Lafzullah

Al-Kashshaf Al-Zamakhshari — المسد 111:1 – الناس 114:6

المؤلف / المصدر: Al-Kashshaf Al-Zamakhshari

المحتويات
  1. المسد 111:1
  2. المسد 111:2
  3. المسد 111:3
  4. المسد 111:4
  5. المسد 111:5
  6. الإخلاص 112:1
  7. الإخلاص 112:2
  8. الإخلاص 112:3
  9. الإخلاص 112:4
  10. الفلق 113:1
  11. الفلق 113:2
  12. الفلق 113:3
  13. الفلق 113:4
  14. الفلق 113:5
  15. الناس 114:1
  16. الناس 114:2
  17. الناس 114:3
  18. الناس 114:4
  19. الناس 114:5
  20. الناس 114:6

المسد 111:1

مكية، وآياتها 5 [نزلت بعد الفاتحة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ التباب: الهلاك. ومنه قولهم: أشابة أم تابة، أى: هالكة من الهرم والتعجيز. والمعنى: هلكت يداه، لأنه فيما يروى: أخذ حجرا ليرمى به رسول الله ﷺ وَتَبَّ وهلك كله. أو جعلت يداه هالكتين. والمراد: هلاك جملته، كقوله تعالى بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ومعنى وَتَبَّ: وكان ذلك وحصل، كقوله: جزانى جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل [[كأن قد فعل به خيرا فجزاء شرا، فدعا عليه بقوله: جزاه الله شر جزائه. جزاء الكلاب: بدل من «شر جزائه» وضمير «جزائه» لله. أو للرجل المدعو عليه. وجزاء الكلاب العاويات: رجمها. ويروى «العاديات» بالدال، بدل الواو. وقد فعل: أى فعل الله ذلك الجزاء في الواقع، حيث أوقعه. وفيه من أنواع البديع: الرجوع، وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض لنكتة، لأن مقتضى الدعاء أن المدعو به لم يحصل، فنقضه بقوله «وقد فصل» . ويروى بدل الشطر الأول: جزى ربه عنى عدى بن حاتم. وضمير «ربه» لحاتم، وإن تأخر لفظا ورتبة للضرورة، وأجازه الأخفش وابن جنى وابن مالك في السعة، لأن المفعول به كان متقدما لشدة اقتضاء الفعل إياه. وقيل عائد الجزاء المعلوم من جزى. ويروى بدل الشطر الأول أيضا: جزى الله عبسا عبس آل بغيض. وهي قبيلة معروفة، ولعل شاعر متعدد، وما حكاه بعض شراح شواهد الجامى من أن عدى بن حاتم رجل روى بنى قصرا النعمان بن امرئ القيس بظهر الكوفة، فأعجبه فسأله: هل بنيت مثله فقال: لا، وبنيته على حجر لو سقط سقط القصر، فألقاه من أعلاه فخر ميتا: فهو خطأ. والصواب أن هذه الحكاية إنما وقعت لسنمار المذكور في قوله: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار لأن عدى بن حاتم صحابى من لب العرب، وضمير «بنوه» : لأبى الغيلان بالكسر. وسنمار بكسرتين فتشديد. و «عن» متعلقة بجزى، أى: جزاء ناشئا عن كبر، وفيه معنى التهكم. ويجوز أنها بمعنى البدل، والأوجه أنها بمعنى بعد. وقيل: إنها بمعنى في، وليس بشيء، وعبر بالمضارع بدل الماضي استحضارا لما مضى، لأنه عجيب.]] ويدل عليه قراءة ابن مسعود: وقد تب، وروى أنه لما نزل وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ رقى الصفا وقال. يا صباحاه، فاستجمع إليه الناس من كل أوب. فقال: يا بنى عبد المطلب، يا بنى فهر، إن أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقىّ؟ قالوا: نعم، قال: فإنى نذير لكم بين يدي الساعة، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا [[متفق عليه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.]] ؟ فنزلت. فإن قلت: لم كناه، والتكنية تكرمة؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مشتهرا بالكنية دون الاسم، فقد يكون الرجل معروفا بأحدهما، ولذلك تجرى الكنية على الاسم، أو الاسم على الكنية عطف بيان، فلما أريد تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له، ذكر الأشهر من علميه ويؤيد ذلك قراءة من قرأ، يدا أبو لهب [[قال محمود: «ويؤيد ذلك قراءة من قرأ يدا أبو لهب» قال أحمد: وفي هذا دليل لأن الرفع أسبق وجوه الاعراب وأولها. ألا تراهم إنما حافظوا على صيغته التي بها اشتهر الاسم، وكانت أول أحواله.]] ، كما قيل، على بن أبو طالب. ومعاوية بن أبو سفيان، لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير مكة ابنان، أحدهما: عبد الله- بالجرّ، والآخر عبد الله- بالنصب. كان بمكة رجل يقال له: عبد الله- بجرّة الدال، لا يعرف إلا هكذا. والثاني: أنه كان اسمه عبد العزى، فعدل عنه إلى كنيته. والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته، فكان جديرا بأن يذكر بها. ويقال: أبو لهب، كما يقال: أبو الشر للشرير. وأبو الخير للخير، وكما كنى رسول الله ﷺ أبا المهلب: أبا صفرة، بصفرة في وجهه. وقيل كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يذكر بذلك تهكما به، وبافتخاره بذلك. وقرئ أبى لهب، بالسكون. وهو من تغيير الأعلام، كقولهم: شمس بن مالك بالضم ما أَغْنى استفهام في معنى الإنكار، ومحله النصب أو نفى وَما كَسَبَ مرفوع. وما موصولة أو مصدرية بمعنى: ومكسوبه. أو: وكسبه. والمعنى: لم ينفعه ماله وما كسب بماله، يعنى: رأس المال والأرباح. أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها، وكان ذا سابياء [[قوله «وكان ذا سابياء» ذكر في القاموس من هاتبها: المال الكثير والنتاج، والإبل النتاج والغنم التي كثر نسلها. «التالد» القديم. والطارق المستحدث (ع)]] . أو ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه. أو ماله التالد والطارف. وعن ابن عباس: ما كسب ولده. وحكى أن بنى أبى لهب احتكموا إليه، فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع، فغضب، فقال: أخرجوا عنى الكسب الخبيث: ومنه قوله عليه السلام «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» وعن الضحاك: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث، يعنى كيده في عداوة رسول الله ﷺ. وعن قتادة: عمله الذي ظن أنه منه على شيء، كقوله وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ وروى أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخى حقا فأنا أفتدى منه نفسي بمالي وولدى سَيَصْلى قرئ بفتح الياء وبضمها: مخففا ومشددا، والسين للوعيد، أى: هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته وَامْرَأَتُهُ هي أم جميل بنت حرب أخت أبى سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك [[قوله «من الشوك والحسك» في الصحاح «الحسك» : حسك السعدان. وفيه «السعدان» : نبت شوك، ولهذا النيت شوك يقال: حسك السعدان. (ع)]] والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ﷺ. وقيل: كانت تمشى بالنميمة: ويقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أى: يوقد بينهم النائرة ويورّث الشر. قال: من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ... ولم تمش بين الحىّ بالحطب الرّطب [[أنشده يعقوب. والبياض: مجاز عن الخلوص من أسباب الذم. وتصطد من الصيد، أى: الوجدان والإدراك، وزنه يفتعل: فلبت تاء الافتعال طاء على القياس. ورواه بعضهم يضدد. وبعضهم: يضطد، بالضاد المعجمة فيهما، على أنه من الضد، ولينظر وجه الثاني، لأن الدال فيه حقها التشديد، فلعله خففها للضرورة. واللامة: اللوم وسببه: شبهها بالمطية التي اعتاد صاحبها ركوبها على طريق المكنية، فأثبت لها الظهر تخييلا لذلك. وروى، بالخطر، بدل الحطب: وهو الخشب، والحطب الذي يحظر به، والمراد النميمة: استعير لها ذلك بجامع ثوران المكروه من كل، لأن الحطب الرطب إذا أوقدت فيه النار كثر دخانه. وروى: لم يضدد، ولم يمش بالياء على أنها صفة لمذكر.]] جعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر، ورفعت عطفا على الضمير في سَيَصْلى أى: سيصلى هو وامرأته. وفِي جِيدِها في موضع الحال. أو على الابتداء، وفي جيدها: الخبر. وقرئ: حمالة الحطب، بالنصب على الشتم، وأنا أستحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله ﷺ بجميل: من أحب شتم أم جميل. وقرئ: حمالة للحطب. وحمالة للحطب: بالتنوين، والرفع والنصب. وقرئ: ومريته بالتصغير. المسد: الذي فتل من الحبال فتلا شديدا، من ليف كان أو جلد، أو غيرهما. قال: ومسد أمرّ من أيانق [[إن سرك الارواء غير سائق ... فاعجل بغرب مثل غرب طارق ومسد أمر من أيانق ... ليس بأنياب ولا حقائق ولا ضعاف مخهن زاهق لعمارة بن طارق. يقول: إن سرك الاستسقاء حال كونك غير سائق للإبل التي يسقى عليها، فأسرع إلى ماء بئر بدلو عظيمة مثل دلو طارق أبى. وبحبل أمر: بالبناء للمجهول، أى: فتل فتلا شديدا. من أيافق، أى: من أوبارها، أو من جلودها. والأيانق: جمع أينق. والأينق: جمع نوق والنوق: جمع ناقة، ليس ذلك الحبل أنيابا، أى، نوقا مسنة، ولا حقائق: أى فتيات، ولا ضعافا: أى ليس من هذه الأنواع التي تساق بمشقة ففي هذا التنويع تتغير عنها. ويروى: لسن، أى: النوق التي يفتل منها. والأشبه: أن حق الرواية مع أيانق، أى: أعجل بحبل مفتول من الليف الأبيض. ونوق شداد: لا تحتاج إلى السوق. ومخهن زاهق: قال الفراء: هو مرفوع، والشعر مكفا. يقول: بل مخهن مكتنز سمين على الابتداء، وهذا مما يؤيد رواية: لسن بالنوق. وقال غيره: الزاهق هنا الذاهب، وهو مجرور بالعطف، أى: ولا ضعاف مخهن. وزاهق بالجر ردا على ضعاف، فكأنه رفع مخهن بضعاف.]] ورجل ممسود الخلق مجدوله. والمعنى: في جيدها حبل مما مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون: تخسيسا لحالها، وتحقيرا لها، وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات من المواهن، لتمتعض [[قوله «من المواهن لتمتعض» جمع ماهن وهي الخادم. والامتعاض: الغضب. أفاده الصحاح. (ع)]] من ذلك ويمتعض بعلها، وهما في بيت العز والشرف. وفي منصب الثروة والجدة. ولقد عير بعض الناس الفضل بن العباس ابن عتبة ابن أبى لهب بحمالة الحطب، فقال: ماذا أردت إلى شتمي ومنقصتي ... أم ما تعيّر من حمّالة الحطب غرّاء شادخة في المجد غرّتها ... كانت سليلة شيخ ناقب الحسب [[هو تعبير الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب. وحمالة الحطب: زوجة أبى لهب، فهي جدته. والغراء البيضاء. والشادخة: المتسعة، وذلك مجاز عن الظهور وارتفاع المقدار. والسليلة من سل من غيره، والمراد بالشيخ: أبوها حرب، لأنها أم جميل أخت أبى سفيان بن حرب، كانت عوراء، وماتت مخنوقة بحبلها الذي كانت تحمل فيه الحطب. وقيل: حمل الحطب مجاز عن إثارة الفتنة، لأنها كانت نمامة. وإلى شتمي: متعلق بمحذوف أو بأردت على طريق التضمين، أى: أى شيء أردته مائلا أنت إلى شتمي، أو منضما هو إلى شتمي. أو ما الذي أردته من شتمي أو مع شتمي؟ هل أردت أنك شريف لا عيب فيك. ويحوز أن إلى بمعنى من كما قال النحاة، واشتشهدوا عليه بقوله: تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... السقي فلا يروى إلى ابن أحمرا ويمكن أنها للمصاحبة، كما قالوه أيضا في قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ وتعير: أصله تتعير، فحذف منه إحدى التائين. أما تتعير من جدتك التمامة لا ينبغي عدم ذلك. وروى: ثاقب الحسب. والمعنى: أن حسبه أصيل، فكأنه داخل في أجداد السابقين «أو سائر بين الناس، وذمها الآن مع رفعة شأنها فيما كان: أشد في الامتهان.]] ويحتمل أن يكون المعنى: أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم أو من الضريع، وفي جيدها حبل من ما مسد من سلاسل النار: كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه. عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبى لهب في دار واحدة [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه من حديث أبى بن كعب.]] » .

المسد 111:2

مكية، وآياتها 5 [نزلت بعد الفاتحة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ التباب: الهلاك. ومنه قولهم: أشابة أم تابة، أى: هالكة من الهرم والتعجيز. والمعنى: هلكت يداه، لأنه فيما يروى: أخذ حجرا ليرمى به رسول الله ﷺ وَتَبَّ وهلك كله. أو جعلت يداه هالكتين. والمراد: هلاك جملته، كقوله تعالى بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ومعنى وَتَبَّ: وكان ذلك وحصل، كقوله: جزانى جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل [[كأن قد فعل به خيرا فجزاء شرا، فدعا عليه بقوله: جزاه الله شر جزائه. جزاء الكلاب: بدل من «شر جزائه» وضمير «جزائه» لله. أو للرجل المدعو عليه. وجزاء الكلاب العاويات: رجمها. ويروى «العاديات» بالدال، بدل الواو. وقد فعل: أى فعل الله ذلك الجزاء في الواقع، حيث أوقعه. وفيه من أنواع البديع: الرجوع، وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض لنكتة، لأن مقتضى الدعاء أن المدعو به لم يحصل، فنقضه بقوله «وقد فصل» . ويروى بدل الشطر الأول: جزى ربه عنى عدى بن حاتم. وضمير «ربه» لحاتم، وإن تأخر لفظا ورتبة للضرورة، وأجازه الأخفش وابن جنى وابن مالك في السعة، لأن المفعول به كان متقدما لشدة اقتضاء الفعل إياه. وقيل عائد الجزاء المعلوم من جزى. ويروى بدل الشطر الأول أيضا: جزى الله عبسا عبس آل بغيض. وهي قبيلة معروفة، ولعل شاعر متعدد، وما حكاه بعض شراح شواهد الجامى من أن عدى بن حاتم رجل روى بنى قصرا النعمان بن امرئ القيس بظهر الكوفة، فأعجبه فسأله: هل بنيت مثله فقال: لا، وبنيته على حجر لو سقط سقط القصر، فألقاه من أعلاه فخر ميتا: فهو خطأ. والصواب أن هذه الحكاية إنما وقعت لسنمار المذكور في قوله: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار لأن عدى بن حاتم صحابى من لب العرب، وضمير «بنوه» : لأبى الغيلان بالكسر. وسنمار بكسرتين فتشديد. و «عن» متعلقة بجزى، أى: جزاء ناشئا عن كبر، وفيه معنى التهكم. ويجوز أنها بمعنى البدل، والأوجه أنها بمعنى بعد. وقيل: إنها بمعنى في، وليس بشيء، وعبر بالمضارع بدل الماضي استحضارا لما مضى، لأنه عجيب.]] ويدل عليه قراءة ابن مسعود: وقد تب، وروى أنه لما نزل وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ رقى الصفا وقال. يا صباحاه، فاستجمع إليه الناس من كل أوب. فقال: يا بنى عبد المطلب، يا بنى فهر، إن أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقىّ؟ قالوا: نعم، قال: فإنى نذير لكم بين يدي الساعة، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا [[متفق عليه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.]] ؟ فنزلت. فإن قلت: لم كناه، والتكنية تكرمة؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مشتهرا بالكنية دون الاسم، فقد يكون الرجل معروفا بأحدهما، ولذلك تجرى الكنية على الاسم، أو الاسم على الكنية عطف بيان، فلما أريد تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له، ذكر الأشهر من علميه ويؤيد ذلك قراءة من قرأ، يدا أبو لهب [[قال محمود: «ويؤيد ذلك قراءة من قرأ يدا أبو لهب» قال أحمد: وفي هذا دليل لأن الرفع أسبق وجوه الاعراب وأولها. ألا تراهم إنما حافظوا على صيغته التي بها اشتهر الاسم، وكانت أول أحواله.]] ، كما قيل، على بن أبو طالب. ومعاوية بن أبو سفيان، لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير مكة ابنان، أحدهما: عبد الله- بالجرّ، والآخر عبد الله- بالنصب. كان بمكة رجل يقال له: عبد الله- بجرّة الدال، لا يعرف إلا هكذا. والثاني: أنه كان اسمه عبد العزى، فعدل عنه إلى كنيته. والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته، فكان جديرا بأن يذكر بها. ويقال: أبو لهب، كما يقال: أبو الشر للشرير. وأبو الخير للخير، وكما كنى رسول الله ﷺ أبا المهلب: أبا صفرة، بصفرة في وجهه. وقيل كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يذكر بذلك تهكما به، وبافتخاره بذلك. وقرئ أبى لهب، بالسكون. وهو من تغيير الأعلام، كقولهم: شمس بن مالك بالضم ما أَغْنى استفهام في معنى الإنكار، ومحله النصب أو نفى وَما كَسَبَ مرفوع. وما موصولة أو مصدرية بمعنى: ومكسوبه. أو: وكسبه. والمعنى: لم ينفعه ماله وما كسب بماله، يعنى: رأس المال والأرباح. أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها، وكان ذا سابياء [[قوله «وكان ذا سابياء» ذكر في القاموس من هاتبها: المال الكثير والنتاج، والإبل النتاج والغنم التي كثر نسلها. «التالد» القديم. والطارق المستحدث (ع)]] . أو ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه. أو ماله التالد والطارف. وعن ابن عباس: ما كسب ولده. وحكى أن بنى أبى لهب احتكموا إليه، فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع، فغضب، فقال: أخرجوا عنى الكسب الخبيث: ومنه قوله عليه السلام «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» وعن الضحاك: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث، يعنى كيده في عداوة رسول الله ﷺ. وعن قتادة: عمله الذي ظن أنه منه على شيء، كقوله وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ وروى أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخى حقا فأنا أفتدى منه نفسي بمالي وولدى سَيَصْلى قرئ بفتح الياء وبضمها: مخففا ومشددا، والسين للوعيد، أى: هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته وَامْرَأَتُهُ هي أم جميل بنت حرب أخت أبى سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك [[قوله «من الشوك والحسك» في الصحاح «الحسك» : حسك السعدان. وفيه «السعدان» : نبت شوك، ولهذا النيت شوك يقال: حسك السعدان. (ع)]] والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ﷺ. وقيل: كانت تمشى بالنميمة: ويقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أى: يوقد بينهم النائرة ويورّث الشر. قال: من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ... ولم تمش بين الحىّ بالحطب الرّطب [[أنشده يعقوب. والبياض: مجاز عن الخلوص من أسباب الذم. وتصطد من الصيد، أى: الوجدان والإدراك، وزنه يفتعل: فلبت تاء الافتعال طاء على القياس. ورواه بعضهم يضدد. وبعضهم: يضطد، بالضاد المعجمة فيهما، على أنه من الضد، ولينظر وجه الثاني، لأن الدال فيه حقها التشديد، فلعله خففها للضرورة. واللامة: اللوم وسببه: شبهها بالمطية التي اعتاد صاحبها ركوبها على طريق المكنية، فأثبت لها الظهر تخييلا لذلك. وروى، بالخطر، بدل الحطب: وهو الخشب، والحطب الذي يحظر به، والمراد النميمة: استعير لها ذلك بجامع ثوران المكروه من كل، لأن الحطب الرطب إذا أوقدت فيه النار كثر دخانه. وروى: لم يضدد، ولم يمش بالياء على أنها صفة لمذكر.]] جعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر، ورفعت عطفا على الضمير في سَيَصْلى أى: سيصلى هو وامرأته. وفِي جِيدِها في موضع الحال. أو على الابتداء، وفي جيدها: الخبر. وقرئ: حمالة الحطب، بالنصب على الشتم، وأنا أستحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله ﷺ بجميل: من أحب شتم أم جميل. وقرئ: حمالة للحطب. وحمالة للحطب: بالتنوين، والرفع والنصب. وقرئ: ومريته بالتصغير. المسد: الذي فتل من الحبال فتلا شديدا، من ليف كان أو جلد، أو غيرهما. قال: ومسد أمرّ من أيانق [[إن سرك الارواء غير سائق ... فاعجل بغرب مثل غرب طارق ومسد أمر من أيانق ... ليس بأنياب ولا حقائق ولا ضعاف مخهن زاهق لعمارة بن طارق. يقول: إن سرك الاستسقاء حال كونك غير سائق للإبل التي يسقى عليها، فأسرع إلى ماء بئر بدلو عظيمة مثل دلو طارق أبى. وبحبل أمر: بالبناء للمجهول، أى: فتل فتلا شديدا. من أيافق، أى: من أوبارها، أو من جلودها. والأيانق: جمع أينق. والأينق: جمع نوق والنوق: جمع ناقة، ليس ذلك الحبل أنيابا، أى، نوقا مسنة، ولا حقائق: أى فتيات، ولا ضعافا: أى ليس من هذه الأنواع التي تساق بمشقة ففي هذا التنويع تتغير عنها. ويروى: لسن، أى: النوق التي يفتل منها. والأشبه: أن حق الرواية مع أيانق، أى: أعجل بحبل مفتول من الليف الأبيض. ونوق شداد: لا تحتاج إلى السوق. ومخهن زاهق: قال الفراء: هو مرفوع، والشعر مكفا. يقول: بل مخهن مكتنز سمين على الابتداء، وهذا مما يؤيد رواية: لسن بالنوق. وقال غيره: الزاهق هنا الذاهب، وهو مجرور بالعطف، أى: ولا ضعاف مخهن. وزاهق بالجر ردا على ضعاف، فكأنه رفع مخهن بضعاف.]] ورجل ممسود الخلق مجدوله. والمعنى: في جيدها حبل مما مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون: تخسيسا لحالها، وتحقيرا لها، وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات من المواهن، لتمتعض [[قوله «من المواهن لتمتعض» جمع ماهن وهي الخادم. والامتعاض: الغضب. أفاده الصحاح. (ع)]] من ذلك ويمتعض بعلها، وهما في بيت العز والشرف. وفي منصب الثروة والجدة. ولقد عير بعض الناس الفضل بن العباس ابن عتبة ابن أبى لهب بحمالة الحطب، فقال: ماذا أردت إلى شتمي ومنقصتي ... أم ما تعيّر من حمّالة الحطب غرّاء شادخة في المجد غرّتها ... كانت سليلة شيخ ناقب الحسب [[هو تعبير الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب. وحمالة الحطب: زوجة أبى لهب، فهي جدته. والغراء البيضاء. والشادخة: المتسعة، وذلك مجاز عن الظهور وارتفاع المقدار. والسليلة من سل من غيره، والمراد بالشيخ: أبوها حرب، لأنها أم جميل أخت أبى سفيان بن حرب، كانت عوراء، وماتت مخنوقة بحبلها الذي كانت تحمل فيه الحطب. وقيل: حمل الحطب مجاز عن إثارة الفتنة، لأنها كانت نمامة. وإلى شتمي: متعلق بمحذوف أو بأردت على طريق التضمين، أى: أى شيء أردته مائلا أنت إلى شتمي، أو منضما هو إلى شتمي. أو ما الذي أردته من شتمي أو مع شتمي؟ هل أردت أنك شريف لا عيب فيك. ويحوز أن إلى بمعنى من كما قال النحاة، واشتشهدوا عليه بقوله: تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... السقي فلا يروى إلى ابن أحمرا ويمكن أنها للمصاحبة، كما قالوه أيضا في قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ وتعير: أصله تتعير، فحذف منه إحدى التائين. أما تتعير من جدتك التمامة لا ينبغي عدم ذلك. وروى: ثاقب الحسب. والمعنى: أن حسبه أصيل، فكأنه داخل في أجداد السابقين «أو سائر بين الناس، وذمها الآن مع رفعة شأنها فيما كان: أشد في الامتهان.]] ويحتمل أن يكون المعنى: أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم أو من الضريع، وفي جيدها حبل من ما مسد من سلاسل النار: كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه. عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبى لهب في دار واحدة [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه من حديث أبى بن كعب.]] » .

المسد 111:3

مكية، وآياتها 5 [نزلت بعد الفاتحة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ التباب: الهلاك. ومنه قولهم: أشابة أم تابة، أى: هالكة من الهرم والتعجيز. والمعنى: هلكت يداه، لأنه فيما يروى: أخذ حجرا ليرمى به رسول الله ﷺ وَتَبَّ وهلك كله. أو جعلت يداه هالكتين. والمراد: هلاك جملته، كقوله تعالى بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ومعنى وَتَبَّ: وكان ذلك وحصل، كقوله: جزانى جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل [[كأن قد فعل به خيرا فجزاء شرا، فدعا عليه بقوله: جزاه الله شر جزائه. جزاء الكلاب: بدل من «شر جزائه» وضمير «جزائه» لله. أو للرجل المدعو عليه. وجزاء الكلاب العاويات: رجمها. ويروى «العاديات» بالدال، بدل الواو. وقد فعل: أى فعل الله ذلك الجزاء في الواقع، حيث أوقعه. وفيه من أنواع البديع: الرجوع، وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض لنكتة، لأن مقتضى الدعاء أن المدعو به لم يحصل، فنقضه بقوله «وقد فصل» . ويروى بدل الشطر الأول: جزى ربه عنى عدى بن حاتم. وضمير «ربه» لحاتم، وإن تأخر لفظا ورتبة للضرورة، وأجازه الأخفش وابن جنى وابن مالك في السعة، لأن المفعول به كان متقدما لشدة اقتضاء الفعل إياه. وقيل عائد الجزاء المعلوم من جزى. ويروى بدل الشطر الأول أيضا: جزى الله عبسا عبس آل بغيض. وهي قبيلة معروفة، ولعل شاعر متعدد، وما حكاه بعض شراح شواهد الجامى من أن عدى بن حاتم رجل روى بنى قصرا النعمان بن امرئ القيس بظهر الكوفة، فأعجبه فسأله: هل بنيت مثله فقال: لا، وبنيته على حجر لو سقط سقط القصر، فألقاه من أعلاه فخر ميتا: فهو خطأ. والصواب أن هذه الحكاية إنما وقعت لسنمار المذكور في قوله: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار لأن عدى بن حاتم صحابى من لب العرب، وضمير «بنوه» : لأبى الغيلان بالكسر. وسنمار بكسرتين فتشديد. و «عن» متعلقة بجزى، أى: جزاء ناشئا عن كبر، وفيه معنى التهكم. ويجوز أنها بمعنى البدل، والأوجه أنها بمعنى بعد. وقيل: إنها بمعنى في، وليس بشيء، وعبر بالمضارع بدل الماضي استحضارا لما مضى، لأنه عجيب.]] ويدل عليه قراءة ابن مسعود: وقد تب، وروى أنه لما نزل وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ رقى الصفا وقال. يا صباحاه، فاستجمع إليه الناس من كل أوب. فقال: يا بنى عبد المطلب، يا بنى فهر، إن أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقىّ؟ قالوا: نعم، قال: فإنى نذير لكم بين يدي الساعة، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا [[متفق عليه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.]] ؟ فنزلت. فإن قلت: لم كناه، والتكنية تكرمة؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مشتهرا بالكنية دون الاسم، فقد يكون الرجل معروفا بأحدهما، ولذلك تجرى الكنية على الاسم، أو الاسم على الكنية عطف بيان، فلما أريد تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له، ذكر الأشهر من علميه ويؤيد ذلك قراءة من قرأ، يدا أبو لهب [[قال محمود: «ويؤيد ذلك قراءة من قرأ يدا أبو لهب» قال أحمد: وفي هذا دليل لأن الرفع أسبق وجوه الاعراب وأولها. ألا تراهم إنما حافظوا على صيغته التي بها اشتهر الاسم، وكانت أول أحواله.]] ، كما قيل، على بن أبو طالب. ومعاوية بن أبو سفيان، لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير مكة ابنان، أحدهما: عبد الله- بالجرّ، والآخر عبد الله- بالنصب. كان بمكة رجل يقال له: عبد الله- بجرّة الدال، لا يعرف إلا هكذا. والثاني: أنه كان اسمه عبد العزى، فعدل عنه إلى كنيته. والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته، فكان جديرا بأن يذكر بها. ويقال: أبو لهب، كما يقال: أبو الشر للشرير. وأبو الخير للخير، وكما كنى رسول الله ﷺ أبا المهلب: أبا صفرة، بصفرة في وجهه. وقيل كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يذكر بذلك تهكما به، وبافتخاره بذلك. وقرئ أبى لهب، بالسكون. وهو من تغيير الأعلام، كقولهم: شمس بن مالك بالضم ما أَغْنى استفهام في معنى الإنكار، ومحله النصب أو نفى وَما كَسَبَ مرفوع. وما موصولة أو مصدرية بمعنى: ومكسوبه. أو: وكسبه. والمعنى: لم ينفعه ماله وما كسب بماله، يعنى: رأس المال والأرباح. أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها، وكان ذا سابياء [[قوله «وكان ذا سابياء» ذكر في القاموس من هاتبها: المال الكثير والنتاج، والإبل النتاج والغنم التي كثر نسلها. «التالد» القديم. والطارق المستحدث (ع)]] . أو ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه. أو ماله التالد والطارف. وعن ابن عباس: ما كسب ولده. وحكى أن بنى أبى لهب احتكموا إليه، فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع، فغضب، فقال: أخرجوا عنى الكسب الخبيث: ومنه قوله عليه السلام «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» وعن الضحاك: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث، يعنى كيده في عداوة رسول الله ﷺ. وعن قتادة: عمله الذي ظن أنه منه على شيء، كقوله وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ وروى أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخى حقا فأنا أفتدى منه نفسي بمالي وولدى سَيَصْلى قرئ بفتح الياء وبضمها: مخففا ومشددا، والسين للوعيد، أى: هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته وَامْرَأَتُهُ هي أم جميل بنت حرب أخت أبى سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك [[قوله «من الشوك والحسك» في الصحاح «الحسك» : حسك السعدان. وفيه «السعدان» : نبت شوك، ولهذا النيت شوك يقال: حسك السعدان. (ع)]] والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ﷺ. وقيل: كانت تمشى بالنميمة: ويقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أى: يوقد بينهم النائرة ويورّث الشر. قال: من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ... ولم تمش بين الحىّ بالحطب الرّطب [[أنشده يعقوب. والبياض: مجاز عن الخلوص من أسباب الذم. وتصطد من الصيد، أى: الوجدان والإدراك، وزنه يفتعل: فلبت تاء الافتعال طاء على القياس. ورواه بعضهم يضدد. وبعضهم: يضطد، بالضاد المعجمة فيهما، على أنه من الضد، ولينظر وجه الثاني، لأن الدال فيه حقها التشديد، فلعله خففها للضرورة. واللامة: اللوم وسببه: شبهها بالمطية التي اعتاد صاحبها ركوبها على طريق المكنية، فأثبت لها الظهر تخييلا لذلك. وروى، بالخطر، بدل الحطب: وهو الخشب، والحطب الذي يحظر به، والمراد النميمة: استعير لها ذلك بجامع ثوران المكروه من كل، لأن الحطب الرطب إذا أوقدت فيه النار كثر دخانه. وروى: لم يضدد، ولم يمش بالياء على أنها صفة لمذكر.]] جعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر، ورفعت عطفا على الضمير في سَيَصْلى أى: سيصلى هو وامرأته. وفِي جِيدِها في موضع الحال. أو على الابتداء، وفي جيدها: الخبر. وقرئ: حمالة الحطب، بالنصب على الشتم، وأنا أستحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله ﷺ بجميل: من أحب شتم أم جميل. وقرئ: حمالة للحطب. وحمالة للحطب: بالتنوين، والرفع والنصب. وقرئ: ومريته بالتصغير. المسد: الذي فتل من الحبال فتلا شديدا، من ليف كان أو جلد، أو غيرهما. قال: ومسد أمرّ من أيانق [[إن سرك الارواء غير سائق ... فاعجل بغرب مثل غرب طارق ومسد أمر من أيانق ... ليس بأنياب ولا حقائق ولا ضعاف مخهن زاهق لعمارة بن طارق. يقول: إن سرك الاستسقاء حال كونك غير سائق للإبل التي يسقى عليها، فأسرع إلى ماء بئر بدلو عظيمة مثل دلو طارق أبى. وبحبل أمر: بالبناء للمجهول، أى: فتل فتلا شديدا. من أيافق، أى: من أوبارها، أو من جلودها. والأيانق: جمع أينق. والأينق: جمع نوق والنوق: جمع ناقة، ليس ذلك الحبل أنيابا، أى، نوقا مسنة، ولا حقائق: أى فتيات، ولا ضعافا: أى ليس من هذه الأنواع التي تساق بمشقة ففي هذا التنويع تتغير عنها. ويروى: لسن، أى: النوق التي يفتل منها. والأشبه: أن حق الرواية مع أيانق، أى: أعجل بحبل مفتول من الليف الأبيض. ونوق شداد: لا تحتاج إلى السوق. ومخهن زاهق: قال الفراء: هو مرفوع، والشعر مكفا. يقول: بل مخهن مكتنز سمين على الابتداء، وهذا مما يؤيد رواية: لسن بالنوق. وقال غيره: الزاهق هنا الذاهب، وهو مجرور بالعطف، أى: ولا ضعاف مخهن. وزاهق بالجر ردا على ضعاف، فكأنه رفع مخهن بضعاف.]] ورجل ممسود الخلق مجدوله. والمعنى: في جيدها حبل مما مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون: تخسيسا لحالها، وتحقيرا لها، وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات من المواهن، لتمتعض [[قوله «من المواهن لتمتعض» جمع ماهن وهي الخادم. والامتعاض: الغضب. أفاده الصحاح. (ع)]] من ذلك ويمتعض بعلها، وهما في بيت العز والشرف. وفي منصب الثروة والجدة. ولقد عير بعض الناس الفضل بن العباس ابن عتبة ابن أبى لهب بحمالة الحطب، فقال: ماذا أردت إلى شتمي ومنقصتي ... أم ما تعيّر من حمّالة الحطب غرّاء شادخة في المجد غرّتها ... كانت سليلة شيخ ناقب الحسب [[هو تعبير الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب. وحمالة الحطب: زوجة أبى لهب، فهي جدته. والغراء البيضاء. والشادخة: المتسعة، وذلك مجاز عن الظهور وارتفاع المقدار. والسليلة من سل من غيره، والمراد بالشيخ: أبوها حرب، لأنها أم جميل أخت أبى سفيان بن حرب، كانت عوراء، وماتت مخنوقة بحبلها الذي كانت تحمل فيه الحطب. وقيل: حمل الحطب مجاز عن إثارة الفتنة، لأنها كانت نمامة. وإلى شتمي: متعلق بمحذوف أو بأردت على طريق التضمين، أى: أى شيء أردته مائلا أنت إلى شتمي، أو منضما هو إلى شتمي. أو ما الذي أردته من شتمي أو مع شتمي؟ هل أردت أنك شريف لا عيب فيك. ويحوز أن إلى بمعنى من كما قال النحاة، واشتشهدوا عليه بقوله: تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... السقي فلا يروى إلى ابن أحمرا ويمكن أنها للمصاحبة، كما قالوه أيضا في قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ وتعير: أصله تتعير، فحذف منه إحدى التائين. أما تتعير من جدتك التمامة لا ينبغي عدم ذلك. وروى: ثاقب الحسب. والمعنى: أن حسبه أصيل، فكأنه داخل في أجداد السابقين «أو سائر بين الناس، وذمها الآن مع رفعة شأنها فيما كان: أشد في الامتهان.]] ويحتمل أن يكون المعنى: أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم أو من الضريع، وفي جيدها حبل من ما مسد من سلاسل النار: كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه. عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبى لهب في دار واحدة [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه من حديث أبى بن كعب.]] » .

المسد 111:4

مكية، وآياتها 5 [نزلت بعد الفاتحة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ التباب: الهلاك. ومنه قولهم: أشابة أم تابة، أى: هالكة من الهرم والتعجيز. والمعنى: هلكت يداه، لأنه فيما يروى: أخذ حجرا ليرمى به رسول الله ﷺ وَتَبَّ وهلك كله. أو جعلت يداه هالكتين. والمراد: هلاك جملته، كقوله تعالى بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ومعنى وَتَبَّ: وكان ذلك وحصل، كقوله: جزانى جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل [[كأن قد فعل به خيرا فجزاء شرا، فدعا عليه بقوله: جزاه الله شر جزائه. جزاء الكلاب: بدل من «شر جزائه» وضمير «جزائه» لله. أو للرجل المدعو عليه. وجزاء الكلاب العاويات: رجمها. ويروى «العاديات» بالدال، بدل الواو. وقد فعل: أى فعل الله ذلك الجزاء في الواقع، حيث أوقعه. وفيه من أنواع البديع: الرجوع، وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض لنكتة، لأن مقتضى الدعاء أن المدعو به لم يحصل، فنقضه بقوله «وقد فصل» . ويروى بدل الشطر الأول: جزى ربه عنى عدى بن حاتم. وضمير «ربه» لحاتم، وإن تأخر لفظا ورتبة للضرورة، وأجازه الأخفش وابن جنى وابن مالك في السعة، لأن المفعول به كان متقدما لشدة اقتضاء الفعل إياه. وقيل عائد الجزاء المعلوم من جزى. ويروى بدل الشطر الأول أيضا: جزى الله عبسا عبس آل بغيض. وهي قبيلة معروفة، ولعل شاعر متعدد، وما حكاه بعض شراح شواهد الجامى من أن عدى بن حاتم رجل روى بنى قصرا النعمان بن امرئ القيس بظهر الكوفة، فأعجبه فسأله: هل بنيت مثله فقال: لا، وبنيته على حجر لو سقط سقط القصر، فألقاه من أعلاه فخر ميتا: فهو خطأ. والصواب أن هذه الحكاية إنما وقعت لسنمار المذكور في قوله: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار لأن عدى بن حاتم صحابى من لب العرب، وضمير «بنوه» : لأبى الغيلان بالكسر. وسنمار بكسرتين فتشديد. و «عن» متعلقة بجزى، أى: جزاء ناشئا عن كبر، وفيه معنى التهكم. ويجوز أنها بمعنى البدل، والأوجه أنها بمعنى بعد. وقيل: إنها بمعنى في، وليس بشيء، وعبر بالمضارع بدل الماضي استحضارا لما مضى، لأنه عجيب.]] ويدل عليه قراءة ابن مسعود: وقد تب، وروى أنه لما نزل وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ رقى الصفا وقال. يا صباحاه، فاستجمع إليه الناس من كل أوب. فقال: يا بنى عبد المطلب، يا بنى فهر، إن أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقىّ؟ قالوا: نعم، قال: فإنى نذير لكم بين يدي الساعة، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا [[متفق عليه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.]] ؟ فنزلت. فإن قلت: لم كناه، والتكنية تكرمة؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مشتهرا بالكنية دون الاسم، فقد يكون الرجل معروفا بأحدهما، ولذلك تجرى الكنية على الاسم، أو الاسم على الكنية عطف بيان، فلما أريد تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له، ذكر الأشهر من علميه ويؤيد ذلك قراءة من قرأ، يدا أبو لهب [[قال محمود: «ويؤيد ذلك قراءة من قرأ يدا أبو لهب» قال أحمد: وفي هذا دليل لأن الرفع أسبق وجوه الاعراب وأولها. ألا تراهم إنما حافظوا على صيغته التي بها اشتهر الاسم، وكانت أول أحواله.]] ، كما قيل، على بن أبو طالب. ومعاوية بن أبو سفيان، لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير مكة ابنان، أحدهما: عبد الله- بالجرّ، والآخر عبد الله- بالنصب. كان بمكة رجل يقال له: عبد الله- بجرّة الدال، لا يعرف إلا هكذا. والثاني: أنه كان اسمه عبد العزى، فعدل عنه إلى كنيته. والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته، فكان جديرا بأن يذكر بها. ويقال: أبو لهب، كما يقال: أبو الشر للشرير. وأبو الخير للخير، وكما كنى رسول الله ﷺ أبا المهلب: أبا صفرة، بصفرة في وجهه. وقيل كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يذكر بذلك تهكما به، وبافتخاره بذلك. وقرئ أبى لهب، بالسكون. وهو من تغيير الأعلام، كقولهم: شمس بن مالك بالضم ما أَغْنى استفهام في معنى الإنكار، ومحله النصب أو نفى وَما كَسَبَ مرفوع. وما موصولة أو مصدرية بمعنى: ومكسوبه. أو: وكسبه. والمعنى: لم ينفعه ماله وما كسب بماله، يعنى: رأس المال والأرباح. أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها، وكان ذا سابياء [[قوله «وكان ذا سابياء» ذكر في القاموس من هاتبها: المال الكثير والنتاج، والإبل النتاج والغنم التي كثر نسلها. «التالد» القديم. والطارق المستحدث (ع)]] . أو ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه. أو ماله التالد والطارف. وعن ابن عباس: ما كسب ولده. وحكى أن بنى أبى لهب احتكموا إليه، فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع، فغضب، فقال: أخرجوا عنى الكسب الخبيث: ومنه قوله عليه السلام «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» وعن الضحاك: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث، يعنى كيده في عداوة رسول الله ﷺ. وعن قتادة: عمله الذي ظن أنه منه على شيء، كقوله وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ وروى أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخى حقا فأنا أفتدى منه نفسي بمالي وولدى سَيَصْلى قرئ بفتح الياء وبضمها: مخففا ومشددا، والسين للوعيد، أى: هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته وَامْرَأَتُهُ هي أم جميل بنت حرب أخت أبى سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك [[قوله «من الشوك والحسك» في الصحاح «الحسك» : حسك السعدان. وفيه «السعدان» : نبت شوك، ولهذا النيت شوك يقال: حسك السعدان. (ع)]] والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ﷺ. وقيل: كانت تمشى بالنميمة: ويقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أى: يوقد بينهم النائرة ويورّث الشر. قال: من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ... ولم تمش بين الحىّ بالحطب الرّطب [[أنشده يعقوب. والبياض: مجاز عن الخلوص من أسباب الذم. وتصطد من الصيد، أى: الوجدان والإدراك، وزنه يفتعل: فلبت تاء الافتعال طاء على القياس. ورواه بعضهم يضدد. وبعضهم: يضطد، بالضاد المعجمة فيهما، على أنه من الضد، ولينظر وجه الثاني، لأن الدال فيه حقها التشديد، فلعله خففها للضرورة. واللامة: اللوم وسببه: شبهها بالمطية التي اعتاد صاحبها ركوبها على طريق المكنية، فأثبت لها الظهر تخييلا لذلك. وروى، بالخطر، بدل الحطب: وهو الخشب، والحطب الذي يحظر به، والمراد النميمة: استعير لها ذلك بجامع ثوران المكروه من كل، لأن الحطب الرطب إذا أوقدت فيه النار كثر دخانه. وروى: لم يضدد، ولم يمش بالياء على أنها صفة لمذكر.]] جعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر، ورفعت عطفا على الضمير في سَيَصْلى أى: سيصلى هو وامرأته. وفِي جِيدِها في موضع الحال. أو على الابتداء، وفي جيدها: الخبر. وقرئ: حمالة الحطب، بالنصب على الشتم، وأنا أستحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله ﷺ بجميل: من أحب شتم أم جميل. وقرئ: حمالة للحطب. وحمالة للحطب: بالتنوين، والرفع والنصب. وقرئ: ومريته بالتصغير. المسد: الذي فتل من الحبال فتلا شديدا، من ليف كان أو جلد، أو غيرهما. قال: ومسد أمرّ من أيانق [[إن سرك الارواء غير سائق ... فاعجل بغرب مثل غرب طارق ومسد أمر من أيانق ... ليس بأنياب ولا حقائق ولا ضعاف مخهن زاهق لعمارة بن طارق. يقول: إن سرك الاستسقاء حال كونك غير سائق للإبل التي يسقى عليها، فأسرع إلى ماء بئر بدلو عظيمة مثل دلو طارق أبى. وبحبل أمر: بالبناء للمجهول، أى: فتل فتلا شديدا. من أيافق، أى: من أوبارها، أو من جلودها. والأيانق: جمع أينق. والأينق: جمع نوق والنوق: جمع ناقة، ليس ذلك الحبل أنيابا، أى، نوقا مسنة، ولا حقائق: أى فتيات، ولا ضعافا: أى ليس من هذه الأنواع التي تساق بمشقة ففي هذا التنويع تتغير عنها. ويروى: لسن، أى: النوق التي يفتل منها. والأشبه: أن حق الرواية مع أيانق، أى: أعجل بحبل مفتول من الليف الأبيض. ونوق شداد: لا تحتاج إلى السوق. ومخهن زاهق: قال الفراء: هو مرفوع، والشعر مكفا. يقول: بل مخهن مكتنز سمين على الابتداء، وهذا مما يؤيد رواية: لسن بالنوق. وقال غيره: الزاهق هنا الذاهب، وهو مجرور بالعطف، أى: ولا ضعاف مخهن. وزاهق بالجر ردا على ضعاف، فكأنه رفع مخهن بضعاف.]] ورجل ممسود الخلق مجدوله. والمعنى: في جيدها حبل مما مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون: تخسيسا لحالها، وتحقيرا لها، وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات من المواهن، لتمتعض [[قوله «من المواهن لتمتعض» جمع ماهن وهي الخادم. والامتعاض: الغضب. أفاده الصحاح. (ع)]] من ذلك ويمتعض بعلها، وهما في بيت العز والشرف. وفي منصب الثروة والجدة. ولقد عير بعض الناس الفضل بن العباس ابن عتبة ابن أبى لهب بحمالة الحطب، فقال: ماذا أردت إلى شتمي ومنقصتي ... أم ما تعيّر من حمّالة الحطب غرّاء شادخة في المجد غرّتها ... كانت سليلة شيخ ناقب الحسب [[هو تعبير الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب. وحمالة الحطب: زوجة أبى لهب، فهي جدته. والغراء البيضاء. والشادخة: المتسعة، وذلك مجاز عن الظهور وارتفاع المقدار. والسليلة من سل من غيره، والمراد بالشيخ: أبوها حرب، لأنها أم جميل أخت أبى سفيان بن حرب، كانت عوراء، وماتت مخنوقة بحبلها الذي كانت تحمل فيه الحطب. وقيل: حمل الحطب مجاز عن إثارة الفتنة، لأنها كانت نمامة. وإلى شتمي: متعلق بمحذوف أو بأردت على طريق التضمين، أى: أى شيء أردته مائلا أنت إلى شتمي، أو منضما هو إلى شتمي. أو ما الذي أردته من شتمي أو مع شتمي؟ هل أردت أنك شريف لا عيب فيك. ويحوز أن إلى بمعنى من كما قال النحاة، واشتشهدوا عليه بقوله: تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... السقي فلا يروى إلى ابن أحمرا ويمكن أنها للمصاحبة، كما قالوه أيضا في قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ وتعير: أصله تتعير، فحذف منه إحدى التائين. أما تتعير من جدتك التمامة لا ينبغي عدم ذلك. وروى: ثاقب الحسب. والمعنى: أن حسبه أصيل، فكأنه داخل في أجداد السابقين «أو سائر بين الناس، وذمها الآن مع رفعة شأنها فيما كان: أشد في الامتهان.]] ويحتمل أن يكون المعنى: أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم أو من الضريع، وفي جيدها حبل من ما مسد من سلاسل النار: كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه. عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبى لهب في دار واحدة [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه من حديث أبى بن كعب.]] » .

المسد 111:5

مكية، وآياتها 5 [نزلت بعد الفاتحة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ التباب: الهلاك. ومنه قولهم: أشابة أم تابة، أى: هالكة من الهرم والتعجيز. والمعنى: هلكت يداه، لأنه فيما يروى: أخذ حجرا ليرمى به رسول الله ﷺ وَتَبَّ وهلك كله. أو جعلت يداه هالكتين. والمراد: هلاك جملته، كقوله تعالى بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ومعنى وَتَبَّ: وكان ذلك وحصل، كقوله: جزانى جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل [[كأن قد فعل به خيرا فجزاء شرا، فدعا عليه بقوله: جزاه الله شر جزائه. جزاء الكلاب: بدل من «شر جزائه» وضمير «جزائه» لله. أو للرجل المدعو عليه. وجزاء الكلاب العاويات: رجمها. ويروى «العاديات» بالدال، بدل الواو. وقد فعل: أى فعل الله ذلك الجزاء في الواقع، حيث أوقعه. وفيه من أنواع البديع: الرجوع، وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض لنكتة، لأن مقتضى الدعاء أن المدعو به لم يحصل، فنقضه بقوله «وقد فصل» . ويروى بدل الشطر الأول: جزى ربه عنى عدى بن حاتم. وضمير «ربه» لحاتم، وإن تأخر لفظا ورتبة للضرورة، وأجازه الأخفش وابن جنى وابن مالك في السعة، لأن المفعول به كان متقدما لشدة اقتضاء الفعل إياه. وقيل عائد الجزاء المعلوم من جزى. ويروى بدل الشطر الأول أيضا: جزى الله عبسا عبس آل بغيض. وهي قبيلة معروفة، ولعل شاعر متعدد، وما حكاه بعض شراح شواهد الجامى من أن عدى بن حاتم رجل روى بنى قصرا النعمان بن امرئ القيس بظهر الكوفة، فأعجبه فسأله: هل بنيت مثله فقال: لا، وبنيته على حجر لو سقط سقط القصر، فألقاه من أعلاه فخر ميتا: فهو خطأ. والصواب أن هذه الحكاية إنما وقعت لسنمار المذكور في قوله: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار لأن عدى بن حاتم صحابى من لب العرب، وضمير «بنوه» : لأبى الغيلان بالكسر. وسنمار بكسرتين فتشديد. و «عن» متعلقة بجزى، أى: جزاء ناشئا عن كبر، وفيه معنى التهكم. ويجوز أنها بمعنى البدل، والأوجه أنها بمعنى بعد. وقيل: إنها بمعنى في، وليس بشيء، وعبر بالمضارع بدل الماضي استحضارا لما مضى، لأنه عجيب.]] ويدل عليه قراءة ابن مسعود: وقد تب، وروى أنه لما نزل وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ رقى الصفا وقال. يا صباحاه، فاستجمع إليه الناس من كل أوب. فقال: يا بنى عبد المطلب، يا بنى فهر، إن أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقىّ؟ قالوا: نعم، قال: فإنى نذير لكم بين يدي الساعة، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا [[متفق عليه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.]] ؟ فنزلت. فإن قلت: لم كناه، والتكنية تكرمة؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مشتهرا بالكنية دون الاسم، فقد يكون الرجل معروفا بأحدهما، ولذلك تجرى الكنية على الاسم، أو الاسم على الكنية عطف بيان، فلما أريد تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له، ذكر الأشهر من علميه ويؤيد ذلك قراءة من قرأ، يدا أبو لهب [[قال محمود: «ويؤيد ذلك قراءة من قرأ يدا أبو لهب» قال أحمد: وفي هذا دليل لأن الرفع أسبق وجوه الاعراب وأولها. ألا تراهم إنما حافظوا على صيغته التي بها اشتهر الاسم، وكانت أول أحواله.]] ، كما قيل، على بن أبو طالب. ومعاوية بن أبو سفيان، لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير مكة ابنان، أحدهما: عبد الله- بالجرّ، والآخر عبد الله- بالنصب. كان بمكة رجل يقال له: عبد الله- بجرّة الدال، لا يعرف إلا هكذا. والثاني: أنه كان اسمه عبد العزى، فعدل عنه إلى كنيته. والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته، فكان جديرا بأن يذكر بها. ويقال: أبو لهب، كما يقال: أبو الشر للشرير. وأبو الخير للخير، وكما كنى رسول الله ﷺ أبا المهلب: أبا صفرة، بصفرة في وجهه. وقيل كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يذكر بذلك تهكما به، وبافتخاره بذلك. وقرئ أبى لهب، بالسكون. وهو من تغيير الأعلام، كقولهم: شمس بن مالك بالضم ما أَغْنى استفهام في معنى الإنكار، ومحله النصب أو نفى وَما كَسَبَ مرفوع. وما موصولة أو مصدرية بمعنى: ومكسوبه. أو: وكسبه. والمعنى: لم ينفعه ماله وما كسب بماله، يعنى: رأس المال والأرباح. أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها، وكان ذا سابياء [[قوله «وكان ذا سابياء» ذكر في القاموس من هاتبها: المال الكثير والنتاج، والإبل النتاج والغنم التي كثر نسلها. «التالد» القديم. والطارق المستحدث (ع)]] . أو ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه. أو ماله التالد والطارف. وعن ابن عباس: ما كسب ولده. وحكى أن بنى أبى لهب احتكموا إليه، فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع، فغضب، فقال: أخرجوا عنى الكسب الخبيث: ومنه قوله عليه السلام «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» وعن الضحاك: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث، يعنى كيده في عداوة رسول الله ﷺ. وعن قتادة: عمله الذي ظن أنه منه على شيء، كقوله وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ وروى أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخى حقا فأنا أفتدى منه نفسي بمالي وولدى سَيَصْلى قرئ بفتح الياء وبضمها: مخففا ومشددا، والسين للوعيد، أى: هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته وَامْرَأَتُهُ هي أم جميل بنت حرب أخت أبى سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك [[قوله «من الشوك والحسك» في الصحاح «الحسك» : حسك السعدان. وفيه «السعدان» : نبت شوك، ولهذا النيت شوك يقال: حسك السعدان. (ع)]] والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ﷺ. وقيل: كانت تمشى بالنميمة: ويقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أى: يوقد بينهم النائرة ويورّث الشر. قال: من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ... ولم تمش بين الحىّ بالحطب الرّطب [[أنشده يعقوب. والبياض: مجاز عن الخلوص من أسباب الذم. وتصطد من الصيد، أى: الوجدان والإدراك، وزنه يفتعل: فلبت تاء الافتعال طاء على القياس. ورواه بعضهم يضدد. وبعضهم: يضطد، بالضاد المعجمة فيهما، على أنه من الضد، ولينظر وجه الثاني، لأن الدال فيه حقها التشديد، فلعله خففها للضرورة. واللامة: اللوم وسببه: شبهها بالمطية التي اعتاد صاحبها ركوبها على طريق المكنية، فأثبت لها الظهر تخييلا لذلك. وروى، بالخطر، بدل الحطب: وهو الخشب، والحطب الذي يحظر به، والمراد النميمة: استعير لها ذلك بجامع ثوران المكروه من كل، لأن الحطب الرطب إذا أوقدت فيه النار كثر دخانه. وروى: لم يضدد، ولم يمش بالياء على أنها صفة لمذكر.]] جعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر، ورفعت عطفا على الضمير في سَيَصْلى أى: سيصلى هو وامرأته. وفِي جِيدِها في موضع الحال. أو على الابتداء، وفي جيدها: الخبر. وقرئ: حمالة الحطب، بالنصب على الشتم، وأنا أستحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله ﷺ بجميل: من أحب شتم أم جميل. وقرئ: حمالة للحطب. وحمالة للحطب: بالتنوين، والرفع والنصب. وقرئ: ومريته بالتصغير. المسد: الذي فتل من الحبال فتلا شديدا، من ليف كان أو جلد، أو غيرهما. قال: ومسد أمرّ من أيانق [[إن سرك الارواء غير سائق ... فاعجل بغرب مثل غرب طارق ومسد أمر من أيانق ... ليس بأنياب ولا حقائق ولا ضعاف مخهن زاهق لعمارة بن طارق. يقول: إن سرك الاستسقاء حال كونك غير سائق للإبل التي يسقى عليها، فأسرع إلى ماء بئر بدلو عظيمة مثل دلو طارق أبى. وبحبل أمر: بالبناء للمجهول، أى: فتل فتلا شديدا. من أيافق، أى: من أوبارها، أو من جلودها. والأيانق: جمع أينق. والأينق: جمع نوق والنوق: جمع ناقة، ليس ذلك الحبل أنيابا، أى، نوقا مسنة، ولا حقائق: أى فتيات، ولا ضعافا: أى ليس من هذه الأنواع التي تساق بمشقة ففي هذا التنويع تتغير عنها. ويروى: لسن، أى: النوق التي يفتل منها. والأشبه: أن حق الرواية مع أيانق، أى: أعجل بحبل مفتول من الليف الأبيض. ونوق شداد: لا تحتاج إلى السوق. ومخهن زاهق: قال الفراء: هو مرفوع، والشعر مكفا. يقول: بل مخهن مكتنز سمين على الابتداء، وهذا مما يؤيد رواية: لسن بالنوق. وقال غيره: الزاهق هنا الذاهب، وهو مجرور بالعطف، أى: ولا ضعاف مخهن. وزاهق بالجر ردا على ضعاف، فكأنه رفع مخهن بضعاف.]] ورجل ممسود الخلق مجدوله. والمعنى: في جيدها حبل مما مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون: تخسيسا لحالها، وتحقيرا لها، وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات من المواهن، لتمتعض [[قوله «من المواهن لتمتعض» جمع ماهن وهي الخادم. والامتعاض: الغضب. أفاده الصحاح. (ع)]] من ذلك ويمتعض بعلها، وهما في بيت العز والشرف. وفي منصب الثروة والجدة. ولقد عير بعض الناس الفضل بن العباس ابن عتبة ابن أبى لهب بحمالة الحطب، فقال: ماذا أردت إلى شتمي ومنقصتي ... أم ما تعيّر من حمّالة الحطب غرّاء شادخة في المجد غرّتها ... كانت سليلة شيخ ناقب الحسب [[هو تعبير الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب. وحمالة الحطب: زوجة أبى لهب، فهي جدته. والغراء البيضاء. والشادخة: المتسعة، وذلك مجاز عن الظهور وارتفاع المقدار. والسليلة من سل من غيره، والمراد بالشيخ: أبوها حرب، لأنها أم جميل أخت أبى سفيان بن حرب، كانت عوراء، وماتت مخنوقة بحبلها الذي كانت تحمل فيه الحطب. وقيل: حمل الحطب مجاز عن إثارة الفتنة، لأنها كانت نمامة. وإلى شتمي: متعلق بمحذوف أو بأردت على طريق التضمين، أى: أى شيء أردته مائلا أنت إلى شتمي، أو منضما هو إلى شتمي. أو ما الذي أردته من شتمي أو مع شتمي؟ هل أردت أنك شريف لا عيب فيك. ويحوز أن إلى بمعنى من كما قال النحاة، واشتشهدوا عليه بقوله: تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... السقي فلا يروى إلى ابن أحمرا ويمكن أنها للمصاحبة، كما قالوه أيضا في قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ وتعير: أصله تتعير، فحذف منه إحدى التائين. أما تتعير من جدتك التمامة لا ينبغي عدم ذلك. وروى: ثاقب الحسب. والمعنى: أن حسبه أصيل، فكأنه داخل في أجداد السابقين «أو سائر بين الناس، وذمها الآن مع رفعة شأنها فيما كان: أشد في الامتهان.]] ويحتمل أن يكون المعنى: أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم أو من الضريع، وفي جيدها حبل من ما مسد من سلاسل النار: كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه. عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبى لهب في دار واحدة [[أخرجه الثعلبي والواحدي وابن مردويه من حديث أبى بن كعب.]] » .

الإخلاص 112:1

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 4 «نزلت بعد الناس» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هُوَ ضمير الشأن، واللَّهُ أَحَدٌ هو الشأن، كقولك: هو زيد منطلق، كأنه قيل: الشأن هذا، وهو أنّ الله واحد لا ثانى له. فإن قلت: ما محل هو؟ قلت: الرفع على الابتداء والخبر الجملة. فإن قلت: فالجملة الواقعة خبرا لا بد فيها من راجع إلى المبتدإ، فأين الراجع؟ قلت: حكم هذه الجملة حكم المفرد في قولك «زيد غلامك» في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله اللَّهُ أَحَدٌ هو الشأن الذي هو عبارة عنه، وليس كذلك «زيد أبوه منطلق» فإنّ زيدا والجملة يدلان على معنيين مختلفين، فلا بد مما يصل بينهما. وعن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت: يعنى: الذي سألتمونى وصفه هو الله، وأحد: بدل من قوله، الله. أو على: هو أحد، وهو بمعنى واحد، وأصله وحد. وقرأ عبد الله وأبىّ: هو الله أحد، بغير قُلْ وفي قراءة النبي ﷺ: الله أحد، بغير قُلْ هُوَ وقال من قرأ: الله أحد، كان بعدل القرآن. وقرأ الأعمش: قل هو الله الواحد. وقرئ: أحد الله، بغير تنوين: أسقط لملاقاته لام التعريف. ونحوه ولا ذاكر الله إلّا قليلا [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 448 فراجعه إن شئت اه مصححه.]] والجيد هو التنوين، وكسره لالتقاء الساكنين. والصَّمَدُ فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج. والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه، وهو الغنى عنهم لَمْ يَلِدْ لأنه لا يجانس، حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا. وقد دل على هذا المعنى بقوله أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ. وَلَمْ يُولَدْ لأنّ كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أوّل لوجوده وليس يجسم ولم يكافئه أحد، أى: لم يماثله ولم يشاكله. ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، نفيا للصاحبة: سألوه أن يصفه لهم، فأوحى إليه ما يحتوى على صفاته، فقوله هُوَ اللَّهُ إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء وفاطرها، وفي طىّ ذلك وصفه بأنه قادر عالم، لأن الخلق يستدعى القدرة والعلم، لكونه واقعا على غاية إحكام واتساق وانتظام. وفي ذلك وصفه بأنه حى سميع بصير. وقوله أَحَدٌ وصف بالوحدانية ونفى الشركاء. وقوله الصَّمَدُ وصف بأنه ليس إلا محتاجا إليه، وإذا لم يكن إلا محتاجا إليه: فهو غنى. وفي كونه غنيا مع كونه عالما: أنه عدل غير فاعل للقبائح [[قوله «إنه عدل غير فاعل للقبائح» هذا مذهب المعتزلة، وذهب أهل السنة إلى أنه تعالى هو الخالق لجميع الأشياء خيرها وشرها قبيحها وحسنها. قال تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وعلمه بقبح القبيح لا يمنعه من خلقه، لأنه لحكمة وإن لم يعلمها غيره. (ع)]] ، لعلمه بقبح القبيح وعلمه بغناه عنه. وقوله لَمْ يُولَدْ وصف بالقدم والأوّلية. وقوله لَمْ يَلِدْ نفى للشبه والمجانسة. وقوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ تقرير لذلك وبت للحكم به: فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه [[قال محمود: «إن قلت الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف وقد نص سيبويه على ذلك» قال أحمد: نقل سيبويه أنه سمع بعض الجفاة من العرب يقرأ: ولم يكن أحدا كفوا له، وجرى هذا الجلف على عادته فجفا طبعه عن لطف المعنى الذي لأجله اقتضى تقديم الظرف مع الخبر على الاسم، وذلك أن الغرض الذي سيقت له الآية نفى المكافأة والمساواة عن ذات الله تعالى، فكان تقديم المكافأة المقصود بأن يسلب عنه أولى، ثم لما قدمت لتسلب ذكر معها الظرف ليبين الذات المقدسة بسلب المكافأة، والله أعلم.]] ، فما باله مقدّما في أفصح كلام وأعربه؟ قلت هذا الكلام إنما سيق لنفى المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأحراه. وقرئ: كفؤا، بضم الكاف والفاء. وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء: فإن قلت. لم كانت هذه السورة عدل القرآن كله على قصر متنها وتقارب طرفيها؟ قلت: لأمر ما يسود من يسود، وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده، وكفى دليلا من اعترف بفضلها وصدق بقول رسول الله ﷺ فيها: إنّ علم التوحيد من الله تعالى بمكان، وكيف لا يكون كذلك والعلم تابع للمعلوم: يشرف بشرفه، ويتضع بضعه، ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله، وإنافته على كل علم، واستيلائه على قصب السبق دونه، ومن ازدراه فلضعف علمه بمعلومه، وقلة تعظيمه له، وخلوه من خشيته، وبعده من النظر لعاقبته. اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، القائلين بعدلك وتوحيدك، الخائفين من وعيدك. وتسمى سورة الأساس لاشتمالها على أصول الدين. وروى أبىّ وأنس عن النبي ﷺ: «أسست السماوات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد» [[لم أجده مرفوعا «وأخرجه ابن أبى شيبة في فضائل القرآن من رواية عبد الله بن غيلان الثقفي عن العب الأحبار موقوفا.]] يعنى ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت بها هذه السورة. عن رسول الله ﷺ أنه سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال: «وجبت» . قيل: يا رسول الله وما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنة» [[أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم من حديث عبيد بن حنين عن أبى هريرة. وله شاهد في الطبراني الكبير من حديث أبى أمامة.]]

الإخلاص 112:2

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 4 «نزلت بعد الناس» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هُوَ ضمير الشأن، واللَّهُ أَحَدٌ هو الشأن، كقولك: هو زيد منطلق، كأنه قيل: الشأن هذا، وهو أنّ الله واحد لا ثانى له. فإن قلت: ما محل هو؟ قلت: الرفع على الابتداء والخبر الجملة. فإن قلت: فالجملة الواقعة خبرا لا بد فيها من راجع إلى المبتدإ، فأين الراجع؟ قلت: حكم هذه الجملة حكم المفرد في قولك «زيد غلامك» في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله اللَّهُ أَحَدٌ هو الشأن الذي هو عبارة عنه، وليس كذلك «زيد أبوه منطلق» فإنّ زيدا والجملة يدلان على معنيين مختلفين، فلا بد مما يصل بينهما. وعن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت: يعنى: الذي سألتمونى وصفه هو الله، وأحد: بدل من قوله، الله. أو على: هو أحد، وهو بمعنى واحد، وأصله وحد. وقرأ عبد الله وأبىّ: هو الله أحد، بغير قُلْ وفي قراءة النبي ﷺ: الله أحد، بغير قُلْ هُوَ وقال من قرأ: الله أحد، كان بعدل القرآن. وقرأ الأعمش: قل هو الله الواحد. وقرئ: أحد الله، بغير تنوين: أسقط لملاقاته لام التعريف. ونحوه ولا ذاكر الله إلّا قليلا [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 448 فراجعه إن شئت اه مصححه.]] والجيد هو التنوين، وكسره لالتقاء الساكنين. والصَّمَدُ فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج. والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه، وهو الغنى عنهم لَمْ يَلِدْ لأنه لا يجانس، حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا. وقد دل على هذا المعنى بقوله أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ. وَلَمْ يُولَدْ لأنّ كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أوّل لوجوده وليس يجسم ولم يكافئه أحد، أى: لم يماثله ولم يشاكله. ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، نفيا للصاحبة: سألوه أن يصفه لهم، فأوحى إليه ما يحتوى على صفاته، فقوله هُوَ اللَّهُ إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء وفاطرها، وفي طىّ ذلك وصفه بأنه قادر عالم، لأن الخلق يستدعى القدرة والعلم، لكونه واقعا على غاية إحكام واتساق وانتظام. وفي ذلك وصفه بأنه حى سميع بصير. وقوله أَحَدٌ وصف بالوحدانية ونفى الشركاء. وقوله الصَّمَدُ وصف بأنه ليس إلا محتاجا إليه، وإذا لم يكن إلا محتاجا إليه: فهو غنى. وفي كونه غنيا مع كونه عالما: أنه عدل غير فاعل للقبائح [[قوله «إنه عدل غير فاعل للقبائح» هذا مذهب المعتزلة، وذهب أهل السنة إلى أنه تعالى هو الخالق لجميع الأشياء خيرها وشرها قبيحها وحسنها. قال تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وعلمه بقبح القبيح لا يمنعه من خلقه، لأنه لحكمة وإن لم يعلمها غيره. (ع)]] ، لعلمه بقبح القبيح وعلمه بغناه عنه. وقوله لَمْ يُولَدْ وصف بالقدم والأوّلية. وقوله لَمْ يَلِدْ نفى للشبه والمجانسة. وقوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ تقرير لذلك وبت للحكم به: فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه [[قال محمود: «إن قلت الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف وقد نص سيبويه على ذلك» قال أحمد: نقل سيبويه أنه سمع بعض الجفاة من العرب يقرأ: ولم يكن أحدا كفوا له، وجرى هذا الجلف على عادته فجفا طبعه عن لطف المعنى الذي لأجله اقتضى تقديم الظرف مع الخبر على الاسم، وذلك أن الغرض الذي سيقت له الآية نفى المكافأة والمساواة عن ذات الله تعالى، فكان تقديم المكافأة المقصود بأن يسلب عنه أولى، ثم لما قدمت لتسلب ذكر معها الظرف ليبين الذات المقدسة بسلب المكافأة، والله أعلم.]] ، فما باله مقدّما في أفصح كلام وأعربه؟ قلت هذا الكلام إنما سيق لنفى المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأحراه. وقرئ: كفؤا، بضم الكاف والفاء. وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء: فإن قلت. لم كانت هذه السورة عدل القرآن كله على قصر متنها وتقارب طرفيها؟ قلت: لأمر ما يسود من يسود، وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده، وكفى دليلا من اعترف بفضلها وصدق بقول رسول الله ﷺ فيها: إنّ علم التوحيد من الله تعالى بمكان، وكيف لا يكون كذلك والعلم تابع للمعلوم: يشرف بشرفه، ويتضع بضعه، ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله، وإنافته على كل علم، واستيلائه على قصب السبق دونه، ومن ازدراه فلضعف علمه بمعلومه، وقلة تعظيمه له، وخلوه من خشيته، وبعده من النظر لعاقبته. اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، القائلين بعدلك وتوحيدك، الخائفين من وعيدك. وتسمى سورة الأساس لاشتمالها على أصول الدين. وروى أبىّ وأنس عن النبي ﷺ: «أسست السماوات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد» [[لم أجده مرفوعا «وأخرجه ابن أبى شيبة في فضائل القرآن من رواية عبد الله بن غيلان الثقفي عن العب الأحبار موقوفا.]] يعنى ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت بها هذه السورة. عن رسول الله ﷺ أنه سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال: «وجبت» . قيل: يا رسول الله وما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنة» [[أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم من حديث عبيد بن حنين عن أبى هريرة. وله شاهد في الطبراني الكبير من حديث أبى أمامة.]]

الإخلاص 112:3

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 4 «نزلت بعد الناس» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هُوَ ضمير الشأن، واللَّهُ أَحَدٌ هو الشأن، كقولك: هو زيد منطلق، كأنه قيل: الشأن هذا، وهو أنّ الله واحد لا ثانى له. فإن قلت: ما محل هو؟ قلت: الرفع على الابتداء والخبر الجملة. فإن قلت: فالجملة الواقعة خبرا لا بد فيها من راجع إلى المبتدإ، فأين الراجع؟ قلت: حكم هذه الجملة حكم المفرد في قولك «زيد غلامك» في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله اللَّهُ أَحَدٌ هو الشأن الذي هو عبارة عنه، وليس كذلك «زيد أبوه منطلق» فإنّ زيدا والجملة يدلان على معنيين مختلفين، فلا بد مما يصل بينهما. وعن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت: يعنى: الذي سألتمونى وصفه هو الله، وأحد: بدل من قوله، الله. أو على: هو أحد، وهو بمعنى واحد، وأصله وحد. وقرأ عبد الله وأبىّ: هو الله أحد، بغير قُلْ وفي قراءة النبي ﷺ: الله أحد، بغير قُلْ هُوَ وقال من قرأ: الله أحد، كان بعدل القرآن. وقرأ الأعمش: قل هو الله الواحد. وقرئ: أحد الله، بغير تنوين: أسقط لملاقاته لام التعريف. ونحوه ولا ذاكر الله إلّا قليلا [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 448 فراجعه إن شئت اه مصححه.]] والجيد هو التنوين، وكسره لالتقاء الساكنين. والصَّمَدُ فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج. والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه، وهو الغنى عنهم لَمْ يَلِدْ لأنه لا يجانس، حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا. وقد دل على هذا المعنى بقوله أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ. وَلَمْ يُولَدْ لأنّ كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أوّل لوجوده وليس يجسم ولم يكافئه أحد، أى: لم يماثله ولم يشاكله. ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، نفيا للصاحبة: سألوه أن يصفه لهم، فأوحى إليه ما يحتوى على صفاته، فقوله هُوَ اللَّهُ إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء وفاطرها، وفي طىّ ذلك وصفه بأنه قادر عالم، لأن الخلق يستدعى القدرة والعلم، لكونه واقعا على غاية إحكام واتساق وانتظام. وفي ذلك وصفه بأنه حى سميع بصير. وقوله أَحَدٌ وصف بالوحدانية ونفى الشركاء. وقوله الصَّمَدُ وصف بأنه ليس إلا محتاجا إليه، وإذا لم يكن إلا محتاجا إليه: فهو غنى. وفي كونه غنيا مع كونه عالما: أنه عدل غير فاعل للقبائح [[قوله «إنه عدل غير فاعل للقبائح» هذا مذهب المعتزلة، وذهب أهل السنة إلى أنه تعالى هو الخالق لجميع الأشياء خيرها وشرها قبيحها وحسنها. قال تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وعلمه بقبح القبيح لا يمنعه من خلقه، لأنه لحكمة وإن لم يعلمها غيره. (ع)]] ، لعلمه بقبح القبيح وعلمه بغناه عنه. وقوله لَمْ يُولَدْ وصف بالقدم والأوّلية. وقوله لَمْ يَلِدْ نفى للشبه والمجانسة. وقوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ تقرير لذلك وبت للحكم به: فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه [[قال محمود: «إن قلت الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف وقد نص سيبويه على ذلك» قال أحمد: نقل سيبويه أنه سمع بعض الجفاة من العرب يقرأ: ولم يكن أحدا كفوا له، وجرى هذا الجلف على عادته فجفا طبعه عن لطف المعنى الذي لأجله اقتضى تقديم الظرف مع الخبر على الاسم، وذلك أن الغرض الذي سيقت له الآية نفى المكافأة والمساواة عن ذات الله تعالى، فكان تقديم المكافأة المقصود بأن يسلب عنه أولى، ثم لما قدمت لتسلب ذكر معها الظرف ليبين الذات المقدسة بسلب المكافأة، والله أعلم.]] ، فما باله مقدّما في أفصح كلام وأعربه؟ قلت هذا الكلام إنما سيق لنفى المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأحراه. وقرئ: كفؤا، بضم الكاف والفاء. وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء: فإن قلت. لم كانت هذه السورة عدل القرآن كله على قصر متنها وتقارب طرفيها؟ قلت: لأمر ما يسود من يسود، وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده، وكفى دليلا من اعترف بفضلها وصدق بقول رسول الله ﷺ فيها: إنّ علم التوحيد من الله تعالى بمكان، وكيف لا يكون كذلك والعلم تابع للمعلوم: يشرف بشرفه، ويتضع بضعه، ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله، وإنافته على كل علم، واستيلائه على قصب السبق دونه، ومن ازدراه فلضعف علمه بمعلومه، وقلة تعظيمه له، وخلوه من خشيته، وبعده من النظر لعاقبته. اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، القائلين بعدلك وتوحيدك، الخائفين من وعيدك. وتسمى سورة الأساس لاشتمالها على أصول الدين. وروى أبىّ وأنس عن النبي ﷺ: «أسست السماوات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد» [[لم أجده مرفوعا «وأخرجه ابن أبى شيبة في فضائل القرآن من رواية عبد الله بن غيلان الثقفي عن العب الأحبار موقوفا.]] يعنى ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت بها هذه السورة. عن رسول الله ﷺ أنه سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال: «وجبت» . قيل: يا رسول الله وما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنة» [[أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم من حديث عبيد بن حنين عن أبى هريرة. وله شاهد في الطبراني الكبير من حديث أبى أمامة.]]

الإخلاص 112:4

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 4 «نزلت بعد الناس» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هُوَ ضمير الشأن، واللَّهُ أَحَدٌ هو الشأن، كقولك: هو زيد منطلق، كأنه قيل: الشأن هذا، وهو أنّ الله واحد لا ثانى له. فإن قلت: ما محل هو؟ قلت: الرفع على الابتداء والخبر الجملة. فإن قلت: فالجملة الواقعة خبرا لا بد فيها من راجع إلى المبتدإ، فأين الراجع؟ قلت: حكم هذه الجملة حكم المفرد في قولك «زيد غلامك» في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله اللَّهُ أَحَدٌ هو الشأن الذي هو عبارة عنه، وليس كذلك «زيد أبوه منطلق» فإنّ زيدا والجملة يدلان على معنيين مختلفين، فلا بد مما يصل بينهما. وعن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت: يعنى: الذي سألتمونى وصفه هو الله، وأحد: بدل من قوله، الله. أو على: هو أحد، وهو بمعنى واحد، وأصله وحد. وقرأ عبد الله وأبىّ: هو الله أحد، بغير قُلْ وفي قراءة النبي ﷺ: الله أحد، بغير قُلْ هُوَ وقال من قرأ: الله أحد، كان بعدل القرآن. وقرأ الأعمش: قل هو الله الواحد. وقرئ: أحد الله، بغير تنوين: أسقط لملاقاته لام التعريف. ونحوه ولا ذاكر الله إلّا قليلا [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 448 فراجعه إن شئت اه مصححه.]] والجيد هو التنوين، وكسره لالتقاء الساكنين. والصَّمَدُ فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج. والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه، وهو الغنى عنهم لَمْ يَلِدْ لأنه لا يجانس، حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا. وقد دل على هذا المعنى بقوله أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ. وَلَمْ يُولَدْ لأنّ كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أوّل لوجوده وليس يجسم ولم يكافئه أحد، أى: لم يماثله ولم يشاكله. ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، نفيا للصاحبة: سألوه أن يصفه لهم، فأوحى إليه ما يحتوى على صفاته، فقوله هُوَ اللَّهُ إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء وفاطرها، وفي طىّ ذلك وصفه بأنه قادر عالم، لأن الخلق يستدعى القدرة والعلم، لكونه واقعا على غاية إحكام واتساق وانتظام. وفي ذلك وصفه بأنه حى سميع بصير. وقوله أَحَدٌ وصف بالوحدانية ونفى الشركاء. وقوله الصَّمَدُ وصف بأنه ليس إلا محتاجا إليه، وإذا لم يكن إلا محتاجا إليه: فهو غنى. وفي كونه غنيا مع كونه عالما: أنه عدل غير فاعل للقبائح [[قوله «إنه عدل غير فاعل للقبائح» هذا مذهب المعتزلة، وذهب أهل السنة إلى أنه تعالى هو الخالق لجميع الأشياء خيرها وشرها قبيحها وحسنها. قال تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وعلمه بقبح القبيح لا يمنعه من خلقه، لأنه لحكمة وإن لم يعلمها غيره. (ع)]] ، لعلمه بقبح القبيح وعلمه بغناه عنه. وقوله لَمْ يُولَدْ وصف بالقدم والأوّلية. وقوله لَمْ يَلِدْ نفى للشبه والمجانسة. وقوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ تقرير لذلك وبت للحكم به: فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه [[قال محمود: «إن قلت الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف وقد نص سيبويه على ذلك» قال أحمد: نقل سيبويه أنه سمع بعض الجفاة من العرب يقرأ: ولم يكن أحدا كفوا له، وجرى هذا الجلف على عادته فجفا طبعه عن لطف المعنى الذي لأجله اقتضى تقديم الظرف مع الخبر على الاسم، وذلك أن الغرض الذي سيقت له الآية نفى المكافأة والمساواة عن ذات الله تعالى، فكان تقديم المكافأة المقصود بأن يسلب عنه أولى، ثم لما قدمت لتسلب ذكر معها الظرف ليبين الذات المقدسة بسلب المكافأة، والله أعلم.]] ، فما باله مقدّما في أفصح كلام وأعربه؟ قلت هذا الكلام إنما سيق لنفى المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأحراه. وقرئ: كفؤا، بضم الكاف والفاء. وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء: فإن قلت. لم كانت هذه السورة عدل القرآن كله على قصر متنها وتقارب طرفيها؟ قلت: لأمر ما يسود من يسود، وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده، وكفى دليلا من اعترف بفضلها وصدق بقول رسول الله ﷺ فيها: إنّ علم التوحيد من الله تعالى بمكان، وكيف لا يكون كذلك والعلم تابع للمعلوم: يشرف بشرفه، ويتضع بضعه، ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله، وإنافته على كل علم، واستيلائه على قصب السبق دونه، ومن ازدراه فلضعف علمه بمعلومه، وقلة تعظيمه له، وخلوه من خشيته، وبعده من النظر لعاقبته. اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، القائلين بعدلك وتوحيدك، الخائفين من وعيدك. وتسمى سورة الأساس لاشتمالها على أصول الدين. وروى أبىّ وأنس عن النبي ﷺ: «أسست السماوات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد» [[لم أجده مرفوعا «وأخرجه ابن أبى شيبة في فضائل القرآن من رواية عبد الله بن غيلان الثقفي عن العب الأحبار موقوفا.]] يعنى ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت بها هذه السورة. عن رسول الله ﷺ أنه سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال: «وجبت» . قيل: يا رسول الله وما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنة» [[أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم من حديث عبيد بن حنين عن أبى هريرة. وله شاهد في الطبراني الكبير من حديث أبى أمامة.]]

الفلق 113:1

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 5 «نزلت بعد الفيل» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الفلق والفرق: الصبح، لأن الليل يفلق عنه ويفرق: فعل بمعنى مفعول. يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح. ومنه قولهم: سطع الفرقان، إذا طلع الفجر. وقيل: هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك. وقيل: هو واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض: الفلق. والجمع: فلقان. وعن بعض الصحابة أنه قدم الشأم فرأى دور أهل الذمّة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم من دنياهم، فقال: لا أبالى، أليس من ورائهم الفلق؟ فقيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ من شر خلقه. وشرهم [[قوله «من شر خلقه وشرهم» لعله وشره، أى: شر خلقه حيوانا أو مواتا. (ع)]] : ما يفعله المكلفون [[قال محمود: «معناه من شر خلقه» أى من شر ما يفعله المكلفون ... الخ» قال أحمد: لا يسعه على قاعدته الفاسدة التي هي من جملة ما يدخل تحت هذه الاستعاذة إلا صرف الشر إلى ما يعتقده خالقا لأفعاله، أو لما هو غير فاعل له البتة كالموات: وأما صرف الاستعاذة إلى ما يفعله الله تعالى بعباده من أنواع المحن والبلايا وغير ذلك، فلا، لأنه يعتقد أن الله لا يخلق أفعال الحيوانات، وإنما هم يخلقونها لأنها شر، والله تعالى لا يخلقه لقبحه: كل ذلك تفريع على قاعدة الصلاح والأصلح التي وضح فسادها، حتى حرف بعض القدرية الآية، فقرأ: من شر ما خلق بتنوين شر وجعل ما نافية.]] من الحيوان من المعاصي والمآثم، ومضارّة بعضهم بعضا من ظلم وبغى وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين منه عن الأكل والنهس واللدغ والعض كالسباع والحشرات، وما وضعه الله في الموات من أنواع الضرر كالإحراق في النار والقتل في السم. والغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه من قوله تعالى إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ومنه: غسقت العين امتلأت دمعا، وغسقت الجراحة امتلأت دما. ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء. ويقال: وقبت الشمس إذا غابت. وفي الحديث: لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها، يعنى صلاة المغرب [[أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث من طريق عبيد الله بن عقبة مرسلا.]] . وقيل: هو القمر إذا امتلأ، وعن عائشة رضى الله عنها: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأشار إلى القمر فقال: تعوّذى بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب [[أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى كلهم من طريق ابن أبى ذئب عن خالد الحرث بن عبد الرحمن عن أبى سلمة عنها.]] . ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده. ويجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات: ووقبه: ضربه ونقبه. والوقب: النقب. ومنه: وقبة الثريد، والتعوّذ من شر الليل لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب. ومنه قولهم: الليل أخفى للويل. وقولهم: أغدر الليل، لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه النَّفَّاثاتِ النساء، أو النفوس، أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها [[قال محمود: «هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن عليها ... الخ» قال أحمد: وقد تقدم أن قاعدة القدرية إنكار حقيقة السحر، على أن الكتاب والسنة قد وردا بوقوعه والأمر بالتعوذ منه. وقد سحر ﷺ في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر. والحديث مشهور، وإنما الزمخشري استفزه الهوى حتى أنكر ما عرف، وما به إلا أن يتبع اعتزاله ويغطى بكفه وجه الغزالة»]] ويرقين: والنفث النفخ من ريق، ولا تأثير لذلك [[قوله «ولا تأثير لذلك» مبنى على مذهب المعتزلة من أنه لا حقيقة للسحر ولا تأثير له. وذهب أهل السنة إلى إثباته وإثبات تأثيره لظاهر الكتاب والسنة. (ع)]] ، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ضار، أو سقيه، أو إشمامه. أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه، ولكنّ الله عز وجل قد يفعل عند ذلك فعلا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشو والرعاع [[قوله «فينسب الحشوية والرعاع» في الصحاح «الرعاع» : الأحداث الطغام. وفيه «الطغام» : أو غاد الناس وفيه «الوغد» : الرجل الدنى. الذي يخدم بطعام بطنه. (ع)]] إليهنّ وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به. فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرهن [[قال محمود: «فان قلت: ما معنى الاستعاذة من شرهن، وأجاب ... الخ» قال أحمد: وهذا من الطراز الأول قعد عنه جانبا، ولو فسر غيره التفاثات في العقد بالمتخيلات من النساء ولسن ساحرات حتى يتمم إنكار وجود السحر: لعده من يدع التفاسير.]] ؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهنّ في ذلك. والثاني: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن. والثالث: أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن، ويجوز أن يراد بهن النساء الكيادات، من قوله إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد. أو اللاتي يفتن الرجال بتعرّضهن لهم وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك إِذا حَسَدَ إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه: من بغى الغوائل للمحسود، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضارّ لنفسه لاغتمامه بسرور غيره. وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد. ويجوز أن يراد بشر الحاسد: إثمه وسماجة حاله في وقت حسده، وإظهاره أثره. فإن قلت: قوله مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ قلت: قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به. وقالوا: شر العداة المداجى الذي يكيدك من حيث لا تشعر. فإن قلت: فلم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ قلت: عرفت النفاثات، لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق، لأنّ كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضرّ. ورب حسد محمود، وهو الحسد في الخيرات. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا حسد إلا في اثنتين [[متفق عليه من حديث ابن مسعود، ومن حديث ابن عمر رضى الله عنهما والبخاري من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.]] » وقال أبو تمام: وما حاسد في المكرمات بحاسد [[وإنى لمحسود وأعذر حاسدي ... وما حاسدي في المكرمات بحاسد لأبى تمام. يقول: إنى جامع للخصال الحميدة، فالحسد كناية عن ذلك. وعذر يعذر كضرب يضرب، أى: أن حاسدي معذور لحسن صفاتي وعظمها، وليس الحاسد في الخصال الحميدة بحاسد مذموم، بل مغتبط ممدوح.]] وقال: إنّ العلا حسن في مثلها الحسد [[فافخر فما من سماء للعلا ارتفعت ... إلا وأفعالك الحسنى لها عمد واعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إن العلا حسن في مثلها الحسد لأبى تمام. وشبه القدر المرتفع بالسماء، واستعارها له على طريق التصريح، والارتفاع ترشيح، لأنه خاص بالمحسوسات وشبه الأفعال الجميلة بأعمدة السماء تشبيها بليغا، لأن بها الارتفاع المعنوي.]] عن رسول الله ﷺ: «من قرأ المعوّذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب، وقد مضى غير مرة أنها واهنة، وأن الحديث المرفوع في ذلك موضوع، والله أعلم.]] .

الفلق 113:2

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 5 «نزلت بعد الفيل» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الفلق والفرق: الصبح، لأن الليل يفلق عنه ويفرق: فعل بمعنى مفعول. يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح. ومنه قولهم: سطع الفرقان، إذا طلع الفجر. وقيل: هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك. وقيل: هو واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض: الفلق. والجمع: فلقان. وعن بعض الصحابة أنه قدم الشأم فرأى دور أهل الذمّة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم من دنياهم، فقال: لا أبالى، أليس من ورائهم الفلق؟ فقيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ من شر خلقه. وشرهم [[قوله «من شر خلقه وشرهم» لعله وشره، أى: شر خلقه حيوانا أو مواتا. (ع)]] : ما يفعله المكلفون [[قال محمود: «معناه من شر خلقه» أى من شر ما يفعله المكلفون ... الخ» قال أحمد: لا يسعه على قاعدته الفاسدة التي هي من جملة ما يدخل تحت هذه الاستعاذة إلا صرف الشر إلى ما يعتقده خالقا لأفعاله، أو لما هو غير فاعل له البتة كالموات: وأما صرف الاستعاذة إلى ما يفعله الله تعالى بعباده من أنواع المحن والبلايا وغير ذلك، فلا، لأنه يعتقد أن الله لا يخلق أفعال الحيوانات، وإنما هم يخلقونها لأنها شر، والله تعالى لا يخلقه لقبحه: كل ذلك تفريع على قاعدة الصلاح والأصلح التي وضح فسادها، حتى حرف بعض القدرية الآية، فقرأ: من شر ما خلق بتنوين شر وجعل ما نافية.]] من الحيوان من المعاصي والمآثم، ومضارّة بعضهم بعضا من ظلم وبغى وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين منه عن الأكل والنهس واللدغ والعض كالسباع والحشرات، وما وضعه الله في الموات من أنواع الضرر كالإحراق في النار والقتل في السم. والغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه من قوله تعالى إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ومنه: غسقت العين امتلأت دمعا، وغسقت الجراحة امتلأت دما. ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء. ويقال: وقبت الشمس إذا غابت. وفي الحديث: لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها، يعنى صلاة المغرب [[أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث من طريق عبيد الله بن عقبة مرسلا.]] . وقيل: هو القمر إذا امتلأ، وعن عائشة رضى الله عنها: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأشار إلى القمر فقال: تعوّذى بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب [[أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى كلهم من طريق ابن أبى ذئب عن خالد الحرث بن عبد الرحمن عن أبى سلمة عنها.]] . ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده. ويجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات: ووقبه: ضربه ونقبه. والوقب: النقب. ومنه: وقبة الثريد، والتعوّذ من شر الليل لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب. ومنه قولهم: الليل أخفى للويل. وقولهم: أغدر الليل، لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه النَّفَّاثاتِ النساء، أو النفوس، أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها [[قال محمود: «هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن عليها ... الخ» قال أحمد: وقد تقدم أن قاعدة القدرية إنكار حقيقة السحر، على أن الكتاب والسنة قد وردا بوقوعه والأمر بالتعوذ منه. وقد سحر ﷺ في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر. والحديث مشهور، وإنما الزمخشري استفزه الهوى حتى أنكر ما عرف، وما به إلا أن يتبع اعتزاله ويغطى بكفه وجه الغزالة»]] ويرقين: والنفث النفخ من ريق، ولا تأثير لذلك [[قوله «ولا تأثير لذلك» مبنى على مذهب المعتزلة من أنه لا حقيقة للسحر ولا تأثير له. وذهب أهل السنة إلى إثباته وإثبات تأثيره لظاهر الكتاب والسنة. (ع)]] ، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ضار، أو سقيه، أو إشمامه. أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه، ولكنّ الله عز وجل قد يفعل عند ذلك فعلا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشو والرعاع [[قوله «فينسب الحشوية والرعاع» في الصحاح «الرعاع» : الأحداث الطغام. وفيه «الطغام» : أو غاد الناس وفيه «الوغد» : الرجل الدنى. الذي يخدم بطعام بطنه. (ع)]] إليهنّ وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به. فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرهن [[قال محمود: «فان قلت: ما معنى الاستعاذة من شرهن، وأجاب ... الخ» قال أحمد: وهذا من الطراز الأول قعد عنه جانبا، ولو فسر غيره التفاثات في العقد بالمتخيلات من النساء ولسن ساحرات حتى يتمم إنكار وجود السحر: لعده من يدع التفاسير.]] ؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهنّ في ذلك. والثاني: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن. والثالث: أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن، ويجوز أن يراد بهن النساء الكيادات، من قوله إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد. أو اللاتي يفتن الرجال بتعرّضهن لهم وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك إِذا حَسَدَ إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه: من بغى الغوائل للمحسود، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضارّ لنفسه لاغتمامه بسرور غيره. وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد. ويجوز أن يراد بشر الحاسد: إثمه وسماجة حاله في وقت حسده، وإظهاره أثره. فإن قلت: قوله مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ قلت: قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به. وقالوا: شر العداة المداجى الذي يكيدك من حيث لا تشعر. فإن قلت: فلم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ قلت: عرفت النفاثات، لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق، لأنّ كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضرّ. ورب حسد محمود، وهو الحسد في الخيرات. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا حسد إلا في اثنتين [[متفق عليه من حديث ابن مسعود، ومن حديث ابن عمر رضى الله عنهما والبخاري من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.]] » وقال أبو تمام: وما حاسد في المكرمات بحاسد [[وإنى لمحسود وأعذر حاسدي ... وما حاسدي في المكرمات بحاسد لأبى تمام. يقول: إنى جامع للخصال الحميدة، فالحسد كناية عن ذلك. وعذر يعذر كضرب يضرب، أى: أن حاسدي معذور لحسن صفاتي وعظمها، وليس الحاسد في الخصال الحميدة بحاسد مذموم، بل مغتبط ممدوح.]] وقال: إنّ العلا حسن في مثلها الحسد [[فافخر فما من سماء للعلا ارتفعت ... إلا وأفعالك الحسنى لها عمد واعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إن العلا حسن في مثلها الحسد لأبى تمام. وشبه القدر المرتفع بالسماء، واستعارها له على طريق التصريح، والارتفاع ترشيح، لأنه خاص بالمحسوسات وشبه الأفعال الجميلة بأعمدة السماء تشبيها بليغا، لأن بها الارتفاع المعنوي.]] عن رسول الله ﷺ: «من قرأ المعوّذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب، وقد مضى غير مرة أنها واهنة، وأن الحديث المرفوع في ذلك موضوع، والله أعلم.]] .

الفلق 113:3

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 5 «نزلت بعد الفيل» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الفلق والفرق: الصبح، لأن الليل يفلق عنه ويفرق: فعل بمعنى مفعول. يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح. ومنه قولهم: سطع الفرقان، إذا طلع الفجر. وقيل: هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك. وقيل: هو واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض: الفلق. والجمع: فلقان. وعن بعض الصحابة أنه قدم الشأم فرأى دور أهل الذمّة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم من دنياهم، فقال: لا أبالى، أليس من ورائهم الفلق؟ فقيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ من شر خلقه. وشرهم [[قوله «من شر خلقه وشرهم» لعله وشره، أى: شر خلقه حيوانا أو مواتا. (ع)]] : ما يفعله المكلفون [[قال محمود: «معناه من شر خلقه» أى من شر ما يفعله المكلفون ... الخ» قال أحمد: لا يسعه على قاعدته الفاسدة التي هي من جملة ما يدخل تحت هذه الاستعاذة إلا صرف الشر إلى ما يعتقده خالقا لأفعاله، أو لما هو غير فاعل له البتة كالموات: وأما صرف الاستعاذة إلى ما يفعله الله تعالى بعباده من أنواع المحن والبلايا وغير ذلك، فلا، لأنه يعتقد أن الله لا يخلق أفعال الحيوانات، وإنما هم يخلقونها لأنها شر، والله تعالى لا يخلقه لقبحه: كل ذلك تفريع على قاعدة الصلاح والأصلح التي وضح فسادها، حتى حرف بعض القدرية الآية، فقرأ: من شر ما خلق بتنوين شر وجعل ما نافية.]] من الحيوان من المعاصي والمآثم، ومضارّة بعضهم بعضا من ظلم وبغى وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين منه عن الأكل والنهس واللدغ والعض كالسباع والحشرات، وما وضعه الله في الموات من أنواع الضرر كالإحراق في النار والقتل في السم. والغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه من قوله تعالى إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ومنه: غسقت العين امتلأت دمعا، وغسقت الجراحة امتلأت دما. ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء. ويقال: وقبت الشمس إذا غابت. وفي الحديث: لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها، يعنى صلاة المغرب [[أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث من طريق عبيد الله بن عقبة مرسلا.]] . وقيل: هو القمر إذا امتلأ، وعن عائشة رضى الله عنها: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأشار إلى القمر فقال: تعوّذى بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب [[أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى كلهم من طريق ابن أبى ذئب عن خالد الحرث بن عبد الرحمن عن أبى سلمة عنها.]] . ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده. ويجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات: ووقبه: ضربه ونقبه. والوقب: النقب. ومنه: وقبة الثريد، والتعوّذ من شر الليل لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب. ومنه قولهم: الليل أخفى للويل. وقولهم: أغدر الليل، لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه النَّفَّاثاتِ النساء، أو النفوس، أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها [[قال محمود: «هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن عليها ... الخ» قال أحمد: وقد تقدم أن قاعدة القدرية إنكار حقيقة السحر، على أن الكتاب والسنة قد وردا بوقوعه والأمر بالتعوذ منه. وقد سحر ﷺ في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر. والحديث مشهور، وإنما الزمخشري استفزه الهوى حتى أنكر ما عرف، وما به إلا أن يتبع اعتزاله ويغطى بكفه وجه الغزالة»]] ويرقين: والنفث النفخ من ريق، ولا تأثير لذلك [[قوله «ولا تأثير لذلك» مبنى على مذهب المعتزلة من أنه لا حقيقة للسحر ولا تأثير له. وذهب أهل السنة إلى إثباته وإثبات تأثيره لظاهر الكتاب والسنة. (ع)]] ، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ضار، أو سقيه، أو إشمامه. أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه، ولكنّ الله عز وجل قد يفعل عند ذلك فعلا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشو والرعاع [[قوله «فينسب الحشوية والرعاع» في الصحاح «الرعاع» : الأحداث الطغام. وفيه «الطغام» : أو غاد الناس وفيه «الوغد» : الرجل الدنى. الذي يخدم بطعام بطنه. (ع)]] إليهنّ وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به. فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرهن [[قال محمود: «فان قلت: ما معنى الاستعاذة من شرهن، وأجاب ... الخ» قال أحمد: وهذا من الطراز الأول قعد عنه جانبا، ولو فسر غيره التفاثات في العقد بالمتخيلات من النساء ولسن ساحرات حتى يتمم إنكار وجود السحر: لعده من يدع التفاسير.]] ؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهنّ في ذلك. والثاني: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن. والثالث: أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن، ويجوز أن يراد بهن النساء الكيادات، من قوله إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد. أو اللاتي يفتن الرجال بتعرّضهن لهم وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك إِذا حَسَدَ إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه: من بغى الغوائل للمحسود، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضارّ لنفسه لاغتمامه بسرور غيره. وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد. ويجوز أن يراد بشر الحاسد: إثمه وسماجة حاله في وقت حسده، وإظهاره أثره. فإن قلت: قوله مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ قلت: قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به. وقالوا: شر العداة المداجى الذي يكيدك من حيث لا تشعر. فإن قلت: فلم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ قلت: عرفت النفاثات، لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق، لأنّ كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضرّ. ورب حسد محمود، وهو الحسد في الخيرات. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا حسد إلا في اثنتين [[متفق عليه من حديث ابن مسعود، ومن حديث ابن عمر رضى الله عنهما والبخاري من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.]] » وقال أبو تمام: وما حاسد في المكرمات بحاسد [[وإنى لمحسود وأعذر حاسدي ... وما حاسدي في المكرمات بحاسد لأبى تمام. يقول: إنى جامع للخصال الحميدة، فالحسد كناية عن ذلك. وعذر يعذر كضرب يضرب، أى: أن حاسدي معذور لحسن صفاتي وعظمها، وليس الحاسد في الخصال الحميدة بحاسد مذموم، بل مغتبط ممدوح.]] وقال: إنّ العلا حسن في مثلها الحسد [[فافخر فما من سماء للعلا ارتفعت ... إلا وأفعالك الحسنى لها عمد واعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إن العلا حسن في مثلها الحسد لأبى تمام. وشبه القدر المرتفع بالسماء، واستعارها له على طريق التصريح، والارتفاع ترشيح، لأنه خاص بالمحسوسات وشبه الأفعال الجميلة بأعمدة السماء تشبيها بليغا، لأن بها الارتفاع المعنوي.]] عن رسول الله ﷺ: «من قرأ المعوّذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب، وقد مضى غير مرة أنها واهنة، وأن الحديث المرفوع في ذلك موضوع، والله أعلم.]] .

الفلق 113:4

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 5 «نزلت بعد الفيل» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الفلق والفرق: الصبح، لأن الليل يفلق عنه ويفرق: فعل بمعنى مفعول. يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح. ومنه قولهم: سطع الفرقان، إذا طلع الفجر. وقيل: هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك. وقيل: هو واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض: الفلق. والجمع: فلقان. وعن بعض الصحابة أنه قدم الشأم فرأى دور أهل الذمّة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم من دنياهم، فقال: لا أبالى، أليس من ورائهم الفلق؟ فقيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ من شر خلقه. وشرهم [[قوله «من شر خلقه وشرهم» لعله وشره، أى: شر خلقه حيوانا أو مواتا. (ع)]] : ما يفعله المكلفون [[قال محمود: «معناه من شر خلقه» أى من شر ما يفعله المكلفون ... الخ» قال أحمد: لا يسعه على قاعدته الفاسدة التي هي من جملة ما يدخل تحت هذه الاستعاذة إلا صرف الشر إلى ما يعتقده خالقا لأفعاله، أو لما هو غير فاعل له البتة كالموات: وأما صرف الاستعاذة إلى ما يفعله الله تعالى بعباده من أنواع المحن والبلايا وغير ذلك، فلا، لأنه يعتقد أن الله لا يخلق أفعال الحيوانات، وإنما هم يخلقونها لأنها شر، والله تعالى لا يخلقه لقبحه: كل ذلك تفريع على قاعدة الصلاح والأصلح التي وضح فسادها، حتى حرف بعض القدرية الآية، فقرأ: من شر ما خلق بتنوين شر وجعل ما نافية.]] من الحيوان من المعاصي والمآثم، ومضارّة بعضهم بعضا من ظلم وبغى وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين منه عن الأكل والنهس واللدغ والعض كالسباع والحشرات، وما وضعه الله في الموات من أنواع الضرر كالإحراق في النار والقتل في السم. والغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه من قوله تعالى إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ومنه: غسقت العين امتلأت دمعا، وغسقت الجراحة امتلأت دما. ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء. ويقال: وقبت الشمس إذا غابت. وفي الحديث: لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها، يعنى صلاة المغرب [[أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث من طريق عبيد الله بن عقبة مرسلا.]] . وقيل: هو القمر إذا امتلأ، وعن عائشة رضى الله عنها: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأشار إلى القمر فقال: تعوّذى بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب [[أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى كلهم من طريق ابن أبى ذئب عن خالد الحرث بن عبد الرحمن عن أبى سلمة عنها.]] . ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده. ويجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات: ووقبه: ضربه ونقبه. والوقب: النقب. ومنه: وقبة الثريد، والتعوّذ من شر الليل لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب. ومنه قولهم: الليل أخفى للويل. وقولهم: أغدر الليل، لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه النَّفَّاثاتِ النساء، أو النفوس، أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها [[قال محمود: «هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن عليها ... الخ» قال أحمد: وقد تقدم أن قاعدة القدرية إنكار حقيقة السحر، على أن الكتاب والسنة قد وردا بوقوعه والأمر بالتعوذ منه. وقد سحر ﷺ في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر. والحديث مشهور، وإنما الزمخشري استفزه الهوى حتى أنكر ما عرف، وما به إلا أن يتبع اعتزاله ويغطى بكفه وجه الغزالة»]] ويرقين: والنفث النفخ من ريق، ولا تأثير لذلك [[قوله «ولا تأثير لذلك» مبنى على مذهب المعتزلة من أنه لا حقيقة للسحر ولا تأثير له. وذهب أهل السنة إلى إثباته وإثبات تأثيره لظاهر الكتاب والسنة. (ع)]] ، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ضار، أو سقيه، أو إشمامه. أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه، ولكنّ الله عز وجل قد يفعل عند ذلك فعلا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشو والرعاع [[قوله «فينسب الحشوية والرعاع» في الصحاح «الرعاع» : الأحداث الطغام. وفيه «الطغام» : أو غاد الناس وفيه «الوغد» : الرجل الدنى. الذي يخدم بطعام بطنه. (ع)]] إليهنّ وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به. فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرهن [[قال محمود: «فان قلت: ما معنى الاستعاذة من شرهن، وأجاب ... الخ» قال أحمد: وهذا من الطراز الأول قعد عنه جانبا، ولو فسر غيره التفاثات في العقد بالمتخيلات من النساء ولسن ساحرات حتى يتمم إنكار وجود السحر: لعده من يدع التفاسير.]] ؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهنّ في ذلك. والثاني: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن. والثالث: أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن، ويجوز أن يراد بهن النساء الكيادات، من قوله إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد. أو اللاتي يفتن الرجال بتعرّضهن لهم وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك إِذا حَسَدَ إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه: من بغى الغوائل للمحسود، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضارّ لنفسه لاغتمامه بسرور غيره. وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد. ويجوز أن يراد بشر الحاسد: إثمه وسماجة حاله في وقت حسده، وإظهاره أثره. فإن قلت: قوله مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ قلت: قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به. وقالوا: شر العداة المداجى الذي يكيدك من حيث لا تشعر. فإن قلت: فلم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ قلت: عرفت النفاثات، لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق، لأنّ كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضرّ. ورب حسد محمود، وهو الحسد في الخيرات. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا حسد إلا في اثنتين [[متفق عليه من حديث ابن مسعود، ومن حديث ابن عمر رضى الله عنهما والبخاري من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.]] » وقال أبو تمام: وما حاسد في المكرمات بحاسد [[وإنى لمحسود وأعذر حاسدي ... وما حاسدي في المكرمات بحاسد لأبى تمام. يقول: إنى جامع للخصال الحميدة، فالحسد كناية عن ذلك. وعذر يعذر كضرب يضرب، أى: أن حاسدي معذور لحسن صفاتي وعظمها، وليس الحاسد في الخصال الحميدة بحاسد مذموم، بل مغتبط ممدوح.]] وقال: إنّ العلا حسن في مثلها الحسد [[فافخر فما من سماء للعلا ارتفعت ... إلا وأفعالك الحسنى لها عمد واعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إن العلا حسن في مثلها الحسد لأبى تمام. وشبه القدر المرتفع بالسماء، واستعارها له على طريق التصريح، والارتفاع ترشيح، لأنه خاص بالمحسوسات وشبه الأفعال الجميلة بأعمدة السماء تشبيها بليغا، لأن بها الارتفاع المعنوي.]] عن رسول الله ﷺ: «من قرأ المعوّذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب، وقد مضى غير مرة أنها واهنة، وأن الحديث المرفوع في ذلك موضوع، والله أعلم.]] .

الفلق 113:5

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 5 «نزلت بعد الفيل» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الفلق والفرق: الصبح، لأن الليل يفلق عنه ويفرق: فعل بمعنى مفعول. يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح. ومنه قولهم: سطع الفرقان، إذا طلع الفجر. وقيل: هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك. وقيل: هو واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض: الفلق. والجمع: فلقان. وعن بعض الصحابة أنه قدم الشأم فرأى دور أهل الذمّة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم من دنياهم، فقال: لا أبالى، أليس من ورائهم الفلق؟ فقيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ من شر خلقه. وشرهم [[قوله «من شر خلقه وشرهم» لعله وشره، أى: شر خلقه حيوانا أو مواتا. (ع)]] : ما يفعله المكلفون [[قال محمود: «معناه من شر خلقه» أى من شر ما يفعله المكلفون ... الخ» قال أحمد: لا يسعه على قاعدته الفاسدة التي هي من جملة ما يدخل تحت هذه الاستعاذة إلا صرف الشر إلى ما يعتقده خالقا لأفعاله، أو لما هو غير فاعل له البتة كالموات: وأما صرف الاستعاذة إلى ما يفعله الله تعالى بعباده من أنواع المحن والبلايا وغير ذلك، فلا، لأنه يعتقد أن الله لا يخلق أفعال الحيوانات، وإنما هم يخلقونها لأنها شر، والله تعالى لا يخلقه لقبحه: كل ذلك تفريع على قاعدة الصلاح والأصلح التي وضح فسادها، حتى حرف بعض القدرية الآية، فقرأ: من شر ما خلق بتنوين شر وجعل ما نافية.]] من الحيوان من المعاصي والمآثم، ومضارّة بعضهم بعضا من ظلم وبغى وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين منه عن الأكل والنهس واللدغ والعض كالسباع والحشرات، وما وضعه الله في الموات من أنواع الضرر كالإحراق في النار والقتل في السم. والغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه من قوله تعالى إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ومنه: غسقت العين امتلأت دمعا، وغسقت الجراحة امتلأت دما. ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء. ويقال: وقبت الشمس إذا غابت. وفي الحديث: لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها، يعنى صلاة المغرب [[أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث من طريق عبيد الله بن عقبة مرسلا.]] . وقيل: هو القمر إذا امتلأ، وعن عائشة رضى الله عنها: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأشار إلى القمر فقال: تعوّذى بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب [[أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى كلهم من طريق ابن أبى ذئب عن خالد الحرث بن عبد الرحمن عن أبى سلمة عنها.]] . ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده. ويجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات: ووقبه: ضربه ونقبه. والوقب: النقب. ومنه: وقبة الثريد، والتعوّذ من شر الليل لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب. ومنه قولهم: الليل أخفى للويل. وقولهم: أغدر الليل، لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه النَّفَّاثاتِ النساء، أو النفوس، أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها [[قال محمود: «هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن عليها ... الخ» قال أحمد: وقد تقدم أن قاعدة القدرية إنكار حقيقة السحر، على أن الكتاب والسنة قد وردا بوقوعه والأمر بالتعوذ منه. وقد سحر ﷺ في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر. والحديث مشهور، وإنما الزمخشري استفزه الهوى حتى أنكر ما عرف، وما به إلا أن يتبع اعتزاله ويغطى بكفه وجه الغزالة»]] ويرقين: والنفث النفخ من ريق، ولا تأثير لذلك [[قوله «ولا تأثير لذلك» مبنى على مذهب المعتزلة من أنه لا حقيقة للسحر ولا تأثير له. وذهب أهل السنة إلى إثباته وإثبات تأثيره لظاهر الكتاب والسنة. (ع)]] ، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ضار، أو سقيه، أو إشمامه. أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه، ولكنّ الله عز وجل قد يفعل عند ذلك فعلا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشو والرعاع [[قوله «فينسب الحشوية والرعاع» في الصحاح «الرعاع» : الأحداث الطغام. وفيه «الطغام» : أو غاد الناس وفيه «الوغد» : الرجل الدنى. الذي يخدم بطعام بطنه. (ع)]] إليهنّ وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به. فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرهن [[قال محمود: «فان قلت: ما معنى الاستعاذة من شرهن، وأجاب ... الخ» قال أحمد: وهذا من الطراز الأول قعد عنه جانبا، ولو فسر غيره التفاثات في العقد بالمتخيلات من النساء ولسن ساحرات حتى يتمم إنكار وجود السحر: لعده من يدع التفاسير.]] ؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهنّ في ذلك. والثاني: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن. والثالث: أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن، ويجوز أن يراد بهن النساء الكيادات، من قوله إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد. أو اللاتي يفتن الرجال بتعرّضهن لهم وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك إِذا حَسَدَ إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه: من بغى الغوائل للمحسود، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضارّ لنفسه لاغتمامه بسرور غيره. وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد. ويجوز أن يراد بشر الحاسد: إثمه وسماجة حاله في وقت حسده، وإظهاره أثره. فإن قلت: قوله مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ قلت: قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به. وقالوا: شر العداة المداجى الذي يكيدك من حيث لا تشعر. فإن قلت: فلم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ قلت: عرفت النفاثات، لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق، لأنّ كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضرّ. ورب حسد محمود، وهو الحسد في الخيرات. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا حسد إلا في اثنتين [[متفق عليه من حديث ابن مسعود، ومن حديث ابن عمر رضى الله عنهما والبخاري من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.]] » وقال أبو تمام: وما حاسد في المكرمات بحاسد [[وإنى لمحسود وأعذر حاسدي ... وما حاسدي في المكرمات بحاسد لأبى تمام. يقول: إنى جامع للخصال الحميدة، فالحسد كناية عن ذلك. وعذر يعذر كضرب يضرب، أى: أن حاسدي معذور لحسن صفاتي وعظمها، وليس الحاسد في الخصال الحميدة بحاسد مذموم، بل مغتبط ممدوح.]] وقال: إنّ العلا حسن في مثلها الحسد [[فافخر فما من سماء للعلا ارتفعت ... إلا وأفعالك الحسنى لها عمد واعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إن العلا حسن في مثلها الحسد لأبى تمام. وشبه القدر المرتفع بالسماء، واستعارها له على طريق التصريح، والارتفاع ترشيح، لأنه خاص بالمحسوسات وشبه الأفعال الجميلة بأعمدة السماء تشبيها بليغا، لأن بها الارتفاع المعنوي.]] عن رسول الله ﷺ: «من قرأ المعوّذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبى بن كعب، وقد مضى غير مرة أنها واهنة، وأن الحديث المرفوع في ذلك موضوع، والله أعلم.]] .

الناس 114:1

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 6 [نزلت بعد الفلق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قرئ: قل أعوذ، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، ونحوه. فخذ أربعة. فإن قلت: لم قيل [[قال محمود: «إن قلت: لم أضاف اسمه تعالى إليهم خاصة وهو رب كل شيء ... الخ» قال أحمد: وفي التخصيص جرى على عادة الاستعطاف، فانه معه أتم. عاد كلامه قال: واله الناس عطف بيان لملك الناس. أو كلاهما عطف بيان للأول، والثاني أبين: لأن ملك الناس قد يطلق لغير الله تعالى، وأما إله الناس فلا يطلق إلا له عز وجل، فجعل غاية للبيان، وزبد البيان بتكرار ظاهر غير مضمر، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا ما يسر الله من القول» وإنى أبرأ إلى الله تعالى من القوة والحول، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.]] بِرَبِّ النَّاسِ مضافا إليهم خاصة؟ قلت: لأنّ الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس. فكأنه قيل، أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالى أمرهم. فإن قلت: مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ ما هما من رب الناس؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبى حفص عمر الفاروق. بين بملك الناس، ثم زيد بيانا بإله الناس، لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وقد يقال: ملك الناس. وأمّا إِلهِ النَّاسِ فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان. فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرّة واحدة؟ قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار الْوَسْواسِ اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. وأمّا المصدر فوسواس بالكسر كزلزال. والمراد به الشيطان، سمى بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه. أو أريد ذو الوسواس. والوسوسة: الصوت الخفي. ومنه: وسواس الحلي. والْخَنَّاسِ الذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات [[قوله «كالعواج والبتات» بائع العاج، وبائع البتوت: وهي ضرب من الثياب. (ع)]] لما روى عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، فإذا غفل وسوس إليه الَّذِي يُوَسْوِسُ يجوز في محله الحركات الثلاث، فالجر على الصفة، والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارئ على الْخَنَّاسِ ويبتدئ الَّذِي يُوَسْوِسُ على أحد هذين الوجهين مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيان الذي يوسوس، على أن الشيطان ضربان: جنى وإنسى، كما قال شياطين الإنس والجن. وعن أبى ذرّ رضى الله عنه قال لرجل: هل تعوّذت بالله من شيطان الإنس؟ ويجوز أن يكون مِنَ متعلقا بيوسوس، ومعناه: ابتداء الغاية، أى: يوسوس في صدورهم من جهة الجنّ ومن جهة الناس، وقيل: من الجنة والناس بيان للناس، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة، واستدلوا بنفر ورجال: في سورة الجن. وما [[قوله «وما أحقه» في الصحاح: حققت الأمر: واحتققته: إذا تحققته وصرت منه على يقين. (ع)]] أحقه، لأن الجن سموا «جنا» لاجتنانهم، والناس «ناسا» لظهورهم، من الإيناس وهو الإبصار، كما سموا بشرا، ولو كان يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك وثبت: لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع. وأجود منه أن يراد بالناس: الناسي، كقوله يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ كما قرئ مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ثم يبين بالجنة والناس، لأنّ الثقلين هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله عز وجل. عن رسول الله ﷺ «لقد أنزلت علىّ سورتان ما أنزل مثلهما، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما [[لم أجده بهذا اللفظ. وأوله في مسلم بمعناه من حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه «أن النبي ﷺ قال له. ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وآخره في ابن حبان من حديث عقبة بمعناه. وأيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لأن يقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ من قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، فان استطعت أن لا تدعهما في صلاة فافعل» .]] » يعنى المعوذتين. ويقال للمعوذتين: المقشقشتان. قال عبد الله الفقير إليه: وأنا أعوذ بهما وبجميع كلمات الله الكاملة التامّة، وألوذ بكنف رحمته الشاملة العامّة، من كل ما يكلم الدين، ويثلم اليقين، أو يعود في العاقبة بالندم، أو يقدح في الإيمان المسوط باللحم والدم [[قوله «المسوط باللحم والدم» أى: المخلوط. أفاده الصحاح. (ع)]] ، وأسأله بخضوع العنق وخشوع البصر، ووضع الخدّ لجلاله الأعظم الأكبر، مستشفعا إليه بنوره الذي هو الشيبة في الإسلام، متوسلا بالتوبة الممحصة للآثام، وبما عنيت به من مهاجرتى إليه ومجاورتي، ومرابطتى بمكة ومصابرتى، على تواكل من القوى، وتخاذل من الخطا، ثم أسأله بحق صراطه المستقيم، وقرآنه المجيد الكريم، وبما لقيت من كدح اليمين وعرق الجبين، في عمل الكشاف عن حقائقه، المخلص عن مضايقه، المطلع على غوامضه، المثبت في مداحضه. الملخص لنكته ولطائف نظمه، المنقر عن فقره وجواهر علمه، المكتنز بالفوائد المفتنة التي لا توجد إلا فيه، المحيط بما لا يكتنه من بدع ألفاظه [[قوله «من بدع ألفاظه» في الصحاح «شيء بدع» بالكسر: أى مبتدع. وفلان بدع في هذا الأمر، أى: بديع (ع)]] ومعانيه، مع الإيجاز الحاذف للفضول، وتجنب المستكره المملول، ولو لم يكن في مضمونه إلا إيراد كل شيء على قانونه، لكفى به ضالة ينشدها محققة الأحبار، وجوهرة يتمنى العثور عليها غاصة البحار، وبما شرفني به ومجدنى، واختصني بكرامته وتوحدني: من ارتفاعه على يدي في مهبط بشاراته ونذره، ومتنزل آياته وسوره، من البلد الأمين بين ظهراني الحرم، وبين يدي البيت المحرم، حتى وقع التأويل، حيث وجد التنزيل: أن يهب لي خاتمة الخير، ويقينى مصارع السوء، ويتجاوز عن فرطاتى يوم التناد، ولا يفضحني بها على رؤس الأشهاد، ويحلني دار المقامة من فضله، بواسع طوله وسابغ نوله، إنه الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم. (في نسخة ما نصه:) في أصل المصنف بخطه رحمه الله تعالى: وهذه النسخة هي نسخة الأصل الأولى التي نقلت من السواد، وهي أم الكشاف الحرمية المباركة المتمسح بها، المحقوقة أن تستنزل بها بركات السماء ويستمطر بها في السنة الشهباء، فرغت منها يد المصنف تجاه الكعبة في جناح داره السليمانية، التي على باب أجياد الموسومة بمدرسة العلامة: ضحوة يوم الاثنين لثالث والعشرين من ربيع الآخر في عام ثمانية وعشرين وخمسمائة، وهو حامد لله على باهر كرمه، ومصل على عبده ورسوله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الناس 114:2

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 6 [نزلت بعد الفلق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قرئ: قل أعوذ، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، ونحوه. فخذ أربعة. فإن قلت: لم قيل [[قال محمود: «إن قلت: لم أضاف اسمه تعالى إليهم خاصة وهو رب كل شيء ... الخ» قال أحمد: وفي التخصيص جرى على عادة الاستعطاف، فانه معه أتم. عاد كلامه قال: واله الناس عطف بيان لملك الناس. أو كلاهما عطف بيان للأول، والثاني أبين: لأن ملك الناس قد يطلق لغير الله تعالى، وأما إله الناس فلا يطلق إلا له عز وجل، فجعل غاية للبيان، وزبد البيان بتكرار ظاهر غير مضمر، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا ما يسر الله من القول» وإنى أبرأ إلى الله تعالى من القوة والحول، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.]] بِرَبِّ النَّاسِ مضافا إليهم خاصة؟ قلت: لأنّ الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس. فكأنه قيل، أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالى أمرهم. فإن قلت: مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ ما هما من رب الناس؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبى حفص عمر الفاروق. بين بملك الناس، ثم زيد بيانا بإله الناس، لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وقد يقال: ملك الناس. وأمّا إِلهِ النَّاسِ فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان. فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرّة واحدة؟ قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار الْوَسْواسِ اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. وأمّا المصدر فوسواس بالكسر كزلزال. والمراد به الشيطان، سمى بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه. أو أريد ذو الوسواس. والوسوسة: الصوت الخفي. ومنه: وسواس الحلي. والْخَنَّاسِ الذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات [[قوله «كالعواج والبتات» بائع العاج، وبائع البتوت: وهي ضرب من الثياب. (ع)]] لما روى عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، فإذا غفل وسوس إليه الَّذِي يُوَسْوِسُ يجوز في محله الحركات الثلاث، فالجر على الصفة، والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارئ على الْخَنَّاسِ ويبتدئ الَّذِي يُوَسْوِسُ على أحد هذين الوجهين مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيان الذي يوسوس، على أن الشيطان ضربان: جنى وإنسى، كما قال شياطين الإنس والجن. وعن أبى ذرّ رضى الله عنه قال لرجل: هل تعوّذت بالله من شيطان الإنس؟ ويجوز أن يكون مِنَ متعلقا بيوسوس، ومعناه: ابتداء الغاية، أى: يوسوس في صدورهم من جهة الجنّ ومن جهة الناس، وقيل: من الجنة والناس بيان للناس، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة، واستدلوا بنفر ورجال: في سورة الجن. وما [[قوله «وما أحقه» في الصحاح: حققت الأمر: واحتققته: إذا تحققته وصرت منه على يقين. (ع)]] أحقه، لأن الجن سموا «جنا» لاجتنانهم، والناس «ناسا» لظهورهم، من الإيناس وهو الإبصار، كما سموا بشرا، ولو كان يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك وثبت: لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع. وأجود منه أن يراد بالناس: الناسي، كقوله يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ كما قرئ مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ثم يبين بالجنة والناس، لأنّ الثقلين هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله عز وجل. عن رسول الله ﷺ «لقد أنزلت علىّ سورتان ما أنزل مثلهما، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما [[لم أجده بهذا اللفظ. وأوله في مسلم بمعناه من حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه «أن النبي ﷺ قال له. ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وآخره في ابن حبان من حديث عقبة بمعناه. وأيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لأن يقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ من قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، فان استطعت أن لا تدعهما في صلاة فافعل» .]] » يعنى المعوذتين. ويقال للمعوذتين: المقشقشتان. قال عبد الله الفقير إليه: وأنا أعوذ بهما وبجميع كلمات الله الكاملة التامّة، وألوذ بكنف رحمته الشاملة العامّة، من كل ما يكلم الدين، ويثلم اليقين، أو يعود في العاقبة بالندم، أو يقدح في الإيمان المسوط باللحم والدم [[قوله «المسوط باللحم والدم» أى: المخلوط. أفاده الصحاح. (ع)]] ، وأسأله بخضوع العنق وخشوع البصر، ووضع الخدّ لجلاله الأعظم الأكبر، مستشفعا إليه بنوره الذي هو الشيبة في الإسلام، متوسلا بالتوبة الممحصة للآثام، وبما عنيت به من مهاجرتى إليه ومجاورتي، ومرابطتى بمكة ومصابرتى، على تواكل من القوى، وتخاذل من الخطا، ثم أسأله بحق صراطه المستقيم، وقرآنه المجيد الكريم، وبما لقيت من كدح اليمين وعرق الجبين، في عمل الكشاف عن حقائقه، المخلص عن مضايقه، المطلع على غوامضه، المثبت في مداحضه. الملخص لنكته ولطائف نظمه، المنقر عن فقره وجواهر علمه، المكتنز بالفوائد المفتنة التي لا توجد إلا فيه، المحيط بما لا يكتنه من بدع ألفاظه [[قوله «من بدع ألفاظه» في الصحاح «شيء بدع» بالكسر: أى مبتدع. وفلان بدع في هذا الأمر، أى: بديع (ع)]] ومعانيه، مع الإيجاز الحاذف للفضول، وتجنب المستكره المملول، ولو لم يكن في مضمونه إلا إيراد كل شيء على قانونه، لكفى به ضالة ينشدها محققة الأحبار، وجوهرة يتمنى العثور عليها غاصة البحار، وبما شرفني به ومجدنى، واختصني بكرامته وتوحدني: من ارتفاعه على يدي في مهبط بشاراته ونذره، ومتنزل آياته وسوره، من البلد الأمين بين ظهراني الحرم، وبين يدي البيت المحرم، حتى وقع التأويل، حيث وجد التنزيل: أن يهب لي خاتمة الخير، ويقينى مصارع السوء، ويتجاوز عن فرطاتى يوم التناد، ولا يفضحني بها على رؤس الأشهاد، ويحلني دار المقامة من فضله، بواسع طوله وسابغ نوله، إنه الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم. (في نسخة ما نصه:) في أصل المصنف بخطه رحمه الله تعالى: وهذه النسخة هي نسخة الأصل الأولى التي نقلت من السواد، وهي أم الكشاف الحرمية المباركة المتمسح بها، المحقوقة أن تستنزل بها بركات السماء ويستمطر بها في السنة الشهباء، فرغت منها يد المصنف تجاه الكعبة في جناح داره السليمانية، التي على باب أجياد الموسومة بمدرسة العلامة: ضحوة يوم الاثنين لثالث والعشرين من ربيع الآخر في عام ثمانية وعشرين وخمسمائة، وهو حامد لله على باهر كرمه، ومصل على عبده ورسوله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الناس 114:3

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 6 [نزلت بعد الفلق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قرئ: قل أعوذ، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، ونحوه. فخذ أربعة. فإن قلت: لم قيل [[قال محمود: «إن قلت: لم أضاف اسمه تعالى إليهم خاصة وهو رب كل شيء ... الخ» قال أحمد: وفي التخصيص جرى على عادة الاستعطاف، فانه معه أتم. عاد كلامه قال: واله الناس عطف بيان لملك الناس. أو كلاهما عطف بيان للأول، والثاني أبين: لأن ملك الناس قد يطلق لغير الله تعالى، وأما إله الناس فلا يطلق إلا له عز وجل، فجعل غاية للبيان، وزبد البيان بتكرار ظاهر غير مضمر، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا ما يسر الله من القول» وإنى أبرأ إلى الله تعالى من القوة والحول، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.]] بِرَبِّ النَّاسِ مضافا إليهم خاصة؟ قلت: لأنّ الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس. فكأنه قيل، أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالى أمرهم. فإن قلت: مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ ما هما من رب الناس؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبى حفص عمر الفاروق. بين بملك الناس، ثم زيد بيانا بإله الناس، لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وقد يقال: ملك الناس. وأمّا إِلهِ النَّاسِ فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان. فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرّة واحدة؟ قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار الْوَسْواسِ اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. وأمّا المصدر فوسواس بالكسر كزلزال. والمراد به الشيطان، سمى بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه. أو أريد ذو الوسواس. والوسوسة: الصوت الخفي. ومنه: وسواس الحلي. والْخَنَّاسِ الذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات [[قوله «كالعواج والبتات» بائع العاج، وبائع البتوت: وهي ضرب من الثياب. (ع)]] لما روى عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، فإذا غفل وسوس إليه الَّذِي يُوَسْوِسُ يجوز في محله الحركات الثلاث، فالجر على الصفة، والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارئ على الْخَنَّاسِ ويبتدئ الَّذِي يُوَسْوِسُ على أحد هذين الوجهين مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيان الذي يوسوس، على أن الشيطان ضربان: جنى وإنسى، كما قال شياطين الإنس والجن. وعن أبى ذرّ رضى الله عنه قال لرجل: هل تعوّذت بالله من شيطان الإنس؟ ويجوز أن يكون مِنَ متعلقا بيوسوس، ومعناه: ابتداء الغاية، أى: يوسوس في صدورهم من جهة الجنّ ومن جهة الناس، وقيل: من الجنة والناس بيان للناس، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة، واستدلوا بنفر ورجال: في سورة الجن. وما [[قوله «وما أحقه» في الصحاح: حققت الأمر: واحتققته: إذا تحققته وصرت منه على يقين. (ع)]] أحقه، لأن الجن سموا «جنا» لاجتنانهم، والناس «ناسا» لظهورهم، من الإيناس وهو الإبصار، كما سموا بشرا، ولو كان يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك وثبت: لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع. وأجود منه أن يراد بالناس: الناسي، كقوله يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ كما قرئ مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ثم يبين بالجنة والناس، لأنّ الثقلين هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله عز وجل. عن رسول الله ﷺ «لقد أنزلت علىّ سورتان ما أنزل مثلهما، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما [[لم أجده بهذا اللفظ. وأوله في مسلم بمعناه من حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه «أن النبي ﷺ قال له. ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وآخره في ابن حبان من حديث عقبة بمعناه. وأيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لأن يقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ من قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، فان استطعت أن لا تدعهما في صلاة فافعل» .]] » يعنى المعوذتين. ويقال للمعوذتين: المقشقشتان. قال عبد الله الفقير إليه: وأنا أعوذ بهما وبجميع كلمات الله الكاملة التامّة، وألوذ بكنف رحمته الشاملة العامّة، من كل ما يكلم الدين، ويثلم اليقين، أو يعود في العاقبة بالندم، أو يقدح في الإيمان المسوط باللحم والدم [[قوله «المسوط باللحم والدم» أى: المخلوط. أفاده الصحاح. (ع)]] ، وأسأله بخضوع العنق وخشوع البصر، ووضع الخدّ لجلاله الأعظم الأكبر، مستشفعا إليه بنوره الذي هو الشيبة في الإسلام، متوسلا بالتوبة الممحصة للآثام، وبما عنيت به من مهاجرتى إليه ومجاورتي، ومرابطتى بمكة ومصابرتى، على تواكل من القوى، وتخاذل من الخطا، ثم أسأله بحق صراطه المستقيم، وقرآنه المجيد الكريم، وبما لقيت من كدح اليمين وعرق الجبين، في عمل الكشاف عن حقائقه، المخلص عن مضايقه، المطلع على غوامضه، المثبت في مداحضه. الملخص لنكته ولطائف نظمه، المنقر عن فقره وجواهر علمه، المكتنز بالفوائد المفتنة التي لا توجد إلا فيه، المحيط بما لا يكتنه من بدع ألفاظه [[قوله «من بدع ألفاظه» في الصحاح «شيء بدع» بالكسر: أى مبتدع. وفلان بدع في هذا الأمر، أى: بديع (ع)]] ومعانيه، مع الإيجاز الحاذف للفضول، وتجنب المستكره المملول، ولو لم يكن في مضمونه إلا إيراد كل شيء على قانونه، لكفى به ضالة ينشدها محققة الأحبار، وجوهرة يتمنى العثور عليها غاصة البحار، وبما شرفني به ومجدنى، واختصني بكرامته وتوحدني: من ارتفاعه على يدي في مهبط بشاراته ونذره، ومتنزل آياته وسوره، من البلد الأمين بين ظهراني الحرم، وبين يدي البيت المحرم، حتى وقع التأويل، حيث وجد التنزيل: أن يهب لي خاتمة الخير، ويقينى مصارع السوء، ويتجاوز عن فرطاتى يوم التناد، ولا يفضحني بها على رؤس الأشهاد، ويحلني دار المقامة من فضله، بواسع طوله وسابغ نوله، إنه الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم. (في نسخة ما نصه:) في أصل المصنف بخطه رحمه الله تعالى: وهذه النسخة هي نسخة الأصل الأولى التي نقلت من السواد، وهي أم الكشاف الحرمية المباركة المتمسح بها، المحقوقة أن تستنزل بها بركات السماء ويستمطر بها في السنة الشهباء، فرغت منها يد المصنف تجاه الكعبة في جناح داره السليمانية، التي على باب أجياد الموسومة بمدرسة العلامة: ضحوة يوم الاثنين لثالث والعشرين من ربيع الآخر في عام ثمانية وعشرين وخمسمائة، وهو حامد لله على باهر كرمه، ومصل على عبده ورسوله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الناس 114:4

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 6 [نزلت بعد الفلق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قرئ: قل أعوذ، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، ونحوه. فخذ أربعة. فإن قلت: لم قيل [[قال محمود: «إن قلت: لم أضاف اسمه تعالى إليهم خاصة وهو رب كل شيء ... الخ» قال أحمد: وفي التخصيص جرى على عادة الاستعطاف، فانه معه أتم. عاد كلامه قال: واله الناس عطف بيان لملك الناس. أو كلاهما عطف بيان للأول، والثاني أبين: لأن ملك الناس قد يطلق لغير الله تعالى، وأما إله الناس فلا يطلق إلا له عز وجل، فجعل غاية للبيان، وزبد البيان بتكرار ظاهر غير مضمر، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا ما يسر الله من القول» وإنى أبرأ إلى الله تعالى من القوة والحول، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.]] بِرَبِّ النَّاسِ مضافا إليهم خاصة؟ قلت: لأنّ الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس. فكأنه قيل، أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالى أمرهم. فإن قلت: مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ ما هما من رب الناس؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبى حفص عمر الفاروق. بين بملك الناس، ثم زيد بيانا بإله الناس، لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وقد يقال: ملك الناس. وأمّا إِلهِ النَّاسِ فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان. فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرّة واحدة؟ قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار الْوَسْواسِ اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. وأمّا المصدر فوسواس بالكسر كزلزال. والمراد به الشيطان، سمى بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه. أو أريد ذو الوسواس. والوسوسة: الصوت الخفي. ومنه: وسواس الحلي. والْخَنَّاسِ الذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات [[قوله «كالعواج والبتات» بائع العاج، وبائع البتوت: وهي ضرب من الثياب. (ع)]] لما روى عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، فإذا غفل وسوس إليه الَّذِي يُوَسْوِسُ يجوز في محله الحركات الثلاث، فالجر على الصفة، والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارئ على الْخَنَّاسِ ويبتدئ الَّذِي يُوَسْوِسُ على أحد هذين الوجهين مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيان الذي يوسوس، على أن الشيطان ضربان: جنى وإنسى، كما قال شياطين الإنس والجن. وعن أبى ذرّ رضى الله عنه قال لرجل: هل تعوّذت بالله من شيطان الإنس؟ ويجوز أن يكون مِنَ متعلقا بيوسوس، ومعناه: ابتداء الغاية، أى: يوسوس في صدورهم من جهة الجنّ ومن جهة الناس، وقيل: من الجنة والناس بيان للناس، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة، واستدلوا بنفر ورجال: في سورة الجن. وما [[قوله «وما أحقه» في الصحاح: حققت الأمر: واحتققته: إذا تحققته وصرت منه على يقين. (ع)]] أحقه، لأن الجن سموا «جنا» لاجتنانهم، والناس «ناسا» لظهورهم، من الإيناس وهو الإبصار، كما سموا بشرا، ولو كان يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك وثبت: لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع. وأجود منه أن يراد بالناس: الناسي، كقوله يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ كما قرئ مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ثم يبين بالجنة والناس، لأنّ الثقلين هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله عز وجل. عن رسول الله ﷺ «لقد أنزلت علىّ سورتان ما أنزل مثلهما، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما [[لم أجده بهذا اللفظ. وأوله في مسلم بمعناه من حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه «أن النبي ﷺ قال له. ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وآخره في ابن حبان من حديث عقبة بمعناه. وأيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لأن يقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ من قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، فان استطعت أن لا تدعهما في صلاة فافعل» .]] » يعنى المعوذتين. ويقال للمعوذتين: المقشقشتان. قال عبد الله الفقير إليه: وأنا أعوذ بهما وبجميع كلمات الله الكاملة التامّة، وألوذ بكنف رحمته الشاملة العامّة، من كل ما يكلم الدين، ويثلم اليقين، أو يعود في العاقبة بالندم، أو يقدح في الإيمان المسوط باللحم والدم [[قوله «المسوط باللحم والدم» أى: المخلوط. أفاده الصحاح. (ع)]] ، وأسأله بخضوع العنق وخشوع البصر، ووضع الخدّ لجلاله الأعظم الأكبر، مستشفعا إليه بنوره الذي هو الشيبة في الإسلام، متوسلا بالتوبة الممحصة للآثام، وبما عنيت به من مهاجرتى إليه ومجاورتي، ومرابطتى بمكة ومصابرتى، على تواكل من القوى، وتخاذل من الخطا، ثم أسأله بحق صراطه المستقيم، وقرآنه المجيد الكريم، وبما لقيت من كدح اليمين وعرق الجبين، في عمل الكشاف عن حقائقه، المخلص عن مضايقه، المطلع على غوامضه، المثبت في مداحضه. الملخص لنكته ولطائف نظمه، المنقر عن فقره وجواهر علمه، المكتنز بالفوائد المفتنة التي لا توجد إلا فيه، المحيط بما لا يكتنه من بدع ألفاظه [[قوله «من بدع ألفاظه» في الصحاح «شيء بدع» بالكسر: أى مبتدع. وفلان بدع في هذا الأمر، أى: بديع (ع)]] ومعانيه، مع الإيجاز الحاذف للفضول، وتجنب المستكره المملول، ولو لم يكن في مضمونه إلا إيراد كل شيء على قانونه، لكفى به ضالة ينشدها محققة الأحبار، وجوهرة يتمنى العثور عليها غاصة البحار، وبما شرفني به ومجدنى، واختصني بكرامته وتوحدني: من ارتفاعه على يدي في مهبط بشاراته ونذره، ومتنزل آياته وسوره، من البلد الأمين بين ظهراني الحرم، وبين يدي البيت المحرم، حتى وقع التأويل، حيث وجد التنزيل: أن يهب لي خاتمة الخير، ويقينى مصارع السوء، ويتجاوز عن فرطاتى يوم التناد، ولا يفضحني بها على رؤس الأشهاد، ويحلني دار المقامة من فضله، بواسع طوله وسابغ نوله، إنه الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم. (في نسخة ما نصه:) في أصل المصنف بخطه رحمه الله تعالى: وهذه النسخة هي نسخة الأصل الأولى التي نقلت من السواد، وهي أم الكشاف الحرمية المباركة المتمسح بها، المحقوقة أن تستنزل بها بركات السماء ويستمطر بها في السنة الشهباء، فرغت منها يد المصنف تجاه الكعبة في جناح داره السليمانية، التي على باب أجياد الموسومة بمدرسة العلامة: ضحوة يوم الاثنين لثالث والعشرين من ربيع الآخر في عام ثمانية وعشرين وخمسمائة، وهو حامد لله على باهر كرمه، ومصل على عبده ورسوله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الناس 114:5

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 6 [نزلت بعد الفلق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قرئ: قل أعوذ، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، ونحوه. فخذ أربعة. فإن قلت: لم قيل [[قال محمود: «إن قلت: لم أضاف اسمه تعالى إليهم خاصة وهو رب كل شيء ... الخ» قال أحمد: وفي التخصيص جرى على عادة الاستعطاف، فانه معه أتم. عاد كلامه قال: واله الناس عطف بيان لملك الناس. أو كلاهما عطف بيان للأول، والثاني أبين: لأن ملك الناس قد يطلق لغير الله تعالى، وأما إله الناس فلا يطلق إلا له عز وجل، فجعل غاية للبيان، وزبد البيان بتكرار ظاهر غير مضمر، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا ما يسر الله من القول» وإنى أبرأ إلى الله تعالى من القوة والحول، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.]] بِرَبِّ النَّاسِ مضافا إليهم خاصة؟ قلت: لأنّ الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس. فكأنه قيل، أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالى أمرهم. فإن قلت: مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ ما هما من رب الناس؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبى حفص عمر الفاروق. بين بملك الناس، ثم زيد بيانا بإله الناس، لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وقد يقال: ملك الناس. وأمّا إِلهِ النَّاسِ فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان. فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرّة واحدة؟ قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار الْوَسْواسِ اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. وأمّا المصدر فوسواس بالكسر كزلزال. والمراد به الشيطان، سمى بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه. أو أريد ذو الوسواس. والوسوسة: الصوت الخفي. ومنه: وسواس الحلي. والْخَنَّاسِ الذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات [[قوله «كالعواج والبتات» بائع العاج، وبائع البتوت: وهي ضرب من الثياب. (ع)]] لما روى عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، فإذا غفل وسوس إليه الَّذِي يُوَسْوِسُ يجوز في محله الحركات الثلاث، فالجر على الصفة، والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارئ على الْخَنَّاسِ ويبتدئ الَّذِي يُوَسْوِسُ على أحد هذين الوجهين مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيان الذي يوسوس، على أن الشيطان ضربان: جنى وإنسى، كما قال شياطين الإنس والجن. وعن أبى ذرّ رضى الله عنه قال لرجل: هل تعوّذت بالله من شيطان الإنس؟ ويجوز أن يكون مِنَ متعلقا بيوسوس، ومعناه: ابتداء الغاية، أى: يوسوس في صدورهم من جهة الجنّ ومن جهة الناس، وقيل: من الجنة والناس بيان للناس، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة، واستدلوا بنفر ورجال: في سورة الجن. وما [[قوله «وما أحقه» في الصحاح: حققت الأمر: واحتققته: إذا تحققته وصرت منه على يقين. (ع)]] أحقه، لأن الجن سموا «جنا» لاجتنانهم، والناس «ناسا» لظهورهم، من الإيناس وهو الإبصار، كما سموا بشرا، ولو كان يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك وثبت: لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع. وأجود منه أن يراد بالناس: الناسي، كقوله يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ كما قرئ مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ثم يبين بالجنة والناس، لأنّ الثقلين هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله عز وجل. عن رسول الله ﷺ «لقد أنزلت علىّ سورتان ما أنزل مثلهما، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما [[لم أجده بهذا اللفظ. وأوله في مسلم بمعناه من حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه «أن النبي ﷺ قال له. ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وآخره في ابن حبان من حديث عقبة بمعناه. وأيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لأن يقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ من قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، فان استطعت أن لا تدعهما في صلاة فافعل» .]] » يعنى المعوذتين. ويقال للمعوذتين: المقشقشتان. قال عبد الله الفقير إليه: وأنا أعوذ بهما وبجميع كلمات الله الكاملة التامّة، وألوذ بكنف رحمته الشاملة العامّة، من كل ما يكلم الدين، ويثلم اليقين، أو يعود في العاقبة بالندم، أو يقدح في الإيمان المسوط باللحم والدم [[قوله «المسوط باللحم والدم» أى: المخلوط. أفاده الصحاح. (ع)]] ، وأسأله بخضوع العنق وخشوع البصر، ووضع الخدّ لجلاله الأعظم الأكبر، مستشفعا إليه بنوره الذي هو الشيبة في الإسلام، متوسلا بالتوبة الممحصة للآثام، وبما عنيت به من مهاجرتى إليه ومجاورتي، ومرابطتى بمكة ومصابرتى، على تواكل من القوى، وتخاذل من الخطا، ثم أسأله بحق صراطه المستقيم، وقرآنه المجيد الكريم، وبما لقيت من كدح اليمين وعرق الجبين، في عمل الكشاف عن حقائقه، المخلص عن مضايقه، المطلع على غوامضه، المثبت في مداحضه. الملخص لنكته ولطائف نظمه، المنقر عن فقره وجواهر علمه، المكتنز بالفوائد المفتنة التي لا توجد إلا فيه، المحيط بما لا يكتنه من بدع ألفاظه [[قوله «من بدع ألفاظه» في الصحاح «شيء بدع» بالكسر: أى مبتدع. وفلان بدع في هذا الأمر، أى: بديع (ع)]] ومعانيه، مع الإيجاز الحاذف للفضول، وتجنب المستكره المملول، ولو لم يكن في مضمونه إلا إيراد كل شيء على قانونه، لكفى به ضالة ينشدها محققة الأحبار، وجوهرة يتمنى العثور عليها غاصة البحار، وبما شرفني به ومجدنى، واختصني بكرامته وتوحدني: من ارتفاعه على يدي في مهبط بشاراته ونذره، ومتنزل آياته وسوره، من البلد الأمين بين ظهراني الحرم، وبين يدي البيت المحرم، حتى وقع التأويل، حيث وجد التنزيل: أن يهب لي خاتمة الخير، ويقينى مصارع السوء، ويتجاوز عن فرطاتى يوم التناد، ولا يفضحني بها على رؤس الأشهاد، ويحلني دار المقامة من فضله، بواسع طوله وسابغ نوله، إنه الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم. (في نسخة ما نصه:) في أصل المصنف بخطه رحمه الله تعالى: وهذه النسخة هي نسخة الأصل الأولى التي نقلت من السواد، وهي أم الكشاف الحرمية المباركة المتمسح بها، المحقوقة أن تستنزل بها بركات السماء ويستمطر بها في السنة الشهباء، فرغت منها يد المصنف تجاه الكعبة في جناح داره السليمانية، التي على باب أجياد الموسومة بمدرسة العلامة: ضحوة يوم الاثنين لثالث والعشرين من ربيع الآخر في عام ثمانية وعشرين وخمسمائة، وهو حامد لله على باهر كرمه، ومصل على عبده ورسوله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الناس 114:6

مكية، وقيل مدنية، وآياتها 6 [نزلت بعد الفلق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قرئ: قل أعوذ، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، ونحوه. فخذ أربعة. فإن قلت: لم قيل [[قال محمود: «إن قلت: لم أضاف اسمه تعالى إليهم خاصة وهو رب كل شيء ... الخ» قال أحمد: وفي التخصيص جرى على عادة الاستعطاف، فانه معه أتم. عاد كلامه قال: واله الناس عطف بيان لملك الناس. أو كلاهما عطف بيان للأول، والثاني أبين: لأن ملك الناس قد يطلق لغير الله تعالى، وأما إله الناس فلا يطلق إلا له عز وجل، فجعل غاية للبيان، وزبد البيان بتكرار ظاهر غير مضمر، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا ما يسر الله من القول» وإنى أبرأ إلى الله تعالى من القوة والحول، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.]] بِرَبِّ النَّاسِ مضافا إليهم خاصة؟ قلت: لأنّ الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس. فكأنه قيل، أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالى أمرهم. فإن قلت: مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ ما هما من رب الناس؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبى حفص عمر الفاروق. بين بملك الناس، ثم زيد بيانا بإله الناس، لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وقد يقال: ملك الناس. وأمّا إِلهِ النَّاسِ فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان. فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرّة واحدة؟ قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار الْوَسْواسِ اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. وأمّا المصدر فوسواس بالكسر كزلزال. والمراد به الشيطان، سمى بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه. أو أريد ذو الوسواس. والوسوسة: الصوت الخفي. ومنه: وسواس الحلي. والْخَنَّاسِ الذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات [[قوله «كالعواج والبتات» بائع العاج، وبائع البتوت: وهي ضرب من الثياب. (ع)]] لما روى عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، فإذا غفل وسوس إليه الَّذِي يُوَسْوِسُ يجوز في محله الحركات الثلاث، فالجر على الصفة، والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارئ على الْخَنَّاسِ ويبتدئ الَّذِي يُوَسْوِسُ على أحد هذين الوجهين مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيان الذي يوسوس، على أن الشيطان ضربان: جنى وإنسى، كما قال شياطين الإنس والجن. وعن أبى ذرّ رضى الله عنه قال لرجل: هل تعوّذت بالله من شيطان الإنس؟ ويجوز أن يكون مِنَ متعلقا بيوسوس، ومعناه: ابتداء الغاية، أى: يوسوس في صدورهم من جهة الجنّ ومن جهة الناس، وقيل: من الجنة والناس بيان للناس، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة، واستدلوا بنفر ورجال: في سورة الجن. وما [[قوله «وما أحقه» في الصحاح: حققت الأمر: واحتققته: إذا تحققته وصرت منه على يقين. (ع)]] أحقه، لأن الجن سموا «جنا» لاجتنانهم، والناس «ناسا» لظهورهم، من الإيناس وهو الإبصار، كما سموا بشرا، ولو كان يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك وثبت: لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع. وأجود منه أن يراد بالناس: الناسي، كقوله يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ كما قرئ مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ثم يبين بالجنة والناس، لأنّ الثقلين هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله عز وجل. عن رسول الله ﷺ «لقد أنزلت علىّ سورتان ما أنزل مثلهما، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما [[لم أجده بهذا اللفظ. وأوله في مسلم بمعناه من حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه «أن النبي ﷺ قال له. ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وآخره في ابن حبان من حديث عقبة بمعناه. وأيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لأن يقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ من قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، فان استطعت أن لا تدعهما في صلاة فافعل» .]] » يعنى المعوذتين. ويقال للمعوذتين: المقشقشتان. قال عبد الله الفقير إليه: وأنا أعوذ بهما وبجميع كلمات الله الكاملة التامّة، وألوذ بكنف رحمته الشاملة العامّة، من كل ما يكلم الدين، ويثلم اليقين، أو يعود في العاقبة بالندم، أو يقدح في الإيمان المسوط باللحم والدم [[قوله «المسوط باللحم والدم» أى: المخلوط. أفاده الصحاح. (ع)]] ، وأسأله بخضوع العنق وخشوع البصر، ووضع الخدّ لجلاله الأعظم الأكبر، مستشفعا إليه بنوره الذي هو الشيبة في الإسلام، متوسلا بالتوبة الممحصة للآثام، وبما عنيت به من مهاجرتى إليه ومجاورتي، ومرابطتى بمكة ومصابرتى، على تواكل من القوى، وتخاذل من الخطا، ثم أسأله بحق صراطه المستقيم، وقرآنه المجيد الكريم، وبما لقيت من كدح اليمين وعرق الجبين، في عمل الكشاف عن حقائقه، المخلص عن مضايقه، المطلع على غوامضه، المثبت في مداحضه. الملخص لنكته ولطائف نظمه، المنقر عن فقره وجواهر علمه، المكتنز بالفوائد المفتنة التي لا توجد إلا فيه، المحيط بما لا يكتنه من بدع ألفاظه [[قوله «من بدع ألفاظه» في الصحاح «شيء بدع» بالكسر: أى مبتدع. وفلان بدع في هذا الأمر، أى: بديع (ع)]] ومعانيه، مع الإيجاز الحاذف للفضول، وتجنب المستكره المملول، ولو لم يكن في مضمونه إلا إيراد كل شيء على قانونه، لكفى به ضالة ينشدها محققة الأحبار، وجوهرة يتمنى العثور عليها غاصة البحار، وبما شرفني به ومجدنى، واختصني بكرامته وتوحدني: من ارتفاعه على يدي في مهبط بشاراته ونذره، ومتنزل آياته وسوره، من البلد الأمين بين ظهراني الحرم، وبين يدي البيت المحرم، حتى وقع التأويل، حيث وجد التنزيل: أن يهب لي خاتمة الخير، ويقينى مصارع السوء، ويتجاوز عن فرطاتى يوم التناد، ولا يفضحني بها على رؤس الأشهاد، ويحلني دار المقامة من فضله، بواسع طوله وسابغ نوله، إنه الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم. (في نسخة ما نصه:) في أصل المصنف بخطه رحمه الله تعالى: وهذه النسخة هي نسخة الأصل الأولى التي نقلت من السواد، وهي أم الكشاف الحرمية المباركة المتمسح بها، المحقوقة أن تستنزل بها بركات السماء ويستمطر بها في السنة الشهباء، فرغت منها يد المصنف تجاه الكعبة في جناح داره السليمانية، التي على باب أجياد الموسومة بمدرسة العلامة: ضحوة يوم الاثنين لثالث والعشرين من ربيع الآخر في عام ثمانية وعشرين وخمسمائة، وهو حامد لله على باهر كرمه، ومصل على عبده ورسوله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.