Lafzullah

Al-Durr Al-Manthur — الواقعة 56:82 – المجادلة 58:22

المؤلف / المصدر: Al-Durr Al-Manthur

المحتويات
  1. الواقعة 56:82
  2. الواقعة 56:83
  3. الواقعة 56:86
  4. الواقعة 56:87
  5. الواقعة 56:88
  6. الواقعة 56:89
  7. الواقعة 56:90
  8. الواقعة 56:91
  9. الواقعة 56:92
  10. الواقعة 56:93
  11. الواقعة 56:94
  12. الواقعة 56:95
  13. الواقعة 56:96
  14. الحديد 57:1
  15. الحديد 57:3
  16. الحديد 57:4
  17. الحديد 57:5
  18. الحديد 57:6
  19. الحديد 57:7
  20. الحديد 57:8
  21. الحديد 57:9
  22. الحديد 57:10
  23. الحديد 57:12
  24. الحديد 57:13
  25. الحديد 57:14
  26. الحديد 57:15
  27. الحديد 57:16
  28. الحديد 57:17
  29. الحديد 57:19
  30. الحديد 57:20
  31. الحديد 57:22
  32. الحديد 57:23
  33. الحديد 57:25
  34. الحديد 57:27
  35. الحديد 57:28
  36. الحديد 57:29
  37. المجادلة 58:1
  38. المجادلة 58:2
  39. المجادلة 58:3
  40. المجادلة 58:4
  41. المجادلة 58:5
  42. المجادلة 58:6
  43. المجادلة 58:7
  44. المجادلة 58:8
  45. المجادلة 58:9
  46. المجادلة 58:10
  47. المجادلة 58:11
  48. المجادلة 58:12
  49. المجادلة 58:13
  50. المجادلة 58:14
  51. المجادلة 58:18
  52. المجادلة 58:19
  53. المجادلة 58:20
  54. المجادلة 58:21
  55. المجادلة 58:22

الواقعة 56:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ . أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «مُطِرَ النّاسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أصْبَحَ مِنَ النّاسِ شاكِرٌ ومِنهم كافِرٌ، قالُوا: هَذِهِ رَحْمَةٌ وضَعَها اللَّهُ، وقالَ بَعْضُهم: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذا وكَذا» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] حَتّى بَلَغَ (p-٢٢٥)﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة»: ٨٢] . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في «فَضائِلِهِ» وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (وتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ) قالَ: يَعْنِي الأنْواءَ، وما مُطِرَ قَوْمٌ إلّا أصْبَحَ بَعْضُهم كافِرًا، وكانُوا يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ قالَ: بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سافَرَ في حَرٍّ شَدِيدٍ، فَنَزَلَ النّاسُ عَلى غَيْرِ ماءٍ فَعَطِشُوا، فاسْتُسْقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهم: «فَلَعَلِّي لَوْ فَعَلْتُ فَسُقِيتُمْ قُلْتُمْ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا»! قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، ما هَذا بِحِينِ أنْواءٍ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِماءٍ فَتَوَضَّأ، ثُمَّ قامَ فَصَلّى فَدَعا اللَّهَ، فَهاجَتْ رِيحٌ، وثابَ سَحابٌ، فَمُطِرُوا حَتّى سالَ كُلُّ وادٍ، فَزَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يَغْتَرِفُ بِقَدَحِهِ وهو ويَقُولُ: هَذا بِنَوْءِ فُلانٍ، فَنَزَلَ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة»: ٨٢] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حَزْرَةَ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ونَزَلُوا الحِجْرَ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ألّا يَحْمِلُوا مِن مائِها شَيْئًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ، ثُمَّ نَزَلَ مَنزِلًا آخَرَ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقامَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعا، فَأرْسَلَ اللَّهُ سَحابَةً، فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ حَتّى اسْتَقَوْا مِنها، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ لِآخَرَ مِن قَوْمِهِ يُتَّهَمُ بِالنِّفاقِ: ويْحَكَ، قَدْ تَرى ما دَعا النَّبِيُّ ﷺ فَأمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْنا السَّماءَ! فَقالَ: إنَّما مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة»: ٨٢] . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَنِيعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والخَرائِطِيُّ في «مَساوِئِ الأخْلاقِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ في «المُخْتارَةِ» عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ قالَ: «شُكْرَكُمْ، تَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، وبِنَجْمِ كَذا وكَذا»» . (p-٢٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما مُطِرَ قَوْمٌ مِن لَيْلَةٍ إلّا أصْبَحَ قَوْمٌ بِها كافِرِينَ» ثُمَّ قالَ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ يَقُولُ قائِلٌ: مُطِرْنا بِنَجْمِ كَذا وكَذا» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في «تارِيخِهِ» عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ إلّا آياتٍ يَسِيرَةً، قَوْلُهُ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قالَ: «شُكْرَكُمْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَلِيٍّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – قَرَأ: (وتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ») . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: «قَرَأ عَلِيٌّ «الواقِعَةَ» (p-٢٢٨)فِي الفَجْرِ، فَقالَ: (وتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ) فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: قَدْ عَرَفْتُ أنَّهُ سَيَقُولُ قائِلٌ: لِمَ قَرَأها هَكَذا؟ إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، كانُوا إذا مُطِرُوا قالُوا: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: (وتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم إذا مُطِرْتُمْ تُكَذِّبُونَ») . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: كانَ عَلِيٌّ يَقْرَأُ: (وتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ قالَ: أمّا الحَسَنُ فَقالَ: بِئْسَ ما أخَذَ القَوْمُ لِأنْفُسِهِمْ، لَمْ يُرْزَقُوا مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا التَّكْذِيبَ. قالَ: «وذُكِرَ لَنا أنَّ النّاسَ أمْحَلُوا عَلى عَهْدِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ – فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ: لَوِ اسْتَسْقَيْتَ لَنا؟ فَقالَ: «عَسى قَوْمٌ إنْ سُقُوا أنْ يَقُولُوا: سُقِينا بِنَوْءِ كَذا وكَذا» فاسْتَسْقى لَهم نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ – فَمُطِرُوا، فَقالَ رَجُلٌ: إنَّهُ قَدْ كانَ بَقِيَ مِنَ الأنْواءِ كَذا وكَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة»: ٨٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ قالَ: قَوْلُهم في الأنْواءِ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، فَيَقُولُ: قُولُوا: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو رِزْقُهُ. (p-٢٢٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ قالَ: الِاسْتِسْقاءُ بِالأنْواءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ قالَ: تَجْعَلُونَ حَظَّكم مِنهُ أنَّكم تُكَذِّبُونَ، قالَ عَوْفٌ: وبَلَغَنِي أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ كانُوا إذا مُطِرُوا في الجاهِلِيَّةِ قالُوا: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والدّارِمِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««لَوْ أمْسَكَ اللَّهُ المَطَرَ عَنِ النّاسِ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ أرْسَلَهُ، لَأصْبَحَتْ طائِفَةٌ كافِرِينَ؛ قالُوا: هَذا بِنَوْءِ المِجْدَحِ»» يَعْنِي الدَّبَرانَ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – صَلاةَ الصُّبْحِ زَمانَ الحُدَيْبِيَةِ في إثْرِ سَماءٍ (p-٢٣٠)فَلَمّا سَلَّمَ أقْبَلَ عَلَيْنا فَقالَ: «ألَمْ تَسْمَعُوا ما قالَ رَبُّكم في هَذِهِ اللَّيْلَةَ: ما أنْعَمْتُ عَلى عِبادِي نِعْمَةً إلّا أصْبَحَ فَرِيقٌ مِنهم بِها كافِرِينَ، فَأمّا مَن آمَنَ بِي وحَمِدَنِي عَلى سُقْيايَ، فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِي وكَفَرَ بِالكَوْكَبِ، وأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِالكَوْكَبِ وكَفَرَ بِي»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ: «هَلْ تَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكُمْ»؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «إنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نُسْقى بِنَجْمِ كَذا وكَذا فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ وآمَنَ بِذَلِكَ النَّجْمِ، والَّذِينَ يَقُولُونَ: سَقانا اللَّهُ فَقَدْ آمَنَ بِاللَّهِ وكَفَرَ بِذَلِكَ النَّجْمِ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ دَعاهُ فَقالَ: لَوْ تَعَلَّمْتَ عِلْمَ النُّجُومِ فازْدَدْتَ إلى عِلْمِكَ، فَقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عَلى أُمَّتِي ثَلاثٌ؛ حَيْفُ الأئِمَّةِ، وتَكْذِيبٌ بِالقَدَرِ، وإيمانٌ بِالنُّجُومِ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مِمّا أخافُ عَلى أُمَّتِي التَّصْدِيقُ بِالنُّجُومِ، والتَّكْذِيبُ بِالقَدَرِ، وظُلْمُ الأئِمَّةِ»» . (p-٢٣١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرٍ السُّوائِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أخافُ عَلى أُمَّتِي ثَلاثًا؛ اسْتِسْقاءً بِالأنْواءِ، وحَيْفَ السُّلْطانِ، وتَكْذِيبًا بِالقَدَرِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ مُعاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَكُونُ النّاسُ مُجْدِبِينَ، فَيُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِزْقًا مِن رِزْقِهِ، فَيُصْبِحُونَ مُشْرِكِينَ» قِيلَ لَهُ: كَيْفَ ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ لَيُصَبِّحُ القَوْمَ بِالنِّعْمَةِ، أوْ يُمَسِّيهِمْ بِها، فَيُصْبِحُ بِها قَوْمٌ كافِرِينَ؛ يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (وتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ) يَقُولُ: عَلى ما أنْزَلْتُ عَلَيْكم مِنَ الغَيْثِ والرَّحْمَةِ؛ يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، وكانَ ذَلِكَ مِنهم كُفْرًا بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مُطِرَ قَوْمٌ إلّا أصْبَحَ بَعْضُهم كافِرًا؛ يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (وتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ) . (p-٢٣٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ قالَ: كانَ ناسٌ يُمْطَرُونَ فَيَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا.

الواقعة 56:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَتى تَنْقَطِعُ مَعْرِفَةُ العَبْدِ مِنَ النّاسِ؟ قالَ: «إذا عايَنَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «المُحْتَضَرِينَ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: احْضَرُوا مَوْتاكم وذَكِّرُوهُمْ؛ فَإنَّهم يَرَوْنَ ما لا تَرَوْنَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو بَكْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ «الجَنائِزِ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: احْضَرُوا مَوْتاكم ولَقِّنُوهم: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ فَإنَّهم يَرَوْنَ، ويُقالُ لَهم. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والمَرْوَزِيُّ، عَنْ عُمَرَ قالَ: لَقِّنُوا مَوْتاكم: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واعْقِلُوا ما تَسْمَعُونَ مِنَ المُطِيعِينَ مِنكُمْ؛ فَإنَّهُ يُجَلّى لَهم أُمُورٌ صادِقَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» وأبُو يَعْلى، مِن طَرِيقِ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ (p-٢٣٣)المَوْتِ: انْطَلِقْ إلى ولِيِّي فائْتِنِي بِهِ، فَإنِّي قَدْ ضَرَبْتُهُ بِالسَّرّاءِ والضَّرّاءِ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِبُّ، فائْتِنِي بِهِ لِأُرِيحَهُ مِن هُمُومِ الدُّنْيا وغُمُومِها، فَيَنْطَلِقُ إلَيْهِ مَلَكُ المَوْتِ ومَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، مَعَهم أكْفانٌ وحَنُوطٌ مِن حَنُوطِ الجَنَّةِ، ومَعَهم ضَبائِرُ الرَّيْحانِ، أصْلُ الرَّيْحانَةِ واحِدٌ وفي رَأْسِها عِشْرُونَ لَوْنًا، لِكُلِّ لَوْنٍ مِنها رِيحٌ سِوى رِيحِ صاحِبِهِ، ومَعَهُمُ الحَرِيرُ الأبْيَضُ فِيهِ المِسْكُ الأذْفَرُ، فَيَجْلِسُ مَلَكُ المَوْتِ عِنْدَ رَأْسِهِ وتَحْتَوِشُهُ المَلائِكَةُ، ويَضَعُ كُلُّ مَلَكٍ مِنهم يَدَهُ عَلى عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، ويُبْسَطُ ذَلِكَ الحَرِيرُ الأبْيَضُ والمِسْكُ الأذْفَرُ تَحْتَ ذَقَنِهِ، ويُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى الجَنَّةِ، فَإنَّ نَفْسَهُ لَتَعَلَّلُ عِنْدَ ذَلِكَ بِطَرَفِ الجَنَّةِ، مَرَّةً بِأزْواجِها، ومَرَّةً بِكُسْوَتِها، ومَرَّةً بِثِمارِها، كَما يُعَلِّلُ الصَّبِيُّ أهْلَهُ إذا بَكى، وإنَّ أزْواجَهُ لَيَبْتَهِشْنَ عِنْدَ ذَلِكَ ابْتِهاشًا، وتَنْزُو الرُّوحُ نَزْوًا، ويَقُولُ مَلَكُ المَوْتِ: اخْرُجِي أيَّتُها الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ إلى سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وطَلْحٍ مَنضُودٍ، وظِلٍّ مَمْدُودٍ، وماءٍ مَسْكُوبٍ، ولَمَلَكُ المَوْتِ أشَدُّ تَلَطُّفًا بِهِ مِنَ الوالِدَةِ بِوَلَدِها، يَعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ الرُّوحَ حَبِيبٌ إلى رَبِّهِ، كَرِيمُ عَلى اللَّهِ، فَهو يَلْتَمِسُ بِلُطْفِهِ تِلْكَ الرُّوحَ رِضا اللَّهِ عَنْهُ، فَتُسَلُّ رُوحُهُ كَما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ، وإنَّ رُوحَهُ لَتَخْرُجُ، والمَلائِكَةُ حَوْلَهُ يَقُولُونَ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢] [النَّحْلِ: ٣٢] قالَ: ( ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ) قالَ: رَوْحٌ مِن جُهْدِ المَوْتِ، ورَيْحانٌ يُتَلَقّى بِهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، وجَنَّةُ نَعِيمٍ أمامَهُ، فَإذا قَبَضَ مَلَكُ المَوْتِ رُوحَهُ، يَقُولُ الرُّوحُ لِلْجَسَدِ: جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا، لَقَدْ كُنْتَ بِي سَرِيعًا إلى طاعَةِ اللَّهِ بَطِيئًا عَنْ مَعْصِيَتِهِ، فَهَنِيئًا لَكَ اليَوْمَ، فَقَدْ نَجَوْتَ وأنْجَيْتَ. ويَقُولُ الجَسَدُ لِلرُّوحِ مِثْلَ ذَلِكَ، وتَبْكِي عَلَيْهِ بِقاعُ الأرْضِ الَّتِي كانَ يُطِيعُ اللَّهَ عَلَيْها، وكُلُّ بابٍ مِنَ السَّماءِ كانَ يَصْعَدُ مِنهُ عَمَلُهُ ويَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً. فَإذا قَبَضَتِ المَلائِكَةُ رُوحَهُ أقامَتِ الخَمْسُمِائَةِ مَلَكٍ عِنْدَ جَسَدِهِ، لا يَقْلِبُهُ بَنُو آدَمَ لِشِقٍّ إلّا قَلَبَتْهُ المَلائِكَةُ قَبْلَهُمْ، وعَلَتْهُ بِأكْفانٍ قَبْلَ أكْفانِهِمْ وحَنُوطٍ قَبْلَ حَنُوطِهِمْ، ويَقُومُ مِن بابِ بَيْتِهِ إلى بابِ قَبْرِهِ صَفّانِ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْتَقْبِلُونَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، ويَصِيحُ إبْلِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ صَيْحَةً يَتَصَدَّعُ مِنها بَعْضُ عِظامِ جَسَدِهِ، ويَقُولُ لِجُنُودِهِ: الوَيْلُ لَكُمْ، كَيْفَ خَلَصَ هَذا العَبْدُ مِنكُمْ؟! فَيَقُولُونَ: إنَّ هَذا كانَ مَعْصُومًا، فَإذا صَعِدَ مَلَكُ المَوْتِ بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ يَسْتَقْبِلُهُ جِبْرِيلُ في سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم يَأْتِيهِ بِبِشارَةٍ مِن رَبِّهِ، فَإذا انْتَهى مَلَكُ المَوْتِ إلى العَرْشِ خَرَّتِ الرُّوحُ ساجِدَةً لِرَبِّها، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ المَوْتِ: انْطَلِقْ بِرُوحِ عَبْدِي فَضَعْهُ في سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وطَلْحٍ مَنضُودٍ، وظِلٍّ مَمْدُودٍ، وماءٍ مَسْكُوبٍ، فَإذا وُضِعَ في قَبْرِهِ جاءَتِ الصَّلاةُ فَكانَتْ عَنْ يَمِينِهِ، وجاءَ الصِّيامُ فَكانَ عَنْ يَسارِهِ، وجاءَ القُرْآنُ والذِّكْرُ فَكانا عِنْدَ رَأْسِهِ، وجاءَ مَشْيُهُ إلى الصَّلاةِ فَكانَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، (p-٢٣٥)وجاءَ الصَّبْرُ فَكانَ ناحِيَةَ القَبْرِ، ويَبْعَثُ اللَّهُ عُنُقًا مِنَ العَذابِ فَيَأْتِيهِ عَنْ يَمِينِهِ، فَتَقُولُ الصَّلاةُ: وراءَكَ، واللَّهِ ما زالَ دائِبًا عُمُرَهُ كُلَّهُ، وإنَّما اسْتَراحَ الآنَ حِينَ وُضِعَ في قَبْرِهِ، فَيَأْتِيهِ عَنْ يَسارِهِ فَيَقُولُ الصِّيامُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَأْتِيهِ مِن قِبَلِ رَأْسِهِ فَيُقالُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلا يَأْتِيهِ العَذابُ مِن ناحِيَةٍ فَيَلْتَمِسُ هَلْ يَجِدُ إلَيْهِ مَساغًا، إلّا وجَدَ ولِيَّ اللَّهِ قَدْ أحْرَزَتْهُ الطّاعَةُ، فَيَخْرُجُ عَنْهُ العَذابُ عِنْدَما يَرى، ويَقُولُ الصَّبْرُ لِسائِرِ الأعْمالِ: أمّا إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أُباشِرَهُ بِنَفْسِي إلّا أنِّي نَظَرْتُ ما عِنْدَكُمْ، فَلَوْ عَجَزْتُمْ كُنْتُ أنا صاحِبَهُ، فَأمّا إذْ أجَزَأْتُمْ عَنْهُ فَأنا ذُخْرٌ لَهُ عِنْدَ الصِّراطِ، وذُخْرٌ لَهُ عِنْدَ المِيزانِ، ويَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكَيْنِ أبْصارُهُما كالبَرْقِ الخاطِفِ، وأصْواتُهُما كالرَّعْدِ القاصِفِ، وأنْيابُهُما كالصَّياصِيِّ، وأنْفاسُهُما كاللَّهَبِ، يَطَآنِ في أشْعارِهِما، بَيْنَ مَنكِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَسِيرَةُ كَذا وكَذا، قَدْ نُزِعَتْ مِنهُما الرَّأْفَةُ والرَّحْمَةُ إلّا بِالمُؤْمِنِينَ، يُقالُ لَهُما: مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ. في يَدِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِطْرَقَةٌ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْها الثَّقَلانِ لَمْ يُقِلُّوها، فَيَقُولانِ لَهُ: اجْلِسْ، فَيَسْتَوِي جالِسًا في قَبْرِهِ، فَتَسْقُطُ أكْفانُهُ في حَقْوَيْهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ وما دِينُكَ؟ ومَن نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والإسْلامُ دِينِي، ومُحَمَّدٌ نَبِيِّي، وهو خاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَيَقُولانِ لَهُ: صَدَقْتَ، فَيَدْفَعانِ القَبْرَ فَيُوَسِّعانِهِ، مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسارِهِ، ومِن قِبَلِ رَأْسِهِ، ومِن قِبَلِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولانِ لَهُ: انْظُرْ فَوْقَكَ، فَيَنْظُرُ، فَإذا هو مَفْتُوحٌ إلى الجَنَّةِ، فَيَقُولانِ لَهُ: هَذا مَنزِلُكَ يا ولِيَّ اللَّهِ لَمّا أطَعْتَ اللَّهَ، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّهُ لَتَصِلُ إلى قَلْبِهِ فَرْحَةٌ لا تَرْتَدُّ أبَدًا، فَيُقالُ لَهُ: انْظُرْ تَحْتَكَ، فَيَنْظُرُ تَحْتَهُ، فَإذا هو مَفْتُوحٌ إلى النّارِ (p-٢٣٦)فَيَقُولانِ: يا ولِيَّ اللَّهِ نَجَوْتَ مِن هَذا، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَتَصِلُ إلى قَلْبِهِ عِنْدَ ذَلِكَ فَرْحَةٌ لا تَرْتَدُّ أبَدًا، ويُفْتَحُ لَهُ سَبْعَةٌ وسَبْعُونَ بابًا إلى الجَنَّةِ، يَأْتِيهِ رِيحُها وبَرْدُها حَتّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ - تَعالى - مِن قَبْرِهِ. وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ المَوْتِ: انْطَلِقْ إلى عَدُوِّي فائْتِنِي بِهِ، فَإنِّي قَدْ بَسَطْتُ لَهُ رِزْقِي، وسَرْبَلْتُهُ نِعْمَتِي، فَأبى إلّا مَعْصِيَتِي، فائْتِنِي بِهِ لِأنْتَقِمَ مِنهُ، فَيَنْطَلِقُ إلَيْهِ مَلَكُ المَوْتِ في أكْرَهِ صُورَةٍ رَآها أحَدٌ مِنَ النّاسِ قَطُّ، لَهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، ومَعَهُ سَفُّودٌ مِنَ النّارِ كَثِيرُ الشَّوْكِ، ومَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، مَعَهم نُحاسٌ وجَمْرٌ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ، ومَعَهم سِياطٌ مِنَ نارٍ تَأجَّجُ، فَيَضْرِبُهُ مَلَكُ المَوْتِ بِذَلِكَ السَّفُّودِ ضَرْبَةً يَغِيبُ أصْلُ كُلِّ شَوْكَةٍ مِن ذَلِكَ السَّفُّودِ في أصْلِ كُلِّ شَعَرَةٍ وعِرْقٍ مِن عُرُوقِهِ، ثُمَّ يَلْوِيهِ لَيًّا شَدِيدًا فَيَنْزِعُ رُوحَهُ مِن أظْفارِ قَدَمَيْهِ، فَيُلْقِيها في عَقِبَيْهِ، فَيَسْكَرُ عَدُوَّ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ سَكْرَةً، وتَضْرِبُ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ بِتِلْكَ السِّياطِ، ثُمَّ يَجْبِذُهُ جَبْذَةً فَيَنْزِعُ رُوحَهُ مِن عَقِبَيْهِ فَيُلْقِيها في رُكْبَتَيْهِ، فَيَسْكَرُ عَدُوُّ اللَّهِ سَكْرَةً، وتَضْرِبُ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ بِتِلْكَ السِّياطِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إلى حَقْوَيْهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إلى صَدْرِهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إلى حَلْقِهِ، ثُمَّ تَبْسُطُ المَلائِكَةُ ذَلِكَ النُّحاسَ وجَمْرَ جَهَنَّمَ تَحْتَ ذَقَنِهِ، ثُمَّ يَقُولُ مَلَكُ المَوْتِ: (p-٢٣٧)اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ اللَّعِينَةُ المَلْعُونَةُ إلى سُمُومٍ وحَمِيمٍ، وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ، لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ، فَإذا قَبَضَ مَلَكُ المَوْتِ رُوحَهُ، قالَتِ الرُّوحُ لِلْجَسَدِ: جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي شَرًّا، فَقَدْ كُنْتَ بِي سَرِيعًا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، بَطِيئًا بِي عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَقَدْ هَلَكْتَ وأهْلَكْتَ، ويَقُولُ الجَسَدُ لِلرُّوحِ مِثْلَ ذَلِكَ، وتَلْعَنُهُ بِقاعُ الأرْضِ الَّتِي كانَ يَعْصِي اللَّهَ عَلَيْها، وتَنْطَلِقُ جُنُودُ إبْلِيسَ إلَيْهِ يُبَشِّرُونَهُ بِأنَّهم قَدْ أوْرَدُوا عَبْدًا مِن بَنِي آدَمَ النّارَ. فَإذا وُضِعَ في قَبْرِهِ ضُيِّقَ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ، فَتَدْخُلُ اليُمْنى في اليُسْرى، واليُسْرى في اليُمْنى، ويَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ حَيّاتٍ دُهْمًا، تَأْخُذُ بِأرْنَبَتِهِ وإبْهامِ قَدَمَيْهِ، فَتَقْرِضُهُ حَتّى تَلْتَقِيَ في وسَطِهِ، ويَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ المَلَكَيْنِ فَيَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ وما دِينُكَ؟ ومَن نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: لا أدْرِي! فَيُقالُ لَهُ: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، فَيَضْرِبانِهِ ضَرْبَةً يَتَطايَرُ الشَّرارُ في قَبْرِهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولانِ لَهُ: انْظُرْ فَوْقَكَ، فَيَنْظُرُ، فَإذا بابٌ مَفْتُوحٌ إلى الجَنَّةِ، فَيَقُولانِ لَهُ: عَدُوَّ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ أطَعْتَ اللَّهَ كانَ هَذا مَنزِلَكَ! فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيَصِلُ إلى قَلْبِهِ عِنْدَ ذَلِكَ حَسْرَةٌ لا تَرْتَدُّ أبَدًا، ويُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى النّارِ فَيُقالُ: عَدُوَّ اللَّهِ هَذا مَنزِلُكَ لَمّا عَصَيْتَ اللَّهَ، ويُفْتَحُ لَهُ سَبْعَةٌ وسَبْعُونَ بابًا إلى النّارِ، يَأْتِيهِ حَرُّها وسُمُومُها حَتّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِن قَبْرِهِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى النّارِ» .

الواقعة 56:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ الآيَةَ. (p-٢٣٨)أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قالَ: غَيْرَ مُحاسَبِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قالَ: غَيْرَ مُحاسَبِينَ، ﴿تَرْجِعُونَها﴾ قالَ: النَّفْسَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قالَ: غَيْرَ مُوقِنِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قالَ: غَيْرَ مَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ.

الواقعة 56:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ الآيَةَ. (p-٢٣٨)أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قالَ: غَيْرَ مُحاسَبِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قالَ: غَيْرَ مُحاسَبِينَ، ﴿تَرْجِعُونَها﴾ قالَ: النَّفْسَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قالَ: غَيْرَ مُوقِنِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قالَ: غَيْرَ مَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ.

الواقعة 56:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَنَّةُ إلى (p-٢٣٩)يَوْمِ يُبْعَثُ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَحِيمُ إلى يَوْمِ يُبْعَثُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في «فَضائِلِهِ» وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في «تارِيخِهِ» وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ أنَّها «سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يَقْرَأُ: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ «الواقِعَةِ» فَلَمّا بَلَغْتُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَرُوحٌ ورَيْحانٌ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ. (p-٢٤٠)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ، قالَ: وكانَ الحَسَنُ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: راحَةٌ، ﴿ورَيْحانٌ﴾ قالَ: اسْتِراحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِالرَّيْحانِ المُسْتَرِيحَ مِنَ الدُّنْيا، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ يَقُولُ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في «مُسْنَدِهِ» والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي قَتادَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ مَرَّتْ جِنازَةٌ، فَقالَ: «مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَراحٌ مِنهُ» فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: ما المُسْتَرِيحُ وما المُسْتَراحُ مِنهُ؟ قالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنْيا وأذاها إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، والعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنهُ العِبادُ والبِلادُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ»» . وأخْرَجَ أبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «الأحْوالِ والإيمانِ بِالسُّؤالِ» عَنْ سَلْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ الوَفاةِ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وإنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ في قَبْرِهِ أنْ يُقالَ: أبْشِرْ بِرِضا اللَّهِ والجَنَّةِ، قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَمٍ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِمَن شَيَّعَكَ إلى قَبْرِكَ، وصَدَّقَ مَن شَهِدَ (p-٢٤١)لَكَ، واسْتَجابَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الفَرَحُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: فَرَجٌ مِنَ الغَمِّ الَّذِي كانُوا فِيهِ، واسْتِراحَةٌ مِنَ العَمَلِ، لا يُصَلُّونَ ولا يَصُومُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «السُّؤالِ» عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: ذاكَ في الآخِرَةِ، فاسْتَفْهَمَهُ بَعْضُ القَوْمِ، فَقالَ: أما واللَّهِ إنَّهم لَيُسَرُّونَ بِذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّيْحانُ الرِّزْقُ. (p-٢٤٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ هو هَذا الرَّيْحانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ يُتَلَقّى بِهِ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ المَرْوَزِيُّ في «الجَنائِزِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: تَخْرُجُ رُوحُ المُؤْمِنِ مِن جَسَدِهِ في رَيْحانَةٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ «الزُّهْدِ» عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: بَلَّغَنِي أنَّ المُؤْمِنَ إذا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ تُلُقِّيَ بِضَبائِرِ الرَّيْحانِ مِنَ الجَنَّةِ، فَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ يُفارِقُ الدُّنْيا حَتّى يُؤْتى بِغُصْنٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ فَيَشُمَّهُ، ثُمَّ يُقْبَضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا أُمِرَ مَلَكُ المَوْتِ بِقَبْضِ المُؤْمِنِ، أُتِيَ بِرَيْحانٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضْ رُوحَهُ فِيهِ، وإذا أُمِرَ (p-٢٤٣)بِقَبْضِ الكافِرِ، أُتِيَ بِبِجادٍ مِنَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضُهُ فِيهِ. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ المُؤْمِنَ إذا حُضِرَ، أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِحَرِيرَةٍ فِيها مِسْكٌ وضَبائِرُ رَيْحانٍ، فَتُسَلُّ رُوحُهُ كَما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي راضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إلى رَوْحِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى ذَلِكَ المِسْكِ والرَّيْحانِ، وطُوِيَتْ عَلى الحَرِيرَةِ، وذُهِبَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِمِسْحٍ فِيهِ جَمْرٌ، فَتُنْزَعُ رُوحُهُ انْتِزاعًا شَدِيدًا، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي ساخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إلى هَوانِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى تِلْكَ الجَمْرَةِ، فَإنَّ لَها نَشِيشًا، ويُطْوى عَلَيْها المِسْحُ، ويُذْهَبُ بِهِ إلى سِجِّينٍ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ المُؤْمِنَ يُسْتَقْبَلُ عِنْدَ مَوْتِهِ بِطِيبٍ مِن طِيبِ الجَنَّةِ، ورَيْحانٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ، فَتُقْبَضُ رُوحُهُ فَتُجْعَلُ في حَرِيرٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنْضَحُ بِذَلِكَ الطِّيبِ، ويُلَفُّ في الرَّيْحانِ، ثُمَّ تَرْتَقِي بِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ حَتّى يُجْعَلَ في عِلِّيِّينَ. (p-٢٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: تَأْتِيهِ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: سَلامٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ الكافِرُ مِن دارِ الدُّنْيا حَتّى يَشْرَبَ كَأْسًا مِن حَمِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: مَن ماتَ وهو يَشْرَبُ الخَمْرَ شُجَّ في وجْهِهِ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ بَعْضِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: حَدَّثَنِي فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ (p-٢٤٥)أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَأكَبَّ القَوْمُ يَبْكُونَ، فَقالُوا: إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ! قالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّهُ إذا حُضِرَ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أحَبُّ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أكْرَهُ» . وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآياتِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: «إذا كانَ عِنْدَ المَوْتِ قِيلَ لَهُ هَذا، فَإنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنْ كانَ مِن أصْحابِ الشِّمالِ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَقالَتْ عائِشَةُ: إنّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ! فَقالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذابِ اللَّهِ وعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أكْرَهُ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وكَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . (p-٢٤٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن مَيِّتٍ يَمُوتُ إلّا وهو يَعْرِفُ غاسِلَهُ، ويُناشِدُ حامِلَهُ؛ إنْ كانَ بُشِّرَ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ، وجَنَّةِ نَعِيمٍ، أنْ يُعَجِّلَهُ، وإنْ كانَ بُشِّرَ بِنُزُلٍ مِن حَمِيمٍ، وتَصْلِيَةِ جَحِيمٍ أنْ يَحْبِسَهُ» .

الواقعة 56:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَنَّةُ إلى (p-٢٣٩)يَوْمِ يُبْعَثُ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَحِيمُ إلى يَوْمِ يُبْعَثُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في «فَضائِلِهِ» وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في «تارِيخِهِ» وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ أنَّها «سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يَقْرَأُ: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ «الواقِعَةِ» فَلَمّا بَلَغْتُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَرُوحٌ ورَيْحانٌ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ. (p-٢٤٠)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ، قالَ: وكانَ الحَسَنُ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: راحَةٌ، ﴿ورَيْحانٌ﴾ قالَ: اسْتِراحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِالرَّيْحانِ المُسْتَرِيحَ مِنَ الدُّنْيا، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ يَقُولُ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في «مُسْنَدِهِ» والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي قَتادَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ مَرَّتْ جِنازَةٌ، فَقالَ: «مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَراحٌ مِنهُ» فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: ما المُسْتَرِيحُ وما المُسْتَراحُ مِنهُ؟ قالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنْيا وأذاها إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، والعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنهُ العِبادُ والبِلادُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ»» . وأخْرَجَ أبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «الأحْوالِ والإيمانِ بِالسُّؤالِ» عَنْ سَلْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ الوَفاةِ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وإنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ في قَبْرِهِ أنْ يُقالَ: أبْشِرْ بِرِضا اللَّهِ والجَنَّةِ، قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَمٍ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِمَن شَيَّعَكَ إلى قَبْرِكَ، وصَدَّقَ مَن شَهِدَ (p-٢٤١)لَكَ، واسْتَجابَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الفَرَحُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: فَرَجٌ مِنَ الغَمِّ الَّذِي كانُوا فِيهِ، واسْتِراحَةٌ مِنَ العَمَلِ، لا يُصَلُّونَ ولا يَصُومُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «السُّؤالِ» عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: ذاكَ في الآخِرَةِ، فاسْتَفْهَمَهُ بَعْضُ القَوْمِ، فَقالَ: أما واللَّهِ إنَّهم لَيُسَرُّونَ بِذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّيْحانُ الرِّزْقُ. (p-٢٤٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ هو هَذا الرَّيْحانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ يُتَلَقّى بِهِ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ المَرْوَزِيُّ في «الجَنائِزِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: تَخْرُجُ رُوحُ المُؤْمِنِ مِن جَسَدِهِ في رَيْحانَةٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ «الزُّهْدِ» عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: بَلَّغَنِي أنَّ المُؤْمِنَ إذا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ تُلُقِّيَ بِضَبائِرِ الرَّيْحانِ مِنَ الجَنَّةِ، فَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ يُفارِقُ الدُّنْيا حَتّى يُؤْتى بِغُصْنٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ فَيَشُمَّهُ، ثُمَّ يُقْبَضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا أُمِرَ مَلَكُ المَوْتِ بِقَبْضِ المُؤْمِنِ، أُتِيَ بِرَيْحانٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضْ رُوحَهُ فِيهِ، وإذا أُمِرَ (p-٢٤٣)بِقَبْضِ الكافِرِ، أُتِيَ بِبِجادٍ مِنَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضُهُ فِيهِ. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ المُؤْمِنَ إذا حُضِرَ، أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِحَرِيرَةٍ فِيها مِسْكٌ وضَبائِرُ رَيْحانٍ، فَتُسَلُّ رُوحُهُ كَما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي راضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إلى رَوْحِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى ذَلِكَ المِسْكِ والرَّيْحانِ، وطُوِيَتْ عَلى الحَرِيرَةِ، وذُهِبَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِمِسْحٍ فِيهِ جَمْرٌ، فَتُنْزَعُ رُوحُهُ انْتِزاعًا شَدِيدًا، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي ساخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إلى هَوانِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى تِلْكَ الجَمْرَةِ، فَإنَّ لَها نَشِيشًا، ويُطْوى عَلَيْها المِسْحُ، ويُذْهَبُ بِهِ إلى سِجِّينٍ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ المُؤْمِنَ يُسْتَقْبَلُ عِنْدَ مَوْتِهِ بِطِيبٍ مِن طِيبِ الجَنَّةِ، ورَيْحانٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ، فَتُقْبَضُ رُوحُهُ فَتُجْعَلُ في حَرِيرٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنْضَحُ بِذَلِكَ الطِّيبِ، ويُلَفُّ في الرَّيْحانِ، ثُمَّ تَرْتَقِي بِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ حَتّى يُجْعَلَ في عِلِّيِّينَ. (p-٢٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: تَأْتِيهِ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: سَلامٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ الكافِرُ مِن دارِ الدُّنْيا حَتّى يَشْرَبَ كَأْسًا مِن حَمِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: مَن ماتَ وهو يَشْرَبُ الخَمْرَ شُجَّ في وجْهِهِ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ بَعْضِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: حَدَّثَنِي فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ (p-٢٤٥)أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَأكَبَّ القَوْمُ يَبْكُونَ، فَقالُوا: إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ! قالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّهُ إذا حُضِرَ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أحَبُّ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أكْرَهُ» . وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآياتِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: «إذا كانَ عِنْدَ المَوْتِ قِيلَ لَهُ هَذا، فَإنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنْ كانَ مِن أصْحابِ الشِّمالِ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَقالَتْ عائِشَةُ: إنّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ! فَقالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذابِ اللَّهِ وعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أكْرَهُ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وكَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . (p-٢٤٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن مَيِّتٍ يَمُوتُ إلّا وهو يَعْرِفُ غاسِلَهُ، ويُناشِدُ حامِلَهُ؛ إنْ كانَ بُشِّرَ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ، وجَنَّةِ نَعِيمٍ، أنْ يُعَجِّلَهُ، وإنْ كانَ بُشِّرَ بِنُزُلٍ مِن حَمِيمٍ، وتَصْلِيَةِ جَحِيمٍ أنْ يَحْبِسَهُ» .

الواقعة 56:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَنَّةُ إلى (p-٢٣٩)يَوْمِ يُبْعَثُ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَحِيمُ إلى يَوْمِ يُبْعَثُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في «فَضائِلِهِ» وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في «تارِيخِهِ» وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ أنَّها «سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يَقْرَأُ: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ «الواقِعَةِ» فَلَمّا بَلَغْتُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَرُوحٌ ورَيْحانٌ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ. (p-٢٤٠)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ، قالَ: وكانَ الحَسَنُ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: راحَةٌ، ﴿ورَيْحانٌ﴾ قالَ: اسْتِراحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِالرَّيْحانِ المُسْتَرِيحَ مِنَ الدُّنْيا، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ يَقُولُ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في «مُسْنَدِهِ» والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي قَتادَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ مَرَّتْ جِنازَةٌ، فَقالَ: «مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَراحٌ مِنهُ» فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: ما المُسْتَرِيحُ وما المُسْتَراحُ مِنهُ؟ قالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنْيا وأذاها إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، والعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنهُ العِبادُ والبِلادُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ»» . وأخْرَجَ أبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «الأحْوالِ والإيمانِ بِالسُّؤالِ» عَنْ سَلْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ الوَفاةِ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وإنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ في قَبْرِهِ أنْ يُقالَ: أبْشِرْ بِرِضا اللَّهِ والجَنَّةِ، قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَمٍ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِمَن شَيَّعَكَ إلى قَبْرِكَ، وصَدَّقَ مَن شَهِدَ (p-٢٤١)لَكَ، واسْتَجابَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الفَرَحُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: فَرَجٌ مِنَ الغَمِّ الَّذِي كانُوا فِيهِ، واسْتِراحَةٌ مِنَ العَمَلِ، لا يُصَلُّونَ ولا يَصُومُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «السُّؤالِ» عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: ذاكَ في الآخِرَةِ، فاسْتَفْهَمَهُ بَعْضُ القَوْمِ، فَقالَ: أما واللَّهِ إنَّهم لَيُسَرُّونَ بِذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّيْحانُ الرِّزْقُ. (p-٢٤٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ هو هَذا الرَّيْحانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ يُتَلَقّى بِهِ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ المَرْوَزِيُّ في «الجَنائِزِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: تَخْرُجُ رُوحُ المُؤْمِنِ مِن جَسَدِهِ في رَيْحانَةٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ «الزُّهْدِ» عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: بَلَّغَنِي أنَّ المُؤْمِنَ إذا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ تُلُقِّيَ بِضَبائِرِ الرَّيْحانِ مِنَ الجَنَّةِ، فَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ يُفارِقُ الدُّنْيا حَتّى يُؤْتى بِغُصْنٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ فَيَشُمَّهُ، ثُمَّ يُقْبَضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا أُمِرَ مَلَكُ المَوْتِ بِقَبْضِ المُؤْمِنِ، أُتِيَ بِرَيْحانٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضْ رُوحَهُ فِيهِ، وإذا أُمِرَ (p-٢٤٣)بِقَبْضِ الكافِرِ، أُتِيَ بِبِجادٍ مِنَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضُهُ فِيهِ. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ المُؤْمِنَ إذا حُضِرَ، أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِحَرِيرَةٍ فِيها مِسْكٌ وضَبائِرُ رَيْحانٍ، فَتُسَلُّ رُوحُهُ كَما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي راضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إلى رَوْحِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى ذَلِكَ المِسْكِ والرَّيْحانِ، وطُوِيَتْ عَلى الحَرِيرَةِ، وذُهِبَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِمِسْحٍ فِيهِ جَمْرٌ، فَتُنْزَعُ رُوحُهُ انْتِزاعًا شَدِيدًا، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي ساخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إلى هَوانِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى تِلْكَ الجَمْرَةِ، فَإنَّ لَها نَشِيشًا، ويُطْوى عَلَيْها المِسْحُ، ويُذْهَبُ بِهِ إلى سِجِّينٍ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ المُؤْمِنَ يُسْتَقْبَلُ عِنْدَ مَوْتِهِ بِطِيبٍ مِن طِيبِ الجَنَّةِ، ورَيْحانٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ، فَتُقْبَضُ رُوحُهُ فَتُجْعَلُ في حَرِيرٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنْضَحُ بِذَلِكَ الطِّيبِ، ويُلَفُّ في الرَّيْحانِ، ثُمَّ تَرْتَقِي بِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ حَتّى يُجْعَلَ في عِلِّيِّينَ. (p-٢٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: تَأْتِيهِ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: سَلامٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ الكافِرُ مِن دارِ الدُّنْيا حَتّى يَشْرَبَ كَأْسًا مِن حَمِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: مَن ماتَ وهو يَشْرَبُ الخَمْرَ شُجَّ في وجْهِهِ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ بَعْضِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: حَدَّثَنِي فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ (p-٢٤٥)أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَأكَبَّ القَوْمُ يَبْكُونَ، فَقالُوا: إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ! قالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّهُ إذا حُضِرَ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أحَبُّ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أكْرَهُ» . وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآياتِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: «إذا كانَ عِنْدَ المَوْتِ قِيلَ لَهُ هَذا، فَإنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنْ كانَ مِن أصْحابِ الشِّمالِ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَقالَتْ عائِشَةُ: إنّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ! فَقالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذابِ اللَّهِ وعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أكْرَهُ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وكَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . (p-٢٤٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن مَيِّتٍ يَمُوتُ إلّا وهو يَعْرِفُ غاسِلَهُ، ويُناشِدُ حامِلَهُ؛ إنْ كانَ بُشِّرَ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ، وجَنَّةِ نَعِيمٍ، أنْ يُعَجِّلَهُ، وإنْ كانَ بُشِّرَ بِنُزُلٍ مِن حَمِيمٍ، وتَصْلِيَةِ جَحِيمٍ أنْ يَحْبِسَهُ» .

الواقعة 56:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَنَّةُ إلى (p-٢٣٩)يَوْمِ يُبْعَثُ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَحِيمُ إلى يَوْمِ يُبْعَثُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في «فَضائِلِهِ» وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في «تارِيخِهِ» وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ أنَّها «سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يَقْرَأُ: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ «الواقِعَةِ» فَلَمّا بَلَغْتُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَرُوحٌ ورَيْحانٌ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ. (p-٢٤٠)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ، قالَ: وكانَ الحَسَنُ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: راحَةٌ، ﴿ورَيْحانٌ﴾ قالَ: اسْتِراحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِالرَّيْحانِ المُسْتَرِيحَ مِنَ الدُّنْيا، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ يَقُولُ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في «مُسْنَدِهِ» والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي قَتادَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ مَرَّتْ جِنازَةٌ، فَقالَ: «مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَراحٌ مِنهُ» فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: ما المُسْتَرِيحُ وما المُسْتَراحُ مِنهُ؟ قالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنْيا وأذاها إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، والعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنهُ العِبادُ والبِلادُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ»» . وأخْرَجَ أبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «الأحْوالِ والإيمانِ بِالسُّؤالِ» عَنْ سَلْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ الوَفاةِ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وإنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ في قَبْرِهِ أنْ يُقالَ: أبْشِرْ بِرِضا اللَّهِ والجَنَّةِ، قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَمٍ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِمَن شَيَّعَكَ إلى قَبْرِكَ، وصَدَّقَ مَن شَهِدَ (p-٢٤١)لَكَ، واسْتَجابَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الفَرَحُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: فَرَجٌ مِنَ الغَمِّ الَّذِي كانُوا فِيهِ، واسْتِراحَةٌ مِنَ العَمَلِ، لا يُصَلُّونَ ولا يَصُومُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «السُّؤالِ» عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: ذاكَ في الآخِرَةِ، فاسْتَفْهَمَهُ بَعْضُ القَوْمِ، فَقالَ: أما واللَّهِ إنَّهم لَيُسَرُّونَ بِذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّيْحانُ الرِّزْقُ. (p-٢٤٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ هو هَذا الرَّيْحانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ يُتَلَقّى بِهِ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ المَرْوَزِيُّ في «الجَنائِزِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: تَخْرُجُ رُوحُ المُؤْمِنِ مِن جَسَدِهِ في رَيْحانَةٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ «الزُّهْدِ» عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: بَلَّغَنِي أنَّ المُؤْمِنَ إذا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ تُلُقِّيَ بِضَبائِرِ الرَّيْحانِ مِنَ الجَنَّةِ، فَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ يُفارِقُ الدُّنْيا حَتّى يُؤْتى بِغُصْنٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ فَيَشُمَّهُ، ثُمَّ يُقْبَضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا أُمِرَ مَلَكُ المَوْتِ بِقَبْضِ المُؤْمِنِ، أُتِيَ بِرَيْحانٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضْ رُوحَهُ فِيهِ، وإذا أُمِرَ (p-٢٤٣)بِقَبْضِ الكافِرِ، أُتِيَ بِبِجادٍ مِنَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضُهُ فِيهِ. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ المُؤْمِنَ إذا حُضِرَ، أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِحَرِيرَةٍ فِيها مِسْكٌ وضَبائِرُ رَيْحانٍ، فَتُسَلُّ رُوحُهُ كَما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي راضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إلى رَوْحِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى ذَلِكَ المِسْكِ والرَّيْحانِ، وطُوِيَتْ عَلى الحَرِيرَةِ، وذُهِبَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِمِسْحٍ فِيهِ جَمْرٌ، فَتُنْزَعُ رُوحُهُ انْتِزاعًا شَدِيدًا، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي ساخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إلى هَوانِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى تِلْكَ الجَمْرَةِ، فَإنَّ لَها نَشِيشًا، ويُطْوى عَلَيْها المِسْحُ، ويُذْهَبُ بِهِ إلى سِجِّينٍ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ المُؤْمِنَ يُسْتَقْبَلُ عِنْدَ مَوْتِهِ بِطِيبٍ مِن طِيبِ الجَنَّةِ، ورَيْحانٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ، فَتُقْبَضُ رُوحُهُ فَتُجْعَلُ في حَرِيرٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنْضَحُ بِذَلِكَ الطِّيبِ، ويُلَفُّ في الرَّيْحانِ، ثُمَّ تَرْتَقِي بِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ حَتّى يُجْعَلَ في عِلِّيِّينَ. (p-٢٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: تَأْتِيهِ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: سَلامٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ الكافِرُ مِن دارِ الدُّنْيا حَتّى يَشْرَبَ كَأْسًا مِن حَمِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: مَن ماتَ وهو يَشْرَبُ الخَمْرَ شُجَّ في وجْهِهِ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ بَعْضِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: حَدَّثَنِي فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ (p-٢٤٥)أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَأكَبَّ القَوْمُ يَبْكُونَ، فَقالُوا: إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ! قالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّهُ إذا حُضِرَ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أحَبُّ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أكْرَهُ» . وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآياتِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: «إذا كانَ عِنْدَ المَوْتِ قِيلَ لَهُ هَذا، فَإنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنْ كانَ مِن أصْحابِ الشِّمالِ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَقالَتْ عائِشَةُ: إنّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ! فَقالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذابِ اللَّهِ وعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أكْرَهُ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وكَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . (p-٢٤٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن مَيِّتٍ يَمُوتُ إلّا وهو يَعْرِفُ غاسِلَهُ، ويُناشِدُ حامِلَهُ؛ إنْ كانَ بُشِّرَ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ، وجَنَّةِ نَعِيمٍ، أنْ يُعَجِّلَهُ، وإنْ كانَ بُشِّرَ بِنُزُلٍ مِن حَمِيمٍ، وتَصْلِيَةِ جَحِيمٍ أنْ يَحْبِسَهُ» .

الواقعة 56:92

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَنَّةُ إلى (p-٢٣٩)يَوْمِ يُبْعَثُ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَحِيمُ إلى يَوْمِ يُبْعَثُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في «فَضائِلِهِ» وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في «تارِيخِهِ» وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ أنَّها «سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يَقْرَأُ: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ «الواقِعَةِ» فَلَمّا بَلَغْتُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَرُوحٌ ورَيْحانٌ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ. (p-٢٤٠)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ، قالَ: وكانَ الحَسَنُ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: راحَةٌ، ﴿ورَيْحانٌ﴾ قالَ: اسْتِراحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِالرَّيْحانِ المُسْتَرِيحَ مِنَ الدُّنْيا، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ يَقُولُ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في «مُسْنَدِهِ» والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي قَتادَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ مَرَّتْ جِنازَةٌ، فَقالَ: «مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَراحٌ مِنهُ» فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: ما المُسْتَرِيحُ وما المُسْتَراحُ مِنهُ؟ قالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنْيا وأذاها إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، والعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنهُ العِبادُ والبِلادُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ»» . وأخْرَجَ أبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «الأحْوالِ والإيمانِ بِالسُّؤالِ» عَنْ سَلْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ الوَفاةِ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وإنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ في قَبْرِهِ أنْ يُقالَ: أبْشِرْ بِرِضا اللَّهِ والجَنَّةِ، قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَمٍ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِمَن شَيَّعَكَ إلى قَبْرِكَ، وصَدَّقَ مَن شَهِدَ (p-٢٤١)لَكَ، واسْتَجابَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الفَرَحُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: فَرَجٌ مِنَ الغَمِّ الَّذِي كانُوا فِيهِ، واسْتِراحَةٌ مِنَ العَمَلِ، لا يُصَلُّونَ ولا يَصُومُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «السُّؤالِ» عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: ذاكَ في الآخِرَةِ، فاسْتَفْهَمَهُ بَعْضُ القَوْمِ، فَقالَ: أما واللَّهِ إنَّهم لَيُسَرُّونَ بِذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّيْحانُ الرِّزْقُ. (p-٢٤٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ هو هَذا الرَّيْحانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ يُتَلَقّى بِهِ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ المَرْوَزِيُّ في «الجَنائِزِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: تَخْرُجُ رُوحُ المُؤْمِنِ مِن جَسَدِهِ في رَيْحانَةٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ «الزُّهْدِ» عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: بَلَّغَنِي أنَّ المُؤْمِنَ إذا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ تُلُقِّيَ بِضَبائِرِ الرَّيْحانِ مِنَ الجَنَّةِ، فَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ يُفارِقُ الدُّنْيا حَتّى يُؤْتى بِغُصْنٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ فَيَشُمَّهُ، ثُمَّ يُقْبَضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا أُمِرَ مَلَكُ المَوْتِ بِقَبْضِ المُؤْمِنِ، أُتِيَ بِرَيْحانٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضْ رُوحَهُ فِيهِ، وإذا أُمِرَ (p-٢٤٣)بِقَبْضِ الكافِرِ، أُتِيَ بِبِجادٍ مِنَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضُهُ فِيهِ. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ المُؤْمِنَ إذا حُضِرَ، أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِحَرِيرَةٍ فِيها مِسْكٌ وضَبائِرُ رَيْحانٍ، فَتُسَلُّ رُوحُهُ كَما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي راضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إلى رَوْحِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى ذَلِكَ المِسْكِ والرَّيْحانِ، وطُوِيَتْ عَلى الحَرِيرَةِ، وذُهِبَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِمِسْحٍ فِيهِ جَمْرٌ، فَتُنْزَعُ رُوحُهُ انْتِزاعًا شَدِيدًا، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي ساخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إلى هَوانِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى تِلْكَ الجَمْرَةِ، فَإنَّ لَها نَشِيشًا، ويُطْوى عَلَيْها المِسْحُ، ويُذْهَبُ بِهِ إلى سِجِّينٍ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ المُؤْمِنَ يُسْتَقْبَلُ عِنْدَ مَوْتِهِ بِطِيبٍ مِن طِيبِ الجَنَّةِ، ورَيْحانٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ، فَتُقْبَضُ رُوحُهُ فَتُجْعَلُ في حَرِيرٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنْضَحُ بِذَلِكَ الطِّيبِ، ويُلَفُّ في الرَّيْحانِ، ثُمَّ تَرْتَقِي بِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ حَتّى يُجْعَلَ في عِلِّيِّينَ. (p-٢٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: تَأْتِيهِ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: سَلامٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ الكافِرُ مِن دارِ الدُّنْيا حَتّى يَشْرَبَ كَأْسًا مِن حَمِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: مَن ماتَ وهو يَشْرَبُ الخَمْرَ شُجَّ في وجْهِهِ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ بَعْضِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: حَدَّثَنِي فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ (p-٢٤٥)أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَأكَبَّ القَوْمُ يَبْكُونَ، فَقالُوا: إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ! قالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّهُ إذا حُضِرَ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أحَبُّ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أكْرَهُ» . وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآياتِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: «إذا كانَ عِنْدَ المَوْتِ قِيلَ لَهُ هَذا، فَإنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنْ كانَ مِن أصْحابِ الشِّمالِ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَقالَتْ عائِشَةُ: إنّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ! فَقالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذابِ اللَّهِ وعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أكْرَهُ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وكَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . (p-٢٤٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن مَيِّتٍ يَمُوتُ إلّا وهو يَعْرِفُ غاسِلَهُ، ويُناشِدُ حامِلَهُ؛ إنْ كانَ بُشِّرَ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ، وجَنَّةِ نَعِيمٍ، أنْ يُعَجِّلَهُ، وإنْ كانَ بُشِّرَ بِنُزُلٍ مِن حَمِيمٍ، وتَصْلِيَةِ جَحِيمٍ أنْ يَحْبِسَهُ» .

الواقعة 56:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَنَّةُ إلى (p-٢٣٩)يَوْمِ يُبْعَثُ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَحِيمُ إلى يَوْمِ يُبْعَثُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في «فَضائِلِهِ» وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في «تارِيخِهِ» وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ أنَّها «سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يَقْرَأُ: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ «الواقِعَةِ» فَلَمّا بَلَغْتُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَرُوحٌ ورَيْحانٌ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ. (p-٢٤٠)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ، قالَ: وكانَ الحَسَنُ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: راحَةٌ، ﴿ورَيْحانٌ﴾ قالَ: اسْتِراحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِالرَّيْحانِ المُسْتَرِيحَ مِنَ الدُّنْيا، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ يَقُولُ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في «مُسْنَدِهِ» والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي قَتادَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ مَرَّتْ جِنازَةٌ، فَقالَ: «مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَراحٌ مِنهُ» فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: ما المُسْتَرِيحُ وما المُسْتَراحُ مِنهُ؟ قالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنْيا وأذاها إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، والعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنهُ العِبادُ والبِلادُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ»» . وأخْرَجَ أبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «الأحْوالِ والإيمانِ بِالسُّؤالِ» عَنْ سَلْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ الوَفاةِ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وإنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ في قَبْرِهِ أنْ يُقالَ: أبْشِرْ بِرِضا اللَّهِ والجَنَّةِ، قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَمٍ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِمَن شَيَّعَكَ إلى قَبْرِكَ، وصَدَّقَ مَن شَهِدَ (p-٢٤١)لَكَ، واسْتَجابَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الفَرَحُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: فَرَجٌ مِنَ الغَمِّ الَّذِي كانُوا فِيهِ، واسْتِراحَةٌ مِنَ العَمَلِ، لا يُصَلُّونَ ولا يَصُومُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «السُّؤالِ» عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: ذاكَ في الآخِرَةِ، فاسْتَفْهَمَهُ بَعْضُ القَوْمِ، فَقالَ: أما واللَّهِ إنَّهم لَيُسَرُّونَ بِذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّيْحانُ الرِّزْقُ. (p-٢٤٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ هو هَذا الرَّيْحانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ يُتَلَقّى بِهِ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ المَرْوَزِيُّ في «الجَنائِزِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: تَخْرُجُ رُوحُ المُؤْمِنِ مِن جَسَدِهِ في رَيْحانَةٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ «الزُّهْدِ» عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: بَلَّغَنِي أنَّ المُؤْمِنَ إذا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ تُلُقِّيَ بِضَبائِرِ الرَّيْحانِ مِنَ الجَنَّةِ، فَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ يُفارِقُ الدُّنْيا حَتّى يُؤْتى بِغُصْنٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ فَيَشُمَّهُ، ثُمَّ يُقْبَضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا أُمِرَ مَلَكُ المَوْتِ بِقَبْضِ المُؤْمِنِ، أُتِيَ بِرَيْحانٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضْ رُوحَهُ فِيهِ، وإذا أُمِرَ (p-٢٤٣)بِقَبْضِ الكافِرِ، أُتِيَ بِبِجادٍ مِنَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضُهُ فِيهِ. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ المُؤْمِنَ إذا حُضِرَ، أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِحَرِيرَةٍ فِيها مِسْكٌ وضَبائِرُ رَيْحانٍ، فَتُسَلُّ رُوحُهُ كَما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي راضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إلى رَوْحِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى ذَلِكَ المِسْكِ والرَّيْحانِ، وطُوِيَتْ عَلى الحَرِيرَةِ، وذُهِبَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِمِسْحٍ فِيهِ جَمْرٌ، فَتُنْزَعُ رُوحُهُ انْتِزاعًا شَدِيدًا، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي ساخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إلى هَوانِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى تِلْكَ الجَمْرَةِ، فَإنَّ لَها نَشِيشًا، ويُطْوى عَلَيْها المِسْحُ، ويُذْهَبُ بِهِ إلى سِجِّينٍ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ المُؤْمِنَ يُسْتَقْبَلُ عِنْدَ مَوْتِهِ بِطِيبٍ مِن طِيبِ الجَنَّةِ، ورَيْحانٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ، فَتُقْبَضُ رُوحُهُ فَتُجْعَلُ في حَرِيرٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنْضَحُ بِذَلِكَ الطِّيبِ، ويُلَفُّ في الرَّيْحانِ، ثُمَّ تَرْتَقِي بِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ حَتّى يُجْعَلَ في عِلِّيِّينَ. (p-٢٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: تَأْتِيهِ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: سَلامٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ الكافِرُ مِن دارِ الدُّنْيا حَتّى يَشْرَبَ كَأْسًا مِن حَمِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: مَن ماتَ وهو يَشْرَبُ الخَمْرَ شُجَّ في وجْهِهِ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ بَعْضِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: حَدَّثَنِي فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ (p-٢٤٥)أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَأكَبَّ القَوْمُ يَبْكُونَ، فَقالُوا: إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ! قالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّهُ إذا حُضِرَ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أحَبُّ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أكْرَهُ» . وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآياتِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: «إذا كانَ عِنْدَ المَوْتِ قِيلَ لَهُ هَذا، فَإنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنْ كانَ مِن أصْحابِ الشِّمالِ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَقالَتْ عائِشَةُ: إنّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ! فَقالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذابِ اللَّهِ وعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أكْرَهُ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وكَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . (p-٢٤٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن مَيِّتٍ يَمُوتُ إلّا وهو يَعْرِفُ غاسِلَهُ، ويُناشِدُ حامِلَهُ؛ إنْ كانَ بُشِّرَ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ، وجَنَّةِ نَعِيمٍ، أنْ يُعَجِّلَهُ، وإنْ كانَ بُشِّرَ بِنُزُلٍ مِن حَمِيمٍ، وتَصْلِيَةِ جَحِيمٍ أنْ يَحْبِسَهُ» .

الواقعة 56:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَنَّةُ إلى (p-٢٣٩)يَوْمِ يُبْعَثُ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: تُخَبَّأُ لَهُ الجَحِيمُ إلى يَوْمِ يُبْعَثُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في «فَضائِلِهِ» وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في «تارِيخِهِ» وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ أنَّها «سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يَقْرَأُ: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ «الواقِعَةِ» فَلَمّا بَلَغْتُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَرُوحٌ ورَيْحانٌ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (فَرُوحٌ ورَيْحانٌ) بِرَفْعِ الرّاءِ. (p-٢٤٠)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ، قالَ: وكانَ الحَسَنُ يَقْرَأُ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يَقُولُ: راحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ﴾ قالَ: راحَةٌ، ﴿ورَيْحانٌ﴾ قالَ: اسْتِراحَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِالرَّيْحانِ المُسْتَرِيحَ مِنَ الدُّنْيا، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ يَقُولُ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في «مُسْنَدِهِ» والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي قَتادَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ مَرَّتْ جِنازَةٌ، فَقالَ: «مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَراحٌ مِنهُ» فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: ما المُسْتَرِيحُ وما المُسْتَراحُ مِنهُ؟ قالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنْيا وأذاها إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، والعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنهُ العِبادُ والبِلادُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ»» . وأخْرَجَ أبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «الأحْوالِ والإيمانِ بِالسُّؤالِ» عَنْ سَلْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ الوَفاةِ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وإنَّ أوَّلَ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ في قَبْرِهِ أنْ يُقالَ: أبْشِرْ بِرِضا اللَّهِ والجَنَّةِ، قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَمٍ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِمَن شَيَّعَكَ إلى قَبْرِكَ، وصَدَّقَ مَن شَهِدَ (p-٢٤١)لَكَ، واسْتَجابَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الفَرَحُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: فَرَجٌ مِنَ الغَمِّ الَّذِي كانُوا فِيهِ، واسْتِراحَةٌ مِنَ العَمَلِ، لا يُصَلُّونَ ولا يَصُومُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ، والرَّيْحانُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو القاسِمِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ «السُّؤالِ» عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: ذاكَ في الآخِرَةِ، فاسْتَفْهَمَهُ بَعْضُ القَوْمِ، فَقالَ: أما واللَّهِ إنَّهم لَيُسَرُّونَ بِذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّيْحانُ الرِّزْقُ. (p-٢٤٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ هو هَذا الرَّيْحانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ، والرَّيْحانُ يُتَلَقّى بِهِ عِنْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ المَرْوَزِيُّ في «الجَنائِزِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: تَخْرُجُ رُوحُ المُؤْمِنِ مِن جَسَدِهِ في رَيْحانَةٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ «الزُّهْدِ» عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: بَلَّغَنِي أنَّ المُؤْمِنَ إذا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ تُلُقِّيَ بِضَبائِرِ الرَّيْحانِ مِنَ الجَنَّةِ، فَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ يُفارِقُ الدُّنْيا حَتّى يُؤْتى بِغُصْنٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ فَيَشُمَّهُ، ثُمَّ يُقْبَضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا أُمِرَ مَلَكُ المَوْتِ بِقَبْضِ المُؤْمِنِ، أُتِيَ بِرَيْحانٍ مِنَ الجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضْ رُوحَهُ فِيهِ، وإذا أُمِرَ (p-٢٤٣)بِقَبْضِ الكافِرِ، أُتِيَ بِبِجادٍ مِنَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْبِضُهُ فِيهِ. وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ المُؤْمِنَ إذا حُضِرَ، أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِحَرِيرَةٍ فِيها مِسْكٌ وضَبائِرُ رَيْحانٍ، فَتُسَلُّ رُوحُهُ كَما تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي راضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إلى رَوْحِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى ذَلِكَ المِسْكِ والرَّيْحانِ، وطُوِيَتْ عَلى الحَرِيرَةِ، وذُهِبَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ أتَتْهُ المَلائِكَةُ بِمِسْحٍ فِيهِ جَمْرٌ، فَتُنْزَعُ رُوحُهُ انْتِزاعًا شَدِيدًا، ويُقالُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي ساخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إلى هَوانِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإذا خَرَجَتْ رُوحُهُ وُضِعَتْ عَلى تِلْكَ الجَمْرَةِ، فَإنَّ لَها نَشِيشًا، ويُطْوى عَلَيْها المِسْحُ، ويُذْهَبُ بِهِ إلى سِجِّينٍ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «ذِكْرِ المَوْتِ» عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ المُؤْمِنَ يُسْتَقْبَلُ عِنْدَ مَوْتِهِ بِطِيبٍ مِن طِيبِ الجَنَّةِ، ورَيْحانٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ، فَتُقْبَضُ رُوحُهُ فَتُجْعَلُ في حَرِيرٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنْضَحُ بِذَلِكَ الطِّيبِ، ويُلَفُّ في الرَّيْحانِ، ثُمَّ تَرْتَقِي بِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ حَتّى يُجْعَلَ في عِلِّيِّينَ. (p-٢٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: تَأْتِيهِ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ قالَ: سَلامٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ: لا يَخْرُجُ الكافِرُ مِن دارِ الدُّنْيا حَتّى يَشْرَبَ كَأْسًا مِن حَمِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: مَن ماتَ وهو يَشْرَبُ الخَمْرَ شُجَّ في وجْهِهِ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ بَعْضِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: حَدَّثَنِي فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ (p-٢٤٥)أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَأكَبَّ القَوْمُ يَبْكُونَ، فَقالُوا: إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ! قالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّهُ إذا حُضِرَ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أحَبُّ، ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ فَإذا بُشِّرَ بِذَلِكَ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أكْرَهُ» . وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآياتِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ: «إذا كانَ عِنْدَ المَوْتِ قِيلَ لَهُ هَذا، فَإنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنْ كانَ مِن أصْحابِ الشِّمالِ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» فَقالَتْ عائِشَةُ: إنّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ! فَقالَ: «لَيْسَ ذاكَ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذابِ اللَّهِ وعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أكْرَهُ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ، وكَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»» . (p-٢٤٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن مَيِّتٍ يَمُوتُ إلّا وهو يَعْرِفُ غاسِلَهُ، ويُناشِدُ حامِلَهُ؛ إنْ كانَ بُشِّرَ بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ، وجَنَّةِ نَعِيمٍ، أنْ يُعَجِّلَهُ، وإنْ كانَ بُشِّرَ بِنُزُلٍ مِن حَمِيمٍ، وتَصْلِيَةِ جَحِيمٍ أنْ يَحْبِسَهُ» .

الواقعة 56:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ قالَ: ما قَصَصْنا عَلَيْكَ في هَذِهِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ تارِكًا أحَدًا مِن خَلْقِهِ حَتّى يَقِفَهُ عَلى اليَقِينِ مِن هَذا القُرْآنِ، فَأمّا المُؤْمِنُ فَأيْقَنَ في الدُّنْيا فَنَفَعَهُ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا الكافِرُ فَأيْقَنَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ اليَقِينُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ قالَ: الخَبَرُ اليَقِينُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: مَن (p-٢٤٧)أرادَ أنْ يَعْلَمَ نَبَأ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، ونَبَأ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ونَبَأ الجَنَّةِ والنّارِ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] [الواقِعَةِ: ١] .

الواقعة 56:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ: «اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ» ولَمّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] [الأعْلى: ١] قالَ: «اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ في رُكُوعِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ الَّتِي في آخِرِ سُورَةِ «الواقِعَةِ»: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ فَأمَرَنا أنْ نَقُولَ: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ وِتْرًا. وقالَ ابْنُ مَرْدُويَهْ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ الشّافِعِيُّ، أنْبَأنا الحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، أنْبَأنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سابُورَ، أنْبَأنا الحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، وعَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-٢٤٨)قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] قالَ: السّاعَةُ، ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] يَقُولُ: مَن كَذَّبَ بِها في الدُّنْيا فَإنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِها في الآخِرَةِ إذا وقَعَتْ، ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] قالَ: القِيامَةُ خافِضَةٌ، يَقُولُ: خَفَضَتْ فَأسْمَعَتِ الأدْنى، ورَفَعَتْ فَأسْمَعَتِ الأقْصى، كانَ القَرِيبُ والبَعِيدُ فِيها سَواءً، قالَ: وخَفَضَتْ أقْوامًا قَدْ كانُوا في الدُّنْيا مُرْتَفِعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا حَتّى جَعَلَتْهم في أعْلى عِلِّيِّينَ، ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] قالَ: هي الزَّلْزَلَةُ، ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦] قالَ: الحَكَمِ، قالَ السُّدِّيُّ: قالَ عَلِيٌّ: هَذا الهَرَجُ، هَرَجَ الدَّوابِّ الَّذِي يُحَرِّكُ الغُبارَ، ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] قالَ: العِبادُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ مَنازِلَ، ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] هُمُ الجُمْهُورُ، جَماعَةُ أهْلِ الجَنَّةِ، ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] هُمُ أصْحابُ الشِّمالِ، يَقُولُ: ما لَهم وما أُعِدَّ لَهُمْ، ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] هم مِثْلُ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ بِالأعْمالِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] قالَ: هم أقْرَبُ النّاسِ مِن دارِ الرَّحْمَنِ مَن بُطْنانِ الجَنَّةِ، وبُطْنانُها وسَطُها في جَنّاتِ النَّعِيمِ، ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣] ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤] ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: ١٥] قالَ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ، المُكَلَّلَةُ بِالجَوْهَرِ والياقُوتِ، ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما يَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنهم في قَفا صاحِبِهِ، يَقُولُ: حِلَقًا حِلَقًا، ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] قالَ: خَلَقَهُمُ اللَّهُ في الجَنَّةِ، كَما خَلَقَ الحُورَ العِينَ (p-٢٤٩)لا يَمُوتُونَ، لا يَشِيبُونَ، ولا يَهْرَمُونَ، ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] والأكْوابُ: الَّتِي لَيْسَ لَها آذانٌ مِثْلُ الصُّواعِ، والأبارِيقُ: الَّتِي لَها الخُراطِيمُ والأعْناقُ، ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قالَ: الكَأْسُ مِنَ الخَمْرِ بِعَيْنِها، ولا يَكُونُ كَأْسٌ حَتّى يَكُونَ فِيها الخَمْرُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ فِيها خَمْرٌ فَإنَّما هو إناءٌ، والمَعِينُ يَقُولُ: مِن خَمْرٍ جارِي، ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] عَنِ الخَمْرِ، ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ، ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] يَقُولُ: مِمّا يَشْتَهُونَ، ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] يَقُولُ: يَجِيئُهُمُ الطَّيْرُ حَتّى يَقَعَ فَيَبْسُطَ جَناحَهُ فَيَأْكُلُونَ مِنهُ ما اشْتَهَوْا نَضِيجًا لَمْ تُنْضِجْهُ النّارُ، حَتّى إذا شَبِعُوا مِنهُ طارَ فَذَهَبَ كَما كانَ، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] قالَ: الحُورُ البِيضُ، والعِينُ العِظامُ الأعْيُنِ، حِسانٌ، ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ﴾ [الواقعة: ٢٣] قالَ: كَبَياضِ اللُّؤْلُؤِ لَمْ تَمَسَّهُنَّ الأيْدِي ولا الدَّهْرُ، ﴿المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] الَّذِي في الأصْدافِ، ثُمَّ قالَ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] قالَ: اللَّغْوُ الحَلِفُ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] قالَ: لا يَأْثَمُونَ، ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] يَقُولُ: التَّسْلِيمُ مِنهم وعَلَيْهِمْ، بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، قالَ: هَؤُلاءِ المُقَرَّبُونَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] وما أعَدَّ لَهُمْ! ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] والمَخْضُودُ: المُوقَرُ الَّذِي لا شَوْكَ فِيهِ، ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] يَقُولُ: ظِلُّ الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ، مَمْدُودٌ عَلَيْهِمْ أبَدًا، ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] يَقُولُ: مَصْبُوبٌ ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] قالَ: لا تَنْقَطِعُ حِينًا وتَجِيءُ حِينًا مِثْلَ فاكِهَةِ الدُّنْيا، ولا مَمْنُوعَةٌ كَما تُمْنَعُ في الدُّنْيا إلّا بِثَمَنٍ، ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] يَقُولُ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] قالَ: هَؤُلاءِ نِساءُ أهْلِ الجَنَّةِ، وهَؤُلاءِ العُجُزُ الرُّمْصُ، يَقُولُ: خَلَقَهم خَلْقًا، ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] يَقُولُ: عَذارى، ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] والعُرُبُ المُتَحَبِّباتُ إلى أزْواجِهِنَّ، والأتْرابُ المُصْطَحِباتُ اللّاتِي لا تَغَرْنَ، ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] يَقُولُ: طائِفَةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وطائِفَةٌ مِنَ الآخِرِينَ، ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] ما لَهم وما أُعِدَّ لَهُمْ! ﴿فِي سَمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] قالَ: فَيْحُ نارِ جَهَنَّمَ، ﴿وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] الماءُ الحارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، فَلَيْسَ فَوْقَهُ حُرٌّ، ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] قالَ: مِن دُخانِ جَهَنَّمَ، ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] قالَ: مُشْرِكِينَ جَبّارِينَ، ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ [الواقعة: ٤٦] يُقِيمُونَ، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] قالَ: عَلى الإثْمِ العَظِيمِ، قالَ: هو الشِّرْكُ، ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ [الواقعة: ٤٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨] قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ ﴿إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] قالَ: يَوْمِ القِيامَةِ، ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ﴾ [الواقعة: ٥١] قالَ: المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ، ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] قالَ: والزَّقُّومُ إذا أكَلُوا مِنهُ غَصُّوا، والزَّقُّومُ شَجَرَةٌ، ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] (p-٢٥١)قالَ: يَمْلَئُونَ مِنَ الزَّقُّومِ بُطُونَهُمْ، ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] يَقُولُ: عَلى الزَّقُّومِ الحَمِيمَ، ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] هي الرِّمالُ لَوْ مَطَرَتْ عَلَيْها السَّماءُ أبَدًا لَمْ يُرَ فِيها مُسْتَنْقَعٌ، ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] كَرامَةٌ يَوْمَ الحِسابِ، ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧] يَقُولُ: أفَلا تُصَدِّقُونَ، ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] يَقُولُ: هَذا ماءُ الرَّجُلِ، ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] في المُتَعَجَّلِ والمُتَأخَّرِ ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] يَقُولُ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] يَقُولُ: نَذْهَبَ بِكم ونَجِيءَ بِغَيْرِكُمْ، ﴿ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] يَقُولُ: نَخْلُقَكم فِيها لا تَعْلَمُونَ؛ إنْ نَشَأْ خَلَقْناكم قِرَدَةً، وإنْ نَشَأْ خَلَقْناكم خَنازِيرَ، ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] يَقُولُ: فَهَلّا تَذَكَّرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] يَقُولُ: ما تَزْرَعُونَ، (أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ) يَقُولُ: ألَيْسَ نَحْنُ الَّذِي نُنْبِتُهُ أمْ أنْتُمُ المُنْبِتُونَ، ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] يَقُولُ: تَنْدَمُونَ، ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] يَقُولُ: إنّا لَمُوّارٌ بِهِ، ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨] ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ [الواقعة: ٦٩] يَقُولُ: مِنَ السَّحابِ، ﴿أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] يَقُولُ: مُرًّا، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] يَقُولُ: فَهَلّا تَشْكُرُونَ، ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] يَقُولُ: تَقْدَحُونَ، ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ﴾ [الواقعة: ٧٢] يَقُولُ: خَلَقْتُمْ، ﴿شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] (p-٢٥٢)قالَ: وهي مِن كُلِّ شَجَرَةٍ إلّا في العُنّابِ، وتَكُونُ في الحِجارَةِ، ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣] يَقُولُ: يُتَذَكَّرُ بِها نارُ الآخِرَةِ العُلْيا، ﴿ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] قالَ: والمُقْوِيُّ هو الَّذِي لا يَجِدُ نارًا، فَيُخْرِجُ زِنْدَهُ فَيَسْتَنْوِرُ نارَهُ، فَهي مَتاعٌ لَهُ، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] يَقُولُ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ العَظِيمِ، ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] قالَ: أتى ابْنَ عَبّاسٍ عُلَيَّةُ بْنُ الأسْوَدِ أوْ نافِعُ بْنُ الحَكَمِ، فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ عَبّاسٍ إنِّي أقْرَأُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ أخْشى أنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَنِي مِنها شَيْءٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِمَ ذَلِكَ؟ قالَ: لِأنِّي أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] [القَدْرِ: ١]، ويَقُولُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] [الدُّخانِ: ١] ويَقُولُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البَقَرَةِ: ١٨٥] وقَدْ نَزَلَ في الشُّهُورِ كُلِّها؛ شَوّالٍ وغَيْرِهِ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْلَكَ إنَّ جُمْلَةَ القُرْآنِ أُنْزِلَ مِنَ السَّماءِ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى بَدْءِ مَوْقِعِ النُّجُومِ. يَقُولُ: إلى سَماءِ الدُّنْيا، فَنَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ في لَيْلَةٍ مِنهُ، وهي لَيْلَةُ القَدْرِ المُبارَكَةُ، وهي في رَمَضانَ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، الآيَةَ والآيَتَيْنِ والأكْثَرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ”لا أُقْسِمُ“ يَقُولُ: أُقْسِمُ ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] والقَسَمُ قَسَمٌ، إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهُمُ السَّفَرَةُ، والسَّفَرَةُ هُمُ الكَتَبَةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] يَقُولُ: تَوَلَّوْنَ أهْلَ الشِّرْكِ، «﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سافَرَ النَّبِيُّ ﷺ في حَرٍّ، فَعَطِشَ النّاسُ عَطَشًا شَدِيدًا، حَتّى كادَتْ أعْناقُهم أنْ تَنْقَطِعَ مِنَ العَطَشِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَسَقانا، قالَ: «لَعَلِّي إنْ دَعَوْتُ اللَّهَ فَسَقاكم لَقُلْتُمْ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا» قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذا بِحِينِ الأنْواءِ، فَدَعا بِماءٍ في مَطْهَرَةٍ، فَتَوَضَّأ ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعا اللَّهَ، فَهَبَّتْ رِياحٌ، وهاجَ سَحابٌ، ثُمَّ أرْسَلَتْ، فَمُطِرُوا حَتّى سالَ الوادِي، فَشَرِبُوا وسَقَوْا دَوابَّهُمْ، ثُمَّ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ وهو يَغْتَرِفُ بِقَعْبٍ مَعَهُ مِنَ الوادِي، وهو يَقُولُ: نَوْءُ كَذا وكَذا سَقَطَتِ الغَداةَ، قالَ: ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة»: ٨٢] ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] يَقُولُ: النَّفْسُ، ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] يَقُولُ: المَلائِكَةُ، ﴿ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] يَقُولُ: لا تُبْصِرُونَ المَلائِكَةَ، ﴿فَلَوْلا﴾ [الواقعة: ٨٦] يَقُولُ: هَلّا، ﴿إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] غَيْرَ مُحاسَبِينَ، ﴿تَرْجِعُونَها﴾ [الواقعة: ٨٧] يَقُولُ: أنْ تَرْجِعُوا النَّفْسَ، ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] مِثْلَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ بِالأعْمالِ، ﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] الفَرَجُ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] [يُوسُفَ: ٨٧] ﴿ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] الرِّزْقُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَخْرُجُ رُوحُ المُؤْمِنِ مِن بَدَنِهِ حَتّى يَأْكُلَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ قَبْلَ مَوْتِهِ، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] يَقُولُ: حُقِّقَتْ لَهُ الجَنَّةُ في الآخِرَةِ (p-٢٥٤)﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] يَقُولُ: جُمْهُورُ أهْلِ الجَنَّةِ، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] وهُمُ المُشْرِكُونَ، ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَخْرُجُ الكافِرُ مِن بَيْتِهِ في الدُّنْيا حَتّى يُسْقى كَأْسًا مِن حَمِيمٍ، ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] يَقُولُ: في الآخِرَةِ، ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] يَقُولُ: هَذا القَوْلُ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ لَهو حَقُّ اليَقِينِ، يَقُولُ: القُرْآنُ الصّادِقُ.

الحديد 57:1

(p-٢٥٥)سُورَةُ الحَدِيدِ. أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الحَدِيدِ» بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ «الحَدِيدِ» بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««نَزَلَتْ سُورَةُ «الحَدِيدِ» يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ اللَّهُ الحَدِيدَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وقَتَلَ ابْنُ آدَمَ أخاهُ يَوْمَ الثُّلاثاءِ»، ونَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحِجامَةِ يَوْمَ الثُّلاثاءِ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا: ««لا تَحْتَجِمُوا يَوْمَ الثُّلاثاءِ؛ فَإنَّ سُورَةَ الحَدِيدِ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ يَوْمَ الثُّلاثاءِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ (p-٢٥٦)مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ عِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ المُسَبِّحاتِ قَبْلَ أنْ يَرْقُدَ، وقالَ: «إنَّ فِيهِنَّ آيَةً أفْضَلُ مِن ألْفِ آيَةٍ»» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ المُسَبِّحاتِ، وكانَ يَقُولُ: «إنَّ فِيهِنَّ آيَةً هي أفْضَلُ مِن ألْفِ آيَةٍ» قالَ يَحْيى: فَنَراها الآيَةَ الَّتِي في آخِرِ «الحَشْرِ»» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ» والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ» وابْنُ عَساكِرَ، «عَنْ عُمَرَ قالَ: كُنْتُ أشَدَّ النّاسِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنا أنا في يَوْمٍ حارٍّ بِالهاجِرَةِ في بَعْضِ طُرُقِ مَكَّةَ إذْ لَقِيَنِي رَجُلٌ، فَقالَ: عَجَبًا لَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ! إنَّكَ تَزْعُمُ أنَّكَ وأنَّكَ! وقَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ الأمْرُ في بَيْتِكَ، قُلْتُ: وما ذاكَ؟ قالَ: أُخْتُكَ قَدْ أسْلَمَتْ، فَرَجَعْتُ مُغْضَبًا حَتّى قَرَعْتُ البابَ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قُلْتُ: عُمَرُ، فَتَبادَرُوا فاخْتَفَوْا مِنِّي، وقَدْ كانُوا يَقْرَؤُونَ صَحِيفَةً بَيْنَ أيْدِيهِمْ، تَرَكُوها أوْ نَسَوْها، فَدَخَلْتُ حَتّى جَلَسْتُ عَلى السَّرِيرِ، فَنَظَرْتُ إلى الصَّحِيفَةِ، فَقُلْتُ: ما هَذِهِ؟ ناوِلِينِيها، قالَتْ: إنَّكَ لَسْتَ مِن أهْلِها؛ إنَّكَ لا تَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، ولا تَطَهَّرُ، وهَذا كِتابٌ لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ، فَما زِلْتُ بِها حَتّى ناوَلَتْنِيها، فَفَتَحْتُها، فَإذا فِيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ (p-٢٥٧)الرَّحِيمِ، فَلَمّا قَرَأْتُ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ذُعِرْتُ، فَألْقَيْتُ الصَّحِيفَةَ مِن يَدِي، ثُمَّ رَجَعْتُ إلى نَفْسِي فَأخَذْتُها، فَإذا فِيها: ﷽: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَكُلَّما مَرَرْتُ بِاسْمٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ ذُعِرْتُ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيَّ نَفْسِي، حَتّى بَلَغْتُ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] [الحَدِيدِ: ٧] فَقُلْتُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَجَ القَوْمُ مُسْتَبْشِرِينَ، فَكَبَّرُوا» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ» عَنْ أبِي الأسْوَدِ قالَ: قالَ رَأْسُ الجالُوتِ: إنَّما التَّوْراةُ كَكِتابِكم مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، إلّا أنَّ كَلامَكم في كِتابِكم جامِعٌ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١] [الجُمُعَةِ: ١، التَّغابُنِ: ١] وفي التَّوْراةِ: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ الطَّيْرُ والسِّباعُ) .

الحديد 57:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾ . أخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في (p-٢٥٨)«العَظَمَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ وأصْحابُهُ، إذْ أتى عَلَيْهِمْ سَحابٌ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ ما هَذا»؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «هَذا العَنانُ، هَذِهِ رَوايا الأرْضِ، يَسُوقُهُ اللَّهُ إلى قَوْمٍ لا يَشْكُرُونَهُ ولا يَدْعُونَهُ» ثُمَّ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَكُمْ»؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «فَإنَّها الرَّقِيعُ؛ سَقْفٌ مَحْفُوظٌ، ومَوْجٌ مَكْفُوفٌ»، ثُمَّ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكم وبَيْنَها»؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «بَيْنَكم وبَيْنَها خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ» ثُمَّ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ»؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «فَإنَّ فَوْقَ ذَلِكَ سَماءَيْنِ، ما بَيْنَهُما مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» حَتّى عَدَّ سَبْعَ سَماواتٍ، ما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ثُمَّ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ»؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «فَإنَّ فَوْقَ ذَلِكَ العَرْشُ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ بُعْدٌ مِثْلُ ما بَيْنَ السَّماءَيْنِ» ثُمَّ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما الَّذِي تَحْتَكُمْ»؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: «فَإنَّها الأرْضُ» ثُمَّ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما الَّذِي تَحْتَ ذَلِكَ»؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «فَإنَّ تَحْتَها الأرْضَ الأُخْرى بَيْنَهُما مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ» حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ، بَيْنَ كُلِّ أرَضِينَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ قالَ: (p-٢٥٩)«والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أنَّكم دَلَّيْتُمْ أحَدَكم بِحَبْلٍ إلى الأرْضِ السُّفْلى لَهَبَطَ عَلى اللَّهِ»، ثُمَّ قَرَأ: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد»: ٣] قالَ: التِّرْمِذِيُّ: فَسَّرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ هَذا الحَدِيثَ فَقالُوا: إنَّما هَبَطَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَلَّيْتُمْ أحَدَكم بِحَبْلٍ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ لَقَدِمَ عَلى رَبِّهِ» ثُمَّ تَلا: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد»: ٣] . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَدْعُو بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ: «اللَّهُمَّ أنْتَ الأوَّلُ فَلا شَيْءَ قَبْلَكَ، وأنْتَ الآخِرُ فَلا شَيْءَ بَعْدَكَ، أعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ كُلِّ دابَّةٍ ناصِيَتُها بِيَدِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الإثْمِ والكَسَلِ، ومِن عَذابِ القَبْرِ، ومِن عَذابِ النّارِ، ومِن فِتْنَةِ الغِنى، ومِن فِتْنَةِ الفَقْرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ والمَغْرَمِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَتْ فاطِمَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْألُهُ خادِمًا فَقالَ لَها: «قُولِي: (p-٢٦٠)اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، ورَبَّنا، ورَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، مُنْزِلَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والفَرْقانِ، فالِقَ الحَبِّ والنَّوى، أعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ، أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ، أنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنّا الدَّيْنَ، وأغْنِنا مِنَ الفَقْرِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَدْعُو عِنْدَ النَّوْمِ: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنا ورَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، مُنْزِلَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والفَرْقانِ، فالِقَ الحَبِّ والنَّوى، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ، أنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنّا الدَّيْنَ، وأغْنِنا مِنَ الفَقْرِ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ مِن دُعاءِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَقُولُ: يا كائِنُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ، والمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ، والكائِنُ بَعْدَ ما لا يَكُونُ شَيْءٌ، أسْألُكَ بِلَحْظَةٍ مِن لَحَظاتِكَ الحافِظاتِ الغافِراتِ (p-٢٦١)الواجِباتِ المُنْجِياتِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ عَلِيًّا دَعْوَةً يَدْعُو بِها عِنْدَ ما أهَمَّهُ، فَكانَ عَلِيٌّ يُعَلِّمُها ولَدَهُ: «يا كائِنُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، ويا مُكَوِّنَ كُلِّ شَيْءٍ، ويا كائِنُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، افْعَلْ بِي كَذا وكَذا»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: بَلَغَنا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الأوَّلُ﴾ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، ﴿والآخِرُ﴾ بَعْدَ كَلِّ شَيْءٍ، ﴿والظّاهِرُ﴾ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، ﴿والباطِنُ﴾ أقْرَبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنَّما يَعْنِي بِالقُرْبِ: بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وهو فَوْقَ عَرْشِهِ، ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الحديد: ٤] مِقْدارُ كَلِّ يَوْمٍ ألْفُ عامٍ، ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ [الحديد: ٤] مِنَ القَطْرِ، ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ [الحديد: ٤] مِنَ النَّباتِ، ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ [الحديد: ٤] مِنَ القَطْرِ، ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ [الحديد: ٤] يَعْنِي: ما يَصْعَدُ إلى السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ، ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] يَعْنِي: قُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ وعِلْمُهُ مَعَكم أيْنَما كُنْتُمْ، ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ» عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَزالُ النّاسُ يَسْألُونَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى يَقُولُوا: هَذا اللَّهُ كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، فَماذا كانَ قَبْلَ اللَّهِ؟ فَإنْ قالُوا لَكم ذَلِكَ فَقُولُوا: هو الأوَّلُ قَبْلَ (p-٢٦٢)كُلِّ شَيْءٍ، وهو الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وهو الظّاهِرُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وهو الباطِنُ دُونَ كُلِّ شَيْءٍ، وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، عَنْ أبِي زُمَيْلٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقُلْتُ: ما شَيْءٌ أجِدُهُ في صَدْرِي! قالَ: ما هُوَ؟ قُلْتُ: واللَّهِ لا أتَكَلَّمُ بِهِ، فَقالَ لِي: أشَيْءٌ مِن شَكٍّ، وضَحِكَ، قالَ: ما نَجا مِن ذَلِكَ أحَدٌ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] الآيَةَ [يُونُسَ: ٩٤] وقالَ لِي: إذا وجَدْتَ في نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُلْ: هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

الحديد 57:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ قالَ: عالِمٌ بِكم أيْنَما كُنْتُمْ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ قالَ: عِلْمُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مِن أفْضَلِ إيمانِ المَرْءِ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَعَهُ حَيْثُ كانَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في «تارِيخِ بَغْدادَ» بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ (p-٢٦٣)قالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أسْألُكَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ إلّا خَصَصْتَنِي بِما خَصَّكَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واخْتَصَّهُ بِهِ جِبْرِيلُ، وأرْسَلَهُ بِهِ الرَّحْمَنُ، فَقالَ: إذا أرَدْتَ أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، فاقْرَأْ مِن أوَّلِ سُورَةِ «الحَدِيدِ» إلى آخِرِ سِتِّ آياتٍ مِنها: ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وآخِرَ سُورَةِ «الحَشْرِ» يَعْنِي أرْبَعَ آياتٍ، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَيْكَ فَقُلْ: يا مَن هو هَكَذا، أسْألُكَ بِحَقِّ هَذِهِ الأسْماءِ أنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ، وأنْ تَفْعَلَ بِي كَذا وكَذا، مِمّا تُرِيدُ، فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ لَتَنْقَلِبَنَّ بِحاجَتِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.

الحديد 57:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ قالَ: عالِمٌ بِكم أيْنَما كُنْتُمْ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ قالَ: عِلْمُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مِن أفْضَلِ إيمانِ المَرْءِ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَعَهُ حَيْثُ كانَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في «تارِيخِ بَغْدادَ» بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ (p-٢٦٣)قالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أسْألُكَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ إلّا خَصَصْتَنِي بِما خَصَّكَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واخْتَصَّهُ بِهِ جِبْرِيلُ، وأرْسَلَهُ بِهِ الرَّحْمَنُ، فَقالَ: إذا أرَدْتَ أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، فاقْرَأْ مِن أوَّلِ سُورَةِ «الحَدِيدِ» إلى آخِرِ سِتِّ آياتٍ مِنها: ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وآخِرَ سُورَةِ «الحَشْرِ» يَعْنِي أرْبَعَ آياتٍ، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَيْكَ فَقُلْ: يا مَن هو هَكَذا، أسْألُكَ بِحَقِّ هَذِهِ الأسْماءِ أنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ، وأنْ تَفْعَلَ بِي كَذا وكَذا، مِمّا تُرِيدُ، فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ لَتَنْقَلِبَنَّ بِحاجَتِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.

الحديد 57:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ قالَ: عالِمٌ بِكم أيْنَما كُنْتُمْ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ قالَ: عِلْمُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مِن أفْضَلِ إيمانِ المَرْءِ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَعَهُ حَيْثُ كانَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في «تارِيخِ بَغْدادَ» بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ (p-٢٦٣)قالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أسْألُكَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ إلّا خَصَصْتَنِي بِما خَصَّكَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واخْتَصَّهُ بِهِ جِبْرِيلُ، وأرْسَلَهُ بِهِ الرَّحْمَنُ، فَقالَ: إذا أرَدْتَ أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، فاقْرَأْ مِن أوَّلِ سُورَةِ «الحَدِيدِ» إلى آخِرِ سِتِّ آياتٍ مِنها: ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وآخِرَ سُورَةِ «الحَشْرِ» يَعْنِي أرْبَعَ آياتٍ، ثُمَّ ارْفَعْ يَدَيْكَ فَقُلْ: يا مَن هو هَكَذا، أسْألُكَ بِحَقِّ هَذِهِ الأسْماءِ أنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ، وأنْ تَفْعَلَ بِي كَذا وكَذا، مِمّا تُرِيدُ، فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ لَتَنْقَلِبَنَّ بِحاجَتِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.

الحديد 57:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ قالَ: مُعَمَّرِينَ فِيهِ بِالرِّزْقِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ قالَ: في ظَهْرِ آدَمَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ قالَ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ يَقُولُ: مَن أسْلَمَ، ﴿وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ﴾ يَعْنِي أسْلَمُوا، يَقُولُ: لَيْسَ مَن هاجَرَ كَمَن لَمْ يُهاجِرْ، ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ قالَ: الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٢٦٤)﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ قِتالانِ أحَدُهُما أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ، وكانَتْ نَفَقَتانِ إحْداهُما أفْضَلُ مِنَ الأُخْرى، قالَ: كانَتِ النَّفَقَةُ والقِتالُ قَبْلَ الفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ - أفْضَلَ مِنَ النَّفَقَةِ والقِتالِ بَعْدَ ذَلِكَ، ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ قالَ: الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ قالَ أبُو الدَّحْداحِ: واللَّهِ، لَأُنْفِقَنَّ اليَوْمَ نَفَقَةً أُدْرِكُ بِها مَن قَبْلِي، ولا يَسْبِقُنِي بِها أحَدٌ بَعْدِي، فَقالَ: اللَّهُمَّ، كُلُّ شَيْءٍ يَمْلِكُهُ أبُو الدَّحْداحِ فَإنَّ نِصْفَهُ لِلَّهِ، حَتّى بَلَغَ فَرْدَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَأْتِيكم قَوْمٌ مِن ها هُنا، وأشارَ بِيَدِهِ إلى اليَمَنِ، تَحْقِرُونَ أعْمالَكم عِنْدَ أعْمالِهِمْ» قالُوا: فَنَحْنُ خَيْرٌ أمْ هُمْ؟ قالَ: «بَلْ أنْتُمْ، لَوْ أنَّ أحَدَهم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ؛ فَصَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد»: ١٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، حَتّى إذا كانَ بِعُسْفانَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٢٦٥)«يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ أعْمالَكم مَعَ أعْمالِهِمْ» قُلْنا: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ، أقُرَيْشٌ؟ قالَ: «لا، ولَكِنْ هم أهْلُ اليَمَنِ، هم أرَقُّ أفْئِدَةٍ، وألْيَنُ قُلُوبًا» فَقُلْنا: أهم خَيْرٌ مِنّا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ جَبَلٌ مِن ذَهَبٍ فَأنْفَقَهُ ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ، ألا إنَّ هَذا فَصْلُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَلامٌ، فَقالَ خالِدٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: تَسْتَطِيلُونَ عَلَيْنا بِأيّامٍ سَبَقْتُمُونا بِها، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «دَعُوا لِي أصْحابِي، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ أوْ مِثْلَ الجِبالِ ذَهَبًا ما بَلَغْتُمْ أعْمالَهُمْ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنَحْنُ خَيْرٌ أمْ مَن بَعْدَنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أنْفَقَ أحَدُهم أُحُدًا ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ (p-٢٦٦)أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لا تَسُبُّوا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمَقامُ أحَدِهِمْ ساعَةً خَيْرٌ مِن عَمَلِ أحَدِكم عُمُرَهُ» .

الحديد 57:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ قالَ: مُعَمَّرِينَ فِيهِ بِالرِّزْقِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ قالَ: في ظَهْرِ آدَمَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ قالَ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ يَقُولُ: مَن أسْلَمَ، ﴿وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ﴾ يَعْنِي أسْلَمُوا، يَقُولُ: لَيْسَ مَن هاجَرَ كَمَن لَمْ يُهاجِرْ، ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ قالَ: الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٢٦٤)﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ قِتالانِ أحَدُهُما أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ، وكانَتْ نَفَقَتانِ إحْداهُما أفْضَلُ مِنَ الأُخْرى، قالَ: كانَتِ النَّفَقَةُ والقِتالُ قَبْلَ الفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ - أفْضَلَ مِنَ النَّفَقَةِ والقِتالِ بَعْدَ ذَلِكَ، ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ قالَ: الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ قالَ أبُو الدَّحْداحِ: واللَّهِ، لَأُنْفِقَنَّ اليَوْمَ نَفَقَةً أُدْرِكُ بِها مَن قَبْلِي، ولا يَسْبِقُنِي بِها أحَدٌ بَعْدِي، فَقالَ: اللَّهُمَّ، كُلُّ شَيْءٍ يَمْلِكُهُ أبُو الدَّحْداحِ فَإنَّ نِصْفَهُ لِلَّهِ، حَتّى بَلَغَ فَرْدَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَأْتِيكم قَوْمٌ مِن ها هُنا، وأشارَ بِيَدِهِ إلى اليَمَنِ، تَحْقِرُونَ أعْمالَكم عِنْدَ أعْمالِهِمْ» قالُوا: فَنَحْنُ خَيْرٌ أمْ هُمْ؟ قالَ: «بَلْ أنْتُمْ، لَوْ أنَّ أحَدَهم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ؛ فَصَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد»: ١٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، حَتّى إذا كانَ بِعُسْفانَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٢٦٥)«يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ أعْمالَكم مَعَ أعْمالِهِمْ» قُلْنا: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ، أقُرَيْشٌ؟ قالَ: «لا، ولَكِنْ هم أهْلُ اليَمَنِ، هم أرَقُّ أفْئِدَةٍ، وألْيَنُ قُلُوبًا» فَقُلْنا: أهم خَيْرٌ مِنّا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ جَبَلٌ مِن ذَهَبٍ فَأنْفَقَهُ ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ، ألا إنَّ هَذا فَصْلُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَلامٌ، فَقالَ خالِدٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: تَسْتَطِيلُونَ عَلَيْنا بِأيّامٍ سَبَقْتُمُونا بِها، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «دَعُوا لِي أصْحابِي، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ أوْ مِثْلَ الجِبالِ ذَهَبًا ما بَلَغْتُمْ أعْمالَهُمْ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنَحْنُ خَيْرٌ أمْ مَن بَعْدَنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أنْفَقَ أحَدُهم أُحُدًا ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ (p-٢٦٦)أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لا تَسُبُّوا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمَقامُ أحَدِهِمْ ساعَةً خَيْرٌ مِن عَمَلِ أحَدِكم عُمُرَهُ» .

الحديد 57:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ قالَ: مُعَمَّرِينَ فِيهِ بِالرِّزْقِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ قالَ: في ظَهْرِ آدَمَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ قالَ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ يَقُولُ: مَن أسْلَمَ، ﴿وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ﴾ يَعْنِي أسْلَمُوا، يَقُولُ: لَيْسَ مَن هاجَرَ كَمَن لَمْ يُهاجِرْ، ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ قالَ: الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٢٦٤)﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ قِتالانِ أحَدُهُما أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ، وكانَتْ نَفَقَتانِ إحْداهُما أفْضَلُ مِنَ الأُخْرى، قالَ: كانَتِ النَّفَقَةُ والقِتالُ قَبْلَ الفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ - أفْضَلَ مِنَ النَّفَقَةِ والقِتالِ بَعْدَ ذَلِكَ، ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ قالَ: الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ قالَ أبُو الدَّحْداحِ: واللَّهِ، لَأُنْفِقَنَّ اليَوْمَ نَفَقَةً أُدْرِكُ بِها مَن قَبْلِي، ولا يَسْبِقُنِي بِها أحَدٌ بَعْدِي، فَقالَ: اللَّهُمَّ، كُلُّ شَيْءٍ يَمْلِكُهُ أبُو الدَّحْداحِ فَإنَّ نِصْفَهُ لِلَّهِ، حَتّى بَلَغَ فَرْدَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَأْتِيكم قَوْمٌ مِن ها هُنا، وأشارَ بِيَدِهِ إلى اليَمَنِ، تَحْقِرُونَ أعْمالَكم عِنْدَ أعْمالِهِمْ» قالُوا: فَنَحْنُ خَيْرٌ أمْ هُمْ؟ قالَ: «بَلْ أنْتُمْ، لَوْ أنَّ أحَدَهم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ؛ فَصَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد»: ١٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، حَتّى إذا كانَ بِعُسْفانَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٢٦٥)«يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ أعْمالَكم مَعَ أعْمالِهِمْ» قُلْنا: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ، أقُرَيْشٌ؟ قالَ: «لا، ولَكِنْ هم أهْلُ اليَمَنِ، هم أرَقُّ أفْئِدَةٍ، وألْيَنُ قُلُوبًا» فَقُلْنا: أهم خَيْرٌ مِنّا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ جَبَلٌ مِن ذَهَبٍ فَأنْفَقَهُ ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ، ألا إنَّ هَذا فَصْلُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَلامٌ، فَقالَ خالِدٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: تَسْتَطِيلُونَ عَلَيْنا بِأيّامٍ سَبَقْتُمُونا بِها، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «دَعُوا لِي أصْحابِي، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ أوْ مِثْلَ الجِبالِ ذَهَبًا ما بَلَغْتُمْ أعْمالَهُمْ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنَحْنُ خَيْرٌ أمْ مَن بَعْدَنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أنْفَقَ أحَدُهم أُحُدًا ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ (p-٢٦٦)أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لا تَسُبُّوا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمَقامُ أحَدِهِمْ ساعَةً خَيْرٌ مِن عَمَلِ أحَدِكم عُمُرَهُ» .

الحديد 57:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ قالَ: مُعَمَّرِينَ فِيهِ بِالرِّزْقِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ قالَ: في ظَهْرِ آدَمَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ قالَ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ يَقُولُ: مَن أسْلَمَ، ﴿وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ﴾ يَعْنِي أسْلَمُوا، يَقُولُ: لَيْسَ مَن هاجَرَ كَمَن لَمْ يُهاجِرْ، ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ قالَ: الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٢٦٤)﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ قِتالانِ أحَدُهُما أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ، وكانَتْ نَفَقَتانِ إحْداهُما أفْضَلُ مِنَ الأُخْرى، قالَ: كانَتِ النَّفَقَةُ والقِتالُ قَبْلَ الفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ - أفْضَلَ مِنَ النَّفَقَةِ والقِتالِ بَعْدَ ذَلِكَ، ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ قالَ: الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ قالَ أبُو الدَّحْداحِ: واللَّهِ، لَأُنْفِقَنَّ اليَوْمَ نَفَقَةً أُدْرِكُ بِها مَن قَبْلِي، ولا يَسْبِقُنِي بِها أحَدٌ بَعْدِي، فَقالَ: اللَّهُمَّ، كُلُّ شَيْءٍ يَمْلِكُهُ أبُو الدَّحْداحِ فَإنَّ نِصْفَهُ لِلَّهِ، حَتّى بَلَغَ فَرْدَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَأْتِيكم قَوْمٌ مِن ها هُنا، وأشارَ بِيَدِهِ إلى اليَمَنِ، تَحْقِرُونَ أعْمالَكم عِنْدَ أعْمالِهِمْ» قالُوا: فَنَحْنُ خَيْرٌ أمْ هُمْ؟ قالَ: «بَلْ أنْتُمْ، لَوْ أنَّ أحَدَهم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ؛ فَصَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد»: ١٠] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، حَتّى إذا كانَ بِعُسْفانَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٢٦٥)«يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ أعْمالَكم مَعَ أعْمالِهِمْ» قُلْنا: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ، أقُرَيْشٌ؟ قالَ: «لا، ولَكِنْ هم أهْلُ اليَمَنِ، هم أرَقُّ أفْئِدَةٍ، وألْيَنُ قُلُوبًا» فَقُلْنا: أهم خَيْرٌ مِنّا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «لَوْ كانَ لِأحَدِهِمْ جَبَلٌ مِن ذَهَبٍ فَأنْفَقَهُ ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ، ألا إنَّ هَذا فَصْلُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَلامٌ، فَقالَ خالِدٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: تَسْتَطِيلُونَ عَلَيْنا بِأيّامٍ سَبَقْتُمُونا بِها، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «دَعُوا لِي أصْحابِي، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ أوْ مِثْلَ الجِبالِ ذَهَبًا ما بَلَغْتُمْ أعْمالَهُمْ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنَحْنُ خَيْرٌ أمْ مَن بَعْدَنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أنْفَقَ أحَدُهم أُحُدًا ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِكم ولا نَصِيفَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ (p-٢٦٦)أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لا تَسُبُّوا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمَقامُ أحَدِهِمْ ساعَةً خَيْرٌ مِن عَمَلِ أحَدِكم عُمُرَهُ» .

الحديد 57:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: عَلى الصِّراطِ حَتّى يَدْخُلُوا الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: عَلى الصِّراطِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ قالَ: إنَّكم تُكْتَبُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِأسْمائِكم وسِيماكم وحُلاكم ونَجْواكم ومَجالِسِكُمْ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قِيلَ: يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلُمَّ بِنُورِكَ، ويا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، لا نُورَ لَكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مَن يُضِيءُ لَهُ نُورُهُ كَما (p-٢٦٧)بَيْنَ المَدِينَةِ إلى عَدَنَ أبْيَنَ، إلى صَنْعاءَ، فَدُونَ ذَلِكَ، حَتّى إنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لا يُضِيءُ لَهُ نُورُهُ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، والنّاسُ مَنازِلُ بِأعْمالِهِمْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: يُؤْتَوْنَ نُورَهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، يَمُرُّونَ عَلى الصِّراطِ، مِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ الجَبَلِ، ومِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ النَّخْلَةِ، وأدْناهم نُورًا مَن نُورُهُ عَلى إبْهامِهِ، يُطْفَأُ مَرَّةً ويُقَدُ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، أنَّهُ سَمِعَ أبا ذَرٍّ وأبا الدَّرْداءِ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا أوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ في السُّجُودِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ أنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَأرْفَعُ رَأْسِي فَأنْظُرُ بَيْنَ يَدَيَّ، ومِن خَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمالِي، فَأعْرِفُ أُمَّتِي مِن بَيْنِ الأُمَمِ» فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: وكَيْفَ تَعْرِفُهم مِن بَيْنِ الأُمَمِ ما بَيْنَ نُوحٍ إلى أُمَّتِكَ؟ قالَ: «غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن أثَرِ الوُضُوءِ، ولا يَكُونُ لِأحَدٍ غَيْرِهِمْ، وأعْرِفُهم أنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، وأعْرِفُهم بِسِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ، (p-٢٦٨)وأعْرِفُهم بِنُورِهِمُ الَّذِي يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وعَنْ أيْمانِهِمْ، وعَنْ شَمائِلِهِمْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، أنَّهُ قالَ: أيُّها النّاسُ إنَّكم قَدْ أصْبَحْتُمْ وأمْسَيْتُمْ في مَنزِلٍ تَقْتَسِمُونَ فِيهِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، وتُوشِكُونَ أنْ تَظْعَنُوا مِنهُ إلى مَنزِلٍ آخَرَ وهو القَبْرُ، بَيْتُ الوَحْدَةِ، وبَيْتُ الظُّلْمَةِ، وبَيْتُ الدُّودِ، وبَيْتُ الضِّيقِ، إلّا ما وسَّعَ اللَّهُ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ مِنهُ إلى مَواطِنِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّكم لَفي بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ حَتّى يَغْشى النّاسَ أمْرُ اللَّهِ، فَتَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ مِنهُ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَتَغْشى النّاسَ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ يُقْسَمُ النُّورُ، فَيُعْطى المُؤْمِنُ نُورًا، ويُتْرَكُ الكافِرُ والمُنافِقُ، فَلا يُعْطَيانِ شَيْئًا، وهو المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] [النُّورِ: ٤٠] ولا يَسْتَضِيءُ الكافِرُ والمُنافِقُ بِنُورِ المُؤْمِنِ، كَما لا يَسْتَضِيءُ الأعْمى بِبَصَرِ البَصِيرِ، ويَقُولُ المُنافِقُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ وهي خُدْعَةُ اللَّهِ الَّتِي خَدَعَ بِها المُنافِقِينَ، حَيْثُ قالَ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] [النِّساءِ: ١٤٢] فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِمَ فِيهِ النُّورُ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا، فَيَنْصَرِفُونَ إلَيْهِمْ، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نُصَلِّي صَلاتَكُمْ، ونَغْزُو مَغازِيَكُمْ، (قالُوا: بَلى) إلى قَوْلِهِ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ . (p-٢٦٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - مِن وجْهٍ آخَرَ - عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: تُبْعَثُ ظُلْمَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ يَرى كَفَّهُ، حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ بِالنُّورِ إلى المُؤْمِنِينَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمْ، فَيَتْبَعُهُمُ المُنافِقُونَ، فَيَقُولُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «البَعْثِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما النّاسُ في ظُلْمَةٍ إذْ بَعَثَ اللَّهُ نُورًا، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ النُّورَ تَوَجَّهُوا نَحْوَهُ، وكانَ النُّورُ دَلِيلًا لَهم مِنَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ، فَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ قَدِ انْطَلَقُوا إلى النُّورِ تَبِعُوهُمْ، فَأظْلَمَ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ فَقالُوا حِينَئِذٍ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَإنّا كُنّا مَعَكم في الدُّنْيا، قالَ المُؤْمِنُونَ: ارْجِعُوا مِن حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ فالتَمِسُوا هُنالِكَ النُّورَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ يَدْعُو النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ؛ سِتْرًا مِنهُ عَلى عِبادِهِ، وأمّا عِنْدَ الصِّراطِ فَإنَّ اللَّهَ يُعْطِي كُلَّ مُؤْمِنٍ نُورًا وكُلَّ مُنافِقٍ نُورًا، فَإذا اسْتَوَوْا عَلى الصِّراطِ سَلَبَ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ، فَقالَ المُنافِقُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ وقالَ المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨] فَلا يَذْكُرُ عِنْدَ (p-٢٧٠)ذَلِكَ أحَدٌ أحَدًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ دَعا اليَهُودَ فَقِيلَ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُقالُ لَهم: كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ فَيَقُولُونَ: عُزَيْرًا، فَيُوَجَّهُونَ وجْهًا. ثُمَّ يُدْعَوْنَ النَّصارى، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ، فَيَقُولُ لَهم: هَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ فَيَقُولُونَ: المَسِيحُ، فَيُوَجَّهُونَ وجْهًا. ثُمَّ يُدْعى المُسْلِمُونَ، وهم عَلى رابِيَةٍ مِنَ الأرْضِ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَيُقالُ لَهم: هَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَغْضَبُونَ، فَيَقُولُونَ: ما عَبَدْنا غَيْرَهُ، فَيُعْطى كُلُّ إنْسانٍ مِنهم نُورًا، ثُمَّ يُوَجَّهُونَ إلى الصِّراطِ، فَما كانَ مِن مُنافِقٍ طُفِئَ نُورُهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ الصِّراطَ»، ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ الآيَةَ، وقَرَأ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] [التَّحْرِيمِ: ٨] إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَيْنَما النّاسُ في ظُلْمَةٍ إذْ بَعَثَ اللَّهُ نُورًا، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ النُّورَ تَوَجَّهُوا نَحْوَهُ، وكانَ النُّورُ لَهم دَلِيلًا إلى الجَنَّةِ مِنَ اللَّهِ، فَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ قَدِ انْطَلَقُوا تَبِعُوهُمْ، فَأظْلَمَ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ، فَقالُوا حِينَئِذٍ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَإنّا كُنّا مَعَكم في الدُّنْيا، قالَ المُؤْمِنُونَ: ارْجِعُوا مِن حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ، فالتَمِسُوا هُنالِكَ النُّورَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي فاخِتَةَ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُرْسِلُ اللَّهُ عَلى النّاسِ ظُلْمَةً، فَيَسْتَغِيثُونَ رَبَّهُمْ، فَيُؤْتِي اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ يَوْمَئِذٍ نُورًا، ويُؤْتِي المُنافِقِينَ نُورًا، فَيَنْطَلِقُونَ جَمِيعًا مُتَوَجِّهِينَ إلى الجَنَّةِ مَعَهم نُورُهُمْ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ طَفَّأ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ، فَيَتَرَدَّدُونَ في الظُّلْمَةِ، ويَسْبِقُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَيُنادُونَهُمُ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ حَيْثُ ذَهَبَ المُؤْمِنُونَ ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ ومِن قِبَلِهِ الجَنَّةُ، ويُنادِيهِمُ المُنافِقُونَ: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ قالُوا: ﴿بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾ فَيَقُولُ المُنافِقُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهم يَتَسَكَّعُونَ في الظُّلْمَةِ: تَعالَوْا نَلْتَمِسْ إلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، فَيَسْقُطُونَ عَلى هُوَّةٍ، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا يَنْفُقُ بِكم إلى المُؤْمِنِينَ، فَيَتَهافَتُونَ فِيها (p-٢٧٢)فَلا يَزالُونَ يَهْوُونَ فِيها حَتّى يَنْتَهُوا إلى قَعْرِ جَهَنَّمَ، فَهُنالِكَ خُدِعَ المُنافِقُونَ، كَما قالَ اللَّهُ: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿انْظُرُونا﴾ مَوْصُولَةً بِرَفْعِ الألِفِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: (أنْظِرُونا) مَقْطُوعَةً بِنَصْبِ الألِفِ وكَسْرِ الظّاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: أيْنَ أنْتَ مِن يَوْمٍ جِيءَ بِجَهَنَّمَ قَدْ سَدَّتْ ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ؟! وقِيلَ: لَنْ تَدْخُلَ الجَنَّةَ حَتّى تَخُوضَ النّارَ، فَإنْ كانَ مَعَكَ نُورٌ اسْتَقامَ بِكَ الصِّراطُ، فَقَدَ - واللَّهِ - نَجَوْتَ وهُدِيتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ نُورٌ تَشَبَّثَ بِكَ بَعْضُ خَطاطِيفِ جَهَنَّمَ أوْ كَلالِيبِها، فَقَدَ – واللَّهِ - رَدِيتَ وهَوَيْتَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: وهم عَلى الصِّراطِ، ﴿انْظُرُونا﴾ يَقُولُ: ارْقُبُونا ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ يَعْنِي نُصِيبُ مِن نُورِكُمْ، فَنَمْضِي مَعَكُمْ، ﴿قِيلَ﴾ يَعْنِي قالَتِ المَلائِكَةُ لَهُمُ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ مِن حَيْثُ (p-٢٧٣)جِئْتُمْ، هَذا مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، كَما اسْتَهْزَءُوا بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، حِينَ قالُوا: آمَنّا، ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] [البَقَرَةِ: ١٥] حِينَ يُقالُ لَهُمُ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي بَيْنَ أصْحابِ الأعْرافِ وبَيْنَ المُنافِقِينَ ﴿بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ يَعْنِي بِالسُّورِ: حائِطٌ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، ﴿لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ يَعْنِي: باطِنُ السُّورِ، ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ مِمّا يَلِي الجَنَّةَ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، وهو الحِجابُ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، أنَّهُ كانَ عَلى سُورِ بَيْتِ المَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ فَبَكى، فَقِيلَ لَهُ ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: ها هُنا أخْبَرَنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ رَأى جَهَنَّمَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ، فَحَدَّثَ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ قالَ: هَذا مَوْضِعُ السُّورِ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: إنَّ السُّورَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ هو السُّورُ الَّذِي بِبَيْتِ (p-٢٧٤)المَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ، ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ المَسْجِدُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ يَعْنِي وادِيَ جَهَنَّمَ وما يَلِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ قالَ: حائِطٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ قالَ: الجَنَّةُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ قالَ: الجَنَّةُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ أحْياءً في الدُّنْيا، يُناكِحُونَهم ويُعاشِرُونَهُمْ، وكانُوا مَعَهم أمْواتًا، ويُعْطَوْنَ النُّورَ جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُطْفَأُ نُورُ المُنافِقِينَ إذا بَلَغُوا السُّورَ، يُمازُ بَيْنَهم حِينَئِذٍ، والسُّورُ كالحِجابِ في «الأعْرافِ» فَيَقُولُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ (p-٢٧٥)أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: بِالشَّهَواتِ واللَّذّاتِ، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ قالَ: بِالتَّوْبَةِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سِنانٍ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: بِالمَعاصِي، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قُلْتُمْ: سَيُغْفَرُ لَنا، ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَحْبُوبٍ اللَّيْثِيِّ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ بِالشَّهَواتِ، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ أيْ شَكَكْتُمْ في اللَّهِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قالَ: طُولُ الأمَلِ، ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ قالَ: تَرَبَّصُوا بِالحَقِّ وأهْلِهِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ قالَ: كانُوا في شَكٍّ مِن أمْرِ اللَّهِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قالَ: كانُوا عَلى خَدِيعَةٍ مِنَ الشَّيْطانِ، واللَّهِ مازالُوا عَلَيْها حَتّى قَذَفَهُمُ اللَّهُ في النّارِ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ يَعْنِي مِنَ المُنافِقِينَ، ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.

الحديد 57:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: عَلى الصِّراطِ حَتّى يَدْخُلُوا الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: عَلى الصِّراطِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ قالَ: إنَّكم تُكْتَبُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِأسْمائِكم وسِيماكم وحُلاكم ونَجْواكم ومَجالِسِكُمْ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قِيلَ: يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلُمَّ بِنُورِكَ، ويا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، لا نُورَ لَكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مَن يُضِيءُ لَهُ نُورُهُ كَما (p-٢٦٧)بَيْنَ المَدِينَةِ إلى عَدَنَ أبْيَنَ، إلى صَنْعاءَ، فَدُونَ ذَلِكَ، حَتّى إنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لا يُضِيءُ لَهُ نُورُهُ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، والنّاسُ مَنازِلُ بِأعْمالِهِمْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: يُؤْتَوْنَ نُورَهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، يَمُرُّونَ عَلى الصِّراطِ، مِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ الجَبَلِ، ومِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ النَّخْلَةِ، وأدْناهم نُورًا مَن نُورُهُ عَلى إبْهامِهِ، يُطْفَأُ مَرَّةً ويُقَدُ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، أنَّهُ سَمِعَ أبا ذَرٍّ وأبا الدَّرْداءِ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا أوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ في السُّجُودِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ أنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَأرْفَعُ رَأْسِي فَأنْظُرُ بَيْنَ يَدَيَّ، ومِن خَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمالِي، فَأعْرِفُ أُمَّتِي مِن بَيْنِ الأُمَمِ» فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: وكَيْفَ تَعْرِفُهم مِن بَيْنِ الأُمَمِ ما بَيْنَ نُوحٍ إلى أُمَّتِكَ؟ قالَ: «غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن أثَرِ الوُضُوءِ، ولا يَكُونُ لِأحَدٍ غَيْرِهِمْ، وأعْرِفُهم أنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، وأعْرِفُهم بِسِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ، (p-٢٦٨)وأعْرِفُهم بِنُورِهِمُ الَّذِي يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وعَنْ أيْمانِهِمْ، وعَنْ شَمائِلِهِمْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، أنَّهُ قالَ: أيُّها النّاسُ إنَّكم قَدْ أصْبَحْتُمْ وأمْسَيْتُمْ في مَنزِلٍ تَقْتَسِمُونَ فِيهِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، وتُوشِكُونَ أنْ تَظْعَنُوا مِنهُ إلى مَنزِلٍ آخَرَ وهو القَبْرُ، بَيْتُ الوَحْدَةِ، وبَيْتُ الظُّلْمَةِ، وبَيْتُ الدُّودِ، وبَيْتُ الضِّيقِ، إلّا ما وسَّعَ اللَّهُ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ مِنهُ إلى مَواطِنِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّكم لَفي بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ حَتّى يَغْشى النّاسَ أمْرُ اللَّهِ، فَتَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ مِنهُ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَتَغْشى النّاسَ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ يُقْسَمُ النُّورُ، فَيُعْطى المُؤْمِنُ نُورًا، ويُتْرَكُ الكافِرُ والمُنافِقُ، فَلا يُعْطَيانِ شَيْئًا، وهو المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] [النُّورِ: ٤٠] ولا يَسْتَضِيءُ الكافِرُ والمُنافِقُ بِنُورِ المُؤْمِنِ، كَما لا يَسْتَضِيءُ الأعْمى بِبَصَرِ البَصِيرِ، ويَقُولُ المُنافِقُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ وهي خُدْعَةُ اللَّهِ الَّتِي خَدَعَ بِها المُنافِقِينَ، حَيْثُ قالَ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] [النِّساءِ: ١٤٢] فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِمَ فِيهِ النُّورُ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا، فَيَنْصَرِفُونَ إلَيْهِمْ، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نُصَلِّي صَلاتَكُمْ، ونَغْزُو مَغازِيَكُمْ، (قالُوا: بَلى) إلى قَوْلِهِ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ . (p-٢٦٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - مِن وجْهٍ آخَرَ - عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: تُبْعَثُ ظُلْمَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ يَرى كَفَّهُ، حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ بِالنُّورِ إلى المُؤْمِنِينَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمْ، فَيَتْبَعُهُمُ المُنافِقُونَ، فَيَقُولُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «البَعْثِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما النّاسُ في ظُلْمَةٍ إذْ بَعَثَ اللَّهُ نُورًا، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ النُّورَ تَوَجَّهُوا نَحْوَهُ، وكانَ النُّورُ دَلِيلًا لَهم مِنَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ، فَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ قَدِ انْطَلَقُوا إلى النُّورِ تَبِعُوهُمْ، فَأظْلَمَ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ فَقالُوا حِينَئِذٍ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَإنّا كُنّا مَعَكم في الدُّنْيا، قالَ المُؤْمِنُونَ: ارْجِعُوا مِن حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ فالتَمِسُوا هُنالِكَ النُّورَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ يَدْعُو النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ؛ سِتْرًا مِنهُ عَلى عِبادِهِ، وأمّا عِنْدَ الصِّراطِ فَإنَّ اللَّهَ يُعْطِي كُلَّ مُؤْمِنٍ نُورًا وكُلَّ مُنافِقٍ نُورًا، فَإذا اسْتَوَوْا عَلى الصِّراطِ سَلَبَ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ، فَقالَ المُنافِقُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ وقالَ المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨] فَلا يَذْكُرُ عِنْدَ (p-٢٧٠)ذَلِكَ أحَدٌ أحَدًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ دَعا اليَهُودَ فَقِيلَ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُقالُ لَهم: كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ فَيَقُولُونَ: عُزَيْرًا، فَيُوَجَّهُونَ وجْهًا. ثُمَّ يُدْعَوْنَ النَّصارى، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ، فَيَقُولُ لَهم: هَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ فَيَقُولُونَ: المَسِيحُ، فَيُوَجَّهُونَ وجْهًا. ثُمَّ يُدْعى المُسْلِمُونَ، وهم عَلى رابِيَةٍ مِنَ الأرْضِ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَيُقالُ لَهم: هَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَغْضَبُونَ، فَيَقُولُونَ: ما عَبَدْنا غَيْرَهُ، فَيُعْطى كُلُّ إنْسانٍ مِنهم نُورًا، ثُمَّ يُوَجَّهُونَ إلى الصِّراطِ، فَما كانَ مِن مُنافِقٍ طُفِئَ نُورُهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ الصِّراطَ»، ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ الآيَةَ، وقَرَأ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] [التَّحْرِيمِ: ٨] إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَيْنَما النّاسُ في ظُلْمَةٍ إذْ بَعَثَ اللَّهُ نُورًا، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ النُّورَ تَوَجَّهُوا نَحْوَهُ، وكانَ النُّورُ لَهم دَلِيلًا إلى الجَنَّةِ مِنَ اللَّهِ، فَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ قَدِ انْطَلَقُوا تَبِعُوهُمْ، فَأظْلَمَ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ، فَقالُوا حِينَئِذٍ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَإنّا كُنّا مَعَكم في الدُّنْيا، قالَ المُؤْمِنُونَ: ارْجِعُوا مِن حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ، فالتَمِسُوا هُنالِكَ النُّورَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي فاخِتَةَ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُرْسِلُ اللَّهُ عَلى النّاسِ ظُلْمَةً، فَيَسْتَغِيثُونَ رَبَّهُمْ، فَيُؤْتِي اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ يَوْمَئِذٍ نُورًا، ويُؤْتِي المُنافِقِينَ نُورًا، فَيَنْطَلِقُونَ جَمِيعًا مُتَوَجِّهِينَ إلى الجَنَّةِ مَعَهم نُورُهُمْ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ طَفَّأ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ، فَيَتَرَدَّدُونَ في الظُّلْمَةِ، ويَسْبِقُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَيُنادُونَهُمُ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ حَيْثُ ذَهَبَ المُؤْمِنُونَ ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ ومِن قِبَلِهِ الجَنَّةُ، ويُنادِيهِمُ المُنافِقُونَ: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ قالُوا: ﴿بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾ فَيَقُولُ المُنافِقُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهم يَتَسَكَّعُونَ في الظُّلْمَةِ: تَعالَوْا نَلْتَمِسْ إلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، فَيَسْقُطُونَ عَلى هُوَّةٍ، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا يَنْفُقُ بِكم إلى المُؤْمِنِينَ، فَيَتَهافَتُونَ فِيها (p-٢٧٢)فَلا يَزالُونَ يَهْوُونَ فِيها حَتّى يَنْتَهُوا إلى قَعْرِ جَهَنَّمَ، فَهُنالِكَ خُدِعَ المُنافِقُونَ، كَما قالَ اللَّهُ: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿انْظُرُونا﴾ مَوْصُولَةً بِرَفْعِ الألِفِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: (أنْظِرُونا) مَقْطُوعَةً بِنَصْبِ الألِفِ وكَسْرِ الظّاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: أيْنَ أنْتَ مِن يَوْمٍ جِيءَ بِجَهَنَّمَ قَدْ سَدَّتْ ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ؟! وقِيلَ: لَنْ تَدْخُلَ الجَنَّةَ حَتّى تَخُوضَ النّارَ، فَإنْ كانَ مَعَكَ نُورٌ اسْتَقامَ بِكَ الصِّراطُ، فَقَدَ - واللَّهِ - نَجَوْتَ وهُدِيتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ نُورٌ تَشَبَّثَ بِكَ بَعْضُ خَطاطِيفِ جَهَنَّمَ أوْ كَلالِيبِها، فَقَدَ – واللَّهِ - رَدِيتَ وهَوَيْتَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: وهم عَلى الصِّراطِ، ﴿انْظُرُونا﴾ يَقُولُ: ارْقُبُونا ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ يَعْنِي نُصِيبُ مِن نُورِكُمْ، فَنَمْضِي مَعَكُمْ، ﴿قِيلَ﴾ يَعْنِي قالَتِ المَلائِكَةُ لَهُمُ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ مِن حَيْثُ (p-٢٧٣)جِئْتُمْ، هَذا مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، كَما اسْتَهْزَءُوا بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، حِينَ قالُوا: آمَنّا، ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] [البَقَرَةِ: ١٥] حِينَ يُقالُ لَهُمُ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي بَيْنَ أصْحابِ الأعْرافِ وبَيْنَ المُنافِقِينَ ﴿بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ يَعْنِي بِالسُّورِ: حائِطٌ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، ﴿لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ يَعْنِي: باطِنُ السُّورِ، ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ مِمّا يَلِي الجَنَّةَ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، وهو الحِجابُ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، أنَّهُ كانَ عَلى سُورِ بَيْتِ المَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ فَبَكى، فَقِيلَ لَهُ ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: ها هُنا أخْبَرَنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ رَأى جَهَنَّمَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ، فَحَدَّثَ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ قالَ: هَذا مَوْضِعُ السُّورِ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: إنَّ السُّورَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ هو السُّورُ الَّذِي بِبَيْتِ (p-٢٧٤)المَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ، ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ المَسْجِدُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ يَعْنِي وادِيَ جَهَنَّمَ وما يَلِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ قالَ: حائِطٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ قالَ: الجَنَّةُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ قالَ: الجَنَّةُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ أحْياءً في الدُّنْيا، يُناكِحُونَهم ويُعاشِرُونَهُمْ، وكانُوا مَعَهم أمْواتًا، ويُعْطَوْنَ النُّورَ جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُطْفَأُ نُورُ المُنافِقِينَ إذا بَلَغُوا السُّورَ، يُمازُ بَيْنَهم حِينَئِذٍ، والسُّورُ كالحِجابِ في «الأعْرافِ» فَيَقُولُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ (p-٢٧٥)أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: بِالشَّهَواتِ واللَّذّاتِ، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ قالَ: بِالتَّوْبَةِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سِنانٍ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: بِالمَعاصِي، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قُلْتُمْ: سَيُغْفَرُ لَنا، ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَحْبُوبٍ اللَّيْثِيِّ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ بِالشَّهَواتِ، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ أيْ شَكَكْتُمْ في اللَّهِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قالَ: طُولُ الأمَلِ، ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ قالَ: تَرَبَّصُوا بِالحَقِّ وأهْلِهِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ قالَ: كانُوا في شَكٍّ مِن أمْرِ اللَّهِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قالَ: كانُوا عَلى خَدِيعَةٍ مِنَ الشَّيْطانِ، واللَّهِ مازالُوا عَلَيْها حَتّى قَذَفَهُمُ اللَّهُ في النّارِ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ يَعْنِي مِنَ المُنافِقِينَ، ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.

الحديد 57:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: عَلى الصِّراطِ حَتّى يَدْخُلُوا الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: عَلى الصِّراطِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ قالَ: إنَّكم تُكْتَبُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِأسْمائِكم وسِيماكم وحُلاكم ونَجْواكم ومَجالِسِكُمْ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قِيلَ: يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلُمَّ بِنُورِكَ، ويا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، لا نُورَ لَكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مَن يُضِيءُ لَهُ نُورُهُ كَما (p-٢٦٧)بَيْنَ المَدِينَةِ إلى عَدَنَ أبْيَنَ، إلى صَنْعاءَ، فَدُونَ ذَلِكَ، حَتّى إنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لا يُضِيءُ لَهُ نُورُهُ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، والنّاسُ مَنازِلُ بِأعْمالِهِمْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: يُؤْتَوْنَ نُورَهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، يَمُرُّونَ عَلى الصِّراطِ، مِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ الجَبَلِ، ومِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ النَّخْلَةِ، وأدْناهم نُورًا مَن نُورُهُ عَلى إبْهامِهِ، يُطْفَأُ مَرَّةً ويُقَدُ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، أنَّهُ سَمِعَ أبا ذَرٍّ وأبا الدَّرْداءِ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا أوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ في السُّجُودِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ أنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَأرْفَعُ رَأْسِي فَأنْظُرُ بَيْنَ يَدَيَّ، ومِن خَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمالِي، فَأعْرِفُ أُمَّتِي مِن بَيْنِ الأُمَمِ» فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: وكَيْفَ تَعْرِفُهم مِن بَيْنِ الأُمَمِ ما بَيْنَ نُوحٍ إلى أُمَّتِكَ؟ قالَ: «غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن أثَرِ الوُضُوءِ، ولا يَكُونُ لِأحَدٍ غَيْرِهِمْ، وأعْرِفُهم أنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، وأعْرِفُهم بِسِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ، (p-٢٦٨)وأعْرِفُهم بِنُورِهِمُ الَّذِي يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وعَنْ أيْمانِهِمْ، وعَنْ شَمائِلِهِمْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، أنَّهُ قالَ: أيُّها النّاسُ إنَّكم قَدْ أصْبَحْتُمْ وأمْسَيْتُمْ في مَنزِلٍ تَقْتَسِمُونَ فِيهِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، وتُوشِكُونَ أنْ تَظْعَنُوا مِنهُ إلى مَنزِلٍ آخَرَ وهو القَبْرُ، بَيْتُ الوَحْدَةِ، وبَيْتُ الظُّلْمَةِ، وبَيْتُ الدُّودِ، وبَيْتُ الضِّيقِ، إلّا ما وسَّعَ اللَّهُ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ مِنهُ إلى مَواطِنِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّكم لَفي بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ حَتّى يَغْشى النّاسَ أمْرُ اللَّهِ، فَتَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ مِنهُ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَتَغْشى النّاسَ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ يُقْسَمُ النُّورُ، فَيُعْطى المُؤْمِنُ نُورًا، ويُتْرَكُ الكافِرُ والمُنافِقُ، فَلا يُعْطَيانِ شَيْئًا، وهو المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] [النُّورِ: ٤٠] ولا يَسْتَضِيءُ الكافِرُ والمُنافِقُ بِنُورِ المُؤْمِنِ، كَما لا يَسْتَضِيءُ الأعْمى بِبَصَرِ البَصِيرِ، ويَقُولُ المُنافِقُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ وهي خُدْعَةُ اللَّهِ الَّتِي خَدَعَ بِها المُنافِقِينَ، حَيْثُ قالَ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] [النِّساءِ: ١٤٢] فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِمَ فِيهِ النُّورُ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا، فَيَنْصَرِفُونَ إلَيْهِمْ، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نُصَلِّي صَلاتَكُمْ، ونَغْزُو مَغازِيَكُمْ، (قالُوا: بَلى) إلى قَوْلِهِ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ . (p-٢٦٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - مِن وجْهٍ آخَرَ - عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: تُبْعَثُ ظُلْمَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ يَرى كَفَّهُ، حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ بِالنُّورِ إلى المُؤْمِنِينَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمْ، فَيَتْبَعُهُمُ المُنافِقُونَ، فَيَقُولُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «البَعْثِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما النّاسُ في ظُلْمَةٍ إذْ بَعَثَ اللَّهُ نُورًا، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ النُّورَ تَوَجَّهُوا نَحْوَهُ، وكانَ النُّورُ دَلِيلًا لَهم مِنَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ، فَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ قَدِ انْطَلَقُوا إلى النُّورِ تَبِعُوهُمْ، فَأظْلَمَ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ فَقالُوا حِينَئِذٍ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَإنّا كُنّا مَعَكم في الدُّنْيا، قالَ المُؤْمِنُونَ: ارْجِعُوا مِن حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ فالتَمِسُوا هُنالِكَ النُّورَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ يَدْعُو النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ؛ سِتْرًا مِنهُ عَلى عِبادِهِ، وأمّا عِنْدَ الصِّراطِ فَإنَّ اللَّهَ يُعْطِي كُلَّ مُؤْمِنٍ نُورًا وكُلَّ مُنافِقٍ نُورًا، فَإذا اسْتَوَوْا عَلى الصِّراطِ سَلَبَ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ، فَقالَ المُنافِقُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ وقالَ المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨] فَلا يَذْكُرُ عِنْدَ (p-٢٧٠)ذَلِكَ أحَدٌ أحَدًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ دَعا اليَهُودَ فَقِيلَ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُقالُ لَهم: كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ فَيَقُولُونَ: عُزَيْرًا، فَيُوَجَّهُونَ وجْهًا. ثُمَّ يُدْعَوْنَ النَّصارى، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ، فَيَقُولُ لَهم: هَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ فَيَقُولُونَ: المَسِيحُ، فَيُوَجَّهُونَ وجْهًا. ثُمَّ يُدْعى المُسْلِمُونَ، وهم عَلى رابِيَةٍ مِنَ الأرْضِ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَيُقالُ لَهم: هَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَغْضَبُونَ، فَيَقُولُونَ: ما عَبَدْنا غَيْرَهُ، فَيُعْطى كُلُّ إنْسانٍ مِنهم نُورًا، ثُمَّ يُوَجَّهُونَ إلى الصِّراطِ، فَما كانَ مِن مُنافِقٍ طُفِئَ نُورُهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ الصِّراطَ»، ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ الآيَةَ، وقَرَأ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] [التَّحْرِيمِ: ٨] إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَيْنَما النّاسُ في ظُلْمَةٍ إذْ بَعَثَ اللَّهُ نُورًا، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ النُّورَ تَوَجَّهُوا نَحْوَهُ، وكانَ النُّورُ لَهم دَلِيلًا إلى الجَنَّةِ مِنَ اللَّهِ، فَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ قَدِ انْطَلَقُوا تَبِعُوهُمْ، فَأظْلَمَ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ، فَقالُوا حِينَئِذٍ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَإنّا كُنّا مَعَكم في الدُّنْيا، قالَ المُؤْمِنُونَ: ارْجِعُوا مِن حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ، فالتَمِسُوا هُنالِكَ النُّورَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي فاخِتَةَ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُرْسِلُ اللَّهُ عَلى النّاسِ ظُلْمَةً، فَيَسْتَغِيثُونَ رَبَّهُمْ، فَيُؤْتِي اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ يَوْمَئِذٍ نُورًا، ويُؤْتِي المُنافِقِينَ نُورًا، فَيَنْطَلِقُونَ جَمِيعًا مُتَوَجِّهِينَ إلى الجَنَّةِ مَعَهم نُورُهُمْ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ طَفَّأ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ، فَيَتَرَدَّدُونَ في الظُّلْمَةِ، ويَسْبِقُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَيُنادُونَهُمُ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ حَيْثُ ذَهَبَ المُؤْمِنُونَ ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ ومِن قِبَلِهِ الجَنَّةُ، ويُنادِيهِمُ المُنافِقُونَ: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ قالُوا: ﴿بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾ فَيَقُولُ المُنافِقُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهم يَتَسَكَّعُونَ في الظُّلْمَةِ: تَعالَوْا نَلْتَمِسْ إلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، فَيَسْقُطُونَ عَلى هُوَّةٍ، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا يَنْفُقُ بِكم إلى المُؤْمِنِينَ، فَيَتَهافَتُونَ فِيها (p-٢٧٢)فَلا يَزالُونَ يَهْوُونَ فِيها حَتّى يَنْتَهُوا إلى قَعْرِ جَهَنَّمَ، فَهُنالِكَ خُدِعَ المُنافِقُونَ، كَما قالَ اللَّهُ: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿انْظُرُونا﴾ مَوْصُولَةً بِرَفْعِ الألِفِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: (أنْظِرُونا) مَقْطُوعَةً بِنَصْبِ الألِفِ وكَسْرِ الظّاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: أيْنَ أنْتَ مِن يَوْمٍ جِيءَ بِجَهَنَّمَ قَدْ سَدَّتْ ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ؟! وقِيلَ: لَنْ تَدْخُلَ الجَنَّةَ حَتّى تَخُوضَ النّارَ، فَإنْ كانَ مَعَكَ نُورٌ اسْتَقامَ بِكَ الصِّراطُ، فَقَدَ - واللَّهِ - نَجَوْتَ وهُدِيتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ نُورٌ تَشَبَّثَ بِكَ بَعْضُ خَطاطِيفِ جَهَنَّمَ أوْ كَلالِيبِها، فَقَدَ – واللَّهِ - رَدِيتَ وهَوَيْتَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: وهم عَلى الصِّراطِ، ﴿انْظُرُونا﴾ يَقُولُ: ارْقُبُونا ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ يَعْنِي نُصِيبُ مِن نُورِكُمْ، فَنَمْضِي مَعَكُمْ، ﴿قِيلَ﴾ يَعْنِي قالَتِ المَلائِكَةُ لَهُمُ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ مِن حَيْثُ (p-٢٧٣)جِئْتُمْ، هَذا مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، كَما اسْتَهْزَءُوا بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، حِينَ قالُوا: آمَنّا، ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] [البَقَرَةِ: ١٥] حِينَ يُقالُ لَهُمُ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي بَيْنَ أصْحابِ الأعْرافِ وبَيْنَ المُنافِقِينَ ﴿بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ يَعْنِي بِالسُّورِ: حائِطٌ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، ﴿لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ يَعْنِي: باطِنُ السُّورِ، ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ مِمّا يَلِي الجَنَّةَ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، وهو الحِجابُ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، أنَّهُ كانَ عَلى سُورِ بَيْتِ المَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ فَبَكى، فَقِيلَ لَهُ ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: ها هُنا أخْبَرَنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ رَأى جَهَنَّمَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ، فَحَدَّثَ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ قالَ: هَذا مَوْضِعُ السُّورِ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: إنَّ السُّورَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ هو السُّورُ الَّذِي بِبَيْتِ (p-٢٧٤)المَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ، ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ المَسْجِدُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ يَعْنِي وادِيَ جَهَنَّمَ وما يَلِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ قالَ: حائِطٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ قالَ: الجَنَّةُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ قالَ: الجَنَّةُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ أحْياءً في الدُّنْيا، يُناكِحُونَهم ويُعاشِرُونَهُمْ، وكانُوا مَعَهم أمْواتًا، ويُعْطَوْنَ النُّورَ جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُطْفَأُ نُورُ المُنافِقِينَ إذا بَلَغُوا السُّورَ، يُمازُ بَيْنَهم حِينَئِذٍ، والسُّورُ كالحِجابِ في «الأعْرافِ» فَيَقُولُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ (p-٢٧٥)أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: بِالشَّهَواتِ واللَّذّاتِ، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ قالَ: بِالتَّوْبَةِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سِنانٍ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: بِالمَعاصِي، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قُلْتُمْ: سَيُغْفَرُ لَنا، ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَحْبُوبٍ اللَّيْثِيِّ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ بِالشَّهَواتِ، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ أيْ شَكَكْتُمْ في اللَّهِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قالَ: طُولُ الأمَلِ، ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ قالَ: تَرَبَّصُوا بِالحَقِّ وأهْلِهِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ قالَ: كانُوا في شَكٍّ مِن أمْرِ اللَّهِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قالَ: كانُوا عَلى خَدِيعَةٍ مِنَ الشَّيْطانِ، واللَّهِ مازالُوا عَلَيْها حَتّى قَذَفَهُمُ اللَّهُ في النّارِ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ يَعْنِي مِنَ المُنافِقِينَ، ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.

الحديد 57:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: عَلى الصِّراطِ حَتّى يَدْخُلُوا الجَنَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: عَلى الصِّراطِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ قالَ: إنَّكم تُكْتَبُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِأسْمائِكم وسِيماكم وحُلاكم ونَجْواكم ومَجالِسِكُمْ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قِيلَ: يا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، هَلُمَّ بِنُورِكَ، ويا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، لا نُورَ لَكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مَن يُضِيءُ لَهُ نُورُهُ كَما (p-٢٦٧)بَيْنَ المَدِينَةِ إلى عَدَنَ أبْيَنَ، إلى صَنْعاءَ، فَدُونَ ذَلِكَ، حَتّى إنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لا يُضِيءُ لَهُ نُورُهُ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، والنّاسُ مَنازِلُ بِأعْمالِهِمْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: يُؤْتَوْنَ نُورَهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، يَمُرُّونَ عَلى الصِّراطِ، مِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ الجَبَلِ، ومِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ النَّخْلَةِ، وأدْناهم نُورًا مَن نُورُهُ عَلى إبْهامِهِ، يُطْفَأُ مَرَّةً ويُقَدُ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، أنَّهُ سَمِعَ أبا ذَرٍّ وأبا الدَّرْداءِ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا أوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ في السُّجُودِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأوَّلُ مَن يُؤْذَنُ لَهُ أنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَأرْفَعُ رَأْسِي فَأنْظُرُ بَيْنَ يَدَيَّ، ومِن خَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمالِي، فَأعْرِفُ أُمَّتِي مِن بَيْنِ الأُمَمِ» فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: وكَيْفَ تَعْرِفُهم مِن بَيْنِ الأُمَمِ ما بَيْنَ نُوحٍ إلى أُمَّتِكَ؟ قالَ: «غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن أثَرِ الوُضُوءِ، ولا يَكُونُ لِأحَدٍ غَيْرِهِمْ، وأعْرِفُهم أنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، وأعْرِفُهم بِسِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ، (p-٢٦٨)وأعْرِفُهم بِنُورِهِمُ الَّذِي يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وعَنْ أيْمانِهِمْ، وعَنْ شَمائِلِهِمْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، أنَّهُ قالَ: أيُّها النّاسُ إنَّكم قَدْ أصْبَحْتُمْ وأمْسَيْتُمْ في مَنزِلٍ تَقْتَسِمُونَ فِيهِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، وتُوشِكُونَ أنْ تَظْعَنُوا مِنهُ إلى مَنزِلٍ آخَرَ وهو القَبْرُ، بَيْتُ الوَحْدَةِ، وبَيْتُ الظُّلْمَةِ، وبَيْتُ الدُّودِ، وبَيْتُ الضِّيقِ، إلّا ما وسَّعَ اللَّهُ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ مِنهُ إلى مَواطِنِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّكم لَفي بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ حَتّى يَغْشى النّاسَ أمْرُ اللَّهِ، فَتَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ مِنهُ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَتَغْشى النّاسَ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ يُقْسَمُ النُّورُ، فَيُعْطى المُؤْمِنُ نُورًا، ويُتْرَكُ الكافِرُ والمُنافِقُ، فَلا يُعْطَيانِ شَيْئًا، وهو المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] [النُّورِ: ٤٠] ولا يَسْتَضِيءُ الكافِرُ والمُنافِقُ بِنُورِ المُؤْمِنِ، كَما لا يَسْتَضِيءُ الأعْمى بِبَصَرِ البَصِيرِ، ويَقُولُ المُنافِقُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ وهي خُدْعَةُ اللَّهِ الَّتِي خَدَعَ بِها المُنافِقِينَ، حَيْثُ قالَ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] [النِّساءِ: ١٤٢] فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِمَ فِيهِ النُّورُ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا، فَيَنْصَرِفُونَ إلَيْهِمْ، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نُصَلِّي صَلاتَكُمْ، ونَغْزُو مَغازِيَكُمْ، (قالُوا: بَلى) إلى قَوْلِهِ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ . (p-٢٦٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - مِن وجْهٍ آخَرَ - عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: تُبْعَثُ ظُلْمَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ يَرى كَفَّهُ، حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ بِالنُّورِ إلى المُؤْمِنِينَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمْ، فَيَتْبَعُهُمُ المُنافِقُونَ، فَيَقُولُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «البَعْثِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنَما النّاسُ في ظُلْمَةٍ إذْ بَعَثَ اللَّهُ نُورًا، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ النُّورَ تَوَجَّهُوا نَحْوَهُ، وكانَ النُّورُ دَلِيلًا لَهم مِنَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ، فَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ قَدِ انْطَلَقُوا إلى النُّورِ تَبِعُوهُمْ، فَأظْلَمَ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ فَقالُوا حِينَئِذٍ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَإنّا كُنّا مَعَكم في الدُّنْيا، قالَ المُؤْمِنُونَ: ارْجِعُوا مِن حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ فالتَمِسُوا هُنالِكَ النُّورَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ يَدْعُو النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ؛ سِتْرًا مِنهُ عَلى عِبادِهِ، وأمّا عِنْدَ الصِّراطِ فَإنَّ اللَّهَ يُعْطِي كُلَّ مُؤْمِنٍ نُورًا وكُلَّ مُنافِقٍ نُورًا، فَإذا اسْتَوَوْا عَلى الصِّراطِ سَلَبَ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ، فَقالَ المُنافِقُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ وقالَ المُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨] فَلا يَذْكُرُ عِنْدَ (p-٢٧٠)ذَلِكَ أحَدٌ أحَدًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ دَعا اليَهُودَ فَقِيلَ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُقالُ لَهم: كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ فَيَقُولُونَ: عُزَيْرًا، فَيُوَجَّهُونَ وجْهًا. ثُمَّ يُدْعَوْنَ النَّصارى، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ، فَيَقُولُ لَهم: هَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ فَيَقُولُونَ: المَسِيحُ، فَيُوَجَّهُونَ وجْهًا. ثُمَّ يُدْعى المُسْلِمُونَ، وهم عَلى رابِيَةٍ مِنَ الأرْضِ، فَيُقالُ لَهم: مَن كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَيُقالُ لَهم: هَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَيَغْضَبُونَ، فَيَقُولُونَ: ما عَبَدْنا غَيْرَهُ، فَيُعْطى كُلُّ إنْسانٍ مِنهم نُورًا، ثُمَّ يُوَجَّهُونَ إلى الصِّراطِ، فَما كانَ مِن مُنافِقٍ طُفِئَ نُورُهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ الصِّراطَ»، ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ الآيَةَ، وقَرَأ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] [التَّحْرِيمِ: ٨] إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: بَيْنَما النّاسُ في ظُلْمَةٍ إذْ بَعَثَ اللَّهُ نُورًا، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ النُّورَ تَوَجَّهُوا نَحْوَهُ، وكانَ النُّورُ لَهم دَلِيلًا إلى الجَنَّةِ مِنَ اللَّهِ، فَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ قَدِ انْطَلَقُوا تَبِعُوهُمْ، فَأظْلَمَ اللَّهُ عَلى المُنافِقِينَ، فَقالُوا حِينَئِذٍ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَإنّا كُنّا مَعَكم في الدُّنْيا، قالَ المُؤْمِنُونَ: ارْجِعُوا مِن حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ، فالتَمِسُوا هُنالِكَ النُّورَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي فاخِتَةَ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُرْسِلُ اللَّهُ عَلى النّاسِ ظُلْمَةً، فَيَسْتَغِيثُونَ رَبَّهُمْ، فَيُؤْتِي اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ يَوْمَئِذٍ نُورًا، ويُؤْتِي المُنافِقِينَ نُورًا، فَيَنْطَلِقُونَ جَمِيعًا مُتَوَجِّهِينَ إلى الجَنَّةِ مَعَهم نُورُهُمْ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ طَفَّأ اللَّهُ نُورَ المُنافِقِينَ، فَيَتَرَدَّدُونَ في الظُّلْمَةِ، ويَسْبِقُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَيُنادُونَهُمُ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ حَيْثُ ذَهَبَ المُؤْمِنُونَ ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ ومِن قِبَلِهِ الجَنَّةُ، ويُنادِيهِمُ المُنافِقُونَ: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ قالُوا: ﴿بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾ فَيَقُولُ المُنافِقُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهم يَتَسَكَّعُونَ في الظُّلْمَةِ: تَعالَوْا نَلْتَمِسْ إلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، فَيَسْقُطُونَ عَلى هُوَّةٍ، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا يَنْفُقُ بِكم إلى المُؤْمِنِينَ، فَيَتَهافَتُونَ فِيها (p-٢٧٢)فَلا يَزالُونَ يَهْوُونَ فِيها حَتّى يَنْتَهُوا إلى قَعْرِ جَهَنَّمَ، فَهُنالِكَ خُدِعَ المُنافِقُونَ، كَما قالَ اللَّهُ: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿انْظُرُونا﴾ مَوْصُولَةً بِرَفْعِ الألِفِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: (أنْظِرُونا) مَقْطُوعَةً بِنَصْبِ الألِفِ وكَسْرِ الظّاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: أيْنَ أنْتَ مِن يَوْمٍ جِيءَ بِجَهَنَّمَ قَدْ سَدَّتْ ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ؟! وقِيلَ: لَنْ تَدْخُلَ الجَنَّةَ حَتّى تَخُوضَ النّارَ، فَإنْ كانَ مَعَكَ نُورٌ اسْتَقامَ بِكَ الصِّراطُ، فَقَدَ - واللَّهِ - نَجَوْتَ وهُدِيتَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ نُورٌ تَشَبَّثَ بِكَ بَعْضُ خَطاطِيفِ جَهَنَّمَ أوْ كَلالِيبِها، فَقَدَ – واللَّهِ - رَدِيتَ وهَوَيْتَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: وهم عَلى الصِّراطِ، ﴿انْظُرُونا﴾ يَقُولُ: ارْقُبُونا ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ يَعْنِي نُصِيبُ مِن نُورِكُمْ، فَنَمْضِي مَعَكُمْ، ﴿قِيلَ﴾ يَعْنِي قالَتِ المَلائِكَةُ لَهُمُ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ مِن حَيْثُ (p-٢٧٣)جِئْتُمْ، هَذا مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، كَما اسْتَهْزَءُوا بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، حِينَ قالُوا: آمَنّا، ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] [البَقَرَةِ: ١٥] حِينَ يُقالُ لَهُمُ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي بَيْنَ أصْحابِ الأعْرافِ وبَيْنَ المُنافِقِينَ ﴿بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ يَعْنِي بِالسُّورِ: حائِطٌ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، ﴿لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ يَعْنِي: باطِنُ السُّورِ، ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ مِمّا يَلِي الجَنَّةَ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، وهو الحِجابُ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، أنَّهُ كانَ عَلى سُورِ بَيْتِ المَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ فَبَكى، فَقِيلَ لَهُ ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: ها هُنا أخْبَرَنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ رَأى جَهَنَّمَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ، فَحَدَّثَ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ قالَ: هَذا مَوْضِعُ السُّورِ عِنْدَ وادِي جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: إنَّ السُّورَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ هو السُّورُ الَّذِي بِبَيْتِ (p-٢٧٤)المَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ، ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ المَسْجِدُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ يَعْنِي وادِيَ جَهَنَّمَ وما يَلِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ قالَ: حائِطٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ قالَ: الجَنَّةُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ قالَ: الجَنَّةُ، ﴿وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ أحْياءً في الدُّنْيا، يُناكِحُونَهم ويُعاشِرُونَهُمْ، وكانُوا مَعَهم أمْواتًا، ويُعْطَوْنَ النُّورَ جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُطْفَأُ نُورُ المُنافِقِينَ إذا بَلَغُوا السُّورَ، يُمازُ بَيْنَهم حِينَئِذٍ، والسُّورُ كالحِجابِ في «الأعْرافِ» فَيَقُولُونَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ (p-٢٧٥)أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: بِالشَّهَواتِ واللَّذّاتِ، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ قالَ: بِالتَّوْبَةِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سِنانٍ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: بِالمَعاصِي، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ شَكَكْتُمْ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قُلْتُمْ: سَيُغْفَرُ لَنا، ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَحْبُوبٍ اللَّيْثِيِّ: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ بِالشَّهَواتِ، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ أيْ شَكَكْتُمْ في اللَّهِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قالَ: طُولُ الأمَلِ، ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: المَوْتُ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ قالَ: تَرَبَّصُوا بِالحَقِّ وأهْلِهِ، ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ قالَ: كانُوا في شَكٍّ مِن أمْرِ اللَّهِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قالَ: كانُوا عَلى خَدِيعَةٍ مِنَ الشَّيْطانِ، واللَّهِ مازالُوا عَلَيْها حَتّى قَذَفَهُمُ اللَّهُ في النّارِ، ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ يَعْنِي مِنَ المُنافِقِينَ، ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.

الحديد 57:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. (p-٢٧٦)أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: (ألَمّا يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ، لا أعْلَمُهُ إلّا مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اسْتَبْطَأ اللَّهُ قُلُوبَ المُهاجِرِينَ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ في المَسْجِدِ وهم يَضْحَكُونَ، فَسَحَبَ رِداءَهُ، مُحْمَرًّا وجْهُهُ، فَقالَ: «أتَضْحَكُونَ ولَمْ يَأْتِكم أمانٌ مِن رَبِّكم بِأنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ؟! ولَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ في ضَحِكِكم آيَةٌ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ: فَما كَفّارَةُ ذَلِكَ؟ قالَ: «تَبْكُونَ قَدْرَ ما ضَحِكْتُمْ»» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عاتَبَنا اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ إسْلامِهِمْ وبَيْنَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يُعاتِبُهُمُ اللَّهُ بِها إلّا أرْبَعُ سِنِينَ: ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، أقْبَلَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ: أيَّ شَيْءٍ أحْدَثْنا؟! أيَّ شَيْءٍ صَنَعْنا؟! . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُهاجِرِينَ فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في «المُصَنَّفِ» عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ، أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ ظَهَرَ مِنهُمُ المُزاحُ والضَّحِكُ فَنَزَلَتْ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: كانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أخَذُوا في شَيْءٍ مِنَ المُزاحِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنِ القاسِمِ قالَ: «مَلَّ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ مَلَّةً فَقالُوا: حَدِّثْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] [يُوسُفَ: ٣] ثُمَّ مَلُّوا مَلَّةً فَقالُوا: حَدِّثْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] [الزُّمَرِ: ٢٣] ثُمَّ مَلُّوا مَلَّةً فَقالُوا: حَدِّثْنا يا رَسُولَ اللَّهِ (p-٢٧٨)فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الأعْمَشِ قالَ: لَمّا قَدِمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَأصابُوا مِن لِينِ العَيْشِ ما أصابُوا، بَعْدَما كانَ بِهِمْ مِنَ الجَهْدِ، فَكَأنَّهم فَتَرُوا عَنْ بَعْضِ ما كانُوا عَلَيْهِ فَعُوتِبُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ألا لا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، ألا إنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ألا إنَّما البَعِيدُ ما لَيْسَ بِآتٍ»» . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا طالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمُ، اخْتَرَعُوا كِتابًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمُ، اسْتَهْوَتْهُ قُلُوبُهُمْ، واسْتَحْلَتْهُ ألْسِنَتُهُمْ، وكانَ الحَقُّ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ كَثِيرٍ مِن شَهَواتِهِمْ، حَتّى نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ، كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ، فَقالُوا: اعْرِضُوا هَذا الكِتابَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنْ تابَعُوكم فاتْرُكُوهُمْ، وإنْ خالَفُوكم فاقْتُلُوهُمْ، قالُوا: لا، بَلْ أرْسِلُوا إلى فُلانٍ - رَجُلٍ مِن عُلَمائِهِمْ - فاعْرِضُوا عَلَيْهِ هَذا الكِتابَ، فَإنْ تابَعَكم فَلَنْ يُخالِفَكم أحَدٌ بَعْدَهُ، وإنْ خالَفَكم فاقْتُلُوهُ، فَلَنْ يَخْتَلِفَ عَلَيْكم أحَدٌ بَعْدَهُ، فَأرْسَلُوا إلَيْهِ، فَأخَذَ ورَقَةً وكَتَبَ فِيها (p-٢٧٩)كِتابَ اللَّهِ، فَوَضَعَها في قَرَنٍ، ثُمَّ عَلَّقَها في عُنُقِهِ، ثُمَّ لَبِسَ عَلَيْهِ الثِّيابَ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ الكِتابَ، فَقالُوا: أتُؤْمِنُ بِهَذا؟ فَأوْمَأ إلى صَدْرِهِ فَقالَ: آمَنتُ بِهَذا، وما لِي لا أُومِنُ بِهَذا؟! يَعْنِي الكِتابَ الَّذِي في القَرَنِ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، وكانَ لَهُ أصْحابٌ يَغْشَوْنَهُ، فَلَمّا ماتَ وجَدُوا القَرَنَ الَّذِي فِيهِ الكِتابَ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ فَقالُوا: ألا تَرَوْنَ إلى قَوْلِهِ: آمَنتُ بِهَذا ومالِي لا أُومِنُ بِهَذا؟! إنَّما عَنى هَذا الكِتابَ، فاخْتَلَفَ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى بِضْعٍ وسَبْعِينَ مِلَّةً، وخَيْرُ مِلَلِهِمْ أصْحابُ ذِي القَرَنِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: وإنَّ مَن بَقِيَ مِنكم سَيَرى مُنْكَرًا، وبِحَسْبِ امْرِئٍ يَرى مُنْكَرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُغَيِّرَهُ أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ لَهُ كارِهٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرِ، أنَّهُ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ بَكى، ثُمَّ قالَ: بَلى يا رَبِّ بَلى يا رَبِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كانَ شَدّادُ بْنُ أوْسٍ يَقُولُ: أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ. (p-٢٨٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ شَدّادَ بْنَ أوْسٍ كانَ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ««أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: يَقُولُ: ألَمْ يَتَبَيَّنْ لِلَّذِينَ آمَنُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ قالَ: يَعْنِي أنَّهُ يُلِينُ القُلُوبَ بَعْدَ قَسْوَتِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الأمَدُ﴾ قالَ: الدَّهْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ أبِي الأسْوَدِ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: جَمَعَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ القُرّاءَ فَقالَ: لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكم إلّا مَن جَمَعَ القُرْآنَ، فَدَخَلْنا زُهاءَ ثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ، فَوَعَظَنا، وقالَ: أنْتُمْ قُرّاءُ هَذِهِ البَلَدِ، وأنْتُمْ، فَلا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، كَما قَسَتْ قُلُوبُ أهْلِ الكِتابِ. (p-٢٨١)

الحديد 57:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. (p-٢٧٦)أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: (ألَمّا يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ، لا أعْلَمُهُ إلّا مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اسْتَبْطَأ اللَّهُ قُلُوبَ المُهاجِرِينَ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ في المَسْجِدِ وهم يَضْحَكُونَ، فَسَحَبَ رِداءَهُ، مُحْمَرًّا وجْهُهُ، فَقالَ: «أتَضْحَكُونَ ولَمْ يَأْتِكم أمانٌ مِن رَبِّكم بِأنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ؟! ولَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ في ضَحِكِكم آيَةٌ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ: فَما كَفّارَةُ ذَلِكَ؟ قالَ: «تَبْكُونَ قَدْرَ ما ضَحِكْتُمْ»» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عاتَبَنا اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ إسْلامِهِمْ وبَيْنَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يُعاتِبُهُمُ اللَّهُ بِها إلّا أرْبَعُ سِنِينَ: ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، أقْبَلَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ: أيَّ شَيْءٍ أحْدَثْنا؟! أيَّ شَيْءٍ صَنَعْنا؟! . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُهاجِرِينَ فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في «المُصَنَّفِ» عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ، أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ ظَهَرَ مِنهُمُ المُزاحُ والضَّحِكُ فَنَزَلَتْ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: كانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أخَذُوا في شَيْءٍ مِنَ المُزاحِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنِ القاسِمِ قالَ: «مَلَّ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ مَلَّةً فَقالُوا: حَدِّثْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] [يُوسُفَ: ٣] ثُمَّ مَلُّوا مَلَّةً فَقالُوا: حَدِّثْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] [الزُّمَرِ: ٢٣] ثُمَّ مَلُّوا مَلَّةً فَقالُوا: حَدِّثْنا يا رَسُولَ اللَّهِ (p-٢٧٨)فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الأعْمَشِ قالَ: لَمّا قَدِمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَأصابُوا مِن لِينِ العَيْشِ ما أصابُوا، بَعْدَما كانَ بِهِمْ مِنَ الجَهْدِ، فَكَأنَّهم فَتَرُوا عَنْ بَعْضِ ما كانُوا عَلَيْهِ فَعُوتِبُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿ألَمْ يَأْنِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ألا لا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، ألا إنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ألا إنَّما البَعِيدُ ما لَيْسَ بِآتٍ»» . وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا طالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمُ، اخْتَرَعُوا كِتابًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمُ، اسْتَهْوَتْهُ قُلُوبُهُمْ، واسْتَحْلَتْهُ ألْسِنَتُهُمْ، وكانَ الحَقُّ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ كَثِيرٍ مِن شَهَواتِهِمْ، حَتّى نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ، كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ، فَقالُوا: اعْرِضُوا هَذا الكِتابَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنْ تابَعُوكم فاتْرُكُوهُمْ، وإنْ خالَفُوكم فاقْتُلُوهُمْ، قالُوا: لا، بَلْ أرْسِلُوا إلى فُلانٍ - رَجُلٍ مِن عُلَمائِهِمْ - فاعْرِضُوا عَلَيْهِ هَذا الكِتابَ، فَإنْ تابَعَكم فَلَنْ يُخالِفَكم أحَدٌ بَعْدَهُ، وإنْ خالَفَكم فاقْتُلُوهُ، فَلَنْ يَخْتَلِفَ عَلَيْكم أحَدٌ بَعْدَهُ، فَأرْسَلُوا إلَيْهِ، فَأخَذَ ورَقَةً وكَتَبَ فِيها (p-٢٧٩)كِتابَ اللَّهِ، فَوَضَعَها في قَرَنٍ، ثُمَّ عَلَّقَها في عُنُقِهِ، ثُمَّ لَبِسَ عَلَيْهِ الثِّيابَ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ الكِتابَ، فَقالُوا: أتُؤْمِنُ بِهَذا؟ فَأوْمَأ إلى صَدْرِهِ فَقالَ: آمَنتُ بِهَذا، وما لِي لا أُومِنُ بِهَذا؟! يَعْنِي الكِتابَ الَّذِي في القَرَنِ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، وكانَ لَهُ أصْحابٌ يَغْشَوْنَهُ، فَلَمّا ماتَ وجَدُوا القَرَنَ الَّذِي فِيهِ الكِتابَ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ فَقالُوا: ألا تَرَوْنَ إلى قَوْلِهِ: آمَنتُ بِهَذا ومالِي لا أُومِنُ بِهَذا؟! إنَّما عَنى هَذا الكِتابَ، فاخْتَلَفَ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى بِضْعٍ وسَبْعِينَ مِلَّةً، وخَيْرُ مِلَلِهِمْ أصْحابُ ذِي القَرَنِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: وإنَّ مَن بَقِيَ مِنكم سَيَرى مُنْكَرًا، وبِحَسْبِ امْرِئٍ يَرى مُنْكَرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُغَيِّرَهُ أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ لَهُ كارِهٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرِ، أنَّهُ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ بَكى، ثُمَّ قالَ: بَلى يا رَبِّ بَلى يا رَبِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كانَ شَدّادُ بْنُ أوْسٍ يَقُولُ: أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ. (p-٢٨٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ شَدّادَ بْنَ أوْسٍ كانَ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ««أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: يَقُولُ: ألَمْ يَتَبَيَّنْ لِلَّذِينَ آمَنُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ قالَ: يَعْنِي أنَّهُ يُلِينُ القُلُوبَ بَعْدَ قَسْوَتِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الأمَدُ﴾ قالَ: الدَّهْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ أبِي الأسْوَدِ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: جَمَعَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ القُرّاءَ فَقالَ: لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكم إلّا مَن جَمَعَ القُرْآنَ، فَدَخَلْنا زُهاءَ ثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ، فَوَعَظَنا، وقالَ: أنْتُمْ قُرّاءُ هَذِهِ البَلَدِ، وأنْتُمْ، فَلا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، كَما قَسَتْ قُلُوبُ أهْلِ الكِتابِ. (p-٢٨١)

الحديد 57:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن فَرَّ بِدِينِهِ مَن أرْضٍ إلى أرْضٍ مَخافَةَ الفِتْنَةِ عَلى نَفْسِهِ ودِينِهِ، كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، فَإذا ماتَ قَبَضَهُ اللَّهُ شَهِيدًا، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ثُمَّ قالَ: «هَذِهِ فِيهِمْ»، ثُمَّ قالَ: «والفَرّارُونَ بِدِينِهِمْ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَداءُ» ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ ﷺ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد»: ١٩] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٌ شَهِيدٌ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَمُوتُ عَلى فِراشِهِ وهو شَهِيدٌ، ثُمَّ تَلا: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ . (p-٢٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّهُ قالَ يَوْمًا وهم عِنْدَهُ: كُلُّكم صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ، قِيلَ لَهُ: ما تَقُولُ يا أبا هُرَيْرَةَ؟ قالَ: اقْرَءُوا: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: إنَّما الشَّهِيدُ الَّذِي لَوْ ماتَ عَلى فِراشِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ، يَعْنِي الَّذِي يَمُوتُ عَلى فِراشِهِ ولا ذَنْبَ لَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ، ثُمَّ تَلا: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قالَ: هم صِدِّيقُونَ وشُهَداءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ مَفْصُولَةٌ، ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ مَفْصُولَةٌ، سَمّاهم صِدِّيقِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿والشُّهَداءُ (p-٢٨٣)عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: هي لِلشُّهَداءِ خاصَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجُهَنِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ إنْ شَهِدْتُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وصَلَّيْتُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأدَّيْتُ الزَّكاةَ، وصُمْتُ رَمَضانَ وقُمْتُهُ، فَمِمَّنْ أنا؟ قالَ: «مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ»» .

الحديد 57:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ﴾ قالَ: صارَ النّاسُ إلى هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في الآخِرَةِ.

الحديد 57:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكُمْ﴾ يَقُولُ: الدِّينِ والدُّنْيا، ﴿إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ قالَ: نَخْلُقَها ﴿لِكَيْلا (p-٢٨٤)تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] مِنَ الدُّنْيا ﴿ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] مِنها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ الآيَةَ قالَ: هو شَيْءٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأ الأنْفُسَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي حَسّانَ «أنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلا عَلى عائِشَةَ فَقالا: إنَّ أبا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «إنَّما الطِّيَرَةُ في الدّابَّةِ والمَرْأةِ والدّارِ» فَقالَتْ: والَّذِي أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى أبِي القاسِمِ ما هَكَذا كانَ يَقُولُ، ولَكِنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّما الطِّيَرَةُ في المَرْأةِ والدّابَّةِ والدّارِ»، ثُمَّ قَرَأتْ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد»: ٢٢] . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ! مَن يَشُكُّ في هَذا؟! كُلُّ مُصِيبَةٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ (p-٢٨٥)فَفِي كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأ النَّسَمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] الآيَةَ قالَ: لَيْسَ أحَدٌ إلّا وهو يَحْزَنُ ويَفْرَحُ، ولَكِنْ مَن أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ جَعَلَها صَبْرًا، ومَن أصابَهُ خَيْرٌ جَعَلَهُ شُكْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ قالَ: يُرِيدُ مَصائِبَ المَعاشِ، ولا يُرِيدُ مَصائِبَ الدِّينِ؛ إنَّهُ قالَ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] ولَيْسَ مِن مَصائِبِ الدِّينِ، أمَرَهم أنْ يَأْسَوْا عَلى السَّيِّئَةِ، ويَفْرَحُوا بِالحَسَنَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: إنَّهُ لَيُقْضى بِالسَّيِّئَةِ في السَّماءِ، وهو كُلَّ يَوْمٍ في شَأْنٍ، ثُمَّ يُضْرَبُ لَها أجَلٌ فَيَحْبِسُها إلى أجْلِها، فَإذا جاءَ أجَلُها أرْسَلَها، فَلَيْسَ لَها مَرْدُودٌ؛ إنَّهُ كائِنٌ في يَوْمِ كَذا، مِن شَهْرِ كَذا (p-٢٨٦)مِن سَنَةِ كَذا، في بَلَدِ كَذا، مِنَ مُصِيبَةٍ في القَحْطِ والرِّزْقِ، والمُصِيبَةِ في الخاصَّةِ والعامَّةِ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ يَأْخُذُ العَصا يَتَعَصّا بِها، وقَدْ كانَ لَها كارِهًا، ثُمَّ يَعْتادُها حَتّى ما يَسْتَطِيعُ تَرْكَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أبِي صالِحٍ قالَ: دَخَلْتُ عَلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في نَفَرٍ، فَبَكى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ: ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: أبْكِي لِما أرى بِكَ، ولِما يُذْهَبُ بِكَ إلَيْهِ، قالَ: فَلا تَبْكِ، فَإنَّهُ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنْ يَكُونَ، ألا تَسْمَعُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ السِّنِينَ، ﴿ولا في أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: الأوْجاعُ والأمْراضُ، ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ قالَ: مِن قَبْلِ أنْ نَخْلُقَها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ المُصِيبَةَ ثُمَّ حَبَسَها (p-٢٨٧)عِنْدَهُ، ثُمَّ يَخْلُقُ صاحِبَها، فَإذا عَمِلَ خَطِيئَتَها أرْسَلَها عَلَيْهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ جابِرٍ الهُجَيْمِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سَيُفْتَحُ عَلى أُمَّتِي بابٌ مِنَ القَدَرِ في آخِرِ الزَّمانِ لا يَسُدُّهُ شَيْءٌ، يَكْفِيكم مِنهُ أنْ تَلْقَوْهم بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ﴾ الآيَةَ» .

الحديد 57:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ «الزُّهْدِ» عَنْ قَزَعَةَ قالَ: رَأيْتُ عَلى ابْنِ عُمَرَ ثِيابًا خَشِنَةً، فَقُلْتُ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنِّي قَدْ أتَيْتُكَ بِثَوْبٍ لَيِّنٍ مِمّا يُصْنَعُ بِخُراسانَ، وتَقَرُّ عَيْنِي أنْ أراهُ عَلَيْكَ، فَإنَّ عَلَيْكَ ثِيابًا خَشِنَةً، قالَ: إنِّي أخافُ أنْ ألْبَسَهُ فَأكُونَ مُخْتالًا فَخُورًا، واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ.

الحديد 57:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ قالَ: العَدْلَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ (p-٢٨٨)فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ قالَ: جُنَّةٌ وسِلاحٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ أوَّلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنَ الحَدِيدِ الكَلْبَتَيْنِ، والَّذِي يُضْرَبُ عَلَيْهِ الحَدِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأيّامِ فَقالَ: السَّبْتُ عَدَدٌ، والأحَدُ عَدَدٌ، والِاثْنَيْنُ يَوْمٌ تُعْرَضُ فِيهِ الأعْمالُ، والثُّلاثاءُ يَوْمُ الدَّمِ، والأرْبِعاءُ يَوْمُ الحَدِيدِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ والخَمِيسُ يَوْمٌ تُعْرَضُ فِيهِ الأعْمالُ، والجُمُعَةُ يَوْمُ بَدَأ اللَّهُ الخَلْقَ، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ.

الحديد 57:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ» وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يا عَبْدَ اللَّهِ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ: «هَلْ تَدْرِي أيُّ عُرى الإيمانِ أوْثَقُ»؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، (p-٢٨٩)قالَ: «أوْثَقُ الإيمانِ الوِلايَةُ في اللَّهِ؛ بِالحُبِّ فِيهِ والبُغْضِ فِيهِ» قالَ: «هَلْ تَدْرِي أيُّ النّاسِ أفْضَلُ»؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «أفْضَلُ النّاسِ أفْضَلُهم عَمَلًا إذا فَقُهُوا في دِينِهِمْ، يا عَبْدَ اللَّهِ، هَلْ تَدْرِي أيُّ النّاسِ أعْلَمُ»؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «فَإنَّ أعْلَمَ النّاسِ أبْصَرُهم بِالحَقِّ إذا اخْتَلَفَ النّاسُ، وإنْ كانَ مُقَصِّرًا بِالعَمَلِ، وإنْ كانَ يَزْحَفُ عَلى اسْتِهِ، واخْتَلَفَ مَن كانَ قَبْلَنا عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، نَجا مِنها ثَلاثٌ، وهَلَكَ سائِرُها، فِرْقَةٌ وازَتِ المُلُوكَ وقاتَلَتْهم عَلى دِينِ اللَّهِ، وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، حَتّى قُتِلُوا، وفِرْقَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهم طاقَةٌ بِمُوازاةِ المُلُوكِ، فَأقامُوا بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمِهِمْ، فَدَعَوْهم إلى دِينِ اللَّهِ ودِينِ عِيسى، فَقَتَلَتْهُمُ المُلُوكُ، ونَشَرُوهم بِالمَناشِيرِ، وفِرْقَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهم طاقَةٌ بِمُوازاةِ المُلُوكِ ولا بِالمَقامِ مَعَهُمْ، فَساحُوا في الجِبالِ وتَرَهَّبُوا فِيها، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِي (p-٢٩٠)وصَدَّقُونِي ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ الَّذِينَ كَفَرُوا بِي وجَحَدُونِي» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ مُلُوكٌ بَعْدَ عِيسى بَدَّلَتِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، فَكانَ مِنهم مُؤْمِنُونَ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، فَقِيلَ لِمُلُوكِهِمْ: ما نَجِدُ شَيْئًا أشَدَّ مِن شَتْمٍ يَشْتُمُنا هَؤُلاءِ، أنَّهم يَقْرَءُونَ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] [المائِدَةِ: ٤٤ - ٤٧] مَعَ ما يَعِيبُونَنا بِهِ مِن أعْمالِنا في قِراءَتِهِمْ، فادْعُهم فَلْيَقْرَءُوا كَما نَقْرَأُ، ولْيُؤْمِنُوا كَما آمَنّا، فَدَعاهم فَجَمَعَهم وعَرَضَ عَلَيْهِمُ القَتْلَ أوْ يَتْرُكُوا قِراءَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، إلّا ما بَدَّلُوا مِنها، فَقالُوا: ما تُرِيدُونَ إلى ذَلِكَ؟ دَعُونا، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ: ابْنُوا لَنا أُسْطُوانَةً، ثُمَّ ارْفَعُونا إلَيْها، ثُمَّ أعْطُونا شَيْئًا نَرْفَعُ بِهِ طَعامَنا وشَرابَنا، ولا نَرِدُ عَلَيْكُمْ، وقالَتْ طائِفَةٌ: دَعُونا نَسِيحُ في الأرْضِ ونَهِيمُ، ونَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُ مِنهُ الوُحُوشُ، ونَشْرَبُ كَما تَشْرَبُ، فَإنْ (p-٢٩١)قَدَرْتُمْ عَلَيْنا في أرْضِكم فاقْتُلُونا، وقالَتْ طائِفَةٌ: ابْنُوا لَنا دُورًا في الفَيافِي، ونَحْتَفِرُ الآبارَ، ونَحْرُثُ البُقُولَ، فَلا نَرِدُ عَلَيْكُمْ، ولا نَمُرُّ بِكُمْ، ولَيْسَ أحَدٌ مِنَ القَبائِلِ إلّا لَهُ حَمِيمٌ فِيهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ قالَ: والآخَرُونَ مِمَّنْ تَعَبَّدَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ، وفَنِيَ مَن قَدْ فَنِيَ مِنهُمْ، قالُوا: نَتَعَبَّدُ كَما تَعَبَّدَ فُلانٌ، ونَسِيحُ كَما ساحَ فُلانٌ، ونَتَّخِذُ دُورًا كَما اتَّخَذَ فُلانٌ، وهم عَلى شِرْكِهِمْ لا عِلْمَ لَهم بِإيمانِ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا القَلِيلُ انْحَطَّ صاحِبُ الصَّوْمَعَةِ مِن صَوْمَعَتِهِ، وجاءَ السّائِحُ مِن سِياحَتِهِ، وصاحِبُ الدَّيْرِ مِن دَيْرِهِ، فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] أجْرَيْنِ؛ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى، ونَصَبِ أنْفُسِهِمْ، والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبِإيمانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ – ﷺ – وتَصْدِيقِهِمْ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]: القُرْآنُ واتِّباعُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وأبُو يَعْلى، والضِّياءُ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تُشَدِّدُوا عَلى أنْفُسِكم فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ؛ فَإنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقاياهم في الصَّوامِعِ والدِّياراتِ (p-٢٩٢)﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد»: ٢٧] . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تُشَدِّدُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِتَشْدِيدِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ، وسَتَجِدُونَ بَقاياهم في الصَّوامِعِ والدِّياراتِ»» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ نَصْرٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكم صِيامَ شَهْرِ رَمَضانَ، ولَمْ يَكْتُبْ عَلَيْكم قِيامَهُ، وإنَّما القِيامُ شَيْءٌ ابْتَدَعْتُمُوهُ، فَدُومُوا عَلَيْهِ ولا تَتْرُكُوهُ، فَإنَّ ناسًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ ابْتَدَعُوا بِدْعَةً فَعابَهُمُ اللَّهُ بِتَرْكِها، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ أنَسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَهْبانِيَّةً، ورَهْبانِيَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ»» . (p-٢٩٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم رَفَضُوا النِّساءَ، واتَّخَذُوا الصَّوامِعَ.

الحديد 57:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في «الأوْسَطِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أرْبَعِينَ مِن أصْحابِ النَّجاشِيِّ قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَشَهِدُوا مَعَهُ أُحُدًا، فَكانَتْ فِيهِمْ جِراحاتٌ، ولَمْ يُقْتَلْ مِنهم أحَدٌ، فَلَمّا رَأوْا ما بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الحاجَةِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنّا أهْلُ مَيْسَرَةٍ فائْذَنْ لَنا نَجِئْ بِأمْوالِنا نُواسِي بِها المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] فَجَعَلَ لَهم أجْرَيْنِ، قالَ: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص: ٥٤] قالَ: تِلْكَ النَّفَقَةُ الَّتِي واسَوْا بِها المُسْلِمِينَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ أمّا مَن آمَنَ مِنّا بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرانِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرٌ كَأُجُورِكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فَزادَهُمُ النُّورَ والمَغْفِرَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. (p-٢٩٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] الآيَةَ، فَخَرَ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: لَنا أجْرانِ ولَكم أجْرٌ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ فَجَعَلَ لَهم أجْرَيْنِ مِثْلَ أُجُورِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وسَوّى بَيْنَهم في الأجْرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ قالَ: أجْرَيْنِ، ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ قالَ: ضِعْفَيْنِ، ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ قالَ: هُدًى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿كِفْلَيْنِ﴾ قالَ: أجْرَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿كِفْلَيْنِ﴾ قالَ: حَظَّيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كِفْلَيْنِ﴾ قالَ: ضِعْفَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿كِفْلَيْنِ﴾ قالَ: ضِعْفَيْنِ، وهي بِلِسانِ الحَبَشَةِ. (p-٢٩٥)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ قالَ: الكِفْلُ ثَلاثُمِائَةِ جُزْءٍ وخَمْسُونَ جُزْءًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ قالَ: الكِفْلُ ثَلاثُمِائَةِ جُزْءٍ مِنَ الرَّحْمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ.

الحديد 57:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حازِمٍ قالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي سَلَمَةَ قَرَأ أحَدُهُما: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ وقَرَأ الآخَرُ: (لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ قَسَمَ العَمَلَ، وقَسَمَ الأجْرَ - وفي لَفْظٍ: وقَسَمَ الأجَلَ - فَقِيلَ لِلْيَهُودِ: اعْمَلُوا، فَعَمِلُوا إلى نِصْفِ النَّهارِ، فَقِيلَ: لَكم قِيراطٌ، وقِيلَ لِلنَّصارى: اعْمَلُوا (p-٢٩٦)فَعَمِلُوا مِن نِصْفِ النَّهارِ إلى العَصْرِ، فَقِيلَ: لَكم قِيراطٌ، وقِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ: اعْمَلُوا، فَعَمِلُوا مِنَ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقِيلَ: لَكم قِيراطانِ، فَتَكَلَّمَتِ اليَهُودُ والنَّصارى في ذَلِكَ، فَقالَتِ اليَهُودُ: نَعْمَلُ إلى نِصْفِ النَّهارِ فَيَكُونُ لَنا قِيراطٌ؟! وقالَتِ النَّصارى: نَعْمَلُ مِن نِصْفِ النَّهارِ إلى العَصْرِ فَيَكُونُ لَنا قِيراطٌ؟! ويَعْمَلُ هَؤُلاءِ مِنَ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَكُونُ لَهم قِيراطانِ»! فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: «إنَّ مَثَلَكم فِيما قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ كَما بَيْنَ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحديد: ٢٨] الآيَةَ، حَسَدَ أهْلُ الكِتابِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: يُوشِكُ أنْ يَخْرُجَ مِنّا نَبِيٌّ فَيَقْطَعَ الأيْدِيَ والأرْجُلَ، فَلَمّا خَرَجَ مِنَ العَرَبِ كَفَرُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي بِالفَضْلِ النُّبُوَّةَ. (p-٢٩٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ قَرَأ: (كَيْ لا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ) .

المجادلة 58:1

(p-٢٩٨)سُورَةُ المُجادَلَةِ. مَدَنِيَّةٌ. أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «المُجادَلَةِ» بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، مِثْلَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ تَعْلِيقًا، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ عائِشَةَ قالَتِ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ جاءَتِ المُجادِلَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ – تُكَلِّمُهُ، وأنا في ناحِيَةِ البَيْتِ ما أسْمَعُ ما تَقُولُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، (p-٢٩٩)والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «تَبارَكَ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إنِّي لَأسْمَعُ كَلامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، ويَخْفى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وهي تَشْتَكِي زَوْجَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي تَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَلَ شَبابِي، ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتّى إذا كَبِرَتْ سِنِّي، وانْقَطَعَ ولَدِي، ظاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ، قالَتْ: فَما بَرِحَتْ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ وهو أوْسُ بْنُ الصّامِتِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنِ أبِي يَزِيدَ، قالَ: لَقِيَتِ امْرَأةٌ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، يُقالُ لَها: خَوْلَةُ، وهو يَسِيرُ مَعَ النّاسِ فاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَها، ودَنا مِنها، وأصْغى إلَيْها رَأْسَهُ، ووَضَعَ يَدَيْهِ عَلى مَنكِبَيْها حَتّى قَضَتْ حاجَتَها وانْصَرَفَتْ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ: حَبَسْتَ رِجالاتِ قُرَيْشٍ عَلى هَذِهِ العَجُوزِ! قالَ: ويْحَكَ، وتَدْرِي مَن هَذِهِ؟ قالَ: لا، قالَ: هَذِهِ امْرَأةٌ سَمِعَ اللَّهُ شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَواتٍ، هَذِهِ خَوْلَةُ (p-٣٠٠)بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، واللَّهِ لَوْ لَمْ تَنْصَرِفْ عَنِّي إلى اللَّيْلِ، ما انْصَرَفْتُ حَتّى تَقْضِيَ حاجَتَها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في «تارِيخِهِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ ثُمامَةَ بْنِ حَزْنٍ قالَ: بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَسِيرُ عَلى حِمارِهِ لَقِيَتْهُ امْرَأةٌ، فَقالَتْ: قِفْ يا عُمَرُ، فَوَقَفَ، فَأغْلَظَتْ لَهُ القَوْلَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ! فَقالَ: وما يَمْنَعُنِي أنْ أسْتَمِعَ إلَيْها، وهي الَّتِي اسْتَمَعَ اللَّهُ لَها، أنْزَلَ فِيها ما أنْزَلَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ قالَتْ: فِيَّ واللَّهِ وفي أوْسِ بْنِ الصّامِتِ أنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ «المُجادَلَةِ»، قالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُهُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَراجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقالَ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ في نادِي قَوْمِهِ ساعَةً، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَإذا هو يُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي، قُلْتُ: كَلّا، والَّذِي (p-٣٠١)نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ، حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فِينا، ثُمَّ جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ، فَتَغَشّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما كانَ يَتَغَشّاهُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقالَ لِي: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ» ثُمَّ قَرَأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً» قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ما عِنْدَهُ ما يُعْتِقُ، قالَ: «فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قُلْتُ: واللَّهِ، إنَّهُ لَشَيْخٌ كَبِيرٌ، ما بِهِ مِن صِيامٍ، قالَ: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ» قُلْتُ: واللَّهِ، ما ذاكَ عِنْدَهُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإنّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِن تَمْرٍ» فَقُلْتُ: وأنا يا رَسُولَ اللَّهِ سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: «فَقَدْ أصَبْتِ وأحْسَنْتِ فاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا» قالَتْ: فَفَعَلْتُ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «أنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فَأخْبَرَتْهُ، وكانَ أوْسٌ بِهِ لَمَمٌ، فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ فَقالَ لِامْرَأتِهِ: «مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ (p-٣٠٢)رَقَبَةً» فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: والَّذِي أعْطاكَ ما أعْطاكَ ما جِئْتُ إلّا رَحْمَةً لَهُ، إنَّ لَهُ فِيَّ مَنافِعَ، واللَّهِ، ما عِنْدَهُ رَقَبَةٌ ولا يَمْلِكُها، قالَتْ: فَنَزَلَ القُرْآنُ وهي عِنْدُهُ في البَيْتِ، فَقالَ: «مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» فَقالَتْ: والَّذِي أعْطاكَ ما أعْطاكَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: «مُرِيهِ فَلْيَتَصَدَّقْ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: ما عِنْدَهُ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَقالَ: «يَذْهَبُ إلى فُلانٍ الأنْصارِيِّ فَإنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وسْقِ تَمْرٍ، أخْبَرَنِي أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَلْيَأْخُذْ مِنهُ، ثُمَّ لِيَتَصَدَّقْ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» عَنْ عائِشَةَ أنَّ خَوْلَةَ كانْتِ امْرَأةَ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ، وكانَ امْرَأً بِهِ لَمَمٌ، فَإذا اشْتَدَّ لَمَمُهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ كَفّارَةَ الظِّهارِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنٍ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسٌ، وكانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ (p-٣٠٣)يُقالُ لَها: خَوْلَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، فَظاهَرَ مِنها، فَأُسْقِطَ في يَدِهِ، وقالَ: ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، فانْطَلِقِي إلى النَّبِيِّ ﷺ – فاسْألِيهِ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ ماشِطَةً تَمْشُطُ رَأْسَهُ، فَأخْبَرَتْهُ، فَقالَ: «يا خَوْلَةُ ما أُمِرْنا في أمْرِكِ بِشَيْءٍ» فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «يا خَوْلَةُ أبْشِرِي» قالَتْ: خَيْرًا، قالَ: «خَيْرًا» فَقَرَأ عَلَيْها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ الآياتِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ خَوْلَةَ - أوْ خُوَيْلَةَ - أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فَقالَتْ: أشْكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ [المجادلة»: ١] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في القُرْآنِ ما أنْزَلَ اللَّهُ جُمْلَةً: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ كانَ هَذا قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ خَوْلَةُ، لَوْ أنَّ خَوْلَةَ أرادَتْ ألّا تُجادِلَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ؛ لَأنَّ اللَّهَ كانَ قَدْ قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَخْلُقَها. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ وذَلِكَ «أنَّ خَوْلَةَ، امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ، ظاهَرَ مِنها زَوْجُها فَقالَ: أنْتِ (p-٣٠٤)عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ زَوْجِي كانَ تَزَوَّجَنِي وأنا أحَبُّ النّاسِ إلَيْهِ، حَتّى إذا كَبِرْتُ ودَخَلْتُ في السِّنِّ، قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وتَرَكَنِي إلى غَيْرِ أحَدٍ، فَإنْ كُنْتَ تَجِدُ لِي رُخْصَةً يا رَسُولَ اللَّهِ تَنْعَشُنِي وإيّاهُ بِها فَحَدِّثْنِي بِها، قالَ: «واللَّهِ ما أُمِرْتُ في شَأْنِكِ بِشَيْءٍ حَتّى الآنَ، ولَكِنِ ارْجِعِي إلى بَيْتِكِ، فَإنْ أُؤْمَرْ بِشَيْءٍ لا أُعَمِّيهِ عَلَيْكِ إنْ شاءَ اللَّهُ» فَرَجَعَتْ إلى بَيْتِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ في الكِتابِ رُخْصَتَها ورُخْصَةَ زَوْجِها فَقالَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَأرْسَلَ إلى زَوْجِها، فَقالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً»؟ قالَ: إذَنْ يَذْهَبُ مالِي كُلُّهُ، الرَّقَبَةُ غالِيَةٌ، وأنا قَلِيلُ المالِ. قالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: واللَّهِ لَوْلا أنِّي آكُلُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ لَكَلَّ بَصَرِي، قالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا واللَّهِ، إلّا أنْ تُعِينَنِي، قالَ: «إنِّي مُعِينُكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: ظاهَرَ مِنِّي زَوْجِي حِينَ كِبَرِ سِنِّي، ودَقَّ عَظْمِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الظِّهارِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأوْسٍ: «أعْتِقْ رَقَبَةً» قالَ: مالِي بِذَلِكَ يَدانِ، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَ: إنِّي إذا أخْطَأنِي أنْ آكُلَ في اليَوْمِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كَلَّ بَصَرِي، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: ما أجِدُ، إلّا أنْ تُعِينَنِي، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ (p-٣٠٥)صاعًا، حَتّى جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أهْلَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: المَرْأةُ الَّتِي جادَلَتْ في زَوْجِها خَوْلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، وأُمُّها مُعاذَةُ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ فِيها: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ [النور: ٣٣] [النُّورِ: ٣٣] وكانَتْ أمَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: «إنَّ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ زَوْجُ خَوْلَةَ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، وجَعَلَتْ تَشْكُو إلى اللَّهِ، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «ما جاءَنِي في هَذا شَيْءٌ» فَقالَتْ: فَإلى مَن يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، فَبَيْنا هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ ثُمَّ حُبِسَ الوَحْيُ، فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يَجِدُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ ذاكَ» فَبَيْنَما هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ ثُمَّ حُبِسَ الوَحْيُ، فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، ما يَسْتَطِيعُ أنْ يَصُومَ يَوْمًا واحِدًا، قالَ: «هُوَ ذاكَ» فَبَيْنَما هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (p-٣٠٦)فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يَجِدُ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «إنّا سَنُعِينُهُ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: «أعانَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي يَزِيدَ المَدَنِيِّ، «أنَّ امْرَأةً جاءَتْ بِشَطْرِ وسْقٍ مِن شَعِيرٍ، فَأعْطاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- أيْ: مُدَّيْنِ مِن شَعِيرٍ مَكانَ مُدٍّ مِن بُرٍّ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعانَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا مِن شَعِيرٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، «أنَّ رَجُلًا ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وكانَ الظِّهارُ أشَدَّ مِنَ الطَّلاقِ، وأحْرَمَ الحَرامِ، إذا ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ أبَدًا، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ زَوْجِي وأبا ولَدِي ظاهَرَ مِنِّي، وما يَطَّلِعُ إلّا اللَّهُ عَلى ما يَدْخُلُ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ قالَ ما قالَ»! قالَتْ: فَكَيْفَ أصْنَعُ؟ ودَعَتِ اللَّهَ، واشْتَكَتْ إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوْجَها فَقالَ: «تُعْتِقُ رَقَبَةً»؟ فَقالَ: ما في الأرْضِ رَقَبَةٌ أمْلِكُها، قالَ: «تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي (p-٣٠٧)بَلَغْتُ سِنًّا، وبِي دَوَرانٌ، فَإذا لَمْ آكُلْ في اليَوْمِ مِرارًا أُدِيرَ عَلَيَّ، حَتّى أقَعَ، قالَ: «تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: واللَّهِ، ما أجِدُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَنُعِينُكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ امْرَأةَ أخِي عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَشْكُو زَوْجَها تَظاهَرَ عَنْها، وامْرَأةٌ تَفْلِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أوْ قالَ: تَدْهُنُهُ - فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرَهُ إلى السَّماءِ، فَقالَتِ الَّتِي تَفْلِي لِامْرَأةِ أخِي عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ - واسْمُها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ -: يا خَوْلَةُ، ألا تَسْكُنِي، فَقَدْ تَرَيْنَهُ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ؟! فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ فَعَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ، فَقالَ: لا أجِدُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ صِيامَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، فَقالَ: لا أُطِيقُ، إنْ لَمْ آكُلْ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ شَقَّ بِي، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: لا أجِدُ، فَأتى النَّبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ مِن تَمْرٍ، فَقالَ لَهُ: «خُذْ هَذا فاقْسِمْهُ» فَقالَ الرَّجُلُ: ما بَيْنَ لابَتَيْها أفْقَرُ مِنِّي، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلْهُ أنْتَ وأهْلُكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زَيْدٍ الهَمْدانِيِّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ قالَ: هي خَوْلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، وكانَ زَوْجُها مَرِيضًا، فَدَعاها فَلَمْ تُجِبْهُ، وأبْطَأتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أعْتِقْ (p-٣٠٨)رَقَبَةً» قالَ: لا أجِدُ، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَ: لا أسْتَطِيعُ، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: لا واللَّهِ ما عِنْدِي، إلّا أنْ تُعِينَنِي، فَأعانَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فَقالَ: واللَّهِ ما في المَدِينَةِ أحْوَجُ إلَيْها مِنِّي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَكُلْها أنْتَ وأهْلُكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ أبِي أنَسٍ قالَ: «كانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، وكانَ بِهِ لَمَمٌ، وكانَ يُفِيقُ أحْيانًا، فَلاحى امْرَأتَهُ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ في بَعْضِ صَحَواتِهِ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ نَدِمَ، فَقالَ: ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، قالَتْ: ما ذَكَرْتَ طَلاقًا! فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَتْهُ بِما قالَ، وجادَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – مِرارًا، ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ شِدَّةَ وحْدَتِي، وما يَشُقُّ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ، قالَتْ عائِشَةُ: فَلَقَدْ بَكَيْتُ وبَكى مَن كانَ في البَيْتِ رَحْمَةً لَها ورِقَّةً عَلَيْها، ونَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – الوَحْيُ، فَسُرِّيَ عَنْهُ وهو يَبْتَسِمُ، فَقالَ: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفِيهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ [المجادلة»: ١]، ثُمَّ قالَ: «مُرِيهِ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً» قالَتْ: لا يَجِدُ، قالَ: «فَمُرِيهِ أنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَتْ: لا يُطِيقُ ذَلِكَ، قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَتْ: وأنّى لَهُ؟! قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيَأْتِ أُمَّ المُنْذِرِ بِنْتَ قَيْسٍ فَلْيَأْخُذْ مِنها شَطْرَ وسْقِ تَمْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَرَجَعَتْ إلى أوْسٍ، فَقالَ: ما وراءَكِ؟ قالَتْ: خَيْرٌ وأنْتَ ذَمِيمٌ، ثُمَّ أخْبَرَتْهُ، فَأتى أُمَّ المُنْذِرِ، فَأخَذَ ذَلِكَ مِنها فَجَعَلَ (p-٣٠٩)يُطْعِمُ مُدَّيْنِ مِن تَمْرٍ كُلَّ مِسْكِينٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: إنَّما كانَ طَلاقُهم في الجاهِلِيَّةِ الظِّهارَ والإيلاءَ، حَتّى قالَ ما سَمِعْتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ قالَ: الزُّورُ الكَذِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإذا قالَ ذَلِكَ: فَلَيْسَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَقْرَبَها بِنِكاحٍ وغَيْرِهِ، حَتّى يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا - والمَسُّ النِّكاحُ - فَإنْ لَمْ يَسْتَطَعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وإنْ هو قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ فَعَلْتِ كَذا، فَلَيْسَ يَقَعُ في ذَلِكَ ظِهارٌ حَتّى يَحْنَثَ، فَإنْ حَنَثَ فَلا يَقْرَبْها حَتّى يُكَفِّرَ، ولا يَقَعُ في الظِّهارِ طَلاقٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: يَعُودُ لِمَسِّها. (p-٣١٠)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: الوَطْءُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: إذا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِالظِّهارِ والمُنْكَرِ والزُّورِ فَقَدْ وجَبَتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ حَنِثَ أوْ لَمْ يَحْنَثْ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كانَ طَلاقُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الظِّهارَ، فَظاهَرَ رَجُلٌ في الإسْلامِ، وهو يُرِيدُ الطَّلاقَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ الكَفّارَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ قالَ: هو الجِماعُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قالَ: كَهَيْئَةِ الطَّعامِ في اليَمِينِ، مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ثَلاثٌ فِيهِنَّ مُدٌّ، كَفّارَةُ اليَمِينِ، وكَفّارَةُ الظِّهارِ، وكَفّارَةُ الصِّيامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ الَّذِي أتى أهْلَهُ في رَمَضانَ بِكَفّارَةِ المُظاهِرِ» . (p-٣١١)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ قالُوا: العِتْقُ في الظِّهارِ، والصِّيامُ، والطَّعامُ، كُلُّ ذَلِكَ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الظِّهارُ في الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُ النِّساءَ، فَكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، وكانَتِ امْرَأتُهُ خَوْلَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وكانَ الرَّجُلُ ضَعِيفًا، وكانَتِ المَرْأةُ جَلْدَةً، فَلَمّا أنْ تَكَلَّمَ بِالظِّهارِ قالَ: لا أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، فانْطَلِقِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّكِ تَبْتَغِي شَيْئًا يَرُدُّكِ عَلَيَّ، فانْطَلَقَتْ، وجَلَسَ يَنْتَظِرُها، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وماشِطَةٌ تَمْشُطُ رَأْسَهُ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ مَن قَدْ عَلِمْتَ مِن ضَعْفِ رَأْيِهِ، وعَجْزِ مَقْدِرَتِهِ، وقَدْ ظاهَرَ مِنِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، فابْتَغِي شَيْئًا يَرُدُّنِي إلَيْهِ. قالَ: يا خَوْلَةُ: «ما أُمِرْنا بِشَيْءٍ في أمْرِكِ وإنْ نُؤْمَرْ فَسَأُخْبِرْكِ» فَبَيْنا ماشِطَتُهُ قَدْ فَرَغَتْ مِن شِقِّ رَأْسِهِ، وأخَذَتْ في الشِّقِّ الآخَرِ، أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ - وكانَ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ تَرَبَّدَ لِذَلِكَ وجْهُهُ حَتّى يَجِدَ بَرْدَهُ، فَإذا سُرِّيَ عَنْهُ عادَ وجْهُهُ أبْيَضَ كالقُلْبِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِما أُمِرَ بِهِ - فَقالَتْ ماشِطْتُهُ: يا خَوْلَةُ إنِّي لَأظُنُّهُ الآنَ في شَأْنِكِ، فَأخَذَها أفْكَلٌ، ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ بِكَ أعُوذُ أنْ تُنْزِلَ فِيَّ إلّا (p-٣١٢)خَيْرًا؛ فَإنِّي لَمْ أبْغِ مِن رَسُولِكَ إلّا خَيْرًا، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ، فَقَرَأ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة»: ٣]، فَقالَتْ: واللَّهِ، يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَهُ خادِمٌ غَيْرِي، ولا لِي خادِمٌ غَيْرَهُ قالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ قالَتْ: واللَّهِ، إنَّهُ إذا لَمْ يَأْكُلْ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ يَشْدَرُ بَصَرُهُ، قالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قالَتْ: واللَّهِ، ما لَنا في اليَوْمِ إلّا وُقِيَّةٌ، قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيَنْطَلِقْ إلى فُلانٍ، فَلْيَأْخُذْ مِنهُ شَطْرَ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا، ولْيُراجِعْكِ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «المُصَنَّفِ» مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأنْصارِيِّ، أنَّهُ جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ حَتّى يَمْضِيَ رَمَضانُ، فَسَمِنَتْ، وتَرَبَّعَتْ، فَوَقَعَ عَلَيْها في النِّصْفِ مِن رَمَضانَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ كَأنَّهُ يُعَظِّمُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أتَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً»؟ فَقالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا فَرْوَةُ بْنَ عَمْرٍو أعْطِهِ (p-٣١٣)ذَلِكَ العَرَقَ» - وهو مِكْتَلٌ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ أوْ سِتَّةَ عَشَرَ صاعًا - «فَلْيُطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَقالَ: أعَلى أفْقَرَ مِنِّي؟ فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما بَيْنَ لابَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ إلَيْهِ مِنِّي، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: «اذْهَبْ بِهِ إلى أهْلِكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «كانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ دُلَيْحٍ تَحْتَ رِجْلٍ مِنَ الأنْصارِ، وكانَ سَيِّئَ الخُلُقِ، ضَرِيرَ البَصَرِ، فَقِيرًا، وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ إذا أرادَ الرَّجُلُ أنْ يُفارِقَ امْرَأتَهُ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَنازَعَتْهُ في بَعْضِ الشَّيْءِ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وكانَ لَهُ عَيِّلٌ أوْ عَيِّلانِ، فَلَمّا سَمِعَتْهُ يَقُولُ ما قالَ احْتَمَلَتْ صِبْيانَها، فانْطَلَقَتْ تَسْعى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوافَقَتْهُ عِنْدَ عائِشَةَ، وإذا عائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ زَوْجِي فَقِيرٌ، ضَرِيرُ البَصَرِ، سَيِّئُ الخُلُقِ، وإنِّي نازَعْتُهُ في شَيْءٍ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ولَمْ يُرِدِ الطَّلاقَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ فَقالَ: «ما أعْلَمُ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فاسْتَكانَتْ، وقالَتْ: أشْتَكِي إلى اللَّهِ ما نَزَلَ بِي وبِصِبْيَتِي. (p-٣١٤)وتَحَوَّلَتْ عائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِهِ الآخَرَ، فَتَحَوَّلَتْ مَعَها، فَقالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، قالَتْ: ولِي مِنهُ عَيِّلٌ أوْ عَيِّلانِ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ رَأْسَهُ إلَيْها فَقالَ: «ما أعْلَمُ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فَبَكَتْ، وقالَتْ: أشْتَكِي إلى اللَّهِ ما نَزَلَ بِي وبِصِبْيَتِي، وتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ عائِشَةُ: وراءَكِ، فَتَنَحَّتْ، ومَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَقالَ: «يا عائِشَةُ أيْنَ المَرْأةُ»؟ قالَتْ: ها هِيَ، قالَ: «ادْعِيها» فَدَعَتْها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اذْهَبِي فَجِيئِي بِزَوْجِكِ» فانْطَلَقَتْ تَسْعى، فَلَمْ تَلْبَثْ أنْ جاءَتْ، فَأدْخَلَتْهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَإذا هو كَما قالَتْ، ضَرِيرُ البَصَرِ، فَقِيرٌ، سَيِّئُ الخُلُقِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، ﷽: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أتَجِدُ رَقَبَةً»؟ قالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنِّي إذا لَمْ آكِلِ المَرَّةَ والمَرَّتَيْنِ والثَّلاثَةَ يَكادُ يُغْشى عَلَيَّ، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا، إلّا أنْ تُعِينَنِي فِيها، فَأعانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَفَّرَ يَمِينَهُ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: كانَ الظِّهارُ والإيلاءُ طَلاقًا (p-٣١٥)فِي الجاهِلِيَّةِ، فَوَقَّتَ اللَّهِ في الإيلاءِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وجَعَلَ في الظِّهارِ الكَفّارَةَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ الظِّهارُ والطَّلاقُ قَبْلَ المِلْكِ بِشَيْءٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ مِنَ الأمَةِ ظِهارٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: لا ظِهارَ مِنَ الأمَةِ. وأخْرَجَ البَزّارُ، والحاكِمُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي، فَرَأيْتُ بَياضَ خَلْخالِها في ضَوْءِ القَمَرِ، فَأعْجَبَتْنِي، فَوَقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة»: ٣] ؟ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «أمْسِكْ حَتّى تُكَفِّرَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، قالَ: «وما (p-٣١٦)حَمَلَكَ عَلى ذَلِكَ»؟ قالَ: رَأيْتُ خَلْخالَها في ضَوْءِ القَمَرِ، قالَ: «فَلا تَقْرَبْها حَتّى تَفْعَلَ ما أمَرَكَ اللَّهُ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ، والبَغَوِيُّ في «مُعْجَمِهِ» والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأنْصارِيِّ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَدْ أُوتِيتُ مِن جِماعِ النِّساءِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي، فَلَمّا دَخَلَ رَمَضانُ ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي حَتّى يَنْسَلِخَ رَمَضانُ؛ فَرَقًا مِن أنْ أُصِيبَ مِنها في لَيْلِي، فَأتَتابَعُ في ذَلِكَ ولا أسْتَطِيعُ أنْ أنْزِعَ حَتّى يُدْرِكَنِي الصُّبْحُ، فَبَيْنا هي تَخْدُمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ إذِ انْكَشَفَ لِي مِنها شَيْءٌ، فَوَثَبْتُ عَلَيْها، فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى قَوْمِي فَأخْبَرَتْهم خَبَرِي، فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا مَعِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرُهُ بِأمْرِي، فَقالُوا: لا واللَّهِ، لا نَفْعَلُ، نَتَخَوَّفُ أنْ يَنْزِلَ فِينا القُرْآنُ، أوْ يَقُولَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقالَةً يَبْقى عَلَيْنا عارُها، ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ، فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَخَرَجْتُ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، قالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، قالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، وها أنا ذا، فَأمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ فَإنِّي صابِرٌ لِذَلِكَ، قالَ: «أعْتِقْ رَقَبَةً» فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِي، فَقُلْتُ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أصْبَحْتُ أمْلِكُ غَيْرَها، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ (p-٣١٧)مُتَتابِعَيْنِ» قُلْتُ: وهَلْ أصابَنِي ما أصابَنِي إلّا في الصِّيامِ، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَدْ بِتْنا لَيْلَتَنا هَذِهِ وحْشًا ما لَنا عَشاءٌ، قالَ: «اذْهَبْ إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَقُلْ لَهُ، فَلْيَدْفَعْها إلَيْكَ، فَأطْعِمْ عَنْكَ مِنها وسْقًا سِتِّينَ مِسْكِينًا، ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسائِرِها عَلَيْكَ وعَلى عِيالِكَ» فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي فَقُلْتُ: وجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأْيِ، ووَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّعَةَ والبَرَكَةَ، أمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ، فادْفَعُوها إلَيَّ، فَدَفَعُوها إلَيْهِ» .

المجادلة 58:2

(p-٢٩٨)سُورَةُ المُجادَلَةِ. مَدَنِيَّةٌ. أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «المُجادَلَةِ» بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، مِثْلَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ تَعْلِيقًا، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ عائِشَةَ قالَتِ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ جاءَتِ المُجادِلَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ – تُكَلِّمُهُ، وأنا في ناحِيَةِ البَيْتِ ما أسْمَعُ ما تَقُولُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، (p-٢٩٩)والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «تَبارَكَ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إنِّي لَأسْمَعُ كَلامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، ويَخْفى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وهي تَشْتَكِي زَوْجَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي تَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَلَ شَبابِي، ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتّى إذا كَبِرَتْ سِنِّي، وانْقَطَعَ ولَدِي، ظاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ، قالَتْ: فَما بَرِحَتْ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ وهو أوْسُ بْنُ الصّامِتِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنِ أبِي يَزِيدَ، قالَ: لَقِيَتِ امْرَأةٌ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، يُقالُ لَها: خَوْلَةُ، وهو يَسِيرُ مَعَ النّاسِ فاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَها، ودَنا مِنها، وأصْغى إلَيْها رَأْسَهُ، ووَضَعَ يَدَيْهِ عَلى مَنكِبَيْها حَتّى قَضَتْ حاجَتَها وانْصَرَفَتْ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ: حَبَسْتَ رِجالاتِ قُرَيْشٍ عَلى هَذِهِ العَجُوزِ! قالَ: ويْحَكَ، وتَدْرِي مَن هَذِهِ؟ قالَ: لا، قالَ: هَذِهِ امْرَأةٌ سَمِعَ اللَّهُ شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَواتٍ، هَذِهِ خَوْلَةُ (p-٣٠٠)بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، واللَّهِ لَوْ لَمْ تَنْصَرِفْ عَنِّي إلى اللَّيْلِ، ما انْصَرَفْتُ حَتّى تَقْضِيَ حاجَتَها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في «تارِيخِهِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ ثُمامَةَ بْنِ حَزْنٍ قالَ: بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَسِيرُ عَلى حِمارِهِ لَقِيَتْهُ امْرَأةٌ، فَقالَتْ: قِفْ يا عُمَرُ، فَوَقَفَ، فَأغْلَظَتْ لَهُ القَوْلَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ! فَقالَ: وما يَمْنَعُنِي أنْ أسْتَمِعَ إلَيْها، وهي الَّتِي اسْتَمَعَ اللَّهُ لَها، أنْزَلَ فِيها ما أنْزَلَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ قالَتْ: فِيَّ واللَّهِ وفي أوْسِ بْنِ الصّامِتِ أنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ «المُجادَلَةِ»، قالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُهُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَراجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقالَ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ في نادِي قَوْمِهِ ساعَةً، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَإذا هو يُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي، قُلْتُ: كَلّا، والَّذِي (p-٣٠١)نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ، حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فِينا، ثُمَّ جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ، فَتَغَشّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما كانَ يَتَغَشّاهُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقالَ لِي: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ» ثُمَّ قَرَأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً» قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ما عِنْدَهُ ما يُعْتِقُ، قالَ: «فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قُلْتُ: واللَّهِ، إنَّهُ لَشَيْخٌ كَبِيرٌ، ما بِهِ مِن صِيامٍ، قالَ: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ» قُلْتُ: واللَّهِ، ما ذاكَ عِنْدَهُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإنّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِن تَمْرٍ» فَقُلْتُ: وأنا يا رَسُولَ اللَّهِ سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: «فَقَدْ أصَبْتِ وأحْسَنْتِ فاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا» قالَتْ: فَفَعَلْتُ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «أنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فَأخْبَرَتْهُ، وكانَ أوْسٌ بِهِ لَمَمٌ، فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ فَقالَ لِامْرَأتِهِ: «مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ (p-٣٠٢)رَقَبَةً» فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: والَّذِي أعْطاكَ ما أعْطاكَ ما جِئْتُ إلّا رَحْمَةً لَهُ، إنَّ لَهُ فِيَّ مَنافِعَ، واللَّهِ، ما عِنْدَهُ رَقَبَةٌ ولا يَمْلِكُها، قالَتْ: فَنَزَلَ القُرْآنُ وهي عِنْدُهُ في البَيْتِ، فَقالَ: «مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» فَقالَتْ: والَّذِي أعْطاكَ ما أعْطاكَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: «مُرِيهِ فَلْيَتَصَدَّقْ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: ما عِنْدَهُ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَقالَ: «يَذْهَبُ إلى فُلانٍ الأنْصارِيِّ فَإنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وسْقِ تَمْرٍ، أخْبَرَنِي أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَلْيَأْخُذْ مِنهُ، ثُمَّ لِيَتَصَدَّقْ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» عَنْ عائِشَةَ أنَّ خَوْلَةَ كانْتِ امْرَأةَ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ، وكانَ امْرَأً بِهِ لَمَمٌ، فَإذا اشْتَدَّ لَمَمُهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ كَفّارَةَ الظِّهارِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنٍ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسٌ، وكانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ (p-٣٠٣)يُقالُ لَها: خَوْلَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، فَظاهَرَ مِنها، فَأُسْقِطَ في يَدِهِ، وقالَ: ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، فانْطَلِقِي إلى النَّبِيِّ ﷺ – فاسْألِيهِ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ ماشِطَةً تَمْشُطُ رَأْسَهُ، فَأخْبَرَتْهُ، فَقالَ: «يا خَوْلَةُ ما أُمِرْنا في أمْرِكِ بِشَيْءٍ» فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «يا خَوْلَةُ أبْشِرِي» قالَتْ: خَيْرًا، قالَ: «خَيْرًا» فَقَرَأ عَلَيْها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ الآياتِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ خَوْلَةَ - أوْ خُوَيْلَةَ - أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فَقالَتْ: أشْكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ [المجادلة»: ١] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في القُرْآنِ ما أنْزَلَ اللَّهُ جُمْلَةً: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ كانَ هَذا قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ خَوْلَةُ، لَوْ أنَّ خَوْلَةَ أرادَتْ ألّا تُجادِلَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ؛ لَأنَّ اللَّهَ كانَ قَدْ قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَخْلُقَها. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ وذَلِكَ «أنَّ خَوْلَةَ، امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ، ظاهَرَ مِنها زَوْجُها فَقالَ: أنْتِ (p-٣٠٤)عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ زَوْجِي كانَ تَزَوَّجَنِي وأنا أحَبُّ النّاسِ إلَيْهِ، حَتّى إذا كَبِرْتُ ودَخَلْتُ في السِّنِّ، قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وتَرَكَنِي إلى غَيْرِ أحَدٍ، فَإنْ كُنْتَ تَجِدُ لِي رُخْصَةً يا رَسُولَ اللَّهِ تَنْعَشُنِي وإيّاهُ بِها فَحَدِّثْنِي بِها، قالَ: «واللَّهِ ما أُمِرْتُ في شَأْنِكِ بِشَيْءٍ حَتّى الآنَ، ولَكِنِ ارْجِعِي إلى بَيْتِكِ، فَإنْ أُؤْمَرْ بِشَيْءٍ لا أُعَمِّيهِ عَلَيْكِ إنْ شاءَ اللَّهُ» فَرَجَعَتْ إلى بَيْتِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ في الكِتابِ رُخْصَتَها ورُخْصَةَ زَوْجِها فَقالَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَأرْسَلَ إلى زَوْجِها، فَقالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً»؟ قالَ: إذَنْ يَذْهَبُ مالِي كُلُّهُ، الرَّقَبَةُ غالِيَةٌ، وأنا قَلِيلُ المالِ. قالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: واللَّهِ لَوْلا أنِّي آكُلُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ لَكَلَّ بَصَرِي، قالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا واللَّهِ، إلّا أنْ تُعِينَنِي، قالَ: «إنِّي مُعِينُكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: ظاهَرَ مِنِّي زَوْجِي حِينَ كِبَرِ سِنِّي، ودَقَّ عَظْمِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الظِّهارِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأوْسٍ: «أعْتِقْ رَقَبَةً» قالَ: مالِي بِذَلِكَ يَدانِ، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَ: إنِّي إذا أخْطَأنِي أنْ آكُلَ في اليَوْمِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كَلَّ بَصَرِي، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: ما أجِدُ، إلّا أنْ تُعِينَنِي، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ (p-٣٠٥)صاعًا، حَتّى جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أهْلَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: المَرْأةُ الَّتِي جادَلَتْ في زَوْجِها خَوْلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، وأُمُّها مُعاذَةُ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ فِيها: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ [النور: ٣٣] [النُّورِ: ٣٣] وكانَتْ أمَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: «إنَّ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ زَوْجُ خَوْلَةَ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، وجَعَلَتْ تَشْكُو إلى اللَّهِ، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «ما جاءَنِي في هَذا شَيْءٌ» فَقالَتْ: فَإلى مَن يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، فَبَيْنا هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ ثُمَّ حُبِسَ الوَحْيُ، فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يَجِدُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ ذاكَ» فَبَيْنَما هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ ثُمَّ حُبِسَ الوَحْيُ، فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، ما يَسْتَطِيعُ أنْ يَصُومَ يَوْمًا واحِدًا، قالَ: «هُوَ ذاكَ» فَبَيْنَما هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (p-٣٠٦)فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يَجِدُ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «إنّا سَنُعِينُهُ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: «أعانَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي يَزِيدَ المَدَنِيِّ، «أنَّ امْرَأةً جاءَتْ بِشَطْرِ وسْقٍ مِن شَعِيرٍ، فَأعْطاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- أيْ: مُدَّيْنِ مِن شَعِيرٍ مَكانَ مُدٍّ مِن بُرٍّ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعانَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا مِن شَعِيرٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، «أنَّ رَجُلًا ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وكانَ الظِّهارُ أشَدَّ مِنَ الطَّلاقِ، وأحْرَمَ الحَرامِ، إذا ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ أبَدًا، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ زَوْجِي وأبا ولَدِي ظاهَرَ مِنِّي، وما يَطَّلِعُ إلّا اللَّهُ عَلى ما يَدْخُلُ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ قالَ ما قالَ»! قالَتْ: فَكَيْفَ أصْنَعُ؟ ودَعَتِ اللَّهَ، واشْتَكَتْ إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوْجَها فَقالَ: «تُعْتِقُ رَقَبَةً»؟ فَقالَ: ما في الأرْضِ رَقَبَةٌ أمْلِكُها، قالَ: «تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي (p-٣٠٧)بَلَغْتُ سِنًّا، وبِي دَوَرانٌ، فَإذا لَمْ آكُلْ في اليَوْمِ مِرارًا أُدِيرَ عَلَيَّ، حَتّى أقَعَ، قالَ: «تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: واللَّهِ، ما أجِدُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَنُعِينُكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ امْرَأةَ أخِي عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَشْكُو زَوْجَها تَظاهَرَ عَنْها، وامْرَأةٌ تَفْلِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أوْ قالَ: تَدْهُنُهُ - فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرَهُ إلى السَّماءِ، فَقالَتِ الَّتِي تَفْلِي لِامْرَأةِ أخِي عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ - واسْمُها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ -: يا خَوْلَةُ، ألا تَسْكُنِي، فَقَدْ تَرَيْنَهُ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ؟! فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ فَعَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ، فَقالَ: لا أجِدُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ صِيامَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، فَقالَ: لا أُطِيقُ، إنْ لَمْ آكُلْ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ شَقَّ بِي، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: لا أجِدُ، فَأتى النَّبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ مِن تَمْرٍ، فَقالَ لَهُ: «خُذْ هَذا فاقْسِمْهُ» فَقالَ الرَّجُلُ: ما بَيْنَ لابَتَيْها أفْقَرُ مِنِّي، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلْهُ أنْتَ وأهْلُكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زَيْدٍ الهَمْدانِيِّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ قالَ: هي خَوْلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، وكانَ زَوْجُها مَرِيضًا، فَدَعاها فَلَمْ تُجِبْهُ، وأبْطَأتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أعْتِقْ (p-٣٠٨)رَقَبَةً» قالَ: لا أجِدُ، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَ: لا أسْتَطِيعُ، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: لا واللَّهِ ما عِنْدِي، إلّا أنْ تُعِينَنِي، فَأعانَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فَقالَ: واللَّهِ ما في المَدِينَةِ أحْوَجُ إلَيْها مِنِّي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَكُلْها أنْتَ وأهْلُكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ أبِي أنَسٍ قالَ: «كانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، وكانَ بِهِ لَمَمٌ، وكانَ يُفِيقُ أحْيانًا، فَلاحى امْرَأتَهُ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ في بَعْضِ صَحَواتِهِ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ نَدِمَ، فَقالَ: ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، قالَتْ: ما ذَكَرْتَ طَلاقًا! فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَتْهُ بِما قالَ، وجادَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – مِرارًا، ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ شِدَّةَ وحْدَتِي، وما يَشُقُّ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ، قالَتْ عائِشَةُ: فَلَقَدْ بَكَيْتُ وبَكى مَن كانَ في البَيْتِ رَحْمَةً لَها ورِقَّةً عَلَيْها، ونَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – الوَحْيُ، فَسُرِّيَ عَنْهُ وهو يَبْتَسِمُ، فَقالَ: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفِيهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ [المجادلة»: ١]، ثُمَّ قالَ: «مُرِيهِ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً» قالَتْ: لا يَجِدُ، قالَ: «فَمُرِيهِ أنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَتْ: لا يُطِيقُ ذَلِكَ، قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَتْ: وأنّى لَهُ؟! قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيَأْتِ أُمَّ المُنْذِرِ بِنْتَ قَيْسٍ فَلْيَأْخُذْ مِنها شَطْرَ وسْقِ تَمْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَرَجَعَتْ إلى أوْسٍ، فَقالَ: ما وراءَكِ؟ قالَتْ: خَيْرٌ وأنْتَ ذَمِيمٌ، ثُمَّ أخْبَرَتْهُ، فَأتى أُمَّ المُنْذِرِ، فَأخَذَ ذَلِكَ مِنها فَجَعَلَ (p-٣٠٩)يُطْعِمُ مُدَّيْنِ مِن تَمْرٍ كُلَّ مِسْكِينٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: إنَّما كانَ طَلاقُهم في الجاهِلِيَّةِ الظِّهارَ والإيلاءَ، حَتّى قالَ ما سَمِعْتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ قالَ: الزُّورُ الكَذِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإذا قالَ ذَلِكَ: فَلَيْسَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَقْرَبَها بِنِكاحٍ وغَيْرِهِ، حَتّى يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا - والمَسُّ النِّكاحُ - فَإنْ لَمْ يَسْتَطَعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وإنْ هو قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ فَعَلْتِ كَذا، فَلَيْسَ يَقَعُ في ذَلِكَ ظِهارٌ حَتّى يَحْنَثَ، فَإنْ حَنَثَ فَلا يَقْرَبْها حَتّى يُكَفِّرَ، ولا يَقَعُ في الظِّهارِ طَلاقٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: يَعُودُ لِمَسِّها. (p-٣١٠)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: الوَطْءُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: إذا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِالظِّهارِ والمُنْكَرِ والزُّورِ فَقَدْ وجَبَتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ حَنِثَ أوْ لَمْ يَحْنَثْ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كانَ طَلاقُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الظِّهارَ، فَظاهَرَ رَجُلٌ في الإسْلامِ، وهو يُرِيدُ الطَّلاقَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ الكَفّارَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ قالَ: هو الجِماعُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قالَ: كَهَيْئَةِ الطَّعامِ في اليَمِينِ، مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ثَلاثٌ فِيهِنَّ مُدٌّ، كَفّارَةُ اليَمِينِ، وكَفّارَةُ الظِّهارِ، وكَفّارَةُ الصِّيامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ الَّذِي أتى أهْلَهُ في رَمَضانَ بِكَفّارَةِ المُظاهِرِ» . (p-٣١١)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ قالُوا: العِتْقُ في الظِّهارِ، والصِّيامُ، والطَّعامُ، كُلُّ ذَلِكَ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الظِّهارُ في الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُ النِّساءَ، فَكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، وكانَتِ امْرَأتُهُ خَوْلَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وكانَ الرَّجُلُ ضَعِيفًا، وكانَتِ المَرْأةُ جَلْدَةً، فَلَمّا أنْ تَكَلَّمَ بِالظِّهارِ قالَ: لا أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، فانْطَلِقِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّكِ تَبْتَغِي شَيْئًا يَرُدُّكِ عَلَيَّ، فانْطَلَقَتْ، وجَلَسَ يَنْتَظِرُها، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وماشِطَةٌ تَمْشُطُ رَأْسَهُ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ مَن قَدْ عَلِمْتَ مِن ضَعْفِ رَأْيِهِ، وعَجْزِ مَقْدِرَتِهِ، وقَدْ ظاهَرَ مِنِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، فابْتَغِي شَيْئًا يَرُدُّنِي إلَيْهِ. قالَ: يا خَوْلَةُ: «ما أُمِرْنا بِشَيْءٍ في أمْرِكِ وإنْ نُؤْمَرْ فَسَأُخْبِرْكِ» فَبَيْنا ماشِطَتُهُ قَدْ فَرَغَتْ مِن شِقِّ رَأْسِهِ، وأخَذَتْ في الشِّقِّ الآخَرِ، أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ - وكانَ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ تَرَبَّدَ لِذَلِكَ وجْهُهُ حَتّى يَجِدَ بَرْدَهُ، فَإذا سُرِّيَ عَنْهُ عادَ وجْهُهُ أبْيَضَ كالقُلْبِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِما أُمِرَ بِهِ - فَقالَتْ ماشِطْتُهُ: يا خَوْلَةُ إنِّي لَأظُنُّهُ الآنَ في شَأْنِكِ، فَأخَذَها أفْكَلٌ، ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ بِكَ أعُوذُ أنْ تُنْزِلَ فِيَّ إلّا (p-٣١٢)خَيْرًا؛ فَإنِّي لَمْ أبْغِ مِن رَسُولِكَ إلّا خَيْرًا، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ، فَقَرَأ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة»: ٣]، فَقالَتْ: واللَّهِ، يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَهُ خادِمٌ غَيْرِي، ولا لِي خادِمٌ غَيْرَهُ قالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ قالَتْ: واللَّهِ، إنَّهُ إذا لَمْ يَأْكُلْ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ يَشْدَرُ بَصَرُهُ، قالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قالَتْ: واللَّهِ، ما لَنا في اليَوْمِ إلّا وُقِيَّةٌ، قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيَنْطَلِقْ إلى فُلانٍ، فَلْيَأْخُذْ مِنهُ شَطْرَ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا، ولْيُراجِعْكِ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «المُصَنَّفِ» مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأنْصارِيِّ، أنَّهُ جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ حَتّى يَمْضِيَ رَمَضانُ، فَسَمِنَتْ، وتَرَبَّعَتْ، فَوَقَعَ عَلَيْها في النِّصْفِ مِن رَمَضانَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ كَأنَّهُ يُعَظِّمُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أتَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً»؟ فَقالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا فَرْوَةُ بْنَ عَمْرٍو أعْطِهِ (p-٣١٣)ذَلِكَ العَرَقَ» - وهو مِكْتَلٌ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ أوْ سِتَّةَ عَشَرَ صاعًا - «فَلْيُطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَقالَ: أعَلى أفْقَرَ مِنِّي؟ فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما بَيْنَ لابَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ إلَيْهِ مِنِّي، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: «اذْهَبْ بِهِ إلى أهْلِكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «كانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ دُلَيْحٍ تَحْتَ رِجْلٍ مِنَ الأنْصارِ، وكانَ سَيِّئَ الخُلُقِ، ضَرِيرَ البَصَرِ، فَقِيرًا، وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ إذا أرادَ الرَّجُلُ أنْ يُفارِقَ امْرَأتَهُ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَنازَعَتْهُ في بَعْضِ الشَّيْءِ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وكانَ لَهُ عَيِّلٌ أوْ عَيِّلانِ، فَلَمّا سَمِعَتْهُ يَقُولُ ما قالَ احْتَمَلَتْ صِبْيانَها، فانْطَلَقَتْ تَسْعى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوافَقَتْهُ عِنْدَ عائِشَةَ، وإذا عائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ زَوْجِي فَقِيرٌ، ضَرِيرُ البَصَرِ، سَيِّئُ الخُلُقِ، وإنِّي نازَعْتُهُ في شَيْءٍ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ولَمْ يُرِدِ الطَّلاقَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ فَقالَ: «ما أعْلَمُ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فاسْتَكانَتْ، وقالَتْ: أشْتَكِي إلى اللَّهِ ما نَزَلَ بِي وبِصِبْيَتِي. (p-٣١٤)وتَحَوَّلَتْ عائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِهِ الآخَرَ، فَتَحَوَّلَتْ مَعَها، فَقالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، قالَتْ: ولِي مِنهُ عَيِّلٌ أوْ عَيِّلانِ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ رَأْسَهُ إلَيْها فَقالَ: «ما أعْلَمُ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فَبَكَتْ، وقالَتْ: أشْتَكِي إلى اللَّهِ ما نَزَلَ بِي وبِصِبْيَتِي، وتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ عائِشَةُ: وراءَكِ، فَتَنَحَّتْ، ومَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَقالَ: «يا عائِشَةُ أيْنَ المَرْأةُ»؟ قالَتْ: ها هِيَ، قالَ: «ادْعِيها» فَدَعَتْها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اذْهَبِي فَجِيئِي بِزَوْجِكِ» فانْطَلَقَتْ تَسْعى، فَلَمْ تَلْبَثْ أنْ جاءَتْ، فَأدْخَلَتْهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَإذا هو كَما قالَتْ، ضَرِيرُ البَصَرِ، فَقِيرٌ، سَيِّئُ الخُلُقِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، ﷽: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أتَجِدُ رَقَبَةً»؟ قالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنِّي إذا لَمْ آكِلِ المَرَّةَ والمَرَّتَيْنِ والثَّلاثَةَ يَكادُ يُغْشى عَلَيَّ، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا، إلّا أنْ تُعِينَنِي فِيها، فَأعانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَفَّرَ يَمِينَهُ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: كانَ الظِّهارُ والإيلاءُ طَلاقًا (p-٣١٥)فِي الجاهِلِيَّةِ، فَوَقَّتَ اللَّهِ في الإيلاءِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وجَعَلَ في الظِّهارِ الكَفّارَةَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ الظِّهارُ والطَّلاقُ قَبْلَ المِلْكِ بِشَيْءٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ مِنَ الأمَةِ ظِهارٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: لا ظِهارَ مِنَ الأمَةِ. وأخْرَجَ البَزّارُ، والحاكِمُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي، فَرَأيْتُ بَياضَ خَلْخالِها في ضَوْءِ القَمَرِ، فَأعْجَبَتْنِي، فَوَقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة»: ٣] ؟ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «أمْسِكْ حَتّى تُكَفِّرَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، قالَ: «وما (p-٣١٦)حَمَلَكَ عَلى ذَلِكَ»؟ قالَ: رَأيْتُ خَلْخالَها في ضَوْءِ القَمَرِ، قالَ: «فَلا تَقْرَبْها حَتّى تَفْعَلَ ما أمَرَكَ اللَّهُ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ، والبَغَوِيُّ في «مُعْجَمِهِ» والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأنْصارِيِّ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَدْ أُوتِيتُ مِن جِماعِ النِّساءِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي، فَلَمّا دَخَلَ رَمَضانُ ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي حَتّى يَنْسَلِخَ رَمَضانُ؛ فَرَقًا مِن أنْ أُصِيبَ مِنها في لَيْلِي، فَأتَتابَعُ في ذَلِكَ ولا أسْتَطِيعُ أنْ أنْزِعَ حَتّى يُدْرِكَنِي الصُّبْحُ، فَبَيْنا هي تَخْدُمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ إذِ انْكَشَفَ لِي مِنها شَيْءٌ، فَوَثَبْتُ عَلَيْها، فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى قَوْمِي فَأخْبَرَتْهم خَبَرِي، فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا مَعِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرُهُ بِأمْرِي، فَقالُوا: لا واللَّهِ، لا نَفْعَلُ، نَتَخَوَّفُ أنْ يَنْزِلَ فِينا القُرْآنُ، أوْ يَقُولَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقالَةً يَبْقى عَلَيْنا عارُها، ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ، فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَخَرَجْتُ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، قالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، قالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، وها أنا ذا، فَأمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ فَإنِّي صابِرٌ لِذَلِكَ، قالَ: «أعْتِقْ رَقَبَةً» فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِي، فَقُلْتُ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أصْبَحْتُ أمْلِكُ غَيْرَها، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ (p-٣١٧)مُتَتابِعَيْنِ» قُلْتُ: وهَلْ أصابَنِي ما أصابَنِي إلّا في الصِّيامِ، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَدْ بِتْنا لَيْلَتَنا هَذِهِ وحْشًا ما لَنا عَشاءٌ، قالَ: «اذْهَبْ إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَقُلْ لَهُ، فَلْيَدْفَعْها إلَيْكَ، فَأطْعِمْ عَنْكَ مِنها وسْقًا سِتِّينَ مِسْكِينًا، ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسائِرِها عَلَيْكَ وعَلى عِيالِكَ» فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي فَقُلْتُ: وجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأْيِ، ووَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّعَةَ والبَرَكَةَ، أمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ، فادْفَعُوها إلَيَّ، فَدَفَعُوها إلَيْهِ» .

المجادلة 58:3

(p-٢٩٨)سُورَةُ المُجادَلَةِ. مَدَنِيَّةٌ. أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «المُجادَلَةِ» بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، مِثْلَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ تَعْلِيقًا، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ عائِشَةَ قالَتِ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ جاءَتِ المُجادِلَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ – تُكَلِّمُهُ، وأنا في ناحِيَةِ البَيْتِ ما أسْمَعُ ما تَقُولُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، (p-٢٩٩)والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «تَبارَكَ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إنِّي لَأسْمَعُ كَلامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، ويَخْفى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وهي تَشْتَكِي زَوْجَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي تَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَلَ شَبابِي، ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتّى إذا كَبِرَتْ سِنِّي، وانْقَطَعَ ولَدِي، ظاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ، قالَتْ: فَما بَرِحَتْ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ وهو أوْسُ بْنُ الصّامِتِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنِ أبِي يَزِيدَ، قالَ: لَقِيَتِ امْرَأةٌ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، يُقالُ لَها: خَوْلَةُ، وهو يَسِيرُ مَعَ النّاسِ فاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَها، ودَنا مِنها، وأصْغى إلَيْها رَأْسَهُ، ووَضَعَ يَدَيْهِ عَلى مَنكِبَيْها حَتّى قَضَتْ حاجَتَها وانْصَرَفَتْ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ: حَبَسْتَ رِجالاتِ قُرَيْشٍ عَلى هَذِهِ العَجُوزِ! قالَ: ويْحَكَ، وتَدْرِي مَن هَذِهِ؟ قالَ: لا، قالَ: هَذِهِ امْرَأةٌ سَمِعَ اللَّهُ شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَواتٍ، هَذِهِ خَوْلَةُ (p-٣٠٠)بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، واللَّهِ لَوْ لَمْ تَنْصَرِفْ عَنِّي إلى اللَّيْلِ، ما انْصَرَفْتُ حَتّى تَقْضِيَ حاجَتَها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في «تارِيخِهِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ ثُمامَةَ بْنِ حَزْنٍ قالَ: بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَسِيرُ عَلى حِمارِهِ لَقِيَتْهُ امْرَأةٌ، فَقالَتْ: قِفْ يا عُمَرُ، فَوَقَفَ، فَأغْلَظَتْ لَهُ القَوْلَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ! فَقالَ: وما يَمْنَعُنِي أنْ أسْتَمِعَ إلَيْها، وهي الَّتِي اسْتَمَعَ اللَّهُ لَها، أنْزَلَ فِيها ما أنْزَلَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ قالَتْ: فِيَّ واللَّهِ وفي أوْسِ بْنِ الصّامِتِ أنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ «المُجادَلَةِ»، قالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُهُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَراجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقالَ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ في نادِي قَوْمِهِ ساعَةً، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَإذا هو يُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي، قُلْتُ: كَلّا، والَّذِي (p-٣٠١)نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ، حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فِينا، ثُمَّ جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ، فَتَغَشّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما كانَ يَتَغَشّاهُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقالَ لِي: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ» ثُمَّ قَرَأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً» قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ما عِنْدَهُ ما يُعْتِقُ، قالَ: «فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قُلْتُ: واللَّهِ، إنَّهُ لَشَيْخٌ كَبِيرٌ، ما بِهِ مِن صِيامٍ، قالَ: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ» قُلْتُ: واللَّهِ، ما ذاكَ عِنْدَهُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإنّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِن تَمْرٍ» فَقُلْتُ: وأنا يا رَسُولَ اللَّهِ سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: «فَقَدْ أصَبْتِ وأحْسَنْتِ فاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا» قالَتْ: فَفَعَلْتُ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «أنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فَأخْبَرَتْهُ، وكانَ أوْسٌ بِهِ لَمَمٌ، فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ فَقالَ لِامْرَأتِهِ: «مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ (p-٣٠٢)رَقَبَةً» فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: والَّذِي أعْطاكَ ما أعْطاكَ ما جِئْتُ إلّا رَحْمَةً لَهُ، إنَّ لَهُ فِيَّ مَنافِعَ، واللَّهِ، ما عِنْدَهُ رَقَبَةٌ ولا يَمْلِكُها، قالَتْ: فَنَزَلَ القُرْآنُ وهي عِنْدُهُ في البَيْتِ، فَقالَ: «مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» فَقالَتْ: والَّذِي أعْطاكَ ما أعْطاكَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: «مُرِيهِ فَلْيَتَصَدَّقْ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: ما عِنْدَهُ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَقالَ: «يَذْهَبُ إلى فُلانٍ الأنْصارِيِّ فَإنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وسْقِ تَمْرٍ، أخْبَرَنِي أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَلْيَأْخُذْ مِنهُ، ثُمَّ لِيَتَصَدَّقْ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» عَنْ عائِشَةَ أنَّ خَوْلَةَ كانْتِ امْرَأةَ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ، وكانَ امْرَأً بِهِ لَمَمٌ، فَإذا اشْتَدَّ لَمَمُهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ كَفّارَةَ الظِّهارِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنٍ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسٌ، وكانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ (p-٣٠٣)يُقالُ لَها: خَوْلَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، فَظاهَرَ مِنها، فَأُسْقِطَ في يَدِهِ، وقالَ: ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، فانْطَلِقِي إلى النَّبِيِّ ﷺ – فاسْألِيهِ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ ماشِطَةً تَمْشُطُ رَأْسَهُ، فَأخْبَرَتْهُ، فَقالَ: «يا خَوْلَةُ ما أُمِرْنا في أمْرِكِ بِشَيْءٍ» فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «يا خَوْلَةُ أبْشِرِي» قالَتْ: خَيْرًا، قالَ: «خَيْرًا» فَقَرَأ عَلَيْها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ الآياتِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ خَوْلَةَ - أوْ خُوَيْلَةَ - أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فَقالَتْ: أشْكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ [المجادلة»: ١] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في القُرْآنِ ما أنْزَلَ اللَّهُ جُمْلَةً: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ كانَ هَذا قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ خَوْلَةُ، لَوْ أنَّ خَوْلَةَ أرادَتْ ألّا تُجادِلَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ؛ لَأنَّ اللَّهَ كانَ قَدْ قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَخْلُقَها. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ وذَلِكَ «أنَّ خَوْلَةَ، امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ، ظاهَرَ مِنها زَوْجُها فَقالَ: أنْتِ (p-٣٠٤)عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ زَوْجِي كانَ تَزَوَّجَنِي وأنا أحَبُّ النّاسِ إلَيْهِ، حَتّى إذا كَبِرْتُ ودَخَلْتُ في السِّنِّ، قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وتَرَكَنِي إلى غَيْرِ أحَدٍ، فَإنْ كُنْتَ تَجِدُ لِي رُخْصَةً يا رَسُولَ اللَّهِ تَنْعَشُنِي وإيّاهُ بِها فَحَدِّثْنِي بِها، قالَ: «واللَّهِ ما أُمِرْتُ في شَأْنِكِ بِشَيْءٍ حَتّى الآنَ، ولَكِنِ ارْجِعِي إلى بَيْتِكِ، فَإنْ أُؤْمَرْ بِشَيْءٍ لا أُعَمِّيهِ عَلَيْكِ إنْ شاءَ اللَّهُ» فَرَجَعَتْ إلى بَيْتِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ في الكِتابِ رُخْصَتَها ورُخْصَةَ زَوْجِها فَقالَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَأرْسَلَ إلى زَوْجِها، فَقالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً»؟ قالَ: إذَنْ يَذْهَبُ مالِي كُلُّهُ، الرَّقَبَةُ غالِيَةٌ، وأنا قَلِيلُ المالِ. قالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: واللَّهِ لَوْلا أنِّي آكُلُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ لَكَلَّ بَصَرِي، قالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا واللَّهِ، إلّا أنْ تُعِينَنِي، قالَ: «إنِّي مُعِينُكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: ظاهَرَ مِنِّي زَوْجِي حِينَ كِبَرِ سِنِّي، ودَقَّ عَظْمِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الظِّهارِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأوْسٍ: «أعْتِقْ رَقَبَةً» قالَ: مالِي بِذَلِكَ يَدانِ، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَ: إنِّي إذا أخْطَأنِي أنْ آكُلَ في اليَوْمِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كَلَّ بَصَرِي، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: ما أجِدُ، إلّا أنْ تُعِينَنِي، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ (p-٣٠٥)صاعًا، حَتّى جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أهْلَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: المَرْأةُ الَّتِي جادَلَتْ في زَوْجِها خَوْلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، وأُمُّها مُعاذَةُ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ فِيها: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ [النور: ٣٣] [النُّورِ: ٣٣] وكانَتْ أمَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: «إنَّ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ زَوْجُ خَوْلَةَ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، وجَعَلَتْ تَشْكُو إلى اللَّهِ، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «ما جاءَنِي في هَذا شَيْءٌ» فَقالَتْ: فَإلى مَن يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، فَبَيْنا هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ ثُمَّ حُبِسَ الوَحْيُ، فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يَجِدُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ ذاكَ» فَبَيْنَما هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ ثُمَّ حُبِسَ الوَحْيُ، فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، ما يَسْتَطِيعُ أنْ يَصُومَ يَوْمًا واحِدًا، قالَ: «هُوَ ذاكَ» فَبَيْنَما هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (p-٣٠٦)فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يَجِدُ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «إنّا سَنُعِينُهُ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: «أعانَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي يَزِيدَ المَدَنِيِّ، «أنَّ امْرَأةً جاءَتْ بِشَطْرِ وسْقٍ مِن شَعِيرٍ، فَأعْطاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- أيْ: مُدَّيْنِ مِن شَعِيرٍ مَكانَ مُدٍّ مِن بُرٍّ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعانَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا مِن شَعِيرٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، «أنَّ رَجُلًا ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وكانَ الظِّهارُ أشَدَّ مِنَ الطَّلاقِ، وأحْرَمَ الحَرامِ، إذا ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ أبَدًا، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ زَوْجِي وأبا ولَدِي ظاهَرَ مِنِّي، وما يَطَّلِعُ إلّا اللَّهُ عَلى ما يَدْخُلُ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ قالَ ما قالَ»! قالَتْ: فَكَيْفَ أصْنَعُ؟ ودَعَتِ اللَّهَ، واشْتَكَتْ إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوْجَها فَقالَ: «تُعْتِقُ رَقَبَةً»؟ فَقالَ: ما في الأرْضِ رَقَبَةٌ أمْلِكُها، قالَ: «تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي (p-٣٠٧)بَلَغْتُ سِنًّا، وبِي دَوَرانٌ، فَإذا لَمْ آكُلْ في اليَوْمِ مِرارًا أُدِيرَ عَلَيَّ، حَتّى أقَعَ، قالَ: «تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: واللَّهِ، ما أجِدُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَنُعِينُكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ امْرَأةَ أخِي عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَشْكُو زَوْجَها تَظاهَرَ عَنْها، وامْرَأةٌ تَفْلِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أوْ قالَ: تَدْهُنُهُ - فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرَهُ إلى السَّماءِ، فَقالَتِ الَّتِي تَفْلِي لِامْرَأةِ أخِي عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ - واسْمُها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ -: يا خَوْلَةُ، ألا تَسْكُنِي، فَقَدْ تَرَيْنَهُ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ؟! فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ فَعَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ، فَقالَ: لا أجِدُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ صِيامَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، فَقالَ: لا أُطِيقُ، إنْ لَمْ آكُلْ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ شَقَّ بِي، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: لا أجِدُ، فَأتى النَّبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ مِن تَمْرٍ، فَقالَ لَهُ: «خُذْ هَذا فاقْسِمْهُ» فَقالَ الرَّجُلُ: ما بَيْنَ لابَتَيْها أفْقَرُ مِنِّي، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلْهُ أنْتَ وأهْلُكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زَيْدٍ الهَمْدانِيِّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ قالَ: هي خَوْلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، وكانَ زَوْجُها مَرِيضًا، فَدَعاها فَلَمْ تُجِبْهُ، وأبْطَأتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أعْتِقْ (p-٣٠٨)رَقَبَةً» قالَ: لا أجِدُ، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَ: لا أسْتَطِيعُ، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: لا واللَّهِ ما عِنْدِي، إلّا أنْ تُعِينَنِي، فَأعانَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فَقالَ: واللَّهِ ما في المَدِينَةِ أحْوَجُ إلَيْها مِنِّي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَكُلْها أنْتَ وأهْلُكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ أبِي أنَسٍ قالَ: «كانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، وكانَ بِهِ لَمَمٌ، وكانَ يُفِيقُ أحْيانًا، فَلاحى امْرَأتَهُ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ في بَعْضِ صَحَواتِهِ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ نَدِمَ، فَقالَ: ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، قالَتْ: ما ذَكَرْتَ طَلاقًا! فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَتْهُ بِما قالَ، وجادَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – مِرارًا، ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ شِدَّةَ وحْدَتِي، وما يَشُقُّ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ، قالَتْ عائِشَةُ: فَلَقَدْ بَكَيْتُ وبَكى مَن كانَ في البَيْتِ رَحْمَةً لَها ورِقَّةً عَلَيْها، ونَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – الوَحْيُ، فَسُرِّيَ عَنْهُ وهو يَبْتَسِمُ، فَقالَ: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفِيهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ [المجادلة»: ١]، ثُمَّ قالَ: «مُرِيهِ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً» قالَتْ: لا يَجِدُ، قالَ: «فَمُرِيهِ أنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَتْ: لا يُطِيقُ ذَلِكَ، قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَتْ: وأنّى لَهُ؟! قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيَأْتِ أُمَّ المُنْذِرِ بِنْتَ قَيْسٍ فَلْيَأْخُذْ مِنها شَطْرَ وسْقِ تَمْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَرَجَعَتْ إلى أوْسٍ، فَقالَ: ما وراءَكِ؟ قالَتْ: خَيْرٌ وأنْتَ ذَمِيمٌ، ثُمَّ أخْبَرَتْهُ، فَأتى أُمَّ المُنْذِرِ، فَأخَذَ ذَلِكَ مِنها فَجَعَلَ (p-٣٠٩)يُطْعِمُ مُدَّيْنِ مِن تَمْرٍ كُلَّ مِسْكِينٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: إنَّما كانَ طَلاقُهم في الجاهِلِيَّةِ الظِّهارَ والإيلاءَ، حَتّى قالَ ما سَمِعْتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ قالَ: الزُّورُ الكَذِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإذا قالَ ذَلِكَ: فَلَيْسَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَقْرَبَها بِنِكاحٍ وغَيْرِهِ، حَتّى يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا - والمَسُّ النِّكاحُ - فَإنْ لَمْ يَسْتَطَعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وإنْ هو قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ فَعَلْتِ كَذا، فَلَيْسَ يَقَعُ في ذَلِكَ ظِهارٌ حَتّى يَحْنَثَ، فَإنْ حَنَثَ فَلا يَقْرَبْها حَتّى يُكَفِّرَ، ولا يَقَعُ في الظِّهارِ طَلاقٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: يَعُودُ لِمَسِّها. (p-٣١٠)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: الوَطْءُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: إذا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِالظِّهارِ والمُنْكَرِ والزُّورِ فَقَدْ وجَبَتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ حَنِثَ أوْ لَمْ يَحْنَثْ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كانَ طَلاقُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الظِّهارَ، فَظاهَرَ رَجُلٌ في الإسْلامِ، وهو يُرِيدُ الطَّلاقَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ الكَفّارَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ قالَ: هو الجِماعُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قالَ: كَهَيْئَةِ الطَّعامِ في اليَمِينِ، مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ثَلاثٌ فِيهِنَّ مُدٌّ، كَفّارَةُ اليَمِينِ، وكَفّارَةُ الظِّهارِ، وكَفّارَةُ الصِّيامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ الَّذِي أتى أهْلَهُ في رَمَضانَ بِكَفّارَةِ المُظاهِرِ» . (p-٣١١)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ قالُوا: العِتْقُ في الظِّهارِ، والصِّيامُ، والطَّعامُ، كُلُّ ذَلِكَ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الظِّهارُ في الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُ النِّساءَ، فَكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، وكانَتِ امْرَأتُهُ خَوْلَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وكانَ الرَّجُلُ ضَعِيفًا، وكانَتِ المَرْأةُ جَلْدَةً، فَلَمّا أنْ تَكَلَّمَ بِالظِّهارِ قالَ: لا أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، فانْطَلِقِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّكِ تَبْتَغِي شَيْئًا يَرُدُّكِ عَلَيَّ، فانْطَلَقَتْ، وجَلَسَ يَنْتَظِرُها، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وماشِطَةٌ تَمْشُطُ رَأْسَهُ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ مَن قَدْ عَلِمْتَ مِن ضَعْفِ رَأْيِهِ، وعَجْزِ مَقْدِرَتِهِ، وقَدْ ظاهَرَ مِنِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، فابْتَغِي شَيْئًا يَرُدُّنِي إلَيْهِ. قالَ: يا خَوْلَةُ: «ما أُمِرْنا بِشَيْءٍ في أمْرِكِ وإنْ نُؤْمَرْ فَسَأُخْبِرْكِ» فَبَيْنا ماشِطَتُهُ قَدْ فَرَغَتْ مِن شِقِّ رَأْسِهِ، وأخَذَتْ في الشِّقِّ الآخَرِ، أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ - وكانَ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ تَرَبَّدَ لِذَلِكَ وجْهُهُ حَتّى يَجِدَ بَرْدَهُ، فَإذا سُرِّيَ عَنْهُ عادَ وجْهُهُ أبْيَضَ كالقُلْبِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِما أُمِرَ بِهِ - فَقالَتْ ماشِطْتُهُ: يا خَوْلَةُ إنِّي لَأظُنُّهُ الآنَ في شَأْنِكِ، فَأخَذَها أفْكَلٌ، ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ بِكَ أعُوذُ أنْ تُنْزِلَ فِيَّ إلّا (p-٣١٢)خَيْرًا؛ فَإنِّي لَمْ أبْغِ مِن رَسُولِكَ إلّا خَيْرًا، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ، فَقَرَأ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة»: ٣]، فَقالَتْ: واللَّهِ، يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَهُ خادِمٌ غَيْرِي، ولا لِي خادِمٌ غَيْرَهُ قالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ قالَتْ: واللَّهِ، إنَّهُ إذا لَمْ يَأْكُلْ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ يَشْدَرُ بَصَرُهُ، قالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قالَتْ: واللَّهِ، ما لَنا في اليَوْمِ إلّا وُقِيَّةٌ، قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيَنْطَلِقْ إلى فُلانٍ، فَلْيَأْخُذْ مِنهُ شَطْرَ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا، ولْيُراجِعْكِ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «المُصَنَّفِ» مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأنْصارِيِّ، أنَّهُ جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ حَتّى يَمْضِيَ رَمَضانُ، فَسَمِنَتْ، وتَرَبَّعَتْ، فَوَقَعَ عَلَيْها في النِّصْفِ مِن رَمَضانَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ كَأنَّهُ يُعَظِّمُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أتَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً»؟ فَقالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا فَرْوَةُ بْنَ عَمْرٍو أعْطِهِ (p-٣١٣)ذَلِكَ العَرَقَ» - وهو مِكْتَلٌ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ أوْ سِتَّةَ عَشَرَ صاعًا - «فَلْيُطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَقالَ: أعَلى أفْقَرَ مِنِّي؟ فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما بَيْنَ لابَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ إلَيْهِ مِنِّي، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: «اذْهَبْ بِهِ إلى أهْلِكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «كانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ دُلَيْحٍ تَحْتَ رِجْلٍ مِنَ الأنْصارِ، وكانَ سَيِّئَ الخُلُقِ، ضَرِيرَ البَصَرِ، فَقِيرًا، وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ إذا أرادَ الرَّجُلُ أنْ يُفارِقَ امْرَأتَهُ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَنازَعَتْهُ في بَعْضِ الشَّيْءِ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وكانَ لَهُ عَيِّلٌ أوْ عَيِّلانِ، فَلَمّا سَمِعَتْهُ يَقُولُ ما قالَ احْتَمَلَتْ صِبْيانَها، فانْطَلَقَتْ تَسْعى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوافَقَتْهُ عِنْدَ عائِشَةَ، وإذا عائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ زَوْجِي فَقِيرٌ، ضَرِيرُ البَصَرِ، سَيِّئُ الخُلُقِ، وإنِّي نازَعْتُهُ في شَيْءٍ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ولَمْ يُرِدِ الطَّلاقَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ فَقالَ: «ما أعْلَمُ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فاسْتَكانَتْ، وقالَتْ: أشْتَكِي إلى اللَّهِ ما نَزَلَ بِي وبِصِبْيَتِي. (p-٣١٤)وتَحَوَّلَتْ عائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِهِ الآخَرَ، فَتَحَوَّلَتْ مَعَها، فَقالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، قالَتْ: ولِي مِنهُ عَيِّلٌ أوْ عَيِّلانِ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ رَأْسَهُ إلَيْها فَقالَ: «ما أعْلَمُ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فَبَكَتْ، وقالَتْ: أشْتَكِي إلى اللَّهِ ما نَزَلَ بِي وبِصِبْيَتِي، وتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ عائِشَةُ: وراءَكِ، فَتَنَحَّتْ، ومَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَقالَ: «يا عائِشَةُ أيْنَ المَرْأةُ»؟ قالَتْ: ها هِيَ، قالَ: «ادْعِيها» فَدَعَتْها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اذْهَبِي فَجِيئِي بِزَوْجِكِ» فانْطَلَقَتْ تَسْعى، فَلَمْ تَلْبَثْ أنْ جاءَتْ، فَأدْخَلَتْهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَإذا هو كَما قالَتْ، ضَرِيرُ البَصَرِ، فَقِيرٌ، سَيِّئُ الخُلُقِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، ﷽: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أتَجِدُ رَقَبَةً»؟ قالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنِّي إذا لَمْ آكِلِ المَرَّةَ والمَرَّتَيْنِ والثَّلاثَةَ يَكادُ يُغْشى عَلَيَّ، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا، إلّا أنْ تُعِينَنِي فِيها، فَأعانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَفَّرَ يَمِينَهُ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: كانَ الظِّهارُ والإيلاءُ طَلاقًا (p-٣١٥)فِي الجاهِلِيَّةِ، فَوَقَّتَ اللَّهِ في الإيلاءِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وجَعَلَ في الظِّهارِ الكَفّارَةَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ الظِّهارُ والطَّلاقُ قَبْلَ المِلْكِ بِشَيْءٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ مِنَ الأمَةِ ظِهارٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: لا ظِهارَ مِنَ الأمَةِ. وأخْرَجَ البَزّارُ، والحاكِمُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي، فَرَأيْتُ بَياضَ خَلْخالِها في ضَوْءِ القَمَرِ، فَأعْجَبَتْنِي، فَوَقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة»: ٣] ؟ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «أمْسِكْ حَتّى تُكَفِّرَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، قالَ: «وما (p-٣١٦)حَمَلَكَ عَلى ذَلِكَ»؟ قالَ: رَأيْتُ خَلْخالَها في ضَوْءِ القَمَرِ، قالَ: «فَلا تَقْرَبْها حَتّى تَفْعَلَ ما أمَرَكَ اللَّهُ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ، والبَغَوِيُّ في «مُعْجَمِهِ» والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأنْصارِيِّ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَدْ أُوتِيتُ مِن جِماعِ النِّساءِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي، فَلَمّا دَخَلَ رَمَضانُ ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي حَتّى يَنْسَلِخَ رَمَضانُ؛ فَرَقًا مِن أنْ أُصِيبَ مِنها في لَيْلِي، فَأتَتابَعُ في ذَلِكَ ولا أسْتَطِيعُ أنْ أنْزِعَ حَتّى يُدْرِكَنِي الصُّبْحُ، فَبَيْنا هي تَخْدُمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ إذِ انْكَشَفَ لِي مِنها شَيْءٌ، فَوَثَبْتُ عَلَيْها، فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى قَوْمِي فَأخْبَرَتْهم خَبَرِي، فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا مَعِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرُهُ بِأمْرِي، فَقالُوا: لا واللَّهِ، لا نَفْعَلُ، نَتَخَوَّفُ أنْ يَنْزِلَ فِينا القُرْآنُ، أوْ يَقُولَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقالَةً يَبْقى عَلَيْنا عارُها، ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ، فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَخَرَجْتُ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، قالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، قالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، وها أنا ذا، فَأمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ فَإنِّي صابِرٌ لِذَلِكَ، قالَ: «أعْتِقْ رَقَبَةً» فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِي، فَقُلْتُ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أصْبَحْتُ أمْلِكُ غَيْرَها، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ (p-٣١٧)مُتَتابِعَيْنِ» قُلْتُ: وهَلْ أصابَنِي ما أصابَنِي إلّا في الصِّيامِ، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَدْ بِتْنا لَيْلَتَنا هَذِهِ وحْشًا ما لَنا عَشاءٌ، قالَ: «اذْهَبْ إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَقُلْ لَهُ، فَلْيَدْفَعْها إلَيْكَ، فَأطْعِمْ عَنْكَ مِنها وسْقًا سِتِّينَ مِسْكِينًا، ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسائِرِها عَلَيْكَ وعَلى عِيالِكَ» فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي فَقُلْتُ: وجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأْيِ، ووَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّعَةَ والبَرَكَةَ، أمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ، فادْفَعُوها إلَيَّ، فَدَفَعُوها إلَيْهِ» .

المجادلة 58:4

(p-٢٩٨)سُورَةُ المُجادَلَةِ. مَدَنِيَّةٌ. أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «المُجادَلَةِ» بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، مِثْلَهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ تَعْلِيقًا، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ عائِشَةَ قالَتِ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ جاءَتِ المُجادِلَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ – تُكَلِّمُهُ، وأنا في ناحِيَةِ البَيْتِ ما أسْمَعُ ما تَقُولُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، (p-٢٩٩)والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «تَبارَكَ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إنِّي لَأسْمَعُ كَلامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، ويَخْفى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وهي تَشْتَكِي زَوْجَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي تَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَلَ شَبابِي، ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتّى إذا كَبِرَتْ سِنِّي، وانْقَطَعَ ولَدِي، ظاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ، قالَتْ: فَما بَرِحَتْ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ وهو أوْسُ بْنُ الصّامِتِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنِ أبِي يَزِيدَ، قالَ: لَقِيَتِ امْرَأةٌ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، يُقالُ لَها: خَوْلَةُ، وهو يَسِيرُ مَعَ النّاسِ فاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَها، ودَنا مِنها، وأصْغى إلَيْها رَأْسَهُ، ووَضَعَ يَدَيْهِ عَلى مَنكِبَيْها حَتّى قَضَتْ حاجَتَها وانْصَرَفَتْ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ: حَبَسْتَ رِجالاتِ قُرَيْشٍ عَلى هَذِهِ العَجُوزِ! قالَ: ويْحَكَ، وتَدْرِي مَن هَذِهِ؟ قالَ: لا، قالَ: هَذِهِ امْرَأةٌ سَمِعَ اللَّهُ شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَمَواتٍ، هَذِهِ خَوْلَةُ (p-٣٠٠)بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، واللَّهِ لَوْ لَمْ تَنْصَرِفْ عَنِّي إلى اللَّيْلِ، ما انْصَرَفْتُ حَتّى تَقْضِيَ حاجَتَها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في «تارِيخِهِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ ثُمامَةَ بْنِ حَزْنٍ قالَ: بَيْنَما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَسِيرُ عَلى حِمارِهِ لَقِيَتْهُ امْرَأةٌ، فَقالَتْ: قِفْ يا عُمَرُ، فَوَقَفَ، فَأغْلَظَتْ لَهُ القَوْلَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ! فَقالَ: وما يَمْنَعُنِي أنْ أسْتَمِعَ إلَيْها، وهي الَّتِي اسْتَمَعَ اللَّهُ لَها، أنْزَلَ فِيها ما أنْزَلَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ قالَتْ: فِيَّ واللَّهِ وفي أوْسِ بْنِ الصّامِتِ أنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ «المُجادَلَةِ»، قالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُهُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَراجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقالَ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ في نادِي قَوْمِهِ ساعَةً، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَإذا هو يُرِيدُنِي عَنْ نَفْسِي، قُلْتُ: كَلّا، والَّذِي (p-٣٠١)نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ، حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فِينا، ثُمَّ جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ، فَتَغَشّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما كانَ يَتَغَشّاهُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقالَ لِي: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ» ثُمَّ قَرَأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً» قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ما عِنْدَهُ ما يُعْتِقُ، قالَ: «فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قُلْتُ: واللَّهِ، إنَّهُ لَشَيْخٌ كَبِيرٌ، ما بِهِ مِن صِيامٍ، قالَ: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ» قُلْتُ: واللَّهِ، ما ذاكَ عِنْدَهُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإنّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِن تَمْرٍ» فَقُلْتُ: وأنا يا رَسُولَ اللَّهِ سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: «فَقَدْ أصَبْتِ وأحْسَنْتِ فاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا» قالَتْ: فَفَعَلْتُ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «أنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فَأخْبَرَتْهُ، وكانَ أوْسٌ بِهِ لَمَمٌ، فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ فَقالَ لِامْرَأتِهِ: «مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ (p-٣٠٢)رَقَبَةً» فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: والَّذِي أعْطاكَ ما أعْطاكَ ما جِئْتُ إلّا رَحْمَةً لَهُ، إنَّ لَهُ فِيَّ مَنافِعَ، واللَّهِ، ما عِنْدَهُ رَقَبَةٌ ولا يَمْلِكُها، قالَتْ: فَنَزَلَ القُرْآنُ وهي عِنْدُهُ في البَيْتِ، فَقالَ: «مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» فَقالَتْ: والَّذِي أعْطاكَ ما أعْطاكَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: «مُرِيهِ فَلْيَتَصَدَّقْ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: ما عِنْدَهُ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَقالَ: «يَذْهَبُ إلى فُلانٍ الأنْصارِيِّ فَإنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وسْقِ تَمْرٍ، أخْبَرَنِي أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَلْيَأْخُذْ مِنهُ، ثُمَّ لِيَتَصَدَّقْ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» عَنْ عائِشَةَ أنَّ خَوْلَةَ كانْتِ امْرَأةَ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ، وكانَ امْرَأً بِهِ لَمَمٌ، فَإذا اشْتَدَّ لَمَمُهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ كَفّارَةَ الظِّهارِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنٍ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسٌ، وكانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ (p-٣٠٣)يُقالُ لَها: خَوْلَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، فَظاهَرَ مِنها، فَأُسْقِطَ في يَدِهِ، وقالَ: ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، فانْطَلِقِي إلى النَّبِيِّ ﷺ – فاسْألِيهِ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ ماشِطَةً تَمْشُطُ رَأْسَهُ، فَأخْبَرَتْهُ، فَقالَ: «يا خَوْلَةُ ما أُمِرْنا في أمْرِكِ بِشَيْءٍ» فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «يا خَوْلَةُ أبْشِرِي» قالَتْ: خَيْرًا، قالَ: «خَيْرًا» فَقَرَأ عَلَيْها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ الآياتِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ خَوْلَةَ - أوْ خُوَيْلَةَ - أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فَقالَتْ: أشْكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ [المجادلة»: ١] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في القُرْآنِ ما أنْزَلَ اللَّهُ جُمْلَةً: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ كانَ هَذا قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ خَوْلَةُ، لَوْ أنَّ خَوْلَةَ أرادَتْ ألّا تُجادِلَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ؛ لَأنَّ اللَّهَ كانَ قَدْ قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَخْلُقَها. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ وذَلِكَ «أنَّ خَوْلَةَ، امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ، ظاهَرَ مِنها زَوْجُها فَقالَ: أنْتِ (p-٣٠٤)عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ زَوْجِي كانَ تَزَوَّجَنِي وأنا أحَبُّ النّاسِ إلَيْهِ، حَتّى إذا كَبِرْتُ ودَخَلْتُ في السِّنِّ، قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وتَرَكَنِي إلى غَيْرِ أحَدٍ، فَإنْ كُنْتَ تَجِدُ لِي رُخْصَةً يا رَسُولَ اللَّهِ تَنْعَشُنِي وإيّاهُ بِها فَحَدِّثْنِي بِها، قالَ: «واللَّهِ ما أُمِرْتُ في شَأْنِكِ بِشَيْءٍ حَتّى الآنَ، ولَكِنِ ارْجِعِي إلى بَيْتِكِ، فَإنْ أُؤْمَرْ بِشَيْءٍ لا أُعَمِّيهِ عَلَيْكِ إنْ شاءَ اللَّهُ» فَرَجَعَتْ إلى بَيْتِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ في الكِتابِ رُخْصَتَها ورُخْصَةَ زَوْجِها فَقالَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَأرْسَلَ إلى زَوْجِها، فَقالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً»؟ قالَ: إذَنْ يَذْهَبُ مالِي كُلُّهُ، الرَّقَبَةُ غالِيَةٌ، وأنا قَلِيلُ المالِ. قالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: واللَّهِ لَوْلا أنِّي آكُلُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ لَكَلَّ بَصَرِي، قالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا واللَّهِ، إلّا أنْ تُعِينَنِي، قالَ: «إنِّي مُعِينُكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: ظاهَرَ مِنِّي زَوْجِي حِينَ كِبَرِ سِنِّي، ودَقَّ عَظْمِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الظِّهارِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأوْسٍ: «أعْتِقْ رَقَبَةً» قالَ: مالِي بِذَلِكَ يَدانِ، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَ: إنِّي إذا أخْطَأنِي أنْ آكُلَ في اليَوْمِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كَلَّ بَصَرِي، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: ما أجِدُ، إلّا أنْ تُعِينَنِي، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ (p-٣٠٥)صاعًا، حَتّى جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أهْلَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: المَرْأةُ الَّتِي جادَلَتْ في زَوْجِها خَوْلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، وأُمُّها مُعاذَةُ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ فِيها: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ [النور: ٣٣] [النُّورِ: ٣٣] وكانَتْ أمَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: «إنَّ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ زَوْجُ خَوْلَةَ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، وجَعَلَتْ تَشْكُو إلى اللَّهِ، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «ما جاءَنِي في هَذا شَيْءٌ» فَقالَتْ: فَإلى مَن يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، فَبَيْنا هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ ثُمَّ حُبِسَ الوَحْيُ، فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يَجِدُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ ذاكَ» فَبَيْنَما هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ ثُمَّ حُبِسَ الوَحْيُ، فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، ما يَسْتَطِيعُ أنْ يَصُومَ يَوْمًا واحِدًا، قالَ: «هُوَ ذاكَ» فَبَيْنَما هي كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ الوَحْيُ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (p-٣٠٦)فانْصَرَفَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاها عَلَيْها، فَقالَتْ: لا يَجِدُ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «إنّا سَنُعِينُهُ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: «أعانَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي يَزِيدَ المَدَنِيِّ، «أنَّ امْرَأةً جاءَتْ بِشَطْرِ وسْقٍ مِن شَعِيرٍ، فَأعْطاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- أيْ: مُدَّيْنِ مِن شَعِيرٍ مَكانَ مُدٍّ مِن بُرٍّ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعانَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا مِن شَعِيرٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، «أنَّ رَجُلًا ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وكانَ الظِّهارُ أشَدَّ مِنَ الطَّلاقِ، وأحْرَمَ الحَرامِ، إذا ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ أبَدًا، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ زَوْجِي وأبا ولَدِي ظاهَرَ مِنِّي، وما يَطَّلِعُ إلّا اللَّهُ عَلى ما يَدْخُلُ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ قالَ ما قالَ»! قالَتْ: فَكَيْفَ أصْنَعُ؟ ودَعَتِ اللَّهَ، واشْتَكَتْ إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوْجَها فَقالَ: «تُعْتِقُ رَقَبَةً»؟ فَقالَ: ما في الأرْضِ رَقَبَةٌ أمْلِكُها، قالَ: «تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي (p-٣٠٧)بَلَغْتُ سِنًّا، وبِي دَوَرانٌ، فَإذا لَمْ آكُلْ في اليَوْمِ مِرارًا أُدِيرَ عَلَيَّ، حَتّى أقَعَ، قالَ: «تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: واللَّهِ، ما أجِدُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَنُعِينُكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ امْرَأةَ أخِي عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَشْكُو زَوْجَها تَظاهَرَ عَنْها، وامْرَأةٌ تَفْلِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أوْ قالَ: تَدْهُنُهُ - فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرَهُ إلى السَّماءِ، فَقالَتِ الَّتِي تَفْلِي لِامْرَأةِ أخِي عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ - واسْمُها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ -: يا خَوْلَةُ، ألا تَسْكُنِي، فَقَدْ تَرَيْنَهُ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ؟! فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ فَعَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ، فَقالَ: لا أجِدُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ صِيامَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، فَقالَ: لا أُطِيقُ، إنْ لَمْ آكُلْ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ شَقَّ بِي، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: لا أجِدُ، فَأتى النَّبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ مِن تَمْرٍ، فَقالَ لَهُ: «خُذْ هَذا فاقْسِمْهُ» فَقالَ الرَّجُلُ: ما بَيْنَ لابَتَيْها أفْقَرُ مِنِّي، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلْهُ أنْتَ وأهْلُكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زَيْدٍ الهَمْدانِيِّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ قالَ: هي خَوْلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، وكانَ زَوْجُها مَرِيضًا، فَدَعاها فَلَمْ تُجِبْهُ، وأبْطَأتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أعْتِقْ (p-٣٠٨)رَقَبَةً» قالَ: لا أجِدُ، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَ: لا أسْتَطِيعُ، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَ: لا واللَّهِ ما عِنْدِي، إلّا أنْ تُعِينَنِي، فَأعانَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فَقالَ: واللَّهِ ما في المَدِينَةِ أحْوَجُ إلَيْها مِنِّي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَكُلْها أنْتَ وأهْلُكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ أبِي أنَسٍ قالَ: «كانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، وكانَ بِهِ لَمَمٌ، وكانَ يُفِيقُ أحْيانًا، فَلاحى امْرَأتَهُ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ في بَعْضِ صَحَواتِهِ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ نَدِمَ، فَقالَ: ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، قالَتْ: ما ذَكَرْتَ طَلاقًا! فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَتْهُ بِما قالَ، وجادَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – مِرارًا، ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ شِدَّةَ وحْدَتِي، وما يَشُقُّ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ، قالَتْ عائِشَةُ: فَلَقَدْ بَكَيْتُ وبَكى مَن كانَ في البَيْتِ رَحْمَةً لَها ورِقَّةً عَلَيْها، ونَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – الوَحْيُ، فَسُرِّيَ عَنْهُ وهو يَبْتَسِمُ، فَقالَ: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفِيهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ [المجادلة»: ١]، ثُمَّ قالَ: «مُرِيهِ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً» قالَتْ: لا يَجِدُ، قالَ: «فَمُرِيهِ أنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» قالَتْ: لا يُطِيقُ ذَلِكَ، قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قالَتْ: وأنّى لَهُ؟! قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيَأْتِ أُمَّ المُنْذِرِ بِنْتَ قَيْسٍ فَلْيَأْخُذْ مِنها شَطْرَ وسْقِ تَمْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَرَجَعَتْ إلى أوْسٍ، فَقالَ: ما وراءَكِ؟ قالَتْ: خَيْرٌ وأنْتَ ذَمِيمٌ، ثُمَّ أخْبَرَتْهُ، فَأتى أُمَّ المُنْذِرِ، فَأخَذَ ذَلِكَ مِنها فَجَعَلَ (p-٣٠٩)يُطْعِمُ مُدَّيْنِ مِن تَمْرٍ كُلَّ مِسْكِينٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: إنَّما كانَ طَلاقُهم في الجاهِلِيَّةِ الظِّهارَ والإيلاءَ، حَتّى قالَ ما سَمِعْتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ قالَ: الزُّورُ الكَذِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإذا قالَ ذَلِكَ: فَلَيْسَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَقْرَبَها بِنِكاحٍ وغَيْرِهِ، حَتّى يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا - والمَسُّ النِّكاحُ - فَإنْ لَمْ يَسْتَطَعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وإنْ هو قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ فَعَلْتِ كَذا، فَلَيْسَ يَقَعُ في ذَلِكَ ظِهارٌ حَتّى يَحْنَثَ، فَإنْ حَنَثَ فَلا يَقْرَبْها حَتّى يُكَفِّرَ، ولا يَقَعُ في الظِّهارِ طَلاقٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: يَعُودُ لِمَسِّها. (p-٣١٠)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ قالَ: الوَطْءُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: إذا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ بِالظِّهارِ والمُنْكَرِ والزُّورِ فَقَدْ وجَبَتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ حَنِثَ أوْ لَمْ يَحْنَثْ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كانَ طَلاقُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الظِّهارَ، فَظاهَرَ رَجُلٌ في الإسْلامِ، وهو يُرِيدُ الطَّلاقَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ الكَفّارَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ قالَ: هو الجِماعُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قالَ: كَهَيْئَةِ الطَّعامِ في اليَمِينِ، مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ثَلاثٌ فِيهِنَّ مُدٌّ، كَفّارَةُ اليَمِينِ، وكَفّارَةُ الظِّهارِ، وكَفّارَةُ الصِّيامِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ الَّذِي أتى أهْلَهُ في رَمَضانَ بِكَفّارَةِ المُظاهِرِ» . (p-٣١١)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ قالُوا: العِتْقُ في الظِّهارِ، والصِّيامُ، والطَّعامُ، كُلُّ ذَلِكَ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الظِّهارُ في الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُ النِّساءَ، فَكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، وكانَتِ امْرَأتُهُ خَوْلَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وكانَ الرَّجُلُ ضَعِيفًا، وكانَتِ المَرْأةُ جَلْدَةً، فَلَمّا أنْ تَكَلَّمَ بِالظِّهارِ قالَ: لا أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، فانْطَلِقِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّكِ تَبْتَغِي شَيْئًا يَرُدُّكِ عَلَيَّ، فانْطَلَقَتْ، وجَلَسَ يَنْتَظِرُها، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وماشِطَةٌ تَمْشُطُ رَأْسَهُ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ مَن قَدْ عَلِمْتَ مِن ضَعْفِ رَأْيِهِ، وعَجْزِ مَقْدِرَتِهِ، وقَدْ ظاهَرَ مِنِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، فابْتَغِي شَيْئًا يَرُدُّنِي إلَيْهِ. قالَ: يا خَوْلَةُ: «ما أُمِرْنا بِشَيْءٍ في أمْرِكِ وإنْ نُؤْمَرْ فَسَأُخْبِرْكِ» فَبَيْنا ماشِطَتُهُ قَدْ فَرَغَتْ مِن شِقِّ رَأْسِهِ، وأخَذَتْ في الشِّقِّ الآخَرِ، أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ - وكانَ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ تَرَبَّدَ لِذَلِكَ وجْهُهُ حَتّى يَجِدَ بَرْدَهُ، فَإذا سُرِّيَ عَنْهُ عادَ وجْهُهُ أبْيَضَ كالقُلْبِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِما أُمِرَ بِهِ - فَقالَتْ ماشِطْتُهُ: يا خَوْلَةُ إنِّي لَأظُنُّهُ الآنَ في شَأْنِكِ، فَأخَذَها أفْكَلٌ، ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ بِكَ أعُوذُ أنْ تُنْزِلَ فِيَّ إلّا (p-٣١٢)خَيْرًا؛ فَإنِّي لَمْ أبْغِ مِن رَسُولِكَ إلّا خَيْرًا، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ: «يا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ، فَقَرَأ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة»: ٣]، فَقالَتْ: واللَّهِ، يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَهُ خادِمٌ غَيْرِي، ولا لِي خادِمٌ غَيْرَهُ قالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ قالَتْ: واللَّهِ، إنَّهُ إذا لَمْ يَأْكُلْ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ يَشْدَرُ بَصَرُهُ، قالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ قالَتْ: واللَّهِ، ما لَنا في اليَوْمِ إلّا وُقِيَّةٌ، قالَ: «فَمُرِيهِ فَلْيَنْطَلِقْ إلى فُلانٍ، فَلْيَأْخُذْ مِنهُ شَطْرَ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا، ولْيُراجِعْكِ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «المُصَنَّفِ» مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأنْصارِيِّ، أنَّهُ جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ حَتّى يَمْضِيَ رَمَضانُ، فَسَمِنَتْ، وتَرَبَّعَتْ، فَوَقَعَ عَلَيْها في النِّصْفِ مِن رَمَضانَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ كَأنَّهُ يُعَظِّمُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أتَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً»؟ فَقالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا فَرْوَةُ بْنَ عَمْرٍو أعْطِهِ (p-٣١٣)ذَلِكَ العَرَقَ» - وهو مِكْتَلٌ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ أوْ سِتَّةَ عَشَرَ صاعًا - «فَلْيُطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَقالَ: أعَلى أفْقَرَ مِنِّي؟ فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما بَيْنَ لابَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ إلَيْهِ مِنِّي، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: «اذْهَبْ بِهِ إلى أهْلِكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «كانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ دُلَيْحٍ تَحْتَ رِجْلٍ مِنَ الأنْصارِ، وكانَ سَيِّئَ الخُلُقِ، ضَرِيرَ البَصَرِ، فَقِيرًا، وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ إذا أرادَ الرَّجُلُ أنْ يُفارِقَ امْرَأتَهُ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَنازَعَتْهُ في بَعْضِ الشَّيْءِ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وكانَ لَهُ عَيِّلٌ أوْ عَيِّلانِ، فَلَمّا سَمِعَتْهُ يَقُولُ ما قالَ احْتَمَلَتْ صِبْيانَها، فانْطَلَقَتْ تَسْعى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوافَقَتْهُ عِنْدَ عائِشَةَ، وإذا عائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ زَوْجِي فَقِيرٌ، ضَرِيرُ البَصَرِ، سَيِّئُ الخُلُقِ، وإنِّي نازَعْتُهُ في شَيْءٍ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ولَمْ يُرِدِ الطَّلاقَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ فَقالَ: «ما أعْلَمُ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فاسْتَكانَتْ، وقالَتْ: أشْتَكِي إلى اللَّهِ ما نَزَلَ بِي وبِصِبْيَتِي. (p-٣١٤)وتَحَوَّلَتْ عائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِهِ الآخَرَ، فَتَحَوَّلَتْ مَعَها، فَقالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، قالَتْ: ولِي مِنهُ عَيِّلٌ أوْ عَيِّلانِ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ رَأْسَهُ إلَيْها فَقالَ: «ما أعْلَمُ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فَبَكَتْ، وقالَتْ: أشْتَكِي إلى اللَّهِ ما نَزَلَ بِي وبِصِبْيَتِي، وتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ عائِشَةُ: وراءَكِ، فَتَنَحَّتْ، ومَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَقالَ: «يا عائِشَةُ أيْنَ المَرْأةُ»؟ قالَتْ: ها هِيَ، قالَ: «ادْعِيها» فَدَعَتْها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اذْهَبِي فَجِيئِي بِزَوْجِكِ» فانْطَلَقَتْ تَسْعى، فَلَمْ تَلْبَثْ أنْ جاءَتْ، فَأدْخَلَتْهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَإذا هو كَما قالَتْ، ضَرِيرُ البَصَرِ، فَقِيرٌ، سَيِّئُ الخُلُقِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، ﷽: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أتَجِدُ رَقَبَةً»؟ قالَ: لا، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ»؟ قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنِّي إذا لَمْ آكِلِ المَرَّةَ والمَرَّتَيْنِ والثَّلاثَةَ يَكادُ يُغْشى عَلَيَّ، قالَ: «أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قالَ: لا، إلّا أنْ تُعِينَنِي فِيها، فَأعانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَفَّرَ يَمِينَهُ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: كانَ الظِّهارُ والإيلاءُ طَلاقًا (p-٣١٥)فِي الجاهِلِيَّةِ، فَوَقَّتَ اللَّهِ في الإيلاءِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وجَعَلَ في الظِّهارِ الكَفّارَةَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ الظِّهارُ والطَّلاقُ قَبْلَ المِلْكِ بِشَيْءٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ مِنَ الأمَةِ ظِهارٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: لا ظِهارَ مِنَ الأمَةِ. وأخْرَجَ البَزّارُ، والحاكِمُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي، فَرَأيْتُ بَياضَ خَلْخالِها في ضَوْءِ القَمَرِ، فَأعْجَبَتْنِي، فَوَقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة»: ٣] ؟ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «أمْسِكْ حَتّى تُكَفِّرَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، قالَ: «وما (p-٣١٦)حَمَلَكَ عَلى ذَلِكَ»؟ قالَ: رَأيْتُ خَلْخالَها في ضَوْءِ القَمَرِ، قالَ: «فَلا تَقْرَبْها حَتّى تَفْعَلَ ما أمَرَكَ اللَّهُ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ، والبَغَوِيُّ في «مُعْجَمِهِ» والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الأنْصارِيِّ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَدْ أُوتِيتُ مِن جِماعِ النِّساءِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي، فَلَمّا دَخَلَ رَمَضانُ ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي حَتّى يَنْسَلِخَ رَمَضانُ؛ فَرَقًا مِن أنْ أُصِيبَ مِنها في لَيْلِي، فَأتَتابَعُ في ذَلِكَ ولا أسْتَطِيعُ أنْ أنْزِعَ حَتّى يُدْرِكَنِي الصُّبْحُ، فَبَيْنا هي تَخْدُمُنِي ذاتَ لَيْلَةٍ إذِ انْكَشَفَ لِي مِنها شَيْءٌ، فَوَثَبْتُ عَلَيْها، فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى قَوْمِي فَأخْبَرَتْهم خَبَرِي، فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا مَعِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرُهُ بِأمْرِي، فَقالُوا: لا واللَّهِ، لا نَفْعَلُ، نَتَخَوَّفُ أنْ يَنْزِلَ فِينا القُرْآنُ، أوْ يَقُولَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقالَةً يَبْقى عَلَيْنا عارُها، ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ، فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَخَرَجْتُ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، قالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، قالَ: «أنْتَ بِذاكَ»؟ قُلْتُ: أنا بِذاكَ، وها أنا ذا، فَأمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ فَإنِّي صابِرٌ لِذَلِكَ، قالَ: «أعْتِقْ رَقَبَةً» فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِي، فَقُلْتُ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أصْبَحْتُ أمْلِكُ غَيْرَها، قالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ (p-٣١٧)مُتَتابِعَيْنِ» قُلْتُ: وهَلْ أصابَنِي ما أصابَنِي إلّا في الصِّيامِ، قالَ: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَدْ بِتْنا لَيْلَتَنا هَذِهِ وحْشًا ما لَنا عَشاءٌ، قالَ: «اذْهَبْ إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَقُلْ لَهُ، فَلْيَدْفَعْها إلَيْكَ، فَأطْعِمْ عَنْكَ مِنها وسْقًا سِتِّينَ مِسْكِينًا، ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسائِرِها عَلَيْكَ وعَلى عِيالِكَ» فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي فَقُلْتُ: وجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأْيِ، ووَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّعَةَ والبَرَكَةَ، أمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ، فادْفَعُوها إلَيَّ، فَدَفَعُوها إلَيْهِ» .

المجادلة 58:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يُحادُّونَ﴾ قالَ: يُشاقُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: يُعادُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: خُزُوا كَما خُزِيَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿ما يَكُونُ مِن (p-٣١٨)نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهُمْ﴾ قالَ: هو اللَّهُ عَلى العَرْشِ، وعِلْمُهُ مَعَهم.

المجادلة 58:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يُحادُّونَ﴾ قالَ: يُشاقُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: يُعادُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: خُزُوا كَما خُزِيَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿ما يَكُونُ مِن (p-٣١٨)نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهُمْ﴾ قالَ: هو اللَّهُ عَلى العَرْشِ، وعِلْمُهُ مَعَهم.

المجادلة 58:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يُحادُّونَ﴾ قالَ: يُشاقُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: يُعادُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: خُزُوا كَما خُزِيَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿ما يَكُونُ مِن (p-٣١٨)نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهُمْ﴾ قالَ: هو اللَّهُ عَلى العَرْشِ، وعِلْمُهُ مَعَهم.

المجادلة 58:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ قالَ: اليَهُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «كانَ بَيْنَ اليَهُودِ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ – مُوادَعَةٌ، فَكانُوا إذا مَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ جَلَسُوا يَتَناجَوْنَ بَيْنَهُمْ، حَتّى يَظُنَّ المُؤْمِنُ أنَّهم يَتَناجَوْنَ بِقَتْلِهِ أوْ بِما يَكْرَهُ المُؤْمِنُ، فَإذا رَأى المُؤْمِنُ ذَلِكَ خَشِيَهُمْ، وتَرَكَ طَرِيقَهُ عَلَيْهِمْ، فَنَهاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّجْوى فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: سامٌ عَلَيْكَ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ شَتْمَهُ، ثُمَّ يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة»: ٨] . (p-٣١٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ يَهُودِيًّا أتى عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ فَقالَ: السّامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ القَوْمُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ هَذا»؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، سَلَّمَ يا نَبِيَّ اللَّهِ، قالَ: «لا، ولَكِنَّهُ قالَ: كَذا وكَذا رُدُّوهُ عَلَيَّ» فَرَدُّوهُ، قالَ: «قُلْتَ: السّامُ عَلَيْكُمْ»؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَقُولُوا: عَلَيْكَ» قالَ: عَلَيْكَ ما قُلْتَ، قالَ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة»: ٨] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – يَهُودُ، فَقالُوا: السّامُ عَلَيْكَ يا أبا القاسِمِ، فَقالَتْ عائِشَةُ: وعَلَيْكُمُ السّامُ، فَقالَ: «يا عائِشَةُ، إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ ولا التَّفَحُّشَ» قُلْتُ: ألا تَسْمَعُهم يَقُولُونَ: السّامُ عَلَيْكَ؟! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوَما سَمِعْتِ أقُولُ: وعَلَيْكُمْ»؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة»: ٨] . (p-٣٢٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: «كانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا حَيَّوْهُ: سامٌ عَلَيْكَ، فَنَزَلَتْ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ يَقُولُونَ: سامٌ عَلَيْكَ، هم أيْضًا يَهُودُ.

المجادلة 58:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً وأغْزاها، التَقى المُنافِقُونَ فَأنْغَضُوا رُءُوسَهم إلى المُسْلِمِينَ، ويَقُولُونَ: قُتِلَ القَوْمُ، وإذا رَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا وأظْهَرُوا الحُزْنَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ومِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ المُنافِقُونَ يَتَناجَوْنَ بَيْنَهُمْ، فَكانَ ذَلِكَ يَغِيظُ المُؤْمِنِينَ ويَكْبُرُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ الثّالِثِ؛ فَإنَّ (p-٣٢١)ذَلِكَ يَحْزُنُهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كُنّا نَتَناوَبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطْرُقُهُ أمْرٌ أوْ يَأْمُرُ بِشَيْءٍ، فَكَثُرَ أهْلُ النُّوَبِ والمُحْتَسِبُونَ لَيْلَةً، حَتّى إذا كُنّا أنْداءَ نَتَحَدَّثُ، فَخَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَقالَ: «ما هَذِهِ النَّجْوى؟ ألَمْ تُنْهَوْا عَنِ النَّجْوى»»؟!

المجادلة 58:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً وأغْزاها، التَقى المُنافِقُونَ فَأنْغَضُوا رُءُوسَهم إلى المُسْلِمِينَ، ويَقُولُونَ: قُتِلَ القَوْمُ، وإذا رَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَناجَوْا وأظْهَرُوا الحُزْنَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ومِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ المُنافِقُونَ يَتَناجَوْنَ بَيْنَهُمْ، فَكانَ ذَلِكَ يَغِيظُ المُؤْمِنِينَ ويَكْبُرُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ الثّالِثِ؛ فَإنَّ (p-٣٢١)ذَلِكَ يَحْزُنُهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كُنّا نَتَناوَبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطْرُقُهُ أمْرٌ أوْ يَأْمُرُ بِشَيْءٍ، فَكَثُرَ أهْلُ النُّوَبِ والمُحْتَسِبُونَ لَيْلَةً، حَتّى إذا كُنّا أنْداءَ نَتَحَدَّثُ، فَخَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَقالَ: «ما هَذِهِ النَّجْوى؟ ألَمْ تُنْهَوْا عَنِ النَّجْوى»»؟!

المجادلة 58:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ - بِالألِفِ – ﴿فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وقالَ في القِتالِ: ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ قالَ: إذا قِيلَ: انْهَدُوا إلى العَدُوِّ فانْهَدُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجْلِسِ) قالَ: مَجْلِسِ النَّبِيِّ ﷺ – خاصَّةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانَ النّاسُ يَتَناجَوْنَ في المَجْلِسِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ – فَنَزَلَتْ: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجْلِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) . (p-٣٢٢)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا﴾ الآيَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَجالِسِ الذِّكْرِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا رَأوْا أحَدَهم مُقْبِلًا ضَنُّوا بِمَجالِسِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَفْسَحَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: كانُوا يَجِيئُونَ فَيَجْلِسُونَ رُكامًا، بَعْضُهم خَلْفَ بَعْضٍ، فَأُمِرُوا أنْ يَتَفَسَّحُوا في المَجْلِسِ، فَأفْسَحَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ في الصُّفَّةِ، وفي المَكانِ ضِيقٌ، وكانَ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَجاءَ ناسٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وقَدْ سُبِقُوا إلى المَجالِسِ، فَقامُوا حِيالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ – عَلَيْهِمْ، ثُمَّ سَلَّمُوا عَلى القَوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَقامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُوسَعَ لَهُمْ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ما يَحْمِلُهم عَلى القِيامِ، فَلَمْ يُفْسَحْ لَهُمْ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقالَ لِمَن حَوْلَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مِن غَيْرِ أهْلِ بَدْرٍ: «قُمْ يا فُلانُ، وأنْتَ يا فُلانُ» فَلَمْ يَزَلْ يُقِيمُهم بِعِدَّةِ النَّفَرِ الَّذِينَ هم قِيامٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى مَن أُقِيمَ مِن مَجْلِسِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . (p-٣٢٣)وأخْرَجَ مالِكٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ فَيَجْلِسُ فِيهِ، ولَكِنْ تَفَسَّحُوا وتَوَسَّعُوا»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ قالَ: ذَلِكَ في مَجْلِسِ القِتالِ، ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ قالَ: إلى الخَيْرِ والصَّلاةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ قالَ: إلى كُلِّ خَيْرٍ؛ قِتالِ عَدُوٍّ، وأمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أوْ حَقٍّ ما كانَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ يَقُولُ: إذا دُعِيتُمْ إلى خَيْرٍ فَأجِيبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «المَدْخَلِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ قالَ: يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ دَرَجاتٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ (p-٣٢٤)قالَ: تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأُوتُوا العِلْمَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ دَرَجاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما خَصَّ اللَّهُ العُلَماءَ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ ما خَصَّهم في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَضَّلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وأُوتُوا العِلْمَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ.

المجادلة 58:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: «﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ المُسْلِمِينَ أكْثَرُوا المَسائِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى شَقُّوا عَلَيْهِ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ فَلَمّا قالَ ذَلِكَ ضَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وكَفُّوا عَنِ المَسْألَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ الآيَةَ، فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُضَيِّقْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ قالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما تَرى دِينارًا»؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: «فَنِصْفُ دِينارٍ»؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: «فَكَمْ»؟ قُلْتُ: شُعَيْرَةً، قالَ: «إنَّكَ لَزَهِيدٌ» قالَ: فَنَزَلَتْ ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ الآيَةَ. (p-٣٢٥)قالَ: فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي حَتّى نُسِخَتْ، وما كانَتْ إلّا ساعَةً، يَعْنِي آيَةَ النَّجْوى. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ راهُويَهْ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «إنَّ في كِتابِ اللَّهِ لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي، ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي، آيَةَ النَّجْوى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ كانَ عِنْدِي دِينارٌ فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، فَكُنْتُ كُلَّما ناجَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمْتُ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوايَ دِرْهَمًا، ثُمَّ نُسِخَتْ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها أحَدٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «نُهُوا عَنْ مُناجاةِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى يُقَدِّمُوا صَدَقَةً، فَلَمْ يُناجِهِ إلّا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ؛ فَإنَّهُ قَدَّمَ دِينارًا فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ ناجى النَّبِيَّ ﷺ فَسَألَهُ عَنْ عَشْرِ خِصالٍ، ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ» . (p-٣٢٦)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «كانَ مَن ناجى النَّبِيَّ ﷺ تَصَدَّقَ بِدِينارٍ، وكانَ أوَّلَ مَن صَنَعَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ: ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة»: ١٣] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: «إنَّ الأغْنِياءَ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُكْثِرُونَ مُناجاتَهُ، ويَغْلِبُونَ الفُقَراءَ عَلى المَجالِسِ، حَتّى كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ طُولَ جُلُوسِهِمْ ومُناجاتِهِمْ، فَأمَرَ اللَّهُ بِالصَّدَقَةِ عِنْدَ المُناجاةِ، فَأمّا أهْلُ العُسْرَةِ فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، وكانَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيالٍ، وأمّا أهْلُ المَيْسَرَةِ فَمَنَعَ بَعْضُهم مالَهُ وحَبَسَ نَفْسَهُ إلّا طَوائِفَ مِنهُمْ، جَعَلُوا يُقَدِّمُونَ الصَّدَقَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوى، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ غَيْرُ رَجُلٍ مِنَ المُهاجِرِينَ مِن أهْلِ بَدْرٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ فَقَدَّمْتُ شَعِيرَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّكَ لَزَهِيدٌ» فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ [المجادلة»: ١٣] . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «المُجادَلَةِ» ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ (p-٣٢٧)قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآيَةَ، قالَ: أوَّلُ مَن عَمِلَ بِها عَلِيٌّ، ثُمَّ نُسِخَتْ.

المجادلة 58:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: «﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ المُسْلِمِينَ أكْثَرُوا المَسائِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى شَقُّوا عَلَيْهِ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ فَلَمّا قالَ ذَلِكَ ضَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وكَفُّوا عَنِ المَسْألَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ الآيَةَ، فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُضَيِّقْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ قالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما تَرى دِينارًا»؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: «فَنِصْفُ دِينارٍ»؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: «فَكَمْ»؟ قُلْتُ: شُعَيْرَةً، قالَ: «إنَّكَ لَزَهِيدٌ» قالَ: فَنَزَلَتْ ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ الآيَةَ. (p-٣٢٥)قالَ: فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي حَتّى نُسِخَتْ، وما كانَتْ إلّا ساعَةً، يَعْنِي آيَةَ النَّجْوى. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ راهُويَهْ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «إنَّ في كِتابِ اللَّهِ لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي، ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي، آيَةَ النَّجْوى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ كانَ عِنْدِي دِينارٌ فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، فَكُنْتُ كُلَّما ناجَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمْتُ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوايَ دِرْهَمًا، ثُمَّ نُسِخَتْ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها أحَدٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «نُهُوا عَنْ مُناجاةِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى يُقَدِّمُوا صَدَقَةً، فَلَمْ يُناجِهِ إلّا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ؛ فَإنَّهُ قَدَّمَ دِينارًا فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ ناجى النَّبِيَّ ﷺ فَسَألَهُ عَنْ عَشْرِ خِصالٍ، ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ» . (p-٣٢٦)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «كانَ مَن ناجى النَّبِيَّ ﷺ تَصَدَّقَ بِدِينارٍ، وكانَ أوَّلَ مَن صَنَعَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ: ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة»: ١٣] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: «إنَّ الأغْنِياءَ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُكْثِرُونَ مُناجاتَهُ، ويَغْلِبُونَ الفُقَراءَ عَلى المَجالِسِ، حَتّى كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ طُولَ جُلُوسِهِمْ ومُناجاتِهِمْ، فَأمَرَ اللَّهُ بِالصَّدَقَةِ عِنْدَ المُناجاةِ، فَأمّا أهْلُ العُسْرَةِ فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، وكانَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيالٍ، وأمّا أهْلُ المَيْسَرَةِ فَمَنَعَ بَعْضُهم مالَهُ وحَبَسَ نَفْسَهُ إلّا طَوائِفَ مِنهُمْ، جَعَلُوا يُقَدِّمُونَ الصَّدَقَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوى، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ غَيْرُ رَجُلٍ مِنَ المُهاجِرِينَ مِن أهْلِ بَدْرٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ فَقَدَّمْتُ شَعِيرَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّكَ لَزَهِيدٌ» فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ [المجادلة»: ١٣] . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «المُجادَلَةِ» ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ (p-٣٢٧)قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآيَةَ، قالَ: أوَّلُ مَن عَمِلَ بِها عَلِيٌّ، ثُمَّ نُسِخَتْ.

المجادلة 58:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا﴾ الآيَةَ، قالَ: بَلَغَنا أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَلٍ، وكانَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: حَلِفُهم إنَّهم لَمِنكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا﴾ الآيَةَ، قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ، تَوَلَّوُا اليَهُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١٨] الآيَةَ، قالَ: يُحالِفُ المُنافِقُونَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما حالَفُوا أوْلِياءَهُ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسًا في ظِلِّ حُجْرَةٍ مِن حُجَرِهِ، وعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ: «إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكم بِعَيْنِ شَيْطانٍ، فَإذا جاءَكم فَلا تُكَلِّمُوهُ» (p-٣٢٨)فَلمْ يَلْبَثُوا أنْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ أزْرَقُ، فَقالَ حِينَ رَآهُ: «عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ» فَقالَ: ذَرْنِي آتِكَ بِهِمْ، فانْطَلَقَ فَدَعاهُمْ، فَحَلَفُوا واعْتَذَرُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] الآيَةَ، والَّتِي بَعْدَها» .

المجادلة 58:18

[راجع الآية: ١٤]

المجادلة 58:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««ما مِن ثَلاثَةٍ في قَرْيَةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ إلّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ، فَعَلَيْكم بِالجَماعَةِ؛ فَإنَّما يَأْكُلُ الذِّئْبُ القاصِيَةَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ قالَ: كَتَبَ اللَّهُ كِتابًا فَأمْضاهُ.

المجادلة 58:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««ما مِن ثَلاثَةٍ في قَرْيَةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ إلّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ، فَعَلَيْكم بِالجَماعَةِ؛ فَإنَّما يَأْكُلُ الذِّئْبُ القاصِيَةَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ قالَ: كَتَبَ اللَّهُ كِتابًا فَأمْضاهُ.

المجادلة 58:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««ما مِن ثَلاثَةٍ في قَرْيَةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ إلّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ، فَعَلَيْكم بِالجَماعَةِ؛ فَإنَّما يَأْكُلُ الذِّئْبُ القاصِيَةَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ قالَ: كَتَبَ اللَّهُ كِتابًا فَأمْضاهُ.

المجادلة 58:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ» والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ»، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قالَ: جَعَلَ والِدُ أبِي (p-٣٢٩)عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ يَتَصَدّى لِأبِي عُبَيْدَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وجَعَلَ أبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ، فَلَمّا أكْثَرَ، قَصَدَهُ أبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ، فَنَزَلَتْ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: حُدِّثْتُ «أنَّ أبا قُحافَةَ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَصَكَّهُ أبُو بَكْرٍ صَكَّهً فَسَقَطَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «أفَعَلْتَ يا أبا بَكْرٍ»؟! فَقالَ: واللَّهِ لَوْ كانَ السَّيْفُ مِنِّي قَرِيبًا لَضَرَبْتُهُ، فَنَزَلَتْ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمّاسِ، أنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَزُورَ خالًا لَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ فَأذِنَ لَهُ، فَلَمّا قَدِمَ، قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأُناسٌ حَوْلَهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ رَجُلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفاجِرٍ ولا لِفاسِقٍ عِنْدِي يَدًا ولا نِعْمَةً؛ فَإنِّي وجَدْتُ فِيما أوْحَيْتَهُ إلَيَّ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة»: ٢٢] قالَ سُفْيانُ: يَرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن يُخالِطُ السُّلْطانَ. (p-٣٣٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ»، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أحِبَّ في اللَّهِ، وأبْغِضْ في اللَّهِ، وعادِ في اللَّهِ، ووالِ في اللَّهِ، فَإنَّما تُنالُ ولايَةُ اللَّهِ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أوْحى اللَّهُ إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ قُلْ لِفُلانٍ العابِدِ: أمّا زُهْدُكَ في الدُّنْيا فَتَعَجَّلْتَ راحَةَ نَفْسِكَ، وأمّا انْقِطاعُكَ إلَيَّ فَتَعَزَّزْتَ بِي، فَماذا عَمِلْتَ في ما لِي عَلَيْكَ؟ قالَ يا رَبِّ: وما لَكَ عَلَيَّ؟ قالَ: هَلْ والَيْتَ لِي ولِيًّا أوْ عادَيْتَ لِي عَدُوًّا»»؟ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَبْعَثُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَبْدًا لا ذَنْبَ لَهُ فَيَقُولُ لَهُ: بِأيِّ الأمْرَيْنِ أحَبُّ إلَيْكَ أنْ أجْزِيَكَ؛ بِعَمَلِكَ أمْ بِنِعْمَتِي عَلَيْكَ؟ قالَ: يا رَبِّ، أنْتَ تَعْلَمُ أنِّي لَمْ أعْصِكَ، قالَ: خُذُوا عَبْدِي بِنِعْمَةٍ مِن نِعَمِي، فَما يَبْقى لَهُ حَسَنَةٌ إلّا اسْتَغْرَقَتْها تِلْكَ النِّعْمَةُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ، بِنِعْمَتِكَ ورَحْمَتِكَ (p-٣٣١)فَيَقُولُ: بِنِعْمَتِي وبِرَحْمَتِي، ويُؤْتى بِعَبْدٍ مُحْسِنٍ في نَفْسِهِ، لا يَرى أنَّ لَهُ سَيِّئَةً، فَيُقالُ لَهُ: هَلْ كُنْتَ تُوالِي أوْلِيائِي؟ قالَ: يا رَبِّ، كُنْتُ مِنَ النّاسِ سِلْمًا، قالَ: هَلْ كُنْتَ تُعادِي أعْدائِي؟ قالَ: يا رَبِّ، لَمْ أكُنْ أُحِبُّ أنْ يَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَ أحَدٍ شَيْءٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: وعِزَّتِي لا يَنالُ رَحْمَتِي مَن لَمْ يُوالِ أوْلِيائِي ويُعادِ أعْدائِي»» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أوْثَقُ عُرى الإيمانِ الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ»» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ، عَنْ مُعاذٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفاجِرٍ عِنْدِي يَدًا ولا نِعْمَةً، فَيَوَدَّهُ قَلْبِي؛ فَإنِّي وجَدْتُ فِيما أوْحَيْتَ إلَيَّ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ» .