Al-Kashshaf Al-Zamakhshari — الفجر 89:1 – الليل 92:21
المحتويات
- الفجر 89:1
- الفجر 89:2
- الفجر 89:3
- الفجر 89:4
- الفجر 89:5
- الفجر 89:6
- الفجر 89:7
- الفجر 89:8
- الفجر 89:9
- الفجر 89:10
- الفجر 89:11
- الفجر 89:12
- الفجر 89:13
- الفجر 89:14
- الفجر 89:15
- الفجر 89:16
- الفجر 89:17
- الفجر 89:18
- الفجر 89:19
- الفجر 89:20
- الفجر 89:21
- الفجر 89:22
- الفجر 89:23
- الفجر 89:24
- الفجر 89:25
- الفجر 89:26
- الفجر 89:27
- الفجر 89:28
- الفجر 89:29
- الفجر 89:30
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:5
- البلد 90:6
- البلد 90:7
- البلد 90:8
- البلد 90:9
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:12
- البلد 90:13
- البلد 90:14
- البلد 90:15
- البلد 90:16
- البلد 90:17
- البلد 90:18
- البلد 90:19
- البلد 90:20
- الشمس 91:1
- الشمس 91:2
- الشمس 91:3
- الشمس 91:4
- الشمس 91:5
- الشمس 91:6
- الشمس 91:7
- الشمس 91:8
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الشمس 91:11
- الشمس 91:12
- الشمس 91:13
- الشمس 91:14
- الشمس 91:15
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:20
- الليل 92:21
الفجر 89:1
مكية، وآياتها 30 وقيل 29 [نزلت بعد الليل] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم بالفجر كما أقسم بالصبح في قوله وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ. وقيل:
بصلاة الفجر. أراد بالليالي العشر: عشر ذى الحجة. فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي: العشر بعض منها. أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها. فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد، لأنها ليال معلومة معهودة؟ قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية. وبالشفع والوتر: إما الأشياء كلها شفعها ووترها، وإما شفع هذه الليالي ووترها. ويجوز أن يكون شفعها يوم النحر، ووترها يوم عرفة، لأنه تاسع أيامها وذاك عاشرها، وقد روى عن النبي ﷺ أنه فسرهما بذلك [[قلت: التعليل من كلام الزمخشري. وأصله عند النسائي وأحمد والبزار والحاكم والبيهقي في الشعب الثالث والعشرين من رواية خير بن نعيم عن أبى الزبير عن جابر. قال: لا نعلمه إلا بهذا الاسناد.]] .
وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهى عنه، وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم إِذا يَسْرِ إذا يمضى، كقوله وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وقرئ: والوتر بفتح الواو، وهما لغتان كالحبر والحبر في العدد، وفي الترة: الكسر وحده [[قوله «وفي الترة الكسر وحده» في الصحاح «الموتور» الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول:
وتره وترا وترة، وكذلك: وتره حقه، أى: نقصه. (ع)]] . وقرئ: الوتر بفتح الواو وكسر التاء: رواها يونس عن أبى عمرو، وقرئ: والفجر، والوتر، ويسر: بالتنوين، وهو التنوين الذي يقع بدلا من حرف الإطلاق. وعن ابن عباس: وليال عشر، بالإضافة. يريد: وليال أيام عشر. وياء يَسْرِ تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة. وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة. وقيل: معنى «يسرى» يسرى فيه هَلْ فِي ذلِكَ أى فيما أقسمت به من هذه الأشياء قَسَمٌ أى مقسم به لِذِي حِجْرٍ يريد: هل يحق عنده أن تعظم بالإقسام بها. أو: هل في إقسامى بها لذي حجر، أى: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه. والحجر: العقل، لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمى عقلا ونهية، لأنه يعقل وينهى. وحصاة: من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء: يقال: إنه لذو حجر، إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، والمقسم عليه محذوف وهو «ليعذبن» يدل عليه قوله أَلَمْ تَرَ إلى قوله فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ
الفجر 89:2
مكية، وآياتها 30 وقيل 29 [نزلت بعد الليل] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم بالفجر كما أقسم بالصبح في قوله وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ. وقيل:
بصلاة الفجر. أراد بالليالي العشر: عشر ذى الحجة. فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي: العشر بعض منها. أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها. فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد، لأنها ليال معلومة معهودة؟ قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية. وبالشفع والوتر: إما الأشياء كلها شفعها ووترها، وإما شفع هذه الليالي ووترها. ويجوز أن يكون شفعها يوم النحر، ووترها يوم عرفة، لأنه تاسع أيامها وذاك عاشرها، وقد روى عن النبي ﷺ أنه فسرهما بذلك [[قلت: التعليل من كلام الزمخشري. وأصله عند النسائي وأحمد والبزار والحاكم والبيهقي في الشعب الثالث والعشرين من رواية خير بن نعيم عن أبى الزبير عن جابر. قال: لا نعلمه إلا بهذا الاسناد.]] .
وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهى عنه، وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم إِذا يَسْرِ إذا يمضى، كقوله وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وقرئ: والوتر بفتح الواو، وهما لغتان كالحبر والحبر في العدد، وفي الترة: الكسر وحده [[قوله «وفي الترة الكسر وحده» في الصحاح «الموتور» الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول:
وتره وترا وترة، وكذلك: وتره حقه، أى: نقصه. (ع)]] . وقرئ: الوتر بفتح الواو وكسر التاء: رواها يونس عن أبى عمرو، وقرئ: والفجر، والوتر، ويسر: بالتنوين، وهو التنوين الذي يقع بدلا من حرف الإطلاق. وعن ابن عباس: وليال عشر، بالإضافة. يريد: وليال أيام عشر. وياء يَسْرِ تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة. وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة. وقيل: معنى «يسرى» يسرى فيه هَلْ فِي ذلِكَ أى فيما أقسمت به من هذه الأشياء قَسَمٌ أى مقسم به لِذِي حِجْرٍ يريد: هل يحق عنده أن تعظم بالإقسام بها. أو: هل في إقسامى بها لذي حجر، أى: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه. والحجر: العقل، لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمى عقلا ونهية، لأنه يعقل وينهى. وحصاة: من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء: يقال: إنه لذو حجر، إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، والمقسم عليه محذوف وهو «ليعذبن» يدل عليه قوله أَلَمْ تَرَ إلى قوله فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ
الفجر 89:3
مكية، وآياتها 30 وقيل 29 [نزلت بعد الليل] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم بالفجر كما أقسم بالصبح في قوله وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ. وقيل:
بصلاة الفجر. أراد بالليالي العشر: عشر ذى الحجة. فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي: العشر بعض منها. أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها. فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد، لأنها ليال معلومة معهودة؟ قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية. وبالشفع والوتر: إما الأشياء كلها شفعها ووترها، وإما شفع هذه الليالي ووترها. ويجوز أن يكون شفعها يوم النحر، ووترها يوم عرفة، لأنه تاسع أيامها وذاك عاشرها، وقد روى عن النبي ﷺ أنه فسرهما بذلك [[قلت: التعليل من كلام الزمخشري. وأصله عند النسائي وأحمد والبزار والحاكم والبيهقي في الشعب الثالث والعشرين من رواية خير بن نعيم عن أبى الزبير عن جابر. قال: لا نعلمه إلا بهذا الاسناد.]] .
وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهى عنه، وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم إِذا يَسْرِ إذا يمضى، كقوله وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وقرئ: والوتر بفتح الواو، وهما لغتان كالحبر والحبر في العدد، وفي الترة: الكسر وحده [[قوله «وفي الترة الكسر وحده» في الصحاح «الموتور» الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول:
وتره وترا وترة، وكذلك: وتره حقه، أى: نقصه. (ع)]] . وقرئ: الوتر بفتح الواو وكسر التاء: رواها يونس عن أبى عمرو، وقرئ: والفجر، والوتر، ويسر: بالتنوين، وهو التنوين الذي يقع بدلا من حرف الإطلاق. وعن ابن عباس: وليال عشر، بالإضافة. يريد: وليال أيام عشر. وياء يَسْرِ تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة. وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة. وقيل: معنى «يسرى» يسرى فيه هَلْ فِي ذلِكَ أى فيما أقسمت به من هذه الأشياء قَسَمٌ أى مقسم به لِذِي حِجْرٍ يريد: هل يحق عنده أن تعظم بالإقسام بها. أو: هل في إقسامى بها لذي حجر، أى: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه. والحجر: العقل، لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمى عقلا ونهية، لأنه يعقل وينهى. وحصاة: من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء: يقال: إنه لذو حجر، إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، والمقسم عليه محذوف وهو «ليعذبن» يدل عليه قوله أَلَمْ تَرَ إلى قوله فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ
الفجر 89:4
مكية، وآياتها 30 وقيل 29 [نزلت بعد الليل] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم بالفجر كما أقسم بالصبح في قوله وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ. وقيل:
بصلاة الفجر. أراد بالليالي العشر: عشر ذى الحجة. فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي: العشر بعض منها. أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها. فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد، لأنها ليال معلومة معهودة؟ قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية. وبالشفع والوتر: إما الأشياء كلها شفعها ووترها، وإما شفع هذه الليالي ووترها. ويجوز أن يكون شفعها يوم النحر، ووترها يوم عرفة، لأنه تاسع أيامها وذاك عاشرها، وقد روى عن النبي ﷺ أنه فسرهما بذلك [[قلت: التعليل من كلام الزمخشري. وأصله عند النسائي وأحمد والبزار والحاكم والبيهقي في الشعب الثالث والعشرين من رواية خير بن نعيم عن أبى الزبير عن جابر. قال: لا نعلمه إلا بهذا الاسناد.]] .
وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهى عنه، وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم إِذا يَسْرِ إذا يمضى، كقوله وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وقرئ: والوتر بفتح الواو، وهما لغتان كالحبر والحبر في العدد، وفي الترة: الكسر وحده [[قوله «وفي الترة الكسر وحده» في الصحاح «الموتور» الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول:
وتره وترا وترة، وكذلك: وتره حقه، أى: نقصه. (ع)]] . وقرئ: الوتر بفتح الواو وكسر التاء: رواها يونس عن أبى عمرو، وقرئ: والفجر، والوتر، ويسر: بالتنوين، وهو التنوين الذي يقع بدلا من حرف الإطلاق. وعن ابن عباس: وليال عشر، بالإضافة. يريد: وليال أيام عشر. وياء يَسْرِ تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة. وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة. وقيل: معنى «يسرى» يسرى فيه هَلْ فِي ذلِكَ أى فيما أقسمت به من هذه الأشياء قَسَمٌ أى مقسم به لِذِي حِجْرٍ يريد: هل يحق عنده أن تعظم بالإقسام بها. أو: هل في إقسامى بها لذي حجر، أى: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه. والحجر: العقل، لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمى عقلا ونهية، لأنه يعقل وينهى. وحصاة: من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء: يقال: إنه لذو حجر، إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، والمقسم عليه محذوف وهو «ليعذبن» يدل عليه قوله أَلَمْ تَرَ إلى قوله فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ
الفجر 89:5
مكية، وآياتها 30 وقيل 29 [نزلت بعد الليل] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم بالفجر كما أقسم بالصبح في قوله وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ. وقيل:
بصلاة الفجر. أراد بالليالي العشر: عشر ذى الحجة. فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي: العشر بعض منها. أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها. فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد، لأنها ليال معلومة معهودة؟ قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية. وبالشفع والوتر: إما الأشياء كلها شفعها ووترها، وإما شفع هذه الليالي ووترها. ويجوز أن يكون شفعها يوم النحر، ووترها يوم عرفة، لأنه تاسع أيامها وذاك عاشرها، وقد روى عن النبي ﷺ أنه فسرهما بذلك [[قلت: التعليل من كلام الزمخشري. وأصله عند النسائي وأحمد والبزار والحاكم والبيهقي في الشعب الثالث والعشرين من رواية خير بن نعيم عن أبى الزبير عن جابر. قال: لا نعلمه إلا بهذا الاسناد.]] .
وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهى عنه، وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم إِذا يَسْرِ إذا يمضى، كقوله وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وقرئ: والوتر بفتح الواو، وهما لغتان كالحبر والحبر في العدد، وفي الترة: الكسر وحده [[قوله «وفي الترة الكسر وحده» في الصحاح «الموتور» الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول:
وتره وترا وترة، وكذلك: وتره حقه، أى: نقصه. (ع)]] . وقرئ: الوتر بفتح الواو وكسر التاء: رواها يونس عن أبى عمرو، وقرئ: والفجر، والوتر، ويسر: بالتنوين، وهو التنوين الذي يقع بدلا من حرف الإطلاق. وعن ابن عباس: وليال عشر، بالإضافة. يريد: وليال أيام عشر. وياء يَسْرِ تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة. وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة. وقيل: معنى «يسرى» يسرى فيه هَلْ فِي ذلِكَ أى فيما أقسمت به من هذه الأشياء قَسَمٌ أى مقسم به لِذِي حِجْرٍ يريد: هل يحق عنده أن تعظم بالإقسام بها. أو: هل في إقسامى بها لذي حجر، أى: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه. والحجر: العقل، لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمى عقلا ونهية، لأنه يعقل وينهى. وحصاة: من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء: يقال: إنه لذو حجر، إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، والمقسم عليه محذوف وهو «ليعذبن» يدل عليه قوله أَلَمْ تَرَ إلى قوله فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ
الفجر 89:6
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد، كما يقال لبنى هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدّهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليدا بناه أوّله ... أدرك عادا وقبلها إرما [[لابن الرقيات، يصف رجلا بأنه حاز مجدا تليدا. أى: قديما. وشبهه بالحصن المبنى على طريق المكنية وبناه تخييل، أى شرعه وجدده أوله، أى: آباؤه الأولون: أدرك هذا المجد من جدود الممدوح عادا وإرما قبله أى: قبل عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فعقب عاد هذا: هم عاد الأولى، ومن بعدهم:
عاد الثانية.]]
فإرم في قوله بِعادٍ إِرَمَ عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل إِرَمَ بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير: بعاد إرم، على الإضافة. وتقديره:
بعاد أهل إرم، كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث.
وقرأ الحسن: بعاد أرم، مفتوحتين. وقرئ: بعاد إرم، بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ:
بورقكم. وقرى: بعاد إرم ذات العماد، بإضافة إرم إلى ذات العماد، والإرم: العلم، يعنى: بعاد أهل أعلام ذات العماد. وذاتِ الْعِمادِ اسم المدينة. وقرئ: بعاد إرمّ ذات العماد، أى جعل الله ذات العماد رميما بدلا من فعل ربك، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلا. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروى أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال:
أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد [[أخرجه الثعلبي من طريق عثمان الدارمي عن عبد الله بن أبى صالح عن أبى لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فذكره مطولا. قلت: آثار الوضع عليه لائحه.]] ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها مثل عاد فِي الْبِلادِ عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتى الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شدّاد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: لم يخلق مثلها، أى: لم يخلق الله مثلها جابُوا الصَّخْرَ قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، كقوله وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية الَّذِينَ طَغَوْا أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا. أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد «مفعال» من رصده، كالميقات من وقته. وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إنّ ربك لبالمرصاد يا فلان، عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله درّه أىّ أسد فرّاس كان بين ثوبيه، يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء [[قوله «ويقصع أهل الأهواء» في الصحاح «قصعت الرجل» صغرته وحقرته. (ع)]] والبدع باحتجاجه.
الفجر 89:7
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد، كما يقال لبنى هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدّهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليدا بناه أوّله ... أدرك عادا وقبلها إرما [[لابن الرقيات، يصف رجلا بأنه حاز مجدا تليدا. أى: قديما. وشبهه بالحصن المبنى على طريق المكنية وبناه تخييل، أى شرعه وجدده أوله، أى: آباؤه الأولون: أدرك هذا المجد من جدود الممدوح عادا وإرما قبله أى: قبل عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فعقب عاد هذا: هم عاد الأولى، ومن بعدهم:
عاد الثانية.]]
فإرم في قوله بِعادٍ إِرَمَ عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل إِرَمَ بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير: بعاد إرم، على الإضافة. وتقديره:
بعاد أهل إرم، كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث.
وقرأ الحسن: بعاد أرم، مفتوحتين. وقرئ: بعاد إرم، بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ:
بورقكم. وقرى: بعاد إرم ذات العماد، بإضافة إرم إلى ذات العماد، والإرم: العلم، يعنى: بعاد أهل أعلام ذات العماد. وذاتِ الْعِمادِ اسم المدينة. وقرئ: بعاد إرمّ ذات العماد، أى جعل الله ذات العماد رميما بدلا من فعل ربك، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلا. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروى أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال:
أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد [[أخرجه الثعلبي من طريق عثمان الدارمي عن عبد الله بن أبى صالح عن أبى لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فذكره مطولا. قلت: آثار الوضع عليه لائحه.]] ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها مثل عاد فِي الْبِلادِ عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتى الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شدّاد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: لم يخلق مثلها، أى: لم يخلق الله مثلها جابُوا الصَّخْرَ قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، كقوله وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية الَّذِينَ طَغَوْا أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا. أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد «مفعال» من رصده، كالميقات من وقته. وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إنّ ربك لبالمرصاد يا فلان، عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله درّه أىّ أسد فرّاس كان بين ثوبيه، يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء [[قوله «ويقصع أهل الأهواء» في الصحاح «قصعت الرجل» صغرته وحقرته. (ع)]] والبدع باحتجاجه.
الفجر 89:8
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد، كما يقال لبنى هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدّهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليدا بناه أوّله ... أدرك عادا وقبلها إرما [[لابن الرقيات، يصف رجلا بأنه حاز مجدا تليدا. أى: قديما. وشبهه بالحصن المبنى على طريق المكنية وبناه تخييل، أى شرعه وجدده أوله، أى: آباؤه الأولون: أدرك هذا المجد من جدود الممدوح عادا وإرما قبله أى: قبل عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فعقب عاد هذا: هم عاد الأولى، ومن بعدهم:
عاد الثانية.]]
فإرم في قوله بِعادٍ إِرَمَ عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل إِرَمَ بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير: بعاد إرم، على الإضافة. وتقديره:
بعاد أهل إرم، كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث.
وقرأ الحسن: بعاد أرم، مفتوحتين. وقرئ: بعاد إرم، بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ:
بورقكم. وقرى: بعاد إرم ذات العماد، بإضافة إرم إلى ذات العماد، والإرم: العلم، يعنى: بعاد أهل أعلام ذات العماد. وذاتِ الْعِمادِ اسم المدينة. وقرئ: بعاد إرمّ ذات العماد، أى جعل الله ذات العماد رميما بدلا من فعل ربك، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلا. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروى أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال:
أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد [[أخرجه الثعلبي من طريق عثمان الدارمي عن عبد الله بن أبى صالح عن أبى لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فذكره مطولا. قلت: آثار الوضع عليه لائحه.]] ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها مثل عاد فِي الْبِلادِ عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتى الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شدّاد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: لم يخلق مثلها، أى: لم يخلق الله مثلها جابُوا الصَّخْرَ قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، كقوله وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية الَّذِينَ طَغَوْا أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا. أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد «مفعال» من رصده، كالميقات من وقته. وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إنّ ربك لبالمرصاد يا فلان، عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله درّه أىّ أسد فرّاس كان بين ثوبيه، يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء [[قوله «ويقصع أهل الأهواء» في الصحاح «قصعت الرجل» صغرته وحقرته. (ع)]] والبدع باحتجاجه.
الفجر 89:9
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد، كما يقال لبنى هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدّهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليدا بناه أوّله ... أدرك عادا وقبلها إرما [[لابن الرقيات، يصف رجلا بأنه حاز مجدا تليدا. أى: قديما. وشبهه بالحصن المبنى على طريق المكنية وبناه تخييل، أى شرعه وجدده أوله، أى: آباؤه الأولون: أدرك هذا المجد من جدود الممدوح عادا وإرما قبله أى: قبل عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فعقب عاد هذا: هم عاد الأولى، ومن بعدهم:
عاد الثانية.]]
فإرم في قوله بِعادٍ إِرَمَ عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل إِرَمَ بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير: بعاد إرم، على الإضافة. وتقديره:
بعاد أهل إرم، كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث.
وقرأ الحسن: بعاد أرم، مفتوحتين. وقرئ: بعاد إرم، بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ:
بورقكم. وقرى: بعاد إرم ذات العماد، بإضافة إرم إلى ذات العماد، والإرم: العلم، يعنى: بعاد أهل أعلام ذات العماد. وذاتِ الْعِمادِ اسم المدينة. وقرئ: بعاد إرمّ ذات العماد، أى جعل الله ذات العماد رميما بدلا من فعل ربك، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلا. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروى أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال:
أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد [[أخرجه الثعلبي من طريق عثمان الدارمي عن عبد الله بن أبى صالح عن أبى لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فذكره مطولا. قلت: آثار الوضع عليه لائحه.]] ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها مثل عاد فِي الْبِلادِ عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتى الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شدّاد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: لم يخلق مثلها، أى: لم يخلق الله مثلها جابُوا الصَّخْرَ قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، كقوله وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية الَّذِينَ طَغَوْا أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا. أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد «مفعال» من رصده، كالميقات من وقته. وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إنّ ربك لبالمرصاد يا فلان، عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله درّه أىّ أسد فرّاس كان بين ثوبيه، يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء [[قوله «ويقصع أهل الأهواء» في الصحاح «قصعت الرجل» صغرته وحقرته. (ع)]] والبدع باحتجاجه.
الفجر 89:10
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد، كما يقال لبنى هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدّهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليدا بناه أوّله ... أدرك عادا وقبلها إرما [[لابن الرقيات، يصف رجلا بأنه حاز مجدا تليدا. أى: قديما. وشبهه بالحصن المبنى على طريق المكنية وبناه تخييل، أى شرعه وجدده أوله، أى: آباؤه الأولون: أدرك هذا المجد من جدود الممدوح عادا وإرما قبله أى: قبل عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فعقب عاد هذا: هم عاد الأولى، ومن بعدهم:
عاد الثانية.]]
فإرم في قوله بِعادٍ إِرَمَ عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل إِرَمَ بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير: بعاد إرم، على الإضافة. وتقديره:
بعاد أهل إرم، كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث.
وقرأ الحسن: بعاد أرم، مفتوحتين. وقرئ: بعاد إرم، بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ:
بورقكم. وقرى: بعاد إرم ذات العماد، بإضافة إرم إلى ذات العماد، والإرم: العلم، يعنى: بعاد أهل أعلام ذات العماد. وذاتِ الْعِمادِ اسم المدينة. وقرئ: بعاد إرمّ ذات العماد، أى جعل الله ذات العماد رميما بدلا من فعل ربك، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلا. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروى أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال:
أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد [[أخرجه الثعلبي من طريق عثمان الدارمي عن عبد الله بن أبى صالح عن أبى لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فذكره مطولا. قلت: آثار الوضع عليه لائحه.]] ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها مثل عاد فِي الْبِلادِ عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتى الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شدّاد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: لم يخلق مثلها، أى: لم يخلق الله مثلها جابُوا الصَّخْرَ قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، كقوله وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية الَّذِينَ طَغَوْا أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا. أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد «مفعال» من رصده، كالميقات من وقته. وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إنّ ربك لبالمرصاد يا فلان، عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله درّه أىّ أسد فرّاس كان بين ثوبيه، يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء [[قوله «ويقصع أهل الأهواء» في الصحاح «قصعت الرجل» صغرته وحقرته. (ع)]] والبدع باحتجاجه.
الفجر 89:11
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد، كما يقال لبنى هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدّهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليدا بناه أوّله ... أدرك عادا وقبلها إرما [[لابن الرقيات، يصف رجلا بأنه حاز مجدا تليدا. أى: قديما. وشبهه بالحصن المبنى على طريق المكنية وبناه تخييل، أى شرعه وجدده أوله، أى: آباؤه الأولون: أدرك هذا المجد من جدود الممدوح عادا وإرما قبله أى: قبل عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فعقب عاد هذا: هم عاد الأولى، ومن بعدهم:
عاد الثانية.]]
فإرم في قوله بِعادٍ إِرَمَ عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل إِرَمَ بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير: بعاد إرم، على الإضافة. وتقديره:
بعاد أهل إرم، كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث.
وقرأ الحسن: بعاد أرم، مفتوحتين. وقرئ: بعاد إرم، بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ:
بورقكم. وقرى: بعاد إرم ذات العماد، بإضافة إرم إلى ذات العماد، والإرم: العلم، يعنى: بعاد أهل أعلام ذات العماد. وذاتِ الْعِمادِ اسم المدينة. وقرئ: بعاد إرمّ ذات العماد، أى جعل الله ذات العماد رميما بدلا من فعل ربك، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلا. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروى أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال:
أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد [[أخرجه الثعلبي من طريق عثمان الدارمي عن عبد الله بن أبى صالح عن أبى لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فذكره مطولا. قلت: آثار الوضع عليه لائحه.]] ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها مثل عاد فِي الْبِلادِ عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتى الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شدّاد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: لم يخلق مثلها، أى: لم يخلق الله مثلها جابُوا الصَّخْرَ قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، كقوله وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية الَّذِينَ طَغَوْا أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا. أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد «مفعال» من رصده، كالميقات من وقته. وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إنّ ربك لبالمرصاد يا فلان، عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله درّه أىّ أسد فرّاس كان بين ثوبيه، يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء [[قوله «ويقصع أهل الأهواء» في الصحاح «قصعت الرجل» صغرته وحقرته. (ع)]] والبدع باحتجاجه.
الفجر 89:12
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد، كما يقال لبنى هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدّهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليدا بناه أوّله ... أدرك عادا وقبلها إرما [[لابن الرقيات، يصف رجلا بأنه حاز مجدا تليدا. أى: قديما. وشبهه بالحصن المبنى على طريق المكنية وبناه تخييل، أى شرعه وجدده أوله، أى: آباؤه الأولون: أدرك هذا المجد من جدود الممدوح عادا وإرما قبله أى: قبل عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فعقب عاد هذا: هم عاد الأولى، ومن بعدهم:
عاد الثانية.]]
فإرم في قوله بِعادٍ إِرَمَ عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل إِرَمَ بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير: بعاد إرم، على الإضافة. وتقديره:
بعاد أهل إرم، كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث.
وقرأ الحسن: بعاد أرم، مفتوحتين. وقرئ: بعاد إرم، بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ:
بورقكم. وقرى: بعاد إرم ذات العماد، بإضافة إرم إلى ذات العماد، والإرم: العلم، يعنى: بعاد أهل أعلام ذات العماد. وذاتِ الْعِمادِ اسم المدينة. وقرئ: بعاد إرمّ ذات العماد، أى جعل الله ذات العماد رميما بدلا من فعل ربك، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلا. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروى أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال:
أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد [[أخرجه الثعلبي من طريق عثمان الدارمي عن عبد الله بن أبى صالح عن أبى لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فذكره مطولا. قلت: آثار الوضع عليه لائحه.]] ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها مثل عاد فِي الْبِلادِ عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتى الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شدّاد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: لم يخلق مثلها، أى: لم يخلق الله مثلها جابُوا الصَّخْرَ قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، كقوله وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية الَّذِينَ طَغَوْا أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا. أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد «مفعال» من رصده، كالميقات من وقته. وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إنّ ربك لبالمرصاد يا فلان، عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله درّه أىّ أسد فرّاس كان بين ثوبيه، يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء [[قوله «ويقصع أهل الأهواء» في الصحاح «قصعت الرجل» صغرته وحقرته. (ع)]] والبدع باحتجاجه.
الفجر 89:13
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد، كما يقال لبنى هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدّهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليدا بناه أوّله ... أدرك عادا وقبلها إرما [[لابن الرقيات، يصف رجلا بأنه حاز مجدا تليدا. أى: قديما. وشبهه بالحصن المبنى على طريق المكنية وبناه تخييل، أى شرعه وجدده أوله، أى: آباؤه الأولون: أدرك هذا المجد من جدود الممدوح عادا وإرما قبله أى: قبل عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فعقب عاد هذا: هم عاد الأولى، ومن بعدهم:
عاد الثانية.]]
فإرم في قوله بِعادٍ إِرَمَ عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل إِرَمَ بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير: بعاد إرم، على الإضافة. وتقديره:
بعاد أهل إرم، كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث.
وقرأ الحسن: بعاد أرم، مفتوحتين. وقرئ: بعاد إرم، بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ:
بورقكم. وقرى: بعاد إرم ذات العماد، بإضافة إرم إلى ذات العماد، والإرم: العلم، يعنى: بعاد أهل أعلام ذات العماد. وذاتِ الْعِمادِ اسم المدينة. وقرئ: بعاد إرمّ ذات العماد، أى جعل الله ذات العماد رميما بدلا من فعل ربك، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلا. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروى أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال:
أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد [[أخرجه الثعلبي من طريق عثمان الدارمي عن عبد الله بن أبى صالح عن أبى لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فذكره مطولا. قلت: آثار الوضع عليه لائحه.]] ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها مثل عاد فِي الْبِلادِ عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتى الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شدّاد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: لم يخلق مثلها، أى: لم يخلق الله مثلها جابُوا الصَّخْرَ قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، كقوله وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية الَّذِينَ طَغَوْا أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا. أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد «مفعال» من رصده، كالميقات من وقته. وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إنّ ربك لبالمرصاد يا فلان، عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله درّه أىّ أسد فرّاس كان بين ثوبيه، يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء [[قوله «ويقصع أهل الأهواء» في الصحاح «قصعت الرجل» صغرته وحقرته. (ع)]] والبدع باحتجاجه.
الفجر 89:14
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد، كما يقال لبنى هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدّهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليدا بناه أوّله ... أدرك عادا وقبلها إرما [[لابن الرقيات، يصف رجلا بأنه حاز مجدا تليدا. أى: قديما. وشبهه بالحصن المبنى على طريق المكنية وبناه تخييل، أى شرعه وجدده أوله، أى: آباؤه الأولون: أدرك هذا المجد من جدود الممدوح عادا وإرما قبله أى: قبل عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فعقب عاد هذا: هم عاد الأولى، ومن بعدهم:
عاد الثانية.]]
فإرم في قوله بِعادٍ إِرَمَ عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل إِرَمَ بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير: بعاد إرم، على الإضافة. وتقديره:
بعاد أهل إرم، كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث.
وقرأ الحسن: بعاد أرم، مفتوحتين. وقرئ: بعاد إرم، بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ:
بورقكم. وقرى: بعاد إرم ذات العماد، بإضافة إرم إلى ذات العماد، والإرم: العلم، يعنى: بعاد أهل أعلام ذات العماد. وذاتِ الْعِمادِ اسم المدينة. وقرئ: بعاد إرمّ ذات العماد، أى جعل الله ذات العماد رميما بدلا من فعل ربك، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلا. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروى أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال:
أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد [[أخرجه الثعلبي من طريق عثمان الدارمي عن عبد الله بن أبى صالح عن أبى لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فذكره مطولا. قلت: آثار الوضع عليه لائحه.]] ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها مثل عاد فِي الْبِلادِ عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتى الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شدّاد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: لم يخلق مثلها، أى: لم يخلق الله مثلها جابُوا الصَّخْرَ قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، كقوله وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية الَّذِينَ طَغَوْا أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا. أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد «مفعال» من رصده، كالميقات من وقته. وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إنّ ربك لبالمرصاد يا فلان، عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله درّه أىّ أسد فرّاس كان بين ثوبيه، يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء [[قوله «ويقصع أهل الأهواء» في الصحاح «قصعت الرجل» صغرته وحقرته. (ع)]] والبدع باحتجاجه.
الفجر 89:15
فإن قلت: بم اتصل قوله [[قال محمود: «إن قلت: كيف اتصل قوله فَأَمَّا الْإِنْسانُ بما قبله ... الخ» قال أحمد: قوله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة ولا يأمره إلا بها: فاسد الصدر، مبنى على أصله الفاسد، سليم العجز.]] فَأَمَّا الْإِنْسانُ؟ قلت: بقوله إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ كأنه قيل: إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة والسعى للعاقبة، وهو مرصد بالعقوبة للعاصي، فأما الإنسان فلا يريد ذلك ولا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها. فإن قلت: فكيف توازن قوله، فأما الإنسان، إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ وقوله وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ [[قال محمود: «فان قلت كيف توازن قوله فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ وقوله وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ قال أحمد: يريد أنه صدر ما بعد أما الأولى بالاسم، وما بعد أما الثانية بالفعل. ومقصود السائل أن يكونا مصدرين: إما باسمين أو بفعلين.]] وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد أما وأما، تقول: أما الإنسان فكفور، وأما الملك فشكور.
أما إذا أحسنت إلى زيد فهو محسن إليك، وأما إذا أسأت إليه فهو مسيء إليك؟ قلت: هما متوازنان من حيث إنّ التقدير: وأما هو إذا ما ابتلاه ربه، وذلك أن قوله فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، ودخول الفاء لما في «أما» من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير، كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربى أكرمن وقت الابتلاء، فوجب أن يكون فَيَقُولُ الثاني خبرا لمبتدإ واجب تقديره. فإن قلت: كيف سمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء؟ قلت: لأنّ كل واحد منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر؟ وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحدة. ونحوه قوله تعالى وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. فإن قلت:
هلا قال: فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال فأكرمه ونعمه؟ قلت: لأن البسط إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلا من غير سابقة [[قال محمود: «فان قلت هلا قال فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال فأكرمه ونعمه؟ وأجاب بأن البسط إكرام من الله تعالى العبد من غير سابقة» قال أحمد: «قيد زائد تفريعا على أصله الفاسد، والحق أن كل نعمة من الله كذلك.]] ، وأما التقدير فليس بإهانة له، لأنّ الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة، ولكن تركا للكرامة، وقد يكون المولى مكرما لعبده ومهينا له، وغير مكرم ولا مهين، وإذا أهدى لك زيد هدية قلت: أكرمنى بالهدية، ولا تقول: أهاننى ولا أكرمنى إذا لم يهد لك. فإن قلت: فقد قال فَأَكْرَمَهُ فصحح إكرامه وأثبته، ثم أنكر قوله رَبِّي أَكْرَمَنِ وذمّه عليه، كما أنكر قوله أَهانَنِ وذمّه عليه. قلت: فيه جوابان، أحدهما: أنه إنما أنكر قوله ربى أكرمن وذمّه عليه، لأنه قال على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أنّ الله أعطاه ما أعطاه إكراما له مستحقا مستوجبا على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم، كقوله إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [[قال محمود: «فان قلت: فقد قال فأكرمه فصحح إكرامه وأثبته، ثم أنكر قوله ربى أكرمن وذمه عليه كما أنكر قوله ربى أهانن وذمه عليه، وأجاب بأمرين، أحدهما أن المنكر عليه اعتقاده أن إكرام الله تعالى له عن استحقاق لمكان نسبه وحسبه وجلالة قدره، كما كانوا يعتقدون الاستحقاق بذلك على الله، كما قال: إنما أوتيته على علم» قال أحمد: والقدري لا يبعد عن ذلك، لأنه يرى أن النعيم الأعظم في الآخرة حق العبد على الله واجب له عليه ليس بتفضل ولا ممنون.]] وإنما أعطاه الله على وجه التفضل من غير استيجاب منه له ولا سابقة مما لا يعتدّ الله إلا به، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب التي كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها.
والثاني: أن ينساق الإنكار والذّمّ إلى قوله رَبِّي أَهانَنِ يعنى أنه إذا تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك التفضل هوانا وليس بهوان، ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله فَأَكْرَمَهُ [[قال محمود: «الثاني أن سياق الإنكار والذم إلى قوله رَبِّي أَهانَنِ بمعنى أنه إذا تفضل عليه بالخير اعترف بتفضل الله تعالى، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك التفضل هو انا وليس بهوان، ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله فأكرمه» قال أحمد: كأنه يجعل قوله فَأَكْرَمَهُ توطئة لذمه على قوله أَهانَنِ لا أنه مذموم معه.]] وقرئ: فقدر بالتخفيف والتشديد. وأكرمن، وأهانن: بسكون النون في الوقف، فيمن ترك الياء في الدرج مكتفيا منها بالكسرة.
الفجر 89:16
فإن قلت: بم اتصل قوله [[قال محمود: «إن قلت: كيف اتصل قوله فَأَمَّا الْإِنْسانُ بما قبله ... الخ» قال أحمد: قوله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة ولا يأمره إلا بها: فاسد الصدر، مبنى على أصله الفاسد، سليم العجز.]] فَأَمَّا الْإِنْسانُ؟ قلت: بقوله إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ كأنه قيل: إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة والسعى للعاقبة، وهو مرصد بالعقوبة للعاصي، فأما الإنسان فلا يريد ذلك ولا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها. فإن قلت: فكيف توازن قوله، فأما الإنسان، إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ وقوله وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ [[قال محمود: «فان قلت كيف توازن قوله فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ وقوله وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ قال أحمد: يريد أنه صدر ما بعد أما الأولى بالاسم، وما بعد أما الثانية بالفعل. ومقصود السائل أن يكونا مصدرين: إما باسمين أو بفعلين.]] وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد أما وأما، تقول: أما الإنسان فكفور، وأما الملك فشكور.
أما إذا أحسنت إلى زيد فهو محسن إليك، وأما إذا أسأت إليه فهو مسيء إليك؟ قلت: هما متوازنان من حيث إنّ التقدير: وأما هو إذا ما ابتلاه ربه، وذلك أن قوله فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، ودخول الفاء لما في «أما» من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير، كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربى أكرمن وقت الابتلاء، فوجب أن يكون فَيَقُولُ الثاني خبرا لمبتدإ واجب تقديره. فإن قلت: كيف سمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء؟ قلت: لأنّ كل واحد منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر؟ وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحدة. ونحوه قوله تعالى وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. فإن قلت:
هلا قال: فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال فأكرمه ونعمه؟ قلت: لأن البسط إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلا من غير سابقة [[قال محمود: «فان قلت هلا قال فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال فأكرمه ونعمه؟ وأجاب بأن البسط إكرام من الله تعالى العبد من غير سابقة» قال أحمد: «قيد زائد تفريعا على أصله الفاسد، والحق أن كل نعمة من الله كذلك.]] ، وأما التقدير فليس بإهانة له، لأنّ الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة، ولكن تركا للكرامة، وقد يكون المولى مكرما لعبده ومهينا له، وغير مكرم ولا مهين، وإذا أهدى لك زيد هدية قلت: أكرمنى بالهدية، ولا تقول: أهاننى ولا أكرمنى إذا لم يهد لك. فإن قلت: فقد قال فَأَكْرَمَهُ فصحح إكرامه وأثبته، ثم أنكر قوله رَبِّي أَكْرَمَنِ وذمّه عليه، كما أنكر قوله أَهانَنِ وذمّه عليه. قلت: فيه جوابان، أحدهما: أنه إنما أنكر قوله ربى أكرمن وذمّه عليه، لأنه قال على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أنّ الله أعطاه ما أعطاه إكراما له مستحقا مستوجبا على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم، كقوله إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [[قال محمود: «فان قلت: فقد قال فأكرمه فصحح إكرامه وأثبته، ثم أنكر قوله ربى أكرمن وذمه عليه كما أنكر قوله ربى أهانن وذمه عليه، وأجاب بأمرين، أحدهما أن المنكر عليه اعتقاده أن إكرام الله تعالى له عن استحقاق لمكان نسبه وحسبه وجلالة قدره، كما كانوا يعتقدون الاستحقاق بذلك على الله، كما قال: إنما أوتيته على علم» قال أحمد: والقدري لا يبعد عن ذلك، لأنه يرى أن النعيم الأعظم في الآخرة حق العبد على الله واجب له عليه ليس بتفضل ولا ممنون.]] وإنما أعطاه الله على وجه التفضل من غير استيجاب منه له ولا سابقة مما لا يعتدّ الله إلا به، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب التي كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها.
والثاني: أن ينساق الإنكار والذّمّ إلى قوله رَبِّي أَهانَنِ يعنى أنه إذا تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك التفضل هوانا وليس بهوان، ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله فَأَكْرَمَهُ [[قال محمود: «الثاني أن سياق الإنكار والذم إلى قوله رَبِّي أَهانَنِ بمعنى أنه إذا تفضل عليه بالخير اعترف بتفضل الله تعالى، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك التفضل هو انا وليس بهوان، ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله فأكرمه» قال أحمد: كأنه يجعل قوله فَأَكْرَمَهُ توطئة لذمه على قوله أَهانَنِ لا أنه مذموم معه.]] وقرئ: فقدر بالتخفيف والتشديد. وأكرمن، وأهانن: بسكون النون في الوقف، فيمن ترك الياء في الدرج مكتفيا منها بالكسرة.
الفجر 89:17
كَلَّا ردع للإنسان عن قوله. ثم قال: بل هناك شرّ من القول [[قال محمود: «إنما أضرب عن الأول للاشعار بأن هنا ما هو أشر من القول الأول ... الخ» قال أحمد:
وفي هذه الآية إشعار بابطال الجواب الثاني من جوابي الزمخشري، فانه جعل قوله أَكْرَمَنِ غير مذموم، ودلت هذه الآية على أن المعنى أن للمكرم بالبسط بالرزق حالتين، إحداهما: اعتقاده أن إكرام الله له عن استحقاق، الثانية أشد من الأولى: وهي أن لا يعترف بالإكرام أصلا، لأنه يفعل أفعال جاحدى النعمة، فلا يؤدى حق الله الواجب عليه في المال من إطعام اليتيم والمسكين.]] . وهو: أنّ الله يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدّون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرّة، وحض أهله على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام، ويحبونه فيشحون به وقرئ: يكرمون، وما بعده بالياء والتاء. وقرئ: تحاضون، أى: يحض بعضكم بعضا: وفي قراءة ابن مسعود: ولا تحاضون بضم التاء، من المحاضة أَكْلًا لَمًّا ذا لمّ وهو الجمع بين الحلال والحرام. قال الحطيئة:
إذا كان لمّا يتبع الذّمّ ربّه ... فلا قدّس الرّحمن تلك الطّواحنا [[للحطيئة. واللم: الجمع بين الحلال والحرام من غير فرق. وروى «ربه» بدل «أهله» والطواحن:
الأضراس. وتسمى: الأرحاء جمع وحى، يقول: إذا كان الأكل جمعا، أى: ذا جمع بين الخبيث والطيب يتبع صاحبه الذم، فلا طهر الله تلك الأضراس التي تطحن ذلك المأكول، والدعاء عليها: دعاء على صاحبها.]]
يعنى: أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم من الميراث ونصيب غيرهم. وقيل: كانوا لا يورّثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم. وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلمة، وهو عالم بذلك فيلم في الأكل بين حلاله وحرامه. ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنقاقه، ويأكله أكلا واسعا جامعا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الورّاث البطالون حُبًّا جَمًّا كثيرا شديدا مع الحرص والشره ومنع الحقوق.
الفجر 89:18
كَلَّا ردع للإنسان عن قوله. ثم قال: بل هناك شرّ من القول [[قال محمود: «إنما أضرب عن الأول للاشعار بأن هنا ما هو أشر من القول الأول ... الخ» قال أحمد:
وفي هذه الآية إشعار بابطال الجواب الثاني من جوابي الزمخشري، فانه جعل قوله أَكْرَمَنِ غير مذموم، ودلت هذه الآية على أن المعنى أن للمكرم بالبسط بالرزق حالتين، إحداهما: اعتقاده أن إكرام الله له عن استحقاق، الثانية أشد من الأولى: وهي أن لا يعترف بالإكرام أصلا، لأنه يفعل أفعال جاحدى النعمة، فلا يؤدى حق الله الواجب عليه في المال من إطعام اليتيم والمسكين.]] . وهو: أنّ الله يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدّون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرّة، وحض أهله على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام، ويحبونه فيشحون به وقرئ: يكرمون، وما بعده بالياء والتاء. وقرئ: تحاضون، أى: يحض بعضكم بعضا: وفي قراءة ابن مسعود: ولا تحاضون بضم التاء، من المحاضة أَكْلًا لَمًّا ذا لمّ وهو الجمع بين الحلال والحرام. قال الحطيئة:
إذا كان لمّا يتبع الذّمّ ربّه ... فلا قدّس الرّحمن تلك الطّواحنا [[للحطيئة. واللم: الجمع بين الحلال والحرام من غير فرق. وروى «ربه» بدل «أهله» والطواحن:
الأضراس. وتسمى: الأرحاء جمع وحى، يقول: إذا كان الأكل جمعا، أى: ذا جمع بين الخبيث والطيب يتبع صاحبه الذم، فلا طهر الله تلك الأضراس التي تطحن ذلك المأكول، والدعاء عليها: دعاء على صاحبها.]]
يعنى: أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم من الميراث ونصيب غيرهم. وقيل: كانوا لا يورّثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم. وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلمة، وهو عالم بذلك فيلم في الأكل بين حلاله وحرامه. ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنقاقه، ويأكله أكلا واسعا جامعا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الورّاث البطالون حُبًّا جَمًّا كثيرا شديدا مع الحرص والشره ومنع الحقوق.
الفجر 89:19
كَلَّا ردع للإنسان عن قوله. ثم قال: بل هناك شرّ من القول [[قال محمود: «إنما أضرب عن الأول للاشعار بأن هنا ما هو أشر من القول الأول ... الخ» قال أحمد:
وفي هذه الآية إشعار بابطال الجواب الثاني من جوابي الزمخشري، فانه جعل قوله أَكْرَمَنِ غير مذموم، ودلت هذه الآية على أن المعنى أن للمكرم بالبسط بالرزق حالتين، إحداهما: اعتقاده أن إكرام الله له عن استحقاق، الثانية أشد من الأولى: وهي أن لا يعترف بالإكرام أصلا، لأنه يفعل أفعال جاحدى النعمة، فلا يؤدى حق الله الواجب عليه في المال من إطعام اليتيم والمسكين.]] . وهو: أنّ الله يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدّون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرّة، وحض أهله على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام، ويحبونه فيشحون به وقرئ: يكرمون، وما بعده بالياء والتاء. وقرئ: تحاضون، أى: يحض بعضكم بعضا: وفي قراءة ابن مسعود: ولا تحاضون بضم التاء، من المحاضة أَكْلًا لَمًّا ذا لمّ وهو الجمع بين الحلال والحرام. قال الحطيئة:
إذا كان لمّا يتبع الذّمّ ربّه ... فلا قدّس الرّحمن تلك الطّواحنا [[للحطيئة. واللم: الجمع بين الحلال والحرام من غير فرق. وروى «ربه» بدل «أهله» والطواحن:
الأضراس. وتسمى: الأرحاء جمع وحى، يقول: إذا كان الأكل جمعا، أى: ذا جمع بين الخبيث والطيب يتبع صاحبه الذم، فلا طهر الله تلك الأضراس التي تطحن ذلك المأكول، والدعاء عليها: دعاء على صاحبها.]]
يعنى: أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم من الميراث ونصيب غيرهم. وقيل: كانوا لا يورّثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم. وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلمة، وهو عالم بذلك فيلم في الأكل بين حلاله وحرامه. ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنقاقه، ويأكله أكلا واسعا جامعا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الورّاث البطالون حُبًّا جَمًّا كثيرا شديدا مع الحرص والشره ومنع الحقوق.
الفجر 89:20
كَلَّا ردع للإنسان عن قوله. ثم قال: بل هناك شرّ من القول [[قال محمود: «إنما أضرب عن الأول للاشعار بأن هنا ما هو أشر من القول الأول ... الخ» قال أحمد:
وفي هذه الآية إشعار بابطال الجواب الثاني من جوابي الزمخشري، فانه جعل قوله أَكْرَمَنِ غير مذموم، ودلت هذه الآية على أن المعنى أن للمكرم بالبسط بالرزق حالتين، إحداهما: اعتقاده أن إكرام الله له عن استحقاق، الثانية أشد من الأولى: وهي أن لا يعترف بالإكرام أصلا، لأنه يفعل أفعال جاحدى النعمة، فلا يؤدى حق الله الواجب عليه في المال من إطعام اليتيم والمسكين.]] . وهو: أنّ الله يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدّون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرّة، وحض أهله على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام، ويحبونه فيشحون به وقرئ: يكرمون، وما بعده بالياء والتاء. وقرئ: تحاضون، أى: يحض بعضكم بعضا: وفي قراءة ابن مسعود: ولا تحاضون بضم التاء، من المحاضة أَكْلًا لَمًّا ذا لمّ وهو الجمع بين الحلال والحرام. قال الحطيئة:
إذا كان لمّا يتبع الذّمّ ربّه ... فلا قدّس الرّحمن تلك الطّواحنا [[للحطيئة. واللم: الجمع بين الحلال والحرام من غير فرق. وروى «ربه» بدل «أهله» والطواحن:
الأضراس. وتسمى: الأرحاء جمع وحى، يقول: إذا كان الأكل جمعا، أى: ذا جمع بين الخبيث والطيب يتبع صاحبه الذم، فلا طهر الله تلك الأضراس التي تطحن ذلك المأكول، والدعاء عليها: دعاء على صاحبها.]]
يعنى: أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم من الميراث ونصيب غيرهم. وقيل: كانوا لا يورّثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم. وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلمة، وهو عالم بذلك فيلم في الأكل بين حلاله وحرامه. ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنقاقه، ويأكله أكلا واسعا جامعا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الورّاث البطالون حُبًّا جَمًّا كثيرا شديدا مع الحرص والشره ومنع الحقوق.
الفجر 89:21
كَلَّا ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرّطوا فيه حين لا تنفع الحسرة، ويومئذ بدل من إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ وعامل النصب فيهما يتذكر دَكًّا دَكًّا دكا بعد دك. كقوله: حسبته بابا بابا، أى: كرّر عليها الدك حتى عادت هباء منبثا.
فإن قلت: ما معنى إسناد المجيء إلى الله، والحركة والانتقال إنما يجوزان على من كان في جهة قلت: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه: مثلت حاله في ذلك محال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم صَفًّا صَفًّا ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ كقوله وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ وروى أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله ﷺ وعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه، فأخبروا عليا رضى الله عنه، فجاء فاحتضنه من خلفه وقبله بين عاتقيه، ثم قال: يا نبىّ الله، بأبى أنت وأمى ما الذي حدث اليوم، وما الذي غيّرك؟ فتلا عليه الآية. فقال على: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من طريق عطية عن أبى سعيد به وأتم منه.]] . أى يتذكر ما فرّط فيه، أو يتعظ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ومن أين له منفعة الذكرى، لا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين: يوم يتذكر، وبين وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى تناف وتناقض قَدَّمْتُ لِحَياتِي هذه، وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا، كقولك: جئته لعشر ليال خلون من رجب، وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقا بقصدهم وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل الأهواء [[قوله «كمذهب أهل الأهواء» إن كان المراد بهم أهل السنة لقولهم بأن الله هو الخالقى لفعل العبد فهم يثبتون له الاختيار فيه لأنهم يثبتون له الكسب فيه وإن كان المراد بهم من قال بالجبر المحض وهم القائلون بأن العبد لا دخل له في فعله أصلا، بل هو كالريشة المعلقة في الهواء، فكلامه مسلم لظهور بطلان مذهبهم. (ع)]] والبدع، وإلا فما معنى التحسر؟ قرئ: بالفتح، يعذب ويوثق. وهي قراءة رسول الله ﷺ. وعن أبى عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره. والضمير للإنسان الموصوف. وقيل هو أبىّ بن خلف أى لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه، لتناهيه في كفره وعناده، أو لا يحمل عذاب الإنسان أحد، كقوله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وقرئ بالكسر، والضمير لله تعالى، أى: لا يتولى عذاب الله أحد، لأنّ الأمر لله وحده في ذلك اليوم. أو للإنسان، أى: لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه.
الفجر 89:22
كَلَّا ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرّطوا فيه حين لا تنفع الحسرة، ويومئذ بدل من إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ وعامل النصب فيهما يتذكر دَكًّا دَكًّا دكا بعد دك. كقوله: حسبته بابا بابا، أى: كرّر عليها الدك حتى عادت هباء منبثا.
فإن قلت: ما معنى إسناد المجيء إلى الله، والحركة والانتقال إنما يجوزان على من كان في جهة قلت: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه: مثلت حاله في ذلك محال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم صَفًّا صَفًّا ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ كقوله وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ وروى أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله ﷺ وعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه، فأخبروا عليا رضى الله عنه، فجاء فاحتضنه من خلفه وقبله بين عاتقيه، ثم قال: يا نبىّ الله، بأبى أنت وأمى ما الذي حدث اليوم، وما الذي غيّرك؟ فتلا عليه الآية. فقال على: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من طريق عطية عن أبى سعيد به وأتم منه.]] . أى يتذكر ما فرّط فيه، أو يتعظ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ومن أين له منفعة الذكرى، لا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين: يوم يتذكر، وبين وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى تناف وتناقض قَدَّمْتُ لِحَياتِي هذه، وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا، كقولك: جئته لعشر ليال خلون من رجب، وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقا بقصدهم وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل الأهواء [[قوله «كمذهب أهل الأهواء» إن كان المراد بهم أهل السنة لقولهم بأن الله هو الخالقى لفعل العبد فهم يثبتون له الاختيار فيه لأنهم يثبتون له الكسب فيه وإن كان المراد بهم من قال بالجبر المحض وهم القائلون بأن العبد لا دخل له في فعله أصلا، بل هو كالريشة المعلقة في الهواء، فكلامه مسلم لظهور بطلان مذهبهم. (ع)]] والبدع، وإلا فما معنى التحسر؟ قرئ: بالفتح، يعذب ويوثق. وهي قراءة رسول الله ﷺ. وعن أبى عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره. والضمير للإنسان الموصوف. وقيل هو أبىّ بن خلف أى لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه، لتناهيه في كفره وعناده، أو لا يحمل عذاب الإنسان أحد، كقوله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وقرئ بالكسر، والضمير لله تعالى، أى: لا يتولى عذاب الله أحد، لأنّ الأمر لله وحده في ذلك اليوم. أو للإنسان، أى: لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه.
الفجر 89:23
كَلَّا ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرّطوا فيه حين لا تنفع الحسرة، ويومئذ بدل من إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ وعامل النصب فيهما يتذكر دَكًّا دَكًّا دكا بعد دك. كقوله: حسبته بابا بابا، أى: كرّر عليها الدك حتى عادت هباء منبثا.
فإن قلت: ما معنى إسناد المجيء إلى الله، والحركة والانتقال إنما يجوزان على من كان في جهة قلت: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه: مثلت حاله في ذلك محال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم صَفًّا صَفًّا ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ كقوله وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ وروى أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله ﷺ وعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه، فأخبروا عليا رضى الله عنه، فجاء فاحتضنه من خلفه وقبله بين عاتقيه، ثم قال: يا نبىّ الله، بأبى أنت وأمى ما الذي حدث اليوم، وما الذي غيّرك؟ فتلا عليه الآية. فقال على: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من طريق عطية عن أبى سعيد به وأتم منه.]] . أى يتذكر ما فرّط فيه، أو يتعظ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ومن أين له منفعة الذكرى، لا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين: يوم يتذكر، وبين وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى تناف وتناقض قَدَّمْتُ لِحَياتِي هذه، وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا، كقولك: جئته لعشر ليال خلون من رجب، وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقا بقصدهم وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل الأهواء [[قوله «كمذهب أهل الأهواء» إن كان المراد بهم أهل السنة لقولهم بأن الله هو الخالقى لفعل العبد فهم يثبتون له الاختيار فيه لأنهم يثبتون له الكسب فيه وإن كان المراد بهم من قال بالجبر المحض وهم القائلون بأن العبد لا دخل له في فعله أصلا، بل هو كالريشة المعلقة في الهواء، فكلامه مسلم لظهور بطلان مذهبهم. (ع)]] والبدع، وإلا فما معنى التحسر؟ قرئ: بالفتح، يعذب ويوثق. وهي قراءة رسول الله ﷺ. وعن أبى عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره. والضمير للإنسان الموصوف. وقيل هو أبىّ بن خلف أى لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه، لتناهيه في كفره وعناده، أو لا يحمل عذاب الإنسان أحد، كقوله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وقرئ بالكسر، والضمير لله تعالى، أى: لا يتولى عذاب الله أحد، لأنّ الأمر لله وحده في ذلك اليوم. أو للإنسان، أى: لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه.
الفجر 89:24
كَلَّا ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرّطوا فيه حين لا تنفع الحسرة، ويومئذ بدل من إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ وعامل النصب فيهما يتذكر دَكًّا دَكًّا دكا بعد دك. كقوله: حسبته بابا بابا، أى: كرّر عليها الدك حتى عادت هباء منبثا.
فإن قلت: ما معنى إسناد المجيء إلى الله، والحركة والانتقال إنما يجوزان على من كان في جهة قلت: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه: مثلت حاله في ذلك محال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم صَفًّا صَفًّا ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ كقوله وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ وروى أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله ﷺ وعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه، فأخبروا عليا رضى الله عنه، فجاء فاحتضنه من خلفه وقبله بين عاتقيه، ثم قال: يا نبىّ الله، بأبى أنت وأمى ما الذي حدث اليوم، وما الذي غيّرك؟ فتلا عليه الآية. فقال على: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من طريق عطية عن أبى سعيد به وأتم منه.]] . أى يتذكر ما فرّط فيه، أو يتعظ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ومن أين له منفعة الذكرى، لا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين: يوم يتذكر، وبين وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى تناف وتناقض قَدَّمْتُ لِحَياتِي هذه، وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا، كقولك: جئته لعشر ليال خلون من رجب، وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقا بقصدهم وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل الأهواء [[قوله «كمذهب أهل الأهواء» إن كان المراد بهم أهل السنة لقولهم بأن الله هو الخالقى لفعل العبد فهم يثبتون له الاختيار فيه لأنهم يثبتون له الكسب فيه وإن كان المراد بهم من قال بالجبر المحض وهم القائلون بأن العبد لا دخل له في فعله أصلا، بل هو كالريشة المعلقة في الهواء، فكلامه مسلم لظهور بطلان مذهبهم. (ع)]] والبدع، وإلا فما معنى التحسر؟ قرئ: بالفتح، يعذب ويوثق. وهي قراءة رسول الله ﷺ. وعن أبى عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره. والضمير للإنسان الموصوف. وقيل هو أبىّ بن خلف أى لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه، لتناهيه في كفره وعناده، أو لا يحمل عذاب الإنسان أحد، كقوله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وقرئ بالكسر، والضمير لله تعالى، أى: لا يتولى عذاب الله أحد، لأنّ الأمر لله وحده في ذلك اليوم. أو للإنسان، أى: لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه.
الفجر 89:25
كَلَّا ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرّطوا فيه حين لا تنفع الحسرة، ويومئذ بدل من إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ وعامل النصب فيهما يتذكر دَكًّا دَكًّا دكا بعد دك. كقوله: حسبته بابا بابا، أى: كرّر عليها الدك حتى عادت هباء منبثا.
فإن قلت: ما معنى إسناد المجيء إلى الله، والحركة والانتقال إنما يجوزان على من كان في جهة قلت: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه: مثلت حاله في ذلك محال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم صَفًّا صَفًّا ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ كقوله وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ وروى أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله ﷺ وعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه، فأخبروا عليا رضى الله عنه، فجاء فاحتضنه من خلفه وقبله بين عاتقيه، ثم قال: يا نبىّ الله، بأبى أنت وأمى ما الذي حدث اليوم، وما الذي غيّرك؟ فتلا عليه الآية. فقال على: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من طريق عطية عن أبى سعيد به وأتم منه.]] . أى يتذكر ما فرّط فيه، أو يتعظ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ومن أين له منفعة الذكرى، لا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين: يوم يتذكر، وبين وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى تناف وتناقض قَدَّمْتُ لِحَياتِي هذه، وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا، كقولك: جئته لعشر ليال خلون من رجب، وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقا بقصدهم وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل الأهواء [[قوله «كمذهب أهل الأهواء» إن كان المراد بهم أهل السنة لقولهم بأن الله هو الخالقى لفعل العبد فهم يثبتون له الاختيار فيه لأنهم يثبتون له الكسب فيه وإن كان المراد بهم من قال بالجبر المحض وهم القائلون بأن العبد لا دخل له في فعله أصلا، بل هو كالريشة المعلقة في الهواء، فكلامه مسلم لظهور بطلان مذهبهم. (ع)]] والبدع، وإلا فما معنى التحسر؟ قرئ: بالفتح، يعذب ويوثق. وهي قراءة رسول الله ﷺ. وعن أبى عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره. والضمير للإنسان الموصوف. وقيل هو أبىّ بن خلف أى لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه، لتناهيه في كفره وعناده، أو لا يحمل عذاب الإنسان أحد، كقوله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وقرئ بالكسر، والضمير لله تعالى، أى: لا يتولى عذاب الله أحد، لأنّ الأمر لله وحده في ذلك اليوم. أو للإنسان، أى: لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه.
الفجر 89:26
كَلَّا ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرّطوا فيه حين لا تنفع الحسرة، ويومئذ بدل من إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ وعامل النصب فيهما يتذكر دَكًّا دَكًّا دكا بعد دك. كقوله: حسبته بابا بابا، أى: كرّر عليها الدك حتى عادت هباء منبثا.
فإن قلت: ما معنى إسناد المجيء إلى الله، والحركة والانتقال إنما يجوزان على من كان في جهة قلت: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه: مثلت حاله في ذلك محال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم صَفًّا صَفًّا ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ كقوله وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ وروى أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله ﷺ وعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه، فأخبروا عليا رضى الله عنه، فجاء فاحتضنه من خلفه وقبله بين عاتقيه، ثم قال: يا نبىّ الله، بأبى أنت وأمى ما الذي حدث اليوم، وما الذي غيّرك؟ فتلا عليه الآية. فقال على: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي من طريق عطية عن أبى سعيد به وأتم منه.]] . أى يتذكر ما فرّط فيه، أو يتعظ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ومن أين له منفعة الذكرى، لا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين: يوم يتذكر، وبين وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى تناف وتناقض قَدَّمْتُ لِحَياتِي هذه، وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا، كقولك: جئته لعشر ليال خلون من رجب، وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقا بقصدهم وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل الأهواء [[قوله «كمذهب أهل الأهواء» إن كان المراد بهم أهل السنة لقولهم بأن الله هو الخالقى لفعل العبد فهم يثبتون له الاختيار فيه لأنهم يثبتون له الكسب فيه وإن كان المراد بهم من قال بالجبر المحض وهم القائلون بأن العبد لا دخل له في فعله أصلا، بل هو كالريشة المعلقة في الهواء، فكلامه مسلم لظهور بطلان مذهبهم. (ع)]] والبدع، وإلا فما معنى التحسر؟ قرئ: بالفتح، يعذب ويوثق. وهي قراءة رسول الله ﷺ. وعن أبى عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره. والضمير للإنسان الموصوف. وقيل هو أبىّ بن خلف أى لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه، لتناهيه في كفره وعناده، أو لا يحمل عذاب الإنسان أحد، كقوله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وقرئ بالكسر، والضمير لله تعالى، أى: لا يتولى عذاب الله أحد، لأنّ الأمر لله وحده في ذلك اليوم. أو للإنسان، أى: لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه.
الفجر 89:27
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ على إرادة القول، أى: يقول الله للمؤمن يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ إمّا أن يكلمه إكراما له كما كلم موسى صلوات الله عليه، أو على لسان ملك. والْمُطْمَئِنَّةُ الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، وهي النفس المؤمنة أو المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك، ويشهد للتفسير الأوّل: قراءة أبىّ بن كعب: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. فإن قلت:
متى يقال لها ذلك؟ قلت: إمّا عند الموت. وإمّا عند البعث، وإمّا عند دخول الجنة. على معنى:
ارجعي إلى موعد ربك راضِيَةً بما أوتيت مَرْضِيَّةً عند الله فَادْخُلِي فِي عِبادِي في جملة عبادي الصالحين، وانتظمى في سلكهم وَادْخُلِي جَنَّتِي معهم، وقيل: النفس الروح.
ومعناه: فادخلي في أجساد عبادي. وقرأ ابن عباس: فادخلي في عبدى. وقرأ ابن مسعود: في جسد عبدى. وقرأ أبى: ائتى ربك راضية مرضية. ادخلى في عبدى، وقيل: نزلت في حمزة ابن عبد المطلب. وقيل: في خبيب بن عدى الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحوّل وجهى نحو قبلتك، فحوّل الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوّله. والظاهر العموم.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى رضى الله عنه.]] .
الفجر 89:28
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ على إرادة القول، أى: يقول الله للمؤمن يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ إمّا أن يكلمه إكراما له كما كلم موسى صلوات الله عليه، أو على لسان ملك. والْمُطْمَئِنَّةُ الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، وهي النفس المؤمنة أو المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك، ويشهد للتفسير الأوّل: قراءة أبىّ بن كعب: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. فإن قلت:
متى يقال لها ذلك؟ قلت: إمّا عند الموت. وإمّا عند البعث، وإمّا عند دخول الجنة. على معنى:
ارجعي إلى موعد ربك راضِيَةً بما أوتيت مَرْضِيَّةً عند الله فَادْخُلِي فِي عِبادِي في جملة عبادي الصالحين، وانتظمى في سلكهم وَادْخُلِي جَنَّتِي معهم، وقيل: النفس الروح.
ومعناه: فادخلي في أجساد عبادي. وقرأ ابن عباس: فادخلي في عبدى. وقرأ ابن مسعود: في جسد عبدى. وقرأ أبى: ائتى ربك راضية مرضية. ادخلى في عبدى، وقيل: نزلت في حمزة ابن عبد المطلب. وقيل: في خبيب بن عدى الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحوّل وجهى نحو قبلتك، فحوّل الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوّله. والظاهر العموم.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى رضى الله عنه.]] .
الفجر 89:29
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ على إرادة القول، أى: يقول الله للمؤمن يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ إمّا أن يكلمه إكراما له كما كلم موسى صلوات الله عليه، أو على لسان ملك. والْمُطْمَئِنَّةُ الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، وهي النفس المؤمنة أو المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك، ويشهد للتفسير الأوّل: قراءة أبىّ بن كعب: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. فإن قلت:
متى يقال لها ذلك؟ قلت: إمّا عند الموت. وإمّا عند البعث، وإمّا عند دخول الجنة. على معنى:
ارجعي إلى موعد ربك راضِيَةً بما أوتيت مَرْضِيَّةً عند الله فَادْخُلِي فِي عِبادِي في جملة عبادي الصالحين، وانتظمى في سلكهم وَادْخُلِي جَنَّتِي معهم، وقيل: النفس الروح.
ومعناه: فادخلي في أجساد عبادي. وقرأ ابن عباس: فادخلي في عبدى. وقرأ ابن مسعود: في جسد عبدى. وقرأ أبى: ائتى ربك راضية مرضية. ادخلى في عبدى، وقيل: نزلت في حمزة ابن عبد المطلب. وقيل: في خبيب بن عدى الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحوّل وجهى نحو قبلتك، فحوّل الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوّله. والظاهر العموم.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى رضى الله عنه.]] .
الفجر 89:30
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ على إرادة القول، أى: يقول الله للمؤمن يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ إمّا أن يكلمه إكراما له كما كلم موسى صلوات الله عليه، أو على لسان ملك. والْمُطْمَئِنَّةُ الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، وهي النفس المؤمنة أو المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك، ويشهد للتفسير الأوّل: قراءة أبىّ بن كعب: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. فإن قلت:
متى يقال لها ذلك؟ قلت: إمّا عند الموت. وإمّا عند البعث، وإمّا عند دخول الجنة. على معنى:
ارجعي إلى موعد ربك راضِيَةً بما أوتيت مَرْضِيَّةً عند الله فَادْخُلِي فِي عِبادِي في جملة عبادي الصالحين، وانتظمى في سلكهم وَادْخُلِي جَنَّتِي معهم، وقيل: النفس الروح.
ومعناه: فادخلي في أجساد عبادي. وقرأ ابن عباس: فادخلي في عبدى. وقرأ ابن مسعود: في جسد عبدى. وقرأ أبى: ائتى ربك راضية مرضية. ادخلى في عبدى، وقيل: نزلت في حمزة ابن عبد المطلب. وقيل: في خبيب بن عدى الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحوّل وجهى نحو قبلتك، فحوّل الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوّله. والظاهر العموم.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه باسنادهم إلى أبى رضى الله عنه.]] .
البلد 90:1
مكية، وآياتها 20 [نزلت بعد ق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يعنى: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم.
عن شرحبيل: يحرّمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة، ويستحلون إخراجك وقتلك وفيه تثبيت من رسول الله ﷺ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته. أو سلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالقسم ببلده، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه. فقال: وأنت حل بهذا البلد، يعنى: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. وذلك أنّ الله فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرّم ما شاء. قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرّم دار أبى سفيان [[تقدم. وقتل ابن خطل: متفق عليه، وقتل مقيس بن صبابة عند أبى داود والنسائي من رواية مصعب ابن سعد عن أبيه وقتل غيرهما تقدم أيضا. ومنهم الحويرث بن نفيل. رواه الواقدي في المغازي. والمراد بقوله «حرم دار أبى سفيان قوله ﷺ يوم الفتح: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» وقد رواه إسحاق وغيره]] ، ثم قال: إنّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيوننا [[قوله «فانه لقيوننا» القيون: جمع قين، وهو الحداد. كذا في الصحاح. (ع)]] وقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ: «إلا الإذخر [[متفق عليه من حديث أبى سلمة عن أبى هريرة وله طرق وألفاظ.]] » . فإن قلت: أين نظير قوله وَأَنْتَ حِلٌّ في معنى الاستقبال؟ قلت:
قوله عز وجل إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة. وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة عن وقت نزولها، فما بال الفتح؟ فإن قلت: ما المراد بوالد وما ولد؟ قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ولده، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه ابراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه. فإن قلت: لم نكر؟ قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب. فإن قلت: هلا قيل ومن ولد؟ قلت: فيه ما في قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أى بأى شيء وضعت، يعنى موضوعا عجيب الشأن. وقيل: هما آدم وولده. وقيل:
كل والد وولد.
والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبدا، فهو أكبد: إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة. ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه.
وأصله: كبده، إذا أصاب كبده. قال لبيد:
يا عين هلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد [[للبيد برثى أخاه أريد. وكبد كبدا كتعب: وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى صار كتعب في المعنى أيضا. يقول: يا عين هلا بكيت أخى وقت قيامنا للحرب وقيام الخصوم معنا فيه. والعاملان تنازعا قوله فِي كَبَدٍ ونزل عينه منزلة من يعقل، فخاطبها. وهلا: حرف تحضيض.]] أى: في شدة الأمر وصعوبة الخطب.
والضمير في أَيَحْسَبُ لبعض صناديد قريش الذي كان رسول الله ﷺ يكابد منهم ما يكابد. والمعنى: أيظن هذا الصنديد القوى في قومه المتضعف للمؤمنين: أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم، وأنه يقول أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم، ويدعونها معالى ومفاخر أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس وافتخارا بينهم، يعنى: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا. ويجوز أن يكون الضمير للإنسان، على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الشريف، ومن شرفه أنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم متحرج بريء، فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أى في مرض: وهو مرض القلب وفساد الباطن، يريد: الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات. وقيل: الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد: هو أبو الأشد، وكان قويا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول: من أزالنى عنه فله كذا، فلا ينزع إلا قطعا ويبقى موضع قدميه. وقيل: الوليد بن المغيرة لُبَداً قرى بالضم والكسر:
جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة: وقرئ: لبدا بضمتين: جمع لبود. ولبدا:
بالتشديد جمع لا بد.
البلد 90:2
مكية، وآياتها 20 [نزلت بعد ق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يعنى: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم.
عن شرحبيل: يحرّمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة، ويستحلون إخراجك وقتلك وفيه تثبيت من رسول الله ﷺ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته. أو سلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالقسم ببلده، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه. فقال: وأنت حل بهذا البلد، يعنى: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. وذلك أنّ الله فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرّم ما شاء. قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرّم دار أبى سفيان [[تقدم. وقتل ابن خطل: متفق عليه، وقتل مقيس بن صبابة عند أبى داود والنسائي من رواية مصعب ابن سعد عن أبيه وقتل غيرهما تقدم أيضا. ومنهم الحويرث بن نفيل. رواه الواقدي في المغازي. والمراد بقوله «حرم دار أبى سفيان قوله ﷺ يوم الفتح: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» وقد رواه إسحاق وغيره]] ، ثم قال: إنّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيوننا [[قوله «فانه لقيوننا» القيون: جمع قين، وهو الحداد. كذا في الصحاح. (ع)]] وقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ: «إلا الإذخر [[متفق عليه من حديث أبى سلمة عن أبى هريرة وله طرق وألفاظ.]] » . فإن قلت: أين نظير قوله وَأَنْتَ حِلٌّ في معنى الاستقبال؟ قلت:
قوله عز وجل إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة. وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة عن وقت نزولها، فما بال الفتح؟ فإن قلت: ما المراد بوالد وما ولد؟ قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ولده، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه ابراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه. فإن قلت: لم نكر؟ قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب. فإن قلت: هلا قيل ومن ولد؟ قلت: فيه ما في قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أى بأى شيء وضعت، يعنى موضوعا عجيب الشأن. وقيل: هما آدم وولده. وقيل:
كل والد وولد.
والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبدا، فهو أكبد: إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة. ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه.
وأصله: كبده، إذا أصاب كبده. قال لبيد:
يا عين هلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد [[للبيد برثى أخاه أريد. وكبد كبدا كتعب: وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى صار كتعب في المعنى أيضا. يقول: يا عين هلا بكيت أخى وقت قيامنا للحرب وقيام الخصوم معنا فيه. والعاملان تنازعا قوله فِي كَبَدٍ ونزل عينه منزلة من يعقل، فخاطبها. وهلا: حرف تحضيض.]] أى: في شدة الأمر وصعوبة الخطب.
والضمير في أَيَحْسَبُ لبعض صناديد قريش الذي كان رسول الله ﷺ يكابد منهم ما يكابد. والمعنى: أيظن هذا الصنديد القوى في قومه المتضعف للمؤمنين: أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم، وأنه يقول أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم، ويدعونها معالى ومفاخر أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس وافتخارا بينهم، يعنى: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا. ويجوز أن يكون الضمير للإنسان، على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الشريف، ومن شرفه أنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم متحرج بريء، فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أى في مرض: وهو مرض القلب وفساد الباطن، يريد: الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات. وقيل: الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد: هو أبو الأشد، وكان قويا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول: من أزالنى عنه فله كذا، فلا ينزع إلا قطعا ويبقى موضع قدميه. وقيل: الوليد بن المغيرة لُبَداً قرى بالضم والكسر:
جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة: وقرئ: لبدا بضمتين: جمع لبود. ولبدا:
بالتشديد جمع لا بد.
البلد 90:3
مكية، وآياتها 20 [نزلت بعد ق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يعنى: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم.
عن شرحبيل: يحرّمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة، ويستحلون إخراجك وقتلك وفيه تثبيت من رسول الله ﷺ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته. أو سلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالقسم ببلده، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه. فقال: وأنت حل بهذا البلد، يعنى: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. وذلك أنّ الله فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرّم ما شاء. قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرّم دار أبى سفيان [[تقدم. وقتل ابن خطل: متفق عليه، وقتل مقيس بن صبابة عند أبى داود والنسائي من رواية مصعب ابن سعد عن أبيه وقتل غيرهما تقدم أيضا. ومنهم الحويرث بن نفيل. رواه الواقدي في المغازي. والمراد بقوله «حرم دار أبى سفيان قوله ﷺ يوم الفتح: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» وقد رواه إسحاق وغيره]] ، ثم قال: إنّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيوننا [[قوله «فانه لقيوننا» القيون: جمع قين، وهو الحداد. كذا في الصحاح. (ع)]] وقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ: «إلا الإذخر [[متفق عليه من حديث أبى سلمة عن أبى هريرة وله طرق وألفاظ.]] » . فإن قلت: أين نظير قوله وَأَنْتَ حِلٌّ في معنى الاستقبال؟ قلت:
قوله عز وجل إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة. وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة عن وقت نزولها، فما بال الفتح؟ فإن قلت: ما المراد بوالد وما ولد؟ قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ولده، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه ابراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه. فإن قلت: لم نكر؟ قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب. فإن قلت: هلا قيل ومن ولد؟ قلت: فيه ما في قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أى بأى شيء وضعت، يعنى موضوعا عجيب الشأن. وقيل: هما آدم وولده. وقيل:
كل والد وولد.
والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبدا، فهو أكبد: إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة. ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه.
وأصله: كبده، إذا أصاب كبده. قال لبيد:
يا عين هلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد [[للبيد برثى أخاه أريد. وكبد كبدا كتعب: وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى صار كتعب في المعنى أيضا. يقول: يا عين هلا بكيت أخى وقت قيامنا للحرب وقيام الخصوم معنا فيه. والعاملان تنازعا قوله فِي كَبَدٍ ونزل عينه منزلة من يعقل، فخاطبها. وهلا: حرف تحضيض.]] أى: في شدة الأمر وصعوبة الخطب.
والضمير في أَيَحْسَبُ لبعض صناديد قريش الذي كان رسول الله ﷺ يكابد منهم ما يكابد. والمعنى: أيظن هذا الصنديد القوى في قومه المتضعف للمؤمنين: أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم، وأنه يقول أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم، ويدعونها معالى ومفاخر أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس وافتخارا بينهم، يعنى: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا. ويجوز أن يكون الضمير للإنسان، على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الشريف، ومن شرفه أنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم متحرج بريء، فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أى في مرض: وهو مرض القلب وفساد الباطن، يريد: الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات. وقيل: الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد: هو أبو الأشد، وكان قويا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول: من أزالنى عنه فله كذا، فلا ينزع إلا قطعا ويبقى موضع قدميه. وقيل: الوليد بن المغيرة لُبَداً قرى بالضم والكسر:
جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة: وقرئ: لبدا بضمتين: جمع لبود. ولبدا:
بالتشديد جمع لا بد.
البلد 90:4
مكية، وآياتها 20 [نزلت بعد ق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يعنى: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم.
عن شرحبيل: يحرّمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة، ويستحلون إخراجك وقتلك وفيه تثبيت من رسول الله ﷺ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته. أو سلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالقسم ببلده، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه. فقال: وأنت حل بهذا البلد، يعنى: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. وذلك أنّ الله فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرّم ما شاء. قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرّم دار أبى سفيان [[تقدم. وقتل ابن خطل: متفق عليه، وقتل مقيس بن صبابة عند أبى داود والنسائي من رواية مصعب ابن سعد عن أبيه وقتل غيرهما تقدم أيضا. ومنهم الحويرث بن نفيل. رواه الواقدي في المغازي. والمراد بقوله «حرم دار أبى سفيان قوله ﷺ يوم الفتح: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» وقد رواه إسحاق وغيره]] ، ثم قال: إنّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيوننا [[قوله «فانه لقيوننا» القيون: جمع قين، وهو الحداد. كذا في الصحاح. (ع)]] وقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ: «إلا الإذخر [[متفق عليه من حديث أبى سلمة عن أبى هريرة وله طرق وألفاظ.]] » . فإن قلت: أين نظير قوله وَأَنْتَ حِلٌّ في معنى الاستقبال؟ قلت:
قوله عز وجل إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة. وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة عن وقت نزولها، فما بال الفتح؟ فإن قلت: ما المراد بوالد وما ولد؟ قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ولده، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه ابراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه. فإن قلت: لم نكر؟ قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب. فإن قلت: هلا قيل ومن ولد؟ قلت: فيه ما في قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أى بأى شيء وضعت، يعنى موضوعا عجيب الشأن. وقيل: هما آدم وولده. وقيل:
كل والد وولد.
والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبدا، فهو أكبد: إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة. ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه.
وأصله: كبده، إذا أصاب كبده. قال لبيد:
يا عين هلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد [[للبيد برثى أخاه أريد. وكبد كبدا كتعب: وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى صار كتعب في المعنى أيضا. يقول: يا عين هلا بكيت أخى وقت قيامنا للحرب وقيام الخصوم معنا فيه. والعاملان تنازعا قوله فِي كَبَدٍ ونزل عينه منزلة من يعقل، فخاطبها. وهلا: حرف تحضيض.]] أى: في شدة الأمر وصعوبة الخطب.
والضمير في أَيَحْسَبُ لبعض صناديد قريش الذي كان رسول الله ﷺ يكابد منهم ما يكابد. والمعنى: أيظن هذا الصنديد القوى في قومه المتضعف للمؤمنين: أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم، وأنه يقول أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم، ويدعونها معالى ومفاخر أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس وافتخارا بينهم، يعنى: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا. ويجوز أن يكون الضمير للإنسان، على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الشريف، ومن شرفه أنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم متحرج بريء، فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أى في مرض: وهو مرض القلب وفساد الباطن، يريد: الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات. وقيل: الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد: هو أبو الأشد، وكان قويا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول: من أزالنى عنه فله كذا، فلا ينزع إلا قطعا ويبقى موضع قدميه. وقيل: الوليد بن المغيرة لُبَداً قرى بالضم والكسر:
جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة: وقرئ: لبدا بضمتين: جمع لبود. ولبدا:
بالتشديد جمع لا بد.
البلد 90:5
مكية، وآياتها 20 [نزلت بعد ق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يعنى: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم.
عن شرحبيل: يحرّمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة، ويستحلون إخراجك وقتلك وفيه تثبيت من رسول الله ﷺ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته. أو سلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالقسم ببلده، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه. فقال: وأنت حل بهذا البلد، يعنى: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. وذلك أنّ الله فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرّم ما شاء. قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرّم دار أبى سفيان [[تقدم. وقتل ابن خطل: متفق عليه، وقتل مقيس بن صبابة عند أبى داود والنسائي من رواية مصعب ابن سعد عن أبيه وقتل غيرهما تقدم أيضا. ومنهم الحويرث بن نفيل. رواه الواقدي في المغازي. والمراد بقوله «حرم دار أبى سفيان قوله ﷺ يوم الفتح: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» وقد رواه إسحاق وغيره]] ، ثم قال: إنّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيوننا [[قوله «فانه لقيوننا» القيون: جمع قين، وهو الحداد. كذا في الصحاح. (ع)]] وقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ: «إلا الإذخر [[متفق عليه من حديث أبى سلمة عن أبى هريرة وله طرق وألفاظ.]] » . فإن قلت: أين نظير قوله وَأَنْتَ حِلٌّ في معنى الاستقبال؟ قلت:
قوله عز وجل إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة. وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة عن وقت نزولها، فما بال الفتح؟ فإن قلت: ما المراد بوالد وما ولد؟ قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ولده، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه ابراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه. فإن قلت: لم نكر؟ قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب. فإن قلت: هلا قيل ومن ولد؟ قلت: فيه ما في قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أى بأى شيء وضعت، يعنى موضوعا عجيب الشأن. وقيل: هما آدم وولده. وقيل:
كل والد وولد.
والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبدا، فهو أكبد: إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة. ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه.
وأصله: كبده، إذا أصاب كبده. قال لبيد:
يا عين هلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد [[للبيد برثى أخاه أريد. وكبد كبدا كتعب: وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى صار كتعب في المعنى أيضا. يقول: يا عين هلا بكيت أخى وقت قيامنا للحرب وقيام الخصوم معنا فيه. والعاملان تنازعا قوله فِي كَبَدٍ ونزل عينه منزلة من يعقل، فخاطبها. وهلا: حرف تحضيض.]] أى: في شدة الأمر وصعوبة الخطب.
والضمير في أَيَحْسَبُ لبعض صناديد قريش الذي كان رسول الله ﷺ يكابد منهم ما يكابد. والمعنى: أيظن هذا الصنديد القوى في قومه المتضعف للمؤمنين: أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم، وأنه يقول أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم، ويدعونها معالى ومفاخر أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس وافتخارا بينهم، يعنى: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا. ويجوز أن يكون الضمير للإنسان، على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الشريف، ومن شرفه أنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم متحرج بريء، فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أى في مرض: وهو مرض القلب وفساد الباطن، يريد: الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات. وقيل: الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد: هو أبو الأشد، وكان قويا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول: من أزالنى عنه فله كذا، فلا ينزع إلا قطعا ويبقى موضع قدميه. وقيل: الوليد بن المغيرة لُبَداً قرى بالضم والكسر:
جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة: وقرئ: لبدا بضمتين: جمع لبود. ولبدا:
بالتشديد جمع لا بد.
البلد 90:6
مكية، وآياتها 20 [نزلت بعد ق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يعنى: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم.
عن شرحبيل: يحرّمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة، ويستحلون إخراجك وقتلك وفيه تثبيت من رسول الله ﷺ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته. أو سلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالقسم ببلده، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه. فقال: وأنت حل بهذا البلد، يعنى: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. وذلك أنّ الله فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرّم ما شاء. قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرّم دار أبى سفيان [[تقدم. وقتل ابن خطل: متفق عليه، وقتل مقيس بن صبابة عند أبى داود والنسائي من رواية مصعب ابن سعد عن أبيه وقتل غيرهما تقدم أيضا. ومنهم الحويرث بن نفيل. رواه الواقدي في المغازي. والمراد بقوله «حرم دار أبى سفيان قوله ﷺ يوم الفتح: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» وقد رواه إسحاق وغيره]] ، ثم قال: إنّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيوننا [[قوله «فانه لقيوننا» القيون: جمع قين، وهو الحداد. كذا في الصحاح. (ع)]] وقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ: «إلا الإذخر [[متفق عليه من حديث أبى سلمة عن أبى هريرة وله طرق وألفاظ.]] » . فإن قلت: أين نظير قوله وَأَنْتَ حِلٌّ في معنى الاستقبال؟ قلت:
قوله عز وجل إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة. وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة عن وقت نزولها، فما بال الفتح؟ فإن قلت: ما المراد بوالد وما ولد؟ قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ولده، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه ابراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه. فإن قلت: لم نكر؟ قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب. فإن قلت: هلا قيل ومن ولد؟ قلت: فيه ما في قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أى بأى شيء وضعت، يعنى موضوعا عجيب الشأن. وقيل: هما آدم وولده. وقيل:
كل والد وولد.
والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبدا، فهو أكبد: إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة. ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه.
وأصله: كبده، إذا أصاب كبده. قال لبيد:
يا عين هلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد [[للبيد برثى أخاه أريد. وكبد كبدا كتعب: وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى صار كتعب في المعنى أيضا. يقول: يا عين هلا بكيت أخى وقت قيامنا للحرب وقيام الخصوم معنا فيه. والعاملان تنازعا قوله فِي كَبَدٍ ونزل عينه منزلة من يعقل، فخاطبها. وهلا: حرف تحضيض.]] أى: في شدة الأمر وصعوبة الخطب.
والضمير في أَيَحْسَبُ لبعض صناديد قريش الذي كان رسول الله ﷺ يكابد منهم ما يكابد. والمعنى: أيظن هذا الصنديد القوى في قومه المتضعف للمؤمنين: أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم، وأنه يقول أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم، ويدعونها معالى ومفاخر أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس وافتخارا بينهم، يعنى: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا. ويجوز أن يكون الضمير للإنسان، على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الشريف، ومن شرفه أنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم متحرج بريء، فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أى في مرض: وهو مرض القلب وفساد الباطن، يريد: الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات. وقيل: الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد: هو أبو الأشد، وكان قويا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول: من أزالنى عنه فله كذا، فلا ينزع إلا قطعا ويبقى موضع قدميه. وقيل: الوليد بن المغيرة لُبَداً قرى بالضم والكسر:
جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة: وقرئ: لبدا بضمتين: جمع لبود. ولبدا:
بالتشديد جمع لا بد.
البلد 90:7
مكية، وآياتها 20 [نزلت بعد ق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ يعنى: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم.
عن شرحبيل: يحرّمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة، ويستحلون إخراجك وقتلك وفيه تثبيت من رسول الله ﷺ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته. أو سلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالقسم ببلده، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه. فقال: وأنت حل بهذا البلد، يعنى: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. وذلك أنّ الله فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرّم ما شاء. قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرّم دار أبى سفيان [[تقدم. وقتل ابن خطل: متفق عليه، وقتل مقيس بن صبابة عند أبى داود والنسائي من رواية مصعب ابن سعد عن أبيه وقتل غيرهما تقدم أيضا. ومنهم الحويرث بن نفيل. رواه الواقدي في المغازي. والمراد بقوله «حرم دار أبى سفيان قوله ﷺ يوم الفتح: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» وقد رواه إسحاق وغيره]] ، ثم قال: إنّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيوننا [[قوله «فانه لقيوننا» القيون: جمع قين، وهو الحداد. كذا في الصحاح. (ع)]] وقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ: «إلا الإذخر [[متفق عليه من حديث أبى سلمة عن أبى هريرة وله طرق وألفاظ.]] » . فإن قلت: أين نظير قوله وَأَنْتَ حِلٌّ في معنى الاستقبال؟ قلت:
قوله عز وجل إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة. وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة عن وقت نزولها، فما بال الفتح؟ فإن قلت: ما المراد بوالد وما ولد؟ قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ولده، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه ابراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه. فإن قلت: لم نكر؟ قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب. فإن قلت: هلا قيل ومن ولد؟ قلت: فيه ما في قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أى بأى شيء وضعت، يعنى موضوعا عجيب الشأن. وقيل: هما آدم وولده. وقيل:
كل والد وولد.
والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبدا، فهو أكبد: إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة. ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه.
وأصله: كبده، إذا أصاب كبده. قال لبيد:
يا عين هلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد [[للبيد برثى أخاه أريد. وكبد كبدا كتعب: وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى صار كتعب في المعنى أيضا. يقول: يا عين هلا بكيت أخى وقت قيامنا للحرب وقيام الخصوم معنا فيه. والعاملان تنازعا قوله فِي كَبَدٍ ونزل عينه منزلة من يعقل، فخاطبها. وهلا: حرف تحضيض.]] أى: في شدة الأمر وصعوبة الخطب.
والضمير في أَيَحْسَبُ لبعض صناديد قريش الذي كان رسول الله ﷺ يكابد منهم ما يكابد. والمعنى: أيظن هذا الصنديد القوى في قومه المتضعف للمؤمنين: أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم، وأنه يقول أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم، ويدعونها معالى ومفاخر أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس وافتخارا بينهم، يعنى: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا. ويجوز أن يكون الضمير للإنسان، على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الشريف، ومن شرفه أنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم متحرج بريء، فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أى في مرض: وهو مرض القلب وفساد الباطن، يريد: الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات. وقيل: الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد: هو أبو الأشد، وكان قويا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول: من أزالنى عنه فله كذا، فلا ينزع إلا قطعا ويبقى موضع قدميه. وقيل: الوليد بن المغيرة لُبَداً قرى بالضم والكسر:
جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة: وقرئ: لبدا بضمتين: جمع لبود. ولبدا:
بالتشديد جمع لا بد.
البلد 90:8
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما المرئيات وَلِساناً يترجم به عن ضمائره وَشَفَتَيْنِ يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أى طريقى الخير والشر. وقيل: الثديين فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعنى: فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، بل غمط النعم [[قوله «بل غمط النعم» أى: استحقرها. (ع)]] وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ...
الآية. فإن قلت: قلما تقع «إلا» الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله:
فأىّ أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت: هي متكررة في المعنى، لأن معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.
وقال الزجاج قوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يدل على معنى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن.
والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبة، وعملها: اقتحاما لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقة: تخليصها من رق أو غيره.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال:
تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها:
أن تعين في تخليصها من قود أو غرم [[أخرجه ابن حبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة والبخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في الشعب، والثعلبي وابن مردويه والواحدي من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب وليس عند أحد منهم قوله «من قود أو غرم» وكأنه من كلام الزمخشري.]] . والعتق والصدقة: من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة رضى الله عنه: أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه: الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذى قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأن النبي ﷺ قال: «من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار [[أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر بلفظ «من أعتق رقبة» .]] . قرئ: فك رقبة، أو إطعام على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: فك رقبة، أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض، ومعناه: أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة: مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي.
وذو مقربتى. وترب: إذا افتقر، ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أى: صار ذا مال كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى. وعن النبي ﷺ في قوله ذا مَتْرَبَةٍ الذي مأواه المزابل [[أخرجه ابن مردويه من رواية مجاهد عن عبد الله بن عمر بهذا. وعند الحاكم عن ابن عباس: قال «هو الذي لا يقيه من التراب شيء» موقوف.]] ، ووصف اليوم بذي مسعبة نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب:
ذو نصب. وقرأ الحسن: ذا مسغبة نصبه بإطعام. ومعناه: أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة.
البلد 90:9
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما المرئيات وَلِساناً يترجم به عن ضمائره وَشَفَتَيْنِ يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أى طريقى الخير والشر. وقيل: الثديين فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعنى: فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، بل غمط النعم [[قوله «بل غمط النعم» أى: استحقرها. (ع)]] وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ...
الآية. فإن قلت: قلما تقع «إلا» الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله:
فأىّ أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت: هي متكررة في المعنى، لأن معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.
وقال الزجاج قوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يدل على معنى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن.
والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبة، وعملها: اقتحاما لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقة: تخليصها من رق أو غيره.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال:
تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها:
أن تعين في تخليصها من قود أو غرم [[أخرجه ابن حبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة والبخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في الشعب، والثعلبي وابن مردويه والواحدي من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب وليس عند أحد منهم قوله «من قود أو غرم» وكأنه من كلام الزمخشري.]] . والعتق والصدقة: من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة رضى الله عنه: أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه: الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذى قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأن النبي ﷺ قال: «من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار [[أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر بلفظ «من أعتق رقبة» .]] . قرئ: فك رقبة، أو إطعام على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: فك رقبة، أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض، ومعناه: أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة: مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي.
وذو مقربتى. وترب: إذا افتقر، ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أى: صار ذا مال كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى. وعن النبي ﷺ في قوله ذا مَتْرَبَةٍ الذي مأواه المزابل [[أخرجه ابن مردويه من رواية مجاهد عن عبد الله بن عمر بهذا. وعند الحاكم عن ابن عباس: قال «هو الذي لا يقيه من التراب شيء» موقوف.]] ، ووصف اليوم بذي مسعبة نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب:
ذو نصب. وقرأ الحسن: ذا مسغبة نصبه بإطعام. ومعناه: أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة.
البلد 90:10
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما المرئيات وَلِساناً يترجم به عن ضمائره وَشَفَتَيْنِ يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أى طريقى الخير والشر. وقيل: الثديين فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعنى: فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، بل غمط النعم [[قوله «بل غمط النعم» أى: استحقرها. (ع)]] وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ...
الآية. فإن قلت: قلما تقع «إلا» الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله:
فأىّ أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت: هي متكررة في المعنى، لأن معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.
وقال الزجاج قوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يدل على معنى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن.
والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبة، وعملها: اقتحاما لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقة: تخليصها من رق أو غيره.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال:
تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها:
أن تعين في تخليصها من قود أو غرم [[أخرجه ابن حبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة والبخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في الشعب، والثعلبي وابن مردويه والواحدي من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب وليس عند أحد منهم قوله «من قود أو غرم» وكأنه من كلام الزمخشري.]] . والعتق والصدقة: من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة رضى الله عنه: أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه: الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذى قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأن النبي ﷺ قال: «من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار [[أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر بلفظ «من أعتق رقبة» .]] . قرئ: فك رقبة، أو إطعام على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: فك رقبة، أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض، ومعناه: أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة: مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي.
وذو مقربتى. وترب: إذا افتقر، ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أى: صار ذا مال كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى. وعن النبي ﷺ في قوله ذا مَتْرَبَةٍ الذي مأواه المزابل [[أخرجه ابن مردويه من رواية مجاهد عن عبد الله بن عمر بهذا. وعند الحاكم عن ابن عباس: قال «هو الذي لا يقيه من التراب شيء» موقوف.]] ، ووصف اليوم بذي مسعبة نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب:
ذو نصب. وقرأ الحسن: ذا مسغبة نصبه بإطعام. ومعناه: أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة.
البلد 90:11
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما المرئيات وَلِساناً يترجم به عن ضمائره وَشَفَتَيْنِ يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أى طريقى الخير والشر. وقيل: الثديين فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعنى: فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، بل غمط النعم [[قوله «بل غمط النعم» أى: استحقرها. (ع)]] وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ...
الآية. فإن قلت: قلما تقع «إلا» الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله:
فأىّ أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت: هي متكررة في المعنى، لأن معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.
وقال الزجاج قوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يدل على معنى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن.
والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبة، وعملها: اقتحاما لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقة: تخليصها من رق أو غيره.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال:
تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها:
أن تعين في تخليصها من قود أو غرم [[أخرجه ابن حبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة والبخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في الشعب، والثعلبي وابن مردويه والواحدي من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب وليس عند أحد منهم قوله «من قود أو غرم» وكأنه من كلام الزمخشري.]] . والعتق والصدقة: من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة رضى الله عنه: أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه: الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذى قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأن النبي ﷺ قال: «من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار [[أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر بلفظ «من أعتق رقبة» .]] . قرئ: فك رقبة، أو إطعام على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: فك رقبة، أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض، ومعناه: أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة: مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي.
وذو مقربتى. وترب: إذا افتقر، ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أى: صار ذا مال كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى. وعن النبي ﷺ في قوله ذا مَتْرَبَةٍ الذي مأواه المزابل [[أخرجه ابن مردويه من رواية مجاهد عن عبد الله بن عمر بهذا. وعند الحاكم عن ابن عباس: قال «هو الذي لا يقيه من التراب شيء» موقوف.]] ، ووصف اليوم بذي مسعبة نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب:
ذو نصب. وقرأ الحسن: ذا مسغبة نصبه بإطعام. ومعناه: أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة.
البلد 90:12
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما المرئيات وَلِساناً يترجم به عن ضمائره وَشَفَتَيْنِ يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أى طريقى الخير والشر. وقيل: الثديين فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعنى: فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، بل غمط النعم [[قوله «بل غمط النعم» أى: استحقرها. (ع)]] وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ...
الآية. فإن قلت: قلما تقع «إلا» الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله:
فأىّ أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت: هي متكررة في المعنى، لأن معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.
وقال الزجاج قوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يدل على معنى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن.
والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبة، وعملها: اقتحاما لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقة: تخليصها من رق أو غيره.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال:
تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها:
أن تعين في تخليصها من قود أو غرم [[أخرجه ابن حبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة والبخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في الشعب، والثعلبي وابن مردويه والواحدي من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب وليس عند أحد منهم قوله «من قود أو غرم» وكأنه من كلام الزمخشري.]] . والعتق والصدقة: من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة رضى الله عنه: أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه: الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذى قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأن النبي ﷺ قال: «من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار [[أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر بلفظ «من أعتق رقبة» .]] . قرئ: فك رقبة، أو إطعام على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: فك رقبة، أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض، ومعناه: أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة: مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي.
وذو مقربتى. وترب: إذا افتقر، ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أى: صار ذا مال كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى. وعن النبي ﷺ في قوله ذا مَتْرَبَةٍ الذي مأواه المزابل [[أخرجه ابن مردويه من رواية مجاهد عن عبد الله بن عمر بهذا. وعند الحاكم عن ابن عباس: قال «هو الذي لا يقيه من التراب شيء» موقوف.]] ، ووصف اليوم بذي مسعبة نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب:
ذو نصب. وقرأ الحسن: ذا مسغبة نصبه بإطعام. ومعناه: أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة.
البلد 90:13
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما المرئيات وَلِساناً يترجم به عن ضمائره وَشَفَتَيْنِ يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أى طريقى الخير والشر. وقيل: الثديين فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعنى: فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، بل غمط النعم [[قوله «بل غمط النعم» أى: استحقرها. (ع)]] وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ...
الآية. فإن قلت: قلما تقع «إلا» الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله:
فأىّ أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت: هي متكررة في المعنى، لأن معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.
وقال الزجاج قوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يدل على معنى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن.
والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبة، وعملها: اقتحاما لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقة: تخليصها من رق أو غيره.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال:
تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها:
أن تعين في تخليصها من قود أو غرم [[أخرجه ابن حبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة والبخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في الشعب، والثعلبي وابن مردويه والواحدي من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب وليس عند أحد منهم قوله «من قود أو غرم» وكأنه من كلام الزمخشري.]] . والعتق والصدقة: من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة رضى الله عنه: أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه: الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذى قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأن النبي ﷺ قال: «من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار [[أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر بلفظ «من أعتق رقبة» .]] . قرئ: فك رقبة، أو إطعام على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: فك رقبة، أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض، ومعناه: أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة: مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي.
وذو مقربتى. وترب: إذا افتقر، ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أى: صار ذا مال كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى. وعن النبي ﷺ في قوله ذا مَتْرَبَةٍ الذي مأواه المزابل [[أخرجه ابن مردويه من رواية مجاهد عن عبد الله بن عمر بهذا. وعند الحاكم عن ابن عباس: قال «هو الذي لا يقيه من التراب شيء» موقوف.]] ، ووصف اليوم بذي مسعبة نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب:
ذو نصب. وقرأ الحسن: ذا مسغبة نصبه بإطعام. ومعناه: أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة.
البلد 90:14
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما المرئيات وَلِساناً يترجم به عن ضمائره وَشَفَتَيْنِ يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أى طريقى الخير والشر. وقيل: الثديين فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعنى: فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، بل غمط النعم [[قوله «بل غمط النعم» أى: استحقرها. (ع)]] وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ...
الآية. فإن قلت: قلما تقع «إلا» الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله:
فأىّ أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت: هي متكررة في المعنى، لأن معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.
وقال الزجاج قوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يدل على معنى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن.
والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبة، وعملها: اقتحاما لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقة: تخليصها من رق أو غيره.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال:
تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها:
أن تعين في تخليصها من قود أو غرم [[أخرجه ابن حبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة والبخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في الشعب، والثعلبي وابن مردويه والواحدي من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب وليس عند أحد منهم قوله «من قود أو غرم» وكأنه من كلام الزمخشري.]] . والعتق والصدقة: من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة رضى الله عنه: أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه: الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذى قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأن النبي ﷺ قال: «من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار [[أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر بلفظ «من أعتق رقبة» .]] . قرئ: فك رقبة، أو إطعام على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: فك رقبة، أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض، ومعناه: أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة: مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي.
وذو مقربتى. وترب: إذا افتقر، ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أى: صار ذا مال كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى. وعن النبي ﷺ في قوله ذا مَتْرَبَةٍ الذي مأواه المزابل [[أخرجه ابن مردويه من رواية مجاهد عن عبد الله بن عمر بهذا. وعند الحاكم عن ابن عباس: قال «هو الذي لا يقيه من التراب شيء» موقوف.]] ، ووصف اليوم بذي مسعبة نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب:
ذو نصب. وقرأ الحسن: ذا مسغبة نصبه بإطعام. ومعناه: أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة.
البلد 90:15
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما المرئيات وَلِساناً يترجم به عن ضمائره وَشَفَتَيْنِ يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أى طريقى الخير والشر. وقيل: الثديين فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعنى: فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، بل غمط النعم [[قوله «بل غمط النعم» أى: استحقرها. (ع)]] وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ...
الآية. فإن قلت: قلما تقع «إلا» الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله:
فأىّ أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت: هي متكررة في المعنى، لأن معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.
وقال الزجاج قوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يدل على معنى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن.
والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبة، وعملها: اقتحاما لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقة: تخليصها من رق أو غيره.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال:
تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها:
أن تعين في تخليصها من قود أو غرم [[أخرجه ابن حبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة والبخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في الشعب، والثعلبي وابن مردويه والواحدي من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب وليس عند أحد منهم قوله «من قود أو غرم» وكأنه من كلام الزمخشري.]] . والعتق والصدقة: من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة رضى الله عنه: أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه: الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذى قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأن النبي ﷺ قال: «من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار [[أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر بلفظ «من أعتق رقبة» .]] . قرئ: فك رقبة، أو إطعام على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: فك رقبة، أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض، ومعناه: أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة: مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي.
وذو مقربتى. وترب: إذا افتقر، ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أى: صار ذا مال كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى. وعن النبي ﷺ في قوله ذا مَتْرَبَةٍ الذي مأواه المزابل [[أخرجه ابن مردويه من رواية مجاهد عن عبد الله بن عمر بهذا. وعند الحاكم عن ابن عباس: قال «هو الذي لا يقيه من التراب شيء» موقوف.]] ، ووصف اليوم بذي مسعبة نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب:
ذو نصب. وقرأ الحسن: ذا مسغبة نصبه بإطعام. ومعناه: أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة.
البلد 90:16
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما المرئيات وَلِساناً يترجم به عن ضمائره وَشَفَتَيْنِ يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أى طريقى الخير والشر. وقيل: الثديين فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعنى: فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، بل غمط النعم [[قوله «بل غمط النعم» أى: استحقرها. (ع)]] وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ...
الآية. فإن قلت: قلما تقع «إلا» الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله:
فأىّ أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت: هي متكررة في المعنى، لأن معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.
وقال الزجاج قوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يدل على معنى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن.
والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبة، وعملها: اقتحاما لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقة: تخليصها من رق أو غيره.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال:
تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها:
أن تعين في تخليصها من قود أو غرم [[أخرجه ابن حبان والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة والبخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في الشعب، والثعلبي وابن مردويه والواحدي من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب وليس عند أحد منهم قوله «من قود أو غرم» وكأنه من كلام الزمخشري.]] . والعتق والصدقة: من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة رضى الله عنه: أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه: الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة، لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذى قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأن النبي ﷺ قال: «من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار [[أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر بلفظ «من أعتق رقبة» .]] . قرئ: فك رقبة، أو إطعام على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: فك رقبة، أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض، ومعناه: أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة: مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي.
وذو مقربتى. وترب: إذا افتقر، ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أى: صار ذا مال كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى. وعن النبي ﷺ في قوله ذا مَتْرَبَةٍ الذي مأواه المزابل [[أخرجه ابن مردويه من رواية مجاهد عن عبد الله بن عمر بهذا. وعند الحاكم عن ابن عباس: قال «هو الذي لا يقيه من التراب شيء» موقوف.]] ، ووصف اليوم بذي مسعبة نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب:
ذو نصب. وقرأ الحسن: ذا مسغبة نصبه بإطعام. ومعناه: أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة.
البلد 90:17
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا جاء بثم لتراخى الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت، لأنّ الإيمان هو السابق المقدّم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به. والمرحمة: الرحمة، أى: أوصى بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات عليه. أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن، وبأن يكونوا متراحمين متعاطفين. أو بما يؤدى إلى رحمة الله. الميمنة والمشأمة: اليمين والشمال. أو اليمن والشؤم، أى: الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهنّ. قرئ: موصدة، بالواو والهمزة، من وصدت الباب وآصدته: إذا أطبقته وأغلقته. وعن أبى بكر بن عياش: لنا إمام يهمز مؤصدة، فأشتهى أن أسدّ أذنى إذا سمعته.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ لا أقسم بهذا البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
البلد 90:18
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا جاء بثم لتراخى الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت، لأنّ الإيمان هو السابق المقدّم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به. والمرحمة: الرحمة، أى: أوصى بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات عليه. أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن، وبأن يكونوا متراحمين متعاطفين. أو بما يؤدى إلى رحمة الله. الميمنة والمشأمة: اليمين والشمال. أو اليمن والشؤم، أى: الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهنّ. قرئ: موصدة، بالواو والهمزة، من وصدت الباب وآصدته: إذا أطبقته وأغلقته. وعن أبى بكر بن عياش: لنا إمام يهمز مؤصدة، فأشتهى أن أسدّ أذنى إذا سمعته.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ لا أقسم بهذا البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
البلد 90:19
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا جاء بثم لتراخى الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت، لأنّ الإيمان هو السابق المقدّم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به. والمرحمة: الرحمة، أى: أوصى بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات عليه. أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن، وبأن يكونوا متراحمين متعاطفين. أو بما يؤدى إلى رحمة الله. الميمنة والمشأمة: اليمين والشمال. أو اليمن والشؤم، أى: الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهنّ. قرئ: موصدة، بالواو والهمزة، من وصدت الباب وآصدته: إذا أطبقته وأغلقته. وعن أبى بكر بن عياش: لنا إمام يهمز مؤصدة، فأشتهى أن أسدّ أذنى إذا سمعته.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ لا أقسم بهذا البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
البلد 90:20
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا جاء بثم لتراخى الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت، لأنّ الإيمان هو السابق المقدّم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به. والمرحمة: الرحمة، أى: أوصى بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات عليه. أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن، وبأن يكونوا متراحمين متعاطفين. أو بما يؤدى إلى رحمة الله. الميمنة والمشأمة: اليمين والشمال. أو اليمن والشؤم، أى: الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهنّ. قرئ: موصدة، بالواو والهمزة، من وصدت الباب وآصدته: إذا أطبقته وأغلقته. وعن أبى بكر بن عياش: لنا إمام يهمز مؤصدة، فأشتهى أن أسدّ أذنى إذا سمعته.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ لا أقسم بهذا البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الشمس 91:1
مكية، وآياتها 15 [نزلت بعد القدر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف إِذا تَلاها طالعا عند غروبها آخذا من نورها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور إِذا جَلَّاها عند انتفاخ النهار [[قوله «عند انتفاخ النهار» في الصحاح: انتفخ النهار، أى: علا. (ع)]] وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة: يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت: الأمر في نصب «إذا» معضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل [[قوله «عوامل على الفعل» لعله: عمل الفعل. (ع)]] والجار جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت «ما» مصدرية في قوله وَما بَناها وَما طَحاها وَما سَوَّاها وليس بالوجه لقوله فَأَلْهَمَها وما يؤدى إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما:
أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ. ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما [[قال محمود: «معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه ... الخ» قال أحمد: بين في هذا الكلام نوعين من الباطل، أحدهما في قوله: معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، والذي يكنه في هذه الكلمات اعتقاد أن الحسن والقبح مدركان بالعقل. ألا ترى إلى قوله: إعقالهما، أى خلق العقل الموصل إلى معرفة حسن الحسن وقبح القبيح، وإنما اغتنم في هذا فرصة إشعار الإلهام بذلك، فانه ربما يظن أن إطلاقه على العلم المستفاد من السمع بعيد، والذي يقطع دابر هذه النزغة أنا وإن قلنا إن الحسن والقبح لا يدركان إلا بالسمع لأنهما راجعان إلى الأحكام الشرعية التي ليست عندنا بصفات الأفعال، فانا لا نلغى حظ العقل من إدراك الأحكام الشرعية، بل لا بد في علم كل حكم شرعي من المقدمتين: عقلية، وهي الموصلة إلى العقيدة. وسمعية مفرعة عليها، وهي الدالة على خصوص الحكم. على أن تعلقه بظاهر لو سلم ظهوره في قاعدة قطعية بمعزل عن الصواب. النزغة الثانية: وهي التي كشف القناع في إبرازها أن التزكية وقسيمها ليس مخلوقين لله تعالى، بل لشركائه المعتزلة، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال: إن الضمير لله تعالى، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة، فنقول: لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين، أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها وهلم جرا، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره: فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما، لا ذكرا ونطقا، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني: أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا، أولى من أن يدل له، لأن الكلام عندنا نحن: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الاثنين واحد، أضاف إليه الفعلين المختلفين، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه، ونحن عنه في غنية، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد، على طريقة أنه الفاعل، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة، فهذا جوابنا على الآية تنزلا، وإلا فلم يذكر وجها من الرد، فيلزمنا الجواب عنه، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة، فالسكوت، والله الموفق.]] بدليل قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فجعله فاعل التزكية [[قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة: من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون [[قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح: ورك فلان ذنبه على غيره، إذا قرفه به اه، أى:
اتهمه. ومراده بالقدرية: أهل السنة، حيث قالوا: كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا، ويخلقه تعالى وإرادته، قبيحا كان أو حسنا، من أفعال العباد أو من غيرها، كما تقرر في التوحيد. (ع)]] على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
الشمس 91:2
مكية، وآياتها 15 [نزلت بعد القدر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف إِذا تَلاها طالعا عند غروبها آخذا من نورها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور إِذا جَلَّاها عند انتفاخ النهار [[قوله «عند انتفاخ النهار» في الصحاح: انتفخ النهار، أى: علا. (ع)]] وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة: يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت: الأمر في نصب «إذا» معضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل [[قوله «عوامل على الفعل» لعله: عمل الفعل. (ع)]] والجار جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت «ما» مصدرية في قوله وَما بَناها وَما طَحاها وَما سَوَّاها وليس بالوجه لقوله فَأَلْهَمَها وما يؤدى إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما:
أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ. ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما [[قال محمود: «معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه ... الخ» قال أحمد: بين في هذا الكلام نوعين من الباطل، أحدهما في قوله: معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، والذي يكنه في هذه الكلمات اعتقاد أن الحسن والقبح مدركان بالعقل. ألا ترى إلى قوله: إعقالهما، أى خلق العقل الموصل إلى معرفة حسن الحسن وقبح القبيح، وإنما اغتنم في هذا فرصة إشعار الإلهام بذلك، فانه ربما يظن أن إطلاقه على العلم المستفاد من السمع بعيد، والذي يقطع دابر هذه النزغة أنا وإن قلنا إن الحسن والقبح لا يدركان إلا بالسمع لأنهما راجعان إلى الأحكام الشرعية التي ليست عندنا بصفات الأفعال، فانا لا نلغى حظ العقل من إدراك الأحكام الشرعية، بل لا بد في علم كل حكم شرعي من المقدمتين: عقلية، وهي الموصلة إلى العقيدة. وسمعية مفرعة عليها، وهي الدالة على خصوص الحكم. على أن تعلقه بظاهر لو سلم ظهوره في قاعدة قطعية بمعزل عن الصواب. النزغة الثانية: وهي التي كشف القناع في إبرازها أن التزكية وقسيمها ليس مخلوقين لله تعالى، بل لشركائه المعتزلة، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال: إن الضمير لله تعالى، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة، فنقول: لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين، أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها وهلم جرا، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره: فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما، لا ذكرا ونطقا، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني: أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا، أولى من أن يدل له، لأن الكلام عندنا نحن: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الاثنين واحد، أضاف إليه الفعلين المختلفين، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه، ونحن عنه في غنية، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد، على طريقة أنه الفاعل، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة، فهذا جوابنا على الآية تنزلا، وإلا فلم يذكر وجها من الرد، فيلزمنا الجواب عنه، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة، فالسكوت، والله الموفق.]] بدليل قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فجعله فاعل التزكية [[قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة: من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون [[قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح: ورك فلان ذنبه على غيره، إذا قرفه به اه، أى:
اتهمه. ومراده بالقدرية: أهل السنة، حيث قالوا: كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا، ويخلقه تعالى وإرادته، قبيحا كان أو حسنا، من أفعال العباد أو من غيرها، كما تقرر في التوحيد. (ع)]] على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
الشمس 91:3
مكية، وآياتها 15 [نزلت بعد القدر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف إِذا تَلاها طالعا عند غروبها آخذا من نورها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور إِذا جَلَّاها عند انتفاخ النهار [[قوله «عند انتفاخ النهار» في الصحاح: انتفخ النهار، أى: علا. (ع)]] وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة: يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت: الأمر في نصب «إذا» معضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل [[قوله «عوامل على الفعل» لعله: عمل الفعل. (ع)]] والجار جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت «ما» مصدرية في قوله وَما بَناها وَما طَحاها وَما سَوَّاها وليس بالوجه لقوله فَأَلْهَمَها وما يؤدى إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما:
أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ. ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما [[قال محمود: «معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه ... الخ» قال أحمد: بين في هذا الكلام نوعين من الباطل، أحدهما في قوله: معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، والذي يكنه في هذه الكلمات اعتقاد أن الحسن والقبح مدركان بالعقل. ألا ترى إلى قوله: إعقالهما، أى خلق العقل الموصل إلى معرفة حسن الحسن وقبح القبيح، وإنما اغتنم في هذا فرصة إشعار الإلهام بذلك، فانه ربما يظن أن إطلاقه على العلم المستفاد من السمع بعيد، والذي يقطع دابر هذه النزغة أنا وإن قلنا إن الحسن والقبح لا يدركان إلا بالسمع لأنهما راجعان إلى الأحكام الشرعية التي ليست عندنا بصفات الأفعال، فانا لا نلغى حظ العقل من إدراك الأحكام الشرعية، بل لا بد في علم كل حكم شرعي من المقدمتين: عقلية، وهي الموصلة إلى العقيدة. وسمعية مفرعة عليها، وهي الدالة على خصوص الحكم. على أن تعلقه بظاهر لو سلم ظهوره في قاعدة قطعية بمعزل عن الصواب. النزغة الثانية: وهي التي كشف القناع في إبرازها أن التزكية وقسيمها ليس مخلوقين لله تعالى، بل لشركائه المعتزلة، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال: إن الضمير لله تعالى، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة، فنقول: لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين، أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها وهلم جرا، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره: فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما، لا ذكرا ونطقا، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني: أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا، أولى من أن يدل له، لأن الكلام عندنا نحن: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الاثنين واحد، أضاف إليه الفعلين المختلفين، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه، ونحن عنه في غنية، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد، على طريقة أنه الفاعل، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة، فهذا جوابنا على الآية تنزلا، وإلا فلم يذكر وجها من الرد، فيلزمنا الجواب عنه، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة، فالسكوت، والله الموفق.]] بدليل قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فجعله فاعل التزكية [[قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة: من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون [[قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح: ورك فلان ذنبه على غيره، إذا قرفه به اه، أى:
اتهمه. ومراده بالقدرية: أهل السنة، حيث قالوا: كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا، ويخلقه تعالى وإرادته، قبيحا كان أو حسنا، من أفعال العباد أو من غيرها، كما تقرر في التوحيد. (ع)]] على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
الشمس 91:4
مكية، وآياتها 15 [نزلت بعد القدر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف إِذا تَلاها طالعا عند غروبها آخذا من نورها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور إِذا جَلَّاها عند انتفاخ النهار [[قوله «عند انتفاخ النهار» في الصحاح: انتفخ النهار، أى: علا. (ع)]] وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة: يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت: الأمر في نصب «إذا» معضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل [[قوله «عوامل على الفعل» لعله: عمل الفعل. (ع)]] والجار جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت «ما» مصدرية في قوله وَما بَناها وَما طَحاها وَما سَوَّاها وليس بالوجه لقوله فَأَلْهَمَها وما يؤدى إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما:
أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ. ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما [[قال محمود: «معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه ... الخ» قال أحمد: بين في هذا الكلام نوعين من الباطل، أحدهما في قوله: معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، والذي يكنه في هذه الكلمات اعتقاد أن الحسن والقبح مدركان بالعقل. ألا ترى إلى قوله: إعقالهما، أى خلق العقل الموصل إلى معرفة حسن الحسن وقبح القبيح، وإنما اغتنم في هذا فرصة إشعار الإلهام بذلك، فانه ربما يظن أن إطلاقه على العلم المستفاد من السمع بعيد، والذي يقطع دابر هذه النزغة أنا وإن قلنا إن الحسن والقبح لا يدركان إلا بالسمع لأنهما راجعان إلى الأحكام الشرعية التي ليست عندنا بصفات الأفعال، فانا لا نلغى حظ العقل من إدراك الأحكام الشرعية، بل لا بد في علم كل حكم شرعي من المقدمتين: عقلية، وهي الموصلة إلى العقيدة. وسمعية مفرعة عليها، وهي الدالة على خصوص الحكم. على أن تعلقه بظاهر لو سلم ظهوره في قاعدة قطعية بمعزل عن الصواب. النزغة الثانية: وهي التي كشف القناع في إبرازها أن التزكية وقسيمها ليس مخلوقين لله تعالى، بل لشركائه المعتزلة، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال: إن الضمير لله تعالى، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة، فنقول: لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين، أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها وهلم جرا، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره: فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما، لا ذكرا ونطقا، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني: أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا، أولى من أن يدل له، لأن الكلام عندنا نحن: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الاثنين واحد، أضاف إليه الفعلين المختلفين، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه، ونحن عنه في غنية، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد، على طريقة أنه الفاعل، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة، فهذا جوابنا على الآية تنزلا، وإلا فلم يذكر وجها من الرد، فيلزمنا الجواب عنه، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة، فالسكوت، والله الموفق.]] بدليل قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فجعله فاعل التزكية [[قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة: من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون [[قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح: ورك فلان ذنبه على غيره، إذا قرفه به اه، أى:
اتهمه. ومراده بالقدرية: أهل السنة، حيث قالوا: كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا، ويخلقه تعالى وإرادته، قبيحا كان أو حسنا، من أفعال العباد أو من غيرها، كما تقرر في التوحيد. (ع)]] على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
الشمس 91:5
مكية، وآياتها 15 [نزلت بعد القدر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف إِذا تَلاها طالعا عند غروبها آخذا من نورها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور إِذا جَلَّاها عند انتفاخ النهار [[قوله «عند انتفاخ النهار» في الصحاح: انتفخ النهار، أى: علا. (ع)]] وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة: يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت: الأمر في نصب «إذا» معضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل [[قوله «عوامل على الفعل» لعله: عمل الفعل. (ع)]] والجار جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت «ما» مصدرية في قوله وَما بَناها وَما طَحاها وَما سَوَّاها وليس بالوجه لقوله فَأَلْهَمَها وما يؤدى إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما:
أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ. ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما [[قال محمود: «معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه ... الخ» قال أحمد: بين في هذا الكلام نوعين من الباطل، أحدهما في قوله: معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، والذي يكنه في هذه الكلمات اعتقاد أن الحسن والقبح مدركان بالعقل. ألا ترى إلى قوله: إعقالهما، أى خلق العقل الموصل إلى معرفة حسن الحسن وقبح القبيح، وإنما اغتنم في هذا فرصة إشعار الإلهام بذلك، فانه ربما يظن أن إطلاقه على العلم المستفاد من السمع بعيد، والذي يقطع دابر هذه النزغة أنا وإن قلنا إن الحسن والقبح لا يدركان إلا بالسمع لأنهما راجعان إلى الأحكام الشرعية التي ليست عندنا بصفات الأفعال، فانا لا نلغى حظ العقل من إدراك الأحكام الشرعية، بل لا بد في علم كل حكم شرعي من المقدمتين: عقلية، وهي الموصلة إلى العقيدة. وسمعية مفرعة عليها، وهي الدالة على خصوص الحكم. على أن تعلقه بظاهر لو سلم ظهوره في قاعدة قطعية بمعزل عن الصواب. النزغة الثانية: وهي التي كشف القناع في إبرازها أن التزكية وقسيمها ليس مخلوقين لله تعالى، بل لشركائه المعتزلة، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال: إن الضمير لله تعالى، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة، فنقول: لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين، أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها وهلم جرا، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره: فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما، لا ذكرا ونطقا، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني: أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا، أولى من أن يدل له، لأن الكلام عندنا نحن: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الاثنين واحد، أضاف إليه الفعلين المختلفين، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه، ونحن عنه في غنية، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد، على طريقة أنه الفاعل، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة، فهذا جوابنا على الآية تنزلا، وإلا فلم يذكر وجها من الرد، فيلزمنا الجواب عنه، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة، فالسكوت، والله الموفق.]] بدليل قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فجعله فاعل التزكية [[قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة: من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون [[قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح: ورك فلان ذنبه على غيره، إذا قرفه به اه، أى:
اتهمه. ومراده بالقدرية: أهل السنة، حيث قالوا: كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا، ويخلقه تعالى وإرادته، قبيحا كان أو حسنا، من أفعال العباد أو من غيرها، كما تقرر في التوحيد. (ع)]] على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
الشمس 91:6
مكية، وآياتها 15 [نزلت بعد القدر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف إِذا تَلاها طالعا عند غروبها آخذا من نورها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور إِذا جَلَّاها عند انتفاخ النهار [[قوله «عند انتفاخ النهار» في الصحاح: انتفخ النهار، أى: علا. (ع)]] وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة: يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت: الأمر في نصب «إذا» معضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل [[قوله «عوامل على الفعل» لعله: عمل الفعل. (ع)]] والجار جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت «ما» مصدرية في قوله وَما بَناها وَما طَحاها وَما سَوَّاها وليس بالوجه لقوله فَأَلْهَمَها وما يؤدى إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما:
أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ. ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما [[قال محمود: «معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه ... الخ» قال أحمد: بين في هذا الكلام نوعين من الباطل، أحدهما في قوله: معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، والذي يكنه في هذه الكلمات اعتقاد أن الحسن والقبح مدركان بالعقل. ألا ترى إلى قوله: إعقالهما، أى خلق العقل الموصل إلى معرفة حسن الحسن وقبح القبيح، وإنما اغتنم في هذا فرصة إشعار الإلهام بذلك، فانه ربما يظن أن إطلاقه على العلم المستفاد من السمع بعيد، والذي يقطع دابر هذه النزغة أنا وإن قلنا إن الحسن والقبح لا يدركان إلا بالسمع لأنهما راجعان إلى الأحكام الشرعية التي ليست عندنا بصفات الأفعال، فانا لا نلغى حظ العقل من إدراك الأحكام الشرعية، بل لا بد في علم كل حكم شرعي من المقدمتين: عقلية، وهي الموصلة إلى العقيدة. وسمعية مفرعة عليها، وهي الدالة على خصوص الحكم. على أن تعلقه بظاهر لو سلم ظهوره في قاعدة قطعية بمعزل عن الصواب. النزغة الثانية: وهي التي كشف القناع في إبرازها أن التزكية وقسيمها ليس مخلوقين لله تعالى، بل لشركائه المعتزلة، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال: إن الضمير لله تعالى، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة، فنقول: لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين، أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها وهلم جرا، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره: فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما، لا ذكرا ونطقا، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني: أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا، أولى من أن يدل له، لأن الكلام عندنا نحن: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الاثنين واحد، أضاف إليه الفعلين المختلفين، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه، ونحن عنه في غنية، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد، على طريقة أنه الفاعل، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة، فهذا جوابنا على الآية تنزلا، وإلا فلم يذكر وجها من الرد، فيلزمنا الجواب عنه، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة، فالسكوت، والله الموفق.]] بدليل قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فجعله فاعل التزكية [[قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة: من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون [[قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح: ورك فلان ذنبه على غيره، إذا قرفه به اه، أى:
اتهمه. ومراده بالقدرية: أهل السنة، حيث قالوا: كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا، ويخلقه تعالى وإرادته، قبيحا كان أو حسنا، من أفعال العباد أو من غيرها، كما تقرر في التوحيد. (ع)]] على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
الشمس 91:7
مكية، وآياتها 15 [نزلت بعد القدر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف إِذا تَلاها طالعا عند غروبها آخذا من نورها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور إِذا جَلَّاها عند انتفاخ النهار [[قوله «عند انتفاخ النهار» في الصحاح: انتفخ النهار، أى: علا. (ع)]] وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة: يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت: الأمر في نصب «إذا» معضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل [[قوله «عوامل على الفعل» لعله: عمل الفعل. (ع)]] والجار جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت «ما» مصدرية في قوله وَما بَناها وَما طَحاها وَما سَوَّاها وليس بالوجه لقوله فَأَلْهَمَها وما يؤدى إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما:
أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ. ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما [[قال محمود: «معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه ... الخ» قال أحمد: بين في هذا الكلام نوعين من الباطل، أحدهما في قوله: معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، والذي يكنه في هذه الكلمات اعتقاد أن الحسن والقبح مدركان بالعقل. ألا ترى إلى قوله: إعقالهما، أى خلق العقل الموصل إلى معرفة حسن الحسن وقبح القبيح، وإنما اغتنم في هذا فرصة إشعار الإلهام بذلك، فانه ربما يظن أن إطلاقه على العلم المستفاد من السمع بعيد، والذي يقطع دابر هذه النزغة أنا وإن قلنا إن الحسن والقبح لا يدركان إلا بالسمع لأنهما راجعان إلى الأحكام الشرعية التي ليست عندنا بصفات الأفعال، فانا لا نلغى حظ العقل من إدراك الأحكام الشرعية، بل لا بد في علم كل حكم شرعي من المقدمتين: عقلية، وهي الموصلة إلى العقيدة. وسمعية مفرعة عليها، وهي الدالة على خصوص الحكم. على أن تعلقه بظاهر لو سلم ظهوره في قاعدة قطعية بمعزل عن الصواب. النزغة الثانية: وهي التي كشف القناع في إبرازها أن التزكية وقسيمها ليس مخلوقين لله تعالى، بل لشركائه المعتزلة، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال: إن الضمير لله تعالى، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة، فنقول: لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين، أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها وهلم جرا، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره: فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما، لا ذكرا ونطقا، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني: أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا، أولى من أن يدل له، لأن الكلام عندنا نحن: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الاثنين واحد، أضاف إليه الفعلين المختلفين، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه، ونحن عنه في غنية، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد، على طريقة أنه الفاعل، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة، فهذا جوابنا على الآية تنزلا، وإلا فلم يذكر وجها من الرد، فيلزمنا الجواب عنه، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة، فالسكوت، والله الموفق.]] بدليل قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فجعله فاعل التزكية [[قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة: من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون [[قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح: ورك فلان ذنبه على غيره، إذا قرفه به اه، أى:
اتهمه. ومراده بالقدرية: أهل السنة، حيث قالوا: كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا، ويخلقه تعالى وإرادته، قبيحا كان أو حسنا، من أفعال العباد أو من غيرها، كما تقرر في التوحيد. (ع)]] على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
الشمس 91:8
مكية، وآياتها 15 [نزلت بعد القدر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف إِذا تَلاها طالعا عند غروبها آخذا من نورها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور إِذا جَلَّاها عند انتفاخ النهار [[قوله «عند انتفاخ النهار» في الصحاح: انتفخ النهار، أى: علا. (ع)]] وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة: يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت: الأمر في نصب «إذا» معضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل [[قوله «عوامل على الفعل» لعله: عمل الفعل. (ع)]] والجار جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت «ما» مصدرية في قوله وَما بَناها وَما طَحاها وَما سَوَّاها وليس بالوجه لقوله فَأَلْهَمَها وما يؤدى إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما:
أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ. ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما [[قال محمود: «معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه ... الخ» قال أحمد: بين في هذا الكلام نوعين من الباطل، أحدهما في قوله: معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، والذي يكنه في هذه الكلمات اعتقاد أن الحسن والقبح مدركان بالعقل. ألا ترى إلى قوله: إعقالهما، أى خلق العقل الموصل إلى معرفة حسن الحسن وقبح القبيح، وإنما اغتنم في هذا فرصة إشعار الإلهام بذلك، فانه ربما يظن أن إطلاقه على العلم المستفاد من السمع بعيد، والذي يقطع دابر هذه النزغة أنا وإن قلنا إن الحسن والقبح لا يدركان إلا بالسمع لأنهما راجعان إلى الأحكام الشرعية التي ليست عندنا بصفات الأفعال، فانا لا نلغى حظ العقل من إدراك الأحكام الشرعية، بل لا بد في علم كل حكم شرعي من المقدمتين: عقلية، وهي الموصلة إلى العقيدة. وسمعية مفرعة عليها، وهي الدالة على خصوص الحكم. على أن تعلقه بظاهر لو سلم ظهوره في قاعدة قطعية بمعزل عن الصواب. النزغة الثانية: وهي التي كشف القناع في إبرازها أن التزكية وقسيمها ليس مخلوقين لله تعالى، بل لشركائه المعتزلة، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال: إن الضمير لله تعالى، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة، فنقول: لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين، أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها وهلم جرا، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره: فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما، لا ذكرا ونطقا، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني: أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا، أولى من أن يدل له، لأن الكلام عندنا نحن: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الاثنين واحد، أضاف إليه الفعلين المختلفين، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه، ونحن عنه في غنية، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد، على طريقة أنه الفاعل، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة، فهذا جوابنا على الآية تنزلا، وإلا فلم يذكر وجها من الرد، فيلزمنا الجواب عنه، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة، فالسكوت، والله الموفق.]] بدليل قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فجعله فاعل التزكية [[قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة: من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون [[قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح: ورك فلان ذنبه على غيره، إذا قرفه به اه، أى:
اتهمه. ومراده بالقدرية: أهل السنة، حيث قالوا: كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا، ويخلقه تعالى وإرادته، قبيحا كان أو حسنا، من أفعال العباد أو من غيرها، كما تقرر في التوحيد. (ع)]] على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
الشمس 91:9
مكية، وآياتها 15 [نزلت بعد القدر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف إِذا تَلاها طالعا عند غروبها آخذا من نورها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور إِذا جَلَّاها عند انتفاخ النهار [[قوله «عند انتفاخ النهار» في الصحاح: انتفخ النهار، أى: علا. (ع)]] وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة: يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت: الأمر في نصب «إذا» معضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل [[قوله «عوامل على الفعل» لعله: عمل الفعل. (ع)]] والجار جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت «ما» مصدرية في قوله وَما بَناها وَما طَحاها وَما سَوَّاها وليس بالوجه لقوله فَأَلْهَمَها وما يؤدى إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما:
أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ. ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما [[قال محمود: «معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه ... الخ» قال أحمد: بين في هذا الكلام نوعين من الباطل، أحدهما في قوله: معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، والذي يكنه في هذه الكلمات اعتقاد أن الحسن والقبح مدركان بالعقل. ألا ترى إلى قوله: إعقالهما، أى خلق العقل الموصل إلى معرفة حسن الحسن وقبح القبيح، وإنما اغتنم في هذا فرصة إشعار الإلهام بذلك، فانه ربما يظن أن إطلاقه على العلم المستفاد من السمع بعيد، والذي يقطع دابر هذه النزغة أنا وإن قلنا إن الحسن والقبح لا يدركان إلا بالسمع لأنهما راجعان إلى الأحكام الشرعية التي ليست عندنا بصفات الأفعال، فانا لا نلغى حظ العقل من إدراك الأحكام الشرعية، بل لا بد في علم كل حكم شرعي من المقدمتين: عقلية، وهي الموصلة إلى العقيدة. وسمعية مفرعة عليها، وهي الدالة على خصوص الحكم. على أن تعلقه بظاهر لو سلم ظهوره في قاعدة قطعية بمعزل عن الصواب. النزغة الثانية: وهي التي كشف القناع في إبرازها أن التزكية وقسيمها ليس مخلوقين لله تعالى، بل لشركائه المعتزلة، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال: إن الضمير لله تعالى، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة، فنقول: لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين، أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها وهلم جرا، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره: فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما، لا ذكرا ونطقا، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني: أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا، أولى من أن يدل له، لأن الكلام عندنا نحن: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الاثنين واحد، أضاف إليه الفعلين المختلفين، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه، ونحن عنه في غنية، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد، على طريقة أنه الفاعل، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة، فهذا جوابنا على الآية تنزلا، وإلا فلم يذكر وجها من الرد، فيلزمنا الجواب عنه، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة، فالسكوت، والله الموفق.]] بدليل قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فجعله فاعل التزكية [[قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة: من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون [[قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح: ورك فلان ذنبه على غيره، إذا قرفه به اه، أى:
اتهمه. ومراده بالقدرية: أهل السنة، حيث قالوا: كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا، ويخلقه تعالى وإرادته، قبيحا كان أو حسنا، من أفعال العباد أو من غيرها، كما تقرر في التوحيد. (ع)]] على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
الشمس 91:10
مكية، وآياتها 15 [نزلت بعد القدر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف إِذا تَلاها طالعا عند غروبها آخذا من نورها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور إِذا جَلَّاها عند انتفاخ النهار [[قوله «عند انتفاخ النهار» في الصحاح: انتفخ النهار، أى: علا. (ع)]] وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة: يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت: الأمر في نصب «إذا» معضل، لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل والباء سادّة مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل [[قوله «عوامل على الفعل» لعله: عمل الفعل. (ع)]] والجار جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت «ما» مصدرية في قوله وَما بَناها وَما طَحاها وَما سَوَّاها وليس بالوجه لقوله فَأَلْهَمَها وما يؤدى إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما:
أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ. ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما [[قال محمود: «معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه ... الخ» قال أحمد: بين في هذا الكلام نوعين من الباطل، أحدهما في قوله: معنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح، والذي يكنه في هذه الكلمات اعتقاد أن الحسن والقبح مدركان بالعقل. ألا ترى إلى قوله: إعقالهما، أى خلق العقل الموصل إلى معرفة حسن الحسن وقبح القبيح، وإنما اغتنم في هذا فرصة إشعار الإلهام بذلك، فانه ربما يظن أن إطلاقه على العلم المستفاد من السمع بعيد، والذي يقطع دابر هذه النزغة أنا وإن قلنا إن الحسن والقبح لا يدركان إلا بالسمع لأنهما راجعان إلى الأحكام الشرعية التي ليست عندنا بصفات الأفعال، فانا لا نلغى حظ العقل من إدراك الأحكام الشرعية، بل لا بد في علم كل حكم شرعي من المقدمتين: عقلية، وهي الموصلة إلى العقيدة. وسمعية مفرعة عليها، وهي الدالة على خصوص الحكم. على أن تعلقه بظاهر لو سلم ظهوره في قاعدة قطعية بمعزل عن الصواب. النزغة الثانية: وهي التي كشف القناع في إبرازها أن التزكية وقسيمها ليس مخلوقين لله تعالى، بل لشركائه المعتزلة، وإنما نعارضه في الظاهر من فحوى الآية، على أنه لم يذكر وجها في الرد على من قال: إن الضمير لله تعالى، وإنما اقتصر على الدعوى مقرونة بسفاهته على أهل السنة، فنقول: لا مراء في احتمال عود الضمير إلى الله تعالى وإلى ذى النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين، أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله وَالسَّماءِ وَما بَناها وهلم جرا، والضمائر فيما تقدم هذين الفعلين عائدة إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. وإن قيل بعود الضمير إلى غيره: فإنما يتمحل لجوازه بدلالة الكلام ضمنا واستلزاما، لا ذكرا ونطقا، وما جرى ذكره أولى أن يعود الضمير عليه. الثاني: أن الفعل المستعمل في الآية التي استدل بها في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «تفعل» ، ولا شك أن «تفعل» مطاوع «فعل» فهذا بأن يدل لنا، أولى من أن يدل له، لأن الكلام عندنا نحن: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الاثنين واحد، أضاف إليه الفعلين المختلفين، ويحتاج في تصحيح الكلام إلى تعديد اعتبار وجهه، ونحن عنه في غنية، على أنا لا نأبى أن تضاف التزكية والتدسية إلى العبد، على طريقة أنه الفاعل، كما يضاف إليه الصلاة والصيام وغير ذلك من أفعال الطاعات، لأن له عندنا اختيارا وقدرة مقارنة، وإن منعنا البرهان العقلي الدال على وحدانية الله تعالى ونفى الشريك أن نجعل قدرة العبد مؤثرة خالقة، فهذا جوابنا على الآية تنزلا، وإلا فلم يذكر وجها من الرد، فيلزمنا الجواب عنه، وأما جوابنا عن سفاهته على أهل السنة، فالسكوت، والله الموفق.]] بدليل قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فجعله فاعل التزكية [[قوله «فجعله فاعل التزكية» مبنى على مذهب المعتزلة: من أن العبد هو الفاعل لأفعاله الاختيارية. وذهب أهل السنة إلى أن الفاعل لها في الحقيقة هو الله تعالى، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] والتدسية ومتوليهما والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى. والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباس عنه فقال: أتقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من، لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون [[قوله «الذين يوركون على الله قدرا» في الصحاح: ورك فلان ذنبه على غيره، إذا قرفه به اه، أى:
اتهمه. ومراده بالقدرية: أهل السنة، حيث قالوا: كل ما وقع في الكون هو بقضائه تعالى وقدره خيرا كان أو شرا، ويخلقه تعالى وإرادته، قبيحا كان أو حسنا، من أفعال العباد أو من غيرها، كما تقرر في التوحيد. (ع)]] على الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أى: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فكلام تابع لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
الشمس 91:11
الباء في بِطَغْواها مثلها في: كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان: فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء، بأن قلبوا الياء واوا في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا:
امرأة خزيي وصديى، يعنى: فعلت التكذيب بطغيانها، كما تقول: ظلمني بجرأته على الله. وقيل:
كذبت بما أوعدت به من عذابها ذى الطغوىّ كقوله، فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وقرأ الحسن:
بطغواها، بضم الطاء كالحسنى والرجعى في المصادر إِذِ انْبَعَثَ منصوب بكذبت. أو بالطغوى. وأَشْقاها قدار بن سالف. ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقال: أشقوها، كما تقول: أفاضلهم. والضمير في لَهُمْ يجوز أن يكون للأشقين والتفضيل في الشقاوة، لأنّ من تولى الفقر وباشره كانت شقاوته أظهر وأبلغ. وناقَةَ اللَّهِ نصب على التحذير، كقولك الأسد الأسد، والصبى الصبى، بإضمار: ذروا أو احذروا عقرها وَسُقْياها فلا تزووها عنها، ولا تستأثروا بها عليها فَكَذَّبُوهُ فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ فأطلق عليهم العذاب، وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة: إذا ألبسها الشجم بِذَنْبِهِمْ بسبب ذنبهم. وفيه إنذار عظيم بعاقبة الذنب، فعلى كل مذنب أن يعتبر ويحذر فَسَوَّاها الضمير للدمدمة، أى: فسوّاها ببنهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم وَلا يَخافُ عُقْباها أى عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء. ويجوز أن يكون الضمير لثمود على معنى: فسواها بالأرض. أو في الهلاك، ولا يخاف عقبى هلاكها. وفي مصاحف أهل المدينة والشأم: فلا يخاف. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ولم يخف.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الشمس، فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الشمس 91:12
الباء في بِطَغْواها مثلها في: كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان: فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء، بأن قلبوا الياء واوا في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا:
امرأة خزيي وصديى، يعنى: فعلت التكذيب بطغيانها، كما تقول: ظلمني بجرأته على الله. وقيل:
كذبت بما أوعدت به من عذابها ذى الطغوىّ كقوله، فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وقرأ الحسن:
بطغواها، بضم الطاء كالحسنى والرجعى في المصادر إِذِ انْبَعَثَ منصوب بكذبت. أو بالطغوى. وأَشْقاها قدار بن سالف. ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقال: أشقوها، كما تقول: أفاضلهم. والضمير في لَهُمْ يجوز أن يكون للأشقين والتفضيل في الشقاوة، لأنّ من تولى الفقر وباشره كانت شقاوته أظهر وأبلغ. وناقَةَ اللَّهِ نصب على التحذير، كقولك الأسد الأسد، والصبى الصبى، بإضمار: ذروا أو احذروا عقرها وَسُقْياها فلا تزووها عنها، ولا تستأثروا بها عليها فَكَذَّبُوهُ فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ فأطلق عليهم العذاب، وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة: إذا ألبسها الشجم بِذَنْبِهِمْ بسبب ذنبهم. وفيه إنذار عظيم بعاقبة الذنب، فعلى كل مذنب أن يعتبر ويحذر فَسَوَّاها الضمير للدمدمة، أى: فسوّاها ببنهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم وَلا يَخافُ عُقْباها أى عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء. ويجوز أن يكون الضمير لثمود على معنى: فسواها بالأرض. أو في الهلاك، ولا يخاف عقبى هلاكها. وفي مصاحف أهل المدينة والشأم: فلا يخاف. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ولم يخف.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الشمس، فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الشمس 91:13
الباء في بِطَغْواها مثلها في: كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان: فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء، بأن قلبوا الياء واوا في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا:
امرأة خزيي وصديى، يعنى: فعلت التكذيب بطغيانها، كما تقول: ظلمني بجرأته على الله. وقيل:
كذبت بما أوعدت به من عذابها ذى الطغوىّ كقوله، فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وقرأ الحسن:
بطغواها، بضم الطاء كالحسنى والرجعى في المصادر إِذِ انْبَعَثَ منصوب بكذبت. أو بالطغوى. وأَشْقاها قدار بن سالف. ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقال: أشقوها، كما تقول: أفاضلهم. والضمير في لَهُمْ يجوز أن يكون للأشقين والتفضيل في الشقاوة، لأنّ من تولى الفقر وباشره كانت شقاوته أظهر وأبلغ. وناقَةَ اللَّهِ نصب على التحذير، كقولك الأسد الأسد، والصبى الصبى، بإضمار: ذروا أو احذروا عقرها وَسُقْياها فلا تزووها عنها، ولا تستأثروا بها عليها فَكَذَّبُوهُ فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ فأطلق عليهم العذاب، وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة: إذا ألبسها الشجم بِذَنْبِهِمْ بسبب ذنبهم. وفيه إنذار عظيم بعاقبة الذنب، فعلى كل مذنب أن يعتبر ويحذر فَسَوَّاها الضمير للدمدمة، أى: فسوّاها ببنهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم وَلا يَخافُ عُقْباها أى عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء. ويجوز أن يكون الضمير لثمود على معنى: فسواها بالأرض. أو في الهلاك، ولا يخاف عقبى هلاكها. وفي مصاحف أهل المدينة والشأم: فلا يخاف. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ولم يخف.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الشمس، فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الشمس 91:14
الباء في بِطَغْواها مثلها في: كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان: فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء، بأن قلبوا الياء واوا في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا:
امرأة خزيي وصديى، يعنى: فعلت التكذيب بطغيانها، كما تقول: ظلمني بجرأته على الله. وقيل:
كذبت بما أوعدت به من عذابها ذى الطغوىّ كقوله، فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وقرأ الحسن:
بطغواها، بضم الطاء كالحسنى والرجعى في المصادر إِذِ انْبَعَثَ منصوب بكذبت. أو بالطغوى. وأَشْقاها قدار بن سالف. ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقال: أشقوها، كما تقول: أفاضلهم. والضمير في لَهُمْ يجوز أن يكون للأشقين والتفضيل في الشقاوة، لأنّ من تولى الفقر وباشره كانت شقاوته أظهر وأبلغ. وناقَةَ اللَّهِ نصب على التحذير، كقولك الأسد الأسد، والصبى الصبى، بإضمار: ذروا أو احذروا عقرها وَسُقْياها فلا تزووها عنها، ولا تستأثروا بها عليها فَكَذَّبُوهُ فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ فأطلق عليهم العذاب، وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة: إذا ألبسها الشجم بِذَنْبِهِمْ بسبب ذنبهم. وفيه إنذار عظيم بعاقبة الذنب، فعلى كل مذنب أن يعتبر ويحذر فَسَوَّاها الضمير للدمدمة، أى: فسوّاها ببنهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم وَلا يَخافُ عُقْباها أى عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء. ويجوز أن يكون الضمير لثمود على معنى: فسواها بالأرض. أو في الهلاك، ولا يخاف عقبى هلاكها. وفي مصاحف أهل المدينة والشأم: فلا يخاف. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ولم يخف.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الشمس، فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الشمس 91:15
الباء في بِطَغْواها مثلها في: كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان: فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء، بأن قلبوا الياء واوا في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا:
امرأة خزيي وصديى، يعنى: فعلت التكذيب بطغيانها، كما تقول: ظلمني بجرأته على الله. وقيل:
كذبت بما أوعدت به من عذابها ذى الطغوىّ كقوله، فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وقرأ الحسن:
بطغواها، بضم الطاء كالحسنى والرجعى في المصادر إِذِ انْبَعَثَ منصوب بكذبت. أو بالطغوى. وأَشْقاها قدار بن سالف. ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقال: أشقوها، كما تقول: أفاضلهم. والضمير في لَهُمْ يجوز أن يكون للأشقين والتفضيل في الشقاوة، لأنّ من تولى الفقر وباشره كانت شقاوته أظهر وأبلغ. وناقَةَ اللَّهِ نصب على التحذير، كقولك الأسد الأسد، والصبى الصبى، بإضمار: ذروا أو احذروا عقرها وَسُقْياها فلا تزووها عنها، ولا تستأثروا بها عليها فَكَذَّبُوهُ فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ فأطلق عليهم العذاب، وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة: إذا ألبسها الشجم بِذَنْبِهِمْ بسبب ذنبهم. وفيه إنذار عظيم بعاقبة الذنب، فعلى كل مذنب أن يعتبر ويحذر فَسَوَّاها الضمير للدمدمة، أى: فسوّاها ببنهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم وَلا يَخافُ عُقْباها أى عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء. ويجوز أن يكون الضمير لثمود على معنى: فسواها بالأرض. أو في الهلاك، ولا يخاف عقبى هلاكها. وفي مصاحف أهل المدينة والشأم: فلا يخاف. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ولم يخف.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الشمس، فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الليل 92:1
مكية، وآياتها 21 «نزلت بعد الأعلى» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المغشى: إما الشمس من قوله وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها وإما النهار من قوله يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله إِذا وَقَبَ. تَجَلَّى ظهر بزوال ظلمة الليل.
أو تبين وتكشف بطلوع الشمس وَما خَلَقَ والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد. وقبل: هما آدم عليه السلام وحواء. وفي قراءة النبي ﷺ: والذكر والأنثى. وقرأ ابن مسعود: والذي خلق الذكر والأنثى.
وعن الكسائي: وما خلق الذكر والأنثى بالجر على أنه بدل من محل ما خَلَقَ بمعنى: وما خلقه الله، أى: ومخلوق الله الذكر والأنثى. وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم لانفراده بالخلق. إذ لا خالق سواه. وقيل: إنّ الله لم يخلق خلقا من ذوى الأرواح ليس بذكر ولا أنثى. والخنثى، وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل، معلوم بالذكورة أو الأنوثة، فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرا ولا أنثى، ولقد لقى خنثى مشكلا: كان حانثا، لأنه في الحقيقة إمّا ذكرا أو أنثى، وإن كان مشكلا عندنا لَشَتَّى جمع شتيت، أى: إنّ مساعيكم أشتات مختلفة، وبيان اختلافها فيما فصل على أثره.
الليل 92:2
مكية، وآياتها 21 «نزلت بعد الأعلى» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المغشى: إما الشمس من قوله وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها وإما النهار من قوله يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله إِذا وَقَبَ. تَجَلَّى ظهر بزوال ظلمة الليل.
أو تبين وتكشف بطلوع الشمس وَما خَلَقَ والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد. وقبل: هما آدم عليه السلام وحواء. وفي قراءة النبي ﷺ: والذكر والأنثى. وقرأ ابن مسعود: والذي خلق الذكر والأنثى.
وعن الكسائي: وما خلق الذكر والأنثى بالجر على أنه بدل من محل ما خَلَقَ بمعنى: وما خلقه الله، أى: ومخلوق الله الذكر والأنثى. وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم لانفراده بالخلق. إذ لا خالق سواه. وقيل: إنّ الله لم يخلق خلقا من ذوى الأرواح ليس بذكر ولا أنثى. والخنثى، وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل، معلوم بالذكورة أو الأنوثة، فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرا ولا أنثى، ولقد لقى خنثى مشكلا: كان حانثا، لأنه في الحقيقة إمّا ذكرا أو أنثى، وإن كان مشكلا عندنا لَشَتَّى جمع شتيت، أى: إنّ مساعيكم أشتات مختلفة، وبيان اختلافها فيما فصل على أثره.
الليل 92:3
مكية، وآياتها 21 «نزلت بعد الأعلى» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المغشى: إما الشمس من قوله وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها وإما النهار من قوله يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله إِذا وَقَبَ. تَجَلَّى ظهر بزوال ظلمة الليل.
أو تبين وتكشف بطلوع الشمس وَما خَلَقَ والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد. وقبل: هما آدم عليه السلام وحواء. وفي قراءة النبي ﷺ: والذكر والأنثى. وقرأ ابن مسعود: والذي خلق الذكر والأنثى.
وعن الكسائي: وما خلق الذكر والأنثى بالجر على أنه بدل من محل ما خَلَقَ بمعنى: وما خلقه الله، أى: ومخلوق الله الذكر والأنثى. وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم لانفراده بالخلق. إذ لا خالق سواه. وقيل: إنّ الله لم يخلق خلقا من ذوى الأرواح ليس بذكر ولا أنثى. والخنثى، وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل، معلوم بالذكورة أو الأنوثة، فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرا ولا أنثى، ولقد لقى خنثى مشكلا: كان حانثا، لأنه في الحقيقة إمّا ذكرا أو أنثى، وإن كان مشكلا عندنا لَشَتَّى جمع شتيت، أى: إنّ مساعيكم أشتات مختلفة، وبيان اختلافها فيما فصل على أثره.
الليل 92:4
مكية، وآياتها 21 «نزلت بعد الأعلى» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المغشى: إما الشمس من قوله وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها وإما النهار من قوله يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله إِذا وَقَبَ. تَجَلَّى ظهر بزوال ظلمة الليل.
أو تبين وتكشف بطلوع الشمس وَما خَلَقَ والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد. وقبل: هما آدم عليه السلام وحواء. وفي قراءة النبي ﷺ: والذكر والأنثى. وقرأ ابن مسعود: والذي خلق الذكر والأنثى.
وعن الكسائي: وما خلق الذكر والأنثى بالجر على أنه بدل من محل ما خَلَقَ بمعنى: وما خلقه الله، أى: ومخلوق الله الذكر والأنثى. وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم لانفراده بالخلق. إذ لا خالق سواه. وقيل: إنّ الله لم يخلق خلقا من ذوى الأرواح ليس بذكر ولا أنثى. والخنثى، وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل، معلوم بالذكورة أو الأنوثة، فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرا ولا أنثى، ولقد لقى خنثى مشكلا: كان حانثا، لأنه في الحقيقة إمّا ذكرا أو أنثى، وإن كان مشكلا عندنا لَشَتَّى جمع شتيت، أى: إنّ مساعيكم أشتات مختلفة، وبيان اختلافها فيما فصل على أثره.
الليل 92:5
أَعْطى يعنى حقوق ماله وَاتَّقى الله فلم يعصه وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى بالخصلة الحسنى:
وهي الإيمان. أو بالملة الحسنى: وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى: وهي الجنة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى فسنهيؤه لها من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها. ومنه قوله عليه السلام:
«كل ميسر لما خلق [[متفق عليه من حديث عمران بن حصين، ومن حديث على رضى الله عنه.]] له» والمعنى: فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها [[قال محمود: «التيسير لليسرى خلق الألطاف ... الخ» قال أحمد: ألا يطيل لسانه هاهنا على أهل السنة ولكن قصره الحق فتراه يؤول الكلام بل يعطله، لأنه يحمله مالا يحتمله، وعلى كلامه في أمثالها روعة السارق الخائف.]] ، من قوله فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ.
الليل 92:6
أَعْطى يعنى حقوق ماله وَاتَّقى الله فلم يعصه وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى بالخصلة الحسنى:
وهي الإيمان. أو بالملة الحسنى: وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى: وهي الجنة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى فسنهيؤه لها من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها. ومنه قوله عليه السلام:
«كل ميسر لما خلق [[متفق عليه من حديث عمران بن حصين، ومن حديث على رضى الله عنه.]] له» والمعنى: فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها [[قال محمود: «التيسير لليسرى خلق الألطاف ... الخ» قال أحمد: ألا يطيل لسانه هاهنا على أهل السنة ولكن قصره الحق فتراه يؤول الكلام بل يعطله، لأنه يحمله مالا يحتمله، وعلى كلامه في أمثالها روعة السارق الخائف.]] ، من قوله فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ.
الليل 92:7
أَعْطى يعنى حقوق ماله وَاتَّقى الله فلم يعصه وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى بالخصلة الحسنى:
وهي الإيمان. أو بالملة الحسنى: وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى: وهي الجنة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى فسنهيؤه لها من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها. ومنه قوله عليه السلام:
«كل ميسر لما خلق [[متفق عليه من حديث عمران بن حصين، ومن حديث على رضى الله عنه.]] له» والمعنى: فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها [[قال محمود: «التيسير لليسرى خلق الألطاف ... الخ» قال أحمد: ألا يطيل لسانه هاهنا على أهل السنة ولكن قصره الحق فتراه يؤول الكلام بل يعطله، لأنه يحمله مالا يحتمله، وعلى كلامه في أمثالها روعة السارق الخائف.]] ، من قوله فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ.
الليل 92:8
وَاسْتَغْنى وزهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتقه. أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، لأنه في مقابلة وَاتَّقى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى فسنخذله ونمنعه الألطاف، حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدّه، من قوله يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ أو سمى طريقة الخير باليسرى، لأنّ عاقبتها اليسر، وطريقة الشر العسرى، لأن عاقبتها العسر. أو أراد بهما طريقى الجنة والنار، أى: فسنهديهما في الآخرة للطريقين. وقيل: نزلتا في أبى بكر رضى الله عنه، وفي أبى سفيان بن حرب وَما يُغْنِي عَنْهُ
استفهام في معنى الإنكار، أو نفى تَرَدَّى تفعل من الردى وهو الهلاك، يريد: الموت. أو تردّى في الحفرة إذا قبر.
أو تردى في قعر جهنم.
الليل 92:9
وَاسْتَغْنى وزهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتقه. أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، لأنه في مقابلة وَاتَّقى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى فسنخذله ونمنعه الألطاف، حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدّه، من قوله يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ أو سمى طريقة الخير باليسرى، لأنّ عاقبتها اليسر، وطريقة الشر العسرى، لأن عاقبتها العسر. أو أراد بهما طريقى الجنة والنار، أى: فسنهديهما في الآخرة للطريقين. وقيل: نزلتا في أبى بكر رضى الله عنه، وفي أبى سفيان بن حرب وَما يُغْنِي عَنْهُ
استفهام في معنى الإنكار، أو نفى تَرَدَّى تفعل من الردى وهو الهلاك، يريد: الموت. أو تردّى في الحفرة إذا قبر.
أو تردى في قعر جهنم.
الليل 92:10
وَاسْتَغْنى وزهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتقه. أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، لأنه في مقابلة وَاتَّقى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى فسنخذله ونمنعه الألطاف، حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدّه، من قوله يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ أو سمى طريقة الخير باليسرى، لأنّ عاقبتها اليسر، وطريقة الشر العسرى، لأن عاقبتها العسر. أو أراد بهما طريقى الجنة والنار، أى: فسنهديهما في الآخرة للطريقين. وقيل: نزلتا في أبى بكر رضى الله عنه، وفي أبى سفيان بن حرب وَما يُغْنِي عَنْهُ
استفهام في معنى الإنكار، أو نفى تَرَدَّى تفعل من الردى وهو الهلاك، يريد: الموت. أو تردّى في الحفرة إذا قبر.
أو تردى في قعر جهنم.
الليل 92:11
وَاسْتَغْنى وزهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتقه. أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، لأنه في مقابلة وَاتَّقى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى فسنخذله ونمنعه الألطاف، حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدّه، من قوله يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ أو سمى طريقة الخير باليسرى، لأنّ عاقبتها اليسر، وطريقة الشر العسرى، لأن عاقبتها العسر. أو أراد بهما طريقى الجنة والنار، أى: فسنهديهما في الآخرة للطريقين. وقيل: نزلتا في أبى بكر رضى الله عنه، وفي أبى سفيان بن حرب وَما يُغْنِي عَنْهُ
استفهام في معنى الإنكار، أو نفى تَرَدَّى تفعل من الردى وهو الهلاك، يريد: الموت. أو تردّى في الحفرة إذا قبر.
أو تردى في قعر جهنم.
الليل 92:12
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل [[قوله «له واجب علينا بنصب الدلائل» وجوب شيء على الله تعالى: مذهب المعتزلة. ولا يجب عليه شيء عند أهل السنة، ولكن شأن الكريم تأكيد الوعد. (ع)]] وبيان الشرائع وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى أى ثواب الدّارين للمهتدى، كقوله وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
الليل 92:13
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل [[قوله «له واجب علينا بنصب الدلائل» وجوب شيء على الله تعالى: مذهب المعتزلة. ولا يجب عليه شيء عند أهل السنة، ولكن شأن الكريم تأكيد الوعد. (ع)]] وبيان الشرائع وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى أى ثواب الدّارين للمهتدى، كقوله وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
الليل 92:14
وقرأ أبو الزبير: تتلظى. فإن قلت: كيف قال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى...... وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى وقد علم أن كل شقىّ يصلاها [[قال محمود: «فان قلت: كيف قال لا يصلاها إلا الأشقى وسيجنبها الأتقى، وقد علم أن كل شقى يصلاها ... الخ» قال أحمد: لا شك أن السائل بنى سؤاله على التمسك بمفهوم الآية لورودها بصيغة التخصيص، فحاصل جواب الزمخشري أن التخصيص هاهنا لفائدة أخرى غير النفي عما عدا المخصص، وتلك الفائدة المقابلة، وحيث تمحض لك السؤال والجواب، فهو يلاحظ نظر الشافعي رحمه الله في قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ فانه لم يقل بمفهوم حصرها، وحملها على أن الحصر لفائدة المقابلة بالرد لأحكام الجاهلية، لا لنفى ما عدا المحصور.
على أن الزمخشري إنما ضيق عليه الخناق في هذه الآية حتى التزم ورود السؤال المذكور، التفاته إلى قاعدته الفاسدة وحذره أن تنقض، ويأبى الله إلا نقضها ورفضها، وإذا نزلت الآية على قواعد أهل السنة وضع لك ما قلته، فنقول: المصلى في اللغة أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو على التنور فليس بمصلى، وهذا التفسير بعينه نص عليه الزمخشري ونقطة عن أهل اللغة في سورة الغاشية أيضا، وأنا وقفت عليه في كتبهم، فإذا عرفت معنى التصلية لغة وأنها أشد أنواع الإحراق بالنار، وفي علمك أن الناس عند أهل السنة ثلاثة أصناف: مؤمن صالح فائز، ومؤمن عاص، وكافر، وأن المؤمن الفائز يمر على النار فيطفئ نوره لهبها ولا يؤلم بمسها البتة، وإنما يردها تحلة القسم، والعاصي إن شاء الله تعذيبه ومجازاته فإنما يعذب على وجه النار في الطبقة الأولى باتفاق، حتى أن منهم من تبلغ النار إلى كعبه: وأشدهم من تبلغ النار إلى موضع سجوده فيحسه، ولا يعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها ألبتة بوعد الله تعالى، والكافر هو المعذب بين أطباقها: تبين لك أن النار لا يصلاها أى يعذب بين أطباقها- كما علمت تفسيره في اللغة- إلا الكافر:
وهو الأشقى، لأن المؤمن العاصي لا يبلغ مبلغه في الشقاء، وأن المؤمن الفائز وهو الأتقى بالنسبة إلى المؤمن العاصي بجنب النار بالكلية، لأن وروده تحلة القسم لا يصل إليه مسها ولا ألمها، وأن المؤمن العاصي الذي ليس بالأتقى ولا بالأشقى لا يصلاها ولا يجنبها بالكلية، لأن وروده تحلة القسم بل يعذب فيها لا بالصلى، فهذا أحسن ما حملت الآية عليه، لكن إنما ينزل على جادة السنة. وأما الزمخشري فينحرف عنها، فلا جرم أنه في عهدة الجواب يفكر ويقدر. والله أعلم.]] ، وكل تقىّ يجنبها، لا يختص بالصلى أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارا بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى فقد علم أن أفسق المسلمين [[قوله «فقد علم أن أفسق المسلمين» لعله: وقد. (ع)]] يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضى الله عنه يَتَزَكَّى من الزكاء. أى: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة. فإن قلت: ما محل يتزكى؟ قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلا من يُؤْتِي فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير في يُؤْتِي فمحله النصب ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أى: ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارا وقرأ يحيى بن وثاب، إلا ابتغاء وجه ربه بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد إلا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبى حازم:
أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها ... إلا الجآذر والظّلمان تختلف [[أضحت خلايا قفارا لا أنيس بها ... إلا الجاذر والظلمان تختلف
رقفت فيها قلوصي كى تجاوبنى ... أو بخبر الرسم عنهم أية انصرفوا
لبشر بن أبى خازم. وخلايا: جمع خلية أى خالية، والجآذر والظلمان. استثناء منقطع، لأنها لا تدخل في الأنيس. ورويا بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على الابدال من الضمير المستكن في الخير، كما هو لغة عند تميم. والجآذر: أولاد بقر الوحش. وروى: الجوازئ، رهى الظباء التي اجتزأت بأكل الربيع عن شرب الماء. والظلمان: أولاد النعام.
أو النعام نفسه. والقلوص. الفتية من الإبل المكتنزة اللحم، والضمير فيها عائد للديار. وضمير «تجاوبنى» لها أيضا. والرسم: آثار الديار. وأية: اسم استفهام منصوب بما بعده على الظرفية، لقطعه عن الاضافة، أى:
صرفهم عزمهم ونيتهم. وشبه الرسم بعاقل على طريق المكنية فأسند له الاخبار تخييلا، وكذلك الدار ومجاوبتها.]]
وقول القائل:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس [[قد ندع المنزل يا لميس ... يعيش فيه السبع الجروس
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
لعامر بن الحرث المشهور بجران العود. ولميس: امرأة. والجروس: كثير الصوت، وبلدة- بالجر برب المقدرة بعد الواو، أى: قد نترك المنزل خاليا من أهله بقتلنا إياهم، أو لارتحالنا عنهم. واليعافير- بالرفع-: بدل من أنيس على لغة تميم في الاستثناء المنقطع بعد النفي، وإلا الثانية توكيد للأولى. واليعافير- جمع يعفور-: دابة قدر السخلة على لون الرماد. وقيل: غزال كذلك. وقيل: ولد البقرة الوحشية. والعيس: البيض من الظباء أو الإبل:
جمع أعيس أو عيساء. والعيساء أيضا: أنثى الجراد، يخالط بياضها شقرة.]] ويجوز أن يكون ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مفعولا له على المعنى، لأنّ معنى الكلام: لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة وَلَسَوْفَ يَرْضى موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الليل 92:15
وقرأ أبو الزبير: تتلظى. فإن قلت: كيف قال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى...... وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى وقد علم أن كل شقىّ يصلاها [[قال محمود: «فان قلت: كيف قال لا يصلاها إلا الأشقى وسيجنبها الأتقى، وقد علم أن كل شقى يصلاها ... الخ» قال أحمد: لا شك أن السائل بنى سؤاله على التمسك بمفهوم الآية لورودها بصيغة التخصيص، فحاصل جواب الزمخشري أن التخصيص هاهنا لفائدة أخرى غير النفي عما عدا المخصص، وتلك الفائدة المقابلة، وحيث تمحض لك السؤال والجواب، فهو يلاحظ نظر الشافعي رحمه الله في قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ فانه لم يقل بمفهوم حصرها، وحملها على أن الحصر لفائدة المقابلة بالرد لأحكام الجاهلية، لا لنفى ما عدا المحصور.
على أن الزمخشري إنما ضيق عليه الخناق في هذه الآية حتى التزم ورود السؤال المذكور، التفاته إلى قاعدته الفاسدة وحذره أن تنقض، ويأبى الله إلا نقضها ورفضها، وإذا نزلت الآية على قواعد أهل السنة وضع لك ما قلته، فنقول: المصلى في اللغة أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو على التنور فليس بمصلى، وهذا التفسير بعينه نص عليه الزمخشري ونقطة عن أهل اللغة في سورة الغاشية أيضا، وأنا وقفت عليه في كتبهم، فإذا عرفت معنى التصلية لغة وأنها أشد أنواع الإحراق بالنار، وفي علمك أن الناس عند أهل السنة ثلاثة أصناف: مؤمن صالح فائز، ومؤمن عاص، وكافر، وأن المؤمن الفائز يمر على النار فيطفئ نوره لهبها ولا يؤلم بمسها البتة، وإنما يردها تحلة القسم، والعاصي إن شاء الله تعذيبه ومجازاته فإنما يعذب على وجه النار في الطبقة الأولى باتفاق، حتى أن منهم من تبلغ النار إلى كعبه: وأشدهم من تبلغ النار إلى موضع سجوده فيحسه، ولا يعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها ألبتة بوعد الله تعالى، والكافر هو المعذب بين أطباقها: تبين لك أن النار لا يصلاها أى يعذب بين أطباقها- كما علمت تفسيره في اللغة- إلا الكافر:
وهو الأشقى، لأن المؤمن العاصي لا يبلغ مبلغه في الشقاء، وأن المؤمن الفائز وهو الأتقى بالنسبة إلى المؤمن العاصي بجنب النار بالكلية، لأن وروده تحلة القسم لا يصل إليه مسها ولا ألمها، وأن المؤمن العاصي الذي ليس بالأتقى ولا بالأشقى لا يصلاها ولا يجنبها بالكلية، لأن وروده تحلة القسم بل يعذب فيها لا بالصلى، فهذا أحسن ما حملت الآية عليه، لكن إنما ينزل على جادة السنة. وأما الزمخشري فينحرف عنها، فلا جرم أنه في عهدة الجواب يفكر ويقدر. والله أعلم.]] ، وكل تقىّ يجنبها، لا يختص بالصلى أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارا بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى فقد علم أن أفسق المسلمين [[قوله «فقد علم أن أفسق المسلمين» لعله: وقد. (ع)]] يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضى الله عنه يَتَزَكَّى من الزكاء. أى: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة. فإن قلت: ما محل يتزكى؟ قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلا من يُؤْتِي فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير في يُؤْتِي فمحله النصب ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أى: ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارا وقرأ يحيى بن وثاب، إلا ابتغاء وجه ربه بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد إلا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبى حازم:
أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها ... إلا الجآذر والظّلمان تختلف [[أضحت خلايا قفارا لا أنيس بها ... إلا الجاذر والظلمان تختلف
رقفت فيها قلوصي كى تجاوبنى ... أو بخبر الرسم عنهم أية انصرفوا
لبشر بن أبى خازم. وخلايا: جمع خلية أى خالية، والجآذر والظلمان. استثناء منقطع، لأنها لا تدخل في الأنيس. ورويا بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على الابدال من الضمير المستكن في الخير، كما هو لغة عند تميم. والجآذر: أولاد بقر الوحش. وروى: الجوازئ، رهى الظباء التي اجتزأت بأكل الربيع عن شرب الماء. والظلمان: أولاد النعام.
أو النعام نفسه. والقلوص. الفتية من الإبل المكتنزة اللحم، والضمير فيها عائد للديار. وضمير «تجاوبنى» لها أيضا. والرسم: آثار الديار. وأية: اسم استفهام منصوب بما بعده على الظرفية، لقطعه عن الاضافة، أى:
صرفهم عزمهم ونيتهم. وشبه الرسم بعاقل على طريق المكنية فأسند له الاخبار تخييلا، وكذلك الدار ومجاوبتها.]]
وقول القائل:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس [[قد ندع المنزل يا لميس ... يعيش فيه السبع الجروس
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
لعامر بن الحرث المشهور بجران العود. ولميس: امرأة. والجروس: كثير الصوت، وبلدة- بالجر برب المقدرة بعد الواو، أى: قد نترك المنزل خاليا من أهله بقتلنا إياهم، أو لارتحالنا عنهم. واليعافير- بالرفع-: بدل من أنيس على لغة تميم في الاستثناء المنقطع بعد النفي، وإلا الثانية توكيد للأولى. واليعافير- جمع يعفور-: دابة قدر السخلة على لون الرماد. وقيل: غزال كذلك. وقيل: ولد البقرة الوحشية. والعيس: البيض من الظباء أو الإبل:
جمع أعيس أو عيساء. والعيساء أيضا: أنثى الجراد، يخالط بياضها شقرة.]] ويجوز أن يكون ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مفعولا له على المعنى، لأنّ معنى الكلام: لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة وَلَسَوْفَ يَرْضى موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الليل 92:16
وقرأ أبو الزبير: تتلظى. فإن قلت: كيف قال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى...... وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى وقد علم أن كل شقىّ يصلاها [[قال محمود: «فان قلت: كيف قال لا يصلاها إلا الأشقى وسيجنبها الأتقى، وقد علم أن كل شقى يصلاها ... الخ» قال أحمد: لا شك أن السائل بنى سؤاله على التمسك بمفهوم الآية لورودها بصيغة التخصيص، فحاصل جواب الزمخشري أن التخصيص هاهنا لفائدة أخرى غير النفي عما عدا المخصص، وتلك الفائدة المقابلة، وحيث تمحض لك السؤال والجواب، فهو يلاحظ نظر الشافعي رحمه الله في قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ فانه لم يقل بمفهوم حصرها، وحملها على أن الحصر لفائدة المقابلة بالرد لأحكام الجاهلية، لا لنفى ما عدا المحصور.
على أن الزمخشري إنما ضيق عليه الخناق في هذه الآية حتى التزم ورود السؤال المذكور، التفاته إلى قاعدته الفاسدة وحذره أن تنقض، ويأبى الله إلا نقضها ورفضها، وإذا نزلت الآية على قواعد أهل السنة وضع لك ما قلته، فنقول: المصلى في اللغة أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو على التنور فليس بمصلى، وهذا التفسير بعينه نص عليه الزمخشري ونقطة عن أهل اللغة في سورة الغاشية أيضا، وأنا وقفت عليه في كتبهم، فإذا عرفت معنى التصلية لغة وأنها أشد أنواع الإحراق بالنار، وفي علمك أن الناس عند أهل السنة ثلاثة أصناف: مؤمن صالح فائز، ومؤمن عاص، وكافر، وأن المؤمن الفائز يمر على النار فيطفئ نوره لهبها ولا يؤلم بمسها البتة، وإنما يردها تحلة القسم، والعاصي إن شاء الله تعذيبه ومجازاته فإنما يعذب على وجه النار في الطبقة الأولى باتفاق، حتى أن منهم من تبلغ النار إلى كعبه: وأشدهم من تبلغ النار إلى موضع سجوده فيحسه، ولا يعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها ألبتة بوعد الله تعالى، والكافر هو المعذب بين أطباقها: تبين لك أن النار لا يصلاها أى يعذب بين أطباقها- كما علمت تفسيره في اللغة- إلا الكافر:
وهو الأشقى، لأن المؤمن العاصي لا يبلغ مبلغه في الشقاء، وأن المؤمن الفائز وهو الأتقى بالنسبة إلى المؤمن العاصي بجنب النار بالكلية، لأن وروده تحلة القسم لا يصل إليه مسها ولا ألمها، وأن المؤمن العاصي الذي ليس بالأتقى ولا بالأشقى لا يصلاها ولا يجنبها بالكلية، لأن وروده تحلة القسم بل يعذب فيها لا بالصلى، فهذا أحسن ما حملت الآية عليه، لكن إنما ينزل على جادة السنة. وأما الزمخشري فينحرف عنها، فلا جرم أنه في عهدة الجواب يفكر ويقدر. والله أعلم.]] ، وكل تقىّ يجنبها، لا يختص بالصلى أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارا بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى فقد علم أن أفسق المسلمين [[قوله «فقد علم أن أفسق المسلمين» لعله: وقد. (ع)]] يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضى الله عنه يَتَزَكَّى من الزكاء. أى: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة. فإن قلت: ما محل يتزكى؟ قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلا من يُؤْتِي فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير في يُؤْتِي فمحله النصب ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أى: ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارا وقرأ يحيى بن وثاب، إلا ابتغاء وجه ربه بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد إلا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبى حازم:
أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها ... إلا الجآذر والظّلمان تختلف [[أضحت خلايا قفارا لا أنيس بها ... إلا الجاذر والظلمان تختلف
رقفت فيها قلوصي كى تجاوبنى ... أو بخبر الرسم عنهم أية انصرفوا
لبشر بن أبى خازم. وخلايا: جمع خلية أى خالية، والجآذر والظلمان. استثناء منقطع، لأنها لا تدخل في الأنيس. ورويا بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على الابدال من الضمير المستكن في الخير، كما هو لغة عند تميم. والجآذر: أولاد بقر الوحش. وروى: الجوازئ، رهى الظباء التي اجتزأت بأكل الربيع عن شرب الماء. والظلمان: أولاد النعام.
أو النعام نفسه. والقلوص. الفتية من الإبل المكتنزة اللحم، والضمير فيها عائد للديار. وضمير «تجاوبنى» لها أيضا. والرسم: آثار الديار. وأية: اسم استفهام منصوب بما بعده على الظرفية، لقطعه عن الاضافة، أى:
صرفهم عزمهم ونيتهم. وشبه الرسم بعاقل على طريق المكنية فأسند له الاخبار تخييلا، وكذلك الدار ومجاوبتها.]]
وقول القائل:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس [[قد ندع المنزل يا لميس ... يعيش فيه السبع الجروس
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
لعامر بن الحرث المشهور بجران العود. ولميس: امرأة. والجروس: كثير الصوت، وبلدة- بالجر برب المقدرة بعد الواو، أى: قد نترك المنزل خاليا من أهله بقتلنا إياهم، أو لارتحالنا عنهم. واليعافير- بالرفع-: بدل من أنيس على لغة تميم في الاستثناء المنقطع بعد النفي، وإلا الثانية توكيد للأولى. واليعافير- جمع يعفور-: دابة قدر السخلة على لون الرماد. وقيل: غزال كذلك. وقيل: ولد البقرة الوحشية. والعيس: البيض من الظباء أو الإبل:
جمع أعيس أو عيساء. والعيساء أيضا: أنثى الجراد، يخالط بياضها شقرة.]] ويجوز أن يكون ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مفعولا له على المعنى، لأنّ معنى الكلام: لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة وَلَسَوْفَ يَرْضى موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الليل 92:17
وقرأ أبو الزبير: تتلظى. فإن قلت: كيف قال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى...... وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى وقد علم أن كل شقىّ يصلاها [[قال محمود: «فان قلت: كيف قال لا يصلاها إلا الأشقى وسيجنبها الأتقى، وقد علم أن كل شقى يصلاها ... الخ» قال أحمد: لا شك أن السائل بنى سؤاله على التمسك بمفهوم الآية لورودها بصيغة التخصيص، فحاصل جواب الزمخشري أن التخصيص هاهنا لفائدة أخرى غير النفي عما عدا المخصص، وتلك الفائدة المقابلة، وحيث تمحض لك السؤال والجواب، فهو يلاحظ نظر الشافعي رحمه الله في قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ فانه لم يقل بمفهوم حصرها، وحملها على أن الحصر لفائدة المقابلة بالرد لأحكام الجاهلية، لا لنفى ما عدا المحصور.
على أن الزمخشري إنما ضيق عليه الخناق في هذه الآية حتى التزم ورود السؤال المذكور، التفاته إلى قاعدته الفاسدة وحذره أن تنقض، ويأبى الله إلا نقضها ورفضها، وإذا نزلت الآية على قواعد أهل السنة وضع لك ما قلته، فنقول: المصلى في اللغة أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو على التنور فليس بمصلى، وهذا التفسير بعينه نص عليه الزمخشري ونقطة عن أهل اللغة في سورة الغاشية أيضا، وأنا وقفت عليه في كتبهم، فإذا عرفت معنى التصلية لغة وأنها أشد أنواع الإحراق بالنار، وفي علمك أن الناس عند أهل السنة ثلاثة أصناف: مؤمن صالح فائز، ومؤمن عاص، وكافر، وأن المؤمن الفائز يمر على النار فيطفئ نوره لهبها ولا يؤلم بمسها البتة، وإنما يردها تحلة القسم، والعاصي إن شاء الله تعذيبه ومجازاته فإنما يعذب على وجه النار في الطبقة الأولى باتفاق، حتى أن منهم من تبلغ النار إلى كعبه: وأشدهم من تبلغ النار إلى موضع سجوده فيحسه، ولا يعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها ألبتة بوعد الله تعالى، والكافر هو المعذب بين أطباقها: تبين لك أن النار لا يصلاها أى يعذب بين أطباقها- كما علمت تفسيره في اللغة- إلا الكافر:
وهو الأشقى، لأن المؤمن العاصي لا يبلغ مبلغه في الشقاء، وأن المؤمن الفائز وهو الأتقى بالنسبة إلى المؤمن العاصي بجنب النار بالكلية، لأن وروده تحلة القسم لا يصل إليه مسها ولا ألمها، وأن المؤمن العاصي الذي ليس بالأتقى ولا بالأشقى لا يصلاها ولا يجنبها بالكلية، لأن وروده تحلة القسم بل يعذب فيها لا بالصلى، فهذا أحسن ما حملت الآية عليه، لكن إنما ينزل على جادة السنة. وأما الزمخشري فينحرف عنها، فلا جرم أنه في عهدة الجواب يفكر ويقدر. والله أعلم.]] ، وكل تقىّ يجنبها، لا يختص بالصلى أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارا بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى فقد علم أن أفسق المسلمين [[قوله «فقد علم أن أفسق المسلمين» لعله: وقد. (ع)]] يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضى الله عنه يَتَزَكَّى من الزكاء. أى: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة. فإن قلت: ما محل يتزكى؟ قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلا من يُؤْتِي فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير في يُؤْتِي فمحله النصب ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أى: ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارا وقرأ يحيى بن وثاب، إلا ابتغاء وجه ربه بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد إلا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبى حازم:
أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها ... إلا الجآذر والظّلمان تختلف [[أضحت خلايا قفارا لا أنيس بها ... إلا الجاذر والظلمان تختلف
رقفت فيها قلوصي كى تجاوبنى ... أو بخبر الرسم عنهم أية انصرفوا
لبشر بن أبى خازم. وخلايا: جمع خلية أى خالية، والجآذر والظلمان. استثناء منقطع، لأنها لا تدخل في الأنيس. ورويا بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على الابدال من الضمير المستكن في الخير، كما هو لغة عند تميم. والجآذر: أولاد بقر الوحش. وروى: الجوازئ، رهى الظباء التي اجتزأت بأكل الربيع عن شرب الماء. والظلمان: أولاد النعام.
أو النعام نفسه. والقلوص. الفتية من الإبل المكتنزة اللحم، والضمير فيها عائد للديار. وضمير «تجاوبنى» لها أيضا. والرسم: آثار الديار. وأية: اسم استفهام منصوب بما بعده على الظرفية، لقطعه عن الاضافة، أى:
صرفهم عزمهم ونيتهم. وشبه الرسم بعاقل على طريق المكنية فأسند له الاخبار تخييلا، وكذلك الدار ومجاوبتها.]]
وقول القائل:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس [[قد ندع المنزل يا لميس ... يعيش فيه السبع الجروس
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
لعامر بن الحرث المشهور بجران العود. ولميس: امرأة. والجروس: كثير الصوت، وبلدة- بالجر برب المقدرة بعد الواو، أى: قد نترك المنزل خاليا من أهله بقتلنا إياهم، أو لارتحالنا عنهم. واليعافير- بالرفع-: بدل من أنيس على لغة تميم في الاستثناء المنقطع بعد النفي، وإلا الثانية توكيد للأولى. واليعافير- جمع يعفور-: دابة قدر السخلة على لون الرماد. وقيل: غزال كذلك. وقيل: ولد البقرة الوحشية. والعيس: البيض من الظباء أو الإبل:
جمع أعيس أو عيساء. والعيساء أيضا: أنثى الجراد، يخالط بياضها شقرة.]] ويجوز أن يكون ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مفعولا له على المعنى، لأنّ معنى الكلام: لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة وَلَسَوْفَ يَرْضى موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الليل 92:18
وقرأ أبو الزبير: تتلظى. فإن قلت: كيف قال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى...... وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى وقد علم أن كل شقىّ يصلاها [[قال محمود: «فان قلت: كيف قال لا يصلاها إلا الأشقى وسيجنبها الأتقى، وقد علم أن كل شقى يصلاها ... الخ» قال أحمد: لا شك أن السائل بنى سؤاله على التمسك بمفهوم الآية لورودها بصيغة التخصيص، فحاصل جواب الزمخشري أن التخصيص هاهنا لفائدة أخرى غير النفي عما عدا المخصص، وتلك الفائدة المقابلة، وحيث تمحض لك السؤال والجواب، فهو يلاحظ نظر الشافعي رحمه الله في قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ فانه لم يقل بمفهوم حصرها، وحملها على أن الحصر لفائدة المقابلة بالرد لأحكام الجاهلية، لا لنفى ما عدا المحصور.
على أن الزمخشري إنما ضيق عليه الخناق في هذه الآية حتى التزم ورود السؤال المذكور، التفاته إلى قاعدته الفاسدة وحذره أن تنقض، ويأبى الله إلا نقضها ورفضها، وإذا نزلت الآية على قواعد أهل السنة وضع لك ما قلته، فنقول: المصلى في اللغة أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو على التنور فليس بمصلى، وهذا التفسير بعينه نص عليه الزمخشري ونقطة عن أهل اللغة في سورة الغاشية أيضا، وأنا وقفت عليه في كتبهم، فإذا عرفت معنى التصلية لغة وأنها أشد أنواع الإحراق بالنار، وفي علمك أن الناس عند أهل السنة ثلاثة أصناف: مؤمن صالح فائز، ومؤمن عاص، وكافر، وأن المؤمن الفائز يمر على النار فيطفئ نوره لهبها ولا يؤلم بمسها البتة، وإنما يردها تحلة القسم، والعاصي إن شاء الله تعذيبه ومجازاته فإنما يعذب على وجه النار في الطبقة الأولى باتفاق، حتى أن منهم من تبلغ النار إلى كعبه: وأشدهم من تبلغ النار إلى موضع سجوده فيحسه، ولا يعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها ألبتة بوعد الله تعالى، والكافر هو المعذب بين أطباقها: تبين لك أن النار لا يصلاها أى يعذب بين أطباقها- كما علمت تفسيره في اللغة- إلا الكافر:
وهو الأشقى، لأن المؤمن العاصي لا يبلغ مبلغه في الشقاء، وأن المؤمن الفائز وهو الأتقى بالنسبة إلى المؤمن العاصي بجنب النار بالكلية، لأن وروده تحلة القسم لا يصل إليه مسها ولا ألمها، وأن المؤمن العاصي الذي ليس بالأتقى ولا بالأشقى لا يصلاها ولا يجنبها بالكلية، لأن وروده تحلة القسم بل يعذب فيها لا بالصلى، فهذا أحسن ما حملت الآية عليه، لكن إنما ينزل على جادة السنة. وأما الزمخشري فينحرف عنها، فلا جرم أنه في عهدة الجواب يفكر ويقدر. والله أعلم.]] ، وكل تقىّ يجنبها، لا يختص بالصلى أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارا بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى فقد علم أن أفسق المسلمين [[قوله «فقد علم أن أفسق المسلمين» لعله: وقد. (ع)]] يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضى الله عنه يَتَزَكَّى من الزكاء. أى: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة. فإن قلت: ما محل يتزكى؟ قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلا من يُؤْتِي فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير في يُؤْتِي فمحله النصب ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أى: ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارا وقرأ يحيى بن وثاب، إلا ابتغاء وجه ربه بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد إلا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبى حازم:
أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها ... إلا الجآذر والظّلمان تختلف [[أضحت خلايا قفارا لا أنيس بها ... إلا الجاذر والظلمان تختلف
رقفت فيها قلوصي كى تجاوبنى ... أو بخبر الرسم عنهم أية انصرفوا
لبشر بن أبى خازم. وخلايا: جمع خلية أى خالية، والجآذر والظلمان. استثناء منقطع، لأنها لا تدخل في الأنيس. ورويا بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على الابدال من الضمير المستكن في الخير، كما هو لغة عند تميم. والجآذر: أولاد بقر الوحش. وروى: الجوازئ، رهى الظباء التي اجتزأت بأكل الربيع عن شرب الماء. والظلمان: أولاد النعام.
أو النعام نفسه. والقلوص. الفتية من الإبل المكتنزة اللحم، والضمير فيها عائد للديار. وضمير «تجاوبنى» لها أيضا. والرسم: آثار الديار. وأية: اسم استفهام منصوب بما بعده على الظرفية، لقطعه عن الاضافة، أى:
صرفهم عزمهم ونيتهم. وشبه الرسم بعاقل على طريق المكنية فأسند له الاخبار تخييلا، وكذلك الدار ومجاوبتها.]]
وقول القائل:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس [[قد ندع المنزل يا لميس ... يعيش فيه السبع الجروس
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
لعامر بن الحرث المشهور بجران العود. ولميس: امرأة. والجروس: كثير الصوت، وبلدة- بالجر برب المقدرة بعد الواو، أى: قد نترك المنزل خاليا من أهله بقتلنا إياهم، أو لارتحالنا عنهم. واليعافير- بالرفع-: بدل من أنيس على لغة تميم في الاستثناء المنقطع بعد النفي، وإلا الثانية توكيد للأولى. واليعافير- جمع يعفور-: دابة قدر السخلة على لون الرماد. وقيل: غزال كذلك. وقيل: ولد البقرة الوحشية. والعيس: البيض من الظباء أو الإبل:
جمع أعيس أو عيساء. والعيساء أيضا: أنثى الجراد، يخالط بياضها شقرة.]] ويجوز أن يكون ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مفعولا له على المعنى، لأنّ معنى الكلام: لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة وَلَسَوْفَ يَرْضى موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الليل 92:19
وقرأ أبو الزبير: تتلظى. فإن قلت: كيف قال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى...... وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى وقد علم أن كل شقىّ يصلاها [[قال محمود: «فان قلت: كيف قال لا يصلاها إلا الأشقى وسيجنبها الأتقى، وقد علم أن كل شقى يصلاها ... الخ» قال أحمد: لا شك أن السائل بنى سؤاله على التمسك بمفهوم الآية لورودها بصيغة التخصيص، فحاصل جواب الزمخشري أن التخصيص هاهنا لفائدة أخرى غير النفي عما عدا المخصص، وتلك الفائدة المقابلة، وحيث تمحض لك السؤال والجواب، فهو يلاحظ نظر الشافعي رحمه الله في قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ فانه لم يقل بمفهوم حصرها، وحملها على أن الحصر لفائدة المقابلة بالرد لأحكام الجاهلية، لا لنفى ما عدا المحصور.
على أن الزمخشري إنما ضيق عليه الخناق في هذه الآية حتى التزم ورود السؤال المذكور، التفاته إلى قاعدته الفاسدة وحذره أن تنقض، ويأبى الله إلا نقضها ورفضها، وإذا نزلت الآية على قواعد أهل السنة وضع لك ما قلته، فنقول: المصلى في اللغة أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو على التنور فليس بمصلى، وهذا التفسير بعينه نص عليه الزمخشري ونقطة عن أهل اللغة في سورة الغاشية أيضا، وأنا وقفت عليه في كتبهم، فإذا عرفت معنى التصلية لغة وأنها أشد أنواع الإحراق بالنار، وفي علمك أن الناس عند أهل السنة ثلاثة أصناف: مؤمن صالح فائز، ومؤمن عاص، وكافر، وأن المؤمن الفائز يمر على النار فيطفئ نوره لهبها ولا يؤلم بمسها البتة، وإنما يردها تحلة القسم، والعاصي إن شاء الله تعذيبه ومجازاته فإنما يعذب على وجه النار في الطبقة الأولى باتفاق، حتى أن منهم من تبلغ النار إلى كعبه: وأشدهم من تبلغ النار إلى موضع سجوده فيحسه، ولا يعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها ألبتة بوعد الله تعالى، والكافر هو المعذب بين أطباقها: تبين لك أن النار لا يصلاها أى يعذب بين أطباقها- كما علمت تفسيره في اللغة- إلا الكافر:
وهو الأشقى، لأن المؤمن العاصي لا يبلغ مبلغه في الشقاء، وأن المؤمن الفائز وهو الأتقى بالنسبة إلى المؤمن العاصي بجنب النار بالكلية، لأن وروده تحلة القسم لا يصل إليه مسها ولا ألمها، وأن المؤمن العاصي الذي ليس بالأتقى ولا بالأشقى لا يصلاها ولا يجنبها بالكلية، لأن وروده تحلة القسم بل يعذب فيها لا بالصلى، فهذا أحسن ما حملت الآية عليه، لكن إنما ينزل على جادة السنة. وأما الزمخشري فينحرف عنها، فلا جرم أنه في عهدة الجواب يفكر ويقدر. والله أعلم.]] ، وكل تقىّ يجنبها، لا يختص بالصلى أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارا بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى فقد علم أن أفسق المسلمين [[قوله «فقد علم أن أفسق المسلمين» لعله: وقد. (ع)]] يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضى الله عنه يَتَزَكَّى من الزكاء. أى: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة. فإن قلت: ما محل يتزكى؟ قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلا من يُؤْتِي فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير في يُؤْتِي فمحله النصب ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أى: ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارا وقرأ يحيى بن وثاب، إلا ابتغاء وجه ربه بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد إلا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبى حازم:
أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها ... إلا الجآذر والظّلمان تختلف [[أضحت خلايا قفارا لا أنيس بها ... إلا الجاذر والظلمان تختلف
رقفت فيها قلوصي كى تجاوبنى ... أو بخبر الرسم عنهم أية انصرفوا
لبشر بن أبى خازم. وخلايا: جمع خلية أى خالية، والجآذر والظلمان. استثناء منقطع، لأنها لا تدخل في الأنيس. ورويا بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على الابدال من الضمير المستكن في الخير، كما هو لغة عند تميم. والجآذر: أولاد بقر الوحش. وروى: الجوازئ، رهى الظباء التي اجتزأت بأكل الربيع عن شرب الماء. والظلمان: أولاد النعام.
أو النعام نفسه. والقلوص. الفتية من الإبل المكتنزة اللحم، والضمير فيها عائد للديار. وضمير «تجاوبنى» لها أيضا. والرسم: آثار الديار. وأية: اسم استفهام منصوب بما بعده على الظرفية، لقطعه عن الاضافة، أى:
صرفهم عزمهم ونيتهم. وشبه الرسم بعاقل على طريق المكنية فأسند له الاخبار تخييلا، وكذلك الدار ومجاوبتها.]]
وقول القائل:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس [[قد ندع المنزل يا لميس ... يعيش فيه السبع الجروس
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
لعامر بن الحرث المشهور بجران العود. ولميس: امرأة. والجروس: كثير الصوت، وبلدة- بالجر برب المقدرة بعد الواو، أى: قد نترك المنزل خاليا من أهله بقتلنا إياهم، أو لارتحالنا عنهم. واليعافير- بالرفع-: بدل من أنيس على لغة تميم في الاستثناء المنقطع بعد النفي، وإلا الثانية توكيد للأولى. واليعافير- جمع يعفور-: دابة قدر السخلة على لون الرماد. وقيل: غزال كذلك. وقيل: ولد البقرة الوحشية. والعيس: البيض من الظباء أو الإبل:
جمع أعيس أو عيساء. والعيساء أيضا: أنثى الجراد، يخالط بياضها شقرة.]] ويجوز أن يكون ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مفعولا له على المعنى، لأنّ معنى الكلام: لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة وَلَسَوْفَ يَرْضى موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الليل 92:20
وقرأ أبو الزبير: تتلظى. فإن قلت: كيف قال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى...... وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى وقد علم أن كل شقىّ يصلاها [[قال محمود: «فان قلت: كيف قال لا يصلاها إلا الأشقى وسيجنبها الأتقى، وقد علم أن كل شقى يصلاها ... الخ» قال أحمد: لا شك أن السائل بنى سؤاله على التمسك بمفهوم الآية لورودها بصيغة التخصيص، فحاصل جواب الزمخشري أن التخصيص هاهنا لفائدة أخرى غير النفي عما عدا المخصص، وتلك الفائدة المقابلة، وحيث تمحض لك السؤال والجواب، فهو يلاحظ نظر الشافعي رحمه الله في قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ فانه لم يقل بمفهوم حصرها، وحملها على أن الحصر لفائدة المقابلة بالرد لأحكام الجاهلية، لا لنفى ما عدا المحصور.
على أن الزمخشري إنما ضيق عليه الخناق في هذه الآية حتى التزم ورود السؤال المذكور، التفاته إلى قاعدته الفاسدة وحذره أن تنقض، ويأبى الله إلا نقضها ورفضها، وإذا نزلت الآية على قواعد أهل السنة وضع لك ما قلته، فنقول: المصلى في اللغة أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو على التنور فليس بمصلى، وهذا التفسير بعينه نص عليه الزمخشري ونقطة عن أهل اللغة في سورة الغاشية أيضا، وأنا وقفت عليه في كتبهم، فإذا عرفت معنى التصلية لغة وأنها أشد أنواع الإحراق بالنار، وفي علمك أن الناس عند أهل السنة ثلاثة أصناف: مؤمن صالح فائز، ومؤمن عاص، وكافر، وأن المؤمن الفائز يمر على النار فيطفئ نوره لهبها ولا يؤلم بمسها البتة، وإنما يردها تحلة القسم، والعاصي إن شاء الله تعذيبه ومجازاته فإنما يعذب على وجه النار في الطبقة الأولى باتفاق، حتى أن منهم من تبلغ النار إلى كعبه: وأشدهم من تبلغ النار إلى موضع سجوده فيحسه، ولا يعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها ألبتة بوعد الله تعالى، والكافر هو المعذب بين أطباقها: تبين لك أن النار لا يصلاها أى يعذب بين أطباقها- كما علمت تفسيره في اللغة- إلا الكافر:
وهو الأشقى، لأن المؤمن العاصي لا يبلغ مبلغه في الشقاء، وأن المؤمن الفائز وهو الأتقى بالنسبة إلى المؤمن العاصي بجنب النار بالكلية، لأن وروده تحلة القسم لا يصل إليه مسها ولا ألمها، وأن المؤمن العاصي الذي ليس بالأتقى ولا بالأشقى لا يصلاها ولا يجنبها بالكلية، لأن وروده تحلة القسم بل يعذب فيها لا بالصلى، فهذا أحسن ما حملت الآية عليه، لكن إنما ينزل على جادة السنة. وأما الزمخشري فينحرف عنها، فلا جرم أنه في عهدة الجواب يفكر ويقدر. والله أعلم.]] ، وكل تقىّ يجنبها، لا يختص بالصلى أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارا بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى فقد علم أن أفسق المسلمين [[قوله «فقد علم أن أفسق المسلمين» لعله: وقد. (ع)]] يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضى الله عنه يَتَزَكَّى من الزكاء. أى: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة. فإن قلت: ما محل يتزكى؟ قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلا من يُؤْتِي فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير في يُؤْتِي فمحله النصب ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أى: ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارا وقرأ يحيى بن وثاب، إلا ابتغاء وجه ربه بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد إلا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبى حازم:
أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها ... إلا الجآذر والظّلمان تختلف [[أضحت خلايا قفارا لا أنيس بها ... إلا الجاذر والظلمان تختلف
رقفت فيها قلوصي كى تجاوبنى ... أو بخبر الرسم عنهم أية انصرفوا
لبشر بن أبى خازم. وخلايا: جمع خلية أى خالية، والجآذر والظلمان. استثناء منقطع، لأنها لا تدخل في الأنيس. ورويا بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على الابدال من الضمير المستكن في الخير، كما هو لغة عند تميم. والجآذر: أولاد بقر الوحش. وروى: الجوازئ، رهى الظباء التي اجتزأت بأكل الربيع عن شرب الماء. والظلمان: أولاد النعام.
أو النعام نفسه. والقلوص. الفتية من الإبل المكتنزة اللحم، والضمير فيها عائد للديار. وضمير «تجاوبنى» لها أيضا. والرسم: آثار الديار. وأية: اسم استفهام منصوب بما بعده على الظرفية، لقطعه عن الاضافة، أى:
صرفهم عزمهم ونيتهم. وشبه الرسم بعاقل على طريق المكنية فأسند له الاخبار تخييلا، وكذلك الدار ومجاوبتها.]]
وقول القائل:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس [[قد ندع المنزل يا لميس ... يعيش فيه السبع الجروس
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
لعامر بن الحرث المشهور بجران العود. ولميس: امرأة. والجروس: كثير الصوت، وبلدة- بالجر برب المقدرة بعد الواو، أى: قد نترك المنزل خاليا من أهله بقتلنا إياهم، أو لارتحالنا عنهم. واليعافير- بالرفع-: بدل من أنيس على لغة تميم في الاستثناء المنقطع بعد النفي، وإلا الثانية توكيد للأولى. واليعافير- جمع يعفور-: دابة قدر السخلة على لون الرماد. وقيل: غزال كذلك. وقيل: ولد البقرة الوحشية. والعيس: البيض من الظباء أو الإبل:
جمع أعيس أو عيساء. والعيساء أيضا: أنثى الجراد، يخالط بياضها شقرة.]] ويجوز أن يكون ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مفعولا له على المعنى، لأنّ معنى الكلام: لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة وَلَسَوْفَ يَرْضى موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .
الليل 92:21
وقرأ أبو الزبير: تتلظى. فإن قلت: كيف قال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى...... وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى وقد علم أن كل شقىّ يصلاها [[قال محمود: «فان قلت: كيف قال لا يصلاها إلا الأشقى وسيجنبها الأتقى، وقد علم أن كل شقى يصلاها ... الخ» قال أحمد: لا شك أن السائل بنى سؤاله على التمسك بمفهوم الآية لورودها بصيغة التخصيص، فحاصل جواب الزمخشري أن التخصيص هاهنا لفائدة أخرى غير النفي عما عدا المخصص، وتلك الفائدة المقابلة، وحيث تمحض لك السؤال والجواب، فهو يلاحظ نظر الشافعي رحمه الله في قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ فانه لم يقل بمفهوم حصرها، وحملها على أن الحصر لفائدة المقابلة بالرد لأحكام الجاهلية، لا لنفى ما عدا المحصور.
على أن الزمخشري إنما ضيق عليه الخناق في هذه الآية حتى التزم ورود السؤال المذكور، التفاته إلى قاعدته الفاسدة وحذره أن تنقض، ويأبى الله إلا نقضها ورفضها، وإذا نزلت الآية على قواعد أهل السنة وضع لك ما قلته، فنقول: المصلى في اللغة أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه بين أطباقه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو على التنور فليس بمصلى، وهذا التفسير بعينه نص عليه الزمخشري ونقطة عن أهل اللغة في سورة الغاشية أيضا، وأنا وقفت عليه في كتبهم، فإذا عرفت معنى التصلية لغة وأنها أشد أنواع الإحراق بالنار، وفي علمك أن الناس عند أهل السنة ثلاثة أصناف: مؤمن صالح فائز، ومؤمن عاص، وكافر، وأن المؤمن الفائز يمر على النار فيطفئ نوره لهبها ولا يؤلم بمسها البتة، وإنما يردها تحلة القسم، والعاصي إن شاء الله تعذيبه ومجازاته فإنما يعذب على وجه النار في الطبقة الأولى باتفاق، حتى أن منهم من تبلغ النار إلى كعبه: وأشدهم من تبلغ النار إلى موضع سجوده فيحسه، ولا يعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها ألبتة بوعد الله تعالى، والكافر هو المعذب بين أطباقها: تبين لك أن النار لا يصلاها أى يعذب بين أطباقها- كما علمت تفسيره في اللغة- إلا الكافر:
وهو الأشقى، لأن المؤمن العاصي لا يبلغ مبلغه في الشقاء، وأن المؤمن الفائز وهو الأتقى بالنسبة إلى المؤمن العاصي بجنب النار بالكلية، لأن وروده تحلة القسم لا يصل إليه مسها ولا ألمها، وأن المؤمن العاصي الذي ليس بالأتقى ولا بالأشقى لا يصلاها ولا يجنبها بالكلية، لأن وروده تحلة القسم بل يعذب فيها لا بالصلى، فهذا أحسن ما حملت الآية عليه، لكن إنما ينزل على جادة السنة. وأما الزمخشري فينحرف عنها، فلا جرم أنه في عهدة الجواب يفكر ويقدر. والله أعلم.]] ، وكل تقىّ يجنبها، لا يختص بالصلى أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارا بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى فقد علم أن أفسق المسلمين [[قوله «فقد علم أن أفسق المسلمين» لعله: وقد. (ع)]] يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضى الله عنه يَتَزَكَّى من الزكاء. أى: يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به رياء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة. فإن قلت: ما محل يتزكى؟ قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلا من يُؤْتِي فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير في يُؤْتِي فمحله النصب ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أى: ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارا وقرأ يحيى بن وثاب، إلا ابتغاء وجه ربه بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد إلا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبى حازم:
أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها ... إلا الجآذر والظّلمان تختلف [[أضحت خلايا قفارا لا أنيس بها ... إلا الجاذر والظلمان تختلف
رقفت فيها قلوصي كى تجاوبنى ... أو بخبر الرسم عنهم أية انصرفوا
لبشر بن أبى خازم. وخلايا: جمع خلية أى خالية، والجآذر والظلمان. استثناء منقطع، لأنها لا تدخل في الأنيس. ورويا بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على الابدال من الضمير المستكن في الخير، كما هو لغة عند تميم. والجآذر: أولاد بقر الوحش. وروى: الجوازئ، رهى الظباء التي اجتزأت بأكل الربيع عن شرب الماء. والظلمان: أولاد النعام.
أو النعام نفسه. والقلوص. الفتية من الإبل المكتنزة اللحم، والضمير فيها عائد للديار. وضمير «تجاوبنى» لها أيضا. والرسم: آثار الديار. وأية: اسم استفهام منصوب بما بعده على الظرفية، لقطعه عن الاضافة، أى:
صرفهم عزمهم ونيتهم. وشبه الرسم بعاقل على طريق المكنية فأسند له الاخبار تخييلا، وكذلك الدار ومجاوبتها.]]
وقول القائل:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس [[قد ندع المنزل يا لميس ... يعيش فيه السبع الجروس
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
لعامر بن الحرث المشهور بجران العود. ولميس: امرأة. والجروس: كثير الصوت، وبلدة- بالجر برب المقدرة بعد الواو، أى: قد نترك المنزل خاليا من أهله بقتلنا إياهم، أو لارتحالنا عنهم. واليعافير- بالرفع-: بدل من أنيس على لغة تميم في الاستثناء المنقطع بعد النفي، وإلا الثانية توكيد للأولى. واليعافير- جمع يعفور-: دابة قدر السخلة على لون الرماد. وقيل: غزال كذلك. وقيل: ولد البقرة الوحشية. والعيس: البيض من الظباء أو الإبل:
جمع أعيس أو عيساء. والعيساء أيضا: أنثى الجراد، يخالط بياضها شقرة.]] ويجوز أن يكون ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مفعولا له على المعنى، لأنّ معنى الكلام: لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة وَلَسَوْفَ يَرْضى موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر» [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه بالسند إلى أبى بن كعب.]] .