Lafzullah

Al-Durr Al-Manthur — التوبة 9:1 – التوبة 9:75

المؤلف / المصدر: Al-Durr Al-Manthur

المحتويات
  1. التوبة 9:1
  2. التوبة 9:2
  3. التوبة 9:3
  4. التوبة 9:4
  5. التوبة 9:5
  6. التوبة 9:6
  7. التوبة 9:7
  8. التوبة 9:8
  9. التوبة 9:9
  10. التوبة 9:11
  11. التوبة 9:12
  12. التوبة 9:13
  13. التوبة 9:14
  14. التوبة 9:15
  15. التوبة 9:16
  16. التوبة 9:17
  17. التوبة 9:18
  18. التوبة 9:19
  19. التوبة 9:20
  20. التوبة 9:21
  21. التوبة 9:23
  22. التوبة 9:24
  23. التوبة 9:25
  24. التوبة 9:26
  25. التوبة 9:27
  26. التوبة 9:28
  27. التوبة 9:29
  28. التوبة 9:30
  29. التوبة 9:31
  30. التوبة 9:32
  31. التوبة 9:33
  32. التوبة 9:34
  33. التوبة 9:35
  34. التوبة 9:36
  35. التوبة 9:37
  36. التوبة 9:38
  37. التوبة 9:39
  38. التوبة 9:40
  39. التوبة 9:41
  40. التوبة 9:42
  41. التوبة 9:43
  42. التوبة 9:44
  43. التوبة 9:46
  44. التوبة 9:47
  45. التوبة 9:48
  46. التوبة 9:49
  47. التوبة 9:50
  48. التوبة 9:51
  49. التوبة 9:52
  50. التوبة 9:53
  51. التوبة 9:55
  52. التوبة 9:56
  53. التوبة 9:57
  54. التوبة 9:58
  55. التوبة 9:60
  56. التوبة 9:61
  57. التوبة 9:62
  58. التوبة 9:63
  59. التوبة 9:64
  60. التوبة 9:65
  61. التوبة 9:66
  62. التوبة 9:67
  63. التوبة 9:68
  64. التوبة 9:69
  65. التوبة 9:70
  66. التوبة 9:71
  67. التوبة 9:72
  68. التوبة 9:73
  69. التوبة 9:74
  70. التوبة 9:75

التوبة 9:1

سُورَةُ بَراءَةَ. أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ”بَراءَةُ“ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ بَراءَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِمّا نَزَلَ في المَدِينَةِ بَراءَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي داوُدَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ مَعًا في ”المَصاحِفِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما حَمَلَكم أنْ عَمَدْتُمْ إلى ”الأنْفالِ“ وهي مِنَ المَثانِي وإلى ”بَراءَةَ“ وهي مِنِ المِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما ولَمْ تَكْتُبُوا سَطْرَ ﷽ ووَضَعْتُمُوها في السَّبْعِ الطِّوالِ، ما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ؟ فَقالَ عُثْمانُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمانُ وهو يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَواتُ العَدَدِ، فَكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعا بَعْضَ مَن كانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلاءِ الآياتِ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا. وكانَتِ ”الأنْفالُ“ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وكانَتْ ”بَراءَةُ“ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً (p-٢٢٣)بِقِصَّتِها، فَظَنَنْتُ أنَّها مِنها، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُما ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ: ﷽. ووَضَعْتُهُما في السَّبْعِ الطِّوالِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ البَراءِ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ تامَّةً ”بَراءَةُ“ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي رَجاءٍ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنِ ”الأنْفالِ“ و”بَراءَةَ“ أسُورَتانِ أوْ سُورَةٌ؟ قالَ: سُورَتانِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي رَوْقٍ قالَ: ”الأنْفالُ“ و”بَراءَةُ“ سُورَةٌ واحِدَةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“ «عَنْ عُثْمانَ قالَ: كانَتِ الأنْفالُ و”بَراءَةُ“ تُدْعَيانِ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القَرِينَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ جَعَلْتُهُما في (p-٢٢٤)السَّبْعِ الطِّوالِ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“ عَنْ عَسْعَسِ بْنِ سَلامَةَ «قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما بالُ ”الأنْفالِ“ و”بَراءَةَ“ لَيْسَ بَيْنَهُما: ﷽؟ قالَ: كانَتْ تَنْزِلُ السُّورَةُ، فَلا تَزالُ تُكْتَبُ حَتّى تَنْزِلَ: ﷽، فَإذا جاءَتْ: ﷽ كُتِبَتْ سُورَةٌ أُخْرى، فَنَزَلَتِ ”الأنْفالُ“ ولَمْ تُكْتَبْ: ﷽» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُنافِقُ لا يَحْفَظُ سُورَةَ ”هُودٍ“ و”بَراءَةَ“ و”يس“ و”الدُّخانِ“ و”عَمَّ يَتَساءَلُونَ“» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنْ أبِي عَطِيَّةَ الهَمْدانِيِّ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: تَعَلَّمُوا سُورَةَ ”بَراءَةَ“ وعَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ ”النُّورِ“ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: الَّتِي تُسَمُّونَ سُورَةَ التَّوْبَةِ هي سُورَةُ العَذابِ، (p-٢٢٥)واللَّهِ ما تَرَكَتْ أحَدًا إلّا نالَتْ مِنهُ، ولا تَقْرَءُونَ مِنها مِمّا كُنّا نَقْرَأُ إلّا رُبُعَها. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ حُذَيْفَةَ في ”بَراءَةَ“ يُسَمُّونَها سُورَةَ ”التَّوْبَةِ“ وهي سُورَةُ العَذابِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ ”التَّوْبَةِ“ . قالَ: التَّوْبَةُ! بَلْ هي ”الفاضِحَةُ“، ما زالَتْ تَنْزِلُ ”ومِنهُمْ“، و”مِنهُمْ“، حَتّى ظَنَنّا ألّا يَبْقى مِنّا أحَدٌ إلّا ذُكِرَ فِيها. وأخْرَجَ أبُو عَوانَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ عُمَرَ قِيلَ لَهُ: سُورَةُ ”التَّوْبَةِ“ . قالَ: هي إلى العَذابِ أقْرَبُ، ما أقْلَعَتْ عَنِ النّاسِ حَتّى ما كادَتْ تَدَعُ مِنهم أحَدًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ عُمَرُ: ما فُرِغَ مِن تَنْزِيلِ ”بَراءَةَ“ حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا سَيَنْزِلُ فِيهِ، وكانَتْ تُسَمّى ”الفاضِحَةَ“ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، أنْ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: سُورَةُ ”التَّوْبَةِ“ . فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وأيَّتُهُنَّ سُورَةُ ”التَّوْبَةِ“: فَقالَ: ”بَراءَةُ“، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وهَلْ فَعَلَ بِالنّاسِ الأفاعِيلَ إلّا هي ما كُنّا نَدْعُوها إلّا المُقَشْقِشَةَ. (p-٢٢٦)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كانَتْ ”بَراءَةُ“ تُسَمّى ”المُنَقِّرَةَ“؛ نَقَّرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: ما تَقْرَءُونَ ثُلُثَها يَعْنِي سُورَةَ ”التَّوْبَةِ“ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يُسَمُّونَها سُورَةَ ”التَّوْبَةِ“، وإنَّها لَسُورَةُ عَذابٍ. يَعْنِي ”بَراءَةَ“ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: كانَتْ ”بَراءَةُ“ تُسَمّى في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ ”المُبَعْثِرَةَ“؛ لِما كَشَفَتْ مِن سَرائِرِ النّاسِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسْتُ قَرِيبًا مِن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَقَرَأ النَّبِيُّ ﷺ سُورَةَ ”بَراءَةَ“، فَقُلْتُ لِأُبَيٍّ: مَتى نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ؟ فَلَمْ يُكَلِّمْنِي، فَلَمّا قَضى النَّبِيُّ ﷺ صَلاتَهُ قُلْتُ لِأُبَيٍّ: سَألْتُكَ فَتَجَهَّمْتَنِي ولَمْ تُكَلِّمْنِي! فَقالَ أُبَيٌّ: ما لَكَ مِن صَلاتِكَ إلّا ما لَغَوْتَ. فَذَهَبْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: صَدَقَ أُبَيٌّ» . (p-٢٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، «أنَّ أبا ذَرٍّ والزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ سَمِعَ أحَدُهُما مِنَ النَّبِيِّ ﷺ آيَةً يَقْرَأُها وهو عَلى المِنبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقالَ لِصاحِبِهِ: مَتى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؟ فَلَمّا قَضى صَلاتَهُ قالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لا جُمُعَةَ لَكَ. فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: صَدَقَ عُمَرُ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ وضَعَّفَهُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ ”بَراءَةَ“ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بُعِثْتُ بِمُداراةِ النّاسِ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ: لِمَ لَمْ تُكْتَبْ في ”بَراءَةَ“: ﷽؟ قالَ: لِأنَّ ﷽ أمانٌ، و”بَراءَةُ“ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، «عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ إلى أهْلِ العَهْدِ؛ خُزاعَةَ ومُدْلِجٍ، ومَن كانَ لَهُ عَهْدٌ، وغَيْرِهِمْ، أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن تَبُوكَ حِينَ فَرَغَ مِنها، فَأرادَ الحَجَّ، ثُمَّ قالَ: إنَّهُ يَحْضُرُ البَيْتَ مُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ عُراةً، فَلا أُحِبُّ أنْ أحُجَّ حَتّى لا يَكُونَ ذَلِكَ. فَأرْسَلَ أبا بَكْرٍ وعَلِيًّا، فَطافا في النّاسِ بِذِي المَجازِ، وبِأمْكِنَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَبِيعُونَ بِها، وبِالمَوْسِمِ كُلِّهِ، فَآذَنُوا أصْحابَ العَهْدِ أنْ يَأْمَنُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وهي الأشْهُرُ الحُرُمُ المُنْسَلِخاتُ المُتَوالِياتُ؛ (p-٢٢٨)عِشْرُونَ مِن آخِرِ ذِي الحِجَّةِ إلى عَشْرٍ تَخْلُو مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، ثُمَّ لا عَهْدَ لَهُمْ، وآذَنَ النّاسَ كُلَّهم بِالقِتالِ إلى أنْ يَمُوتُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في زَوائِدِ ”المُسْنَدِ“، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَشْرُ آياتٍ مِن ”بَراءَةَ“ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، دَعا أبا بَكْرٍ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ دَعانِي فَقالَ لِي: أدْرِكْ أبا بَكْرٍ، فَحَيْثُما لَقِيتَهُ فَخُذِ الكِتابَ مِنهُ، فاقْرَأْهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ. فَلَحِقْتُهُ فَأخَذْتُ الكِتابَ مِنهُ، ورَجَعَ أبُو بَكْرٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قالَ: لا ولَكِنَّ جِبْرِيلَ جاءَنِي فَقالَ: لَنْ يُؤَدِّيَ عَنْكَ إلّا أنْتَ أوْ رَجُلٌ مِنكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بِـ ”بَراءَةَ“ مَعَ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ دَعاهُ فَقالَ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُبَلِّغَ هَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِي. فَدَعا عَلِيًّا فَأعْطاهُ إيّاهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا بَكْرٍ بِـ ”بَراءَةَ“ إلى أهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا عَلى أثَرِهِ، فَأخَذَها مِنهُ، فَكَأنَّ أبا بَكْرٍ وجَدَ في نَفْسِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ إنَّهُ لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا أنا أوْ رَجُلٌ مِنِّي» . (p-٢٢٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا بِأرْبَعٍ: لا يَطُوفَنَّ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَجْتَمِعُ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ بَعْدَ عامِهِمْ، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَهو إلى عَهْدِهِ، وأنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِـ ”بَراءَةَ“، فَكُنّا نُنادِي: إنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَإنَّ أجَلَهُ - أوْ أمَدَهُ - إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإذا مَضَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرِ، فَإنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ، ولا يَحُجُّ هَذا البَيْتَ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ أبا بَكْرٍ أمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِـ ”بَراءَةَ“ في حِجَّةِ أبِي بَكْرٍ بِمَكَّةَ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ أتْبَعَنا النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا، أمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِـ ”بَراءَةَ“، وأبُو بَكْرٍ عَلى المَوْسِمِ كَما هو - أوْ قالَ: عَلى هَيْئَتِهِ» . (p-٢٣٠)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا بَكْرٍ بِسُورَةِ ”التَّوْبَةِ“، وبَعَثَ عَلِيًّا عَلى أثَرِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا عَلِيُّ، لَعَلَّ اللَّهَ ونَبِيَّهُ سَخِطا عَلَيَّ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: لا، ولَكِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا يَنْبَغِي أنْ يُبَلِّغَ عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ أبا بَكْرٍ عَلى الحَجِّ، ثُمَّ أرْسَلَ عَلِيًّا بِـ ”بَراءَةَ“ عَلى أثَرِهِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ العامَ المُقْبِلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَتُوُفِّيَ، فَوَلِيَ أبُو بَكْرٍ فاسْتَعْمَلَ عُمَرَ عَلى الحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ أبُو بَكْرٍ قابِلَ، ثُمَّ ماتَ ثُمَّ ولِيَ عُمَرُ فاسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عَلى الحَجِّ، ثُمَّ كانَ يَحُجُّ بَعْدَ ذَلِكَ هو حَتّى ماتَ، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ فاسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عَلى الحَجِّ، ثُمَّ كانَ يَحُجُّ هو حَتّى قُتِلَ» . وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ يُؤَدِّي عَنْهُ ”بَراءَةَ“، فَلَمّا أرْسَلَهُ بَعَثَ إلى عَلِيٍّ فَقالَ: يا عَلِيُّ، إنَّهُ لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا أنا أوْ أنْتَ. فَحَمَلَهُ عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ، فَسارَ حَتّى لَحِقَ أبا بَكْرٍ، فَأخَذَ مِنهُ ”بَراءَةَ“، فَأتى أبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ ﷺ وقَدْ دَخَلَهُ مِن ذَلِكَ؛ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ قَدْ أُنْزِلَ فِيهِ شَيْءٌ، فَلَمّا أتاهُ قالَ: ما لِي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: خَيْرٌ، أنْتَ أخِي وصاحِبِي في الغارِ، وأنْتَ مَعِي عَلى الحَوْضِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي، أوْ رَجُلٌ مِنِّي» . (p-٢٣١)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ بِـ ”بَراءَةَ“ إلى المَوْسِمِ، فَأتى جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَها عَنْكَ إلّا أنْتَ أوْ رَجُلٌ مِنكَ. فَبَعَثَ عَلِيًّا في أثَرِهِ، حَتّى لَحِقَهُ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، فَأخَذَها فَقَرَأها عَلى النّاسِ في المَوْسِمِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ في تِلْكَ الحِجَّةِ في مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهم يَوْمَ النَّحْرِ، يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى ألّا يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ثُمَّ أرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِـ ”بَراءَةَ“، فَأذَّنَ مَعَنا عَلِيٌّ في أهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِـ ”بَراءَةَ“ ألّا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا بَكْرٍ، وأمَرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيًّا، وأمَرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ، فانْطَلَقا فَحَجّا فَقامَ عَلِيٌّ في أيّامِ التَّشْرِيقِ فَنادى: إنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ، فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ولا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَنَّ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ. فَكانَ عَلِيٌّ (p-٢٣٢)يُنادِي، فَإذا أعْيا قامَ أبُو بَكْرٍ فَنادى بِها» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ قالَ: «سَألْنا عَلِيًّا: بِأيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ مَعَ أبِي بَكْرٍ في الحَجِّ؟ قالَ: بُعِثْتُ بِأرْبَعٍ؛ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَجْتَمِعُ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ بَعْدَ عامِهِ هَذا، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إلى مُدَّتِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ» . وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، والدّارِمِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ جابِرٍ، «أنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ أبا بَكْرٍ عَلى الحَجِّ، ثُمَّ أرْسَلَ عَلِيًّا بِـ ”بَراءَةَ“، فَقَرَأها عَلى النّاسِ في مَوْقِفِ الحَجِّ، حَتّى خَتَمَها» . (p-٢٣٣)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «بَعْثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ أمِيرًا عَلى النّاسِ سَنَةَ تِسْعٍ، وكَتَبَ لَهُ سُنَنَ الحَجِّ، وبَعَثَ مَعَهُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ بِآياتٍ مِن ”بَراءَةَ“، فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِمَكَّةَ، وبِمِنًى، وبِعَرَفَةَ، وبِالمَشاعِرِ كُلِّها، بِأنَّهُ بَرِئَتْ ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ مَن كُلِّ مُشْرِكٍ حَجَّ بَعْدَ العامِ، أوْ طافَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، وأجَّلَ مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وسارَ عَلِيٌّ عَلى راحِلَتِهِ في النّاسِ كُلِّهِمْ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وقَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] الآيَةَ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَمَنِ بِـ ”بَراءَةَ“، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَبْعَثُنِي وأنا غُلامٌ حَدِيثُ السِّنِّ، وأُسْألُ عَنِ القَضاءِ ولا أدْرِي ما أُجِيبُ؟! قالَ: ما بُدٌّ مِن أنْ تَذْهَبَ بِها أوْ أذْهَبَ بِها. قُلْتُ: إنْ كانَ لا بُدَّ فَأنا أذْهَبُ. قالَ: انْطَلِقْ فَإنَّ اللَّهَ يُثَبِّتُ لِسانَكَ ويَهْدِي قَلْبَكَ. ثُمَّ قالَ: انْطَلِقْ فاقْرَأْها عَلى النّاسِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: حَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينِ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِيها حَيْثُ شاؤُوا، وحَدَّ أجَلَ مَن لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ انْسِلاخَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ (p-٢٣٢)الحُرُمِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ إلى انْسِلاخِ المُحَرَّمِ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ أمَرَهُ أنْ يَضَعَ السَّيْفَ في مَن عاهَدَ إنْ لَمْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، ونَقَضَ ما سَمّى لَهم مِنَ العَهْدِ والمِيثاقِ، وأذْهَبَ المِيثاقَ، وأذْهَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [التوبة: ٧] يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ لِقَوْمٍ عُهُودٌ، فَأمَرَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُؤَجِّلَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِيها، ولا عَهْدَ لَهم بَعْدَها، وأبْطَلَ ما بَعْدَها، وكانَ قَوْمٌ لا عُهُودَ لَهُمْ، فَأجَّلَهم خَمْسِينَ يَوْمًا؛ عِشْرِينَ مِن ذِي الحَجَّةِ، والمُحَرَّمَ كُلَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قالَ: ولَمْ يُعاهِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أحَدًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قالَ: بَرِئَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن عُهُودِهِمْ كَما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في شَوّالٍ، فَهي الأرْبَعَةُ أشْهُرٍ، شَوّالٌ وذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ. (p-٢٣٥)

التوبة 9:2

سُورَةُ بَراءَةَ. أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ”بَراءَةُ“ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ بَراءَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مِمّا نَزَلَ في المَدِينَةِ بَراءَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي داوُدَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ مَعًا في ”المَصاحِفِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما حَمَلَكم أنْ عَمَدْتُمْ إلى ”الأنْفالِ“ وهي مِنَ المَثانِي وإلى ”بَراءَةَ“ وهي مِنِ المِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما ولَمْ تَكْتُبُوا سَطْرَ ﷽ ووَضَعْتُمُوها في السَّبْعِ الطِّوالِ، ما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ؟ فَقالَ عُثْمانُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمانُ وهو يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَواتُ العَدَدِ، فَكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعا بَعْضَ مَن كانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلاءِ الآياتِ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا. وكانَتِ ”الأنْفالُ“ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وكانَتْ ”بَراءَةُ“ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً (p-٢٢٣)بِقِصَّتِها، فَظَنَنْتُ أنَّها مِنها، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُما ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ: ﷽. ووَضَعْتُهُما في السَّبْعِ الطِّوالِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ البَراءِ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ تامَّةً ”بَراءَةُ“ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي رَجاءٍ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنِ ”الأنْفالِ“ و”بَراءَةَ“ أسُورَتانِ أوْ سُورَةٌ؟ قالَ: سُورَتانِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي رَوْقٍ قالَ: ”الأنْفالُ“ و”بَراءَةُ“ سُورَةٌ واحِدَةٌ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“ «عَنْ عُثْمانَ قالَ: كانَتِ الأنْفالُ و”بَراءَةُ“ تُدْعَيانِ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القَرِينَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ جَعَلْتُهُما في (p-٢٢٤)السَّبْعِ الطِّوالِ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“ عَنْ عَسْعَسِ بْنِ سَلامَةَ «قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما بالُ ”الأنْفالِ“ و”بَراءَةَ“ لَيْسَ بَيْنَهُما: ﷽؟ قالَ: كانَتْ تَنْزِلُ السُّورَةُ، فَلا تَزالُ تُكْتَبُ حَتّى تَنْزِلَ: ﷽، فَإذا جاءَتْ: ﷽ كُتِبَتْ سُورَةٌ أُخْرى، فَنَزَلَتِ ”الأنْفالُ“ ولَمْ تُكْتَبْ: ﷽» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُنافِقُ لا يَحْفَظُ سُورَةَ ”هُودٍ“ و”بَراءَةَ“ و”يس“ و”الدُّخانِ“ و”عَمَّ يَتَساءَلُونَ“» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنْ أبِي عَطِيَّةَ الهَمْدانِيِّ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: تَعَلَّمُوا سُورَةَ ”بَراءَةَ“ وعَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ ”النُّورِ“ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: الَّتِي تُسَمُّونَ سُورَةَ التَّوْبَةِ هي سُورَةُ العَذابِ، (p-٢٢٥)واللَّهِ ما تَرَكَتْ أحَدًا إلّا نالَتْ مِنهُ، ولا تَقْرَءُونَ مِنها مِمّا كُنّا نَقْرَأُ إلّا رُبُعَها. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ حُذَيْفَةَ في ”بَراءَةَ“ يُسَمُّونَها سُورَةَ ”التَّوْبَةِ“ وهي سُورَةُ العَذابِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ ”التَّوْبَةِ“ . قالَ: التَّوْبَةُ! بَلْ هي ”الفاضِحَةُ“، ما زالَتْ تَنْزِلُ ”ومِنهُمْ“، و”مِنهُمْ“، حَتّى ظَنَنّا ألّا يَبْقى مِنّا أحَدٌ إلّا ذُكِرَ فِيها. وأخْرَجَ أبُو عَوانَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ عُمَرَ قِيلَ لَهُ: سُورَةُ ”التَّوْبَةِ“ . قالَ: هي إلى العَذابِ أقْرَبُ، ما أقْلَعَتْ عَنِ النّاسِ حَتّى ما كادَتْ تَدَعُ مِنهم أحَدًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ عُمَرُ: ما فُرِغَ مِن تَنْزِيلِ ”بَراءَةَ“ حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا سَيَنْزِلُ فِيهِ، وكانَتْ تُسَمّى ”الفاضِحَةَ“ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، أنْ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: سُورَةُ ”التَّوْبَةِ“ . فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وأيَّتُهُنَّ سُورَةُ ”التَّوْبَةِ“: فَقالَ: ”بَراءَةُ“، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وهَلْ فَعَلَ بِالنّاسِ الأفاعِيلَ إلّا هي ما كُنّا نَدْعُوها إلّا المُقَشْقِشَةَ. (p-٢٢٦)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كانَتْ ”بَراءَةُ“ تُسَمّى ”المُنَقِّرَةَ“؛ نَقَّرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: ما تَقْرَءُونَ ثُلُثَها يَعْنِي سُورَةَ ”التَّوْبَةِ“ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يُسَمُّونَها سُورَةَ ”التَّوْبَةِ“، وإنَّها لَسُورَةُ عَذابٍ. يَعْنِي ”بَراءَةَ“ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: كانَتْ ”بَراءَةُ“ تُسَمّى في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ ”المُبَعْثِرَةَ“؛ لِما كَشَفَتْ مِن سَرائِرِ النّاسِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسْتُ قَرِيبًا مِن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَقَرَأ النَّبِيُّ ﷺ سُورَةَ ”بَراءَةَ“، فَقُلْتُ لِأُبَيٍّ: مَتى نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ؟ فَلَمْ يُكَلِّمْنِي، فَلَمّا قَضى النَّبِيُّ ﷺ صَلاتَهُ قُلْتُ لِأُبَيٍّ: سَألْتُكَ فَتَجَهَّمْتَنِي ولَمْ تُكَلِّمْنِي! فَقالَ أُبَيٌّ: ما لَكَ مِن صَلاتِكَ إلّا ما لَغَوْتَ. فَذَهَبْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: صَدَقَ أُبَيٌّ» . (p-٢٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، «أنَّ أبا ذَرٍّ والزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ سَمِعَ أحَدُهُما مِنَ النَّبِيِّ ﷺ آيَةً يَقْرَأُها وهو عَلى المِنبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقالَ لِصاحِبِهِ: مَتى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؟ فَلَمّا قَضى صَلاتَهُ قالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لا جُمُعَةَ لَكَ. فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: صَدَقَ عُمَرُ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ وضَعَّفَهُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ ”بَراءَةَ“ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بُعِثْتُ بِمُداراةِ النّاسِ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ: لِمَ لَمْ تُكْتَبْ في ”بَراءَةَ“: ﷽؟ قالَ: لِأنَّ ﷽ أمانٌ، و”بَراءَةُ“ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، «عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ إلى أهْلِ العَهْدِ؛ خُزاعَةَ ومُدْلِجٍ، ومَن كانَ لَهُ عَهْدٌ، وغَيْرِهِمْ، أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن تَبُوكَ حِينَ فَرَغَ مِنها، فَأرادَ الحَجَّ، ثُمَّ قالَ: إنَّهُ يَحْضُرُ البَيْتَ مُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ عُراةً، فَلا أُحِبُّ أنْ أحُجَّ حَتّى لا يَكُونَ ذَلِكَ. فَأرْسَلَ أبا بَكْرٍ وعَلِيًّا، فَطافا في النّاسِ بِذِي المَجازِ، وبِأمْكِنَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَبِيعُونَ بِها، وبِالمَوْسِمِ كُلِّهِ، فَآذَنُوا أصْحابَ العَهْدِ أنْ يَأْمَنُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وهي الأشْهُرُ الحُرُمُ المُنْسَلِخاتُ المُتَوالِياتُ؛ (p-٢٢٨)عِشْرُونَ مِن آخِرِ ذِي الحِجَّةِ إلى عَشْرٍ تَخْلُو مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، ثُمَّ لا عَهْدَ لَهُمْ، وآذَنَ النّاسَ كُلَّهم بِالقِتالِ إلى أنْ يَمُوتُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في زَوائِدِ ”المُسْنَدِ“، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَشْرُ آياتٍ مِن ”بَراءَةَ“ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، دَعا أبا بَكْرٍ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ دَعانِي فَقالَ لِي: أدْرِكْ أبا بَكْرٍ، فَحَيْثُما لَقِيتَهُ فَخُذِ الكِتابَ مِنهُ، فاقْرَأْهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ. فَلَحِقْتُهُ فَأخَذْتُ الكِتابَ مِنهُ، ورَجَعَ أبُو بَكْرٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قالَ: لا ولَكِنَّ جِبْرِيلَ جاءَنِي فَقالَ: لَنْ يُؤَدِّيَ عَنْكَ إلّا أنْتَ أوْ رَجُلٌ مِنكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بِـ ”بَراءَةَ“ مَعَ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ دَعاهُ فَقالَ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُبَلِّغَ هَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِي. فَدَعا عَلِيًّا فَأعْطاهُ إيّاهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا بَكْرٍ بِـ ”بَراءَةَ“ إلى أهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا عَلى أثَرِهِ، فَأخَذَها مِنهُ، فَكَأنَّ أبا بَكْرٍ وجَدَ في نَفْسِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ إنَّهُ لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا أنا أوْ رَجُلٌ مِنِّي» . (p-٢٢٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا بِأرْبَعٍ: لا يَطُوفَنَّ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَجْتَمِعُ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ بَعْدَ عامِهِمْ، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَهو إلى عَهْدِهِ، وأنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِـ ”بَراءَةَ“، فَكُنّا نُنادِي: إنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَإنَّ أجَلَهُ - أوْ أمَدَهُ - إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإذا مَضَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرِ، فَإنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ، ولا يَحُجُّ هَذا البَيْتَ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ أبا بَكْرٍ أمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِـ ”بَراءَةَ“ في حِجَّةِ أبِي بَكْرٍ بِمَكَّةَ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ أتْبَعَنا النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا، أمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِـ ”بَراءَةَ“، وأبُو بَكْرٍ عَلى المَوْسِمِ كَما هو - أوْ قالَ: عَلى هَيْئَتِهِ» . (p-٢٣٠)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا بَكْرٍ بِسُورَةِ ”التَّوْبَةِ“، وبَعَثَ عَلِيًّا عَلى أثَرِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا عَلِيُّ، لَعَلَّ اللَّهَ ونَبِيَّهُ سَخِطا عَلَيَّ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: لا، ولَكِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا يَنْبَغِي أنْ يُبَلِّغَ عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ أبا بَكْرٍ عَلى الحَجِّ، ثُمَّ أرْسَلَ عَلِيًّا بِـ ”بَراءَةَ“ عَلى أثَرِهِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ العامَ المُقْبِلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَتُوُفِّيَ، فَوَلِيَ أبُو بَكْرٍ فاسْتَعْمَلَ عُمَرَ عَلى الحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ أبُو بَكْرٍ قابِلَ، ثُمَّ ماتَ ثُمَّ ولِيَ عُمَرُ فاسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عَلى الحَجِّ، ثُمَّ كانَ يَحُجُّ بَعْدَ ذَلِكَ هو حَتّى ماتَ، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ فاسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عَلى الحَجِّ، ثُمَّ كانَ يَحُجُّ هو حَتّى قُتِلَ» . وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ يُؤَدِّي عَنْهُ ”بَراءَةَ“، فَلَمّا أرْسَلَهُ بَعَثَ إلى عَلِيٍّ فَقالَ: يا عَلِيُّ، إنَّهُ لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا أنا أوْ أنْتَ. فَحَمَلَهُ عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ، فَسارَ حَتّى لَحِقَ أبا بَكْرٍ، فَأخَذَ مِنهُ ”بَراءَةَ“، فَأتى أبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ ﷺ وقَدْ دَخَلَهُ مِن ذَلِكَ؛ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ قَدْ أُنْزِلَ فِيهِ شَيْءٌ، فَلَمّا أتاهُ قالَ: ما لِي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: خَيْرٌ، أنْتَ أخِي وصاحِبِي في الغارِ، وأنْتَ مَعِي عَلى الحَوْضِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي، أوْ رَجُلٌ مِنِّي» . (p-٢٣١)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ بِـ ”بَراءَةَ“ إلى المَوْسِمِ، فَأتى جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَها عَنْكَ إلّا أنْتَ أوْ رَجُلٌ مِنكَ. فَبَعَثَ عَلِيًّا في أثَرِهِ، حَتّى لَحِقَهُ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، فَأخَذَها فَقَرَأها عَلى النّاسِ في المَوْسِمِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ في تِلْكَ الحِجَّةِ في مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهم يَوْمَ النَّحْرِ، يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى ألّا يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ثُمَّ أرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِـ ”بَراءَةَ“، فَأذَّنَ مَعَنا عَلِيٌّ في أهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِـ ”بَراءَةَ“ ألّا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا بَكْرٍ، وأمَرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيًّا، وأمَرَهُ أنْ يُنادِيَ بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ، فانْطَلَقا فَحَجّا فَقامَ عَلِيٌّ في أيّامِ التَّشْرِيقِ فَنادى: إنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ، فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ولا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَنَّ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ. فَكانَ عَلِيٌّ (p-٢٣٢)يُنادِي، فَإذا أعْيا قامَ أبُو بَكْرٍ فَنادى بِها» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ قالَ: «سَألْنا عَلِيًّا: بِأيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ مَعَ أبِي بَكْرٍ في الحَجِّ؟ قالَ: بُعِثْتُ بِأرْبَعٍ؛ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَجْتَمِعُ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ بَعْدَ عامِهِ هَذا، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إلى مُدَّتِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأجَلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ» . وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، والدّارِمِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ جابِرٍ، «أنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ أبا بَكْرٍ عَلى الحَجِّ، ثُمَّ أرْسَلَ عَلِيًّا بِـ ”بَراءَةَ“، فَقَرَأها عَلى النّاسِ في مَوْقِفِ الحَجِّ، حَتّى خَتَمَها» . (p-٢٣٣)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «بَعْثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ أمِيرًا عَلى النّاسِ سَنَةَ تِسْعٍ، وكَتَبَ لَهُ سُنَنَ الحَجِّ، وبَعَثَ مَعَهُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ بِآياتٍ مِن ”بَراءَةَ“، فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِمَكَّةَ، وبِمِنًى، وبِعَرَفَةَ، وبِالمَشاعِرِ كُلِّها، بِأنَّهُ بَرِئَتْ ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ مَن كُلِّ مُشْرِكٍ حَجَّ بَعْدَ العامِ، أوْ طافَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، وأجَّلَ مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وسارَ عَلِيٌّ عَلى راحِلَتِهِ في النّاسِ كُلِّهِمْ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وقَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] الآيَةَ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَمَنِ بِـ ”بَراءَةَ“، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَبْعَثُنِي وأنا غُلامٌ حَدِيثُ السِّنِّ، وأُسْألُ عَنِ القَضاءِ ولا أدْرِي ما أُجِيبُ؟! قالَ: ما بُدٌّ مِن أنْ تَذْهَبَ بِها أوْ أذْهَبَ بِها. قُلْتُ: إنْ كانَ لا بُدَّ فَأنا أذْهَبُ. قالَ: انْطَلِقْ فَإنَّ اللَّهَ يُثَبِّتُ لِسانَكَ ويَهْدِي قَلْبَكَ. ثُمَّ قالَ: انْطَلِقْ فاقْرَأْها عَلى النّاسِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: حَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينِ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِيها حَيْثُ شاؤُوا، وحَدَّ أجَلَ مَن لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ انْسِلاخَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ (p-٢٣٢)الحُرُمِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ إلى انْسِلاخِ المُحَرَّمِ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ أمَرَهُ أنْ يَضَعَ السَّيْفَ في مَن عاهَدَ إنْ لَمْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، ونَقَضَ ما سَمّى لَهم مِنَ العَهْدِ والمِيثاقِ، وأذْهَبَ المِيثاقَ، وأذْهَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [التوبة: ٧] يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ لِقَوْمٍ عُهُودٌ، فَأمَرَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُؤَجِّلَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِيها، ولا عَهْدَ لَهم بَعْدَها، وأبْطَلَ ما بَعْدَها، وكانَ قَوْمٌ لا عُهُودَ لَهُمْ، فَأجَّلَهم خَمْسِينَ يَوْمًا؛ عِشْرِينَ مِن ذِي الحَجَّةِ، والمُحَرَّمَ كُلَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قالَ: ولَمْ يُعاهِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أحَدًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قالَ: بَرِئَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن عُهُودِهِمْ كَما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في شَوّالٍ، فَهي الأرْبَعَةُ أشْهُرٍ، شَوّالٌ وذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ. (p-٢٣٥)

التوبة 9:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قالَ: هو إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَمِيدٍ قالَ: قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: إنَّ لِعَلِيٍّ في كِتابِ اللَّهِ اسْمًا، ولَكِنْ لا تَعْرِفُونَهُ، قُلْتُ: ما هُوَ؟ قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ هو واللَّهِ الأذانُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ، فَقالَ: يَوْمُ النَّحْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «أرْبَعٌ حَفِظْتُهُنَّ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى العَصْرُ، وأنَّ الحَجَّ الأكْبَرَ يَوْمُ النَّحْرِ، وأنَّ إدْبارَ السُّجُودِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وإنَّ أدْبارَ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ» . (p-٢٣٦)وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ، أنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَداعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنى عَلَيْهِ، وذَكَّرَ ووَعَظَ، ثُمَّ قالَ: أيُّ يَوْمٍ أحْرَمُ، أيُّ يَوْمٍ أحْرَمُ، أيُّ يَوْمٍ أحْرَمُ؟ فَقالَ النّاسُ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يا رَسُولَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أعْظَمُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ أبِي أوْفى، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ يَوْمَ الأضْحى: هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَراتِ في الحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فَقالَ: أيُّ يَوْمٍ هَذا؟ قالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَ: هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ «أبِي (p-٢٣٧)هُرَيْرَةَ قالَ: بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ في مَن يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: ألّا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ويَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، والحَجُّ الأكْبَرُ الحَجُّ، وإنَّما قِيلَ: الأكْبَرُ مِن أجْلِ قَوْلِ النّاسِ: الحَجُّ الأصْغَرُ. فَنَبَذَ أبُو بَكْرٍ إلى النّاسِ في ذَلِكَ العامِ فَلَمْ يَحُجَّ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُشْرِكٌ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ يَوْمُ النَّحْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ الأضْحى فَقالَ: اليَوْمُ النَّحْرُ، واليَوْمُ الحَجُّ الأكْبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ يَوْمُ النَّحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ يَوْمُ النَّحْرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو (p-٢٣٨)الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ يَوْمُ النَّحْرِ، يُوضَعُ فِيهِ الشَّعَرُ، ويُهْراقُ فِيهِ الدَّمُ، ويَحِلُّ فِيهِ الحَرامُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمَ حَجَّ أبُو بَكْرٍ بِالنّاسِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ سَمُرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ قالَ: كانَ عامَ حَجَّ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ في ثَلاثَةِ أيّامٍ، واليَهُودُ والنَّصارى في ثَلاثَةِ أيّامٍ، فاتَّفَقَ حَجُّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ واليَهُودِ والنَّصارى في سِتَّةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قالَ: سَألْتُ مُحَمَّدًا عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ، قالَ: كانَ يَوْمَ وافَقَ فِيهِ حَجُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحَجُّ أهْلِ المِلَلِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ زَمَنَ الفَتْحِ: إنَّ هَذا عامُ الحَجِّ الأكْبَرِ. قالَ: اجْتَمَعَ حَجُّ المُسْلِمِينَ وحَجُّ المُشْرِكِينَ في ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ، واجْتَمَعَ النَّصارى واليَهُودُ في ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ، فاجْتَمَعَ حَجُّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ والنَّصارى واليَهُودِ في سِتَّةِ أيّامٍ (p-٢٣٩)مُتَتابِعاتٍ، ولَمْ يَجْتَمِعْ مُنْذُ خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ كَذَلِكَ قَبْلَ العامِ، ولا يَجْتَمِعُ بَعْدَ العامِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، «عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الحَجِّ الأكْبَرِ، فَقالَ: ما لَكم ولِلْحَجِّ الأكْبَرِ؟! ذاكَ عامٌ حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ؛ اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَجَّ بِالنّاسِ واجْتَمَعَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الحَجَّ الأكْبَرَ، ووافَقَ عِيدَ اليَهُودِ والنَّصارى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ اليَوْمُ الثّانِي مِن يَوْمِ النَّحْرِ، ألَمْ تَرَ أنَّ الإمامَ يَخْطُبُ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ عَرَفَةَ: هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الصَّهْباءِ البَكْرِيِّ قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ، فَقالَ: يَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٢٤٠)قالَ: إنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، يَوْمُ المُباهاةِ؛ يُباهِي اللَّهُ مَلائِكَتَهُ في السَّماءِ بِأهْلِ الأرْضِ، يَقُولُ: جاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا، آمَنُوا بِي ولَمْ يَرَوْنِي، وعِزَّتِي لَأغْفِرَنَّ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ داوُدَ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ يَوْمَ عَرَفَةَ: هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ: هَذا الحَجُّ الأكْبَرُ، فَما الحَجُّ الأصْغَرُ؟ قالَ: عُمْرَةٌ في رَمَضانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدّادٍ عَنِ الحَجِّ الأكْبَرِ، فَقالَ: الحَجُّ الأكْبَرُ يَوْمُ النَّحْرِ، والحَجُّ الأصْغَرُ العُمْرَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ يُقالُ: العُمْرَةُ هي الحَجَّةُ الصُّغْرى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ قالَ: بَرِئَ رَسُولُهُ ﷺ . وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ الأنْبارِيُّ في كِتابِ ”الوَقْفِ والِابْتِداءِ“، (p-٢٤١)وابْنُ عَساكِرَ، في ”تارِيخِهِ“ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: قَدِمَ أعْرابِيٌّ في زَمانِ عُمَرَ فَقالَ: مَن يُقْرِئُنِي مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ؟ فَأقْراهُ رَجُلٌ ”بَراءَةَ“، فَقالَ: أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ. بِالجَرِّ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: أوَ قَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِن رَسُولِهِ؟! إنْ يَكُنِ اللَّهُ بَرِئَ مِن رَسُولِهِ فَأنا أبْرَأُ مِنهُ. فَبَلَغَ عُمَرَ مَقالَةُ الأعْرابِيِّ، فَدَعاهُ فَقالَ: يا أعْرابِيُّ، أتَبْرَأُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟! قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنِّي قَدِمْتُ المَدِينَةَ ولا عِلْمَ لِي بِالقُرْآنِ، فَسَألْتُ: مَن يُقْرِئُنِي؟ فَأقْرَأنِي هَذا سُورَةَ ”بَراءَةَ“، فَقالَ: أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ. فَقُلْتُ: أوَ قَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِن رَسُولِهِ؟! إنْ يَكُنِ اللَّهُ بَرِئَ مِن رَسُولِهِ فَأنا أبْرَأُ مِنهُ. فَقالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَكَذا يا أعْرابِيُّ. قالَ: فَكَيْفَ هي يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ فَقالَ الأعْرابِيُّ: وأنا واللَّهِ أبْرَأُ مِمّا ما بَرِئَ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنهُ. فَأمَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ألّا يُقْرِئَ النّاسَ إلّا عالِمٌ بِاللُّغَةِ، وأمَرَ أبا الأسْوَدِ فَوَضَعَ النَّحْوَ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ عَبّادٍ المُهَلَّبِيِّ قالَ: سَمِعَ أبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ رَجُلًا يَقْرَأُ: أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولِهِ. بِالجَرِّ، فَقالَ: لا أظُنُّنِي يَسَعُنِي إلّا أنْ أضَعَ شَيْئًا يُصْلَحُ بِهِ لَحْنُ هَذا. أوْ كَلامًا هَذا مَعْناهُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ (p-٢٤٢)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِسْعَرٍ قالَ: سُئِلَ سُفْيانَ بْنُ عُيَنْيَةَ عَنِ البِشارَةِ: أتَكُونُ في المَكْرُوهِ؟ قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

التوبة 9:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ: هم قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ: هم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ عاهَدَهم نَبِيُّ اللَّهِ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ بَقِيَ مِن مُدَّتِهِمْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُوفِيَ لَهم بِعَهْدِهِمْ هَذا إلى مُدَّتِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبادِ بْنِ جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ: هم بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ عامِرٍ مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ الآيَةَ، قالَ: فَإنْ نَقَضَ المُشْرِكُونَ عَهْدَهم وظاهَرُوا عَدُوًّا فَلا عَهْدَ لَهُمْ، وإنْ وفُّوا بِعَهْدِهِمُ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْهِ (p-٢٤٣)عَدُوًّا فَقَدْ أُمِرَ أنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِمْ عَهْدَهم ويَفِيَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ قالَ: كانَ بَقِيَ لِبَنِي مُدْلِجٍ وخُزاعَةَ عَهْدٌ، فَهو الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ بَنُو ضَمْرَةَ، وبَنُو مُدْلِجٍ، حَيّانِ مِن بَنِي كِنانَةَ، كانُوا حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ العُشَيْرَةِ مَن بَطْنِ يَنْبُعَ، ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم بِغَدْرٍ: ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ قالَ: لَمْ يُظاهِرُوا عَدُوَّكم عَلَيْكُمْ، ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ يَقُولُ: أجَلَهُمُ الَّذِي شَرَطْتُمْ لَهُمْ، ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَقُولُ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ تَعالى فِيما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، فَيَفُونَ بِالعَهْدِ. قالَ: فَلَمْ يُعاهِدِ النَّبِيُّ بَعْدَ هَؤُلاءِ الآياتِ أحَدًا.

التوبة 9:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ (p-٢٤٤)قالَ: هي الأرْبَعَةُ؛ عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وصَفَرٌ، وشَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلُ، وعَشْرٌ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ قالَ: عَشْرٌ مِن ذِي القَعْدَةِ وذُو الحَجَّةِ والمُحَرَّمِ؛ سَبْعُونَ لَيْلَةً. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ قالَ: هي الأرْبَعَةُ الَّتِي قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ الآيَةَ. قالَ: كانَ عَهْدٌ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، كانَتْ تِلْكَ بَقِيَّةَ مُدَّتِهِمْ ومَن لا عَهْدَ لَهُ إلى انْسِلاخِ المُحَرَّمِ، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ إذا مَضى هَذا الأجَلُ أنْ يُقاتِلَهم في الحِلِّ والحَرَمِ وعِنْدَ البَيْتِ، حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كُلُّ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ فِيها مِيثاقٌ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ أحَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وكُلُّ عَهْدٍ ومُدَّةٍ نَسَخَتْها سُورَةُ ”بَراءَةَ“: ﴿وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ قالَ: ضَيِّقُوا عَلَيْهِمْ، ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ قالَ: لا تَتْرُكُوهم يَضْرِبُونَ في البِلادِ ولا يَخْرُجُوا لِلتِّجارَةِ. (p-٢٤٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ قالَ: الرِّباطُ في كِتابِ اللَّهِ قَوْلُهُ: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ثُمَّ نَسَخَ واسْتَثْنى فَقالَ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ ”الصَّلاةِ“، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، مِن طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن فارَقَ الدُّنْيا عَلى الإخْلاصِ لِلَّهِ، وعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، فارَقَها واللَّهُ عَنْهُ راضٍ. قالَ أنَسٌ: وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وبَلَّغُوهُ عَنْ رَبِّهِمْ مِن قَبْلِ هَرْجِ الأحادِيثِ، واخْتِلافِ الأهْواءِ. قالَ أنَسٌ: وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى في آخِرِ ما أنْزَلَ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قالَ: تَوْبَتُهم خَلْعُ الأوْثانِ، وعِبادَةُ رَبِّهِمْ» . (p-٢٤٦)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قالَ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ دِماءَ أهْلِ القِبْلَةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قالَ: فَإنَّما النّاسُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ؛ مُسْلِمٌ عَلَيْهِ الزَّكاةُ، ومُشْرِكٌ عَلَيْهِ الجِزْيَةُ، وصاحِبُ حَرْبٍ يَأْمَنُ بِتِجارَتِهِ إذا أعْطى عُشْرَ مالِهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى الطّائِفِ، فَحاصَرَهم ثَمانِيَةً أوْ سَبْعَةً، ثُمَّ ارْتَحَلَ غَدْوَةً ورَوْحَةً، ثُمَّ نَزَلَ ثُمَّ هَجَّرَ، ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنِّي لَكم فَرَطٌ، وإنِّي أُوصِيكم بِعِتْرَتِي خَيْرًا، مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُقِيمُنَّ الصَّلاةَ، ولَتُؤْتُنَّ الزَّكاةَ أوْ لَأبْعَثَنَّ عَلَيْكم رَجُلًا مِنِّي أوْ كَنَفْسِي، فَلَيَضْرِبَنَّ أعْناقَ مُقاتِلِيهِمْ، ولَيَسْبِيَنَّ ذَرّارِيَّهم. فَرَأى النّاسُ أنَّهُ يَعْنِي أبا بَكْرٍ أوْ عُمَرَ، فَأخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقالَ: هَذا» . (p-٢٤٧)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الرَّبِيعِ الظَّفَرِيِّ، وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قالَ: «بَعْثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى رَجُلٍ مِن أشْجَعَ تُؤْخَذُ صَدَقَتُهُ، فَجاءَهُ الرَّسُولُ فَرَدَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اذْهَبْ إلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يُعْطِ صَدَقَتَهُ فاضْرِبْ عُنُقَهُ» .

التوبة 9:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ . يَقُولُ: مَن جاءَكَ واسْتَمَعَ ما تَقُولُ، واسْتَمَعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ فَهو آمِنٌ، حَتّى يَأْتِيَكَ فَيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ حَتّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ، مِن حَيْثُ جاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ قالَ: إنْ لَمْ يُوافِقْهُ ما يُقَصُّ عَلَيْهِ، ويُخْبَرُ بِهِ، فَأبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، ولَيْسَ هَذا بِمَنسُوخٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ قالَ: أمَرَ مَن أرادَ ذَلِكَ مِنهُ أنْ يُؤَمِّنَهُ، فَإنْ قَبِلَ فَذاكَ وإلّا خَلّى عَنْهُ حَتّى يَأْتِيَ مَأْمَنَهُ، وأمَرَ أنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ عَلى حالِهِمْ ذَلِكَ. (p-٢٤٨)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ أيْ كِتابَ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ اسْتَثْنى فَنَسَخَ مِنها فَقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وهو كَلامُكَ بِالقُرْآنِ، فَأمَّنَهُ، ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ مِن بِلادِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عُرُوبَةَ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ إذا سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ وأقَرَّ بِهِ وأسْلَمَ، فَذاكَ الَّذِي دُعِيَ إلَيْهِ، وإنْ أنْكَرَ ولَمْ يُقِرَّ بِهِ، رُدَّ إلى مَأْمَنِهِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عاهَدَهُ أُناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وعاهَدَ أيْضًا أُناسًا مِن بَنِي ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرٍ وكِنانَةَ خاصَّةً، عاهَدَهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وجَعَلَ مُدَّتَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَما اسْتَقامُوا لِكَمٍّ فاسْتَقِيمُوا لَهم: (p-٢٤٩)يَقُولُ: ما وفُّوا لَكم بِالعَهْدِ فَوَفُّوا لَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: هم بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ فُلانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: هو يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ قالَ: فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا ونَقَضُوا عَهْدَهُمْ، أعانُوا بَنِي بَكْرٍ حِلْفَ قُرَيْشٍ عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ ﷺ .

التوبة 9:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ . يَقُولُ: مَن جاءَكَ واسْتَمَعَ ما تَقُولُ، واسْتَمَعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ فَهو آمِنٌ، حَتّى يَأْتِيَكَ فَيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ حَتّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ، مِن حَيْثُ جاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ قالَ: إنْ لَمْ يُوافِقْهُ ما يُقَصُّ عَلَيْهِ، ويُخْبَرُ بِهِ، فَأبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، ولَيْسَ هَذا بِمَنسُوخٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ قالَ: أمَرَ مَن أرادَ ذَلِكَ مِنهُ أنْ يُؤَمِّنَهُ، فَإنْ قَبِلَ فَذاكَ وإلّا خَلّى عَنْهُ حَتّى يَأْتِيَ مَأْمَنَهُ، وأمَرَ أنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ عَلى حالِهِمْ ذَلِكَ. (p-٢٤٨)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ أيْ كِتابَ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ اسْتَثْنى فَنَسَخَ مِنها فَقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وهو كَلامُكَ بِالقُرْآنِ، فَأمَّنَهُ، ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ مِن بِلادِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عُرُوبَةَ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ إذا سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ وأقَرَّ بِهِ وأسْلَمَ، فَذاكَ الَّذِي دُعِيَ إلَيْهِ، وإنْ أنْكَرَ ولَمْ يُقِرَّ بِهِ، رُدَّ إلى مَأْمَنِهِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عاهَدَهُ أُناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وعاهَدَ أيْضًا أُناسًا مِن بَنِي ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرٍ وكِنانَةَ خاصَّةً، عاهَدَهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وجَعَلَ مُدَّتَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَما اسْتَقامُوا لِكَمٍّ فاسْتَقِيمُوا لَهم: (p-٢٤٩)يَقُولُ: ما وفُّوا لَكم بِالعَهْدِ فَوَفُّوا لَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: هم بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ فُلانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: هو يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ قالَ: فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا ونَقَضُوا عَهْدَهُمْ، أعانُوا بَنِي بَكْرٍ حِلْفَ قُرَيْشٍ عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ ﷺ .

التوبة 9:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا ولا ذِمَّةً﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ولا ذِمَّةً﴾ قالَ: الإلُّ القَرابَةُ، والذِّمَّةُ العَهْدُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ الإلُّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الإلُّ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: الإلُّ الحِلْفُ، والذِّمَّةُ العَهْدُ. (p-٢٥٠)وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلا ولا ذِمَّةً﴾ قالَ: الإلُّ القَرابَةُ، والذِّمَّةُ العَهْدُ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ: ؎جَزى اللَّهُ إلًّا كانَ بَيْنِي وبَيْنَهم جَزاءَ ظَلُومٍ لا يُؤَخِّرُ عاجِلًا وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ ”الوَقْفِ والِابْتِداءِ“ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] قالَ: الرَّحِمُ، وقالَ فِيهِ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ؎لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مَن رَأْلِ النَّعامِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ قالَ: ذَمَّ اللَّهُ تَعالى أكْثَرَ النّاسِ.

التوبة 9:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ أطْعَمَ حُلَفاءَهُ، وتَرَكَ حُلَفاءَ مُحَمَّدٍ ﷺ .

التوبة 9:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ (p-٢٥١)يَقُولُ: إنْ تَرَكُوا اللّاتَ والعُزّى، وشَهِدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإخْوانُكم في الدِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِتالَ أوْ دِماءَ أهْلِ الصَّلاةِ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ .

التوبة 9:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ قالَ: عَهْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: وإنْ نَكَثُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهم فَقاتِلْهُمْ؛ إنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا عَهْدَ اللَّهِ، وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ ﷺ مِن مَكَّةَ. (p-٢٥٢)وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: رُؤُوسُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ مِنهم. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: الدَّيْلَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أنَّهم ذَكَرُوا عِنْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ما قُوتِلَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: كُنّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقالَ: ما بَقِيَ مِن أصْحابِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا ثَلاثَةٌ، ولا مِنَ المُنافِقِينَ إلّا أرْبَعَةٌ. فَقالَ أعْرابِيٌّ: إنَّكم أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ تُخْبِرُونَنا بِأُمُورٍ لا نَدْرِي، فَما بالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ بُيُوتَنا، ويَسْرِقُونَ أعْلاقَنا؟ قالَ: أُولَئِكَ الفُسّاقُ، أجَلْ، لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا أرْبَعَةٌ؛ أحَدُهم شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الماءَ البارِدَ لَما وجَدَ بَرْدَهُ. (p-٢٥٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، أنَّهُ كانَ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ في النّاسِ حِينَ وجَّهَهم إلى الشّامِ قالَ: إنَّكم سَتَجِدُونَ قَوْمًا مُحَوَّقَةً رُؤُوسُهُمْ، فاضْرِبُوا مَقاعِدَ الشَّيْطانِ مِنهم بِالسُّيُوفِ، فَواللَّهِ لَأنْ أقْتُلَ رَجُلًا مِنهم أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقْتُلَ سَبْعِينَ مِن غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ حُذَيْفَةَ: ﴿لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ قالَ: لا عُهُودَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَمّارٍ: ﴿لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ لا عُهُودَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: واللَّهِ ما قُوتِلَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ مُنْذُ أُنْزِلَتْ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: مَرَّ سَعْدٌ بِرَجُلٍ مِنَ الخَوارِجِ، فَقالَ الخارِجِيُّ لِسَعْدٍ: هَذا مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ. فَقالَ سَعْدٌ: كَذَبْتَ، بَلْ أنا قاتَلْتُ أئِمَّةَ الكُفْرِ.

التوبة 9:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ (p-٢٥٤)قالَ: قِتالُ قُرَيْشٍ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ، وهَمُّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ، زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ عامَ عُمْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، في العامِ السّابِعِ لِلْحُدَيْبِيَةِ، نَكَثَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ، عَهْدَ الحُدَيْبِيَّةِ، وجَعَلُوا في أنْفُسِهِمْ إذا دَخَلُوا مَكَّةَ أنْ يُخْرِجُوهُ مِنها، فَذَلِكَ هَمُّهم بِإخْراجِهِ، فَلَمْ تُتابِعْهم خُزاعَةُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ قالَتْ قُرَيْشٌ لِخُزاعَةَ: عَمَّيْتُمُونا عَنْ إخْراجِهِ. فَقاتَلُوهم فَقَتَلُوا مِنهم رِجالًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في خُزاعَةَ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ مِن خُزاعَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: خُزاعَةَ حُلَفاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: هم خُزاعَةُ، يَشْفِي صُدُورَهم مِن بَنِي بَكْرٍ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: هَذا حِينَ قَتَلَهم بَنُو بَكْرٍ، وأعانَهم قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في خُزاعَةَ حِينَ جَعَلُوا يَقْتُلُونَ بَنِي بَكْرٍ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، (p-٢٥٥)والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قالا: «كانَ في صُلْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، أنَّهُ مَن شاءَ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ مُحَمَّدٍ وعَهْدِهِ دَخَلَ، ومَن شاءَ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ دَخَلَ. فَتَواثَبَتْ خُزاعَةُ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَقْدِ مُحَمَّدٍ وعَهْدِهِ. وتَواثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ. فَمَكَثُوا في تِلْكَ الهُدْنَةِ نَحْوَ السَّبْعَةَ أوِ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ إنَّ بَنِي بَكْرٍ الَّذِي كانُوا دَخَلُوا في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ، وثَبُوا عَلى خُزاعَةَ، الَّذِينَ دَخَلُوا في عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَهْدِهِ، لَيْلًا بِماءٍ لَهم يُقالُ لَهُ: الوَتِيرُ. قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما يَعْلَمُ بِنا مُحَمَّدٌ، وهَذا اللَّيْلُ وما يَرانا أحَدٌ. فَأعانُوهم عَلَيْهِمْ بِالكُراعِ والسِّلاحِ، فَقاتَلُوهم مَعَهُمْ؛ لِلضَّغْنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّ عَمْرَو بْنَ سالِمٍ رَكِبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَما كانَ مِن أمْرِ خُزاعَةَ وبَنِي بَكْرٍ بِالوَتِيرِ، حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ الخَبَرَ، وقَدْ قالَ أبْياتَ شِعْرٍ، فَلَمّا قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْشَدَهُ إيّاها: ؎لاهُمَّ إنِّي ناشِدٌ مُحَمَّدًا حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا ∗∗∗ (p-٢٥٦)كُنّا والِدًا وكُنْتَ ولَدًا ؎ثُمَّتَ أسْلَمْنا ولَمْ نَنْزِعْ يَدا ؎فانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا أعْتَدا ؎وادْعُ عِبادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدا ∗∗∗ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدا ؎إنْ سِيمَ خَسْفًا وجْهُهُ تَرَبَّدا ∗∗∗ في فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا ؎إنَّ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدا ∗∗∗ ونَقَضُوا مِيثاقَكَ المُؤَكَّدا ؎وزَعَمُوا أنْ لَسْتُ أرْجُو أحَدا ∗∗∗ فَهم أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدًا ؎قَدْ جَعَلُوا لِي بِكِداءٍ رُصَّدا ∗∗∗ هم بَيَّتُونا بِالوَتِيرِ هُجَّدًا ؎وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نُصِرْتَ يا عَمْرَو بْنَ سالِمٍ. فَما بَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى مَرَّتْ عَنانَةٌ في السَّماءِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ السَّحابَةَ لَتَشْهَدُ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ. وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ بِالجَهازِ وكَتَمَهم مَخْرَجَهُ، وسَألَ اللَّهَ أنْ يُعَمِّيَ عَلى قُرَيْشٍ خَبَرَهُ حَتّى يَبْغَتَهم في بِلادِهِمْ» .

التوبة 9:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ (p-٢٥٤)قالَ: قِتالُ قُرَيْشٍ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ، وهَمُّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ، زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ عامَ عُمْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، في العامِ السّابِعِ لِلْحُدَيْبِيَةِ، نَكَثَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ، عَهْدَ الحُدَيْبِيَّةِ، وجَعَلُوا في أنْفُسِهِمْ إذا دَخَلُوا مَكَّةَ أنْ يُخْرِجُوهُ مِنها، فَذَلِكَ هَمُّهم بِإخْراجِهِ، فَلَمْ تُتابِعْهم خُزاعَةُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ قالَتْ قُرَيْشٌ لِخُزاعَةَ: عَمَّيْتُمُونا عَنْ إخْراجِهِ. فَقاتَلُوهم فَقَتَلُوا مِنهم رِجالًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في خُزاعَةَ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ مِن خُزاعَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: خُزاعَةَ حُلَفاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: هم خُزاعَةُ، يَشْفِي صُدُورَهم مِن بَنِي بَكْرٍ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: هَذا حِينَ قَتَلَهم بَنُو بَكْرٍ، وأعانَهم قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في خُزاعَةَ حِينَ جَعَلُوا يَقْتُلُونَ بَنِي بَكْرٍ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، (p-٢٥٥)والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قالا: «كانَ في صُلْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، أنَّهُ مَن شاءَ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ مُحَمَّدٍ وعَهْدِهِ دَخَلَ، ومَن شاءَ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ دَخَلَ. فَتَواثَبَتْ خُزاعَةُ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَقْدِ مُحَمَّدٍ وعَهْدِهِ. وتَواثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ. فَمَكَثُوا في تِلْكَ الهُدْنَةِ نَحْوَ السَّبْعَةَ أوِ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ إنَّ بَنِي بَكْرٍ الَّذِي كانُوا دَخَلُوا في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ، وثَبُوا عَلى خُزاعَةَ، الَّذِينَ دَخَلُوا في عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَهْدِهِ، لَيْلًا بِماءٍ لَهم يُقالُ لَهُ: الوَتِيرُ. قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما يَعْلَمُ بِنا مُحَمَّدٌ، وهَذا اللَّيْلُ وما يَرانا أحَدٌ. فَأعانُوهم عَلَيْهِمْ بِالكُراعِ والسِّلاحِ، فَقاتَلُوهم مَعَهُمْ؛ لِلضَّغْنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّ عَمْرَو بْنَ سالِمٍ رَكِبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَما كانَ مِن أمْرِ خُزاعَةَ وبَنِي بَكْرٍ بِالوَتِيرِ، حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ الخَبَرَ، وقَدْ قالَ أبْياتَ شِعْرٍ، فَلَمّا قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْشَدَهُ إيّاها: ؎لاهُمَّ إنِّي ناشِدٌ مُحَمَّدًا حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا ∗∗∗ (p-٢٥٦)كُنّا والِدًا وكُنْتَ ولَدًا ؎ثُمَّتَ أسْلَمْنا ولَمْ نَنْزِعْ يَدا ؎فانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا أعْتَدا ؎وادْعُ عِبادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدا ∗∗∗ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدا ؎إنْ سِيمَ خَسْفًا وجْهُهُ تَرَبَّدا ∗∗∗ في فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا ؎إنَّ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدا ∗∗∗ ونَقَضُوا مِيثاقَكَ المُؤَكَّدا ؎وزَعَمُوا أنْ لَسْتُ أرْجُو أحَدا ∗∗∗ فَهم أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدًا ؎قَدْ جَعَلُوا لِي بِكِداءٍ رُصَّدا ∗∗∗ هم بَيَّتُونا بِالوَتِيرِ هُجَّدًا ؎وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نُصِرْتَ يا عَمْرَو بْنَ سالِمٍ. فَما بَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى مَرَّتْ عَنانَةٌ في السَّماءِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ السَّحابَةَ لَتَشْهَدُ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ. وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ بِالجَهازِ وكَتَمَهم مَخْرَجَهُ، وسَألَ اللَّهَ أنْ يُعَمِّيَ عَلى قُرَيْشٍ خَبَرَهُ حَتّى يَبْغَتَهم في بِلادِهِمْ» .

التوبة 9:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ (p-٢٥٤)قالَ: قِتالُ قُرَيْشٍ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ، وهَمُّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ، زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ عامَ عُمْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، في العامِ السّابِعِ لِلْحُدَيْبِيَةِ، نَكَثَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ، عَهْدَ الحُدَيْبِيَّةِ، وجَعَلُوا في أنْفُسِهِمْ إذا دَخَلُوا مَكَّةَ أنْ يُخْرِجُوهُ مِنها، فَذَلِكَ هَمُّهم بِإخْراجِهِ، فَلَمْ تُتابِعْهم خُزاعَةُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ قالَتْ قُرَيْشٌ لِخُزاعَةَ: عَمَّيْتُمُونا عَنْ إخْراجِهِ. فَقاتَلُوهم فَقَتَلُوا مِنهم رِجالًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في خُزاعَةَ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ مِن خُزاعَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: خُزاعَةَ حُلَفاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: هم خُزاعَةُ، يَشْفِي صُدُورَهم مِن بَنِي بَكْرٍ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: هَذا حِينَ قَتَلَهم بَنُو بَكْرٍ، وأعانَهم قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في خُزاعَةَ حِينَ جَعَلُوا يَقْتُلُونَ بَنِي بَكْرٍ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، (p-٢٥٥)والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قالا: «كانَ في صُلْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُرَيْشٍ، أنَّهُ مَن شاءَ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ مُحَمَّدٍ وعَهْدِهِ دَخَلَ، ومَن شاءَ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ دَخَلَ. فَتَواثَبَتْ خُزاعَةُ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَقْدِ مُحَمَّدٍ وعَهْدِهِ. وتَواثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ. فَمَكَثُوا في تِلْكَ الهُدْنَةِ نَحْوَ السَّبْعَةَ أوِ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ إنَّ بَنِي بَكْرٍ الَّذِي كانُوا دَخَلُوا في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ، وثَبُوا عَلى خُزاعَةَ، الَّذِينَ دَخَلُوا في عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَهْدِهِ، لَيْلًا بِماءٍ لَهم يُقالُ لَهُ: الوَتِيرُ. قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما يَعْلَمُ بِنا مُحَمَّدٌ، وهَذا اللَّيْلُ وما يَرانا أحَدٌ. فَأعانُوهم عَلَيْهِمْ بِالكُراعِ والسِّلاحِ، فَقاتَلُوهم مَعَهُمْ؛ لِلضَّغْنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّ عَمْرَو بْنَ سالِمٍ رَكِبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَما كانَ مِن أمْرِ خُزاعَةَ وبَنِي بَكْرٍ بِالوَتِيرِ، حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ الخَبَرَ، وقَدْ قالَ أبْياتَ شِعْرٍ، فَلَمّا قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْشَدَهُ إيّاها: ؎لاهُمَّ إنِّي ناشِدٌ مُحَمَّدًا حِلْفَ أبِينا وأبِيهِ الأتْلَدا ∗∗∗ (p-٢٥٦)كُنّا والِدًا وكُنْتَ ولَدًا ؎ثُمَّتَ أسْلَمْنا ولَمْ نَنْزِعْ يَدا ؎فانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا أعْتَدا ؎وادْعُ عِبادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدا ∗∗∗ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدا ؎إنْ سِيمَ خَسْفًا وجْهُهُ تَرَبَّدا ∗∗∗ في فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا ؎إنَّ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدا ∗∗∗ ونَقَضُوا مِيثاقَكَ المُؤَكَّدا ؎وزَعَمُوا أنْ لَسْتُ أرْجُو أحَدا ∗∗∗ فَهم أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدًا ؎قَدْ جَعَلُوا لِي بِكِداءٍ رُصَّدا ∗∗∗ هم بَيَّتُونا بِالوَتِيرِ هُجَّدًا ؎وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نُصِرْتَ يا عَمْرَو بْنَ سالِمٍ. فَما بَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى مَرَّتْ عَنانَةٌ في السَّماءِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ هَذِهِ السَّحابَةَ لَتَشْهَدُ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ. وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ بِالجَهازِ وكَتَمَهم مَخْرَجَهُ، وسَألَ اللَّهَ أنْ يُعَمِّيَ عَلى قُرَيْشٍ خَبَرَهُ حَتّى يَبْغَتَهم في بِلادِهِمْ» .

التوبة 9:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا﴾ . الآيَةَ. (p-٢٥٧)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ قالَ: أبى أنْ يَدَعَهم دُونَ التَّمْحِيصِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الوَلِيجَةُ البِطانَةُ مِن غَيْرِ دِينِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيجَةً﴾ أيْ خِيانَةً.

التوبة 9:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللَّهِ. وقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فَنَفى المُشْرِكِينَ مِنَ المَسْجِدِ، ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ يَقُولُ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ، وآمَنَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، ﴿وأقامَ الصَّلاةَ﴾ يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ، ﴿ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ﴾ يَقُولُ: لَمْ يَعْبُدْ إلّا اللَّهَ، ﴿فَعَسى أُولَئِكَ﴾ يَقُولُ: أُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ. كَقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] يَقُولُ: إنَّ رَبَّكَ سَيَبْعَثُكَ مَقامًا مَحْمُودًا، وهي الشَّفاعَةُ، وكُلُّ ”عَسى“ في القُرْآنِ فَهي واجِبَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا (p-٢٥٨)مَسْجِدَ اللَّهِ ) . قالَ: إنَّما هو مَسْجِدٌ واحِدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ حَمّادٍ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَثِيرٍ يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللَّهِ )، ( إنَّما يَعْمُرُ مَسْجِدَ اللَّهِ ) . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حَبانِ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدُ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ، قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة»: ١٨] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن سَمِعَ النِّداءَ بِالصَّلاةِ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ ويَأْتِ المَسْجِدَ فَيُصَلِّيَ فَلا صَلاةَ لَهُ، وقَدْ عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. (p-٢٥٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: إنِّي لَأهُمُّ بِأهْلِ الأرْضِ عَذابًا، فَإذا نَظَرْتُ إلى عُمّارِ بُيُوتِي، والمُتَحابِّينَ فِيَّ، والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ، صَرَفْتُ عَنْهم» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ يَرْفَعُ الحَدِيثَ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: إنَّ أحَبَّ عِبادِي إلَيَّ الَّذِينَ يَتَحابُّونَ فِيَّ والَّذِينَ يَعْمُرُونَ مَساجِدِي، والَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ بِالأسْحارِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ إذا أرَدْتُ بِخَلْقِي عَذابًا ذَكَرْتُهُمْ، فَصَرَفْتُ عَذابِي عَنْ خَلْقِي» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَزّارُ وحَسَّنَهُ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، أنَّهُ كَتَبَ إلى سَلْمانَ: يا أخِي، لِيَكُنِ المَسْجِدُ بَيْتَكَ؛ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: المَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَن كانَتِ المَساجِدُ بُيُوتَهم بِالرَّوْحِ والرّاحَةِ، والجَوازِ عَلى الصِّراطِ إلى رِضْوانِ الرَّبِّ» . (p-٢٦٠)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ يُقالُ: ما رُئِيَ المُسْلِمُ إلّا في ثَلاثٍ؛: في مَسْجِدٍ يَعْمُرُهُ، أوْ بَيْتٍ يُكِنُّهُ، أوِ ابْتِغاءِ رِزْقٍ مِن فَضْلِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القاسِمِ بْنِ الفَرَجِ الهاشِمِيِّ في جُزْئِهِ المَشْهُورِ بِـ ”نُسْخَةِ أبِي مُسْهِرٍ“ عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ قالَ: المَساجِدُ مَجالِسُ الكِرامِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ لِلْمَساجِدِ أوْتادًا، المَلائِكَةُ جُلَساؤُهُمْ، إنْ غابُوا يَفْتَقِدُونَهُمْ، وإنْ مَرِضُوا عادُوهُمْ، وإنْ كانُوا في حاجَةٍ أعانُوهم. ثُمَّ قالَ: جَلِيسُ المَسْجِدِ عَلى ثَلاثِ خِصالٍ؛ أخٍ مُسْتَفادٍ، أوْ كَلِمَةٍ مُحْكَمَةٍ أوْ رَحْمَةٍ مُنْتَظَرَةٍ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ بُيُوتَ اللَّهِ في الأرْضِ المَساجِدُ، وإنَّ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُكْرِمَ الزّائِرَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأوْدِيِّ قالَ: أخْبَرَنا أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ المَساجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ (p-٢٦١)فِي الأرْضِ، وأنَّهُ لَحَقٌّ عَلى اللَّهِ أنْ يُكْرِمَ مَن زارَهُ فِيها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وأبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ عُمّارَ بُيُوتِ اللَّهِ هم أهْلُ اللَّهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا عاهَةٌ مِنَ السَّماءِ أُنْزِلَتْ صُرِفَتْ عَنْ عُمّارِ المَساجِدِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: إنَّ لِلْمَساجِدِ أوْتادًا هم أوْتادُها، وإنَّ لَهم جُلَساءَ مِنَ المَلائِكَةِ، تَفْتَقِدُهُمُ المَلائِكَةُ إذا غابُوا، فَإنْ كانُوا مَرْضى عادُوهُمْ، وإنْ كانُوا في حاجَةٍ أعانُوهم. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن ألِفَ المَسْجِدَ ألِفَهُ اللَّهُ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٢٦٢)يَقُولُ: «مَن أدْمَنَ الِاخْتِلافَ إلى المَسْجِدِ أصابَ أخًا مُسْتَفادًا في اللَّهِ، وعِلْمًا مُسْتَظْرَفًا، وكَلِمَةً تَدْعُوهُ إلى الهُدى، وكَلِمَةً تَصْرِفُهُ عَنِ الرَّدى، ويَتْرُكُ الذُّنُوبَ حَياءً وخَشْيَةً أوْ نِعْمَةً أوْ رَحْمَةً مُنْتَظَرَةً» . وأخْرُجُ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن تَوَضَّأ في بَيْتِهِ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أتى المَسْجِدَ فَهو زائِرُ اللَّهِ، وحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ الزّائِرَ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“ عَنْ سَلْمانَ، مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «بَشِّرِ المَشّائِينَ في ظُلَمِ اللَّيالِي إلى المَساجِدِ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن مَشى في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إلى المَساجِدِ آتاهُ اللَّهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ» . (p-٢٦٣)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «بَشِّرِ المُدْلِجِينَ إلى المَساجِدِ في الظُّلَمِ بِمَنابِرَ مِن نُورٍ يَوْمَ القِيامَةِ، يَفْزَعُ النّاسُ ولا يَفْزَعُونَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الغُدُوُّ والرَّواحُ إلى المَسْجِدِ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن غَدا إلى المَسْجِدِ أوْ راحَ، أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّما غَدا أوْ راحَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ المَسْجِدَ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَساجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ في الأرْضِ، تُضِيءُ لِأهْلِ السَّماءِ كَما تُضِيءُ نُجُومُ السَّماءِ لِأهْلِ الأرْضِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا أوْسَعَ مِنهُ في الجَنَّةِ» . (p-٢٦٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «جاءَ واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ ونَحْنُ نَبْنِي مَسْجِدَنا، فَوَقَفَ عَلَيْنا فَسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن بَنى مَسْجِدًا يُصَلّى فِيهِ، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ أفْضَلَ مِنهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبَزّارُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا ولَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ لِبَيْضِها، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، عَنْ عائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن بَنى مَسْجِدًا لا يُرِيدُ بِهِ رِياءً ولا سُمْعَةَ، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن بَنى بَيْتًا يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ، مِن مالٍ حَلالٍ، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ مِن دُرٍّ وياقُوتٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن بَنى مَسْجِدًا ولَوْ (p-٢٦٥)كَمَفْحَصِ قَطاةٍ، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن بَنى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ابْنُوا المَساجِدَ واتَّخِذُوها جُمًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أُمِرْنا أنْ نَبْنِيَ المَساجِدَ جُمًّا والمَدائِنَ شُرَفًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نُهِينا أنْ نُصَلِّيَ في مَسْجِدٍ مُشْرِفٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: إنَّما كانَتِ المَساجِدُ جُمًّا، وإنَّما شَرَّفَ النّاسُ في حَدِيثٍ مِنَ الدَّهْرِ. (p-٢٦٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ يُقالُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلى النّاسِ زَمانٌ يَبْنُونَ المَساجِدَ يَتَباهَوْنَ بِها ولا يَعْمُرُونَها إلّا قَلِيلًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَساجِدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَتُزَخْرِفُنَّ مَساجِدَكم كَما زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارى مَساجِدُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أُبَيٍّ قالَ: إذا زَوَّقْتُمْ مَساجِدَكم وحَلَّيْتُمْ مَصاحِفَكم فالدَّبارُ عَلَيْكم. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”مُسْنَدِ الشّامِيِّينَ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن عَلَّقَ قِنْدِيلًا في مَسْجِدٍ صَلّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، (p-٢٦٧)واسْتُغْفِرَ لَهُ ما دامَ ذَلِكَ القِنْدِيلُ يَقِدُ» . وأخْرَجَ سُلَيْمٌ الرّازِيُّ في ”التَّرْغِيبِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أسْرَجَ في مَسْجِدٍ سِراجًا لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ وحَمَلَةُ العَرْشِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ما دامَ في ذَلِكَ المَسْجِدِ ضَوْءُهُ» . وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في ”رُباعِيّاتِهِ“، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي قِرْصافَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «ابْنُوا المَساجِدَ وأخْرِجُوا القُمامَةَ مِنها. وسَمِعَتْهُ يَقُولُ: إخْراجُ القُمامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مُهُورُ الحُورِ العِينِ. وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَذِهِ المَساجِدُ الَّتِي تُبْنى في الطُّرُقِ؟ فَقالَ: وهَذِهِ المَساجِدُ الَّتِي تُبْنى في الطُّرُقِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «مَرَرْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في طَرِيقٍ مِن طُرُقِ المَدِينَةِ، فَرَأى فِيهِ قُبَّةً مِن لَبِنٍ فَقالَ: لِمَن هَذِهِ؟ قُلْتُ: لِفُلانٍ. فَقالَ: أما إنَّ كُلَّ بِناءٍ هَدٍّ عَلى صاحِبِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، إلّا ما كانَ في مَسْجِدٍ. ثُمَّ مَرَّ فَلَمْ (p-٢٦٨)يَرَها، قالَ: ما فَعَلَتِ القُبَّةُ؟ قُلْتُ: بَلَغَ صاحِبَها ما قُلْتَ فَهَدَمَها. فَقالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ إنِّي لَأهُمُّ بِعَذابِ أهْلِ الأرْضِ فَإذا نَظَرْتُ إلى جُلَساءِ القُرْآنِ وعُمّارِ المَساجِدِ ووِلْدانِ الإسْلامِ سَكَنَ غَضَبِي» .

التوبة 9:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللَّهِ. وقالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فَنَفى المُشْرِكِينَ مِنَ المَسْجِدِ، ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ يَقُولُ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ، وآمَنَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، ﴿وأقامَ الصَّلاةَ﴾ يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ، ﴿ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ﴾ يَقُولُ: لَمْ يَعْبُدْ إلّا اللَّهَ، ﴿فَعَسى أُولَئِكَ﴾ يَقُولُ: أُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ. كَقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] يَقُولُ: إنَّ رَبَّكَ سَيَبْعَثُكَ مَقامًا مَحْمُودًا، وهي الشَّفاعَةُ، وكُلُّ ”عَسى“ في القُرْآنِ فَهي واجِبَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّهُ قَرَأ: ( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا (p-٢٥٨)مَسْجِدَ اللَّهِ ) . قالَ: إنَّما هو مَسْجِدٌ واحِدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ حَمّادٍ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَثِيرٍ يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: ( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللَّهِ )، ( إنَّما يَعْمُرُ مَسْجِدَ اللَّهِ ) . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حَبانِ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدُ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ، قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة»: ١٨] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن سَمِعَ النِّداءَ بِالصَّلاةِ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ ويَأْتِ المَسْجِدَ فَيُصَلِّيَ فَلا صَلاةَ لَهُ، وقَدْ عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ، قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. (p-٢٥٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: إنِّي لَأهُمُّ بِأهْلِ الأرْضِ عَذابًا، فَإذا نَظَرْتُ إلى عُمّارِ بُيُوتِي، والمُتَحابِّينَ فِيَّ، والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ، صَرَفْتُ عَنْهم» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ يَرْفَعُ الحَدِيثَ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: إنَّ أحَبَّ عِبادِي إلَيَّ الَّذِينَ يَتَحابُّونَ فِيَّ والَّذِينَ يَعْمُرُونَ مَساجِدِي، والَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ بِالأسْحارِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ إذا أرَدْتُ بِخَلْقِي عَذابًا ذَكَرْتُهُمْ، فَصَرَفْتُ عَذابِي عَنْ خَلْقِي» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَزّارُ وحَسَّنَهُ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، أنَّهُ كَتَبَ إلى سَلْمانَ: يا أخِي، لِيَكُنِ المَسْجِدُ بَيْتَكَ؛ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: المَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَن كانَتِ المَساجِدُ بُيُوتَهم بِالرَّوْحِ والرّاحَةِ، والجَوازِ عَلى الصِّراطِ إلى رِضْوانِ الرَّبِّ» . (p-٢٦٠)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ يُقالُ: ما رُئِيَ المُسْلِمُ إلّا في ثَلاثٍ؛: في مَسْجِدٍ يَعْمُرُهُ، أوْ بَيْتٍ يُكِنُّهُ، أوِ ابْتِغاءِ رِزْقٍ مِن فَضْلِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القاسِمِ بْنِ الفَرَجِ الهاشِمِيِّ في جُزْئِهِ المَشْهُورِ بِـ ”نُسْخَةِ أبِي مُسْهِرٍ“ عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ قالَ: المَساجِدُ مَجالِسُ الكِرامِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ لِلْمَساجِدِ أوْتادًا، المَلائِكَةُ جُلَساؤُهُمْ، إنْ غابُوا يَفْتَقِدُونَهُمْ، وإنْ مَرِضُوا عادُوهُمْ، وإنْ كانُوا في حاجَةٍ أعانُوهم. ثُمَّ قالَ: جَلِيسُ المَسْجِدِ عَلى ثَلاثِ خِصالٍ؛ أخٍ مُسْتَفادٍ، أوْ كَلِمَةٍ مُحْكَمَةٍ أوْ رَحْمَةٍ مُنْتَظَرَةٍ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ بُيُوتَ اللَّهِ في الأرْضِ المَساجِدُ، وإنَّ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُكْرِمَ الزّائِرَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأوْدِيِّ قالَ: أخْبَرَنا أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ المَساجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ (p-٢٦١)فِي الأرْضِ، وأنَّهُ لَحَقٌّ عَلى اللَّهِ أنْ يُكْرِمَ مَن زارَهُ فِيها. وأخْرَجَ البَزّارُ، وأبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ عُمّارَ بُيُوتِ اللَّهِ هم أهْلُ اللَّهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا عاهَةٌ مِنَ السَّماءِ أُنْزِلَتْ صُرِفَتْ عَنْ عُمّارِ المَساجِدِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: إنَّ لِلْمَساجِدِ أوْتادًا هم أوْتادُها، وإنَّ لَهم جُلَساءَ مِنَ المَلائِكَةِ، تَفْتَقِدُهُمُ المَلائِكَةُ إذا غابُوا، فَإنْ كانُوا مَرْضى عادُوهُمْ، وإنْ كانُوا في حاجَةٍ أعانُوهم. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن ألِفَ المَسْجِدَ ألِفَهُ اللَّهُ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٢٦٢)يَقُولُ: «مَن أدْمَنَ الِاخْتِلافَ إلى المَسْجِدِ أصابَ أخًا مُسْتَفادًا في اللَّهِ، وعِلْمًا مُسْتَظْرَفًا، وكَلِمَةً تَدْعُوهُ إلى الهُدى، وكَلِمَةً تَصْرِفُهُ عَنِ الرَّدى، ويَتْرُكُ الذُّنُوبَ حَياءً وخَشْيَةً أوْ نِعْمَةً أوْ رَحْمَةً مُنْتَظَرَةً» . وأخْرُجُ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن تَوَضَّأ في بَيْتِهِ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أتى المَسْجِدَ فَهو زائِرُ اللَّهِ، وحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ الزّائِرَ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“ عَنْ سَلْمانَ، مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «بَشِّرِ المَشّائِينَ في ظُلَمِ اللَّيالِي إلى المَساجِدِ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن مَشى في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إلى المَساجِدِ آتاهُ اللَّهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ» . (p-٢٦٣)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «بَشِّرِ المُدْلِجِينَ إلى المَساجِدِ في الظُّلَمِ بِمَنابِرَ مِن نُورٍ يَوْمَ القِيامَةِ، يَفْزَعُ النّاسُ ولا يَفْزَعُونَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الغُدُوُّ والرَّواحُ إلى المَسْجِدِ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن غَدا إلى المَسْجِدِ أوْ راحَ، أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّما غَدا أوْ راحَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ المَسْجِدَ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَساجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ في الأرْضِ، تُضِيءُ لِأهْلِ السَّماءِ كَما تُضِيءُ نُجُومُ السَّماءِ لِأهْلِ الأرْضِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا أوْسَعَ مِنهُ في الجَنَّةِ» . (p-٢٦٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «جاءَ واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ ونَحْنُ نَبْنِي مَسْجِدَنا، فَوَقَفَ عَلَيْنا فَسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن بَنى مَسْجِدًا يُصَلّى فِيهِ، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ أفْضَلَ مِنهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبَزّارُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا ولَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ لِبَيْضِها، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، عَنْ عائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن بَنى مَسْجِدًا لا يُرِيدُ بِهِ رِياءً ولا سُمْعَةَ، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن بَنى بَيْتًا يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ، مِن مالٍ حَلالٍ، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ مِن دُرٍّ وياقُوتٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن بَنى مَسْجِدًا ولَوْ (p-٢٦٥)كَمَفْحَصِ قَطاةٍ، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن بَنى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ابْنُوا المَساجِدَ واتَّخِذُوها جُمًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أُمِرْنا أنْ نَبْنِيَ المَساجِدَ جُمًّا والمَدائِنَ شُرَفًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نُهِينا أنْ نُصَلِّيَ في مَسْجِدٍ مُشْرِفٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: إنَّما كانَتِ المَساجِدُ جُمًّا، وإنَّما شَرَّفَ النّاسُ في حَدِيثٍ مِنَ الدَّهْرِ. (p-٢٦٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ يُقالُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلى النّاسِ زَمانٌ يَبْنُونَ المَساجِدَ يَتَباهَوْنَ بِها ولا يَعْمُرُونَها إلّا قَلِيلًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَساجِدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَتُزَخْرِفُنَّ مَساجِدَكم كَما زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارى مَساجِدُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أُبَيٍّ قالَ: إذا زَوَّقْتُمْ مَساجِدَكم وحَلَّيْتُمْ مَصاحِفَكم فالدَّبارُ عَلَيْكم. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”مُسْنَدِ الشّامِيِّينَ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن عَلَّقَ قِنْدِيلًا في مَسْجِدٍ صَلّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، (p-٢٦٧)واسْتُغْفِرَ لَهُ ما دامَ ذَلِكَ القِنْدِيلُ يَقِدُ» . وأخْرَجَ سُلَيْمٌ الرّازِيُّ في ”التَّرْغِيبِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أسْرَجَ في مَسْجِدٍ سِراجًا لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ وحَمَلَةُ العَرْشِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ما دامَ في ذَلِكَ المَسْجِدِ ضَوْءُهُ» . وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في ”رُباعِيّاتِهِ“، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي قِرْصافَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «ابْنُوا المَساجِدَ وأخْرِجُوا القُمامَةَ مِنها. وسَمِعَتْهُ يَقُولُ: إخْراجُ القُمامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مُهُورُ الحُورِ العِينِ. وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَذِهِ المَساجِدُ الَّتِي تُبْنى في الطُّرُقِ؟ فَقالَ: وهَذِهِ المَساجِدُ الَّتِي تُبْنى في الطُّرُقِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «مَرَرْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في طَرِيقٍ مِن طُرُقِ المَدِينَةِ، فَرَأى فِيهِ قُبَّةً مِن لَبِنٍ فَقالَ: لِمَن هَذِهِ؟ قُلْتُ: لِفُلانٍ. فَقالَ: أما إنَّ كُلَّ بِناءٍ هَدٍّ عَلى صاحِبِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، إلّا ما كانَ في مَسْجِدٍ. ثُمَّ مَرَّ فَلَمْ (p-٢٦٨)يَرَها، قالَ: ما فَعَلَتِ القُبَّةُ؟ قُلْتُ: بَلَغَ صاحِبَها ما قُلْتَ فَهَدَمَها. فَقالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ إنِّي لَأهُمُّ بِعَذابِ أهْلِ الأرْضِ فَإذا نَظَرْتُ إلى جُلَساءِ القُرْآنِ وعُمّارِ المَساجِدِ ووِلْدانِ الإسْلامِ سَكَنَ غَضَبِي» .

التوبة 9:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي ألّا أعْمَلَ لِلَّهِ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ. وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ. وقالَ آخَرُ: بَلِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ. فَزَجَرَهم عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ - ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَفْتَيْتُهُ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [التوبة»: ١٩] (p-٢٦٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ: وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وقِيامٌ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وجاهَدَ. فَكانُوا يَفْخَرُونَ بِالحَرَمِ ويَسْتَكْبِرُونَ بِهِ، مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ وعُمّارُهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ اسْتِكْبارَهم وإعْراضَهُمْ، فَقالَ لِأهْلِ الحَرَمِ مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالحَرَمِ، وقالَ: ﴿بِهِ سامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] كانُوا بِهِ يَسْمُرُونَ، ويَهْجُرُونَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيِّ ﷺ، فَخَيَّرَ الإيمانَ بِاللَّهِ والجِهادَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ عَلى عُمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ، ولَمْ يَكُنْ يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ الشِّرْكَ بِهِ، وإنْ كانُوا يَعْمُرُونَ بَيْتَهُ ويَخْدِمُونَهُ؛ قالَ اللَّهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهم أهْلُ العِمارَةِ، فَسَمّاهُمُ اللَّهُ ظالِمِينَ بِشِرْكِهِمْ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمُ العِمارَةُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ العَبّاسُ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسَقِي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانِيَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ. يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ كانَ في الشِّرْكِ، فَلا أقْبَلُ ما كانَ في الشِّرْكِ. (p-٢٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ والعَبّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: تَفاخَرَ عَلِيٌّ والعَبّاسُ وشَيْبَةُ في السِّقايَةِ والحِجابَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ . الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ في عَبّاسٍ وعَلِيٍّ، تَكَلَّما في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ والعَبّاسِ مُنازَعَةٌ، فَقالَ العَبّاسُ لِعَلِيٍّ: أنا عَمُّ النَّبِيِّ وأنْتَ ابْنُ عَمِّهِ، وإلَيَّ سِقايَةُ الحاجِّ وعِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وعَبّاسٍ وعُثْمانَ وشَيْبَةَ، تَكَلَّمُوا في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ (p-٢٧١)قالَ: قالَ عَلِيٌّ لِلْعَبّاسِ: لَوْ هاجَرْتَ إلى المَدِينَةِ؟ قالَ: أوَ لَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ؟ ألَسْتُ أسْقِي الحاجَّ وأعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ لِلْمَدِينَةِ فَضْلَ دَرَجَةٍ عَلى مَكَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ سَيْرَيْنِ قالَ: قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مَكَّةَ فَقالَ لِلْعَبّاسِ: أيْ عَمِّ، ألا تُهاجِرُ؟ ألا تَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: أعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ وأحْجُبُ البَيْتَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ. وقالَ لِقَوْمٍ قَدْ سَمّاهم: ألا تُهاجِرُونَ؟ ألا تَلْحَقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالُوا: نُقِيمُ مَعَ إخْوانِنا وعَشائِرِنا ومَساكِنِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] الآيَةَ كُلَّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: افْتَخَرَ طَلْحَةُ بْنُ شَيْبَةَ والعَبّاسُ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ، مَعِي مِفْتاحُهُ. وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ والقائِمُ عَلَيْها. فَقالَ عَلِيٌّ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، لَقَدْ صَلَّيْتُ إلى القِبْلَةِ قَبْلَ النّاسِ، وأنا صاحِبُ الجِهادِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ كُلَّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلى العَبّاسِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، فَقالَ العَبّاسُ: أما واللَّهِ (p-٢٧٢)لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَحْجُبُ البَيْتَ ونَسَقِي الحاجَّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”فَضائِلِ الصَّحابَةِ“، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قَعَدَ العَبّاسُ وشَيْبَةُ صاحِبُ البَيْتِ يَفْتَخِرانِ، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: أنا أشْرَفُ مِنكَ؛ أنا عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ووَصِيُّ أبِيهِ، وساقَيِ الحَجِيجِ. فَقالَ شَيْبَةُ: أنا أشْرَفُ مِنكَ؛ أنا أمِينُ اللَّهِ عَلى بَيْتِهِ وخازِنُهُ، أفَلا ائْتَمَنَكَ كَما ائْتَمَنَنِي؟ فاطَّلَعَ عَلَيْهِما عَلِيٌّ فَأخْبَراهُ بِما قالا، فَقالَ عَلِيٌّ: أنا أشْرَفُ مِنكُما؛ أنا أوَّلُ مَن آمَنَ وهاجَرَ وجاهَدَ. فانْطَلَقُوا ثَلاثَتُهم إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرُوهُ، فَما أجابَهم بِشَيْءٍ، فانْصَرَفُوا، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بَعْدَ أيّامٍ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى آخِرِ العَشْرِ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ، أنَّهُ قَرَأ: (أجَعَلْتُمْ سِقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ) . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ «عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ قالَ: (p-٢٧٣)أرادُوا أنْ يَدَعُوا السِّقايَةَ والحِجابَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَدَعُوها، فَإنَّ لَكم فِيها خَيْرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «اشْرَبْ مِن سِقايَةِ العَبّاسِ فَإنَّها مِنَ السُّنَّةِ» . ولَفْظُ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ: فَإنَّها مِن تَمامِ الحَجِّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَ إلى السِّقايَةِ فاسْتَسْقى، فَقالَ العَبّاسُ: يا فَضْلُ، اذْهَبْ إلى أُمِّكَ فائْتِ رَسُولَ اللَّهِ بِشَرابٍ مِن عِنْدِها. فَقالَ: ”اسْقِنِي“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهم يَجْعَلُونَ أيْدِيَهم فِيهِ. فَقالَ: ”اسْقِنِي“ . فَشَرِبَ مِنهُ، ثُمَّ أتى زَمْزَمَ وهم يَسْقُونَ ويَعْمَلُونَ فِيها، فَقالَ: اعْمَلُوا، فَإنَّكم عَلى عَمَلٍ صالِحٍ، لَوْلا أنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتّى أضَعَ الحَبْلَ عَلى هَذِهِ. وأشارَ إلى عاتِقِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي مَحْذُورَةَ قالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأذانَ لَنا ولِمَوالِينا، والسِّقايَةَ لِبَنِي هاشِمٍ، والحِجابَةَ لِبَنِي عَبْدِ الدّارِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ قُلْتُ لِلْعَبّاسِ: سَلْ لَنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٢٧٤)الحِجابَةَ. فَسَألَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُعْطِيكم ما هو خَيْرٌ لَكم مِنها، السِّقايَةَ تَرْزَؤُكم ولا تُرْزَءُونَها» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والأزْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «اسْتَأْذَنَ العَبّاسُ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَبِيتَ لَيالِيَ مِنًى بِمَكَّةَ مِن أجْلِ سِقايَتِهِ فَأذِنَ لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «طافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ناقَتِهِ بِالبَيْتِ، مَعَهُ مِحْجَنٌ يَسْتَلِمُ بِهِ الحَجَرَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أتى السِّقايَةَ يَسْتَسْقِي فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا نَأْتِيكَ بِماءٍ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي؟ قالَ: بَلى فاسْقُونِي. فَسَقَوْهُ، ثُمَّ أتى زَمْزَمَ فَقالَ: اسْتَقُوا لِي مِنها دَلْوًا. فَأخْرَجُوا مِنها دَلْوًا فَمَضْمَضَ مِنهُ ثُمَّ مَجَّهُ فِيهِ ثُمَّ قالَ: أعِيدُوهُ. ثُمَّ قالَ: إنَّكم لَعَلى عَمَلٍ صالِحٍ. ثُمَّ قالَ: لَوْلا أنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ لَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُ مَعَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ تَمّامٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: أرَأيْتَ ما تَسْقُونَ النّاسَ مِن نَبِيذِ هَذا الزَّبِيبِ، أسُنَّةٌ تَتَّبِعُونَها أمْ تَجِدُونَ هَذا أهْوَنَ عَلَيْكم مِنَ اللَّبَنِ والعَسَلِ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتى العَبّاسَ وهو يَسْقِي النّاسَ فَقالَ: اسْقِنِي. فَدَعا العَبّاسُ بِعِساسٍ مِن نَبِيذٍ، فَتَناوَلَ (p-٢٧٥)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُسًّا مِنها، فَشَرِبَ ثُمَّ قالَ: أحْسَنْتُمْ، هَكَذا فاصْنَعُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما يَسُرُّنِي أنَّ سِقايَتَها جَرَتْ عَلَيَّ لَبَنًا وعَسَلًا مَكانَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أحْسَنْتُمْ، هَكَذا فافْعَلُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: اشْرَبْ مِن سِقايَةِ آلِ العَبّاسِ؛ فَإنَّها مِنَ السُّنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ قالَ: زَمْزَمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، والأزْرَقِيُّ في ”تارِيخِ مَكَّةَ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أوَّلُ ما ذُكِرَ مِن عَبْدِ المُطَّلِبِ جَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ قُرَيْشًا خَرَجَتْ مِنَ الحَرَمِ فارَّةً مِن أصْحابِ الفِيلِ وهو غُلامٌ شابٌّ، فَقالَ: واللَّهِ لا أخْرُجُ مِن حَرَمِ اللَّهِ أبْتَغِي العِزَّ في غَيْرِهِ. فَجَلَسَ عِنْدَ البَيْتِ، وأجْلَتْ عَنْهُ قُرَيْشٌ، فَقالَ: لاهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ رِحالَكْ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم وضَلالُهم عَدْوًا مِحالَكْ فَلَمْ يَزَلْ ثابِتًا في الحَرَمِ حَتّى أهْلَكَ اللَّهُ الفِيلَ وأصْحابَهُ، فَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ وقَدْ (p-٢٧٦)عَظُمَ فِيها لِصَبْرِهِ وتَعْظِيمِهِ مَحارِمَ اللَّهِ، فَبَيْنَما هو في ذَلِكَ وقَدْ وُلِدَ لَهُ أكْبَرُ بَنِيهِ فَأدْرَكَ، وهو الحارِثُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَأُتِيَ عَبْدُ المُطَّلِبِ في المَنامِ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ، خَبِيئَةَ الشَّيْخِ الأعْظَمِ. فاسْتَيْقَظَ فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لِي. فَأُتِيَ في المَنامِ مَرَّةً أُخْرى، فَقِيلَ: احْفِرْ تُكْتَمَ بَيْنَ الفَرْثِ والدَّمِ، في مَبْحَثِ الغُرابِ، في قَرْيَةِ النَّمْلِ، مُسْتَقْبِلَ الأنْصابِ الحُمْرِ. فَقامَ عَبْدُ المُطَّلِبِ فَمَشى حَتّى جَلَسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ يَنْتَظِرُ ما سُمِّيَ لَهُ مِنَ الآياتِ، فَنُحِرَتْ بَقَرَةٌ بِالحَزْوَرَةِ، فانْفَلَتَتْ مِن جازِرِها بِحُشاشَةِ نَفْسِها حَتّى غَلَبَها المَوْتُ في المَسْجِدِ في مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَجُزِرَتْ تِلْكَ البَقَرَةُ في مَكانِها حَتّى احْتُمِلَ لَحْمُها، فَأقْبَلَ غُرابٌ يَهْوِي حَتّى وقَعَ في الفَرْثِ، فَبَحَثَ عَنْ قَرْيَةِ النَّمْلِ، فَقامَ عَبْدُ المُطَّلِبِ فَحَفَرَ هُنالِكَ، فَجاءَتْهُ قُرَيْشٌ فَقالَتْ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ: ما هَذا الصَّنِيعُ؟ إنّا لَمْ نَكُنْ نَزُنُّكَ بِالجَهْلٍ، لِمَ تَحْفِرُ في مَسْجِدِنا؟ فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنِّي لَحافِرٌ هَذا البِئْرَ، ومُجاهِدٌ مَن صَدَّنِي عَنْها. فَطَفِقَ هو ووَلَدُهُ الحارِثُ، ولَيْسَ لَهُ ولَدٌ يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ، فَسَفِهَ عَلَيْهِما يَوْمَئِذٍ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ فَنازَعُوهُما وقاتَلُوهُما وتَناهى عَنْهُ (p-٢٧٧)ناسٌ مِن قُرَيْشٍ؛ لِما يَعْلَمُونَ مِن عِتْقٍ نَسَبِهِ وصِدْقِهِ واجْتِهادِهِ في دِينِهِمْ، حَتّى إذا أمْكَنَ الحَفْرُ، واشْتَدَّ عَلَيْهِ الأذى، نَذَرَ إنْ وفى لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ أنْ يَنْحَرَ أحَدَهُمْ، ثُمَّ حَفَرَ حَتّى أدْرَكَ سُيُوفًا دُفِنَتْ في زَمْزَمَ حِينَ دُفِنَتْ، فَلَمّا رَأتْ قُرَيْشٌ أنَّهُ قَدْ أدْرَكَ السُّيُوفَ قالُوا: يا عَبْدَ المُطَّلِبِ، أجْدِنا مِمّا وجَدْتَ. فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: هَذِهِ السُّيُوفُ لِبَيْتِ اللَّهِ. فَحَفَرَ حَتّى أنْبَطَ الماءَ في التُّرابِ وبَحَرَها حَتّى لا تَنْزِفَ، وبَنى عَلَيْها حَوْضًا، فَطَفِقَ هو وابْنُهُ يَنْزِعانِ فَيَمْلَآنِ ذَلِكَ الحَوْضَ فَيَشْرَبُ مِنهُ الحاجُّ، فَيَكْسِرُهُ أُناسٌ حَسَدَةٌ مِن قُرَيْشٍ بِاللَّيْلِ فَيُصْلِحُهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ حِينَ يُصْبِحُ، فَلَمّا أكْثَرُوا فَسادَهُ دَعا عَبْدُ المُطَّلِبِ رَبَّهُ، فَأُرِيَ في المَنامِ فَقِيلَ لَهُ: قُلِ: اللَّهُمَّ لا أُحِلُّها لِمُغْتَسِلٍ، ولَكِنْ هي لِلشّارِبِينَ حِلٌّ وبِلٌّ. ثُمَّ كُفِيتَهم. فَقامَ عَبْدُ المُطَّلِبِ حِينَ اخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ في المَسْجِدِ، فَنادى بِالَّذِي أُرِيَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَكُنْ يُفْسِدُ حَوْضَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا رُمِيَ في جَسَدِهِ بِداءٍ، حَتّى تَرَكُوا حَوْضَهُ وسِقايَتَهُ. ثُمَّ تَزَوَّجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ النِّساءَ فَوُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ رَهْطٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ لَكَ نَحْرَ أحَدِهِمْ، وإنِّي أُقْرِعُ بَيْنَهُمْ، فَأصِبْ بِذَلِكَ مَن شِئْتَ. فَأقْرَعَ بَيْنَهم فَطارَتِ القُرْعَةُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، وكانَ أحَبَّ ولَدِهِ إلَيْهِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: اللَّهُمَّ أهُوَ أحَبُّ إلَيْكَ أمْ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ؟ ثُمَّ أقْرَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المِائَةِ مِنَ الإبِلِ فَطارَتِ (p-٢٧٨)القُرْعَةُ عَلى المِائَةِ مِنَ الإبِلِ، فَنَحَرَها عَبْدُ المُطَّلِبِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنِّي لَنائِمٌ في الحِجْرِ إذْ أتانِي آتٍ فَقالَ: احْفِرْ طَيْبَةَ. قُلْتُ: وما طَيْبَةُ؟ فَذَهَبَ عَنِّي، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ رَجَعْتُ إلى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجاءَنِي، فَقالَ: احْفِرْ بَرَّةَ. قُلْتُ: وما بَرَّةُ؟ فَذَهَبَ عَنِّي، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ رَجَعْتُ إلى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجاءَنِي، فَقالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ. فَقُلْتُ: وما زَمْزَمُ؟ قالَ: لا تَنْزِفُ ولا تُذَمُّ، تَسْقِي الحَجِيجَ الأعْظَمَ، عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ. قالَ: فَلَمّا أبانَ لَهُ شَأْنَها، ودُلَّ عَلى مَوْضِعِها، وعَرَفَ أنْ قَدْ صُدِقَ، غَدا بِمِعْوَلِهِ ومَعَهُ ابْنُهُ الحارِثُ، لَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ، فَحَفَرَ، فَلَمّا بَدا لِعَبْدِ المُطَّلِبِ الطَّيُّ كَبَّرَ، فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أنَّهُ قَدْ أدْرَكَ حاجَتَهُ، فَقامُوا إلَيْهِ فَقالُوا: يا عَبْدَ المُطَّلِبِ، إنَّها بِئْرُ إسْماعِيلَ، وإنَّ لَنا فِيها حَقًّا، فَأشْرِكْنا مَعَكَ فِيها. فَقالَ: ما أنا بِفاعِلٍ، إنَّ هَذا الأمْرَ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، وأُعْطِيتُهُ مِن بَيْنِكم. قالُوا: فَأنْصِفْنا فَإنّا غَيْرُ تارِكِيكَ حَتّى نُحاكِمَكَ. قالَ: فاجْعَلُوا بَيْنِي وبَيْنَكم مَن شِئْتُمْ أُحاكِمُكم إلَيْهِ. قالُوا: كاهِنَةَ بَنِي سَعْدِ هُذَيْمٍ؟ قالَ: نَعَمْ. وكانَتْ بِأشْرافِ الشّامِ، (p-٢٧٩)فَرَكِبَ عَبْدُ المُطَّلِبِ ومَعَهُ نَفَرٌ مِن بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، ورَكِبَ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ مِن قُرَيْشٍ نَفَرٌ، والأرْضُ إذْ ذاكَ مَفاوِزُ، فَخَرَجُوا حَتّى إذا كانُوا بِبَعْضِ المَفاوِزِ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ فَنِيَ ماءُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأصْحابِهِ فَظَمِئُوا حَتّى أيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ فاسْتَسْقَوْا مِمَّنْ مَعَهم مِن قَبائِلِ قُرَيْشٍ فَأبَوْا عَلَيْهِمْ وقالُوا: إنّا في مَفازَةٍ نَخْشى فِيها عَلى أنْفُسِنا مِثْلَ ما أصابَكم. فَلَمّا رَأى عَبْدُ المُطَّلِبِ ما صَنَعَ القَوْمُ وما يَتَخَوَّفُ عَلى نَفْسِهِ وأصْحابِهِ قالَ: ماذا تَرَوْنَ؟ قالُوا: ما رَأْيُنا إلّا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ، فَمُرْنا بِما شِئْتَ. قالَ: فَإنِّي أرى أنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنكم لِنَفْسِهِ؛ لِما بِكُمُ الآنَ مِنَ القُوَّةِ، كُلَّما ماتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أصْحابُهُ في حُفْرَتِهِ ثُمَّ وارَوْهُ، حَتّى يَكُونَ آخِرُكم رَجُلًا، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ واحِدٍ أيْسَرُ مِن ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا. قالُوا: سَمِعْنا ما أرَدْتَ. فَقامَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم يَحْفِرُ حُفْرَتَهُ، ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ المَوْتَ عَطَشًا، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ قالَ لِأصْحابِهِ: واللَّهِ إنَّ إلْقاءَنا بِأيْدِينا لَعَجْزٌ، ما نَبْتَغِي لِأنْفُسِنا حِيلَةً؟ عَسى اللَّهُ أنْ يَرْزُقَنا ماءً بِبَعْضِ البِلادِ، ارْتَحِلُوا. فارْتَحَلُوا حَتّى فَرَغُوا ومِن مَعَهم مِن قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ وما هم فاعِلُونَ، فَقامَ عَبْدُ المُطَّلِبِ إلى راحِلَتِهِ فَرَكِبَها، فَلَمّا انْبَعَثَتِ انْفَجَرَتْ مِن تَحْتِ خُفِّها عَيْنٌ مِن ماءٍ عَذْبٍ فَكَبَّرَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وكَبَّرَ أصْحابُهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَشَرِبَ وشَرِبُوا، واسْتَقَوْا حَتّى مَلَأُوا أسْقِيَتَهُمْ، ثُمَّ دَعا القَبائِلَ الَّتِي مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ فَقالَ: هَلُمَّ الماءَ، قَدْ سَقانا اللَّهُ تَعالى فاشْرَبُوا واسْتَقُوا. فَقالَتِ القَبائِلُ الَّتِي نازَعَتْهُ: قَدْ - واللَّهِ - قَضى اللَّهُ لَكَ يا عَبْدَ (p-٢٨٠)المُطَّلِبِ، واللَّهِ لا نُخاصِمُكَ في زَمْزَمَ أبَدًا؛ الَّذِي سَقاكَ هَذا الماءَ بِهَذِهِ الفَلاةِ هو الَّذِي سَقاكَ زَمْزَمَ، فارْجِعْ إلى سِقايَتِكَ راشِدًا. فَرَجَعَ ورَجَعُوا مَعَهُ ولَمْ يَمْضُوا إلى الكاهِنَةِ، وخَلُّوا بَيْنَهُ وبَيْنَ زَمْزَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، والفاكِهِيُّ في ”تارِيخِ مَكَّةَ“، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ» . وأخْرَجَ المُسْتَغْفِرِيُّ في ”الطِّبِّ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ؛ مَن شَرِبَهُ لِمَرَضٍ شَفاهُ اللَّهُ، أوْ لِجُوعٍ أشْبَعَهُ اللَّهُ، أوْ لِحاجَةٍ قَضاها اللَّهُ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في ”المُجالَسَةِ“ عَنِ الحُمَيْدِيِّ، وهو شَيْخُ البُخارِيِّ، قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَحَدَّثَنا بِحَدِيثِ: ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ. فَقامَ رَجُلٌ مِنَ (p-٢٨١)المَجْلِسِ، ثُمَّ عادَ فَقالَ: يا أبا مُحَمَّدٍ، ألَيْسَ الحَدِيثُ الَّذِي قَدْ حَدَّثْتَنا في زَمْزَمَ صَحِيحًا؟ فَقالَ: بَلى. فَقالَ الرَّجُلُ: فَإنِّي شَرِبْتُ الآنَ دَلْوًا مِن زَمْزَمَ عَلى أنْ تُحَدِّثَنِي بِمِائَةِ حَدِيثٍ. فَقالَ لَهُ سُفْيانُ: اقْعُدْ. فَقَعَدَ فَحَدَّثَهُ بِمِائَةِ حَدِيثٍ. وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ في ”تارِيخِ مَكَّةَ“ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: حَجَّ مُعاوِيَةُ وحَجَجْنا مَعَهُ، فَلَمّا طافَ بِالبَيْتِ صَلّى عِنْدَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ مَرَّ بِزَمْزَمَ وهو خارِجٌ إلى الصَّفا، فَقالَ: يا غُلامُ، انْزِعْ لِي مِنها دَلْوًا. فَنَزَعَ لَهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ وصَبَّ عَلى وجْهِهِ، وخَرَجَ وهو يَقُولُ: ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ» . وأخْرَجَ الحافِظَ أبُو الوَلِيدِ بْنُ الدَّبّاغِ في ”فَوائِدِهِ“، والبَيْهَقِيُّ، والخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ قالَ: رَأيْتُ ابْنَ المُبارَكِ أتى زَمْزَمَ فَمَلَأ إناءً ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الكَعْبَةَ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ ابْنَ أبِي المَوالِي حَدَّثَنا، عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ» . وهو ذا، أشْرَبُ هَذا لِعَطَشِ يَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ شَرِبَهُ. (p-٢٨٢)وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَتْ لَهُ» . قالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: وحَدَّثَنِي أبِي قالَ: دَخَلْتُ الطَّوافَ في لَيْلَةٍ ظَلْماءَ، فَأخَذَنِي مِنَ البَوْلِ ما شَغَلَنِي، فَجَعَلْتُ أعْتَصِرُ حَتّى آذانِي، وخِفْتُ إنَّ خَرَجْتُ مِنَ المَسْجِدِ أنْ أطَأ بَعْضَ تِلْكَ الأقْذارِ وذَلِكَ أيّامَ الحاجِّ، فَذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ، فَدَخَلْتُ زَمْزَمَ فَتَضَلَّعْتُ مِنهُ، فَذَهَبَ عَنِّي إلى الصَّباحِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ ماءٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ زَمْزَمُ، فِيهِ طَعامٌ مِنَ الطُّعْمِ وشِفاءٌ مِنَ السُّقْمِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والفاكِهِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: زَمْزَمُ خَيْرُ ماءٍ يُعْلَمُ؛ طَعامُ طُعْمٍ، وشِفاءُ سُقْمٍ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ ماءَ زَمْزَمَ في القَوارِيرِ، وتَذْكُرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ (p-٢٨٣)ذَلِكَ، وكانَ يَصُبُّ عَلى المَرْضى ويَسْقِيهِمْ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في ”مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ“ عَنْ صَفِيَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ماءُ زَمْزَمَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ؛ فَإنْ شَرِبْتَهُ تَشْتَفِي بِهِ شَفاكَ اللَّهُ، وإنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذًا أعاذَكَ اللَّهُ، وإنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأكَ قَطَعَهُ اللَّهُ، وإنْ شَرِبْتَهُ لِشِبَعِكَ أشْبَعَكَ اللَّهُ، وهي هَزْمَةُ جِبْرِيلَ وسُقْيا إسْمَعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ» . قالَ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا شَرِبَ ماءَ زَمْزَمَ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ عِلْمًا نافِعًا، ورِزْقًا واسِعًا، وشِفاءً مِن كُلِّ داءٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عُثْمانَ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: مِن أيْنَ جِئْتَ؟ قالَ: شَرِبْتُ مِن زَمْزَمَ. فَقالَ: أشَرِبْتَ مِنها كَما (p-٢٨٤)يَنْبَغِي؟ قالَ: وكَيْفَ ذاكَ يا أبا عَبّاسٍ؟ قالَ: إذا شَرِبْتَ مِنها فاسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، واشْرَبْ وتَنَفَّسْ ثَلاثًا، وتَضَلَّعْ مِنها، فَإذا فَرَغْتَ فاحْمَدِ اللَّهَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: آيَةُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ المُنافِقِينَ أنَّهم لا يَتَضَلَّعُونَ مِن زَمْزَمَ» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُفَّةِ زَمْزَمَ، فَأمَرَ بِدَلْوٍ فَنُزِعَ لَهُ مِنَ البِئْرِ، فَوَضَعَها عَلى شَفَةِ البِئْرِ، ثُمَّ وضَعَ يَدَهُ مِن تَحْتِ عَراقِيِّ الدَّلْوِ، ثُمَّ قالَ: بِاسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ كَرَعَ فِيها فَأطالَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. ثُمَّ دَعا فَقالَ: بِاسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ كَرَعَ فِيها فَأطالَ، وهو دُونُ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. ثُمَّ دَعا فَقالَ: بِاسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ كَرَعَ فِيها فَأطالَ، وهو دُونُ الثّانِي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلامَةُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ المُنافِقِينَ، لَمْ يَشْرَبُوا مِنها قَطُّ حَتّى يَتَضَلَّعُوا» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «التَّضَلُّعُ مِن ماءِ زَمْزَمَ بَراءَةٌ مِنَ النِّفاقِ» . (p-٢٨٥)وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «عَلامَةُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ المُنافِقِينَ، أنْ يُدْلُوا دَلْوًا مِن ماءٍ زَمْزَمَ فَيَتَضَلَّعُوا مِنها، ما اسْتَطاعَ مُنافِقٌ قَطُّ أنْ يَتَضَلَّعَ مِنها» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ التَّضَلُّعَ مِن ماءِ زَمْزَمَ بَراءَةٌ مِنِ النِّفاقِ، وأنَّ ماءَها مُذْهِبٌ بِالصُّداعِ، وأنَّ الِاطِّلاعَ فِيها يَجْلُو البَصَرَ، وأنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْها زَمانٌ تَكُونُ أعْذَبَ مِنَ النِّيلِ والفُراتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والأزْرَقِيُّ والفاكِهِيُّ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنِّي لَأجِدُ في كِتابِ اللَّهِ المُنَزَّلِ، أنَّ زَمْزَمَ طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والأزْرَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ خُثَيْمٍ قالَ: قَدِمَ عَلَيْنا وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ مَكَّةَ، فاشْتَكى، فَجِئْنا نَعُودُهُ، فَإذا عِنْدَهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَقُلْنا: لَوِ اسْتَعْذَبْتَ فَإنَّ هَذا ماءٌ فِيهِ غِلَظٌ. قالَ: ما أُرِيدُ أنْ أشْرَبَ حَتّى أخْرُجَ مِنها غَيْرَهُ، والَّذِي نَفْسُ وهْبٍ بِيَدِهِ، إنَّها لَفي كِتابِ اللَّهِ زَمْزَمُ لا تُنْزَفُ ولا تُذَمُّ، وإنَّها لَفي كِتابِ اللَّهِ بَرَّةٌ، شَرابُ الأبْرارِ، وإنَّها لَفي كِتابِ اللَّهِ مَضْنُونَةٌ، وإنَّها لَفي كِتابِ اللَّهِ طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ، والَّذِي نَفْسُ وهْبٍ بِيَدِهِ، لا يَعْمِدُ إلَيْها أحَدٌ فَيَشْرَبُ مِنها حَتّى يَتَضَلَّعَ، إلّا نَزَعَتْ (p-٢٨٦)مِنهُ داءً وأحْدَثَتْ لَهُ شِفاءً. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ كَعْبٍ، أنَّهُ قالَ لِزَمْزَمَ: إنّا نَجِدُها مَضْنُونَةً ضُنَّ بِها لَكُمْ، وأوَّلُ مَن سُقِيَ ماءَها إسْماعِيلُ، طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والأزْرَقِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ، إنْ شَرِبْتَهُ تُرِيدُ الشِّفاءَ شَفاكَ اللَّهُ وإنْ شَرِبْتَهُ لِظَمَأٍ أرْواكَ اللَّهُ، وإنْ شَرِبْتَهُ لِجُوعٍ أشْبَعَكَ اللَّهُ، وهي هَزْمَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَقِبِهِ، وسُقْيا اللَّهِ لِإسْماعِيلَ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: خَيْرُ وادِيَيْنِ في النّاسِ وادِي مَكَّةَ، ووادٍ بِالهِنْدِ الَّذِي هَبَطَ بِهِ آدَمُ، ومِنهُ يُؤْتى بِهَذا الطِّيبِ الَّذِي تَطَيَّبُونَ بِهِ، وشَرُّ وادِيَيْنِ في النّاسِ وادٍ بِالأحْقافِ، ووادٍ بِحَضْرَمَوْتَ يُقالُ لَهُ: بَرَهُوتُ. وخَيْرُ بِئْرٍ في النّاسِ بِئْرُ زَمْزَمَ، وشَرُّ بِئْرٍ في النّاسِ بِئْرُ بَرَهُوتُ، وإلَيْها تَجْتَمِعُ أرْواحُ الكُفّارِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: صَلُّوا في مُصَلّى الأخْيارِ، واشْرَبُوا مِن شَرابِ الأبْرارِ. قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما مُصَلّى الأخْيارِ؟ قالَ: (p-٢٨٧)تَحْتَ المِيزابِ. قِيلَ: وما شَرابُ الأبْرارِ؟ قالَ: ماءُ زَمْزَمَ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: سَمِعْتُ أنَّهُ يُقالُ: خَيْرُ ماءٍ في الأرْضِ ماءُ زَمْزَمَ، وشَرُّ ماءٍ في الأرْضِ ماءُ بَرْهُوتُ؛ شِعْبٌ مِن شِعابِ حَضْرَمَوْتَ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: إنَّ إيلِيا وزَمْزَمَ لَيَتَعارَفانِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خالِدٍ قالَ: بَيْنَما أنا لَيْلَةً في جَوْفِ اللَّيْلِ عِنْدَ زَمْزَمَ جالِسٌ، إذا نَفَرٌ يَطُوفُونَ، عَلَيْهِمْ ثِيابٌ بِيضٌ لَمْ أرَ بَياضَ ثِيابِهِمْ بِشَيْءٍ قَطُّ، فَلَمّا فَرَغُوا صَلَّوْا قَرِيبًا مِنِّي فالتَفَتَ بَعْضُهم فَقالَ لِأصْحابِهِ: اذْهَبُوا بِنا نَشْرَبْ مِن شَرابِ الأبْرارِ، فَقامُوا فَدَخَلُوا زَمْزَمَ، فَقُلْتُ: واللَّهِ لَوْ دَخَلْتُ عَلى القَوْمِ فَسَألْتُهم. فَقُمْتُ فَدَخَلْتُ فَإذا لَيْسَ فِيها أحَدٌ مِنَ البَشَرِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: تَنافَسَ النّاسُ في زَمْزَمَ في الجاهِلِيَّةِ، حَتّى إنْ كانَ أهْلُ العِيالِ يَغْدُونَ بِعِيالِهِمْ فَيَشْرَبُونَ، فَيَكُونُ صَبُوحًا لَهم وقَدْ كُنّا نَعُدُّها عَوْنًا عَلى العِيالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والأزْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ زَمْزَمُ تُسَمّى (p-٢٨٨)فِي الجاهِلِيَّةِ شُباعَةَ، ويُزْعَمُ أنَّها نِعْمَ العَوْنُ عَلى العِيالِ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والأزْرَقِيُّ، والبَزّارُ، وأبُو عَوانَةَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَتّى كَنْتَ هَهُنا؟ قُلْتُ: أرْبَعَ عَشْرَةَ. وفي لَفْظٍ: قُلْتُ: ثَلاثِينَ، بَيْنِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. قالَ: مَن كانَ يُطْعِمُكَ؟ قُلْتُ: ما كانَ لِي طَعامٌ ولا شَرابٌ إلّا ماءَ زَمْزَمَ، فَما أجِدُ عَلى كَبِدِي سَخَقَةُ جُوعٍ، ولَقَدْ تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي. قالَ: إنَّها مُبارَكَةٌ، إنَّها طَعامُ طُعْمٍ. زادِ الطَّيالِسِيُّ: وشِفاءُ سُقْمٍ» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ رَباحِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: كُنْتُ مَعَ أهْلِي بِالبادِيَةِ، فابْتُعْتُ، بِمَكَّةَ فَأُعْتِقْتُ، فَمَكَثْتُ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا أجِدُ شَيْئًا آكُلُهُ فَكُنْتُ أشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ فَشَرِبْتُ يَوْمًا فَإذا أنا بِصَرِيفِ اللَّبَنِ مِن بَيْنِ ثَنايايَ، فَقُلْتُ: لَعَلِّي ناعِسٌ. فانْطَلَقْتُ وأنا أجِدُ قُوَّةَ اللَّبَنِ وشِبَعَهُ. (p-٢٨٩)وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ، أنَّ راعِيًا كانَ يَرْعى وكانَ مِنَ العُبّادِ فَكانَ إذا ظَمِئَ وجَدَ فِيها لَبَنًا، وإذا أرادَ أنْ يَتَوَضَّأ وجَدَ فِيها ماءً. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ المِياهَ العَذْبَةَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ غَيْرَ زَمْزَمَ، فَتَغُورُ المِياهُ غَيْرَ زَمْزَمَ، وتُلْقِي الأرْضُ ما في بَطْنِها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، ويَجِيءُ الرَّجُلُ بِالجِرابِ فِيهِ الذَّهَبُ والفِضَّةُ فَيَقُولُ: مَن يَقْبَلُ هَذا مِنِّي؟ فَيَقُولُ: لَوْ أتَيْتَنِي بِهِ أمْسِ قَبِلْتُهُ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: رَأيْتُ عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ في المَسْجِدِ الحَرامِ وهو يَطُوفُ حَوْلَ زَمْزَمَ، يَقُولُ: لا أُحِلُّها لِمُغْتَسِلٍ، وهي لِمُتَوَضِّئٍ وشارِبٍ حِلٍّ وبِلٌّ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي حُسَيْنٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَسْتَهْدِيهِ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَبَعَثَ لَهُ بِراوِيَتَيْنِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والأزْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أبِي حُسَيْنٍ، واسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو: إنْ جاءَكَ كِتابِي لَيْلًا فَلا تُصْبِحَنَّ، وإنْ جاءَكَ نَهارًا فَلا (p-٢٩٠)تُمْسِيَنَّ حَتّى تَبْعَثَ إلَيَّ بِماءٍ مِن ماءِ زَمْزَمَ. فَمَلَأ لَهُ مَزادَتَيْنِ، وبَعَثَ بِهِما عَلى بَعِيرٍ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَهْدى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِن ماءِ زَمْزَمَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أُمِّ أيْمَنَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَكا صَغِيرًا ولا كَبِيرًا، جُوعًا ولا عَطَشًا، كانَ يَغْدُو فَيَشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَأعْرِضُ عَلَيْهِ الغَداءَ فَيَقُولُ: لا أُرِيدُهُ، أنا شَبْعانُ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «خَمْسٌ مِنَ العِبادَةِ؛ النَّظَرُ إلى المُصْحَفِ، والنَّظَرُ إلى الكَعْبَةِ، والنَّظَرُ إلى الوالِدَيْنِ، والنَّظَرُ في زَمْزَمَ، وهي تَحُطُّ الخَطايا، والنَّظَرُ في وجْهِ العالِمِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ كانَ إذا شَرِبَ مِن زَمْزَمَ قالَ: هي لِما شُرِبَتْ لَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن رَجُلٍ يَشْرَبُ مِن (p-٢٩١)ماءِ زَمْزَمَ حَتّى يَتَضَلَّعَ، إلّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ داءً مِن جَوْفِهِ، ومَن شَرِبَهُ لِعَطَشٍ رَوِيَ، ومَن شَرِبَهُ لِجُوعٍ شَبِعَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: ماءُ زَمْزَمَ طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ. وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَيْنًا لَهُ إلى مَكَّةَ، فَأقامَ بِها لَيالِيَ يَشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَلَمّا رَجَعَ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما كانَ عَيْشُكَ؟ فَأخْبَرَهُ أنَّهُ كانَ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِن مائِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّها شِفاءٌ مِن سُقْمٍ وطَعامٌ مِن طُعْمٍ» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كانَ إذا أرادَ أنْ يُتْحِفَ الرَّجُلَ بِتُحْفَةٍ سَقاهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ» . وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ أتْحَفَهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، ولا أطْعَمَ قَوْمًا طَعامًا إلّا سَقاهم مِن ماءِ زَمْزَمَ. وأخْرَجَ أبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ مَكَّةَ لا يُسابِقُهم أحَدٌ إلّا سَبَقُوهُ، ولا يُصارِعُهم أحَدٌ إلّا صَرَعُوهُ، حَتّى رَغِبُوا عَنْ ماءِ زَمْزَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ مُجاهِدٍ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ إذا ودَّعُوا (p-٢٩٢)البَيْتَ أنْ يَأْتُوا زَمْزَمَ فَيَشْرَبُوا مِنها. وأخْرَجَ السَّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ عَنِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: زَمْزَمُ شَرابُ الأبْرارِ، والحِجْرُ مُصَلّى الأخْيارِ.

التوبة 9:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي ألّا أعْمَلَ لِلَّهِ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ. وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ. وقالَ آخَرُ: بَلِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ. فَزَجَرَهم عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ - ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَفْتَيْتُهُ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [التوبة»: ١٩] (p-٢٦٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ: وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وقِيامٌ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وجاهَدَ. فَكانُوا يَفْخَرُونَ بِالحَرَمِ ويَسْتَكْبِرُونَ بِهِ، مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ وعُمّارُهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ اسْتِكْبارَهم وإعْراضَهُمْ، فَقالَ لِأهْلِ الحَرَمِ مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالحَرَمِ، وقالَ: ﴿بِهِ سامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] كانُوا بِهِ يَسْمُرُونَ، ويَهْجُرُونَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيِّ ﷺ، فَخَيَّرَ الإيمانَ بِاللَّهِ والجِهادَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ عَلى عُمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ، ولَمْ يَكُنْ يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ الشِّرْكَ بِهِ، وإنْ كانُوا يَعْمُرُونَ بَيْتَهُ ويَخْدِمُونَهُ؛ قالَ اللَّهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهم أهْلُ العِمارَةِ، فَسَمّاهُمُ اللَّهُ ظالِمِينَ بِشِرْكِهِمْ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمُ العِمارَةُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ العَبّاسُ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: إنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسَقِي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانِيَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ. يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ كانَ في الشِّرْكِ، فَلا أقْبَلُ ما كانَ في الشِّرْكِ. (p-٢٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ والعَبّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: تَفاخَرَ عَلِيٌّ والعَبّاسُ وشَيْبَةُ في السِّقايَةِ والحِجابَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ . الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ في عَبّاسٍ وعَلِيٍّ، تَكَلَّما في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ والعَبّاسِ مُنازَعَةٌ، فَقالَ العَبّاسُ لِعَلِيٍّ: أنا عَمُّ النَّبِيِّ وأنْتَ ابْنُ عَمِّهِ، وإلَيَّ سِقايَةُ الحاجِّ وعِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وعَبّاسٍ وعُثْمانَ وشَيْبَةَ، تَكَلَّمُوا في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ (p-٢٧١)قالَ: قالَ عَلِيٌّ لِلْعَبّاسِ: لَوْ هاجَرْتَ إلى المَدِينَةِ؟ قالَ: أوَ لَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ؟ ألَسْتُ أسْقِي الحاجَّ وأعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ لِلْمَدِينَةِ فَضْلَ دَرَجَةٍ عَلى مَكَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ سَيْرَيْنِ قالَ: قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مَكَّةَ فَقالَ لِلْعَبّاسِ: أيْ عَمِّ، ألا تُهاجِرُ؟ ألا تَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: أعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ وأحْجُبُ البَيْتَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ. وقالَ لِقَوْمٍ قَدْ سَمّاهم: ألا تُهاجِرُونَ؟ ألا تَلْحَقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالُوا: نُقِيمُ مَعَ إخْوانِنا وعَشائِرِنا ومَساكِنِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] الآيَةَ كُلَّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: افْتَخَرَ طَلْحَةُ بْنُ شَيْبَةَ والعَبّاسُ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ، مَعِي مِفْتاحُهُ. وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ والقائِمُ عَلَيْها. فَقالَ عَلِيٌّ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، لَقَدْ صَلَّيْتُ إلى القِبْلَةِ قَبْلَ النّاسِ، وأنا صاحِبُ الجِهادِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ كُلَّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلى العَبّاسِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، فَقالَ العَبّاسُ: أما واللَّهِ (p-٢٧٢)لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَحْجُبُ البَيْتَ ونَسَقِي الحاجَّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”فَضائِلِ الصَّحابَةِ“، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قَعَدَ العَبّاسُ وشَيْبَةُ صاحِبُ البَيْتِ يَفْتَخِرانِ، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: أنا أشْرَفُ مِنكَ؛ أنا عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ووَصِيُّ أبِيهِ، وساقَيِ الحَجِيجِ. فَقالَ شَيْبَةُ: أنا أشْرَفُ مِنكَ؛ أنا أمِينُ اللَّهِ عَلى بَيْتِهِ وخازِنُهُ، أفَلا ائْتَمَنَكَ كَما ائْتَمَنَنِي؟ فاطَّلَعَ عَلَيْهِما عَلِيٌّ فَأخْبَراهُ بِما قالا، فَقالَ عَلِيٌّ: أنا أشْرَفُ مِنكُما؛ أنا أوَّلُ مَن آمَنَ وهاجَرَ وجاهَدَ. فانْطَلَقُوا ثَلاثَتُهم إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرُوهُ، فَما أجابَهم بِشَيْءٍ، فانْصَرَفُوا، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بَعْدَ أيّامٍ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى آخِرِ العَشْرِ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ، أنَّهُ قَرَأ: (أجَعَلْتُمْ سِقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ) . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ «عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ قالَ: (p-٢٧٣)أرادُوا أنْ يَدَعُوا السِّقايَةَ والحِجابَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَدَعُوها، فَإنَّ لَكم فِيها خَيْرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «اشْرَبْ مِن سِقايَةِ العَبّاسِ فَإنَّها مِنَ السُّنَّةِ» . ولَفْظُ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ: فَإنَّها مِن تَمامِ الحَجِّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَ إلى السِّقايَةِ فاسْتَسْقى، فَقالَ العَبّاسُ: يا فَضْلُ، اذْهَبْ إلى أُمِّكَ فائْتِ رَسُولَ اللَّهِ بِشَرابٍ مِن عِنْدِها. فَقالَ: ”اسْقِنِي“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهم يَجْعَلُونَ أيْدِيَهم فِيهِ. فَقالَ: ”اسْقِنِي“ . فَشَرِبَ مِنهُ، ثُمَّ أتى زَمْزَمَ وهم يَسْقُونَ ويَعْمَلُونَ فِيها، فَقالَ: اعْمَلُوا، فَإنَّكم عَلى عَمَلٍ صالِحٍ، لَوْلا أنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتّى أضَعَ الحَبْلَ عَلى هَذِهِ. وأشارَ إلى عاتِقِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي مَحْذُورَةَ قالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأذانَ لَنا ولِمَوالِينا، والسِّقايَةَ لِبَنِي هاشِمٍ، والحِجابَةَ لِبَنِي عَبْدِ الدّارِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ قُلْتُ لِلْعَبّاسِ: سَلْ لَنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٢٧٤)الحِجابَةَ. فَسَألَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُعْطِيكم ما هو خَيْرٌ لَكم مِنها، السِّقايَةَ تَرْزَؤُكم ولا تُرْزَءُونَها» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والأزْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «اسْتَأْذَنَ العَبّاسُ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَبِيتَ لَيالِيَ مِنًى بِمَكَّةَ مِن أجْلِ سِقايَتِهِ فَأذِنَ لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «طافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ناقَتِهِ بِالبَيْتِ، مَعَهُ مِحْجَنٌ يَسْتَلِمُ بِهِ الحَجَرَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أتى السِّقايَةَ يَسْتَسْقِي فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا نَأْتِيكَ بِماءٍ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي؟ قالَ: بَلى فاسْقُونِي. فَسَقَوْهُ، ثُمَّ أتى زَمْزَمَ فَقالَ: اسْتَقُوا لِي مِنها دَلْوًا. فَأخْرَجُوا مِنها دَلْوًا فَمَضْمَضَ مِنهُ ثُمَّ مَجَّهُ فِيهِ ثُمَّ قالَ: أعِيدُوهُ. ثُمَّ قالَ: إنَّكم لَعَلى عَمَلٍ صالِحٍ. ثُمَّ قالَ: لَوْلا أنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ لَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُ مَعَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ تَمّامٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: أرَأيْتَ ما تَسْقُونَ النّاسَ مِن نَبِيذِ هَذا الزَّبِيبِ، أسُنَّةٌ تَتَّبِعُونَها أمْ تَجِدُونَ هَذا أهْوَنَ عَلَيْكم مِنَ اللَّبَنِ والعَسَلِ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتى العَبّاسَ وهو يَسْقِي النّاسَ فَقالَ: اسْقِنِي. فَدَعا العَبّاسُ بِعِساسٍ مِن نَبِيذٍ، فَتَناوَلَ (p-٢٧٥)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُسًّا مِنها، فَشَرِبَ ثُمَّ قالَ: أحْسَنْتُمْ، هَكَذا فاصْنَعُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما يَسُرُّنِي أنَّ سِقايَتَها جَرَتْ عَلَيَّ لَبَنًا وعَسَلًا مَكانَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أحْسَنْتُمْ، هَكَذا فافْعَلُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: اشْرَبْ مِن سِقايَةِ آلِ العَبّاسِ؛ فَإنَّها مِنَ السُّنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ قالَ: زَمْزَمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، والأزْرَقِيُّ في ”تارِيخِ مَكَّةَ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أوَّلُ ما ذُكِرَ مِن عَبْدِ المُطَّلِبِ جَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ قُرَيْشًا خَرَجَتْ مِنَ الحَرَمِ فارَّةً مِن أصْحابِ الفِيلِ وهو غُلامٌ شابٌّ، فَقالَ: واللَّهِ لا أخْرُجُ مِن حَرَمِ اللَّهِ أبْتَغِي العِزَّ في غَيْرِهِ. فَجَلَسَ عِنْدَ البَيْتِ، وأجْلَتْ عَنْهُ قُرَيْشٌ، فَقالَ: لاهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ رِحالَكْ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم وضَلالُهم عَدْوًا مِحالَكْ فَلَمْ يَزَلْ ثابِتًا في الحَرَمِ حَتّى أهْلَكَ اللَّهُ الفِيلَ وأصْحابَهُ، فَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ وقَدْ (p-٢٧٦)عَظُمَ فِيها لِصَبْرِهِ وتَعْظِيمِهِ مَحارِمَ اللَّهِ، فَبَيْنَما هو في ذَلِكَ وقَدْ وُلِدَ لَهُ أكْبَرُ بَنِيهِ فَأدْرَكَ، وهو الحارِثُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَأُتِيَ عَبْدُ المُطَّلِبِ في المَنامِ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ، خَبِيئَةَ الشَّيْخِ الأعْظَمِ. فاسْتَيْقَظَ فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لِي. فَأُتِيَ في المَنامِ مَرَّةً أُخْرى، فَقِيلَ: احْفِرْ تُكْتَمَ بَيْنَ الفَرْثِ والدَّمِ، في مَبْحَثِ الغُرابِ، في قَرْيَةِ النَّمْلِ، مُسْتَقْبِلَ الأنْصابِ الحُمْرِ. فَقامَ عَبْدُ المُطَّلِبِ فَمَشى حَتّى جَلَسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ يَنْتَظِرُ ما سُمِّيَ لَهُ مِنَ الآياتِ، فَنُحِرَتْ بَقَرَةٌ بِالحَزْوَرَةِ، فانْفَلَتَتْ مِن جازِرِها بِحُشاشَةِ نَفْسِها حَتّى غَلَبَها المَوْتُ في المَسْجِدِ في مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَجُزِرَتْ تِلْكَ البَقَرَةُ في مَكانِها حَتّى احْتُمِلَ لَحْمُها، فَأقْبَلَ غُرابٌ يَهْوِي حَتّى وقَعَ في الفَرْثِ، فَبَحَثَ عَنْ قَرْيَةِ النَّمْلِ، فَقامَ عَبْدُ المُطَّلِبِ فَحَفَرَ هُنالِكَ، فَجاءَتْهُ قُرَيْشٌ فَقالَتْ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ: ما هَذا الصَّنِيعُ؟ إنّا لَمْ نَكُنْ نَزُنُّكَ بِالجَهْلٍ، لِمَ تَحْفِرُ في مَسْجِدِنا؟ فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنِّي لَحافِرٌ هَذا البِئْرَ، ومُجاهِدٌ مَن صَدَّنِي عَنْها. فَطَفِقَ هو ووَلَدُهُ الحارِثُ، ولَيْسَ لَهُ ولَدٌ يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ، فَسَفِهَ عَلَيْهِما يَوْمَئِذٍ ناسٌ مِن قُرَيْشٍ فَنازَعُوهُما وقاتَلُوهُما وتَناهى عَنْهُ (p-٢٧٧)ناسٌ مِن قُرَيْشٍ؛ لِما يَعْلَمُونَ مِن عِتْقٍ نَسَبِهِ وصِدْقِهِ واجْتِهادِهِ في دِينِهِمْ، حَتّى إذا أمْكَنَ الحَفْرُ، واشْتَدَّ عَلَيْهِ الأذى، نَذَرَ إنْ وفى لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ أنْ يَنْحَرَ أحَدَهُمْ، ثُمَّ حَفَرَ حَتّى أدْرَكَ سُيُوفًا دُفِنَتْ في زَمْزَمَ حِينَ دُفِنَتْ، فَلَمّا رَأتْ قُرَيْشٌ أنَّهُ قَدْ أدْرَكَ السُّيُوفَ قالُوا: يا عَبْدَ المُطَّلِبِ، أجْدِنا مِمّا وجَدْتَ. فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: هَذِهِ السُّيُوفُ لِبَيْتِ اللَّهِ. فَحَفَرَ حَتّى أنْبَطَ الماءَ في التُّرابِ وبَحَرَها حَتّى لا تَنْزِفَ، وبَنى عَلَيْها حَوْضًا، فَطَفِقَ هو وابْنُهُ يَنْزِعانِ فَيَمْلَآنِ ذَلِكَ الحَوْضَ فَيَشْرَبُ مِنهُ الحاجُّ، فَيَكْسِرُهُ أُناسٌ حَسَدَةٌ مِن قُرَيْشٍ بِاللَّيْلِ فَيُصْلِحُهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ حِينَ يُصْبِحُ، فَلَمّا أكْثَرُوا فَسادَهُ دَعا عَبْدُ المُطَّلِبِ رَبَّهُ، فَأُرِيَ في المَنامِ فَقِيلَ لَهُ: قُلِ: اللَّهُمَّ لا أُحِلُّها لِمُغْتَسِلٍ، ولَكِنْ هي لِلشّارِبِينَ حِلٌّ وبِلٌّ. ثُمَّ كُفِيتَهم. فَقامَ عَبْدُ المُطَّلِبِ حِينَ اخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ في المَسْجِدِ، فَنادى بِالَّذِي أُرِيَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَكُنْ يُفْسِدُ حَوْضَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا رُمِيَ في جَسَدِهِ بِداءٍ، حَتّى تَرَكُوا حَوْضَهُ وسِقايَتَهُ. ثُمَّ تَزَوَّجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ النِّساءَ فَوُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ رَهْطٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ لَكَ نَحْرَ أحَدِهِمْ، وإنِّي أُقْرِعُ بَيْنَهُمْ، فَأصِبْ بِذَلِكَ مَن شِئْتَ. فَأقْرَعَ بَيْنَهم فَطارَتِ القُرْعَةُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، وكانَ أحَبَّ ولَدِهِ إلَيْهِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: اللَّهُمَّ أهُوَ أحَبُّ إلَيْكَ أمْ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ؟ ثُمَّ أقْرَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المِائَةِ مِنَ الإبِلِ فَطارَتِ (p-٢٧٨)القُرْعَةُ عَلى المِائَةِ مِنَ الإبِلِ، فَنَحَرَها عَبْدُ المُطَّلِبِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنِّي لَنائِمٌ في الحِجْرِ إذْ أتانِي آتٍ فَقالَ: احْفِرْ طَيْبَةَ. قُلْتُ: وما طَيْبَةُ؟ فَذَهَبَ عَنِّي، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ رَجَعْتُ إلى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجاءَنِي، فَقالَ: احْفِرْ بَرَّةَ. قُلْتُ: وما بَرَّةُ؟ فَذَهَبَ عَنِّي، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ رَجَعْتُ إلى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجاءَنِي، فَقالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ. فَقُلْتُ: وما زَمْزَمُ؟ قالَ: لا تَنْزِفُ ولا تُذَمُّ، تَسْقِي الحَجِيجَ الأعْظَمَ، عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ. قالَ: فَلَمّا أبانَ لَهُ شَأْنَها، ودُلَّ عَلى مَوْضِعِها، وعَرَفَ أنْ قَدْ صُدِقَ، غَدا بِمِعْوَلِهِ ومَعَهُ ابْنُهُ الحارِثُ، لَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ، فَحَفَرَ، فَلَمّا بَدا لِعَبْدِ المُطَّلِبِ الطَّيُّ كَبَّرَ، فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أنَّهُ قَدْ أدْرَكَ حاجَتَهُ، فَقامُوا إلَيْهِ فَقالُوا: يا عَبْدَ المُطَّلِبِ، إنَّها بِئْرُ إسْماعِيلَ، وإنَّ لَنا فِيها حَقًّا، فَأشْرِكْنا مَعَكَ فِيها. فَقالَ: ما أنا بِفاعِلٍ، إنَّ هَذا الأمْرَ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، وأُعْطِيتُهُ مِن بَيْنِكم. قالُوا: فَأنْصِفْنا فَإنّا غَيْرُ تارِكِيكَ حَتّى نُحاكِمَكَ. قالَ: فاجْعَلُوا بَيْنِي وبَيْنَكم مَن شِئْتُمْ أُحاكِمُكم إلَيْهِ. قالُوا: كاهِنَةَ بَنِي سَعْدِ هُذَيْمٍ؟ قالَ: نَعَمْ. وكانَتْ بِأشْرافِ الشّامِ، (p-٢٧٩)فَرَكِبَ عَبْدُ المُطَّلِبِ ومَعَهُ نَفَرٌ مِن بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، ورَكِبَ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ مِن قُرَيْشٍ نَفَرٌ، والأرْضُ إذْ ذاكَ مَفاوِزُ، فَخَرَجُوا حَتّى إذا كانُوا بِبَعْضِ المَفاوِزِ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ فَنِيَ ماءُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأصْحابِهِ فَظَمِئُوا حَتّى أيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ فاسْتَسْقَوْا مِمَّنْ مَعَهم مِن قَبائِلِ قُرَيْشٍ فَأبَوْا عَلَيْهِمْ وقالُوا: إنّا في مَفازَةٍ نَخْشى فِيها عَلى أنْفُسِنا مِثْلَ ما أصابَكم. فَلَمّا رَأى عَبْدُ المُطَّلِبِ ما صَنَعَ القَوْمُ وما يَتَخَوَّفُ عَلى نَفْسِهِ وأصْحابِهِ قالَ: ماذا تَرَوْنَ؟ قالُوا: ما رَأْيُنا إلّا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ، فَمُرْنا بِما شِئْتَ. قالَ: فَإنِّي أرى أنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنكم لِنَفْسِهِ؛ لِما بِكُمُ الآنَ مِنَ القُوَّةِ، كُلَّما ماتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أصْحابُهُ في حُفْرَتِهِ ثُمَّ وارَوْهُ، حَتّى يَكُونَ آخِرُكم رَجُلًا، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ واحِدٍ أيْسَرُ مِن ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا. قالُوا: سَمِعْنا ما أرَدْتَ. فَقامَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم يَحْفِرُ حُفْرَتَهُ، ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ المَوْتَ عَطَشًا، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ قالَ لِأصْحابِهِ: واللَّهِ إنَّ إلْقاءَنا بِأيْدِينا لَعَجْزٌ، ما نَبْتَغِي لِأنْفُسِنا حِيلَةً؟ عَسى اللَّهُ أنْ يَرْزُقَنا ماءً بِبَعْضِ البِلادِ، ارْتَحِلُوا. فارْتَحَلُوا حَتّى فَرَغُوا ومِن مَعَهم مِن قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ وما هم فاعِلُونَ، فَقامَ عَبْدُ المُطَّلِبِ إلى راحِلَتِهِ فَرَكِبَها، فَلَمّا انْبَعَثَتِ انْفَجَرَتْ مِن تَحْتِ خُفِّها عَيْنٌ مِن ماءٍ عَذْبٍ فَكَبَّرَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وكَبَّرَ أصْحابُهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَشَرِبَ وشَرِبُوا، واسْتَقَوْا حَتّى مَلَأُوا أسْقِيَتَهُمْ، ثُمَّ دَعا القَبائِلَ الَّتِي مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ فَقالَ: هَلُمَّ الماءَ، قَدْ سَقانا اللَّهُ تَعالى فاشْرَبُوا واسْتَقُوا. فَقالَتِ القَبائِلُ الَّتِي نازَعَتْهُ: قَدْ - واللَّهِ - قَضى اللَّهُ لَكَ يا عَبْدَ (p-٢٨٠)المُطَّلِبِ، واللَّهِ لا نُخاصِمُكَ في زَمْزَمَ أبَدًا؛ الَّذِي سَقاكَ هَذا الماءَ بِهَذِهِ الفَلاةِ هو الَّذِي سَقاكَ زَمْزَمَ، فارْجِعْ إلى سِقايَتِكَ راشِدًا. فَرَجَعَ ورَجَعُوا مَعَهُ ولَمْ يَمْضُوا إلى الكاهِنَةِ، وخَلُّوا بَيْنَهُ وبَيْنَ زَمْزَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، والفاكِهِيُّ في ”تارِيخِ مَكَّةَ“، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ» . وأخْرَجَ المُسْتَغْفِرِيُّ في ”الطِّبِّ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ؛ مَن شَرِبَهُ لِمَرَضٍ شَفاهُ اللَّهُ، أوْ لِجُوعٍ أشْبَعَهُ اللَّهُ، أوْ لِحاجَةٍ قَضاها اللَّهُ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في ”المُجالَسَةِ“ عَنِ الحُمَيْدِيِّ، وهو شَيْخُ البُخارِيِّ، قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَحَدَّثَنا بِحَدِيثِ: ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ. فَقامَ رَجُلٌ مِنَ (p-٢٨١)المَجْلِسِ، ثُمَّ عادَ فَقالَ: يا أبا مُحَمَّدٍ، ألَيْسَ الحَدِيثُ الَّذِي قَدْ حَدَّثْتَنا في زَمْزَمَ صَحِيحًا؟ فَقالَ: بَلى. فَقالَ الرَّجُلُ: فَإنِّي شَرِبْتُ الآنَ دَلْوًا مِن زَمْزَمَ عَلى أنْ تُحَدِّثَنِي بِمِائَةِ حَدِيثٍ. فَقالَ لَهُ سُفْيانُ: اقْعُدْ. فَقَعَدَ فَحَدَّثَهُ بِمِائَةِ حَدِيثٍ. وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ في ”تارِيخِ مَكَّةَ“ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: حَجَّ مُعاوِيَةُ وحَجَجْنا مَعَهُ، فَلَمّا طافَ بِالبَيْتِ صَلّى عِنْدَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ مَرَّ بِزَمْزَمَ وهو خارِجٌ إلى الصَّفا، فَقالَ: يا غُلامُ، انْزِعْ لِي مِنها دَلْوًا. فَنَزَعَ لَهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ وصَبَّ عَلى وجْهِهِ، وخَرَجَ وهو يَقُولُ: ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ» . وأخْرَجَ الحافِظَ أبُو الوَلِيدِ بْنُ الدَّبّاغِ في ”فَوائِدِهِ“، والبَيْهَقِيُّ، والخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ قالَ: رَأيْتُ ابْنَ المُبارَكِ أتى زَمْزَمَ فَمَلَأ إناءً ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الكَعْبَةَ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ ابْنَ أبِي المَوالِي حَدَّثَنا، عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ» . وهو ذا، أشْرَبُ هَذا لِعَطَشِ يَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ شَرِبَهُ. (p-٢٨٢)وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَتْ لَهُ» . قالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: وحَدَّثَنِي أبِي قالَ: دَخَلْتُ الطَّوافَ في لَيْلَةٍ ظَلْماءَ، فَأخَذَنِي مِنَ البَوْلِ ما شَغَلَنِي، فَجَعَلْتُ أعْتَصِرُ حَتّى آذانِي، وخِفْتُ إنَّ خَرَجْتُ مِنَ المَسْجِدِ أنْ أطَأ بَعْضَ تِلْكَ الأقْذارِ وذَلِكَ أيّامَ الحاجِّ، فَذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ، فَدَخَلْتُ زَمْزَمَ فَتَضَلَّعْتُ مِنهُ، فَذَهَبَ عَنِّي إلى الصَّباحِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ ماءٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ زَمْزَمُ، فِيهِ طَعامٌ مِنَ الطُّعْمِ وشِفاءٌ مِنَ السُّقْمِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والفاكِهِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: زَمْزَمُ خَيْرُ ماءٍ يُعْلَمُ؛ طَعامُ طُعْمٍ، وشِفاءُ سُقْمٍ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ ماءَ زَمْزَمَ في القَوارِيرِ، وتَذْكُرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ (p-٢٨٣)ذَلِكَ، وكانَ يَصُبُّ عَلى المَرْضى ويَسْقِيهِمْ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في ”مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ“ عَنْ صَفِيَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ماءُ زَمْزَمَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ؛ فَإنْ شَرِبْتَهُ تَشْتَفِي بِهِ شَفاكَ اللَّهُ، وإنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذًا أعاذَكَ اللَّهُ، وإنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأكَ قَطَعَهُ اللَّهُ، وإنْ شَرِبْتَهُ لِشِبَعِكَ أشْبَعَكَ اللَّهُ، وهي هَزْمَةُ جِبْرِيلَ وسُقْيا إسْمَعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ» . قالَ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا شَرِبَ ماءَ زَمْزَمَ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ عِلْمًا نافِعًا، ورِزْقًا واسِعًا، وشِفاءً مِن كُلِّ داءٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عُثْمانَ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: مِن أيْنَ جِئْتَ؟ قالَ: شَرِبْتُ مِن زَمْزَمَ. فَقالَ: أشَرِبْتَ مِنها كَما (p-٢٨٤)يَنْبَغِي؟ قالَ: وكَيْفَ ذاكَ يا أبا عَبّاسٍ؟ قالَ: إذا شَرِبْتَ مِنها فاسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، واشْرَبْ وتَنَفَّسْ ثَلاثًا، وتَضَلَّعْ مِنها، فَإذا فَرَغْتَ فاحْمَدِ اللَّهَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: آيَةُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ المُنافِقِينَ أنَّهم لا يَتَضَلَّعُونَ مِن زَمْزَمَ» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُفَّةِ زَمْزَمَ، فَأمَرَ بِدَلْوٍ فَنُزِعَ لَهُ مِنَ البِئْرِ، فَوَضَعَها عَلى شَفَةِ البِئْرِ، ثُمَّ وضَعَ يَدَهُ مِن تَحْتِ عَراقِيِّ الدَّلْوِ، ثُمَّ قالَ: بِاسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ كَرَعَ فِيها فَأطالَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. ثُمَّ دَعا فَقالَ: بِاسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ كَرَعَ فِيها فَأطالَ، وهو دُونُ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. ثُمَّ دَعا فَقالَ: بِاسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ كَرَعَ فِيها فَأطالَ، وهو دُونُ الثّانِي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلامَةُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ المُنافِقِينَ، لَمْ يَشْرَبُوا مِنها قَطُّ حَتّى يَتَضَلَّعُوا» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «التَّضَلُّعُ مِن ماءِ زَمْزَمَ بَراءَةٌ مِنَ النِّفاقِ» . (p-٢٨٥)وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «عَلامَةُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ المُنافِقِينَ، أنْ يُدْلُوا دَلْوًا مِن ماءٍ زَمْزَمَ فَيَتَضَلَّعُوا مِنها، ما اسْتَطاعَ مُنافِقٌ قَطُّ أنْ يَتَضَلَّعَ مِنها» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ التَّضَلُّعَ مِن ماءِ زَمْزَمَ بَراءَةٌ مِنِ النِّفاقِ، وأنَّ ماءَها مُذْهِبٌ بِالصُّداعِ، وأنَّ الِاطِّلاعَ فِيها يَجْلُو البَصَرَ، وأنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْها زَمانٌ تَكُونُ أعْذَبَ مِنَ النِّيلِ والفُراتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والأزْرَقِيُّ والفاكِهِيُّ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنِّي لَأجِدُ في كِتابِ اللَّهِ المُنَزَّلِ، أنَّ زَمْزَمَ طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والأزْرَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ خُثَيْمٍ قالَ: قَدِمَ عَلَيْنا وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ مَكَّةَ، فاشْتَكى، فَجِئْنا نَعُودُهُ، فَإذا عِنْدَهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَقُلْنا: لَوِ اسْتَعْذَبْتَ فَإنَّ هَذا ماءٌ فِيهِ غِلَظٌ. قالَ: ما أُرِيدُ أنْ أشْرَبَ حَتّى أخْرُجَ مِنها غَيْرَهُ، والَّذِي نَفْسُ وهْبٍ بِيَدِهِ، إنَّها لَفي كِتابِ اللَّهِ زَمْزَمُ لا تُنْزَفُ ولا تُذَمُّ، وإنَّها لَفي كِتابِ اللَّهِ بَرَّةٌ، شَرابُ الأبْرارِ، وإنَّها لَفي كِتابِ اللَّهِ مَضْنُونَةٌ، وإنَّها لَفي كِتابِ اللَّهِ طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ، والَّذِي نَفْسُ وهْبٍ بِيَدِهِ، لا يَعْمِدُ إلَيْها أحَدٌ فَيَشْرَبُ مِنها حَتّى يَتَضَلَّعَ، إلّا نَزَعَتْ (p-٢٨٦)مِنهُ داءً وأحْدَثَتْ لَهُ شِفاءً. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ كَعْبٍ، أنَّهُ قالَ لِزَمْزَمَ: إنّا نَجِدُها مَضْنُونَةً ضُنَّ بِها لَكُمْ، وأوَّلُ مَن سُقِيَ ماءَها إسْماعِيلُ، طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والأزْرَقِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ، إنْ شَرِبْتَهُ تُرِيدُ الشِّفاءَ شَفاكَ اللَّهُ وإنْ شَرِبْتَهُ لِظَمَأٍ أرْواكَ اللَّهُ، وإنْ شَرِبْتَهُ لِجُوعٍ أشْبَعَكَ اللَّهُ، وهي هَزْمَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَقِبِهِ، وسُقْيا اللَّهِ لِإسْماعِيلَ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: خَيْرُ وادِيَيْنِ في النّاسِ وادِي مَكَّةَ، ووادٍ بِالهِنْدِ الَّذِي هَبَطَ بِهِ آدَمُ، ومِنهُ يُؤْتى بِهَذا الطِّيبِ الَّذِي تَطَيَّبُونَ بِهِ، وشَرُّ وادِيَيْنِ في النّاسِ وادٍ بِالأحْقافِ، ووادٍ بِحَضْرَمَوْتَ يُقالُ لَهُ: بَرَهُوتُ. وخَيْرُ بِئْرٍ في النّاسِ بِئْرُ زَمْزَمَ، وشَرُّ بِئْرٍ في النّاسِ بِئْرُ بَرَهُوتُ، وإلَيْها تَجْتَمِعُ أرْواحُ الكُفّارِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: صَلُّوا في مُصَلّى الأخْيارِ، واشْرَبُوا مِن شَرابِ الأبْرارِ. قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما مُصَلّى الأخْيارِ؟ قالَ: (p-٢٨٧)تَحْتَ المِيزابِ. قِيلَ: وما شَرابُ الأبْرارِ؟ قالَ: ماءُ زَمْزَمَ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: سَمِعْتُ أنَّهُ يُقالُ: خَيْرُ ماءٍ في الأرْضِ ماءُ زَمْزَمَ، وشَرُّ ماءٍ في الأرْضِ ماءُ بَرْهُوتُ؛ شِعْبٌ مِن شِعابِ حَضْرَمَوْتَ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: إنَّ إيلِيا وزَمْزَمَ لَيَتَعارَفانِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خالِدٍ قالَ: بَيْنَما أنا لَيْلَةً في جَوْفِ اللَّيْلِ عِنْدَ زَمْزَمَ جالِسٌ، إذا نَفَرٌ يَطُوفُونَ، عَلَيْهِمْ ثِيابٌ بِيضٌ لَمْ أرَ بَياضَ ثِيابِهِمْ بِشَيْءٍ قَطُّ، فَلَمّا فَرَغُوا صَلَّوْا قَرِيبًا مِنِّي فالتَفَتَ بَعْضُهم فَقالَ لِأصْحابِهِ: اذْهَبُوا بِنا نَشْرَبْ مِن شَرابِ الأبْرارِ، فَقامُوا فَدَخَلُوا زَمْزَمَ، فَقُلْتُ: واللَّهِ لَوْ دَخَلْتُ عَلى القَوْمِ فَسَألْتُهم. فَقُمْتُ فَدَخَلْتُ فَإذا لَيْسَ فِيها أحَدٌ مِنَ البَشَرِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: تَنافَسَ النّاسُ في زَمْزَمَ في الجاهِلِيَّةِ، حَتّى إنْ كانَ أهْلُ العِيالِ يَغْدُونَ بِعِيالِهِمْ فَيَشْرَبُونَ، فَيَكُونُ صَبُوحًا لَهم وقَدْ كُنّا نَعُدُّها عَوْنًا عَلى العِيالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والأزْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ زَمْزَمُ تُسَمّى (p-٢٨٨)فِي الجاهِلِيَّةِ شُباعَةَ، ويُزْعَمُ أنَّها نِعْمَ العَوْنُ عَلى العِيالِ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والأزْرَقِيُّ، والبَزّارُ، وأبُو عَوانَةَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَتّى كَنْتَ هَهُنا؟ قُلْتُ: أرْبَعَ عَشْرَةَ. وفي لَفْظٍ: قُلْتُ: ثَلاثِينَ، بَيْنِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. قالَ: مَن كانَ يُطْعِمُكَ؟ قُلْتُ: ما كانَ لِي طَعامٌ ولا شَرابٌ إلّا ماءَ زَمْزَمَ، فَما أجِدُ عَلى كَبِدِي سَخَقَةُ جُوعٍ، ولَقَدْ تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي. قالَ: إنَّها مُبارَكَةٌ، إنَّها طَعامُ طُعْمٍ. زادِ الطَّيالِسِيُّ: وشِفاءُ سُقْمٍ» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ رَباحِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: كُنْتُ مَعَ أهْلِي بِالبادِيَةِ، فابْتُعْتُ، بِمَكَّةَ فَأُعْتِقْتُ، فَمَكَثْتُ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا أجِدُ شَيْئًا آكُلُهُ فَكُنْتُ أشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ فَشَرِبْتُ يَوْمًا فَإذا أنا بِصَرِيفِ اللَّبَنِ مِن بَيْنِ ثَنايايَ، فَقُلْتُ: لَعَلِّي ناعِسٌ. فانْطَلَقْتُ وأنا أجِدُ قُوَّةَ اللَّبَنِ وشِبَعَهُ. (p-٢٨٩)وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ، أنَّ راعِيًا كانَ يَرْعى وكانَ مِنَ العُبّادِ فَكانَ إذا ظَمِئَ وجَدَ فِيها لَبَنًا، وإذا أرادَ أنْ يَتَوَضَّأ وجَدَ فِيها ماءً. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ المِياهَ العَذْبَةَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ غَيْرَ زَمْزَمَ، فَتَغُورُ المِياهُ غَيْرَ زَمْزَمَ، وتُلْقِي الأرْضُ ما في بَطْنِها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، ويَجِيءُ الرَّجُلُ بِالجِرابِ فِيهِ الذَّهَبُ والفِضَّةُ فَيَقُولُ: مَن يَقْبَلُ هَذا مِنِّي؟ فَيَقُولُ: لَوْ أتَيْتَنِي بِهِ أمْسِ قَبِلْتُهُ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: رَأيْتُ عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ في المَسْجِدِ الحَرامِ وهو يَطُوفُ حَوْلَ زَمْزَمَ، يَقُولُ: لا أُحِلُّها لِمُغْتَسِلٍ، وهي لِمُتَوَضِّئٍ وشارِبٍ حِلٍّ وبِلٌّ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي حُسَيْنٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَسْتَهْدِيهِ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَبَعَثَ لَهُ بِراوِيَتَيْنِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والأزْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أبِي حُسَيْنٍ، واسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو: إنْ جاءَكَ كِتابِي لَيْلًا فَلا تُصْبِحَنَّ، وإنْ جاءَكَ نَهارًا فَلا (p-٢٩٠)تُمْسِيَنَّ حَتّى تَبْعَثَ إلَيَّ بِماءٍ مِن ماءِ زَمْزَمَ. فَمَلَأ لَهُ مَزادَتَيْنِ، وبَعَثَ بِهِما عَلى بَعِيرٍ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَهْدى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِن ماءِ زَمْزَمَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أُمِّ أيْمَنَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَكا صَغِيرًا ولا كَبِيرًا، جُوعًا ولا عَطَشًا، كانَ يَغْدُو فَيَشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَأعْرِضُ عَلَيْهِ الغَداءَ فَيَقُولُ: لا أُرِيدُهُ، أنا شَبْعانُ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «خَمْسٌ مِنَ العِبادَةِ؛ النَّظَرُ إلى المُصْحَفِ، والنَّظَرُ إلى الكَعْبَةِ، والنَّظَرُ إلى الوالِدَيْنِ، والنَّظَرُ في زَمْزَمَ، وهي تَحُطُّ الخَطايا، والنَّظَرُ في وجْهِ العالِمِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ كانَ إذا شَرِبَ مِن زَمْزَمَ قالَ: هي لِما شُرِبَتْ لَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن رَجُلٍ يَشْرَبُ مِن (p-٢٩١)ماءِ زَمْزَمَ حَتّى يَتَضَلَّعَ، إلّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ داءً مِن جَوْفِهِ، ومَن شَرِبَهُ لِعَطَشٍ رَوِيَ، ومَن شَرِبَهُ لِجُوعٍ شَبِعَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: ماءُ زَمْزَمَ طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ. وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَيْنًا لَهُ إلى مَكَّةَ، فَأقامَ بِها لَيالِيَ يَشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَلَمّا رَجَعَ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما كانَ عَيْشُكَ؟ فَأخْبَرَهُ أنَّهُ كانَ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِن مائِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّها شِفاءٌ مِن سُقْمٍ وطَعامٌ مِن طُعْمٍ» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كانَ إذا أرادَ أنْ يُتْحِفَ الرَّجُلَ بِتُحْفَةٍ سَقاهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ» . وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ أتْحَفَهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، ولا أطْعَمَ قَوْمًا طَعامًا إلّا سَقاهم مِن ماءِ زَمْزَمَ. وأخْرَجَ أبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ مَكَّةَ لا يُسابِقُهم أحَدٌ إلّا سَبَقُوهُ، ولا يُصارِعُهم أحَدٌ إلّا صَرَعُوهُ، حَتّى رَغِبُوا عَنْ ماءِ زَمْزَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ مُجاهِدٍ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ إذا ودَّعُوا (p-٢٩٢)البَيْتَ أنْ يَأْتُوا زَمْزَمَ فَيَشْرَبُوا مِنها. وأخْرَجَ السَّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ عَنِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: زَمْزَمُ شَرابُ الأبْرارِ، والحِجْرُ مُصَلّى الأخْيارِ.

التوبة 9:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، أنَّهُ قَرَأ: (يَبْشُرُهم رَبُّهم.

التوبة 9:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ، فَقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: أنا أسْقِي الحاجَّ. وقالَ طَلْحَةُ أخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ: أنا أحْجُبُ الكَعْبَةَ، فَلا نُهاجِرُ. فَأُنْزِلَتْ: ﴿لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هي في الهِجْرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ قالَ: أصَبْتُمُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ (p-٢٩٣)يَقُولُ: تَخْشَوْنَ أنْ تَكْسَدَ فَتَبِيعُونَها: ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ قالَ: هي القُصُورُ والمَنازِلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ قالَ: بِالفَتْحِ في أمْرِهِ بِالهِجْرَةِ، هَذا كُلُّهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشامٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وهو آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقالَ: واللَّهِ لَأنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا نَفْسِي. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ» .

التوبة 9:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ، فَقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: أنا أسْقِي الحاجَّ. وقالَ طَلْحَةُ أخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ: أنا أحْجُبُ الكَعْبَةَ، فَلا نُهاجِرُ. فَأُنْزِلَتْ: ﴿لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هي في الهِجْرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ قالَ: أصَبْتُمُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ (p-٢٩٣)يَقُولُ: تَخْشَوْنَ أنْ تَكْسَدَ فَتَبِيعُونَها: ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ قالَ: هي القُصُورُ والمَنازِلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ قالَ: بِالفَتْحِ في أمْرِهِ بِالهِجْرَةِ، هَذا كُلُّهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشامٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وهو آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقالَ: واللَّهِ لَأنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا نَفْسِي. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ» .

التوبة 9:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ قالَ: هي أوَّلُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن سُورَةِ ”بَراءَةَ“ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وسُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِن ”بَراءَةَ“: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ يُعَرِّفُهم نَصْرَهُ، ويُوَطِّنُهم لِغَزْوَةِ تَبُوكَ. (p-٢٩٤)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ قالَ: هَذا مِمّا يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ إيّاهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حُنَيْنٌ ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، قاتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ هَوازِنَ وثَقِيفَ، وعَلى هَوازِنَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلى ثَقِيفَ عَبْدُ يا لِيلَ بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقامَ عامَ الفَتْحِ نِصْفَ شَهْرٍ ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ، حَتّى جاءَتْهُ هَوازِنُ وثَقِيفُ فَنَزَلُوا بِحُنَيْنٍ، وحُنَيْنٌ وادٍ إلى جَنْبِ ذِي المَجازِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ المَدِينَةِ قالُوا: الآنَ واللَّهِ نُقاتِلُ حِينَ اجْتَمَعْنا. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالُوا وما أعْجَبَهم مِن كَثْرَتِهِمْ، فالتَقَوْا فَهُزِمُوا، حَتّى ما يَقُومُ مِنهم أحَدٌ عَلى أحَدٍ، حَتّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي أحْياءَ العَرَبِ: إلَيَّ إلَيَّ. فَواللَّهِ ما يَعْرُجُ إلَيْهِ أحَدٌ، حَتّى أعْرى مَوْضِعَهُ، فالتَفَتَ إلى الأنْصارِ وهم ناحِيَةٌ فَناداهم: أيا أنْصارَ اللَّهِ وأنْصارَ رَسُولِهِ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، أنا رَسُولُ اللَّهِ. فَجَثَوْا يَبْكُونَ، وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ إلَيْكَ واللَّهِ. فَنَكَّسُوا رُءُوسَهم يَبْكُونَ، وقَدَّمُوا (p-٢٩٥)أسْيافَهم يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الرَّبِيعِ، «أنَّ رَجُلًا قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ قالَ الرَّبِيعُ: وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، مِنهم ألْفانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفِهْرِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حُنَيْنٍ، فَسِرْنا في يَوْمٍ قائِظٍ شَدِيدِ الحَرِّ، فَنَزَلْنا تَحْتَ ظِلالِ الشَّجَرِ، فَلَمّا زالَتِ الشَّمْسُ لَبِسْتُ لَأْمَتِي ورَكِبْتُ فَرَسِي، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو في فُسْطاطِهِ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ورَحْمَةُ اللَّهِ، قَدْ حانَ الرَّواحُ؟ قالَ: أجَلْ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا بِلالُ. فَثارَ مِن تَحْتِ سَمُرَةٍ كَأنَّ ظِلُّهُ ظِلُّ طائِرٍ، فَقالَ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وأنا فِداؤُكَ. ثُمَّ قالَ: أسْرِجْ لِي فَرَسِي. فَأتاهُ بِدَفَّتَيْنِ مِن لِيفٍ لَيْسَ فِيهِما أشَرٌ ولا بَطَرٌ. قالَ: فَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ سِرْنا يَوْمَنا، فَلَقِينا العَدُوَّ، وتَشامَّتِ الخَيْلانِ، فَقاتَلْناهُمْ، فَوَلّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يا عِبادَ اللَّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، يا أيُّها النّاسُ، إلَيَّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. فاقْتَحَمَ (p-٢٩٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسِهِ، وحَدَّثَنِي مَن كانَ أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي، أنَّهُ أخَذَ حَفْنَةً مِن تُرابٍ فَحَثاها في وُجُوهِ القَوْمِ وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ. قالَ يَعْلى بْنُ عَطاءٍ: فَأخْبَرَنا أبْناؤُهم عَنْ آبائِهِمْ أنَّهم قالُوا: ما بَقِيَ مِنّا أحَدٌ إلّا امْتَلَأتْ عَيْناهُ وفَمُهُ مِنَ التُّرابِ، وسَمِعْنا صَلْصَلَةً مِنَ السَّماءِ كَمَرِّ الحَدِيدِ عَلى الطَّسْتِ الحَدِيدِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَوَلّى عَنْهُ النّاسُ، وبَقِيتُ مَعَهُ في ثَمانِينَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَكُنّا عَلى أقْدامِنا نَحْوًا مَن ثَمانِينَ قَدَمًا ولَمْ نُوَلِّهِمُ الدُّبُرَ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بَغْلَتِهِ، يَمْضِي قُدُمًا، فَقالَ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن تُرابٍ. فَناوَلْتُهُ فَضَرَبَ وُجُوهَهم فامْتَلَأتْ أعْيُنُهم تُرابًا ووَلّى المُشْرِكُونَ أدْبارَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ هَوازِنَ جاءَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِالصِّبْيانِ (p-٢٩٧)والنِّساءِ والإبِلِ والغَنَمِ، فَجَعَلُوهم صُفُوفًا؛ لِيُكَثِّرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فالتَقى المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، فَوَلّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا عِبادَ اللَّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. فَهَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ، ولَمْ يَضْرِبْ بِسَيْفٍ، ولَمْ يُطْعَنْ بِرُمْحٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَقَدْ رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وما مَعَهُ إلّا أنا وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَزِمْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نُفارِقْهُ وهو عَلى بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ الَّتِي أهْداها لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفاثَةَ الجُذامِيُّ، فَلَمّا التَقى المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ولّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، وطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الكُفّارِ، وأنا آخِذٌ بِلِجامِها أكُفُّها إرادَةَ ألّا تُسْرِعَ، وهو لا يَأْلُو ما أسْرَعَ نَحْوَ المُشْرِكِينَ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ آخِذٌ بِغَرْزِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا عَبّاسُ، نادِ: أصْحابَ السَّمُرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ (p-٢٩٨)البَقَرَةِ. وكُنْتُ رَجُلًا صَيِّتًا، فَقُلْتُ بِأعْلى صَوْتِي: يا أصْحابَ السَّمُرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ. فَواللَّهِ لَكَأنِّي عَطَفْتُهم حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةَ البَقَرِ عَلى أوْلادِها، يَقُولُونَ: يا لَبَّيْكَ، يا لَبَّيْكَ. فَأقْبَلَ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلُوا هم والكُفّارَ وارْتَفَعَتِ الأصْواتُ وهم يَقُولُونَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ. ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلى بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَتَطاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى بَغْلَتِهِ فَقالَ: هَذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ. ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَياتٍ فَرَمى بِهِنَّ وُجُوهَ الكُفّارِ ثُمَّ قالَ: انْهَزَمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَذَهَبْتُ أنْظُرُ فَإذا القِتالُ عَلى هَيْئَتِهِ فِيما أرى، فَما هو إلّا أنْ رَماهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَصَياتِهِ، فَما زِلْتُ أرى حَدَّهم كَلِيلًا، وأمْرَهم مُدْبِرًا حَتّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ الأنْصارَ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ. فَأجابُوهُ لَبَّيْكَ، بِأبِينا أنْتَ وأُمِّنا، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: أقْبِلُوا بِوُجُوهِكم إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، يُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ. فَأقْبَلُوا ولَهم حَنِينٌ حَتّى أحْدَقُوا بِهِ كَبْكَبَةً تَحاكُّ مَناكِبُهم يُقاتِلُونَ حَتّى هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ» . (p-٢٩٩)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ المَدِينَةِ، أعْجَبَتْهم كَثْرَتُهم فَقالَ القَوْمُ: اليَوْمَ واللَّهِ نُقاتِلُ. فَلَمّا التَقَوْا واشْتَدَّ القِتالُ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأنْصارَ فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، أنا رَسُولُ اللَّهِ. فَقالُوا: إلَيْكَ واللَّهِ جِئْنا. فَنَكَّسُوا رُءُوسَهم ثُمَّ قاتَلُوا حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وبَرَةً مِن بَعِيرٍ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا يَحِلُّ لِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم قَدْرَ هَذِهِ إلّا الخُمُسَ والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأدُّوا الخَيْطَ والمِخْيَطَ، وإيّاكم والغُلُولَ؛ فَإنَّهُ عارٌ عَلى أهْلِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَلَيْكم بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ الهَمَّ والغَمَّ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ الأنْفالَ ويَقُولُ: لِيَرُدَّ قَوِيُّ المُؤْمِنِينَ عَلى ضَعِيفِهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «رَأيْتُنا يَوْمَ حُنَيْنٍ وإنَّ الفِئَتَيْنِ لَمُوَلِّيَتانِ، وما مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةُ رَجُلٍ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ ولّى المُشْرِكُونَ، ووَلّى المُسْلِمُونَ وثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: أنا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. ثَلاثَ مَرّاتٍ، وإلى جَنْبِهِ عَمُّهُ العَبّاسُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمِّهِ: يا عَبّاسُ، أذِّنْ؛ يا أهْلَ (p-٣٠٠)الشَّجَرَةِ. فَجاءُوهُ مِن كُلِّ مَكانٍ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ. حَتّى أظَلُّوهُ بِرِماحِهِمْ ثُمَّ مَضى فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ الظَّفَرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَةُ آلافٍ مِنَ الأنْصارِ، وألْفٌ مِن جُهَيْنَةَ، وألْفٌ مِن مُزَيْنَةَ، وألْفٌ مِن أسْلَمَ، وألْفٌ مِن غِفارٍ، وألْفٌ مِن أشْجَعَ، وألْفٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وغَيْرِهِمْ، فَكانَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلافٍ، وخَرَجَ بِاثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وفِيها قالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ [التوبة»: ٢٥] . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ كُنْتُمْ ولَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قالَ: واللَّهِ ما ولّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَكِنْ خَرَجَ شُبّانُ أصْحابِهِ وأخِفّاؤُهم حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلاحٌ، فَلَقُوا جَمْعًا؛ رُماةَ هَوازِنَ وبَنِي النَّضْرِ ما يَكادُ يَسْقُطُ لَهم سَهْمٌ، فَرَشَقُوهم رَشْقًا ما كادُوا يُخْطِئُونَ، فَأقْبَلُوا هُنالِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضاءِ، وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ (p-٣٠١)ودَعا واسْتَنْصَرَ، ثُمَّ قالَ: ؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ ثُمَّ صَفَّ أصْحابَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ، ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: قَتَلَهم بِالسَّيْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في يَوْمِ حُنَيْنٍ أمَدَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، ويَوْمَئِذَ سَمّى اللَّهُ تَعالى الأنْصارَ مُؤْمِنِينَ، قالَ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: رَأيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ القَوْمِ والنّاسُ يَقْتَتِلُونَ، مِثْلَ البِجادِ الأسْوَدِ أقْبَلَ مِنَ السَّماءِ حَتّى سَقَطَ بَيْنَ القَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإذا نَمْلٌ أسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأ الوادِيَ لَمْ أشُكَّ أنَّها المَلائِكَةُ ولَمْ يَكُنْ إلّا هَزِيمَةُ القَوْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ (p-٣٠٢)ابْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: بِالهَزِيمَةِ. وأخْرُجُ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبَزى في قَوْلِهِ: ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: بِالهَزِيمَةِ والقَتْلِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ قالَ: عَلى الَّذِينَ انْهَزَمُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِياضِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: «إنَّ رَسُولَ ﷺ أتى هَوازِنَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَقَتَلَ مِنِ الطّائِفِ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِثْلَ مَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَفًّا مِن حَصْباءَ فَرَمى بِها وُجُوهَنا، فانْهَزَمْنا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَلَمّا واجَهْنا العَدُوَّ تَقَدَّمْتُ فَأعْلُو ثَنِيَّةً، فاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنَ العَدُوِّ فَأرْمِيهِ بِسَهْمٍ، فَتَوارى عَنِّي، فَما دَرَيْتُ ما صَنَعَ، فَنَظَرْتُ إلى القَوْمِ فَإذا هم قَدْ طَلَعُوا مِن ثَنِيَّةٍ أُخْرى، فالتَقَوْا هم وأصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ، وأنا مُتَّزِرٌ، وأرْجِعُ مُنْهَزِمًا، وعَلَيَّ بُرْدَتانِ مُتَّزِرًا بِإحْداهُما، مُرْتَدِيًا بِالأُخْرى فاسْتَطْلَقَ إزارِي فَجَمَعْتُهُما جَمِيعًا، ومَرَرْتُ عَلى (p-٣٠٣)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا، وهو عَلى بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ رَأى ابْنُ الأكْوَعِ فَزَعًا. فَلَمّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ البَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ. فَما خَلَقَ اللَّهُ مِنهم إنْسانًا إلّا مَلَأ عَيْنَيْهِ تُرابًا بِتِلْكَ القَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، وقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنائِمَهم بَيْنَ المُسْلِمِينَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيانَ الثَّقَفِيِّ قالَ: «قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْضَةً مِنَ الحَصى، فَرَمى بِها في وُجُوهِنا فانْهَزَمْنا، فَما خُيِّلَ إلَيْنا إلّا أنَّ كُلَّ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ فارِسٌ يَطْلُبُنا» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عامِرٍ السُّوائِيِّ - وكانَ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ أسْلَمَ - قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْضَةً مِنَ الأرْضِ فَرَمى بِها في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، وقالَ: ارْجِعُوا، شاهَتِ الوُجُوهُ. فَما أحَدٌ يَلْقاهُ أخُوهُ إلّا وهو يَشْكُو قَذًى في عَيْنَيْهِ، ويَمْسَحُ (p-٣٠٤)عَيْنَيْهِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى أُمِّ بُرْثُنٍ قالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ: «لَمّا التَقَيْنا نَحْنُ وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُومُوا لَنا حَلْبَ شاةٍ إلّا كُفِيناهم فَبَيْنا نَحْنُ نَسُوقُهم في أدْبارِهِمْ إذِ انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ البَيْضاءِ فَإذا هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلَقَّتْنا عِنْدَهُ رِجالٌ بِيضٌ حِسانُ الوُجُوهِ قالُوا لَنا: شاهَتِ الوُجُوهُ ارْجِعُوا، فَرَجَعْنا ورَكِبُوا أكْتافَنا وكانَتْ إيّاها» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، أنَّهُ حَدَّثَ أنَّ مالِكَ بْنَ عَوْفٍ بَعَثَ عُيُونًا فَأتَوْهُ وقَدْ تَقَطَّعَتْ أوْصالُهُمْ، فَقالَ: ويَلْكم ما شَأْنُكُمْ؟ فَقالُوا: أتانا رِجالٌ بِيضٌ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، فَواللَّهِ ما تَماسَكْنا أنْ أصابَنا ما تَرى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ الحَجَبِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، واللَّهِ ما خَرَجْتُ إسْلامًا، ولَكِنِّي خَرَجْتُ أنَفًا أنْ تَظْهَرَ هَوازِنُ عَلى قُرَيْشٍ، فَواللَّهِ إنِّي (p-٣٠٥)لَواقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي لَأرى خَيْلًا بُلْقًا، قالَ: يا شَيْبَةُ إنَّهُ لا يَراها إلّا كافِرٌ. فَضَرَبَ بِيَدِهِ صَدْرِي فَقالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ شَيْبَةَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا، فَما رَفَعَ النَّبِيَّ ﷺ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي الثّالِثَةَ حَتّى ما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ إلَيَّ مِنهُ فَقالَ: فالتَقى المُسْلِمُونَ فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ثُمَّ أقْبَلَ النَّبِيُّ وعُمَرُ آخِذٌ بِاللِّجامِ والعَبّاسُ آخِذٌ بِالثَّفَرِ، فَنادى العَبّاسُ: أيْنَ المُهاجِرُونَ؟ أيْنَ أصْحابُ سُورَةِ البَقَرَةِ؟ - بِصَوْتٍ عالٍ - هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأقْبَلَ النّاسُ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ؎أنا النَّبِيُّ غَيْرَ كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ فَأقْبَلَ المُسْلِمُونَ فاصْطَكُّوا بِالسُّيُوفِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» .

التوبة 9:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ قالَ: هي أوَّلُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن سُورَةِ ”بَراءَةَ“ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وسُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِن ”بَراءَةَ“: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ يُعَرِّفُهم نَصْرَهُ، ويُوَطِّنُهم لِغَزْوَةِ تَبُوكَ. (p-٢٩٤)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ قالَ: هَذا مِمّا يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ إيّاهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حُنَيْنٌ ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، قاتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ هَوازِنَ وثَقِيفَ، وعَلى هَوازِنَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلى ثَقِيفَ عَبْدُ يا لِيلَ بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقامَ عامَ الفَتْحِ نِصْفَ شَهْرٍ ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ، حَتّى جاءَتْهُ هَوازِنُ وثَقِيفُ فَنَزَلُوا بِحُنَيْنٍ، وحُنَيْنٌ وادٍ إلى جَنْبِ ذِي المَجازِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ المَدِينَةِ قالُوا: الآنَ واللَّهِ نُقاتِلُ حِينَ اجْتَمَعْنا. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالُوا وما أعْجَبَهم مِن كَثْرَتِهِمْ، فالتَقَوْا فَهُزِمُوا، حَتّى ما يَقُومُ مِنهم أحَدٌ عَلى أحَدٍ، حَتّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي أحْياءَ العَرَبِ: إلَيَّ إلَيَّ. فَواللَّهِ ما يَعْرُجُ إلَيْهِ أحَدٌ، حَتّى أعْرى مَوْضِعَهُ، فالتَفَتَ إلى الأنْصارِ وهم ناحِيَةٌ فَناداهم: أيا أنْصارَ اللَّهِ وأنْصارَ رَسُولِهِ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، أنا رَسُولُ اللَّهِ. فَجَثَوْا يَبْكُونَ، وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ إلَيْكَ واللَّهِ. فَنَكَّسُوا رُءُوسَهم يَبْكُونَ، وقَدَّمُوا (p-٢٩٥)أسْيافَهم يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الرَّبِيعِ، «أنَّ رَجُلًا قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ قالَ الرَّبِيعُ: وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، مِنهم ألْفانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفِهْرِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حُنَيْنٍ، فَسِرْنا في يَوْمٍ قائِظٍ شَدِيدِ الحَرِّ، فَنَزَلْنا تَحْتَ ظِلالِ الشَّجَرِ، فَلَمّا زالَتِ الشَّمْسُ لَبِسْتُ لَأْمَتِي ورَكِبْتُ فَرَسِي، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو في فُسْطاطِهِ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ورَحْمَةُ اللَّهِ، قَدْ حانَ الرَّواحُ؟ قالَ: أجَلْ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا بِلالُ. فَثارَ مِن تَحْتِ سَمُرَةٍ كَأنَّ ظِلُّهُ ظِلُّ طائِرٍ، فَقالَ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وأنا فِداؤُكَ. ثُمَّ قالَ: أسْرِجْ لِي فَرَسِي. فَأتاهُ بِدَفَّتَيْنِ مِن لِيفٍ لَيْسَ فِيهِما أشَرٌ ولا بَطَرٌ. قالَ: فَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ سِرْنا يَوْمَنا، فَلَقِينا العَدُوَّ، وتَشامَّتِ الخَيْلانِ، فَقاتَلْناهُمْ، فَوَلّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يا عِبادَ اللَّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، يا أيُّها النّاسُ، إلَيَّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. فاقْتَحَمَ (p-٢٩٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسِهِ، وحَدَّثَنِي مَن كانَ أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي، أنَّهُ أخَذَ حَفْنَةً مِن تُرابٍ فَحَثاها في وُجُوهِ القَوْمِ وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ. قالَ يَعْلى بْنُ عَطاءٍ: فَأخْبَرَنا أبْناؤُهم عَنْ آبائِهِمْ أنَّهم قالُوا: ما بَقِيَ مِنّا أحَدٌ إلّا امْتَلَأتْ عَيْناهُ وفَمُهُ مِنَ التُّرابِ، وسَمِعْنا صَلْصَلَةً مِنَ السَّماءِ كَمَرِّ الحَدِيدِ عَلى الطَّسْتِ الحَدِيدِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَوَلّى عَنْهُ النّاسُ، وبَقِيتُ مَعَهُ في ثَمانِينَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَكُنّا عَلى أقْدامِنا نَحْوًا مَن ثَمانِينَ قَدَمًا ولَمْ نُوَلِّهِمُ الدُّبُرَ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بَغْلَتِهِ، يَمْضِي قُدُمًا، فَقالَ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن تُرابٍ. فَناوَلْتُهُ فَضَرَبَ وُجُوهَهم فامْتَلَأتْ أعْيُنُهم تُرابًا ووَلّى المُشْرِكُونَ أدْبارَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ هَوازِنَ جاءَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِالصِّبْيانِ (p-٢٩٧)والنِّساءِ والإبِلِ والغَنَمِ، فَجَعَلُوهم صُفُوفًا؛ لِيُكَثِّرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فالتَقى المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، فَوَلّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا عِبادَ اللَّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. فَهَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ، ولَمْ يَضْرِبْ بِسَيْفٍ، ولَمْ يُطْعَنْ بِرُمْحٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَقَدْ رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وما مَعَهُ إلّا أنا وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَزِمْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نُفارِقْهُ وهو عَلى بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ الَّتِي أهْداها لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفاثَةَ الجُذامِيُّ، فَلَمّا التَقى المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ولّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، وطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الكُفّارِ، وأنا آخِذٌ بِلِجامِها أكُفُّها إرادَةَ ألّا تُسْرِعَ، وهو لا يَأْلُو ما أسْرَعَ نَحْوَ المُشْرِكِينَ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ آخِذٌ بِغَرْزِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا عَبّاسُ، نادِ: أصْحابَ السَّمُرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ (p-٢٩٨)البَقَرَةِ. وكُنْتُ رَجُلًا صَيِّتًا، فَقُلْتُ بِأعْلى صَوْتِي: يا أصْحابَ السَّمُرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ. فَواللَّهِ لَكَأنِّي عَطَفْتُهم حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةَ البَقَرِ عَلى أوْلادِها، يَقُولُونَ: يا لَبَّيْكَ، يا لَبَّيْكَ. فَأقْبَلَ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلُوا هم والكُفّارَ وارْتَفَعَتِ الأصْواتُ وهم يَقُولُونَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ. ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلى بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَتَطاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى بَغْلَتِهِ فَقالَ: هَذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ. ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَياتٍ فَرَمى بِهِنَّ وُجُوهَ الكُفّارِ ثُمَّ قالَ: انْهَزَمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَذَهَبْتُ أنْظُرُ فَإذا القِتالُ عَلى هَيْئَتِهِ فِيما أرى، فَما هو إلّا أنْ رَماهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَصَياتِهِ، فَما زِلْتُ أرى حَدَّهم كَلِيلًا، وأمْرَهم مُدْبِرًا حَتّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ الأنْصارَ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ. فَأجابُوهُ لَبَّيْكَ، بِأبِينا أنْتَ وأُمِّنا، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: أقْبِلُوا بِوُجُوهِكم إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، يُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ. فَأقْبَلُوا ولَهم حَنِينٌ حَتّى أحْدَقُوا بِهِ كَبْكَبَةً تَحاكُّ مَناكِبُهم يُقاتِلُونَ حَتّى هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ» . (p-٢٩٩)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ المَدِينَةِ، أعْجَبَتْهم كَثْرَتُهم فَقالَ القَوْمُ: اليَوْمَ واللَّهِ نُقاتِلُ. فَلَمّا التَقَوْا واشْتَدَّ القِتالُ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأنْصارَ فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، أنا رَسُولُ اللَّهِ. فَقالُوا: إلَيْكَ واللَّهِ جِئْنا. فَنَكَّسُوا رُءُوسَهم ثُمَّ قاتَلُوا حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وبَرَةً مِن بَعِيرٍ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا يَحِلُّ لِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم قَدْرَ هَذِهِ إلّا الخُمُسَ والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأدُّوا الخَيْطَ والمِخْيَطَ، وإيّاكم والغُلُولَ؛ فَإنَّهُ عارٌ عَلى أهْلِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَلَيْكم بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ الهَمَّ والغَمَّ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ الأنْفالَ ويَقُولُ: لِيَرُدَّ قَوِيُّ المُؤْمِنِينَ عَلى ضَعِيفِهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «رَأيْتُنا يَوْمَ حُنَيْنٍ وإنَّ الفِئَتَيْنِ لَمُوَلِّيَتانِ، وما مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةُ رَجُلٍ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ ولّى المُشْرِكُونَ، ووَلّى المُسْلِمُونَ وثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: أنا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. ثَلاثَ مَرّاتٍ، وإلى جَنْبِهِ عَمُّهُ العَبّاسُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمِّهِ: يا عَبّاسُ، أذِّنْ؛ يا أهْلَ (p-٣٠٠)الشَّجَرَةِ. فَجاءُوهُ مِن كُلِّ مَكانٍ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ. حَتّى أظَلُّوهُ بِرِماحِهِمْ ثُمَّ مَضى فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ الظَّفَرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَةُ آلافٍ مِنَ الأنْصارِ، وألْفٌ مِن جُهَيْنَةَ، وألْفٌ مِن مُزَيْنَةَ، وألْفٌ مِن أسْلَمَ، وألْفٌ مِن غِفارٍ، وألْفٌ مِن أشْجَعَ، وألْفٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وغَيْرِهِمْ، فَكانَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلافٍ، وخَرَجَ بِاثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وفِيها قالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ [التوبة»: ٢٥] . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ كُنْتُمْ ولَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قالَ: واللَّهِ ما ولّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَكِنْ خَرَجَ شُبّانُ أصْحابِهِ وأخِفّاؤُهم حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلاحٌ، فَلَقُوا جَمْعًا؛ رُماةَ هَوازِنَ وبَنِي النَّضْرِ ما يَكادُ يَسْقُطُ لَهم سَهْمٌ، فَرَشَقُوهم رَشْقًا ما كادُوا يُخْطِئُونَ، فَأقْبَلُوا هُنالِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضاءِ، وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ (p-٣٠١)ودَعا واسْتَنْصَرَ، ثُمَّ قالَ: ؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ ثُمَّ صَفَّ أصْحابَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ، ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: قَتَلَهم بِالسَّيْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في يَوْمِ حُنَيْنٍ أمَدَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، ويَوْمَئِذَ سَمّى اللَّهُ تَعالى الأنْصارَ مُؤْمِنِينَ، قالَ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: رَأيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ القَوْمِ والنّاسُ يَقْتَتِلُونَ، مِثْلَ البِجادِ الأسْوَدِ أقْبَلَ مِنَ السَّماءِ حَتّى سَقَطَ بَيْنَ القَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإذا نَمْلٌ أسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأ الوادِيَ لَمْ أشُكَّ أنَّها المَلائِكَةُ ولَمْ يَكُنْ إلّا هَزِيمَةُ القَوْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ (p-٣٠٢)ابْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: بِالهَزِيمَةِ. وأخْرُجُ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبَزى في قَوْلِهِ: ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: بِالهَزِيمَةِ والقَتْلِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ قالَ: عَلى الَّذِينَ انْهَزَمُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِياضِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: «إنَّ رَسُولَ ﷺ أتى هَوازِنَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَقَتَلَ مِنِ الطّائِفِ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِثْلَ مَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَفًّا مِن حَصْباءَ فَرَمى بِها وُجُوهَنا، فانْهَزَمْنا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَلَمّا واجَهْنا العَدُوَّ تَقَدَّمْتُ فَأعْلُو ثَنِيَّةً، فاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنَ العَدُوِّ فَأرْمِيهِ بِسَهْمٍ، فَتَوارى عَنِّي، فَما دَرَيْتُ ما صَنَعَ، فَنَظَرْتُ إلى القَوْمِ فَإذا هم قَدْ طَلَعُوا مِن ثَنِيَّةٍ أُخْرى، فالتَقَوْا هم وأصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ، وأنا مُتَّزِرٌ، وأرْجِعُ مُنْهَزِمًا، وعَلَيَّ بُرْدَتانِ مُتَّزِرًا بِإحْداهُما، مُرْتَدِيًا بِالأُخْرى فاسْتَطْلَقَ إزارِي فَجَمَعْتُهُما جَمِيعًا، ومَرَرْتُ عَلى (p-٣٠٣)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا، وهو عَلى بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ رَأى ابْنُ الأكْوَعِ فَزَعًا. فَلَمّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ البَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ. فَما خَلَقَ اللَّهُ مِنهم إنْسانًا إلّا مَلَأ عَيْنَيْهِ تُرابًا بِتِلْكَ القَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، وقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنائِمَهم بَيْنَ المُسْلِمِينَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيانَ الثَّقَفِيِّ قالَ: «قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْضَةً مِنَ الحَصى، فَرَمى بِها في وُجُوهِنا فانْهَزَمْنا، فَما خُيِّلَ إلَيْنا إلّا أنَّ كُلَّ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ فارِسٌ يَطْلُبُنا» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عامِرٍ السُّوائِيِّ - وكانَ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ أسْلَمَ - قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْضَةً مِنَ الأرْضِ فَرَمى بِها في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، وقالَ: ارْجِعُوا، شاهَتِ الوُجُوهُ. فَما أحَدٌ يَلْقاهُ أخُوهُ إلّا وهو يَشْكُو قَذًى في عَيْنَيْهِ، ويَمْسَحُ (p-٣٠٤)عَيْنَيْهِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى أُمِّ بُرْثُنٍ قالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ: «لَمّا التَقَيْنا نَحْنُ وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُومُوا لَنا حَلْبَ شاةٍ إلّا كُفِيناهم فَبَيْنا نَحْنُ نَسُوقُهم في أدْبارِهِمْ إذِ انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ البَيْضاءِ فَإذا هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلَقَّتْنا عِنْدَهُ رِجالٌ بِيضٌ حِسانُ الوُجُوهِ قالُوا لَنا: شاهَتِ الوُجُوهُ ارْجِعُوا، فَرَجَعْنا ورَكِبُوا أكْتافَنا وكانَتْ إيّاها» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، أنَّهُ حَدَّثَ أنَّ مالِكَ بْنَ عَوْفٍ بَعَثَ عُيُونًا فَأتَوْهُ وقَدْ تَقَطَّعَتْ أوْصالُهُمْ، فَقالَ: ويَلْكم ما شَأْنُكُمْ؟ فَقالُوا: أتانا رِجالٌ بِيضٌ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، فَواللَّهِ ما تَماسَكْنا أنْ أصابَنا ما تَرى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ الحَجَبِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، واللَّهِ ما خَرَجْتُ إسْلامًا، ولَكِنِّي خَرَجْتُ أنَفًا أنْ تَظْهَرَ هَوازِنُ عَلى قُرَيْشٍ، فَواللَّهِ إنِّي (p-٣٠٥)لَواقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي لَأرى خَيْلًا بُلْقًا، قالَ: يا شَيْبَةُ إنَّهُ لا يَراها إلّا كافِرٌ. فَضَرَبَ بِيَدِهِ صَدْرِي فَقالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ شَيْبَةَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا، فَما رَفَعَ النَّبِيَّ ﷺ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي الثّالِثَةَ حَتّى ما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ إلَيَّ مِنهُ فَقالَ: فالتَقى المُسْلِمُونَ فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ثُمَّ أقْبَلَ النَّبِيُّ وعُمَرُ آخِذٌ بِاللِّجامِ والعَبّاسُ آخِذٌ بِالثَّفَرِ، فَنادى العَبّاسُ: أيْنَ المُهاجِرُونَ؟ أيْنَ أصْحابُ سُورَةِ البَقَرَةِ؟ - بِصَوْتٍ عالٍ - هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأقْبَلَ النّاسُ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ؎أنا النَّبِيُّ غَيْرَ كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ فَأقْبَلَ المُسْلِمُونَ فاصْطَكُّوا بِالسُّيُوفِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» .

التوبة 9:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ قالَ: هي أوَّلُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن سُورَةِ ”بَراءَةَ“ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وسُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِن ”بَراءَةَ“: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ يُعَرِّفُهم نَصْرَهُ، ويُوَطِّنُهم لِغَزْوَةِ تَبُوكَ. (p-٢٩٤)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ قالَ: هَذا مِمّا يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ إيّاهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حُنَيْنٌ ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، قاتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ هَوازِنَ وثَقِيفَ، وعَلى هَوازِنَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلى ثَقِيفَ عَبْدُ يا لِيلَ بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقامَ عامَ الفَتْحِ نِصْفَ شَهْرٍ ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ، حَتّى جاءَتْهُ هَوازِنُ وثَقِيفُ فَنَزَلُوا بِحُنَيْنٍ، وحُنَيْنٌ وادٍ إلى جَنْبِ ذِي المَجازِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ المَدِينَةِ قالُوا: الآنَ واللَّهِ نُقاتِلُ حِينَ اجْتَمَعْنا. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالُوا وما أعْجَبَهم مِن كَثْرَتِهِمْ، فالتَقَوْا فَهُزِمُوا، حَتّى ما يَقُومُ مِنهم أحَدٌ عَلى أحَدٍ، حَتّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي أحْياءَ العَرَبِ: إلَيَّ إلَيَّ. فَواللَّهِ ما يَعْرُجُ إلَيْهِ أحَدٌ، حَتّى أعْرى مَوْضِعَهُ، فالتَفَتَ إلى الأنْصارِ وهم ناحِيَةٌ فَناداهم: أيا أنْصارَ اللَّهِ وأنْصارَ رَسُولِهِ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، أنا رَسُولُ اللَّهِ. فَجَثَوْا يَبْكُونَ، وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ إلَيْكَ واللَّهِ. فَنَكَّسُوا رُءُوسَهم يَبْكُونَ، وقَدَّمُوا (p-٢٩٥)أسْيافَهم يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الرَّبِيعِ، «أنَّ رَجُلًا قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ قالَ الرَّبِيعُ: وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، مِنهم ألْفانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفِهْرِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حُنَيْنٍ، فَسِرْنا في يَوْمٍ قائِظٍ شَدِيدِ الحَرِّ، فَنَزَلْنا تَحْتَ ظِلالِ الشَّجَرِ، فَلَمّا زالَتِ الشَّمْسُ لَبِسْتُ لَأْمَتِي ورَكِبْتُ فَرَسِي، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو في فُسْطاطِهِ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ورَحْمَةُ اللَّهِ، قَدْ حانَ الرَّواحُ؟ قالَ: أجَلْ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا بِلالُ. فَثارَ مِن تَحْتِ سَمُرَةٍ كَأنَّ ظِلُّهُ ظِلُّ طائِرٍ، فَقالَ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وأنا فِداؤُكَ. ثُمَّ قالَ: أسْرِجْ لِي فَرَسِي. فَأتاهُ بِدَفَّتَيْنِ مِن لِيفٍ لَيْسَ فِيهِما أشَرٌ ولا بَطَرٌ. قالَ: فَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ سِرْنا يَوْمَنا، فَلَقِينا العَدُوَّ، وتَشامَّتِ الخَيْلانِ، فَقاتَلْناهُمْ، فَوَلّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يا عِبادَ اللَّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، يا أيُّها النّاسُ، إلَيَّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. فاقْتَحَمَ (p-٢٩٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسِهِ، وحَدَّثَنِي مَن كانَ أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي، أنَّهُ أخَذَ حَفْنَةً مِن تُرابٍ فَحَثاها في وُجُوهِ القَوْمِ وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ. قالَ يَعْلى بْنُ عَطاءٍ: فَأخْبَرَنا أبْناؤُهم عَنْ آبائِهِمْ أنَّهم قالُوا: ما بَقِيَ مِنّا أحَدٌ إلّا امْتَلَأتْ عَيْناهُ وفَمُهُ مِنَ التُّرابِ، وسَمِعْنا صَلْصَلَةً مِنَ السَّماءِ كَمَرِّ الحَدِيدِ عَلى الطَّسْتِ الحَدِيدِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَوَلّى عَنْهُ النّاسُ، وبَقِيتُ مَعَهُ في ثَمانِينَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَكُنّا عَلى أقْدامِنا نَحْوًا مَن ثَمانِينَ قَدَمًا ولَمْ نُوَلِّهِمُ الدُّبُرَ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بَغْلَتِهِ، يَمْضِي قُدُمًا، فَقالَ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن تُرابٍ. فَناوَلْتُهُ فَضَرَبَ وُجُوهَهم فامْتَلَأتْ أعْيُنُهم تُرابًا ووَلّى المُشْرِكُونَ أدْبارَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ هَوازِنَ جاءَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِالصِّبْيانِ (p-٢٩٧)والنِّساءِ والإبِلِ والغَنَمِ، فَجَعَلُوهم صُفُوفًا؛ لِيُكَثِّرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فالتَقى المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، فَوَلّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا عِبادَ اللَّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. فَهَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ، ولَمْ يَضْرِبْ بِسَيْفٍ، ولَمْ يُطْعَنْ بِرُمْحٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَقَدْ رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وما مَعَهُ إلّا أنا وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَزِمْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نُفارِقْهُ وهو عَلى بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ الَّتِي أهْداها لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفاثَةَ الجُذامِيُّ، فَلَمّا التَقى المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ولّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، وطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الكُفّارِ، وأنا آخِذٌ بِلِجامِها أكُفُّها إرادَةَ ألّا تُسْرِعَ، وهو لا يَأْلُو ما أسْرَعَ نَحْوَ المُشْرِكِينَ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ آخِذٌ بِغَرْزِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا عَبّاسُ، نادِ: أصْحابَ السَّمُرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ (p-٢٩٨)البَقَرَةِ. وكُنْتُ رَجُلًا صَيِّتًا، فَقُلْتُ بِأعْلى صَوْتِي: يا أصْحابَ السَّمُرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ. فَواللَّهِ لَكَأنِّي عَطَفْتُهم حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةَ البَقَرِ عَلى أوْلادِها، يَقُولُونَ: يا لَبَّيْكَ، يا لَبَّيْكَ. فَأقْبَلَ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلُوا هم والكُفّارَ وارْتَفَعَتِ الأصْواتُ وهم يَقُولُونَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ. ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلى بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَتَطاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى بَغْلَتِهِ فَقالَ: هَذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ. ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَياتٍ فَرَمى بِهِنَّ وُجُوهَ الكُفّارِ ثُمَّ قالَ: انْهَزَمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَذَهَبْتُ أنْظُرُ فَإذا القِتالُ عَلى هَيْئَتِهِ فِيما أرى، فَما هو إلّا أنْ رَماهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَصَياتِهِ، فَما زِلْتُ أرى حَدَّهم كَلِيلًا، وأمْرَهم مُدْبِرًا حَتّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ الأنْصارَ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ. فَأجابُوهُ لَبَّيْكَ، بِأبِينا أنْتَ وأُمِّنا، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: أقْبِلُوا بِوُجُوهِكم إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، يُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ. فَأقْبَلُوا ولَهم حَنِينٌ حَتّى أحْدَقُوا بِهِ كَبْكَبَةً تَحاكُّ مَناكِبُهم يُقاتِلُونَ حَتّى هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ» . (p-٢٩٩)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ المَدِينَةِ، أعْجَبَتْهم كَثْرَتُهم فَقالَ القَوْمُ: اليَوْمَ واللَّهِ نُقاتِلُ. فَلَمّا التَقَوْا واشْتَدَّ القِتالُ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأنْصارَ فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، أنا رَسُولُ اللَّهِ. فَقالُوا: إلَيْكَ واللَّهِ جِئْنا. فَنَكَّسُوا رُءُوسَهم ثُمَّ قاتَلُوا حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وبَرَةً مِن بَعِيرٍ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا يَحِلُّ لِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم قَدْرَ هَذِهِ إلّا الخُمُسَ والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأدُّوا الخَيْطَ والمِخْيَطَ، وإيّاكم والغُلُولَ؛ فَإنَّهُ عارٌ عَلى أهْلِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَلَيْكم بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ الهَمَّ والغَمَّ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ الأنْفالَ ويَقُولُ: لِيَرُدَّ قَوِيُّ المُؤْمِنِينَ عَلى ضَعِيفِهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «رَأيْتُنا يَوْمَ حُنَيْنٍ وإنَّ الفِئَتَيْنِ لَمُوَلِّيَتانِ، وما مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةُ رَجُلٍ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ ولّى المُشْرِكُونَ، ووَلّى المُسْلِمُونَ وثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: أنا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. ثَلاثَ مَرّاتٍ، وإلى جَنْبِهِ عَمُّهُ العَبّاسُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمِّهِ: يا عَبّاسُ، أذِّنْ؛ يا أهْلَ (p-٣٠٠)الشَّجَرَةِ. فَجاءُوهُ مِن كُلِّ مَكانٍ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ. حَتّى أظَلُّوهُ بِرِماحِهِمْ ثُمَّ مَضى فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ الظَّفَرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَةُ آلافٍ مِنَ الأنْصارِ، وألْفٌ مِن جُهَيْنَةَ، وألْفٌ مِن مُزَيْنَةَ، وألْفٌ مِن أسْلَمَ، وألْفٌ مِن غِفارٍ، وألْفٌ مِن أشْجَعَ، وألْفٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وغَيْرِهِمْ، فَكانَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلافٍ، وخَرَجَ بِاثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وفِيها قالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ [التوبة»: ٢٥] . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ كُنْتُمْ ولَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قالَ: واللَّهِ ما ولّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَكِنْ خَرَجَ شُبّانُ أصْحابِهِ وأخِفّاؤُهم حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلاحٌ، فَلَقُوا جَمْعًا؛ رُماةَ هَوازِنَ وبَنِي النَّضْرِ ما يَكادُ يَسْقُطُ لَهم سَهْمٌ، فَرَشَقُوهم رَشْقًا ما كادُوا يُخْطِئُونَ، فَأقْبَلُوا هُنالِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضاءِ، وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ (p-٣٠١)ودَعا واسْتَنْصَرَ، ثُمَّ قالَ: ؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ ثُمَّ صَفَّ أصْحابَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ، ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: قَتَلَهم بِالسَّيْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في يَوْمِ حُنَيْنٍ أمَدَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، ويَوْمَئِذَ سَمّى اللَّهُ تَعالى الأنْصارَ مُؤْمِنِينَ، قالَ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: رَأيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ القَوْمِ والنّاسُ يَقْتَتِلُونَ، مِثْلَ البِجادِ الأسْوَدِ أقْبَلَ مِنَ السَّماءِ حَتّى سَقَطَ بَيْنَ القَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإذا نَمْلٌ أسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأ الوادِيَ لَمْ أشُكَّ أنَّها المَلائِكَةُ ولَمْ يَكُنْ إلّا هَزِيمَةُ القَوْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ (p-٣٠٢)ابْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: بِالهَزِيمَةِ. وأخْرُجُ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبَزى في قَوْلِهِ: ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: بِالهَزِيمَةِ والقَتْلِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ قالَ: عَلى الَّذِينَ انْهَزَمُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِياضِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: «إنَّ رَسُولَ ﷺ أتى هَوازِنَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَقَتَلَ مِنِ الطّائِفِ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِثْلَ مَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَفًّا مِن حَصْباءَ فَرَمى بِها وُجُوهَنا، فانْهَزَمْنا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَلَمّا واجَهْنا العَدُوَّ تَقَدَّمْتُ فَأعْلُو ثَنِيَّةً، فاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنَ العَدُوِّ فَأرْمِيهِ بِسَهْمٍ، فَتَوارى عَنِّي، فَما دَرَيْتُ ما صَنَعَ، فَنَظَرْتُ إلى القَوْمِ فَإذا هم قَدْ طَلَعُوا مِن ثَنِيَّةٍ أُخْرى، فالتَقَوْا هم وأصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ، وأنا مُتَّزِرٌ، وأرْجِعُ مُنْهَزِمًا، وعَلَيَّ بُرْدَتانِ مُتَّزِرًا بِإحْداهُما، مُرْتَدِيًا بِالأُخْرى فاسْتَطْلَقَ إزارِي فَجَمَعْتُهُما جَمِيعًا، ومَرَرْتُ عَلى (p-٣٠٣)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا، وهو عَلى بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ رَأى ابْنُ الأكْوَعِ فَزَعًا. فَلَمّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ البَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ. فَما خَلَقَ اللَّهُ مِنهم إنْسانًا إلّا مَلَأ عَيْنَيْهِ تُرابًا بِتِلْكَ القَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، وقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنائِمَهم بَيْنَ المُسْلِمِينَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيانَ الثَّقَفِيِّ قالَ: «قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْضَةً مِنَ الحَصى، فَرَمى بِها في وُجُوهِنا فانْهَزَمْنا، فَما خُيِّلَ إلَيْنا إلّا أنَّ كُلَّ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ فارِسٌ يَطْلُبُنا» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عامِرٍ السُّوائِيِّ - وكانَ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ أسْلَمَ - قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْضَةً مِنَ الأرْضِ فَرَمى بِها في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، وقالَ: ارْجِعُوا، شاهَتِ الوُجُوهُ. فَما أحَدٌ يَلْقاهُ أخُوهُ إلّا وهو يَشْكُو قَذًى في عَيْنَيْهِ، ويَمْسَحُ (p-٣٠٤)عَيْنَيْهِ» . وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى أُمِّ بُرْثُنٍ قالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ: «لَمّا التَقَيْنا نَحْنُ وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُومُوا لَنا حَلْبَ شاةٍ إلّا كُفِيناهم فَبَيْنا نَحْنُ نَسُوقُهم في أدْبارِهِمْ إذِ انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ البَيْضاءِ فَإذا هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلَقَّتْنا عِنْدَهُ رِجالٌ بِيضٌ حِسانُ الوُجُوهِ قالُوا لَنا: شاهَتِ الوُجُوهُ ارْجِعُوا، فَرَجَعْنا ورَكِبُوا أكْتافَنا وكانَتْ إيّاها» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، أنَّهُ حَدَّثَ أنَّ مالِكَ بْنَ عَوْفٍ بَعَثَ عُيُونًا فَأتَوْهُ وقَدْ تَقَطَّعَتْ أوْصالُهُمْ، فَقالَ: ويَلْكم ما شَأْنُكُمْ؟ فَقالُوا: أتانا رِجالٌ بِيضٌ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، فَواللَّهِ ما تَماسَكْنا أنْ أصابَنا ما تَرى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ الحَجَبِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، واللَّهِ ما خَرَجْتُ إسْلامًا، ولَكِنِّي خَرَجْتُ أنَفًا أنْ تَظْهَرَ هَوازِنُ عَلى قُرَيْشٍ، فَواللَّهِ إنِّي (p-٣٠٥)لَواقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي لَأرى خَيْلًا بُلْقًا، قالَ: يا شَيْبَةُ إنَّهُ لا يَراها إلّا كافِرٌ. فَضَرَبَ بِيَدِهِ صَدْرِي فَقالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ شَيْبَةَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا، فَما رَفَعَ النَّبِيَّ ﷺ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي الثّالِثَةَ حَتّى ما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ إلَيَّ مِنهُ فَقالَ: فالتَقى المُسْلِمُونَ فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ثُمَّ أقْبَلَ النَّبِيُّ وعُمَرُ آخِذٌ بِاللِّجامِ والعَبّاسُ آخِذٌ بِالثَّفَرِ، فَنادى العَبّاسُ: أيْنَ المُهاجِرُونَ؟ أيْنَ أصْحابُ سُورَةِ البَقَرَةِ؟ - بِصَوْتٍ عالٍ - هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأقْبَلَ النّاسُ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ؎أنا النَّبِيُّ غَيْرَ كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ فَأقْبَلَ المُسْلِمُونَ فاصْطَكُّوا بِالسُّيُوفِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» .

التوبة 9:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلِ المَسْجِدَ الحَرامَ مُشْرِكٌ بَعْدَ عامِي هَذا أبَدًا، إلّا أهْلَ العَهْدِ وخَدَمَكم» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٣٠٦)وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ إلّا أنْ يَكُونَ عَبْدًا أوْ أحَدًا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أيْ أجْنابٌ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ وهو العامُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ، ونادى عَلِيٌّ بِالأذانِ، وذَلِكَ لِتِسْعِ سِنِينَ مِنَ الهِجْرَةِ وحَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العامِ المُقْبِلِ حَجَّةَ الوَداعِ، لَمْ يَحُجَّ قَبْلَها ولا بَعْدَها مُنْذُ هاجَرَ، فَلَمّا نَفى اللَّهُ المُشْرِكِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَأغْناهُمُ اللَّهُ بِهَذا الخَراجِ الجِزْيَةَ الجارِيَةَ عَلَيْهِمْ، يَأْخُذُونَها شَهْرًا شَهْرًا، وعامًا عامًا فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَقْرَبَ المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ ذَلِكَ، إلّا صاحِبُ الجِزْيَةِ أوْ عَبْدُ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجِيئُونَ إلى البَيْتِ ويَجِيئُونَ مَعَهم بِالطَّعامِ يَتَّجِرُونَ بِهِ، فَلَمّا نُهُوا عَنْ أنْ يَأْتُوا البَيْتَ قالَ المُسْلِمُونَ: فَمِن أيْنَ لَنا الطَّعامُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ (p-٣٠٧)عَلَيْهِمُ المَطَرَ وكَثُرَ خَيْرُهم حِينَ ذَهَبَ المُشْرِكُونَ عَنْهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وقالُوا: مَن يَأْتِينا بِطَعامِنا وبِالمَتاعِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَفى اللَّهُ المُشْرِكِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: مِن أيْنَ تَأْكُلُونَ وقَدْ نُفِيَ المُشْرِكُونَ وانْقَطَعَتْ عَنْكُمُ العِيرُ؟ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ فَأمَرَهم بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ وأغْناهم مِن فَضْلِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: قالَ المُؤْمِنُونَ: قَدْ كُنّا نُصِيبُ مِن مَتاجِرِ المُشْرِكِينَ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يُغْنِيَهم مِن فَضْلِهِ عِوَضًا لَهم بِألّا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ، فَهَذِهِ الآيَةُ في أوَّلِ ”بَراءَةَ“ في القِراءَةِ، وفي آخِرِها التَّأْوِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: لا يَدْخُلِ الحَرَمَ كُلَّهُ مُشْرِكٌ وتَلا هَذِهِ (p-٣٠٨)الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنْ عَطاءٍ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ قالا: يُرِيدُ الحَرَمَ كُلَّهُ، وفي لَفْظٍ: لا يَدْخُلِ الحَرَمَ كُلَّهُ مُشْرِكٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ قالَ: الفاقَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بِالجِزْيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . قالَ: أغْناهُمُ اللَّهُ بِالجِزْيَةِ الجارِيَةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ . قالَ: قَذَرٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ أنْ يُمْنَعَ أنْ (p-٣٠٩)يَدْخُلَ اليَهُودُ والنَّصارى المَساجِدَ وأتْبَعَ نَهْيَهُ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فَمَن صافَحَهم فَلْيَتَوَضَّأْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ أوْ لِيَغْسِلْ كَفَّيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ «اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ فَناوَلَهُ يَدَهُ فَأبى أنْ يَتَناوَلَها، فَقالَ: يا جِبْرِيلُ ما مَنَعَكَ أنْ تَأْخُذَ بِيَدِي؟ فَقالَ: إنَّكَ أخَذْتَ بِيَدِ يَهُودِيٍّ فَكَرِهْتُ أنْ تَمَسَّ يَدِي يَدًا قَدْ مَسَّها يَدُ كافِرٍ. فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِماءٍ فَتَوَضَّأ فَناوَلَهُ يَدَهُ فَتَناوَلَها» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ وسَمُّوَيْهِ في ”فَوائِدِهِ“ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَقْرَبُ المَسْجِدَ الحَرامَ مُشْرِكٌ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَأجَلُهُ مُدَّتُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ عامَ الفَتْحِ: لا (p-٣١٠)يَدْخُلُ المَسْجِدَ الحَرامَ مُشْرِكٌ ولا يُؤَدِّي مُسْلِمٌ جِزْيَةً» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عُمَرَ بْنِ العَزِيزِ قالَ: «آخِرُ ما تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ قالَ: قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ، لا يَبْقى بِأرْضِ العَرَبِ دِينانِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «بَلَغَنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوْصى عِنْدَ مَوْتِهِ بِألّا يُتْرَكَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ بِأرْضِ الحِجازِ، وأنْ يُمْضى جَيْشُ أُسامَةَ إلى الشّامِ وأوْصى بِالقِبْطِ خَيْرًا فَإنَّ لَهم قَرابَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَفَعَهُ قالَ: أخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ قالَ: «إنَّ آخِرَ كَلامٍ تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ قالَ: أخْرِجُوا اليَهُودَ مِن أرْضِ الحِجازِ وأهْلَ نَجْرانَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ لَأُخْرِجَنَّ المُشْرِكِينَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ أخْرَجَهم» .

التوبة 9:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ في العامِ (p-٣١١)الَّذِي نَبَذَ فِيهِ أبُو بَكْرٍ إلى المُشْرِكِينَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] الآيَةَ. فَكانَ المُشْرِكُونَ يُوافُونَ بِالتِّجارَةِ فَيَنْتَفِعُ بِها المُسْلِمُونَ، فَلَمّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلى المُشْرِكِينَ أنْ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ وجَدَ المُسْلِمُونَ في أنْفُسِهِمْ مِمّا قُطِعَ عَنْهم مِنَ التِّجارَةِ الَّتِي كانَ المُشْرِكُونَ يُوافُونَ بِها فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] فَأحَلَّ في الآيَةِ الأُخْرى الَّتِي تَتْبَعُها الجِزْيَةَ، ولَمْ تَكُنْ تُؤْخَذُ قَبْلَ ذَلِكَ فَجَعَلَها عِوَضًا مِمّا مَنَعَهم مِن مُوافاةِ المُشْرِكِينَ بِتِجاراتِهِمْ فَقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿صاغِرُونَ﴾ فَلَمّا أحَقَّ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ عاضَهم أفْضَلَ مِمّا كانُوا وجَدُوا عَلَيْهِ مِمّا كانَ المُشْرِكُونَ يُوافُونَ بِهِ مِنَ التِّجارَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «القِتالُ قِتالانِ: قِتالُ المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، وقِتالُ الفِئَةِ الباغِيَةِ حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، فَإذا فاءَتْ أُعْطِيَتِ العَدْلَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ حِينَ أُمِرَ مُحَمَّدٌ ﷺ (p-٣١٢)وأصْحابُهُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أُنْزِلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] [البَقَرَةِ: ١٩٣] وأُنْزِلَتْ في أهْلِ الكِتابِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ فَكانَ أوَّلَ مَن أعْطى الجِزْيَةَ أهْلُ نَجْرانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ قالَ: جِزْيَةُ الأرْضِ والرَّقَبَةِ جِزْيَةُ الأرْضِ والرَّقَبَةِ» . وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ قالَ: نُسِخَ بِهَذا العَفْوُ عَنِ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: لَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن قِتالِ مَن يَلِيهِ مِنَ العَرَبِ أمَرَهُ بِجِهادِ أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ لا يُصَدِّقُونَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ يَعْنِي الخَمْرَ والخِنْزِيرَ ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ (p-٢١٣)يَعْنِي دِينَ الإسْلامِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى؛ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِ المُسْلِمِينَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ يَعْنِي مُذَلُّونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قالَ: عَنْ قَهْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قالَ: مِن يَدِهِ ولا يَبْعَثُ بِها مَعَ غَيْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قالَ: عَنْ قُدْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ قالَ: يَمْشُونَ بِها مُتَلْتَلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ قالَ: ويُلْكَزُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلْمانَ في قَوْلِهِ: (p-٣١٤)﴿وهم صاغِرُونَ﴾ قالَ: غَيْرُ مَحْمُودِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المُغِيرَةِ، أنَّهُ بُعِثَ إلى رُسْتُمَ فَقالَ لَهُ رُسْتُمُ: إلامَ تَدْعُو؟ فَقالَ لَهُ: أدْعُوكَ إلى الإسْلامِ فَإنْ أسْلَمْتَ فَلَكَ ما لَنا وعَلَيْكَ ما عَلَيْنا، قالَ: فَإنْ أبَيْتُ قالَ: فَتُعْطِي الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وأنْتَ صاغِرٌ، فَقالَ: لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ أمّا إعْطاءُ الجِزْيَةِ فَقَدْ عَرَفْتُها فَما قَوْلُكَ: وأنْتَ صاغِرٌ؟ قالَ: تُعْطِيها وأنْتَ قائِمٌ وأنا جالِسٌ والسَّوْطُ عَلى رَأْسِكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلْمانَ أنَّهُ قالَ لِأهْلِ حِصْنٍ حاصَرَهُمُ: الإسْلامَ أوِ الجِزْيَةَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ قالُوا: وما الجِزْيَةُ؟ قالَ: نَأْخُذُ مِنكُمُ الدَّراهِمَ والتُّرابُ عَلى رُؤُوسِكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، عَنْ سَلْمانَ، أنَّهُ انْتَهى إلى حِصْنٍ فَقالَ: إنْ أسْلَمْتُمْ فَلَكم ما لَنا وعَلَيْكم ما عَلَيْنا، وإنْ أنْتُمْ أبَيْتُمْ فَأدُّوا الجِزْيَةَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ فَإنْ أبَيْتُمْ نابَذْناكم عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: أُحِبُّ لِأهْلِ الذِّمَّةِ أنْ يُتْعَبُوا في أداءِ الجِزْيَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: «لَمّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعاذًا إلى (p-٣١٥)اليَمَنِ أمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ حالِمٍ دِينارًا أوْ عِدْلَهُ مَعافِرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ أهْلِ هَجَرَ ومِن يَهُودِ اليَمَنِ ونَصاراهم مِن كُلِّ حالِمٍ دِينارًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ بَجالَةَ قالَ: «لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ عُمَرُ الجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ حَتّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مَجُوسِ هَجَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الإسْلامَ، فَمَن أسْلَمَ قَبِلَ مِنهُ، ومَن أبى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةُ عَلى ألّا تُؤْكَلَ لَهم ذَبِيحَةٌ ولا تُنْكَحَ مِنهُمُ امْرَأةٌ» . وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ في كِتابِ الأمْوالِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أبِيهِ، «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ اسْتَشارَ النّاسَ في المَجُوسِ في (p-٣١٦)الجِزْيَةِ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: لَوْلا أنِّي رَأيْتُ أصْحابِي أخَذُوا مِنَ المَجُوسِ ما أخَذْتُ مِنهم وتَلا: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ المَجُوسِ فَقالَ: واللَّهِ ما عَلى الأرْضِ اليَوْمَ أحَدٌ أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي إنَّ المَجُوسَ كانُوا أهْلَ كِتابٍ يَعْرِفُونَهُ وعِلْمٍ يَدْرُسُونَهُ فَشَرِبَ أمِيرُهُمُ الخَمْرَ فَسَكِرَ فَوَقَعَ عَلى أُخْتِهِ فَرَآهُ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا أصْبَحَ قالَتْ أُخْتُهُ: إنَّكَ قَدْ صَنَعْتَ بِها كَذا وكَذا، وقَدْ رَآكَ نَفَرٌ لا يَسْتُرُونَ عَلَيْكَ، فَدَعا أهْلَ الطَّمَعِ فَأعْطاهم ثُمَّ قالَ لَهم: قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ آدَمَ قَدْ أنْكَحَ بَنِيهِ بَناتِهِ فَجاءَ أُولَئِكَ الَّذِينَ رَأوْهُ فَقالُوا: ويْلٌ لِلْأبْعَدِ إنَّ في ظَهْرِكَ حَدًّا للَّهِ فَقَتَلَهم أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَهُ، ثُمَّ جاءَتِ امْرَأةٌ فَقالَتْ لَهُ: بَلى قَدْ رَأيْتُكَ، فَقالَ لَها: ويْحًا لِبَغِيِّ بَنِي فُلانٍ، قالَتْ: أجَلْ واللَّهِ لَقَدْ كانَتْ بَغِيَّةً ثُمَّ تابَتْ فَقَتَلَها، ثُمَّ أُسْرِيَ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ وعَلى كُتُبِهِمْ فَلَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهم شَيْءٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ هَذِهِ الجَزِيرَةِ مِنَ العَرَبِ عَلى الإسْلامِ لَمْ يَقْبَلْ مِنهم غَيْرَهُ، وكانَ أفْضَلَ (p-٣١٧)الجِهادِ وكانَ بَعْدُ جِهادٌ آخَرُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ في شَأْنِ أهْلِ الكِتابِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يُقاتَلُ أهْلُ الأوْثانِ عَلى الإسْلامِ، ويُقاتَلُ أهْلُ الكِتابِ عَلى الجِزْيَةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مِن نِساءِ أهْلِ الكِتابِ مَن يَحِلُّ لَنا، ومِنهم مَن لا يَحِلُّ لَنا وتَلا: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَمَن أعْطى الجِزْيَةَ حَلَّ لَنا نِساؤُهُ، ومَن لَمْ يُعْطِ الجِزْيَةَ لَمْ يَحِلَّ لَنا نِساؤُهُ. ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُويَهْ: لا يَحِلُّ نِكاحُ أهْلِ الكِتابِ إذا كانُوا حَرْبًا. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: آخُذُ الأرْضَ فَأتَقَبَّلُها أرْضَ جِزْيَةً فَأعْمُرُها وأُؤَدِّي خَراجَها. فَنَهاهُ، ثُمَّ قالَ: لا تَعْمِدْ إلى ما ولّى اللَّهُ هَذا الكافِرَ فَتَخْلَعَهُ مِن عُنُقِهِ وتَجْعَلَهُ في عُنُقِكَ، ثُمَّ تَلا: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ حَتّى: ﴿صاغِرُونَ﴾ .

التوبة 9:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ (p-٣١٨)مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ونُعْمانُ بْنُ أوْفى أبُو أنَسٍ، وشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ فَقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: وقالَتِ اليَهُودُ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ . وإنَّما قالُوا: هو ابْنُ اللَّهِ مِن أجْلِ أنَّ عُزَيْرًا كانَ في أهْلِ الكِتابِ وكانَتِ التَّوْراةُ عِنْدَهم فَعَمِلُوا بِها ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَعْمَلُوا، ثُمَّ أضاعُوها وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ وكانَ التّابُوتُ فِيهِمْ، فَلَمّا رَأى اللَّهُ أنَّهم قَدْ أضاعُوا التَّوْراةَ، وعَمِلُوا بِالأهْواءِ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ التّابُوتَ وأنْساهُمُ التَّوْراةَ ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ مَرَضًا فاسْتَطْلَقَتْ بُطُونُهم مِنهُ حَتّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَمْشِي كَبِدُهُ حَتّى نَسُوا التَّوْراةَ، ونُسِخَتْ مِن صُدُورِهِمْ وفِيهِمْ عُزَيْرٌ، فَمَكَثُوا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثُوا بَعْدَما نُسِخَتِ التَّوْراةُ مِن صُدُورِهِمْ وكانَ عُزَيْرٌ قَبْلُ مِن عُلَمائِهِمْ، فَدَعا عُزَيْرٌ اللَّهَ وابْتَهَلَ إلَيْهِ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِ الَّذِي نُسِخَ مِن صَدْرِهِ فَبَيْنَما هو يُصَلِّي مُبْتَهِلًا إلى اللَّهِ نَزَلَ نُورٌ مِنَ اللَّهِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ، فَعادَ إلَيْهِ الَّذِي كانَ ذَهَبَ مِن جَوْفِهِ مِنَ التَّوْراةِ، فَأذَّنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: يا قَوْمِ قَدْ آتانِيَ اللَّهُ التَّوْراةَ رَدَّها إلَيَّ. (p-٣١٩)فَعَلِقَ يُعَلِّمُهُمْ، فَمَكَثُوا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثُوا وهو يُعَلِّمُهُمْ، ثُمَّ إنَّ التّابُوتَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وبَعْدَ ذَهابِهِ مِنهُمْ، فَلَمّا رَأوُا التّابُوتَ عَرَضُوا ما كانَ فِيهِ عَلى الَّذِي كانَ عُزَيْرٌ يُعَلِّمُهُمْ، فَوَجَدُوهُ مِثْلَهُ فَقالُوا: واللَّهِ ما أُوتِيَ عُزَيْرٌ هَذا إلّا أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ قالَ: قالَها رَجُلٌ واحِدٌ اسْمُهُ فِنْحاصُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنَّ نِساءُ بَنِي إسْرائِيلَ يَجْتَمِعْنَ بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّينَ ويَعْتَزِلْنَ ويَذْكُرْنَ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ وما أعْطاهُمْ، ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ شَرُّ خَلْقِهِ بُخْتُنَصَّرَ فَحَرَقَ التَّوْراةَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وعُزَيْرٌ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ فَقالَ عُزَيْرٌ: أوَكانَ هَذا؟! فَلَحِقَ الجِبالَ والوَحْشَ، فَجَعَلَ يَتَعَبَّدُ فِيها وجَعَلَ لا يُخالِطُ النّاسَ، فَإذا هو ذاتَ يَوْمٍ بِامْرَأةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهي تَبْكِي فَقالَ: يا أمَةَ اللَّهِ اتَّقِي اللَّهَ واحْتَسِبِي واصْبِرِي، أما تَعْلَمِينَ أنَّ سَبِيلَ النّاسِ إلى المَوْتِ؟! فَقالَتْ: يا عُزَيْرُ أتَنْهانِي أنْ أبْكِيَ وأنْتَ قَدْ خَلَّفْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَحِقْتَ بِالجِبالِ والوَحْشِ؟! قالَتْ: إنِّي لَسْتُ بِامْرَأةٍ ولَكِنِّي الدُّنْيا، وإنَّهُ سَيَنْبُعُ في مُصَلّاكَ عَيْنٌ وتَنْبُتُ شَجَرَةٌ فاشْرَبْ مِن ماءِ العَيْنِ وكُلْ مِن ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، فَإنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَلَكانِ فاتْرُكْهُما يَصْنَعانِ ما أرادا، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ نَبَعَتِ العَيْنُ ونَبَتَتِ الشَّجَرَةُ، فَشَرِبَ مِن ماءِ العَيْنِ وأكَلَ مِن ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، وجاءَ مَلَكانِ ومَعَهُما قارُورَةٌ فِيها نُورٌ، فَأوْجَراهُ ما فِيها، (p-٣٢٠)فَألْهَمَهُ اللَّهُ التَّوْراةَ، فَجاءَ فَأمْلاهُ عَلى النّاسِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: دَعا عُزَيْرٌ رَبَّهُ أنْ يُلَقّى التَّوْراةَ كَما أنْزَلَ عَلى مُوسى في قَلْبِهِ، فَأنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ فَبَعْدَ ذَلِكَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُمَيْدٍ الخَرّاطِ، أنَّ عُزَيْرًا كانَ يَكْتُبُها بِعَشَرَةِ أقْلامٍ في كُلِّ أُصْبُعٍ قَلَمٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: كانَ عُزَيْرٌ يَقْرَأُ التَّوْراةَ ظاهِرًا، وكانَ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ القُوَّةِ ما إنْ كانَ لَيَنْظُرُ في البَدْرِ في شَرَفِ السَّحابِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: إنَّما قالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ لِأنَّهم ظَهَرَتْ عَلَيْهِمُ العَمالِقَةُ فَقَتَلُوهم وأخَذُوا التَّوْراةَ وهَرَبَ عُلَماؤُهُمُ الَّذِينَ بَقَوْا فَدَفَنُوا كُتُبَ التَّوْراةِ في الجِبالِ وكانَ عُزَيْرٌ يَتَعَبَّدُ في رُؤُوسِ الجِبالِ لا يَنْزِلُ إلّا في يَوْمِ عِيدٍ، فَجَعَلَ الغُلامُ يَبْكِي ويَقُولُ: رَبِّ تَرَكْتَ بَنِي إسْرائِيلَ بِغَيْرِ عالِمٍ فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِيهِمْ حَتّى سَقَطَ أشْفارُ عَيْنَيْهِ، فَنَزَلَ مَرَّةً إلى العِيدِ، فَلَمّا رَجَعَ إذا هو بِامْرَأةٍ قَدْ مَثَلَتْ لَهُ عِنْدَ قَبْرٍ مِن تِلْكَ القُبُورِ تَبْكِي وتَقُولُ: يا مُطْعِماهُ يا كاسِياهُ، فَقالَ لَها: ويْحَكِ مَن كانَ يُطْعِمُكِ أوْ يَكْسُوكِ أوْ يَسْقِيكِ أوْ يَنْفَعُكِ قَبْلَ هَذا الرَّجُلِ؟! قالَتِ: اللَّهُ، قالَ: فَإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ، قالَتْ: يا عُزَيْرُ فَمَن كانَ يُعَلِّمُ العُلَماءَ قَبْلَ بَنِي إسْرائِيلَ؟ قالَ: اللَّهُ، قالَتْ: فَلِمَ تَبْكِي عَلَيْهِمْ؟! (p-٣٢١)فَلَمّا عَرَفَ أنَّهُ قَدْ خُصِمَ ولّى مُدْبِرًا، فَدَعَتْهُ فَقالَتْ: يا عُزَيْرُ إذا أصْبَحْتَ غَدًا فائِتِ نَهَرَ كَذا وكَذا، فاغْتَسِلْ فِيهِ ثُمَّ اخْرُجْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَإنَّهُ يَأْتِيكَ شَيْخٌ فَما أعْطاكَ فَخُذْهُ، فَلَمّا أصْبَحَ انْطَلَقَ عُزَيْرٌ إلى ذَلِكَ النَّهْرِ واغْتَسَلَ فِيهِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَأتاهُ شَيْخٌ فَقالَ: افْتَحْ فَمَكَ، فَفَتَحَ فَمَهُ فَألْقى فِيهِ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الجَمْرَةِ العَظِيمَةِ مُجْتَمِعٌ كَهَيْئَةِ القَوارِيرِ، ثَلاثَ مَرّاتٍ فَرَجَعَ عُزَيْرٌ، وهو مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالتَّوْراةِ، فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي قَدْ جِئْتُكم بِالتَّوْراةِ، فَقالُوا: ما كُنْتُ كَذّابًا فَعَمَدَ فَرَبَطَ عَلى كُلِّ أُصْبُعٍ لَهُ قَلَمًا، ثُمَّ كَتَبَ بِأصابِعِهِ كُلِّها فَكَتَبَ التَّوْراةَ، فَلَمّا رَجَعَ العُلَماءُ أُخْبِرُوا بِشَأْنِ عُزَيْرٍ واسْتَخْرَجَ أُولَئِكَ العُلَماءُ كُتُبَهُمُ الَّتِي كانُوا دَفَنُوها مِنَ التَّوْراةِ في الجِبالِ وكانَتْ في خَوابِي مَدْفُونَةٍ فَعَرَضُوها بِتَوْراةِ عُزَيْزٍ، فَوَجَدُوها مِثْلَها فَقالُوا: ما أعْطاكَ اللَّهُ إلّا وأنْتَ ابْنُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلاثٌ أشُكُّ فِيهِنَّ، فَلا أدْرِي أعُزَيْرٌ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ولا أدْرِي ألُعِنَ تُبَّعٌ أمْ لا قالَ: ونَسِيتُ الثّالِثَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ شُجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وجْهِهِ وكُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ، فَقامَ (p-٣٢٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ رافِعًا يَدَيْهِ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلى اليَهُودِ أنْ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ واشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلى النَّصارى أنْ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وإنَّ اللَّهَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلى مَن أراقَ دَمِي وآذانِي في عِتْرَتِي» . وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُزَيْرٌ: يا رَبِّ ما عَلامَةُ مَن صافَيْتَهُ مِن خَلْقِكَ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أُقَنِّعُهُ بِاليَسِيرِ وأدَّخِرُ لَهُ في الآخِرَةِ الكَثِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يُضاهِئُونَ﴾ قالَ: يُشْبِهُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: قالُوا مِثْلَ ما قالَ أهْلُ الأدْيانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ يَقُولُ: ضاهَتِ النَّصارى قَوْلَ اليَهُودِ قَبْلَهُمْ، فَقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، كَما قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ قَتْلٌ فَهو لَعْنٌ. (p-٣٢٣)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: كَلِمَةٌ مِن كَلامِ العَرَبِ.

التوبة 9:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهُمْ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَقْرَأُ في سُورَةِ بَراءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَقالَ: أما إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ قالَ: سَألَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أكانُوا يَعْبُدُونَهم قالَ: لا ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ حُذَيْفَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهُمْ﴾ قالَ: أما إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، (p-٣٢٤)ولَكِنَّهم أطاعُوهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ﴾ اليَهُودُ: ﴿ورُهْبانَهُمْ﴾ النَّصارى: ﴿وما أُمِرُوا﴾ في الكِتابِ الَّذِي آتاهم وعَهِدَ إلَيْهِمْ: ﴿إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ سَبَّحَ نَفْسَهُ أنْ يُقالَ عَلَيْهِ البُهْتانُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ﴿أحْبارَهُمْ﴾ قُرّاؤُهم: ﴿ورُهْبانَهُمْ﴾ عُلَماؤُهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ والرُّهْبانُ مِنَ النَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: الأحْبارُ العُلَماءُ والرُّهْبانُ العُبّادُ.

التوبة 9:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ . الآيَةَ ٣٢ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ قالَ: يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا الإسْلامَ بِكَلامِهِمْ. (p-٣٢٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: يُرِيدُونَ أنْ يَهْلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ وأصْحابُهُ ألّا يَعْبُدُوا اللَّهَ بِالإسْلامِ في الأرْضِ يَعْنِي بِها كَفّارَ العَرَبِ وأهْلَ الكِتابِ مَن حارَبَ مِنهُمُ النَّبِيَّ ﷺ وكَفَرَ بِآياتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.

التوبة 9:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ والنَّهارُ حَتّى تُعْبَدَ اللّاتُ والعُزّى، فَقالَتْ عائِشَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ أظُنُّ حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ تامًّا فَقالَ: إنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَيُتَوَفّى مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مَن خَيْرٍ فَيَبْقى مَن لا خَيْرَ فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إلى دِينِ آبائِهِمْ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ يَعْنِي: بِالتَّوْحِيدِ والقُرْآنِ والإسْلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ قالَ: يُظْهِرُ اللَّهُ (p-٣٢٦)نَبِيَّهُ ﷺ عَلى أمْرِ الدِّينِ كُلِّهِ فَيُعْطِيهِ إيّاهُ كُلَّهُ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ وكانَ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، فَدِينُنا فَوْقَ المِلَلِ ورِجالُنا فَوْقَ نِسائِهِمْ، ولا يَكُونُ رِجالُهم فَوْقَ نِسائِنا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ جابِرٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ قالَ: إذا خَرَجَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اتَّبَعَهُ أُهْلُ كُلِّ دِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. قالَ: لا يَكُونُ ذَلِكَ حَتّى لا يَبْقى يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ ولا صاحِبُ مِلَّةٍ إلّا الإسْلامُ وحَتّى تَأْمَنَ الشّاةُ الذِّئْبَ والبَقَرَةُ الأسَدَ والإنْسانُ الحَيَّةَ وحَتّى لا تَقْرِضَ فَأْرَةٌ جِرابًا، وحَتّى تُوضَعَ الجِزْيَةُ ويُكْسَرَ الصَّلِيبُ، ويُقْتَلَ الخِنْزِيرُ، وذَلِكَ إذا نَزَلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ قالَ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا. (p-٣٢٧)[الحَجِّ: ١٧] فالأدْيانُ كُلُّها تَدْخُلُ في دِينِ الإسْلامِ والإسْلامُ لا يَدْخُلُ في شَيْءٍ مِنها، فَإنَّ اللَّهَ قَضى فِيما حَكَمَ وأنْزَلَ أنْ يُظْهِرَ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ قالَ: خُرُوجُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

التوبة 9:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ﴾ يَعْنِي عُلَماءَ اليَهُودِ: ﴿والرُّهْبانِ﴾ عُلَماءَ النَّصارى: ﴿لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ والباطِلُ كُتُبٌ كَتَبُوها لَمْ يُنْزِلْها اللَّهُ تَعالى، فَأكَلُوا بِها النّاسَ، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] [البَقَرَةِ: ٧٩] ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٨] [آلِ عِمْرانَ: ٧٨] . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: أمّا الأحْبارُ فَمِنَ اليَهُودِ، وأمّا الرُّهْبانُ فَمِنَ النَّصارى، وأمّا سَبِيلُ اللَّهِ فَمُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: اتَّبِعُوا عالِمَ الآخِرَةِ واحْذَرُوا عالِمَ الدُّنْيا لا يَضُرُّكم بِسَكَرِهِ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ . الآيَةَ. (p-٣٢٨)أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ، قالَ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ وكُلُّ مالٍ لا تُؤَدّى زَكاتُهُ كانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أوْ في بَطْنِها فَهو كَنْزٌ، وكُلُّ مالٍ أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ كانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أوْ في بَطْنِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وإنْ كانَ تَحْتَ سَبْعِ أرَضِينَ، وما لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ فَهو كَنْزٌ وإنْ كانَ ظاهِرًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والخَطِيبُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أيُّ مالٍ أُدِّيَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ جابِرٍ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، في ”الزُّهْدِ“ والبُخارِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، (p-٣٢٩)والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: إنَّما كانَ هَذا قَبْلَ أنْ تُنَزَّلَ الزَّكاةُ، فَلَمّا أُنْزِلَتْ جَعَلَها اللَّهُ طُهْرًا لِلْأمْوالِ ثُمَّ قالَ: ما أُبالِي لَوْ كانَ عِنْدِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، أعْلَمُ عَدَدَهُ أُزَكِّيهِ، وأعْمَلُ فِيهِ بِطاعَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ، أنَّ رَجُلًا باعَ دارًا عَلى عَهْدِ عُمَرَ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: أحْرِزْ ثَمَنَها احْفِرْ تَحْتَ فِراشِ امْرَأتِكَ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أوَلَيْسَ بِكَنْزٍ؟ قالَ: لَيْسَ بِكَنْزٍ ما أُدِّيَ زَكاتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي أوْضاحًا مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ أفَكِنْزٌ هُوَ؟ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ تُؤَدّى زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ شاهِينَ في ”التَّرْغِيبِ في الذِّكْرِ“ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ «عَنْ ثَوْبانَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ أسْفارِهِ، فَقالَ بَعْضُ أصْحابِهِ: لَوْ عَلِمْنا أيُّ المالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ؟، فَقالَ: أفْضَلُهُ لِسانٌ ذاكِرٌ وقَلْبٌ شاكِرٌ (p-٣٣٠)وزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلى إيمانِهِ، وفي لَفْظٍ: تُعِينُهُ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ وأبُو داوُدَ وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: ما يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنّا أنْ يَتْرُكَ لِوَلَدِهِ مالًا يَبْقى بَعْدَهُ، فَقالَ عُمَرُ: أنا أُفْرِجُ عَنْكُمْ، فانْطَلَقَ عُمَرُ واتَّبَعَهُ ثَوْبانُ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهُ قَدْ كَبُرَ عَلى أصْحابِكَ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيُطَيِّبَ بِها ما بَقِيَ مِن أمْوالِكُمْ، وإنَّما فَرَضَ المَوارِيثَ مِن أمْوالٍ تَبْقى بَعْدَكم. فَكَبَّرَ عُمَرُ، ثُمَّ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ألا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ ما يَكْنِزُ المَرْءُ؟! المَرْأةُ الصّالِحَةُ الَّتِي إذا نَظَرَ إلَيْها سَرَّتْهُ، وإذا أمَرَها أطاعَتْهُ، وإذا غابَ عَنْها حَفِظَتْهُ» . وأخْرُجُ الدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ، قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: نَزَلَ اليَوْمَ في الكَنْزِ ما نَزَلَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ماذا نَكْنِزُ اليَوْمَ؟ قالَ: لِسانًا ذاكِرًا وقَلْبًا شاكِرًا وزَوْجَةً صالِحَةً تُعِينُ أحَدَكم عَلى إيمانِهِ» . (p-٣٣١)وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ قالَ: حَدَّثَنِي صاحِبٌ لِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَبًّا لِلذَّهَبِ والفِضَّةِ”. قالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما نَدَّخِرُ؟ قالَ: لِسانًا ذاكِرًا وقَلْبًا شاكِرًا وزَوْجَةً تُعِينُ عَلى الآخِرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ أدّى الحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ، ومَن زادَ فَهو خَيْرٌ لَهُ» “ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا أخْرَجْتَ صَدَقَةَ كَنْزِكَ فَقَدْ أذْهَبْتَ شَرَّهُ ولَيْسَ بِكَنْزٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ. قالَ: هَذِهِ عامَّةٌ في أهْلِ الكِتابِ وفي المُسْلِمِينَ، مَن كَسَبَ مالًا حَلالًا فَلَمْ يُعْطِ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ كانَ كَنْزًا، وإنْ كانَ كَثِيرًا فَأعْطى حَقَّ اللَّهِ مِنهُ ودَفَنَهُ في الأرْضِ لَمْ يَكُنْ كَنْزًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الكَنْزُ ما كُنِزَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وفَرِيضَتِهِ ذَلِكَ الكَنْزُ وقالَ: افْتُرِضَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ جَمِيعًا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ وقالَ: هي خاصَّةٌ وعامَّةٌ. (p-٣٣٢)وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ عَلْباءَ بْنِ أحْمَرَ، أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ لَمّا أرادَ أنْ يَكْتُبَ المَصاحِفَ أرادُوا أنْ يُلْقُوا الواوَ الَّتِي في بَراءَةَ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ قالَ لَهم أُبَيٌّ: لَتُلْحِقُنَّها أوْ لَأضَعَنَّ سَيْفِي عَلى عاتِقِي، فَألْحَقُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: أرْبَعَةُ آلافٍ فَما دُونَها نَفَقَةٌ وما فَوْقَها كَنْزٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: حِلْيَةُ السِّيُوفِ مِنَ الكُنُوزِ، ما أُحَدِّثُكم إلّا ما سَمِعْتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ القِبْلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِراكِ بْنِ مالِكٍ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّهُما قالا: في قَوْلِ اللَّهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ قالا: نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] .

التوبة 9:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ (p-٣٣٣)مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي حَقَّها إلّا جُعِلَتْ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَفائِحُ، ثُمَّ أُحْمِيَ عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يُكْوى بِها جَنْبُهُ وجَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتّى يُقْضى بَيْنَ النّاسِ فَيَرى سَبِيلَهُ إمّا إلى الجَنَّةِ أوْ إلى النّارِ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُوضَعُ الدِّينارُ عَلى الدِّينارِ، ولا الدِّرْهَمُ عَلى الدِّرْهَمِ، ولَكِنْ يُوَسَّعُ جِلْدُهُ: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة»: ٣٥] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: لا يُعَذَّبُ رَجُلٌ بِكَنْزٍ يَكْنِزُهُ فَيَمَسُّ دِرْهَمٌ دِرْهَمًا، ولا دِينارٌ دِينارًا، ولَكِنْ يُوَسَّعُ جِلْدُهُ حَتّى يُوضَعَ كُلُّ دِينارٍ ودِرْهَمٍ عَلى حِدَتِهِ، ولا يَمَسُّ دِرْهَمٌ دِرْهَمًا ولا دِينارٌ دِينارًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُكْوى بِها﴾ الآيَةَ، قالَ: يُوَسَّعُ بِها جِلْدُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها﴾ الآيَةَ، قالَ: حَيَّةٌ تَنْطَوِي عَلى جَنْبَيْهِ وجَبْهَتِهِ فَتَقُولُ: أنا مالُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِي. (p-٣٣٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: ما مِن رَجُلٍ يَمُوتُ وعِنْدَهُ أحْمَرُ أوْ أبْيَضُ إلّا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قِيراطٍ صَفْحَةً مِن نارٍ تُكْوى بِها قَدَمُهُ إلى ذَقَنِهِ، مَغْفُورًا لَهُ بَعْدُ أوْ مُعَذَّبًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ ثَوْبانَ مَرْفُوعًا، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: بُشِّرَ أصْحابُ الكُنُوزِ بِكَيٍّ في الجِباهِ وفي الجُنُوبِ وفي الظُّهُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ قالَ: مَرَرْتُ عَلى أبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ فَقُلْتُ: ما أنْزَلَكَ بِهَذِهِ الأرْضِ؟ قالَ: كُنّا بِالشّامِ فَقَرَأْتُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] فَقالَ مُعاوِيَةُ: ما هَذا فِينا، ما هَذا إلّا في أهْلِ الكِتابِ، قُلْتُ: إنَّها لَفِينا وفِيهِمْ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: جاءَ أبُو ذَرٍّ فَقالَ: «بَشِّرِ الكانِزِينَ بِكَيٍّ مِن قِبَلِ ظُهُورِهِمْ، يَخْرُجُ مِن جُنُوبِهِمْ، وكَيٍّ مِن جِباهِهِمْ يَخْرُجُ مِن أقْفائِهِمْ، فَقُلْتُ: ماذا؟ قالَ: ما قُلْتُ إلّا ما سَمِعْتُ مِن نَبِيِّهِمْ» ﷺ . (p-٣٣٥)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «إنْ خَلِيلِي عَهِدَ إلَيَّ أنَّ أيَّ مالٍ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ أُوكِيَ عَلَيْهِ فَهو جَمْرٌ عَلى صاحِبِهِ حَتّى يُفْرِغَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ إذا أخَذَ عَطاءَهُ دَعا خادِمَهُ فَسَألَهُ عَمّا يَكْفِيهِ لِسَنَةٍ فاشْتَراهُ ثُمَّ اشْتَرى فُلُوسًا بِما بَقِيَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي الإبِلِ صَدَقَتُها، وفي البَقَرِ صَدَقَتُها، وفي الغَنَمِ صَدَقَتُها وفي البِزِّ صَدَقَتُهُ، فَمَن رَفَعَ دِينارًا أوْ دِرْهَمًا أوْ تِبْرًا أوْ فِضَّةً لا يُعِدُّهُ لِغَرِيمٍ، ولا يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَهو كَنْزٌ يُكْوى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «الدِّينارُ كَنْزٌ والدِّرْهَمُ كَنْزٌ والقِيراطُ كَنْزٌ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ ثَوْبانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن ماتَ وهو بَرِيءٌ مِن ثَلاثٍ مِنَ الغُلُولِ والكَنْزِ والدَّيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . (p-٣٣٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي مُجِيبٍ الشّامِيِّ قالَ: كانَ نَعْلُ سَيْفِ أبِي هُرَيْرَةَ مِن فِضَّةٍ فَقالَ لَهُ أبُو ذَرٍّ: أما سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ما مِن رَجُلٍ تَرَكَ صَفْراءَ أوْ بَيْضاءَ إلّا كُوِيَ بِها» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ما مِن أحَدٍ يَمُوتُ فَيَتْرُكُ صَفْراءَ أوْ بَيْضاءَ إلّا كُوِيَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ مَغْفُورًا لَهُ بَعْدُ أوْ مُعَذَّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن ذِي كَنْزٍ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ إلّا جِيءَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ يُكْوى بِهِ جَبِينُهُ وجَبْهَتُهُ وقِيلَ لَهُ: هَذا كَنْزُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِهِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ وأبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في الغَيْلانِيّاتِ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلى أغْنِياءِ المُسْلِمِينَ في أمْوالِهِمُ بِقَدْرِ الَّذِي يَسَعُ فُقَراءَهم ولَنْ يُجْهَدَ الفُقَراءُ إذا جاعُوا وعَرُوا إلّا بِما يَمْنَعُ أغْنِياؤُهم ألا وإنَّ اللَّهَ يُحاسِبُهم حِسابًا شَدِيدًا أوْ يُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الصَّغِيرِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٣٣٧)«مانِعُ الزَّكاةِ يَوْمَ القِيامَةِ في النّارِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن لَمْ يُؤَدِّ الزَّكاةَ فَلا صَلاةَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مانِعُ الزَّكاةِ بِمُسْلِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: لا صَلاةَ إلّا بِزَكاةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لاوِي الصَّدَقَةِ - يَعْنِي مانِعَها - مَلْعُونٌ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ بِلالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، «يا بِلالُ القَ اللَّهَ فَقِيرًا ولا تَلْقَهُ غَنِيًّا، قُلْتُ: وكَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟ قالَ: إذا رُزِقْتَ فَلا تَخْبَأْ وإذا سُئِلَتْ فَلا تَمْنَعْ، قُلْتُ: وكَيْفَ لِي بِذاكَ؟ قالَ: هو ذاكَ وإلّا فالنّارُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، في ”الزُّهْدِ“ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: بَعَثَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ إلى أبِي ذَرٍّ وهو أمِيرُ الشّامِ بِثُلْثِمِائَةِ دِينارٍ، وقالَ: اسْتَعِنْ بِها عَلى حاجَتِكَ، فَقالَ أبُو ذَرٍّ: ارْجِعْ بِها إلَيْهِ، أما وجَدَ أحَدًا أغَرَّ بِاللَّهِ مِنّا؟! ما لَنا إلّا الظِّلُّ نَتَوارى بِهِ وثَلاثَةٌ مِن غَنَمٍ تَرُوحُ عَلَيْنا ومَوْلاةٌ لَنا تَصَدَّقَتْ عَلَيْنا بِخِدْمَتِها (p-٣٣٨)ثُمَّ إنِّي لَأنا أتَخَوَّفُ الفَضْلَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، في ”الزُّهْدِ“ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: ذُو الدِّرْهَمَيْنِ أشَدُّ حَبْسًا مِن ذِي الدِّرْهَمِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: «جَلَسْتُ إلى مَلَأٍ مِن قُرَيْشٍ، فَجاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعْرِ والثِّيابِ والهَيْئَةِ، حَتّى قامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ: بَشِّرِ الكانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمى عَلَيْهِ في نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلى حَلَمَةِ ثَدْيِ أحَدِهِمْ، حَتّى يَخْرُجَ مِن نُغْضِ كَتِفِهِ، ويُوضَعُ عَلى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتّى يَخْرُجَ مِن حَلَمَةِ ثَدْيِهِ فَيَتَدَلْدَلُ، ثُمَّ ولّى فَجَلَسَ إلى سارِيَةٍ، وتَبِعْتُهُ وجَلَسْتُ إلَيْهِ وأنا لا أدْرِي مَن هُوَ، فَقُلْتُ: لا أرى القَوْمَ إلّا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ، قالَ: إنَّهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، قالَ لِي خَلِيلِي، قُلْتُ: مَن خَلِيلُكَ؟ قالَ: النَّبِيُّ ﷺ أتُبْصِرُ أُحَدًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: ما أُحِبُّ أنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إلّا ثَلاثَةَ دَنانِيرَ. وإنَّ هَؤُلاءِ لا يَعْقِلُونَ، إنَّما يَجْمَعُونَ لِلدُّنْيا واللَّهِ لا أسْألُهم دُنْيا ولا أسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتّى ألْقى اللَّهَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: كانَ أبُو ذَرٍّ يَسْمَعُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الأمْرَ فِيهِ الشِّدَّةُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلى بادِيَتِهِ، ثُمَّ يُرَخِّصُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيُحْفَظُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ الأمْرِ الرُّخْصَةُ (p-٣٣٩)فَلا يَسْمَعُها أبُو ذَرٍّ فَيَأْخُذُ أبُو ذَرٍّ بِالأمْرِ الأوَّلِ الَّذِي سَمِعَ قَبْلَ ذَلِكَ.

التوبة 9:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أبِي بَكْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ في حِجَّتِهِ فَقالَ: ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا: مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاثَةٌ مُتَوالِياتٌ ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاثَةٌ مُتَوالِياتٌ ورَجَبُ مُضَرَ بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ بِمِنًى في أوْسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ فَهو اليَوْمَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ (p-٣٤٠)السَّماواتِ والأرْضَ وإنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ أوَّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ وذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاثٌ مُتَوالِياتٌ رَجَبُ مُضَرَ حَرامٌ، ألا وإنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ في الكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والباوَرْدِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي حُرَّةَ الرَّقاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ - وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قالَ: «كُنْتُ آخِذًا بِزِمامِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أوْسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ أذُودُ النّاسَ عَنْهُ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ هَلْ تَدْرُونَ في أيِّ شَهْرٍ أنْتُمْ؟ وفي أيِّ يَوْمٍ أنْتُمْ؟ وفي أيِّ بَلَدٍ أنْتُمْ؟ قالُوا: في يَوْمٍ حَرامٍ وشَهْرٍ حَرامٍ وبَلَدٍ حَرامٍ قالَ: فَإنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم عَلَيْكم حَرامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا في شَهْرِكم هَذا في بَلَدِكم هَذا إلى يَوْمِ تَلْقَوْنَهُ. ثُمَّ قالَ: اسْمَعُوا مِنِّي تَعِيشُوا ألا لا تَظالَمُوا ألا لا تَظالَمُوا إنَّهُ لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ إلّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنهُ، ألا إنَّ كُلَّ دَمٍ ومالٍ ومَأْثُرَةٍ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي هَذِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّ أوَّلَ دَمٍ يُوضَعُ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ كانَ مُسْتَرْضَعًا في بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَهُ هُذَيْلٌ، ألا وإنَّ كُلَّ رِبًا كانَ في الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وإنَّ اللَّهَ قَضى أنَّ أوَّلَ رِبًا يُوضَعُ رِبا العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَكم رُؤُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا (p-٣٤١)تُظْلَمُونَ، ألا وإنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، ألا وإنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم ألا لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ، ألا إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ أيِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ ولَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهم واتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ فَإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكم لا يَمْلِكْنَ لِأنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وإنَّ لَهُنَّ عَلَيْكم حَقًّا ولَكم عَلَيْهِنَّ حَقًّا أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا غَيْرَكم ولا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكم لِأحَدٍ تَكْرَهُونَهُ، فَإنْ خِفْتُمْ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، ولَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وإنَّما أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، ألا ومَن كانَتْ عِنْدَهُ أمانَةٌ فَلْيُؤَدِّها إلى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْها. وبَسَطَ يَدَيْهِ، وقالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ألا هَلْ بَلَّغْتُ. ثُمَّ قالَ: لِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ فَإنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ أسْعَدُ مِن سامِعٍ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ قالَ: المُحَرَّمُ ورَجَبُ وذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: إنَّما سُمِّينَ حُرُمًا لِئَلّا يَكُونَ فِيهِنَّ حَرْبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ (p-٣٤٢)قالَ: القَضاءُ القَيِّمُ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ «عَنْ مُجِيبَةَ الباهِلِيَّةِ عَنْ أبِيها أوْ عَمِّها، أنَّهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَأتاهُ بَعْدَ سَنَةٍ، وقَدْ تَغَيَّرَتْ حالُهُ وهَيْئَتُهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أما تَعْرِفُنِي؟ قالَ: ومَن أنْتَ؟ قالَ: أنا الباهِلِيُّ الَّذِي جِئْتُكَ عامَ الأوَّلِ، قالَ: فَما غَيَّرَكَ وقَدْ كَنْتَ حَسَنَ الهَيْئَةِ؟ قالَ: ما أكَلْتُ طَعامًا مُنْذُ فارَقْتُكَ إلّا بِلَيْلٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِمَ عَذَّبْتَ نَفْسَكَ؟ ثُمَّ قالَ: صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ ويَوْمًا مِن كُلِّ شَهْرٍ، قالَ: زِدْنِي فَإنَّ لِي قُوَّةً، قالَ: صُمْ يَوْمَيْنِ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ، قالَ: زِدْنِي، قالَ: صُمْ مِنَ الحُرُمِ واتْرُكْ صُمْ مِنَ الحُرُمِ واتْرُكْ. وقالَ بِأصابِعِهِ الثَّلاثَةِ فَضَمَّها ثُمَّ أرْسَلَها» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صامَ مِن شَهْرٍ حَرامٍ الخَمِيسَ والجُمُعَةَ والسَّبْتَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عِبادَةَ سَنَتَيْنِ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ حَكِيمٍ قالَ: «سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صِيامِ رَجَبَ فَقالَ: أخْبَرَنِي ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَصُومُ حَتّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ ويُفْطِرُ حَتّى نَقُولَ لا يَصُومُ» . (p-٣٤٣)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صامَ يَوْمًا مِن رَجَبَ كانَ كَصِيامِ سَنَةٍ، ومَن صامَ سَبْعَةَ أيّامٍ غُلِّقَتْ عَنْهُ سَبْعَةُ أبْوابِ جَهَنَّمَ، ومَن صامَ ثَمانِيَةَ أيّامٍ فُتِحَتْ لَهُ ثَمانِيَةُ أبْوابِ الجَنَّةِ، ومَن صامَ عَشَرَةَ أيّامٍ لَمْ يَسْألِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ شَيْئًا إلّا أعْطاهُ، ومَن صامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ما سَلَفَ فاسْتَأْنِفِ العَمَلَ قَدْ بَدَّلْتُ سَيِّئاتِكم حَسَناتٍ، ومَن زادَ زادَهُ اللَّهُ، وفي رَجَبَ حُمِلَ نُوحٌ في السَّفِينَةِ، فَصامَ نُوحٌ وأمَرَ مَن مَعَهُ أنْ يَصُومُوا، وجَرَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ سِتَّةَ أشْهُرٍ إلى آخِرِ ذَلِكَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنَ المُحَرَّمِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ والأصْبِهانِيُّ عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: في الجَنَّةِ قَصْرٌ لِصُوّامِ رَجَبَ قالَ البَيْهَقِيُّ: مَوْقُوفٌ عَلى أبِي قِلابَةَ وهو مِنَ التّابِعِينَ، فَمِثْلُهُ لا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا عَنْ بَلاغٍ عَمَّنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ يَأْتِيهِ الوَحْيُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَصُمْ بَعْدَ رَمَضانَ إلّا رَجَبَ وشَعْبانَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ رَجَبَ شَهْرُ اللَّهِ ويُدْعى الأصَمَّ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا دَخَلَ رَجَبُ يُعَطِّلُونَ أسْلِحَتَهم ويَضَعُونَها، فَكانَ النّاسُ يَنامُونَ وتَأْمَنُ السُّبُلُ، ولا يَخافُونَ بَعْضَهم بَعْضًا، حَتّى يَنْقَضِيَ» . (p-٣٤٤)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: كُنّا نُسَمِّي رَجَبَ الأصَمَّ في الجاهِلِيَّةِ مِن شِدَّةِ حُرْمَتِهِ في أنْفُسِنا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ: كُنّا في الجاهِلِيَّةِ إذا دَخَلَ رَجَبُ نَقُولُ: جاءَ مُنْصِلُ الأسِنَّةِ لا نَدَعُ حَدِيدَةً في سَهْمٍ، ولا حَدِيدَةً في رُمْحٍ إلّا انْتَزَعْناها فَألْقَيْناها. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي رَجَبَ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ مَن صامَ ذَلِكَ اليَوْمَ وقامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَ كَمَن صامَ مِنَ الدَّهْرِ مِائَةَ سَنَةٍ وقامَ مِائَةَ سَنَةٍ، وهو لِثَلاثٍ بَقِينَ مِن رَجَبَ، وفِيهِ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «فِي رَجَبَ لَيْلَةٌ يُكْتَبُ لِلْعامِلِ فِيها حَسَناتُ مِائَةِ سَنَةٍ وذَلِكَ لِثَلاثٍ بَقِينَ مِن رَجَبَ، فَمَن صَلّى فِيها اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً يَقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ فاتِحَةَ الكِتابِ وسُورَةً مِنَ القُرْآنِ يَتَشَهَّدُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ويُسَلِّمُ في آخِرِهِنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ مِائَةَ مَرَّةٍ، ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِائَةَ مَرَّةٍ، ويُصَلِّي عَلى النَّبِيِّ ﷺ مِائَةَ مَرَّةٍ ويَدْعُو لِنَفْسِهِ ما شاءَ مِن أمْرِ دُنْياهُ وآخِرَتِهِ، ويُصْبِحُ صائِمًا فَإنَّ اللَّهَ يَسْتَجِيبُ دُعاءَهُ كُلَّهُ إلّا أنْ يَدْعُوَ في مَعْصِيَةٍ، قالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا أضْعَفُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ» . (p-٣٤٥)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وقالَ: إنَّهُ مُنْكَرٌ بِمَرَّةٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «خِيرَةُ اللَّهِ مِنِ الشُّهُورِ شَهْرُ رَجَبَ وهو شَهْرُ اللَّهِ، مَن عَظَّمَ شَهْرَ رَجَبَ فَقَدْ عَظَّمَ أمْرَ اللَّهِ، ومَن عَظَّمَ أمْرَ اللَّهِ أدْخَلَهُ جَنّاتِ النَّعِيمِ وأوْجَبَ لَهُ رِضْوانَهُ الأكْبَرَ، وشَعْبانُ شَهْرِي فَمَن عَظَّمَ شَهْرَ شَعْبانَ فَقَدْ عَظَّمَ أمْرِي، ومَن عَظَّمَ أمْرِي كُنْتُ لَهُ فَرَطًا وذُخْرًا يَوْمَ القِيامَةِ، وشَهْرُ رَمَضانَ شَهْرُ أُمَّتِي فَمَن عَظَّمَ شَهْرَ رَمَضانَ وعَظَّمَ حُرْمَتَهُ ولَمْ يَنْتَهِكْهُ، وصامَ نَهارَهُ وقامَ لَيْلَهُ، وحَفِظَ جَوارِحَهُ خَرَجَ مِن رَمَضانَ ولَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ يَطْلُبُهُ اللَّهُ بِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ صَوْمِ رَجَبَ كُلِّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ﴾ قالَ: يُعْرَفُ بِها شَأْنُ النَّسِيءِ ما نَقَصَ مِنَ السَّنَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ (p-٣٤٦)اخْتَصَّ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ فَجَعَلَهُنَّ حُرُمًا وعَظَّمَ حُرُماتِهِنَّ، وجَعَلَ الذَّنْبَ فِيهِنَّ أعْظَمَ والعَمَلَ الصّالِحَ والأجْرَ أعْظَمَ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: في كُلِّهِنَّ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ يَقُولُ: جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: إنَّ الظُّلْمَ في الشَّهْرِ الحَرامِ أعْظَمُ خَطِيئَةً ووِزْرًا مِنِ الظُّلْمِ فِيما سِواهُ، وإنْ كانَ الظُّلْمُ عَلى كُلِّ حالٍ عَظِيمًا، ولَكِنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مِن أمْرِهِ ما شاءَ وقالَ: إنَّ اللَّهَ اصْطَفى صَفايا مِن خَلْقِهِ اصْطَفى مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ رُسُلًا، واصْطَفى مِنَ الكَلامِ ذِكْرَهُ، واصْطَفى مِنَ الأرْضِ المَساجِدَ، واصْطَفى مِنَ الشُّهُورِ رَمَضانَ، واصْطَفى مِنَ الأيّامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، واصْطَفى مِنَ اللَّيالِي لَيْلَةَ القَدْرِ فَعَظِّمُوا ما عَظَّمَ اللَّهُ، فَإنَّما تُعَظَّمُ الأُمُورُ لِما عَظَّمَها اللَّهُ بِهِ عِنْدَ أهْلِ الفَهْمِ والعَقْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: في الشُّهُورِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: الظُّلْمُ العَمَلُ لِمَعاصِي اللَّهِ والتَّرْكُ لِطاعَتِهِ. (p-٣٤٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ قالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ آيَةٍ فِيها رُخْصَةٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ كَعْبٍ قالَ: اخْتارَ اللَّهُ البِلادَ فَأحَبُّ البُلْدانِ إلى اللَّهِ البَلَدُ الحَرامُ، واخْتارَ اللَّهُ الزَّمانَ فَأحَبُّ الزَّمانِ إلى اللَّهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ، وأحَبُّ الأشْهُرِ إلى اللَّهِ ذُو الحِجَّةِ، وأحَبُّ ذِي الحِجَّةِ إلى اللَّهِ العَشْرُ الأُوَلُ مِنهُ، واخْتارَ اللَّهُ الأيّامَ فَأحَبُّ الأيّامِ إلى اللَّهِ يَوْمُ الجُمُعَةِ، واخْتارَ اللَّهُ اللَّيالِيَ، فَأحَبُّ اللَّيالِي إلى اللَّهِ لَيْلَةُ القَدْرِ، واخْتارَ اللَّهُ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَأحَبُّ السّاعاتِ إلى اللَّهِ ساعاتُ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ، واخْتارَ اللَّهُ الكَلامَ فَأحَبُّ الكَلامِ إلى اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، وسُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ.

التوبة 9:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «كانَتِ العَرَبُ يُحِلُّونَ عامًا شَهْرًا وعامًا شَهْرَيْنِ، ولا يُصِيبُونَ الحَجَّ إلّا في كُلِّ سِتَّةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مَرَّةً، وهو النَّسِيءُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ فَلَمّا كانَ عامُ (p-٣٤٨)حَجَّ أبُو بَكْرٍ بِالنّاسِ وافَقَ ذَلِكَ العامُ الحَجَّ فَسَمّاهُ اللَّهُ الحَجَّ الأكْبَرَ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العامِ المُقْبِلِ فاسْتَقْبَلَ النّاسُ الأهِلَّةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «وقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالعَقَبَةِ فَقالَ: إنَّ النَّسِيءَ مِنَ الشَّيْطانِ: ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ فَكانُوا يُحَرِّمُونَ المُحَرَّمَ عامًا ويَسْتَحِلُّونَ صَفَرَ ويُحَرِّمُونَ صَفَرَ عامًا ويَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ وهو النَّسِيءُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ جُنادَةَ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ يُوافِي المَوْسِمَ كُلَّ عامٍ، وكانَ يُكَنّى أبا ثُمامَةَ فَيُنادِي: ألا إنَّ أبا ثُمامَةَ لا يُحابُ ولا يُعابُ ألا وإنَّ صَفَرَ الأوَّلَ العامَ حَلالٌ فَيُحِلُّهُ لِلنّاسِ، فَيُحَرِّمُ صَفَرَ عامًا ويُحَرِّمُ المُحَرَّمَ عامًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، (p-٣٤٩)﴿لِيُواطِئُوا﴾: لِيُشَبِّهُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ قالَ: المُحَرَّمُ كانُوا يُسَمُّونَهُ صَفَرَ، وصَفَرُ يَقُولُونَ: صَفَرانِ، الأوَّلُ والآخِرُ، يُحِلُّ لَهم مَرَّةً الأوَّلَ ومَرَّةً الآخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: كانُوا يَجْعَلُونَ السَّنَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا فَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا فَيَسْتَحِلُّونَ فِيهِ الحُرُماتِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ طاوُوسٍ قالَ: الشَّهْرُ الَّذِي نَزَعَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ المُحَرَّمُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾: وهو جُنادَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ أُمَيَّةَ الكِنانِيِّ، ويُكَنّى أبا ثُمامَةَ كانَ يُوافِي المَوْسِمَ كُلَّ عامٍ فَيُنادِي: ألا إنَّ أبا ثُمامَةَ لا يُحابُ ولا يُعابُ. فَيَقُولُ: ألا إنَّ صَفَرَ الأوَّلَ حَلالٌ وكانَ طَوائِفُ مِنَ العَرَبِ إذا أرادُوا أنْ يُغِيرُوا عَلى (p-٣٥٠)بَعْضِ عَدُوِّهِمْ أتَوْهُ فَقالُوا: أحِلَّ لَنا هَذا الشَّهْرَ - يَعْنُونَ صَفَرَ - وكانَتِ العَرَبُ لا تُقاتِلُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ فَيُحِلُّهُ لَهم عامًا ويُحَرِّمُهُ عَلَيْهِمْ في العامِ الآخَرِ ويُحَرِّمُ المُحَرَّمَ في قابِلٍ: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: لِيَجْعَلُوا الحُرُمَ أرْبَعَةً غَيْرَ أنَّهم جَعَلُوا صَفَرَ عامًا حَلالًا وعامًا حَرامًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ النَّسَأةُ حَيًّا مِن بَنِي مالِكٍ مِن كِنانَةَ مَن بَنِي فُقَيْمٍ فَكانَ آخِرُهم رَجُلًا يُقالُ لَهُ: القَلَمَّسُ. وهو الَّذِي أنْسَأ المُحَرَّمَ وكانَ مَلِكًا، كانَ يُحِلُّ المُحَرَّمَ عامًا ويُحَرِّمُهُ، عامًا فَإذا حَرَّمَهُ كانَتْ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ مُتَوالِيَةً ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ وهي العِدَّةُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ في عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا أحَلَّهُ دَخَلَ مَكانَهُ صَفَرٌ في المُحَرَّمِ لِيُواطِئَ العِدَّةَ يَقُولُ: قَدْ أكْمَلْتُ الأرْبَعَةَ كَما كانَتْ لِأنِّي لَمْ أُحِلَّ شَهْرًا إلّا وقَدْ حَرَّمْتُ مَكانَهُ شَهْرًا. فَكانَتْ عَلى ذَلِكَ العَرَبُ مَن يَدِينُ للْقَلَمَّسِ بِمُلْكِهِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَأكْمَلَ الحُرُمَ؛ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ مُتَوالِيَةٌ ورَجَبُ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي وائِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن بَنِي كِنانَةَ يُقالُ لَهُ: نَسِيءٌ. (p-٣٥١)كانَ يَجْعَلُ المُحَرَّمَ صَفَرَ يَسْتَحِلُّ فِيهِ المَغانِمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي وائِلٍ قالَ: كانَ النّاسِئُ رَجُلًا مِن كِنانَةَ ذا رَأْيٍ يَأْخُذُونَ مِن رَأْيِهِ رَأْسًا فِيهِمْ، فَكانَ عامًا يَجْعَلُ المُحَرَّمَ صَفَرا فَيُغِيرُونَ فِيهِ ويَسْتَحِلُّونَهُ فَيُصِيبُونَ فَيَغْنَمُونَ وكانَ عامًا يُحَرِّمُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ الآيَةَ، قالَ: عَمَدَ أُناسٌ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ فَزادُوا صَفَرَ في أشْهُرِ الحُرُمِ، وكانَ يَقُومُ قائِمُهم في المَوْسِمِ فَيَقُولُ: ألا إنَّ آلِهَتَكم قَدْ حَرَّمَتِ المُحَرَّمَ فَيُحَرِّمُونَهُ ذَلِكَ العامَ، ثُمَّ يَقُومُ في العامِ المُقْبِلِ، فَيَقُولُ: ألا إنَّ آلِهَتَكم قَدْ حَرَّمَتِ صَفَرَ فَيُحَرِّمُونَهُ ذَلِكَ العامَ، وكانَ يُقالُ لَهُما: الصَّفَرانِ. وكانَ أوَّلُ مَن نَسَأ النَّسِيءَ بَنُو مالِكٍ مِن كِنانَةَ وكانُوا ثَلاثَةً: أبُو ثُمامَةَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ أحَدُ بَنِي فُقَيْمِ بْنِ الحارِثِ، ثُمَّ أحَدُ بَنِي كِنانَةَ. (p-٣٥٢)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، «عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ قالَ: فَرَضَ اللَّهُ الحَجَّ في ذِي الحِجَّةِ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُسَمُّونَ الأشْهُرَ: ذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ وصَفَرُ ورَبِيعٌ ورَبِيعٌ وجُمادى وجُمادى ورَجَبُ وشَعْبانُ ورَمَضانُ وشَوّالُ وذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ، ثُمَّ يَحُجُّونَ فِيهِ ثُمَّ يَسْكُتُونَ عَنِ المُحَرَّمِ فَلا يَذْكُرُونَهُ، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيُسَمُّونَ صَفَرَ صَفَرَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ رَجَبَ جُمادى الآخِرَةَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ شَعْبانَ رَمَضانَ ورَمَضانَ شَوّالَ، ويُسَمُّونَ ذا القَعْدَةِ شَوّالَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ ذا الحِجَّةِ ذا القَعْدَةِ، ثُمَّ يُسَمُّونَ المُحَرَّمَ ذا الحِجَّةِ ثُمَّ يَحُجُّونَ فِيهِ واسْمُهُ عِنْدَهم ذُو الحِجَّةِ، ثُمَّ عادُوا مِثْلَ هَذِهِ القِصَّةِ فَكانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ شَهْرٍ عامًا، حَتّى وافَقَ حِجَّةُ أبِي بَكْرٍ الآخِرَةُ مِنَ العامِ في ذِي القَعْدَةِ ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ حَجَّتَهُ الَّتِي حَجَّ فِيها فَوافَقَ ذا الحِجَّةِ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ في خُطْبَتِهِ: إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن بَنِي مالِكِ بْنِ كِنانَةَ يُقالُ لَهُ: جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ يُكَنّى أبا أُمامَةَ يُنْسِئُ الشُّهُورَ وكانَتِ (p-٣٥٣)العَرَبُ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ أنْ يَمْكُثُوا ثَلاثَةَ أشْهُرٍ لا يُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَإذا أرادَ أنْ يُغِيرَ عَلى أحَدٍ قامَ يَوْمَ مِنًى فَخَطَبَ فَقالَ: إنِّي قَدْ أحْلَلْتُ المُحَرَّمَ وحَرَّمْتُ صَفَرَ مَكانَهُ فَيُقاتِلُ النّاسُ في المُحَرَّمِ، فَإذا كانَ صَفَرُ غَمَدُوا السِّيُوفَ ووَضَعُوا الأسِنَّةَ، ثُمَّ يَقُومُ في قابِلٍ فَيَقُولُ: إنِّي قَدْ أحْلَلْتُ صَفَرَ وحَرَّمْتُ المُحَرَّمَ فَيُواطِئُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ فَيُحِلُّوا المُحَرَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ قالَ: هو صَفَرُ كانَتْ هَوازِنُ وغَطَفانُ يُحِلُّونَهُ سَنَةً ويُحَرِّمُونَهُ سَنَةً.

التوبة 9:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ . أخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ الفَتْحِ وحُنَيْنٍ، أمَرَهم بِالنَّفِيرِ في الصَّيْفِ حِينَ خُرِفَتِ النَّخْلُ وطابَتِ الثِّمارُ واشْتَهَوُا الظِّلالَ وشَقَّ عَلَيْهِمُ المَخْرَجُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ (p-٣٥٤)أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ المُسْتَوْرِدِ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَتَذاكَرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّما الدُّنْيا بَلاغٌ لِلْآخِرَةِ، فِيها العَمَلُ وفِيها الصَّلاةُ وفِيها الزَّكاةُ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ: الآخِرَةُ فِيها الجَنَّةُ، وقالُوا ما شاءَ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يَمْشِي أحَدُكم إلى اليَمِّ فَأدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِيهِ فَما خَرَجَ مِنهُ فَهي الدُّنْيا» . وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ عَنِ المُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «كُنْتُ في رَكْبٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ مَرَّ بِسَخْلَةٍ مَيِّتَةٍ فَقالَ: أتَرَوْنَ هَذِهِ هانَتْ عَلى أهْلِها حِينَ ألْقَوْها؟ قالُوا: مِن هَوانِها ألْقَوْها يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: فالدُّنْيا أهْوَنُ عَلى اللَّهِ مِن هَذِهِ عَلى أهْلِها» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ جَعَلَ الدُّنْيا قَلِيلًا، وما بَقِيَ مِنها إلّا القَلِيلُ كالثَّغَبِ يَعْنِي الغَدِيرَ شُرِبَ صَفْوُهُ وبَقِيَ كَدَرُهُ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ عُمَرُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو عَلى حَصِيرٍ قَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ فِراشًا أوْثَرَ مِن هَذا فَقالَ: ما لِي ولِلدُّنْيا، وما لِلدُّنْيا وما لِي والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ (p-٣٥٥)ما مَثَلِي ومَثَلُ الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ سارَ في يَوْمٍ صائِفٍ، فاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ساعَةً ثُمَّ راحَ وتَرَكَها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نامَ عَلى حَصِيرٍ، فَقامَ وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ: لَوِ اتَّخَذْنا لَكَ فَقالَ: ما لِي ولِلدُّنْيا ما أنا في الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ راحَ وتَرَكَها» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَهْلٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ فَرَأى شاةً شائِلَةً بِرِجْلِها فَقالَ: أتَرَوْنَ هَذِهِ الشّاةَ هَيِّنَةً عَلى صاحِبِها؟ قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيا أهْوَنُ عَلى اللَّهِ مِن هَذِهِ عَلى صاحِبِها، ولَوْ كانَتْ تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى الكافِرَ مِنها شَرْبَةَ ماءٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن أحَبَّ دُنْياهُ أضَرَّ بِآخِرَتِهِ، ومَن (p-٣٥٦)أحَبَّ آخِرَتَهُ أضَرَّ بِدُنْياهُ، فَآثَرُوا ما يَبْقى عَلى ما يَفْنى» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”المَناماتِ“ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ألا إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إلّا مِثْلُ الذُّبابِ تَمُورُ في جَوِّها، فاللَّهَ اللَّهَ في إخْوانِكم مِن أهْلِ القُبُورِ فَإنَّ أعْمالَكم تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَماهُ مِنَ الدُّنْيا كَما يَحْمِي أحَدُكم مَرِيضَهُ الماءَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «حُلْوَةُ الدُّنْيا مُرَّةُ الآخِرَةِ، ومُرَّةُ الدُّنْيا حُلْوَةُ الآخِرَةِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ «عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: أكَلْتُ لَحْمًا (p-٣٥٧)كَثِيرًا وثَرِيدًا ثُمَّ جِئْتُ فَقَعَدْتُ حِيالَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلْتُ أتَجَشَّأُ فَقالَ: أقْصِرْ مِن جُشائِكَ؛ فَإنَّ أكْثَرَ النّاسِ شِبَعًا في الدُّنْيا أكْثَرُهم جُوعًا في الآخِرَةِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا عائِشَةُ إنْ أرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيا كَزادِ الرّاكِبِ، ولا تَسْتَخْلِفِي ثَوْبًا حَتّى تَرْقَعِيهِ وإيّاكِ ومُجالَسَةَ الأغْنِياءِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ طارِقٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نِعْمَتِ الدّارُ الدُّنْيا لِمَن تَزَوَّدَ مِنها لِآخِرَتِهِ حَتّى يُرْضِيَ رَبَّهُ وبِئْسَتِ الدّارُ لِمَن صَدَّتْهُ عَنْ آخِرَتِهِ وقَصَّرَتْ بِهِ عَنْ رِضا رَبِّهِ، وإذا قالَ العَبْدُ: قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيا، قالَتِ الدُّنْيا: قَبَّحَ اللَّهُ أعَصانا لِرَبِّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وعَظَ رَجُلًا فَقالَ: ازْهَدِ الدُّنْيا يُحِبَّكَ اللَّهُ وازْهَدْ فِيما في أيْدِي النّاسِ يُحِبَّكَ النّاسُ» . (p-٣٥٨)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وسَنَتُهُ، فَإذا خَرَجَ مِنَ الدُّنْيا فارَقَ السِّجْنَ والسَّنَةَ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أصْبَحَ والدُّنْيا أكْبَرُ هَمِّهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ، ومَن لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ ومَن لَمْ يَهْتَمَّ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي سُفْيانَ عَنْ أشْياخِهِ قالَ: «دَخَلَ سَعْدٌ عَلى سَلْمانَ يَعُودُهُ فَبَكى، فَقالَ سَعْدٌ: ما يُبْكِيكَ يا أبا عَبْدِ اللَّهِ؟ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو عَنْكَ راضٍ، وتَرِدُ عَلَيْهِ الحَوْضَ وتَلْقى أصْحابَكَ، قالَ: ما أبْكِي جَزَعًا مِنَ المَوْتِ ولا حِرْصًا عَلى الدُّنْيا، ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إلَيْنا عَهْدًا، قالَ: لِيَكُنْ بُلْغَةُ أحَدِكم مِنِ الدُّنْيا كَزادِ الرّاكِبِ، وحَوْلِي هَذِهِ الأساوِدَةُ قالَ: وإنَّما حَوْلَهُ (p-٣٥٩)إجّانَةٌ وجَفْنَةٌ ومِطْهَرَةٌ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ يَتَحَلَّقُونَ في مَساجِدِهِمْ ولَيْسَ هِمَّتُهم إلّا الدُّنْيا لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حاجَةٌ فَلا تُجالِسُوهم» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ولا يَزْدادُ النّاسُ عَلى الدُّنْيا إلّا حِرْصًا، ولا يَزْدادُونَ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، في ”الزُّهْدِ“ عَنْ سُفْيانَ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: إنَّكَ لَنْ تَنالَ عَمَلَ الآخِرَةِ بِشَيْءٍ أفْضَلَ مِنَ الزُّهْدِ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ ذُبابَةٍ ما سَقى فِرْعَوْنَ مِنها شَرْبَةَ ماءٍ. (p-٣٦٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ المُسْتَوْرِدِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يَجْعَلُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ في اليَمِّ ثُمَّ يَرْفَعُها، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في ”زَوائِدِ الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قُلْتُ يا أبا هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ إخْوانِي بِالبَصْرَةِ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَقُولُ: سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَجْزِي بِالحَسَنَةِ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: بَلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَجْزِي بِالحَسَنَةِ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ فالدُّنْيا ما مَضى مِنها إلى ما بَقِيَ مِنها عِنْدَ اللَّهِ قَلِيلٌ وقالَ اللَّهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] [البَقَرَةِ: ٢٤٥] فَكَيْفَ الكَثِيرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إذا كانَتِ الدُّنْيا ما مَضى مِنها وما بَقِيَ عِنْدَ اللَّهِ قَلِيلٌ»؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ قالَ: كَزادِ الرّاعِي. (p-٣٦١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا حَضَرَتْ عَبْدَ العَزِيزِ بْنَ مَرْوانَ الوَفاةُ قالَ: ائْتُونِي بِكَفَنِي الَّذِي أُكَفَّنُ فِيهِ أنْظُرْ إلَيْهِ. فَلَمّا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ نَظَرَ إلَيْهِ فَقالَ: أما لِيَ مِن كَثِيرٍ؟ ما أُخَلِّفُ مِنَ الدُّنْيا إلّا هَذا؟! ثُمَّ ولّى ظَهْرَهُ وبَكى وقالَ: أُفٍّ لَكِ مِن دارٍ إنْ كانَ كَثِيرُكِ لَقَلِيلٌ، وإنْ كانَ قَلِيلُكِ لَقَصِرٌ، وإنْ كُنّا مِنكِ لَفي غُرُورٍ.

التوبة 9:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ حَيًّا مِن أحْياءِ العَرَبِ فَتَثاقَلُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَأُمْسِكَ عَنْهُمُ المَطَرَ فَكانَ ذَلِكَ عَذابَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ وقَدْ كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ ناسٌ في البَدْوِ يُفَقِّهُونَ قَوْمَهُمْ، فَقالَ المُنافِقُونَ: قَدْ بَقِيَ ناسٌ في البَوادِي، وقالُوا: هَلَكَ أصْحابُ البَوادِي فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] [التَّوْبَةِ: ١٢٢] . (p-٣٦٢)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ قالَ: نَسَخَتْها: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .

التوبة 9:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: ذَكَرَ ما كانَ مِن أوَّلِ شَأْنِهِ حِينَ بُعِثَ، يَقُولُ اللَّهُ: فَأنا فاعِلٌ ذَلِكَ بِهِ، وناصِرُهُ كَما نَصَرْتُهُ إذْ ذاكَ وهو ثانِيَ اثْنَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «اشْتَرى أبُو بَكْرٍ مِن عازِبٍ رَجُلًا بِثَلاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَقالَ لِعازِبٍ: مُرِ البَراءَ فَلْيَحْمِلْهُ إلى مَنزِلِي، فَقالَ: لا حَتّى تُحَدِّثَنا كَيْفَ صَنَعْتَ حَيْثُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنْتَ مَعَهُ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَرَجْنا فَأدْلَجْنا، فَأحْثَثْنا يَوْمَنا ولَيْلَتَنا حَتّى أظْهَرْنا وقامَ قائِمُ الظَّهِيرَةِ، فَضَرَبْتُ بِبَصَرِي هَلْ أرى ظِلًّا فَآوِيَ إلَيْهِ، فَإذا أنا بِصَخْرَةٍ فَأهْوَيْتُ إلَيْها، فَإذا بَقِيَّةُ ظِلِّها فَسَوَّيْتُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَرَشْتُ لَهُ فَرْوَةً وقُلْتُ: (p-٣٦٣)اضْطَجِعْ يا رَسُولَ اللَّهِ فاضْطَجَعَ، ثُمَّ خَرَجْتُ أنْظُرُ هَلْ أرى أحَدًا مِنَ الطَّلَبِ، فَإذا أنا بِراعِي غَنَمٍ فَقُلْتُ: لِمَن أنْتَ يا غُلامُ؟ فَقالَ: لِرَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ فَسَمّاهُ، فَعَرَفْتُهُ فَقُلْتُ: هَلْ في غَنَمِكَ مِن لَبَنٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وهَلْ أنْتَ حالِبٌ لِي؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأمَرْتُهُ فاعْتَقَلَ شاةً مِنها، ثُمَّ أمَرْتُهُ فَنَفَضَ ضَرْعَها مِنَ الغُبارِ، ثُمَّ أمَرْتُهُ فَنَفَضَ كَفَّيْهِ مِنَ الغُبارِ ومَعِي إداوَةٌ عَلى فَمِها خِرْقَةٌ فَحَلَبَ لِي كُثْبَةً مِنَ اللَّبَنِ فَصَبَبْتُ عَلى القَدَحِ حَتّى بَرَدَ أسْفَلُهُ، ثُمَّ أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوافَقْتُهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ فَقُلْتُ: اشْرَبْ يا رَسُولَ اللَّهِ فَشَرِبَ حَتّى رَضِيتُ ثُمَّ قُلْتُ: هَلْ أنى لِلرَّحِيلِ؟ قالَ: فارْتَحَلْنا والقَوْمُ يَطْلُبُونا، فَلَمْ يُدْرِكْنا مِنهم إلّا سُراقَةُ عَلى فَرَسٍ لَهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنا فَقالَ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. حَتّى إذا دَنا فَكانَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ قَدْرُ رُمْحٍ أوْ رُمْحَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقْنا وبَكَيْتُ، قالَ: لِمَ تَبْكِي؟ قُلْتُ: أما واللَّهِ ما أبْكِي عَلى نَفْسِي، ولَكِنْ أبْكِي عَلَيْكَ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ اكْفِناهُ بِما شِئْتَ. فَساخَتْ فَرَسُهُ إلى بَطْنِها في أرْضٍ صَلْدٍ ووَثَبَ عَنْها، وقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ هَذا عَمَلُكَ فادْعُ اللَّهَ أنْ يُنْجِيَنِي مِمّا أنا فِيهِ، فَواللَّهِ لَأُعَمِّيَنَّ عَلى مَن ورائِي مِنَ الطَّلَبِ، وهَذِهِ كِنانَتِي فَخُذْ مِنها (p-٣٦٤)سَهْمًا فَإنَّكَ سَتَمُرُّ بِإبِلِي وغَنَمِي في مَوْضِعِ كَذا وكَذا فَخُذْ مِنها حاجَتَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا حاجَةَ لِي فِيها. ودَعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُطْلِقَ ورَجَعَ إلى أصْحابِهِ، ومَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا مَعَهُ حَتّى قَدِمْنا المَدِينَةَ فَتَلَقّاهُ النّاسُ فَخَرَجُوا في الطُّرُقِ وعَلى الأجاجِيرِ واشْتَدَّ الخَدَمُ والصِّبْيانُ في الطُّرُقِ اللَّهُ أكْبَرُ جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جاءَ مُحَمَّدٌ. وتَنازَعَ القَوْمُ أيُّهم يَنْزِلُ عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْزِلُ اللَّيْلَةَ عَلى بَنِي النَّجّارِ أخْوالِ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِأُكْرِمَهم بِذَلِكَ، فَلَمّا أصْبَحَ غَدا حَيْثُ أُمِرَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ قالَ: «خَرَجْتُ أطْلُبُ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِنهم عَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَقُمْتُ فَرَكِبْتُ حَتّى إذا سَمِعْتُ قِراءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو لا يَلْتَفِتُ وأبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ التَّلَفُّتَ، ساخَتْ يَدا فَرَسِي في الأرْضِ حَتّى بَلَغَتا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْها ثُمَّ زَجَرْتُها فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْها، فَلَمّا اسْتَوَتْ قائِمَةً إذا لِأثَرِ يَدَيْها عُثانٌ ساطِعٌ في السَّماءِ مِثْلُ الدُّخانِ فَنادَيْتُهُما بِالأمانِ: فَوَقَفا لِي ووَقَعَ في نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ ما لَقِيتُ مِنَ (p-٣٦٥)الحَبْسِ عَنْهُما أنَّهُ سَيَظْهَرُ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَلَحِقَ بِغارِ ثَوْرٍ قالَ: وتَبِعَهُ أبُو بَكْرٍ، فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِسَّهُ خَلْفَهُ خافَ أنْ يَكُونَ الطَّلَبَ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ تَنَحْنَحَ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرَفَهُ، فَقامَ لَهُ حَتّى تَبِعَهُ فَأتَيا الغارَ فَأصْبَحَتْ قُرَيْشٌ في طَلَبِهِ، فَبَعَثُوا إلى رَجُلٍ مِن قافَّةٍ بَنِي مُدْلِجٍ فَتَبِعَ الأثَرَ حَتّى انْتَهى إلى الغارِ وعَلى بابِهِ شَجَرَةٌ فَبالَ في أصْلِها القائِفُ، ثُمَّ قالَ: ما جازَ صاحِبُكُمُ الَّذِي تَطْلُبُونَ هَذا المَكانَ، قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ حَزِنَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. قالَ: فَمَكَثَ هو وأبُو بَكْرٍ في الغارِ ثَلاثَةَ أيّامٍ يَخْتَلِفُ إلَيْهِمْ بِالطَّعامِ عامِرُ بْنُ فَهَيْرَةَ وعَلِيٌّ يُجَهِّزُهم فاشْتَرَوْا ثَلاثَةَ أباعِرَ مِن إبِلِ البَحْرَيْنِ واسْتَأْجَرَ لَهم دَلِيلًا، فَلَمّا كانَ في بَعْضِ اللَّيْلِ مِنِ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ أتاهم عَلِيٌّ بِالإبِلِ والدَّلِيلِ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راحِلَةً، ورَكِبَ أبُو بَكْرٍ أُخْرى، ورَكِبَ الدَّلِيلُ أُخْرى فَتَوَجَّهُوا نَحْوَ المَدِينَةِ وقَدْ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ في طَلَبِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيٍّ وعائِشَةَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، وعائِشَةَ بِنْتِ قُدامَةَ وسُراقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ «دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ قالُوا: خَرَجَ (p-٣٦٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والقَوْمُ جُلُوسٌ عَلى بابِهِ فَأخَذَ حَفْنَةً مِنَ البَطْحاءِ، فَجَعَلَ يَذُرُّها عَلى رُؤُوسِهِمْ ويَتْلُو: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] الآياتِ [يس: ١-٢] ومَضى فَقالَ لَهم قائِلٌ: ما تَنْتَظِرُونَ؟ قالُوا: مُحَمَّدًا، قالَ: قَدْ - واللَّهِ - مَرَّ بِكُمْ، قالُوا: واللَّهِ ما أبْصَرْناهُ وقامُوا يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ إلى غارِ ثَوْرٍ، فَدَخَلاهُ وضَرَبَتِ العَنْكَبُوتُ عَلى بابِهِ بِعِشاشٍ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وطَلَبَتْهُ قُرَيْشٌ أشَدَّ الطَّلَبِ حَتّى انْتَهَتْ إلى بابِ الغارِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ عَلَيْهِ لَعَنْكَبُوتًا قَبْلَ مِيلادِ مُحَمَّدٍ. فانْصَرَفُوا» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عائِشَةَ بِنْتِ قُدامَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَقَدْ خَرَجْتُ مِنَ الخَوْخَةِ مُتَنَكِّرًا، فَكانَ أوَّلَ مَن لَقِيَنِي أبُو جَهْلٍ فَعَمّى اللَّهُ بَصَرَهُ عَنِّي وعَنْ أبِي بَكْرٍ حَتّى مَضَيْنا» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَأى رَجُلًا مُواجِهَ الغارِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ لَرائِينا، قالَ: كَلّا إنَّ المَلائِكَةَ تَسْتُرُهُ الآنَ بِأجْنِحَتِها. فَلَمْ يَنْشَبِ الرَّجُلُ أنْ قَعَدَ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَهُما، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ لَوْ كانَ يَرانا ما فَعَلَ هَذا» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ دَخَلَ الغارَ ضَرَبَتِ العَنْكَبُوتُ عَلى بابِهِ بِعِشاشٍ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى فَمِ (p-٣٦٧)الغارِ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ: ادْخُلُوا الغارَ. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ: وما أرَبَكم إلى الغارِ؟ إنَّ عَلَيْهِ لَعَنْكَبُوتًا كانَ قَبْلَ مِيلادِ مُحَمَّدٍ فَنَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ العَنْكَبُوتِ وقالَ: إنَّها جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنْ عَطاءِ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: نَسَجَتِ العَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كانَ طالُوتُ يَطْلُبُهُ ومَرَّةً عَلى النَّبِيِّ ﷺ في الغارِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ التَفَتَ أبُو بَكْرٍ فَإذا هو بِفارِسٍ قَدْ لَحِقَهم فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَذا فارِسٌ قَدْ لَحِقَ بِنا، فَقالَ: اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ، فَصُرِعَ عَنْ فَرَسِهِ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْنِي بِما شِئْتَ، قالَ: تَقِفُ مَكانَكَ لا تَتْرُكَنَّ أحَدًا يَلْحَقُ بِنا، فَكانَ أوَّلَ النَّهارِ جاهِدًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وآخِرَ النَّهارِ مَسْلَحَةً لَهُ وفي ذَلِكَ يَقُولُ سُراقَةُ مُخاطِبًا لِأبِي جَهْلٍ: ؎أبا حَكَمٍ واللَّهِ لَوْ كُنْتَ شاهِدًا لِأمْرِ جَوادِي إذْ تَسِيخَ قَوائِمُهْ ؎عَلِمْتَ ولَمْ تَشْكُكْ بِأنَّ مُحَمَّدًا ∗∗∗ رَسُولٌ بِبُرْهانٍ فَمَن ذا يُقاوِمُهْ» (p-٣٦٨)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ العَنَزِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: أنْتَ خَيْرٌ مِن أبِي بَكْرٍ فَبَكى وقالَ: واللَّهِ لَلَيْلَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ ويَوْمٌ خَيْرٌ مِن عُمَرَ هَلْ لَكَ أنْ أُحَدِّثَكَ بِلَيْلَتِهِ ويَوْمِهِ؟ قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: أمّا لَيْلَتُهُ فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هارِبًا مِن أهْلِ مَكَّةَ خَرَجَ لَيْلًا فَتَبِعَهُ أبُو بَكْرٍ فَجَعَلَ يَمْشِي مَرَّةً أمامَهُ ومَرَّةً خَلْفَهُ، ومَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ ومَرَّةً عَنْ يَسارِهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما هَذا يا أبا بَكْرٍ؟ ما أعْرِفُ هَذا مِن فِعْلِكَ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أذْكُرُ الرَّصَدَ فَأكُونُ أمامَكَ وأذْكُرُ الطَّلَبَ فَأكُونُ خَلْفَكَ، ومَرَّةً عَنْ يَمِينِكَ، ومَرَّةً عَنْ يَسارِكَ لا آمَنُ عَلَيْكَ، قالَ: فَمَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَتَهُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ حَتّى حَفِيَتْ رِجْلاهُ، فَلَمّا رَآهُ أبُو بَكْرٍ أنَّها قَدْ حَفِيَتْ حَمَلَهُ عَلى كاهِلِهِ، وجَعَلَ يَشْتَدُّ بِهِ حَتّى أتى بِهِ فَمَ الغارِ فَأنْزَلَهُ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا تَدْخُلْهُ حَتّى أدْخُلَهُ، فَإنْ كانَ فِيهِ شَيْءٌ نَزَلَ بِي قَبْلَكَ فَدَخَلَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَحَمَلَهُ فَأدْخَلَهُ وكانَ في الغارِ خَرْقٌ فِيهِ حَيّاتٌ وأفاعِي، فَخَشِيَ أبُو بَكْرٍ أنْ يَخْرُجَ مِنهُنَّ شَيْءٌ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَألْقَمَهُ قَدَمَهُ، فَجَعَلْنَ يَضْرِبْنَهُ ويَلْسَعْنَهُ الحَيّاتُ والأفاعِي وجَعَلَتْ دُمُوعُهُ تَنْحَدِرُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ: يا أبا بَكْرٍ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ أيْ طُمَأْنِينَتَهُ لِأبِي بَكْرٍ فَهَذِهِ لَيْلَتُهُ. وأمّا يَوْمُهُ فَلَمّا تُوُفِّيَ (p-٣٦٩)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وارْتَدَّتِ العَرَبُ فَقالَ بَعْضُهم: نُصَلِّي ولا نُزَكِّي، وقالَ بَعْضُهم: لا نُصَلِّي ولا نُزَكِّي فَأتَيْتُهُ ولا آلُوهُ نُصْحًا، فَقُلْتُ: يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ تَألَّفِ النّاسَ وارْفُقْ بِهِمْ، فَقالَ: جَبّارٌ في الجاهِلِيَّةِ خَوّارٌ في الإسْلامِ؟ فَبِماذا أتَألَّفُهُمْ؛ أبِشِعْرٍ مُفْتَعَلٍ أوْ بِشِعْرٍ مُفْتَرًى؟ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وارْتَفَعَ الوَحْيُ فَواللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقالًا مِمّا كانُوا يُعْطُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقاتَلْتُهم عَلَيْهِ، قالَ: فَقاتَلْنا مَعَهُ، فَكانَ - واللَّهِ - رَشِيدَ الأمْرِ فَهَذا يَوْمُهُ» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ وعُرْوَةَ، «أنَّهم رَكِبُوا في كُلِّ وجْهٍ يَطْلُبُونَ النَّبِيَّ ﷺ وبَعَثُوا إلى أهْلِ المِياهِ يَأْمُرُونَهم ويَجْعَلُونَ لَهُ الجُعْلَ العَظِيمَ وأتَوْا عَلى ثَوْرِ الجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الغارُ الَّذِي فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى طَلَعُوا فَوْقَهُ، وسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ أصْواتَهم وأشْفَقَ أبُو بَكْرٍ وأقْبَلَ عَلَيْهِ الهَمُّ والخَوْفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ . ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سَكِينَةٌ مِنَ اللَّهِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] [الفَتْحِ: ٢٦]: ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة»: ٤٠] (p-٣٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنادَةَ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أنَّ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ رَفَعَ قَدَمَهُ لَأبْصَرَنا، قالَ: يا أبا بَكْرٍ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ الَّذِينَ طَلَبُوهم صَعِدُوا الجَبَلَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَدْخُلُوا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أُتِينا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا. وانْقَطَعَ الأثَرُ فَذَهَبُوا يَمِينًا وشِمالًا» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وأخْرَجَ أبا بَكْرٍ مَعَهُ لَمْ يَأْمَن عَلى نَفْسِهِ غَيْرَهُ حَتّى دَخَلا الغارَ» . وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ: أنْتَ صاحِبِي في الغارِ، وأنْتَ مَعِي عَلى الحَوْضِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ (p-٣٧١)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِحَسّانَ: هَلْ قُلْتَ في أبِي بَكْرٍ شَيْئًا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قُلْ وأنا أسْمَعُ، فَقالَ: ؎وثانِيَ اثْنَيْنِ في الغارِ المُنِيفِ وقَدْ ∗∗∗ طافَ العَدُوُّ بِهِ إذْ صاعَدَ الجَبَلا ؎وكانَ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ مِنَ البَرِّيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ ثُمَّ قالَ: صَدَقْتَ يا حَسّانُ هو كَما قُلْتَ» . وأخْرَجَ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ الأطْرابُلْسِيُّ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ ذَمَّ النّاسَ كُلَّهم ومَدَحَ أبا بَكْرٍ فَقالَ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي بَكْرٍ قالَ: «ما دَخَلَنِي إشْفاقٌ مِن شَيْءٍ ولا دَخَلَنِي في الدِّينِ وحْشَةٌ إلى أحَدٍ بَعْدَ لَيْلَةِ الغارِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأى إشْفاقِي عَلَيْهِ وعَلى الدِّينِ قالَ لِي: هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ قَضى لِهَذا الأمْرِ بِالنَّصْرِ والتَّمامِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: عاتَبَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ جَمِيعًا في نَبِيِّهِ ﷺ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ وحْدَهُ فَإنَّهُ خَرَجَ مِنَ المُعاتَبَةِ ثُمَّ قَرَأ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ (p-٣٧٢)الآيَةَ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَقَدْ عاتَبَ اللَّهُ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، فَقالَ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الزُّبَيْرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى قالَ: أخْبَرَنِي بَعْضُ أصْحابِنا قالَ: قالَ شابٌّ مِن أبْناءِ الصَّحابَةِ في مَجْلِسٍ فِيهِ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: واللَّهِ ما كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَوْطِنٍ إلّا وأنا فِيهِ مَعَهُ، فَقالَ القاسِمُ: يا ابْنَ أخِي لا تَحْلِفْ، قالَ: هَلُمَّ، قالَ: بَلى ما لا تَرُدُّهُ قالَ اللَّهُ: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وأبُو عَوانَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو بَكْرٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الغارِ فَرَأيْتُ آثارَ المُشْرِكِينَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أنَّ أحَدَهم رَفَعَ قَدَمَهُ لَأبْصَرَنا تَحْتَ قَدَمِهِ، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ، ما (p-٣٧٣)ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“ «عَنْ أبِي بَكْرٍ، أنَّهُما لَمّا انْتَهَيا إلى الغارِ إذا جُحْرٌ فَألْقَمَهُ أبُو بَكْرٍ رِجْلَيْهِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كانَتْ لَدْغَةٌ أوْ لَسْعَةٌ كانَتْ بِي» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا كانَتْ لَيْلَةُ الغارِ قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي فَلَأدْخُلُ قَبْلَكَ فَإنْ كانَتْ حَيَّةٌ أوْ شَيْءٌ كانَتْ بِي قَبْلَكَ، قالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ أبُو بَكْرٍ فَجَعَلَ يَلْمِسُ بِيَدَيْهِ فَكُلَّما رَأى جُحْرًا قالَ بِثَوْبِهِ فَشَقَّهُ ثُمَّ ألْقَمَهُ الجُحْرَ، حَتّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَوْبِهِ أجْمَعَ، وبَقِيَ جُحْرٌ فَوَضَعَ عَلَيْهِ عَقِبَهُ وقالَ: ادْخُلْ، رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمّا أصْبَحَ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: فَأيْنَ ثَوْبُكَ؟ يا أبا بَكْرٍ فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ أبا بَكْرٍ مَعِي في دَرَجَتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَجابَ لَكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيانَ قالَ: «لَمّا انْطَلَقَ أبُو بَكْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الغارِ قالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ: لا تَدْخُلْ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى أسْتَبْرِئَهُ. (p-٣٧٤)فَدَخَلَ أبُو بَكْرٍ الغارَ، فَأصابَ يَدَهُ شَيْءٌ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ أُصْبُعِهِ وهو يَقُولُ: ؎هَلْ أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ قالَ: قالَتْ عائِشَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ: «لَوْ رَأيْتِنِي ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذْ صَعِدْنا الغارَ فَأمّا قَدَما رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَفَطَّرَتا دَمًا، وأمّا قَدَمايَ فَعادَتْ كَأنَّها صَفْوانٌ، قالَتْ عائِشَةُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَعَوَّدِ الحِفْيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ أبِي مُصْعَبٍ قالَ: أدْرَكْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ وزَيْدَ بْنَ أرْقَمَ والمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَسَمِعْتُهم يَتَحَدَّثُونَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الغارِ أمَرَ اللَّهُ شَجَرَةً فَنَبَتَتْ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَتَرَتْهُ، وأمَرَ اللَّهُ العَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَتَرَتْهُ، وأمَرَ اللَّهُ حَمامَتَيْنِ وحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَفَتا بِفَمِ الغارِ، وأقْبَلَ فِتْيانُ قُرَيْشٍ مِن كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ بِعِصِيِّهِمْ وأسْيافِهِمْ وهِرّاوِيهِمْ حَتّى إذا كانُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْرَ أرْبَعِينَ ذِراعًا فَعَجِلَ بَعْضُهم فَنَظَرَ في الغارِ يَرى فِيهِ أحَدًا فَرَأى حَمامَتَيْنِ بِفَمِ الغارِ فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ فَقالُوا: ما لَكَ لَمْ تَنْظُرْ في الغارِ؟ فَقالَ: رَأيْتُ حَمامَتَيْنِ بِفَمِ الغارِ فَعَرَفْتُ أنْ لَيْسَ فِيهِ أحَدٌ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ ما قالَ فَعَرَفَ (p-٣٧٥)أنَّ اللَّهَ قَدْ دَرَأ عَنْهُ بِهِما فَسَمَّتَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِنَّ وفَرَضَ جَزاءَهُنَّ وانْحَدَرْنَ في الحَرَمِ فَأفْرَخَ ذَلِكَ الزَّوْجُ كُلَّ شَيْءٍ في الحَرَمِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ أبُو بَكْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغارِ فَعَطِشَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اذْهَبْ إلى صَدْرِ الغارِ فاشْرَبْ، فانْطَلَقَ أبُو بَكْرٍ إلى صَدْرِ الغارِ فَشَرِبَ مِنهُ ماءً أحْلى مِنَ العَسَلِ وأبْيَضَ مِنِ اللَّبَنِ وأزْكى رائِحَةً مِنَ المِسْكِ، ثُمَّ عادَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِأنْهارِ الجَنَّةِ أنْ خَرِّقْ نَهْرًا مِن جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ إلى صَدْرِ الغارِ لِتَشْرَبَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ عُوتِبَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ كُلُّهم في نُصْرَتِهِ إلّا أبا بَكْرٍ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ﴾ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ واللَّهِ مِنَ المَعْتَبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ - وكانَ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ - قالَ: أخَذَ عُمَرُ بِيَدِ أبِي بَكْرٍ فَقالَ: مَن لَهُ هَذِهِ الثَّلاثُ؟ ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ مَن صاحِبُهُ؟ ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ مَن هُما؟ ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ . (p-٣٧٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ عَنْ أبِيهِ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ: أيُّكم يَقْرَأُ سُورَةَ التَّوْبَةِ قالَ: رَجُلٌ: أنا، قالَ: اقْرَأْ، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾ بَكى وقالَ: أنا واللَّهِ صاحِبُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ صاحِبُهُ أبا بَكْرٍ والغارُ جَبَلٌ بِمَكَّةَ يُقالُ لَهُ: ثَوْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أبُو بَكْرٍ أخِي وصاحِبِي في الغارِ فاعْرِفُوا ذَلِكَ لَهُ، فَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ في هَذا المَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أبِي بَكْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَوِ اتَّخَذْتُ خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا ولَكِنْ أخِي وصاحِبِي في الغارِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ قالَ: الغارُ الَّذِي في الجَبَلِ الَّذِي يُسَمّى ثَوْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «رَأيْتُ قَوْمًا يَصْعَدُونَ حِراءَ فَقُلْتُ: ما يَلْتَمِسُ هَؤُلاءِ في حِراءَ؟ فَقالُوا: الغارَ الَّذِي اخْتَبَأ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ، قالَتْ عائِشَةُ: ما اخْتَبَأ في حِراءَ إنَّما اخْتَبَأ في ثَوْرٍ وما كانَ أحَدٌ يَعْلَمُ مَكانَ ذَلِكَ الغارِ إلّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ وأسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ فَإنَّهُما كانا يَخْتَلِفانِ إلَيْهِما وعامِرُ (p-٣٧٧)ابْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلى أبِي بَكْرٍ» فَإنَّهُ كانَ إذا سَرَحَ غَنَمَهُ مَرَّ بِهِما فَحَلَبَ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «مَكَثَ أبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الغارِ ثَلاثًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمْ أعْقِلْ أبَوَيَّ قَطُّ إلّا وهُما يَدِينانِ الدِّينَ ولَمْ يَمُرَّ عَلَيْنا يَوْمٌ إلّا يَأْتِينا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهارِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، ولَمّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ مُهاجِرًا قِبَلَ أرْضِ الحَبَشَةِ حَتّى إذا بَلَغَ بَرْكَ الغِمادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وهو سَيِّدُ القارَةِ فَقالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: أيْنَ تُرِيدُ يا أبا بَكْرٍ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أخْرَجَنِي قَوْمِي فَأُرِيدُ أنْ أسِيحَ في الأرْضِ أعْبُدُ رَبِّي، قالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإنَّ مِثْلَكَ يا أبا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ ولا يُخْرَجُ إنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ فَأنا لَكَ جارٌ، فارْجِعْ فاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ. فارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَرَجَعَ مَعَ أبِي بَكْرٍ فَطافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ في كُفّارِ قُرَيْشٍ فَقالَ: لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ ولا يُخْرَجُ، أتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ ويَصِلُ الرَّحِمَ ويَحْمِلُ الكَلَّ ويَقْرِي الضَّيْفَ ويُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ؟! فَأنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ (p-٣٧٨)وأمَّنُوا أبا بَكْرٍ وقالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في دارِهِ ولْيُصَلِّ فِيها ما شاءَ ولْيَقْرَأْ ما شاءَ ولا يُؤْذِينا ولا يَسْتَعْلِنْ بِالصَّلاةِ والقِراءَةِ في غَيْرِ دارِهِ، فَفَعَلَ ثُمَّ بَدا لِأبِي بَكْرٍ فابْتَنى مَسْجِدًا بِفِناءِ دارِهِ، فَكانَ يُصَلِّي فِيهِ ويَقْرَأُ فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِساءُ المُشْرِكِينَ وأبْناؤُهم يَعْجَبُونَ مِنهُ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكّاءً لا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَأفْزَعَ ذَلِكَ أشْرافَ قُرَيْشٍ فَأرْسَلُوا إلى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: إنّا أجَرَنا أبا بَكْرٍ عَلى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دارِهِ وإنَّهُ جاوَزَ ذَلِكَ فابْتَنى مَسْجِدًا بِفِناءِ دارِهِ وأعْلَنَ الصَّلاةَ والقِراءَةَ، وإنّا خَشِينا أنْ يَفْتِنَ نِساءَنا وأبْناءَنا، فَإنْ أحَبَّ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دارِهِ فَعَلَ، وإنْ أبى إلّا أنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْكَ ذِمَّتَكَ فَإنّا قَدْ كَرِهْنا أنْ نُخْفِرَكَ ولَسْنا مُقِرِّينَ لِأبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلانَ، فَأتى ابْنُ الدَّغِنَةِ أبا بَكْرٍ فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإمّا أنْ تَقْتَصِرَ عَلى ذَلِكَ، وإمّا أنْ تَرُدَّ إلَيَّ ذِمَّتِي فَإنِّي لا أُحِبُّ أنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أنِّي أُخْفِرْتُ في عَقْدِ رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَإنِّي أرُدُّ إلَيْكَ جِوارَكَ وأرْضى بِجِوارِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ - ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ - قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: قَدْ أُرِيتُ دارَ هِجْرَتِكم أُرِيتُ سَبَخَةً ذاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ وهُما حِرَّتانِ. فَهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ بَعْضُ مَن كانَ هاجَرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ وتَجَهَّزَ أبُو بَكْرٍ مُهاجِرًا، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلى رِسْلِكَ فَإنِّي أرْجُو أنْ يُؤْذَنَ لِي، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: (p-٣٧٩)وتَرْجُو ذَلِكَ بِأبِي أنْتَ! قالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِصُحْبَتِهِ وعَلَفَ راحِلَتَيْنِ كانَتا عِنْدَهُ ورَقَ السَّمُرِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَبَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ في بَيْتِنا في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قالَ قائِلٌ لِأبِي بَكْرٍ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا في ساعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينا فِيها فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فِداهُ أبِي وأُمِّي إنْ جاءَ بِهِ في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا أمْرٌ فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: حِينَ دَخَلَ لِأبِي بَكْرٍ: أخْرِجْ مَن عِنْدَكَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما هم أهْلُكَ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَإنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي بِالخُرُوجِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فالصَّحابَةَ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ إحْدى راحِلَتَيَّ هاتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِالثَّمَنِ، فَقالَتْ عائِشَةُ: فَجَهَّزْناهُما أحَثَّ الجِهازِ، فَصَنَعْنا لَهُما سُفْرَةً في جِرابٍ فَقَطَعَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ مِن نِطاقِها فَأوْكَتْ بِهِ الجِرابَ - فَلِذَلِكَ كانَتْ تُسَمّى ذاتَ النِّطاقِ - ولَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ بِغارٍ في جَبَلٍ يُقالُ لَهُ: ثَوْرٌ فَمَكَثا فِيهِ ثَلاثَ لَيالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُما عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ وهو غُلامٌ شابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ فَيَخْرُجُ مِن عِنْدِهِما سَحَرًا فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبائِتٍ فَلا يَسْمَعُ أمْرًا يُكادانِ بِهِ إلّا وعاهُ حَتّى يَأْتِيَهُما بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلامُ، ويَرْعى عَلَيْهِما عامِرُ بْنُ (p-٣٨٠)فُهَيْرَةَ مَوْلًى لِأبِي بَكْرٍ» مَنِيحَةً مِن غَنَمٍ فَيُرِيحُها عَلَيْهِما حِينَ يَذْهَبُ بِغَلَسٍ ساعَةً مِنَ اللَّيْلِ فَيَبِيتانِ في رِسْلِهِما حَتّى يَنْعِقَ بِها عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِن تِلْكَ اللَّيالِي الثَّلاثِ، واسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَن بَنِي الدِّيلِ ثُمَّ مِن بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هادِيًا خِرِّيتًا - والخِرِّيتُ الماهِرُ بِالهِدايَةِ - قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ في آلِ العاصِي بْنِ وائِلٍ، وهو عَلى دِينِ كُفّارٍ قُرَيْشٍ فَأمِناهُ فَدَفَعا إلَيْهِ راحِلَتَيْهِما وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاثِ لَيالٍ، فَأتاهُما بِراحِلَتَيْهِما صَبِيحَةَ ثَلاثِ لَيالٍ فارْتَحَلا فانْطَلَقَ مَعَهُما عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلى أبِي بَكْرٍ والدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ فَأخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ أذاخِرَ، وهو طَرِيقُ السّاحِلِ. قالَ الزُّهْرِيُّ: وأخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مالِكٍ المُدْلِجِيُّ وهو ابْنُ أخِي سُراقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ: أنَّ أباهُ أخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ سُراقَةَ يَقُولُ: «جاءَتْنا رُسُلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِمَن قَتَلَهُما أوْ أسَرَهُما، فَبَيْنا أنا جالِسٌ في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ أقْبَلَ رَجُلٌ (p-٣٨١)مِنهم حَتّى قامَ عَلَيْنا، فَقالَ: يا سُراقَةُ إنِّي رَأيْتُ آنِفًا أسْوِدَةً بِالسّاحِلِ لا أُراها إلّا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ قالَ سُراقَةُ: فَعَرَفْتُ أنَّهم هُمْ، فَقُلْتُ: إنَّهم لَيْسُوا بِهِمْ ولَكِنْ رَأيْتُ فُلانًا وفُلانًا انْطَلَقُوا آنِفًا. ثُمَّ لَبِثْتُ في المَجْلِسِ حَتّى قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي، وأمَرْتُ جارِيَتِي أنْ تُخْرِجَ لِي فَرَسِي وهي مِن وراءِ أكَمَةٍ فَتَحْبِسَها عَلَيَّ، وأخَذْتُ رُمْحِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِن ظَهْرِ البَيْتِ فَخَطَطْتُ بِرُمْحِي الأرْضَ وخَفَضْتُ عالِيَةَ الرُّمْحِ حَتّى أتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُها فَدَفَعْتُها وتُقَرِّبُ بِي حَتّى رَأيْتُ أسْوِدَتَهُما فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهم حَيْثُ يُسْمِعُهُمُ الصَّوْتُ، عَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْها، فَقُمْتُ فَأهْوَيْتُ بِيَدِي إلى كِنانَتِي فاسْتَخْرَجْتُ مِنها الأزْلامَ فاسْتَقْسَمْتُ بِها أضُرُّهم أمْ لا؟ فَخَرَجَ الَّذِي أكْرَهُ ألّا أضُرَّهُمْ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وعَصَيْتُ الأزْلامَ، فَدَفَعْتُها تُقَرِّبُ بِي حَتّى إذا دَنَوْتُ مِنهم عَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْها، فَقُمْتُ فَأهْوَيْتُ بِيَدِي إلى كِنانَتِي فاسْتَخْرَجْتُ الأزْلامَ فاسْتَقْسَمْتُ فَخَرَجَ الَّذِي أكْرَهُ ألّا أضُرَّهم فَعَصَيْتُ الأزْلامُ ورَكِبْتُ فَرَسِي فَدَفَعْتُها تُقَرِّبُ بِي حَتّى إذا سَمِعْتُ قِراءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو لا يَلْتَفِتُ وأبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالتِفاتَ ساخَتْ يَدا فَرَسِي في الأرْضِ حَتّى بَلَغَتِ الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْها فَزَجَرْتُها فَنَهَضَتْ فَلَمْ تَكَدْ تَخْرُجُ يَداها فَلَمّا (p-٣٨٢)اسْتَوَتْ قائِمَةً إذا لِأثَرِ يَدَيْها عُثانٌ ساطِعٌ في السَّماءِ مِنَ الدُّخانِ فاسْتَقْسَمْتُ بِالأزْلامِ فَخَرَجَ الَّذِي أكْرَهُ ألّا أضُرَّهم فَنادَيْتُهم بِالأمانِ فَوَقَفا ورَكِبْتُ فَرَسِي حَتّى جِئْتُهُمْ، ووَقَعَ في نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ ما لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عَنْهم أنَّهُ سَيَظْهَرُ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَلَتْ لَهُ: إنَّ قَوَّمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ وأخْبَرْتُهم مِن أخْبارِ سَفَرِهِمْ وما يُرِيدُ النّاسُ بِهِمْ، وعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزّادَ والمَتاعَ فَلَمَّ يَرْزَءُونِي شَيْئًا ولَمْ يَسْألُونِي إلّا أنْ أخْفِ عَنّا فَسَألْتُهُ أنْ يَكْتُبَ لِي كِتابًا مُوادَعَةً آمَنُ بِهِ، فَأمَرَ عامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ لِي في رُقْعَةٍ مِن أدِيمٍ ثُمَّ مَضى» . قالَ الزُّهْرِيُّ: وأخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ «أنَّهُ لَقِيَ الزُّبَيْرَ ورَكْبًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا تُجّارًا بِالشّامِ قافِلِينَ إلى مَكَّةَ، فَعَرَّضُوا النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ بِثِيابٍ بَياضٍ وسَمِعَ المُسْلِمُونَ بِالمَدِينَةِ بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَداةٍ إلى الحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتّى يُؤْذِيَهم حَرُّ الظَّهِيرَةِ فانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَما أطالُوا انْتِظارَهُ، فَلَمّا أوَوْا إلى بُيُوتِهِمْ أوْفى رَجُلٌ مِن يَهُودَ أُطُمًا مِن آطامِهِمْ لِأمْرٍ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ (p-٣٨٣)السَّرابُ فَلَمْ يَتَناهى اليَهُودِيُّ أنْ نادى بِأعْلى صَوْتِهِ يا مَعْشَرَ العَرَبِ هَذا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثارَ المُسْلِمُونَ إلى السِّلاحِ فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتّى أتَوْهُ بِظَهْرِ الحَرَّةِ فَعَدَلَ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ حَتّى نَزَلَ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُباءَ وذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ يُذَكِّرُ النّاسَ وجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صامِتًا، وطَفِقَ مَن جاءَ مِنَ الأنْصارِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْسَبُهُ أبا بَكْرٍ حَتّى أصابَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الشَّمْسُ، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ حَتّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرادِئِهِ فَعَرَفَ النّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وابْتَنى المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، وصَلّى فِيهِ ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راحِلَتَهُ فَسارَ ومَشى النّاسُ حَتّى بَرَكَتْ بِهِ عِنْدَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ وهو يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وكانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ لِسَهْلٍ وسُهَيْلٍ غُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ أخَوَيْنِ في حِجْرِ أبِي أُمامَةَ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ مِن بَنِي النَّجّارِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ راحِلَتُهُ: هَذا المَنزِلُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغُلامَيْنِ فَساوَمَهُما بِالمِرْبَدِ يَتَّخِذُهُ مَسْجِدًا، فَقالا: لا بَلْ، نَهَبُهُ لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأبى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَقْبَلَهُ مِنهُما حَتّى ابْتاعَهُ مِنهُما وبَناهُ مَسْجِدًا وطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبَنَ في بِنائِهِ وهو يَقُولُ: ؎هَذا الحِمالُ لا حِمالُ خَيْبَرْ ∗∗∗ (p-٣٨٤)هَذا أبَرُّ رَبَّنا وأطْهَرُ ؎اللَّهُمَّ إنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخِرَةْ ∗∗∗ فارْحَمِ الأنْصارَ والمُهاجِرَةْ ويَتَمَثَّلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي» قالَ ابْنُ شِهابٍ: ولَمْ يَبْلُغْنِي في الأحادِيثِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَمَثَّلَ بِبَيْتٍ مِنَ شِعْرٍ تامًّا غَيْرَ هَؤُلاءِ الأبْياتِ ولَكِنْ كانَ يَرْجُزُهم لِبِناءِ المَسْجِدِ، فَلَمّا قاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُفّارَ قُرَيْشٍ حالَتِ الحَرْبُ بَيْنَ مُهاجِرِي أرْضِ الحَبَشَةِ وبَيْنَ القُدُومِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى لَقُوهُ بِالمَدِينَةِ زَمَنَ الخَنْدَقِ فَكانَتْ أسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ تُحَدِّثُ: «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ يُعَيِّرُهم بِالمُكْثِ في أرْضِ الحَبَشَةِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ زَعَمَتْ أسْماءُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لَسْتُمْ كَذَلِكَ وكانَتْ أوَّلُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ في القِتالِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] حَتّى بَلَغَ: ﴿لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] . [الحَجِّ»: ٣٩-٤٠] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلى المَدِينَةِ وهو يُرْدِفُ أبا بَكْرٍ وهو شَيْخٌ يُعْرَفُ والنَّبِيُّ ﷺ لا يُعْرَفُ فَكانُوا يَقُولُونَ: يا أبا بَكْرٍ مَن هَذا الغُلامُ بَيْنَ يَدَيْكَ؟ قالَ: هادٍ يَهْدِينِي السَّبِيلَ. (p-٣٨٥)قالَ: فَلَمّا دَنَوْنا مِنَ المَدِينَةِ نَزَلْنا الحَرَّةَ، وبَعَثَ إلى الأنْصارِ فَجاءُوا قالَ: فَشَهِدْتُهُ يَوْمَ دَخَلَ المَدِينَةَ فَما رَأيْتُ يَوْمًا كانَ أحْسَنَ ولا أضْوَأ مِن يَوْمِ دَخَلَ عَلَيْنا فِيهِ وشَهِدْتُهُ يَوْمَ ماتَ فَما رَأيْتُ يَوْمًا كانَ أقْبَحَ ولا أظْلَمَ مِن يَوْمٍ ماتَ فِيهِ النَّبِيُّ» ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في ”التَّمْهِيدِ“ عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ أُتِيَ بِراحِلَةِ أبِي بَكْرٍ فَسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَرْكَبَ ويُرْدِفَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ أنْتَ ارْكَبْ وأرْدُفُكَ أنا فَإنَّ الرَّجُلَ أحَقُّ بِصَدْرِ دابَّتِهِ. فَلَمّا خَرَجا لَقِيا في الطَّرِيقِ سُراقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ - وكانَ أبُو بَكْرٍ لا يَكْذِبُ - فَسَألَهُ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قالَ: باغٍ، قالَ: فَما الَّذِي وراءَكَ؟ قالَ: هادٍ، قالَ: أحْسَسْتَ مُحَمَّدًا؟ قالَ: هو ورائِي» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ . أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ في ”تارِيخِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ تَزَلِ السِّكِّينَةُ مَعَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ غارَ (p-٣٨٦)حِراءَ»، فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أنَّ أحَدَهم يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ لَأبْصَرَنِي وإيّاكَ، فَقالَ: ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما يا أبا بَكْرٍ؟ إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَيْكَ وأيَّدَنِي بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: عَلى أبِي بَكْرٍ فَأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ السِّكِّينَةُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ قالَ: هي الشِّرْكُ بِاللَّهِ: ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضِّحاكَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: الرَّجُلُ يُقاتِلُ شَجاعَةً ويُقاتِلُ حَمِيَّةً ويُقاتِلُ رِياءً، فَأيُّ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ» .

التوبة 9:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ . الآيَةَ. (p-٣٨٧)أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِن بَراءَةَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ ثُمَّ نَزَلَ أوَّلُها وآخِرُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: أوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِن بَراءَةَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ قالَ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَكَمِ في قَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ قالَ: مَشاغِيلَ وغَيْرَ مَشاغِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ قالَ: في العُسْرِ واليُسْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ قالَ: فِتْيانًا وكُهُولًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خِفافًا وثِقالا﴾ قالَ: شَبابًا وشُيُوخًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالُوا: إنَّ فِينا الثَّقِيلَ وذا الحاجَةِ والضَّيْعَةِ والشُّغْلِ والمُنْتَشِرَ بِهِ أمْرُهُ في ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: (p-٣٨٨)﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ وأبى أنْ يَعْذِرَهم دُونَ أنْ يَنْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وعَلى ما كانَ مِنهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ زَعَمُوا أنَّهُ المِقْدادُ وكانَ عَظِيمًا سَمِينًا فَشَكا إلَيْهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ فَأبى فَنَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ فِيهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلى النّاسِ شَأْنُها فَنَسَخَها اللَّهُ فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ [التوبة: ٩١] الآيَةَ. [التَّوْبَةِ: ٩١] وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَضْرَمِيٍّ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ أُناسًا كانُوا عَسى أنْ يَكُونَ أحَدُهم عَلِيلًا أوْ كَبِيرًا فَيَقُولَ: إنِّي لا آثَمُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ في مُسْنَدِهِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في ”زَوائِدِ الزُّهْدِ“ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، أنَّ أبا طَلْحَةَ قَرَأ سُورَةَ بَراءَةَ فَأتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ قالَ: أرى رَبَّنا يَسْتَنْفِرُنا شُيُوخًا وشَبابًا، وفي لَفْظٍ فَقالَ: ما أسْمَعُ اللَّهَ عَذَرَ أحَدًا جَهِّزُونِي بَنِيَّ قالَ بَنُوهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَدْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى ماتَ، وغَزَوْتَ مَعَ أبِي بَكْرٍ حَتّى ماتَ وغَزَوْتَ مَعَ عُمَرَ حَتّى ماتَ فَنَحْنُ نَغْزُو عَنْكَ فَأبى، فَرَكِبَ البَحْرَ فَماتَ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ جَزِيرَةً يَدْفِنُونَهُ فِيها إلّا بَعْدَ (p-٣٨٩)تِسْعَةِ أيّامٍ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَدَفَنُوهُ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ سَيْرَيْنِ قالَ: شَهِدَ أبُو أيُّوبَ بَدْرًا ثُمَّ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَزْوَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ إلّا عامًا واحِدًا، وكانَ يَقُولُ: قالَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ فَلا أجِدُنِي إلّا خَفِيفًا وثَقِيلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي راشِدٍ الحُبْرانِيِّ قالَ: رَأيْتُ المِقْدادَ فارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحِمْصَ يُرِيدُ الغَزْوَ فَقُلْتُ: لَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْكَ، قالَ: أبَتْ عَلَيْنا سُورَةُ البُحُوثِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ يَعْنِي سُورَةَ التَّوْبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي يَزِيدَ المَدِينِيِّ قالَ: كانَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ والمِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ يَقُولانِ: أُمِرْنا أنْ نَنْفِرَ عَلى كُلِّ حالٍ ويَتَأوَّلانِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ (p-٣٩٠)

التوبة 9:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: ألا تَغْزُوَ بَنِي الأصْفَرِ لَعَلَّكَ أنْ تُصِيبَ ابْنَةَ عَظِيمِ الرُّومِ؟ فَقالَ رَجُلانِ: قَدْ عَلِمْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّ النِّساءَ فِتْنَةٌ فَلا تَفْتِنّا بِهِنَّ فائْذَنْ لَنا، فَأذِنَ لَهُما فَلَمّا انْطَلَقا قالَ أحَدُهُما: إنْ هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ فَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ نَزَلَ عَلَيْهِ وهو عَلى بَعْضِ المِياهِ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٤] ونَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة»: ٩٥] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قالَ: غَنِيمَةٌ قَرِيبَةٌ: ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ قالَ: المَسِيرُ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ يَقُولُ: دُنْيا يَطْلُبُونَها: ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ يَقُولُ: قَرِيبًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ قالَ: لَقَدْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ ولَكِنْ كانَ تَبْطِئَةً مِن عِنْدِ (p-٣٩١)أنْفُسِهِمْ وزَهادَةً في الجِهادِ.

التوبة 9:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأوْدِيِّ قالَ: «اثْنَتانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِما بِشَيْءٍ إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ وأخْذُهُ مِنَ الأُسارى فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُورِّقٍ العِجْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ . قالَ: عاتَبَهُ رَبُّهُ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعاتَبَةٍ أحْسَنَ مِن هَذا بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ المُعاتَبَةِ فَقالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ قالَ: ناسٌ قالُوا: اسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ أذِنَ لَكم فاقْعُدُوا، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكم فاقْعُدُوا. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآياتِ الثَّلاثَ، قالَ: نَسَخَها: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . (p-٣٩٢)[النُّورِ: ٦٢] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ في سُورَةِ النُّورِ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] .

التوبة 9:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، قالَ: هَذا تَعْيِيرٌ لِلْمُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ وعَذَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَتَيْنِ، قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] إلى ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] (p-٣٩٣)فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأعْلى النَّظَرَيْنِ في ذَلِكَ مَن غَزا غَزا في فَضِيلَةٍ، ومَن قَعَدَ قَعَدَ في غَيْرِ حَرَجٍ إنْ شاءَ.

التوبة 9:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ: خُرُوجَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ قالَ: حَبَسَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، سَألَ اللَّهُ عَنْهم: نَبِيُّهُ والمُؤْمِنُونَ فَقالَ: ما يَحْزُنُكم: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ يَقُولُ: جُمِعَ لَكم وفُعِلَ وفُعِلَ يُخَذِّلُونَكم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ قالَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ (p-٣٩٤)مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ قالَ: لارْفَضُّوا: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ قالَ: يُبَطِّئُونَكُمْ؛ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ ورِفاعَةُ بْنُ تابُوتٍ وأوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ قالَ: مُحَدِّثُونَ بِأحادِيثِهِمْ غَيْرَ مُنافِقِينَ هم عُيُونٌ لِلْمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ قالَ: مُبَلِّغُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ تابُوتٍ مِن عُظَماءِ المُنافِقِينَ وكانُوا مِمَّنْ يَكِيدُ الإسْلامَ وأهْلَهُ وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.

التوبة 9:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ: خُرُوجَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ قالَ: حَبَسَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، سَألَ اللَّهُ عَنْهم: نَبِيُّهُ والمُؤْمِنُونَ فَقالَ: ما يَحْزُنُكم: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ يَقُولُ: جُمِعَ لَكم وفُعِلَ وفُعِلَ يُخَذِّلُونَكم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ قالَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ (p-٣٩٤)مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ قالَ: لارْفَضُّوا: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ قالَ: يُبَطِّئُونَكُمْ؛ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ ورِفاعَةُ بْنُ تابُوتٍ وأوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ قالَ: مُحَدِّثُونَ بِأحادِيثِهِمْ غَيْرَ مُنافِقِينَ هم عُيُونٌ لِلْمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ قالَ: مُبَلِّغُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ تابُوتٍ مِن عُظَماءِ المُنافِقِينَ وكانُوا مِمَّنْ يَكِيدُ الإسْلامَ وأهْلَهُ وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.

التوبة 9:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ: خُرُوجَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ قالَ: حَبَسَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، سَألَ اللَّهُ عَنْهم: نَبِيُّهُ والمُؤْمِنُونَ فَقالَ: ما يَحْزُنُكم: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ يَقُولُ: جُمِعَ لَكم وفُعِلَ وفُعِلَ يُخَذِّلُونَكم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ قالَ: لَأسْرَعُوا بَيْنَكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ (p-٣٩٤)مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ قالَ: لارْفَضُّوا: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ قالَ: يُبَطِّئُونَكُمْ؛ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ ورِفاعَةُ بْنُ تابُوتٍ وأوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ قالَ: مُحَدِّثُونَ بِأحادِيثِهِمْ غَيْرَ مُنافِقِينَ هم عُيُونٌ لِلْمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ قالَ: مُبَلِّغُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ تابُوتٍ مِن عُظَماءِ المُنافِقِينَ وكانُوا مِمَّنْ يَكِيدُ الإسْلامَ وأهْلَهُ وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.

التوبة 9:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ مَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أفْتَتِنُ فائْذَنْ (p-٣٩٥)لِي ولا تَفْتِنِّي فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جِدُّ هَلْ لَكَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟ قالَ جَدٌّ: أوَتَأْذَنُ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَإنِّي رَجُلٌ أُحِبُّ النِّساءَ وإنِّي أخْشى إنْ أنا رَأيْتُ نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أنْ أفْتَتِنَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وهو مُعْرِضٌ عَنْهُ: قَدْ أذِنْتُ لَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ بَنِي الأصْفَرِ، فَقالَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ: إنَّهُ لَيَفْتِنُكم بِالنِّساءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة»: ٤٩] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ قالَ: يا مُحَمَّدُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي بِنِساءِ بَنِي الأصْفَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: (p-٣٩٦)﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اغْزُوا تَبُوكَ تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ نِساءَ الرُّومِ، فَقالُوا: ائْذَنْ لَنا ولا تَفْتِنّا بِالنِّساءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ مِن طَرِيقِهِ عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَلَّما كانَ يَخْرُجُ في وجْهٍ مِن مَغازِيهِ إلّا أظْهَرَ أنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَهُ غَيْرَ أنَّهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ: أيُّها النّاسُ إنِّي أُرِيدُ الرُّومَ فَأعْلَمَهم. وذَلِكَ في زَمانِ البَأْسِ وشِدَّةٍ مِنَ الحَرِّ وجَدْبِ البِلادِ وحِينَ طابَتِ الثِّمارُ والنّاسُ يُحِبُّونَ المُقامَ في ثِمارِهِمْ وظِلالِهِمْ ويَكْرَهُونَ الشُّخُوصَ عَنْها، فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ في جِهازِهِ إذْ قالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ هَلْ لَكَ في بَناتِ بَنِي الأصْفَرِ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أشَدَّ عُجْبًا بِالنِّساءِ مِنِّي وإنِّي أخافُ إنْ رَأيْتُ نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أنْ يَفْتِنَّنِي فَأْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: قَدْ أذِنْتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يَقُولُ: ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الفِتْنَةِ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَغْبَتِهِ بِنَفْسِهِ عَنْ نَفْسِهِ أعْظَمُ مِمّا يَخافُ مِن فِتْنَةِ نِساءِ بَنِي الأصْفَرِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ يَقُولُ: مِن ورائِهِ، وقالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: ﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١] فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١] قالَ: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَدَّ في سَفَرِهِ وأمَرَ النّاسَ بِالجَهازِ وحَضَّ أهْلَ الغِنى عَلى النَّفَقَةِ والحُمْلانِ في (p-٣٩٧)سَبِيلِ اللَّهِ فَحَمَلَ رِجالٌ مِن أهْلِ الغِنى واحْتَسَبُوا، وأنْفَقَ عُثْمانُ في ذَلِكَ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أحَدٌ أعْظَمَ مِنها، وحَمَلَ عَلى مِائَتَيْ بَعِيرٍ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عُرْوَةَ ومُوسى بْنِ عُقْبَةَ قالا: ثُمَّ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَجَهَّزَ غازِيًا يُرِيدُ الشّامَ فَأذَّنَ في النّاسِ بِالخُرُوجِ وأمَرَهم بِهِ وكانَ ذَلِكَ في حَرٍّ شَدِيدٍ لَيالِيَ الخَرِيفِ والنّاسُ خارِفُونَ في نَخِيلِهِمْ فَأبْطَأ عَنْهُ ناسٌ كَثِيرٌ وقالُوا: الرُّومُ ولا طاقَةَ بِهِمْ، فَخَرَجَ أهْلُ الحَسَبِ وتَخَلَّفَ المُنافِقُونَ وحَدَّثُوا أنْفُسَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبَدًا فاعْتَلُّوا وثَبَّطُوا مَن أطاعَهُ وتَخَلَّفَ عَنْهُ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِأمْرٍ كانَ لَهم فِيهِ عُذْرٌ مِنهُمُ السَّقِيمُ والمُعْسِرُ وجاءَ سِتَّةُ نَفَرٍ كُلُّهم مُعْسِرٌ يَسْتَحْمِلُونَهُ لا يُحِبُّونَ التَّخَلُّفَ عَنْهُ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ، فَتَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ مِنهم مِن بَنِي سَلِمَةَ عَمْرُو بْنُ غَنَمَةَ ومِن بَنِي مازِنِ بْنِ النَّجّارِ أبُو لَيْلى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ ومِن بَنِي حارِثَةَ عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ ومِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ (p-٣٩٨)وهَرَمِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وهم يُدْعَوْنَ بَنِي البَكّاءِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَجُلٌ مِن بَنِي مُزَيْنَةَ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ بَكَوْا واطَّلَعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهم يُحِبُّونَ الجِهادَ وأنَّهُ الجِدُّ مِن أنْفُسِهِمْ فَعَذَرَهم في القُرْآنِ فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] الآيَةَ واللَّتَيْنِ بَعْدَها. وأتاهُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ السَّلَمِيُّ وهو في المَسْجِدِ مَعَهُ نَفَرٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي في القُعُودِ فَإنِّي ذُو ضَيْعَةٍ وعِلَّةٍ فِيها عُذْرٌ لِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَجَهَّزْ فَإنَّكَ مُوسِرٌ لَعَلَّكَ أنْ تُحْقِبَ بَعْضَ بَناتِ بَنِي الأصْفَرِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، فَنَزَلَتْ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ وخَمْسُ آياتٍ مَعَها يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ وكانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ غَنْمَةُ بْنُ ودِيعَةَ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقِيلَ لَهُ: ما خَلَّفَكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنْتَ مُوسِرٌ؟ فَقالَ: الخَوْضُ واللَّعِبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وفِيمَن تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] ثَلاثَ آياتٍ (p-٣٩٩)مُتَتابِعاتٍ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَغْزُوَ تَبُوكَ قالَ: نَغْزُو الرُّومَ إنْ شاءَ اللَّهُ ونُصِيبُ بَناتِ بَنِي الأصْفَرِ - كانَ يَذْكُرُ مِن حُسْنِهِنَّ لِيُرَغِّبَ المُسْلِمِينَ في الجِهادِ - فَقامَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْتَ حُبِّي لِلنِّساءِ فائْذَنْ لِي ولا تُخْرِجْنِي فَنَزَلَتِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ قالَ: لا تُخْرِجْنِي: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يَعْنِي في الحَرَجِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ قالَ: لا تُؤَثِّمْنِي: ﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ قالَ: ألا في الإثْمِ.

التوبة 9:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جَعَلَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِالمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارَ السُّوءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ قَدْ جَهِدُوا في سَفَرِهِمْ وهَلَكُوا فَبَلَغَهم تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ وعافِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ (p-٤٠٠)وأصْحابِهِ، فَساءَهم ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ يَقُولُ: إنْ تُصِبْكَ في سَفَرِكَ هَذا لِغَزْوَةِ تَبُوكَ حَسَنَةٌ: ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ قالَ: الجَدَّ وأصْحابَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ قالَ: العافِيَةُ والرَّخاءُ والغَنِيمَةُ، ﴿وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ قالَ: البَلاءُ والشِّدَّةُ، ﴿يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ قَدْ حَذِرْنا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ قالَ: إنْ أظْفَرَكَ اللَّهُ ورَدَّكَ سالِمًا ساءَهم ذَلِكَ، ﴿وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا﴾ قالَ: قَدْ أخَذْنا أمْرَنا في القُعُودِ مِن قَبْلِ أنْ تُصِيبَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ قالَ: إنْ كانَ فَتْحٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ (p-٤٠١)وساءَهم.

التوبة 9:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ قالَ: إلّا ما قَضى اللَّهُ لَنا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ قالَ: الكَلامُ في القَدَرِ وادِيانِ عَرِيضانِ، يَهْلِكُ النّاسُ فِيهِما لا يُدْرَكَ غَوْرُهُما، فاعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُنْجِيهِ إلّا عَمَلُهُ، وتَوَكَّلْ تَوَكُّلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُصِيبُهُ إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَصْعَدَ فَوْقَ بَيْتٍ، فَيُلْقِيَ نَفْسَهُ ثُمَّ يَقُولَ: قُدِّرَ لِي، ولَكِنْ نَتَّقِي ونَحْذَرُ، فَإنْ أصابَنا شَيْءٌ عَلِمْنا أنَّهُ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وما بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإيمانِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ» .

التوبة 9:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ (p-٤٠٢)قالَ: فَتْحٌ أوْ شَهادَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ قالَ: إلّا فَتْحًا أوْ قَتْلًا في سَبِيلِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ مِن طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «بَيْنَما النَّبِيُّ ﷺ بِالرَّوْحاءِ إذْ هَبَطَ عَلَيْهِ أعْرابِيٌّ مِن سَرِفٍ فَقالَ: مَنِ القَوْمُ؟ وأيْنَ تُرِيدُونَ؟ قِيلَ: بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: ما لِي أراكم بَذَّةً هَيْئَتُكُمْ، قَلِيلًا سِلاحُكُمْ؟ قالُوا: نَنْتَظِرُ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ؛ إمّا أنْ نُقْتَلَ فالجَنَّةُ، وإمّا أنْ نَغْلِبَ فَيَجْمَعَهُما اللَّهُ تَعالى لَنا؛ الظَّفَرَ والجَنَّةَ، قالَ: أيْنَ نَبِيُّكُمْ؟ قالُوا: ها هو ذا، فَقالَ لَهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، لَيْسَتْ لِي مَصْلَحَةٌ، آخُذُ مَصْلَحَتِي ثُمَّ ألْحَقُ. قالَ: اذْهَبْ إلى أهْلِكَ، فَخُذْ مَصْلَحَتَكَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وخَرَجَ الرَّجُلُ إلى أهْلِهِ، حَتّى فَرَغَ مِن حاجَتِهِ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِمْ بِبَدْرٍ، فَدَخَلَ في الصَّفِّ مَعَهُمْ، فاقْتَتَلَ النّاسُ، فَكانَ في مَنِ اسْتُشْهِدَ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أنِ انْتَصَرَ، فَمَرَّ بَيْنَ ظَهَرانَيِ (p-٤٠٣)الشُّهَداءِ ومَعَهُ عُمَرُ. فَقالَ: ها يا عُمَرُ، إنَّكَ تُحِبُّ الحَدِيثَ، وإنَّ لِلشُّهَداءِ سادَةً وأشْرافًا ومُلُوكًا، وإنَّ هَذا يا عُمَرُ مِنهم» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا﴾ قالَ: القَتْلِ بِالسُّيُوفِ.

التوبة 9:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أفْتَتِنَ، ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي. قالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: لِقَوْلِهِ: أُعِينُكَ بِمالِي.

التوبة 9:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها﴾ في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ قالَ: هَذِهِ مِن مَقادِيمِ الكَلامِ، يَقُولُ: لا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها﴾ في الآخِرَةِ. (p-٤٠٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: بِالمَصائِبِ فِيهِمْ، هي لَهم عَذابٌ، وهي لِلْمُؤْمِنِينَ أجْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ قالَ: تَزْهَقُ أنْفُسُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم كافِرُونَ، قالَ: هَذِهِ آيَةٌ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ يَقُولُ: لا يَغْرُرْكَ: ﴿وتَزْهَقَ﴾ قالَ: تَخْرُجْ أنْفُسُهم. قالَ: في الدُّنْيا وهم كافِرُونَ.

التوبة 9:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّما يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ تَقِيَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الآيَةَ، قالَ: المَلْجَأُ الحِرْزُ في الجِبالِ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ في الجِبالِ، والمَدْخَلُ: السَّرَبُ. (p-٤٠٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلا﴾ يَقُولُ: مَحْرَزًا لَهم يَفِرُّونَ إلَيْهِ مِنكم: ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ قالَ: لَفَرُّوا إلَيْهِ مِنكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ.

التوبة 9:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّما يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ تَقِيَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ الآيَةَ، قالَ: المَلْجَأُ الحِرْزُ في الجِبالِ، والمَغاراتُ: الغِيرانُ في الجِبالِ، والمَدْخَلُ: السَّرَبُ. (p-٤٠٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلا﴾ يَقُولُ: مَحْرَزًا لَهم يَفِرُّونَ إلَيْهِ مِنكم: ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ قالَ: لَفَرُّوا إلَيْهِ مِنكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ قالَ: يُسْرِعُونَ.

التوبة 9:58

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «بَيْنَما النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ قَسْمًا إذْ جاءَهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، فَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: ويْلَكَ ومَن يَعْدِلْ إذا لَمْ أعْدِلْ؟ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعْهُ؛ فَإنَّ لَهُ أصْحابًا يَحْقِرُ أحَدُكم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهُ مَعَ صِيامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيُنْظَرُ في قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ (p-٤٠٦)شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ في نَضِيِّهِ فَلا يُرى فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ في رِصافِهِ فَلا يُرى فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ في نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ، آيَتُهم رَجُلٌ أسْوَدُ إحْدى يَدَيْهِ - أوْ قالَ ثَدْيَيْهِ - مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأةِ أوْ مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ عَلى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النّاسِ. قالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ الآيَةَ قالَ أبُو سَعِيدٍ: أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُ هَذا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأشْهَدُ أنَّ عَلِيًّا حِينَ قَتَلَهم وأنا مَعَهُ جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ قالَ: يَرُوزُكَ؛ يَسْألُكَ. (p-٤٠٧)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ . قالَ: يَطْعَنُ عَلَيْكَ. وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي عاصِمٍ قالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَدَقَةٍ فَقَسَمَها هَهُنا وهَهُنا حَتّى ذَهَبَتْ ورَآهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَ: ما هَذا بِالعَدْلِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إيادِ بْنِ لَقِيطٍ، أنَّهُ قَرَأ: ”وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم ساخِطُونَ“ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ غَنائِمَ حُنَيْنٍ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ. فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى مُوسى قَدْ أُؤْذِيَ بِأكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ. ونَزَلَ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة»: ٥٨] .

التوبة 9:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَهُ وهو يَقْسِمُ قَسْمًا فَأعْرَضَ عَنْهُ وجَعَلَ يَقْسِمُ قالَ: أتُعْطِي رِعاءَ الشّاءِ؟ واللَّهِ ما عَدَلْتَ. فَقالَ: ويْحَكَ، مَن يَعْدِلُ إذا أنا لَمْ أعْدِلْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . (p-٤٠٨)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“ والطَّبَرانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ زِيادِ بْنِ الحارِثِ الصُّدائِيِّ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ في الصَّدَقاتِ حَتّى حَكَمَ هو فِيها فَجَزَّأها ثَمانِيَةَ أجْزاءٍ فَإنْ كُنْتَ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ زِيادِ بْنِ الحارِثِ الصُّدائِيِّ قالَ: «بَيْنا أنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ جاءَ قَوْمٌ يَشْكُونَ عامِلَهُمْ، ثُمَّ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ آخَذْنا بِشَيْءٍ كانَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ في الجاهِلِيَّةِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا خَيْرَ لِلْمُؤْمِنِ في الإمارَةِ. ثُمَّ قامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكِلْ قَسْمَها إلى مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ولا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ حَتّى أجْزَأها ثَمانِيَةَ أجْزاءٍ فَإنْ كُنْتَ جُزْءًا مِنها أعْطَيْتُكَ، وإنْ كُنْتَ غَنِيًّا عَنْها فَإنَّما هي صُداعٌ في الرَّأْسِ وداءٌ في البَطْنِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ مُوسى بْنِ يَزِيدَ الكِنْدِيِّ قالَ: «كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُقْرِئُ رَجُلًا فَقَرَأ: ( إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَرا والمَساكِينِ ) مُرْسَلَةً فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما هَكَذا أقْرَأنِيها النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ: وكَيْفَ أقْرَأكَها؟ قالَ: أقْرَأنِيها: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ فَمَدَّها» . (p-٤٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والنَّحّاسُ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ؛ قَوْلُهُ: وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ. [الإسْراءِ: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] [البَقَرَةِ: ٢٧١] وقَوْلُهُ: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . [الذّارِياتِ: ١٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّما هَذا شَيْءٌ أعْلَمَهُ اللَّهُ إيّاهُ لَهم فَأيَّما أعْطَيْتَ صِنْفًا مِنها أجْزَأكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَها في صِنْفٍ واحِدٍ مِنَ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ الَّذِينَ سَمّى اللَّهُ أوْ صِنْفَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: لا بَأْسَ أنْ تَجْعَلَها في صِنْفٍ واحِدٍ (p-٤١٠)مِمّا قالَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والنَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الفُقَراءُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ والمَساكِينُ الطَّوّافُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: الفَقِيرُ الَّذِي بِهِ زَمانَةٌ والمِسْكِينُ المُحْتاجُ الَّذِي لَيْسَتْ بِهِ زَمانَةٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ مَطْرُوحٍ عَلى بابٍ فَقالَ: اسْتَكَدُّونِي وأخَذُوا مِنِّي الجِزْيَةَ حَتّى كُفَّ بَصَرِي فَلَيْسَ أحَدٌ يَعُودُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، فَقالَ عُمَرُ: ما أنْصَفْنا إذَنْ. ثُمَّ قالَ: هَذا مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ ثُمَّ أمَرَ لَهُ بِرِزْقٍ يُجْرى عَلَيْهِ. (p-٤١١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ قالَ: هم زَمْنى أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لا يُعْطى المُشْرِكُونَ مِنَ الزَّكاةِ ولا مِن شَيْءٍ مِنَ الكَفّاراتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَيْسَ بِفَقِيرٍ مَن جَمَعَ الدِّرْهَمَ إلى الدِّرْهَمِ ولا التَّمْرَةَ إلى التَّمْرَةِ إنَّما الفَقِيرُ مَن أنْقى ثَوْبَهُ ونَفْسَهُ لا يَقْدِرُ عَلى غِنًى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] . [البَقَرَةِ: ٢٧٣] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: الفُقَراءُ المُتَعَفِّفُونَ، والمَساكِينُ الَّذِينَ يَسْألُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: الفُقَراءُ الَّذِينَ في بُيُوتِهِمْ ولا يَسْألُونَ، والمَساكِينُ الَّذِي يَخْرُجُونَ فَيَسْألُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفَقِيرُ الرَّجُلُ يَكُونُ فَقِيرًا وهو بَيْنُ ظَهْرَيْ قَوْمِهِ وعَشِيرَتِهِ وذَوِي قَرابَتِهِ وعَشِيرَتِهِ، ولَيْسَ لَهُ مالٌ، والمِسْكِينُ الَّذِي لا عَشِيرَةَ لَهُ ولا قَرابَةَ ولا رَحِمَ، ولَيْسَ لَهُ مالٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: الفُقَراءُ الَّذِينَ هاجَرُوا، (p-٤١٢)والمَساكِينُ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: يُعْطى مِنَ الزَّكاةِ مَن لَهُ الدّارُ والخادِمُ والفَرَسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا لا يَمْنَعُونَ الزَّكاةَ مَن لَهُ البَيْتُ والخادِمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ قالَ: السُّعاةُ أصْحابُ الصَّدَقَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: يُعْطى كُلُّ عامِلٍ بِقَدْرِ عَمَلِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «العامِلُ عَلى الصَّدَقَةِ بِالحَقِّ كالغازِي حَتّى يَرْجِعَ إلى بَيْتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: هم قَوْمٌ كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أسْلَمُوا، وكانَ يَرْضَخُ لَهم مِنَ الصَّدَقاتِ، فَإذا أعْطاهم مِنَ الصَّدَقَةِ فَأصابُوا مِنها خَيْرًا قالُوا: (p-٤١٣)هَذا دِينٌ صالِحٌ. وإنْ كانَ غَيْرُ ذَلِكَ عابُوهُ وتَرَكُوهُ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مِنَ اليَمَنِ إلى النَّبِيِّ بِذُهَيْبَةٍ فِيها تُرْبَتُها فَقَسَمَها بَيْنَ أرْبَعَةٍ مِنَ المُؤَلَّفَةِ: الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ الحَنْظَلِيِّ وعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ العامِرِيِّ وعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزارِيِّ وزَيْدِ الخَيْلِ الطّائِيِّ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ والأنْصارُ: أيَقْسِمُ بَيْنَ صَنادِيدِ أهْلِ نَجْدٍ ويَدَعُنا؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّما أتَألَّفُهم» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: «المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم مِن بَنِي هاشِمٍ: أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومَن بَنِي أُمَيَّةَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، ومِن بَنِي مَخْزُومٍ: الحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَرْبُوعٍ، ومِن بَنِي أسَدٍ: حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، ومِن بَنِي عامِرٍ: سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى، ومِن بَنِي جُمَحَ: صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومِن بَنِي سَهْمٍ: عَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ، ومِن ثَقِيفٍ: العَلاءُ بْنُ حارِثَةَ أوْ حارِثَةَ، ومِن بَنِي فَزارَةَ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، ومِن بَنِي تَمِيمٍ: الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، ومِن بَنِي نَصْرٍ: مالِكُ بْنُ عَوْفٍ، ومِن بَنِي سُلَيْمٍ: العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ، أعْطى (p-٤١٤)النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ رَجُلٍ مِنهم مِائَةَ ناقَةٍ، إلّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَرْبُوعٍ وحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ العُزّى؛ فَإنَّهُ أعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهُما خَمْسِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم قَوْمٌ مِن وُجُوهِ العَرَبِ يَقْدَمُونَ عَلَيْهِ فَيُنْفَقُ عَلَيْهِمْ مِنها ما دامُوا حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يَرْجِعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم. قالَ: مَن أسْلَمَ مِن يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرانِيٍّ. قُلْتُ: وإنْ كانَ مُوسِرًا؟ قالَ: وإنْ كانَ مُوسِرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: لَيْسَ اليَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ قُلُوبُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٤١٥)عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَيْسَتِ اليَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ، إنَّما كانَ رِجالٌ يَتَألَّفُهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الإسْلامِ، فَلَمّا أنْ كانَ أبُو بَكْرٍ قَطَعَ الرِّشا في الإسْلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: جاءَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ إلى أبِي بَكْرٍ فَقالا: يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ إنَّ عِنْدَنا أرْضًا سَبِخَةً لَيْسَ فِيها كَلَأٌ ولا مَنفَعَةٌ فَإنْ رَأيْتَ أنْ تُقْطِعَناها لَعَلَّنا نَحْرُثُها ونَزْرَعُها ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَنْفَعَ بِها، فَأقْطَعَهُما إيّاها وكَتَبَ لَهُما بِذَلِكَ كِتابًا وأشْهَدَ لَهُما فانْطَلَقا إلى عُمَرَ لِيُشْهِداهُ عَلى ما فِيهِ فَلَمّا قَرَآ عَلى عُمَرَ ما في الكِتابِ تَناوَلَهُ مِن أيْدِيهِما فَتَفَلَ فِيهِ فَمَحاهُ فَتَذَمَّرا وقالا لَهُ مَقالَةً سَيِّئَةً فَقالَ عُمَرُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَتَألَّفُهُما والإسْلامُ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ وإنَّ اللَّهَ قَدْ أعَزَّ الإسْلامَ فاذْهَبا فاجْهَدا جَهْدَكُما لا أرْعى اللَّهُ عَلَيْكُما إنْ أرْعَيْتُما. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي وائِلٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما أصْنَعُ بِنَصِيبِ المُؤَلَّفَةِ؟ قالَ: رُدَّهُ عَلى الآخَرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ قالَ: هُمُ المُكاتَبُونَ. (p-٤١٦)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: لا يُعْتَقُ مِنَ الزَّكاةِ رَقَبَةٌ تامَّةٌ، ويُعْطى في رَقَبَةٍ، ولا بَأْسَ بِأنْ يُعِينَ بِهِ مُكاتَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: سَهْمُ الرِّقابِ نِصْفانِ نِصْفٌ لِكُلِّ مُكاتَبٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلامَ، والنِّصْفُ الباقِي يُشْتَرى بِهِ رِقابٌ مِمَّنْ صَلّى وصامَ وقَدُمَ إسْلامُهُ؛ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى يُعْتَقُونَ لِلَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا أنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ مِن زَكاتِهِ في الحَجِّ وأنْ يُعْتِقَ مِنها رَقَبَةً. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أعْتِقْ مِن زَكاةِ مالِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا أنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ مِن زَكاةِ مالِهِ نَسَمَةً فَيُعْتِقَها. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: يُعانُ فِيها الرَّقَبَةُ، ولا يُعْتِقُ مِنها. (p-٤١٧)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قالَ: لا تَعْتِقْ مِن زَكاةِ مالِكَ فَإنَّهُ يَجُرُّ الوَلاءَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أعْلى ما جاءَنا في هَذا البابِ، وهو أوْلى بِالِاتِّباعِ، وأعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ، وقَدْ وافَقَهُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الغارِمِينَ، قالَ: أصْحابُ الدَّيْنِ، وابْنُ السَّبِيلِ وإنْ كانَ غَنِيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والغارِمِينَ﴾ قالَ: مَنِ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، وذَهَبَ السَّيْلُ بِمالِهِ، وادّانَ عَلى عِيالِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والغارِمِينَ﴾ قالَ: المُسْتَدِينِينَ في غَيْرِ فَسادٍ: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: المُجْتازِ مِنَ الأرْضِ إلى أرْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿والغارِمِينَ﴾ قالَ: هو الَّذِي يَسْألُ في دَمٍ أوْ جائِحَةٍ تُصِيبُهُ، ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ المُجاهِدُونَ، ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: المُنْقَطَعِ بِهِ، يُعْطى قَدْرَ ما يُبَلِّغُهُ. (p-٤١٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: الغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: المُسافِرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ابْنُ السَّبِيلِ هو الضَّيْفُ الفَقِيرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ في رَجُلٍ سافَرَ وهو غَنِيٌّ فَنَفِدَ ما مَعَهُ في سَفَرِهِ فاحْتاجَ قالَ: يُعْطى مِنَ الصَّدَقَةِ في سَفَرِهِ؛ لِأنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: يُحْمَلُ الرَّجُلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الصَّدَقَةِ: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: هو الضَّيْفُ والمُسافِرُ إذا قُطِعَ بِهِ ولَيْسَ لَهُ شَيْءٌ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أسْهُمٍ فَرَضَهُنَّ اللَّهُ وأعْلَمَهُنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلّا لِخَمْسَةٍ؛ لِعامِلٍ عَلَيْها، أوْ رَجُلٍ اشْتَراها بِمالِهِ أوْ، غارِمٍ، أوْ غازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقُ عَلَيْهِ فَأهْدى مِنها لِغَنِيٍّ» . (p-٤١٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن سَألَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جاءَتْ مَسْألَتُهُ في وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ خُمُوشًا أوْ كُدُوحًا. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وماذا يُغْنِيهِ؟ قالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أوْ قِيمَتُها مِنَ الذَّهَبِ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ مالِ الصَّدَقَةِ، فَقالَ: شَرُّ مالٍ إنَّما هو مالُ الكُسْحانِ والعُرْجانِ والعُمْيانِ، وكُلِّ مُنْقَطَعٍ بِهِ. قِيلَ: فَإنَّ لِلْعامِلِينَ عَلَيْها حَقًّا، ولِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ. قالَ: أمّا العامِلُونَ فَلَهم بِقَدْرِ عِمالَتِهِمْ، وأمّا المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَقَوْمٌ أُحِلَّ لَهُمْ، إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّدَقَةَ (p-٤٢٠)فِي ثَمانِيَةِ أصْنافٍ، ثُمَّ تُوضَعُ في ثَمانِيَةِ أسْهُمٍ؛ فَفَرَضَ في الذَّهَبِ والوَرِقِ والإبِلِ والبَقَرِ والزَّرْعِ والكَرْمِ والنَّخْلِ، ثُمَّ تُوضَعُ في ثَمانِيَةِ أسْهُمٍ، في أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةَ كُلَّها» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «خَفِّفُوا عَلى المُسْلِمِينَ في خَرْصِكُمْ؛ فَإنَّ فِيهِ العَرايا وفِيهِ الوَصايا، فَأمّا العَرايا فالنَّخْلَةُ والثَّلاثُ والأرْبَعُ، وأقَلُّ مِن ذَلِكَ وأكْثَرُ، يَمْنَحُها الرَّجُلُ أخاهُ؛ ثَمَرَتَها، فَيَأْكُلُها هو وعِيالُهُ، وأمّا الوَصايا فَثَمانِيَةُ أسْهُمٍ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة»: ٦٠] . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي هِلالٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قالَ «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» . (p-٤٢١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ قالَ: «أخْبَرَنِي رَجُلانِ أنَّهُما أتَيا النَّبِيَّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ وهو يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ، فَسَألاهُ مِنها، فَرَفَعَ فِينا البَصَرَ وخَفَضَهُ فَرَآنا جَلْدَيْنِ فَقالَ: إنْ شِئْتُما أعْطَيْتُكُما، ولا حَظَّ فِيها لِغَنِيٍّ ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» .

التوبة 9:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَجْلِسُ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ مِنهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلى المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، مَن حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: اجْتَمَعَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ؛ فِيهِمْ جُلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ ومَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ ﷺ، فَنَهى بَعْضُهم بَعْضًا، وقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَ مُحَمَّدًا فَيَقَعَ بِكم. وقالَ بَعْضُهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، نَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا. فَنَزَلَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ (p-٤٢٢)عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَسْمَعُ مِن كُلِّ أحَدٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ أيْ يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ يَقُولُونَ: سَنَقُولُ لَهُ ما شِئْنا، ثُمَّ نَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: الأُذُنُ الَّذِي يَسْمَعُ مِن كُلِّ أحَدٍ ويُصَدِّقُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ: يُصَدِّقُ اللَّهَ بِما أنْزَلَ إلَيْهِ، ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ فِيما بَيْنَهُمْ؛ في شَهاداتِهِمْ وأيْمانِهِمْ، عَلى حُقُوقِهِمْ وفُرُوجِهِمْ وأمْوالِهِمْ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، «عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ وذَلِكَ أنَّ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ كانَ يَسْمَعُ أحادِيثَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَيَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ فَيُسارُّهُ، حَتّى كانُوا يَتَأذَّوْنَ بِعُمَيْرِ بْنِ (p-٤٢٣)سَعْدٍ وكَرِهُوا مُجالَسَتَهُ وقالُوا: هو أُذُنٌ. فَأُنْزِلَتْ فِيهِ» .

التوبة 9:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: واللَّهِ إنَّ هَؤُلاءِ لَخِيارُنا وأشْرافُنا، ولَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَهم شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ. فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقُّ، ولَأنْتِ أشَرُّ مِنَ الحِمارِ. فَسَعى بِها الرَّجُلُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَأرْسَلَ إلى الرَّجُلِ فَدَعاهُ فَقالَ: ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي قُلْتَ؟ فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصّادِقَ وكَذِّبِ الكاذِبَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ. وسَمّى الرَّجُلَ المُسْلِمَ عامِرَ بْنَ قَيْسٍ مِنَ الأنْصارِ.

التوبة 9:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ (p-٤٢٤)يَقُولُ: يُعادِي اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ قالَ: خَطَبَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقالَ في خُطْبَتِهِ: يُؤْتى بِعَبْدٍ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وبَسَطَ لَهُ في الرِّزْقِ، قَدْ أصَحَّ بَدَنَهُ وقَدْ كَفَرَ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى فَيُقالُ لَهُ: ماذا عَمِلْتَ لِيَوْمِكَ هَذا، وما قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَلا يَجِدُهُ قَدَّمَ خَيْرًا، فَيَبْكِي حَتّى تَنْفَدَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يُعَيَّرُ ويُخْزى بِما ضَيَّعَ مِن طاعَةِ اللَّهِ فَيَبْكِي الدَّمَ، ثُمَّ يُعَيَّرُ ويُخْزى حَتّى يَأْكُلَ يَدَيْهِ إلى مِرْفَقَيْهِ، ثُمَّ يُعَيَّرُ ويُخْزى بِما ضَيَّعَ مِن طاعَةِ اللَّهِ، فَيَنْتَحِبُ حَتّى تَسْقُطَ حَدَقَتاهُ عَلى وجْنَتَيْهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما فَرْسَخٌ في فَرْسَخٍ، ثُمَّ يُعَيَّرُ ويُخْزى، حَتّى يَقُولَ: يا رَبِّ، ابْعَثْنِي إلى النّارِ وأرِحْنِي مِن مَقامِي هَذا. وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿العَظِيمُ﴾ .

التوبة 9:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: يَقُولُونَ القَوْلَ فِيما بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ ألّا يُفْشِي عَلَيْنا هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى الفاضِحَةَ؛ فاضِحَةَ المُنافِقِينَ. وكانَ يُقالُ لَها: (p-٤٢٥)المُثِيرَةُ. أنْبَأتْ بِمَثالِبِهِمْ وعَوْراتِهِمْ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ المُسَيَّبِ بْنِ رافِعٍ قالَ: ما عَمِلَ رَجُلٌ مِن حَسَنَةٍ في سَبْعَةِ أبْياتٍ إلّا أظْهَرَها اللَّهُ، ولا عَمِلَ رَجُلٌ مِن سَيِّئَةٍ في سَبْعَةِ أبْياتٍ إلّا أُظْهَرَها اللَّهُ، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ كَلامُ اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ .

التوبة 9:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ؛ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: يا مَعْشَرَ القُرّاءِ، ما بالُكم أجْبَنُ مِنّا، وأبْخَلُ إذا سُئِلْتُمْ، وأعْظَمُ لَقْمًا إذا أكَلْتُمْ. فَأعْرَضَ عَنْهُ أبُو الدَّرْداءِ، ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًاٌ فَأخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فانْطَلَقَ عُمَرُ إلى الرَّجُلِ الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ بِثَوْبِهِ وخَنَقَهُ، وقادَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة»: ٦٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَجُلٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في مَجْلِسٍ يَوْمًا: ما رَأيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ؛ لا أرْغَبَ بُطُونًا، ولا أكْذَبَ ألْسِنَةٍ، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ. فَقالَ رَجُلٌ في المَجْلِسِ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَبَلَغَ ذَلِكَ (p-٤٢٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ونَزَلَ القُرْآنُ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأنا رَأيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والحِجارَةُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ. والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في ”الضُّعَفاءِ“ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والخَطِيبُ في ”رُواةِ مالِكٍ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وهو يَشْتَدُّ قُدّامَ النَّبِيِّ ﷺ والأحْجارُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: يُحَدِّثُنا مُحَمَّدٌ أنَّ ناقَةَ فُلانٍ بِوادِي كَذا وكَذا، في يَوْمِ كَذا وكَذا، وما يُدْرِيهِ ما الغَيْبُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَتِهِ إلى تَبُوكَ، وبَيْنَ يَدَيْهِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَقالُوا: (p-٤٢٧)أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يَفْتَحَ لَهُ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ ﷺ اللَّهُ: احْتَبِسُوا عَلَيَّ هَؤُلاءِ الرَّكْبَ. فَأتاهم فَقالَ: قُلْتُمْ كَذا؟ قُلْتُمْ كَذا؟ قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «بَيْنَما النَّبِيُّ ﷺ في مَسِيرِهِ وأُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَسِيرُونَ أمامَهُ، فَقالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَلَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ما قالُوا، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ: ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ؟ فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ قالَ مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ: «لَوَدِدْتُ أنِّي أُقاضى عَلى أنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنكم مِائَةً مِائَةً عَلى أنْ يَنْجُوَ مِن أنْ يَنْزِلَ فِينا قُرْآنٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: أدْرِكِ القَوْمَ فَإنَّهم قَدِ احْتَرَقُواٌ فَسَلْهم عَمّا قالُواٌ فَإنْ هم أنْكَرُوا وكَتَمُوا فَقُلْ: بَلى قَدْ قُلْتُمْ كَذا وكَذا. فَأدْرَكَهُمْ، فَقالَ لَهُمْ، فَجاءُوا يَعْتَذِرُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ (p-٤٢٨)كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. فَكانَ الَّذِي عَفا اللَّهُ عَنْهُ مَخْشِيَّ بْنَ حُمَيِّرٍ، فَتَسَمّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وسَألَ اللَّهُ أنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ بِمَقْتَلِهِ، فَقُتِلَ يَوْمَ اليَمامَةِ لا يُعْلَمُ مَقْتَلُهُ، ولا مَن قَتَلَهُ، ولا يُرى لَهُ أثَرٌ ولا عَيْنٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَهْطٍ مِنَ المُنافِقِينَ مَن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فِيهِمْ ودِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، ورَجُلٌ مِن أشْجَعَ حَلِيفٌ لَهم يُقالُ لَهُ: مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ. كانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُنْطَلِقٌ إلى تَبُوكَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَحْسَبُونَ قِتالَ بَنِي الأصْفَرِ كَقِتالِ غَيْرِهِمْ؟ واللَّهِ لَكَأنّا بِكم غَدًا تُقْرَنُونَ في الحِبالِ. قالَمَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ: لَوَدِدْتُ أنِّي أُقاضى، فَذَكَرَ الحَدِيثَ مِثْلَ الَّذِي قَبْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الكَلْبِي، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أقْبَلَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ وبَيْنَ يَدَيْهِ ثَلاثَةُ رَهْطٍ اسْتَهْزَأُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ وبِالقُرْآنِ، قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنهم لَمْ يُمالِئْهم في الحَدِيثِ، يَسِيرُ مُجانِبًا (p-٤٢٩)لَهُمْ، يُقالُ لَهُ: يَزِيدُ بْنُ ودِيعَةَ. فَنَزَلَتْ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ فَسُمِّيَ طائِفَةً وهو واحِدٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ قالَ: الطّائِفَةُ الرَّجُلُ والنَّفَرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطّائِفَةُ الواحِدُ إلى الألْفِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الطّائِفَةُ رَجُلٌ فَصاعِدًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ إنْ عَفا عَنْ بَعْضِهِمْ فَلَيْسَ بِتارِكٍ الآخَرِينَ أنْ يُعَذِّبَهُمْ؛ إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانَ في مَن تَخَلَّفَ بِالمَدِينَةِ مِنَ المُنافِقِينَ وداعَةُ بْنُ ثابِتٍ، أحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَقِيلَ لَهُ: ما خَلَّفَكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: الخَوْضُ واللَّعِبُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وفي أصْحابِهِ: (p-٤٣٠)﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُجْرِمِينَ﴾ .

التوبة 9:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ؛ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: يا مَعْشَرَ القُرّاءِ، ما بالُكم أجْبَنُ مِنّا، وأبْخَلُ إذا سُئِلْتُمْ، وأعْظَمُ لَقْمًا إذا أكَلْتُمْ. فَأعْرَضَ عَنْهُ أبُو الدَّرْداءِ، ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًاٌ فَأخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فانْطَلَقَ عُمَرُ إلى الرَّجُلِ الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ بِثَوْبِهِ وخَنَقَهُ، وقادَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة»: ٦٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَجُلٌ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في مَجْلِسٍ يَوْمًا: ما رَأيْنا مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ؛ لا أرْغَبَ بُطُونًا، ولا أكْذَبَ ألْسِنَةٍ، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ. فَقالَ رَجُلٌ في المَجْلِسِ: كَذَبْتَ ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَبَلَغَ ذَلِكَ (p-٤٢٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ونَزَلَ القُرْآنُ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأنا رَأيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والحِجارَةُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ. والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في ”الضُّعَفاءِ“ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والخَطِيبُ في ”رُواةِ مالِكٍ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وهو يَشْتَدُّ قُدّامَ النَّبِيِّ ﷺ والأحْجارُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: يُحَدِّثُنا مُحَمَّدٌ أنَّ ناقَةَ فُلانٍ بِوادِي كَذا وكَذا، في يَوْمِ كَذا وكَذا، وما يُدْرِيهِ ما الغَيْبُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَتِهِ إلى تَبُوكَ، وبَيْنَ يَدَيْهِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَقالُوا: (p-٤٢٧)أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يَفْتَحَ لَهُ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ ﷺ اللَّهُ: احْتَبِسُوا عَلَيَّ هَؤُلاءِ الرَّكْبَ. فَأتاهم فَقالَ: قُلْتُمْ كَذا؟ قُلْتُمْ كَذا؟ قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «بَيْنَما النَّبِيُّ ﷺ في مَسِيرِهِ وأُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَسِيرُونَ أمامَهُ، فَقالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَلَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ما قالُوا، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ: ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ؟ فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ قالَ مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ: «لَوَدِدْتُ أنِّي أُقاضى عَلى أنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنكم مِائَةً مِائَةً عَلى أنْ يَنْجُوَ مِن أنْ يَنْزِلَ فِينا قُرْآنٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: أدْرِكِ القَوْمَ فَإنَّهم قَدِ احْتَرَقُواٌ فَسَلْهم عَمّا قالُواٌ فَإنْ هم أنْكَرُوا وكَتَمُوا فَقُلْ: بَلى قَدْ قُلْتُمْ كَذا وكَذا. فَأدْرَكَهُمْ، فَقالَ لَهُمْ، فَجاءُوا يَعْتَذِرُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ (p-٤٢٨)كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. فَكانَ الَّذِي عَفا اللَّهُ عَنْهُ مَخْشِيَّ بْنَ حُمَيِّرٍ، فَتَسَمّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وسَألَ اللَّهُ أنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ بِمَقْتَلِهِ، فَقُتِلَ يَوْمَ اليَمامَةِ لا يُعْلَمُ مَقْتَلُهُ، ولا مَن قَتَلَهُ، ولا يُرى لَهُ أثَرٌ ولا عَيْنٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَهْطٍ مِنَ المُنافِقِينَ مَن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فِيهِمْ ودِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، ورَجُلٌ مِن أشْجَعَ حَلِيفٌ لَهم يُقالُ لَهُ: مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ. كانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُنْطَلِقٌ إلى تَبُوكَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَحْسَبُونَ قِتالَ بَنِي الأصْفَرِ كَقِتالِ غَيْرِهِمْ؟ واللَّهِ لَكَأنّا بِكم غَدًا تُقْرَنُونَ في الحِبالِ. قالَمَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ: لَوَدِدْتُ أنِّي أُقاضى، فَذَكَرَ الحَدِيثَ مِثْلَ الَّذِي قَبْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الكَلْبِي، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أقْبَلَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ وبَيْنَ يَدَيْهِ ثَلاثَةُ رَهْطٍ اسْتَهْزَأُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ وبِالقُرْآنِ، قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنهم لَمْ يُمالِئْهم في الحَدِيثِ، يَسِيرُ مُجانِبًا (p-٤٢٩)لَهُمْ، يُقالُ لَهُ: يَزِيدُ بْنُ ودِيعَةَ. فَنَزَلَتْ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ فَسُمِّيَ طائِفَةً وهو واحِدٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ قالَ: الطّائِفَةُ الرَّجُلُ والنَّفَرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطّائِفَةُ الواحِدُ إلى الألْفِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الطّائِفَةُ رَجُلٌ فَصاعِدًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ إنْ عَفا عَنْ بَعْضِهِمْ فَلَيْسَ بِتارِكٍ الآخَرِينَ أنْ يُعَذِّبَهُمْ؛ إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانَ في مَن تَخَلَّفَ بِالمَدِينَةِ مِنَ المُنافِقِينَ وداعَةُ بْنُ ثابِتٍ، أحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَقِيلَ لَهُ: ما خَلَّفَكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: الخَوْضُ واللَّعِبُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وفي أصْحابِهِ: (p-٤٣٠)﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُجْرِمِينَ﴾ .

التوبة 9:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُنافِقِ، فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: النِّفاقُ نِفاقانِ، نِفاقُ تَكْذِيبٍ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَذاكَ كُفْرٌ، ونِفاقُ خَطايا وذُنُوبٍ، فَذاكَ يُرْجى لِصاحِبِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ قالَ: هو التَّكْذِيبُ، قالَ: وهو أنْكَرُ المُنْكَرِ: ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإقْرارُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهو أعْظَمُ المَعْرُوفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كُلُّ آيَةٍ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ فَذَكَرَ المُنْكَرَ، عِبادَةُ الأوْثانِ والشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ قالَ: لا يَبْسُطُونَها بِنَفَقَةٍ في حَقِّ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٤٣١)﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ قالَ: لا يَبْسُطُونَها بِخَيْرٍ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ: نُسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَّرِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ: تَرَكُوا اللَّهَ فَتَرَكَهم مِن كَرامَتِهِ وثَوابِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ قالَ: تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ، ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ تَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ؛ أنْ يُعْطِيَهم إيمانًا وعَمَلًا صالِحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يَنْسى مَن خَلَقَهُ، ولَكِنْ نَسِيَهم مِنَ الخَيْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نُسُوا في العَذابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: صَنِيعُ الكُفّارِ كالكُفّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ؛ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ هَؤُلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ أشْبَهْناهُمْ، (p-٤٣٢)والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتَتَّبِعُنَّهُمْ، حَتّى لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِدِينِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: الخَلّاقُ الدِّينُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ: لَعِبْتُمْ كالَّذِي لَعِبُوا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، «عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَذَّرَكم أنْ تُحْدِثُوا حَدَثًا في الإسْلامِ، وعَلِمَ أنَّهُ سَيَفْعَلُ ذَلِكَ أقْوامٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ الآيَةَ» .

التوبة 9:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُنافِقِ، فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: النِّفاقُ نِفاقانِ، نِفاقُ تَكْذِيبٍ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَذاكَ كُفْرٌ، ونِفاقُ خَطايا وذُنُوبٍ، فَذاكَ يُرْجى لِصاحِبِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ قالَ: هو التَّكْذِيبُ، قالَ: وهو أنْكَرُ المُنْكَرِ: ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإقْرارُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهو أعْظَمُ المَعْرُوفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كُلُّ آيَةٍ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ فَذَكَرَ المُنْكَرَ، عِبادَةُ الأوْثانِ والشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ قالَ: لا يَبْسُطُونَها بِنَفَقَةٍ في حَقِّ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٤٣١)﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ قالَ: لا يَبْسُطُونَها بِخَيْرٍ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ: نُسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَّرِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ: تَرَكُوا اللَّهَ فَتَرَكَهم مِن كَرامَتِهِ وثَوابِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ قالَ: تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ، ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ تَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ؛ أنْ يُعْطِيَهم إيمانًا وعَمَلًا صالِحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يَنْسى مَن خَلَقَهُ، ولَكِنْ نَسِيَهم مِنَ الخَيْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نُسُوا في العَذابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: صَنِيعُ الكُفّارِ كالكُفّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ؛ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ هَؤُلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ أشْبَهْناهُمْ، (p-٤٣٢)والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتَتَّبِعُنَّهُمْ، حَتّى لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِدِينِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: الخَلّاقُ الدِّينُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ: لَعِبْتُمْ كالَّذِي لَعِبُوا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، «عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَذَّرَكم أنْ تُحْدِثُوا حَدَثًا في الإسْلامِ، وعَلِمَ أنَّهُ سَيَفْعَلُ ذَلِكَ أقْوامٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ الآيَةَ» .

التوبة 9:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُنافِقِ، فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: النِّفاقُ نِفاقانِ، نِفاقُ تَكْذِيبٍ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَذاكَ كُفْرٌ، ونِفاقُ خَطايا وذُنُوبٍ، فَذاكَ يُرْجى لِصاحِبِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ قالَ: هو التَّكْذِيبُ، قالَ: وهو أنْكَرُ المُنْكَرِ: ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإقْرارُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وهو أعْظَمُ المَعْرُوفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كُلُّ آيَةٍ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ فَذَكَرَ المُنْكَرَ، عِبادَةُ الأوْثانِ والشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ قالَ: لا يَبْسُطُونَها بِنَفَقَةٍ في حَقِّ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٤٣١)﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ قالَ: لا يَبْسُطُونَها بِخَيْرٍ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ: نُسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَّرِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ: تَرَكُوا اللَّهَ فَتَرَكَهم مِن كَرامَتِهِ وثَوابِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ قالَ: تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ، ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ تَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ؛ أنْ يُعْطِيَهم إيمانًا وعَمَلًا صالِحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يَنْسى مَن خَلَقَهُ، ولَكِنْ نَسِيَهم مِنَ الخَيْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نُسُوا في العَذابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: صَنِيعُ الكُفّارِ كالكُفّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ؛ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ هَؤُلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ أشْبَهْناهُمْ، (p-٤٣٢)والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتَتَّبِعُنَّهُمْ، حَتّى لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِدِينِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: الخَلّاقُ الدِّينُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ: لَعِبْتُمْ كالَّذِي لَعِبُوا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، «عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَذَّرَكم أنْ تُحْدِثُوا حَدَثًا في الإسْلامِ، وعَلِمَ أنَّهُ سَيَفْعَلُ ذَلِكَ أقْوامٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ الآيَةَ» .

التوبة 9:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ . أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ قالَ: قَوْمُ لُوطٍ ائْتُفِكَتْ بِهِمْ أرْضُهُمْ، فَجُعِلَ عالِيها سافِلَها.

التوبة 9:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ . الآيَةَ. (p-٤٣٣)أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾: يَدْعُونَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنَّفَقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ وما كانَ مِن طاعَةِ اللَّهِ، ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ يَنْهَوْنَ عَنِ الشِّرْكِ والكُفْرِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَرِيضَةٌ مِن فَرائِضِ اللَّهِ، كَتَبَها اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ: إخاؤُهم في اللَّهِ، يَتَحابُّونَ بِجَلالِ اللَّهِ والوَلايَةِ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”قَضاءِ الحَوائِجِ“ والطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أهْلُ المَعْرُوفِ في الدُّنْيا أهْلُ المَعْرُوفِ في الآخِرَةِ، وأهْلُ المُنْكَرِ في الدُّنْيا أهْلُ المُنْكَرِ في الآخِرَةِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي عُثْمانَ مُرْسَلًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي مُوسى، أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ المَعْرُوفَ والمُنْكَرَ خَلِيقَتانِ يُنْصَبانِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَأمّا المَعْرُوفُ فَيُبَشِّرُ أهْلَهُ ويَعِدُهُمُ الخَيْرَ، (p-٤٣٤)وأمّا المُنْكَرُ فَيَقُولُ لِأصْحابِهِ: إلَيْكَمْ إلَيْكم. وما تَسْتَطِيعُونَ لَهُ إلّا لُزُومًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأْسُ العَقْلِ بَعْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ مُداراةُ النّاسِ، ولَنْ يَهْلِكَ رَجُلٌ بَعْدَ مَشُورَةٍ، وأهْلُ المَعْرُوفِ في الدُّنْيا أهْلُ المَعْرُوفِ في الآخِرَةِ، وأهْلُ المُنْكَرِ في الدُّنْيا أهْلُ المُنْكَرِ في الآخِرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أهْلُ المَعْرُوفِ في الدُّنْيا أهْلُ المَعْرُوفِ في الآخِرَةِ. قِيلَ: وكَيْفَ ذاكَ؟ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جَمَعَ اللَّهُ أهْلَ المَعْرُوفِ، فَقالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكم عَلى ما كانَ فِيكُمْ، وصانَعْتُ عَنْكم عِبادِي، فَهَبُوها اليَوْمَ لِمَن شِئْتُمْ؛ لِتَكُونُوا أهْلَ المَعْرُوفِ في الدُّنْيا وأهْلَ المَعْرُوفِ في الآخِرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: إنَّ أهْلَ المَعْرُوفِ في الدُّنْيا هم أهْلُ المَعْرُوفِ في الآخِرَةِ، وأهْلَ المُنْكَرِ في الدُّنْيا أهْلُ المُنْكَرِ في الآخِرَةِ؛ إنَّ اللَّهَ لَيَبْعَثُ المَعْرُوفَ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ الرَّجُلِ المُسافِرِ، فَيَأْتِي صاحِبَهُ إذا انْشَقَّ قَبْرُهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وجْهِهِ التُّرابَ ويَقُولُ: أبْشِرْ يا ولِيَّ اللَّهِ بِأمانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، لا يَهُولَنَّكَ ما تَرى مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ. فَلا يَزالُ يَقُولُ لَهُ: (p-٤٣٥)احْذَرْ هَذا، واتَّقِ هَذا. يُسَكِّنُ بِذَلِكَ رَوْعَهُ حَتّى يُجاوِزَ بِهِ الصِّراطَ، فَإذا جاوَزَ بِهِ الصِّراطَ عَدَلَ ولِيُّ اللَّهِ إلى مَنازِلِهِ في الجَنَّةِ، ثُمَّ يَثْنِي عَنْهُ المَعْرُوفُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يا عَبْدَ اللَّهِ، مَن أنْتَ؟ خَذَلَنِي الخَلائِقُ في أهْوالِ القِيامَةِ غَيْرَكَ، فَمَن أنْتَ؟ فَيَقُولُ لَهُ: أما تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: لا، فَيَقُولُ: أنا المَعْرُوفُ الَّذِي عَمِلْتَهُ في الدُّنْيا، بَعَثَنِي اللَّهُ خَلْقًا لِأُجازِيَكَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اطْلُبُوا المَعْرُوفَ مِن رُحَماءِ أُمَّتِي تَعِيشُوا في أكْنافِهِمْ، ولا تَطْلُبُوهُ مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ؛ فَإنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، يا عَلِيُّ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ المَعْرُوفَ وخَلَقَ لَهُ أهْلًا فَحَبَّبَهُ إلَيْهِمْ، وحَبَّبَ إلَيْهِمْ فِعالَهُ، ووَجَّهَ إلَيْهِمْ طُلّابَهُ، كَما وجَّهَ الماءَ في الأرْضِ الجَدْبَةِ؛ لِتَحْيا بِهِ ويَحْيى بِهِ أهْلُها، إنَّ أهْلَ المَعْرُوفِ في الدُّنْيا هم أهْلُ المَعْرُوفِ في الآخِرَةِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَنائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصارِعَ السُّوءِ والآفاتِ والهَلَكاتِ، وأهْلُ المَعْرُوفِ في الدُّنْيا هم أهْلُ المَعْرُوفِ في الآخِرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ثُمَّ أمَرَ مُنادِيًا يُنادِي: ألا لِيَقُمْ أهْلُ المَعْرُوفِ (p-٤٣٦)فِي الدُّنْيا. فَيَقُومُونَ، حَتّى يَقِفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ: أنْتُمْ أهْلُ المَعْرُوفِ في الدُّنْيا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: وأنْتُمْ أهْلُ المَعْرُوفِ في الآخِرَةِ، فَقُومُوا مَعَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ فاشْفَعُوا لِمَن أحْبَبْتُمْ فَأدْخِلُوهُ الجَنَّةَ، حَتّى تُدْخِلُوا عَلَيْهِمُ المَعْرُوفَ في الآخِرَةِ كَما أدْخَلْتُمْ عَلَيْهِمُ المَعْرُوفَ في الدُّنْيا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”قَضاءِ الحَوائِجِ“ عَنْ بِلالٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، والمَعْرُوفُ يَقِي سَبْعِينَ نَوْعًا مِنَ البَلاءِ ويَقِي مِيتَةَ السُّوءِ، والمَعْرُوفُ والمُنْكَرُ خَلْقانِ مَنصُوبانِ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، فالمَعْرُوفُ لازِمٌ لِأهْلِهِ يَقُودُهم ويَسُوقُهم إلى الجَنَّةِ، والمُنْكَرُ لازِمٌ لِأهْلِهِ يَقُودُهم ويَسُوقُهم إلى النّارِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أحَبَّ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَن حُبِّبَ إلَيْهِ المَعْرُوفُ وحُبِّبَ إلَيْهِ فِعالُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ وُجُوهًا مِن خَلْقِهِ وحَبَّبَ إلَيْهِمْ فِعالَهُ، ووَجَّهَ طُلّابَ المَعْرُوفِ إلَيْهِمْ، ويَسَّرَ عَلَيْهِمْ إعْطاءَهُ، كَما يَسَّرَ الغَيْثَ إلى الأرْضِ الجَدْبَةِ؛ لِيُحْيِيَها ويُحْيِيَ بِهِ أهْلَها، وإنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ أعْداءً مِن خَلْقِهِ، بَغَّضَ (p-٤٣٧)إلَيْهِمُ المَعْرُوفَ وبَغَّضَ إلَيْهِمْ فِعالَهُ وحَظَرَ عَلَيْهِمْ إعْطاءَهُ كَما يَحْظُرُ الغَيْثُ عَنِ الأرْضِ الجَدْبَةِ لِيُهْلِكَها ويُهْلِكَ بِها أهْلَها، وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «عَلَيْكم بِاصْطِناعِ المَعْرُوفِ فَإنَّهُ يَمْنَعُ مَصارِعَ السُّوءِ، وعَلَيْكم بِصَدَقَةِ السِّرِّ فَإنَّها تُطْفِئُ غَضَبَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والقُضاعِيُّ والعَسْكَرِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ ما أنْفَقَ الرَّجُلُ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ كُتِبَ لَهُ صَدَقَةٌ، وما وقى بِهِ عِرْضَهُ كُتِبَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ. قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ: ما يَعْنِي: ما وقى بِهِ عِرْضَهُ؟ قالَ: الشَّيْءُ يُعْطى الشّاعِرَ وذا اللِّسانِ المُتَّقى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَزّارُ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَنَعْتَهُ إلى غَنِيٍّ أوْ فَقِيرٍ فَهو صَدَقَةٌ» . (p-٤٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ يَصْنَعُهُ أحَدُكم إلى غَنِيٍّ أوْ فَقِيرٍ فَهو صَدَقَةٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ جابِرٍ الجُعْفِيِّ رَفَعَهُ قالَ: «المَعْرُوفُ خُلُقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى كَرِيمٌ» .

التوبة 9:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ الحَسَنِ قالَ: سَألْتُ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ وأبا هُرَيْرَةَ عَنْ تَفْسِيرِ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قالا: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَألْنا عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَصْرٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ في الجَنَّةِ، في ذَلِكَ القَصْرِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ في كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا عَلى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِراشٌ مِن كُلِّ لَوْنٍ، عَلى كُلِّ فِراشٍ امْرَأةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائِدَةً، في كُلِّ مائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْنًا مِن كُلِّ طَعامٍ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وصَيْفًا ووَصِيفَةً، فَيُعْطى المُؤْمِنُ مِنَ القُوَّةِ في كُلِّ غَداةٍ ما يَأْتِي عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ» . (p-٤٣٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ: فَأوَّلُها مِن فِضَّةٍ، أرْضُها فِضَّةٌ ومَساكِنُها فِضَّةٌ، وآنِيَتُها فِضَّةٌ وتُرابُها مِسْكٌ، والثّانِيَةُ مِن ذَهَبٍ أرْضُها ذَهَبٌ ومَساكِنُها ذَهَبٌ وآنِيَتُها ذَهَبٌ وتُرابُها مِسْكٌ، والثّالِثَةُ لُؤْلُؤٌ أرْضُها لُؤْلُؤٌ ومَساكِنُها لُؤْلُؤٌ وآنِيَتُها لُؤْلُؤٌ وتُرابُها مِسْكٌ، وسَبْعَةٌ وتِسْعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُعِدُّ لِلْعَبْدِ مِن عَبِيدِهِ في الجَنَّةِ لُؤْلُؤَةً مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ بُرُدٍ أبْوابُها وغُرَفُها ومَغالِيقُها لَيْسَ فِيها فَصْمٌ ولا قَصْمٌ، والجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ: فَثَلاثٌ مِنها ورِقٌ وذَهَبٌ ولُؤْلُؤٌ وزَبَرْجَدٌ وياقُوتٌ وسَبْعَةٌ وتِسْعُونَ لا يَعْلَمُهُما إلّا الَّذِي خَلَقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً رَجُلٌ لَهُ ألْفُ قَصْرٍ، ما بَيْنَ كُلِّ قَصْرَيْنِ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، يَرى أقْصاها كَما يَرى أدْناها، في كُلِّ قَصْرٍ مِنَ الحُورِ العِينِ والرَّياحِينِ والوِلْدانِ ما يَدْعُو بِشَيْءٍ إلّا أُتِيَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قالَ: إنَّ في الجَنَّةِ قُصُورًا مِن ذَهَبٍ وقُصُورًا مِن فِضَّةٍ وقُصُورًا مِن ياقُوتٍ وقُصُورًا مِن زَبَرْجَدٍ؛ جِبالُها (p-٤٤٠)المِسْكُ وتُرابُها الوَرْسُ والزَّعْفَرانُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنَّ في الجَنَّةِ ياقُوتَةً لَيْسَ فِيها صَدْعٌ ولا وصْلٌ؛ وفِيها سَبْعُونَ ألْفَ دارٍ في كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ الحُورِ العِينِ، لا يَدْخُلُها إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ، أوْ شَهِيدٌ، أوْ إمامٌ عادِلٌ، أوْ مُحَكَّمٌ في نَفْسِهِ، قِيلَ لِكَعْبٍ: وما المُحَكَّمُ في نَفْسِهِ؟ قالَ: الرَّجُلُ يَأْخُذُهُ العَدُوُّ فَيُحَكِّمُونَهُ بَيْنَ أنْ يَكْفُرَ أوْ يَلْزَمَ الإسْلامَ فَيُقْتَلَ، فَيَخْتارُ أنْ يَلْزَمَ الإسْلامَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ . الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قالَ: مَعْدِنُ الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قالَ: مَعْدِنُهم فِيها أبَدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الجَنَّةَ جَنَّةَ عَدْنٍ؛ دَمْلَجَ لُؤْلُؤَةً وغَرَسَ فِيها قَضِيبًا، ثُمَّ قالَ لَها: امْتَدِّي حَتّى أرْضى. ثُمَّ قالَ لَها: أخْرِجِي ما فِيكِ مِنَ الأنْهارِ والثِّمارِ. فَفَعَلَتْ، فَقالَتْ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] (p-٤٤١) * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ . أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ يَعْنِي: إذا أُخْبِرُوا أنَّ اللَّهَ عَنْهم راضٍ فَهو أكْبَرُ عِنْدَهم مِنِ التُّحَفِ والتَّسْلِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ اللَّهُ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا فَأزِيدَكُمْ؟ قالُوا: يا رَبَّنا، وهَلْ بَقِيَ شَيْءٌ إلّا قَدْ أنَلْتَناهُ؟! فَيَقُولُ: نَعِمَ، رِضائِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ المَلِكِ الجُهَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَنَعِيمُ أهْلِ الجَنَّةِ بِرِضْوانِ اللَّهِ عَنْهم أفْضَلُ مِن نَعِيمِهِمْ بِما في الجِنانِ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: يَجِيءُ القُرْآنُ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ فَيَقُولُ: أبْشِرُ بِكَرامَةِ اللَّهِ تَعالى. قالَ: فَلَهُ حُلَّةُ الكَرامَةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ، زِدْنِي. قالَ لَهُ: رِضْوانِي، ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا، وما لَنا لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ (p-٤٤٢)تُعْطِهِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ! فَيَقُولُ: ألا أُعْطِيَكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ؟ قالُوا: يا رَبِّ وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ؟ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبَدًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، في ”الزُّهْدِ“ عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ كانَ يَقُولُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الَّذِي هو خَيْرٌ في عاقِبَةِ الخَيْرِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ آخِرَ ما تُعْطِينِي الخَيْرَ رِضْوانَكَ والدَّرَجاتِ العُلى في جَنّاتِ النَّعِيمِ.

التوبة 9:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ . الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ قالَ: بِالسَّيْفِ، ﴿والمُنافِقِينَ﴾ قالَ: بِاللِّسانِ، ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: أذْهِبِ الرِّفْقَ عَنْهم. وأخْرُجُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ قالَ: بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، (p-٤٤٣)فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، ولْيَلْقَهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجاهِدَ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَلْقَهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ﴾ قالَ: بِالسَّيْفِ: ﴿والمُنافِقِينَ﴾ بِالقَوْلِ بِاللِّسانِ، ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: عَلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا. ثُمَّ نَسَخَها فَأنْزَلَ بَعْدَها: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: «أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُجاهِدَ الكَفّارَ بِالسَّيْفِ ويَغْلُظَ عَلى المُنافِقِينَ في الحُدُودِ» .

التوبة 9:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ قالَ الجُلاسُ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَسَمِعَهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ فَقالَ: واللَّهِ يا جُلاسُ، إنَّكَ لَأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، (p-٤٤٤)وأحْسَنُهم عِنْدِي أثَرًا، وأعَزُّهم عَلَيَّ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَقَدْ قُلْتَ مَقالَةً لَئِنْ ذَكَرْتُها لَتَفْضَحَنَّكَ، ولَئِنْ سَكَتُّ عَنْها لَتُهْلِكَنِّي، ولَإحْداهُما أشَدُّ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرى. فَمَشى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ما قالَ الجُلاسُ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَ، ولَقَدْ كَذَبَ عَلى عُمَيْرٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وقالَ: لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَرَفَعَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَلَفَ الجُلاسُ بِاللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ، وما قُلْتُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ الآيَةَ، فَزَعَمُوا أنَّهُ تابَ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «سَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمُ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُ والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ: إنْ كانَ هَذا صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَقالَزَيْدٌ: هو واللَّهِ صادِقٌ، ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ. فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَحَدَ القائِلُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ الآيَةَ، فَكانَتِ الآيَةُ في تَصْدِيقِ زَيْدٍ» . (p-٤٤٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقالَ: إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكَمْ بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ، فَإذا جاءَ فَلا تُكَلِّمُوهُ. فَلَمْ يَلْبَثُوا إلّا أنْ طَلَعَ رَجُلٌ أزْرَقُ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ؟ فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجاءَ بِأصْحابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما قالُوا، حَتّى تَجاوَزَ عَنْهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا؛ أحَدُهُما مِن جُهَيْنَةَ والآخَرُ مِن غِفارٍ، وكانَتْ جُهَيْنَةُ حُلَفاءَ الأنْصارِ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَنِيِّ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِلْأوْسِ: انْصُرُوا أخاكُمْ، واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ. واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ. فَسَعى بِها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٤٤٦)عَنْ عُرْوَةَ، «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ. قالَ لَيْلَةً في غَزْوَةِ تَبُوكَ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَسَمِعَهُ غُلامٌ يُقالُ لَهُ: عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ وكانَ رَبِيبَهُ فَقالَ لَهُ: أيْ عَمِّ تُبْ إلى اللَّهِ. وجاءَ الغُلامُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ ويَقُولُ: واللَّهِ ما قُلْتُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ الغُلامُ: بَلى واللَّهِ لَقَدْ قُلْتَهُ، فَتُبْ إلى اللَّهِ، ولَوْلا أنْ يَنْزِلَ القُرْآنُ فَيَجْعَلَنِي مَعَكَ ما قُلْتُهُ. فَجاءَ الوَحْيُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَكَتُوا فَلا يَتَحَرَّكُ أحَدٌ، وكَذَلِكَ كانُوا يَفْعَلُونَ، لا يَتَحَرَّكُونَ إذا نَزَلَ الوَحْيُ، فَرُفِعَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فَقالَ: قَدْ قُلْتُهُ وقَدْ عَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ التَّوْبَةَ، فَأنا أتُوبُ. فَقُبِلَ ذَلِكَ مِنهُ، وكانَ لَهُ لَهُ قَتِيلٌ في الإسْلامِ فَوَداهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأعْطاهُ دِيَتَهُ فاسْتَغْنى بِذَلِكَ، وكانَ هَمَّ أنْ يَلْحَقَ بِالمُشْرِكِينَ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْغُلامِ: وفَتْ أُذُنُكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ سَيْرَيْنِ قالَ: «لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُذُنِ عُمَيْرٍ فَقالَ: وعَتْ أُذُنُكَ يا غُلامُ وصَدَّقَكَ رَبُّكَ» . (p-٤٤٧)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سَيْرَيْنِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فِيما يَقُولُ لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَقالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: إنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ. فَكانَ فِيما بَيْنَهُما في ذَلِكَ كَلامٌ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَأتاهُ الآخَرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ: وعَتْ أُذُنُكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: قالَ أحَدُهم: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: فَواللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقٌّ، ولَأنْتَ شَرٌّ مِن حِمارٍ. فَهَمَّ بِقَتْلِهِ المُنافِقُ، فَذَلِكَ هَمُّهم بِما لَمْ يَنالُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ «فِي قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَدْفَعُوا النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وكانُوا قَدْ أجْمَعُوا أنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهم مَعَهُ في بَعْضِ أسْفارِهِ، فَجَعَلُوا يَلْتَمِسُونَ غِرَّتَهُ، حَتّى أخَذَ في عَقَبَةٍ فَتَقَدَّمَ بَعْضُهم وتَأخَّرَ بَعْضُهُمْ، وذَلِكَ (p-٤٤٨)لَيْلًا قالُوا: إذا أخَذَ في العَقَبَةِ دَفَعْناهُ عَنْ راحِلَتِهِ في الوادِي. فَسَمِعَ حُذَيْفَةُ وهو يَسُوقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَكانَ قائِدُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، وسائِقُهُ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، فَسَمِعَ حُذَيْفَةُ وقْعَ أخْفافِ الإبِلِ، فالتَفَتْ فَإذا هو بِقَوْمٍ مُتَلَثِّمِينَ فَقالَ: إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ. فَأمْسَكُوا، ومَضى النَّبِيُّ ﷺ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَهُ الَّذِي أرادَ، فَلَمّا أصْبَحَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ كُلِّهِمْ فَقالَ: أرَدْتُمْ كَذا وكَذا. فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما قالُوا ولا أرادُوا الَّذِي سَألَهم عَنْهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ: هَمَّ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: الأسْوَدُ. بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قافِلًا مِن تَبُوكَ إلى المَدِينَةِ، حَتّى إذا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ مَكَرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ناسٌ مِن أصْحابِهِ فَتَآمَرُوا أنْ يَطْرَحُوهُ مِن عَقَبَةٍ في الطَّرِيقِ فَلَمّا بَلَغُوا العَقَبَةَ أرادُوا أنْ يَسْلُكُوها مَعَهُ، فَلَمّا غَشِيَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُخْبِرَ خَبَرَهم فَقالَ: مَن شاءَ مِنكم أنْ يَأْخُذَ بَطْنَ الوادِي فَإنَّهُ أوْسَعُ لَكم. وأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَقَبَةَ، وأخَذَ النّاسُ بِبَطْنِ الوادِي، إلّا النَّفَرَ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ اسْتَعَدُّوا وتَلَثَّمُوا، وقَدْ هَمُّوا بِأمْرٍ عَظِيمٍ، وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ (p-٤٤٩)وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فَمَشَيا مَعَهُ مَشْيًا، فَأمَرَ عَمّارًا أنْ يَأْخُذَ بِزِمامِ النّاقَةِ، وأمَرَ حُذَيْفَةَ يَسُوقُها، فَبَيْنَما هم يَسِيرُونَ إذْ سَمِعُوا وكْزَةَ القَوْمِ مِن ورائِهِمْ قَدْ غَشُوهُ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأمَرَ حُذَيْفَةَ أنْ يَرُدَّهُمْ، وأبْصَرَ حُذَيْفَةُ غَضَبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ ومَعَهُ مِحْجَنٌ، فاسْتَقْبَلَ وُجُوهَ رَواحِلِهِمْ فَضَرَبَها ضَرْبًا بِالمُحَجَّنِ، وأبْصَرَ القَوْمَ وهم مُتَلَثِّمُونَ لا يَشْعُرُ وإنَّما ذَلِكَ فِعْلُ المُسافِرِ فَرَعَبَهُمُ اللَّهُ حِينَ أبْصَرُوا حُذَيْفَةَ وظَنُّوا أنَّ مَكْرَهم قَدْ ظُهِرَ عَلَيْهِ، فَأسْرَعُوا حَتّى خالَطُوا النّاسَ، وأقْبَلَ حُذَيْفَةُ حَتّى أدْرَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا أدْرَكَهُ قالَ: اضْرِبِ الرّاحِلَةَ يا حُذَيْفَةُ وامْشِ أنْتَ يا عَمّارُ. فَأسْرَعُوا حَتّى اسْتَوى بِأعْلاها فَخَرَجُوا مِنَ العَقَبَةِ يَنْتَظِرُونَ النّاسَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحُذَيْفَةَ: هَلْ عَرَفَتْ يا حُذَيْفَةُ مَن هَؤُلاءِ الرَّهْطُ أوْ أحَدًا مِنهُمْ؟ قالَ حُذَيْفَةُ: عَرَفْتُ راحِلَةَ فُلانٍ وفُلانٍ. وقالَ: كانَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وغَشِيتُهم وهم مُتَلَثِّمُونَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ عَلِمْتُمْ ما كانَ شَأْنَهم وما أرادُوا؟ قالُوا: لا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّهم مَكَرُوا لِيَسِيرُوا مَعِي حَتّى إذا طَلَعْتُ في العَقَبَةِ طَرَحُونِي مِنها. قالُوا: أفَلا تَأْمُرُ بِهِمْ يا رَسُولَ اللَّهِ فَتُضْرَبَ أعْناقُهُمْ؟ قالَ: أكْرَهُ أنْ يَتَحَدَّثَ النّاسُ ويَقُولُوا: إنَّ مُحَمَّدًا وضَعَ يَدَهُ في أصْحابِهِ. (p-٤٥٠)فَسَمّاهم لَهُما وقالَ: اكْتُماهم» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ نَحْوَهُ، وزادَ بَعْدَ قَوْلِهِ لِحُذَيْفَةَ: «هَلْ عَرَفْتَ مِنَ القَوْمِ أحَدًا؟ فَقالَ: لا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أخْبَرَنِي بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ وسَأُخْبِرُكَ بِهِمْ إنْ شاءَ اللَّهُ عِنْدَ وجْهِ الصُّبْحِ. فَلَمّا أصْبَحَ سَمّاهم لَهُ؛ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وسَعْدَ بْنَ أبِي سَرْحٍ، وأبا حاصِرٍ الأعْرابِيَّ، وعامِرًا وأبا عامِرٍ والجُلاسَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ، ومُجَمِّعَ ابْنَ جارِيَةَ ومَلِيحًا التَّيْمِيَّ، وحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ، وطُعْمَةَ (p-٤٥١)بْنَ أُبَيْرِقٍ» وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُيَيْنَةَ ومُرَّةَ بْنَ رَبِيعٍ، فَهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا، حارَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأرادُوا قَتْلَهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ وكانَ أبُو عامِرٍ رَأسَهُمْ، ولَهُ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ وهو أبُو حَنْظَلَةَ غَسِيلِ المَلائِكَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: لَمْ يُخْبِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأسْماءِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تُحِسُّوهُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ بِتَبُوكَ غَيْرَ حُذَيْفَةَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا لَيْسَ فِيهِمْ قُرَشِيٌّ وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ أوْ مِن حُلَفائِهِمْ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: «كُنْتُ آخِذًا بِخِطامِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أقُودُ بِهِ وعَمّارٌ يَسُوقُهُ، أوْ أنا أسُوقُهُ وعَمّارٌ يَقُودُهُ، حَتّى إذا كُنّا بِالعَقَبَةِ فَإذا أنا بِاثْنَيْ عَشَرَ راكِبًا قَدِ اعْتَرَضُوا فِيها. قالَ: فَأنْبَهْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَصَرَخَ بِهِمْ فَوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَقالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ عَرَفْتُمُ القَوْمَ؟ قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، كانُوا مُتَلَثِّمِينَ، ولَكِنّا قَدْ عَرَفْنا (p-٤٥٢)الرِّكابَ. قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ ما أرادُوا؟ قُلْنا: لا، قالَ: أرادُوا أنْ يَزْحَمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في العَقَبَةِ فَيُلْقُوهُ مِنها. قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَلا تَبْعَثُ إلى عَشائِرِهِمْ حَتّى يَبْعَثَ إلَيْكَ كُلُّ قَوْمٍ بِرَأْسِ صاحِبِهِمْ؟ قالَ: لا إنِّي أكْرَهُ أنْ تَحَدَّثَ العَرَبُ بَيْنَها أنَّ مُحَمَّدًا قاتَلَ بِقَوْمٍ، حَتّى إذا أظْهَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُهم. ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما الدُّبَيْلَةُ؟ قالَ: شِهابٌ مِن نارٍ يَقَعُ عَلى نِياطِ قَلْبِ أحَدِهِمْ فَيَهْلِكُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ: أرادُوا أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وإنْ لَمْ يَرْضَ مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ: هَمُّوا أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بِتاجٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ مَوْلًى لِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَقَضى النَّبِيُّ ﷺ (p-٤٥٣)بِالدِّيَةِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة»: ٧٤] . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قُتِلَ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بِأخْذِهِمُ الدِّيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: كانَتْ لَهُ دِيَةٌ قَدْ غُلِبَ عَلَيْها، فَأخْرَجَها لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «كانَ جُلاسٌ يَحْمِلُ حَمالَةً، أوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأدّى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة»: ٧٤] . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ثُمَّ دَعاهم إلى التَّوْبَةِ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فَأمّا عَذابُ الدُّنْيا فالقَتْلُ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فالنّارُ. (p-٤٥٤)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ قَوْمًا قَدْ هَمُّوا بِهَمٍّ سُوءٍ وأرادُوا أمْرًا، فَلْيَقُومُوا فَلْيَسْتَغْفِرُوا. فَلَمْ يَقُمْ أحَدٌ ثَلاثَ مِرارٍ، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ قُمْ يا فُلانُ، فَقالُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: واللَّهُ لَأنا دَعَوْتُكم إلى التَّوْبَةِ، واللَّهُ أسْرَعُ إلَيْكَمْ بِها، وأنا أطِيبُ لَكم نَفْسًا بِالِاسْتِغْفارِ، اخْرُجُوا» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ . أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: قالَ لِي ابْنُ عَبّاسٍ: احْفَظْ عَنِّي؛ كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ: ﴿وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ فَهي لِلْمُشْرِكِينَ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَما أكْثَرَ أنْصارَهم وشُفَعاءَهم.

التوبة 9:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، والعَسْكَرِيُّ في ”الأمْثالِ“، والبارُودِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ «جاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. (p-٤٥٥)قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ أما تُحِبُّ أنْ تَكُونَ مِثْلِي؟! فَلَوْ شِئْتُ أنْ يُسَيِّرَ رَبِّي هَذِهِ الجِبالَ مَعِي ذَهَبًا لَسارَتْ. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنْ آتانِيَ اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُ شُكْرَهُ. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مالًا، فاتَّخَذَ أوِ اشْتَرى غَنَمًا، فَبُورِكَ لَهُ فِيها ونَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِهِ المَدِينَةُ، فَتَنَحّى بِها، فَكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِالنَّهارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَشْهَدُها بِاللَّيْلِ، ثُمَّ نَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، فَتَنَحّى بِها، فَكّانِ لا يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ ولا بِالنَّهارِ إلّا مِن جُمُعَةٍ إلى جُمُعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ نَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ فَضاقَ بِهِ مَكانُهُ فَتَنَحّى بِهِ فَكانَ لا يَشْهَدُ جُمُعَةً ولا جِنازَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ ويَسْألُهم عَنِ الأخْبارِ، وفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عَنْهُ فَأخْبَرُوهُ أنَّهُ اشْتَرى غَنَمًا وأنَّ المَدِينَةَ ضاقَتْ بِهِ وأخْبَرُوهُ خَبَرَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَأْخُذَ الصَّدَقاتِ، وأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ؛ رَجُلًا مِن جُهَيْنَةَ ورَجُلًا مِن بَنِي (p-٤٥٦)سَلِمَةَ» يَأْخُذانِ الصَّدَقَةَ وكَتَبَ لَهُما أسْنانَ الإبِلِ والغَنَمِ كَيْفَ يَأْخُذانِها عَلى وُجُوهِها وأمْرَهُما أنْ يَمُرّا عَلى ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ وبِرَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ فَخَرَجا فَمَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ، فَقالَ: أرِيانِي كِتابَكُما فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذا إلّا جِزْيَةٌ انْطَلِقا حَتّى تَفْرُغا ثُمَّ مُرّا بِي، قالَ: فانْطَلَقا وسَمِعَ بِهِما السُّلَمِيُّ فاسْتَقْبَلَهُما بِخِيارِ إبِلِهِ فَقالا: إنَّما عَلَيْكَ دُونَ هَذا، فَقالَ: ما كُنْتُ أتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ إلّا بِخَيْرِ مالِي فَقَبِلا فَلَمّا فَرَغا مَرّا بِثَعْلَبَةَ فَقالَ: أرِيانِي كِتابَكُما، فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذا إلّا جِزْيَةٌ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِي، فانْطَلَقا حَتّى قَدِما المَدِينَةَ فَلَمّا رَآهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَهُما: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ودَعا لِلسُّلَمِيِّ بِالبَرَكَةِ وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الثَّلاثَ آياتٍ، قالَ: فَسَمِعَ بَعْضٌ مِن أقارِبِ ثَعْلَبَةَ فَأتى ثَعْلَبَةَ فَقالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذا وكَذا، قالَ: فَقَدِمَ ثَعْلَبَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ صَدَقَةُ مالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ، قالَ: فَجَعَلَ يَبْكِي ويَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا عَمَلُكَ بِنَفْسِكَ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى مَضى، ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي فَقَدْ عَرَفْتَ مَنزِلَتِي مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأقْبَلُها! فَلَمْ يَقْبَلْها أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ولِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا حَفْصٍ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْبَلْ (p-٤٥٧)مِنِّي صَدَقَتِي، وتَثَقَّلَ إلَيْهِ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ وأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ عُمَرُ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا أبُو بَكْرٍ أقْبَلُها أنا! فَأبى أنْ يَقْبَلَها، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ فَهَلَكَ في خِلافَةِ عُثْمانَ وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٧٩] قالَ: وذَلِكَ في الصَّدَقَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا كانَ يُقالُ لَهُ: ثَعْلَبَةُ مِنَ الأنْصارِ أتى مَجْلِسًا فَأشْهَدَهم فَقالَ: لَئِنْ آتانِيَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ آتَيْتُ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وتَصَدَّقْتُ مِنهُ، ووَصَلْتُ مِنهُ القَرابَةَ. فابْتَلاهُ اللَّهُ فَآتاهُ مِن فَضْلِهِ، فَأخْلَفَ ما وعَدَهُ، فَأغْضَبَ اللَّهَ بِما أخْلَفَهُ ما وعَدَهُ، فَقَصَّ اللَّهُ شَأْنَهُ في القُرْآنِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اعْتَبَرُوا المُنافِقَ بِثَلاثٍ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ وإذا وعَدَ أخْلَفَ وإذا عاهَدَ غَدَرَ وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (p-٤٥٨)﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ، إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: سَمِعْتُ بِالثَّلاثِ الَّتِي تُذْكَرُ في المُنافِقِ، إذا ائْتُمِنَ خانَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، فالتَمَسْتُها في الكِتابِ زَمانًا طَوِيلًا، حَتّى سَقَطْتُ عَلَيْها بَعْدُ؛ حِينَ وجَدْنا اللَّهَ يَذْكُرُ فِيهِ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ و: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] إلى آخِرِ الآيَةِ: و ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ هو الَّذِي قالَ هَذا، فَماتَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَوَرِثَ مِنهُ مالًا، فَبَخِلَ بِهِ ولَمْ يَفِ اللَّهَ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ، فَأعْقَبَهُ (p-٤٥٩)بِذَلِكَ نِفاقًا إلى أنْ يَلْقاهُ قالَ: ذَلِكَ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: مَثَلُ أصْحابِ الأهْواءِ كَمَثَلِ المُنافِقِينَ، كَلامُهم شَتّى وجِماعُ أمْرِهِمُ النِّفاقُ، وكَلامُ هَؤُلاءِ شَتّى وجِماعُ أمْرِهِمُ النِّفاقُ، ثُمَّ تَلاهَذِهِ الآيَةَ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾، ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ [التوبة: ٥٨] [التَّوْبَةِ: ٥٨]: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١] [التَّوْبَةِ: ٦١] . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ قالَ: اجْتَنِبُوا الكَذِبَ فَإنَّهُ بابٌ مِنِ النِّفاقِ، وعَلَيْكم بِالصِّدْقِ فَإنَّهُ بابٌ مِنَ الإيمانِ. وذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ بِالتَّوْراةِ بَنِي إسْرائِيلَ قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّ التَّوْراةَ كَثِيرَةٌ، وإنّا لا نَفْرُغُ لَها، فَسَلْ لَنا جِماعًا مِنَ الأمْرِ نُحافِظْ عَلَيْهِ ونَتَفَرَّغْ لِمَعايِشِنا. قالَ: مَهْلًا مَهْلًا، أيْ قَوْمِ هَذا كِتابُ اللَّهِ وبَيانُ اللَّهِ ونُورُ اللَّهِ وعِصْمَةُ اللَّهِ، فَرَدُّوا عَلَيْهِ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَقالَ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: فَإنِّي آمُرُهم بِثَلاثٍ، إنْ هم حافَظُوا عَلَيْهِنَّ دَخَلُوا الجَنَّةَ بِهِنَّ: أنْ يَتَناهَوْا إلى قِسْمَةِ مَوارِيثِهِمْ ولا يَتَظالَمُوا فِيها، وألّا يُدْخِلُوا أبْصارَهُمُ البُيُوتَ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُمْ، وألّا يَطْعَمُوا طَعامًا حَتّى يَتَوَضَّأُوا كَوُضُوءِ الصَّلاةِ. فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ بِهِنَّ فَفَرِحُوا ورَأوْا أنَّهم سَيَقُومُونَ بِهِنَّ، فَواللَّهِ إنْ لَبِثَ القَوْمُ إلّا قَلِيلًا حَتّى جَنَحُوا فانْقَطَعَ بِهِمْ، فَلِما حَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ هَذا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ قالَ: تَكَفَّلُوا لِي بِسِتٍّ أتَكْفُلْ لَكم (p-٤٦٠)بِالجَنَّةِ، إذا حَدَّثْتُمْ فَلا تَكْذِبُوا، وإذا وعَدْتُمْ فَلا تُخْلِفُوا، وإذا ائْتُمِنتُمْ فَلا تَخُونُوا، وغُضُّوا أبْصارَكُمْ، وكُفُّوا أيْدِيَكم وفُرُوجَكم. قالَ قَتادَةُ: شِدادٌ واللَّهِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ» .