Al-Durr Al-Manthur — الأنفال 8:1 – الأنفال 8:75
المحتويات
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:3
- الأنفال 8:4
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:6
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:15
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:26
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:36
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:43
- الأنفال 8:44
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:47
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:49
- الأنفال 8:50
- الأنفال 8:51
- الأنفال 8:52
- الأنفال 8:53
- الأنفال 8:55
- الأنفال 8:56
- الأنفال 8:57
- الأنفال 8:58
- الأنفال 8:59
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:62
- الأنفال 8:63
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:66
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:70
- الأنفال 8:71
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:73
- الأنفال 8:75
الأنفال 8:1
(p-٥)﷽
سُورَةُ ”الأنْفالِ“ .
أخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الأنْفالِ“ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ ”الأنْفالِ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: نَزَلَتِ ”الأنْفالُ“ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُيَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ ”الأنْفالِ“ قالَ: نَزَلَتْ في بَدْرٍ، وفي لَفْظٍ: تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي أيُّوبَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِسُورَةِ ”الأنْفالِ“» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ المَغْرِبِ سُورَةَ ”الأنْفالِ“» . (p-٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُيَهْ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ، وقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِي وأخَذْتُ سَيْفَهُ وكانَ يُسَمّى ذا الكُتَيْفَةِ، فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ: اذْهَبْ فاطْرَحْهُ في القَبْضِ. فَرَجَعْتُ وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي، فَما جاوَزْتُ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ ”الأنْفالِ“، فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شَفانِي اللَّهُ اليَوْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَهَبْ لِي هَذا السَّيْفَ. قالَ: إنَّ هَذا السَّيْفَ لا لَكَ ولا لِي ضَعْهُ. فَوَضَعْتُهُ ثُمَّ رَجَعْتُ قُلْتُ: عَسى يُعْطى هَذا السَّيْفَ اليَوْمَ مَن لا يُبْلِي بَلائِي، إذا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِن ورائِي قُلْتُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قالَ: كُنْتَ سَألْتَنِي هَذا السَّيْفَ ولَيْسَ هو لِي، وإنِّهُ قَدْ وُهِبَ لِي فَهو لَكَ. وأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ (p-٧)الآيَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال»: ١] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ، بِرُّ الوالِدَيْنِ والنَّفْلُ والثُّلُثُ وتَحْرِيمُ الخَمْرِ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ ومُسْلِمٌ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ كانَتْ أُمِّي حَلَفَتْ ألّا تَأْكُلَ ولا تَشْرَبَ حَتّى أُفارِقَ مُحَمَّدًا ﷺ: فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] [لُقْمانٍ: ١٥] والثّانِيَةُ أنِّي كُنْتُ أخَذْتُ سَيْفًا أعْجَبَنِي، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَبْ لِي هَذا؛ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ والثّالِثَةُ أنِّي مَرِضْتُ فَأتانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُقَسِّمَ مالِي، أفَأُوصِي بِالنِّصْفِ؟ قالَ: لا، فَقُلْتُ: الثُّلُثِ؟ فَسَكَتَ فَكانَ الثُّلُثُ بَعْدَهُ جائِزًا، والرّابِعَةُ أنِّي شَرِبْتُ الخَمْرَ مَعَ قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ فَضَرَبَ رَجُلٌ مِنهم أنْفِي بِلَحْيِ جَمَلٍ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّحّاسُ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «أصابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإذا فِيها سَيْفٌ، فَأخَذْتُهُ فَأتَيْتُ بِهِ (p-٨)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: نَفِّلْنِي هَذا السَّيْفَ فَأنا مَن عَلِمْتَ. فَقالَ: رُدَّهُ مِن حَيْثُ أخَذْتَهُ. فَرَجَعْتُ بِهِ، حَتّى إذا أرَدْتُ أنْ أُلْقِيَهُ في القَبْضِ لامَتْنِي نَفْسِي، فَرَجَعْتُ إلَيْهِ فَقُلْتُ: أعْطِنِيهِ، فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ وقالَ: رُدَّهُ مِن حَيْثُ أخَذْتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال»: ١] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «نَفَّلَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفًا، ونَزَلَ فِيَّ النَّفْلُ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ مِن طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ قالَ: «أصَبْتُ سَيْفًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَفِّلْنِيهِ. فَقالَ: ضَعْهُ مِن حَيْثُ أخَذْتَهُ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال»: ١] وهي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ هَكَذا: يَسْألُونَكَ الأنْفالَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «سَألْتُ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ عَنِ الأنْفالِ فَقالَ: فِينا أصْحابَ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنا في النَّفْلِ، فَساءَتْ فِيهِ أخْلاقُنا فانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِن أيْدِينا وجَعَلَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عَنْ بَواءٍ. يَقُولُ: عَنْ سَواءٍ» .
(p-٩)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، في سُنَنِهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا، فالتَقى النّاسُ فَهَزَمَ اللَّهُ العَدُوَّ فانْطَلَقَتْ طائِفَةٌ في آثارِهِمْ يَهْزِمُونَ ويَقْتُلُونَ وأكَبَّتْ طائِفَةٌ عَلى العَسْكَرِ يَحُوزُونَهُ ويَجْمَعُونَهُ، وأحْدَقَتْ طائِفَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يُصِيبُ العَدُوَّ مِنهُ غِرَّةٌ، حَتّى إذا كانَ اللَّيْلُ وفاءَ النّاسُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالَ الَّذِينَ جَمَعُوا الغَنائِمَ: نَحْنُ حَوَيْناها وجَمَعْناها، فَلَيْسَ لِأحَدٍ فِيها نَصِيبٌ، وقالَ الَّذِينَ خَرَجُوا في طَلَبِ العَدُوِّ: لَسْتُمْ بِأحَقَّ بِها مِنّا، نَحْنُ نَفَيْنا عَنْها العَدُوَّ وهَزَمْناهُمْ، وقالَ الَّذِينَ أحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَسْتُمْ بِأحَقَّ بِها مِنّا نَحْنُ أحْدَقْنا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وخِفْنا أنْ يُصِيبَ العَدُوُّ مِنهُ غِرَّةً واشْتَغَلْنا بِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾، فَقَسَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أغارَ في أرْضِ العَدُوِّ نَفَّلَ الرُّبُعَ، وإذا أقْبَلَ راجِعًا وكَلَّ النّاسُ نَفَّلَ الثُّلُثَ، وكانَ يَكْرَهُ الأنْفالَ ويَقُولُ: لِيَرُدَّ قَوِيُّ المُسْلِمِينَ عَلى ضَعِيفِهِمْ» .
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِرِّيَّةً فَنَصَرَها اللَّهُ وفَتَحَ عَلَيْها، فَكانَ مَن أتاهُ بِشَيْءٍ نَفَّلَهُ مِنَ الخُمُسِ فَرَجَعَ رِجالٌ كانُوا يَسْتَقْدِمُونَ (p-١٠)ويَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ، وتَرَكُوا الغَنائِمَ خَلْفَهم فَلَمْ يَنالُوا مِنَ الغَنائِمِ شَيْئًا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما بالُ رِجالٍ مِنّا يَسْتَقْدِمُونَ ويَأْسِرُونَ وتَخَلَّفَ رِجالٌ لَمْ يَصِلُوا بِالقِتالِ فَنَفَّلْتَهم مِنَ الغَنِيمَةِ؟! فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ونَزَلَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ، فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: رُدُّوا ما أخَذْتُمْ واقْتَسِمُوهُ بِالعَدْلِ والسَّوِيَّةِ، فَإنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم بِذَلِكَ، قالُوا: قَدْ أنْفَقْنا وأكَلْنا قالَ: احْتَسِبُوا ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أنَّ النّاسَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ الغَنائِمَ يَوْمَ بَدْرٍ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال»: ١] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «لَمْ يُنَفِّلِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ إلّا مِنَ الخُمُسِ فَإنَّهُ نَفَّلَ يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الخُمُسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الفِهْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَفِّلُ الثُّلُثَ بَعْدَ الخُمُسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا (p-١١)فَلَهُ كَذا وكَذا، ومَن أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا وكَذا. فَأمّا المَشْيَخَةُ فَثَبَتُوا تَحْتَ الرّاياتِ، وأمّا الشُّبّانُ فَتَسارَعُوا إلى القَتْلِ والغَنائِمِ، فَقالَتِ المَشْيَخَةُ لِلشُّبّانِ: أشْرِكُونا مَعَكم فَإنّا كُنّا لَكم رِدْءًا، ولَوْ كانَ مِنكم شَيْءٌ لَلَجَأْتُمْ إلَيْنا فاخْتَصَمُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ فَقَسَمَ الغَنائِمَ بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا، ومَن جاءَ بِأسِيرٍ فَلَهُ كَذا. فَجاءَ أبُو اليَسَرِ بْنُ عَمْرٍو الأنْصارِيُّ بِأسِيرَيْنِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ قَدْ وعَدْتَنا، فَقامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ إنْ أعْطَيْتَ هَؤُلاءِ لَمْ يَبْقَ لِأصْحابِكَ شَيْءٌ، وإنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنا مِن هَذا زَهادَةٌ في الأجْرِ، ولا جُبْنٌ عَنِ العَدُوِّ، وإنَّما قُمْنا هَذا المَقامَ مُحافَظَةً عَلَيْكَ أنْ يَأْتُوكَ مِن ورائِكَ فَتَشاجَرُوا فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ وكانَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَأُونَها: ”يَسْألُونَكَ الأنْفالَ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم فِيما تَشاجَرْتُمْ بِهِ“ فَسَلَّمُوا الغَنِيمَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَزَلَ القُرْآنُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] إلى آخِرِ الآيَةِ [الأنْفالِ»: ٤١] .
(p-١٢)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً، فَمَكَثَ ضُعَفاءُ النّاسِ في العَسْكَرِ، فَأصابَ أهْلُ السَّرِيَّةِ غَنائِمَ، فَقَسَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم كُلِّهِمْ، فَقالَ أهْلُ السَّرِيَّةِ: يُقاسِمُنا هَؤُلاءِ الضُّعَفاءُ وكانُوا في العَسْكَرِ لَمْ يَشْخَصُوا مَعَنا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وهَلْ تُنْصَرُونَ إلّا بِضُعَفائِكُمْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال»: ١] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا انْصَرَفَ مِن بَدْرٍ وقَدِمَ المَدِينَةَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ سُورَةَ ”الأنْفالِ“ فَعاتَبَهُ في إحْلالِ غَنِيمَةِ بَدْرٍ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَها بَيْنَ أصْحابِهِ؛ لِما كانَ بِهِمْ مِنَ الحاجَةِ إلَيْها، واخْتِلافِهِمْ في النَّفْلِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَرَدَّها اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، فَقَسَمَها بَيْنَهم عَلى السَّواءِ، فَكانَ في ذَلِكَ تَقْوى اللَّهِ وطاعَتُهُ وطاعَةُ رَسُولِهِ وصَلاحُ ذاتِ البَيْنِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ «أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ عَنِ الخُمُسِ بَعْدَ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال»: ١] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: كانَ هَذا يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «أنَّ سَعْدًا ورَجُلًا مِنَ الأنْصارِ خَرَجا يَتَنَفَّلانِ فَوَجَدا سَيْفًا مُلْقًى فَخَرّا عَلَيْهِ جَمِيعًا، فَقالَ سَعْدٌ: هو لِي، وقالَ الأنْصارِيُّ: هو لِي، قالَ: لا أُسْلِمُهُ حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ، فَأتَياهُ (p-١٣)فَقَصّا عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ لَكَ يا سَعْدُ ولا لِلْأنْصارِيِّ ولَكِنَّهُ لِي فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَقُولُ: سَلِّما السَّيْفَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال»: ٤١] .
وأخْرَجَ مالِكٌ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرًا فَصارَتْ سُهْمانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ونُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ عَنِ الحَجّاجِ بْنِ سُهَيْلٍ النَّصْرِيِّ وقِيلَ: إنَّ لَهُ صُحْبَةً قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قاتَلَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وثَبَتَتْ طائِفَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي قاتَلَتْ بِالأسْلابِ وأشْياءَ أصابُوها فَقُسِمَتِ الغَنِيمَةُ بَيْنَهم ولَمْ يُقَسَمْ لِلطّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُقاتِلْ، فَقالَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تُقاتِلِ: اقْسِمُوا لَنا، فَأبَتْ وكانَ بَيْنَهم في ذَلِكَ كَلامٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فَكانَ صَلاحُ ذاتِ بَيْنِهِمْ أنْ رَدُّوا الَّذِي كانُوا أُعْطُوا ما كانُوا أخَذُوا» .
(p-١٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ قالَ: الأنْفالُ المَغانِمُ، كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خالِصَةً لَيْسَ لِأحَدٍ مِنها شَيْءٌ، ما أصابَ سَرايا المُسْلِمِينَ مِن شَيْءٍ أتَوْهُ بِهِ، فَمَن حَبَسَ مِنهُ إبْرَةً أوْ سِلْكًا فَهو غُلُولٌ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعْطِيَهم مِنها شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قُلِ: الأنْفالُ لِي جَعَلْتُها لِرَسُولِي لَيْسَ لَكم فِيها شَيْءٌ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ، ثُمَّ قَسَمَ ذَلِكَ الخُمُسَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ وجَعَلَ أرْبَعَةَ أخْماسٍ النّاسُ فِيهِ سَواءٌ، لِلْفَرَسٍ سَهْمانِ ولِصاحِبِهِ سَهْمٌ ولِلرّاجِلِ سَهْمٌ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: هي الغَنائِمُ ثُمَّ نَسَخَها: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ.
وأخْرَجَ مالِكٌ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ،والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْألُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الأنْفالِ فَقالَ: الفَرَسُ مِنَ (p-١٥)النَّفْلِ والسَّلَبُ مِنَ النَّفْلِ. فَأعادَ المَسْألَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ أيْضًا ثُمَّ قالَ الرَّجُلُ: الأنْفالُ الَّتِي قالَ اللَّهُ في كِتابِهِ ما هِيَ؟ فَلَمْ يَزَلْ يَسْألُهُ حَتّى كادَ يُحْرِجُهُ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مَثَلُ صَبِيغٍ الَّذِي ضَرَبَهُ عُمَرُ، وفي لَفْظٍ: فَقالَ: ما أحْوَجَكَ إلى مَن يَصْنَعُ بِكَ كَما صَنَعَ عُمَرُ بِصَبِيغٍ العِراقِيِّ وكانَ عُمَرُ ضَرَبَهُ حَتّى سالَتِ الدِّماءُ عَلى عَقِبَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْفالُ: المَغانِمُ أُمِرُوا أنْ يُصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِهِمْ فِيها فَيَرُدَّ القَوِيُّ عَلى الضَّعِيفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: هو ما شَذَّ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِتالٍ مِن عَبْدٍ أوْ دابَّةٍ أوْ مَتاعٍ فَذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَصْنَعُ بِهِ ما شاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أرْسَلْنا إلى سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ نَسْألُهُ عَنِ الأنْفالِ فَقالَ: تَسْألُونِي عَنِ (p-١٦)الأنْفالِ، وإنَّهُ لا نَفْلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، «أنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَكُنْ يُنَفِّلُ إلّا مِنَ الخُمُسِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ قالَ: ما كانُوا يُنَفِّلُونَ إلّا مِنَ الخُمُسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ قالَ: لا نَفْلَ في غَنائِمِ المُسْلِمِينَ إلّا في خُمُسِ الخُمُسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ أنَسٍ، أنَّ أمِيرًا مِنَ الأُمَراءِ أرادَ أنْ يُنَفِّلَهُ قَبْلَ أنْ يُخَمِّسَهُ فَأبى أنَسٌ أنْ يَقْبَلَهُ حَتّى يُخَمِّسَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: هي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَسْألُونَكَ الأنْفالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: (يَسْألُونَكَ الأنْفالَ) .
(p-١٧)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: الفَيْءُ ما أُصِيبَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ مِمّا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ فَهو لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ قالَ: ما أصابَتِ السَّرايا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ قالا: كانَتِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ حَتّى نَسَخَها آيَةُ الخُمُسِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: كانَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَؤُنَها (يَسْألُونَكَ الأنْفالَ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ [١٨٢ظ] في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ قالَ: هَذا تَحْرِيجٌ مِنَ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وأنْ يُصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِهِمْ حَيْثُ اخْتَلَفُوا في الأنْفالِ.
(p-١٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ قالَ: لا تَسْتَبُّوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: كانَ صَلاحُ ذاتِ بَيْنِهِمْ أنْ رُدَّتِ الغَنائِمُ فَقُسِمَتْ بَيْنَ مَن ثَبَتَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ مَن قاتَلَ وغَنِمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: طاعَةُ الرَّسُولِ اتِّباعُ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ إذْ رَأيْناهُ ضَحِكَ حَتّى بَدَتْ ثَناياهُ، فَقالَ عُمَرُ: ما أضْحَكَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: رَجُلانِ جَثَيا مِن أُمَّتِي بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ العِزَّةِ فَقالَ أحَدُهُما: يا رَبِّ خُذْ لِي مَظْلِمَتِي مِن أخِي، قالَ اللَّهُ: أعْطِ أخاكَ مَظْلِمَتَهُ، قالَ: يا رَبِّ لَمْ يَبْقَ مِن حَسَناتِي شَيْءٌ، قالَ: يا رَبِّ يَحْمِلُ عَنِّي مِن أوْزارِي. وفاضَتْ عَيْنا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالبُكاءِ ثُمَّ قالَ: إنَّ ذَلِكَ لَيَوْمٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ يَحْتاجُ النّاسُ إلى أنْ يُتَحَمَّلَ عَنْهم مِن أوْزارِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ لِلطّالِبِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فانْظُرْ في الجِنانِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: يا رَبِّ أرى مَدائِنَ مِن فِضَّةٍ وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةً بِاللُّؤْلُؤِ لِأيِّ نَبِيٍّ هَذا؟! لِأيِّ صِدِّيقٍ هَذا؟! لِأيِّ شَهِيدٍ هَذا؟ قالَ: هَذا لِمَن أعْطى الثَّمَنَ. قالَ: يا رَبِّ ومَن يَمْلِكُ ثَمَنَهُ؟ قالَ: أنْتَ، قالَ: بِماذا؟ قالَ: بِعَفْوِكَ عَنْ أخِيكَ، قالَ: يا رَبِّ قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قالَ: خُذْ بِيَدِ أخِيكَ فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ. ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ (p-١٩)بَيْنِكم فَإنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ أُخْتِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَتْ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُخْبِرُكِ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى وتَقَدَّسَ يَجْمَعُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ فَمَن يَدْرِي أيْنَ الطَّرَفانِ؟ فَقالَتِ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ مِن تَحْتِ العَرْشِ يا أهْلَ التَّوْحِيدِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ثُمَّ يُنادِي: يا أهْلَ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ يُنادِي الثّالِثَةَ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَفا عَنْكم فَيَقُومُ النّاسُ قَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ في ظُلاماتِ الدُّنْيا، ثُمَّ يُنادِي: يا أهْلَ التَّوْحِيدِ يَعْفُو بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ وعَلى اللَّهِ الثَّوابُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: يا أهْلَ التَّوْحِيدِ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَفا عَنْكُمْ، فَلْيَعْفُ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ وعَلَيَّ الثَّوابُ» .
الأنفال 8:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: فَرِقَتْ قُلُوبُهم.
(p-٢٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: المُنافِقُونَ لا يَدْخُلُ قُلُوبَهم شَيْءٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ أداءِ فَرائِضِهِ، ولا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِن آياتِ اللَّهِ، ولا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ ولا يُصَلُّونَ إذا غابُوا، ولا يُؤَدُّونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ وصَفَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَأدَّوْا فَرائِضَهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ قالَتْ: إنَّما الوَجَلُ في القَلْبِ كاحْتِراقِ السَّعَفَةِ. يا شَهْرُ أما تَجِدُ قُشَعْرِيرَةً؟ قُلْتُ: بَلى، قالَتْ: فادْعُ عِنْدَها فَإنَّ الدُّعاءَ يُسْتَجابُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ما الوَجَلُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ إلّا كَضَرْمَةِ السَّعَفَةِ، فَإذا وجَدَ أحَدُكم فَلْيَدْعُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ قالَ: قالَ فُلانٌ: إنِّي لَأعْلَمُ مَتى يُسْتَجابُ لِي، قالُوا: ومِن أيْنَ تَعْلَمُ ذَلِكَ؟ قالَ: إذا اقْشَعَرَّ جِلْدِي ووَجِلَ (p-٢١)قَلْبِي وفاضَتْ عَيْنايَ فَذاكَ حِينَ يُسْتَجابُ لِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ أوْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيَجِلُ قَلْبُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: تَصْدِيقًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: زادَتْهم خَشْيَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ وهو قَوْلٌ وعَمَلٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: نَطَقَ القُرْآنُ بِزِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ، قَوْلُهُ: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ فَهَذِهِ زِيادَةُ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] [التَّوْبَةِ: ١٢٥]فَهَذا نُقْصانُ الإيمانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ حُباشَةَ الصَّحابِيِّ قالَ: إنَّ الإيمانَ (p-٢٢)يَزِيدُ ويَنْقُصُ. فَقِيلَ لَهُ: وما زِيادَتُهُ، وما نُقْصانُهُ؟ قالَ: إذا ذَكَرْنا اللَّهَ وخَشِيناهُ فَذَلِكَ زِيادَتُهُ، وإذا غَفَلْنا ونَسِينا وضَيَّعْنا فَذَلِكَ نُقْصانُهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لَوْ وُزِنَ إيمانُ أبِي بَكْرٍ بِإيمانِ أهْلِ الأرْضِ لَرَجَحَ إيمانُ أبِي بَكْرٍ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يَقُولُ: لا يَرْجُونَ غَيْرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ جِماعُ الإيمانِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: التَّوَكُّلُ جِماعُ الإيمانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ نِصْفُ الإيمانِ.
(p-٢٣)
الأنفال 8:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: إنَّ الإيمانَ في كِتابِ اللَّهِ صارَ إلى العَمَلِ فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] ثُمَّ صَيَّرَهم إلى العَمَلِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] .
الأنفال 8:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ: بَرِئُوا مِنَ الكُفْرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ: خالِصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ: اسْتَحَقُّوا الإيمانَ بِحَقٍّ فَأحَقَّهُ اللَّهُ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ الضُّرَيْسِ عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: سُئِلَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ: إنَّما أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلِسانِ العَرَبِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ سَيِّدٌ حَقًّا وفي القَوْمِ سادَةٌ، وفُلانٌ شاعِرٌ حَقًّا وفي القَوْمِ شُعَراءُ.
(p-٢٤)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي رَوْقٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ: كانَ قَوْمٌ يُسِرُّونَ الكُفْرَ ويُظْهِرُونَ الإيمانَ وقَوْمٌ يُسِرُّونَ الإيمانَ ويُظْهِرُونَهُ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ هَؤُلاءِ، فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] حَتّى انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الَّذِينَ يُسِرُّونَ الإيمانَ ويُظْهِرُونَهُ، لا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُسِرُّونَ الكُفْرَ ويُظْهِرُونَ الإيمانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ قالَ: فَضَّلَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وكُلٌّ مُؤْمِنُونَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ «عَنِ الحارِثِ بْنِ مالِكٍ الأنْصارِيِّ، أنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: كَيْفَ أصْبَحَتْ يا حارِثُ؟ قالَ: أصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، قالَ: انْظُرْ ما تَقُولُ فَإنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَما حَقِيقَةُ إيمانِكَ؟ فَقالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيا، فَأسْهَرْتُ لَيْلِي وأظْمَأْتُ نَهارِي، وكَأنِّي أنْظُرُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ يَتَزاوَرُونَ فِيها، وكَأنِّي أنْظُرُ إلى أهْلِ النّارِ يَتَضاغَوْنَ فِيها، قالَ: يا حارِثُ عَرَفْتَ فالزَمْ ثَلاثًا» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ يَعْنِي: فَضائِلُ ورَحْمَةٌ.
(p-٢٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قالَ: أعْمالٌ رَفِيعَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ قالَ: أهْلُ الجَنَّةِ بَعْضُهم فَوْقَ بَعْضٍ، فَيَرى الَّذِي هو فَوْقَ فَضْلَهُ عَلى الَّذِي هو أسْفَلَ مِنهُ، ولا يَرى الَّذِي هو أسْفَلَ أنَّهُ فُضِّلَ عَلَيْهِ أحَدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ومَغْفِرَةٌ قالَ: بِتَرْكِ الذُّنُوبِ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: الأعْمالُ الصّالِحَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: إذا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فَهي الجَنَّةُ.
الأنفال 8:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ بِالمَدِينَةِ، وبَلَغَهُ أنَّ عِيرَ أبِي سُفْيانَ قَدْ أقْبَلَتْ فَقالَ ما تَرَوْنَ فِيها؟ لَعَلَّ اللَّهَ يُغَنِّمُناها ويُسَلِّمُنا؟ فَخَرَجْنا فَلَمّا سِرْنا يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَتَعادَّ فَفَعَلْنا، فَإذا نَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ (p-٢٦)رَجُلًا، فَأخْبَرَنا النَّبِيُّ ﷺ بِعِدَّتِنا فَسُرَّ بِذَلِكَ وحَمِدَ اللَّهَ وقالَ: عِدَّةُ أصْحابِ طالُوتَ، فَقالَ: ما تَرَوْنَ في القَوْمِ فَإنَّهم قَدْ أُخْبِرُوا بِمَخْرَجِكُمْ؟ فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لا واللَّهِ ما لَنا طاقَةٌ بِقِتالِ القَوْمِ إنَّما خَرَجْنا لِلْعِيرِ ثُمَّ قالَ: ما تَرَوْنَ في قِتالِ القَوْمِ؟ فَقُلْنا مِثْلَ ذَلِكَ فَقالَ المِقْدادُ: لا تَقُولُوا كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] فَلَمّا وعَدَنا اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ - إمّا القَوْمُ وإمّا العِيرُ - طابَتْ أنْفُسُنا، ثُمَّ إنّا اجْتَمَعْنا مَعَ القَوْمِ فَصَفَفْنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ إنِّي أنْشُدُكَ وعْدَكَ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُشِيرَ عَلَيْكَ - ورَسُولُ اللَّهِ أفْضَلُ مِمَّنْ يُشِيرُ عَلَيْهِ - إنَّ اللَّهَ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ تَنْشُدَهُ وعْدَهُ، فَقالَ: يا ابْنَ رَواحَةَ لَأنْشُدَنَّ اللَّهَ وعْدَهُ فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ. فَأخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ فَرَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وُجُوهِ القَوْمِ فانْهَزَمُوا فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فَقَتَلْنا وأسَرْنا، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أرى أنْ يَكُونَ لَكَ أسْرى، فَإنَّما نَحْنُ داعُونَ مُؤَلِّفُونَ فَقُلْنا مَعْشَرَ الأنْصارِ: إنَّما يَحْمِلُ عُمَرَ عَلى ما قالَ حَسَدٌ لَنا، فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، ثُمَّ قالَ: ادْعُو لِي عُمَرَ فَدُعِيَ لَهُ فَقالَ (p-٢٧)لَهُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلَيَّ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وقّاصٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ حَتّى إذا كانَ بِالرَّوْحاءِ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنا أنَّهم كَذا وكَذا ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ؟ فَقالَ عُمَرُ مِثْلَ قَوْلِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ؟ فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إيّانا تُرِيدُ؟ فَوالَّذِي أكْرَمَكَ وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ما سَلَكْتُها قَطُّ ولا لِي بِها عِلْمٌ ولَئِنْ سِرْتَ حَتّى تَأْتِيَ بَرْكَ الغِمادِ مِن ذِي يَمَنٍ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ ولا نَكُونَنَّ كالَّذِينِ قالُوا لِمُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا، إنّا هَهُنا قاعِدُونَ ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكم مُتَّبِعُونَ ولَعَلَّكَ أنْ تَكُونَ خَرَجْتَ لِأمْرٍ وأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ غَيْرَهُ فانْظُرِ الَّذِي أحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ فامْضِ لَهُ، فَصِلْ حِبالَ مَن شِئْتَ، واقْطَعْ حِبالَ مَن شِئْتَ وعادِ مَن شِئْتَ وسالِمْ مَن شِئْتَ وخُذْ مِن أمْوالِنا ما شِئْتَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى قَوْلِ سَعْدٍ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] وإنَّما (p-٢٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَنِيمَةً مَعَ أبِي سُفْيانَ فَأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ القِتالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: كَذَلِكَ أخْرَجَكَ رَبُّكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ قالَ: القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَدْرٍ، ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ قالَ: لِطَلَبِ المُشْرِكِينَ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ أنَّكَ لا تَصْنَعُ إلّا ما أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ حِينَ قِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا شاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ في لِقاءِ العَدُوِّ، وقالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ ما قالَ وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ أمَرَ النّاسَ فَتَعَبَّوْا لِلْقِتالِ، وأمَرَهم بِالشَّوْكَةِ فَكَرِهَ ذَلِكَ أهْلُ الإيمانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: كَراهِيَةً لِلِقاءِ المُشْرِكِينَ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ (p-٢٩)عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: نَزَلَ الإسْلامُ بِالكُرْهِ والشِّدَّةِ فَوَجَدْنا خَيْرَ الخَيْرِ في الكُرْهِ خَرَجْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنمَكَّةَ، فَأسْكَنَنا سَبَخَةً بَيْنَ ظَهْرانَيْ حَرَّةٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَنا في ذَلِكَ العُلا والظَّفَرَ، وخَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ لَنا في ذَلِكَ العُلا والظَّفَرِ فَوَجَدْنا خَيْرَ الخَيْرِ في الكُرْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُفَسِّرُ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى العِيرِ.
الأنفال 8:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ بِالمَدِينَةِ، وبَلَغَهُ أنَّ عِيرَ أبِي سُفْيانَ قَدْ أقْبَلَتْ فَقالَ ما تَرَوْنَ فِيها؟ لَعَلَّ اللَّهَ يُغَنِّمُناها ويُسَلِّمُنا؟ فَخَرَجْنا فَلَمّا سِرْنا يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَتَعادَّ فَفَعَلْنا، فَإذا نَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ (p-٢٦)رَجُلًا، فَأخْبَرَنا النَّبِيُّ ﷺ بِعِدَّتِنا فَسُرَّ بِذَلِكَ وحَمِدَ اللَّهَ وقالَ: عِدَّةُ أصْحابِ طالُوتَ، فَقالَ: ما تَرَوْنَ في القَوْمِ فَإنَّهم قَدْ أُخْبِرُوا بِمَخْرَجِكُمْ؟ فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لا واللَّهِ ما لَنا طاقَةٌ بِقِتالِ القَوْمِ إنَّما خَرَجْنا لِلْعِيرِ ثُمَّ قالَ: ما تَرَوْنَ في قِتالِ القَوْمِ؟ فَقُلْنا مِثْلَ ذَلِكَ فَقالَ المِقْدادُ: لا تَقُولُوا كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] فَلَمّا وعَدَنا اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ - إمّا القَوْمُ وإمّا العِيرُ - طابَتْ أنْفُسُنا، ثُمَّ إنّا اجْتَمَعْنا مَعَ القَوْمِ فَصَفَفْنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ إنِّي أنْشُدُكَ وعْدَكَ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُشِيرَ عَلَيْكَ - ورَسُولُ اللَّهِ أفْضَلُ مِمَّنْ يُشِيرُ عَلَيْهِ - إنَّ اللَّهَ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ تَنْشُدَهُ وعْدَهُ، فَقالَ: يا ابْنَ رَواحَةَ لَأنْشُدَنَّ اللَّهَ وعْدَهُ فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ. فَأخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ فَرَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وُجُوهِ القَوْمِ فانْهَزَمُوا فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فَقَتَلْنا وأسَرْنا، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أرى أنْ يَكُونَ لَكَ أسْرى، فَإنَّما نَحْنُ داعُونَ مُؤَلِّفُونَ فَقُلْنا مَعْشَرَ الأنْصارِ: إنَّما يَحْمِلُ عُمَرَ عَلى ما قالَ حَسَدٌ لَنا، فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، ثُمَّ قالَ: ادْعُو لِي عُمَرَ فَدُعِيَ لَهُ فَقالَ (p-٢٧)لَهُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلَيَّ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وقّاصٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ حَتّى إذا كانَ بِالرَّوْحاءِ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنا أنَّهم كَذا وكَذا ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ؟ فَقالَ عُمَرُ مِثْلَ قَوْلِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: كَيْفَ تَرَوْنَ؟ فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إيّانا تُرِيدُ؟ فَوالَّذِي أكْرَمَكَ وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ما سَلَكْتُها قَطُّ ولا لِي بِها عِلْمٌ ولَئِنْ سِرْتَ حَتّى تَأْتِيَ بَرْكَ الغِمادِ مِن ذِي يَمَنٍ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ ولا نَكُونَنَّ كالَّذِينِ قالُوا لِمُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا، إنّا هَهُنا قاعِدُونَ ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكم مُتَّبِعُونَ ولَعَلَّكَ أنْ تَكُونَ خَرَجْتَ لِأمْرٍ وأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ غَيْرَهُ فانْظُرِ الَّذِي أحْدَثَ اللَّهُ إلَيْكَ فامْضِ لَهُ، فَصِلْ حِبالَ مَن شِئْتَ، واقْطَعْ حِبالَ مَن شِئْتَ وعادِ مَن شِئْتَ وسالِمْ مَن شِئْتَ وخُذْ مِن أمْوالِنا ما شِئْتَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى قَوْلِ سَعْدٍ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] وإنَّما (p-٢٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَنِيمَةً مَعَ أبِي سُفْيانَ فَأحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ القِتالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: كَذَلِكَ أخْرَجَكَ رَبُّكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ قالَ: القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَدْرٍ، ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ قالَ: لِطَلَبِ المُشْرِكِينَ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ أنَّكَ لا تَصْنَعُ إلّا ما أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ حِينَ قِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا شاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ في لِقاءِ العَدُوِّ، وقالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ ما قالَ وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ أمَرَ النّاسَ فَتَعَبَّوْا لِلْقِتالِ، وأمَرَهم بِالشَّوْكَةِ فَكَرِهَ ذَلِكَ أهْلُ الإيمانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: كَراهِيَةً لِلِقاءِ المُشْرِكِينَ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ (p-٢٩)عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: نَزَلَ الإسْلامُ بِالكُرْهِ والشِّدَّةِ فَوَجَدْنا خَيْرَ الخَيْرِ في الكُرْهِ خَرَجْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنمَكَّةَ، فَأسْكَنَنا سَبَخَةً بَيْنَ ظَهْرانَيْ حَرَّةٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَنا في ذَلِكَ العُلا والظَّفَرَ، وخَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ لَنا في ذَلِكَ العُلا والظَّفَرِ فَوَجَدْنا خَيْرَ الخَيْرِ في الكُرْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُفَسِّرُ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى العِيرِ.
الأنفال 8:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ . الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ ومُوسى بْنِ عُقْبَةَ قالا: «مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أقْبَلَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ في عِيرٍ لِقُرَيْشٍ مِنَ الشّامِ ومَعَهُ سَبْعُونَ راكِبًا مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ كُلِّها، وفِيهِمْ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وعَمْرُو بْنُ العاصِي، وكانُوا تُجّارًا بِالشّامِ، ومَعَهم خَزائِنُ أهْلِ مَكَّةَ، ويُقالُ: كانَتْ عِيرُهم ألْفَ بَعِيرٍ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِن قُرَيْشٍ أُوقِيَّةٌ فَما فَوْقَها إلّا بَعَثَ بِها مَعَ أبِي سُفْيانَ إلّا حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ العُزّى، فَلِذَلِكَ كانَ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهُ فَذُكِرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وقَدْ كانَتِ الحَرْبُ بَيْنَهم (p-٣٠)قَبْلَ ذَلِكَ وقَتْلُ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ وأسْرُ الرَّجُلَيْنِ عُثْمانَ والحَكَمِ، فَلَمّا ذُكِرَتْ عِيرُ أبِي سُفْيانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَدِيَّ بْنَ أبِي الزَّغْباءِ الأنْصارِيَّ مِن بَنِي غَنْمٍ، وأصْلُهُ مِن جُهَيْنَةَ وبَسْبَسًا، يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو إلى العِيرِ عَيْنًا لَهُ، فَسارا حَتّى أتَيا حَيًّا مِن جُهَيْنَةَ قَرِيبًا مِن ساحِلِ البَحْرِ، فَسَألُوهم عَنِ العِيرِ وعَنْ تُجّارِ قُرَيْشٍ، فَأخْبَرُوهُما بِخَبَرِ القَوْمِ، فَرَجَعا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَراهُ فاسْتَنْفَرَ المُسْلِمِينَ لِلْعِيرِ وذَلِكَ في رَمَضانَ.
وقَدِمَ أبُو سُفْيانَ عَلى الجُهَنِيِّينَ وهو مُتَخَوِّفٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ فَقالَ: أحِسُّوا مِن مُحَمَّدٍ فَأخْبَرُوهُ خَبَرَ الرّاكِبَيْنِ عَدِيِّ بْنِ أبِي الزَّغْباءِ وبَسْبَسٍ وأشارُوا لَهُ إلى مُناخِهِما، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: خُذُوا مِن بَعْرِ بَعِيرِهِما فَفَتَّهُ فَوَجَدَ فِيهِ النَّوى، فَقالَ: هَذِهِ عَلائِفُ أهْلِ يَثْرِبَ وهَذِهِ عُيُونُ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، فَسارُوا سِراعًا خائِفِينَ لِلطَّلَبِ، وبَعَثَ أبُو سُفْيانَ رَجُلًا مِن بَنِي غِفارٍ يُقالُ لَهُ: ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو إلى قُرَيْشٍ أنِ انْفَرُوا فاحْمُوا عِيرَكم مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ فَإنَّهُ قَدِ اسْتَنْفَرَ أصْحابَهُ لِيَعْرِضُوا لَنا.
وكانَتْ عاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ساكِنَةً بِمَكَّةَ، وهي عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَتْ مَعَ أخِيها العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَرَأتْ رُؤْيا قَبْلَ بَدْرٍ وقَبْلَ قُدُومِ ضَمْضَمٍ عَلَيْهِمْ، فَفَزِعَتْ مِنها، فَأرْسَلَتْ إلى أخِيها العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ مِن لَيْلَتِها فَجاءَها العَبّاسُ فَقالَتْ: رَأيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيا قَدْ أشْفَقْتُ مِنها، وخَشِيتُ عَلى قَوْمِكَ مِنها الهَلَكَةَ، قالَ: وماذا رَأيْتِ؟ قالَتْ: لَنْ أُحَدِّثَكَ (p-٣١)حَتّى تُعاهِدَنِي أنَّكَ لا تَذْكُرُها؛ فَإنَّهم إنْ سَمِعُوها آذَوْنا وأسْمَعُونا ما لا نُحِبُّ. فَعاهَدَها العَبّاسُ، فَقالَتْ: رَأيْتُ راكِبًا أقْبَلَ مِن أعْلى مَكَّةَ عَلى راحِلَتِهِ، يَصِيحُ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا لَغُدُرُ اخْرُجُوا في لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. فَأقْبَلَ يَصِيحُ حَتّى دَخَلَ المَسْجِدَ عَلى راحِلَتِهِ، فَصاحَ ثَلاثَ صَيْحاتٍ، ومالَ عَلَيْهِ الرِّجالُ والنِّساءُ والصِّبْيانُ وفَزِعَ لَهُ النّاسُ أشَدَّ الفَزَعِ قالَتْ: ثُمَّ أُراهُ مَثَلَ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ عَلى راحِلَتِهِ، فَصاحَ ثَلاثَ صَيْحاتٍ فَقالَ: يا لَغُدُرُ ويا لَفُجُرُ اخْرُجُوا في لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ ثُمَّ أراهُ مَثَلَ عَلى ظَهْرِ أبِي قُبَيْسٍ كَذَلِكَ يَقُولُ: يالَ غُدَرُ ويالَ فُجَرُ حَتّى أسْمَعَ مَن بَيْنَ الأخْشَبَيْنِ مِن أهْلِ مَكَّةَ ثُمَّ عَمَدَ إلى صَخْرَةٍ فَنَزَعَها مِن أصْلِها ثُمَّ أرْسَلَها عَلى أهْلِ مَكَّةَ فَأقْبَلَتِ الصَّخْرَةُ لَها حِسٌّ شَدِيدٌ، حَتّى إذا كانَتْ عِنْدَ أصْلِ الجَبَلِ ارْفَضَّتْ، فَلا أعْلَمُ بِمَكَّةَ دارًا ولا بَيْتًا إلّا وقَدْ دَخَلَتْها فِلْقَةٌ مِن تِلْكَ الصَّخْرَةِ، فَقَدْ خَشِيتُ عَلى قَوْمِكَ، فَفَزِعَ العَبّاسُ مِن رُؤْياها، ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِها فَلَقِيَ الوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ مِن آخِرِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وكانَ الوَلِيدُ خَلِيلًا لِلْعَبّاسِ فَقَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيا عاتِكَةَ، وأمَرَهُ ألّا يَذْكُرَها لِأحَدٍ، (p-٣٢)فَذَكَرَها الوَلِيدُ لِأبِيهِ عُتْبَةَ، وذَكَرَها عُتْبَةُ لِأخِيهِ شَيْبَةَ، فارْتَفَعَ الحَدِيثُ حَتّى بَلَغَ أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ واسْتَفاضَ في أهْلِ مَكَّةَ.
فَلَمّا أصْبَحُوا غَدا العَبّاسُ يَطُوفُ بِالبَيْتِ فَوَجَدَ في المَسْجِدِ أبا جَهْلٍ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وأُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفٍ وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ وأبا البَخْتَرِيِّ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى العَبّاسِ ناداهُ أبُو جَهْلٍ: يا أبا الفَضْلِ إذا قَضَيْتَ طَوافَكَ فَهَلُمَّ إلَيْنا، فَلَمّا قَضى طَوافَهُ جاءَ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ فَقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: ما رُؤْيا رَأتْها عاتِكَةُ؟ فَقالَ: ما رَأتْ مِن شَيْءٍ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أما رَضِيتُمْ يا بَنِي هاشِمٍ بِكَذِبِ الرِّجالِ حَتّى جِئْتُمُونا بِكَذِبِ النِّساءِ؟ إنّا وإيّاكم كَفَرَسَيْ رِهانٍ فاسْتَبَقْنا المَجْدَ مُنْذُ حِينٍ، فَلَمّا تَحاكَّتِ الرُّكَبُ قُلْتُمْ مِنّا نَبِيٌّ فَما بَقِيَ إلّا أنْ تَقُولُوا مِنّا نَبِيَّةٌ فَما أعْلَمُ في قُرَيْشٍ أهْلَ بَيْتٍ أكْذَبَ امْرَأةً ولا رَجُلًا مِنكُمْ، وآذاهُ أشَدَّ الأذى، وقالَ أبُو جَهْلٍ: زَعَمَتْ عاتِكَةُ أنَّ الرّاكِبَ قالَ: اخْرُجُوا في لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. فَلَوْ قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الثَّلاثُ تَبَيَّنَتْ قُرَيْشٌ كَذِبَكُمْ، وكَتَبْنا سِجِلًّا أنَّكم أكْذَبُ أهْلِ بَيْتٍ في العَرَبِ رَجُلًا وامْرَأةً، أما رَضِيتُمْ يا بَنِي قُصِيٍّ أنْ ذَهَبْتُمْ بِالحِجابَةِ، والنَّدْوَةِ، والسِّقايَةِ، واللِّواءِ، والوِفادَةِ حَتّى جِئْتُمُونا بِنَبِيٍّ مِنكُمْ؟! فَقالَ العَبّاسُ: هَلْ أنْتَ مُنْتَهٍ؟ فَإنَّ (p-٣٣)الكَذِبَ فِيكَ وفي أهْلِ بَيْتِكَ. فَقالَ مَن حَضَرَهُما: ما كُنْتَ يا أبا الفَضْلِ جَهُولًا ولا خَرِقًا، ولَقِيَ العَبّاسُ مِن عاتِكَةَ فِيما أفْشى عَلَيْها مِن رُؤْياها أذًى شَدِيدًا.
فَلَمّا كانَ مَساءُ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي رَأتْ عاتِكَةُ فِيها الرُّؤْيا، جاءَهُمُ الرّاكِبُ الَّذِي بَعَثَ أبُو سُفْيانَ، وهو ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو الغِفارِيُّ، فَصاحَ وقالَ: يا آلَ غالِبِ بْنِ فِهْرٍ انْفَرُوا فَقَدْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ وأهْلُ يَثْرِبَ يَعْتَرِضُونَ لِأبِي سُفْيانَ، فَأحْرِزُوا عِيرَكم. فَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ أشَدَّ الفَزَعِ، وأشْفَقُوا مِن رُؤْيا عاتِكَةَ. وقالَ العَبّاسُ: هَذا زَعَمْتُمْ كَذا وكَذَّبَ عاتِكَةَ. فَنَفَرُوا عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ. وقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَظُنُّ مُحَمَّدٌ أنْ يُصِيبَ مِثْلَ ما أصابَ بِنَخْلَةَ؟! سَيَعْلَمُ أنَمْنَعُ عِيرَنا أمْ لا، فَخَرَجُوا بِخَمْسِينَ وتِسْعِمِائَةِ مُقاتِلٍ، وساقُوا مِائَةَ فَرَسٍ، ولَمْ يَتْرُكُوا كارِهًا لِلْخُرُوجِ يَظُنُّونَ أنَّهُ في صَغْوِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، ولا مُسْلِمًا يَعْلَمُونَ إسْلامَهُ، ولا أحَدًا مِن بَنِي هاشِمٍ إلّا مَن لا يَتَّهِمُونَ إلّا أشْخَصُوهُ مَعَهُمْ، فَكانَ مِمَّنْ أشْخَصُوا العَبّاسُ (p-٣٤)ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» ونَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ، وطالِبُ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ في آخَرِينَ. فَهُنالِكَ يَقُولُ طالِبُ بْنُ أبِي طالِبٍ:
إمّا يَخْرُجَنَّ طالِبْ بِمِقْنَبٍ مِن هَذِهِ المَقانِبْ في نَفَرٍ مُقاتِلٍ يُحارِبْ ولْيَكُنِ المَسْلُوبَ غَيْرَ السّالِبْ والرّاجِعَ المَغْلُوبَ غَيْرَ الغالِبْ فَسارُوا حَتّى نَزَلُوا الجُحْفَةَ، نَزَلُوها عِشاءً يَتَزَوَّدُونَ مِنَ الماءِ، وفِيهِمْ رَجُلٌ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ يُقالُ لَهُ: جُهَيْمُ بْنُ الصَّلْتِ بْنِ مَخْرَمَةَ، فَوَضَعَ جُهَيْمٌ رَأْسَهُ فَأغْفى، ثُمَّ فَزِعَ فَقالَ لِأصْحابِهِ: هَلْ رَأيْتُمُ الفارِسَ الَّذِي وقَفَ عَلَيَّ آنِفًا؟ فَقالُوا: لا إنَّكَ مَجْنُونٌ، فَقالَ: قَدْ وقَفَ عَلِيَّ فارِسٌ آنِفًا فَقالَ: قُتِلَ أبُو جَهْلٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ وزَمْعَةُ، وأبُو البَخْتَرِيِّ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فَعَدَّ أشْرافًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: إنَّما لَعِبَ بِكَ الشَّيْطانُ. ورُفِعَ حَدِيثُ جُهَيْمٍ (p-٣٥)إلى أبِي جَهْلٍ فَقالَ: قَدْ جِئْتُمْ بِكَذِبِ بَنِي المُطَّلِبِ مَعَ كَذِبِ بَنِي هاشِمٍ سَتَرَوْنَ غَدًا مَن يُقْتَلُ.
ثُمَّ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِيرُ قُرَيْشٍ جاءَتْ مِنَ الشّامِ وفِيها أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، ومَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِي، وجَماعَةٌ مِن قُرَيْشٍ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَكَ حِينَ خَرَجَ إلى بَدْرٍ عَلى نَقْبِ بَنِي دِينارٍ، ورَجَعَ حِينَ رَجَعَ مِن ثَنِيَّةِ الوَداعِ، فَنَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ نَفَرَ ومَعَهُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا وفي رِوايَةِ ابْنِ فُلَيْحٍ: ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وأبْطَأ عَنْهُ كَثِيرٌ مِن أصْحابِهِ وتَرَبَّصُوا، وكانَتْ أوَّلَ وقْعَةٍ أعَزَّ اللَّهُ فِيها الإسْلامَ.
فَخَرَجَ في رَمَضانَ عَلى رَأْسِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِن مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ، ومَعَهُ المُسْلِمُونَ لا يُرِيدُونَ إلّا العِيرَ فَسَلَكَ عَلى نَقْبِ بَنِي دِينارٍ، والمُسْلِمُونَ غَيْرُ مُقْوِينَ مِنَ الظَّهْرِ، إنَّما خَرَجُوا عَلى النَّواضِحِ، يَعْتَقِبُ النَّفَرُ مِنهم عَلى البَعِيرِ الواحِدِ، وكانَ زَمِيلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، ومَرْثَدَ بْنَ أبِي (p-٣٦)مَرْثَدٍ الغَنَوِيَّ حَلِيفَ حَمْزَةَ، فَهم مَعَهُ لَيْسَ مَعَهم إلّا بَعِيرٌ واحِدٌ، فَسارُوا حَتّى إذا كانُوا بِعِرْقِ الظُّبْيَةِ لَقِيَهم راكِبٌ مِن قِبَلِ تِهامَةَ، والمُسْلِمُونَ يَسِيرُونَ، فَوافَقَهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَألُوهُ عَنْ أبِي سُفْيانَ، فَقالَ: لا عِلْمَ لِي بِهِ. فَلَمّا يَئِسُوا مِن خَبَرِهِ قالُوا لَهُ: سَلِّمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: وفِيكم رَسُولُ اللَّهِ؟! قالُوا: نَعَمْ، قالَ: أيُّكم هُوَ؟ فَأشارُوا لَهُ إلَيْهِ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ كَما تَقُولُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَحَدِّثْنِي بِما في بَطْنِ ناقَتِي هَذِهِ؟ فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ ثُمَّ مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ يُقالُ لَهُ: سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ فَقالَ لِلْأعْرابِيِّ: وقَعْتَ عَلى ناقَتِكَ فَحَمَلَتْ مِنكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ سَلَمَةُ حِينَ سَمِعَهُ أفْحَشَ، فَأعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَلْقاهُ خَبَرٌ، ولا يَعْلَمُ بِنَفْرَةِ قُرَيْشٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أشِيرُوا عَلَيْنا في أمْرِنا ومَسِيرِنا فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنا أعْلَمُ النّاسِ بِمَسافَةِ الأرْضِ، أخْبَرْنا عَدِيُّ بْنُ أبِي الزَّغْباءِ أنَّ العِيرَ كانَتْ بِوادِي كَذا وكَذا، فَكَأنّا وإيّاهم فَرَسا رِهانٍ إلى بَدْرٍ، ثُمَّ قالَ: أشِيرُوا عَلَيَّ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّها قُرَيْشٌ وعِزُّها، واللَّهِ ما ذَلَّتْ مُنْذُ عَزَّتْ، ولا آمَنَتْ مُنْذُ كَفَرَتْ، واللَّهِ لَتُقاتِلَنَّكَ فَتَأهَّبْ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ وأعْدِدْ لَهُ عُدَّتَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أشِيرُوا عَلَيَّ فَقالَ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو: إنّا لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَ أصْحابُ مُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ (p-٣٧)ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكم مُتَّبِعُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أشِيرُوا عَلَيَّ. فَلَمّا رَأى سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ كَثْرَةَ اسْتِشارَةِ النَّبِيِّ ﷺ أصْحابَهُ فَيُشِيرُونَ فَيَرْجِعُ إلى المَشُورَةِ، ظَنَّ سَعْدٌ أنَّهُ يَسْتَنْطِقُ الأنْصارَ شَفَقًا ألّا يُسْتَحْوَذُوا مَعَهُ عَلى ما يُرِيدُ مِن أمْرِهِ، فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: لَعَلَّكَ يا رَسُولَ اللَّهِ تَخْشى ألّا تَكُونَ الأنْصارُ يُرِيدُونَ مُواساتَكَ، ولا يَرَوْنَها حَقًّا عَلَيْهِمْ إلّا بِأنْ يَرَوْا عَدُوًّا في بُيُوتِهِمْ وأوْلادِهِمْ ونِسائِهِمْ، وإنِّي أقُولُ عَنِ الأنْصارِ وأُجِيبُ عَنْهم: يا رَسُولَ اللَّهِ فاظْعَنْ حَيْثُ شِئْتَ، وخُذْ مِن أمْوالِنا ما شِئْتَ، ثُمَّ أعْطِنا ما شِئْتَ، وما أخَذْتَهُ مِنّا أحَبُّ إلَيْنا مِمّا تَرَكْتَ، وما ائْتَمَرْتَ مِن أمْرٍ فَأمْرُنا بِأمْرِكَ فِيهِ تَبَعٌ، فَواللَّهِ لَوْ سِرْتَ حَتّى تَبْلُغَ البَرْكَ مِن غِمْدِ ذِي يَمَنٍ لَسِرْنا مَعَكَ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ سَعْدٌ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سِيرُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ، فَإنِّي قَدْ رَأيْتُ مَصارِعَ القَوْمِ. فَعَمَدَ لِبَدْرٍ.
وخَفَضَ أبُو سُفْيانَ فَلَصِقَ بِساحِلِ البَحْرِ، وكَتَبَ إلى قُرَيْشٍ حِينَ خالَفَ مَسِيرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَأى أنْ قَدْ أحْرَزَ ما مَعَهُ، وأمَرَهم أنْ يَرْجِعُوا فَإنَّما خَرَجْتُمْ لِتُحْرِزُوا رَكْبَكم فَقَدْ أُحْرِزَ لَكُمْ، فَلَقِيَهم هَذا الخَبَرُ بِالجُحْفَةِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ حَتّى نَقْدَمَ بَدْرًا، فَنُقِيمَ فِيها ونُطْعِمَ مَن حَضَرَنا مِنَ العَرَبِ، فَإنَّهُ لَنْ يَرانا أحَدٌ فَيُقاتِلَنا، فَكَرِهَ ذَلِكَ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، فَأحَبَّ أنْ يَرْجِعُوا وأشارَ عَلَيْهِمْ بِالرَّجْعَةِ فَأبَوْا وعَصَوْا، وأخَذَتْهم حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا يَئِسَ الأخْنَسُ مِن رُجُوعِ قُرَيْشٍ أكَبَّ عَلى بَنِي زُهْرَةَ فَأطاعُوهُ فَرَجَعُوا، فَلَمْ يَشْهَدْ (p-٣٨)أحَدٌ مِنهم بَدْرًا واغْتَبَطُوا بِرَأْيِ الأخْنَسِ وتَبَرَّكُوا بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مُطاعًا حَتّى ماتَ، وأرادَتْ بَنُو هاشِمٍ الرُّجُوعَ فِيمَن رَجَعَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ أبُو جَهْلٍ وقالَ: واللَّهِ لا تُفارِقُنا هَذِهِ العِصابَةُ حَتّى نَرْجِعَ.
وسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ أدْنى شَيْءٍ مِن بَدْرٍ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ والزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ وبَسْبَسًا الأنْصارِيَّ في عِصابَةٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ لَهُمُ: انْدَفِعُوا إلى هَذِهِ الظِّرابِ. وهي في ناحِيَةِ بَدْرٍ فَإنِّي أرْجُو أنْ تَجِدُوا الخَبَرَ عِنْدَ القَلِيبِ الَّذِي يَلِي الظِّرابَ. فانْطَلَقُوا مُتَوَشِّحِي السُّيُوفِ، فَوَجَدُوا وارِدَ قُرَيْشٍ عِنْدَ القَلِيبِ الَّذِي ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأخَذُوا غُلامَيْنِ أحَدُهُما لِبَنِي الحَجّاجِ أسْوَدُ والآخَرُ لِأبِي العاصِي يُقالُ لَهُ: أسْلَمُ وأفْلَتَ أصْحابُهُما قِبَلَ قُرَيْشٍ، فَأقْبَلُوا بِهِما حَتّى أتَوْا بِهِما رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو في مَعْرِشِهِ دُونَ الماءِ، فَجَعَلُوا يَسْألُونَ العَبْدَيْنِ عَنْ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ لا يَرَوْنَ إلّا أنَّهُما لَهُمْ، فَطَفِقا يُحَدِّثانِهِمْ عَنْ قُرَيْشٍ ومَن خَرَجَ مِنهم وعَنْ رُؤُوسِهِمْ فَيُكَذِّبُونَهُما، وهم أكْرَهُ شَيْءٍ لِلَّذِي يُخْبِرانِهِمْ، وكانُوا يَطْمَعُونَ بِأبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ ويَكْرَهُونَ قُرَيْشًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي يَسْمَعُ ويَرى الَّذِي يَصْنَعُونَ بِالعَبْدَيْنِ، فَجَعَلَ العَبْدانِ إذا أذْلَقُوهُما بِالضَّرْبِ يَقُولانِ: نَعَمْ هَذا أبُو سُفْيانَ: والرَّكْبُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] قالَ اللَّهُ: (p-٣٩)﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكم ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ [الأنفال: ٤٢] [الأنْفالِ: ٤٢] قالَ: فَطَفِقُوا إذا قالَ العَبْدانِ: هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جاءَتْكم كَذَّبُوهُما، وإذا قالا: هَذا أبُو سُفْيانَ تَرَكُوهُما، فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَنِيعَهم بِهِما سَلَّمَ مِن صِلاتِهِ وقالَ: ماذا أخْبَراكُمْ؟ قالُوا: أخْبَرانا أنَّ قُرَيْشًا قَدْ جاءَتْ، قالَ: فَإنَّهُما قَدْ صَدَقا، واللَّهِ إنَّكم لَتَضْرِبُونَهُما إذا صَدَقا، وتَتْرُكُونَهُما إذا كَذَبا، خَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِتُحْرِزَ رَكْبَها وخافُوكم عَلَيْهِمْ. ثُمَّ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَبْدَيْنِ فَسَألَهُما. فَأخْبَراهُ بِقُرَيْشٍ وقالا: لا عِلْمَ لَنا بِأبِي سُفْيانَ. فَسَألَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَمِ القَوْمُ؟ قالا: لا نَدْرِي واللَّهِ هم كَثِيرٌ، فَزَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: مَن أطْعَمَهم أمْسِ؟ فَسَمَّيا رَجُلًا مِنَ القَوْمِ، قالَ: كَمْ نَحَرَ لَهُمْ؟ قالا: عَشْرَ جَزائِرَ، قالَ: فَمَن أطْعَمَهم أوَّلَ أمْسِ؟ فَسَمَّيا رَجُلًا آخَرَ مِنَ القَوْمِ، قالَ: كَمْ نَحَرَ لَهُمْ؟ قالا: تِسْعًا، فَزَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: القَوْمُ ما بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ والألْفِ. يَعْتَبِرُ ذَلِكَ بِتِسْعِ جَزائِرَ يَنْحَرُونَها يَوْمًا، وعَشْرٍ يَنْحَرُونَها يَوْمًا، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أشِيرُوا عَلَيَّ في المَنزِلِ. فَقامَ الحُبابُ بْنُ المُنْذِرِ أحَدُ بَنِي سَلِمَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنا عالِمٌ بِها وبِقُلُبِها إنْ رَأيْتَ أنْ تَسِيرَ إلى قَلِيبٍ مِنها قَدْ عَرَفْتُها كَثِيرَةَ الماءِ عَذْبَةً، فَتَنْزِلَ إلَيْها وتَسْبِقَ القَوْمَ إلَيْها ونُغَوِّرَ ما سِواها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سِيرُوا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم فَوَقَعَ (p-٤٠)فِي قُلُوبِ ناسٍ كَثِيرٍ الخَوْفُ، وكانَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن تَخاذُلٍ مِن تَخْوِيفِ الشَّيْطانِ.
فَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ مُسابِقِينَ إلى الماءِ، وسارَ المُشْرِكُونَ سِراعًا يُرِيدُونَ الماءَ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَطَرًا واحِدًا، فَكانَ عَلى المُشْرِكِينَ بَلاءً شَدِيدًا مَنَعَهم أنْ يَسِيرُوا، وكانَ عَلى المُسْلِمِينَ دِيمَةً خَفِيفَةً لَبَّدَ لَهُمُ المَسِيرَ والمَنزِلَ وكانَتْ بَطْحاءَ، فَسَبَقَ المُسْلِمُونَ إلى الماءِ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ شَطْرَ اللَّيْلِ، فاقْتَحَمَ القَوْمُ في القَلِيبِ فَماحُوها حَتّى كَثُرَ ماؤُها، وصَنَعُوا حَوْضًا عَظِيمًا ثُمَّ غَوَّرُوا ما سِواهُ مِنَ المِياهِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذِهِ مَصارِعُهم إنْ شاءَ اللَّهُ بِالغَداةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ: (إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولْيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ) . ثُمَّ صَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الحِياضِ، فَلَمّا طَلَعَ المُشْرِكُونَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها تُحادُّكَ وتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي. ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُمْسِكٌ بِعَضُدِ أبِي بَكْرٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أبْشِرْ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُنْجِزَنَّ اللَّهُ لَكَ ما وعَدَكَ، فاسْتَنْصَرَ المُسْلِمُونَ اللَّهَ واسْتَغاثُوهُ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ولِلْمُسْلِمِينَ.
وأقْبَلَ المُشْرِكُونَ ومَعَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ (p-٤١)يُحَدِّثُهم أنَّ بَنِي كِنانَةَ وراءَهم قَدْ أقْبَلُوا لِنَصْرِهِمْ، وأنَّهُ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ، وإنِّي جارٌ لَكُمْ، لِما أخْبَرَهم مِن مَسِيرِ بَنِي كِنانَةَ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧] . هَذِهِ الآيَةَ والَّتِي بَعْدَها [الأنْفالِ: ٤٧، ٤٨]، وقالَ رِجالٌ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأوْا قِلَّةَ مَن مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩] [الأنْفالِ: ٤٩]، وأقْبَلَ المُشْرِكُونَ حَتّى نَزَلُوا وتَعَبُّوا لِلْقِتالِ والشَّيْطانُ مَعَهم لا يُفارِقُهُمْ، فَسَعى حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ إلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدَ قُرَيْشٍ ما عِشْتَ؟ قالَ عُتْبَةُ: فَأفْعَلُ ماذا؟ قالَ: تُجِيرُ بَيْنَ النّاسِ، وتَحْمِلُ دَمَ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ وبِما أصابَ مُحَمَّدٌ مِن تِلْكَ العِيرِ، فَإنَّهم لا يَطْلُبُونَ مِن مُحَمَّدٍ غَيْرَ هَذِهِ العِيرِ ودَمِ هَذا الرَّجُلِ، قالَ عُتْبَةُ: نَعَمْ قَدْ فَعَلْتُ، ونِعِمّا قُلْتَ ونِعِمّا دَعَوْتَ إلَيْهِ، فاسْعَ في عَشِيرَتِكَ فَأنا أتَحَمَّلُ بِها، فَسَعى حَكِيمٌ في أشْرافِ قُرَيْشٍ بِذَلِكَ يَدْعُوهم إلَيْهِ، ورَكِبَ عُتْبَةُ جَمَلًا لَهُ، فَسارَ عَلَيْهِ في صُفُوفِ المُشْرِكِينَ في أصْحابِهِ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي فَإنَّكم لا تَطْلُبُونَ عِنْدَهم غَيْرَ دَمِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ وما أصابُوا مِن عِيرِكم تِلْكَ، وأنا أتَحَمَّلُ بِوَفاءِ ذَلِكَ، ودَعُوا هَذا الرَّجُلَ فَإنْ كانَ كاذِبًا ولِيَ قَتْلَهُ غَيْرُكم مِنَ العَرَبِ، فَإنَّ فِيهِمْ رِجالًا لَكم فِيهِمْ قَرابَةٌ قَرِيبَةٌ، وإنَّكم إنْ تَقْتُلُوهم لا يَزالُ الرَّجُلُ مِنكم يَنْظُرُ إلى قاتِلِ أخِيهِ أوِ ابْنِهِ أوِ ابْنِ أخِيهِ أوِ ابْنِ عَمِّهِ فَيُورِّثُ ذَلِكَ فِيهِمْ إحَنًا وضَغائِنَ، وإنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ مَلِكًا كُنْتُمْ في مُلْكِ أخِيكُمْ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لِمَ تَقْتُلُونَ النَّبِيَّ فَتُسَبُّوا بِهِ؟! (p-٤٢)ولَنْ تَخْلُصُوا إلَيْهِمْ حَتّى يُصِيبُوا أعْدادَهُمْ، ولا آمَنُ أنْ تَكُونَ لَكُمُ الدَّبْرَةُ عَلَيْكم. فَحَسَدَهُ أبُو جَهْلٍ عَلى مَقالَتِهِ، وأبى اللَّهُ إلّا أنْ يُنْفِذَ أمْرَهُ، وعَمَدَ أبُو جَهْلٍ إلى ابْنِ الحَضْرَمِيِّ - وهو أخُو المَقْتُولِ - فَقالَ: هَذا عُتْبَةُ يُخَذِّلُ بَيْنَ النّاسِ، وقَدْ تَحَمَّلَ بِدِيَةِ أخِيكَ يَزْعُمُ أنَّكَ قابِلُها، أفَلا تَسْتَحْيُونَ مِن ذَلِكَ أنْ تَقْبَلُوا الدِّيَةَ؟! فَزَعَمُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ وهو يَنْظُرُ إلى عُتْبَةَ: إنْ يَكُنْ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ القَوْمِ خَيْرٌ فَهو عِنْدَ صاحِبِ الجَمَلِ الأحْمَرِ، وإنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا، فَلَمّا حَرَّضَ أبُو جَهْلٍ قُرَيْشًا عَلى القِتالِ أمَرَ النِّساءَ يُعَوِّلْنَ عَمْرًا، فَقُمْنَ يَصِحْنَ: واعَمْراهُ، واعَمْراهُ، تَحْرِيضًا عَلى القِتالِ، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلى القِتالِ، فَقالَ عُتْبَةُ لِأبِي جَهْلٍ: سَتَعْلَمُ اليَوْمَ أيُّ الأمْرَيْنِ أرْشَدُ، وأخَذَتْ قُرَيْشٌ مَصافَّ هَذا القِتالِ، وقالُوا لِعُمَيْرِ بْنِ وهْبٍ: ارْكَبْ فاحْزُرْ لَنا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، فَقَعَدَ عُمَيْرٌ عَلى فَرَسِهِ، فَأطافَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المُشْرِكِينَ فَقالَ: حَزَرْتُهم بِثَلاثِمِائَةِ مُقاتِلٍ، زادُوا شَيْئًا أوْ نَقَصُوا شَيْئًا، وحَزَرْتُ سَبْعِينَ بَعِيرًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ولَكِنْ أنَظِرُونِي حَتّى أنْظُرَ هَلْ لَهم مَدَدٌ أوْ كَمِينٌ؟ فَأطافَ حَوْلَهم وبَعَثُوا خَيْلَهم مَعَهُ فَأطافُوا حَوْلَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا فَقالُوا: لا مَدَدَ لَهم ولا كَمِينَ، وإنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ. وقالُوا لِعُمَيْرٍ: حَرِّشْ بَيْنَ القَوْمِ فَحَمَلَ عُمَيْرٌ عَلى الصَّفِّ بِمِائَةِ فارِسٍ، واضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ لِأصْحابِهِ: لا تُقاتِلُوا حَتّى أُؤْذِنَكم. وغَشِيَهُ نَوْمٌ فَغَلَبَهُ، فَلَمّا نَظَرَ بَعْضُ القَوْمِ إلى بَعْضٍ، جَعَلَ أبُو بَكْرٍ يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ دَنا (p-٤٣)القَوْمُ ونالُوا مِنّا، فاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، حَتّى طَمِعَ بَعْضُ القَوْمِ في بَعْضٍ، ولَوْ أراهُ عَدَدًا كَثِيرًا لَفَشِلُوا وتَنازَعُوا في الأمْرِ كَما قالَ اللَّهُ. وقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ فَوَعَظَهم وأخْبَرَهم أنَّ اللَّهَ قَدْ أوْجَبَ الجَنَّةَ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ اليَوْمَ، فَقامَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمامِ عَنْ عَجِينٍ كانَ يَعْجِنُهُ لِأصْحابِهِ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي الجَنَّةَ إنْ قُتِلْتُ؟ قالَ: نَعَمْ، فَشَدَّ عَلى أعْداءِ اللَّهِ مَكانَهُ فاسْتُشْهِدَ، وكانَ أوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ.
ثُمَّ أقْبَلَ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ المَخْزُومِيُّ يَحْلِفُ بِآلِهَتِهِ لَيَشْرَبَنَّ مِنَ الحَوْضِ الَّذِي صَنَعَ مُحَمَّدٌ ولَيَهْدِمَنَّهُ، فَلَمّا دَنا مِنَ الحَوْضِ لَقِيَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَضَرَبَ رِجْلَهُ فَقَطَعَها، فَأقْبَلَ يَحْبُو حَتّى وقَعَ في جَوْفِ الحَوْضِ، وأتْبَعَهُ حَمْزَةُ حَتّى قَتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ جَمَلِهِ ونادى: هَلْ مِن مُبارِزٍ؟ ولَحِقَهُ أخُوهُ شَيْبَةُ والوَلِيدُ ابْنُهُ، فَنادَيا يَسْألانِ المُبارَزَةَ، فَقامَ إلَيْهِمْ ثَلاثَةٌ مِنَ الأنْصارِ فاسْتَحْيا النَّبِيُّ ﷺ مِن ذَلِكَ فَناداهم أنِ ارْجِعُوا إلى مَصافِّكُمْ، ولْيَقُمْ إلَيْهِمْ بَنُو عَمِّهِمْ، فَقامَ حَمْزَةُ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ المُطَّلِبِ فَقَتَلَ حَمْزَةُ عُتْبَةَ، وقَتَلَ عُبَيْدَةُ شَيْبَةَ، وقَتَلَ عَلَيٌّ الوَلِيدَ، وضَرَبَ شَيْبَةُ رِجْلَ عُبَيْدَةَ فَقَطَعَها، فاسْتَنْقَذَهُ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ فَحُمِلَ حَتّى تُوُفِّيَ بِالصَّفْراءِ وعِنْدَ ذَلِكَ (p-٤٤)نَذَرَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ لَتَأْكُلَنَّ مِن كَبِدِ حَمْزَةَ إنْ قَدَرَتْ عَلَيْها، فَكانَ قَتْلُ هَؤُلاءِ النَّفَرِ قَبْلَ التِقاءِ الجَمْعَيْنِ، وعَجَّ المُسْلِمُونَ إلى اللَّهِ يَسْألُونَهُ النَّصْرَ حِينَ رَأوُا القِتالَ قَدْ نَشِبَ، ورَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ إلى اللَّهِ يَسْألُهُ ما وعَدَهُ، ويَسْألُهُ النَّصْرَ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ ظُهِرَ عَلى هَذِهِ العِصابَةِ ظَهَرَ الشِّرْكُ ولَمْ يَقُمْ لَكَ دِينٌ. وأبُو بَكْرٍ يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْصُرَنَّكَ اللَّهُ ولَيُبَيِّضَنَّ وجْهَكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ جُنْدًا في أكْنافِ العَدُوِّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ: ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ، أبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ فَإنِّي قَدْ رَأيْتُ جِبْرِيلَ مُعْتَجِرًا يَقُودُ فَرَسًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَلَمّا هَبَطَ إلى الأرْضِ جَلَسَ عَلَيْها فَتَغَيَّبُ عَنِّي ساعَةً، ثُمَّ رَأيْتُ عَلى شَفَتِهِ غُبارًا، وقالَ أبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْ خَيْرَ الدِّينَيْنِ، اللَّهُمَّ دِينُنا القَدِيمُ ودِينُ مُحَمَّدٍ الحَدِيثُ. ونَكَصَ الشَّيْطانُ عَلى عَقِبَيْهِ حِينَ رَأى المَلائِكَةَ، وتَبَرَّأ مِن نُصْرَةِ أصْحابِهِ وأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِلْءَ كَفِّهِ مِنَ الحَصْباءِ فَرَمى بِها وُجُوهَ المُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ اللَّهُ تِلْكَ الحَصْباءَ عَظِيمًا شَأْنُها لَمْ تَتْرُكْ مِنَ المُشْرِكِينَ رَجُلًا إلّا مَلَأتْ عَيْنَيْهِ، والمَلائِكَةُ يَقْتُلُونَهم ويَأْسِرُونَهُمْ، ويَجِدُونَ النَّفَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنهم مُنْكَبًّا عَلى وجْهِهِ لا يَدْرِي أيْنْ يَتَوَجَّهَ، يُعالِجُ (p-٤٥)التُّرابَ يَنْزِعُهُ مِن عَيْنَيْهِ.
ورَجَعَتْ قُرَيْشٌ إلى مَكَّةَ مُنْهَزِمِينَ مَغْلُوبِينَ وأذَلَّ اللَّهُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ رِقابَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ فَلَمْ يَبْقَ بِالمَدِينَةِ مُنافِقٌ ولا يَهُودِيٌّ إلّا وهو خاضِعٌ عُنُقُهُ لِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ الفَرْقانِ يَوْمَ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الشِّرْكِ والإيمانِ، وقالَتِ اليَهُودُ تَيَقُّنًا: إنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَّوْراةِ واللَّهِ لا يَرْفَعُ رايَةً بَعْدَ اليَوْمِ إلّا ظَهَرَتْ.
ورَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ، فَدَخَلَ مِن ثَنِيَّةِ الوَداعِ ونَزَلَ القُرْآنُ يُعَرِّفُهُمُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ فِيما كَرِهُوا مِن خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ فَقالَ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] هَذِهِ الآيَةَ وثَلاثَ آياتٍ مَعَها، وقالَ فِيما اسْتَجابَ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] الآيَةَ، وأُخْرى مَعَها، وأنْزَلَ فِيما غَشِيَهم مِنَ النُّعاسِ: ”إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ“ الآيَةَ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما أوْحى إلى المَلائِكَةِ مِن نَصْرِهِمْ فَقالَ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢] الآيَةَ والَّتِي بَعْدَها، وأنْزَلَ في قَتْلِ المُشْرِكِينَ والقَبْضَةِ الَّتِي رَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] الآيَةَ والَّتِي بَعْدَها [الأنْفالِ: ١٧، ١٨]، وأنْزَلَ في اسْتِفْتاحِهِمْ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] [الأنْفالِ: ١٩] ثُمَّ أنْزَلَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] في سَبْعِ آياتٍ مِنها [الأنْفالِ: ٢٠ - ٢٦] وأنْزَلَ في مَنازِلِهِمْ: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ [الأنفال: ٤٢] الآيَةَ والَّتِي بَعْدَها. [الأنْفالِ: ٤٢، ٤٣] وأنْزَلَ فِيما يَعِظُهم بِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] الآيَةَ وثَلاثَ آياتٍ مَعَها [الأنْفالِ: ٤٥ - ٤٨] وأنَزْلَ فِيما (p-٤٦)تَكَلَّمَ بِهِ مَن رَأى قِلَّةَ المُسْلِمِينَ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩] الآيَةَ [الأنْفالِ: ٤٩] وأنْزَلَ في قَتْلى المُشْرِكِينَ ومَنِ اتَّبَعَهم: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٠] الآيَةَ وثَمانِ آياتٍ مَعَها [الأنْفالِ: ٥٠ - ٥٨] .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأبِي سُفْيانَ مُقْبِلًا مِنَ الشّامِ نَدَبَ المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ وقالَ هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيها أمْوالُهُمْ، فاخْرُجُوا إلَيْها لَعَلَّ اللَّهَ يُنَفِّلُكُمُوها، فانْتَدَبَ النّاسَ فَخَفَّ بَعْضُهم وثَقُلَ بَعْضُهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَظُنُّوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْقى حَرْبًا، وكانَأبُو سُفْيانَ حِينَ دَنا مِنَ الحِجازِ يَتَحَسَّسُ الأخْبارَ، ويَسْألُ مَن لَقِيَ مِنَ الرُّكْبانِ تَخَوَّفًا عَنْ أمْرِ النّاسِ، حَتّى أصابَ خَبَرًا مِن بَعْضِ الرُّكْبانِ أنَّ مُحَمَّدًا قَدِ اسْتَنْفَرَ لَكَ أصْحابَهُ فَحَذِرَ عِنْدَ ذَلِكَ فاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الغِفارِيَّ، فَبَعَثَهُ إلى مَكَّةَ وأمْرَهُ أنْ يَأْتِيَ قُرَيْشًا فَيَسْتَنْفِرَهم إلى أمْوالِهِمْ، ويُخْبِرَهم أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ عَرَضَ لَها في أصْحابِهِ فَخَرَجَ سَرِيعًا إلى مَكَّةَ، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى بَلَغَ وادِيًا يُقالُ لَهُ: ذَفِرانُ فَأتاهُ الخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوا عَنْ عِيرِهِمْ، فاسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ فَأحْسَنَ، ثُمَّ قامَ عُمَرُ فَقالَ فَأحْسَنَ، ثُمَّ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ امْضِ لِما أمَرَكَ اللَّهُ، فَنَحْنُ مَعَكَ واللَّهِ لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتَلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ (p-٤٧)فَقاتِلا إنّا مَعَكم مُقاتِلُونَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ سِرْتَ بِنا إلى بَرْكِ الغِمادِ لَجالَدْنا مَعَكَ مَن دُونَهُ حَتّى تَبْلُغَهُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا ودَعا لَهُ، وقالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ، وما نَكْرَهُ أنْ تَلْقى بِنا عَدُوَّنا غَدًا، إنّا لَصُبُرٌ في الحَرْبِ صُدُقٌ في اللِّقاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنّا ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ ونَشَّطَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: سِيرُوا وأبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ قالَ: أقْبَلَتْ عِيرُ أهْلِ مَكَّةَ مِنَ الشّامِ، فَبَلَغَ أهْلَ المَدِينَةِ ذَلِكَ فَخَرَجُوا ومَعَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ العِيرَ، فَبَلَغَ أهْلَ مَكَّةَ ذَلِكَ فَأسْرَعُوا السَّيْرَ إلَيْها؛ لِكَيْ لا يَغْلِبَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ، فَسَبَقَتِ العِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وكانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَهم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وكانُوا أنْ يَلْقَوُا العِيرَ أحَبَّ إلَيْهِمْ وأيْسَرَ شَوْكَةً وأخْصَرَ نَفَرًا، فَلَمّا سَبَقَتِ (p-٤٨)العِيرُ وفاتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمُسْلِمِينَ يُرِيدُ القَوْمَ، فَكَرِهَ القَوْمُ مَسِيرَهُمْ؛ لِشَوْكَةِ القَوْمِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ والمُسْلِمُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ الماءِ رَمْلَةٌ دَعْصَةٌ فَأصابَ المُسْلِمِينَ ضَعْفٌ شَدِيدٌ، وألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الغَيْظَ، فَوَسْوَسَ بَيْنَهم يُوَسْوِسُهم: تَزْعُمُونَ أنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ وقَدْ غَلَبَكُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ وأنْتُمْ تُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ فَأمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا شَدِيدًا، فَشَرِبَ المُسْلِمُونَ وتَطَهَّرُوا، فَأذْهَبَ اللَّهُ عَنْهم رِجْزَ الشَّيْطانِ وأشَفَّ الرَّمْلُ مِن إصابَةِ المَطَرِ، ومَشى النّاسُ عَلَيْهِ والدَّوابُّ، فَسارُوا إلى القَوْمِ، وأمَدَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكانَ جِبْرِيلُ في خَمْسِمِائَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُجَنِّبَةً ومِيكائِيلُ في خَمْسِمِائَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُجَنِّبَةً، وجاءَ إبْلِيسُ في جُنْدٍ مِنَ الشَّياطِينِ مَعَهُ رايَتُهُ في صُورَةِ رِجالٍ مِن بَنِي مُدْلَجٍ، والشَّيْطانُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقالَ الشَّيْطانُ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] [الأنْفالِ: ٤٨] فَلَمّا اصْطَفَّ القَوْمُ قالَ أبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أوْلانا بِالحَقِّ فانْصُرْهُ، ورَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ فَقالَ: يا رَبِّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ فَلَنْ تُعْبَدَ (p-٤٩)فِي الأرْضِ أبَدًا، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: خُذْ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ فارْمِ بِها في وُجُوهِهِمْ. فَما مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أحَدٍ إلّا أصابَ عَيْنَيْهِ ومَنخَرَيْهِ وفَمَهُ مِن تِلْكَ القَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وأقْبَلَ جِبْرِيلُ إلى إبْلِيسَ، فَلَمّا رَآهُ وكانَتْ يَدُهُ في يَدِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، انْتَزَعَ إبْلِيسُ يَدَهُ ثُمَّ ولّى مُدْبِرًا وشِيعَتُهُ، فَقالَ الرَّجُلُ: يا سُراقَةُ أتَزْعُمُ أنَّكَ لَنا جارٌ؟! فَقالَ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] [الأنْفالِ: ٤٨] فَذَلِكَ حِينَ رَأى المَلائِكَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ قالَ: الطّائِفَتانِ إحْداهُما أبُو سُفْيانَ أقْبَلَ بِالعِيرِ مِنَ الشّامِ، والطّائِفَةُ الأُخْرى أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ مَعَهُ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ، فَكَرِهَ المُسْلِمُونَ الشَّوْكَةَ والقِتالَ، وأحَبُّوا أنْ يَلْتَقُوا العِيرَ، وأرادَ اللَّهُ ما أرادَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: (p-٥٠)﴿وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ قالَ: هي عِيرُ أبِي سُفْيانَ، ودَّ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ العِيرَ كانَتْ لَهم وأنَّ القِتالَ صُرِفَ عَنْهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: شَأْفَتَهم.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَرَغَ مِن بَدْرٍ: عَلَيْكَ العِيرَ لَيْسَ دُونَها شَيْءٌ. فَناداهُ العَبّاسُ وهو أسِيرٌ في وثاقِهِ: إنَّهُ لا يَصْلُحُ لَكَ، قالَ: ولِمَ؟ قالَ: لِأنَّ اللَّهَ إنَّما وعَدَكَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وقَدْ أعْطاكَ ما وعَدَكَ، قالَ: صَدَقْتَ» .
الأنفال 8:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ . الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو عَوانَةَ، وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ قالَ:
(p-٥١)حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ونَظَرَ إلى المُشْرِكِينَ فَإذا هم ألْفٌ وزِيادَةٌ، فاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ وجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ. فَما زالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، فَأتاهُ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ رِداءَهُ فَألْقاهُ عَلى مَنكِبَيْهِ ثُمَّ التَزَمَهُ مِن ورائِهِ وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ كَذاكَ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، فَلَمّا كانَ يَوْمَئِذٍ والتَقَوْا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ، فَقُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، وأُسِرَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، واسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلاءِ بَنُو العَمِّ والعَشِيرَةِ والإخْوانِ وإنِّي أرى أنْ تَأْخُذَ مِنهُمُ الفِدْيَةَ فَيَكُونَ ما أخَذْنا مِنهم قُوَّةً لَنا عَلى الكُفّارِ، وعَسى اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهم فَيَكُونُوا لَنا عَضُدًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﷺ: ما تَرى يا ابْنَ الخَطّابِ؟ قُلْتُ: واللَّهِ ما أرى (p-٥٢)ما رَأى أبُو بَكْرٍ، ولَكِنِّي أرى أنْ تُمَكِّنَنِي مِن فُلانٍ –قَرِيبٌ لِعُمَرَ- فَأضْرِبَ عُنُقَهُ حَتّى يَعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِنا مَوَدَّةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلاءِ صَنادِيدُهم وأئِمَّتُهم وقادَتُهُمْ، فَهَوى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ، وأخَذَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ قالَ عُمَرُ: فَغَدَوْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَإذا هو قاعِدٌ وأبُو بَكْرٍ وهُما يَبْكِيانِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي ماذا يُبْكِيكَ أنْتَ وصاحِبَكَ؟ فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بَكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بُكاءً تَباكَيْتُ لِبُكائِكُما. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: الَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أصْحابُكَ مِن أخْذِ الفِداءِ قَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُكم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] [الأنْفالِ: ٦٧، ٦٨] مِنَ الفِداءِ ثُمَّ أحَلَّ لَهُمُ الغَنائِمَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ مِنَ العامِ المُقْبِلِ عُوقِبُوا بِما صَنَعُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِن أخْذِهِمُ الفِداءَ، فَقُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ وفَرَّ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: وكُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ وهُشِّمَتِ البَيْضَةُ عَلى رَأْسِهِ، وسالَ الدَّمُ عَلى وجْهِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] [آلِ عِمْرانَ: ١٦٥] بِأخْذِكُمُ الفِداءَ»، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «بَيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَشْتَدُّ في أثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أمامَهُ إذْ سَمِعَ ضَرْبَةً (p-٥٣)بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وصَوْتُ الفارِسِ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزُومُ إذْ نَظَرَ إلى المُشْرِكَ أمامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإذا هو قَدْ خُطِمَ وشُقَّ وجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فاخْضَرَّ ذَلِكَ أجْمَعُ، فَجاءَ الأنْصارِيُّ فَحَدَّثَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: صَدَقْتَ ذاكَ مِن مَدَدِ السَّماءِ الثّالِثَةِ. فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْمَنَةِ النَّبِيِّ ﷺ وفِيها أبُو بَكْرٍ، ونَزَلَ مِيكائِيلُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْسَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وأنا في المَيْسَرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: هَذا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أداةُ الحَرْبِ» .
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ما أُمِدَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأكْثَرَ مِن هَذِهِ الألْفِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في ”الأنْفالِ“ وما ذَكَرَ الثَّلاثَةَ آلافٍ أوِ الخَمْسَةَ آلافٍ إلّا بُشْرى ثُمَّ أُمِدُّوا بِالألْفِ ما أُمِدُّوا بِأكْثَرَ مِنهُ.
(p-٥٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ الزُّرَّقِيِّ وكانَ مِن أهْلِ بَدْرٍ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ما تَعُدُّونَ أهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قالَ: مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ. أوْ كَلِمَةً نَحْوَها، قالَ: وكَذَلِكَ مَن شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلائِكَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ قالَ: «وقَفَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أخْضَرَ أُنْثى قَدْ عَلاهُ الغُبارُ، وبِيَدِ جِبْرِيلَ رُمْحٌ وعَلَيْهِ دِرْعٌ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكَ فَأمَرَنِي ألّا أُفارِقَكَ حَتّى تَرْضى، فَهَلْ رَضِيتَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: مُتَتابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ يَقُولُ: المَدَدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ:
(p-٥٥)﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: وراءَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ ألْفٌ مُرْدَفِينَ وثَلاثَةُ آلافٍ مُنْزَلِينَ فَكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، وهم مَدَدُ المُسْلِمِينَ في ثُغُورِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: مُمِدِّينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: مُتَتابِعِينَ، أمَدَّهُمُ اللَّهُ بِألْفٍ ثُمَّ بِثَلاثَةٍ ثُمَّ أكْمَلَهم خَمْسَةَ آلافٍ، ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] [آلِ عِمْرانَ: ١٢٦] قالَ: يَعْنِي نُزُولَ المَلائِكَةِ قالَ: وذَكَرَ لَنا أنَّ عُمَرَ قالَ: أمّا يَوْمَ بَدْرٍ فَلا نَشُكُّ أنَّ المَلائِكَةَ كانُوا مَعَنا، وأمّا بَعْدَ ذَلِكَ فاللَّهُ أعْلَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: بَعْضُهم عَلى أثَرِ بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى﴾ (p-٥٦)قالَ: إنَّما جَعَلَهُمُ اللَّهُ لِيَسْتَبْشِرُوا بِهِمْ.
الأنفال 8:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ . الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو عَوانَةَ، وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ قالَ:
(p-٥١)حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ونَظَرَ إلى المُشْرِكِينَ فَإذا هم ألْفٌ وزِيادَةٌ، فاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ وجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ. فَما زالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، فَأتاهُ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ رِداءَهُ فَألْقاهُ عَلى مَنكِبَيْهِ ثُمَّ التَزَمَهُ مِن ورائِهِ وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ كَذاكَ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، فَلَمّا كانَ يَوْمَئِذٍ والتَقَوْا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ، فَقُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، وأُسِرَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، واسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلاءِ بَنُو العَمِّ والعَشِيرَةِ والإخْوانِ وإنِّي أرى أنْ تَأْخُذَ مِنهُمُ الفِدْيَةَ فَيَكُونَ ما أخَذْنا مِنهم قُوَّةً لَنا عَلى الكُفّارِ، وعَسى اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهم فَيَكُونُوا لَنا عَضُدًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﷺ: ما تَرى يا ابْنَ الخَطّابِ؟ قُلْتُ: واللَّهِ ما أرى (p-٥٢)ما رَأى أبُو بَكْرٍ، ولَكِنِّي أرى أنْ تُمَكِّنَنِي مِن فُلانٍ –قَرِيبٌ لِعُمَرَ- فَأضْرِبَ عُنُقَهُ حَتّى يَعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِنا مَوَدَّةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلاءِ صَنادِيدُهم وأئِمَّتُهم وقادَتُهُمْ، فَهَوى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ، وأخَذَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ قالَ عُمَرُ: فَغَدَوْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَإذا هو قاعِدٌ وأبُو بَكْرٍ وهُما يَبْكِيانِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي ماذا يُبْكِيكَ أنْتَ وصاحِبَكَ؟ فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بَكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بُكاءً تَباكَيْتُ لِبُكائِكُما. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: الَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أصْحابُكَ مِن أخْذِ الفِداءِ قَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُكم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] [الأنْفالِ: ٦٧، ٦٨] مِنَ الفِداءِ ثُمَّ أحَلَّ لَهُمُ الغَنائِمَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ مِنَ العامِ المُقْبِلِ عُوقِبُوا بِما صَنَعُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِن أخْذِهِمُ الفِداءَ، فَقُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ وفَرَّ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: وكُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ وهُشِّمَتِ البَيْضَةُ عَلى رَأْسِهِ، وسالَ الدَّمُ عَلى وجْهِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] [آلِ عِمْرانَ: ١٦٥] بِأخْذِكُمُ الفِداءَ»، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «بَيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَشْتَدُّ في أثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أمامَهُ إذْ سَمِعَ ضَرْبَةً (p-٥٣)بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وصَوْتُ الفارِسِ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزُومُ إذْ نَظَرَ إلى المُشْرِكَ أمامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإذا هو قَدْ خُطِمَ وشُقَّ وجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فاخْضَرَّ ذَلِكَ أجْمَعُ، فَجاءَ الأنْصارِيُّ فَحَدَّثَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: صَدَقْتَ ذاكَ مِن مَدَدِ السَّماءِ الثّالِثَةِ. فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْمَنَةِ النَّبِيِّ ﷺ وفِيها أبُو بَكْرٍ، ونَزَلَ مِيكائِيلُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْسَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وأنا في المَيْسَرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: هَذا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أداةُ الحَرْبِ» .
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ما أُمِدَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأكْثَرَ مِن هَذِهِ الألْفِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في ”الأنْفالِ“ وما ذَكَرَ الثَّلاثَةَ آلافٍ أوِ الخَمْسَةَ آلافٍ إلّا بُشْرى ثُمَّ أُمِدُّوا بِالألْفِ ما أُمِدُّوا بِأكْثَرَ مِنهُ.
(p-٥٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ الزُّرَّقِيِّ وكانَ مِن أهْلِ بَدْرٍ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ما تَعُدُّونَ أهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قالَ: مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ. أوْ كَلِمَةً نَحْوَها، قالَ: وكَذَلِكَ مَن شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلائِكَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ قالَ: «وقَفَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أخْضَرَ أُنْثى قَدْ عَلاهُ الغُبارُ، وبِيَدِ جِبْرِيلَ رُمْحٌ وعَلَيْهِ دِرْعٌ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكَ فَأمَرَنِي ألّا أُفارِقَكَ حَتّى تَرْضى، فَهَلْ رَضِيتَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: مُتَتابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ يَقُولُ: المَدَدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ:
(p-٥٥)﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: وراءَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ ألْفٌ مُرْدَفِينَ وثَلاثَةُ آلافٍ مُنْزَلِينَ فَكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، وهم مَدَدُ المُسْلِمِينَ في ثُغُورِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: مُمِدِّينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: مُتَتابِعِينَ، أمَدَّهُمُ اللَّهُ بِألْفٍ ثُمَّ بِثَلاثَةٍ ثُمَّ أكْمَلَهم خَمْسَةَ آلافٍ، ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] [آلِ عِمْرانَ: ١٢٦] قالَ: يَعْنِي نُزُولَ المَلائِكَةِ قالَ: وذَكَرَ لَنا أنَّ عُمَرَ قالَ: أمّا يَوْمَ بَدْرٍ فَلا نَشُكُّ أنَّ المَلائِكَةَ كانُوا مَعَنا، وأمّا بَعْدَ ذَلِكَ فاللَّهُ أعْلَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قالَ: بَعْضُهم عَلى أثَرِ بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى﴾ (p-٥٦)قالَ: إنَّما جَعَلَهُمُ اللَّهُ لِيَسْتَبْشِرُوا بِهِمْ.
الأنفال 8:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِنهُ﴾ .
أخْرَجَ أبُو يَعْلى والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «ما كانَ فِينا فارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرَ المِقْدادِ، ولَقَدْ رَأيْتُنا وما فِينا إلّا نائِمٌ إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تَحْتَ الشَّجَرَةِ حَتّى أصْبَحَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ في قَوْلِهِ: ( إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِنهُ) قالَ: بَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ في المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فِيما أغْشاهُمُ اللَّهُ مِنَ النُّعاسِ أمَنَةً مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ قالَ: أمْنًا مِنَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ . قالَ: رَحْمَةً مِنهُ، أمَنَةً مِنَ العَدُوِّ.
(p-٥٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: النُّعاسُ في الرَّأْسِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ النُّعاسُ أمَنَةً مِنِ اللَّهِ، وكانَ النُّعاسُ نُعاسَيْنٍ، نُعاسٌ يَوْمَ بَدْرٍ ونُعاسٌ يَوْمَ أُحُدٍ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ قالَ: طَشٌّ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ قالَ: المَطَرُ: أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ النُّعاسِ، فَأطْفَأ بِالمَطَرِ الغُبارَ، والتَبَدَتْ بِهِ الأرْضُ وطابَتْ بِهِ أنْفُسُهُمْ، وثَبَتَتْ بِهِ أقْدامُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «بَعَثَ اللَّهُ السَّماءَ، وكانَ الوادِي دَهْسًا، وأصابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ مِنها ما لَبَّدَ (p-٥٨)الأرْضَ ولَمْ يَمْنَعْهُمُ المَسِيرَ، وأصابَ قُرَيْشًا ما لَمْ يَقْدِرُوا عَلى أنْ يَرْتَحِلُوا مَعَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ المُشْرِكِينَ غَلَبُوا المُسْلِمِينَ، في أوَّلِ أمْرِهِمْ عَلى الماءِ، فَظَمِئَ المُسْلِمُونَ، وصَلَّوْا مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ، فَكانَتْ بَيْنَهم رِمالٌ فَألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الحَزَنَ، وقالَ: أتَزْعُمُونَ أنَّ فِيكم نَبِيًّا وأنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ وتُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ؟! فَأنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَ عَلَيْهِمُ الوادِي ماءً، فَشَرِبَ المُسْلِمُونَ وتَطَهَّرُوا وثَبَتَتْ أقْدامُهم وذَهَبَتْ وسْوَسَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: وسْوَسَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ قالَ: بِالصَّبْرِ، ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ: كانَ بِبَطْنِ الوادِي دَهاسٌ فَلَمّا مُطِرُوا اشْتَدَّتِ الرَّمْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ: حَتّى يَشْتَدَّ عَلى الرَّمْلِ وهو وجْهُ الأرْضِ.
(p-٥٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَيْلَةَ بَدْرٍ، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ. وأصابَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَطَرٌ شَدِيدٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ [الأنفال»: ١١] .
الأنفال 8:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: أخْبَرَنا أبُو بَدْرٍ عَبّادُ بْنُ الوَلِيدِ الغُبَرِيُّ فِيما كَتَبَ إلَيَّ قالَ: سَمِعْتُ أبا سَعِيدٍ يَعْنِي أحْمَدَ بْنَ داوُدَ الحَدّادَ يَقُولُ: لَمْ يَقُلِ اللَّهُ لِشَيْءٍ أنَّهُ مَعَهُ إلّا لِلْمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ: أنِّي مَعَكم بِالنَّصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: قالَ لِي أبِي: يا بُنَيَّ لَقَدْ رَأيْتُنا يَوْمَ بَدْرٍ وإنَّ أحَدَنا لَيُشِيرُ بِسَيْفِهِ إلى رَأْسِ المُشْرِكَ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ السَّيْفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ لَمّا خَرَجُوا لِيَنْصُرُوا العِيرَ ويُقاتِلُوا عَلَيْها، نَزَلُوا عَلى الماءِ يَوْمَ بَدْرٍ فَغَلَبُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ، فَأصابَ (p-٦٠)المُؤْمِنِينَ الظَّمَأُ، فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ ومُحْدِثِينَ، فَألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ الحَزَنَ فَقالَ لَهم: أتَزْعُمُونَ أنَّ فِيكُمُ النَّبِيَّ وأنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ وقَدْ غُلِبْتُمْ عَلى الماءِ وأنْتُمْ تُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ ومُحْدِثِيِنَ؟! حَتّى تَعاظَمَ ذَلِكَ في صُدُورِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً حَتّى سالَ الوادِي، فَشَرِبَ المُؤْمِنُونَ ومَلَئُوا الأسْقِيَةَ وسَقَوُا الرِّكابَ واغْتَسَلُوا مِنَ الجَنابَةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ طَهُورًا وثَبَّتَ أقْدامَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ القَوْمِ رَمْلَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ المَطَرَ عَلَيْها فَضَرَبَها حَتّى اشْتَدَّتْ وثَبَتَ عَلَيْها الأقْدامُ، ونَفَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ وهم يَوْمَئِذٍ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنهم سَبْعُونَ ومِائَتانِ مِنَ الأنْصارِ، وسائِرُهم مِنَ المُهاجِرِينَ، وسَيِّدُ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ لِكِبَرِ سِنِّهِ، فَقالَ عُتْبَةُ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنِّي لَكم ناصِحٌ وعَلَيْكم مُشْفِقٌ لا أدَّخِرُ النَّصِيحَةَ لَكم بَعْدَ اليَوْمِ، وقَدْ بَلَغْتُمُ الَّذِي تُرِيدُونَ وقَدْ نَجا أبُو سُفْيانَ فارْجِعُوا وأنْتُمْ سالِمُونَ، فَإنْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَأنْتُمْ أسْعَدُ النّاسِ بِصِدْقِهِ، وإنْ يَكُ كاذِبًا فَأنْتُمْ أحَقُّ مَن حَقَنَ دَمَهُ، فالتَفَتَ إلَيْهِ أبُو جَهْلٍ فَشَتَمَهُ وقَبَّحَ وجْهَهُ وقالَ لَهُ: قَدِ امْتَلَأتْ أحْشاؤُكَ رُعْبًا، فَقالَ لَهُ عُتْبَةُ: سَتَعْلَمُ اليَوْمَ مَنِ الجَبانُ المُفْسِدُ لِقَوْمِهِ.
فَنَزَلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ حَتّى إذا (p-٦١)كانُوا قُرْبَ أسِنَّةِ المُسْلِمِينَ قالُوا: ابْعَثُوا إلَيْنا عِدَّتْنا مِنكم نُقاتِلْهُمْ، فَقامَ غُلْمَةٌ مِن بَنِي الخَزْرَجِ فَأجْلَسَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قالَ: يا بَنِي هاشِمٍ أتَبْعَثُونَ إلى إخْوَتِكم - والنَّبِيُّ مِنكم – غُلْمَةَ بَنِي الخَزْرَجِ؟ فَقامَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ فَمَشَوْا إلَيْهِمْ في الحَدِيدِ، فَقالَ عُتْبَةُ: تَكَلَّمُوا نَعْرِفْكم فَإنْ تَكُونُوا أكْفاءَنا نُقاتِلْكُمْ، فَقالَ حَمْزَةُ: أنا أسَدُ اللَّهِ وأسَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ عُتْبَةُ: كُفْءٌ كَرِيمٌ، فَوَثَبَ إلَيْهِ شَيْبَةُ فاخْتَلَفا ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قامَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إلى الوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ فاخْتَلَفا ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قامَ عُبَيْدَةُ فَخَرَجَ إلَيْهِ عُتْبَةُ فاخْتَلَفا ضَرْبَتَيْنِ فَجَرَحَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ وكَرَّ حَمْزَةُ عَلى عُتْبَةَ فَقَتَلَهُ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزَلَتْ عَلَيَّ الكِتابَ وأمَرْتَنِي بِالقِتالِ ووَعَدْتَنِي النَّصْرَ ولا تُخْلِفُ المِيعادَ فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] [آلِ عِمْرانَ: ١٢٤] فَأوْحى اللَّهُ إلى المَلائِكَةِ: ﴿أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ فَقُتِلَ أبُو جَهْلٍ في تِسْعَةٍ وسِتِّينَ رَجُلًا، وأُسِرَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَقُتِلَ صَبْرًا فَوَفى ذَلِكَ سَبْعِينَ وأُسِرَ سَبْعُونَ» .
(p-٦٢)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ بَعْضِ بَنِي ساعِدَةَ قالَ: سَمِعْتُ أبا أُسَيْدٍ مالِكَ بْنَ رَبِيعَةَ بَعْدَما أُصِيبَ بَصَرُهُ يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ مَعَكم بِبَدْرٍ الآنَ ومَعِي بَصَرِي لَأخْبَرْتُكم بِالشِّعْبِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ، لا أشُكُّ ولا أتَمارى، فَلَمّا نَزَلَتِ المَلائِكَةُ ورَآها إبْلِيسُ وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ: ﴿أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . وتَثْبِيتُهم أنَّ المَلائِكَةَ تَأْتِي الرَّجُلَ في صُورَةِ الرَّجُلِ يَعْرِفُهُ فَيَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ واللَّهُ مَعَكم كُرُّوا عَلَيْهِمْ. فَلَمّا رَأى إبْلِيسُ المَلائِكَةَ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنكم. وهو في صُورَةِ سُراقَةَ، وأقْبَلَ أبُو جَهْلٍ يُحَضِّضُ أصْحابَهُ ويَقُولُ: لا يَهُولَنَّكم خِذْلانُ سُراقَةَ إيّاكُمْ، فَإنَّهُ كانَ عَلى مَوْعِدٍ مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ ثُمَّ قالَ: واللّاتِ والعُزّى لا نَرْجِعُ حَتّى نُقَرِّنَ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ في الحِبالِ فَلا تَقْتُلُوا وخُذُوهم أخْذًا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا حَضَرَ القِتالُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ رافِعٌ يَدَيْهِ يَسْألُ اللَّهَ النَّصْرَ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ ظَهَرُوا عَلى هَذِهِ العِصابَةِ ظَهَرَ الشِّرْكُ ولا يَقُومُ لَكَ دِينٌ وأبُو بَكْرٍ يَقُولُ: واللَّهِ لَيَنْصُرَنَّكَ اللَّهُ ولَيُبَيِّضَنَّ وجْهَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ عِنْدَ أكْتافِ العَدُوِّ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ هَذا جِبْرِيلُ مُعْتَجِرٌ بِعِمامَةٍ صَفْراءَ آخِذٌ بِعِنانِ فَرَسِهِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَلَمّا نَزَلَ إلى الأرْضِ تَغَيَّبَ (p-٦٣)عَنِّي ساعَةً، ثُمَّ طَلَعَ عَلى ثَناياهُ النَّقْعُ يَقُولُ: أتاكَ نَصْرُ اللَّهِ إذْ دَعَوْتَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: كانَ النّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلى المَلائِكَةِ مِمَّنْ قَتَلُوهم بِضَرْبٍ عَلى الأعْناقِ وعَلى البَنانِ مِثْلَ سِمَةِ النّارِ قَدْ أُحْرِقَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ يَقُولُ: الرُّؤُوسَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ قالَ: اضْرِبُوا الأعْناقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ يَقُولُ: اضْرِبُوا الرِّقابَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالبَنانِ الأطْرافَ.
(p-٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: كُلَّ مَفْصِلٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأوْزاعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: اضْرِبْ مِنهُ الوَجْهَ والعَيْنَ وارْمِهِ بِشِهابٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: أطْرافُ الأصابِعِ وبِلُغَةِ هُذَيْلٍ الجَسَدُ كُلُّهُ، قالَ: فَأنْشِدْنِي في كِلْتَيْهِما قالَ: نَعَمْ أمّا أطْرافُ الأصابِعِ فَقَوْلُ عَنْتَرَةَ العَبْسِيِّ:
؎فَنِعْمَ فَوارِسُ الهَيْجاءِ قَوْمِي إذا عُلِقَ الأعِنَّةُ بِالبَنانِ
وقالَ الهُذَلِيُّ في الجَسَدِ:
؎لَها أسَدٌ شاكِي البَنانِ مُقَذَّفٌ ∗∗∗ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي داوُدَ المازِنِيِّ قالَ: بَيْنا أنا أتْبَعُ (p-٦٥)رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فَأهْوَيْتُ إلَيْهِ بِسَيْفِي فَوَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ سَيْفِي إلَيْهِ، فَعَرَفْتُ أنْ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قالَ: ما وقَعَتْ يَوْمَئِذٍ ضَرْبَةٌ إلّا بِرَأْسٍ أوْ وجْهٍ أوْ مَفْصِلٍ.
الأنفال 8:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرَ قالَ: إنّا قَوْمٌ لا نَثْبُتُ عِنْدَ قِتالِ عَدُوِّنا ولا نَدْرِي مَنِ الفِئَةُ إمامُنا أوْ عَسْكَرُنا؟ فَقالَ لِي: الفِئَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ قالَ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ بَدْرٍ لا قَبْلَها ولا بَعْدَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: إنَّها كانَتْ لِأهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَنْحازُوا ولَوِ (p-٦٦)انْحازُوا لَمْ يَنْحازُوا إلّا إلى المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لا تَغُرَّنَّكم هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّها كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ وأنا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذاكم يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّهم كانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً ما كانَ لَهم أنْ يَنْهَزِمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَتْرُكُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: إنَّما كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ خاصَّةً، لَيْسَ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الكَبائِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: ذاكَ في يَوْمِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: إنَّما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ فِئَةٌ يَنْحازُونَ إلَيْها.
(p-٦٧)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: يَرَوْنَ أنَّ ذَلِكَ في بَدْرٍ ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ قالَ: أوْجَبَ اللَّهُ لِمَن فَرَّ يَوْمَ بَدْرٍ النّارَ، قالَ: ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ بَعْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] [آلِ عِمْرانَ: ١٥٥] ثُمَّ كانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْعِ سِنِينَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ [التوبة: ٢٧] [التَّوْبَةِ: ٢٥ - ٢٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ خاصَّةً مُنْهَزِمًا: ﴿إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ يَعْنِي مُسْتَطْرِدًا يُرِيدُ الكَرَّةَ عَلى المُشْرِكِينَ: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ يَعْنِي: أوْ يَنْحازُ إلى أصْحابِهِ مِن غَيْرِ هَزِيمَةٍ، ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَوْجَبُوا سُخْطًا مِنَ اللَّهِ: ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فَهَذا يَوْمَ بَدْرٍ خاصَّةً كَأنَّ اللَّهَ شَدَّدَ عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ لِيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ وهو أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَ فِيهِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ:
(p-٦٨)المُتَحَرِّفُ: المُتَقَدِّمُ مِن أصْحابِهِ أنْ يَرى عَوْرَةً مِنَ العَدُوِّ فَيُصِيبَها والمُتَحَيِّزُ: الفارُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وكَذَلِكَ مَن فَرَّ اليَوْمَ إلى أمِيرِهِ وأصْحابِهِ قالَ: وإنَّما هَذِهِ وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ألّا يَفِرُّوا وإنَّما كانَ النَّبِيُّ ﷺ فِئَتَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِالآيَةِ الَّتِي في ”الأنْفالِ“: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الآيَةَ [الأنْفالِ: ٦٦ ] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الكَبائِرِ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الكَبائِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الكَبائِرِ. (p-٦٩)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ واللَّفْظُ لَهُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا في غَزاةٍ فَحاصَ النّاسُ حَيْصَةً قُلْنا: كَيْفَ نَلْقى النَّبِيَّ ﷺ وقَدْ فَرَرْنا مِنَ الزَّحْفِ وبُؤْنا بِالغَضَبِ؟ فَأتَيْنا النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ فَخَرَجَ فَقالَ: مَنِ القَوْمُ؟ فَقُلْنا: نَحْنُ الفَرّارُونَ، فَقالَ: لا بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ، فَقَبَّلْنا يَدَهُ فَقالَ: أنا فِئَتُكم وأنا فِئَةُ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ [الأنفال»: ١٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أُمامَةَ مَوْلاةِ النَّبِيِّ ﷺ قالَتْ: «كُنْتُ أُوَضِّئُ النَّبِيَّ ﷺ أُفْرِغُ عَلى يَدَيْهِ، إذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُرِيدَ اللُّحُوقَ بِأهْلِي فَأوْصِنِي بِوَصِيَّةٍ أحْفَظُها عَنْكَ، قالَ: ولا تَفِرَّ يَوْمَ الزَّحْفِ (p-٧٠)فَإنَّهُ مَن فَرَّ يَوْمَ الزَّحْفِ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنِ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ» .
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ، ومَن فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفَقِ والمُفْتَرِقِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ الآيَةَ، قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قاتِلُوا كَما قالَ اللَّهُ.
ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ [النِّساءِ: ٤٨] . قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُولُوا كَمّا قالَ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِي «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ اسْتَعاذَ مِن سَبْعِ مَوْتاتٍ، مَوْتِ الفَجْأةِ، ومِن لَدْغِ الحَيَّةِ، ومِنَ السَّبُعِ، ومِنَ الغَرَقِ، ومِنَ الحَرَقِ، ومِن أنْ يَخِرَّ عَلى شَيْءٍ أوْ يَخِرَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ومِنَ القَتْلِ عِنْدَ فِرارِ الزَّحْفِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي اليَسَرِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَدْعُو بِهَؤُلاءِ (p-٧١)الكَلِماتِ السَّبْعِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَدَمِ وأعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي وأعُوذُ بِكَ مِنَ الغَمِّ والغَرَقِ والحَرَقِ، وأعُوذُ بِكَ أنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطانُ عِنْدَ المَوْتِ، وأعُوذُ بِكَ أنْ أمُوتَ في سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وأعُوذُ بِكَ أنْ أمُوتَ لَدِيغًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ بِلالِ بْنِ يَسارِ بْنِ زَيْدٍ مَوْلى النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَن قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وإنْ كانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ ثَلاثًا غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وإنْ كانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» .
(p-٧٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا ولَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ.
الأنفال 8:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرَ قالَ: إنّا قَوْمٌ لا نَثْبُتُ عِنْدَ قِتالِ عَدُوِّنا ولا نَدْرِي مَنِ الفِئَةُ إمامُنا أوْ عَسْكَرُنا؟ فَقالَ لِي: الفِئَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ قالَ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ بَدْرٍ لا قَبْلَها ولا بَعْدَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: إنَّها كانَتْ لِأهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَنْحازُوا ولَوِ (p-٦٦)انْحازُوا لَمْ يَنْحازُوا إلّا إلى المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لا تَغُرَّنَّكم هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّها كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ وأنا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذاكم يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّهم كانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً ما كانَ لَهم أنْ يَنْهَزِمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَتْرُكُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: إنَّما كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ خاصَّةً، لَيْسَ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الكَبائِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: ذاكَ في يَوْمِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: إنَّما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ فِئَةٌ يَنْحازُونَ إلَيْها.
(p-٦٧)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: يَرَوْنَ أنَّ ذَلِكَ في بَدْرٍ ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ قالَ: أوْجَبَ اللَّهُ لِمَن فَرَّ يَوْمَ بَدْرٍ النّارَ، قالَ: ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ بَعْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] [آلِ عِمْرانَ: ١٥٥] ثُمَّ كانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْعِ سِنِينَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ [التوبة: ٢٧] [التَّوْبَةِ: ٢٥ - ٢٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ خاصَّةً مُنْهَزِمًا: ﴿إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ يَعْنِي مُسْتَطْرِدًا يُرِيدُ الكَرَّةَ عَلى المُشْرِكِينَ: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ يَعْنِي: أوْ يَنْحازُ إلى أصْحابِهِ مِن غَيْرِ هَزِيمَةٍ، ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: اسْتَوْجَبُوا سُخْطًا مِنَ اللَّهِ: ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فَهَذا يَوْمَ بَدْرٍ خاصَّةً كَأنَّ اللَّهَ شَدَّدَ عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ لِيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ وهو أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَ فِيهِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ:
(p-٦٨)المُتَحَرِّفُ: المُتَقَدِّمُ مِن أصْحابِهِ أنْ يَرى عَوْرَةً مِنَ العَدُوِّ فَيُصِيبَها والمُتَحَيِّزُ: الفارُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وكَذَلِكَ مَن فَرَّ اليَوْمَ إلى أمِيرِهِ وأصْحابِهِ قالَ: وإنَّما هَذِهِ وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ألّا يَفِرُّوا وإنَّما كانَ النَّبِيُّ ﷺ فِئَتَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِالآيَةِ الَّتِي في ”الأنْفالِ“: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الآيَةَ [الأنْفالِ: ٦٦ ] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الكَبائِرِ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الكَبائِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الكَبائِرِ. (p-٦٩)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ واللَّفْظُ لَهُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا في غَزاةٍ فَحاصَ النّاسُ حَيْصَةً قُلْنا: كَيْفَ نَلْقى النَّبِيَّ ﷺ وقَدْ فَرَرْنا مِنَ الزَّحْفِ وبُؤْنا بِالغَضَبِ؟ فَأتَيْنا النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ فَخَرَجَ فَقالَ: مَنِ القَوْمُ؟ فَقُلْنا: نَحْنُ الفَرّارُونَ، فَقالَ: لا بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ، فَقَبَّلْنا يَدَهُ فَقالَ: أنا فِئَتُكم وأنا فِئَةُ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ [الأنفال»: ١٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أُمامَةَ مَوْلاةِ النَّبِيِّ ﷺ قالَتْ: «كُنْتُ أُوَضِّئُ النَّبِيَّ ﷺ أُفْرِغُ عَلى يَدَيْهِ، إذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُرِيدَ اللُّحُوقَ بِأهْلِي فَأوْصِنِي بِوَصِيَّةٍ أحْفَظُها عَنْكَ، قالَ: ولا تَفِرَّ يَوْمَ الزَّحْفِ (p-٧٠)فَإنَّهُ مَن فَرَّ يَوْمَ الزَّحْفِ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنِ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ» .
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ، ومَن فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفَقِ والمُفْتَرِقِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ الآيَةَ، قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قاتِلُوا كَما قالَ اللَّهُ.
ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ [النِّساءِ: ٤٨] . قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُولُوا كَمّا قالَ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِي «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ اسْتَعاذَ مِن سَبْعِ مَوْتاتٍ، مَوْتِ الفَجْأةِ، ومِن لَدْغِ الحَيَّةِ، ومِنَ السَّبُعِ، ومِنَ الغَرَقِ، ومِنَ الحَرَقِ، ومِن أنْ يَخِرَّ عَلى شَيْءٍ أوْ يَخِرَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ومِنَ القَتْلِ عِنْدَ فِرارِ الزَّحْفِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي اليَسَرِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَدْعُو بِهَؤُلاءِ (p-٧١)الكَلِماتِ السَّبْعِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَدَمِ وأعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي وأعُوذُ بِكَ مِنَ الغَمِّ والغَرَقِ والحَرَقِ، وأعُوذُ بِكَ أنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطانُ عِنْدَ المَوْتِ، وأعُوذُ بِكَ أنْ أمُوتَ في سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وأعُوذُ بِكَ أنْ أمُوتَ لَدِيغًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ بِلالِ بْنِ يَسارِ بْنِ زَيْدٍ مَوْلى النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَن قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وإنْ كانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ ثَلاثًا غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وإنْ كانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» .
(p-٧٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا ولَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ.
الأنفال 8:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ . الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ قالَ: لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ قالَ هَذا: قَتَلْتُ. وهَذا قَتَلْتُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ قالَ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ حَصَبَ الكُفّارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ: رَماهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالحَصْباءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما وقَعَ مِنَ الحَصْباءِ شَيْءٌ إلّا في عَيْنِ رَجُلٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ: هَذا يَوْمَ بَدْرٍ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَ حَصَياتٍ، فَرَمى بِحَصاةٍ في مَيْمَنَةِ القَوْمِ وحَصاةٍ في مَيْسَرَةِ القَوْمِ وحَصاةٍ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَقالَ: شاهَتِ (p-٧٣)الوُجُوهُ. فانْهَزَمُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مَحْكُولٍ قالَ: «لَمّا كَرَّ عَلِيٌّ وحَمْزَةُ عَلى شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ غَضِبَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: اثْنانِ بِواحِدٍ فاشْتَعَلَ القِتالُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ إنَّكَ أمَرْتَنِي بِالقِتالِ ووَعَدْتَنِي النَّصْرَ ولا خُلْفَ لِوَعْدِكَ. وأخَذَ قَبْضَةً مِن حَصًى فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ فانْهَزَمُوا بِإذْنِ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال»: ١٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، سَمِعْنا صَوْتًا وقَعَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ كَأنَّهُ صَوْتُ حَصاةٍ وقَعَتْ في طَسْتٍ، ورَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الحَصَياتِ وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، فانْهَزَمْنا فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَ حَصَياتٍ (p-٧٤)وقَعْنَ مِنَ السَّماءِ يَوْمَ بَدْرٍ كَأنَّهُنَّ وقَعْنَ في طَسْتٍ، فَلَمّا اصْطَفَّ النّاسُ أخَذَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَمى بِهِنَّ في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ فانْهَزَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال»: ١٧] وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ. قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: ناوِلْنِي قَبْضَةً مِن حَصْباءَ، فَناوَلَهُ فَرَمى بِها في وُجُوهِ القَوْمِ، فَما بَقِيَ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ إلّا امْتَلَأتْ عَيْناهُ مِنَ الحَصْباءِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال»: ١٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالا: «لَمّا دَنا القَوْمُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فَرَمى بِها في وُجُوهِ القَوْمِ، وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، فَدَخَلَتْ في أعْيُنِهِمْ كُلِّهِمْ، وأقْبَلَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْتُلُونَهم ويَأْسِرُونَهُمْ، وكانَتْ هَزِيمَتُهم في رَمْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال»: ١٧] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٧٥)المُسَيِّبِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أخَذَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَرْكُضُ فَرَسَهُ، حَتّى دَنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واعْتَرَضَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ لِيَقْتُلُوهُ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسْتَأْخِرُوا. فاسْتَأْخَرُوا، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَرْبَتَهُ في يَدِهِ فَرَمى بِها أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ وكَسَرَ ضِلْعًا مِن أضْلاعِهِ فَرَجَعَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ إلى أصْحابِهِ ثَقِيلًا فاحْتَمَلُوهُ حِينَ ولَّوْا قافِلِينَ، فَطَفِقُوا يَقُولُونَ: لا بَأْسَ. فَقالَ أُبَيٌّ حِينِ قالُوا ذَلِكَ لَهُ: واللَّهِ لَوْ كانَتْ بِالنّاسِ لَقَتَلَتْهم ألَمْ يَقُلْ: إنِّي أقْتُلُكَ إنْ شاءَ اللَّهُ؟ فانْطَلَقَ بِهِ أصْحابُهُ يُنْعِشُونَهُ حَتّى ماتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَدَفَنُوهُ. قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: وفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ والزُّهْرِيِّ قالا: «أُنْزِلَتْ في رَمْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ بِالحَرْبَةِ وهو في لَأْمَتِهِ فَخَدَشَهُ في تَرْقُوَتِهِ، فَجَعَلَ يَتَدَأْدَأُ عَنْ فَرَسِهِ مِرارًا، حَتّى كانَتْ وفاتُهُ بِها بَعْدَ أيّامٍ قاسى فِيها العَذابَ الألِيمَ مَوْصُولًا بِعَذابِ البَرْزَخِ المُتَّصِلِ بِعَذابِ الآخِرَةِ» .
(p-٧٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ قالَ: حَيْثُ رَمى أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ بِحَرْبَتِهِ فَقِيلَ لَهُ: إنْ يَكُ إلّا جَحْشٌ، قالَ: ألَيْسَ قالَ: أنا أقْتُلُكَ؟ واللَّهِ لَوْ قالَها لِجَمِيعِ الخَلْقِ لَماتُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - يَوْمَ ابْنِ أبِي الحُقَيْقِ - دَعا بِقَوْسٍ: فَأُتِيَ بِقَوْسٍ طَوِيلَةٍ فَقالَ: جِيئُونِي بِقَوْسٍ غَيْرِها. فَجاءُوهُ بِقَوْسٍ كَبْداءَ، فَرَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحِصْنَ فَأقْبَلَ السَّهْمُ يَهْوِي حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحُقَيْقِ في فِراشِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال»: ١٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِرَمْيَتِكَ لَوْلا الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ مِن نَصْرِكَ وما ألْقى في صُدُورِ عَدُوِّكَ مِنها حَتّى هَزَمْتَهم: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ: لِيُعَرِّفَ المُؤْمِنِينَ مِن نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في إظْهارِهِمْ عَلى (p-٧٧)عَدُوِّهِمْ، مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ حَقَّهُ ويَشْكُرُوا بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ.
الأنفال 8:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ مَندَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ، أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ حِينَ التَقى القَوْمُ: اللَّهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ وأتانا بِما لا نَعْرِفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ، فَكانَ ذَلِكَ اسْتِفْتاحًا مِنهُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ إنْ تَسْتَنْصِرُوا (p-٧٨)فَقَدْ جاءَكُمُ المَدَدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قالَ أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْ أهْدى الفِئَتَيْنِ وأفْضَلَ الفِئَتَيْنِ وخَيْرَ الفِئَتَيْنِ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْهم فِئَتُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ قالَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، فَفَتَحَ بَيْنَهم يَوْمَ بَدْرٍ.
(p-٧٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ . قالَ: إنْ تَسْتَقْضُوا فَقَدْ جاءَكُمُ القَضاءُ في يَوْمِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَنْتَهُوا﴾ قالَ: عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ قالَ: إنْ تَسْتَفْتِحُوا الثّانِيَةَ أفْتَحْ لِمُحَمَّدٍ ﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: مَعَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ يَقُولُ: نَعُدْ لَكم بِالأسْرِ والقَتْلِ.
الأنفال 8:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: عاصُونَ. (p-٨٠)
الأنفال 8:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في فُلانٍ وأصْحابٍ لَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: هم نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ قالَ: لا يَتَّبِعُونَ الحَقَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أُنْزِلَتْ في حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وقَوْمِهِ.
(p-٨١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: الدَّوابُّ الخَلْقُ وقَرَأ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] [فاطِرٍ: ٤٥] ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] [هُودٍ: ٦] قالَ: هَذا يَدْخُلُ في هَذا.
الأنفال 8:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ أيْ لَأنْفَذَ لَهم قَوْلَهُمُ الَّذِي قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ ولَكِنَّ القُلُوبَ خالَفَتْ ذَلِكَ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ قالَ: بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنْ لا خَيْرَ فِيهِمْ ما نَفَعَهم بَعْدَ أنْ يَنْفُذَ عِلْمُهُ بِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ.
(p-٨٢)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: قالُوا: نَحْنُ صُمٌّ عَمّا يَدْعُونا إلَيْهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ، بُكْمٌ لا نُجِيبُهُ فِيهِ بِتَصْدِيقٍ. قُتِلُوا جَمِيعًا بِأُحُدٍ، وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ يَوْمَ أُحُدٍ.
الأنفال 8:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قالَ: لِلْحَقِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قالَ: هو هَذا القُرْآنُ فِيهِ الحَياةُ والتِّقَةُ والنَّجاةُ والعِصْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ:
(p-٨٣)﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ أيْ لِلْحَرْبِ الَّتِي أعَزَّكُمُ اللَّهُ بِها بَعْدَ الذُّلِّ، وقَوّاكم بِها بَعْدَ الضَّعْفِ، ومَنَعَكم بِها مِن عَدُوِّكم بَعْدَ القَهْرِ مِنهم لَكم.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وخُشَيْشُ بْنُ أصْرَمَ في الِاسْتِقامَةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قالَ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ الكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ، ويَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ الإيمانِ وطاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قالَ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكَفْرِ، ويَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ الهُدى» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ أنْ يَعِيَ بابًا مِنَ الخَيْرِ أوْ يَعْمَلَهُ، أوْ يَهْتَدِيَ لَهُ.
(p-٨٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قالَ: عِلْمُهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي غالِبٍ الخُلْجِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قالَ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ مَعْصِيَتِهِ الَّتِي يَسْتَوْجِبُ بِها الهَلَكَةَ، فَلا بُدَّ لِابْنِ آدَمَ أنْ يُصِيبَ دُونَ ذَلِكَ، ولا يُدْخِلَ عَلى قَلْبِهِ المُوبِقاتِ الَّتِي يَسْتَوْجِبُ بِها دارَ الفاسِقِينَ ويَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ طاعَتِهِ، فَلا يُصِيبُ مِن طاعَتِهِ ما يَسْتَوْجِبُ ما يُصِيبُ أوْلِياؤُهُ مِنَ الخَيْرِ شَيْئًا، وكانَ ذَلِكَ في العِلْمِ السّابِقِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُ اللَّهِ وتَسْتَقِرُّ عِنْدَهُ أعْمالُ العِبادِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي غالِبٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قالَ: قَدْ سُبِقْتُ بِها عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ وصَفَ لَهم عَنِ القَضاءِ، فَقالَ لِعُمَرَ وغَيْرِهِ مِمَّنْ سَألَهُ مِن أصْحابِهِ: اعْمَلْ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، قالَ: وما ذاكَ التَّيْسِيرُ؟ قالَ: صاحِبُ النّارِ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِ النّارِ، وصاحِبُ الجَنَّةِ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِ الجَنَّةِ» .
(p-٨٥)وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ سَمِعَ غُلامًا يَدْعُو: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، فَحُلْ بَيْنِي وبَيْنَ الخَطايا فَلا أعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنها، فَقالَ عُمَرُ: رَحِمَكَ اللَّهُ ودَعا لَهُ بِخَيْرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ. قالَ: حَتّى يَتْرُكَهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قالَ: في القُرْبِ مِنهُ.
الأنفال 8:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: قُلْنا لِلزُّبَيْرِ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ ضَيَّعْتُمُ الخَلِيفَةَ حَتّى قُتِلَ ثُمَّ جِئْتُمْ تَطْلُبُونَ بِدَمِهِ؟ فَقالَ الزُّبَيْرُ: إنّا قَرَأْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ ولَمْ نَكُنْ نَحْسَبُ أنّا أهْلُها حَتّى وقَعَتْ فِينا حَيْثُ (p-٨٦)وقَعَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ الزُّبَيْرِ قالَ: لَقَدْ قَرَأْناها زَمانًا وما نَرى أنّا مِن أهْلِها فَإذا نَحْنُ المَعْنِيُّونَ بِها: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قَرَأ الزُّبَيْرُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ . قالَ: البَلاءُ والأمْرُ الَّذِي هو كائِنٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وعُثْمانَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: أما واللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أقْوامٌ حِينَ (p-٨٧)نَزَلَتْ أنَّهُ سَيُخَصُّ بِها قَوْمٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: عَلِمَ - واللَّهِ - ذَوُو الألْبابِ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّهُ سَيَكُونُ فِتَنٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: نَزَلَتْ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَذِهِ نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً، فَأصابَتْهم يَوْمَ الجَمَلِ فاقْتَتَلُوا، فَكانَ مِنَ المَقْتُولِينَ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وهُما مِن أهْلِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّهم أصْحابُ الجَمَلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ قالَ: تُصِيبُ الظّالِمَ والصّالِحَ عامَّةً.
(p-٨٨)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ قالَ: هي مِثْلُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ. حَتّى يَتْرُكَهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ ألّا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ.
الأنفال 8:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ أذَلَّ النّاسِ ذُلًّا وأشْقاهُ عَيْشًا وأجْوَعَهُ بُطُونًا وأعْراهُ جُلُودًا وأبْيَنَهُ ضَلالَةً مَكْعُومِينَ عَلى رَأْسِ حَجَرٍ بَيْنَ الأسَدَيْنِ فارِسَ والرُّومِ، لا واللَّهِ ما في بِلادِهِمْ شَيْءٌ يُحْسَدُونَ عَلَيْهِ، مَن عاشَ مِنهم عاشَ شَقِيًّا، ومَن ماتَ مِنهم رُدِّيَ في النّارِ، يُؤْكَلُونَ ولا يَأْكُلُونَ، لا واللَّهِ ما نَعْلَمُ قَبِيلًا مِن حاضِرِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ كانَ أشَرَّ مَنزِلًا مِنهُمْ، حَتّى جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَكَّنَ بِهِ في البِلادِ ووَسَّعَ بِهِ في الرِّزْقِ وجَعَلَكم بِهِ مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ، وبِالإسْلامِ أعْطى اللَّهُ ما رَأيْتُمْ فاشْكُرُوا لِلَّهِ نِعَمَهُ (p-٨٩)فَإنَّ رَبَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُّكْرَ وأهْلُ الشُّكْرِ في مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ فَآواكم إلى الإسْلامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: النّاسُ إذْ ذاكَ: فارِسُ والرُّومُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَنِ النّاسِ؟ قالَ: أهْلُ فارِسَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَآواكُمْ﴾ قالَ: إلى الأنْصارِ بِالمَدِينَةِ: ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ قالَ: يَوْمَ بَدْرٍ.
الأنفال 8:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ أبا (p-٩٠)سُفْيانَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ، فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ بِمَكانِ كَذا وكَذا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ أبا سُفْيانَ في مَكانِ كَذا وكَذا، فاخْرُجُوا إلَيْهِ واكْتُمُوا“ . فَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أبِي سُفْيانَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكم فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ، سَألُوهُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ: ما هَذا الأمْرُ؟ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ، فَنَزَلَتْ. قالَ أبُو لُبابَةَ: ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ، فَقالَ أبُو لُبابَةَ: لا واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ. فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا، حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا (p-٩١)عَلَيْهِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: يا أبا لُبابَةَ، قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ. قالَ: لا واللَّهِ لا أحُلُّ نَفْسِي حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّنِي. فَجاءَهُ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الكَلْبِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا لُبابَةَ إلى قُرَيْظَةَ، وكانَ حَلِيفًا لَهُمْ، فَأوْمَأ بِيَدِهِ؛ أيِ الذَّبْحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِامْرَأةِ أبِي لُبابَةَ: ”ما شَأْنُهُ؟ أيُصَلِّي، ويَصُومُ، ويَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ؟“ . فَقالَتْ: إنَّهُ لَيُصَلِّي، ويَصُومُ، ويَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، ويُحِبُّ اللَّهُ ورَسُولَهُ. فَبَعَثَ إلَيْهِ فَأتاهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ إنِّي لَأُصَلِّي، وأصُومُ، وأغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، وإنَّما بَهَشْتُ إلى النِّساءِ والصِّبْيانِ فَرَقَقْتُ لَهُمْ، ما زالَتْ في قَلْبِي حَتّى عَرَفْتُ أنِّي خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ، نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في ”بَراءَةَ“: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] .
[ التَّوْبَةِ: ١٠٢] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا كانَ شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَةَ بَعَثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا فِيمَن كانَ عِنْدَهُ مِنَ النّاسِ، فَلَمّا انْتَهى إلَيْهِمْ وقَعُوا في (p-٩٢)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجاءَ جِبْرِيلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى فَرَسٍ أبْلَقَ، فَقالَتْ عائِشَةُ: فَلَكَأنِّي أنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ الغُبارَ عَنْ وجْهِ جِبْرِيلَ، فَقُلْتُ: هَذا دِحْيَةُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ”هَذا جِبْرِيلُ“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما يَمْنَعُكَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَكَيْفَ لِي بِحِصْنِهِمْ؟“ . فَقالَ جِبْرِيلُ: إنِّي أُدْخِلُ فَرَسِي هَذا عَلَيْهِمْ. فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا مُعْرَوْرًى، فَلَمّا رَآهُ عَلِيٌّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا عَلَيْكَ ألّا تَأْتِيَهم فَإنَّهم يَشْتُمُونَكَ. فَقالَ: ”كَلّا إنَّها سَتَكُونُ تَحِيَّةٌ“ . فَأتاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ: ”يا إخْوَةَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ“، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، ما كُنْتَ فَحّاشًا. فَقالُوا: لا نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ مُحَمَّدٍ، ولَكِنّا نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ. فَنَزَلَ، فَحَكَمَ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهم وتُسْبى ذَرارِيُّهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بِذَلِكَ طَرَقَنِي المَلَكُ سَحَرًا. فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ، أشارَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ - حِينَ قالُوا: نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ-: لا تَفْعَلُوا فَإنَّهُ الذَّبْحُ. وأشارَ بِيَدِهِ إلى حَلْقِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ قالَ: بِتَرْكِ فَرائِضِهِ، ﴿والرَّسُولَ﴾ بِتَرْكِ سُنَّتِهِ وارْتِكابِ (p-٩٣)مَعْصِيَتِهِ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ يَقُولُ: لا تَنْقُضُوها، والأمانَةُ الأعْمالُ الَّتِي ائْتَمَنَ اللَّهُ عَلَيْها العِبادَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ هو الإخْلالُ بِالسِّلاحِ في المَغازِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وهو يَشْتَمِلُ عَلى فِتْنَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] [التَّغابُنِ: ١٥] فَمَنِ اسْتَعاذَ مِنكم فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ قالَ: فِتْنَةُ الِاخْتِبارِ؛ اخْتَبَرَهم. وقَرَأ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] [الأنْبِياءِ: ٣٥] (p-٩٤)
الأنفال 8:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ أبا (p-٩٠)سُفْيانَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ، فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ بِمَكانِ كَذا وكَذا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ أبا سُفْيانَ في مَكانِ كَذا وكَذا، فاخْرُجُوا إلَيْهِ واكْتُمُوا“ . فَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أبِي سُفْيانَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكم فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ، سَألُوهُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ: ما هَذا الأمْرُ؟ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ، فَنَزَلَتْ. قالَ أبُو لُبابَةَ: ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ، فَقالَ أبُو لُبابَةَ: لا واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ. فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا، حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا (p-٩١)عَلَيْهِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: يا أبا لُبابَةَ، قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ. قالَ: لا واللَّهِ لا أحُلُّ نَفْسِي حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّنِي. فَجاءَهُ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الكَلْبِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا لُبابَةَ إلى قُرَيْظَةَ، وكانَ حَلِيفًا لَهُمْ، فَأوْمَأ بِيَدِهِ؛ أيِ الذَّبْحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِامْرَأةِ أبِي لُبابَةَ: ”ما شَأْنُهُ؟ أيُصَلِّي، ويَصُومُ، ويَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ؟“ . فَقالَتْ: إنَّهُ لَيُصَلِّي، ويَصُومُ، ويَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، ويُحِبُّ اللَّهُ ورَسُولَهُ. فَبَعَثَ إلَيْهِ فَأتاهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ إنِّي لَأُصَلِّي، وأصُومُ، وأغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، وإنَّما بَهَشْتُ إلى النِّساءِ والصِّبْيانِ فَرَقَقْتُ لَهُمْ، ما زالَتْ في قَلْبِي حَتّى عَرَفْتُ أنِّي خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ، نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في ”بَراءَةَ“: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] .
[ التَّوْبَةِ: ١٠٢] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا كانَ شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَةَ بَعَثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا فِيمَن كانَ عِنْدَهُ مِنَ النّاسِ، فَلَمّا انْتَهى إلَيْهِمْ وقَعُوا في (p-٩٢)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجاءَ جِبْرِيلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى فَرَسٍ أبْلَقَ، فَقالَتْ عائِشَةُ: فَلَكَأنِّي أنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ الغُبارَ عَنْ وجْهِ جِبْرِيلَ، فَقُلْتُ: هَذا دِحْيَةُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ”هَذا جِبْرِيلُ“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما يَمْنَعُكَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَكَيْفَ لِي بِحِصْنِهِمْ؟“ . فَقالَ جِبْرِيلُ: إنِّي أُدْخِلُ فَرَسِي هَذا عَلَيْهِمْ. فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا مُعْرَوْرًى، فَلَمّا رَآهُ عَلِيٌّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا عَلَيْكَ ألّا تَأْتِيَهم فَإنَّهم يَشْتُمُونَكَ. فَقالَ: ”كَلّا إنَّها سَتَكُونُ تَحِيَّةٌ“ . فَأتاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ: ”يا إخْوَةَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ“، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، ما كُنْتَ فَحّاشًا. فَقالُوا: لا نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ مُحَمَّدٍ، ولَكِنّا نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ. فَنَزَلَ، فَحَكَمَ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهم وتُسْبى ذَرارِيُّهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بِذَلِكَ طَرَقَنِي المَلَكُ سَحَرًا. فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ، أشارَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ - حِينَ قالُوا: نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ-: لا تَفْعَلُوا فَإنَّهُ الذَّبْحُ. وأشارَ بِيَدِهِ إلى حَلْقِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ قالَ: بِتَرْكِ فَرائِضِهِ، ﴿والرَّسُولَ﴾ بِتَرْكِ سُنَّتِهِ وارْتِكابِ (p-٩٣)مَعْصِيَتِهِ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ يَقُولُ: لا تَنْقُضُوها، والأمانَةُ الأعْمالُ الَّتِي ائْتَمَنَ اللَّهُ عَلَيْها العِبادَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ هو الإخْلالُ بِالسِّلاحِ في المَغازِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وهو يَشْتَمِلُ عَلى فِتْنَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] [التَّغابُنِ: ١٥] فَمَنِ اسْتَعاذَ مِنكم فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ قالَ: فِتْنَةُ الِاخْتِبارِ؛ اخْتَبَرَهم. وقَرَأ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] [الأنْبِياءِ: ٣٥] (p-٩٤)
الأنفال 8:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ قالَ: هو المَخْرَجُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ قالَ: نَجاةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ قالَ: نَصْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ يَقُولُ: مَخْرَجًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
الأنفال 8:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، والخَطِيبُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-٩٥)قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ قالَ: تَشاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ، فَقالَ بَعْضُهم: إذا أصْبَحَ فَأثْبِتُوهُ بِالوَثاقِ - يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ - وقالَ بَعْضُهم: بَلِ اقْتُلُوهُ. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أخْرِجُوهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ، فَباتَ عَلِيٌّ عَلى فِراشِ النَّبِيِّ ﷺ، وخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى لَحِقَ بِالغارِ، وباتَ المُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسَبُونَهُ النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمّا أصْبَحُوا ثارُوا إلَيْهِ فَلَمّا رَأوْا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهم فَقالُوا: أيْنَ صاحِبُكَ هَذا؟ قالَ: لا أدْرِي، فاقْتَصُّوا أثَرَهُ، فَلَمّا بَلَغُوا الجَبَلَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ فَصَعِدُوا في الجَبَلِ فَمَرُّوا بِالغارِ فَرَأوْا عَلى بابِهِ نَسْجَ العَنْكَبُوتِ فَقالُوا: لَوْ دَخَلَ هُنا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ عَلى بابِهِ فَمَكَثَ فِيهِ ثَلاثَ لَيالٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ ومِن أشْرافِ كُلِّ قَبِيلَةٍ اجْتَمَعُوا لِيَدْخُلُوا دارَ النَّدْوَةِ واعْتَرَضَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ، فَلَمّا رَأوْهُ قالُوا: مَن أنْتَ؟ قالَ: شَيْخٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ سَمِعْتُ بِما اجْتَمَعْتُمْ لَهُ فَأرَدْتُ أنْ أحْضُرَكم ولَنْ يَعْدَمَكم مِنِّي رَأْيٌ ونُصْحٌ، قالُوا:
(p-٩٦)أجَلْ فادْخُلْ فَدَخَلَ مَعَهم فَقالَ: انْظُرُوا في شَأْنِ هَذا الرَّجُلِ - فَواللَّهِ - لَيُوشِكَنَّ أنْ يُواتِيَكم في أمْرِكم بِأمْرِهِ، فَقالَ قائِلٌ: احْبِسُوهُ في وثاقٍ ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ ونابِغَةُ فَإنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَقالَ عَدُوُّ اللَّهِ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لا واللَّهِ ما هَذا لَكم بِرَأْيٍ، واللَّهِ لَيَخْرُجَنَّ رَأْيُهُ مِن مَحْبِسِهِ لِأصْحابِهِ، فَلَيُوشِكَنَّ أنْ يَثِبُوا عَلَيْهِ حَتّى يَأْخُذُوهُ مِن أيْدِيكم ثُمَّ يَمْنَعُوهُ مِنكم فَما آمَنُ عَلَيْكم أنْ يُخْرِجُوكم مِن بِلادِكم فانْظُرُوا في غَيْرِ هَذا الرَّأْيِ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: فَأخْرِجُوهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فاسْتَرِيحُوا مِنهُ، فَإنَّهُ إذا خَرَجَ لَمْ يَضُرَّكم ما صَنَعَ وأيْنَ وقَعَ، وإذا غابَ عَنْكم أذاهُ اسْتَرَحْتُمْ مِنهُ، وكانَ أمْرُهُ في غَيْرِكُمْ، فَقالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لا واللَّهِ ما هَذا لَكم بِرَأْيٍ ألَمْ تَرَوْا حَلاوَةَ قَوْلِهِ، وطَلاقَةَ لِسانِهِ وأخْذَهُ لِلْقُلُوبِ بِما يُسْتَمَعُ مِن حَدِيثِهِ واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ ثُمَّ اسْتَعْرَضَ العَرَبَ لَتَجْتَمِعَنَّ (p-٩٧)إلَيْهِ ثُمَّ لَيَسِيرَنَّ إلَيْكم حَتّى يُخْرِجَكم مِن بِلادِكم ويَقْتُلَ أشْرافَكُمْ، قالُوا: صَدَقَ - واللَّهِ - فانْظُرُوا رَأْيًا غَيْرَ هَذا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ لَأُشِيرَنَّ عَلَيْكم بِرَأْيٍ ما أرى أبْصَرْتُمُوهُ بَعْدُ ما أرى غَيْرَهُ، قالُوا: وما هَذا؟ قالَ: نَأْخُذُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ غُلامًا وسِيطًا شابًّا نَهْدًا ثُمَّ يُعْطى كُلُّ غُلامٍ مِنهم سَيْفًا صارِمًا، ثُمَّ يَضْرِبُونَهُ - يَعْنِي ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ - فَإذا قَتَلْتُمُوهُ تَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ كُلِّها، فَلا أظُنُّ هَذا الحَيَّ مِن بَنِي هاشِمٍ يَقْدِرُونَ عَلى حَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّهِمْ وإنَّهم إذا رَأوْا ذَلِكَ قَبِلُوا العَقْلَ واسْتَرَحْنا وقَطَعْنا عَنّا أذاهُ، فَقالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: هَذا - واللَّهِ - هو الرَّأْيُ القَوْلُ ما قالَ الفَتى لا أرى غَيْرَهُ فَتَفَرَّقُوا عَلى ذَلِكَ وهم مُجْمِعُونَ لَهُ، فَأتى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأمَرَهُ ألّا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ الَّذِي كانَ يَبِيتُ فِيهِ، وأخْبَرَهُ بِمَكْرِ القَوْمِ، فَلَمْ يَبِتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَيْتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وأذِنَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ في الخُرُوجِ وأمَرَهم بِالهِجْرَةِ وافْتَرَضَ عَلَيْهِمُ القِتالَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] [الحَجِّ: ٣٩] فَكانَتْ هاتانِ الآيَتانِ أوَّلَ ما نَزَلَ في الحَرْبِ، (p-٩٨)وأنْزَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ يَذْكُرُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «لَمّا ائْتَمَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِيُثْبِتُوهُ أوْ يَقْتُلُوهُ، أوْ يُخْرِجُوهُ قالَ لَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ: هَلْ تَدْرِي ما ائْتَمَرُوا بِكَ؟ قالَ: يُرِيدُونَ أنْ يَسْجُنُونِي أوْ يَقْتُلُونِي أوْ يُخْرِجُونِي، قالَ: مَن حَدَّثَكَ بِهَذا؟ قالَ: رَبِّي، قالَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ اسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، قالَ: أنا أسْتَوْصِي بِهِ بَلْ هو يَسْتَوْصِي بِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وداعَةَ «أنَّ أبا طالِبٍ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَأْتَمِرُ بِكَ قَوْمُكَ؟ قالَ: يُرِيدُونَ أنْ يَسْجُنُونِي أوْ يَقْتُلُونِي أوْ يُخْرِجُونِي، قالَ: مَن حَدَّثَكَ بِهَذا؟ قالَ: رَبِّي، قالَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ فاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، قالَ: أنا أسْتَوْصِي بِهِ بَلْ هو يَسْتَوْصِي بِي: فَنَزَلَتْ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (p-٩٩)قالَ عِكْرِمَةُ: هي مَكِّيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الأيّامِ سُئِلَ عَنْ يَوْمِ السَّبْتِ فَقالَ هو يَوْمُ مَكْرٍ وخَدِيعَةٍ، قالُوا: وكَيْفَ ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: فِيهِ مَكَرَتْ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ إذْ قالَ اللَّهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال»: ٣٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: لِيُثْبِتُوكَ قالَ: لِيَسْجُنُوكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يَعْنِي لِيُوثِقُوكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «دَخَلُوا دارَ النَّدْوَةِ يَأْتَمِرُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: لا يَدْخُلْ عَلَيْكم أحَدٌ لَيْسَ مِنكم. فَدَخَلَ مَعَهُمُ الشَّيْطانُ في صُورَةِ شَيْخٍ مِن أهْلِ نَجْدٍ فَتَشاوَرُوا فَقالَ رَجُلٌ مِنهم أرى أنْ تُرْكِبُوهُ بَعِيرًا ثُمَّ تُخْرِجُوهُ فَقالَ الشَّيْطانُ: بِئْسَما رَأى هَذا هو قَدْ كادَ أنْ (p-١٠٠)يُفْسِدَ فِيما بَيْنَكم وهو بَيْنَ أظْهُرِكُمْ، فَكَيْفَ إذا أخْرَجْتُمُوهُ فَأفْسَدَ النّاسَ، ثُمَّ حَمَلَهم عَلَيْكم يُقاتِلُونَكُمْ؟! قالُوا: نِعْمَ ما رَأى هَذا الشَّيْخُ، فَقالَ قائِلٌ آخَرُ: فَإنِّي أرى أنْ تَجْعَلُوهُ في بَيْتٍ وتُطَيِّنُوا عَلَيْهِ بابَهُ وتَدَعُوهُ فِيهِ حَتّى يَمُوتَ. فَقالَ الشَّيْطانُ: بِئْسَما رَأى هَذا، فَتَرى قَوْمَهُ يَتْرُكُونَهُ فِيهِ؟! لا بُدَّ أنْ يَغْضَبُوا لَهُ فَيُخْرِجُوهُ. فَقالَ أبْوُ جَهْلٍ: فَإنِّي أرى أنْ تُخْرِجُوا مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلًا، ثُمَّ يَأْخُذُوا أسْيافَهم فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً فَلا يُدْرى مَن قَتَلَهُ فَتَدُونَهُ فَقالَ الشَّيْطانُ نِعْمَ ما رَأى هَذا. فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ فَخَرَجَ هو وأبُو بَكْرٍ إلى غارٍ في جَبَلٍ يُقالُ لَهُ: ثَوْرٌ وقامَ عَلِيٌّ عَلى فِراشِ النَّبِيِّ ﷺ وباتُوا يَحْرُسُونَهُ يَحْسَبُونَ أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمّا أصْبَحُوا ثارُوا إلَيْهِ فَإذا هم بِعَلِيٍّ، فَقالُوا: أيْنَ صاحِبُكَ؟ فَقالَ: لا أدْرِي، فاقْتَصُّوا أثَرَهُ حَتّى بَلَغُوا الغارَ ثُمَّ رَجَعُوا ومَكَثَ فِيهِ هو وأبُو بَكْرٍ ثَلاثَ لَيالٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، «أنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في بَيْتٍ وقالُوا: لا يَدْخُلْ مَعَكُمُ اليَوْمَ إلّا مَن هو مِنكم فَجاءَ إبْلِيسُ فَقالُوا لَهُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: شَيْخٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ وأنا ابْنُ أُخْتِكُمْ، فَقالُوا: ابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنهم (p-١٠١)فَقالَ بَعْضُهم: أوْثِقُوهُ، فَقالَ: أيَرْضى بَنُو هاشِمٍ بِذَلِكَ؟ فَقالَ بَعْضُهم: أخْرِجُوهُ، فَقالَ: يُؤْوِيهِ غَيْرُكُمْ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: لِيَجْتَمِعْ مِن كُلِّ بَنِي أبٍ رَجُلٌ فَيَقْتُلُوهُ، فَقالَ إبْلِيسُ: هَذا الأمْرُ الَّذِي قالَ الفَتى، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ قالَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ أرادُوا ذَلِكَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِن مَكَّةَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما قالَ: «شَرى عَلِيٌّ نَفْسَهُ ولَبِسَ ثَوْبَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ نامَ مَكانَهُ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَرْمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تُرِيدُ أنْ تَقْتُلَ النَّبِيَّ ﷺ فَجَعَلُوا يَرْمُونَ عَلِيًّا ويُرَوْنَهُ النَّبِيَّ ﷺ وجَعَلَ عَلِيٌّ يَتَضَوَّرُ فَإذا هو عَلِيٌّ فَقالُوا: إنَّكَ لَلَئِيمٌ إنَّكَ لَتَتَضَوَّرُ وكانَ صاحِبُكَ لا يَتَضَوَّرُ، ولَقَدِ اسْتَنْكَرْناهُ مِنكَ» .
(p-١٠٢)وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ مَن شَرى نَفْسَهُ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ عَلِيٌّ وقالَ في ذَلِكَ:
؎وقَيْتُ بِنَفْسِي خَيْرَ مَن وطِئَ الحَصى ومَن طافَ بِالبَيْتِ العَتِيقِ وبِالحِجْرِ
؎رَسُولَ الإلَهِ خافَ أنْ يَمْكُرُوا بِهِ ∗∗∗ فَنَجّاهُ ذُو الطَّوْلِ الإلَهُ مِنَ المَكْرِ
؎وباتَ رَسُولُ اللَّهِ في الغارِ آمِنًا ∗∗∗ مُوَقًّى وفي حِفْظِ الإلَهِ وفي سِتْرِ
؎وبِتُّ أُراعِيهِمْ وما يَتْهِمُونَنِي ∗∗∗ وقَدْ وُطِّنَتْ نَفْسِي عَلى القَتْلِ والأسْرِ
الأنفال 8:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ وكانَ المِقْدادُ أسَرَ النَّضْرَ، فَلَمّا أُمِرَ بِقَتْلِهِ قالَ المِقْدادُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسِيرِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ في كِتابِ اللَّهِ ما يَقُولُ. قالَ: وفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال»: ٣١] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ يَخْتَلِفُ إلى الحِيرَةِ فَيَسْمَعُ سَجْعَ أهْلِها وكَلامَهُمْ، فَلَمّا قَدِمَ مَكَّةَ سَمِعَ كَلامَ (p-١٠٣)النَّبِيِّ ﷺ والقُرْآنَ فَقالَ: ﴿قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
الأنفال 8:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا﴾ . الآياتِ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ: اللَّهُمَّ إنَّ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطَرَ عَلَيْنا حِجارَةً مِنِ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ: فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾: قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ. (p-١٠٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]، [ص: ١٦]: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] [الأنْعامِ: ٩٤] و ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] [المَعارِجِ: ١] قالَ عَطاءٌ: لَقَدْ نَزَلَ فِيهِ بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ العاصِي واقِفًا يَوْمَ أُحُدٍ عَلى فَرَسٍ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فاخْسِفْ بِي وبِفَرَسِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ قَدْ، ويَقُولُونَ: لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. ويَقُولُونَ: غُفْرانَكَ غُفْرانَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فِيهِمْ أمانانِ النَّبِيُّ ﷺ والِاسْتِغْفارُ فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: هَذا عَذابُ الآخِرَةِ وذَلِكَ عَذابُ الدُّنْيا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ ومُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قالا: قالَتْ قُرَيْشٌ:
(p-١٠٥)بَعْضُها لِبَعْضٍ: مُحَمَّدٌ أكْرَمَهُ اللَّهُ مِن بَيْنِنا؟! ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا أمْسَوْا نَدِمُوا عَلى ما قالُوا فَقالُوا: غُفْرانَكَ اللَّهُمَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ أبْزى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وكانَ أُولَئِكَ البَقِيَّةُ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بَقَوْا فِيها يَسْتَغْفِرُونَ، فَلَمّا خَرَجُوا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. فَأذِنَ في فَتْحِ مَكَّةَ فَهو العَذابُ الَّذِي وعَدَهم» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ حَتّى يُخْرِجَكَ مِنهم: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ ثُمَّ أعادَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (p-١٠٦)يَقُولُ: لَوِ اسْتَغْفَرُوا وأقَرُّوا بِالذُّنُوبِ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: وكَيْفَ لا أُعَذِّبُهم وهم لا يَسْتَغْفِرُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ قالَ: بَيْنَ أظْهُرِهِمْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: يُسْلِمُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الكَلْبِيِّ في قَوْلِهِ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ. يَقُولُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهو لا يَزالُ الرَّجُلُ مِنهم يَدْخُلُ في الإسْلامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: وهم يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ دِينارٍ قالَ: سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الِاسْتِغْفارِ، فَقالَ: قالَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يَقُولُ: يَعْمَلُونَ عَلى الغُفْرانِ، وعَلِمْتُ أنَّ ناسًا سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ مِمَّنْ (p-١٠٧)يَسْتَغْفِرُونَ بِألْسِنَتِهِمْ مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلامَ وسائِرَ المِلَلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالا: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي تَلِيها: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ فَقُوتِلُوا بِمَكَّةَ فَأصابَهم فِيها الجُوعُ والحَصَرُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مالِكٍ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ وفِيهِمُ المُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ القُرْآنَ يَدُلُّكم عَلى دائِكم ودَوائِكم أمّا داؤُكم فَذُنُوبُكُمْ، وأمّا دَواؤُكم فالِاسْتِغْفارُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألا أدُلُّكم عَلى دائِكم ودَوائِكُمْ؟ ألا إنَّ داءَكُمُ الذُّنُوبُ ودَواءَكُمُ الِاسْتِغْفارُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الصَّغِيرَ فَيَحْتَقِرُهُ ولا يَنْدَمُ عَلَيْهِ ولا يَسْتَغْفِرُ مِنهُ فَيَعْظُمُ عِنْدَ اللَّهِ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ (p-١٠٨)الطَّوْدِ ويَعْمَلُ الذَّنْبَ العَظِيمَ فَيَنْدَمُ عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرُ مِنهُ فَيَصْغُرُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى يَغْفِرَ لَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أمانَيْنِ لِأُمَّتِي: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَإذا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ فِيكم أمانانِ مَضى أحَدُهُما وبَقِيَ الآخَرُ قالَ اللَّهُ تَعالى: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم. الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ في هَذِهِ الأُمَّةِ أمانَيْنِ لا يَزالُونَ مَعْصُومِينَ مِن قَوارِعِ العَذابِ ما داما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَأمانٌ قَبَضَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، وأمانٌ بَقِيَ فِيكم قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ.
(p-١٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والحاكِمُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: إنَّهُ قَدْ كانَ فِيكم أمانانِ؛ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ مَضى لِسَبِيلِهِ، وأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو كائِنٌ فِيكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ في هَذِهِ الأُمَّةِ أمانانِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والِاسْتِغْفارُ فَذَهَبَ أمانٌ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - وبَقِيَ أمانٌ يَعْنِي الِاسْتِغْفارَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «العَبْدُ آمِنٌ مِن عَذابِ اللَّهِ ما اسْتَغْفَرَ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وعِزَّتِكَ يا رَبِّ لا أبْرَحُ أُغْوِي عِبادَكَ ما دامَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، قالَ الرَّبُّ: وعِزَّتِي وجَلالِي لا أزالُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي» .
(p-١١٠)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن أكْثَرَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومَن كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، ورَزَقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طُوبى لِمَن وجَدَ في صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفارًا كَثِيرًا» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلْقُلُوبِ صَدَأً كَصَدَأِ الحَدِيدِ وجِلاؤُها الِاسْتِغْفارُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تُكْثِرُوا مِنَ الِاسْتِغْفارِ فافْعَلُوا، فَإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أنْجَحَ عِنْدَ اللَّهِ ولا أحَبَّ إلَيْهِ مِنهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ (p-١١١)قَبْلَكم يَعْمَلُ بِالمَعاصِي، فَبَيْنَما هو ذاتَ يَوْمٍ يَسِيرُ إذْ تَفَكَّرَ فِيما سَلَفَ مِنهُ، فَقالَ: اللَّهُمَّ غُفْرانَكَ، فَأدْرَكَهُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ فَغُفِرَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: طُوبى لِمَن وجَدَ في صَحِيفَتِهِ نَبْدًا مِنَ الِاسْتِغْفارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: مَن قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ خَمْسَ مَرّاتٍ غُفِرَ لَهُ وإنْ كانَ عَلَيْهِ مِثْلُ زَبَدِ البَحْرِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ في الشَّمائِلِ والنَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ، ثُمَّ رَكَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ وفَعَلَ في الرَّكْعَةِ الأُخْرى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ نَفَخَ في آخِرِ سُجُودِهِ ثُمَّ قالَ: رَبِّ ألَمْ تَعِدْنِي ألّا تُعَذِّبَهم وأنا فِيهِمْ؟ رَبِّ ألَمْ تَعِدْنِي ألّا تُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ؟ ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ، فَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن صِلاتِهِ وقَدِ (p-١١٢)انْمَحَصَتِ الشَّمْسُ» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِي قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأرْضِ أمانانِ: أنا أمانٌ والِاسْتِغْفارُ أمانٌ وأنا مَذْهُوبٌ بِي ويَبْقى أمانُ الِاسْتِغْفارِ، فَعَلَيْكم بِالِاسْتِغْفارِ عِنْدَ كُلِّ حَدَثٍ وذَنْبٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ قالَ: ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا وأنْبِياؤُهم بَيْنَ أظْهُرِهِمْ حَتّى يُخْرِجَهم: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يَقُولُ: وفِيهِمْ مَن قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدُّخُولُ في الإيمانِ: وهو الِاسْتِغْفارُ، وقالَ لِلْكافِرِ: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] فَيَمِيزُ اللَّهُ أهْلَ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ فَعَذَّبَهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (p-١١٣)ثُمَّ اسْتَثْنى أهْلَ الشِّرْكِ فَقالَ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ قالَ: المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: كُفّارَ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَذابُهم فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وهم يَجْحَدُونَ آياتِ اللَّهِ ويُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ وإنْ كانَ فِيهِمْ ما يَدَّعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ:
﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وعَبَدَهُ أنْتَ ومَنِ اتَّبَعَكَ: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنهُ، ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ عِنْدَهُ أيْ أنْتَ ومَن آمَنَ بِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي (p-١١٤)حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ قالَ: مَن كانُوا حَيْثُ كانُوا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعُمَرَ: اجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فَجَمَعَهُمْ، فَلَمّا حَضَرُوا بابَ النَّبِيِّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ: قَدْ جَمَعْتُ لَكَ قَوْمِي، فَسَمِعَ ذَلِكَ الأنْصارُ فَقالُوا: قَدْ نَزَلَ في قُرَيْشٍ الوَحْيُ، فَجاءَ المُسْتَمِعُ والنّاظِرُ ما يُقالُ لَهُمْ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقامَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَقالَ: هَلْ فِيكم مِن غَيْرِكُمْ؟ٍ قالُوا: نَعَمْ فِينا حَلِيفُنا، وابْنُ أُخْتِنا ومُوالِينا، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: حَلِيفُنا مِنّا، وابْنُ أُخْتِنا مِنّا ومُوالِينا مِنّا أنْتُمْ تَسْمَعُونَ إنَّ أوْلِيائِي مِنكُمُ المُتَّقُونَ، فَإنْ كُنْتُمْ أُولَئِكَ فَذاكَ وإلّا فانْظُرُوا لا يَأْتِي النّاسُ بِالأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ وتَأْتُونَ بِالأثْقالِ فَيُعْرَضُ عَنْكم» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنْ أوْلِيائِي يَوْمَ القِيامَةِ المُتَّقُونَ، وإنْ كانَ نَسَبٌ أقْرَبَ مِن نَسَبٍ فَلا يَأْتِينِي النّاسُ بِالأعْمالِ وتَأْتُونِي بِالدُّنْيا تَحْمِلُونَها عَلى رِقابِكم فَتَقُولُونَ يا مُحَمَّدُ فَأقُولُ هَكَذا وهَكَذا لا وأعْرَضَ في كُلِّ (p-١١٥)عِطْفَيْهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن آلُكَ؟ فَقالَ: كُلُّ تَقِيٍّ وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال»: ٣٤] .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ آلَ فُلانٍ لَيْسُوا لِي بِأوْلِياءَ إنَّما ولِيِّيَ اللَّهُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أوْلى النّاسِ بِي المُتَّقُونَ مَن كانُوا وحَيْثُ كانُوا» .
الأنفال 8:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا﴾ . الآياتِ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ: اللَّهُمَّ إنَّ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطَرَ عَلَيْنا حِجارَةً مِنِ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ: فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾: قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ. (p-١٠٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]، [ص: ١٦]: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] [الأنْعامِ: ٩٤] و ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] [المَعارِجِ: ١] قالَ عَطاءٌ: لَقَدْ نَزَلَ فِيهِ بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ العاصِي واقِفًا يَوْمَ أُحُدٍ عَلى فَرَسٍ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فاخْسِفْ بِي وبِفَرَسِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ قَدْ، ويَقُولُونَ: لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. ويَقُولُونَ: غُفْرانَكَ غُفْرانَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فِيهِمْ أمانانِ النَّبِيُّ ﷺ والِاسْتِغْفارُ فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: هَذا عَذابُ الآخِرَةِ وذَلِكَ عَذابُ الدُّنْيا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ ومُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قالا: قالَتْ قُرَيْشٌ:
(p-١٠٥)بَعْضُها لِبَعْضٍ: مُحَمَّدٌ أكْرَمَهُ اللَّهُ مِن بَيْنِنا؟! ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا أمْسَوْا نَدِمُوا عَلى ما قالُوا فَقالُوا: غُفْرانَكَ اللَّهُمَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ أبْزى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وكانَ أُولَئِكَ البَقِيَّةُ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بَقَوْا فِيها يَسْتَغْفِرُونَ، فَلَمّا خَرَجُوا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. فَأذِنَ في فَتْحِ مَكَّةَ فَهو العَذابُ الَّذِي وعَدَهم» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ حَتّى يُخْرِجَكَ مِنهم: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ ثُمَّ أعادَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (p-١٠٦)يَقُولُ: لَوِ اسْتَغْفَرُوا وأقَرُّوا بِالذُّنُوبِ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: وكَيْفَ لا أُعَذِّبُهم وهم لا يَسْتَغْفِرُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ قالَ: بَيْنَ أظْهُرِهِمْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: يُسْلِمُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الكَلْبِيِّ في قَوْلِهِ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ. يَقُولُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهو لا يَزالُ الرَّجُلُ مِنهم يَدْخُلُ في الإسْلامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: وهم يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ دِينارٍ قالَ: سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الِاسْتِغْفارِ، فَقالَ: قالَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يَقُولُ: يَعْمَلُونَ عَلى الغُفْرانِ، وعَلِمْتُ أنَّ ناسًا سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ مِمَّنْ (p-١٠٧)يَسْتَغْفِرُونَ بِألْسِنَتِهِمْ مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلامَ وسائِرَ المِلَلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالا: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي تَلِيها: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ فَقُوتِلُوا بِمَكَّةَ فَأصابَهم فِيها الجُوعُ والحَصَرُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مالِكٍ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ وفِيهِمُ المُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ القُرْآنَ يَدُلُّكم عَلى دائِكم ودَوائِكم أمّا داؤُكم فَذُنُوبُكُمْ، وأمّا دَواؤُكم فالِاسْتِغْفارُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألا أدُلُّكم عَلى دائِكم ودَوائِكُمْ؟ ألا إنَّ داءَكُمُ الذُّنُوبُ ودَواءَكُمُ الِاسْتِغْفارُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الصَّغِيرَ فَيَحْتَقِرُهُ ولا يَنْدَمُ عَلَيْهِ ولا يَسْتَغْفِرُ مِنهُ فَيَعْظُمُ عِنْدَ اللَّهِ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ (p-١٠٨)الطَّوْدِ ويَعْمَلُ الذَّنْبَ العَظِيمَ فَيَنْدَمُ عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرُ مِنهُ فَيَصْغُرُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى يَغْفِرَ لَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أمانَيْنِ لِأُمَّتِي: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَإذا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ فِيكم أمانانِ مَضى أحَدُهُما وبَقِيَ الآخَرُ قالَ اللَّهُ تَعالى: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم. الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ في هَذِهِ الأُمَّةِ أمانَيْنِ لا يَزالُونَ مَعْصُومِينَ مِن قَوارِعِ العَذابِ ما داما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَأمانٌ قَبَضَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، وأمانٌ بَقِيَ فِيكم قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ.
(p-١٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والحاكِمُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: إنَّهُ قَدْ كانَ فِيكم أمانانِ؛ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ مَضى لِسَبِيلِهِ، وأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو كائِنٌ فِيكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ في هَذِهِ الأُمَّةِ أمانانِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والِاسْتِغْفارُ فَذَهَبَ أمانٌ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - وبَقِيَ أمانٌ يَعْنِي الِاسْتِغْفارَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «العَبْدُ آمِنٌ مِن عَذابِ اللَّهِ ما اسْتَغْفَرَ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وعِزَّتِكَ يا رَبِّ لا أبْرَحُ أُغْوِي عِبادَكَ ما دامَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، قالَ الرَّبُّ: وعِزَّتِي وجَلالِي لا أزالُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي» .
(p-١١٠)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن أكْثَرَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومَن كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، ورَزَقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طُوبى لِمَن وجَدَ في صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفارًا كَثِيرًا» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلْقُلُوبِ صَدَأً كَصَدَأِ الحَدِيدِ وجِلاؤُها الِاسْتِغْفارُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تُكْثِرُوا مِنَ الِاسْتِغْفارِ فافْعَلُوا، فَإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أنْجَحَ عِنْدَ اللَّهِ ولا أحَبَّ إلَيْهِ مِنهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ (p-١١١)قَبْلَكم يَعْمَلُ بِالمَعاصِي، فَبَيْنَما هو ذاتَ يَوْمٍ يَسِيرُ إذْ تَفَكَّرَ فِيما سَلَفَ مِنهُ، فَقالَ: اللَّهُمَّ غُفْرانَكَ، فَأدْرَكَهُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ فَغُفِرَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: طُوبى لِمَن وجَدَ في صَحِيفَتِهِ نَبْدًا مِنَ الِاسْتِغْفارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: مَن قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ خَمْسَ مَرّاتٍ غُفِرَ لَهُ وإنْ كانَ عَلَيْهِ مِثْلُ زَبَدِ البَحْرِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ في الشَّمائِلِ والنَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ، ثُمَّ رَكَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ وفَعَلَ في الرَّكْعَةِ الأُخْرى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ نَفَخَ في آخِرِ سُجُودِهِ ثُمَّ قالَ: رَبِّ ألَمْ تَعِدْنِي ألّا تُعَذِّبَهم وأنا فِيهِمْ؟ رَبِّ ألَمْ تَعِدْنِي ألّا تُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ؟ ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ، فَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن صِلاتِهِ وقَدِ (p-١١٢)انْمَحَصَتِ الشَّمْسُ» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِي قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأرْضِ أمانانِ: أنا أمانٌ والِاسْتِغْفارُ أمانٌ وأنا مَذْهُوبٌ بِي ويَبْقى أمانُ الِاسْتِغْفارِ، فَعَلَيْكم بِالِاسْتِغْفارِ عِنْدَ كُلِّ حَدَثٍ وذَنْبٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ قالَ: ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا وأنْبِياؤُهم بَيْنَ أظْهُرِهِمْ حَتّى يُخْرِجَهم: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يَقُولُ: وفِيهِمْ مَن قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدُّخُولُ في الإيمانِ: وهو الِاسْتِغْفارُ، وقالَ لِلْكافِرِ: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] فَيَمِيزُ اللَّهُ أهْلَ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ فَعَذَّبَهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (p-١١٣)ثُمَّ اسْتَثْنى أهْلَ الشِّرْكِ فَقالَ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ قالَ: المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: كُفّارَ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَذابُهم فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وهم يَجْحَدُونَ آياتِ اللَّهِ ويُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ وإنْ كانَ فِيهِمْ ما يَدَّعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ:
﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وعَبَدَهُ أنْتَ ومَنِ اتَّبَعَكَ: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنهُ، ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ عِنْدَهُ أيْ أنْتَ ومَن آمَنَ بِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي (p-١١٤)حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ قالَ: مَن كانُوا حَيْثُ كانُوا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعُمَرَ: اجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فَجَمَعَهُمْ، فَلَمّا حَضَرُوا بابَ النَّبِيِّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ: قَدْ جَمَعْتُ لَكَ قَوْمِي، فَسَمِعَ ذَلِكَ الأنْصارُ فَقالُوا: قَدْ نَزَلَ في قُرَيْشٍ الوَحْيُ، فَجاءَ المُسْتَمِعُ والنّاظِرُ ما يُقالُ لَهُمْ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقامَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَقالَ: هَلْ فِيكم مِن غَيْرِكُمْ؟ٍ قالُوا: نَعَمْ فِينا حَلِيفُنا، وابْنُ أُخْتِنا ومُوالِينا، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: حَلِيفُنا مِنّا، وابْنُ أُخْتِنا مِنّا ومُوالِينا مِنّا أنْتُمْ تَسْمَعُونَ إنَّ أوْلِيائِي مِنكُمُ المُتَّقُونَ، فَإنْ كُنْتُمْ أُولَئِكَ فَذاكَ وإلّا فانْظُرُوا لا يَأْتِي النّاسُ بِالأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ وتَأْتُونَ بِالأثْقالِ فَيُعْرَضُ عَنْكم» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنْ أوْلِيائِي يَوْمَ القِيامَةِ المُتَّقُونَ، وإنْ كانَ نَسَبٌ أقْرَبَ مِن نَسَبٍ فَلا يَأْتِينِي النّاسُ بِالأعْمالِ وتَأْتُونِي بِالدُّنْيا تَحْمِلُونَها عَلى رِقابِكم فَتَقُولُونَ يا مُحَمَّدُ فَأقُولُ هَكَذا وهَكَذا لا وأعْرَضَ في كُلِّ (p-١١٥)عِطْفَيْهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن آلُكَ؟ فَقالَ: كُلُّ تَقِيٍّ وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال»: ٣٤] .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ آلَ فُلانٍ لَيْسُوا لِي بِأوْلِياءَ إنَّما ولِيِّيَ اللَّهُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أوْلى النّاسِ بِي المُتَّقُونَ مَن كانُوا وحَيْثُ كانُوا» .
الأنفال 8:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا﴾ . الآياتِ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ: اللَّهُمَّ إنَّ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطَرَ عَلَيْنا حِجارَةً مِنِ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ: فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾: قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ. (p-١٠٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]، [ص: ١٦]: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] [الأنْعامِ: ٩٤] و ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] [المَعارِجِ: ١] قالَ عَطاءٌ: لَقَدْ نَزَلَ فِيهِ بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ العاصِي واقِفًا يَوْمَ أُحُدٍ عَلى فَرَسٍ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فاخْسِفْ بِي وبِفَرَسِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ قَدْ، ويَقُولُونَ: لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. ويَقُولُونَ: غُفْرانَكَ غُفْرانَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فِيهِمْ أمانانِ النَّبِيُّ ﷺ والِاسْتِغْفارُ فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: هَذا عَذابُ الآخِرَةِ وذَلِكَ عَذابُ الدُّنْيا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ ومُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قالا: قالَتْ قُرَيْشٌ:
(p-١٠٥)بَعْضُها لِبَعْضٍ: مُحَمَّدٌ أكْرَمَهُ اللَّهُ مِن بَيْنِنا؟! ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا أمْسَوْا نَدِمُوا عَلى ما قالُوا فَقالُوا: غُفْرانَكَ اللَّهُمَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ أبْزى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وكانَ أُولَئِكَ البَقِيَّةُ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بَقَوْا فِيها يَسْتَغْفِرُونَ، فَلَمّا خَرَجُوا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. فَأذِنَ في فَتْحِ مَكَّةَ فَهو العَذابُ الَّذِي وعَدَهم» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ حَتّى يُخْرِجَكَ مِنهم: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ ثُمَّ أعادَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (p-١٠٦)يَقُولُ: لَوِ اسْتَغْفَرُوا وأقَرُّوا بِالذُّنُوبِ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: وكَيْفَ لا أُعَذِّبُهم وهم لا يَسْتَغْفِرُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ قالَ: بَيْنَ أظْهُرِهِمْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: يُسْلِمُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الكَلْبِيِّ في قَوْلِهِ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ. يَقُولُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهو لا يَزالُ الرَّجُلُ مِنهم يَدْخُلُ في الإسْلامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: وهم يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ دِينارٍ قالَ: سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الِاسْتِغْفارِ، فَقالَ: قالَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يَقُولُ: يَعْمَلُونَ عَلى الغُفْرانِ، وعَلِمْتُ أنَّ ناسًا سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ مِمَّنْ (p-١٠٧)يَسْتَغْفِرُونَ بِألْسِنَتِهِمْ مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلامَ وسائِرَ المِلَلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالا: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي تَلِيها: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ فَقُوتِلُوا بِمَكَّةَ فَأصابَهم فِيها الجُوعُ والحَصَرُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مالِكٍ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ وفِيهِمُ المُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ القُرْآنَ يَدُلُّكم عَلى دائِكم ودَوائِكم أمّا داؤُكم فَذُنُوبُكُمْ، وأمّا دَواؤُكم فالِاسْتِغْفارُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألا أدُلُّكم عَلى دائِكم ودَوائِكُمْ؟ ألا إنَّ داءَكُمُ الذُّنُوبُ ودَواءَكُمُ الِاسْتِغْفارُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الصَّغِيرَ فَيَحْتَقِرُهُ ولا يَنْدَمُ عَلَيْهِ ولا يَسْتَغْفِرُ مِنهُ فَيَعْظُمُ عِنْدَ اللَّهِ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ (p-١٠٨)الطَّوْدِ ويَعْمَلُ الذَّنْبَ العَظِيمَ فَيَنْدَمُ عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرُ مِنهُ فَيَصْغُرُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى يَغْفِرَ لَهُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أمانَيْنِ لِأُمَّتِي: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَإذا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ فِيكم أمانانِ مَضى أحَدُهُما وبَقِيَ الآخَرُ قالَ اللَّهُ تَعالى: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم. الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ في هَذِهِ الأُمَّةِ أمانَيْنِ لا يَزالُونَ مَعْصُومِينَ مِن قَوارِعِ العَذابِ ما داما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَأمانٌ قَبَضَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، وأمانٌ بَقِيَ فِيكم قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ.
(p-١٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والحاكِمُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: إنَّهُ قَدْ كانَ فِيكم أمانانِ؛ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ مَضى لِسَبِيلِهِ، وأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو كائِنٌ فِيكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ في هَذِهِ الأُمَّةِ أمانانِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والِاسْتِغْفارُ فَذَهَبَ أمانٌ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - وبَقِيَ أمانٌ يَعْنِي الِاسْتِغْفارَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «العَبْدُ آمِنٌ مِن عَذابِ اللَّهِ ما اسْتَغْفَرَ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وعِزَّتِكَ يا رَبِّ لا أبْرَحُ أُغْوِي عِبادَكَ ما دامَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، قالَ الرَّبُّ: وعِزَّتِي وجَلالِي لا أزالُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي» .
(p-١١٠)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن أكْثَرَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومَن كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، ورَزَقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طُوبى لِمَن وجَدَ في صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفارًا كَثِيرًا» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلْقُلُوبِ صَدَأً كَصَدَأِ الحَدِيدِ وجِلاؤُها الِاسْتِغْفارُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تُكْثِرُوا مِنَ الِاسْتِغْفارِ فافْعَلُوا، فَإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أنْجَحَ عِنْدَ اللَّهِ ولا أحَبَّ إلَيْهِ مِنهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ (p-١١١)قَبْلَكم يَعْمَلُ بِالمَعاصِي، فَبَيْنَما هو ذاتَ يَوْمٍ يَسِيرُ إذْ تَفَكَّرَ فِيما سَلَفَ مِنهُ، فَقالَ: اللَّهُمَّ غُفْرانَكَ، فَأدْرَكَهُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ فَغُفِرَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: طُوبى لِمَن وجَدَ في صَحِيفَتِهِ نَبْدًا مِنَ الِاسْتِغْفارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: مَن قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ خَمْسَ مَرّاتٍ غُفِرَ لَهُ وإنْ كانَ عَلَيْهِ مِثْلُ زَبَدِ البَحْرِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ في الشَّمائِلِ والنَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ، ثُمَّ رَكَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ وفَعَلَ في الرَّكْعَةِ الأُخْرى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ نَفَخَ في آخِرِ سُجُودِهِ ثُمَّ قالَ: رَبِّ ألَمْ تَعِدْنِي ألّا تُعَذِّبَهم وأنا فِيهِمْ؟ رَبِّ ألَمْ تَعِدْنِي ألّا تُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ؟ ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ، فَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن صِلاتِهِ وقَدِ (p-١١٢)انْمَحَصَتِ الشَّمْسُ» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِي قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأرْضِ أمانانِ: أنا أمانٌ والِاسْتِغْفارُ أمانٌ وأنا مَذْهُوبٌ بِي ويَبْقى أمانُ الِاسْتِغْفارِ، فَعَلَيْكم بِالِاسْتِغْفارِ عِنْدَ كُلِّ حَدَثٍ وذَنْبٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ قالَ: ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا وأنْبِياؤُهم بَيْنَ أظْهُرِهِمْ حَتّى يُخْرِجَهم: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يَقُولُ: وفِيهِمْ مَن قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدُّخُولُ في الإيمانِ: وهو الِاسْتِغْفارُ، وقالَ لِلْكافِرِ: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] فَيَمِيزُ اللَّهُ أهْلَ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ فَعَذَّبَهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (p-١١٣)ثُمَّ اسْتَثْنى أهْلَ الشِّرْكِ فَقالَ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ قالَ: المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: كُفّارَ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَذابُهم فَتْحُ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وهم يَجْحَدُونَ آياتِ اللَّهِ ويُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ وإنْ كانَ فِيهِمْ ما يَدَّعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ:
﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وعَبَدَهُ أنْتَ ومَنِ اتَّبَعَكَ: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنهُ، ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ عِنْدَهُ أيْ أنْتَ ومَن آمَنَ بِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي (p-١١٤)حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ قالَ: مَن كانُوا حَيْثُ كانُوا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعُمَرَ: اجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فَجَمَعَهُمْ، فَلَمّا حَضَرُوا بابَ النَّبِيِّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ: قَدْ جَمَعْتُ لَكَ قَوْمِي، فَسَمِعَ ذَلِكَ الأنْصارُ فَقالُوا: قَدْ نَزَلَ في قُرَيْشٍ الوَحْيُ، فَجاءَ المُسْتَمِعُ والنّاظِرُ ما يُقالُ لَهُمْ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقامَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَقالَ: هَلْ فِيكم مِن غَيْرِكُمْ؟ٍ قالُوا: نَعَمْ فِينا حَلِيفُنا، وابْنُ أُخْتِنا ومُوالِينا، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: حَلِيفُنا مِنّا، وابْنُ أُخْتِنا مِنّا ومُوالِينا مِنّا أنْتُمْ تَسْمَعُونَ إنَّ أوْلِيائِي مِنكُمُ المُتَّقُونَ، فَإنْ كُنْتُمْ أُولَئِكَ فَذاكَ وإلّا فانْظُرُوا لا يَأْتِي النّاسُ بِالأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ وتَأْتُونَ بِالأثْقالِ فَيُعْرَضُ عَنْكم» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنْ أوْلِيائِي يَوْمَ القِيامَةِ المُتَّقُونَ، وإنْ كانَ نَسَبٌ أقْرَبَ مِن نَسَبٍ فَلا يَأْتِينِي النّاسُ بِالأعْمالِ وتَأْتُونِي بِالدُّنْيا تَحْمِلُونَها عَلى رِقابِكم فَتَقُولُونَ يا مُحَمَّدُ فَأقُولُ هَكَذا وهَكَذا لا وأعْرَضَ في كُلِّ (p-١١٥)عِطْفَيْهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن آلُكَ؟ فَقالَ: كُلُّ تَقِيٍّ وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال»: ٣٤] .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ آلَ فُلانٍ لَيْسُوا لِي بِأوْلِياءَ إنَّما ولِيِّيَ اللَّهُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ أوْلى النّاسِ بِي المُتَّقُونَ مَن كانُوا وحَيْثُ كانُوا» .
الأنفال 8:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ صَلاتُهُمْ﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ يُعارِضُونَ النَّبِيَّ ﷺ في الطَّوافِ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ نُبَيْطٍ - وكانَ مِنِ الصَّحابَةِ - في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ الحَرامِ وهم (p-١١٦)يُصَفِّرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والضِّياءُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ تَطُوفُ بِالكَعْبَةِ عُراةً تُصَفِّرُ وتُصَفِّقُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ قالَ: والمُكاءُ الصَّفِيرُ وإنَّما شُبِّهُوا بِصَفِيرِ الطَّيْرِ وتَصْدِيَةِ التَّصْفِيقِ وأُنْزِلَ فِيهِمْ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآيَةَ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ قالَ: المُكاءُ القُنْبُرَةُ، والتَّصْدِيَةُ صَوْتُ العَصافِيرِ وهو التَّصْفِيقُ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ وهو بِمَكَّةَ كانَ يُصَلِّي قائِمًا بَيْنَ الحِجْرِ والرُّكْنِ اليَمانِيِّ، فَيَجِيءُ رَجُلانِ مِن بَنِي سَهْمٍ، يَقُومُ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ ويَصِيحُ أحَدُهُما كَما يَصِيحُ المُكّاءُ والآخَرُ يُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ تَصْدِيَةَ العَصافِيرِ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ فَقالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ يَقُولُ:(p-١١٧)
؎نَقُومُ إلى الصَّلاةِ إذا دُعِينا وهَمُّكُمُ التَّصَدِّي والمُكاءُ
وقالَ آخَرُ مِنَ الشُّعَراءِ في التَّصْدِيَةِ:
؎حَتّى تَنَبَّهْنا سُحَيْرًا ∗∗∗ قَبْلَ تَصْدِيَةِ العَصافِرْ»
.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ، كانَ أحَدُهُما يَضَعُ يَدَهُ عَلى الأُخْرى ثُمَّ يُصَفِّرُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ قالَ: المُكاءُ التَّصْفِيرُ والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: المُكاءُ إدْخالُ أصابِعِهِمْ في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ (p-١١٨)الصَّفِيرُ يُخَلِّطُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ صَلاتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ عَلى نَحْوِ طَيْرٍ أبْيَضَ يُقالُ لَهُ: المُكاءُ يَكُونُ بِأرْضِ الحِجازِ والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مُكاءً﴾ قالَ: كانُوا يُشَبِّكُونَ أصابِعَهم ويُصَفِّرُونَ فِيهِنَّ: ﴿وتَصْدِيَةً﴾ قالَ: صَدُّهُمُ النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عَلى الشِّمالِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ فالمُكاءُ مِثْلُ نَفْخِ البُوقِ، والتَّصْدِيَةُ طَوافُهم عَلى الشِّمالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ قالَ: يَعْنِي أهْلَ بَدْرٍ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالقَتْلِ والأسْرِ.
الأنفال 8:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في (p-١١٩)الدَّلائِلِ كُلُّهم مِن طَرِيقِهِ قالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ وعاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، والحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو قالُوا: لَمّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِ مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ في رِجالٍ مِن قُرَيْشٍ أُصِيبَ آباؤُهم وأبْناؤُهم فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ، فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ خِيارَكُمْ، فَأعِينُونا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ فَلَعَلَّنا أنْ نُدْرِكَ مِنهُ ثَأْرًا، فَفَعَلُوا، فَفِيهِمْ كَما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ (p-١٢٠)قالَ: في نَفَقَةِ أبِي سُفْيانَ عَلى الكُفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ اسْتَأْجَرَ يَوْمَ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ مَن بَنِي كِنانَةَ يُقاتِلُ بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ:
؎وجِئْنا إلى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وسْطَهُ أحابِيشُ مِنهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ
؎ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ نَصِيَّةٌ ∗∗∗ ثَلاثُ مِئِينَ إنْ كَثُرْنَ فَأرْبَعُ
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ أنْفَقَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ وكانَتِ الأُوقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ مِثْقالًا مِن ذَهَبٍ.
(p-١٢١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ يَقُولُ: نَدامَةً يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ يَعْنِي النَّفَرَ الَّذِينَ مَشَوْا إلى أبِي سُفْيانَ وإلى مَن كانَ لَهُ مالٌ مِن قُرَيْشٍ في تِلْكَ التِّجارَةِ فَسَألُوهم أنْ يُقَوُّوهم بِها عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفَعَلُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قالَ: يَمِيزُ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانَ لِلَّهِ مِن عَمَلٍ صالِحٍ في الدُّنْيا ثُمَّ تُؤْخَذُ الدُّنْيا بِأسْرِها فَتُلْقى في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَجْمَعُهُ جَمِيعًا.
الأنفال 8:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في (p-١١٩)الدَّلائِلِ كُلُّهم مِن طَرِيقِهِ قالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ وعاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، والحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو قالُوا: لَمّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِ مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ في رِجالٍ مِن قُرَيْشٍ أُصِيبَ آباؤُهم وأبْناؤُهم فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ، فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ خِيارَكُمْ، فَأعِينُونا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ فَلَعَلَّنا أنْ نُدْرِكَ مِنهُ ثَأْرًا، فَفَعَلُوا، فَفِيهِمْ كَما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ (p-١٢٠)قالَ: في نَفَقَةِ أبِي سُفْيانَ عَلى الكُفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ اسْتَأْجَرَ يَوْمَ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ مَن بَنِي كِنانَةَ يُقاتِلُ بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ:
؎وجِئْنا إلى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وسْطَهُ أحابِيشُ مِنهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ
؎ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ نَصِيَّةٌ ∗∗∗ ثَلاثُ مِئِينَ إنْ كَثُرْنَ فَأرْبَعُ
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ أنْفَقَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ وكانَتِ الأُوقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ مِثْقالًا مِن ذَهَبٍ.
(p-١٢١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ يَقُولُ: نَدامَةً يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ يَعْنِي النَّفَرَ الَّذِينَ مَشَوْا إلى أبِي سُفْيانَ وإلى مَن كانَ لَهُ مالٌ مِن قُرَيْشٍ في تِلْكَ التِّجارَةِ فَسَألُوهم أنْ يُقَوُّوهم بِها عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفَعَلُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قالَ: يَمِيزُ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانَ لِلَّهِ مِن عَمَلٍ صالِحٍ في الدُّنْيا ثُمَّ تُؤْخَذُ الدُّنْيا بِأسْرِها فَتُلْقى في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَجْمَعُهُ جَمِيعًا.
الأنفال 8:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: «لَمّا جَعَلَ اللَّهُ الإسْلامَ (p-١٢٢)فِي قَلْبِي، أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، قالَ: ما لَكَ؟ قُلْتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ، قالَ: "تَشْتَرِطُ ماذا؟ قُلْتُ: أنْ يُغْفَرَ لِي، قالَ: ما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها، وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: لا يُؤْخَذُ كافِرٌ بِشَيْءٍ صَنَعَهُ في كُفْرِهِ إذا أسْلَمَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: في قُرَيْشٍ وغَيْرِها يَوْمَ بَدْرٍ والأُمَمِ قَبْلَ ذَلِكَ.
الأنفال 8:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: ثُمَّ وضَعَ مَقاسِمَ الفَيْءِ وأعْلَمَهُ، قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ بَعْدَ الَّذِي مَضى مِن بَدْرٍ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
(p-١٢٣)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ قالَ: المَخِيطُ مِنَ الشَّيْءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ قالَ: إنَّما المالُ ثَلاثَةٌ: مَغْنَمٌ أوْ فَيْءٌ أوْ صَدَقَةٌ، فَلَيْسَ مِنهُ دِرْهَمٌ إلّا قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ مَوْضِعَهُ، قالَ في المَغْنَمِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ تَحَرُّجًا عَلَيْهِمْ وقالَ في الفَيْءِ: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧] [ الحَشْرِ: ٧] وقالَ في الصَّدَقَةِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] [التَّوْبَةِ: ٦٠ ] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ الجَدَلِيِّ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قالَ: هَذا مِفْتاحُ كَلامٍ، لِلَّهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ: ﴿ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ فاخْتَلَفُوا بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ، قالَ قائِلٌ: سَهْمُ ذِي القُرْبى لِقَرابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ وقالَ قائِلٌ: سَهْمُ ذِي القُرْبى لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ. وقالَ قائِلٌ: سَهْمُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ لِلْخَلِيفَةِ مِن (p-١٢٤)بَعْدِهِ، واجْتَمَعَ رَأْيُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ يَجْعَلُوا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ في الخَيْلِ والعُدَّةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ كَذَلِكَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا، خَمَّسَ الغَنِيمَةَ، فَضَرَبَ ذَلِكَ الخُمُسَ في خَمْسَةٍ ثُمَّ قَرَأ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مِفْتاحُ كَلامٍ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، فَجَعَلَ اللَّهُ سَهْمَ اللَّهِ والرَّسُولِ واحِدًا، ولِذِي القُرْبى، فَجَعَلَ هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ قُوَّةً في الخَيْلِ والسِّلاحِ وجَعَلَ سَهْمَ اليَتامى والمَساكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ لا يُعْطِيهِ غَيْرَهم وجَعَلَ الأرْبَعَةَ الأسْهُمِ الباقِيَةَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، ولِراكِبِهِ سَهْمٌ ولِلرّاجِلِ سَهْمٌ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ يَقُولُ: هو لِلَّهِ ثُمَّ قَسَمَ الخُمُسَ خَمْسَةَ أخْماسٍ: لِلرَّسُولِ، ولِذِي القُرْبى، واليَتامى، والمَساكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ الغَنِيمَةُ تُقْسَمُ عَلى خَمْسَةِ أخْماسٍ، فَأرْبَعَةٌ مِنها بَيْنَ مَن قاتَلَ عَلَيْها وخُمُسٌ (p-١٢٥)واحِدٌ يُقْسَمُ عَلى أرْبَعَةِ أخْماسٍ فَرُبُعٌ لِلَّهِ ولِلْرَسُولِ ولِذِي القُرْبى - يَعْنِي قَرابَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - فَما كانَ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ فَهو لِقَرابَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ، ولَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ مِنَ الخُمُسِ شَيْئًا، والرُّبُعُ الثّانِيَ لِلْيَتامى، والرُّبُعُ الثّالِثُ لِلْمَساكِينِ، والرُّبُعُ الرّابِعُ لِابْنِ السَّبِيلِ وهو الضَّيْفُ الفَقِيرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ يُجاءُ بِالغَنِيمَةِ فَتُوضَعُ، فَيَقْسِمُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ فَيَعْزِلُ سَهْمًا مِنهُ ويَقْسِمُ أرْبَعَةَ أسْهُمٍ بَيْنَ النّاسِ - يَعْنِي لِمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ - ثُمَّ يَضْرِبُ بِيَدِهِ في جَمِيعِ السَّهْمِ الَّذِي عَزَلَهُ، فَما قَبَضَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ جَعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ فَهو الَّذِي سُمِّيَ لِلَّهِ، لا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا فَإنَّ لِلَّهِ الدُّنْيا والآخِرَةَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إلى بَقِيَّةِ السَّهْمِ فَيَقْسِمُهُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، سَهْمٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وسَهْمٌ لِذِي القُرْبى وسَهْمٌ لِلْيَتامى وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ وسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ وذُو قَرابَتِهِ لا يَأْكُلُونَ مِنِ الصَّدَقاتِ شَيْئًا لا يَحِلُّ لَهم فَلِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ خُمُسُ الخُمُسِ ولِذِي قَرابَتِهِ خُمُسُ الخُمُسِ ولِلْيَتامى مِثْلُ ذَلِكَ ولِلْمَساكِينِ مِثْلُ ذَلِكَ ولِابْنِ السَّبِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ.
(p-١٢٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَ سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ يُدْعى الصَّفِيَّ إنْ شاءَ عَبْدًا وإنْ شاءَ فَرَسًا يَخْتارُهُ قَبْلَ الخُمُسِ ويَضْرِبُ لَهُ بِسَهْمِهِ إنْ شَهِدَ وإنْ غابَ، وكانَتْ صَفِيَّةُ ابْنَةُ حُيَيٍّ مِنَ الصَّفِيِّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: خُمُسُ اللَّهِ والرَّسُولِ واحِدٌ إنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْمِلُ فِيهِ ويَصْنَعُ فِيهِ ما شاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ تَناوَلَ شَيْئًا مِنَ الأرْضِ أوْ وبَرَةً مِن بَعِيرٍ، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما لِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم ولا مِثْلُ هَذِهِ إلّا الخُمُسَ والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ ما افْتَتَحَ عَلى خَمْسَةِ أخْماسٍ، فَأرْبَعَةُ أخْماسٍ لِمَن شَهِدَهُ ويَأْخُذُ الخُمُسَ خُمُسَ اللَّهِ فَيَقْسِمُهُ عَلى سِتَّةِ أسْهُمٍ، فَسَهْمٌ لِلَّهِ وسَهْمٌ لِلرَّسُولِ وسَهْمٌ لِذِي القُرْبى وسَهْمٌ لِلْيَتامى وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ وسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ (p-١٢٧)وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْعَلُ سَهْمَ اللَّهِ في السِّلاحِ والكُراعِ وفي سَبِيلِ اللَّهِ، وفي كُسْوَةِ الكَعْبَةِ وطِيبِها وما تَحْتاجُ إلَيْهِ الكَعْبَةُ ويَجْعَلُ سَهْمَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ في الكُراعِ والسِّلاحِ ونَفَقَةِ أهْلِهِ وسَهْمَ ذِي القُرْبى لِقَرابَتِهِ ويَضَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيْئَهم مَعَ سَهْمِهِمْ مَعَ النّاسِ،ولِلْيَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ثَلاثَةُ أسْهُمٍ، يَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَن شاءَ وحَيْثُ شاءَ، لَيْسَ لِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ إلّا سَهْمٌ ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَهْمُهُ مَعَ سِهامِ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ فَقالَ: الَّذِي لِلَّهِ لِنَبِيِّهِ، والَّذِي لِلرَّسُولِ لِأزْواجِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ قالَ: هم بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إلَيْهِ يَسْألُهُ عَنْ ذَوِي القُرْبى الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنّا كُنّا نَرى أنّا هُمْ، فَأبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا وقالُوا: قُرَيْشٌ كُلُّها ذَوُو قُرْبى.
(p-١٢٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن وجْهٍ آخَرَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نَجْدَةَ الحَرُورِيَّ أرْسَلَ إلَيْهِ يَسْألُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي القُرْبى الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ويَقُولُ: لِمَن تَراهُ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِقُرْبى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَسَمَهُ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَدْ كانَ عُمَرُ عَرَضَ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ عَرْضًا رَأيْناهُ دُونَ حَقِّنا، فَرَدَدْناهُ عَلَيْهِ وأبَيْنا أنْ نَقْبَلَهُ. وكانَ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يُعِينَ ناكِحَهُمْ، وأنْ يَقْضِيَ عَنْ غارِمِهِمْ، وأنْ يُعْطِيَ فَقِيرَهم وأبى أنْ يَزِيدَهم عَلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: سَألْتُ عَلِيًّا فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أخْبِرْنِي كَيْفَ كانَ صُنْعُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ في الخُمُسِ نَصِيبِكُمْ؟ فَقالَ: أمّا أبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَكُنْ في وِلايَتِهِ أخْماسٌ، وأمّا عُمَرُ فَلَمْ يَزَلْ يَدْفَعُهُ إلَيَّ في كُلِّ خُمُسٍ حَتّى كانَ خُمُسُ السُّوسِ وجُنْدَيْسابُورَ، فَقالَ وأنا عِنْدُهُ: هَذا نُصِيبُكم أهْلَ البَيْتِ مِنَ الخُمُسِ. وقَدْ أحَلَّ بِبَعْضِ المُسْلِمِينَ واشْتَدَّتْ حاجَتُهم فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَوَثَبَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقالَ: لا تَعْرِضْ في الَّذِي لَنا، فَقُلْتُ: ألَسْنا أحَقَّ مَنَ أرْفَقَ المُسْلِمِينَ وشَفَعَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَقَبَضَهُ فَواللَّهِ ما قَبَضْناهُ ولا قَدَرْتُ عَلَيْهِ في وِلايَةِ عُثْمانَ ثُمَّ أنْشَأ عَلِيٌّ يُحَدِّثُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الصَّدَقَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَوَّضَهُ سَهْمًا مِنَ الخُمُسِ عِوَضًا مِمّا حَرَّمَ عَلَيْهِ، وحَرَّمَها عَلى أهْلِ بَيْتِهِ خاصَّةً دُونَ أُمَّتِهِ فَضَرَبَ لَهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَهْمًا عِوَضًا مِمّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «رَغِبْتُ (p-١٢٩)لَكم عَنْ غُسالَةِ الأيْدِي لِأنَّ لَكم في خُمُسِ الخُمُسِ ما يُغْنِيكم أوْ يَكْفِيكم» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَ سَهْمَ ذِي القُرْبى مِن خَيْبَرَ عَلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ سَهْمَ ذِي القُرْبى عَلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ قالَ: فَمَشَيْتُ أنا وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ حَتّى دَخَلْنا عَلَيْهِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلاءِ إخْوانُكَ مَن بَنِي هاشِمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم لِمَكانِكَ الَّذِي وضَعَكَ اللَّهُ بِهِ مِنهم أرَأيْتَ إخْوانَنا مِن بَنِي المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم دُونَنا، وإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ في النَّسَبِ؟ فَقالَ: إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ أُعْطُوا الخُمُسَ، آلُ عَلِيٍّ وآلُ عَبّاسٍ وآلُ جَعْفَرٍ وآلُ عَقِيلٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ لا تَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ فَجَعَلَ لَهم خُمُسَ الخُمُسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ يَعْنِي مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ (p-١٣٠)يَعْنِي قَرابَةَ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي الضَّيْفَ وكانَ المُسْلِمُونَ إذا غَنِمُوا في عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ أخْرَجُوا خُمُسَهُ فَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ الخُمُسَ الواحِدَ أرْبَعَةَ أرْباعٍ فَرُبُعُهُ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِقَرابَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَما كانَ لِلَّهِ فَهو لِلرَّسُولِ والقَرابَةِ وكانَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ نَصِيبُ رَجُلٍ مِنَ القَرابَةِ، والرُّبُعُ الثّانِي لِلنَّبِيِّ ﷺ والرُّبُعُ الثّالِثُ لِلْمَساكِينِ، والرُّبُعُ الرّابِعُ لِابْنِ السَّبِيلِ، ويَعْمِدُونَ إلى الَّتِي بَقِيَتْ فَيَقْسِمُونَها عَلى سُهْمانِهِمْ، فَلَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ رَدَّ أبُو بَكْرٍ نَصِيبَ القَرابَةِ فَجَعَلَ يَحْمِلُ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وبَقِيَ نَصِيبُ اليَتامى والمَساكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَغَوِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ «عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْقَيْنِ عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما تَقُولُ في هَذا المالِ؟ قالَ: لِلَّهِ خُمُسُهُ وأرْبَعَةُ أخْماسِهِ لِهَؤُلاءِ - يَعْنِي لِلْمُسْلِمِينَ - قُلْتُ: فَهَلْ أحَدٌ أحَقُّ بِهِ مِن أحَدٍ؟ قالَ: لا ولَوِ انْتَزَعَتْ سَهْمًا مِن جَنْبِكَ لَمْ تَكُنْ بِأحَقَّ بِهِ مِن أخِيكَ المُسْلِمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جِدِّهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُنَفِّلُ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ فَرِيضَةُ الخُمُسِ في المَغْنَمِ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، تَرْكَ النَّفْلَ الَّذِي كانَ يُنَفِّلُ وجَعَلَ ذَلِكَ في خُمُسِ الخُمُسِ وهو سَهْمُ اللَّهِ (p-١٣١)وسَهْمُ النَّبِيِّ» ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيِّ قالَ: كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: مَن هَهُنا مِن أهْلِ الشّامِ؟ فَقُمْتُ فَقالَ: أبْلِغْ مُعاوِيَةَ إذا غَنِمَ غَنِيمَةً أنْ يَأْخُذَ خَمْسَةَ أسْهُمٍ فَيَكْتُبَ عَلى كُلِّ سَهْمٍ مِنها: لِلَّهِ ثُمَّ لِيَقْرَعْ فَحَيْثُما خَرَجَ مِنها فَلْيَأْخُذْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قالَ: سَهْمُ اللَّهِ وسَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ واحِدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: في المَغْنَمِ خُمُسٌ لِلَّهِ، وسَهْمٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والصَّفِيُّ كانَ يُصْطَفى لَهُ مِنَ المَغْنَمِ خَيْرُ رَأْسٍ مِنَ السَّبْيِ إنْ كانَ سَبْيٌ وإلّا غَيْرُهُ ثُمَّ يُخْرِجُ الخُمُسَ ثُمَّ يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْمِهِ شَهِدَ أوْ غابَ مَعَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ الصَّفِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] [الحَشْرِ: ٧ ] ما الفَيْءُ؟ وما الغَنِيمَةُ؟ قالَ: إذا ظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى المُشْرِكِينَ وعَلى أرْضِهِمْ (p-١٣٢)فَأخَذُوهم عَنْوَةً فَما أخَذُوا مِن مالٍ ظَهَرُوا عَلَيْهِ فَهو غَنِيمَةٌ وأمّا الأرْضُ فَهو فَيْءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سُفْيانَ قالَ: الغَنِيمَةُ ما أصابَ المُسْلِمُونَ عَنْوَةً فَهو لِمَن سَمّى اللَّهُ وأرْبَعَةُ أخْماسٍ لِمَن شَهِدَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنْ جابِرٍ أنَّهُ سُئِلَ: كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهَ وسَلَّمَ يَصْنَعُ في الخُمُسِ؟ قالَ: كانَ يُحَمِّلُ الرَّجُلَ سَهْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ الرَّجُلَ ثُمَّ الرَّجُلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ واحِدٌ في المَغْنَمِ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ إمّا خادِمٌ وإمّا فَرَسٌ ثُمَّ نَصِيبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الخُمُسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «سَلَّمْنا الأنْفالَ لِلَّهِ والرَّسُولِ ولَمْ يُخَمِّسْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا ونَزَلَتْ بَعْدُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمُسْلِمِينَ الخُمُسَ فِيما كانَ مِن كُلِّ غَنِيمَةٍ بَعْدَ بَدْرٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا تُوَلِّينِي ما خَصَّنا اللَّهُ بِهِ مِنَ الخُمُسِ فَوَلّانِيهِ» .
(p-١٣٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ولّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُمُسَ الخُمُسِ فَوَضَعْتُهُ مَواضِعَهُ حَياةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ مَكْحُولٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا سَهْمَ مِنَ الخَيْلِ إلّا لِفَرَسَيْنِ وإنْ كانَ مَعَهُ ألْفُ فَرَسٍ، إذا دَخَلَ بِها أرْضَ العَدُوِّ. قالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْفارِسِ سَهْمَيْنِ ولِلرّاجِلِ سَهْمٌ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ لِلْفارِسِ سَهْمَيْنِ ولِلرّاجِلِ سَهْمًا» .
َ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ، أنَّ أبا بَكْرٍ أوْصى بِالخُمُسِ وقالَ: أُوصِي بِما رَضِيَ اللَّهُ بِهِ لِنَفْسِهِ ثُمَّ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ يَقُولُ: أقِرُّوا بِحُكْمِي: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ يَقُولُ: وما أنْزَلْتُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في القِسْمَةِ: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ (p-١٣٤)جَمْعُ المُسْلِمِينَ وجَمْعُ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ قالَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ وبَدْرٌ: ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ قالَ: هو يَوْمَ بَدْرٍ فَرَّقَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ قالَ: كانَتْ بَدْرٌ لِسَبَعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِن شَهْرِ رَمَضانَ.
(p-١٣٥)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: كانَتْ لَيْلَةُ الفَرْقانِ لَيْلَةَ التَقى الجَمْعانِ في صَبِيحَتِها لَيْلَةَ الجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِن رَمَضانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: كانَتْ لَيْلَةُ الفَرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِن رَمَضانَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالقِتالِ في آيٍ مِنَ القُرْآنِ، فَكانَ أوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا، وكانَ رَأْسَ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فالتَقَوْا يَوْمَ الجُمُعَةِ لِسَبْعَ أوْ سِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن رَمَضانَ وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا والمُشْرِكُونَ بَيْنَ الألْفِ والتِّسْعِمِائَةِ وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ الفُرْقانِ: يَوْمَ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَكانَ أوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِهْجَعٌ مَوْلى عُمَرَ ورَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ وهَزَمَ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ المُشْرِكِينَ فَقُتِلَ مِنهم زِيادَةٌ عَلى سَبْعِينَ رَجُلًا وأُسِرَ مِنهم مِثْلُ ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَتْ بَدْرٌ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِن رَمَضانَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، أنَّهُ (p-١٣٦)سُئِلَ: أيُّ لَيْلَةٍ كانَتْ لَيْلَةُ بَدْرٍ؟ فَقالَ: هي لَيْلَةُ الجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِن رَمَضانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ البَدْرِيِّ قالَ: كانَتْ بَدْرٌ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِن رَمَضانَ.
الأنفال 8:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾
قالَ: شاطِئُ الوادِي: ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ، قالَ: العُدْوَةُ الدُّنْيا: شَفِيرُ الوادِي الأدْنى، والعُدْوَةُ القُصْوى: شَفِيرُ الوادِي الأقْصى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: كانَ أبُو سُفْيانَ أسْفَلَ الوادِي في سَبْعِينَ راكِبًا، ونَفَرَتْ قُرَيْشٌ وكانُوا تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ فَبَعَثَ أبُو سُفْيانَ إلى قُرَيْشٍ وهم بِالجُحْفَةِ: إنِّي قَدْ جاوَزْتُ القَوْمَ فارْجِعُوا، قالُوا: لا واللَّهِ لا نَرْجِعُ حَتّى نَأْتِيَ ماءَ بَدْرٍ.
(p-١٣٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مُقْبِلِينَ مِنِ الشّامِ تُجّارًا لَمْ يَشْعُرُوا بِأصْحابِ بَدْرٍ ولَمْ يَشْعُرْ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ بِكُفّارِ قُرَيْشٍ ولا كُفّارُ قُرَيْشٍ بِهِمْ حَتّى التَقَوْا عَلى ماءِ بَدْرٍ فاقْتَتَلُوا فَغَلَبَهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأسَرُوهم.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ مِنَ الوادِي إلى مَكَّةَ: ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وعِيرَهُ وهي أسْفَلَ مِن ذَلِكَ نَحْوَ السّاحِلِ: ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ أيْ ولَوْ كانَ ذَلِكَ عَنْ مِيعادٍ مِنكم ومِنهم ثُمَّ بَلَغَكم كَثْرَةُ عَدَدِهِمْ وقِلَّةُ عَدَدِكم ما لَقِيتُمُوهم: ﴿ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ أيْ لِيَقْضِيَ ما أرادَ بِقُدْرَتِهِ مِن إعْزازِ الإسْلامِ وأهْلِهِ وإذْلالِ الكُفْرِ وأهْلِهِ مِن غَيْرِ بَلَأٍ مِنكم فَفَعَلَ ما أرادَ مِن ذَلِكَ بِلُطْفِهِ فَأخْرَجَهُ اللَّهُ ومَن مَعَهُ إلى العِيرِ لا يُرِيدُ غَيْرَها، وأخْرَجَ قُرَيْشًا مِن مَكَّةَ لا يُرِيدُونَ إلّا الدَّفْعَ عَنْ عِيرِهِمْ، ثُمَّ ألَّفَ بَيْنَ القَوْمِ عَلى الحَرْبِ وكانَ لا يُرِيدُ إلّا العِيرَ فَقالَ في ذَلِكَ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ لِيَفْصِلَ بَيْنَ الحَقِّ (p-١٣٨)والباطِلِ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أيْ لِيَكْفُرَ مَن كَفَرَ بَعْدَ الحُجَّةِ؛ لِما رَأى مِنَ الآياتِ والعِبَرِ ويُؤْمِنَ مَن آمَنَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.
الأنفال 8:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ تَثْبِيتًا لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ حِبّانَ بْنِ واسِعِ بْنِ حِبّانَ عَنْ أشْياخٍ مِن قَوْمِهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَدَلَ صُفُوفَ أصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورَجَعَ إلى العَرِيشِ فَدَخَلَهُ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وقَدْ خَفَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَفْقَةً وهو في العَرِيشِ، ثُمَّ انْتَبَهَ فَقالَ: أبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ أتاكَ نَصْرُ اللَّهِ، هَذا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعِنانِ فَرَسٍ يَقُودُهُ عَلى ثَناياهُ النَّقْعُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبَنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.
(p-١٣٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.
الأنفال 8:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ، حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ قالَ: حَضَّضَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ.
الأنفال 8:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ﴾ . الآيَةَ.
(p-١٤٠)أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإنْ لَقِيتُمُوهم فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، فَإذا جَلَبُوا وصَيَّحُوا فَعَلَيْكم بِالصَّمْتِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: ما مِن شَيْءٍ أحَبَّ إلى اللَّهِ مِن قِراءَةِ القُرْآنِ والذِّكْرِ، ولَوْلا ذَلِكَ ما أمَرَ اللَّهُ النّاسَ بِالصَّلاةِ والقِتالِ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ أمَرَ النّاسَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ القِتالِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: افْتَرَضَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عِنْدَ أشْغَلِ ما تَكُونُونَ عِنْدَ الضِّرابِ بِالسُّيُوفِ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: أشَدُّ الأعْمالِ ثَلاثَةٌ، ذِكْرُ اللَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ وإنْصافُكَ مِن نَفْسِكَ ومُواساةُ الأخِ في المالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى (p-١٤١)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ، فَإنَّكم لا تَدْرُونَ لَعَلَّكم سَتُبْلَوْنَ بِهِمْ وسَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإذا جاءُوكم يُبْرِقُونَ ويُرْجِفُونَ ويَصِيحُونَ بِالأرْضِ فالأرْضَ الأرْضَ جُلُوسًا ثُمَّ قُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا ورَبَّهم نَواصِينا ونَواصِيهِمْ بِيَدِكَ وإنَّما تَقْتُلُهم أنْتَ. فَإذا دَنَوْا مِنكم فَثُورُوا إلَيْهِمْ واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ البارِقَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ قالَ: وجَبَ الإنْصاتُ والذِّكْرُ عِنْدَ الرَّجْفِ ثُمَّ تَلا: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي مُسْلِمٍ قالَ: «لَمّا ودَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ قالَ ابْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِشَيْءٍ أحْفَظُهُ عَنْكَ قالَ: إنَّكَ قادِمٌ غَدًا بَلَدًا السُّجُودُ بِهِ قَلِيلٌ فَأكْثِرِ السُّجُودَ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: اذْكُرِ اللَّهَ فَإنَّهُ عَوْنٌ لَكَ عَلى ما تُطالِبُ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: يا ابْنَ رَواحَةَ ما عَجَزْتَ فَلا تَعْجِزَنَّ إنْ أسَأْتَ عَشْرًا أنْ تُحْسِنَ واحِدَةً، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: لا أسْألُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثِنْتانِ لا تُرَدّانِ الدُّعاءُ عِنْدَ النِّداءِ وعِنْدَ البَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهم بَعْضًا» .
(p-١٤٢)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَكْرَهُ الصَّوْتَ عِنْدَ القِتالِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحاكِمُ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبادٍ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبادٍ قالَ: كانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَسْتَحِبُّونَ خَفْضَ الصَّوْتِ عِنْدَ ثَلاثٍ، عِنْدَ القِتالِ وعِنْدَ القُرْآنِ وعِنْدَ الجَنائِزِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ ثَلاثٍ، عِنْدَ الجِنازَةِ وإذا التَقى الزَّحَفانِ وعِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ» .
الأنفال 8:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قالَ: يَقُولُ: لا تَخْتَلِفُوا فَتَجْبُنُوا ويَذْهَبَ نَصْرُكم.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قالَ: نَصْرُكم وقَدْ (p-١٤٣)ذَهَبَ رِيحُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ نازَعُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قالَ: الرِّيحُ النَّصْرُ لَمْ يَكُنْ نَصْرٌ قَطُّ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ تَضْرِبُ وُجُوهَ العَدُوِّ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهم قِوامٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كانَ عِنْدَ القِتالِ لَمْ يُقاتِلْ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ إلى أنْ تَزُولَ الشَّمْسُ وتَهُبَّ الرِّياحُ ويَنْزِلَ النَّصْرُ» .
الأنفال 8:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قاتَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: لَمّا خَرَجَتْ قُرَيْشٌ مِن مَكَّةَ إلى بَدْرٍ خَرَجُوا بِالقِيانِ والدُّفُوفِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-١٤٤)﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ قاتَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجُوا ولَهم بَغْيٌ وفَخْرٌ، وقَدْ قِيلَ لَهم يَوْمَئِذٍ: ارْجِعُوا فَقَدِ انْطَلَقَتْ عِيرُكم وقَدْ ظَفِرْتُمْ فَقالُوا: لا واللَّهِ حَتّى يَتَحَدَّثَ أهْلُ الحِجازِ بِمَسِيرِنا وعَدَدِنا. وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَئِذٍ: «اللَّهُمَّ إنَّ قُرَيْشًا قَدْ أقْبَلَتْ بِفَخْرِها وخُيَلائِها لِتُجادِلَ رَسُولَكَ» . وذُكِرَ لَنا أنَّهُ قالَ يَوْمَئِذٍ: «اللَّهُمَّ إنَّ قُرَيْشًا جاءَتْ مِن مَكَّةَ أفْلاذَها» .
الأنفال 8:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ . الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ إبْلِيسُ في جُنْدٍ مِنَ الشَّياطِينِ ومَعَهُ رايَةٌ في صُورَةِ رِجالٍ مِن بَنِي مُدْلِجٍ والشَّيْطانُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقالَ الشَّيْطانُ:
﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ وأقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلى إبْلِيسَ وكانَتْ يَدُهُ في يَدِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا رَأى جِبْرِيلَ انْتَزَعَ إبْلِيسُ يَدَهُ ووَلّى مُدْبِرًا هو وشِيعَتُهُ فَقالَ الرَّجُلُ: يا سُراقَةُ إنَّكَ جارٌ لَنا فَقالَ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ وذَلِكَ حِينَ (p-١٤٥)رَأى المَلائِكَةَ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ قالَ: ولَمّا دَنا القَوْمُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ قَلَّلَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، وقَلَّلَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: وما هَؤُلاءِ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ .
وإنَّما قالُوا ذَلِكَ مِن قِلَّتِهِمْ في أعْيُنِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم سَيَهْزِمُونَهم لا يَشُكُّونَ في ذَلِكَ فَقالَ اللَّهُ: ومَن يَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا تَواقَفَ النّاسُ أُغْمِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ساعَةً ثُمَّ كُشِفَ عَنْهُ فَبَشَّرَ النّاسَ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جُنْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَيْمَنَةَ النّاسِ ومِيكائِيلَ في جُنْدٍ آخَرَ مَيْسَرَةً وإسْرافِيلَ في جُنْدٍ آخَرَ بِألْفٍ وإبْلِيسُ قَدْ تَصَوَّرَ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ يُذَمِّرُ المُشْرِكِينَ ويُخْبِرُهم أنَّهُ لا غالِبَ لَهُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ فَلَمّا أبْصَرَ عَدُوُّ اللَّهِ المَلائِكَةَ: ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ فَتَشَبَّثَ بِهِ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ وهو يَرى أنَّهُ سُراقَةُ؛ لَمّا سَمِعَ مِن كَلامِهِ فَضَرَبَ في صَدْرِ الحارِثِ فَسَقَطَ الحارِثُ وانْطَلَقَ إبْلِيسُ لا يُرى حَتّى سَقَطَ في البَحْرِ ورَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: يا رَبِّ مَوْعِدَكَ الَّذِي وعَدْتَنِي» .
(p-١٤٦)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ الأنْصارِيِّ قالَ: لَمّا رَأى إبْلِيسُ ما تَفْعَلُ المَلائِكَةُ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أشْفَقَ أنْ يَخْلُصَ القَتْلُ إلَيْهِ فَتَشَبَّثَ بِهِ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ وهو يَظُنُّ أنَّهُ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ، فَوَكَزَ في صَدْرِ الحارِثِ فَألْقاهُ، ثُمَّ خَرَجَ هارِبًا حَتّى ألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَظِرَتَكَ إيّايَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ ﷺ بِمَكَّةَ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] [القَمَرِ: ٤٥] فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ جَمْعٍ؟ وذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وانْهَزَمَتْ قُرَيْشٌ نَظَرْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في آثارِهِمْ مُصْلِتًا بِالسَّيْفِ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وكانَتْ لِيَوْمِ بَدْرٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] الآيَةَ [المُؤْمِنُونَ: ٦٤]، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآيَةَ [إبْراهِيمَ: ٢٨ ]، ورَماهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَسِعَتْهُمُ الرَّمْيَةُ ومَلَأتْ أعْيُنَهم وأفْواهَهم حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيُقْتَلُ وهو يُقْذِي عَيْنَيْهِ وفاهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] [الأُنْفالِ: ١٧] وأنْزَلَ اللَّهُ في إبْلِيسَ: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ وقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وناسٌ مَعَهُ (p-١٤٧)مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال»: ٤٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ قالَ: رَأى جِبْرِيلَ مُعْتِجَرًا بِرِدائِهِ يَقُودُ الفَرَسَ بَيْنَ يَدَيْ أصْحابِهِ ما رَكِبَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ تَنْزِلُ مَعَهُ المَلائِكَةُ، فَعَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ أنَّهُ لا يَدانِ لَهُ بِالمَلائِكَةِ وقالَ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ وكَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ما بِهِ مَخافَةُ اللَّهِ ولَكِنْ عَلِمَ أنَّ لا قُوَّةَ لَهُ بِهِ ولا مَنَعَةَ لَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: ذَكَرُوا أنَّهم أقْبَلُوا عَلى سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَأنْكَرَ أنْ يَكُونَ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ الَّذِي رَآهُ نَكَصَ حِينَ نَكَصَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ أوْ عُمَيْرُ بْنُ وهْبٍ الجُمَحِيُّ.
(p-١٤٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ قالَ: وهم يَوْمَئِذٍ في المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قالَ: هم قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوا القِتالَ يَوْمَ بَدْرٍ فَسُمُّوا مُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: هم قَوْمٌ كانُوا أقَرُّوا بِالإسْلامِ وهم بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوُا المُسْلِمِينَ قالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الشَّعْبِيِّ في الآيَةِ قالَ: كانَ أُناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ فَخَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قالَ: هُمُ الفِتْيَةُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ قُرَيْشٍ احْتَبَسَهم آباؤُهم فَخَرَجُوا وهم عَلى الِارْتِيابِ، فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ حِينَ قَدِمُوا عَلى ما قَدِمُوا عَلَيْهِ مِن قِلَّةِ (p-١٤٩)عَدَدِهِمْ وكَثْرَةِ عَدُوِّهُمْ، وهم فِتْيَةٌ مِن قُرَيْشٍ مُسَمُّونَ خَمْسَةٌ: قَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيّانِ والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ والعاصِي بْنُ مُنَبِّهٍ.
الأنفال 8:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ . الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ إبْلِيسُ في جُنْدٍ مِنَ الشَّياطِينِ ومَعَهُ رايَةٌ في صُورَةِ رِجالٍ مِن بَنِي مُدْلِجٍ والشَّيْطانُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقالَ الشَّيْطانُ:
﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ وأقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلى إبْلِيسَ وكانَتْ يَدُهُ في يَدِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا رَأى جِبْرِيلَ انْتَزَعَ إبْلِيسُ يَدَهُ ووَلّى مُدْبِرًا هو وشِيعَتُهُ فَقالَ الرَّجُلُ: يا سُراقَةُ إنَّكَ جارٌ لَنا فَقالَ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ وذَلِكَ حِينَ (p-١٤٥)رَأى المَلائِكَةَ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ قالَ: ولَمّا دَنا القَوْمُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ قَلَّلَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، وقَلَّلَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: وما هَؤُلاءِ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ .
وإنَّما قالُوا ذَلِكَ مِن قِلَّتِهِمْ في أعْيُنِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم سَيَهْزِمُونَهم لا يَشُكُّونَ في ذَلِكَ فَقالَ اللَّهُ: ومَن يَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا تَواقَفَ النّاسُ أُغْمِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ساعَةً ثُمَّ كُشِفَ عَنْهُ فَبَشَّرَ النّاسَ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جُنْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَيْمَنَةَ النّاسِ ومِيكائِيلَ في جُنْدٍ آخَرَ مَيْسَرَةً وإسْرافِيلَ في جُنْدٍ آخَرَ بِألْفٍ وإبْلِيسُ قَدْ تَصَوَّرَ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ يُذَمِّرُ المُشْرِكِينَ ويُخْبِرُهم أنَّهُ لا غالِبَ لَهُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ فَلَمّا أبْصَرَ عَدُوُّ اللَّهِ المَلائِكَةَ: ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ فَتَشَبَّثَ بِهِ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ وهو يَرى أنَّهُ سُراقَةُ؛ لَمّا سَمِعَ مِن كَلامِهِ فَضَرَبَ في صَدْرِ الحارِثِ فَسَقَطَ الحارِثُ وانْطَلَقَ إبْلِيسُ لا يُرى حَتّى سَقَطَ في البَحْرِ ورَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: يا رَبِّ مَوْعِدَكَ الَّذِي وعَدْتَنِي» .
(p-١٤٦)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ الأنْصارِيِّ قالَ: لَمّا رَأى إبْلِيسُ ما تَفْعَلُ المَلائِكَةُ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أشْفَقَ أنْ يَخْلُصَ القَتْلُ إلَيْهِ فَتَشَبَّثَ بِهِ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ وهو يَظُنُّ أنَّهُ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ، فَوَكَزَ في صَدْرِ الحارِثِ فَألْقاهُ، ثُمَّ خَرَجَ هارِبًا حَتّى ألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَظِرَتَكَ إيّايَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ ﷺ بِمَكَّةَ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] [القَمَرِ: ٤٥] فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ جَمْعٍ؟ وذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وانْهَزَمَتْ قُرَيْشٌ نَظَرْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في آثارِهِمْ مُصْلِتًا بِالسَّيْفِ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وكانَتْ لِيَوْمِ بَدْرٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] الآيَةَ [المُؤْمِنُونَ: ٦٤]، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآيَةَ [إبْراهِيمَ: ٢٨ ]، ورَماهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَسِعَتْهُمُ الرَّمْيَةُ ومَلَأتْ أعْيُنَهم وأفْواهَهم حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيُقْتَلُ وهو يُقْذِي عَيْنَيْهِ وفاهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] [الأُنْفالِ: ١٧] وأنْزَلَ اللَّهُ في إبْلِيسَ: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ وقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وناسٌ مَعَهُ (p-١٤٧)مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال»: ٤٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ قالَ: رَأى جِبْرِيلَ مُعْتِجَرًا بِرِدائِهِ يَقُودُ الفَرَسَ بَيْنَ يَدَيْ أصْحابِهِ ما رَكِبَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ تَنْزِلُ مَعَهُ المَلائِكَةُ، فَعَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ أنَّهُ لا يَدانِ لَهُ بِالمَلائِكَةِ وقالَ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ وكَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ما بِهِ مَخافَةُ اللَّهِ ولَكِنْ عَلِمَ أنَّ لا قُوَّةَ لَهُ بِهِ ولا مَنَعَةَ لَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: ذَكَرُوا أنَّهم أقْبَلُوا عَلى سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَأنْكَرَ أنْ يَكُونَ قالَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ الَّذِي رَآهُ نَكَصَ حِينَ نَكَصَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ أوْ عُمَيْرُ بْنُ وهْبٍ الجُمَحِيُّ.
(p-١٤٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ قالَ: وهم يَوْمَئِذٍ في المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قالَ: هم قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوا القِتالَ يَوْمَ بَدْرٍ فَسُمُّوا مُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: هم قَوْمٌ كانُوا أقَرُّوا بِالإسْلامِ وهم بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوُا المُسْلِمِينَ قالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الشَّعْبِيِّ في الآيَةِ قالَ: كانَ أُناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ فَخَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قالَ: هُمُ الفِتْيَةُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ قُرَيْشٍ احْتَبَسَهم آباؤُهم فَخَرَجُوا وهم عَلى الِارْتِيابِ، فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ حِينَ قَدِمُوا عَلى ما قَدِمُوا عَلَيْهِ مِن قِلَّةِ (p-١٤٩)عَدَدِهِمْ وكَثْرَةِ عَدُوِّهُمْ، وهم فِتْيَةٌ مِن قُرَيْشٍ مُسَمُّونَ خَمْسَةٌ: قَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيّانِ والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ والعاصِي بْنُ مُنَبِّهٍ.
الأنفال 8:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ قالَ: الَّذِينَ قَتَلَهُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آيَتانِ يُبَشَّرُ بِهِما الكافِرُ عِنْدَ مَوْتِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ: وأسْتاهَهم ولَكِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: نِعْمَةُ اللَّهِ: مُحَمَّدٌ ﷺ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا فَنَقَلَهُ إلى الأنْصارِ.
(p-١٥٠)
الأنفال 8:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ قالَ: الَّذِينَ قَتَلَهُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آيَتانِ يُبَشَّرُ بِهِما الكافِرُ عِنْدَ مَوْتِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ: وأسْتاهَهم ولَكِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: نِعْمَةُ اللَّهِ: مُحَمَّدٌ ﷺ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا فَنَقَلَهُ إلى الأنْصارِ.
(p-١٥٠)
الأنفال 8:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ قالَ: الَّذِينَ قَتَلَهُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آيَتانِ يُبَشَّرُ بِهِما الكافِرُ عِنْدَ مَوْتِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ: وأسْتاهَهم ولَكِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: نِعْمَةُ اللَّهِ: مُحَمَّدٌ ﷺ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا فَنَقَلَهُ إلى الأنْصارِ.
(p-١٥٠)
الأنفال 8:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ قالَ: الَّذِينَ قَتَلَهُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آيَتانِ يُبَشَّرُ بِهِما الكافِرُ عِنْدَ مَوْتِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ: وأسْتاهَهم ولَكِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: نِعْمَةُ اللَّهِ: مُحَمَّدٌ ﷺ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا فَنَقَلَهُ إلى الأنْصارِ.
(p-١٥٠)
الأنفال 8:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . الآياتِ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ مِنهُمُ ابْنُ تابُوتٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ مالَئُوا عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أعْداءَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن بَعْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن وراءَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمُ الَّذِينَ خَلْفَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: أنْذِرْ بِهِمْ.
(p-١٥١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: عِظْ بِهِمْ مَن سِواهم مِنَ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم. قالَ: أخِفْهم بِهِمْ كَما تَصْنَعُ بِهَؤُلاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَقُولُ: لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ أنْ يَنْكُثُوا فَيُصْنَعُ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ وما زِلْنا في طَلَبِ القَوْمِ، فاخْرُجْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَكَ في قُرَيْظَةَ وأنْزَلَ فِيهِمْ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ (p-١٥٢)الآيَةَ. قالَ: مَن عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنْ خِفْتَ أنْ يَخْتانُوكَ ويَغْدِرُوا فَتَأْتِيَهم فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ قالَ: لا تُقاتِلْ عَدُوَّكَ حَتّى تَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ مُعاوِيَةَ وبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ، وكانَ يَسِيرُ حَتّى يَكُونَ قَرِيبًا مِن أرْضِهِمْ، فَإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ أغارَ عَلَيْهِمْ، فَجاءَهُ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ وفاءٌ لا غَدْرٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلا يَشُدَّ عُقْدَةً ولا يَحُلَّها حَتّى يَنْقَضِيَ أمَدُها أوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ قالَ: فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ بِالجُيُوشِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: ثَلاثَةٌ المُسْلِمُ والكافِرُ فِيهِنَّ سَواءٌ، مَن عاهَدْتَهُ فَفِ بِعَهْدِهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، فَإنَّما العَهْدُ لِلَّهِ، ومَن كانَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ رَحِمٌ فَصِلْها مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، ومَنِ ائْتَمَنَكَ عَلى أمانَةٍ فَأدِّها إلَيْهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا.
(p-١٥٣)
الأنفال 8:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . الآياتِ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ مِنهُمُ ابْنُ تابُوتٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ مالَئُوا عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أعْداءَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن بَعْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن وراءَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمُ الَّذِينَ خَلْفَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: أنْذِرْ بِهِمْ.
(p-١٥١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: عِظْ بِهِمْ مَن سِواهم مِنَ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم. قالَ: أخِفْهم بِهِمْ كَما تَصْنَعُ بِهَؤُلاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَقُولُ: لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ أنْ يَنْكُثُوا فَيُصْنَعُ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ وما زِلْنا في طَلَبِ القَوْمِ، فاخْرُجْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَكَ في قُرَيْظَةَ وأنْزَلَ فِيهِمْ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ (p-١٥٢)الآيَةَ. قالَ: مَن عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنْ خِفْتَ أنْ يَخْتانُوكَ ويَغْدِرُوا فَتَأْتِيَهم فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ قالَ: لا تُقاتِلْ عَدُوَّكَ حَتّى تَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ مُعاوِيَةَ وبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ، وكانَ يَسِيرُ حَتّى يَكُونَ قَرِيبًا مِن أرْضِهِمْ، فَإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ أغارَ عَلَيْهِمْ، فَجاءَهُ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ وفاءٌ لا غَدْرٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلا يَشُدَّ عُقْدَةً ولا يَحُلَّها حَتّى يَنْقَضِيَ أمَدُها أوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ قالَ: فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ بِالجُيُوشِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: ثَلاثَةٌ المُسْلِمُ والكافِرُ فِيهِنَّ سَواءٌ، مَن عاهَدْتَهُ فَفِ بِعَهْدِهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، فَإنَّما العَهْدُ لِلَّهِ، ومَن كانَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ رَحِمٌ فَصِلْها مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، ومَنِ ائْتَمَنَكَ عَلى أمانَةٍ فَأدِّها إلَيْهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا.
(p-١٥٣)
الأنفال 8:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . الآياتِ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ مِنهُمُ ابْنُ تابُوتٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ مالَئُوا عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أعْداءَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن بَعْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن وراءَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمُ الَّذِينَ خَلْفَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: أنْذِرْ بِهِمْ.
(p-١٥١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: عِظْ بِهِمْ مَن سِواهم مِنَ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم. قالَ: أخِفْهم بِهِمْ كَما تَصْنَعُ بِهَؤُلاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَقُولُ: لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ أنْ يَنْكُثُوا فَيُصْنَعُ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ وما زِلْنا في طَلَبِ القَوْمِ، فاخْرُجْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَكَ في قُرَيْظَةَ وأنْزَلَ فِيهِمْ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ (p-١٥٢)الآيَةَ. قالَ: مَن عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنْ خِفْتَ أنْ يَخْتانُوكَ ويَغْدِرُوا فَتَأْتِيَهم فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ قالَ: لا تُقاتِلْ عَدُوَّكَ حَتّى تَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ مُعاوِيَةَ وبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ، وكانَ يَسِيرُ حَتّى يَكُونَ قَرِيبًا مِن أرْضِهِمْ، فَإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ أغارَ عَلَيْهِمْ، فَجاءَهُ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ وفاءٌ لا غَدْرٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلا يَشُدَّ عُقْدَةً ولا يَحُلَّها حَتّى يَنْقَضِيَ أمَدُها أوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ قالَ: فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ بِالجُيُوشِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: ثَلاثَةٌ المُسْلِمُ والكافِرُ فِيهِنَّ سَواءٌ، مَن عاهَدْتَهُ فَفِ بِعَهْدِهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، فَإنَّما العَهْدُ لِلَّهِ، ومَن كانَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ رَحِمٌ فَصِلْها مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، ومَنِ ائْتَمَنَكَ عَلى أمانَةٍ فَأدِّها إلَيْهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا.
(p-١٥٣)
الأنفال 8:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . الآياتِ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهُودِ مِنهُمُ ابْنُ تابُوتٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ يَوْمَ الخَنْدَقِ مالَئُوا عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أعْداءَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن بَعْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمْ مَن وراءَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: نَكِّلْ بِهِمُ الَّذِينَ خَلْفَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: أنْذِرْ بِهِمْ.
(p-١٥١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ قالَ: عِظْ بِهِمْ مَن سِواهم مِنَ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم. قالَ: أخِفْهم بِهِمْ كَما تَصْنَعُ بِهَؤُلاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَقُولُ: لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ أنْ يَنْكُثُوا فَيُصْنَعُ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ وما زِلْنا في طَلَبِ القَوْمِ، فاخْرُجْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَكَ في قُرَيْظَةَ وأنْزَلَ فِيهِمْ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ (p-١٥٢)الآيَةَ. قالَ: مَن عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنْ خِفْتَ أنْ يَخْتانُوكَ ويَغْدِرُوا فَتَأْتِيَهم فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ قالَ: لا تُقاتِلْ عَدُوَّكَ حَتّى تَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ مُعاوِيَةَ وبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ، وكانَ يَسِيرُ حَتّى يَكُونَ قَرِيبًا مِن أرْضِهِمْ، فَإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ أغارَ عَلَيْهِمْ، فَجاءَهُ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ وفاءٌ لا غَدْرٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلا يَشُدَّ عُقْدَةً ولا يَحُلَّها حَتّى يَنْقَضِيَ أمَدُها أوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ قالَ: فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ بِالجُيُوشِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: ثَلاثَةٌ المُسْلِمُ والكافِرُ فِيهِنَّ سَواءٌ، مَن عاهَدْتَهُ فَفِ بِعَهْدِهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، فَإنَّما العَهْدُ لِلَّهِ، ومَن كانَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ رَحِمٌ فَصِلْها مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، ومَنِ ائْتَمَنَكَ عَلى أمانَةٍ فَأدِّها إلَيْهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا.
(p-١٥٣)
الأنفال 8:59
قَوْلُهُ تَعالى: ”ولا تَحْسَبَنَّ“ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ يَقُولُ: لا يَفُوتُونا.
الأنفال 8:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهُمْ﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ وأبُو يَعْقُوبَ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ القَرّابُ في كِتابِ فَضْلِ الرَّمْيِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ وهو عَلى المِنبَرِ ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ قالَها ثَلاثًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ ثَلاثًا إنَّ الأرْضَ سَتُفْتَحُ لَكم وتُكْفَوْنَ المُؤْنَةَ فَلا يَعْجِزَنَّ أحَدُكم أنْ يَلْهُوَ بِأسْهُمِهِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ، أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ (p-١٥٤)قالَ: ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: «ما بَيْنَ الهَدَفَيْنِ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ فَتَعَلَّمُوا الرَّمْيَ فَإنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: فالرَّمْيُ مِنَ القُوَّةِ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: فالرَّمْيُ مِنَ القُوَّةِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: الرَّمْيُ والسُّيُوفُ والسِّلاحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: أمَرَهم بِإعْدادِ الخَيْلِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قالَ: القُوَّةُ ذُكُورُ الخَيْلِ والرِّباطُ الإناثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قالَ: القُوَّةُ ذُكُورُ الخَيْلِ، ورِباطُ الخَيْلِ الإناثُ.
(p-١٥٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في الآيَةِ قالَ: القُوَّةُ الفَرَسُ إلى السَّهْمِ فَما دُونَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قالَ: الحُصُونِ، ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قالَ: الإناثِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ قالَ: القُوَّةُ ذُكُورُ الخَيْلِ، والرِّباطُ: الإناثُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنَ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ قالَ: تُخْزُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ وهم يَرْمُونَ فَقالَ: رَمَيا بَنِي إسْماعِيلَ لَقَدْ كانَ أبُوكم رامِيًا» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الواحِدِ ثَلاثَةَ نَفَرٍ الجَنَّةَ، صانِعَهُ الَّذِي يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، والَّذِي (p-١٥٦)يُجَهِّزُ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِي يَرْمِي بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقالَ: ارْمُوا وارْكَبُوا وأنْ تَرْمُوا خَيْرٌ مِن أنْ تَرْكَبُوا. وقالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهو باطِلٌ إلّا ثَلاثٌ: رَمْيَةٌ عَنْ قَوْسِهِ وتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ ومُلاعَبَتُهُ أهْلَهُ، فَإنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ ومَن عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَهي نِعْمَةٌ كَفَرَها» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ حَرامِ بْنِ مُعاوِيَةَ قالَ: كَتَبَ إلَيْنا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ألّا يُجاوِرَنَّكم خِنْزِيرٌ ولا يُرْفَعْ فِيكم صَلِيبٌ ولا تَأْكُلُوا عَلى مائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْها الخَمْرُ، وأدِّبُوا الخَيْلَ وامْشُوا بَيْنَ الغَرَضَيْنِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وقَوْمٌ مِن أسْلَمَ يَرْمُونَ فَقالَ: ارْمُوا بَنِي إسْماعِيلَ فَإنَّ أباكم كانَ رامِيًا، وارْمُوا وأنا مَعَ ابْنِ الأدْرَعِ، فَأمْسَكَ القَوْمُ فَسَألَهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن كُنْتَ مَعَهُ غَلَبَ، قالَ: ارْمُوا وأنا مَعَكم كُلِّكم» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى قَوْمٍ مِن أسْلَمَ يَتَناضَلُونَ في السُّوقِ فَقالَ: ارْمُوا يا بَنِي إسْماعِيلَ فَإنَّ أباكم كانَ رامِيًا، ارْمُوا وأنا مَعَ بَنِي فُلانٍ - لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ - (p-١٥٧)فَأمْسَكُوا بِأيْدِيهِمْ فَقالَ: ارْمُوا، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَرْمِي وأنْتَ مَعَ بَنِي فُلانٍ؟! قالَ: ارْمُوا وأنا مَعَكم كُلِّكم» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إياسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلى ناسٍ يَنْتَضِلُونَ فَقالَ: حَسَنٌ هَذا اللَّهُمَّ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا ارْمُوا وأنا مَعَ ابْنِ الأدْرَعِ، فَأمْسَكَ القَوْمُ فَقالَ: ارْمُوا وأنا مَعَكم جَمِيعًا. فَلَقَدْ رَمَوْا عامَّةَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّقُوا عَلى السَّواءِ ما نَضَلَ بَعْضُهم بَعْضًا» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ والقَرّابُ في فَضْلِ الرَّمْيِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كُلُّ شَيْءٍ مِن لَهْوِ الدُّنْيا باطِلٌ إلّا ثَلاثَةً: انْتِضالُكَ بِقَوْسِكَ وتَأْدِيبُكَ فَرَسَكَ ومُلاعَبَتُكَ أهْلَكَ فَإنَّها مِنَ الحَقِّ» . وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «انْتَضِلُوا وارْكَبُوا وأنْ تَنْتَضِلُوا أحَبُّ إلَيَّ إنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الواحِدِ ثَلاثَةً الجَنَّةَ، صانِعَهُ مُحْتَسِبًا والمُعِينَ بِهِ والرّامِيَ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والقَرّابُ عَنْ أبِي نَجِيحٍ السُّلَمِيِّ قالَ:
(p-١٥٨)«حاصَرْنا قَصْرَ الطّائِفِ فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُ عِدْلُ مُحَرَّرٍ قالَ: فَبَلَغْتُ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ والقَرّابُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن رَمى العَدُوَّ بِسَهْمٍ فَبَلَغَ سَهْمُهُ أوْ أخْطَأ أوْ أصابَ فَعِدْلُ رَقَبَةٍ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عَبّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ وعَنْ حَمْزَةَ بْنِ أُسَيْدٍ السّاعِدِيِّ عَنْ أبِيهِ قالا: «لَمّا التَقَيْنا نَحْنُ والقَوْمُ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أكْثَبُوكم فارْمُوا بِالنَّبْلِ واسْتَبِقُوا نَبْلَكم» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ أُحُدٍ: أنْبِلُوا سَعْدًا؟ ارْمِ يا سَعْدُ رَمى اللَّهُ لَكَ فِداكَ أبِي وأُمِّي» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أبِيها أنَّهُ قالَ:(p-١٥٩)
؎ألا هَلْ أتى رَسُولُ اللَّهِ أنِّي حَمَيْتُ صَحابَتِي بِصُدُورِ نَبْلِي
وأخْرَجَ الثَّقَفِيُّ في فَوائِدِهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تَحْضُرُ المَلائِكَةُ مِنَ اللَّهْوِ شَيْئًا إلّا ثَلاثَةً، لَهْوَ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأتِهِ وإجْراءَ الخَيْلِ والنِّضالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المَلائِكَةُ تَشْهَدُ ثَلاثًا، الرَّمْيَ والرِّهانَ ومُلاعَبَةَ الرَّجُلِ أهْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ الخَيْلِ عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ارْمُوا وارْكَبُوا الخَيْلَ، وأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إلَيَّ كُلُّ لَهْوٍ لَها بِهِ المُؤْمِنُ باطِلٌ إلّا ثَلاثَ خِلالٍ، رَمْيَكَ عَنْ قَوْسِكَ وتَأْدِيبَكَ فَرَسَكَ ومُلاعَبَتَكَ أهْلَكَ فَإنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والبَزّارُ والبَغَوِيُّ والباوَرْدِيُّ والطَّبَرانِيُّ والقَرّابُ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: «رَأيْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وجابِرَ بْنَ عُمَيْرٍ الأنْصارِيَّ يَرْتَمِيانِ فَمَلَّ أحَدُهُما فَجَلَسَ فَقالَ الآخَرُ: كَسِلْتَ؟، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ فَهو لَغْوٌ وسَهْوٌ إلّا أرْبَعَ خِصالٍ، مَشْيَ الرَّجُلِ بَيْنَ الغَرَضَيْنِ وتَأْدِيبَ فَرَسِهِ ومُلاعَبَتَهُ أهْلَهُ وتَعْلِيمَ السَّبّاحَةِ» .
(p-١٦٠)وأخْرَجَ القَرّابُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الواحِدِ ثَلاثَةً الجَنَّةَ، الرّامِيَ والمُمِدَّ بِهِ والمُحْتَسِبَ لَهُ» .
وأخْرَجَ القَرّابُ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: «كَتَبَ عُمَرُ إلى الشّامِ: أيُّها النّاسُ ارْمُوا وارْكَبُوا والرَّمْيُ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الرُّكُوبِ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الواحِدِ الجَنَّةَ مَن عَمِلَهُ في سَبِيلِهِ ومَن قَوّى بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» .
وأخْرَجَ القَرّابُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نِعْمَ لَهْوُ المُؤْمِنِ الرَّمْيُ ومَن تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَما عُلِّمَهُ فَهو نِعْمَةٌ تَرَكَها» .
وأخْرَجَ القَرّابُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «لا أتْرُكُ الرَّمْيَ أبَدًا ولَوْ كانَتْ يَدِي مَقْطُوعَةً بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَقَدْ عَصانِي» .
وأخْرَجَ القَرّابُ عَنْ مَكْحُولٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كُلُّ لَهْوٍ باطِلٌ إلّا رُكُوبَ الخَيْلِ والرَّمْيَ ولَهْوَ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأتِهِ فَعَلَيْكم بِرُكُوبِ الخَيْلِ والرَّمْيِ، والرَّمْيُ أحَبُّهُما إلَيَّ» .
وأخْرَجَ القَرّابُ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (p-١٦١)قالَ: «اللَّهْوُ في ثَلاثٍ، تَأْدِيبِكَ فَرَسَكَ ورَمْيِكَ بِقَوْسِكَ ومُلاعَبَتِكَ أهْلَكَ» .
وأخْرَجَ القَرّابُ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كَتَبَ إلى أهْلِ الشّامِ: أنْ عَلِّمُوا أوْلادَكُمُ السِّباحَةَ والرَّمْيَ والفُرُوسِيَّةَ.
وأخْرَجَ القَرّابُ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ سابِحًا رامِيًا» .
وأخْرَجَ القَرّابُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَأصابَ أوْ أخْطَأ أوْ قَصَّرَ فَكَأنَّما أعْتَقَ رَقَبَةً، ومَن أعْتَقَ رَقَبَةً كانَتْ فِكاكَهُ مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ القَرّابُ عَنْ أبِي نَجِيحٍ السُّلَمِيِّ قالَ: «حاصَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَصْرَ الطّائِفِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ قَصَّرَ أوْ بَلَغَ فَلَهُ دَرَجَةٌ في الجَنَّةِ» .
وأخْرَجَ القَرّابُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قاتِلُوا (p-١٦٢)أهْلَ الصَّقَعِ فَمَن بَلَغَ مِنهم فَلَهُ دَرَجَةٌ في الجَنَّةِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما الدَّرَجَةُ؟ قالَ: ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والقَرّابُ عَنْ أبِي عَمْرَةَ الأنْصارِيِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَلَغَ أوْ قَصَّرَ كانَ السَّهْمُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عُدَيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أحَبُّ اللَّهْوِ إلى اللَّهِ إجْراءُ الخَيْلِ والرَّمْيُ بِالنَّبْلِ ولَعِبُكم مَعَ أزْواجِكم» .
وأخْرَجَ البَزّارُ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ سَعْدٍ رَفَعَهُ قالَ: «عَلَيْكم بِالرَّمْيِ فَإنَّهُ خَيْرٌ أوْ مِن خَيْرِ لَهْوِكم» .
وأخْرَجَ أبُو عَوانَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: تَعَلَّمُوا الرَّمْيَ فَإنَّهُ خَيْرُ لَعِبِكم.
وأخْرَجَ البَزّارُ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلى قَوْمٍ وهم يَرْمُونَ فَقالَ: ارْمُوا بَنِي إسْماعِيلَ فَإنَّ أباكم كانَ رامِيًا» .
(p-١٦٣)وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَهي نِعْمَةٌ جَحَدَها» .
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تَحْضُرُ المَلائِكَةُ مِن لَهْوِكم إلّا الرِّهانَ والنِّضالَ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«مَن رَمى رَمْيَةً في سَبِيلِ اللَّهِ قَصَّرَ أوْ بَلَغَ كانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ أرْبَعَةِ أُناسٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ أعْتَقَهم» .
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ لَهْوٍ يُكْرَهُ إلّا مُلاعَبَةَ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ ومَشْيَهُ بَيْنَ الهَدَفَيْنِ وتَعْلِيمَهُ فَرَسَهُ» (p-١٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ الرَّمْيِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حَقُّ الوَلَدِ عَلى الوالِدِ أنْ يُعَلِّمَهُ الكِتابَةَ والسِّباحَةَ والرَّمْيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَعَلَّمُوا الرَّمْيَ فَإنَّ ما بَيْنَ الهَدَفَيْنِ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن مَشى بَيْنَ الغَرَضَيْنِ كانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما عَلى أحَدِكم إذا ألَحَّ بِهِ هَمُّهُ أنْ يَتَقَلَّدَ قَوْسَهُ فَيَنْفِيَ بِها هَمَّهُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا أبْناءَكُمُ السِّباحَةَ والرَّمْيَ والمَرْأةَ المِغْزَلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّبِيعِ الأنْصارِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا أبْناءَكُمُ السِّباحَةَ والرَّمْيَ والمَرْأةَ المِغْزَلَ» .
(p-١٦٥)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن شابَ شَيْبَةً في الإسْلامِ كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ، ومَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ لَهُ عِدْلَ رَقَبَةٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ أبِي أُمامَةَ، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَن شابَ شَيْبَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ، ومَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ أخْطَأ أوْ أصابَ كانَ لَهُ عِدْلَ رَقَبَةٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن بَلَغَ العَدُوَّ بِسَهْمٍ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ مِائَةُ عامٍ، ومَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ كَمَن أعْتَقَ رَقَبَةً» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الواحِدِ ثَلاثَةً الجَنَّةَ: صانِعَهُ مُحْتَسِبًا صَنْعَتَهُ، والمُقَوِّيَ بِهِ، والرّامِيَ بِهِ» .
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ: أوَّلُ مَن رَكِبَ الخَيْلَ إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ وإنَّما كانَتْ وحْشًا لا تُطاقُ حَتّى سُخِّرَتْ لَهُ.
(p-١٦٦)وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في الأنْسابِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الخَيْلُ وحْشًا لا تُرْكَبُ، فَأوَّلُ مَن رَكِبَها إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتِ العِرابَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ بْنُ سَلْمانَ النَّجّادُ في جُزْئِهِ المَشْهُورِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الخَيْلُ وحْشًا كَسائِرِ الوُحُوشِ، فَلَمّا أذِنَ اللَّهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ بِرَفْعِ القَواعِدِ مِنَ البَيْتِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنِّي مُعْطِيكُما كَنْزًا ادَّخَرْتُهُ لَكُما. ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنِ اخْرُجْ فادْعُ بِذَلِكَ الكَنْزِ، فَخَرَجَ إسْماعِيلُ إلى أجْيادٍ وكانَ مَوْطِنًا مِنهُ وما يَدْرِي ما الدُّعاءُ ولا الكَنْزُ، فَألْهَمَهُ اللَّهُ الدُّعاءَ فَلَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَرَسٌ إلّا أجابَتْهُ، فَأمْكَنَتْهُ مِن نَواصِيها وذَلَّلَها لَهُ فارْكَبُوها واعْتَقِدُوها فَإنَّها مَيامِينُ وإنَّها مِيراثُ أبِيكم إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَخْلُقَ الخَيْلَ قالَ لِلرِّيحِ الجَنُوبِ: إنِّي خالِقٌ مِنكِ خَلْقًا فَأجْعَلُهُ عِزًّا لِأوْلِيائِي ومَذَلَّةً عَلى أعْدائِي وجَمالًا لِأهْلِ طاعَتِي فَقالَتِ الرِّيحُ: اخْلُقْ. فَقَبَضَ مِنها (p-١٦٧)قَبْضَةً فَخَلَقَ فَرَسًا، فَقالَ لَهُ: خَلَقْتُكَ عَرَبِيًّا وجَعَلْتُ الخَيْرَ مَعْقُودًا بِناصِيَتِكَ والغَنائِمَ مَجْمُوعَةً عَلى ظَهْرِكَ، عَطَّفْتُ عَلَيْكَ صاحِبَكَ وجَعَلْتُكَ تَطِيرُ بِلا جَناحٍ، فَأنْتَ لِلطَّلَبِ وأنْتَ لِلْهَرَبِ، وسَأجْعَلُ عَلى ظَهْرِكَ رِجالًا يُسَبِّحُونِي ويَحْمَدُونِي ويُهَلِّلُونِي تُسَبِّحْنَ إذا سَبَّحُوا وتُهَلِّلْنَ إذا هَلَّلُوا وتُكَبِّرْنَ إذا كَبَّرُوا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما مِن تَسْبِيحَةٍ أوْ تَحْمِيدَةٍ أوْ تَكْبِيرَةٍ يُكَبِّرُها صاحِبُها فَتَسْمَعُهُ إلّا فَتُجِيبُهُ بِمِثْلِها. ثُمَّ قالَ: سَمِعَتِ المَلائِكَةُ صَنْعَةَ الفَرَسِ وعايَنُوا خَلْقَها قالَتْ: رَبِّ نَحْنُ مَلائِكَتُكَ نُسَبِّحُكَ ونَحْمَدُكَ فَماذا لَنا؟ فَخَلَقَ اللَّهُ لَها خَيْلًا بُلْقًا أعْناقُها كَأعْناقِ البُخْتِ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ الفَرَسَ إلى الأرْضِ واسْتَوَتْ قَدَماهُ عَلى الأرْضِ صَهَلَ فَقِيلَ: بُورِكْتَ مِن دابَّةٍ أُذِلُّ بِصَهِيلِكَ المُشْرِكِينَ أُذِلُّ بِهِ أعْناقَهم وأمْلَأُ بِهِ آذانَهم وأُرْعِبُ بِهِ قُلُوبَهم. فَلَمّا عَرَضَ اللَّهُ عَلى آدَمَ مِن كُلِّ شَيْءٍ قالَ لَهُ: اخْتَرْ مِن خَلْقِي ما شِئْتَ فاخْتارَ الفَرَسَ قالَ لَهُ: اخْتَرْتَ - عِزَّكَ وعِزَّ ولَدِكَ خالِدًا ما خُلِّدُوا وباقِيًا ما بَقُوا، بَرَكَتِي عَلَيْكَ وعَلَيْهِمْ ما خَلَقْتُ خَلْقًا أحَبَّ إلَيَّ مِنكَ ومِنهم» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا، مِثْلَهُ سَواءً.
وأخْرَجَ مالِكٌ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الخَيْلُ لِثَلاثَةٍ لِرَجُلٍ أجْرٌ ولِرَجُلٍ سِتْرٌ وعَلى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأمّا الَّذِي هي لَهُ أجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَأطالَ لَها في (p-١٦٨)مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ فَما أصابَتْ في طِيَلِها ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ أوِ الرَّوْضَةِ كانَتْ لَهُ حَسَناتٍ ولَوْ أنَّها قَطَعَتْ طِيَلَها فاسْتَنَّتْ شَرَفًا أوْ شَرَفَيْنِ كانَتْ آثارُها وأرْواثُها حَسَناتٍ لَهُ ولَوْ أنَّها مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنهُ ولَمْ يُرِدْ أنْ يَسْقِيَها كانَ ذَلِكَ حَسَناتٍ لَهُ فَهي لِذَلِكَ أجْرٌ ورَجُلٌ رَبَطَها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها ولا ظُهُورِها فَهي لِذَلِكَ سِتْرٌ، ورَجُلٌ رَبَطَها فَخْرًا ورِياءً ونِواءً لِأهْلِ الإسْلامِ فَهي عَلى ذَلِكَ وِزْرٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ ومُسْلِمٌ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والخَيْلُ ثَلاثَةٌ: خَيْلُ أجْرٍ، وخَيْلُ وِزْرٍ، وخَيْلُ سِتْرٍ، فَأمّا خَيْلُ سِتْرٍ فَمَنِ اتَّخَذَها تَعَفُّفًا وتَكَرُّمًا وتَجَمُّلًا ولَمْ يَنْسَ حَقَّ ظُهُورِها وبُطُونِها في عُسْرِهِ ويُسْرِهِ، وأمّا خَيْلُ الأجْرِ فَمَنِ ارْتَبَطَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّها لا تُغَيِّبُ في بُطُونِها شَيْئًا إلّا كانَ لَهُ أجْرٌ. حَتّى ذَكَرَ أرْواثَها وأبْوالَها، ”ولا تَعْدُو في وادٍ شَوْطًا أوْ شَوْطَيْنِ إلّا كانَ (p-١٦٩)فِي مِيزانِهِ، وأمّا خَيْلُ الوِزْرِ فَمَنِ ارْتَبَطَها تَبَذُّخًا عَلى النّاسِ فَإنَّها لا تُغَيِّبُ في بُطُونِها شَيْئًا إلّا كانَ وِزْرًا عَلَيْهِ. حَتّى ذَكَرَ أرْواثَها وأبْوالَها،“ولا تَعْدُو في وادٍ شَوْطًا أوْ شَوْطَيْنِ إلّا كانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ”» .
وأخْرَجَ مالِكٌ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ والطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ عُرْوَةَ البارِقِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما ذاكَ؟ قالَ: الأجْرُ والغَنِيمَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَلْوِي ناصِيَةَ فَرَسِهِ بِأُصْبُعِهِ ويَقُولُ: الخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَواصِي الخَيْلِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
(p-١٧٠)وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ الكَشِّيُّ في“سُنَنِهِ”عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والآجُرِّيُّ في كِتابِ النَّصِيحَةِ عَنْ أبِي كَبْشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وأهْلُها مُعانُونَ عَلَيْها، والمُنْفِقُ عَلَيْها كالباسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَوادَةَ بْنِ الرَّبِيعِ الجَرْمِيِّ قالَ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَ لِي بِذَوْدٍ وقالَ لِي: عَلَيْكَ بِالخَيْلِ فَإنَّ الخَيْلَ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الخَيْلُ في نَواصِيها الخَيْرُ والمَغْنَمُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، نَواصِيها أدْفاؤُها وأذْنابُها (p-١٧١)مَذابُّها» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ، وابْنُ مَندَهْ في الصَّحابَةِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَرِيبٍ المُلَيْكِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ والنَّيْلُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وأهْلُها مُعانُونَ عَلَيْها، والمُنْفِقُ عَلَيْها كَباسِطِ كَفَّيْهِ في الصَّدَقَةِ لا يَقْبِضُها، وأبْوالُها وأرْواثُها عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَكِيِّ المِسْكِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الخَيْلُ في نَواصِيها الخَيْرُ مَعْقُودٌ أبَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَن رَبَطَها عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ، وأنْفَقَ عَلَيْها احْتِسابًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّ شِبَعَها وجُوعَها ورِيَّها وظَمَأها وأرْواثُها وأبْوالَها فَلاحٌ في مَوازِينِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَن رَبَطَها رِياءً وسُمْعَةً وفَرَحًا ومَرَحًا فَإنَّ شِبَعَها وجُوعَها ورِيَّها وظَمَأها وأرْواثَها وأبْوالَها خُسْرانٌ في مَوازِينِهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
(p-١٧٢)وأخْرَجَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي عاصِمٍ في الجِهادِ والقاضِي عُمَرُ بْنُ الحَسَنِ الأُشْنانِيُّ في بَعْضِ تارِيخِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ عَلْفُهُ ورَوَثُهُ وبَوْلُهُ وأثَرُهُ في مِيزانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والكَشِّيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيهِ الخَيْرُ والنَّيْلُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأهْلُها مُعانُونَ عَلَيْها فَخُذُوا بِنَواصِيها وادْعُوا بِالبَرَكَةِ وقَلِّدُوها ولا تُقَلِّدُوها الأوْتارَ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ الخَيْلِ عَنْ زِيادِ بْنِ مُسْلِمٍ الغِفارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «الخَيْلُ ثَلاثَةٌ فَمَنِ ارْتَبَطَها في سَبِيلِ اللَّهِ وجِهادِ عَدُوِّهِ (p-١٧٣)كانَ شِبَعُها ورِيُّها وجُوعُها وعَطَشُها وجَرْيُها وعَرَقُها وأرْواثُها وأبْوالُها أجْرًا في مِيزانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَنِ ارْتَبَطَها لِلْجَمالِ فَلَيْسَ لَهُ إلّا ذاكَ، ومَنِ ارْتَبَطَها فَخْرًا ورِياءً كانَ مِثْلُ ما قَصَّ في الأوَّلِ وِزْرًا في مِيزانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والآجُرِّيُّ في الشَّرِيعَةِ والنَّصِيحَةِ عَنْ خَبّابٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الخَيْلُ ثَلاثَةٌ: فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ وفَرَسٌ لِلْإنْسانِ وفَرَسٌ لِلشَّيْطانِ، فَأمّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ فَما أُعِدَّ في سَبِيلِ اللَّهِ وقُوتِلَ عَلَيْهِ أعْداءُ اللَّهِ، وأمّا فَرَسُ الإنْسانِ فَما اسْتُبْطِنَ وتُحُمِّلَ عَلَيْهِ، وأمّا فَرَسُ الشَّيْطانِ فَما قُومِرَ عَلَيْهِ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ خَبّابٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الخَيْلُ ثَلاثَةٌ: فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ وفَرَسٌ لِلْإنْسانِ وفَرَسٌ لِلشَّيْطانِ، فَأمّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ فالَّذِي يُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَعَلَفُهُ ورَوَثُهُ وبَوْلُهُ. وذَكَرَ ما شاءَ اللَّهُ، وأمّا فَرَسُ الشَّيْطانِ فالَّذِي يُقامَرُ أوْ يُراهَنُ عَلَيْهِ، وأمّا فَرَسُ الإنْسانِ فالفَرَسُ يَرْتَبِطُها الإنْسانُ (p-١٧٤)يَلْتَمِسُ بَطْنَها فَهي سِتْرٌ مِن فَقْرٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ مِن طَرِيقِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الخَيْلُ ثَلاثَةٌ: فَرَسٌ يَرْبِطُهُ الرَّجُلُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَثَمَنُهُ أجْرٌ وعارِيَتُهُ أجْرٌ وعَلَفُهُ أجْرٌ، وفَرَسٌ يُغالِقُ فِيهِ الرَّجُلُ ويُراهِنُ فَثَمَنُهُ وِزْرٌ وعَلَفُهُ وِزْرٌ ورُكُوبُهُ وِزْرٌ وفَرَسٌ لِلْبِطْنَةِ فَعَسى أنْ يَكُونَ سِدادًا مِنَ الفَقْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «البَرَكَةُ في نَواصِي الخَيْلِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ النِّساءِ مِنَ الخَيْلِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قالَ: «ما (p-١٧٥)كانَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الخَيْلِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ غَفْرًا إلّا النِّساءَ» .
وأخْرَجَ الدِّمْياطِيُّ في كِتابِ الخَيْلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَن حَبَسَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ سِتْرَهُ مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ في الجِهادِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَرِيبٍ المُلَيْكِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي الخَيْلِ وأبْوالِها وأرْواثِها كَفٌّ مِن مِسْكِ الجَنَّةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُنْفِقُ عَلى الخَيْلِ كَباسِطِ يَدِهِ بِالصَّدَقَةِ لا يَقْبِضُها وأبْوالُها وأرْواثُها عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَكِيِّ المِسْكِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عالَجَ عَلَفَهُ بِيَدِهِ كانَ لَهُ (p-١٧٦)بِكُلِّ حَبَّةٍ حَسَنَةٌ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ عَنْ تَمِيمٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يُنَقِّي لِفَرَسِهِ شَعِيرًا ثُمَّ يَعْلِفُهُ عَلَيْهِ إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ حَبَّةٍ حَسَنَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ سَيِّئُ المَلَكَةِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَيْسَ أخْبَرْتَنا أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أكْثَرُ الأُمَمِ مَمْلُوكِينَ وأيامى؟ قالَ: بَلى فَأكْرِمُوهم بِكَرامَةِ أوْلادِكم وأطْعِمُوهم مِمّا تَأْكُلُونَ، قالُوا: فَما يَنْفَعُنا في الدُّنْيا؟ قالَ: فَرَسٌ تَرْبِطُهُ تُقاتِلُ عَلَيْهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَمْلُوكٌ يَكْفِيكَ، فَإذا كَفاكَ فَهو أخُوكَ» .
وأخْرَجَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ إسْماعِيلَ المَحامِلِيُّ عَنْ سَلْمانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ما مِن رَجُلٍ مُسْلِمٍ إلّا حَقَّ عَلَيْهِ أنْ يَرْتَبِطَ فَرَسًا إذا أطاقَ ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ عَنْ سَوادَةَ بْنِ الرَّبِيعِ قالَ: قالَ لِي (p-١٧٧)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ارْتَبِطُوا الخَيْلَ فَإنَّ الخَيْلَ في نَواصِيها الخَيْرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ عَنِ ابْنِ الحَنْظَلِيَّةِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ كانَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ كالمادِّ يَدَهُ بِصَدَقَةٍ لا يَقْبِضُها» .
وأخْرَجَ أبُو طاهِرٍ المُخَلِّصُ عَنِ ابْنِ الحَنْظَلِيَّةِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وصاحِبُها يُعانُ عَلَيْها، والمُنْفِقُ عَلَيْها كالباسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ لا يَقْبِضُها» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ الحَنْظَلِيَّةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُنْفِقَ عَلى الخَيْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ كَباسِطِ يَدِهِ بِالصَّدَقَةِ لا يَقْبِضُها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ إيمانًا بِاللَّهِ وتَصْدِيقَ مَوْعُودِ اللَّهِ كانَ شِبَعُهُ ورَوَثُهُ وبَوْلُهُ حَسَناتٍ في مِيزانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
(p-١٧٨)وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما مِن فَرَسٍ عَرَبِيٍّ إلّا يُؤْذَنُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ سَحَرٍ بِدَعْوَتَيْنِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ كَما خَوَّلْتَنِي مَن خَوَّلْتَنِي مِن بَنِي آدَمَ فاجْعَلْنِي مِن أحَبِّ مالِهِ وأهْلِهِ إلَيْهِ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُسَمِّي الأُنْثى مِنَ الخَيْلِ فَرَسًا» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي كَبْشَةَ الأنْمارِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن أطْرَقَ مُسْلِمًا فَرَسًا فَأعْقَبَ لَهُ الفَرَسُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أجْرَ سَبْعِينَ فَرَسًا يُحْمَلُ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ وإنْ لَمْ تُعْقِبْ لَهُ كانَ لَهُ كَأجْرِ فَرَسٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ في سَبِيلِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ما تَعاطى النّاسُ بَيْنَهم شَيْئًا قَطُّ أفْضَلَ مِنَ الطَّرْقِ يُطْرِقُ الرَّجُلُ فَرَسَهُ فَيَجْرِي لَهُ أجْرُهُ ويُطْرِقُ الرَّجُلُ فَحْلَهُ فَيَجْرِي لَهُ أجْرُهُ ويُطْرِقُ الرَّجُلُ كَبْشَهُ فَيَجْرِي لَهُ أجْرُهُ.
(p-١٧٩)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ الخَيْلِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ، أنَّهُ لَمّا افْتُتِحَتْ مِصْرُ كانَ لِكُلِّ قَوْمٍ مَراغَةٌ يُمَرِّغُونَ فِيها خُيُولَهم فَمَرَّ مُعاوِيَةُ بِأبِي ذَرٍّ وهو يُمَرِّغُ فَرَسًا لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ووَقَفَ ثُمَّ قالَ: يا أبا ذَرٍّ ما هَذا الفَرَسُ؟ قالَ: فَرَسٌ لِي لا أُراهُ إلّا مُسْتَجابًا، قالَ: وهَلْ تَدْعُو الخَيْلُ وتُجابُ؟ قالَ: نَعَمْ لَيْسَ مِن لَيْلَةٍ إلّا والفَرَسُ يَدْعُو فِيها رَبَّهُ فَيَقُولُ: رَبِّ إنَّكَ سَخَّرْتَنِي لِابْنِ آدَمَ وجَعَلْتَ رِزْقِي في يَدِهِ: اللَّهُمَّ فاجْعَلْنِي أحَبَّ إلَيْهِ مِن أهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَمِنها المُسْتَجابُ ومِنها غَيْرُ المُسْتَجابِ ولا أرى فَرَسِي هَذا إلّا مُسْتَجابًا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: «أصابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسَلَّمَ فَرَسًا مِن حَدَسٍ - حَيٍّ مِنَ اليَمَنِ - فَأعْطاهُ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ وقالَ: إذا نَزَلْتَ فانْزِلْ قَرِيبًا مِنِّي فَإنِّي أتَسارُّ إلى صَهِيلِهِ. فَفَقَدَهُ لَيْلَةً فَسَألَ عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا خَصَيْناهُ، فَقالَ: مَثَّلْتَ بِهِ يَقُولُها ثَلاثًا الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أعْرافُها أدَفاؤُها وأذْنابُها مَذابُّها التَمِسُوا نَسْلَها وباهُوا بِصَهِيلِها المُشْرِكِينَ» .
وأُخْرِجَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ جَزِّ أذْنابِ الخَيْلِ وأعْرافِها ونَواصِيها وقالَ: أمّا أذْنابُها فَمَذابُّها وأمّا أعْرافُها فَأدْفاؤُها (p-١٨٠)وأمّا نَواصِيها فَفِيها الخَيْرُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا تَهْلُبُوا أذْنابَ الخَيْلِ، ولا تَجُزُّوا أعْرافَها ونَواصِيَها؛ فَإنَّ البَرَكَةَ في نَواصِيها، ودِفاؤُها في أعْرافِها، وأذْنابُها مَذابُّها» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا تَقُصُّوا نَواصِيَ الخَيْلِ ولا مَعارِفَها ولا أذْنابَها؛ فَأمّا أذْنابُها مَذابُّها، ومَعارِفُها أدَفاؤُها، ونَواصِيها مَعْقُودٌ فِيها الخَيْرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ واقِدٍ، أنَّهُ بَلَغَهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ إلى فَرَسِهِ فَمَسَحَ وجْهَهُ بِكُمِّ قَمِيصِهِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أبِقَمِيصِكَ؟ قالَ: إنَّ جِبْرِيلَ عاتَبَنِي في الخَيْلِ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في“المَراسِيلِ”عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أبِي هِنْدٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ (p-١٨١)أُتِيَ بِفَرَسٍ، فَقامَ إلَيْهِ يَمْسَحُ وجْهَهُ وعَيْنَيْهِ ومَنخَرَيْهِ بِكُمِّ قَمِيصِهِ. فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَمْسَحُ بِكُمِّ قَمِيصِكَ؟! قالَ: إنَّ جِبْرِيلَ عاتَبَنِي في الخَيْلِ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ شَيْخٍ مِنَ الأنْصارِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ بِطَرَفِ رِدائِهِ وجْهَ فَرَسِهِ وقالَ: إنِّي عُوتِبْتُ اللَّيْلَةَ في إذالَةِ الخَيْلِ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ قالَ: «مَسَحَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وجْهَ فَرَسِهِ بِثَوْبِهِ وقالَ: إنَّ جِبْرِيلَ باتَ اللَّيْلَةَ يُعاتِبُنِي في إذالَةِ الخَيْلِ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في“المَراسِيلِ”عَنِ الوَضِينِ بْنِ عَطاءٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَقُودُوا الخَيْلَ بِنَواصِيها فَتُذِلُّوها» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في“المَراسِيلِ”عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْرِمُوا الخَيْلَ وجَلِّلُوها» .
(p-١٨٢)وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ السَّكُونِيِّ، أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ نَهى عَنْ رَكْضِ الفَرَسِ إلّا بِحَقِّهِ. وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «أبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنْسانًا ضَرَبَ وجْهَ فَرَسِهِ ولَعَنَهُ، فَقالَ: هَذِهِ مَعَ تِلْكَ لَتَمَسَّنَّكَ النّارُ إلّا أنْ تُقاتِلَ عَلَيْهِ في سَبِيلِ اللَّهِ. فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُقاتِلُ عَلَيْهِ ويَحْمِلُ، إلى أنْ كَبِرَ وضَعُفَ وجَعَلَ يَقُولُ: اشْهَدُوا اشْهَدُوا» .
وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ القاضِي في“سُنَنِهِ”عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى في عَيْنِ الفَرَسِ رُبُعَ ثَمَنِهِ» .
وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الجِيلِيُّ في كِتابِ“الفُرُوسِيَّةِ”عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ما مِن لَيْلَةٍ إلّا يَنْزِلُ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ يَحُسُّ عَنْ دَوابِّ الغُزاةِ الكَلالَ إلّا دابَّةً في عُنُقِها جَرَسٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي وهْبٍ الجُشَمِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ارْتَبِطُوا الخَيْلَ وامْسَحُوا بِنَواصِيها وأكْفالِها، وقَلِّدُوها ولا (p-١٨٣)تُقَلِّدُوها الأوْتارَ، وعَلَيْكم بِكُلِّ كُمَيْتٍ أغَرَّ مُحَجَّلٍ، وأشْقَرَ أغَرَّ مُحَجَّلٍ أوْ أدْهَمَ أغَرَّ مُحَجَّلٍ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يُمْنُ الخَيْلِ في شُقْرِها» .
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ الخَيْلِ الشُّقْرُ، وإلّا فالأدْهَمُ أغَرُّ مُحَجَّلُ ثَلاثٍ، طَلِيقُ اليُمْنى» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ في حَدِيثٍ رَفَعَهُ، أنَّهُ قالَ: «التَمِسُوا الحَوائِجَ عَلى الفَرَسِ الكُمَيْتِ الأرْثَمِ، المُحَجَّلِ الثَّلاثِ، المُطْلَقِ اليَدِ اليُمْنى» .
وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ عَنْ مُوسى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ، عَنْ أبِيهِ قالَ: (p-١٨٤)«جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أبْتاعَ فَرَسًا. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: عَلَيْكَ بِهِ كُمَيْتًا أوْ أدْهَمَ، أقْرَحَ أرْثَمَ، مُحَجَّلَ ثَلاثٍ، طَلِيقَ اليُمْنى» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ خَيْرَ الخَيْلِ الحُوُّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اليُمْنُ في الخَيْلِ في كُلِّ أحْوى أحَمَّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ الشِّكالَ مِنَ الخَيْلِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي قَتادَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «خَيْرُ الخَيْلِ الأدْهَمُ الأقْرَحُ، المُحَجَّلُ الأرْثَمُ، طَلْقُ اليَدِ اليُمْنى، فَإنْ لَمْ يَكُنْ أدْهَمَ فَكُمَيْتٌ عَلى هَذِهِ (p-١٨٥)الشَّيَةِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا أرَدْتَ أنْ تَغْزُوَ فاشْتَرِ فَرَسًا أدْهَمَ أغَرَّ مُحَجَّلًا، مُطْلَقَ اليُمْنى، فَإنَّكَ تَغْنَمُ وتَسْلَمُ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ . الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٌ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ قانِعٍ في“مُعْجَمِهِ”، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، والرُّويانِيُّ في“مُسْنَدِهِ"، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَرِيبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ قالَ: هُمُ الجِنُّ ولا يُخَبِّلُ الشَّيْطانُ إنْسانًا في دارِهِ فَرَسٌ عَتِيقٌ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي المَهْدِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «عَنِ (p-١٨٦)النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ قالَ: هُمُ الجِنُّ فَمَنِ ارْتَبَطَ حِصانًا مِنَ الخَيْلِ لَمْ يَتَخَلَّلْ مَنزِلَهُ شَيْطانٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ قالَ: الجِنُّ. قالَ: ولَنْ يُخَبِّلَ الشَّيْطانُ إنْسانًا في دارِهِ فَرَسٌ عَتِيقٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ يَعْنِي الشَّيْطانَ، لا يَسْتَطِيعُ ناصِيَةَ فَرَسٍ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ، فَلا يَسْتَطِيعُهُ شَيْطانٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ قالَ: يَعْنِي المُنافِقِينَ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ يَقُولُ: اللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ مِنَ النِّفاقِ الَّذِي يُسِرُّونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ لا تَعْلَمُونَهُمْ، لِأنَّهم مَعَكُمْ؛ (p-١٨٧)يَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ويَغْزُونَ مَعَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ قالَ: أهْلُ فارِسَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ قالَ: قالَ ابْنُ اليَمانِ: هُمُ الشَّياطِينُ الَّتِي في الدُّورِ.
الأنفال 8:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ قالَ: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ، نَسَخَتْها: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال»: ٦١] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ قالَ: الطّاعَةِ. (p-١٨٨)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ قالَ: إنْ رَضُوا فارْضَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ يَقُولُ: إنْ أرادُوا الصُّلْحَ فَأرِدْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: (وإنْ جَنَحُوا لِلسِّلْمِ) . يَعْنِي بِالخَفْضِ، وهو الصُّلْحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ، أنَّهُ قَرَأ (وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ) . يَعْنِي بِفَتْحِ السِّينِ، يَعْنِي الصُّلْحَ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ قالَ: نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ أيِ لِلصُّلْحِ، ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ قالَ: كانَتْ قَبْلَ ”بَراءَةَ“، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوادِعُ النّاسَ إلى أجَلٍ، فَإمّا أنْ (p-١٨٩)يُسْلِمُوا وإمّا أنْ يُقاتِلَهُمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في ”بَراءَةَ“ فَقالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقالَ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] نَبَذَ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ بِعَهْدِهِ، وأمَرَهُ أنْ يُقاتِلَهم حَتّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ويُسْلِمُوا وألّا يَقْبَلُوا مِنهم إلّا ذَلِكَ، وكُلُّ عَهْدٍ كانَ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها، وكُلُّ صُلْحٍ يُصالِحُ بِهِ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ يَتَوادَعُونَ بِهِ، فَإنَّ ”بَراءَةَ“ جاءَتْ بِنَسْخِ ذَلِكَ، فَأُمِرَ بِقِتالِهِمْ قَبْلَها عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
الأنفال 8:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: بِالأنْصارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: هُمُ الأنْصارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: مَكْتُوبٌ عَلى العَرْشِ: لا إلَهَ (p-١٩٠)إلّا اللَّهُ، وحْدِي لا شَرِيكَ لِي، مُحَمَّدٌ عَبْدِي ورَسُولِي، أيَّدْتُهُ بِعَلِيٍّ. وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”الإخْوانِ“ والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُتَحابِّينَ في اللَّهِ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ واللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرابَةُ الرَّحِمِ تُقْطَعُ ومِنَّةُ المُنْعِمِ تُكْفَرُ، ولَمْ نَرَ مِثْلَ تَقارُبِ القُلُوبِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الشِّعْرِ قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا مَتَّ ذُو القُرْبى إلَيْكَ بِرَحْمِهِ فَغَشَّكَ واسْتَغْنى فَلَيْسَ بِذِي رَحِمٍ
؎ولَكِنَّ ذا القُرْبى الَّذِي إنْ دَعَوْتَهُ ∗∗∗ أجابَ ومَن يَرْمِي العَدُوَّ الَّذِي تَرْمِي
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ: (p-١٩١)
؎ولَقَدْ صَحِبْتُ النّاسَ ثُمَّ سَبَرْتُهم ∗∗∗ وبَلَوْتُ ما وصَلُوا مِنَ الأسْبابِ
؎فَإذا القَرابَةُ لا تُقَرِّبُ قاطِعًا ∗∗∗ وإذا المَوَدَّةُ أقْرَبُ الأسْبابِ
قالَ البَيْهَقِيُّ: هَكَذا وجَدْتُهُ مَوْصُولًا بِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا أدْرِي قَوْلَهُ: وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الشِّعْرِ. مِن قَوْلِهِ، أوْ مِن قَوْلِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّواةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النِّعْمَةُ تُكْفَرُ، والرَّحِمُ يُقْطَعُ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قارَبَ بَيْنَ القُلُوبِ لَمْ يُزَحْزِحْها شَيْءٌ، ثُمَّ تَلا: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إذا لَقِيَ الرَّجُلُ أخاهُ فَصافَحَهُ تَحاتَّتِ الذُّنُوبُ بَيْنَهُما كَما يَنْثُرُ الرِّيحُ الوَرَقَ. فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ هَذا مِنَ العَمَلِ اليَسِيرِ. فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ قالَ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ .
(p-١٩٢)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: كَتَبَ إلَيَّ قَتادَةُ: إنْ يَكُنِ الدَّهْرُ فَرَّقَ بَيْنَنا فَإنَّ أُلْفَةَ اللَّهِ الَّذِي ألَّفَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ قَرِيبٌ.
الأنفال 8:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ قالَ: قُرَيْظَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: بِالأنْصارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: هُمُ الأنْصارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: مَكْتُوبٌ عَلى العَرْشِ: لا إلَهَ (p-١٩٠)إلّا اللَّهُ، وحْدِي لا شَرِيكَ لِي، مُحَمَّدٌ عَبْدِي ورَسُولِي، أيَّدْتُهُ بِعَلِيٍّ. وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”الإخْوانِ“ والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُتَحابِّينَ في اللَّهِ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ واللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرابَةُ الرَّحِمِ تُقْطَعُ ومِنَّةُ المُنْعِمِ تُكْفَرُ، ولَمْ نَرَ مِثْلَ تَقارُبِ القُلُوبِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الشِّعْرِ قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا مَتَّ ذُو القُرْبى إلَيْكَ بِرَحْمِهِ فَغَشَّكَ واسْتَغْنى فَلَيْسَ بِذِي رَحِمٍ
؎ولَكِنَّ ذا القُرْبى الَّذِي إنْ دَعَوْتَهُ ∗∗∗ أجابَ ومَن يَرْمِي العَدُوَّ الَّذِي تَرْمِي
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ: (p-١٩١)
؎ولَقَدْ صَحِبْتُ النّاسَ ثُمَّ سَبَرْتُهم ∗∗∗ وبَلَوْتُ ما وصَلُوا مِنَ الأسْبابِ
؎فَإذا القَرابَةُ لا تُقَرِّبُ قاطِعًا ∗∗∗ وإذا المَوَدَّةُ أقْرَبُ الأسْبابِ
قالَ البَيْهَقِيُّ: هَكَذا وجَدْتُهُ مَوْصُولًا بِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا أدْرِي قَوْلَهُ: وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الشِّعْرِ. مِن قَوْلِهِ، أوْ مِن قَوْلِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّواةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النِّعْمَةُ تُكْفَرُ، والرَّحِمُ يُقْطَعُ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قارَبَ بَيْنَ القُلُوبِ لَمْ يُزَحْزِحْها شَيْءٌ، ثُمَّ تَلا: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إذا لَقِيَ الرَّجُلُ أخاهُ فَصافَحَهُ تَحاتَّتِ الذُّنُوبُ بَيْنَهُما كَما يَنْثُرُ الرِّيحُ الوَرَقَ. فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ هَذا مِنَ العَمَلِ اليَسِيرِ. فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ قالَ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ .
(p-١٩٢)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: كَتَبَ إلَيَّ قَتادَةُ: إنْ يَكُنِ الدَّهْرُ فَرَّقَ بَيْنَنا فَإنَّ أُلْفَةَ اللَّهِ الَّذِي ألَّفَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ قَرِيبٌ.
الأنفال 8:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ، قالَ المُشْرِكُونَ: قَدِ انْتَصَفَ القَوْمُ مِنّا اليَوْمَ. وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وامْرَأةً، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ أسْلَمَ فَصارُوا أرْبَعِينَ، فَنَزَلَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال»: ٦٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «لَمّا أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ أنْزَلَ اللَّهُ في إسْلامِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ (p-١٩٣)قالَ: يُقالُ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُكَ مَنِ اتَّبَعَكَ.
وأخْرَجَ أبُو مُحَمَّدٍ إسْماعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الخُطَبِيُّ في الأوَّلِ مِن تَحْدِيثِهِ، مِن طَرِيقِ طارِقٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: أسْلَمْتُ رابِعَ أرْبَعِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ: حَسْبُكَ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ.
الأنفال 8:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، مِن طَرِيقِ سُفْيانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ فَكَتَبَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، وأنْ لا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِن مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ. فَكَتَبَ أنْ لا يَفِرَّ مِائَةٌ مِن مِائَتَيْنِ. قالَ سُفْيانُ، وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وأرى الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ، (p-١٩٤)والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلَ هَذا؛ إنْ كانا رَجُلَيْنِ أمَرَهُما، وإنْ كانُوا ثَلاثَةً فَهو في سَعَةٍ مِن تَرْكِهِمْ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ ألّا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، فَجاءَ التَّخْفِيفُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قالَ: فَلَمّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ العِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ ما خَفَّفَ عَنْهم.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في ”مُسْنَدِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يُقاتِلَ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةً، فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعَ عَنْهم ورَدَّ عَنْهم إلى أنْ يُقاتِلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (p-١٩٥)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ ثَقُلَتْ عَلى المُسْلِمِينَ، فَأعْظَمُوا أنْ يُقاتِلَ عِشْرُونَ مِائَتَيْنِ، ومِائَةٌ ألْفًا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَنَسَخَها بِالآيَةِ الأُخْرى فَقالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ الآيَةَ. قالَ: فَكانُوا إذا كانُوا عَلى الشَّطْرِ مِن عَدُوِّهِمْ لَمْ يَنْبَغِ لَهم أنْ يَفِرُّوا مِنهُمْ، وإذا كانُوا دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ قِتالُهُمْ، وجازَ لَهم أنْ يَتَحَرَّزُوا عَنْهُمْ، ثُمَّ عاتَبَهم في الأُسارى وأخْذِ المَغانِمِ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَأْكُلُ مَغْنَمًا مِن عَدُوٍّ هو لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ ألّا يَفِرَّ رَجُلٌ مِن عَشَرَةٍ، ولا قَوْمٌ مِن عَشَرَةِ أمْثالِهِمْ، فَجَهَدَ النّاسُ ذَلِكَ وشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألْفَيْنِ﴾ فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ ألّا يَفِرَّ رَجُلٌ مِن رَجُلَيْنِ، ولا قَوْمٌ مِن مِثْلَيْهِمْ، ونَقَصَ مِنَ النَّصْرِ بِقَدْرِ ما خَفَّفَ عَنْهم مِنَ العِدَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ: كانَ يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يُقاتِلَ الرَّجُلُ الواحِدُ مِنهم عَشَرَةً مِنَ المُشْرِكِينَ لِيَقْطَعَ دابِرَهُمْ، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وقَطَعَ دابِرَهم خَفَّفَ عَلى المُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (p-١٩٦)يَعْنِي بَعْدَ قِتالِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ، شُدِّدَ عَلَيْهِمْ فَجاءَتِ الرُّخْصَةُ بَعْدُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هَذا لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، جُعِلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنهم قِتالُ عَشَرَةٍ مِنَ الكُفّارِ، فَضَجُّوا مِن ذَلِكَ، فَجُعِلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنهم قِتالُ رَجُلَيْنِ؛ تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ فِينا؛ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ الشِّيرازِيُّ في ”الألْقابِ“، وابْنُ عَدِيٍّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ رَفَعَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ [الأنفال»: ٦٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَلِيٍّ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأ: ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ (p-١٩٧)وقَرَأ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ”ضُعْفٌ“» .
الأنفال 8:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، مِن طَرِيقِ سُفْيانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ فَكَتَبَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، وأنْ لا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِن مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ. فَكَتَبَ أنْ لا يَفِرَّ مِائَةٌ مِن مِائَتَيْنِ. قالَ سُفْيانُ، وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وأرى الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ، (p-١٩٤)والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلَ هَذا؛ إنْ كانا رَجُلَيْنِ أمَرَهُما، وإنْ كانُوا ثَلاثَةً فَهو في سَعَةٍ مِن تَرْكِهِمْ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ ألّا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، فَجاءَ التَّخْفِيفُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قالَ: فَلَمّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ العِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ ما خَفَّفَ عَنْهم.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في ”مُسْنَدِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ أنْ يُقاتِلَ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةً، فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعَ عَنْهم ورَدَّ عَنْهم إلى أنْ يُقاتِلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (p-١٩٥)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ ثَقُلَتْ عَلى المُسْلِمِينَ، فَأعْظَمُوا أنْ يُقاتِلَ عِشْرُونَ مِائَتَيْنِ، ومِائَةٌ ألْفًا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَنَسَخَها بِالآيَةِ الأُخْرى فَقالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ الآيَةَ. قالَ: فَكانُوا إذا كانُوا عَلى الشَّطْرِ مِن عَدُوِّهِمْ لَمْ يَنْبَغِ لَهم أنْ يَفِرُّوا مِنهُمْ، وإذا كانُوا دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ قِتالُهُمْ، وجازَ لَهم أنْ يَتَحَرَّزُوا عَنْهُمْ، ثُمَّ عاتَبَهم في الأُسارى وأخْذِ المَغانِمِ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَأْكُلُ مَغْنَمًا مِن عَدُوٍّ هو لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ ألّا يَفِرَّ رَجُلٌ مِن عَشَرَةٍ، ولا قَوْمٌ مِن عَشَرَةِ أمْثالِهِمْ، فَجَهَدَ النّاسُ ذَلِكَ وشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألْفَيْنِ﴾ فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ ألّا يَفِرَّ رَجُلٌ مِن رَجُلَيْنِ، ولا قَوْمٌ مِن مِثْلَيْهِمْ، ونَقَصَ مِنَ النَّصْرِ بِقَدْرِ ما خَفَّفَ عَنْهم مِنَ العِدَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ: كانَ يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يُقاتِلَ الرَّجُلُ الواحِدُ مِنهم عَشَرَةً مِنَ المُشْرِكِينَ لِيَقْطَعَ دابِرَهُمْ، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وقَطَعَ دابِرَهم خَفَّفَ عَلى المُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ (p-١٩٦)يَعْنِي بَعْدَ قِتالِ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ، شُدِّدَ عَلَيْهِمْ فَجاءَتِ الرُّخْصَةُ بَعْدُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هَذا لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، جُعِلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنهم قِتالُ عَشَرَةٍ مِنَ الكُفّارِ، فَضَجُّوا مِن ذَلِكَ، فَجُعِلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنهم قِتالُ رَجُلَيْنِ؛ تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ فِينا؛ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ الشِّيرازِيُّ في ”الألْقابِ“، وابْنُ عَدِيٍّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ رَفَعَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ [الأنفال»: ٦٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَلِيٍّ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأ: ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ (p-١٩٧)وقَرَأ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ”ضُعْفٌ“» .
الأنفال 8:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: ( أنْ تَكُونَ لَهُ أسْرى») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهم. فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أعْناقَهم. فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ عادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهُمْ، وإنَّما هم إخْوانُكم بِالأمْسِ. فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أعْناقَهم. فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ عادَ فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقامَأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَرى أنْ تَعْفُوَ عَنْهُمْ، وأنْ تَقْبَلَ مِنهُمُ الفِداءَ. فَعَفا عَنْهُمْ، وقَبِلَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: «اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أعْطاكَ الظَّفَرَ ونَصَرَكَ عَلَيْهِمْ، فَفادِهِمْ، فَيَكُونَ عَوْنًا لِأصْحابِكَ. واسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أعْناقَهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَحِمَكُما اللَّهُ، ما (p-١٩٨)أشْبَهَكُما بِاثْنَيْنِ مَضَيا قَبْلَكُما: نُوحٍ وإبْراهِيمَ؛ أمّا نُوحٌ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وأمّا إبْراهِيمُ فَإنَّهُ يَقُولُ: رَبِّ ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وفادى بِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِيءَ بِالأُسارى، وفِيهِمُ العَبّاسُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمُكَ وأهْلُكَ، اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. وقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ وقاتَلُوكَ، قَدِّمِهم فاضْرِبْ أعْناقَهُمْ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، انْظُرْ وادِيًا كَثِيرَ الحَطَبِ فَأضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نارًا. فَقالَ العَبّاسُ وهو يَسْمَعُ ما يَقُولُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ. فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنِ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ (p-١٩٩)عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] أنْتُمْ عالَةٌ فَلا يَنْفَلِتَنَّ مِنهم أحَدٌ إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُنِي في يَوْمٍ أخْوَفَ مِن أنْ تَقَعَ عَلَيَّ الحِجارَةُ مِنَ السَّماءِ في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ ) . إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: فُضِّلَ عُمَرُ عَلى النّاسِ بِأرْبَعٍ؛ بِذِكْرِهِ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ، فَأمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
وبِذِكْرِهِ الحِجابَ؛ أمَرَ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ زَيْنَبُ: وإنَّكَ لَتَغارُ عَلَيْنا والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ودَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ أيِّدِ الإسْلامَ بِعُمَرَ. ورَأْيِهِ في أبِي بَكْرٍ؛ كانَ أوَّلَ النّاسِ بايَعَهُ. (p-٢٠٠)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ في أُسارى بَدْرٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَبْقِ قَوْمَكَ وخُذِ الفِداءَ. وقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اقْتُلْهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوِ اجْتَمَعْتُما ما عَصَيْتُكُما. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ، وإنْ شِئْتُمْ فادَيْتُمْ واسْتَمْتَعْتُمْ بِالفِداءِ واسْتُشْهِدَ مِنكم بِعِدَّتِهِمْ. فَكانَ آخِرُ السَّبْعِينَ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ، اسْتُشْهِدَ يَوْمَ اليَمامَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُخْبِرُكَ؛ إنْ شِئْتَ أنْ تَقْتُلَ هَؤُلاءِ الأُسارى، وإنْ شِئْتَ أنْ تُفادِيَ بِهِمْ ويُقْتَلَ مِن أصْحابِكَ مِثْلُهم. فاسْتَشارَ أصْحابَهُ فَقالُوا: نُفادِيهِمْ فَنَتَقَوّى بِهِمْ، ويُكْرِمُ اللَّهُ بِالشَّهادَةِ مَن يَشاءُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ في أُسارى بَدْرٍ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَلَكانِ مِنَ المَلائِكَةِ أحَدَهُما أحْلى مِنَ الشَّهْدِ، والآخَرُ أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، ونَبِيّانِ مِنَ الأنْبِياءِ أحَدُهُما أحْلى عَلى قَوْمِهِ مِنَ الشَّهْدِ، (p-٢٠١)والآخَرُ أمَرُّ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الصَّبْرِ؛ فَأمّا النَّبِيّانِ فَنُوحٌ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وأمّا الآخَرُ فَإبْراهِيمُ إذْ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]؛ وأمّا المَلَكانِ فَجِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، هَذا صاحِبُ الشِّدَّةِ، وهَذا صاحِبُ اللِّينِ، ومَثَلُهُما في أُمَّتِي أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: ألا أُخْبِرُكُما بِمَثَلِكُما في المَلائِكَةِ ومَثَلِكُما في الأنْبِياءِ؛ مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ في المَلائِكَةِ مَثَلُ مِيكائِيلَ، يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ، ومَثَلُكَ في الأنْبِياءِ مَثَلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ في المَلائِكَةِ مَثَلُ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالشِّدَّةِ والبَأْسِ والنِّقْمَةِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ومَثَلُكَ في الأنْبِياءِ مَثَلُ نُوحٍ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح»: ٢٦] .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أسَرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ، أشارَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: قَوْمُكَ وعَشِيرَتُكَ، فَخَلِّ سَبِيلَهم. فاسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: اقْتُلْهم. فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ ) الآيَةَ. فَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ فَقالَ: كادَ أنْ يُصِيبَنا في خِلافِكَ شَرٌّ» .
(p-٢٠٢)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا أُسِرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ أُسِرَ العَبّاسُ فِيمَن أُسِرَ، أسَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ وقَدْ وعَدَتْهُ الأنْصارُ أنْ يَقْتُلُوهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ أنَمِ اللَّيْلَةَ مِن أجْلِ عَمِّي العَبّاسِ وقَدْ زَعَمَتِ الأنْصارُ أنَّهم قاتِلُوهُ. فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَآتِيهِمْ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأتى عُمَرُ الأنْصارَ، فَقالَ لَهم: أرْسِلُوا العَبّاسَ. فَقالُوا: لا واللَّهِ لا نُرْسِلُهُ. فَقالَ لَهم عُمَرُ: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا. قالُوا: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا فَخُذْهُ. فَأخَذَهُ عُمَرُ فَلَمّا صارَ في يَدِهِ قالَ لَهُ: يا عَبّاسُ، أسْلِمْ فَواللَّهِ لَأنْ تُسْلِمَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يُسْلِمَ الخَطّابُ، وما ذاكَ إلّا لِما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ إسْلامُكَ. قالَ: فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: عَشِيرَتُكَ فَأرْسِلْهم. فاسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: اقْتُلْهم. فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ ) الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا إلّا ثَلاثَةً؛ عُقَبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وطُعْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ، وكانَ النَّضْرُ أسَرَهُ المِقْدادُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «اخْتَلَفَ النّاسُ في أُسارى بَدْرٍ، فاسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فادِهِمْ. وقالَ عُمَرُ: اقْتُلْهم. قالَ قائِلٌ: أرادُوا قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، (p-٢٠٣)وهَدْمَ الإسْلامِ، ويَأْمُرُهُ أبُو بَكْرٍ بِالفِداءِ! وقالَ قائِلٌ: لَوْ كانَ فِيهِمْ أبُو عُمَرَ أوْ أخُوهُ ما أمَرَهُ بِقَتْلِهِمْ. فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ، فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ كادَ لَيَمَسُّنا في خِلافِ ابْنِ الخَطّابِ عَذابٌ عَظِيمٌ، ولَوْ نَزَلَ العَذابُ ما أفْلَتَ إلّا عُمَرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَعَجَّلَ النّاسُ إلى الغَنائِمِ، فَأصابُوها قَبْلَ أنْ تَحِلَّ لَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ الغَنِيمَةَ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكُمْ، كانَ النَّبِيُّ وأصْحابُهُ إذا غَنِمُوا جَمَعُوها ونَزَلَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْها. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: يَقُولُ لَوْلا أنَّهُ سَبَقَ في عِلْمِي أنِّي سَأُحِلُّ المَغانِمَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالَ: وكانَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُولُ: أعْطانِي اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ [الأنفال: ٧٠] وأعْطانِي (p-٢٠٤)مَكانَ ما أخَذَ مِنِّي أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً أرْبَعِينَ عَبْدًا.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي: غَنائِمَ بَدْرٍ قَبْلَ أنْ يُحِلَّها لَهم. يَقُولُ: لَوْلا أنِّي لا أُعَذِّبُ مَن عَصانِي حَتّى أتَقَدَّمَ إلَيْهِ لَمَسَّكم عَذابٌ عَظِيمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، فَلَمّا كَثُرُوا واشْتَدَّ سُلْطانُهم أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذا في الأُسارى: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤] فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ في أمْرِ الأُسارى بِالخِيارِ؛ إنْ شاءُوا قَتَلُوهُمْ، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهُمْ، وإنْ شاءُوا فادُوهُمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يَعْنِي في الكِتابِ الأوَّلِ، إنَّ المَغانِمَ والأُسارى حَلالٌ لَكُمْ، ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ مِنَ الأُسارى، ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ قالَ: وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ كَتَبَ في أُمِّ الكِتابِ: المَغانِمُ والأُسارى حَلالٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ، ولَمْ يَكُنْ أحَلَّهُ لِأُمَّةٍ قَبْلَهُمْ، وأخَذُوا المَغانِمَ وأسَرُوا الأُسارى قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ. (p-٢٠٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَظْهَرَ عَلى الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الإثْخانُ هو القَتْلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ ) . قالَ: نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ بَعْدُ؛ إنْ شِئْتَ فَمُنَّ، وإنْ شِئْتَ فَفادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أرادَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ الفِداءَ، فَفادُوهم بِأرْبَعَةِ آلافٍ أرْبَعَةِ آلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي الخَراجَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: لَيْسَ أحَدٌ يَعْمَلُ عَمَلًا يُرِيدُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ، يَأْخُذُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا إلّا كانَ حَظَّهُ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَنا ذُنُوبٌ نَخافُ عَلى أنْفُسِنا مِنها إلّا حُبُّنا لِلدُّنْيا لَخَشِينا عَلى أنْفُسِنا، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أرِيدُوا ما أرادَ اللَّهُ. (p-٢٠٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: سَبَقَ لَهُمُ المَغْفِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ مِنِ السَّعادَةِ، ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ قالَ: مِنَ الفِداءِ: ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوا بِالمَعْصِيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَ سَعْدٌ جالِسًا ذاتَ يَوْمٍ وعِنْدَهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ إذْ ذَكَرَ رَجُلًا فَنالُوا مِنهُ، فَقالَ: مَهْلًا عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنّا أذْنَبْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَنْبًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ فَكُنّا نَرى أنَّها رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَتْ لَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: ألّا يُعَذِّبَ أحَدًا حَتّى يُبَيِّنَ لَهُ ويَتَقَدَّمَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُضِّلْتُ عَلى الأنْبِياءِ (p-٢٠٧)بِسِتٍّ؛ أُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً، وخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي؛ بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ كانَ قَبْلِي، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، فَيَرْعَبُ العَدُوُّ وهو مِنِّي مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وقِيلَ لِي: سَلْ تُعْطَهْ. فاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفاعَةً لِأُمَّتِي، وهي نائِلَةٌ مِنكم إنْ شاءَ اللَّهُ مَن لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَمْ تَكُنِ الغَنائِمُ تَحِلُّ لِأحَدٍ كانَ قَبْلَنا، فَطَيَّبَها اللَّهُ لَنا لِما عَلِمَ مِن ضَعْفِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ، فِيما سَبَقَ مِن كِتابِهِ، إحْلالَ الغَنائِمِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالُوا: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَأْخُذُ لَهم قَلِيلًا ولا كَثِيرًا حَتّى نَعْلَمَ أحَلالٌ هو أمْ حَرامٌ. فَطَيَّبَهُ اللَّهُ لَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
فَلَمّا أحَلَّ اللَّهُ لَهم فِداهَمَ وأمْوالَهُمْ، قالَ الأُسارى: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ مِن خَيْرٍ قَدْ قُتِلْنا وأُسِرْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ يُبَشِّرُهم: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ [الأنفال: ٧٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال»: ٧١] .
(p-٢٠٨)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ الغَنائِمُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في الأُمَمِ إذا أصابُوا مِنهُ جَعَلُوهُ لِلْقُرْبانِ، وحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْكُلُوا مِنها قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، حَرَّمَ ذَلِكَ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ وعَلى أُمَّتِهِ، فَكانُوا لا يَأْكُلُونَ مِنهُ ولا يَغُلُّونَ مِنهُ ولا يَأْخُذُونَ مِنهُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا إلّا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ اللَّهُ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمًا شَدِيدًا، فَلَمْ يُحِلَّهُ لِنَبِيٍّ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، قَدْ كانَ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ في قَضائِهِ أنَّ المَغْنَمَ لَهُ ولِأُمَّتِهِ حَلالٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ يَوْمَ بَدْرٍ في أخْذِهِ الفِداءَ مِنَ الأُسارى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال»: ٦٨] .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لَمّا رَغِبُوا في الفِداءِ أُنْزِلَتْ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآيَةَ. قالَ: سَبَقَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَتُهُ لِمَن شَهِدَ بَدْرًا، فَتَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهم وأحَلَّها لَهم.
الأنفال 8:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: ( أنْ تَكُونَ لَهُ أسْرى») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهم. فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أعْناقَهم. فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ عادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهُمْ، وإنَّما هم إخْوانُكم بِالأمْسِ. فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أعْناقَهم. فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ عادَ فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقامَأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَرى أنْ تَعْفُوَ عَنْهُمْ، وأنْ تَقْبَلَ مِنهُمُ الفِداءَ. فَعَفا عَنْهُمْ، وقَبِلَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: «اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أعْطاكَ الظَّفَرَ ونَصَرَكَ عَلَيْهِمْ، فَفادِهِمْ، فَيَكُونَ عَوْنًا لِأصْحابِكَ. واسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أعْناقَهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَحِمَكُما اللَّهُ، ما (p-١٩٨)أشْبَهَكُما بِاثْنَيْنِ مَضَيا قَبْلَكُما: نُوحٍ وإبْراهِيمَ؛ أمّا نُوحٌ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وأمّا إبْراهِيمُ فَإنَّهُ يَقُولُ: رَبِّ ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وفادى بِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِيءَ بِالأُسارى، وفِيهِمُ العَبّاسُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمُكَ وأهْلُكَ، اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. وقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ وقاتَلُوكَ، قَدِّمِهم فاضْرِبْ أعْناقَهُمْ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، انْظُرْ وادِيًا كَثِيرَ الحَطَبِ فَأضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نارًا. فَقالَ العَبّاسُ وهو يَسْمَعُ ما يَقُولُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ. فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنِ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ (p-١٩٩)عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] أنْتُمْ عالَةٌ فَلا يَنْفَلِتَنَّ مِنهم أحَدٌ إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُنِي في يَوْمٍ أخْوَفَ مِن أنْ تَقَعَ عَلَيَّ الحِجارَةُ مِنَ السَّماءِ في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ ) . إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: فُضِّلَ عُمَرُ عَلى النّاسِ بِأرْبَعٍ؛ بِذِكْرِهِ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ، فَأمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
وبِذِكْرِهِ الحِجابَ؛ أمَرَ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ زَيْنَبُ: وإنَّكَ لَتَغارُ عَلَيْنا والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ودَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ أيِّدِ الإسْلامَ بِعُمَرَ. ورَأْيِهِ في أبِي بَكْرٍ؛ كانَ أوَّلَ النّاسِ بايَعَهُ. (p-٢٠٠)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ في أُسارى بَدْرٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَبْقِ قَوْمَكَ وخُذِ الفِداءَ. وقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اقْتُلْهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوِ اجْتَمَعْتُما ما عَصَيْتُكُما. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ، وإنْ شِئْتُمْ فادَيْتُمْ واسْتَمْتَعْتُمْ بِالفِداءِ واسْتُشْهِدَ مِنكم بِعِدَّتِهِمْ. فَكانَ آخِرُ السَّبْعِينَ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ، اسْتُشْهِدَ يَوْمَ اليَمامَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُخْبِرُكَ؛ إنْ شِئْتَ أنْ تَقْتُلَ هَؤُلاءِ الأُسارى، وإنْ شِئْتَ أنْ تُفادِيَ بِهِمْ ويُقْتَلَ مِن أصْحابِكَ مِثْلُهم. فاسْتَشارَ أصْحابَهُ فَقالُوا: نُفادِيهِمْ فَنَتَقَوّى بِهِمْ، ويُكْرِمُ اللَّهُ بِالشَّهادَةِ مَن يَشاءُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ في أُسارى بَدْرٍ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَلَكانِ مِنَ المَلائِكَةِ أحَدَهُما أحْلى مِنَ الشَّهْدِ، والآخَرُ أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، ونَبِيّانِ مِنَ الأنْبِياءِ أحَدُهُما أحْلى عَلى قَوْمِهِ مِنَ الشَّهْدِ، (p-٢٠١)والآخَرُ أمَرُّ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الصَّبْرِ؛ فَأمّا النَّبِيّانِ فَنُوحٌ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وأمّا الآخَرُ فَإبْراهِيمُ إذْ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]؛ وأمّا المَلَكانِ فَجِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، هَذا صاحِبُ الشِّدَّةِ، وهَذا صاحِبُ اللِّينِ، ومَثَلُهُما في أُمَّتِي أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: ألا أُخْبِرُكُما بِمَثَلِكُما في المَلائِكَةِ ومَثَلِكُما في الأنْبِياءِ؛ مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ في المَلائِكَةِ مَثَلُ مِيكائِيلَ، يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ، ومَثَلُكَ في الأنْبِياءِ مَثَلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ في المَلائِكَةِ مَثَلُ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالشِّدَّةِ والبَأْسِ والنِّقْمَةِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ومَثَلُكَ في الأنْبِياءِ مَثَلُ نُوحٍ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح»: ٢٦] .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أسَرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ، أشارَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: قَوْمُكَ وعَشِيرَتُكَ، فَخَلِّ سَبِيلَهم. فاسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: اقْتُلْهم. فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ ) الآيَةَ. فَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ فَقالَ: كادَ أنْ يُصِيبَنا في خِلافِكَ شَرٌّ» .
(p-٢٠٢)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا أُسِرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ أُسِرَ العَبّاسُ فِيمَن أُسِرَ، أسَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ وقَدْ وعَدَتْهُ الأنْصارُ أنْ يَقْتُلُوهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ أنَمِ اللَّيْلَةَ مِن أجْلِ عَمِّي العَبّاسِ وقَدْ زَعَمَتِ الأنْصارُ أنَّهم قاتِلُوهُ. فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَآتِيهِمْ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأتى عُمَرُ الأنْصارَ، فَقالَ لَهم: أرْسِلُوا العَبّاسَ. فَقالُوا: لا واللَّهِ لا نُرْسِلُهُ. فَقالَ لَهم عُمَرُ: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا. قالُوا: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا فَخُذْهُ. فَأخَذَهُ عُمَرُ فَلَمّا صارَ في يَدِهِ قالَ لَهُ: يا عَبّاسُ، أسْلِمْ فَواللَّهِ لَأنْ تُسْلِمَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يُسْلِمَ الخَطّابُ، وما ذاكَ إلّا لِما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ إسْلامُكَ. قالَ: فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: عَشِيرَتُكَ فَأرْسِلْهم. فاسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: اقْتُلْهم. فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ ) الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا إلّا ثَلاثَةً؛ عُقَبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وطُعْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ، وكانَ النَّضْرُ أسَرَهُ المِقْدادُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «اخْتَلَفَ النّاسُ في أُسارى بَدْرٍ، فاسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فادِهِمْ. وقالَ عُمَرُ: اقْتُلْهم. قالَ قائِلٌ: أرادُوا قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، (p-٢٠٣)وهَدْمَ الإسْلامِ، ويَأْمُرُهُ أبُو بَكْرٍ بِالفِداءِ! وقالَ قائِلٌ: لَوْ كانَ فِيهِمْ أبُو عُمَرَ أوْ أخُوهُ ما أمَرَهُ بِقَتْلِهِمْ. فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ، فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ كادَ لَيَمَسُّنا في خِلافِ ابْنِ الخَطّابِ عَذابٌ عَظِيمٌ، ولَوْ نَزَلَ العَذابُ ما أفْلَتَ إلّا عُمَرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَعَجَّلَ النّاسُ إلى الغَنائِمِ، فَأصابُوها قَبْلَ أنْ تَحِلَّ لَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ الغَنِيمَةَ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكُمْ، كانَ النَّبِيُّ وأصْحابُهُ إذا غَنِمُوا جَمَعُوها ونَزَلَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْها. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: يَقُولُ لَوْلا أنَّهُ سَبَقَ في عِلْمِي أنِّي سَأُحِلُّ المَغانِمَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالَ: وكانَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُولُ: أعْطانِي اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ [الأنفال: ٧٠] وأعْطانِي (p-٢٠٤)مَكانَ ما أخَذَ مِنِّي أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً أرْبَعِينَ عَبْدًا.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي: غَنائِمَ بَدْرٍ قَبْلَ أنْ يُحِلَّها لَهم. يَقُولُ: لَوْلا أنِّي لا أُعَذِّبُ مَن عَصانِي حَتّى أتَقَدَّمَ إلَيْهِ لَمَسَّكم عَذابٌ عَظِيمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، فَلَمّا كَثُرُوا واشْتَدَّ سُلْطانُهم أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذا في الأُسارى: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤] فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ في أمْرِ الأُسارى بِالخِيارِ؛ إنْ شاءُوا قَتَلُوهُمْ، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهُمْ، وإنْ شاءُوا فادُوهُمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يَعْنِي في الكِتابِ الأوَّلِ، إنَّ المَغانِمَ والأُسارى حَلالٌ لَكُمْ، ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ مِنَ الأُسارى، ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ قالَ: وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ كَتَبَ في أُمِّ الكِتابِ: المَغانِمُ والأُسارى حَلالٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ، ولَمْ يَكُنْ أحَلَّهُ لِأُمَّةٍ قَبْلَهُمْ، وأخَذُوا المَغانِمَ وأسَرُوا الأُسارى قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ. (p-٢٠٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَظْهَرَ عَلى الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الإثْخانُ هو القَتْلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ ) . قالَ: نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ بَعْدُ؛ إنْ شِئْتَ فَمُنَّ، وإنْ شِئْتَ فَفادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أرادَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ الفِداءَ، فَفادُوهم بِأرْبَعَةِ آلافٍ أرْبَعَةِ آلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي الخَراجَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: لَيْسَ أحَدٌ يَعْمَلُ عَمَلًا يُرِيدُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ، يَأْخُذُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا إلّا كانَ حَظَّهُ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَنا ذُنُوبٌ نَخافُ عَلى أنْفُسِنا مِنها إلّا حُبُّنا لِلدُّنْيا لَخَشِينا عَلى أنْفُسِنا، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أرِيدُوا ما أرادَ اللَّهُ. (p-٢٠٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: سَبَقَ لَهُمُ المَغْفِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ مِنِ السَّعادَةِ، ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ قالَ: مِنَ الفِداءِ: ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوا بِالمَعْصِيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَ سَعْدٌ جالِسًا ذاتَ يَوْمٍ وعِنْدَهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ إذْ ذَكَرَ رَجُلًا فَنالُوا مِنهُ، فَقالَ: مَهْلًا عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنّا أذْنَبْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَنْبًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ فَكُنّا نَرى أنَّها رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَتْ لَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: ألّا يُعَذِّبَ أحَدًا حَتّى يُبَيِّنَ لَهُ ويَتَقَدَّمَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُضِّلْتُ عَلى الأنْبِياءِ (p-٢٠٧)بِسِتٍّ؛ أُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً، وخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي؛ بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ كانَ قَبْلِي، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، فَيَرْعَبُ العَدُوُّ وهو مِنِّي مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وقِيلَ لِي: سَلْ تُعْطَهْ. فاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفاعَةً لِأُمَّتِي، وهي نائِلَةٌ مِنكم إنْ شاءَ اللَّهُ مَن لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَمْ تَكُنِ الغَنائِمُ تَحِلُّ لِأحَدٍ كانَ قَبْلَنا، فَطَيَّبَها اللَّهُ لَنا لِما عَلِمَ مِن ضَعْفِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ، فِيما سَبَقَ مِن كِتابِهِ، إحْلالَ الغَنائِمِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالُوا: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَأْخُذُ لَهم قَلِيلًا ولا كَثِيرًا حَتّى نَعْلَمَ أحَلالٌ هو أمْ حَرامٌ. فَطَيَّبَهُ اللَّهُ لَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
فَلَمّا أحَلَّ اللَّهُ لَهم فِداهَمَ وأمْوالَهُمْ، قالَ الأُسارى: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ مِن خَيْرٍ قَدْ قُتِلْنا وأُسِرْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ يُبَشِّرُهم: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ [الأنفال: ٧٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال»: ٧١] .
(p-٢٠٨)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ الغَنائِمُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في الأُمَمِ إذا أصابُوا مِنهُ جَعَلُوهُ لِلْقُرْبانِ، وحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْكُلُوا مِنها قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، حَرَّمَ ذَلِكَ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ وعَلى أُمَّتِهِ، فَكانُوا لا يَأْكُلُونَ مِنهُ ولا يَغُلُّونَ مِنهُ ولا يَأْخُذُونَ مِنهُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا إلّا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ اللَّهُ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمًا شَدِيدًا، فَلَمْ يُحِلَّهُ لِنَبِيٍّ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، قَدْ كانَ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ في قَضائِهِ أنَّ المَغْنَمَ لَهُ ولِأُمَّتِهِ حَلالٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ يَوْمَ بَدْرٍ في أخْذِهِ الفِداءَ مِنَ الأُسارى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال»: ٦٨] .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لَمّا رَغِبُوا في الفِداءِ أُنْزِلَتْ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآيَةَ. قالَ: سَبَقَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَتُهُ لِمَن شَهِدَ بَدْرًا، فَتَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهم وأحَلَّها لَهم.
الأنفال 8:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: ( أنْ تَكُونَ لَهُ أسْرى») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهم. فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أعْناقَهم. فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ عادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهُمْ، وإنَّما هم إخْوانُكم بِالأمْسِ. فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أعْناقَهم. فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ عادَ فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقامَأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَرى أنْ تَعْفُوَ عَنْهُمْ، وأنْ تَقْبَلَ مِنهُمُ الفِداءَ. فَعَفا عَنْهُمْ، وقَبِلَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: «اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أعْطاكَ الظَّفَرَ ونَصَرَكَ عَلَيْهِمْ، فَفادِهِمْ، فَيَكُونَ عَوْنًا لِأصْحابِكَ. واسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أعْناقَهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَحِمَكُما اللَّهُ، ما (p-١٩٨)أشْبَهَكُما بِاثْنَيْنِ مَضَيا قَبْلَكُما: نُوحٍ وإبْراهِيمَ؛ أمّا نُوحٌ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وأمّا إبْراهِيمُ فَإنَّهُ يَقُولُ: رَبِّ ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وفادى بِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِيءَ بِالأُسارى، وفِيهِمُ العَبّاسُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمُكَ وأهْلُكَ، اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. وقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ وقاتَلُوكَ، قَدِّمِهم فاضْرِبْ أعْناقَهُمْ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، انْظُرْ وادِيًا كَثِيرَ الحَطَبِ فَأضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نارًا. فَقالَ العَبّاسُ وهو يَسْمَعُ ما يَقُولُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ. فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وقالَ أُناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنِ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ (p-١٩٩)عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] أنْتُمْ عالَةٌ فَلا يَنْفَلِتَنَّ مِنهم أحَدٌ إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُنِي في يَوْمٍ أخْوَفَ مِن أنْ تَقَعَ عَلَيَّ الحِجارَةُ مِنَ السَّماءِ في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ ) . إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: فُضِّلَ عُمَرُ عَلى النّاسِ بِأرْبَعٍ؛ بِذِكْرِهِ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ، فَأمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
وبِذِكْرِهِ الحِجابَ؛ أمَرَ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ زَيْنَبُ: وإنَّكَ لَتَغارُ عَلَيْنا والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ودَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ أيِّدِ الإسْلامَ بِعُمَرَ. ورَأْيِهِ في أبِي بَكْرٍ؛ كانَ أوَّلَ النّاسِ بايَعَهُ. (p-٢٠٠)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ في أُسارى بَدْرٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَبْقِ قَوْمَكَ وخُذِ الفِداءَ. وقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اقْتُلْهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوِ اجْتَمَعْتُما ما عَصَيْتُكُما. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ، وإنْ شِئْتُمْ فادَيْتُمْ واسْتَمْتَعْتُمْ بِالفِداءِ واسْتُشْهِدَ مِنكم بِعِدَّتِهِمْ. فَكانَ آخِرُ السَّبْعِينَ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ، اسْتُشْهِدَ يَوْمَ اليَمامَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُخْبِرُكَ؛ إنْ شِئْتَ أنْ تَقْتُلَ هَؤُلاءِ الأُسارى، وإنْ شِئْتَ أنْ تُفادِيَ بِهِمْ ويُقْتَلَ مِن أصْحابِكَ مِثْلُهم. فاسْتَشارَ أصْحابَهُ فَقالُوا: نُفادِيهِمْ فَنَتَقَوّى بِهِمْ، ويُكْرِمُ اللَّهُ بِالشَّهادَةِ مَن يَشاءُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ في أُسارى بَدْرٍ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَلَكانِ مِنَ المَلائِكَةِ أحَدَهُما أحْلى مِنَ الشَّهْدِ، والآخَرُ أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، ونَبِيّانِ مِنَ الأنْبِياءِ أحَدُهُما أحْلى عَلى قَوْمِهِ مِنَ الشَّهْدِ، (p-٢٠١)والآخَرُ أمَرُّ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الصَّبْرِ؛ فَأمّا النَّبِيّانِ فَنُوحٌ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وأمّا الآخَرُ فَإبْراهِيمُ إذْ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]؛ وأمّا المَلَكانِ فَجِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، هَذا صاحِبُ الشِّدَّةِ، وهَذا صاحِبُ اللِّينِ، ومَثَلُهُما في أُمَّتِي أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: ألا أُخْبِرُكُما بِمَثَلِكُما في المَلائِكَةِ ومَثَلِكُما في الأنْبِياءِ؛ مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ في المَلائِكَةِ مَثَلُ مِيكائِيلَ، يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ، ومَثَلُكَ في الأنْبِياءِ مَثَلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ في المَلائِكَةِ مَثَلُ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالشِّدَّةِ والبَأْسِ والنِّقْمَةِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ، ومَثَلُكَ في الأنْبِياءِ مَثَلُ نُوحٍ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح»: ٢٦] .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أسَرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ، أشارَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: قَوْمُكَ وعَشِيرَتُكَ، فَخَلِّ سَبِيلَهم. فاسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: اقْتُلْهم. فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ ) الآيَةَ. فَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ فَقالَ: كادَ أنْ يُصِيبَنا في خِلافِكَ شَرٌّ» .
(p-٢٠٢)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا أُسِرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ أُسِرَ العَبّاسُ فِيمَن أُسِرَ، أسَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ وقَدْ وعَدَتْهُ الأنْصارُ أنْ يَقْتُلُوهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ أنَمِ اللَّيْلَةَ مِن أجْلِ عَمِّي العَبّاسِ وقَدْ زَعَمَتِ الأنْصارُ أنَّهم قاتِلُوهُ. فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَآتِيهِمْ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأتى عُمَرُ الأنْصارَ، فَقالَ لَهم: أرْسِلُوا العَبّاسَ. فَقالُوا: لا واللَّهِ لا نُرْسِلُهُ. فَقالَ لَهم عُمَرُ: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا. قالُوا: فَإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضًا فَخُذْهُ. فَأخَذَهُ عُمَرُ فَلَمّا صارَ في يَدِهِ قالَ لَهُ: يا عَبّاسُ، أسْلِمْ فَواللَّهِ لَأنْ تُسْلِمَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يُسْلِمَ الخَطّابُ، وما ذاكَ إلّا لِما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ إسْلامُكَ. قالَ: فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: عَشِيرَتُكَ فَأرْسِلْهم. فاسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: اقْتُلْهم. فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ ) الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا إلّا ثَلاثَةً؛ عُقَبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وطُعْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ، وكانَ النَّضْرُ أسَرَهُ المِقْدادُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «اخْتَلَفَ النّاسُ في أُسارى بَدْرٍ، فاسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فادِهِمْ. وقالَ عُمَرُ: اقْتُلْهم. قالَ قائِلٌ: أرادُوا قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، (p-٢٠٣)وهَدْمَ الإسْلامِ، ويَأْمُرُهُ أبُو بَكْرٍ بِالفِداءِ! وقالَ قائِلٌ: لَوْ كانَ فِيهِمْ أبُو عُمَرَ أوْ أخُوهُ ما أمَرَهُ بِقَتْلِهِمْ. فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ، فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ كادَ لَيَمَسُّنا في خِلافِ ابْنِ الخَطّابِ عَذابٌ عَظِيمٌ، ولَوْ نَزَلَ العَذابُ ما أفْلَتَ إلّا عُمَرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَعَجَّلَ النّاسُ إلى الغَنائِمِ، فَأصابُوها قَبْلَ أنْ تَحِلَّ لَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ الغَنِيمَةَ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكُمْ، كانَ النَّبِيُّ وأصْحابُهُ إذا غَنِمُوا جَمَعُوها ونَزَلَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْها. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: يَقُولُ لَوْلا أنَّهُ سَبَقَ في عِلْمِي أنِّي سَأُحِلُّ المَغانِمَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. قالَ: وكانَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُولُ: أعْطانِي اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ [الأنفال: ٧٠] وأعْطانِي (p-٢٠٤)مَكانَ ما أخَذَ مِنِّي أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً أرْبَعِينَ عَبْدًا.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي: غَنائِمَ بَدْرٍ قَبْلَ أنْ يُحِلَّها لَهم. يَقُولُ: لَوْلا أنِّي لا أُعَذِّبُ مَن عَصانِي حَتّى أتَقَدَّمَ إلَيْهِ لَمَسَّكم عَذابٌ عَظِيمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، فَلَمّا كَثُرُوا واشْتَدَّ سُلْطانُهم أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذا في الأُسارى: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤] فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ في أمْرِ الأُسارى بِالخِيارِ؛ إنْ شاءُوا قَتَلُوهُمْ، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهُمْ، وإنْ شاءُوا فادُوهُمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يَعْنِي في الكِتابِ الأوَّلِ، إنَّ المَغانِمَ والأُسارى حَلالٌ لَكُمْ، ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ مِنَ الأُسارى، ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ قالَ: وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ كَتَبَ في أُمِّ الكِتابِ: المَغانِمُ والأُسارى حَلالٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ، ولَمْ يَكُنْ أحَلَّهُ لِأُمَّةٍ قَبْلَهُمْ، وأخَذُوا المَغانِمَ وأسَرُوا الأُسارى قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ. (p-٢٠٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَظْهَرَ عَلى الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الإثْخانُ هو القَتْلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ ) . قالَ: نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ بَعْدُ؛ إنْ شِئْتَ فَمُنَّ، وإنْ شِئْتَ فَفادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أرادَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ الفِداءَ، فَفادُوهم بِأرْبَعَةِ آلافٍ أرْبَعَةِ آلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي الخَراجَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: لَيْسَ أحَدٌ يَعْمَلُ عَمَلًا يُرِيدُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ، يَأْخُذُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا إلّا كانَ حَظَّهُ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَنا ذُنُوبٌ نَخافُ عَلى أنْفُسِنا مِنها إلّا حُبُّنا لِلدُّنْيا لَخَشِينا عَلى أنْفُسِنا، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أرِيدُوا ما أرادَ اللَّهُ. (p-٢٠٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: سَبَقَ لَهُمُ المَغْفِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ مِنِ السَّعادَةِ، ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ قالَ: مِنَ الفِداءِ: ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوا بِالمَعْصِيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَ سَعْدٌ جالِسًا ذاتَ يَوْمٍ وعِنْدَهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ إذْ ذَكَرَ رَجُلًا فَنالُوا مِنهُ، فَقالَ: مَهْلًا عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنّا أذْنَبْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَنْبًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ فَكُنّا نَرى أنَّها رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَتْ لَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قالَ: ألّا يُعَذِّبَ أحَدًا حَتّى يُبَيِّنَ لَهُ ويَتَقَدَّمَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُضِّلْتُ عَلى الأنْبِياءِ (p-٢٠٧)بِسِتٍّ؛ أُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً، وخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي؛ بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ كانَ قَبْلِي، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، فَيَرْعَبُ العَدُوُّ وهو مِنِّي مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وقِيلَ لِي: سَلْ تُعْطَهْ. فاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفاعَةً لِأُمَّتِي، وهي نائِلَةٌ مِنكم إنْ شاءَ اللَّهُ مَن لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَمْ تَكُنِ الغَنائِمُ تَحِلُّ لِأحَدٍ كانَ قَبْلَنا، فَطَيَّبَها اللَّهُ لَنا لِما عَلِمَ مِن ضَعْفِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ، فِيما سَبَقَ مِن كِتابِهِ، إحْلالَ الغَنائِمِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالُوا: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَأْخُذُ لَهم قَلِيلًا ولا كَثِيرًا حَتّى نَعْلَمَ أحَلالٌ هو أمْ حَرامٌ. فَطَيَّبَهُ اللَّهُ لَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
فَلَمّا أحَلَّ اللَّهُ لَهم فِداهَمَ وأمْوالَهُمْ، قالَ الأُسارى: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ مِن خَيْرٍ قَدْ قُتِلْنا وأُسِرْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ يُبَشِّرُهم: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ [الأنفال: ٧٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال»: ٧١] .
(p-٢٠٨)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ الغَنائِمُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في الأُمَمِ إذا أصابُوا مِنهُ جَعَلُوهُ لِلْقُرْبانِ، وحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْكُلُوا مِنها قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، حَرَّمَ ذَلِكَ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ وعَلى أُمَّتِهِ، فَكانُوا لا يَأْكُلُونَ مِنهُ ولا يَغُلُّونَ مِنهُ ولا يَأْخُذُونَ مِنهُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا إلّا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ اللَّهُ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمًا شَدِيدًا، فَلَمْ يُحِلَّهُ لِنَبِيٍّ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، قَدْ كانَ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ في قَضائِهِ أنَّ المَغْنَمَ لَهُ ولِأُمَّتِهِ حَلالٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ يَوْمَ بَدْرٍ في أخْذِهِ الفِداءَ مِنَ الأُسارى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال»: ٦٨] .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، لَمّا رَغِبُوا في الفِداءِ أُنْزِلَتْ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآيَةَ. قالَ: سَبَقَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَتُهُ لِمَن شَهِدَ بَدْرًا، فَتَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهم وأحَلَّها لَهم.
الأنفال 8:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا بَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ في فِداءِ أسْراهُمْ، بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في فِداءِ أبِي العاصِي وبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلادَةٍ فَلَمّا رَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ رِقَّةً شَدِيدَةً وقالَ: (p-٢٠٩)إنْ رَأيْتُمْ أنْ تُطْلِقُوا لَها أسِيرَها. وقالَ العَبّاسُ: إنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِإسْلامِكَ، فَإنْ تَكُنْ كَما تَقُولُ فاللَّهُ يَجْزِيكَ، فافْدِ نَفْسَكَ وابْنَيْ أخَوَيْكَ؛ نَوْفَلَ بْنَ الحارِثِ، وعَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ، وحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو. قالَ: ما ذاكَ عِنْدِي يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَأيْنَ المالُ الَّذِي دَفَنْتَ أنْتَ وأُمُّ الفَضْلِ؟ فَقُلْتَ لَها: إنْ أُصِبْتُ فَهَذا المالُ لِبَنِيِّ. فَقالَ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ ما عَلِمَهُ غَيْرِي وغَيْرُها، فاحْسُبْ لِي ما أصَبْتُمْ مِنِّي عِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِن مالٍ كانَ مَعِي. فَقالَ: أفْعَلُ. فَفَدى نَفْسَهُ وابْنَيْ أخَوَيْهِ وحَلِيفَهُ، ونَزَلَتْ: ( ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ ) . فَأعْطانِي مَكانَ العِشْرِينَ أُوقِيَّةً في الإسْلامِ عِشْرِينَ عَبْدًا، كُلُّهم في يَدِهِ مالٌ يَضْرِبُ بِهِ مَعَ ما أرْجُو مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُوسى، «أنَّ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ، بَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ بِثَمانِينَ ألْفًا، فَما أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مالٌ أكْثَرُ مِنهُ، فَنُثِرَ عَلى حَصِيرٍ، وجاءَ النّاسُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِيهِمْ، وما كانَ يَوْمَئِذٍ عَدَدٌ ولا وزْنٌ، فَجاءَ العَبّاسُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أعْطَيْتُ فِدائِي وفِداءَ عَقِيلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، أعْطِنِي مِن هَذا المالِ. فَقالَ: خُذْ. فَحَثى في خَمِيصَتِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يَنْصَرِفُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَرَفَعَ رَأسَهُ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ارْفَعْ عَلَيَّ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو يَقُولُ: أمّا (p-٢١٠)أحَدُ ما وعَدَ اللَّهُ فَقَدْ أُنْجِزَ ولا أدْرِي الأُخْرى»: ( قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأُسارى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم «) . هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي ولا أدْرِي ما يُصْنَعُ في المَغْفِرَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أسَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ مِنهُمُ العَبّاسُ وعَقِيلٌ، فَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الفِداءَ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وجَعَلَ عَلى العَبّاسِ مِائَةَ أُوقِيَّةٍ، وعَلى عَقِيلٍ ثَمانِينَ أُوقِيَّةً، فَقالَ العَبّاسُ: لَقَدْ تَرَكْتَنِي فَقِيرَ قُرَيْشٍ ما بَقِيتُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ قالَ العَبّاسُ حِينَ نَزَلَتْ: لَوَدِدْتُ أنَّكَ كُنْتَ أخَذْتَ مِنِّي أضْعافَها فَآتانِي اللَّهُ خَيْرًا مِنها» .
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في ”مُسْنَدِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ( ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ ) . وكانَ العَبّاسُ يَقُولُ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِينَ أخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإسْلامِي فَسَألْتُهُ أنْ يُحاسِبَنِي بِالعِشْرِينِ أُوقِيَّةً الَّتِي أُخِذَتْ مِنِّي يَوْمَ بَدْرٍ، فَأبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأعْطانِي اللَّهُ بِالعِشْرِينِ أُوقِيَّةً عِشْرِينَ عَبْدًا (p-٢١١)كُلُّهم يَضْرِبُ بِمالِي مَعَ ما أرْجُو مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقُ، وأبُو نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئابٍ قالَ: «قالَ العَبّاسُ فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ( ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ ) حِينَ ذَكَرْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إسْلامِي، وسَألْتُهُ أنْ يُقاصَّنِي بِالعِشْرِينِ أُوقِيَّةً الَّتِي أُخِذَتْ مِنِّي فَأبى، فَعَوَّضَنِي اللَّهُ مِنها عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهم تاجِرٌ يَضْرِبُ بِمالِي مَعَ ما أرْجُو مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ومَغْفِرَتِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ العَبّاسُ قَدْ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فافْتَدى نَفْسَهُ بِأرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، فَقالَ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ لَقَدْ أعْطانِي خَصْلَتَيْنِ، ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِهِما الدُّنْيا؛ إنِّي أُسِرْتُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَفَدَيْتُ نَفْسِي بِأرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَأعْطانِي اللَّهُ أرْبَعِينَ عَبْدًا، وإنِّي أرْجُو المَغْفِرَةَ الَّتِي وعَدَنا اللَّهُ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ ) . (p-٢١٢)قالَ: عَبّاسٌ وأصْحابُهُ، قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: آمَنّا بِما جِئْتَ بِهِ ونَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَنَزَلَ: ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾؛ إيمانًا وتَصْدِيقًا، يُخْلِفْ لَكم خَيْرًا مِمّا أُصِيبَ مِنكُمْ، ويَغْفِرْ لَكُمُ الشِّرْكَ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ. فَكانَ عَبّاسٌ يَقُولُ: ما أحِبُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ فِينا وأنَّ لِي ما في الدُّنْيا مِن شَيْءٍ، فَلَقَدْ أعْطانِي اللَّهُ خَيْرًا مِمّا أخَذَ مِنِّي مِائَةَ ضِعْفٍ، وأرْجُو أنْ يَكُونَ غَفَرَ لِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ ) الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ؛ مِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ونَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ، وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ.
الأنفال 8:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾: إنْ كانَ قَوْلُهم كَذِبًا، ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ فَقَدْ كَفَرُوا وقاتَلُوكَ فَأمْكَنَكَ مِنهم.
الأنفال 8:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ثَلاثِ مَنازِلَ؛ مِنهُمُ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ المُبايِنُ لِقَوْمِهِ في الهِجْرَةِ، خَرَجَ إلى قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ في دِيارِهِمْ وعَقارِهِمْ وأمْوالِهِمْ. وفي (p-٢١٣)قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ قالَ: آوَوْا ونَصَرُوا وأعْلَنُوا ما أعْلَنَ أهْلُ الهِجْرَةِ، وشَهَرُوا السُّيُوفَ عَلى مَن كَذَّبَ وجَحَدَ، فَهَذانِ مُؤْمِنانِ، جَعَلَ اللَّهُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ قالَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بَيْنَهم إذا تُوُفِّيَ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ بِالوَلايَةِ في الدِّينِ، وكانَ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لا يَرِثُ مِن أجْلِ أنَّهُ لَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ، فَبَوَّأ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ مِن مِيراثِهِمْ، وهي الوَلايَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ وكانَ حَقًّا عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا إذا اسْتَنْصَرُوهم في الدِّينِ أنْ يَنْصُرُوهم إنْ قُوتِلُوا، إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوا عَلى قَوْمٍ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِيثاقٌ، ولا نَصْرَ لَهم عَلَيْهِمْ، إلّا عَلى العَدُوِّ الَّذِي لا مِيثاقَ لَهُمْ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ أنْ ألْحِقْ كُلَّ ذِي رَحِمٍ بِرَحِمِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا، فَجَعَلَ لِكُلِّ إنْسانٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا لِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥] وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخى بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَآخى بَيْنَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وبَيْنَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وبَيْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ومُعاذِ ابْنِ عَفْراءَ، وبَيْنَ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وبَيْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وقالَ لِسائِرِ أصْحابِهِ: تَآخَوْا وهَذا أخِي. يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ. قالَ: فَأقامَ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ ”الأنْفالِ“ وكانَ مِمّا شَدَّدَ اللَّهُ بِهِ عَقْدَ نَبِيِّهِ ﷺ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] (p-٢١٤)فَأحْكَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآياتِ العَقْدَ الَّذِي عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أصْحابِهِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، يَتَوارَثُ الَّذِينَ تَآخَوْا دُونَ مَن كانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ مِن ذَوِي الأرْحامِ والقَراباتِ، فَمَكَثَ النّاسُ عَلى ذَلِكَ العَقْدِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ الأُخْرى فَنَسَخَتْ ما كانَ قَبْلَها، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ﴾ [الأنفال: ٧٥] والقَراباتِ، ورَجَعَ كُلُّ رَجُلٍ إلى نَسَبِهِ ورَحِمِهِ وانْقَطَعَتْ تِلْكَ الوِراثَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ يَعْنِي: في المِيراثِ؛ جَعَلَ اللَّهُ المِيراثَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ دُونَ الأرْحامِ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ما لَكم مِن مِيراثِهِمْ شَيْءٌ حَتّى يُهاجِرُوا ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ﴾ يَعْنِي: إنِ اسْتَنْصَرَ الأعْرابُ المُسْلِمُونَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى عَدُوٍّ لَهُمْ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَنْصُرُوهُمْ، ﴿إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ فَكانُوا يَعْمَلُونَ عَلى ذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] فَنَسَخَتِ الَّتِي قَبْلَها، وصارَتِ (p-٢١٥)المَوارِيثُ لِذَوِي الأرْحامِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ قالَ: كانَ المُهاجِرُ لا يَتَوَلّى الأعْرابِيَّ ولا يَرِثُهُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ، فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ قالَ: لُبِثَ بُرْهَةٌ والأعْرابِيُّ لا يَرِثُ المُهاجِرَ، ولا المُهاجِرُ يَرِثُ الأعْرابِيَّ، حَتّى فُتِحَتْ مَكَّةُ ودَخَلَ النّاسُ في الدِّينِ أفْواجًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَوارَثَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ، فَكانَ لا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُسْلِمُ مِنَ المُهاجِرِ المُسْلِمِ (p-٢١٦)شَيْئًا حَتّى نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ في سُورَةِ الأحْزابِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] فَخَلَطَ اللَّهُ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، وصارَتِ المَوارِيثُ بِالمِلَلِ.
وأخْرُجُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا بَعَثَ أمِيرًا عَلى سَرِيَّةٍ أوْ جَيْشٍ، أوْصاهُ في خاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوى اللَّهِ وبِمَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا وقالَ: اغْزُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، قاتِلُوا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، إذا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهم إلى إحْدى ثَلاثِ خِصالٍ، فَأيَّتُهُنَّ ما أجابُوكَ إلَيْها فاقْبَلْ مِنهم وكُفَّ عَنْهُمُ؛ ادْعُهم إلى الإسْلامِ فَإنْ أجابُوكَ فاقْبَلْ مِنهم وكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهم إلى التَّحَوُّلِ مِن دارِهِمْ إلى دارِ المُهاجِرِينَ، وأعْلِمْهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أنَّ لَهم ما لِلْمُهاجِرِينَ وأنَّ عَلَيْهِمْ ما عَلى المُهاجِرِينَ، فَإنْ أبَوْا واخْتارُوا دارَهم فَأعْلِمْهم أنَّهم يَكُونُونَ كَأعْرابِ المُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُؤْمِنِينَ، ولا يَكُونُ لَهم في الفَيْءِ والغَنِيمَةِ نَصِيبٌ، إلّا أنْ يُجاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ هم أبَوْا فادْعُهم إلى إعْطاءِ الجِزْيَةِ، فَإنْ أجابُوا فاقْبَلْ مِنهم وكُفَّ عَنْهُمْ، فَإنْ أبَوْا فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ثُمَّ قاتِلْهم» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ (p-٢١٧)النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «جاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم وألْسِنَتِكم» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ قالَ: نُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ أهْلِ مِيثاقِهِمْ، فَواللَّهِ لَأخُوكَ المُسْلِمُ أعْظَمُ عَلَيْكَ حُرْمَةً وحَقًّا.
الأنفال 8:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ . الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ – وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنُوَرِّثَنَّ ذَوِي القُرْبى مِنّا مِنَ المُشْرِكِينَ. فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في مَوارِيثِ مُشْرِكِي أهْلِ العَرَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ يَعْنِي: في المَوارِيثِ، ﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ (p-٢١٨)يَقُولُ: إلّا تَأْخُذُوا في المِيراثِ بِما أمَرْتُكم بِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُهاجِرُونَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والطُّلَقاءُ مِن قُرَيْشٍ والعُتَقاءُ مِن ثَقِيفَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي أُسامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ، ولا يَرِثُ مُسْلِمٌ كافِرًا، ولا كافِرٌ مُسْلِمًا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال»: ٧٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا جاءَكم مَن تَرْضَوْنَ أمانَتَهُ وخُلُقَهُ فَأنْكِحُوهُ كائِنًا ما (p-٢١٩)كانَ، فَإلّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ» .
الأنفال 8:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ يَوْمَ تُوُفِّيَ عَلى أرْبَعَةِ مَنازِلَ؛ مُؤْمِنٍ مُهاجِرٍ، والأنْصارِ، وأعْرابِيٍّ مُؤْمِنٍ لَمْ يُهاجِرْ، إنِ اسْتَنْصَرَهُ النَّبِيُّ نَصَرَهُ وإنْ تَرَكَهُ فَهو إذْنٌ لَهُ، وإنِ اسْتَنْصَرُوا النَّبِيَّ ﷺ كانَ حَقًّا عَلَيْهِ أنْ يَنْصُرَهُمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] والرّابِعَةِ؛ التّابِعِينَ بِإحْسانٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ فِينا خاصَّةً مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والأنْصارِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ أنّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ قَدِمْنا ولا أمْوالَ لَنا، فَوَجَدْنا الأنْصارَ نِعْمَ الإخْوانُ، فَواخَيْناهم ووارَثْناهُمْ، فَآخى أبُو بَكْرٍ خارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ، وآخى عُمَرُ فُلانًا، وآخى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَجُلًا مِن بَنِي زُرَيْقِ بْنِ سَعْدٍ الزُّرَّقِيِّ. قالَ الزُّبَيْرُ: وواخَيْتُ أنا كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، ووارَثُونا (p-٢٢٠)ووارَثْناهُمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قِيلَ لِي: قُتِلَ أخُوكَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ. فَجِئْتُهُ فانْتَقَلْتُهُ، فَوَجَدْتُ السِّلاحَ قَدْ ثَقَلَهُ فِيما نَرى، فَواللَّهِ يا بُنَيَّ لَوْ ماتَ يَوْمَئِذٍ عَنِ الدُّنْيا ما ورِثَهُ غَيْرِي، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فِينا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ والأنْصارِ خاصَّةً، فَرَجَعْنا إلى مَوارِيثِنا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أنَّهُ كَتَبَ إلى شُرَيْحٍ القاضِي: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُعاقِدُ الرَّجُلَ، يَقُولُ: تَرِثُنِي وأرِثُكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ تُرِكَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لا يُوَرِّثُ المَوالِيَ دُونَ ذَوِي الأرْحامِ، ويَقُولُ: إنَّ ذَوِي الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ! أيْنَ ذَهَبَ؟! إنَّما كانَ المُهاجِرُونَ يَتَوارَثُونَ دُونَ الأعْرابِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ يُوَرِّثُ المَوْلى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ قالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما كانَ قَبْلَها مِن مَوارِيثِ العَقْدِ والحِلْفِ والمَوارِيثِ بِالهِجْرَةِ، وصارَتْ لِذَوِي الأرْحامِ. قالَ: والوالِدُ (p-٢٢١)أوْلى مِنَ الأخِ، والأخُ والأُخْتُ أوْلى مِنِ ابْنِ الأخِ، وابْنُ الأخِ أوْلى مِنَ العَمِّ، والعَمُّ أوْلى مِنِ ابْنِ العَمِّ، وابْنُ العَمِّ أوْلى مِنَ الخالِ ولَيْسَ لِلْخالِ ولا العَمَّةِ ولا الخالَةِ مِنَ المِيراثِ نَصِيبٌ في قَوْلِ زَيْدٍ، وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يُعْطِي ثُلْثَيِ المالِ لِلْعَمَّةِ، والثُّلُثَ لِلْخالَةِ، إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ، وكانَ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ يَرُدّانِ ما فَضَلَ مِنَ المِيراثِ عَلى ذَوِي الأرْحامِ، عَلى قَدْرِ سُهْمانِهِمْ، غَيْرَ الزَّوْجِ والمَرْأةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ لا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَوارَثَ المُسْلِمُونَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ بِالهِجْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «آخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أصْحابِهِ، ووَرَّثَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ فَتَرَكُوا ذَلِكَ وتَوارَثُوا بِالنَّسَبِ» .
(p-٢٢٢)