"زاد المسير" 8/ 114.]]: هي بالحبشية.
قال سعيد بن جبير: هي بلسان الحبشية نشأ: قام [[انظر مواضع ورود قول سعيد بن جبير في "جامع البيان" 29/ 128 من طريقه إلى ابن عباس، و"الكشف والبيان" 12/ 200/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 408، و"المحرر الوجيز" 5/ 387، و"السنن الكبرى" 3/ 30، ح 4757، كتاب الصلاة، باب من فتر عن قيام الليل عن سعيد بن جبير. وانظر تفسير سعيد بن جبير: 359.]].
قال صاحب النظم: الناشئة على هذا القول مصدر من قولك: نشأ الشيء، وقد تضع العرب الفاعلة مواضع المصادر، كما قلنا في الخاطئة، وفي الجاثية، والكاذبة، واللاغية.
وفي ناشئة الليل قول آخر، وهو قول علي بن الحسين [[علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أبو الحسن، المعروف بزين العابدين، ويقال له: علي الأصغر، وليس للحسين رضي الله عنه عقب إلا من ولد زين العابدين، وهو أحد الأئمة الاثني عشر، ومن سادات التابعين، وأمه أم ولد اسمها غزالة، وقيل: سلافة، كان كثير البر بأمه، ومناقبه كثيرة، ولد سنة 38 هـ، وتوفي سنة 94 هـ، وقيل غير ذلك، ودفن بالبقيع. انظر: "صفة الصفوة" 2/ 66، ت: 165، و"وفيات الأعيان" 3/ 266، ت: 422، و"العبر" 1/ 83.]] (رضي الله عنه) [[ساقطة من (أ).]] قال: هو ما بين المغرب إلى العشاء [[ورد قوله في تفسير الإمام مجاهد 679، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 200/ ب، و"الكشاف" 4/ 153، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 39، و"لباب التأويل" 4/ 322، و"الدر المنثور" 8/ 317 وعزاه إلى ابن نصر، وابن المنذر، و"السنن الكبرى" 3/ 30، ح: 4756، كتاب الصلاة: باب من فتر عن قيام الليل.]]. وهو قول أنس.
روى ثابت أنه كان يصلي ما بين المغرب والعشاء، ويقول: هي: (ناشئة الليل) [[ذكر رواية أنس من غير طريق ثابت في "النكت والعيون" 6/ 127، و"زاد المسير" 8/ 114، وذكرت من طريق ثابت عن أنس في "السنن الكبرى" 3/ 29، كتاب الصلاة: باب من فتر عن قيام الليل.]].
ونحو ذلك روي عن سعيد بن جبير [[تفسير الإمام مجاهد 679، و"الدر المنثور" 8/ 317 وعزاد إلى ابن أبي شيبة.]]، (وهو قول الضحاك [["تهذيب اللغة" 11/ 419 مادة: (نشأ).]]، والحكم [[ورد قوله في "تهذيب اللغة" 11/ 419 مادة: (نشأ).]]، واختيار الكسائي [[المرجع السابق، و"البحر المحيط" 8/ 263.]]) [[ما بين القوسين أسقطه ناسخ النسخة: أ، واكتفى بقوله: وغيره بدلًا من تعدادهم.]] قالوا: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أوله، (وهي رواية عطاء عن) [[ساقطة من (أ).]] ابن عباس قال: يريد أول ما ينشأ [["زاد المسير" 8/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 39، و"لباب التأويل" 4/ 322، و"البحر المحيط" 8/ 363، و"الدر المنثور" 8/ 316، و"السنن الكبرى" 3/ 30، كتاب: الصلاة باب من فتر عن قيام الليل.]].
وروي عن عائشة (رضي الله عنها) [[ساقط من (أ).]] أنها قالت: الناشئة القيام بعد النوم [["الكشف والبيان" جـ: 12: 200/ ب، و"الكشاف" 4/ 153، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 39، و"البحر المحيط" 8/ 362.]].
وهو قول ابن الأعرابي، قال: إذا نمت من أول الليلة نومة، ثم قمت، فتلك النشأة، ومنه: (ناشئة الليل) [["زاد المسير" 8/ 114، و"فتح القدير" 5/ 317.]].
وقوله تعالى: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾. قال ابن عباس: هى أشد على المصلي [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ذكر في "الوسيط" 4/ 373 من غير عزو.]].
وقال قتادة: يقول أثبت في الخير [["جامع البيان" 29/ 129، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 201/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 409.]].
(وقال الكلبي: يقول أشد نشاطًا للرجل إذا كان محتسبًا للصلاة [[ورد قوله في "النكت والعيون" 6/ 127 مختصرًا جدًا، وكذا في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 40.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال الفراء: (يقول) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]: أثبت قيامًا؛ لأن النهار يضطرب (فيه) [[ساقط من (أ).]] الناس، ويتقلبون فيه للمعاش، قال: وقال بعضهم: هي أشد على المصلي من صلاة النهار؛ لأن الليل للنوم [[انظر قول الفراء في "معاني القرآن" 3/ 197 بتصرف يسير.]].
وذكر أبو إسحاق المعنيين جميعًا فقال: معناه: وهي أبلغ في القيام وأغلظ على الإنسان من القيام بالنهار؛ لأن الليل جعل ليسكن فيه [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 240 مختصرًا.]].
وقال ابن قتيبة: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أثقل على المصلي من ساعات النهار. وقال وهو من قولك: اشتدت على القوم وَطْأةُ سُلْطانِهم، إذا ثقل عليهم ما يُلزمهم ويأخذهم به، فأعلم الله نبيه أن الثواب في قيام الليل على (قدر) [[ساقط من (أ).]] شدة الوطأة وثقلها [[ورد قول ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 265 بنصه، وانظر: "تفسير غريب القرآن" 493 مختصرًا.]].
وقال أبو علي: المعنى: (إن صلاة ناشئة الليل أشق على الإنسان من القيام بالنهار؛ لأن الليل للدعة [[الدَّعة: الخفض في العيش والراحة، والهاء عوض من الواو. "لسان العرب" 8/ 381 مادة: (ودع)، وانظر: "الصحاح" 3/ 1295 مادة: (ودع).]] والسكون، وجاء في الحديث: (اللهم اشدد وطأتك [[معنى "وطأتك" أي أخذهم أخذاً شديدًا. "النهاية" 5/ 200. وقال النووي: الوطأة بفتح الواو وإسكان الطاء، وبعدها همزة: وهي العباس. "شرح صحيح مسلم" 5/ 186.]] على مضر) [[الحديث: أخرجه البخاري 1/ 260، ح: 804، كتاب: الأذان، باب يهوي بالتكبير حين يسجد، من طريق أبي هريرة في حديث طويل، وفي 1/ 317، ح: 1006، كتاب الاستسقاء: باب دعاء النبي -ﷺ-، وفي كتاب الجهاد، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والذلة: 2/ 240، ح، 2932، وفي كتاب الأنبياء: باب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7)﴾ 2/ 470، ح: 3386، وكتاب التفسير، باب 3 سورة آل عمران: 9 "ليس لك من الأمر شيء" 3/ 211، ح: 4560، وكتاب التفسير 4 سورة النساء 21 باب "فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم" 3/ 220، ح: 4598، وكتاب الأدب، باب تسمية الوليد: 4/ 128، ح: 6200، وكتاب الإكراه: 4/ 284، ح: 6940. كما أخرجه مسلم في 1/ 467، ح: 294 - 295، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة. وأبو داود في "سننه" 1/ 364، كتاب الصلاة: باب القنوت في الصلاة وابن ماجه في "سننه" 1/ 226، ح: 1235، كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر. والنسائي في "سننه" (المجتبى): 2/ 547، ح: 1072 - 1073، كتاب التطبيق: باب القنوت في صلاة الصبح. والإمام أحمد في "المسند" 2/ 239، 255، 271، 418، 502، 521.]].
هذا الذي ذكرنا على قراءة من قرأ (وَطْأةً) بفتح الواو مقصورًا [[قرأ بذلك: نافع، وابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف، وأبو جعفر. انظر: "السبعة" 658، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 723، و"الحجة" 6/ 335، و"المبسوط" 386، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 344، و"حجة القراءات" 730، و"النشر" 2/ 393، و"الوافي" 374.]].
ومن قرأ (وِطاءً) بكسر الواو والمد [[قرأ بذلك: أبو عمرو، وابن عامر. انظر المراجع السابقة.]]، فقال مجاهد: أجدر أن يواطئ [[غير واضحة في (ع).]] سمعه وبصره [[ورد قوله في "جامع البيان" 29/ 130، وعبارته: "قال: تُواطئ قلبك وسمعك وبصرك"، وفي رواية أخرى عنه: "أجدر أن تواطئ سمعك وقلبك"، و"النكت والعيون" 6/ 127 بمعناه، وانظر: "الحجة" 6/ 335.]]) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن "الحجة" 6/ 335 باختصار.]]. (وهو قول مقاتل [[الذي ورد عنه في تفسيره: 213/ (أ) "قال: يعني مواطأة بعضه لبعض".]]، وروي ذلك عن ابن عباس قالوا: يواطئ السمع والقلب [[تفسير الإمام مجاهد: 679 بمعناه، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 39.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
قال ابن قتيبة: من قرأ: (وِطاءً) على تقدير: (فعال) فهو مصدر لِوَاطأت فلانًا على كذا مُواطأة ووِطاءً. وأراد أن القراءة في الليل يتواطأ فيها قلب المصلي [[في (أ): الإنسان، وأثبت ما جاء في نسخة (ع) لموافقته النص الحقيقي.]]، ولسانه، وسمعه، (وبصره) [[ساقط من (ع).]] على التفهم والأداء، والاستماع بأكثر مما يتواطأ عليه بالنهار [["تأويل مشكل القرآن" 365 - 366، بإضافة: وبصره عند الواحدي.]].
(وروى ابن سلام عن يونس: (أشد وِطاءً) قال: ملاءمة ومُوافقة، ومن ذلك قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: 37]، أي: ليوافقوا.
قال أبو علي: وكأن المعنى إن صلاة ناشئة الليل يواطئ السمع القلب فيها أكثر مما يواطئ (في ساعات [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]]) النهار؛ لأن البال أفرغ للانقطاع عن كثير مما يشتغل بالنهار) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن "الحجة" لأبي علي: 6/ 335 بتصرف يسير.]].
واختار أبو عبيدة هذه القراءة [[في (أ): بهذه الأقراء.]]، قال: لأن التفسير يصدقها، إنما هي مواطأة السمع والبصر إياه إذا قام يصلي في ظلمة الليل [[لم أعثر على قوله في "مجاز القرآن"، ووجدت معنى قوله في "التفسير الكبير" 30/ 176. والوطء في اللغة كلمة تدل على تمهيد شيء وتسهيله، ووطأت له المكان، والوِطاء: ما توطأت به من فرش، ووَطِئته برجلي أطؤه، والمواطأة: الموافقة على أمر يواطئه كل واحد لصاحبه. انظر: "معجم مقاييس اللغة" 6/ 120 - 121 (وطأ).]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [[قوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ غير مقروءة في (أ).]] قال عطاء عن ابن عباس: يريد أحسن لفظًا [["التفسير الكبير" 30/ 176.]].
وقال الكلبي: وأبين قولاً بالقرآن [["معالم التنزيل" 4/ 409، و"فتح القدير" 5/ 317.]].
قال ابن قتيبة: أي أخلص للقول، وأسمع له؛ لأن الليل تهدأ عنه الأصوات، وتنقطع فيه الحركات، ويخلص القول، ولا يكون دون تسَمُّعِهِ وتَفَهُّمِهِ حائل [["تأويل مشكل القرآن" 366 برواية: "فيخلص" بدلاً من "ويخلص".]].
وقال أبو عدي: أي أشد استقامة وصوابًا لفراغ البال، وانقطاع ما يشغل، وأنشد [[لم أعثر على قائله.]] (فقال) [[ساقطة من (ع).]]:
له ولها وقعٌ بكلِّ قرارة ... ووقع بمستن الفضاء قويم [[لم أعثر على مواضع وروده.]] أي مستقيم) [[ما بين القوسين من قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 6/ 335 - 336 بنصه.]].
المزمل 73:7
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)﴾. قال جماعة من المفسرين [[قال بذلك: ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وعطاء. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 324، و"جامع البيان" 29/ 131، و"النكت والعيون" 6/ 127، و"زاد المسير" 8/ 115، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 41.]]: فراغًا طويلاً، وسعة لتصرفك، وقضاء حوائجك.
والمعنى: إن لك في النهار فراغًا للنوم، والتصرف في الحوائج فضل من الليل.
هذا قول أهل التفسير. قال أبو عبيدة: ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾: منقلبًا طويلًا [["مجاز القرآن" 2/ 273 نقله عنه بنصه.]].
وقال المبرد: تقلبًا فيما تحب، قال: وبهذا سمي السابح لتقلبه بيديه ورجليه [["التفسير الكبير" 30/ 177.]].
وقال ابن قتيبة: أي تصرفًا، وإقبالاً، وإدبارًا في حوائجك وأشغالك [["تأويل مشكل القرآن" 366 بنصه، وانظر: "تفسير غريب القرآن" 494.]].
(ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 197.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 240.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
قال [[في (ع): وقال.]] ابن الأعرابي: معناه اضطرابًا ومعاشًا [["تهذيب اللغة" 4/ 327.]].
وقال الليث: (فراغًا للقمر [[ورد معنى قوله في "تهذيب اللغة"، المرجع السابق بلفظ: فراغًا للنوم.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
(ومعنى ذكر هذا الفراغ، والتصرف هاهنا ما ذكرنا أنه يفرغ في النهار للنوم، والتصرف في الحوائج فيكون ليلهُ للصلاة) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
(وقال) [[ساقط من (أ).]] أبو إسحاق: أي (إن) [[ساقط من (ع).]] فاتك من الليل شيء، ذلك في النهار فراغ [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 240 بنصه. وإضافة إلى ما ذكره الواحدي، فـ"السبح" في اللغة: الفراغ. انظر مادة: (بتل) في "الصحاح" 1/ 372، و"لسان العرب" 2/ 470.]] قال: وهو معنى قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾.
قال مقاتل: بالتوحيد [["تفسير مقاتل" 213/ أ.]].
قوله تعالى [[(قوله تعالى) ساقط من (ع).]]: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ قال ابن عباس: أخلص إليه إخلاصًا [["جامع البيان" 29/ 132، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 201/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 409، و"لباب التأويل" 4/ 322.]]، (وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 213/ أ.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومجاهد [["تفسير الإمام مجاهد" 680، و"جامع البيان" 29/ 132، و"أحكام القرآن" للجصاص: 3/ 469، و"بحر العلوم" 3/ 417، و"النكت والعيون" 6/ 128،== و"زاد المسير" 8/ 115، و"الجامع لأحكام القرآن بمعناه" 19/ 43، و"الدر المنثور" 8/ 318 وعزاه أيضًا إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في "شعب الإيمان" 5/ 343، ح: 6862.]]، والضحاك [["جامع البيان" 29/ 133. وما بين القوسين ساقط من (أ).]]).
وقال قتادة: أخلص لله العبادة والدعوة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 325، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 369، و"بحر العلوم بمعناه" 3/ 417، و"الدر المنثور" 8/ 318 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن نصر، وابن المنذر.]].
وجميع المفسرين فسروا التبتل بالإخلاص [[وقد نقل الإجماع عن المفسرين: الفخر الرازي، انظر: "التفسير الكبير" 30/ 178، كما عزا القول بالإخلاص إلى المفسرين: اليزيدي، انظر: "غريب القرآن" 396، وقال الطبري: "بنحو الذي قلنا قال أهل التأويل" وساق عبارات المفسرين في معنى "التبتل" الإخلاص. "جامع البيان" 29/ 132. وقد تنوعت ألفاظ المفسرين في التبتل، وكلها تحمل معنى واحدًا، فمنهم من قال: الإخلاص، ومنهم من قال: الانقطاع، ومنهم من قال: بالتفرغ للعبادة، ومنهم من قال: التوكل على الله توكيلًا، وآخرون قالوا: تضرع إليه تضرعًا، وقد ذكر الإمام الواحدي ذلك. وإضافة إلى ما عزاه إلى المفسرين، انظر: "نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن" 174، و"تفسير المشكل" لمكي بن أبي طالب: 362، و"النكت والعيون" 6/ 128، و"معالم التنزيل" 4/ 409، و"المحرر الوجيز" 5/ 388، و"زاد المسير" 8/ 115، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 466.]].
وأصل معنى التبتل في اللغة: القطع [[انظر هذا المعنى اللغوي في مادة (بتل) في "تهذيب اللغة" 14/ 291، و"الصحاح" 4/ 163، و"لسان العرب" 11/ 42، وانظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 171.]]، (وقيل لمريم: البتول؛ لأنها انقطعت إلى الله في العبادة، وصدقة بَتْلة: مُنْقطعة من مال صاحبها) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" == 5/ 241، وانظر: "تهذيب اللغة" 14/ 291.]].
وقال اللبث: البتْل: تمييز الشيء من الشىِء، والبَتول: كل امرأة تنقبض [عن] [[في (أ)، و (ع) من، والمثبت من "تهذيب اللغة".]] الرجال لا شهوة لها، ولا حاجة فيهم، ومنه التَّبتُّل: وهو ترك النكاح، والزهد فيه.
وقال (ربيعة) [[ساقط من (أ).]] بن مَقْرُوم [[ربيعة بن مقروم بن قيس ببن جابر بن خالد بن إلياس بن مضر بن نزار، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، عاش في الإسلام زمانًا، شهد القادسية، وجلولاء، وهو من شعراء مضر المعدودين. انظر: "الشعر والشعراء" 198، و"خزانة الأدب" 8/ 438، و"المفضليات" لأبي العباس المفضل الضبي: 355، و"الأغاني" 19/ 90.]]:
لو أنها عَرَضت لأشْمَطَ راهب ... عبدَ الإلهَ صرورةً متبتِّلِ [[في (أ): متعبد. وورد البيت منسوبا في "تهذيب اللغة" 4/ 291 مادة: (بتل)، و"لسان العرب" 11/ 43 مادة: (بتل)، و"غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 171، و"الأغاني" 19/ 92، وقد وجدت البيت للنابغة في "ديوانه" 41 ط المؤسسة العربية برواية "متعبد" بدلاً من "متبتل"، وكذلك نسبه أبو عبيد في "غريب الحديث" للنابغة أيضًا 1/ 421، ومعنى البيت: الراهب: العابد، الأشمط: الذي خالطه الشيب، الصرورة: الذي لم يتزوج. "ديوان النابغة" 41.]]) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن "تهذيب اللغة" 14/ 291 مادة: (بتل).]]
هذا معنى الحرف في اللغة، وأما في الآية، فقال أبو إسحاق: انقطع إليه في العبادة [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 241 بنصه.]].
وقال الفراء: يقال للعابد إذا ترك كل شيء، وأقبل على العبادة: قد تبتل، أي قطع كل شيء إلا أمر الله وطاعته [["معاني القرآن" 3/ 198بنصه.]].
وهذا يؤدي معنى الإخلاص الذي ذكر أهل التفسير.
وقال زيد بن أسلم: التبتل: رفض الدنيا [[بياض في (ع).]] وما فيها، والتماس [[بياض في (ع).]] ما عند الله [[ورد قوله في "الكشف والبيان" جـ: 12: 201/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 409، و"المحرر والوجيز" 5/ 388، و"التفسير الكبير" 30/ 138.]].
وقال ابنه: (تبتل إليه): تفرغ لعبادته [["جامع البيان" 29/ 133، وهو عبد الرحمن بن زيد.]].
وهذا كله يرجع: [[بياض في (ع).]] إلى معنى الانقطاع إليه عما سواه.
وقال الأخفش في قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ لم يجيء بمصدره، ومصدره [[في (أ): مصدره.]] التبتل [["معاني القرآن" 2/ 717 نقله عنه بنصه.]].
وقال غيره [[ممن قال بذلك: سيبويه. انظر: "الكتاب" 4/ 81.]]: جاء تبتيلًا على بَتِّلْ نفسك إليه تبتيلاً، فوقع المصدر موقع مقاربه في المعنى، ويكون التقدير: وتبتل مبتلًا نفسك إليه تبتيلاً، كما قال: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17]، وهذا معنى قول أبي إسحاق: تبتل محمول على معنى بَتَّل إليه تبتيلًا [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 241. وقوله (إليه) سقط من (أ).]].
قوله تعالى [[ساقطة من (ع).]]: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
(الرفع [[قرأ بالرفع: "رب المشرق" ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم. انظر كتاب: السبعة 658، و"القراءات وعلل النحويين": 2/ 724، و"الحجة" 6/ 336، و"الكشف" 2/ 245، و"إتحاف فضلاء البشر" 436.]] في قوله: (رب المشرق) [[ساقط من (أ).]] يحتمل أمرين:
أحدهما: القطع من قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ على تقدير: هو رب المشرق، فيكون خبر ابتداء [[بياض في (ع).]] محذوف، كقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج: 72]، وقوله: ﴿مَتَعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: 197]، أي: فعليهم متاع قليل.
والثاني: أن يرفعه بالابتداء، وخبره الجملة التي: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، والعائد إليه الضمير المنفصل، والخفض [[قرأ ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ﴾ بالخفض: عاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي، وابن عامر، ويعقوب، وخلف، ووافقهم الأعمش وابن محيصن. انظر كتاب: السبعة 658، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 724، و"الكشف" 2/ 245، و"إتحاف فضلاء البشر" 436.]] على اتباع قوله: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن "الحجة" لأبي علي الفارسي 6/ 336 بتصرف يسر.]].
قوله: ﴿فَأتًخِذهُ وكيلًا﴾ قال الكلبي: يقول: اتخذه يا محمد كفيلًا على ما قال لك إنه سيفعله بك [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وهذا المعنى أراد الزجاج [[قوله: أراد الزجاج: بياض في (ع).]] بقوله: اتخذه كفيلًا بما وعدك [[ورد قوله في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 241 بنصه.]].
وهو قول الفراء [["معاني القرآن" 3/ 198.]].
المزمل 73:10
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. لك من التكذيب والأذى.
﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ واعتزلهم اعتزالًا حسنًا، لا جزع فيه.
قال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 213/ ب.]]: قالوا هذا قبل أن [[بياض في (ع).]] أمر بالقتال [[قال أبو جعفر النحاس في قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)﴾: "كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال وقتلهم، فنسخت آية القتال ما كان قبلها من الترك". "الناسخ والمنسوخ" 292.
وبهذا قال أيضًا هبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" 187، والخزرجي في "نفس الصباح" 2/ 758، وابن الجوزي في "المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ" 58، وابن البارزي في "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" 55. وقال بذلك أيضًا قتادة في "جامع البيان" 29/ 132، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 241، والماوردي في "النكت والعيون" 6/ 129، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 409. قلت: ليس في الآية ما يدعو إلى القول بالنسخ، فالصبر على الأذى، وهجر الكفر وأهله ليس فيه ما يعارض الجهاد في سبيل الله، "بل الهجر من باب العقوبات الشرعية، فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله"، وقد ذهب أئمة إلى عدم القول بالنسخ في هذه الآية، ولهذا لم يوردوها في "الناسخ والمنسوخ"، نحو الزهري في كتابه: "الناسخ والمنسوخ"، والبغدادي أيضًا في كتابه: "الناسخ والمنسوخ"، == وكذلك الطبري، وابن كثير لم يروا فيها نسخًا. انظر: "جامع البيان" 29/ 130، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 466. ما بين علامتي التنصيص نقلًا عن "مجموع الفتاوى" 28/ 208.]].
(قوله تعالى) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]]: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد دعني ومن كذبك، وهذا كقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ﴾ [القلم: 44] [[لم أعثر على مصدر لقول ابن عباس.]].
قال الزجاج: العرب إذا أرادت أن تأمر إنسانًا [فإن] [[فإنا هكذا وردت في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر القول.]] له هَمَّة بأمر أو خصم له تقول: دعني وذاك، ودعني وفلانًا، ليس أنه حال بينه وبين ذلك الأمر، أو ذلك الإنسان، ولكن تأويله: لا تهتم به، فإني أكفيكه [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 241.]].
وقوله تعالى: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، (ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله، ولعله فسر الغنى في غير هذا الموطن. والله أعلم.]]) [[ساقط من (أ).]]: أولي الغنى، وكثرة الأموال.
وذكرنا تفسير النعمة فيما تقدم [[نحو ما جاء في سورة الدخان: 27 ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)﴾، وقد جاء في تفسيرها " (ونَعْمة) قال علماء اللغة: نَعْمة العيش -بفتح النون- حُسْنُهُ، وغَضَارَتُهُ، ونعمة الله: مَنُّه وعطاؤه، قال المفسرون: وعيش لين رغد كانوا متنعمين". ونحو ما جاء في سورة الزمر: 8 قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، وقد جاء في تفسير ﴿إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ "قال ابن عباس: يريد: غناه، وأنعم الله عليه بالصحة، وقال مقاتل: أعطاه الله الخير".]].
﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: حياتهم حتى (يأتي الوعد [[لم أعثر على مصدر قول ابن عباس.]]) [[ما بين القوسين بياض في (ع).]].
وقال الكلبي: نزلت في المُطْعِمِين ببدر، وهم عشرة من قريش، قتلهم الله ببدر [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: يعني بني المغيرة، أهلكهم الله ببدر [["تفسير مقاتل" 213/ ب، و"زاد المسير" 8/ 166، وقد ورد قول مقاتل عند تفسير الآية: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: 11].]].
ثم ذكر ما لهؤلاء عنده، فقال: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا (أَنْكَالًا) [[ساقط من (ع).]]﴾ [[﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12)﴾.]]
قال المفسرون: إن عندنا في الآخرة أنكالاً، واحدها: نِكْل، وهو القيد في قول جميع المفسرين [[قال بذلك: ابن عباس، وعكرمة، وطاووس، ومحمد بن كعب، وعبد الله بن بريدة، وأبو مجلز، والضحاك، وقتادة، والسدي، والثوري، ومجاهد، وحماد ابن أبي سليمان، والحسن، وسليمان التيمي. انظر أقوالهم في تفسير الإمام مجاهد: 680، و"جامع البيان" 29/ 134 - 135، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 45، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 466 - 467، و"الدر المنثور" 8/ 319، وانظر: "صحيح البخاري" 3/ 316، كتاب التفسير: باب سورة المزمل (73)، وقال بذلك ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 494، وفسرها الطبري بذلك، وقال: "وبمثل الذي قلنا قال أهل التأويل" في "جامع البيان" 29/ 134، وبه قال أيضًا السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 417، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 241، والثعلبي في "الكشف والبيان" 12: 202/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 420، والزمخشري في "الكشاف" 4/ 154، وابن الجوزي في "زاد == المسير" 8/ 116، والفخر الرازي في "التفسير الكبير" 30/ 181. ومن أهل الغريب قال به: اليزيدي في "غريب القرآن" 397، والسجستاني في "نزهة القلوب" 108، ومكي بن أبي طالب في "تفسير المشكل" 362، والخزرجي في "نفس الصباح" 741، وابن الملقن في "تفسير غريب القرآن" 505، ولم أجد من خالف ما قاله الواحدي غير أنه ذكر ابن الملقن معنى مصاحبًا للقيود وهو: العقوبات والقيود من العقوبات، وعليه لا يكون هناك من خالف الإجماع،
والله أعلم. وأما ما ذكره الشيخ السعدي من أن ﴿أَنكاَلًا﴾ أي عذابا شديدًا في تيسير الكريم الرحمن: 5/ 327. قلت: قول الشيخ السعدي، وإن كان في لفظه مخالفًا، فهو موافق في معناه، عام في دلالته؛ إذ القيود من أنواع العذاب الشديد، وعليه لا يكون مخالفًا لجمهور المفسرين.]]، ............
(وأهل اللغة [[قال بذلك الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 241، والأخفش، انظر: "النكت والعيون" 6/ 130، وهو قول الأزهري، والجوهري، والزبيدي. انظر مادة: (نكل) في "تهذيب اللغة" 10/ 245، و"الصحاح" 5/ 1835، و"القاموس المحيط" 4/ 60.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وقال الكلبي: أغلالًا من حديد [[ورد قوله من غير ذكر لفظ الحديد في كل من "النكت والعيون" 6/ 130، و"معالم التنزيل" 4/ 410، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 45، و"البحر المحيط" 8/ 364، و"فتح القدير" 5/ 318.]].
وقال أبو عمران الجوني: هي قيود لا تحل أبدًا [["الدر المنثور" 8/ 319 بمعناه، وعزاه إلى عبد بن حميد، و"فتح القدير" 5/ 318.]].
وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ لا يسوغ في الحلق، والغصة: ما يغص به الإنسان [[قال ابن فارس: "غص": الغين والصاد ليس فيه إلا الغَصَص بالطعام. "معجم مقاييس اللغة" 4/ 383.]].
وقال ابن عباس [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 45، و"الدر المنثور" 8/ 319، وعزاه إلى الحاكم، ولم أجده في "المستدرك".]]، والمفسرون [[قال بذلك: الثعلبي في "الكشف والبيان" جـ: 12: 202/ ب، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 410.]]: يعني الزقوم. وهو قول مجاهد [["جامع البيان" 29/ 135، و"النكت والعيون" 6/ 130، و"المحرر الوجيز" 5/ 389، و"البحر المحيط" 8/ 364، و"الدر المنثور" 8/ 319 وعزاه إلى عبد بن حميد، و"فتح القدير" 5/ 318.]]، (ومقاتل [["تفسير مقاتل" 213/ ب، و"زاد المسير" 8/ 116.]]) [[ساقط من (أ).]]، وعكرمة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال أبو إسحاق: أي طعامهم الضريع، كما قال عز وجل: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6)﴾ [الغاشية: 6]، وهو شوك كالعَوْسَج [[العوسج: هو شجر من شجر الشَّوك، وله ثمر أحمر مُدَوَّرٌ كأنه خرز العقيق. انظر "لسان العرب" 2/ 324 مادة: (عسج). وفي "تهذيب اللغة": "العوسج: شجر كثير الشوك، وهي ضروب، منها ما يثمر ثمرًا أحمر يقال له: المُصع". 1: 338 مادة: (عسج).]] [[ورد قول أبي إسحاق في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 242 بنصه.]].
وهذا معنى قول ابن عباس [في رواية عكرمة]، قال: شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج [[بياض في الحرف الأخير من الكلمة في (ع). وورد قوله في "جامع البيان" 29/ 135، و"النكت والعيون" 6/ 130، و"زاد المسير" 8/ 116، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 45، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 467، و"الدر المنثور" 8/ 319 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وعبد الله بن == أحمد في "زوائد الزهد"، وابن المنذر، والبيهقي في البعث: 305 - 306: ح: 551، و"المستدرك" 2/ 505 - 506، كتاب: التفسير تفسير سورة المزمل، وصححه، وضعفه الذهبي في التلخيص وقال: شبيب ضعفوه.]].
ثم أخبر متى يكون ذلك فقال:
(قوله تعالى) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]]: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ قال الزجاج: (يوم) منصوب معلق بقوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12)﴾ [المزمل: 12]
أي ينكل بالكافرين ويعذبهم يوم ترجف الأرض والجبال، أي تزلزل وتحرك أغلظ حركة [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 242. ولـ "يوم" أوجه أخرى في نصبها، فليراجع في ذلك "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري: 2/ 1247، و "الدر المصون" 6/ 407.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ قال (أبو زيد [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد له معنًى يقارب ما قاله الليث، وعبارته: قال: "كَثَب الطعام أكثبه كثبًا ونثرته نثرًا، وهما واحد". "تهذيب اللغة" 10/ 185 مادة: (كثب).]]، و) [[ساقط من (أ).]] الأصمعي [[ورد قوله في "تهذيب اللغة" 10/ 185 مادة: (كثب).]]: الكثيب: القطعة من الرمل تنقاد [[تنقاد: قال ابن منظور: "كل شيء من جبل أو مُسنَّاة كان مستطيلًا على وجه الأرض فهو قائد، وظهر من الأرض يقول وينقاد ويتقاود كذا وكذا ميلًا. القوداء: الطويلة، ومنه: رمل منقاد، أي: مستطيل". "لسان العرب" 3/ 371 مادة: (قود).]] مُحْدَوْدِبة [[مُحْدَوْدِبة: الحديث: حدور في صبب، كحدب الرِّيح والرَّمل. "لسان العرب" 1/ 301 مادة: (حدب). وقال ابن فارس: "الحاء والدال والباء: أصل واحد، وهو ارتفاع الشيء، فالحَدَب ما ارتفع من الأرض". "معجم مقاييس اللغة" 2/ 36 مادة: (حدب). وانظر: "المصباح المنير" 1/ 148 مادة: (حدب).]].
وقال الليث: الكثيب: نثر التراب، (أو الشيء) [[ساقطة من (أ).]] يرمي به [[قوله: يرمي به: بياض في (ع).]] [[وانظر قول الليث في "تهذيب اللغة" 10/ 185 (كثب)، و"لسان العرب" 1/ 702.]].
والفعل اللازم الكثيب ينكثب انكثابًا، وسمي الكثيب كثيبًا؛ لأن ترابه دقاق، كأنه مكثوب منثور بعضه على بعض لرخاوته.
وقال أبو إسحاق: الكثيب: جمعه الكثبان، وهي القطع العظام من الرمل، ومعنى "مهيلًا" سائلًا قد سيّلَ، يقال: تراب مهيل، ومهيول، أي مَصْبُوبٌ مُسيّل، والأكثرون في اللغة: المهيل، وهو مثل قولك: مكيل، ومكيول، ومدين، ومديون، وذلك أن (الياء) تحذف منه الضمة، فتسكن هي و (الواو) فتحذف (الواو) لالتقاء الساكنين [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 242 بيسير من التصرف.]]. (ذكره الفراء [["معاني القرآن" 3/ 198.]]، والزجاج [[كرر اسمه، انظر الهامش السابق رقم: 1.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
قال أبو عبيدة [[في (ع): أبو عبيد.]]: يقال لكل شيء أرسلته إرسالاً من رمل، أو تراب، أو طعام، ونحوه: قد هِلْتُه أهيله هيلاً، إذا أرسلته مجرى، وهو طعام مهيل [["مجاز القرآن" 2/ 273، وقد ورد قوله مختصرًا في المجاز، وعبارته قال: "كثيبًا مهيلًا من هِلته تهيله".]].
قال مقاتل في قوله: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ هو الرمل إذا حركته من تحته يتبع بعضه بعضًا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الكلبي: هو الرمل الذي إذا أخذت منه شيئًا [[قوله: (منه شيئًا بياض في (ع).]] تبعك آخره [[ورد معنى قوله عند الماوردي في "النكت والعيون" 6/ 130، و"معالم التنزيل" 4/ 410، وبمعناه أيضًا في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 46.]].
المزمل 73:15
قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ يعني أهل مكة. ﴿رَسُولًا﴾ يعني محمدًا -ﷺ- ﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ بالتبليغ وإيمان من آمن وأجاب، وامتناع من امتنع وعصى.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ وهو موسى عليه السلام.
قال مقاتل: إنما ذكر فرعون، وموسى دونَ سائر الأمم [[بياض في (ع).]] والرسل؛ لأن أهل مكة ازدرؤوا محمدًا [[قوله: (ازدرؤوا محمدًا) بياض في (ع).]] -ﷺ-، واستخفوا [[بياض في (ع).]] به؛ لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ازدرأ [[بياض في (ع).]] موسى؛ لأنه رباه، وولد فيما بينهم، وهو قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: 18]. [[ورد قول مقاتل في "تفسير مقاتل" 213/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 47.]]
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ الوبيل: الثقيل الغليظ جدًّا، ومنه قولهم: صار هذا عليه وبالاً، أي أفضى به إلى غاية المكروه، ومن هذا قيل للمطر [[بياض في (ع).]] العظيم: وابل، وكلأ مُستوبل [[غير مقروء في كلا النسختين.]]، إذا أن عاقبته إلى مكروه.
(قاله المبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 242، وعبارته: "الوبيل: الثقيل الغليظ جدًّا، ومن هذا قيل للمطر الغليظ العظيم: وابل".]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال أبو زيد: الوبيل: الذي لا يُسْتَمْرأ [["تهذيب اللغة" 15/ 386 مادة: (وبل)، وانظر: "لسان العرب" 11/ 720.]]، (وماء وبيل، ووخيم: إذا كان غير مري) [[ما بين القوسين من قول الأزهري، نقله عنه الواحدي من "تهذيب اللغة".]]. وقال المفسرون [[بياض في (ع). ومن المفسرين الذين قالوا بذلك: ابن عباس، ومجاهد، والسدي، والثوري. انظر: "جامع البيان" 29/ 37، و"النكت والعيون" 6/ 130، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 47، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 467، و"الدر المنثور" 8/ 320. وإلى هذا القول أيضًا ذهب السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 317، والثعلبي في "الكشف والبيان" 12/ 203/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 410، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 389، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 117.]]: أخذًا وبيلاً: شديدًا، يعني: الغرق. قاله الكلبي [["التفسير الكبير" 3/ 183.]]، وقتادة [[المرجع السابق، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 325، و"جامع البيان" 29/ 137، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 47، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 467.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 213 ب، و"التفسير الكبير" 3/ 183، قوله: (ومقاتل) ساقط من (أ).]].
يخوف أهل مكة بالعذاب، ثم خوفهم يوم القيامة:
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ﴾. (وفي الآية تقديم وتأخير [[و (¬11) و (¬12) بياض في (ع).]]، على تقدير: فكيف تتقون يومًا يجعل (¬11) الولدان شيبًا إن كفرتم، والمعنى على تقدير المضاف (¬12): أي عذاب يوم، أي: بأي شيء تتحصنون من عذاب ذلك اليوم) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج بتصرف. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 242. قال ابن جرير عن معنى التقديم والتأخير: "ذكر ذلك كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود". "جامع البيان" 29/ 127 وقال ابن كثير عند تفسير الآية: يحتمل أن يكون (يومًا) معمولًا لتتقون، كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود: فكيف تخافون أيها الناس يوم يجعل الولدان شيبًا إن كفرتم، ولم تصدقوا به. ويحتمل أن يكون معمولًا لكفرتم، فعلى الأول: كيف يحصل لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم، إن كفرتم، وعلى الثاني: كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة، وجحدتموه، وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى، والله أعلم. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 467.]]
﴿إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ قال قتادة: والله لا يتقي من كفر بالله ذلك اليوم [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 325، و"جامع البيان" 29/ 127، و"الجامع" للقرطبي 19/ 48، وبمعناه في "الدر المنثور" 8/ 320 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]].
قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾. وصف لهول ذلك اليوم الشديد، وهذا كما يقال: قد حدث أمر تشيب فيه النواصي، وشيب الصغير، مَثل للشدة العظيمة [[قال ابن جرير: "وقوله: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ يعني يوم القيامة، وإنما تشيب الولدان من شدة هوله وكربه". "جامع البيان" 29/ 137. إذا شيب الولدان ليس بمثل على هوله، وإنما حقيقة حكايته هول ذلك اليوم الذي يشيب له الصغير، فهو وصف حقيقة، وليس بمثل للشدة العظيمة. والله أعلم.]].
قال المفسرون [[قال بذلك: ابن مسعود، وخيثمة بن عبد الرحمن، وابن عباس.
انظر: "جامع البيان" 29/ 137، و"الدر المنثور" 8/ 321 وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه. وقال بذلك أيضا الثعلبي في "الكشف والبيان" جـ: 12: 203/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 410، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 49، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 467.]]: وذلك حين يقال لآدم: (قم فأبعث بعث النار) [[الحديث أخرجه البخاري 4/ 1967، ح 6530، في الرقاق، باب قوله عز وجل: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، من طريق أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يقول الله: يا آدم، فيقول: لبَّيْك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد ... " الحديث. كما أخرجه البخاري: 2/ 458 ح: 3348 كتاب الأنبياء، باب: 7. ومسلم 1/ 201 ح 379، كتاب الإيمان، باب 96. والترمذي في "سننه" 4/ 2258 ح: 2940، كتاب الفتن: باب 23، 5/ 322 ح: 3168، كتاب التفسير، باب 23، من طريق يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال عبد الله بن عمرو. والنسائي في "تفسيره" 2/ 474 ح: 649، من طريق الترمذي.]]
وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوُنَهَا﴾ [[سورة الحج: 2: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾، وقد جاء في تفسيرها " ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾: ترون تلك الزلزلة، ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾، أي: في ذلك اليوم، ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ تنسى وتترك كل والدة ولدها، يقال: ذهل عن كذا يذهل ذهولًا إذا تركه أو شغله عنه شاغل، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام، وهو قوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ يعني من هول ذلك اليوم، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا؛ لأن بعد البعث لا يكون حبلى، وعند شدة الفزع تلقي المرأة جنينها، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من شدة الخوف، ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب. هذا قول جميع المفسرين. والمعنى: ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم يضطربون اضطراب السكران من الشراب، يدل على صحة هذا قراءة من قرأ "وتُرى الناس" بضم التاء، أي تظنهم، ولكن عذاب الله شديد" دليل على أن سكرهم من خوف العذاب". نقلت المختصر من الوسيط في تفسير القرآن العزيز: 3/ 257 - 258، وما جاء فيه قد احتواه "البسيط" جـ: 4: 2/ أ - ب.]].
ثم وصف من هول ذلك اليوم، فقال: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾.
أي بذلك اليوم، يعني فيه. قاله الفراء [["معاني القرآن" 3/ 199.]]، وأبو حاتم [[لم أعثر على مصدر لقول أبي حاتم.]]، وهذا كما قال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1)﴾ ومعنى منفطر: منشق [[انظر مادة: (فطر) في "تهذيب اللغة" 13/ 325، و"الصحاح" 2/ 781، و"لسان العرب" 5/ 55، و"تاج العروس" 3/ 470.]]، (قال أبو عبيدة) [[ساقطة من (ع).]] قال أبو عمرو بن العلاء: السماء منفطر، ولم يقل: منفطرة؛ لأن مجازها مجاز السقف، تقول: هذا سماء البيت [[ورد قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 274 بنصه، وانظر قضايا المذكر والمؤنث في مجاز القرآن. د. السيد أحمد علي: 152.]].
وقال الفراء: (السماء تؤنث وتذكر، وهي -هاهنا- في وجوه التذكير، وأنشد [[البيت لامرأة من العرب. انظر شرح أبيات "معاني القرآن" 57، ش: 111.]]:
فلو رَفَع السماءُ إليه قومًا ... لَحِقْنا بالنجومِ مع السحاب [[ورد البيت في "معاني القرآن" 3/ 199، شرح أبيات "معاني القرآن" المرجع السابق، و"المذكر والمؤنث" للفراء 102 برواية: (بالسماء) بدلاً من (بالنجوم)، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: 367 رقم 383 برواية (بالسماء) بدلاً من (بالنجوم)، و"لسان العرب" 24/ 398، (سما)، و"تاج العروس" 10/ 182 (سما)، و"المذكر والمؤنث" لأبي عبيد: 153، إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم: لابن خالويه: 98، المخصص: لابن سيده: 17/ 22. وانظر أيضًا "المحرر الوجيز" 5/ 389، و"التفسير الكبير" 30/ 185، و"الجامع لأحكام القرآن " 19/ 50، و"الدر المصون" 6/ 459، و"البحر المحيط" 8/ 365، و"روح المعاني" 29/ 110. موضع الشاهد: "السماء" زعموا أنه أراد الجمع، فذكر، == وهو جمع: "سماءة" أو "سماوة"، وقال قوم: هي بمنزلة "العين" لا علامة تأنيث بها فجاز تذكيرها. انظر شرح أبيات "معاني القرآن" مرجع سابق. وأيضًا من وجوه أنها لم تؤنث الصفة: أنها على النسبة أي ذات انفطار، كمرضع وحائض. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 243. وهناك أوجه أخرى، انظر: "الدر المصون" 6/ 409 للاستزادة. وما بين القوسين من قول الفراء في "معاني القرآن" 3/ 199 بنصه. وانظر: "المذكر والمؤنث" للفراء 102.]]) قال أبو علي الفارسي: (﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾) [[(منطوبة) في كلا النسختين.]] ليس البخاري على الفعل، ولكن الذي للنسب، ويجوز أن تكون السماء جميعًا، فتكون من باب (الجراد المنتشر [[[القمر: 7] ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7)﴾.]])، و (الشجر الأخضر [[[يس: 80] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾.]])، و (أعجاز نخل منقعر [[[القمر: 20] ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20)﴾.]]) (ذكر ذلك في المسائل الحلبية [[لم أعثر على قول الفارسي في المسائل الحلبية، ولكن وجدت نحو قوله في كتابه: "التكملة" 354، قال: "وعلى النسب تأول الخليل قول الله -عز وجل-: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ كأنه قال: ذات انفطار، ولم يرد أن يُجريه على الفعل. ثم قال: وهذه التاء إذا دخلت على هذه الصفات الجارية على أفعالها لم يتغير بناؤها عما كانت عليه قبل، وذلك نحو: قائم، وقائمة، وضارب، وضاربة". وقد ورد قول أبي علي المذكور في المتن في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 50.]]) [[ما بين قوسين ساقط من (أ).]].
وقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾
قال مقاتل: يقول وعده بالبعث كائن [[غير واضحة في (ع).]] لابد [["تفسير مقاتل" 213/ ب.]].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾
قال مقاتل: يعني آيات القرآن [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تذكير وموعظة. ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، أي: بالطاعة والتصديق [[بياض في (ع).]].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [[قوله تعالى: (أدنى من ثلثي الليل) مطموس في (ع).]] قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 213/ ب.]]: أقلّ، كقوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [[(بالذي هو خير) ساقط من (ع).]] [البقرة: 61] [[قال الواحدي في تفسير "أدنى" البقرة: 90: "يحتمل أن تكون "أدنى" أفعل من الدنو، ومعناه: أتستبدلون الذي هو أقرب وأسهل متناولًا يشارككم في وجدانه كل أحد بالرفيع الجليل الذي خصكم الله، وبين الأثرة لكم به على جميع الناس".]]، وقد مَرَّ.
قوله تعالى: ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ (عطف على قوله: (أدنى [[بياض في (ع).]]) و (أدنى) في موضع نصب [[قرأ بالنصب في "ونصفَه وثلثَه" عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن كثير. انظر: "السبعة" 658، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 724، و"الحجة" 6/ 336، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 354، و"التبصرة" 713، و"تحبير التيسير" 194، و"البدور الزاهرة" 328.]]، والتقدير: تقوم أدنى من ثلثي الليل [[قرأ بجر "ونصفِه" أبو عمرو، ونافع، وابن عامر. انظر المراجع السابقة.]]، وتقوم نصفه وثلثه.
ومن قرأ بالجر [[ما بين القوسين من الحجة لأبي علي من غير عزو: 6/ 336 - 337 بتصرف.]] حمله على الحال في قوله: ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ والمعنى: أدنى من ثلثي الليل، ومن نصفه، وثلثه) [[بياض في (ع).]]، والوجه القراءة الأولى [[قال الفراء في قراءة النصب: وهو أشبه بالصواب. "معاني القرآن" 3/ 199. وقال الطبري: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. "جامع البيان" 29/ 140.]].
قال ابن عباس: يريد: وتقوم نصفه وثلثه [[لم أعثر على مصدر لقوله؛ غير أن لابن عباس ما يعضد أثره الحديث: أن ابن عباس بات ليلة عند ميمونة أم المؤمنين -وهي خالته- قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله -ﷺ- وأهلُه في طولها، فنام رسول الله -ﷺ- حتى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله -ﷺ- فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي ... " الحديث. صحيح مسلم: 1/ 526 - 527 ح: 182، صلاة المسافرين: باب 25. ورواه أبو داود في "سننه" 1/ 344، باب في صلاة الليل.]].
(وقال أبو الحسن: الذي افترض الثلث، وأكثر من الثلث [[ومعنى قوله: الذي افترض الثلث وأكثر من الثلث تفسير لمعنى أدنى من نصفه، وأدنى من ثلثه، وهو معنى من قرأ بالنصب.]]، والذين جروا كأن المعنى على قولهم: إنكم (لم) [[ساقط من (أ).]] تؤدوا ما افترض عليكم، فقمتم أدنى من ثلثي الليل، ومن نصفه، ومن ثلثه، وليس المعنى على هذا) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من "الحجة" 6/ 337 بتصرف.]].
وقال صاحب النظم: الأقل الذي افترض عليهم: الربع، لم ينقصوا من الربع على قول من قرأ بالجر [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 213/ ب.]]: يعني أصحابه الذين آمنوا به، كانوا يقومون معه ثلثًا ونصفًا.
﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (فيعلم مقدار ثلثه [[بياض في (ع).]]، ونصفه، وثلثيه [[في (أ): وثلثه.]]، وسائر أجزائه ومواقيته) [[و [[بياض في (ع).]] ما بين القوسين نقله الواحدي عن ابن قتيبة من "تأويل مشكل القرآن" 264.]].
ويعلم أنكم: ﴿لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك، والقيام فيه) (¬7).
قال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر الله به من قيام ما فرض عليه، فقال الله تعالى [[ورد قوله في "تفسير مقاتل" 213/ ب، 214/ أ، و "معالم التنزيل" 4/ 411 مختصرًا، و"التفسير الكبير" 30/ 186، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 51 - 52.]]: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [[انظر: "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري 2/ 1248، و"البيان في غريب إعراب القرآن" لابن الأنباري 2/ 472.]] و (أن) مخففة من الثقيلة على تقدير: أنكم لن تحصوه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ فعاد عليكم بالعفو والتخفيف.
قال ابن عباس: فعفا عنكم ما لم تحيطوا بعلمه (¬11).
وقال مقاتل: فتجاوز عنكم بالتخفيف [["تفسير مقاتل" 214/ أ.]].
﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ قال ابن عباس: يريد غير النبي -ﷺ-، فسقط عن أصحاب النبي -ﷺ- قيام الليل، وصار تطوعًا، وبقي ذلك فرضًا على رسول الله [[ورد قوله في "التفسير الكبير" 30/ 187.]] (ﷺ) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال مقاتل: فاقرؤوا ما تيسر عليكم في الصلاة من القرآن من غير أن يوقت شيئًا [["تفسير مقاتل" 214/ أ.]].
قال الحسن: يعني في صلاة المغرب والعشاء [["الكشف والبيان" 12/ 203/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 411، و"زاد المسير" 8/ 118، و"التفسير الكبير" 30/ 187، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 52، و"لباب التأويل" 4/ 325.]].
وقالت عائشة (رضي الله عنها) [[ساقط من (أ).]] في هذه الآية: صار قيام الليل تطوعًا بعد أن كان فرضًا [[رواية عائشة رضي الله عنها مخرجة في صحيح مسلم: 1/ 513 ح: 139 (746)، كتاب صلاة المسافرين: باب 18 من حديث طويل الشاهد فيه: أنبئيني عن قيام رسول الله -ﷺ- فقالت: ألست تقرأ: يا أيها المزمل؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله -عز وجل- افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله -ﷺ- وأصحابه حولًا وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة" الحديث. وأبو داود في "سننه" 1/ 337، باب في صلاة الليل. والنسائي في "سننه" 3/ 221 - 222 ح: 1600، == كتاب الصلاة، باب 2. وأيضًا النسائي في "تفسيره" 2/ 470 ج: 647 مختصرًا. والحاكم في "المستدرك" 2/ 504 مختصرًا جداً وصححه، ووافقه الذهبي في التلخيص. والبيهقي في "سننه" 2/ 703 ح: 4638، كتاب الصلاة، باب 593، و3/ 43 ح: 480 كتاب الصلاة، باب 643. وأحمد في "المسند" 6/ 53 - 54.]].
وروي عن الحسن [["جامع البيان" 29/ 141، و"المحرر الوجيز" 5/ 391، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 52 بمعناه.]] (والسدي [["جامع البيان" 29/ 141، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 203/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 52، و"فتح القدير" 5/ 321، وانظر: "تفسير السدي" 465.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] في تفسير: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أنه مائة آية. ثم عذرهم، وذكر عذرهم، فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ يعني فلا يطيقون قيام الليل. ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [[قوله (من فضل الله) ساقط من (أ).]] يعني المسافرين للتجارة يطلبون من رزق الله، فلا يطيقون قيام الليل. ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني المجاهدين لا يطيقون قيام الليل.
﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [[قوله (وآخرون يقاتلون في سبيل الله) ساقط من (ع).]] عليكم. ﴿مِنْهُ﴾ أي من القرآن.
وقال (عبد الله بن مسلم) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] بن قتيبة: رخّص لهم أن يقوموا ما أمكن وخفّ لغير مدة معلومة، ولا مقدار، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم نسخ بالصلوات الخمس.
(كذلك قال المفسرون [["تأويل مشكل القرآن" 264 - 265 بنصه نقله الإمام الواحدي. وقد عني بقوله: كذلك قال المفسرون: مقاتلًا؛ لأنه هو الذي قال: إن أول السورة نسختها الصلوات الخمس، وقد ذكر الرد على ذلك في موضعه فليراجع.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. قال مقاتل: يعني وأتموها لوقتها، فنسخ قيام الليل عن المؤمنين، وثبت على النبي [[في (ع): ثبت على المؤمنين خاصة. ولا يستقيم الكلام بها في هذا الموضع، فلعلها سهو من الناسخ، والله أعلم.]] -ﷺ- خاصة [["تفسير مقاتل" 214/ أ.]].
وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يريد هذه فريضة عليكم في محلها، وفي أوقاتها [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال ابن عباس: يريد سوى الزكاة من صلة الرحم، وقرى الضيف [["معالم التنزيل" 4/ 412، و"زاد المسير" 8/ 118، و"لباب التأويل" 4/ 325.]].
وقال مقاتل: يعني الزكاة [[بياض في (ع).]] يعطيها طيبة بها نفسه، وهو معنى قوله: (حسنًا) [["تفسير مقاتل" 214/ أ.]].
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ قال [[يعني به مقاتلًا.]]: يعني من صدقة فريضة كانت أو تطوع [[لم أعثر على مصدر قوله.]].
﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ قال [[يعني به مقاتلًا.]]: تجدوا ثوابه في الآخرة أفضل مما أعطيتم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال ابن عباس: تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا من الذي تؤخر إلى وصيتك عند الموت [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال أبو إسحاق: وما تقدموا لأنفسكم من طاعة تجدوه خيرًا عند الله لكم من متاع الدنيا [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 244 نقله عنه بتصرف.]]، (والقول ما قال ابن عباس [[قلت: الآية عامة في كل ما يقدمه العبد من خير في الدنيا أنه أعظم أجرًا، وما يؤخره من وصية عند الموت، فهو من الخير الذي يقدمه لآخرته. قال الإمام الطبري في تفسير الآية: "وما تقدموا أيها المؤمنون لأنفسكم من نفقة في وجوه الخير، أو عمل بطاعة الله من صلاة أو صيام أو حج أو غير ذلك من أعمال الخير في طلب ما عند الله تجدوه عند الله يوم القيامة في معادكم هو خيرًا لكم بما قدمتم في الدنيا، وثوابه أعظم من ذلك الذي قدمتموه لو لم تكونوا قدمتموه". "جامع البيان" 19/ 142.]]).
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[قوله: (إن الله غفور رحيم) ساقط من (أ).]]، أي: لذنوبكم، إن الله غفور الذنوب للمؤمنين، رحيم بهم. (قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 214/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 188.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال ابن عباس: غفور رحيم لمن لم يصر على ذنب [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
المدثر 74:1
أصله المُتَدَثِّر، وهو الذي يتدثر ثيابه، لينام أو ليستدفئ، يقال: تدثر بثوبه، والدِّثار: اسم لما يتدثر به، ثم أدغمت التاء في الدال، لتقارب [مخرجيهما] [[في (أ): مخرجيها: وغير واضحة في (ع)، ولعل الصواب ما أثبته.]] [[انظر: مادة: دثر في: "تهذيب اللغة" 14/ 88، ولعله نقله عن الأزهري بتصرف، وانظر أيضًا: "الصحاح" 2/ 655، و"لسان العرب" 4/ 276، و"المصباح المنير" 1/ 225.]]
قال ابن عباس: يريد [[في (ع): بياض.]] النبي -ﷺ- كان يتدثر فرقًا [[فرقًا: خوفًا وفزعًا، وسبق بيان ذلك في أول سورة المزمل.]] من جبريل [[قوله: من جبريل: بياض في (ع).]] -عليه السلام- [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال المفسرون [[ممن ساق هذه الرواية من المفسرين: عبد الرزاق في تفسيره: 2/ 327، والثعلبي، وعزاها إلى جابر بن عبد الله، و"الكشف والبيان" 12/ 24/ ب، و205/ أ. وانظر رواية جابر في: "صحيح البخاري" 3/ 328، ح 4954 التفسير: باب 96، ومسلم: 1/ 144 ح 257: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي، والنسائي في == "المجتبى" 5/ 428 ح 3325، وفي التفسير 2/ 476 ح 651، و"مسند الإمام أحمد" 3/ 306، ونص الرواية عن جابر كما جاء في الصحيح: عن يحيى بن أبي كثير، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾. فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله -ﷺ- قال: جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصُبُّوا علي ماء باردًا، قال: فدثروني وصبوا علي ماء باردًا، قال: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)﴾. و"زاد المسير" 8/ 120، و"المحرر الوجيز" 5/ 392، وانظر: "أسباب النزول" 330.]]: هذا من أوائل ما نزل من القرآن، ولما بدئ رسول الله -ﷺ- بالوحي أتاه [[بياض في (ع).]] جبريل، فرآه رسول الله -ﷺ- على سرير بين السماء والأرض [[بياض في (ع).]] كالنور المتلألئ، ففزع ووقع مغشيًّا [[مغشيًّا: غشي عليه غَشية وغشيا وغشيانًا: أغمي، فهو مَغْشي عليه. "لسان العرب" 15/ 127، مادة: (غشا).]] عليه، فلما أفاق دخل على خديجة، ودعا بماء فصبه عليه، وقال: دثروني (دثروني) [[ساقطة من: (أ).]]، فدثروه بقطيفة [[القطيفة: دثار مُخمل، والجمع قَطائف وقُطف.
انظر: مادة: (قطف): "الصحاح" 4/ 1417، و"المصباح المنير" 2/ 615.]]، فأتاه جبريل وهو متقنع [[متقنع: المقنع: المغطي رأسه. "لسان العرب" 8/ 301، مادة: (قنع).]] بالقطيفة فقال: يا أيها المدثر، قم فأنذر كفار مكة العذاب إن لم يوحدوا ربك.
قال ابن عباس: قم نذيرًا للبشر [["التفسير الكبير" 30/ 190.]].
المدثر 74:3
قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)﴾ قال الكلبي: فعظم مما تقول له عبدة الأوثان [[المرجع السابق.]].
وقال مقاتل: وربك فعظم، فقال النبي -ﷺ-: "الله أكبر كبيرًا"، فكبرت خديجة (رضي الله عنها) [[ساقط من: (ع).]]، وفرحت [[في (ع): خديجة، وهي زيادة في الكلام.]]، وعلمت أنه أوحي [[في (ع): الوحي.]] إليه [["تفسير مقاتل" 214/ ب برواية خرجت بدلاً من فرحت، و"التفسير الكبير" 30/ 19.]].
وقال أبو إسحاق: وربك فكبر، أي: صفْهُ بالتعظيم. قال: ودخلت الفاء على معنى جواب [الجزاء] [[الخبر في كلا النسختين، والمثبت من "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 245.]]، كما دخلت في (فأنذر)، والمعنى: قم فكبر ربك [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 245 بتصرف.]]، وكذلك ما بعده على هذا التأويل.
وقال أبو الفتح (الموصلي) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: يقال: زيدًا فاضرب، وعمرًا فاشكر، [وبمحمد امرر] [[وبمحمد فامرر. هكذا وردت في النسختين، وأثبت ما جاء في "سر صناعة الإعراب" لصوابه: 1/ 260.]]، وتقديره: زيدًا اضرب، وعمرًا اشكر، وبمحمد فامرر، وعلى هذا قوله [[في (أ): قولك.]]: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:3 - 5] ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 7] على تقدير حذف "الفاء" من كلها [["سر صناعة الإعراب" 1/ 260 نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف يسير.]]. فعنده أن "الفاء" زائدة.
قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ اختلف المفسرون في معناه، فروى عطاء عن ابن عباس قال: يعني من الإثم [["جامع البيان" 29/ 125، و"النكت والعيون" 6/ 36، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470، و"الجامع لأحكام القرآن" 9/ 62، و"الدر المنثور" 8/ 326، وعزا تخريجه إلى: عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
وانظر: "المستدرك" 2/ 506: كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر، وصححه، ووافقه الذهبي.]]، ومما كانت الجاهلية تجيزه. وهذا قول قتادة [[تفسير عبد الرزاق: 2/ 327، و"معالم التزيل" 4/ 413، و"زاد المسير" 8/ 120، و"الدر المنثور" 8/ 326 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، ومجاهد [["النكت والعيون" 6/ 136، و"زاد المسير" 8/ 120، و"معالم التزيل" 4/ 413.]]، قالا: نفسك فطهر من الذنب.
(ونحو هذا قال الشعبي [["الكشف والبيان" 12: 205/ ب، بنحوه، و"معالم التزيل" 4/ 413.]]، وإبراهيم [[المرجعان السابقان، وانظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 470.]]، والضحاك [["الكشف والبيان" 12/ 205/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 413.]]، والزهري [[المرجعان السابقان]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وعلى هذا القول: الثياب عبارة عن النفس: (والعرب تكني بالثياب عن النفس، ومنه قول الشماخ) [[ساقط من: أ، وذكر بدلاً من ذلك "قال"، والصواب ما جاء في نسخة: ع.]]:
رموها بأثواب خفاف فلا ... ترى لها شبهًا إلا النعام المنفرا [[ورد البيت منسوبًا للشماخ -ولم أجده في ديوانه- في مادة: (ثوب) في: "تهذيب اللغة" 15/ 154، و"لسان العرب" 1/ 246 ونسبه إلى امرئ القيس، ولم أجده في ديوانه، ونسب إلى ليلى الأخيلية وهو في ديوانها: 70، وفي: "تأويل مشكل == القرآن" 142، و"المعاني الكبير" 1/ 486، و"سمط اللآلي" 2/ 922، و"زاد المسير" 8/ 120، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 62، و"البحر المحيط" 8/ 371، و"روح المعاني" 29/ 117. ورواية كتب اللغة: (ولا ترى) بدلاً من (فلا ترى).
معنى البيت: عنت بالأثواب هنا الأبدان. ورموها: تعني الركاب بأبدانهم، وهي هنا تصف إبلًا. انظر: ديوانها: 70.]] يعي الركاب بأبدانهم) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 154، مادة: (ثوب)، وانظر أيضًا "لسان العرب"، و"تاج العروس". مرجعان سابقان.]].
(وقال عنترة:
فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيَابَهُ [[ورد البيت في: ديوان عنترة: 210 تح: محمد سعيد مولوي برواية: كَمَّشت بالرمح الطويل ثيابه، وهو في شرح المعلقات السبع: للزوزني: 124، و"أشعار الشعراء الستة الجاهليين" 2/ 125، و"الكشف والبيان" 12: 205/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 29/ 62. برواية: الطويل ثيابه، بدلا من الأصم ثيابه، و"روح المعاني" 29/ 117، و"المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى" للسمرقندي: 224 رقم 210. ومعنى البيت: الشك: الانتظام، الأصم: الصلب، يقول: فانتظمت برمحي الصلب ثيابه، أي طعنته طعنة أنفذت الرمح في جسمه وثيابه كلها. ثم قال: ليس الكريم محرمًا على الرماح، يريد أن الرماح مولعة بالكرام لحرصهم على الإقدام، وقيل: بل معناه أن كرهه لا يخلصه من القتل المقدر له. "شرح المعلقات السبع" 149.]]
يعني: نفسه، يدل عليه قوله في باقي البيت:
لَيْسَ الكريمُ على القنا بِمُحَرَّمِ (وقال [[لعله أراد بقوله: "قال" أي الثعلبي على أنه لم ترد رواية الكلبي عنده في "الكشف والبيان"، أو لعله عني بقوله: "قال" الفراء، فقد وردت بنحو من هذه الرواية عنده من غير عزو في: "معاني القرآن" 3/ 200.]] (في رواية الكلبي) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] يعني: لا تغدر فتكون غادرًا [[بياض في (ع).]] دنس الثياب [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال سعيد بن جبير: كان الرجل إذا كان غادرًا قيل: دنس الثياب، وإنه لخبيث الثياب [[بياض في (ع).]] [[ورد قوله في "الدر المنثور" 8/ 326 بعبارة أوجز، وعزا تخريجه إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وانظر: تفسير سعيد بن جبير: 360.]].
وقال عكرمة: لا تلبس ثوبك على معصية [[قوله: ثوبك على معصية: بياض في (ع).]] ولا على غدرة، ولا على فجرة [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 145، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 470 بمعناه.]]، وروي ذلك عن ابن عباس [["جامع البيان" 29/ 144 - 145، و"الكشف والبيان" 12/ 205/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 136، و"معالم التنزيل" 4/ 413، و"المحرر الوجيز" 5/ 393، ولم يذكر بيت الشعر، و"زاد المسير" 8/ 120، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 62، و"لباب التأويل" 4/ 327. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 470، و"الدر المنثور" 8/ 326. وعزا تخريجه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وابن مردويه.]]، قال [[أي الأزهري في التهذيب: 15/ 154، مادة: (ثوب)؛ لأن رواية ابن عباس بهذا النص وردت في التهذيب.]]: واحتج بقول الشاعر [[الشاعر هو: غيلان بن سلمة الثقفي.]]:
فإني بِحَمْدِ الله لا ثوبَ فاجرٍ [[في (ع): غادر.]] ... لَبِسْتُ ولا من خَزْيةٍ أتَقَنَّعُ [[ورد البيت منسوبًا إليه في: "المدخل" لعلم تفسير كتاب الله تعالى: 224 رقم 209، و"جامع البيان": 29/ 145 برواية (إني)، و"الكشف والبيان" 12: 255/ ب، و"المحرر الوجيز" 5/ 392، و"زاد المسير" 8/ 121، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 62، و"البحر المحيط" 8/ 271، برواية (إني)، و"غادر" بدلًا من "فاجر"، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470، و"الدر المنثور" 8/ 326، و"روح المعاني" 29/ 117 "فإني"، وورد غير منسوب في مادة (ثوب): انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 154، و"لسان العرب" 1/ 245، و"تاج العروس" 1/ 170، وكلها برواية "إني" و"غادر" بدلًا من فاجر، و"تفسير غريب القرآن" 495 برواية "إني" و"غادر"، و"النكت والعيون" 6/ 136، و"فتح القدير" 5/ 324.]]
وهذا المعنى أراد من قال في هذه الآية [[بياض في (ع).]]: وعملك فأصلح، (وهو قول أبي [[في (ع): ابن، والصواب ما أثبته.]] رزين [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 146، و"أحكام القرآن" للجصاص: 3/ 470، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 61، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470، و"الدر المنثور" 8/ 326، وعزا تخريجه إلى ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن المنذر.]]، ورواية منصور عن مجاهد [["جامع البيان" 29/ 146، و"الكشف والبيان" 12/ 205/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 136، و"الجامع لأحكام القرآن": 19/ 61، و"الدر المنثور" 8/ 326 وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد.]]، وأبي روق [[ورد قوله في: "معالم التنزيل" 4/ 413، برواية أبي روق عن الضحاك.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وقال السدي: يقال للرجل إذا كان [[بياض في: أ.]] صالحًا: إنه [[بياض في: أ.]] لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثياب [["الكشف والبيان" ج: 12: 205/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 413، و"الجامع لأحكام القرآن" 9/ 61، و"البحر المحيط" 8/ 371.]]
قال الشاعر [[لم أعثر على قائله.]]:
لاهُمَّ إنّ عامِرَ بنَ جَهْمَ ... أوْذَمَ حَجًّا في ثِيابٍ دُسْمِ [[ورد غير منسوب في مادة: (ذم): "الصحاح" 5/ 2050، و"لسان العرب" 12/ 199، و (دسم): 12/ 632، و (ثوب) في "تاج العروس" 1/ 170، و"غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 254، و"تأويل مشكل القرآن" 142، كتاب "المعاني الكبير" 1/ 480، و"الكشف والبيان" ج: 12: 205/ ب، و"المحرر الوجيز" 5/ 392، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 61، و"البحر المحيط" 8/ 371.
ومعنى البيت: أي أنه حج وهو متدنس بالذنوب، وأوذم الحج: أوجبه. وتدسيم الشيء: جعل الدسم عليه. وثياب دُسْم: وسخة. "لسان العرب" مادة: (دسم).]]
يعني أنه متدنس بالخطايا.
و [[في (أ): أو.]] كما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب، وصفوا الصالح بطهارة الثوب [[بياض في (ع).]]. قال امرؤ [[في (أ): امرئ.]] القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية [[شطره الثاني: وأوْجهُهُمْ عندَ المشاهد غُزَّان.
انظر: ديوانه: 169، دار صادر. وورد البيت في مادة: (ثوب) انظر: "تهذيب == اللغة" 15/ 154، و"لسان العرب" 1/ 246، و"تاج العروس" 1/ 170 برواية "بيض المشافر"، و"الكشف والبيان" ج: 12: 205/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 137 برواية "عند المشاهد غران"، و"الجامع لأحكام القرآن" 91/ 630، و"البحر المحيط" 8/ 371، وسائر المراجع "عند المسافر".
ومعنى البيت: الثياب: هنا القلوب. غران: الواحد الأغر الأبيض، ومعناه أن ثياب بني عوف طاهرة، وهنا الشاعر يمدح عويمر بن شجنة من بني تميم، ويمدح بني عوف رهطه. ديوانه. المرجع السابق.]] يريدون لا يغدرون بل يوفون) [[ما بين القوسين لعله نقله عن الثعلبي باختصار. "الكشف والبيان" 12/ 205 ب.]].
وقال الحسن: وخلقك فحسنه [["الكشف والبيان" 12: 206/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 413، و"زاد المسير" 8/ 121، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 63، و"البحر المحيط" 8/ 371، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470.]]، وهذا قول القرظي [[المراجع السابقة.]].
وعلى هذا: الثياب عبارة عن الخلق؛ لأنه خلق الإنسان يشتمل على أحواله اشتمال [[بياض في حرفه الأخير.]] الثياب على نفسه.
(وروي [[بياض في (ع).]] عن) [[ما بين القوسين ساقط في: أ.]] ابن عباس في هذه الآية: لا تكن ثيابك التي تلبس من تكسب غير طيب [[في (ع): طابات.]] [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 146، و"الكشف والبيان" ج: 12: 206/ أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 393، و"زاد المسير" 8/ 121، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 64، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470.]].
والمعنى: طهرها من أن تكون مغصوبة، أو من وجه لا يحل [[غير مقروء في (ع).]] اتخاذها من ذلك الوجه.
وروي عن سعيد بن جبير: وقلبك ونيتك فطهر [["الكشف والبيان" ج: 12: 205/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 413، و"زاد المسير" 8/ 121، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470، وانظر: تفسير سعيد بن جبير: 360.]].
(قال أبو العباس: الثياب: اللباس، ويقال: القلب [[ورد قوله في "تهذيب اللغة" 15/ 154 مادة: (ثوب).]]. وعلى هذا ينشد [[لامرئ القيس.]]:
فَسُلِّي ثيابي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ [[وصدر البيت: وإن تَكُ سَاءَتْكِ مني خَلِيقَةٌ
وقد ورد البيت في: ديوانه: 37 ط دار صادر، شرح المعلقات السبع: للزوزني: 19، وانظر مادة: (ثوب) في: "تهذيب اللغة" 1/ 154، و"لسان العرب" 1/ 246، و"تاج العروس" 1/ 170، و"النكت والعيون" 6/ 136، و"المدخل" 225 رقم: 213، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 62.
ومعنى البيت: أراد الشاعر بالثياب: القلب، فالمعنى على هذا القول: إن ساءك خلق من أخلاقي، وكرهت خصلة من خصالي، فردي علي قلبي أفارقك، أي استخرجي قلبي من قلبك يفارقه. ديوانه: المرجع السابق.]]) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري من "تهذيب اللغة" 15/ 154 (ثوب).]]
وذهب بعضهم في تفسير هذه الآية إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة، (وهو قول ابن سيرين [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 146، و"الكشف والبيان" ج: 12: 206/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 136، و"معالم التنزيل" 4/ 413، و"زاد المسير" 8/ 121، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 64.]]، وابن زيد [["جامع البيان" 29/ 147، و"الكشف والبيان" 12: 206/ ب بمعناه، و"النكت والعيون" 6/ 136، و"معالم التنزيل" 4/ 413، و"زاد المسير" 8/ 121، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 64.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وذكر أبو إسحاق: وثيابك فقصر، قال: لأن تقصير الثوب أبعَدُ مِنَ النجاسة، فإنه إذا انجرّ على الأرض لم يؤمَن أن يُصيبَه ما ينجسه [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 245 بيسير من التصرف.]]، وهذا قول طاوس) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
(وأخبرنا أبو الحسين الفسوي أن حمد بن محمد) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] أخبرني بعض أصحابنا [[لم أعرف من هو.]] عن (إبراهيم بن) محمد بن عرفة (النحوي) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] قال: معناه نساءك طهرهن [[ورد قوله في "التفسير الكبير" 30/ 193.]].
وقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس، قال الله عز وجل: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187] [[ما بين القوسين بياض في (ع).]]) [[انظر هذا القول في "الإيضاح" 1/ 183، و"الكشف والبيان" 12: 206/ أ.]].
ويكنى عنهن بالإزار [[المرجعان السابقان.]]، ومنه قول الشاعر [[لأبي المنهال نفيلة الأكبر الأشجعي، كما نص عليه صاحبا التهذيب واللسان.]]: ألا أبلغ أبا حفص رسولاً فدى [[في (أ): فدا.]] ... لك من أخي ثقة إزاري [[ورد البيت في: "تهذيب اللغة" 8/ 369: مادة (قصل)، و"لسان العرب" 4/ 17 مادة: (أزر)، و"الإيضاح" لأبي على 1/ 184، و"المدخل" 225 رقم 215.]]
أي أهلي، ومنه قول البراء بن معرور [[البراء بن مَعْرُور بن صخر بن خنساء بن سنان الخزرجي الأنصاري السلمي، أبو بشر، أمه الرباب بنت النعمان بن امرئ القيس، وهو أول من استقبل الكعبة للصلاة، وأول من أوصى بثلث ماله، وأول من بايع البيعة الأولى. مات قبل الهجرة، وصلى النبي -ﷺ- على قبره وكبر أربعًا. انظر: "الاستيعاب" 1/ 151: ت: 170، و"الإصابة" 1/ 149: ت: 619، سيرة النبي -ﷺ- لابن هشام 2/ 47 وما بعدها، و"المعجم الكبير" للطبراني 2/ 28: ت: 102.]] للنبي -ﷺ- ليلة العقبة [[بيعة العقبة: هي البيعة الثانية الكبرى التي اجتمع فيها ثلاثة وسبعون رجلاً من الأنصار، وامرأتان، في شعب العقبة، فبايعهم رسول الله -ﷺ- وقال: "تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة". فقاموا إليه وبايعوه على ذلك. انظر: قصة البيعة في سيرة النبي -ﷺ-: لابن هشام: 2/ 47 وما بعدها، و"السيرة النبوية" لابن كثير: تح مصطفى عبد الواحد 2/ 192، و"البداية والنهاية" لابن كثير 3/ 156.]]: "لنَمْنَعَنَّكَ مما نمنع منه [[قوله: مما نمنع منه: غير واضح في (ع).]] أُزُرَنا" أي نساءنا [["سيرة النبي" لابن هشام 2/ 50، و"السيرة النبوية" لابن كثير 2/ 198.]].
قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال جماعة المفسرين [[في (أ): قال المفسرون بغير ذكر: جماعة.]]: يريد عبادة الأصنام والأوثان. (وهو قول ابن عباس [["جامع البيان" 29/ 147 بمعناه، و"الكشف والبيان" 12: 206/ أبمعناه، و"النكت والعيون" 6/ 137، و"زاد المسير" 8/: 122، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 65، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470.]]، وجابر [["النكت والعيون" 6/ 137، و"المحرر الوجيز" 5/ 393، و"الدر المنثور" 8/ 327 وعزا تخريجه إلى ابن مردويه، والحاكم، ولم أجده عند الحاكم، بل وجدته في "البخاري" 3/ 317: ح: 4927: كتاب التفسير: باب 4: وثيابك فطهر.]]، ومجاهد [["جامع البيان" 29/ 147، و"الكشف والبيان" ج: 12: 206/ أبمعناه، و"معالم التنزيل" 4/: 413، و"المحرر الوجيز" 5/ 393، و"زاد المسير" 8/ 122، و"الجامع" للقرطبي 19/ 65، و"البحر المحيط" 8/ 371، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470.]]، وعكرمة [["الكشف والبيان" 12: 206/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 413، و"المحرر الوجيز" 5/ 393، و"زاد المسير" 8/ 122، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 65، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470، و"فتح القدير" 5/ 324.]]، وقتادة [[المراجع السابقة، وانظر أيضًا: "جامع البيان" 29/ 147.]]، والزهري [[المراجع السابقة عدا "جامع البيان"، وانظر: تفسير عبد الرزاق: 2/ 328.]]، وابن زيد [[المراجع السابقة عدا تفسير عبد الرزاق.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
قال قتادة [["جامع البيان" 29/ 147، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 65، وانظر: "الحجة" للفارسي: 6/ 338.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 214/ ب.]]: يعني أساف، ونائلة؛ صنمان عند البيت يمسح وجوههما من مر بهما من المشركين، أمر الله نبيه -ﷺ- أن يجتنبهما.
(وروى السدي عن أبي مالك قال: الشيطان والأوثان [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وقال [[في (ع): قال.]] الكلبي: يقول: المأثم فاترك، ولا تقربه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
"والرجز" معناه في اللغة: العذاب [[انظر مادة (رجز) في: "تهذيب اللغة" 10/ 610، معجم "مقاييس اللغة" لابن فارس: 2/ 489، و"لسان العرب" 5/ 349، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 245.]]، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: 134]، وغيره من الآيات [[سورة البقرة: 59: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)﴾.
"قال أهل اللغة: وأصل الرجز في اللغة: تتابع الحركات، ومن ذلك قولهم: "ناقة رجزاء" إذا كانت قوائمها ترتعد عند قيامها، ومن هذا: رجز الشعر؛ لأنه أقصر أبيات الشعر، فالانتقال من بيت إلى بيت سريع، أو لأن الرجز في الشعر متحرك، وساكن، ثم متحرك وساكن في كل أجزائه، فهو كالرعدة في رحل الناقة تتحرك ثم تسكن وتستمر على ذلك، فحقيقة معنى الرجز: أنه العذاب المقلقل لشدته قلقلة شديدة متتابعة.
ومن الآيات التي ورد فيها لفظ "الرجز" قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135)﴾ [الأعراف: 135].
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: 11].]].
(ويكون التقدير: وذا الرجز فاهجر، أي ذا العذاب، يعني: ما يؤدي إلى العذاب) [[ما بين القوسين نقله الواحدي بتصرف عن أبي علي. انظر: "الحجة" 6/ 338.]] من الإثم، (والشيطان) [[ساقط من: (أ).]]، والأوثان، (والشرك، وهو قول الضحاك [["الكشف والبيان" 12/ 206/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 413، و"زاد المسير" 8/ 122.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: أ.]].
ومن جعل الرجز -هاهنا- نفس العذاب لم يحتج إلى تقدير المضاف، وهو قول الفراء، قال: فسر الكلبي الرجز: العذاب [["معاني القرآن" 3/ 201.]].
وقرئ بضم الراء، وهما لغتان [[أي قراءة الكسر، وكذا الضم، وقرأ عاصم في رواية حفص: والرُّجز بضم الراء، والمفضل مثله. وقرأ الباقون، وأبو بكر عن عاصم: "والرِّجز" بكسر الراء.
انظر: "السبعة" 659، و"الحجة" 6/ 338، كتاب "التبصرة" 712، و"الوافي" 374.]]، والمعنى فيهما واحدة مثل الذَّكر والذكر. قاله الفراء [["معاني القرآن" 3/ 200 - 201.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 245.]]، وأبو علي [["الحجة للقراء السبعة" 6/ 338.]].
قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال ابن عباس: لا تعطى الناس شيئًا من مالك لتأخذ أكثر منه [["تفسير مقاتل" 214/ ب، و"جامع البيان" 29/ 148 بمعناه، و"النكت والعيون" 6/ 138، و"زاد المسير" 8/ 122، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 66، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470، و"الدر المنثور" 8/ 327 وعزا تخريجه إلى الطبراني، وهو في "المعجم الكبير" 12/ 128: ح 12672.
قال الهيثمي: رجال المسند رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني عطية العوفي، وهو ضعيف. انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 131.]].
وهذا قول مقاتل، ومجاهد [["جامع البيان" 29/ 149، و"بحر العلوم" 3/ 421، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470.]]، (وإبراهيم) [[المراجع السابقة عدا "بحر العلوم". وكلمة (إبراهيم) ساقطة من: (أ).]]، وقتادة [["النكت والعيون" 6/ 138، و"زاد المسير" 8/ 122، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 66، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470، و"فتح القدير" 5/ 325.]]، (وطاوس [["تفسير القرآن العظيم" 4/ 470.]]، وابن أبي بزهَ [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والضحاك [["جامع البيان" 29/ 148 بمعناه، و"بحر العلوم" 3/ 421 بمعناه، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470، و"الدر المنثور" 8/ 327 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] قالوا: لا تعط مالك مصانعة رجاء أفضل منه في الدنيا، لتعطي أكثر منه.
ومعنى: "لا تمنن": لا تعطِ، كقوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: 39]، و"تستكثرُ" بالرفع حال [متوقعة] [[مستوقعة: في كلا النسختين، والمثبت من "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246.]] أي: لا تعط شيئًا مقدرًا أن تأخذ بدله ما هو أكثر منه) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الزجاج 5/ 245 - 246 بتصرف يسير.]].
وقال أبو علي: هو مثل قولك: مررت [[في (ع): مرت.]] برجل معه صقر صائدًا به غدًا، أي مقدر الصَّيد، فكذلك يكون -هاهنا- مقدرًا الاستكثار. قال: ويجوز أن يحكى به حالاً آتيه، وليس في الجزم اتجاه في "تستكثر"، ألا ترى [[في (أ): ترا.]] أن المعنى ليس على أن لا تمنن تستكثر، إنما المعنى على ما تقدم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال الضحاك [["جامع البيان" 29/ 149، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"البحر المحيط" 6/ 312، و"الدر المنثور" 8/ 327 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، ومجاهد [["معالم التنزيل" 4/ 414.]]: كان هذا للنبي -ﷺ- خاصة.
قال أبو إسحاق: وليس على الإنسان [[قوله: على الإنسان: بياض في (ع).]] إثم أن يُهدي هدية يرجو بها ما هو أكثر منها، والنبي -ﷺ- أدبه الله بأشرف الآداب وأجل الأخلاق [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246 بنصه.]] -هذا كلامه-.
ومعناه: أن الإنسان قد يعطي ليثاب بأكثر من ذلك، فلا يكون له في ذلك مِنة ولا أجر. لأنه قصد بذلك الاستكثار وطلب الزيادة، فنهى الله عن ذلك [[بياض في (ع).]]، وأمره أن يقصد بما يعطي وجه الله [[قوله: وجه الله: بياض في (ع).]].
(قول الكلبي: أرِدْ به وجه الله [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]. ونحو هذا قال ابن أسلم: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك [[ورد قوله في: "الكشف والبيان" ج: 12: 207/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 9/ 66، و"فتح القدير" 5/ 325.]].
(هذا الذي ذكرنا قول جماعة أهل التأويل) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] -وذكرت أقوال سوى ما ذكرنا:
أحدها: لا تضعف أن تستكثر [[قوله: لا تستكثر: بياض في (ع).]] من الخير.
وروى عمرو عن أبيه: المنين من الرجال: الضعيف [[ورد قوله في: "تهذيب اللغة" 15/ 471: مادة: (منن).]]، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله "لا تمنن أن تستكثر" [[وردت قراءته في: "جامع البيان" 29/ 150، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"المحرر الوجيز" 5/ 393، و"البحر المحيط" 8/ 372.
وهذه قراءة من باب التفسير، وليست من القراءة القرآنية المتواترة، فهي قراءة شاذة لعدم صحة السند، ولعدم ورودها في الكتب المتواترة. والله أعلم.]]، (وهذا قول مجاهد [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 149، و"النكت والعيون" 6/ 138، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"المحرر الوجيز" 5/ 393، و"زاد المسير" 8/ 122، و"البحر المحيط" 8/ 372، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 370.]] في رواية خُصيف) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
القول الثاني: لا تمنن على الناس بنبوتك [[بياض في (ع).]]، فتأخذ (عليها) [[ساقطة من: (أ).]] منهم أجرًا تستكثر به، وهو قول ابن زبد [["جامع البيان" 29/ 149، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"زاد المسير" 8/ 122، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 471.]].
القول الثالث [[في (أ): الثاني، وهو خطأ.]]: لا تمنن على ربك بعملك فتستكثره، وهو قول الحسن [[المراجع السابقة، وانظر أيضًا: "النكت والعيون" 6/ 138، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 66، وهو الراجح عند الطبري.]]. وحكى الأزهري: لا تعط مستكثرًا ما أعطيت [["تهذيب اللغة" 15/ 471، مادة: (منن)، وعبارته الواردة عنه في التهذيب: "أي لا تعط شيئًا مقدرًا لتأخذ به ما هو أكثر منه".
وجاء في "الصحاح" المُنَّة: بالضم: القوة، والمنين: الحبل الضعيف، والمن: القطع: 6/ 2207، مادة: (منن).]].
قوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾:
قال عطاء عن ابن عباس: يريد على فرائض ربك [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الكلبي: فاصبر نفسك على عبادة ربك وطاعته [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: يعني على الأذى والتكذيب [["تفسير مقاتل" 214/ ب، و"فتح القدير" 5/ 325.]]، وهو قول مجاهد [["الكشف والبيان" ج: 12: 207/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 138، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 68، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 471، و"فتح القدير" 5/ 325.]].
وقال ابن زيد: أي: على ما حملت من محاربة العرب والعجم [[المراجع السابقة.]].
وعند زيد [[في (أ): ابن زيد.]] بن أسلم، وإبراهيم [[بياض في (ع).]]: إن هذه الآية متصلة المعنى بالأولى.
قال زيد: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك، واصبر حتى يكون هو يثيبك عليها [["الكشف والبيان" ج: 12: 207/ أ.]].
وقال (إبراهيم) [[إبرهيم: هكذا وردت في كلا النسختين.]]: اصبر لعطية ربك [[ورد قوله في "النكت والعيون" 6/ 138، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 470.]].
(الناقور) [[بين القوسين ساقط من: (أ).]]: الصور في قول جميع أهل اللغة [[انظر: مادة: (نقر) في كل من: "تهذيب اللغة" 9/ 97، و"الصحاح" 2/ 836، و"معاني القرآن" للفراء: 3/ 201، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج: 5/ 246.]] والتفسير [[قال بذلك: ابن عباس، والحسن، والشعبي، وقتادة، والضحاك، والربيع، والسدي، وابن زيد. انظر: "جامع البيان" 29/ 151 - 152، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 471.
وقد قال بذلك من أهل التفسير: الطبري في: "جامع البيان" 29/ 150، والثعلبي في: الكشف والبيان 12/ 207/ أ، وانظر أيضًا: "معالم التنزيل" 4/ 414، و"المحرر الوجيز" 5/ 393، و"زاد المسير" 8/ 123، و"تيسير الكريم الرحمن" 5/ 332، و"فتح القدير" 5/ 325.
ومن أهل الغريب: اليزيدي في: "غريب القرآن وتفسيره" 399، ومكي بن أبي طالب في: "تفسير المشكل" 363، والخزرجي في: "نفس الصباح" 744.
وقد أورد الماوردي قولين آخرين لمعنى الناقور:
أحدهما: أن الناقور القلب. قال: يجزع إذا دعي الإنسان للحساب؛ وعزاه إلى ابن كامل، وعزاه أيضًا ابن منظور إلى ابن الأعرابي.
والثاني: أن الناقور صحف الأعمال إذا نشرت للعرض.
انظر: "النكت والعيون" 6/ 138، و"لسان العرب" 5/ 231، مادة: (نقر). قال محقق الماوردي: والصواب الذي عليه أكثر المفسرين.
قلت: وهو الصحيح، فقول الإمام الواحدي بالإجماع نهج سلكه في تحقيق الإجماع، فما كان مخالفًا لأكثر المفسرين، وليس له وجه في اللغة، ولم يقل به أصحاب العربية فلا يراه شيئًا ، ولذا يحكي بالإجماع دون اعتبار لذلك القول المخالف، والله أعلم.]].
وهو فاعول، من النقر [[بياض في (ع).]] ينقر فيه للتصويت كالهاضوم من الهضم، والحاطوم من الحطم، والنقر: التصويت باللسان.
قال ابن عباس: الناقور: الصُّورُ [[في (أ): الصوت.]]، وهو قرن [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 151، و"النكت والعيون" 6/ 138، و"المحرر الوجيز" 5/ 393، وانظر: "صحيح البخاري" 4/ 194: كتاب الرقاق. باب 43.]].
وقال مجاهد: شيء كهيئة البوق [[البوق الذي ينفخ فيه وُيزمر، مُلْتَوي الخَرْق ينفخ فيه الطحان، فيعلو صوته فيعلم المراد به. "لسان العرب" 10/ 31: مادة: (بوق).]] [[ورد قوله في "جامع البيان" 29/ 151، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 68، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 471، و"الدر المنثور" 8/ 328، وعزاه إلى عبد بن حميد. وانظر: "صحيح البخاري" 4/ 194: كتاب الرقاق: باب 43.]].
قال مقاتل: يعني إذا انفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل [[إسرافيل: قال ابن حجر اشتهر أن صاحب الصور "إسرافيل" عليه السلام. ونقل فيه الحليمي الإجماع، ووقع التصريح به في حديث وهب بن منبه، وفي حديث أبي سعيد البيهقي، وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه، وكذا في حديث الصور الطويل. فتح الباري: 11/ 368.]] [["تفسير مقاتل" 214/ ب.]]. يعني: النفخة الثانية [[الذي يظهر أن إسرافيل ينفخ في الصور مرتين. الأولى: يحصل بها الصعق، والثانية: يحصل بها البعث. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68)﴾ [الزمر: 68]. والنفخة الثانية: هي النفخ بالصور كما قال تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51)﴾ [يس:49 - 51].
انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 581، و"اليوم الآخر: القيامة الكبرى" د. عمر الأشقر 39.]].
(وهو قول الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]. وقوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾
(يوم النفخ في الصور، وهو قوله: "يومئذ"، وهو في محل الرفع، إلا أنه بني مع "إذ" ويجوز أن كون نصبا على معنى فذلك يوم عسير في يوم ينفخ في الصور) [[ما بين القوسين من قول الزجاج نقله عنه الواحدي بتصرف. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246.]].
وقال أبو علي: "ذلك" إشارة إلى النقر، كأنه قال: فذلك النقر يومئذ يوم عسير، أي انقر [[في (ع): نقر.]] يوم عسير.
وقوله [[في (أ): قوله.]]: "يومئذ" على هذا متعلق بـ"ذلك"؛ لأنه مصدر، وفيه معنى الفعل فلا يمتنع أن يعمل في الظرف [["الدر المصون" 6/ 414، فقد ذكر أوجهًا أخرى لـ"يومئذ" فليراجع.]].
قال [[أي: أبو علي الفارسي.]]: ويجوز أن يكون "يومئذ" ظرفًا لقوله: "يوم"، ويكون "يومئذ" بمنزلة حينئذ، ولا يكون "اليوم"، الذي يعني به [[قوله: الذي يعني به: بياض في (ع).]] وضح النهار، ويكون اليوم الموصوف بأنه عسير خلاف [[قوله: عسير خلاف: بياض في (ع).]] الليلة، فيكون التقدير: فذلك اليوم يوم عسير حينئذ [[وهذا القول: من قوله: (ويجوز أن يكون "يومئذ" ظرفًا) إلى (يوم عسير حينئذ) هو ما ذهب إليه الزمخشري في الكشاف: 4/ 157.]].
فأما "إذا" في قوله: "إذا نقر" فالعامل فيه المعنى الذي دل عليه قوله: "يوم عسير" تقديره: إذا نقر في الناقور عسر الأمر وصعب [[ومن قوله: "فأما إذا" في قوله: "إذا نقر" إلى قوله: عسر الأمر وصحب: أحد أوجه العامل في "إذا". انظر: الدر المصون: 4/ 413، و"البيان في إعراب القرآن" لأبي البقاء العكبري: 2/ 1249.]]. كما أن ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [[سورة الفرقان: 22: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾.]] يدل على محزونون) [[ما بين القوسين من قول أبي علي الفارسي لم أعثر على مصدره]].
قال مقاتل: ثم أخبر عن عسرته فقال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)﴾
يقول: غير هين، ويهون على المؤمنين [["تفسير مقاتل" 214/ ب.]]، ونحو هذا قال ابن عباس؛ قال: يريد أن ذلك اليوم على المؤمنين سهل [["التفسير الكبير" 30/ 198 بمعناه.]]. وهذا يدل على صحة القول بفحوى الخطاب، حيث فهم ابن عباس، ومقاتل من عسرته على الكافر سهولته ولينه على المؤمن [[في (أ): المؤمنين.]].
المدثر 74:11
قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)﴾.
ذكرنا معنى هذا عند قوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [[سورة المزمل: 11.]].
قال مقاتل: يعني: خلِّ يا محمد بيني وبينه، فأنا أنفرد بهلكته [["تفسير مقاتل" 215/ ب، و"فتح القدير" 5/ 326.]]. والعائد إلى الموصول محذوف على تقدير: خَلَقْتُه.
وأجمعوا على أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة [[قال بذلك: ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد، والضحاك، ومقاتل، انظر: "تفسير مقاتل" 215/ ب، و"جامع البيان" 29/ 152. كما ذكر ابن جرير أنه ذكر أنه عني بالآية الوليد بن المغيرة. "جامع البيان" المرجع السابق.
كما ذكر ابن عطية أنة لا خلاف بين المفسرين في أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي. انظر: "المحرر الوجيز" 5/ 394، وحكى الإجماع الفخر الرازي في: "التفسير الكبير" 30/ 198.
وعزا القول إلى المفسرين كل من: الماوردي، والقرطبي. انظر: "النكت والعيون" 6/ 139، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 69، وإلى هذا القول ذهب عبد الرزاق، والسمرقندي، والثعلبي، والبغوي. انظر: تفسير عبد الرزاق: 2/ 328، و"بحر العلوم" 3/ 421، و"الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 414. والرواية كما وردت في "أسباب النزول" عن عكرمة عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي -ﷺ- فقرأ عليه القرآن، وكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فقال له: "يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً" قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا تتعرض لما قبله، فقال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً. قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له وكاره، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزها وبقصيدها مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه؟ قال: فدعني حتى أفكر فيه، فقال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)﴾ الآيات كلها.
انظر: "أسباب النزول" 381 - 382 تح: أيمن صالح، و"لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي 223، و"الصحيح المسند من أسباب النزول" للوادعي 225. وقال ابن خليفة عليوي في "جامع النقول في أسباب النزول وشرح آياتها" 2/ 323: إسناد صحيح على شرط البخاري، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 507 التفسير: باب تفسير سورة المدثر وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في: دلائل النبوة: 2/ 199. == قال الدكتور عصام الحميدان: أخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل. من طريق عبد الرزاق به، وإسناده صحيح، انظر: "أسباب النزول" للواحدي: تحقيقه 446.
وقال الوادعي في المسند الصحيح 225: رواه البيهقي عن الحاكم أبي عبد الله عن محمد بن علي الصنعاني بمكة عن إسحاق به، وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلًا. قال أبو عبد الرحمن: والظاهر ترجيح المرسل؛ لأن حماد بن زيد أثبت الناس في أيوب، وأيضًا معمر قد اختلف عليه فيه كما في دلائل النبوة، فالحديث ضعيف. والله أعلم.]].
وقوله: ﴿وَحِيدًا﴾ قال أكثر المفسرين، وأهل المعاني [["معاني القرآن" الفراء: 3/ 201، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246، و"الكشف والبيان" 12/ 207/ ب.]]: خلقته وحده لا مال له، ولا ولد، ولا زوجة، خلقته وحيدًا في بطن أمه. وهو قول (الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، و) [[ساقطة من: (أ).]] مجاهد [["جامع البيان" 29/ 152، و"النكت والعيون" 6/ 139، و"زاد المسير" 8/ 123، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 69.]]، و (مقاتل [["تفسير مقاتل" 215/ ب.]]) [[ساقط من: (أ).]] وقتادة [[تفسير عبد الرزاق: 2/ 329، و"جامع البيان" 29/ 152، و"الدر المنثور" 8/ 329 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، والجمهور [[وقال به ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" 496 وابن جرير في: "جامع البيان" 29/ 152، والسمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 421. كما ذهب إليه البغوي، وابن عطية، والخازن. انظر: "معالم التنزيل" 4/ 414، و"المحرر الوجيز" 5/ 394، لباب التأويل: 4/ 328.]].
(و) [[ساقطة من: (أ).]] على هذا: الوحيد من صفة المخلوق.
وذكر الفراء [["معاني القرآن" 3/ 201.]]، والكسائي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[في (ع) ورد هكذا: الكسائي والفراء.]]، (والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] وجهًا آخر وهو: أن يكون الوحيد من صفة الله -عز وجل- على معنى: ذرني ومن خلقته وحدي لم [[في (أ): لا.]] يشركني في خلقه أحد، أي فأنا أعلم به، وأقدر عليه.
وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: "وحيدًا"، قال: يريد الوليد بن المغيرة، وكان يقول: أنا الوحيد بن الوحيد، ليس (لي) [[ساقط من: (أ).]] في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، وكان يسمى الوحيد في قومه [[ورد قوله في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 69.]]، وهذا غير صحيح أنه لا يجوز أن يكون تفسيرًا لقوله: "خلقت وحيدًا"؛ لأن الله تعالى لا يصدقه في دعواه أنه وحيد، لا نظير له، فيقول: خلقته وحيدًا [[قوله: "وحيدًا" جاء على سبيل التهكم والسخرية؛ لا أن الله صدّقه بأنه وحيد. قال بذلك القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 69.
وقال الزمخشري: ولعله لقب بذلك -يعني وحيدًا- بعد نزول الآية، فإن كان ملقبًا به قبل، فهو تهكم به وبلقبه، وتغيير له عن الغرض الذي كانوا يؤمونه من مدحه والثناء عليه بأنه وحيد قومه لرياسته ويساره، وتقدمه في الدنيا إلى وجه الذم والعيب، وهو أنه خلق وحيدًا لا مال له ولا ولد، فآتاه الله ذلك، فكفر بنعمة الله وأشرك واستهزأ بدينه. "الكشاف" 4/ 157.]].
ثم ذكر أنه [[و [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] بياض في (ع).]] رزقه المال والولد (¬2)، وبسط عليه فقال: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ قال ابن عباس (في رواية أبي صالح) [[في (ع): من.]]: كثيرٌ في [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] كل شيء من المال [[المؤبلة: إذا كانت الإبل مهملة قيل: إبل أُبل، فإذا كانت للقُنية قيل: إبل مؤبَّلَة، أراد أنها كانت لكثرتها مجتمعة حيث لا يتعرض إليها. "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير: 1/ 16.]]، وفسره في رواية عطاء فقال: "مالاً ممدودًا" ما بين مكة إلى الطائف الإبل المؤبلة [[والخيل المسومة: هي التي عليها السِّيما، والسُّومة والسِّمة: العلامة، وقيل: الخيل المسومة: أي المرسلة وعليها ركبانها. انظر: المرجع السابق: 2/ 425، و"لسان العرب" 12/ 312 مادة: (سوم).]]، والخيل المسومة [[النعم المرحلة: أي عليها رِحالُها، والرَّحْل جمعه أرْحُل ورِحَالٌ، وهو مركب للبعير والناقة. "لسان العرب" 11/ 274 و277 مادة: (رحل).]]، والنعم المُرَحَّلَة [["معالم التنزيل" 4/ 414، و"التفسير الكبير" 30/ 198 - 199، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 70، و"لباب التأويل" 4/ 328.]]، وأجنة بالطائف، ومال عين كثير، وعبيد، وجوار [["تفسير مقاتل" 215/ ب، و"الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"زاد المسير" 8/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 70.]].
وقال مقاتل: يعني بستانه الذي بالطائف، كان لا ينقطع خيره، شتاء ولا صيفًا، كقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] [[المراجع السابقة، وانظر أيضًا: "معاني القرآن" للفراء 3/ 201، و"المحرر== الوجيز" 5/ 394، و"الدر المنثور" 8/ 329 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] يعني لا ينقطع.
ومن المفسرين من عين قدر ذلك المال، فروي عن مجاهد (¬11)، وسعيد بن جبير [[ورد قوله في: المراجع السابقة عدا "الدر المنثور".]]، أنهما قالا: ألف دينار.
وعن قتادة: بأربعة آلاف دينار [["الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"زاد المسير" 8/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 70.]].
وعن الثوري: ألف ألف دينار [[ورد قوله في: "الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 139، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 70، و"الدر المنثور" 8/ 329 وعزاه إلى عبد ابن حميد.]].
والأولى في الممدود أن يكون ما يمد بالزيادة والنماء، كالزرع، والضرع [[الضرع: هو ما يملكه الإنسان من الإبل والغنم، قال في اللسان: وما له زرع ولا ضرع: يعني بالضرع الشاة والناقة. انظر: "لسان العرب" 8/ 223: (ضرع).]]، والتجارة. قال أبو إسحاق: تفسيره غير منقطع عنه [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246 بنصه.]]. دليله ما روي عن عمر أنه قال في تفسيره: هو غلة شهر بشهر [[ورد قوله في: "الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 139، و"المحرر الوجيز" 5/ 394، و"زاد المسير" 8/ 124، و"الجامع" للقرطبي 19/ 70، و"الدر المنثور" 8/ 330 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.]].
وقال أهل المعاني: وصفه بأنه ممدود يقتضي هذا المعنى، وهو أن يكون له مدد يأتي شيئًا بعد شيء [[لم أعثر على مصدر لقولهم.]].
قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قال ابن عباس: كان له عشرة أولاد حضور بمكة، لا يسافرون [["تفسير القرآن العظيم" 4/ 471 وعبارته: كانوا عشرة]]
(وهو قول الكلبي [["بحر العلوم" 3/ 421.]]، ومجاهد، وقتادة [[عزاه لمجاهد وقتادة: "الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"المحرر الوجيز" 5/ 394، و"زاد المسير" 8/ 124، و"القرطبي" 19/ 70، و"ابن كثير" 4/ 471. وعزاه لمجاهد: "الطبري" 29/ 154، و"الرازي" 30/ 199.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر [["الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 140، و"المحرر الوجيز" 5/ 394، و"زاد المسير" 8/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 70، و"الدر المنثور" 8/ 329. وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر: تفسير سعيد بن جبير: تح إبراهيم النجار: 360.]].
وقال مقاتل: كانوا سبعة [["تفسير مقاتل" 215/ ب. وانظر: المراجع السابقة عدا النكت، والمحرر، والدر. وانظر: أيضًا: "بحر العلوم" 30/ 421.]].
(قال أبو إسحاق: أي شهود معه لا يحتاجون أن يتصرفوا ويغيبوا عنه [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246 بنصه.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]].
المدثر 74:14
قوله تعالى: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال مجاهد: في المال والولد [["جامع البيان" 29/ 154، و"النكت والعيون" 6/ 140، و"الدر المنثور" 8/ 329 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]].
وقال مقاتل: بسطت له في المال والولد بسطًا [["تفسير مقاتل" 215/ ب.]].
وقال الكلبي: مهدت له في المال الممدود [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
ومعنى التمهيد: تسهيل التصرف في الأمور، و [يدعو] [[في كلا النسختين: (أ)، و (ع): يدعا.]] بهذا فيقال: أدام الله تمهيده، أي: بسطته وتصرفه في الأمور [[أجل المهد: التَّوثير، يقال: مَهَدت لنفسي، ومَهِدت: أي جعلت له مكانًا وطيئًا سهلاً، ... وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها. انظر: مادة: (مهد) في: "تهذيب اللغة" 6/ 229، و"الصحاح" 2/ 241، و"لسان العرب" 3/ 410 - 411.]].
ومن المفسرين [[وهو قول الطبري في "جامع البيان" 29/ 154، والثعلبي في "الكشف" 12/ 207/ ب، والعبارة عنهما: بسطت له في العيش بسطًا، كما ذهب البغوي بمثل ما ذكر الواحدي. انظر: "معالم التنزيل" 4/ 414، وابن الجوزي في: "زاد المسير" 8/ 124، والقرطبي في "الجامع" 19/ 70، والخازن في: "لباب التأويل" 4/ 328.]]: من جعل هذا التمهيد البسط في العيش وطول العمر.
المدثر 74:15
قوله: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾.
قال صاحب النظم: "ثم": هاهنا - معناه للتعجب، كما تقول لصاحبك: أنزلتك [[في (أ): أنزلك.]] داري، وأطعمتك، وسقيتك، ثم أنت تشتمني، وهذا كقوله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [[بياض في (ع).]] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]﴾ [الأنعام: 1] الآية، فمعنى ثم - هاهنا- الإنكار والتعجيب [["التفسير الكبير" 30/ 199.]]
قال (الكلبي، و) [[ساقط من: (أ).]] مقاتل [["تفسير مقاتل" 215/ ب. المرجع السابق.]]: ثم يرجو [[يرجوا: هكذا في النسختين.]] أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي. وهو قوله: ﴿كلاَّ﴾:
قال ابن عباس: لا أفعل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وقال مقاتل: لا أزيده [["تفسير مقاتل" 215/ ب.]].
قال المفسرون [[وممن ذهب إلى هذا القول من المفسرين: ابن عباس في: "النكت والعيون" 16/ 140، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو مالك في "الدر المنثور" 8/ 329، وانظر: "تفسير سعيد بن جبير" 365. وقال به أيضًا السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 421 - 422، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 415، وعزاه الرازي إلى المفسرين، و"التفسير الكبير" 30/ 199. وقال به أيضًا الخازن، و"لباب التأويل" 4/ 328.]]: لم يزل الوليد في نقصان بعد قوله: "كلا".
(قال مقاتل) [[ساقط من: (أ).]]: حتى افتقر ومات فقيرًا [["تفسير مقاتل" 215/ ب، و"البحر المحيط" 8/ 373.]].
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال ابن عباس: معاند لكل ما جاء به محمد -ﷺ- [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: كان مجانبًا للقرآن لا يؤمن به [["تفسير مقاتل" 215/ ب، و"البحر المحيط" 8/ 373.]] وقال المبرد: عاند فهو عنيد، مثل: جالس فهو جليس، وضاجع فهو ضجيع [[الذي ورد عنه في "الكامل" بحاشية نسخة: أ: "يقال: رجل عنيد: إذا خالف الحق، وعاند الرجلُ الرجلَ معاندة وعنادًا إذا خالفه. والعند: ميلك عن الشيء، عند عنودًا، وطريق عاند: مائل، وناقة عَنُود، والجمع عُنُد وعُنَّد: إذا تنكبت الطريق من نشاطها. فَصَلُوا بين العنيد والعنود". الكامل: 3/ 1173 - 1174 حاشية.]]
وذكرنا تفسير "العنيد" فيما سلف [[ورد في سورة هود: 59، وسورة إبراهيم: 15، وسورة ق: 24، ومما جاء في تفسير: "العنيد" الوارد في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)﴾ [هود: 59]. "قال: والعنيد: الذي لا يقبل الحق، ولا يذعن له، من قولهم: عند الرجل يعند عنودًا، وعاند معاندة إذا أبى أن يقبل الشيء وإن عرفه.]].
المدثر 74:17
قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾:
قال الكلبي: سأكلفه صعودًا، وهو جبل من صخرة ملساء في النار، يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها أحدر [[أحدر: الحدر من كل شيء تحدره من علو إلى سفل. "لسان العرب" 4/ 172 (حدر).]] إلى أسفلها، ثم يكلف أيضًا أن يصعدها، فذلك دأبه أبدًا، يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع [[مقامع: سبق بيانها.]] الحديد، فيصعدها في أربعين سنة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 415، و"زاد المسير" 8/ 125، و"لباب التأويل" 4/ 328، وانظر: الوسيط: 4/ 382.]].
(ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لما ذكره.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، وهو قول أبي سعيد الخدري [[ورد قوله في: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 72. كما روي عنه مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- بمعناه، رواه عنه الحاكم في "المستدرك" 2/ 507. في التفسير: باب سورة المدثر، وصححه، ووافقه الذهبي، والإمام أحمد 3/ 75، ورواه الطبراني في الأوسط، وفيه عطية، وهو ضعيف انظر. "مجمع الزوائد" 7/ 131.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 216/ أ.]].
وقال أهل المعاني: سأحمله على مشقة من العذاب [[وهو قول الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246، وقال به أيضًا الليث، انظر مادة: (صعد) في "تهذيب اللغة" 2/ 9.]] مثل قوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: 17]، و"صعودًا" من قولهم: عقبة صعود وكؤود [[في (أ): كؤود وصعود.]]، أي شاقة المصعد [[انظر مادة: (صعد) في: "تهذيب اللغة" 6/ 9، و"لسان العرب" 3/ 251.]]. وهذا وعيد له، وإخبار عما يصنع الله به في الآخرة.
المدثر 74:18
قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ يقال: فكر في الأمر، وتفكر، إذا نظر فيه وتدبر [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 204 مادة: (فكر).]]، ومثله: "قدر".
وذلك أن الوليد مر برسول الله -ﷺ- وهو يقرأ قوله: ﴿حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: 1 - 3]، فسمعها الوليد، فلما رجع إلى قومه قال لهم: والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام [[قوله: ولا من كلام: بياض في (ع).]] الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة [[الطَّلاَوَة: الحسن والقبول، يقال: ما عليه طلاَوَة. "الصحاح" 6/ 2414 مادة: (طلا).]]، وإنه ليعلو [[ليعلوا: هكذا وردت في النسختين.]]، وما يعلى. فقالت قريش: صبأ [[صبأ: أي خرج من دين إلى دين، وهذا القول كان يقال للرجل إذا أسلم في زمن النبي -ﷺ-: قد صبأ. أي خرج من دين إلى دين. "تهذيب اللغة" 12/ 257 (صبأ).]] الوليد، والله لتصبون قريش كلها، فقال أبو جهل -لعنه الله-: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى دخل عليه. هذا قول مقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وعكرمة [[تفسير عبد الرزاق: 2/ 328، "جامع البيان" 29/ 156 بمعناه، و"ابن كثير" 4/ 472، و"الدر المنثور" 8/ 330 وعزاه إلى أبي نعيم في "الحلية" وابن المنذر.
كما وردت رواية عكرمة من طريقه إلى ابن عباس في "المستدرك" 2/ 556، في التفسير باب تفسير سورة المدثر، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر رواية عكرمة عن ابن عباس أيضًا في: "أسباب النزول" للواحدي: تح أيمن شعبان: 381، و"لباب النقول" للسيوطي: 223، و"جامع البيان" 29/ 156.
وعن مجاهد في: "جامع النقول في أسباب النزول" 2/ 323.
ورواه الطبراني مختصرًا، وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك. انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 131، وانظر: "لباب النقول" مرجع السابق.]].
وقال الكلبي: كان الوليد بن المغيرة قال لرؤساء مكة: إن الناس مجتمعون بالموسم غدًا، وقد فشا أمر هذا الرجل [[بياض في (ع).]] في الناس، وهم سائلوكم عنه، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نقول: إنه مجنون، قال لهم: إذًا يخاطبونه فيعلمون أنه غير مجنون، قالوا [[في (أ): قال.]]: فنقول: إنه شاعر. قال: هم العرب يعلمون الشعر، ويعلمون أن ما أتى به ليس بشعر. قالوا: فنقول: إنه كاهن. قال: إنهم قد لقوا الكهان، فإذا سمعوا قوله لم يجدوه يشبه الكهانة فيكذبونكم، ثم انصرف إلى منزله، فقالوا: صبأ الوليد، فقال ابن أخيه أبو جهل بن هشام بن المغيرة: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى دخل عليه محزونًا، فقال: مالك يا ابن أخي؟ فقال: إنك قد صبوت لتصيب من طعام محمد وأصحابه، وهذه [[في (أ): وهذا.]] قريش تجمع لك مالاً لتكون عوضًا فيما تقدر أن تأخذ من أصحاب محمد، فقال: والله ما يسمعوني [[في (ع): ما يشبهون.]]، فكيف أقدر أن أخذ منهم مالًا؟ ولكني أكثرت حديث النفس في أمر هذا الرجل، وتفكرت في شأنه، فقوله قول ساحر، والذي يأتي به سحر [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. فذلك قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾، قال ابن عباس: يريد في القرآن [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: في محمد، وقدر مع نفسه ماذا يقول له [["تفسير مقاتل" 216/ أ، وقد ورد مثل قوله من غير عزو في "بحر العلوم" 3/ 422.]]. فأنزل الله تعالى: ﴿فَقُتِلَ﴾ قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، (ومقاتل [["تفسير مقاتل" 215/ ب، 216/ أ.]]) [[ساقط من: (أ).]]، والمفسرون [[قال بذلك: الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246، والسمرقندي في: == "بحر العلوم" 3/ 422، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12: 209/ أ، والبغوي في: "معالم التنزيل" 4/ 416، وابن الجوزي في: "زاد المسير" 8/ 125، والقرطبي في: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 73.]]: لُعن؛ وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [[سورة الذاريات: 10، ومما جاء في تفسيرها: قال الواحدي: "قال جماعة المفسرين، وأهل المعاني: لعن الكذابون. قال ابن الأنباري: هذا تعليم لنا الدعاء عليهم، معناه قولوا: إذا دعيتم عليهم: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10)﴾ قال: والقتل إذا أخبر عنه الله به كان بمعنى اللعنة.]] و ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: 30].
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال صاحب النظم: يجوز أن يكون هذا منتظمًا بما قبله على معنى: فلعن علي أي حال قدر ما قدر، كما يقال في الكلام: لأقتلنه كيف صنع، أي على أي حال كانت فيه.
ويجوز أن يكون منقطعًا بما قبله مستأنفًا؛ لأنه لما قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ﴾، كان هذا تمامًا، ثم قال على الإنكار، والتعجب [[في (ع): التعجيب.]]: ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾، كما تقول [[في (ع): يقال.]] للرجل إذا أتى منكرًا: كيف فعلت هذا [[ورد قول صاحب النظم في الوسيط: 4/ 383 إلى قوله: على أي حال كانت فيه.]].
وقوله: ﴿ثُمَّ قُتِلَ﴾، أي عوقب بعقاب آخر.
﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ في إبطال الحق، تقديرًا آخر. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، أي في طلب ما يدفع به القرآن ويرده. قال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 216/ أ، و"النكت والعيون" بمعناه: 6/ 142، والعبارة عنه: "إنه نظر إلى الوحي المنزل من القرآن".]]: خلا، فنظر، وتفكر فيما يقول لمحمد -ﷺ- والقرآن.
﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قال مقاتل: كلح [[الكلُوح: العبوس، يقال: كَلَحَ الرجل، وأكْلَحَهُ الهمُّ. النهاية في "غريب الحديث" 4/ 196.]] وتغير لونه [["تفسير مقاتل" 216/ أ.]].
وقال أبو عبيدة: كره وجهه، وأنشد (قول) [[ساقطة من: (أ).]] توبة [[توبة هو: توبة بن الحمير، من بني عُقَيْل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكان شاعرًا لصًّا، واحد عشاق العرب المشهورين. انظر: "الشعر والشعراء" 289.]]
وقَدْ رَابَني مِنها صُدُودٌ [[صدودًا: في كلا النسختين.]] رَأيْتُهُ ... وإعْراضُها عَنْ حَاجَتي وبُسُورُها [[في (أ): نشورها.]] [[ورد البيت في "جامع البيان" 29/ 156، و"النكت والعيون" 6/ 142، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 74 برواية "صدود"، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 472، و"فتح القدير" 5/ 327، و"الجامع" و"فتح القدير" لم ينسباه.
وكلام أبي عبيدة في: "مجاز القرآن" 2/ 275.]]
وقال [[في (أ): قال.]] أبو إسحاق: نظر بكراهة شديدة [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 247 بنصه.]].
قال الليث: (عَبَس يَعْبِسُ فهو عَابس، إذ قطَّب ما بين عينيه، فإن أبدى [[في (أ): أبدأ.]] عن أسنانه في عبوسته، قيل: كلح [[بياض في (ع).]]) [[ما بين القوسين من كلام الليث. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 115: (عبس) بتصرف.]]، فإن اهتم لذلك وفكر فيه، قيل [[بياض في (ع).]]: بسر [[البَسْرُ: القهر، وبسر يبسر بسرًا وبُسُورًا: عبس. وبسر الرجل وجهه بسورًا، أي: كلح. "لسان العرب" 4/ 58: مادة: (بسر).]]، فإن غضب مع [[بياض في (ع).]] ذلك قيل: بسل [[البسل: الكريه الوجه. انظر: معجم "مقاييس اللغة" 1/ 249: مادة: (بسل).]].
وقال [[في (أ): قال.]] الكلبي: مر الوليد على [[قوله: مر الوليد على: بياض في (ع).]] أصحاب رسول الله -ﷺ- وهم جلوس [[بياض في (ع).]]، فقالوا: هل لك إلى خير الإسلام؟ فعبس في وجوههم وبسر، ثم ولى مستكبرًا وقال: ما يقول صاحبكم إلا [[في (أ): ألا.]] سحرًا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، فذلك قوله:
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ (إلى أهله مكذبًا) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]. ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ تعظم عن الإيمان.
وقال مقاتل: أدبر عن الإيمان [[قوله: أدبر عن الإيمان: غير واضحة في (ع).]]، وتكبر حين دعي إليه [["تفسير مقاتل" 215/ ب. قال: أعرض عن الإيمان.]].
﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾، ما هذا القرآن [[بياض في (ع).]] ﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، يأثره محمد عن مسيلمة [[روى هذا القول الثعلبي بصيغة "قيل" انظر: "الكشف والبيان" 12/ 209/ أ.]].
وقال الكلبي: يأثره عن أهل بابل [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد أورده الثعلبي بصيغة "قيل" من غير عزو.]] [[بابل: مدينة قديمة بأرض الرافدين، كانت قاعدة إمبراطورية بابل، وتقع على الفرات إلى الشمال من المدن التي ازدهرت في جنوب أرض الرافدين منذ الألف الثالثة ق. م. وعند ياقوت الحموي أن بابل اسم ناحية منها: الكوفة، والحِلة؛ ينسب إليها السحر. وقيل: بابل العراق، وقيل غير ذلك.
انظر: "معجم البلدان" 1/ 309، و"الموسوعة العربية الميسرة" 1/ 196.]].
قالا [[لعله أراد مقاتلًا والكلبي.]]: قال الوليد لقومه لما سألوه عن قوله في محمد بعد ما تفكر ونظر: إن محمدًا ساحر، والذي يقوله سحر، ألا ترونه كيف فرق بين فلان وأهله، وبين فلان وابنه وأخيه؟ فذلك قوله: ﴿إنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ وهو من قولهم: أثرت الحديث أثرًا، إذا حدثت به عن قوم في آثارهم، أي: بعد ما ماتوا. هذا هو الأصل، ثم صار بمعنى الرواية عمن كان، والإخبار، ومنه حديث عمر -رضي الله عنه-: "فما حلفت بها ذاكرًا ولا آثرًا" [[ورد قوله في "غريب الحديث" لأبي عبيد 3/ 427 رقم 511، و"غريب الحديث" لابن الجوزي 1/ 10، و"الفائق" للزمخشري 1/ 23، و"مسند الإمام أحمد" 1، 36، ج: 12/ 7 - 8، و"البخاري" 3/ 218 ح: 6647: "كتاب الأيمان" باب 4، و"صحيح مسلم" 1266/ 3 ح: 2: "كتاب الأيمان" باب 1.
ونص الحديث كما هو عند البخاري: "قال ابن عمر: سمعت عمر يقول: قال لي رسول الله -ﷺ-: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي -ﷺ- ذاكرًا ولا آثرًا".
ومعنى قوله: "ذاكرًا" أراد متكلمًا به -وليس من الذكر بعد النسيان- وقوله: "ولا آثرًا" يريد مخبرًا عن غيري أنه حلف بقول: لا أقول إن فلانًا قال: وأبي لا أفعل كذا وكذا.
انظر (أثر) في: "تهذيب اللغة" 15/ 12، و"معجم مقاييس اللغة" 1/ 53 - 54.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: يؤثر على جميع السحر [[لم أعثر على مصدر لما ذكره.]]. وعلى هذا هو من الإيثار.
قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، يعني مسيلمة، أو أهل بابل في قول الكلبي.
وقال مقاتل: يعني يسارًا أبا فكيهة، قال: هو الذي يأتيه به من مسيلمة [["تفسير مقاتل" 215/ ب.]].
وقال عطاء: يريد آية [[في (أ): أيمة. لم أعثر على مصدر لقوله.]] الشعر [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، أو المعنى: أنه كلام الإنس، وليس من الله.
قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (أي سأدخله النار، وسقر: اسم من أسماء جهنم. لا ينصرف للتعريف والتأنيث) [[ما بين القوسين نقله الزجاج من "معاني القرآن وإعرابه" بتصرف: 5/ 247.]].
قال ابن عباس: وهي الطبق السادس من جهنم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
ثم ذكر عظم [[في (ع): عظيم.]] شأن سقر فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ (تأويله: وما أعلمك أي شيء سقر) [[ما بين القوسين نقله بنصه عن الزجاج من: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 247.]].
ثم أخبر عنها تعظيمًا لشدتها فقال: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: لا تبقيه حتى تصير فحمًا، ثم تعاد خلقًا جديدًا، فلا تذره حتى يعود عليه بأشد مما كانت -هكذا- أبدًا [[بمعناه في: "التفسير الكبير" 30/ 202.]].
وقال الكلبي: لا تبقي له لحمًا إلا أكلته، ولا تذرهم [[قوله: إلا أكلته ولا تذرهم: بياض في (ع).]] إذا أعيدوا خلقًا جديدًا [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد أورده الواحدي في الوسيط من غير عزو: 4/ 384.]].
وقال مقاتل: لا تبقي النار عليهم إذا واقعتهم حتى تأكلهم، ولا تذرهم إذا بدلت جلودهم حتى تواقعهم [["تفسير مقاتل" 216/ أ.]].
وقال الضحاك [[بياض في (ع).]]: إذا أخذت فيهم لم تبق منهم [[في (أ): فيهم.]] شيئًا [[بياض في: ع.]]، وإذا أعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم [[ورد قوله في "الكشف والبيان" ج: 12: 209/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 416.]].
وقال السدي: لا تبقي لهم لحمًا ، ولا تذر [[بياض في (ع).]] لهم عظمًا [["الكشف والبيان" ج: 12: 209، و"معالم التنزيل" 4/ 416.]].
قوله تعالى [[ساقطة من: (ع).]]: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾
قال الليث: (لاحه العطش ولوَّحه إذا غيره، والتاح إذا عطش [[إذا عطش بياض في (ع).]]، ولاحه البرد، والسُّقم، والحزن، وأنشد غيره [[بياض في (ع).]]:
ولم يَلُحْها حزنٌ على ابنمٍ ... ولا أخ ولا أبٍ [[ولا أب ولا أخ: هكذا وردت في (ع).]] فَتَسْهُمِ [[البيت غير منسوب. وقد ورد تحت مادة: (لوح) في: "تهذيب اللغة" 5/ 248، و"لسان العرب" 2/ 585، و"تاج العروس" 2/ 219 غير منسوبة في جميعها.]]) [[ما بين القوسين نقلاً عن "تهذيب اللغة" 5/ 248 (لوح).]]
قال أبو عبيدة: ﴿لَوَّاحَهٌ﴾ مغيِّرَةٌ، وأنشد [[غير منسوب.]]:
(يا بنت عمِّي لاحَني الهواجر [[والبيت كما هو عند القرطبي:
تقول ما لاحك يا مسافر ... يا ابنة عمي لاحني الهواجر
"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 76، و"الكشف والبيان" 12/ 29/ أبرواية (السمائم) بدلا من (الهواجر)، و"المحرر الوجيز" 5/ 396، و"زاد المسير" 8/ 126، و"روح المعاني" 29/ 125 برواية: يا ابنة، وكلها من غير نسبة.]]) [[ما بين القوسين من قول أبي عبيدة في: "مجاز القرآن" 2/ 275 بيسير من التصرف.]]
والبشر: جمع بشرة، وهي الجلد [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 247.]].
قال الكلبي: يعني تسود بشرة من يطرح فيها [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال [أبو رزين] [[أبو زيد: في كلا النسختين. قلت: ولعله تصحيف من الناسخ، وأثبت ما رأيت صحته، وذلك لورود نص القول عن أبي رزين في: الوسيط: المقبوض، والبسيط: تح رأفت عفيفي، و"جامع البيان"، والله أعلم.]]: يلفح الجلد لفحة فتدعه أشد سوادًا من الليل [[لم أعثر على مصدر قول أبي زيد، وقد ورد القول بنصه عن أبي رزين في "جامع البيان" 29/ 159، وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 473. وروي أيضًا عن مجاهد في: "الكشف والبيان" 12/ 209/ أ.]].
وقال مقاتل: يعني حراقة [[بياض في بعض الحروف في (ع).]] الجلد [["تفسير مقاتل" 216/ أ.]].
وقال غيره: محرقة للجلد [[وهو قول ابن عباس وزيد بن أسلم والضحاك، انظر: "جامع البيان" 29/ 159، و"الكشف والبيان" 12/ 209/ أ - ب، و"المحرر الوجيز" 5/ 395.]] -وهو معنى، وليس بتفسير-، أي أنها خرق الجلد فتغيره حتى يسود.
وقال عطاء عن ابن عباس: يلوح لأهلها من مسيرة خمسمائة عام [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 76.]].
(وهذا قول الحسن [[بهذا المعنى جاء في "الكشف والبيان" 12/ 209/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 416، كما ورد قوله في: "المحرر الوجيز" 5/ 396، و"الجامع" للقرطبي 19/ 96.]]، وابن كيسان [[المراجع السابقة.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
ولواحة على هذا القول: من لاح الشيء يلوح إذا لمع نحو [[بياض في (ع).]] البرق [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 248: مادة، (لوح).]].
و ﴿البَشَرِ﴾ ليس المراد بها الجلود، وإنما معناها الناس.
قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَر﴾ قال المفسرون: يقول على النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها، مالك ومعه ثمانية عشر ملكًا [[حكاه الثعلبي عن أكثر المفسرين: "الكشف والبيان" ج: 12: 209/ ب، كما قال بذلك أيضًا البغوي في: "معالم التنزيل" 4/ 417، والخازن 4/ 329.]]، أعينهم كالبرق [[البرق: لمعان السحاب، يقال برق، وأبرق، وبرق، يقال في كل ما يلمع نحو: سيف بارق وبَرِق وبَرَق. المفردات: 43: مادة: (برق).]]، وأنيابهم كالصياصي [[الصياصي: أي قرون البقر، واحدتها صيصة -بالتخفيف-، والصيصة أيضًا: الوتد الذي يقلع به التمر، والصِّنَّارة التي يغزل بها وينسج. "النهاية في غريب الحديث والأثر": 3/ 67.]]، وأشعارهم تمس (أقدامهم) [[ساقط من: (أ).]] يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يسع كف أحدهم مثل ربيعة [[ربيعة: حي من مضر من العدنانية، وهم بنو ربيعة بن نزار بن مضر، وتعرف بربيعة الحمراء، وديارهم ما بين اليمامة والبحرين والعراق. انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي: 242، و"جمهرة أنساب العرب" لابن حزم: 292.]]، ومضر، نزعت منهم الرأفة والرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفا، فيرميهم حيث أراد من جهنم [[أورد هذه الرواية مقاتل في تفسيره: 216/ أ. كما وردت الرواية من طريق ابن جريح مرفوعة وذلك عند الثعلبي في "الكشف والبيان" ج: 12: 209/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 77، كما رويت بالمعنى في: "بحر العلوم" 3/ 422، و"معالم التنزيل" 4/ 417، الكشاف: 4/ 159، و"زاد المسير" 8/ 126، وساق رواية الواحدي الفخر في: "التفسير الكبير" 35/ 203، و"لباب التأويل" 4/ 329.]].
قالوا [[أي المفسرون، وممن قال بذلك: ابن عباس، وقتادة، والضحاك، انظر: "جامع البيان" 29/ 159، و"الكشف والبيان" ج: 12: 209/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 145، و"معالم التنزيل" 4/ 417، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 79، و"الدر المنثور" 8/ 333.]]: ولما نزلت هذه الآية، قال اللعين أبو جهل: أما لمحمد من الأعوان إلا تسعة عشر، يخوفكم بتسعة عشر، وأنتم الدهم [[الدهم: العدد الكثير. النهاية: 2/ 145]]، أفتعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد [[بياض في (ع).]] منهم، ثم يخرجون من النار؟ فقال أبو الأشدين [[ورد عند الثعلبي: أبو الأسد بن كلدة بن خلف بن أسد الجمحي. "الكشف والبيان" ج: 209: 12/ ب، وكذا في "معالم التنزيل" 4/ 417، وعند الماوردي: أبو الأشد بن الجمحي، و"النكت والعيون": 6/ 145، وعند ابن عطية: أبو الأشدي الجمحي. المحرر: 5/ 396، وعند ابن كثير: أبو الأشدين كلدة بن أسيد بن خلف. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 474.]] -وهو رجل من بني جمح [[بنو جمح: هم بطن من العدنانية، وهم بنو جمح بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي. انظر: "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" للقلقشندي: 1/ 407، و"معجم قبائل العرب" 2/ 202.]] -: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة فأنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عنكم عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر [[غير مقروء في (ع).]]، ونمضي فندخل [[غير مقروء في (ع).]] الجنة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾
قال (أبو بكر) [[ساقط من: (أ).]] بن الأنباري: لما أنزل الله تعالى قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل [[بياض في (ع).]] وأبو الأشدين ما قالا، قال المسلمون: عس [[غير مقروء في النسختين.]] الملائكة إلى الحدادين [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
والمعنى: عس [[غير مقروءة في النسختين.]] الملائكة إلى السجَّانين من النار، والحداد: السجان الذي يحبس الناس، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾، يعني خزانها.
"إلا ملائكة" أي: فمن يطيق الملائكة، ومن يغلبهم.
﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾، أي: عددهم في القلة، وقال مقاتل: قلتهم [["تفسير مقاتل" 216/ ب، وقد ورد عن الفراء مثله. انظر: "معاني القرآن" 3/ 204.]].
﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال ابن عباس: يريد ضلاله لهم حتى قالوا ما قالوا [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 79 بنحوه.]].
وقال أبو إسحاق: أي محنة؛ لأن بعضهم قال: أنا أكفي هؤلاء [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 248 بيسير من التصرف.]].
والمعنى: جعلنا هذه العدة محنة لهم؟ ليظهروا ما عندهم من التكذيب [[قوله: من التكذيب: بياض في (ع).]].
قوله [[في (ع): فقال.]]: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال ابن الأنباري [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 346، نقله عنه بالمعنى.]]؛ لأن عدد الخزنة في كتابهم [[بياض في (ع).]]، فيستيقنوا صدق محمد -ﷺ-، موافقًا [[في (ع): موافق.]] لما في كتابهم؛ لأنه إذا أخبر بذلك على وفق [[قوله: على "وفق" بياض في (ع).]] ما عندهم من غير أن [يقرأ] [[في النسختين: قرأ، والصواب ما أثبته لاستقامة المعنى به والله أعلم.]]، كتابًا دل ذلك على صدقه، واللام في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ تتعلق بقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال الكلبي: كان ذلك في كتب أهل الكتاب: تسعة عشر، كما نزل على رسول الله -ﷺ- [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الفراء: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يقينًا إلى يقينهم؛ لأن عدد الخزنة في كتابهم تسعة عشر [["معاني القرآن" 3/ 204، برواية: (عدد) بدلًا من: (عدة).]].
قال ابن عباس: يعني الذين آمنوا منهم [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 161، و"المحرر الوجيز" 5/ 396، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 80.]].
قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ قال الفراء: لأنهما [[في (أ): لأنهما.]] في كتاب أهل الكتاب كذلك [["معاني القرآن" 3/ 204 بنصه.]].
وعلى هذا معناه ليزداد مؤمنو أهل الكتاب تصديقًا لمحمد -ﷺ- إذا وجدوا ما يخبرهم به من عدد الخزنة موافقا لما في كتابهم [[في (أ): لكتابهم: بدلاً، من: لما في كتابهم.]]، فيعلمون أنه صادق. وقال أبو إسحاق: لأنهم كلما صدقوا بما يأتي في كتاب الله زاد إيمانهم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 248 بنصه.]]. والمعنى على هذا: ويزداد المؤمنون إيمانًا بتصديقهم محمدًا في عدد خزنة النار.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، أي لكيلا [[في (أ): لكي لا.]] يشك هؤلاء في أن خزنة جهنم تسعة عشر.
قوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي: شك ونفاق من منافقي المدينة [[قال بذلك: قتادة في "جامع البيان" 29/ 161، وحكاه الثعلبي، وابن الجوزي والفخر عن أكثر المفسرين، انظر: "الكشف والبيان" 1/ 210/ أ، و"زاد المسير" 8/ 127، و"التفسير الكبير" 30/ 207، وإلى هذا ذهب البغوي 4/ 417.]]، (هذا قول ... [[غير مقروء في (ع).]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 206/ ب، وروايته قال: يعني الشك، وهم اليهود من أهل المدينة.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وذكر عن الحسين بن الفضل أنه [[قوله: الفضل أنه: بياض في (ع).]] قال: هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق. فالمرض في هذه الآية لا يكون بمعنى النفاق [[ورد قوله في: "الكشف والبيان" 12/ 210/ أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 396، و"زاد المسير" 8/ 127، و"التفسير الكبير" 30/ 207، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 80، و"البحر المحيط" 8/ 379، و"فتح القدير" 5/ 330.]].
وقول المفسرين صحيح وإن أنكره؛ لأنه كان في معلوم الله تعالى (ذكره) [[ساقط من: (أ).]] أن النفاق سيحدث، فأخبر عما يكون.
قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾، قال مقاتل: يعني مشركي العرب [["تفسير مقاتل" 216/ ب.]].
وقال عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، (والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ساقط من: (أ).]]: يعني الكفار من اليهود، والنصارى. والقول قول مقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]؛ لأن اليهود والنصارى يؤمنون بما [[قوله: والنصارى يؤمنون بما: بياض في (ع).]] في كتابهم، فلا ينكرون عدد خزنة النار [[قوله: خزنة النار: بياض في (ع).]].
قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، مبين في سورة البقرة [[الآية: 26 من سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.]] إلا أن معنى المثل هناك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: 26]، ولم يذكر في هذه "مثل" حتى تنكره [[غير واضحة في (ع).]] الكفار فيقولوا ماذا أراد الله بهذا مثلاً، ومعنى [[في (أ): وهنا.]] المثل -هاهنا- الحديث نفسه.
ومنه قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: 35]، أي: حديثها، والخبر عنها وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: 29]، أي حديثهم والخبر عنه وقصتهم [[لفظ المثل ورد على أربعة أوجه، هي: السنن أو السير، والعبرة، والصفة، والعذاب، وما جاء في الآيتين من سورة الرعد والفتح فالمثل فيها على معنى الصفة أو الشبه. انظر: قاموس القرآن: الدامغاني: 428، والوجوه والنظائر في القرآن: القرعاوي: 588.
قال ابن كثير في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ أي يقولون: ما == الحكمة في ذكر هذا هاهنا، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، أي: من مثل هذا وأشباهه بتأكيد الإيمان في قلوب أقوام، ويتزلزل عند آخرين، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 474.]].
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾، أي كما أضل من أنكر عدد الخزنة، ولم يؤمن به، وهدى من صدق ذلك وآمن به.
﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وأنزل في قول أبي جهل: أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، قال مقاتل: أي من الكثرة [["تفسير مقاتل" 216/ ب.]].
وذلك أنهم استقلوا ذلك العدد، فأخبر الله تعالى عن كثرة جنوده، بأن أعيانهم وعددهم لا يعلمها إلا هو.
وقال عطاء: "جنود ربك" يعني: من الملائكة الذين خلقهم، يعذبون أهل النار، لا يعلم عدتهم إلا الله [["معالم التنزيل" 4/ 417.]].
وعلى هذا "تسعة عشر" هم خزنة النار، ولهم الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله.
ثم رجع إلى ذكر سقر فقال: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾.
قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد في الوسيط: 4/ 385 من غير عزو.]]، (ومقاتل [["تفسير مقاتل" 216/ ب.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، أي: موعظة وتذكرة للعالم.
وقال أبو إسحاق: جاء في التفسير أن النار في الدنيا تذكر النار في الآخرة [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 284 بنصه.]].
ثم أخبر عن عظم شأنها فأقسم على ذلك فقال:
﴿كَلَّا﴾؛ أي ليس، القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه خزنة [النار] [[النار: لا توجد في النسختين، وأثبتها بدلالة السياق عليها ، ولعلها تركت سهوًا من الناسخ، أو تكون العبارة "الخزنة" بالألف واللام، وتركت الألف واللام سهوًا.]]، ﴿وَالْقَمَرِ﴾، قسم، وكذلك.
﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾، قال ابن عباس: إذا ولى [["النكت والعيون" 6/ 146.]]. وقال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: إذا ذهب [[بياض في (ع).]].
ودبر وأدبر بمعنى واحد. قاله الفراء [["معاني القرآن" 3/ 204.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 6/ 248.]]. قالا: ومثله: قبل وأقبل، يقال: دبر الليل وأدبر [[بياض في (ع).]]، إذا ولى ذاهبًا، يدل على هذا قراءة من قرأ [[قوله: قراءة من قرأ: بياض في (ع).]]: "إذا أدبر" بالألف [[قرأ بذلك عبد الله بن مسعود، وأبي، والحسن، وابن السميفع، انظر: "معاني القرآن" للفراء: 3/ 204. و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 82. وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها ، ولعدم ذكرها في كتب التواتر، ولقراءة الحسن وابن السميفع بها، وهم من الشواذ؛ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وابن == عامر، والكسائي: "إذا أدبر" بفتح الدال. وقرأ نافع، وعاصم في رواية حفص وحمزة: "إذا أدبر" بتسكين الدال. انظر: كتاب السبعة: 659، "الحجة" 6/ 338، و"الكشف" 2/ 347، و"النشر" 2/ 393.]].
روي أن مجاهدًا سأل ابن عباس عن قوله: "دبر" فسكت حتى إذا أدبر الليل قال: يا مجاهد هذا حين دبر الليل [[الحجة: 6/ 339، وانظر: "المحرر الوجيز" 5/ 397، و"التفسير الكبير" 30/ 208، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 82، و"الدر المنثور" 8/ 335 وعزاه إلى مسدد في مسنده، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]].
وروى أبو الضحى أن ابن عباس كان يعيب هذه القراءة [[أي قراءة: "إذ دبر".]]، ويقول: إنما يدبر ظهر البعير [[انظر: "معاني القرآن" الفراء: 3/ 204، و"الكشف والبيان" ج: 12: 210/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 208، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 83.]].
والقرآن عند أهل اللغة سواء على ما ذكرنا - وأنشد (أبو علي) [[ساقط من: (أ).]]:
وأبي الذي تَرَكَ المُلُوك وجَمْعَهُم ... بِصُهابَ هَامِدةً كأَمْسِ الدَّابِرِ [[البيت ورد في "الحجة" 6/ 175 و339، وأنشده، الأصمعي ولم ينسبه، وانظر: "الخصائص" لابن جني 2/ 267، و"لسان العرب" 1/ 533: (صهب).
ومعنى صهب كما في اللسان: "بين البصرة والبحرين عين تعرف بعين الأصهب"، كما ورد البيت في "المحرر" 5/ 297 برواية: يهضاب، و"التفسير الكبير" 30/ 208.]]
قال [[أي: أبو علي.]] وقد قالوا أيضًا: كأمس المدبر، والوجهان (في القرآن) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] حسنان جميعًا [[انظر قوله في "الحجة" 6/ 339.]].
(وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 275 - 276.]]، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" 497.]]: دبر، أي: جاء بعد النهار) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، يقال: دبرني، أي جاء خلفي، ودبر الليل [[في (أ): إذ: وهي زيادة لا معنى لها.]]، أي: جاء بعد النهار.
قال قطرب: فعلى هذا معنى "إذا دبر" إذا أقبل بعد مضي النهار [["الكشف والبيان" 12/ 210/ ب بمعناه، و"معالم التنزيل" 4/ 418 بمعناه، و"التفسير الكبير" 30/ 209، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 82 بمعناه]].
قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أي (أضاء، وتبين، ومنه: الحديث "أسفروا بالفجر" [[الحديث -عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "أسْفِروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر". أخرجه الترمذي 1/ 289 ح 154: أبواب الصلاة: باب ما جاء في الإسفار بالفجر. وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في "سننه" 1/ 249 ح 547 - 548 المواقيت، باب الإسفار، والإمام أحمد 5/ 429، قال الحافظ ابن حجر: رواه أصحاب السنن وصححه غير واحد: "فتح الباري" 2/ 55.
جاء في "النهاية": 2/ 372: أسفر الصبح إذا انكشف وأضاء.]]، يقول: صلاة الفجر بعد ما تبين ويظهر حتى لا يشك فيه، ومن هذا قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [[سورة عبس: 38.]]، أي: مضيئة) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري مختصرًا، و"التهذيب" 12/ 400 - 401.]].
ثم ذكر المقسم عليه فقال: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
يعني (أن) [[ساقطة من: (أ).]] سقر -التي جرى ذكرها- لإحدى الكبر.
قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 216/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 418، و"القرطبي" 19/ 83 بمعناه.]]، (والكلبي [["معالم التنزيل" 4/ 418.]]) [[ساقط من: (أ).]]: أراد بـ"الكبر" دركات جهنم، وأبوابها، وهي سبعة: جهنم، ولظى [[في (أ): لظا.]]، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية. أعاذنا الله منها.
و"الكبر" جمع الكبرى [[في (أ): الكبرا.]]، مثل الصُّغْرى [[في (أ): الصغرى.]]، والصُّغَر.
قال المبرد [[انظر: "المقتضب" 2/ 217.]]، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" 479.]]: إنها لإحدى العظائم، والعُظَم كما يقال: إحدى الدواهي، و"إحدى" اسم بني ابتداء [للتأنيث] [[في: أ، وع: التأنيث، والصواب ما أثبته.]]، وليس بمعنى [[في (ع): مبني.]] على المذكر، نحو عصا، وأخرى [[في (أ): أخرا.]] -ولعل هذا مما سبق الكلام فيه- [[عند قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ البقرة: 184، و ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ آل عمران: 7، و ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ الأنعام: 123، و ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ الكهف: 103، و ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ الشعراء: 111، وغيرها.]].
وألف "إحدى" مقطوع لا يذهب في الوصل.
(وروي عن ابن كثير أنه قرأ ﴿إنها لَحْدى [[في (أ): لاحدى، وهو خطأ.]] الكبر﴾ موصولاً حذف الهمزة حذفًا. كما يقال: وَيْلُمِّهِ [[أي: ويل أمه، فلما حذفت الهمزة صارت: ويلمه، وشاهده قول امرئ القيس:
وَيْلُمِّها في هواء الجو طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوبُ
انظر: الحجة: 6/ 340.]]، وقد جاء ذلك في الشعر، قال أبو الأسود:
يا با [[في (أ): يا أبا.]] المغيرةِ رُبَّ أمرٍ مُعْضلٍ ... قَرَّبْتَه بالنُكر مني والدَّها [[ورد البيت في ديوانه: 170: تح محمد آل ياسين برواية: "مبهم" بدلًا من "معضل"، و"بالحزم" بدلًا من "بالنكر"، وفي الحجة: 6/ 340 برواية "فرجته" بدلًا من "قربته"، وانظر: 3/ 211 و307.
كما ورد منسوبًا إلى أبي الأسود في: "الأمالي الشجري" لابن الشجري: 2/ 16، برواية "فرجته". "المحرر الوجيز" 5/ 397.]]
وأنشد أحمد بن يحيى:
إن لم أقاتلْ فالبِسوني بُرْقعًا وفَتَحـ ... ـات في اليَدَيْن أربعا [[غير منسوب، وقد ورد في الحجة: 3/ 211 و306، 6/ 340، ولم ينشد أحمد ابن يحيى هذا البيت، إنما أورد بيتًا آخر، و"الخصائص" 3/ 151، و"المحتسب" 1/ 120، و"المحرر" 5/ 398، والشاهد فيه: أنه حذف الهمزة حذفًا ولم يخفف على القياس في "فالبسوني".]]
وقال الفرزدق:
فعليَّ إثمُ عطيَّة بن الخَيْطـ ... ـفي وإثمُ التي زجرتْكَ إن لم تَجْهَدِ [[قوله: إن لم تجهد: في مقروء في (ع).]] [[لم أعثر عليه في ديوانه، وقد ذكر محقق الحجة أيضًا أنه لم يعثر عليه في ديوانه. انظر: الحجة: 6/ 341.]] وهذا مثل قراءة ابن كثير، ألا ترى أن "لإح" من قوله "لإحدى" مثل واث، من قوله "وإثم التي". وليس هذا الحذف [[بياض في (ع).]] بقياس، والقياس التخفيف، وهو أن يجعل بين بين، ولكنه وجد الهمزة تحذف حذفًا في بعض المواضع فجرى [[في (أ): فجرا.]] عليه، وفي [[في (أ): في.]] حذفه الهمزة من "لإحدى" ضعف؛ لأنه إذا حذفتها [[في (أ): حذفها.]] بقي بعدها حرف ساكن يكون أول الكلمة بعد الحذف [ولهذا] [[في (أ): إذا، وفي (ع): وإذا، والمثبت من الحجة، وبه يستقيم المعنى.]] لم تخفف الهمزة أولًا؛ لأن التخفيف تقريب من الساكن، فإن لا يكون ما يلزم له إلا الابتداء بالساكن أجدر؛ ووجهه على ضعفه: أن اللام اللاحقة أول الكلمة لما لم تفرد صار بمنزلة ما هو من نفس الكلمة، فصار حذف الهمزة كأنه حذف في تضاعيف الكلمة، ومن ثم قالوا: "لهو" [[الحج: 58 ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.]] فخففوه كما خففوا "عضْدًا"، ونحوه مما هو كلمة واحدة) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن أبي على الفارسي بتصرف. انظر: "الحجة" 6/ 339 - 341.]].
قوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد قم نذيرًا للبشر [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 84.]].
وذكر النحويون هذا القول في نصب "نذيرًا" ذكره الكسائي [["الوسيط" 4/ 385.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 249، وعبارته قال: "ويجوز أن يكون (نذيرًا) منصوبًا مُعلقًا بأول السورة على معنى: "قم نذيرًا للبشر".]].
وقال [[في (ع). قال: بغير واو.]] الفراء: وليس ذلك بشيء [[يعني القول بنصب "نذيرًا" على معنى: قم نذيرًا للبشر.]] -والله أعلم-؛ لأن الكلام قد حدث بينهما شيء كثير، ونصبها بالقطع من المعرفة؛ لأن (إحدى الكبر) معرفة، فقطعت منه. قال: ويجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار.، والمعنى: أنذر إنذارًا للبشر. ودل قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ على أنذر بها [["معاني القرآن" بيسير من التصرف.]].
وذكر أبو إسحاق: القول الأول فقال: نصب "نذيرًا" على الحال. وقال: وذكِّر [نذيرًا] [[ساقط من النسختين، وما أثبتاه من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج، ولا يستقيم المعنى إلا بإثباتها.]]؛ لأن معناه معنى العذاب، أو أراد ذات إنذار، كقولهم: امرأة طاهر وطالق [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 249 بتصرف.]].
قال أبو علي الفارسي في قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قولان:
أحدهما: أن يكون حالًا من "قم" المذكورة [[في (أ): المذكور.]] في أول [[سقط حرف اللام من أول النسخة: أ.]] السورة [[ورد هذا القول في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 84.]].
والآخر: أن يكون حالاً من قوله: ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾، وليس يخلو الحال من أن يكون المضاف، أو من المضاف إليه، فإن كان من المضاف إليه، كان القائل فيه "ما في" "إحدى" من معنى التفرد، وإن كان المضاف إليه كان العامل فيه ما في "الكُبر" من معنى الفعل، وفي كلا [[في النسختين: كلى.]] الوجهين ينبغي أن يكون "نذيرًا" مصدرًا؛ لأن المضاف مؤنث، والمضاف إليه مؤنث مجموع، والمصدر قد يكون حالاً من الجميع، كما يكون حالاً من المفرد تقول: جاء وأركض [[في (ع): وأركضا.]]، كما تقول: جاء ركضًا [[لم أعثر على مصدر لقول أبي علي الفارسي. ولقد ذكرت أوجه أخرى كثيرة في قوله: "نذيرًا".
انظر ذلك في: الدر المصون: 6/ 419 - 420.]].
المدثر 74:37
قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾، "لمن " بدل من قوله: "للبشر" [[انظر: إعراب القرآن للنحاس: 5/ 72، و"البحر المحيط" 8/ 379.]]، وهو كقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ﴾ [[سورة آل عمران: 97.]].
قوله: "أن يتقدم"، أي: في الخير والإيمان.
"أو يتأخر" عنه. والمعنى: قد حصل الإنذار لكل أحد لمن آمن وصدق، ولمن عصى وكفر، وهذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة، وإلى ما أمر به جوزي بالثواب، وقد سبق له الوعد بذلك، ومن تأخر عما أمر به عوقب، وقد سبق له الإنذار والوعيد. وهذا معنى قول ابن عباس [["جامع البيان" 29/ 164، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 84، وعبارته: من شاء أَتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها.]]، (والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ساقط من: (أ).]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 217 / أ.]]، والمفسرين [[ممن قال بذلك: قتادة، والحسن، وابن جريج، ويحيى بن سلام، والسدي. انظر: "جامع البيان" 29/ 164، و"الكشف والبيان" ج: 12: 211/ أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 398، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 84، و"زاد المسير" 8/ 128. كما ذهب إلى هذا القول السمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 423 - 424، والبغوي في: "معالم التنزيل" 4/ 418.]].
ومعنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين [[في (ع): المخاطبون. وهو خطأ.]]: التهديد [[في قوله: (ومعنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين: التهديد) ما يفيد أن الإمام الواحدي قائل بقول الأشاعرة في مسألة فعل العبد حيث ينكرون أن تكون له قدرة مؤثرة، وقد سموا فعله: كسبا. قال د: عبد الرحمن المحمود معلقًا على ذلك: "والمؤلف ربما زاد على شيوخه حين نفى المشيئة التي للعبد، وأول ظاهر الآية إلى أن المقصود بها التهديد. والذي عليه أهل السنة والجماعة أن للعبد مشيئة بها يختار هذا وهذا. ولكنها خاضعة وداخلة تحت مشيئة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)﴾. فللعبد مشيئة حقيقية تليق به، ولله تعالى مشيئة تليق بجلاله وكماله، ولا تنافي بينهما" انظر: شرح العقيدة الطحاوية: 95، وكتابه محرر بتاريخ 18/ 8/18 هـ. من د: عبد الرحمن المحمود.]]، كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].
وذكر صاحب النظم، وغيره [[قد أورده الفخرى: "التفسير الكبير" 30/ 210.]]: أن (هذه) [[ساقط من: (أ).]] المشيئة لله -تعالى- على معنى: لمن شاء (الله) [[ساقط من: (أ).]] منكم أن يتقدم أو يتأخر [[وقول صاحب النظم أيضًا فيه نفي المشيئة للعبد، والتعليق عليه بمثل ما جاء في الحاشية السابقة رقم: 7.]].
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، أي مأحْوذة بحملها.
قال ابن عباس: مرتهنة في جهنم [[بمعناه في "جامع البيان" 29/ 165 والعبارة عنه قال: "إن كان أحدهم سبقت له كلمة العذاب جعل منزله في النار يكون منها رهنًا ، وليس يرتهن أحد من أهل الجنة هم في جنات يتساءلون".]].
وقال مقاتل: كل نفس كافرة مرتهنة بذنوبه في النار [["تفسير مقاتل" 217/ أ.]].
ومن [[في: أ: وفي.]] المفسرين [[منهم: قتادة، والحسن، ويحيى بن سلام، والسدي. انظر: "جامع البيان" 29/ 164، و"الكشف والبيان" ج: 12: 211/ أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 398، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 84، و"زاد المسير" 8/ 128.
وإلى هذا القول ذهب السمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 423 - 424، والبغوي في: "معالم التنزيل" 4/ 418.]]، وأهل المعاني [[لم أعثر على مصدر لقولهم.]]: من يحمل هذا على العموم، وإلا فيما استثنى فتقول: كل أحد مأخوذ بعمله محاسب به إلى أن يتخلص من يتخلص بفضل الله.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)﴾ من قال إن المرتهنة هي الكافرة، قال: أصحاب اليمين هم المؤمنون. وهو قول عطاء عن ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، (والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ساقطة من: (أ).]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 217/ أبمعناه.]]. قال عطاء: هم المؤمنون [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الكلبي: هم الذين قال الله فيهم: "هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهم الذين كانوا على يمين آدم" [[الوسيط: 4/ 386.]].
قال [[في (ع): وقال.]] مقاتل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم، لا يرتهنون بذنوبهم في النار [["تفسير مقاتل" 217/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 210.]].
وروى أبو ظَبْيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 85، و"الدر المنثور" 8/ 336 وعزاه إلى ابن المنذر.]]. وهذا قول الحسن [["الكشف والبيان" ج: 12: 211/ أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 398، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 85، و"البحر المحيط" 8/ 379.]] (وابن كيسان [[المراجع السابقة عدا "الكشف والبيان".]]) [[ساقطة من: (أ).]].
ومعنى قول قتادة: (غلق) [[في كلا النسختين: خلق، وما أثبته نقلاً عن "جامع البيان" 29/ 165، و"الكشف والبيان" ج: 12: 211/ ب، وذكر في "معالم التنزيل" 4/ 418 علق، وكذا "الدر المنثور" 8/ 336.]] الناس [[في (أ): الإنسان.]] كلهم إلا أصحاب اليمين [[المراجع السابقة.]].
أي بقوا مرتهنين لا يفك رهانهم. وهذا من صفة الكفر.
ومن أجاز أن يكون المسلمون من جملة من عني بقوله "كل نفس بما كسبت" قال في أصحاب اليمين: هم أطفال المسلمين. وهو قول: علي [[هو علي بن أبي طالب، وقد ورد قوله في: تفسير الإمام مجاهد: 5/ 685، و"معاني القرآن" للفراء: 3/ 205، و"جامع البيان" 29/ 165، و"بحر العلوم" 3/ 424، و"النكت والعيون" 6/ 148، و"معالم التنزيل" 4/ 418، و"المحرر الوجيز" 5/ 398، و"زاد المسير" 8/ 129، و"التفسير الكبير" 30/ 210، و"الجامع للأحكام القرآن" 19/ 85، و"البحر المحيط" 8/ 379، و"الدر المنثور" 8/ 336، وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجده في تفسيره- والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر: "المستدرك" 2/ 507: كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر: وصححه الحاكم ووفقه الذهبي. و"الدر المنثور" 8/ 336 وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة، وابن المنذر.]]، وابن عمر [["الدر المنثور" 8/ 336، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر.]] (رضي الله عنهما) [[ساقطة من: (ع).]]، ومجاهد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، (واختيار الفراء [["معاني القرآن" 3/ 205.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 249.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
قال الفراء: وهو شبيه بالصواب؛ لأن الوِلْدان [لم] [[لم: ساقطة من النسختين، وما أثبته من "معاني القرآن" للفراء: 3/ 205، وهو الصواب لاستقامة المعنى به.]] يكتسبوا [[في: (أ، ع): يكتسبون، وهو خطأ عند إثبات لم.]] إثمًا يرتهنون به؛ لأن في قوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)﴾ ما يقوي أنهم الولدان؛ (لأنهم) [[ساقطة من: (أ).]] لم يعرفوا الذنوب، فسألوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر (42)﴾ [["معاني القرآن" 3/ 205 بيسير من التصرف.]]:
قال الكلبي: ما أدخلكم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: ما جعلكم في سقر. مال: وذلك لما أخرج الله أهل التوحيد من النار، قال المؤمنون: أصحاب اليمين لمن بقي في النار من الكفار: "ما سلككم في سقر" يقولون: ما حبسكم في النار [["تفسير مقاتل" 216/ أ، و"زاد المسير" 8/ 129.]]؟ فأجابوهم عن أنفسهم، فقالوا:
﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ لله في الدنيا، أي من الموحدين. قاله عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله. وعبارة: (قوله عطاء) ساقط من: (أ).]].
وقال الكلبي: يعني من المسلمين [[و [["تفسير مقاتل" 217/ أبمعناه. وما بين القوسين ساقط من: (أ).]] لم أعثر على مصدر لقولهم.]].
﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾، أي: لم نك نتصدق على المساكين، ولا نطعمهم في الله. (قاله عطاء، والكلبي (¬9)، ومقاتل (¬10)).
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾، قال ابن عباس: نكذب مع المكذبين [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 217/ أبمعناه.]]: نخوض مع أهل الباطل في الباطل والتكذيب.
وقال قتادة: أي كلما غوى غاوٍ غوينا [[في (أ): وغوينا.]] معه [["جامع البيان" 29/ 166، و"النكت والعيون" 6/ 148، و"المحرر الوجيز" 5/ 399، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 86، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 476.]].
قال أبو إسحاق: أي نتبع الغاوين [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 249 بنصه.]].
﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، أي: بيوم الجزاء، والثواب، والعقاب.
﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾، أي: الموت. قاله ابن عباس [["الدر المنثور" 8/ 337، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.]] والمفسرون [[قال بذلك السدي. انظر: "النكت والعيون" 6/ 148، وممن قال به أيضًا: ابن جرير، والسمرقندي، والثعلبي: "جامع البيان" 29/ 166، و"بحر العلوم" 3/ 424، و"الكشف والبيان" ج: 12: 211/ أ، كما ذهب إليه: البغوي، وابن عطية. انظر: "معالم التنزيل" 4/ 419، و"المحرر الوجيز" 5/ 399.]]، وهذا كقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [[سورة الحجر: 99: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.]].
والمعنى [[في: (أ): معنا.]]: كنا نقول إن يوم القيامة غير كائن، وبقينا على ذلك حتى الموت ومتنا عليه.
قال الله -تعالى-: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: يريد شفاعة الملائكة والنبيين، كما نفعت الموحدين [[الوسيط: 4/ 387، و"فتح القدير" 5/ 333 من غير عزو.]].
وقال مقاتل: لا تنالهم شفاعة الملائكة والنبيين [["تفسير مقاتل" 217/ أ.]].
وقال الحسن: حل عليهم غضب الله، فلم تنفعهم شفاعة ملك، ولا شهيد، ولا مؤمن [[الوسيط: 4/ 387.]].
وقال عمران بن حصين: الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون [["معالم التنزيل" 4/ 419.]].
وقال كعب: لا تزال الشفاعة تجوز حتى تبلغ أهل هذه الآيات: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى آخرها [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
المدثر 74:49
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ﴾، يعني كفار قريش حين نفروا عن القرآن.
﴿عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾، أي عن التذكرة بمواعظ القرآن.
﴿مُعْرِضِينَ﴾، نصب على الحال [[انظر: "الكشف والبيان" 12: 211/ ب.]]، أي: أي شيء لهم، وهم معرضون عن التذكرة. والمعنى: لا شيء لهم في الآخرة إذ أعرضوا عن القرآن فلم يؤمنوا به.
ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بحمر نافرة (فقال: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] (قال ابن عباس [["زاد المسير" 8/ 130، و"التفسير الكبير" 30/ 212، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، و"البحر المحيط" 8/ 380.]]، وغيره [[عكرمة. "الدر المنثور" 8/ 339، وعزاه إلى عبد بن حميد.]]: يريد الحمر الوحشية) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]. (﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾، أي: نافرة) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] (يقال: نفر، واستنفر، مثل: سخِر، واستسخَر، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الحجة: 6/ 341.]].
أنشد أبو عبيدة [[لم أجده في "مجاز القرآن".]] [[في (أ): فقال، وهي تعتبر لفظة زائدة عند وجود ما أثبته من نسخة: ع، وهو: ابن الأعرابي، والفراء، والزجاج.]]، (وابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" 15/ 210، مادة: (نفر) برواية: "اضرب" بدلاً من "اربط".]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 206، برواية: "أمسك" بدلاً من: "اربط".]]، والزجاج [[معاني القرآن وإعرابه: 5/ 250 برواية: "أمسك".]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]:
ارْبِط حِمارَكَ إنَهُ مُسْتَنْفَرٌ ... في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ [[البيت لنافع بن لقيط الفقعسي، وقد ورد في: في: كتاب "المعاني الكبير" 2/ 793، و"لسان العرب" 1/ 648: (غريب) ج: 5/ 24: مادة: (نفر)، و"جامع البيان" 29/ 168، و"النكت والعيون" 6/ 148، و"الجامع لأحكام القرآن" 9/ 87، وكلها برواية: "أمسك" بدلاً من: "اربط"، و"البحر المحيط" 8/ 380 برواية: "عهدن لعرب"، القراءات وعلل النحويين فيها: 2/ 727. == وموضع الشاهد: "مستنفر"، وهو عند أهل الحجاز "مستنفَر" بفتح الفاء، وهما جميعًا كثيران في كلام العرب.
والمعنى: كف نفسك عن أذى قومك، ولا تطمحن إليهم بالأذى، فإنك قد عرت في شتمهم كما يعير الحمار عند مربط أهله يتبع حمرًا.
انظر: "شرح أبيات معاني القرآن للفراء ومواضع الاحتجاج بها" د. ناصر حسين علي: 60: ش 115.]] (وقرئ "مُسْتَنْفَرَة" بفتح الفاء [[قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر: مُسْتَنْفَرَة -بفتح الراء، ونصب الفاء-، والمفضل عن عاصم مثله.
وقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: مُستَنْفِرة -بكسر الفاء-.
انظر: كتاب السبعة: 660، و"الحجة": 6/ 341، و"المبسوط": 386، و"كتاب التبصرة": 714، و"تحبير التيسير": 194.]]. وهي بمعنى مذعورة. يقال: استنفر الوحش وأنفرتها ونفرتها بمعنى واحد) [[ما بين القوسين نقله عن الأزهري. انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 210، مادة: (نفر).]]، واختاره [[أي اختار قراءة فتح الفاء.]] أبو عبيد قال: لأن أكثر ما تكلم به العرب إذا جعلت الفعل للحمر أن تقول: أنفرت، ولا يكادون يقولون: استنفرت، إذا كانت هي الفاعلة، يقولون: استنفرت، إذا فعل ذلك بها، فهي مستنفرة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال أبو علي الفارسي: (الكسر في "مُستنفِرة" أولى، ألا ترى أنه: قال "فرت من قسورة"، وهذا يدل على أنها هي استنفرت) [[ما بين القوسين هو من قول أبي الحسن نقله عنه أبو علي في الحجة: 6/ 341 بنصه.]].
ويدل على صحة ما قال أبو علي (أن محمد بن سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي [[أبو سوار الغنوي: روى عن أبيه، عن عمر بن عبد العزيز، روى عنه أبو سلمة موسى بن إسماعيل. انظر: كتاب "الجرح والتعديل" 9/ 342: ت: 1827.]]، وكان أعرابيًّا فصيحًا، فقلت: كأنهم حمر ماذا؟ قال: مستنفرة طردها قسورة، قلت: إنما هو: فرت من قسورة، قال: أفرَّت؟، قلت: نعم، قال: فمستنفرة إذًا) [[ما بين القوسين عند أبي علي في الحجة: 6/ 342 نقله عنه الإمام الواحدي بنصه.]].
قوله تعالى: ﴿فَرَّت﴾: يعني الحمر.
﴿مِنْ قَسْوَرة﴾: اختلفوا في تفسير القسورة: فروى عن ابن عباس فيها أقوالاً، قال في رواية عطاء [["معالم التنزيل" 4/ 419، كما ذكرت الرواية عن ابن عباس من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس في: "المحرر الوجيز" 5/ 399، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، و"البحر المحيط" 8/ 380، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 476.]]، (والكلبي [[المراجع السابقة، وانظر: الوسيط بين المقبوض والبسيط: 2/ 621، وانظر: مادة: (قسر) في: "تهذيب اللغة" 8/ 399، و"لسان العرب" 5/ 92.]]) [[ساقط من: (أ).]]: إنها الأسد؛ وهو قول: أبي هريرة [[بياض في (ع).]]، قال هي: الأسد الأسود [["جامع البيان" 29/ 170، و"الكشف والبيان" 12: 213/ أمن غير ذكر الأسود، و"معالم التنزيل" 4/ 419، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، و"لباب التأويل" 4/ 332، و"البحر المحيط" 8/ 380، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 476، و"الدر المنثور" 8/ 339 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وانظر: مجمع الزوائد: 7/ 132: تفسير سورة المدثر. وقال الهيثمي: رواه البزار، ورجاله ثقات.]].
قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 276.]]، وابن الأعرابي [["لسان العرب" 5/ 92: مادة: (قسر).]]، .......
(والمبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ساقط من: (أ).]]: القسورة الأسد، مأخوذ من: القسر، وهو: القهر على الكره، سمي بذلك؛ لأنه يقهر السباع.
قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه، كذلك هؤلاء المشركون إذا رأوا محمدًا -ﷺ-، أو سمعوه يقرأ، هربوا منه كما تهرب الحمير من الأسد [["زاد المسير" 8/ 130، و"التفسير الكبير" 30/ 791.]].
وقال في رواية سليمان (بن قتة) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] هي: الأسد بلسان الحبشة [[الحبشة ويراد به حاليًا أثيوبيا تقع في الجناح الشمالي الشرقي من قارة إفريقيا، أو ما يعرف الآن بالقرن الأفريقي، وأثيوبيا كلمة إغريقية معناها بلاد الأثيوبيين، أي بلاد المحروقة وجوههم، عاصمتها: أديس أبابا، واللغة الرسمية: الأمهرية، تتميز بغزارة أمطارها صيفًا التي تذهب أكثرها إلى بحيرة تانا في الشمال الشرقي. تحوي صادراتها: الحبوب، والبن، والعسل، والجلود، والذهب.
العملة الرسمية لها: البِرّ، كانت تدين بالوثنية ثم اعتنقت النصرانية، ودخلتها اليهودية من اليمن ثم دخلها الإسلام في القرن 7 م.
انظر: الموسوعة العالمية: 1/ 83 - 87، و"الموسوعة العربية الميسرة" 1/ 53.]] [[ورد قوله في: "الكشف والبيان" 12: 213/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 212 من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس.]]، وخالف عكرمة فقال: الأسد بلسان الحبشة: عنبسة [["جامع البيان" 29/ 169، و"التفسير الكبير" 30/ 212.]].
وقال [[أي ابن عباس.]] في رواية سليم .......
(بن عبد [[سليم بن عبد: لعله: سليم بن عبد السلولي الكناني، كوفي، روى عن حذيفة، روى عنه أبو إسحاق السبيعي.
انظر: كتاب "الجرح والتعديل" 4/ 212: ت: 915.
أو لعله يراد به: سليمان بن عبد الله السلولي، فقد وردت بمثل هذه الرواية من طريقه عن ابن عباس في: "جامع البيان" 29/ 169، ولم أعثر على ترجمة له.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: أ، وغير مستكمل في: ع بسبب بياض في آخر الكلام.]]: هم الرماة [["جامع البيان" 29/ 169.]]. (وهو قول مجاهد [["جامع البيان" 29/ 168، و"الكشف والبيان" ج: 12: 212/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 419، و"زاد المسير" 8/ 130، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، و"الدر المنثور" 8/ 339 وعزاه إلى عبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر.]]، وأبي موسى الأشعري [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 168، و"زاد المسير" 8/ 130، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، الدر: 8/ 339 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وانظر: "المستدرك" 2/ 508: كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.]]، والضحاك [["معالم التنزيل" 4/ 419، و"زاد المسير" 8/ 130، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، و"الكشف والبيان" ج: 12: 212/ ب.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 217/ أ، و"زاد المسير" 8/ 130.]]، وابن كيسان [["زاد المسير" 8/ 130، و"الكشف والبيان" ج: 12: 212/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87.]]، وعكرمة [["جامع البيان" 29/ 169، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وهذا معنى قول من قال في "القسورة": إنهم القناص [[القانص: الصائد، والقوانص جمع قانصة من القنص: الصيد. النهاية في "غريب الحديث" والأثر: 4/ 112.]]. (وهو رواية عطية عن ابن عباس [["جامع البيان" 29/ 169، و"الكشف والبيان" ج: 12: 212/ ب.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، وقول سعيد (بن جبير [[المرجعان السابقان، وانظر: "الدر المنثور" 8/ 339 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، والحسن [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] " [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]؛ يدل على هذا أن الحجاج روى (عن عطاء عن ابن عباس) في "القسورة": الرماة، رجال القنص [["المحرر الوجيز" 5/ 399 من غير ذكر الطريق، و"الدر المنثور" 8/ 339 وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.]]، فجمع بين اللفظين.
(روى أبو العباس عن) [[ما بين القوسين ساقط من: أ، وقد ذكر بدلاً منه لفظ: "قال" في نسخة: أ.]] ابن الأعرابي في تفسير (القسورة [[في (أ): قسورة]]): وفيها أقوال (لم تروَ عنه) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، قال عكرمة: "من قسورة": من ظلمة الليل [["الكشف والبيان" ج: 12: 213/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 419، و"زاد المسير" 8/ 131، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 88، و"فتح القدير" 5/ 333.]].
قال ابن الأعرابي: القسورة: أول الليل [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 88، و"البحر المحيط" 8/ 381.]].
وقال قتادة: القسورة: النَّبْل [[تفسير عبد الرزاق: 2/ 332، و"النكت والعيون" 6/ 149، و"زاد المسير" 8/ 131.]].
وقال (زيد) [[ساقط من: (أ).]] بن أسلم: القسورة: الرجال الأقوياء [[ورد قوله في: "الكشف والبيان" ج: 12: 213/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 419، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 88.]].
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال المفسرون [[ورد قول المفسرين في: "معالم التنزيل" 4/ 419، و"زاد المسير" 8/ 131، و"التفسير الكبير" 30/ 212، و"لباب التأويل" 4/ 232، و"البحر المحيط" 8/ 381، و"فتح القدير" 5/ 333.]]: وذلك أن كفار قريش قالوا لمحمد -ﷺ- ليصبح عند رأس كل منا كتاب منشور من الله: أن آلهتنا باطلة، وأن إلهك حق، وأنك رسوله، نؤمر فيه باتباعك كقوله: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [[الإسراء: 93: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾.]]، وهذا قول مجاهد [[بمعناه في "جامع البيان" 29/ 171، و"النكت والعيون" 6/ 149 مختصرًا، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 88، و"الدر المنثور" 8/ 340، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 217/ أ.]]، (وقتادة [["جامع البيان" 29/ 171، و"الدر المنثور" 8/ 340، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، والحسن [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]. قالوا: أرادوا كتبًا تنزل من السماء إلى فلان، وإلى فلان: أن آمنوا بمحمد.
وقال الكلبي: إنهم قالوا: كنا نحدث أن الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب ذنبًا أصبح وعند رأسه صحيفة مكتوبة فيها ذنبه وتوبته: أذنبت كذا وكذا، وكفارتك كذا؛ فإن فعلت بها ذلك آمنا بك [["الكشف والبيان" ج: 12: 213/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 420، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 88.]]. (وهو اختيار الفراء [["معاني القرآن" 3/ 206.]] ، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 250.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]؛ ويدل على صحته [[في (أ): صحة.]] قوله: ﴿صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ بلفظ الجمع لكل امرئ منهم، والصحف: الكتب، واحدتها [[في (أ): واحدها.]] صحيفة.
قال الليث: ومن النوادر أن تجمع فعيلة على فُعُل، مثل سفينة وسُفُن، وكان قياسهما: صحائف وسفائن [["تهذيب اللغة" 4/ 254 مادة: (صحف)، نقله عنه بنصه.]].
و ﴿مُّنَشَّرَةً﴾ معناها منشورة، والتفعيل [[في (أ): الفعيل.]] للكثرة في الجمع.
قال الله: ﴿كَلَّا﴾، قال مقاتل: لا يؤتون [[في (ع): تؤتون.]] الصحف [["تفسير مقاتل" 217/ أ، قال: "لا يؤمنون بالصحف".]].
﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ قال عطاء: أي النار والعقاب [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
والمعنى: أنهم لو [[زاد في (أ): أنهم، ولم تذكر في (ع)، وهو الصواب، لاستقامة المعنى بدونها.]] خافوا الآخرة لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالة ووضوح المعجزة، واشتغالهم بالاقتراحات دليل على أنهم لا يخافون النار.
﴿كَلَّا﴾ أي: حقًّا، ﴿إِنَّهُ﴾، يعني: القرآن، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾، تذكير وموعظة، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ قال ابن عباس: (اتعظ) [[لم أعثر على مصدر لقوله، وورد من غير نسبة في الوسيط: 4/ 388.]] [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
(﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]])، قال [[أي ابن عباس.]]: يريد يتعظون [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، قال مقاتل: إلا أن يشاء الله لهم الهدى [["فتح القدير" 5/ 334، وبمعناه في "تفسير مقاتل" 217/ ب.]]؛ فرد المشيئة إلى نفسه [[قال السعدي في معنى قوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: "فإن مشيئة الله نافذة عامة، لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير، ففيها رد على القدرية، الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبرية: الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة، ولا فعل حقيقة، وإنما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئة حقيقية وفعلاً، وجعل ذلك تابعًا لمشيئته". تفسير الكريم الرحمن: 5/ 338.]].
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ روى أنس أن رسول الله -ﷺ- قال في هذه الآية: "قال ربكم -عز وجل-: أنا أهل أن أتَّقَى فلا يُشْرَك بي غيري، وأنا أهل لِمَنِ اتَّقَى أن يشرك بي غيري أن أغْفِرَ له" [[الحديث أخرجه: الدارمي في سننه: 2/ 758: ح: 2624: كتاب الرقاق. باب 16 في تقوى الله، والإمام أحمد في مسنده: 3/ 142.
وابن ماجه 2/ 447: ح 4354 بنحوه في الزهد: باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة.
والترمذي 5/ 430: ح 3328: كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر "71" وقال: هذا حديث غريب، و"سُهَيْل" ليس بالقوي، قد تفرد بهذا الحديث عن ثابت.
والحاكم في "المستدرك" 2/ 508: بمعناه في التفسير: تفسير سورة المدثر، وصححه ووافقه الذهبي.
والحديث في سنده ضعف. انظر: "ضعيف سنن ابن ماجه" 350: ح: 936 - 4299، وضعيف سنن الترمذي: 432: ح: 659 - 3563، وقال السيد بن عبد المقصود: وفي سنده ضعف، فهو من رواية سهيل بن أبي حزم القطعي، عن == ثابت، عن أنس، وسهيل ضعيف كما في التقريب (1: 338: ت: 576)، وقد قال عنه الترمذي: غريب، وسهيل ليس بالقوي في الحديث، وقد تفرد به عن ثابت -ثم قال- قلت: وعلى هذا فتصحيح الحاكم للحديث فيه نظر. انظر -حاشية- "النكت والعيون" 6/ 149 تحقيق السيد بن عبد المقصود.]].
وقال [[في (أ): قال.]] ابن عباس: يريد أهل أن يتقى، وأهل أن يغفر لمن اتقى [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
(ونحو هذا قال مقاتل: أهل أن يتقى فلا يعصى، وأهل المغفرة ذنوب أهل التقوى [["تفسير مقاتل" 213/ ب.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وقال قتادة: أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب [["جامع البيان" 29/ 172، و"النكت والعيون" 6/ 149، و"المحرر الوجيز" 5/ 400.]].
وقال أبو إسحاق: أهل أن يُتَّقَى عِقَابُه، وأهل أن يُعمل بما يؤدي إلى مغفرته [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 250 بنصه.]].
والمعنى أنه إذا كان أهلًا للمغفرة يجب أن يتعرض لمغفرته بما يؤدي إليه [[في (ع): إليها.]] من الطاعة والتوبة والاستغفار.