Al-Durr Al-Manthur — الممتحنة 60:1 – المنافقون 63:11
المحتويات
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:2
- الممتحنة 60:3
- الممتحنة 60:4
- الممتحنة 60:5
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:8
- الممتحنة 60:9
- الممتحنة 60:10
- الممتحنة 60:11
- الممتحنة 60:12
- الممتحنة 60:13
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:14
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
الممتحنة 60:1
(p-٤٠٢)سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ.
مَدَنِيَّةٌ.
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «المُمْتَحَنَةِ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، والحَمِيدِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو عَوانَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ مَعًا في «الدَّلائِلِ»، «عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنا والزُّبَيْرَ والمِقْدادَ فَقالَ: «انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ؛ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً، مَعَها كِتابٌ، فَخُذُوهُ مِنها، فائْتُونِي بِهِ» فَخَرَجْنا حَتّى أتَيْنا الرَّوْضَةَ، فَإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنا: أخْرِجِي الكِتابَ، قالَتْ: (p-٤٠٣)ما مَعِي مِن كِتابٍ، قُلْنا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيابَ، فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها، فَأتَيْنا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَإذا فِيهِ مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بِلْتَعَةَ إلى أُناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما هَذا يا حاطِبُ» قالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، وكانَ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قُراباتٌ يَحْمُونَ بِها أهْلِيهِمْ وأمْوالَهم بِمَكَّةَ، فَأحْبَبْتُ - إذْ فاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ - أنْ أصْطَنِعَ إلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِها قَرابَتِي، وما فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا ولا ارْتِدادًا عَنْ دِينِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ» فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقالَ: «إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ونَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة»: ١] .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ أسَرَّ إلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ أنَّهُ يُرِيدُ مَكَّةَ، مِنهم (p-٤٠٤)حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، وأفْشى في النّاسِ أنَّهُ يُرِيدُ خَيْبَرَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يُرِيدُكُمْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَنِي أنا وأبا مَرْثَدٍ، فَقالَ: «ائْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ» فَذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة»: ١] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ السَّيْرُورَةَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، كَتَبَ إلَيْها حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ يُحَذِّرُهُمْ، فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَوُجِدَ الكِتابُ مَعَ امْرَأةٍ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في قَرْنٍ مِن رَأْسِها، فَقالَ لَهُ: «ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ»؟ قالَ: أما واللَّهِ ما ارْتَبْتُ في أمْرِ اللَّهِ ولا شَكَكْتُ فِيهِ، ولَكِنَّهُ كانَ لِي بِها أهْلٌ ومالٌ، فَأرَدْتُ مُصانَعَةَ قُرَيْشٍ، وكانَ حَلِيفًا لَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ القُرْآنَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ مِن قُرَيْشٍ، كَتَبَ إلى أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ بِمَكَّةَ، يُخْبِرُهم ويُنْذِرُهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سائِرٌ إلَيْهِمْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِصَحِيفَتِهِ، فَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَأتاهُ بِها» .
(p-٤٠٥)وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ في «المُخْتارَةِ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «كَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى المُشْرِكِينَ بِكِتابٍ، فَجِيءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «يا حاطِبُ، ما دَعاكَ إلى ما صَنَعْتَ»؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كانَ أهْلِي فِيهِمْ فَخَشِيتُ أنْ يَصْرِمُوا عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ: أكْتُبُ كِتابًا لا يَضُرُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقَلْتُ: أضْرِبُ عُنُقَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ؟ فَقالَ: «وما يُدْرِيكَ يا ابْنَ الخَطّابِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ هَذِهِ العِصابَةِ مِن أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وحاطِبٌ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، كانَ حَلِيفًا لِلزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وكانَ بَنُوهُ وإخْوَتُهُ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِكِتابٍ يَنْتَصِحُ لَهم فِيهِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ فَقالَ لَهُما: «انْطَلِقا حَتّى تُدْرِكا امْرَأةً مَعَها كِتابٌ فَخُذا الكِتابَ فائْتِيانِي بِهِ» فانْطَلَقا حَتّى أدْرَكا المَرْأةَ بِحُلَيْفَةِ بَنِي أحْمَدَ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى قَرِيبٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ مَيْلًا، فَقالا لَها: أعْطِينا الكِتابَ الَّذِي مَعَكِ، قالَتْ: لَيْسَ مَعِي كِتابٌ، قالا كَذَبْتِ، قَدْ حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ مَعَكِ كِتابًا، واللَّهِ لَتُعْطِيَنَّ الكِتابَ الَّذِي مَعَكِ أوْ لا نَتْرُكُ عَلَيْكِ ثَوْبًا إلّا التَمَسْنا فِيهِ، قالَتْ: أوَلَسْتُمْ بِناسٍ مُسْلِمِينَ؟ قالا: بَلى، ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَدَّثَنا أنَّ مَعَكِ كِتابًا، حَتّى إذْ ظَنَّتْ أنَّهُما مُلْتَمِسانِ كُلَّ ثَوْبٍ (p-٤٠٦)مَعَها حَلَّتْ عِقاصَها فَأخْرَجَتْ لَهُما الكِتابَ مِن بَيْنِ قُرُونِ رَأْسِها، كانَتْ قَدِ اعْتَقَصَتْ عَلَيْهِ، فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو كِتابٌ مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حاطِبًا قالَ: «أنْتَ كَتَبْتَ هَذا الكِتابَ»؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَما حَمَلَكَ عَلى أنْ تَكْتُبَ بِهِ»؟ قالَ حاطِبٌ: أما واللَّهِ ما ارْتَبْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً غَرِيبًا فِيكم أيُّها الحَيُّ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ لِي بَنُونَ وإخْوَةٌ بِمَكَّةَ، فَكَتَبْتُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِهَذا الكِتابِ لِكَيْ أدْفَعَ عَنْهُمْ، فَقالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُ؛ فَإنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وإنَّكَ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَإنِّي غافِرٌ لَكم ما عَمِلْتُمْ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب»: ٢١] .
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «أمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إلّا أرْبَعَةً: عَبْدَ العُزّى بْنَ خَطَلٍ، ومِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وأُمَّ سارَّةَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، قالَ: وأمّا أُمُّ سارَّةَ فَإنَّها كانَتْ مَوْلاةً لِقُرَيْشٍ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكَتْ إلَيْهِ الحاجَةَ، فَأعْطاها شَيْئًا، ثُمَّ أتاها رَجُلٌ فَبَعَثَ مَعَها بِكِتابٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ يَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ إلَيْها لِحِفْظِ عِيالِهِ (p-٤٠٧)وكانَ لَهُ بِها عِيالٌ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ – بِذَلِكَ، فَبَعَثَ في أثَرِها عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وعَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَلَحِقاها في الطَّرِيقِ فَفَتَّشاها، فَلَمْ يَقْدِرا عَلى شَيْءٍ مَعَها، فَأقْبَلا راجِعِينَ، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: واللَّهِ ما كَذَبَنا، ولا كُذِبْنا، ارْجِعْ بِنا إلَيْها، فَرَجَعا إلَيْها، فَسَلّا سَيْفَيْهُما، فَقالا: واللَّهِ لَنُذِيقَنَّكِ المَوْتَ أوْ لَتَدْفَعِنَّ إلَيْنا الكِتابَ، فَأنْكَرَتْ، ثُمَّ قالَتْ: أدْفَعُهُ إلَيْكُما عَلى ألّا تَرُدّانِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبِلا ذَلِكَ مِنها، فَحَلَّتْ عِقاصَ رَأْسِها، فَأخْرَجَتِ الكِتابَ مِن قَرْنٍ مِن قُرُونِها، فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِما، فَرَجَعا بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَفَعاهُ إلَيْهِ، فَدَعا الرَّجُلَ فَقالَ: «ما هَذا الكِتابُ» فَقالَ: أُخْبِرُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّهُ لَيْسَ مِن رَجُلٍ مِمَّنْ مَعَكَ إلّا ولَهُ بِمَكَّةَ مِن يَحْفَظُهُ في عِيالِهِ، فَكَتَبْتُ بِهَذا الكِتابِ لِيَكُونُوا لِي في عِيالِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ الآياتِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «كَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى المُشْرِكِينَ كِتابًا، يَذْكُرُ فِيهِ مَسِيرَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَ بِهِ مَعَ امْرَأةٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِها، فَأُخِذَ الكِتابُ مِنها، فَجِيءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعا حاطِبًا فَقالَ: «أنْتَ كَتَبْتَ هَذا الكِتابَ»؟ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، أما واللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، ولا شَكَكْتُ مُنْذُ اسْتَيْقَنْتُ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً لا نَسَبَ لِي في القَوْمِ، إنَّما كُنْتُ حَلِيفَهُمْ، وفي أيْدِيهِمْ مِن أهْلِي ما قَدْ عَلِمْتَ، فَكَتَبْتُ إلَيْهِمْ بِشَيْءٍ قَدْ عَلِمْتُ أنْ لَنْ يُغْنِيَ عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أرادَهُ، أنْ (p-٤٠٨)أدْرَأ بِهِ عَنْ أهْلِي ومالِي، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّ عَنِّي وعَنْ عَدُوِّ اللَّهِ هَذا المُنافِقِ فَأضْرِبَ عُنُقَهُ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرًا عَرَفَ عُمَرُ أنَّهُ قَدْ غَضِبَ، ثُمَّ قالَ: «ويْحَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ الخَيْرِ فَقالَ لِلْمَلائِكَةِ: اشْهَدُوا أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِأعْبُدِي هَؤُلاءِ فَلْيَعْمَلُوا ما شاءُوا» قالَ عُمَرُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ، إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ، إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ جابِرٍ، «أنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، يَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرادَ غَزْوَهُمْ، فَدُلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى المَرْأةِ الَّتِي مَعَها الكِتابُ، فَأرْسَلَ إلَيْها، فَأُخِذَ كِتابُها مِن رَأْسِها، فَقالَ: «يا حاطِبُ أفَعَلْتَ»؟ قالَ: نَعَمْ، أما إنِّي لَمْ أفْعَلْهُ غِشًّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا نِفاقًا، قَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ ومُتِمٌّ لَهُ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ غَرِيبًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، وكانَتْ والِدَتِي مَعَهُمْ، فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ بِها عِنْدَهُمْ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ألا أضْرِبُ رَأْسَ هَذا؟ قالَ: «أتَقْتُلُ رَجُلًا مِن أهْلِ بَدْرٍ! وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ عَبْدًا لِحاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَشْتَكِيَ حاطِبًا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطِبٌ النّارَ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبْتَ لا يَدْخُلُها؛ فَإنَّهُ قَدْ (p-٤٠٩)شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيْبِيَةَ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: اسْمُ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يُحَذِّرُهم سَيْرُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ: «ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ»؟ قالَ: أما واللَّهِ ما شَكَكْتُ في أمْرِي، ولا ارْتَبْتُ فِيهِ، ولَكِنْ كانَ لِي هُناكَ مالٌ وأهْلٌ فَأرَدْتُ مُصانَعَةَ قُرَيْشٍ عَلى أهْلِي ومالِي، وذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ، ولَمْ يَكُنْ مِن أنْفُسِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ، وقالَ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾، ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ قالَ: يَقُولُ: فَلا تَأسُّوا في ذَلِكَ؛ فَإنَّها كانَتْ مَوْعِدَةً وعَدَها إيّاهُ، ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ: لا تُظْهِرْهم عَلَيْنا فَيُفْتَنُوا بِذَلِكَ، يَرَوْنَ أنَّهم إنَّما ظَهَرُوا أنَّهم أوْلى بِالحَقِّ مِنّا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قالَ: في مُكاتَبَةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومَن مَعَهُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ يُحَذِّرُونَهُمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ (p-٤١٠)لأبِيهِ﴾ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ فَيَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ؛ فَيَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ ما أصابَهم هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرٌ﴾ في مُكاتَبَةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومَن مَعَهُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ يُحَذِّرُونَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ؛ فَيَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ ما أصابَهم هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قالَ: في صُنْعِ إبْراهِيمَ كُلِّهِ إلّا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ، لا يُسْتَغْفَرُ لَهُ وهو مُشْرِكٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
الممتحنة 60:2
(p-٤٠٢)سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ.
مَدَنِيَّةٌ.
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «المُمْتَحَنَةِ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، والحَمِيدِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو عَوانَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ مَعًا في «الدَّلائِلِ»، «عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنا والزُّبَيْرَ والمِقْدادَ فَقالَ: «انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ؛ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً، مَعَها كِتابٌ، فَخُذُوهُ مِنها، فائْتُونِي بِهِ» فَخَرَجْنا حَتّى أتَيْنا الرَّوْضَةَ، فَإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنا: أخْرِجِي الكِتابَ، قالَتْ: (p-٤٠٣)ما مَعِي مِن كِتابٍ، قُلْنا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيابَ، فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها، فَأتَيْنا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَإذا فِيهِ مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بِلْتَعَةَ إلى أُناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما هَذا يا حاطِبُ» قالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، وكانَ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قُراباتٌ يَحْمُونَ بِها أهْلِيهِمْ وأمْوالَهم بِمَكَّةَ، فَأحْبَبْتُ - إذْ فاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ - أنْ أصْطَنِعَ إلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِها قَرابَتِي، وما فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا ولا ارْتِدادًا عَنْ دِينِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ» فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقالَ: «إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ونَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة»: ١] .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ أسَرَّ إلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ أنَّهُ يُرِيدُ مَكَّةَ، مِنهم (p-٤٠٤)حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، وأفْشى في النّاسِ أنَّهُ يُرِيدُ خَيْبَرَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يُرِيدُكُمْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَنِي أنا وأبا مَرْثَدٍ، فَقالَ: «ائْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ» فَذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة»: ١] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ السَّيْرُورَةَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، كَتَبَ إلَيْها حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ يُحَذِّرُهُمْ، فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَوُجِدَ الكِتابُ مَعَ امْرَأةٍ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في قَرْنٍ مِن رَأْسِها، فَقالَ لَهُ: «ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ»؟ قالَ: أما واللَّهِ ما ارْتَبْتُ في أمْرِ اللَّهِ ولا شَكَكْتُ فِيهِ، ولَكِنَّهُ كانَ لِي بِها أهْلٌ ومالٌ، فَأرَدْتُ مُصانَعَةَ قُرَيْشٍ، وكانَ حَلِيفًا لَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ القُرْآنَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ مِن قُرَيْشٍ، كَتَبَ إلى أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ بِمَكَّةَ، يُخْبِرُهم ويُنْذِرُهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سائِرٌ إلَيْهِمْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِصَحِيفَتِهِ، فَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَأتاهُ بِها» .
(p-٤٠٥)وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ في «المُخْتارَةِ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «كَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى المُشْرِكِينَ بِكِتابٍ، فَجِيءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «يا حاطِبُ، ما دَعاكَ إلى ما صَنَعْتَ»؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كانَ أهْلِي فِيهِمْ فَخَشِيتُ أنْ يَصْرِمُوا عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ: أكْتُبُ كِتابًا لا يَضُرُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقَلْتُ: أضْرِبُ عُنُقَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ؟ فَقالَ: «وما يُدْرِيكَ يا ابْنَ الخَطّابِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ هَذِهِ العِصابَةِ مِن أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وحاطِبٌ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، كانَ حَلِيفًا لِلزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وكانَ بَنُوهُ وإخْوَتُهُ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِكِتابٍ يَنْتَصِحُ لَهم فِيهِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ فَقالَ لَهُما: «انْطَلِقا حَتّى تُدْرِكا امْرَأةً مَعَها كِتابٌ فَخُذا الكِتابَ فائْتِيانِي بِهِ» فانْطَلَقا حَتّى أدْرَكا المَرْأةَ بِحُلَيْفَةِ بَنِي أحْمَدَ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى قَرِيبٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ مَيْلًا، فَقالا لَها: أعْطِينا الكِتابَ الَّذِي مَعَكِ، قالَتْ: لَيْسَ مَعِي كِتابٌ، قالا كَذَبْتِ، قَدْ حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ مَعَكِ كِتابًا، واللَّهِ لَتُعْطِيَنَّ الكِتابَ الَّذِي مَعَكِ أوْ لا نَتْرُكُ عَلَيْكِ ثَوْبًا إلّا التَمَسْنا فِيهِ، قالَتْ: أوَلَسْتُمْ بِناسٍ مُسْلِمِينَ؟ قالا: بَلى، ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَدَّثَنا أنَّ مَعَكِ كِتابًا، حَتّى إذْ ظَنَّتْ أنَّهُما مُلْتَمِسانِ كُلَّ ثَوْبٍ (p-٤٠٦)مَعَها حَلَّتْ عِقاصَها فَأخْرَجَتْ لَهُما الكِتابَ مِن بَيْنِ قُرُونِ رَأْسِها، كانَتْ قَدِ اعْتَقَصَتْ عَلَيْهِ، فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو كِتابٌ مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حاطِبًا قالَ: «أنْتَ كَتَبْتَ هَذا الكِتابَ»؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَما حَمَلَكَ عَلى أنْ تَكْتُبَ بِهِ»؟ قالَ حاطِبٌ: أما واللَّهِ ما ارْتَبْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً غَرِيبًا فِيكم أيُّها الحَيُّ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ لِي بَنُونَ وإخْوَةٌ بِمَكَّةَ، فَكَتَبْتُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِهَذا الكِتابِ لِكَيْ أدْفَعَ عَنْهُمْ، فَقالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُ؛ فَإنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وإنَّكَ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَإنِّي غافِرٌ لَكم ما عَمِلْتُمْ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب»: ٢١] .
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «أمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إلّا أرْبَعَةً: عَبْدَ العُزّى بْنَ خَطَلٍ، ومِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وأُمَّ سارَّةَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، قالَ: وأمّا أُمُّ سارَّةَ فَإنَّها كانَتْ مَوْلاةً لِقُرَيْشٍ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكَتْ إلَيْهِ الحاجَةَ، فَأعْطاها شَيْئًا، ثُمَّ أتاها رَجُلٌ فَبَعَثَ مَعَها بِكِتابٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ يَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ إلَيْها لِحِفْظِ عِيالِهِ (p-٤٠٧)وكانَ لَهُ بِها عِيالٌ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ – بِذَلِكَ، فَبَعَثَ في أثَرِها عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وعَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَلَحِقاها في الطَّرِيقِ فَفَتَّشاها، فَلَمْ يَقْدِرا عَلى شَيْءٍ مَعَها، فَأقْبَلا راجِعِينَ، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: واللَّهِ ما كَذَبَنا، ولا كُذِبْنا، ارْجِعْ بِنا إلَيْها، فَرَجَعا إلَيْها، فَسَلّا سَيْفَيْهُما، فَقالا: واللَّهِ لَنُذِيقَنَّكِ المَوْتَ أوْ لَتَدْفَعِنَّ إلَيْنا الكِتابَ، فَأنْكَرَتْ، ثُمَّ قالَتْ: أدْفَعُهُ إلَيْكُما عَلى ألّا تَرُدّانِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبِلا ذَلِكَ مِنها، فَحَلَّتْ عِقاصَ رَأْسِها، فَأخْرَجَتِ الكِتابَ مِن قَرْنٍ مِن قُرُونِها، فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِما، فَرَجَعا بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَفَعاهُ إلَيْهِ، فَدَعا الرَّجُلَ فَقالَ: «ما هَذا الكِتابُ» فَقالَ: أُخْبِرُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّهُ لَيْسَ مِن رَجُلٍ مِمَّنْ مَعَكَ إلّا ولَهُ بِمَكَّةَ مِن يَحْفَظُهُ في عِيالِهِ، فَكَتَبْتُ بِهَذا الكِتابِ لِيَكُونُوا لِي في عِيالِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ الآياتِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «كَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى المُشْرِكِينَ كِتابًا، يَذْكُرُ فِيهِ مَسِيرَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَ بِهِ مَعَ امْرَأةٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِها، فَأُخِذَ الكِتابُ مِنها، فَجِيءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعا حاطِبًا فَقالَ: «أنْتَ كَتَبْتَ هَذا الكِتابَ»؟ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، أما واللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، ولا شَكَكْتُ مُنْذُ اسْتَيْقَنْتُ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً لا نَسَبَ لِي في القَوْمِ، إنَّما كُنْتُ حَلِيفَهُمْ، وفي أيْدِيهِمْ مِن أهْلِي ما قَدْ عَلِمْتَ، فَكَتَبْتُ إلَيْهِمْ بِشَيْءٍ قَدْ عَلِمْتُ أنْ لَنْ يُغْنِيَ عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أرادَهُ، أنْ (p-٤٠٨)أدْرَأ بِهِ عَنْ أهْلِي ومالِي، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّ عَنِّي وعَنْ عَدُوِّ اللَّهِ هَذا المُنافِقِ فَأضْرِبَ عُنُقَهُ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرًا عَرَفَ عُمَرُ أنَّهُ قَدْ غَضِبَ، ثُمَّ قالَ: «ويْحَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ الخَيْرِ فَقالَ لِلْمَلائِكَةِ: اشْهَدُوا أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِأعْبُدِي هَؤُلاءِ فَلْيَعْمَلُوا ما شاءُوا» قالَ عُمَرُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ، إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ، إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ جابِرٍ، «أنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، يَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرادَ غَزْوَهُمْ، فَدُلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى المَرْأةِ الَّتِي مَعَها الكِتابُ، فَأرْسَلَ إلَيْها، فَأُخِذَ كِتابُها مِن رَأْسِها، فَقالَ: «يا حاطِبُ أفَعَلْتَ»؟ قالَ: نَعَمْ، أما إنِّي لَمْ أفْعَلْهُ غِشًّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا نِفاقًا، قَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ ومُتِمٌّ لَهُ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ غَرِيبًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، وكانَتْ والِدَتِي مَعَهُمْ، فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ بِها عِنْدَهُمْ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ألا أضْرِبُ رَأْسَ هَذا؟ قالَ: «أتَقْتُلُ رَجُلًا مِن أهْلِ بَدْرٍ! وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ عَبْدًا لِحاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَشْتَكِيَ حاطِبًا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطِبٌ النّارَ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبْتَ لا يَدْخُلُها؛ فَإنَّهُ قَدْ (p-٤٠٩)شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيْبِيَةَ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: اسْمُ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يُحَذِّرُهم سَيْرُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ: «ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ»؟ قالَ: أما واللَّهِ ما شَكَكْتُ في أمْرِي، ولا ارْتَبْتُ فِيهِ، ولَكِنْ كانَ لِي هُناكَ مالٌ وأهْلٌ فَأرَدْتُ مُصانَعَةَ قُرَيْشٍ عَلى أهْلِي ومالِي، وذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ، ولَمْ يَكُنْ مِن أنْفُسِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ، وقالَ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾، ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ قالَ: يَقُولُ: فَلا تَأسُّوا في ذَلِكَ؛ فَإنَّها كانَتْ مَوْعِدَةً وعَدَها إيّاهُ، ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ: لا تُظْهِرْهم عَلَيْنا فَيُفْتَنُوا بِذَلِكَ، يَرَوْنَ أنَّهم إنَّما ظَهَرُوا أنَّهم أوْلى بِالحَقِّ مِنّا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قالَ: في مُكاتَبَةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومَن مَعَهُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ يُحَذِّرُونَهُمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ (p-٤١٠)لأبِيهِ﴾ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ فَيَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ؛ فَيَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ ما أصابَهم هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرٌ﴾ في مُكاتَبَةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومَن مَعَهُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ يُحَذِّرُونَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ؛ فَيَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ ما أصابَهم هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قالَ: في صُنْعِ إبْراهِيمَ كُلِّهِ إلّا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ، لا يُسْتَغْفَرُ لَهُ وهو مُشْرِكٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
الممتحنة 60:3
(p-٤٠٢)سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ.
مَدَنِيَّةٌ.
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «المُمْتَحَنَةِ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، والحَمِيدِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو عَوانَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ مَعًا في «الدَّلائِلِ»، «عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنا والزُّبَيْرَ والمِقْدادَ فَقالَ: «انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ؛ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً، مَعَها كِتابٌ، فَخُذُوهُ مِنها، فائْتُونِي بِهِ» فَخَرَجْنا حَتّى أتَيْنا الرَّوْضَةَ، فَإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنا: أخْرِجِي الكِتابَ، قالَتْ: (p-٤٠٣)ما مَعِي مِن كِتابٍ، قُلْنا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيابَ، فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها، فَأتَيْنا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَإذا فِيهِ مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بِلْتَعَةَ إلى أُناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما هَذا يا حاطِبُ» قالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، وكانَ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قُراباتٌ يَحْمُونَ بِها أهْلِيهِمْ وأمْوالَهم بِمَكَّةَ، فَأحْبَبْتُ - إذْ فاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ - أنْ أصْطَنِعَ إلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِها قَرابَتِي، وما فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا ولا ارْتِدادًا عَنْ دِينِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ» فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقالَ: «إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ونَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة»: ١] .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ أسَرَّ إلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ أنَّهُ يُرِيدُ مَكَّةَ، مِنهم (p-٤٠٤)حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، وأفْشى في النّاسِ أنَّهُ يُرِيدُ خَيْبَرَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يُرِيدُكُمْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَنِي أنا وأبا مَرْثَدٍ، فَقالَ: «ائْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ» فَذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة»: ١] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ السَّيْرُورَةَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، كَتَبَ إلَيْها حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ يُحَذِّرُهُمْ، فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَوُجِدَ الكِتابُ مَعَ امْرَأةٍ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في قَرْنٍ مِن رَأْسِها، فَقالَ لَهُ: «ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ»؟ قالَ: أما واللَّهِ ما ارْتَبْتُ في أمْرِ اللَّهِ ولا شَكَكْتُ فِيهِ، ولَكِنَّهُ كانَ لِي بِها أهْلٌ ومالٌ، فَأرَدْتُ مُصانَعَةَ قُرَيْشٍ، وكانَ حَلِيفًا لَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ القُرْآنَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ مِن قُرَيْشٍ، كَتَبَ إلى أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ بِمَكَّةَ، يُخْبِرُهم ويُنْذِرُهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سائِرٌ إلَيْهِمْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِصَحِيفَتِهِ، فَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَأتاهُ بِها» .
(p-٤٠٥)وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ في «المُخْتارَةِ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «كَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى المُشْرِكِينَ بِكِتابٍ، فَجِيءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «يا حاطِبُ، ما دَعاكَ إلى ما صَنَعْتَ»؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كانَ أهْلِي فِيهِمْ فَخَشِيتُ أنْ يَصْرِمُوا عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ: أكْتُبُ كِتابًا لا يَضُرُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقَلْتُ: أضْرِبُ عُنُقَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ؟ فَقالَ: «وما يُدْرِيكَ يا ابْنَ الخَطّابِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ هَذِهِ العِصابَةِ مِن أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وحاطِبٌ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، كانَ حَلِيفًا لِلزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وكانَ بَنُوهُ وإخْوَتُهُ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِكِتابٍ يَنْتَصِحُ لَهم فِيهِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ فَقالَ لَهُما: «انْطَلِقا حَتّى تُدْرِكا امْرَأةً مَعَها كِتابٌ فَخُذا الكِتابَ فائْتِيانِي بِهِ» فانْطَلَقا حَتّى أدْرَكا المَرْأةَ بِحُلَيْفَةِ بَنِي أحْمَدَ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى قَرِيبٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ مَيْلًا، فَقالا لَها: أعْطِينا الكِتابَ الَّذِي مَعَكِ، قالَتْ: لَيْسَ مَعِي كِتابٌ، قالا كَذَبْتِ، قَدْ حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ مَعَكِ كِتابًا، واللَّهِ لَتُعْطِيَنَّ الكِتابَ الَّذِي مَعَكِ أوْ لا نَتْرُكُ عَلَيْكِ ثَوْبًا إلّا التَمَسْنا فِيهِ، قالَتْ: أوَلَسْتُمْ بِناسٍ مُسْلِمِينَ؟ قالا: بَلى، ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَدَّثَنا أنَّ مَعَكِ كِتابًا، حَتّى إذْ ظَنَّتْ أنَّهُما مُلْتَمِسانِ كُلَّ ثَوْبٍ (p-٤٠٦)مَعَها حَلَّتْ عِقاصَها فَأخْرَجَتْ لَهُما الكِتابَ مِن بَيْنِ قُرُونِ رَأْسِها، كانَتْ قَدِ اعْتَقَصَتْ عَلَيْهِ، فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو كِتابٌ مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حاطِبًا قالَ: «أنْتَ كَتَبْتَ هَذا الكِتابَ»؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَما حَمَلَكَ عَلى أنْ تَكْتُبَ بِهِ»؟ قالَ حاطِبٌ: أما واللَّهِ ما ارْتَبْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً غَرِيبًا فِيكم أيُّها الحَيُّ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ لِي بَنُونَ وإخْوَةٌ بِمَكَّةَ، فَكَتَبْتُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِهَذا الكِتابِ لِكَيْ أدْفَعَ عَنْهُمْ، فَقالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُ؛ فَإنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وإنَّكَ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَإنِّي غافِرٌ لَكم ما عَمِلْتُمْ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب»: ٢١] .
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «أمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إلّا أرْبَعَةً: عَبْدَ العُزّى بْنَ خَطَلٍ، ومِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وأُمَّ سارَّةَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، قالَ: وأمّا أُمُّ سارَّةَ فَإنَّها كانَتْ مَوْلاةً لِقُرَيْشٍ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكَتْ إلَيْهِ الحاجَةَ، فَأعْطاها شَيْئًا، ثُمَّ أتاها رَجُلٌ فَبَعَثَ مَعَها بِكِتابٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ يَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ إلَيْها لِحِفْظِ عِيالِهِ (p-٤٠٧)وكانَ لَهُ بِها عِيالٌ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ – بِذَلِكَ، فَبَعَثَ في أثَرِها عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وعَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَلَحِقاها في الطَّرِيقِ فَفَتَّشاها، فَلَمْ يَقْدِرا عَلى شَيْءٍ مَعَها، فَأقْبَلا راجِعِينَ، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: واللَّهِ ما كَذَبَنا، ولا كُذِبْنا، ارْجِعْ بِنا إلَيْها، فَرَجَعا إلَيْها، فَسَلّا سَيْفَيْهُما، فَقالا: واللَّهِ لَنُذِيقَنَّكِ المَوْتَ أوْ لَتَدْفَعِنَّ إلَيْنا الكِتابَ، فَأنْكَرَتْ، ثُمَّ قالَتْ: أدْفَعُهُ إلَيْكُما عَلى ألّا تَرُدّانِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبِلا ذَلِكَ مِنها، فَحَلَّتْ عِقاصَ رَأْسِها، فَأخْرَجَتِ الكِتابَ مِن قَرْنٍ مِن قُرُونِها، فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِما، فَرَجَعا بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَفَعاهُ إلَيْهِ، فَدَعا الرَّجُلَ فَقالَ: «ما هَذا الكِتابُ» فَقالَ: أُخْبِرُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّهُ لَيْسَ مِن رَجُلٍ مِمَّنْ مَعَكَ إلّا ولَهُ بِمَكَّةَ مِن يَحْفَظُهُ في عِيالِهِ، فَكَتَبْتُ بِهَذا الكِتابِ لِيَكُونُوا لِي في عِيالِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ الآياتِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «كَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى المُشْرِكِينَ كِتابًا، يَذْكُرُ فِيهِ مَسِيرَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَ بِهِ مَعَ امْرَأةٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِها، فَأُخِذَ الكِتابُ مِنها، فَجِيءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعا حاطِبًا فَقالَ: «أنْتَ كَتَبْتَ هَذا الكِتابَ»؟ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، أما واللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، ولا شَكَكْتُ مُنْذُ اسْتَيْقَنْتُ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً لا نَسَبَ لِي في القَوْمِ، إنَّما كُنْتُ حَلِيفَهُمْ، وفي أيْدِيهِمْ مِن أهْلِي ما قَدْ عَلِمْتَ، فَكَتَبْتُ إلَيْهِمْ بِشَيْءٍ قَدْ عَلِمْتُ أنْ لَنْ يُغْنِيَ عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أرادَهُ، أنْ (p-٤٠٨)أدْرَأ بِهِ عَنْ أهْلِي ومالِي، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّ عَنِّي وعَنْ عَدُوِّ اللَّهِ هَذا المُنافِقِ فَأضْرِبَ عُنُقَهُ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرًا عَرَفَ عُمَرُ أنَّهُ قَدْ غَضِبَ، ثُمَّ قالَ: «ويْحَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ الخَيْرِ فَقالَ لِلْمَلائِكَةِ: اشْهَدُوا أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِأعْبُدِي هَؤُلاءِ فَلْيَعْمَلُوا ما شاءُوا» قالَ عُمَرُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ، إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ، إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ جابِرٍ، «أنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، يَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرادَ غَزْوَهُمْ، فَدُلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى المَرْأةِ الَّتِي مَعَها الكِتابُ، فَأرْسَلَ إلَيْها، فَأُخِذَ كِتابُها مِن رَأْسِها، فَقالَ: «يا حاطِبُ أفَعَلْتَ»؟ قالَ: نَعَمْ، أما إنِّي لَمْ أفْعَلْهُ غِشًّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا نِفاقًا، قَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ ومُتِمٌّ لَهُ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ غَرِيبًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، وكانَتْ والِدَتِي مَعَهُمْ، فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ بِها عِنْدَهُمْ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ألا أضْرِبُ رَأْسَ هَذا؟ قالَ: «أتَقْتُلُ رَجُلًا مِن أهْلِ بَدْرٍ! وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ عَبْدًا لِحاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَشْتَكِيَ حاطِبًا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطِبٌ النّارَ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبْتَ لا يَدْخُلُها؛ فَإنَّهُ قَدْ (p-٤٠٩)شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيْبِيَةَ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: اسْمُ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يُحَذِّرُهم سَيْرُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ: «ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ»؟ قالَ: أما واللَّهِ ما شَكَكْتُ في أمْرِي، ولا ارْتَبْتُ فِيهِ، ولَكِنْ كانَ لِي هُناكَ مالٌ وأهْلٌ فَأرَدْتُ مُصانَعَةَ قُرَيْشٍ عَلى أهْلِي ومالِي، وذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ، ولَمْ يَكُنْ مِن أنْفُسِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ، وقالَ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾، ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ قالَ: يَقُولُ: فَلا تَأسُّوا في ذَلِكَ؛ فَإنَّها كانَتْ مَوْعِدَةً وعَدَها إيّاهُ، ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ: لا تُظْهِرْهم عَلَيْنا فَيُفْتَنُوا بِذَلِكَ، يَرَوْنَ أنَّهم إنَّما ظَهَرُوا أنَّهم أوْلى بِالحَقِّ مِنّا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قالَ: في مُكاتَبَةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومَن مَعَهُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ يُحَذِّرُونَهُمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ (p-٤١٠)لأبِيهِ﴾ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ فَيَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ؛ فَيَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ ما أصابَهم هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرٌ﴾ في مُكاتَبَةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومَن مَعَهُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ يُحَذِّرُونَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ؛ فَيَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ ما أصابَهم هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قالَ: في صُنْعِ إبْراهِيمَ كُلِّهِ إلّا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ، لا يُسْتَغْفَرُ لَهُ وهو مُشْرِكٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
الممتحنة 60:4
(p-٤٠٢)سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ.
مَدَنِيَّةٌ.
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «المُمْتَحَنَةِ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، والحَمِيدِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو عَوانَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ مَعًا في «الدَّلائِلِ»، «عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنا والزُّبَيْرَ والمِقْدادَ فَقالَ: «انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ؛ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً، مَعَها كِتابٌ، فَخُذُوهُ مِنها، فائْتُونِي بِهِ» فَخَرَجْنا حَتّى أتَيْنا الرَّوْضَةَ، فَإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنا: أخْرِجِي الكِتابَ، قالَتْ: (p-٤٠٣)ما مَعِي مِن كِتابٍ، قُلْنا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيابَ، فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها، فَأتَيْنا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَإذا فِيهِ مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بِلْتَعَةَ إلى أُناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما هَذا يا حاطِبُ» قالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، وكانَ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قُراباتٌ يَحْمُونَ بِها أهْلِيهِمْ وأمْوالَهم بِمَكَّةَ، فَأحْبَبْتُ - إذْ فاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ - أنْ أصْطَنِعَ إلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِها قَرابَتِي، وما فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا ولا ارْتِدادًا عَنْ دِينِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ» فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقالَ: «إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ونَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة»: ١] .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ أسَرَّ إلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ أنَّهُ يُرِيدُ مَكَّةَ، مِنهم (p-٤٠٤)حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، وأفْشى في النّاسِ أنَّهُ يُرِيدُ خَيْبَرَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يُرِيدُكُمْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَنِي أنا وأبا مَرْثَدٍ، فَقالَ: «ائْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ» فَذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة»: ١] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ السَّيْرُورَةَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، كَتَبَ إلَيْها حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ يُحَذِّرُهُمْ، فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَوُجِدَ الكِتابُ مَعَ امْرَأةٍ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في قَرْنٍ مِن رَأْسِها، فَقالَ لَهُ: «ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ»؟ قالَ: أما واللَّهِ ما ارْتَبْتُ في أمْرِ اللَّهِ ولا شَكَكْتُ فِيهِ، ولَكِنَّهُ كانَ لِي بِها أهْلٌ ومالٌ، فَأرَدْتُ مُصانَعَةَ قُرَيْشٍ، وكانَ حَلِيفًا لَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ القُرْآنَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ مِن قُرَيْشٍ، كَتَبَ إلى أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ بِمَكَّةَ، يُخْبِرُهم ويُنْذِرُهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سائِرٌ إلَيْهِمْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِصَحِيفَتِهِ، فَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَأتاهُ بِها» .
(p-٤٠٥)وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ في «المُخْتارَةِ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «كَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى المُشْرِكِينَ بِكِتابٍ، فَجِيءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «يا حاطِبُ، ما دَعاكَ إلى ما صَنَعْتَ»؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كانَ أهْلِي فِيهِمْ فَخَشِيتُ أنْ يَصْرِمُوا عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ: أكْتُبُ كِتابًا لا يَضُرُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقَلْتُ: أضْرِبُ عُنُقَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ؟ فَقالَ: «وما يُدْرِيكَ يا ابْنَ الخَطّابِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ هَذِهِ العِصابَةِ مِن أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وحاطِبٌ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، كانَ حَلِيفًا لِلزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وكانَ بَنُوهُ وإخْوَتُهُ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِكِتابٍ يَنْتَصِحُ لَهم فِيهِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ فَقالَ لَهُما: «انْطَلِقا حَتّى تُدْرِكا امْرَأةً مَعَها كِتابٌ فَخُذا الكِتابَ فائْتِيانِي بِهِ» فانْطَلَقا حَتّى أدْرَكا المَرْأةَ بِحُلَيْفَةِ بَنِي أحْمَدَ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى قَرِيبٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ مَيْلًا، فَقالا لَها: أعْطِينا الكِتابَ الَّذِي مَعَكِ، قالَتْ: لَيْسَ مَعِي كِتابٌ، قالا كَذَبْتِ، قَدْ حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ مَعَكِ كِتابًا، واللَّهِ لَتُعْطِيَنَّ الكِتابَ الَّذِي مَعَكِ أوْ لا نَتْرُكُ عَلَيْكِ ثَوْبًا إلّا التَمَسْنا فِيهِ، قالَتْ: أوَلَسْتُمْ بِناسٍ مُسْلِمِينَ؟ قالا: بَلى، ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَدَّثَنا أنَّ مَعَكِ كِتابًا، حَتّى إذْ ظَنَّتْ أنَّهُما مُلْتَمِسانِ كُلَّ ثَوْبٍ (p-٤٠٦)مَعَها حَلَّتْ عِقاصَها فَأخْرَجَتْ لَهُما الكِتابَ مِن بَيْنِ قُرُونِ رَأْسِها، كانَتْ قَدِ اعْتَقَصَتْ عَلَيْهِ، فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو كِتابٌ مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حاطِبًا قالَ: «أنْتَ كَتَبْتَ هَذا الكِتابَ»؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَما حَمَلَكَ عَلى أنْ تَكْتُبَ بِهِ»؟ قالَ حاطِبٌ: أما واللَّهِ ما ارْتَبْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً غَرِيبًا فِيكم أيُّها الحَيُّ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ لِي بَنُونَ وإخْوَةٌ بِمَكَّةَ، فَكَتَبْتُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِهَذا الكِتابِ لِكَيْ أدْفَعَ عَنْهُمْ، فَقالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُ؛ فَإنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وإنَّكَ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَإنِّي غافِرٌ لَكم ما عَمِلْتُمْ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب»: ٢١] .
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «أمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إلّا أرْبَعَةً: عَبْدَ العُزّى بْنَ خَطَلٍ، ومِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وأُمَّ سارَّةَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، قالَ: وأمّا أُمُّ سارَّةَ فَإنَّها كانَتْ مَوْلاةً لِقُرَيْشٍ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكَتْ إلَيْهِ الحاجَةَ، فَأعْطاها شَيْئًا، ثُمَّ أتاها رَجُلٌ فَبَعَثَ مَعَها بِكِتابٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ يَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ إلَيْها لِحِفْظِ عِيالِهِ (p-٤٠٧)وكانَ لَهُ بِها عِيالٌ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ – بِذَلِكَ، فَبَعَثَ في أثَرِها عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وعَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَلَحِقاها في الطَّرِيقِ فَفَتَّشاها، فَلَمْ يَقْدِرا عَلى شَيْءٍ مَعَها، فَأقْبَلا راجِعِينَ، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: واللَّهِ ما كَذَبَنا، ولا كُذِبْنا، ارْجِعْ بِنا إلَيْها، فَرَجَعا إلَيْها، فَسَلّا سَيْفَيْهُما، فَقالا: واللَّهِ لَنُذِيقَنَّكِ المَوْتَ أوْ لَتَدْفَعِنَّ إلَيْنا الكِتابَ، فَأنْكَرَتْ، ثُمَّ قالَتْ: أدْفَعُهُ إلَيْكُما عَلى ألّا تَرُدّانِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبِلا ذَلِكَ مِنها، فَحَلَّتْ عِقاصَ رَأْسِها، فَأخْرَجَتِ الكِتابَ مِن قَرْنٍ مِن قُرُونِها، فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِما، فَرَجَعا بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَفَعاهُ إلَيْهِ، فَدَعا الرَّجُلَ فَقالَ: «ما هَذا الكِتابُ» فَقالَ: أُخْبِرُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّهُ لَيْسَ مِن رَجُلٍ مِمَّنْ مَعَكَ إلّا ولَهُ بِمَكَّةَ مِن يَحْفَظُهُ في عِيالِهِ، فَكَتَبْتُ بِهَذا الكِتابِ لِيَكُونُوا لِي في عِيالِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ الآياتِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «كَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى المُشْرِكِينَ كِتابًا، يَذْكُرُ فِيهِ مَسِيرَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَ بِهِ مَعَ امْرَأةٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِها، فَأُخِذَ الكِتابُ مِنها، فَجِيءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعا حاطِبًا فَقالَ: «أنْتَ كَتَبْتَ هَذا الكِتابَ»؟ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، أما واللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، ولا شَكَكْتُ مُنْذُ اسْتَيْقَنْتُ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً لا نَسَبَ لِي في القَوْمِ، إنَّما كُنْتُ حَلِيفَهُمْ، وفي أيْدِيهِمْ مِن أهْلِي ما قَدْ عَلِمْتَ، فَكَتَبْتُ إلَيْهِمْ بِشَيْءٍ قَدْ عَلِمْتُ أنْ لَنْ يُغْنِيَ عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أرادَهُ، أنْ (p-٤٠٨)أدْرَأ بِهِ عَنْ أهْلِي ومالِي، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّ عَنِّي وعَنْ عَدُوِّ اللَّهِ هَذا المُنافِقِ فَأضْرِبَ عُنُقَهُ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرًا عَرَفَ عُمَرُ أنَّهُ قَدْ غَضِبَ، ثُمَّ قالَ: «ويْحَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ الخَيْرِ فَقالَ لِلْمَلائِكَةِ: اشْهَدُوا أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِأعْبُدِي هَؤُلاءِ فَلْيَعْمَلُوا ما شاءُوا» قالَ عُمَرُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ، إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ، إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ جابِرٍ، «أنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، يَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرادَ غَزْوَهُمْ، فَدُلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى المَرْأةِ الَّتِي مَعَها الكِتابُ، فَأرْسَلَ إلَيْها، فَأُخِذَ كِتابُها مِن رَأْسِها، فَقالَ: «يا حاطِبُ أفَعَلْتَ»؟ قالَ: نَعَمْ، أما إنِّي لَمْ أفْعَلْهُ غِشًّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا نِفاقًا، قَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ ومُتِمٌّ لَهُ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ غَرِيبًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، وكانَتْ والِدَتِي مَعَهُمْ، فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ بِها عِنْدَهُمْ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ألا أضْرِبُ رَأْسَ هَذا؟ قالَ: «أتَقْتُلُ رَجُلًا مِن أهْلِ بَدْرٍ! وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ عَبْدًا لِحاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَشْتَكِيَ حاطِبًا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطِبٌ النّارَ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبْتَ لا يَدْخُلُها؛ فَإنَّهُ قَدْ (p-٤٠٩)شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيْبِيَةَ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: اسْمُ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يُحَذِّرُهم سَيْرُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ: «ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ»؟ قالَ: أما واللَّهِ ما شَكَكْتُ في أمْرِي، ولا ارْتَبْتُ فِيهِ، ولَكِنْ كانَ لِي هُناكَ مالٌ وأهْلٌ فَأرَدْتُ مُصانَعَةَ قُرَيْشٍ عَلى أهْلِي ومالِي، وذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ، ولَمْ يَكُنْ مِن أنْفُسِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ، وقالَ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾، ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ قالَ: يَقُولُ: فَلا تَأسُّوا في ذَلِكَ؛ فَإنَّها كانَتْ مَوْعِدَةً وعَدَها إيّاهُ، ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ: لا تُظْهِرْهم عَلَيْنا فَيُفْتَنُوا بِذَلِكَ، يَرَوْنَ أنَّهم إنَّما ظَهَرُوا أنَّهم أوْلى بِالحَقِّ مِنّا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قالَ: في مُكاتَبَةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومَن مَعَهُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ يُحَذِّرُونَهُمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ (p-٤١٠)لأبِيهِ﴾ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ فَيَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ؛ فَيَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ ما أصابَهم هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرٌ﴾ في مُكاتَبَةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومَن مَعَهُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ يُحَذِّرُونَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ؛ فَيَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ ما أصابَهم هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قالَ: في صُنْعِ إبْراهِيمَ كُلِّهِ إلّا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ، لا يُسْتَغْفَرُ لَهُ وهو مُشْرِكٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
الممتحنة 60:5
(p-٤٠٢)سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ.
مَدَنِيَّةٌ.
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «المُمْتَحَنَةِ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، والحَمِيدِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو عَوانَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ مَعًا في «الدَّلائِلِ»، «عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنا والزُّبَيْرَ والمِقْدادَ فَقالَ: «انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ؛ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً، مَعَها كِتابٌ، فَخُذُوهُ مِنها، فائْتُونِي بِهِ» فَخَرَجْنا حَتّى أتَيْنا الرَّوْضَةَ، فَإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنا: أخْرِجِي الكِتابَ، قالَتْ: (p-٤٠٣)ما مَعِي مِن كِتابٍ، قُلْنا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيابَ، فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها، فَأتَيْنا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَإذا فِيهِ مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بِلْتَعَةَ إلى أُناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما هَذا يا حاطِبُ» قالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، وكانَ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قُراباتٌ يَحْمُونَ بِها أهْلِيهِمْ وأمْوالَهم بِمَكَّةَ، فَأحْبَبْتُ - إذْ فاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ - أنْ أصْطَنِعَ إلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِها قَرابَتِي، وما فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا ولا ارْتِدادًا عَنْ دِينِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ» فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقالَ: «إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ونَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة»: ١] .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ أسَرَّ إلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ أنَّهُ يُرِيدُ مَكَّةَ، مِنهم (p-٤٠٤)حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، وأفْشى في النّاسِ أنَّهُ يُرِيدُ خَيْبَرَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يُرِيدُكُمْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَنِي أنا وأبا مَرْثَدٍ، فَقالَ: «ائْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ» فَذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة»: ١] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ السَّيْرُورَةَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، كَتَبَ إلَيْها حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ يُحَذِّرُهُمْ، فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَوُجِدَ الكِتابُ مَعَ امْرَأةٍ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في قَرْنٍ مِن رَأْسِها، فَقالَ لَهُ: «ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ»؟ قالَ: أما واللَّهِ ما ارْتَبْتُ في أمْرِ اللَّهِ ولا شَكَكْتُ فِيهِ، ولَكِنَّهُ كانَ لِي بِها أهْلٌ ومالٌ، فَأرَدْتُ مُصانَعَةَ قُرَيْشٍ، وكانَ حَلِيفًا لَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ القُرْآنَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ مِن قُرَيْشٍ، كَتَبَ إلى أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ بِمَكَّةَ، يُخْبِرُهم ويُنْذِرُهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سائِرٌ إلَيْهِمْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِصَحِيفَتِهِ، فَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَأتاهُ بِها» .
(p-٤٠٥)وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ في «المُخْتارَةِ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «كَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى المُشْرِكِينَ بِكِتابٍ، فَجِيءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «يا حاطِبُ، ما دَعاكَ إلى ما صَنَعْتَ»؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كانَ أهْلِي فِيهِمْ فَخَشِيتُ أنْ يَصْرِمُوا عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ: أكْتُبُ كِتابًا لا يَضُرُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقَلْتُ: أضْرِبُ عُنُقَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ؟ فَقالَ: «وما يُدْرِيكَ يا ابْنَ الخَطّابِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ هَذِهِ العِصابَةِ مِن أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وحاطِبٌ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، كانَ حَلِيفًا لِلزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وكانَ بَنُوهُ وإخْوَتُهُ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ وهو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِكِتابٍ يَنْتَصِحُ لَهم فِيهِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ فَقالَ لَهُما: «انْطَلِقا حَتّى تُدْرِكا امْرَأةً مَعَها كِتابٌ فَخُذا الكِتابَ فائْتِيانِي بِهِ» فانْطَلَقا حَتّى أدْرَكا المَرْأةَ بِحُلَيْفَةِ بَنِي أحْمَدَ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى قَرِيبٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ مَيْلًا، فَقالا لَها: أعْطِينا الكِتابَ الَّذِي مَعَكِ، قالَتْ: لَيْسَ مَعِي كِتابٌ، قالا كَذَبْتِ، قَدْ حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ مَعَكِ كِتابًا، واللَّهِ لَتُعْطِيَنَّ الكِتابَ الَّذِي مَعَكِ أوْ لا نَتْرُكُ عَلَيْكِ ثَوْبًا إلّا التَمَسْنا فِيهِ، قالَتْ: أوَلَسْتُمْ بِناسٍ مُسْلِمِينَ؟ قالا: بَلى، ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَدَّثَنا أنَّ مَعَكِ كِتابًا، حَتّى إذْ ظَنَّتْ أنَّهُما مُلْتَمِسانِ كُلَّ ثَوْبٍ (p-٤٠٦)مَعَها حَلَّتْ عِقاصَها فَأخْرَجَتْ لَهُما الكِتابَ مِن بَيْنِ قُرُونِ رَأْسِها، كانَتْ قَدِ اعْتَقَصَتْ عَلَيْهِ، فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو كِتابٌ مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حاطِبًا قالَ: «أنْتَ كَتَبْتَ هَذا الكِتابَ»؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَما حَمَلَكَ عَلى أنْ تَكْتُبَ بِهِ»؟ قالَ حاطِبٌ: أما واللَّهِ ما ارْتَبْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً غَرِيبًا فِيكم أيُّها الحَيُّ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ لِي بَنُونَ وإخْوَةٌ بِمَكَّةَ، فَكَتَبْتُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِهَذا الكِتابِ لِكَيْ أدْفَعَ عَنْهُمْ، فَقالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُ؛ فَإنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وإنَّكَ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَإنِّي غافِرٌ لَكم ما عَمِلْتُمْ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب»: ٢١] .
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «أمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إلّا أرْبَعَةً: عَبْدَ العُزّى بْنَ خَطَلٍ، ومِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وأُمَّ سارَّةَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، قالَ: وأمّا أُمُّ سارَّةَ فَإنَّها كانَتْ مَوْلاةً لِقُرَيْشٍ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكَتْ إلَيْهِ الحاجَةَ، فَأعْطاها شَيْئًا، ثُمَّ أتاها رَجُلٌ فَبَعَثَ مَعَها بِكِتابٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ يَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ إلَيْها لِحِفْظِ عِيالِهِ (p-٤٠٧)وكانَ لَهُ بِها عِيالٌ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ – بِذَلِكَ، فَبَعَثَ في أثَرِها عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وعَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَلَحِقاها في الطَّرِيقِ فَفَتَّشاها، فَلَمْ يَقْدِرا عَلى شَيْءٍ مَعَها، فَأقْبَلا راجِعِينَ، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: واللَّهِ ما كَذَبَنا، ولا كُذِبْنا، ارْجِعْ بِنا إلَيْها، فَرَجَعا إلَيْها، فَسَلّا سَيْفَيْهُما، فَقالا: واللَّهِ لَنُذِيقَنَّكِ المَوْتَ أوْ لَتَدْفَعِنَّ إلَيْنا الكِتابَ، فَأنْكَرَتْ، ثُمَّ قالَتْ: أدْفَعُهُ إلَيْكُما عَلى ألّا تَرُدّانِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبِلا ذَلِكَ مِنها، فَحَلَّتْ عِقاصَ رَأْسِها، فَأخْرَجَتِ الكِتابَ مِن قَرْنٍ مِن قُرُونِها، فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِما، فَرَجَعا بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَفَعاهُ إلَيْهِ، فَدَعا الرَّجُلَ فَقالَ: «ما هَذا الكِتابُ» فَقالَ: أُخْبِرُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَّهُ لَيْسَ مِن رَجُلٍ مِمَّنْ مَعَكَ إلّا ولَهُ بِمَكَّةَ مِن يَحْفَظُهُ في عِيالِهِ، فَكَتَبْتُ بِهَذا الكِتابِ لِيَكُونُوا لِي في عِيالِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ الآياتِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «كَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى المُشْرِكِينَ كِتابًا، يَذْكُرُ فِيهِ مَسِيرَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَ بِهِ مَعَ امْرَأةٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِها، فَأُخِذَ الكِتابُ مِنها، فَجِيءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعا حاطِبًا فَقالَ: «أنْتَ كَتَبْتَ هَذا الكِتابَ»؟ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، أما واللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، ولا شَكَكْتُ مُنْذُ اسْتَيْقَنْتُ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً لا نَسَبَ لِي في القَوْمِ، إنَّما كُنْتُ حَلِيفَهُمْ، وفي أيْدِيهِمْ مِن أهْلِي ما قَدْ عَلِمْتَ، فَكَتَبْتُ إلَيْهِمْ بِشَيْءٍ قَدْ عَلِمْتُ أنْ لَنْ يُغْنِيَ عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أرادَهُ، أنْ (p-٤٠٨)أدْرَأ بِهِ عَنْ أهْلِي ومالِي، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّ عَنِّي وعَنْ عَدُوِّ اللَّهِ هَذا المُنافِقِ فَأضْرِبَ عُنُقَهُ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرًا عَرَفَ عُمَرُ أنَّهُ قَدْ غَضِبَ، ثُمَّ قالَ: «ويْحَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ الخَيْرِ فَقالَ لِلْمَلائِكَةِ: اشْهَدُوا أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِأعْبُدِي هَؤُلاءِ فَلْيَعْمَلُوا ما شاءُوا» قالَ عُمَرُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ، إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ، إنَّهم أهْلُ بَدْرٍ فاجْتَنِبْ أهْلَ بَدْرٍ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ جابِرٍ، «أنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، يَذْكُرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرادَ غَزْوَهُمْ، فَدُلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى المَرْأةِ الَّتِي مَعَها الكِتابُ، فَأرْسَلَ إلَيْها، فَأُخِذَ كِتابُها مِن رَأْسِها، فَقالَ: «يا حاطِبُ أفَعَلْتَ»؟ قالَ: نَعَمْ، أما إنِّي لَمْ أفْعَلْهُ غِشًّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا نِفاقًا، قَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ ومُتِمٌّ لَهُ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ غَرِيبًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، وكانَتْ والِدَتِي مَعَهُمْ، فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ بِها عِنْدَهُمْ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ألا أضْرِبُ رَأْسَ هَذا؟ قالَ: «أتَقْتُلُ رَجُلًا مِن أهْلِ بَدْرٍ! وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ عَبْدًا لِحاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَشْتَكِيَ حاطِبًا، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطِبٌ النّارَ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبْتَ لا يَدْخُلُها؛ فَإنَّهُ قَدْ (p-٤٠٩)شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيْبِيَةَ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: اسْمُ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يُحَذِّرُهم سَيْرُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ: «ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ»؟ قالَ: أما واللَّهِ ما شَكَكْتُ في أمْرِي، ولا ارْتَبْتُ فِيهِ، ولَكِنْ كانَ لِي هُناكَ مالٌ وأهْلٌ فَأرَدْتُ مُصانَعَةَ قُرَيْشٍ عَلى أهْلِي ومالِي، وذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ، ولَمْ يَكُنْ مِن أنْفُسِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ، وقالَ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾، ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ قالَ: يَقُولُ: فَلا تَأسُّوا في ذَلِكَ؛ فَإنَّها كانَتْ مَوْعِدَةً وعَدَها إيّاهُ، ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ: لا تُظْهِرْهم عَلَيْنا فَيُفْتَنُوا بِذَلِكَ، يَرَوْنَ أنَّهم إنَّما ظَهَرُوا أنَّهم أوْلى بِالحَقِّ مِنّا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قالَ: في مُكاتَبَةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومَن مَعَهُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ يُحَذِّرُونَهُمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ (p-٤١٠)لأبِيهِ﴾ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ فَيَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ؛ فَيَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ ما أصابَهم هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرٌ﴾ في مُكاتَبَةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومَن مَعَهُ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ يُحَذِّرُونَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ؛ فَيَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ ما أصابَهم هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قالَ: في صُنْعِ إبْراهِيمَ كُلِّهِ إلّا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ، لا يُسْتَغْفَرُ لَهُ وهو مُشْرِكٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
الممتحنة 60:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ أبا سُفْيانَ (p-٤١١)ابْنَ حَرْبٍ عَلى بَعْضِ اليَمَنِ، فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أقْبَلَ فَلَقِيَ ذا الخِمارِ مُرْتَدًّا فَقاتَلَهُ، فَكانَ أوَّلَ مَن قاتَلَ في الرِّدَّةِ، وجاهَدَ عَنِ الدِّينِ، قالَ ابْنُ شِهابٍ: وهو فِيمَن أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة»: ٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أوَّلُ مَن قاتَلَ أهْلَ الرِّدَّةِ عَلى إقامَةِ دِينِ اللَّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ قالَ: كانَتِ المَوَدَّةُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهم تَزْوِيجَ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ، فَصارَتْ أُمَّ المُؤْمِنِينَ، وصارَ مُعاوِيَةُ خالَ المُؤْمِنِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ قالَ: نَزَلَتْ في تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ، تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ، فَكانَتْ هَذِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُ وبَيْنَهُ» .
الممتحنة 60:8
(p-٤١٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والبَزّارُ، وأبُو يُعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في «ناسِخِهِ» والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزّى عَلى ابْنَتِها أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ بِهَدايا؛ ضِبابٍ وأقِطٍ وسَمْنٍ، وهي مُشْرِكَةٌ، فَأبَتْ أسْماءُ أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها أوْ تُدْخِلَها بَيْتَها، حَتّى أرْسَلَتْ إلى عائِشَةَ أنْ سَلِي عَنْ هَذا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – فَسَألَتْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَأمَرَها أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها وتُدْخِلَها بَيْتَها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: أتَتْنِي أُمِّي راغِبَةً، وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ إذْ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – أأصِلُها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ فَقالَ: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ»» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ (p-٤١٣)عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ نَسَخَتْها: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [التَّوْبَةِ: ٥] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ قالَ: أنْ تَسْتَغْفِرُوا لَهم وتَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ، هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ﴾ قالَ: كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ.
الممتحنة 60:9
(p-٤١٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والبَزّارُ، وأبُو يُعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في «ناسِخِهِ» والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزّى عَلى ابْنَتِها أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ بِهَدايا؛ ضِبابٍ وأقِطٍ وسَمْنٍ، وهي مُشْرِكَةٌ، فَأبَتْ أسْماءُ أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها أوْ تُدْخِلَها بَيْتَها، حَتّى أرْسَلَتْ إلى عائِشَةَ أنْ سَلِي عَنْ هَذا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – فَسَألَتْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَأمَرَها أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها وتُدْخِلَها بَيْتَها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: أتَتْنِي أُمِّي راغِبَةً، وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ إذْ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – أأصِلُها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ فَقالَ: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ»» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ (p-٤١٣)عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ نَسَخَتْها: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [التَّوْبَةِ: ٥] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ قالَ: أنْ تَسْتَغْفِرُوا لَهم وتَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ، هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ﴾ قالَ: كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ.
الممتحنة 60:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، ومَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا عاهَدَ كُفّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، جاءَهُ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأتَيْنِ كانَتا لَهُ في الشِّرْكِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ» والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالا: «لَمّا كاتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو عَلى قَضِيَّةِ المُدَّةِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، كانَ مِمّا اشْتَرَطَ سُهَيْلٌ: أنَّهُ لا يَأْتِيكَ مِنّا أحَدٌ، وإنْ كانَ عَلى دِينِكَ، إلّا رَدَدْتَهُ إلَيْنا، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلٍ، ولَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أحَدٌ مِنَ الرِّجالِ إلّا رَدَّهُ في تِلْكَ المُدَّةِ وإنْ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ جاءَ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، وكانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ (p-٤١٤)مِمَّنْ خَرَجَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي عاتِقٌ، فَجاءَ أهْلُها يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرْجِعَها إلَيْهِمْ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ في المُؤْمِناتِ ما أنْزَلَ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أحْمَدَ قالَ: «هاجَرَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ في الهُدْنَةِ، فَخَرَجَ أخَواها عُمارَةُ والوَلِيدُ حَتّى قَدِما عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَلَّماهُ في أُمِّ كُلْثُومٍ أنْ يَرُدَّها إلَيْهِما، فَنَقَضَ اللَّهُ العَهْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ خاصَّةً في النِّساءِ، ومَنَعَهُنَّ أنْ يَرْدُدْنَ إلى المُشْرِكِينَ، وأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الامْتِحانِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ دُرَيْدٍ في «أمالِيهِ»: حَدَّثَنا أبُو الفَضْلِ الرِّياشِيُّ، عَنِ ابْنِ أبِي رَجاءٍ، عَنِ الواقِدِيِّ قالَ: «فَخَرَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ بِآياتٍ نَزَلَتْ فِيها، فَقالَتْ: كُنْتُ أوَّلَ مَن هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا قَدِمْتُ قَدِمَ أخِي الوَلِيدُ عَلَيَّ، فَنَسَخَ اللَّهُ العَقْدَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ في شَأْنِي، ونَزَلَتْ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ ثُمَّ أنْكَحَنِي النَّبِيُّ ﷺ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، فَقُلْتُ: أتُزَوِّجُنِي بِمَوْلاكَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] [الأحْزابِ: ٣٦] ثُمَّ قُتِلَ زَيْدٌ، فَأرْسَلَ إلَيَّ الزُّبَيْرُ: احْبِسِي عَلَيَّ نَفْسَكِ، قُلْتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] [البَقَرَةِ»: ٢٣٥] .
(p-٤١٥)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ قَدْ شَرَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: إنَّهُ مَن جاءَ مِن قِبَلِنا وإنْ كانَ عَلى دِينِكَ رَدَدْتَهُ إلَيْنا، ومَن جاءَنا مَن قِبَلِكَ رَدَدْناهُ إلَيْكَ، فَكانَ يَرُدُّ إلَيْهِمْ مَن جاءَ مِن قِبَلِهِمْ يَدْخُلُ في دِينِهِ، فَلَمّا جاءَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ مُهاجِرَةً جاءَ أخَواها يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاها ويَرُدّاها إلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ قالَ: هو الصَّداقُ، ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: هي المَرْأةُ تُسْلِمُ فَيَرُدُّ المُسْلِمُونَ صَداقَها إلى الكُفّارِ، وما طَلَّقَ المُسْلِمُونَ مِن نِساءِ الكُفّارِ عِنْدَهم فَعَلَيْهِمْ أنْ يَرُدُّوا صَداقَهُنَّ إلى المُشْرِكِينَ، فَإنْ أمْسَكُوا صَداقًا مِن صَداقِ المُسْلِمِينَ مِمّا فارَقُوا مِن نِساءِ الكُفّارِ أمْسَكَ المُسْلِمُونَ صَداقَ المُسْلِماتِ اللّاتِي جِئْنَ مِن قِبَلِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ صالَحَ قُرَيْشًا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى أنْ يَرُدَّ عَلى قُرَيْشٍ مَن جاءَ، فَلَمّا هاجَرَ النِّساءُ أبى اللَّهُ أنْ يُرْدَدْنَ إلى المُشْرِكِينَ، إذا هُنَّ امْتُحِنَّ بِمِحْنَةِ الإسْلامِ فَعُرِفُوا أنَّهُنَّ إنَّما جِئْنَ رَغْبَةً فِيهِ، وأمَرَ بِرَدِّ صَدُقاتِهِنَّ إلَيْهِمْ إذا حُبِسْنَ عَنْهُمْ، وأنَّهم يَرُدُّوا عَلى المُسْلِمِينَ صَداقَ مَن حَبَسُوا عَنْهم مِن نِسائِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ فَأمْسَكَ (p-٤١٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّساءَ ورَدَّ الرِّجالَ، ولَوْلا الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ بِهِ مِن هَذا الحُكْمِ رَدَّ النِّساءَ كَما رَدَّ الرِّجالَ، ولَوْلا الهُدْنَةُ والعَهْدُ أمْسَكَ النِّساءَ ولَمْ يَرُدَّ لَهُنَّ صَداقًا» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قالَ: سَلُوهُنَّ ما جاءَ بِهِنَّ؟ فَإنْ كانَ جاءَ بِهِنَّ غَضَبٌ عَلى أزْواجِهِنَّ أوْ غَيْرَةٌ أوْ سَخَطٌ ولَمْ يُؤْمِنَّ فَأرْجِعُوهُنَّ إلى أزْواجِهِنَّ، وإنْ كُنَّ مُؤْمِناتٍ بِاللَّهِ فَأمْسِكُوهُنَّ، وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مِن صَدُقاتِهِنَّ، وانْكِحُوهُنَّ إنْ شِئْتُمْ، وأصْدِقُوهُنَّ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ قالَ: أمَرَ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ بِطَلاقِ نِسائِهِمُ الكَوافِرِ بِمَكَّةَ؛ قَعَدْنَ مَعَ الكُفّارِ، ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ قالَ: ما ذَهَبَ مِن أزْواجِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى الكُفّارِ فَلْيُعْطِهِمُ الكُفّارُ صَدُقاتِهِنَّ ولْيُمْسِكُوهُنَّ، وما ذَهَبَ مِن أزْواجِ الكُفّارِ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمِثْلِ ذَلِكَ، هَذا في صُلْحٍ كانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ الَّذِينَ لَيْسَ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ، ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أصَبْتُمْ مَغْنَمًا مِن قُرَيْشٍ أوْ غَيْرِهِمْ، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ صَدُقاتِهِنَّ عِوَضًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: خَرَجَتِ امْرَأةٌ مُهاجِرَةً إلى المَدِينَةِ، فَقِيلَ لَها: ما أخْرَجَكِ؟ بُغْضٌ لِزَوْجِكِ أمْ أرَدْتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ؟ قالَتْ: بَلِ اللَّهُ (p-٤١٧)ورَسُولُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ فَإنْ تَزَوَّجَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْتَرُدَّ إلى زَوْجِها الأوَّلِ ما أنْفَقَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ قالَ: هَذا حُكْمٌ حَكَمَهُ اللَّهُ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ، ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قالَ: كانَتْ مِحْنَتُهُنَّ أنْ يَحْلِفْنَ بِاللَّهِ ما أخَرَجَهُنَّ نُشُوزٌ، ولا خَرَجْنَ إلّا حُبًّا لِلْإسْلامِ وحِرْصًا عَلَيْهِ، فَإذا فَعَلْنَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنهُنَّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ قالَ: كُنَّ إذا فَرَرْنَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَتَزَوَّجْنَ بَعَثُوا بِمُهُورِهِنَّ إلى أزْواجِهِنَّ مِنَ المُسْلِمِينَ، وإذا فَرَرْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِﷺ عَهْدٌ فَنَكَحُوهُنَّ بَعَثُوا بِمُهُورِهِنَّ إلى أزْواجِهِنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ هَذا بَيْنَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ أصْحابِ العَهْدِ مِنَ الكُفّارِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾ يَقُولُ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ يَأْخُذُونَهم بِهِ ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ وهي الغَنِيمَةُ إذا غَنِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا الحُكْمُ وهَذا العَهْدُ في (بَراءَةَ) فَنُبِذَ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ: كانَ امْتِحانُهُنَّ أنْ يَشْهَدْنَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَإذا عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ مِنهُنَّ لَمْ يَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ، وأُعْطِيَ بَعْلُها في الكُفّارِ الَّذِينَ عَقَدَ لَهم (p-٤١٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَداقَهُ الَّذِي أصْدَقَها، وأحَلَّهُنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، ونَهى المُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوا المُهاجِراتِ مِن أجْلِ نِسائِهِمْ في الكُفّارِ، وكانَتْ مِحْنَةُ النِّساءِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمْرَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَقالَ: «قُلْ لَهُنَّ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بايَعَكُنَّ عَلى ألّا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا» وكانَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ - الَّتِي شَقَّتْ بَطْنَ حَمْزَةَ - مُتَنَكِّرَةً في النِّساءِ، فَقالَتْ: إنِّي إنْ أتَكَلَّمْ يَعْرَفْنِي، وإنْ عَرَفَنِي قَتَلَنِي، وإنَّما تَنَكَّرَتْ فَرَقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَكَتَ النِّسْوَةُ الَّتِي مَعَ هِنْدٍ، وأبَيْنَ أنْ يَتَكَلَّمْنَ، فَقالَتْ هِنْدٌ وهي مُتَنَكِّرَةٌ: كَيْفَ يَقْبَلُ مِنَ النِّساءِ شَيْئًا لَمْ يَقْبَلْهُ مِنَ الرِّجالِ؟ فَنَظَرَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ لِعُمَرَ: «قُلْ لَهُنَّ: ولا يَسْرِقْنَ» قالَتْ هِنْدٌ: واللَّهِ إنِّي لَأُصِيبُ مِن أبِي سُفْيانَ الهَنَةَ ما أدْرِي أيُحِلُّهُنَّ أمْ لا؟ قالَ أبُو سُفْيانَ: ما أصَبْتِ مِن شَيْءٍ مَضى أوْ قَدْ بَقِيَ فَهو لَكِ حَلالٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – وعَرَفَها، فَدَعاها فَأتَتْهُ، فَأخَذَتْ بِيَدِهِ فَعاذَتْ بِهِ، فَقالَ: «أنْتِ هِنْدٌ»؟ فَقالَتْ: عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ، فَصَرَفَ عَنْها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي إنْ لَحِقَتِ امْرَأةُ رَجُلٍ مِنَ المُهاجِرِينَ بِالكُفّارِ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعْطى مِنَ الغَنِيمَةِ مِثْلَ ما أنْفَقَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ «المُمْتَحَنَةَ» أُنْزِلَتْ في المُدَّةِ الَّتِي مادَّ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُفّارَ قُرَيْشٍ، مِن أجْلِ العَهْدِ الَّذِي كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ كُفّارِ قُرَيْشٍ في المُدَّةِ، فَكانَ يَرُدُّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ ما أنْفَقُوا عَلى نِسائِهِمُ اللّاتِي يُسْلِمْنَ ويُهاجِرْنَ وبُعُولَتُهُنَّ كُفّارٌ، ولَوْ كانُوا حَرْبًا لَيْسَتْ بَيْنَ (p-٤١٩)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَهم مُدَّةُ عَهْدٍ لَمْ يَرُدُّوا إلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْفَقُوا، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أهْلِ المُدَّةِ مِنَ الكُفّارِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الحُكْمِ، قالَ اللَّهُ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فَطَلَّقَ المُؤْمِنُونَ حِينَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ امْرَأةٍ كافِرَةٍ كانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَطَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ امْرَأتَهُ بِنْتَ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، فَتَزَوَّجَها مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، وبِنْتَ جَرْوَلٍ مِن خُزاعَةَ، فَتَزَوَّجَها جَهْمُ بْنُ حُذَيْفَةَ العَدَوِيُّ،، وجُعِلَ ذَلِكَ حُكْمًا حُكِمَ بِهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ في مُدَّةِ العُهَدِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، فَأقَرَّ المُؤْمِنُونَ بِحُكْمِ اللَّهِ، فَأدَّوْا ما أُمِرُوا بِهِ مِن نَفَقاتِ المُشْرِكِينَ الَّتِي أنْفَقُوا عَلى نِسائِهِمْ، وأبى المُشْرِكُونَ أنْ يُقِرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ فِيما فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِن أداءِ نَفَقاتِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فَإذا ذَهَبَتْ - بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ - امْرَأةٌ مِن أزْواجِ المُؤْمِنِينَ إلى المُشْرِكِينَ رَدَّ المُؤْمِنُونَ إلى زَوْجِها النَّفَقَةَ الَّتِي أنْفَقَ عَلَيْها مِنَ العَقِبِ الَّذِي بِأيْدِيهِمُ الَّذِي أُمِرُوا أنْ يَرُدُّوهُ إلى المُشْرِكِينَ مِن نَفَقاتِهِمُ الَّتِي أنْفَقُوا عَلى أزْواجِهِنَّ اللّاتِي آمَنَّ وهاجَرْنَ، ثُمَّ رَدُّوا إلى المُشْرِكِينَ فَضْلًا إنْ كانَ لَهم» .
(p-٤٢٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ قالَ: الرَّجُلُ تَلْحَقُ امْرَأتُهُ بِدارِ الحَرْبِ فَلا يَعْتَدُّ بِها مِن نِسائِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَتْ زَيْنَبُ امْرَأةُ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الَّذِينَ قالُوا لَهُ: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾ إنِ امْرَأةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أتَتِ المُسْلِمِينَ فَعَوِّضُوا زَوْجَها، وإنِ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أتَتِ المُشْرِكِينَ فَعَوِّضُوا زَوْجَها، وإنِ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ذَهَبَتْ إلى مَن لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ فَأصَبْتُمْ غَنِيمَةً، فَعَوِّضُوا زَوْجَها مِثْلَ ما أنْفَقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: إذا ذَهَبَتِ المَرْأةُ إلى المُشْرِكِينَ أعْطُوا زَوْجَها مِثْلَ مَهْرِها، وإذا ذَهَبَتْ إلى قَوْمٍ لَيْسَ بَيْنَهُما وبَيْنَهم عَهْدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ فَأصَبْتُمْ غَنِيمَةً ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ يَقُولُ: آتُوا زَوْجَها مِنَ الغَنِيمَةِ مِثْلَ مَهْرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَسْنا عَلى حَقٍّ وهم عَلى باطِلٍ؟ قالَ: «بَلى» قالَ: (p-٤٢١)فَما لَنا مَن أسْلَمَ مِنهم رُدَّ إلَيْهِمْ، ومَنِ اتَّبَعَهم مِنّا نَرُدُّهُ إلَيْهِمْ؟ قالَ: «أمّا مَن أسْلَمَ مِنهم فَعَرَفَ اللَّهُ مِنهُ الصِّدْقَ أنْجاهُ، ومَن رَجَعَ مِنّا سَلَّمَ اللَّهُ مِنهُ» قالَ: ونَزَلَتْ سُورَةُ «المُمْتَحَنَةِ» بَعْدَ ذَلِكَ الصُّلْحِ، وكانَ مَن أسْلَمَ مِن نِسائِهِمْ، فَسُئِلَتْ: ما أخْرَجَكِ؟ فَإنْ كانَتْ خَرَجَتْ فِرارًا مِن زَوْجِها ورَغْبَةً عَنْهُ رُدَّتْ، وإنْ كانَتْ خَرَجَتْ رَغْبَةً في الإسْلامِ أُمْسِكَتْ، ورُدَّ عَلى زَوْجِها مِثْلَ ما أنْفَقَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّهُ «نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآيَةَ، في امْرَأةِ أبِي حَسّانَ بْنِ الدَّحْداحَةِ، وهي أُمَيْمَةُ بِنْتُ بِشْرٍ، امْرَأةٌ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وأنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ تَزَوَّجَها حِينَ فَرَّتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ عَهْدٌ شُرِطَ في أنْ يُرَدَّ النِّساءُ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ تُسَمّى سَعِيدَةَ، وكانَتْ تَحْتَ صَيْفِيِّ بْنِ الرّاهِبِ، وهو مُشْرِكٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وطَلَبُوا رَدَّها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وهم بِالحُدَيْبِيَةِ لَمّا جاءَ النِّساءُ، أمَرَهُ أنْ يَرُدَّ الصَّداقَ إلى أزْواجِهِنَّ، وحَكَمَ عَلى المُشْرِكِينَ مِثْلَ ذَلِكَ إذا جاءَتْهُمُ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَرُدُّوا الصَّداقَ إلى زَوْجِها، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَأقَرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ، وأمّا (p-٤٢٢)المُشْرِكُونَ فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ إذا ذَهَبَتِ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ولَها زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ صَداقَ امْرَأتِهِ كَما أُمِرُوا أنْ يَرُدُّوا عَلى المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: «كانَ قَوْمٌ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – عَهْدٌ، وكانَتِ المَرْأةُ إذا جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – امْتَحَنُوها، ثُمَّ يَرُدُّونَ عَلى زَوْجِها ما أنْفَقَ عَلَيْها، وإنْ لَحِقَتِ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالمُشْرِكِينَ فَغَنِمَ المُسْلِمُونَ رَدُّوا عَلى صاحِبِها ما أنْفَقَ عَلَيْها» .
قالَ الشَّعْبِيُّ: ما رَضِيَ المُشْرِكُونَ بِشَيْءٍ ما رَضُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: هَذا النَّصَفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي أُسامَةَ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في «الكَبِيرِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ ولَفْظُ ابْنِ المُنْذِرِ أنَّهُ كانَ سُئِلَ: كَيْفَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْتَحِنُ النِّساءَ؟ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا جاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ حَلَّفَها عُمَرُ بِاللَّهِ؛ ما خَرَجْتِ رَغْبَةً بِأرْضٍ عَنْ أرْضٍ، وبِاللَّهِ ما خَرَجْتٍ مِن بُغْضِ زَوْجٍ، وبِاللَّهِ ما خَرَجْتِ التِماسَ دُنْيا، وبِاللَّهِ ما خَرَجْتِ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ» .
(p-٤٢٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: يُقالُ لَها: ما جاءَ بِكِ عِشْقُ رَجُلٍ مِنّا، ولا فِرارٌ مِن زَوْجِكِ، ما جاءَ بِكِ إلّا حُبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وتَأخَّرَتِ امْرَأتُهُ في المُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأخْنَسِ، أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ أسْلَمَ مَعَهُ جَمِيعُ أهْلِهِ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ أبَتْ أنْ تُسْلِمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ آيَةً؛ فَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ زَوْجِها إلّا أنْ تُسْلِمَ، فَضَرَبَ لَها أجَلَ سَنَةٍ، فَلَمّا مَضَتِ السُّنَّةُ إلّا يَوْمٌ جَلَسَتْ تَنْظُرُ الشَّمْسَ حَتّى إذا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ أسْلَمَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ طَلْحَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ طَلَّقْتُ امْرَأتِي أرْوى بِنْتَ رَبِيعَةَ، وطَلَّقَ عُمَرُ قُرَيْبَةَ بِنْتَ أبِي أُمَيَّةَ، وأُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ جَرْوَلٍ الخُزاعِيَّةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في المَرْأةِ مِنَ المُسْلِمِينَ تَلْحَقُ بِالمُشْرِكِينَ فَتَكْفُرُ، فَلا يُمْسِكُ زَوْجُها بِعِصْمَتِها، قَدْ بَرِئَ مِنها.
(p-٤٢٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أُمِّ الحَكَمِ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ، ارْتَدَّتْ، فَتَزَوَّجَها رَجُلٌ ثَقَفِيٌّ، ولَمْ تَرْتَدَّ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ غَيْرُها، فَأسْلَمَتْ مَعَ ثَقِيفٍ حِينَ أسْلَمُوا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآيَةَ، قالَ: سَألْتُ عَطاءً عَنْ هَذِهِ الآيَةِ؛ يُعْمَلُ بِها؟ قالَ: لا.
الممتحنة 60:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، ومَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا عاهَدَ كُفّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، جاءَهُ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأتَيْنِ كانَتا لَهُ في الشِّرْكِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ» والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالا: «لَمّا كاتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو عَلى قَضِيَّةِ المُدَّةِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، كانَ مِمّا اشْتَرَطَ سُهَيْلٌ: أنَّهُ لا يَأْتِيكَ مِنّا أحَدٌ، وإنْ كانَ عَلى دِينِكَ، إلّا رَدَدْتَهُ إلَيْنا، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلٍ، ولَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أحَدٌ مِنَ الرِّجالِ إلّا رَدَّهُ في تِلْكَ المُدَّةِ وإنْ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ جاءَ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، وكانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ (p-٤١٤)مِمَّنْ خَرَجَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي عاتِقٌ، فَجاءَ أهْلُها يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرْجِعَها إلَيْهِمْ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ في المُؤْمِناتِ ما أنْزَلَ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أحْمَدَ قالَ: «هاجَرَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ في الهُدْنَةِ، فَخَرَجَ أخَواها عُمارَةُ والوَلِيدُ حَتّى قَدِما عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَلَّماهُ في أُمِّ كُلْثُومٍ أنْ يَرُدَّها إلَيْهِما، فَنَقَضَ اللَّهُ العَهْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ خاصَّةً في النِّساءِ، ومَنَعَهُنَّ أنْ يَرْدُدْنَ إلى المُشْرِكِينَ، وأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الامْتِحانِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ دُرَيْدٍ في «أمالِيهِ»: حَدَّثَنا أبُو الفَضْلِ الرِّياشِيُّ، عَنِ ابْنِ أبِي رَجاءٍ، عَنِ الواقِدِيِّ قالَ: «فَخَرَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ بِآياتٍ نَزَلَتْ فِيها، فَقالَتْ: كُنْتُ أوَّلَ مَن هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا قَدِمْتُ قَدِمَ أخِي الوَلِيدُ عَلَيَّ، فَنَسَخَ اللَّهُ العَقْدَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ في شَأْنِي، ونَزَلَتْ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ ثُمَّ أنْكَحَنِي النَّبِيُّ ﷺ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، فَقُلْتُ: أتُزَوِّجُنِي بِمَوْلاكَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] [الأحْزابِ: ٣٦] ثُمَّ قُتِلَ زَيْدٌ، فَأرْسَلَ إلَيَّ الزُّبَيْرُ: احْبِسِي عَلَيَّ نَفْسَكِ، قُلْتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] [البَقَرَةِ»: ٢٣٥] .
(p-٤١٥)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ قَدْ شَرَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: إنَّهُ مَن جاءَ مِن قِبَلِنا وإنْ كانَ عَلى دِينِكَ رَدَدْتَهُ إلَيْنا، ومَن جاءَنا مَن قِبَلِكَ رَدَدْناهُ إلَيْكَ، فَكانَ يَرُدُّ إلَيْهِمْ مَن جاءَ مِن قِبَلِهِمْ يَدْخُلُ في دِينِهِ، فَلَمّا جاءَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ مُهاجِرَةً جاءَ أخَواها يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاها ويَرُدّاها إلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ قالَ: هو الصَّداقُ، ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: هي المَرْأةُ تُسْلِمُ فَيَرُدُّ المُسْلِمُونَ صَداقَها إلى الكُفّارِ، وما طَلَّقَ المُسْلِمُونَ مِن نِساءِ الكُفّارِ عِنْدَهم فَعَلَيْهِمْ أنْ يَرُدُّوا صَداقَهُنَّ إلى المُشْرِكِينَ، فَإنْ أمْسَكُوا صَداقًا مِن صَداقِ المُسْلِمِينَ مِمّا فارَقُوا مِن نِساءِ الكُفّارِ أمْسَكَ المُسْلِمُونَ صَداقَ المُسْلِماتِ اللّاتِي جِئْنَ مِن قِبَلِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ صالَحَ قُرَيْشًا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى أنْ يَرُدَّ عَلى قُرَيْشٍ مَن جاءَ، فَلَمّا هاجَرَ النِّساءُ أبى اللَّهُ أنْ يُرْدَدْنَ إلى المُشْرِكِينَ، إذا هُنَّ امْتُحِنَّ بِمِحْنَةِ الإسْلامِ فَعُرِفُوا أنَّهُنَّ إنَّما جِئْنَ رَغْبَةً فِيهِ، وأمَرَ بِرَدِّ صَدُقاتِهِنَّ إلَيْهِمْ إذا حُبِسْنَ عَنْهُمْ، وأنَّهم يَرُدُّوا عَلى المُسْلِمِينَ صَداقَ مَن حَبَسُوا عَنْهم مِن نِسائِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ فَأمْسَكَ (p-٤١٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّساءَ ورَدَّ الرِّجالَ، ولَوْلا الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ بِهِ مِن هَذا الحُكْمِ رَدَّ النِّساءَ كَما رَدَّ الرِّجالَ، ولَوْلا الهُدْنَةُ والعَهْدُ أمْسَكَ النِّساءَ ولَمْ يَرُدَّ لَهُنَّ صَداقًا» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قالَ: سَلُوهُنَّ ما جاءَ بِهِنَّ؟ فَإنْ كانَ جاءَ بِهِنَّ غَضَبٌ عَلى أزْواجِهِنَّ أوْ غَيْرَةٌ أوْ سَخَطٌ ولَمْ يُؤْمِنَّ فَأرْجِعُوهُنَّ إلى أزْواجِهِنَّ، وإنْ كُنَّ مُؤْمِناتٍ بِاللَّهِ فَأمْسِكُوهُنَّ، وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مِن صَدُقاتِهِنَّ، وانْكِحُوهُنَّ إنْ شِئْتُمْ، وأصْدِقُوهُنَّ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ قالَ: أمَرَ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ بِطَلاقِ نِسائِهِمُ الكَوافِرِ بِمَكَّةَ؛ قَعَدْنَ مَعَ الكُفّارِ، ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ قالَ: ما ذَهَبَ مِن أزْواجِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى الكُفّارِ فَلْيُعْطِهِمُ الكُفّارُ صَدُقاتِهِنَّ ولْيُمْسِكُوهُنَّ، وما ذَهَبَ مِن أزْواجِ الكُفّارِ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمِثْلِ ذَلِكَ، هَذا في صُلْحٍ كانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ الَّذِينَ لَيْسَ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ، ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أصَبْتُمْ مَغْنَمًا مِن قُرَيْشٍ أوْ غَيْرِهِمْ، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ صَدُقاتِهِنَّ عِوَضًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: خَرَجَتِ امْرَأةٌ مُهاجِرَةً إلى المَدِينَةِ، فَقِيلَ لَها: ما أخْرَجَكِ؟ بُغْضٌ لِزَوْجِكِ أمْ أرَدْتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ؟ قالَتْ: بَلِ اللَّهُ (p-٤١٧)ورَسُولُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ فَإنْ تَزَوَّجَها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْتَرُدَّ إلى زَوْجِها الأوَّلِ ما أنْفَقَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ قالَ: هَذا حُكْمٌ حَكَمَهُ اللَّهُ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ، ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قالَ: كانَتْ مِحْنَتُهُنَّ أنْ يَحْلِفْنَ بِاللَّهِ ما أخَرَجَهُنَّ نُشُوزٌ، ولا خَرَجْنَ إلّا حُبًّا لِلْإسْلامِ وحِرْصًا عَلَيْهِ، فَإذا فَعَلْنَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنهُنَّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ قالَ: كُنَّ إذا فَرَرْنَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَتَزَوَّجْنَ بَعَثُوا بِمُهُورِهِنَّ إلى أزْواجِهِنَّ مِنَ المُسْلِمِينَ، وإذا فَرَرْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِﷺ عَهْدٌ فَنَكَحُوهُنَّ بَعَثُوا بِمُهُورِهِنَّ إلى أزْواجِهِنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ هَذا بَيْنَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ أصْحابِ العَهْدِ مِنَ الكُفّارِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾ يَقُولُ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ يَأْخُذُونَهم بِهِ ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ وهي الغَنِيمَةُ إذا غَنِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا الحُكْمُ وهَذا العَهْدُ في (بَراءَةَ) فَنُبِذَ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ: كانَ امْتِحانُهُنَّ أنْ يَشْهَدْنَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَإذا عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ مِنهُنَّ لَمْ يَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ، وأُعْطِيَ بَعْلُها في الكُفّارِ الَّذِينَ عَقَدَ لَهم (p-٤١٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَداقَهُ الَّذِي أصْدَقَها، وأحَلَّهُنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، ونَهى المُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوا المُهاجِراتِ مِن أجْلِ نِسائِهِمْ في الكُفّارِ، وكانَتْ مِحْنَةُ النِّساءِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمْرَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَقالَ: «قُلْ لَهُنَّ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بايَعَكُنَّ عَلى ألّا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا» وكانَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ - الَّتِي شَقَّتْ بَطْنَ حَمْزَةَ - مُتَنَكِّرَةً في النِّساءِ، فَقالَتْ: إنِّي إنْ أتَكَلَّمْ يَعْرَفْنِي، وإنْ عَرَفَنِي قَتَلَنِي، وإنَّما تَنَكَّرَتْ فَرَقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَكَتَ النِّسْوَةُ الَّتِي مَعَ هِنْدٍ، وأبَيْنَ أنْ يَتَكَلَّمْنَ، فَقالَتْ هِنْدٌ وهي مُتَنَكِّرَةٌ: كَيْفَ يَقْبَلُ مِنَ النِّساءِ شَيْئًا لَمْ يَقْبَلْهُ مِنَ الرِّجالِ؟ فَنَظَرَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ لِعُمَرَ: «قُلْ لَهُنَّ: ولا يَسْرِقْنَ» قالَتْ هِنْدٌ: واللَّهِ إنِّي لَأُصِيبُ مِن أبِي سُفْيانَ الهَنَةَ ما أدْرِي أيُحِلُّهُنَّ أمْ لا؟ قالَ أبُو سُفْيانَ: ما أصَبْتِ مِن شَيْءٍ مَضى أوْ قَدْ بَقِيَ فَهو لَكِ حَلالٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – وعَرَفَها، فَدَعاها فَأتَتْهُ، فَأخَذَتْ بِيَدِهِ فَعاذَتْ بِهِ، فَقالَ: «أنْتِ هِنْدٌ»؟ فَقالَتْ: عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ، فَصَرَفَ عَنْها رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي إنْ لَحِقَتِ امْرَأةُ رَجُلٍ مِنَ المُهاجِرِينَ بِالكُفّارِ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعْطى مِنَ الغَنِيمَةِ مِثْلَ ما أنْفَقَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ «المُمْتَحَنَةَ» أُنْزِلَتْ في المُدَّةِ الَّتِي مادَّ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُفّارَ قُرَيْشٍ، مِن أجْلِ العَهْدِ الَّذِي كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ كُفّارِ قُرَيْشٍ في المُدَّةِ، فَكانَ يَرُدُّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ ما أنْفَقُوا عَلى نِسائِهِمُ اللّاتِي يُسْلِمْنَ ويُهاجِرْنَ وبُعُولَتُهُنَّ كُفّارٌ، ولَوْ كانُوا حَرْبًا لَيْسَتْ بَيْنَ (p-٤١٩)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَهم مُدَّةُ عَهْدٍ لَمْ يَرُدُّوا إلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْفَقُوا، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أهْلِ المُدَّةِ مِنَ الكُفّارِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الحُكْمِ، قالَ اللَّهُ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فَطَلَّقَ المُؤْمِنُونَ حِينَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ امْرَأةٍ كافِرَةٍ كانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَطَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ امْرَأتَهُ بِنْتَ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، فَتَزَوَّجَها مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، وبِنْتَ جَرْوَلٍ مِن خُزاعَةَ، فَتَزَوَّجَها جَهْمُ بْنُ حُذَيْفَةَ العَدَوِيُّ،، وجُعِلَ ذَلِكَ حُكْمًا حُكِمَ بِهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ في مُدَّةِ العُهَدِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، فَأقَرَّ المُؤْمِنُونَ بِحُكْمِ اللَّهِ، فَأدَّوْا ما أُمِرُوا بِهِ مِن نَفَقاتِ المُشْرِكِينَ الَّتِي أنْفَقُوا عَلى نِسائِهِمْ، وأبى المُشْرِكُونَ أنْ يُقِرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ فِيما فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِن أداءِ نَفَقاتِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فَإذا ذَهَبَتْ - بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ - امْرَأةٌ مِن أزْواجِ المُؤْمِنِينَ إلى المُشْرِكِينَ رَدَّ المُؤْمِنُونَ إلى زَوْجِها النَّفَقَةَ الَّتِي أنْفَقَ عَلَيْها مِنَ العَقِبِ الَّذِي بِأيْدِيهِمُ الَّذِي أُمِرُوا أنْ يَرُدُّوهُ إلى المُشْرِكِينَ مِن نَفَقاتِهِمُ الَّتِي أنْفَقُوا عَلى أزْواجِهِنَّ اللّاتِي آمَنَّ وهاجَرْنَ، ثُمَّ رَدُّوا إلى المُشْرِكِينَ فَضْلًا إنْ كانَ لَهم» .
(p-٤٢٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ قالَ: الرَّجُلُ تَلْحَقُ امْرَأتُهُ بِدارِ الحَرْبِ فَلا يَعْتَدُّ بِها مِن نِسائِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَتْ زَيْنَبُ امْرَأةُ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الَّذِينَ قالُوا لَهُ: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾ إنِ امْرَأةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أتَتِ المُسْلِمِينَ فَعَوِّضُوا زَوْجَها، وإنِ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أتَتِ المُشْرِكِينَ فَعَوِّضُوا زَوْجَها، وإنِ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ذَهَبَتْ إلى مَن لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ فَأصَبْتُمْ غَنِيمَةً، فَعَوِّضُوا زَوْجَها مِثْلَ ما أنْفَقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: إذا ذَهَبَتِ المَرْأةُ إلى المُشْرِكِينَ أعْطُوا زَوْجَها مِثْلَ مَهْرِها، وإذا ذَهَبَتْ إلى قَوْمٍ لَيْسَ بَيْنَهُما وبَيْنَهم عَهْدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ فَأصَبْتُمْ غَنِيمَةً ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ يَقُولُ: آتُوا زَوْجَها مِنَ الغَنِيمَةِ مِثْلَ مَهْرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَسْنا عَلى حَقٍّ وهم عَلى باطِلٍ؟ قالَ: «بَلى» قالَ: (p-٤٢١)فَما لَنا مَن أسْلَمَ مِنهم رُدَّ إلَيْهِمْ، ومَنِ اتَّبَعَهم مِنّا نَرُدُّهُ إلَيْهِمْ؟ قالَ: «أمّا مَن أسْلَمَ مِنهم فَعَرَفَ اللَّهُ مِنهُ الصِّدْقَ أنْجاهُ، ومَن رَجَعَ مِنّا سَلَّمَ اللَّهُ مِنهُ» قالَ: ونَزَلَتْ سُورَةُ «المُمْتَحَنَةِ» بَعْدَ ذَلِكَ الصُّلْحِ، وكانَ مَن أسْلَمَ مِن نِسائِهِمْ، فَسُئِلَتْ: ما أخْرَجَكِ؟ فَإنْ كانَتْ خَرَجَتْ فِرارًا مِن زَوْجِها ورَغْبَةً عَنْهُ رُدَّتْ، وإنْ كانَتْ خَرَجَتْ رَغْبَةً في الإسْلامِ أُمْسِكَتْ، ورُدَّ عَلى زَوْجِها مِثْلَ ما أنْفَقَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّهُ «نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآيَةَ، في امْرَأةِ أبِي حَسّانَ بْنِ الدَّحْداحَةِ، وهي أُمَيْمَةُ بِنْتُ بِشْرٍ، امْرَأةٌ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وأنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ تَزَوَّجَها حِينَ فَرَّتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ عَهْدٌ شُرِطَ في أنْ يُرَدَّ النِّساءُ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ تُسَمّى سَعِيدَةَ، وكانَتْ تَحْتَ صَيْفِيِّ بْنِ الرّاهِبِ، وهو مُشْرِكٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وطَلَبُوا رَدَّها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وهم بِالحُدَيْبِيَةِ لَمّا جاءَ النِّساءُ، أمَرَهُ أنْ يَرُدَّ الصَّداقَ إلى أزْواجِهِنَّ، وحَكَمَ عَلى المُشْرِكِينَ مِثْلَ ذَلِكَ إذا جاءَتْهُمُ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَرُدُّوا الصَّداقَ إلى زَوْجِها، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَأقَرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ، وأمّا (p-٤٢٢)المُشْرِكُونَ فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ إذا ذَهَبَتِ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ولَها زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ صَداقَ امْرَأتِهِ كَما أُمِرُوا أنْ يَرُدُّوا عَلى المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: «كانَ قَوْمٌ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – عَهْدٌ، وكانَتِ المَرْأةُ إذا جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – امْتَحَنُوها، ثُمَّ يَرُدُّونَ عَلى زَوْجِها ما أنْفَقَ عَلَيْها، وإنْ لَحِقَتِ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالمُشْرِكِينَ فَغَنِمَ المُسْلِمُونَ رَدُّوا عَلى صاحِبِها ما أنْفَقَ عَلَيْها» .
قالَ الشَّعْبِيُّ: ما رَضِيَ المُشْرِكُونَ بِشَيْءٍ ما رَضُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: هَذا النَّصَفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي أُسامَةَ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في «الكَبِيرِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ ولَفْظُ ابْنِ المُنْذِرِ أنَّهُ كانَ سُئِلَ: كَيْفَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْتَحِنُ النِّساءَ؟ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا جاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ حَلَّفَها عُمَرُ بِاللَّهِ؛ ما خَرَجْتِ رَغْبَةً بِأرْضٍ عَنْ أرْضٍ، وبِاللَّهِ ما خَرَجْتٍ مِن بُغْضِ زَوْجٍ، وبِاللَّهِ ما خَرَجْتِ التِماسَ دُنْيا، وبِاللَّهِ ما خَرَجْتِ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ» .
(p-٤٢٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: يُقالُ لَها: ما جاءَ بِكِ عِشْقُ رَجُلٍ مِنّا، ولا فِرارٌ مِن زَوْجِكِ، ما جاءَ بِكِ إلّا حُبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وتَأخَّرَتِ امْرَأتُهُ في المُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأخْنَسِ، أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ أسْلَمَ مَعَهُ جَمِيعُ أهْلِهِ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ أبَتْ أنْ تُسْلِمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ آيَةً؛ فَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ زَوْجِها إلّا أنْ تُسْلِمَ، فَضَرَبَ لَها أجَلَ سَنَةٍ، فَلَمّا مَضَتِ السُّنَّةُ إلّا يَوْمٌ جَلَسَتْ تَنْظُرُ الشَّمْسَ حَتّى إذا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ أسْلَمَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ طَلْحَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ طَلَّقْتُ امْرَأتِي أرْوى بِنْتَ رَبِيعَةَ، وطَلَّقَ عُمَرُ قُرَيْبَةَ بِنْتَ أبِي أُمَيَّةَ، وأُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ جَرْوَلٍ الخُزاعِيَّةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في المَرْأةِ مِنَ المُسْلِمِينَ تَلْحَقُ بِالمُشْرِكِينَ فَتَكْفُرُ، فَلا يُمْسِكُ زَوْجُها بِعِصْمَتِها، قَدْ بَرِئَ مِنها.
(p-٤٢٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أُمِّ الحَكَمِ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ، ارْتَدَّتْ، فَتَزَوَّجَها رَجُلٌ ثَقَفِيٌّ، ولَمْ تَرْتَدَّ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ غَيْرُها، فَأسْلَمَتْ مَعَ ثَقِيفٍ حِينَ أسْلَمُوا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآيَةَ، قالَ: سَألْتُ عَطاءً عَنْ هَذِهِ الآيَةِ؛ يُعْمَلُ بِها؟ قالَ: لا.
الممتحنة 60:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَمْتَحِنُ مَن هاجَرَ إلَيْهِ مِنَ المُؤْمِناتِ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَمَن أقَرَّ بِهَذا الشَّرْطِ مِنَ المُؤْمِناتِ قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ بايَعْتُكِ» كَلامًا، ولا واللَّهِ ما مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأةٍ قَطُّ في المُبايَعَةِ، ما بايَعَهُنَّ إلّا بِقَوْلِهِ: «قَدْ بايَعْتُكِ عَلى ذَلِكَ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ سَعْدٍ، (p-٤٢٥)وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ قالَتْ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في نِساءٍ لِنُبايِعَهُ، فَأخَذَ عَلَيْنا ما في القُرْآنِ؛ أنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، حَتّى بَلَغَ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ فَقالَ: «فِيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطَقْتُنَّ» قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أرْحَمُ بِنا مِن أنْفُسِنا، يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا تُصافِحُنا؟ قالَ: «إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ، إنَّما قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «جاءَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ رُقَيْقَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُبايِعُهُ عَلى الإسْلامِ، فَقالَ: «أُبايِعُكِ عَلى أنْ لا تُشْرِكِي بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقِي، ولا تَزْنِي، ولا تَقْتُلِي ولَدَكِ، ولا تَأْتِي بِبُهْتانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ يَدَيْكِ ورِجْلَيْكِ، ولا تَنُوحِي، ولا تَبَرَّجِي تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى»» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَلْمى بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: «جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُبايِعُهُ في نِسْوَةٍ مِنَ الأنْصارِ، فَلَمّا شَرَطَ عَلَيْنا أنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا نَسْرِقَ، ولا نَزْنِيَ، ولا نَقْتُلَ أوْلادَنا، ولا نَأْتِيَ بِبُهْتانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أيْدِينا وأرْجُلِنا، ولا نَعْصِيَهُ في مَعْرُوفٍ، قالَ: «ولا تَغْشُشْنَ أزْواجَكُنَّ»، فَبايَعْناهُ، ثُمَّ انْصَرَفْنا، فَقُلْتُ لِامْرَأةٍ: ارْجِعِي فاسْألِيهِ ما غِشُّ أزْواجِنا؟ فَسَألَتْهُ (p-٤٢٦)فَقالَ: «تَأْخُذُ مالَهُ فَتُحابِي غَيْرَهُ بِهِ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «بايِعُونِي عَلى أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزِنُوا» - وقَرَأ آيَةَ النِّساءِ - «فَمَن وفّى مِنكم فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ، ومَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ في الدُّنْيا فَهو كَفّارَةٌ لَهُ، ومَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهو إلى اللَّهِ؛ إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ»» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «شَهِدْتُ الصَّلاةَ يَوْمَ الفِطْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَ فَأقْبَلَ حَتّى أتى النِّساءَ فَقالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ﴾ حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّها، ثُمَّ قالَ حِينَ فَرَغَ: «آنْتُنَّ عَلى ذَلِكَ»؟ قالَتِ امْرَأةٌ: نَعَمْ» .
(p-٤٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: «أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الفَتْحِ، فَبايَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرِّجالَ عَلى الصَّفا، وعُمَرُ يُبايِعُ النِّساءَ تَحْتَها، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ»، ﷺ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: «بايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ في نِسْوَةٍ فَقالَ: «إنِّي لا أُصافِحُكُنَّ، ولَكِنْ آخُذُ عَلَيْكُنَّ ما أخَذَ اللَّهُ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، وأبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الشَّعْبِ» عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – المَدِينَةَ، جَمَعَ نِساءَ الأنْصارِ في بَيْتٍ، فَأرْسَلَ إلَيْهِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقامَ عَلى البابِ، فَسَلَّمَ، فَقالَ: أنا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – إلَيْكُنَّ، تُبايِعْنَ عَلى أنْ لا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقْنَ، ولا تَزْنِينَ؟ الآيَةَ، قُلْنا: نَعَمْ، فَمَدَّ يَدَهُ مِن خارِجِ البَيْتِ ومَدَدْنا أيْدِيَنا مِن داخِلِ البَيْتِ، قالَ إسْماعِيلُ: فَسَألْتُ جَدَّتِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَتْ: نَهانا عَنِ النِّياحَةِ» .
(p-٤٢٨)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبايِعُ النِّساءَ، ووَضَعَ عَلى يَدِهِ ثَوْبًا، فَلَمّا كانَ بَعْدُ كانَ يَخْبُرُ النِّساءَ، فَيَقْرَأُ عَلَيْهِنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ فَإذا أقْرَرْنَ قالَ: «قَدْ بايَعْتُكُنَّ» حَتّى جاءَتْ هِنْدٌ، امْرَأةُ أبِي سُفْيانَ، فَلَمّا قالَ: (ولا تَزْنِينَ) قالَتْ: أوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟ لَقَدْ كُنّا نَسْتَحِي مِن ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ بِالإسْلامِ! فَقالَ: (ولا تَقْتُلْنَ أوْلادَكُنَّ) قالَتْ: أنْتَ قَتَلْتَ آباءَهُمْ، وتُوصِينا بِأبْنائِهِمْ! فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (ولا تَسْرِقْنَ) فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُصِيبُ مِن مالِ أبِي سُفْيانَ، فَرَخَّصَ لَها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَقالَ: «قُلْ لَهُنَّ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُبايِعُكُنَّ عَلى أنْ لا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا» وكانَتْ هِنْدٌ مُتَنَكِّرَةً في النِّساءِ فَقالَ لِعُمَرَ: «قُلْنَ لَهُنَّ: ﴿ولا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة»: ١٢] قالَتْ هِنْدٌ: واللَّهِ إنِّي لَأُصِيبُ مِن مالِ أبِي سُفْيانَ (p-٤٢٩)الهَنَةَ، فَقالَ: ﴿ولا يَزْنِينَ﴾ فَقالَتْ: وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ؟! فَقالَ: ﴿ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ قالَتْ هِنْدٌ: أنْتَ قَتَلْتَهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: مَنَعَهُنَّ أنْ يَنُحْنَ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُمَزِّقْنَ الثِّيابَ، ويَخْدِشْنَ الوُجُوهَ، ويُقَطِّعْنَ الشُّعُورَ، ويَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ، «أنَّ أخاها أبا حُذَيْفَةَ أتى بِها وبِهِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – تُبايِعُهُ، فَقالَتْ: أخَذَ عَلَيْنا، فَشَرَطَ عَلَيْنا، قُلْتُ لَهُ: يا ابْنَ عَمِّ، وهَلْ عَلِمْتَ في قَوْمِكَ مِن هَذِهِ الهَناتِ شَيْئًا؟! قالَ أبُو حُذَيْفَةَ: إيهًا، فَبايِعِيهِ؛ فَإنَّ بِهَذا يُبايِعُ وهَكَذا يَشْتَرِطُ، فَقالَتْ هِنْدٌ: لا أُبايِعُكَ عَلى السَّرِقَةِ؛ فَإنِّي أسْرِقُ مِن مالِ زَوْجِي، فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ – يَدَهُ، وكَفَّتْ يَدَها، حَتّى أرْسَلَ إلى أبِي سُفْيانَ فَتَحَلَّلَ لَها مِنهُ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: أمّا الرَّطْبُ فَنَعَمْ، وأمّا اليابِسُ فَلا، ولا نِعْمَةَ، قالَتْ: فَبايَعْناهُ» .
(p-٤٣٠)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ قالَ: كانَتِ الحُرَّةُ يُولَدُ لَها الجارِيَةُ، فَتَجْعَلَ مَكانَها غُلامًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقٍ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ قالَ: لا يُلْحِقْنَ بِأزْواجِهِنَّ غَيْرَ أوْلادِهِنَّ، ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: لا يَنُحْنَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: إنَّما هو شَرْطٌ شَرَطَهُ اللَّهُ لِلنِّساءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الأنْصارِيَّةِ قالَتْ: «قالَتِ امْرَأةٌ مِنَ النِّسْوَةِ: ما هَذا المَعْرُوفُ الَّذِي لا يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعْصِيَكَ فِيهِ؟ قالَ: «لا تَنُحْنَ» قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ بَنِي فُلانٍ أسْعَدُونِي عَلى عَمِّي ولا بُدَّ لِي مِن قَضائِهِنَّ، فَأبى عَلَيَّ، فَعاوَدْتُهُ مِرارًا، (p-٤٣١)فَأذِنَ لِي في قَضائِهِنَّ، فَلَمْ أنُحْ بَعْدُ، ولَمْ يَبْقَ مِنَ النِّسْوَةِ امْرَأةٌ إلّا وقَدْ ناحَتْ غَيْرِي» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَنِيعٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي المَلِيحِ الهُذَلِيِّ قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ تُبايِعُ النَّبِيَّ ﷺ فاشْتَرَطَ عَلَيْها أنْ لا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقَ، ولا تَزْنِيَ، فَأقَرَّتْ، فَلَمّا قالَ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: «أنْ لا تَنُوحِي» فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فُلانَةَ أسْعَدَتْنِي، أفَأُسْعِدُها ثُمَّ لا أعُودُ؟ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَها»، مُرْسَلٌ حَسَنُ الإسْنادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ نُوحٍ الأنْصارِيِّ قالَ: «أدْرَكْتُ عَجُوزًا لَنا كانَتْ فِيمَن بايَعَ النَّبِيَّ ﷺ قالَتْ: أخَذَ عَلَيْنا فِيما أخَذَ: «أنْ لا تَنُحْنَ» وقالَ: «هُوَ المَعْرُوفُ الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة»: ١٢] فَقَلْتُ يا نَبِيَّ اللَّهِ: إنَّ أُناسًا قَدْ كانُوا أسْعَدُونِي عَلى مَصائِبَ أصابَتْنِي، وإنَّهم قَدْ أصابَتْهم مُصِيبَةٌ، وأنا أُرِيدُ أنْ أُسْعِدَهُمْ، قالَ: «فانْطَلِقِي فَكافِئِيهِمْ» ثُمَّ إنَّها أتَتْهُ فَبايَعَتْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أسِيدِ بْنِ أبِي أسِيدٍ (p-٤٣٢)البَرّادِ، عَنِ امْرَأةٍ مِنَ المُبايِعاتِ قالَتْ: «كانَ فِيما أخَذَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا نَعْصِيَهُ فِيهِ مِنَ المَعْرُوفِ، وأنْ لا نَخْمِشَ وجْهًا، ولا نَشُقَّ جَيْبًا، ولا نَنْشُرَ شَعَرًا، ولا نَدْعُوَ ويْلًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: لا يَشْقُقْنَ جُيُوبَهُنَّ، ولا يُصْكُكْنَ خُدُودَهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: النَّوْحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: في كُلِّ شَيْءٍ وافَقَ لِلَّهِ طاعَةَ، فَلَمْ يَرْضَ لِنَبِيِّهِ ﷺ أنْ يُطاعَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي هاشِمٍ الواسِطِيِّ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: لا يَدْعُونَ ويْلًا، ولا يَشْقُقْنَ جَيْبًا، ولا يَحْلِقْنَ رَأْسًا.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى النِّساءِ في البَيْعَةِ أنْ لا يَشْقُقْنَ جَيْبًا، ولا يَخْمِشْنَ وجْهًا، ولا يَدْعُونَ ويْلًا، ولا يَقُلْنَ هُجْرًا» .
(p-٤٣٣)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ بِنْتِ قُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ قالَتْ: «كُنْتُ مَعَ أُمِّي رائِطَةَ بِنْتِ سُفْيانَ، والنَّبِيُّ ﷺ يُبايِعُ النِّسْوَةَ، ويَقُولُ: «أُبايِعُكُنَّ عَلى أنْ لا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقْنَ، ولا تَزْنِينَ، ولا تَقْتُلْنَ أوْلادَكُنَّ، ولا تَأْتِينَ بِبُهْتانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيكُنَّ وأرْجُلِكُنَّ، ولا تَعْصِينَ في مَعْرُوفٍ» فَأطْرَقْنَ، قالَتْ: وأنا أسْمَعُ كَما تَسْمَعُ أُمِّي، وأُمِّي تُلَقِّنُنِي، تَقُولُ: أيْ بُنَيَّةُ، قَوْلِي: نَعَمْ، فِيما اسْتَطَعْتُ، فَكُنْتُ أقُولُ كَما يَقُلْنَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «المُصَنَّفِ» وأحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «أخَذَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى النِّساءِ حِينَ بايَعَهُنَّ أنْ لا يَنُحْنَ، فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنْ نِساءً أسْعَدَتْنا في الجاهِلِيَّةِ، أفَتُسْعِدُهُنَّ في الإسْلامِ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا إسْعادَ في الإسْلامِ، ولا شِغارَ، ولا عَقْرَ في الإسْلامِ، ولا جَلَبَ، ولا جَنَبَ، ومَنِ (p-٤٣٤)انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنّا»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] قالَ: كَيْفَ نَمْتَحِنُهُنَّ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا بايَعَ النِّساءَ دَعا بِقَدَحٍ مِن ماءٍ، فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ، ثُمَّ يَغْمِسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ، فَكانَتْ هَذِهِ بَيْعَتَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَتْ: كانَ مِنهُ النِّياحَةُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إلّا آلَ فُلانٍ؛ فَإنَّهم كانُوا قَدْ أسْعَدُونِي في الجاهِلِيَّةِ، فَلا بُدَّ لِي مِن أنْ أُسْعِدَهُمْ، قالَ: «إلّا آلَ فُلانٍ»» .
(p-٤٣٥)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ: «أُخِذَ عَلَيْنا في البَيْعَةِ أنْ لا نَنُوحَ، فَما وفى مِنّا غَيْرُ خَمْسٍ؛ أُمُّ سُلَيْمٍ، وأُمُّ العَلاءِ، وابْنَةُ أبِي سَبْرَةَ امْرَأةُ مُعاذٍ - أوْ قالَ: بِنْتُ أبِي سَبْرَةَ، وامْرَأةُ مُعاذٍ - وامْرَأةٌ أُخْرى» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: «بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْنا: ﴿أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونَهانا عَنِ النِّياحَةِ، فَقَبَضَتْ مِنّا امْرَأةٌ يَدَها، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ فُلانَةَ أسْعَدَتْنِي، وأنا أُرِيدَ أنْ أجْزِيَها، فَلَمْ يَقُلْ لَها شَيْئًا، فَذَهَبَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ، قالَتْ: فَما وفَتِ امْرَأةٌ مِنّا إلّا أُمُّ سُلَيْمٍ، وأُمُّ العَلاءِ، وبِنْتُ أبِي سَبْرَةَ امْرَأةُ مُعاذٍ، أوْ بِنْتُ أبِي سَبْرَةَ، وامْرَأةُ مُعاذٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: اشْتَرَطَ عَلَيْهِنَّ أنْ لا يَنُحْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «كانَ فِيما أُخِذَ عَلى النِّساءِ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ لا يَنُحْنَ، فَقالَتِ امْرَأةٌ: لا بُدَّ مِنَ النَّوْحِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنْ كُنْتُنَّ لا بُدَّ فاعِلاتٍ فَلا تَخْمِشْنَ وجْهًا، ولا تَخْرِقْنَ ثَوْبًا، ولا تَحْلِقْنَ شَعَرًا، (p-٤٣٦)ولا تَدْعُونَ بِالوَيْلِ، ولا تَقُلْنَ هُجْرًا، ولا تَقُلْنَ إلّا حَقًّا»» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتادَةَ قالَ: «أوَّلُ مَن بايَعَ النَّبِيَّ ﷺ أُمُّ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ كَبْشَةُ بِنْتُ رافِعٍ، وأُمُّ عامِرٍ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، وحَوّاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: لا يَشْقُقْنَ جَيْبًا، ولا يَخْمِشْنَ وجْهًا، ولا يَنْشُرْنَ شَعَرًا، ولا يَدْعُونَ ويْلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ النَّوْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ جابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إنَّما نَهَيْتُ عَنِ النَّوْحِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لُعِنَتِ النّائِحَةُ والمُمْسِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أُمِّ عَفِيفٍ أوْ بِنْتِ عَفِيفٍ قالَتْ: «أخَذَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – حَيْثُ بايَعَ النِّساءَ ألّا نُحَدِّثَ الرِّجالَ إلّا أنْ يَكُونَ مَحْرَمًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ فِيما أُخِذَ عَلَيْهِنَّ (p-٤٣٧)أنْ لا يَخْلُونَ بِالرِّجالِ، إلّا أنْ يَكُونَ مَحْرَمًا، وإنَّ الرَّجُلَ قَدْ تُلاطِفُهُ المَرْأةُ فَيُمْذِي في فَخِذَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: أُخِذَ عَلَيْهِنَّ أنْ لا يَنُحْنَ، ولا يُحَدِّثْنَ الرِّجالَ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إنَّ لَنا أضْيافًا، وإنّا نَغِيبُ عَنْ نِسائِنا، فَقالَ: «لَيْسَ أُولَئِكَ عَنَيْتُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ: كانَ فِيما أُخِذَ عَلَيْهِنَّ أنْ لا يَخْلُونَ بِالرِّجالِ، إلّا أنْ يَكُونَ مَحْرَمًا؛ فَإنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُلاطِفُ المَرْأةَ فَيُمْذِي في فَخِذَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ قالَ: فَإنَّ المَعْرُوفَ الَّذِي لا يُعْصى فِيهِ أنْ لا يَخْلُوَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ وِحْدانًا، وأنْ لا يَنُحْنَ نَوْحَ الجاهِلِيَّةِ، قالَ: فَقالَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ الأنْصارِيَّةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فُلانَةَ أسْعَدَتْنِي، وقَدْ ماتَ أخُوها، فَأنا أُرِيدُ أنْ أجْزِيَها، قالَ: «فاذْهَبِي فاجْزِيها، ثُمَّ تَعالَيْ فَبايِعِي»» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَوْصُولًا.
الممتحنة 60:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ (p-٤٣٨)عَمْرٍو، وزَيْدُ بْنُ الحارِثِ يُوادّانِ رَجُلًا مَن يَهُودَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ قالَ: فَلا يُؤْمِنُونَ بِها ولا يَرْجُونَها، كَما يَئِسَ هَذا الكافِرُ إذا ماتَ وعايَنَ ثَوابَهَ، واطَّلَعَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ هُمُ الكُفّارُ أصْحابُ القُبُورِ الَّذِينَ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ قالَ: الَّذِينَ ماتُوا فَعايَنُوا الآخِرَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ قالا: الكُفّارُ حِينَ أُدْخِلُوا القُبُورَ، فَعايَنُوا ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الخِزْيِ، يَئِسُوا مِن (p-٤٣٩)رَحْمَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي مَن ماتَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَقَدْ يَئِسَ الأحْياءُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ أوْ يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ﴾: الأحْياءُ مِنَ الَّذِينَ ماتُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ . قالَ: اليَهُودُ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ أنْ يُبْعَثُوا، كَما يَئِسَ الكُفّارُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ أصْحابُ القُبُورِ الَّذِينَ قَدْ ماتُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ قالَ بِكُفْرِهِمْ، ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ قالَ: مِن ثَوابِ الآخِرَةِ حِينَ تَبَيَّنُ لَهم أعْمالُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ قالَ: إنَّ الكافِرَ إذا ماتَ لَهُ مَيِّتٌ لَمْ يَرْجُ لِقاءَهُ، ولَمْ يَحْتَسِبْ أجْرَهُ.
الصف 61:1
(p-٤٤٠)﷽
سُورَةُ الصَّفِّ
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ النَّحّاسُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الحَوارِيِّينَ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِالمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ الآياتِ. (p-٤٤١)أخْبَرَنِي أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ بِقِراءَتِي عَلَيْهِ قالَ: أنْبَأنا أبُو إسْحاقَ التَّنُوخِيُّ، أنْبَأنا أحْمَدُ بْنُ أبِي طالِبٍ، أنْبَأنا أبُو المُنَجّى بْنُ اللَّتِّيِّ، أنْبَأنا أبُو الوَقْتِ السِّجْزِيُّ، أنْبَأنا أبُو الحَسَنِ الدّاوُدِيُّ، أنْبَأنا أبُو مُحَمَّدٍ السَّرْخَسِيُّ، أنْبَأنا أبُو عِمْرانَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، أنْبَأنا أبُو مُحَمَّدٍ الدّارِمِيُّ في «مُسْنَدِهِ»، أنْبَأنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ، عَنْ يَحْيى، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «قَعَدْنا نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فَتَذاكَرْنا، فَقُلْنا: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعالى لَعَمِلْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: قَرَأها عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ – هَكَذا، قالَ أبُو سَلَمَةَ: قَرَأها عَلَيْنا ابْنُ سَلامٍ هَكَذا، قالَ يَحْيى: وقَرَأها عَلَيْنا أبُو سَلَمَةَ، قالَ الأوْزاعِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا يَحْيى، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: فَقَرَأها عَلَيْنا الأوْزاعِيُّ، قالَ الدّارِمِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا الدّارِمِيُّ، قالَ السَّرْخَسِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا السَّمَرْقَنْدِيُّ، قالَ الدّاوُدِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا السَّرْخَسِيُّ، قالَ أبُو الوَقْتِ: فَقَرَأها عَلَيْنا الدّاوُدِيُّ، قالَ أبُو المُنَجّى: فَقَرَأها عَلَيْنا أبُو الوَقْتِ، قالَ أحْمَدُ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَرَأها عَلَيْنا أبُو المُنَجّى، قالَ التَّنُوخِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا أحْمَدُ بْنُ أبِي طالِبٍ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ: فَقَرَأها عَلَيْنا التَّنُوخِيُّ، قُلْتُ: فَقَرَأها (p-٤٤٢)عَلَيْنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ.
هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عالٍ، وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الدّارِمِيَّ، فَوافَقَنا بِعُلُوِّ دَرَجَتَيْنِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ - وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ - وابْنُ مَرْدُويَهْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مُسَلْسَلًا أيْضًا، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» و«السُّنَنِ» مُسَلْسَلًا.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: هو مِن أصَحِّ مُسَلْسَلٍ يُرْوى في الدُّنْيا، قَلَّ أنْ وقَعَ في المُسَلْسَلاتِ مِثْلُهُ، مَعَ مَزِيدِ عُلُوِّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ الجِهادُ يَقُولُونَ: لَوَدِدْنا أنَّ اللَّهَ دَلَّنا عَلى أحَبِّ الأعْمالِ فَنَعْمَلَ بِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّ أحَبَّ الأعْمالِ إيمانٌ بِاللَّهِ لا شَكَّ فِيهِ، وجِهادُ أهْلِ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ خالَفُوا الإيمانَ ولَمْ يُقِرُّوا بِهِ، فَلَمّا نَزَلَ الجِهادُ كَرِهَ ذَلِكَ أُناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وشَقَّ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف»: ٢] . (p-٤٤٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في القِتالِ وحْدَهُ، وهم قَوْمٌ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَقُولُ الرَّجُلُ: قاتَلْتُ وضَرَبْتُ بِسَيْفِي، ولَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَأْخُذُ بِيَدِ النَّفَرِ مِن أصْحابِهِ فَيَقُولُ: تَعالَوْا نَذْكُرِ اللَّهَ فَنَزْدادَ إيمانًا، تَعالَوْا نَذْكُرِ اللَّهَ بِطاعَةٍ لَعَلَّهُ يَذْكُرُنا بِمَعْرِفَتِهِ، فَهَشَّ القَوْمُ لِلذِّكْرِ واشْتاقُوا، فَقالُوا: اللَّهُمَّ، لَوْ نَعْلَمُ الَّذِي هو أحَبُّ إلَيْكَ فَعَلْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَلَمّا كانَ يَوْمُ مُؤْتَةَ، وكانَ ابْنُ رَواحَةَ أحَدَ الأُمَراءِ نادى في القَوْمِ: يا أهْلَ المَجْلِسِ الَّذِي وعَدْتُمْ رَبَّكُمْ، قَوْلَكم: لَوْ نَعْلَمُ الَّذِي هو أحَبُّ إلَيْكَ فَعَلْنا، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَفَعَلْناهُ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَكَرِهُوا ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: واللَّهِ لَوْ نَعْلَمُ ما أحَبُّ (p-٤٤٤)الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَدَلَّهم عَلى أحَبِّ الأعْمالِ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالُوا: لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبَّ إلى اللَّهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] فَكَرِهُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] قالَ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، قالُوا في مَجْلِسٍ لَهم: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ عَمَلٍ أحَبَّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ حَتّى نَمُوتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا فِيهِمْ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: لا أبْرَحُ حَبِيسًا في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى أمُوتَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا.
وأخْرَجَ مالِكٌ في «تَفْسِيرِهِ» عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، قالُوا في مَجْلِسٍ: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبَّ إلى اللَّهِ لِعَمِلْنا بِهِ حَتّى نَمُوتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ فِيهِمْ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: لا أبْرَحُ حَبِيسًا في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى أمُوتَ شَهِيدًا.
(p-٤٤٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: قالَ المُؤْمِنُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ، فَدَلَّهم عَلى أحَبِّ الأعْمالِ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] فَبَيَّنَ لَهُمْ، فابْتُلُوا يَوْمَ أُحُدٍ بِذَلِكَ، فَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ – مُدْبِرِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: قالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ أُمِرْنا بِشَيْءٍ نَفْعَلُهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] فَتَباطَئُوا عَنْها، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها نَزَلَتْ في الجِهادِ، كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: قاتَلْتُ وفَعَلْتُ، ولَمْ يَكُنْ فَعَلَ، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ أشَدَّ المَوْعِظَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ السَّرِيَّةَ، فَإذا رَجَعُوا كانُوا يَزِيدُونَ في الفِعْلِ، ويَقُولُونَ: قاتَلْنا كَذا، وصَنَعْنا كَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ» .
(p-٤٤٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: إنَّ القاصَّ يَنْتَظِرُ المَقْتَ، فَقِيلَ لَهُ أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ أهُوَ الرَّجُلُ يُقَرِّظُ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِنَ الخَيْرِ، أمْ هو الرَّجُلُ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ وإنْ كانَ فِيهِ تَقْصِيرٌ؟ فَقالَ: كِلاهُما مَمْقُوتٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ قالَ: جَلَسْنا إلى خَبّابٍ فَسَكَتَ، فَقُلْنا: ألا تُحَدِّثُنا؛ فَإنَّما جَلَسْنا إلَيْكَ لِذَلِكَ! فَقالَ: أتَأْمُرُونِي أنْ أقُولَ ما لا أفْعَلُ.
الصف 61:2
(p-٤٤٠)﷽
سُورَةُ الصَّفِّ
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ النَّحّاسُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الحَوارِيِّينَ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِالمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ الآياتِ. (p-٤٤١)أخْبَرَنِي أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ بِقِراءَتِي عَلَيْهِ قالَ: أنْبَأنا أبُو إسْحاقَ التَّنُوخِيُّ، أنْبَأنا أحْمَدُ بْنُ أبِي طالِبٍ، أنْبَأنا أبُو المُنَجّى بْنُ اللَّتِّيِّ، أنْبَأنا أبُو الوَقْتِ السِّجْزِيُّ، أنْبَأنا أبُو الحَسَنِ الدّاوُدِيُّ، أنْبَأنا أبُو مُحَمَّدٍ السَّرْخَسِيُّ، أنْبَأنا أبُو عِمْرانَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، أنْبَأنا أبُو مُحَمَّدٍ الدّارِمِيُّ في «مُسْنَدِهِ»، أنْبَأنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ، عَنْ يَحْيى، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «قَعَدْنا نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فَتَذاكَرْنا، فَقُلْنا: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعالى لَعَمِلْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: قَرَأها عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ – هَكَذا، قالَ أبُو سَلَمَةَ: قَرَأها عَلَيْنا ابْنُ سَلامٍ هَكَذا، قالَ يَحْيى: وقَرَأها عَلَيْنا أبُو سَلَمَةَ، قالَ الأوْزاعِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا يَحْيى، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: فَقَرَأها عَلَيْنا الأوْزاعِيُّ، قالَ الدّارِمِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا الدّارِمِيُّ، قالَ السَّرْخَسِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا السَّمَرْقَنْدِيُّ، قالَ الدّاوُدِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا السَّرْخَسِيُّ، قالَ أبُو الوَقْتِ: فَقَرَأها عَلَيْنا الدّاوُدِيُّ، قالَ أبُو المُنَجّى: فَقَرَأها عَلَيْنا أبُو الوَقْتِ، قالَ أحْمَدُ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَرَأها عَلَيْنا أبُو المُنَجّى، قالَ التَّنُوخِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا أحْمَدُ بْنُ أبِي طالِبٍ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ: فَقَرَأها عَلَيْنا التَّنُوخِيُّ، قُلْتُ: فَقَرَأها (p-٤٤٢)عَلَيْنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ.
هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عالٍ، وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الدّارِمِيَّ، فَوافَقَنا بِعُلُوِّ دَرَجَتَيْنِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ - وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ - وابْنُ مَرْدُويَهْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مُسَلْسَلًا أيْضًا، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» و«السُّنَنِ» مُسَلْسَلًا.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: هو مِن أصَحِّ مُسَلْسَلٍ يُرْوى في الدُّنْيا، قَلَّ أنْ وقَعَ في المُسَلْسَلاتِ مِثْلُهُ، مَعَ مَزِيدِ عُلُوِّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ الجِهادُ يَقُولُونَ: لَوَدِدْنا أنَّ اللَّهَ دَلَّنا عَلى أحَبِّ الأعْمالِ فَنَعْمَلَ بِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّ أحَبَّ الأعْمالِ إيمانٌ بِاللَّهِ لا شَكَّ فِيهِ، وجِهادُ أهْلِ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ خالَفُوا الإيمانَ ولَمْ يُقِرُّوا بِهِ، فَلَمّا نَزَلَ الجِهادُ كَرِهَ ذَلِكَ أُناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وشَقَّ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف»: ٢] . (p-٤٤٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في القِتالِ وحْدَهُ، وهم قَوْمٌ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَقُولُ الرَّجُلُ: قاتَلْتُ وضَرَبْتُ بِسَيْفِي، ولَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَأْخُذُ بِيَدِ النَّفَرِ مِن أصْحابِهِ فَيَقُولُ: تَعالَوْا نَذْكُرِ اللَّهَ فَنَزْدادَ إيمانًا، تَعالَوْا نَذْكُرِ اللَّهَ بِطاعَةٍ لَعَلَّهُ يَذْكُرُنا بِمَعْرِفَتِهِ، فَهَشَّ القَوْمُ لِلذِّكْرِ واشْتاقُوا، فَقالُوا: اللَّهُمَّ، لَوْ نَعْلَمُ الَّذِي هو أحَبُّ إلَيْكَ فَعَلْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَلَمّا كانَ يَوْمُ مُؤْتَةَ، وكانَ ابْنُ رَواحَةَ أحَدَ الأُمَراءِ نادى في القَوْمِ: يا أهْلَ المَجْلِسِ الَّذِي وعَدْتُمْ رَبَّكُمْ، قَوْلَكم: لَوْ نَعْلَمُ الَّذِي هو أحَبُّ إلَيْكَ فَعَلْنا، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَفَعَلْناهُ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَكَرِهُوا ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: واللَّهِ لَوْ نَعْلَمُ ما أحَبُّ (p-٤٤٤)الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَدَلَّهم عَلى أحَبِّ الأعْمالِ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالُوا: لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبَّ إلى اللَّهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] فَكَرِهُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] قالَ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، قالُوا في مَجْلِسٍ لَهم: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ عَمَلٍ أحَبَّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ حَتّى نَمُوتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا فِيهِمْ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: لا أبْرَحُ حَبِيسًا في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى أمُوتَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا.
وأخْرَجَ مالِكٌ في «تَفْسِيرِهِ» عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، قالُوا في مَجْلِسٍ: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبَّ إلى اللَّهِ لِعَمِلْنا بِهِ حَتّى نَمُوتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ فِيهِمْ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: لا أبْرَحُ حَبِيسًا في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى أمُوتَ شَهِيدًا.
(p-٤٤٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: قالَ المُؤْمِنُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ، فَدَلَّهم عَلى أحَبِّ الأعْمالِ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] فَبَيَّنَ لَهُمْ، فابْتُلُوا يَوْمَ أُحُدٍ بِذَلِكَ، فَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ – مُدْبِرِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: قالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ أُمِرْنا بِشَيْءٍ نَفْعَلُهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] فَتَباطَئُوا عَنْها، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها نَزَلَتْ في الجِهادِ، كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: قاتَلْتُ وفَعَلْتُ، ولَمْ يَكُنْ فَعَلَ، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ أشَدَّ المَوْعِظَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ السَّرِيَّةَ، فَإذا رَجَعُوا كانُوا يَزِيدُونَ في الفِعْلِ، ويَقُولُونَ: قاتَلْنا كَذا، وصَنَعْنا كَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ» .
(p-٤٤٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: إنَّ القاصَّ يَنْتَظِرُ المَقْتَ، فَقِيلَ لَهُ أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ أهُوَ الرَّجُلُ يُقَرِّظُ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِنَ الخَيْرِ، أمْ هو الرَّجُلُ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ وإنْ كانَ فِيهِ تَقْصِيرٌ؟ فَقالَ: كِلاهُما مَمْقُوتٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ قالَ: جَلَسْنا إلى خَبّابٍ فَسَكَتَ، فَقُلْنا: ألا تُحَدِّثُنا؛ فَإنَّما جَلَسْنا إلَيْكَ لِذَلِكَ! فَقالَ: أتَأْمُرُونِي أنْ أقُولَ ما لا أفْعَلُ.
الصف 61:3
(p-٤٤٠)﷽
سُورَةُ الصَّفِّ
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ النَّحّاسُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الحَوارِيِّينَ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الصَّفِّ» بِالمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ الآياتِ. (p-٤٤١)أخْبَرَنِي أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ بِقِراءَتِي عَلَيْهِ قالَ: أنْبَأنا أبُو إسْحاقَ التَّنُوخِيُّ، أنْبَأنا أحْمَدُ بْنُ أبِي طالِبٍ، أنْبَأنا أبُو المُنَجّى بْنُ اللَّتِّيِّ، أنْبَأنا أبُو الوَقْتِ السِّجْزِيُّ، أنْبَأنا أبُو الحَسَنِ الدّاوُدِيُّ، أنْبَأنا أبُو مُحَمَّدٍ السَّرْخَسِيُّ، أنْبَأنا أبُو عِمْرانَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، أنْبَأنا أبُو مُحَمَّدٍ الدّارِمِيُّ في «مُسْنَدِهِ»، أنْبَأنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ، عَنْ يَحْيى، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «قَعَدْنا نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فَتَذاكَرْنا، فَقُلْنا: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعالى لَعَمِلْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: قَرَأها عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ – هَكَذا، قالَ أبُو سَلَمَةَ: قَرَأها عَلَيْنا ابْنُ سَلامٍ هَكَذا، قالَ يَحْيى: وقَرَأها عَلَيْنا أبُو سَلَمَةَ، قالَ الأوْزاعِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا يَحْيى، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: فَقَرَأها عَلَيْنا الأوْزاعِيُّ، قالَ الدّارِمِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا الدّارِمِيُّ، قالَ السَّرْخَسِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا السَّمَرْقَنْدِيُّ، قالَ الدّاوُدِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا السَّرْخَسِيُّ، قالَ أبُو الوَقْتِ: فَقَرَأها عَلَيْنا الدّاوُدِيُّ، قالَ أبُو المُنَجّى: فَقَرَأها عَلَيْنا أبُو الوَقْتِ، قالَ أحْمَدُ بْنُ أبِي طالِبٍ: فَقَرَأها عَلَيْنا أبُو المُنَجّى، قالَ التَّنُوخِيُّ: فَقَرَأها عَلَيْنا أحْمَدُ بْنُ أبِي طالِبٍ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ: فَقَرَأها عَلَيْنا التَّنُوخِيُّ، قُلْتُ: فَقَرَأها (p-٤٤٢)عَلَيْنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ.
هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عالٍ، وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الدّارِمِيَّ، فَوافَقَنا بِعُلُوِّ دَرَجَتَيْنِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ - وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ - وابْنُ مَرْدُويَهْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مُسَلْسَلًا أيْضًا، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» و«السُّنَنِ» مُسَلْسَلًا.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: هو مِن أصَحِّ مُسَلْسَلٍ يُرْوى في الدُّنْيا، قَلَّ أنْ وقَعَ في المُسَلْسَلاتِ مِثْلُهُ، مَعَ مَزِيدِ عُلُوِّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ الجِهادُ يَقُولُونَ: لَوَدِدْنا أنَّ اللَّهَ دَلَّنا عَلى أحَبِّ الأعْمالِ فَنَعْمَلَ بِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّ أحَبَّ الأعْمالِ إيمانٌ بِاللَّهِ لا شَكَّ فِيهِ، وجِهادُ أهْلِ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ خالَفُوا الإيمانَ ولَمْ يُقِرُّوا بِهِ، فَلَمّا نَزَلَ الجِهادُ كَرِهَ ذَلِكَ أُناسٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وشَقَّ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف»: ٢] . (p-٤٤٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في القِتالِ وحْدَهُ، وهم قَوْمٌ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَقُولُ الرَّجُلُ: قاتَلْتُ وضَرَبْتُ بِسَيْفِي، ولَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَأْخُذُ بِيَدِ النَّفَرِ مِن أصْحابِهِ فَيَقُولُ: تَعالَوْا نَذْكُرِ اللَّهَ فَنَزْدادَ إيمانًا، تَعالَوْا نَذْكُرِ اللَّهَ بِطاعَةٍ لَعَلَّهُ يَذْكُرُنا بِمَعْرِفَتِهِ، فَهَشَّ القَوْمُ لِلذِّكْرِ واشْتاقُوا، فَقالُوا: اللَّهُمَّ، لَوْ نَعْلَمُ الَّذِي هو أحَبُّ إلَيْكَ فَعَلْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَلَمّا كانَ يَوْمُ مُؤْتَةَ، وكانَ ابْنُ رَواحَةَ أحَدَ الأُمَراءِ نادى في القَوْمِ: يا أهْلَ المَجْلِسِ الَّذِي وعَدْتُمْ رَبَّكُمْ، قَوْلَكم: لَوْ نَعْلَمُ الَّذِي هو أحَبُّ إلَيْكَ فَعَلْنا، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَفَعَلْناهُ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَكَرِهُوا ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: واللَّهِ لَوْ نَعْلَمُ ما أحَبُّ (p-٤٤٤)الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَدَلَّهم عَلى أحَبِّ الأعْمالِ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالُوا: لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبَّ إلى اللَّهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] فَكَرِهُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] قالَ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، قالُوا في مَجْلِسٍ لَهم: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ عَمَلٍ أحَبَّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ حَتّى نَمُوتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا فِيهِمْ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: لا أبْرَحُ حَبِيسًا في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى أمُوتَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا.
وأخْرَجَ مالِكٌ في «تَفْسِيرِهِ» عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، قالُوا في مَجْلِسٍ: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبَّ إلى اللَّهِ لِعَمِلْنا بِهِ حَتّى نَمُوتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ فِيهِمْ، فَقالَ ابْنُ رَواحَةَ: لا أبْرَحُ حَبِيسًا في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى أمُوتَ شَهِيدًا.
(p-٤٤٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: قالَ المُؤْمِنُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ، فَدَلَّهم عَلى أحَبِّ الأعْمالِ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] فَبَيَّنَ لَهُمْ، فابْتُلُوا يَوْمَ أُحُدٍ بِذَلِكَ، فَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ – مُدْبِرِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: قالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ أُمِرْنا بِشَيْءٍ نَفْعَلُهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] فَتَباطَئُوا عَنْها، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها نَزَلَتْ في الجِهادِ، كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: قاتَلْتُ وفَعَلْتُ، ولَمْ يَكُنْ فَعَلَ، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ أشَدَّ المَوْعِظَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ السَّرِيَّةَ، فَإذا رَجَعُوا كانُوا يَزِيدُونَ في الفِعْلِ، ويَقُولُونَ: قاتَلْنا كَذا، وصَنَعْنا كَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ» .
(p-٤٤٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: إنَّ القاصَّ يَنْتَظِرُ المَقْتَ، فَقِيلَ لَهُ أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ أهُوَ الرَّجُلُ يُقَرِّظُ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِنَ الخَيْرِ، أمْ هو الرَّجُلُ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ وإنْ كانَ فِيهِ تَقْصِيرٌ؟ فَقالَ: كِلاهُما مَمْقُوتٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ قالَ: جَلَسْنا إلى خَبّابٍ فَسَكَتَ، فَقُلْنا: ألا تُحَدِّثُنا؛ فَإنَّما جَلَسْنا إلَيْكَ لِذَلِكَ! فَقالَ: أتَأْمُرُونِي أنْ أقُولَ ما لا أفْعَلُ.
الصف 61:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ قالَ: مُثَبَّتٌ لا يَزُولُ، مُلْصَقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ الآيَةَ، قالَ: ألَمْ تَرَوْا إلى صاحِبِ البِناءِ كَيْفَ لا يُحِبُّ أنْ يَخْتَلِفَ بُيْنانُهُ، فَكَذَلِكَ اللَّهُ لا يُحِبُّ أنْ يَخْتَلِفَ أمْرُهُ، وإنَّ اللَّهَ صَفَّ المُسْلِمِينَ في قِتالِهِمْ وصَفَّهم في صَلاتِهِمْ، فَعَلَيْكم بِأمْرِ اللَّهِ (p-٤٤٧)فَإنَّهُ عِصْمَةٌ لِمَن أخَذَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ يَمْسَحُ مَناكِبَنا وصُدُورَنا ويَقُولُ: «لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى الصُّفُوفِ الأُوَلِ، وصِلُوا المَناكِبَ بِالمَناكِبِ والأقْدامَ بِالأقْدامِ؛ فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ في الصَّلاةِ ما يُحِبُّ في القِتالِ: ﴿صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف»: ٤] .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ» عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ثَلاثَةٌ يَضْحَكُ اللَّهُ إلَيْهِمُ؛ القَوْمُ إذا اصْطَفُّوا لِلصَّلاةِ، والقَوْمُ إذا اصْطَفُّوا لِقِتالِ المُشْرِكِينَ، ورَجُلٌ يَقُومُ إلى الصَّلاةِ في جَوْفِ اللَّيْلِ»» .
الصف 61:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنِّي عَبْدُ اللَّهِ في أُمِّ الكِتابِ، وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، وسَوْفَ أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبِشارَةُ عِيسى قَوْمَهُ، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ أنَّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ أضاءَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ»» .
(p-٤٤٨)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: «أمَرَنا النَّبِيُّ ﷺ أنْ نَنْطَلِقَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ، فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى النَّجاشِيِّ قالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِي؟ قُلْتُ: لا نَسْجُدُ إلّا لِلَّهِ، قالَ: وما ذاكَ؟ قُلْتُ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِينا رَسُولَهُ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصَّفِّ: ٦] فَأمَرَنا أنْ نَعْبُدَ اللَّهَ ولا، ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا» .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِي أسْماءً؛ أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِي، وأنا الماحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الكُفْرَ، وأنا العاقِبُ» والعاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««أنا مُحَمَّدٌ، وأحْمَدُ، والحاشِرُ، ونَبِيُّ التَّوْبَةِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُعْطِيتُ ما لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ» قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: ما هُوَ؟ قالَ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الأرْضِ، وسُمِّيتُ أحْمَدَ، وجُعِلَ لِي تُرابُ الأرْضِ طَهُورًا، وجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ»» .
(p-٤٤٩)
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ قالَ: بِألْسِنَتِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ الَّتِي في «المائِدَةِ» وفي «الصَّفِّ» وفي «يُونُسَ»: (ساحِرٌ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ: (واللَّهُ مُتِمٌّ نُورَهُ) يُنَوِّنُ (مُتِمٌّ)، ويَنْصِبُ (نُورَهُ) .
الصف 61:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنِّي عَبْدُ اللَّهِ في أُمِّ الكِتابِ، وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، وسَوْفَ أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبِشارَةُ عِيسى قَوْمَهُ، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ أنَّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ أضاءَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ»» .
(p-٤٤٨)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: «أمَرَنا النَّبِيُّ ﷺ أنْ نَنْطَلِقَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ، فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى النَّجاشِيِّ قالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِي؟ قُلْتُ: لا نَسْجُدُ إلّا لِلَّهِ، قالَ: وما ذاكَ؟ قُلْتُ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِينا رَسُولَهُ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصَّفِّ: ٦] فَأمَرَنا أنْ نَعْبُدَ اللَّهَ ولا، ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا» .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِي أسْماءً؛ أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِي، وأنا الماحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الكُفْرَ، وأنا العاقِبُ» والعاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««أنا مُحَمَّدٌ، وأحْمَدُ، والحاشِرُ، ونَبِيُّ التَّوْبَةِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُعْطِيتُ ما لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ» قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: ما هُوَ؟ قالَ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الأرْضِ، وسُمِّيتُ أحْمَدَ، وجُعِلَ لِي تُرابُ الأرْضِ طَهُورًا، وجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ»» .
(p-٤٤٩)
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ قالَ: بِألْسِنَتِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ الَّتِي في «المائِدَةِ» وفي «الصَّفِّ» وفي «يُونُسَ»: (ساحِرٌ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ: (واللَّهُ مُتِمٌّ نُورَهُ) يُنَوِّنُ (مُتِمٌّ)، ويَنْصِبُ (نُورَهُ) .
الصف 61:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنِّي عَبْدُ اللَّهِ في أُمِّ الكِتابِ، وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، وسَوْفَ أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبِشارَةُ عِيسى قَوْمَهُ، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ أنَّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ أضاءَ لَهُ قُصُورُ الشّامِ»» .
(p-٤٤٨)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: «أمَرَنا النَّبِيُّ ﷺ أنْ نَنْطَلِقَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ، فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى النَّجاشِيِّ قالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِي؟ قُلْتُ: لا نَسْجُدُ إلّا لِلَّهِ، قالَ: وما ذاكَ؟ قُلْتُ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِينا رَسُولَهُ، وهو الرَّسُولُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصَّفِّ: ٦] فَأمَرَنا أنْ نَعْبُدَ اللَّهَ ولا، ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا» .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِي أسْماءً؛ أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِي، وأنا الماحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الكُفْرَ، وأنا العاقِبُ» والعاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««أنا مُحَمَّدٌ، وأحْمَدُ، والحاشِرُ، ونَبِيُّ التَّوْبَةِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُعْطِيتُ ما لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ» قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: ما هُوَ؟ قالَ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الأرْضِ، وسُمِّيتُ أحْمَدَ، وجُعِلَ لِي تُرابُ الأرْضِ طَهُورًا، وجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ»» .
(p-٤٤٩)
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ قالَ: بِألْسِنَتِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ الَّتِي في «المائِدَةِ» وفي «الصَّفِّ» وفي «يُونُسَ»: (ساحِرٌ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ: (واللَّهُ مُتِمٌّ نُورَهُ) يُنَوِّنُ (مُتِمٌّ)، ويَنْصِبُ (نُورَهُ) .
الصف 61:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: لَمّا نَزَلَتْ قالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ عَلِمْنا ما هَذِهِ التِّجارَةُ، لَأعْطَيْنا فِيها الأمْوالَ والأهْلِينَ، فَبَيَّنَ لَهُمُ التِّجارَةَ، فَقالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ (p-٤٥٠)الآيَةَ، قالَ: فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ بَيَّنَها ودَلَّ عَلَيْها لَلَهَوُا الرِّجالُ أنْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَها، حَتّى يَطْلُبُوها، ثُمَّ دَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْها فَقالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ خَفِيفَةً.
الصف 61:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: لَمّا نَزَلَتْ قالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ عَلِمْنا ما هَذِهِ التِّجارَةُ، لَأعْطَيْنا فِيها الأمْوالَ والأهْلِينَ، فَبَيَّنَ لَهُمُ التِّجارَةَ، فَقالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ (p-٤٥٠)الآيَةَ، قالَ: فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ بَيَّنَها ودَلَّ عَلَيْها لَلَهَوُا الرِّجالُ أنْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَها، حَتّى يَطْلُبُوها، ثُمَّ دَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْها فَقالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ خَفِيفَةً.
الصف 61:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾ .
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾ مُضافً.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾ قالَ: قَدْ كانَ ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ، قَدْ جاءَهُ سَبْعُونَ رَجُلًا فَبايَعُوهُ عِنْدَ العَقَبَةِ، فَنَصَرُوهُ وآوَوْهُ حَتّى أظْهَرَ اللَّهُ دِينَهُ، ولَمْ يُسَمَّ حَيٌّ مِنَ السَّماءِ قَطُّ بِاسْمٍ لَمْ يَكُنْ لَهم قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ، وذُكِرَ لَنا أنَّ بَعْضَهم قالَ: هَلْ تَدْرُونَ عَلامَ تُبايِعُونَ هَذا الرَّجُلَ؟ إنَّكم تُبايِعُونَهُ عَلى مُحارَبَةِ العَرَبِ كُلِّها أوْ يُسْلِمُوا، وذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولِنَفْسِكَ ما شِئْتَ، قالَ: «أشْتَرِطُ لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أنْ (p-٤٥١)تَمْنَعُونِي مِمّا مَنَعْتُمْ مِنهُ أنْفُسَكم وأبْناءَكُمْ» قالُوا: فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ فَما لَنا يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قالَ: «لَكُمُ النَّصْرُ في الدُّنْيا، والجَنَّةُ في الآخِرَةِ» فَفَعَلُوا فَفَعَلَ اللَّهُ.
قالَ: والحَوارِيُّونَ كُلُّهم مِن قُرَيْشٍ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وجَعْفَرٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّفَرِ الَّذِينَ لَقُوهُ بِالعَقَبَةِ: «أخْرِجُوا إلَيَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنكم يَكُونُوا كُفَلاءَ عَلى قَوْمِهِمْ، كَما كَفَلَتِ الحَوارِيُّونَ لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنُّقَباءِ: ««إنَّكم كُفَلاءُ عَلى قَوْمِكم كَكَفالَةِ الحَوارِيِّينَ لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وأنا كَفِيلُ قَوْمِي» قالُوا: نَعَمْ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن أنْصارِي (p-٤٥٢)إلى اللَّهِ﴾ قالَ: مَن يَتْبَعُنِي إلى اللَّهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ قالَ: مَن آمَنَ مَعَ عِيسى مِن قَوْمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: فَقَوَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ قالَ: أصْبَحَتْ حُجَّةُ مَن آمَنَ بِعِيسى ظاهِرَةً بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِمُحَمَّدٍ ﷺ – وأُمَّتَهُ عَلى عَدُوِّهِمْ، ﴿فَأصْبَحُوا﴾ اليَوْمَ ﴿ظاهِرِينَ﴾ .
الجمعة 62:1
(p-٤٥٣)سُورَةُ الجُمُعَةِ
مَدَنِيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الجُمُعَةِ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «الجُمُعَةِ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ بِسُورَةِ «الجُمُعَةِ»، و﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون»: ١] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في «الجُمُعَةِ» بِسُورَةِ الجُمُعَةِ، و﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون»: ١]
(p-٤٥٤)وأخْرَجَ البَغَوِيُّ في «مُعْجَمِهِ» عَنْ أبِي عِنَبَةَ الخَوْلانِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ في يَوْمِ الجُمُعَةِ بِالسُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الجُمُعَةُ، و﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون»: ١]
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وأبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِهِمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَرَأ بِسُورَةِ «الجُمُعَةِ» يَخْتَصُّ بِها المُؤْمِنِينَ، و﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] يُوَبِّخُ بِها المُنافِقِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ»، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وكانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ الأخِيرَةِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ سُورَةَ «الجُمُعَةِ» و«المُنافِقِينَ»»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ مَيْسَرَةَ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكْتُوبَةٌ في التَّوْراةِ بِسَبْعِمِائَةِ آيَةٍ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ أوَّلُ سُورَةِ «الجُمُعَةِ» .
(p-٤٥٥)
الجمعة 62:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لَيْسَ فِيها كِتابٌ يَقْرَءُونَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ مُحَمَّدًا رَحْمَةً وهُدًى، يَهْدِيهِمْ بِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنّا أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ قالَ: القُرْآنَ، ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ قالَ: الشِّرْكِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ قالَ: العَرَبِ، ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: العَجَمِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، (p-٤٥٦)وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ مَعًا في «الدَّلائِلِ» عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ سُورَةُ «الجُمُعَةِ» فَتَلاها، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنا؟ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى رَأْسِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ بِالثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ»» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَوْ كانَ الإيمانُ بِالثُّرَيّا لَنالَهُ ناسٌ مِن أهْلِ فارِسَ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ في أصْلابِ أصْلابِ أصْلابِ رِجالٍ مِن أصْحابِي رِجالًا ونِساءً يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الجمعة»: ٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: مَن رَدَفَ الإسْلامَ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ.
(p-٤٥٧)وأخْرَجَ عَبْدُ الزُّراقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: هُمُ التّابِعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يَعْنِي مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ، وعَمِلَ صالِحًا؛ مِن عَرَبِيٍّ وعَجَمِيٍّ، إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ قالَ: الدِّينُ.
الجمعة 62:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لَيْسَ فِيها كِتابٌ يَقْرَءُونَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ مُحَمَّدًا رَحْمَةً وهُدًى، يَهْدِيهِمْ بِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنّا أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ قالَ: القُرْآنَ، ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ قالَ: الشِّرْكِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ قالَ: العَرَبِ، ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: العَجَمِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، (p-٤٥٦)وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ مَعًا في «الدَّلائِلِ» عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ سُورَةُ «الجُمُعَةِ» فَتَلاها، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنا؟ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى رَأْسِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ بِالثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ»» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَوْ كانَ الإيمانُ بِالثُّرَيّا لَنالَهُ ناسٌ مِن أهْلِ فارِسَ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ في أصْلابِ أصْلابِ أصْلابِ رِجالٍ مِن أصْحابِي رِجالًا ونِساءً يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الجمعة»: ٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: مَن رَدَفَ الإسْلامَ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ.
(p-٤٥٧)وأخْرَجَ عَبْدُ الزُّراقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: هُمُ التّابِعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يَعْنِي مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ، وعَمِلَ صالِحًا؛ مِن عَرَبِيٍّ وعَجَمِيٍّ، إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ قالَ: الدِّينُ.
الجمعة 62:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لَيْسَ فِيها كِتابٌ يَقْرَءُونَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ مُحَمَّدًا رَحْمَةً وهُدًى، يَهْدِيهِمْ بِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنّا أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ قالَ: القُرْآنَ، ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ قالَ: الشِّرْكِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ قالَ: العَرَبِ، ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: العَجَمِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، (p-٤٥٦)وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ مَعًا في «الدَّلائِلِ» عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ سُورَةُ «الجُمُعَةِ» فَتَلاها، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنا؟ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى رَأْسِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ بِالثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ»» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَوْ كانَ الإيمانُ بِالثُّرَيّا لَنالَهُ ناسٌ مِن أهْلِ فارِسَ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ في أصْلابِ أصْلابِ أصْلابِ رِجالٍ مِن أصْحابِي رِجالًا ونِساءً يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الجمعة»: ٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: مَن رَدَفَ الإسْلامَ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ.
(p-٤٥٧)وأخْرَجَ عَبْدُ الزُّراقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: هُمُ التّابِعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يَعْنِي مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ، وعَمِلَ صالِحًا؛ مِن عَرَبِيٍّ وعَجَمِيٍّ، إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ قالَ: الدِّينُ.
الجمعة 62:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ قالَ: اليَهُودُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ قالَ: أمَرَهم أنْ يَأْخُذُوا بِما فِيها، فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ قالَ: كُتُبًا لا يَدْرِي ما فِيها، ولا يَدْرِي ما هِيَ، يَضْرِبُ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، أيْ: وأنْتُمْ إنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَذا الكِتابِ كانَ مَثَلُكم كَمَثَلِهِمْ.
(p-٤٥٨)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ قالَ: كُتُبًا لا يَعْلَمُ ما فِيها ولا يَعْقِلُها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ قالَ: يَحْمِلُ كُتُبًا عَلى ظَهْرِهِ لا يَدْرِي ماذا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْفارًا﴾ قالَ: كُتُبًا.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿أسْفارًا﴾ قالَ: كُتُبًا، والكِتابُ بِالنَّبَطِيَّةِ يُسَمّى سِفْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن تَكَلَّمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإمامُ يَخْطُبُ فَهو كالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا، والَّذِي يَقُولُ لَهُ: أنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ»» .
الجمعة 62:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ قالَ: قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: عَرَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيُّ اللَّهِ فَكَتَمُوهُ، وقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ.
(p-٤٥٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: إنَّ سُوءَ العَمَلِ يُكَرِّهُ المَوْتَ شَدِيدًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: تَلا قَتادَةُ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ أذَلَّ ابْنَ آدَمَ بِالمَوْتِ، لا أعْلَمُهُ إلّا رَفَعَهُ.
الجمعة 62:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ قالَ: قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: عَرَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيُّ اللَّهِ فَكَتَمُوهُ، وقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ.
(p-٤٥٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: إنَّ سُوءَ العَمَلِ يُكَرِّهُ المَوْتَ شَدِيدًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: تَلا قَتادَةُ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ أذَلَّ ابْنَ آدَمَ بِالمَوْتِ، لا أعْلَمُهُ إلّا رَفَعَهُ.
الجمعة 62:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ قالَ: قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: عَرَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيُّ اللَّهِ فَكَتَمُوهُ، وقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ.
(p-٤٥٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: إنَّ سُوءَ العَمَلِ يُكَرِّهُ المَوْتَ شَدِيدًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: تَلا قَتادَةُ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ أذَلَّ ابْنَ آدَمَ بِالمَوْتِ، لا أعْلَمُهُ إلّا رَفَعَهُ.
الجمعة 62:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قُلْتُ يا نَبِيَّ اللَّهِ، لِأيِّ شَيْءٍ سُمِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ؟ قالَ: «لِأنَّ فِيها جُمِعَتْ طِينَةُ أبِيكم آدَمَ، وفِيها الصَّعْقَةُ، والبَعْثَةُ، وفي آخِرِ ثَلاثِ ساعاتٍ مِنها ساعَةٌ مَن دَعا اللَّهَ فِيها بِدَعْوَةٍ اسْتَجابَ لَهُ»» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَلْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أتَدْرِي ما يَوْمُ الجُمُعَةِ»؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ قالَ في الثّالِثَةِ: «هُوَ اليَوْمُ الَّذِي جُمِعَ فِيهِ أبُوكم آدَمُ، أفَلا أُحَدِّثُكم عَنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ لا يَتَطَهَّرُ رَجُلٌ فَيُحْسِنُ طَهُورَهُ، ويَلْبَسُ أحْسَنَ ثِيابِهِ، ويُصِيبُ مِن طِيبِ أهْلِهِ، إنْ كانَ لَهم (p-٤٦٠)طِيبٌ وإلّا فالماءُ، ثُمَّ يَأْتِي المَسْجِدَ فَيَجْلِسُ، ويُنْصِتُ حَتّى يَقْضِيَ الإمامُ صَلاتَهُ، إلّا كانَتْ كَفّارَةَ ما بَيْنَ الجُمُعَةِ إلى الجُمُعَةِ ما اجْتُنِبَتِ المَقْتَلَةُ، وذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وفِيهِ أُخْرِجَ مِنها، ولا تَقُومُ السّاعَةُ إلّا في يَوْمِ الجُمُعَةِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وأبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَوْمُ الجُمُعَةِ سَيِّدُ الأيّامِ وأعْظَمُها عِنْدَ اللَّهِ، وأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِن يَوْمِ الفِطْرِ ويَوْمِ الأضْحى، وفِيهِ خَمْسُ خِلالٍ؛ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ، وأهْبَطَهُ فِيهِ إلى الأرْضِ، وفِيهِ تَوَفّى اللَّهُ آدَمَ، وفِيهِ ساعَةٌ لا يَسْألُ العَبْدُ فِيها شَيْئًا إلّا أعْطاهُ اللَّهُ، ما لَمْ يَسْألْ حَرامًا، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، ما مِن مَلَكٍ ولا أرْضٍ ولا سَماءٍ ولا رِياحٍ ولا جِبالٍ ولا بَحْرٍ إلّا وهُنَّ يُشْفِقْنَ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ أنْ تَقُومَ فِيهِ السّاعَةُ»» .
(p-٤٦١)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أخْبِرْنا عَنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ ماذا فِيهِ مِنَ الخَيْرِ؟ قالَ: «فِيهِ خَمْسُ خِلالٍ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ أُهْبِطَ آدَمُ، وفِيهِ تَوَفّى اللَّهُ آدَمَ، وفِيهِ ساعَةٌ لا يَسْألُ اللَّهَ شَيْئًا إلّا آتاهُ اللَّهُ إيّاهُ، ما لَمْ يَسْألْ مَأْثَمًا أوْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، ما مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ولا سَماءٍ ولا أرْضٍ ولا جَبَلٍ ولا رِيحٍ إلّا يُشْفِقْنَ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ»» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ أبا القاسِمِ ﷺ يَقُولُ: ««فِي سَبْعَةِ أيّامٍ يَوْمٌ اخْتارَهُ اللَّهُ عَلى الأيّامِ كُلِّها؛ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، وفِيهِ قُضِيَ خَلْقُهُنَّ، وفِيهِ خَلَقَ اللَّهُ الجَنَّةَ والنّارَ، وفِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ أُهْبِطَ مِنَ الجَنَّةِ وتابَ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، لَيْسَ شَيْءٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ إلّا وهو يَفْزَعُ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ شَفَقَةً أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، إلّا الجِنَّ والإنْسَ» .
(p-٤٦٢)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما أتى عَلى النّاسِ خَيْرٌ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وفِيهِ أُهْبِطَ، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ»» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ – ﷺ- قالَ: ««إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الأيّامَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى هَيْئَتِها، ويَبْعَثُ الجُمُعَةَ زَهْراءَ مُنِيرَةً لِأهْلِها، يَحُفُّونَ بِها كالعَرُوسِ تُهْدى إلى كَرِيمِها، تُضِيءُ لَهُمْ، يَمْشُونَ في ضَوْئِها، ألْوانُهم كالثَّلْجِ بَياضًا، رِيحُهم تَسْطَعُ كالمِسْكِ، يَخُوضُونَ في جِبالِ الكافُورِ، يَنْظُرُ إلَيْهِمُ الثَّقَلانِ ما يَطْرِفُونَ تَعَجُّبًا، حَتّى يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، لا يُخالِطُهم أحَدٌ إلّا المُؤَذِّنُونَ المُحْتَسِبُونَ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سَيِّدُ الأيّامِ يَوْمُ الجُمُعَةِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارِمِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ مِن أفْضَلِ أيّامِكم (p-٤٦٣)يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ النَّفْخَةُ، وفِيهِ الصَّعْقَةُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ في يَوْمٍ هو أعْظَمُ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ إنَّها إذا طَلَعَتْ فَزِعَ لَها كُلُّ شَيْءٍ إلّا الثَّقَلانِ اللَّذانِ عَلَيْهِما الحِسابُ والعَذابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ لَتَفْزَعُ لَهُ الخَلائِقُ إلّا الجِنَّ والإنْسَ، وإنَّهُ لَتُضاعَفُ فِيهِ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ، وإنَّهُ لَيَوْمُ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: الصَّدَقَةُ تُضاعَفُ يَوْمَ الجُمُعَةِ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في «تارِيخِهِ»، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ وفي يَدِهِ شِبْهُ مِرْآةٍ فِيها نُكْتَةٌ سَوْداءُ، فَقالَ: «يا جِبْرِيلُ، ما هَذِهِ»؟ قالَ: هَذِهِ الجُمُعَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أتانِي جِبْرِيلُ وفي (p-٤٦٤)يَدِهِ كالمِرْآةِ البَيْضاءِ، فِيها كالنُّكْتَةِ السَّوْداءِ، فَقُلْتُ: «يا جِبْرِيلُ، ما هَذِهِ»؟ قالَ: هَذِهِ الجُمُعَةُ، قُلْتُ: «وما الجُمُعَةُ» قالَ: لَكم فِيها خَيْرٌ، قُلْتُ: «وما لَنا فِيها»؟ قالَ: تَكُونُ عِيدًا لَكَ ولِقَوْمِكَ مِن بَعْدِكَ، وتَكُونُ اليَهُودُ والنَّصارى تَبَعًا لَكَ، قُلْتُ: «وما لَنا فِيها»؟ قالَ: لَكم فِيها ساعَةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْألُ اللَّهَ فِيها شَيْئًا مِنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ هو لَهُ قِسْمٌ إلّا أعْطاهُ إيّاهُ، أوْ لَيْسَ لَهُ بِقِسْمٍ إلّا ادَّخَرَ لَهُ عِنْدَهُ ما هو أفْضَلُ مِنهُ، أوْ يَتَعَوَّذُ بِهِ مِن شَرٍّ هو عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ إلّا صَرَفَ عَنْهُ مِنَ البَلاءِ ما هو أعْظَمُ مِنهُ، قُلْتُ لَهُ: «وما هَذِهِ النُّكْتَةُ فِيها»؟ قالَ: هي السّاعَةُ، وهي تَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وهو عِنْدَنا سَيِّدُ الأيّامِ، ونَحْنُ نَدْعُوهُ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ المَزِيدِ، قُلْتُ: «مِمَّ ذاكَ»؟ قالَ: لِأنَّ رَبَّكَ تَبارَكَ وتَعالى اتَّخَذَ في الجَنَّةِ وادِيًا مِن مِسْكٍ أبْيَضَ، فَإذا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ هَبَطَ مِن عِلِّيِّينَ عَلى كُرْسِيِّهِ، ثُمَّ حُفَّ الكُرْسِيُّ بِمَنابِرَ مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بِالجَوْهَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ النَّبِيُّونَ حَتّى يَجْلِسُوا عَلَيْها، ويَنْزِلُ أهْلُ الغُرَفِ حَتّى يَجْلِسُوا عَلى ذَلِكَ الكَثِيبِ، ثُمَّ يَتَجَلّى لَهم رَبُّهم تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ يَقُولُ: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، فَيَسْألُونَهُ الرِّضا، فَيَقُولُ: رِضايَ أحَلَّكم دارِي، وأنالَكم كَرامَتِي، فَسَلُونِي أُعْطِكُمْ، فَيَسْألُونَهُ الرِّضا، فَيُشْهِدُهم (p-٤٦٥)أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ، فَيَفْتَحُ لَهم ما لَمْ تَرَ عَيْنٌ، ولَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بِشْرٍ، وذَلِكم مِقْدارَ انْصِرافِكم مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ ويَرْتَفِعُ مَعَهُ النَّبِيُّونَ والصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ، ويَرْجِعُ أهْلُ الغُرَفِ إلى غُرَفِهِمْ، وهي دُرَّةٌ بَيْضاءُ لَيْسَ فِيها وصْمٌ ولا فَصْمٌ، أوْ دُرَّةٌ حَمْراءُ، أوْ زَبَرْجَدَةٌ خَضْراءُ فِيها غُرَفُها وأبْوابُها، مُطَّرِدَةٌ فِيها أنْهارُها، وثِمارُها مُتَدَلِّيَةٌ، قالَ: فَلَيْسُوا إلى شَيْءٍ أحْوَجَ مِنهم إلى يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ لِيَزْدادُوا إلى رَبِّهِمْ نَظَرًا، ولِيَزْدادُوا مِنهُ كَرامَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ في الجُمُعَةِ لَساعَةً ما دَعا اللَّهَ فِيها عَبْدٌ مُسْلِمٌ بِشَيْءٍ إلّا اسْتَجابَ لَهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««فِي الجُمُعَةِ ساعَةٌ مِنَ النَّهارِ لا يَسْألُ العَبْدُ فِيها شَيْئًا إلّا أُعْطِيَ سُؤْلَهُ» قِيلَ: أيُّ ساعَةٍ هِيَ؟ قالَ: «حِينَ تُقامُ الصَّلاةُ إلى (p-٤٦٦)الِانْصِرافِ مِنها»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِثْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ، تُفْتَحُ فِيهِ أبْوابُ الرَّحْمَةِ، وفِيهِ ساعَةٌ لا يَسْألُ اللَّهَ العَبْدُ شَيْئًا إلّا أعْطاهُ، قِيلَ: وأيُّ ساعَةٍ؟ قالَتْ: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ لِصَلاةِ الغَداةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِثْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وإنَّ فِيهِ لَساعَةً تُفْتَحُ فِيها أبْوابُ الرَّحْمَةِ، فَقِيلَ: أيُّ ساعَةٍ؟ قالَتْ: حِينَ يُنادِي المُنادِي بِالصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ قالا: السّاعَةُ الَّتِي تُذْكَرُ في الجُمُعَةِ ما بَيْنَ العَصْرِ إلى أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي بُرْدَةَ، قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَسُئِلَ عَنِ السّاعَةِ الَّتِي في الجُمُعَةِ، فَقُلْتُ: هي السّاعَةُ الَّتِي اخْتارَ اللَّهُ لَها – أوْ فِيها – الصَّلاةَ، قالَ: فَمَسَحَ رَأْسِي، وبَرَّكَ عَلَيَّ، وأعْجَبَهُ ما قُلْتُ.
(p-٤٦٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونَ السّاعَةُ الَّتِي في الجُمُعَةِ إحْدى هَذِهِ السّاعاتِ: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ، أوْ جَلَسَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ، أوْ عِنْدَ الإقامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: هي عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي بُرْدَةَ قالَ: هي عِنْدَ خُرُوجِ الإمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: هي ما بَيْنَ أنْ يَحْرُمَ البَيْعُ إلى أنْ يَحِلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي بُرْدَةَ قالَ: إنَّ السّاعَةَ الَّتِي يُسْتَجابُ فِيها الدُّعاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَقُومُ الإمامُ في الصَّلاةِ حَتّى يَنْصَرِفَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ حَصِيرَةَ في السّاعَةِ الَّتِي تُرْجى يَوْمَ (p-٤٦٨)الجُمُعَةِ: ما بَيْنَ خُرُوجِ الإمامِ إلى أنْ تُقْضى الصَّلاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: إنَّ السّاعَةَ الَّتِي تُرْجى في الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي بَعْدَ العَصْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ هِلالِ بْنِ يَسافٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ في الجُمُعَةِ لَساعَةً لا يُوافِقُها رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْألُ اللَّهَ فِيها خَيْرًا إلّا أعْطاهُ» فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ماذا أسْألُ؟ قالَ: «سَلِ اللَّهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ والبُخارِيُّ، عَنْ سَلْمانَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويَتَطَهَّرُ بِما اسْتَطاعَ مِن طَهُورِهِ، وادَّهَنَ مِن دُهْنِهِ، أوْ مَسَّ طِيبًا مِن بَيْتِهِ، ثُمَّ راحَ، فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ صَلّى ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أنْصَتَ إذا تَكَلَّمَ الإمامُ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرى»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: كانَ النِّداءُ (p-٤٦٩)الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعامَّةِ خِلافَةِ عُثْمانَ، أنْ يُنادِيَ المُنادِي إذا جَلَسَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ، فَلَمّا تَباعَدَتِ المَساكِنُ، وكَثُرَ النّاسُ، أُحْدِثَ النِّداءُ الأوَّلُ، فَلَمْ يَعِبِ النّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وقَدْ عابُوا عَلَيْهِ حِينَ أتَمَّ الصَّلاةَ بِمِنًى، قالَ: فَكُنّا في زَمانِ عُمَرَ نُصَلِّي، فَإذا خَرَجَ عُمَرُ وجَلَسَ عَلى المِنبَرِ قَطَعْنا الصَّلاةَ وتَحَدَّثْنا، فَرُبَّما أقْبَلَ عُمَرُ عَلى بَعْضِ مَن يَلِيهِ فَسَألَهم عَنْ سُوقِهِمْ وقَدْ أمَّهُمْ، والمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ، فَإذا سَكَتَ المُؤَذِّنُ قامَ عُمَرُ فَتَكَلَّمَ، ولَمْ يُتَكَلَّمْ حَتّى يَفْرُغَ مِن خُطْبَتِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ قالَ: هو الوَقْتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ قالَ: النِّداءُ عِنْدَ الذِّكْرِ عَزْمَةً.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في كِتابِ «الأذانِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «الأذانُ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ فَرْضِ الصَّلاةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة»: ٩] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: جَمَّعَ أهْلُ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ ﷺ وقَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الجُمُعَةُ، قالَتِ الأنْصارُ: (p-٤٧٠)لِلْيَهُودِ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كُلَّ سَبْعَةِ أيّامٍ، ولِلنَّصارى مِثْلُ ذَلِكَ، فَهَلُمَّ، فَلْنَجْعَلْ يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ فَنَذْكُرَ اللَّهَ ونَشْكُرَهُ، فَقالُوا: يَوْمُ السَّبْتِ لِلْيَهُودِ، ويَوْمُ الأحَدِ لِلنَّصارى، فاجْعَلُوهُ يَوْمَ العَرُوبَةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ الجُمُعَةَ: يَوْمَ العَرُوبَةِ، فاجْتَمَعُوا إلى أسْعَدِ بْنِ زُرارَةَ، فَصَلّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ رَكْعَتَيْنِ، وذَكَّرَهُمْ، فَسَمُّوا الجُمُعَةَ حِينَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، فَذَبَحَ لَهم شاةً فَتَغْدَّوْا وتَعَشَّوْا مِنها، وذَلِكَ لِقِلَّتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ بَعْدُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أذَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الجُمُعَةَ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ، ولَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُجَمِّعَ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ إلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: «أمّا بَعْدُ، فانْظُرِ اليَوْمَ الَّذِي تَجْهَرُ فِيهِ اليَهُودُ بِالزَّبُورِ فاجْمَعُوا نِساءَكم وأبْناءَكُمْ، فَإذا مالَ النَّهارُ عَنْ شَطْرِهِ عِنْدَ الزَّوالِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَتَقَرَّبُوا إلى اللَّهِ بِرَكْعَتَيْنِ» قالَ: فَهو أوَّلُ مَن جَمَّعَ، حَتّى قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ – المَدِينَةَ فَجَمَّعَ عِنْدَ الزَّوالِ مِنَ الظَّهْرِ، وأظْهَرَ ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، أنَّ أباهُ كانَ إذا سَمِعَ النِّداءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ تَرَحَّمَ عَلى أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: يا أبَتاهُ، أرَأيْتَ اسْتِغْفارَكَ لِأسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ كُلَّما سَمِعْتَ الآذانَ (p-٤٧١)لِلْجُمُعَةِ ما هُوَ؟ قالَ: لِأنَّهُ أوَّلُ مَن جَمَّعَ بِنا في نَقِيعٍ يُقالُ لَهُ: نَقِيعُ الخَضِماتِ، مِن حَرَّةِ بَنِي بَياضَةَ، قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: أرْبَعُونَ رَجُلًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ قالَ: أوَّلُ مَن قَدِمَ مِنَ المُهاجِرِينَ المَدِينَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وهو أوَّلُ مَن جَمَّعَ بِها يَوْمَ الجُمُعَةِ، جَمَّعَ بِهِمْ قَبْلَ أنْ يَقْدَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا.
وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بِكارٍ في «أخْبارِ المَدِينَةِ»، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِن قَباءَ، فَمَرَّ عَلى بَنِي سالِمٍ، فَصَلّى فِيهِمُ الجُمُعَةَ بِبَنِي سالِمٍ، وهو المَسْجِدُ الَّذِي في بَطْنِ الوادِي، وكانَتْ أوَّلَ جُمُعَةٍ صِلّاها رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ جابِرٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الجُمُعَةَ في مَقامِي هَذا، في يَوْمِي هَذا، في شَهْرِي هَذا، في عامِي هَذا، إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَن تَرَكَها اسْتِخْفافًا بِها أوْ جُحُودًا لَها فَلا جَمَعَ (p-٤٧٢)اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ، ولا بارَكَ لَهُ في أمْرِهِ، ألا ولا صَلاةَ لَهُ، ولا زَكاةَ لَهُ، ولا حَجَّ لَهُ، ولا صَوْمَ لَهُ، ولا بِرَّ لَهُ، حَتّى يَتُوبَ، فَمَن تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى أعْوادِ المِنبَرِ: ««لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ عَنْ ودْعِهِمُ الجُمُعاتِ، أوْ لَيَطْبَعَنَّ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، ولَيُكْتَبُنَّ مِنَ الغافِلِينَ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا: ««مَن تَرَكَ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ طُمِسَ عَلى قَلْبِهِ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، عَنْ أبِي قَتادَةَ مَرْفُوعًا: ««مَن تَرَكَ الجُمُعَةَ ثَلاثَ (p-٤٧٣)مَرّاتٍ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ، مِن حَدِيثِ جابِرٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ أبِي الجَعْدِ الضَّمْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن تَرَكَ الجُمُعَةَ ثَلاثًا مِن غَيْرِ عُذْرٍ فَهو مُنافِقٌ»» .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والمَرْوَزِيُّ في «الجُمُعَةِ» مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أسَعْدَ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن تَرَكَ الجُمُعَةَ ثَلاثًا طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ، وجَعَلَ قَلْبَهُ قَلْبَ مُنافِقٍ»» .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن تَرَكَ ثَلاثَ جُمَعٍ مُتَوالِياتٍ فَقَدْ نَبَذَ الإسْلامَ وراءَ ظَهْرِهِ. (p-٤٧٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: ««مَن تَرَكَ الجُمُعَةَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِرْهَمٍ، أوْ نِصْفِ صاعٍ، أوْ مُدٍّ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في «تارِيخِهِ» والطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««سَيِّدُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ الجُمُعَةِ، أعْظَمُ مِن يَوْمِ النَّحْرِ والفِطْرِ، وفِيهِ خَمْسُ خِلالٍ: خُلِقَ فِيهِ آدَمُ، وفِيهِ أُهْبِطَ مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ، وتُوُفِّيَ فِيهِ آدَمُ، وفِيهِ ساعَةٌ لا يَسْألُ العَبْدُ فِيها رَبَّهُ إلّا أعْطاهُ، ما لَمْ يَسْألْ حَرامًا، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أبِي شَبِيبٍ قالَ: «أرَدْتُ الجُمُعَةَ في زَمَنِ الحَجّاجِ، فَتَهَيَّأْتُ لِلذَّهابِ، ثُمَّ قُلْتُ: أيْنَ أذْهَبُ أُصَلِّي؟ خَلْفَ هَذا؟! فَقُلْتُ مَرَّةً: أذْهَبُ، ومَرَّةً: لا أذْهَبُ، فَأجْمَعَ رَأْيِي عَلى الذَّهابِ، فَنادانِي مُنادٍ مِن جانِبِ البَيْتِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
* *
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
(p-٤٧٥)أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في «فَضائِلِهِ»، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في «المَصاحِفِ» عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ قالَ: رَأى مَعِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لَوْحًا مَكْتُوبًا فِيهِ: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فَقالَ: مَن أمْلى عَلَيْكَ هَذا؟ قُلْتُ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، قالَ: إنَّ أُبَيًّا أقْرَؤُنا لِلْمَنسُوخِ، اقْرَأْها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: قِيلَ لِعُمَرَ: إنَّ أُبَيًّا يَقْرَأُ ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ عُمَرُ: أُبَيٌّ أعْلَمُنا بِالمَنسُوخِ، وكانَ يَقْرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) .
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في «الأُمِّ»، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في «المَصاحِفِ» والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ»، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ما سَمِعْتُ عُمَرَ يَقْرَؤُها قَطُّ إلّا: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) .
(p-٤٧٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ تُوُفِّيَ عُمَرُ وما يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ «الجُمُعَةِ» إلّا: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، والطَّبَرانِيُّ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) قالَ: ولَوْ كانَتْ: (فاسْعَوْا) لَسَعَيْتُ حَتّى يَسْقُطَ رِدائِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والطَّبَرانِيُّ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] [اللَّيْلِ: ٤] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، مِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما كانا يَقْرَأانِ: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُوها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) .
(p-٤٧٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: فامْضُوا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: ما هو بِالسَّعْيِ عَلى الأقْدامِ، ولَقَدْ نُهُوا أنْ يَأْتُوا الصَّلاةَ إلّا وعَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ والوَقارُ، ولَكِنْ بِالقُلُوبِ والنِّيَّةِ والخُشُوعِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: السَّعْيُ أنْ تَسْعى بِقَلْبِكَ وعَمَلِكَ، وهو المُضِيُّ إلَيْها، قالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] [الصّافّاتِ: ١٠٢] قالَ: لَمّا مَشى مَعَ أبِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ ثابِتٍ قالَ: كُنّا مَعَ أنَسِ بْنِ مالِكٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَسَمِعَ النِّداءَ بِالصَّلاةِ، فَقالَ: قُمْ لِنَسْعى إلَيْها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: الذَّهابُ والمَشْيُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّما السَّعْيُ العَمَلُ، ولَيْسَ السَّعْيُ عَلى الأقْدامِ.
(p-٤٧٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: السَّعْيُ العَمَلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصّامِتِ قالَ: خَرَجْتُ إلى المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلَقِيتُ أبا ذَرٍّ، فَبَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ النِّداءَ، فَرَفَعْتُ في المَشْيِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فَجَذَبَنِي جَذْبَةً فَقالَ: أوَلَسَنا في سَعْيٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: مَوْعِظَةِ الإمامِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««حُرِّمَتِ التِّجارَةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ ما بَيْنَ الأذانِ الأوَّلِ إلى الإقامَةِ إلى انْصِرافِ الإمامِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة»: ٩] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ «أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانا يَخْتَلِفانِ في تِجارَتِهِما إلى الشّامِ، فَرُبَّما قَدِما يَوْمَ الجُمُعَةِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ – يَخْطُبُ، فَيَدْعُونَهُ ويَقُومُونَ، فَما هم إلّا بُيَّعًا، حَتّى تُقامَ الصَّلاةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: (p-٤٧٩)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ قالَ: فَحَرُمَ عَلَيْهِمْ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: الأذانُ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ البَيْعُ هو الأذانُ الَّذِي عِنْدَ خُرُوجِ الإمامِ، قالَ: وأرى أنْ يُتْرَكَ البَيْعُ الآنَ، عِنْدَ الأذانِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ حَرُمَ الشِّراءُ والبَيْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ حَرُمَ البَيْعُ والتِّجارَةُ حَتّى تُقْضى الصَّلاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَطاءٍ والحَسَنِ أنَّهُما قالا ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أيُّوبَ قالَ: لِأهْلِ المَدِينَةِ ساعَةٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ يُنادُونَ: حَرُمَ البَيْعُ، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ الإمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: كانَ بِالمَدِينَةِ إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ يُنادُونَ في الأسْواقِ: حَرُمَ البَيْعُ (p-٤٨٠)حَرُمَ البَيْعُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ أنَّ القاسِمَ دَخَلَ عَلى أهْلِهِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، وعِنْدَهم عَطّارٌ يُبايِعُونَهُ، فاشْتَرَوْا مِنهُ، وخَرَجَ القاسِمُ إلى الجُمُعَةِ فَوَجَدَ الإمامَ قَدْ خَرَجَ، فَلَمّا رَجَعَ أمَرَهم أنْ يُناقِضُوهُ البَيْعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مَن باعَ شَيْئًا بَعْدَ الزَّوالِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَإنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنِ البَيْعِ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: هَلْ تَعْلَمُ مِن شَيْءٍ يَحْرُمُ إذا أُذِّنَ بِالأُولى سِوى البَيْعِ؟ قالَ عَطاءٌ: إذا نُودِيَ بِالأُولى حَرُمَ اللَّهْوُ والبَيْعُ، والصِّناعاتُ كُلُّها هي بِمَنزِلَةِ البَيْعِ، والرُّقادُ، وأنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أهْلَهُ، وأنْ يَكْتُبَ كِتابًا، قُلْتُ: إذا أُذِّنَ بِالأُولى وجَبَ الرَّواحُ حِينَئِذٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: مِن أجْلِ قَوْلِهِ: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ قالَ: نَعَمْ، فَلْيَدَعْ حِينَئِذٍ كُلَّ شَيْءٍ ولْيَرُحْ.
الجمعة 62:10
(p-٤٨١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ الحُبْرانِيِّ قالَ: «رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ المازِنِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا صَلّى الجُمُعَةَ خَرَجَ فَدارَ في السُّوقِ ساعَةً، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَسْجِدِ فَصَلّى ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُصَلِّيَ، فَقِيلَ لَهُ: لِأيِّ شَيْءٍ تَصْنَعُ هَذا؟ قالَ: لِأنِّي رَأيْتُ سَيِّدَ المُرْسَلِينَ – ﷺ - هَكَذا يَصْنَعُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: إذا انْصَرَفْتَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فاخْرُجْ إلى بابِ المَسْجِدِ، فَساوِمْ بِالشَّيْءِ، وإنْ لَمْ تَشْتَرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ رَباحٍ، أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يُصَلِّي بِالنّاسِ الجُمُعَةَ، فَإذا سَلَّمَ صاحَ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ فَيَبْتَدِرُ النّاسُ الأبْوابَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ قالا: إنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ (p-٤٨٢)فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ قالَ: هو إذْنٌ مِنَ اللَّهِ، فَإذا فَرَغَ فَإنْ شاءَ خَرَجَ، وإنْ شاءَ قَعَدَ في المَسْجِدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ قالَ: «لَيْسَ لِطَلَبِ دُنْيا، ولَكِنْ عِيادَةَ مَرِيضٍ، وحُضُورَ جِنازَةٍ، وزِيارَةَ أخٍ في اللَّهِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ قالَ: لَمْ يُؤْمَرُوا بِشَيْءٍ مِن طَلَبِ الدُّنْيا، إنَّما هو عِيادَةُ مَرِيضٍ، وحُضُورُ جِنازَةٍ، وزِيارَةُ أخٍ في اللَّهِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَن صَلّى الجُمُعَةَ، وصامَ يَوْمَهُ، وعادَ مَرِيضًا، وشَهِدَ جِنازَةً، وشَهِدَ نِكاحًا، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ»» .
الجمعة 62:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» مِن طُرُقٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «بَيْنَما النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قائِمًا إذْ قَدِمَتْ عِيرُ المَدِينَةِ، فابْتَدَرَها أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ (p-٤٨٣)ﷺ، حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ إلّا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا أنا فِيهِمْ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ يَبِيعُ سِلْعَةً لَهُ، فَما بَقِيَ في المَسْجِدِ أحَدٌ إلّا خَرَجَ، إلّا نَفَرٌ، والنَّبِيُّ ﷺ – قائِمٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ قالَ: قَدِمَ دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ بِتِجارَةٍ، فَخَرَجُوا يَنْظُرُونَ إلّا سَبْعَةَ نَفَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ قالَ: «جاءَتْ عِيرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تَحْمِلُ الطَّعامَ، فَخَرَجُوا مِنَ الجُمُعَةِ، بَعْضُهم يُرِيدُ أنْ يَشْتَرِيَ، وبَعْضُهم يُرِيدُ أنْ يَنْظُرَ إلى دِحْيَةَ، وتَرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا عَلى المِنبَرِ، وبَقِيَ في المَسْجِدِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا وسَبْعُ نِسْوَةٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ خَرَجُوا كُلُّهم لاضْطَرَمَ المَسْجِدُ عَلَيْهِمْ نارًا»» .
(p-٤٨٤)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قَدِمَتْ عِيرُ المَدِينَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قائِمٌ عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ، فانْفَضَّ أكْثَرُ مَن كانَ في المَسْجِدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة»: ١١] .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «مَراسِيلِهِ» عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الجُمُعَةَ قَبْلَ الخُطْبَةِ مِثْلَ العِيدَيْنِ، حَتّى كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ والنَّبِيُّ ﷺ – يَخْطُبُ، وقَدْ صَلّى الجُمُعَةَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ قَدِمَ بِتِجارَةٍ، وكانَ دِحْيَةُ إذا قَدِمَ تَلْقاهُ أهْلُهُ بِالدِّفافِ، فَخَرَجَ النّاسُ، ولَمْ يَظُنُّوا إلّا أنَّهُ لَيْسَ في تَرْكِ الخُطْبَةِ شَيْءٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ فَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الخُطْبَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وأخَّرَ الصَّلاةَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ ويَقُومُ قائِمًا، وإنَّ دِحْيَةَ الكَلْبِيَّ كانَ رَجُلًا تاجِرًا، وكانَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ إذا أقْبَلَ بِتِجارَتِهِ إلى المَدِينَةِ خَرَجَ النّاسُ يَنْظُرُونَ إلى ما جاءَ بِهِ، فَيَشْتَرُونَ مِنهُ، فَقَدِمَ ذاتَ يَوْمٍ المَدِينَةَ، ووافَقَ الجُمُعَةَ، والنّاسُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ، وهو قائِمٌ يَخْطُبُ، فاسْتَقْبَلَ أهْلُ دِحْيَةَ العِيرَ حِينَ دَخَلَ المَدِينَةَ بِالطَّبْلِ واللَّهْوِ، فَذَلِكَ اللَّهْوُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهَ، فَسَمِعَ النّاسُ في المَسْجِدِ أنَّ دِحْيَةَ قَدْ نَزَلَ بِتِجارَةٍ عِنْدَ أحْجارِ الزَّيْتِ، وهو مَكانٌ في سُوقِ المَدِينَةِ، وسَمِعُوا أصْواتًا (p-٤٨٥)فَخَرَجَ عامَّةُ النّاسِ إلى دِحْيَةَ يَنْظُرُونَ إلى تِجارَتِهِ وإلى اللَّهْوِ، وتَرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا لَيْسَ مَعَهُ كَثِيرُ أحَدٍ، فَبَلَغَنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وبَلَغَنا أنَّ العِدَّةَ الَّتِي بَقِيَتْ في المَسْجِدِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَّةٌ قَلِيلَةٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «لَوْلا هَؤُلاءِ - يَعْنِي الَّذِينَ بَقُوا في المَسْجِدِ عِنْدَ النَّبِيِّ، ﷺ - لَقَصَدَتْ إلَيْهِمُ الحِجارَةُ مِنَ السَّماءِ، ونَزَلَ: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الجمعة»: ١١] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَخْطُبُ النّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَإذا كانَ نِكاحٌ لَعِبُ أهْلُهُ وعَزَفُوا، ومَرُّوا بِاللَّهْوِ عَلى المَسْجِدِ، وإذا نَزَلَ بِالبَطْحاءِ جَلَبٌ، قالَ: وكانَتِ البَطْحاءُ مَجْلِسًا بِفِناءِ المَسْجِدِ الَّذِي يَلِي بَقِيعَ الغَرْقَدِ، وكانَتِ الأعْرابُ إذا جَلَبُوا الخَيْلَ، والإبِلَ، والغَنَمَ، وبَضائِعَ الأعْرابِ نَزَلُوا البَطْحاءَ، فَإذا سَمِعَ ذَلِكَ مَن يَقْعُدُ لِلْخُطْبَةِ قامُوا لِلَّهْوِ والتِّجارَةِ، وتَرَكُوهُ قائِمًا، فَعاتَبَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ لِنَبِيِّهِ ﷺ فَقالَ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ [الجمعة»: ١١] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ قالَ: رِجالٌ كانُوا يَقُومُونَ إلى نَواضِحِهِمْ، وإلى السَّفْرِ يَقْدَمُونَ، يَبْتَغُونَ التِّجارَةَ واللَّهْوَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إذْ قَدِمَتْ عِيرُ المَدِينَةِ، فانْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا رَهْطٌ، مِنهم أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَتابَعْتُمْ حَتّى لا يَبْقى مَعِيَ أحَدٌ مِنكم لَسالَ بِكُمُ الوادِي نارًا»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَخَطَبَهم ووَعَظَهم وذَكَّرَهُمْ، فَقِيلَ: جاءَتْ عِيرٌ، فَجَعَلُوا يَقُومُونَ حَتّى بَقِيَتْ عِصابَةٌ مِنهُمْ، فَقالَ: «كَمْ أنْتُمْ»؟ فَعَدُّوا أنْفُسَهُمْ، فَإذا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا وامْرَأةً، ثُمَّ قامَ الجُمُعَةَ الثّانِيَةَ، فَخَطَبَهم ووَعَظَهم وذَكَّرَهُمْ، فَقِيلَ: جاءَتْ عِيرٌ، فَجَعَلُوا يَقُومُونَ حَتّى بَقِيَتْ عِصابَةٌ مِنهُمْ، فَقالَ: «كَمْ أنْتُمْ» فَعَدُّوا أنْفُسَهم فَإذا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا وامْرَأةً، فَقالَ: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوِ اتَّبَعَ آخِرُكم أوَّلَكم لالتَهَبَ الوادِي عَلَيْكم نارًا» وأنْزَلَ اللَّهُ فِيها: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً﴾ الآيَةَ» .
(p-٤٨٧)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنِ الحَسَنِ قالَ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أقْبَلَ شاءٌ، وشَيْءٌ مِن سَمْنٍ، فَجَعَلَ النّاسُ يَقُومُونَ إلَيْهِ، حَتّى لَمْ يَبْقَ إلّا قَلِيلٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ تَتابَعْتُمْ لَتَأجَّجَ الوادِي نارًا»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ لَهْوًا﴾ قالَ: هو الضَّرْبُ بِالطَّبْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ سُئِلَ: أكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قائِمًا أوْ قاعِدًا؟ قالَ: أما تَقْرَأُ: ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ [الجمعة»: ١١] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وابْنَ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أنَّهُ دَخَلَ المَسْجِدَ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الحَكَمِ يَخْطُبُ قاعِدًا، فَقالَ: انْظُرُوا إلى هَذا الخَبِيثِ يَخْطُبُ قاعِدًا، وقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قائِمًا» .
(p-٤٨٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: «كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُطْبَتانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُما، يَقْرَأُ القُرْآنَ، ويُذَكِّرُ النّاسَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُما» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُبُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَرَأ: ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: سَألْتُ أبا عُبَيْدَةَ عَنِ الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَرَأ: ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قائِمًا (p-٤٨٩)وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وإنَّ أوَّلَ مَن جَلَسَ عَلى المِنبَرِ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: الجُلُوسُ عَلى المِنبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِدْعَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: إنَّما خَطَبَ مُعاوِيَةُ قاعِدًا حِينَ كَثُرَ شَحْمُ بَطْنِهِ ولَحْمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا صَعِدَ المِنبَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النّاسَ بِوَجْهِهِ، فَقالَ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ» ويَحْمَدُ اللَّهَ، ويُثْنِي عَلَيْهِ، ويَقْرَأُ سُورَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَنْزِلُ، وكانَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ يَفْعَلانِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: «كانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ – قَصْدًا، وصَلاتَهُ قَصْدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: إنَّما قُصِرَتْ صَلاةُ الجُمُعَةِ مِن أجْلِ الخُطْبَةِ.
(p-٤٩٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» والدَّيْلَمِيُّ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: «طَلَبْتُ خُطَبَ النَّبِيِّ ﷺ في الجُمُعَةِ فَأعْيَتْنِي، فَلَزِمْتُ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: كانَ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: «يا أيُّها النّاسُ إنَّ لَكم عِلْمًا فانْتَهُوا إلى عِلْمِكُمْ، وإنَّ لَكم نِهايَةً فانْتَهُوا إلى نِهايَتِكُمْ، فَإنَّ المُؤْمِنَ بَيْنَ مَخافَتَيْنِ، بَيْنَ أجَلٍ قَدْ مَضى لا يَدْرِي كَيْفَ صَنَعَ اللَّهُ فِيهِ، وبَيْنَ أجَلٍ قَدْ بَقِيَ لا يَدْرِي كَيْفَ اللَّهُ بِصانِعٍ فِيهِ، فَلْيَتَزَوَّدِ المَرْءُ مِن نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، ومِن دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ومِنَ الشَّبابِ قَبْلَ الهَرَمِ، ومِنَ الصِّحَّةِ قَبْلَ السَّقَمِ، فَإنَّكم خُلِقْتُمْ لِلْآخِرَةِ، والدُّنْيا خُلِقَتْ لَكُمْ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما بَعْدَ المَوْتِ مِن مُسْتَعْتَبٍ، وما بَعْدَ الدُّنْيا دارٌ إلّا الجَنَّةُ والنّارُ، وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكُمْ»» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ»، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «بَلَغَنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إذا خَطَبَ: «كُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، لا بُعْدَ لِما هو آتٍ، لا يُعَجِّلُ اللَّهُ لِعَجَلَةِ أحَدٍ، ولا يَخِفُّ لِأمْرِ النّاسِ، ما شاءَ اللَّهُ لا ما شاءَ النّاسُ، يُرِيدُ النّاسُ أمْرًا ويُرِيدُ اللَّهُ أمْرًا، وما شاءَ اللَّهُ كانَ ولَوْ كَرِهَ النّاسُ، لا مُبَعِّدَ لِما قَرَّبَ اللَّهُ، ولا مُقَرِّبَ لِما بَعَّدَ اللَّهُ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ»» .
المنافقون 63:1
(p-٤٩١)سُورَةُ المُنافِقِينَ.
مَدَنِيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ «المُنافِقِينَ» بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والطَّبَرانِيُّ في «الأوْسَطِ» بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في صَلاةِ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ «الجُمُعَةِ»، فَيُحَرِّضُ بِها المُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِيَةِ بِسُورَةِ «المُنافِقِينَ» فَيُقَرِّعُ بِها المُنافِقِينَ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي عِنَبَةَ الخَوْلانِيِّ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ «الجُمُعَةِ» والسُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها المُنافِقُونَ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ.
(p-٤٩٢)أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَأصابَ النّاسَ شَدَّةٌ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، وقالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَأرْسَلَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَألَهُ، فاجْتَهَدَ يَمِينَهُ ما فَعَلَ، فَقالُوا: كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَقَعَ في نَفْسِي مِمّا قالُوا شِدَّةٌ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقِي في: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ فَدَعاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، فَلَوَّوْا رُءُوسَهُمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] قالَ: كانُوا رِجالًا أجْمَلَ شَيْءٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ مَعَنا ناسٌ مِنَ الأعْرابِ، فَكُنّا نَبْتَدِرُ الماءَ، وكانَ الأعْرابُ يَسْبِقُونا إلَيْهِ، فَيَسْبِقُ الأعْرابِيُّ أصْحابَهُ، فَيَمْلَأُ الحَوْضَ، ويَجْعَلُ حَوْلَهُ حِجارَةً، ويَجْعَلُ النِّطْعَ عَلَيْهِ حَتّى (p-٤٩٣)يَجِيءَ أصْحابُهُ، فَأتى رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أعْرابِيًّا، فَأرْخى زِمامَ ناقَتِهِ لِتَشْرَبَ، فَأبى أنْ يَدَعَهُ، فانْتَزَعَ حَجَرًا فَفاضَ الماءُ، فَرَفَعَ الأعْرابِيُّ خَشَبَةً فَضَرَبَ بِها رَأْسَ الأنْصارِيِّ فَشَجَّهُ، فَأتى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ رَأْسَ المُنافِقِينَ فَأخْبَرَهُ، وكانَ مِن أصْحابِهِ، فَغَضِبَ، وقالَ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، يَعْنِي الأعْرابَ، وكانُوا يَحْضُرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الطَّعامِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأصْحابِهِ: إذا انْفَضُّوا مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ فائْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعامِ، فَلْيَأْكُلْ هو ومَن عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: إذا رَجَعْتُمْ إلى المَدِينَةِ فَلْيُخْرِجِ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ.
قالَ زَيْدٌ: وأنا رِدْفَ عَمِّي، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، وكُنّا أخْوالَهُ، فَأخْبَرْتُ عَمِّي، فانْطَلَقَ فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَلَفَ وجَحَدَ، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – وكَذَّبَنِي، فَجاءَ عَمِّي إلَيَّ فَقالَ: ما أرَدْتَ إلّا أنْ مَقْتَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – وكَذَّبَكَ، وكَذَّبَكَ المُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الهَمِّ ما لَمْ يَقَعْ عَلى أحَدٍ قَطُّ، فَبَيْنا أنا أسِيرُ وقَدْ خَفَقْتُ بِرَأْسِي مِنَ الهَمِّ، إذْ آتانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَرَكَ أُذُنِي، وضَحِكَ في وجْهِي، فَما كانَ يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِها الخُلْدَ أوِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ لَحِقَنِي، فَقالَ: ما قالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ؟ قُلْتُ: ما قالَ لِي شَيْئًا، إلّا أنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي، (p-٤٩٤)وضَحِكَ في وجْهِي، فَقالَ: أبْشِرْ، ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلِي لِأبِي بَكْرٍ، فَلَمّا أصْبَحْنا قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – سُورَةَ «المُنافِقِينَ»: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون»: ٨] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: لَمّا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ما قالَ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا، وقالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، سَمِعْتُهُ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَلامَنِي ناسٌ مِنَ الأنْصارِ، وجاءَهم يَحْلِفُ ما قالَ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ إلى المَنزِلِ فَنِمْتُ، فَأتانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ صَدَّقَكَ وعَذَرَكَ» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧] [المُنافِقُونَ: ٧] الآيَتَيْنِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «لَمّا قالَ ابْنُ أُبَيٍّ ما قالَ، أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ – فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ فَحَلَفَ ما قالَ، فَجَعَلَ ناسٌ يَقُولُونَ: جاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – بِالكَذِبِ، حَتّى جَلَسْتُ في البَيْتِ مَخافَةَ إذا رَأوْنِي قالُوا: هَذا الَّذِي يَكْذِبُ، (p-٤٩٥)حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ [المنافقون: ٧] الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ناسٍ مِن أصْحابِهِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَأتَيْتُ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ فَأخْبَرْتُهُ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَحَلَفَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِاللَّهِ ما تَكَلَّمَ بِهَذا، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، فَقالَ سَعْدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما أخْبَرَنِيهُ الغُلامُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، فَجاءَ سَعْدٌ فَأخَذَ بِيَدِي، فانْطَلَقَ بِي، فَقالَ: هَذا حَدَّثَنِي، فانْتَهَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فانْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – وبَكَيْتُ، وقُلْتُ: إي والَّذِي أنْزَلَ النُّورَ عَلَيْكَ لَقَدْ قالَهُ، وانْصَرَفَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سَمّاهُمُ اللَّهُ مُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كَتَمُوا الشِّرْكَ، وأظْهَرُوا الإيمانَ.
المنافقون 63:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ قالَ: حَلِفُهم بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمُ، اجْتَنُّوا بِأيْمانِهِمْ مِنَ القَتْلِ والحَرْبِ.
(p-٤٩٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ قالَ: يَجْتَنُّونَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ قالَ: اتَّخَذُوا حَلِفَهم جُنَّةً؛ لِيَعْصِمُوا بِها دِماءَهم وأمْوالَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا سافَرَ، كانَ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِن أغْنِياءِ المُؤْمِنِينَ رَجُلٌ مِنَ الفُقَراءِ، يَحْمِلُ لَهُ زادَهُ وماءَهُ، فَكانُوا إذا دَنَوْا مِنَ الماءِ تَقَدَّمَ الفُقَراءُ فاسْتَقَوْا لِأصْحابِهِمْ، فَسَبَقَهم أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأبَوْا أنْ يُخَلُّوا عَنِ المُؤْمِنِينَ، فَحَصَرَهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَلَمّا جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ نَظَرَ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، وقالَ: أمْسِكُوا عَنْهُمُ البَيْعَ، لا تُبايِعُوهُمْ، فَسَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ قَوْلَ ابْنِ أُبَيٍّ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ، وقَوْلَهُ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَأخْبَرَ عَمَّهُ، فَخَبَّرَ عَمُّهُ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ، فَعَجِبَ مِن صُورَتِهِ وجَمالِهِ، وهو يَمْشِي إلى النَّبِيِّ ﷺ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (p-٤٩٧)فَعَرَّفَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمّا أُخْبِرَ حَلَفَ ما قالَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾، وقالُوا: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] وكُلُّ شَيْءٍ أنْزَلَ اللَّهُ في المُنافِقِينَ فَإنَّما أرادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: أقَرُّوا بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قالَ: نَخْلٌ قِيامٌ.
المنافقون 63:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ قالَ: حَلِفُهم بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمُ، اجْتَنُّوا بِأيْمانِهِمْ مِنَ القَتْلِ والحَرْبِ.
(p-٤٩٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ قالَ: يَجْتَنُّونَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ قالَ: اتَّخَذُوا حَلِفَهم جُنَّةً؛ لِيَعْصِمُوا بِها دِماءَهم وأمْوالَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا سافَرَ، كانَ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِن أغْنِياءِ المُؤْمِنِينَ رَجُلٌ مِنَ الفُقَراءِ، يَحْمِلُ لَهُ زادَهُ وماءَهُ، فَكانُوا إذا دَنَوْا مِنَ الماءِ تَقَدَّمَ الفُقَراءُ فاسْتَقَوْا لِأصْحابِهِمْ، فَسَبَقَهم أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأبَوْا أنْ يُخَلُّوا عَنِ المُؤْمِنِينَ، فَحَصَرَهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَلَمّا جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ نَظَرَ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، وقالَ: أمْسِكُوا عَنْهُمُ البَيْعَ، لا تُبايِعُوهُمْ، فَسَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ قَوْلَ ابْنِ أُبَيٍّ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ، وقَوْلَهُ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَأخْبَرَ عَمَّهُ، فَخَبَّرَ عَمُّهُ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ، فَعَجِبَ مِن صُورَتِهِ وجَمالِهِ، وهو يَمْشِي إلى النَّبِيِّ ﷺ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (p-٤٩٧)فَعَرَّفَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمّا أُخْبِرَ حَلَفَ ما قالَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾، وقالُوا: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] وكُلُّ شَيْءٍ أنْزَلَ اللَّهُ في المُنافِقِينَ فَإنَّما أرادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: أقَرُّوا بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قالَ: نَخْلٌ قِيامٌ.
المنافقون 63:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ قالَ: حَلِفُهم بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمُ، اجْتَنُّوا بِأيْمانِهِمْ مِنَ القَتْلِ والحَرْبِ.
(p-٤٩٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ قالَ: يَجْتَنُّونَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ قالَ: اتَّخَذُوا حَلِفَهم جُنَّةً؛ لِيَعْصِمُوا بِها دِماءَهم وأمْوالَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا سافَرَ، كانَ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِن أغْنِياءِ المُؤْمِنِينَ رَجُلٌ مِنَ الفُقَراءِ، يَحْمِلُ لَهُ زادَهُ وماءَهُ، فَكانُوا إذا دَنَوْا مِنَ الماءِ تَقَدَّمَ الفُقَراءُ فاسْتَقَوْا لِأصْحابِهِمْ، فَسَبَقَهم أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأبَوْا أنْ يُخَلُّوا عَنِ المُؤْمِنِينَ، فَحَصَرَهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَلَمّا جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ نَظَرَ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، وقالَ: أمْسِكُوا عَنْهُمُ البَيْعَ، لا تُبايِعُوهُمْ، فَسَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ قَوْلَ ابْنِ أُبَيٍّ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ، وقَوْلَهُ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَأخْبَرَ عَمَّهُ، فَخَبَّرَ عَمُّهُ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ، فَعَجِبَ مِن صُورَتِهِ وجَمالِهِ، وهو يَمْشِي إلى النَّبِيِّ ﷺ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (p-٤٩٧)فَعَرَّفَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمّا أُخْبِرَ حَلَفَ ما قالَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾، وقالُوا: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] وكُلُّ شَيْءٍ أنْزَلَ اللَّهُ في المُنافِقِينَ فَإنَّما أرادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: أقَرُّوا بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وقُلُوبُهم تَأْبى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قالَ: نَخْلٌ قِيامٌ.
المنافقون 63:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ مَنزِلًا في السَّفَرِ لَمْ يَرْتَحِلْ مِنهُ حَتّى يُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمّا كانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ نَزَلَ مَنزِلًا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فارْتَحَلَ ولَمْ يُصَلِّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَذَكَرَ قِصَّةَ ابْنِ أُبَيٍّ، ونَزَلَ القُرْآنُ، قالَ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ (p-٤٩٨)لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١] وجاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ ويَحْلِفُ ما قالَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ: «تُبْ» فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، قِيلَ لَهُ: تَعالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَوّى رَأْسَهُ، وقالَ: ماذا قُلْتَ؟! .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ قالَ: حَرَّكُوها اسْتِهْزاءً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: «نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّ غُلامًا مِن قَرابَتِهِ انْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِحَدِيثٍ وتَكْذِيبٍ شَدِيدٍ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو يَحْلِفُ ويَتَبَرَّأُ مِن ذَلِكَ، وأقْبَلَتِ الأنْصارُ عَلى ذَلِكَ الغُلامِ فَلامُوهُ وعَذَلُوهُ، وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاسْتَغْفَرَ لَكَ، فَجَعَلَ يُلَوِّي رَأْسَهُ، ويَقُولُ: لَسْتُ فاعِلًا، وكَذَبَ عَلَيَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ما تَسْمَعُونَ» .
(p-٤٩٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ الحَكَمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ كانَ لَهُ ابْنٌ يُقالُ لَهُ: حُبابٌ، فَسَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ والِدِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَذَرْنِي حَتّى أقْتُلَهُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَقْتُلْ أباكَ» ثُمَّ جاءَهُ أيْضًا فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ والِدِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَذَرْنِي حَتّى أقْتُلَهُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَقْتُلْ أباكَ» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَرْنِي حَتّى أُسْقِيَهُ مِن وضُوئِكَ؛ لَعَلَّ قَلْبَهُ أنْ تَلِينَ، فَتَوَضَّأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – وأعْطاهُ، فَذَهَبَ بِهِ إلى أبِيهِ، فَسَقاهُ، ثُمَّ قالَ لَهُ: هَلْ تَدْرِي ما سَقَيْتُكَ؟ قالَ لَهُ والِدُهُ: نَعَمْ، سَقَيْتَنِي بَوْلَ أُمِّكَ، فَقالَ لَهُ ابْنُهُ: لا واللَّهِ، ولَكِنْ سَقَيْتُكَ وضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَظِيمَ الشَّأْنِ فِيهِمْ، وفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في «المُنافِقِينَ»: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] وهو الَّذِي قالَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] قالَ الحَكَمُ: ثُمَّ حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ مُسْلِمٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: يا أبا حُبابٍ، إنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ آيٌ شِدادٌ، فاذْهَبْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فَلَوّى رَأْسَهُ، ثُمَّ قالَ: أمَرْتُمُونِي أنْ أُؤْمِن فَقَدْ آمَنتُ (p-٥٠٠)وأمَرْتُمُونِي أنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي، فَأعْطَيْتُ، فَما بَقِيَ إلّا أنْ أسْجُدَ لِمُحَمَّدٍ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «كانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَقامٌ يَقُومُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ لا يَتْرُكُهُ؛ شَرَفًا لَهُ في نَفْسِهِ وفي قَوْمِهِ، فَكانَ إذا جَلَسَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَخْطُبُ، قامَ فَقالَ: أيُّها النّاسُ هَذا رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ، أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ، وأعَزَّكم بِهِ، فانْصُرُوهُ، وعَزِّرُوهُ، واسْمَعُوا لَهُ وأطِيعُوا، ثُمَّ يَجْلِسُ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أُحُدٍ، وصَنَعَ المُنافِقُ ما صَنَعَ في أُحُدٍ، فَقامَ يَفْعَلُ كَما كانَ يَفْعَلُ، فَأخَذَ المُسْلِمُونَ بِثِيابِهِ مِن نَواحِيهِ وقالُوا: اجْلِسْ يا عَدُوَّ اللَّهِ، لَسْتَ لِهَذا المَقامِ بِأهْلٍ، قَدْ صَنَعْتَ ما صَنَعْتَ، فَخَرَجَ يَتَخَطّى رِقابَ النّاسِ وهو يَقُولُ: واللَّهِ لِكَأنِّي قُلْتُ هُجْرًا أنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أمْرَهُ! فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: ويْلَكَ! ارْجِعْ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ المُنافِقُ: واللَّهِ ما أبْغِي أنْ يَسْتَغْفِرَ لِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ «بَراءَةَ»: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] [التَّوْبَةِ: ٨٠] قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أسْمَعُ رَبِّي قَدْ رَخَّصَ لِي (p-٥٠١)فِيهِمْ، فَواللَّهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً؛ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَغْفِرَ لَهُمْ» فَنَزَلَتْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون»: ٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُرْوَةٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] [التَّوْبَةِ: ٨٠] قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ» .
المنافقون 63:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ مَنزِلًا في السَّفَرِ لَمْ يَرْتَحِلْ مِنهُ حَتّى يُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمّا كانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ نَزَلَ مَنزِلًا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فارْتَحَلَ ولَمْ يُصَلِّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَذَكَرَ قِصَّةَ ابْنِ أُبَيٍّ، ونَزَلَ القُرْآنُ، قالَ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ (p-٤٩٨)لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١] وجاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ ويَحْلِفُ ما قالَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ: «تُبْ» فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، قِيلَ لَهُ: تَعالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَوّى رَأْسَهُ، وقالَ: ماذا قُلْتَ؟! .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ قالَ: حَرَّكُوها اسْتِهْزاءً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: «نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّ غُلامًا مِن قَرابَتِهِ انْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِحَدِيثٍ وتَكْذِيبٍ شَدِيدٍ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو يَحْلِفُ ويَتَبَرَّأُ مِن ذَلِكَ، وأقْبَلَتِ الأنْصارُ عَلى ذَلِكَ الغُلامِ فَلامُوهُ وعَذَلُوهُ، وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاسْتَغْفَرَ لَكَ، فَجَعَلَ يُلَوِّي رَأْسَهُ، ويَقُولُ: لَسْتُ فاعِلًا، وكَذَبَ عَلَيَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ما تَسْمَعُونَ» .
(p-٤٩٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ الحَكَمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ كانَ لَهُ ابْنٌ يُقالُ لَهُ: حُبابٌ، فَسَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ والِدِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَذَرْنِي حَتّى أقْتُلَهُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَقْتُلْ أباكَ» ثُمَّ جاءَهُ أيْضًا فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ والِدِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَذَرْنِي حَتّى أقْتُلَهُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَقْتُلْ أباكَ» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَرْنِي حَتّى أُسْقِيَهُ مِن وضُوئِكَ؛ لَعَلَّ قَلْبَهُ أنْ تَلِينَ، فَتَوَضَّأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – وأعْطاهُ، فَذَهَبَ بِهِ إلى أبِيهِ، فَسَقاهُ، ثُمَّ قالَ لَهُ: هَلْ تَدْرِي ما سَقَيْتُكَ؟ قالَ لَهُ والِدُهُ: نَعَمْ، سَقَيْتَنِي بَوْلَ أُمِّكَ، فَقالَ لَهُ ابْنُهُ: لا واللَّهِ، ولَكِنْ سَقَيْتُكَ وضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَظِيمَ الشَّأْنِ فِيهِمْ، وفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في «المُنافِقِينَ»: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] وهو الَّذِي قالَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] قالَ الحَكَمُ: ثُمَّ حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ مُسْلِمٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: يا أبا حُبابٍ، إنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ آيٌ شِدادٌ، فاذْهَبْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فَلَوّى رَأْسَهُ، ثُمَّ قالَ: أمَرْتُمُونِي أنْ أُؤْمِن فَقَدْ آمَنتُ (p-٥٠٠)وأمَرْتُمُونِي أنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي، فَأعْطَيْتُ، فَما بَقِيَ إلّا أنْ أسْجُدَ لِمُحَمَّدٍ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «كانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَقامٌ يَقُومُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ لا يَتْرُكُهُ؛ شَرَفًا لَهُ في نَفْسِهِ وفي قَوْمِهِ، فَكانَ إذا جَلَسَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَخْطُبُ، قامَ فَقالَ: أيُّها النّاسُ هَذا رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ، أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ، وأعَزَّكم بِهِ، فانْصُرُوهُ، وعَزِّرُوهُ، واسْمَعُوا لَهُ وأطِيعُوا، ثُمَّ يَجْلِسُ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أُحُدٍ، وصَنَعَ المُنافِقُ ما صَنَعَ في أُحُدٍ، فَقامَ يَفْعَلُ كَما كانَ يَفْعَلُ، فَأخَذَ المُسْلِمُونَ بِثِيابِهِ مِن نَواحِيهِ وقالُوا: اجْلِسْ يا عَدُوَّ اللَّهِ، لَسْتَ لِهَذا المَقامِ بِأهْلٍ، قَدْ صَنَعْتَ ما صَنَعْتَ، فَخَرَجَ يَتَخَطّى رِقابَ النّاسِ وهو يَقُولُ: واللَّهِ لِكَأنِّي قُلْتُ هُجْرًا أنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أمْرَهُ! فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: ويْلَكَ! ارْجِعْ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ المُنافِقُ: واللَّهِ ما أبْغِي أنْ يَسْتَغْفِرَ لِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ «بَراءَةَ»: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] [التَّوْبَةِ: ٨٠] قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أسْمَعُ رَبِّي قَدْ رَخَّصَ لِي (p-٥٠١)فِيهِمْ، فَواللَّهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً؛ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَغْفِرَ لَهُمْ» فَنَزَلَتْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون»: ٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُرْوَةٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] [التَّوْبَةِ: ٨٠] قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ» .
المنافقون 63:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ في «المُخْتارَةِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ في عَسِيفٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما قَرَأا: (لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ) .
(p-٥٠٢)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ لِأصْحابِهِ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ؛ فَإنَّكم لَوْ لَمْ تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ قَدِ انْفَضُّوا.
«وفِي قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ قالَ: قَدْ قالَها مُنافِقٌ عَظِيمُ النِّفاقِ في رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا، أحَدُهُما غِفارِيٌّ والآخَرُ جُهَنِيٌّ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَنِيُّ وكانَ بَيْنَ جُهَيْنَةَ وبَيْنَ الأنْصارِ حِلْفٌ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: يا بَنِي الأوْسِ والخَزْرَجِ، عَلَيْكم صاحِبَكم وحَلِيفَكُمْ، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَعى بِها بَعْضُهم إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقالَ عُمَرُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، مُرْ مُعاذًا أنْ يَضْرِبَ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ: «لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ» .
وذُكِرَ لَنا أنَّهُ كَثُرَ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ عِنْدَهُ، فَقالَ: «هَلْ يُصَلِّي»؟ قالَ: نَعَمْ، ولا خَيْرَ في صِلاتِهِ، قالَ: «نُهِيتُ عَنِ المُصَلِّينَ، نُهِيتُ عَنِ المُصَلِّينَ، نُهِيتُ عَنِ المُصَلِّينَ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ يَقُولُ: لا تُطْعِمُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ حَتّى تُصِيبَهم مَجاعَةٌ فَيَتْرُكُوا نَبِيَّهم.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ قالَ: قالَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، وأُناسٌ مَعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزاةٍ - قالَ سُفْيانُ: يَرَوْنَ أنَّها غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ المُهاجِرِيُّ: يا لَلْمُهاجِرِينَ، وقالَ الأنْصارِيُّ: يا لَلْأنْصارِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: «ما بالُ دَعْوى الجاهِلِيَّةِ» قالُوا: رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ» فَسَمِعَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقالَ: أوَقَدْ فَعَلُوها؟! واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ (p-٥٠٤)النَّبِيُّ ﷺ: «دَعْهُ، لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ» زادَ التِّرْمِذِيُّ: فَقالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: واللَّهِ لا تَنْقَلِبُ حَتّى تُقِرَّ أنَّكَ الذَّلِيلُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ – العَزِيزُ، فَفَعَلَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ بَيْنَ غُلامٍ مِنَ الأنْصارِ وغُلامٍ مِن بَنِي غِفارٍ في الطَّرِيقِ كَلامٌ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: هَنِيئًا لَكم بِلَوْسٍ هَنِيئًا، جَمَعْتُمْ سُرّاقَ الحَجِيجِ مِن مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ، فَغَلَبُوكم عَلى ثِمارِكُمْ! ولَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا حَضَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ المَوْتُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَرى بَيْنَهُما كَلامٌ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: قَدْ أفْقَهُ ما تَقُولُ، ولَكِنْ مُنَّ عَلَيَّ اليَوْمَ، وكَفِّنِّي بِقَمِيصِكَ هَذا، وصَلِّ عَلَيَّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكَفَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِقَمِيصِهِ، وصَلّى عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ؟ وأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَخْدَعْ إنْسانًا قَطُّ، غَيْرَ أنَّهُ قالَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ كَلِمَةً حَسَنَةً، فَسُئِلَ عِكْرِمَةُ: ما هَذِهِ الكَلِمَةُ؟ قالَ: قالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يا أبا حُبابٍ، إنّا قَدْ مَنَعْنا مُحَمَّدًا طَوافَ هَذا البَيْتِ، ولَكِنّا نَأْذَنُ لَكَ فَقالَ: لا، (p-٥٠٥)لِي في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، قالَ: فَلَمّا بَلَغُوا المَدِينَةَ أخَذَ ابْنُهُ السَّيْفَ، ثُمَّ قالَ لِوالِدِهِ: أنْتَ تَزْعُمُ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ؟! واللَّهِ لا تَدْخُلُها حَتّى يَأْذَنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ الحُمَيْدِيُّ في «مُسْنَدِهِ» عَنْ أبِي هارُونَ المَدَنِيِّ قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ لِأبِيهِ: واللَّهِ لا تَدْخُلُ المَدِينَةَ أبَدًا حَتّى تَقُولَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – الأعَزُّ، وأنا الأذَلُّ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: «لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن بَنِي المُصْطَلِقِ، قامَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَلَّ عَلى أبِيهِ السَّيْفَ، وقالَ: واللَّهِ عَلَيَّ ألّا أُغْمِدَهُ حَتّى تَقُولَ: مُحَمَّدٌ الأعَزُّ وأنا الأذَلُّ، فَقالَ: ويْلَكَ! مُحَمَّدٌ الأعَزُّ وأنا الأذَلُّ، فَبَلَغَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – فَأعْجَبَهُ، وشَكَرَها لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ سَلْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلى أبِيهِ السَّيْفَ، وقالَ: لَأضْرِبَنَّكَ أوْ تَقُولَ: أنا الأذَلُّ ومُحَمَّدٌ الأعَزُّ، فَلَمْ يَبْرَحْ حَتّى قالَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عُرْوَةَ، «أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، لَمّا أتَوُا المَنزِلَ كانَ بَيْنَ غِلْمانٍ مِنَ المُهاجِرِينَ وغِلْمانٍ مِنَ الأنْصارِ (p-٥٠٦)قِتالٌ، فَقالَ غِلْمانٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: يا لَلْمُهاجِرِينَ، وقالَ غِلْمانٌ مِنَ الأنْصارِ: يا لَلْأنْصارِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ، فَقالَ: أما واللَّهِ لَوْ أنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمُ انْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، أما واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ، فَبَلَّغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَهم بِالرَّحِيلِ، فَأدْرَكَ رَكْبًا مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ في المَسِيرِ، فَقالَ لَهم: «ألَمْ تَعْلَمُوا ما قالَ المُنافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ»؟ قالُوا: وماذا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «قالَ: أما واللَّهِ لَوْ لَمْ تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، أما واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ«قالُوا: صَدَقَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأنْتَ واللَّهِ العَزِيزُ وهو الذَّلِيلُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ مُعَسِكَرًا، وأنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ كَلامٌ، حَتّى اشْتَدَّ الأمْرُ بَيْنَهُما، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَخَرَجَ فَنادى: غَلَبَنِي عَلى قَوْمِي مَن لا قَوْمَ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ عامِدًا لِيَضْرِبَهُ، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] [الحُجْراتِ: ١] فَرَجَعَ حَتّى دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «ما لَكَ يا عُمَرُ»؟ قالَ: العَجَبُ مِن ذَلِكَ المُنافِقِ! يَقُولُ: غَلَبَنِي عَلى قَوْمِي مَن لا قَوْمَ لَهُ، واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: قُمْ فَنادِ في النّاسِ (p-٥٠٧)يَرْتَحِلُوا» فَتَفَرَّقَ القَوْمُ، فَخَرَجَ عُمَرُ فَنادى: يا أيُّها النّاسُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – مُرْتَحِلٌ، فارْتَحِلُوا، فَسارُوا حَتّى إذا كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المَدِينَةِ مَسِيرَةُ لَيْلَةٍ، تَعَجَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، حَتّى أناخَ بِجامِعِ طُرُقِ المَدِينَةِ، ودَخَلَ النّاسُ، حَتّى جاءَ أبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقالَ: وراءَكَ، فَقالَ: ما لَكَ ويْلَكَ؟! قالَ: واللَّهِ لا تَدْخُلُها أبَدًا إلّا أنْ يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ، ولَيَعْلَمَنَّ اليَوْمَ مَنِ الأعَزُّ مِنَ الأذَلِّ، فَرَجَعَ حَتّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكا إلَيْهِ ما صَنَعَ ابْنُهُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أنْ خَلِّ عَنْهُ حَتّى يَدْخُلَ، فَفَعَلَ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا أيّامًا قَلائِلَ حَتّى اشْتَكى عَبْدُ اللَّهِ فاشْتَدَّ وجَعُهُ، فَقالَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: يا بُنَيَّ، ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – فادْعُهُ؛ فَإنَّكَ إنْ أنْتَ طَلَبْتَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَعَلَ، فَفَعَلَ ابْنُهُ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ، إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ شَدِيدُ الوَجَعِ، وقَدْ طَلَبَ إلَيَّ أنْ آتِيَكَ فَتَأْتِيَهُ؛ فَإنَّهُ قَدِ اشْتاقَ إلى لِقائِكَ، فَأخَذَ نَعْلَيْهِ فَقامَ، وقامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لِأهْلِهِ حِينَ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ: أجْلِسُونِي، فَأجْلَسُوهُ، فَبَكى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أجَزَعًا يا عَدُوَّ اللَّهِ الآنَ»؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَمْ أدْعُكَ لِتُؤَنِّبَنِي، ولَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَرْحَمَنِي، فاغْرَوْرَقَتْ عَيْنا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «ما حاجَتُكَ»؟ قالَ: حاجَتِي إذا أنا مُتُّ أنْ تَشْهَدَ غُسْلِي، وتُكَفِّنِّي في ثَلاثَةِ أثْوابٍ مِن أثْوابِكَ، وتَمْشِيَ مَعَ جِنازَتِي، وتُصَلِّيَ عَلَيَّ، فَفَعَلَ (p-٥٠٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة»: ٨٤] .
المنافقون 63:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ في «المُخْتارَةِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ في عَسِيفٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما قَرَأا: (لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ) .
(p-٥٠٢)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ لِأصْحابِهِ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ؛ فَإنَّكم لَوْ لَمْ تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ قَدِ انْفَضُّوا.
«وفِي قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ قالَ: قَدْ قالَها مُنافِقٌ عَظِيمُ النِّفاقِ في رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا، أحَدُهُما غِفارِيٌّ والآخَرُ جُهَنِيٌّ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَنِيُّ وكانَ بَيْنَ جُهَيْنَةَ وبَيْنَ الأنْصارِ حِلْفٌ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: يا بَنِي الأوْسِ والخَزْرَجِ، عَلَيْكم صاحِبَكم وحَلِيفَكُمْ، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَعى بِها بَعْضُهم إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقالَ عُمَرُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، مُرْ مُعاذًا أنْ يَضْرِبَ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ: «لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ» .
وذُكِرَ لَنا أنَّهُ كَثُرَ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ عِنْدَهُ، فَقالَ: «هَلْ يُصَلِّي»؟ قالَ: نَعَمْ، ولا خَيْرَ في صِلاتِهِ، قالَ: «نُهِيتُ عَنِ المُصَلِّينَ، نُهِيتُ عَنِ المُصَلِّينَ، نُهِيتُ عَنِ المُصَلِّينَ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ يَقُولُ: لا تُطْعِمُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ حَتّى تُصِيبَهم مَجاعَةٌ فَيَتْرُكُوا نَبِيَّهم.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ قالَ: قالَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، وأُناسٌ مَعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزاةٍ - قالَ سُفْيانُ: يَرَوْنَ أنَّها غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ المُهاجِرِيُّ: يا لَلْمُهاجِرِينَ، وقالَ الأنْصارِيُّ: يا لَلْأنْصارِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: «ما بالُ دَعْوى الجاهِلِيَّةِ» قالُوا: رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ» فَسَمِعَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقالَ: أوَقَدْ فَعَلُوها؟! واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ (p-٥٠٤)النَّبِيُّ ﷺ: «دَعْهُ، لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ» زادَ التِّرْمِذِيُّ: فَقالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: واللَّهِ لا تَنْقَلِبُ حَتّى تُقِرَّ أنَّكَ الذَّلِيلُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ – العَزِيزُ، فَفَعَلَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ بَيْنَ غُلامٍ مِنَ الأنْصارِ وغُلامٍ مِن بَنِي غِفارٍ في الطَّرِيقِ كَلامٌ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: هَنِيئًا لَكم بِلَوْسٍ هَنِيئًا، جَمَعْتُمْ سُرّاقَ الحَجِيجِ مِن مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ، فَغَلَبُوكم عَلى ثِمارِكُمْ! ولَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا حَضَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ المَوْتُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَرى بَيْنَهُما كَلامٌ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: قَدْ أفْقَهُ ما تَقُولُ، ولَكِنْ مُنَّ عَلَيَّ اليَوْمَ، وكَفِّنِّي بِقَمِيصِكَ هَذا، وصَلِّ عَلَيَّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكَفَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِقَمِيصِهِ، وصَلّى عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ؟ وأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَخْدَعْ إنْسانًا قَطُّ، غَيْرَ أنَّهُ قالَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ كَلِمَةً حَسَنَةً، فَسُئِلَ عِكْرِمَةُ: ما هَذِهِ الكَلِمَةُ؟ قالَ: قالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يا أبا حُبابٍ، إنّا قَدْ مَنَعْنا مُحَمَّدًا طَوافَ هَذا البَيْتِ، ولَكِنّا نَأْذَنُ لَكَ فَقالَ: لا، (p-٥٠٥)لِي في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، قالَ: فَلَمّا بَلَغُوا المَدِينَةَ أخَذَ ابْنُهُ السَّيْفَ، ثُمَّ قالَ لِوالِدِهِ: أنْتَ تَزْعُمُ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ؟! واللَّهِ لا تَدْخُلُها حَتّى يَأْذَنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ الحُمَيْدِيُّ في «مُسْنَدِهِ» عَنْ أبِي هارُونَ المَدَنِيِّ قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ لِأبِيهِ: واللَّهِ لا تَدْخُلُ المَدِينَةَ أبَدًا حَتّى تَقُولَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – الأعَزُّ، وأنا الأذَلُّ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: «لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن بَنِي المُصْطَلِقِ، قامَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَلَّ عَلى أبِيهِ السَّيْفَ، وقالَ: واللَّهِ عَلَيَّ ألّا أُغْمِدَهُ حَتّى تَقُولَ: مُحَمَّدٌ الأعَزُّ وأنا الأذَلُّ، فَقالَ: ويْلَكَ! مُحَمَّدٌ الأعَزُّ وأنا الأذَلُّ، فَبَلَغَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – فَأعْجَبَهُ، وشَكَرَها لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ سَلْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلى أبِيهِ السَّيْفَ، وقالَ: لَأضْرِبَنَّكَ أوْ تَقُولَ: أنا الأذَلُّ ومُحَمَّدٌ الأعَزُّ، فَلَمْ يَبْرَحْ حَتّى قالَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عُرْوَةَ، «أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، لَمّا أتَوُا المَنزِلَ كانَ بَيْنَ غِلْمانٍ مِنَ المُهاجِرِينَ وغِلْمانٍ مِنَ الأنْصارِ (p-٥٠٦)قِتالٌ، فَقالَ غِلْمانٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: يا لَلْمُهاجِرِينَ، وقالَ غِلْمانٌ مِنَ الأنْصارِ: يا لَلْأنْصارِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ، فَقالَ: أما واللَّهِ لَوْ أنَّهم لَمْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمُ انْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، أما واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ، فَبَلَّغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَهم بِالرَّحِيلِ، فَأدْرَكَ رَكْبًا مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ في المَسِيرِ، فَقالَ لَهم: «ألَمْ تَعْلَمُوا ما قالَ المُنافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ»؟ قالُوا: وماذا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «قالَ: أما واللَّهِ لَوْ لَمْ تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، أما واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ«قالُوا: صَدَقَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأنْتَ واللَّهِ العَزِيزُ وهو الذَّلِيلُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ مُعَسِكَرًا، وأنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ كَلامٌ، حَتّى اشْتَدَّ الأمْرُ بَيْنَهُما، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَخَرَجَ فَنادى: غَلَبَنِي عَلى قَوْمِي مَن لا قَوْمَ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ عامِدًا لِيَضْرِبَهُ، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] [الحُجْراتِ: ١] فَرَجَعَ حَتّى دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «ما لَكَ يا عُمَرُ»؟ قالَ: العَجَبُ مِن ذَلِكَ المُنافِقِ! يَقُولُ: غَلَبَنِي عَلى قَوْمِي مَن لا قَوْمَ لَهُ، واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: قُمْ فَنادِ في النّاسِ (p-٥٠٧)يَرْتَحِلُوا» فَتَفَرَّقَ القَوْمُ، فَخَرَجَ عُمَرُ فَنادى: يا أيُّها النّاسُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – مُرْتَحِلٌ، فارْتَحِلُوا، فَسارُوا حَتّى إذا كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المَدِينَةِ مَسِيرَةُ لَيْلَةٍ، تَعَجَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، حَتّى أناخَ بِجامِعِ طُرُقِ المَدِينَةِ، ودَخَلَ النّاسُ، حَتّى جاءَ أبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقالَ: وراءَكَ، فَقالَ: ما لَكَ ويْلَكَ؟! قالَ: واللَّهِ لا تَدْخُلُها أبَدًا إلّا أنْ يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ، ولَيَعْلَمَنَّ اليَوْمَ مَنِ الأعَزُّ مِنَ الأذَلِّ، فَرَجَعَ حَتّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَكا إلَيْهِ ما صَنَعَ ابْنُهُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أنْ خَلِّ عَنْهُ حَتّى يَدْخُلَ، فَفَعَلَ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا أيّامًا قَلائِلَ حَتّى اشْتَكى عَبْدُ اللَّهِ فاشْتَدَّ وجَعُهُ، فَقالَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: يا بُنَيَّ، ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – فادْعُهُ؛ فَإنَّكَ إنْ أنْتَ طَلَبْتَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَعَلَ، فَفَعَلَ ابْنُهُ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ، إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ شَدِيدُ الوَجَعِ، وقَدْ طَلَبَ إلَيَّ أنْ آتِيَكَ فَتَأْتِيَهُ؛ فَإنَّهُ قَدِ اشْتاقَ إلى لِقائِكَ، فَأخَذَ نَعْلَيْهِ فَقامَ، وقامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لِأهْلِهِ حِينَ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ: أجْلِسُونِي، فَأجْلَسُوهُ، فَبَكى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أجَزَعًا يا عَدُوَّ اللَّهِ الآنَ»؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَمْ أدْعُكَ لِتُؤَنِّبَنِي، ولَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَرْحَمَنِي، فاغْرَوْرَقَتْ عَيْنا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «ما حاجَتُكَ»؟ قالَ: حاجَتِي إذا أنا مُتُّ أنْ تَشْهَدَ غُسْلِي، وتُكَفِّنِّي في ثَلاثَةِ أثْوابٍ مِن أثْوابِكَ، وتَمْشِيَ مَعَ جِنازَتِي، وتُصَلِّيَ عَلَيَّ، فَفَعَلَ (p-٥٠٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة»: ٨٤] .
المنافقون 63:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم عِبادٌ مِن أُمَّتِي، الصّالِحُونَ مِنهم لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ الخَمْسِ المَفْرُوضَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن كانَ لَهُ مالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ، أوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ فَلَمْ يَفْعَلْ، سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ»»، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، اتَّقِ اللَّهَ، فَإنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكُفّارُ، فَقالَ: سَأتْلُو عَلَيْكم بِذَلِكَ قُرْآنًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هو الرَّجُلُ المُؤْمِنُ إذا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ، ولَهُ مالٌ لَمْ يُزَكِّهِ، ولَمْ يَحُجَّ مِنهُ، ولَمْ يُعْطِ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، يَسْألُ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ (p-٥٠٩)لِيَتَصَدَّقَ مِن مالِهِ ويُزَكِّيَ، قالَ اللَّهُ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: عَنِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي الزَّكاةَ والنَّفَقَةَ في الحَجِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ قالَ: أُزَكِّيَ، ﴿وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ: أحُجَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ، أنَّهُ قَرَأ: (فَأصَّدَّقَ وأكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ) بِالواوِ.
(p-٥١٠)وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في «المَصاحِفِ» عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: القِراءَةُ سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ، فاقْرَءُوا القُرْآنَ كَما أُقْرِئْتُمُوهُ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .
المنافقون 63:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم عِبادٌ مِن أُمَّتِي، الصّالِحُونَ مِنهم لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ الخَمْسِ المَفْرُوضَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن كانَ لَهُ مالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ، أوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ فَلَمْ يَفْعَلْ، سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ»»، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، اتَّقِ اللَّهَ، فَإنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكُفّارُ، فَقالَ: سَأتْلُو عَلَيْكم بِذَلِكَ قُرْآنًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هو الرَّجُلُ المُؤْمِنُ إذا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ، ولَهُ مالٌ لَمْ يُزَكِّهِ، ولَمْ يَحُجَّ مِنهُ، ولَمْ يُعْطِ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، يَسْألُ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ (p-٥٠٩)لِيَتَصَدَّقَ مِن مالِهِ ويُزَكِّيَ، قالَ اللَّهُ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: عَنِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي الزَّكاةَ والنَّفَقَةَ في الحَجِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ قالَ: أُزَكِّيَ، ﴿وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ: أحُجَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ، أنَّهُ قَرَأ: (فَأصَّدَّقَ وأكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ) بِالواوِ.
(p-٥١٠)وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في «المَصاحِفِ» عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: القِراءَةُ سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ، فاقْرَءُوا القُرْآنَ كَما أُقْرِئْتُمُوهُ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .
المنافقون 63:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم عِبادٌ مِن أُمَّتِي، الصّالِحُونَ مِنهم لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ الخَمْسِ المَفْرُوضَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن كانَ لَهُ مالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ، أوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ فَلَمْ يَفْعَلْ، سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ»»، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا ابْنَ عَبّاسٍ، اتَّقِ اللَّهَ، فَإنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكُفّارُ، فَقالَ: سَأتْلُو عَلَيْكم بِذَلِكَ قُرْآنًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هو الرَّجُلُ المُؤْمِنُ إذا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ، ولَهُ مالٌ لَمْ يُزَكِّهِ، ولَمْ يَحُجَّ مِنهُ، ولَمْ يُعْطِ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، يَسْألُ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ (p-٥٠٩)لِيَتَصَدَّقَ مِن مالِهِ ويُزَكِّيَ، قالَ اللَّهُ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: عَنِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي الزَّكاةَ والنَّفَقَةَ في الحَجِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ قالَ: أُزَكِّيَ، ﴿وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ: أحُجَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ، أنَّهُ قَرَأ: (فَأصَّدَّقَ وأكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ) بِالواوِ.
(p-٥١٠)وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في «المَصاحِفِ» عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: القِراءَةُ سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ، فاقْرَءُوا القُرْآنَ كَما أُقْرِئْتُمُوهُ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .