Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — القصص 28:1 – القصص 28:61

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. القصص 28:1
  2. القصص 28:2
  3. القصص 28:3
  4. القصص 28:4
  5. القصص 28:5
  6. القصص 28:6
  7. القصص 28:7
  8. القصص 28:8
  9. القصص 28:9
  10. القصص 28:10
  11. القصص 28:11
  12. القصص 28:12
  13. القصص 28:13
  14. القصص 28:14
  15. القصص 28:15
  16. القصص 28:16
  17. القصص 28:17
  18. القصص 28:18
  19. القصص 28:19
  20. القصص 28:20
  21. القصص 28:21
  22. القصص 28:22
  23. القصص 28:23
  24. القصص 28:24
  25. القصص 28:25
  26. القصص 28:26
  27. القصص 28:27
  28. القصص 28:28
  29. القصص 28:29
  30. القصص 28:30
  31. القصص 28:31
  32. القصص 28:32
  33. القصص 28:33
  34. القصص 28:34
  35. القصص 28:35
  36. القصص 28:36
  37. القصص 28:37
  38. القصص 28:38
  39. القصص 28:39
  40. القصص 28:40
  41. القصص 28:41
  42. القصص 28:42
  43. القصص 28:43
  44. القصص 28:44
  45. القصص 28:45
  46. القصص 28:46
  47. القصص 28:47
  48. القصص 28:48
  49. القصص 28:49
  50. القصص 28:50
  51. القصص 28:51
  52. القصص 28:52
  53. القصص 28:53
  54. القصص 28:54
  55. القصص 28:55
  56. القصص 28:56
  57. القصص 28:57
  58. القصص 28:58
  59. القصص 28:59
  60. القصص 28:60
  61. القصص 28:61

القصص 28:1

بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «نَتْلُوا عَلَيْكَ» يجوز أن يكون مفعول «نَتْلُو» محذوفاً دَلَّت عليه صفته وهي: ﴿مِنْ نَّبَإِ موسى﴾ (تقديره: نَتْلُو عَلَيْكَ شَيْئاً مِنْ نَبَأ مُوسَى، ويجوز أن تكونَ «مِنْ» مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى) . قوله: «بِالحَقِّ» يجوز أن يكون حالاً من فاعل «نَتْلُو» ، أو من مفعوله، أي نَتْلُو عَلَيْكَ بَعْضَ خبرها مُتلبسين أو مُتَلبساً بالحق أو متعلقاً بنفس «نَتْلُو» بمعنى: نَتْلُوه بسبب الحق و «لِقَوْم» متعلق بفعل التلاوة أي: لأجل هؤلاء: و «يُؤْمِنُونَ» يصدقون، وخَصَّهُمْ بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا. قوله: «إِنَّ فِرْعْونَ» هذا هو المتلُوّ جيء به في جملة مستأنفة مؤكدة. وقرىء «فِرْعَونَ» بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو الفسطاط، ﴿عَلاَ فِي الأرض﴾ استكبر وتجبَّر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ فرقاً وأصنافاً في الخدمة والتسخير، يتبعونه على ما يريد ويطيعونه. قوله: يَسْتَضْعِفُ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مستأنفٌ بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً. الثاني: أنه حال من فاعل «جَعَلَ» أي: جعلهم كذا حال كونه مستضعفاً طائفة منهم. الثالث: أنه صفة ل «طَائِفَةٍ» . قوله: «يُذْبِّحُ» يجوز فيه الثلاثة الأوجه: الاستئناف تفسيراً ل «يَسْتَضْعِف» . أو الحال من فاعله أو صفة ثانية ل «طَائِفَة» . والعامة على التشديد في «يُذَبِّح» للتكثير. وأبو حيوة وابن محيصن «يَذْبَح» مفتوح الياء والباء مضارع «ذَبَحَ» مخففاً. فصل المراد بالطائفة بنو إسرائيل، ثم فسَّرَ الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ، سمَّى هذا استضعافاً؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ ذكروا في سبب ذبح الأبناء وجوهاً: قيل: إنَّ كاهناً قال له يُولَدُ مَوْلُود في بني إسرائيل في ليلة كذا (يذهب ملكك) على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً، فقتلهم وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى تسعين ألفاً من بني إسرائيل. وقال السدي: إنَّ فرعون رأى في منامه أنَّ ناراً أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل. فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على يده، فأمر بقتل الذكور، وقيل: إن الإنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون بذلك فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل. قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطفٌ على قوله: «إِنَّ فِرْعَوْنَ» عطفُ عليه على اسمية، لأن كلتيهما تفسير للنبأ. الثاني: أنه حالٌ من فاعل «يَسْتَضْعِفُ» وفيه ضعف من حيث الصناعة ومن حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه (مضارعاً) مثبتاً فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريك، كقوله: 3974 - نَجَوْتُ وأَرْهَنهم مَالِكا ... وهذا تكلُّفٌ لا حاجة إليه. وأما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون، وإرادة المنّة من الله، لأنه متى مَنَّ اللَّهُ عليهم تعذَّر استضعاف فرعون إياهم. وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المِنَّةُ بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع جعل إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم. قوله: «وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً» قال مجاهد: دعاة إلى الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكاً كقوله تعالى: «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً» ، وقيل: يهتدى بهم في الخير، «وَنَجْعَلَهُمْ الوَارِثِينَ» يعني لملك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم. قوله: «وَنُمَكِّنَ» العامة على ذلك من غير لام علَّة، والأعمش: وَلِنُمَكَّنَ «بلام العلة ومتعلقها محذوف، أي: ولنمكن فعلنا ذلك، والمعنى: نوطىء لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكاناً يستقرون فيه، وننفذ أمرهم ونطلق أيديهم، يقال: مكَّن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه وأوطأه ومهده. قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ قرأ الأخوان:» وَيَرَى «بفتح الياء والراء مضارع (رأى) مسنداً إلى» فِرْعَوْنَ «وما عطف عليه فلذلك رفعوا، والباقون بضم النون وكسر الراء مضارع (أَرَى) ، فلذلك نصب» فِرْعَونَ «وما عطف عليه مفعولاً أول،» وَمَا كَانُوا «هو الثاني. و» مِنْهُم «متعلق بفعل الرُّؤية أو الإرادة، لا ب» يَحْذَرُونَ «لأَنَّ ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، ولا ضرورة بنا إلى أَنْ نقولَ اتسع فيه، والحذر هو التوقي من الضَّرر، والمعنى: وما كانوا خائفين منه. قوله:» أَنْ أَرْضِعِيهِ» يجوز أن تكون المفسرة والمصدرية، وقرأ عمر بن عبد العزيز وعمر بن عبد الواحد بكسر النون على التقاء الساكنين، وكأنه حذف همزة القطع على غير قياس فالتقى ساكنان، فكسر أولهما. فصل

القصص 28:2

بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «نَتْلُوا عَلَيْكَ» يجوز أن يكون مفعول «نَتْلُو» محذوفاً دَلَّت عليه صفته وهي: ﴿مِنْ نَّبَإِ موسى﴾ (تقديره: نَتْلُو عَلَيْكَ شَيْئاً مِنْ نَبَأ مُوسَى، ويجوز أن تكونَ «مِنْ» مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى) . قوله: «بِالحَقِّ» يجوز أن يكون حالاً من فاعل «نَتْلُو» ، أو من مفعوله، أي نَتْلُو عَلَيْكَ بَعْضَ خبرها مُتلبسين أو مُتَلبساً بالحق أو متعلقاً بنفس «نَتْلُو» بمعنى: نَتْلُوه بسبب الحق و «لِقَوْم» متعلق بفعل التلاوة أي: لأجل هؤلاء: و «يُؤْمِنُونَ» يصدقون، وخَصَّهُمْ بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا. قوله: «إِنَّ فِرْعْونَ» هذا هو المتلُوّ جيء به في جملة مستأنفة مؤكدة. وقرىء «فِرْعَونَ» بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو الفسطاط، ﴿عَلاَ فِي الأرض﴾ استكبر وتجبَّر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ فرقاً وأصنافاً في الخدمة والتسخير، يتبعونه على ما يريد ويطيعونه. قوله: يَسْتَضْعِفُ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مستأنفٌ بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً. الثاني: أنه حال من فاعل «جَعَلَ» أي: جعلهم كذا حال كونه مستضعفاً طائفة منهم. الثالث: أنه صفة ل «طَائِفَةٍ» . قوله: «يُذْبِّحُ» يجوز فيه الثلاثة الأوجه: الاستئناف تفسيراً ل «يَسْتَضْعِف» . أو الحال من فاعله أو صفة ثانية ل «طَائِفَة» . والعامة على التشديد في «يُذَبِّح» للتكثير. وأبو حيوة وابن محيصن «يَذْبَح» مفتوح الياء والباء مضارع «ذَبَحَ» مخففاً. فصل المراد بالطائفة بنو إسرائيل، ثم فسَّرَ الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ، سمَّى هذا استضعافاً؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ ذكروا في سبب ذبح الأبناء وجوهاً: قيل: إنَّ كاهناً قال له يُولَدُ مَوْلُود في بني إسرائيل في ليلة كذا (يذهب ملكك) على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً، فقتلهم وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى تسعين ألفاً من بني إسرائيل. وقال السدي: إنَّ فرعون رأى في منامه أنَّ ناراً أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل. فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على يده، فأمر بقتل الذكور، وقيل: إن الإنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون بذلك فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل. قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطفٌ على قوله: «إِنَّ فِرْعَوْنَ» عطفُ عليه على اسمية، لأن كلتيهما تفسير للنبأ. الثاني: أنه حالٌ من فاعل «يَسْتَضْعِفُ» وفيه ضعف من حيث الصناعة ومن حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه (مضارعاً) مثبتاً فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريك، كقوله: 3974 - نَجَوْتُ وأَرْهَنهم مَالِكا ... وهذا تكلُّفٌ لا حاجة إليه. وأما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون، وإرادة المنّة من الله، لأنه متى مَنَّ اللَّهُ عليهم تعذَّر استضعاف فرعون إياهم. وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المِنَّةُ بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع جعل إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم. قوله: «وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً» قال مجاهد: دعاة إلى الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكاً كقوله تعالى: «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً» ، وقيل: يهتدى بهم في الخير، «وَنَجْعَلَهُمْ الوَارِثِينَ» يعني لملك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم. قوله: «وَنُمَكِّنَ» العامة على ذلك من غير لام علَّة، والأعمش: وَلِنُمَكَّنَ «بلام العلة ومتعلقها محذوف، أي: ولنمكن فعلنا ذلك، والمعنى: نوطىء لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكاناً يستقرون فيه، وننفذ أمرهم ونطلق أيديهم، يقال: مكَّن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه وأوطأه ومهده. قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ قرأ الأخوان:» وَيَرَى «بفتح الياء والراء مضارع (رأى) مسنداً إلى» فِرْعَوْنَ «وما عطف عليه فلذلك رفعوا، والباقون بضم النون وكسر الراء مضارع (أَرَى) ، فلذلك نصب» فِرْعَونَ «وما عطف عليه مفعولاً أول،» وَمَا كَانُوا «هو الثاني. و» مِنْهُم «متعلق بفعل الرُّؤية أو الإرادة، لا ب» يَحْذَرُونَ «لأَنَّ ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، ولا ضرورة بنا إلى أَنْ نقولَ اتسع فيه، والحذر هو التوقي من الضَّرر، والمعنى: وما كانوا خائفين منه. قوله:» أَنْ أَرْضِعِيهِ» يجوز أن تكون المفسرة والمصدرية، وقرأ عمر بن عبد العزيز وعمر بن عبد الواحد بكسر النون على التقاء الساكنين، وكأنه حذف همزة القطع على غير قياس فالتقى ساكنان، فكسر أولهما. فصل

القصص 28:3

بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «نَتْلُوا عَلَيْكَ» يجوز أن يكون مفعول «نَتْلُو» محذوفاً دَلَّت عليه صفته وهي: ﴿مِنْ نَّبَإِ موسى﴾ (تقديره: نَتْلُو عَلَيْكَ شَيْئاً مِنْ نَبَأ مُوسَى، ويجوز أن تكونَ «مِنْ» مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى) . قوله: «بِالحَقِّ» يجوز أن يكون حالاً من فاعل «نَتْلُو» ، أو من مفعوله، أي نَتْلُو عَلَيْكَ بَعْضَ خبرها مُتلبسين أو مُتَلبساً بالحق أو متعلقاً بنفس «نَتْلُو» بمعنى: نَتْلُوه بسبب الحق و «لِقَوْم» متعلق بفعل التلاوة أي: لأجل هؤلاء: و «يُؤْمِنُونَ» يصدقون، وخَصَّهُمْ بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا. قوله: «إِنَّ فِرْعْونَ» هذا هو المتلُوّ جيء به في جملة مستأنفة مؤكدة. وقرىء «فِرْعَونَ» بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو الفسطاط، ﴿عَلاَ فِي الأرض﴾ استكبر وتجبَّر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ فرقاً وأصنافاً في الخدمة والتسخير، يتبعونه على ما يريد ويطيعونه. قوله: يَسْتَضْعِفُ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مستأنفٌ بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً. الثاني: أنه حال من فاعل «جَعَلَ» أي: جعلهم كذا حال كونه مستضعفاً طائفة منهم. الثالث: أنه صفة ل «طَائِفَةٍ» . قوله: «يُذْبِّحُ» يجوز فيه الثلاثة الأوجه: الاستئناف تفسيراً ل «يَسْتَضْعِف» . أو الحال من فاعله أو صفة ثانية ل «طَائِفَة» . والعامة على التشديد في «يُذَبِّح» للتكثير. وأبو حيوة وابن محيصن «يَذْبَح» مفتوح الياء والباء مضارع «ذَبَحَ» مخففاً. فصل المراد بالطائفة بنو إسرائيل، ثم فسَّرَ الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ، سمَّى هذا استضعافاً؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ ذكروا في سبب ذبح الأبناء وجوهاً: قيل: إنَّ كاهناً قال له يُولَدُ مَوْلُود في بني إسرائيل في ليلة كذا (يذهب ملكك) على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً، فقتلهم وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى تسعين ألفاً من بني إسرائيل. وقال السدي: إنَّ فرعون رأى في منامه أنَّ ناراً أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل. فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على يده، فأمر بقتل الذكور، وقيل: إن الإنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون بذلك فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل. قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطفٌ على قوله: «إِنَّ فِرْعَوْنَ» عطفُ عليه على اسمية، لأن كلتيهما تفسير للنبأ. الثاني: أنه حالٌ من فاعل «يَسْتَضْعِفُ» وفيه ضعف من حيث الصناعة ومن حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه (مضارعاً) مثبتاً فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريك، كقوله: 3974 - نَجَوْتُ وأَرْهَنهم مَالِكا ... وهذا تكلُّفٌ لا حاجة إليه. وأما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون، وإرادة المنّة من الله، لأنه متى مَنَّ اللَّهُ عليهم تعذَّر استضعاف فرعون إياهم. وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المِنَّةُ بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع جعل إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم. قوله: «وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً» قال مجاهد: دعاة إلى الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكاً كقوله تعالى: «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً» ، وقيل: يهتدى بهم في الخير، «وَنَجْعَلَهُمْ الوَارِثِينَ» يعني لملك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم. قوله: «وَنُمَكِّنَ» العامة على ذلك من غير لام علَّة، والأعمش: وَلِنُمَكَّنَ «بلام العلة ومتعلقها محذوف، أي: ولنمكن فعلنا ذلك، والمعنى: نوطىء لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكاناً يستقرون فيه، وننفذ أمرهم ونطلق أيديهم، يقال: مكَّن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه وأوطأه ومهده. قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ قرأ الأخوان:» وَيَرَى «بفتح الياء والراء مضارع (رأى) مسنداً إلى» فِرْعَوْنَ «وما عطف عليه فلذلك رفعوا، والباقون بضم النون وكسر الراء مضارع (أَرَى) ، فلذلك نصب» فِرْعَونَ «وما عطف عليه مفعولاً أول،» وَمَا كَانُوا «هو الثاني. و» مِنْهُم «متعلق بفعل الرُّؤية أو الإرادة، لا ب» يَحْذَرُونَ «لأَنَّ ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، ولا ضرورة بنا إلى أَنْ نقولَ اتسع فيه، والحذر هو التوقي من الضَّرر، والمعنى: وما كانوا خائفين منه. قوله:» أَنْ أَرْضِعِيهِ» يجوز أن تكون المفسرة والمصدرية، وقرأ عمر بن عبد العزيز وعمر بن عبد الواحد بكسر النون على التقاء الساكنين، وكأنه حذف همزة القطع على غير قياس فالتقى ساكنان، فكسر أولهما. فصل

القصص 28:4

بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «نَتْلُوا عَلَيْكَ» يجوز أن يكون مفعول «نَتْلُو» محذوفاً دَلَّت عليه صفته وهي: ﴿مِنْ نَّبَإِ موسى﴾ (تقديره: نَتْلُو عَلَيْكَ شَيْئاً مِنْ نَبَأ مُوسَى، ويجوز أن تكونَ «مِنْ» مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى) . قوله: «بِالحَقِّ» يجوز أن يكون حالاً من فاعل «نَتْلُو» ، أو من مفعوله، أي نَتْلُو عَلَيْكَ بَعْضَ خبرها مُتلبسين أو مُتَلبساً بالحق أو متعلقاً بنفس «نَتْلُو» بمعنى: نَتْلُوه بسبب الحق و «لِقَوْم» متعلق بفعل التلاوة أي: لأجل هؤلاء: و «يُؤْمِنُونَ» يصدقون، وخَصَّهُمْ بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا. قوله: «إِنَّ فِرْعْونَ» هذا هو المتلُوّ جيء به في جملة مستأنفة مؤكدة. وقرىء «فِرْعَونَ» بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو الفسطاط، ﴿عَلاَ فِي الأرض﴾ استكبر وتجبَّر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ فرقاً وأصنافاً في الخدمة والتسخير، يتبعونه على ما يريد ويطيعونه. قوله: يَسْتَضْعِفُ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مستأنفٌ بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً. الثاني: أنه حال من فاعل «جَعَلَ» أي: جعلهم كذا حال كونه مستضعفاً طائفة منهم. الثالث: أنه صفة ل «طَائِفَةٍ» . قوله: «يُذْبِّحُ» يجوز فيه الثلاثة الأوجه: الاستئناف تفسيراً ل «يَسْتَضْعِف» . أو الحال من فاعله أو صفة ثانية ل «طَائِفَة» . والعامة على التشديد في «يُذَبِّح» للتكثير. وأبو حيوة وابن محيصن «يَذْبَح» مفتوح الياء والباء مضارع «ذَبَحَ» مخففاً. فصل المراد بالطائفة بنو إسرائيل، ثم فسَّرَ الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ، سمَّى هذا استضعافاً؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ ذكروا في سبب ذبح الأبناء وجوهاً: قيل: إنَّ كاهناً قال له يُولَدُ مَوْلُود في بني إسرائيل في ليلة كذا (يذهب ملكك) على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً، فقتلهم وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى تسعين ألفاً من بني إسرائيل. وقال السدي: إنَّ فرعون رأى في منامه أنَّ ناراً أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل. فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على يده، فأمر بقتل الذكور، وقيل: إن الإنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون بذلك فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل. قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطفٌ على قوله: «إِنَّ فِرْعَوْنَ» عطفُ عليه على اسمية، لأن كلتيهما تفسير للنبأ. الثاني: أنه حالٌ من فاعل «يَسْتَضْعِفُ» وفيه ضعف من حيث الصناعة ومن حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه (مضارعاً) مثبتاً فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريك، كقوله: 3974 - نَجَوْتُ وأَرْهَنهم مَالِكا ... وهذا تكلُّفٌ لا حاجة إليه. وأما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون، وإرادة المنّة من الله، لأنه متى مَنَّ اللَّهُ عليهم تعذَّر استضعاف فرعون إياهم. وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المِنَّةُ بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع جعل إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم. قوله: «وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً» قال مجاهد: دعاة إلى الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكاً كقوله تعالى: «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً» ، وقيل: يهتدى بهم في الخير، «وَنَجْعَلَهُمْ الوَارِثِينَ» يعني لملك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم. قوله: «وَنُمَكِّنَ» العامة على ذلك من غير لام علَّة، والأعمش: وَلِنُمَكَّنَ «بلام العلة ومتعلقها محذوف، أي: ولنمكن فعلنا ذلك، والمعنى: نوطىء لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكاناً يستقرون فيه، وننفذ أمرهم ونطلق أيديهم، يقال: مكَّن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه وأوطأه ومهده. قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ قرأ الأخوان:» وَيَرَى «بفتح الياء والراء مضارع (رأى) مسنداً إلى» فِرْعَوْنَ «وما عطف عليه فلذلك رفعوا، والباقون بضم النون وكسر الراء مضارع (أَرَى) ، فلذلك نصب» فِرْعَونَ «وما عطف عليه مفعولاً أول،» وَمَا كَانُوا «هو الثاني. و» مِنْهُم «متعلق بفعل الرُّؤية أو الإرادة، لا ب» يَحْذَرُونَ «لأَنَّ ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، ولا ضرورة بنا إلى أَنْ نقولَ اتسع فيه، والحذر هو التوقي من الضَّرر، والمعنى: وما كانوا خائفين منه. قوله:» أَنْ أَرْضِعِيهِ» يجوز أن تكون المفسرة والمصدرية، وقرأ عمر بن عبد العزيز وعمر بن عبد الواحد بكسر النون على التقاء الساكنين، وكأنه حذف همزة القطع على غير قياس فالتقى ساكنان، فكسر أولهما. فصل

القصص 28:5

بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «نَتْلُوا عَلَيْكَ» يجوز أن يكون مفعول «نَتْلُو» محذوفاً دَلَّت عليه صفته وهي: ﴿مِنْ نَّبَإِ موسى﴾ (تقديره: نَتْلُو عَلَيْكَ شَيْئاً مِنْ نَبَأ مُوسَى، ويجوز أن تكونَ «مِنْ» مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى) . قوله: «بِالحَقِّ» يجوز أن يكون حالاً من فاعل «نَتْلُو» ، أو من مفعوله، أي نَتْلُو عَلَيْكَ بَعْضَ خبرها مُتلبسين أو مُتَلبساً بالحق أو متعلقاً بنفس «نَتْلُو» بمعنى: نَتْلُوه بسبب الحق و «لِقَوْم» متعلق بفعل التلاوة أي: لأجل هؤلاء: و «يُؤْمِنُونَ» يصدقون، وخَصَّهُمْ بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا. قوله: «إِنَّ فِرْعْونَ» هذا هو المتلُوّ جيء به في جملة مستأنفة مؤكدة. وقرىء «فِرْعَونَ» بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو الفسطاط، ﴿عَلاَ فِي الأرض﴾ استكبر وتجبَّر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ فرقاً وأصنافاً في الخدمة والتسخير، يتبعونه على ما يريد ويطيعونه. قوله: يَسْتَضْعِفُ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مستأنفٌ بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً. الثاني: أنه حال من فاعل «جَعَلَ» أي: جعلهم كذا حال كونه مستضعفاً طائفة منهم. الثالث: أنه صفة ل «طَائِفَةٍ» . قوله: «يُذْبِّحُ» يجوز فيه الثلاثة الأوجه: الاستئناف تفسيراً ل «يَسْتَضْعِف» . أو الحال من فاعله أو صفة ثانية ل «طَائِفَة» . والعامة على التشديد في «يُذَبِّح» للتكثير. وأبو حيوة وابن محيصن «يَذْبَح» مفتوح الياء والباء مضارع «ذَبَحَ» مخففاً. فصل المراد بالطائفة بنو إسرائيل، ثم فسَّرَ الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ، سمَّى هذا استضعافاً؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ ذكروا في سبب ذبح الأبناء وجوهاً: قيل: إنَّ كاهناً قال له يُولَدُ مَوْلُود في بني إسرائيل في ليلة كذا (يذهب ملكك) على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً، فقتلهم وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى تسعين ألفاً من بني إسرائيل. وقال السدي: إنَّ فرعون رأى في منامه أنَّ ناراً أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل. فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على يده، فأمر بقتل الذكور، وقيل: إن الإنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون بذلك فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل. قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطفٌ على قوله: «إِنَّ فِرْعَوْنَ» عطفُ عليه على اسمية، لأن كلتيهما تفسير للنبأ. الثاني: أنه حالٌ من فاعل «يَسْتَضْعِفُ» وفيه ضعف من حيث الصناعة ومن حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه (مضارعاً) مثبتاً فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريك، كقوله: 3974 - نَجَوْتُ وأَرْهَنهم مَالِكا ... وهذا تكلُّفٌ لا حاجة إليه. وأما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون، وإرادة المنّة من الله، لأنه متى مَنَّ اللَّهُ عليهم تعذَّر استضعاف فرعون إياهم. وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المِنَّةُ بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع جعل إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم. قوله: «وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً» قال مجاهد: دعاة إلى الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكاً كقوله تعالى: «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً» ، وقيل: يهتدى بهم في الخير، «وَنَجْعَلَهُمْ الوَارِثِينَ» يعني لملك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم. قوله: «وَنُمَكِّنَ» العامة على ذلك من غير لام علَّة، والأعمش: وَلِنُمَكَّنَ «بلام العلة ومتعلقها محذوف، أي: ولنمكن فعلنا ذلك، والمعنى: نوطىء لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكاناً يستقرون فيه، وننفذ أمرهم ونطلق أيديهم، يقال: مكَّن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه وأوطأه ومهده. قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ قرأ الأخوان:» وَيَرَى «بفتح الياء والراء مضارع (رأى) مسنداً إلى» فِرْعَوْنَ «وما عطف عليه فلذلك رفعوا، والباقون بضم النون وكسر الراء مضارع (أَرَى) ، فلذلك نصب» فِرْعَونَ «وما عطف عليه مفعولاً أول،» وَمَا كَانُوا «هو الثاني. و» مِنْهُم «متعلق بفعل الرُّؤية أو الإرادة، لا ب» يَحْذَرُونَ «لأَنَّ ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، ولا ضرورة بنا إلى أَنْ نقولَ اتسع فيه، والحذر هو التوقي من الضَّرر، والمعنى: وما كانوا خائفين منه. قوله:» أَنْ أَرْضِعِيهِ» يجوز أن تكون المفسرة والمصدرية، وقرأ عمر بن عبد العزيز وعمر بن عبد الواحد بكسر النون على التقاء الساكنين، وكأنه حذف همزة القطع على غير قياس فالتقى ساكنان، فكسر أولهما. فصل

القصص 28:6

بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «نَتْلُوا عَلَيْكَ» يجوز أن يكون مفعول «نَتْلُو» محذوفاً دَلَّت عليه صفته وهي: ﴿مِنْ نَّبَإِ موسى﴾ (تقديره: نَتْلُو عَلَيْكَ شَيْئاً مِنْ نَبَأ مُوسَى، ويجوز أن تكونَ «مِنْ» مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى) . قوله: «بِالحَقِّ» يجوز أن يكون حالاً من فاعل «نَتْلُو» ، أو من مفعوله، أي نَتْلُو عَلَيْكَ بَعْضَ خبرها مُتلبسين أو مُتَلبساً بالحق أو متعلقاً بنفس «نَتْلُو» بمعنى: نَتْلُوه بسبب الحق و «لِقَوْم» متعلق بفعل التلاوة أي: لأجل هؤلاء: و «يُؤْمِنُونَ» يصدقون، وخَصَّهُمْ بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا. قوله: «إِنَّ فِرْعْونَ» هذا هو المتلُوّ جيء به في جملة مستأنفة مؤكدة. وقرىء «فِرْعَونَ» بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو الفسطاط، ﴿عَلاَ فِي الأرض﴾ استكبر وتجبَّر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ فرقاً وأصنافاً في الخدمة والتسخير، يتبعونه على ما يريد ويطيعونه. قوله: يَسْتَضْعِفُ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مستأنفٌ بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً. الثاني: أنه حال من فاعل «جَعَلَ» أي: جعلهم كذا حال كونه مستضعفاً طائفة منهم. الثالث: أنه صفة ل «طَائِفَةٍ» . قوله: «يُذْبِّحُ» يجوز فيه الثلاثة الأوجه: الاستئناف تفسيراً ل «يَسْتَضْعِف» . أو الحال من فاعله أو صفة ثانية ل «طَائِفَة» . والعامة على التشديد في «يُذَبِّح» للتكثير. وأبو حيوة وابن محيصن «يَذْبَح» مفتوح الياء والباء مضارع «ذَبَحَ» مخففاً. فصل المراد بالطائفة بنو إسرائيل، ثم فسَّرَ الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ، سمَّى هذا استضعافاً؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ ذكروا في سبب ذبح الأبناء وجوهاً: قيل: إنَّ كاهناً قال له يُولَدُ مَوْلُود في بني إسرائيل في ليلة كذا (يذهب ملكك) على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً، فقتلهم وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى تسعين ألفاً من بني إسرائيل. وقال السدي: إنَّ فرعون رأى في منامه أنَّ ناراً أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل. فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على يده، فأمر بقتل الذكور، وقيل: إن الإنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون بذلك فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل. قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطفٌ على قوله: «إِنَّ فِرْعَوْنَ» عطفُ عليه على اسمية، لأن كلتيهما تفسير للنبأ. الثاني: أنه حالٌ من فاعل «يَسْتَضْعِفُ» وفيه ضعف من حيث الصناعة ومن حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه (مضارعاً) مثبتاً فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريك، كقوله: 3974 - نَجَوْتُ وأَرْهَنهم مَالِكا ... وهذا تكلُّفٌ لا حاجة إليه. وأما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون، وإرادة المنّة من الله، لأنه متى مَنَّ اللَّهُ عليهم تعذَّر استضعاف فرعون إياهم. وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المِنَّةُ بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع جعل إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم. قوله: «وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً» قال مجاهد: دعاة إلى الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكاً كقوله تعالى: «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً» ، وقيل: يهتدى بهم في الخير، «وَنَجْعَلَهُمْ الوَارِثِينَ» يعني لملك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم. قوله: «وَنُمَكِّنَ» العامة على ذلك من غير لام علَّة، والأعمش: وَلِنُمَكَّنَ «بلام العلة ومتعلقها محذوف، أي: ولنمكن فعلنا ذلك، والمعنى: نوطىء لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكاناً يستقرون فيه، وننفذ أمرهم ونطلق أيديهم، يقال: مكَّن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه وأوطأه ومهده. قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ قرأ الأخوان:» وَيَرَى «بفتح الياء والراء مضارع (رأى) مسنداً إلى» فِرْعَوْنَ «وما عطف عليه فلذلك رفعوا، والباقون بضم النون وكسر الراء مضارع (أَرَى) ، فلذلك نصب» فِرْعَونَ «وما عطف عليه مفعولاً أول،» وَمَا كَانُوا «هو الثاني. و» مِنْهُم «متعلق بفعل الرُّؤية أو الإرادة، لا ب» يَحْذَرُونَ «لأَنَّ ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، ولا ضرورة بنا إلى أَنْ نقولَ اتسع فيه، والحذر هو التوقي من الضَّرر، والمعنى: وما كانوا خائفين منه. قوله:» أَنْ أَرْضِعِيهِ» يجوز أن تكون المفسرة والمصدرية، وقرأ عمر بن عبد العزيز وعمر بن عبد الواحد بكسر النون على التقاء الساكنين، وكأنه حذف همزة القطع على غير قياس فالتقى ساكنان، فكسر أولهما. فصل

القصص 28:7

قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى﴾ وحي إلهام لا وحي نبوة، قال قتادة: قذفنا في قلبها، واسمها يوخابز، وقيل أيادخا، وقيل أيارخت قاله ابن كثير، بنت لاوي بن يعقوب، «أَنْ أَرْضِعِيْهِ» قيل: أرضعته ثمانية أشهر، وقيل أربعة أشهر، وقيل ثلاثة أشهر، كانت ترضعه في حجرها وهو لا يبكي ولا يتحرك. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ يعني من الذبح، ﴿فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ ، واليم البحر وأراد هنا النيل، ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني﴾ قيل: ولا تخافي عليه من الغرق وقيل: من الضيعة، «ولا تحزني» على فراقه، ف ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ لتكوني أنت المرضعة ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ إلى أهل مصر والشام. قال المفسرون: إنها لما خافت عليه من الذبح، وضعته في تابوت، وألقته في النيل ليلاً. قال ابن كثير: وقيل إنها ربطت التابوت في حبل وكانت دارها على حافة النيل، فكانت ترضعه، فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر، وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها، وكان لفرعونَ قوابل معهم رجال يطوفون على الحوامل، فمن وضعت ذكراً ذبحوه، فأرسلت أم موسى التابوت يوماً. وذهلت عن ربطه فذهب مع النيل. وقال ابن عباس وغيره: وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان برص شديد، فقال له الأطباء: أيها الملك إنها لا تبرأ إلا من قبل البحر يؤخذ منه شبه الإنس، فيؤخذ من من ريقه فيلطخ به برصها، فتبرأ من ذلك، وذلك يوم كذا وساعة كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون من مجلس له كان على شفيرة النيل، ومعه آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق، وهي امرأة فرعون. وقيل: كانت من بني إسرائيل من سبط موسى، وقيل: كانت عمته؛ حكاه الهسيلي؛ وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطىء النيل، إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأمواج، فتعلق بجرة، فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروا بالسفن من كل جانب فوضعوه بين يديه، فعالجوا فتحه، فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت ولم يره غيرهان فعالجته ففتحته، فإذا هو بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمتدت ابنة فرعون إلى ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت، فقالت الغواة من قوم فرعون: إنَّا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه، رُمِيَ في البحر فرقاً منك فاقتله، فهمّ فرعون قتله، فاستوهبته امرأة فرعون فترك قتله. وقوله: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: جواريه. قوله: «لِيَكُونَ} في اللام الوجهان المشهوران: العلية المجازية بمعنى أن ذلك لما كانت نتيجة فعلهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعله الفاعل الفعل لأجله، أو الصيرورة. قووله:» وَحَزَناً» قرأ العامة بفتح الحاء والزاي، وهي لغة قريش، والأخوان بضم وسكون وهما لغتان بمعنى واحد كالعَدَمَ والعُدْمِ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ﴾ العامة على الهمز، مأخوذٌ من الخطأ ضد الصواب، وقرئ بياء دون هَمْزٍ، فاحتمل أن يكون كالأول، ولكن خُفِّفَ، وأن يكون من خَطَا يَخْطُوا أي: تَجاوز الصَّوابَ. قوله: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو قُرَّة عينٍ. الثاني - وهو بعيد جداً - أن يكون مبتدأ والخبر «لاَ تَقْتُلُوهُ» . وكان هذا القائل حقه أن لا يُذكِّر، فيقول: «لاَ تَقْتُلُوها» ، إلا أنه لما كان المراد مذكر ساغ ذلك، والعامة من القراء والمفسرين وأهل العلم يقفون على «ولَكَ» . ونقل ابن الأنباري بسنده إلى ابن عباس عنه أنه وقف على «لاَ» أي: هو «قُرَّةُ عَيْنٍ لِي» فقط، «وَلَكَ لاَ» ، أي: ليس هو لك قرة عين، ثم يبتدىء بقوله «تَقْتُلُوه» ، وهذا لا ينبغي أن يصحَّ عنه، وكيف يبقى «تَقْتُلُوه» من غير نون رفع، ولا مُقْتَضى لحذفها؟ ولذلك قال الفراء: هو لن. قوله: ﴿عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ . كانت لا تلدن فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أَمَّا أنا فلا حاجة لي به، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «لو قال يومئذ قرة عين لي كما هو لَكِ، لهداه الله كما هداها» وقال لآسية سميه، قالت: سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر، (فَمُو هو الماء، و (شا) هو البحر، فذلك قوله: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ﴾ . والالتقاط: هو وجود الشيء) . قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ جملة حالية، وهل هي من كلام الباري تعالى وهو الظاهر، أو من كلام امرأة فرعون؟ كأنها لما رأت ملأه أشاروا بقتله، قالت له كذا؛ أي: أفعل أنت ما أقول لك وقومك لا يشعرون أنا التقطناه - قال الكلبي، وجعل الزمخشري الجملة من قوله: ﴿وَقَالَتِ امرأة فِرْعَوْنَ﴾ معطوفة على «فَالتَقَطَهُ» والجملة من قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ إلى «خَاطِئِينَ» مُعترضة بين المتعاطفين، وجعل متعلق الشعور من جنس الجملة المعترضة أي: لا يشعرون أنهم على خطأ في التقاطه، أو أن هلاكهم على يديه، قال أبو حيان: ومتى أمكن حَمْلُ الكلام على ظاهره من غير فصل كان أحسن.

القصص 28:8

قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى﴾ وحي إلهام لا وحي نبوة، قال قتادة: قذفنا في قلبها، واسمها يوخابز، وقيل أيادخا، وقيل أيارخت قاله ابن كثير، بنت لاوي بن يعقوب، «أَنْ أَرْضِعِيْهِ» قيل: أرضعته ثمانية أشهر، وقيل أربعة أشهر، وقيل ثلاثة أشهر، كانت ترضعه في حجرها وهو لا يبكي ولا يتحرك. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ يعني من الذبح، ﴿فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ ، واليم البحر وأراد هنا النيل، ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني﴾ قيل: ولا تخافي عليه من الغرق وقيل: من الضيعة، «ولا تحزني» على فراقه، ف ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ لتكوني أنت المرضعة ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ إلى أهل مصر والشام. قال المفسرون: إنها لما خافت عليه من الذبح، وضعته في تابوت، وألقته في النيل ليلاً. قال ابن كثير: وقيل إنها ربطت التابوت في حبل وكانت دارها على حافة النيل، فكانت ترضعه، فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر، وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها، وكان لفرعونَ قوابل معهم رجال يطوفون على الحوامل، فمن وضعت ذكراً ذبحوه، فأرسلت أم موسى التابوت يوماً. وذهلت عن ربطه فذهب مع النيل. وقال ابن عباس وغيره: وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان برص شديد، فقال له الأطباء: أيها الملك إنها لا تبرأ إلا من قبل البحر يؤخذ منه شبه الإنس، فيؤخذ من من ريقه فيلطخ به برصها، فتبرأ من ذلك، وذلك يوم كذا وساعة كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون من مجلس له كان على شفيرة النيل، ومعه آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق، وهي امرأة فرعون. وقيل: كانت من بني إسرائيل من سبط موسى، وقيل: كانت عمته؛ حكاه الهسيلي؛ وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطىء النيل، إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأمواج، فتعلق بجرة، فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروا بالسفن من كل جانب فوضعوه بين يديه، فعالجوا فتحه، فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت ولم يره غيرهان فعالجته ففتحته، فإذا هو بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمتدت ابنة فرعون إلى ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت، فقالت الغواة من قوم فرعون: إنَّا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه، رُمِيَ في البحر فرقاً منك فاقتله، فهمّ فرعون قتله، فاستوهبته امرأة فرعون فترك قتله. وقوله: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: جواريه. قوله: «لِيَكُونَ} في اللام الوجهان المشهوران: العلية المجازية بمعنى أن ذلك لما كانت نتيجة فعلهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعله الفاعل الفعل لأجله، أو الصيرورة. قووله:» وَحَزَناً» قرأ العامة بفتح الحاء والزاي، وهي لغة قريش، والأخوان بضم وسكون وهما لغتان بمعنى واحد كالعَدَمَ والعُدْمِ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ﴾ العامة على الهمز، مأخوذٌ من الخطأ ضد الصواب، وقرئ بياء دون هَمْزٍ، فاحتمل أن يكون كالأول، ولكن خُفِّفَ، وأن يكون من خَطَا يَخْطُوا أي: تَجاوز الصَّوابَ. قوله: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو قُرَّة عينٍ. الثاني - وهو بعيد جداً - أن يكون مبتدأ والخبر «لاَ تَقْتُلُوهُ» . وكان هذا القائل حقه أن لا يُذكِّر، فيقول: «لاَ تَقْتُلُوها» ، إلا أنه لما كان المراد مذكر ساغ ذلك، والعامة من القراء والمفسرين وأهل العلم يقفون على «ولَكَ» . ونقل ابن الأنباري بسنده إلى ابن عباس عنه أنه وقف على «لاَ» أي: هو «قُرَّةُ عَيْنٍ لِي» فقط، «وَلَكَ لاَ» ، أي: ليس هو لك قرة عين، ثم يبتدىء بقوله «تَقْتُلُوه» ، وهذا لا ينبغي أن يصحَّ عنه، وكيف يبقى «تَقْتُلُوه» من غير نون رفع، ولا مُقْتَضى لحذفها؟ ولذلك قال الفراء: هو لن. قوله: ﴿عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ . كانت لا تلدن فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أَمَّا أنا فلا حاجة لي به، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «لو قال يومئذ قرة عين لي كما هو لَكِ، لهداه الله كما هداها» وقال لآسية سميه، قالت: سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر، (فَمُو هو الماء، و (شا) هو البحر، فذلك قوله: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ﴾ . والالتقاط: هو وجود الشيء) . قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ جملة حالية، وهل هي من كلام الباري تعالى وهو الظاهر، أو من كلام امرأة فرعون؟ كأنها لما رأت ملأه أشاروا بقتله، قالت له كذا؛ أي: أفعل أنت ما أقول لك وقومك لا يشعرون أنا التقطناه - قال الكلبي، وجعل الزمخشري الجملة من قوله: ﴿وَقَالَتِ امرأة فِرْعَوْنَ﴾ معطوفة على «فَالتَقَطَهُ» والجملة من قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ إلى «خَاطِئِينَ» مُعترضة بين المتعاطفين، وجعل متعلق الشعور من جنس الجملة المعترضة أي: لا يشعرون أنهم على خطأ في التقاطه، أو أن هلاكهم على يديه، قال أبو حيان: ومتى أمكن حَمْلُ الكلام على ظاهره من غير فصل كان أحسن.

القصص 28:9

قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى﴾ وحي إلهام لا وحي نبوة، قال قتادة: قذفنا في قلبها، واسمها يوخابز، وقيل أيادخا، وقيل أيارخت قاله ابن كثير، بنت لاوي بن يعقوب، «أَنْ أَرْضِعِيْهِ» قيل: أرضعته ثمانية أشهر، وقيل أربعة أشهر، وقيل ثلاثة أشهر، كانت ترضعه في حجرها وهو لا يبكي ولا يتحرك. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ يعني من الذبح، ﴿فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ ، واليم البحر وأراد هنا النيل، ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني﴾ قيل: ولا تخافي عليه من الغرق وقيل: من الضيعة، «ولا تحزني» على فراقه، ف ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ لتكوني أنت المرضعة ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ إلى أهل مصر والشام. قال المفسرون: إنها لما خافت عليه من الذبح، وضعته في تابوت، وألقته في النيل ليلاً. قال ابن كثير: وقيل إنها ربطت التابوت في حبل وكانت دارها على حافة النيل، فكانت ترضعه، فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر، وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها، وكان لفرعونَ قوابل معهم رجال يطوفون على الحوامل، فمن وضعت ذكراً ذبحوه، فأرسلت أم موسى التابوت يوماً. وذهلت عن ربطه فذهب مع النيل. وقال ابن عباس وغيره: وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان برص شديد، فقال له الأطباء: أيها الملك إنها لا تبرأ إلا من قبل البحر يؤخذ منه شبه الإنس، فيؤخذ من من ريقه فيلطخ به برصها، فتبرأ من ذلك، وذلك يوم كذا وساعة كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون من مجلس له كان على شفيرة النيل، ومعه آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق، وهي امرأة فرعون. وقيل: كانت من بني إسرائيل من سبط موسى، وقيل: كانت عمته؛ حكاه الهسيلي؛ وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطىء النيل، إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأمواج، فتعلق بجرة، فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروا بالسفن من كل جانب فوضعوه بين يديه، فعالجوا فتحه، فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت ولم يره غيرهان فعالجته ففتحته، فإذا هو بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمتدت ابنة فرعون إلى ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت، فقالت الغواة من قوم فرعون: إنَّا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه، رُمِيَ في البحر فرقاً منك فاقتله، فهمّ فرعون قتله، فاستوهبته امرأة فرعون فترك قتله. وقوله: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: جواريه. قوله: «لِيَكُونَ} في اللام الوجهان المشهوران: العلية المجازية بمعنى أن ذلك لما كانت نتيجة فعلهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعله الفاعل الفعل لأجله، أو الصيرورة. قووله:» وَحَزَناً» قرأ العامة بفتح الحاء والزاي، وهي لغة قريش، والأخوان بضم وسكون وهما لغتان بمعنى واحد كالعَدَمَ والعُدْمِ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ﴾ العامة على الهمز، مأخوذٌ من الخطأ ضد الصواب، وقرئ بياء دون هَمْزٍ، فاحتمل أن يكون كالأول، ولكن خُفِّفَ، وأن يكون من خَطَا يَخْطُوا أي: تَجاوز الصَّوابَ. قوله: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو قُرَّة عينٍ. الثاني - وهو بعيد جداً - أن يكون مبتدأ والخبر «لاَ تَقْتُلُوهُ» . وكان هذا القائل حقه أن لا يُذكِّر، فيقول: «لاَ تَقْتُلُوها» ، إلا أنه لما كان المراد مذكر ساغ ذلك، والعامة من القراء والمفسرين وأهل العلم يقفون على «ولَكَ» . ونقل ابن الأنباري بسنده إلى ابن عباس عنه أنه وقف على «لاَ» أي: هو «قُرَّةُ عَيْنٍ لِي» فقط، «وَلَكَ لاَ» ، أي: ليس هو لك قرة عين، ثم يبتدىء بقوله «تَقْتُلُوه» ، وهذا لا ينبغي أن يصحَّ عنه، وكيف يبقى «تَقْتُلُوه» من غير نون رفع، ولا مُقْتَضى لحذفها؟ ولذلك قال الفراء: هو لن. قوله: ﴿عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ . كانت لا تلدن فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أَمَّا أنا فلا حاجة لي به، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «لو قال يومئذ قرة عين لي كما هو لَكِ، لهداه الله كما هداها» وقال لآسية سميه، قالت: سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر، (فَمُو هو الماء، و (شا) هو البحر، فذلك قوله: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ﴾ . والالتقاط: هو وجود الشيء) . قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ جملة حالية، وهل هي من كلام الباري تعالى وهو الظاهر، أو من كلام امرأة فرعون؟ كأنها لما رأت ملأه أشاروا بقتله، قالت له كذا؛ أي: أفعل أنت ما أقول لك وقومك لا يشعرون أنا التقطناه - قال الكلبي، وجعل الزمخشري الجملة من قوله: ﴿وَقَالَتِ امرأة فِرْعَوْنَ﴾ معطوفة على «فَالتَقَطَهُ» والجملة من قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ إلى «خَاطِئِينَ» مُعترضة بين المتعاطفين، وجعل متعلق الشعور من جنس الجملة المعترضة أي: لا يشعرون أنهم على خطأ في التقاطه، أو أن هلاكهم على يديه، قال أبو حيان: ومتى أمكن حَمْلُ الكلام على ظاهره من غير فصل كان أحسن.

القصص 28:10

قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً﴾ (قال الحسن: فَارِغاً) من كل همٍّ إِلاَّ همَّ موسى. وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشغاف، كقوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: 43] . وقال الزمخشري: فارغاً صفراً من العقل، والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والخوف. وقال الحسن ومحمد بن إسحاق فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها أن ﴿فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: 7] فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجراً وثواباً، وتوليت أنتِ قتله، فألقيته في البحر، وأغرقتيه، ولمَّا أتاها خبر موسى أنه وقع في يد فرعون فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وقال أبو عبيدة: فراغاً من الحزن لعلمها بأنه لا يقتل، اعتماداً على تكفل الله بمصلحته. قال ابن قتيبة: وهذا من العجائب، كيف يكون فؤادها فارغاً من الحزن، والله تعالى يقول: {لولاا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا} ؟ وهل يُرْبَط إلا على قلب الجازع المحزون؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يمتنع أنها لشدة ثقتها بوعد الله جاز عندها إظهار عدم الحزن، وأيقنت إنها - وإن أظهرت ذلك - فإنه يسلم لأجل ذل الوعد. إلا أنه كان في المعلوم أن الإظهار (يضر فربط) الله على قلبها. قال المعربون: «فارغاً» خبر أصبح أي: فارغاً من العقل، أو من الصبر، أو من الحزن، وهو أبعدها، ويردُّه قراءاتٌ تُخَالفُه. فقرأ فضالة والحسن «فَزِعاً» بالزاي من الفزع، وابن عباس «قَرِعاً» بالقاف وكسر الراء وسكونها، من قَرَعَ رأسهُ إذا انحسر شعرُهُ، (والمعنى: خلا من كُلِّ شيء، وانحَسَرَ عنهُ كُلُّ شَيءٍ إلا ذِكر موسى، وقيل: الساكن الراء مصدر قَرَعَ يَقْرَع، أي: أُصيب، وقرىء «فِرغاً» بكسر الفاء وسكون الراء، والغين معجمة أي: هدراً، كقوله) : 3975 - فَإِنْ يَكُ قَتْلَى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسًهُمْ ... فَلَنْ يَذْهَبُوا فِرْغاً بِقَتْلِ حِبَالِ فِرْغاً حال من «بِقَتْلِ» ، وقرأ الخليل «فُرُغاً» بضم الفاء وإعجام الغين من هذا المعنى، ومنه قولهم دماهم بينهم فرغ أي: هدر. قوله: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ «إِنْ» إما مخففة، وإما نافية، واللام إمَّا فارقة وإمَّا بمعنى إلاَّ والباء في «بِهِ (مزيدة في المفعول، أي: لتُظْهِرَهُ، وقيل: ليست زائدة بل سببية، والمفعول محذوف، أي: لتُبْدِي القَولَ بسبب موسى أو بسبب الوحي. فالهاء يجوز أن تكون) راجعة إلى موسى، أي: إن كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة وجدها: وقال عكرمة عن ابن عباس: كادت تقول: واابناه حين رأت الموج يرفع التابوت ويضعه. وقال الكلبي: كادت تظهر أنه ابنها حين سمعت الناس يقولون: إنه ابن فرعون. وقال السدي: لما أُخِذ من الماء كادت تقول: هو ابني، فعصهما الله. وقال بعضهم: الهاء عائدة إلى الوحي، أي كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله إليها أنه يرُدُّهُ عليها. قوله: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ جوابها محذوف، أي لأبدت، كقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لولاا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 24] والمعنى: لولا أن ربطنا على قلبها بالعصمة والصبر والتثبت. ﴿لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ متعلق ب «رَبَطْنَا» ، والمعنى: لتكون من المؤمنين المصدِّقين بوعد الله، وهو قوله: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: 7] . قوله: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: قُصِّي أثر موسى، تتبَّعي أمره حتى تعلمي خبره: وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم. قال «فَبَصُرَتْ بِهِ» أي: أبصرتهُ، وقرأ قتادة «بَصَرَتْ» بفتح الصاد وعيسى بكسرها. قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى، وتقدم معناه في طه. و «عَنْ جُنُبٍ» في موضع الحال إمَّا من الفاعل أي: بصرت به مُسْتَخفيةً كائنةً عن جُنُبٍ، وإمَّا من المجرور أي: بعيداً منها. وقرأ العامة «جُنُبٍ» بضمين وهو صفة لمحذوف، أي: عن مكان بعيد، وقال أبو عمرو بن العلاء: أي: عن شوقٍ، وهي لغة جُذَامٍ، يقولون: جَنَبْتُ إليك أي: اشتقت. (وقرأ قتادة والحسن والأعرج وزيد بن علي بفتح الجيم وسكون النون) ، وعن قتادة أيضاً بفتحهما، وعن الحسن «جُنْب» بالضم والسكون، وعن النعمان بن سالم «عَنْ جَانِبٍ» وكلها بمعنى واحد. ومثله الجِنَاب والجَنَابَة. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ جملة حالية، ومتعلق الشعور محذوف أي: أنها تَقُصُّه، أو أنه سيكُونَ لهم عدواً وحزناً، أو أنها أخته، أو أنها ترقبه.

القصص 28:11

قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً﴾ (قال الحسن: فَارِغاً) من كل همٍّ إِلاَّ همَّ موسى. وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشغاف، كقوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: 43] . وقال الزمخشري: فارغاً صفراً من العقل، والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والخوف. وقال الحسن ومحمد بن إسحاق فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها أن ﴿فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: 7] فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجراً وثواباً، وتوليت أنتِ قتله، فألقيته في البحر، وأغرقتيه، ولمَّا أتاها خبر موسى أنه وقع في يد فرعون فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وقال أبو عبيدة: فراغاً من الحزن لعلمها بأنه لا يقتل، اعتماداً على تكفل الله بمصلحته. قال ابن قتيبة: وهذا من العجائب، كيف يكون فؤادها فارغاً من الحزن، والله تعالى يقول: {لولاا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا} ؟ وهل يُرْبَط إلا على قلب الجازع المحزون؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يمتنع أنها لشدة ثقتها بوعد الله جاز عندها إظهار عدم الحزن، وأيقنت إنها - وإن أظهرت ذلك - فإنه يسلم لأجل ذل الوعد. إلا أنه كان في المعلوم أن الإظهار (يضر فربط) الله على قلبها. قال المعربون: «فارغاً» خبر أصبح أي: فارغاً من العقل، أو من الصبر، أو من الحزن، وهو أبعدها، ويردُّه قراءاتٌ تُخَالفُه. فقرأ فضالة والحسن «فَزِعاً» بالزاي من الفزع، وابن عباس «قَرِعاً» بالقاف وكسر الراء وسكونها، من قَرَعَ رأسهُ إذا انحسر شعرُهُ، (والمعنى: خلا من كُلِّ شيء، وانحَسَرَ عنهُ كُلُّ شَيءٍ إلا ذِكر موسى، وقيل: الساكن الراء مصدر قَرَعَ يَقْرَع، أي: أُصيب، وقرىء «فِرغاً» بكسر الفاء وسكون الراء، والغين معجمة أي: هدراً، كقوله) : 3975 - فَإِنْ يَكُ قَتْلَى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسًهُمْ ... فَلَنْ يَذْهَبُوا فِرْغاً بِقَتْلِ حِبَالِ فِرْغاً حال من «بِقَتْلِ» ، وقرأ الخليل «فُرُغاً» بضم الفاء وإعجام الغين من هذا المعنى، ومنه قولهم دماهم بينهم فرغ أي: هدر. قوله: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ «إِنْ» إما مخففة، وإما نافية، واللام إمَّا فارقة وإمَّا بمعنى إلاَّ والباء في «بِهِ (مزيدة في المفعول، أي: لتُظْهِرَهُ، وقيل: ليست زائدة بل سببية، والمفعول محذوف، أي: لتُبْدِي القَولَ بسبب موسى أو بسبب الوحي. فالهاء يجوز أن تكون) راجعة إلى موسى، أي: إن كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة وجدها: وقال عكرمة عن ابن عباس: كادت تقول: واابناه حين رأت الموج يرفع التابوت ويضعه. وقال الكلبي: كادت تظهر أنه ابنها حين سمعت الناس يقولون: إنه ابن فرعون. وقال السدي: لما أُخِذ من الماء كادت تقول: هو ابني، فعصهما الله. وقال بعضهم: الهاء عائدة إلى الوحي، أي كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله إليها أنه يرُدُّهُ عليها. قوله: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ جوابها محذوف، أي لأبدت، كقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لولاا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 24] والمعنى: لولا أن ربطنا على قلبها بالعصمة والصبر والتثبت. ﴿لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ متعلق ب «رَبَطْنَا» ، والمعنى: لتكون من المؤمنين المصدِّقين بوعد الله، وهو قوله: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: 7] . قوله: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: قُصِّي أثر موسى، تتبَّعي أمره حتى تعلمي خبره: وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم. قال «فَبَصُرَتْ بِهِ» أي: أبصرتهُ، وقرأ قتادة «بَصَرَتْ» بفتح الصاد وعيسى بكسرها. قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى، وتقدم معناه في طه. و «عَنْ جُنُبٍ» في موضع الحال إمَّا من الفاعل أي: بصرت به مُسْتَخفيةً كائنةً عن جُنُبٍ، وإمَّا من المجرور أي: بعيداً منها. وقرأ العامة «جُنُبٍ» بضمين وهو صفة لمحذوف، أي: عن مكان بعيد، وقال أبو عمرو بن العلاء: أي: عن شوقٍ، وهي لغة جُذَامٍ، يقولون: جَنَبْتُ إليك أي: اشتقت. (وقرأ قتادة والحسن والأعرج وزيد بن علي بفتح الجيم وسكون النون) ، وعن قتادة أيضاً بفتحهما، وعن الحسن «جُنْب» بالضم والسكون، وعن النعمان بن سالم «عَنْ جَانِبٍ» وكلها بمعنى واحد. ومثله الجِنَاب والجَنَابَة. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ جملة حالية، ومتعلق الشعور محذوف أي: أنها تَقُصُّه، أو أنه سيكُونَ لهم عدواً وحزناً، أو أنها أخته، أو أنها ترقبه.

القصص 28:12

قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾ قيل: يجوز أن يكون جمع مُرْضِع وهي المرأة، وقيل: جمع مَرْضَع بفتح الميم والضاد، ثم جَوَّزوا فيه أن يكون مكاناً أي: مكان الإِرضاع وهو الثَّدي وأن يكون مصدراً أي: الإرْضَاعاتُ، أن: أنواعها، و «مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل قصِّهَا أَثرهُ، أو من قبل مجيء أخته، ومن قبل ولادته في حكمنا وقضائنا. والمراد من التحريم المنع، لأن التحريم بالنهي تعبّد وذلك لا يصح، فلا بُدَّ من فِعْل سواه، فيحتمل أن - تعالى - غيَّر طبعه عن لبن سائر النساء، فلذلك لم يرتضع أو أحدث في لبنهن طعماً ينفر عنه طبعه، أو وضع في لبن أمه لذة تعود بها، فكان يكره لبن غيرها. فصل قال ابن عباس: إن امرأة فرعون كان همَّها من الدنيا أن تجد له مرضعة، فكل ما أتوه بمرضعة لم يأخذ ثديها؛ فذلك قوله عزَّ وجلَّ ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾ ، فلمَّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ أي: يرضعونه لكم ويضمنونه، وهي امرأة قد قُتِلَ ولدها فأحبُّ شيءٍ إليها أن تجد صغيراً ترضعه. قوله: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ الظاهر أنه ضمير موسى، وقيل لفرعون، قال ابن جُريج والسُّديّ: لما قالت أخت موسى ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ استنكروا حالها وتفرّسوا أنها قرابتُه، فقالت: إنَّمَا أَرَدْتُ وهم للملك ناصِحُونَ، فتخلَّصَت منهم، وهذا يُسمى عند أهل البيان الكلام الموجَّه ومثله: لما سُئِل بعضهم وكان بين أقوام بعضهم يحب عليّاً دون غيره، وبعضهم أبا بكر وبعضهم عمر وبعضهم عثمان، فقيل له: أيهم أحبّ إلى رسول الله؟ فقال: من كانت ابنته تحته. وقيل لما تفرّسوا أنه قرابتُهُ قالت: إنما قللت هذا رغبة في سرور الملك أمي. قالوا: ولأمك ابن؟ قالت: نعم، هارون، وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها. قالوا: صدقت، فائتينا بها، فانطلقت إلى أمه فأخبرتها بحال ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل تديثها وجعل يمصّه حتى امتلأ جنباه ريّاً. والنصح: إخلاص العمل من سائر الفساد. قوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بردِّ موسى إليها، «وَلاَ تَحْزَنَ» عطف على «تَقَرَّ» ، ودمعةُ الفرح قارّةٌ، ودمعةُ التَّرَح حارَّةٌ، قال أبو تمام: 3976 - فَأَمَّا عُيُونُ العَاشِقِينَ فَأَسْخَنَتْ ... وَأَمَّا عُيُونُ الشَّامِتِينَ فَقَرَّتِ وتقدم تحقيق هذا في مريم. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ بردّه إليها كانت عالمة بذلك ولكن ليس المخبَر كالمعاين فتحققت بوجود الموعود، ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله وعدها ردّه إليها. قال الضحاك: لمّا قَبلَ ثديها قال هامان: إنك لأمه، قالت: لا، قال: فما بالك قبل ثديك من بين النسوة؟ قالت: أيها الملك، إني أمرأة طيبة الريح، حلوة اللبن، فما شم ريحي صبيّ إلا أقبل على ثديي. قالوا: صدقت. فلم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها أتحفها بالذهب والجواهر.

القصص 28:13

قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾ قيل: يجوز أن يكون جمع مُرْضِع وهي المرأة، وقيل: جمع مَرْضَع بفتح الميم والضاد، ثم جَوَّزوا فيه أن يكون مكاناً أي: مكان الإِرضاع وهو الثَّدي وأن يكون مصدراً أي: الإرْضَاعاتُ، أن: أنواعها، و «مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل قصِّهَا أَثرهُ، أو من قبل مجيء أخته، ومن قبل ولادته في حكمنا وقضائنا. والمراد من التحريم المنع، لأن التحريم بالنهي تعبّد وذلك لا يصح، فلا بُدَّ من فِعْل سواه، فيحتمل أن - تعالى - غيَّر طبعه عن لبن سائر النساء، فلذلك لم يرتضع أو أحدث في لبنهن طعماً ينفر عنه طبعه، أو وضع في لبن أمه لذة تعود بها، فكان يكره لبن غيرها. فصل قال ابن عباس: إن امرأة فرعون كان همَّها من الدنيا أن تجد له مرضعة، فكل ما أتوه بمرضعة لم يأخذ ثديها؛ فذلك قوله عزَّ وجلَّ ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾ ، فلمَّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ أي: يرضعونه لكم ويضمنونه، وهي امرأة قد قُتِلَ ولدها فأحبُّ شيءٍ إليها أن تجد صغيراً ترضعه. قوله: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ الظاهر أنه ضمير موسى، وقيل لفرعون، قال ابن جُريج والسُّديّ: لما قالت أخت موسى ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ استنكروا حالها وتفرّسوا أنها قرابتُه، فقالت: إنَّمَا أَرَدْتُ وهم للملك ناصِحُونَ، فتخلَّصَت منهم، وهذا يُسمى عند أهل البيان الكلام الموجَّه ومثله: لما سُئِل بعضهم وكان بين أقوام بعضهم يحب عليّاً دون غيره، وبعضهم أبا بكر وبعضهم عمر وبعضهم عثمان، فقيل له: أيهم أحبّ إلى رسول الله؟ فقال: من كانت ابنته تحته. وقيل لما تفرّسوا أنه قرابتُهُ قالت: إنما قللت هذا رغبة في سرور الملك أمي. قالوا: ولأمك ابن؟ قالت: نعم، هارون، وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها. قالوا: صدقت، فائتينا بها، فانطلقت إلى أمه فأخبرتها بحال ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل تديثها وجعل يمصّه حتى امتلأ جنباه ريّاً. والنصح: إخلاص العمل من سائر الفساد. قوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بردِّ موسى إليها، «وَلاَ تَحْزَنَ» عطف على «تَقَرَّ» ، ودمعةُ الفرح قارّةٌ، ودمعةُ التَّرَح حارَّةٌ، قال أبو تمام: 3976 - فَأَمَّا عُيُونُ العَاشِقِينَ فَأَسْخَنَتْ ... وَأَمَّا عُيُونُ الشَّامِتِينَ فَقَرَّتِ وتقدم تحقيق هذا في مريم. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ بردّه إليها كانت عالمة بذلك ولكن ليس المخبَر كالمعاين فتحققت بوجود الموعود، ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله وعدها ردّه إليها. قال الضحاك: لمّا قَبلَ ثديها قال هامان: إنك لأمه، قالت: لا، قال: فما بالك قبل ثديك من بين النسوة؟ قالت: أيها الملك، إني أمرأة طيبة الريح، حلوة اللبن، فما شم ريحي صبيّ إلا أقبل على ثديي. قالوا: صدقت. فلم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها أتحفها بالذهب والجواهر.

القصص 28:14

قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ تقدم الكلام عليه، «وَاسْتَوَى» أي: بلغ أربعين سنة - (قال ابن عباس -) وقيل: استوى: انتهى شبابه، ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أَنْ يبعث نبياً، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ ، وهذا يدل على أنه ليس المراد بالحكم النبوة، لأنه جعل إيتاءه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه، والنبوة لا تكون جزاء على العمل. قوله: «وَدَخَلَ المَدِينَة» أي: ودخل موسى المدينة. قال السدي: مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل: قرية تدعى حانين على (رأس) فرسخين من مصر، وقيل: عين شمس، قوله: ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ في موضع الحال إمّا من الفاعل أي: كائناً على حين غَفْلَة، أي: مُستخفياً، وإِمَّا من المفعول، وقرأ أبو طالب القارىء «عَلَى حِينَ» بفتح النون، وتكلَّفَ أبو حيان تخريجها على أنه حمل المصدر على الفعل في أنه إذا أضيف الظرف إليه جاز بناؤه على الفتح، كقوله: 3977 - عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... و «مِنْ أَهْلِهَا» صفة ل «غَفْلَةٍ» ، أي: صادرة من أهلها. فصل اختلفوا في السبب الذي لأجله دخل موسى المدينة على حين غفلة من أهلها، فقال السُّدِّي: إن موسى كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب في مراكب فرعون، ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوماً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض منف، فدخلها نصف النهار وليس في طرقها أحدن فذلك ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ . وقال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق فارق فرعون وقومه وخالفهم في دينهم حتى ذكر ذلك منه، وأخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفاً مستخفياً. وقال ابن زيد: إِنَّ موسى ضرب رأس فرعون ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله، فقالت امرأته: هو صغير، جِىءْ بجمرة فأخذها فطرحها في فيه، فبها عقد لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم يدخل عليها حتى كبر، فدخل ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ . قوله «يَقْتتلانِ» صفة ل «رَجُلَيْنِ» ، وقال ابن عطية: حالٌ منهما، وسيبويه - وإن كان جوَّزها من النكرة مطلقاً - إلاَّ أَنَّ الأكثر يشترطون فيها ما يُسوِّغُ الابتداء بها. وقرأ نعيمُ بن ميسرة «يقتلان» بالإدغام، نقل فتحة التاء الأولى إلى القاف وأدغم. قوله ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ مبتدأ وخبر في موضع الصفة ل «رَجُلَيْنِ» ، أو الحال من الضمير في «يَقْتتلانِ» وهو بعيدٌ لعدمِ انتِقالهَا. وقوله: «هذَا» و «هذا» على حكاية الحال الماضية، فكأنهما حاضران، أي: إذا نظر الناظر إليهما، قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه. وقال المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب، وأنشد لجرير: 3978 - هذَا ابنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَة ... لَوْ شِئْتُ سَاقَكُمْ إِليَّ قَطِينا (فصل) ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القبط. قال مقاتل: كانا كافرين إلا أنَّ أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل، لقول موسى عليه السلام له ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 18] . والمشهور أَنَّ الإسرائيلي كان مسلماً، قيل: إنه السامري، والقبطي طبَّاخ فرعون. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لمَّا بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلُص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع. وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم. قوله «فَاسْتَغَاثَهُ» هذه قراءة العامة من الغوث أي طلب غوثه ونصره، وقرأ سيبويه وابن مقسم والزعفراني بالعين المهملة والنون من الإِعانة. قال ابن عطية: هي تصحيف وقال ابن جبارة صاحب الكامل: الاختيار قراءة ابن مقسم، لأَنَّ الإِعانة أوْلَى في هذا الباب قال شهاب الدين: نسبة التصحيف إلى هؤلاء غير محمودة (كما أن تغالي) الهذلي في اختيار الشاذة غير محمود. قوله: «فَوَكَزَهُ» أي: دفعه بجميع كَفِّه، والفرق بين الوَكْزِ واللَّكْزِ: أَنَّ الأول بجميع الكف والثاني: بأطراف الأصابع، وقيل بالعكس، وقيل: اللكز في الصدر، والوكز في الظهر، والنَّكْزُ كاللَّكْزِ قال: 3979 - يَا أَيُّهَا الجَاهِلُ ذُو التَّنَزِّي ... لا تُوعِدني حَبَّةٌ بِالنَّكْزِ وقرأ ابن مسعود «فَلَكَزَهُ» و «فَنَكَزَهُ» باللام والنون. قوله: «فَقَضَى» أي: موسى، أو الله تعالى، أو ضمير الفعل أي: الوكز «فَقَضَى عَلَيْهِ» أي: أماته، وقتله، وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، و ﴿قَالَ: هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ فقوله: «هذَا» إشارة إلى القتل الصادر منه، و ﴿مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ أي: من وسوسته وتسويله. فصل احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء من وجوه: أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يكون مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن استحق القتل فلم قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ؟ ولم قال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ ؟ وقال في سورة أخرى ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: 20] . وإن لم يستحق القتل كان قتله معصيةً وذنباً. وثانيها: أنَّ قوله: ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً، فكان دمه مباحاً، فَلِمَ استغفر عنه؟ والاستغفار من الفعل المباح غير جائز لأنه يوهم في المباح كونه حراماً. وثالثها: أَنَّ الوكز لا يحصل عنه القتل ظاهراً. فكان ذلك قتل خطأ، فَلِمَ استغفر منه؟ والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال إنه لكفره مباح الدم؟ وأما قوله ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ففيه وجوه: الأول: أنَّ الله تعالى وإن أباح قتل الكفار، إلاَّ أنه كان الأَولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل ترك ذلك المندوب؛ وهو قوله: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ . الثاني: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه. (الثالث: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى المتقول) . (يعني أنه من حزب الشيطان) وجنده، يقال: فلان من عمل الشيطان أي من أحزابه. وأما قوله ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ (فعلى نهج قول آدم عليه السلام) ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإِنْ لم يكن هناك ذنب قط أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب. وأما قوله «فَاغْفِرْ لِي» أي: فاغفر لي ترك هذا المندوب. وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ حيث قتلت هذا الملعون، فإنَّ فرعون لو عرف ذلك لقتلني به، «فَاغْفِرْ ليْ» ، فاستره عليَّ ولا توصل خبره إلى فرعون، «فَغَفَرَ لَهُ» أي: ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا قوله ﴿رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ فلو كانت إعانة المؤمن هنا سبباً للمعصية لما قال ذلك، وأما قوله ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: 20] فلم يقل إني صرت بذلك ضالاً، بل اعترف أنه كان ضالاً أي: متحيراً لا يدري ما يجب عليه. وأما قوله: إنْ كان كافراً حربياً فَلِمَ استغفر من قتله؟ قلنا: كون الكافر مباح الدم أم يختلف باختلاف الشرائع، فلعلّ قتلهم كان حراماً في ذلك الوقت، أو كان مباحاً لكن الأولى تركه على ما قررناه. وأما قوله: كان قتل خطأ، قلنا: لا نسلم، فلعل الرجل إن كان ضعيفاً وموسى عليه السلام كان في نهاية الشدة فوكزه كان قاتلاً قطعاً، ثم إن سلمنا ذلك ولكنه - عليه السلام - كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون الوكز الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار. على أَنَّا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية، لكنَّا بيَّنَّا أَنهُ لا دلالة البتة فيه، لأنه لم يكن رسولاً في ذلك الوقت فيكون ذلك قبل النبوة لا نزاع فيه. فصل قال المعتزلة: الآية تدل على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله، لأنه - عليه السلام - قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ، فلو كانت بخلق الله لكانت من الله لا من الشطيان، وهو كقول يوسف - عليه السلام - ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي﴾ [يوسف: 100] ، وقول فتى موسى ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63] ، وقوله تعالى: ﴿لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة﴾ [الأعراف: 27] ، وتقدم الكلام على ذلك. قوله: «بِمَا أَنْعَمْتَ» يجوز في الباء أن تكون (قسماً و) الجواب مقدراً: لأَتوبنَّ، وتفسيره: فَلأنْ أكُونَ، قال القفال: كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، أي: بنعمتك عليَّ، وأنْ تكون متعلقة بمحذوف ومعناها السببية، أي: اعصمني بسبب ما أَنعمتَ به عليَّ، ويترتب عليه قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً﴾ ، و «مَا» مصدرية أو بمعنى الذي، والعائد محذوف، وقوله: «فَلَنْ» نفيٌ على حقيقته، وهذا يدل على أنه قال: لِمَ أنعمت عليَّ بهذا الإنعام فإني لا أكون معاوناً لأحد من المجرمين بل أكون معاوناً للمسلمين، وهذا يدلّ على أَنَّ ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كان معصية لنزل الكلام منزلة قوله: «إنك لمَّا أنعمت عليَّ بقبول توبتي من تلك المعصية. وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء، وإنَّ» لَنْ «واقعة موقع» لا» ، كأنه قال: ولا تجعلني ظهيراً، قال الفراء: في حرف عبد الله ﴿وَلاَ تَجْعَلْنِي ظَهِيراً﴾ قال الشاعر: 3980 - لَنْ تَزَالُوا كَذلكُم ثُمَّ لا زلْ ... تَ لَهُمْ خَالِداً خُلُودَ الجِبَالِ قال شهاب الدين: وليس في الآي والبيت دلالة على وقوع» لن «موقع» لا» ، لظهور النفي فيهما من غير تقدير دعاء. فصل قال ابن عباس: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالمغفرة، ﴿فَلَنْ أَكُوْنَ ظَهِيراً﴾ عوناً «لِلْمُجْرِمينَ» . أي: للكافرين وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافراً، وهو قول مقاتل، وقال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة. قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني: (وهذا ضعيف، لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو، فقال: ﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً﴾ [القصص: 19] إلاّ أنه لم يقع منه) .

القصص 28:15

قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ تقدم الكلام عليه، «وَاسْتَوَى» أي: بلغ أربعين سنة - (قال ابن عباس -) وقيل: استوى: انتهى شبابه، ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أَنْ يبعث نبياً، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ ، وهذا يدل على أنه ليس المراد بالحكم النبوة، لأنه جعل إيتاءه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه، والنبوة لا تكون جزاء على العمل. قوله: «وَدَخَلَ المَدِينَة» أي: ودخل موسى المدينة. قال السدي: مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل: قرية تدعى حانين على (رأس) فرسخين من مصر، وقيل: عين شمس، قوله: ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ في موضع الحال إمّا من الفاعل أي: كائناً على حين غَفْلَة، أي: مُستخفياً، وإِمَّا من المفعول، وقرأ أبو طالب القارىء «عَلَى حِينَ» بفتح النون، وتكلَّفَ أبو حيان تخريجها على أنه حمل المصدر على الفعل في أنه إذا أضيف الظرف إليه جاز بناؤه على الفتح، كقوله: 3977 - عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... و «مِنْ أَهْلِهَا» صفة ل «غَفْلَةٍ» ، أي: صادرة من أهلها. فصل اختلفوا في السبب الذي لأجله دخل موسى المدينة على حين غفلة من أهلها، فقال السُّدِّي: إن موسى كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب في مراكب فرعون، ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوماً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض منف، فدخلها نصف النهار وليس في طرقها أحدن فذلك ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ . وقال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق فارق فرعون وقومه وخالفهم في دينهم حتى ذكر ذلك منه، وأخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفاً مستخفياً. وقال ابن زيد: إِنَّ موسى ضرب رأس فرعون ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله، فقالت امرأته: هو صغير، جِىءْ بجمرة فأخذها فطرحها في فيه، فبها عقد لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم يدخل عليها حتى كبر، فدخل ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ . قوله «يَقْتتلانِ» صفة ل «رَجُلَيْنِ» ، وقال ابن عطية: حالٌ منهما، وسيبويه - وإن كان جوَّزها من النكرة مطلقاً - إلاَّ أَنَّ الأكثر يشترطون فيها ما يُسوِّغُ الابتداء بها. وقرأ نعيمُ بن ميسرة «يقتلان» بالإدغام، نقل فتحة التاء الأولى إلى القاف وأدغم. قوله ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ مبتدأ وخبر في موضع الصفة ل «رَجُلَيْنِ» ، أو الحال من الضمير في «يَقْتتلانِ» وهو بعيدٌ لعدمِ انتِقالهَا. وقوله: «هذَا» و «هذا» على حكاية الحال الماضية، فكأنهما حاضران، أي: إذا نظر الناظر إليهما، قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه. وقال المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب، وأنشد لجرير: 3978 - هذَا ابنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَة ... لَوْ شِئْتُ سَاقَكُمْ إِليَّ قَطِينا (فصل) ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القبط. قال مقاتل: كانا كافرين إلا أنَّ أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل، لقول موسى عليه السلام له ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 18] . والمشهور أَنَّ الإسرائيلي كان مسلماً، قيل: إنه السامري، والقبطي طبَّاخ فرعون. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لمَّا بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلُص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع. وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم. قوله «فَاسْتَغَاثَهُ» هذه قراءة العامة من الغوث أي طلب غوثه ونصره، وقرأ سيبويه وابن مقسم والزعفراني بالعين المهملة والنون من الإِعانة. قال ابن عطية: هي تصحيف وقال ابن جبارة صاحب الكامل: الاختيار قراءة ابن مقسم، لأَنَّ الإِعانة أوْلَى في هذا الباب قال شهاب الدين: نسبة التصحيف إلى هؤلاء غير محمودة (كما أن تغالي) الهذلي في اختيار الشاذة غير محمود. قوله: «فَوَكَزَهُ» أي: دفعه بجميع كَفِّه، والفرق بين الوَكْزِ واللَّكْزِ: أَنَّ الأول بجميع الكف والثاني: بأطراف الأصابع، وقيل بالعكس، وقيل: اللكز في الصدر، والوكز في الظهر، والنَّكْزُ كاللَّكْزِ قال: 3979 - يَا أَيُّهَا الجَاهِلُ ذُو التَّنَزِّي ... لا تُوعِدني حَبَّةٌ بِالنَّكْزِ وقرأ ابن مسعود «فَلَكَزَهُ» و «فَنَكَزَهُ» باللام والنون. قوله: «فَقَضَى» أي: موسى، أو الله تعالى، أو ضمير الفعل أي: الوكز «فَقَضَى عَلَيْهِ» أي: أماته، وقتله، وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، و ﴿قَالَ: هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ فقوله: «هذَا» إشارة إلى القتل الصادر منه، و ﴿مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ أي: من وسوسته وتسويله. فصل احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء من وجوه: أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يكون مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن استحق القتل فلم قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ؟ ولم قال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ ؟ وقال في سورة أخرى ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: 20] . وإن لم يستحق القتل كان قتله معصيةً وذنباً. وثانيها: أنَّ قوله: ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً، فكان دمه مباحاً، فَلِمَ استغفر عنه؟ والاستغفار من الفعل المباح غير جائز لأنه يوهم في المباح كونه حراماً. وثالثها: أَنَّ الوكز لا يحصل عنه القتل ظاهراً. فكان ذلك قتل خطأ، فَلِمَ استغفر منه؟ والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال إنه لكفره مباح الدم؟ وأما قوله ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ففيه وجوه: الأول: أنَّ الله تعالى وإن أباح قتل الكفار، إلاَّ أنه كان الأَولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل ترك ذلك المندوب؛ وهو قوله: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ . الثاني: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه. (الثالث: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى المتقول) . (يعني أنه من حزب الشيطان) وجنده، يقال: فلان من عمل الشيطان أي من أحزابه. وأما قوله ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ (فعلى نهج قول آدم عليه السلام) ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإِنْ لم يكن هناك ذنب قط أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب. وأما قوله «فَاغْفِرْ لِي» أي: فاغفر لي ترك هذا المندوب. وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ حيث قتلت هذا الملعون، فإنَّ فرعون لو عرف ذلك لقتلني به، «فَاغْفِرْ ليْ» ، فاستره عليَّ ولا توصل خبره إلى فرعون، «فَغَفَرَ لَهُ» أي: ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا قوله ﴿رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ فلو كانت إعانة المؤمن هنا سبباً للمعصية لما قال ذلك، وأما قوله ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: 20] فلم يقل إني صرت بذلك ضالاً، بل اعترف أنه كان ضالاً أي: متحيراً لا يدري ما يجب عليه. وأما قوله: إنْ كان كافراً حربياً فَلِمَ استغفر من قتله؟ قلنا: كون الكافر مباح الدم أم يختلف باختلاف الشرائع، فلعلّ قتلهم كان حراماً في ذلك الوقت، أو كان مباحاً لكن الأولى تركه على ما قررناه. وأما قوله: كان قتل خطأ، قلنا: لا نسلم، فلعل الرجل إن كان ضعيفاً وموسى عليه السلام كان في نهاية الشدة فوكزه كان قاتلاً قطعاً، ثم إن سلمنا ذلك ولكنه - عليه السلام - كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون الوكز الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار. على أَنَّا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية، لكنَّا بيَّنَّا أَنهُ لا دلالة البتة فيه، لأنه لم يكن رسولاً في ذلك الوقت فيكون ذلك قبل النبوة لا نزاع فيه. فصل قال المعتزلة: الآية تدل على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله، لأنه - عليه السلام - قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ، فلو كانت بخلق الله لكانت من الله لا من الشطيان، وهو كقول يوسف - عليه السلام - ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي﴾ [يوسف: 100] ، وقول فتى موسى ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63] ، وقوله تعالى: ﴿لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة﴾ [الأعراف: 27] ، وتقدم الكلام على ذلك. قوله: «بِمَا أَنْعَمْتَ» يجوز في الباء أن تكون (قسماً و) الجواب مقدراً: لأَتوبنَّ، وتفسيره: فَلأنْ أكُونَ، قال القفال: كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، أي: بنعمتك عليَّ، وأنْ تكون متعلقة بمحذوف ومعناها السببية، أي: اعصمني بسبب ما أَنعمتَ به عليَّ، ويترتب عليه قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً﴾ ، و «مَا» مصدرية أو بمعنى الذي، والعائد محذوف، وقوله: «فَلَنْ» نفيٌ على حقيقته، وهذا يدل على أنه قال: لِمَ أنعمت عليَّ بهذا الإنعام فإني لا أكون معاوناً لأحد من المجرمين بل أكون معاوناً للمسلمين، وهذا يدلّ على أَنَّ ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كان معصية لنزل الكلام منزلة قوله: «إنك لمَّا أنعمت عليَّ بقبول توبتي من تلك المعصية. وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء، وإنَّ» لَنْ «واقعة موقع» لا» ، كأنه قال: ولا تجعلني ظهيراً، قال الفراء: في حرف عبد الله ﴿وَلاَ تَجْعَلْنِي ظَهِيراً﴾ قال الشاعر: 3980 - لَنْ تَزَالُوا كَذلكُم ثُمَّ لا زلْ ... تَ لَهُمْ خَالِداً خُلُودَ الجِبَالِ قال شهاب الدين: وليس في الآي والبيت دلالة على وقوع» لن «موقع» لا» ، لظهور النفي فيهما من غير تقدير دعاء. فصل قال ابن عباس: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالمغفرة، ﴿فَلَنْ أَكُوْنَ ظَهِيراً﴾ عوناً «لِلْمُجْرِمينَ» . أي: للكافرين وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافراً، وهو قول مقاتل، وقال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة. قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني: (وهذا ضعيف، لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو، فقال: ﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً﴾ [القصص: 19] إلاّ أنه لم يقع منه) .

القصص 28:16

قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ تقدم الكلام عليه، «وَاسْتَوَى» أي: بلغ أربعين سنة - (قال ابن عباس -) وقيل: استوى: انتهى شبابه، ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أَنْ يبعث نبياً، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ ، وهذا يدل على أنه ليس المراد بالحكم النبوة، لأنه جعل إيتاءه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه، والنبوة لا تكون جزاء على العمل. قوله: «وَدَخَلَ المَدِينَة» أي: ودخل موسى المدينة. قال السدي: مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل: قرية تدعى حانين على (رأس) فرسخين من مصر، وقيل: عين شمس، قوله: ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ في موضع الحال إمّا من الفاعل أي: كائناً على حين غَفْلَة، أي: مُستخفياً، وإِمَّا من المفعول، وقرأ أبو طالب القارىء «عَلَى حِينَ» بفتح النون، وتكلَّفَ أبو حيان تخريجها على أنه حمل المصدر على الفعل في أنه إذا أضيف الظرف إليه جاز بناؤه على الفتح، كقوله: 3977 - عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... و «مِنْ أَهْلِهَا» صفة ل «غَفْلَةٍ» ، أي: صادرة من أهلها. فصل اختلفوا في السبب الذي لأجله دخل موسى المدينة على حين غفلة من أهلها، فقال السُّدِّي: إن موسى كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب في مراكب فرعون، ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوماً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض منف، فدخلها نصف النهار وليس في طرقها أحدن فذلك ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ . وقال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق فارق فرعون وقومه وخالفهم في دينهم حتى ذكر ذلك منه، وأخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفاً مستخفياً. وقال ابن زيد: إِنَّ موسى ضرب رأس فرعون ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله، فقالت امرأته: هو صغير، جِىءْ بجمرة فأخذها فطرحها في فيه، فبها عقد لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم يدخل عليها حتى كبر، فدخل ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ . قوله «يَقْتتلانِ» صفة ل «رَجُلَيْنِ» ، وقال ابن عطية: حالٌ منهما، وسيبويه - وإن كان جوَّزها من النكرة مطلقاً - إلاَّ أَنَّ الأكثر يشترطون فيها ما يُسوِّغُ الابتداء بها. وقرأ نعيمُ بن ميسرة «يقتلان» بالإدغام، نقل فتحة التاء الأولى إلى القاف وأدغم. قوله ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ مبتدأ وخبر في موضع الصفة ل «رَجُلَيْنِ» ، أو الحال من الضمير في «يَقْتتلانِ» وهو بعيدٌ لعدمِ انتِقالهَا. وقوله: «هذَا» و «هذا» على حكاية الحال الماضية، فكأنهما حاضران، أي: إذا نظر الناظر إليهما، قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه. وقال المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب، وأنشد لجرير: 3978 - هذَا ابنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَة ... لَوْ شِئْتُ سَاقَكُمْ إِليَّ قَطِينا (فصل) ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القبط. قال مقاتل: كانا كافرين إلا أنَّ أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل، لقول موسى عليه السلام له ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 18] . والمشهور أَنَّ الإسرائيلي كان مسلماً، قيل: إنه السامري، والقبطي طبَّاخ فرعون. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لمَّا بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلُص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع. وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم. قوله «فَاسْتَغَاثَهُ» هذه قراءة العامة من الغوث أي طلب غوثه ونصره، وقرأ سيبويه وابن مقسم والزعفراني بالعين المهملة والنون من الإِعانة. قال ابن عطية: هي تصحيف وقال ابن جبارة صاحب الكامل: الاختيار قراءة ابن مقسم، لأَنَّ الإِعانة أوْلَى في هذا الباب قال شهاب الدين: نسبة التصحيف إلى هؤلاء غير محمودة (كما أن تغالي) الهذلي في اختيار الشاذة غير محمود. قوله: «فَوَكَزَهُ» أي: دفعه بجميع كَفِّه، والفرق بين الوَكْزِ واللَّكْزِ: أَنَّ الأول بجميع الكف والثاني: بأطراف الأصابع، وقيل بالعكس، وقيل: اللكز في الصدر، والوكز في الظهر، والنَّكْزُ كاللَّكْزِ قال: 3979 - يَا أَيُّهَا الجَاهِلُ ذُو التَّنَزِّي ... لا تُوعِدني حَبَّةٌ بِالنَّكْزِ وقرأ ابن مسعود «فَلَكَزَهُ» و «فَنَكَزَهُ» باللام والنون. قوله: «فَقَضَى» أي: موسى، أو الله تعالى، أو ضمير الفعل أي: الوكز «فَقَضَى عَلَيْهِ» أي: أماته، وقتله، وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، و ﴿قَالَ: هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ فقوله: «هذَا» إشارة إلى القتل الصادر منه، و ﴿مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ أي: من وسوسته وتسويله. فصل احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء من وجوه: أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يكون مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن استحق القتل فلم قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ؟ ولم قال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ ؟ وقال في سورة أخرى ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: 20] . وإن لم يستحق القتل كان قتله معصيةً وذنباً. وثانيها: أنَّ قوله: ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً، فكان دمه مباحاً، فَلِمَ استغفر عنه؟ والاستغفار من الفعل المباح غير جائز لأنه يوهم في المباح كونه حراماً. وثالثها: أَنَّ الوكز لا يحصل عنه القتل ظاهراً. فكان ذلك قتل خطأ، فَلِمَ استغفر منه؟ والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال إنه لكفره مباح الدم؟ وأما قوله ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ففيه وجوه: الأول: أنَّ الله تعالى وإن أباح قتل الكفار، إلاَّ أنه كان الأَولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل ترك ذلك المندوب؛ وهو قوله: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ . الثاني: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه. (الثالث: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى المتقول) . (يعني أنه من حزب الشيطان) وجنده، يقال: فلان من عمل الشيطان أي من أحزابه. وأما قوله ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ (فعلى نهج قول آدم عليه السلام) ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإِنْ لم يكن هناك ذنب قط أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب. وأما قوله «فَاغْفِرْ لِي» أي: فاغفر لي ترك هذا المندوب. وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ حيث قتلت هذا الملعون، فإنَّ فرعون لو عرف ذلك لقتلني به، «فَاغْفِرْ ليْ» ، فاستره عليَّ ولا توصل خبره إلى فرعون، «فَغَفَرَ لَهُ» أي: ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا قوله ﴿رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ فلو كانت إعانة المؤمن هنا سبباً للمعصية لما قال ذلك، وأما قوله ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: 20] فلم يقل إني صرت بذلك ضالاً، بل اعترف أنه كان ضالاً أي: متحيراً لا يدري ما يجب عليه. وأما قوله: إنْ كان كافراً حربياً فَلِمَ استغفر من قتله؟ قلنا: كون الكافر مباح الدم أم يختلف باختلاف الشرائع، فلعلّ قتلهم كان حراماً في ذلك الوقت، أو كان مباحاً لكن الأولى تركه على ما قررناه. وأما قوله: كان قتل خطأ، قلنا: لا نسلم، فلعل الرجل إن كان ضعيفاً وموسى عليه السلام كان في نهاية الشدة فوكزه كان قاتلاً قطعاً، ثم إن سلمنا ذلك ولكنه - عليه السلام - كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون الوكز الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار. على أَنَّا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية، لكنَّا بيَّنَّا أَنهُ لا دلالة البتة فيه، لأنه لم يكن رسولاً في ذلك الوقت فيكون ذلك قبل النبوة لا نزاع فيه. فصل قال المعتزلة: الآية تدل على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله، لأنه - عليه السلام - قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ، فلو كانت بخلق الله لكانت من الله لا من الشطيان، وهو كقول يوسف - عليه السلام - ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي﴾ [يوسف: 100] ، وقول فتى موسى ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63] ، وقوله تعالى: ﴿لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة﴾ [الأعراف: 27] ، وتقدم الكلام على ذلك. قوله: «بِمَا أَنْعَمْتَ» يجوز في الباء أن تكون (قسماً و) الجواب مقدراً: لأَتوبنَّ، وتفسيره: فَلأنْ أكُونَ، قال القفال: كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، أي: بنعمتك عليَّ، وأنْ تكون متعلقة بمحذوف ومعناها السببية، أي: اعصمني بسبب ما أَنعمتَ به عليَّ، ويترتب عليه قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً﴾ ، و «مَا» مصدرية أو بمعنى الذي، والعائد محذوف، وقوله: «فَلَنْ» نفيٌ على حقيقته، وهذا يدل على أنه قال: لِمَ أنعمت عليَّ بهذا الإنعام فإني لا أكون معاوناً لأحد من المجرمين بل أكون معاوناً للمسلمين، وهذا يدلّ على أَنَّ ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كان معصية لنزل الكلام منزلة قوله: «إنك لمَّا أنعمت عليَّ بقبول توبتي من تلك المعصية. وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء، وإنَّ» لَنْ «واقعة موقع» لا» ، كأنه قال: ولا تجعلني ظهيراً، قال الفراء: في حرف عبد الله ﴿وَلاَ تَجْعَلْنِي ظَهِيراً﴾ قال الشاعر: 3980 - لَنْ تَزَالُوا كَذلكُم ثُمَّ لا زلْ ... تَ لَهُمْ خَالِداً خُلُودَ الجِبَالِ قال شهاب الدين: وليس في الآي والبيت دلالة على وقوع» لن «موقع» لا» ، لظهور النفي فيهما من غير تقدير دعاء. فصل قال ابن عباس: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالمغفرة، ﴿فَلَنْ أَكُوْنَ ظَهِيراً﴾ عوناً «لِلْمُجْرِمينَ» . أي: للكافرين وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافراً، وهو قول مقاتل، وقال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة. قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني: (وهذا ضعيف، لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو، فقال: ﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً﴾ [القصص: 19] إلاّ أنه لم يقع منه) .

القصص 28:17

قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ تقدم الكلام عليه، «وَاسْتَوَى» أي: بلغ أربعين سنة - (قال ابن عباس -) وقيل: استوى: انتهى شبابه، ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أَنْ يبعث نبياً، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ ، وهذا يدل على أنه ليس المراد بالحكم النبوة، لأنه جعل إيتاءه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه، والنبوة لا تكون جزاء على العمل. قوله: «وَدَخَلَ المَدِينَة» أي: ودخل موسى المدينة. قال السدي: مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل: قرية تدعى حانين على (رأس) فرسخين من مصر، وقيل: عين شمس، قوله: ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ في موضع الحال إمّا من الفاعل أي: كائناً على حين غَفْلَة، أي: مُستخفياً، وإِمَّا من المفعول، وقرأ أبو طالب القارىء «عَلَى حِينَ» بفتح النون، وتكلَّفَ أبو حيان تخريجها على أنه حمل المصدر على الفعل في أنه إذا أضيف الظرف إليه جاز بناؤه على الفتح، كقوله: 3977 - عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... و «مِنْ أَهْلِهَا» صفة ل «غَفْلَةٍ» ، أي: صادرة من أهلها. فصل اختلفوا في السبب الذي لأجله دخل موسى المدينة على حين غفلة من أهلها، فقال السُّدِّي: إن موسى كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب في مراكب فرعون، ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوماً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض منف، فدخلها نصف النهار وليس في طرقها أحدن فذلك ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ . وقال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق فارق فرعون وقومه وخالفهم في دينهم حتى ذكر ذلك منه، وأخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفاً مستخفياً. وقال ابن زيد: إِنَّ موسى ضرب رأس فرعون ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله، فقالت امرأته: هو صغير، جِىءْ بجمرة فأخذها فطرحها في فيه، فبها عقد لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم يدخل عليها حتى كبر، فدخل ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ . قوله «يَقْتتلانِ» صفة ل «رَجُلَيْنِ» ، وقال ابن عطية: حالٌ منهما، وسيبويه - وإن كان جوَّزها من النكرة مطلقاً - إلاَّ أَنَّ الأكثر يشترطون فيها ما يُسوِّغُ الابتداء بها. وقرأ نعيمُ بن ميسرة «يقتلان» بالإدغام، نقل فتحة التاء الأولى إلى القاف وأدغم. قوله ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ مبتدأ وخبر في موضع الصفة ل «رَجُلَيْنِ» ، أو الحال من الضمير في «يَقْتتلانِ» وهو بعيدٌ لعدمِ انتِقالهَا. وقوله: «هذَا» و «هذا» على حكاية الحال الماضية، فكأنهما حاضران، أي: إذا نظر الناظر إليهما، قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه. وقال المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب، وأنشد لجرير: 3978 - هذَا ابنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَة ... لَوْ شِئْتُ سَاقَكُمْ إِليَّ قَطِينا (فصل) ﴿هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القبط. قال مقاتل: كانا كافرين إلا أنَّ أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل، لقول موسى عليه السلام له ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 18] . والمشهور أَنَّ الإسرائيلي كان مسلماً، قيل: إنه السامري، والقبطي طبَّاخ فرعون. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لمَّا بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلُص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع. وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم. قوله «فَاسْتَغَاثَهُ» هذه قراءة العامة من الغوث أي طلب غوثه ونصره، وقرأ سيبويه وابن مقسم والزعفراني بالعين المهملة والنون من الإِعانة. قال ابن عطية: هي تصحيف وقال ابن جبارة صاحب الكامل: الاختيار قراءة ابن مقسم، لأَنَّ الإِعانة أوْلَى في هذا الباب قال شهاب الدين: نسبة التصحيف إلى هؤلاء غير محمودة (كما أن تغالي) الهذلي في اختيار الشاذة غير محمود. قوله: «فَوَكَزَهُ» أي: دفعه بجميع كَفِّه، والفرق بين الوَكْزِ واللَّكْزِ: أَنَّ الأول بجميع الكف والثاني: بأطراف الأصابع، وقيل بالعكس، وقيل: اللكز في الصدر، والوكز في الظهر، والنَّكْزُ كاللَّكْزِ قال: 3979 - يَا أَيُّهَا الجَاهِلُ ذُو التَّنَزِّي ... لا تُوعِدني حَبَّةٌ بِالنَّكْزِ وقرأ ابن مسعود «فَلَكَزَهُ» و «فَنَكَزَهُ» باللام والنون. قوله: «فَقَضَى» أي: موسى، أو الله تعالى، أو ضمير الفعل أي: الوكز «فَقَضَى عَلَيْهِ» أي: أماته، وقتله، وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، و ﴿قَالَ: هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ فقوله: «هذَا» إشارة إلى القتل الصادر منه، و ﴿مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ أي: من وسوسته وتسويله. فصل احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء من وجوه: أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يكون مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن استحق القتل فلم قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ؟ ولم قال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ ؟ وقال في سورة أخرى ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: 20] . وإن لم يستحق القتل كان قتله معصيةً وذنباً. وثانيها: أنَّ قوله: ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً، فكان دمه مباحاً، فَلِمَ استغفر عنه؟ والاستغفار من الفعل المباح غير جائز لأنه يوهم في المباح كونه حراماً. وثالثها: أَنَّ الوكز لا يحصل عنه القتل ظاهراً. فكان ذلك قتل خطأ، فَلِمَ استغفر منه؟ والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال إنه لكفره مباح الدم؟ وأما قوله ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ففيه وجوه: الأول: أنَّ الله تعالى وإن أباح قتل الكفار، إلاَّ أنه كان الأَولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل ترك ذلك المندوب؛ وهو قوله: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ . الثاني: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه. (الثالث: أنَّ قوله: «هذَا» إشارة إلى المتقول) . (يعني أنه من حزب الشيطان) وجنده، يقال: فلان من عمل الشيطان أي من أحزابه. وأما قوله ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ (فعلى نهج قول آدم عليه السلام) ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإِنْ لم يكن هناك ذنب قط أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب. وأما قوله «فَاغْفِرْ لِي» أي: فاغفر لي ترك هذا المندوب. وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ حيث قتلت هذا الملعون، فإنَّ فرعون لو عرف ذلك لقتلني به، «فَاغْفِرْ ليْ» ، فاستره عليَّ ولا توصل خبره إلى فرعون، «فَغَفَرَ لَهُ» أي: ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا قوله ﴿رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ فلو كانت إعانة المؤمن هنا سبباً للمعصية لما قال ذلك، وأما قوله ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ [الشعراء: 20] فلم يقل إني صرت بذلك ضالاً، بل اعترف أنه كان ضالاً أي: متحيراً لا يدري ما يجب عليه. وأما قوله: إنْ كان كافراً حربياً فَلِمَ استغفر من قتله؟ قلنا: كون الكافر مباح الدم أم يختلف باختلاف الشرائع، فلعلّ قتلهم كان حراماً في ذلك الوقت، أو كان مباحاً لكن الأولى تركه على ما قررناه. وأما قوله: كان قتل خطأ، قلنا: لا نسلم، فلعل الرجل إن كان ضعيفاً وموسى عليه السلام كان في نهاية الشدة فوكزه كان قاتلاً قطعاً، ثم إن سلمنا ذلك ولكنه - عليه السلام - كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون الوكز الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار. على أَنَّا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية، لكنَّا بيَّنَّا أَنهُ لا دلالة البتة فيه، لأنه لم يكن رسولاً في ذلك الوقت فيكون ذلك قبل النبوة لا نزاع فيه. فصل قال المعتزلة: الآية تدل على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله، لأنه - عليه السلام - قال: ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ ، فلو كانت بخلق الله لكانت من الله لا من الشطيان، وهو كقول يوسف - عليه السلام - ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي﴾ [يوسف: 100] ، وقول فتى موسى ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63] ، وقوله تعالى: ﴿لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة﴾ [الأعراف: 27] ، وتقدم الكلام على ذلك. قوله: «بِمَا أَنْعَمْتَ» يجوز في الباء أن تكون (قسماً و) الجواب مقدراً: لأَتوبنَّ، وتفسيره: فَلأنْ أكُونَ، قال القفال: كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، أي: بنعمتك عليَّ، وأنْ تكون متعلقة بمحذوف ومعناها السببية، أي: اعصمني بسبب ما أَنعمتَ به عليَّ، ويترتب عليه قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً﴾ ، و «مَا» مصدرية أو بمعنى الذي، والعائد محذوف، وقوله: «فَلَنْ» نفيٌ على حقيقته، وهذا يدل على أنه قال: لِمَ أنعمت عليَّ بهذا الإنعام فإني لا أكون معاوناً لأحد من المجرمين بل أكون معاوناً للمسلمين، وهذا يدلّ على أَنَّ ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كان معصية لنزل الكلام منزلة قوله: «إنك لمَّا أنعمت عليَّ بقبول توبتي من تلك المعصية. وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء، وإنَّ» لَنْ «واقعة موقع» لا» ، كأنه قال: ولا تجعلني ظهيراً، قال الفراء: في حرف عبد الله ﴿وَلاَ تَجْعَلْنِي ظَهِيراً﴾ قال الشاعر: 3980 - لَنْ تَزَالُوا كَذلكُم ثُمَّ لا زلْ ... تَ لَهُمْ خَالِداً خُلُودَ الجِبَالِ قال شهاب الدين: وليس في الآي والبيت دلالة على وقوع» لن «موقع» لا» ، لظهور النفي فيهما من غير تقدير دعاء. فصل قال ابن عباس: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالمغفرة، ﴿فَلَنْ أَكُوْنَ ظَهِيراً﴾ عوناً «لِلْمُجْرِمينَ» . أي: للكافرين وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافراً، وهو قول مقاتل، وقال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة. قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني: (وهذا ضعيف، لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو، فقال: ﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً﴾ [القصص: 19] إلاّ أنه لم يقع منه) .

القصص 28:18

قوله: ﴿فَأَصْبَحَ فِي المدينة﴾ التي قتل فيها القبطي «خَائِفاً» الظاهر أنه خبر «أصبح» ، و «فِي المَدِينَةِ» مفعول به، ويجوز أن يكون حالاً، والخبر «فِي المَدِينَةِ» ، ويضعف تمام «أَصْبَحَ» أي: دخل في الصباح. قوله: «يَتَرَقَّبُ» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانيةً، وأن يكون بدلاً من الحال (الأولى) ، أو الخبر الأول، أو حالاً من الضمير في «خَائفاً» فتكون متداخلة، ومفعول «يَتَرَقَّبُ» محذوف، أي: يترقب المكروه، أو الفرج، أو الخبر: هل وصل لفرعون أم لا؟ قوله: «فَإِذَا» «إِذَا» فجائية، و «الَّذِي» مبتدأ وخبره إمَّا «إذَا» ف «يَسْتَصْرِخُهُ» حال، وإمَّا «يَسْتَصْرِخُهُ» ف «إِذَا» فضله على بابها، و «بِالأَمْسِ» معرب، لأنه متى دخلت عليه «أل» أوأضيف أعرب، ومتى عَرِيَ منها فحاله معروفٌ، الحجاز يبنونه، والتميميون يمنعونه الصرف، كقوله: 3981 - لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَباً مُذْ أَمْسَا ... على أنه قد بُنِيَ مع «ال» ندوراً، كقوله: 3982 - وَإِنِّي حُبِسْتُ اليَوْمَ والأَمْسِ قَبْلَهُ ... إِلَى الشَّمْسِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ يورى بكسر السين. قوله: ﴿قَالَ لَهُ موسى﴾ الضمير قيل للإسرائيلي، لأنه كان سبباً في الفتنة الأولى، وقيل للقبطي، وذلك أنَّ موسى لما أصبح خائفاً من قتل القبطي «يَتَرَقَّب» ينتظر سوءاً، والترقب انتظار المكروه. قال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به، ﴿فَإِذَا الذي استنصره بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستغيثه ويصيح به من بعد، قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إنَّ بني إسرائيل قتلوا مِنَّا رجلاً فخذ لنا بحقنا، فقالوا ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه (فلا تنسبوني أن أقضي) بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بيّنة إذ مَرَّ مُوسَى من الد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً، فاستغاثه على الفرعوني، فصادق موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (أي: ظاهر الغواية) . قال أهل اللغة: «لَغَوِيٌّ» يجوز أن يكون فَعِيلاً بمعنى مفعل، أي: إنَّك لمغويّ، فإنِّي وقعتُ بالأمس فيما وقعت فيه بسببك، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي: قاتلت رجلاً بالأمس فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر، وتستغيثني عليه، وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ بظلمك، والأكثرون على الأول. قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ الظاهر أنَّ الضميرين لموسى، وقيل للإسرائيلي، والعدو: هو القبطي، والضمير في ﴿قَالَ ياموسى﴾ للإسرائيلي، كأنه توهم من موسى مخاشنة، فَمِنْ ثمَّ قال ذلك، وبهذا فشا خبره وكان مشكوكاً في قاتله. و «أَنْ» تطرد زيادتها في موضعين: أحدهما: بعد لمَّا كهذه. والثاني: قبل «لَوْ» مسبوقة بقسم كقوله: 3983 - أَمَا وَاللَّهِ َنْ لَوْ كُنْتُ حُراً ... 3983م - فَأُقُسِمُ أَنْ لَوْ التَقَيْنَا وَأَنْتُمُ ... لَكَانَ لَكُمْ يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِم والعامة على «يَبْطِش» بالكسر، وضمَّها أبو جعفر، وقيل: إن القائل «يَا مُوسَى» هو القبطي، وكان قد عرف القصة من الإسرائيلي. قال ابن الخطيب: وهذا هو الظاهر، لقوله: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ ياموسى﴾ ، فهذا القول منه لا من غيره، وأيضاً قوله: ﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض﴾ لا يليق إلا بقول الكافر، والجبار: هو الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل بظلم، ولا ينظر في العواقب، وقيل: المتعظم، ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين﴾ ، قال المفسرون: فلما سمع القبطي قول الإسرائيلي علم أَنَّ موسى هو الذي قتل ذلك الفرعوني: فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى فأخذوا الطريق الأعظم. قوله: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى﴾ ، أي: من آخر المدينة اسمه: حزقيل مؤمن آل فرعون، وقيل اسمه شمعون، وقيل: (شمعان) : «يَسْعَى» قال الزمخشري: «يَسْعَى» يجوز ارتفاعه وصفاً ل «رَجُلٌ» وانتصابه حالاً عنه، لأنه قد تخصص بالوصف بقوله: ﴿مِّنْ أَقْصَى المدينة﴾ ، فإن جعلت «مِنْ أَقْصَى» متعلقاً ب «جَاءَ» ف «يَسْعَى» صفة ليس إلا. وهذا بناء منه على مذهب الجمهور، وقد تقدَّم أَنَّ سيبويه يجيز ذلك من غير شَرْط. وفي آية يس قدَّمَ «مِنْ أَقْصَى» على «رَجُل» ، لأنه لم يكن من أقصاها وما جاء منها وهنا وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان وقضيتان متباينتان. (قوله) «يَأْتَمِرُونَ» أي: يتآمرون بمعنى يتشاورون، كقول النمر بن تولب: 3984 - أَرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا شبهَةً ... وَفِي كُلِّ حَادِثَةٍ مُؤْتَمَرْ وعن ابن قتيبة: يأمر بعضهم بعضاً. أخذه من قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 6] . (قوله) «فَاخْرُجْ» أي: من المدينة، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ الناصحين﴾ في الأمر بالخروج، فقوله «لَكَ» ، يجوز أن يتعلق بما يدلُّ «النَّاصِحِينَ» عليه، أي؛ ناصحٌ لك من الناصحين، أو بنفس «النَّاصِحِينَ» للاتساع في الظرف، أو على جهة البيان أي: أعني لك. «فَخَرَجَ مِنْهَا» موسى «خَائِفاً يَتَرَقَّبُ» هِدَايَتَهُ وغَوْثَ الله إيَّاهُ، ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ أي؛ لاكافرين وهذا يدلُّ على أن قتله لذلك القبطي لم يكن ذبناً وإلا لكان هو الظالم لهم، وما كانوا ظالمين له بسبب طلبهم له ليقتلوه قصاصاً.

القصص 28:19

قوله: ﴿فَأَصْبَحَ فِي المدينة﴾ التي قتل فيها القبطي «خَائِفاً» الظاهر أنه خبر «أصبح» ، و «فِي المَدِينَةِ» مفعول به، ويجوز أن يكون حالاً، والخبر «فِي المَدِينَةِ» ، ويضعف تمام «أَصْبَحَ» أي: دخل في الصباح. قوله: «يَتَرَقَّبُ» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانيةً، وأن يكون بدلاً من الحال (الأولى) ، أو الخبر الأول، أو حالاً من الضمير في «خَائفاً» فتكون متداخلة، ومفعول «يَتَرَقَّبُ» محذوف، أي: يترقب المكروه، أو الفرج، أو الخبر: هل وصل لفرعون أم لا؟ قوله: «فَإِذَا» «إِذَا» فجائية، و «الَّذِي» مبتدأ وخبره إمَّا «إذَا» ف «يَسْتَصْرِخُهُ» حال، وإمَّا «يَسْتَصْرِخُهُ» ف «إِذَا» فضله على بابها، و «بِالأَمْسِ» معرب، لأنه متى دخلت عليه «أل» أوأضيف أعرب، ومتى عَرِيَ منها فحاله معروفٌ، الحجاز يبنونه، والتميميون يمنعونه الصرف، كقوله: 3981 - لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَباً مُذْ أَمْسَا ... على أنه قد بُنِيَ مع «ال» ندوراً، كقوله: 3982 - وَإِنِّي حُبِسْتُ اليَوْمَ والأَمْسِ قَبْلَهُ ... إِلَى الشَّمْسِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ يورى بكسر السين. قوله: ﴿قَالَ لَهُ موسى﴾ الضمير قيل للإسرائيلي، لأنه كان سبباً في الفتنة الأولى، وقيل للقبطي، وذلك أنَّ موسى لما أصبح خائفاً من قتل القبطي «يَتَرَقَّب» ينتظر سوءاً، والترقب انتظار المكروه. قال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به، ﴿فَإِذَا الذي استنصره بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستغيثه ويصيح به من بعد، قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إنَّ بني إسرائيل قتلوا مِنَّا رجلاً فخذ لنا بحقنا، فقالوا ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه (فلا تنسبوني أن أقضي) بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بيّنة إذ مَرَّ مُوسَى من الد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً، فاستغاثه على الفرعوني، فصادق موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (أي: ظاهر الغواية) . قال أهل اللغة: «لَغَوِيٌّ» يجوز أن يكون فَعِيلاً بمعنى مفعل، أي: إنَّك لمغويّ، فإنِّي وقعتُ بالأمس فيما وقعت فيه بسببك، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي: قاتلت رجلاً بالأمس فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر، وتستغيثني عليه، وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ بظلمك، والأكثرون على الأول. قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ الظاهر أنَّ الضميرين لموسى، وقيل للإسرائيلي، والعدو: هو القبطي، والضمير في ﴿قَالَ ياموسى﴾ للإسرائيلي، كأنه توهم من موسى مخاشنة، فَمِنْ ثمَّ قال ذلك، وبهذا فشا خبره وكان مشكوكاً في قاتله. و «أَنْ» تطرد زيادتها في موضعين: أحدهما: بعد لمَّا كهذه. والثاني: قبل «لَوْ» مسبوقة بقسم كقوله: 3983 - أَمَا وَاللَّهِ َنْ لَوْ كُنْتُ حُراً ... 3983م - فَأُقُسِمُ أَنْ لَوْ التَقَيْنَا وَأَنْتُمُ ... لَكَانَ لَكُمْ يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِم والعامة على «يَبْطِش» بالكسر، وضمَّها أبو جعفر، وقيل: إن القائل «يَا مُوسَى» هو القبطي، وكان قد عرف القصة من الإسرائيلي. قال ابن الخطيب: وهذا هو الظاهر، لقوله: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ ياموسى﴾ ، فهذا القول منه لا من غيره، وأيضاً قوله: ﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض﴾ لا يليق إلا بقول الكافر، والجبار: هو الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل بظلم، ولا ينظر في العواقب، وقيل: المتعظم، ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين﴾ ، قال المفسرون: فلما سمع القبطي قول الإسرائيلي علم أَنَّ موسى هو الذي قتل ذلك الفرعوني: فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى فأخذوا الطريق الأعظم. قوله: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى﴾ ، أي: من آخر المدينة اسمه: حزقيل مؤمن آل فرعون، وقيل اسمه شمعون، وقيل: (شمعان) : «يَسْعَى» قال الزمخشري: «يَسْعَى» يجوز ارتفاعه وصفاً ل «رَجُلٌ» وانتصابه حالاً عنه، لأنه قد تخصص بالوصف بقوله: ﴿مِّنْ أَقْصَى المدينة﴾ ، فإن جعلت «مِنْ أَقْصَى» متعلقاً ب «جَاءَ» ف «يَسْعَى» صفة ليس إلا. وهذا بناء منه على مذهب الجمهور، وقد تقدَّم أَنَّ سيبويه يجيز ذلك من غير شَرْط. وفي آية يس قدَّمَ «مِنْ أَقْصَى» على «رَجُل» ، لأنه لم يكن من أقصاها وما جاء منها وهنا وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان وقضيتان متباينتان. (قوله) «يَأْتَمِرُونَ» أي: يتآمرون بمعنى يتشاورون، كقول النمر بن تولب: 3984 - أَرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا شبهَةً ... وَفِي كُلِّ حَادِثَةٍ مُؤْتَمَرْ وعن ابن قتيبة: يأمر بعضهم بعضاً. أخذه من قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 6] . (قوله) «فَاخْرُجْ» أي: من المدينة، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ الناصحين﴾ في الأمر بالخروج، فقوله «لَكَ» ، يجوز أن يتعلق بما يدلُّ «النَّاصِحِينَ» عليه، أي؛ ناصحٌ لك من الناصحين، أو بنفس «النَّاصِحِينَ» للاتساع في الظرف، أو على جهة البيان أي: أعني لك. «فَخَرَجَ مِنْهَا» موسى «خَائِفاً يَتَرَقَّبُ» هِدَايَتَهُ وغَوْثَ الله إيَّاهُ، ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ أي؛ لاكافرين وهذا يدلُّ على أن قتله لذلك القبطي لم يكن ذبناً وإلا لكان هو الظالم لهم، وما كانوا ظالمين له بسبب طلبهم له ليقتلوه قصاصاً.

القصص 28:20

قوله: ﴿فَأَصْبَحَ فِي المدينة﴾ التي قتل فيها القبطي «خَائِفاً» الظاهر أنه خبر «أصبح» ، و «فِي المَدِينَةِ» مفعول به، ويجوز أن يكون حالاً، والخبر «فِي المَدِينَةِ» ، ويضعف تمام «أَصْبَحَ» أي: دخل في الصباح. قوله: «يَتَرَقَّبُ» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانيةً، وأن يكون بدلاً من الحال (الأولى) ، أو الخبر الأول، أو حالاً من الضمير في «خَائفاً» فتكون متداخلة، ومفعول «يَتَرَقَّبُ» محذوف، أي: يترقب المكروه، أو الفرج، أو الخبر: هل وصل لفرعون أم لا؟ قوله: «فَإِذَا» «إِذَا» فجائية، و «الَّذِي» مبتدأ وخبره إمَّا «إذَا» ف «يَسْتَصْرِخُهُ» حال، وإمَّا «يَسْتَصْرِخُهُ» ف «إِذَا» فضله على بابها، و «بِالأَمْسِ» معرب، لأنه متى دخلت عليه «أل» أوأضيف أعرب، ومتى عَرِيَ منها فحاله معروفٌ، الحجاز يبنونه، والتميميون يمنعونه الصرف، كقوله: 3981 - لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَباً مُذْ أَمْسَا ... على أنه قد بُنِيَ مع «ال» ندوراً، كقوله: 3982 - وَإِنِّي حُبِسْتُ اليَوْمَ والأَمْسِ قَبْلَهُ ... إِلَى الشَّمْسِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ يورى بكسر السين. قوله: ﴿قَالَ لَهُ موسى﴾ الضمير قيل للإسرائيلي، لأنه كان سبباً في الفتنة الأولى، وقيل للقبطي، وذلك أنَّ موسى لما أصبح خائفاً من قتل القبطي «يَتَرَقَّب» ينتظر سوءاً، والترقب انتظار المكروه. قال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به، ﴿فَإِذَا الذي استنصره بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستغيثه ويصيح به من بعد، قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إنَّ بني إسرائيل قتلوا مِنَّا رجلاً فخذ لنا بحقنا، فقالوا ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه (فلا تنسبوني أن أقضي) بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بيّنة إذ مَرَّ مُوسَى من الد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً، فاستغاثه على الفرعوني، فصادق موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (أي: ظاهر الغواية) . قال أهل اللغة: «لَغَوِيٌّ» يجوز أن يكون فَعِيلاً بمعنى مفعل، أي: إنَّك لمغويّ، فإنِّي وقعتُ بالأمس فيما وقعت فيه بسببك، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي: قاتلت رجلاً بالأمس فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر، وتستغيثني عليه، وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ بظلمك، والأكثرون على الأول. قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ الظاهر أنَّ الضميرين لموسى، وقيل للإسرائيلي، والعدو: هو القبطي، والضمير في ﴿قَالَ ياموسى﴾ للإسرائيلي، كأنه توهم من موسى مخاشنة، فَمِنْ ثمَّ قال ذلك، وبهذا فشا خبره وكان مشكوكاً في قاتله. و «أَنْ» تطرد زيادتها في موضعين: أحدهما: بعد لمَّا كهذه. والثاني: قبل «لَوْ» مسبوقة بقسم كقوله: 3983 - أَمَا وَاللَّهِ َنْ لَوْ كُنْتُ حُراً ... 3983م - فَأُقُسِمُ أَنْ لَوْ التَقَيْنَا وَأَنْتُمُ ... لَكَانَ لَكُمْ يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِم والعامة على «يَبْطِش» بالكسر، وضمَّها أبو جعفر، وقيل: إن القائل «يَا مُوسَى» هو القبطي، وكان قد عرف القصة من الإسرائيلي. قال ابن الخطيب: وهذا هو الظاهر، لقوله: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ ياموسى﴾ ، فهذا القول منه لا من غيره، وأيضاً قوله: ﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض﴾ لا يليق إلا بقول الكافر، والجبار: هو الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل بظلم، ولا ينظر في العواقب، وقيل: المتعظم، ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين﴾ ، قال المفسرون: فلما سمع القبطي قول الإسرائيلي علم أَنَّ موسى هو الذي قتل ذلك الفرعوني: فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى فأخذوا الطريق الأعظم. قوله: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى﴾ ، أي: من آخر المدينة اسمه: حزقيل مؤمن آل فرعون، وقيل اسمه شمعون، وقيل: (شمعان) : «يَسْعَى» قال الزمخشري: «يَسْعَى» يجوز ارتفاعه وصفاً ل «رَجُلٌ» وانتصابه حالاً عنه، لأنه قد تخصص بالوصف بقوله: ﴿مِّنْ أَقْصَى المدينة﴾ ، فإن جعلت «مِنْ أَقْصَى» متعلقاً ب «جَاءَ» ف «يَسْعَى» صفة ليس إلا. وهذا بناء منه على مذهب الجمهور، وقد تقدَّم أَنَّ سيبويه يجيز ذلك من غير شَرْط. وفي آية يس قدَّمَ «مِنْ أَقْصَى» على «رَجُل» ، لأنه لم يكن من أقصاها وما جاء منها وهنا وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان وقضيتان متباينتان. (قوله) «يَأْتَمِرُونَ» أي: يتآمرون بمعنى يتشاورون، كقول النمر بن تولب: 3984 - أَرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا شبهَةً ... وَفِي كُلِّ حَادِثَةٍ مُؤْتَمَرْ وعن ابن قتيبة: يأمر بعضهم بعضاً. أخذه من قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 6] . (قوله) «فَاخْرُجْ» أي: من المدينة، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ الناصحين﴾ في الأمر بالخروج، فقوله «لَكَ» ، يجوز أن يتعلق بما يدلُّ «النَّاصِحِينَ» عليه، أي؛ ناصحٌ لك من الناصحين، أو بنفس «النَّاصِحِينَ» للاتساع في الظرف، أو على جهة البيان أي: أعني لك. «فَخَرَجَ مِنْهَا» موسى «خَائِفاً يَتَرَقَّبُ» هِدَايَتَهُ وغَوْثَ الله إيَّاهُ، ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ أي؛ لاكافرين وهذا يدلُّ على أن قتله لذلك القبطي لم يكن ذبناً وإلا لكان هو الظالم لهم، وما كانوا ظالمين له بسبب طلبهم له ليقتلوه قصاصاً.

القصص 28:21

قوله: ﴿فَأَصْبَحَ فِي المدينة﴾ التي قتل فيها القبطي «خَائِفاً» الظاهر أنه خبر «أصبح» ، و «فِي المَدِينَةِ» مفعول به، ويجوز أن يكون حالاً، والخبر «فِي المَدِينَةِ» ، ويضعف تمام «أَصْبَحَ» أي: دخل في الصباح. قوله: «يَتَرَقَّبُ» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانيةً، وأن يكون بدلاً من الحال (الأولى) ، أو الخبر الأول، أو حالاً من الضمير في «خَائفاً» فتكون متداخلة، ومفعول «يَتَرَقَّبُ» محذوف، أي: يترقب المكروه، أو الفرج، أو الخبر: هل وصل لفرعون أم لا؟ قوله: «فَإِذَا» «إِذَا» فجائية، و «الَّذِي» مبتدأ وخبره إمَّا «إذَا» ف «يَسْتَصْرِخُهُ» حال، وإمَّا «يَسْتَصْرِخُهُ» ف «إِذَا» فضله على بابها، و «بِالأَمْسِ» معرب، لأنه متى دخلت عليه «أل» أوأضيف أعرب، ومتى عَرِيَ منها فحاله معروفٌ، الحجاز يبنونه، والتميميون يمنعونه الصرف، كقوله: 3981 - لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَباً مُذْ أَمْسَا ... على أنه قد بُنِيَ مع «ال» ندوراً، كقوله: 3982 - وَإِنِّي حُبِسْتُ اليَوْمَ والأَمْسِ قَبْلَهُ ... إِلَى الشَّمْسِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ يورى بكسر السين. قوله: ﴿قَالَ لَهُ موسى﴾ الضمير قيل للإسرائيلي، لأنه كان سبباً في الفتنة الأولى، وقيل للقبطي، وذلك أنَّ موسى لما أصبح خائفاً من قتل القبطي «يَتَرَقَّب» ينتظر سوءاً، والترقب انتظار المكروه. قال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به، ﴿فَإِذَا الذي استنصره بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستغيثه ويصيح به من بعد، قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إنَّ بني إسرائيل قتلوا مِنَّا رجلاً فخذ لنا بحقنا، فقالوا ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه (فلا تنسبوني أن أقضي) بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بيّنة إذ مَرَّ مُوسَى من الد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً، فاستغاثه على الفرعوني، فصادق موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (أي: ظاهر الغواية) . قال أهل اللغة: «لَغَوِيٌّ» يجوز أن يكون فَعِيلاً بمعنى مفعل، أي: إنَّك لمغويّ، فإنِّي وقعتُ بالأمس فيما وقعت فيه بسببك، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي: قاتلت رجلاً بالأمس فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر، وتستغيثني عليه، وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ بظلمك، والأكثرون على الأول. قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ الظاهر أنَّ الضميرين لموسى، وقيل للإسرائيلي، والعدو: هو القبطي، والضمير في ﴿قَالَ ياموسى﴾ للإسرائيلي، كأنه توهم من موسى مخاشنة، فَمِنْ ثمَّ قال ذلك، وبهذا فشا خبره وكان مشكوكاً في قاتله. و «أَنْ» تطرد زيادتها في موضعين: أحدهما: بعد لمَّا كهذه. والثاني: قبل «لَوْ» مسبوقة بقسم كقوله: 3983 - أَمَا وَاللَّهِ َنْ لَوْ كُنْتُ حُراً ... 3983م - فَأُقُسِمُ أَنْ لَوْ التَقَيْنَا وَأَنْتُمُ ... لَكَانَ لَكُمْ يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِم والعامة على «يَبْطِش» بالكسر، وضمَّها أبو جعفر، وقيل: إن القائل «يَا مُوسَى» هو القبطي، وكان قد عرف القصة من الإسرائيلي. قال ابن الخطيب: وهذا هو الظاهر، لقوله: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ ياموسى﴾ ، فهذا القول منه لا من غيره، وأيضاً قوله: ﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض﴾ لا يليق إلا بقول الكافر، والجبار: هو الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل بظلم، ولا ينظر في العواقب، وقيل: المتعظم، ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين﴾ ، قال المفسرون: فلما سمع القبطي قول الإسرائيلي علم أَنَّ موسى هو الذي قتل ذلك الفرعوني: فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى فأخذوا الطريق الأعظم. قوله: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى﴾ ، أي: من آخر المدينة اسمه: حزقيل مؤمن آل فرعون، وقيل اسمه شمعون، وقيل: (شمعان) : «يَسْعَى» قال الزمخشري: «يَسْعَى» يجوز ارتفاعه وصفاً ل «رَجُلٌ» وانتصابه حالاً عنه، لأنه قد تخصص بالوصف بقوله: ﴿مِّنْ أَقْصَى المدينة﴾ ، فإن جعلت «مِنْ أَقْصَى» متعلقاً ب «جَاءَ» ف «يَسْعَى» صفة ليس إلا. وهذا بناء منه على مذهب الجمهور، وقد تقدَّم أَنَّ سيبويه يجيز ذلك من غير شَرْط. وفي آية يس قدَّمَ «مِنْ أَقْصَى» على «رَجُل» ، لأنه لم يكن من أقصاها وما جاء منها وهنا وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان وقضيتان متباينتان. (قوله) «يَأْتَمِرُونَ» أي: يتآمرون بمعنى يتشاورون، كقول النمر بن تولب: 3984 - أَرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا شبهَةً ... وَفِي كُلِّ حَادِثَةٍ مُؤْتَمَرْ وعن ابن قتيبة: يأمر بعضهم بعضاً. أخذه من قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 6] . (قوله) «فَاخْرُجْ» أي: من المدينة، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ الناصحين﴾ في الأمر بالخروج، فقوله «لَكَ» ، يجوز أن يتعلق بما يدلُّ «النَّاصِحِينَ» عليه، أي؛ ناصحٌ لك من الناصحين، أو بنفس «النَّاصِحِينَ» للاتساع في الظرف، أو على جهة البيان أي: أعني لك. «فَخَرَجَ مِنْهَا» موسى «خَائِفاً يَتَرَقَّبُ» هِدَايَتَهُ وغَوْثَ الله إيَّاهُ، ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ أي؛ لاكافرين وهذا يدلُّ على أن قتله لذلك القبطي لم يكن ذبناً وإلا لكان هو الظالم لهم، وما كانوا ظالمين له بسبب طلبهم له ليقتلوه قصاصاً.

القصص 28:22

قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد نحوها ماضياً إليها، يقال: داره تلقاه دار فلان، إذا كانت محاذيتها وأصله من اللقاء، قال الزجاج: أي: سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها. قال ابن عباس: خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ومشى من غير معرفة فأسلمه الله إلى مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل، سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على الله، وقيل: جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق. قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين خائفاً بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ﴿قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ ، أي: قصد الطريق إلى مدين. قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ وهو الماء الذي ستقبون منه وهو بئر، ووروده: مجيئه، والوصول إليه، «وَجَدَ عليه» أي: على شفيره ( «أمَّةً» جماعة كثيفة العدد «مِنَ النَّاسِ» مختلفين «يَسْقُونَ منها مواشيهم) ، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أي: سوى الجماعة، وقيل: في مكان أسفل من مكانهم. قوله:» امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ «ف» تذودوان «صفة ل» امْرَأَتِيْنِ «لا مفعول ثاني، لأَنَّ» وَجَدَ «بمعنى: لقي، والذَّودُ، الطرد والدفع، قال: 3985 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ ... وقيل: حبس: ومفعوله محذوف، أي: يَذُودانِ النَّاسَ عن غَنمهما، أو عن مزاحمة الناس، وقال الزمخشري: لم ترك المفعول غير مذكور في» يَسْقُونَ «و» تَذُودَانِ «و» لاَ نَسْقِي» ، قُلتُ: لأنَّ الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قَوْلهُمَا: ﴿لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ المقصود منه السَّقي لا المَسْقِيّ. (فصل واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن وجوههما نظر الرجال لتسترهما، وقيل: تذودان الناس عن غنمهما، وقال الفراء: يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب، وقيل: تذودان أي: معهما قطيع من الغنم، والقطيع من الغنم يسمى: ذوداً، وكذلك قطيع البقرب وقطيع الإبل. قال عليه السلام: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ دَوْدٍ صَدَقَة» وقال الشاعر: 3986 - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ، وَثَلاَثُ ذَوْدٍ ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي قوله: «مَا خَطْبكُمَا» تقدم في طه، وقال الزمخشري: هنا حقيقته: مَا مخطُوبُكما؟ أي: ما مطلُوبُكُمَا من الذياد؟ فسمي المخطُوب خطباً كما سمي المشئُونُ شأْناً في قولك: ما شأنُكَ؟ يقال: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أي: قَصَدْتُ قَصْدَه. وقال ابن عطية: السؤال بالخطب إنما هو في مُصَاب أو مُضطهد أو مَنْ يُشْلإقُ عليه أو يأتي بمنكر من الأمر. وقرأ شَمِر «خِطْبَكُمَا» بالكسر أي: ما زوجكما؟ أي: لِمَ تَسْقِيَانِ وَلَمْ يَسْقِ زَوْجُكُمَا؟ وهي شاذة جداً. قوله: ﴿حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صَدَرَ يَصْدُرُ وهو قاصر، أي: حتى يرجع الرعاء: أي: يرجعون بمواشيهم والباقون بضم الياء وكسر الدال مضارع أَصدرَ مُعدًّى بالهمزة، والمفعول محذوف، أي: يُصدرُونَ مواشِيهم، والعامة على كسر الراء من «الرِّعَاء» ، وهو جمع تكسير غير مقيس لأنَّ فاعلاً الوصف المعتل اللام كقاضٍ قياسه (فُعَلَة) نحة قُضَاة ورُمَاة. وقال الزمخشري: وأما الرِّعَاء بالكسر فقياس كصِيام وقِيام. وليس كما ذكر (لِمَا ذَكَرْنَاهُ) . وقرأ أبو عمرو - في رواية - بفتح الراء. قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع أو على حذف مضاف، وقرىء بضمها، وهو اسم جمع كرخال وثُنَاء. وقرأ ابن مصرف «لا نُسْقِي» بضم النون من أَسْقَى، وتقدم الفرق بين سَقَى وأَسْقَى في النحل، والمعنى لا نسقي حتى يرجع الرّعاء عن الماء، والرّعاء جمع راع مثل تاجر وتِجَار، أي: نحن امرأتان لا نطيق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض، و ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يسقي مواشيه ولذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. فصل قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: أبوهما هو شعيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. (وإنه عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته) . وقال وهب وسعيد بن جبير: هو يثرون ابن أخي شعيب (وكان شعيب) قد مات بعد ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب. قالوا: فلما سمع قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق: إنَّ موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين. وروي أن القوم لمَّا رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشر نفر، فجاء موسى فرفع الحجر وحده، وسقى غنمهما، ويقال: إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة فروي منه جميع الغنم. قوله: «فَسَقَى لَهُمَا» مفعوله محذوف أي: غنمهما لأجلهما، ﴿ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾ أي: إلى ظل شجرة فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع. قال الضحاك: لبث سبعة أيام لم يذق طعاماً إلا بقل الأرض. فصل «لِمَا أَنْزَلْتَ» متعلق ب «فَقير» قال الزمخشري: عُدِّي فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلتَ إِليَّ من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين. يعني أن افتقر يتعدى ب «مِنْ» ، فإمَّا أن نجعله من باب التضمين، وإمّا أَنَّ متعلقه محذوف و «أَنْزَلْتَ» قيل ماض على أصله، ويعني بالخير ما تقدم من خير الدين، وقيل: بمعنى المستقبل. قال أهل اللغة: اللام بمعنى إلى، يقال: فقير له، وفقير إليه، فإنْ قيل: كيف ساغ بنبي الله شعيب أن يرضى لابنتيه السعي بالماشية فالجواب: أنَّ الناس اختلفوا فيه: هل هو شعيب أو غيره كما تقدم، وإن سلمنا أنه شعيب لكن لا مفسدة فيه، لأن الدين لا يأباه، وأحوال أهل البادية يغر أحوال أهل الحضر سيما إذا كانت الحال حالة ضرورة. فصل قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: لقد قال ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلي شق تمرة، وقيل: إنما قال ذلك في نفسه مع ربه، وهو اللائق بموسى عليه السلام فلما رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حُفّل بِطَان قال لهما: ما أعجلكما: قالتا: وجدنا رجُلاً صالِحاً رحيماً فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، قوله «فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا» قرأ ابن محيصن: «فَجَاءَتْهُ حُدَاهمَا» بحذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، كقوله: يا با فلان، وقوله: 3987 - يَا بَا المُغيرة رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ... فَرَّجْتهُ بِالنُّكْرِ عَنِّي وَالدَّهَا وَوَيْلُمِّه أي: ويلٌ لأُمِّهِ. قال: 3988 - وَيْلُمِّهَا حَالُه لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ ... و «تَمْشِي» حال، و «اسْتِحْيَاءٍ» حال أخرى، إما من «جَاءَتْ» وإما من «تَمْشِي» . فصل قال عمر بن الخطاب: ليست بسلفع من النساء خرَّاجة ولاَّجة، ولكن جاءت مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء. ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ صرحت بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها، وقيل: ماشية على بُعْد، مائلة عن الرجال. وقال عبد العزيز بن أبي حازم: على إجلال له، ومنهم من يقف على قوله «تَمْشِي» ، ثم يبتدىء ﴿عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ أي: إنها على استحياء قالت هذا القول، لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحي لا سيما المرأة. قال ابن إسحاق: اسم الكبرى صَفورا والصغرى لبنا، وقيل ليا، وقال غيره: صَفُورا وصَفِيرا. وقال الضحاك: صافُورا، قال الأكثرون: التي جاءت إلى موسى الكبرى. وقال الكلبي: هي الصغرى. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكالات. أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة، (وَأَنْ يَمْشِي مَعَهَا) وهي أجنبية، فإذن ذلك يورث التهمة العظيمة؟ وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا مَوَاضِع التُّهَم» . وثانيها: أنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى، فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه، وذلك غير جائز في الشريعة؟ . وثالثها: أنه عرف فقرَهُنَّ، وفَقْرَ أبيهنّ، وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟ ورابعها: كيف يليق بالنبي شُعَيب عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شابٍّ قبل العلم بكون الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟ والجواب عن الأول: أما العمل بقول امرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، وهي ما كانت إلاَّ مخبرة عن أبيها. وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع. وعن الثاني: أن المرأة لما قالت ذلك، فموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طالباً للأجر، بل للتبرك بذلك الشيخ، لِما رُوِي أنه لما دخل على شعيب إذا هو بالعَشاء تهيَّأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذُ بالله، فقال شُعَيْب: ولم ذلك؟ ألست بجائع؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نطلبُ على عملٍ من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، وفي رواية: لا نبيع ديننا بالدُّنيا، ولا نأخذ بالمعروف ثمناً. فقال شُعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى، فأكل. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك اضطراراً، وهو الجواب عن الثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات. وعن الرابع: لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها، فكان يعتمد عليها. فصل قال عمر بن الخطاب: فقام يمشي والجارية أمامه، فعبثت الريح، فوصفت ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال موسى عليه السلام: إني من عنصر إبراهيم، فكوني خَلْفي حتى لا ترفع الريح ثيابك، فأرى ما لا يَحِل، وفي رواية: كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحَصَى، لأن صوت المرأة عورة. فإن قيل: لِمَ خشي موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك أجرة له عن عمله، ولم يكره مع الخضر ذلك حين قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف: 77] ؟ فالجواب: أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء (ف) غير مكروه. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضَّحاك: قال له: مَنْ أنت يا عبد الله؟ قال له: أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي، وأنهم يطلبوه فيقتلوه، فقال شعيب عليه السلام: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ أي: لا سلطان له بأرضنا، فإن قيل إن المفسرين قالوا: إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بُعْد ثمانية أيام من دار مملكته؟ فالجواب: هذا وإن كان نادراً إلا أنَّه ليس بمحال. قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره﴾ اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ أي: خير من استعملت مَنْ قَوي على العمل، وأداء الأمانة، وإنما جعل ﴿خَيْرَ مَنِ استأجرت﴾ اسماُ و «القَوِيُّ الأَمِينُ» خبراً مع أن العكس أولى، لأن العناية سبب اللتقديم. فإن قيل: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما العطية والكتابة، فلم أهمَل أمرَ الكتابة؟ فالجواب أنهما داخِلان في الأمانة. قال ابن مسعود: أفرسُ الناس ثلاثة: بنتُ شعيب، (وصاحب يوسف) ، وأبو بكر في عمر. فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوتُه، فإنه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون، وأمَّا أمانته، فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قال شعيب عند ذلك: ﴿إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ﴾ . قال أكثر المفسرين: إنه زوجه الصغير منهما، وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورة. قوله: ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾ روي عن أبي عمرو «أنْكِحَكَ حدى» بحذف همزة «إحدَى» ، وهذه تشبه قراءة ابن محيصن «فَجَاءَتْهُ حْدَاهُما» ، وتقدم التشديد في نون «هَاتَيْنِ» في سورة النساء. قوله ﴿على أَن تَأْجُرَنِي﴾ في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول، أي: مشروطاً على أو عليك ذلك. و «تَأْجُرَنِي» مضارع أَجَرْتُه، كنتُ له أجيراً، ومفعوله الثاني محذوف، أي: وتأجُرنِي نفسَك، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظرف له. ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني. قال شهاب الدين الزمخشري لم يجعلها مفعولاً ثانياً على هذا الوجه، وإنّضام جعلها مفعولاً ثانياً على وجه آخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصه ليتبين لك، قال: «تَأْجُرَنِي» ، من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك: أبوته إذا كنت له أَباً، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظفر، أو مِنْ أجرته إذا أثبته، ومنه تعزية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «آجركُم اللَّهُ ورحِمَكُمْ» وثماني حججٍ «مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج. فنقل الشيخ عنه الوجه الأول من المعنيين المذكورين في» تأجُرنِي «فقط، وحكى عنه أنه أعرب» ثَمَاني حِجَجٍ «مفعولاً به، وكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافاً ليصح المعنى به، أي: رَعْيُ ثَمَانِي حِجَجٍ، لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجارة على الزمان؟ (قوله) » فَمِنْ عِنْدِكَ «يجوز أن يكون في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فهي من عندك، أو نصب أي: فقد زدتها أو تفضلت بها من عندك. فصل معنى الآية: أريدُ أن أنكِحَكَ إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تكون أجيراً لي ثمانِ سنين قال الفراء: أي تجعل ثوابي من تزويجها أنْ ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: أَجَرَكَ اللَّه بأجْرِكَ، أي: أثابك والحِجَج: السِّنُون، واحدها حجَّة. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ أي: عشر سنين» فَمِنْ عِنْدِك» أي: ذلك تفضل منك وتبرع ليس بواجب عليك. واعلم أن هذا اللفظ - وإن كان على الترديد - فلا شبهة أنه عند التزيوج عين، ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، والزيادة كالتبرع. ودلت الآيية على أنَّ العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمَّن جائز، ولكنه شرع من قبلنا، ودلَّت أيضاً على أنه يجوز أن يشرط الوليُّ، وعلى أنَّ عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. (واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على صحة بيع أحد هذين العبدين، أو الثوبين، وفيه نظر، لأأنها مراضاة لا معاقدة. ودلت الآية أيضاً على صحة الإجارة بالطعمة والكسوة، كما جرت به العادة، ويؤيده قوله عليه السلام: «إنَّ مُوسَى أَجَّر نَفْسه ثَمَانِيَ سينَ أوْ عَشْرَة على عفة فرجه وطعام بطنه» وهو مذهب الحنابلة قاله ابن كثير. فصل قال النووي: الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي أن الجياني حكى في الشامل أيضاً ضم الهمزة، قال أهل اللغة: وأصل الأجر الثواب، يقال: أجرت فلاناً عن عمله كذا أي: أثبته، والله يأجر العبد أي؛ يثيبه، والمستأجر يثيب المأجور عوضاً عن بذل المنافع. قال الواحدي: قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وآجرت ممدود قال المبرد: والأول أكثر) . قوله: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي؛ ألزمك تمام العشر. وأَنْ أَشُقَّ، مفعول «أريد» وحقيقة قولهم: شَقَّ عليه أي: شقَّ ظنَّه نصفين فتارة يقول أطيق، وتارة لا أطيق، وهو من أحسن مجاز. قوله ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال عمر: أي في حسن الصحبة والوفاء ولين الجانب. وقيل: أراد الصلاح على العموم، وإنما قال ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ للاتكال على توفيقه ومعونته، فإنْ قيل: كيف ينعقد العقدُ بهذا الشَّرط، ولو قلت أنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الله لا تطلَّق؟ فالجواب: هذا ما يختلف بالشرائع. قوله: «ذَلِكَ» مبتدأ، والإشارة به إلى ما تعاقد عليه، والظرف خبره، وأضيفت «بَيْنَ» لمفرد لتكررها عطفاً بالواو، فإن قلت: المالُ بَيْن زيد فعمرو لم يجز، وأما قوله: 3989 - بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ... فكان الأصمعي يأباها، ويوري «وحوامل» بالواو، والصحيح بالفاء، وول البيت على أن الدَّخُول وحَوْمَل مكانان كل منهما مشتمل على أماكن، نحو قولك: دارِي بين مصر، لأنه يريد به المكان الجامع، والأصل ذلك بيننا ففرق بالعطف. قوله: «أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ» أي شرطية وجوابها «فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ» . وفي «مَا» هذه قولان: أشهرهما: أنها زائدة، كزيادتها في أخواتها من أدوات الشرط. والثاني: أنها نكرة، و «الأَجَلَيْنِ» بدل منها. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية «أَيْمَا» بتخفيف الياء كقوله: 3990 - تَنَظَّرْتُ نَسْراً والسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا ... عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُه وقرأ عبد الله ﴿أيَّ الأَجَلَيَْ مَا قَضَيْت﴾ بإقحام «مَا» بين «الأَجَلَيْن» و «قَضَيْتُ» . قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين موقع زيادة «مَا» في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، «أَيْ» زيادة في شياعها، وفي الشاذة تأكيداً للقضاء كأنَّه قال: أي الأجلين صمَّمْت على قضائه وجرَّدتُ عزيمتي له. وقرأ أبو حيوة وابن ٌطَيب «عِدْوانَ» . قال الزمخشري: فإن قلت: تصوُّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصرهما، وهو المطالب بتتمة العشر، فما معنى تعلق العدوان بهما جميعاً؟ قلت: معناه: كما أني إن طولبت بالزيادة على العَشْر (كان عدواناً) لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني، أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأنَّ الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا، ويكون اختيار الأقل والزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحدهمَا عليه إجبار، ثم قال: وقيل: معناه فلا أكون متعدِّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه كقولك: لا إثم عليَّ ولا تبعة. قال أبو حيان: وجوابه الأول فيه تكثير. قال شهاب الدين: كأنه أعجبه الثاني. والثاني لم يرتضه الزمخشري، لأنه ليس جواباً في الحقيقة، فإن السؤال باق أيضاً، ولذلك نقله عن غيره، وقال المبرد: وقد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما، ولكن جمعهما ليجعل الأول كالأَتَمِّ في الوفاء. فصل قال المفسرون: المعنى «أيّ الأَجَلَيْن قَضَيْتُ» أتممتُ وفرغت منه الثماني أو العشر، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا ظلم عليَّ بأن أطالب بأكثر ﴿والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال مقاتل: شهيد فيما بيني وبينك، وقيل: حفيظ، ولما استعمل الوكيل بمعنى الشاهد عُدِّي ب (عَلَى) قال سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأَجلينِ قَضَى مُوسَى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمتُ فسألتُ ابن عباس فقال: قَضَى أكثرها وأطيبهما، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا قال فعل. وروي عن أبي ذر مرفوعاً «إذَا سُئِلْتَ أَيَّ الأَجَلينِ قَضَى مُوسَى؟ فقل خيرهُما وأبرَّهما، وإذا سئلت أيَّ المرأتين تزوَّج موسى؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت: ﴿ياأبت استأجره﴾ فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما» وقال وهب: أنكَحَه الكُبْرى. ولمَّا تعاقد العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا. فقال عكرمة: عرج بها آدم من الجنة، فأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً، فدفعها إليه، قيل: كانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة، فتوراثتها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى، وقال السُّدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: رُدِّي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فدخلت وألقتها، وأرادت أن تأخذ غيرها، فلا تقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فأعطاها موسى، وأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة فذهب في أثره فطلب أن يرد العصا، فأبى موسى أن يعطيه وقال: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [ طه: 18] ، فرضي أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل، فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها، فلم يطقها، فأخذها موسى بيده، فرعفها فتركها له الشيخ ثم إن موسى لم أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك (عند صهره عشراً) أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له فخرج بأهله إلى جانب الطور.

القصص 28:23

قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد نحوها ماضياً إليها، يقال: داره تلقاه دار فلان، إذا كانت محاذيتها وأصله من اللقاء، قال الزجاج: أي: سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها. قال ابن عباس: خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ومشى من غير معرفة فأسلمه الله إلى مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل، سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على الله، وقيل: جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق. قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين خائفاً بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ﴿قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ ، أي: قصد الطريق إلى مدين. قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ وهو الماء الذي ستقبون منه وهو بئر، ووروده: مجيئه، والوصول إليه، «وَجَدَ عليه» أي: على شفيره ( «أمَّةً» جماعة كثيفة العدد «مِنَ النَّاسِ» مختلفين «يَسْقُونَ منها مواشيهم) ، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أي: سوى الجماعة، وقيل: في مكان أسفل من مكانهم. قوله:» امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ «ف» تذودوان «صفة ل» امْرَأَتِيْنِ «لا مفعول ثاني، لأَنَّ» وَجَدَ «بمعنى: لقي، والذَّودُ، الطرد والدفع، قال: 3985 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ ... وقيل: حبس: ومفعوله محذوف، أي: يَذُودانِ النَّاسَ عن غَنمهما، أو عن مزاحمة الناس، وقال الزمخشري: لم ترك المفعول غير مذكور في» يَسْقُونَ «و» تَذُودَانِ «و» لاَ نَسْقِي» ، قُلتُ: لأنَّ الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قَوْلهُمَا: ﴿لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ المقصود منه السَّقي لا المَسْقِيّ. (فصل واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن وجوههما نظر الرجال لتسترهما، وقيل: تذودان الناس عن غنمهما، وقال الفراء: يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب، وقيل: تذودان أي: معهما قطيع من الغنم، والقطيع من الغنم يسمى: ذوداً، وكذلك قطيع البقرب وقطيع الإبل. قال عليه السلام: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ دَوْدٍ صَدَقَة» وقال الشاعر: 3986 - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ، وَثَلاَثُ ذَوْدٍ ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي قوله: «مَا خَطْبكُمَا» تقدم في طه، وقال الزمخشري: هنا حقيقته: مَا مخطُوبُكما؟ أي: ما مطلُوبُكُمَا من الذياد؟ فسمي المخطُوب خطباً كما سمي المشئُونُ شأْناً في قولك: ما شأنُكَ؟ يقال: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أي: قَصَدْتُ قَصْدَه. وقال ابن عطية: السؤال بالخطب إنما هو في مُصَاب أو مُضطهد أو مَنْ يُشْلإقُ عليه أو يأتي بمنكر من الأمر. وقرأ شَمِر «خِطْبَكُمَا» بالكسر أي: ما زوجكما؟ أي: لِمَ تَسْقِيَانِ وَلَمْ يَسْقِ زَوْجُكُمَا؟ وهي شاذة جداً. قوله: ﴿حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صَدَرَ يَصْدُرُ وهو قاصر، أي: حتى يرجع الرعاء: أي: يرجعون بمواشيهم والباقون بضم الياء وكسر الدال مضارع أَصدرَ مُعدًّى بالهمزة، والمفعول محذوف، أي: يُصدرُونَ مواشِيهم، والعامة على كسر الراء من «الرِّعَاء» ، وهو جمع تكسير غير مقيس لأنَّ فاعلاً الوصف المعتل اللام كقاضٍ قياسه (فُعَلَة) نحة قُضَاة ورُمَاة. وقال الزمخشري: وأما الرِّعَاء بالكسر فقياس كصِيام وقِيام. وليس كما ذكر (لِمَا ذَكَرْنَاهُ) . وقرأ أبو عمرو - في رواية - بفتح الراء. قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع أو على حذف مضاف، وقرىء بضمها، وهو اسم جمع كرخال وثُنَاء. وقرأ ابن مصرف «لا نُسْقِي» بضم النون من أَسْقَى، وتقدم الفرق بين سَقَى وأَسْقَى في النحل، والمعنى لا نسقي حتى يرجع الرّعاء عن الماء، والرّعاء جمع راع مثل تاجر وتِجَار، أي: نحن امرأتان لا نطيق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض، و ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يسقي مواشيه ولذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. فصل قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: أبوهما هو شعيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. (وإنه عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته) . وقال وهب وسعيد بن جبير: هو يثرون ابن أخي شعيب (وكان شعيب) قد مات بعد ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب. قالوا: فلما سمع قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق: إنَّ موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين. وروي أن القوم لمَّا رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشر نفر، فجاء موسى فرفع الحجر وحده، وسقى غنمهما، ويقال: إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة فروي منه جميع الغنم. قوله: «فَسَقَى لَهُمَا» مفعوله محذوف أي: غنمهما لأجلهما، ﴿ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾ أي: إلى ظل شجرة فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع. قال الضحاك: لبث سبعة أيام لم يذق طعاماً إلا بقل الأرض. فصل «لِمَا أَنْزَلْتَ» متعلق ب «فَقير» قال الزمخشري: عُدِّي فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلتَ إِليَّ من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين. يعني أن افتقر يتعدى ب «مِنْ» ، فإمَّا أن نجعله من باب التضمين، وإمّا أَنَّ متعلقه محذوف و «أَنْزَلْتَ» قيل ماض على أصله، ويعني بالخير ما تقدم من خير الدين، وقيل: بمعنى المستقبل. قال أهل اللغة: اللام بمعنى إلى، يقال: فقير له، وفقير إليه، فإنْ قيل: كيف ساغ بنبي الله شعيب أن يرضى لابنتيه السعي بالماشية فالجواب: أنَّ الناس اختلفوا فيه: هل هو شعيب أو غيره كما تقدم، وإن سلمنا أنه شعيب لكن لا مفسدة فيه، لأن الدين لا يأباه، وأحوال أهل البادية يغر أحوال أهل الحضر سيما إذا كانت الحال حالة ضرورة. فصل قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: لقد قال ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلي شق تمرة، وقيل: إنما قال ذلك في نفسه مع ربه، وهو اللائق بموسى عليه السلام فلما رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حُفّل بِطَان قال لهما: ما أعجلكما: قالتا: وجدنا رجُلاً صالِحاً رحيماً فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، قوله «فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا» قرأ ابن محيصن: «فَجَاءَتْهُ حُدَاهمَا» بحذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، كقوله: يا با فلان، وقوله: 3987 - يَا بَا المُغيرة رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ... فَرَّجْتهُ بِالنُّكْرِ عَنِّي وَالدَّهَا وَوَيْلُمِّه أي: ويلٌ لأُمِّهِ. قال: 3988 - وَيْلُمِّهَا حَالُه لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ ... و «تَمْشِي» حال، و «اسْتِحْيَاءٍ» حال أخرى، إما من «جَاءَتْ» وإما من «تَمْشِي» . فصل قال عمر بن الخطاب: ليست بسلفع من النساء خرَّاجة ولاَّجة، ولكن جاءت مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء. ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ صرحت بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها، وقيل: ماشية على بُعْد، مائلة عن الرجال. وقال عبد العزيز بن أبي حازم: على إجلال له، ومنهم من يقف على قوله «تَمْشِي» ، ثم يبتدىء ﴿عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ أي: إنها على استحياء قالت هذا القول، لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحي لا سيما المرأة. قال ابن إسحاق: اسم الكبرى صَفورا والصغرى لبنا، وقيل ليا، وقال غيره: صَفُورا وصَفِيرا. وقال الضحاك: صافُورا، قال الأكثرون: التي جاءت إلى موسى الكبرى. وقال الكلبي: هي الصغرى. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكالات. أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة، (وَأَنْ يَمْشِي مَعَهَا) وهي أجنبية، فإذن ذلك يورث التهمة العظيمة؟ وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا مَوَاضِع التُّهَم» . وثانيها: أنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى، فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه، وذلك غير جائز في الشريعة؟ . وثالثها: أنه عرف فقرَهُنَّ، وفَقْرَ أبيهنّ، وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟ ورابعها: كيف يليق بالنبي شُعَيب عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شابٍّ قبل العلم بكون الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟ والجواب عن الأول: أما العمل بقول امرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، وهي ما كانت إلاَّ مخبرة عن أبيها. وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع. وعن الثاني: أن المرأة لما قالت ذلك، فموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طالباً للأجر، بل للتبرك بذلك الشيخ، لِما رُوِي أنه لما دخل على شعيب إذا هو بالعَشاء تهيَّأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذُ بالله، فقال شُعَيْب: ولم ذلك؟ ألست بجائع؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نطلبُ على عملٍ من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، وفي رواية: لا نبيع ديننا بالدُّنيا، ولا نأخذ بالمعروف ثمناً. فقال شُعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى، فأكل. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك اضطراراً، وهو الجواب عن الثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات. وعن الرابع: لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها، فكان يعتمد عليها. فصل قال عمر بن الخطاب: فقام يمشي والجارية أمامه، فعبثت الريح، فوصفت ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال موسى عليه السلام: إني من عنصر إبراهيم، فكوني خَلْفي حتى لا ترفع الريح ثيابك، فأرى ما لا يَحِل، وفي رواية: كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحَصَى، لأن صوت المرأة عورة. فإن قيل: لِمَ خشي موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك أجرة له عن عمله، ولم يكره مع الخضر ذلك حين قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف: 77] ؟ فالجواب: أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء (ف) غير مكروه. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضَّحاك: قال له: مَنْ أنت يا عبد الله؟ قال له: أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي، وأنهم يطلبوه فيقتلوه، فقال شعيب عليه السلام: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ أي: لا سلطان له بأرضنا، فإن قيل إن المفسرين قالوا: إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بُعْد ثمانية أيام من دار مملكته؟ فالجواب: هذا وإن كان نادراً إلا أنَّه ليس بمحال. قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره﴾ اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ أي: خير من استعملت مَنْ قَوي على العمل، وأداء الأمانة، وإنما جعل ﴿خَيْرَ مَنِ استأجرت﴾ اسماُ و «القَوِيُّ الأَمِينُ» خبراً مع أن العكس أولى، لأن العناية سبب اللتقديم. فإن قيل: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما العطية والكتابة، فلم أهمَل أمرَ الكتابة؟ فالجواب أنهما داخِلان في الأمانة. قال ابن مسعود: أفرسُ الناس ثلاثة: بنتُ شعيب، (وصاحب يوسف) ، وأبو بكر في عمر. فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوتُه، فإنه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون، وأمَّا أمانته، فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قال شعيب عند ذلك: ﴿إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ﴾ . قال أكثر المفسرين: إنه زوجه الصغير منهما، وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورة. قوله: ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾ روي عن أبي عمرو «أنْكِحَكَ حدى» بحذف همزة «إحدَى» ، وهذه تشبه قراءة ابن محيصن «فَجَاءَتْهُ حْدَاهُما» ، وتقدم التشديد في نون «هَاتَيْنِ» في سورة النساء. قوله ﴿على أَن تَأْجُرَنِي﴾ في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول، أي: مشروطاً على أو عليك ذلك. و «تَأْجُرَنِي» مضارع أَجَرْتُه، كنتُ له أجيراً، ومفعوله الثاني محذوف، أي: وتأجُرنِي نفسَك، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظرف له. ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني. قال شهاب الدين الزمخشري لم يجعلها مفعولاً ثانياً على هذا الوجه، وإنّضام جعلها مفعولاً ثانياً على وجه آخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصه ليتبين لك، قال: «تَأْجُرَنِي» ، من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك: أبوته إذا كنت له أَباً، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظفر، أو مِنْ أجرته إذا أثبته، ومنه تعزية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «آجركُم اللَّهُ ورحِمَكُمْ» وثماني حججٍ «مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج. فنقل الشيخ عنه الوجه الأول من المعنيين المذكورين في» تأجُرنِي «فقط، وحكى عنه أنه أعرب» ثَمَاني حِجَجٍ «مفعولاً به، وكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافاً ليصح المعنى به، أي: رَعْيُ ثَمَانِي حِجَجٍ، لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجارة على الزمان؟ (قوله) » فَمِنْ عِنْدِكَ «يجوز أن يكون في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فهي من عندك، أو نصب أي: فقد زدتها أو تفضلت بها من عندك. فصل معنى الآية: أريدُ أن أنكِحَكَ إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تكون أجيراً لي ثمانِ سنين قال الفراء: أي تجعل ثوابي من تزويجها أنْ ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: أَجَرَكَ اللَّه بأجْرِكَ، أي: أثابك والحِجَج: السِّنُون، واحدها حجَّة. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ أي: عشر سنين» فَمِنْ عِنْدِك» أي: ذلك تفضل منك وتبرع ليس بواجب عليك. واعلم أن هذا اللفظ - وإن كان على الترديد - فلا شبهة أنه عند التزيوج عين، ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، والزيادة كالتبرع. ودلت الآيية على أنَّ العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمَّن جائز، ولكنه شرع من قبلنا، ودلَّت أيضاً على أنه يجوز أن يشرط الوليُّ، وعلى أنَّ عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. (واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على صحة بيع أحد هذين العبدين، أو الثوبين، وفيه نظر، لأأنها مراضاة لا معاقدة. ودلت الآية أيضاً على صحة الإجارة بالطعمة والكسوة، كما جرت به العادة، ويؤيده قوله عليه السلام: «إنَّ مُوسَى أَجَّر نَفْسه ثَمَانِيَ سينَ أوْ عَشْرَة على عفة فرجه وطعام بطنه» وهو مذهب الحنابلة قاله ابن كثير. فصل قال النووي: الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي أن الجياني حكى في الشامل أيضاً ضم الهمزة، قال أهل اللغة: وأصل الأجر الثواب، يقال: أجرت فلاناً عن عمله كذا أي: أثبته، والله يأجر العبد أي؛ يثيبه، والمستأجر يثيب المأجور عوضاً عن بذل المنافع. قال الواحدي: قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وآجرت ممدود قال المبرد: والأول أكثر) . قوله: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي؛ ألزمك تمام العشر. وأَنْ أَشُقَّ، مفعول «أريد» وحقيقة قولهم: شَقَّ عليه أي: شقَّ ظنَّه نصفين فتارة يقول أطيق، وتارة لا أطيق، وهو من أحسن مجاز. قوله ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال عمر: أي في حسن الصحبة والوفاء ولين الجانب. وقيل: أراد الصلاح على العموم، وإنما قال ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ للاتكال على توفيقه ومعونته، فإنْ قيل: كيف ينعقد العقدُ بهذا الشَّرط، ولو قلت أنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الله لا تطلَّق؟ فالجواب: هذا ما يختلف بالشرائع. قوله: «ذَلِكَ» مبتدأ، والإشارة به إلى ما تعاقد عليه، والظرف خبره، وأضيفت «بَيْنَ» لمفرد لتكررها عطفاً بالواو، فإن قلت: المالُ بَيْن زيد فعمرو لم يجز، وأما قوله: 3989 - بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ... فكان الأصمعي يأباها، ويوري «وحوامل» بالواو، والصحيح بالفاء، وول البيت على أن الدَّخُول وحَوْمَل مكانان كل منهما مشتمل على أماكن، نحو قولك: دارِي بين مصر، لأنه يريد به المكان الجامع، والأصل ذلك بيننا ففرق بالعطف. قوله: «أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ» أي شرطية وجوابها «فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ» . وفي «مَا» هذه قولان: أشهرهما: أنها زائدة، كزيادتها في أخواتها من أدوات الشرط. والثاني: أنها نكرة، و «الأَجَلَيْنِ» بدل منها. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية «أَيْمَا» بتخفيف الياء كقوله: 3990 - تَنَظَّرْتُ نَسْراً والسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا ... عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُه وقرأ عبد الله ﴿أيَّ الأَجَلَيَْ مَا قَضَيْت﴾ بإقحام «مَا» بين «الأَجَلَيْن» و «قَضَيْتُ» . قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين موقع زيادة «مَا» في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، «أَيْ» زيادة في شياعها، وفي الشاذة تأكيداً للقضاء كأنَّه قال: أي الأجلين صمَّمْت على قضائه وجرَّدتُ عزيمتي له. وقرأ أبو حيوة وابن ٌطَيب «عِدْوانَ» . قال الزمخشري: فإن قلت: تصوُّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصرهما، وهو المطالب بتتمة العشر، فما معنى تعلق العدوان بهما جميعاً؟ قلت: معناه: كما أني إن طولبت بالزيادة على العَشْر (كان عدواناً) لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني، أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأنَّ الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا، ويكون اختيار الأقل والزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحدهمَا عليه إجبار، ثم قال: وقيل: معناه فلا أكون متعدِّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه كقولك: لا إثم عليَّ ولا تبعة. قال أبو حيان: وجوابه الأول فيه تكثير. قال شهاب الدين: كأنه أعجبه الثاني. والثاني لم يرتضه الزمخشري، لأنه ليس جواباً في الحقيقة، فإن السؤال باق أيضاً، ولذلك نقله عن غيره، وقال المبرد: وقد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما، ولكن جمعهما ليجعل الأول كالأَتَمِّ في الوفاء. فصل قال المفسرون: المعنى «أيّ الأَجَلَيْن قَضَيْتُ» أتممتُ وفرغت منه الثماني أو العشر، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا ظلم عليَّ بأن أطالب بأكثر ﴿والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال مقاتل: شهيد فيما بيني وبينك، وقيل: حفيظ، ولما استعمل الوكيل بمعنى الشاهد عُدِّي ب (عَلَى) قال سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأَجلينِ قَضَى مُوسَى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمتُ فسألتُ ابن عباس فقال: قَضَى أكثرها وأطيبهما، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا قال فعل. وروي عن أبي ذر مرفوعاً «إذَا سُئِلْتَ أَيَّ الأَجَلينِ قَضَى مُوسَى؟ فقل خيرهُما وأبرَّهما، وإذا سئلت أيَّ المرأتين تزوَّج موسى؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت: ﴿ياأبت استأجره﴾ فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما» وقال وهب: أنكَحَه الكُبْرى. ولمَّا تعاقد العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا. فقال عكرمة: عرج بها آدم من الجنة، فأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً، فدفعها إليه، قيل: كانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة، فتوراثتها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى، وقال السُّدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: رُدِّي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فدخلت وألقتها، وأرادت أن تأخذ غيرها، فلا تقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فأعطاها موسى، وأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة فذهب في أثره فطلب أن يرد العصا، فأبى موسى أن يعطيه وقال: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [ طه: 18] ، فرضي أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل، فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها، فلم يطقها، فأخذها موسى بيده، فرعفها فتركها له الشيخ ثم إن موسى لم أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك (عند صهره عشراً) أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له فخرج بأهله إلى جانب الطور.

القصص 28:24

قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد نحوها ماضياً إليها، يقال: داره تلقاه دار فلان، إذا كانت محاذيتها وأصله من اللقاء، قال الزجاج: أي: سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها. قال ابن عباس: خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ومشى من غير معرفة فأسلمه الله إلى مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل، سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على الله، وقيل: جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق. قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين خائفاً بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ﴿قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ ، أي: قصد الطريق إلى مدين. قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ وهو الماء الذي ستقبون منه وهو بئر، ووروده: مجيئه، والوصول إليه، «وَجَدَ عليه» أي: على شفيره ( «أمَّةً» جماعة كثيفة العدد «مِنَ النَّاسِ» مختلفين «يَسْقُونَ منها مواشيهم) ، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أي: سوى الجماعة، وقيل: في مكان أسفل من مكانهم. قوله:» امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ «ف» تذودوان «صفة ل» امْرَأَتِيْنِ «لا مفعول ثاني، لأَنَّ» وَجَدَ «بمعنى: لقي، والذَّودُ، الطرد والدفع، قال: 3985 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ ... وقيل: حبس: ومفعوله محذوف، أي: يَذُودانِ النَّاسَ عن غَنمهما، أو عن مزاحمة الناس، وقال الزمخشري: لم ترك المفعول غير مذكور في» يَسْقُونَ «و» تَذُودَانِ «و» لاَ نَسْقِي» ، قُلتُ: لأنَّ الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قَوْلهُمَا: ﴿لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ المقصود منه السَّقي لا المَسْقِيّ. (فصل واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن وجوههما نظر الرجال لتسترهما، وقيل: تذودان الناس عن غنمهما، وقال الفراء: يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب، وقيل: تذودان أي: معهما قطيع من الغنم، والقطيع من الغنم يسمى: ذوداً، وكذلك قطيع البقرب وقطيع الإبل. قال عليه السلام: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ دَوْدٍ صَدَقَة» وقال الشاعر: 3986 - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ، وَثَلاَثُ ذَوْدٍ ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي قوله: «مَا خَطْبكُمَا» تقدم في طه، وقال الزمخشري: هنا حقيقته: مَا مخطُوبُكما؟ أي: ما مطلُوبُكُمَا من الذياد؟ فسمي المخطُوب خطباً كما سمي المشئُونُ شأْناً في قولك: ما شأنُكَ؟ يقال: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أي: قَصَدْتُ قَصْدَه. وقال ابن عطية: السؤال بالخطب إنما هو في مُصَاب أو مُضطهد أو مَنْ يُشْلإقُ عليه أو يأتي بمنكر من الأمر. وقرأ شَمِر «خِطْبَكُمَا» بالكسر أي: ما زوجكما؟ أي: لِمَ تَسْقِيَانِ وَلَمْ يَسْقِ زَوْجُكُمَا؟ وهي شاذة جداً. قوله: ﴿حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صَدَرَ يَصْدُرُ وهو قاصر، أي: حتى يرجع الرعاء: أي: يرجعون بمواشيهم والباقون بضم الياء وكسر الدال مضارع أَصدرَ مُعدًّى بالهمزة، والمفعول محذوف، أي: يُصدرُونَ مواشِيهم، والعامة على كسر الراء من «الرِّعَاء» ، وهو جمع تكسير غير مقيس لأنَّ فاعلاً الوصف المعتل اللام كقاضٍ قياسه (فُعَلَة) نحة قُضَاة ورُمَاة. وقال الزمخشري: وأما الرِّعَاء بالكسر فقياس كصِيام وقِيام. وليس كما ذكر (لِمَا ذَكَرْنَاهُ) . وقرأ أبو عمرو - في رواية - بفتح الراء. قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع أو على حذف مضاف، وقرىء بضمها، وهو اسم جمع كرخال وثُنَاء. وقرأ ابن مصرف «لا نُسْقِي» بضم النون من أَسْقَى، وتقدم الفرق بين سَقَى وأَسْقَى في النحل، والمعنى لا نسقي حتى يرجع الرّعاء عن الماء، والرّعاء جمع راع مثل تاجر وتِجَار، أي: نحن امرأتان لا نطيق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض، و ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يسقي مواشيه ولذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. فصل قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: أبوهما هو شعيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. (وإنه عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته) . وقال وهب وسعيد بن جبير: هو يثرون ابن أخي شعيب (وكان شعيب) قد مات بعد ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب. قالوا: فلما سمع قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق: إنَّ موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين. وروي أن القوم لمَّا رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشر نفر، فجاء موسى فرفع الحجر وحده، وسقى غنمهما، ويقال: إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة فروي منه جميع الغنم. قوله: «فَسَقَى لَهُمَا» مفعوله محذوف أي: غنمهما لأجلهما، ﴿ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾ أي: إلى ظل شجرة فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع. قال الضحاك: لبث سبعة أيام لم يذق طعاماً إلا بقل الأرض. فصل «لِمَا أَنْزَلْتَ» متعلق ب «فَقير» قال الزمخشري: عُدِّي فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلتَ إِليَّ من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين. يعني أن افتقر يتعدى ب «مِنْ» ، فإمَّا أن نجعله من باب التضمين، وإمّا أَنَّ متعلقه محذوف و «أَنْزَلْتَ» قيل ماض على أصله، ويعني بالخير ما تقدم من خير الدين، وقيل: بمعنى المستقبل. قال أهل اللغة: اللام بمعنى إلى، يقال: فقير له، وفقير إليه، فإنْ قيل: كيف ساغ بنبي الله شعيب أن يرضى لابنتيه السعي بالماشية فالجواب: أنَّ الناس اختلفوا فيه: هل هو شعيب أو غيره كما تقدم، وإن سلمنا أنه شعيب لكن لا مفسدة فيه، لأن الدين لا يأباه، وأحوال أهل البادية يغر أحوال أهل الحضر سيما إذا كانت الحال حالة ضرورة. فصل قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: لقد قال ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلي شق تمرة، وقيل: إنما قال ذلك في نفسه مع ربه، وهو اللائق بموسى عليه السلام فلما رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حُفّل بِطَان قال لهما: ما أعجلكما: قالتا: وجدنا رجُلاً صالِحاً رحيماً فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، قوله «فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا» قرأ ابن محيصن: «فَجَاءَتْهُ حُدَاهمَا» بحذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، كقوله: يا با فلان، وقوله: 3987 - يَا بَا المُغيرة رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ... فَرَّجْتهُ بِالنُّكْرِ عَنِّي وَالدَّهَا وَوَيْلُمِّه أي: ويلٌ لأُمِّهِ. قال: 3988 - وَيْلُمِّهَا حَالُه لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ ... و «تَمْشِي» حال، و «اسْتِحْيَاءٍ» حال أخرى، إما من «جَاءَتْ» وإما من «تَمْشِي» . فصل قال عمر بن الخطاب: ليست بسلفع من النساء خرَّاجة ولاَّجة، ولكن جاءت مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء. ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ صرحت بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها، وقيل: ماشية على بُعْد، مائلة عن الرجال. وقال عبد العزيز بن أبي حازم: على إجلال له، ومنهم من يقف على قوله «تَمْشِي» ، ثم يبتدىء ﴿عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ أي: إنها على استحياء قالت هذا القول، لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحي لا سيما المرأة. قال ابن إسحاق: اسم الكبرى صَفورا والصغرى لبنا، وقيل ليا، وقال غيره: صَفُورا وصَفِيرا. وقال الضحاك: صافُورا، قال الأكثرون: التي جاءت إلى موسى الكبرى. وقال الكلبي: هي الصغرى. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكالات. أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة، (وَأَنْ يَمْشِي مَعَهَا) وهي أجنبية، فإذن ذلك يورث التهمة العظيمة؟ وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا مَوَاضِع التُّهَم» . وثانيها: أنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى، فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه، وذلك غير جائز في الشريعة؟ . وثالثها: أنه عرف فقرَهُنَّ، وفَقْرَ أبيهنّ، وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟ ورابعها: كيف يليق بالنبي شُعَيب عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شابٍّ قبل العلم بكون الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟ والجواب عن الأول: أما العمل بقول امرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، وهي ما كانت إلاَّ مخبرة عن أبيها. وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع. وعن الثاني: أن المرأة لما قالت ذلك، فموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طالباً للأجر، بل للتبرك بذلك الشيخ، لِما رُوِي أنه لما دخل على شعيب إذا هو بالعَشاء تهيَّأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذُ بالله، فقال شُعَيْب: ولم ذلك؟ ألست بجائع؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نطلبُ على عملٍ من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، وفي رواية: لا نبيع ديننا بالدُّنيا، ولا نأخذ بالمعروف ثمناً. فقال شُعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى، فأكل. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك اضطراراً، وهو الجواب عن الثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات. وعن الرابع: لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها، فكان يعتمد عليها. فصل قال عمر بن الخطاب: فقام يمشي والجارية أمامه، فعبثت الريح، فوصفت ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال موسى عليه السلام: إني من عنصر إبراهيم، فكوني خَلْفي حتى لا ترفع الريح ثيابك، فأرى ما لا يَحِل، وفي رواية: كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحَصَى، لأن صوت المرأة عورة. فإن قيل: لِمَ خشي موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك أجرة له عن عمله، ولم يكره مع الخضر ذلك حين قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف: 77] ؟ فالجواب: أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء (ف) غير مكروه. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضَّحاك: قال له: مَنْ أنت يا عبد الله؟ قال له: أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي، وأنهم يطلبوه فيقتلوه، فقال شعيب عليه السلام: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ أي: لا سلطان له بأرضنا، فإن قيل إن المفسرين قالوا: إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بُعْد ثمانية أيام من دار مملكته؟ فالجواب: هذا وإن كان نادراً إلا أنَّه ليس بمحال. قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره﴾ اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ أي: خير من استعملت مَنْ قَوي على العمل، وأداء الأمانة، وإنما جعل ﴿خَيْرَ مَنِ استأجرت﴾ اسماُ و «القَوِيُّ الأَمِينُ» خبراً مع أن العكس أولى، لأن العناية سبب اللتقديم. فإن قيل: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما العطية والكتابة، فلم أهمَل أمرَ الكتابة؟ فالجواب أنهما داخِلان في الأمانة. قال ابن مسعود: أفرسُ الناس ثلاثة: بنتُ شعيب، (وصاحب يوسف) ، وأبو بكر في عمر. فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوتُه، فإنه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون، وأمَّا أمانته، فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قال شعيب عند ذلك: ﴿إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ﴾ . قال أكثر المفسرين: إنه زوجه الصغير منهما، وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورة. قوله: ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾ روي عن أبي عمرو «أنْكِحَكَ حدى» بحذف همزة «إحدَى» ، وهذه تشبه قراءة ابن محيصن «فَجَاءَتْهُ حْدَاهُما» ، وتقدم التشديد في نون «هَاتَيْنِ» في سورة النساء. قوله ﴿على أَن تَأْجُرَنِي﴾ في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول، أي: مشروطاً على أو عليك ذلك. و «تَأْجُرَنِي» مضارع أَجَرْتُه، كنتُ له أجيراً، ومفعوله الثاني محذوف، أي: وتأجُرنِي نفسَك، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظرف له. ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني. قال شهاب الدين الزمخشري لم يجعلها مفعولاً ثانياً على هذا الوجه، وإنّضام جعلها مفعولاً ثانياً على وجه آخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصه ليتبين لك، قال: «تَأْجُرَنِي» ، من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك: أبوته إذا كنت له أَباً، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظفر، أو مِنْ أجرته إذا أثبته، ومنه تعزية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «آجركُم اللَّهُ ورحِمَكُمْ» وثماني حججٍ «مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج. فنقل الشيخ عنه الوجه الأول من المعنيين المذكورين في» تأجُرنِي «فقط، وحكى عنه أنه أعرب» ثَمَاني حِجَجٍ «مفعولاً به، وكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافاً ليصح المعنى به، أي: رَعْيُ ثَمَانِي حِجَجٍ، لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجارة على الزمان؟ (قوله) » فَمِنْ عِنْدِكَ «يجوز أن يكون في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فهي من عندك، أو نصب أي: فقد زدتها أو تفضلت بها من عندك. فصل معنى الآية: أريدُ أن أنكِحَكَ إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تكون أجيراً لي ثمانِ سنين قال الفراء: أي تجعل ثوابي من تزويجها أنْ ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: أَجَرَكَ اللَّه بأجْرِكَ، أي: أثابك والحِجَج: السِّنُون، واحدها حجَّة. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ أي: عشر سنين» فَمِنْ عِنْدِك» أي: ذلك تفضل منك وتبرع ليس بواجب عليك. واعلم أن هذا اللفظ - وإن كان على الترديد - فلا شبهة أنه عند التزيوج عين، ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، والزيادة كالتبرع. ودلت الآيية على أنَّ العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمَّن جائز، ولكنه شرع من قبلنا، ودلَّت أيضاً على أنه يجوز أن يشرط الوليُّ، وعلى أنَّ عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. (واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على صحة بيع أحد هذين العبدين، أو الثوبين، وفيه نظر، لأأنها مراضاة لا معاقدة. ودلت الآية أيضاً على صحة الإجارة بالطعمة والكسوة، كما جرت به العادة، ويؤيده قوله عليه السلام: «إنَّ مُوسَى أَجَّر نَفْسه ثَمَانِيَ سينَ أوْ عَشْرَة على عفة فرجه وطعام بطنه» وهو مذهب الحنابلة قاله ابن كثير. فصل قال النووي: الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي أن الجياني حكى في الشامل أيضاً ضم الهمزة، قال أهل اللغة: وأصل الأجر الثواب، يقال: أجرت فلاناً عن عمله كذا أي: أثبته، والله يأجر العبد أي؛ يثيبه، والمستأجر يثيب المأجور عوضاً عن بذل المنافع. قال الواحدي: قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وآجرت ممدود قال المبرد: والأول أكثر) . قوله: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي؛ ألزمك تمام العشر. وأَنْ أَشُقَّ، مفعول «أريد» وحقيقة قولهم: شَقَّ عليه أي: شقَّ ظنَّه نصفين فتارة يقول أطيق، وتارة لا أطيق، وهو من أحسن مجاز. قوله ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال عمر: أي في حسن الصحبة والوفاء ولين الجانب. وقيل: أراد الصلاح على العموم، وإنما قال ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ للاتكال على توفيقه ومعونته، فإنْ قيل: كيف ينعقد العقدُ بهذا الشَّرط، ولو قلت أنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الله لا تطلَّق؟ فالجواب: هذا ما يختلف بالشرائع. قوله: «ذَلِكَ» مبتدأ، والإشارة به إلى ما تعاقد عليه، والظرف خبره، وأضيفت «بَيْنَ» لمفرد لتكررها عطفاً بالواو، فإن قلت: المالُ بَيْن زيد فعمرو لم يجز، وأما قوله: 3989 - بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ... فكان الأصمعي يأباها، ويوري «وحوامل» بالواو، والصحيح بالفاء، وول البيت على أن الدَّخُول وحَوْمَل مكانان كل منهما مشتمل على أماكن، نحو قولك: دارِي بين مصر، لأنه يريد به المكان الجامع، والأصل ذلك بيننا ففرق بالعطف. قوله: «أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ» أي شرطية وجوابها «فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ» . وفي «مَا» هذه قولان: أشهرهما: أنها زائدة، كزيادتها في أخواتها من أدوات الشرط. والثاني: أنها نكرة، و «الأَجَلَيْنِ» بدل منها. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية «أَيْمَا» بتخفيف الياء كقوله: 3990 - تَنَظَّرْتُ نَسْراً والسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا ... عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُه وقرأ عبد الله ﴿أيَّ الأَجَلَيَْ مَا قَضَيْت﴾ بإقحام «مَا» بين «الأَجَلَيْن» و «قَضَيْتُ» . قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين موقع زيادة «مَا» في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، «أَيْ» زيادة في شياعها، وفي الشاذة تأكيداً للقضاء كأنَّه قال: أي الأجلين صمَّمْت على قضائه وجرَّدتُ عزيمتي له. وقرأ أبو حيوة وابن ٌطَيب «عِدْوانَ» . قال الزمخشري: فإن قلت: تصوُّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصرهما، وهو المطالب بتتمة العشر، فما معنى تعلق العدوان بهما جميعاً؟ قلت: معناه: كما أني إن طولبت بالزيادة على العَشْر (كان عدواناً) لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني، أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأنَّ الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا، ويكون اختيار الأقل والزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحدهمَا عليه إجبار، ثم قال: وقيل: معناه فلا أكون متعدِّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه كقولك: لا إثم عليَّ ولا تبعة. قال أبو حيان: وجوابه الأول فيه تكثير. قال شهاب الدين: كأنه أعجبه الثاني. والثاني لم يرتضه الزمخشري، لأنه ليس جواباً في الحقيقة، فإن السؤال باق أيضاً، ولذلك نقله عن غيره، وقال المبرد: وقد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما، ولكن جمعهما ليجعل الأول كالأَتَمِّ في الوفاء. فصل قال المفسرون: المعنى «أيّ الأَجَلَيْن قَضَيْتُ» أتممتُ وفرغت منه الثماني أو العشر، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا ظلم عليَّ بأن أطالب بأكثر ﴿والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال مقاتل: شهيد فيما بيني وبينك، وقيل: حفيظ، ولما استعمل الوكيل بمعنى الشاهد عُدِّي ب (عَلَى) قال سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأَجلينِ قَضَى مُوسَى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمتُ فسألتُ ابن عباس فقال: قَضَى أكثرها وأطيبهما، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا قال فعل. وروي عن أبي ذر مرفوعاً «إذَا سُئِلْتَ أَيَّ الأَجَلينِ قَضَى مُوسَى؟ فقل خيرهُما وأبرَّهما، وإذا سئلت أيَّ المرأتين تزوَّج موسى؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت: ﴿ياأبت استأجره﴾ فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما» وقال وهب: أنكَحَه الكُبْرى. ولمَّا تعاقد العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا. فقال عكرمة: عرج بها آدم من الجنة، فأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً، فدفعها إليه، قيل: كانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة، فتوراثتها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى، وقال السُّدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: رُدِّي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فدخلت وألقتها، وأرادت أن تأخذ غيرها، فلا تقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فأعطاها موسى، وأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة فذهب في أثره فطلب أن يرد العصا، فأبى موسى أن يعطيه وقال: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [ طه: 18] ، فرضي أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل، فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها، فلم يطقها، فأخذها موسى بيده، فرعفها فتركها له الشيخ ثم إن موسى لم أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك (عند صهره عشراً) أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له فخرج بأهله إلى جانب الطور.

القصص 28:25

قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد نحوها ماضياً إليها، يقال: داره تلقاه دار فلان، إذا كانت محاذيتها وأصله من اللقاء، قال الزجاج: أي: سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها. قال ابن عباس: خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ومشى من غير معرفة فأسلمه الله إلى مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل، سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على الله، وقيل: جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق. قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين خائفاً بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ﴿قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ ، أي: قصد الطريق إلى مدين. قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ وهو الماء الذي ستقبون منه وهو بئر، ووروده: مجيئه، والوصول إليه، «وَجَدَ عليه» أي: على شفيره ( «أمَّةً» جماعة كثيفة العدد «مِنَ النَّاسِ» مختلفين «يَسْقُونَ منها مواشيهم) ، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أي: سوى الجماعة، وقيل: في مكان أسفل من مكانهم. قوله:» امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ «ف» تذودوان «صفة ل» امْرَأَتِيْنِ «لا مفعول ثاني، لأَنَّ» وَجَدَ «بمعنى: لقي، والذَّودُ، الطرد والدفع، قال: 3985 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ ... وقيل: حبس: ومفعوله محذوف، أي: يَذُودانِ النَّاسَ عن غَنمهما، أو عن مزاحمة الناس، وقال الزمخشري: لم ترك المفعول غير مذكور في» يَسْقُونَ «و» تَذُودَانِ «و» لاَ نَسْقِي» ، قُلتُ: لأنَّ الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قَوْلهُمَا: ﴿لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ المقصود منه السَّقي لا المَسْقِيّ. (فصل واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن وجوههما نظر الرجال لتسترهما، وقيل: تذودان الناس عن غنمهما، وقال الفراء: يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب، وقيل: تذودان أي: معهما قطيع من الغنم، والقطيع من الغنم يسمى: ذوداً، وكذلك قطيع البقرب وقطيع الإبل. قال عليه السلام: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ دَوْدٍ صَدَقَة» وقال الشاعر: 3986 - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ، وَثَلاَثُ ذَوْدٍ ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي قوله: «مَا خَطْبكُمَا» تقدم في طه، وقال الزمخشري: هنا حقيقته: مَا مخطُوبُكما؟ أي: ما مطلُوبُكُمَا من الذياد؟ فسمي المخطُوب خطباً كما سمي المشئُونُ شأْناً في قولك: ما شأنُكَ؟ يقال: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أي: قَصَدْتُ قَصْدَه. وقال ابن عطية: السؤال بالخطب إنما هو في مُصَاب أو مُضطهد أو مَنْ يُشْلإقُ عليه أو يأتي بمنكر من الأمر. وقرأ شَمِر «خِطْبَكُمَا» بالكسر أي: ما زوجكما؟ أي: لِمَ تَسْقِيَانِ وَلَمْ يَسْقِ زَوْجُكُمَا؟ وهي شاذة جداً. قوله: ﴿حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صَدَرَ يَصْدُرُ وهو قاصر، أي: حتى يرجع الرعاء: أي: يرجعون بمواشيهم والباقون بضم الياء وكسر الدال مضارع أَصدرَ مُعدًّى بالهمزة، والمفعول محذوف، أي: يُصدرُونَ مواشِيهم، والعامة على كسر الراء من «الرِّعَاء» ، وهو جمع تكسير غير مقيس لأنَّ فاعلاً الوصف المعتل اللام كقاضٍ قياسه (فُعَلَة) نحة قُضَاة ورُمَاة. وقال الزمخشري: وأما الرِّعَاء بالكسر فقياس كصِيام وقِيام. وليس كما ذكر (لِمَا ذَكَرْنَاهُ) . وقرأ أبو عمرو - في رواية - بفتح الراء. قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع أو على حذف مضاف، وقرىء بضمها، وهو اسم جمع كرخال وثُنَاء. وقرأ ابن مصرف «لا نُسْقِي» بضم النون من أَسْقَى، وتقدم الفرق بين سَقَى وأَسْقَى في النحل، والمعنى لا نسقي حتى يرجع الرّعاء عن الماء، والرّعاء جمع راع مثل تاجر وتِجَار، أي: نحن امرأتان لا نطيق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض، و ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يسقي مواشيه ولذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. فصل قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: أبوهما هو شعيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. (وإنه عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته) . وقال وهب وسعيد بن جبير: هو يثرون ابن أخي شعيب (وكان شعيب) قد مات بعد ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب. قالوا: فلما سمع قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق: إنَّ موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين. وروي أن القوم لمَّا رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشر نفر، فجاء موسى فرفع الحجر وحده، وسقى غنمهما، ويقال: إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة فروي منه جميع الغنم. قوله: «فَسَقَى لَهُمَا» مفعوله محذوف أي: غنمهما لأجلهما، ﴿ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾ أي: إلى ظل شجرة فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع. قال الضحاك: لبث سبعة أيام لم يذق طعاماً إلا بقل الأرض. فصل «لِمَا أَنْزَلْتَ» متعلق ب «فَقير» قال الزمخشري: عُدِّي فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلتَ إِليَّ من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين. يعني أن افتقر يتعدى ب «مِنْ» ، فإمَّا أن نجعله من باب التضمين، وإمّا أَنَّ متعلقه محذوف و «أَنْزَلْتَ» قيل ماض على أصله، ويعني بالخير ما تقدم من خير الدين، وقيل: بمعنى المستقبل. قال أهل اللغة: اللام بمعنى إلى، يقال: فقير له، وفقير إليه، فإنْ قيل: كيف ساغ بنبي الله شعيب أن يرضى لابنتيه السعي بالماشية فالجواب: أنَّ الناس اختلفوا فيه: هل هو شعيب أو غيره كما تقدم، وإن سلمنا أنه شعيب لكن لا مفسدة فيه، لأن الدين لا يأباه، وأحوال أهل البادية يغر أحوال أهل الحضر سيما إذا كانت الحال حالة ضرورة. فصل قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: لقد قال ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلي شق تمرة، وقيل: إنما قال ذلك في نفسه مع ربه، وهو اللائق بموسى عليه السلام فلما رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حُفّل بِطَان قال لهما: ما أعجلكما: قالتا: وجدنا رجُلاً صالِحاً رحيماً فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، قوله «فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا» قرأ ابن محيصن: «فَجَاءَتْهُ حُدَاهمَا» بحذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، كقوله: يا با فلان، وقوله: 3987 - يَا بَا المُغيرة رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ... فَرَّجْتهُ بِالنُّكْرِ عَنِّي وَالدَّهَا وَوَيْلُمِّه أي: ويلٌ لأُمِّهِ. قال: 3988 - وَيْلُمِّهَا حَالُه لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ ... و «تَمْشِي» حال، و «اسْتِحْيَاءٍ» حال أخرى، إما من «جَاءَتْ» وإما من «تَمْشِي» . فصل قال عمر بن الخطاب: ليست بسلفع من النساء خرَّاجة ولاَّجة، ولكن جاءت مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء. ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ صرحت بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها، وقيل: ماشية على بُعْد، مائلة عن الرجال. وقال عبد العزيز بن أبي حازم: على إجلال له، ومنهم من يقف على قوله «تَمْشِي» ، ثم يبتدىء ﴿عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ أي: إنها على استحياء قالت هذا القول، لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحي لا سيما المرأة. قال ابن إسحاق: اسم الكبرى صَفورا والصغرى لبنا، وقيل ليا، وقال غيره: صَفُورا وصَفِيرا. وقال الضحاك: صافُورا، قال الأكثرون: التي جاءت إلى موسى الكبرى. وقال الكلبي: هي الصغرى. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكالات. أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة، (وَأَنْ يَمْشِي مَعَهَا) وهي أجنبية، فإذن ذلك يورث التهمة العظيمة؟ وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا مَوَاضِع التُّهَم» . وثانيها: أنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى، فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه، وذلك غير جائز في الشريعة؟ . وثالثها: أنه عرف فقرَهُنَّ، وفَقْرَ أبيهنّ، وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟ ورابعها: كيف يليق بالنبي شُعَيب عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شابٍّ قبل العلم بكون الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟ والجواب عن الأول: أما العمل بقول امرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، وهي ما كانت إلاَّ مخبرة عن أبيها. وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع. وعن الثاني: أن المرأة لما قالت ذلك، فموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طالباً للأجر، بل للتبرك بذلك الشيخ، لِما رُوِي أنه لما دخل على شعيب إذا هو بالعَشاء تهيَّأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذُ بالله، فقال شُعَيْب: ولم ذلك؟ ألست بجائع؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نطلبُ على عملٍ من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، وفي رواية: لا نبيع ديننا بالدُّنيا، ولا نأخذ بالمعروف ثمناً. فقال شُعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى، فأكل. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك اضطراراً، وهو الجواب عن الثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات. وعن الرابع: لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها، فكان يعتمد عليها. فصل قال عمر بن الخطاب: فقام يمشي والجارية أمامه، فعبثت الريح، فوصفت ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال موسى عليه السلام: إني من عنصر إبراهيم، فكوني خَلْفي حتى لا ترفع الريح ثيابك، فأرى ما لا يَحِل، وفي رواية: كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحَصَى، لأن صوت المرأة عورة. فإن قيل: لِمَ خشي موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك أجرة له عن عمله، ولم يكره مع الخضر ذلك حين قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف: 77] ؟ فالجواب: أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء (ف) غير مكروه. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضَّحاك: قال له: مَنْ أنت يا عبد الله؟ قال له: أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي، وأنهم يطلبوه فيقتلوه، فقال شعيب عليه السلام: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ أي: لا سلطان له بأرضنا، فإن قيل إن المفسرين قالوا: إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بُعْد ثمانية أيام من دار مملكته؟ فالجواب: هذا وإن كان نادراً إلا أنَّه ليس بمحال. قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره﴾ اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ أي: خير من استعملت مَنْ قَوي على العمل، وأداء الأمانة، وإنما جعل ﴿خَيْرَ مَنِ استأجرت﴾ اسماُ و «القَوِيُّ الأَمِينُ» خبراً مع أن العكس أولى، لأن العناية سبب اللتقديم. فإن قيل: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما العطية والكتابة، فلم أهمَل أمرَ الكتابة؟ فالجواب أنهما داخِلان في الأمانة. قال ابن مسعود: أفرسُ الناس ثلاثة: بنتُ شعيب، (وصاحب يوسف) ، وأبو بكر في عمر. فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوتُه، فإنه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون، وأمَّا أمانته، فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قال شعيب عند ذلك: ﴿إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ﴾ . قال أكثر المفسرين: إنه زوجه الصغير منهما، وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورة. قوله: ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾ روي عن أبي عمرو «أنْكِحَكَ حدى» بحذف همزة «إحدَى» ، وهذه تشبه قراءة ابن محيصن «فَجَاءَتْهُ حْدَاهُما» ، وتقدم التشديد في نون «هَاتَيْنِ» في سورة النساء. قوله ﴿على أَن تَأْجُرَنِي﴾ في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول، أي: مشروطاً على أو عليك ذلك. و «تَأْجُرَنِي» مضارع أَجَرْتُه، كنتُ له أجيراً، ومفعوله الثاني محذوف، أي: وتأجُرنِي نفسَك، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظرف له. ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني. قال شهاب الدين الزمخشري لم يجعلها مفعولاً ثانياً على هذا الوجه، وإنّضام جعلها مفعولاً ثانياً على وجه آخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصه ليتبين لك، قال: «تَأْجُرَنِي» ، من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك: أبوته إذا كنت له أَباً، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظفر، أو مِنْ أجرته إذا أثبته، ومنه تعزية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «آجركُم اللَّهُ ورحِمَكُمْ» وثماني حججٍ «مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج. فنقل الشيخ عنه الوجه الأول من المعنيين المذكورين في» تأجُرنِي «فقط، وحكى عنه أنه أعرب» ثَمَاني حِجَجٍ «مفعولاً به، وكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافاً ليصح المعنى به، أي: رَعْيُ ثَمَانِي حِجَجٍ، لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجارة على الزمان؟ (قوله) » فَمِنْ عِنْدِكَ «يجوز أن يكون في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فهي من عندك، أو نصب أي: فقد زدتها أو تفضلت بها من عندك. فصل معنى الآية: أريدُ أن أنكِحَكَ إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تكون أجيراً لي ثمانِ سنين قال الفراء: أي تجعل ثوابي من تزويجها أنْ ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: أَجَرَكَ اللَّه بأجْرِكَ، أي: أثابك والحِجَج: السِّنُون، واحدها حجَّة. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ أي: عشر سنين» فَمِنْ عِنْدِك» أي: ذلك تفضل منك وتبرع ليس بواجب عليك. واعلم أن هذا اللفظ - وإن كان على الترديد - فلا شبهة أنه عند التزيوج عين، ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، والزيادة كالتبرع. ودلت الآيية على أنَّ العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمَّن جائز، ولكنه شرع من قبلنا، ودلَّت أيضاً على أنه يجوز أن يشرط الوليُّ، وعلى أنَّ عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. (واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على صحة بيع أحد هذين العبدين، أو الثوبين، وفيه نظر، لأأنها مراضاة لا معاقدة. ودلت الآية أيضاً على صحة الإجارة بالطعمة والكسوة، كما جرت به العادة، ويؤيده قوله عليه السلام: «إنَّ مُوسَى أَجَّر نَفْسه ثَمَانِيَ سينَ أوْ عَشْرَة على عفة فرجه وطعام بطنه» وهو مذهب الحنابلة قاله ابن كثير. فصل قال النووي: الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي أن الجياني حكى في الشامل أيضاً ضم الهمزة، قال أهل اللغة: وأصل الأجر الثواب، يقال: أجرت فلاناً عن عمله كذا أي: أثبته، والله يأجر العبد أي؛ يثيبه، والمستأجر يثيب المأجور عوضاً عن بذل المنافع. قال الواحدي: قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وآجرت ممدود قال المبرد: والأول أكثر) . قوله: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي؛ ألزمك تمام العشر. وأَنْ أَشُقَّ، مفعول «أريد» وحقيقة قولهم: شَقَّ عليه أي: شقَّ ظنَّه نصفين فتارة يقول أطيق، وتارة لا أطيق، وهو من أحسن مجاز. قوله ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال عمر: أي في حسن الصحبة والوفاء ولين الجانب. وقيل: أراد الصلاح على العموم، وإنما قال ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ للاتكال على توفيقه ومعونته، فإنْ قيل: كيف ينعقد العقدُ بهذا الشَّرط، ولو قلت أنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الله لا تطلَّق؟ فالجواب: هذا ما يختلف بالشرائع. قوله: «ذَلِكَ» مبتدأ، والإشارة به إلى ما تعاقد عليه، والظرف خبره، وأضيفت «بَيْنَ» لمفرد لتكررها عطفاً بالواو، فإن قلت: المالُ بَيْن زيد فعمرو لم يجز، وأما قوله: 3989 - بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ... فكان الأصمعي يأباها، ويوري «وحوامل» بالواو، والصحيح بالفاء، وول البيت على أن الدَّخُول وحَوْمَل مكانان كل منهما مشتمل على أماكن، نحو قولك: دارِي بين مصر، لأنه يريد به المكان الجامع، والأصل ذلك بيننا ففرق بالعطف. قوله: «أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ» أي شرطية وجوابها «فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ» . وفي «مَا» هذه قولان: أشهرهما: أنها زائدة، كزيادتها في أخواتها من أدوات الشرط. والثاني: أنها نكرة، و «الأَجَلَيْنِ» بدل منها. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية «أَيْمَا» بتخفيف الياء كقوله: 3990 - تَنَظَّرْتُ نَسْراً والسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا ... عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُه وقرأ عبد الله ﴿أيَّ الأَجَلَيَْ مَا قَضَيْت﴾ بإقحام «مَا» بين «الأَجَلَيْن» و «قَضَيْتُ» . قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين موقع زيادة «مَا» في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، «أَيْ» زيادة في شياعها، وفي الشاذة تأكيداً للقضاء كأنَّه قال: أي الأجلين صمَّمْت على قضائه وجرَّدتُ عزيمتي له. وقرأ أبو حيوة وابن ٌطَيب «عِدْوانَ» . قال الزمخشري: فإن قلت: تصوُّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصرهما، وهو المطالب بتتمة العشر، فما معنى تعلق العدوان بهما جميعاً؟ قلت: معناه: كما أني إن طولبت بالزيادة على العَشْر (كان عدواناً) لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني، أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأنَّ الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا، ويكون اختيار الأقل والزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحدهمَا عليه إجبار، ثم قال: وقيل: معناه فلا أكون متعدِّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه كقولك: لا إثم عليَّ ولا تبعة. قال أبو حيان: وجوابه الأول فيه تكثير. قال شهاب الدين: كأنه أعجبه الثاني. والثاني لم يرتضه الزمخشري، لأنه ليس جواباً في الحقيقة، فإن السؤال باق أيضاً، ولذلك نقله عن غيره، وقال المبرد: وقد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما، ولكن جمعهما ليجعل الأول كالأَتَمِّ في الوفاء. فصل قال المفسرون: المعنى «أيّ الأَجَلَيْن قَضَيْتُ» أتممتُ وفرغت منه الثماني أو العشر، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا ظلم عليَّ بأن أطالب بأكثر ﴿والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال مقاتل: شهيد فيما بيني وبينك، وقيل: حفيظ، ولما استعمل الوكيل بمعنى الشاهد عُدِّي ب (عَلَى) قال سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأَجلينِ قَضَى مُوسَى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمتُ فسألتُ ابن عباس فقال: قَضَى أكثرها وأطيبهما، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا قال فعل. وروي عن أبي ذر مرفوعاً «إذَا سُئِلْتَ أَيَّ الأَجَلينِ قَضَى مُوسَى؟ فقل خيرهُما وأبرَّهما، وإذا سئلت أيَّ المرأتين تزوَّج موسى؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت: ﴿ياأبت استأجره﴾ فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما» وقال وهب: أنكَحَه الكُبْرى. ولمَّا تعاقد العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا. فقال عكرمة: عرج بها آدم من الجنة، فأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً، فدفعها إليه، قيل: كانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة، فتوراثتها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى، وقال السُّدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: رُدِّي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فدخلت وألقتها، وأرادت أن تأخذ غيرها، فلا تقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فأعطاها موسى، وأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة فذهب في أثره فطلب أن يرد العصا، فأبى موسى أن يعطيه وقال: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [ طه: 18] ، فرضي أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل، فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها، فلم يطقها، فأخذها موسى بيده، فرعفها فتركها له الشيخ ثم إن موسى لم أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك (عند صهره عشراً) أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له فخرج بأهله إلى جانب الطور.

القصص 28:26

قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد نحوها ماضياً إليها، يقال: داره تلقاه دار فلان، إذا كانت محاذيتها وأصله من اللقاء، قال الزجاج: أي: سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها. قال ابن عباس: خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ومشى من غير معرفة فأسلمه الله إلى مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل، سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على الله، وقيل: جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق. قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين خائفاً بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ﴿قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ ، أي: قصد الطريق إلى مدين. قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ وهو الماء الذي ستقبون منه وهو بئر، ووروده: مجيئه، والوصول إليه، «وَجَدَ عليه» أي: على شفيره ( «أمَّةً» جماعة كثيفة العدد «مِنَ النَّاسِ» مختلفين «يَسْقُونَ منها مواشيهم) ، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أي: سوى الجماعة، وقيل: في مكان أسفل من مكانهم. قوله:» امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ «ف» تذودوان «صفة ل» امْرَأَتِيْنِ «لا مفعول ثاني، لأَنَّ» وَجَدَ «بمعنى: لقي، والذَّودُ، الطرد والدفع، قال: 3985 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ ... وقيل: حبس: ومفعوله محذوف، أي: يَذُودانِ النَّاسَ عن غَنمهما، أو عن مزاحمة الناس، وقال الزمخشري: لم ترك المفعول غير مذكور في» يَسْقُونَ «و» تَذُودَانِ «و» لاَ نَسْقِي» ، قُلتُ: لأنَّ الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قَوْلهُمَا: ﴿لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ المقصود منه السَّقي لا المَسْقِيّ. (فصل واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن وجوههما نظر الرجال لتسترهما، وقيل: تذودان الناس عن غنمهما، وقال الفراء: يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب، وقيل: تذودان أي: معهما قطيع من الغنم، والقطيع من الغنم يسمى: ذوداً، وكذلك قطيع البقرب وقطيع الإبل. قال عليه السلام: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ دَوْدٍ صَدَقَة» وقال الشاعر: 3986 - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ، وَثَلاَثُ ذَوْدٍ ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي قوله: «مَا خَطْبكُمَا» تقدم في طه، وقال الزمخشري: هنا حقيقته: مَا مخطُوبُكما؟ أي: ما مطلُوبُكُمَا من الذياد؟ فسمي المخطُوب خطباً كما سمي المشئُونُ شأْناً في قولك: ما شأنُكَ؟ يقال: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أي: قَصَدْتُ قَصْدَه. وقال ابن عطية: السؤال بالخطب إنما هو في مُصَاب أو مُضطهد أو مَنْ يُشْلإقُ عليه أو يأتي بمنكر من الأمر. وقرأ شَمِر «خِطْبَكُمَا» بالكسر أي: ما زوجكما؟ أي: لِمَ تَسْقِيَانِ وَلَمْ يَسْقِ زَوْجُكُمَا؟ وهي شاذة جداً. قوله: ﴿حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صَدَرَ يَصْدُرُ وهو قاصر، أي: حتى يرجع الرعاء: أي: يرجعون بمواشيهم والباقون بضم الياء وكسر الدال مضارع أَصدرَ مُعدًّى بالهمزة، والمفعول محذوف، أي: يُصدرُونَ مواشِيهم، والعامة على كسر الراء من «الرِّعَاء» ، وهو جمع تكسير غير مقيس لأنَّ فاعلاً الوصف المعتل اللام كقاضٍ قياسه (فُعَلَة) نحة قُضَاة ورُمَاة. وقال الزمخشري: وأما الرِّعَاء بالكسر فقياس كصِيام وقِيام. وليس كما ذكر (لِمَا ذَكَرْنَاهُ) . وقرأ أبو عمرو - في رواية - بفتح الراء. قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع أو على حذف مضاف، وقرىء بضمها، وهو اسم جمع كرخال وثُنَاء. وقرأ ابن مصرف «لا نُسْقِي» بضم النون من أَسْقَى، وتقدم الفرق بين سَقَى وأَسْقَى في النحل، والمعنى لا نسقي حتى يرجع الرّعاء عن الماء، والرّعاء جمع راع مثل تاجر وتِجَار، أي: نحن امرأتان لا نطيق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض، و ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يسقي مواشيه ولذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. فصل قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: أبوهما هو شعيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. (وإنه عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته) . وقال وهب وسعيد بن جبير: هو يثرون ابن أخي شعيب (وكان شعيب) قد مات بعد ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب. قالوا: فلما سمع قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق: إنَّ موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين. وروي أن القوم لمَّا رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشر نفر، فجاء موسى فرفع الحجر وحده، وسقى غنمهما، ويقال: إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة فروي منه جميع الغنم. قوله: «فَسَقَى لَهُمَا» مفعوله محذوف أي: غنمهما لأجلهما، ﴿ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾ أي: إلى ظل شجرة فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع. قال الضحاك: لبث سبعة أيام لم يذق طعاماً إلا بقل الأرض. فصل «لِمَا أَنْزَلْتَ» متعلق ب «فَقير» قال الزمخشري: عُدِّي فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلتَ إِليَّ من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين. يعني أن افتقر يتعدى ب «مِنْ» ، فإمَّا أن نجعله من باب التضمين، وإمّا أَنَّ متعلقه محذوف و «أَنْزَلْتَ» قيل ماض على أصله، ويعني بالخير ما تقدم من خير الدين، وقيل: بمعنى المستقبل. قال أهل اللغة: اللام بمعنى إلى، يقال: فقير له، وفقير إليه، فإنْ قيل: كيف ساغ بنبي الله شعيب أن يرضى لابنتيه السعي بالماشية فالجواب: أنَّ الناس اختلفوا فيه: هل هو شعيب أو غيره كما تقدم، وإن سلمنا أنه شعيب لكن لا مفسدة فيه، لأن الدين لا يأباه، وأحوال أهل البادية يغر أحوال أهل الحضر سيما إذا كانت الحال حالة ضرورة. فصل قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: لقد قال ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلي شق تمرة، وقيل: إنما قال ذلك في نفسه مع ربه، وهو اللائق بموسى عليه السلام فلما رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حُفّل بِطَان قال لهما: ما أعجلكما: قالتا: وجدنا رجُلاً صالِحاً رحيماً فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، قوله «فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا» قرأ ابن محيصن: «فَجَاءَتْهُ حُدَاهمَا» بحذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، كقوله: يا با فلان، وقوله: 3987 - يَا بَا المُغيرة رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ... فَرَّجْتهُ بِالنُّكْرِ عَنِّي وَالدَّهَا وَوَيْلُمِّه أي: ويلٌ لأُمِّهِ. قال: 3988 - وَيْلُمِّهَا حَالُه لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ ... و «تَمْشِي» حال، و «اسْتِحْيَاءٍ» حال أخرى، إما من «جَاءَتْ» وإما من «تَمْشِي» . فصل قال عمر بن الخطاب: ليست بسلفع من النساء خرَّاجة ولاَّجة، ولكن جاءت مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء. ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ صرحت بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها، وقيل: ماشية على بُعْد، مائلة عن الرجال. وقال عبد العزيز بن أبي حازم: على إجلال له، ومنهم من يقف على قوله «تَمْشِي» ، ثم يبتدىء ﴿عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ أي: إنها على استحياء قالت هذا القول، لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحي لا سيما المرأة. قال ابن إسحاق: اسم الكبرى صَفورا والصغرى لبنا، وقيل ليا، وقال غيره: صَفُورا وصَفِيرا. وقال الضحاك: صافُورا، قال الأكثرون: التي جاءت إلى موسى الكبرى. وقال الكلبي: هي الصغرى. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكالات. أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة، (وَأَنْ يَمْشِي مَعَهَا) وهي أجنبية، فإذن ذلك يورث التهمة العظيمة؟ وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا مَوَاضِع التُّهَم» . وثانيها: أنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى، فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه، وذلك غير جائز في الشريعة؟ . وثالثها: أنه عرف فقرَهُنَّ، وفَقْرَ أبيهنّ، وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟ ورابعها: كيف يليق بالنبي شُعَيب عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شابٍّ قبل العلم بكون الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟ والجواب عن الأول: أما العمل بقول امرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، وهي ما كانت إلاَّ مخبرة عن أبيها. وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع. وعن الثاني: أن المرأة لما قالت ذلك، فموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طالباً للأجر، بل للتبرك بذلك الشيخ، لِما رُوِي أنه لما دخل على شعيب إذا هو بالعَشاء تهيَّأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذُ بالله، فقال شُعَيْب: ولم ذلك؟ ألست بجائع؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نطلبُ على عملٍ من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، وفي رواية: لا نبيع ديننا بالدُّنيا، ولا نأخذ بالمعروف ثمناً. فقال شُعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى، فأكل. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك اضطراراً، وهو الجواب عن الثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات. وعن الرابع: لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها، فكان يعتمد عليها. فصل قال عمر بن الخطاب: فقام يمشي والجارية أمامه، فعبثت الريح، فوصفت ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال موسى عليه السلام: إني من عنصر إبراهيم، فكوني خَلْفي حتى لا ترفع الريح ثيابك، فأرى ما لا يَحِل، وفي رواية: كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحَصَى، لأن صوت المرأة عورة. فإن قيل: لِمَ خشي موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك أجرة له عن عمله، ولم يكره مع الخضر ذلك حين قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف: 77] ؟ فالجواب: أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء (ف) غير مكروه. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضَّحاك: قال له: مَنْ أنت يا عبد الله؟ قال له: أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي، وأنهم يطلبوه فيقتلوه، فقال شعيب عليه السلام: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ أي: لا سلطان له بأرضنا، فإن قيل إن المفسرين قالوا: إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بُعْد ثمانية أيام من دار مملكته؟ فالجواب: هذا وإن كان نادراً إلا أنَّه ليس بمحال. قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره﴾ اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ أي: خير من استعملت مَنْ قَوي على العمل، وأداء الأمانة، وإنما جعل ﴿خَيْرَ مَنِ استأجرت﴾ اسماُ و «القَوِيُّ الأَمِينُ» خبراً مع أن العكس أولى، لأن العناية سبب اللتقديم. فإن قيل: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما العطية والكتابة، فلم أهمَل أمرَ الكتابة؟ فالجواب أنهما داخِلان في الأمانة. قال ابن مسعود: أفرسُ الناس ثلاثة: بنتُ شعيب، (وصاحب يوسف) ، وأبو بكر في عمر. فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوتُه، فإنه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون، وأمَّا أمانته، فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قال شعيب عند ذلك: ﴿إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ﴾ . قال أكثر المفسرين: إنه زوجه الصغير منهما، وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورة. قوله: ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾ روي عن أبي عمرو «أنْكِحَكَ حدى» بحذف همزة «إحدَى» ، وهذه تشبه قراءة ابن محيصن «فَجَاءَتْهُ حْدَاهُما» ، وتقدم التشديد في نون «هَاتَيْنِ» في سورة النساء. قوله ﴿على أَن تَأْجُرَنِي﴾ في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول، أي: مشروطاً على أو عليك ذلك. و «تَأْجُرَنِي» مضارع أَجَرْتُه، كنتُ له أجيراً، ومفعوله الثاني محذوف، أي: وتأجُرنِي نفسَك، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظرف له. ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني. قال شهاب الدين الزمخشري لم يجعلها مفعولاً ثانياً على هذا الوجه، وإنّضام جعلها مفعولاً ثانياً على وجه آخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصه ليتبين لك، قال: «تَأْجُرَنِي» ، من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك: أبوته إذا كنت له أَباً، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظفر، أو مِنْ أجرته إذا أثبته، ومنه تعزية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «آجركُم اللَّهُ ورحِمَكُمْ» وثماني حججٍ «مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج. فنقل الشيخ عنه الوجه الأول من المعنيين المذكورين في» تأجُرنِي «فقط، وحكى عنه أنه أعرب» ثَمَاني حِجَجٍ «مفعولاً به، وكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافاً ليصح المعنى به، أي: رَعْيُ ثَمَانِي حِجَجٍ، لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجارة على الزمان؟ (قوله) » فَمِنْ عِنْدِكَ «يجوز أن يكون في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فهي من عندك، أو نصب أي: فقد زدتها أو تفضلت بها من عندك. فصل معنى الآية: أريدُ أن أنكِحَكَ إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تكون أجيراً لي ثمانِ سنين قال الفراء: أي تجعل ثوابي من تزويجها أنْ ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: أَجَرَكَ اللَّه بأجْرِكَ، أي: أثابك والحِجَج: السِّنُون، واحدها حجَّة. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ أي: عشر سنين» فَمِنْ عِنْدِك» أي: ذلك تفضل منك وتبرع ليس بواجب عليك. واعلم أن هذا اللفظ - وإن كان على الترديد - فلا شبهة أنه عند التزيوج عين، ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، والزيادة كالتبرع. ودلت الآيية على أنَّ العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمَّن جائز، ولكنه شرع من قبلنا، ودلَّت أيضاً على أنه يجوز أن يشرط الوليُّ، وعلى أنَّ عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. (واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على صحة بيع أحد هذين العبدين، أو الثوبين، وفيه نظر، لأأنها مراضاة لا معاقدة. ودلت الآية أيضاً على صحة الإجارة بالطعمة والكسوة، كما جرت به العادة، ويؤيده قوله عليه السلام: «إنَّ مُوسَى أَجَّر نَفْسه ثَمَانِيَ سينَ أوْ عَشْرَة على عفة فرجه وطعام بطنه» وهو مذهب الحنابلة قاله ابن كثير. فصل قال النووي: الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي أن الجياني حكى في الشامل أيضاً ضم الهمزة، قال أهل اللغة: وأصل الأجر الثواب، يقال: أجرت فلاناً عن عمله كذا أي: أثبته، والله يأجر العبد أي؛ يثيبه، والمستأجر يثيب المأجور عوضاً عن بذل المنافع. قال الواحدي: قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وآجرت ممدود قال المبرد: والأول أكثر) . قوله: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي؛ ألزمك تمام العشر. وأَنْ أَشُقَّ، مفعول «أريد» وحقيقة قولهم: شَقَّ عليه أي: شقَّ ظنَّه نصفين فتارة يقول أطيق، وتارة لا أطيق، وهو من أحسن مجاز. قوله ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال عمر: أي في حسن الصحبة والوفاء ولين الجانب. وقيل: أراد الصلاح على العموم، وإنما قال ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ للاتكال على توفيقه ومعونته، فإنْ قيل: كيف ينعقد العقدُ بهذا الشَّرط، ولو قلت أنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الله لا تطلَّق؟ فالجواب: هذا ما يختلف بالشرائع. قوله: «ذَلِكَ» مبتدأ، والإشارة به إلى ما تعاقد عليه، والظرف خبره، وأضيفت «بَيْنَ» لمفرد لتكررها عطفاً بالواو، فإن قلت: المالُ بَيْن زيد فعمرو لم يجز، وأما قوله: 3989 - بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ... فكان الأصمعي يأباها، ويوري «وحوامل» بالواو، والصحيح بالفاء، وول البيت على أن الدَّخُول وحَوْمَل مكانان كل منهما مشتمل على أماكن، نحو قولك: دارِي بين مصر، لأنه يريد به المكان الجامع، والأصل ذلك بيننا ففرق بالعطف. قوله: «أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ» أي شرطية وجوابها «فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ» . وفي «مَا» هذه قولان: أشهرهما: أنها زائدة، كزيادتها في أخواتها من أدوات الشرط. والثاني: أنها نكرة، و «الأَجَلَيْنِ» بدل منها. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية «أَيْمَا» بتخفيف الياء كقوله: 3990 - تَنَظَّرْتُ نَسْراً والسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا ... عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُه وقرأ عبد الله ﴿أيَّ الأَجَلَيَْ مَا قَضَيْت﴾ بإقحام «مَا» بين «الأَجَلَيْن» و «قَضَيْتُ» . قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين موقع زيادة «مَا» في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، «أَيْ» زيادة في شياعها، وفي الشاذة تأكيداً للقضاء كأنَّه قال: أي الأجلين صمَّمْت على قضائه وجرَّدتُ عزيمتي له. وقرأ أبو حيوة وابن ٌطَيب «عِدْوانَ» . قال الزمخشري: فإن قلت: تصوُّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصرهما، وهو المطالب بتتمة العشر، فما معنى تعلق العدوان بهما جميعاً؟ قلت: معناه: كما أني إن طولبت بالزيادة على العَشْر (كان عدواناً) لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني، أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأنَّ الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا، ويكون اختيار الأقل والزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحدهمَا عليه إجبار، ثم قال: وقيل: معناه فلا أكون متعدِّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه كقولك: لا إثم عليَّ ولا تبعة. قال أبو حيان: وجوابه الأول فيه تكثير. قال شهاب الدين: كأنه أعجبه الثاني. والثاني لم يرتضه الزمخشري، لأنه ليس جواباً في الحقيقة، فإن السؤال باق أيضاً، ولذلك نقله عن غيره، وقال المبرد: وقد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما، ولكن جمعهما ليجعل الأول كالأَتَمِّ في الوفاء. فصل قال المفسرون: المعنى «أيّ الأَجَلَيْن قَضَيْتُ» أتممتُ وفرغت منه الثماني أو العشر، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا ظلم عليَّ بأن أطالب بأكثر ﴿والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال مقاتل: شهيد فيما بيني وبينك، وقيل: حفيظ، ولما استعمل الوكيل بمعنى الشاهد عُدِّي ب (عَلَى) قال سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأَجلينِ قَضَى مُوسَى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمتُ فسألتُ ابن عباس فقال: قَضَى أكثرها وأطيبهما، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا قال فعل. وروي عن أبي ذر مرفوعاً «إذَا سُئِلْتَ أَيَّ الأَجَلينِ قَضَى مُوسَى؟ فقل خيرهُما وأبرَّهما، وإذا سئلت أيَّ المرأتين تزوَّج موسى؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت: ﴿ياأبت استأجره﴾ فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما» وقال وهب: أنكَحَه الكُبْرى. ولمَّا تعاقد العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا. فقال عكرمة: عرج بها آدم من الجنة، فأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً، فدفعها إليه، قيل: كانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة، فتوراثتها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى، وقال السُّدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: رُدِّي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فدخلت وألقتها، وأرادت أن تأخذ غيرها، فلا تقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فأعطاها موسى، وأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة فذهب في أثره فطلب أن يرد العصا، فأبى موسى أن يعطيه وقال: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [ طه: 18] ، فرضي أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل، فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها، فلم يطقها، فأخذها موسى بيده، فرعفها فتركها له الشيخ ثم إن موسى لم أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك (عند صهره عشراً) أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له فخرج بأهله إلى جانب الطور.

القصص 28:27

قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد نحوها ماضياً إليها، يقال: داره تلقاه دار فلان، إذا كانت محاذيتها وأصله من اللقاء، قال الزجاج: أي: سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها. قال ابن عباس: خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ومشى من غير معرفة فأسلمه الله إلى مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل، سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على الله، وقيل: جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق. قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين خائفاً بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ﴿قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ ، أي: قصد الطريق إلى مدين. قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ وهو الماء الذي ستقبون منه وهو بئر، ووروده: مجيئه، والوصول إليه، «وَجَدَ عليه» أي: على شفيره ( «أمَّةً» جماعة كثيفة العدد «مِنَ النَّاسِ» مختلفين «يَسْقُونَ منها مواشيهم) ، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أي: سوى الجماعة، وقيل: في مكان أسفل من مكانهم. قوله:» امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ «ف» تذودوان «صفة ل» امْرَأَتِيْنِ «لا مفعول ثاني، لأَنَّ» وَجَدَ «بمعنى: لقي، والذَّودُ، الطرد والدفع، قال: 3985 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ ... وقيل: حبس: ومفعوله محذوف، أي: يَذُودانِ النَّاسَ عن غَنمهما، أو عن مزاحمة الناس، وقال الزمخشري: لم ترك المفعول غير مذكور في» يَسْقُونَ «و» تَذُودَانِ «و» لاَ نَسْقِي» ، قُلتُ: لأنَّ الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قَوْلهُمَا: ﴿لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ المقصود منه السَّقي لا المَسْقِيّ. (فصل واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن وجوههما نظر الرجال لتسترهما، وقيل: تذودان الناس عن غنمهما، وقال الفراء: يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب، وقيل: تذودان أي: معهما قطيع من الغنم، والقطيع من الغنم يسمى: ذوداً، وكذلك قطيع البقرب وقطيع الإبل. قال عليه السلام: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ دَوْدٍ صَدَقَة» وقال الشاعر: 3986 - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ، وَثَلاَثُ ذَوْدٍ ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي قوله: «مَا خَطْبكُمَا» تقدم في طه، وقال الزمخشري: هنا حقيقته: مَا مخطُوبُكما؟ أي: ما مطلُوبُكُمَا من الذياد؟ فسمي المخطُوب خطباً كما سمي المشئُونُ شأْناً في قولك: ما شأنُكَ؟ يقال: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أي: قَصَدْتُ قَصْدَه. وقال ابن عطية: السؤال بالخطب إنما هو في مُصَاب أو مُضطهد أو مَنْ يُشْلإقُ عليه أو يأتي بمنكر من الأمر. وقرأ شَمِر «خِطْبَكُمَا» بالكسر أي: ما زوجكما؟ أي: لِمَ تَسْقِيَانِ وَلَمْ يَسْقِ زَوْجُكُمَا؟ وهي شاذة جداً. قوله: ﴿حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صَدَرَ يَصْدُرُ وهو قاصر، أي: حتى يرجع الرعاء: أي: يرجعون بمواشيهم والباقون بضم الياء وكسر الدال مضارع أَصدرَ مُعدًّى بالهمزة، والمفعول محذوف، أي: يُصدرُونَ مواشِيهم، والعامة على كسر الراء من «الرِّعَاء» ، وهو جمع تكسير غير مقيس لأنَّ فاعلاً الوصف المعتل اللام كقاضٍ قياسه (فُعَلَة) نحة قُضَاة ورُمَاة. وقال الزمخشري: وأما الرِّعَاء بالكسر فقياس كصِيام وقِيام. وليس كما ذكر (لِمَا ذَكَرْنَاهُ) . وقرأ أبو عمرو - في رواية - بفتح الراء. قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع أو على حذف مضاف، وقرىء بضمها، وهو اسم جمع كرخال وثُنَاء. وقرأ ابن مصرف «لا نُسْقِي» بضم النون من أَسْقَى، وتقدم الفرق بين سَقَى وأَسْقَى في النحل، والمعنى لا نسقي حتى يرجع الرّعاء عن الماء، والرّعاء جمع راع مثل تاجر وتِجَار، أي: نحن امرأتان لا نطيق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض، و ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يسقي مواشيه ولذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. فصل قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: أبوهما هو شعيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. (وإنه عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته) . وقال وهب وسعيد بن جبير: هو يثرون ابن أخي شعيب (وكان شعيب) قد مات بعد ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب. قالوا: فلما سمع قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق: إنَّ موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين. وروي أن القوم لمَّا رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشر نفر، فجاء موسى فرفع الحجر وحده، وسقى غنمهما، ويقال: إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة فروي منه جميع الغنم. قوله: «فَسَقَى لَهُمَا» مفعوله محذوف أي: غنمهما لأجلهما، ﴿ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾ أي: إلى ظل شجرة فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع. قال الضحاك: لبث سبعة أيام لم يذق طعاماً إلا بقل الأرض. فصل «لِمَا أَنْزَلْتَ» متعلق ب «فَقير» قال الزمخشري: عُدِّي فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلتَ إِليَّ من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين. يعني أن افتقر يتعدى ب «مِنْ» ، فإمَّا أن نجعله من باب التضمين، وإمّا أَنَّ متعلقه محذوف و «أَنْزَلْتَ» قيل ماض على أصله، ويعني بالخير ما تقدم من خير الدين، وقيل: بمعنى المستقبل. قال أهل اللغة: اللام بمعنى إلى، يقال: فقير له، وفقير إليه، فإنْ قيل: كيف ساغ بنبي الله شعيب أن يرضى لابنتيه السعي بالماشية فالجواب: أنَّ الناس اختلفوا فيه: هل هو شعيب أو غيره كما تقدم، وإن سلمنا أنه شعيب لكن لا مفسدة فيه، لأن الدين لا يأباه، وأحوال أهل البادية يغر أحوال أهل الحضر سيما إذا كانت الحال حالة ضرورة. فصل قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: لقد قال ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلي شق تمرة، وقيل: إنما قال ذلك في نفسه مع ربه، وهو اللائق بموسى عليه السلام فلما رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حُفّل بِطَان قال لهما: ما أعجلكما: قالتا: وجدنا رجُلاً صالِحاً رحيماً فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، قوله «فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا» قرأ ابن محيصن: «فَجَاءَتْهُ حُدَاهمَا» بحذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، كقوله: يا با فلان، وقوله: 3987 - يَا بَا المُغيرة رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ... فَرَّجْتهُ بِالنُّكْرِ عَنِّي وَالدَّهَا وَوَيْلُمِّه أي: ويلٌ لأُمِّهِ. قال: 3988 - وَيْلُمِّهَا حَالُه لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ ... و «تَمْشِي» حال، و «اسْتِحْيَاءٍ» حال أخرى، إما من «جَاءَتْ» وإما من «تَمْشِي» . فصل قال عمر بن الخطاب: ليست بسلفع من النساء خرَّاجة ولاَّجة، ولكن جاءت مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء. ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ صرحت بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها، وقيل: ماشية على بُعْد، مائلة عن الرجال. وقال عبد العزيز بن أبي حازم: على إجلال له، ومنهم من يقف على قوله «تَمْشِي» ، ثم يبتدىء ﴿عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ أي: إنها على استحياء قالت هذا القول، لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحي لا سيما المرأة. قال ابن إسحاق: اسم الكبرى صَفورا والصغرى لبنا، وقيل ليا، وقال غيره: صَفُورا وصَفِيرا. وقال الضحاك: صافُورا، قال الأكثرون: التي جاءت إلى موسى الكبرى. وقال الكلبي: هي الصغرى. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكالات. أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة، (وَأَنْ يَمْشِي مَعَهَا) وهي أجنبية، فإذن ذلك يورث التهمة العظيمة؟ وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا مَوَاضِع التُّهَم» . وثانيها: أنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى، فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه، وذلك غير جائز في الشريعة؟ . وثالثها: أنه عرف فقرَهُنَّ، وفَقْرَ أبيهنّ، وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟ ورابعها: كيف يليق بالنبي شُعَيب عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شابٍّ قبل العلم بكون الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟ والجواب عن الأول: أما العمل بقول امرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، وهي ما كانت إلاَّ مخبرة عن أبيها. وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع. وعن الثاني: أن المرأة لما قالت ذلك، فموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طالباً للأجر، بل للتبرك بذلك الشيخ، لِما رُوِي أنه لما دخل على شعيب إذا هو بالعَشاء تهيَّأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذُ بالله، فقال شُعَيْب: ولم ذلك؟ ألست بجائع؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نطلبُ على عملٍ من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، وفي رواية: لا نبيع ديننا بالدُّنيا، ولا نأخذ بالمعروف ثمناً. فقال شُعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى، فأكل. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك اضطراراً، وهو الجواب عن الثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات. وعن الرابع: لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها، فكان يعتمد عليها. فصل قال عمر بن الخطاب: فقام يمشي والجارية أمامه، فعبثت الريح، فوصفت ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال موسى عليه السلام: إني من عنصر إبراهيم، فكوني خَلْفي حتى لا ترفع الريح ثيابك، فأرى ما لا يَحِل، وفي رواية: كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحَصَى، لأن صوت المرأة عورة. فإن قيل: لِمَ خشي موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك أجرة له عن عمله، ولم يكره مع الخضر ذلك حين قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف: 77] ؟ فالجواب: أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء (ف) غير مكروه. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضَّحاك: قال له: مَنْ أنت يا عبد الله؟ قال له: أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي، وأنهم يطلبوه فيقتلوه، فقال شعيب عليه السلام: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ أي: لا سلطان له بأرضنا، فإن قيل إن المفسرين قالوا: إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بُعْد ثمانية أيام من دار مملكته؟ فالجواب: هذا وإن كان نادراً إلا أنَّه ليس بمحال. قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره﴾ اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ أي: خير من استعملت مَنْ قَوي على العمل، وأداء الأمانة، وإنما جعل ﴿خَيْرَ مَنِ استأجرت﴾ اسماُ و «القَوِيُّ الأَمِينُ» خبراً مع أن العكس أولى، لأن العناية سبب اللتقديم. فإن قيل: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما العطية والكتابة، فلم أهمَل أمرَ الكتابة؟ فالجواب أنهما داخِلان في الأمانة. قال ابن مسعود: أفرسُ الناس ثلاثة: بنتُ شعيب، (وصاحب يوسف) ، وأبو بكر في عمر. فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوتُه، فإنه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون، وأمَّا أمانته، فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قال شعيب عند ذلك: ﴿إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ﴾ . قال أكثر المفسرين: إنه زوجه الصغير منهما، وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورة. قوله: ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾ روي عن أبي عمرو «أنْكِحَكَ حدى» بحذف همزة «إحدَى» ، وهذه تشبه قراءة ابن محيصن «فَجَاءَتْهُ حْدَاهُما» ، وتقدم التشديد في نون «هَاتَيْنِ» في سورة النساء. قوله ﴿على أَن تَأْجُرَنِي﴾ في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول، أي: مشروطاً على أو عليك ذلك. و «تَأْجُرَنِي» مضارع أَجَرْتُه، كنتُ له أجيراً، ومفعوله الثاني محذوف، أي: وتأجُرنِي نفسَك، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظرف له. ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني. قال شهاب الدين الزمخشري لم يجعلها مفعولاً ثانياً على هذا الوجه، وإنّضام جعلها مفعولاً ثانياً على وجه آخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصه ليتبين لك، قال: «تَأْجُرَنِي» ، من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك: أبوته إذا كنت له أَباً، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظفر، أو مِنْ أجرته إذا أثبته، ومنه تعزية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «آجركُم اللَّهُ ورحِمَكُمْ» وثماني حججٍ «مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج. فنقل الشيخ عنه الوجه الأول من المعنيين المذكورين في» تأجُرنِي «فقط، وحكى عنه أنه أعرب» ثَمَاني حِجَجٍ «مفعولاً به، وكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافاً ليصح المعنى به، أي: رَعْيُ ثَمَانِي حِجَجٍ، لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجارة على الزمان؟ (قوله) » فَمِنْ عِنْدِكَ «يجوز أن يكون في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فهي من عندك، أو نصب أي: فقد زدتها أو تفضلت بها من عندك. فصل معنى الآية: أريدُ أن أنكِحَكَ إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تكون أجيراً لي ثمانِ سنين قال الفراء: أي تجعل ثوابي من تزويجها أنْ ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: أَجَرَكَ اللَّه بأجْرِكَ، أي: أثابك والحِجَج: السِّنُون، واحدها حجَّة. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ أي: عشر سنين» فَمِنْ عِنْدِك» أي: ذلك تفضل منك وتبرع ليس بواجب عليك. واعلم أن هذا اللفظ - وإن كان على الترديد - فلا شبهة أنه عند التزيوج عين، ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، والزيادة كالتبرع. ودلت الآيية على أنَّ العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمَّن جائز، ولكنه شرع من قبلنا، ودلَّت أيضاً على أنه يجوز أن يشرط الوليُّ، وعلى أنَّ عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. (واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على صحة بيع أحد هذين العبدين، أو الثوبين، وفيه نظر، لأأنها مراضاة لا معاقدة. ودلت الآية أيضاً على صحة الإجارة بالطعمة والكسوة، كما جرت به العادة، ويؤيده قوله عليه السلام: «إنَّ مُوسَى أَجَّر نَفْسه ثَمَانِيَ سينَ أوْ عَشْرَة على عفة فرجه وطعام بطنه» وهو مذهب الحنابلة قاله ابن كثير. فصل قال النووي: الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي أن الجياني حكى في الشامل أيضاً ضم الهمزة، قال أهل اللغة: وأصل الأجر الثواب، يقال: أجرت فلاناً عن عمله كذا أي: أثبته، والله يأجر العبد أي؛ يثيبه، والمستأجر يثيب المأجور عوضاً عن بذل المنافع. قال الواحدي: قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وآجرت ممدود قال المبرد: والأول أكثر) . قوله: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي؛ ألزمك تمام العشر. وأَنْ أَشُقَّ، مفعول «أريد» وحقيقة قولهم: شَقَّ عليه أي: شقَّ ظنَّه نصفين فتارة يقول أطيق، وتارة لا أطيق، وهو من أحسن مجاز. قوله ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال عمر: أي في حسن الصحبة والوفاء ولين الجانب. وقيل: أراد الصلاح على العموم، وإنما قال ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ للاتكال على توفيقه ومعونته، فإنْ قيل: كيف ينعقد العقدُ بهذا الشَّرط، ولو قلت أنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الله لا تطلَّق؟ فالجواب: هذا ما يختلف بالشرائع. قوله: «ذَلِكَ» مبتدأ، والإشارة به إلى ما تعاقد عليه، والظرف خبره، وأضيفت «بَيْنَ» لمفرد لتكررها عطفاً بالواو، فإن قلت: المالُ بَيْن زيد فعمرو لم يجز، وأما قوله: 3989 - بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ... فكان الأصمعي يأباها، ويوري «وحوامل» بالواو، والصحيح بالفاء، وول البيت على أن الدَّخُول وحَوْمَل مكانان كل منهما مشتمل على أماكن، نحو قولك: دارِي بين مصر، لأنه يريد به المكان الجامع، والأصل ذلك بيننا ففرق بالعطف. قوله: «أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ» أي شرطية وجوابها «فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ» . وفي «مَا» هذه قولان: أشهرهما: أنها زائدة، كزيادتها في أخواتها من أدوات الشرط. والثاني: أنها نكرة، و «الأَجَلَيْنِ» بدل منها. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية «أَيْمَا» بتخفيف الياء كقوله: 3990 - تَنَظَّرْتُ نَسْراً والسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا ... عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُه وقرأ عبد الله ﴿أيَّ الأَجَلَيَْ مَا قَضَيْت﴾ بإقحام «مَا» بين «الأَجَلَيْن» و «قَضَيْتُ» . قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين موقع زيادة «مَا» في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، «أَيْ» زيادة في شياعها، وفي الشاذة تأكيداً للقضاء كأنَّه قال: أي الأجلين صمَّمْت على قضائه وجرَّدتُ عزيمتي له. وقرأ أبو حيوة وابن ٌطَيب «عِدْوانَ» . قال الزمخشري: فإن قلت: تصوُّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصرهما، وهو المطالب بتتمة العشر، فما معنى تعلق العدوان بهما جميعاً؟ قلت: معناه: كما أني إن طولبت بالزيادة على العَشْر (كان عدواناً) لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني، أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأنَّ الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا، ويكون اختيار الأقل والزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحدهمَا عليه إجبار، ثم قال: وقيل: معناه فلا أكون متعدِّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه كقولك: لا إثم عليَّ ولا تبعة. قال أبو حيان: وجوابه الأول فيه تكثير. قال شهاب الدين: كأنه أعجبه الثاني. والثاني لم يرتضه الزمخشري، لأنه ليس جواباً في الحقيقة، فإن السؤال باق أيضاً، ولذلك نقله عن غيره، وقال المبرد: وقد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما، ولكن جمعهما ليجعل الأول كالأَتَمِّ في الوفاء. فصل قال المفسرون: المعنى «أيّ الأَجَلَيْن قَضَيْتُ» أتممتُ وفرغت منه الثماني أو العشر، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا ظلم عليَّ بأن أطالب بأكثر ﴿والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال مقاتل: شهيد فيما بيني وبينك، وقيل: حفيظ، ولما استعمل الوكيل بمعنى الشاهد عُدِّي ب (عَلَى) قال سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأَجلينِ قَضَى مُوسَى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمتُ فسألتُ ابن عباس فقال: قَضَى أكثرها وأطيبهما، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا قال فعل. وروي عن أبي ذر مرفوعاً «إذَا سُئِلْتَ أَيَّ الأَجَلينِ قَضَى مُوسَى؟ فقل خيرهُما وأبرَّهما، وإذا سئلت أيَّ المرأتين تزوَّج موسى؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت: ﴿ياأبت استأجره﴾ فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما» وقال وهب: أنكَحَه الكُبْرى. ولمَّا تعاقد العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا. فقال عكرمة: عرج بها آدم من الجنة، فأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً، فدفعها إليه، قيل: كانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة، فتوراثتها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى، وقال السُّدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: رُدِّي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فدخلت وألقتها، وأرادت أن تأخذ غيرها، فلا تقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فأعطاها موسى، وأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة فذهب في أثره فطلب أن يرد العصا، فأبى موسى أن يعطيه وقال: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [ طه: 18] ، فرضي أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل، فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها، فلم يطقها، فأخذها موسى بيده، فرعفها فتركها له الشيخ ثم إن موسى لم أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك (عند صهره عشراً) أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له فخرج بأهله إلى جانب الطور.

القصص 28:28

قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد نحوها ماضياً إليها، يقال: داره تلقاه دار فلان، إذا كانت محاذيتها وأصله من اللقاء، قال الزجاج: أي: سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها. قال ابن عباس: خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ومشى من غير معرفة فأسلمه الله إلى مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل، سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على الله، وقيل: جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق. قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين خائفاً بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ﴿قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ ، أي: قصد الطريق إلى مدين. قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ وهو الماء الذي ستقبون منه وهو بئر، ووروده: مجيئه، والوصول إليه، «وَجَدَ عليه» أي: على شفيره ( «أمَّةً» جماعة كثيفة العدد «مِنَ النَّاسِ» مختلفين «يَسْقُونَ منها مواشيهم) ، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أي: سوى الجماعة، وقيل: في مكان أسفل من مكانهم. قوله:» امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ «ف» تذودوان «صفة ل» امْرَأَتِيْنِ «لا مفعول ثاني، لأَنَّ» وَجَدَ «بمعنى: لقي، والذَّودُ، الطرد والدفع، قال: 3985 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ ... وقيل: حبس: ومفعوله محذوف، أي: يَذُودانِ النَّاسَ عن غَنمهما، أو عن مزاحمة الناس، وقال الزمخشري: لم ترك المفعول غير مذكور في» يَسْقُونَ «و» تَذُودَانِ «و» لاَ نَسْقِي» ، قُلتُ: لأنَّ الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قَوْلهُمَا: ﴿لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ المقصود منه السَّقي لا المَسْقِيّ. (فصل واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن وجوههما نظر الرجال لتسترهما، وقيل: تذودان الناس عن غنمهما، وقال الفراء: يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب، وقيل: تذودان أي: معهما قطيع من الغنم، والقطيع من الغنم يسمى: ذوداً، وكذلك قطيع البقرب وقطيع الإبل. قال عليه السلام: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ دَوْدٍ صَدَقَة» وقال الشاعر: 3986 - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ، وَثَلاَثُ ذَوْدٍ ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي قوله: «مَا خَطْبكُمَا» تقدم في طه، وقال الزمخشري: هنا حقيقته: مَا مخطُوبُكما؟ أي: ما مطلُوبُكُمَا من الذياد؟ فسمي المخطُوب خطباً كما سمي المشئُونُ شأْناً في قولك: ما شأنُكَ؟ يقال: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أي: قَصَدْتُ قَصْدَه. وقال ابن عطية: السؤال بالخطب إنما هو في مُصَاب أو مُضطهد أو مَنْ يُشْلإقُ عليه أو يأتي بمنكر من الأمر. وقرأ شَمِر «خِطْبَكُمَا» بالكسر أي: ما زوجكما؟ أي: لِمَ تَسْقِيَانِ وَلَمْ يَسْقِ زَوْجُكُمَا؟ وهي شاذة جداً. قوله: ﴿حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صَدَرَ يَصْدُرُ وهو قاصر، أي: حتى يرجع الرعاء: أي: يرجعون بمواشيهم والباقون بضم الياء وكسر الدال مضارع أَصدرَ مُعدًّى بالهمزة، والمفعول محذوف، أي: يُصدرُونَ مواشِيهم، والعامة على كسر الراء من «الرِّعَاء» ، وهو جمع تكسير غير مقيس لأنَّ فاعلاً الوصف المعتل اللام كقاضٍ قياسه (فُعَلَة) نحة قُضَاة ورُمَاة. وقال الزمخشري: وأما الرِّعَاء بالكسر فقياس كصِيام وقِيام. وليس كما ذكر (لِمَا ذَكَرْنَاهُ) . وقرأ أبو عمرو - في رواية - بفتح الراء. قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع أو على حذف مضاف، وقرىء بضمها، وهو اسم جمع كرخال وثُنَاء. وقرأ ابن مصرف «لا نُسْقِي» بضم النون من أَسْقَى، وتقدم الفرق بين سَقَى وأَسْقَى في النحل، والمعنى لا نسقي حتى يرجع الرّعاء عن الماء، والرّعاء جمع راع مثل تاجر وتِجَار، أي: نحن امرأتان لا نطيق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض، و ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يسقي مواشيه ولذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. فصل قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: أبوهما هو شعيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. (وإنه عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته) . وقال وهب وسعيد بن جبير: هو يثرون ابن أخي شعيب (وكان شعيب) قد مات بعد ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب. قالوا: فلما سمع قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق: إنَّ موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين. وروي أن القوم لمَّا رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشر نفر، فجاء موسى فرفع الحجر وحده، وسقى غنمهما، ويقال: إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة فروي منه جميع الغنم. قوله: «فَسَقَى لَهُمَا» مفعوله محذوف أي: غنمهما لأجلهما، ﴿ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾ أي: إلى ظل شجرة فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع. قال الضحاك: لبث سبعة أيام لم يذق طعاماً إلا بقل الأرض. فصل «لِمَا أَنْزَلْتَ» متعلق ب «فَقير» قال الزمخشري: عُدِّي فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلتَ إِليَّ من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين. يعني أن افتقر يتعدى ب «مِنْ» ، فإمَّا أن نجعله من باب التضمين، وإمّا أَنَّ متعلقه محذوف و «أَنْزَلْتَ» قيل ماض على أصله، ويعني بالخير ما تقدم من خير الدين، وقيل: بمعنى المستقبل. قال أهل اللغة: اللام بمعنى إلى، يقال: فقير له، وفقير إليه، فإنْ قيل: كيف ساغ بنبي الله شعيب أن يرضى لابنتيه السعي بالماشية فالجواب: أنَّ الناس اختلفوا فيه: هل هو شعيب أو غيره كما تقدم، وإن سلمنا أنه شعيب لكن لا مفسدة فيه، لأن الدين لا يأباه، وأحوال أهل البادية يغر أحوال أهل الحضر سيما إذا كانت الحال حالة ضرورة. فصل قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: لقد قال ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلي شق تمرة، وقيل: إنما قال ذلك في نفسه مع ربه، وهو اللائق بموسى عليه السلام فلما رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حُفّل بِطَان قال لهما: ما أعجلكما: قالتا: وجدنا رجُلاً صالِحاً رحيماً فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، قوله «فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا» قرأ ابن محيصن: «فَجَاءَتْهُ حُدَاهمَا» بحذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، كقوله: يا با فلان، وقوله: 3987 - يَا بَا المُغيرة رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ... فَرَّجْتهُ بِالنُّكْرِ عَنِّي وَالدَّهَا وَوَيْلُمِّه أي: ويلٌ لأُمِّهِ. قال: 3988 - وَيْلُمِّهَا حَالُه لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ ... و «تَمْشِي» حال، و «اسْتِحْيَاءٍ» حال أخرى، إما من «جَاءَتْ» وإما من «تَمْشِي» . فصل قال عمر بن الخطاب: ليست بسلفع من النساء خرَّاجة ولاَّجة، ولكن جاءت مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء. ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ صرحت بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها، وقيل: ماشية على بُعْد، مائلة عن الرجال. وقال عبد العزيز بن أبي حازم: على إجلال له، ومنهم من يقف على قوله «تَمْشِي» ، ثم يبتدىء ﴿عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ أي: إنها على استحياء قالت هذا القول، لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحي لا سيما المرأة. قال ابن إسحاق: اسم الكبرى صَفورا والصغرى لبنا، وقيل ليا، وقال غيره: صَفُورا وصَفِيرا. وقال الضحاك: صافُورا، قال الأكثرون: التي جاءت إلى موسى الكبرى. وقال الكلبي: هي الصغرى. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكالات. أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة، (وَأَنْ يَمْشِي مَعَهَا) وهي أجنبية، فإذن ذلك يورث التهمة العظيمة؟ وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا مَوَاضِع التُّهَم» . وثانيها: أنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى، فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه، وذلك غير جائز في الشريعة؟ . وثالثها: أنه عرف فقرَهُنَّ، وفَقْرَ أبيهنّ، وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟ ورابعها: كيف يليق بالنبي شُعَيب عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شابٍّ قبل العلم بكون الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟ والجواب عن الأول: أما العمل بقول امرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، وهي ما كانت إلاَّ مخبرة عن أبيها. وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع. وعن الثاني: أن المرأة لما قالت ذلك، فموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طالباً للأجر، بل للتبرك بذلك الشيخ، لِما رُوِي أنه لما دخل على شعيب إذا هو بالعَشاء تهيَّأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذُ بالله، فقال شُعَيْب: ولم ذلك؟ ألست بجائع؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نطلبُ على عملٍ من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، وفي رواية: لا نبيع ديننا بالدُّنيا، ولا نأخذ بالمعروف ثمناً. فقال شُعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى، فأكل. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك اضطراراً، وهو الجواب عن الثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات. وعن الرابع: لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها، فكان يعتمد عليها. فصل قال عمر بن الخطاب: فقام يمشي والجارية أمامه، فعبثت الريح، فوصفت ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال موسى عليه السلام: إني من عنصر إبراهيم، فكوني خَلْفي حتى لا ترفع الريح ثيابك، فأرى ما لا يَحِل، وفي رواية: كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحَصَى، لأن صوت المرأة عورة. فإن قيل: لِمَ خشي موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك أجرة له عن عمله، ولم يكره مع الخضر ذلك حين قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف: 77] ؟ فالجواب: أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء (ف) غير مكروه. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضَّحاك: قال له: مَنْ أنت يا عبد الله؟ قال له: أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي، وأنهم يطلبوه فيقتلوه، فقال شعيب عليه السلام: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ أي: لا سلطان له بأرضنا، فإن قيل إن المفسرين قالوا: إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بُعْد ثمانية أيام من دار مملكته؟ فالجواب: هذا وإن كان نادراً إلا أنَّه ليس بمحال. قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره﴾ اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ أي: خير من استعملت مَنْ قَوي على العمل، وأداء الأمانة، وإنما جعل ﴿خَيْرَ مَنِ استأجرت﴾ اسماُ و «القَوِيُّ الأَمِينُ» خبراً مع أن العكس أولى، لأن العناية سبب اللتقديم. فإن قيل: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما العطية والكتابة، فلم أهمَل أمرَ الكتابة؟ فالجواب أنهما داخِلان في الأمانة. قال ابن مسعود: أفرسُ الناس ثلاثة: بنتُ شعيب، (وصاحب يوسف) ، وأبو بكر في عمر. فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوتُه، فإنه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون، وأمَّا أمانته، فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قال شعيب عند ذلك: ﴿إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ﴾ . قال أكثر المفسرين: إنه زوجه الصغير منهما، وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورة. قوله: ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾ روي عن أبي عمرو «أنْكِحَكَ حدى» بحذف همزة «إحدَى» ، وهذه تشبه قراءة ابن محيصن «فَجَاءَتْهُ حْدَاهُما» ، وتقدم التشديد في نون «هَاتَيْنِ» في سورة النساء. قوله ﴿على أَن تَأْجُرَنِي﴾ في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول، أي: مشروطاً على أو عليك ذلك. و «تَأْجُرَنِي» مضارع أَجَرْتُه، كنتُ له أجيراً، ومفعوله الثاني محذوف، أي: وتأجُرنِي نفسَك، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظرف له. ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني. قال شهاب الدين الزمخشري لم يجعلها مفعولاً ثانياً على هذا الوجه، وإنّضام جعلها مفعولاً ثانياً على وجه آخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصه ليتبين لك، قال: «تَأْجُرَنِي» ، من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك: أبوته إذا كنت له أَباً، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظفر، أو مِنْ أجرته إذا أثبته، ومنه تعزية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «آجركُم اللَّهُ ورحِمَكُمْ» وثماني حججٍ «مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج. فنقل الشيخ عنه الوجه الأول من المعنيين المذكورين في» تأجُرنِي «فقط، وحكى عنه أنه أعرب» ثَمَاني حِجَجٍ «مفعولاً به، وكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافاً ليصح المعنى به، أي: رَعْيُ ثَمَانِي حِجَجٍ، لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجارة على الزمان؟ (قوله) » فَمِنْ عِنْدِكَ «يجوز أن يكون في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فهي من عندك، أو نصب أي: فقد زدتها أو تفضلت بها من عندك. فصل معنى الآية: أريدُ أن أنكِحَكَ إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تكون أجيراً لي ثمانِ سنين قال الفراء: أي تجعل ثوابي من تزويجها أنْ ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: أَجَرَكَ اللَّه بأجْرِكَ، أي: أثابك والحِجَج: السِّنُون، واحدها حجَّة. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ أي: عشر سنين» فَمِنْ عِنْدِك» أي: ذلك تفضل منك وتبرع ليس بواجب عليك. واعلم أن هذا اللفظ - وإن كان على الترديد - فلا شبهة أنه عند التزيوج عين، ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، والزيادة كالتبرع. ودلت الآيية على أنَّ العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمَّن جائز، ولكنه شرع من قبلنا، ودلَّت أيضاً على أنه يجوز أن يشرط الوليُّ، وعلى أنَّ عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. (واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على صحة بيع أحد هذين العبدين، أو الثوبين، وفيه نظر، لأأنها مراضاة لا معاقدة. ودلت الآية أيضاً على صحة الإجارة بالطعمة والكسوة، كما جرت به العادة، ويؤيده قوله عليه السلام: «إنَّ مُوسَى أَجَّر نَفْسه ثَمَانِيَ سينَ أوْ عَشْرَة على عفة فرجه وطعام بطنه» وهو مذهب الحنابلة قاله ابن كثير. فصل قال النووي: الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي أن الجياني حكى في الشامل أيضاً ضم الهمزة، قال أهل اللغة: وأصل الأجر الثواب، يقال: أجرت فلاناً عن عمله كذا أي: أثبته، والله يأجر العبد أي؛ يثيبه، والمستأجر يثيب المأجور عوضاً عن بذل المنافع. قال الواحدي: قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وآجرت ممدود قال المبرد: والأول أكثر) . قوله: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي؛ ألزمك تمام العشر. وأَنْ أَشُقَّ، مفعول «أريد» وحقيقة قولهم: شَقَّ عليه أي: شقَّ ظنَّه نصفين فتارة يقول أطيق، وتارة لا أطيق، وهو من أحسن مجاز. قوله ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال عمر: أي في حسن الصحبة والوفاء ولين الجانب. وقيل: أراد الصلاح على العموم، وإنما قال ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ للاتكال على توفيقه ومعونته، فإنْ قيل: كيف ينعقد العقدُ بهذا الشَّرط، ولو قلت أنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الله لا تطلَّق؟ فالجواب: هذا ما يختلف بالشرائع. قوله: «ذَلِكَ» مبتدأ، والإشارة به إلى ما تعاقد عليه، والظرف خبره، وأضيفت «بَيْنَ» لمفرد لتكررها عطفاً بالواو، فإن قلت: المالُ بَيْن زيد فعمرو لم يجز، وأما قوله: 3989 - بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ... فكان الأصمعي يأباها، ويوري «وحوامل» بالواو، والصحيح بالفاء، وول البيت على أن الدَّخُول وحَوْمَل مكانان كل منهما مشتمل على أماكن، نحو قولك: دارِي بين مصر، لأنه يريد به المكان الجامع، والأصل ذلك بيننا ففرق بالعطف. قوله: «أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ» أي شرطية وجوابها «فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ» . وفي «مَا» هذه قولان: أشهرهما: أنها زائدة، كزيادتها في أخواتها من أدوات الشرط. والثاني: أنها نكرة، و «الأَجَلَيْنِ» بدل منها. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية «أَيْمَا» بتخفيف الياء كقوله: 3990 - تَنَظَّرْتُ نَسْراً والسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا ... عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُه وقرأ عبد الله ﴿أيَّ الأَجَلَيَْ مَا قَضَيْت﴾ بإقحام «مَا» بين «الأَجَلَيْن» و «قَضَيْتُ» . قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين موقع زيادة «مَا» في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، «أَيْ» زيادة في شياعها، وفي الشاذة تأكيداً للقضاء كأنَّه قال: أي الأجلين صمَّمْت على قضائه وجرَّدتُ عزيمتي له. وقرأ أبو حيوة وابن ٌطَيب «عِدْوانَ» . قال الزمخشري: فإن قلت: تصوُّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصرهما، وهو المطالب بتتمة العشر، فما معنى تعلق العدوان بهما جميعاً؟ قلت: معناه: كما أني إن طولبت بالزيادة على العَشْر (كان عدواناً) لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني، أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأنَّ الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا، ويكون اختيار الأقل والزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحدهمَا عليه إجبار، ثم قال: وقيل: معناه فلا أكون متعدِّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه كقولك: لا إثم عليَّ ولا تبعة. قال أبو حيان: وجوابه الأول فيه تكثير. قال شهاب الدين: كأنه أعجبه الثاني. والثاني لم يرتضه الزمخشري، لأنه ليس جواباً في الحقيقة، فإن السؤال باق أيضاً، ولذلك نقله عن غيره، وقال المبرد: وقد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما، ولكن جمعهما ليجعل الأول كالأَتَمِّ في الوفاء. فصل قال المفسرون: المعنى «أيّ الأَجَلَيْن قَضَيْتُ» أتممتُ وفرغت منه الثماني أو العشر، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا ظلم عليَّ بأن أطالب بأكثر ﴿والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال مقاتل: شهيد فيما بيني وبينك، وقيل: حفيظ، ولما استعمل الوكيل بمعنى الشاهد عُدِّي ب (عَلَى) قال سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأَجلينِ قَضَى مُوسَى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمتُ فسألتُ ابن عباس فقال: قَضَى أكثرها وأطيبهما، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا قال فعل. وروي عن أبي ذر مرفوعاً «إذَا سُئِلْتَ أَيَّ الأَجَلينِ قَضَى مُوسَى؟ فقل خيرهُما وأبرَّهما، وإذا سئلت أيَّ المرأتين تزوَّج موسى؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت: ﴿ياأبت استأجره﴾ فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما» وقال وهب: أنكَحَه الكُبْرى. ولمَّا تعاقد العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا. فقال عكرمة: عرج بها آدم من الجنة، فأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً، فدفعها إليه، قيل: كانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة، فتوراثتها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى، وقال السُّدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: رُدِّي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فدخلت وألقتها، وأرادت أن تأخذ غيرها، فلا تقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فأعطاها موسى، وأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة فذهب في أثره فطلب أن يرد العصا، فأبى موسى أن يعطيه وقال: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [ طه: 18] ، فرضي أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل، فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها، فلم يطقها، فأخذها موسى بيده، فرعفها فتركها له الشيخ ثم إن موسى لم أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك (عند صهره عشراً) أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له فخرج بأهله إلى جانب الطور.

القصص 28:29

«آنسَ» أي: أبصر « ﴿مِن جَانِبِ الطور نَاراً﴾ وكان في البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلقُ، فقال ﴿لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن الطريق لأنه اكن قد أخطأ الطريق. قوله» أَوْ جُذْوَةٍ «قرأ حمزة بضم الجيم، وعاصم بالفتح، والباقون بالكسر وهي لغات في العُود الذي في رأسه نار، هذا هو المشهور، قال السُّلَمي: 3991 - حَمَا حُبُّ هذي النَّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ... وَحُبُّ الغَوَانِي فهو دُونَ الحُبَاحِبِ وَبُدِّلْتُ بعدَ المِسْك وَالبَانِ شِقْوَةً ... دُخَان الجذَا في رأْسِ أَشْمَطَ شَاحِبِ وقيده بعضهم فقال: في رأسه نار من غير لهب، قال ابن مُقبل: 3992 - بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمسن لَهَا ... جِزَالَ الجِذَا غَيْرَ خَوَّارٍ وَلاَ دَعِرِ الخوَّار الذي يتقصف، والدَّعِرُ الذي فيه لهب. وقد ورد ما يقتضي وجود اللهب فيه، قال الشاعر: 3993 - وَأَلْقَى عَلَى قَبسٍ من النار جُذْوَةً ... شديداً عَلَيْها حَرُّها والتِهَابُهَا وقيل: الجذوة: العودُ الغليظُ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، وليس المراد هنا إلا ما يكون في رأسه نارٌ. قوله» مِنَ النَّارِ «صفة ل» جَذْوَة «ولا يجوز تعلقها ب» آتِيكُم» ، كما تعلق بها «مِنْهَا» ، لأن هذه النار ليست النار المذكورة، والعرب إذا تقدَّمت نكرة وأرادت إعادَتَها أعادَتْها مضمرةً أو معرَّفةً بأل العهدية، وقد جُمِعَ الأمران هنا.» لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ «تستدفئون. قوله» مِنْ شَاطِىءِ «» مِنْ «لابتداء الغاية، و» الأَيْمَنِ «صفة للشاطىء أو للوادي، والأَيْمَنُ من اليُمْنِ، وهو البَرَكة، أو مِنَ اليمين المعادل لليسار من العضوين، ومعناه على هذا بالنسبة إلى موسى، أي: الَّذي على يمينك دون يسارِك، والشطاىء ضفة الوادي والنهر أي: حافته وطرفه، وكذلك الشَّطُّ والسيف والساحل كلها بمعنى، وجمع الشاطىء» أَشْطاءٌ «قاله الراغب، وشاطأت فلاناً: ماشيته على الشاطىء. قوله: فِي البُقْعَة» متعلق ( «نُودِيَ» أي) بمحذوف على أنه حال من الشاطىء، وقرأ العامة بضم الباء، وهي اللغة الغالبة، وقرأ مسلمة والأشهب العقيلي بفتحها وهي لغة حكاها أبو زيد قال: سمعتهم يقولون: هذه بقعةٌ طيبة، (ووصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة، وتكليم الله تعالى إياه) . قوله: «مِنَ الشَّجَرَةِ» هذا بدل من «شَاطِىء» بإعادة العامل، وهو بدل اشتمال، لأن الشجرة كانت ثابتة على الشاطىء كقوله: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: 33] . قوله: ﴿أَن ياموسى﴾ هي المفسرة، وجوِّز فيها أن تكون في المخففة، واسمها ضمير الشأن، وجملة النداء مفسرة له، وفيه بُعد. قوله ﴿إني أَنَا الله﴾ العامة على الكسر على إضمار القول، أو على تضمين النداء معناه، وقرىء بالفتح، وفيه إشكال، لأَنَّهُ إنْ جعلت «أَنْ» تفسيرية، وجب كسر «إنِّي» للاستئناف المفسر للنداء بماذا كان، وإن جعلتها مخففة لزم تقدير «أَنِّي» بمصدر، والمصدر مفرد، وضمير الشأن لا يفسر بمفرد، والذي ينبغي أن تُخرَّج عليه هذه القراءة أن تكون «أَنْ» تفسيرية و «أَنِّي» معمولة لفعل مضمر تقديره أَنْ موسى اعلم أَنِّي أنا الله، واعلم أنه تعالى قال في سورة النمل ﴿نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: 8] وقال ها هنا: نُودِي أَنِّي أنا اللَّه ربُّ العالمين، وقال في سورة طه ﴿نُودِيَ ياموسى إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: 11 - 12] ، ولا منافاة بين هذه الأشياء، فهو تعالى ذكر الكلّ إلا أنه تعالى حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه بعض ذلك النداء. قوله: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ تقدم الكلام على ذلك. وقوله: ﴿اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ فقد عبّر عن هذا المعنى بثلاث عبارات: إحداها هذه، وثانيها ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ ، وثالثها ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: 12] قوله «مِنَ الرَّهْبِ» متعلق بأحد أربعة أشياء، إمّا ب «وَلَّى» ، وإمَّا ب «مُدْبراً» ، وإمَّا ب «اضمم» ، ويظهر هذا الثالث إذا فسَّرنا الرَّهب بالكمِّ، وإمّا بمحذوف أي: تسكن من الرهب وقرأ حفص بفتح الراء وإسكان الهاء. والأخوان وابن عامر وأبو بكر بالضم والإسكان، والباقون بفتحتين، والحسن وعيسى والجحدري وقتادة بضمتين وكلها لغات بمعنى الخوف وقيل هو بفتحتين الكُمُّ بلغة حمير وحنيفة، قال الزمخشري «هُومن بدِع التفاسير» قال: وليست شعري كيف صحته في اللغة، وهل سُمِعَ من الثقات الأثبات التي تُرْتَضى عربيتهم، أم ليت شعري كيف موقعه في الآية، وكيف تطبيقه المفضل كسائر كلمات التنزيل، على أن موسى صلوات الله عليه ليلة المناجاة ما كان عليه إلاَّ زُرْمانِقَة من صُوفٍ لا كُمّ لها. الزُّرمانقة: المدرعةُ. قال أبو حيان: هذا مروي عن الأصمعي، وهو ثقة، سمعتهم يقولون أعطني ما في رهبك أي كُمِّكَ، وأما قوله: كيف موقعه؟ فقالوا: معناه: أخرج يدكّ من كُمِّكَ. قال سهاب الدين: كيف يستقيم هذا التفسير، يُفَسِّرُون «اضْمُمْ» بمعنى أَخْرِج. وقال الزمخشري: فإن قُلْتَ: قد جعل الجناح وهو اليَدُ في أحد الموضعين مضموماً، وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ وقوله ﴿واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾ [طه: 22] فما التوفيق بينهما؟ قلت: المراد بالجناح المضموم: هو اليد اليمنى، وبالجناح المضموم إليه هو اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح. فصل قال الزمخشري: في ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ معنيان: أحدهما: أنّ موسى عليه السلام لمَّا قلب الله له العصا حيَّةً فزع واضطر واتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إنَّ اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتنا وقد انقلبت حية فأدخل يدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما منه غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد، لأن يد الإنسان بمنزلة جناح الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد اليسرى، فقد ضم جناحه إليه. (الثاني: أن يراد بضم جناح ة تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حيَّة حتى لا يضطرب) ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نَشَرَ جناحية وأرخاهُما، وإلا فجناحاه منضمان إليه مستمران ومعنى قوله «مِنَ الرَّهْب» أي: من أجل الرهب إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك (ومعنى ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ ) وقوله «اسْلُكْ يَدَكَ» على أحد التفسيرين واحد، وإنما خُولِفَ بين العبارتين وكرَّر المعنى لاختلاف الغرضين، وذلك أنَّ الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب. قال البغوي: المعنى إذا هَالَك أمر يدك وما ترى من شعاعها، فأدخِلْها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، والجناح اليد كلها وقيل: العضد. وقال عطاء عن ابن عباس: مره الله (أن يَضُمَّ) يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية. وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وقال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع، وقيل: المراد من ضم الجناح السكون، أي: سكّن روعَك واحفظ عليك جأشك، لأن من شأن الخائف أن يضطرب عليه قلبه وترتعد يداه، ومثله قوله: ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل﴾ [ الإسراء: 24] يريد: المرفق، وقوله: ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك﴾ [الشعراء: 215] أي: أرفق بهم وأَلِنْ جانبك لهم، وقال الفراء: أراد بالجناح العصا، معناه: واضمُمْ إليك عَصَاك. قوله: «فَذانك» تقدم قراءة التخفيف والتثقيل في النساء، وقرأ ابن مسعود وعيسى وشبل وأبو نوفل بياء بعد نون مكسورة، وهي لغة هذيل، وقيل تميم، وروى شبل عن كثير بياء بعد نون مفتوحة، وهذا على لغة من يفتح نون التثنية، كقوله: 3994 - عَلَى أَحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً ... فَمَا هِيَ إِلاَّ لَمْحَةٌ وتغِيبُ والياء بدل من إحدى النونين (كَتَظَنَّيْتُ) . وقرأ عبد الله بتشديد النون وياء بعدها، ونسبت لهذيل. قال المهدوي: بل لغتهم تخفيفها، وكأن الكسرة هنا إشباع كقراءة هشام ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 37] . «ذَانِكَ» إشارة إلى العصا واليد، وهما مؤنثتان، وإنما ذكَّر ما أشير به إليهما لتذكير خبرهما وهو «بُرْهَانَان» ، كما أنه قد يؤنث لتأنيث خبره كقراءة ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الأنعام: 23] فيمن أَنَّثَ ونثب «فِتْنَتُهُمْ» وكذا قوله: 3995 - وَقَدْ خَابَ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ الغَدْرُ ... وتقدم إيضاح هذا في الأنعام. والبرهان تقدم اشتقاقه، وهو الحجة، وقال الزمخشري هنا: فإنت قُلتَ: لم سميت الحجةُ برهاناً؟ قلت: لبياضها وإنارتها من قولهم (للمرأة البياض) برهرهة، بتكرير العين واللام، والدليل على زيادة النون قولهم أَبْره الرجلُ إذا جاء بالبرهان، ونظيره تسميتهم إياها سلطاناً من السَّليط وهو الزيت لإنارتها. قوله «إلَى فِرْعَوْنَ» متعلق بمحذوف، فقدره أبو البقاء مرسلاً إلى فرعون، وغيره: اذْهَب إلى فرعون، وهذا المقدر ينبغي أن يكون حالاً من «بُرْهَانَانِ» أي: مرسلاً بهما إلى فرعون، والعامل في هذه الحال ما في اسم الإشارة.

القصص 28:30

«آنسَ» أي: أبصر « ﴿مِن جَانِبِ الطور نَاراً﴾ وكان في البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلقُ، فقال ﴿لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن الطريق لأنه اكن قد أخطأ الطريق. قوله» أَوْ جُذْوَةٍ «قرأ حمزة بضم الجيم، وعاصم بالفتح، والباقون بالكسر وهي لغات في العُود الذي في رأسه نار، هذا هو المشهور، قال السُّلَمي: 3991 - حَمَا حُبُّ هذي النَّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ... وَحُبُّ الغَوَانِي فهو دُونَ الحُبَاحِبِ وَبُدِّلْتُ بعدَ المِسْك وَالبَانِ شِقْوَةً ... دُخَان الجذَا في رأْسِ أَشْمَطَ شَاحِبِ وقيده بعضهم فقال: في رأسه نار من غير لهب، قال ابن مُقبل: 3992 - بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمسن لَهَا ... جِزَالَ الجِذَا غَيْرَ خَوَّارٍ وَلاَ دَعِرِ الخوَّار الذي يتقصف، والدَّعِرُ الذي فيه لهب. وقد ورد ما يقتضي وجود اللهب فيه، قال الشاعر: 3993 - وَأَلْقَى عَلَى قَبسٍ من النار جُذْوَةً ... شديداً عَلَيْها حَرُّها والتِهَابُهَا وقيل: الجذوة: العودُ الغليظُ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، وليس المراد هنا إلا ما يكون في رأسه نارٌ. قوله» مِنَ النَّارِ «صفة ل» جَذْوَة «ولا يجوز تعلقها ب» آتِيكُم» ، كما تعلق بها «مِنْهَا» ، لأن هذه النار ليست النار المذكورة، والعرب إذا تقدَّمت نكرة وأرادت إعادَتَها أعادَتْها مضمرةً أو معرَّفةً بأل العهدية، وقد جُمِعَ الأمران هنا.» لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ «تستدفئون. قوله» مِنْ شَاطِىءِ «» مِنْ «لابتداء الغاية، و» الأَيْمَنِ «صفة للشاطىء أو للوادي، والأَيْمَنُ من اليُمْنِ، وهو البَرَكة، أو مِنَ اليمين المعادل لليسار من العضوين، ومعناه على هذا بالنسبة إلى موسى، أي: الَّذي على يمينك دون يسارِك، والشطاىء ضفة الوادي والنهر أي: حافته وطرفه، وكذلك الشَّطُّ والسيف والساحل كلها بمعنى، وجمع الشاطىء» أَشْطاءٌ «قاله الراغب، وشاطأت فلاناً: ماشيته على الشاطىء. قوله: فِي البُقْعَة» متعلق ( «نُودِيَ» أي) بمحذوف على أنه حال من الشاطىء، وقرأ العامة بضم الباء، وهي اللغة الغالبة، وقرأ مسلمة والأشهب العقيلي بفتحها وهي لغة حكاها أبو زيد قال: سمعتهم يقولون: هذه بقعةٌ طيبة، (ووصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة، وتكليم الله تعالى إياه) . قوله: «مِنَ الشَّجَرَةِ» هذا بدل من «شَاطِىء» بإعادة العامل، وهو بدل اشتمال، لأن الشجرة كانت ثابتة على الشاطىء كقوله: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: 33] . قوله: ﴿أَن ياموسى﴾ هي المفسرة، وجوِّز فيها أن تكون في المخففة، واسمها ضمير الشأن، وجملة النداء مفسرة له، وفيه بُعد. قوله ﴿إني أَنَا الله﴾ العامة على الكسر على إضمار القول، أو على تضمين النداء معناه، وقرىء بالفتح، وفيه إشكال، لأَنَّهُ إنْ جعلت «أَنْ» تفسيرية، وجب كسر «إنِّي» للاستئناف المفسر للنداء بماذا كان، وإن جعلتها مخففة لزم تقدير «أَنِّي» بمصدر، والمصدر مفرد، وضمير الشأن لا يفسر بمفرد، والذي ينبغي أن تُخرَّج عليه هذه القراءة أن تكون «أَنْ» تفسيرية و «أَنِّي» معمولة لفعل مضمر تقديره أَنْ موسى اعلم أَنِّي أنا الله، واعلم أنه تعالى قال في سورة النمل ﴿نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: 8] وقال ها هنا: نُودِي أَنِّي أنا اللَّه ربُّ العالمين، وقال في سورة طه ﴿نُودِيَ ياموسى إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: 11 - 12] ، ولا منافاة بين هذه الأشياء، فهو تعالى ذكر الكلّ إلا أنه تعالى حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه بعض ذلك النداء. قوله: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ تقدم الكلام على ذلك. وقوله: ﴿اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ فقد عبّر عن هذا المعنى بثلاث عبارات: إحداها هذه، وثانيها ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ ، وثالثها ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: 12] قوله «مِنَ الرَّهْبِ» متعلق بأحد أربعة أشياء، إمّا ب «وَلَّى» ، وإمَّا ب «مُدْبراً» ، وإمَّا ب «اضمم» ، ويظهر هذا الثالث إذا فسَّرنا الرَّهب بالكمِّ، وإمّا بمحذوف أي: تسكن من الرهب وقرأ حفص بفتح الراء وإسكان الهاء. والأخوان وابن عامر وأبو بكر بالضم والإسكان، والباقون بفتحتين، والحسن وعيسى والجحدري وقتادة بضمتين وكلها لغات بمعنى الخوف وقيل هو بفتحتين الكُمُّ بلغة حمير وحنيفة، قال الزمخشري «هُومن بدِع التفاسير» قال: وليست شعري كيف صحته في اللغة، وهل سُمِعَ من الثقات الأثبات التي تُرْتَضى عربيتهم، أم ليت شعري كيف موقعه في الآية، وكيف تطبيقه المفضل كسائر كلمات التنزيل، على أن موسى صلوات الله عليه ليلة المناجاة ما كان عليه إلاَّ زُرْمانِقَة من صُوفٍ لا كُمّ لها. الزُّرمانقة: المدرعةُ. قال أبو حيان: هذا مروي عن الأصمعي، وهو ثقة، سمعتهم يقولون أعطني ما في رهبك أي كُمِّكَ، وأما قوله: كيف موقعه؟ فقالوا: معناه: أخرج يدكّ من كُمِّكَ. قال سهاب الدين: كيف يستقيم هذا التفسير، يُفَسِّرُون «اضْمُمْ» بمعنى أَخْرِج. وقال الزمخشري: فإن قُلْتَ: قد جعل الجناح وهو اليَدُ في أحد الموضعين مضموماً، وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ وقوله ﴿واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾ [طه: 22] فما التوفيق بينهما؟ قلت: المراد بالجناح المضموم: هو اليد اليمنى، وبالجناح المضموم إليه هو اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح. فصل قال الزمخشري: في ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ معنيان: أحدهما: أنّ موسى عليه السلام لمَّا قلب الله له العصا حيَّةً فزع واضطر واتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إنَّ اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتنا وقد انقلبت حية فأدخل يدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما منه غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد، لأن يد الإنسان بمنزلة جناح الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد اليسرى، فقد ضم جناحه إليه. (الثاني: أن يراد بضم جناح ة تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حيَّة حتى لا يضطرب) ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نَشَرَ جناحية وأرخاهُما، وإلا فجناحاه منضمان إليه مستمران ومعنى قوله «مِنَ الرَّهْب» أي: من أجل الرهب إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك (ومعنى ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ ) وقوله «اسْلُكْ يَدَكَ» على أحد التفسيرين واحد، وإنما خُولِفَ بين العبارتين وكرَّر المعنى لاختلاف الغرضين، وذلك أنَّ الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب. قال البغوي: المعنى إذا هَالَك أمر يدك وما ترى من شعاعها، فأدخِلْها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، والجناح اليد كلها وقيل: العضد. وقال عطاء عن ابن عباس: مره الله (أن يَضُمَّ) يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية. وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وقال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع، وقيل: المراد من ضم الجناح السكون، أي: سكّن روعَك واحفظ عليك جأشك، لأن من شأن الخائف أن يضطرب عليه قلبه وترتعد يداه، ومثله قوله: ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل﴾ [ الإسراء: 24] يريد: المرفق، وقوله: ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك﴾ [الشعراء: 215] أي: أرفق بهم وأَلِنْ جانبك لهم، وقال الفراء: أراد بالجناح العصا، معناه: واضمُمْ إليك عَصَاك. قوله: «فَذانك» تقدم قراءة التخفيف والتثقيل في النساء، وقرأ ابن مسعود وعيسى وشبل وأبو نوفل بياء بعد نون مكسورة، وهي لغة هذيل، وقيل تميم، وروى شبل عن كثير بياء بعد نون مفتوحة، وهذا على لغة من يفتح نون التثنية، كقوله: 3994 - عَلَى أَحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً ... فَمَا هِيَ إِلاَّ لَمْحَةٌ وتغِيبُ والياء بدل من إحدى النونين (كَتَظَنَّيْتُ) . وقرأ عبد الله بتشديد النون وياء بعدها، ونسبت لهذيل. قال المهدوي: بل لغتهم تخفيفها، وكأن الكسرة هنا إشباع كقراءة هشام ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 37] . «ذَانِكَ» إشارة إلى العصا واليد، وهما مؤنثتان، وإنما ذكَّر ما أشير به إليهما لتذكير خبرهما وهو «بُرْهَانَان» ، كما أنه قد يؤنث لتأنيث خبره كقراءة ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الأنعام: 23] فيمن أَنَّثَ ونثب «فِتْنَتُهُمْ» وكذا قوله: 3995 - وَقَدْ خَابَ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ الغَدْرُ ... وتقدم إيضاح هذا في الأنعام. والبرهان تقدم اشتقاقه، وهو الحجة، وقال الزمخشري هنا: فإنت قُلتَ: لم سميت الحجةُ برهاناً؟ قلت: لبياضها وإنارتها من قولهم (للمرأة البياض) برهرهة، بتكرير العين واللام، والدليل على زيادة النون قولهم أَبْره الرجلُ إذا جاء بالبرهان، ونظيره تسميتهم إياها سلطاناً من السَّليط وهو الزيت لإنارتها. قوله «إلَى فِرْعَوْنَ» متعلق بمحذوف، فقدره أبو البقاء مرسلاً إلى فرعون، وغيره: اذْهَب إلى فرعون، وهذا المقدر ينبغي أن يكون حالاً من «بُرْهَانَانِ» أي: مرسلاً بهما إلى فرعون، والعامل في هذه الحال ما في اسم الإشارة.

القصص 28:31

«آنسَ» أي: أبصر « ﴿مِن جَانِبِ الطور نَاراً﴾ وكان في البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلقُ، فقال ﴿لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن الطريق لأنه اكن قد أخطأ الطريق. قوله» أَوْ جُذْوَةٍ «قرأ حمزة بضم الجيم، وعاصم بالفتح، والباقون بالكسر وهي لغات في العُود الذي في رأسه نار، هذا هو المشهور، قال السُّلَمي: 3991 - حَمَا حُبُّ هذي النَّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ... وَحُبُّ الغَوَانِي فهو دُونَ الحُبَاحِبِ وَبُدِّلْتُ بعدَ المِسْك وَالبَانِ شِقْوَةً ... دُخَان الجذَا في رأْسِ أَشْمَطَ شَاحِبِ وقيده بعضهم فقال: في رأسه نار من غير لهب، قال ابن مُقبل: 3992 - بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمسن لَهَا ... جِزَالَ الجِذَا غَيْرَ خَوَّارٍ وَلاَ دَعِرِ الخوَّار الذي يتقصف، والدَّعِرُ الذي فيه لهب. وقد ورد ما يقتضي وجود اللهب فيه، قال الشاعر: 3993 - وَأَلْقَى عَلَى قَبسٍ من النار جُذْوَةً ... شديداً عَلَيْها حَرُّها والتِهَابُهَا وقيل: الجذوة: العودُ الغليظُ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، وليس المراد هنا إلا ما يكون في رأسه نارٌ. قوله» مِنَ النَّارِ «صفة ل» جَذْوَة «ولا يجوز تعلقها ب» آتِيكُم» ، كما تعلق بها «مِنْهَا» ، لأن هذه النار ليست النار المذكورة، والعرب إذا تقدَّمت نكرة وأرادت إعادَتَها أعادَتْها مضمرةً أو معرَّفةً بأل العهدية، وقد جُمِعَ الأمران هنا.» لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ «تستدفئون. قوله» مِنْ شَاطِىءِ «» مِنْ «لابتداء الغاية، و» الأَيْمَنِ «صفة للشاطىء أو للوادي، والأَيْمَنُ من اليُمْنِ، وهو البَرَكة، أو مِنَ اليمين المعادل لليسار من العضوين، ومعناه على هذا بالنسبة إلى موسى، أي: الَّذي على يمينك دون يسارِك، والشطاىء ضفة الوادي والنهر أي: حافته وطرفه، وكذلك الشَّطُّ والسيف والساحل كلها بمعنى، وجمع الشاطىء» أَشْطاءٌ «قاله الراغب، وشاطأت فلاناً: ماشيته على الشاطىء. قوله: فِي البُقْعَة» متعلق ( «نُودِيَ» أي) بمحذوف على أنه حال من الشاطىء، وقرأ العامة بضم الباء، وهي اللغة الغالبة، وقرأ مسلمة والأشهب العقيلي بفتحها وهي لغة حكاها أبو زيد قال: سمعتهم يقولون: هذه بقعةٌ طيبة، (ووصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة، وتكليم الله تعالى إياه) . قوله: «مِنَ الشَّجَرَةِ» هذا بدل من «شَاطِىء» بإعادة العامل، وهو بدل اشتمال، لأن الشجرة كانت ثابتة على الشاطىء كقوله: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: 33] . قوله: ﴿أَن ياموسى﴾ هي المفسرة، وجوِّز فيها أن تكون في المخففة، واسمها ضمير الشأن، وجملة النداء مفسرة له، وفيه بُعد. قوله ﴿إني أَنَا الله﴾ العامة على الكسر على إضمار القول، أو على تضمين النداء معناه، وقرىء بالفتح، وفيه إشكال، لأَنَّهُ إنْ جعلت «أَنْ» تفسيرية، وجب كسر «إنِّي» للاستئناف المفسر للنداء بماذا كان، وإن جعلتها مخففة لزم تقدير «أَنِّي» بمصدر، والمصدر مفرد، وضمير الشأن لا يفسر بمفرد، والذي ينبغي أن تُخرَّج عليه هذه القراءة أن تكون «أَنْ» تفسيرية و «أَنِّي» معمولة لفعل مضمر تقديره أَنْ موسى اعلم أَنِّي أنا الله، واعلم أنه تعالى قال في سورة النمل ﴿نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: 8] وقال ها هنا: نُودِي أَنِّي أنا اللَّه ربُّ العالمين، وقال في سورة طه ﴿نُودِيَ ياموسى إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: 11 - 12] ، ولا منافاة بين هذه الأشياء، فهو تعالى ذكر الكلّ إلا أنه تعالى حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه بعض ذلك النداء. قوله: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ تقدم الكلام على ذلك. وقوله: ﴿اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ فقد عبّر عن هذا المعنى بثلاث عبارات: إحداها هذه، وثانيها ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ ، وثالثها ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: 12] قوله «مِنَ الرَّهْبِ» متعلق بأحد أربعة أشياء، إمّا ب «وَلَّى» ، وإمَّا ب «مُدْبراً» ، وإمَّا ب «اضمم» ، ويظهر هذا الثالث إذا فسَّرنا الرَّهب بالكمِّ، وإمّا بمحذوف أي: تسكن من الرهب وقرأ حفص بفتح الراء وإسكان الهاء. والأخوان وابن عامر وأبو بكر بالضم والإسكان، والباقون بفتحتين، والحسن وعيسى والجحدري وقتادة بضمتين وكلها لغات بمعنى الخوف وقيل هو بفتحتين الكُمُّ بلغة حمير وحنيفة، قال الزمخشري «هُومن بدِع التفاسير» قال: وليست شعري كيف صحته في اللغة، وهل سُمِعَ من الثقات الأثبات التي تُرْتَضى عربيتهم، أم ليت شعري كيف موقعه في الآية، وكيف تطبيقه المفضل كسائر كلمات التنزيل، على أن موسى صلوات الله عليه ليلة المناجاة ما كان عليه إلاَّ زُرْمانِقَة من صُوفٍ لا كُمّ لها. الزُّرمانقة: المدرعةُ. قال أبو حيان: هذا مروي عن الأصمعي، وهو ثقة، سمعتهم يقولون أعطني ما في رهبك أي كُمِّكَ، وأما قوله: كيف موقعه؟ فقالوا: معناه: أخرج يدكّ من كُمِّكَ. قال سهاب الدين: كيف يستقيم هذا التفسير، يُفَسِّرُون «اضْمُمْ» بمعنى أَخْرِج. وقال الزمخشري: فإن قُلْتَ: قد جعل الجناح وهو اليَدُ في أحد الموضعين مضموماً، وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ وقوله ﴿واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾ [طه: 22] فما التوفيق بينهما؟ قلت: المراد بالجناح المضموم: هو اليد اليمنى، وبالجناح المضموم إليه هو اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح. فصل قال الزمخشري: في ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ معنيان: أحدهما: أنّ موسى عليه السلام لمَّا قلب الله له العصا حيَّةً فزع واضطر واتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إنَّ اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتنا وقد انقلبت حية فأدخل يدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما منه غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد، لأن يد الإنسان بمنزلة جناح الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد اليسرى، فقد ضم جناحه إليه. (الثاني: أن يراد بضم جناح ة تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حيَّة حتى لا يضطرب) ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نَشَرَ جناحية وأرخاهُما، وإلا فجناحاه منضمان إليه مستمران ومعنى قوله «مِنَ الرَّهْب» أي: من أجل الرهب إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك (ومعنى ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ ) وقوله «اسْلُكْ يَدَكَ» على أحد التفسيرين واحد، وإنما خُولِفَ بين العبارتين وكرَّر المعنى لاختلاف الغرضين، وذلك أنَّ الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب. قال البغوي: المعنى إذا هَالَك أمر يدك وما ترى من شعاعها، فأدخِلْها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، والجناح اليد كلها وقيل: العضد. وقال عطاء عن ابن عباس: مره الله (أن يَضُمَّ) يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية. وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وقال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع، وقيل: المراد من ضم الجناح السكون، أي: سكّن روعَك واحفظ عليك جأشك، لأن من شأن الخائف أن يضطرب عليه قلبه وترتعد يداه، ومثله قوله: ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل﴾ [ الإسراء: 24] يريد: المرفق، وقوله: ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك﴾ [الشعراء: 215] أي: أرفق بهم وأَلِنْ جانبك لهم، وقال الفراء: أراد بالجناح العصا، معناه: واضمُمْ إليك عَصَاك. قوله: «فَذانك» تقدم قراءة التخفيف والتثقيل في النساء، وقرأ ابن مسعود وعيسى وشبل وأبو نوفل بياء بعد نون مكسورة، وهي لغة هذيل، وقيل تميم، وروى شبل عن كثير بياء بعد نون مفتوحة، وهذا على لغة من يفتح نون التثنية، كقوله: 3994 - عَلَى أَحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً ... فَمَا هِيَ إِلاَّ لَمْحَةٌ وتغِيبُ والياء بدل من إحدى النونين (كَتَظَنَّيْتُ) . وقرأ عبد الله بتشديد النون وياء بعدها، ونسبت لهذيل. قال المهدوي: بل لغتهم تخفيفها، وكأن الكسرة هنا إشباع كقراءة هشام ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 37] . «ذَانِكَ» إشارة إلى العصا واليد، وهما مؤنثتان، وإنما ذكَّر ما أشير به إليهما لتذكير خبرهما وهو «بُرْهَانَان» ، كما أنه قد يؤنث لتأنيث خبره كقراءة ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الأنعام: 23] فيمن أَنَّثَ ونثب «فِتْنَتُهُمْ» وكذا قوله: 3995 - وَقَدْ خَابَ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ الغَدْرُ ... وتقدم إيضاح هذا في الأنعام. والبرهان تقدم اشتقاقه، وهو الحجة، وقال الزمخشري هنا: فإنت قُلتَ: لم سميت الحجةُ برهاناً؟ قلت: لبياضها وإنارتها من قولهم (للمرأة البياض) برهرهة، بتكرير العين واللام، والدليل على زيادة النون قولهم أَبْره الرجلُ إذا جاء بالبرهان، ونظيره تسميتهم إياها سلطاناً من السَّليط وهو الزيت لإنارتها. قوله «إلَى فِرْعَوْنَ» متعلق بمحذوف، فقدره أبو البقاء مرسلاً إلى فرعون، وغيره: اذْهَب إلى فرعون، وهذا المقدر ينبغي أن يكون حالاً من «بُرْهَانَانِ» أي: مرسلاً بهما إلى فرعون، والعامل في هذه الحال ما في اسم الإشارة.

القصص 28:32

«آنسَ» أي: أبصر « ﴿مِن جَانِبِ الطور نَاراً﴾ وكان في البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلقُ، فقال ﴿لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن الطريق لأنه اكن قد أخطأ الطريق. قوله» أَوْ جُذْوَةٍ «قرأ حمزة بضم الجيم، وعاصم بالفتح، والباقون بالكسر وهي لغات في العُود الذي في رأسه نار، هذا هو المشهور، قال السُّلَمي: 3991 - حَمَا حُبُّ هذي النَّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ... وَحُبُّ الغَوَانِي فهو دُونَ الحُبَاحِبِ وَبُدِّلْتُ بعدَ المِسْك وَالبَانِ شِقْوَةً ... دُخَان الجذَا في رأْسِ أَشْمَطَ شَاحِبِ وقيده بعضهم فقال: في رأسه نار من غير لهب، قال ابن مُقبل: 3992 - بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمسن لَهَا ... جِزَالَ الجِذَا غَيْرَ خَوَّارٍ وَلاَ دَعِرِ الخوَّار الذي يتقصف، والدَّعِرُ الذي فيه لهب. وقد ورد ما يقتضي وجود اللهب فيه، قال الشاعر: 3993 - وَأَلْقَى عَلَى قَبسٍ من النار جُذْوَةً ... شديداً عَلَيْها حَرُّها والتِهَابُهَا وقيل: الجذوة: العودُ الغليظُ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، وليس المراد هنا إلا ما يكون في رأسه نارٌ. قوله» مِنَ النَّارِ «صفة ل» جَذْوَة «ولا يجوز تعلقها ب» آتِيكُم» ، كما تعلق بها «مِنْهَا» ، لأن هذه النار ليست النار المذكورة، والعرب إذا تقدَّمت نكرة وأرادت إعادَتَها أعادَتْها مضمرةً أو معرَّفةً بأل العهدية، وقد جُمِعَ الأمران هنا.» لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ «تستدفئون. قوله» مِنْ شَاطِىءِ «» مِنْ «لابتداء الغاية، و» الأَيْمَنِ «صفة للشاطىء أو للوادي، والأَيْمَنُ من اليُمْنِ، وهو البَرَكة، أو مِنَ اليمين المعادل لليسار من العضوين، ومعناه على هذا بالنسبة إلى موسى، أي: الَّذي على يمينك دون يسارِك، والشطاىء ضفة الوادي والنهر أي: حافته وطرفه، وكذلك الشَّطُّ والسيف والساحل كلها بمعنى، وجمع الشاطىء» أَشْطاءٌ «قاله الراغب، وشاطأت فلاناً: ماشيته على الشاطىء. قوله: فِي البُقْعَة» متعلق ( «نُودِيَ» أي) بمحذوف على أنه حال من الشاطىء، وقرأ العامة بضم الباء، وهي اللغة الغالبة، وقرأ مسلمة والأشهب العقيلي بفتحها وهي لغة حكاها أبو زيد قال: سمعتهم يقولون: هذه بقعةٌ طيبة، (ووصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة، وتكليم الله تعالى إياه) . قوله: «مِنَ الشَّجَرَةِ» هذا بدل من «شَاطِىء» بإعادة العامل، وهو بدل اشتمال، لأن الشجرة كانت ثابتة على الشاطىء كقوله: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: 33] . قوله: ﴿أَن ياموسى﴾ هي المفسرة، وجوِّز فيها أن تكون في المخففة، واسمها ضمير الشأن، وجملة النداء مفسرة له، وفيه بُعد. قوله ﴿إني أَنَا الله﴾ العامة على الكسر على إضمار القول، أو على تضمين النداء معناه، وقرىء بالفتح، وفيه إشكال، لأَنَّهُ إنْ جعلت «أَنْ» تفسيرية، وجب كسر «إنِّي» للاستئناف المفسر للنداء بماذا كان، وإن جعلتها مخففة لزم تقدير «أَنِّي» بمصدر، والمصدر مفرد، وضمير الشأن لا يفسر بمفرد، والذي ينبغي أن تُخرَّج عليه هذه القراءة أن تكون «أَنْ» تفسيرية و «أَنِّي» معمولة لفعل مضمر تقديره أَنْ موسى اعلم أَنِّي أنا الله، واعلم أنه تعالى قال في سورة النمل ﴿نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: 8] وقال ها هنا: نُودِي أَنِّي أنا اللَّه ربُّ العالمين، وقال في سورة طه ﴿نُودِيَ ياموسى إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: 11 - 12] ، ولا منافاة بين هذه الأشياء، فهو تعالى ذكر الكلّ إلا أنه تعالى حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه بعض ذلك النداء. قوله: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ تقدم الكلام على ذلك. وقوله: ﴿اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ فقد عبّر عن هذا المعنى بثلاث عبارات: إحداها هذه، وثانيها ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ ، وثالثها ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: 12] قوله «مِنَ الرَّهْبِ» متعلق بأحد أربعة أشياء، إمّا ب «وَلَّى» ، وإمَّا ب «مُدْبراً» ، وإمَّا ب «اضمم» ، ويظهر هذا الثالث إذا فسَّرنا الرَّهب بالكمِّ، وإمّا بمحذوف أي: تسكن من الرهب وقرأ حفص بفتح الراء وإسكان الهاء. والأخوان وابن عامر وأبو بكر بالضم والإسكان، والباقون بفتحتين، والحسن وعيسى والجحدري وقتادة بضمتين وكلها لغات بمعنى الخوف وقيل هو بفتحتين الكُمُّ بلغة حمير وحنيفة، قال الزمخشري «هُومن بدِع التفاسير» قال: وليست شعري كيف صحته في اللغة، وهل سُمِعَ من الثقات الأثبات التي تُرْتَضى عربيتهم، أم ليت شعري كيف موقعه في الآية، وكيف تطبيقه المفضل كسائر كلمات التنزيل، على أن موسى صلوات الله عليه ليلة المناجاة ما كان عليه إلاَّ زُرْمانِقَة من صُوفٍ لا كُمّ لها. الزُّرمانقة: المدرعةُ. قال أبو حيان: هذا مروي عن الأصمعي، وهو ثقة، سمعتهم يقولون أعطني ما في رهبك أي كُمِّكَ، وأما قوله: كيف موقعه؟ فقالوا: معناه: أخرج يدكّ من كُمِّكَ. قال سهاب الدين: كيف يستقيم هذا التفسير، يُفَسِّرُون «اضْمُمْ» بمعنى أَخْرِج. وقال الزمخشري: فإن قُلْتَ: قد جعل الجناح وهو اليَدُ في أحد الموضعين مضموماً، وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ وقوله ﴿واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾ [طه: 22] فما التوفيق بينهما؟ قلت: المراد بالجناح المضموم: هو اليد اليمنى، وبالجناح المضموم إليه هو اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح. فصل قال الزمخشري: في ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ معنيان: أحدهما: أنّ موسى عليه السلام لمَّا قلب الله له العصا حيَّةً فزع واضطر واتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إنَّ اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتنا وقد انقلبت حية فأدخل يدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما منه غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد، لأن يد الإنسان بمنزلة جناح الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد اليسرى، فقد ضم جناحه إليه. (الثاني: أن يراد بضم جناح ة تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حيَّة حتى لا يضطرب) ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نَشَرَ جناحية وأرخاهُما، وإلا فجناحاه منضمان إليه مستمران ومعنى قوله «مِنَ الرَّهْب» أي: من أجل الرهب إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك (ومعنى ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ ) وقوله «اسْلُكْ يَدَكَ» على أحد التفسيرين واحد، وإنما خُولِفَ بين العبارتين وكرَّر المعنى لاختلاف الغرضين، وذلك أنَّ الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب. قال البغوي: المعنى إذا هَالَك أمر يدك وما ترى من شعاعها، فأدخِلْها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، والجناح اليد كلها وقيل: العضد. وقال عطاء عن ابن عباس: مره الله (أن يَضُمَّ) يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية. وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وقال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع، وقيل: المراد من ضم الجناح السكون، أي: سكّن روعَك واحفظ عليك جأشك، لأن من شأن الخائف أن يضطرب عليه قلبه وترتعد يداه، ومثله قوله: ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل﴾ [ الإسراء: 24] يريد: المرفق، وقوله: ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك﴾ [الشعراء: 215] أي: أرفق بهم وأَلِنْ جانبك لهم، وقال الفراء: أراد بالجناح العصا، معناه: واضمُمْ إليك عَصَاك. قوله: «فَذانك» تقدم قراءة التخفيف والتثقيل في النساء، وقرأ ابن مسعود وعيسى وشبل وأبو نوفل بياء بعد نون مكسورة، وهي لغة هذيل، وقيل تميم، وروى شبل عن كثير بياء بعد نون مفتوحة، وهذا على لغة من يفتح نون التثنية، كقوله: 3994 - عَلَى أَحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً ... فَمَا هِيَ إِلاَّ لَمْحَةٌ وتغِيبُ والياء بدل من إحدى النونين (كَتَظَنَّيْتُ) . وقرأ عبد الله بتشديد النون وياء بعدها، ونسبت لهذيل. قال المهدوي: بل لغتهم تخفيفها، وكأن الكسرة هنا إشباع كقراءة هشام ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 37] . «ذَانِكَ» إشارة إلى العصا واليد، وهما مؤنثتان، وإنما ذكَّر ما أشير به إليهما لتذكير خبرهما وهو «بُرْهَانَان» ، كما أنه قد يؤنث لتأنيث خبره كقراءة ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الأنعام: 23] فيمن أَنَّثَ ونثب «فِتْنَتُهُمْ» وكذا قوله: 3995 - وَقَدْ خَابَ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ الغَدْرُ ... وتقدم إيضاح هذا في الأنعام. والبرهان تقدم اشتقاقه، وهو الحجة، وقال الزمخشري هنا: فإنت قُلتَ: لم سميت الحجةُ برهاناً؟ قلت: لبياضها وإنارتها من قولهم (للمرأة البياض) برهرهة، بتكرير العين واللام، والدليل على زيادة النون قولهم أَبْره الرجلُ إذا جاء بالبرهان، ونظيره تسميتهم إياها سلطاناً من السَّليط وهو الزيت لإنارتها. قوله «إلَى فِرْعَوْنَ» متعلق بمحذوف، فقدره أبو البقاء مرسلاً إلى فرعون، وغيره: اذْهَب إلى فرعون، وهذا المقدر ينبغي أن يكون حالاً من «بُرْهَانَانِ» أي: مرسلاً بهما إلى فرعون، والعامل في هذه الحال ما في اسم الإشارة.

القصص 28:33

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ اعلم أنه تعالى لمَّا قال: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [القصص: 32] تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه، فعند ذلك طلب من يقوِّي قلبه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ ، لأنه كان في لسانه حبسة إما في أصل الخلقة وإما لأنه وضع الجمرة في فيه عندما (نتف لحية) فرعون. قوله «هُوَ أَفْصَحُ» الفصاحة لغةً الخلوصُ، ومنه: فصُحَ وأَفْصَحَ فهو مفصِحٌ وفصيحٌ، أي: خلُصَ من الرِّغوة، ومنه قولهم: 3996 - وَتَحْتَ الرِّغْوَةِ اللَّبَنُ الفَصِيحُ ... ومنه: فصُحَ الرَّجُلُ جادت لغته، وأفصح: تكلَّم بالعربية، وقيل: بالعكس، وقيل: الفصيح، الذي ينطق، والأعجم: الذي لا ينطق، ومنهذا استعير أَفصحَ الصُّبحُ، أي: بَدَا ضوؤُهُ، وأفصح النصراني: دنا فصحُه بكسر الفاء، وهو يعد لهم. وأما في اصطلاح أهل البيان، فهو خُلُوص الكلمة من تنافر الحروف، كقوله: تَرَعَى الهُعْخُعَ، ومن الغرابة كقوله: 3997 - وَمَرْسِناً مُسَرَّجَا ... ومن مخالفة القياس اللُّغوي كقوله: 3998 - العَلِيِّ الأَجْلَلِ ... وخلوص الكلام منن ضعف التأليف كقوله: 3999 - جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ... ومن تنافر الكلمات كقوله: 4000 - وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانِ قَفْرٍ ... وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ ومن التعقيد وهو إما إخلال نظم الكلامفلا يُدْرَى كيف يتوصل إلى معناه، كقوله: 4001 - وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إلاَّ مُمَلَّكاً ... أبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُه وإما عدم انتقال الذهب من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو لازمه والمراد به ظاهِر كقوله: 4002 - سَأَطْلُبُ بَعْدَ الدَّارَ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا ... وَتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدُّمُوعَ لِتَجْمُدَا وخلوص (المتكلم من) النطق بجميع ذلك، فصارت الفصاحة يوصف بها ثلاثة أشياء: الكلمةُ والكلامُ والمتكلمُ، بخلاف البلاغة فإنه لا يوصف بها إلا الأخيران، وهذا ليس (موضع) إيضاحه وإنما ذكرناه تنبيهاً على أصله، ولساناً: تمييز. قوله «رَِدْءاً» (منصوب) على الحال، والرِّدْءُ: العَوْنُ وهو فعل بمعنى مفعول كالدِّفْ بمعنى المدفوء به، وَرَدَأتُهُ على عدوه أي: أَعنتُهُ عليه، وردأْتُ الحائط: دعمتُهُ خشبةٍ لِئلاً يسقط، وقال النحاس: يقال: رَدَأْتُهُ وَأَرْدَأْتُهُ، وقال سلامة بن جندل: 4003 - وَرِدْئِي كل أَبْيَضَ مَشْرَفيٍّ ... شَحِيذَ الحدِّ أبيض ذِي فُلُولِ وقال آخر: 4004 - ألم تر أنَّ َصْرَمَ كان رِدْئِي ... وَخَيْرُ النَّاسِ في قُلٍّ ومَالِ وقرأ نافع بغير همزة «رِداً» بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ينوِّنْه، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونافع ليس من قاعدته النقل في كلمة إلاَّ هُنا، وقيل: ليس نَقْلٌ وإنما هو من أردى على كذا، أي: زَادَ، قال: 4005 - وَأَسْمَرَ خَطِّيّاً كَأَنَّ كُعُوبَهُ ... نَوَى القَسْبِ قَدْ أَرْدَى ذِرَاعاً على العَشْرِ أي: زاد، وأنشده الجوهري (قد أَرْبَى) ، وهو بمعناه. قوله: «يُصَدِّقُنِي» قرأ حمزة وعاصم بالرفع على الاستئناف أو الصفة ل «رِدْءاً» أو الحال من (هاء) «أَرْسِلْهُ» ، أو من الضمير في «رِدْءاً» ، أي: مصدِّقاً، والباقون بالجزم جواباً للأمر، وزيد بن علي وأُبيّ «يُصَدِّقُونِي» ، أي: فرعون وملأه، قال ابن خالويه: هذا شاهد لِمَنْ جزم، لأنه لو كان رفعاً، لقال: «يُصَدِّقُونَنِي» . يعني بنونين، وهذا سهو من ابن خالويه، لأنه متى اجتمعت نون الرفع مع نون الوقاية جازت أوجه: أحدها: الحذف، فهذا يجوز أن يكون مرفوعاً، وحذفت نونه، فمن رفع القاف فالتقدير ردءاً يصدقين، ومن جزم كان على معنى الجزاء، يعني: إن أرسلته صدَّقني، ونظيره: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي﴾ [مريم: 5 - 6] ، وروى السُّدِّي عن بعض شيوخه: ﴿رداءاً كَيْمَا يُصَدِّقني﴾ . والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يُصدِّقنِي فرعون ﴿إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ يعني فرعون وقومه، وقال ابن الخطيب: ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت أو يقول الناس: صَدَقَ مُوسَى، وإنما هو أن يخلص بلسانه الفصيح وجوه الدلائلِ ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد ألا ترى إلى قوله ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ﴾ ، وفائدة الفصاحة إنما تظهر فيما ذكرناه لا مجرد قوله: «صَدقت» . فصل قال السُّدِّيّ: إنَّ نبيَّيْن وآيتين أقوى من نبيٍّ واحدٍ وآية واحدة قال القاضي: والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأمَّا مِنْ حيث الدلالة فلا فرق بين معجز ومعجزين. قوله «عَضُدَكَ» العامة على فتح العين وضم الضاد، والحسن وزيد بن علي (بضمهما) وعن الحسن بضمة وسكون، وعيسى بفتحهما، وبعضهم بفتح العين وكسر الضاد، وفيه لغة سادسة فتح العين وسكون الضاد، وهذا كناية عن التقوية له بأخيه وكان هارون يومئذ بمصر. قوله ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً﴾ أي: حُجَّةً وبرهاناً ﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ . فإن قيل: بيَّن تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات، أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة؟ فإن كانت هذه الآيات ظاهرة فالجواب: أن الآية التي هي قلب العصا حيَّة كما أنها معجزة فهي أيضاً تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهارون، لأنهم علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة، وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم زجرهُم ذلك عن الإقدام عليها، فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره وصارت آية ومعجزة وجمعت بين الأمرين، وأما صلب السَّحرة ففيه خلاف، فقيل: إنهم ما صُلِبوا، وليس في القرآن ما يدل على ذلك، وإن سلم فوصول الضرر لغيرهما لا يقدح في عدم الوصول إليهما. قوله: «بآياتِنَا» يجوز فيه أوجه أن يتعلق ب «نَجْعَلُ» أو ب «يَصِلُونَ» أو بمحذوف أي: اذهبا، أو على البيان فيتعلق بمحذوف أيضاً، أو ب «الغَالِبُونَ» على أن (أل) ليس موصولة أو موصُولة، واتِّسع فيه ما لا يتسع في غيره، أو قسمٌ وجوابه متقدم، وهو «فَلاَ يَصِلُونَ» ، أو من لغو القسم، قالهما الزمخشري، ورد عليه أبو حيان بأن جواب القسم لا تدخله الفاء عند الجمهور. ويريد: بلغو القسم أن جوابه محذوف أي: وحقّ آياتِنَا لَتَغْلِبُنَّ، ثم قال: ﴿أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون﴾ أي: لكما ولأتباعكما الغلبة. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم موسى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات وقد تقدم كيفية إطلاق لفظ الآيات - وهو جمع - على العصا واليد في سورة طه. ﴿قَالُواْ مَا هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ مختلق، ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم، وهو قولهم ﴿وَمَا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين﴾ أي: ما حُدِّثنا بهذا الذي تدعونا إليه. قوله: «وقَالَ مُوسَى» هذه قراءة العامة بإثبات واو العطف، وابن كثير حذفها. وكل وافق مصحفه، فإنها ثابتة في المصاحف غير مصحف مكة؛ وإثباتها وحذفها واضحان، وهو الذي يسميه أهل البيان: الوَصْلُ والفَصْلُ. قوله ﴿ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بالهدى مِنْ عِندِهِ﴾ بالمحق من المبطل. قوله: «وَمَنْ تَكُونُ» قرأ العامة «تكون» بالتأنيث، و «لَهُ» خبرها، و «عَاقِبَةُ» اسمها، ويجوز أن يكون اسمها ضمير القصة، والتأنيث لأجل ذلك. و ﴿لَهُ عَاقِبَةُ الدار﴾ جملة في موضع الخبر، وقرىء بالياء من تحت على أن تكون «عَاقِبَةُ» اسمها، والتذكير للفصل، ولأنه تأنيث مجازي، ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة خبر كما تقدم، ويجوزُ أن تكون تامة وفيها ضمير يرجع إلى «مَنْ» والجملة في موضع الحال، ويجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير «مَنْ» والجملة خبرها، والمعنى: «مَنْ يَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ» أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة لقوله تعالى: ﴿أولئك لَهُمْ عقبى الدار جَنَّاتٌ عَدْنٍ﴾ [الرعد: 22 - 23] ، والمراد من الدار: الدُّنيا. وعاقبتها وعقباها أنْ يُخْتَم للعبد بالرحمة والرضوان، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ ، أي: الكافرون.

القصص 28:34

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ اعلم أنه تعالى لمَّا قال: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [القصص: 32] تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه، فعند ذلك طلب من يقوِّي قلبه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ ، لأنه كان في لسانه حبسة إما في أصل الخلقة وإما لأنه وضع الجمرة في فيه عندما (نتف لحية) فرعون. قوله «هُوَ أَفْصَحُ» الفصاحة لغةً الخلوصُ، ومنه: فصُحَ وأَفْصَحَ فهو مفصِحٌ وفصيحٌ، أي: خلُصَ من الرِّغوة، ومنه قولهم: 3996 - وَتَحْتَ الرِّغْوَةِ اللَّبَنُ الفَصِيحُ ... ومنه: فصُحَ الرَّجُلُ جادت لغته، وأفصح: تكلَّم بالعربية، وقيل: بالعكس، وقيل: الفصيح، الذي ينطق، والأعجم: الذي لا ينطق، ومنهذا استعير أَفصحَ الصُّبحُ، أي: بَدَا ضوؤُهُ، وأفصح النصراني: دنا فصحُه بكسر الفاء، وهو يعد لهم. وأما في اصطلاح أهل البيان، فهو خُلُوص الكلمة من تنافر الحروف، كقوله: تَرَعَى الهُعْخُعَ، ومن الغرابة كقوله: 3997 - وَمَرْسِناً مُسَرَّجَا ... ومن مخالفة القياس اللُّغوي كقوله: 3998 - العَلِيِّ الأَجْلَلِ ... وخلوص الكلام منن ضعف التأليف كقوله: 3999 - جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ... ومن تنافر الكلمات كقوله: 4000 - وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانِ قَفْرٍ ... وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ ومن التعقيد وهو إما إخلال نظم الكلامفلا يُدْرَى كيف يتوصل إلى معناه، كقوله: 4001 - وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إلاَّ مُمَلَّكاً ... أبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُه وإما عدم انتقال الذهب من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو لازمه والمراد به ظاهِر كقوله: 4002 - سَأَطْلُبُ بَعْدَ الدَّارَ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا ... وَتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدُّمُوعَ لِتَجْمُدَا وخلوص (المتكلم من) النطق بجميع ذلك، فصارت الفصاحة يوصف بها ثلاثة أشياء: الكلمةُ والكلامُ والمتكلمُ، بخلاف البلاغة فإنه لا يوصف بها إلا الأخيران، وهذا ليس (موضع) إيضاحه وإنما ذكرناه تنبيهاً على أصله، ولساناً: تمييز. قوله «رَِدْءاً» (منصوب) على الحال، والرِّدْءُ: العَوْنُ وهو فعل بمعنى مفعول كالدِّفْ بمعنى المدفوء به، وَرَدَأتُهُ على عدوه أي: أَعنتُهُ عليه، وردأْتُ الحائط: دعمتُهُ خشبةٍ لِئلاً يسقط، وقال النحاس: يقال: رَدَأْتُهُ وَأَرْدَأْتُهُ، وقال سلامة بن جندل: 4003 - وَرِدْئِي كل أَبْيَضَ مَشْرَفيٍّ ... شَحِيذَ الحدِّ أبيض ذِي فُلُولِ وقال آخر: 4004 - ألم تر أنَّ َصْرَمَ كان رِدْئِي ... وَخَيْرُ النَّاسِ في قُلٍّ ومَالِ وقرأ نافع بغير همزة «رِداً» بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ينوِّنْه، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونافع ليس من قاعدته النقل في كلمة إلاَّ هُنا، وقيل: ليس نَقْلٌ وإنما هو من أردى على كذا، أي: زَادَ، قال: 4005 - وَأَسْمَرَ خَطِّيّاً كَأَنَّ كُعُوبَهُ ... نَوَى القَسْبِ قَدْ أَرْدَى ذِرَاعاً على العَشْرِ أي: زاد، وأنشده الجوهري (قد أَرْبَى) ، وهو بمعناه. قوله: «يُصَدِّقُنِي» قرأ حمزة وعاصم بالرفع على الاستئناف أو الصفة ل «رِدْءاً» أو الحال من (هاء) «أَرْسِلْهُ» ، أو من الضمير في «رِدْءاً» ، أي: مصدِّقاً، والباقون بالجزم جواباً للأمر، وزيد بن علي وأُبيّ «يُصَدِّقُونِي» ، أي: فرعون وملأه، قال ابن خالويه: هذا شاهد لِمَنْ جزم، لأنه لو كان رفعاً، لقال: «يُصَدِّقُونَنِي» . يعني بنونين، وهذا سهو من ابن خالويه، لأنه متى اجتمعت نون الرفع مع نون الوقاية جازت أوجه: أحدها: الحذف، فهذا يجوز أن يكون مرفوعاً، وحذفت نونه، فمن رفع القاف فالتقدير ردءاً يصدقين، ومن جزم كان على معنى الجزاء، يعني: إن أرسلته صدَّقني، ونظيره: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي﴾ [مريم: 5 - 6] ، وروى السُّدِّي عن بعض شيوخه: ﴿رداءاً كَيْمَا يُصَدِّقني﴾ . والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يُصدِّقنِي فرعون ﴿إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ يعني فرعون وقومه، وقال ابن الخطيب: ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت أو يقول الناس: صَدَقَ مُوسَى، وإنما هو أن يخلص بلسانه الفصيح وجوه الدلائلِ ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد ألا ترى إلى قوله ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ﴾ ، وفائدة الفصاحة إنما تظهر فيما ذكرناه لا مجرد قوله: «صَدقت» . فصل قال السُّدِّيّ: إنَّ نبيَّيْن وآيتين أقوى من نبيٍّ واحدٍ وآية واحدة قال القاضي: والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأمَّا مِنْ حيث الدلالة فلا فرق بين معجز ومعجزين. قوله «عَضُدَكَ» العامة على فتح العين وضم الضاد، والحسن وزيد بن علي (بضمهما) وعن الحسن بضمة وسكون، وعيسى بفتحهما، وبعضهم بفتح العين وكسر الضاد، وفيه لغة سادسة فتح العين وسكون الضاد، وهذا كناية عن التقوية له بأخيه وكان هارون يومئذ بمصر. قوله ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً﴾ أي: حُجَّةً وبرهاناً ﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ . فإن قيل: بيَّن تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات، أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة؟ فإن كانت هذه الآيات ظاهرة فالجواب: أن الآية التي هي قلب العصا حيَّة كما أنها معجزة فهي أيضاً تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهارون، لأنهم علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة، وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم زجرهُم ذلك عن الإقدام عليها، فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره وصارت آية ومعجزة وجمعت بين الأمرين، وأما صلب السَّحرة ففيه خلاف، فقيل: إنهم ما صُلِبوا، وليس في القرآن ما يدل على ذلك، وإن سلم فوصول الضرر لغيرهما لا يقدح في عدم الوصول إليهما. قوله: «بآياتِنَا» يجوز فيه أوجه أن يتعلق ب «نَجْعَلُ» أو ب «يَصِلُونَ» أو بمحذوف أي: اذهبا، أو على البيان فيتعلق بمحذوف أيضاً، أو ب «الغَالِبُونَ» على أن (أل) ليس موصولة أو موصُولة، واتِّسع فيه ما لا يتسع في غيره، أو قسمٌ وجوابه متقدم، وهو «فَلاَ يَصِلُونَ» ، أو من لغو القسم، قالهما الزمخشري، ورد عليه أبو حيان بأن جواب القسم لا تدخله الفاء عند الجمهور. ويريد: بلغو القسم أن جوابه محذوف أي: وحقّ آياتِنَا لَتَغْلِبُنَّ، ثم قال: ﴿أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون﴾ أي: لكما ولأتباعكما الغلبة. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم موسى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات وقد تقدم كيفية إطلاق لفظ الآيات - وهو جمع - على العصا واليد في سورة طه. ﴿قَالُواْ مَا هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ مختلق، ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم، وهو قولهم ﴿وَمَا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين﴾ أي: ما حُدِّثنا بهذا الذي تدعونا إليه. قوله: «وقَالَ مُوسَى» هذه قراءة العامة بإثبات واو العطف، وابن كثير حذفها. وكل وافق مصحفه، فإنها ثابتة في المصاحف غير مصحف مكة؛ وإثباتها وحذفها واضحان، وهو الذي يسميه أهل البيان: الوَصْلُ والفَصْلُ. قوله ﴿ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بالهدى مِنْ عِندِهِ﴾ بالمحق من المبطل. قوله: «وَمَنْ تَكُونُ» قرأ العامة «تكون» بالتأنيث، و «لَهُ» خبرها، و «عَاقِبَةُ» اسمها، ويجوز أن يكون اسمها ضمير القصة، والتأنيث لأجل ذلك. و ﴿لَهُ عَاقِبَةُ الدار﴾ جملة في موضع الخبر، وقرىء بالياء من تحت على أن تكون «عَاقِبَةُ» اسمها، والتذكير للفصل، ولأنه تأنيث مجازي، ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة خبر كما تقدم، ويجوزُ أن تكون تامة وفيها ضمير يرجع إلى «مَنْ» والجملة في موضع الحال، ويجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير «مَنْ» والجملة خبرها، والمعنى: «مَنْ يَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ» أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة لقوله تعالى: ﴿أولئك لَهُمْ عقبى الدار جَنَّاتٌ عَدْنٍ﴾ [الرعد: 22 - 23] ، والمراد من الدار: الدُّنيا. وعاقبتها وعقباها أنْ يُخْتَم للعبد بالرحمة والرضوان، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ ، أي: الكافرون.

القصص 28:35

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ اعلم أنه تعالى لمَّا قال: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [القصص: 32] تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه، فعند ذلك طلب من يقوِّي قلبه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ ، لأنه كان في لسانه حبسة إما في أصل الخلقة وإما لأنه وضع الجمرة في فيه عندما (نتف لحية) فرعون. قوله «هُوَ أَفْصَحُ» الفصاحة لغةً الخلوصُ، ومنه: فصُحَ وأَفْصَحَ فهو مفصِحٌ وفصيحٌ، أي: خلُصَ من الرِّغوة، ومنه قولهم: 3996 - وَتَحْتَ الرِّغْوَةِ اللَّبَنُ الفَصِيحُ ... ومنه: فصُحَ الرَّجُلُ جادت لغته، وأفصح: تكلَّم بالعربية، وقيل: بالعكس، وقيل: الفصيح، الذي ينطق، والأعجم: الذي لا ينطق، ومنهذا استعير أَفصحَ الصُّبحُ، أي: بَدَا ضوؤُهُ، وأفصح النصراني: دنا فصحُه بكسر الفاء، وهو يعد لهم. وأما في اصطلاح أهل البيان، فهو خُلُوص الكلمة من تنافر الحروف، كقوله: تَرَعَى الهُعْخُعَ، ومن الغرابة كقوله: 3997 - وَمَرْسِناً مُسَرَّجَا ... ومن مخالفة القياس اللُّغوي كقوله: 3998 - العَلِيِّ الأَجْلَلِ ... وخلوص الكلام منن ضعف التأليف كقوله: 3999 - جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ... ومن تنافر الكلمات كقوله: 4000 - وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانِ قَفْرٍ ... وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ ومن التعقيد وهو إما إخلال نظم الكلامفلا يُدْرَى كيف يتوصل إلى معناه، كقوله: 4001 - وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إلاَّ مُمَلَّكاً ... أبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُه وإما عدم انتقال الذهب من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو لازمه والمراد به ظاهِر كقوله: 4002 - سَأَطْلُبُ بَعْدَ الدَّارَ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا ... وَتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدُّمُوعَ لِتَجْمُدَا وخلوص (المتكلم من) النطق بجميع ذلك، فصارت الفصاحة يوصف بها ثلاثة أشياء: الكلمةُ والكلامُ والمتكلمُ، بخلاف البلاغة فإنه لا يوصف بها إلا الأخيران، وهذا ليس (موضع) إيضاحه وإنما ذكرناه تنبيهاً على أصله، ولساناً: تمييز. قوله «رَِدْءاً» (منصوب) على الحال، والرِّدْءُ: العَوْنُ وهو فعل بمعنى مفعول كالدِّفْ بمعنى المدفوء به، وَرَدَأتُهُ على عدوه أي: أَعنتُهُ عليه، وردأْتُ الحائط: دعمتُهُ خشبةٍ لِئلاً يسقط، وقال النحاس: يقال: رَدَأْتُهُ وَأَرْدَأْتُهُ، وقال سلامة بن جندل: 4003 - وَرِدْئِي كل أَبْيَضَ مَشْرَفيٍّ ... شَحِيذَ الحدِّ أبيض ذِي فُلُولِ وقال آخر: 4004 - ألم تر أنَّ َصْرَمَ كان رِدْئِي ... وَخَيْرُ النَّاسِ في قُلٍّ ومَالِ وقرأ نافع بغير همزة «رِداً» بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ينوِّنْه، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونافع ليس من قاعدته النقل في كلمة إلاَّ هُنا، وقيل: ليس نَقْلٌ وإنما هو من أردى على كذا، أي: زَادَ، قال: 4005 - وَأَسْمَرَ خَطِّيّاً كَأَنَّ كُعُوبَهُ ... نَوَى القَسْبِ قَدْ أَرْدَى ذِرَاعاً على العَشْرِ أي: زاد، وأنشده الجوهري (قد أَرْبَى) ، وهو بمعناه. قوله: «يُصَدِّقُنِي» قرأ حمزة وعاصم بالرفع على الاستئناف أو الصفة ل «رِدْءاً» أو الحال من (هاء) «أَرْسِلْهُ» ، أو من الضمير في «رِدْءاً» ، أي: مصدِّقاً، والباقون بالجزم جواباً للأمر، وزيد بن علي وأُبيّ «يُصَدِّقُونِي» ، أي: فرعون وملأه، قال ابن خالويه: هذا شاهد لِمَنْ جزم، لأنه لو كان رفعاً، لقال: «يُصَدِّقُونَنِي» . يعني بنونين، وهذا سهو من ابن خالويه، لأنه متى اجتمعت نون الرفع مع نون الوقاية جازت أوجه: أحدها: الحذف، فهذا يجوز أن يكون مرفوعاً، وحذفت نونه، فمن رفع القاف فالتقدير ردءاً يصدقين، ومن جزم كان على معنى الجزاء، يعني: إن أرسلته صدَّقني، ونظيره: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي﴾ [مريم: 5 - 6] ، وروى السُّدِّي عن بعض شيوخه: ﴿رداءاً كَيْمَا يُصَدِّقني﴾ . والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يُصدِّقنِي فرعون ﴿إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ يعني فرعون وقومه، وقال ابن الخطيب: ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت أو يقول الناس: صَدَقَ مُوسَى، وإنما هو أن يخلص بلسانه الفصيح وجوه الدلائلِ ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد ألا ترى إلى قوله ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ﴾ ، وفائدة الفصاحة إنما تظهر فيما ذكرناه لا مجرد قوله: «صَدقت» . فصل قال السُّدِّيّ: إنَّ نبيَّيْن وآيتين أقوى من نبيٍّ واحدٍ وآية واحدة قال القاضي: والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأمَّا مِنْ حيث الدلالة فلا فرق بين معجز ومعجزين. قوله «عَضُدَكَ» العامة على فتح العين وضم الضاد، والحسن وزيد بن علي (بضمهما) وعن الحسن بضمة وسكون، وعيسى بفتحهما، وبعضهم بفتح العين وكسر الضاد، وفيه لغة سادسة فتح العين وسكون الضاد، وهذا كناية عن التقوية له بأخيه وكان هارون يومئذ بمصر. قوله ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً﴾ أي: حُجَّةً وبرهاناً ﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ . فإن قيل: بيَّن تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات، أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة؟ فإن كانت هذه الآيات ظاهرة فالجواب: أن الآية التي هي قلب العصا حيَّة كما أنها معجزة فهي أيضاً تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهارون، لأنهم علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة، وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم زجرهُم ذلك عن الإقدام عليها، فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره وصارت آية ومعجزة وجمعت بين الأمرين، وأما صلب السَّحرة ففيه خلاف، فقيل: إنهم ما صُلِبوا، وليس في القرآن ما يدل على ذلك، وإن سلم فوصول الضرر لغيرهما لا يقدح في عدم الوصول إليهما. قوله: «بآياتِنَا» يجوز فيه أوجه أن يتعلق ب «نَجْعَلُ» أو ب «يَصِلُونَ» أو بمحذوف أي: اذهبا، أو على البيان فيتعلق بمحذوف أيضاً، أو ب «الغَالِبُونَ» على أن (أل) ليس موصولة أو موصُولة، واتِّسع فيه ما لا يتسع في غيره، أو قسمٌ وجوابه متقدم، وهو «فَلاَ يَصِلُونَ» ، أو من لغو القسم، قالهما الزمخشري، ورد عليه أبو حيان بأن جواب القسم لا تدخله الفاء عند الجمهور. ويريد: بلغو القسم أن جوابه محذوف أي: وحقّ آياتِنَا لَتَغْلِبُنَّ، ثم قال: ﴿أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون﴾ أي: لكما ولأتباعكما الغلبة. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم موسى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات وقد تقدم كيفية إطلاق لفظ الآيات - وهو جمع - على العصا واليد في سورة طه. ﴿قَالُواْ مَا هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ مختلق، ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم، وهو قولهم ﴿وَمَا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين﴾ أي: ما حُدِّثنا بهذا الذي تدعونا إليه. قوله: «وقَالَ مُوسَى» هذه قراءة العامة بإثبات واو العطف، وابن كثير حذفها. وكل وافق مصحفه، فإنها ثابتة في المصاحف غير مصحف مكة؛ وإثباتها وحذفها واضحان، وهو الذي يسميه أهل البيان: الوَصْلُ والفَصْلُ. قوله ﴿ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بالهدى مِنْ عِندِهِ﴾ بالمحق من المبطل. قوله: «وَمَنْ تَكُونُ» قرأ العامة «تكون» بالتأنيث، و «لَهُ» خبرها، و «عَاقِبَةُ» اسمها، ويجوز أن يكون اسمها ضمير القصة، والتأنيث لأجل ذلك. و ﴿لَهُ عَاقِبَةُ الدار﴾ جملة في موضع الخبر، وقرىء بالياء من تحت على أن تكون «عَاقِبَةُ» اسمها، والتذكير للفصل، ولأنه تأنيث مجازي، ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة خبر كما تقدم، ويجوزُ أن تكون تامة وفيها ضمير يرجع إلى «مَنْ» والجملة في موضع الحال، ويجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير «مَنْ» والجملة خبرها، والمعنى: «مَنْ يَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ» أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة لقوله تعالى: ﴿أولئك لَهُمْ عقبى الدار جَنَّاتٌ عَدْنٍ﴾ [الرعد: 22 - 23] ، والمراد من الدار: الدُّنيا. وعاقبتها وعقباها أنْ يُخْتَم للعبد بالرحمة والرضوان، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ ، أي: الكافرون.

القصص 28:36

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ اعلم أنه تعالى لمَّا قال: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [القصص: 32] تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه، فعند ذلك طلب من يقوِّي قلبه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ ، لأنه كان في لسانه حبسة إما في أصل الخلقة وإما لأنه وضع الجمرة في فيه عندما (نتف لحية) فرعون. قوله «هُوَ أَفْصَحُ» الفصاحة لغةً الخلوصُ، ومنه: فصُحَ وأَفْصَحَ فهو مفصِحٌ وفصيحٌ، أي: خلُصَ من الرِّغوة، ومنه قولهم: 3996 - وَتَحْتَ الرِّغْوَةِ اللَّبَنُ الفَصِيحُ ... ومنه: فصُحَ الرَّجُلُ جادت لغته، وأفصح: تكلَّم بالعربية، وقيل: بالعكس، وقيل: الفصيح، الذي ينطق، والأعجم: الذي لا ينطق، ومنهذا استعير أَفصحَ الصُّبحُ، أي: بَدَا ضوؤُهُ، وأفصح النصراني: دنا فصحُه بكسر الفاء، وهو يعد لهم. وأما في اصطلاح أهل البيان، فهو خُلُوص الكلمة من تنافر الحروف، كقوله: تَرَعَى الهُعْخُعَ، ومن الغرابة كقوله: 3997 - وَمَرْسِناً مُسَرَّجَا ... ومن مخالفة القياس اللُّغوي كقوله: 3998 - العَلِيِّ الأَجْلَلِ ... وخلوص الكلام منن ضعف التأليف كقوله: 3999 - جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ... ومن تنافر الكلمات كقوله: 4000 - وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانِ قَفْرٍ ... وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ ومن التعقيد وهو إما إخلال نظم الكلامفلا يُدْرَى كيف يتوصل إلى معناه، كقوله: 4001 - وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إلاَّ مُمَلَّكاً ... أبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُه وإما عدم انتقال الذهب من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو لازمه والمراد به ظاهِر كقوله: 4002 - سَأَطْلُبُ بَعْدَ الدَّارَ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا ... وَتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدُّمُوعَ لِتَجْمُدَا وخلوص (المتكلم من) النطق بجميع ذلك، فصارت الفصاحة يوصف بها ثلاثة أشياء: الكلمةُ والكلامُ والمتكلمُ، بخلاف البلاغة فإنه لا يوصف بها إلا الأخيران، وهذا ليس (موضع) إيضاحه وإنما ذكرناه تنبيهاً على أصله، ولساناً: تمييز. قوله «رَِدْءاً» (منصوب) على الحال، والرِّدْءُ: العَوْنُ وهو فعل بمعنى مفعول كالدِّفْ بمعنى المدفوء به، وَرَدَأتُهُ على عدوه أي: أَعنتُهُ عليه، وردأْتُ الحائط: دعمتُهُ خشبةٍ لِئلاً يسقط، وقال النحاس: يقال: رَدَأْتُهُ وَأَرْدَأْتُهُ، وقال سلامة بن جندل: 4003 - وَرِدْئِي كل أَبْيَضَ مَشْرَفيٍّ ... شَحِيذَ الحدِّ أبيض ذِي فُلُولِ وقال آخر: 4004 - ألم تر أنَّ َصْرَمَ كان رِدْئِي ... وَخَيْرُ النَّاسِ في قُلٍّ ومَالِ وقرأ نافع بغير همزة «رِداً» بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ينوِّنْه، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونافع ليس من قاعدته النقل في كلمة إلاَّ هُنا، وقيل: ليس نَقْلٌ وإنما هو من أردى على كذا، أي: زَادَ، قال: 4005 - وَأَسْمَرَ خَطِّيّاً كَأَنَّ كُعُوبَهُ ... نَوَى القَسْبِ قَدْ أَرْدَى ذِرَاعاً على العَشْرِ أي: زاد، وأنشده الجوهري (قد أَرْبَى) ، وهو بمعناه. قوله: «يُصَدِّقُنِي» قرأ حمزة وعاصم بالرفع على الاستئناف أو الصفة ل «رِدْءاً» أو الحال من (هاء) «أَرْسِلْهُ» ، أو من الضمير في «رِدْءاً» ، أي: مصدِّقاً، والباقون بالجزم جواباً للأمر، وزيد بن علي وأُبيّ «يُصَدِّقُونِي» ، أي: فرعون وملأه، قال ابن خالويه: هذا شاهد لِمَنْ جزم، لأنه لو كان رفعاً، لقال: «يُصَدِّقُونَنِي» . يعني بنونين، وهذا سهو من ابن خالويه، لأنه متى اجتمعت نون الرفع مع نون الوقاية جازت أوجه: أحدها: الحذف، فهذا يجوز أن يكون مرفوعاً، وحذفت نونه، فمن رفع القاف فالتقدير ردءاً يصدقين، ومن جزم كان على معنى الجزاء، يعني: إن أرسلته صدَّقني، ونظيره: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي﴾ [مريم: 5 - 6] ، وروى السُّدِّي عن بعض شيوخه: ﴿رداءاً كَيْمَا يُصَدِّقني﴾ . والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يُصدِّقنِي فرعون ﴿إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ يعني فرعون وقومه، وقال ابن الخطيب: ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت أو يقول الناس: صَدَقَ مُوسَى، وإنما هو أن يخلص بلسانه الفصيح وجوه الدلائلِ ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد ألا ترى إلى قوله ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ﴾ ، وفائدة الفصاحة إنما تظهر فيما ذكرناه لا مجرد قوله: «صَدقت» . فصل قال السُّدِّيّ: إنَّ نبيَّيْن وآيتين أقوى من نبيٍّ واحدٍ وآية واحدة قال القاضي: والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأمَّا مِنْ حيث الدلالة فلا فرق بين معجز ومعجزين. قوله «عَضُدَكَ» العامة على فتح العين وضم الضاد، والحسن وزيد بن علي (بضمهما) وعن الحسن بضمة وسكون، وعيسى بفتحهما، وبعضهم بفتح العين وكسر الضاد، وفيه لغة سادسة فتح العين وسكون الضاد، وهذا كناية عن التقوية له بأخيه وكان هارون يومئذ بمصر. قوله ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً﴾ أي: حُجَّةً وبرهاناً ﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ . فإن قيل: بيَّن تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات، أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة؟ فإن كانت هذه الآيات ظاهرة فالجواب: أن الآية التي هي قلب العصا حيَّة كما أنها معجزة فهي أيضاً تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهارون، لأنهم علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة، وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم زجرهُم ذلك عن الإقدام عليها، فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره وصارت آية ومعجزة وجمعت بين الأمرين، وأما صلب السَّحرة ففيه خلاف، فقيل: إنهم ما صُلِبوا، وليس في القرآن ما يدل على ذلك، وإن سلم فوصول الضرر لغيرهما لا يقدح في عدم الوصول إليهما. قوله: «بآياتِنَا» يجوز فيه أوجه أن يتعلق ب «نَجْعَلُ» أو ب «يَصِلُونَ» أو بمحذوف أي: اذهبا، أو على البيان فيتعلق بمحذوف أيضاً، أو ب «الغَالِبُونَ» على أن (أل) ليس موصولة أو موصُولة، واتِّسع فيه ما لا يتسع في غيره، أو قسمٌ وجوابه متقدم، وهو «فَلاَ يَصِلُونَ» ، أو من لغو القسم، قالهما الزمخشري، ورد عليه أبو حيان بأن جواب القسم لا تدخله الفاء عند الجمهور. ويريد: بلغو القسم أن جوابه محذوف أي: وحقّ آياتِنَا لَتَغْلِبُنَّ، ثم قال: ﴿أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون﴾ أي: لكما ولأتباعكما الغلبة. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم موسى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات وقد تقدم كيفية إطلاق لفظ الآيات - وهو جمع - على العصا واليد في سورة طه. ﴿قَالُواْ مَا هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ مختلق، ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم، وهو قولهم ﴿وَمَا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين﴾ أي: ما حُدِّثنا بهذا الذي تدعونا إليه. قوله: «وقَالَ مُوسَى» هذه قراءة العامة بإثبات واو العطف، وابن كثير حذفها. وكل وافق مصحفه، فإنها ثابتة في المصاحف غير مصحف مكة؛ وإثباتها وحذفها واضحان، وهو الذي يسميه أهل البيان: الوَصْلُ والفَصْلُ. قوله ﴿ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بالهدى مِنْ عِندِهِ﴾ بالمحق من المبطل. قوله: «وَمَنْ تَكُونُ» قرأ العامة «تكون» بالتأنيث، و «لَهُ» خبرها، و «عَاقِبَةُ» اسمها، ويجوز أن يكون اسمها ضمير القصة، والتأنيث لأجل ذلك. و ﴿لَهُ عَاقِبَةُ الدار﴾ جملة في موضع الخبر، وقرىء بالياء من تحت على أن تكون «عَاقِبَةُ» اسمها، والتذكير للفصل، ولأنه تأنيث مجازي، ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة خبر كما تقدم، ويجوزُ أن تكون تامة وفيها ضمير يرجع إلى «مَنْ» والجملة في موضع الحال، ويجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير «مَنْ» والجملة خبرها، والمعنى: «مَنْ يَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ» أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة لقوله تعالى: ﴿أولئك لَهُمْ عقبى الدار جَنَّاتٌ عَدْنٍ﴾ [الرعد: 22 - 23] ، والمراد من الدار: الدُّنيا. وعاقبتها وعقباها أنْ يُخْتَم للعبد بالرحمة والرضوان، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ ، أي: الكافرون.

القصص 28:37

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ اعلم أنه تعالى لمَّا قال: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [القصص: 32] تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه، فعند ذلك طلب من يقوِّي قلبه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ ، لأنه كان في لسانه حبسة إما في أصل الخلقة وإما لأنه وضع الجمرة في فيه عندما (نتف لحية) فرعون. قوله «هُوَ أَفْصَحُ» الفصاحة لغةً الخلوصُ، ومنه: فصُحَ وأَفْصَحَ فهو مفصِحٌ وفصيحٌ، أي: خلُصَ من الرِّغوة، ومنه قولهم: 3996 - وَتَحْتَ الرِّغْوَةِ اللَّبَنُ الفَصِيحُ ... ومنه: فصُحَ الرَّجُلُ جادت لغته، وأفصح: تكلَّم بالعربية، وقيل: بالعكس، وقيل: الفصيح، الذي ينطق، والأعجم: الذي لا ينطق، ومنهذا استعير أَفصحَ الصُّبحُ، أي: بَدَا ضوؤُهُ، وأفصح النصراني: دنا فصحُه بكسر الفاء، وهو يعد لهم. وأما في اصطلاح أهل البيان، فهو خُلُوص الكلمة من تنافر الحروف، كقوله: تَرَعَى الهُعْخُعَ، ومن الغرابة كقوله: 3997 - وَمَرْسِناً مُسَرَّجَا ... ومن مخالفة القياس اللُّغوي كقوله: 3998 - العَلِيِّ الأَجْلَلِ ... وخلوص الكلام منن ضعف التأليف كقوله: 3999 - جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ... ومن تنافر الكلمات كقوله: 4000 - وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانِ قَفْرٍ ... وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ ومن التعقيد وهو إما إخلال نظم الكلامفلا يُدْرَى كيف يتوصل إلى معناه، كقوله: 4001 - وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إلاَّ مُمَلَّكاً ... أبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُه وإما عدم انتقال الذهب من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو لازمه والمراد به ظاهِر كقوله: 4002 - سَأَطْلُبُ بَعْدَ الدَّارَ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا ... وَتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدُّمُوعَ لِتَجْمُدَا وخلوص (المتكلم من) النطق بجميع ذلك، فصارت الفصاحة يوصف بها ثلاثة أشياء: الكلمةُ والكلامُ والمتكلمُ، بخلاف البلاغة فإنه لا يوصف بها إلا الأخيران، وهذا ليس (موضع) إيضاحه وإنما ذكرناه تنبيهاً على أصله، ولساناً: تمييز. قوله «رَِدْءاً» (منصوب) على الحال، والرِّدْءُ: العَوْنُ وهو فعل بمعنى مفعول كالدِّفْ بمعنى المدفوء به، وَرَدَأتُهُ على عدوه أي: أَعنتُهُ عليه، وردأْتُ الحائط: دعمتُهُ خشبةٍ لِئلاً يسقط، وقال النحاس: يقال: رَدَأْتُهُ وَأَرْدَأْتُهُ، وقال سلامة بن جندل: 4003 - وَرِدْئِي كل أَبْيَضَ مَشْرَفيٍّ ... شَحِيذَ الحدِّ أبيض ذِي فُلُولِ وقال آخر: 4004 - ألم تر أنَّ َصْرَمَ كان رِدْئِي ... وَخَيْرُ النَّاسِ في قُلٍّ ومَالِ وقرأ نافع بغير همزة «رِداً» بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ينوِّنْه، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونافع ليس من قاعدته النقل في كلمة إلاَّ هُنا، وقيل: ليس نَقْلٌ وإنما هو من أردى على كذا، أي: زَادَ، قال: 4005 - وَأَسْمَرَ خَطِّيّاً كَأَنَّ كُعُوبَهُ ... نَوَى القَسْبِ قَدْ أَرْدَى ذِرَاعاً على العَشْرِ أي: زاد، وأنشده الجوهري (قد أَرْبَى) ، وهو بمعناه. قوله: «يُصَدِّقُنِي» قرأ حمزة وعاصم بالرفع على الاستئناف أو الصفة ل «رِدْءاً» أو الحال من (هاء) «أَرْسِلْهُ» ، أو من الضمير في «رِدْءاً» ، أي: مصدِّقاً، والباقون بالجزم جواباً للأمر، وزيد بن علي وأُبيّ «يُصَدِّقُونِي» ، أي: فرعون وملأه، قال ابن خالويه: هذا شاهد لِمَنْ جزم، لأنه لو كان رفعاً، لقال: «يُصَدِّقُونَنِي» . يعني بنونين، وهذا سهو من ابن خالويه، لأنه متى اجتمعت نون الرفع مع نون الوقاية جازت أوجه: أحدها: الحذف، فهذا يجوز أن يكون مرفوعاً، وحذفت نونه، فمن رفع القاف فالتقدير ردءاً يصدقين، ومن جزم كان على معنى الجزاء، يعني: إن أرسلته صدَّقني، ونظيره: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي﴾ [مريم: 5 - 6] ، وروى السُّدِّي عن بعض شيوخه: ﴿رداءاً كَيْمَا يُصَدِّقني﴾ . والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يُصدِّقنِي فرعون ﴿إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ يعني فرعون وقومه، وقال ابن الخطيب: ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت أو يقول الناس: صَدَقَ مُوسَى، وإنما هو أن يخلص بلسانه الفصيح وجوه الدلائلِ ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد ألا ترى إلى قوله ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ﴾ ، وفائدة الفصاحة إنما تظهر فيما ذكرناه لا مجرد قوله: «صَدقت» . فصل قال السُّدِّيّ: إنَّ نبيَّيْن وآيتين أقوى من نبيٍّ واحدٍ وآية واحدة قال القاضي: والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأمَّا مِنْ حيث الدلالة فلا فرق بين معجز ومعجزين. قوله «عَضُدَكَ» العامة على فتح العين وضم الضاد، والحسن وزيد بن علي (بضمهما) وعن الحسن بضمة وسكون، وعيسى بفتحهما، وبعضهم بفتح العين وكسر الضاد، وفيه لغة سادسة فتح العين وسكون الضاد، وهذا كناية عن التقوية له بأخيه وكان هارون يومئذ بمصر. قوله ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً﴾ أي: حُجَّةً وبرهاناً ﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ . فإن قيل: بيَّن تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات، أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة؟ فإن كانت هذه الآيات ظاهرة فالجواب: أن الآية التي هي قلب العصا حيَّة كما أنها معجزة فهي أيضاً تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهارون، لأنهم علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة، وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم زجرهُم ذلك عن الإقدام عليها، فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره وصارت آية ومعجزة وجمعت بين الأمرين، وأما صلب السَّحرة ففيه خلاف، فقيل: إنهم ما صُلِبوا، وليس في القرآن ما يدل على ذلك، وإن سلم فوصول الضرر لغيرهما لا يقدح في عدم الوصول إليهما. قوله: «بآياتِنَا» يجوز فيه أوجه أن يتعلق ب «نَجْعَلُ» أو ب «يَصِلُونَ» أو بمحذوف أي: اذهبا، أو على البيان فيتعلق بمحذوف أيضاً، أو ب «الغَالِبُونَ» على أن (أل) ليس موصولة أو موصُولة، واتِّسع فيه ما لا يتسع في غيره، أو قسمٌ وجوابه متقدم، وهو «فَلاَ يَصِلُونَ» ، أو من لغو القسم، قالهما الزمخشري، ورد عليه أبو حيان بأن جواب القسم لا تدخله الفاء عند الجمهور. ويريد: بلغو القسم أن جوابه محذوف أي: وحقّ آياتِنَا لَتَغْلِبُنَّ، ثم قال: ﴿أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون﴾ أي: لكما ولأتباعكما الغلبة. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم موسى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات وقد تقدم كيفية إطلاق لفظ الآيات - وهو جمع - على العصا واليد في سورة طه. ﴿قَالُواْ مَا هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ مختلق، ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم، وهو قولهم ﴿وَمَا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين﴾ أي: ما حُدِّثنا بهذا الذي تدعونا إليه. قوله: «وقَالَ مُوسَى» هذه قراءة العامة بإثبات واو العطف، وابن كثير حذفها. وكل وافق مصحفه، فإنها ثابتة في المصاحف غير مصحف مكة؛ وإثباتها وحذفها واضحان، وهو الذي يسميه أهل البيان: الوَصْلُ والفَصْلُ. قوله ﴿ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بالهدى مِنْ عِندِهِ﴾ بالمحق من المبطل. قوله: «وَمَنْ تَكُونُ» قرأ العامة «تكون» بالتأنيث، و «لَهُ» خبرها، و «عَاقِبَةُ» اسمها، ويجوز أن يكون اسمها ضمير القصة، والتأنيث لأجل ذلك. و ﴿لَهُ عَاقِبَةُ الدار﴾ جملة في موضع الخبر، وقرىء بالياء من تحت على أن تكون «عَاقِبَةُ» اسمها، والتذكير للفصل، ولأنه تأنيث مجازي، ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة خبر كما تقدم، ويجوزُ أن تكون تامة وفيها ضمير يرجع إلى «مَنْ» والجملة في موضع الحال، ويجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير «مَنْ» والجملة خبرها، والمعنى: «مَنْ يَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ» أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة لقوله تعالى: ﴿أولئك لَهُمْ عقبى الدار جَنَّاتٌ عَدْنٍ﴾ [الرعد: 22 - 23] ، والمراد من الدار: الدُّنيا. وعاقبتها وعقباها أنْ يُخْتَم للعبد بالرحمة والرضوان، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ ، أي: الكافرون.

القصص 28:38

قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ فتضمن كلامه نفي إلهيَّة غيره وإثبات إلهية نفسه، ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾ فاطبخ لي الآجُرَّ، قيل: إنَّه أول من اتخذ الآجُرَّ وبنَى به، ﴿فاجعل لِّي صَرْحاً﴾ أي: قصراً عالياً. وقيل: منارة، واختلفوا في ذلك فقيل: إنه بَنَاه حتى بلغ ما لَمْ يبلغه بنيان أحد من الخلق، وإنه صَعدَ وَرَمَى بسهم وأن السهم عاد إليه ملطخاً بدم، وبعث الله جبريل عليه السلام فضربه بجناحة فقطعه ثلاث قطع، وقيل: إنه لم يَبْن الصرح لأنه يبعد في العقل أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأنّ مَنْ عَلاَ أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما كان يراها وهو في قرار الأرض، ومن شكَّ في ذلك خرج عن حد العقل، وهذا القول في أنه رمى السهم إلى السماء وأن من حاول ذلك كان من الخائبين، ولا يليق بالعقل، وإنما قال ذلك على سبيل التهكم. قوله: ﴿لعلي أَطَّلِعُ إلى إله موسى﴾ أنظر إليه. والطُّلوع والاطِّلاع واحد، يقال طَلَعَ الجبل واطَّلَعَ واحد، «وَإِنِّي لأَظنُّهُ» يعني موسى «من الكاذبين» في زعمه أنَّ للأرض والخلق إلهاً غيري وأنه رسوله. ﴿واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ واعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى، وهو المتكبر في الحقيقة، قال عليه السلام فيما حكاه عن ربه «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي والعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي واحداً مِنْهُمَا ألقيته في النَّار» وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. قوله: «بِغَيْرِ الحَقِّ» جحال، أي: استكبروا متلبسين بغير الحق، ﴿وظنوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ قرأ نافع والأخوان ويعقوب «يَرْجِعُونَ» مبنياً للفاعل، والباقون للمفعول. قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾ وهذا من الكلام المفحم الذي يدل على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه، شبههم - استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم - وإن كانوا الجم الغفير - كحصيات أخذهن آخذ في كفه وطرحهُنَّ في البحر، ونحو ذلك قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: 27] ﴿وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14] ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] . وليس الغرض منها إلا تصوير أنَّ كلَّ مقدور وإن عظم فهو حقير بالنسبة إلى قدرته ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾ . قوله: «وَجَعَلْنَاهُمْ» أي: صيَّرَنَاهُم وقال الزمخشري: دعوناهم، كأن فر من نسبة ذلك إلى الله تعالى، أعني: التصيير لأنه لا يوافق مذهبه، ويدعون صفة ل «أَئِمَّة» وقال الجبائي: وجعلناهم: أي بيَّنا ذلك من حالهم وسميناهم به، ومنه قوله: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً﴾ [الزخرف: 19] . وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم، فلما عجَّلل الله لهم العذاب صاروا متقدّمين لمن وراءهم من الكافرين. ومعنى دعوتهم إلى النار: دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، فإن أحداً لا يدعو إلى النار ألبتة، وإنما جعلهم الله أئمةً في هذا الباب، لأنهم بلغوا في هذا الباب إلى أقصى النهايات ومن كان كذلك استحق أن يكون إماماً يقتدى به في ذلك الباب. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ﴾ لا يمنعون من العذاب، كما تنصر الأئمة الدعاة إلى الجنة، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ خزياً وعذاباً. قوله: «وَيَوْمَ القِيَامَةِ» فيه أوجه: أحدها: أن تتعلق ب «المَقْبُوحِينَ» على أن (أل) ليست موصولة أو موصولة واتسَّع فيه، وأن تتعلق بمحذوف يفسره «المَقْبُوحِينَ» ، كأنه قيل: «وقبِّحُوا يوم القيامة، نحو: ﴿لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الشعراء: 168] ، أو يعطف على موضع» في الدُّنْيَا «، أي: أتبعناهم لعنة يوم القيامة. أو معطوفة على» لَعْنَة «على حذف مضاف، أي: ولعنتةً يوم القيامة. والوجه الثاني أظهرهما: والمَقْبُوحُ، المطرود قبحه الله: طرده، قال: 4006 - أَلاَ قَبَّحَ اللَّهُ الَراجِمَ كُلَّهَا ... وَجَدَّعَ يَرْبُوعاً وَعَفَّرَ دَارِمَا وسُمِّي ضد الحسن قبحاً لأنَّ العين تنبو عنه، فكأنها تطرده، يقال: قبح قباحةً، وقيل:» مِنْ المَقْبُوحِينَ» : من الموسومين بعلامة منكرة، كزرقة العيون وسواد الوجوه، قاله ابن عباس، يقال: قَبَحَهُ الله وقَبَّحَه، إذا جعله قبيحاً، قال الليث: قَبَحَهُ المرفق، وقال أبو عبيدة: «مِنَ المَقْبُوحِينَ» من المهلكين. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم والمراد بالكتاب: التوراة، بيَّن تعالى أنَّ الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى، ووصفه بأنه بصائر للنَّاس من حيث يستبصر به في باب الدين. قوله: «بَصَائر» يجوز أن يكون مفعولاً له، وأن يكون حالاً إما على حذف مضاف أي: ذا بصائر، أو على المبالغة، و «هُدًى» من حيث يستدل به، ومن حيث أن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه» رَحْمَةً، لأنه من نعم الله على من تعبد به. روى أبو سعيد الخدري «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: ما أهلك الله قرناً من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة غير أهل القرية التي مسخها الله قردةً» وقوله «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» بما فيه من المواعظ والبصائر.

القصص 28:39

قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ فتضمن كلامه نفي إلهيَّة غيره وإثبات إلهية نفسه، ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾ فاطبخ لي الآجُرَّ، قيل: إنَّه أول من اتخذ الآجُرَّ وبنَى به، ﴿فاجعل لِّي صَرْحاً﴾ أي: قصراً عالياً. وقيل: منارة، واختلفوا في ذلك فقيل: إنه بَنَاه حتى بلغ ما لَمْ يبلغه بنيان أحد من الخلق، وإنه صَعدَ وَرَمَى بسهم وأن السهم عاد إليه ملطخاً بدم، وبعث الله جبريل عليه السلام فضربه بجناحة فقطعه ثلاث قطع، وقيل: إنه لم يَبْن الصرح لأنه يبعد في العقل أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأنّ مَنْ عَلاَ أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما كان يراها وهو في قرار الأرض، ومن شكَّ في ذلك خرج عن حد العقل، وهذا القول في أنه رمى السهم إلى السماء وأن من حاول ذلك كان من الخائبين، ولا يليق بالعقل، وإنما قال ذلك على سبيل التهكم. قوله: ﴿لعلي أَطَّلِعُ إلى إله موسى﴾ أنظر إليه. والطُّلوع والاطِّلاع واحد، يقال طَلَعَ الجبل واطَّلَعَ واحد، «وَإِنِّي لأَظنُّهُ» يعني موسى «من الكاذبين» في زعمه أنَّ للأرض والخلق إلهاً غيري وأنه رسوله. ﴿واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ واعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى، وهو المتكبر في الحقيقة، قال عليه السلام فيما حكاه عن ربه «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي والعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي واحداً مِنْهُمَا ألقيته في النَّار» وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. قوله: «بِغَيْرِ الحَقِّ» جحال، أي: استكبروا متلبسين بغير الحق، ﴿وظنوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ قرأ نافع والأخوان ويعقوب «يَرْجِعُونَ» مبنياً للفاعل، والباقون للمفعول. قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾ وهذا من الكلام المفحم الذي يدل على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه، شبههم - استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم - وإن كانوا الجم الغفير - كحصيات أخذهن آخذ في كفه وطرحهُنَّ في البحر، ونحو ذلك قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: 27] ﴿وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14] ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] . وليس الغرض منها إلا تصوير أنَّ كلَّ مقدور وإن عظم فهو حقير بالنسبة إلى قدرته ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾ . قوله: «وَجَعَلْنَاهُمْ» أي: صيَّرَنَاهُم وقال الزمخشري: دعوناهم، كأن فر من نسبة ذلك إلى الله تعالى، أعني: التصيير لأنه لا يوافق مذهبه، ويدعون صفة ل «أَئِمَّة» وقال الجبائي: وجعلناهم: أي بيَّنا ذلك من حالهم وسميناهم به، ومنه قوله: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً﴾ [الزخرف: 19] . وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم، فلما عجَّلل الله لهم العذاب صاروا متقدّمين لمن وراءهم من الكافرين. ومعنى دعوتهم إلى النار: دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، فإن أحداً لا يدعو إلى النار ألبتة، وإنما جعلهم الله أئمةً في هذا الباب، لأنهم بلغوا في هذا الباب إلى أقصى النهايات ومن كان كذلك استحق أن يكون إماماً يقتدى به في ذلك الباب. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ﴾ لا يمنعون من العذاب، كما تنصر الأئمة الدعاة إلى الجنة، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ خزياً وعذاباً. قوله: «وَيَوْمَ القِيَامَةِ» فيه أوجه: أحدها: أن تتعلق ب «المَقْبُوحِينَ» على أن (أل) ليست موصولة أو موصولة واتسَّع فيه، وأن تتعلق بمحذوف يفسره «المَقْبُوحِينَ» ، كأنه قيل: «وقبِّحُوا يوم القيامة، نحو: ﴿لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الشعراء: 168] ، أو يعطف على موضع» في الدُّنْيَا «، أي: أتبعناهم لعنة يوم القيامة. أو معطوفة على» لَعْنَة «على حذف مضاف، أي: ولعنتةً يوم القيامة. والوجه الثاني أظهرهما: والمَقْبُوحُ، المطرود قبحه الله: طرده، قال: 4006 - أَلاَ قَبَّحَ اللَّهُ الَراجِمَ كُلَّهَا ... وَجَدَّعَ يَرْبُوعاً وَعَفَّرَ دَارِمَا وسُمِّي ضد الحسن قبحاً لأنَّ العين تنبو عنه، فكأنها تطرده، يقال: قبح قباحةً، وقيل:» مِنْ المَقْبُوحِينَ» : من الموسومين بعلامة منكرة، كزرقة العيون وسواد الوجوه، قاله ابن عباس، يقال: قَبَحَهُ الله وقَبَّحَه، إذا جعله قبيحاً، قال الليث: قَبَحَهُ المرفق، وقال أبو عبيدة: «مِنَ المَقْبُوحِينَ» من المهلكين. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم والمراد بالكتاب: التوراة، بيَّن تعالى أنَّ الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى، ووصفه بأنه بصائر للنَّاس من حيث يستبصر به في باب الدين. قوله: «بَصَائر» يجوز أن يكون مفعولاً له، وأن يكون حالاً إما على حذف مضاف أي: ذا بصائر، أو على المبالغة، و «هُدًى» من حيث يستدل به، ومن حيث أن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه» رَحْمَةً، لأنه من نعم الله على من تعبد به. روى أبو سعيد الخدري «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: ما أهلك الله قرناً من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة غير أهل القرية التي مسخها الله قردةً» وقوله «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» بما فيه من المواعظ والبصائر.

القصص 28:40

قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ فتضمن كلامه نفي إلهيَّة غيره وإثبات إلهية نفسه، ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾ فاطبخ لي الآجُرَّ، قيل: إنَّه أول من اتخذ الآجُرَّ وبنَى به، ﴿فاجعل لِّي صَرْحاً﴾ أي: قصراً عالياً. وقيل: منارة، واختلفوا في ذلك فقيل: إنه بَنَاه حتى بلغ ما لَمْ يبلغه بنيان أحد من الخلق، وإنه صَعدَ وَرَمَى بسهم وأن السهم عاد إليه ملطخاً بدم، وبعث الله جبريل عليه السلام فضربه بجناحة فقطعه ثلاث قطع، وقيل: إنه لم يَبْن الصرح لأنه يبعد في العقل أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأنّ مَنْ عَلاَ أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما كان يراها وهو في قرار الأرض، ومن شكَّ في ذلك خرج عن حد العقل، وهذا القول في أنه رمى السهم إلى السماء وأن من حاول ذلك كان من الخائبين، ولا يليق بالعقل، وإنما قال ذلك على سبيل التهكم. قوله: ﴿لعلي أَطَّلِعُ إلى إله موسى﴾ أنظر إليه. والطُّلوع والاطِّلاع واحد، يقال طَلَعَ الجبل واطَّلَعَ واحد، «وَإِنِّي لأَظنُّهُ» يعني موسى «من الكاذبين» في زعمه أنَّ للأرض والخلق إلهاً غيري وأنه رسوله. ﴿واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ واعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى، وهو المتكبر في الحقيقة، قال عليه السلام فيما حكاه عن ربه «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي والعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي واحداً مِنْهُمَا ألقيته في النَّار» وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. قوله: «بِغَيْرِ الحَقِّ» جحال، أي: استكبروا متلبسين بغير الحق، ﴿وظنوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ قرأ نافع والأخوان ويعقوب «يَرْجِعُونَ» مبنياً للفاعل، والباقون للمفعول. قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾ وهذا من الكلام المفحم الذي يدل على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه، شبههم - استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم - وإن كانوا الجم الغفير - كحصيات أخذهن آخذ في كفه وطرحهُنَّ في البحر، ونحو ذلك قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: 27] ﴿وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14] ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] . وليس الغرض منها إلا تصوير أنَّ كلَّ مقدور وإن عظم فهو حقير بالنسبة إلى قدرته ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾ . قوله: «وَجَعَلْنَاهُمْ» أي: صيَّرَنَاهُم وقال الزمخشري: دعوناهم، كأن فر من نسبة ذلك إلى الله تعالى، أعني: التصيير لأنه لا يوافق مذهبه، ويدعون صفة ل «أَئِمَّة» وقال الجبائي: وجعلناهم: أي بيَّنا ذلك من حالهم وسميناهم به، ومنه قوله: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً﴾ [الزخرف: 19] . وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم، فلما عجَّلل الله لهم العذاب صاروا متقدّمين لمن وراءهم من الكافرين. ومعنى دعوتهم إلى النار: دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، فإن أحداً لا يدعو إلى النار ألبتة، وإنما جعلهم الله أئمةً في هذا الباب، لأنهم بلغوا في هذا الباب إلى أقصى النهايات ومن كان كذلك استحق أن يكون إماماً يقتدى به في ذلك الباب. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ﴾ لا يمنعون من العذاب، كما تنصر الأئمة الدعاة إلى الجنة، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ خزياً وعذاباً. قوله: «وَيَوْمَ القِيَامَةِ» فيه أوجه: أحدها: أن تتعلق ب «المَقْبُوحِينَ» على أن (أل) ليست موصولة أو موصولة واتسَّع فيه، وأن تتعلق بمحذوف يفسره «المَقْبُوحِينَ» ، كأنه قيل: «وقبِّحُوا يوم القيامة، نحو: ﴿لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الشعراء: 168] ، أو يعطف على موضع» في الدُّنْيَا «، أي: أتبعناهم لعنة يوم القيامة. أو معطوفة على» لَعْنَة «على حذف مضاف، أي: ولعنتةً يوم القيامة. والوجه الثاني أظهرهما: والمَقْبُوحُ، المطرود قبحه الله: طرده، قال: 4006 - أَلاَ قَبَّحَ اللَّهُ الَراجِمَ كُلَّهَا ... وَجَدَّعَ يَرْبُوعاً وَعَفَّرَ دَارِمَا وسُمِّي ضد الحسن قبحاً لأنَّ العين تنبو عنه، فكأنها تطرده، يقال: قبح قباحةً، وقيل:» مِنْ المَقْبُوحِينَ» : من الموسومين بعلامة منكرة، كزرقة العيون وسواد الوجوه، قاله ابن عباس، يقال: قَبَحَهُ الله وقَبَّحَه، إذا جعله قبيحاً، قال الليث: قَبَحَهُ المرفق، وقال أبو عبيدة: «مِنَ المَقْبُوحِينَ» من المهلكين. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم والمراد بالكتاب: التوراة، بيَّن تعالى أنَّ الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى، ووصفه بأنه بصائر للنَّاس من حيث يستبصر به في باب الدين. قوله: «بَصَائر» يجوز أن يكون مفعولاً له، وأن يكون حالاً إما على حذف مضاف أي: ذا بصائر، أو على المبالغة، و «هُدًى» من حيث يستدل به، ومن حيث أن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه» رَحْمَةً، لأنه من نعم الله على من تعبد به. روى أبو سعيد الخدري «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: ما أهلك الله قرناً من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة غير أهل القرية التي مسخها الله قردةً» وقوله «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» بما فيه من المواعظ والبصائر.

القصص 28:41

قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ فتضمن كلامه نفي إلهيَّة غيره وإثبات إلهية نفسه، ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾ فاطبخ لي الآجُرَّ، قيل: إنَّه أول من اتخذ الآجُرَّ وبنَى به، ﴿فاجعل لِّي صَرْحاً﴾ أي: قصراً عالياً. وقيل: منارة، واختلفوا في ذلك فقيل: إنه بَنَاه حتى بلغ ما لَمْ يبلغه بنيان أحد من الخلق، وإنه صَعدَ وَرَمَى بسهم وأن السهم عاد إليه ملطخاً بدم، وبعث الله جبريل عليه السلام فضربه بجناحة فقطعه ثلاث قطع، وقيل: إنه لم يَبْن الصرح لأنه يبعد في العقل أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأنّ مَنْ عَلاَ أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما كان يراها وهو في قرار الأرض، ومن شكَّ في ذلك خرج عن حد العقل، وهذا القول في أنه رمى السهم إلى السماء وأن من حاول ذلك كان من الخائبين، ولا يليق بالعقل، وإنما قال ذلك على سبيل التهكم. قوله: ﴿لعلي أَطَّلِعُ إلى إله موسى﴾ أنظر إليه. والطُّلوع والاطِّلاع واحد، يقال طَلَعَ الجبل واطَّلَعَ واحد، «وَإِنِّي لأَظنُّهُ» يعني موسى «من الكاذبين» في زعمه أنَّ للأرض والخلق إلهاً غيري وأنه رسوله. ﴿واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ واعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى، وهو المتكبر في الحقيقة، قال عليه السلام فيما حكاه عن ربه «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي والعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي واحداً مِنْهُمَا ألقيته في النَّار» وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. قوله: «بِغَيْرِ الحَقِّ» جحال، أي: استكبروا متلبسين بغير الحق، ﴿وظنوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ قرأ نافع والأخوان ويعقوب «يَرْجِعُونَ» مبنياً للفاعل، والباقون للمفعول. قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾ وهذا من الكلام المفحم الذي يدل على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه، شبههم - استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم - وإن كانوا الجم الغفير - كحصيات أخذهن آخذ في كفه وطرحهُنَّ في البحر، ونحو ذلك قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: 27] ﴿وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14] ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] . وليس الغرض منها إلا تصوير أنَّ كلَّ مقدور وإن عظم فهو حقير بالنسبة إلى قدرته ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾ . قوله: «وَجَعَلْنَاهُمْ» أي: صيَّرَنَاهُم وقال الزمخشري: دعوناهم، كأن فر من نسبة ذلك إلى الله تعالى، أعني: التصيير لأنه لا يوافق مذهبه، ويدعون صفة ل «أَئِمَّة» وقال الجبائي: وجعلناهم: أي بيَّنا ذلك من حالهم وسميناهم به، ومنه قوله: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً﴾ [الزخرف: 19] . وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم، فلما عجَّلل الله لهم العذاب صاروا متقدّمين لمن وراءهم من الكافرين. ومعنى دعوتهم إلى النار: دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، فإن أحداً لا يدعو إلى النار ألبتة، وإنما جعلهم الله أئمةً في هذا الباب، لأنهم بلغوا في هذا الباب إلى أقصى النهايات ومن كان كذلك استحق أن يكون إماماً يقتدى به في ذلك الباب. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ﴾ لا يمنعون من العذاب، كما تنصر الأئمة الدعاة إلى الجنة، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ خزياً وعذاباً. قوله: «وَيَوْمَ القِيَامَةِ» فيه أوجه: أحدها: أن تتعلق ب «المَقْبُوحِينَ» على أن (أل) ليست موصولة أو موصولة واتسَّع فيه، وأن تتعلق بمحذوف يفسره «المَقْبُوحِينَ» ، كأنه قيل: «وقبِّحُوا يوم القيامة، نحو: ﴿لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الشعراء: 168] ، أو يعطف على موضع» في الدُّنْيَا «، أي: أتبعناهم لعنة يوم القيامة. أو معطوفة على» لَعْنَة «على حذف مضاف، أي: ولعنتةً يوم القيامة. والوجه الثاني أظهرهما: والمَقْبُوحُ، المطرود قبحه الله: طرده، قال: 4006 - أَلاَ قَبَّحَ اللَّهُ الَراجِمَ كُلَّهَا ... وَجَدَّعَ يَرْبُوعاً وَعَفَّرَ دَارِمَا وسُمِّي ضد الحسن قبحاً لأنَّ العين تنبو عنه، فكأنها تطرده، يقال: قبح قباحةً، وقيل:» مِنْ المَقْبُوحِينَ» : من الموسومين بعلامة منكرة، كزرقة العيون وسواد الوجوه، قاله ابن عباس، يقال: قَبَحَهُ الله وقَبَّحَه، إذا جعله قبيحاً، قال الليث: قَبَحَهُ المرفق، وقال أبو عبيدة: «مِنَ المَقْبُوحِينَ» من المهلكين. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم والمراد بالكتاب: التوراة، بيَّن تعالى أنَّ الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى، ووصفه بأنه بصائر للنَّاس من حيث يستبصر به في باب الدين. قوله: «بَصَائر» يجوز أن يكون مفعولاً له، وأن يكون حالاً إما على حذف مضاف أي: ذا بصائر، أو على المبالغة، و «هُدًى» من حيث يستدل به، ومن حيث أن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه» رَحْمَةً، لأنه من نعم الله على من تعبد به. روى أبو سعيد الخدري «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: ما أهلك الله قرناً من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة غير أهل القرية التي مسخها الله قردةً» وقوله «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» بما فيه من المواعظ والبصائر.

القصص 28:42

قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ فتضمن كلامه نفي إلهيَّة غيره وإثبات إلهية نفسه، ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾ فاطبخ لي الآجُرَّ، قيل: إنَّه أول من اتخذ الآجُرَّ وبنَى به، ﴿فاجعل لِّي صَرْحاً﴾ أي: قصراً عالياً. وقيل: منارة، واختلفوا في ذلك فقيل: إنه بَنَاه حتى بلغ ما لَمْ يبلغه بنيان أحد من الخلق، وإنه صَعدَ وَرَمَى بسهم وأن السهم عاد إليه ملطخاً بدم، وبعث الله جبريل عليه السلام فضربه بجناحة فقطعه ثلاث قطع، وقيل: إنه لم يَبْن الصرح لأنه يبعد في العقل أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأنّ مَنْ عَلاَ أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما كان يراها وهو في قرار الأرض، ومن شكَّ في ذلك خرج عن حد العقل، وهذا القول في أنه رمى السهم إلى السماء وأن من حاول ذلك كان من الخائبين، ولا يليق بالعقل، وإنما قال ذلك على سبيل التهكم. قوله: ﴿لعلي أَطَّلِعُ إلى إله موسى﴾ أنظر إليه. والطُّلوع والاطِّلاع واحد، يقال طَلَعَ الجبل واطَّلَعَ واحد، «وَإِنِّي لأَظنُّهُ» يعني موسى «من الكاذبين» في زعمه أنَّ للأرض والخلق إلهاً غيري وأنه رسوله. ﴿واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ واعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى، وهو المتكبر في الحقيقة، قال عليه السلام فيما حكاه عن ربه «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي والعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي واحداً مِنْهُمَا ألقيته في النَّار» وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. قوله: «بِغَيْرِ الحَقِّ» جحال، أي: استكبروا متلبسين بغير الحق، ﴿وظنوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ قرأ نافع والأخوان ويعقوب «يَرْجِعُونَ» مبنياً للفاعل، والباقون للمفعول. قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾ وهذا من الكلام المفحم الذي يدل على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه، شبههم - استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم - وإن كانوا الجم الغفير - كحصيات أخذهن آخذ في كفه وطرحهُنَّ في البحر، ونحو ذلك قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: 27] ﴿وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14] ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] . وليس الغرض منها إلا تصوير أنَّ كلَّ مقدور وإن عظم فهو حقير بالنسبة إلى قدرته ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾ . قوله: «وَجَعَلْنَاهُمْ» أي: صيَّرَنَاهُم وقال الزمخشري: دعوناهم، كأن فر من نسبة ذلك إلى الله تعالى، أعني: التصيير لأنه لا يوافق مذهبه، ويدعون صفة ل «أَئِمَّة» وقال الجبائي: وجعلناهم: أي بيَّنا ذلك من حالهم وسميناهم به، ومنه قوله: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً﴾ [الزخرف: 19] . وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم، فلما عجَّلل الله لهم العذاب صاروا متقدّمين لمن وراءهم من الكافرين. ومعنى دعوتهم إلى النار: دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، فإن أحداً لا يدعو إلى النار ألبتة، وإنما جعلهم الله أئمةً في هذا الباب، لأنهم بلغوا في هذا الباب إلى أقصى النهايات ومن كان كذلك استحق أن يكون إماماً يقتدى به في ذلك الباب. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ﴾ لا يمنعون من العذاب، كما تنصر الأئمة الدعاة إلى الجنة، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ خزياً وعذاباً. قوله: «وَيَوْمَ القِيَامَةِ» فيه أوجه: أحدها: أن تتعلق ب «المَقْبُوحِينَ» على أن (أل) ليست موصولة أو موصولة واتسَّع فيه، وأن تتعلق بمحذوف يفسره «المَقْبُوحِينَ» ، كأنه قيل: «وقبِّحُوا يوم القيامة، نحو: ﴿لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الشعراء: 168] ، أو يعطف على موضع» في الدُّنْيَا «، أي: أتبعناهم لعنة يوم القيامة. أو معطوفة على» لَعْنَة «على حذف مضاف، أي: ولعنتةً يوم القيامة. والوجه الثاني أظهرهما: والمَقْبُوحُ، المطرود قبحه الله: طرده، قال: 4006 - أَلاَ قَبَّحَ اللَّهُ الَراجِمَ كُلَّهَا ... وَجَدَّعَ يَرْبُوعاً وَعَفَّرَ دَارِمَا وسُمِّي ضد الحسن قبحاً لأنَّ العين تنبو عنه، فكأنها تطرده، يقال: قبح قباحةً، وقيل:» مِنْ المَقْبُوحِينَ» : من الموسومين بعلامة منكرة، كزرقة العيون وسواد الوجوه، قاله ابن عباس، يقال: قَبَحَهُ الله وقَبَّحَه، إذا جعله قبيحاً، قال الليث: قَبَحَهُ المرفق، وقال أبو عبيدة: «مِنَ المَقْبُوحِينَ» من المهلكين. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم والمراد بالكتاب: التوراة، بيَّن تعالى أنَّ الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى، ووصفه بأنه بصائر للنَّاس من حيث يستبصر به في باب الدين. قوله: «بَصَائر» يجوز أن يكون مفعولاً له، وأن يكون حالاً إما على حذف مضاف أي: ذا بصائر، أو على المبالغة، و «هُدًى» من حيث يستدل به، ومن حيث أن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه» رَحْمَةً، لأنه من نعم الله على من تعبد به. روى أبو سعيد الخدري «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: ما أهلك الله قرناً من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة غير أهل القرية التي مسخها الله قردةً» وقوله «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» بما فيه من المواعظ والبصائر.

القصص 28:43

قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ فتضمن كلامه نفي إلهيَّة غيره وإثبات إلهية نفسه، ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾ فاطبخ لي الآجُرَّ، قيل: إنَّه أول من اتخذ الآجُرَّ وبنَى به، ﴿فاجعل لِّي صَرْحاً﴾ أي: قصراً عالياً. وقيل: منارة، واختلفوا في ذلك فقيل: إنه بَنَاه حتى بلغ ما لَمْ يبلغه بنيان أحد من الخلق، وإنه صَعدَ وَرَمَى بسهم وأن السهم عاد إليه ملطخاً بدم، وبعث الله جبريل عليه السلام فضربه بجناحة فقطعه ثلاث قطع، وقيل: إنه لم يَبْن الصرح لأنه يبعد في العقل أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأنّ مَنْ عَلاَ أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما كان يراها وهو في قرار الأرض، ومن شكَّ في ذلك خرج عن حد العقل، وهذا القول في أنه رمى السهم إلى السماء وأن من حاول ذلك كان من الخائبين، ولا يليق بالعقل، وإنما قال ذلك على سبيل التهكم. قوله: ﴿لعلي أَطَّلِعُ إلى إله موسى﴾ أنظر إليه. والطُّلوع والاطِّلاع واحد، يقال طَلَعَ الجبل واطَّلَعَ واحد، «وَإِنِّي لأَظنُّهُ» يعني موسى «من الكاذبين» في زعمه أنَّ للأرض والخلق إلهاً غيري وأنه رسوله. ﴿واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ واعلم أن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى، وهو المتكبر في الحقيقة، قال عليه السلام فيما حكاه عن ربه «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي والعَظَمَةُ إزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي واحداً مِنْهُمَا ألقيته في النَّار» وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. قوله: «بِغَيْرِ الحَقِّ» جحال، أي: استكبروا متلبسين بغير الحق، ﴿وظنوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ قرأ نافع والأخوان ويعقوب «يَرْجِعُونَ» مبنياً للفاعل، والباقون للمفعول. قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم﴾ وهذا من الكلام المفحم الذي يدل على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه، شبههم - استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم - وإن كانوا الجم الغفير - كحصيات أخذهن آخذ في كفه وطرحهُنَّ في البحر، ونحو ذلك قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: 27] ﴿وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14] ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] . وليس الغرض منها إلا تصوير أنَّ كلَّ مقدور وإن عظم فهو حقير بالنسبة إلى قدرته ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾ . قوله: «وَجَعَلْنَاهُمْ» أي: صيَّرَنَاهُم وقال الزمخشري: دعوناهم، كأن فر من نسبة ذلك إلى الله تعالى، أعني: التصيير لأنه لا يوافق مذهبه، ويدعون صفة ل «أَئِمَّة» وقال الجبائي: وجعلناهم: أي بيَّنا ذلك من حالهم وسميناهم به، ومنه قوله: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً﴾ [الزخرف: 19] . وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم، فلما عجَّلل الله لهم العذاب صاروا متقدّمين لمن وراءهم من الكافرين. ومعنى دعوتهم إلى النار: دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، فإن أحداً لا يدعو إلى النار ألبتة، وإنما جعلهم الله أئمةً في هذا الباب، لأنهم بلغوا في هذا الباب إلى أقصى النهايات ومن كان كذلك استحق أن يكون إماماً يقتدى به في ذلك الباب. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ﴾ لا يمنعون من العذاب، كما تنصر الأئمة الدعاة إلى الجنة، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ خزياً وعذاباً. قوله: «وَيَوْمَ القِيَامَةِ» فيه أوجه: أحدها: أن تتعلق ب «المَقْبُوحِينَ» على أن (أل) ليست موصولة أو موصولة واتسَّع فيه، وأن تتعلق بمحذوف يفسره «المَقْبُوحِينَ» ، كأنه قيل: «وقبِّحُوا يوم القيامة، نحو: ﴿لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الشعراء: 168] ، أو يعطف على موضع» في الدُّنْيَا «، أي: أتبعناهم لعنة يوم القيامة. أو معطوفة على» لَعْنَة «على حذف مضاف، أي: ولعنتةً يوم القيامة. والوجه الثاني أظهرهما: والمَقْبُوحُ، المطرود قبحه الله: طرده، قال: 4006 - أَلاَ قَبَّحَ اللَّهُ الَراجِمَ كُلَّهَا ... وَجَدَّعَ يَرْبُوعاً وَعَفَّرَ دَارِمَا وسُمِّي ضد الحسن قبحاً لأنَّ العين تنبو عنه، فكأنها تطرده، يقال: قبح قباحةً، وقيل:» مِنْ المَقْبُوحِينَ» : من الموسومين بعلامة منكرة، كزرقة العيون وسواد الوجوه، قاله ابن عباس، يقال: قَبَحَهُ الله وقَبَّحَه، إذا جعله قبيحاً، قال الليث: قَبَحَهُ المرفق، وقال أبو عبيدة: «مِنَ المَقْبُوحِينَ» من المهلكين. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم والمراد بالكتاب: التوراة، بيَّن تعالى أنَّ الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى، ووصفه بأنه بصائر للنَّاس من حيث يستبصر به في باب الدين. قوله: «بَصَائر» يجوز أن يكون مفعولاً له، وأن يكون حالاً إما على حذف مضاف أي: ذا بصائر، أو على المبالغة، و «هُدًى» من حيث يستدل به، ومن حيث أن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه» رَحْمَةً، لأنه من نعم الله على من تعبد به. روى أبو سعيد الخدري «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: ما أهلك الله قرناً من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة غير أهل القرية التي مسخها الله قردةً» وقوله «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» بما فيه من المواعظ والبصائر.

القصص 28:44

قوله: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي﴾ (قال قتادة والسدي: وما كنت بجانب الجبل الغربي) فيكون من حذف الموصوف، وإقامة صفته قيامه أو أن يكون من إضافة الموصوف لصفته، وهو مذهب الكوفيين، ومثله: بَقْلَةُ الحَمْقَاءِ، وَمَسْجِدُ الجَامِع. قوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر﴾ أي: عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه، والمعنى: وما كنت الحاضر المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو على الوحي إليه وهم نقباؤه الذي اختارهم للميقات. فإن قيل: لمَّا قال: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي﴾ ثبت أنه لم يكن شاهداً، لأن الشاهد لا بد وأن يكون حاضراً فما الفائدة في إعادة قوله: ﴿وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾ . فالجواب: قال ابن عباس التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت ما شاهدت تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك، ولا يشهد ولا يرى. قوله: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً﴾ وجه الاستدراك أن المعنى: وَمَا كُنْتَ شَاهِداً لموسى وما جرى عليه ولكِنَّا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب على عادة الله في اختصاراته، فإن هذا الاستدراك هو شبيه بالاستداركين بعده، قاله الزمخشري، وهذا تنبيه على المعجز، كأنه قال: إن في إخبارك بهذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله دلالةً ظاهرةً على نبوتك كقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى﴾ [طه: 133] ؟ قوله: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِياً﴾ أي: مقيماً، يقال: ثَوَى يَثْوِي ثَوَاءً وثُوِياً، فهو ثاوٍ ومثويّ، قال ذو الرمة. 4007 - لَقَدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ... تَقَضِّي لُبَانَاتٍ وَيَسْأْمُ سائِمُ وقال: 4008 - طَالَ الثَّوَاءُ عَلَى رَسُولِ المَنْزِلِ ... وقال العجاج: 4009 - وَبَاتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ ... يعني الضيف المقيم. قوله: «تَتْلُوا» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «ثَاوِياً» ، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون هو الخبر، و «ثَاوِياً» حال وجعله الفراء منقطاً مما قبله. أي: مستأنفاً كأنَّه قيل: وها أنت تتلو على أمَّتك، وفيه بعد. فصل المعنى: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً﴾ خلقنا أمماً من بعد موسى ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر﴾ أي: طالبت عليهم المهملة، فنسوا عهد الله وتركوا أمره، وذلك أن الله عهد إلى موسى وقومه عوداً في محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والإيمان به، فلما طال عليهم العمر وخلقت القرون من بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها، «وَمَا كُنْتَ» مقيماً ﴿في أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ كمقام موسى وشعيب فيهم ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ تذكرهم بالوعد والوعيد. قال مقاتل: يقول لم شتهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ في كل زمان رسولاً يعني: أرسلناك رسولاً، وأنزلنا عليك كتاباً فيه هذه الأخبار فتتلوها عليهم ولولا ذلك ما علمتها، ولم تخبرهم بها، ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور﴾ بناحية الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى «إذْ نَادَيْنَا» أي: نادينا موسى: خذ الكتاب بقوَّةٍ. وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم: (يا أمة محمدٍ أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل تستغفروني) ، قال: وإنما قال ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه. وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد قال موسى: يا رب أرني محمداً، قال: إنك لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. قوله: ﴿ولكن رَّحْمَةً﴾ أي: أَرْسَلْنَاكَ رَحْمَةً، أو أعلمناك بذلك رحمةً، أو لكن رحمناك رحمة بإرسالك وبالوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك. وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة: «رَحْمَةٌ» بالرفع، أي: أنت رحمة. قوله: ﴿مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ﴾ في موضع الصفة ل «قَوْماً» ، والمعنى: لتنذر أقواماً ما أتاهم من نذير من قبلك، يعني أهل مكة، «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» . قوله: ﴿ولولاا أَن تُصِيبَهُم﴾ هي الامتناعية، و (أنْ) وما في حيزها في موضع رفع بالابتداء، أي: ولولا أصابتهم مصيبة، وجوابها محذوف، فقدره الزجاج: ما أرسلنا إليهم رسلاً. يعني أن الحامل على إرسال الرسل إزاحة عللهم بهذا القول، فهو كقوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ [النساء: 165] ، وقدره ابن عطية: لعاجلناهم، ولا معنى لهذا. «فَيَقُولُوا» عطف على «تصيبهم» و «لَوْلاً» الثانية تحضيض، و «فنتبع» جوابه، فلذلك نصب بإضمار «أَنْ» . قال الزمخشري: فإن قلت كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب، لا القول لدخول حرف الامتناع عليه دونه؟ قلت: القول هو المقصود بأن يكون سبباً للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب للإرسال بواسطة القول، فأدخلت عليها (لولا) ، وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السبب، ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً على كفرهم عاينوا ما الجئوا به إلى العلم اليقيني ببطلان دينهم لما يقولوا: لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولاً. بل إنما يقولون إذا نالهم العقاب، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقال لا غير التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] .

القصص 28:45

قوله: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي﴾ (قال قتادة والسدي: وما كنت بجانب الجبل الغربي) فيكون من حذف الموصوف، وإقامة صفته قيامه أو أن يكون من إضافة الموصوف لصفته، وهو مذهب الكوفيين، ومثله: بَقْلَةُ الحَمْقَاءِ، وَمَسْجِدُ الجَامِع. قوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر﴾ أي: عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه، والمعنى: وما كنت الحاضر المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو على الوحي إليه وهم نقباؤه الذي اختارهم للميقات. فإن قيل: لمَّا قال: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي﴾ ثبت أنه لم يكن شاهداً، لأن الشاهد لا بد وأن يكون حاضراً فما الفائدة في إعادة قوله: ﴿وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾ . فالجواب: قال ابن عباس التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت ما شاهدت تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك، ولا يشهد ولا يرى. قوله: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً﴾ وجه الاستدراك أن المعنى: وَمَا كُنْتَ شَاهِداً لموسى وما جرى عليه ولكِنَّا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب على عادة الله في اختصاراته، فإن هذا الاستدراك هو شبيه بالاستداركين بعده، قاله الزمخشري، وهذا تنبيه على المعجز، كأنه قال: إن في إخبارك بهذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله دلالةً ظاهرةً على نبوتك كقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى﴾ [طه: 133] ؟ قوله: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِياً﴾ أي: مقيماً، يقال: ثَوَى يَثْوِي ثَوَاءً وثُوِياً، فهو ثاوٍ ومثويّ، قال ذو الرمة. 4007 - لَقَدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ... تَقَضِّي لُبَانَاتٍ وَيَسْأْمُ سائِمُ وقال: 4008 - طَالَ الثَّوَاءُ عَلَى رَسُولِ المَنْزِلِ ... وقال العجاج: 4009 - وَبَاتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ ... يعني الضيف المقيم. قوله: «تَتْلُوا» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «ثَاوِياً» ، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون هو الخبر، و «ثَاوِياً» حال وجعله الفراء منقطاً مما قبله. أي: مستأنفاً كأنَّه قيل: وها أنت تتلو على أمَّتك، وفيه بعد. فصل المعنى: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً﴾ خلقنا أمماً من بعد موسى ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر﴾ أي: طالبت عليهم المهملة، فنسوا عهد الله وتركوا أمره، وذلك أن الله عهد إلى موسى وقومه عوداً في محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والإيمان به، فلما طال عليهم العمر وخلقت القرون من بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها، «وَمَا كُنْتَ» مقيماً ﴿في أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ كمقام موسى وشعيب فيهم ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ تذكرهم بالوعد والوعيد. قال مقاتل: يقول لم شتهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ في كل زمان رسولاً يعني: أرسلناك رسولاً، وأنزلنا عليك كتاباً فيه هذه الأخبار فتتلوها عليهم ولولا ذلك ما علمتها، ولم تخبرهم بها، ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور﴾ بناحية الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى «إذْ نَادَيْنَا» أي: نادينا موسى: خذ الكتاب بقوَّةٍ. وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم: (يا أمة محمدٍ أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل تستغفروني) ، قال: وإنما قال ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه. وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد قال موسى: يا رب أرني محمداً، قال: إنك لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. قوله: ﴿ولكن رَّحْمَةً﴾ أي: أَرْسَلْنَاكَ رَحْمَةً، أو أعلمناك بذلك رحمةً، أو لكن رحمناك رحمة بإرسالك وبالوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك. وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة: «رَحْمَةٌ» بالرفع، أي: أنت رحمة. قوله: ﴿مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ﴾ في موضع الصفة ل «قَوْماً» ، والمعنى: لتنذر أقواماً ما أتاهم من نذير من قبلك، يعني أهل مكة، «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» . قوله: ﴿ولولاا أَن تُصِيبَهُم﴾ هي الامتناعية، و (أنْ) وما في حيزها في موضع رفع بالابتداء، أي: ولولا أصابتهم مصيبة، وجوابها محذوف، فقدره الزجاج: ما أرسلنا إليهم رسلاً. يعني أن الحامل على إرسال الرسل إزاحة عللهم بهذا القول، فهو كقوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ [النساء: 165] ، وقدره ابن عطية: لعاجلناهم، ولا معنى لهذا. «فَيَقُولُوا» عطف على «تصيبهم» و «لَوْلاً» الثانية تحضيض، و «فنتبع» جوابه، فلذلك نصب بإضمار «أَنْ» . قال الزمخشري: فإن قلت كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب، لا القول لدخول حرف الامتناع عليه دونه؟ قلت: القول هو المقصود بأن يكون سبباً للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب للإرسال بواسطة القول، فأدخلت عليها (لولا) ، وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السبب، ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً على كفرهم عاينوا ما الجئوا به إلى العلم اليقيني ببطلان دينهم لما يقولوا: لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولاً. بل إنما يقولون إذا نالهم العقاب، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقال لا غير التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] .

القصص 28:46

قوله: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي﴾ (قال قتادة والسدي: وما كنت بجانب الجبل الغربي) فيكون من حذف الموصوف، وإقامة صفته قيامه أو أن يكون من إضافة الموصوف لصفته، وهو مذهب الكوفيين، ومثله: بَقْلَةُ الحَمْقَاءِ، وَمَسْجِدُ الجَامِع. قوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر﴾ أي: عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه، والمعنى: وما كنت الحاضر المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو على الوحي إليه وهم نقباؤه الذي اختارهم للميقات. فإن قيل: لمَّا قال: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي﴾ ثبت أنه لم يكن شاهداً، لأن الشاهد لا بد وأن يكون حاضراً فما الفائدة في إعادة قوله: ﴿وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾ . فالجواب: قال ابن عباس التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت ما شاهدت تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك، ولا يشهد ولا يرى. قوله: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً﴾ وجه الاستدراك أن المعنى: وَمَا كُنْتَ شَاهِداً لموسى وما جرى عليه ولكِنَّا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب على عادة الله في اختصاراته، فإن هذا الاستدراك هو شبيه بالاستداركين بعده، قاله الزمخشري، وهذا تنبيه على المعجز، كأنه قال: إن في إخبارك بهذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله دلالةً ظاهرةً على نبوتك كقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى﴾ [طه: 133] ؟ قوله: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِياً﴾ أي: مقيماً، يقال: ثَوَى يَثْوِي ثَوَاءً وثُوِياً، فهو ثاوٍ ومثويّ، قال ذو الرمة. 4007 - لَقَدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ... تَقَضِّي لُبَانَاتٍ وَيَسْأْمُ سائِمُ وقال: 4008 - طَالَ الثَّوَاءُ عَلَى رَسُولِ المَنْزِلِ ... وقال العجاج: 4009 - وَبَاتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ ... يعني الضيف المقيم. قوله: «تَتْلُوا» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «ثَاوِياً» ، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون هو الخبر، و «ثَاوِياً» حال وجعله الفراء منقطاً مما قبله. أي: مستأنفاً كأنَّه قيل: وها أنت تتلو على أمَّتك، وفيه بعد. فصل المعنى: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً﴾ خلقنا أمماً من بعد موسى ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر﴾ أي: طالبت عليهم المهملة، فنسوا عهد الله وتركوا أمره، وذلك أن الله عهد إلى موسى وقومه عوداً في محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والإيمان به، فلما طال عليهم العمر وخلقت القرون من بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها، «وَمَا كُنْتَ» مقيماً ﴿في أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ كمقام موسى وشعيب فيهم ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ تذكرهم بالوعد والوعيد. قال مقاتل: يقول لم شتهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ في كل زمان رسولاً يعني: أرسلناك رسولاً، وأنزلنا عليك كتاباً فيه هذه الأخبار فتتلوها عليهم ولولا ذلك ما علمتها، ولم تخبرهم بها، ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور﴾ بناحية الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى «إذْ نَادَيْنَا» أي: نادينا موسى: خذ الكتاب بقوَّةٍ. وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم: (يا أمة محمدٍ أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل تستغفروني) ، قال: وإنما قال ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه. وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد قال موسى: يا رب أرني محمداً، قال: إنك لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. قوله: ﴿ولكن رَّحْمَةً﴾ أي: أَرْسَلْنَاكَ رَحْمَةً، أو أعلمناك بذلك رحمةً، أو لكن رحمناك رحمة بإرسالك وبالوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك. وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة: «رَحْمَةٌ» بالرفع، أي: أنت رحمة. قوله: ﴿مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ﴾ في موضع الصفة ل «قَوْماً» ، والمعنى: لتنذر أقواماً ما أتاهم من نذير من قبلك، يعني أهل مكة، «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» . قوله: ﴿ولولاا أَن تُصِيبَهُم﴾ هي الامتناعية، و (أنْ) وما في حيزها في موضع رفع بالابتداء، أي: ولولا أصابتهم مصيبة، وجوابها محذوف، فقدره الزجاج: ما أرسلنا إليهم رسلاً. يعني أن الحامل على إرسال الرسل إزاحة عللهم بهذا القول، فهو كقوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ [النساء: 165] ، وقدره ابن عطية: لعاجلناهم، ولا معنى لهذا. «فَيَقُولُوا» عطف على «تصيبهم» و «لَوْلاً» الثانية تحضيض، و «فنتبع» جوابه، فلذلك نصب بإضمار «أَنْ» . قال الزمخشري: فإن قلت كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب، لا القول لدخول حرف الامتناع عليه دونه؟ قلت: القول هو المقصود بأن يكون سبباً للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب للإرسال بواسطة القول، فأدخلت عليها (لولا) ، وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السبب، ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً على كفرهم عاينوا ما الجئوا به إلى العلم اليقيني ببطلان دينهم لما يقولوا: لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولاً. بل إنما يقولون إذا نالهم العقاب، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقال لا غير التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] .

القصص 28:47

قوله: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي﴾ (قال قتادة والسدي: وما كنت بجانب الجبل الغربي) فيكون من حذف الموصوف، وإقامة صفته قيامه أو أن يكون من إضافة الموصوف لصفته، وهو مذهب الكوفيين، ومثله: بَقْلَةُ الحَمْقَاءِ، وَمَسْجِدُ الجَامِع. قوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر﴾ أي: عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه، والمعنى: وما كنت الحاضر المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو على الوحي إليه وهم نقباؤه الذي اختارهم للميقات. فإن قيل: لمَّا قال: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي﴾ ثبت أنه لم يكن شاهداً، لأن الشاهد لا بد وأن يكون حاضراً فما الفائدة في إعادة قوله: ﴿وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾ . فالجواب: قال ابن عباس التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت ما شاهدت تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك، ولا يشهد ولا يرى. قوله: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً﴾ وجه الاستدراك أن المعنى: وَمَا كُنْتَ شَاهِداً لموسى وما جرى عليه ولكِنَّا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب على عادة الله في اختصاراته، فإن هذا الاستدراك هو شبيه بالاستداركين بعده، قاله الزمخشري، وهذا تنبيه على المعجز، كأنه قال: إن في إخبارك بهذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله دلالةً ظاهرةً على نبوتك كقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى﴾ [طه: 133] ؟ قوله: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِياً﴾ أي: مقيماً، يقال: ثَوَى يَثْوِي ثَوَاءً وثُوِياً، فهو ثاوٍ ومثويّ، قال ذو الرمة. 4007 - لَقَدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ... تَقَضِّي لُبَانَاتٍ وَيَسْأْمُ سائِمُ وقال: 4008 - طَالَ الثَّوَاءُ عَلَى رَسُولِ المَنْزِلِ ... وقال العجاج: 4009 - وَبَاتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ ... يعني الضيف المقيم. قوله: «تَتْلُوا» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «ثَاوِياً» ، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون هو الخبر، و «ثَاوِياً» حال وجعله الفراء منقطاً مما قبله. أي: مستأنفاً كأنَّه قيل: وها أنت تتلو على أمَّتك، وفيه بعد. فصل المعنى: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً﴾ خلقنا أمماً من بعد موسى ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر﴾ أي: طالبت عليهم المهملة، فنسوا عهد الله وتركوا أمره، وذلك أن الله عهد إلى موسى وقومه عوداً في محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والإيمان به، فلما طال عليهم العمر وخلقت القرون من بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها، «وَمَا كُنْتَ» مقيماً ﴿في أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ كمقام موسى وشعيب فيهم ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ تذكرهم بالوعد والوعيد. قال مقاتل: يقول لم شتهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ في كل زمان رسولاً يعني: أرسلناك رسولاً، وأنزلنا عليك كتاباً فيه هذه الأخبار فتتلوها عليهم ولولا ذلك ما علمتها، ولم تخبرهم بها، ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور﴾ بناحية الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى «إذْ نَادَيْنَا» أي: نادينا موسى: خذ الكتاب بقوَّةٍ. وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم: (يا أمة محمدٍ أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل تستغفروني) ، قال: وإنما قال ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه. وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد قال موسى: يا رب أرني محمداً، قال: إنك لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. قوله: ﴿ولكن رَّحْمَةً﴾ أي: أَرْسَلْنَاكَ رَحْمَةً، أو أعلمناك بذلك رحمةً، أو لكن رحمناك رحمة بإرسالك وبالوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك. وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة: «رَحْمَةٌ» بالرفع، أي: أنت رحمة. قوله: ﴿مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ﴾ في موضع الصفة ل «قَوْماً» ، والمعنى: لتنذر أقواماً ما أتاهم من نذير من قبلك، يعني أهل مكة، «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» . قوله: ﴿ولولاا أَن تُصِيبَهُم﴾ هي الامتناعية، و (أنْ) وما في حيزها في موضع رفع بالابتداء، أي: ولولا أصابتهم مصيبة، وجوابها محذوف، فقدره الزجاج: ما أرسلنا إليهم رسلاً. يعني أن الحامل على إرسال الرسل إزاحة عللهم بهذا القول، فهو كقوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ [النساء: 165] ، وقدره ابن عطية: لعاجلناهم، ولا معنى لهذا. «فَيَقُولُوا» عطف على «تصيبهم» و «لَوْلاً» الثانية تحضيض، و «فنتبع» جوابه، فلذلك نصب بإضمار «أَنْ» . قال الزمخشري: فإن قلت كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب، لا القول لدخول حرف الامتناع عليه دونه؟ قلت: القول هو المقصود بأن يكون سبباً للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب للإرسال بواسطة القول، فأدخلت عليها (لولا) ، وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السبب، ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً على كفرهم عاينوا ما الجئوا به إلى العلم اليقيني ببطلان دينهم لما يقولوا: لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولاً. بل إنما يقولون إذا نالهم العقاب، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقال لا غير التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] .

القصص 28:48

قوله: «فَلَمَّا جَاءَهُمْ» يعني محمداً الحق من عندنا قالوا يعني كفار مكة (لَوْلاَ) هلاَّ «أُوتِيَ مُحَمَّدٌ» مثل ما أُوتِيَ موسى من الآيات كاليد البيضاء، والعصا، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانفجار الحجر بالماء والمنِّ والسَّلْوَى وكلام الله وغيرها. وقيل: مثل ما أُوتي موسى كتاباً جملةً واحدةً. قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، واختلفوا في الضمير في قوله: أَوَ لَمْ يَكْفُرَوا، فقيل: إن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أُوتِيَ مُوسَى - عليه السلام - فقال تعالى: «أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا» هؤلاء اليهود ﴿بِمَآ أُوتِيَ موسى﴾ بجميع تلك الآيات الباهرة؟ وقيل: إنّ الذين اقترحوا هذا هم كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمن موسى إلاَّ أنه تعالى جعله كالشيء الواحد، لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد. وقال الكلبي: إنَّ مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألونهم عن محمد وشأنه، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرَّهط وأخبروهم بقول اليهود، وقالوا: إنَّه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى في حقهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ . وقال الحسن: كان للعرب أصل في أيام موسى - عليه السلام - فمعناه على هذا: أو لم يكفر آباؤهم، وقالوا: موسى وهارون ساحران، وقال قتادة: أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فقالوا ساحران، وقيل: إن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول معجزات موسى - عليه السلام - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، أي: لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى، وهو قولهم «سَاحِرَانِ تَظَاهَرا» . قوله: «مِن قَبْلُ» إمَّا أن يتعلق ب «يَكْفُرُوا» ، أو ب «أُوتِيَ» أي من قبل ظهورك. قوله: «سَاحِرَانِ» قرأ الكوفيون «سِحْرَان» أي هما، أي: القرآن والتوراة، أو موسى وهارون، وذلك على المبالغة، جعلوهما نفس السحر، أو على حذف مضاف، أي: ذوا سِحْرَين، ولو صحَّ هذا لكان ينبغي أن يفرد سحر، ولكنَّه ثني تنبيهاً على التنويع، وقيل المراد: موسى ومحمد - عليهما السلام - أو التوراة والإنجيل، والباقون: «سَاحِرانِ» أي: موسى وهارون أو موسى ومحمد كما تقدم. قوله: «تَظَاهَرَا» العامة على تخفيف الظاء فعلاً ماضياً صفة ل «سِحْرَان» أو «سَاحِرَانِ» أي: تعاوَنَا. وقرأ الحسن ويحيى بن الحارث الذَّمَّاري وأبو حيوة واليزيدي بتشديدها، وقد لحنهم الناس، قال ابن خالويه تشديده لحن، لأنه فعل ماض، وإنَّما يُشَدَّد في المضارع، وقال الهذلي: لا معنى له، وقال أبو الفضل: لا أعرف وجهه. وهذا عجيب من هؤلاء، وقد حذفت نون الرفع في مواضع حتى في الفصيح كقوله عليه السلام: «لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابّوا» ولا فرق بين كونها بعد واو، أو ألف، أو ياء، فهذا أصله تتظاهر أن فأدغم وحذفت نونه تخفيفاً، وقرأ الأعمش وطلحة وكذا في مصحف عبد الله «اظَّاهَرا» بهمزة وصل وشد الظاء وأصلها تظاهرا كقراءة العامة، فلما أريد الإدغام سُكِّن الأول فاجتلبت همزة الوصل، واختار أبو عبيدة القراءة بالألف، لأن المظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منها بأن المراد الكتابين، لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا، كما يقال: تظاهرت الأخبار. قوله: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء، وهذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين إلا باليهود، ثم قال: قل لهم يا محمد: ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ﴾ يعني من التوراة والقرآن، وهو مؤيد لقراءة «سِحْرَانِ» أو من كتابيهما على حذف مضاف، وهو مؤيد لقراءة «سَاحِرَان» ، «أتَّبِعْهُ» ، وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله. قوله: «أتَّبِعْهُ» جواب للأمر وهو: «فَأْتُوا» ، وقرأ زيد بن علي أَتَّبِعُهُ بالرفع استئنافاً، أي: فأنا أتبعه. قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ استجاب بمعنى أجاب، قال ابن عباس: يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما، وهذا أشبه بالآية، قال الزمخشري: فإن قلت ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية وبينه في قوله: 4010 - فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ... حيث عدِّي بغير لام؟ قلت: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عُدِّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه أو: استجاب به، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت فمعناه: فلم يستجب دعاءه على حذف المضاف. وقد تقدم تقرير هذا في البقرة، وأنَّ استجاب بمعنى أجاب، والبيت الذي أشار إليه هو: 4011 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يجِيبُ إلى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ والناس ينشدونه على تعدِّيه بنفسه، فإن قيل: الاستجابة تقتضي دعاء، فأين الدعاء هنا؟ قيل: «فَأتُوا بِكِتَابٍ» أمر، والأمر دعاء إلى الفعل، وقال: ﴿فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي صاروا ملتزمين طريقه، ولم يبق شيء إلا اتباع الهوى، ثم زيّف طريقهم بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾ وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، وأنه لا بد من الحجة والاستدلال ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ العامة على تشديد «وَصّلْنَا» إما من الوصل ضد القطع أي: تابعنا بعضه ببعض. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً، وأصله من وصل الحبل، قال: 4012 - فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ ما بَالُ ذِمَّتِي ... بِحَبْلٍ ضَعيفٍ لاَ يَزَالُ يُوصَّلُ وإمّا: جعلناه أوصالاً أي: أنواعاً من المعاني - قاله مجاهد - وقرأ الحسن بتخفيف الصاد وهو قريب مما تقدم، قال ابن عباس ومقاتل: وَصَّلْنَا: بيَّنا لكفار مكة - بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية - كيف عذبوا بتكذيبهم، وقال ابن زيد: وصلنا لهم القول: خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ، ثم لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ . قوله: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ» مبتدأ و «هُمْ» مبتدأ ثان و «يُؤْمِنُونَ» خبره، والجملة خبر الأول، و «بِهِ» متعلق ب «يُؤْمِنُونَ» ، وقد يُعَكِّرُ على الزمخشري وغيره من أهل البيان، حيث قالوا: التقديم يفيد الاختصاص وهنا لا يتأتى ذلك، لأنهم لم خصُّوا إيمانهم بهذا الكتاب فقط لزم كفرهم بما عداه وهو عكس المراد وقد أبدى أهل البيان هذا في قوله: ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: 29] فقالوا: لو قدِّم «به» لأوهم الاختصاص بالإيمان بالله وحده دون ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا بعينه جارٍ هنا، والجواب: أن الإيمان بغيره معلوم فانصبَّ الغرض إلى الإيمان بهذا. فصل قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقيل: من قبل القرآن ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ، قال قتادة: نزلت في (أناسٍ من) أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مقاتل: هم أصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وآمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قال سعيد بن جبير: قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله الله عليه وسلم لما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبيَّ الله إن لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، وعن ابن عباس قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، وقال رفاعه: نزلت في عشرة أنا أحدهم: وصفهم الله فقال: ﴿وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: القرآن، قالوا: ﴿قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ، وذلك أنّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، أي كنا من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله التوحيد مؤمنين بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نبي حق. قوله : ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ منصوب على المصدر، و «بِمَا صَبَرُوا» ما مصدرية والباء متعلق ب «يؤتون (أَوْ بنفس الأجر. ومعنى» مَرَّتَيْنِ «أي: بإيمانهم بمحمد قيل بعثته، وقيل: يُؤْتَوْن أَجْرَهُمْ) مرتين لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، وقيل: لإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل محمد - عليه السلام - ومرَّة بإيمانهم بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مقاتل: لما آمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شتمهم المشركون، فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح وأجر على الإيمان، وقوله» بِمَا صبَرُوا «أي على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسْلَمُوا فأوذُوا. قوله: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة﴾ أي بالطاعة المعصية المتقدمة، قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون، في الطاعة. قوله: وإذا سمعوا اللَّغو وهو القبيح من القول أعرضوا عنه، وذلك أن المشركين كانوا يسبُّون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون تبّاً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردّون عليهم، ﴿أُوْلَ ? ئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِ الْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ , لنا ديننا ولكم دينكم، ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، ليس المراد سلام التحية ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سَلِمْتُمْ مِنَّا لا نعارِضُكُمْ بالشتم والقبح، ونظيره ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] . ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكياً عنهم ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ ، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه، وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، قيل: نسخ ذلك بالأمر بالقتال، وهو بعيد، لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال (واجباً) . والله أعلم.

القصص 28:49

قوله: «فَلَمَّا جَاءَهُمْ» يعني محمداً الحق من عندنا قالوا يعني كفار مكة (لَوْلاَ) هلاَّ «أُوتِيَ مُحَمَّدٌ» مثل ما أُوتِيَ موسى من الآيات كاليد البيضاء، والعصا، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانفجار الحجر بالماء والمنِّ والسَّلْوَى وكلام الله وغيرها. وقيل: مثل ما أُوتي موسى كتاباً جملةً واحدةً. قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، واختلفوا في الضمير في قوله: أَوَ لَمْ يَكْفُرَوا، فقيل: إن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أُوتِيَ مُوسَى - عليه السلام - فقال تعالى: «أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا» هؤلاء اليهود ﴿بِمَآ أُوتِيَ موسى﴾ بجميع تلك الآيات الباهرة؟ وقيل: إنّ الذين اقترحوا هذا هم كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمن موسى إلاَّ أنه تعالى جعله كالشيء الواحد، لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد. وقال الكلبي: إنَّ مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألونهم عن محمد وشأنه، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرَّهط وأخبروهم بقول اليهود، وقالوا: إنَّه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى في حقهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ . وقال الحسن: كان للعرب أصل في أيام موسى - عليه السلام - فمعناه على هذا: أو لم يكفر آباؤهم، وقالوا: موسى وهارون ساحران، وقال قتادة: أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فقالوا ساحران، وقيل: إن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول معجزات موسى - عليه السلام - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، أي: لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى، وهو قولهم «سَاحِرَانِ تَظَاهَرا» . قوله: «مِن قَبْلُ» إمَّا أن يتعلق ب «يَكْفُرُوا» ، أو ب «أُوتِيَ» أي من قبل ظهورك. قوله: «سَاحِرَانِ» قرأ الكوفيون «سِحْرَان» أي هما، أي: القرآن والتوراة، أو موسى وهارون، وذلك على المبالغة، جعلوهما نفس السحر، أو على حذف مضاف، أي: ذوا سِحْرَين، ولو صحَّ هذا لكان ينبغي أن يفرد سحر، ولكنَّه ثني تنبيهاً على التنويع، وقيل المراد: موسى ومحمد - عليهما السلام - أو التوراة والإنجيل، والباقون: «سَاحِرانِ» أي: موسى وهارون أو موسى ومحمد كما تقدم. قوله: «تَظَاهَرَا» العامة على تخفيف الظاء فعلاً ماضياً صفة ل «سِحْرَان» أو «سَاحِرَانِ» أي: تعاوَنَا. وقرأ الحسن ويحيى بن الحارث الذَّمَّاري وأبو حيوة واليزيدي بتشديدها، وقد لحنهم الناس، قال ابن خالويه تشديده لحن، لأنه فعل ماض، وإنَّما يُشَدَّد في المضارع، وقال الهذلي: لا معنى له، وقال أبو الفضل: لا أعرف وجهه. وهذا عجيب من هؤلاء، وقد حذفت نون الرفع في مواضع حتى في الفصيح كقوله عليه السلام: «لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابّوا» ولا فرق بين كونها بعد واو، أو ألف، أو ياء، فهذا أصله تتظاهر أن فأدغم وحذفت نونه تخفيفاً، وقرأ الأعمش وطلحة وكذا في مصحف عبد الله «اظَّاهَرا» بهمزة وصل وشد الظاء وأصلها تظاهرا كقراءة العامة، فلما أريد الإدغام سُكِّن الأول فاجتلبت همزة الوصل، واختار أبو عبيدة القراءة بالألف، لأن المظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منها بأن المراد الكتابين، لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا، كما يقال: تظاهرت الأخبار. قوله: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء، وهذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين إلا باليهود، ثم قال: قل لهم يا محمد: ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ﴾ يعني من التوراة والقرآن، وهو مؤيد لقراءة «سِحْرَانِ» أو من كتابيهما على حذف مضاف، وهو مؤيد لقراءة «سَاحِرَان» ، «أتَّبِعْهُ» ، وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله. قوله: «أتَّبِعْهُ» جواب للأمر وهو: «فَأْتُوا» ، وقرأ زيد بن علي أَتَّبِعُهُ بالرفع استئنافاً، أي: فأنا أتبعه. قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ استجاب بمعنى أجاب، قال ابن عباس: يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما، وهذا أشبه بالآية، قال الزمخشري: فإن قلت ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية وبينه في قوله: 4010 - فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ... حيث عدِّي بغير لام؟ قلت: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عُدِّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه أو: استجاب به، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت فمعناه: فلم يستجب دعاءه على حذف المضاف. وقد تقدم تقرير هذا في البقرة، وأنَّ استجاب بمعنى أجاب، والبيت الذي أشار إليه هو: 4011 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يجِيبُ إلى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ والناس ينشدونه على تعدِّيه بنفسه، فإن قيل: الاستجابة تقتضي دعاء، فأين الدعاء هنا؟ قيل: «فَأتُوا بِكِتَابٍ» أمر، والأمر دعاء إلى الفعل، وقال: ﴿فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي صاروا ملتزمين طريقه، ولم يبق شيء إلا اتباع الهوى، ثم زيّف طريقهم بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾ وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، وأنه لا بد من الحجة والاستدلال ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ العامة على تشديد «وَصّلْنَا» إما من الوصل ضد القطع أي: تابعنا بعضه ببعض. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً، وأصله من وصل الحبل، قال: 4012 - فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ ما بَالُ ذِمَّتِي ... بِحَبْلٍ ضَعيفٍ لاَ يَزَالُ يُوصَّلُ وإمّا: جعلناه أوصالاً أي: أنواعاً من المعاني - قاله مجاهد - وقرأ الحسن بتخفيف الصاد وهو قريب مما تقدم، قال ابن عباس ومقاتل: وَصَّلْنَا: بيَّنا لكفار مكة - بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية - كيف عذبوا بتكذيبهم، وقال ابن زيد: وصلنا لهم القول: خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ، ثم لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ . قوله: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ» مبتدأ و «هُمْ» مبتدأ ثان و «يُؤْمِنُونَ» خبره، والجملة خبر الأول، و «بِهِ» متعلق ب «يُؤْمِنُونَ» ، وقد يُعَكِّرُ على الزمخشري وغيره من أهل البيان، حيث قالوا: التقديم يفيد الاختصاص وهنا لا يتأتى ذلك، لأنهم لم خصُّوا إيمانهم بهذا الكتاب فقط لزم كفرهم بما عداه وهو عكس المراد وقد أبدى أهل البيان هذا في قوله: ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: 29] فقالوا: لو قدِّم «به» لأوهم الاختصاص بالإيمان بالله وحده دون ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا بعينه جارٍ هنا، والجواب: أن الإيمان بغيره معلوم فانصبَّ الغرض إلى الإيمان بهذا. فصل قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقيل: من قبل القرآن ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ، قال قتادة: نزلت في (أناسٍ من) أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مقاتل: هم أصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وآمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قال سعيد بن جبير: قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله الله عليه وسلم لما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبيَّ الله إن لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، وعن ابن عباس قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، وقال رفاعه: نزلت في عشرة أنا أحدهم: وصفهم الله فقال: ﴿وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: القرآن، قالوا: ﴿قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ، وذلك أنّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، أي كنا من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله التوحيد مؤمنين بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نبي حق. قوله : ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ منصوب على المصدر، و «بِمَا صَبَرُوا» ما مصدرية والباء متعلق ب «يؤتون (أَوْ بنفس الأجر. ومعنى» مَرَّتَيْنِ «أي: بإيمانهم بمحمد قيل بعثته، وقيل: يُؤْتَوْن أَجْرَهُمْ) مرتين لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، وقيل: لإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل محمد - عليه السلام - ومرَّة بإيمانهم بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مقاتل: لما آمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شتمهم المشركون، فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح وأجر على الإيمان، وقوله» بِمَا صبَرُوا «أي على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسْلَمُوا فأوذُوا. قوله: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة﴾ أي بالطاعة المعصية المتقدمة، قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون، في الطاعة. قوله: وإذا سمعوا اللَّغو وهو القبيح من القول أعرضوا عنه، وذلك أن المشركين كانوا يسبُّون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون تبّاً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردّون عليهم، ﴿أُوْلَ ? ئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِ الْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ , لنا ديننا ولكم دينكم، ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، ليس المراد سلام التحية ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سَلِمْتُمْ مِنَّا لا نعارِضُكُمْ بالشتم والقبح، ونظيره ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] . ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكياً عنهم ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ ، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه، وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، قيل: نسخ ذلك بالأمر بالقتال، وهو بعيد، لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال (واجباً) . والله أعلم.

القصص 28:50

قوله: «فَلَمَّا جَاءَهُمْ» يعني محمداً الحق من عندنا قالوا يعني كفار مكة (لَوْلاَ) هلاَّ «أُوتِيَ مُحَمَّدٌ» مثل ما أُوتِيَ موسى من الآيات كاليد البيضاء، والعصا، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانفجار الحجر بالماء والمنِّ والسَّلْوَى وكلام الله وغيرها. وقيل: مثل ما أُوتي موسى كتاباً جملةً واحدةً. قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، واختلفوا في الضمير في قوله: أَوَ لَمْ يَكْفُرَوا، فقيل: إن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أُوتِيَ مُوسَى - عليه السلام - فقال تعالى: «أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا» هؤلاء اليهود ﴿بِمَآ أُوتِيَ موسى﴾ بجميع تلك الآيات الباهرة؟ وقيل: إنّ الذين اقترحوا هذا هم كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمن موسى إلاَّ أنه تعالى جعله كالشيء الواحد، لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد. وقال الكلبي: إنَّ مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألونهم عن محمد وشأنه، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرَّهط وأخبروهم بقول اليهود، وقالوا: إنَّه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى في حقهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ . وقال الحسن: كان للعرب أصل في أيام موسى - عليه السلام - فمعناه على هذا: أو لم يكفر آباؤهم، وقالوا: موسى وهارون ساحران، وقال قتادة: أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فقالوا ساحران، وقيل: إن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول معجزات موسى - عليه السلام - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، أي: لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى، وهو قولهم «سَاحِرَانِ تَظَاهَرا» . قوله: «مِن قَبْلُ» إمَّا أن يتعلق ب «يَكْفُرُوا» ، أو ب «أُوتِيَ» أي من قبل ظهورك. قوله: «سَاحِرَانِ» قرأ الكوفيون «سِحْرَان» أي هما، أي: القرآن والتوراة، أو موسى وهارون، وذلك على المبالغة، جعلوهما نفس السحر، أو على حذف مضاف، أي: ذوا سِحْرَين، ولو صحَّ هذا لكان ينبغي أن يفرد سحر، ولكنَّه ثني تنبيهاً على التنويع، وقيل المراد: موسى ومحمد - عليهما السلام - أو التوراة والإنجيل، والباقون: «سَاحِرانِ» أي: موسى وهارون أو موسى ومحمد كما تقدم. قوله: «تَظَاهَرَا» العامة على تخفيف الظاء فعلاً ماضياً صفة ل «سِحْرَان» أو «سَاحِرَانِ» أي: تعاوَنَا. وقرأ الحسن ويحيى بن الحارث الذَّمَّاري وأبو حيوة واليزيدي بتشديدها، وقد لحنهم الناس، قال ابن خالويه تشديده لحن، لأنه فعل ماض، وإنَّما يُشَدَّد في المضارع، وقال الهذلي: لا معنى له، وقال أبو الفضل: لا أعرف وجهه. وهذا عجيب من هؤلاء، وقد حذفت نون الرفع في مواضع حتى في الفصيح كقوله عليه السلام: «لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابّوا» ولا فرق بين كونها بعد واو، أو ألف، أو ياء، فهذا أصله تتظاهر أن فأدغم وحذفت نونه تخفيفاً، وقرأ الأعمش وطلحة وكذا في مصحف عبد الله «اظَّاهَرا» بهمزة وصل وشد الظاء وأصلها تظاهرا كقراءة العامة، فلما أريد الإدغام سُكِّن الأول فاجتلبت همزة الوصل، واختار أبو عبيدة القراءة بالألف، لأن المظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منها بأن المراد الكتابين، لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا، كما يقال: تظاهرت الأخبار. قوله: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء، وهذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين إلا باليهود، ثم قال: قل لهم يا محمد: ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ﴾ يعني من التوراة والقرآن، وهو مؤيد لقراءة «سِحْرَانِ» أو من كتابيهما على حذف مضاف، وهو مؤيد لقراءة «سَاحِرَان» ، «أتَّبِعْهُ» ، وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله. قوله: «أتَّبِعْهُ» جواب للأمر وهو: «فَأْتُوا» ، وقرأ زيد بن علي أَتَّبِعُهُ بالرفع استئنافاً، أي: فأنا أتبعه. قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ استجاب بمعنى أجاب، قال ابن عباس: يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما، وهذا أشبه بالآية، قال الزمخشري: فإن قلت ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية وبينه في قوله: 4010 - فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ... حيث عدِّي بغير لام؟ قلت: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عُدِّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه أو: استجاب به، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت فمعناه: فلم يستجب دعاءه على حذف المضاف. وقد تقدم تقرير هذا في البقرة، وأنَّ استجاب بمعنى أجاب، والبيت الذي أشار إليه هو: 4011 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يجِيبُ إلى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ والناس ينشدونه على تعدِّيه بنفسه، فإن قيل: الاستجابة تقتضي دعاء، فأين الدعاء هنا؟ قيل: «فَأتُوا بِكِتَابٍ» أمر، والأمر دعاء إلى الفعل، وقال: ﴿فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي صاروا ملتزمين طريقه، ولم يبق شيء إلا اتباع الهوى، ثم زيّف طريقهم بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾ وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، وأنه لا بد من الحجة والاستدلال ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ العامة على تشديد «وَصّلْنَا» إما من الوصل ضد القطع أي: تابعنا بعضه ببعض. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً، وأصله من وصل الحبل، قال: 4012 - فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ ما بَالُ ذِمَّتِي ... بِحَبْلٍ ضَعيفٍ لاَ يَزَالُ يُوصَّلُ وإمّا: جعلناه أوصالاً أي: أنواعاً من المعاني - قاله مجاهد - وقرأ الحسن بتخفيف الصاد وهو قريب مما تقدم، قال ابن عباس ومقاتل: وَصَّلْنَا: بيَّنا لكفار مكة - بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية - كيف عذبوا بتكذيبهم، وقال ابن زيد: وصلنا لهم القول: خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ، ثم لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ . قوله: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ» مبتدأ و «هُمْ» مبتدأ ثان و «يُؤْمِنُونَ» خبره، والجملة خبر الأول، و «بِهِ» متعلق ب «يُؤْمِنُونَ» ، وقد يُعَكِّرُ على الزمخشري وغيره من أهل البيان، حيث قالوا: التقديم يفيد الاختصاص وهنا لا يتأتى ذلك، لأنهم لم خصُّوا إيمانهم بهذا الكتاب فقط لزم كفرهم بما عداه وهو عكس المراد وقد أبدى أهل البيان هذا في قوله: ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: 29] فقالوا: لو قدِّم «به» لأوهم الاختصاص بالإيمان بالله وحده دون ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا بعينه جارٍ هنا، والجواب: أن الإيمان بغيره معلوم فانصبَّ الغرض إلى الإيمان بهذا. فصل قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقيل: من قبل القرآن ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ، قال قتادة: نزلت في (أناسٍ من) أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مقاتل: هم أصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وآمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قال سعيد بن جبير: قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله الله عليه وسلم لما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبيَّ الله إن لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، وعن ابن عباس قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، وقال رفاعه: نزلت في عشرة أنا أحدهم: وصفهم الله فقال: ﴿وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: القرآن، قالوا: ﴿قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ، وذلك أنّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، أي كنا من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله التوحيد مؤمنين بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نبي حق. قوله : ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ منصوب على المصدر، و «بِمَا صَبَرُوا» ما مصدرية والباء متعلق ب «يؤتون (أَوْ بنفس الأجر. ومعنى» مَرَّتَيْنِ «أي: بإيمانهم بمحمد قيل بعثته، وقيل: يُؤْتَوْن أَجْرَهُمْ) مرتين لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، وقيل: لإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل محمد - عليه السلام - ومرَّة بإيمانهم بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مقاتل: لما آمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شتمهم المشركون، فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح وأجر على الإيمان، وقوله» بِمَا صبَرُوا «أي على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسْلَمُوا فأوذُوا. قوله: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة﴾ أي بالطاعة المعصية المتقدمة، قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون، في الطاعة. قوله: وإذا سمعوا اللَّغو وهو القبيح من القول أعرضوا عنه، وذلك أن المشركين كانوا يسبُّون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون تبّاً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردّون عليهم، ﴿أُوْلَ ? ئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِ الْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ , لنا ديننا ولكم دينكم، ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، ليس المراد سلام التحية ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سَلِمْتُمْ مِنَّا لا نعارِضُكُمْ بالشتم والقبح، ونظيره ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] . ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكياً عنهم ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ ، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه، وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، قيل: نسخ ذلك بالأمر بالقتال، وهو بعيد، لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال (واجباً) . والله أعلم.

القصص 28:51

قوله: «فَلَمَّا جَاءَهُمْ» يعني محمداً الحق من عندنا قالوا يعني كفار مكة (لَوْلاَ) هلاَّ «أُوتِيَ مُحَمَّدٌ» مثل ما أُوتِيَ موسى من الآيات كاليد البيضاء، والعصا، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانفجار الحجر بالماء والمنِّ والسَّلْوَى وكلام الله وغيرها. وقيل: مثل ما أُوتي موسى كتاباً جملةً واحدةً. قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، واختلفوا في الضمير في قوله: أَوَ لَمْ يَكْفُرَوا، فقيل: إن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أُوتِيَ مُوسَى - عليه السلام - فقال تعالى: «أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا» هؤلاء اليهود ﴿بِمَآ أُوتِيَ موسى﴾ بجميع تلك الآيات الباهرة؟ وقيل: إنّ الذين اقترحوا هذا هم كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمن موسى إلاَّ أنه تعالى جعله كالشيء الواحد، لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد. وقال الكلبي: إنَّ مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألونهم عن محمد وشأنه، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرَّهط وأخبروهم بقول اليهود، وقالوا: إنَّه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى في حقهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ . وقال الحسن: كان للعرب أصل في أيام موسى - عليه السلام - فمعناه على هذا: أو لم يكفر آباؤهم، وقالوا: موسى وهارون ساحران، وقال قتادة: أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فقالوا ساحران، وقيل: إن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول معجزات موسى - عليه السلام - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، أي: لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى، وهو قولهم «سَاحِرَانِ تَظَاهَرا» . قوله: «مِن قَبْلُ» إمَّا أن يتعلق ب «يَكْفُرُوا» ، أو ب «أُوتِيَ» أي من قبل ظهورك. قوله: «سَاحِرَانِ» قرأ الكوفيون «سِحْرَان» أي هما، أي: القرآن والتوراة، أو موسى وهارون، وذلك على المبالغة، جعلوهما نفس السحر، أو على حذف مضاف، أي: ذوا سِحْرَين، ولو صحَّ هذا لكان ينبغي أن يفرد سحر، ولكنَّه ثني تنبيهاً على التنويع، وقيل المراد: موسى ومحمد - عليهما السلام - أو التوراة والإنجيل، والباقون: «سَاحِرانِ» أي: موسى وهارون أو موسى ومحمد كما تقدم. قوله: «تَظَاهَرَا» العامة على تخفيف الظاء فعلاً ماضياً صفة ل «سِحْرَان» أو «سَاحِرَانِ» أي: تعاوَنَا. وقرأ الحسن ويحيى بن الحارث الذَّمَّاري وأبو حيوة واليزيدي بتشديدها، وقد لحنهم الناس، قال ابن خالويه تشديده لحن، لأنه فعل ماض، وإنَّما يُشَدَّد في المضارع، وقال الهذلي: لا معنى له، وقال أبو الفضل: لا أعرف وجهه. وهذا عجيب من هؤلاء، وقد حذفت نون الرفع في مواضع حتى في الفصيح كقوله عليه السلام: «لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابّوا» ولا فرق بين كونها بعد واو، أو ألف، أو ياء، فهذا أصله تتظاهر أن فأدغم وحذفت نونه تخفيفاً، وقرأ الأعمش وطلحة وكذا في مصحف عبد الله «اظَّاهَرا» بهمزة وصل وشد الظاء وأصلها تظاهرا كقراءة العامة، فلما أريد الإدغام سُكِّن الأول فاجتلبت همزة الوصل، واختار أبو عبيدة القراءة بالألف، لأن المظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منها بأن المراد الكتابين، لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا، كما يقال: تظاهرت الأخبار. قوله: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء، وهذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين إلا باليهود، ثم قال: قل لهم يا محمد: ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ﴾ يعني من التوراة والقرآن، وهو مؤيد لقراءة «سِحْرَانِ» أو من كتابيهما على حذف مضاف، وهو مؤيد لقراءة «سَاحِرَان» ، «أتَّبِعْهُ» ، وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله. قوله: «أتَّبِعْهُ» جواب للأمر وهو: «فَأْتُوا» ، وقرأ زيد بن علي أَتَّبِعُهُ بالرفع استئنافاً، أي: فأنا أتبعه. قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ استجاب بمعنى أجاب، قال ابن عباس: يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما، وهذا أشبه بالآية، قال الزمخشري: فإن قلت ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية وبينه في قوله: 4010 - فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ... حيث عدِّي بغير لام؟ قلت: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عُدِّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه أو: استجاب به، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت فمعناه: فلم يستجب دعاءه على حذف المضاف. وقد تقدم تقرير هذا في البقرة، وأنَّ استجاب بمعنى أجاب، والبيت الذي أشار إليه هو: 4011 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يجِيبُ إلى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ والناس ينشدونه على تعدِّيه بنفسه، فإن قيل: الاستجابة تقتضي دعاء، فأين الدعاء هنا؟ قيل: «فَأتُوا بِكِتَابٍ» أمر، والأمر دعاء إلى الفعل، وقال: ﴿فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي صاروا ملتزمين طريقه، ولم يبق شيء إلا اتباع الهوى، ثم زيّف طريقهم بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾ وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، وأنه لا بد من الحجة والاستدلال ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ العامة على تشديد «وَصّلْنَا» إما من الوصل ضد القطع أي: تابعنا بعضه ببعض. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً، وأصله من وصل الحبل، قال: 4012 - فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ ما بَالُ ذِمَّتِي ... بِحَبْلٍ ضَعيفٍ لاَ يَزَالُ يُوصَّلُ وإمّا: جعلناه أوصالاً أي: أنواعاً من المعاني - قاله مجاهد - وقرأ الحسن بتخفيف الصاد وهو قريب مما تقدم، قال ابن عباس ومقاتل: وَصَّلْنَا: بيَّنا لكفار مكة - بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية - كيف عذبوا بتكذيبهم، وقال ابن زيد: وصلنا لهم القول: خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ، ثم لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ . قوله: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ» مبتدأ و «هُمْ» مبتدأ ثان و «يُؤْمِنُونَ» خبره، والجملة خبر الأول، و «بِهِ» متعلق ب «يُؤْمِنُونَ» ، وقد يُعَكِّرُ على الزمخشري وغيره من أهل البيان، حيث قالوا: التقديم يفيد الاختصاص وهنا لا يتأتى ذلك، لأنهم لم خصُّوا إيمانهم بهذا الكتاب فقط لزم كفرهم بما عداه وهو عكس المراد وقد أبدى أهل البيان هذا في قوله: ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: 29] فقالوا: لو قدِّم «به» لأوهم الاختصاص بالإيمان بالله وحده دون ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا بعينه جارٍ هنا، والجواب: أن الإيمان بغيره معلوم فانصبَّ الغرض إلى الإيمان بهذا. فصل قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقيل: من قبل القرآن ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ، قال قتادة: نزلت في (أناسٍ من) أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مقاتل: هم أصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وآمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قال سعيد بن جبير: قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله الله عليه وسلم لما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبيَّ الله إن لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، وعن ابن عباس قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، وقال رفاعه: نزلت في عشرة أنا أحدهم: وصفهم الله فقال: ﴿وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: القرآن، قالوا: ﴿قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ، وذلك أنّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، أي كنا من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله التوحيد مؤمنين بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نبي حق. قوله : ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ منصوب على المصدر، و «بِمَا صَبَرُوا» ما مصدرية والباء متعلق ب «يؤتون (أَوْ بنفس الأجر. ومعنى» مَرَّتَيْنِ «أي: بإيمانهم بمحمد قيل بعثته، وقيل: يُؤْتَوْن أَجْرَهُمْ) مرتين لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، وقيل: لإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل محمد - عليه السلام - ومرَّة بإيمانهم بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مقاتل: لما آمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شتمهم المشركون، فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح وأجر على الإيمان، وقوله» بِمَا صبَرُوا «أي على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسْلَمُوا فأوذُوا. قوله: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة﴾ أي بالطاعة المعصية المتقدمة، قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون، في الطاعة. قوله: وإذا سمعوا اللَّغو وهو القبيح من القول أعرضوا عنه، وذلك أن المشركين كانوا يسبُّون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون تبّاً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردّون عليهم، ﴿أُوْلَ ? ئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِ الْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ , لنا ديننا ولكم دينكم، ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، ليس المراد سلام التحية ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سَلِمْتُمْ مِنَّا لا نعارِضُكُمْ بالشتم والقبح، ونظيره ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] . ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكياً عنهم ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ ، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه، وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، قيل: نسخ ذلك بالأمر بالقتال، وهو بعيد، لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال (واجباً) . والله أعلم.

القصص 28:52

قوله: «فَلَمَّا جَاءَهُمْ» يعني محمداً الحق من عندنا قالوا يعني كفار مكة (لَوْلاَ) هلاَّ «أُوتِيَ مُحَمَّدٌ» مثل ما أُوتِيَ موسى من الآيات كاليد البيضاء، والعصا، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانفجار الحجر بالماء والمنِّ والسَّلْوَى وكلام الله وغيرها. وقيل: مثل ما أُوتي موسى كتاباً جملةً واحدةً. قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، واختلفوا في الضمير في قوله: أَوَ لَمْ يَكْفُرَوا، فقيل: إن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أُوتِيَ مُوسَى - عليه السلام - فقال تعالى: «أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا» هؤلاء اليهود ﴿بِمَآ أُوتِيَ موسى﴾ بجميع تلك الآيات الباهرة؟ وقيل: إنّ الذين اقترحوا هذا هم كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمن موسى إلاَّ أنه تعالى جعله كالشيء الواحد، لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد. وقال الكلبي: إنَّ مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألونهم عن محمد وشأنه، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرَّهط وأخبروهم بقول اليهود، وقالوا: إنَّه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى في حقهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ . وقال الحسن: كان للعرب أصل في أيام موسى - عليه السلام - فمعناه على هذا: أو لم يكفر آباؤهم، وقالوا: موسى وهارون ساحران، وقال قتادة: أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فقالوا ساحران، وقيل: إن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول معجزات موسى - عليه السلام - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، أي: لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى، وهو قولهم «سَاحِرَانِ تَظَاهَرا» . قوله: «مِن قَبْلُ» إمَّا أن يتعلق ب «يَكْفُرُوا» ، أو ب «أُوتِيَ» أي من قبل ظهورك. قوله: «سَاحِرَانِ» قرأ الكوفيون «سِحْرَان» أي هما، أي: القرآن والتوراة، أو موسى وهارون، وذلك على المبالغة، جعلوهما نفس السحر، أو على حذف مضاف، أي: ذوا سِحْرَين، ولو صحَّ هذا لكان ينبغي أن يفرد سحر، ولكنَّه ثني تنبيهاً على التنويع، وقيل المراد: موسى ومحمد - عليهما السلام - أو التوراة والإنجيل، والباقون: «سَاحِرانِ» أي: موسى وهارون أو موسى ومحمد كما تقدم. قوله: «تَظَاهَرَا» العامة على تخفيف الظاء فعلاً ماضياً صفة ل «سِحْرَان» أو «سَاحِرَانِ» أي: تعاوَنَا. وقرأ الحسن ويحيى بن الحارث الذَّمَّاري وأبو حيوة واليزيدي بتشديدها، وقد لحنهم الناس، قال ابن خالويه تشديده لحن، لأنه فعل ماض، وإنَّما يُشَدَّد في المضارع، وقال الهذلي: لا معنى له، وقال أبو الفضل: لا أعرف وجهه. وهذا عجيب من هؤلاء، وقد حذفت نون الرفع في مواضع حتى في الفصيح كقوله عليه السلام: «لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابّوا» ولا فرق بين كونها بعد واو، أو ألف، أو ياء، فهذا أصله تتظاهر أن فأدغم وحذفت نونه تخفيفاً، وقرأ الأعمش وطلحة وكذا في مصحف عبد الله «اظَّاهَرا» بهمزة وصل وشد الظاء وأصلها تظاهرا كقراءة العامة، فلما أريد الإدغام سُكِّن الأول فاجتلبت همزة الوصل، واختار أبو عبيدة القراءة بالألف، لأن المظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منها بأن المراد الكتابين، لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا، كما يقال: تظاهرت الأخبار. قوله: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء، وهذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين إلا باليهود، ثم قال: قل لهم يا محمد: ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ﴾ يعني من التوراة والقرآن، وهو مؤيد لقراءة «سِحْرَانِ» أو من كتابيهما على حذف مضاف، وهو مؤيد لقراءة «سَاحِرَان» ، «أتَّبِعْهُ» ، وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله. قوله: «أتَّبِعْهُ» جواب للأمر وهو: «فَأْتُوا» ، وقرأ زيد بن علي أَتَّبِعُهُ بالرفع استئنافاً، أي: فأنا أتبعه. قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ استجاب بمعنى أجاب، قال ابن عباس: يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما، وهذا أشبه بالآية، قال الزمخشري: فإن قلت ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية وبينه في قوله: 4010 - فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ... حيث عدِّي بغير لام؟ قلت: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عُدِّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه أو: استجاب به، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت فمعناه: فلم يستجب دعاءه على حذف المضاف. وقد تقدم تقرير هذا في البقرة، وأنَّ استجاب بمعنى أجاب، والبيت الذي أشار إليه هو: 4011 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يجِيبُ إلى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ والناس ينشدونه على تعدِّيه بنفسه، فإن قيل: الاستجابة تقتضي دعاء، فأين الدعاء هنا؟ قيل: «فَأتُوا بِكِتَابٍ» أمر، والأمر دعاء إلى الفعل، وقال: ﴿فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي صاروا ملتزمين طريقه، ولم يبق شيء إلا اتباع الهوى، ثم زيّف طريقهم بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾ وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، وأنه لا بد من الحجة والاستدلال ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ العامة على تشديد «وَصّلْنَا» إما من الوصل ضد القطع أي: تابعنا بعضه ببعض. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً، وأصله من وصل الحبل، قال: 4012 - فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ ما بَالُ ذِمَّتِي ... بِحَبْلٍ ضَعيفٍ لاَ يَزَالُ يُوصَّلُ وإمّا: جعلناه أوصالاً أي: أنواعاً من المعاني - قاله مجاهد - وقرأ الحسن بتخفيف الصاد وهو قريب مما تقدم، قال ابن عباس ومقاتل: وَصَّلْنَا: بيَّنا لكفار مكة - بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية - كيف عذبوا بتكذيبهم، وقال ابن زيد: وصلنا لهم القول: خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ، ثم لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ . قوله: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ» مبتدأ و «هُمْ» مبتدأ ثان و «يُؤْمِنُونَ» خبره، والجملة خبر الأول، و «بِهِ» متعلق ب «يُؤْمِنُونَ» ، وقد يُعَكِّرُ على الزمخشري وغيره من أهل البيان، حيث قالوا: التقديم يفيد الاختصاص وهنا لا يتأتى ذلك، لأنهم لم خصُّوا إيمانهم بهذا الكتاب فقط لزم كفرهم بما عداه وهو عكس المراد وقد أبدى أهل البيان هذا في قوله: ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: 29] فقالوا: لو قدِّم «به» لأوهم الاختصاص بالإيمان بالله وحده دون ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا بعينه جارٍ هنا، والجواب: أن الإيمان بغيره معلوم فانصبَّ الغرض إلى الإيمان بهذا. فصل قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقيل: من قبل القرآن ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ، قال قتادة: نزلت في (أناسٍ من) أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مقاتل: هم أصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وآمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قال سعيد بن جبير: قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله الله عليه وسلم لما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبيَّ الله إن لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، وعن ابن عباس قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، وقال رفاعه: نزلت في عشرة أنا أحدهم: وصفهم الله فقال: ﴿وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: القرآن، قالوا: ﴿قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ، وذلك أنّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، أي كنا من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله التوحيد مؤمنين بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نبي حق. قوله : ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ منصوب على المصدر، و «بِمَا صَبَرُوا» ما مصدرية والباء متعلق ب «يؤتون (أَوْ بنفس الأجر. ومعنى» مَرَّتَيْنِ «أي: بإيمانهم بمحمد قيل بعثته، وقيل: يُؤْتَوْن أَجْرَهُمْ) مرتين لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، وقيل: لإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل محمد - عليه السلام - ومرَّة بإيمانهم بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مقاتل: لما آمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شتمهم المشركون، فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح وأجر على الإيمان، وقوله» بِمَا صبَرُوا «أي على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسْلَمُوا فأوذُوا. قوله: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة﴾ أي بالطاعة المعصية المتقدمة، قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون، في الطاعة. قوله: وإذا سمعوا اللَّغو وهو القبيح من القول أعرضوا عنه، وذلك أن المشركين كانوا يسبُّون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون تبّاً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردّون عليهم، ﴿أُوْلَ ? ئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِ الْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ , لنا ديننا ولكم دينكم، ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، ليس المراد سلام التحية ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سَلِمْتُمْ مِنَّا لا نعارِضُكُمْ بالشتم والقبح، ونظيره ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] . ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكياً عنهم ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ ، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه، وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، قيل: نسخ ذلك بالأمر بالقتال، وهو بعيد، لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال (واجباً) . والله أعلم.

القصص 28:53

قوله: «فَلَمَّا جَاءَهُمْ» يعني محمداً الحق من عندنا قالوا يعني كفار مكة (لَوْلاَ) هلاَّ «أُوتِيَ مُحَمَّدٌ» مثل ما أُوتِيَ موسى من الآيات كاليد البيضاء، والعصا، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانفجار الحجر بالماء والمنِّ والسَّلْوَى وكلام الله وغيرها. وقيل: مثل ما أُوتي موسى كتاباً جملةً واحدةً. قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، واختلفوا في الضمير في قوله: أَوَ لَمْ يَكْفُرَوا، فقيل: إن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أُوتِيَ مُوسَى - عليه السلام - فقال تعالى: «أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا» هؤلاء اليهود ﴿بِمَآ أُوتِيَ موسى﴾ بجميع تلك الآيات الباهرة؟ وقيل: إنّ الذين اقترحوا هذا هم كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمن موسى إلاَّ أنه تعالى جعله كالشيء الواحد، لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد. وقال الكلبي: إنَّ مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألونهم عن محمد وشأنه، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرَّهط وأخبروهم بقول اليهود، وقالوا: إنَّه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى في حقهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ . وقال الحسن: كان للعرب أصل في أيام موسى - عليه السلام - فمعناه على هذا: أو لم يكفر آباؤهم، وقالوا: موسى وهارون ساحران، وقال قتادة: أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فقالوا ساحران، وقيل: إن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول معجزات موسى - عليه السلام - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، أي: لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى، وهو قولهم «سَاحِرَانِ تَظَاهَرا» . قوله: «مِن قَبْلُ» إمَّا أن يتعلق ب «يَكْفُرُوا» ، أو ب «أُوتِيَ» أي من قبل ظهورك. قوله: «سَاحِرَانِ» قرأ الكوفيون «سِحْرَان» أي هما، أي: القرآن والتوراة، أو موسى وهارون، وذلك على المبالغة، جعلوهما نفس السحر، أو على حذف مضاف، أي: ذوا سِحْرَين، ولو صحَّ هذا لكان ينبغي أن يفرد سحر، ولكنَّه ثني تنبيهاً على التنويع، وقيل المراد: موسى ومحمد - عليهما السلام - أو التوراة والإنجيل، والباقون: «سَاحِرانِ» أي: موسى وهارون أو موسى ومحمد كما تقدم. قوله: «تَظَاهَرَا» العامة على تخفيف الظاء فعلاً ماضياً صفة ل «سِحْرَان» أو «سَاحِرَانِ» أي: تعاوَنَا. وقرأ الحسن ويحيى بن الحارث الذَّمَّاري وأبو حيوة واليزيدي بتشديدها، وقد لحنهم الناس، قال ابن خالويه تشديده لحن، لأنه فعل ماض، وإنَّما يُشَدَّد في المضارع، وقال الهذلي: لا معنى له، وقال أبو الفضل: لا أعرف وجهه. وهذا عجيب من هؤلاء، وقد حذفت نون الرفع في مواضع حتى في الفصيح كقوله عليه السلام: «لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابّوا» ولا فرق بين كونها بعد واو، أو ألف، أو ياء، فهذا أصله تتظاهر أن فأدغم وحذفت نونه تخفيفاً، وقرأ الأعمش وطلحة وكذا في مصحف عبد الله «اظَّاهَرا» بهمزة وصل وشد الظاء وأصلها تظاهرا كقراءة العامة، فلما أريد الإدغام سُكِّن الأول فاجتلبت همزة الوصل، واختار أبو عبيدة القراءة بالألف، لأن المظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منها بأن المراد الكتابين، لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا، كما يقال: تظاهرت الأخبار. قوله: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء، وهذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين إلا باليهود، ثم قال: قل لهم يا محمد: ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ﴾ يعني من التوراة والقرآن، وهو مؤيد لقراءة «سِحْرَانِ» أو من كتابيهما على حذف مضاف، وهو مؤيد لقراءة «سَاحِرَان» ، «أتَّبِعْهُ» ، وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله. قوله: «أتَّبِعْهُ» جواب للأمر وهو: «فَأْتُوا» ، وقرأ زيد بن علي أَتَّبِعُهُ بالرفع استئنافاً، أي: فأنا أتبعه. قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ استجاب بمعنى أجاب، قال ابن عباس: يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما، وهذا أشبه بالآية، قال الزمخشري: فإن قلت ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية وبينه في قوله: 4010 - فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ... حيث عدِّي بغير لام؟ قلت: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عُدِّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه أو: استجاب به، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت فمعناه: فلم يستجب دعاءه على حذف المضاف. وقد تقدم تقرير هذا في البقرة، وأنَّ استجاب بمعنى أجاب، والبيت الذي أشار إليه هو: 4011 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يجِيبُ إلى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ والناس ينشدونه على تعدِّيه بنفسه، فإن قيل: الاستجابة تقتضي دعاء، فأين الدعاء هنا؟ قيل: «فَأتُوا بِكِتَابٍ» أمر، والأمر دعاء إلى الفعل، وقال: ﴿فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي صاروا ملتزمين طريقه، ولم يبق شيء إلا اتباع الهوى، ثم زيّف طريقهم بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾ وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، وأنه لا بد من الحجة والاستدلال ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ العامة على تشديد «وَصّلْنَا» إما من الوصل ضد القطع أي: تابعنا بعضه ببعض. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً، وأصله من وصل الحبل، قال: 4012 - فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ ما بَالُ ذِمَّتِي ... بِحَبْلٍ ضَعيفٍ لاَ يَزَالُ يُوصَّلُ وإمّا: جعلناه أوصالاً أي: أنواعاً من المعاني - قاله مجاهد - وقرأ الحسن بتخفيف الصاد وهو قريب مما تقدم، قال ابن عباس ومقاتل: وَصَّلْنَا: بيَّنا لكفار مكة - بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية - كيف عذبوا بتكذيبهم، وقال ابن زيد: وصلنا لهم القول: خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ، ثم لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ . قوله: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ» مبتدأ و «هُمْ» مبتدأ ثان و «يُؤْمِنُونَ» خبره، والجملة خبر الأول، و «بِهِ» متعلق ب «يُؤْمِنُونَ» ، وقد يُعَكِّرُ على الزمخشري وغيره من أهل البيان، حيث قالوا: التقديم يفيد الاختصاص وهنا لا يتأتى ذلك، لأنهم لم خصُّوا إيمانهم بهذا الكتاب فقط لزم كفرهم بما عداه وهو عكس المراد وقد أبدى أهل البيان هذا في قوله: ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: 29] فقالوا: لو قدِّم «به» لأوهم الاختصاص بالإيمان بالله وحده دون ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا بعينه جارٍ هنا، والجواب: أن الإيمان بغيره معلوم فانصبَّ الغرض إلى الإيمان بهذا. فصل قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقيل: من قبل القرآن ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ، قال قتادة: نزلت في (أناسٍ من) أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مقاتل: هم أصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وآمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قال سعيد بن جبير: قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله الله عليه وسلم لما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبيَّ الله إن لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، وعن ابن عباس قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، وقال رفاعه: نزلت في عشرة أنا أحدهم: وصفهم الله فقال: ﴿وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: القرآن، قالوا: ﴿قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ، وذلك أنّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، أي كنا من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله التوحيد مؤمنين بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نبي حق. قوله : ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ منصوب على المصدر، و «بِمَا صَبَرُوا» ما مصدرية والباء متعلق ب «يؤتون (أَوْ بنفس الأجر. ومعنى» مَرَّتَيْنِ «أي: بإيمانهم بمحمد قيل بعثته، وقيل: يُؤْتَوْن أَجْرَهُمْ) مرتين لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، وقيل: لإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل محمد - عليه السلام - ومرَّة بإيمانهم بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مقاتل: لما آمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شتمهم المشركون، فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح وأجر على الإيمان، وقوله» بِمَا صبَرُوا «أي على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسْلَمُوا فأوذُوا. قوله: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة﴾ أي بالطاعة المعصية المتقدمة، قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون، في الطاعة. قوله: وإذا سمعوا اللَّغو وهو القبيح من القول أعرضوا عنه، وذلك أن المشركين كانوا يسبُّون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون تبّاً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردّون عليهم، ﴿أُوْلَ ? ئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِ الْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ , لنا ديننا ولكم دينكم، ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، ليس المراد سلام التحية ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سَلِمْتُمْ مِنَّا لا نعارِضُكُمْ بالشتم والقبح، ونظيره ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] . ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكياً عنهم ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ ، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه، وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، قيل: نسخ ذلك بالأمر بالقتال، وهو بعيد، لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال (واجباً) . والله أعلم.

القصص 28:54

قوله: «فَلَمَّا جَاءَهُمْ» يعني محمداً الحق من عندنا قالوا يعني كفار مكة (لَوْلاَ) هلاَّ «أُوتِيَ مُحَمَّدٌ» مثل ما أُوتِيَ موسى من الآيات كاليد البيضاء، والعصا، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانفجار الحجر بالماء والمنِّ والسَّلْوَى وكلام الله وغيرها. وقيل: مثل ما أُوتي موسى كتاباً جملةً واحدةً. قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، واختلفوا في الضمير في قوله: أَوَ لَمْ يَكْفُرَوا، فقيل: إن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أُوتِيَ مُوسَى - عليه السلام - فقال تعالى: «أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا» هؤلاء اليهود ﴿بِمَآ أُوتِيَ موسى﴾ بجميع تلك الآيات الباهرة؟ وقيل: إنّ الذين اقترحوا هذا هم كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمن موسى إلاَّ أنه تعالى جعله كالشيء الواحد، لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد. وقال الكلبي: إنَّ مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألونهم عن محمد وشأنه، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرَّهط وأخبروهم بقول اليهود، وقالوا: إنَّه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى في حقهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ . وقال الحسن: كان للعرب أصل في أيام موسى - عليه السلام - فمعناه على هذا: أو لم يكفر آباؤهم، وقالوا: موسى وهارون ساحران، وقال قتادة: أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فقالوا ساحران، وقيل: إن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول معجزات موسى - عليه السلام - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، أي: لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى، وهو قولهم «سَاحِرَانِ تَظَاهَرا» . قوله: «مِن قَبْلُ» إمَّا أن يتعلق ب «يَكْفُرُوا» ، أو ب «أُوتِيَ» أي من قبل ظهورك. قوله: «سَاحِرَانِ» قرأ الكوفيون «سِحْرَان» أي هما، أي: القرآن والتوراة، أو موسى وهارون، وذلك على المبالغة، جعلوهما نفس السحر، أو على حذف مضاف، أي: ذوا سِحْرَين، ولو صحَّ هذا لكان ينبغي أن يفرد سحر، ولكنَّه ثني تنبيهاً على التنويع، وقيل المراد: موسى ومحمد - عليهما السلام - أو التوراة والإنجيل، والباقون: «سَاحِرانِ» أي: موسى وهارون أو موسى ومحمد كما تقدم. قوله: «تَظَاهَرَا» العامة على تخفيف الظاء فعلاً ماضياً صفة ل «سِحْرَان» أو «سَاحِرَانِ» أي: تعاوَنَا. وقرأ الحسن ويحيى بن الحارث الذَّمَّاري وأبو حيوة واليزيدي بتشديدها، وقد لحنهم الناس، قال ابن خالويه تشديده لحن، لأنه فعل ماض، وإنَّما يُشَدَّد في المضارع، وقال الهذلي: لا معنى له، وقال أبو الفضل: لا أعرف وجهه. وهذا عجيب من هؤلاء، وقد حذفت نون الرفع في مواضع حتى في الفصيح كقوله عليه السلام: «لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابّوا» ولا فرق بين كونها بعد واو، أو ألف، أو ياء، فهذا أصله تتظاهر أن فأدغم وحذفت نونه تخفيفاً، وقرأ الأعمش وطلحة وكذا في مصحف عبد الله «اظَّاهَرا» بهمزة وصل وشد الظاء وأصلها تظاهرا كقراءة العامة، فلما أريد الإدغام سُكِّن الأول فاجتلبت همزة الوصل، واختار أبو عبيدة القراءة بالألف، لأن المظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منها بأن المراد الكتابين، لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا، كما يقال: تظاهرت الأخبار. قوله: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء، وهذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين إلا باليهود، ثم قال: قل لهم يا محمد: ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ﴾ يعني من التوراة والقرآن، وهو مؤيد لقراءة «سِحْرَانِ» أو من كتابيهما على حذف مضاف، وهو مؤيد لقراءة «سَاحِرَان» ، «أتَّبِعْهُ» ، وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله. قوله: «أتَّبِعْهُ» جواب للأمر وهو: «فَأْتُوا» ، وقرأ زيد بن علي أَتَّبِعُهُ بالرفع استئنافاً، أي: فأنا أتبعه. قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ استجاب بمعنى أجاب، قال ابن عباس: يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما، وهذا أشبه بالآية، قال الزمخشري: فإن قلت ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية وبينه في قوله: 4010 - فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ... حيث عدِّي بغير لام؟ قلت: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عُدِّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه أو: استجاب به، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت فمعناه: فلم يستجب دعاءه على حذف المضاف. وقد تقدم تقرير هذا في البقرة، وأنَّ استجاب بمعنى أجاب، والبيت الذي أشار إليه هو: 4011 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يجِيبُ إلى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ والناس ينشدونه على تعدِّيه بنفسه، فإن قيل: الاستجابة تقتضي دعاء، فأين الدعاء هنا؟ قيل: «فَأتُوا بِكِتَابٍ» أمر، والأمر دعاء إلى الفعل، وقال: ﴿فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي صاروا ملتزمين طريقه، ولم يبق شيء إلا اتباع الهوى، ثم زيّف طريقهم بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾ وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، وأنه لا بد من الحجة والاستدلال ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ العامة على تشديد «وَصّلْنَا» إما من الوصل ضد القطع أي: تابعنا بعضه ببعض. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً، وأصله من وصل الحبل، قال: 4012 - فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ ما بَالُ ذِمَّتِي ... بِحَبْلٍ ضَعيفٍ لاَ يَزَالُ يُوصَّلُ وإمّا: جعلناه أوصالاً أي: أنواعاً من المعاني - قاله مجاهد - وقرأ الحسن بتخفيف الصاد وهو قريب مما تقدم، قال ابن عباس ومقاتل: وَصَّلْنَا: بيَّنا لكفار مكة - بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية - كيف عذبوا بتكذيبهم، وقال ابن زيد: وصلنا لهم القول: خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ، ثم لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ . قوله: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ» مبتدأ و «هُمْ» مبتدأ ثان و «يُؤْمِنُونَ» خبره، والجملة خبر الأول، و «بِهِ» متعلق ب «يُؤْمِنُونَ» ، وقد يُعَكِّرُ على الزمخشري وغيره من أهل البيان، حيث قالوا: التقديم يفيد الاختصاص وهنا لا يتأتى ذلك، لأنهم لم خصُّوا إيمانهم بهذا الكتاب فقط لزم كفرهم بما عداه وهو عكس المراد وقد أبدى أهل البيان هذا في قوله: ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: 29] فقالوا: لو قدِّم «به» لأوهم الاختصاص بالإيمان بالله وحده دون ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا بعينه جارٍ هنا، والجواب: أن الإيمان بغيره معلوم فانصبَّ الغرض إلى الإيمان بهذا. فصل قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقيل: من قبل القرآن ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ، قال قتادة: نزلت في (أناسٍ من) أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مقاتل: هم أصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وآمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قال سعيد بن جبير: قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله الله عليه وسلم لما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبيَّ الله إن لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، وعن ابن عباس قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، وقال رفاعه: نزلت في عشرة أنا أحدهم: وصفهم الله فقال: ﴿وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: القرآن، قالوا: ﴿قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ، وذلك أنّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، أي كنا من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله التوحيد مؤمنين بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نبي حق. قوله : ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ منصوب على المصدر، و «بِمَا صَبَرُوا» ما مصدرية والباء متعلق ب «يؤتون (أَوْ بنفس الأجر. ومعنى» مَرَّتَيْنِ «أي: بإيمانهم بمحمد قيل بعثته، وقيل: يُؤْتَوْن أَجْرَهُمْ) مرتين لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، وقيل: لإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل محمد - عليه السلام - ومرَّة بإيمانهم بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مقاتل: لما آمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شتمهم المشركون، فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح وأجر على الإيمان، وقوله» بِمَا صبَرُوا «أي على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسْلَمُوا فأوذُوا. قوله: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة﴾ أي بالطاعة المعصية المتقدمة، قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون، في الطاعة. قوله: وإذا سمعوا اللَّغو وهو القبيح من القول أعرضوا عنه، وذلك أن المشركين كانوا يسبُّون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون تبّاً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردّون عليهم، ﴿أُوْلَ ? ئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِ الْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ , لنا ديننا ولكم دينكم، ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، ليس المراد سلام التحية ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سَلِمْتُمْ مِنَّا لا نعارِضُكُمْ بالشتم والقبح، ونظيره ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] . ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكياً عنهم ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ ، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه، وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، قيل: نسخ ذلك بالأمر بالقتال، وهو بعيد، لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال (واجباً) . والله أعلم.

القصص 28:55

قوله: «فَلَمَّا جَاءَهُمْ» يعني محمداً الحق من عندنا قالوا يعني كفار مكة (لَوْلاَ) هلاَّ «أُوتِيَ مُحَمَّدٌ» مثل ما أُوتِيَ موسى من الآيات كاليد البيضاء، والعصا، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانفجار الحجر بالماء والمنِّ والسَّلْوَى وكلام الله وغيرها. وقيل: مثل ما أُوتي موسى كتاباً جملةً واحدةً. قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، واختلفوا في الضمير في قوله: أَوَ لَمْ يَكْفُرَوا، فقيل: إن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أُوتِيَ مُوسَى - عليه السلام - فقال تعالى: «أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا» هؤلاء اليهود ﴿بِمَآ أُوتِيَ موسى﴾ بجميع تلك الآيات الباهرة؟ وقيل: إنّ الذين اقترحوا هذا هم كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمن موسى إلاَّ أنه تعالى جعله كالشيء الواحد، لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد. وقال الكلبي: إنَّ مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألونهم عن محمد وشأنه، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرَّهط وأخبروهم بقول اليهود، وقالوا: إنَّه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى في حقهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ . وقال الحسن: كان للعرب أصل في أيام موسى - عليه السلام - فمعناه على هذا: أو لم يكفر آباؤهم، وقالوا: موسى وهارون ساحران، وقال قتادة: أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فقالوا ساحران، وقيل: إن كفار قريش كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول معجزات موسى - عليه السلام - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ، بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، أي: لا غرض لهم من هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى، وهو قولهم «سَاحِرَانِ تَظَاهَرا» . قوله: «مِن قَبْلُ» إمَّا أن يتعلق ب «يَكْفُرُوا» ، أو ب «أُوتِيَ» أي من قبل ظهورك. قوله: «سَاحِرَانِ» قرأ الكوفيون «سِحْرَان» أي هما، أي: القرآن والتوراة، أو موسى وهارون، وذلك على المبالغة، جعلوهما نفس السحر، أو على حذف مضاف، أي: ذوا سِحْرَين، ولو صحَّ هذا لكان ينبغي أن يفرد سحر، ولكنَّه ثني تنبيهاً على التنويع، وقيل المراد: موسى ومحمد - عليهما السلام - أو التوراة والإنجيل، والباقون: «سَاحِرانِ» أي: موسى وهارون أو موسى ومحمد كما تقدم. قوله: «تَظَاهَرَا» العامة على تخفيف الظاء فعلاً ماضياً صفة ل «سِحْرَان» أو «سَاحِرَانِ» أي: تعاوَنَا. وقرأ الحسن ويحيى بن الحارث الذَّمَّاري وأبو حيوة واليزيدي بتشديدها، وقد لحنهم الناس، قال ابن خالويه تشديده لحن، لأنه فعل ماض، وإنَّما يُشَدَّد في المضارع، وقال الهذلي: لا معنى له، وقال أبو الفضل: لا أعرف وجهه. وهذا عجيب من هؤلاء، وقد حذفت نون الرفع في مواضع حتى في الفصيح كقوله عليه السلام: «لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابّوا» ولا فرق بين كونها بعد واو، أو ألف، أو ياء، فهذا أصله تتظاهر أن فأدغم وحذفت نونه تخفيفاً، وقرأ الأعمش وطلحة وكذا في مصحف عبد الله «اظَّاهَرا» بهمزة وصل وشد الظاء وأصلها تظاهرا كقراءة العامة، فلما أريد الإدغام سُكِّن الأول فاجتلبت همزة الوصل، واختار أبو عبيدة القراءة بالألف، لأن المظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منها بأن المراد الكتابين، لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا، كما يقال: تظاهرت الأخبار. قوله: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء، وهذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين إلا باليهود، ثم قال: قل لهم يا محمد: ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ﴾ يعني من التوراة والقرآن، وهو مؤيد لقراءة «سِحْرَانِ» أو من كتابيهما على حذف مضاف، وهو مؤيد لقراءة «سَاحِرَان» ، «أتَّبِعْهُ» ، وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله. قوله: «أتَّبِعْهُ» جواب للأمر وهو: «فَأْتُوا» ، وقرأ زيد بن علي أَتَّبِعُهُ بالرفع استئنافاً، أي: فأنا أتبعه. قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ استجاب بمعنى أجاب، قال ابن عباس: يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما، وهذا أشبه بالآية، قال الزمخشري: فإن قلت ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية وبينه في قوله: 4010 - فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ... حيث عدِّي بغير لام؟ قلت: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عُدِّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه أو: استجاب به، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت فمعناه: فلم يستجب دعاءه على حذف المضاف. وقد تقدم تقرير هذا في البقرة، وأنَّ استجاب بمعنى أجاب، والبيت الذي أشار إليه هو: 4011 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يجِيبُ إلى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ والناس ينشدونه على تعدِّيه بنفسه، فإن قيل: الاستجابة تقتضي دعاء، فأين الدعاء هنا؟ قيل: «فَأتُوا بِكِتَابٍ» أمر، والأمر دعاء إلى الفعل، وقال: ﴿فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي صاروا ملتزمين طريقه، ولم يبق شيء إلا اتباع الهوى، ثم زيّف طريقهم بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾ وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، وأنه لا بد من الحجة والاستدلال ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ العامة على تشديد «وَصّلْنَا» إما من الوصل ضد القطع أي: تابعنا بعضه ببعض. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً، وأصله من وصل الحبل، قال: 4012 - فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ ما بَالُ ذِمَّتِي ... بِحَبْلٍ ضَعيفٍ لاَ يَزَالُ يُوصَّلُ وإمّا: جعلناه أوصالاً أي: أنواعاً من المعاني - قاله مجاهد - وقرأ الحسن بتخفيف الصاد وهو قريب مما تقدم، قال ابن عباس ومقاتل: وَصَّلْنَا: بيَّنا لكفار مكة - بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية - كيف عذبوا بتكذيبهم، وقال ابن زيد: وصلنا لهم القول: خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ، ثم لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ . قوله: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ» مبتدأ و «هُمْ» مبتدأ ثان و «يُؤْمِنُونَ» خبره، والجملة خبر الأول، و «بِهِ» متعلق ب «يُؤْمِنُونَ» ، وقد يُعَكِّرُ على الزمخشري وغيره من أهل البيان، حيث قالوا: التقديم يفيد الاختصاص وهنا لا يتأتى ذلك، لأنهم لم خصُّوا إيمانهم بهذا الكتاب فقط لزم كفرهم بما عداه وهو عكس المراد وقد أبدى أهل البيان هذا في قوله: ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: 29] فقالوا: لو قدِّم «به» لأوهم الاختصاص بالإيمان بالله وحده دون ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا بعينه جارٍ هنا، والجواب: أن الإيمان بغيره معلوم فانصبَّ الغرض إلى الإيمان بهذا. فصل قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقيل: من قبل القرآن ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ، قال قتادة: نزلت في (أناسٍ من) أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مقاتل: هم أصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وآمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قال سعيد بن جبير: قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله الله عليه وسلم لما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبيَّ الله إن لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، وعن ابن عباس قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام، وقال رفاعه: نزلت في عشرة أنا أحدهم: وصفهم الله فقال: ﴿وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: القرآن، قالوا: ﴿قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ، وذلك أنّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، أي كنا من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله التوحيد مؤمنين بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نبي حق. قوله : ﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ منصوب على المصدر، و «بِمَا صَبَرُوا» ما مصدرية والباء متعلق ب «يؤتون (أَوْ بنفس الأجر. ومعنى» مَرَّتَيْنِ «أي: بإيمانهم بمحمد قيل بعثته، وقيل: يُؤْتَوْن أَجْرَهُمْ) مرتين لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، وقيل: لإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل محمد - عليه السلام - ومرَّة بإيمانهم بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مقاتل: لما آمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شتمهم المشركون، فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح وأجر على الإيمان، وقوله» بِمَا صبَرُوا «أي على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسْلَمُوا فأوذُوا. قوله: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة﴾ أي بالطاعة المعصية المتقدمة، قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون، في الطاعة. قوله: وإذا سمعوا اللَّغو وهو القبيح من القول أعرضوا عنه، وذلك أن المشركين كانوا يسبُّون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون تبّاً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردّون عليهم، ﴿أُوْلَ ? ئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِ الْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ , لنا ديننا ولكم دينكم، ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، ليس المراد سلام التحية ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سَلِمْتُمْ مِنَّا لا نعارِضُكُمْ بالشتم والقبح، ونظيره ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] . ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكياً عنهم ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ ، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه، وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، قيل: نسخ ذلك بالأمر بالقتال، وهو بعيد، لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال (واجباً) . والله أعلم.

القصص 28:56

قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي: أحببت هدايته، وقيل: أحببته لقرابته، قال المفسرون: «نزلت في أبي طالب قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قل: لا إلَه إلاَّ الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيِّرني قريش، تقول: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينيك» ، فأنزل الله هذه الآية. فصل قال في هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ ، وقال في آية أخرى ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] ، ولا تنافي فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة، والذي نفاه عنه هداية التوفيق وشرح الصدور، وهو نور يقذف في القلب فيجيء به القلب كما قال سبحانه ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس﴾ [الأنعام: 122] .: فصل احتج أهل السنة بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، فقالوا: قوله: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من الهداية في قوله ﴿إنَّكَ لاَ تَهْدِي﴾ شيئاً، وفي قوله: ﴿ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ شيئاً آخر لاختلّ النظم، ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان الأدلة والدعوة إلى الجنة، أو تعريف طريق الجنة أو خلق المعرفة على سبيل الإلجاء، (أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء) لا جائز أن يكون المراد (بيان الأدلة، لأأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير) الهداية التي نفى الله عمومها وكذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة، وأما الهداية بمعنى تعريف الجنة فهي أيضاً غير مرادة، لأنه تعالى علَّق هذه الهداية على المشيئة. فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير لا يقول أعطي عشرة دنانير إن شئت، وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز. لأن ذلك عندهم قبيح من الله تعالى في حق المكلف، وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان، ومستلزم المحال محال، فذلك محال من الله والمحال لا يجوز تعليقه على المشيئة، ولما بطلب الأقسام لم يبق إلاَّ أن المراد أنه تعالى يخصُّ البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الانبياء: 3] وإذا أورد الكلام على هذا الوجه سقط ما أورد القاضي عذرا عن ذلك. قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ أي أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي ومن لا يهتدي، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم: إن نَتَّبع الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أرْضِنَا، قال المبرد: الخطف الانتزاع بسرعة نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إنَّا لنعلم أنَّ الذي تقوله حقٌّ ولكنا إن اتَّبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة، فأجاب الله عنه من وجوه الأول: قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ ، أي أعطاكم مسكناً لا خوف لكم فيه، إما لأن العرب يحترمون الحرم ولم يتعرضوا لسكانه، فإنه يروى أن العرب خارجة الحرم كانوا لا يتعرَّضون لساكن الحرم. قوله: «نُتَخَطَّفُ» العامة على الجزم جواباً للشرط، والمنقريّ بالرفع، على حذف الفاء، كقوله: 4013 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ... وكقراءة «يُدْرِكُكُمْ» بالرفع، أو على التقديم وهو مذهب سيبويه. قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ قال أبو البقاء عدَّاه بنفسه لأنه بمعنى «جَعَل» وقد صرحَّ به في قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] و «مَكَّنَ» متعد بنفسه من غير أن يضمَّن معنى «جَعَلَ» كقوله «مَكَّنَّاهُمْ» ، وتقدم تحقيقه في الأنعام وآمنا قيل بمعنى مؤمن أي: يؤمن من دخله، وقيل: هو على حذف مضاف، أي: آمناً أهله، وقيل فاعل بمعنى النسب أي، ذا أمن. قوله: «يُجْبَى» قرأ نافع بتاء التأنيث مراعاة للفظ ثمرات، والباقون بالياء للفصل ولأن تأنيثه مجازي والجملة صفة ل «حَرَماً» أيضاً، وقرأ العامة «ثَمَرَاتُ» بفتحتين وأبان بضمتين جمع ثُمُر بضمتين، وبعضهم بفتح وسكون. قوله: «رِزقاً» إن جعلته مصدراً جاز انتصابه على المصدر المؤكِّد، لأن معنى «يُجبَى إليه» يرزقهم وأن ينتصب على المفعول له، والعامل محذوف، أي يسوقه إليه رزقاً، وأن يكون في موضع الحال من «ثَمَراتٍ» لتخصصها بالإضافة، (كما ينتصب عن النكرة المخصصة) ، وإن جعلته اسماً للمرزوق انتصب على الحال من « ثَمَرات» ومعنى «يُجْبَى» ، أي يجلب ويجمع، يقال: جبيت الماء في الحوض أي: جمعته قال مقاتل: يحمل إلى الحرم ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أن ما نقوله حق. قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية «بَطِرَتْ معيشتها» ، قال الزمخشري: البطر سوء احتمال الغنى، وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى، وانتصب «مَعِيشَتهَا» إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: 155] ، أو بتقدير حذف ظرف الزمان، أصله: بطرت أيَّام معيشتها، وإما بتضمين «بَطِرَتْ» معنى كفرت أو خسرت أو على التمييز أو على التشبيه بالمفعول به، وهو قريب من «سَفِهَ نَفْسَه» . قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله، وعبدوا غيره. قوله: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ قال ابن عباس لم يسكنها إلا المسافرون، ومارُّ الطريق يوماً أو ساعة. معناه: لم تسكن من بعدهم إلا سكوناً يسيراً قليلاً، وقيل: لم يعمَّر منها إلا أقلها وأكثرها خراب، فقوله: «لَمْ تُسْكَنْ» جملة حالية، والعامل فيها معنى تلك، يجوز أن يكون خبراً ثانياً، و «إلا قليلاً» أي: إلا سكنى قليلاً، أو إلا زماناً قليلاً، أو إلا مكاناً قليلاً. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين﴾ . كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: 40] . قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ﴾ يعني القرى الكافرة أهلها حتى نبعث في أمِّها رسولاً، أي في أكثرها وأعظمها رسولاً ينذرهم وخصّ الأعظم ببعثة الرسول فيها لأن الرسول يبعث إلى الأشراف، والأشراف يسكنون المدائن والمواضع التي هي أم ما حولها، وهذا بيان لقطع عذرهم، لأن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب ألا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة. وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: يؤدّي ويلِّبغ، قال مقاتل: يخبرهم الرسول أنَّ العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ : مشركون أي: أهلكهم بظلمهم، وأهل مكة ليسوا كذلك، فإن بعضهم قد آمن وبعضهم قد علم الله منهم أنَّهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يؤمن.

القصص 28:57

قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي: أحببت هدايته، وقيل: أحببته لقرابته، قال المفسرون: «نزلت في أبي طالب قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قل: لا إلَه إلاَّ الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيِّرني قريش، تقول: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينيك» ، فأنزل الله هذه الآية. فصل قال في هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ ، وقال في آية أخرى ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] ، ولا تنافي فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة، والذي نفاه عنه هداية التوفيق وشرح الصدور، وهو نور يقذف في القلب فيجيء به القلب كما قال سبحانه ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس﴾ [الأنعام: 122] .: فصل احتج أهل السنة بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، فقالوا: قوله: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من الهداية في قوله ﴿إنَّكَ لاَ تَهْدِي﴾ شيئاً، وفي قوله: ﴿ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ شيئاً آخر لاختلّ النظم، ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان الأدلة والدعوة إلى الجنة، أو تعريف طريق الجنة أو خلق المعرفة على سبيل الإلجاء، (أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء) لا جائز أن يكون المراد (بيان الأدلة، لأأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير) الهداية التي نفى الله عمومها وكذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة، وأما الهداية بمعنى تعريف الجنة فهي أيضاً غير مرادة، لأنه تعالى علَّق هذه الهداية على المشيئة. فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير لا يقول أعطي عشرة دنانير إن شئت، وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز. لأن ذلك عندهم قبيح من الله تعالى في حق المكلف، وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان، ومستلزم المحال محال، فذلك محال من الله والمحال لا يجوز تعليقه على المشيئة، ولما بطلب الأقسام لم يبق إلاَّ أن المراد أنه تعالى يخصُّ البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الانبياء: 3] وإذا أورد الكلام على هذا الوجه سقط ما أورد القاضي عذرا عن ذلك. قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ أي أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي ومن لا يهتدي، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم: إن نَتَّبع الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أرْضِنَا، قال المبرد: الخطف الانتزاع بسرعة نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إنَّا لنعلم أنَّ الذي تقوله حقٌّ ولكنا إن اتَّبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة، فأجاب الله عنه من وجوه الأول: قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ ، أي أعطاكم مسكناً لا خوف لكم فيه، إما لأن العرب يحترمون الحرم ولم يتعرضوا لسكانه، فإنه يروى أن العرب خارجة الحرم كانوا لا يتعرَّضون لساكن الحرم. قوله: «نُتَخَطَّفُ» العامة على الجزم جواباً للشرط، والمنقريّ بالرفع، على حذف الفاء، كقوله: 4013 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ... وكقراءة «يُدْرِكُكُمْ» بالرفع، أو على التقديم وهو مذهب سيبويه. قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ قال أبو البقاء عدَّاه بنفسه لأنه بمعنى «جَعَل» وقد صرحَّ به في قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] و «مَكَّنَ» متعد بنفسه من غير أن يضمَّن معنى «جَعَلَ» كقوله «مَكَّنَّاهُمْ» ، وتقدم تحقيقه في الأنعام وآمنا قيل بمعنى مؤمن أي: يؤمن من دخله، وقيل: هو على حذف مضاف، أي: آمناً أهله، وقيل فاعل بمعنى النسب أي، ذا أمن. قوله: «يُجْبَى» قرأ نافع بتاء التأنيث مراعاة للفظ ثمرات، والباقون بالياء للفصل ولأن تأنيثه مجازي والجملة صفة ل «حَرَماً» أيضاً، وقرأ العامة «ثَمَرَاتُ» بفتحتين وأبان بضمتين جمع ثُمُر بضمتين، وبعضهم بفتح وسكون. قوله: «رِزقاً» إن جعلته مصدراً جاز انتصابه على المصدر المؤكِّد، لأن معنى «يُجبَى إليه» يرزقهم وأن ينتصب على المفعول له، والعامل محذوف، أي يسوقه إليه رزقاً، وأن يكون في موضع الحال من «ثَمَراتٍ» لتخصصها بالإضافة، (كما ينتصب عن النكرة المخصصة) ، وإن جعلته اسماً للمرزوق انتصب على الحال من « ثَمَرات» ومعنى «يُجْبَى» ، أي يجلب ويجمع، يقال: جبيت الماء في الحوض أي: جمعته قال مقاتل: يحمل إلى الحرم ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أن ما نقوله حق. قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية «بَطِرَتْ معيشتها» ، قال الزمخشري: البطر سوء احتمال الغنى، وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى، وانتصب «مَعِيشَتهَا» إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: 155] ، أو بتقدير حذف ظرف الزمان، أصله: بطرت أيَّام معيشتها، وإما بتضمين «بَطِرَتْ» معنى كفرت أو خسرت أو على التمييز أو على التشبيه بالمفعول به، وهو قريب من «سَفِهَ نَفْسَه» . قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله، وعبدوا غيره. قوله: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ قال ابن عباس لم يسكنها إلا المسافرون، ومارُّ الطريق يوماً أو ساعة. معناه: لم تسكن من بعدهم إلا سكوناً يسيراً قليلاً، وقيل: لم يعمَّر منها إلا أقلها وأكثرها خراب، فقوله: «لَمْ تُسْكَنْ» جملة حالية، والعامل فيها معنى تلك، يجوز أن يكون خبراً ثانياً، و «إلا قليلاً» أي: إلا سكنى قليلاً، أو إلا زماناً قليلاً، أو إلا مكاناً قليلاً. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين﴾ . كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: 40] . قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ﴾ يعني القرى الكافرة أهلها حتى نبعث في أمِّها رسولاً، أي في أكثرها وأعظمها رسولاً ينذرهم وخصّ الأعظم ببعثة الرسول فيها لأن الرسول يبعث إلى الأشراف، والأشراف يسكنون المدائن والمواضع التي هي أم ما حولها، وهذا بيان لقطع عذرهم، لأن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب ألا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة. وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: يؤدّي ويلِّبغ، قال مقاتل: يخبرهم الرسول أنَّ العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ : مشركون أي: أهلكهم بظلمهم، وأهل مكة ليسوا كذلك، فإن بعضهم قد آمن وبعضهم قد علم الله منهم أنَّهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يؤمن.

القصص 28:58

قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي: أحببت هدايته، وقيل: أحببته لقرابته، قال المفسرون: «نزلت في أبي طالب قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قل: لا إلَه إلاَّ الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيِّرني قريش، تقول: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينيك» ، فأنزل الله هذه الآية. فصل قال في هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ ، وقال في آية أخرى ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] ، ولا تنافي فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة، والذي نفاه عنه هداية التوفيق وشرح الصدور، وهو نور يقذف في القلب فيجيء به القلب كما قال سبحانه ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس﴾ [الأنعام: 122] .: فصل احتج أهل السنة بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، فقالوا: قوله: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من الهداية في قوله ﴿إنَّكَ لاَ تَهْدِي﴾ شيئاً، وفي قوله: ﴿ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ شيئاً آخر لاختلّ النظم، ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان الأدلة والدعوة إلى الجنة، أو تعريف طريق الجنة أو خلق المعرفة على سبيل الإلجاء، (أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء) لا جائز أن يكون المراد (بيان الأدلة، لأأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير) الهداية التي نفى الله عمومها وكذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة، وأما الهداية بمعنى تعريف الجنة فهي أيضاً غير مرادة، لأنه تعالى علَّق هذه الهداية على المشيئة. فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير لا يقول أعطي عشرة دنانير إن شئت، وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز. لأن ذلك عندهم قبيح من الله تعالى في حق المكلف، وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان، ومستلزم المحال محال، فذلك محال من الله والمحال لا يجوز تعليقه على المشيئة، ولما بطلب الأقسام لم يبق إلاَّ أن المراد أنه تعالى يخصُّ البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الانبياء: 3] وإذا أورد الكلام على هذا الوجه سقط ما أورد القاضي عذرا عن ذلك. قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ أي أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي ومن لا يهتدي، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم: إن نَتَّبع الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أرْضِنَا، قال المبرد: الخطف الانتزاع بسرعة نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إنَّا لنعلم أنَّ الذي تقوله حقٌّ ولكنا إن اتَّبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة، فأجاب الله عنه من وجوه الأول: قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ ، أي أعطاكم مسكناً لا خوف لكم فيه، إما لأن العرب يحترمون الحرم ولم يتعرضوا لسكانه، فإنه يروى أن العرب خارجة الحرم كانوا لا يتعرَّضون لساكن الحرم. قوله: «نُتَخَطَّفُ» العامة على الجزم جواباً للشرط، والمنقريّ بالرفع، على حذف الفاء، كقوله: 4013 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ... وكقراءة «يُدْرِكُكُمْ» بالرفع، أو على التقديم وهو مذهب سيبويه. قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ قال أبو البقاء عدَّاه بنفسه لأنه بمعنى «جَعَل» وقد صرحَّ به في قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] و «مَكَّنَ» متعد بنفسه من غير أن يضمَّن معنى «جَعَلَ» كقوله «مَكَّنَّاهُمْ» ، وتقدم تحقيقه في الأنعام وآمنا قيل بمعنى مؤمن أي: يؤمن من دخله، وقيل: هو على حذف مضاف، أي: آمناً أهله، وقيل فاعل بمعنى النسب أي، ذا أمن. قوله: «يُجْبَى» قرأ نافع بتاء التأنيث مراعاة للفظ ثمرات، والباقون بالياء للفصل ولأن تأنيثه مجازي والجملة صفة ل «حَرَماً» أيضاً، وقرأ العامة «ثَمَرَاتُ» بفتحتين وأبان بضمتين جمع ثُمُر بضمتين، وبعضهم بفتح وسكون. قوله: «رِزقاً» إن جعلته مصدراً جاز انتصابه على المصدر المؤكِّد، لأن معنى «يُجبَى إليه» يرزقهم وأن ينتصب على المفعول له، والعامل محذوف، أي يسوقه إليه رزقاً، وأن يكون في موضع الحال من «ثَمَراتٍ» لتخصصها بالإضافة، (كما ينتصب عن النكرة المخصصة) ، وإن جعلته اسماً للمرزوق انتصب على الحال من « ثَمَرات» ومعنى «يُجْبَى» ، أي يجلب ويجمع، يقال: جبيت الماء في الحوض أي: جمعته قال مقاتل: يحمل إلى الحرم ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أن ما نقوله حق. قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية «بَطِرَتْ معيشتها» ، قال الزمخشري: البطر سوء احتمال الغنى، وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى، وانتصب «مَعِيشَتهَا» إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: 155] ، أو بتقدير حذف ظرف الزمان، أصله: بطرت أيَّام معيشتها، وإما بتضمين «بَطِرَتْ» معنى كفرت أو خسرت أو على التمييز أو على التشبيه بالمفعول به، وهو قريب من «سَفِهَ نَفْسَه» . قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله، وعبدوا غيره. قوله: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ قال ابن عباس لم يسكنها إلا المسافرون، ومارُّ الطريق يوماً أو ساعة. معناه: لم تسكن من بعدهم إلا سكوناً يسيراً قليلاً، وقيل: لم يعمَّر منها إلا أقلها وأكثرها خراب، فقوله: «لَمْ تُسْكَنْ» جملة حالية، والعامل فيها معنى تلك، يجوز أن يكون خبراً ثانياً، و «إلا قليلاً» أي: إلا سكنى قليلاً، أو إلا زماناً قليلاً، أو إلا مكاناً قليلاً. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين﴾ . كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: 40] . قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ﴾ يعني القرى الكافرة أهلها حتى نبعث في أمِّها رسولاً، أي في أكثرها وأعظمها رسولاً ينذرهم وخصّ الأعظم ببعثة الرسول فيها لأن الرسول يبعث إلى الأشراف، والأشراف يسكنون المدائن والمواضع التي هي أم ما حولها، وهذا بيان لقطع عذرهم، لأن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب ألا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة. وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: يؤدّي ويلِّبغ، قال مقاتل: يخبرهم الرسول أنَّ العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ : مشركون أي: أهلكهم بظلمهم، وأهل مكة ليسوا كذلك، فإن بعضهم قد آمن وبعضهم قد علم الله منهم أنَّهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يؤمن.

القصص 28:59

قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي: أحببت هدايته، وقيل: أحببته لقرابته، قال المفسرون: «نزلت في أبي طالب قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قل: لا إلَه إلاَّ الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيِّرني قريش، تقول: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينيك» ، فأنزل الله هذه الآية. فصل قال في هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ ، وقال في آية أخرى ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] ، ولا تنافي فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة، والذي نفاه عنه هداية التوفيق وشرح الصدور، وهو نور يقذف في القلب فيجيء به القلب كما قال سبحانه ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس﴾ [الأنعام: 122] .: فصل احتج أهل السنة بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، فقالوا: قوله: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من الهداية في قوله ﴿إنَّكَ لاَ تَهْدِي﴾ شيئاً، وفي قوله: ﴿ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ شيئاً آخر لاختلّ النظم، ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان الأدلة والدعوة إلى الجنة، أو تعريف طريق الجنة أو خلق المعرفة على سبيل الإلجاء، (أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء) لا جائز أن يكون المراد (بيان الأدلة، لأأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير) الهداية التي نفى الله عمومها وكذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة، وأما الهداية بمعنى تعريف الجنة فهي أيضاً غير مرادة، لأنه تعالى علَّق هذه الهداية على المشيئة. فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير لا يقول أعطي عشرة دنانير إن شئت، وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز. لأن ذلك عندهم قبيح من الله تعالى في حق المكلف، وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان، ومستلزم المحال محال، فذلك محال من الله والمحال لا يجوز تعليقه على المشيئة، ولما بطلب الأقسام لم يبق إلاَّ أن المراد أنه تعالى يخصُّ البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الانبياء: 3] وإذا أورد الكلام على هذا الوجه سقط ما أورد القاضي عذرا عن ذلك. قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ أي أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي ومن لا يهتدي، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم: إن نَتَّبع الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أرْضِنَا، قال المبرد: الخطف الانتزاع بسرعة نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إنَّا لنعلم أنَّ الذي تقوله حقٌّ ولكنا إن اتَّبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة، فأجاب الله عنه من وجوه الأول: قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ ، أي أعطاكم مسكناً لا خوف لكم فيه، إما لأن العرب يحترمون الحرم ولم يتعرضوا لسكانه، فإنه يروى أن العرب خارجة الحرم كانوا لا يتعرَّضون لساكن الحرم. قوله: «نُتَخَطَّفُ» العامة على الجزم جواباً للشرط، والمنقريّ بالرفع، على حذف الفاء، كقوله: 4013 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ... وكقراءة «يُدْرِكُكُمْ» بالرفع، أو على التقديم وهو مذهب سيبويه. قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ قال أبو البقاء عدَّاه بنفسه لأنه بمعنى «جَعَل» وقد صرحَّ به في قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] و «مَكَّنَ» متعد بنفسه من غير أن يضمَّن معنى «جَعَلَ» كقوله «مَكَّنَّاهُمْ» ، وتقدم تحقيقه في الأنعام وآمنا قيل بمعنى مؤمن أي: يؤمن من دخله، وقيل: هو على حذف مضاف، أي: آمناً أهله، وقيل فاعل بمعنى النسب أي، ذا أمن. قوله: «يُجْبَى» قرأ نافع بتاء التأنيث مراعاة للفظ ثمرات، والباقون بالياء للفصل ولأن تأنيثه مجازي والجملة صفة ل «حَرَماً» أيضاً، وقرأ العامة «ثَمَرَاتُ» بفتحتين وأبان بضمتين جمع ثُمُر بضمتين، وبعضهم بفتح وسكون. قوله: «رِزقاً» إن جعلته مصدراً جاز انتصابه على المصدر المؤكِّد، لأن معنى «يُجبَى إليه» يرزقهم وأن ينتصب على المفعول له، والعامل محذوف، أي يسوقه إليه رزقاً، وأن يكون في موضع الحال من «ثَمَراتٍ» لتخصصها بالإضافة، (كما ينتصب عن النكرة المخصصة) ، وإن جعلته اسماً للمرزوق انتصب على الحال من « ثَمَرات» ومعنى «يُجْبَى» ، أي يجلب ويجمع، يقال: جبيت الماء في الحوض أي: جمعته قال مقاتل: يحمل إلى الحرم ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أن ما نقوله حق. قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية «بَطِرَتْ معيشتها» ، قال الزمخشري: البطر سوء احتمال الغنى، وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى، وانتصب «مَعِيشَتهَا» إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: 155] ، أو بتقدير حذف ظرف الزمان، أصله: بطرت أيَّام معيشتها، وإما بتضمين «بَطِرَتْ» معنى كفرت أو خسرت أو على التمييز أو على التشبيه بالمفعول به، وهو قريب من «سَفِهَ نَفْسَه» . قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله، وعبدوا غيره. قوله: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ قال ابن عباس لم يسكنها إلا المسافرون، ومارُّ الطريق يوماً أو ساعة. معناه: لم تسكن من بعدهم إلا سكوناً يسيراً قليلاً، وقيل: لم يعمَّر منها إلا أقلها وأكثرها خراب، فقوله: «لَمْ تُسْكَنْ» جملة حالية، والعامل فيها معنى تلك، يجوز أن يكون خبراً ثانياً، و «إلا قليلاً» أي: إلا سكنى قليلاً، أو إلا زماناً قليلاً، أو إلا مكاناً قليلاً. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين﴾ . كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: 40] . قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ﴾ يعني القرى الكافرة أهلها حتى نبعث في أمِّها رسولاً، أي في أكثرها وأعظمها رسولاً ينذرهم وخصّ الأعظم ببعثة الرسول فيها لأن الرسول يبعث إلى الأشراف، والأشراف يسكنون المدائن والمواضع التي هي أم ما حولها، وهذا بيان لقطع عذرهم، لأن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب ألا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة. وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: يؤدّي ويلِّبغ، قال مقاتل: يخبرهم الرسول أنَّ العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ : مشركون أي: أهلكهم بظلمهم، وأهل مكة ليسوا كذلك، فإن بعضهم قد آمن وبعضهم قد علم الله منهم أنَّهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يؤمن.

القصص 28:60

قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا﴾ ، أي فهو متاع، وقرىء فمتاعاً الحياة بنصب «مَتَاعاً» على المصدر، أي: يتمتَّعون متاعاً، «والحَيَاةَ» نصب على الظرف، والمعنى: يتمتعون بها أيام حياتهم ثم هي إلى فناء وانقضاء ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى﴾ ، هذا جواب عن شبهتهم فإنهم إن قالوا تركنا الدِّين لئلا تفوتنا الدنيا، فبيَّن تعالى أن ذلك خطأ عظيم، لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى (أمَّا أنَّه خير) فلوجهين: الأول: أن المنافع هناك أعظم، والثاني: أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر، وأما أنَّها أبقى، فلأنها دائمة غير منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً فظهر بذلك أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة، فلا جرم نبه على ذلك فقال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» أن الباقي خيرٌ من الفاني يعني أن من لا يرجح الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل، ورحم الله الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله - تعالى - لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلين بالطاعة، فكأنه رَحِمَهُ اللَّهُ إنما أخذه من هذه الآية. وقرأ أبو عمرو «أَفَلاَ يَعْقِلُونَ» بالياء من تحت التفاتاً، والباقون بالخطاب جرياً على ما تقدم. قوله: «َفَمَنْ وَعَدْنَاهُ» قرأ طلحة «أَمَنْ وَعَدْنَاهُ» بغير فاء «وَعْداً حَسَناً» يعني الجنة «فَهُوَ لاَقِيهِ» مصيبة ومدركه وصائرٌ إليه ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحياة الدنيا﴾ وتزول عن قريب ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾ النار، وقرأ الكسائي وقالون: «ثُمَّ هُوَ» بسكون الهاء إجراءً لها مجرى الواو والفاء، والباقون بالضم على الأصل، وتخصيص لفظ «المُحْضَرِينَ» بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن، قال تعالى ﴿لَكُنتُ مِنَ المحضرين﴾ [الصافات: 57] ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 127] وفي اللفظ إشعار به، لأن الإحضار يشعر بالتكليف والإلزام، وذلك لا يليق بمجالس اللذة، وإنما يليق بمجالس الضرر والمكاره. قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا أنهم شركائي وتزعمون أنها تشفع فتخلصكم من هذا الذي نزل بكم، وتزعمون مفعولاه محذوفان أي: (تزعمونهم شركاءه) ، ﴿قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أي: وجب عليهم العذاب وهم رؤوس الضلالة وقيل: الشياطين. أحدهما: أن هؤلاء مبتدأ، والَّذِينَ أَغْوَيْنَا صفته والعائد محذوف، أي أغويناهم، والخبر «أَغْوَيْنَاهم» ، و «كَمَا غَوَيْنَا» نعت لمصدر محذفو، ذلك المصدر مطاوع لهذا الفعل أي فغووا غيّاً كما غوينا، قاله الزمخشري، وهذا الوجه منعه أبو علي، قال: لأنه ليس في الخبر زيادة فائدة على ما في صفته، قال: فإن قلت: قد أوصل بقوله كما غوينا وفيه زيادة، قلت: الزيادة في الظرف لا يصيِّره أصلاً في الجملة لأنَّ الظرف صلاتٌ، ثم أعرب هو «هَؤُلاَء» مبتدأ و «الَّذِينَ أَغوَيْنَا» خبره، و «أغْوَيَنْاهم» مستأنف، وأجاب أبو البقاء وغيره عن الأول بأن الظرف قد يلزم كقولك زيدٌ عمرو في داره. فصل المعنى: هؤلاء الذين دعوناهم إلى الغي وهم الأتباع ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أضللناهم كما ضلننا «تَبَرَّأنَا إلَيْكَ» منهم. قوله: ﴿مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ إيَّانَا مفعول «يَعْبُدونُ» قُدِّم لأجل الفاصلة وفي «ما» وجهان: أحدهما: هي نافية (أي تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا) . والثاني: مصدرية ولا بدَّ من تقدير حرف جرٍّ أي: تبرأنا مما كانوا أي من عبادتهم إيانا، وفيه بعدٌ. قوله: ﴿وَقِيلَ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ أي: وقيل للكافلين ادعوا شركاءكم، أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب «فَدَعَوْهُمْ» (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا) لَهُمْ لم يجيبوهم، والأقرب أن هذا على سبيل التقريع، لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم. قوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ جوابها محذوف أي: لما رأوا العذاب، أو لدفعوه، قال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروا في الآخرة، وقيل: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أنَّ العذاب حق، وقيل: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قول ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [الشعراء: 201] قال ابن الخطيب: وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقديره وجوه: أحدها: أن الله تعالى لما خاطبهم بقوله ﴿ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ فهاهنا يشتد الخوف عليهم ويصيرون بحيث لا يرون شيئاً، فقال تعالى: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ شيئاً ولما صاروا من شدة الخوف لا يبصرون شيئاً لا جرم ما رأوا العذاب. وثانيها: أن الله تعالى لما ذكر عن الشركاء وهم الأصنام الذين لا يجيبون الذين دعوهم، قال في حقهم: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ مشاهدين العذاب، وكانوا من الأحياء لاهتدوا، ولكنها ليست كذلك، فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل: قوله: «ورأوا العَذَابَ» ضمير لا يليق إلا بالعقلاء، وكيف يصح عوده للأصنام، قلنا: هذا كقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ، وإنما أورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا هاهنا. وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب، أي: والكفار علموا حقيقة هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون، قال: وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب «لو» محذوف، فإن ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية. قوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ» أي: يسأل الله الكفار ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين﴾ ، فعميت، العامة على تخفيفها، وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد الميم، وتقدمت القراءتان للسبعة في هود، والمعنى: خفيت واشتبهت «عَلَيْهِم الأَنْبَاءُ» وهي الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: الحجج يومئذ فلا يكون لهم عذر ولا حجة، فهم لا يستاءلون لا يجيبون وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضاً وقرأ طلحة «لا يسّاءلون» بتشديد السين على إدغام التاء في السين، كقراءة ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ [النساء: 1] . فصل قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان قول الجبرية، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله ويجب وقوعه بالقدر والإرادة لما عميت عليهم الأنبا ولقالوا إنَّما كذَّبنا الرسل من جهة خلقك فينا بتكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك فكانت حجتهم على الله تعالى ظاهرة وكذلك القول فيما تقدم، لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك فيّ الغواية، والجواب: أنَّ علم الله بعدم الإيمان مع وجود الإيمان متنافيان لذاتهما، فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمرنا بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمرنا بالجمع بين الضِّدين، واعلم أنَّ القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والعقاب إلا يعيد استدلاله بها، كما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف، فكذا وجه جوابنا حرف واحد، وهو كما ذكرنا.

القصص 28:61

قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا﴾ ، أي فهو متاع، وقرىء فمتاعاً الحياة بنصب «مَتَاعاً» على المصدر، أي: يتمتَّعون متاعاً، «والحَيَاةَ» نصب على الظرف، والمعنى: يتمتعون بها أيام حياتهم ثم هي إلى فناء وانقضاء ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى﴾ ، هذا جواب عن شبهتهم فإنهم إن قالوا تركنا الدِّين لئلا تفوتنا الدنيا، فبيَّن تعالى أن ذلك خطأ عظيم، لأن ما عند الله خيرٌ وأبقى (أمَّا أنَّه خير) فلوجهين: الأول: أن المنافع هناك أعظم، والثاني: أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر، وأما أنَّها أبقى، فلأنها دائمة غير منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً فظهر بذلك أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة، فلا جرم نبه على ذلك فقال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» أن الباقي خيرٌ من الفاني يعني أن من لا يرجح الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل، ورحم الله الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله - تعالى - لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلين بالطاعة، فكأنه رَحِمَهُ اللَّهُ إنما أخذه من هذه الآية. وقرأ أبو عمرو «أَفَلاَ يَعْقِلُونَ» بالياء من تحت التفاتاً، والباقون بالخطاب جرياً على ما تقدم. قوله: «َفَمَنْ وَعَدْنَاهُ» قرأ طلحة «أَمَنْ وَعَدْنَاهُ» بغير فاء «وَعْداً حَسَناً» يعني الجنة «فَهُوَ لاَقِيهِ» مصيبة ومدركه وصائرٌ إليه ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحياة الدنيا﴾ وتزول عن قريب ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾ النار، وقرأ الكسائي وقالون: «ثُمَّ هُوَ» بسكون الهاء إجراءً لها مجرى الواو والفاء، والباقون بالضم على الأصل، وتخصيص لفظ «المُحْضَرِينَ» بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن، قال تعالى ﴿لَكُنتُ مِنَ المحضرين﴾ [الصافات: 57] ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 127] وفي اللفظ إشعار به، لأن الإحضار يشعر بالتكليف والإلزام، وذلك لا يليق بمجالس اللذة، وإنما يليق بمجالس الضرر والمكاره. قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا أنهم شركائي وتزعمون أنها تشفع فتخلصكم من هذا الذي نزل بكم، وتزعمون مفعولاه محذوفان أي: (تزعمونهم شركاءه) ، ﴿قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أي: وجب عليهم العذاب وهم رؤوس الضلالة وقيل: الشياطين. أحدهما: أن هؤلاء مبتدأ، والَّذِينَ أَغْوَيْنَا صفته والعائد محذوف، أي أغويناهم، والخبر «أَغْوَيْنَاهم» ، و «كَمَا غَوَيْنَا» نعت لمصدر محذفو، ذلك المصدر مطاوع لهذا الفعل أي فغووا غيّاً كما غوينا، قاله الزمخشري، وهذا الوجه منعه أبو علي، قال: لأنه ليس في الخبر زيادة فائدة على ما في صفته، قال: فإن قلت: قد أوصل بقوله كما غوينا وفيه زيادة، قلت: الزيادة في الظرف لا يصيِّره أصلاً في الجملة لأنَّ الظرف صلاتٌ، ثم أعرب هو «هَؤُلاَء» مبتدأ و «الَّذِينَ أَغوَيْنَا» خبره، و «أغْوَيَنْاهم» مستأنف، وأجاب أبو البقاء وغيره عن الأول بأن الظرف قد يلزم كقولك زيدٌ عمرو في داره. فصل المعنى: هؤلاء الذين دعوناهم إلى الغي وهم الأتباع ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أضللناهم كما ضلننا «تَبَرَّأنَا إلَيْكَ» منهم. قوله: ﴿مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ إيَّانَا مفعول «يَعْبُدونُ» قُدِّم لأجل الفاصلة وفي «ما» وجهان: أحدهما: هي نافية (أي تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا) . والثاني: مصدرية ولا بدَّ من تقدير حرف جرٍّ أي: تبرأنا مما كانوا أي من عبادتهم إيانا، وفيه بعدٌ. قوله: ﴿وَقِيلَ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ أي: وقيل للكافلين ادعوا شركاءكم، أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب «فَدَعَوْهُمْ» (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا) لَهُمْ لم يجيبوهم، والأقرب أن هذا على سبيل التقريع، لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم. قوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ جوابها محذوف أي: لما رأوا العذاب، أو لدفعوه، قال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروا في الآخرة، وقيل: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أنَّ العذاب حق، وقيل: لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قول ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [الشعراء: 201] قال ابن الخطيب: وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقديره وجوه: أحدها: أن الله تعالى لما خاطبهم بقوله ﴿ادعوا شُرَكَآءَكُمْ﴾ فهاهنا يشتد الخوف عليهم ويصيرون بحيث لا يرون شيئاً، فقال تعالى: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ شيئاً ولما صاروا من شدة الخوف لا يبصرون شيئاً لا جرم ما رأوا العذاب. وثانيها: أن الله تعالى لما ذكر عن الشركاء وهم الأصنام الذين لا يجيبون الذين دعوهم، قال في حقهم: ﴿وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ مشاهدين العذاب، وكانوا من الأحياء لاهتدوا، ولكنها ليست كذلك، فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل: قوله: «ورأوا العَذَابَ» ضمير لا يليق إلا بالعقلاء، وكيف يصح عوده للأصنام، قلنا: هذا كقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ، وإنما أورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا هاهنا. وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب، أي: والكفار علموا حقيقة هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون، قال: وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب «لو» محذوف، فإن ذلك يقتضي تفكيك نظم الآية. قوله: «وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ» أي: يسأل الله الكفار ﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ المرسلين﴾ ، فعميت، العامة على تخفيفها، وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد الميم، وتقدمت القراءتان للسبعة في هود، والمعنى: خفيت واشتبهت «عَلَيْهِم الأَنْبَاءُ» وهي الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: الحجج يومئذ فلا يكون لهم عذر ولا حجة، فهم لا يستاءلون لا يجيبون وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضاً وقرأ طلحة «لا يسّاءلون» بتشديد السين على إدغام التاء في السين، كقراءة ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ [النساء: 1] . فصل قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان قول الجبرية، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله ويجب وقوعه بالقدر والإرادة لما عميت عليهم الأنبا ولقالوا إنَّما كذَّبنا الرسل من جهة خلقك فينا بتكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك فكانت حجتهم على الله تعالى ظاهرة وكذلك القول فيما تقدم، لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك فيّ الغواية، والجواب: أنَّ علم الله بعدم الإيمان مع وجود الإيمان متنافيان لذاتهما، فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمرنا بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمرنا بالجمع بين الضِّدين، واعلم أنَّ القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والعقاب إلا يعيد استدلاله بها، كما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف، فكذا وجه جوابنا حرف واحد، وهو كما ذكرنا.