Al-Basit — النصر 110:1 – الناس 114:5
المحتويات
النصر 110:1
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ هو قال المفسرون: إذا جاءك يا محمد نصر الله على من عاداك، وهم قريش، وغيرهم [[قال بذلك ابن عباس. انظر: "جامع البيان" 30/ 332، و"بحر العلوم" 3/ 522 وعزاه الثعلبي إلى عامة أهل التفسير. "الكشف والبيان" 13/ 171 أ، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 536، و"زاد المسير" 8/ 324]].
﴿وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة [[قال بذلك مجاهد، والحسن، وابن عباس انظر: "جامع البيان" 30/ 332، و"النكت والعيون" 6/ 360، و"التفسير الكبير" 32/ 153.]].
﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة، و (أهل) [[ساقط من (أ).]] اليمن [["جامع البيان" 30/ 333، و"الكشف والبيان" 13/ 179 أ، و"النكت والعيون" 6/ 360، و"التفسير الكبير" 32/ 153، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 230، و"الدر المنثور" 8/ 644 وعزاه إلى ابن عساكر.]]، وهو قول عكرمة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 404 - 405 و"جامع البيان" 30/ 333 و"الكشف ==والبيان" 13/ 179 أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 532، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 230، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 601.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 255 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 179 أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 532، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 230، "ثلاث رسائل للحافظ ابن رجب"، تقديم ابن جبرين ص 39.]] قالا: أراد بالناس: أهل اليمن.
وقال الحسن: لما فتح رسول الله -ﷺ- مكة قالت العرب: أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان [[يدان: أي طاقة نقلًا عن "الوسيط" 34/ 566 والذي رجعت إليه من المصادر كالنهاية واللسان لم أجد ذكراً للطاقة.]]، وكانوا يدخلون في دين الله أفواجًا [["الكشف والبيان" 13/ 179 أ، و"النكت والعيون" 6/ 360، و"معالم التنزيل" 4/ 541، و"الكشاف" 4/ 239، و"زاد المسير" 8/ 324، و"لباب التأويل" 4/ 423، و"فتح القدير" 5/ 509.]].
قال أبو إسحاق: معنى (أفواجًا) أي جماعات كثيرة، أي بعد أن كانوا يدخلون واحداً واحداً، واثنين اثنين، صارت تدخل القبيلة بأسرها في الإسلام [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 373 بنصه.]].
وقوله [[في (أ): (قوله).]]: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾
قال ابن عباس: لما نزلت هذه السورة على النبي -ﷺ- (أنه) [[ساقط من (أ).]] نعيت إليه نفسه فقيل له: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [[ورد معنى قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 404، و"جامع البيان" 30/ 334، و"معالم التنزيل" 4/ 542، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 601، و"الدر المنثور" 8/ 660 وعزاه إلى ابن مردويه.
وله أيضًا في ذلك حديثًا مرفوعًا، انظر "مجمع الزوائد" 7/ 144 كتاب التفسير: سورة إذا جاء نصر الله، قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في حديث طويل، وفي إسناده هلال بن خباب، قال يحيى: ثقة مأمون لم يتغير، ووثقه ابن حبان، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي إسناده أحمد عطاء بن السائب وقد اختلط.]]
قال الحسن: اعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالاستغفار والتوبة [[ورد معنى قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 404، و"معالم التنزيل" 4/ 542، و"فتح القدير" 4/ 510، "تفسير الحسن البصري" 2/ 443.]].
وقال قتادة [["جامع البيان" 30/ 335، و"الكشف والبيان" 13/ 180 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 542، و"زاد المسير" 8/ 324، و"الدر المنثور" 8/ 660 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، (ومقاتل [["تفسير مقاتل" 255 أ، إلا أنه قال عاش بعدها ثمانين يومًا، و"الكشف والبيان" 13/ 180 أ.]]) [[ساقط من (أ).]]: عاش النبي -ﷺ- بعد نزول هذه السورة سنتين.
وقال عبد الله: لما نزلت هذه السورة كان النبي -ﷺ- يكثر أن يقول: "سبحانك اللهم بحمدك اغفر لي أنك أنت التواب" [["الكشف والبيان" 13/ 180 أب، و"الدر المنثور" 8/ 663 وعزاه إلى عبد الرزاق، ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، و"المستدرك" 2/ 538 - 539: كتاب التفسير: سورة النصر: قال عنه صحيح، ووافقه الذهبي.]]. (ونحو هذا روت عائشة [[ورد قولها في: "جامع البيان" 30/ 332 - 333 - 334، و"النكت والعيون" 6/ 361، و"الكشف والبيان" 13/ 180 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 542، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 231، و"الدر المنثور" 8/ 663، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، ومسلم، وابن المنذر، وابن مردويه، وله ألفاظ كثيرة متقاربة، فراجعها في الدر، وانظر: "الجامع الصحيح" للبخاري 3/ 333: ح 4968: كتاب التفسير: باب 2 والحديث عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله -ﷺ- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن، كما أخرجه مسلم في "صحيحه" 1/ 350: ح: 217: كتاب الصلاة: باب 42.
والإمام أحمد في: "المسند" 6/ 43، 49، 190، وابن ماجة في: "السنن" 1/ 160: ح 874: أبواب إقامة الصلاة: باب 20.]]، وأم سلمة [["جامع البيان" 30/ 335، و"الكشف والبيان" 13/ 180 ب "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 231، و"الدر المنثور" 8/ 663 وعزاه إلى ابن مردويه.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
قال أبو إسحاق: أمره عليه السلام أن يكثر التسبيح والاستغفار ليختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح [["معاني القرآن وإعرابه" 50/ 373.]].
وقال (عطاء عن) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] ابن عباس: (فسبح بحمد ربك) صل لربك وأحمده [["النكت والعيون" 6/ 361، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 231، و"زاد المسير" 8/ 324.]].
وقال آخرون: نزهه عما لا يجوز عليه مع شكرك إياه [[لم أعثر على من قال ذلك، وقد ورد بمثله من غير عزو في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 231.]].
وهذا هو الأولى لما روى عبد الله، وعائشة، وأم سلمة أن النبي -ﷺ- كان يكثر أن يقول: "سبحان الله وأستغفره، وأتوب إليه بعد نزول هذه السورة".
وقوله [[في (أ): (قوله).]]: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي على المسبحين المستغفرين؛ يتوب عليهم، فيرحمهم، ويغفر لهم، ويقبل توبتهم (بمنه وفضله) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
المسد 111:1
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
قال ابن عباس: (في رواية سعيد بن جبير) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] [[أخرجه البخاري في: "الجامع الصحيح" 3/ 333 ح 4972، 4971: كتاب التفسير: باب 11 ولفظه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي -ﷺ-: خرج إلى البطحاء فصعد إلى الجبل فنادى: يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش، فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبِّحُكم أو ممسيكم أكنتم تصدقونني؟ قالوا: نعم، قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا! تبًا لك، فأنزل الله عز وجل ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلي آخرها.
كما ورد قوله في: "جامع البيان" 30/ 336، و"بحر العلوم" 3/ 523، و"الكشف والبيان" 13/ 181 ب، و"أسباب النزول" تح: أيمن ص 407، و"لباب النقول" 237، و"الصحيح المسند" ص 238 قال الوادعي: وهذا الحديث مرسل، لأن ابن عباس كان حينئذٍ إما لم يولد، أو كان طفلاً، وبه جزم الإسماعيلي في: "عمدة القاري" 19/ 102 قال: أقول هو مرسل صحابي، ومرسل الصحابي لا ضير عليه ولا مطعن فيه. الصحيح المسند.
وللحديث طرق مختلفة، وبألفاظ مختلفة، ومعان متقاربة. راجع ذلك في: "الجامع الصحيح" 3/ 273 ح 4770، 4771 كتاب التفسير، سورة الشعراء، وكتب الجنائز: باب 98 ح 1394، كتاب المناقب، باب 13: ح 3525، 3526، 3527، و"صحيح مسلم" 1/ 193 - 194: ح 355 - 356 كتاب الإيمان: باب "وأنذر عشيرتك الأقربين"، والإمام أحمد في "المسند" 1/ 281، و"سنن الترمذي" 5/ 451: ح 3364: كتاب التفسير، باب 92، والنسائي في "عمل واليوم والليلة" 983، والبيهقي في "دلائل النبوة" 2/ 181، والنسائي في "التفسير" 2/ 569: ح 73 "المسد".]] وجماعة المفسرين [[قال بذلك ابن زيد، وابن عباس، راجع: "جامع البيان" 30/ 337، و"النكت والعيون" 6/ 363، كما وردت أيضًا في: "بحر العلوم" 3/ 523، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 543، و"المحرر الوجيز" 5/ 534، و"زاد المسير" 8/ 325، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 224 "لباب التأويل" 4/ 424، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 603، و"الدر المنثور" 8/ 666 وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]: صعد رسول الله -ﷺ- ذات يوم: الصفا، قال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا مالك؟ فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو ممسيكم ما كنتم تصدقونني، قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبًا لك ألهذا جمعتنا!! فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها.
أي خسرت يدا أبي لهب، وخسر هو، (وهذا قول عامتهم) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] [[قال بذلك قتادة، ومقاتل، وابن عباس.
انظر "جامع البيان" 30/ 337، و"بحر العلوم" 3/ 523، و"الدر المنثور" 8/ 666 وبه قال ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن " ص 541، والسمرقندي في: "بحر العلوم " 3/ 523، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 375، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 543، و"المحرر الوجيز" 5/ 534، و"زاد المسير" 8/ 325، و"ابن كثير" 4/ 603.]].
وتفسير التباب قد تقدم عند قوله: (غير تتبيب) [[سورة هود: 101، ومما جاء في تفسير "غير تتبيب" أي غير تخسير، والتباب: الهلاك، وفي اللغة الإهلاك، وواحدها قريب من الآخر.]]،
و (إلا في تباب) [غافر: 37].
قال مقاتل: خسرت يداه [[في (أ): (يده).]] بترك الإيمان، وخسر هو [[كما ورد معنى قوله في: "تفسير مقاتل" 255 ب، و"بحر العلوم" 3/ 523 ولفظه: خسر نفسه.]].
وقال الفراء: الأول: دعاء [[بياض في (ع).]]، والثاني: خبر، كما تقول: أهلكه الله وقد هلك [[في (أ): اهلك.]]. وجعلك الله صالحًا وقد جعل [["معاني القرآن" 3/ 298.]].
(وأضاف التباب إلى اليد كقول العرب: خسرت يده وضاقت يده، وكسبت يده، والمراد به صاحب اليد، ولكن جرت العادة بإضافة هذه الأفعال إلى اليد) [[ما بين القوسين لعله نقله عن "الكشف والبيان" 13/ 182 أ.]].
وأبو لهب هو ابن عبد المطلب -عم النبي -ﷺ- واسمه عبد العزى، ولهذا ذكرت كنيته دون اسمه، لأن تسميته عبد العزى خطأ [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 523، و"الكشف والبيان" 13/ 182 أ.]]، وهو عبد الله لا عبد العزى، وكان يعادي النبي -ﷺ- أشد المعاداة.
قال طاوس بن عبد الله (المحاربي) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]: أتى بسوق ذي المجاز [[في (أ): (المجازا).]] [[ذي المجاز موضع سوق بعرفة، كانت تقوم في الجاهلية ثمانية أيام. "معجم البلدان" 5/ 55، وانظر: "معجم ما استعجم" 4/ 1185.]]؛ إذا أنا بشاب يقول: يا أيها [[في (أ)، و (ع): (يايها).]] الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وإذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه، وعرقوبية [[عرقوبية: العرقوب هو الوتر الذي خلف الكعبين فوق العقب.
انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 3/ 221 (عرقب).]]، ويقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت من هذا؟! فقالوا هذا محمد يزعم أنه نبي، وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب [[ووردت بنحو هذه الرواية في "مسند الإمام أحمد" 3/ 492، 4/ 341 من طريق محمد بن عمرو عن ربيعة ابن عباد قال: رأيت رسول الله -ﷺ- وهو يدعو الناس إلى الإسلام بذي المجاز، وخلفه رجل أحول يقول: لا يغلبنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. قلت لأبي وأنا غلام: من هذا الأحول الذي يمشي خلفه؟ قال: عمه أبو لهب. قال عباد: أظن بين محمد بن عمرو وبين ربيعة محمد بن المنكدر.
وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 603، وعزاه إلى أحمد والطبراني 5/ 61ح 4582 - 4590 عن ربيعة بن عباد.
كما وردت هذه الرواية معزوة إلى (طارق) بدلاً من (طاووس) في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 236.]].
قال أبو الضحى: إنما كني باللهب لحسنه، وكان يتلهب من حسنه [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه من غير عزو في "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 236.]] وهو قول عبد الله ابن كثير المكي القاري، وكان يقرأ (أبي لَهْب) ساكنة الهاء [[وقرأ الباقون: "أبي لهَب" "بفتح الهاء". "كتاب السبعة في القراءات" 700، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 805، و"الحجة" 6/ 451، "المبسوط" ص 420.]].
قال أبو علي: يشبه [[غير واضحة في (ع).]] أن يكون لهْب ولَهَب لغتين [[في (ع): (كما)، وهي زيادة.]]، كالشمْع والشمَع [[كالسمْع والسمَع في مصدر القول.]] والنهْر والنهَر، واتفاقهم في الثانية [[أي في قوله "نارًا ذات لهب".]] على الفتح يدل على أنه أوجه [من] [[ساقطة من النسختين، وأثبتت ما جاء في مصدر القول لسلامته وانتظام الكلام به.]] الإسكان، وكذلك قوله: (ولا يغني من اللهب) [[سورة المرسلات: 31.]] " [["الحجة" 6/ 451 بنصه.]].
وقال غيره: اتفقوا على الفتح في الثانية، مراعاة لوفاق الفواصل [[انظر: "منار الهدى" ص 436 - 437، و"البحر المحيط" 8/ 525.]].
قال ابن مسعود: لما أنذر النبي -ﷺ- عشيرته (وأقربته) [[ساقط من (أ).]] النار، قال: أبو لهب: إن كان ما يقوله حقًا، فإني أفتدي نفسي بمالي، وولدي، فأنزل الله:
المسد 111:2
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [["الكشف والبيان" 13/ 183 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 543، و"زاد المسير" 8/ 326، "لباب التأويل" 4/ 424، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 603، وبمثلها عن ابن عباس في "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 238.]] أي: ما دفع عنه عذاب الله ما جمع من ماله، وما ولد. (وهو قول كافة أهل التفسير) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
قالوا: وما كسب يعني: ولده؛ لأن ولده من كسبه. قاله ابن عباس [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 406، كما ورد معنى قوله في: "جامع البيان" 30/ 388، و"النكت والعيون" 6/ 366، و"الكشف والبيان" 13/ 183 ب، و"المحرر الوجيز" 5/ 534، و"الكشاف" 4/ 241، و"التفسير الكبير" 32/ 69، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 238، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 603.]]، وعائشة [["الكشف والبيان" 13/ 183 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 603، و"الدر المنثور" 8/ 666 وعزاه إلى عبد الرزاق: وابن أبي حاتم.]] وابن سيرين [["تفسير القرآن العظيم" 4/ 603.]]، (ومجاهد [["تفسير الإمام مجاهد" 759، و"جامع البيان" 30/ 338، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 238، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 603، و"فتح القدير" 4/ 512، و"الدر المنثور" 8/ 666.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 255 ب.]]، وقتادة [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد قال بمثل قولهم أيضًا: عطاء، والحسن. انظر "تفسير القرآن العظيم" 4/ 603، و"الدر المنثور" 8/ 666.
وحكاه عن المفسرين: الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 375، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 534، وابن الجوزي في: "زاد المسير" 8/ 326.
وقال به أيضًا الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 183 أ.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]: ويدل على صحة هذا ما روى أن النبي -ﷺ- قال: "إن أطيب ما أكل أحدكم من كسبه، وإن ولده من كسبه" [[أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 6/ 30، 42، 127، 193، 220، والدارمي في "سننه" 2/ 697 ح 2442: كتاب البيوع، باب 6، وابن ماجه في "سننه" 2/ 5 ح 2153، كتاب التجارات، باب 1، والنسائي في "سننه" 7/ 276 ح 4461، 4462، 4463، 4464: كتاب البيوع: باب الحث على الكسب.
والحديث صححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" 2/ 5 ح 1738. "إرواء الغليل" 6/ 65 ح 1626 "مشكاة المصابيح" للتبريزي 2/ 844 ح 2770 كتاب البيوع: باب الكسب وطلب الحلال.]].
ثم أوعده بالنار فقال:
المسد 111:3
(قوله) [[ساقط من (أ).]]: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾
قال مقاتل: يعني نارًا تلتهب [[في (أ): (لهب).]] عليهم [[بمعناه في تفسيره: 255 ب.]].
﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ وهي أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان [[قال به الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 376، وانظر: "الكشف والبيان" 13/ 183 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 543.]].
﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ كانت تحمل العصاة، والشوك فتطرحه على طريق النبي [[في (أ): (رسول الله).]] -ﷺ- ليعقره [[العقر: الجرح، أو ما يشبه الجرح من الهزم في الشيء. "مقاييس اللغة" 4/ 90 (عقر).
وقال الفيروزبادي: العقر: الجرح وأثر كالحز في قوائم الفرس والإبل، عقره يعقره وعقره والعقير المعقور. "القاموس المحيط" 2/ 93 (عقر).]]، وهو قول مقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، (والضحاك [["جامع البيان" 30/ 339، و"الكشف والبيان" 13/ 184 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 543، و"زاد المسير" 8/ 327، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 240، و"فتح القدير" 5/ 512.]]، وابن زيد [["جامع البيان" 30/ 339، و"الجامع لأحكام القرآن" 2/ 240، و"الدر المنثور" 8/ 667 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و"فتح القدير" 5/ 512.]]، ورواية عطية [["جامع البيان" 30/ 338، و"الكشف والبيان" 13/ 184 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 543، و"المحرر الوجيز" 5/ 535 من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس، و"زاد المسير" 8/ 327، و"البحر المحيط" 8/ 526 من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس، و"الدر المنثور" 8/ 667 وعزاه إلى البيهقي في الدلائل، وابن عساكر.]]، وعطاء [[لم أعثر على مصدر ذكر طريقه إلى ابن عباس عدا "المحرر الوجيز"، و"البحر المحيط" فقد ذكرت الرواية من غير بيان الطريق إلى ابن عباس راجع الهامش السابق.]] عن ابن عباس ([[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومجاهد [["تفسير الإمام مجاهد" ص 759، و"جامع البيان" 30/ 339، و"الكشف والبيان" 13/ 183 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 543، و"زاد المسير" 8/ 327، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 239، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"الدر المنثور" 8/ 667 وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، و"فتح القدير" 5/ 512.]]، (وقتادة [[المراجع السابقة عدا "تفسير مجاهد"، و"زاد المسير"، وانظر أيضًا: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 406.]]، والسدي [["الكشف والبيان" 13/ 183 ب، و"النكت والعيون" 6/ 367، و"معالم التنزيل" 4/ 543، و"زاد المسير" 8/ 327 "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 239، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"فتح القدير" 5/ 512.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]: كانت تمشي بالنميمة بين الناس وهو قول ابن عباس (في رواية أبي صالح) [["الكشف والبيان" 13/ 183 ب من غير ذكر طريق أبي صالح، وكذلك "زاد المسير" 8/ 327، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 239، و"البحر المحيط" 8/ 526.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
والمعنى على هذا أنها: كانت تحرش [[تحرش: التحريش: الإغراء بين القوم وكذلك بين الكلام. "الصحاح" 3/ 1001 (حرش)، وانظر: "لسان العرب" 6/ 279 (حرش).]] بين الناس، فتلقى بينهم العداوة، وتهيج نارها، كما توقد النار بالحطب. هذا هو الأصل، ثم صار الحطب اسمًا للنميمة يقال: حطب فلان بفلان، إذا سعى به، قاله الليث [["تهذيب اللغة" 4/ 394 (حطب).]] وأنشد:
من البِيضِ لمْ تُصْطَدْ على ظَهْرِ سوةٍ ... ولمْ تمشِ بين الحيِّ بالحطبِ الرَّطبِ [[ورد البيت أيضًا غير منسوب في:
"لسان العرب" 1/ 322 (حطب)، و"تاج العروس" 1/ 217، و"الكشف والبيان" 13/ 183 ب، و"الكشاف" 4/ 241، و"النكت والعيون" 6/ 367 "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 239، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"فتح القدير" 5/ 512 "روح المعاني" 30/ 263 وجميعها برواية على (ظهر لأمة) بدلاً (على ظهر سوة) و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 376 برواية (لأمة)، و (لم تمس بين الحي بالحطب الجزل) "معجم مقاييس اللغة" 2/ 79: حطب، برواية: (حبل لأمة)، و"تأويل مشكل القرآن" ابن قتيبة: 160 برواية (على حبل سوأة) و (بالحظر الرطب)، و"الحجة" 6/ 452 برواية (لم تسع) بدلًا (لم تمش).]]
قال ابن قتيبة: الحطب: النميمة، ويقال: فلان يحطب على فلان إذا كان يغرى [[أغرى به: هكذا وردت في "تأويل مشكل القرآن".]] به، شبهوا النميمة بالحطب، والعداوة، والشحناء بالنار، لأنهما يقعان بالنميمة كما تلتهب النار بالحطب، وأنشد البيت [["تأويل مشكل القرآن" 160 بيسير من التصرف، وانظر "تفسير غريب القرآن" 542.]].
قوله [[في (أ): وقوله.]]: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾
قراءة العامة: بالرفع [[وقرأ عاصم وحده: (وامرأته حمالةَ الحطب) بالنصب.
انظر: "كتاب السبعة في القراءات" 700، و"المبسوط" ص240، و"حجة القراءات" ص 776، و"تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة" ص 202.]] على النعت للمرأة، وهو عطف على الضمير في "سيصلى" التقدير: سيصلى هو وامرأته، إلا أنه حسن أن لا يؤكد لما [[في (أ): (ما).]] جرى من الفصل بينهما، ويجوز أن ترفع "امرأته" بالابتداء، و"حمالة الحطب" وصف لها و"في جيدها" خبر المبتدأ. وعلى القول الأول (في جيدها) "في "موضع الحال على تقدير: تصلى هي النار مسلسلًا.
وهذا قول أبي علي [["الحجة" 6/ 451 - 452.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 375.]] [[في (ع): (الزجاج وأبي علي).]]، (ومعنى كلام الفراء [["معاني القرآن" 3/ 218.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
ومن نصب: (حمالةَ الحطب) فعلى معنى: أعني حمالة الحطب. قاله الفراء [["معاني القرآن" 3/ 218.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 375.]]، (وأبو علي [["الحجة" 6/ 451 - 452.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال أبو علي: النصب في (حمالة الحطب) على الذم، وكأنها كانت
اشتهرت بذلك، فجرت الصفة عليها [للذم؛ لا] [[ساقطة من النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر القول لسلامته وانتظام الكلام به.]] للتخليص والتخصيص من موصوف غيرها [["الحجة" 6/ 452 بيسير من التصرف.]].
المسد 111:5
وقوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا﴾ أي في عنقها.
﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ قال ابن عباس [["الكشف والبيان" 13/ 185 أ، معالم التنزيل: 4/ 543، كما ورد في حاشية كتاب "زاد المسير" 8/ 328 عن النسخة الأزهرية. "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242 من رواية أبي صالح عن ابن عباس، و"لباب التأويل" 4/ 425.]]، والمفسرون: يعني سلسلة من حديد في النار، طولها سبعون ذراعًا. وهو قول السدي [[ورد معنى قوله في: "الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"زاد المسير" 8/ 328 حاشية.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، (وعروة بن الزبير [[ورد قوله في "جامع البيان" 30/ 340، و"بحر العلوم" 3/ 524، و"الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 543، و"المحرر الوجيز" 5/ 535، و"زاد المسير" 8/ 823، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 603، و"فتح القدير" 5/ 512.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
(والمسد في كلام العرب الفتل، يقال مسد الحبل يَمْسُده، إذا أجاد فتله. ورجل ممسود، إذا كان مجدول الخَلْق، وجارية ممسودة إذا كانت حسنة طي الخَلْق، والمسد: ما مسد، أي: فتل من أي شيء كان، فيقال لما فتل من جلود الإبل، ومن الليف، والخوص: مسد.
ولما فتل من حديد أيضًا: مسد. والمعنى أن السلسلة التي في عنقها فُتلَتْ من الحديد فَتْلًا محكمًا، ولوي ليًا شديدًا) [[ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 12/ 380، وعزا الأزهري القول من: (والمسد في كلام العرب ..) إلى (والخوص المسد) إلى ابن السكيت، ولم أجده في إصلاح المنطق.]]، وهي السلسلة التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [[سورة الحاقة: 32.]].
قالوا [[وهو قول ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعروة.
انظر: "الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242.]]: تدخل من فيها، وتخرج من دبرها، ويلوى سائرها على عنقها. ومن هذا يقال للحديدة التي تكون في البكرة: المسد، لشدة فتله، ومنه قول النابغة:
له صِريفٌ صَرِيف القَعْوِ بالمسَدِ [[شطر الأول منه:
مَقْذُوفَةٍ بِدخِيسِ النَّحْضِ بازِلُها
وقد ورد البيت في: ديوانه: 31: ط الموسوعة العربية للطباعة والنشر، و"المحرر الوجيز" 5/ 535، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 241 "فتح القدير" 5/ 512، و"الكامل" 2/ 846.
ومعنى: "القعو" ما تدور عليه البكرة إذا كان من خشب، فإن كان من حديد فهو خطاف، وقوله: "مقذوفة" يقول مرمية باللحم.
"الدخيس" الذي قد ركب بعضه بعضًا، و"والنحْص" للحم، و"بازلها" نابها.
"الكامل" 2/ 1023، وانظر: "ديوانه" -الحاشية-.]]
وإلى هذا ذهب مجاهد [["جامع البيان" 30/ 341، و"بحرالعلوم" 3/ 524، و"الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544.]]، وعكرمة [["جامع البيان" 30/ 341.]]، قالا: المسد الحديدة التي تكون في البكرة.
وهذا كالقول الأول، لأن المعنى: حبل من حديد، ووهم [[في (أ): وهم.]] قوم لم يعلموا أن المفتول من الحديد مسد، وظنوا أن المسد لا يكون من الحديد، فقال الشعبي: حبل من ليف [["الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"النكت والعيون" 6/ 368، و"معالم التنزيل" 4/ 544.]].
(وقال قتادة يعني: قلادة من ودع [[الودع: خرز بيض تخرج من البحر تتفاوت في الصغر والكبر. قاله القرطبي: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242.]] [[ورد قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 406، و"جامع البيان" 30/ 341، و"الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"النكت والعيون" 6/ 368، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"المحرر الوجيز" 5/ 535، و"زاد المسير" 8/ 268، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"الدر المنثور" 8/ 667 وعزاه إلى ابن الأنباري، و"فتح القدير" 5/ 512.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال الحسن: كانت خرزات في عنقها [["الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"النكت والعيون" 6/ 368 بمعناه، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"زاد المسير" 8/ 368 الهامش من النسخة الأزهرية، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 444.]].
(وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة في عنقها فاخرة [["الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"المحرر الوجيز" 5/ 535، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 242، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"فتح القدير" 5/ 512.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]
وقال ابن زيد: حبل من شجر تنبت باليمن يقال لها مسد [["جامع البيان" 30/ 340، و"الكشف والبيان" 13/ 185 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، بمعناه في: "المحرر الوجيز" 5/ 535.]].
(وقال مؤرج: تفتل من لحاء شجر الحرم [["الكشف والبيان" 13/ 185 أ.]].) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]
وكل هذا وهم، لا ذم لها في كون القلادة في عنقها.
والمراد بقوله: (في جيدها) يعني في النار، ولا يكون في جيدها في النار حبل من ليف، ولا من لحاء شجر.
(وذهب قوم إلى أنها كانت تحتطب على ظهرها بحبل من ليف في عنقها [[عزاه ابن قتيبة إلى بعض المتقدمين: "تأويل مشكل القرآن" ص 161 - 162، وقد قال به: قتادة كما في: "الكشف والبيان" 13/ 184 أ، و"النكت والعيون" 6/ 367.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)]].
(قال ابن قتيبة: ولست أدري كيف هذا، لأن الله وصف زوجها بالمال والولد، ثم ذكر في المسد مثل ما ذكرنا، وهو أنه كل ما ضفر وقتل وإن كان حديدًا أو نارًا، وما شاء الله أن يكون [["تأويل مشكل القرآن" ص 161 - 162 باختصار.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]
وذكر أهل العلم (من المفسرين) [[ساقط من (أ).]] معجزة للنبي -ﷺ- في هذه السورة وهو أنه أخبر أن أبا لهب وزوجه يدخلان النار، وذلك [[في (ع): (كذلك).]] إنما يكون بموتهما على الكفر، فكان الأمر كذلك، وكانا على الكفر [[قال بذلك الثعلبي في: "الكشف والبيان" 13/ 185 أ، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 243 و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 604 وعزاه إلى العلماء.]].
وسئل الحسن فقيل: هل كان يستطيع أبو لهب أن لا يصلى النار؟ فقال والله ما كان يستطيع لا يصلاها [[في (أ): (يصليها).]] وإنها لفي [[في (أ): (في).]] كتاب الله قبل أن يخلق أبو لهب وأبواه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
(تمت) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
الإخلاص 112:1
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال أبي بن كعب: إن المشركين قالوا لرسول الله -ﷺ-: انسب لنا ربك، فأنزل الله هذه السورة [[وردت هذه الرواية من طريق أبي سعد الصاغاني -وهو محمد بن مُيَسَّر- وهو طريق ضعيف لضعف أبو سعد ذكر ذلك: أيمن صالح محقق: "أسباب النزول" ص 409 وكذلك ضعفه الألباني في تحقيقه لكتاب "السنة" 1/ 297 ح 663 باب نسب الرب تبارك وتعالى.
قال ابن حجر: محمد بن مُيَسّر هو: الجعفي أبو الصاغاني البلخي، ضعيف، ورمي بالإرجاء "تقريب التهذيب" 2/ 212 ت 756، كما وصفه البخاري بالاضطراب؛ قال: وفيه اضطراب. "التاريخ الكبير" 1/ 45 ت 778. كما وردت هذه الرواية من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب في "المسند" 5/ 134، و"سنن الترمذي" 5/ 451 == ح 3364 كتاب تفسير القرآن، باب 93، وفي "المستدرك" 2/ 54: كتاب التفسير: باب تفسير سورة الإخلاص وصححه، ووافقه الذهبي، و"الأسماء والصفات" 1/ 69: جماع أبواب ذكر الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله.
قال الترمذي: وقد روي بنحو هذه الرواية عن أبي العالية، ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب، وهذا أصح من حديث أبي سعد. "سنن الترمذي" المرجع السابق.
وقال ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 739: بعد أن ذكر رواية أبي العالية عن أبي بن كعب: وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن أبي العالية مرسلاً، وقال: هذا أصح، وصحح الموصول ابن خزيمة، والحاكم، وله شاهد من حديث جابر عند أبي يعلى، والطبري، والطبراني في الأوسط، وأخرجه أيضًا ابن الجوزي كما في "جامع الأصول" 2/ 441 ح 893.
وسند رواية أبي بن كعب إن كانت من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أنس عن أبي العالية عنه، فهو إسناد جيد.
انظر الحكم على سند الرواية: مقالة د. حكمت بشير، منشورة في "مجلة الجامعة الإسلامية ص: 40 للسنة 26 العددان: 101، 102 عام 1414 - 1415، وقد وردت رواية أبي العالية عن أبي بن كعب في: "جامع البيان" 30/ 342، و"الكشف والبيان" ج 13/ 188 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"ابن كثير" 4/ 604، و"الدر المنثور" 8/ 669، وعزاه إلى أحمد، والبخاري في تاريخه، والترمذي، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم، والبغوي في معجمه، وابن المنذر، والحاكم وصححه، و"فتح القدير" 5/ 513، و"مجموع الفتاوى" 17/ 221.
كما وردت الرواية من غير ذكر الطريق في: "بحر العلوم" 3/ 525، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 377 و"النكت والعيون" 6/ 369، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 246، و"لباب التأويل" 4/ 426.]].
وقال ابن عباس (في رواية عطاء [["التفسير الكبير" 32/ 175.]]، والضحاك [["الكشف والبيان" 13/ 188 ب.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]: "إن [[في (أ): (أنى).]] وفد نجران [[في (أ): (بحوران).]] قدموا على النبي -ﷺ- فقالوا: صف لنا ربك؛ أمن زبرجد، أم من ياقوت، أم من ذهب، أم من فضة؟! فأنزل الله هذه السورة".
وقال في رواية أبي (ظبيان [["الكشف والبيان" ج 13/ 188 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544.]]، وأبي) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] صالح [["الكشف والبيان" ج 13/ 188 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"زاد المسير" 8/ 329 من غير ذكر طريق أبي صالح، وكذا في: "لباب التأويل" 4/ 426.]]: أن عامر بن الطفيل [[عامر بن الطفيل: قال ابن الأثير لم يختلف أهل النقل من المتقدمين أن عامر بن الطفيل مات كافرًا. انظر: "أسد الغابة" 3/ 127.]]، وزيد بن ربيعة [[في (أ): (أربد).]] أتيا النبي -ﷺ-فقال عامر: إلى من تدعونا يا محمد؟ قال: إلى الله. فقال: صفه لنا، أم من ذهب هو، أم من فضة، أم من زبرجد، أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة.
وقال قتادة [["تفسير مقاتل" 257 أ.]]، (ومقاتل [[ساقط من (أ).]]) [["جامع البيان" 30/ 343، و"النكت والعيون" 6/ 369، و"الكشف والبيان" ج 13/ 188 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"الدر المنثور" 8/ 671 وعزاه إلى ابن المنذر.]]: إن اليهود قالوا للنبي -ﷺ-: انسب لنا ربك، فقد أنزل الله نعته في التوراة، فأخبرنا عنه يا محمد وصفه لنا؟ فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخر السورة.
فقال أبو إسحاق: "هو" كناية عن ذكر الله. المعنى: الذي سألتم تبيين نسبته [[في (أ): (تشبيه).]] ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال: ويجوز أن يكون "هو" للأمر، كما تقول: هو زيد قائم، أي الأمر زيد قائم [[(زبد قائم) بياض في (ع).]]. والمعنى: لأمر الله أحد [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 377 بنصه.]].
قال أبو علي الفارسي: من ذهب إلى أن "هو" كناية عن اسم "الله"، كان قوله "الله" مرتفعًا بأنه خبر مبتدأ، ويجوز في قولك: "أحدُ" ما يجوز في قولك زيدٌ أخوك قائم. ومن ذهب إلى أنه كناية عن القصة، والحديث؛ كان اسم الله عنده مرفوعًا بالابتداء "واحد" خبره، ومثل هذا قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ [[ما بين القوسين ساقط من النسختين، وأثبته لأنه موطن الشاهد في الآية، وهو مذكور أيضًا في "الحجة"، وهو مصدر القول.]] شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: 97]؛ إلا أن "هي" جاءت على التأنيث؛ لأن في التفسير اسمًا مؤنثًا، وعلى هذا جاء: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: 46]، فإذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة لقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: 74] [["الحجة" 6/ 458 بيسير من التصرف.]].
وقال أبو إسحاق: "أحد" مرفوع على معنى هو أحد، المعنى هو الله، وهو أحد [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 377.]].
وقال الكسائي: "هو" في قوله "هو الله" عماد [[يعني به: ضمير فصل. سبق بيانه.]] مثل قوله: ﴿[إِنَّهُ] [[ساقط من النسختين وهو موضع الشاهد كما هو موضح في "معاني القرآن" 3/ 299.]] أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [[سورة النحل: 9.]]﴾ [[ورد قول الكسائي عند الفراء في "معاني القرآن" 3/ 299.]].
وأنكر الفراء ذلك، وقال العماد: لا يكون مستأنفًا به [[لا يكون مستانفًا به إلا إذا كان قبله إن أو بعض أخواتها أو كان أو الظن. "معاني القرآن" الفراء 3/ 299.]] [["معاني القرآن" المرجع السابق.]].
وأما "أحد"، فقد تقدم الكلام في أصله وبيانه في سورة البقرة [[سورة البقرة: 163 قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، ومما جاء في بيان أصله: قال: معنى الوحدة في اللغة هي الانفراد، يقال: وحد الشيء، وهو يحد حده، فهو واحد، وجمعه وحدان بالضم، والوَحْدان بالفتح بمعنى الواحِد؛ مثل قولهم: فَرْدان بمعنى الفرد، وحقيقة الواحد شيء لا يتبعض. ويقال أيضًا: وَحَد يوحُد وَحَادةً ووحَدً فهو وحيد. ويستعمل الواحد على الوجهين: أحدهما: على جهة الحكم والحقيقة، والثاني: على الوصف والمجاز .. فاما الواحد في صفة الله تعالى، فقال الأزهري له معنيان: أحدهما أنه واحد لا نظير له وليس كمثله شيء، والمعنى الثاني أنه إله واحد، ورب واحد ليس له في إلهيته وربوبيته شريك، لأن المشركين أشركوا معه آلهة فكذبهم الله تعالي فقال: "وإلهكم إله واحد".]].
قال أبو علي الفارسي: وهو اسم على ضربين أحدهما: أن يكون اسمًا نحو: أحد وعشرون، يريد به الواحد. والآخر أن يكون صفة، كبطلٍ، وحسن، وذلك نحو قول النابغة:
بذي الجليلِ على مُسْتَأنس وَحَدِ [[وصدره:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا
وقد ورد في: "ديوانه" ص 31، ط. المؤسسة العربية برواية: (يوم) بدلاً من (بذي)، و"تهذيب اللغة" 5/ 19 (وحد)، و"لسان العرب" 3/ 450 (وحد)، و"الكشف والبيان" 13/ 189 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 44، و"الحجة" 6/ 458، و"تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج: تح الدقاق ص 58، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 271، معناه: زال النهار: انتصف. الجليل: وادٍ قرب مكة، المستأنس: الذي ينظر بعينه؛ لأنه أحس إنسيًا. وحد: منفرد. "ديوانه" 31.]] وقد جمعوا "أحدًا" الذي هو صفة على أحْدان، وهو جمع لـ: "أحد" الذي يراد به الرفع من الموصوف والتعظيم له، وأنه منفرد عن الشبه والمثل [["الحجة" 6/ 458 - 459 باختصار.]]. هذا كلامه.
ومعناه: أن "أحدًا" إن جعلته اسمًا لله تعالى فمعناه أنه شيء لا ينقسم في نفسه [[قوله: "إنه لا ينقسم في نفسه" هذا لفظ مجمل يحتمل حقًّا، وهو: نفي أنه تعالى يتفرق أو يتجزأ، أو أنه ركب من أجزاء، ويحتمل معنى باطلاً، وهو: نفي علوه على عرشه ومباينته لخلقه، أو نفي صفة الوجه واليدين ونحوها مما يليق بجلاله وعظمته. وقد اشتهر لدى المتكلمين، ومنهم الأشاعرة، ذكر هذا على المعنى الثاني، ولا شك أنه إطلاق باطل، لأن إثبات العلو والاستواء لا يستلزم الانقسام الذي نفاه هؤلاء، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ما في قول المتكلمين: "واحد لا قسيم له" من حق وباطل فقال:
قولهم هو واحد لا قسيم له في ذاته، أو لا جزء له أو لا بعض له، لفظ مجمل، فإن الله سبحانه وتعالي أحد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فيمتنع أن يتفرف أو يتجزأ، أو يكون قد ركب من أجزاء، لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه ومباينته لخلقه وامتياز عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد. "التدمرية: لابن تيمية" تح: محمد السعوي ص 184 - 185.]]، وفيه إبطال مذهب المجسمة [[لفظ المجسمة لفظ مجمل اختلف المتكلمون في تحديده وتحريفه، واضطربوا فمثلًا يرى من ينفي الأسماء والصفات كالجهمية: أن من يثبت الأسماء لله كالمعتزلة مجسمة، ويرى المعتزلة نفات الصفات - أن الأشاعرة الذين يثبتون لله سبع صفات مجسمة، ويرى الأشاعرة أن أهل السنة إذا اثبتوا لله الوجه، واليدين والنزول والاستواء ونحوها مجسمة. وهذا. وقد يطلق هذا على من يشبه لله بخلقه وبجسمه == ويصفه بصفات البشر -كما فعلت المشبهة ونحوهم-، وهو في هذه الحالة الأخيرة إطلاق صحيح. (انظر: "شرح القصيدة النونية" لابن القيم: شرح د. محمد الهراس 1/ 82، و"موقف ابن تيمية من الأشاعرة" د. عبد الرحمن المحمود 3/ 1099، و"التدمرية" تح السعوي: 184 - 185)، والإمام الواحدي رحمه الله بما عرف من أشعريته قد يكون قصد بمذهب المجسمة. من يثبت لله الوجه واليدين والعلو والاستواء، ويقولون هذه خصائص الأجسام، وكثيرًا ما يذكرون هذا في تفسير الأول، والواحد. ولا شك أن هذا الإطلاق خطأ؛ بل إثبات هذه الصفات هو الحق الذي عليه الأئمة، وهو الصواب. والله أعلم.
انظر: "موقف ابن تيمية من الأشاعرة" 3/ 948، و"شرح القصيدة النونية" 1/ 82.]]؛ لأن الجسم ليس بواحد إذ هو أجزاء كثيرة، وقد دل الله بهذا القول علي أنه واحد، فصح أنه ليس بجسم. وإن جعلته صفة فمعناه: الرفع من شأنه والتعظيم بأنه لا نظير له ولا شريك.
فهو أحد في صفته؛ إذ لم يوصف غيره بما وصف به من الصفات العلية.
وقال الأزهري: لا يوصف شيء بالأحدية غير الله -تعالى- لا يقال: رجلٌ أحدٌ، و (لا) [[ساقط من (أ).]] درهم أحدٌ. كما يقال: رجل وَحَدٌ، أي فرد، لأن أحدًا: صفة من صفات الله -جل ثناؤه- التي استأثر بها فلا يشركه فيها شيء، وليس كقولك: الله واحد، وهذا شيء واحد. لأنه لا يقال: شيء أحد، فأحد لا يوصف به غير الله لخلوص هذا الاسم الشريف لله جل ثناؤه [["تهذيب اللغة" 5/ 97 - 198 بتصرف.]].
وقول المفسرين في تفسير "أحد" يدل على أنه وصف لا اسم، فإن ابن عباس قال: يريد الواحد الذي ليس كمثله شيء [["الوسيط" 4/ 571، وبمعناه في "زاد المسير" 8/ 330 وعبارته: الأحد هو الواحد.]].
ومقاتل قال: "أحد" لا شريك له [["الوسيط" 4/ 571.]].
واختلف القراء في قوله: "أحد الله الصمد"، فقراء العامة [[وهم: ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وقرأ أبو عمر: "أحَدْ * الله" بغير تنوين ثم يقف.
انظر: "كتاب السبعة في القراءات" ص 701، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 807، و"الحجة" 6/ 454.]]: التنوين.
وتحريكه بالكسرة في نحو: "أحَدُنِ الله" وهو القياس الذي لا إشكال فيه، وذلك أن التنوين من أحد ساكن، ولام المعرفة من "الله" ساكن، فلما التقى ساكنان، حرِّك الأول منهما بالكسر كما تقول: اذهبِ اذهبْ. فتحرك الساكن الأول بالكسر.
وروي عن أبي عمرو: "أحُد الله" بغير تنوين [[القراءة عن هارون عن أبي عمرو بضم الدال في "أحد" بغير تنوين قراءة شاذة رويت أيضًا عن نصر بن عاصم، وعمر بن الخطاب انظر "مختصر الشواذ" ص 182وإن كان المقصود قراءته بالوقف من غير تنوين فهي قراءة صحيحة - كما مر بنا.]]، وذلك أن النون شابهت حروف اللين في أنها تزاد كما يزدن [[في (أ): (يزد).]]، وفي أنها قد أبدلت منها "الألف" في الأسماء المنصوبة، وفي الخفيفة نحو: "والله فاعبدا"، فلما شابهتها أجريت مجراها في أنها: حذفت ساكنه للالتقاء الساكنين، كما حذفت "الألف" و"الواو" و"الياء" كذلك، نحو: رمى القوم، ويغزو [[في كلا النسختين: (بغزوا).]] القوم، ويرمي القوم، ومن ثم حذفت ساكنة في الفعل نحو ﴿لم يك﴾ [الأنفال: 53]، ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ [السجدة: 23]، فحذف في "أحد الله" لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف. وقد جاء ذلك في الشعر كثيرًا، أنشد أبو زيد (فقال) [[ساقط من (أ).]]:
حَيْدَةُ خالي، ولَقيطٌ، وعَليْ ... وحَاتِمُ الطَّائيُّ وَهَّابُ المئيْ [[في (أ): (المأوى)، وفي (ع): (الماى).]] [[البيت لامرأة من بني عقيل تفخر بأخوالها من اليمن، وقد ورد البيت في كتاب "النوادر في اللغة" لأبي زيد ص 321: باب رجز.
"لسان العرب" 15/ 27 (مأى)، ونسبه للعامرية، و"الأمالي الشجرية" 1/ 383، و"المنصف" 2/ 68.]]
وأنشد أيضًا [[الرجز لقائل مجهول - انظر حاشية "الحجة" 6/ 457.]] (فقال) [[ساقط من (أ).]]:
لَتَجدَنِّي بِالأميرِ بَرَّا بالقَنَاةِ مِدْعَسُا ... مِكَرُّا إذا غُطَيْفُ السُّلَميُّ فَرَّا [[ورد البيت في: "النوادر" ص 321 باب رجز، و"الحجة" 4/ 185، و"لسان العرب" 7/ 36 (دعص)، أنشد الأول منه والثاني برواية: (بالقناة) مِدْعَصا - دعصه بالرمح طعنه به، ورجل مدعَصُ بالرمح طعان، و"لسان العرب" 6/ 84 (دعس)، و"الأمالي الشجرية" 1/ 382 - 383، و"الإنصاف" 2/ 665، و"معاني القرآن" 1/ 431، و"شرح أبيات معاني القرآن" ص 140: ش 302 - 303 - 304، و"جامع البيان" 30/ 344 - حاشية 1 - موضع الشاهد: غطيف أراد غطيف بالتنوين إلا أنه حذف لالتقاء الساكنين كما حذفت نون التوكيد لالتقاء الساكنين.]]
وقد ذكرنا هذا مستقصى [[في (ع): (مستقصى).]] عند قوله: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30].
وروي عن أبي عمرو أيضًا: "أحد الله الصمد"، وقال: أدركت القراء كذلك يقرؤونها "أَحَدْ" وصلًا على السكون.
قال أبو علي: قد تجرىِ الفواصل في الإدراج مجراها في الوقف،
على هذا قال من قال: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا﴾ [الأحزاب:67 - 68]، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ﴾ [القارعة: 10 - 11].
وأنشد [[البيت للربيع بن ضب الفزاري.]]:
أصبَحْتُ لا أحمِل [[في (ع): (ولا أملك)؛ بدلاً من (ولا أحمل).]] السِّلاحَ ... ولا أملك [[في (ع): (ولا أحمل)؛ بدلاً من (ولا أملك).]] راسَ البعيرِ إن نَفَرا
والذئب أخشاه إن مررتُ به [[وعجزه:
وَجْدي وأخش الرياح والمطرا
وقد ورد في: "كتاب سيبويه" 1/ 89 - 90، و"شرح أبيات سيبويه" 71: ش 163، و"المحتسب" 2/ 99، و"النوادر" 446.]] ... ............................
قال: وهذا مبني على وصل البيت الأول بالثاني، ألا ترى أنه نصب الذئب كما قال -سبحانه-: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ﴾ [الإنسان: 31] بعد قوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: 31]، وكذلك الفواصل إذا أدرجت ووصلت بما بعدها.
ومما يؤكد ذلك قطعهم لهمزة الوصل في أنصاف البيوت كقوله [[البيت للبيد، وليس في ديوانه نقلاً عن - حاشية 1، و"الحجة" 6/ 461.]]:
ولا يُبادِرُ في الشِّتاءِ وَليدُنا ... ألقِدْرُ يُنْزِلُهَا بغير جِعالِ [[ورد البيت في: "كتاب سيبوية" 4/ 105، و"شرح أبيات سيبوية" 186 ش 709، و"لسان العرب" 11/ 112 (جعل) برواية: "ولا تبادر في الشتاء وليدتي"، ونسبه إلى ابن بري، ومعنى جعال. ما تنزل به القدر من خرقة وغيرها. اللسان.]]
فهذا لأن النصف الثاني من الأول كالبيت الثاني من الأول، فكذلك "أحد الله" لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف، أجراه في الوصل مجراه في الوقف لاستمرار الوقف عليه، وكثرته على ألسنتهم) [[ما بين القوسين نقله عن "الحجة" 6/ 454 - 462 بتصرف.]].
الإخلاص 112:2
قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ اختلف قول المفسرين في معنى "الصمد"، وتفسيره، فقال ابن عباس [[ورد معنى قوله في: "بحر العلوم" 3/ 525، و"الكشف والبيان" 13/ 189 ب، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245 من طريق الضحاك "تفسير القرآن العظيم" 4/ 609، وطريق نافع ابن الأزرق عن ابن عباس قال عنها الهيثمي: رواه الطبراني، وفي إسناده جويبر، وهو متروك: "مجمع الزوائد" 7/ 145 سورة قل هو الله أحد، كما ورد من غير ذكر طريق عطاء في: "زاد المسير" 8/ 330، و"التفسير الكبير" 31/ 181.]] (في رواية عطاء) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]: لما نزل: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قالوا: وما الصمد؟! فقال رسول الله: "السيد الذي يصمد إليه (في) [[ساقط من (أ).]] الحوائج". وهو قول أبي عبد الرحمن السلمي [[في (أ): (اللمى).]]؛ قال: الصمد الذي يصمد إليه في الأمر [[ورد قوله في "تهذيب اللغة" 12/ 150 (صمد).]].
وقال السدي: هو المصمود إليه في الرغائب [["الكشف والبيان" 13/ 190 أ، و"النكت والعيون" 6/ 372، و"معالم التنزيل" 4/ 545، و"التفسير الكبير" 32/ 181، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245، و"مجموع الفتاوى" 17/ 216، و"تفسير سورة الإخلاص لابن تيمية" ص 40.]].
(روى) [[ساقط من (أ).]] عمرو، عن أبيه [[في (أ): (الله).]]: الصامد المقاصد لحاجته.
ويقال للمقصود: المرغوب إليه (المعروف بالإغاثة) [[ما بين القوسين ساقط من (1).]] السيد الصمد [[لم أعثر على مصدر هذا القول.]].
(وقال) [[ساقط من (أ).]] الليث: صمدت صمد هذا الأمر أي قصدت قصده، وقال صمدته [["تهذيب اللغة" 12/ 151، وانظر: "لسان العرب" 3/ 258 (صمد).]]. أيضًا. قال طرفة:
إن يَلْتَقِ الحيُّ الجميعُ تُلاقِني ... إلى ذِروة البيتِ الرفيع المصمَّدِ [[ورد البيت في: "ديوانه" 30، ط. المؤسسة العربية، و"معجم مقاييس اللغة" 3/ 310 (صمد)، و"الكشف والبيان" 13/ 189 ب برواية (وإن)، و"مجموع الفتاوى" 17/ 217، و"دقائق التفسير" 6/ 357، و"تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 59، و"الأمالي" لأبي علي القالي: 2/ 288.
معنى البيت: الصمد: القصد، يقول: وإن اجتمع الحي للافتخار. تلاقني أنتمي وأعتزي. إلى ذروة البيت الشريف: إلى أعلى الشرف. يريد أنه أوفاهم حظًا من الحب أعلاهم سهمًا من النسب.]]
وروى الأعمش عن أبي وائل أنه قال: الصمد السيد الذي قد انتهى سؤدده [[ذكره البخاري في: "الجامع الصحيح" من قول أبي وائل تعليقًا 3/ 334: التفسير: باب 2 وقال الحافظ ابن حجر في الفتح وصله الفريابي من طريق الأعمش عنه وجاء أيضًا من طريق عاصم عن أبي وائل يذكر ابن مسعود فيه. "فتح الباري" 8/ 740.
وقال د. عبد العلي: أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 299 ح 666، وقال الألباني: إسناده حسن وأخرجه أيضًا من قول أبي وائل من رواية ابن نمير عن وكيع، وابن إدريس عن الأعمش عنه ورجال إسناده في الصحيحين: 1/ 3 ح 627 == وأخرجه الطبري، والبيهقي في "الأسماء والصفات" من وجه آخر عن الأعمش عنه (1/ 109) ورجالهما أيضًا ثقات.
"تفسير سورة الأخلاص" تح د. عبد العلي ص 39 و52.
كما ورد أيضًا في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 407، و"جامع البيان" 30/ 346، و"بحر العلوم" 3/ 525، و"الكشف والبيان" 13/ 189 ب، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245، و"لباب التأويل" 4/ 427 وعزاه إلى البخاري في أفراده، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 610، و"الأسماء والصفات" 1/ 109، و"مجموع الفتاوى" 17/ 216 و219 و225، و"دقائق التفسير" 6/ 359.]].
قال الأزهري: أما الله فلا نهاية لسؤدده، لأنه سؤدد غير محدود [["تهذيب اللغة" 12/ 150: (صمد).]].
وهذا معنى قول ابن عباس (في رواية الوالبي) [[ساقط من (أ).]] قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع الشرف والسؤدد [["جامع البيان" 30/ 346 مطولاً، و"الكشف والبيان" 13/ 185 ب من طريق ابن أبي طلحة، و"معالم التنزيل" 4/ 544 من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، و"زاد المسير" 8/ 330 عن ابن أبي طلحة عنه، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245، و"لباب التأويل" 4/ 427، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 609 برواية ابن أبي طلحة عنه، وكذلك "الدر المنثور" 8/ 263 وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في العظمة، و"الأسماء والصفات" 1/ 108، و"دقائق التفسير" 6/ 359، و"مجموع الفتاوى" 17/ 220، و"تفسير سورة الإخلاص" ص39 و46 وقال محققه: إن إسناده من طريق أبي صالح به لا بأس به: هامش 51 ص 46.]].
واختاره أبو إسحاق، وأحسن في (العبارة عن) [[ساقط من (أ).]] تفسيره فقال: تفسير الصمد (السيد) [[ساقط من (أ).]] الذي ينتهى إليه السؤدد [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 377 بنصه.]].
ومعنى هذا أن السؤدد انتهى إلى الله، فلا سيد فوقه، كما أن العلم انتهى إليه، ففوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي العلم إليه، فلا عالم فوقه، (وهذا معنى ما روي عن عكرمة أنه قال) [[ما بين القوسين ورد بدلًا منه في (أ) عبارة: قال عكرمة.]]: الصمد الذي ليس فوقه أحد [["الكشف والبيان" 13/ 189 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 545، و"تفسير سورة الإخلاص" 39.]].
وذكر [[أي الزجاج.]] القول الأول فقال: وقيل إن الصمد الذي صمد إليه كل شيء أي الذي خلق الأشياء كلها لا يستغني عنه شيء، يريد أن المخلوق لا غنى له عن الخالق، فكل شيء يصمد [[في (أ): (مصمد).]] بافتقاره إليه، ويدل على وحدانيته [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 378 بتصرف.]].
وقال الحسن: الصمد الدائم [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 407، و"بحر العلوم" 3/ 525، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"زاد المسير" 8/ 331 من غير عزو، و"مجموع الفتاوى" 17/ 219، وورد بمعناه في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 570، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 445، قال عنه الألباني في "كتاب السنة" 1/ 302: ح 681 إسناده ضعيف مقطوع.]].
وقال مجاهد: الصمد الذي لا جوف له [["تفسير الإمام المجاهد" 760، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 407، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 542، و"جامع البيان" 30/ 344 وعزاه أيضًا إلى الحسن وعامر، و"الكشف والبيان" 13/ 189 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"زاد المسير" 8/ 331، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 610 وعزاه أيضًا إلى ابن مسعود وابن عباسٌ وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن بريدة، وعكرمة، وعطاء والسدي، و"فتح القدير" == 5/ 516، و"مجموع الفتاوى" 17/ 215، 224، و"دقائق التفسير" 6/ 359، و"تفسير سورة الإخلاص" ص 50 - 51 وقال محققه: سنده صحيح، وعند الألباني في تخريج السنة: إسناده صحيح مقطوع: 1/ 300: ح 673.]].
وهو قول (عطية [["تفسير القرآن العظيم" 4/ 610، و"فتح القدير" 5/ 516.]]، والضحاك [["جامع البيان" 30/ 345، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"زاد المسير" 8/ 331، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 610، و"مجموع الفتاوى" 17/ 215.]]، وميسره [["الكشف والبيان" 13/ 179 ب، و"تهذيب اللغة" 12/ 150 (صمد)، و"مجموع الفتاوى" 15/ 215، قال الألباني في "ظلال الجنة" 1/ 300: ح 688، 689: إسناده ضعيف مقطوع.]]، وسعيد بن جبير [["جامع البيان" 3/ 345، و"الكشف والبيان" 13/ 189 أ، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"زاد المسير" 8/ 331، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 610، و"مجموع الفتاوى" 17/ 224، قال الألباني في "ظلال الجنة" 2/ 301: ح 685 - 686: إسناده مقطوع فيه ضعف.]]) [[ما بين القوسين ذكرت في (أ) عبارة: (وجماعة)؛ بدلاً من (تعدادهم).]] قالوا: هو المصمت [[في (أ): (المتصمت).]] الذي لا جوف له.
وقال الشعبي: الذي لا يأكل ولا يشرب [["جامع البيان" 30/ 345، و"الكشف والبيان" 13/ 189 أ، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"المحرر الوجيز" 5/ 536، و"البحر المحيط" 8/ 528، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 610، و"فتح القدير" 5/ 516، و"مجموع الفتاوى" 17/ 15، 221، 224 دقائق التفسير: 6/ 359، وقال الألباني في ظلال الجنة: 1/ 302: ح 682: إسناده صحيح مقطوع.]].
(وقال عكرمة الذي لا يخرج منه شيء [["جامع البيان" 30/ 345، و"الكشف والبيان" 13/ 190 أ، و"مجموع الفتاوى" ==17/ 215، و"دقائق التفسير" 6/ 359، "تفسير سورة الإخلاص" ص 47 قال محققه: إسناده صحيح -حاشية 6 - ، وعلق ابن تيمية عليه فقال: كلام صحيح؛ بمعنى أنه لا يفارقه شيء منه "مجموع الفتاوى" 17/ 240 وقال الألباني عن رواية عكرمة: إسناده ضعيف مقطوع: "ظلال الجنة في تخريج السنة" 1/ 299 ح 667.]].
هذا قول هؤلاء) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وتحقيق ذلك أن الله تعالى لا يحتاج إلى الطعام والشراب، ولا جوف له، ولا عضو، ولا رأس ولا رجل [[قد أثبت الله سبحانه لنفسه صفة الرجل، فنثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه اتباعاً لمذهب السلف من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف إثباتًا يليق بذاته، فعن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يلقى في النار وتقول: هل من مزيد حتى يضع قدمه أو رجله عليها فتقول قط قط" أخرجه البخاري في: "الجامع الصحيح" 3/ 296 ح 4848: كتاب التفسير: باب 50 رقم 1.]] فلا معنى لتخصيص نفي الجوف دون غيره في صفة الله تعالى.
وأما في تفسير الصمد فقد يكون في العربية الصمد الشيء المصمت الذي لا جوف له، المسدود الجوف، ومنه يقال لسداد القارورة الصماد وقد صمدتها أصمدها وشيء مصمد صلب، وليس فيه خور [[الخور: هو الصوت "الصحاح" 2/ 651 (خور).]] (وهذا صحيح في اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 150 - 151 (صمد)، و"الصحاح" 2/ 499، و"لسان العرب" 3/ 258، و"تاج العروس" 2/ 401.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، ولكن الصمد بهذا المعنى لا يجوز في صفة الله -تعالى- لأن المصمت هو المتضاغط [[المتضاغط الضغط والضغطة: عصر شيء إلى شيء ضغطه يضغطه ضغطًا: زحمه إلى حائط ونحوه، والتضاغط التزاحم. "لسان العرب" 7/ 342 (ضغط).]] الأجزاء، وهذا تشبيه وكفر بالله [[هذا الكلام من الإمام الواحدي يدل على أشعريته، ويتضح ذلك عند قوله: "ولا == رجل"؛ لثبوت هذه الصفة لله تعالى.
وعند قوله: "فلا معنى لتخصيص الجوف دون غيره في صفة الله تعالى"؛ لأن قوله: "وغيره" قد يدخل فيه ما هو صفة ثابتة لله تعالى.
ثم نفيه لصفة الصمد بالمعنى الثاني، وهو الذي لا جوف له، وضمنه أنواعًا من النفي مثل قوله: لا جوف، لا عضو، لا رأس .. إلخ.
وهذه طريقة المتكلمين في النفي حيث يتقون عن الله تعالى من الصفات ما لا يتضمن كماله ضده، بخلاف منهج الكتاب والسنة، فإنه قائم على النفي المتضمن كمال ضده لله تعالى كنفي السِنَة والنوم الدال على كمال الحياة والقيومية.
وكذا وصفه بالصمد على المعنى الثاني لأنه الذي لا جوف له فإنه راجع لصفة الكمال التي دل عليها المعنى الأول، وقد وضح شيخ الإسلام ذلك فقال: والاسم "الصمد" فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة، وليست كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان:
أحدها: أن الصمد هو الذي لا جوف له.
والثاني: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج.
والأول قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني: قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين.
ثم قال: قلت: الاشتقاق يشهد جميعًا قول من قال: إن "الصمد" الذي لا جوف له، وقول من قال إنه السيد، وهو على الأول أدل، فالأول أصل للثاني، ولفظ "الصمد" يقال على ما لا جوف له في اللغة .. وأصل هذه المادة الجمع والقوة -ثم قال- لم يقل الله صمد؛ بل قال: "الله الصمد"، فبين أنه المستحق لأن يكون هو الصمد دون ما سواه، فإنه المستوجب لغايته على الكمال، والمخلوق وإن كان صمدًا من بعض الوجوه، فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه، فإنه يقبل التفرقة والتجزئة، وهو أيضًا محتاج إلى غيره، فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه، فليس أحد يصمد إليه كل شيء، ولا يصمد هو إلى شيء إلا الله تبارك وتعالى، وليس في المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ ويتفرق وينقسم وينفصل بعضه من بعض، والله سبحانه هو الصمد الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك؛ بل حقيقة =]].
ومن أجاز أن يكون معنى "الصمد" في صفات الله هو: ضد الأجوف فقد جهل، (وقال ما لا يجوز [[قد رد قول الإمام الواحدي وأبطل في الحاشية السابقة.]]، وقد روى سعيد عن) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] قتادة قال كان إبليس ينظر إلى آدم ويقول: لأمر خلقت، ودخل في فيه، وخرج من دبره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صمد، وهذا أجوف" [[ورد في "بحر العلوم" 3/ 525، و"مجموع الفتاوى" 17/ 226، و"دقائق التفسير" 6/ 52 تفسير سورة الإخلاص، قال د. عبد العلي: جاء في حديث طويل أخرجه ابن جرير: 1/ 203 والبيهقي في "الأسماء والصفات" 457 عن ابن مسعود وابن عباس، وسنده ضعيف.]].
(قال ابن قتيبة: وهو على) [[ما بين القوسين غير مقروء في (ع).]] هذا التفسير: "الدال" فيه مبدلة من "تاء"، والمصصت من صمد [["تفسير غريب القرآن" 542 بيسير من التصرف، وقد بين ابن تيمية مراد ابن قتيبة قال: لا إبدال في هذا، ولكن هذا من جهة الاشتقاق الأكبر .. ثم قال - فالأشتقاق الأصغر اتفاق القولين في الحروف وترتيبها؛ والأوسط اتفاقهما في الحروف لا في الترتيب == والأكبر: اتفاقهما في أعيان بعض الحروف وفي الجنس لا في الباقي كاتفاقهما في كونهما من حروف الحلق إذا قيل حرز، وعزر، وازر، فإن الجميع فيه معنى القوة والشدة، وقد اشتركت مع الراء والزاي والحاء في أن الثلاثة حروف حلقية، وعلى هذا فإذا قيل الصمد: بمعنى المصمت وأنه مشتق منه بهذا الاعتبار، فهو صحيح، فإن الدال أخت التاء، فإن العمت السكوت وهو إمساك واطباق للفم عن الكلام. "مجموع الفتاوى" 17/ 232.]]، وقد بينا فساد هذا القول، وأنه لا يجوز في وصف الله (تعالى [[ساقط من (أ).]]) [[قد بينا صحة القول في معنى الصمد، على خلاف ما زعم الإمام الواحدي فليراجع في موضعه من هذه السورة.]].
والقول في الصمد: أنه السيد الذي يصمد إليه الحوائج) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
(قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 316، ولم يستشهد ببيت عمرو بن الأسلع وإنما ببيت الزبرقان، وفيه: ولا رهينة إلا سيد صمد.]]، والمبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: الصمد الذي انتهى إليه السؤدد، لأن الناس (تصمد إليه) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، وغير مقروء، وأثبت ما رأيت به انتظام الكلام. والله أعلم.]] في حوائجهم) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
(والعرب تقول لسيدها ولعظيمها: صمد، كما قال [[البيت لعمرو بن الأسلع العبسي -حاشية- "الصحاح".]]:
عَلَوْتُه بحسامي ثم قلت له خُذْها ... حُذَيفَ فَأَنتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ [[ورد البيت منسوبًا في "الزاهر" لابن الآنباري 1/ 180، و"بصائر ذوي التمييز" للفيروزابادي 3/ 440 وغير منسوب في: "الكشف والبيان" 13/ 189 ب برواية == (بحسام)، و"الصحاح" 2/ 499 (صمد)، و"لسان العرب" 3/ 258، و"تاج العروس" 2/ 401، و"الأمالي" لأبي علي القالي 2/ 288، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245: برواية: (بحسام، و"روح المعاني" 30/ 273: برواية (حزيت)، و"تفسير سورة الإخلاص" ص 41.]] وأنشد أهل اللغة قول الأسدي [[الأسدي هو سبرة بن عمرو الفقعسي، وهو شاعر جاهلي. "شرح ديوان الحماسة" للتبريزي 1/ 80.]]:
ألا بكَّرَ النَّاعي بِخَيْري بني أسَدْ ... بعمرو بن مَسْعُود وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ [[ورد البيت غير منسوب في: "شعر بني أسد في الجاهلية" د. أحمد الجاسم ص 37، و"جامع البيان" 30/ 347، و"مجاز القرآن" 2/ 316 برواية بخير، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 378، و"الكشف والبيان" 13/ 189 ب، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"المحرر الوجيز" 5/ 536 برواية (بخير)، و"زاد المسير" 8/ 331، و"التفسير الكبير" 32/ 181، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245، برواية (بخير)، و"روح المعاني" 30/ 273، و"الأغاني" 22، 92، ط. دار الكتب، و"فتح القدير" 5/ 517، و"تهذيب اللغة" 12/ 15 (صمد)، و"لسان العرب" 3/ 258، و"فتح الباري" 8/ 740، و"الأمالي" لأبي علي القالي 2/ 288، و"سمط اللآلي" ص 932، و"تفسير سورة الإخلاص" ص 41.]] " [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]
وروي عن أبي بن كعب في تفسيره: الصمد أنه ما بعده وهو قوله: (الذي) [[ساقط من (أ).]] ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)﴾ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء إلا سيورث، وأن الله لا يموت، ولا يورث [["الكشف والبيان" 13/ 189/ 2، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"زاد المسير" == 8/ 331 حاشية من النسخة الأزهرية، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245، وانظر تخريجه عند قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.]].
(وقال عطاء عن) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] ابن عباس: "لم يلد" كما ولدت مريم، ولم "يولد" كما ولد عيسى [["الجامع لأحكام القرآن" 20/ 246 من غير ذكر طريق عطاء.]].
وقال مقاتل: إن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير بن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله، وابرأ نفسه مما قالوا فقال "لم يلد ولم يولد" [["بحر العلوم" 3/ 525، و"معالم التنزيل" 4/ 545، و"زاد المسير" 8/ 331، و"لباب التأويل" 4/ 427.]] يقول: لم يكن له ولد، ولم يولد له من أحد كما ولد عيسى، وعزير، ومريم.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾ قال أبو إسحاق: معناه لم يكن أحد مِثلًا له [["تهذيب اللغة" 10/ 385: (كفأ)، ولم أجد قوله في معانيه وإنما كما ذكرت وجدته في التهذيب، ولعل الواحدي نقله عن الأزهري، والعبارة الواردة في المعاني قال ... ويقال فلان كفءٌ فلان مثل كفيّ فلان. 5/ 378.]].
(وقال أبو عبيدة: يقال كفواً وكَفِيء [[كفيئًا هكذا وردت في المجاز.]] وكِفاءً كله واحد [["مجاز القرآن" 2/ 316.]].
قال حسان:
ورُوحُ القُدْسِ ليسَ له كِفَاءُ [[في (أ): (كفاه).]] [[وشطره الأول: "وجبريل آمين الله فينا" وقد ورد البيت في: ديوانه: 8، ط. دار == صادر، ومعنى: ليس له كفاء أي ليس له نظير - "شرح ديوانه" ص 59: دار الكتاب العربي.]] ومنه قول النابغة:
لا تَقْذِفَنِّي بركْنٍ لا كِفاءَ لَهُ [[الشطر الثاني منه:
ولو تأثفك الأعداءُ بالرِّخدِ
ورد البيت في: "ديوانه" 36، ط. دار بيروت، و"جامع البيان" 30/ 348، وهذا البيت للنابغة لم يورده أبو علي في "الحجة" 6/ 463 - 465.
ومعنى البيت: الكفاء: النظير والمثل. تأثفك الأعداء: صاروا حولك كالأثافي. الرفد: العصب من الناس، يريد: لا ترمني بما لا أطيق، ولا يقوم له أحد، ولا يكافئك فيه أعداؤك، ولو أحاطوا بك متعاونين. "ديوانه" ص 36.]]
وقال آخر:
أما كانَ عَيَّادٌ كفيئًا لدارمٍ ... بلى ولأبيات بها الحُجُراتُ [[البيت لرجل من الحبطات، وهم بنو الحارث بن عمرو بن تميم وكان قد خطب امرأة من بني دارم بن مالك بن زيد مناة ابن تميم فقال الفرزدق: بنو دارم أكفاؤهم آل مِسْمِع وتُنْلَح في أكفائها الحبطات
فأجابه رجل من الحبطات فقال: أما كان .. البيت المذكور.
انظر: "الكامل" 1/ 64، 2/ 68، و"جامع البيان" 26/ 221.]]
والأصل في كُفُوءٌ: الضم [[قرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي، وأبو عمرو في رواية اليزيدي وعبد الوارث (كُفُؤاْ) بضم الفاء مهموزة وروى عباس بن الفضل، والقطعي عن محبوب (كُفْؤًا) مهموزًا خفيفًا وقرأ حمزة (كُفْؤًا) مهموزة خفيفة.
واختلف عن نافع، ففي رواية (كُفُؤا) مثقلًا مهموزًا، وبرواية أخرى (كُفْؤًا) خفيفًا مهموزًا، ورواية (كُفُوًا) مثقلًا غير مهموز.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر (كُفؤا) مثقلًا مهموزًا، وروي حفص عن عاصم (كُفُوًا) مثقلًا غير مهموز. == قال أبو منصور: هذه لغات وأجودها: كُفُؤا، ثم كُفْؤًا، وأما كُفُؤًا بترك الهمزة وضم الفاء فيس بكثير.
انظر: "كتاب السبعة في القراءات" ص 702، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 808، و"حجة القراءات" ص 777.]] ثم تخفف مثل: طُنُب وطُنْب، وعُنُقٍ وعُنْق.
وقال أبو علي: قوله: "ولم يكن له كفوا أحد" له متعلق بكان، وكفؤًا منتصب بأنه خبر تقدم، كما أن قوله: "وكان حقًا علينا نصر المؤمنين" كذلك) [[ما بين القوسين نقله عن "الحجة" 6/ 463 - 465.]]
الفلق 113:1
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ قال الكلبي [["معالم التنزيل" 4/ 546، و"لباب النقول": ص 238 - 239 من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 257 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]]: إن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبي -ﷺ- في إحدى عشر عقدة في وتر، ودسه في بئر يقال لها ذَرْوَان [[بياض في (ع).]]، فمرض رسول الله -ﷺ-، (واشتد) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] عليه [[في (أ): (على).]] ذلك ثلاث ليال، فنزلت المعوذتان لذلك، وأخبره جبريل بمكان السحر، فأرسل إليها عليًّا رضي الله عنه فجابها، فقال جبريل للنبي -ﷺ- حل عقدة واقرأ آية، ففعل، وجعل كلما يقرأ آية انحلت عقدة، وذهب عنه ما كان يجده. وهذه القصة صحيحة [[وردت في: "صحيح البخاري" من طريق هشام عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها- قال: كان رسول الله -ﷺ- سُحِرَ حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا. فقال: يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيه فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبَّه؟ قال لبيد بن أعصم رجل من بني زُريق حليف ليهود كان منافقًا. قال: وفيم؟. قال في مشط ومشاطة. قال: وأين؟ قال في جُف طلعةٍ ذكر تحت رعوفة في بئر ذَرْوان. قالت: فأتى النبي -ﷺ- البئر حتى استخرجه. فقال هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكان نخلها رؤوس الشياطين. قال: فاستخرج. قالت: فقلت أفلا -أي تنشرت- فقال: أما والله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا. "صحيح البخاري" 4/ 48 - 49: ح 5763. 5765: باب 47، 49، 50، ج 2/ 437: ح 3268: كتاب بدء الخلق: باب 11.
ومسلم في "صحيحه": 4/ 1719: ح 43، 44 مختصرًا: كتاب السلام: باب 17 ومن خلال ما ورد في الصحيحين يتبين أنه ليس فيه ما يدل على نزول المعوذتين على الرسول -ﷺ- عندما سحر.
قال ابن حجر: وقد وقع في حديث ابن عباس فيما أخرجه البيهقي في: الدلائل: بسند ضعيف في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي -ﷺ- أنهم وجدوا وترًا فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت سورة الفلق، والناس وجعل كلما قرأ آية انحلت عقده. وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع عن ابن عباس: أن عليا وعمارًا لما بعثهما النبي -ﷺ- لاستخراج السحر وجدا طلعة فيها إحدى عشرة عقدة فذكر نحوه. فتح البارى: 10/ 225.
وقد وردت قصة سحر النبي -ﷺ-، وأن ذلك كان سببًا في نزول المعوذتين في "أسباب النزول": تح: ايمن ص 410، و"لبات النقول": 238 - 239، و"الكشف والبيان" == 13/ 192/ 1، و"معالم التنزيل" 4/ 546، و"زاد المسير" 8/ 332، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 301 قال ابن كثير تعليقًا على رواية الثعلبي: هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 615 "الدر المنثور" 8/ 687 وعزاه إلى ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة وابن عباس.]]، .......
والمعتزلة تنكرها [[قال المازني: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها -ثم قال- وهذا كله مردود. "فتح الباري" 10/ 226 وقال ابن القيم: وهذا الحديث -يعني الذي في الصحيح- ثابت عند أهل العلم بالحديث يتلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار، وقابلوه بالتكذيب. "تفسير المعوذتين" تحقيق مصطفى العدوي 57 - 58 وقد أنكره أيضًا الجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 49.]]، ويقولون: لا يجوز أن يكون النبي -ﷺ- مسحورًا، لأن الكفار كانوا يعيرونه بذلك، فلو قلنا: إنه سحر، وجوزنا ذلك كنا قد جاوزنا ما عير به.
والجواب: أن هذه القصة قد ثبتت (قصتها) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، وصحتها عند المفسرين، وأهل النقل، والعلم بالرواية، ودلت هذه السورة على ذلك، وهو قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ يعني اللاتي ينفثن بالرقي والعزائم، فلولا أن لشرهن تأثيرًا وإلا لم يؤمر بالاستعاذة من شرهن.
ولا يجوز أن يكون النبي -ﷺ-مسحورًا على الوجه الذي عيره به الكفار [[نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [سورة الفرقان: 8]، وكقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: 153: 185].]]، فإنهم كانوا يريدون أنه مخدوع مجنون سحر بتخيل عقله، فلذلك خالفهم في الدعاء إلى توحيد الله، فأما أن يكون مسحورًا بوصف يجده في بدنه، فذلك ما لا ينكره أحد، ولم يكن الله ليسلط عليه شيطانًا أو جنيًّا أو انسيًّا فيما يؤدي إلى الضرورة في الدين، والنبوة، ولا الرسالة، وبيان الدعوة، فأما على الإضرار ببدنه فقد صح أن وجهه شج [[شج: أي حصل جرح في رأسه الشريف، والجراحة إذا كانت في الوجه أو الرأس تسمى شجة. "حاشية صحيح مسلم" 3/ 1417.]]، وأن رباعيته [[الرباعية: هي السن التي تلي الثنية من كل جانب وللإنسان أربع رباعيات. "شرح صحيح مسلم" 12/ 390.]] كسرت يوم أحد [[أخرج مسلم في "صحيحه" 3/ 1417: ح 104: كتاب الجهاد والسير: باب 37 عن أنس أن الرسول -ﷺ- كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله فأنول الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾]]، ولم يقدح ذلك في نبوته كذلك السحر، والخيلة، والتوصل بالرقي الإضرار ببدنه لا ينكر [[قال القاضي عياض عن بعض المحققين: وهذه الطوارئ والتغييرات المذكورة، إنما تختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ومعاناة بني آدم لمشاكله الجنس وأما بواطنهم فمنزهة غالبًا من ذلك معصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى والملائكة لأخذهم عنهم وتلقيها الوحي. "الشفاء" 2/ 863.]].
واختلفوا في معنى "الفلق" فالأكثرون على أنه الصبح، وهو قول جابر [["جامع البيان" 30/ 350، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"النكت والعيون" 6/ 374، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"البحر المحيط" 8/ 530، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]]، وسعيد بن جبير [[المراجع السابقة عدا "النكت"، وانظر أيضًا: "المحرر الوجيز" 5/ 538، و"تفسير سعيد بن جبير" ص 383.]]، (والحسن [["الكشف والبيان" 13/ 192/ 2، و"معالم التنزيل" 4/ 247، و"المحرر الوجيز" 5/ 538، و"زاد المسير" 8/ 333، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 445.]]، وعكرمة [["المحرر الوجيز" 5/ 538.]]، ومجاهد [["جامع البيان" 30/ 350، و"تفسير الإمام مجاهد" 761، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"المحرر الوجيز" 5/ 538، و"زاد المسير" 8/ 333، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"البحر المحيط" 8/ 530، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]]، وقتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 408، و"جامع البيان" 30/ 350، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"المحرر الوجيز" 5/ 538، و"زاد المسير" 8/ 333.]]، وابن عباس، وفي رواية عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله من طريق عطاء.]]، وعطية [["جامع البيان" 30/ 350، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 547، وذكرت رواية ابن عباس من غير بيان طريقها في: "البحر المحيط" 8/ 530، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"الدر المنثور" 8/ 688 وهذا القول رجحه الطبري، وابن كثير، والبخاري في "صحيحه"، وعزاه الفخر إلى أكثر المفسرين 32/ 190.]]) [[ما بين القوسين ذكر بدلاً من ذكرهم عبارة (وجماعة) وذلك في (أ).]].
(وقال في رواية الوالبي يعني الخلق [["جامع البيان" 30/ 351، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 547 حاشية، و"لباب التأويل" 4/ 429، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"الدرالمنثور" 8/ 689 وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، "صحيفة علي بن أبي طلحة": ص 544.]]. وهو قول الضحاك [["الكشف والبيان" 13/ 192 ب، وانظر إضافة: "النكت والعيون" 6/ 374، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 257 ب.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وروى (مهاجر الشامي [[مُهاجر الشامي: هو مهاجر بن أبي مسلم، واسمه دينار الشامي الأنصاري. روى عن تُبيع الحميري بن امراة كعب الأحبار، وعنه ابناه محمد، وعمرو مقبول من الثالثة. كتاب الثقات: 5/ 427، و"تهذيب الكمال" 28/ 582: ت 6217، و"تقريب التهذيب" 2/ 278، ت: 1411.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] عن رجل (من) [[ساقط من (أ).]] أصحاب النبي -ﷺ- قال: الفلق بيت في النار إذا فتح صاح أهل النار من شدة حره [[وردت الرواية عن كعب الأحبار في: "بحر العلوم" 3/ 526، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613 وورد في: "الكشف والبيان" 13/ 192 ب من طريق هشيم بن العوام عن عبد الجبار الحولاني عن رجل من أصحاب رسول الله -ﷺ-، وفي "الجامع لأحكام القرآن" عن أبي بن كعب: 20/ 254، وفي "البحر المحيط" 8/ 530 وعزاه إلى أحد الصحابة، وقد أورد ابن كثير الرواية وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأسندها أيضًا إلى عمر بن عنبسة وابن عباس والسدي وزيد بن علي عن آبائه -ثم قال- وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر إسناده غريب ولا يصح رفعه. وقال ابن تيمية: وأما من قال إنه واد في جهنم أو شجرة في جهنم أو إنه اسم من أسماء جهنم، فهذا أمر لا تعرف صحته لا بدلالة الاسم عليه، ولا بنقل عن النبي -ﷺ- ولا في تخصيص ربوبيته بذلك حكمه بخلاف ما إذا قال: رب الخلق أو رب كل ما انفلق أو رب النور الذي يظهر على العباد بالنهار، فإن تخصيص هذا بالذكر ما يظهر به عظمة الرب المستعاذ به. "مجموع الفتاوى" 17/ 505.]]، وهو قول السدي قال: جب في جهنم [["الكشف والبيان" 13/ 193 أ، و"زاد المسير" 8/ 333، و"البحر المحيط" 8/ 350 وعزاه إلى أحد التابعين، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]].
وقال (أبو عبد الرحمن) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] الحُبُلي [[أبو عبد الرحمن الحبلي: هو عبد الله بن يزيد المعافري أبو عبد الرحمن الحُبُلي المصري -وعن ابن سعد الجبلي بالجيم- روى عن عبد الله بن عمر ثقة من الثالثة، مات سنة 100 بإفريقية "الطبقات الكبرى" 7/ 511، و"تهذيب الكمال" 16: 316/ ت 3663، "تقريب بالتهذيب" 1/ 462: ت 749.]]: الفلق: اسم من أسماء جهنم [[وقد ورد قوله في "جامع البيان" 30/ 350، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"النكت والعيون" 6/ 374، و"زاد المسير" 8/ 333، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]]. (هذا قول المفسرين) [[ساقط من (أ).]].
وقال أبو إسحاق: الفلق الصبح وبيانه، يقال: هو أبين من فلق الصبح [[هذا من أمثلة العرب راجع في ذلك: "جمهرة الأمثال" 1/ 205 رقم 348، و"مجمع الأمثال"1/ 208: رقم 597.]].
-قال- وقيل الفلق: الخَلْق قال الله تعالى: ﴿فَالِقُ (الْإِصْبَاح) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]﴾ [الأنعام: 95]، ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 96] وكذلك فلق الأرض بالنبات، والسحاب بالقطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن [[في (أ): (على).]] الانفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 379.]].
وروى عمرو عن أبيه: الفلق جهنم، والفلق بيان الصبح [["تهذيب اللغة" 9/ 157 برواية ثعلب عن عمرو عن أبيه.]].
الفلق 113:2
وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس خاصة، لأن الله تعالى (لم) [[ساقط من (أ).]] يخلق خلقًا هو شر منه [["التفسير الكبير" 32/ 92، كما ورد مثله من غير عزو في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 256، و"لباب التأويل" 4/ 430، وورد بمثله عن الحسن، وثابت البناني. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]].
وقال الكلبي: يريد من شر كل ذي شر [["بحر العلوم" 3/ 526، وورد بمثله من غير عزو في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 256، و"لباب التأويل" 4/ 430.]].
وقال مقاتل: من شر ما خلق من الجن والإنس [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في: "لباب التأويل" 4/ 430.]].
الفلق 113:3
(قوله) [[ساقط من (أ).]]: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قال ابن عباس: الغاسق: الليل [["جامع البيان" 30/ 351، و"الكشف والبيان" 13/ 193 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"زاد المسير" 8/ 334، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 256، و"البحر المحيط" 8/ 530، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"الدر المنثور" 8/ 886 وعزاه إلى الطستي.]]. يريد إذا أقبلت ظلمته من المشرق فدخل في النهار.
وقال مقاتل: يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار [["تفسير مقاتل" 257 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"تفسير المعوذتين" لابن القيم ص 45.]]، وهو قول الحسن [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 408، و"جامع البيان" 30/ 351، و"الكشف والبيان" 13/ 193 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"زاد المسير" 8/ 334، و"البحر المحيط" 8/ 530، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 446.]]، .......
ومجاهد [["تفسير الإمام مجاهد" ص 761، "الجامع الصحيح" للبخاري: 30/ 334: كتاب التفسير: باب 113 والمراجع السابقة عدا "تفسير عبد الرزاق".]] (ومحمد بن كعب [["جامع البيان" 30/ 351، و"الكشف والبيان" 13/ 193 أ، و"زاد المسير" 8/ 334، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] قالوا: يعني الليل إذا أقبل ودخل.
قال الفراء: الغاسق: الليل "إذا وقب" إذا دخل في كل شيء، يقال غسق وأغسق إذا أظلم [["معاني القرآن" 3/ 301 بيسير من التصرف.]]، نحو هذا قال أبو عبيدة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] وأنشد لابن الرقيات:
إنَّ هَذا الليلَ قَدْ غَسَقَا ... واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقَا [[ورد البيت في: "ديوانه" ص 187، ط. دار بيروت، و"لسان العرب" 10/ 288 (غسق)، و"المحرر الوجيز" 5/ 538، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 256، و"فتح القدير" 5/ 520.]]
وقال الزجاج: يعني به الليل إذا دخل، قال: وقيل: الليل غاسق، لأنه أبرد من النهار، والغاسق البارد [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 379 بيسير من التصرف.]].
والغاسق [[في (ع): (فالغاسق).]] على قول الفراء: المظلم، وعلى قول الزجاج معناه: (في اللغة) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] البارد [[ولا تنافي بين القولين، فإن الليل بارد مظلم، فمن ذكر برده فقط أو ظلمته فقط أقتصر على وصفيه، والظلمة في الآية أنسب لمكان الاستعاذة فإن الشر الذي == يناسب الظلمة أولى بالاستعاذة من البرد الذي في الليل، ولهذا استعاذ برب الفلق الذي هو الصبح والنور من شر الغاسق الذي هو الظلمة، فناسب الوصف المستعاذ به المعنى المطلوب بالاستعاذة قاله ابن القيم "تفسير المعوذتين" ص 45.]].
وذكرنا الكلام في الأصلين عند قوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [[سورة الإسراء: 78 قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ومما جاء في تفسير الغسق الوارد في هذه الآية: غسق الليل سواده وظلمته، وقال آخرون: غسق الليل دخول أوله وأتيته حيث غسق الليل أي حين يختلط وتسد المناظر، وأصل هذا الحرف من السيلان يقال: غسقت العين يغسق وهو هملان العين بالغمص، والماء والغاسق السائل. ومن هذا قيل لما يسيل من أهل النار الغساق فمعنى غسق الليل أي انصبت بظلامه، وذلك أن الظلمة تنزل من فوق. وأما قول المفسرين، فقال ابن عباس غسق الليل: اجتماع الليل وظلمته، ولعطاء أوله حين يدخل، وعن ابن مسعود: إظلام الليل. وعن ابن عباس: دخول الليل بظلمته. "البسيط" باختصار.]] وقوله ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: 57].
وقال غيرهما [[وهو أبو زيد كما في "تهذيب اللغة" 16/ 127 (غسق).]]: الغاسق: السائل من قولهم: غسقت العين تغسق غسقا. إذا سألت بالغمص والماء.
وسمي الليل غاسقًا، لانصباب ظلامه على الأرض.
وإنما أمر أن يتعوذ من شر الليل، لأن الليل تخرج السباع من آجامها [[آجامها: الأجمة الشجر الكثير الملتف، والجم أجمٌ، وأُجُم، أُجَمٌ، وآجام وإجام. "لسان العرب" 8/ 12 (أجم).]] والهوام [[الهوام: جمع الهامَّة، ولا يقع هذا الاسم إلا على المخوف من الأحناش. "الصحاح" 5/ 2062 (هوم).]] من مكامنها، وتبعث أهل الشر [[وتبعث أهل الشر غير واضح في (ع).]] على العبث والفساد، فينبت الضرر على الخلق إلا من أعاذه الله [[قال بذلك ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي. "النكت والعيون" 6/ 375.]].
وذكر المفسرون في تفسير هذه الآية [[(هذه الآية) بياض في (ع).]] ما روى أبو سلمة عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -ﷺ- [[(أن رسول الله -ﷺ-) بياض في (ع).]] أخذ بيدها [[بياض في (ع).]]، وأشار إلى القمر، وقال: "استعيذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب" [[أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 6/ 61، 206، 237 والترمذي في "السنن" 5/ 452: ح 3366: باب 94: من طريق أبي سلمة عن عائشة، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في "المستدرك" 2/ 547 وصححه، ووافقه الذهبي.
وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. "فتح الباري" 8/ 741، وابن الجزري في "جامع الأصول" 2/ 445: ح 898، وقال الأرناؤوط: وإسناده قوي، وأبو عبيدة في "غريب الحديث" 1/ 313، والطبري في "جامع البيان" 30/ 352، والسيوطي في "الدر" 8/ 689 وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ في العظمة، وابن مردويه، وانظر: "كنز العمال" 2/ 15: ح: 2955، قال الشوكاني: وهذا لاينافي قول الجمهور، لأن القمر آية الليل ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وهكذا يقال في جواب من قال إنه الثريا. "فتح القدير" 5/ 520.]].
قال ابن قتيبة: الغاسق: القمر سمي به، لأنه يكسف فيغسق أي يذهب ضوؤه ويسود -قال- ومعنى قوله -ﷺ- لعائشة: "تعوذي بالله من شر هذا" أي من مر شره "إذا وقب" إذا دخل في الكسوف [["تهذيب اللغة" 16/ 128 - 129 (غسق)، وانظر "تفسير غريب القرآن" ص 543، فالإمام الواحدي نقل عبارة ابن قتيبة من التهذيب، وأما تفسيره فلم أجد عند ابن قتيبة ذكر لحديث عائشة والله أعلم == وقد رد ابن تيمية أيضًا تفسير ابن قتيبة قال: وهذا القول من ابن قتيبة ضعيف فإن ما قال رسول الله -ﷺ- لا يعارض بقول غيره، وهو لا يقول إلا الحق، وهو لم يأمر عائشة بالاستعاذة منه عند كسوفه بل مع ظهوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ فالقمر آية الليل، وكذلك النجوم إنما تطلع فترى بالليل، فأمره بالاستعاذة من ذلك أمر بالاستعاذة من آية الليل، ودليله وعلامته، والدليل مستلزم للمدلول، فإذا كان شر القمر موجود فشر الليل موجود، وللقمر من التأثير ما ليس لغيره فتكون الاستعاذة من الشر الحاصل عنه أقوى ... فالقمر أحق ما يكون بالليل بالاستعاذة، والليل مظلم تنتشر فيه شياطين الإنس والجن ما لا تنشر بالنهار ... فالشر دائمًا مقرون بالظلمة.
"مجموع الفتاوى" 17/ 506 - 507.]].
قال الأزهري: هذا حديث غير صحيح، والصواب في تفسير هذه الآية: من شر الليل إذا دخل ظلامه في كل شيء [["تهذيب اللغة" 16/ 129 بيسير من الاختصار.]].
وقال ابن زيد: يعني الثريا إذا سقطت، قال: وكانت الأسقام تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها [["جامع البيان" 30/ 352، و"الكشف والبيان" 13/ 193 أ - ب، و"معالم التنزيل" 4/ 547 مختصرًا، و"المحرر الوجيز" 5/ 538، و"زاد المسير" 8/ 334، و"التفسير الكبير" 32/ 194، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 257، و"لباب التأويل" 4/ 430 من غير عزو، و"البحر المحيط" 8/ 531 مختصرًا، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"فتح القدير" 5/ 520، و"مجموع الفتاوى" 17/ 506.]]. وعلى هذا سمي الثريا غاسقًا، لانصبابه عند وقوعه في المغرب، ووقوبه [[في (ع): (ووقوه).]]: دخوله إذا غاب عن الأعين، فلم ير، يقال: وقب يقب وقوبًا إذا دخل، والوقبة النُّقْرة، لأنه يدخل فيها، والإيقاب: إدخال الشيء في الوَقْبة [[انظر فيه: "تهذيب اللغة" 9/ 354 (وقب)، و"مقاييس اللغة" 6/ 131.]].
الفلق 113:4
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد﴾ يعني السحرة، والسواحر.
ومعنى النفث: النفخ، وكانت العرب ترقي به إذا رقت، وأنشد (أبو عبيدة) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] لعنترة [[في (ع): (قول عنترة)، بدلاً من: (لعنترة).]]:
فإن يَبْرَأ فلم أَنْفِث عَلَيْهِ ... وإنْ يَفْقَدْ فَحَقَّ له الفُقُودُ [[وورد قوله في: "ديوانه" ص 283، تح: محمد مولوي، و"الكشف والبيان"، 13/ 193 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 257.
ومعنى قوله: فإن يبرا: يريد جريه، يقول: إن يفق من تلك الطعنة فيتأخر أجله، فإني ما رقيته، ولا نفثت عليه، وإن يفقد أي يمت فحق له ذلك، فقد مات من هو خير منه ويحتمل أنه يريد فحق له الموت من شدة الطعنة، وأن مثلها لا يبرأ منها. "ديوانه" 283.]] [["مجاز القرآن" 2/ 317.]]
وقال (أبو عبيد) [[أبو عبيدة: في كلا النسختين، والصواب ما أثبته لنقل الإمام الواحدي قول أبي عبيدة عن "تهذيب اللغة".]]: النفث بالفم شبيه بالنفخ [["تهذيب اللغة" 15/ 103 (نفث)، وانظر: "لسان العرب" 2/ 195 (نفث).]].
وقال أبو إسحاق: تنفث، وتتفل بلا ريق كأنه نفخ كما يفعل كل من يرقى [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 379 بنصه.]].
والعقد: الأخذ [[يراد بالأُخْذة: الكلام الذي يقوله الساحر، وقيل خرزه يرقى عليها، أو هي الرقية نفسها. قال ابن حجر في "فتح الباري" 10/ 233، وانظر: "القاموس المحيط" 1/ 350 (أخذ).]]. جمع عقود من عقد يعقد.
قال مقاتل: يعني السحرة، والأُخذة ينفثن في العقد والأُخذ [["تفسير مقاتل" 257 ب.]].
وقال (عطاء عن) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] ابن عباس: يريد السحرة الذين عقدوا السحر للنبي -ﷺ- [["الوسيط" 4/ 574.]]، وإنما أتى على لفظ جمع الإناث لتأنيث الجماعات نحو ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾، ﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾، ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ [[سورة الصافات: والآيات كاملة: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [1 - 3].]]، ومثل ذلك كثير في التنزيل ومعناه الجماعات. وقال صاحب النظم: إنما أنث [[إنما أنت: غير مقروء في (ع).]] النفاثات من بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي -ﷺ- [[هكذا وردت عبارة صاحب النظم في النسختين. ولم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه في: "زاد المسير" 8/ 334 معزوًا إلى المفسرين: وهذا القول: إن النفاثات من بنات لبيد ليس بسديد، لأن الذي سحر النبي -ﷺ- هو لبيد بن عاصم، وليس بناته كما جاء ذلك في الصحيح.
والجواب المحقق: أن النفاثات هنا: من الأرواح، والأنفس النفاثات لا النساء النفاثات، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها، فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث دون التذكير، والله أعلم. قاله ابن القيم. "تفسير المعوذتين" تح مصطفى العدوي: 53 - 54. وأما ابن تيمية فقال: وخص من السحر النفاثات في العقد، وهن النساء، والحاسد الرجال في العادة، ويكون من الرجال ومن النساء والشر الذي يكون من الأنفس الخبيثة من الرجال والنساء هو شر منفصل عن الإنسان ليس هو في قلبه كالوسواس الخناس. "مجموع الفتاوى" 17/ 507.]].
الفلق 113:5
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 257 ب، وقد ورد بمثله من غير عزو في"لباب التأويل" 4/ 430.]]: يريد اليهود حسدوا النبي -ﷺ-، وقال الفراء: يعني لبيدًا الذي حسده [["معاني القرآن" 3/ 301 بتصرف.]].
الناس 114:1
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (القراء على ترك الإمالة في "الناس" [[انظر: "كتاب السبعة في القراءات" ص 703، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 811، و"الحجة" 6/ 467، و"المهذب في القراءات العشر" 2/ 345.]]، وروي عن الكسائي: الإمالة إذا كان في موضع الخفض [[وأيضًا كان لا يميلها في موضع الرفع والنصب. المراجع السابقة.]]، ولا إشكال في حسن ذلك وجوازه، وذلك أنه لو كان مكان الناس نحو: المال، والعاب [[في (أ): (العار).]] لجازت إمالة "الألف" فيه لكسره الإعراب، فإذا كان "الناس" كان أحسن، لأن هذا [[في (أ): (هذه).]] الحرف قد أميل في الموضع الذي لا يوجب القياس إمالته، كما أميل الحجاج إذا كان علمًا، لأنهما كثرا في الكلام فاستجيز ذلك فيهما، فإذا أميل الناس حيث لم يكن معه شيء يوجب الإمالة للكثرة فإن يقال لكسرة الإعراب أجدر) [[ما بين القوسين نقله عن: "الحجة" 6/ 466 - 467 بيسير من التصرف.]].
الناس 114:4
وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ قد تقدم عند قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [[سورة الأعراف: 20، ومما جاء في تفسيرها: قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ قال الليث: الوسوسة: حديث النفس والصوت الخفي من ريح تهز قصبا أو شيئا كالهمس، وبه سمي صوت الحليّ وسواسًا.
عن ابن الأعرابي: رجل يوسوس ولا يقال موسوس، لأن نفسه توسوس له. قال تعالى: "ويعلم ما توسوس به نفسه".]]
وقوله: ﴿الْخَنَّاسِ﴾ قال ابن عباس: هو الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس [["جامع البيان" 30/ 355، وقال بنحوه أيضًا قتادة. "تفسير عبد الرزاق" 2/ 410.]].
وقال مجاهد: إذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكر الله انبسط على قلبه [[ورد معنى قوله في: "تفسير الإمام مجاهد" ص 762، و"جامع البيان" 30/ 355، و"بحر العلوم" 3/ 528، و"فتح القدير" 5/ 523.]]. وهذا قول جماعة المفسرين في الوسواس الخناس.
ومضى تفسير الخناس عند قوله: "الخُنَّس" [التكوير: 15].
قال مقاتل: هو شيطان في صورة خنزير يجري في جسد العبد مجرى الدم [[غير مقروء في (ع).]]، فإذا سها ابن آدم ابتلع قلبه فوسوس، وإذا ذكر الله خنس عنه فخرج من جسده، فهو الوسواس إذا سها ابن آدم، وهو الخناس إذا ذكر [[ورد قوله في "تفسير مقاتل" 257 ب، ومختصرًا في: "الكشف والبيان" 13/ 194 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 263، و"فتح القدير" 5/ 523.]].
وهذا معنى ما روى أنس أن النبي -ﷺ- قال: "إن الشيطان واضع خَطْمَه [[خطم: أنفه. الخطم من كل طائر منقاره، ومن كل دابة خَطَمه، مقدم أنفه وفمه. "تهذيب اللغة" 7/ 256 (خطم)، و"الصحاح" 5/ 1914 (خطم).]] على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله عز وجل خنس، وإذا نسي الله عز وجل التقم قلبه، فهو قوله:
الناس 114:5
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ " [[أخرجه أبو نعيم في: "حلية الأولياء" 6/ 268، وعزاه الهيثمي في: "مجمع الزوائد" 7/ 149 إلى أبي يعلى، وفيه عدي بن أبي عمارة، وهو ضعيف، وأخرجه أيضا الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 195 أ، كما عزاه السيوطي في "الدر المنثور" 8/ 694 إلى ابن شاهين في "الترغيب في الذكر"، وابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان"، وأبي يعلى، والبيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 402 - 403 ح 540، كما أورده الشوكاني في "فتح القدير" 5/ 524، وضعف محقق كتاب "الوسيط"، و"البسيط" إسناد رواية الواحدي لوجود زياد بن عبد الله النميري.]].
أي بالكلام الخفي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع الصوت، وهو معنى الوسواس في اللغة، وقد مر [[عند سورة الأعراف: 20.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾
قال ابن عباس: أخبر الله عز وجل أنه من الجن، والإنس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 257 ب.]]، وسفيان [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، جعلوا الذي يوسوس من الجنة والناس.
قال قتادة في قوله ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾: من الجن شياطين، ومن الناس شياطين، فنعوذ بالله من شياطين الجن والإنس [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 410، و"النكت والعيون" 6/ 379، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 263، و"البحر المحيط" 8/ 532، و"فتح القدير" 5/ 523.]].
وقال الحسن: هما شيطانان: أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية [["بحر العلوم" 3/ 528 - 529، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 263، و"فتح القدير" 5/ 523، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 447.]].
وفي الآية قول آخر: وهو أن قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ تفسير لقوله: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ أي يوسوس في صدور الناس من [[في (أ): (على).]] القبيلتين: الجنة والناس.
والمعنى: يوسوس في صدور الجني، كما يوسوس في صدور الإنس. وهذا (قول الكلبي [["الكشف والبيان" 13/ 194 أ.]]، و) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] اختيار الفراء: قال: وقع الناس في قوله: "صدور الناس" على الجنة، وعلى الناس، كقولك: يوسوس في صدور الناس جنتهم وناسهم، قال: وسمي الجن نفرًا، ورجالًا في قوله تعالى: ﴿نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 1]، وقوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 11] وقد قال بعض العرب: جاء قوم من الجن فوقفوا فقيل من أنتم؟ فقالوا: أناس من الجن [["معاني القرآن" 3/ 302 بتصرف.]] [[علق الزمخشري على المعنى الذي ذكره الفراء بقوله: وما أحقه، لأن الجن سموا جنًّا لاجتنانهم، والناس ناسًا لظهورهم، من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا == بشرًا، ولو كان يقع الناس على القبيلتين، وصح ذلك وثبت لم يكن مناسبًا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع ... "الكشاف" 4/ 245.
وضعفه أيضا الفخر في: "التفسير الكبير" 32/ 198، والإمام ابن القيم أيضًا رده من عدة وجوه، منها: أنه لم يقم دليل على أن الجني يوسوس في صدر الجني، ويدخل فيه كما يدخل في الإنسي، ويجري منه مجراه من الإنس، فأي دليل يدل على هذا حتى يصح حمل الآية عليه.
الآخر: أن "الجنة" لا يطلق عليهم اسم الناس بوجه؛ لا أصلًا، ولا اشتقاقًا، ولا استعمالًا، ولفظهما يأبى ذلك.
ثم أبطل أيضًا الاستدلال بالآيتين على عدم امتناع إطلاق الجن اسم الرجال، ونفرًا قال: وجواب ذلك أن اسم الرجال إنما وقع عليهم وقوعًا مقيدًا في مقابلة ذكر الرجال من الإنس، ولا يلزم من هذا أن يقع اسم الناس والرجال عليهم مطلقًا.
وأنت إذا قلت: إنسان من حجارة، أو رجل من خشب، ونحو ذلك، لم يلزم من ذلك وقوع اسم الرجل والإنسان عند الإطلاق على الحجر والخشب، وذلك لأن الناس والجنة متقابلان، وكذلك الإنس والجن .. بخلاف الرجال والجن، فإنهما لم يستعملا متقابلين، فلا يقال: الجن والرجال، كما يقال الجن والإنس. -ثم قال- وحينئذ فالآية أبين حجة عليهم في أن الجن لا يدخلون في لفظ "الناس"؛ لأنه قابل بين الجنة والناس، فعلم أن أحدهما لا يدخل في الآخر.
فالصواب هو أن قوله: "من الجنة والناس" بيان الذي يوسوس، وأنهم نوعان: إنس وجن، فالجني يوسوس في صدور الإنس، والإنسي أيضا يوسوس في صدور الإنس. "تفسير المعوذتين" ص 120 - 121.]].
وقال أبو إسحاق: الناس في قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ معطوف على الوسواس.
المعنى: من شر الوسواس، ومن شر الناس [["زاد المسير" 8/ 336.
نكتة: لم أجد تفسيرًا لهذه السورة عند أبي إسحاق في المخطوط لكتاب "معاني القرآن وإعرابه"، وقد ذكر محقق المطبوع أن الزجاج لم يفسر سورة الناس، فعمد == إلى تفسيرها تفسيرًا لغويًّا قريبًا من طريقة الزجاج. وأقول: وباعتبار أن الإمام الواحدي أورد للزجاج تفسير لهذه الآية (6) من سورة الناس، فلعل للزجاج تفسيرًا لها لم يكتبه النساخ، وعليه لو استعان صاحب المطبوع على ما جاء عند الواحدي، وابن الجوزي في ما أورده عن الزجاج في "زاد المسير" 8/ 336 لكان أفضل. بالإضافة إلى ما صنعه لإتمام كتاب المعاني. والله أعلم.]].
والمعنى على هذا، لأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس، ودليل ذلك قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ونحو هذا قال صاحب النظم، قال: لأن الخناس لا يكون من الناس، فالناس في قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ منظوم بقوله: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ على نظم من شر الوسواس الخناس، ومن شر الناس، ويكون قوله ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ وصفًا للخناس مخصوصًا [[في (أ): (عصوصا).]]، فيكون [[في (أ): (ليكون).]] المعنى في الجملة: من شر الجن، ومن شر الناس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. -هذا كلامه-
وعلى ما ذكره الفراء: الناس عطف على الجنة، والقول هو هذا [[سبق الرد على ما ذكره الفراء.]]. (والله أعلم بالصواب.
هذا آخر الكتاب